{"ً":{"ٌ":5434,"ٍ":"شرح السير الكبير","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: شرح السير الكبير\nالمؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣هـ)\nالناشر: الشركة الشرقية للإعلانات\nالطبعة: بدون طبعة\nتاريخ النشر: ١٩٧١م\nعدد الصفحات: ٢٢٩٥\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"[شرح السير الكبير - السرخسي]\n\n١- اسم الكتاب: شرح السير الكبير\n٢- اسم المؤلف: شمس الأئمة أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السَّرَخْسِيّ (٤٨٣هـ ١٠٩٠م) .\n٣- تصنيف الكتاب: السياسة الشرعية\n٤- مذهبه: حنفي\n٥- التعريف بالكتاب: هو كتاب في السياسة الشرعية على المذهب الحنفي شرح مؤلفه الإمام السرخسي كتاب السير للإمام محمد بن الحسن الشيباني ت (١٨٩هـ) . ويدور موضوع الكتاب حول جميع المباحثات المتعلقة بالحرب وأحكامها وعلاقتنا بالمشركين فهو في الحقيقة القانون الدولي للمسلمين في أمور الحرب، وقد اعتمد الشيباني في ذلك كله على القرآن والأحاديث التي قيلت في مغازي الرسول ﷺ وعلى الأحكام التي وقعت أثناء حروب المسلمين وفتوحهم كما أعمل القياس في أوقات كثيرة وجعل لذلك كله أحكاما جيدة، واعتنى به كثير من العلماء فشرحوه وأهم شرح له هو شرح الإمام محمد السرخسي والجمال الحصيري (٦٣٦هـ) . ومنهج الإمام السرخسي في الكتاب أن يأتي بآية أو حديث ثم يشرحها ويستخلص الحكم الشرعي منها وقد بلغت المسائل التي اشتمل عليها كتابه (٤٥٣) مسألة.\n\n(تنبيه): المعروف أن كتاب «السير الكبير» لا يوجد مستقلا، وإنما توجد نسخ له ممزوجة مع شروحه، ومن ذلك: شرح الإمام محمد بن أحمد السرخسي (المتوفى سنة ٤٩٥هـ)، وهذا الشرح له نسخ كثيرة في برلين وفيينا وليدن وباريس وفي مكتبات تركيا: عاشر أفندي، وعاطف أفندي، ونور عثمانية …","ٓ":"1.0","ٔ":441,"ٕ":20,"ٖ":1770154697,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة الشارح","level":1,"page":1},{"title":"فضيلة الرباط","level":1,"page":6},{"title":"باب وصايا الأمراء في بعث السرايا","level":1,"page":38},{"title":"باب الإمارة","level":1,"page":60},{"title":"باب مبعث السرايا","level":1,"page":65},{"title":"باب الرايات والألوية","level":1,"page":71},{"title":"باب الدعاء عند القتال","level":1,"page":75},{"title":"باب البركة في الخيل وما يصلح منها","level":1,"page":81},{"title":"باب كراهية الجرس","level":1,"page":87},{"title":"باب رفع الصوت في الحرب","level":1,"page":89},{"title":"باب العمائم في الحرب","level":1,"page":91},{"title":"باب القتال في الأشهر الحرم","level":1,"page":92},{"title":"باب هجرة الأعراب","level":1,"page":93},{"title":"باب صلة المشرك","level":1,"page":95},{"title":"باب المبارزة","level":1,"page":99},{"title":"باب من قاتل فأصاب نفسه","level":1,"page":101},{"title":"باب قتل ذي الرحم المحرم","level":1,"page":105},{"title":"باب البكاء على القتلى","level":1,"page":108},{"title":"باب حمل الرءوس إلى الولاة","level":1,"page":110},{"title":"باب السلاح والفروسية","level":1,"page":112},{"title":"باب الحرب كيف يعبأ له","level":1,"page":116},{"title":"باب الحرب خدعة","level":1,"page":119},{"title":"باب الفرار من الزحف","level":1,"page":123},{"title":"باب من أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا","level":1,"page":126},{"title":"باب دواء الجراحة","level":1,"page":127},{"title":"باب اتخاذ الأنف من الذهب","level":1,"page":132},{"title":"باب أموال المعاهدين","level":1,"page":133},{"title":"باب دخول المشركين المسجد","level":1,"page":134},{"title":"باب دخول النساء الحمام وركوبهن السروج","level":1,"page":136},{"title":"باب من الجعائل","level":1,"page":138},{"title":"باب آنية المشركين وذبائحهم وطعامهم","level":1,"page":145},{"title":"باب الإسلام","level":1,"page":150},{"title":"باب الجهاد مع الأمراء","level":1,"page":156},{"title":"باب من يحل له الخمس والصدقة","level":1,"page":162},{"title":"باب ما يجب من طاعة الوالي وما لا يجب","level":1,"page":165},{"title":"باب قتال النساء مع الرجال وشهودهن الحرب","level":1,"page":184},{"title":"باب الجهاد ما يسع منه وما لا يسع","level":1,"page":187},{"title":"باب صاحب الساقة إذا وجد في أخريات الناس رجلا مع دابته","level":1,"page":214},{"title":"باب سجدة الشكر","level":1,"page":220},{"title":"باب صلاة الخوف","level":1,"page":224},{"title":"باب الشهيد وما يصنع به","level":1,"page":230},{"title":"باب صلاة القوم الذين يخرجون إلى العسكر ويريدون العدو","level":1,"page":240},{"title":"باب أمان الحر المسلم والصبي والمرأة والعبد والذمي","level":1,"page":252},{"title":"باب أعطي الأمان للمشركين ثم أصيبوا بعد أمانهم","level":1,"page":258},{"title":"باب ما لا يكون أمانا","level":1,"page":266},{"title":"باب الأمان على الشرط","level":1,"page":278},{"title":"باب ما يحصل به الأمان","level":1,"page":283},{"title":"باب ما يصدق المستأمن فيه من أهل الحرب وما لا يصدق","level":1,"page":308},{"title":"باب المرأة من أهل الحرب تخرج مع رجل مسلم فيقول أسرتها وتدعي الأمان","level":1,"page":336},{"title":"باب ما يكون أمانا وما لا يكون","level":1,"page":358},{"title":"باب الحربي يدخل الحرم غير مستأمن","level":1,"page":366},{"title":"باب من الأمان الذي يشك فيه","level":1,"page":371},{"title":"باب الخيار في الأمان","level":1,"page":383},{"title":"باب الأمان على غيره","level":1,"page":397},{"title":"باب الحربي يستأمن إلى معسكر المسلمين","level":1,"page":415},{"title":"باب الحربي يستأمن إلينا ثم نجده في أيديهم","level":1,"page":419},{"title":"باب المراوضة على الأمان بالجعل وغيره","level":1,"page":423},{"title":"باب أمان الرسول إلى أمير حصن في حاجة","level":1,"page":433},{"title":"باب السرية تؤمن أهل الحصن ثم تلحقها سرية أخرى","level":1,"page":442},{"title":"باب ما يتكلم به الرجل فيكون أمانا أو لا يكون","level":1,"page":463},{"title":"باب ما يكون أمانا ممن يدخل دار الحرب والأسرى وما لا يكون أمانا","level":1,"page":468},{"title":"باب أمن الرسول والمستأمن إذا خيف أن يدل على بعض عورات المسلمين","level":1,"page":476},{"title":"باب أهل الحصن يؤمنهم الرجل من المسلمين على جعل أو غير جعل","level":1,"page":483},{"title":"باب ما يكون أمانا وما لا يكون على شرط يشترطه","level":1,"page":488},{"title":"باب من يكون آمنا من غير أن يؤمنه أهل الإسلام","level":1,"page":508},{"title":"باب من الأمان بغير إذن الإمام وبعد نهي الإمام","level":1,"page":538},{"title":"باب الحكم في أهل الحرب إذا نزلوا على حكم رجل من المسلمين","level":1,"page":549},{"title":"أبواب الأنفال","level":1,"page":555},{"title":"باب النفل وما كان للنبي خالصا","level":2,"page":569},{"title":"باب النفل في دار الحرب","level":2,"page":582},{"title":"باب النفل الذي ينفله أمير العسكر","level":2,"page":600},{"title":"باب ما يبطل فيه النفل وما لا يبطل","level":2,"page":609},{"title":"باب النفل الذي يبطل بأمر الأمير والذي لا يبطل","level":2,"page":620},{"title":"باب نفل الأمير","level":2,"page":625},{"title":"باب من النفل الذي يصير لهم ولا يبطل إذا نفل بعضهم دون بعض","level":2,"page":630},{"title":"باب ما يجب من السلب بالقتل وما لا يجب","level":2,"page":639},{"title":"باب من النفل لأهل الذمة والعبيد والنساء وغيرهم","level":2,"page":642},{"title":"باب من الشركة في النفل وما يؤخذ بحساب","level":2,"page":653},{"title":"باب من النفل المجهول","level":2,"page":658},{"title":"باب النفل الذي يستحق بقتل القتيل","level":2,"page":666},{"title":"باب ما يجوز فيه السلب إذا قتله وما لا يجوز","level":2,"page":678},{"title":"باب السلب الذي لا يحرزه المنفل له","level":2,"page":683},{"title":"باب الاستثناء في النفل والخاص منه","level":2,"page":688},{"title":"باب النفل من أسلاب الخوارج وأهل الحرب","level":2,"page":703},{"title":"باب من نفل الخيل ما يكون على العراب دون البراذين","level":2,"page":721},{"title":"باب من يكون له النفل ومن لا يكون","level":2,"page":726},{"title":"باب من النفل على الدلالة من المسلمين وأهل الحرب الأسراء","level":2,"page":732},{"title":"باب ما يجوز من النفل في السلاح وغيره","level":2,"page":751},{"title":"باب ما يجوز من النفل بعد إصابة الغنيمة ومن يجوز ذلك منه","level":2,"page":755},{"title":"باب من النفل الذي يكون للرجل في الشيء الخاص ولا يدري ما هو","level":2,"page":774},{"title":"باب من التنفيل في العسكرين يلتقيان","level":2,"page":778},{"title":"باب النفل لمن يجب إذا جعله الأمير جملة","level":2,"page":780},{"title":"باب النفل في دخول المطمورة","level":2,"page":782},{"title":"باب من النفل يفضل فيه بعضهم على بعض بالتقدم","level":2,"page":792},{"title":"باب من الاستئجار في أرض الحرب والنفل فيه","level":2,"page":807},{"title":"باب الأنفال بالأثمان والهبات","level":2,"page":825},{"title":"أبواب سهمان الخيل والرجالة في الغنائم","level":1,"page":830},{"title":"باب سهمان البراذين","level":2,"page":836},{"title":"باب سهمان الخيل في دار الحرب","level":2,"page":843},{"title":"باب سهمان الخيل في دار الإسلام والشركة في الغنيمة","level":2,"page":860},{"title":"باب دخول المسلمين دار الحرب بالخيل ومن يسهم له منهم","level":2,"page":875},{"title":"باب ما يبطل فيه سهم الفارس في دار الحرب وما لا يبطل","level":2,"page":896},{"title":"باب ما يختلف فيه صاحب الفرس وصاحب المقاسم فيما يجب للفرس","level":2,"page":912},{"title":"باب دفع الفرس باشتراط السهم وإعادته وإيداعه في دار الحرب","level":2,"page":918},{"title":"باب من يرضخ له ومن لا يرضخ له من الأدلاء وغيرهم","level":1,"page":940},{"title":"باب كيفية قسمة الغنيمة وبيان من يستحقها ممن جاء بعد الإصابة","level":1,"page":949},{"title":"باب ما يستعمل في دار الحرب ويؤكل ويشرب","level":1,"page":962},{"title":"باب قتل الأسارى والمن عليهم","level":1,"page":969},{"title":"باب ما يحمل عليه الفيء وما يجوز فعله بالغنائم في دار الحرب","level":1,"page":987},{"title":"باب قسمة الغنائم التي يقع فيها الخطأ","level":1,"page":1007},{"title":"باب أثمان الغنائم التي يبرئ الإمام منها أهلها","level":1,"page":1016},{"title":"باب قسمة الخمس من الأربعة الأخماس","level":1,"page":1023},{"title":"باب العيب يوجد في بعض الغنيمة بعد القسمة أو قبلها","level":1,"page":1032},{"title":"باب ما يجوز لصاحب المقاسم للغنائم وما لا يجوز","level":1,"page":1035},{"title":"باب المسلم يخرج من دار الحرب ومعه مال فيما يصدق فيه وما لا يصدق","level":1,"page":1046},{"title":"باب قسمة الغنائم","level":1,"page":1073},{"title":"باب الحكم في الأسارى عبيدهم وأحرارهم في أمورهم","level":1,"page":1079},{"title":"باب الشركة في الغنيمة","level":1,"page":1089},{"title":"باب ما يأخذه الرجل في دار الحرب فيكون أهل العسكر فيه شركاء","level":1,"page":1105},{"title":"باب التجار وغيرهم ما يحل لهم من الغنيمة","level":1,"page":1112},{"title":"باب ما جاء في الغلول","level":1,"page":1137},{"title":"باب الشراء فيمن يزيد وبيع السهام من الغنمة","level":1,"page":1143},{"title":"باب من السبايا والنفقة عليهم والعهدة في بيعهم","level":1,"page":1146},{"title":"باب من الشهادات في الغنائم والفيء","level":1,"page":1150},{"title":"باب ما يتبايع أهل الإسلام بينهم مما يأخذونه من الغنيمة","level":1,"page":1153},{"title":"باب هدية أهل الحرب","level":1,"page":1168},{"title":"باب ما يكون إحرازا من أهل الحرب وما لا يكون","level":1,"page":1177},{"title":"باب ما يقطع من الخشب وما يصاب من الملح وغيره في دار الحرب","level":1,"page":1184},{"title":"باب ما يصيبه الأسراء والذين أسلموا من أهل الحرب","level":1,"page":1200},{"title":"باب المستأمنين من المسلمين يأخذون أموال أهل الحرب ثم يخرجونها","level":1,"page":1207},{"title":"باب ما يظهر عليه أهل الشرك من أموال المسلمين ثم يصيبه المسلمون","level":1,"page":1228},{"title":"باب ما يحرزه العدو في دار الحرب مما يأخذه بقيمته أو بأكثر من وزنه","level":1,"page":1233},{"title":"باب العبد المأسور يشتريه رجل ثم يقر به لغير مولاه","level":1,"page":1241},{"title":"باب من الفداء للعبد المأسور من العدو يصلح وفيما لا يصلح","level":1,"page":1247},{"title":"باب الفداء الذي يرجع إلى أهله إذا ظهر عليه المسلمون والذي لا يرجع","level":1,"page":1255},{"title":"باب فداء العبد الغصب والعارية وغير ذلك","level":1,"page":1265},{"title":"باب شراء العبد المأسور الذي يؤخذ بالقيمة","level":1,"page":1293},{"title":"باب ما لا يكون فيئا وإن أحرز في أرض الحرب","level":1,"page":1310},{"title":"باب الوكالة في الفداء في العبد المأسور","level":1,"page":1319},{"title":"باب ما يكره إدخاله دار الحرب وما لا يكره","level":1,"page":1339},{"title":"باب من يكره قتله من أهل الحرب من النساء وغيرهم","level":1,"page":1346},{"title":"باب الاستعانة بأهل الشرك واستعانة المشركين بالمسلمين","level":1,"page":1353},{"title":"باب ما يكره من الديباج والحرير","level":1,"page":1356},{"title":"باب المكره على شرب الخمر وأكل الخنزير","level":1,"page":1358},{"title":"باب من يكره قتله من أهل الحرب ومن لا يكره","level":1,"page":1360},{"title":"باب من يكره له أن يغزو ومن لا يكره له ذلك","level":1,"page":1379},{"title":"باب ما يكره في دار الحرب وما لا يكره","level":1,"page":1389},{"title":"باب قطع الماء عن أهل الحرب وتحريق حصونهم ونصب المجانيق عليها","level":1,"page":1398},{"title":"باب ما يحل في دار الحرب مما لا يجوز مثله في دار الإسلام","level":1,"page":1417},{"title":"باب ما يحل للمسلم الأسير في أيدي أهل الحرب أن يجيبهم إليه","level":1,"page":1427},{"title":"باب الأسير المسلم ما يسعه أن يفعله لهم إذا أكرهوه وما لا يسعه","level":1,"page":1434},{"title":"باب ما يسع الرجل أن يفعله في دار الحرب إذا أهوى إلى الهلاك","level":1,"page":1440},{"title":"باب قتال أهل الإسلام أهل الشرك مع أهل الشرك","level":1,"page":1446},{"title":"باب ما لا يكون لأهل الحرب من إحداث الكنائس والبيع وبيع الخمور","level":1,"page":1459},{"title":"باب ما يحل للمسلمين أن يفعلوه بالعدو وما لا يحل","level":1,"page":1485},{"title":"باب ما يحل للمسلمين أن يدخلوه دار الحرب من التجارات","level":1,"page":1498},{"title":"باب فداء الأسرى","level":1,"page":1518},{"title":"باب فداء الأسراء من الأحرار والمملوكين بالمال","level":1,"page":1556},{"title":"باب المفاداة بالأسراء وغيرهم من الأموال","level":1,"page":1581},{"title":"باب المفاداة بالصغير والكبير من السبي وغير ذلك","level":1,"page":1600},{"title":"باب الموادعة","level":1,"page":1606},{"title":"باب الموادعة مما يصالح عليه المسلمون المشركين","level":1,"page":1628},{"title":"باب من فداء المشركين في الموادعة وما يكون محرزا بغصب المشركين وما لا يكون","level":1,"page":1641},{"title":"باب من الرهن يأخذه المسلمون والمشركون منهم","level":1,"page":1667},{"title":"باب الشروط في الموادعة وغيرها","level":1,"page":1697},{"title":"باب من نكاح أهل الحرب مما لا يجوز في دار الإسلام","level":1,"page":1737},{"title":"باب تزويج الأسير والمستأمن في دار الحرب","level":1,"page":1755},{"title":"باب إثبات النسب من أهل الحرب من السبايا","level":1,"page":1764},{"title":"باب الحدود في دار الحرب","level":1,"page":1768},{"title":"باب ما يجب من النصرة للمستأمنين وأهل الذمة","level":1,"page":1770},{"title":"باب دخول الإمام دار الحرب مع العسكر","level":1,"page":1777},{"title":"باب الوقت الذي يتمكن المستأمن فيه من الرجوع إلى أهله","level":1,"page":1781},{"title":"باب معاملة المسلم المستأمن مع أهل الحرب في دار الحرب","level":1,"page":1797},{"title":"باب ما يجب على المسلمين نصرتهم","level":1,"page":1808},{"title":"باب مواريث القتلى إذا لم يدر أيهم قتل أولا","level":1,"page":1814},{"title":"باب الأسير والمفقود وما يصنع بمالهما","level":1,"page":1818},{"title":"باب ميراث القاتل من أهل الحرب وأهل الإسلام","level":1,"page":1827},{"title":"باب المرتد في دار الحرب ومعه ولده","level":1,"page":1830},{"title":"باب ما يوقف من أمر المرتدين وما لا يوقف من ذلك","level":1,"page":1839},{"title":"باب المرتدين كيف يحكم فيهم","level":1,"page":1855},{"title":"باب من ارتد من المسلمين أو نقض العهد من المعاهدين","level":1,"page":1858},{"title":"باب أسر العبد وغيره ثم يرجع إلى مولاه أو لا يرجع","level":1,"page":1867},{"title":"باب أسر عبد المرتد قبل الردة وبعدها","level":1,"page":1894},{"title":"باب شفعة المرتد","level":1,"page":1900},{"title":"باب من المرتدين وغيرهم من مشركي العرب في دار الحرب","level":1,"page":1903},{"title":"باب ما تجوز عليه الشهادة بالردة وما لا تجوز","level":1,"page":1923},{"title":"باب المرتد يصيب الحد وغيره","level":1,"page":1929},{"title":"باب ما يصدق فيه الرجل من الردة فلا تبين منه امرأته وما لا يصدق","level":1,"page":1938},{"title":"باب الكفالة بالمستأمن والأسير في دار الحرب","level":1,"page":1946},{"title":"باب ما يبتلى به الأسير في دار الحرب","level":1,"page":1953},{"title":"باب العين يصيبه المسلمون","level":1,"page":1957},{"title":"باب ما يختلف فيه أهل الحرب وأهل الذمة من الشهادات والوصايا","level":1,"page":1962},{"title":"باب ما يصدق فيه الأسير أنه ذمي وما لا يصدق فيه","level":1,"page":1974},{"title":"باب ما يصدق فيه الرجل إذا أقر أنه استهلك من مال أهل الحرب","level":1,"page":1975},{"title":"باب من أسلم على شيء فهو له ويكون محرزا له","level":1,"page":1977},{"title":"باب الحربي يدخل إلينا بأمان فيقيم في دار الإسلام ثم يترك لا يؤدي الخراج","level":1,"page":1979},{"title":"باب العقار يملك في دار الحرب","level":1,"page":1981},{"title":"باب ما يكون للملك أن يفعله في أهل مملكته ومن يكون له رقيقا من أهل مملكته","level":1,"page":1983},{"title":"باب التفريق بين السبي","level":1,"page":1988},{"title":"باب ما يكره فيه التفريق بين الرقيق في البيع","level":1,"page":1992},{"title":"باب الوصية في سبيل الله تعالى والمال يعطى","level":1,"page":1993},{"title":"باب الحبيس في سبيل الله","level":1,"page":2000},{"title":"باب الوصية بالمال في سبيل الله والحبس في الحياة والصحة","level":1,"page":2005},{"title":"باب العشور من أهل الحرب","level":1,"page":2050},{"title":"باب الجزية","level":1,"page":2054},{"title":"باب عشور أهل الحرب والمسلمين وأهل الذمة","level":1,"page":2056},{"title":"باب من الخمس في المعدن والركاز يصاب في دار الحرب ودار الموادعة","level":1,"page":2075},{"title":"باب من له من الأمراء أن يقبل وأن يقسم وأن يجعل الأرض أرض خراج","level":1,"page":2096},{"title":"باب ما يصدق فيه المسلم على إسلام الكافر","level":1,"page":2118},{"title":"باب ما يصدق فيه المسلم في دار الحرب وما لا يصدق فيه","level":1,"page":2121},{"title":"باب الدعاء إلى الإسلام","level":1,"page":2144},{"title":"باب ما ينبغي للمسلمين نصرته وبمن يبدءون","level":1,"page":2155},{"title":"باب متى يصير الحربي ذميا","level":1,"page":2161},{"title":"باب ما يكون الرجل به مسلما يدرأ عنه القتل والسبي","level":1,"page":2178},{"title":"باب من إسلام الصبي والصبية المأسورين","level":1,"page":2185},{"title":"باب الاستبراء","level":1,"page":2193},{"title":"باب ما يباع من السبي من أهل الذمة","level":1,"page":2198},{"title":"باب خروج العبد بأمان من دار الحرب وخروجه مسلما أو ذميا","level":1,"page":2203},{"title":"باب العبد يعتق بالإسلام أو لا يعتق","level":1,"page":2206}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":49,"1,50":50,"1,51":51,"1,52":52,"1,53":53,"1,54":54,"1,55":55,"1,56":56,"1,57":57,"1,58":58,"1,59":59,"1,60":60,"1,61":61,"1,62":62,"1,63":63,"1,64":64,"1,65":65,"1,66":66,"1,67":67,"1,68":68,"1,69":69,"1,70":70,"1,71":71,"1,72":72,"1,73":73,"1,74":74,"1,75":75,"1,76":76,"1,77":77,"1,78":78,"1,79":79,"1,80":80,"1,81":81,"1,82":82,"1,83":83,"1,84":84,"1,85":85,"1,86":86,"1,87":87,"1,88":88,"1,89":89,"1,90":90,"1,91":91,"1,92":92,"1,93":93,"1,94":94,"1,95":95,"1,96":96,"1,97":97,"1,98":98,"1,99":99,"1,100":100,"1,101":101,"1,102":102,"1,103":103,"1,104":104,"1,105":105,"1,106":106,"1,107":107,"1,108":108,"1,109":109,"1,110":110,"1,111":111,"1,112":112,"1,113":113,"1,114":114,"1,115":115,"1,116":116,"1,117":117,"1,118":118,"1,119":119,"1,120":120,"1,121":121,"1,122":122,"1,123":123,"1,124":124,"1,125":125,"1,126":126,"1,127":127,"1,128":128,"1,129":129,"1,130":130,"1,131":131,"1,132":132,"1,133":133,"1,134":134,"1,135":135,"1,136":136,"1,137":137,"1,138":138,"1,139":139,"1,140":140,"1,141":141,"1,142":142,"1,143":143,"1,144":144,"1,145":145,"1,146":146,"1,147":147,"1,148":148,"1,149":149,"1,150":150,"1,151":151,"1,152":152,"1,153":153,"1,154":154,"1,155":155,"1,156":156,"1,157":157,"1,158":158,"1,159":159,"1,160":160,"1,161":161,"1,162":162,"1,163":163,"1,164":164,"1,165":165,"1,166":166,"1,167":167,"1,168":168,"1,169":169,"1,170":170,"1,171":171,"1,172":172,"1,173":173,"1,174":174,"1,175":175,"1,176":176,"1,177":177,"1,178":178,"1,179":179,"1,180":180,"1,181":181,"1,182":182,"1,183":183,"1,184":184,"1,185":185,"1,186":186,"1,187":187,"1,188":188,"1,189":189,"1,190":190,"1,191":191,"1,192":192,"1,193":193,"1,194":194,"1,195":195,"1,196":196,"1,197":197,"1,198":198,"1,199":199,"1,200":200,"1,201":201,"1,202":202,"1,203":203,"1,204":204,"1,205":205,"1,206":206,"1,207":207,"1,208":208,"1,209":209,"1,210":210,"1,211":211,"1,212":212,"1,213":213,"1,214":214,"1,215":215,"1,216":216,"1,217":217,"1,218":218,"1,219":219,"1,220":220,"1,221":221,"1,222":222,"1,223":223,"1,224":224,"1,225":225,"1,226":226,"1,227":227,"1,228":228,"1,229":229,"1,230":230,"1,231":231,"1,232":232,"1,233":233,"1,234":234,"1,235":235,"1,236":236,"1,237":237,"1,238":238,"1,239":239,"1,240":240,"1,241":241,"1,242":242,"1,243":243,"1,244":244,"1,245":245,"1,246":246,"1,247":247,"1,248":248,"1,249":249,"1,250":250,"1,251":251,"1,252":252,"1,253":253,"1,254":254,"1,255":255,"1,256":256,"1,257":257,"1,258":258,"1,259":259,"1,260":260,"1,261":261,"1,262":262,"1,263":263,"1,264":264,"1,265":265,"1,266":266,"1,267":267,"1,268":268,"1,269":269,"1,270":270,"1,271":271,"1,272":272,"1,273":273,"1,274":274,"1,275":275,"1,276":276,"1,277":277,"1,278":278,"1,279":279,"1,280":280,"1,281":281,"1,282":282,"1,283":283,"1,284":284,"1,285":285,"1,286":286,"1,287":287,"1,288":288,"1,289":289,"1,290":290,"1,291":291,"1,292":292,"1,293":293,"1,294":294,"1,295":295,"1,296":296,"1,297":297,"1,298":298,"1,299":299,"1,300":300,"1,301":301,"1,302":302,"1,303":303,"1,304":304,"1,305":305,"1,306":306,"1,307":307,"1,308":308,"1,309":309,"1,310":310,"1,311":311,"1,312":312,"1,313":313,"1,314":314,"1,315":315,"1,316":316,"1,317":317,"1,318":318,"1,319":319,"1,320":320,"1,321":321,"1,322":322,"1,323":323,"1,324":324,"1,325":325,"1,326":326,"1,327":327,"1,328":328,"1,329":329,"1,330":330,"1,331":331,"1,332":332,"1,333":333,"1,334":334,"1,335":335,"1,336":336,"1,337":337,"1,338":338,"1,339":339,"1,340":340,"1,341":341,"1,342":342,"1,343":343,"1,344":344,"1,345":345,"1,346":346,"1,347":347,"1,348":348,"1,349":349,"1,350":350,"1,351":351,"1,352":352,"1,353":353,"1,354":354,"1,355":355,"1,356":356,"1,357":357,"1,358":358,"1,359":359,"1,360":360,"1,361":361,"1,362":362,"1,363":363,"1,364":364,"1,365":365,"1,366":366,"1,367":367,"1,368":368,"1,369":369,"1,370":370,"1,409":371,"1,410":372,"1,411":373,"1,412":374,"1,413":375,"1,414":376,"1,415":377,"1,416":378,"1,417":379,"1,418":380,"1,419":381,"1,420":382,"1,421":383,"1,422":384,"1,423":385,"1,424":386,"1,425":387,"1,426":388,"1,427":389,"1,428":390,"1,429":391,"1,430":392,"1,431":393,"1,432":394,"1,433":395,"1,434":396,"1,435":397,"1,436":398,"1,437":399,"1,438":400,"1,439":401,"1,440":402,"1,441":403,"1,442":404,"1,443":405,"1,444":406,"1,445":407,"1,446":408,"1,447":409,"1,448":410,"1,449":411,"1,450":412,"1,451":413,"1,452":414,"1,453":415,"1,454":416,"1,455":417,"1,456":418,"1,457":419,"1,458":420,"1,459":421,"1,460":422,"1,461":423,"1,462":424,"1,463":425,"1,464":426,"1,465":427,"1,466":428,"1,467":429,"1,468":430,"1,469":431,"1,470":432,"1,471":433,"1,472":434,"1,473":435,"1,474":436,"1,475":437,"1,476":438,"1,477":439,"1,478":440,"1,479":441,"1,480":442,"1,481":443,"1,482":444,"1,483":445,"1,484":446,"1,485":447,"1,486":448,"1,487":449,"1,488":450,"1,489":451,"1,490":452,"1,491":453,"1,492":454,"1,493":455,"1,494":456,"1,495":457,"1,496":458,"1,497":459,"1,498":460,"1,499":461,"1,500":462,"1,501":463,"1,502":464,"1,503":465,"1,504":466,"1,505":467,"1,506":468,"1,507":469,"1,508":470,"1,509":471,"1,510":472,"1,511":473,"1,512":474,"1,513":475,"1,514":476,"1,515":477,"1,516":478,"1,517":479,"1,518":480,"1,519":481,"1,520":482,"1,521":483,"1,522":484,"1,523":485,"1,524":486,"1,525":487,"1,526":488,"1,527":489,"1,528":490,"1,529":491,"1,530":492,"1,531":493,"1,532":494,"1,533":495,"1,534":496,"1,535":497,"1,536":498,"1,537":499,"1,538":500,"1,539":501,"1,540":502,"1,541":503,"1,542":504,"1,543":505,"1,544":506,"1,545":507,"1,546":508,"1,547":509,"1,548":510,"1,549":511,"1,550":512,"1,551":513,"1,552":514,"1,553":515,"1,554":516,"1,555":517,"1,556":518,"1,557":519,"1,558":520,"1,559":521,"1,560":522,"1,561":523,"1,562":524,"1,563":525,"1,564":526,"1,565":527,"1,566":528,"1,567":529,"1,568":530,"1,569":531,"1,570":532,"1,571":533,"1,572":534,"1,573":535,"1,574":536,"1,575":537,"1,576":538,"1,577":539,"1,578":540,"1,579":541,"1,580":542,"1,581":543,"1,582":544,"1,583":545,"1,584":546,"1,585":547,"1,586":548,"1,587":549,"1,588":550,"1,589":551,"1,590":552,"1,591":553,"1,592":554,"1,593":555,"1,594":556,"1,595":557,"1,596":558,"1,597":559,"1,598":560,"1,599":561,"1,600":562,"1,601":563,"1,602":564,"1,603":565,"1,604":566,"1,605":567,"1,606":568,"1,607":569,"1,608":570,"1,609":571,"1,610":572,"1,611":573,"1,612":574,"1,613":575,"1,614":576,"1,615":577,"1,616":578,"1,617":579,"1,618":580,"1,619":581,"1,620":582,"1,621":583,"1,622":584,"1,623":585,"1,624":586,"1,625":587,"1,626":588,"1,627":589,"1,628":590,"1,629":591,"1,630":592,"1,631":593,"1,632":594,"1,633":595,"1,634":596,"1,635":597,"1,636":598,"1,637":599,"1,638":600,"1,639":601,"1,640":602,"1,641":603,"1,642":604,"1,643":605,"1,644":606,"1,645":607,"1,646":608,"1,647":609,"1,648":610,"1,649":611,"1,650":612,"1,651":613,"1,652":614,"1,653":615,"1,654":616,"1,655":617,"1,656":618,"1,657":619,"1,658":620,"1,659":621,"1,660":622,"1,661":623,"1,662":624,"1,663":625,"1,664":626,"1,665":627,"1,666":628,"1,667":629,"1,668":630,"1,669":631,"1,670":632,"1,671":633,"1,672":634,"1,673":635,"1,674":636,"1,675":637,"1,676":638,"1,677":639,"1,678":640,"1,679":641,"1,680":642,"1,681":643,"1,682":644,"1,683":645,"1,684":646,"1,685":647,"1,686":648,"1,687":649,"1,688":650,"1,689":651,"1,690":652,"1,691":653,"1,692":654,"1,693":655,"1,694":656,"1,695":657,"1,696":658,"1,697":659,"1,698":660,"1,699":661,"1,700":662,"1,701":663,"1,702":664,"1,703":665,"1,704":666,"1,705":667,"1,706":668,"1,707":669,"1,708":670,"1,709":671,"1,710":672,"1,711":673,"1,712":674,"1,713":675,"1,714":676,"1,715":677,"1,716":678,"1,717":679,"1,718":680,"1,719":681,"1,720":682,"1,721":683,"1,722":684,"1,723":685,"1,724":686,"1,725":687,"1,726":688,"1,727":689,"1,728":690,"1,729":691,"1,730":692,"1,731":693,"1,732":694,"1,733":695,"1,734":696,"1,735":697,"1,736":698,"1,737":699,"1,738":700,"1,739":701,"1,740":702,"1,741":703,"1,742":704,"1,743":705,"1,744":706,"1,745":707,"1,746":708,"1,747":709,"1,748":710,"1,749":711,"1,750":712,"1,751":713,"1,752":714,"1,753":715,"1,754":716,"1,755":717,"1,756":718,"1,757":719,"1,758":720,"1,759":721,"1,760":722,"1,761":723,"1,762":724,"1,763":725,"1,764":726,"1,765":727,"1,766":728,"1,767":729,"1,768":730,"1,769":731,"1,770":732,"1,771":733,"1,772":734,"1,773":735,"1,774":736,"1,775":737,"1,776":738,"1,777":739,"1,778":740,"1,779":741,"1,780":742,"1,781":743,"1,782":744,"1,783":745,"1,784":746,"1,785":747,"1,786":748,"1,787":749,"1,788":750,"1,789":751,"1,790":752,"1,791":753,"1,792":754,"1,793":755,"1,794":756,"1,795":757,"1,796":758,"1,797":759,"1,798":760,"1,799":761,"1,800":762,"1,801":763,"1,802":764,"1,803":765,"1,804":766,"1,805":767,"1,806":768,"1,807":769,"1,808":770,"1,809":771,"1,810":772,"1,811":773,"1,812":774,"1,813":775,"1,814":776,"1,815":777,"1,816":778,"1,817":779,"1,835":780,"1,836":781,"1,837":782,"1,838":783,"1,839":784,"1,840":785,"1,841":786,"1,842":787,"1,843":788,"1,844":789,"1,845":790,"1,846":791,"1,847":792,"1,848":793,"1,849":794,"1,850":795,"1,851":796,"1,852":797,"1,853":798,"1,854":799,"1,855":800,"1,856":801,"1,857":802,"1,858":803,"1,859":804,"1,860":805,"1,861":806,"1,862":807,"1,863":808,"1,864":809,"1,865":810,"1,866":811,"1,867":812,"1,868":813,"1,869":814,"1,870":815,"1,871":816,"1,872":817,"1,873":818,"1,874":819,"1,875":820,"1,876":821,"1,877":822,"1,878":823,"1,879":824,"1,880":825,"1,881":826,"1,882":827,"1,883":828,"1,884":829,"1,885":830,"1,886":831,"1,887":832,"1,888":833,"1,889":834,"1,890":835,"1,891":836,"1,892":837,"1,893":838,"1,894":839,"1,895":840,"1,896":841,"1,897":842,"1,898":843,"1,899":844,"1,900":845,"1,901":846,"1,902":847,"1,903":848,"1,904":849,"1,905":850,"1,906":851,"1,907":852,"1,908":853,"1,909":854,"1,910":855,"1,911":856,"1,912":857,"1,913":858,"1,914":859,"1,915":860,"1,916":861,"1,917":862,"1,918":863,"1,919":864,"1,920":865,"1,921":866,"1,922":867,"1,923":868,"1,924":869,"1,925":870,"1,926":871,"1,927":872,"1,928":873,"1,929":874,"1,930":875,"1,931":876,"1,932":877,"1,933":878,"1,934":879,"1,935":880,"1,936":881,"1,937":882,"1,938":883,"1,939":884,"1,940":885,"1,941":886,"1,942":887,"1,943":888,"1,944":889,"1,945":890,"1,946":891,"1,947":892,"1,948":893,"1,949":894,"1,950":895,"1,951":896,"1,952":897,"1,953":898,"1,954":899,"1,955":900,"1,956":901,"1,957":902,"1,958":903,"1,959":904,"1,960":905,"1,961":906,"1,962":907,"1,963":908,"1,964":909,"1,965":910,"1,966":911,"1,967":912,"1,968":913,"1,969":914,"1,970":915,"1,971":916,"1,972":917,"1,973":918,"1,974":919,"1,975":920,"1,976":921,"1,977":922,"1,978":923,"1,979":924,"1,980":925,"1,981":926,"1,982":927,"1,983":928,"1,984":929,"1,985":930,"1,986":931,"1,987":932,"1,988":933,"1,989":934,"1,990":935,"1,991":936,"1,992":937,"1,993":938,"1,994":939,"1,995":940,"1,996":941,"1,997":942,"1,998":943,"1,999":944,"1,1000":945,"1,1001":946,"1,1002":947,"1,1003":948,"1,1004":949,"1,1005":950,"1,1006":951,"1,1007":952,"1,1008":953,"1,1009":954,"1,1010":955,"1,1011":956,"1,1012":957,"1,1013":958,"1,1014":959,"1,1015":960,"1,1016":961,"1,1017":962,"1,1018":963,"1,1019":964,"1,1020":965,"1,1021":966,"1,1022":967,"1,1023":968,"1,1024":969,"1,1025":970,"1,1026":971,"1,1027":972,"1,1028":973,"1,1029":974,"1,1030":975,"1,1031":976,"1,1032":977,"1,1033":978,"1,1034":979,"1,1035":980,"1,1036":981,"1,1037":982,"1,1038":983,"1,1039":984,"1,1040":985,"1,1041":986,"1,1042":987,"1,1043":988,"1,1044":989,"1,1045":990,"1,1046":991,"1,1047":992,"1,1048":993,"1,1049":994,"1,1050":995,"1,1051":996,"1,1052":997,"1,1053":998,"1,1054":999,"1,1055":1000,"1,1056":1001,"1,1057":1002,"1,1058":1003,"1,1059":1004,"1,1060":1005,"1,1061":1006,"1,1062":1007,"1,1063":1008,"1,1064":1009,"1,1065":1010,"1,1066":1011,"1,1067":1012,"1,1068":1013,"1,1069":1014,"1,1070":1015,"1,1071":1016,"1,1072":1017,"1,1073":1018,"1,1074":1019,"1,1075":1020,"1,1076":1021,"1,1077":1022,"1,1078":1023,"1,1079":1024,"1,1080":1025,"1,1081":1026,"1,1082":1027,"1,1083":1028,"1,1084":1029,"1,1085":1030,"1,1086":1031,"1,1087":1032,"1,1088":1033,"1,1089":1034,"1,1090":1035,"1,1091":1036,"1,1092":1037,"1,1093":1038,"1,1094":1039,"1,1095":1040,"1,1096":1041,"1,1097":1042,"1,1098":1043,"1,1099":1044,"1,1100":1045,"1,1115":1046,"1,1116":1047,"1,1117":1048,"1,1118":1049,"1,1119":1050,"1,1120":1051,"1,1121":1052,"1,1122":1053,"1,1123":1054,"1,1124":1055,"1,1125":1056,"1,1126":1057,"1,1127":1058,"1,1128":1059,"1,1129":1060,"1,1130":1061,"1,1131":1062,"1,1132":1063,"1,1133":1064,"1,1134":1065,"1,1135":1066,"1,1136":1067,"1,1137":1068,"1,1138":1069,"1,1139":1070,"1,1140":1071,"1,1141":1072,"1,1142":1073,"1,1143":1074,"1,1144":1075,"1,1145":1076,"1,1146":1077,"1,1147":1078,"1,1148":1079,"1,1149":1080,"1,1150":1081,"1,1151":1082,"1,1152":1083,"1,1153":1084,"1,1154":1085,"1,1155":1086,"1,1156":1087,"1,1157":1088,"1,1158":1089,"1,1159":1090,"1,1160":1091,"1,1161":1092,"1,1162":1093,"1,1163":1094,"1,1164":1095,"1,1165":1096,"1,1166":1097,"1,1167":1098,"1,1168":1099,"1,1169":1100,"1,1170":1101,"1,1171":1102,"1,1172":1103,"1,1173":1104,"1,1174":1105,"1,1175":1106,"1,1176":1107,"1,1177":1108,"1,1178":1109,"1,1179":1110,"1,1180":1111,"1,1181":1112,"1,1182":1113,"1,1183":1114,"1,1184":1115,"1,1185":1116,"1,1186":1117,"1,1187":1118,"1,1188":1119,"1,1189":1120,"1,1190":1121,"1,1191":1122,"1,1192":1123,"1,1193":1124,"1,1194":1125,"1,1195":1126,"1,1196":1127,"1,1197":1128,"1,1198":1129,"1,1199":1130,"1,1200":1131,"1,1201":1132,"1,1202":1133,"1,1203":1134,"1,1204":1135,"1,1205":1136,"1,1206":1137,"1,1207":1138,"1,1208":1139,"1,1209":1140,"1,1210":1141,"1,1211":1142,"1,1212":1143,"1,1213":1144,"1,1214":1145,"1,1215":1146,"1,1216":1147,"1,1217":1148,"1,1218":1149,"1,1219":1150,"1,1220":1151,"1,1221":1152,"1,1222":1153,"1,1223":1154,"1,1224":1155,"1,1225":1156,"1,1226":1157,"1,1227":1158,"1,1228":1159,"1,1229":1160,"1,1230":1161,"1,1231":1162,"1,1232":1163,"1,1233":1164,"1,1234":1165,"1,1235":1166,"1,1236":1167,"1,1237":1168,"1,1238":1169,"1,1239":1170,"1,1240":1171,"1,1241":1172,"1,1242":1173,"1,1243":1174,"1,1244":1175,"1,1245":1176,"1,1246":1177,"1,1247":1178,"1,1248":1179,"1,1249":1180,"1,1250":1181,"1,1251":1182,"1,1252":1183,"1,1253":1184,"1,1254":1185,"1,1255":1186,"1,1256":1187,"1,1257":1188,"1,1258":1189,"1,1259":1190,"1,1260":1191,"1,1261":1192,"1,1262":1193,"1,1263":1194,"1,1264":1195,"1,1265":1196,"1,1266":1197,"1,1267":1198,"1,1268":1199,"1,1269":1200,"1,1270":1201,"1,1271":1202,"1,1272":1203,"1,1273":1204,"1,1274":1205,"1,1275":1206,"1,1276":1207,"1,1277":1208,"1,1278":1209,"1,1279":1210,"1,1280":1211,"1,1281":1212,"1,1282":1213,"1,1283":1214,"1,1284":1215,"1,1285":1216,"1,1286":1217,"1,1287":1218,"1,1288":1219,"1,1289":1220,"1,1290":1221,"1,1291":1222,"1,1292":1223,"1,1293":1224,"1,1294":1225,"1,1295":1226,"1,1296":1227,"1,1297":1228,"1,1298":1229,"1,1299":1230,"1,1300":1231,"1,1301":1232,"1,1302":1233,"1,1303":1234,"1,1304":1235,"1,1305":1236,"1,1306":1237,"1,1307":1238,"1,1308":1239,"1,1309":1240,"1,1310":1241,"1,1311":1242,"1,1312":1243,"1,1313":1244,"1,1314":1245,"1,1315":1246,"1,1316":1247,"1,1317":1248,"1,1318":1249,"1,1319":1250,"1,1320":1251,"1,1321":1252,"1,1322":1253,"1,1323":1254,"1,1324":1255,"1,1325":1256,"1,1326":1257,"1,1327":1258,"1,1328":1259,"1,1329":1260,"1,1330":1261,"1,1331":1262,"1,1332":1263,"1,1333":1264,"1,1334":1265,"1,1335":1266,"1,1336":1267,"1,1337":1268,"1,1338":1269,"1,1339":1270,"1,1340":1271,"1,1341":1272,"1,1342":1273,"1,1343":1274,"1,1344":1275,"1,1345":1276,"1,1346":1277,"1,1347":1278,"1,1348":1279,"1,1349":1280,"1,1350":1281,"1,1351":1282,"1,1352":1283,"1,1353":1284,"1,1354":1285,"1,1355":1286,"1,1356":1287,"1,1357":1288,"1,1358":1289,"1,1359":1290,"1,1360":1291,"1,1361":1292,"1,1362":1293,"1,1363":1294,"1,1364":1295,"1,1365":1296,"1,1366":1297,"1,1367":1298,"1,1368":1299,"1,1369":1300,"1,1370":1301,"1,1371":1302,"1,1372":1303,"1,1373":1304,"1,1374":1305,"1,1375":1306,"1,1376":1307,"1,1377":1308,"1,1378":1309,"1,1379":1310,"1,1380":1311,"1,1381":1312,"1,1382":1313,"1,1383":1314,"1,1384":1315,"1,1385":1316,"1,1386":1317,"1,1387":1318,"1,1388":1319,"1,1389":1320,"1,1390":1321,"1,1391":1322,"1,1392":1323,"1,1393":1324,"1,1394":1325,"1,1395":1326,"1,1396":1327,"1,1397":1328,"1,1398":1329,"1,1399":1330,"1,1400":1331,"1,1401":1332,"1,1402":1333,"1,1403":1334,"1,1404":1335,"1,1405":1336,"1,1406":1337,"1,1407":1338,"1,1408":1339,"1,1409":1340,"1,1410":1341,"1,1411":1342,"1,1412":1343,"1,1413":1344,"1,1414":1345,"1,1415":1346,"1,1416":1347,"1,1417":1348,"1,1418":1349,"1,1419":1350,"1,1420":1351,"1,1421":1352,"1,1422":1353,"1,1423":1354,"1,1424":1355,"1,1425":1356,"1,1426":1357,"1,1427":1358,"1,1428":1359,"1,1429":1360,"1,1430":1361,"1,1431":1362,"1,1432":1363,"1,1433":1364,"1,1434":1365,"1,1435":1366,"1,1436":1367,"1,1437":1368,"1,1438":1369,"1,1439":1370,"1,1440":1371,"1,1441":1372,"1,1442":1373,"1,1443":1374,"1,1444":1375,"1,1445":1376,"1,1446":1377,"1,1447":1378,"1,1448":1379,"1,1449":1380,"1,1450":1381,"1,1451":1382,"1,1452":1383,"1,1453":1384,"1,1454":1385,"1,1455":1386,"1,1456":1387,"1,1457":1388,"1,1458":1389,"1,1459":1390,"1,1460":1391,"1,1461":1392,"1,1462":1393,"1,1463":1394,"1,1464":1395,"1,1465":1396,"1,1466":1397,"1,1467":1398,"1,1468":1399,"1,1469":1400,"1,1470":1401,"1,1471":1402,"1,1472":1403,"1,1473":1404,"1,1474":1405,"1,1475":1406,"1,1476":1407,"1,1477":1408,"1,1478":1409,"1,1479":1410,"1,1480":1411,"1,1481":1412,"1,1482":1413,"1,1483":1414,"1,1484":1415,"1,1485":1416,"1,1486":1417,"1,1487":1418,"1,1488":1419,"1,1489":1420,"1,1490":1421,"1,1491":1422,"1,1492":1423,"1,1493":1424,"1,1494":1425,"1,1495":1426,"1,1496":1427,"1,1497":1428,"1,1498":1429,"1,1499":1430,"1,1500":1431,"1,1501":1432,"1,1502":1433,"1,1503":1434,"1,1504":1435,"1,1505":1436,"1,1506":1437,"1,1507":1438,"1,1508":1439,"1,1509":1440,"1,1510":1441,"1,1511":1442,"1,1512":1443,"1,1513":1444,"1,1514":1445,"1,1515":1446,"1,1516":1447,"1,1517":1448,"1,1518":1449,"1,1519":1450,"1,1520":1451,"1,1521":1452,"1,1522":1453,"1,1523":1454,"1,1524":1455,"1,1525":1456,"1,1526":1457,"1,1527":1458,"1,1528":1459,"1,1529":1460,"1,1530":1461,"1,1531":1462,"1,1532":1463,"1,1533":1464,"1,1534":1465,"1,1535":1466,"1,1536":1467,"1,1537":1468,"1,1538":1469,"1,1539":1470,"1,1540":1471,"1,1541":1472,"1,1542":1473,"1,1543":1474,"1,1544":1475,"1,1545":1476,"1,1546":1477,"1,1547":1478,"1,1548":1479,"1,1549":1480,"1,1550":1481,"1,1551":1482,"1,1552":1483,"1,1553":1484,"1,1554":1485,"1,1555":1486,"1,1556":1487,"1,1557":1488,"1,1558":1489,"1,1559":1490,"1,1560":1491,"1,1561":1492,"1,1562":1493,"1,1563":1494,"1,1564":1495,"1,1565":1496,"1,1566":1497,"1,1567":1498,"1,1568":1499,"1,1569":1500,"1,1570":1501,"1,1571":1502,"1,1572":1503,"1,1573":1504,"1,1574":1505,"1,1575":1506,"1,1576":1507,"1,1577":1508,"1,1578":1509,"1,1579":1510,"1,1580":1511,"1,1581":1512,"1,1582":1513,"1,1583":1514,"1,1584":1515,"1,1585":1516,"1,1586":1517,"1,1587":1518,"1,1588":1519,"1,1589":1520,"1,1590":1521,"1,1591":1522,"1,1592":1523,"1,1593":1524,"1,1594":1525,"1,1595":1526,"1,1596":1527,"1,1597":1528,"1,1598":1529,"1,1599":1530,"1,1600":1531,"1,1601":1532,"1,1602":1533,"1,1603":1534,"1,1604":1535,"1,1605":1536,"1,1606":1537,"1,1607":1538,"1,1608":1539,"1,1609":1540,"1,1610":1541,"1,1611":1542,"1,1612":1543,"1,1613":1544,"1,1614":1545,"1,1615":1546,"1,1616":1547,"1,1617":1548,"1,1618":1549,"1,1619":1550,"1,1620":1551,"1,1621":1552,"1,1622":1553,"1,1623":1554,"1,1624":1555,"1,1625":1556,"1,1626":1557,"1,1627":1558,"1,1628":1559,"1,1629":1560,"1,1630":1561,"1,1631":1562,"1,1632":1563,"1,1633":1564,"1,1634":1565,"1,1635":1566,"1,1636":1567,"1,1637":1568,"1,1638":1569,"1,1639":1570,"1,1640":1571,"1,1641":1572,"1,1642":1573,"1,1643":1574,"1,1644":1575,"1,1645":1576,"1,1646":1577,"1,1647":1578,"1,1648":1579,"1,1649":1580,"1,1650":1581,"1,1651":1582,"1,1652":1583,"1,1653":1584,"1,1654":1585,"1,1655":1586,"1,1656":1587,"1,1657":1588,"1,1658":1589,"1,1659":1590,"1,1660":1591,"1,1661":1592,"1,1662":1593,"1,1663":1594,"1,1664":1595,"1,1665":1596,"1,1666":1597,"1,1667":1598,"1,1668":1599,"1,1669":1600,"1,1670":1601,"1,1671":1602,"1,1672":1603,"1,1673":1604,"1,1674":1605,"1,1689":1606,"1,1690":1607,"1,1691":1608,"1,1692":1609,"1,1693":1610,"1,1694":1611,"1,1695":1612,"1,1696":1613,"1,1697":1614,"1,1698":1615,"1,1699":1616,"1,1700":1617,"1,1701":1618,"1,1702":1619,"1,1703":1620,"1,1704":1621,"1,1705":1622,"1,1706":1623,"1,1707":1624,"1,1708":1625,"1,1709":1626,"1,1710":1627,"1,1711":1628,"1,1712":1629,"1,1713":1630,"1,1714":1631,"1,1715":1632,"1,1716":1633,"1,1717":1634,"1,1718":1635,"1,1719":1636,"1,1720":1637,"1,1721":1638,"1,1722":1639,"1,1723":1640,"1,1724":1641,"1,1725":1642,"1,1726":1643,"1,1727":1644,"1,1728":1645,"1,1729":1646,"1,1730":1647,"1,1731":1648,"1,1732":1649,"1,1733":1650,"1,1734":1651,"1,1735":1652,"1,1736":1653,"1,1737":1654,"1,1738":1655,"1,1739":1656,"1,1740":1657,"1,1741":1658,"1,1742":1659,"1,1743":1660,"1,1744":1661,"1,1745":1662,"1,1746":1663,"1,1747":1664,"1,1748":1665,"1,1749":1666,"1,1750":1667,"1,1751":1668,"1,1752":1669,"1,1753":1670,"1,1754":1671,"1,1755":1672,"1,1756":1673,"1,1757":1674,"1,1758":1675,"1,1759":1676,"1,1760":1677,"1,1761":1678,"1,1762":1679,"1,1763":1680,"1,1764":1681,"1,1765":1682,"1,1766":1683,"1,1767":1684,"1,1768":1685,"1,1769":1686,"1,1770":1687,"1,1771":1688,"1,1772":1689,"1,1773":1690,"1,1774":1691,"1,1775":1692,"1,1776":1693,"1,1777":1694,"1,1778":1695,"1,1779":1696,"1,1780":1697,"1,1781":1698,"1,1782":1699,"1,1783":1700,"1,1784":1701,"1,1785":1702,"1,1786":1703,"1,1787":1704,"1,1788":1705,"1,1789":1706,"1,1790":1707,"1,1791":1708,"1,1792":1709,"1,1793":1710,"1,1794":1711,"1,1795":1712,"1,1796":1713,"1,1797":1714,"1,1798":1715,"1,1799":1716,"1,1800":1717,"1,1801":1718,"1,1802":1719,"1,1803":1720,"1,1804":1721,"1,1805":1722,"1,1806":1723,"1,1807":1724,"1,1808":1725,"1,1809":1726,"1,1810":1727,"1,1811":1728,"1,1812":1729,"1,1813":1730,"1,1814":1731,"1,1815":1732,"1,1816":1733,"1,1817":1734,"1,1818":1735,"1,1819":1736,"1,1820":1737,"1,1821":1738,"1,1822":1739,"1,1823":1740,"1,1824":1741,"1,1825":1742,"1,1826":1743,"1,1827":1744,"1,1828":1745,"1,1829":1746,"1,1830":1747,"1,1831":1748,"1,1832":1749,"1,1833":1750,"1,1834":1751,"1,1835":1752,"1,1836":1753,"1,1837":1754,"1,1838":1755,"1,1839":1756,"1,1840":1757,"1,1841":1758,"1,1842":1759,"1,1843":1760,"1,1844":1761,"1,1845":1762,"1,1846":1763,"1,1847":1764,"1,1848":1765,"1,1849":1766,"1,1850":1767,"1,1851":1768,"1,1852":1769,"1,1853":1770,"1,1854":1771,"1,1855":1772,"1,1856":1773,"1,1857":1774,"1,1858":1775,"1,1859":1776,"1,1860":1777,"1,1861":1778,"1,1862":1779,"1,1863":1780,"1,1864":1781,"1,1865":1782,"1,1866":1783,"1,1867":1784,"1,1868":1785,"1,1869":1786,"1,1870":1787,"1,1871":1788,"1,1872":1789,"1,1873":1790,"1,1874":1791,"1,1875":1792,"1,1876":1793,"1,1877":1794,"1,1878":1795,"1,1879":1796,"1,1880":1797,"1,1881":1798,"1,1882":1799,"1,1883":1800,"1,1884":1801,"1,1885":1802,"1,1886":1803,"1,1887":1804,"1,1888":1805,"1,1889":1806,"1,1890":1807,"1,1891":1808,"1,1892":1809,"1,1893":1810,"1,1894":1811,"1,1895":1812,"1,1896":1813,"1,1897":1814,"1,1898":1815,"1,1899":1816,"1,1900":1817,"1,1901":1818,"1,1902":1819,"1,1903":1820,"1,1904":1821,"1,1905":1822,"1,1906":1823,"1,1907":1824,"1,1908":1825,"1,1909":1826,"1,1910":1827,"1,1911":1828,"1,1912":1829,"1,1913":1830,"1,1914":1831,"1,1915":1832,"1,1916":1833,"1,1917":1834,"1,1918":1835,"1,1919":1836,"1,1920":1837,"1,1921":1838,"1,1922":1839,"1,1923":1840,"1,1924":1841,"1,1925":1842,"1,1926":1843,"1,1927":1844,"1,1928":1845,"1,1929":1846,"1,1930":1847,"1,1931":1848,"1,1932":1849,"1,1933":1850,"1,1934":1851,"1,1935":1852,"1,1936":1853,"1,1937":1854,"1,1938":1855,"1,1939":1856,"1,1940":1857,"1,1941":1858,"1,1942":1859,"1,1943":1860,"1,1944":1861,"1,1945":1862,"1,1946":1863,"1,1947":1864,"1,1948":1865,"1,1949":1866,"1,1950":1867,"1,1951":1868,"1,1952":1869,"1,1953":1870,"1,1954":1871,"1,1955":1872,"1,1956":1873,"1,1957":1874,"1,1958":1875,"1,1959":1876,"1,1960":1877,"1,1961":1878,"1,1962":1879,"1,1963":1880,"1,1964":1881,"1,1965":1882,"1,1966":1883,"1,1967":1884,"1,1968":1885,"1,1969":1886,"1,1970":1887,"1,1971":1888,"1,1972":1889,"1,1973":1890,"1,1974":1891,"1,1975":1892,"1,1976":1893,"1,1977":1894,"1,1978":1895,"1,1979":1896,"1,1980":1897,"1,1981":1898,"1,1982":1899,"1,1983":1900,"1,1984":1901,"1,1985":1902,"1,1986":1903,"1,1987":1904,"1,1988":1905,"1,1989":1906,"1,1990":1907,"1,1991":1908,"1,1992":1909,"1,1993":1910,"1,1994":1911,"1,1995":1912,"1,1996":1913,"1,1997":1914,"1,1998":1915,"1,1999":1916,"1,2000":1917,"1,2001":1918,"1,2002":1919,"1,2003":1920,"1,2004":1921,"1,2005":1922,"1,2006":1923,"1,2007":1924,"1,2008":1925,"1,2009":1926,"1,2010":1927,"1,2011":1928,"1,2012":1929,"1,2013":1930,"1,2014":1931,"1,2015":1932,"1,2016":1933,"1,2017":1934,"1,2018":1935,"1,2019":1936,"1,2020":1937,"1,2021":1938,"1,2022":1939,"1,2023":1940,"1,2024":1941,"1,2025":1942,"1,2026":1943,"1,2027":1944,"1,2028":1945,"1,2029":1946,"1,2030":1947,"1,2031":1948,"1,2032":1949,"1,2033":1950,"1,2034":1951,"1,2035":1952,"1,2036":1953,"1,2037":1954,"1,2038":1955,"1,2039":1956,"1,2040":1957,"1,2041":1958,"1,2042":1959,"1,2043":1960,"1,2044":1961,"1,2045":1962,"1,2046":1963,"1,2047":1964,"1,2048":1965,"1,2049":1966,"1,2050":1967,"1,2051":1968,"1,2052":1969,"1,2053":1970,"1,2054":1971,"1,2055":1972,"1,2056":1973,"1,2057":1974,"1,2058":1975,"1,2059":1976,"1,2060":1977,"1,2061":1978,"1,2062":1979,"1,2063":1980,"1,2064":1981,"1,2065":1982,"1,2066":1983,"1,2067":1984,"1,2068":1985,"1,2069":1986,"1,2070":1987,"1,2071":1988,"1,2072":1989,"1,2073":1990,"1,2074":1991,"1,2075":1992,"1,2076":1993,"1,2077":1994,"1,2078":1995,"1,2079":1996,"1,2080":1997,"1,2081":1998,"1,2082":1999,"1,2083":2000,"1,2084":2001,"1,2085":2002,"1,2086":2003,"1,2087":2004,"1,2088":2005,"1,2089":2006,"1,2090":2007,"1,2091":2008,"1,2092":2009,"1,2093":2010,"1,2094":2011,"1,2095":2012,"1,2096":2013,"1,2097":2014,"1,2098":2015,"1,2099":2016,"1,2100":2017,"1,2101":2018,"1,2102":2019,"1,2103":2020,"1,2104":2021,"1,2105":2022,"1,2106":2023,"1,2107":2024,"1,2108":2025,"1,2109":2026,"1,2110":2027,"1,2111":2028,"1,2112":2029,"1,2113":2030,"1,2114":2031,"1,2115":2032,"1,2116":2033,"1,2117":2034,"1,2118":2035,"1,2119":2036,"1,2120":2037,"1,2121":2038,"1,2122":2039,"1,2123":2040,"1,2124":2041,"1,2125":2042,"1,2126":2043,"1,2127":2044,"1,2128":2045,"1,2129":2046,"1,2130":2047,"1,2131":2048,"1,2132":2049,"1,2133":2050,"1,2134":2051,"1,2135":2052,"1,2136":2053,"1,2137":2054,"1,2138":2055,"1,2139":2056,"1,2140":2057,"1,2141":2058,"1,2142":2059,"1,2143":2060,"1,2144":2061,"1,2145":2062,"1,2146":2063,"1,2147":2064,"1,2148":2065,"1,2149":2066,"1,2150":2067,"1,2151":2068,"1,2152":2069,"1,2153":2070,"1,2154":2071,"1,2155":2072,"1,2156":2073,"1,2157":2074,"1,2158":2075,"1,2159":2076,"1,2160":2077,"1,2161":2078,"1,2162":2079,"1,2163":2080,"1,2164":2081,"1,2165":2082,"1,2166":2083,"1,2167":2084,"1,2168":2085,"1,2169":2086,"1,2170":2087,"1,2171":2088,"1,2172":2089,"1,2173":2090,"1,2174":2091,"1,2175":2092,"1,2176":2093,"1,2177":2094,"1,2178":2095,"1,2179":2096,"1,2180":2097,"1,2181":2098,"1,2182":2099,"1,2183":2100,"1,2184":2101,"1,2185":2102,"1,2186":2103,"1,2187":2104,"1,2188":2105,"1,2189":2106,"1,2190":2107,"1,2191":2108,"1,2192":2109,"1,2193":2110,"1,2194":2111,"1,2195":2112,"1,2196":2113,"1,2197":2114,"1,2198":2115,"1,2199":2116,"1,2200":2117,"1,2201":2118,"1,2202":2119,"1,2203":2120,"1,2204":2121,"1,2205":2122,"1,2206":2123,"1,2207":2124,"1,2208":2125,"1,2209":2126,"1,2210":2127,"1,2211":2128,"1,2212":2129,"1,2213":2130,"1,2214":2131,"1,2215":2132,"1,2216":2133,"1,2217":2134,"1,2218":2135,"1,2219":2136,"1,2220":2137,"1,2221":2138,"1,2222":2139,"1,2223":2140,"1,2224":2141,"1,2225":2142,"1,2226":2143,"1,2227":2144,"1,2228":2145,"1,2229":2146,"1,2230":2147,"1,2231":2148,"1,2232":2149,"1,2233":2150,"1,2234":2151,"1,2235":2152,"1,2236":2153,"1,2237":2154,"1,2238":2155,"1,2239":2156,"1,2240":2157,"1,2241":2158,"1,2242":2159,"1,2243":2160,"1,2244":2161,"1,2245":2162,"1,2246":2163,"1,2247":2164,"1,2248":2165,"1,2249":2166,"1,2250":2167,"1,2251":2168,"1,2252":2169,"1,2253":2170,"1,2254":2171,"1,2255":2172,"1,2256":2173,"1,2257":2174,"1,2258":2175,"1,2259":2176,"1,2260":2177,"1,2261":2178,"1,2262":2179,"1,2263":2180,"1,2264":2181,"1,2265":2182,"1,2266":2183,"1,2267":2184,"1,2268":2185,"1,2269":2186,"1,2270":2187,"1,2271":2188,"1,2272":2189,"1,2273":2190,"1,2274":2191,"1,2275":2192,"1,2276":2193,"1,2277":2194,"1,2278":2195,"1,2279":2196,"1,2280":2197,"1,2281":2198,"1,2282":2199,"1,2283":2200,"1,2284":2201,"1,2285":2202,"1,2286":2203,"1,2287":2204,"1,2288":2205,"1,2289":2206,"1,2290":2207,"1,2291":2208,"1,2292":2209,"1,2293":2210,"1,2294":2211,"1,2295":2212},"ٜ":{"1":[1,2295]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","1,653","1,654","1,655","1,656","1,657","1,658","1,659","1,660","1,661","1,662","1,663","1,664","1,665","1,666","1,667","1,668","1,669","1,670","1,671","1,672","1,673","1,674","1,675","1,676","1,677","1,678","1,679","1,680","1,681","1,682","1,683","1,684","1,685","1,686","1,687","1,688","1,689","1,690","1,691","1,692","1,693","1,694","1,695","1,696","1,697","1,698","1,699","1,700","1,701","1,702","1,703","1,704","1,705","1,706","1,707","1,708","1,709","1,710","1,711","1,712","1,713","1,714","1,715","1,716","1,717","1,718","1,719","1,720","1,721","1,722","1,723","1,724","1,725","1,726","1,727","1,728","1,729","1,730","1,731","1,732","1,733","1,734","1,735","1,736","1,737","1,738","1,739","1,740","1,741","1,742","1,743","1,744","1,745","1,746","1,747","1,748","1,749","1,750","1,751","1,752","1,753","1,754","1,755","1,756","1,757","1,758","1,759","1,760","1,761","1,762","1,763","1,764","1,765","1,766","1,767","1,768","1,769","1,770","1,771","1,772","1,773","1,774","1,775","1,776","1,777","1,778","1,779","1,780","1,781","1,782","1,783","1,784","1,785","1,786","1,787","1,788","1,789","1,790","1,791","1,792","1,793","1,794","1,795","1,796","1,797","1,798","1,799","1,800","1,801","1,802","1,803","1,804","1,805","1,806","1,807","1,808","1,809","1,810","1,811","1,812","1,813","1,814","1,815","1,816","1,817","1,835","1,836","1,837","1,838","1,839","1,840","1,841","1,842","1,843","1,844","1,845","1,846","1,847","1,848","1,849","1,850","1,851","1,852","1,853","1,854","1,855","1,856","1,857","1,858","1,859","1,860","1,861","1,862","1,863","1,864","1,865","1,866","1,867","1,868","1,869","1,870","1,871","1,872","1,873","1,874","1,875","1,876","1,877","1,878","1,879","1,880","1,881","1,882","1,883","1,884","1,885","1,886","1,887","1,888","1,889","1,890","1,891","1,892","1,893","1,894","1,895","1,896","1,897","1,898","1,899","1,900","1,901","1,902","1,903","1,904","1,905","1,906","1,907","1,908","1,909","1,910","1,911","1,912","1,913","1,914","1,915","1,916","1,917","1,918","1,919","1,920","1,921","1,922","1,923","1,924","1,925","1,926","1,927","1,928","1,929","1,930","1,931","1,932","1,933","1,934","1,935","1,936","1,937","1,938","1,939","1,940","1,941","1,942","1,943","1,944","1,945","1,946","1,947","1,948","1,949","1,950","1,951","1,952","1,953","1,954","1,955","1,956","1,957","1,958","1,959","1,960","1,961","1,962","1,963","1,964","1,965","1,966","1,967","1,968","1,969","1,970","1,971","1,972","1,973","1,974","1,975","1,976","1,977","1,978","1,979","1,980","1,981","1,982","1,983","1,984","1,985","1,986","1,987","1,988","1,989","1,990","1,991","1,992","1,993","1,994","1,995","1,996","1,997","1,998","1,999","1,1000","1,1001","1,1002","1,1003","1,1004","1,1005","1,1006","1,1007","1,1008","1,1009","1,1010","1,1011","1,1012","1,1013","1,1014","1,1015","1,1016","1,1017","1,1018","1,1019","1,1020","1,1021","1,1022","1,1023","1,1024","1,1025","1,1026","1,1027","1,1028","1,1029","1,1030","1,1031","1,1032","1,1033","1,1034","1,1035","1,1036","1,1037","1,1038","1,1039","1,1040","1,1041","1,1042","1,1043","1,1044","1,1045","1,1046","1,1047","1,1048","1,1049","1,1050","1,1051","1,1052","1,1053","1,1054","1,1055","1,1056","1,1057","1,1058","1,1059","1,1060","1,1061","1,1062","1,1063","1,1064","1,1065","1,1066","1,1067","1,1068","1,1069","1,1070","1,1071","1,1072","1,1073","1,1074","1,1075","1,1076","1,1077","1,1078","1,1079","1,1080","1,1081","1,1082","1,1083","1,1084","1,1085","1,1086","1,1087","1,1088","1,1089","1,1090","1,1091","1,1092","1,1093","1,1094","1,1095","1,1096","1,1097","1,1098","1,1099","1,1100","1,1115","1,1116","1,1117","1,1118","1,1119","1,1120","1,1121","1,1122","1,1123","1,1124","1,1125","1,1126","1,1127","1,1128","1,1129","1,1130","1,1131","1,1132","1,1133","1,1134","1,1135","1,1136","1,1137","1,1138","1,1139","1,1140","1,1141","1,1142","1,1143","1,1144","1,1145","1,1146","1,1147","1,1148","1,1149","1,1150","1,1151","1,1152","1,1153","1,1154","1,1155","1,1156","1,1157","1,1158","1,1159","1,1160","1,1161","1,1162","1,1163","1,1164","1,1165","1,1166","1,1167","1,1168","1,1169","1,1170","1,1171","1,1172","1,1173","1,1174","1,1175","1,1176","1,1177","1,1178","1,1179","1,1180","1,1181","1,1182","1,1183","1,1184","1,1185","1,1186","1,1187","1,1188","1,1189","1,1190","1,1191","1,1192","1,1193","1,1194","1,1195","1,1196","1,1197","1,1198","1,1199","1,1200","1,1201","1,1202","1,1203","1,1204","1,1205","1,1206","1,1207","1,1208","1,1209","1,1210","1,1211","1,1212","1,1213","1,1214","1,1215","1,1216","1,1217","1,1218","1,1219","1,1220","1,1221","1,1222","1,1223","1,1224","1,1225","1,1226","1,1227","1,1228","1,1229","1,1230","1,1231","1,1232","1,1233","1,1234","1,1235","1,1236","1,1237","1,1238","1,1239","1,1240","1,1241","1,1242","1,1243","1,1244","1,1245","1,1246","1,1247","1,1248","1,1249","1,1250","1,1251","1,1252","1,1253","1,1254","1,1255","1,1256","1,1257","1,1258","1,1259","1,1260","1,1261","1,1262","1,1263","1,1264","1,1265","1,1266","1,1267","1,1268","1,1269","1,1270","1,1271","1,1272","1,1273","1,1274","1,1275","1,1276","1,1277","1,1278","1,1279","1,1280","1,1281","1,1282","1,1283","1,1284","1,1285","1,1286","1,1287","1,1288","1,1289","1,1290","1,1291","1,1292","1,1293","1,1294","1,1295","1,1296","1,1297","1,1298","1,1299","1,1300","1,1301","1,1302","1,1303","1,1304","1,1305","1,1306","1,1307","1,1308","1,1309","1,1310","1,1311","1,1312","1,1313","1,1314","1,1315","1,1316","1,1317","1,1318","1,1319","1,1320","1,1321","1,1322","1,1323","1,1324","1,1325","1,1326","1,1327","1,1328","1,1329","1,1330","1,1331","1,1332","1,1333","1,1334","1,1335","1,1336","1,1337","1,1338","1,1339","1,1340","1,1341","1,1342","1,1343","1,1344","1,1345","1,1346","1,1347","1,1348","1,1349","1,1350","1,1351","1,1352","1,1353","1,1354","1,1355","1,1356","1,1357","1,1358","1,1359","1,1360","1,1361","1,1362","1,1363","1,1364","1,1365","1,1366","1,1367","1,1368","1,1369","1,1370","1,1371","1,1372","1,1373","1,1374","1,1375","1,1376","1,1377","1,1378","1,1379","1,1380","1,1381","1,1382","1,1383","1,1384","1,1385","1,1386","1,1387","1,1388","1,1389","1,1390","1,1391","1,1392","1,1393","1,1394","1,1395","1,1396","1,1397","1,1398","1,1399","1,1400","1,1401","1,1402","1,1403","1,1404","1,1405","1,1406","1,1407","1,1408","1,1409","1,1410","1,1411","1,1412","1,1413","1,1414","1,1415","1,1416","1,1417","1,1418","1,1419","1,1420","1,1421","1,1422","1,1423","1,1424","1,1425","1,1426","1,1427","1,1428","1,1429","1,1430","1,1431","1,1432","1,1433","1,1434","1,1435","1,1436","1,1437","1,1438","1,1439","1,1440","1,1441","1,1442","1,1443","1,1444","1,1445","1,1446","1,1447","1,1448","1,1449","1,1450","1,1451","1,1452","1,1453","1,1454","1,1455","1,1456","1,1457","1,1458","1,1459","1,1460","1,1461","1,1462","1,1463","1,1464","1,1465","1,1466","1,1467","1,1468","1,1469","1,1470","1,1471","1,1472","1,1473","1,1474","1,1475","1,1476","1,1477","1,1478","1,1479","1,1480","1,1481","1,1482","1,1483","1,1484","1,1485","1,1486","1,1487","1,1488","1,1489","1,1490","1,1491","1,1492","1,1493","1,1494","1,1495","1,1496","1,1497","1,1498","1,1499","1,1500","1,1501","1,1502","1,1503","1,1504","1,1505","1,1506","1,1507","1,1508","1,1509","1,1510","1,1511","1,1512","1,1513","1,1514","1,1515","1,1516","1,1517","1,1518","1,1519","1,1520","1,1521","1,1522","1,1523","1,1524","1,1525","1,1526","1,1527","1,1528","1,1529","1,1530","1,1531","1,1532","1,1533","1,1534","1,1535","1,1536","1,1537","1,1538","1,1539","1,1540","1,1541","1,1542","1,1543","1,1544","1,1545","1,1546","1,1547","1,1548","1,1549","1,1550","1,1551","1,1552","1,1553","1,1554","1,1555","1,1556","1,1557","1,1558","1,1559","1,1560","1,1561","1,1562","1,1563","1,1564","1,1565","1,1566","1,1567","1,1568","1,1569","1,1570","1,1571","1,1572","1,1573","1,1574","1,1575","1,1576","1,1577","1,1578","1,1579","1,1580","1,1581","1,1582","1,1583","1,1584","1,1585","1,1586","1,1587","1,1588","1,1589","1,1590","1,1591","1,1592","1,1593","1,1594","1,1595","1,1596","1,1597","1,1598","1,1599","1,1600","1,1601","1,1602","1,1603","1,1604","1,1605","1,1606","1,1607","1,1608","1,1609","1,1610","1,1611","1,1612","1,1613","1,1614","1,1615","1,1616","1,1617","1,1618","1,1619","1,1620","1,1621","1,1622","1,1623","1,1624","1,1625","1,1626","1,1627","1,1628","1,1629","1,1630","1,1631","1,1632","1,1633","1,1634","1,1635","1,1636","1,1637","1,1638","1,1639","1,1640","1,1641","1,1642","1,1643","1,1644","1,1645","1,1646","1,1647","1,1648","1,1649","1,1650","1,1651","1,1652","1,1653","1,1654","1,1655","1,1656","1,1657","1,1658","1,1659","1,1660","1,1661","1,1662","1,1663","1,1664","1,1665","1,1666","1,1667","1,1668","1,1669","1,1670","1,1671","1,1672","1,1673","1,1674","1,1689","1,1690","1,1691","1,1692","1,1693","1,1694","1,1695","1,1696","1,1697","1,1698","1,1699","1,1700","1,1701","1,1702","1,1703","1,1704","1,1705","1,1706","1,1707","1,1708","1,1709","1,1710","1,1711","1,1712","1,1713","1,1714","1,1715","1,1716","1,1717","1,1718","1,1719","1,1720","1,1721","1,1722","1,1723","1,1724","1,1725","1,1726","1,1727","1,1728","1,1729","1,1730","1,1731","1,1732","1,1733","1,1734","1,1735","1,1736","1,1737","1,1738","1,1739","1,1740","1,1741","1,1742","1,1743","1,1744","1,1745","1,1746","1,1747","1,1748","1,1749","1,1750","1,1751","1,1752","1,1753","1,1754","1,1755","1,1756","1,1757","1,1758","1,1759","1,1760","1,1761","1,1762","1,1763","1,1764","1,1765","1,1766","1,1767","1,1768","1,1769","1,1770","1,1771","1,1772","1,1773","1,1774","1,1775","1,1776","1,1777","1,1778","1,1779","1,1780","1,1781","1,1782","1,1783","1,1784","1,1785","1,1786","1,1787","1,1788","1,1789","1,1790","1,1791","1,1792","1,1793","1,1794","1,1795","1,1796","1,1797","1,1798","1,1799","1,1800","1,1801","1,1802","1,1803","1,1804","1,1805","1,1806","1,1807","1,1808","1,1809","1,1810","1,1811","1,1812","1,1813","1,1814","1,1815","1,1816","1,1817","1,1818","1,1819","1,1820","1,1821","1,1822","1,1823","1,1824","1,1825","1,1826","1,1827","1,1828","1,1829","1,1830","1,1831","1,1832","1,1833","1,1834","1,1835","1,1836","1,1837","1,1838","1,1839","1,1840","1,1841","1,1842","1,1843","1,1844","1,1845","1,1846","1,1847","1,1848","1,1849","1,1850","1,1851","1,1852","1,1853","1,1854","1,1855","1,1856","1,1857","1,1858","1,1859","1,1860","1,1861","1,1862","1,1863","1,1864","1,1865","1,1866","1,1867","1,1868","1,1869","1,1870","1,1871","1,1872","1,1873","1,1874","1,1875","1,1876","1,1877","1,1878","1,1879","1,1880","1,1881","1,1882","1,1883","1,1884","1,1885","1,1886","1,1887","1,1888","1,1889","1,1890","1,1891","1,1892","1,1893","1,1894","1,1895","1,1896","1,1897","1,1898","1,1899","1,1900","1,1901","1,1902","1,1903","1,1904","1,1905","1,1906","1,1907","1,1908","1,1909","1,1910","1,1911","1,1912","1,1913","1,1914","1,1915","1,1916","1,1917","1,1918","1,1919","1,1920","1,1921","1,1922","1,1923","1,1924","1,1925","1,1926","1,1927","1,1928","1,1929","1,1930","1,1931","1,1932","1,1933","1,1934","1,1935","1,1936","1,1937","1,1938","1,1939","1,1940","1,1941","1,1942","1,1943","1,1944","1,1945","1,1946","1,1947","1,1948","1,1949","1,1950","1,1951","1,1952","1,1953","1,1954","1,1955","1,1956","1,1957","1,1958","1,1959","1,1960","1,1961","1,1962","1,1963","1,1964","1,1965","1,1966","1,1967","1,1968","1,1969","1,1970","1,1971","1,1972","1,1973","1,1974","1,1975","1,1976","1,1977","1,1978","1,1979","1,1980","1,1981","1,1982","1,1983","1,1984","1,1985","1,1986","1,1987","1,1988","1,1989","1,1990","1,1991","1,1992","1,1993","1,1994","1,1995","1,1996","1,1997","1,1998","1,1999","1,2000","1,2001","1,2002","1,2003","1,2004","1,2005","1,2006","1,2007","1,2008","1,2009","1,2010","1,2011","1,2012","1,2013","1,2014","1,2015","1,2016","1,2017","1,2018","1,2019","1,2020","1,2021","1,2022","1,2023","1,2024","1,2025","1,2026","1,2027","1,2028","1,2029","1,2030","1,2031","1,2032","1,2033","1,2034","1,2035","1,2036","1,2037","1,2038","1,2039","1,2040","1,2041","1,2042","1,2043","1,2044","1,2045","1,2046","1,2047","1,2048","1,2049","1,2050","1,2051","1,2052","1,2053","1,2054","1,2055","1,2056","1,2057","1,2058","1,2059","1,2060","1,2061","1,2062","1,2063","1,2064","1,2065","1,2066","1,2067","1,2068","1,2069","1,2070","1,2071","1,2072","1,2073","1,2074","1,2075","1,2076","1,2077","1,2078","1,2079","1,2080","1,2081","1,2082","1,2083","1,2084","1,2085","1,2086","1,2087","1,2088","1,2089","1,2090","1,2091","1,2092","1,2093","1,2094","1,2095","1,2096","1,2097","1,2098","1,2099","1,2100","1,2101","1,2102","1,2103","1,2104","1,2105","1,2106","1,2107","1,2108","1,2109","1,2110","1,2111","1,2112","1,2113","1,2114","1,2115","1,2116","1,2117","1,2118","1,2119","1,2120","1,2121","1,2122","1,2123","1,2124","1,2125","1,2126","1,2127","1,2128","1,2129","1,2130","1,2131","1,2132","1,2133","1,2134","1,2135","1,2136","1,2137","1,2138","1,2139","1,2140","1,2141","1,2142","1,2143","1,2144","1,2145","1,2146","1,2147","1,2148","1,2149","1,2150","1,2151","1,2152","1,2153","1,2154","1,2155","1,2156","1,2157","1,2158","1,2159","1,2160","1,2161","1,2162","1,2163","1,2164","1,2165","1,2166","1,2167","1,2168","1,2169","1,2170","1,2171","1,2172","1,2173","1,2174","1,2175","1,2176","1,2177","1,2178","1,2179","1,2180","1,2181","1,2182","1,2183","1,2184","1,2185","1,2186","1,2187","1,2188","1,2189","1,2190","1,2191","1,2192","1,2193","1,2194","1,2195","1,2196","1,2197","1,2198","1,2199","1,2200","1,2201","1,2202","1,2203","1,2204","1,2205","1,2206","1,2207","1,2208","1,2209","1,2210","1,2211","1,2212","1,2213","1,2214","1,2215","1,2216","1,2217","1,2218","1,2219","1,2220","1,2221","1,2222","1,2223","1,2224","1,2225","1,2226","1,2227","1,2228","1,2229","1,2230","1,2231","1,2232","1,2233","1,2234","1,2235","1,2236","1,2237","1,2238","1,2239","1,2240","1,2241","1,2242","1,2243","1,2244","1,2245","1,2246","1,2247","1,2248","1,2249","1,2250","1,2251","1,2252","1,2253","1,2254","1,2255","1,2256","1,2257","1,2258","1,2259","1,2260","1,2261","1,2262","1,2263","1,2264","1,2265","1,2266","1,2267","1,2268","1,2269","1,2270","1,2271","1,2272","1,2273","1,2274","1,2275","1,2276","1,2277","1,2278","1,2279","1,2280","1,2281","1,2282","1,2283","1,2284","1,2285","1,2286","1,2287","1,2288","1,2289","1,2290","1,2291","1,2292","1,2293","1,2294","1,2295"],"ٞ":{"1":[1],"6":[2],"38":[3],"60":[4],"65":[5],"71":[6],"75":[7],"81":[8],"87":[9],"89":[10],"91":[11],"92":[12],"93":[13],"95":[14],"99":[15],"101":[16],"105":[17],"108":[18],"110":[19],"112":[20],"116":[21],"119":[22],"123":[23],"126":[24],"127":[25],"132":[26],"133":[27],"134":[28],"136":[29],"138":[30],"145":[31],"150":[32],"156":[33],"162":[34],"165":[35],"184":[36],"187":[37],"214":[38],"220":[39],"224":[40],"230":[41],"240":[42],"252":[43],"258":[44],"266":[45],"278":[46],"283":[47],"308":[48],"336":[49],"358":[50],"366":[51],"371":[52],"383":[53],"397":[54],"415":[55],"419":[56],"423":[57],"433":[58],"442":[59],"463":[60],"468":[61],"476":[62],"483":[63],"488":[64],"508":[65],"538":[66],"549":[67],"555":[68],"569":[69],"582":[70],"600":[71],"609":[72],"620":[73],"625":[74],"630":[75],"639":[76],"642":[77],"653":[78],"658":[79],"666":[80],"678":[81],"683":[82],"688":[83],"703":[84],"721":[85],"726":[86],"732":[87],"751":[88],"755":[89],"774":[90],"778":[91],"780":[92],"782":[93],"792":[94],"807":[95],"825":[96],"830":[97],"836":[98],"843":[99],"860":[100],"875":[101],"896":[102],"912":[103],"918":[104],"940":[105],"949":[106],"962":[107],"969":[108],"987":[109],"1007":[110],"1016":[111],"1023":[112],"1032":[113],"1035":[114],"1046":[115],"1073":[116],"1079":[117],"1089":[118],"1105":[119],"1112":[120],"1137":[121],"1143":[122],"1146":[123],"1150":[124],"1153":[125],"1168":[126],"1177":[127],"1184":[128],"1200":[129],"1207":[130],"1228":[131],"1233":[132],"1241":[133],"1247":[134],"1255":[135],"1265":[136],"1293":[137],"1310":[138],"1319":[139],"1339":[140],"1346":[141],"1353":[142],"1356":[143],"1358":[144],"1360":[145],"1379":[146],"1389":[147],"1398":[148],"1417":[149],"1427":[150],"1434":[151],"1440":[152],"1446":[153],"1459":[154],"1485":[155],"1498":[156],"1518":[157],"1556":[158],"1581":[159],"1600":[160],"1606":[161],"1628":[162],"1641":[163],"1667":[164],"1697":[165],"1737":[166],"1755":[167],"1764":[168],"1768":[169],"1770":[170],"1777":[171],"1781":[172],"1797":[173],"1808":[174],"1814":[175],"1818":[176],"1827":[177],"1830":[178],"1839":[179],"1855":[180],"1858":[181],"1867":[182],"1894":[183],"1900":[184],"1903":[185],"1923":[186],"1929":[187],"1938":[188],"1946":[189],"1953":[190],"1957":[191],"1962":[192],"1974":[193],"1975":[194],"1977":[195],"1979":[196],"1981":[197],"1983":[198],"1988":[199],"1992":[200],"1993":[201],"2000":[202],"2005":[203],"2050":[204],"2054":[205],"2056":[206],"2075":[207],"2096":[208],"2118":[209],"2121":[210],"2144":[211],"2155":[212],"2161":[213],"2178":[214],"2185":[215],"2193":[216],"2198":[217],"2203":[218],"2206":[219]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>[مُقَدِّمَةُ الشَّارِحِ]</span>\nقَالَ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الزَّاهِدُ إمَامُ الْأَئِمَّةِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ السَّرَخْسِيُّ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: اعْلَمْ بِأَنَّ السِّيَرَ الْكَبِيرَ آخِرُ تَصْنِيفٍ صَنَّفَهُ مُحَمَّدٌ - ﵀ - فِي الْفِقْهِ.\nوَلِهَذَا لَمْ يَرْوِهِ عَنْهُ أَبُو حَفْصٍ - ﵀ - لِأَنَّهُ صَنَّفَهُ بَعْدَ انْصِرَافِهِ مِنْ الْعِرَاقِ، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ أَبِي يُوسُفَ - ﵀ - فِي شَيْءٍ مِنْهُ، لِأَنَّهُ صَنَّفَهُ بَعْدَ مَا اسْتَحْكَمَتْ النَّفْرَةُ بَيْنَهُمَا، وَكُلَّمَا احْتَاجَ إلَى رِوَايَةِ حَدِيثٍ عَنْهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي الثِّقَةُ، وَهُوَ مُرَادُهُ حَيْثُ يَذْكُرُ هَذَا اللَّفْظَ.\nوَأَصْلُ سَبَبِ تِلْكَ النَّفْرَةِ الْحَسَدُ، عَلَى مَا حَكَى الْمُعَلَّى قَالَ: جَرَى ذِكْرُ مُحَمَّدٌ فِي مَجْلِسِ أَبِي يُوسُفَ فَأَثْنَى عَلَيْهِ، فَقُلْت لَهُ: مَرَّةً تَقَعُ فِيهِ وَمَرَّةً تُثْنِي عَلَيْهِ؟ فَقَالَ: الرَّجُلُ مَحْسُودٌ. وَذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ - ﵏ - أَنَّ أَبَا يُوسُفَ - ﵀ - فِي أَوَّلِ مَا قُلِّدَ الْقَضَاءَ كَانَ يَرْكَبُ كُلَّ يَوْمٍ إلَى مَجْلِسِ الْخَلِيفَةِ، فَيَمُرُّ بِهِ طَلَبَةُ الْعِلْمِ، فَيَقُولُ أَبُو يُوسُفَ: إلَى أَيْنَ تَذْهَبُونَ؟ فَيُقَالُ لَهُ: إلَى مَجْلِسِ مُحَمَّدٍ فَقَالَ: أَبَلَغَ مِنْ قَدْرِ مُحَمَّدٍ أَنْ يُخْتَلَفَ إلَيْهِ؟ وَاَللَّهِ لَأُفَقِّهَنَّ حَجَّامِي بَغْدَادَ وَبَقَّالِيهَا.","vol":"1","page":1},{"text":"وَعَقَدَ مَجْلِسَ الْإِمْلَاءِ لِذَلِكَ، وَمُحَمَّدٌ - ﵀ - مُوَاظِبٌ عَلَى الدَّرْسِ، فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ حَالِ أَبِي يُوسُفَ - ﵀ - رَأَى الْفُقَهَاءَ يَمُرُّونَ بِهِ بُكْرَةً فَقَالَ: إلَى أَيْنَ؟ فَقَالُوا: إلَى مَجْلِسِ مُحَمَّدٍ. قَالَ: اذْهَبُوا فَإِنَّ الْفَتَى مَحْسُودٌ.\nوَسَبَبُهَا الْخَاصُّ مَا حُكِيَ أَنَّهُ جَرَى ذِكْرُ مُحَمَّدٌ فِي مَجْلِسِ الْخَلِيفَةِ، فَأَثْنَى عَلَيْهِ الْخَلِيفَةُ. فَخَافَ أَبُو يُوسُفَ أَنْ يُقَرِّبَهُ، فَخَلَا بِهِ فَقَالَ: أَتَرْغَبُ فِي قَضَاءِ مِصْرَ؟ فَقَالَ مُحَمَّدٌ: وَمَا غَرَضُك فِي هَذَا؟ فَقَالَ: قَدْ ظَهَرَ عِلْمُنَا بِالْعِرَاقِ فَأُحِبُّ أَنْ يَظْهَرَ بِمِصْرَ. فَقَالَ مُحَمَّدٌ: حَتَّى أَنْظُرَ. وَشَاوَرَ فِي ذَلِكَ أَصْحَابَهُ، فَقَالُوا: لَيْسَ غَرَضُهُ قَضَاءَكَ وَلَكِنْ يُرِيدُ أَنْ يُنَحِّيَك عَنْ بَابِ الْخَلِيفَةِ. ثُمَّ أَمَرَ الْخَلِيفَةُ أَبَا يُوسُفَ أَنْ يُحْضِرَهُ مَجْلِسَهُ، فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنَّ بِهِ دَاءً لَا يَصْلُحُ مَعَهُ لِمَجْلِسِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ اسْتِدَامَةُ الْجُلُوسِ. قَالَ الْخَلِيفَةُ: نَأْذَنُ لَهُ بِالْقِيَامِ عِنْدَ ذَلِكَ. ثُمَّ خَلَا بِمُحَمَّدٍ وَقَالَ: إنَّ أَمِيرَ الْمُومِنِينَ يَدْعُوك. وَهُوَ رَجُلٌ مَلُولٌ فَلَا تُطِلْ الْجُلُوسَ عِنْدَهُ. فَإِذَا أَشَرْت إلَيْك فَقُمْ. ثُمَّ أَدْخَلَهُ عَلَى الْخَلِيفَةِ، فَاسْتَحْسَنَ الْخَلِيفَةُ لِقَاءَهُ لِأَنَّهُ كَانَ ذَا جَمَالٍ وَكَلَامٍ وَاسْتَحْسَنَ كَلَامَهُ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ يُكَلِّمُهُ. فَفِي خِلَالِ ذَلِكَ الْكَلَامِ أَشَارَ إلَيْهِ أَبُو يُوسُفَ أَنْ قُمْ. فَقَطَعَ الْكَلَامَ وَخَرَجَ، فَقَالَ الْخَلِيفَةُ: لَوْ لَمْ يَكُنْ بِهِ هَذَا الدَّاءُ لَكُنَّا نَتَجَمَّلُ بِهِ فِي مَجْلِسِنَا. فَقِيلَ لِمُحَمَّدٍ - ﵀ -: لِمَ خَرَجْت","vol":"1","page":2},{"text":"فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ؟ فَقَالَ: قَدْ كُنْت أَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَقُومَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، لَكِنَّ يَعْقُوبَ كَانَ (١٣ آ) أُسْتَاذِي فَكَرِهْت مُخَالَفَتَهُ. ثُمَّ وَقَفَ مُحَمَّدٌ عَلَى مَا فَعَلَهُ أَبُو يُوسُفَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ سَبَبَ خُرُوجِهِ مِنْ الدُّنْيَا مَا نَسَبَنِي إلَيْهِ. فَاسْتُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ فِيهِ. وَلِذَلِكَ قِصَّةٌ مَعْرُوفَةٌ. وَلَمَّا مَاتَ أَبُو يُوسُفَ لَمْ يَخْرُجْ مُحَمَّدٌ إلَى جِنَازَتِهِ. وَقِيلَ إنَّمَا لَمْ يَخْرُجْ اسْتِحْيَاءً مِنْ النَّاسِ، فَإِنَّ جَوَارِي أَبِي يُوسُفَ كُنَّ يُعَرِّضْنَ بِهِ فِيمَا يَبْكِينَهُ، عَلَى مَا يُحْكَى أَنَّ جَوَارِيَهُ كُنَّ يَقُلْنَ عِنْدَ الِاجْتِيَازِ بِبَابِ مُحَمَّدٍ:\nالْيَوْمَ يَرْحَمُنَا مَنْ كَانَ يَحْسُدُنَا ... الْيَوْمَ نَتْبَعُ مَنْ كَانُوا لَنَا تَبَعًا\nالْيَوْمَ نَخْضَعُ لِلْأَقْوَامِ كُلِّهِمْ ... الْيَوْمَ نُظْهِرُ مِنَّا الْحُزْنَ وَالْجَزَعَا\nفَهَذَا بَيَانُ سَبَبِ النَّفْرَةِ.\nفَأَمَّا سَبَبُ تَصْنِيفِ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ السِّيَرَ الصَّغِيرَ وَقَعَ فِي يَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرو الْأَوْزَاعِيِّ عَالِمِ أَهْلِ الشَّامِ. فَقَالَ: لِمَنْ هَذَا الْكِتَابُ؟ فَقَالَ: لِمُحَمَّدٍ الْعِرَاقِيِّ. فَقَالَ: وَمَا لِأَهْلِ الْعِرَاقِ وَالتَّصْنِيفِ فِي هَذَا الْبَابِ؟ فَإِنَّهُ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِالسَّيْرِ. وَمَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَأَصْحَابِهِ كَانَتْ مِنْ جَانِبِ الشَّامِ وَالْحِجَازِ دُونَ الْعِرَاقِ. فَإِنَّهَا مُحْدَثَةٌ فَتْحًا. فَبَلَغَ مَقَالَةُ الْأَوْزَاعِيِّ مُحَمَّدًا فَغَاظَهُ ذَلِكَ وَفَرَّغَ نَفْسَهُ حَتَّى صَنَّفَ هَذَا الْكِتَابَ. فَحَكَى أَنَّهُ لَمَّا نَظَرَ فِيهِ الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ: لَوْلَا مَا ضَمَّنَهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ لَقُلْت إنَّهُ يَضَعُ الْعِلْمَ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ. وَإِنَّ اللَّهَ عَيَّنَ جِهَةَ إصَابَةِ الْجَوَابِ فِي رَأْيِهِ. صَدَقَ اللَّهُ ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] (*) .\n\nثُمَّ أَمَرَ مُحَمَّدٌ - ﵀ - أَنْ يُكْتَبَ هَذَا الْكِتَابُ فِي سِتِّينَ دَفْتَرًا، وَأَنْ يُحْمَلَ عَلَى عَجَلَةٍ إلَى بَابِ الْخَلِيفَةِ. فَقِيلَ لِلْخَلِيفَةِ: قَدْ صَنَّفَ مُحَمَّدٌ كِتَابًا يُحْمَلُ عَلَى\n_________\n(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: يناقش الشيخ محمد أبو زهرة وغيره من الباحثين هذا السبب لتأليف الكتاب ويرده؛ إذ لا مجال لتصديقه، لأن الإمام الأوزاعي توفي سنة (١٥٧هـ) والإمام محمد ولد سنة (١٣٢هـ) فيكون الأوزاعي قد توفي ومحمد عمره خمس وعشرون سنة، ومكث محمد نحو اثنتين وثلاثين سنة لا يؤلف، إذ إنه توفي سنة (١٨٩) أي بعد الأوزاعي باثنتين وثلاثين سنة، وهذا غير معقول ولا مقبول، ولا يتفق مع تاريخ الكتاب ولا مع حياة محمد - ﵁ -.\nوعلى ذلك فإن كلام السرخسي عن سبب تأليف الكتاب غير مقبول. . .","vol":"1","page":3},{"text":"الْعَجَلَةِ إلَى الْبَابِ. فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ وَعَدَّهُ مِنْ مَفَاخِرِ أَيَّامِهِ. فَلَمَّا نَظَرَ فِيهِ ازْدَادَ إعْجَابُهُ بِهِ. ثُمَّ بَعَثَ أَوْلَادَهُ إلَى مَجْلِسِ مُحَمَّدٍ - ﵀ - لِيَسْمَعُوا مِنْهُ هَذَا الْكِتَابَ وَكَانَ إسْمَاعِيلُ بْنُ تَوْبَةَ الْقَزْوِينِيُّ مُؤَدِّبَ أَوْلَادِ الْخَلِيفَةِ، فَكَانَ يَحْضُرُ مَعَهُمْ لِيَحْفَظَهُمْ كَالرَّقِيبِ، فَسَمِعَ الْكِتَابَ. ثُمَّ اتَّفَقَ أَنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ الرُّوَاةِ إلَّا إسْمَاعِيلُ بْنُ تَوْبَةَ وَأَبُو سُلَيْمَانَ الْجُوزَجَانِيُّ، فَهُمَا رَوَيَا عَنْهُ هَذَا الْكِتَابَ.","vol":"1","page":4},{"text":"[سَنَدُ السَّرَخْسِيِّ] قَالَ - ﵁ -: أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْحَلْوَانِيُّ - ﵀ - بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ قَالَ: أَنَا الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ الْخَضِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ النَّسَفِيُّ، أَنَا الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ وَأَبُو إِسْحَاقَ إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْدَانَ الْخَطِيبُ الْمُهَلَّبِيُّ قَالَا: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْحَارِثِيُّ قَالَ: ثِنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ دَاوُد السَّمْنَانِيُّ، ثِنَا أَبُو إبْرَاهِيمَ إسْمَاعِيلُ بْنُ تَوْبَةَ الْقَزْوِينِيُّ، ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ - ﵀ -.\nقَالَ - ﵁ -: كَانَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ شَيْخُنَا - ﵀ - يَقُولُ: قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ: كُنَّا نَقْرَأُ هَذَا الْكِتَابَ عَلَى الشَّيْخِ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ - ﵀ - فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إلَى أَبْوَابِ الْأَمَانِ تُوُفِّيَ - ﵀ - فَقَرَأْنَاهُ عَلَى الْخَطِيبِ الْمُهَلَّبِيِّ، فَإِلَى أَبْوَابِ الْأَمَانِ الرِّوَايَةُ عَنْهُمَا وَالْبَاقِي عَنْ الْخَطِيبِ.\nقَالَ - ﵁ -: وَأَخْبَرَنَا بِهِ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ السُّغْدِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ قَالَ: ثِنَا الْحَاكِمُ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الْكُفِينِيُّ، ثِنَا الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، ثِنَا أَبُو الْقَاسِمِ أَحْمَدُ بْنُ جَمِّ بْنِ عِصْمَةَ الْبَلْخِيُّ، أَنَا نَصْرُ بْنُ يَحْيَى، أَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ الْجُوزَجَانِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ - ﵀ -. قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ - ﵁ -: وَأَخْبَرَنَا بِهِ الشَّيْخُ الصَّالِحُ الثِّقَةُ أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مَنْصُورٍ الْبَزَّارُ قِرَاءَةً عَلَيْهِ قَالَ: أَنَا الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ الْوَرَّاقُ قَالَ: أَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إشْكَابَ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْقَزْوِينِيُّ، ثِنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ تَوْبَةَ الْقَزْوِينِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: ثِنَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ.","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>[فَضِيلَة الرِّبَاط]</span>\n١ - عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ رَابَطَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ لَهُ كَصِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ. وَمَنْ قُبِضَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى أُجِيرَ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى سَلْمَانَ فَهُوَ كَالْمَرْفُوعِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - لِأَنَّ مَقَادِيرَ أَجْزِيَةِ الْأَعْمَالِ لَا تُعْرَفُ بِالرَّأْيِ بَلْ طَرِيقُ مَعْرِفَتِهَا التَّوْقِيفُ.\n٢ - وَقَدْ ذَكَرَ بَعْدَ هَذَا: عَنْ مَكْحُولٍ أَنَّ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ مَرَّ بِشُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ. وَهُوَ مُرَابِطُ قَلْعَةٍ بِأَرْضِ فَارِسَ، فَقَالَ: أَلَا أُحَدِّثُك بِحَدِيثٍ سَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَكُونُ لَكَ عَوْنًا عَلَى مَنْزِلِك هَذَا؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «لَرِبَاطُ يَوْمٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ. وَمَنْ مَاتَ وَهُوَ مُرَابِطٌ أُجِيرَ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَنُمِّيَ لَهُ عَمَلُهُ كَأَحْسَنِ مَا كَانَ يَعْمَلُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» .","vol":"1","page":6},{"text":"فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ حَدِيثٌ مِنْهُمْ فَتَارَةً كَانَ يَرْوِيهِ وَتَارَةً كَانَ يُفْتِي بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرْوِي، فَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ.\nوَالْمُرَابَطَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيثِ عِبَارَةٌ عَنْ الْمُقَامِ فِي ثَغْرِ الْعَدُوِّ لِإِعْزَازِ الدِّينِ، وَدَفْعِ شَرِّ الْمُشْرِكِينَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ (١٤ آ) . وَأَصْلُ الْكَلِمَةِ مِنْ رَبَطَ الْخَيْلَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] فَالْمُسْلِمُ يَرْبِطُ خَيْلَهُ حَيْثُ يَسْكُنُ مِنْ الثَّغْرِ لِيُرْهِبَ الْعَدُوَّ بِهِ. وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ عَدُوُّهُ. وَلِهَذَا سُمِّيَ مُرَابَطَةً، لِأَنَّ مَا كَانَ عَلَى مِيزَانِ الْمُفَاعَلَةِ يَجْرِي بَيْنَ اثْنَيْنِ غَالِبًا، وَمِنْهُ سُمِّيَ الرِّبَاطُ رِبَاطًا لِلْمَوْضِعِ الْمَبْنِيِّ فِي الْمَفَازَةِ لِيَسْكُنَهُ النَّاسُ لِيَأْمَنَ الْمَارَّةُ بِهِمْ مِنْ شَرِّ اللُّصُوصِ. وَجُعِلَ رِبَاطُ يَوْمٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَصِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ.\n٣ - وَقَدْ رُوِيَ بَعْدَ هَذَا أَكْثَرُ مِنْ هَذَا الْقَدْرِ فَإِنَّهُ رُوِيَ: عَنْ مَكْحُولٍ «أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: إنِّي وَجَدْت غَارًا فِي الْجَبَلِ فَأَعْجَبَنِي أَنْ أَتَعَبَّدَ فِيهِ وَأُصَلِّيَ حَتَّى يَأْتِيَنِي قَدَرِي. فَقَالَ - ﵇ -: لَمُقَامُ أَحَدِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِهِ سِتِّينَ سَنَةً فِي أَهْلِهِ» . وَهَذَا التَّفَاوُتُ إمَّا بِحَسَبِ التَّفَاوُتِ فِي الْأَمْنِ وَالْخَوْفِ مِنْ الْعَدُوِّ، فَكُلَّمَا كَانَ الْخَوْفُ أَكْثَرَ كَانَ الثَّوَابُ فِي الْمُقَامِ أَكْثَرَ. أَوْ بِحَسَبِ تَفَاوُتِ مَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِ بِمُقَامِهِ، فَإِنَّ أَصْلَ هَذَا الثَّوَابِ لِإِعْزَازِ الدِّينِ وَتَحْصِيلِ الْمَنْفَعَةِ لِلْمُسْلِمِينَ بِعَمَلِهِ. قَالَ - ﵇ -: «خَيْرُ النَّاسِ مَنْ يَنْفَعُ النَّاسَ»","vol":"1","page":7},{"text":"أَوْ بِحَسَبِ تَفَاوُتِ الْأَوْقَاتِ فِي الْفَضِيلَةِ، وَبَيَانُهُ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ مَكْحُولٌ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: لَرِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مِنْ وَرَاءِ عَوْرَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي غَيْرِ شَهْرِ رَمَضَانَ، أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ عِبَادَةِ مِائَةِ سَنَةٍ صِيَامِ نَهَارِهَا وَقِيَامِ لَيْلهَا. وَلَرِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مِنْ وَرَاءِ عَوْرَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ عِبَادَةِ أَلْفِ سَنَةٍ صِيَامِ نَهَارِهَا وَقِيَامِ لَيْلِهَا. وَمَنْ قُتِلَ مُجَاهِدًا وَمَاتَ مُرَابِطًا فَحَرَامٌ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ لَحْمَهُ وَدَمَهُ، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الدُّنْيَا حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، وَحَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ، وَزَوْجَتَهُ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ، وَحَتَّى يُشَفَّعَ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَيُجْرَى لَهُ أَجْرُ الرِّبَاطِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» . وَفِي قَوْلِهِ: «أُجِيرَ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ» دَلِيلٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ حَقٌّ، فَإِنَّ الْفِتْنَةَ هُنَا بِمَعْنَى الْعَذَابِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ [الذاريات: ١٤] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج: ١٠] أَيْ عَذَّبُوا. وَأَصْلُ الْفِتْنَةِ الِاخْتِبَارُ. يَقُولُ الرَّجُلُ: فَتَنْت الذَّهَبَ إذَا أَدْخَلَهُ النَّارَ لِيَخْتَبِرَهُ. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] (١٤ ب) أَيْ لَا يُبْتَلَوْنَ. وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَفَتَنَّاك فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠] وقَوْله تَعَالَى: ﴿إنْ هِيَ إلَّا فِتْنَتُك﴾ [الأعراف: ١٥٥] بِمَعْنَى الِابْتِلَاءِ أَيْضًا. وَمِنْهُ يُقَالُ: فَتَّانَا الْقَبْرِ؛ لِمُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ، فَإِنَّهُمَا يَخْتَبِرَانِ صَاحِبَ الْقَبْرِ بِالسُّؤَالِ عَنْ إيمَانِهِ.\nوَقِيلَ مَعْنَى قَوْلِ: «أُجِيرَ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ» أَيْ مِنْ ضَغْطَةِ الْقَبْرِ. فَكُلُّ أَحَدٍ","vol":"1","page":8},{"text":"يُبْتَلَى بِهَذَا إلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ، عَلَى مَا رُوِيَ «أَنَّهُ لَمَّا سُوِّيَ التُّرَابُ عَلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ - ﵁ - تَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ فَارْتَجَّ الْبَقِيعُ بِالتَّكْبِيرِ. فَقِيلَ لَهُ ذَلِكَ؛ فَقَالَ: إنَّهُ ضَغَطَهُ الْقَبْرُ ضَغْطَةً اخْتَلَفَتْ مِنْهَا أَضْلَاعُهُ، ثُمَّ فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ. وَلَوْ نَجَا أَحَدٌ مِنْ ضَغْطَةِ الْقَبْرِ لَنَجَا هَذَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ» . وَلَكِنْ فِي حَدِيثِ «عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: تِلْكَ الضَّغْطَةُ لِلْمُؤْمِنِ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدَةِ الشَّفِيقَةِ يَشْكُو إلَيْهَا ابْنُهَا الْبَارُّ بِهَا الصُّدَاعَ، فَتَضَعُ يَدَهَا عَلَى رَأْسِهِ تَغْمِزُهُ، وَهِيَ لِلْمُنَافِقِ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْضَةِ تَحْتَ الصَّخْرَةِ» . وَمَعْنَى هَذَا الْوَعْدِ فِي حَقِّ مَنْ مَاتَ مُرَابِطًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ فِي حَيَاتِهِ كَانَ يُؤَمِّنُ الْمُسْلِمِينَ بِعَمَلِهِ فَيُجَازَى فِي قَبْرِهِ بِالْأَمْنِ مِمَّا يَخَافُ مِنْهُ.\nأَوْ لَمَّا اخْتَارَ فِي حَيَاتِهِ الْمُقَامَ فِي أَرْضِ الْخَوْفِ وَالْوَحْشَةِ لِإِعْزَازِ الدِّينِ يُجَازَى بِدَفْعِ الْخَوْفِ وَالْوَحْشَةِ عَنْهُ فِي الْقَبْرِ، كَمَا رُوِيَ أَنَّ الصَّائِمِينَ إذَا خَرَجُوا مِنْ قُبُورِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُؤْتَوْنَ بِالْمَوَائِدِ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَالنَّاسُ جِيَاعٌ عِطَاشٌ فِي الْقِيَامَةِ لِأَنَّهُمْ اخْتَارُوا الْجُوعَ وَالْعَطَشَ فِي الدُّنْيَا فَجَازَاهُمْ اللَّهُ بِإِعْطَاءِ الْمَوَائِدِ فِي الْآخِرَةِ. وَقَوْلُهُ: «وَأَجْرَى عَلَيْهِ عَمَلَهُ وَنَمَّى لَهُ عَمَلَهُ» فَذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﷿ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠] . وَقَالَ - ﵇ -: «مَنْ مَاتَ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ حَجَّةً مَبْرُورَةً فِي كُلِّ سَنَةٍ» . فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ أَيْضًا فِي حَقِّ كُلِّ مَنْ مَاتَ مُرَابِطًا لِأَنَّهُ يُجْعَلُ بِمَنْزِلَةِ الْمَرَابِطِ إلَى فَنَاءِ الدُّنْيَا فِيمَا يُجْرَى لَهُ فِي الثَّوَابِ.","vol":"1","page":9},{"text":"وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّهُ مَنْ كَانَ بِنِيَّتِهِ اسْتِدَامَةُ الرِّبَاطِ لَوْ بَقِيَ حَيًّا إلَى فَنَاءِ الدُّنْيَا، وَالثَّوَابُ بِحَسَبِ النِّيَّةِ. قَالَ - ﵇ -: «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» .\n٤ - وَرَوَى مُحَمَّدٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّهُ قَالَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِلَيْلَةٍ هِيَ أَفْضَلُ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ: حَارِسٌ يَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي أَرْضِ خَوْفٍ لَعَلَّهُ لَا يَئُوبُ إلَى أَهْلِهِ أَوْ رَحْلِهِ» . فِي الْحَدِيثِ حَثٌّ عَلَى الْحِرَاسَةِ لِلْغُزَاةِ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ، فَقَدْ جَعَلَ لَيْلَةَ الْحَارِسِ أَفْضَلَ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (١٥ آ) .\nوَكَانَ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْحَارِسَ يَسْعَى لِإِزَالَةِ الْخَوْفِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ، وَاَلَّذِي يُحْيِي لَيْلَةَ الْقَدْرِ يَسْعَى فِي فِكَاكِ نَفْسِهِ.\nوَقَدْ رُوِيَ هَذَا مَرْفُوعًا فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ - ﵁ -. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَمُقَامُ سَاعَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى أَفْضَلُ مِنْ إحْيَاءِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ» . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «ثَلَاثَةُ أَعْيُنٍ لَا تَمْسَسْهَا نَارُ جَهَنَّمَ: عَيْنٌ فُقِئَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» .\nوَقَوْلُهُ: «لَا يَئُوبُ إلَى أَهْلِهِ» . أَيْ يُسْتَشْهَدُ فِي وَجْهِهِ فَلَا يَرْجِعُ إلَى أَهْلِهِ.\nوَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْحَارِسَ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ يُعَرِّضُ نَفْسَهُ لِدَرَجَةِ الشَّهَادَةِ لِأَنَّهُ سَلَّمَ مَا بَاعَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] الْآيَةَ.","vol":"1","page":10},{"text":"- قَالَ مُحَمَّدٌ - ﵀ -: أَخْبَرَنَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ قَالَ: مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَعُدَتْ مِنْهُ جَهَنَّمُ مَسِيرَةَ خَمْسِينَ عَامًا لِلرَّاكِبِ الْمُجِدِّ لَا يَفْتُرُ وَلَا يُعَرِّسُ. لَا يَفْتُرُ أَيْ لَا يَضْعُفُ، وَلَا يُعَرِّسُ أَيْ لَا يَنْزِلُ فِي آخِرِ اللَّيْلِ، وَهُوَ التَّعْرِيسُ.\nوَالْمُرَادُ مِنْ الْحَدِيثِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالْجِهَادِ، فَالطَّاعَاتُ كُلُّهَا سَبِيلُ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ يُبْتَغَى بِهَا رِضَاءُ اللَّهِ تَعَالَى. غَيْرَ أَنَّ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يُفْهَمُ مِنْهُ الْجِهَادُ. وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَشَدُّ عَلَى النَّفْسِ فَيَكُونُ أَفْضَلَ. عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - «أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ قَالَ: أَحْمَزُهَا»، أَيْ أَشُقُّهَا عَلَى الْبَدَنِ. وَهَذَا أَبْلَغُ فِي قَهْرِ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ. وَمَا رُوِيَ \" عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵁ - أَنَّهُ كَرِهَ الْجَمْعَ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالْمَشْيِ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ. فَذَلِكَ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الْجِدَالِ فِي الْحَجِّ. وَإِلَيْهِ أَشَارَ أَبُو حَنِيفَةَ - ﵀ - فَقَالَ: إذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا سَاءَ خُلُقُهُ وَجَادَلَ رَفِيقَهُ وَالْجِدَالُ فِي الْحَجِّ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. وَأَمَّا إذَا أَمِنَ ذَلِكَ فَهُوَ أَفْضَلُ. ثُمَّ بَيَّنَ مَسَافَةَ تَبْعِيدِ جَهَنَّمَ خَمْسِينَ عَامًا.\n٦ - وَذَكَرَ بَعْدَ هَذَا عَنْ عَمْرِو بْنِ عَنْبَسَةَ السُّلَمِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى بُوعِدَ مِنْ النَّارِ مَسِيرَةَ مِائَةِ عَامٍ» .","vol":"1","page":11},{"text":"وَفِي هَذَا اللَّفْظِ لِلْعُلَمَاءِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا الْإِجْرَاءُ عَلَى ظَاهِرِهِ أَنَّ جَهَنَّمَ تَبْعُدُ مِنْهُ. وَيُؤَيَّدُ هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء: ١٠٢] .\nلِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ التَّبْعِيدِ الْأَمْنُ مِنْهُ، لِأَنَّ مَنْ كَانَ أَبْعَدَ عَنْ جَهَنَّمَ كَانَ آمِنًا مِنْهَا.\nوَالتَّفَاوُتُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ فِي التَّقْدِيرِ بِحَسَبِ التَّفَاوُتِ فِي نِيَّةِ الْمُجَاهِدِ (١٥ ب) أَوْ يَكُونُ الْمُرَادُ هُوَ الْمُبَالَغَةُ فِي بَيَانِ تَبْعِيدِ جَهَنَّمَ مِنْهُ لَا حَقِيقَةَ الْمَسَافَةِ، وَذِكْرُ السَّبْعِينَ وَالْخَمْسِينَ وَالْمِائَةِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ. وَأَيَّدَ هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: ٨٠] .\n٧ - وَعَنْ عُمَرَ - ﵁ - أَنَّهُ كَانَ يَهْتِفُ بِأَهْلِ مَكَّةَ فَيَقُولُ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ يَا أَهْلَ الْبَلْدَةِ أَلَا الْتَمِسُوا الْأَضْعَافَ الْمُضَاعَفَةَ فِي الْجُنُودِ الْمُجَنَّدَةِ وَالْجُيُوشِ السَّائِرَةِ. أَلَا وَإِنَّ لَكُمْ الْعُشْرَ وَلَهُمْ الْأَضْعَافُ الْمُضَاعَفَةُ.\nوَهَذِهِ خُطْبَةُ الِاسْتِنْفَارِ لِتَحْرِيضِ النَّاسِ عَلَى الْجِهَادِ. وَقَدْ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي مَوَاطِنَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥] ثُمَّ اقْتَدَى بِهِ عُمَرُ - ﵁ - فِي تَحْرِيضِ أَهْلِ مَكَّةَ حِينَ تَقَاعَدُوا عَنْ الْجِهَادِ.","vol":"1","page":12},{"text":"وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُجَاوَرَةَ بِمَكَّةَ مَشْرُوعٌ، يَنَالُ بِهَا الثَّوَابُ. أَشَارَ إلَيْهِ عُمَرُ - ﵁ - فِي قَوْلِهِ: أَلَا إنَّ لَكُمْ الْعُشْرَ، وَلَكِنَّ الثَّوَابَ فِي الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَعْظَمُ، فَحَثَّهُمْ عَلَى الْجِهَادِ بِبَيَانِ تَحْصِيلِ أَعْلَى الدَّرَجَاتِ لِكَيْ لَا يَتَخَلَّفُوا عَنْ الْجِهَادِ مُتَعَمِّدِينَ عَلَى أَنَّهُمْ جِيرَانُ بَيْتِ اللَّهِ وَسُكَّانُ حَرَمِهِ. وَاعْتَمَدَ فِيمَا ذَكَرَ مِنْ الْأَضْعَافِ الْمُضَاعَفَةِ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٦١] . إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاَللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] . فَإِذَا كَانَ هَذَا مَوْعُودًا لِمَنْ يُنْفِقُ الْمَالَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمَنْ يَبْذُلُ نَفْسَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ أَوْلَى.\nوَاَلَّذِي يُرْوَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - أَنَّهُ كَرِهَ الْمُجَاوَرَةَ بِمَكَّةَ، فَتَأْوِيلُهُ مَعْنَيَانِ. أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مَنْ كَثُرَ مُقَامُهُ بِمَكَّةَ يَهُونُ الْبَيْتِ فِي عَيْنِهِ لِكَثْرَةِ مَا يَرَاهُ، أَوْ لِكَيْ لَا يُبْتَلَى فِي الْحَرَمِ بِارْتِكَابِ الذُّنُوبِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] .\n٨ - وَذَكَرَ بَعْدَ هَذَا عَنْ عُمَرَ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ: لَا تَزَالُ هَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى شِرْعَةٍ مِنْ الْإِسْلَامِ حَسَنَةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ شَرِيعَةٍ مِنْ الْإِسْلَامِ (١٦ آ)، هُمْ فِيهَا لِعَدُوِّهِمْ قَاهِرُونَ وَعَلَيْهِمْ ظَاهِرُونَ، مَا لَمْ يَصْبُغُوا الشَّعْرَ وَيَلْبَسُوا الْمُعَصْفَرَ وَيُشَارِكُوا الَّذِينَ كَفَرُوا فِي صَغَارِهِمْ. فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ كَانُوا قَمِنًا أَنْ يَنْتَصِفَ مِنْهُمْ عَدُوُّهُمْ. فِي الْحَدِيثِ بَيَانُ النُّصْرَةِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ مَا دَامُوا مُشْتَغِلِينَ بِالْجِهَادِ.","vol":"1","page":13},{"text":"قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] . وَفِيهِ بَيَانُ أَنَّهُمْ إذَا اشْتَغَلُوا بِالدُّنْيَا وَاتَّبَعُوا اللَّذَّاتِ وَالشَّهَوَاتِ وَأَعْرَضُوا عَنْ الْجِهَادِ يَظْفَرُ عَلَيْهِمْ عَدُوُّهُمْ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: \" كَانُوا قَمِنًا \" أَيْ خَلِيقًا وَجَدِيرًا. ثُمَّ كَنَّى عَنْ اتِّبَاعِ الشَّهَوَاتِ بِأَنْ يَصْبُغُوا الشَّعْرَ، يُرِيدُ بِهِ () الْخِضَابَ لِتَرْغِيبِ النِّسَاءِ فِيهِمْ. فَأَمَّا نَفْسُ الْخِضَابِ فَغَيْرُ مَذْمُومٍ بَلْ هُوَ مِنْ سِيمَا الْمُسْلِمِينَ قَالَ - ﵇ -: «غَيِّرُوا الشَّيْبَ وَلَا تَتَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ» . وَقَالَ الرَّاوِي: رَأَيْت أَبَا بَكْرٍ - ﵁ - عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَلِحْيَتُهُ كَأَنَّهَا ضِرَامُ عَرْفَجٍ، بِنَصْبِ الْعَيْنِ وَرَفْعِهِ مَرْوِيَّانِ. يُرِيدُ بِهِ أَنَّهُ كَانَ مَخْضُوبَ اللِّحْيَةِ. فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ الْغُزَاةِ لِيَكُونَ أَهْيَبَ فِي عَيْنِ الْأَعْدَاءِ كَانَ ذَلِكَ مَحْمُودًا مِنْهُ. فَأَمَّا إذَا فَعَلَ ذَلِكَ فِي حَقِّ النِّسَاءِ فَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَبَعْضُهُمْ جَوَّزَ ذَلِكَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ: كَمَا يُعْجِبُنِي أَنْ تَتَزَيَّنَ لِي يُعْجِبُهَا أَنْ أَتَزَيَّنَ لَهَا.\nوَقَوْلُهُ: \" وَيَلْبَسُوا الْمُعَصْفَرَ \"، فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لُبْسَ الثَّوْبِ الْأَحْمَرِ مَكْرُوهٌ. وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ لُبْسِ الْمُعَصْفَرِ، وَعَنْ الْقِرَاءَةِ فِي الرُّكُوعِ. وَقَالَ - ﵇ -: إيَّاكُمْ وَالْحُمْرَةَ فَإِنَّهَا زِيُّ الشَّيْطَانِ» . وَفِي حَدِيثِ سَعْدٍ: «رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَعَلَيَّ مِلْحَفَةٌ حَمْرَاءُ فَأَعْرَضَ عَنِّي بِوَجْهِهِ، فَذَهَبْت وَأَحْرَقْتهَا، ثُمَّ رَآنِي فَقَالَ: مَا فَعَلْت بِالْمِلْحَفَةِ؟ قُلْت: أَحْرَقْتهَا حِينَ","vol":"1","page":14},{"text":"رَأَيْتُك أَعْرَضْت عَنِّي، فَقَالَ: هَلَّا أَعْطَيْتهَا بَعْضَ أَهْلِك»؟ وَمَا رُوِيَ بَعْدَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ «الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ: مَا رَأَيْت ذَا لِمَّةٍ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -» . فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي الِابْتِدَاءِ ثُمَّ كُرِهَ اسْتِعْمَالُهَا لِلرِّجَالِ بَعْدَ ذَلِكَ. وَمَا رُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ، فَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ فِرَارًا مِنْ الْقَضَاءِ، فَإِنَّهُمْ أَرَادُوهُ لِلْقَضَاءِ مِرَارًا فَلَبِسَ الْمُعَصْفَرَ وَلَعِبَ الشِّطْرَنْجَ وَكَانَ يَخْرُجُ مَعَ الصِّبْيَانِ لِنَظَرِ الْفِيلِ. حَتَّى رَأَوْا ذَلِكَ مِنْهُ فَتَرَكُوهُ. وَقَوْلُهُ: \" وَيُشَارِكُونَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي صَغَارِهِمْ \" أَيْ الْتَزَمُوا الْخَرَاجَ وَاشْتَغَلُوا بِالزِّرَاعَةِ وَقَعَدُوا عَنْ الْجِهَادِ. فَظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ حُجَّةٌ لِمَنْ كَرِهَ الِاشْتِغَالَ بِالزِّرَاعَةِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - «أَنَّهُ رَأَى شَيْئًا مِنْ آلَاتِ الْحِرَاثَةِ فِي بَيْتِ قَوْمٍ. فَقَالَ: مَا دَخَلَ هَذَا بَيْتَ قَوْمٍ إلَّا ذَلُّوا حَتَّى كَرَّ عَلَيْهِمْ عَدُوُّهُمْ» (١٦) . وَلَكِنَّ تَأْوِيلَهُ عِنْدَنَا إذَا أَعْرَضُوا عَنْ الْجِهَادِ.\nفَأَمَّا بِدُونِ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِالِاشْتِغَالِ بِالزِّرَاعَةِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَزْدَرَعَ بِالْجَرْفِ، هُوَ اسْمُ مَوْضِعٍ. وَلَا بَأْسَ بِالْتِزَامِ الْخَرَاجِ وَتَمَلُّكِ الْأَرَاضِيِ الْخَرَاجِيَّةِ، فَإِنَّ الصَّغَارَ فِي خَرَاجِ الرُّءُوسِ لَا فِي خَرَاجِ الْأَرَاضِيِ، فَإِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ وَالْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَأَبَا هُرَيْرَةَ كَانَتْ لَهُمْ أَرَاضٍ خَرَاجِيَّةٌ بِسَوَادِ الْعِرَاقِ، وَكَانُوا يُؤَدُّونَ الْخَرَاجَ مِنْهَا.\n٩ - وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ - ﵀ - بَعْدَ هَذَا عَنْ عُثْمَانَ - ﵁ - أَنَّهُ قَامَ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ خُذُوا بِحَظِّكُمْ مِنْ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. أَلَا تَرَوْنَ إلَى إخْوَانِكُمْ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَأَهْلِ مِصْرَ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ؟","vol":"1","page":15},{"text":"فَوَاَللَّهِ لَيَوْمٌ يَعْمَلُهُ أَحَدُكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ يَعْمَلُهُ فِي بَيْتِهِ صَائِمًا قَائِمًا لَا يُفْطِرُ وَلَا يَفْتُرُ.\nوَمَعْنَى قَوْلِهِ: \" قَامَ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ \" يَعْنِي قَامَ خَطِيبًا، وَهَذِهِ أَيْضًا كَانَتْ خُطْبَةَ اسْتِنْفَارٍ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ - ﵁ - بِأَهْلِ مَكَّةَ.\nوَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْمَرْءِ أَنْ يَحْلِفَ صَادِقًا بِاَللَّهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَاجَةٌ إلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ عُثْمَانَ - ﵁ - حَلَفَ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ الْوَعْدِ لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَكَانَ مُسْتَغْنِيًا عَنْ ذَلِكَ. ثُمَّ عَيَّرَهُمْ عُثْمَانُ بِإِخْوَانِهِمْ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ [وَالْعِرَاقِ]، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَتَقَاعَدُوا عَنْ الْجِهَادِ، تَحْرِيضًا لَهُمْ عَلَى الْجِهَادِ. وَمَعْنَى هَذَا التَّفْصِيلِ مَا بَيَّنَّا أَنَّ فِي الْجِهَادِ إعْزَازَ الدِّينِ وَقَهْرَ الْمُشْرِكِينَ وَدَفْعَ شَرِّهِمْ عَنْ الْمُسْلِمِينَ. وَذَلِكَ غَيْرُ ظَاهِرٍ فِي عَمَلِ مَنْ يُقِيمُ فِي أَهْلِهِ بِالْمَدِينَةِ.\n١٠ - وَذَكَرَ بَعْدَ هَذَا طَاوُسٌ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَنِي بِالسَّيْفِ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ، وَجَعَلَ رِزْقِي تَحْتَ رُمْحِي أَوْ ظِلِّ رُمْحِي، وَجَعَلَ الذُّلَّ وَالصَّغَارَ عَلَى مَنْ خَالَفَنِي، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» .\nوَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: «بَعَثَنِي بِالسَّيْفِ» أَيْ بَعَثَنِي بِالْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَا قَالَ - ﵇ -: «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ»، وَلِأَنَّ الْقِتَالَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهِ وَخُصَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِذَلِكَ، وَصِفَتُهُ فِي التَّوْرَاةِ: نَبِيُّ الْمَلْحَمَةِ عَيْنَاهُ حَمْرَاوَانِ مِنْ شِدَّةِ الْقِتَالِ.","vol":"1","page":16},{"text":"وَفِي صِفَةِ أُمَّتِهِ: أَنَاجِيلُهُمْ فِي صُدُورِهِمْ، وَسُيُوفُهُمْ عَلَى عَوَاتِقِهِمْ. وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي قَوْلِهِ - ﵇ -: «السُّيُوفُ أَرْدِيَةُ الْغُزَاةِ» . وَفِي حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِأَرْبَعَةِ سُيُوفٍ: سَيْفٌ لِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ بَاشَرَ بِهِ الْقِتَالَ بِنَفْسِهِ. وَسَيْفٌ لِقِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] فَقَاتَلَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ - (١٧ آ) بَعْدَهُ فِي حَقِّ مَانِعِي الزَّكَاةِ. وَسَيْفٌ لِقِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوس كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩] إلَى أَنْ قَالَ: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] فَقَاتَلَ بِهِ عُمَرُ - ﵁ -. وَسَيْفٌ لِقِتَالِ الْمَارِقِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] فَقَاتَلَ بِهِ عَلِيٌّ - ﵁ - عَلَى مَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أُمِرْت بِقِتَالِ الْمَارِقِينَ وَالنَّاكِثِينَ وَالْقَاسِطِينَ. وَقَوْلُهُ: \" بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ \" أَيْ بِالْقُرْبِ مِنْ الْقِيَامَةِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١] وَقِيلَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ [النازعات: ٤٣] فِيمَ السُّؤَالُ عَنْ السَّاعَةِ وَأَنْتَ مِنْ أَشْرَاطِهَا؟ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: \" وَجَعَلَ رِزْقِي تَحْتَ رُمْحِي أَوْ ظِلِّ رُمْحِي \"، قِيلَ هَذَا كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ كَانَ الْغَازِي إذَا جَنَّهُ اللَّيْلُ فَرَكَزَ رُمْحَهُ عِنْدَ قَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُضِيفُوهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ حَتَّى أَصْبَحَ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ أَنْ يُغَرِّمَهُمْ،","vol":"1","page":17},{"text":"ثُمَّ انْتَسَخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - ﵇ -: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِطِيبَةِ نَفْسٍ مِنْهُ» .\nوَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ حِلُّ الْغَنَائِمِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ، فَإِنَّهَا [مَا] كَانَتْ تَحِلُّ لِأَحَدٍ قَبْلَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَبَيَانُ ذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩] . وَقَالَ - ﷺ -: «خُصِّصَتْ بِخَمْسٍ» وَذَكَرَ مِنْ جُمْلَتِهَا حِلَّ الْغَنَائِمِ.\nوَلَمْ يُرِدْ بِالظِّلِّ حَقِيقَةَ الظِّلِّ، لَكِنْ أَرَادَ بِهِ الْأَمَانَ.\nوَمِنْهُ قَوْلُهُ: السُّلْطَانُ ظِلُّ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ. يُرِيدُ بِهِ الْأَمَانَ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: «وَجُعِلَ الذُّلُّ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَنِي» أَيْ ذُلُّ الشِّرْكِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] فَهَذَا بَيَانُ الذُّلِّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ. وَقِيلَ الْمُرَادُ مِنْ الصَّغَارِ صَغَارُ الْجِزْيَةِ عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] . وَقَوْلُهُ: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»، أَيْ تَشَبَّهَ بِالْمُجَاهِدِينَ فِي الْخُرُوجِ مَعَهُمْ وَالسَّعْيِ فِي بَعْضِ حَوَائِجِهِمْ وَتَكْثِيرِ سَوَادِهِمْ، فَيَكُونُ مِنْهُمْ فِي اسْتِحْقَاقِ الْغَنِيمَةِ فِي الدُّنْيَا وَالثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ. وَفِي مِثْلِ هَذَا قَالَ - ﵇ -: «هُمْ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى جَلِيسُهُمْ» . فِي حَقِّ الْعُلَمَاءِ.\n١١ - وَذُكِرَ بَعْدَ هَذَا عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ «لَمَّا قُتِلَ ابْنُ رَوَاحَةَ قَالَ - ﵇ -: كَانَ أَوَّلَنَا فُصُولًا وَآخِرَنَا قُفُولًا، وَكَانَ يُصَلِّي الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا» فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالثَّنَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ بِمَا هُوَ فِيهِ. وَإِنَّمَا يُكْرَهُ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ بِذِكْرِ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: \" أَوَّلَنَا فُصُولًا \" أَيْ مِنْ الصَّفِّ بِالْخُرُوجِ إلَى الْمُبَارَزَة \" وَآخِرُنَا قُفُولًا \" أَيْ رُجُوعًا عَنْ الْقِتَالِ، فَبَيَّنَ شِدَّةَ رَغْبَتِهِ فِي الْجِهَادِ وَهُوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ.","vol":"1","page":18},{"text":"قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] . وَبَيَّنَ شِدَّةَ صَبْرِهِ عَلَى الْقِتَالِ حَيْثُ (١٧ ب) كَانَ آخِرَهُمْ رُجُوعًا. وَهُوَ صِفَةُ مَدْحٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠] ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، أَيْ مَعَ حِرْصِهِ عَلَى الْقِتَالِ كَانَ يَحْفَظُ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، وَهُوَ أَشَقُّ مَا يَكُونُ عَلَى الْمُجَاهِدِ، وَهُوَ صِفَةُ مَدْحٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨] . وَجَاءَ فِي تَأْوِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إلَّا مَنْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧] أَنَّهُ الْمُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلَوَاتِ فِي وَقْتِهَا. وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ يُجِيز الْجَمْعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ، وَالْجِهَادُ أَبَدًا يَكُونُ فِي حَالِ مَا يَكُونُ مُسَافِرًا. وَمَعَ هَذَا مَدَحَهُ عَلَى مُحَافَظَةِ الصَّلَوَاتِ فِي وَقْتِهَا، وَلَوْ كَانَ الْجَمْعُ جَائِزًا لَمَا اسْتَقَامَ ذَلِكَ.\n١٢ - وَذَكَرَ بَعْدَ هَذَا عَنْ مَعْبَدِ قَالَ: إذَا زَرَعَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ نُزِعَ مِنْهُمْ النَّصْرُ وَقُذِفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبُ.\nوَرُوِيَ بَعْدَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٩] أَهُوَ التَّعَرُّبُ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّهُ الزَّرْعُ.\nوَتَأْوِيلُ الْحَدِيثَيْنِ وَاحِدٌ. فَتَأْوِيلُ الْأَوَّلِ: إذَا زَرَعَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ","vol":"1","page":19},{"text":"يَعْنِي إذَا اشْتَغَلُوا بِالزِّرَاعَةِ وَأَعْرَضُوا عَنْ الْجِهَادِ أَصْلًا نُزِعَ مِنْهُمْ النَّصْرُ. فَأَمَّا إذَا اشْتَغَلَ الْبَعْضُ بِالزِّرَاعَةِ وَالْبَعْضُ بِالْجِهَادِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حَتَّى يَتَقَوَّى الْمُقَاتِلُ بِمَا يَكْتَسِبُهُ الزَّارِعُ وَيَأْمَنَ الزَّارِعُ [بِمَا] يَذُبُّ الْمُقَاتِلُ عَنْهُ.\nقَالَ - ﵇ -: «الْمُؤْمِنُونَ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا» . وَهَذَا لِأَنَّ الْكُلَّ إذَا اشْتَغَلُوا بِالْجِهَادِ لَا يَتَفَرَّغُونَ لِلْكَسْبِ فَيَحْتَاجُونَ إلَى مَا يَأْكُلُونَ وَيَعْلِفُونَ دَوَابَّهُمْ، فَلَا يَجِدُونَ فَيَعْجِزُونَ عَنْ الْجِهَادِ، فَيَعُودُ عَلَى مَوْضُوعِهِ بِالنَّقْصِ. ثُمَّ فَهِمُوا مِنْ مَعْنَى الْآيَةِ التَّعَرُّبَ. وَهُوَ الْمُقَامُ بِالْبَادِيَةِ وَتَرْكُ الْهِجْرَةِ لِلْقِتَالِ.\nوَكَأَنَّهُمْ اعْتَمَدُوا فِي ذَلِكَ ظَاهِرَ قَوْله تَعَالَى ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ [التوبة: ٩٧] فَبَيَّنَ لَهُمْ عَلِيٌّ - ﵁ - أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْإِعْرَاضُ عَنْ الْجِهَادِ بِالِاشْتِغَالِ بِالزِّرَاعَةِ، وَأَيَّدَ هَذَا التَّأْوِيلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ١٤٩] وَهَذَا لِأَنَّ طَاعَةَ الْكُفَّارِ فِيمَا يَطْلُبُونَ مِنَّا، وَهُمْ يَطْلُبُونَ مِنَّا الْإِعْرَاضَ عَنْ الْجِهَادِ لَا نَفْسَ الزِّرَاعَةِ.\n١٣ - وَذَكَرَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ «أَنَّ رَجُلًا وَضَعَ قَرْنًا لَهُ، أَيْ جَعْبَةً، وَقَامَ يُصَلِّي. فَاحْتَمَلَ رَجُلٌ قَرْنَهُ. فَلَمَّا انْصَرَفَ نَظَرَ فَلَمْ يَرَ قَرْنَهُ، فَأَفْزَعَهُ ذَلِكَ. فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ» .\nمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِي: فَاحْتَلَّ، أَيْ حَلَّهُ لِيُخْرِجَ بَعْضَ مَا فِيهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ","vol":"1","page":20},{"text":"يَرْوِي فَاحْتُلَّ بِمَعْنَى احْتَالَ. وَالْأَصَحُّ هُوَ الْأَوَّلُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ رَفَعَهُ عَلَى وَجْهٍ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ أَحَدٌ.\nوَقَدْ عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - (١٨ آ) أَنَّهُ فَعَلَهُ عَلَى وَجْهِ الْمِزَاحِ لَا عَلَى قَصْدِ السَّرِقَةِ، وَلَكِنْ مَعَ هَذَا قَالَ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ حِينَ لَمْ يَرَ قَرْنَهُ أَفْزَعَهُ ذَلِكَ، وَاَلَّذِي مَازَحَهُ هُوَ الَّذِي أَفْزَعَهُ. فَقَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ» .\nفِيهِ بَيَانُ عِظَمِ حُرْمَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَعِظَمِ حُرْمَةِ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى.\nوَقَدْ وَرَدَ فِي نَظِيرِهِ آثَارٌ مَشْهُورَةٌ: عَنْ الْحَسَنِ أَنَّ رَجُلًا سَلَّ سَيْفَهُ عَلَى رَجُلٍ فَجَعَلَ يُفَرِّقُهُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ الْأَشْعَرِيَّ فَقَالَ: لَا زَالَتْ الْمَلَائِكَةُ تَلْعَنُهُ حَتَّى غَمَدَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ أَغْمَدَهُ. يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَبَا مَالِكٍ الْأَشْعَرِيَّ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ أَرَادَ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ وَهُوَ كَالْمَرْفُوعِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ مَا يُعْرَفُ بِالرَّأْيِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عِظَمِ وِزْرِ مَنْ رَوَّعَ مُسْلِمًا بِأَنْ شَهَرَ عَلَيْهِ سِلَاحًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ قَصْدِهِ أَنْ يَضْرِبَهُ.\nوَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «مَنْ شَهَرَ سِلَاحًا عَلَى مُسْلِمٍ فَقَدْ أَطَلَّ دَمَهُ» . أَيْ أَهْدَرَهُ. وَفِي قَوْلِهِ: مَا زَالَتْ الْمَلَائِكَةُ تَلْعَنُهُ، إشَارَةً إلَى هَذَا. فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلْمُؤْمِنِ، وَإِنَّمَا يَلْعَنُونَهُ إذَا تَبَدَّلَتْ صِفَتُهُ. فَإِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مُسْتَحِلًّا قَتْلَ الْمُسْلِمِ فَيَصِيرُ كَافِرًا أَوْ قَاصِدًا قَتْلَهُ لِإِيمَانِهِ.","vol":"1","page":21},{"text":"قَالَ: وَذُكِرَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ أَنَّهُ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: حُرْمَةُ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ كَحُرْمَةِ أُمَّهَاتِهِمْ. مَا مِنْ رَجُلٍ يُخَالِفُ إلَى امْرَأَةِ رَجُلٍ مِنْ الْمُجَاهِدِينَ إلَّا وَقَدْ وَقَفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا خَانَك فِي أَهْلِك، فَخُذْ مِنْ عَمَلِهِ مَا شِئْت. فَمَا ظَنُّكُمْ؟»: فِيهِ بَيَانُ عِظَمِ حُرْمَةِ الْمُجَاهِدِينَ، لِأَنَّ زِيَادَةَ حُرْمَةِ النِّسَاءِ لِزِيَادَةِ حُرْمَةِ الْأَزْوَاجِ. وَإِلَيْهِ أَشَارَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] . وَفِي قَوْله تَعَالَى: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١] .\nثُمَّ إِن مَا اسْتَحَقَّ هَذَا الْوَعِيدَ لِأَنَّ الْمُجَاهِدَ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ وَجَعَلَ أَهْلَهُ أَمَانَةً عِنْدَ الْقَاعِدِ، وَعِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. فَإِذَا خَانَ فِي أَهْلِهِ فَقَدْ خَانَ فِي أَمَانَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِأَنَّهُ سَعَى إلَى قَطْعِ الْجِهَادِ. لِأَنَّ الْمُجَاهِدَ إذَا عَلِمَ أَنَّ غَيْرَهُ يَخُونُهُ فِي أَهْلِهِ لَا يَخْرُجُ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ لِأَنَّ حِفْظَ أَهْلِهِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ عَيْنًا، وَالْقِتَالُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ عَيْنًا، وَمَتَى لَمْ يَخْرُجْ يَنْقَطِعُ الْجِهَادُ فَيَكُونُ هُوَ سَاعِيًا فِي قَطْعِ الْجِهَادِ وَتَقْوِيَةِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَلِهَذَا قَالَ: إنَّهُ يُحَكَّمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي عَمَلِهِ يَأْخُذُ مِنْهُ مَا شَاءَ.\nثُمَّ قَالَ: \" مَا ظَنُّكُمْ \"، يَعْنِي أَتَظُنُّونَ أَنَّهُ يُبْقِي لَهُ شَيْئًا مِنْ عَمَلِهِ مَعَ حَاجَتِهِ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.","vol":"1","page":22},{"text":"وَبَيَانُ هَذَا فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ - ﵁ - (١٨ ب) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «لَا تُؤْذُوا الْمُجَاهِدِينَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغْضَبُ لَهُمْ كَمَا يَغْضَبُ لِلْمُرْسَلِينَ وَيَسْتَجِيبُ لَهُمْ كَمَا يَسْتَجِيبُ لِلْمُرْسَلِينَ. وَمَنْ آذَى مُجَاهِدًا فِي أَهْلِهِ فَمَأْوَاهُ النَّارُ، وَلَا يُخْرِجُهُ مِنْهَا إلَّا شَفَاعَةُ الْمُجَاهِدِ لَهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ» .\n١٥ - قَالَ وَذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَهْبَانِيَّةٌ، وَرَهْبَانِيَّةُ أُمَّتِي الْجِهَادُ» . وَمَعْنَى الرَّهْبَانِيَّةِ هُوَ التَّفَرُّغُ لِلْعِبَادَةِ وَتَرْكُ الِاشْتِغَالِ بِعَمَلِ الدُّنْيَا. وَكَانَ ذَلِكَ فِي الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ بِالِاعْتِزَالِ عَنْ النَّاسِ وَالْمُقَامِ فِي الصَّوَامِعِ. فَقَدْ كَانَتْ الْعُزْلَةُ فِيهِمْ أَفْضَلُ مِنْ الْعِشْرَةِ. ثُمَّ نَفَى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵇ - بِقَوْلِهِ: «لَا رَهْبَانِيَّةَ فِي الْإِسْلَامِ» . وَبَيَّنَ طَرِيقَ الرَّهْبَانِيَّةِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ فِي الْجِهَادِ، لِأَنَّ فِيهِ الْعِشْرَةَ مَعَ النَّاسِ، وَالتَّفَرُّغَ عَنْ عَمَلِ الدُّنْيَا، وَالِاشْتِغَالَ بِمَا هُوَ سَنَامُ الدِّينِ. فَقَدْ سَمَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﵇ - الْجِهَادَ سَنَامَ الدِّينِ. وَفِيهِ أَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ. وَهُوَ صِفَةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَفِيهِ تَعَرُّضٌ لِأَعْلَى الدَّرَجَاتِ وَهُوَ الشَّهَادَةُ. فَكَانَ أَقْوَى وُجُوهِ الرَّهْبَانِيَّةِ.\n١٦ - وَذَكَرَ بَعْدَ هَذَا عَنْ أَبِي قَتَادَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَامَ يَخْطُبُ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْجِهَادَ فَلَمْ يَدَعْ شَيْئًا أَفْضَلَ مِنْ الْجِهَادِ إلَّا الْفَرَائِضَ» . يُرِيدُ بِهِ الْفَرَائِضَ الَّتِي يَثْبُتُ فَرْضُهَا عَيْنًا، وَهِيَ الْأَرْكَانُ الْخَمْسَةُ. وَالْجِهَادُ فَرْضٌ أَيْضًا لَكِنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَالثَّوَابُ بِحَسَبِ وَكَادَةِ الْفَرِيضَةِ،","vol":"1","page":23},{"text":"فَمَا يَكُونُ فَرْضًا عَيْنًا فَهُوَ أَقْوَى، فَلِهَذَا اسْتَثْنَى الْفَرَائِضَ مِنْ جُمْلَةِ مَا فَضَّلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵇ - الْجِهَادَ عَلَيْهِ.\n\n«قَالَ: فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ هَلْ ذَاكَ مُكَفِّرٌ عَنْهُ خَطَايَاهُ؟ قَالَ: فَسَكَتَ سَاعَةً حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ أُوحِيَ إلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ. إذَا قُتِلَ مُحْتَسِبًا صَابِرًا مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ، إلَّا الدَّيْنَ فَإِنَّهُ مَأْخُوذٌ بِهِ، كَمَا زَعَمَ جِبْرِيلُ - ﵇ -» . فِيهِ بَيَانُ عُلُوِّ دَرَجَةِ الشُّهَدَاءِ وَالشَّهَادَةِ حَيْثُ جَعَلَ اللَّهُ [الشَّهَادَةَ] سَبَبًا لِتَمْحِيصِ الْخَطَايَا.\nوَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ - ﵇ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ اُسْتُشْهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَوَّلُ قَطْرَةٍ تَقْطُرُ مِنْ دَمِهِ تُغْفَرُ لَهُ جَمِيعُ ذُنُوبِهِ، وَبِالْقَطْرَةِ الثَّانِيَةِ يُكْسَى حُلَّةَ الْكَرَامَةِ، وَبِالْقَطْرَةِ الثَّالِثَةِ يُزَوَّجُ الْحُورَ الْعِينَ» . وَهُوَ مَعْنَى الْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ: «السَّيْفُ مَحَّاءٌ لِلذُّنُوبِ إلَّا الدَّيْنَ» وَمِنْ عُلُوِّ حَالِ الشُّهَدَاءِ مَا «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵇ - يَوْمَ أُحُدٍ إنَّ اللَّهَ جَعَلَ أَرْوَاحَ مَنْ اُسْتُشْهِدَ مِنْ إخْوَانِكُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ، وَتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، ثُمَّ تَأْوِي إلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ. فَلَمَّا أَصَابُوا طِيبَ مَأْكَلِهِمْ وَمَشْرَبِهِمْ قَالُوا: (١٩ أ) لَيْتَ إخْوَانَنَا يَعْلَمُونَ مَا نَحْنُ فِيهِ فَيَجِدُّونَ فِي الْجِهَادِ. فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إنِّي مُبَلِّغُهُمْ عَنْكُمْ» . وَهُوَ تَأْوِيلُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩] . ثُمَّ هَذِهِ الدَّرَجَةُ لِلشَّهِيدِ إذَا كَانَ رَاغِبًا فِيهَا وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ مُحْتَسِبًا صَابِرًا مُقْبِلًا.","vol":"1","page":24},{"text":"ثُمَّ فِي الْحَدِيثِ بَيَانُ شِدَّةِ الْأَمْرِ فِي مَظَالِمِ الْعِبَادِ. فَإِنَّهُ مَعَ هَذِهِ الدَّرَجَةِ لِلشَّهِيدِ بَيَّنَ أَنَّهُ مُطَالَبٌ بِالدَّيْنِ، وَأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ عَنْ وَحْيٍ فَإِنَّهُ قَالَ: «كَمَا زَعَمَ جِبْرِيلُ - ﵇ -» لِيُعْلِمَ كُلَّ أَحَدٍ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ طَلَبِ رِضَا الْخَصْمِ.\nوَقِيلَ: هَذَا كَانَ فِي الِابْتِدَاءِ حِينَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﵇ - عَنْ الِاسْتِدَانَةِ لِقِلَّةِ ذَاتِ يَدِهِمْ لِعَجْزِهِمْ عَنْ قَضَائِهِ. وَلِهَذَا كَانَ لَا يُصَلِّي عَلَى مَيِّتٍ مَدْيُونٍ لَمْ يَخْلُفْ مَا لَا يَقْضِي بِهِ دَيْنَهُ، ثُمَّ انْتَسَخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - ﵇ -: «مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا أَوْ عِيَالًا فَهُوَ عَلَيَّ» .\nوَقَدْ وَرَدَ نَظِيرُ هَذَا فِي الْحَجِّ، «أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - دَعَا لِأُمَّتِهِ بِعَرَفَاتٍ فَاسْتُجِيبَ لَهُ إلَّا الْمَظَالِمَ فِيمَا بَيْنَهُمْ. ثُمَّ دَعَا بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ صَبِيحَةَ الْجَمْعِ، فَاسْتُجِيبَ لَهُ حَتَّى الْمَظَالِمَ. وَنَزَلَ جِبْرِيلُ - ﵇ - يُخْبِرُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقْضِي عَنْ بَعْضِهِمْ حَقَّ بَعْضٍ» . فَلَا يَبْعُدُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الشَّهِيدِ الْمَدْيُونِ. فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِنَا إنَّهُ دَخَلَ فِيهِ بَعْضُ الْيُسْرِ.\n١٧ - وَذَكَرَ بَعْدَ هَذَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - ﵇ - فَقَالَ: رَجُلٌ يُرِيدُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَهُوَ يُرِيدُ عَرَضَ الدُّنْيَا. فَقَالَ - ﵇ -: لَا أَجْرَ لَهُ فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ، فَقَالُوا لِلرَّجُلِ: عُدْ لِرَسُولِ اللَّهِ لَعَلَّكَ لَمْ تُفْقِهْهُ، أَيْ لَمْ تُفْهِمْهُ. فَقَالَ: رَجُلٌ يُرِيدُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَهُوَ يَبْتَغِي عَرَضَ الدُّنْيَا. فَقَالَ: لَا أَجْرَ لَهُ ثُمَّ أَعَادَ ثَالِثًا، فَقَالَ: لَا أَجْرَ لَهُ» فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلسَّائِلِ أَنْ يُكَرِّرَ السُّؤَالَ، وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُجِيبِ","vol":"1","page":25},{"text":"أَنْ يَضْجَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَرَسُولُ اللَّهِ - ﵇ - لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ تَكْرَارَ السُّؤَالِ، وَالصَّحَابَةُ أَمَرُوهُ بِالْإِعَادَةِ مَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا مُعَظِّمِينَ لَهُ، وَكَانُوا لَا يُمَكِّنُونَ أَحَدًا فِي تَرْكِ تَعْظِيمِهِ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي إعَادَةِ السُّؤَالِ تَرْكُ التَّعْظِيمِ.\nثُمَّ تَأْوِيلُ الْحَدِيثِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَرَى الْخَارِجُ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ يُرِيدُ الْجِهَادَ وَمُرَادُهُ فِي الْحَقِيقَةِ إصَابَةُ الْمَالِ. فَهَذَا حَالُ الْمُنَافِقِينَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَهَذَا لَا أَجْرَ لَهُ. أَوْ يَكُونُ الْمُرَادُ أَنْ يَخْرُجَ عَلَى قَصْدِ الْجِهَادِ وَيَكُونُ مُعْظَمُ مَقْصُودِهِ تَحْصِيلَ الْمَالِ فِي الدُّنْيَا، لَا نَيْلَ الثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ. وَفِي حَالِ مِثْلِهِ قَالَ - ﵇ -: «وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إلَى امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ» . «وَقَالَ لِلَّذِي اُسْتُؤْجِرَ عَلَى الْجِهَادِ بِدِينَارَيْنِ: إنَّمَا لَك دِينَارَاكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» . فَأَمَّا إذَا كَانَ مُعْظَمُ مَقْصُودِهِ الْجِهَادَ وَهُوَ يَرْغَبُ فِي ذَلِكَ فِي الْغَنِيمَةِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي جُمْلَةِ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (١٩ ب): ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] يَعْنِي التِّجَارَةَ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ. فَكَمَا أَنَّ هُنَاكَ لَا يَحْرُمُ ثَوَابُ الْحَجِّ فَهَاهُنَا لَا يَحْرُمُ ثَوَابُ الْجِهَادِ.\n١٨ - وَقَالَ: وَعَنْ خَيْثَمَةَ قَالَ: أَتَيْت أَبَا الدَّرْدَاءِ - ﵁ - فَقُلْت: رَجُلٌ أَوْصَى إلَيَّ فَأَمَرَنِي أَنْ أَضَعَ وَصِيَّتَهُ حَيْثُ تَأْمُرُنِي. فَقَالَ: لَوْ كُنْت أَنَا لَكُنْت أَضَعُهَا فِي الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَضَعَهَا فِي الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ. وَإِنَّمَا مَثَلُ الَّذِي يُنْفِقُ عِنْدَ الْمَوْتِ كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي إذَا شَبِعَ.","vol":"1","page":26},{"text":"فِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ صَحِيحَةٌ بِأَنْ تَقُولَ لِلْوَصِيِّ: ضَعْ ثُلُثَ مَالِي حَيْثُ أَحْبَبْت أَوْ حَيْثُ أَحَبَّهُ فُلَانٌ. وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ الصَّرْفَ إلَى فُقَرَاءِ الْمُجَاهِدِينَ أَوْلَى مِنْ الصَّرْفِ إلَى غَيْرِهِمْ.\nلِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الصَّدَقَةِ وَالْجِهَادَ بِالْمَالِ، وَإِيصَالَ مَنْفَعَةِ ذَلِكَ إلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ بِدَفْعِ أَذَى الْمُشْرِكِينَ عَنْهُمْ بِقُوَّتِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ مَعَ هَذَا كُلِّهِ لَا يَنَالُ هَذَا الْمُوصِي [مِنْ الثَّوَابِ] مَا كَانَ يَنَالُهُ إنْ لَوْ فَعَلَ بِنَفْسِهِ فِي حَيَاتِهِ. لِأَنَّ فِي حَيَاتِهِ كَانَ يُنْفِقُ الْمَالَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى: مَعَ حَاجَتِهِ إلَيْهِ، وَقَدْ زَالَتْ حَاجَتُهُ بِمَوْتِهِ. فَهُوَ كَاَلَّذِي يُهْدِي إذَا شَبِعَ. وَفِي نَظِيرِهِ قَالَ - ﵇ -: «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ أَنْ تَتَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَأْمُلُ الْعَيْشَ وَتَخْشَى الْفَقْرَ، لَا حَتَّى إذَا بَلَغْت هَذِهِ - وَأَشَارَ إلَى التَّرَاقِي - قُلْت: لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا. لَقَدْ كَانَ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ تَقُلْ» .\n١٩ - وَذَكَرَ بَعْدَ هَذَا عَنْ مَكْحُولٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يُجَاهِدْ أَوْ لَمْ يُعِنْ مُجَاهِدًا أَوْ لَمْ يَخْلُفْهُ فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ، أَصَابَتْهُ قَارِعَةٌ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَالْقَارِعَةُ هِيَ الدَّاهِيَةُ الَّتِي لَا يَحْتَمِلُهَا الْمَرْءُ وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ رَدِّهَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾ [الرعد: ٣١] الْآيَةَ. وَفِي هَذَا بَيَانُ فَضِيلَةِ الْجِهَادِ، وَنَيْلِ الثَّوَابِ بِالْإِعَانَةِ لِلْمُجَاهِدِ، وَعِظَمِ وِزْرِ مَنْ خَانَ الْمُجَاهِدَ فِي أَهْلِهِ. وَكَأَنَّ هَذِهِ الْخِصَالَ الثَّلَاثَةَ يَعْنِي تَرْكَ الْجِهَادِ، وَتَرْكَ إعَانَةِ الْمُجَاهِدِينَ، وَالْخِيَانَةَ لِلْمُجَاهِدِ فِي أَهْلِهِ، وَلَا تَجْتَمِعُ إلَّا فِي مُنَافِقٍ. وَالْوَعِيدُ الْمَذْكُورُ لَائِقٌ بِحَقِّ الْمُنَافِقِينَ.","vol":"1","page":27},{"text":"- قَالَ: وَذَكَرَ عَنْ الْحَسَنِ - ﵁ - قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: قَالَ رَبُّكُمْ: مَنْ خَرَجَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِي ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي فَأَنَا عَلَيْهِ ضَامِنٌ أَوْ هُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ، إنْ قَبَضْتُهُ أَدْخَلْته الْجَنَّةَ، وَإِنْ رَجَعْتُهُ رَجَعْته بِمَا أَصَابَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» . وَفِي الْحَدِيثِ بَيَانُ مَا وَعَدَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِهِ مِنْ الْغَنِيمَةِ فِي الدُّنْيَا، وَالْجَنَّةِ فِي الْآخِرَةِ.\nوَلَفْظُ الضَّمَانِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ لِبَيَانِ الْمَوْعُودِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ وَالتَّوَسُّعِ فِي الْعِبَارَةِ، وَلَا يَجِبُ لِأَحَدٍ عَلَى اللَّهِ (٢٠ آ) تَعَالَى ضَمَانٌ فِي الْحَقِيقَةِ، فَيَكُونُ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالتَّوَسُّعِ بِمِثْلِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ، فَيُقَالُ: إنَّ اللَّهَ ضَمِنَ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ، أَوْ يُقَالُ: رِزْقُ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ وَعَدَ لَهُمْ ذَلِكَ، وَهُوَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ.\n٢١ - قَالَ: وَذَكَر عَنْ الْحَسَنِ، قَالَ: «أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: ضَعُفْت عَنْ الْجِهَادِ، وَلِي مَالٌ، فَمُرْنِي بِعَمَلٍ إذَا عَمِلْته كُنْت بِمَنْزِلَةِ الْمُرَابِطِ. قَالَ: مُرْ بِالْمَعْرُوفِ، وَانْهَ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَأَعِنْ الضَّعِيفَ، وَأَرْشِدْ الْأَخْرَقَ، فَإِذَا فَعَلْت ذَلِكَ كُنْت بِمَنْزِلَةِ الْمُرَابِطِ» .\nفِي الْحَدِيثِ بَيَانُ عُلُوِّ دَرَجَةِ الْمُرَابِطِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ إذْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ طَلَبَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﵇ - أَنْ يُرْشِدَهُ إلَى مَا يَقُومُ مَقَامَ الْمُرَابِطِ فِي","vol":"1","page":28},{"text":"الثَّوَابِ. وَقَدْ أَرْشَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﵇ - إلَى ذَلِكَ فِيمَا قَالَ، لِأَنَّ الْجِهَادَ أَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ وَهُوَ الشِّرْكُ، وَإِعَانَةُ الضَّعِيفِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِدَفْعِ أَذَى الْمُشْرِكِينَ عَنْهُمْ، وَإِرْشَادُ الْأَخْرَقِ وَهُوَ الْمُشْرِكُ. فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِحَسَبِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَالِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُرَابِطِ.\n٢٢ - قَالَ: وَذَكَرَ بَعْدَ هَذَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: إذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِيَنِ، وَاتَّبَعْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَكَرِهْتُمْ الْجِهَادَ، ذَلَلْتُمْ حَتَّى يَطْمَعَ فِيكُمْ عَدُوُّكُمْ. الْعِيَنُ جَمْعُ عِينَةٍ وَهُوَ نَوْعُ بَيْعٍ أَحْدَثَهُ الْبُخَلَاءُ مِنْ أَكَلَةِ الرِّبَا لِلتَّحَرُّزِ عَنْ مَحْضِ الرِّبَا. وَقَدْ بَيَّنَّا صُورَتَهُ فِي \" الْجَامِعِ الصَّغِيرِ \" وَإِنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ - ﵁ - لِأَنَّ فِيهِ إظْهَارَ الْبُخْلِ وَتَرْكَ الِانْتِدَابِ إلَى مَا نَدَبَ إلَيْهِ الشَّرْعُ مِنْ إقْرَاضِ الْمُحْتَاجِ. وَقَوْلُهُ: \" وَاتَّبَعْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ \"، أَيْ اشْتَغَلْتُمْ بِالزِّرَاعَةِ وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ أَصْلًا.\nوَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِطَمَعِ الْعَدُوِّ فِي الْمُسْلِمِينَ وَكَرَّتِهِمْ عَلَيْهِمْ فَيَذِلُّونَ بِذَلِكَ.\n٢٣ - وَذَكَرَ بَعْدَ هَذَا عَنْ ضَمُرَةَ بْنِ حَبِيبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - قَالَ: «أَعْظَمُ الْقَوْمِ أَجْرًا خَادِمُهُمْ» . وَفِي الْحَدِيثِ حَثٌّ عَلَى الرَّغْبَةِ فِي خِدْمَةِ الْمُجَاهِدِينَ وَتَعَهُّدِ دَوَابِّهِمْ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الْمُجَاهِدِينَ مَعَ اسْتِحْقَاقِ صِفَةِ السِّيَادَةِ فِي الدُّنْيَا.","vol":"1","page":29},{"text":"قَالَ - ﵇ -: «سَيِّدُ الْقَوْمِ خَادِمُهُمْ» . هَذَا لِأَنَّ الْمُجَاهِدَ لَا يَتَفَرَّغُ لِلْجِهَادِ إلَّا إذَا كَانَ لَهُ مَنْ يَطْبُخُ وَيَرْبِطُ دَابَّتُهُ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ احْتَاجَ إلَى أَنْ يَفْعَلَ بِنَفْسِهِ فَيَتَقَاعَدَ عَنْ الْجِهَادِ، فَكَانَ الْخَادِمُ سَبَبًا لِلْجِهَادِ.\n٢٤ - وَذَكَرَ بَعْدَ هَذَا عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: أَرَدْت الْجِهَادَ فَأَخَذَ ابْنُ عُمَرَ بِرِكَابِي. فَأَبَيْت ذَلِكَ عَلَيْهِ فَقَالَ: أَتَكْرَهُ لِي الْأَجْرَ؟ فَقَدْ بَلَغَنَا أَنْ خَادِمَ الْمُجَاهِدِينَ فِي أَهْلِ الدُّنْيَا بِمَنْزِلَةِ جِبْرِيلَ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ.\n٢٥ - وَذَكَرَ بَعْدَ هَذَا عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ تُبَيْعٍ وَهُوَ ابْنُ امْرَأَةِ كَعْبٍ عَنْ كَعْبٍ قَالَ: إذَا (٢٠ ب) وَضَعَ الرَّجُلُ رِجْلَهُ فِي السَّفِينَةِ خَرَجَ مِنْ خَطَايَاهُ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ. الْمَائِدُ فِيهِ كَالْمُتَشَحِّطِ فِي دَمِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْغَرِيقُ فِيهِ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدَيْنِ، وَالصَّابِرُ فِيهِ كَالْمَلِكِ عَلَى رَأْسَهُ التَّاجُ. قَالَ مُحَمَّدٌ - ﵀ -: وَبِهِ نَأْخُذُ، فَنَقُولُ: لَا بَأْسَ بِغَزْوِ الْبَحْرَ وَهُوَ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ غَيْرِهِ. فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنْ مُرَادَ كَعْبٍ إذَا رَكِبَ السَّفِينَةَ عَلَى قَصْدِ الْجِهَادِ. وَمَا يَقُولُهُ كَعْبٌ فَإِمَّا أَنْ يَقُولَهُ مِنْ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ مِمَّا لَمْ يَظْهَرْ نَاسِخُهُ فِي شَرِيعَتِنَا، أَوْ يَقُولَهُ سَمَاعًا مِمَّنْ رُوِيَ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -[ثُمَّ] رُكُوبُ السَّفِينَةِ عَلَى قَصْدِ الْجِهَادِ إنَّمَا كَانَ أَفْضَلَ لِأَنَّهُ أَشَدُّ وَأَخْوَفُ، وَفِيهِ تَسْلِيمُ النَّفْسِ لِابْتِغَاءِ مَرْضَاةِ اللَّهِ. فَيَنَالُ بِهِ دَرَجَةَ الشَّهِيدِ فِي تَمْحِيصِ الْخَطَايَا.","vol":"1","page":30},{"text":"وَقَوْلُهُ: \" الْمَائِدُ فِيهِ \" يَعْنِي الْمَائِلُ لِمِيلِ السَّفِينَةِ عَنْ تَلَاطُمِ الْأَمْوَاجِ، فَهَذَا كَالْمُتَشَحِّطِ فِي دَمِهِ بَعْدَ مَا اُسْتُشْهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، لِأَنَّهُ مُعَايِنٌ سَبَبَ الْهَلَاكِ، آيِسٌ مِنْ نَفْسِهِ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ.\nوَالْغَرِيقُ فِيهِ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدَيْنِ. لِأَنَّهُ بَاذِلٌ نَفْسَهُ مَرَّتَيْنِ: حِينَ رَكِبَ السَّفِينَةَ وَحِينَ غَرِقَتْ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْهُ لِابْتِغَاءِ مَرْضَاةِ اللَّهِ. وَالصَّابِرُ فِيهِ كَالْمَلِكِ عَلَى رَأْسَهُ التَّاجُ: يَعْنِي إذَا لَمْ يَنْدَمْ عَلَى مَا صَنَعَ مَعَ مَا عَايَنَ مِنْ سَبَبِ الْغَرَقِ، فَقَدْ تَحَقَّقَ فِيهِ تَسْلِيمُ النَّفْسِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ كَالْمَلِكِ، وَإِنَّمَا شَبَّهَهُ بِالْمَلِكِ لِأَنَّ الْمَلِكَ يَنَالُ بَعْضَ شَهَوَاتِهِ وَالشَّهِيدَ فِي الْجَنَّةِ يَنَالُ كُلَّ شَهَوَاتِهِ. قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] .\nوَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ رُكُوبِ السَّفِينَةِ لِلْجِهَادِ ثَبَتَ جَوَازُ رُكُوبِهَا لِلْحَجِّ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى، لِأَنَّ فَرِيضَةَ الْحَجِّ أَقْوَى. وَكَذَلِكَ لَا بَأْسَ بِرُكُوبِهَا عَلَى قَصْدِ التِّجَارَةِ إذَا كَانَ الْغَالِبُ السَّلَامَةَ، وَهُوَ لَا يَمْنَعُ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي يَلْزَمُهُ فِيمَا يَسْتَفِيدُ مِنْ الْمَالِ.\n٢٦ - قَالَ: وَذَكَرَ بَعْدَ هَذَا «عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ قَالَ: غَزَوْت مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فِي وَلَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ الصَّائِفَةَ - وَالصَّائِفَةُ اسْمٌ لِلْجَيْشِ الْعَظِيمِ الَّذِينَ يَجْتَمِعُونَ فِي الصَّيْفِ، ثُمَّ يَغْزُونَ إذَا دَخَلَ الْخَرِيفُ وَطَابَ الْهَوَاءُ - قَالَ: فَنَزَلْنَا عَلَى حِصْنِ سِنَانٍ، فَضَيَّقَ","vol":"1","page":31},{"text":"النَّاسُ الْمَنَازِلَ وَقَطَعُوا الطَّرِيقَ. فَقَالَ رَجُلٌ: إنِّي غَزَوْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - غَزْوَةَ كَذَا. فَضَيَّقَ النَّاسُ الْمَنَازِلَ وَقَطَعُوا الطَّرِيقَ فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مُنَادِيًا فِي النَّاسِ: أَلَا مَنْ ضَيَّقَ مَنْزِلًا أَوْ قَطَعَ طَرِيقًا فَلَا جِهَادَ لَهُ» . مَعْنَى تَضْيِيقِ الْمَنْزِلِ أَنْ يَنْزِلَ بِالْقُرْبِ مِنْ مَوْضِعِ نُزُولِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى لَهُ الْمَرْبِطُ وَالْمَطْبَخُ وَمَوْضِعُ قَضَاءِ الْحَاجَةِ. وَهَذَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ، لِأَنَّ كُلَّ مَنْ نَزَلَ بِمَوْضِعٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ عَلَى مَا قَالَ - ﵇ -: «مِنًى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ» . فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْمُقَامِ فِي مَنْزِلِهِ إلَّا بِمَا حَوْلَهُ مِنْ مَوَاضِعِ قَضَاءِ حَاجَتِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ حَرِيمًا لِمَنْزِلِهِ، وَكَمَا لَا يَكُونُ لِغَيْرِهِ أَنْ يُزْعِجَهُ عَنْ مَنْزِلِهِ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَقْطَعَ عَنْهُ مَرَافِقَ مَنْزِلِهِ بِالتَّضْيِيقِ عَلَيْهِ.\nوَمَعْنَى قَطْعِ الطَّرِيقِ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى الْمَمَرِّ أَوْ بِالْقُرْبِ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ يَتَأَذَّى بِهِ الْمَارَّةُ (٢١ آ) .\nثُمَّ ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي الزَّجْرِ عَنْ هَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ فِي الْوَعِيدِ مَا قَالَ إنَّهُ لَا جِهَادَ لَهُ. أَيْ لَا يَنَالُ مِنْ ثَوَابِ الْمُجَاهِدِينَ مَا يَنَالُهُ مَنْ يَتَحَرَّز عَنْ ذَلِكَ، وَهَذَا لِأَنَّ الْجِهَادَ شَرْعٌ لِدَفْعِ الْأَذَى عَنْ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا الْحَالُ مُؤْذٍ لِلْمُسْلِمِينَ بِفِعْلِهِ.\n٢٧ - وَذَكَرَ بَعْدَ هَذَا عَنْ رَجُلٍ مِنْ الْكُلَاعِيِّينَ، اسْمُ قَبِيلَةٍ، مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: إيَّاكُمْ وَهَذِهِ السَّرَايَا، فَإِنَّهُمْ يَجْبُنُونَ وَيَغُلُّونَ. وَعَلَيْكُمْ بِفُسْطَاطِ الْمُؤْمِنِينَ وَجَمَاعَتِهِمْ.","vol":"1","page":32},{"text":"السَّرِيَّةُ اسْمٌ لِعَدَدٍ قَلِيلٍ يَدْخُلُونَ أَرْضَ الْحَرْبِ، سُمُّوا سَرِيَّةً لِأَنَّهُمْ يَسْرُونَ بِاللَّيْلِ وَيَكْمُنُونَ بِالنَّهَارِ. فَكُرِهَ الْخُرُوجُ مَعَهُمْ فِي الْجِهَادِ، وَبَيَّنَ أَنَّهُمْ يَجْبُنُونَ فَيَفِرُّونَ لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ إذَا حَزَبَهُمْ أَمْرٌ، وَيَغُلُّونَ إذَا أَصَابُوا شَيْئًا، لِأَنَّهُمْ لَا يَصْدُرُونَ عَنْ رَأْيِ أَمِيرِ مُطَاعٍ فِيهِمْ. وَهَذَا مَرْوًى «عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يَنْزِلَنَّ فِي الْخَيْلِ النَّفَلُ، يُرْوَى مُخَفَّفًا وَمُشَدَّدًا، فَإِنَّهُمْ إنْ يَغْنَمُوا يَغُلُّوا وَإِنْ يُقَاتِلُوا يَفِرُّوا» . وَالْمُرَادُ الْعَدَدُ الْقَلِيلُ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ مُتَلَصِّصِينَ مِنْ غَيْرِ أَمْرِ الْأَمِيرِ. سَمَّاهُمْ نَفْلًا؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُمْ النَّفَلُ وَهُوَ الْغَنِيمَةُ، أَوْ لِأَنَّهُمْ يَتَنَفَّلُونَ فِي الْخُرُوجِ، فَإِنَّ الْخُرُوجَ إنَّمَا يَلْزَمُهُمْ بِأَمْرِ الْإِمَامِ.\nوَأَمَّا الْفُسْطَاطُ الْمَذْكُورِ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ فَالْمُرَادُ بِهِ الْجَيْشُ الْعَظِيمُ. سُمِّيَ فُسْطَاطًا وَعَسْكَرًا لِكَثْرَةِ مَا يَسْتَصْحِبُونَهُ مِنْ الْفَسَاطِيطِ.\nوَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْغَازِي أَنْ يَخْتَارَ الْخُرُوجَ مَعَ هَؤُلَاءِ لَا مَعَ أَصْحَابِ السَّرَايَا، لِقَوْلِهِ - ﵇ -: «يَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ فَمَنْ شَذَّ شَذَّ فِي النَّارِ» .\n٢٨ - وَذَكَرَ بَعْدَهُ حَدِيثَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي الْحَثِّ عَلَى الْجِهَادِ وَبَيَانِ دَرَجَةِ الْخَارِجِ لِلْمُبَارِزَةِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي هَذَا الْبَابِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ.\n٢٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْت أَنْ أُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلَ ثُمَّ أَحْيَا، فَأُقْتَلَ ثُمَّ أَحْيَا، فَأُقْتَلَ ثُمَّ أَحْيَا» .","vol":"1","page":33},{"text":"كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ - ﵁ - يَقُولُ: أَشْهَدُ لِلَّهِ أَنَّهُ قَالَ ثَلَاثًا. أَشْهَدُ لِلَّهِ، أَيْ بِاَللَّهِ فِيهِ بَيَانُ دَرَجَةِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تَمَنَّاهَا لِنَفْسِهِ مَعَ عُلُوِّ دَرَجَتِهِ، وَتَمَنَّى تَكْرَارَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى لِيَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ مَا لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الدَّرَجَاتِ. وَبَيَانُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُوتُ وَلَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ فَيَتَمَنَّى الرُّجُوعَ إلَى الدُّنْيَا. وَلَهُ الدُّنْيَا بِمَا فِيهَا إلَّا الشَّهِيدَ» فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى الرُّجُوعَ لِيَسْتَشْهِد ثَانِيًا مِنْ عِظَمِ مَا يَنَالُ مِنْ الدَّرَجَةِ.\nوَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: «رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مُهْتَمًّا فَقَالَ: (٢١ ب) مَا لَكَ؟ فَقُلْت: اُسْتُشْهِدَ أَبِي وَتَرَكَ دَيْنًا وَعِيَالًا. فَقَالَ: أَلَا أُبَشِّرُك يَا جَابِرُ، إنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَلَّمَ أَبَاك كِفَاحًا. أَيْ شِفَاهًا فَقَالَ: تَمَنَّ يَا عَبْدَ اللَّهِ. فَقَالَ: أَتَمَنَّى أَنْ أَحْيَا لِأُقَاتِلَ فِي سَبِيلِك ثَانِيًا فَأُقْتَلَ. فَقَالَ: قَدْ سَبَقَ مِنِّي الْقَضَاءُ بِأَنَّهُمْ إلَيْهَا لَا يُرْجَعُونَ. وَلَكِنِّي أُبَلِّغُك الدَّرَجَةَ الَّتِي لِأَجْلِهَا تَتَمَنَّى مَا تَتَمَنَّى» .\n٣٠ - وَذَكَرَ عَنْ الْحَسَنِ - ﵀ - «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - بَعَثَ جَيْشًا وَفِيهِمْ ابْنُ رَوَاحَةَ. فَغَدَا الْجَيْشُ وَأَقَامَ ابْنُ رَوَاحَةَ لِيَشْهَدَ الصَّلَاةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -. فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ رَآهُ فَقَالَ: يَا ابْنَ رَوَاحَةَ أَلَمْ تَكُنْ فِي الْجَيْشِ؟ قَالَ: بَلَى. وَلَكِنِّي أَحْبَبْت أَنْ","vol":"1","page":34},{"text":"أَشْهَدَ مَعَك الصَّلَاةَ. وَقَدْ عَلِمْت مَنْزِلَهُمْ فَأَرُوحُ فَأُدْرِكُهُمْ. فَقَالَ: وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَدْرَكْت فَضْلَ غَدْوَتِهِمْ» .\nوَفِيهِ حَثٌّ عَلَى الْجِهَادِ وَالتَّبْكِيرِ لِلْخُرُوجِ إلَى الْجِهَادِ، وَأَنَّ مَنْ كَانَ عَلَى عَزْمِ الْخُرُوجِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْ أَصْحَابِهِ لِأَدَاءِ الصَّلَاةِ بِالْجَمَاعَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - قَالَ فِي حَقِّ ابْنِ رَوَاحَةَ مَا قَالَ، مَعَ أَنَّ الصَّلَاةَ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ أَفْضَلُ. وَفِي حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «غَدْوَةٌ أَوْ رَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» . فَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَا.\n٣١ - وَعَنْ الْحَسَنِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ - يَخْطُبُ فَقَالَ: يَا خَيْرَ النَّاسِ فَلَمْ يَفْهَمْ عُمَرُ - ﵁ - ذَلِكَ. فَقَالَ: مَا تَقُولُ؟ فَقَالُوا لَهُ: يَقُولُ: يَا خَيْرَ النَّاسِ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَدْنُ إلَيَّ، لَسْتُ بِخَيْرِ النَّاسِ. أَلَا أُنَبِّئُك بِخَيْرِ النَّاسِ؟ قَالَ: مَنْ هُوَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ عُمَرُ - ﵁ -: هُوَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ صَاحِبُ صِرْمَةِ إبِلٍ أَوْ غَنَمٍ، قَدِمَ بِإِبِلِهِ أَوْ غَنَمِهِ إلَى مِصْرٍ مِنْ الْأَمْصَارِ فَبَاعَهَا ثُمَّ أَنْفَقَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَكَانَ مَسْلَحَةً بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ. فَذَاكَ خَيْرُ النَّاسِ.\nوَالصِّرْمَةُ هِيَ الْقِطْعَةُ. وَالْمَسْلَحَةُ هِيَ الثَّغْرُ الَّذِي يُوضَعُ فِيهِ السِّلَاحُ","vol":"1","page":35},{"text":"أَوْ مَنْ يَحْمِلُ السِّلَاحَ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الرَّجُلُ الَّذِي يَحْمِلُ السِّلَاحَ بَيْنَ يَدَيْ السُّلْطَانِ: مَسْلَحَةً. وَإِنَّمَا قَالَ عُمَرُ: \" لَسْت بِخَيْرِ النَّاسِ، إظْهَارًا لِلتَّوَاضُعِ، فَقَدْ كَانَ هُوَ خَيْرَ النَّاسِ فِي أَيَّامِ خِلَافَتِهِ بَعْدَ وَفَاةِ الصِّدِّيقِ - ﵁ -. وَهُوَ نَظِيرُ مَا يُرْوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - ﵁ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي حَالِ خِلَافَتِهِ: أَقِيلُونِي فَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ. وَقَدْ كَانَ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -.\nوَإِنَّمَا جَعَلَ عُمَرُ - ﵁ - صَاحِبَ الصِّرْمَةِ خَيْرِ النَّاسِ لِأَنَّهُ بَذَلَ مِنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَخَيْرُ النَّاسِ مَنْ نَفَعَ النَّاسَ. وَقَدْ قَالَ - ﵇ -: «خَيْرُ النَّاسِ رَجُلٌ مُمْسِكٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ (٢٢ آ) فِي سَبِيلِ اللَّهِ سَمِعَ هَيْعَةً طَارَ إلَيْهَا» .\nثُمَّ قَالَ الرَّجُلُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنِّي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، وَإِنِّي أَجْفُو عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ الْعِلْمِ، فَعَلِّمْنِي مِمَّا عَلَّمَك رَسُولُ اللَّهِ: فَقَالَ عُمَرُ: أَلَيْسَ تَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: بَلَى قَالَ: وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ وَتَصُومُ رَمَضَانَ وَتَحُجُّ الْبَيْتَ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: عَلَيْك بِالْعَلَانِيَةِ وَإِيَّاكَ وَالسِّرَّ. عَلَيْك بِكُلِّ عَمَلٍ إذَا اُطُّلِعَ عَلَيْهِ مِنْك لَمْ يَفْضَحْك، وَإِيَّاكَ وَكُلَّ عَمَلٍ إذَا اُطُّلِعَ عَلَيْهِ مِنْك شَانَكَ وَفَضَحَك.\nقَوْلُهُ: \" أَجْفُو عَنْ أَشْيَاءَ؛ أَيْ أَجْهَلُ - وَلِهَذَا سُمِّيَ الَّذِينَ يَسْكُنُونَ الْقُرَى وَالْمَفَاوِزَ أَهْلَ الْجَفَاءِ؛ لِغَلَبَةِ الْجَهْلِ عَلَيْهِمْ. فَبَيَّنَ لَهُ عُمَرُ - ﵁ - مِمَّا ذَكَرَهُ أَنَّهُ عَالِمٌ","vol":"1","page":36},{"text":"وَلَيْسَ بِجَاهِلٍ] . فَكَأَنَّهُ اعْتَمَدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨] وَالْمُرَادُ الْمُومِنُونَ.\nوَمَعْنَى قَوْلِهِ: \" عَلَيْك بِالْعَلَانِيَةِ \"، أَيْ بِسُلُوكِ الطَّرِيقِ الْجَادَّةِ، وَهُوَ مَا عَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ، وَالتَّجَنُّبِ عَنْ الْمَذَاهِبِ الْبَاطِلَةِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ - ﵇ -: «عَلَيْكُمْ بِدِينِ الْعَجَائِزِ» .\nوَالسِّرُّ: مَا لَا يَعْرِفُهُ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ عَلَيْك فِي الصُّحْبَةِ مَعَ النَّاسِ بِاتِّبَاعِ الْعَلَانِيَةِ وَالِاكْتِفَاءِ بِمَا يَظْهَرُ لَك مِنْ حَالِهِمْ، وَعَلَيْك فِي مُعَامَلَةِ نَفْسِك بِكُلِّ عَمَلٍ إذَا اُطُّلِعَ عَلَيْهِ مِنْك لَمْ يُشِنْكَ، يَعْنِي لَا تَكُونُ سَرِيرَتُك مُخَالِفَةً لِعَلَانِيَتِك، وَمَا كُنْت تَمْتَنِعُ مِنْهُ إذَا كُنْت مَعَ النَّاسِ اسْتِحْيَاءً مِنْهُمْ فَامْتَنَعَ مِنْهُ إذْ خَلَوْت اسْتِحْيَاءً مِنْ اللَّهِ تَعَالَى. وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ شَانَهُ اللَّهُ وَفَضَحَهُ.\n٣٢ - خَتَمَ مُحَمَّدٌ - ﵀ - الْبَابَ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ مَاتَ مُرَابِطًا مَاتَ شَهِيدًا» . يَعْنِي لَهُ مِنْ الثَّوَابِ مَا لِلشَّهِيدِ لِأَنَّهُ بَذَلَ نَفْسَهُ لِابْتِغَاءِ مَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى، صَابِرًا عَلَى الْمُرَابَطَةِ حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِينُ. وَاَللَّهُ الْمُعِينُ.","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>[بَابُ وَصَايَا الْأُمَرَاءِ فِي بَعَثَ السَّرَايَا]</span>\n[بَابُ وَصَايَا الْأُمَرَاءِ]\n٣٣ - رُوِيَ حَدِيثُ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ بِرِوَايَةِ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - «أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - كَانَ إذَا بَعَثَ جَيْشًا أَوْ سَرِيَّةً قَالَ لَهُمْ: اُغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ» .\nوَقَدْ بَدَأَ مُحَمَّدٌ - ﵀ - \" السِّيَرَ الصَّغِيرَ \" بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ بَيَّنَّا فَوَائِدَ الْحَدِيثِ هُنَاكَ. ثُمَّ بَيَّنَ مَعْنَى قَوْلٍ - ﵇ - فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ: «وَإِنْ أَرَادُوكُمْ أَنْ تُعْطُوهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ فَلَا تُعْطُوهُمْ» . إنَّهُ إنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ لَا عَلَى وَجْهِ التَّحْرِيمِ بَلْ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الْإِخْفَارِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ. فَكَانَ الْأَوْزَاعِيُّ يَقُولُ: لَا يَجُوزُ إعْطَاءُ ذِمَّةِ اللَّهِ لِلْكُفَّارِ، وَيَتَمَسَّكُ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ. فَمُقْتَضَى مُطْلَقِ النَّهْيِ حُرْمَةُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.\nوَذُكِرَ هَذَا اللَّفْظُ فِي حَدِيثٍ يَرْوِيهِ عَلِيٌّ - ﵁ - بِطَرِيقِ أَهْلِ الْبَيْتِ أَنَّهُ قَالَ: «لَا تُعْطُوهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَلَا ذِمَّتِي، فَذِمَّتِي ذِمَّةُ اللَّهِ» وَإِنَّمَا كُرِهَ لَهُمْ عِنْدَنَا لِمَعْنًى فِي غَيْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. وَهُوَ أَنَّهُمْ قَدْ يَحْتَاجُونَ إلَى النَّقْضِ (٢٢ ب) لِمَصْلَحَةٍ يَرَوْنَهَا فِي ذَلِكَ. وَإِنْ يَنْقُضُوا عُهُودَهُمْ فَهُوَ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ. وَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ فَقَالَ:","vol":"1","page":38},{"text":"«فَإِنَّكُمْ إنْ تَخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ آبَائِكُمْ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ تَعَالَى» .\nوَالذِّمَّةُ هِيَ الْعَهْدُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ١٠] وَمِنْهُ سُمِّيَتْ الذِّمَّةُ لِلْآدَمِيِّ فَإِنَّهُ مَحَلُّ الِالْتِزَامِ بِالْعَهْدِ. وَالْمُرَادُ بِذِمَمِهِمْ وَذِمَمِ آبَائِهِمْ الْحِلْفُ وَالْمُحَالَفَةُ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَمَعْنَى الْإِخْفَارِ هُوَ نَقْضُ الْعَهْدِ يُقَالُ: خَفَرُوا إذَا عَاهَدُوا، وَأَخْفَرُوا إذَا نَقَضُوا الْعَهْدَ. وَذَلِكَ لَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] مِنْكُمْ وَمِنْهُمْ فِي الْعِلْمِ. وَذَلِكَ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الْغَدْرِ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١] مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. وَأَيَّدَ مَا قُلْنَا قَوْلُهُ - ﵇ -: «ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ وَمَنْ كُنْت خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ، وَقَالَ فِي تِلْكَ الْجُمْلَةِ: رَجُلٌ أُعْطَى ذِمَّتِي ثُمَّ خَفَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا وَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ»، فَفِيهِ بَيَانٌ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِإِعْطَاءِ ذِمَّتِهِ وَلَكِنْ يَحْرُمُ الْغَدْرُ، وَأُمَرَاءُ الْجُيُوشِ كَانُوا يُعْطُونَ الْأَمَانَ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ - ﵄ -. فَدَلَّ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ.\n٣٤ - ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ - ﵁ - قَالَ: بَعَثَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - ﵁ - يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى جَيْشٍ، فَخَرَجَ مَعَهُ يَمْشِي وَهُوَ يُوصِيهِ. فَقَالَ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ أَنَا الرَّاكِبُ وَأَنْتَ","vol":"1","page":39},{"text":"الْمَاشِي، فَإِمَّا أَنْ تَرْكَبَ وَإِمَّا أَنْ أَنْزِلَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ - مَا أَنَا بِاَلَّذِي أَرْكَبُ وَلَا أَنْتَ بِاَلَّذِي تَنْزِلُ إنِّي أَحْتَسِبُ خُطَايَ هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. الْحَدِيثَ. فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَغْتَنِمَ الْمَشْيَ فِي تَشْيِيعِ الْغُزَاةِ، عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ، كَمَا فَعَلَهُ الصِّدِّيقُ - ﵁ -. وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» .\nوَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ - ﵁ -: «مَا اجْتَمَعَ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ فِي جَوْفِ مُسْلِمٍ» .\n٣٥ - وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ بَعْدَ هَذَا حَدِيثَ أَبِي بَكْرٍ - ﵁ - بِطَرِيقٍ آخَرَ أَنَّهُ أَتَى بِرَاحِلَتِهِ لِيَرْكَبَ. فَقَالَ: بَلْ أَمْشِي، فَقَادُوا رَاحِلَتَهُ وَهُوَ يَمْشِي، وَخَلَعَ نَعْلَيْهِ وَأَمْسَكَهُمَا بِإِصْبَعَيْهِ رَغْبَةً أَنْ تَغَبَّرَ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ - «هَذَا اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ - ﵇ -، فَإِنَّهُ حِينَ بَعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ شَيَّعَهُ وَمَشَى مَعَهُ مِيلًا أَوْ مِيلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ» . وَنَظِيرُ هَذَا مَا رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ - ﵄ - «أَنَّهُ كَانَ يَمْشِي فِي طَرِيقِ الْحَجِّ وَنَجَائِبُهُ تُقَادُ إلَى جَنْبِهِ. فَقِيلَ لَهُ: أَلَا تَرْكَبُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ - ﵇ -؟ فَقَالَ: لَا. إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﵇ يَقُولُ: مَنْ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَمْ تَمَسَّهُمَا نَارُ جَهَنَّمَ» (٢٣ آ) . فَالْمُسْتَحَبُّ لِمَنْ يُشَيِّعُ الْحَاجَّ أَوْ الْغُزَاةَ أَنْ يَفْعَلَ كَمَا فَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ -","vol":"1","page":40},{"text":"ثُمَّ قَالَ: إنِّي مُوصِيك بِعَشْرٍ فَاحْفَظْهُنَّ: (١) إنَّك سَتَلْقَى أَقْوَامًا زَعَمُوا أَنَّهُمْ قَدْ فَرَّغُوا أَنْفُسَهُمْ لِلَّهِ فِي الصَّوَامِعِ، فَذَرْهُمْ وَمَا فَرَّغُوا لَهُ أَنْفُسَهُمْ.\nوَبِهِ يَسْتَدِلُّ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ - ﵄ - فِي أَنَّ أَصْحَابَ الصَّوَامِعِ لَا يُقْتَلُونَ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا.\nوَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - ﵀ - قَالَ: سَأَلْت أَبَا حَنِيفَةَ عَنْ قَتْلِ أَصْحَابِ الصَّوَامِعِ فَرَأَى قَتْلَهُمْ حَسَنًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا إذَا كَانُوا يَنْزِلُونَ إلَى النَّاسِ وَيَصْعَدُ النَّاسُ إلَيْهِمْ فَيَصْدُرُونَ عَنْ رَأْيِهِمْ فِي الْقِتَالِ يُقْتَلُونَ، فَأَمَّا إذَا أَغْلَقُوا أَبْوَابَ الصَّوَامِعِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَإِنَّهُمْ لَا يُقْتَلُونَ. وَهُوَ الْمُرَادُ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ - ﵁ - لِتَرْكِهِمْ الْقِتَالَ أَصْلًا. وَهَذَا لِأَنَّ الْمُبِيحَ لِلْقَتْلِ شَرُّهُمْ مِنْ حَيْثُ الْمُحَارَبَةُ، فَإِذَا أَغْلَقُوا الْبَابَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ انْدَفَعَ شَرُّهُمْ مُبَاشَرَةً وَتَسْبِيبًا. فَأَمَّا إذَا كَانَ لَهُمْ رَأْيٌ فِي الْحَرْبِ وَهُمْ يَصْدُرُونَ عَنْ رَأْيِهِمْ فَهُمْ مُحَارِبُونَ تَسْبِيبًا فَيُقْتَلُونَ.\n\n(٢) قَالَ: وَسَتَلْقَى أَقْوَامًا قَدْ حَلَقُوا أَوْسَاطَ رُءُوسِهِمْ، فَافْلِقُوهَا بِالسَّيْفِ. وَالْمُرَادُ الشَّمَامِسَةُ، وَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْعَلَوِيَّةِ فِينَا. وَهُمْ أَوْلَادُ هَارُونَ - ﵇ -. فَقَدْ أَشَارَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِطَرِيقٍ آخَرَ: وَتَرَكُوا شُعُورًا كَالْعَصَائِبِ. يَصْدُرُ النَّاسُ عَنْ رَأْيِهِمْ فِي الْقِتَالِ وَيَحُثُّونَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَمِنْهُمْ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ، قَتْلُهُمْ أَوْلَى مِنْ قَتْلِ غَيْرِهِمْ.\nوَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِطَرِيقٍ آخَرَ فَقَالَ: فَاضْرِبُوا مَقَاعِدَ الشَّيَاطِينِ مِنْهَا بِالسُّيُوفِ أَيْ فِي أَوْسَاطِ رُءُوسِهِمْ الْمَحْلُوقَةِ. وَاَللَّهِ لَأَنْ","vol":"1","page":41},{"text":"أَقْتُلَ رَجُلًا مِنْهُمْ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْتُلَ سَبْعِينَ مِنْ غَيْرِهِمْ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢] وَالْمُرَادُ بِمَقَاعِد الشَّيَاطِينِ شَعْرُ رُءُوسِهِمْ، وَذَلِكَ يَكُونُ فِي الرَّأْسِ، كَمَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ - فِي إقَامَةِ الْحَدِّ: اضْرِبُوا الرَّأْسَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ فِي الرَّأْسِ.\n\n(٣) قَالَ: وَلَا تَقْتُلَنَّ مَوْلُودًا. وَمَا مِنْ أَحَدٍ إلَّا وَهُوَ مَوْلُودٌ، لَكِنَّ الْمُرَادَ هُوَ الصَّبِيُّ، سَمَّاهُ مَوْلُودًا لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْوِلَادَةِ. وَالْمُرَادُ بِهِ إذَا كَانَ لَا يُقَاتِلُ. فَسَّرَهُ فِي الطَّرِيقِ الْآخَرِ فَقَالَ: لَا تَقْتُلَنَّ صَغِيرًا ضَرْعًا. (٤) قَالَ: وَلَا امْرَأَةً. وَالْمُرَادُ بِهِ إذَا كَانَتْ لَا تُقَاتِلُ، عَلَى مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - مَرَّ بِامْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ فَقَالَ: هَاهْ، مَا كَانَتْ هَذِهِ تُقَاتِلُ، أَدْرِكْ خَالِدًا فَقُلْ لَهُ: لَا تَقْتُلَنَّ ذُرِّيَّةً وَلَا عَسِيفًا» .\n\n(٥) قَالَ: وَلَا شَيْخًا كَبِيرًا.\nوَفِي رِوَايَةٍ: فَانِيًا. يَعْنِي إذَا كَانَ لَا يُقَاتِلُ، وَلَا رَأَى لَهُ فِي ذَلِكَ، فَأَمَّا إذَا كَانَ يُقَاتِلُ أَوْ يَكُونُ لَهُ رَأْيٌ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ. عَلَى مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - أَمَرَ بِقَتْلِ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ. وَكَانَ ذَا رَأْيٍ فِي الْحَرْبِ»، فَأَشَارَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَرْفَعُوا الظَّعْنَ إلَى عَلْيَاءِ بِلَادِهِمْ. وَأَنْ يَلْقَى الرِّجَالُ الْعَدُوَّ بِسُيُوفِهِمْ عَلَى مُتُونِ الْخَيْلِ. فَلَمْ يَقْبَلُوا رَأْيَهُ. وَقَاتَلُوا مَعَ أَهَالِيِهِمْ، وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ انْهِزَامِهِمْ. وَفِيهِ يَقُولُ (٢٣ ب) دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ:\nأَمَرْتُهُمْ أَمْرِي بِمُنْعَرِجِ اللِّوَى ... فَلَمْ يَسْتَبِينُوا الرُّشْدَ حَتَّى ضُحَى الْغَدِ","vol":"1","page":42},{"text":"فَلَمَّا عَصَوْنِي كُنْت مِنْهُمْ وَقَدْ أَرَى ... غَوَايَتَهُمْ وَأَنَّنِي غَيْرُ مُهْتَدٍ\nفَلَمَّا كَانَ ذَا الرَّأْيِ فِي الْحَرْبِ قَتَلَهُ النَّبِيُّ - ﵇ -\n\nقَالَ: (٦ - ٨) وَلَا تَعْقِرَنَّ شَجَرًا بَدَا ثَمَرُهُ، وَلَا تَحْرِقَنَّ نَخْلًا وَلَا تَقْطَعَنَّ كَرْمًا. وَبِظَاهِرِ الْحَدِيثِ اسْتَدَلَّ الْأَوْزَاعِيُّ فَقَالَ: لَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَفْعَلُوا شَيْئًا مِمَّا يَرْجِعُ إلَى التَّخْرِيبِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، لِأَنَّ ذَلِكَ فَسَادٌ، ﴿وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، وَلِمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ - ﵁ - «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَذْكُرُ هَذَا فِي وَصَايَاهُ لِأُمَرَاءِ السَّرَايَا» .\nذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ وَقَالَ فِيهِ: إلَّا شَجَرًا يَضُرُّكُمْ، أَيْ يَحُولُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ قِتَالِ الْعَدُوِّ. وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا بِمَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ: «أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَى نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْتَبِرَ بِمَلَكُوتِ الْأَرْضِ فَلْيَنْظُرْ إلَى مُلْكِ آلِ دَاوُد وَأَهْلِ فَارِسَ. فَقَالَ ذَلِكَ النَّبِيُّ: أَمَّا أَهْلُ دَاوُد فَهُمْ أَهْلٌ لِمَا أَكْرَمْتهمْ بِهِ، فَمَنْ أَهْلُ فَارِسَ؟ فَقَالَ: إنَّهُمْ عَمَّرُوا بِلَادِي فَعَاشَ فِيهَا عِبَادِي» . وَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ السَّعْيَ فِي الْعِمَارَةِ مَحْمُودٌ تَبَيَّنَ أَنَّ السَّعْيَ فِي التَّخْرِيبِ مَذْمُومٌ. وَلَكِنَّا نَقُولُ: لَمَّا جَازَ قَتْلُ النُّفُوسِ، وَهُوَ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لِكَسْرِ شَوْكَتِهِمْ فَمَا دُونَهُ مِنْ تَخْرِيبِ الْبُنْيَانِ وَقَطْعِ الْأَشْجَارِ لَأَنْ يَجُوزَ أَوْلَى.","vol":"1","page":43},{"text":"وَبَيَانُ هَذَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠] .\nوَتَأْوِيلُ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ مَا أَشَارَ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ - ﵀ - فِي \" الْكِتَابِ \" بَعْدَ هَذَا: أَنَّهُ عَلِمَ بِإِخْبَارِ النَّبِيِّ - ﵇ - أَنَّ الشَّامَ تُفْتَحُ وَتَصِيرُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَنَهَاهُمْ عَنْ التَّخْرِيبِ وَقَطْعِ الْأَشْجَارِ. عَلَى مَا بَيَّنَهُ بَعْدَ هَذَا. وَهُوَ تَأْوِيلُ الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ عَنْ النَّبِيِّ - ﵇ - أَيْضًا. أَلَا تَرَى أَنَّهُ نَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى حِصْنِ ثَقِيفٍ وَفِيهِ مِنْ التَّخْرِيبِ مَا لَا يَخْفَى.\n\n(٩ - ١٠) قَالَ: وَلَا تَذْبَحَنَّ بَقَرَةً وَلَا شَاةً، وَلَا مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْمَوَاشِي إلَّا لِأَكْلٍ. لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - نَهَى عَنْ ذَبْحِ الْحَيَوَانِ إلَّا لِأَكْلِهِ» . وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْغَانِمِينَ تَنَاوُلُ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَأَنَّ ذَبْحَ الْمَأْكُولِ لِلْأَكْلِ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ. ثُمَّ مُحَمَّدٌ - ﵀ - أَعَادَ هَذَا الْحَدِيثَ بِطَرِيقٍ آخَرَ وَزَادَ فِي آخِرِهِ: وَلَا تَغُلَّنَّ. وَفِيهِ بَيَانُ حُرْمَةِ الْغُلُولِ، وَهُوَ اسْمٌ لِأَخْذِ بَعْضِ الْغَانِمِينَ شَيْئًا مِنْ الْغَنِيمَةِ سِرًّا لِنَفْسِهِ سِوَى الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ، وَذَلِكَ حَرَامٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] وَقَالَ - ﵇ -: «الْغُلُولُ مِنْ جَمْرِ جَهَنَّمَ» .","vol":"1","page":44},{"text":"قَالَ: وَلَا تَجْبُنَنَّ. وَهَذَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾ [آل عمران: ١٣٩] أَيْ وَلَا تَضْعُفُوا عَنْ الْقِتَالِ وَإِظْهَارِ الْغُزَاةِ الْجُبْنَ لِضَعْفِهِمْ عَنْ الْقِتَالِ.\nقَالَ: وَلَا (٢٤ آ) تُفْسِدَنَّ وَلَا تَعْصِيَنَّ. قِيلَ مَعْنَاهُ: وَلَا تَعْصِينِي فِيمَا أَمَرْتُك بِهِ، فَفَائِدَةُ الْوَصِيَّةِ إنَّمَا تَظْهَرُ بِالطَّاعَةِ. وَقِيلَ مَعْنَاهُ: إنْ كُنْت تَطْلُبُ النُّصْرَةَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا تَعْصِهِ.\n٣٦ - ثُمَّ أَعَادَ مُحَمَّدٌ - ﵀ - الْحَدِيثَ بِطَرِيقٍ ثَالِثٍ بِرِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ الْحَضْرَمِيِّ قَالَ: لَمَّا جَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ - الْجُيُوشَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَهِيَ جُيُوشٌ عَلَى بَعْضِهَا أَمَّرَ شُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ، وَعَلَى بَعْضِهَا يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، وَعَلَى بَعْضِهَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - وَأَمَرَهُمْ بِأَنْ يَخْرُجُوا وَيَجْتَمِعُوا فِي بِيَارِ بَنِي شُرَحْبِيلَ، وَهِيَ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ مِنْ الْمَدِينَةِ.\nوَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ إذَا أَرَادَ أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشًا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِأَنْ يُعَسْكِرُوا خَارِجًا مِنْ الْبَلْدَةِ فِي مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ لِيَجْتَمِعُوا فِيهِ، لِأَنَّ ارْتِحَالَهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بَعْدَ مَا اجْتَمَعُوا فِيهِ أَيْسَرُ مِنْ ارْتِحَالِهِمْ مِنْ بُيُوتِهِمْ جُمْلَةً.\nثُمَّ أَتَاهُمْ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ - وَصَلَّى بِهِمْ الظُّهْرَ، ثُمَّ قَامَ فِيهِمْ","vol":"1","page":45},{"text":"فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إنَّكُمْ تَنْطَلِقُونَ إلَى أَرْضِ الشَّامِ وَهِيَ أَرْضٌ سَبِعَةٌ (بِالسِّينِ) .\nوَفَسَّرُوهُ بِكَثْرَةِ السِّبَاعِ الْمُؤْذِيَةِ فِيهَا، وَهُوَ تَصْحِيفُ شُبْعَةٍ أَيْ كَثِيرَةُ النِّعَمِ بِهَا يَشْبَعُ الْمَرْءُ مِنْ كَثْرَةِ مَا يَرَى مِنْ النِّعَمِ، فَكَأَنَّهُ رَغَّبَهُمْ فِي التَّوَجُّهِ إلَيْهَا فَقَالَ إنَّكُمْ تَنْتَقِلُونَ مِنْ الْجُوعِ وَاللَّأْوَاءِ بِالْمَدِينَةِ إلَى مِثْلِ هَذِهِ الْأَرْضِ الْمُخَصَّبَةِ. قَالَ: وَإِنَّ اللَّهَ نَاصِرُكُمْ، وَمُمَكِّنٌ لَكُمْ حَتَّى تَتَّخِذُوا فِيهَا مَسَاجِدَ فَلَا يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّكُمْ إنَّمَا تَأْتُونَهَا تَلَهِّيًا.\nوَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ سَمَاعًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -. فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ مَعْرُوفٍ عَنْ النَّبِيِّ - ﵇ - قَالَ: «إنَّكُمْ سَتَظْهَرُونَ عَلَى كُنُوزِ كِسْرَى وَقَيْصَرَ» . وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ إنَّمَا نَهَاهُمْ عَنْ التَّخْرِيبِ وَقَطْعِ الْأَشْجَارِ لِعِلْمِهِ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يَصِيرُ لِلْمُسْلِمِينَ. وَإِنَّمَا كَرِهَ أَنْ يَأْتُوهَا تَلَهِّيًا لِأَنَّهُمْ خَرَجُوا لِلْجِهَادِ، وَالْجِهَادُ مِنْ الدِّينِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَذَرْ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ [الأنعام: ٧٠] .\nقَالَ: وَإِيَّاكُمْ وَالْأَشَرَّ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ لِتَأْشَرُنَّ. وَالْأَشَرُّ: نَوْعُ طُغْيَانٍ يَظْهَرُ لِمَنْ اسْتَغْنَى. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ [العلق: ٦] ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٧] . فَلِهَذَا أَقْسَمَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ - أَنَّهُمْ يُبْتَلَوْنَ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَا يُصِيبُونَ مِنْ الْأَمْوَالِ مَعَ نَهْيِهِ إيَّاهُمْ عَنْ ذَلِكَ.\nثُمَّ الْحَدِيثُ إلَى آخِرِهِ مَذْكُورٌ فِي الْأَصْلِ، إلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ إذَا أَنَا انْصَرَفْت مِنْ مُقَامِي هَذَا فَارْكَبُوا ظُهُورَكُمْ، ثُمَّ صُفُّوا إلَيَّ صَفًّا وَاحِدًا حَتَّى آتِيكُمْ. وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَ إذَا عَرَضَ الْجَيْشَ.","vol":"1","page":46},{"text":"قَالَ: فَمَرَّ عَلَى أَوَّلِهِمْ حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِهِمْ، يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اقْبِضْهُمْ بِمَا قَبَضْت بِهِ بَنِي إسْرَائِيل (٢٤ ب) بِالطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ. انْطَلَقُوا مَوْعِدُكُمْ اللَّهُ. [وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ هَذَا أَنَّهُ حَثَّهُمْ عَلَى أَنْ يَخْرُجُوا لَا عَلَى قَصْدِ الرُّجُوعِ، فَإِنَّ تَسْلِيمَ النَّفْسِ لِابْتِغَاءِ مَرْضَاةِ اللَّهِ بِهِ يَتِمُّ، وَدَعَا لَهُمْ بِالشَّهَادَةِ فِي قَوْلِهِ: \" اللَّهُمَّ اقْبِضْهُمْ بِمَا قَبَضْت بِهِ بَنِي إسْرَائِيلَ \"] .\n[وَقِيلَ] مُرَادُهُ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵇ -: «فَنَاءُ أُمَّتِي بِالطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ» . وَقَدْ كَانَ يَكْثُرُ ذَلِكَ بِالشَّامِ. فَسَأَلَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ - لَهُمْ دَرَجَةَ الشَّهَادَةِ إنْ اُبْتُلُوا بِذَلِكَ. فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَدْعُوَ لِغَيْرِهِ بِالشَّهَادَةِ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ دُعَاءً بِالْمَوْتِ صُورَةً فَهُوَ دُعَاءٌ بِالْحَيَاةِ مَعْنًى. وَبَيَّنَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّ هَذَا آخِرُ الْعَهْدِ بِلِقَائِهِمْ. فَأَمَّا إنْ كَانَ مُرَادُهُ الْإِخْبَارَ بِقُرْبِ أَجَلِهِ أَوْ الْإِخْبَارَ بِأَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ إلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَلْقَاهُمْ قَبْلَ الْقِيَامَةِ.\n\nقَالَ: فَانْطَلَقُوا حَتَّى نَزَلُوا بِالشَّامِ. وَجَمَعَتْ لَهُمْ الرُّومُ جُمُوعًا عَظِيمَةً مِنْ مَدَائِنِ الشَّامِ. فَحُدِّثَ بِذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ -. فَأَرْسَلَ إلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَهُوَ بِالْعِرَاقِ، أَنْ انْصَرِفْ بِثَلَاثَةِ آلَافِ فَارِسٍ فَأَمِدَّ بِهِمْ إخْوَانَك بِالشَّامِ. ثُمَّ قَالَ: الْعَجَلَ الْعَجَلَ. فَوَاَللَّهِ لَقَرْيَةٌ مِنْ قُرَى الشَّامِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ رُسْتَاقٍ عَظِيمٍ مِنْ الْعِرَاقِ.","vol":"1","page":47},{"text":"وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنَّهُ إذَا بَلَغَهُ كَثْرَةُ جَمْعِ الْأَعْدَاءِ عَلَى جَيْشٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَمُدَّهُمْ لِيَتَقَوَّوْا بِهِ، وَأَنْ يَحُثَّ الْمَدَدَ عَلَى التَّعْجِيلِ لِيَحْصُلَ الْمَقْصُودُ بِوُصُولِهِمْ إلَيْهِمْ قَبْلَ أَنْ يَنْهَزِمُوا. فَالْمُنْهَزِمُ لَا يَرُدُّهُ شَيْءٌ.\nوَإِنَّمَا قَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ الشَّامَ عَلَى الْعِرَاقِ لِأَنَّ الشَّامَ بَلْدَةٌ مُبَارَكَةٌ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْمُرْسَلِينَ. قَالَ: فَأَقْبَلَ خَالِدٌ مُغِذًّا جَوَادًا بِمِنْ مَعَهُ.\nيُرِيدُ بِقَوْلِهِ: \" مُغِذًّا \" أَيْ مُسْرِعًا مُنْقَادًا لِمَا أَتَى مِنْ أَمْرِ الْخَلِيفَةِ، يُقَالُ: أَغَذَّ الْقَوْمُ إذَا أَسْرَعُوا السَّيْرَ. ثُمَّ شَقَّ الْأَرْضَ حَتَّى خَرَجَ إلَى ضُمَيْرٍ وذنبة فَوَجَدَ الْمُسْلِمِينَ مُعَسْكِرِينَ بِالْجَابِيَةِ.\nقَالَ: فَتَسَامَعَ بِخَالِدٍ أَعْرَابُ الْعَرَبِ الَّذِي كَانُوا فِي مَمْلَكَةِ الرُّومِ فَفَزِعُوا لَهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَشْهُورًا بِالْجَلَادَةِ. وَقَدْ سَمَّاهُ النَّبِيُّ - ﵇ - سَيْفَ اللَّهِ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ قَائِلُهُمْ: شِعْرٌ\nأَلَا فَأَصْبِحِينَا قَبْلَ خَيْلِ أَبِي بَكْرِ ... لَعَلَّ مَنَايَانَا قَرِيبٌ وَمَا نَدْرِي\nوَقِصَّةُ هَذَا مَذْكُورَةٌ فِي الْمَغَازِي أَنَّ قَائِلَ هَذَا الْبَيْتِ كَانَ رَجُلًا مِنْ","vol":"1","page":48},{"text":"عُظَمَاءِ الْمُرْتَدِّينَ أَتَتْهُ جَارِيَتُهُ بِقَصْعَةٍ فِيهَا شَرَابٌ. فَأَسْنَدَ ظَهْرَهُ إلَى حَائِطٍ وَذَكَرَ هَذَا الْبَيْتَ. ثُمَّ جَعَلَ يَشْرَبُ، فَاتَّفَقَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ خَالِدٍ تَسَوَّرَ الْحَائِطَ فَلَمَّا سُمِعَ ضُرِبَ عَلَى عَاتِقِهِ ضَرْبَةً نَدَرَ مِنْهَا رَأْسُهُ فِي الْقَصْعَةِ. قَالَ: فَنَزَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَلَى الْأُمَرَاءِ الثَّلَاثَةِ. وَسَارَتْ الرُّومُ مِنْ أَنْطَاكِيَةَ وَحَلَبَ وَقِنَّسْرِينَ وَحِمْصَ وَحَمَاةَ وَخَرَجَ هِرَقْلُ كَارِهًا لِمَسِيرِهِمْ مُتَوَجِّهًا نَحْوَ أَرْضِ الرُّومِ.\nوَسَارَ بَاهَانُ فِي الْهَرْمِينِيَّةِ إلَى النَّاسِ بِمَنْ كَانَ مَعَهُ، وَهِرَقْلُ مَلِكُ الرُّومُ، وَبَاهَانُ صَاحِبُ جَيْشِهِ. فَتَبَيَّنَ أَنَّهُمْ اجْتَمَعُوا عَنْ آخِرِهِمْ. وَاجْتَمَعَ أُمَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ فِي خِبَاءٍ يُبْرِمُونَ أَمْرَ الْحَرْبِ بَيْنَهُمْ، وَعِنْدَهُمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ قُضَاعَةُ قَدْ بَعَثُوهُ فَاجْتَسَّ لَهُمْ أَمْرَ الْقَوْمِ، ثُمَّ جَاءَهُمْ فَخَلَوْا بِهِ. أَيْ بَعَثُوهُ جَاسُوسًا. وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِأَمِيرِ الْجَيْشِ أَنْ يَبْعَثَ (٢٥ آ) جَاسُوسًا يَأْتِيهِ بِمَا يَعْزِمُ عَلَيْهِ الْعَدُوُّ مِنْ الرَّأْيِ، وَأَنْ يَخْلُوَ بِهِ إذَا رَجَعَ لِكَيْ لَا يَشْتَهِرَ هُوَ، وَلِكَيْ لَا يَقِفَ جَمِيعُ الْجَيْشِ عَلَى مَا قَصَدَهُ الْعَدُوُّ، فَلَا يَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِجُبْنِهِمْ. قَالَ: فَأَقْبَلَ أَبُو سُفْيَانَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَصَاهُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. فَقَالُوا: وَعَلَيْك السَّلَامُ. لَا تَقْرَبْنَا.","vol":"1","page":49},{"text":"وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَّهِمُونَهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَحْسُنْ إسْلَامُهُ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَا كُنْت أَرَى أَنَّ أَعِيشَ حَتَّى أَكُونَ بِحَضْرَةِ قَوْمٍ مِنْ قُرَيْشٍ يُبْرِمُونَ أَمْرَ حَرْبِهِمْ وَأَنَا بَيْنَهُمْ وَلَا يُحْضِرُونِي أَمْرَهُمْ. وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا لِأَنَّهُ كَانَ مَشْهُورًا بَيْنَهُمْ بِالرَّأْيِ فِي الْحَرْبِ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَلْ لَكُمْ فِي رَأْيِ شَيْخِكُمْ، فَإِنَّ لَهُ رَأْيًا فِي الْحَرْبِ، قَالُوا: نَعَمْ. فَدَعَوْهُ فَدَخَلَ. فَقَالُوا: أَشِرْ عَلَيْنَا، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَنْتُمْ الْأُمَرَاءُ، فَقَالُوا: مَا بِنَا غِنًى عَنْ رَأْيِك، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: كَأَنِّي أَرَى فِي الْمَرْجِ تَلًّا عَظِيمًا، قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَإِنِّي أَرَى أَنْ تَرْتَحِلُوا حَتَّى تَجْعَلُوا ذَلِكَ التَّلَّ خَلْفَ ظُهُورِكُمْ، ثُمَّ تُؤَمِّرُوا عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ عَلَى خَيْلٍ، وَتَجْعَلُوا مَعَهُ كُلَّ نَابِضٍ بِوِتْرٍ - أَيْ رَامٍ عَنْ قَوْسٍ - فَإِنَّ لِي بِهِ خَبَرًا - أَيْ عِلْمًا بِأَنَّهُ يَصْلُحُ لِذَلِكَ - فَإِذَا نَادَى بِلَالٌ النِّدَاءَ الْأَوَّلَ لِصَلَاةِ الْغَدَاةِ فَلْيَخْرُجْ عِكْرِمَةُ، وَتِلْكَ الرُّمَاةُ مَعَهُ، فَلْيَصِفْ أُولَئِكَ الرُّمَاةُ عِنْدَ صُدُورِ خُيُولِهِمْ، فَإِنْ هَاجَهُمْ هَيْجٌ مِنْ اللَّيْلِ كَانُوا مُسْتَعِدِّينَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى. وَهَذَا رَأْيٌ حَسَنٌ أَشَارَ بِهِ عَلَيْهِمْ.\nوَقَدْ كَانَ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﵇ - يَوْمَ أُحُدٍ، وَكَانَ سَبَبًا لِانْهِزَامِ الْمُشْرِكِينَ لَوْلَا مَا ظَهَرَ مِنْ عِصْيَانِ الرُّمَاةِ وَهُوَ طَلَبُهُمْ الْغَنِيمَةَ، عَلَى مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ، وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] .","vol":"1","page":50},{"text":"قَالَ: فَقَبِلُوا ذَلِكَ مِنْ رَأْيِ أَبِي سُفْيَانَ - لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّهُ قَدْ نَصَحَهُمْ - وَأَقْبَلَتْ خَيْلٌ مِنْ الرُّومِ عَظِيمَةٌ تُرِيدُ بَيَاتَهُمْ فَسَمِعُوا رُغَاءَ الْإِبِلِ، فَلَمْ يَشُكُّوا أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ هَرَبَتْ وَأَقْبَلُوا عَبَادِيدَ أَيْ مُتَفَرِّقِينَ. يُقَالُ: طَيْرٌ عَبَادِيدُ إذَا كَانُوا مُتَفَرِّقِينَ، وَسَابَقَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنْ غَيْرِ تَعْبِيَةٍ، فَوَجَدُوا خَيْلَ عِكْرِمَةَ وَالرُّمَاةَ مُسْتَعِدِّينَ لَمْ تَعْلَمْ الرُّومُ بِهِمْ فَحَمَلُوا فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ، فَلَمْ يَزَلْ اللَّهُ يَنْصُرُهُمْ بِقَتْلِهِمْ، حَتَّى إذَا كَادَتْ الشَّمْسُ تَطْلُعُ وَلَّوْا هَارِبِينَ إلَى عَسْكَرِهِمْ عِنْدَ الْوَاقُوصَةِ. وَانْصَرَفَ عِكْرِمَةُ وَأَصْحَابُهُ إلَى عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ. فَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ الْفَتْحِ، ثُمَّ قَاتَلُوهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَرْسَلَ بَاهَانُ إلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنْ اُخْرُجْ إلَيَّ حَتَّى أُكَلِّمَك. فَبَرَزَ خَالِدٌ وَبَيْنَهُمَا تُرْجُمَانُ. فَقَالَ بَاهَانُ لِخَالِدٍ: هَلُمَّ إلَى أَمْرٍ نَعْرِضُهُ عَلَيْكُمْ: تَنْصَرِفُونَ وَنَحْمِلُ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ رَاجِلًا وَنُوَقِّرُ لَكُمْ ظُهُورَكُمْ - وَفِي رِوَايَةٍ: وَنُوَفِّرُ لَكُمْ طَعَامًا وَإِدَامًا، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ - وَنَأْمُرُ لَكُمْ بِدَنَانِيرَ، خَمْسَةً خَمْسَةً. فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّكُمْ فِي أَرْضٍ قَلِيلَةِ الْخَيْرِ، وَإِنَّمَا حَمَلَكُمْ عَلَى الْمَسِيرِ ذَلِكَ. فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: مَا حَمَلَنَا عَلَى الْمَسِيرِ مَا ذَكَرْت مِنْ شِدَّةِ الْعَيْشِ فِي بِلَادِنَا، وَلَكِنْ قَاتَلَنَا مَنْ","vol":"1","page":51},{"text":"وَرَاءَنَا فِي الْأُمَمِ فَشَرِبْنَا دِمَاءَهُمْ، فَحُدِّثْنَا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ قَوْمٍ أَحْلَى دَمًا مِنْ الرُّومِ، فَأَقْبَلْنَا إلَيْكُمْ لِنَشْرَبَ دِمَاءَكُمْ. فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ فَقَالُوا: حَقٌّ وَاَللَّهِ مَا حُدِّثْنَا عَنْهُمْ - يَعْنُونَ مَا أُخْبِرْنَا بِهِ - أَنَّهُمْ لَا يَنْصَرِفُونَ إلَّا بِقَبُولِ الدِّينِ أَوْ الْجِزْيَةِ أَوْ الِانْقِيَادِ لَهُمْ شِئْنَا أَوْ أَبَيْنَا.\n٣٧ - ثُمَّ اسْتَدَلَّ مُحَمَّدٌ - ﵀ - عَلَى جَوَازِ قَطْعِ النَّخِيلِ وَتَخْرِيبِ الْبُيُوتِ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ [الحشر: ٥] الْآيَةَ قَالَ الزُّهْرِيُّ: هُوَ جَمْعُ أَنْوَاعِ النَّخْلِ مَا خَلَا الْعَجْوَةَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: اللِّينَةُ النَّخْلَةُ الْكَرِيمَةُ، وَالشَّجَرَةُ الَّتِي هِيَ طَيِّبَةُ الثَّمَرَةِ.\nوَنُزُولُ الْآيَةِ فِي قِصَّةِ بَنِي النَّضِيرِ، «فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ صَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ لَا يَكُونُوا عَلَيْهِ وَلَا لَهُ. ثُمَّ خَرَجَ إلَيْهِمْ يَسْتَعِينُ بِهِمْ فِي دِيَةِ الْكُلَابِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ قَتَلَهُمَا عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -. فَقَالُوا: اجْلِسْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ حَتَّى نُطْعِمَك وَنُعْطِيَك مَا تُرِيدُ. ثُمَّ خَلَا بِهِمْ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ فَقَالَ: لَا تَقْدِرُونَ عَلَى قَتْلِهِ فِي وَقْتٍ يَكُونُ عَلَيْكُمْ أَهْوَنَ مِنْهُ الْآنَ. فَهَمُّوا بِقَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ - ﵇ -. وَجَاءَ جِبْرِيلُ - ﵇ - فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - ﵇ -. فَقَامَ مُتَوَجِّهًا إلَى الْمَدِينَةِ» .\nوَفِي ذَلِكَ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ [المائدة: ١١] . ثُمَّ سَارَ إلَيْهِمْ فَحَاصَرَهُمْ وَقَالَ: اُخْرُجُوا مِنْ جِوَارِي، عَلَى أَنْ تَأْتُوا كُلَّ عَامٍ فَتَجِدُوا ثِمَارَكُمْ، فَقَالُوا: لَا نَفْعَلُ. فَحَاصَرَهُمْ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً. وَكَانُوا قَدْ سَدُّوا دُرُوبَ أَزِقَّتِهِمْ، وَجَعَلُوا يُقَاتِلُونَ الْمُسْلِمِينَ","vol":"1","page":52},{"text":"مِنْ وَرَاءِ الْجُدُرِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحشر: ١٤] . فَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ يُخَرِّبُونَ بُيُوتَهُمْ لِيَتَمَكَّنُوا مِنْ الْحَرْبِ. وَكُلَّمَا نَقَبُوا جِدَارَ بَيْتٍ مِنْ جَانِبٍ لِيَدْخُلُوا نَقَبُوا هُمْ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَر لِيَخْرُجُوا إلَى بَيْتٍ آخِر، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحشر: ٢] فَلَمَّا لَحِقَهُمْ مِنْ الْعُسْرِ مَا لَحِقَهُمْ، وَلَمْ يَأْتِهِمْ أَحَدٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ، وَقَدْ كَانُوا وَعَدُوا لَهُمْ ذَلِكَ - أَيْ الْمُنَافِقِينَ وَعَدُوا بَنِي النَّضِيرِ النُّصْرَةَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْهُمْ: ﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ [الحشر: ١١] .\nوَقَدْ كَانَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ بِقَطْعِ النَّخِيلِ فَقُطِعَتْ. وَكَانَ الْعَذْقُ أَحَبَّ إلَى أَحَدِهِمْ مِنْ الْوَصِيفِ. «فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَيْسَ لَنَا مُقَامٌ بَعْدَ النَّخِيلِ. فَنَادَوْهُ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ قَدْ كُنْت تَنْهَى عَنْ الْفَسَادِ فَمَا لِلنَّخِيلِ تُقَطِّعُ وَتُحَرِّقُ؟ أَتُؤَمِّنَنَا عَلَى دِمَائِنَا وَذَرَارِيِّنَا وَعَلَى مَا حَمَلَتْ الْإِبِلُ إلَّا الْحَلْقَةَ - يَعْنِي السِّلَاحَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَفَتَحُوا الْحُصُونَ، وَأَجْلَاهُمْ عَلَى مَا وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَيْهِ» .\nوَفِي رِوَايَةٍ: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵇ - أَبَا لَيْلَى الْمَازِنِيَّ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ أَبَا لُبَابَةَ عَلَى قَطْعِ نَخِيلِهِمْ. وَكَانَ أَبُو لَيْلَى يَقْطَعُ الْعَجْوَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ يَقْطَعُ اللَّوْنَ. فَقِيلَ لِأَبِي لَيْلَى: لِمَ قَطَعْت الْعَجْوَةَ؟ قَالَ: لِأَنَّهَا كَانَتْ أَغْيَظَ لَهُمْ. وَقِيلَ لِابْنِ سَلَامٍ: لِمَ قَطَعْت اللَّوْنَ؟ قَالَ: عَلِمْت أَنَّ اللَّهَ مُظْهِرٌ نَبِيَّهُ وَمُغَنِّمُهُ أَمْوَالَهُمْ، فَأَحْبَبْت إبْقَاءَ الْعَجْوَةِ وَهِيَ خِيَارُ أَمْوَالِهِمْ. فَفِي ذَلِكَ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ [الحشر: ٥] الْآيَةَ. وَفِي رِوَايَةٍ: نَادَى الْيَهُودَ مِنْ فَوْقِ الْحُصُونِ: تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ مُسْلِمُونَ لَا تُفْسِدُونَ (٢٦ آ)، وَأَنْتُمْ تَعْقِرُونَ النَّخْلَ، وَاَللَّهُ مَا أَمَرَ بِهَذَا، فَاتْرُكُوهَا","vol":"1","page":53},{"text":"لِمَنْ يَغْلِبُ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ، فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ: صَدَقُوا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نَعْقِرُهَا كَبْتًا وَغَيْظًا لَهُمْ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ [الحشر: ٥] رِضَاءً بِمَا قَالَ الْفَرِيقَانِ.\n٣٨ - وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - كَانَ عَهِدَ أَنْ يُغِيرَ عَلَى أُبْنَى. صَبَاحًا ثُمَّ يُحَرِّقَ» . وَفِي رِوَايَةٍ: أَبْيَاتٍ صَبَاحًا. وَهُوَ اسْمُ مَوْضِعٍ كَانَ قُتِلَ أَبُوهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ. وَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵇ - مَوْجِدَةً شَدِيدَةً عَلَى ذَلِكَ، وَأَمَرَّهُ عَلَى ثَلَاثَةِ آلَافِ رَجُلٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَذْهَبَ بِهِمْ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَيَشِنُّ الْغَارَةَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ يُحَرِّقُ. وَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵇ - قَبْلَ خُرُوجِهِ، وَنَفَذَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ - جَيْشَهُ كَمَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﵇ -.\n٣٩ - وَعَنْ الزُّهْرِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - لَمَّا مَرَّ مِنْ أَوْطَاسٍ يُرِيدُ الطَّائِفَ بَدَا لَهُ قَصْرُ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ النَّصْرِيِّ، فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُحَرَّقَ» . وَفِي ذَلِكَ قَالَ حَسَّانُ:\nوَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ ... حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ\nقَالَ مُحَمَّدٌ - ﵀ -: فَقَدْ أَمَرَ بِتَحْرِيقِ قَصْرِهِ وَلَيْسَ بِمُحَاصِرٍ لَهُ،","vol":"1","page":54},{"text":"وَإِنَّمَا أَمَرَ بِهِ لِأَنَّ فِيهِ كَبْتًا وَغَيْظًا لَهُ. فَقَدْ كَانَ هُوَ أَمِيرَ الْجَيْشِ فِي حِصْنِ الطَّائِفِ. فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ.\n٤٠ - ثُمَّ قَالَ: «انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﵇ - إلَى الطَّائِفِ، فَأَمَرَ بِكُرُومِهِمْ أَنْ تُقَطَّعَ» . وَفِي ذَلِكَ قِصَّةٌ قَدْ ذُكِرَتْ فِي الْمَغَازِي أَنَّهُمْ عَجِبُوا مِنْ ذَلِكَ وَقَالُوا: النَّخْلَةُ لَا تُثْمِرُ إلَّا بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ، وَكَيْفَ الْعَيْشُ بَعْدَ قَطْعِهَا؟ ثُمَّ أَظْهَرَ بَعْضُهُمْ الْجَلَادَةَ، فَنَادَوْا مِنْ فَوْقِ الْحِصْنِ: لَنَا فِي الْمَاءِ وَالتُّرَابِ وَالشَّمْسِ خَلَفٌ مِمَّا تَقْطَعُونَ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا إنْ لَوْ تَمَكَّنْت مِنْ الْخُرُوجِ فِي جُحْرِك. «وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵇ - بِقَطْعِ نَخِيلِ خَيْبَرَ. حَتَّى مَرَّ عُمَرُ - ﵁ - بِاَلَّذِينَ يَقْطَعُونَ، فَهَمَّ أَنْ يَمْنَعَهُمْ، فَقَالُوا: أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﵇ -. فَأَتَاهُ عُمَرُ - ﵁ - فَقَالَ: أَنْتَ أَمَرْت بِقَطْعِ النَّخِيلِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَلَيْسَ وَعَدَك اللَّهُ خَيْبَرَ؟ قَالَ بَلَى، فَقَالَ عُمَرُ: إذًا تُقَطِّعُ نَخِيلَك وَنَخِيلَ أَصْحَابِك، فَأَمَرَ مُنَادِيًا يُنَادِي فِيهِمْ بِالنَّهْيِ عَنْ قَطْعِ النَّخِيلِ» .\nقَالَ الرَّاوِي: فَأَخْبَرَنِي رِجَالٌ رَأَوْا السُّيُوفَ فِي نَخِيلِ النَّطَاةِ وَقِيلَ لَهُمْ: هَذَا مِمَّا قَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵇ -. وَالنَّطَاةُ: اسْمُ حِصْنٍ مِنْ حُصُونِ خَيْبَرَ. وَقَدْ كَانَتْ لَهُمْ سِتَّةُ حُصُونٍ: الشِّقُّ، وَالنَّطَاةُ، وَالْقُمُوصُ، وَالْكَتِيبَةُ وَالسُّلَالِمُ، وَالْوَطِيحَةُ.\n٤١ - قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - ﵁ - إلَى","vol":"1","page":55},{"text":"خَلِيفَتِهِ بِالشَّامِ: اُنْظُرْ مَنْ قِبَلِك، فَمُرْهُمْ فَلْيَنْتَعِلُوا وَلْيَحْتَفُوا أَيْ يَمْشُوا أَحْيَانًا بِغَيْرِ نَعْلٍ، وَأَحْيَانًا فِي النِّعَالِ لِيَتَعَوَّدُوا ذَلِكَ كُلَّهُ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: فَلْيَنْتَعِلُوا. وَهُوَ صَحِيحٌ. جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵇ - يُحِبُّ التَّيَامُنَ حَتَّى فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ» . يَعْنِي تَرْجِيلَ الشَّعْرِ أَوْ الْمُرَادُ بِالتَّرَجُّلِ النُّزُولُ عَنْ الدَّابَّةِ. وَإِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِهَذَا لِلْإِشْفَاقِ عَلَيْهِمْ حَتَّى إذَا (٢٦ ب) اُبْتُلُوا بِالْمَشْيِ حُفَاةً فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ.\nوَفِي قِصَّةِ الْغَارِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ -: فَنَظَرْت إلَى بَطْنِ قَدَمِ رَسُولِ اللَّهِ - ﵇ - حِينَ دَخَلَ الْغَارَ، وَهُوَ يَقْطُرُ دَمًا لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَوَّدْ الْحِفْيَةَ، وَلِهَذَا اسْتَحَبُّوا الِاحْتِفَاءَ فِي الْمَشْيِ بَيْنَ الْفَرْضَيْنِ. قَالَ: وَلْيَأْتَزِرُوا وَلْيَرْتَدُوا.\nأَيْ لَا يَخْرُجُوا لِلصَّلَاةِ وَلِلنَّاسِ إلَّا فِي إزَارٍ وَرِدَاءٍ. فَالصَّلَاةُ إنْ كَانَتْ تُجْرَى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ إذَا تَوَشَّحَ بِهِ، فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ فِي إزَارٍ وَرِدَاءٍ. وَإِنَّمَا أَمَرَ بِالرِّدَاءِ لِأَنَّهُ زِيُّ الْعَرَبِ.\nقَالَ: وَلِيُؤَدِّبُوا الْخَيْلَ. وَالْمُرَادُ بِهِ رِيَاضَةُ الْخَيْلِ لِتَكُونَ أَلْيَنَ عَطْفًا عِنْدَ الْحَاجَةِ، أَوْ لِيُؤَدِّبُوا الْخَيْلَ عَلَى النِّفَارِ، عَلَى مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «تُضْرَبُ الدَّابَّةُ عَلَى النِّفَارِ وَلَا تُضْرَبُ عَلَى الْعِثَارِ» . لِأَنَّ الْعِثَارَ قَدْ يَكُونُ مِنْ سُوءِ إمْسَاكِ الرَّاكِبِ لِلِّجَامِ، وَالنِّفَارُ مِنْ سُوءِ خُلُقِ الدَّابَّةِ فَتُؤَدَّبُ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ: وَلَا يَظْهَرُ لَهُمْ صَلِيبٌ.","vol":"1","page":56},{"text":"مَعْنَاهُ: لَا تُمَكِّنُوا أَهْلَ الذِّمَّةِ مِنْ إظْهَارِ الصَّلِيبِ فِي أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُرُورِ بِهِ فِي الطُّرُقِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى الِاسْتِخْفَافِ بِالْمُسْلِمِينَ، وَمَا أَعْطَيْنَاهُمْ الذِّمَّةَ عَلَى أَنْ يَسْتَخِفُّوا بِالْمُسْلِمِينَ. قَالَ: وَلَا يُجَاوِرَنَّهُمْ الْخَنَازِيرُ. وَمَعْنَاهُ أَنَّهُمْ يَمْنَعُونَ أَهْلَ الذِّمَّةِ مِنْ إظْهَارِ الْخُمُورِ وَالْخَنَازِيرِ وَبَيْعِهَا فِي أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ، وَلَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ إظْهَارِهَا، وَلَكِنَّهُمْ لَا يُمْنَعُونَ مِنْ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ فِي بُيُوتِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ الَّتِي وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَيْهَا، لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِأَشَدَّ مِنْ شِرْكِهِمْ وَعِبَادَتِهِمْ غَيْرَ اللَّهِ. وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ فِي بُيُوتِهِمْ.\nقَالَ: وَلَا يَقْعُدُونَ عَلَى مَائِدَةٍ يُشْرَبُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ.\nوَهَكَذَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ لَا يَقْعُدَ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْمَائِدَةِ، وَلَكِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ عَلَى وَجْهِ النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ إنْ أَمْكَنَ مِنْ ذَلِكَ. وَأَنْ لَا يَجُوزَ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَإِنَّ اللَّعْنَةَ تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ كَمَا قَالَ - ﵇ - «فِي أَشْرَاطِ السَّاعَةِ تُدَارُ الْكَأْسُ عَلَى مَوَائِدِهِمْ وَاللَّعْنَةُ تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ» . قَالَ: وَلَا يَدْخُلَنَّ الْحَمَّامَ إلَّا بِإِزَارٍ. لِأَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ فَرِيضَةٌ. وَفِي الْحَدِيثِ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَدْخُلُ الْحَمَّامَ إلَّا بِإِزَارٍ، وَلَا يُدْخِلُ حَلِيلَتَهُ الْحَمَّامَ» .\nقَالَ: وَإِيَّاكُمْ وَأَخْلَاقَ الْأَعَاجِمِ. يَعْنِي فِي التَّنَعُّمِ وَإِظْهَارِ التَّجَبُّرِ، وَمِمَّا يَكُونُ مُخَالِفًا لِأَخْلَاقِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَخْلَاقِ الْأَعَاجِمِ، وَهُمْ الْمَجُوسُ. فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ النَّهْيُ عَمَّا هُوَ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُسْلِمِينَ","vol":"1","page":57},{"text":"ثُمَّ بَيَّنَ مُحَمَّدٍ - ﵀ - تَفْسِيرَ الْحَدِيثِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: فَإِنْ أَرَادُوا إظْهَارَ شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا فَلْيَفْعَلُوهُ خَارِجًا مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ. يَعْنِي فِي الْقُرَى، لِأَنَّ الْمِصْرَ مَوْضِعُ أَعْلَامِ الدِّينِ فَفِي إظْهَارِ ذَلِكَ فِيهَا اسْتِخْفَافٌ بِالْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ يَنْعَدِمُ فِي الْقُرَى. فَأَهْلُ الْقُرَى كَمَا وَصَفَهُمْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﵇ - فَقَالَ: «هُمْ أَهْلُ الْكُفُورِ، هُمْ أَهْلُ الْقُبُورِ» . يُشِيرُ إلَى جَهْلِهِمْ وَقِلَّةِ تَعَاهُدِهِمْ لِأَمْرِ الدِّينِ.\nقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - ﵀ - (٢٧ آ): وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّ مُرَادَ مُحَمَّدٍ بِهَذَا الْجَوَابِ قُرَى الْكُوفَةِ، فَإِنَّ عَامَّةَ أَهْلِهَا أَهْلُ الذِّمَّةِ وَالرَّوَافِضُ. فَأَمَّا فِي دِيَارِنَا يُمْنَعُونَ مِنْ إظْهَارِ ذَلِكَ فِي الْقُرَى الَّتِي يَسْكُنُهَا الْمُسْلِمُونَ كَمَا يُمْنَعُونَ فِي الْأَمْصَارِ، فَإِنَّ الْقُرَى فِي دِيَارِنَا لَا تَخْلُو عَنْ مَسَاجِدِ الْجَمَاعَةِ، وَعَنْ وَاعِظٍ يَعِظُهُمْ عَادَةً، وَذَلِكَ مِنْ أَعْلَامِ الدِّينِ أَيْضًا.\n٤٢ - وَذُكِرَ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ: إذَا كَثَبُوكُمْ فَارْمُوهُمْ، وَلَا تَسُلُّوا السُّيُوفَ حَتَّى تَغْشَوْهُمْ» . وَمَعْنَى قَوْلِهِ: \" كَثَبُوكُمْ \" قَرُبُوا مِنْكُمْ وَازْدَحَمُوا عَلَيْكُمْ. وَهُوَ أَدَبٌ حَسَنٌ. أَمَرَهُمْ بِأَنْ يَدْفَعُوا الْعَدُوَّ عَنْ أَنْفُسِهِمْ بِالرَّمْيِ عِنْدَ الْحَاجَةِ. وَهَذَا حِينَ كَانَ نَهَاهُمْ عَنْ الْقِتَالِ، عَلَى مَا رُوِيَ فِي الْقِصَّةِ أَنَّهُ حِينَ دَخَلَ الْعَرِيشَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ - ﵁ - لِلْمُنَاجَاةِ نَهَى النَّاسَ عَنْ الْقِتَالِ وَقَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ.","vol":"1","page":58},{"text":"وَفِي قَوْلِهِ: وَلَا تَسُلُّوا السُّيُوفَ حَتَّى تَغْشَوْهُمْ، بَيَانٌ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْغَازِي أَنْ يَسُلَّ سَيْفَهُ حَتَّى يَصِيرَ مِنْ الْعَدُوِّ بِحَيْثُ تَصِلُ إلَيْهِ ضَرْبَتُهُ، لَا أَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ فِي الدِّينِ، وَلَكِنَّهُ مِنْ مُكَايَدَةِ الْعَدُوِّ، فَبَرِيقُ السَّيْفِ مَخُوفٌ لِلْعَدُوِّ فِي أَوَّلِ مَا يَقَعُ بَصَرُهُ عَلَيْهِ. وَقِيلَ إنَّ سَلَّ السَّيْفِ قَبْلَ أَنْ يَقْرَبَ مِنْ الْعَدُوِّ فَشَلٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦] .","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>[بَابُ الْإِمَارَةِ]</span>\n٤٣ - قَالَ: يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ إذَا بَعَثَ سَرِيَّةً قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ أَنْ لَا يَبْعَثَهُمْ حَتَّى يُؤَمِّرَ عَلَيْهِمْ بَعْضَهُمْ، وَإِنَّمَا يَجِبُ هَذَا «اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ - ﵇ - فَإِنَّهُ دَاوَمَ عَلَى بَعْثِ السَّرَايَا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ» . وَلَوْ جَازَ تَرْكُهُ لَفَعَلَهُ مَرَّةً تَعْلِيمًا لِلْجَوَازِ، وَلِأَنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ إلَى اجْتِمَاعِ الرَّأْيِ وَالْكَلِمَةِ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إذَا أَمَّرَ عَلَيْهِمْ بَعْضَهُمْ حَتَّى إذَا أَمَرَهُمْ بِشَيْءٍ أَطَاعُوهُ فِي ذَلِكَ، فَالطَّاعَةُ فِي الْحَرْبِ أَنْفَعُ مِنْ بَعْضِ الْقِتَالِ. وَلَا تَظْهَرُ فَائِدَةُ الْإِمَارَةِ بِدُونِ الطَّاعَةِ. قَالَ - ﵇ -: «مَنْ أَطَاعَنِي فَلْيُطِعْ أَمِيرِي، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي» .\n٤٤ - ثُمَّ اسْتَدَلَّ مُحَمَّدٌ - ﵀ - عَلَى مَا قُلْنَا بِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - قَالَ: «إذَا اجْتَمَعَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ فَلْيَؤُمَّهُمْ أَكْثَرُهُمْ قُرْآنًا وَإِنْ كَانَ أَصْغَرَهُمْ» وَإِنَّمَا قَدَّمَهُ لِأَنَّهُ أَفْضَلُهُمْ. ثُمَّ قَالَ: «إذَا أَمَّهُمْ فَهُوَ أَمِيرُهُمْ»، فَذَلِكَ أَمِيرٌ أَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﵇ -. وَبِنَحْوِ هَذَا الْحَدِيثِ اسْتَدَلَّ الصَّحَابَةُ عَلَى خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ - ﵁ -","vol":"1","page":60},{"text":"وَقَالُوا: قَدْ اخْتَارَهُ رَسُولُ اللَّهِ لِأَمْرِ دِينِكُمْ فَكَيْفَ لَا تَرْضَوْنَ [بِهِ] لِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ.\nوَكَذَلِكَ إنْ كَانَا رَجُلَيْنِ لَيْسَ مَعَهُمَا غَيْرُهُمَا فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُؤَمَّرَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ أَحْرَى أَنْ يَتَطَاوَعَا وَلَا يَخْتَلِفَا.\n٤٥ - وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ - ﵀ - فِي الْكِتَابِ حَدِيثَ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - كَانَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَأَسْرَى مِنْ تَحْتِ اللَّيْلِ - أَيْ سَارَ - فَتَقَطَّعَ النَّاسُ - أَيْ تَفَرَّقُوا - فِي غَلَبَةِ النَّوْمِ فَمَالَتْ رَاحِلَتَا أَبِي بَكْرٍ (٢٧ ب) وَأَبِي عُبَيْدَةَ - ﵄ - بِهِمَا إلَى شَجَرَةٍ فَجَعَلَتَا تُصِيبَانِ مِنْهَا وَهُمَا نَائِمَانِ، فَاسْتَيْقَظَا وَقَدْ مَضَى النَّبِيُّ - ﵇ - وَأَصْحَابُهُ وَنَزَلُوا، فَلَمَّا كَانَا بِحَيْثُ يَسْمَعُهُمَا النَّبِيُّ نَادَاهُمَا: أَلَا هَلْ أَمَّرْتُمَا؟ قَالَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: أَلَا رَشَّدْتُمَا - أَيْ أَصَبْتُمَا الصَّوَابَ» - وَكَذَلِكَ الْمُسَافِرُونَ إذَا خَافُوا اللُّصُوصَ فَيَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُؤَمِّرُوا عَلَيْهِمْ أَمِيرًا لِيُطِيعُوهُ وَيَصْدُرُوا عَنْ رَأْيِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى الْقِتَالِ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَخَافُوا ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ لَا يُؤَمِّرُوا أَحَدًا.\nقَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَعْمَلَ عَلَى ذَلِكَ الْبَصِيرُ بِأَمْرِ الْحَرْب، الْحَسَنُ","vol":"1","page":61},{"text":"التَّدْبِيرِ لِذَلِكَ، لَيْسَ مِمَّنْ يُقْحِمُ بِهِمْ فِي الْمَهَالِكِ، وَلَا مِمَّنْ يَمْنَعُهُمْ عَنْ الْفُرْصَةِ إذَا رَأَوْهَا، لِأَنَّ الْإِمَامَ نَاظِرٌ لَهُمْ، وَتَمَامُ النَّظَرِ أَنْ يُؤَمِّرَ عَلَيْهِمْ مَنْ جَرَّبَهُ بِهَذِهِ الْخِصَالِ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ يَمْنَعُهُمْ مِنْ الْفُرْصَةِ يُفَوِّتُهُمْ مَا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى إدْرَاكِهِ، عَلَى مَا قِيلَ: الْفُرْصَةُ خِلْسَةٌ. وَإِذَا اقْتَحَمَ فِي الْمَهَالِكِ مِنْ جُرْأَتِهِ لَمْ يَجِدُوا بُدًّا مِنْ مُتَابَعَتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ هُوَ بِقُوَّتِهِ وَرُبَّمَا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى مِثْلِ مَا قَدَرَ هُوَ فَيَهْلِكُونَ.\n٤٦ - وَرَوَى فِي تَأْيِيدِ هَذَا حَدِيثَ عُمَرَ - ﵁ - فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ إلَى عُمَّالِهِ: لَا تَسْتَعْمِلُوا الْبَرَاءَ بْنَ مَالِكٍ عَلَى جَيْشٍ مِنْ جُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ هَلَكَةٌ مِنْ الْهُلَّكِ يُقْدِمُ بِهِمْ.\nوَالْبَرَاءُ أَخُو أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵄ - كَانَ مِنْ جُمْلَةِ كِبَارِ صَحَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ فِي الزُّهْدِ. وَفِي دَرَجَتِهِ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵇ -: «رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ بِهِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، مِنْهُمْ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ» .\nوَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْأَمْرَ اشْتَدَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ فَقِيلَ لِلْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ: أَلَا تَدْعُو؟ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵇ - مَا قَالَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ امْنَحْنَا أَكْتَافَهُمْ. فَوَلَّوْا مُنْهَزِمِينَ فِي الْحَالِ. وَمَعَ هَذَا نَهَى عُمَرُ - ﵁ - عَنْ تَأْمِيرِهِ لِجُرْأَتِهِ فَإِنَّهُ كَانَ يَقْتَحِمُ الْمَهَالِكَ وَلَا يُبَالِي بِهِ.","vol":"1","page":62},{"text":"وَيُحْكَى عَنْ نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ مُقَرَّبِ الْبَرَامِكَةِ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو مُسْلِمٍ عَنْ مَرْوَ أَنَّهُ قَالَ: اجْتَمَعَ عُظَمَاءُ الْعَجَمِ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ صَاحِبَ جَيْشٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَشْرُ خِصَالٍ مِنْ خِصَالِ الْبَهَائِمِ: شُجَاعَةٌ كَشَجَاعَةِ الدِّيكِ، وَتَحَنُّنٌ كَتَحَنُّنِ الدَّجَاجَةِ يَعْنِي الشَّفَقَةَ، وَقَلْبٌ كَقَلْبِ الْأَسَدِ، وَغَارَةٌ كَغَارَةِ الذِّئْبِ، وَحَمْلَةٌ كَحَمْلَةِ الْخِنْزِيرِ، وَصَبْرٌ كَصَبْرِ الْكَلْبِ - أَيْ عَلَى الْجِرَاحَةِ - وَحِرْصٌ كَحِرْصِ الْكُرْكِيِّ، وَرَوَغَانٌ كَرَوَغَانِ الثَّعْلَبِ - أَيْ الْحِيَلِ - وَحَذَرٌ كَحَذَرِ الْغُرَابِ، وَسِمَنٌ كَسِمَنِ الدَّابَّةِ الَّتِي لَا تُرَى مَهْزُولَةً أَبَدًا، وَهِيَ تَكُونُ بِخُرَاسَانَ.\n٤٧ - قَالَ مُحَمَّدٌ - ﵀ -: فَإِنْ كَانَ الْأَمِيرُ لَا بَصَرَ لَهُ بِذَلِكَ فَلْيَجْعَلْ مَعَهُ وَزِيرًا يُبَصِّرُهُ ذَلِكَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي﴾ [طه: ٢٩] ﴿هَارُونَ أَخِي﴾ [طه: ٣٠] ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ [طه: ٣١] الْآيَةَ. فَإِنْ لَمْ يَجْعَلْ مَعَهُ وَزِيرًا فَلْيَدْعُ الْأَمِيرُ قَوْمًا مِنْ السَّرِيَّةِ يُبْصِرُونَ ذَلِكَ فَيُشَاوِرَهُمْ فَيَأْخُذَ بِقَوْلِهِمْ، «لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - كَانَ يُشَاوِرُ الصَّحَابَةَ حَتَّى فِي قُوتِ أَهْلِهِ وَإِدَامِهِمْ، وَبِذَلِكَ أَمَرَ» . قَالَ اللَّه تَعَالَى (٢٨ آ) ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] .\nوَقَالَ النَّبِيُّ - ﵇ -: «مَا هَلَكَ قَوْمٌ عَنْ مَشُورَةٍ» . قَالَ: ثُمَّ يَأْمُرُ النَّاسَ بِذَلِكَ فَيُطِيعُونَهُ وَلَا يُخَالِفُونَهُ لِقَوْلِهِ - ﵇ -: «لَا تَحِلُّ الْجَنَّةُ لِعَاصٍ. أَمَرَ بِأَنْ يُنَادَى بِهِ يَوْمَ خَيْبَرَ حِينَ نَهَاهُمْ عَنْ الْقِتَالِ، فَقِيلَ لَهُ: اُسْتُشْهِدَ فُلَانٌ. فَقَالَ - ﵇ -:","vol":"1","page":63},{"text":"أَبْعَدَ مَا نَهَيْتُ عَنْ الْقِتَالِ؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَقَالَ: لَا تَحِلُّ الْجَنَّةُ لِعَاصٍ» . فَمَعَ دَرَجَةِ الشَّهَادَةِ قَالَ فِي حَقِّهِ مَا قَالَ لِيُبَيِّنَ أَنَّ الْعِصْيَانَ فِيمَا لَا يُتَيَقَّنُ فِيهِ الْخَطَأُ مِنْ الْأَمِيرِ لَا يَحِلُّ بِحَالٍ.","vol":"1","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>[بَابُ مَبْعَثِ السَّرَايَا]</span>\n٤٨ - ذَكَرَ مُحَمَّدٌ - ﵀ - حَدِيثَ صَخْرٍ الْغَامِدِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهِمْ. وَكَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَ سَرِيَّةً بَعَثَهُمْ أَوَّلَ النَّهَارِ» . فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ صَاحِبَ الْحَاجَةِ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَبْتَكِرَ لِلسَّعْيِ فِي حَاجَتِهِ، فَذَلِكَ أَقْرَبُ إلَى تَحْصِيلِ مُرَادِهِ بِبَرَكَةِ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - ﵇ -. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَقُولُ: «الْبُكْرَةُ رَبَاحٌ أَوْ نَجَاحٌ» . وَلِأَجْلِ هَذَا اسْتَحَبُّوا الِابْتِكَارَ لِطَلَبِ الْعِلْمِ. وَقِيلَ إنَّمَا يُنَالُ الْعِلْمُ بِبُكُورٍ كَبُكُورِ الْغُرَابِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَ سَرِيَّةً يُنْدَبُ إلَى أَنْ يَبْعَثَهُمْ أَوَّلَ النَّهَارِ. وَقَدْ قِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَارَ لِذَلِكَ الْخَمِيسَ وَالسَّبْتَ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - ﵇ - أَنَّهُ قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا سَبْتِهَا وَخَمِيسِهَا» .","vol":"1","page":65},{"text":"- وَذَكَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - ﵁ - رَأَى رَجُلًا قَدْ عَقَلَ رَاحِلَتَهُ. فَقَالَ: مَا يَحْبِسُك؟ قَالَ: الْجُمُعَةُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: الْجُمُعَةُ لَا تَحْبِسُ مُسَافِرًا، فَاذْهَبْ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْخُرُوجِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِلْغَزْوِ أَوْ لِلْحَجِّ أَوْ لِسَفَرٍ آخَرَ بِخِلَافِ مَا يَقُولُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ الْمُتَقَشِّفَةِ أَنَّهُ يُكْرَهُ الْخُرُوجُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِلسَّفَرِ لِمَا فِيهِ مِنْ شُبْهَةِ الْفِرَارِ عَنْ أَدَاءِ الْجُمُعَةِ، لَكِنَّا نَقُولُ: الْخُرُوجُ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ جَائِزٌ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَلَيْسَ فِيهِ فِرَارٌ عَنْ شَطْرِ الصَّلَاةِ. وَالْخُرُوجُ فِي رَمَضَانَ جَائِزٌ، فَقَدْ «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى مَكَّةَ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ رَمَضَانَ» وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ شُبْهَةُ الْفِرَارِ عَنْ أَدَاءِ الصَّوْمِ. ثُمَّ لَا شَكَّ أَنَّ الْجُمُعَةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَيْهِ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَهُوَ مُسَافِرٌ بَعْدَ الزَّوَالِ. وَلَا جُمُعَةَ عَلَى الْمُسَافِرِ، فَكَيْفَ يَكُونُ سَفَرُهُ فِرَارًا عَنْ وَاجِبٍ عَلَيْهِ؟ .\nوَكَمَا يُبَاحُ لَهُ الْخُرُوجُ قَبْلَ الزَّوَالِ يُبَاحُ لَهُ الْخُرُوجُ بَعْدَ الزَّوَالِ عِنْدَنَا، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ - ﵀ - فَإِنَّهُ يَعْتَبِرُ فِي وُجُوبِ أَدَاءِ الْعِبَادَاتِ الْمُؤَقَّتَةِ أَوَّلَ الْوَقْتِ. وَإِذَا كَانَ هُوَ مُقِيمًا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاءُ الْجُمُعَةِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَغَيَّرُ بِالسَّفَرِ عِنْدَهُ. كَمَا يَجِبُ أَدَاءُ الظُّهْرِ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَغَيَّرُ بِالسَّفَرِ عِنْدَهُ. فَأَمَّا عِنْدَنَا الْمُعْتَبَرُ آخَرُ الْوَقْتِ فِي حُكْمِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ لَا عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَغَيَّرُ. وَلِهَذَا لَوْ كَانَ مُسَافِرًا فِي آخِرِ الْوَقْتِ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ يَلْزَمُهُ صَلَاةُ السَّفَرِ. فَفِي هَذَا الْيَوْمِ إذَا كَانَ يَخْرُجُ مِنْ عُمْرَانِ مِصْرِهِ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ، وَلَا بَأْسَ لَهُ بِالْمُسَافَرَةِ لِمَا قَبْلَ الزَّوَالِ (٢٨ ب) . وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ مِصْرِهِ حَتَّى يَمْضِيَ وَقْتُ الظُّهْرِ فَلْيَشْهَدْ الْجُمُعَةَ، لِأَنَّهَا تَلْزَمُ إذَا كَانَ فِي الْمِصْرِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ قَبْلَ أَدَائِهَا.","vol":"1","page":66},{"text":"وَفِي الْكِتَابِ يَقُولُ: لِأَنَّهَا فَرِيضَةٌ عَلَيْهِ. وَهَذَا التَّعْلِيلُ عَلَى أَصْلِ مُحَمَّدٍ، فَأَصْلُ الْفَرْضِ عِنْدَهُ فِي حَقِّ الْمُقِيمِ الْجُمُعَةُ. وَقَدْ بَيَّنَّا الِاخْتِلَافَ هَذَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ. وَزُفَرُ - ﵀ - لَا يَعْتَبِرُ آخِرَ الْوَقْتِ، وَإِنَّمَا يَعْتَبِرُ حَالَ تَضْيِيقِ الْوَقْتِ بِحَيْثُ لَا يَسَعُ لِأَدَاءِ الْجُمُعَةِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ السَّبَبِيَّةَ لِلْوُجُوبِ تَتَعَيَّنُ فِي ذَلِكَ الْجُزْءِ حَتَّى لَا تَسَعُ التَّأْخِيرَ عَنْهُ. وَلِهَذَا قَالَ: لَا تَسْقُطُ الصَّلَاةُ بِاعْتِرَاضِ الْحَيْضِ بَعْدَ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ لَا يَخْرُجُ مِنْ مِصْرِهِ حَتَّى يَضِيقَ الْوَقْتُ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْهَدَ الْجُمُعَةَ.\nقَالَ: وَكَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ يَقُولُ: عِنْدِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَوْعُ إشْكَالٍ، وَهُوَ أَنَّ اعْتِبَارَ آخِرِ الْوَقْتِ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يَنْفَرِدُ هُوَ بِأَدَائِهِ وَهُوَ سَائِرُ الصَّلَوَاتِ، فَأَمَّا الْجُمُعَةُ لَا يَنْفَرِدُ هُوَ بِأَدَائِهَا بَلْ مَعَ الْإِمَامِ وَالنَّاسِ. فَيَنْبَغِي أَنْ يَعْتَبِرَ وَقْتَ أَدَائِهِمْ حَتَّى إذَا كَانَ لَا يَخْرُجُ مِنْ الْمِصْرِ قَبْلَ أَدَاءِ النَّاسِ الْجُمُعَةَ يَنْبَغِي أَنْ يَلْزَمَهُ شُهُودُ الْجُمُعَةِ. وَهَذِهِ الشُّبْهَةُ تَتَقَرَّرُ عَلَى أَصْلِ زُفَرَ - ﵀ - فَإِنَّهُ يَعْتَبِرُ التَّمَكُّنَ مِنْ الْأَدَاءِ، وَلِهَذَا يُعَيِّنُ السَّبَبِيَّةَ فِي الْجُزْءِ الَّذِي يَتَضَيَّقُ عَقِيبَهُ وَقْتَ الْأَدَاءِ. فَأَمَّا عِنْدَنَا إنَّمَا تَتَعَيَّنُ السَّبَبِيَّةُ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ.\n٥٠ - قَالَ: وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵇ -: «خَيْرُ الْأَصْحَابِ أَرْبَعَةٌ، وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُ مِائَةٍ، وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشْرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةِ إذَا كَانَتْ كَلِمَتُهُمْ وَاحِدَةً» .","vol":"1","page":67},{"text":"قِيلَ: مَعْنَى قَوْلِهِ «خَيْرُ الْأَصْحَابِ أَرْبَعَةٌ» يَعْنِي خَيْرَ أَصْحَابِي، فَيَكُونُ إشَارَةً إلَى الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَنَّهُمْ خَيْرُ أَصْحَابِهِ.\nوَقِيلَ: بَلْ الْمُرَادُ مَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَهُوَ دَلِيلٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - ﵀ - أَنَّ الْجُمُعَةَ تَتَأَدَّى بِثَلَاثَةِ نَفَرٍ سِوَى الْإِمَامِ، لِأَنَّ خَيْرَ الْأَصْحَابِ مَا يَتَأَدَّى الْفَرْضُ بِمُعَاوَنَتِهِمْ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السَّرِيَّةَ أَقَلُّ مِنْ الْجَيْشِ، وَإِنَّمَا سُمُّوا سَرِيَّةً لِأَنَّهُمْ يَسْرُونَ بِاللَّيْلِ وَيَكْمُنُونَ بِالنَّهَارِ لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ. وَسُمِّيَ الْجَيْشُ جَيْشًا لِأَنَّهُ يَجِيشُ بَعْضُهُ فِي بَعْضٍ لِكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ. وَلَمْ يُرِدْ بِهِ أَنَّ مَا دُونَ الْأَرْبَعِ مِائَةٍ لَا يَكُونُ سَرِيَّةً، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أَنَّهُمْ إذَا بَلَغُوا أَرْبَعَ مِائَةٍ فَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ نَيْلِ الْمُرَادِ.\nوَقَوْلُهُ: «وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشْرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ»، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْغُزَاةِ أَنْ يَنْهَزِمُوا وَإِنْ كَثُرَ الْعَدُوُّ وَإِذَا بَلَغُوا هَذَا الْمَبْلَغَ، لِأَنَّ مَنْ لَا يَغْلِبَ فَهُوَ غَالِبٌ وَلَكِنَّ هَذَا إذَا كَانَتْ كَلِمَتُهُمْ وَاحِدَةً. فَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَ حُنَيْنٍ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، ثُمَّ وَلَّوْا مُنْهَزِمِينَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥]، وَلَكِنْ لَمْ تَكُنْ كَلِمَتُهُمْ وَاحِدَةً، لِاخْتِلَاطِ الْمُنَافِقِينَ وَاَلَّذِينَ أَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ، وَلَمْ يَحْسُنْ إسْلَامُهُمْ بَعْدُ، فَأَمَّا عِنْدَ اتِّحَادِ الْكَلِمَةِ فَلَا يَحِلُّ لَهُمْ الْفِرَارُ، لِأَنَّهُمْ ثَلَاثَةُ جُيُوشٍ: أَرْبَعَةُ آلَافٍ عَلَى الْمَيْمَنَةِ، وَهُمْ خَيْرُ الْجُيُوشِ، وَمِثْلُ (٢٩ آ) ذَلِكَ فِي الْمَسِيرَةِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي الْقَلْبِ. وَأَدْنَى الْجَمْعِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ يُسَاوِي أَكْثَرَ الْجَمْعِ فِي الْحُكْمِ.\n٥١ - وَذَكَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﵇ - أَنَّهُ قَالَ: «خَيْرُ أُمَرَاءِ السَّرَايَا زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ أَقْسَمُهُ بِالسَّوِيَّةِ وَأَعْدَلُهُ فِي الرَّعِيَّةِ»","vol":"1","page":68},{"text":"وَزَيْدٌ هَذَا مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﵇ -. فَقَدْ كَانَ لِخَدِيجَةَ وَهَبَتْهُ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﵇ - فَأَعْتَقَهُ وَتَبَنَّاهُ إلَى أَنْ اُنْتُسِخَ حُكْمُ التَّبَنِّي فَهُوَ مَوْلَاهُ. وَفِيهِ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧]- أَيْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ وَأَنْعَمْت عَلَيْهِ بِالْإِعْتَاقِ - ثُمَّ أَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﵇ - عَلَى ثَمَانِي سَرَايَا، إلَى أَنْ قُتِلَ يَوْمَ مُؤْتَةَ، فَأَثْنَى عَلَيْهِ أَنَّهُ خَيْرُ الْأُمَرَاءِ، وَعُيِّنَ لِتَحْقِيقِ صِفَةِ الْخَيْرِيَّةِ هَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ، لِأَنَّ أَمِيرَ السَّرِيَّةِ يَحْتَاجُ إلَيْهِمَا، وَهُوَ أَنْ يَعْتَبِرَ الْمُعَادَلَةَ فِي الْقِسْمَةِ بَيْنَهُمْ فِيمَا يَنَالُونَهُ، وَيُنْصِفُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ فِيمَا يَرْجِعُونَ إلَيْهِ. فَقَدْ فُوِّضَ ذَلِكَ إلَيْهِ. وَبَعْضُ النَّاسِ عَابُوا عَلَى مُحَمَّدٍ - ﵀ - فِي رِوَايَةِ هَذَا اللَّفْظِ، فَإِنَّ مِنْ حَقِّ الْكَلَامِ أَنْ يَقُولَ: «أَقْسَمُهُمْ بِالسَّوِيَّةِ وَأَعْدَلُهُمْ بِالرَّعِيَّةِ» . وَلَكِنَّا نَقُولُ: رَوَى مُحَمَّدٌ - ﵀ - الْخَبَرَ بِهَذَا اللَّفْظِ فَدَلَّ عَلَى صِحَّةِ اسْتِعْمَالِهِ.\n٥٢ - قَالَ: وَلَا بَأْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَبْعَثَ الرَّجُلَ الْوَاحِدَ سَرِيَّةً أَوْ الِاثْنَيْنِ أَوْ الثَّلَاثَةَ إذَا كَانَ مُحْتَمِلًا لِذَلِكَ، لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - بَعَثَ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ فِي بَعْضِ أَيَّامِ الْخَنْدَقِ سَرِيَّةً وَحْدَهُ. وَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ سَرِيَّةً وَحْدَهُ، وَبَعَثَ دِحْيَةَ الْكَلْبِيَّ سَرِيَّةً وَحْدَهُ، وَبَعَثَ ابْنَ مَسْعُودٍ وَخَبَّابًا سَرِيَّةً» . وَاَلَّذِي رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - نَهَى أَنْ تُبْعَثَ سَرِيَّةٌ دُونَ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ» تَأْوِيلُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْإِشْفَاقِ بِالْمُسْلِمِينَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَكْرُوهًا فِي الدِّينِ.","vol":"1","page":69},{"text":"أَوْ يَكُونَ الْمُرَادُ بَيَانَ الْأَفْضَلِ أَنْ لَا يَخْرُجَ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةٍ لِيَتَمَكَّنُوا مِنْ أَدَاءِ الصَّلَاةِ بِالْجَمَاعَةِ عَلَى هَيْئَاتِهَا بِأَنْ يَتَقَدَّمَ أَحَدُهُمْ وَيَصْطَفَّ الِاثْنَانِ خَلْفَهُ.\nوَهَذَا مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - ﵇ - أَنَّهُ قَالَ: «الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ، وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ، وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ» . وَمِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى نَقُولُ: لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ بَعْثِ السَّرَايَا الْقِتَالَ فَقَطْ، بَلْ تَارَةً يَكُونُ الْمَقْصُودُ أَنْ يَتَحَسَّسَ خَبَرَ الْأَعْدَاءِ فَيَأْتِيَهُ بِمَا عَزَمُوا عَلَيْهِ مِنْ السِّرِّ. وَتَمَكُّنُ الْوَاحِدِ مِنْ الدُّخُولِ بَيْنَهُمْ لِتَحْصِيلِ هَذَا الْمَقْصُودِ أَظْهَرُ مِنْ تَمَكُّنِ الثَّلَاثَةِ. وَقَدْ يَكُونُ الْمَقْصُودُ أَنْ يَأْتِيَهُ أَحَدُهُمَا بِالْخَبَرِ وَيَمْكُثَ الْآخَرُ بَيْنَ الْأَعْدَاءِ لِيَقِفَ عَلَى مَا يَتَجَدَّدُ لَهُمْ مِنْ الرَّأْيِ بَعْدَ مَا يَنْفَصِلُ عَنْهُمْ الْوَاحِدُ. وَهَذَا يَتِمُّ بِالْمُثَنَّى. وَقَدْ يَكُونُ الْمَقْصُودُ الْقِتَالَ، أَوْ التَّوَصُّلَ إلَى قَتْلِ بَعْضِ الْمُبَارِزِينَ مِنْهُمْ غِيلَةً، وَبِالثَّلَاثَةِ فَصَاعِدًا يَحْصُلُ هَذَا الْمَقْصُودُ. وَلِهَذَا كَانَ الرَّأْيُ فِيهِ إلَى الْأَمِيرِ يَعْمَلُ بِمَا فِيهِ نَظَرٌ لِلْمُسْلِمِينَ.","vol":"1","page":70},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>[بَابُ الرَّايَاتِ وَالْأَلْوِيَةِ]</span>\n٥٣ - قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ أَلْوِيَةُ الْمُسْلِمِينَ بِيضًا وَالرَّايَاتُ سُودًا، عَلَى هَذَا جَاءَتْ الْأَخْبَارُ.\nوَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ - ﵁ - قَالَ: «كَانَتْ رَايَةُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - سَوْدَاءَ وَلِوَاؤُهُ أَبْيَضَ» . وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ - ﵄ - (٢٩ ب): «كَانَتْ رَايَةُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - سَوْدَاءَ مِنْ بُرْدٍ لِعَائِشَةَ يُدْعَى الْعِقَابَ» .\nوَهُوَ اسْمُ رَايَتِهِ، كَمَا سَمَّى عِمَامَتَهُ السَّحَابَ وَفَرَسَهُ السَّكْبَ وَبَغْلَتَهُ الدُّلْدُلَ. ثُمَّ اللِّوَاءُ اسْمٌ لِمَا يَكُونُ لِلسُّلْطَانِ، وَالرَّايَةُ اسْمٌ لِمَا يَكُونُ لِكُلِّ قَائِدٍ تَجْتَمِعُ جَمَاعَةٌ تَحْتَ رَايَتِهِ.\n٥٤ - وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - مَتَى اتَّخَذَ الرَّايَاتِ. فَذَكَرَ الزُّهْرِيُّ قَالَ: مَا كَانَتْ رَايَةٌ قَطُّ حَتَّى كَانَتْ يَوْمَ خَيْبَرَ، إنَّمَا كَانَتْ الْأَلْوِيَةُ. وَذَكَرَ غَيْرُهُ «أَنَّ رَايَةَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَوْمَ بَدْرٍ كَانَتْ سَوْدَاءَ» . فَفِي هَذَا بَيَانٌ أَنَّ الرَّايَةَ كَانَتْ قَبْلَ خَيْبَرَ.","vol":"1","page":71},{"text":"وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ فِي الرَّايَاتِ السَّوَادُ لِأَنَّهُ عَلَمٌ لِأَصْحَابِ الْقِتَالِ، وَكُلُّ قَوْمٍ يُقَاتِلُونَ عِنْدَ رَايَتِهِمْ، وَإِذَا تَفَرَّقُوا فِي حَالِ الْقِتَالِ يَتَمَكَّنُونَ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى رَايَتِهِمْ، وَالسَّوَادُ فِي ضَوْءِ النَّهَارِ أَبْيَنُ وَأَشْهَرُ مِنْ غَيْرِهِ خُصُوصًا فِي الْغُبَارِ. فَلِهَذَا اُسْتُحِبَّ ذَلِكَ.\nفَأَمَّا مِنْ حَيْثُ الشَّرْعُ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ تُجْعَلَ الرَّايَاتُ بِيضًا أَوْ صُفْرًا أَوْ حُمْرًا، وَإِنَّمَا يُخْتَارُ الْأَبْيَضُ فِي اللِّوَاءِ لِقَوْلِهِ - ﵇ -: «إنَّ أَحَبَّ الثِّيَابِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى الْبِيضُ، فَلْيَلْبَسْهَا أَحْيَاؤُكُمْ وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» . وَاللِّوَاءُ لَا يَكُونُ إلَّا وَاحِدًا فِي كُلِّ جَيْشٍ، وَرُجُوعُهُمْ إلَيْهِ عِنْدَ حَاجَتِهِمْ إلَى رَفْعِ أُمُورِهِمْ إلَى السُّلْطَانِ. فَيُخْتَارُ الْأَبْيَضُ لِذَلِكَ لِيَكُونَ مُمَيَّزًا مِنْ الرَّايَاتِ السُّودِ الَّتِي هِيَ لِلْقُوَّادِ.\n٥٥ - وَذَكَرَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ - ﵁ - قَالَ: وَاَللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتنِي وَإِنِّي لَأَعْدَوْ فِي إثْرِ عَلِيٍّ - ﵁ - فَمَا أَدْرَكْته حَتَّى انْتَهَى إلَى الْحِصْنِ يَوْمَ خَيْبَرَ. فَخَرَجَتْ غَادِيَةُ الْيَهُودِ، يَعْنِي الَّذِينَ يَغْدُونَ مِنْ الْعُمَّالِ - وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِي: عَادِيَةُ الْيَهُودِ. وَالْمُرَادُ بِهِ الْأَكَابِرُ مِنْ الْمُبَارِزِينَ - قَالَ: فَفَتَحُوا بَابَهُمْ الَّذِي يَلِي الْمُسْلِمِينَ.\nوَكَانَتْ لَهُمْ حُصُونٌ مِنْ وَرَائِهَا جُدُرٌ ثَلَاثَةٌ، يَخَافُونَ الْبَيَاتَ","vol":"1","page":72},{"text":"بِالنَّطَاةِ، عَمِلَهَا أَكَابِرُ الْيَهُودِ، وَلَا تُطِيقُهَا الْخَيْلُ، فَخَرَجُوا مِنْ حِصْنِهِمْ ذَلِكَ وَتِلْكَ الْجُدُرُ حَتَّى أَصْحَرُوا لِلْمُسْلِمِينَ - أَيْ خَرَجُوا إلَى الصَّحْرَاءِ - فَخَرَجَ مَرْحَبٌ وَهُوَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ:\nقَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ ... شَاكِّي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ\nأَضْرِبُ أَحْيَانَا وَحِينًا أُضْرَبُ ... أَكْفِي إذَا أَشْهَدُ مِنْ يُغَيَّبُ\nوَمَرْحَبٌ الشَّاعِرُ هَذَا قَتَلَهُ عَلِيٌّ - ﵁ -. وَالْقِصَّةُ مَعْرُوفَةٌ فِي الْمَغَازِي. وَمَقْصُودُهُ مَا ذُكِرَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - فَرَّقَ الرَّايَاتِ وَإِنَّمَا كَانَتْ الْأَلْوِيَةُ قَبْلَ ذَلِكَ فَجَعَلَ الرَّايَاتِ يَوْمَئِذٍ» .\n٥٦ - قَالَ مُحَمَّدٌ - ﵀ -: وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَّخِذَ كُلُّ قَوْمٍ شِعَارًا إذَا خَرَجُوا فِي مَغَازِيهِمْ حَتَّى إنْ ضَلَّ رَجُلٌ عَنْ أَصْحَابِهِ نَادَى بِشِعَارِهِمْ. وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِأَهْلِ كُلِّ رَايَةٍ شِعَارٌ مَعْرُوفٌ، حَتَّى إنْ ضَلَّ رَجُلٌ عَنْ أَهْلِ رَايَتِهِ نَادَى بِشِعَارِهِ فَيَتَمَكَّنَ مِنْ الرُّجُوعِ إلَيْهِمْ. وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ فِي الدِّينِ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَفْعَلُوا لَمْ يَأْثَمُوا، وَلَكِنَّهُ أَفْضَلُ وَأَقْوَى عَلَى الْحَرْبِ، وَأَقْرَبُ إلَى مُوَافَقَةِ مَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ سِنَانِ بْنِ وَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي","vol":"1","page":73},{"text":"غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ وَهِيَ غَزَاةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَكَانَ شِعَارُنَا: يَا مَنْصُورُ أَمِتْ» . مَعْنَاهُ قَدْ ظَفِرْت بِالْعَدُوِّ فَاقْتُلْ مَنْ شِئْت مِنْهُمْ. وَهَذَا كَانَ شِعَارُ النَّبِيِّ - ﷺ - يَوْمَ بَدْرٍ. وَكَانَ شِعَارُهُ يَوْمَ أُحُدٍ: أَمِتْ أَمِتْ.\n٥٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: «جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - شِعَارَ الْمُهَاجِرِينَ: يَا بَنِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ. وَالْخَزْرَجِ: يَا بَنِي عَبْدِ اللَّهِ. وَالْأَوْسِ: يَا بَنِي عُبَيْدِ اللَّهِ. وَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَيْلَةً فِي حَرْبِ الْأَحْزَابِ: إنْ بَيَّتُّمْ اللَّيْلَةَ فَشِعَارُكُمْ: حم. لَا يُنْصَرُونَ»، وَهُوَ قَسَمٌ لِلتَّأْكِيدِ أَنَّ الْأَعْدَاءَ لَا يُنْصَرُونَ.\n٥٨ - وَكَانَ شِعَارُهُمْ يَوْمَ (٣٠ آ) حُنَيْنٍ: «يَا أَصْحَابَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَبِهِ نَادَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - حِينَ وَلَّوْا مُنْهَزِمِينَ، فَقَالَ: يَا أَصْحَابَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ إلَيَّ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ. سَائِرَ الْيَوْمِ. وَجَعَلَ يَتَقَدَّمُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ، فَرَجَعَ إلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ حِينَ سَمِعُوا صَوْتَهُ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «كَانَ شِعَارُهُمْ يَوْمَئِذٍ: حم لَا يُنْصَرُونَ. فَلَمَّا ثَابَ الْمُسْلِمُونَ - أَيْ رَجَعُوا إلَيْهِ - تَوَلَّى الْمُشْرِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: انْهَزَمُوا وَيَاسِينَ» . وَهَذَا قَسَمٌ أَكَّدَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - خَبَرَهُ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ الشِّعَارَ هُوَ الْعَلَامَةُ، فَالْخِيَارُ فِي ذَلِكَ إلَى إمَامِ الْمُسْلِمِينَ، إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَخْتَارَ كَلِمَةً دَالَّةً عَلَى ظَفَرِهِمْ عَلَى الْعَدُوِّ بِطَرِيقِ التَّفَاؤُلِ، فَقَدْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُعْجِبُهُ الْفَأْلُ الْحَسَنُ» .","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>[بَابُ الدُّعَاءِ عِنْدَ الْقِتَالِ]</span>\n٥٩ - ذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى - ﵁ - «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ قَبْلَ أَنْ يُوَاقِعَهُمْ قَالَ: اللَّهُمَّ إنَّا عِبَادُك وَهُمْ عِبَادُك، نَوَاصِينَا وَنَوَاصِيهمْ بِيَدِك. اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ» وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِكُلِّ غَازٍ أَنْ يَقْتَدِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي الدُّعَاءِ عِنْدَ الْقِتَالِ. وَهَذَا لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ بِالدُّعَاءِ يَسْتَنْزِلُ الرِّزْقَ وَالنَّصْرَ وَيَدْفَعُ أَنْوَاعَ الْبَلَاءِ وَشَرَّ الْأَعْدَاءِ. وَبِذَلِكَ أُمِرْنَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ [البقرة: ١٨٦] وَقَالَ: ﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] . وَأَخْبَرَ عَنْ الرُّسُلِ أَنَّهُمْ دَعَوْا عَلَى الْأَعْدَاءِ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ نُوحٍ قَالَ: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، وَعَنْ مُوسَى وَهَارُونَ وَالْخَلِيلِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - كَذَلِكَ.\n٦٠ - قَالَ: وَإِذَا لَقِيَ الْمُسْلِمُونَ الْمُشْرِكِينَ فَإِنْ كَانُوا قَوْمًا لَمْ يَبْلُغْهُمْ الْإِسْلَامُ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَدْعُوهُمْ.","vol":"1","page":75},{"text":"لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] . وَبِهِ «أَوْصَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أُمَرَاءَ الْجُيُوشِ فَقَالَ: فَادْعُوهُمْ إلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ»، وَلِأَنَّهُمْ رُبَّمَا يَظُنُّونَ أَنَّنَا نُقَاتِلُهُمْ طَمَعًا فِي أَمْوَالِهِمْ وَسَبْيِ ذَرَارِيِّهِمْ وَلَوْ عَلِمُوا أَنَّا نُقَاتِلُهُمْ عَلَى الدِّينِ رُبَّمَا أَجَابُوا إلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَقَعَ الْحَاجَةُ إلَى الْقِتَالِ. وَفِي تَقَدُّمِ عَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِمْ دُعَاءٌ إلَى سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، فَيَجِبُ الْبِدَايَةُ بِهِ. فَإِنْ كَانَ قَدْ بَلَغَهُمْ الْإِسْلَامُ وَلَكِنْ لَا يَدْرُونَ أَنَا نَقْبَلَ مِنْهُمْ الْجِزْيَةَ فَيَنْبَغِي أَنْ «لَا نُقَاتِلَهُمْ حَتَّى نَدْعُوَهُمْ إلَى إعْطَاءِ الْجِزْيَةِ، بِهِ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أُمَرَاءَ الْجُيُوشِ»، وَهُوَ آخِرُ مَا يَنْتَهِي بِهِ الْقِتَالُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] وَفِيهِ الْتِزَامُ بَعْضِ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ وَالِانْقِيَادُ لَهُمْ فِي الْمُعَامَلَاتِ فَيَجِبُ عَرْضُهُ عَلَيْهِمْ إذَا لَمْ يَعْلَمُوا بِهِ. إلَّا أَنْ يَكُونُوا قَوْمًا لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ كَالْمُرْتَدِّينَ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ، فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ السَّيْفُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] .","vol":"1","page":76},{"text":"فَإِذَا أَبَوْا الْإِسْلَامَ قُوتِلُوا غَيْرَ أَنْ يُعْرِضَ عَلَيْهِمْ إعْطَاءَ الْجِزْيَةِ. وَإِنْ قَاتَلُوهُمْ قَبْلَ الدَّعْوَةِ فَقَتَلُوهُمْ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ دِيَةٍ وَلَا كَفَّارَةٍ. لِأَنَّ وُجُوبَ ذَلِكَ يَعْتَمِدُ الْإِحْرَازَ، وَذَلِكَ بِدَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ الدِّينِ عَلَى حَسَبِ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ. فَأَمَّا مُجَرَّدُ النَّهْيِ عَنْ الْقَتْلِ بِدُونِ الْإِحْرَازِ لَا يُوجِبُ الدِّيَةَ وَالْكَفَّارَةَ كَمَا فِي نِسَاءِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَذَرَارِيِّهِمْ. وَهَذَا لِأَنَّ مُوجِبَ النَّهْيِ الِانْتِهَاءُ لَا غَيْرُ، وَيَقُومُ الْمَحَلُّ حُكِمَ (؟) وَرَاءَ ذَلِكَ.\n٦١ - فَإِنْ بَلَّغَهُمْ الدَّعْوَةَ فَإِنْ شَاءَ الْمُسْلِمُونَ دَعَوْهُمْ دُعَاءً مُسْتَقْبَلًا عَلَى سَبِيلِ الْإِعْذَارِ وَالْإِنْذَارِ، وَإِنْ شَاءُوا قَاتَلُوهُمْ بِغَيْرِ دَعْوَةٍ لِعِلْمِهِمْ بِمَا يُطْلَبُ مِنْهُمْ. وَرُبَّمَا يَكُونُ فِي تَقْدِيمِ الدُّعَاءِ (٣٠ ب) ضَرَرٌ بِالْمُسْلِمِينَ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُقَاتِلُوهُمْ مِنْ غَيْرِ دَعْوَةٍ. وَاَلَّذِي رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنْ قَالَ: «مَا قَاتَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - قَوْمًا حَتَّى يَدْعُوهُمْ» .\nوَعَنْ طَلْحَةَ - ﵁ -: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لَا يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يَدْعُوَهُمْ» . فَتَأْوِيلُهُ مَا قَالَ مُحَمَّدٌ - ﵀ - فِي كِتَابِهِ:\n٦٢ - إنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَوَّلُ مَنْ جَاءَهُمْ بِالْإِسْلَامِ فِي ذَلِكَ","vol":"1","page":77},{"text":"الْوَقْتِ، وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ يَعْلَمُ أَنَّهُ إلَى مَاذَا يَدْعُوهُمْ. فَلِهَذَا كَانَ تَقْدِيمُ الدُّعَاءِ. وَهَكَذَا نُقِلَ عَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ دُعَاءِ الدَّيْلَمِ فَقَالَ: قَدْ عَلِمُوا الدُّعَاءَ، يُرِيدُ بِهِ أَنَّ زَمَانَنَا مُخَالِفٌ لِزَمَانِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي هَذَا الْحُكْمِ، أَوْ كَانَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَى وَجْهِ التَّأَلُّفِ لَهُمْ رَجَاءَ أَنْ يَتُوبُوا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَاجِبًا. أَلَا تَرَى إلَى مَا رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ فَتَحْضُرُ الصَّلَاةُ فَيُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ. ثُمَّ يَعُودُ إلَى مَوْضِعِهِ فَيَدْعُوهُمْ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ إلَّا عَلَى وَجْهِ التَّأَلُّفِ.\n٦٣ - وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - بَعَثَ عَلِيًّا - ﵁ - مَبْعَثًا فَقَالَ لَهُ: امْضِ وَلَا تَلْتَفِتْ - أَيْ لَا تَدَعْ شَيْئًا مِمَّا آمُرُك بِهِ - قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَصْنَعُ بِهِمْ؟ قَالَ: إذَا نَزَلْت بِسَاحَتِهِمْ فَلَا تُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يُقَاتِلُوك، فَإِنْ قَاتَلُوك فَلَا تُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَقْتُلُوا مِنْكُمْ قَتِيلًا، فَإِنْ قَتَلُوا مِنْكُمْ قَتِيلًا فَلَا تُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى تُرِيَهُمْ إيَّاهُ، ثُمَّ تَقُولُ لَهُمْ: هَلْ لَكُمْ إلَى أَنْ تَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؟ فَإِنْ قَالُوا نَعَمْ فَقُلْ لَهُمْ: هَلْ لَكُمْ أَنْ تُصَلُّوا؟ فَإِنْ قَالُوا نَعَمْ فَقُلْ لَهُمْ: هَلْ لَكُمْ أَنْ تُخْرِجُوا مِنْ أَمْوَالِكُمْ الصَّدَقَةَ؟ فَإِنْ قَالُوا نَعَمْ فَلَا تَبْغِ مِنْهُمْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَاَللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْك رَجُلًا خَيْرٌ لَك مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَغَرَبَتْ» . وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ مِمَّا لَا يُشْكِلُ أَنَّهُ ذُكِرَ عَلَى وَجْهِ التَّأَلُّفِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا.","vol":"1","page":78},{"text":"- وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِدٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إذَا بَعَثَ بَعْثًا قَالَ: تَأَلَّفُوا النَّاسَ وَتَأَنَّوْا بِهِمْ، وَلَا تُغِيرُوا عَلَيْهِمْ حَتَّى تَدْعُوهُمْ، فَمَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ، مِنْ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ، إلَّا أَنْ تَأْتُونِي بِهِمْ مُسْلِمِينَ، أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ تَأْتُونِي بِأَبْنَائِهِمْ وَنِسَائِهِمْ وَتَقْتُلُوا رِجَالَهُمْ» .\nوَعَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ: كُنَّا نَدْعُو وَنَدَعُ أَيْ نَدْعُو تَارَةً وَنَدَعُ الدُّعَاءَ تَارَةً وَنُغِيرُ عَلَيْهِمْ. فَدَلَّ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ حَسَنٌ يَدْعُونَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ إذَا كَانَ يُطْمَعُ فِي إيمَانِهِمْ. فَأَمَّا إذَا كَانَ لَا يُطْمَعُ فِي ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ دَعْوَةٍ.\nبَيَانُهُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ حِينَ بَعَثَ أَبَا قَتَادَةَ بْنَ رِبْعِيٍّ فِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا إلَى غَطَفَانَ فَقَالَ: «شُنُّوا الْغَارَةَ عَلَيْهِمْ وَلَا تَقْتُلُوا النِّسْوَانَ وَالصِّبْيَانَ» ثُمَّ ذَكَرَ الرَّاوِي حُسْنَ تَدْبِيرِ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: لَمَّا هَجَمْنَا عَلَى حَاضِرٍ مِنْهُمْ عَظِيمٍ لَيْلًا - مَعْنَى (٣١ آ) قَوْلُهُ: \" حَاضِرٍ مِنْهُمْ \" أَيْ حَيٍّ مِنْهُمْ، وَهُوَ الْقَبِيلَةُ - خَطَبَنَا وَأَوْصَانَا فَقَالَ: إذَا كَبَّرْتُ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا حَمَلْتُ فَاحْمِلُوا، وَلَا تُمْعِنُوا فِي الطَّلَبِ - أَيْ لَا تَبْعُدُوا فِي الذَّهَابِ فِي الْغَنِيمَةِ - وَأَلَّفَ بَيْنَ كُلِّ رَجُلَيْنِ وَقَالَ: لَا يُفَارِقُ رَجُلٌ زَمِيلَهُ حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يَرْجِعَ إلَيَّ فَيُخْبِرَنِي خَبَرَهُ. وَلَا يَأْتِينِي رَجُلٌ فَأَسْأَلُهُ عَنْ صَاحِبِهِ فَيَقُولُ لَا عِلْمَ لِي بِهِ.","vol":"1","page":79},{"text":"قَالَ: فَأَحَطْنَا بِالْحَاضِرِ، فَسَمِعْت رَجُلًا يَصْرُخُ \" يَا خَضْرَاءُ فَتَفَاءَلَتْ وَقُلْت: لَأُصِيبَنَّ خَيْرًا - «وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَتَفَاءَلُ بِمِثْلِ هَذَا، فَإِنَّهُ لَمَّا خَرَجَ مِنْ الْغَارِ مَعَ أَبِي بَكْرٍ - ﵁ - يُرِيدُ الْمَدِينَةَ مَرَّ عَلَى بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ. فَأَمَرَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ اسْمِهِ. فَلَمَّا قَالَ: بُرَيْدَةُ، قَالَ: بَرُدَ لَنَا الْأَمْرُ، فَلَمَّا قَالَ: مِنْ أَسْلَمَ، قَالَ: سَلِّمْنَا -»، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالتَّفَاؤُلِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ. وَحِينَ عَبَرَ جَيْشُ الْمُسْلِمِينَ جَيْحُونَ سَمِعُوا رَجُلًا يُنَادِي غُلَامَهُ: يَا ظَفَرُ فَقَالُوا: قَدْ ظَفَرْنَا، وَآخَرُ يُنَادِي غُلَامَهُ: يَا عَلْوَانُ فَقَالُوا: قَدْ عَلَوْنَا. ثُمَّ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ - ﵁ - أَنَّهُ فَعَلَهُ فِي سَرِيَّةٍ كَانَ هُوَ أَمِيرَهُمْ، وَقَالَ: حِينَ انْتَهَيْنَا إلَى الْحَاضِرِ فِي غَبَشِ الصُّبْحِ - يَعْنِي حِينَ اخْتَلَطَ الظَّلَامُ بِالضَّوْءِ - وَقَدْ أَغَارَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَهُمْ غَارُّونَ وَنَعَمُهُمْ تُسْقَى عَلَى الْمَاءِ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَهُمْ، وَسَبَى ذُرِّيَّتَهُمْ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ السَّبْيِ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِث. وَعُهِدَ إلَى أُسَامَةَ أَنْ يُغِيرَ عَلَى أُبْنَى صَبَاحًا ثُمَّ يُحَرِّقُ. وَالْغَارَةُ لَا تَكُونُ بِدَعْوَةٍ.\n٦٥ - وَذَكَرَ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: لَيْسَ لِلرُّومِ دَعْوَةٌ. فَقَدْ دُعُوا فِي آبَادِ الدَّهْرِ. أَيْ قَدْ بَلَغَتْهُمْ الدَّعْوَةُ قَبْلَ زَمَانِنَا. أَوْ مُرَادُهُ قَدْ بَشَّرَ عِيسَى - ﵇ - إيَّاهُمْ بِمُحَمَّدٍ - ﷺ - وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ إذَا بُعِثَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>[بَابُ الْبَرَكَة فِي الْخَيْلِ وَمَا يَصْلُحُ مِنْهَا]</span>\n٦٦ - ذَكَرَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «الْخَيْلُ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» . يَعْنِي الْجِهَادَ وَإِرْهَابَ الْعَدُوِّ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]، فَأَرَادَ بِهِ الْأَجْرَ لِصَاحِبِهَا، كَمَا قَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: «الْخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ: لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَهُوَ أَنْ يُمْسِكَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً طَارَ إلَيْهَا» وَأَرَادَ بِالْخَيْرِ اسْتِحْقَاقَ سَهْمٍ مِنْ الْغَنِيمَةِ بِالْخَيْلِ. وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الْمَالَ خَيْرًا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠] وَالْغَنِيمَةُ خَيْرٌ لِأَنَّهُ مَالٌ مُصَابٌ بِأَشْرَفِ الْجِهَاتِ، فَيُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْخَيْرِ.\n٦٧ - وَعَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «خَيْرُ الْخَيْلِ الشُّقْرُ» . وَهَذِهِ الصِّفَةُ فِي الْخَيْلِ تَبِينُ بِالْعُرْفِ (٣١ ب) وَالذَّنَبِ، فَإِنْ كَانَا أَحْمَرَيْنِ فَهُوَ أَشْقَرُ، وَإِنْ كَانَا أَسْوَدَيْنِ فَهُوَ كُمَيْتٌ.","vol":"1","page":81},{"text":"٦٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ الثَّقَفِيِّ - ﵁ - أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «الْيُمْنُ فِي الْخَيْلِ فِي كُلِّ أَقَرْحَ، أَدْهَمَ، أَرْثَمَ، مُحَجَّلِ الثَّلَاثَةِ، طَلْقُ الْيُمْنَى، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَكُمَيْتٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ» . فَالْأَقْرَحُ: هُوَ الَّذِي يَكُونُ فِي جَبْهَتِهِ بَيَاضٌ بِقَدْرِ الدِّرْهَمِ أَوْ دُونَ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الْبَيَاضُ فَوْقَ ذَلِكَ فَهُوَ أَغَرُّ. وَالْأَدْهَمُ: اسْمُ الْأَسْوَدِ مِنْهُ. وَالْأَرْثَمُ: هُوَ الَّذِي يَكُونُ الْبَيَاضُ فِي شَفَتِهِ الْعُلْيَا فَوْقَ الْجَحْفَلَةِ.\nوَمُحَجَّلُ الثَّلَاثِ طَلْقُ الْيُمْنَى: هُوَ الَّذِي يَكُونُ الْبَيَاضُ فِي قَوَائِمِهِ الثَّلَاثِ سِوَى الْيُمْنَى، وَهُوَ ضِدُّ الْأَرْجُلِ.\nوَالْأَرْجُلُ: مَا يَكُونُ الْبَيَاضُ فِي الْيُمْنَى مِنْ قَوَائِمِهِ خَاصَّةً. وَهَذَا يُتَشَاءَمُ بِهِ، وَالْأَوَّلُ يُرْغَبُ فِيهِ. وَهَذَا كَانَ مَعْرُوفًا بَيْنَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَقَرَّرَهُمْ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى ذَلِكَ. وَبَيَّنَ أَنَّ الْبَرَكَةَ فِيمَا يَكُونُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنْ الْخَيْلِ كَمَا هُوَ عِنْدَ الْعَوَامّ مِنْ النَّاسِ.\n٦٩ - وَذَكَرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ - أَنَّهُ كَتَبَ إلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - ﵁ -: لَا تُخْصِيَنَّ فَرَسًا وَلَا تُجْرِيَنَّ فَرَسًا فَوْقَ الْمِيلَيْنِ. فَمِنْ النَّاسِ مَنْ أَخَذَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَكَرِهَ خِصَاءَ الْفَرَسِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ عَلِيًّا - ﵁ - سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ» . أَيْ لَا نَصِيبَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ،","vol":"1","page":82},{"text":"وَتَأَوَّلُوا فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] . وَجَاءَ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّ الْمُرَادَ خِصَاءُ الدَّوَابِّ. وَالْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ فَقَدْ تَعَارَفُوا مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إلَى يَوْمِنَا هَذَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرِ مُنْكِرٍ، [وَلَا مُنَازِعَ] . وَبِالِاتِّفَاقِ لَا بَأْسَ بِشِرَاءِ الْفَرَسِ الْخَصِيِّ وَرُكُوبِهِ. وَقَدْ كَانَ فَرَسُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بِهَذِهِ الصِّفَةِ. وَلَوْ كَانَ هَذَا الصَّنِيعُ مَكْرُوهًا لَكَانَ يُكْرَهُ شِرَاؤُهُ وَرُكُوبُهُ؛ لِيَكُونَ زَجْرًا لِلنَّاسِ عَنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ.\nوَتَأْوِيلُ النَّهْيِ فِي حَدِيثِ عُمَرَ - ﵁ - مَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ - ﵀ - فِي الْكِتَابِ:\n٧٠ - أَنَّ صَهِيلَ الْخَيْلِ يُرْهِبُ الْعَدُوَّ، وَالْخِصَاءُ يُذْهِبُ صَهِيلَهُ. فَكُرِهَ الْخِصَاءُ لِذَلِكَ، لَا لِأَنَّهُ حَرَامٌ فِي الدِّينِ.\nوَالْمُرَادُ مِنْ اللَّفْظِ الثَّانِي النَّهْيُ عَنْ إجْرَاءِ الْفَرَسِ فَوْقَ مَا يَحْتَمِلُهُ، أَوْ عَلَى وَجْهِ التَّلَهِّي بِهِ، فَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْمُسَابَقَةُ بِالْأَفْرَاسِ لِلرِّيَاضَةِ فَهُوَ حَسَنٌ لَا بَأْسَ بِهِ.\n٧١ - وَذَكَرَ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - ﵁ - أَجْرَى وَسَبَّقَ. يُرْوَى سَبَّقَ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ. فَمَعْنَى الرِّوَايَةِ بِالتَّخْفِيفِ أَنَّهُ سَبَقَ صَاحِبَهُ. وَمَعْنَى الرِّوَايَةِ بِالتَّشْدِيدِ أَنَّهُ الْتَزَمَ عَلَى السَّبْقِ صِلَةً. وَلَا بَأْسَ بِالْمُسَابِقَةِ بِالْأَفْرَاسِ مَا لَمْ تَبْلُغْ غَايَةً لَا تَحْتَمِلُهَا. جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «تَسَابَقَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - (٣٢ آ) وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ - ﵄ - فَسَبَقَ","vol":"1","page":83},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَصَلَى أَبُو بَكْرٍ، وَثَلَّثَ عُمَرُ - ﵄ -» . مَعْنَى قَوْلِهِ: \" صَلَى \" أَيْ كَانَ رَأْسُ دَابَّتِهِ عِنْدَ صِلَاءِ دَابَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﵇ - وَهُوَ الذَّنَبُ.\n٧٢ - وَفِي حَدِيثِ مُجَاهِدٍ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَحْضُرُ الْمَلَائِكَةُ شَيْئًا مِنْ الْمَلَاهِي سِوَى النِّضَالِ وَالرِّهَانِ» يَعْنِي الرَّمْيَ وَالْمُسَابَقَةَ.\n٧٣ - وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «لَا سَبَقَ إلَّا فِي خُفٍّ أَوْ نَصْلٍ أَوْ حَافِرٍ» . الْمُرَادُ بِالْحَافِرِ الْفَرَسُ، وَبِالْخُفِّ الْإِبِلُ، وَبِالنَّصْلِ الرَّمْيُ.\n٧٤ - وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْعَضْبَاءَ نَاقَةَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - كَانَتْ لَا تُسْبَقُ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى قَعُودٍ لَهُ فَسَبَقَ. فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. فَقَالَ - ﵇ -: «مَا رَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا شَيْئًا إلَّا وَضَعَهُ»، لِذَلِكَ الْمُسَابَقَةُ عَلَى الْأَقْدَامِ لَا بَأْسَ بِهَا؛ لِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَتْ الْمُسَابَقَةُ بَيْنَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ وَالْأَرْجُلِ.","vol":"1","page":84},{"text":"لِأَنَّ الْغُزَاةَ يَحْتَاجُونَ إلَى رِيَاضَةِ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى إذَا اُبْتُلُوا بِالطَّلَبِ وَالْهَرَبِ وَهُمْ رَجَّالَةٌ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ الْعَدُوُّ، لِمَا يَحْتَاجُونَ إلَى ذَلِكَ فِي رِيَاضَةِ الدَّوَابِّ.\n٧٥ - فَإِنْ شَرَطُوا جُعْلًا نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ الْجُعْلُ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ خَاصَّةً بِأَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: إنْ سَبَقْتنِي أَعْطَيْتُك كَذَا، وَإِنْ سَبَقَتْك لَمْ آخُذْ مِنْك شَيْئًا فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى مَا شَرَطَا اسْتِحْسَانًا، لِقَوْلِهِ - ﵇ -: «الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» . وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ تَعْلِيقُ الْمَالِ بِالْخَطَرِ وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَالُ مَشْرُوطًا مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَهُوَ الْقِمَارُ بِعَيْنِهِ. وَالْقِمَارُ حَرَامٌ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا مُحَلِّلٌ. وَصُورَةُ الْمُحَلِّلِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُمَا ثَالِثٌ. وَالشَّرْطُ أَنَّ الثَّالِثَ إذَا سَبَقَهُمَا أَخَذَ مِنْهُمَا، وَإِنْ سَبَقَاهُ لَمْ يُعْطِهِمَا شَيْئًا، فَهُوَ فِيمَا بَيْنَهُمَا، أَيُّهُمَا سَبَقَ أَخَذَ الْجُعْلَ مِنْ صَاحِبِهِ، فَهَذَا جَائِزٌ.\nوَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ. وَهَذَا إذَا كَانَ الْمُحَلِّلُ عَلَى دَابَّةٍ يُتَوَهَّمُ أَنْ يَسْبِقَ، فَإِنْ كَانَ لَا يُتَوَهَّمُ ذَلِكَ فَلَا فَائِدَةَ فِي إدْخَالِهِ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَخْرُجُ بِهِ شَرْطُهُمَا مِنْ أَنْ يَكُونَ قِمَارًا. قَالَ - ﵁ - وَكَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - ﵀ - يَقُولُ عَلَى قِيَاسِ هَذَا بِالْجَرْيِ بَيْنَ طَلَبَةِ الْعِلْمِ، يُفْتِي فِيهِ بِالْجَوَازِ أَيْضًا. وَهُوَ","vol":"1","page":85},{"text":"إذَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي مَسْأَلَةٍ وَأَرَادَ الرُّجُوعَ إلَى الْأُسْتَاذِ وَشَرَطَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْجَوَابُ كَمَا قُلْت أَعْطَيْتُك كَذَا، وَإِنْ كَانَ كَمَا قُلْت لَا آخُذُ مِنْك شَيْئًا فَهَذَا جَائِزٌ.\nوَإِنْ كَانَ شَرْطٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَهُوَ الْقِمَارُ، وَهَذَا لِأَنَّ فِي الْأَفْرَاسِ إنَّمَا جُوِّزَ ذَلِكَ لِمَعْنًى يَرْجِعُ إلَى الْجِهَادِ. فَيَجُوزُ هُنَا أَيْضًا لِلْحَثِّ عَلَى الْجِهَادِ فِي التَّعَلُّمِ.\n٧٦ - وَذَكَرَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو السَّكْسَكِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إلَى أَصْحَابِ السَّكْسَكِ يَنْهَاهُمْ عَنْ الرَّكْضِ (٣٢ ب) . وَالْمُرَادُ النَّخَّاسُونَ، وَإِنَّمَا نَهَاهُمْ عَنْ رَكْضٍ يُتْعِبُ الدَّابَّةَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى ذَلِكَ، أَوْ رَكْضٍ يَكُونُ بِتَكَلُّفٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ يُغَرِّرُ الْمُشْتَرِيَ، وَالْغُرُورُ حَرَامٌ وَالْمُرَادُ الرَّكْضُ لِلتَّلَهِّي مِنْ غَيْرِ غَرَضٍ. وَقَدْ أُمِرْنَا بِالْإِحْسَانِ إلَى الْخُيُولِ لِإِرْهَابِ الْعَدُوِّ بِهَا، وَلَا يَجُوزُ إتْعَابُهَا بِالرَّكْضِ تَلَهِّيًا.\n٧٧ - قَالَ: وَنَهَاهُمْ أَنْ يَتْرُكُوا أَحَدًا أَنْ يَرْكَبَ بِمِبْزَغٍ فِي سَوْطِهِ يَبْزُغُ بِهِ دَابَّتَهُ. أَيْ بِحَدِيدَةٍ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّخَّاسِينَ لِنَخْسِ الدَّابَّةِ عِنْدَ الرَّكْضِ، وَذَلِكَ يَجْرَحُ الدَّابَّةَ مِنْ غَيْرِ غَرَضٍ فِيهِ، وَرُبَّمَا يَسْرِي (؟) . فَلِهَذَا نَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ كَمَا هُوَ عَادَةُ الْعَرَبِ مِنْ اتِّخَاذِ حَدِيدَةٍ فِي ظَاهِرِ الْخُفِّ عِنْدَ الْعَقِبِ لِنَخْسِ الْفَرَسِ بِهِ، فَإِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ كَمَا قُلْنَا. وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَنْهَى عَنْ رَكْضِ الْفَرَسِ إلَّا فِي حَقٍّ، أَيْ عِنْدَ غَرَضٍ صَحِيحٍ فِي الْجِهَادِ أَوْ غَيْرِهِ.","vol":"1","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>[بَابُ كَرَاهِيَةِ الْجَرَسِ]</span>\nِ ٧٨ - ذَكَرَ عَنْ كَعْبٍ قَالَ: مَا اُسْتُنْفِرَ جَيْشٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَّا بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا يُنَادِي فِي ظُهُورِهِمْ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ ظُهُورَهَا شَدِيدًا، وَحَوَافِرَهَا حَدِيدًا، إلَّا ذَاتَ الْجَرَسِ.\n٧٩ - وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ قَالَ: «رَأَى النَّبِيُّ - ﷺ - رَاحِلَةً عَلَيْهَا جَرَسٌ فَقَالَ: تِلْكَ مَطِيُّ الشَّيْطَانِ» .\n٨٠ - وَعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ - ﵂ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «الْعِيرُ الَّتِي فِيهَا جَرَسٌ لَا تَصْحَبُهَا الْمَلَائِكَةُ»، فَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ أَخَذَ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْآثَارِ، وَكَرِهُوا اتِّخَاذَ الْجَرَسِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي الْأَسْفَارِ فِي الْغَزْوِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَكَرِهُوا أَيْضًا اتِّخَاذَ الْجَلَاجِلِ فِي رِجْلِ الصَّغِيرِ، عَلَى مَا يُرْوَى عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّهَا رَأَتْ امْرَأَةً مَعَهَا صَبِيٌّ وَفِي رِجْلِهِ جَلَاجِلُ فَجَعَلَتْ تَقُولُ: نَحِّي عَنْهُ مَا يُنَفِّرُ الْمَلَائِكَةَ.\nوَتَأْوِيلُ هَذِهِ الْآثَارِ عِنْدَنَا أَنَّهُ كُرِهَ اتِّخَاذُ الْجَرَسِ لِلْغُزَاةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ،","vol":"1","page":87},{"text":"فَإِنَّهُمْ إذَا قَصَدُوا أَنْ يُبَيِّتُوا الْعَدُوَّ عَلِمَ بِهِمْ الْعَدُوُّ بِصَوْتِ الْجَرَسِ فَيَبْدُرُونَ بِهِمْ. فَإِذَا كَانُوا سَرِيَّةً عَلِمَ بِهِمْ الْعَدُوُّ فَأَتَوْهُمْ فَقَتَلُوهُمْ. فَالْجَرَسُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَدُلُّ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ مَكْرُوهٌ. وَأَمَّا مَا كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِصَاحِبِ الرَّاحِلَةِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، يَعْنِي قَدْ يَنْتَفِعُ الْمُسْلِمُونَ فِي أَسْفَارِهِمْ بِصَوْتِ الْجَرَسِ يَدْفَعُونَ بِهِ النَّوْمَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَمَنْ يَضِلَّ عَنْ الطَّرِيقِ يَتَمَكَّنْ مِنْ اللُّحُوقِ بِهِمْ بِصَوْتِ الْجَرَسِ فَلَا يَضِلُّ. وَمِنْ الدَّوَابِّ مَا يَنْشَطُ فِي السَّيْرِ بِصَوْتِ الْجَرَسِ. فَإِذَا أَمِنُوا اللُّصُوصَ، وَكَانَ فِي الْجَرَسِ مَنْفَعَةٌ لَهُمْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا بَأْسَ بِاِتِّخَاذِهِ. وَهُوَ نَظِيرُ الْحِدَاءِ، وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ فِي الْعَرَبِ. «وَقَدْ أَذِنَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَكَانَ يَسِيرُ بِاللَّيْلِ، وَالْحَادِي يَحْدِي بَيْنَ يَدَيْهِ» . فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ (٣٣ آ) بِمِثْلِهِ، وَمَا يَكُونُ فِي أَرْجُلِ الصِّبْيَانِ عَلَى سَبِيلِ اللَّهْوِ مِنْ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ فَلَا يُسْتَحَبُّ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ فَلَا بَأْسَ.","vol":"1","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>[بَابُ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْحَرْبِ]</span>\nبَابُ رَفْعِ الصَّوْتِ ٨١ - قَالَ: وَلَا يُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ فِي الْحَرْبِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَكْرُوهًا مِنْ وَجْهِ الدِّينِ. وَلَكِنَّهُ فَشَلٌ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ تَحْرِيضٌ وَمَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا بَأْسَ بِهِ. يَعْنِي أَنَّ الْمُبَارِزِينَ يَزْدَادُونَ نَشَاطًا بِرَفْعِ الصَّوْتِ، وَرُبَّمَا يَكُونُ فِيهِ إرْهَابٌ لِلْعَدُوِّ عَلَى مَا قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «صَوْتُ أَبِي دُجَانَةَ فِي الْحَرْبِ فِئَةٌ» . فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ فَهُوَ فَشَلٌ. وَرُبَّمَا يَدُلُّ عَلَى الْجَيْشِ فَلِهَذَا لَا يُسْتَحَبُّ.\n٨٢ - وَذَكَرَ عَنْ الْحَسَنِ - ﵁ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يَكْرَهُ رَفْعَ الصَّوْتِ عِنْدَ ثَلَاثَةٍ: عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَعِنْدَ الْجَنَائِزِ، وَعِنْدَ الزَّحْفِ»، أَيْ الْقِتَالِ.\n٨٣ - وَعَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَكْرَهُونَ الصَّوْتَ عِنْدَ الثَّلَاثَةِ: الْجَنَائِزِ وَالْقَتَال وَالذِّكْرِ.","vol":"1","page":89},{"text":"وَالْمُرَادُ بِالذِّكْرِ الْوَعْظُ. فَفِي الْحَدِيثَيْنِ كَرَاهَةُ رَفْعِ الصَّوْتِ عِنْدَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ وَالْوَعْظِ. فَتَبَيَّنَ بِهِ أَنَّ مَا يَفْعَلُهُ الَّذِينَ يَدَّعُونَ الْوَجْدَ وَالْمَحَبَّةَ مَكْرُوهٌ وَلَا أَصْلَ لَهُ فِي الدِّينِ. وَيَسْتَبِينُ بِهِ أَنَّهُ تُمْنَعُ الصُّوفِيَّةُ مِمَّا يَعْتَادُونَهُ مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ وَتَخْرِيقِ الثِّيَابِ عِنْدَ السَّمَاعِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ فِي الدِّينِ عِنْدَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ وَالْوَعْظِ، فَمَا ظَنُّك عِنْدَ سَمَاعِ الْغِنَاءِ؟ فَأَمَّا رَفْعُ الصَّوْتِ عِنْدَ الْجَنَائِزِ فَالْمُرَادُ بِهِ النَّوْحُ وَتَمْزِيقُ الثِّيَابِ وَخَمْشُ الْوُجُوهِ، فَذَلِكَ حَرَامٌ، وَالْمُرَادُ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ الْإِفْرَاطِ فِي مَدْحِ الْمَيِّتِ عِنْدَ جِنَازَتِهِ، حَتَّى كَانُوا يَذْكُرُونَ فِي ذَلِكَ مَا هُوَ شِبْهُ الْمُحَالِ. وَفِيهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَنْ تَعَزَّى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَعِضُّوهُ بِهِنَّ أَبِيهِ وَلَا تَكْنُوا» أَرَادَ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ امْنَعُوهُ عَنْ ذَلِكَ وَلَا تَذْكُرُوهُ بِسُوءٍ. .","vol":"1","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>[بَابُ الْعَمَائِمِ فِي الْحَرْبِ]</span>\n١٠ - بَابُ الْعَمَائِمِ فِي الْحَرْبِ ٨٤ - قَالَ: وَلُبْسُ الْعَمَائِمِ فِي الْحَرْبِ وَغَيْرِهَا حَسَنٌ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ الْعَمَائِمَ تِيجَانُ الْعَرَبِ. وَقَالَ - ﷺ -: «تَعَمَّمُوا تَزْدَادُوا حِلْمًا» . «وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ» . فَعَرَفْنَا أَنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ.\n٨٥ - وَذَكَرَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: «دَعَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ - ﵁ - فَقَالَ: تَجَهَّزْ، فَإِنِّي بَاعِثُكَ فِي السَّرِيَّةِ - الْحَدِيثَ - إلَى أَنْ قَالَ: وَعَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ عِمَامَةٌ قَدْ لَفَّهَا عَلَى رَأْسِهِ. فَدَعَاهُ النَّبِيُّ - ﷺ - فَأَقْعَدَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَنَقَضَ عِمَامَتَهُ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ عَمَّمَهُ بِعِمَامَةٍ سَوْدَاءَ وَأَرْخَى بَيْنَ كَتِفَيْهِ شَيْئًا مِنْهَا. ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا فَاعْتَمَّ يَا ابْنَ عَوْفٍ. وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ إكْرَامًا لَهُ، خَصَّهُ بِهَذِهِ الْكَرَامَةِ مِنْ بَيْنِ الصَّحَابَةِ - ﵃ -» . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ إرْخَاءُ ذَنَبِ الْعِمَامَةِ بَيْنَ (٣٣ ب) الْكَتِفَيْنِ،","vol":"1","page":91},{"text":"كَمَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -. مِنْهُمْ مَنْ قَدَّرَ ذَلِكَ بِشِبْرٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إلَى وَسَطِ الظَّهْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إلَى مَوْضِعِ الْجُلُوسِ. وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنْ يُجَدِّدَ اللَّفَّ لِعِمَامَتِهِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْفَعَهَا مِنْ رَأْسِهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، لَكِنْ يَنْقُضُهَا كَمَا لَفَّهَا. فَقَدْ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - هَكَذَا بِعِمَامَةِ ابْنِ عَوْفٍ، وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ النَّشْرِ غِبَّ الطَّيِّ، فَيَكُونُ أَوْلَى مِنْ النَّشْرِ وَالْإِلْقَاءِ [عَلَى الْأَرْضِ] دَفْعَةً وَاحِدَةً.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>[بَابُ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ]</span>\n١١ -","vol":"1","page":92},{"text":"بَابُ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ\n٨٦ - ذَكَرَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ سُئِلَ: هَلْ يَصْلُحُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُقَاتِلَ الْكُفَّارَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَبِهِ نَأْخُذُ.\n٨٧ - وَكَانَ عَطَاءٌ يَقُولُ: لَا يَحِلُّ الْقِتَالُ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، وَلَكِنَّا نَقُولُ: هَذَا مَنْسُوخٌ، نَاسِخُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] يُفِيدُ إبَاحَةَ قَتْلِهِمْ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَمَكَانٍ.\nوَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ [التوبة: ٥] مُضِيُّ مُدَّةِ الْعَهْدِ الَّذِي كَانَ لِبَعْضِهِمْ، لَا بَيَانُ حُرْمَةِ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ. ثُمَّ صَحَّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - غَزَا الطَّائِفَ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْ الْمُحَرَّمِ، وَنَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَيْهَا، وَافْتَتَحَهَا فِي صَفَرٍ»، وَنَسْخُ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي تَلَقَّاهَا الْعُلَمَاءُ بِالْقَبُولِ جَائِزٌ. .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>[بَابُ هِجْرَةِ الْأَعْرَابِ]</span>\n١٢ -","vol":"1","page":93},{"text":"بَابُ هِجْرَةِ الْأَعْرَابِ\n- وَعَنْ الْحَسَنِ - ﵁ - قَالَ: هِجْرَةُ الْأَعْرَابِ إذَا ضَمَّهُمْ دِيوَانُهُمْ. وَقَدْ كَانَتْ الْهِجْرَةُ فَرِيضَةً فِي الِابْتِدَاءِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] .\n٨٩ - «وَقَالَ - ﷺ -: ثُمَّ اُدْعُوهُمْ إلَى التَّحَوُّلِ إلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ فَإِنْ أَبَوْا فَأَخْبِرُوهُمْ أَنَّهُمْ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ لَهُمْ فِي الْفَيْءِ وَلَا فِي الْغَنِيمَةِ نَصِيبٌ» .\nوَمِنْ مَذْهَبِ الْحَسَنِ أَنَّهُ لَمْ يُنْسَخْ هَذَا الْحُكْمُ، وَأَنَّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْأَعْرَابِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُثْبِتَ اسْمَهُ فِي دِيوَانِ الْغُزَاةِ لِيَكُونَ مُهَاجِرًا. فَقَدْ كَانَ الْمَقْصُودُ بِالْهِجْرَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الْقِتَالَ. وَعَلَى قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ - ﵃ - فَرِيضَةُ الْهِجْرَةِ انْتَسَخَتْ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، إنَّمَا هُوَ جِهَادٌ","vol":"1","page":94},{"text":"وَنِيَّةٌ» . وَقَالَ: «الْمُهَاجِرُ مِنْ أُمَّتِي مَنْ هَجَرَ السُّوءَ، أَوْ قَالَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ» .\n٩٠ - وَإِلَيْهِ أَشَارَ مُحَمَّدٌ - ﵀ - فَقَالَ: إذَا وَطَنَ الْأَعْرَابِيُّ مِصْرًا مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ الْأَعْرَابِيَّةِ، وَصَارَ مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ، الْتَحَقَ فِي (٣٤ آ) الدِّيوَانِ أَوْ لَمْ يُلْحَقْ.\nوَإِنَّمَا شُرِطَ أَنْ يَتَوَطَّنَ مِصْرًا لِيَتَعَلَّمَ شَرَائِعَ الدِّينِ. فَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ فِي قَبِيلَتِهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى تَوَطُّنِ الْمِصْرِ، وَلَكِنْ إذَا تَعَلَّمَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ الْأَعْرَابِيَّةِ، يَعْنِي مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ الْأَعْرَابَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>[بَابُ صِلَةِ الْمُشْرِكِ]</span>\n١٣ -","vol":"1","page":95},{"text":"بَابُ صِلَةِ الْمُشْرِكِ وَذَكَرَ عَنْ أَبِي مَرْوَانَ الْخُزَاعِيِّ قَالَ: قُلْت لِمُجَاهِدٍ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ بَيْنِي وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ، وَلِي عَلَيْهِ مَالٌ، أَدَعُهُ لَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَصِلْهُ.\nوَبِهِ نَأْخُذُ فَنَقُولُ: لَا بَأْسَ بِأَنْ يَصِلَ الْمُسْلِمُ الْمُشْرِكَ قَرِيبًا كَانَ أَوْ بَعِيدًا، مُحَارِبًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا لِحَدِيثِ «سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: صَلَّيْت الصُّبْحَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَوَجَدْت مَسَّ كَفٍّ بَيْنَ كَتِفِي، فَالْتَفَتّ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: هَلْ أَنْتَ وَاهِبٌ لِي ابْنَةَ أُمِّ قِرْفَةَ؟ قُلْت: نَعَمْ. فَوَهَبْتهَا لَهُ. فَبَعَثَ بِهَا إلَى خَالِهِ حَزَنَ بْنِ أَبِي وَهْبٍ، وَهُوَ مُشْرِكٌ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ. وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - خَمْسَ مِائَةِ دِينَارٍ إلَى مَكَّةَ حِينَ قَحَطُوا، وَأَمَرَ بِدَفْعِ ذَلِكَ إلَى أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ وَصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ لِيُفَرِّقَا عَلَى فُقَرَاءِ أَهْلِ مَكَّةَ. فَقَبِلَ ذَلِكَ أَبُو سُفْيَانَ، وَأَبَى صَفْوَانُ وَقَالَ: مَا يُرِيدُ مُحَمَّدٌ بِهَذَا إلَّا أَنْ يَخْدَعَ شُبَّانَنَا» .\nوَلِأَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مَحْمُودٌ عِنْدَ كُلِّ عَاقِلٍ وَفِي كُلِّ دِينٍ، وَالْإِهْدَاءَ إلَى الْغَيْرِ","vol":"1","page":96},{"text":"مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ. وَقَالَ - ﷺ -: «بُعِثْت لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ» . فَعَرَفْنَا أَنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ جَمِيعًا.\n\n- ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «قَدِمَ عَامِرُ بْنُ مَالِكٍ أَخُو الْبَرَاءِ وَهُوَ مُشْرِكٌ. فَأَهْدَى لِلنَّبِيِّ - ﷺ - فَرَسَيْنِ وَحُلَّتَيْنِ، فَقَالَ - ﵇ -: لَا أَقْبَلُ هَدِيَّةَ مُشْرِكٍ» .\nوَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَقْبَلُ هَدَايَا الْمُشْرِكِينَ» . «وَأَنَّهُ أَهْدَى مَعَ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ إلَى أَبِي سُفْيَانَ تَمْرَ عَجْوَةٍ، وَاسْتَهْدَاهُ أَدَمًا، فَقَبِلَ هَدِيَّةَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَأَهْدَى لَهُ الْأُدْمَ» .\n«وَأَنَّ نَصْرَانِيًّا أَهْدَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - حَرِيرًا يَتَلَأْلَأُ، فَقَبِلَ هَدِيَّتَهُ» . «وَأَنَّ عِيَاضَ بْنَ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيَّ أَهْدَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ لَهُ: أَسْلَمْت يَا عِيَاضُ؟ فَقَالَ: لَا. قَالَ - ﵇ -: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَهَانِي أَنْ أَقْبَلَ زَبْدَ الْمُشْرِكِينَ»، أَيْ عَطَايَاهُمْ.\nذَكَرَ الزُّهْرِيُّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ زَبْدِ الْمُشْرِكِينَ»، أَيْ عَنْ قَبُولِ هَدِيَّتِهِمْ، فَتَأْوِيلُ مَا رُوِيَ أَنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ مِمَّنْ كَانَ يَطْمَعُ فِي إيمَانِهِ إذَا رَدَّ هَدِيَّتَهُ لِيَحْمِلَهُ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يُؤْمِنَ ثُمَّ يَقْبَلَ هَدِيَّتَهُ. أَوْ لَمْ يَقْبَلْ لِأَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يُطَالِبُ بِالْعِوَضِ وَلَا يَرْضَى بِالْمُكَافَأَةِ بِمِثْلِ مَا أَهْدَى. وَبَيَانُ هَذَا فِي قَوْلِهِ - ﷺ -: «لَقَدْ هَمَمْت أَنْ لَا أَقْبَلَ هَدِيَّةَ الْأَعْرَابِ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «لَا أَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ إلَّا مِنْ قُرَشِيٍّ أَوْ ثَقَفِيٍّ» (٣٤ ب) .\nوَأَيَّدَ هَذَا مَا رُوِيَ «أَنَّ عَامِرَ بْنَ مَالِكٍ كَانَ أَهْدَى إلَيْهِ فَرَسَيْنِ قَدْ كَانَ أَحَدُهُمَا","vol":"1","page":97},{"text":"لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَقَعَ فِي أَيْدِيهِمْ فِي بَعْضِ الْحُرُوبِ، فَعَوَّضَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَوْقَ هَدِيَّتِهِ، فَجَعَلَ يَطْلُبُ الزِّيَادَةَ حَتَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي خُطْبَتِهِ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَهْدُونَ مَا نَعْرِفُهُ أَنَّهُ لَنَا. ثُمَّ لَا يَرْضَوْنَ بِالْمُكَافَأَةِ بِالْمِثْلِ» . وَإِنَّمَا لَمْ يَقْبَلْ هَدِيَّةَ عَامِرٍ لِأَنَّ أَبَاهُ كَانَ أَجَارَ سَبْعِينَ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - ثُمَّ قَتَلَهُمْ قَوْمُهُ، وَهُمْ أَصْحَابُ بِئْرِ مَعُونَةَ. وَفِي هَذَا قِصَّةٌ مَعْرُوفَةٌ، فَلِهَذَا رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - هَدِيَّتَهُ.\n\n- ثُمَّ قَالَ مُحَمَّدٌ - ﵀ -: يُكْرَهُ لِأَمِيرِ الْجَيْشِ أَنْ يَقْبَلَ هَدَايَاهُمْ. فَإِنْ قَبِلَهَا فَلْيَجْعَلْهَا فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ.\nوَتَكَلَّمُوا فِي مَعْنَى هَذَا اللَّفْظِ. فَقِيلَ: هَذَا لَيْسَ بِكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ، وَلَكِنَّ مُرَادَهُ التَّنْزِيهُ، لِأَنَّهُ إذَا قَبِلَ هَدَايَاهُمْ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَتَأَلَّفَهُمْ، عَلَى مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «الْهَدِيَّةُ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ» . وَقَدْ أُمِرْنَا بِالْغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣] . وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَقْبَلَهَا عَلَى أَنْ يَخْتَصَّ بِهَا، وَلَكِنَّهُ يَقْبَلُهَا عَلَى أَنْ يَجْعَلَهَا فِي فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّهُمْ أَهْدَوْا إلَيْهِ لِمَنَعَتِهِ، وَمَنَعَتُهُ بِالْمُسْلِمِينَ لَا بِنَفْسِهِ. وَكَذَلِكَ إذَا أَهْدَوْا إلَى قَائِدٍ مِنْ قُوَّادِ الْمُسْلِمِينَ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَهْدَوْا إلَى مُبَارِزٍ، فَإِنَّ عِزَّتَهُ بِقُوَّةٍ فِي نَفْسِهِ فَتُسَلَّمُ لَهُ الْهَدِيَّةُ.","vol":"1","page":98},{"text":"وَأَمَّا فِي حَقِّ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَدْ كَانَتْ الْهَدِيَّةُ لَهُ، فَإِنَّ عِزَّتَهُ وَمَنَعَتَهُ لَمْ تَكُنْ بِالْمُسْلِمِينَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاَللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] . وَمَا كَانَ فِي حَقِّهِ تَوَهُّمُ الرُّكُونِ بِقَلْبِهِ إذَا قَبِلَ هَدَايَاهُمْ، فَلِهَذَا قَبِلَهَا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ.\nوَاخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ - ﵃ - وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي جَوَازِ قَبُولِ الْهَدِيَّةِ مِنْ أُمَرَاءِ الْجَوْرِ، فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ - ﵃ - يَقْبَلَانِ هَدِيَّةَ الْمُخْتَارِ، وَهَكَذَا نُقِلَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ. وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ - ﵄ - لَا يُجَوِّزَانِ ذَلِكَ. حَتَّى رُوِيَ أَنَّ أَمِيرًا أَهْدَى إلَى أَبِي ذَرٍّ - ﵁ - مِائَةَ دِينَارٍ، فَجَعَلَ يَقُولُ: هَلْ أَهْدَى إلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مِثْلَ هَذَا؟ فَقِيلَ: لَا، فَرَدَّهَا وَقَالَ: ﴿كَلا إِنَّهَا لَظَى﴾ [المعارج: ١٥] ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ [المعارج: ١٦] .\nوَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - قَالَ: لِلسُّلْطَانِ نَصِيبٌ مِنْ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، فَإِذَا أَعْطَاك شَيْئًا فَخُذْهُ، فَإِنَّ مَا يُعْطِيهِ حَلَالٌ لَك.\nوَحَاصِلُ الْمَذْهَبِ فِيهِ أَنَّهُ إنْ كَانَ أَكْثَرُ مَالِهِ مِنْ الرِّشْوَةِ وَالْحَرَامِ لَمْ يَحِلَّ قَبُولُ الْجَائِزَةِ مِنْهُ مَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ مِنْ وَجْهٍ حَلَالٍ. وَإِنْ كَانَ صَاحِبَ تِجَارَةٍ أَوْ زَرْعٍ أَكْثَرُ مَالِهِ مِنْ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِقَبُولِ الْجَائِزَةِ مِنْهُ مَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ مِنْ وَجْهٍ حَرَامٍ، وَفِي قَبُولِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - الْهَدِيَّةَ مِنْ بَعْضِ الْمُشْرِكِينَ دَلِيلٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>[بَابُ الْمُبَارَزَةِ]</span>\n١٤ -","vol":"1","page":99},{"text":"بَابُ الْمُبَارَزَةِ ذَكَرَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَخِيهِ الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ وَهُوَ يَتَغَنَّى فَقَالَ: أَتَتَغَنَّى؟ (٣٥ آ) فَقَالَ: أَخْشَى أَنْ أَمُوتَ عَلَى فِرَاشِي وَقَدْ قَتَلْت سَبْعَةً وَسَبْعِينَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِيَدِي سِوَى مَا شَارَكْت فِيهِ الْمُسْلِمِينَ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَتَغَنَّى إذَا كَانَ وَحْدَهُ لِيَدْفَعَ بِهِ الْوَحْشَةَ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنَّ الْبَرَاءَ بْنَ مَالِكٍ - ﵁ - كَانَ مِنْ زُهَّادِ الصَّحَابَةِ - ﵃ -، قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» .\nثُمَّ كَانَ يَتَغَنَّى فِي مَرَضِهِ حِينَ بَقِيَ وَحْدَهُ، وَاسْتَبْعَدَ ذَلِكَ مِنْهُ أَنَسٌ، فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ هَذَا تَلَهِّيًا، وَلَكِنْ يَدْفَعُ الْوَسْوَاسَ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَطْمَعُ فِي الشَّهَادَةِ وَخَشِيَ أَنْ يَمُوتَ فِي مَرَضِهِ فَاسْتَوْحَشَ مِنْ ذَلِكَ وَجَعَلَ يَتَغَنَّى. فَعَرَفْنَا أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ لَا بَأْسَ بِهِ، إنَّمَا الْمَكْرُوهُ مَا يَكُونُ عَلَى سَبِيلِ اللَّهْوِ، عَلَى مَا قَالَ - ﷺ -: «أَنْهَاكُمْ عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ:","vol":"1","page":100},{"text":"صَوْتُ الْغِنَاءِ فَإِنَّهُ مِزْمَارُ الشَّيْطَانِ، وَخَمْشُ الْوُجُوهِ وَشَقُّ الْجُيُوبِ رَنَّةُ الشَّيْطَانِ» . يَعْنِي رَفْعَ الصَّوْتِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ. ثُمَّ صَحَّ أَنَّ الْبَرَاءَ - ﵁ - بَرَأَ مِنْ مَرَضِهِ ثُمَّ اُسْتُشْهِدَ كَمَا كَانَ يَطْمَعُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>[بَابُ مَنْ قَاتَلَ فَأَصَابَ نَفْسَهُ]</span>\n١٥ -","vol":"1","page":101},{"text":"بَابُ مَنْ قَاتَلَ فَأَصَابَ نَفْسَهُ وَذَكَرَ عَنْ مَكْحُولٍ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - تَنَاوَلَ رَجُلًا مِنْ الْعَدُوِّ لِيَضْرِبَهُ فَأَخْطَأَ فَأَصَابَ رِجْلَهُ فَنَزَفَ حَتَّى مَاتَ. فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ أَصْحَابُهُ - ﵃ -: أَشَهِيدٌ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَنَا عَلَيْهِ شَهِيدٌ» . وَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ شَهِيدٌ فِيمَا تَنَاوَلَ مِنْ الثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ. فَأَمَّا مَنْ اُبْتُلِيَ بِهَذَا فِي الدُّنْيَا يُغَسَّلُ وَيُكَفَّنُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، لِأَنَّ الشَّهِيدَ الَّذِي لَا يُغَسَّلُ مَنْ يَصِيرُ مَقْتُولًا بِفِعْلٍ مُضَافٍ إلَى الْعَدُوِّ. وَهَذَا صَارَ مَقْتُولًا بِفِعْلِ نَفْسِهِ وَلَكِنَّهُ مَعْذُورٌ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّهُ قَصَدَ الْعَدُوَّ لَا نَفْسَهُ، فَيَكُونُ شَهِيدًا فِي حُكْمِ الْآخِرَةِ، وَيُصْنَعُ بِهِ مَا يُصْنَعُ بِالْمَيِّتِ فِي الدُّنْيَا.\nوَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ - ﷺ -: «الْمَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَالنُّفَسَاءُ شَهِيدٌ، وَالْمَرْأَةُ الَّتِي تَمُوتُ بِجُمْعٍ لَمْ تُطْمَثْ شَهِيدٌ» . يَعْنِي فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ لَا فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا، ثُمَّ اخْتَلَفَتْ مَشَايِخُنَا فِيمَنْ تَعَمَّدَ قَتْلَ نَفْسِهِ بِحَدِيدَةٍ أَنَّهُ هَلْ يُصَلَّى عَلَيْهِ؟ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ. وَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْكِتَابِ فِي حَقِّ الَّذِي أَخْطَأَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إذَا تَعَمَّدَ ذَلِكَ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ","vol":"1","page":102},{"text":"يَجَأُ بِهَا نَفْسَهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ مَوْضِعٍ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا، وَمَنْ شَرِبَ سُمًّا فَمَاتَ فَهُوَ يَشْرَبُهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا» .\nقَالَ - ﵁ -: وَكَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ يَقُولُ: الْأَصَحُّ عِنْدِي أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَأَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُ إنْ كَانَ تَابَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] . وَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ فِيمَنْ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فِسْقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» .\nقَالَ - ﵁ -: وَسَمِعْت الْقَاضِيَ الْإِمَامَ (٣٥ ب) عَلِيًّا السُّغْدِيَّ يَقُولُ: الْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، لَا لِأَنَّهُ لَا تَوْبَةَ لَهُ، وَلَكِنْ لِأَنَّهُ بَاغٍ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا يُصَلَّى عَلَى الْبَاغِي.\n٩٦ - وَذَكَرَ عَنْ «سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ - ﵁ - قَالَ: قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ أَنَّ عَامِرَ بْنَ سِنَانِ بْنَ الْأَكْوَعِ حَبِطَ عَمَلُهُ، وَكَانَ ضَرَبَ يَهُودِيًّا فَقَطَعَ رِجْلَهُ وَرَجَعَ السَّيْفُ عَلَى عَامِرٍ فَعَقَرَهُ فَمَاتَ مِنْهَا. فَقَالَ: كَذَبَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ. إنَّ لَهُ لَأَجْرَيْنِ. إنَّهُ جَاهِدٌ مُجَاهِدٌ وَإِنَّهُ لَيَعُومُ فِي الْجَنَّةِ عَوْمَ الدُّعْمُوصِ» .","vol":"1","page":103},{"text":"وَبِهِ نَقُولُ إنَّهُ مَعْذُورٌ فِيمَا أُصِيبَ بِهِ، مُثَابٌ عَلَى مَا صَنَعَ. فَإِنَّهُ جَاهِدٌ فِي قَتْلِ الْكَافِرِ مُبَالِغٌ فِي ذَلِكَ، مُصَابٌ حِينَ رَجَعَ إلَيْهِ السَّيْفُ فَعَقَرَهُ، وَصَبَرَ عَلَى ذَلِكَ إلَى أَنْ مَاتَ، فَهُوَ جَاهِدٌ صَابِرٌ، و: ﴿إنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] . فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ - ﷺ -: «إنَّ لَهُ لَأَجْرَيْنِ» .\n\n- قَالَ: وَإِذَا الْتَقَتْ السَّرِيَّتَانِ لَيْلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَكُلُّ وَاحِدَةٍ تَرَى أَنَّ صَاحِبَتَهَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَاقْتَتَلُوا فَأَجْلَوْا عَنْ قَتْلَى ثُمَّ عَلِمُوا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ مِنْ دِيَةٍ وَلَا كَفَّارَةٍ. لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ السَّرِيَّتَيْنِ بَاشَرَتْ دَفْعًا مُبَاحًا، فَقَدْ قَصَدَتْ كُلُّ سَرِيَّةٍ إلَى الْأُخْرَى، وَإِنَّمَا قَتَلَتْهَا الْأُخْرَى دَفْعًا عَنْ أَنْفُسِهِمْ. وَذَلِكَ دَفْعٌ مَأْمُورٌ بِهِ شَرْعًا فَلَا يَكُونُ مُوجِبًا دِيَةً وَلَا كَفَّارَةً.\n٩٨ - وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - ﵁ - قَالَ: خَرَجَتْ طَلِيعَتَانِ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ الْخَنْدَقِ لَيْلًا فَالْتَقَتَا تَحْتَ اللَّيْلِ وَلَا يَشْعُرُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، وَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ الْعَدُوُّ. فَكَانَتْ بَيْنَهُمْ جِرَاحَاتٌ وَقَتْلَى. ثُمَّ تَنَادَوْا بِشِعَارِ الْإِسْلَامِ فَكَفَّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ. وَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: جِرَاحَاتُكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَمَنْ قُتِلَ مِنْكُمْ فَهُوَ شَهِيدٌ» .","vol":"1","page":104},{"text":"- وَإِذَا كَانَ الْقَوْمُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُقَاتِلُونَ الْمُشْرِكِينَ. فَقَتَلَ مُسْلِمٌ مُسْلِمًا، ظَنَّ أَنَّهُ مُشْرِكٌ، أَوْ رَمَى إلَى مُشْرِكٍ فَرَجَعَ السَّهْمُ فَأَصَابَ مُسْلِمًا فَقَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ لِأَنَّ هَذَا صُورَةُ الْخَطَأِ. وَالدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ وَاجِبٌ بِالنَّصِّ.\n١٠٠ - وَالْأَصْلُ فِي هَذَا مَا رُوِيَ «أَنَّ سُيُوفَ الْمُسْلِمِينَ اخْتَلَفَتْ يَوْمَ أُحُدٍ عَلَى الْيَمَانِ أَبِي حُذَيْفَةَ فَقَتَلُوهُ. فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِيهِ الدِّيَةَ، فَوَهَبَهَا لَهُمْ حُذَيْفَةُ» . وَكَانَ الْمَعْنَى فِي الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَالْأَوَّلِ أَنَّ الْمَقْتُولَ هَا هُنَا مَا كَانَ قَاصِدًا قَتْلَ صَاحِبِهِ الَّذِي قَتَلَهُ، وَكَانَتْ حُرْمَةُ نَفْسِهِ بَاقِيَةً فِي نَفْسِهِ، فَيَجِبُ الدِّيَةُ صِيَانَةً لِدَمِهِ عَنْ الْهَدَرِ. وَفِي الْأَوَّلِ الْمَقْتُولُ كَانَ قَاصِدًا إلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ، وَذَلِكَ يُسْقِطُ حُرْمَةَ نَفْسِهِ فِي حَقِّهِ، فَإِنَّمَا قَتَلَهُ بِدَفْعِ مُبَاحٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>[بَابُ قَتْلِ ذِي الرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ]</span>\n١٦ -","vol":"1","page":105},{"text":"بَابُ قَتْلِ ذِي الرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ قَالَ: وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلَ الرَّجُلُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كُلَّ ذِي رَحِمٍ مُحَرَّمٍ مِنْهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَبْتَدِئُ بِهِ، إلَّا الْوَالِدَ خَاصَّةً، فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَبْتَدِئَ وَالِدَهُ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ جَدُّهُ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ (٣٦ آ) أَوْ مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ وَإِنْ بَعُدَ، إلَّا أَنْ يَضْطَرَّهُ إلَى ذَلِكَ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] فَالْمُرَادُ الْأَبَوَانِ إذَا كَانَا مُشْرِكَيْنِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاك﴾ [لقمان: ١٥] الْآيَةَ، وَلَيْسَ مِنْ الْمُصَاحَبَةِ بِالْمَعْرُوفِ الْبِدَايَةُ بِالْقَتْلِ. وَأَمَّا إذَا اضْطَرَّهُ إلَى ذَلِكَ فَهُوَ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِالْبِدَايَةِ بِنَفْسِهِ فِي الْإِحْسَانِ إلَيْهَا وَدَفْعِ شَرِّ الْقَتْلِ عَنْهَا أَبْلَغَ جِهَاتِ الْإِحْسَانِ. ثُمَّ الْأَبُ كَانَ سَبَبًا لِإِيجَادِ الْوَلَدِ، فَلَا يَجُوزُ لِلْوَلَدِ أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ سَبَبَ إعْدَامِهِ بِالْقَصْدِ إلَى قَتْلِهِ، إلَّا أَنْ يَضْطَرَّهُ إلَى ذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْأَبُ هُوَ الْمُكْتَسِبُ لِذَلِكَ السَّبَبِ بِمَنْزِلَةِ الْجَانِي عَلَى نَفْسِهِ، عَلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ أَنَّ الْمَلْجَأَ بِمَنْزِلَةِ الْآلَةِ لِلْمُلْجِئِ. وَلِهَذَا لَا يُحْبَسُ الْأَبُ بِدَيْنِ الْوَلَدِ وَيُحْبَسُ بِنَفَقَتِهِ، لِأَنَّهُ إذَا مَنَعَ نَفَقَتَهُ فَقَدْ قَصَدَ إتْلَافَهُ.","vol":"1","page":106},{"text":"ثُمَّ اسْتَدَلَّ مُحَمَّدٌ - ﵀ - فِي الْكِتَابِ بِمَا رُوِيَ:\n١٠٢ - «أَنَّ حَنْظَلَةَ بْنَ أَبِي عَامِرٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ - ﵄ - اسْتَأْذَنَّا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فِي قَتْلِ أَبَوَيْهِمَا فَنَهَاهُمَا عَنْ ذَلِكَ» . وَعَنْ عُمَيْرٍ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي لَقِيت أَبِي فِي الْعَدُوِّ، فَسَمِعْت مِنْهُ مَقَالَةً لَك سَيِّئَةً فَقَتَلْته فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -» .\nوَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَوْجِبُ بِقَتْلِهِ شَيْئًا إذَا قَتَلَهُ. لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يَأْمُرْهُ بِشَيْءٍ. وَالسُّكُوتُ عَنْ الْبَيَانِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لَا يَجُوزُ.\nوَأَوَّلُ الْوُجُوهِ أَنْ لَا يَقْصِدَهُ بِالْقَتْلِ، وَلَا يُمَكِّنَهُ مِنْ الرُّجُوعِ إذَا تَمَكَّنَ مِنْهُ فِي الصَّفِّ، وَلَكِنَّهُ يُلْجِئُهُ إلَى مَوْضِعٍ وَيَسْتَمْسِكُ بِهِ حَتَّى يَجِيءَ غَيْرُهُ فَيَقْتُلَهُ. رُوِيَ فِي الْكِتَابِ حَدِيثًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ قَالَ: فَهُوَ أَحَبُّ إلَيْنَا. فَأَمَّا إبَاحَةُ قَتْلِ غَيْرِ الْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودِينَ مِنْ ذِي الرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.","vol":"1","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>[بَابُ الْبُكَاءِ عَلَى الْقَتْلَى]</span>\n١٠٣ رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - مَرَّ بِبَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ وَهُمْ يَنْدُبُونَ قَتْلَاهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ. فَقَالَ: لَكِنَّ حَمْزَةَ لَا بَوَاكِيَ لَهُ. قَالَتْ الْمَرْأَةُ الَّتِي رَوَتْ: فَخَرَجْنَا حَتَّى أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَنَدَبْنَا حَمْزَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي الْبَيْتِ، حَتَّى سَمِعْنَا نَشِيجَهُ فِي الْبَيْتِ. فَأَرْسَلَ إلَيْنَا أَنْ قَدْ أَصَبْتُمْ، أَوْ قَدْ أَحْسَنْتُمْ» . وَإِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِأَنَّ حَمْزَةَ كَانَ سَيِّدَ الشُّهَدَاءِ يَوْمَئِذٍ، لَكِنَّهُ كَانَ غَرِيبًا بِالْمَدِينَةِ فَنَدَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِمَا قَالَ.\nوَذُكِرَ فِي الْمَغَازِي «أَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ - ﵁ - لَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - جَمَعَ نِسَاءَ قَوْمِهِ، وَكَذَلِكَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَكَذَلِكَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ. فَجَاءَ كُلُّ فَرِيقٍ إلَى بَابِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَنْدُبُونَ حَمْزَةَ - ﵁ - فَاسْتَأْنَسَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِبُكَائِهِمْ (٣٦ ب) حَتَّى نَامَ» .","vol":"1","page":108},{"text":"وَمِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ جَرَى الرَّسْمُ بِالْمَدِينَةِ أَنَّهُ إذَا مَاتَ مِنْهُمْ مَيِّتٌ يَبْدَءُونَ بِالْبُكَاءِ لِحَمْزَةَ - ﵁ -. وَالرِّجَالُ فِي تَعْزِيَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا يَقُولُونَ: مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لَا يَزِيدُونَ عَلَى ذَلِكَ.\n١٠٤ - ثُمَّ أَعَادَ الْحَدِيثَ بِطَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - وَزَادَ فِي آخِرِهِ: «فَاسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَهُنَّ يَبْكِينَ. فَقَالَ: يَا وَيْحَهنَّ إنَّهُنَّ لَهَا هُنَا مُنْذُ الْيَوْمِ. فَلْيَرْجِعْنَ وَلَا يَبْكِينَ عَلَى هَالِكٍ بَعْدَ الْيَوْمِ» .\nفَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ أَخَذَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَقَالَ: هَذِهِ رُخْصَةٌ كَانَتْ يَوْمَئِذٍ، وَقَدْ انْتَسَخَتْ بِمَا ذُكِرَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ. وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالْبُكَاءِ وَالنَّوْحِ قَدْ انْتَسَخَ وَلَا رُخْصَةَ فِيهِ، عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «النَّائِحَةُ وَمَنْ حَوْلَهَا مِنْ مُسْتَمِعِيهَا عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» .\nوَأَمَّا الْبُكَاءُ مِنْ غَيْرِ رَفْعِ الصَّوْتِ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ لَمَّا قُبِضَ إبْرَاهِيمُ بْنُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - دَمَعَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ - ﵁ -: أَلَيْسَ قَدْ نَهَيْتنَا عَنْ الْبُكَاءِ؟ فَقَالَ: إنَّمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ، وَأَمَّا هَذِهِ رَحْمَةٌ يَجْعَلُهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي قُلُوبِ الرُّحَمَاءِ. الْعَيْنُ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبُ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ مَا يُسْخِطُ الرَّبُّ» . وَعَنْ عُمَرَ - ﵁ - «أَنَّهُ سَمِعَ امْرَأَةً وَهِيَ تَبْكِي عَلَى وَلَدِهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَنَهَاهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: دَعْهَا يَا عُمَرُ، فَإِنَّ الْقَلْبَ حَزِينٌ، وَالنَّفْسَ مُصَابَةٌ، وَالْعَهْدَ قَرِيبٌ» . وَلَكِنْ مَعَ هَذَا؛ الصَّبْرُ أَفْضَلُ عَلَى مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ إذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] .","vol":"1","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>[بَابُ حَمْلِ الرُّءُوسِ إلَى الْوُلَاةِ]</span>\nِ ١٠٥ وَذَكَرَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ - ﵁ - أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - ﵁ - بِرَأْسِ يَنَاقَ الْبِطْرِيقِ. فَأَنْكَرَ ذَلِكَ. فَقِيلَ لَهُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ إنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِنَا. قَالَ فَاسْتِنَانٌ بِفَارِسٍ وَالرُّومِ؟ لَا يُحْمَلُ إلَيَّ رَأْسٌ، إنَّمَا يَكْفِي الْكِتَابُ وَالْخَبَرُ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ لَهُمْ: لَقَدْ بَغَيْتُمْ. أَيْ تَجَاوَزْتُمْ الْحَدَّ. وَفِي رِوَايَةٍ كَتَبَ إلَى عُمَّالِهِ بِالشَّامِ: لَا تَبْعَثُوا إلَيَّ بِرَأْسٍ، وَلَكِنْ يَكْفِينِي الْكِتَابُ وَالْخَبَرُ.\nفَبِظَاهِرِ الْحَدِيثِ أَخَذَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَ: لَا يَحِلُّ حَمْلُ الرُّءُوسِ إلَى الْوُلَاةِ لِأَنَّهَا جِيفَةٌ. فَالسَّبِيلُ دَفْنُهَا لِإِمَاطَةِ الْأَذَى، وَلِأَنَّ إبَانَةَ الرَّأْسِ مُثْلَةٌ، «وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ الْمُثْلَةِ وَلَوْ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ» .\nوَقَدْ بَيَّنَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ - أَنَّ هَذَا مِنْ فِعْلِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَدْ نُهِينَا عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ.\nوَأَكْثَرُ مَشَايِخِنَا - ﵏ - عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي ذَلِكَ كَبْتٌ وَغَيْظٌ لِلْمُشْرِكِينَ أَوْ فَرَاغُ قَلْبٍ لِلْمُسْلِمِينَ بِأَنْ كَانَ الْمَقْتُولُ مِنْ قُوَّادِ الْمُشْرِكِينَ أَوْ عُظَمَاءِ الْمُبَارِزِينَ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.","vol":"1","page":110},{"text":"أَلَا تَرَى «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ - ﵁ - حَمَلَ رَأْسَ أَبِي جَهْلٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَوْمَ بَدْرٍ حَتَّى أَلْقَاهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: هَذَا رَأْسُ عَدُوِّك أَبِي جَهْلٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: اللَّهُ أَكْبَرُ هَذَا فِرْعَوْنِي وَفِرْعَوْنُ أُمَّتِي. وَكَانَ شَرُّهُ (٣٧ آ) عَلَيَّ وَعَلَى أُمَّتِي أَعْظَمَ مِنْ شَرِّ فِرْعَوْنَ عَلَى مُوسَى وَأُمَّتِهِ» . وَمَا مَنَعَهُ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ ذَلِكَ.\n١٠٦ - وَهُوَ مَعْنَى مَا رَوَاهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ - ﵀ - قَالَ: «لَمْ يُحْمَلْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - رَأْسٌ إلَّا يَوْمَ بَدْرٍ» . وَحُمِلَ إلَى أَبِي بَكْرٍ - ﵁ - فَأَنْكَرَهُ. وَأَوَّلُ مَنْ حُمِلَتْ إلَيْهِ الرُّءُوسُ ابْنُ الزُّبَيْرِ - ﵁ -. «وَلَمَّا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ إلَى سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَضَرَبْت عُنُقَهُ وَأَخَذْت بِرَأْسِهِ فَصَعِدْت إلَى جَبَلٍ فَاخْتَبَأْت فِيهِ. حَتَّى إذَا رَجَعَ الطَّلَبُ وُجِّهْت بِرَأْسِهِ حَتَّى جِئْت بِهِ النَّبِيَّ - ﷺ -» . «وَحِينَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ - ﵁ - بِقَتْلِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، جَاءَ بِرَأْسِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ ذَلِكَ»، فَتَبَيَّنَ بِهَذِهِ الْآثَارِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>[بَابُ السِّلَاحِ وَالْفُرُوسِيَّةِ]</span>\n١٩ - بَابُ السِّلَاحِ وَالْفُرُوسِيَّةِ «ذَكَرَ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ - ﵁ - قَالَ: ذُكِرَتْ الْقَوْسُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: مَا سَبَقَهَا سِلَاحٌ قَطُّ إلَى خَيْرٍ» . يَعْنِي أَنَّهُ أَقْوَى آلَاتِ الْجِهَادِ.\nفِيهِ حَثٌّ لِلْغُزَاةِ عَلَى تَعَلُّمِ الرَّمْيِ. وَفِي ذَلِكَ آثَارٌ مِنْهَا حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ - ﵁ - «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]: أَلَا أَنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ قَالَهَا ثَلَاثًا» . وَفِي حَدِيثِهِ أَيْضًا «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَةً الْجَنَّةَ: صَانِعُهُ الَّذِي يَحْتَسِبُ بِهِ، وَمُنْبِلُهُ، وَالرَّامِي بِهِ» .\nوَقَالَ: «كُلُّ لَهْوِ ابْنِ آدَمَ بَاطِلٌ إلَّا ثَلَاثَةً: تَأْدِيبُهُ فَرَسَهُ، وَمُلَاعَبَتُهُ أَهْلَهُ، وَرَمْيُهُ عَنْ قَوْسِهِ» . «وَمَا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِأَحَدٍ بَيْنَ أَبَوَيْهِ إلَّا لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - ﵁ - يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ: ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي» .\n١٠٨ - وَذَكَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - ﵁ - كَتَبَ أَنْ وَفِّرُوا الْأَظَافِيرَ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ فَإِنَّهَا سِلَاحٌ. وَهَذَا مَنْدُوبٌ إلَيْهِ","vol":"1","page":112},{"text":"لِلْمُجَاهِدِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَإِنْ كَانَ قَصُّ الْأَظَافِيرِ مِنْ الْفِطْرَةِ لِأَنَّهُ إذَا سَقَطَ السِّلَاحُ مِنْ يَدِهِ وَقَرُبَ الْعَدُوُّ مِنْهُ رُبَّمَا يَتَمَكَّنُ مِنْ دَفْعِهِ بِأَظَافِيرِهِ. وَهُوَ نَظِيرُ قَصِّ الشَّوَارِبِ فَإِنَّهُ سُنَّةٌ. ثُمَّ الْغَازِي فِي دَارِ الْحَرْبِ مَنْدُوبٌ إلَى أَنْ يُوَفِّرَ شَارِبَهُ لِيَكُونَ أَهْيَبَ فِي عَيْنِ الْعَدُوِّ فَيَحْصُلَ بِهِ الْإِرْهَابُ.\n١٠٩ - وَذَكَرَ عَنْ عُمَرَ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ: عَلِّمُوا أَوْلَادَكُمْ السِّبَاحَةَ، وَالْفُرُوسِيَّةَ، وَمُرُوهُمْ بِالِاحْتِفَاءِ بَيْنَ الْأَغْرَاضِ. وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - إلَّا أَنَّ فِي حَدِيثِهِ «عَلِّمُوا أَوْلَادَكُمْ السِّبَاحَةَ وَالرَّمْيَ، وَالْمَرْأَةَ الْغَزْلَ» . وَقَالَ «ارْكَبُوا. وَأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا» .\nوَالْحَاصِلُ أَنْ مَا يُعِينُهُ عَلَى الْجِهَادِ فَهُوَ مَنْدُوبٌ إلَى تَعَلُّمِهِ، وَإِلَى أَنْ يُعَوِّدَ نَفْسَهُ ذَلِكَ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إعْزَازِ الدِّينِ وَقَهْرِ الْمُشْرِكِينَ.\n\n- وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ - ﵄ - «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لِأَصْحَابِهِ - ﵃ - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: أَفْطِرُوا فَإِنَّهُ يَوْمُ قِتَالٍ» . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً (٣٧ ب) بِالْقِتَالِ. وَأَنَّ الْأَفْضَلَ لِلْغَازِي إذَا كَانَ يُقَاتِلُ الْعَدُوَّ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ أَنْ يُفْطِرَ. فَإِنَّ الصَّوْمَ رُبَّمَا يُضْعِفُهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ الْقِتَالِ. وَالْخَلَلُ الَّذِي يَتَمَكَّنُ بِذَلِكَ لَا يُمْكِنُهُ تَدَارُكُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْوَقْتِ. وَهُوَ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَدَاءِ الصَّوْمِ فِي عِدَّةٍ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ. وَلِهَذَا كَانَ الْفِطْرُ","vol":"1","page":113},{"text":"أَفْضَلَ لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ إذَا كَانَ يُجْهِدُهُ الصَّوْمُ. فَلَأَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ لِلْمُسَافِرِ الْمُقَاتِلِ كَانَ أَوْلَى.\n\n- وَعَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ - ﵁ - قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ - يَعْنِي يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ - وَرَأَيْت بِلَالًا - ﵁ - أَدْخَلَ وُضُوءَهُ إلَيْهِ ثُمَّ أَخْرَجَهُ يُهَرِيقهُ. فَرَأَيْت النَّاسَ يَبْتَدِرُونَهُ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا تَمَسَّحَ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْ أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ فَتَمَسَّحَ بِهِ» . وَبِهِ يَسْتَدِلُّ مُحَمَّدٌ - ﵀ - عَلَى طَهَارَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَبَرَّكُونَ بِذَلِكَ، وَلَا يُتَبَرَّكُ بِمَا هُوَ نَجِسٌ فَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -. وَأَبُو حَنِيفَةَ يَعْتَذِرُ وَيَقُولُ: لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -. وَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ أَنْ لَوْ بَلَغَهُ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ.\n\nقَالَ: ثُمَّ «رَأَيْت بِلَالًا - ﵁ - أَخْرَجَ عَنَزَةً فَرَكَزَهَا. وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مُتَشَمِّرًا. فَصَلَّى إلَى الْعَنَزَةِ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ. وَرَأَيْت النَّاسَ وَالدَّوَابَّ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ» . وَالْعَنَزَةُ: شِبْهُ الْحَرْبَةِ كَانَتْ تُحْمَلُ أَمَامَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي أَسْفَارِهِ لِتُرْكَزَ بَيْنَ يَدَيْهِ إذَا صَلَّى.","vol":"1","page":114},{"text":"وَمِنْهُ عَادَةُ الْأُمَرَاءِ فِي حَمْلِ السِّلَاحِ أَمَامَهُمْ. وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِلُبْسِ الثَّوْبِ الْأَحْمَرِ، وَأَنَّ الْمُصَلِّي فِي الصَّحْرَاءِ يَنْبَغِي أَنْ يَتَّخِذَ السُّتْرَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَنَّهُ إذَا كَانَتْ السُّتْرَةُ بَيْنَ يَدَيْ الْإِمَامِ خَاصَّةً فَذَلِكَ يَكْفِي. وَلَا تُشْتَرَطُ السُّتْرَةُ بَيْنَ يَدَيْ الْقَوْمِ، [لِأَنَّ الْإِمَامَ] بِمَنْزِلَةِ السُّتْرَةِ لِلصَّفِّ الْأَوَّلِ، وَالصَّفُّ الْأَوَّلُ لِلثَّانِي. وَأَنَّهُ لَا يُمْنَعُ أَحَدٌ مِنْ الْمُرُورِ وَرَاءَ السُّتْرَةِ؛ لِأَنَّ السُّتْرَةَ تَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُصَلِّي بِمَنْزِلَةِ الْحَائِطِ. وَالْمَقْصُودُ مِنْ السُّتْرَةِ أَنْ يَعْلَمَ بِهِ مَنْ يَكُونُ بِالْبُعْدِ مِنْهُ فَلَا يَمُرُّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّتْرَةِ، وَلَا يَمْتَنِعُ مِنْ الْمُرُورِ وَرَاءَهُ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا إذَا كَانَ طَوِيلًا غَلِيظًا. فَقِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ طُولُهُ ذِرَاعًا وَغِلْظَتُهُ بِقَدْرِ الْإِصْبَعِ، لِمَا قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «يُجْزِئُ مِنْ السُّتْرَةِ السَّهْمُ» . وَاَللَّهُ الْمُعِينُ.","vol":"1","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>[بَابُ الْحَرْبِ كَيْفَ يُعَبَّأُ لَهُ]</span>\nُ وَفِي نُسْخَةٍ: كَيْفَ تَغْشَاهُ ١١٢ ذَكَرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ - ﵀ - قَالَ: «لَمَّا كَانَ مِنْ اللَّيْلِ عَمَدَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ إلَى أَصْحَابِهِ فَعَبَّأَهُمْ فِي وَادِي حُنَيْنٍ - وَهُوَ وَادٍ حَدُورٌ ذُو شِعَابٍ وَمَضَايِقَ. وَفَرَّقَ النَّاسَ فِيهِ، وَأَوْعَزَ إلَى النَّاسِ أَنْ يَحْمِلُوا عَلَى مُحَمَّدٍ (٣٨ آ) وَأَصْحَابِهِ حَمْلَةً وَاحِدَةً - أَيْ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ إِلْيَهِمْ فِيهِ - وَمَالِكٌ هَذَا كَانَ صَاحِبَ الْجَيْشِ يَوْمَ حُنَيْنٍ. فَكَانَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَصْحِبُوا أَهَالِيَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ لِيُقَاتِلُوا عَنْهُمْ إنْ لَمْ يُقَاتِلُوا عَنْ دِينِهِمْ فَخَطَّأَهُ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ فِي هَذَا الرَّأْيِ. وَقَالَ لَهُ: رَاعِي الضَّأْنِ مَالَهُ وَلِلْحَرْبِ؟ وَهَلْ يَرُدُّ الْمُنْهَزِمَ شَيْءٌ؟ هَذَا الَّذِي تَسُوقُونَهُ كُلُّهُ غَنَائِمُ","vol":"1","page":116},{"text":"مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ. قِيلَ: فَمَا الرَّأْيُ؟ قَالَ: أَنْ تَحْمِلُوا الظَّعْنَ إلَى عَلْيَاءِ بِلَادِكُمْ. وَأَنْ يَلْقَى الرِّجَالُ بِالسُّيُوفِ عَلَى مُتُونِ الْخَيْلِ عَدُوَّهُمْ. فَقَالَ مَالِكٌ: لَا أُغَيِّرُ مَا صَنَعْت. فَهَلْ غَيْرُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. اجْعَلْ النَّاسَ فَرِيقَيْنِ: يَمْنَةً وَيَسْرَةً، لِيَكْمُنُوا فِي هَذِهِ الشِّعَابِ وَالْمَضَايِقِ، حَتَّى إذَا دَخَلَهَا الْعَدُوُّ خَرَجُوا مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ حَمَلَةً وَاحِدَةً. فَقَالَ: أَمَّا هَذِهِ فَنَعَمْ. وَفَعَلَ ذَلِكَ بِرَأْيِهِ. وَعَبَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَصْحَابَهُ فَصَفَّهُمْ صُفُوفًا فِي السَّحَرِ، وَوَضَعَ الْأَوْلَوِيَّةَ فِي أَهْلِهَا. الْحَدِيثِ إلَى أَنْ قَالَ: فَانْحَدَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي وَادِي حُنَيْنٍ انْحِدَارًا، وَهُوَ وَادٍ حَدُورٌ. وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ دُلْدُلَ، وَاسْتَقْبَلَ الصُّفُوفَ فَطَافَ عَلَيْهِمْ يَحُثُّهُمْ عَلَى الْقِتَالِ وَيُبَشِّرُهُمْ بِالْفَتْحِ إنْ صَدَقُوا وَصَبَرُوا» . وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي مَوْضِعِ الْخَوْفِ. وَبِاللَّيْلِ إذَا كَانُوا بِالْقُرْبِ مِنْ الْعَدُوِّ. قَالَ: «فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ يَنْحَدِرُونَ فِي غَبَشِ الصُّبْحِ إذْ حَمَلَ الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهِمْ حَمْلَةً وَاحِدَةً مِنْ تِلْكَ الشِّعَابِ وَالْمَضَايِقِ. فَانْكَشَفَتْ أَوَّلُ الْخُيُولِ","vol":"1","page":117},{"text":"خَيْلُ بَنِي سُلَيْمٍ مُوَلِّيَةً - يَعْنِي انْهَزَمَتْ رَاجِعَةً - ثُمَّ تَبِعَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ، وَتَبِعَهُمْ النَّاسُ مُدْبِرِينَ فَلَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ» .\nوَفِي الْمَغَازِي أَنَّ إبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ نَادَى: أَلَا إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ. فَلْيَرْجِعْ كُلُّ ذِي دِينٍ دِينَهُ. فَلِهَذَا انْهَزَمُوا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] وَأَمْعَنَ بَعْضُهُمْ فِي الِانْهِزَامِ حَتَّى انْتَهَى إلَى مَكَّةَ. وَسَمِعَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ وَاحِدًا مِنْ الْمُنَافِقِينَ يَقُولُ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ وَاسْتَرَاحَ النَّاسُ مِنْهُ. وَكَانَ صَفْوَانُ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكًا فَقَالَ: بِفِيك الْأَثْلَبِ. لَرَبٌّ مِنْ قُرَيْشٍ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ رَبٍّ مِنْ هَوَازِنَ إذَا كُنْت مَرْبُوبًا. قَالَ: «فَاقْتَحَمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي دَابَّتِهِ حَتَّى رَأَى الْمُسْلِمِينَ وَلَّوْا مُدْبِرِينَ. فَثَبَتَ قَائِمًا، وَجَرَّدَ سَيْفَهُ وَطَرَحَ غِمْدَهُ. فَجَعَلَ يَتَقَدَّمُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ وَهُوَ يَصِيحُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا أَصْحَابَ الشَّجَرَةِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ اللَّهَ اللَّهَ الْكَرَّةُ عَلَى نَبِيِّكُمْ» . وَذَكَرَ فِي الْمَغَازِي «أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إلَّا عَمُّهُ الْعَبَّاسُ - ﵁ - عَلَى يَمِينِهِ، وَسُفْيَانُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ - ﵄ - (٣٨ ب) عَلَى يَسَارِهِ. وَمَا كَانَ كَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مُنْذُ أَسْلَمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ إلَى هَذَا الْوَقْتِ، لِكَثْرَةِ مَا كَانَ آذَاهُ بِهِجَائِهِ. فَحِينَ رَأَى ذَلِكَ الْجِدَّ مِنْهُ كَلَّمَهُ وَعَانَقَهُ. وَبَلَّغَ اللَّهُ صَوْتَ رَسُولِهِ إلَى الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فَكَبَّرُوا بِأَجْمَعِهِمْ، وَحَمَلُوا عَلَى الْعَدُوِّ حَمْلَةً وَاحِدَةً، فَانْهَزَمَ الْعَدُوُّ قَبْلَ أَنْ يَطْعَنُوا بِرُمْحٍ أَوْ يَضْرِبُوا بِسَيْفٍ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة: ٢٦]» . الْآيَةَ.","vol":"1","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>[بَابٌ الْحَرْبُ خُدْعَةٌ]</span>\n٢١ - بَابٌ الْحَرْبُ خُدْعَةٌ ذَكَرَ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ ذِي حَدَّانِ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ عَلِيًّا - ﵁ - يَقُولُ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: الْحَرْبُ خُدْعَةٌ أَوْ خَدْعَةٌ» بِالنَّصْبِ. وَكِلَاهُمَا لُغَةٌ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْمُجَاهِدِ أَنْ يُخَادِعَ قِرْنَهُ فِي حَالَةِ الْقِتَالِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ غَدْرًا مِنْهُ.\nوَأَخَذَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِالظَّاهِرِ فَقَالُوا: يُرَخَّصُ فِي الْكَذِبِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَصْلُحُ الْكَذِبُ إلَّا فِي ثَلَاثٍ: فِي الصُّلْحِ بَيْنَ اثْنَيْنِ، وَفِي الْقِتَالِ، وَفِي إرْضَاءِ الرَّجُلِ أَهْلَهُ» . وَالْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ الْكَذِبَ الْمَحْضَ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا رُخْصَةَ فِيهِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ اسْتِعْمَالُ الْمَعَارِيضِ. وَهُوَ نَظِيرُ مَا رُوِيَ أَنَّ إبْرَاهِيمَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - كَذَبَ ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ. وَالْمُرَادُ أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِالْمَعَارِيضِ، إذْ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ مَعْصُومُونَ عَنْ الْكَذِبِ الْمَحْضِ.","vol":"1","page":119},{"text":"وَقَالَ عُمَرُ: إنَّ فِي مَعَارِيضِ الْكَلَامِ لَمَنْدُوحَةً عَنْ الْكَذِبِ. وَتَفْسِيرُ هَذَا مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ - ﵀ - فِي \" الْكِتَابِ \": وَهُوَ أَنْ يُكَلِّمَ مَنْ يُبَارِزُهُ بِشَيْءٍ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ. وَلَكِنَّهُ يُضْمِرُ خِلَافَ مَا يُظْهِرُهُ لَهُ. كَمَا فَعَلَ عَلِيٌّ - ﵁ - يَوْمَ الْخَنْدَقِ حِينَ بَارَزَهُ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ، قَالَ: أَلَيْسَ قَدْ ضَمِنْت لِي أَنْ لَا تَسْتَعِينَ عَلَيَّ بِغَيْرِك؟ فَمَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ دَعَوْتهمْ؟ . فَالْتَفَتَ كَالْمُسْتَبْعِدِ لِذَلِكَ، فَضَرَبَ عَلَى سَاقَيْهِ ضَرْبَةً قَطَعَ رِجْلَيْهِ.\nوَكَانَ مِنْ الْخُدْعَةِ أَنْ يَقُولَ لِأَصْحَابِهِ قَوْلًا لِيَرَى مَنْ سَمِعَهُ أَنَّ فِيهِ ظَفَرًا أَوْ أَنَّ فِيهِ أَمْرًا يُقَوِّي أَصْحَابَهُ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ حَقِيقَةً، وَلَكِنْ يَتَكَلَّمُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَكُونُ كَاذِبًا فِيهِ ظَاهِرًا. عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا - ﵁ - فِي حُرُوبِهِ كَانَ يَنْظُرُ إلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ يَقُولُ: مَا كَذَبْت وَلَا كَذَبْت. يُرِي مَنْ حَضَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَخْبَرَهُ بِمَا اُبْتُلِيَ بِهِ، وَأَمَرَهُ فِي ذَلِكَ بِمَا أَمَرَ بِهِ أَصْحَابَهُ. وَلَعَلَّهُ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ. فَهَذَا وَنَحْوُهُ لَا بَأْسَ بِهِ.\nوَقَدْ جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «إنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا الْعَجَائِزُ. فَلَمَّا سَمِعَتْ الْعَجُوزُ ذَلِكَ جَعَلَتْ تَبْكِي، حَتَّى بَيَّنَ لَهَا صِفَةَ أَهْلِ الْجَنَّةِ حِينَ يَدْخُلُونَهَا» .","vol":"1","page":120},{"text":"وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ أَنْ يُقَيِّدَ كَلَامَهُ بِلَعَلَّ وَعَسَى، فَإِنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ (٣٩ ا) يَخْرُجُ الْكَلَامُ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَزِيمَةً عَلَى مَا قَالَ: «بَلَغَنَا أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - يَوْمَ الْخَنْدَقِ» .\nوَاسْمُ هَذَا الرَّجُلِ مَذْكُورٌ فِي الْمَغَازِي نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ] . «فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ قَدْ غَدَرَتْ وَبَايَعَتْ أَبَا سُفْيَانَ وَأَصْحَابَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَلَعَلَّنَا نَحْنُ أَمَرْنَاهُمْ بِهَذَا. فَرَجَعَ إلَى أَبِي سُفْيَانَ وَقَالَ: زَعَمَ مُحَمَّدٌ أَنَّهُ أَمَرَ بَنِي قُرَيْظَةَ بِهَذَا. فَقَالَ: أَنْتَ سَمِعْته يَقُولُ هَذَا؟ قَالَ نَعَمْ. قَالَ فَوَاَللَّهِ مَا كَذَبَ» .\nوَتَمَامُ هَذِهِ الْقِصَّةِ ذُكِرَ فِي الْمَغَازِي مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: «أَنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ كَانُوا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إلَى أَنْ جَاءَ الْأَحْزَابُ وَمَعَهُمْ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ رَأْسُ بَنِي النَّضِيرِ. فَمَا زَالَ بِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَبَنِي قُرَيْظَةَ حَتَّى نَقَضُوا الْعَهْدَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَبَايَعُوا أَبَا سُفْيَانَ. عَلَى أَنْ يُغِيرُوهُمْ عَلَى الْمَدِينَةِ وَالْأَحْزَابُ يُقَاتِلُونَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وَأَصْحَابَهُ. فَاشْتَدَّ الْأَمْرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِذَلِكَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٠] . فَجَاءَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ يُخْبِرُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - بِهَذِهِ الْمُبَالَغَةِ، وَهُوَ كَانَ مُشْرِكًا يَوْمَئِذٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: فَلَعَلَّنَا أَمَرْنَاهُمْ بِذَلِكَ يُرِيدُ أَنَّ هَذَا مِنْ مُوَاطَأَةٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ حَتَّى نُحِيطَ بِالْأَحْزَابِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْرُ بَنِي قُرَيْظَةَ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ","vol":"1","page":121},{"text":"يُؤْثَرُ عَنْك شَيْءٌ مِنْ أَجْلِ صَنِيعِهِمْ. فَقَالَ - ﷺ -: الْحَرْبُ خُدْعَةٌ يَا عُمَرُ» . فَكَانَتْ تِلْكَ الْكَلِمَةُ سَبَبَ تَفَرُّقِهِمْ وَتَفَرُّقِ كَلِمَتِهِمْ وَانْهِزَامِهِمْ. وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: «أَنَّهُمْ بَعْدَ هَذِهِ الْمُبَايَعَةِ قَالُوا لِحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ: لَا نَأْمَنُ أَنْ يَطُولَ الْأَمْرُ وَتَذْهَبَ الْأَحْزَابُ وَنَبْقَى مَعَ مُحَمَّدٍ فَيُحَاصِرَنَا وَيُخْرِجَنَا مِنْ دِيَارِنَا كَمَا فَعَلَ بِك وَبِأَصْحَابِك. فَقَالَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ: أَنَا أَطْلُبُ مِنْهُمْ أَنْ يَبْعَثُوا سَبْعِينَ مِنْ أَبْنَاءِ كُبَرَائِهِمْ إلَيْكُمْ لِيَكُونُوا رَهْنًا فِي حِصْنِكُمْ. وَكَانَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ عِنْدَهُمْ حِينَ جَرَتْ هَذِهِ الْمُحَاوَرَةُ، فَحَثَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ. فَقَالُوا: هُوَ الرَّأْيُ. ثُمَّ جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَأَخْبَرَهُ بِمَا جَرَى. فَقَالَ - ﷺ -: فَلَعَلَّنَا أَمَرْنَاهُمْ بِذَلِكَ. فَجَاءَ إلَى أَبِي سُفْيَانَ فَوَجَدَ عِنْدَهُ رَسُولَ بَنِي قُرَيْظَةَ يَسْأَلُهُ الرَّهْنَ. فَقَالَ لَهُ: هَلْ عَلِمْت أَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَكْذِبْ قَطُّ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: إنِّي سَمِعْته الْآنَ يَقُولُ كَذَا. وَهَذَا مُوَاطَأَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ، لِيَأْخُذُوا سَبْعِينَ مِنْكُمْ فَيَدْفَعُوهُمْ إلَيْهِ لِيَقْتُلَهُمْ. وَقَدْ ضَمِنَ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ إصْلَاحَ جَنَاحِهِمْ، يَعْنِي رَدَّ بَنِي النَّضِيرِ إلَى دَارِهِمْ. فَقَالُوا: هُوَ كَمَا قُلْت وَاَلْلَاتِ وَالْعُزَّى. وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. فَبَعَثَ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ أَنْ اُخْرُجُوا عَلَى تِلْكَ الْمُبَايَعَةِ الَّتِي بَيْنَنَا فَقَدْ طَالَ الْأَمْرُ. فَقَالُوا: غَدًا يَوْمُ السَّبْتِ، وَنَحْنُ لَا نَكْسِرُ السَّبْتَ. وَمَعَ ذَلِكَ لَا نَخْرُجُ حَتَّى تُعْطُونَا الرَّهْنَ (٣٩ ب) . فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: هُوَ كَمَا أَخْبَرَنَا بِهِ نُعَيْمٌ. وَقَذَفَ اللَّهُ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ فَانْهَزَمُوا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ. وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ» . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ - ﵀ -: فَهَذَا وَنَحْوُهُ مِنْ مَكَايِدِ الْحَرْبِ فَلَا بَأْسَ بِهِ.","vol":"1","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>[بَابُ الْفِرَارِ مِنْ الزَّحْفِ]</span>\nِ قَالَ مُحَمَّدٌ - ﵀ -: لَا أُحِبُّ لِرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِهِ قُوَّةٌ أَنْ يَفِرَّ مِنْ رَجُلَيْنِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ. وَهَذَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٦] . وَفِيهَا تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ مَعْنَاهُ: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ إلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ، أَيْ سَرِيَّةٍ، لِلْقِتَالِ بِالْكَرَّةِ عَلَى الْعَدُوِّ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ.\nأَوْ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ: أَيْ يَنْحَازُ فَيَتَوَجَّهُ إلَيْهِمْ. يُقَالُ: تَحَوَّزَ وَتَحَيَّزَ إلَى فُلَانٍ: أَيْ انْضَمَّ إلَيْهِ. وَالْفِئَةُ: الْقُوَّةُ وَالْجَمَاعَةُ.\nوَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ. فَقَالَ قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ: كَانَ هَذَا يَوْمَ بَدْرٍ خَاصَّةً، إذْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ فِئَةٌ يَنْحَازُونَ إلَيْهَا غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَكَانَ مَعَهُمْ. وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُنْسَخْ هَذَا الْحُكْمُ.\nوَالْفِرَارُ مِنْ الزَّحْفِ مِنْ الْكَبَائِرِ عَلَى مَا قَالَ - ﷺ -: «خَمْسٌ مِنْ الْكَبَائِرِ لَا كَفَّارَةَ فِيهِنَّ» وَذَكَرَ فِي الْجُمْلَةِ الْفِرَارَ مِنْ الزَّحْفِ. وَقَالَ:","vol":"1","page":123},{"text":"«إنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْمُوبِقَاتِ الشِّرْكَ بِاَللَّهِ، وَأَكْلَ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّيَ يَوْمَ الْقِتَالِ، وَقَذْفَ الْمُحْصَنَاتِ» .\nثُمَّ إنْ كَانَ عَدَدُ الْمُسْلِمِينَ مِثْلَ نِصْفِ عَدَدِ الْمُشْرِكِينَ لَا يَحِلُّ لَهُمْ الْفِرَارُ مِنْهُمْ. وَكَانَ الْحُكْمُ فِي الِابْتِدَاءِ أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا مِثْلَ عُشْرِ الْمُشْرِكِينَ لَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَفِرُّوا، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] وَمَنْ أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ غَالِبٌ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَفِرَّ. ثُمَّ خَفَّفَ الْأَمْرَ فَقَالَ: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦] إلَى قَوْلِهِ ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦] . وَهَذَا إذَا كَانَ بِهِمْ قُوَّةُ الْقِتَالِ بِأَنْ كَانَتْ مَعَهُمْ الْأَسْلِحَةُ. فَأَمَّا مَنْ لَا سِلَاحَ لَهُ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَفِرَّ مِمَّنْ مَعَهُ السِّلَاحُ. وَكَذَلِكَ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَفِرَّ مِمَّنْ يَرْمِي إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ آلَةُ الرَّمْيِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَفِرَّ مِنْ بَابِ الْحِصْنِ، وَمِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي يُرْمَى فِيهِ بِالْمَنْجَنِيقِ لِعَجْزِهِ عَنْ الْمُقَامِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ؟ وَعَلَى هَذَا لَا بَأْسَ بِأَنْ يَفِرَّ الْوَاحِدُ مِنْ الثَّلَاثَةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُونَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا كَلِمَتُهُمْ وَاحِدَةٌ، فَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَفِرُّوا مِنْ الْعَدُوِّ وَإِنْ كَثُرُوا، لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «لَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا عَنْ قِلَّةٍ» وَمَنْ كَانَ غَالِبًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَفِرَّ.\n١١٥ - وَذَكَرَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - سَرِيَّةً قِبَلَ نَجْدٍ وَأَنَا فِيهِمْ. فَحَاصَ الْمُسْلِمُونَ حَيْصَةً. يَعْنِي انْهَزَمُوا مِنْ الْعَدُوِّ. فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ قُلْنَا: نَحْنُ الْفَرَّارُونَ. فَقَالَ","vol":"1","page":124},{"text":"- ﷺ -: بَلْ أَنْتُمْ الْعَكَّارُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. أَنَا لَكُمْ فِئَةٌ لِتَرْجِعُوا إلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» . وَالْمُرَادُ بِالْعَكَّارِ الرَّاجِعُ إلَى الْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. يَعْنِي: كَانَ هَذَا مِنْكُمْ تَحَيُّزًا إلَيَّ. أَنَا لَكُمْ (٤٠ آ) فِئَةٌ لِتَرْجِعُوا مَعِي إلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.\n\n- قَالَ مُحَمَّدٌ - ﵀ -: قُتِلَ أَبُو عُبَيْدٍ الثَّقَفِيُّ وَهُوَ أَبُو الْمُخْتَارِ، يَوْمَ قَسّ النَّاطِف - اسْمُ مَوْضِعٍ - وَأَبَى أَنْ يَرْجِعَ حَتَّى قُتِلَ فَقَالَ عُمَرُ - ﵁ -: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عُبَيْدٍ لَوْ انْحَازَ إلَيَّ كُنْت لَهُ فِئَةً. فَفِي هَذَا بَيَانٌ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالِانْهِزَامِ إذَا أَتَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْعَدُوِّ مَا لَا يُطِيقُهُمْ. وَلَا بَأْسَ بِالصَّبْرِ أَيْضًا بِخِلَافِ مَا يَقُولُهُ بَعْضُ النَّاسِ إنَّهُ إلْقَاءُ النَّفْسِ فِي التَّهْلُكَةِ، بَلْ فِي هَذَا تَحْقِيقُ بَذْلِ النَّفْسِ لِابْتِغَاءِ مَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَدْ فَعَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - ﵃ -، مِنْهُمْ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ حَمِيُّ الدَّبْرِ، وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِذَلِكَ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>[بَابُ مَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَمْ يُهَاجِرْ إلَيْنَا]</span>\n٢٣ - بَابُ مَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَمْ يُهَاجِرْ إلَيْنَا قَالَ: وَإِذَا أَسْلَمَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَقَتَلَهُ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ خَطَأً فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَلَا دِيَةَ عَلَيْهِ.\n١١٨ - وَفِي الْإِمْلَاءِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ أَيْضًا، لِأَنَّ وُجُوبَهَا بِاعْتِبَارِ تَقَوُّمِ الدَّمِ لَا بِاعْتِبَارِ حُرْمَةِ الْقَتْلِ فَقَطْ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ بِقَتْلِ نِسَاءِ أَهْلِ الْحَرْبِ. وَتَقَوُّمُ الدَّمِ يَكُونُ بِالْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ.\nوَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] . جَاءَ فِي التَّفْسِيرِ عَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: أَنَّهُ الرَّجُلُ يُسْلِمُ فَيُقْتَلُ خَطَأً قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُسْلِمِينَ. وَقِيلَ نُزُولُ الْآيَةِ فِي رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ مِرْدَاسٌ كَانَ أَسْلَمَ فَقَتَلَهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ - ﵄ - قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِإِسْلَامِهِ. فَأَوْجَبَ اللَّهُ الْكَفَّارَةَ دُونَ الدِّيَةِ. ثُمَّ الدِّيَةُ تَجِبُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَالْإِحْرَازُ بِالدِّينِ يَثْبُتُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا الْحَاجَةُ إلَى الْإِحْرَازِ بِالدَّارِ فِيمَا يَجِبُ مِنْ الضَّمَانِ لِحَقِّ الْعِبَادِ. وَقَدْ قَرَّرْنَا هَذَا فِي \" السِّيَرِ الصَّغِيرِ \" وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَبِهِ الْعَوْنُ.","vol":"1","page":126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>[بَابُ دَوَاءُ الْجِرَاحَةِ]</span>\n- بَابُ دَوَاءُ الْجِرَاحَةِ ١١٩ - رُوِيَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَاوَى وَجْهَهُ يَوْمَ أُحُدٍ بِعَظْمٍ بَالٍ»\n١٢٠ - وَقَدْ صَحَّ «أَنَّهُ - ﷺ - شُجَّ فِي وَجْهِهِ يَوْمَ أُحُدٍ حَتَّى سَالَ الدَّمُ عَلَى خَدِّهِ وَقَالَ: كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضَبُوا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ بِدَمِهِ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إلَى اللَّهِ؟ فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ لَك مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] . ثُمَّ دَاوَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَجْهَهُ، فَرُوِيَ أَنَّهُ أَحْرَقَ قِطْعَةً مِنْ حَصِيرٍ فَدَاوَى بِهِ وَجْهَهُ» .\nوَرُوِيَ «أَنَّهُ دَاوَاهُ بِعَظْمٍ بَالٍ وَعَصَبَ عَلَيْهِ. وَكَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْجَبَائِرِ أَيَّامًا» . وَفِيهِ دَلِيلُ جَوَازِ الِاشْتِغَالِ بِالْمُدَاوَاةِ لِلْجِرَاحَاتِ.\n١٢١ - وَقَدْ كَرِهَهُ بَعْضُ النَّاسِ لِآثَارٍ جَاءَتْ فِي النَّهْيِ. مِنْهَا مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي","vol":"1","page":127},{"text":"سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ (٤٠ ب) قِيلَ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الَّذِينَ لَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَسْتَرِقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» .\n١٢٢ - وَاعْتِمَادُنَا فِي جَوَازِ الْمُدَاوَاةِ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ دَاءً إلَّا وَخَلَقَ لَهُ دَوَاءً. إلَّا السَّامَ وَالْهَرَمَ» .\nوَمَا رَوَوْا قَدْ اُنْتُسِخَ بِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَوَى سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ - ﵁ - بِمِشْقَصٍ حِينَ رُمِيَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَقُطِعَ أَكْحَلُهُ. وَرُوِيَ أَنَّهُ كَوَى أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ - ﵁ -» .\nثُمَّ وَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ: أَنَّهُ إذَا كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الدَّوَاءَ هُوَ الَّذِي يَشْفِيهِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَشْتَغِلَ بِالتَّدَاوِي. وَفِيهِ دَلِيلُ جَوَازِ الْمُدَوَّاةِ بِعَظْمٍ بَالٍ. وَهَذَا لِأَنَّ الْعَظْمَ لَا يَتَنَجَّسُ بِالْمَوْتِ عَلَى أَصْلِنَا، لِأَنَّهُ لَا حَيَاةَ فِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَظْمَ الْإِنْسَانِ أَوْ عَظْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ التَّدَاوِي بِهِ؛ لِأَنَّ الْخِنْزِيرَ نَجِسُ الْعَيْنِ فَعَظْمُهُ نَجِسٌ كَلَحْمِهِ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِحَالٍ مَا. وَالْآدَمِيُّ مُحْتَرَمٌ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ. فَكَمَا يَحْرُمُ التَّدَاوِي بِشَيْءٍ مِنْ الْآدَمِيِّ الْحَيِّ إكْرَامًا لَهُ فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِعَظْمِ الْمَيِّتِ. قَالَ - ﷺ -: «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِ عَظْمِ الْحَيِّ» .","vol":"1","page":128},{"text":"- وَذَكَرَ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: «قَضَتْ السُّنَّةُ أَنْ لَا يَسْتَرِقَّ كَافِرٌ مُسْلِمًا» . قَالَ: وَبِهِ نَأْخُذُ إذَا أَسْلَمَ عَبْدُ الْكَافِرِ لَمْ يُتْرَكْ يَسْتَرِقُّهُ وَيُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ.\nحُمِلَ الْحَدِيثُ عَلَى اسْتِدَامَةِ الْمِلْكِ وَالِاسْتِخْدَامِ قَهْرًا بِمِلْكِ الْيَمِينِ، لِأَنَّ الِاسْتِرْقَاقَ مُسْتَدَامٌ، وَالِاسْتِدَامَةُ فِيمَا يُسْتَدَامُ كَالْإِنْشَاءِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ ابْتِدَاءُ الِاسْتِرْقَاقِ فِي الْحُرِّ الْمُسْلِمِ. فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ لِلْكَافِرِ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَخَذَهُ وَاسْتَعْبَدَهُ. وَهَذَا لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى» . وَالْمُرَادُ بِهِ الْحُكْمُ دُونَ الْإِخْبَارِ عَنْ الْحُسْنِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَتَحَقَّقُ. وَلَا يَجُوزُ الْخَلْفُ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -. ثُمَّ الْمُسْلِمُ مَصُونٌ عَنْ إذْلَالِ الْكَافِرِ إيَّاهُ شَرْعًا، وَفِي تَبْدِيلِ صِفَةِ الْمَالِكِيَّةِ بِالْمَمْلُوكِيَّةِ إذْلَالٌ، وَفِي الِاسْتِخْدَامِ قَهْرٌ، وَاسْتِدَامَةُ الْمِلْكِ فِيهِ إذْلَالٌ أَيْضًا، فَيُصَانُ الْمُسْلِمُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنْ يُجْبَرَ الْكَافِرُ عَلَى بَيْعِهِ وَلَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ، لِأَنَّ مَالِيَّتَهُ فِيهِ مَصُونَةٌ عَنْ الْإِتْلَافِ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ. وَالسَّبَبُ الَّذِي اعْتَرَضَ بَيْنَهُمَا غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِي إيجَابِ الصِّلَةِ لَهُ عَلَيْهِ. وَلِهَذَا لَا يَعْتِقُ، بِخِلَافِ الْقَرِيبِ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ عَلَى قَرِيبِهِ إذَا مَلَكَهُ. لِأَنَّ لِلْقَرَابَةِ تَأْثِيرًا فِي اسْتِحْقَاقِ الصِّلَةِ.\n\n- قَالَ: وَيَنْبَغِي لِلرَّجُلِ إذَا أَسْلَمَ أَنْ يَغْتَسِلَ عَنْ الْجَنَابَةِ، لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَا يَغْتَسِلُونَ عَنْ الْجَنَابَةِ وَلَا يَدْرُونَ كَيْفَ الْغُسْلُ فِي ذَلِكَ.","vol":"1","page":129},{"text":"وَفِي هَذَا بَيَانٌ (٤١ آ) أَنَّ صِفَةَ الْجَنَابَةِ تَتَحَقَّقُ فِي الْكَافِرِ بِمَنْزِلَةِ الْحَدَثِ إذَا وُجِدَ سَبَبُهُ، وَلَكِنْ اخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا فِي أَنَّ الْغُسْلَ مَتَى يَلْزَمُهُ. فَمَنْ يَقُولُ: يُخَاطَبُونَ بِالشَّرَائِعِ، يَقُولُ: الْغُسْلُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ فِي حَالِ كُفْرِهِ، وَلِهَذَا لَوْ أَتَى بِهِ صَحَّ. وَمَنْ يَقُولُ: لَا يُخَاطَبُونَ بِالشَّرَائِعِ، فَيَقُولُ إنَّمَا يَلْزَمُهُ الِاغْتِسَالُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّ صِفَةَ الْجَنَابَةِ مُسْتَدَامَةٌ بَعْدَ الْإِسْلَامِ كَإِنْشَائِهِ. وَصِحَّةُ الِاغْتِسَالِ مِنْهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ لِوُجُودِ سَبَبِهِ. وَلِهَذَا لَوْ انْقَطَعَ دَمُ الْحَائِضِ قَبْلَ أَنْ تُسْلِمَ ثُمَّ أَسْلَمَتْ لَا يَلْزَمُهَا الِاغْتِسَالُ بِهِ، لِأَنَّهُ لَا اسْتِدَامَةَ لِلِانْقِطَاعِ. فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ السَّبَبُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا لَا يَلْزَمُهَا الِاغْتِسَالُ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ إنَّهُمْ لَا يَدْرُونَ كَيْفَ الْغُسْلُ، إنَّهُمْ لَا يَأْتُونَ بِالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي الِاغْتِسَالِ مِنْ الْجَنَابَةِ. وَهُمَا فَرْضَانِ، فَلِهَذَا يُؤْمَرُ إذَا أَسْلَمَ بِالِاغْتِسَالِ مِنْ الْجَنَابَةِ.\n١٢٥ - وَاسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - «أَنَّ ثُمَامَةَ بْنَ أُثَالٍ الْحَنَفِيَّ لَمَّا أَسْلَمَ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ يَغْتَسِلَ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ - ﵄ -: زَعَمُوا أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. فَقَالَ - ﷺ -: قَدْ حَسُنَ إسْلَامُ صَاحِبِكُمْ. وَعَنْ كُلَيْبٍ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَبَايَعَهُ فَقَالَ: احْلِقْ عَنْك شَعْرَ الْكُفْرِ. فَحَلَقَ رَأْسَهُ» .\n١٢٦ - قَالَ مُحَمَّدٌ - ﵀ -: وَلَا نَرَى هَذَا مِنْ الْوَاجِبِ عَلَى النَّاسِ","vol":"1","page":130},{"text":"أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ أَكْثَرَ أَصْحَابِهِ؟ وَلَعَلَّهُ رَأَى كُلَيْبًا مُعْجَبًا بِشَعْرِهِ فَأَمَرَهُ بِأَنْ يُزِيلَ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ لِدَفْعِ الْإِعْجَابِ عَنْهُ، أَوْ اسْتَحَبَّ لَهُ زِيَادَةَ التَّطْهِيرِ بِأَنْ يُزِيلَ عَنْ نَفْسِهِ مَا كَانَ نَابِتًا مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ فِي حَالِ الْكُفْرِ. بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الِاغْتِسَالِ، فَإِنَّ الْأَمْرَ بِهِ كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْإِيجَابِ لِتَقَرُّرِ سَبَبِهِ.","vol":"1","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>[بَابُ اتِّخَاذِ الْأَنْفِ مِنْ الذَّهَبِ]</span>\nوَذَكَرَ «عَنْ عَرْفَجَةَ بْنِ أَسْعَدَ أَنَّهُ أُصِيبَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلَابِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ وَرِقٍ، فَأَنْتَنَ عَلَيْهِ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ يَتَّخِذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ» .\nوَبِهَذَا يَأْخُذُ مُحَمَّدٌ - ﵀ - فَيَقُولُ: - لَا بَأْسَ بِذَلِكَ. وَكَذَلِكَ إذَا سَقَطَ سِنُّهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَّخِذَ سِنًّا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ يُضَبِّبَ أَسْنَانَهُ مِنْ ذَهَبٍ. وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ إبْرَاهِيمَ.\nوَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ - ﵀ - يَقُولُ: يُكْرَهُ ذَلِكَ. وَلَا يَرَى بَأْسًا بِأَنْ يَتَّخِذَهُ مِنْ الْفِضَّةِ؛ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ الْفِضَّةِ لِلِانْتِفَاعِ جَائِزٌ لِلرَّجُلِ دُونَ اسْتِعْمَالِ الذَّهَبِ، بِدَلِيلِ اتِّخَاذِ الْخَاتَمِ.\nوَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ عِنْدَهُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - خَصَّ عَرْفَجَةَ بِهَذِهِ الرُّخْصَةِ. ثُمَّ مِنْ أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵁ - أَنَّ الْعَامَّ الْمُتَّفَقَ عَلَى قَبُولِهِ يَتَرَجَّحُ عَلَى الْخَاصِّ. فَرَجَّحَ الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَخَذَ الذَّهَبَ بِيَمِينِهِ وَالْحَرِيرَ بِشِمَالِهِ وَقَالَ: «هَذَانِ حَرَامَانِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌّ لِإِنَاثِهِمْ» (٤١ ب)، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>[بَابُ أَمْوَالِ الْمُعَاهِدِينَ]</span>\n٢٦ - بَابُ أَمْوَالِ الْمُعَاهِدِينَ [قَالَ]: وَإِذَا أَوْدَعَ الْمُسْلِمُونَ قَوْمًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَلَيْسَ يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ إلَّا بِطِيبٍ أَنْفُسِهِمْ، لِلْعَهْدِ الَّذِي جَرَى بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ. فَإِنَّ ذَلِكَ الْعَهْدَ فِي حُرْمَةِ التَّعَرُّضِ لِلْأَمْوَالِ وَالنُّفُوسِ بِمَنْزِلَةِ الْإِسْلَامِ. فَكَمَا لَا يَحِلُّ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ إلَّا بِطِيبِ أَنْفُسِهِمْ فَكَذَلِكَ لَا يَحِلُّ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِ الْمُعَاهِدِينَ.\nوَهَذَا لِأَنَّ فِي الْأَخْذِ بِغَيْرِ طِيبِ أَنْفُسِهِمْ مَعْنَى الْغَدْرِ وَتَرْكَ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ.\nوَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «فِي الْعُهُودِ وَفَاءٌ لَا غَدْرَ فِيهِ» .\n١٣٠ - ثُمَّ اُسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ - ﵁ - «أَنَّ نَاسًا مِنْ الْيَهُودِ يَوْمَ خَيْبَرَ جَاءُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بَعْدَ تَمَامِ الْعُهُودِ فَقَالُوا: إنَّ حَظَائِرَ لَنَا وَقَعَ فِيهَا أَصْحَابُك فَأَخَذُوا مِنْهَا بَقْلًا أَوْ ثُومًا. فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ - ﵁ - فَنَادَى فِي النَّاسِ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: لَا أُحِلُّ لَكُمْ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِ الْمُعَاهِدِينَ إلَّا بِحَقٍّ» .","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>[بَابُ دُخُولِ الْمُشْرِكِينَ الْمَسْجِدَ]</span>\n٢٧ -[بَابُ دُخُولِ الْمُشْرِكِينَ الْمَسْجِدَ] ١٣١ - وَذَكَرَ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ كَانَ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ فِي الْهُدْنَةِ وَهُوَ كَافِرٌ. غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨] الْآيَةَ.\nوَالْمُرَادُ بِالْهُدْنَةِ الصُّلْحُ الَّذِي كَانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَبَيْنَ أَهْلِ مَكَّةَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ. وَقَدْ جَاءَ أَبُو سُفْيَانَ إلَى الْمَدِينَةِ لِتَجْدِيدِ الْعَهْدِ بَعْدَ مَا نَقَضُوا هُمْ الْعُهُودَ وَخَشَوْا أَنْ يَغْزُوهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَلِذَلِكَ قِصَّةٌ. فَهَذَا دَلِيلٌ لَنَا عَلَى مَالِكٍ - ﵁ - فَإِنَّهُ يَقُولُ: لَا يُمَكَّنُ الْمُشْرِكُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ شَيْئًا فِي الْمَسَاجِدِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ «أَنَّ وَفْدَ ثَقِيفٍ لَمَّا جَاءُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَمَرَ بِأَنْ يُضْرَبَ لَهُمْ قُبَّةٌ فِي الْمَسْجِدِ. فَقِيلَ: هُمْ أَنْجَاسٌ. فَقَالَ: لَيْسَ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ نَجَاسَتِهِمْ شَيْءٌ» . ثُمَّ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ - ﵁ - بِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ: يُمْنَعُونَ مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ خَاصَّةً لِلْآيَةِ.","vol":"1","page":134},{"text":"فَأَمَّا عِنْدَنَا فَلَا يُمْنَعُونَ عَنْ ذَلِكَ، كَمَا لَا يُمْنَعُونَ مِنْ دُخُولِ سَائِرِ الْمَسَاجِدِ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْحَرْبِيُّ وَالذِّمِّيُّ.\nوَتَأْوِيلُ الْآيَةِ: الدُّخُولُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي كَانُوا اعْتَادُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاةً. وَالْمُرَادُ الْقُرْبُ مِنْ حَيْثُ التَّدْبِيرُ وَالْقِيَامُ بِعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. وَبِهِ نَقُولُ إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلَيْهِمْ، وَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْهُ بِحَالٍ.","vol":"1","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>[بَابُ دُخُولِ النِّسَاءِ الْحَمَّامَ وَرُكُوبِهِنَّ السُّرُوجَ]</span>\nَ] ١٣٢ وَذَكَرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - ﵀ - أَنَّهُ كَتَبَ أَنْ لَا يَدْخُلَ الْحَمَّامَ إلَّا امْرَأَةٌ نُفَسَاءُ أَوْ مَرِيضَةٌ.\nوَبِهَذَا يَأْخُذُ مَنْ يَكْرَهُ لِلنِّسَاءِ دُخُولَ (٤٢ آ) الْحَمَّامَاتِ. وَيَسْتَدِلُّ بِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ وَضَعَتْ جِلْبَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِ زَوْجِهَا فَعَلَيْهَا لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» . وَلَمَّا دَخَلَتْ نِسَاءُ حِمْصَ عَلَى عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: أَنْتُنَّ مِنْ اللَّاتِي تَدْخُلْنَ الْحَمَّامَاتِ؟ فَقُلْنَ: نَعَمْ. فَأَمَرَتْ بِإِخْرَاجِهِنَّ وَغَسْلِ مَوْضِعِ جُلُوسِهِنَّ.\nفَأَمَّا عِنْدَنَا لَا بَأْسَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَدْخُلَ الْحَمَّامَ إذَا خَرَجَتْ مُتَعَفِّفَةً وَاِتَّزَرَتْ حِينَ دَخَلَتْ الْحَمَّامَ. لِأَنَّ دُخُولَ الْحَمَّامِ بِمَعْنَى الزِّينَةِ، وَهِيَ لِلنِّسَاءِ أَلْيَقُ مِنْهَا بِالرِّجَالِ. أَوْ لِلْحَاجَةِ إلَى الِاغْتِسَالِ، وَأَسْبَابُ وُجُوبِ الِاغْتِسَالِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ أَكْثَرُ، وَالرَّجُلُ يَتَمَكَّنُ مِنْ الِاغْتِسَالِ بِالْحِيَاضِ وَالْأَنْهَارِ، وَالْمَرْأَةُ لَا تَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ.\nوَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ إنَّمَا كُرِهَ لِلْمَرْأَةِ الْخُرُوجُ بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا. وَقَدْ أُمِرْنَ بِالْقَرَارِ فِي الْبُيُوتِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] الْآيَةَ. قَالَ: وَلَا تَرْكَبُ امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ عَلَى سَرْجٍ. وَهَذَا لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «لَعَنَ اللَّهُ الْفُرُوجَ عَلَى السُّرُوجِ» .","vol":"1","page":136},{"text":"ثُمَّ الْمُرَادُ إذَا رَكِبَتْ مُتَلَهِّيَةً، أَوْ رَكِبَتْ مُتَزَيِّنَةً لِتَعْرِضَ نَفْسَهَا عَلَى الرِّجَالِ.\nفَأَمَّا إذَا رَكِبَتْ لِحَاجَتِهَا إلَى ذَلِكَ بِأَنْ كَانَتْ مِمَّنْ يُجَاهِدُ أَوْ يَخْرُجُ لِلْحَجِّ مَعَ زَوْجِهَا فَرَكِبَتْ مُتَسَتِّرَةً فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ. قَالَ: وَلَا يُتْرَكُ أَهْلُ الْكِتَابِ يَرْكَبُونَ عَلَى السُّرُوجِ وَلَكِنْ عَلَى الْأَكُفِّ، وَيُؤْمَرُونَ بِأَنْ يَتَنَطَّقُوا حَتَّى يُعْرَفُوا. أَيْ يَتَّخِذُوا الزَّنَانِيرَ فَوْقَ ثِيَابِهِمْ، وَيَرْكَبُونَ عَلَى السُّرُوجِ الَّتِي عَلَى هَيْئَةِ الْأَكُفِّ. وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ فِي قَرَبُوسِهِ شِبْهُ الرُّمَّانَةِ. وَهَذَا لِأَنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالْمُسْلِمِينَ فِيمَا يَكُونُ فِيهِ مَعْنَى الْعِزِّ. قَالَ - ﷺ -: «أَذِلُّوهُمْ وَلَا تَظْلِمُوهُمْ» . وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - ﵁ - صَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ يَشُدُّوا عَلَى أَوْسَاطِهِمْ الزَّنَانِيرَ. وَكَتَبَ إلَى عُمَّالِهِ: مُرُوا أَهْلَ الذِّمَّةِ بِأَنْ يَخْتِمُوا رِقَابَهُمْ بِالرَّصَاصِ، وَأَنْ يَتَنَطَّقُوا وَلَا يَتَشَبَّهُوا بِالْمُسْلِمِينَ. وَتَمَامُ بَيَانِ هَذَا الْفَصْلِ يَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>[بَابٌ مِنْ الْجَعَائِلِ]</span>\n٢٩ - بَابٌ مِنْ الْجَعَائِلِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - ﵁ -: تُكْرَهُ الْجَعَائِلُ مَا دَامَ لِلْمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُقَوِّيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨] وَحَقُّ الْجِهَادِ أَنْ يُجَاهَدَ بِالْمَالِ أَوْ النَّفْسِ. فَإِذَا كَانَ الَّذِي يَخْرُجُ صَاحِبَ مَالٍ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُجَاهِدَ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ وَلَا يَأْخُذُ مِنْ غَيْرِهِ جُعْلًا فِي عَمَلِهِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْخُذَ مِنْ غَيْرِهِ بِطِيبِ نَفْسِهِ مَا يَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الْجِهَادِ. لِيَكُونَ هُوَ مُجَاهِدًا بِنَفْسِهِ وَصَاحِبُ الْمَالِ مُجَاهِدًا بِمَالِهِ.\n١٣٤ - كَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - ﵁ - أَنَّهُ كَانَ يُغْزِي الْعَزَبَ عَنْ ذِي الْحَلِيلَةِ، وَكَانَ يُعْطِي (٤٢ ب) لِلْغَازِي فَرَسَ الْقَاعِدِ.\n١٣٥ - وَذَكَرَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْجَعَائِلِ فَقَالَ: مَنْ جَعَلَهُ فِي كُرَاعٍ أَوْ سِلَاحٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ.","vol":"1","page":138},{"text":"وَهَذَا لِأَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ إنَّمَا أُعْطِيَ الْمَالَ لِيَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الْجِهَادِ، حَتَّى يَكُونَ هُوَ مُجَاهِدًا بِمَالِهِ فَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ لَا يَسْتَعِينَ بِهِ عَلَى الْعَدُوِّ وَيَتَفَضَّلُ لِنَفْسِهِ.\n- كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ سُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيُّ - ﵁ - عَنْ الرَّجُلِ يَجْعَلُ الْجُعَلَ ثُمَّ يَبْدُو لَهُ فَيُجْعَلُ أَقَلَّ مِمَّا اجْتَعَلَ. قَالَ إذَا لَمْ يَكُنْ أَرَادَ الْفَضْلَ فَلَا بَأْسَ بِهِ. يَعْنِي إذَا لَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ أَنْ يَحْبِسَ الْفَصْلَ لِيَصْرِفَهُ عَلَى حَوَائِجِ نَفْسِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، فَيَرُدُّ مَا فَضَلَ عَلَى الْمَأْخُوذِ مِنْهُ إذَا رَجَعَ. بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَحُجُّ عَنْ غَيْرِهِ إذَا رَجَعَ بِفَضْلِ نَفَقَتِهِ يَلْزَمُهُ أَنْ يَرُدَّهُ. وَهَذَا لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَرُدَّ الْفَضْلَ كَانَ ذَلِكَ فِي مَعْنَى الْأُجْرَةِ لَهُ عَلَى عَمَلِهِ، وَالِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْجِهَادِ بَاطِلٌ.\n\n- وَعَلَى هَذَا لَوْ أَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشًا فَإِنْ كَانَ فِي بَيْتِ الْمَالِ سَعَةٌ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُجَهِّزَهُمْ بِمَالِ بَيْتِ الْمَالِ وَلَا يَأْخُذَ مِنْ النَّاسِ شَيْئًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ سَعَةٌ كَانَ لَهُ أَنْ يَتَحَكَّمَ عَلَى النَّاسِ بِمَا يَتَقَوَّى بِهِ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ إلَى الْجِهَادِ. لِأَنَّهُ نُصِّبَ نَاظِرًا لَهُمْ، وَتَمَامُ النَّظَرِ فِي ذَلِكَ. عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ - ﵁ - ضَرَبَ بَعْثًا عَلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَرَفَعَ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَعَنْ وَلَدِهِ فَقَالَا: لَا نَقْبَلُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ نَجْعَلُ مِنْ أَمْوَالِنَا لِلْغَازِي.","vol":"1","page":139},{"text":"- وَذَكَرَ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «إنَّ مَثَلَ الَّذِينَ يَغْزُونَ مِنْ أُمَّتِي وَيَأْخُذُونَ الْجُعَلَ يَتَقَوَّوْنَ بِهِ عَلَى عَدُوِّهِمْ كَمَثَلِ أُمِّ مُوسَى تُرْضِعُ وَلَدَهَا وَتَأْخُذُ أَجْرَهَا» . يَعْنِي أَنَّ الْغُزَاةَ يَعْمَلُونَ لِأَنْفُسِهِمْ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧] ثُمَّ يَأْخُذُونَ الْجُعَلَ مِنْ إخْوَانِهِمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لِيَتَقَوَّوْا بِهِ عَلَى عَدُوِّهِمْ، وَذَلِكَ لَهُمْ حَلَالٌ. كَمَا أَنَّ أُمَّ مُوسَى كَانَتْ تَعْمَلُ لِنَفْسِهَا فِي إرْضَاعِ وَلَدِهَا وَتَأْخُذُ الْأُجْرَةَ مِنْ فِرْعَوْنَ تَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الْإِرْضَاعِ، وَكَانَ ذَلِكَ حَلَالًا لَهَا.\n\n- قَالَ: وَإِذَا أَعْطَى الرَّجُلُ رَجُلًا جُعْلًا عَلَى أَنْ يُسْلِمَ فَأَسْلَمَ فَهُوَ مُسْلِمٌ، لِأَنَّهُ وُجِدَ مِنْهُ حَقِيقَةُ الْإِسْلَامِ وَهُوَ التَّصْدِيقُ وَالْإِقْرَارُ.\nوَبِاشْتِرَاطِ الْجُعَلِ لَا يَتَمَكَّنُ خَلَلٌ فِي ذَلِكَ، فَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ، سَلَّمَ لَهُ الْجُعَلَ أَوْ لَمْ يُسَلِّمْ، لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّهُ لَا يَتِمُّ رِضَاهُ بِدُونِ سَلَامَةِ الْجُعَلِ لَهُ: وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِسْلَامِ، كَمَنْ أَسْلَمَ مُكْرَهًا. وَلِلَّذِي شَرَطَ الْجُعَلَ أَنْ يَمْنَعَهُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ، وَإِنْ أَعْطَاهُ فَهُوَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ وَعَدَ لَهُ ذَلِكَ. وَالْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِينَ وَخُلْفُ الْوَعْدِ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُنَافِقِينَ إلَّا أَنَّ الَّذِي أَسْلَمَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ فَلَا يُسْتَوْجَبُ الْجُعَلُ بِهِ عَلَى (٤٣ آ) غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ إنَّمَا اُسْتُوْجِبَ الْجُعَلُ عَلَيْهِ عِوَضَ عَمَلِهِ لَهُ، وَالْمَالُ لَا يَكُونُ عِوَضًا عَنْ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ لَيْسَ بِعَامِلٍ لَهُ لِيَسْتَوْجِبَ عَلَيْهِ الْعِوَضَ. فَمَا وَعَدَ لَهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ رِشْوَةً أَوْ صِلَةً لِتَزْدَادَ بِهِ رَغْبَتُهُ فِي الْإِسْلَامِ. وَوَاحِدٌ مِنْهُمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الِاسْتِحْقَاقُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ. فَإِذَا أَبَى أَنْ يُعْطِيَهُ الْجُعَلَ فَرَجَعَ عَنْ الْإِسْلَامِ فَهُوَ مُرْتَدٌّ، إنْ لَمْ يَرْجِعْ إلَى الْإِسْلَامِ ضُرِبَتْ عُنُقُهُ، لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»، وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُكْرَهِ عَلَى الْإِسْلَامِ إذَا ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ","vol":"1","page":140},{"text":"اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ قِيَامَ السَّيْفِ عَلَى رَأْسِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَقِدٍ بِمَا أَقَرَّ بِهِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ شُبْهَةً يَنْدَرِئُ بِهَا الْقَتْلُ، فَأَمَّا اشْتِرَاطُ الْجُعْلِ فَلَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَقِدٍ فَيَتِمُّ إسْلَامُهُ بِلَا شُبْهَةٍ، فَإِذَا ارْتَدَّ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ.\n\n- وَذَكَرَ عَنْ غَالِبِ بْنِ خَطَّافٍ قَالَ: كُنَّا قُعُودًا بِبَابِ الْحَسَنِ فَأَتَانَا شَيْخٌ فَسَلَّمَ عَلَيْنَا وَقَعَدَ، ثُمَّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يُسَلِّمُ عَلَى قَوْمٍ إلَّا فَضَلَهُمْ بِعَشْرِ حَسَنَاتٍ وَإِنْ رَدُّوا» . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْبِدَايَةَ بِالسَّلَامِ أَفْضَلُ، وَأَنَّ ثَوَابَ الْمُبْتَدِئِ بِهِ أَكْثَرُ، لِأَنَّ الْجَوَابَ يُبْتَنَى عَلَى السَّلَامِ، وَالْبَادِئُ بِالسَّلَامِ هُوَ الْمُسَبِّبُ لِلْجَوَابِ، وَهُوَ الْبَادِئُ بِالْإِحْسَانِ، وَالرَّادُّ يُجَازَى إحْسَانُهُ بِالْإِحْسَانِ. ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي «عَنْ جَدِّي أَنَّهُ جَعَلَ لِلْقَوْمِ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ عَلَى أَنْ يُسْلِمُوا فَأَسْلَمُوا. فَبَعَثَنِي أَبِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - لِأُخْبِرَهُ بِذَلِكَ وَأَسْأَلَ لَهُ الْعِرَافَةَ. فَأَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَقُلْت: إنَّ أَبِي يَقْرَأُ عَلَيْك السَّلَامَ. فَقَالَ: عَلَيْهِ وَعَلَيْك» . فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ بَلَّغَ غَيْرَهُ سَلَامًا مِنْ غَائِبٍ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرُدَّ ﵉، لِأَنَّ الْغَائِبَ مُحْسِنٌ إلَيْهِ بِالسَّلَامِ وَالرَّسُولَ بِالْإِيصَالِ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُجَازِيَهُمَا","vol":"1","page":141},{"text":"قَالَ: فَقُلْت: وَإِنَّهُ جَعَلَ لِلْقَوْمِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ عَلَى أَنْ يُسْلِمُوا فَقَدْ أَسْلَمُوا وَحَسُنَ إسْلَامُهُمْ، أَفَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا أَعْطَاهُمْ؟ قَالَ: إنْ شَاءَ، فَإِنْ ثَبَتُوا عَلَى إسْلَامِهِمْ فَذَلِكَ وَإِلَّا بَعَثْنَا إلَيْهِمْ الْخَيْلَ. وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَالَ الَّذِي شَرَطَهُ لَهُمْ صِلَةٌ مُبْتَدَأَةٌ، وَأَنَّ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْهِبَةِ مَا لَمْ يُعَوَّضْ مِنْهَا، وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يُرَغِّبَ غَيْرَهُ فِي الْإِسْلَامِ بِهَذَا الطَّرِيقِ. أَلَا تَرَى أَنَّ سَهْمَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ الصَّدَقَاتِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ؟ وَقَدْ كَانُوا يُعْطُونَ ذَلِكَ لِلتَّأْلِيفِ بِالثَّبَاتِ عَلَى الْإِسْلَامِ عِنْدَ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ وَالتَّرْغِيبِ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ مَا وَعَدُوا أَنْ يُؤْمِنُوا عِنْدَ بَعْضِهِمْ.\nوَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ إذَا ارْتَدُّوا بَعْدَ مَا أَسْلَمُوا عَلَى شَرْطِ الْجُعْلِ فَإِنَّهُمْ يُقْتَلُونَ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ - ﷺ -: «بَعَثْنَا إلَيْهِمْ الْخَيْلَ» أَيْ لِلْقِتَالِ. «قَالَ: وَأَمَرَنِي أَنْ أَسْأَلَك لَهُ الْعِرَافَةَ. قَالَ: إنْ شَاءَ، وَلَكِنَّ الْعَرْفَاءَ فِي النَّارِ» (٤٣ ب)، أَيْ لَا أَمْنَعُهُ مَا سَأَلَ، وَلَكِنْ أَخْبِرْهُ أَنَّهُ لَا خَيْرَ لَهُ فِيمَا سَأَلَ. وَالْعِرَافَةُ: هِيَ الرِّئَاسَةُ، وَالْعَرِيفُ: هُوَ الْوَازِعُ. قَالَ - ﷺ -: «لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ وَازِعٍ، وَالْوَازِعُ فِي النَّارِ» يَعْنِي أَنَّهُ يَظْلِمُهُمْ وَيَتَكَبَّرُ عَلَيْهِمْ إذَا تَرَأَّسَ غَالِبًا، وَمَأْوَى الظَّالِمِينَ وَالْمُتَكَبِّرِينَ النَّارُ. فَفِيهِ بَيَانٌ أَنَّ التَّحَرُّزَ عَنْ طَلَبِ الرِّيَاسَةِ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ أَسْلَمُ.\n\n- قَالَ: وَإِنْ أَعْطَى رَجُلٌ مُسْلِمٌ مُسْلِمًا مَالًا عَلَى قَتْلِ حَرْبِيٍّ","vol":"1","page":142},{"text":"فَقَتَلَهُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَأُحِبُّ لِلَّذِي أَعْطَاهُ أَنْ يَفِيَ لَهُ بِذَلِكَ وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ قَتْلَ الْحَرْبِيِّ جِهَادٌ، فَمَنْ يُبَاشِرُهُ يَكُونُ عَامِلًا لِنَفْسِهِ أَوْ عَامِلًا لِلَّهِ تَعَالَى فِي إعْزَازِ الدِّينِ أَوْ الْجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي دَفْعِ فِتْنَةِ الْمُحَارِبِ عَنْهُمْ، فَلَا يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ عَلَى الَّذِي وَعَدَ لَهُ الْمَالَ، لَمَّا لَمْ يَكُنْ عَمَلُهُ لَهُ عَلَى الْخُلُوصِ، وَلَكِنْ إنْ وَفَى بِمَا وَعَدَ لَهُ عَلَى الْخُلُوصِ، فَهُوَ أَفْضَلُ. وَإِنْ أَبِي لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ.\n- ثُمَّ رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ لِيَاسِينَ بْنِ وَهْبٍ بَعْدَ مَا أَسْلَمَ: أَلَا تَرَى إلَى مَا هَمَّ بِهِ ابْنُ عَمِّك مِنْ قَتْلِي؟ فَقَالَ: أَنَا أَكْفِيك يَا رَسُولَ اللَّهِ فَاسْتَأْجَرَ رَجُلًا مِنْ الْعَرَبِ وَجَعَلَ لَهُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ عَلَى أَنْ يَقْتُلَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: جَعَلَ لَهُ خَمْسَةَ أَوْسَاقٍ مِنْ تَمْرٍ عَلَى أَنْ يَقْتُلَهُ، فَقَتَلَهُ. وَهَذَا الْمَقْتُولُ عَمْرُو بْنُ جِحَاشٍ» . وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، فَإِنَّ مَا أَعْطَاهُ كَانَ بِعِلْمِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - لَا مَحَالَةَ.","vol":"1","page":143},{"text":"- قَالَ: وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ أَعْطَاهُ ذَلِكَ مِنْ مَالِ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفِيَ بِهِ لَهُ، لِأَنَّ مَالَ بَيْتِ الْمَالِ مُعَدٌّ لِحَوَائِجِ الْمُسْلِمِينَ. وَهَذَا الْقَاتِلُ مِنْ وَجْهٍ عَامِلٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَفِيَ لَهُ بِمَا وَعَدَ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ مَالِ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ.","vol":"1","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>[بَابُ آنِيَةِ الْمُشْرِكِينَ وَذَبَائِحِهِمْ وَطَعَامِهِمْ]</span>\n١٤٤ - قَالَ: لَا بَأْسَ بِأَنْ يُؤْكَلَ وَيُشْرَبَ فِي آنِيَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَلَكِنْ لِتُغْسَلْ بِالْمَاءِ قَبْلَ أَنْ يُؤْكَلَ فِيهَا. لِأَنَّ الْأَوَانِيَ لَا يَلْحَقُهَا نَجَاسَةُ الْكُفْرِ، وَإِنَّمَا يَلْحَقُهَا النَّجَاسَةُ الْعَيْنِيَّةُ وَذَلِكَ يَزُولُ بِالْغَسْلِ، فَيَسْتَوِي فِي هَذَا الْحُكْمِ أَوَانِي الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، إلَّا أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَا يُنْعِمُونَ غَسْلَ الْأَوَانِي. فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُعِيدَ الْغَسْلَ، وَلَا يُؤْتَمَنُ الْمُشْرِكُ عَلَى ذَلِكَ. وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَأَخَذَ بِالظَّاهِرِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَوَانِي الطَّهَارَةُ.\nوَلَكِنَّ الْغَسْلَ أَقْرَبُ إلَى الِاحْتِيَاطِ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّا نَأْتِي أَرْضَ الْمُشْرِكِينَ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مِنْهَا بُدًّا فَاغْسِلُوهَا ثُمَّ كُلُوا فِيهَا» وَبَاقِي الْحَدِيثُ قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الصَّيْدِ.\nوَسُئِلَ الْحَسَنُ - ﵀ - عَنْ آنِيَةِ الْمَجُوسِ وَصِحَافِهِمْ وَبُرَمِهِمْ هَلْ يُطْبَخُ فِيهَا وَيُؤْتَدَمُ فِيهَا؟ فَقَالَ لِلسَّائِلِ: انْقِهَا غَسْلًا ثُمَّ اُطْبُخْ فِيهَا وَائْتَدِمْ.\nوَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ - ﵀ - أَنَّ (٤٤ آ) أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - كَانُوا يَظْهَرُونَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَيَأْكُلُونَ فِي آنِيَتِهِمْ وَيَشْرَبُونَ.","vol":"1","page":145},{"text":"وَعَنْ حُذَيْفَةَ - ﵁ - أَنَّهُ أُتِيَ بِبَاطِيَةٍ قَدْ شُرِبَ فِيهَا خَمْرٌ، فَأَمَرَ بِهَا فَغُسِلَتْ، ثُمَّ شَرِبَ فِيهَا، فَهَذِهِ الْآثَارُ تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَا.\n\n- قَالَ: وَلَا بَأْسَ بِطَعَامِ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ مِنْ الذَّبَائِحِ وَغَيْرِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وَلَا بَأْسَ بِطَعَامِ الْمَجُوسِ كُلِّهِ إلَّا الذَّبِيحَةَ، لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «سُنُّوا بِالْمَجُوسِ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ غَيْرَ نَاكِحِي نِسَائِهِمْ وَلَا آكِلِي ذَبَائِحِهِمْ» .\nوَهَذَا لِأَنَّ الْمَجُوسَ يَدَّعُونَ إلَهَيْنِ فَلَا يَصِحُّ مِنْهُمْ تَسْمِيَةُ اللَّهِ عَلَى الْخُلُوصِ، وَهُوَ شَرْطُ حِلُّ الذَّبِيحَةِ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ يُظْهِرُونَ التَّوْحِيدَ وَإِنْ كَانُوا يُضْمِرُونَ فِي ذَلِكَ شِرْكًا. .\n١٤٦ - وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - قَالَ: لَا بَأْسَ بِطَعَامِ الْمَجُوسِ إلَّا الذَّبِيحَةَ. وَعَنْ سُوَيْد غُلَامِ سَلْمَانَ قَالَ: أَتَيْت سَلْمَانَ - ﵁ - يَوْمَ هَزَمَ اللَّهُ أَهْلَ فَارِسَ بِسَلَّةٍ وُجِدَ فِيهَا خُبْزٌ وَجُبْنٌ وَسِكِّينٌ. فَجَعَلَ يَطْرَحُ","vol":"1","page":146},{"text":"لِأَصْحَابِهِ مِنْ الْخُبْزِ وَيَقْطَعُ لَهُمْ مِنْ الْجُبْنِ فَيَأْكُلُونَ، وَهُمْ مَجُوسٌ. فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِطَعَامِهِمْ مَا خَلَا الذَّبِيحَةَ. وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْغَانِمِينَ أَنْ يَتَنَاوَلُوا مِنْ طَعَامِ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ. .\n١٤٧ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ - ﵄ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ شَوَارِيزِ الْمَجُوسِ وَكَوَامِخِهِمْ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ. وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الذَّبِيحَةِ، وَهُمْ فِي إصْلَاحِ الْأَطْعِمَةِ فِيمَا سِوَى الذَّبِيحَةِ كَالْمُسْلِمِينَ. .\n١٤٨ - وَسُئِلَ الشَّعْبِيُّ عَنْ الْأَكْلِ مَعَ مَجُوسِيٍّ وَهُوَ يُزَمْزِمُ فَقَالَ: كُلْ مِنْ طَعَامِ الْمَجُوسِ. وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَا سَأَلَهُ السَّائِلُ.\nوَهَذَا لِلْأَثَرِ الْمَرْوِيِّ عَنْ عُمَرَ - ﵁ - أَنَّهُ كَتَبَ إلَى عُمَّالِهِ يَأْمُرُهُمْ أَنْ يَمْنَعُوا الْمَجُوسَ مِنْ الزَّمْزَمَةِ إذَا أَكَلُوا. وَلَكِنَّهُ أَثَرٌ شَاذٌّ.\nوَلِأَجْلِ عَقْدَ الذِّمَّةِ نَتْرُكُهُمْ فِيمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ شُرْبِ الْخُمُورِ وَتَنَاوُلِ الْخَنَازِيرِ. فَلِهَذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ الشَّعْبِيُّ لِهَذَا الْجَانِبِ، وَأَفْتَى لَهُ بِتَنَاوُلِ طَعَامِ الْمَجُوسِ، يَعْنِي مَا خَلَا الذَّبِيحَةَ.","vol":"1","page":147},{"text":"١٤٩ - وَعَنْ إبْرَاهِيمَ - ﵀ - قَالَ: لَمَّا فَتَحَ أَصْحَابُنَا السَّوَادَ أَكَلُوا مِنْ خُبْزِهِمْ. وَقَدْ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي الْمَغَازِي أَنَّهُمْ ظَفِرُوا بِمَطْبَخِ كِسْرَى، وَقَدْ أَدْرَكَتْ الْقُدُورُ، وَظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ صِبْغٌ، فَجَعَلُوا يُلَطِّخُونَ لِحْيَتِهِمْ بِذَلِكَ. فَقِيلَ: إنَّهُ مَأْكُولٌ. فَأَكَلُوا مِنْ ذَلِكَ حَتَّى أُتْخِمُوا. وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ قُدُورَهُ كَانَتْ لَا تَخْلُو عَنْ اللَّحْمِ، فَإِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا تَنَاوَلَ مِنْ ذَلِكَ بَعْضُ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ لَا مَعْرِفَةَ لَهُمْ بِالْأَحْكَامِ، وَلَا يُسْتَدَلُّ بِفِعْلِ أَمْثَالِهِمْ عَلَى الْجَوَازِ. .\n١٥٠ - ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَبَائِحِ النَّصَارَى مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَلَمْ يَرَ بِهَا بَأْسًا وَكَرِهَ تَزْوِيجَ نِسَائِهِمْ وَإِنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ يَبْقَى لَهُ نَسْلٌ (٤٤ ب) فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ حَرَامًا عِنْدَهُ فَلَا.\n١٥١ - وَاسْتَدَلَّ عَلَى هَذَا بِحَدِيثِ عَلِيٍّ - ﵁ -: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَتَبَ إلَى مَجُوسِ هَجَرَ يَدْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ. فَمَنْ أَسْلَمَ قَبِلَ مِنْهُ وَمَنْ لَمْ يُسْلِمْ ضُرِبَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ، وَأَنْ لَا يُؤْكَلَ لَهُمْ ذَبِيحَةٌ وَلَا يُنْكَحَ لَهُمْ امْرَأَةٌ» .","vol":"1","page":148},{"text":"فَكَأَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِتَخْصِيصِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - الْمَجُوسَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِنِكَاحِ نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ. فَإِنَّهُ بَنَى هَذَا الْكِتَابِ عَلَى أَنَّ الْمَفْهُومَ حُجَّةٌ. وَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ. .\n١٥٢ - ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ كَمَا لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَطَأَ الْمَجُوسِيَّةَ بِالنِّكَاحِ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ. لِأَنَّ حِلَّ الْوَطْءَ يُبْتَنَى عَلَى مِلْكِ الْمُتْعَةِ. وَذَلِكَ لَا يَثْبُتُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمَجُوسِيَّةِ بِسَبَبِ مِلْكِ الْيَمِينِ، كَمَا لَا يَثْبُتُ بِسَبَبِ النِّكَاحِ.\nفَأَمَّا الصَّابِئُونَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵁ - فَيَحِلُّ أَكْلُ ذَبَائِحِهِمْ وَمُنَاكَحَةِ نِسَائِهِمْ وَلَا يُكْرَهُ ذَلِكَ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا يَحِلُّ ذَلِكَ، وَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمَجُوسِ.\nوَهَذَا الِاخْتِلَافُ فِي أَنْ الصَّابِئِينَ مِنْهُمْ. فَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُمْ صِنْفٌ مِنْ النَّصَارَى يَقْرَءُونَ الزَّبُورَ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُظْهِرُونَهُ مِنْ اعْتِقَادِهِمْ. وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ وَيَعْتَقِدُونَ فِي أَنَّ الْكَوَاكِبَ آلِهَةٌ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُضْمِرُونَهُ مِنْ اعْتِقَادِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَجِيزُونَ إظْهَارَ مَا يَعْتَقِدُونَ قَطُّ، بِمَنْزِلَةِ الْبَاطِنِيَّةِ. فَبَنَى أَبُو حَنِيفَةَ الْجَوَابَ عَلَى مَا يُظْهِرُونَ، وَهُمَا بَنَيَا عَلَى مَا يُضْمِرُونَ. وَعَلَى ذَلِكَ هُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمَجُوسِ أَوْ شَرٌّ مِنْهُمْ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>[بَابُ الْإِسْلَامِ]</span>\n- ذَكَرَ عَنْ الْحَسَنِ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. فَإِذَا قَالُوهَا فَقَدْ عَصَمُوا مِنَى دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» .\nقَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُقَاتِلُ عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ، وَهُمْ قَوْمٌ لَا يُوَحِّدُونَ اللَّهَ. فَمَنْ قَالَ مِنْهُمْ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى إسْلَامِهِ.\nوَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ إذَا أَقَرَّ بِخِلَافِ مَا كَانَ مَعْلُومًا مِنْ اعْتِقَادِهِ، لِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ إلَى الْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَةِ الِاعْتِقَادِ لَنَا، فَنَسْتَدِلُّ بِمَا نَسْمَعُ مِنْ إقْرَارِهِ عَلَى اعْتِقَادِهِ. فَإِذَا أَقَرَّ بِخِلَافِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ اعْتِقَادِهِ اسْتَدْلَلْنَا بِهِ عَلَى أَنَّهُ بَدَّلَ اعْتِقَادَهُ. وَعَبَدَةُ الْأَوْثَانِ كَانُوا يُقِرُّونَ بِاَللَّهِ تَعَالَى. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتهمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، وَلَكِنْ كَانُوا لَا يُقِرُّونَ بِالْوَحْدَانِيَّةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿َإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] . وَقَالَ فِيمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إلَهًا وَاحِدًا إنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥] .","vol":"1","page":150},{"text":"فَمَنْ قَالَ مِنْهُمْ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَقَدْ أَقَرَّ بِمَا هُوَ مُخَالِفٌ لِاعْتِقَادِهِ (٤٥ آ) فَلِهَذَا جُعِلَ ذَلِكَ دَلِيلَ إيمَانِهِ فَقَالَ: «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» . .\n١٥٤ - وَعَلَى هَذَا الْمَانَوِيَّةُ وَكُلُّ مَنْ يَدَّعِي إلَهَيْنِ، إذَا قَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَذَلِكَ دَلِيلُ إسْلَامِهِ.\nفَأَمَّا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى هُمْ يَقُولُونَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَلَا تَكُونُ هَذِهِ الْكَلِمَةُ دَلِيلَ إسْلَامِهِمْ. وَهُمْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - كَانُوا لَا يُقِرُّونَ بِرِسَالَتِهِ. فَكَانَ دَلِيلُ الْإِسْلَامِ فِي حَقِّهِمْ الْإِقْرَارَ بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. عَلَى مَا رُوِيَ [عَنْهُ] «أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى جَارِهِ الْيَهُودِيِّ يَعُودُهُ فَقَالَ: اشْهَدْ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَنَظَرَ الرَّجُلُ إلَى أَبِيهِ فَقَالَ لَهُ: أَجِبْ أَبَا الْقَاسِمِ. فَشَهِدَ بِذَلِكَ وَمَاتَ، فَقَالَ - ﷺ -: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعْتَقَ بِي نَسَمَةً مِنْ النَّارِ: ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: لُوا أَخَاكُمْ» .\n١٥٥ - قَالَ: فَأَمَّا الْيَوْمَ بِبِلَادِ الْعِرَاقِ فَإِنَّهُمْ يَشْهَدُونَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَلَكِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ رَسُولٌ إلَى الْعَرَبِ، لَا إلَى بَنِي إسْرَائِيل. وَيَتَمَسَّكُونَ بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي","vol":"1","page":151},{"text":"بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢] .\nفَمَنْ يُقِرُّ مِنْهُمْ بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا حَتَّى يَتَبَرَّأَ مِنْ دِينِهِ مَعَ ذَلِكَ، أَوْ يُقِرَّ بِأَنَّهُ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ. حَتَّى إذَا قَالَ الْيَهُودِيُّ أَوْ النَّصْرَانِيُّ: أَنَا مُسْلِمٌ أَوْ أَسْلَمْت لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ. لِأَنَّهُمْ لَا يَدَّعُونَ ذَلِكَ. فَإِنَّ الْمُسْلِمَ هُوَ الْمُسْتَسْلِمُ لِلْحَقِّ الْمُنْقَادُ لَهُ، وَهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْحَقَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ. فَلَا يَكُونُ مُطْلَقُ هَذَا اللَّفْظِ فِي حَقِّهِمْ دَلِيلَ الْإِسْلَامِ حَتَّى يَتَبَرَّأَ مِنْ دِينِهِ مَعَ ذَلِكَ.\nكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: بَرِئْت مِنْ الْيَهُودِيَّةِ وَلَمْ يَقُلْ مَعَ ذَلِكَ: دَخَلْت فِي الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ، لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَبْرَأَ مِنْ الْيَهُودِيَّةِ وَدَخَلَ فِي النَّصْرَانِيَّةِ. فَإِنْ قَالَ مَعَ ذَلِكَ: وَدَخَلْت فِي الْإِسْلَامِ فَحِينَئِذٍ يَزُولُ هَذَا الِاحْتِمَالُ. وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: إذَا قَالَ: دَخَلْت فِي الْإِسْلَامِ، يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ وَإِنْ لَمْ يَتَبَرَّأْ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ. لِأَنَّ فِي لَفْظِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى دُخُولٍ حَادِثٍ مِنْهُ فِي السَّلَامِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَا كَانَ عَلَيْهِ. فَتَضَمُّنُ هَذَا اللَّفْظُ التَّبَرِّي مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ.\nوَلَوْ قَالَ الْمَجُوسِيُّ: أَسْلَمْت، أَوْ أَنَا مُسْلِمٌ، يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ. لِأَنَّهُمْ لَا يَدَّعُونَ هَذَا الْوَصْفَ لِأَنْفُسِهِمْ وَيَعُدُّونَهُ شَتِيمَةً بَيْنَهُمْ يَشْتُمُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ بِهِ وَلَدُهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلَ الْإِسْلَامِ فِي حَقِّهِ. .\n١٥٦ - وَذَكَرَ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، قَدِمَتْ سَفِينَةٌ مِنْ الْهِنْدِ فَاشْتَرَيْت مِنْهَا عِلْجَةً مَسْبِيَّةً فَجِئْت بِهَا إلَى","vol":"1","page":152},{"text":"مَنْزِلِي فَمَاتَتْ، أَفَأَنْبِذُهَا أَمْ أَغْسِلُهَا وَأُصَلِّي عَلَيْهَا؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، لَا بَلْ اغْسِلْهَا ثُمَّ كَفِّنْهَا، ثُمَّ صَلِّ عَلَيْهَا، فَإِنَّهَا دَخَلَتْ فِي الْإِسْلَامِ. وَتَأْوِيلُهُ فِي الصَّغِيرَةِ فَإِنَّهَا إذَا سُبِيَتْ وَلَيْسَ مَعَهَا وَاحِدٌ مِنْ أَبَوَيْهَا فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهَا تَبَعًا لِدَارِ الْإِسْلَامِ إذَا دَخَلَتْ فِيهَا. فَأَمَّا الْكَبِيرَةُ الَّتِي قَدْ عَقَلَتْ الْكُفْرَ فَلَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهَا، فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهَا إذَا مَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَصِفَ الْإِسْلَامَ، لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ (٤٥ ب) مِنْ حَقِّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ لِأَجْلِ إيمَانِهِ. وَلَكِنْ يُصْنَعُ بِهَا مَا سِوَى الصَّلَاةِ مِنْ الْغُسْلِ وَالتَّكْفِينِ وَالدَّفْنِ، فَإِنَّ ذَلِكَ سُنَّةُ الْمَوْتَى مِنْ بَنِي آدَمَ. أَلَا تَرَى إلَى مَا رُوِيَ «أَنَّ عَلِيًّا جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - حِينَ مَاتَ أَبُو طَالِبٍ فَقَالَ: إنَّ عَمَّك الضَّالَّ قَدْ تُوُفِّيَ. فَقَالَ: اذْهَبْ فَاغْسِلْهُ وَكَفِّنْهُ وَوَارِهِ» . .\n١٥٧ - وَذَكَرَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: مَاتَتْ أُمِّي وَهِيَ نَصْرَانِيَّةٌ، أَأَتْبَعُ جِنَازَتَهَا؟ قَالَ: اتْبَعْ جِنَازَتَهَا وَادْفِنْهَا وَلَا تُصَلِّ عَلَيْهَا. وَبِهِ نَقُولُ، إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ كَافِرٌ يَقُومُ بِدَفْنِهَا. فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْوَلَدِ الْمُسْلِمِ أَنْ يَقُومَ بِذَلِكَ وَلَا يَتْرُكُهَا جَزْرًا لِلسِّبَاعِ. فَقَدْ أُمِرَ بِالْإِحْسَانِ إلَى وَالِدَيْهِ، وَإِنْ كَانَا مُشْرِكِينَ، وَبِالْمُصَاحَبَةِ مَعَهُمَا بِالْمَعْرُوفِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى","vol":"1","page":153},{"text":"﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] وَلَيْسَ مِنْ الْإِحْسَانِ وَالْمَعْرُوفِ أَنْ يَتْرُكَهُمَا بَعْدَ الْمَوْتِ جَزْرًا لِلسِّبَاعِ.\nفَأَمَّا إذَا كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَقُومُ بِذَلِكَ مِنْ أَقَارِبِهِمَا الْمُشْرِكِينَ فَالْأَوْلَى لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَدَعَ ذَلِكَ لَهُمْ. وَلَكِنْ يَتْبَعُ الْجِنَازَةَ إنْ شَاءَ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ مَاتَتْ أُمُّهُ نَصْرَانِيَّةً، فَتَبِعَ جِنَازَتَهَا فِي رَهْطٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -. إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ مَعَ الْجِنَازَةِ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ دِينِهَا فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَمْشِيَ نَاحِيَةً مِنْهُمْ، وَلَا يُخَالِطُهُمْ فَيَكُونُ مُكَثِّرًا سَوَادَ الْمُشْرِكِينَ، أَوْ يَمْشِيَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ لِيَكُونَ مُعْتَزِلًا عَنْهُمْ.\n١٥٨ - وَذَكَرَ عَنْ إبْرَاهِيمَ - ﵀ - فِي الصَّبِيِّ إذَا أَقَرَّ بِالْإِسْلَامِ وَأَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ. قَالَ: يُصَلَّى عَلَيْهِ. وَبِهِ نَقُولُ، فَإِنَّهُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ تَمَّ إسْلَامُهُ، لِأَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ لَا مِنْ نَفْسِ الْإِسْلَامِ. وَعَنْ سَلَمَةَ قَالَ: سَأَلْت الشَّعْبِيَّ عَنْ الصَّبِيِّ مَتَى يُصَلَّى عَلَيْهِ؟ قَالَ: إذَا صَلَّى فَصَلُّوا عَلَيْهِ. وَتَأْوِيلُ هَذَا فِيمَا إذَا لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ الْإِقْرَارُ بِالْإِسْلَامِ، وَلَكِنَّهُ صَلَّى مَعَ الْمُسْلِمِينَ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الْحُكْمُ بِإِسْلَامِهِ عِنْدَنَا، لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ","vol":"1","page":154},{"text":"لَا يُصَلُّونَ بِالْجَمَاعَةِ عَلَى هَيْئَةِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَإِظْهَارِ مَا يَخْتَصُّ بِهِ الْمُسْلِمُونَ فِعْلًا يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ إظْهَارِ مَا يَخْتَصُّ بِهِ الْمُسْلِمُونَ قَوْلًا، فَيَصِيرُ بِهِ مُسْلِمًا، حَتَّى إذَا رَجَعَ عَنْ الْإِسْلَامِ ضُرِبَتْ عُنُقُهُ إنْ كَانَ رَجُلًا. وَأَمَّا إذَا صَلَّى وَحْدَهُ لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ إلَّا فِي رِوَايَةٍ رَوَاهَا دَاوُد بْنُ رَشِيدٍ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إذَا صَلَّى إلَى قِبْلَةِ الْمُسْلِمِينَ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ، لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «مَنْ اسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَلَهُ مَا لَنَا وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْنَا» .\nفَأَمَّا إذَا صَامَ أَوْ أَدَّى الزَّكَاةَ أَوْ حَجَّ لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَفِي رِوَايَةِ دَاوُد بْنِ رَشِيدٍ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: إذَا حَجَّ الْبَيْتَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَفْعَلُهُ الْمُسْلِمُونَ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ مِنْهُ فِعْلٌ مَا يَخْتَصُّ بِهِ الْمُسْلِمُونَ، فَيُجْعَلُ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى إسْلَامِهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>[بَابُ الْجِهَادِ مَعَ الْأُمَرَاءِ]</span>\n٣٢ - بَابُ الْجِهَادِ مَعَ الْأُمَرَاءِ وَذَكَرَ عَنْ مَكْحُولٍ - ﵀ - أَنَّهُ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ (٤٦ آ): حَدِيثٌ كُنْت أَكْتُمْكُمُوهُ، لَوْلَا مَا حَضَرَنِي مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُكُمْ بِهِ، أَيْ لَوْلَا مَا أَخَافُ مِنْ وَعِيدِ كِتْمَانِ الْعِلْمِ، عَلَى مَا قَالَ - ﷺ -: «مَنْ كَتَمَ عِلْمًا عِنْدَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ» . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] . ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَا تُكَفِّرُوا أَهْلَ مِلَّتِكُمْ وَإِنْ عَمِلُوا الْكَبَائِرَ، الصَّلَاةَ مَعَ كُلِّ إمَامٍ، الصَّلَاةَ عَلَى كُلِّ مَيِّتٍ، الْجِهَادَ مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ» . وَهُوَ دَلِيلٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ مُرْتَكِبَ الْكَبَائِرَ لَا يُكَفَّرُ بِارْتِكَابِهِ الْكَبَائِرَ وَلَا يَخْرُجُ مِنْ الْإِيمَانِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] . وَلَا شَكَّ أَنَّ مُرْتَكِبَ الْكَبَائِرَ دَاخِلٌ فِي جُمْلَةِ مَنْ دَعَاهُمْ اللَّهُ إلَى التَّوْبَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَقَدْ سَمَّاهُمْ مُؤْمِنِينَ. وَهُوَ دَلِيلُنَا عَلَى مَالِكٍ فِي جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ بِالْفَاسِقِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: \" مَعَ كُلِّ إمَامٍ \"، أَيْ فَاسِقًا كَانَ أَوْ عَدْلًا. كَمَا قَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: «صَلُّوا خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ» .","vol":"1","page":156},{"text":"وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ عَلَى كُلِّ مَيِّتٍ، أَيْ فَاسِقًا كَانَ أَوْ عَدْلًا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا غَيْرَ بَاغٍ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: \" الْجِهَادَ مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ \"، أَيْ عَادِلًا كَانَ أَوْ جَائِرًا، فَلَا يَنْبَغِي لِلْغَازِي أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ الْجِهَادِ مَعَهُ، وَبِجَوْرِ الْأَمِيرِ لَا يَنْقَطِعُ طَمَعُ الْغُزَاةِ فِي النُّصْرَةِ.\nجَاءَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - مَوْقُوفًا عَلَيْهِ وَمَرْفُوعًا: «إنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ» .\nقَالَ مَكْحُولٌ: وَخَصْلَتَانِ مِنْ رَأْيِي لَمْ أَسْمَعْ فِيهِمَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ شَيْئًا: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ لَا تَذْكُرُوهُمَا إلَّا بِخَيْرٍ. ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٤] . وَالْحَدِيثُ فِي الْكَفِّ عَنْ الصَّحَابَةِ إلَّا بِخَيْرٍ، مَشْهُورٌ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ -. قَالَ - ﷺ -: «اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي» .\nوَخَصَّ مَكْحُولٌ الْخَتَنَيْنِ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الشَّامِ فِيهِمَا مَا يَكْرَهُهُ، فَلِهَذَا خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ فِي وَصِيَّتِهِ.\nثُمَّ سَمَّى عَلِيًّا أَوَّلًا، وَهَكَذَا فِيمَا رَوَاهُ نُوحُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵁ - فَإِنَّهُ قَالَ: سَأَلْته عَنْ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ فَقَالَ: أَنْ تُفَضِّلَ","vol":"1","page":157},{"text":"أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَتُحِبَّ عَلِيًّا وَعُثْمَانَ، وَتَرَى الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَلَا تُكَفِّرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، وَلَا تَنْطِقَ فِي اللَّهِ بِشَيْءٍ. وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: قَبْلَ الْخِلَافَةِ كَانَ عَلِيٌّ مُقَدَّمًا عَلَى عُثْمَانَ، وَبَعْدَ الْخِلَافَةِ عُثْمَانُ أَفْضَلُ مِنْ عَلِيٍّ، فَأَمَّا الْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّ عُثْمَانَ أَفْضَلُ مِنْ عَلِيٍّ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا -، قَبْلَ الْخِلَافَةِ وَبَعْدَهَا. كَمَا رَوَى جَابِرٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «أَبُو بَكْرٍ خَلِيفَتِي بَعْدِي فِي أُمَّتِي، وَعُمَرُ حَبِيبِي، وَعُثْمَانُ مِنِّي، وَعَلِيٌّ أَخِي وَصَاحِبُ لِوَائِي» . فَنُفَضِّلُهُمْ عَلَى التَّرْتِيبِ الَّذِي ذَكَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -. وَلَمْ يُرِدْ أَبُو حَنِيفَةَ - ﵁ - (٤٦ ب) بِمَا ذَكَرَ تَقْدِيمَ عَلِيٍّ عَلَى عُثْمَانَ، وَلَكِنَّ مُرَادَهُ أَنَّ مَحَبَّتَهُمَا مِنْ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ. فَالْوَاوُ عِنْدَهُ لَا يُوجِبُ التَّرْتِيبَ. وَإِنَّمَا ذَكَرَ مَكْحُولٌ عَلِيًّا - ﵁ - أَوَّلًا لِأَنَّهُ كَانَ إمَامَ أَهْلِ الشَّامِ. وَأَهْلُ الشَّامِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ يَقَعُ بَعْضُهُمْ فِي عَلِيٍّ - ﵁ - فَلِهَذَا قَدَّمَهُ فِي الذِّكْرِ حَتَّى يَزْجُرَهُمْ عَنْ ذَلِكَ.\n١٦٠ - وَعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قُلْت لِابْنِ عُمَرَ - ﵄ -: مَا تَقُولُ فِي الْغَزْوِ، فَقَدْ صَنَعَ الْأُمَرَاءُ مَا قَدْ رَأَيْت. قَالَ: أَرَى أَنْ تَغْزُوَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْك مِمَّا أَحْدَثُوا شَيْءٌ. يَعْنِي مَا أَحْدَثُوا مِمَّا تَكْرَهُهُ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا وُلِّيَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: إنْ يَكُنْ خَيْرًا شَكَرْنَا، وَإِنْ يَكُنْ بَلَاءً صَبَرْنَا، ثُمَّ قَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ [النور: ٥٤] . الْآيَةَ.","vol":"1","page":158},{"text":"وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - قَالُوا: إذَا عَدَلَ السُّلْطَانُ فَعَلَى الرَّعِيَّةِ الشُّكْرُ، وَلِلسُّلْطَانِ الْأَجْرُ. وَإِذَا جَارَ فَعَلَى الرَّعِيَّةِ الصَّبْرُ، وَعَلَى السُّلْطَانِ الْوِزْرُ. فَهَذَا كُلُّهُ لِبَيَانِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتْرُكَ الْجِهَادَ بِمَا يَصْنَعُهُ الْأُمَرَاءُ مِنْ الْجَوْرِ وَالْغُلُولِ. قَالَ: فَإِذَا أَرَدْت ذَلِكَ فَاجْعَلْ طَرِيقَك عَلَيَّ. فَمَرَرْت بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ: إنِّي أُحِبُّ أَنْ أُعِينَك فِي وَجْهِك هَذَا بِطَائِفَةٍ مِنْ مَالِي. قُلْت: إذًا لَا أَقْبَلُ. إنِّي رَجُلٌ قَدْ وَسَّعَ اللَّه عَلَيَّ. قَالَ: إنَّ غِنَاك لَك. إنِّي أُحِبُّ أَنْ تَكُونَ طَائِفَةٌ مِنْ مَالِي فِي هَذَا الْوَجْهِ. فَانْطَلَقَ يَلْتَمِسُ الْقَرْضَ فَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا يُقْرِضُهُ، فَقَالَ: أَتَخَافُونَ أَنْ لَا أَقْضِيَكُمْ؟ ثُمَّ كَتَبَ إلَى قَيِّمٍ لَهُ بِالشَّامِ أَنْ يَدْفَعَ إلَيَّ دَنَانِيرَ قَدْ سَمَّاهَا أَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى وَجْهِي. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْغَازِي، وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا، أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ قَبُولِ الْمَالِ إذَا عَلِمَ أَنْ الْمُعْطِيَ يُعْطِيَهُ مِنْ حَلَالٍ عَلَى وَجْهِ الرَّغْبَةِ فِي الْجِهَادِ بِالْمَالِ، لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ عَنْ قَبُولِ ذَلِكَ فِي صُورَةِ الْمَنْعِ مِمَّا هُوَ طَاعَةٌ، وَذَلِكَ لَا يَحِلُّ.\nقَالَ: فَانْطَلَقْت فَلَمْ أَزَلْ مُرَابِطًا فِي جَزِيرَةٍ مِنْ الْبَحْرِ سِنِينَ، ثُمَّ بَدَا لِبَعْضِ أُمَرَاءِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُخَرِّبُ تِلْكَ الْجَزِيرَةِ وَيُخْرِجُ أَهْلَهَا مِنْهَا. فَوَاَللَّهِ لِكَأَنَّمَا جِيءَ بِي سَبْيًا حَيْثُ رَجَعْت إلَى أَهْلِي.","vol":"1","page":159},{"text":"وَإِنَّمَا شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ انْقَطَعَ عَنْ ثَوَابِ الْمُرَابِطِينَ حِينَ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ. وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ تَأَسُّفُ الْمُؤْمِنِ عَلَى مَا يَنْقَطِعُ عَنْهُ مِنْ الثَّوَابِ. .\n١٦١ - ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُتْرَكُ الْجِهَادُ بِجَوْرِ الْأُمَرَاءِ لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «الْجِهَادُ مَاضٍ مُنْذُ بَعَثَنِي اللَّهُ (٤٧ آ) إلَى أَنْ يُقَاتِلَ آخِرُ عِصَابَةٍ مِنْ أُمَّتِي الدَّجَّالَ، لَا يَصُدُّهُ جَوْرُ جَائِرٍ وَلَا عَدْلُ عَادِلٍ» .\nوَلِحَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ قَيْسٍ حَيْثُ قَالَ: قُلْت لِجَابِرٍ: أَرَأَيْت إنْ كَانَ عَلَيَّ إمَامٌ جَائِرٌ أَأُقَاتِلُ مَعَهُ أَهْلَ الضَّلَالَةِ وَالشِّرْكِ؟ قَالَ: نَعَمْ ﴿عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ، وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤] .\nوَلِحَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «أَصْلُ الْإِسْلَامِ ثَلَاثَةٌ: الْكَفُّ عَمَّنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؛ أَنْ تُكَفِّرُوهُ بِذَنْبٍ، وَلَا تُخْرِجُوهُ مِنْ الْإِسْلَامِ بِعَمَلٍ؛ وَالْجِهَادُ مَاضٍ مُنْذُ بَعَثَنِي اللَّهُ حَتَّى يُقَاتِلَ آخِرُ عِصَابَةٍ مِنْ أُمَّتِي الدَّجَّالَ؛ وَالْإِيمَانُ بِالْأَقْدَارِ كُلِّهَا» . يَعْنِي مَا ذَكَرَهُ فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ حِين سَأَلَهُ جِبْرِيلُ - ﵇ -: مَا الْإِيمَانُ؟ الْحَدِيثَ، إلَى أَنْ قَالَ: وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ مِنْ اللَّهِ.\nوَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إذْ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ - ﵄ -.","vol":"1","page":160},{"text":"وَمَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِئَامٌ مِنْ النَّاسِ، فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَرَدَّ ﵉. ثُمَّ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُمَا تَكَلَّمَا فِي الْقَدَرِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ -: الْحَسَنَاتُ مِنْ اللَّهِ وَالسَّيِّئَاتُ مِنَّا. وَقَالَ عُمَرُ: الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ كُلُّهَا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى. فَاتَّبَعَ طَائِفَةٌ مِنْ النَّاسِ أَبَا بَكْرٍ وَطَائِفَةٌ عُمَرَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: سَأَقْضِي بَيْنَكُمَا بِمَا قَضَى بِهِ إسْرَافِيلُ بَيْنَ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ. فَإِنَّ جَبْرَائِيلَ قَالَ مِثْلَ مَا قُلْت يَا عُمَرُ، وَمِيكَائِيلُ قَالَ مِثْلَ مَا قُلْت يَا أَبَا بَكْرٍ. ثُمَّ قَالَا: إنَّا إذَا اخْتَلَفْنَا اخْتَلَفَ أَهْلُ السَّمَاءِ، وَإِذَا اخْتَلَفَ أَهْلُ السَّمَاءِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْأَرْضِ فَلْنَتَحَاكَمْ إلَى إسْرَافِيلَ. فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْقَدَرَ خَيْرَهُ وَشَرَّهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى. وَهَذَا قَضَائِي بَيْنَكُمَا. يَا أَبَا بَكْرٍ لَوْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ لَا يُعْصَى مَا خَلَقَ إبْلِيسَ» . فَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ لِأَهْلِ السُّنَّةِ فِي الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ. وَلَا يَظُنُّ بِمِيكَائِيلَ وَأَبِي بَكْرٍ، بِمَا نَفَيَا تَقْدِيرَ الشَّرِّ مِنْ اللَّهِ، إلَّا خَيْرًا، لِأَنَّ طَالِبَ الصَّوَابِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَقِرَّ رَأْيُهُ جَاهَدَ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ.","vol":"1","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>[بَابُ مَنْ يَحِلُّ لَهُ الْخُمُسُ وَالصَّدَقَةُ]</span>\n٣٣ - بَابُ مَنْ يَحِلُّ لَهُ الْخُمُسُ وَالصَّدَقَةُ وَذَكَرَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إلَّا لِخَمْسَةٍ: الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ الْعَامِلِ عَلَيْهَا، أَوْ الْغَارِمِ، أَوْ رَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ رَجُلٍ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ تَصَدَّقَ عَلَى هَذَا الْمِسْكِينِ فَأَهْدَى إلَى الْغَنِيِّ» .\nوَأَخَذَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَقَالُوا: تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِلْغَازِي وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا، وَلِلْغَارِمِ إذَا كَانَ غُرْمُهُ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا. وَلَكِنَّ تَأْوِيلَ الْحَدِيثِ عِنْدَنَا: إذَا كَانَ الْغَازِي غَنِيًّا فِي أَهْلِهِ وَلَيْسَ بِيَدِهِ مَالٌ حَيْثُ هُوَ فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الصَّدَقَةِ مَا يَتَقَوَّى بِهِ. وَكَذَلِكَ الْغَارِمُ إذَا كَانَ مَالَهُ غَائِبًا عَنْهُ أَوْ دَيْنًا عَلَى ظُهُورِ الرِّجَالِ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ، فَهُمَا حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَةِ ابْنِ السَّبِيلِ. فَأَمَّا مَنْ يَكُونُ مَالُهُ بِحَضْرَتِهِ وَذَلِكَ فَوْقَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ بِقَدْرِ نِصَابٍ، لَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ الصَّدَقَةِ؛ لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ» .\nوَأَمَّا الْعَامِلُ فَمَا يَأْخُذُهُ عِمَالَةً وَلَيْسَ بِصَدَقَةٍ فِي حَقِّهِ، فَغِنَاهُ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ أَخْذِهِ، وَالْمُشْتَرِي مِنْ الْفَقِيرِ إنَّمَا يَأْخُذُهُ مَبِيعًا عِوَضًا عَنْ مَالِهِ.","vol":"1","page":162},{"text":"وَاَلَّذِي أَهْدَى إلَيْهِ الْمِسْكِينُ إنَّمَا يَأْخُذُهُ هَدِيَّةً لَا صَدَقَةً، عَلَى مَا قَالَ - ﷺ - فِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ - ﵂ -: «هِيَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ» .\n١٦٣ - وَذَكَرَ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ - ﵁ - أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ التَّهْلُكَةِ أَهُوَ الرَّجُلُ إذَا (٤٧ ب) مَا الْتَقَى الْجَمْعَانِ حَمَلَ فَقَاتَلَ حَتَّى يُقْتَلَ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ يُذْنِبُ ثُمَّ لَا يَتُوبُ وَهُوَ الْمُرَادُ بِمَعْنَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] .\nفَوَقَعَ عِنْدَ السَّائِلِ أَنَّ مَنْ حَمَلَ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَعْدَاءِ يَكُونُ مُلْقِيًا نَفْسَهُ فِي التَّهْلُكَةِ. فَبَيَّنَ لَهُ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ أَنَّ الْمُلْقِي نَفْسَهُ فِي التَّهْلُكَةِ مَنْ يُذْنِبُ ثُمَّ لَا يَتُوبُ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُرْتَهِنًا بِصَنِيعِهِ. فَأَمَّا مَنْ حَمَلَ عَلَى الْعَدُوِّ فَهُوَ يَسْعَى فِي إعْزَازِ الدِّينِ، وَيَتَعَرَّضُ لِلشَّهَادَةِ الَّتِي يَسْتَفِيدُ بِهَا الْحَيَاةَ الْأَبَدِيَّةَ، كَيْفُ يَكُونُ مُلْقِيًا نَفْسَهُ فِي التَّهْلُكَةِ؟ .\n١٦٤ - ثُمَّ بَيَّنَ الْمَذْهَبَ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِأَنْ يُحْمَلَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ يُقْتَلُ إذَا كَانَ يَرَى أَنَّهُ يَصْنَعُ شَيْئًا يَقْتُلُ أَوْ يَجْرَحُ أَوْ يَهْزِمُ. فَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَوْمَ أُحُدٍ وَمَدَحَهُمْ عَلَى ذَلِكَ. وَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ هِشَامٍ لَمَّا الْتَقَى الصَّفَّانِ حَمَلَ فَقَاتَلَ","vol":"1","page":163},{"text":"حَتَّى قُتِلَ وَأَلْقَى بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ؟ فَقَالَ: كَلًّا، وَلَكِنَّهُ تَأَوَّلَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]، فَأَمَّا إذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَنْكِي فِيهِمْ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِمْ. لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِحَمْلَتِهِ شَيْءٌ مِمَّا يَرْجِعُ إلَى إعْزَازِ الدِّينِ، وَلَكِنَّهُ يُقْتَلُ فَقَطْ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] . وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَرَادَ أَنْ يَنْهَى قَوْمًا مِنْ فُسَّاقِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ مُنْكَرٍ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ لَا يَمْتَنِعُونَ بِنَهْيِهِ، وَأَنَّهُمْ يَقْتُلُونَهُ، فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ لَهُ بِالْإِقْدَامِ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ الْعَزِيمَةُ. وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَرَخَّصَ بِالسُّكُوتِ؛ لِأَنَّ الْقَوْمَ هُنَاكَ يَعْتَقِدُونَ مَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ مُؤْثَرًا فِي بَاطِنِهِمْ. فَأَمَّا الْكُفَّارُ غَيْرُ مُعْتَقِدِينَ لِمَا يَدْعُوهُمْ إلَيْهِ، فَالشَّرْطُ أَنْ تَكُونَ حَمْلَتُهُ بِحَيْثُ تَنْكِي فِيهِمْ ظَاهِرًا فَإِذَا كَانَ لَا يَنْكِي لَا يَكُونُ مُفِيدًا فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ، فَلَا يَسَعُهُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>[بَابُ مَا يَجِبُ مِنْ طَاعَةِ الْوَالِي وَمَا لَا يَجِبُ]</span>\n٣٤ - بَابُ مَا يَجِبُ مِنْ طَاعَةِ الْوَالِي وَمَا لَا يَجِبُ ١٦٥ -[قَالَ:] وَإِذَا دَخَلَ الْعَسْكَرُ دَارَ الْحَرْبِ لِلْقِتَالِ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ ﷿ فَأَمَرَهُمْ أَمِيرُهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْحَرْبِ، فَإِنْ كَانَ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مَنْفَعَةٌ لَهُمْ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُطِيعُوهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] . وَالْمُرَادُ الْأُمَرَاءُ عِنْدَ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ، وَالْعُلَمَاءُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ. وَإِنَّمَا تَجِبُ طَاعَةُ الْعُلَمَاءِ فِيمَا يَأْمُرُونَ بِهِ لِأَنَّهُمْ يَأْمُرُونَهُمْ بِمَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلنَّاسِ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ.\nوَكَذَلِكَ إنْ أَمَرُوهُمْ بِشَيْءٍ لَا يَدْرُونَ أَيَنْتَفِعُونَ بِهِ أَمْ لَا، فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، لِأَنَّ فَرْضِيَّةَ الطَّاعَةِ ثَابِتَةٌ بِنَصٍّ مَقْطُوعٍ بِهِ. وَمَا تَرَدَّدَ لَهُمْ مِنْ الرَّأْيِ فِي أَنَّ مَا أُمِرَ بِهِ مُنْتَفَعٌ أَوْ غَيْرُ مُنْتَفَعٍ بِهِ لَا يَصْلُحُ مُعَارِضًا لِلنَّصِّ الْمَقْطُوعِ. .\n١٦٦ - وَقَدْ تَكُونُ طَاعَةُ الْأَمِيرِ فِي الْكَفِّ عَنْ الْقِتَالِ خَيْرًا مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْقِتَالِ. وَقَدْ يَكُونُ الظَّاهِرُ الَّذِي يَعْتَمِدُهُ (٤٨ آ) الْجُنْدُ يَدُلُّهُمْ عَلَى شَيْءٍ، وَالْأَمْرُ فِي الْحَقِيقَةِ بِخِلَافِ ذَلِكَ عِنْدَ الْأَمِيرِ، وَلَا يَرَى الصَّوَابَ فِي أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى مَا هُوَ الْحَقِيقَةُ عَامَّةُ الْجُنْدِ. فَلِهَذَا كَانَ عَلَيْهِمْ","vol":"1","page":165},{"text":"الطَّاعَةُ مَا لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِأَمْرٍ يَخَافُونَ فِيهِ الْهَلَكَةَ، وَعَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ رَأْيِ جَمَاعَتِهِمْ، لَا يَشُكُّونَ فِي ذَلِكَ. فَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَلَا طَاعَةَ لَهُ عَلَيْهِمْ لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» . وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ - ﵁ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - بَعَثَ سَرِيَّةً وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا. فَغَضِبَ عَلَيْهِمْ أَمِيرُهُمْ فَأَجَّجَ نَارًا وَقَالَ: قَدْ أُمِرْتُمْ بِطَاعَتِي فَاقْتَحِمُوهَا، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: نَدْخُلُهَا. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا نَدْخُلُهَا، فَإِنَّا أَسْلَمْنَا فِرَارًا مِنْ النَّارِ. فَلَمَّا رَجَعُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَخْبَرُوهُ بِذَلِكَ فَقَالَ: لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا أَبَدًا، فَإِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ لَا فِي الْمُنْكَرِ» . وَمَعْنَى قَوْلِهِ: \" مَا خَرَجُوا مِنْهَا \"، أَيْ يُنْقَلُونَ مِنْهَا إلَى نَارِ جَهَنَّمَ، ثُمَّ أَكْبَرُ الرَّأْيِ فِيمَا لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى حَقِيقَتِهِ بِمَنْزِلَةِ الْحَقِيقَةِ.\n١٦٧ - فَإِذَا كَانَ عِنْدَهُمْ أَنَّهُمْ لَوْ أَطَاعُوهُ هَلَكُوا، كَانَ أَمْرُهُ إيَّاهُمْ بِذَلِكَ قَصْدًا مِنْهُ إهْلَاكَهُمْ وَاسْتِخْفَافًا بِهِمْ. وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى الطَّاعَةَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف: ٥٤]\n١٦٨ - وَإِنْ كَانَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ الْأَمْرِ مُخْتَلِفِينَ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ فِيهِ الْهَلَكَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ فِيهِ النَّجَاةُ، فَلْيُطِيعُوا الْأَمِيرَ فِي ذَلِكَ. لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يُعَارِضُ النَّصَّ، وَلِأَنَّ الِامْتِنَاعَ مِنْ الطَّاعَةِ فَتْحُ لِسَانِ اللَّائِمَةِ عَلَيْهِمْ، وَفِي إظْهَارِ الطَّاعَةِ قَطْعُ ذَلِكَ عَنْهُمْ، فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُطِيعُوهُ","vol":"1","page":166},{"text":"١٦٩ - إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِأَمْرٍ ظَاهِرٍ لَا يَكَادُ يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ أَنَّهُ هَلَكَةٌ، أَوْ أَمَرَهُمْ بِمَعْصِيَةٍ، فَحِينَئِذٍ لَا طَاعَةَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ. وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَصْبِرُوا وَلَا يَخْرُجُوا عَلَى أَمِيرِهِمْ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ أَتَاهُ مِنْ أَمِيرِهِ مَا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ فَإِنَّ مَنْ خَالَفَ الْمُسْلِمِينَ قِيدَ شِبْرٍ ثُمَّ مَاتَ مَاتَ مِيتَةَ الْجَاهِلِيَّةِ» . .\n١٧٠ - وَاسْتَدَلَّ بِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - حِينَ فَتَحَ مَكَّةَ بَعَثَ خَالِدًا إلَى بَنِي جَذِيمَةَ فَقَاتَلَهُمْ بَعْدَ مَا سَمِعَ الْأَذَانَ مِنْهُمْ، وَبَعْدَ مَا وَضَعُوا السِّلَاحَ. فَأَمَرَ بِهِمْ فَأُسِرُوا، ثُمَّ قَالَ: لِيَقْتُلْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ أَسِيرَهُ، فَأَمَّا بَنُو سُلَيْمٍ فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَأَمَّا الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ فَخَلُّوا أَسْرَاهُمْ. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَبْرَأُ إلَيْك مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ. ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ أَرْسَلَ عَلِيًّا - ﵁ - فَوَدَى لَهُمْ مَا أَصَابَهُ خَالِدٌ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ. وَقَدْ مَدَحَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ عَلَى مَا صَنَعُوا مِنْ تَخْلِيَةِ سَبِيلِ الْأَسْرَى» .","vol":"1","page":167},{"text":"فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا طَاعَةَ لِلْأَمِيرِ عَلَى جُنْدِهِ فِيمَا هُوَ مَعْصِيَةٌ، وَلَا فِيمَا كَانَ وَجْهُ الْخَطَأِ فِيهِ بَيِّنًا. فَأَمَّا فِيمَا سِوَى (٤٨ ب) ذَلِكَ فَيَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ لِئَلَّا يَفْشَلُوا وَلَا يَتَنَازَعُوا كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ [الأنفال: ٤٦] .\n\n- قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَمِّرَ عَلَى الْجُنْدِ الْعَاقِلَ الْفَاضِلَ، الْعَالِمَ بِالْحَرْبِ، الرَّفِيقَ. قَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِيمَا تَقَدَّمَ. نَقُولُ: مَنْ يَكُونُ هَكَذَا فَهُوَ مَوْضِعٌ لِلْإِمَارَةِ، عَرَبِيًّا كَانَ أَوْ مَوْلًى أَوْ غَيْرَهُمْ لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَلَوْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ مُجَدَّعٌ مَا أَقَامَ فِيكُمْ كِتَابَ اللَّهِ ﷿» .\nوَفِيهِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ -، قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «عَلَيْكُمْ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِكُلِّ مَنْ يُؤَمَّرُ عَلَيْكُمْ مَا لَمْ يَأْمُرْكُمْ بِالْمُنْكَرِ، فَفِي الْمُنْكَرِ لَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ» .\n\n- قَالَ: وَإِذَا نَادَى الْأَمِيرُ أَنْ يَكُونَ فُلَانٌ وَجُنْدُهُ فِي الْمَيْمَنَةِ، وَفُلَانٌ وَجُنْدُهُ فِي الْمُقَدِّمَةِ، وَفُلَانٌ وَجُنْدُهُ فِي الْمَيْسَرَةِ، وَفُلَانٌ وَجُنْدُهُ فِي السَّاقَةِ، فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدِ أَنْ يَتْرُكَ الْمَوْضِعَ الَّذِي أَمَرَهُ بِالْكَوْنِ فِيهِ. لِأَنَّ هَذَا مِنْ التَّدْبِيرِ الْحَسَنِ فِي أَمْرِ الْحَرْبِ، فَإِنَّمَا تَظْهَرُ فَائِدَتُهُ بِالطَّاعَةِ.\n١٧٣ - فَإِنْ عَصَاهُ عَاصٍ فَلْيَتَقَدَّمْ إلَيْهِ الْأَمِيرُ","vol":"1","page":168},{"text":"يَعْنِي لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعَاقِبَهُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ هَذِهِ عَثْرَةٌ مِنْهُ - وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ»، وَلَكِنْ يَتَقَدَّمُ إلَيْهِ وَإِلَى الْجُنْدِ جَمِيعًا أَنَّهُ يُؤَدِّبُ مَنْ خَالَفَ أَمْرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إنْذَارًا مِنْهُ. قَالَ - ﷺ -: «قَدْ أَعْذَرَ مَنْ أَنْذَرَ» . وَبَيَانُ هَذَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ [ق: ٢٨]، فَإِنْ عَصَاهُ عَاصٍ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَمَا أَحْسَنَ أَدَبَهُ فِي ذَلِكَ لِيَكُونَ ذَلِكَ فِطَامًا لَهُ وَزَجْرًا لِغَيْرِهِ عَنْ إسَاءَةِ الْأَدَبِ لِمُخَالِفَةِ أَمْرِهِ، فَإِنَّ امْتِنَاعَ النَّاسِ مِمَّا لَا يَحِلُّ لِمَخَافَةِ الْعُقُوبَةِ أَكْثَرُ مِنْ امْتِنَاعِهِمْ خَوْفًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى. وَبِهِ وَرَدَ الْأَثَرُ، «إنَّ اللَّهَ يَزَعُ بِالسُّلْطَانِ فَوْقَ مَا يَزَعُ بِالْقُرْآنِ» . .\n١٧٤ - وَإِنْ ادَّعَى عُذْرًا يُعْتَذَرُ بِهِ وَحَلَفَ عَلَى ذَلِكَ فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِخَبَرٍ مُحْتَمِلٍ لِلصِّدْقِ، وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِيَمِينِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُفَّ عَنْهُ إذْ لَيْسَ هَا هُنَا خَصْمٌ يُنَازِعُهُ فِي ذَلِكَ. وَإِنَّمَا لَا يُجْعَلُ الْيَمِينُ فِي جَانِبِ الْمُدَّعِي فِي الْخُصُومَاتِ، لِأَنَّ الْخَصْمَ يُنَازِعُهُ فِي ذَلِكَ. وَالشَّرْعُ جَعَلَ الْيَمِينَ فِي جَانِبِ الْمُنْكِرِ دُونَ الْمُدَّعِي.\n\n- وَإِذَا نَادَى مُنَادٍ الْأَمِيرِ أَنَّ السَّاقَةَ غَدًا عَلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ فَلَا يَتَخَلَّفَن رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الدِّيوَانِ وَلَا مِنْ الْمُطَوَّعَةِ. لِأَنَّهُمْ جَمِيعًا رَعِيَّتُهُ حِينَ خَرَجُوا لِلْجِهَادِ تَحْتَ رَايَتِهِ، فَعَلَيْهِمْ طَاعَتُهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ إذَا نَادَى بِهَذَا يُرِيدُ بِهِ أَهْلَ الدِّيوَانِ خَاصَّةً، فَحِينَئِذٍ الثَّابِتُ بِالْعُرْفِ كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ.","vol":"1","page":169},{"text":"وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ دِيوَانُهُ مَعَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَهُوَ مَعَ أَهْلِ دِيوَانِهِ وَلَيْسَ مَعَ أَهْلِ بَلَدِهِ. لِأَنَّ أَمْرَهُ رَاجِعٌ إلَى الْجِهَادِ، وَفِي الْجِهَادِ إنَّمَا يَجْمَعُهُمْ الدِّيوَانُ لَا الْبَلْدَةُ وَلِأَنَّ مُرَادَهُ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ أَنْ يَنْضَمَّ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ فِي التَّنَاصُرِ، وَتَنَاصَرُ أَهْلُ الدِّيوَانِ بِالدِّيوَانِ (٤٩ آ) وَلِهَذَا يَتَعَاقَلُونَ بِهِ.\n١٧٦ - وَلَوْ نَادَى الْمُنَادِي: السَّاقَةُ غَدًا عَلَى أَصْحَابِ الْخَيْلِ، فَهُوَ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا. وَيَنْبَغِي لِأَصْحَابِ الْبَرَاذِينِ أَنْ يَكُونُوا مَعَ أَصْحَابِ الْعِرَابِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ كُلَّهَا مِنْ الْخَيْلِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾ [النحل: ٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] .\nوَلَمَّا سُئِلَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ صَدَقَةِ الْبَرَاذِينِ قَالَ: أَوَ فِي الْخَيْلِ صَدَقَةٌ؟ فَأَصْحَابُ الْبَرَاذِينِ فِي ذَلِكَ مَعَ أَصْحَابِ الْعِرَابِ.\nإلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَعْرُوفُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ إذَا نَادَوْا بِذَلِكَ يُرِيدُونَ أَصْحَابَ الْعِرَابِ خَاصَّةً، لِأَنَّهَا أَسْرَعُ فِي الطَّلَبِ وَالْحَرْبِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْأَمْرُ عَلَى مَا أَرَادَ، لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْعُرْفِ كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ.\n١٧٧ - وَإِنْ قَالَ: الْمَيْمَنَةُ غَدًا عَلَى أَهْلِ الْمِصِّيصَةِ، فَكَانَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلُ الْكُوفَةِ سَكَنَ الْمِصِّيصَةَ فَإِنْ كَانَ اتَّخَذَهَا مَنْزِلًا، فَهُوَ مِنْ الْمِصِّيصَةِ؛ لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «مَنْ تَأَهَّلَ بِبَلْدَةٍ فَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا» .","vol":"1","page":170},{"text":"وَلِأَنَّ مَنْ يَكُونُ سَاكِنًا فِي بِلِدَةٍ مُقِيمًا بِهَا يُعَدُّ فِي النَّاسِ مِنْ أَهْلِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّا إذَا عَدَدْنَا فُقَهَاءَ الْكُوفَةِ ذَكَرْنَا فِي جُمْلَتِهِمْ النَّخَعِيّ وَالشَّعْبِيُّ وَأَبَا حَنِيفَةَ - ﵃ -، وَهُمْ مَا كَانُوا مِنْ الْكُوفَةِ فِي الْأَصْلِ وَلَكِنَّهُمْ سَكَنُوهَا. وَإِنْ كَانَ لَمْ يَتَّخِذْ الْمِصِّيصَةَ مَسْكَنًا فَلَا يَدْخُلُ فِي هَذَا النِّدَاءِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ دِيوَانُهُ مَعَ أَهْلِ الْمِصِّيصَةِ فَحِينَئِذٍ يَتَنَاوَلُهُ النِّدَاءُ بِاعْتِبَارِ انْضِمَامِهِ إلَى أَهْلِ الْمِصِّيصَةِ فِي الدِّيوَان.\n\n- فَإِنْ كَانَ شَدَّ الْعَدُوُّ إلَى السَّاقَةِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُعِينَهُمْ أَهْلُ الْمَيْمَنَةِ وَالْمَيْسَرَةِ إذَا خَافُوا عَلَيْهِمْ. لِأَنَّهُمْ تَوَاعَدُوا النُّصْرَةَ حِينَ اجْتَمَعُوا عَلَى مُحَارَبَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَمَنْ لَا يُعِينُ غَيْرَهُ لَا يُعِينُهُ غَيْرُهُ عِنْدَ حَاجَتِهِ. وَفِي تَرْكِ التَّعَاوُنِ ظُهُورُ الْعَدُوِّ عَلَيْهِمْ.\nفَإِذَا ظَهَرَ الْعَدُوِّ عَلَى السَّاقَةِ يَقْصِدُونَ أَهْلَ الْمَيْمَنَةِ وَالْمَيْسَرَةِ مِنْ ذَلِكَ الْجَانِبِ، فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَدْفَعُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ بِالدَّفْعِ عَنْ إخْوَانِهِمْ\n١٧٩ - قَالَ: فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يُخِلُّ بِمَرَاكِزِهِمْ، فَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا. لِأَنَّ الْإِمَامَ فَوَّضَ إلَيْهِمْ حِفْظَ ذَلِكَ عَيْنًا، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ تَضْيِيعُ ذَلِكَ وَالِاشْتِغَالُ بِحِفْظِ مَا هُوَ مُفَوَّضٌ إلَى غَيْرِهِمْ.","vol":"1","page":171},{"text":"- وَإِنْ أَمَرَهُمْ الْإِمَامُ أَنْ لَا يَبْرَحُوا مِنْ مَرَاكِزِهِمْ وَنَهَى عَنْ أَنْ يُعِينَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَعْصُوهُ، وَإِنْ أَمِنُوا مِنْ نَاحِيَتِهِمْ وَخَافُوا عَلَى غَيْرِهِمْ. لِأَنَّ طَاعَةَ الْإِمَامِ فَرْضٌ عَلَيْهِمْ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ، وَمَا يَخَافُونَهُ مَوْهُومٌ، عَلَى مَا قِيلَ: أَكْثَرُ مَا يُخَافُ لَا يَكُونُ.\n١٨١ - وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَمَرَ الرُّمَاةَ يَوْمَ أُحُدٍ أَنْ يَقُومُوا بِمَوْضِعٍ وَلَا يَبْرَحُوا مِنْ مَرَاكِزِهِمْ، فَلَمَّا نَظَّرُوا إلَى الْمُشْرِكِينَ، وَقَدْ انْهَزَمُوا، ذَهَبُوا يَطْلُبُونَ الْغَنِيمَةَ. فَكَانَتْ هَزِيمَةُ الْمُسْلِمِينَ فِي نَاحِيَتِهِمْ» . كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إذَا فَشِلْتُمْ، وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ، وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] .\n\n- قَالَ وَإِنْ خَرَجَ عِلْجٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ يَدْعُو إلَى الْبِرَازِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ إلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَأْذِنَ مِنْ الْإِمَامِ (٤٩ ب) فِي ذَلِكَ. لِأَنَّ دَلَالَةَ الْإِذْنِ فِي الْمُبَارِزَةِ كَصَرِيحِ الْإِذْنِ، وَتَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ كَانَ لِلْقِتَالِ فَذَلِكَ دَلَالَةُ الْإِذْنِ فِي الْمُبَارِزَةِ مَا لَمْ يَنْهَهُمْ، فَإِنْ نَهَاهُمْ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا.","vol":"1","page":172},{"text":"لِأَنَّ الدَّلَالَةَ يَسْقُطُ اعْتِبَارُهَا عِنْدَ التَّصْرِيحِ بِخِلَافِهَا، كَمُقَدِّمِ الْمَائِدَةِ بَيْنَ يَدَيْ الْغَيْرِ إذَا نَهَاهُ عَنْ الْأَكْلِ. وَقَدْ رَوَيْنَا «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ الْقِتَالِ فِي بَعْضِ أَيَّامِ خَيْبَرَ فَقَاتَلَ رَجُلٌ فَقُتِلَ، فَقَالَ - ﷺ -: لَا تَحِلُّ الْجَنَّةُ لِعَاصٍ» .\n١٨٣ - وَكَذَلِكَ إنْ نَهَى إنْسَانًا بِعَيْنِهِ، فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَخْرُجَ لِاحْتِمَالِ النَّظَرِ فِي نَهْيِ الْإِمَامِ لَهُ، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ غَيْرُهُ لِبَقَاءِ دَلِيلِ الْإِذْنِ فِي حَقِّهِ.\nوَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «أَنَّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ خَرَجُوا يَوْمَ بَدْرٍ يَدْعُونَ إلَى الْبِرَازِ. فَخَرَجَ إلَيْهِمْ ثَلَاثَةٌ مِنْ فَتَيَانِ الْأَنْصَارِ، فَقَالُوا لَهُمْ: انْتَسَبُوا، فَقَالُوا: أَنْتُمْ أَبْنَاءُ قَوْمٍ كِرَامٍ، وَلَكِنَّا نُرِيدُ أَكْفَاءَنَا مِنْ قُرَيْشٍ، فَأَرْجِعُوا إلَى مُحَمَّدٍ وَقُولُوا لَهُ: أَخْرِجْ إلَيْنَا أَكْفَاءَنَا» . هَكَذَا ذُكِرَ فِي الْمَغَازِي. وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْخُرُوجِ قَبْلَ نَهْيِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ. وَرَوَى مُحَمَّدٌ - ﵀ - هَذِهِ الْقِصَّةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ:\n١٨٤ - فَقَالَ: «فَرَدَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - حِينَ خَرَجُوا","vol":"1","page":173},{"text":"وَأَحَبَّ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ الْقِتَالِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَأَمَرَ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَعُبَيْدَةَ بْنَ الْحَارِثِ فَخَرَجُوا إلَيْهِمْ» . وَفِي ذَلِكَ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] .\n١٨٥ - فَإِذَا تَبَارَزَ الْمُسْلِمُ وَالْمُشْرِكُ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُعِينَ الْمُسْلِمُونَ صَاحِبَهُمْ إنْ قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكَ قَاصِدٌ إلَى قَتْلِهِمْ كَمَا هُوَ قَاصِدٌ إلَى قَتْلِ صَاحِبِهِمْ لَوْ تَمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ. فَلَهُمْ أَنْ يَدْفَعُوا شَرَّهُ، لَوْ لَمْ يَكُنْ قَاصِدًا إلَيْهِمْ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَقْتُلُوهُ لِكَوْنِهِ مُشْرِكًا مُحَارِبًا.\nوَفِي قِصَّةِ الْمُبَارِزِينَ يَوْمَ بَدْرٍ ذُكِرَ «أَنَّ عَلِيًّا - ﵁ - قَتَلَ الْوَلِيدَ، وَحَمْزَةَ قَتَلَ عُتْبَةَ، وَاخْتَلَفَ عُبَيْدَةُ وَشَيْبَةُ ضَرْبَتَيْنِ، فَأَعَانَ عَلِيٌّ وَحَمْزَةُ - ﵄ - عُبَيْدَةَ عَلَى شَيْبَةَ حَتَّى قَتَلَاهُ» فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ.\n\n- وَلَا بَأْسَ بِأَنْ تَخْرُجَ الْجَمَاعَةُ الْمُمْتَنِعَةُ إلَى الْعَلَّافَةِ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَالِي فَيَتَعَلَّفُونَ ثُمَّ يَرْجِعُونَ بِهِ.","vol":"1","page":174},{"text":"لِوُجُودِ دَلَالَةِ الْإِذْنِ، فَإِنَّ الْإِمَامَ جَرَّهُمْ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ إلَى الْعَلَفِ، وَأَنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ اسْتِصْحَابُ الْعَلَفِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَا يَجِدُونَ فِي دَارِ الْحَرْبِ مَنْ يَشْتَرُونَهُ مِنْهُ، وَلِأَنَّهُ أَذِنَ لَهُمْ فِيمَا فِيهِ كَبْتٌ وَغَيْظٌ لِلْعَدُوِّ. وَفِي أَخْذِ الْعُلُوفَةِ مِنْهُمْ تَحْقِيقُ هَذَا الْمَعْنَى، إلَّا أَنَّهُمْ لَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِمَنَعَةٍ. فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجُوا إذَا كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ. وَلَا يَتَفَرَّقُونَ إلَّا بِحَيْثُ يُغِيثُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. لِأَنَّهُمْ إذَا تَفَرَّقُوا وَبَعُدَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَسْتَغِيثَ بِهِ إذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ (٥٠ آ) كَانَ مُعَرِّضًا نَفْسَهُ لِأَجْلِ الْمَالِ، فَإِنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَجْتَمِعَ عَلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَيَقْتُلُوهُ.\n١٨٧ - كَمَا لَا يَحِلُّ لِلْوَاحِدِ وَالْمُثَنَّى أَنْ يَخْرُجَ ابْتِدَاءً خَوْفًا مِنْ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بِالْقُرْبِ مِنْ الْعَسْكَرِ عَلَى وَجْهٍ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَنْ يَسْتَغِيثَ بِهِمْ إذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ. فَكَذَلِكَ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَتَفَرَّقُوا إلَّا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ.\n١٨٨ - وَإِنْ نَادَى مُنَادِي الْأَمِيرِ بِالنَّهْيِ عَنْ الْخُرُوجِ لِلْعَلَّافَةِ، فَلَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ مَنَعَةٍ وَلَا لِغَيْرِهِمْ أَنْ يَخْرُجُوا؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْإِذْنِ تَنْعَدِمُ بِصَرِيحِ النَّهْيِ، وَرُبَّمَا يَكُونُ النَّظَرُ فِي هَذَا النَّهْيِ، إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَبْعَثَ لِذَلِكَ قَوْمًا.","vol":"1","page":175},{"text":"١٨٩ - وَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا لِتَتَّفِقَ كَلِمَتُهُمْ وَيَتَمَكَّنُوا مِنْ الْمُحَارَبَةِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ إنْ اُبْتُلُوا بِذَلِكَ.\n١٩٠ - وَكَذَلِكَ إنْ خَرَجُوا مُتَفَرِّقِينَ قَبْلَ نَهْيِ الْإِمَامِ، فَهَجَمَ عَلَيْهِمْ الْعَدُوُّ، فَيَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَجْتَمِعُوا وَيُؤَمِّرُوا عَلَيْهِمْ أَمِيرًا ثُمَّ يُقَاتِلُوا حَتَّى يَلْتَحِقُوا بِالْعَسْكَرِ؛ لِأَنَّ حَاجَةَ الْجَيْشِ إلَى ذَلِكَ مَاسَةٌ، وَالْإِمَامُ نَاظِرٌ لَهُمْ. فَإِنَّمَا يَتِمُّ النَّظَرُ مِنْهُ إذَا بَعَثَ لِذَلِكَ قَوْمًا لِقَوْلِهِ - ﷺ - فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَا: «هَلْ أَمَّرْتُمَا؟ قَالَا: نَعَمْ، فَقَالَ: أَلَا قَدْ رَشَدْتُمَا» .\nوَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمُسَافِرِينَ يُسْتَحَبُّ لَهُمْ أَنْ يُؤَمِّرُوا عَلَيْهِمْ أَمِيرًا، فَمَا ظَنَّكَ فِي الْمُحَارَبِينَ؟ .\n١٩١ - وَبَعْدَ مَا نَهَى الْوَالِي النَّاسَ عَنْ الْخُرُوجِ إذَا أَصَابَهُمْ ضَرُورَةٌ مِنْ الْعَلَفِ، وَخَافُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَوْ عَلَى ظُهُورِهِمْ وَلَمْ يَجِدُوا مَا يَشْتَرُونَ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجُوا فِي طَلَبِ الْعَلَفِ؛ لِأَنَّ مَوْضِعَ الضَّرُورَةِ مُسْتَثْنًى عَنْ مُوجَبِ الْأَمْرِ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إلَّا مَا اُضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]","vol":"1","page":176},{"text":"١٩٢ - وَإِنْ قَالَ الْوَالِي: لَا يَخْرُجَنَّ أَحَدٌ إلَى الْعَلَفِ إلَّا تَحْتَ لِوَاءِ فُلَانٍ، فَيَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُرَاعُوا شَرْطَهُ، فَيَخْرُجُوا تَحْتَ لِوَائِهِ فَإِذَا أَتَوْا الْقُرَى فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَفَرَّقُوا فِيهَا لِطَلَبِ الْعَلَفِ عَلَى وَجْهٍ يُغِيثُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إذَا احْتَاجُوا إلَيْهِ، فَإِذَا أَتَاهُمْ الْعَدُوُّ فَلْيَنْضَمُّوا إلَى صَاحِبِ اللِّوَاءِ حَتَّى يُقَاتِلُوا تَحْتَ لِوَائِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُ اللِّوَاءِ بِحَضْرَتِهِمْ فَلْيُؤَمِّرُوا عَلَيْهِمْ أَمِيرًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَتَحَرَّزُوا عَنْ إلْقَاءِ النَّفْسِ فِي التَّهْلُكَةِ بِأَقْصَى مَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] .\n١٩٣ - وَلَا يَنْبَغِي بَعْدَ مَا خَرَجُوا أَنْ يُفَارِقُوا صَاحِبَ اللِّوَاءِ، إلَّا حَيْثُ يُمْكِنُهُمْ أَنْ يُغِيثَهُمْ إذَا اسْتَغَاثُوا؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ مَقْصُودَ الْإِمَامِ مِنْ قَوْلِهِ: \" لَا يَخْرُجُوا إلَّا تَحْتَ لِوَاءِ فُلَانٍ \" لَيْسَ الْخُرُوجُ فَقَطْ، وَلَكِنَّ مُرَادَهُ: كُونُوا تَحْتَ لِوَائِهِ إلَى أَنْ تَرْجِعُوا. وَمَنْ يُرَاعِ أَمْرَهُ فِي شَيْءٍ يُرَاعِ صِفَةَ أَمْرِهِ.\n١٩٤ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ مُنَادِي الْأَمِيرِ: مَنْ أَرَادَ الْعَلَفَ فَلْيَخْرُجْ تَحْتَ لِوَاءِ فُلَانٍ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ نَهْيٌ وَلَا أَمْرٌ غَيْرُ هَذَا، فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ النَّهْيِ. وَقَدْ (٥٠ ب) بَيَّنَّا أَنَّهُ بَنَى هَذَا الْكِتَابِ عَلَى أَنَّ الْمَفْهُومَ حُجَّةٌ، وَظَاهِرُ","vol":"1","page":177},{"text":"الْمَذْهَبِ عِنْدَنَا أَنَّ الْمَفْهُومَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، مَفْهُومُ الصِّفَةِ وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. وَلَكِنَّهُ اعْتَبَرَ الْمَقْصُودَ الَّذِي يَفْهَمُهُ أَكْثَرُ النَّاسِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، لِأَنَّ الْغُزَاةَ فِي الْعَامِ الْغَالِبِ لَا يَقِفُونَ عَلَى حَقَائِقِ الْعُلُومِ وَأَنَّ أَمِيرَهُمْ بِهَذَا اللَّفْظِ إنَّمَا يَقْصِدُ نَهْيَ النَّاسِ عَنْ الْخُرُوجِ إلَّا تَحْتَ لِوَاءِ فُلَانٍ، فَجَعَلَ النَّهْيَ الْمَعْلُومَ بِدَلَالَةِ كَلَامِهِ كَالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَتَمَامُ بَيَانِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْأُصُولِ.\n\n- قَالَ: وَلَا أُحِبُّ إذَا انْتَهَوْا إلَى الْقُرَى أَنْ يَدْخُلَ الْقَرْيَةَ الرَّجُلُ الْوَاحِدُ، لَعَلَّ فِيهَا قَوْمًا مُخْتَفِينَ فَيَقْتُلُونَهُ، وَلَكِنْ يَدْخُلُ عَدَدٌ الْقَرْيَةَ مُتَأَهِّبِينَ لِلْقِتَالِ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا أَحَدٌ أَعْلَمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوْ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: ٧١] .\n١٩٦ - وَإِنْ نَهَى الْأَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَقْطَعُوا الشَّجَرَ أَوْ يَهْدِمُوا الْأَبْنِيَةَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَعْصُوهُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا النَّهْيِ احْتِمَالَ مَعْنَى النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ. وَهَذَا الْمَنْعُ مِنْ أَمْرِ الْحَرْبِ. وَلَوْ نَهَاهُمْ عَنْ الْقِتَالِ كَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَعْصُوهُ مَا لَمْ يَأْتِ ضَرُورَةٌ أَوْ مَعْصِيَةٌ، فَكَذَلِكَ إذَا نَهَاهُمْ عَنْ هَذِهِ الْخِصَالِ.","vol":"1","page":178},{"text":"- وَلَوْ عَقَدَ الْأَمِيرُ لِوَاءَ الرَّجُلِ وَقَالَ: لَا يَخْرُجَنَّ مَعَهُ إلَّا ثَلَاثُ مِائَةٍ، فَيَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، فَلَا يَخْرُجُ إلَّا الْعَدَدُ الَّذِي قَالَ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ الْمُقَيَّدَ بِالِاسْتِثْنَاءِ يَكُونُ عِبَارَةً عَنْ مَا وَرَاءَ الْمُسْتَثْنَى، فَيَكُونُ هَذَا تَصْرِيحًا بِالنَّهْيِ عَنْ الزِّيَادَةِ عَنْ الْعَدَدِ الْمُسْتَثْنَى.\n١٩٨ - وَلَوْ صَرَّحَ لَهُمْ بِالنَّهْيِ مُطْلَقًا لَمْ يَحِلَّ لَهُمْ عِصْيَانُهُ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا:.\n١٩٩ - فَإِنْ خَرَجُوا أَرْبَعَ مِائَةٍ فَأَصَابُوا غَنَائِمَ لَمْ يُحْرَمُوا الْغَنِيمَةَ مَعَ أَهْلِ الْعَسْكَرِ. وَإِنْ كَانُوا قَدْ أَسَاءُوا، لِأَنَّهُمْ مُجَاهِدُونَ قَاصِدُونَ إعْلَاءَ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِعْزَازَ الدِّينِ. فَمُخَالَفَتُهُمْ أَمْرَ الْأَمِيرِ لَا يَكُونُ أَكْثَرَ تَأْثِيرًا مِنْ مُخَالِفَتِهِمْ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى بِارْتِكَابِ مَا لَا يَحِلُّ، فَكَمَا أَنَّ ذَلِكَ لَا يُخْرِجُهُمْ مِنْ أَنْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ فَهَذَا لَا يُخْرِجُهُمْ مِنْ أَنْ يَكُونُوا غُزَاةً، كَيْفَ وَهَذَا النَّهْيُ بِمَعْنًى فِي غَيْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، فَإِنَّهُ مَا نَهَاهُمْ عَنْ الْخُرُوجِ لِعَيْنِ الْخُرُوجِ أَوْ الْقِتَالِ أَوْ الِاغْتِنَامِ، وَلَكِنْ لِلْإِشْفَاقِ عَلَيْهِمْ.\n٢٠٠ - فَإِنْ كَانَ قَدْ نَفَلَهُمْ الرُّبْعَ بَعْدَ الْخُمْسِ فَخَرَجُوا فَأَصَابُوا غَنَائِمَ، فَإِنْ كَانَتْ الثَّلَاثُ مِائَةٍ الَّذِينَ أَمَرَهُمْ بِالْخُرُوجِ قَوْمًا مُسَمِّينَ بِأَعْيَانِهِمْ مَيَّزَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْغَنِيمَةِ، فَأَعْطَى أُولَئِكَ مِنْهَا نَفْلَهُمْ. هَكَذَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَهُوَ غَلَطٌ. وَلَكِنَّ الصَّوَابَ مَا ذَكَرَهُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَنَّهُ يَعْزِلُ الْخُمْسَ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَرْبَاعِ، ثُمَّ يُعْطِيهِمْ مِنْ رُبْعِ","vol":"1","page":179},{"text":"مَا بَقِيَ نَفْلَهُمْ؛ لِأَنَّهُ هَكَذَا شَرَطَ لَهُمْ الرُّبْعَ بَعْدَ الْخُمْسِ. وَمُرَادُهُ مِمَّا يُصِيبُونَ، وَمُصَابُهُمْ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْغَنِيمَةِ.\n٢٠١ - وَذَكَرَ بَعْدَ هَذَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَقَالَ: يُقَسَّمُ مَا جَاءُوا بِهِ (٥١ آ) بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْخَيْلِ وَالرَّجَّالَةِ، ثُمَّ يَنْظُرُ إلَى مَا أَصَابَ الثَّلَاثُ مِائَةٍ فَيُخْرِجُ الْخُمْسَ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ يُعْطِيهِمْ نَفْلَهُمْ مِمَّا بَقِيَ. وَوَجْهُ التَّوْفِيقِ أَنَّهُ وَضَعَ الْمَسْأَلَةَ هُنَاكَ فِيمَا إذَا كَانَ بَعْضُهُمْ فَارِسًا وَبَعْضُهُمْ رَاجِلًا. وَهَا هُنَا وَضَعَ الْمَسْأَلَةَ فِيمَا إذَا كَانُوا فُرْسَانًا كُلُّهُمْ أَوْ رَجَّالَةً كُلُّهُمْ، فَلِهَذَا مَيَّزَ لَهُمْ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْغَنِيمَةِ؛ لِيُعْطِيَ مِنْهَا نَفْلَهُمْ.\nوَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: يُرْفَعُ الْخُمْسُ فِي جَمِيعِ الْمُصَابِ أَوَّلًا ثُمَّ يَنْظُرُ إلَى ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الْغَنِيمَةِ فَيُعْطِيهِمْ مِنْ ذَلِكَ نَفْلَهُمْ. فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ كَرَّرَ ذِكْرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ فِي هَذَا الْكِتَابِ.\nوَأَجَابَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ بِجَوَابٍ آخَرَ، فَنَذْكُرُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مَا هُوَ صَوَابٌ مِنْ الْجَوَابِ وَمَا هُوَ غَلَطٌ إذَا انْتَهَيْنَا إلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ: ثُمَّ نَظَرَ إلَى الرُّبْعِ الْبَاقِي فَعَزَلَ خَمْسُهُ ثُمَّ جَمَعَ مَا بَقِيَ مِنْهُ إلَى مَا بَقِيَ مِنْ الثَّلَاثَةِ الْأَرْبَاعِ، فَجَعَلَ ذَلِكَ مَعَ غَنَائِمِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ يُقَسِّمُهَا بَيْنَهُمْ جَمِيعًا عَلَى قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يَذْكُرُ:","vol":"1","page":180},{"text":"أَنَّهُ لَا يُخَمِّسُ هَذَا الرُّبْعَ، فَكَأَنَّهُ بَنَى ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمِائَةَ الْعُصَاةَ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَلَصِّصِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِغَيْرِ إذْن الْإِمَامِ، فَلَا يُخَمِّسُ مَا أَصَابُوا، وَهُوَ غَلَطٌ فَإِنَّهُ إنَّمَا لَا يُخَمَّسُ مُصَابُ الْمُتَلَصِّصِينَ إذَا لَمْ يَكُونُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ. وَهَؤُلَاءِ كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ بِالِانْضِمَامِ إلَى الثَّلَاثِ مِائَةٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُخَمِّسَ مَا أَصَابُوا.\n٢٠٢ - وَإِنْ كَانَتْ الثَّلَاثُ مِائَةٍ لَيْسُوا قَوْمًا بِأَعْيَانِهِمْ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَإِنَّ الْإِمَامَ يَنْظُرُ إلَى ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الْغَنِيمَةِ فَيُخْرِجُ مِنْهَا الْخُمْسَ ثُمَّ يَنْظُرُ إلَى رُبْعِ مَا بَقِيَ فَيُقَسِّمُ بَيْنَ الْأَرْبَعِ مِائَةٍ بِالسَّوِيَّةِ نَفْلًا لَهُمْ. لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِالتَّنْفِيلِ يَثْبُتُ لِثَلَاثِ مِائَةٍ مِنْهُمْ، وَلَيْسَ بَعْضُهُمْ أَوْلَى مِنْ الْبَعْضِ. فَلَا بُدَّ مِنْ قِسْمَةِ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ، لِاسْتِوَائِهِمْ فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ، ثُمَّ يُخْرِجُ الْخُمْسَ مِنْ الرُّبْعِ الْبَاقِي وَيَجْمَعُ مَا بَقِيَ مِنْهُ إلَى مَا بَقِيَ مِنْ الثَّلَاثَةِ الْأَرْبَاعِ فَيُقَسِّمُهَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ جَمِيعِ الْعَسْكَرِ عَلَى سِهَامِ الْخَيْلِ وَالرَّجَّالَةِ، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ بَيْنَ الْغَانِمِينَ.\n٢٠٣ - فَإِنْ كَانَتْ الْمِائَةُ الْعُصَاةُ بِأَعْيَانِهِمْ فَرَأَى الْأَمِيرُ أَنْ يَحْرِمَهُمْ سَهْمَهُمْ مِمَّا أَصَابُوا، فَقَسَّمَ مَا بَقِيَ بَيْنَ الثَّلَاثِ مِائَةٍ وَأَهْلِ الْعَسْكَرِ وَحَرَمَ الْعُصَاةَ، ثُمَّ وَلِيَ آخَرُ يَرَى مَا صَنَعَ الْأَوَّلُ جَوْرًا أَمْضَى صَنِيعَهُ ذَلِكَ وَلَمْ يَرُدَّهُ؛ لِأَنَّهُ أَمْضَى بِاجْتِهَادِهِ فِعْلًا مُخْتَلَفًا فِيهِ، فَإِنَّ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ يُحْرَمُ الْعُصَاةُ حَظَّهُمْ مِمَّا أَصَابُوا لِيَكُونَ زَجْرًا وَفِطَامًا لَهُمْ عَنْ الْعَوْدِ إلَى مِثْلِهِ، وَرَدُّوا ذَلِكَ إلَى حِرْمَانِ الْقَاتِلِ الْمِيرَاثَ بِسَبَبِ جِنَايَتِهِ. وَبَيَانُ هَذَا يَأْتِي فِي بَابِ إحْرَاقِ","vol":"1","page":181},{"text":"رَحْلِ الْغَالِّ. وَقَضَاءُ الْقَاضِي فِي الْمُجْتَهَدَاتِ يَكُونُ نَافِذًا لَا يُرَدُّ، فَلِهَذَا قَالَ: لَا يَرُدُّ الثَّانِي مَا صَنَعَ الْأَوَّلُ.\n\n- قَالَ: وَلَا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْجِهَادِ وَلَهُ أَبٌ أَوْ أُمٌّ إلَّا بِإِذْنِهِ؛ لِأَنَّ بِرَّهُمَا وَاجِبٌ، وَالتَّحَرُّزَ عَنْ عُقُوقِهِمَا فَرْضٌ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ. قَالَ - ﷺ -: «لِيَعْمَلْ الْبَارُّ مَا شَاءَ فَلَنْ يَدْخُلَ النَّارَ وَلْيَعْمَلْ الْعَاقُّ مَا شَاءَ فَلَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ» (٥١ ب) . وَقَالَ - ﵇ -: «مَنْ أَصْبَحَ وَوَالِدَاهُ رَاضِيَانِ عَنْهُ فَلَهُ بَابَانِ مَفْتُوحَانِ إلَى الْجَنَّةِ»، فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسُدَّ هَذَا الْبَابَ بِالْخُرُوجِ بِغَيْرِ إذْنِهِمَا، وَهُوَ لَا يَدْرِي أَنَّهُ هَلْ يَنْتَفِعُ بِخُرُوجِهِ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ أَوْ لَا يَنْتَفِعُ.\n٢٠٥ - وَذُكِرَ عَنْ «ابْنِ عَبَّاسٍ بْنِ مِرْدَاسٍ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُرِيدُ الْجِهَادَ قَالَ: أَلَك أُمٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: الْزَمْ أُمَّكَ فَإِنَّ الْجَنَّةَ عِنْدَ رِجْلِ أُمِّكَ» .\nوَتَفْرِيعُ الْمَسَائِلِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ فِي بَابٍ بَعْدَ هَذَا، فَيُؤَخَّرُ بَعْضُ الْكَلَامِ فِيهِ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ.\n٢٠٦ - وَذُكِرَ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: سَأَلْت جَابِرًا أَيُقَاتِلُ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ؟ قَالَ: لَا","vol":"1","page":182},{"text":"وَبِهِ نَأْخُذُ. لِأَنَّ مَنَافِعَهُ مِلْكُ الْمَوْلَى، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفَوِّتَهَا عَلَيْهِ بِالِاشْتِغَالِ بِالْقِتَالِ. وَمَالِيَّتَهُ مِلْكُ الْمَوْلَى، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعَرِّضَهَا لِلتَّلَفِ بِالْقِتَالِ؛ إلَّا أَنْ يَجِيءَ حَالَ ضَرُورَةِ الْمُسْلِمِينَ إلَيْهِ، بِأَنْ وَقَعَ النَّفِيرُ عَامًّا، فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ أَنْ يَخْرُجَ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ مَوْضِعَ الضَّرُورَةِ مُسْتَثْنًى مِنْ لُزُومِ الطَّاعَةِ شَرْعًا، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَوْلَى فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ أَنْ يَمْنَعَهُ، بَلْ يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ دَفْعُ شَرِّ الْمُشْرِكِينَ بِنَفْسِهِ وَبِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ مِلْكِهِ. فَلِذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يُطِيعَهُ إنْ نَهَاهُ عَنْ الْخُرُوجِ. وَكَذَلِكَ هَذَا الْجَوَابُ فِي حَقِّ الْوَلَدِ إذَا نَهَاهُ وَالِدَاهُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>[بَابُ قِتَالِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ وَشُهُودِهِنَّ الْحَرْبَ]</span>\n٢٠٧ - قَالَ: لَا يُعْجِبُنَا أَنْ يُقَاتِلَ النِّسَاءُ مَعَ الرِّجَالِ فِي الْحَرْبِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ بِنْيَةٌ صَالِحَةٌ لِلْقِتَالِ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي قَوْلِهِ: «هَاهْ، مَا كَانَتْ هَذِهِ تُقَاتِلُ» . وَرُبَّمَا يَكُونُ فِي قِتَالِهَا كَشْفُ عَوْرَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَفْرَحُ بِهِ الْمُشْرِكُونَ وَرُبَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِجُرْأَةِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَيَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلَى ضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ فَيَقُولُونَ: احْتَاجُوا إلَى الِاسْتِعَانَةِ بِالنِّسَاءِ عَلَى قِتَالِنَا، فَلْيُتَحَرَّزْ عَنْ هَذَا، وَلِهَذَا الْمَعْنَى لَا يُسْتَحَبُّ لَهُمْ مُبَاشَرَةُ الْقِتَالِ، إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ الْمُسْلِمُونَ إلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ دَفْعَ فِتْنَةِ الْمُشْرِكِينَ عِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ جَائِزٌ بَلْ وَاجِبٌ. وَاسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِقِصَّةِ حُنَيْنٍ وَقَدْ بَيَّنَّاهَا. وَفِي أَوَاخِرِ تِلْكَ الْقِصَّةِ: «قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ بِنْتُ مِلْحَانَ، وَكَانَتْ يَوْمَئِذٍ تُقَاتِلُ شَادَّةً عَلَى بَطْنِهَا بِثَوْبٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت هَؤُلَاءِ الَّذِينَ فَرُّوا مِنْك وَخَذَلُوك،","vol":"1","page":184},{"text":"فَلَا تَعْفُ عَنْهُمْ إنْ أَمْكَنَك اللَّهُ مِنْهُمْ، فَقَالَ - ﷺ -: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ عَافِيَةُ اللَّهِ أَوْسَعُ، فَأَعَادَتْ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: عَافِيَةُ اللَّهِ أَوْسَعُ» . وَفِي الْمَغَازِي أَنَّهَا «قَالَتْ: أَلَا نُقَاتِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ (٥٢ آ) هَؤُلَاءِ الْفَرَّارِينَ فَنَقْتُلُهُمْ كَمَا قَاتَلْنَا الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ - ﷺ -: عَافِيَةُ اللَّهِ أَوْسَعُ» .\nوَأَيَّةُ حَاجَةٍ إلَى قِتَالِ النِّسَاءِ أَشَدُّ مِنْ هَذِهِ الْحَاجَةِ حِين فَرُّوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَأَسْلَمُوهُ، وَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِقِتَالِهِنَّ عِنْدَ الضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ لَمْ يَمْنَعْهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَلَمْ يَنْقُلْ أَنَّهُ أَذِنَ لِلنِّسَاءِ فِي الْقِتَالِ فِي غَيْرِ تِلْكَ الْحَالَةِ.\n٢٠٨ - قَالَ: وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَحْضُرَ مِنْهُنَّ الْحَرْبَ الْعَجُوزُ الْكَبِيرَةُ فَتُدَاوِي الْجَرْحَى، وَتَسْقِي الْمَاءَ، وَتَطْبُخُ لِلْغُزَاةِ إذَا احْتَاجُوا إلَى ذَلِكَ، لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطٍ الْأَزْدِيِّ قَالَ: كَانَتْ نِسَاءُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَنِسَاءُ أَصْحَابِهِ مُشَمِّرَاتٍ، يَحْمِلْنَ الْمَاءَ لِلْمُجَاهِدِينَ يَرْتَجِزْنَ، وَهُوَ يُقَاتِلُ الرُّومَ، وَالْمُرَادُ الْعَجَائِزُ، فَالشَّوَابُّ يُمْنَعْنَ عَنْ الْخُرُوجِ لِخَوْفِ الْفِتْنَةِ، وَالْحَاجَةِ تَرْتَفِعُ بِخُرُوجِ الْعَجَائِزِ.\n٢٠٩ - وَذُكِرَ عَنْ «أُمِّ مُطَاعٍ، وَكَانَتْ شَهِدَتْ خَيْبَرَ مَعَ","vol":"1","page":185},{"text":"النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَتْ: رَأَيْت أَسْلَمَ، حَيْثُ شَكَوْا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مَا يَلْقَوْنَ مِنْ شِدَّةِ الْحَالِ فَنَدَبَهُمْ إلَى الْجِهَادِ فَنَهَضُوا. وَلَقَدْ رَأَيْت أَسْلَمَ أَوَّلَ مَنْ انْتَهَى إلَى الْحِصْنِ فَمَا غَابَتْ الشَّمْسُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ حَتَّى فَتَحَهُ اللَّهُ عَلَيْنَا، وَهُوَ حِصْنُ الصَّعْبِ بْنِ مُعَاذٍ بِالنَّطَاةِ» . فَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّهَا كَانَتْ خَرَجَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَلَمْ يَمْنَعْهَا مِنْ ذَلِكَ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْعَجُوزِ أَنْ تَخْرُجَ لِإِعَانَةِ الْمُجَاهِدِينَ بِمَا يَلِيقُ بِهَا مِنْ الْعَمَلِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>[بَابُ الْجِهَادِ مَا يَسَعُ مِنْهُ وَمَا لَا يَسَعُ]</span>\n٣٦ - بَابُ الْجِهَادِ مَا يَسَعُ مِنْهُ وَمَا لَا يَسَعُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - ﵀ -: الْجِهَادُ وَاجِبٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، إلَّا أَنَّهُمْ فِي سَعَةٍ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَحْتَاجَ إلَيْهِمْ. فَكَانَ الثَّوْرِيُّ يَقُولُ: الْقِتَالُ مَعَ الْمُشْرِكِينَ لَيْسَ بِفَرْضٍ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الْبِدَايَةُ مِنْهُمْ، فَحِينَئِذٍ يَجِبُ قِتَالُهُمْ دَفْعًا لِظَاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَاتَلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] . وَلَكِنَّا نَسْتَدِلُّ بِقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتَلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣] وَبِقَوْلِهِ: ﴿وَقَاتَلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٠]، وَبِقَوْلِهِ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩]، وَبِقَوْلِهِ: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨] .","vol":"1","page":187},{"text":"وَالْحَاصِلُ أَنْ الْأَمْرَ بِالْجِهَادِ وَبِالْقِتَالِ نَزَلَ مُرَتَّبًا. فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - مَأْمُورًا فِي الِابْتِدَاءِ بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْ الْمُشْرِكِينَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرْ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاصْفَحْ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥] .\nثُمَّ أَمَرَ بِالْمُجَادَلَةِ بِالْأَحْسَنِ كَمَا قَالَ: ﴿اُدْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّك بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]، وَقَالَ: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلَّا بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] ثُمَّ أَذِنَ لَهُمْ فِي الْقِتَالِ بِقَوْلِهِ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩] ثُمَّ أُمِرُوا بِالْقِتَالِ إنْ كَانَتْ الْبِدَايَةُ مِنْهُمْ بِمَا تَلَا مِنْ آيَاتٍ.\nثُمَّ أُمِرُوا بِالْقِتَالِ بِشَرْطِ انْسِلَاخِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمِ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] (٥٢ ب) ثُمَّ أُمِرُوا بِالْقِتَالِ مُطْلَقًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٤] .\nفَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا. وَمُطْلَقُ الْأَمْرِ يَقْتَضِي اللُّزُومَ، إلَّا أَنَّ فَرِيضَةَ الْقِتَالِ لِمَقْصُودِ إعْزَازِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الْمُشْرِكِينَ، فَإِذَا حَصَلَ الْمَقْصُودُ بِالْبَعْضِ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ، بِمَنْزِلَةِ غُسْلِ الْمَيِّتِ وَتَكْفِينِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَدَفْنِهِ. إذْ لَوْ اُفْتُرِضَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بِعَيْنِهِ،","vol":"1","page":188},{"text":"وَهَذَا فَرْضٌ غَيْرُ مُوَقَّتٍ بِوَقْتٍ، لَمْ يَتَفَرَّغْ أَحَدٌ لِشُغْلٍ آخَرَ مِنْ كَسْبٍ أَوْ تَعَلُّمٍ. وَبِدُونِ سَائِرِ الْأَشْغَالِ لَا يَتِمُّ أَمْرُ الْجِهَادِ أَيْضًا، فَلِهَذَا كَانَ فَرْضًا عَلَى الْكِفَايَةِ.\n٢١١ - حَتَّى لَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى تَرْكِهِ اشْتَرَكُوا فِي الْمَأْثَمِ. وَإِذَا حَصَلَ الْمَقْصُودُ بِالْبَعْضِ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ. وَفِي مِثْلِ هَذَا يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ النَّظَرُ لِلْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّهُ مَنْصُوبٌ لِذَلِكَ نَائِبٌ عَنْ جَمَاعَتِهِمْ. فَعَلَيْهِ أَنْ لَا يُعَطِّلَ الثُّغُورَ، وَلَا يَدَعَ الدُّعَاءَ إلَى الدِّينِ وَحَثَّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْجِهَادِ.\nوَإِذَا نَدَبَ النَّاسَ إلَى ذَلِكَ فَعَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَعْصُوهُ بِالِامْتِنَاعِ مِنْ الْخُرُوجِ. وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَدَعَ الْمُشْرِكِينَ بِغَيْرِ دَعْوَةٍ إلَى الْإِسْلَامِ، أَوْ إعْطَاءِ جِزْيَةٍ إذَا تَمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِحَسَبِ الْوُسْعِ.\n٢١٢ - وَإِنْ كَانُوا قَوْمًا لَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ كَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ وَالْمُرْتَدِّينَ، فَإِنَّهُ يَدْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَبَوْا قَاتَلَهُمْ.\nوَأَمَّا الْمَجُوسُ وَعَبَدَةُ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَجَمِ فِي جَوَازِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ عِنْدَنَا بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَيَدْعُوهُمْ إلَى إحْدَى هَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ، وَيَجِبُ الْكَفُّ عَنْهُمْ إذَا أَجَابُوا إلَى إحْدَاهُمَا، وَإِنْ امْتَنَعُوا مِنْهُمَا فَحِينَئِذٍ يُقَاتَلُونَ.","vol":"1","page":189},{"text":"وَفِي أَهْلِ الْكِتَابِ الْعَرَبِيُّ وَغَيْرُ الْعَرَبِيِّ سَوَاءٌ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] وَكُلُّ مُسْلِمٍ فِي هَذَا خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَدْ بُعِثَ دَاعِيًا إلَى مَا بَيَّنَّا، وَأُمِرَ بِالْقِتَالِ عَلَى ذَلِكَ مَعَ مَنْ أَبَى.\n\n- قَالَ: وَإِنْ قَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: وَادِعُونَا عَلَى أَنْ لَا نُقَاتِلَكُمْ وَلَا تُقَاتِلُونَا فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُعْطُوهُمْ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] . وَلِأَنَّ الْجِهَادَ فَرْضٌ، فَإِنَّمَا طَلَبُوا الْمُوَادَعَةَ عَلَى أَنْ تُتْرَكَ فَرِيضَةٌ، وَلَا يَجُوزُ إجَابَتُهُمْ إلَى مِثْلِ هَذِهِ الْمُوَادَعَةِ، كَمَا لَوْ طَلَبُوا الْمُوَادَعَةَ عَلَى أَنْ لَا يُصَلُّوا وَلَا يَصُومُوا، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ شَوْكَةٌ شَدِيدَةٌ لَا يَقْوَى عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ، فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِأَنْ يُوَادِعَهُمْ إلَى أَنْ يَظْهَرَ لِلْمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ ثُمَّ يَنْبِذُ إلَيْهِمْ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١] . وَصَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَهْلَ مَكَّةَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى أَنْ يَضَعَ الْحَرْبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ عَشْرَ سِنِينَ، وَلِأَنَّ حَقِيقَةَ الْجِهَادِ فِي حِفْظِ الْمُسْلِمِينَ قُوَّةُ أَنْفُسِهِمْ أَوَّلًا، ثُمَّ فِي قَهْرِ الْمُشْرِكِينَ وَكَسْرِ شَوْكَتِهِمْ، فَإِذَا كَانُوا عَاجِزِينَ (٥٣ آ) عَنْ كَسْرِ شَوْكَتِهِمْ كَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَحْفَظُوا","vol":"1","page":190},{"text":"قُوَّةَ أَنْفُسِهِمْ بِالْمُوَادَعَةِ إلَى أَنْ يَظْهَرَ لَهُمْ قُوَّةُ كَسْرِ شَوْكَتِهِمْ، فَحِينَئِذٍ يَنْبِذُونَ إلَيْهِمْ وَيُقَاتِلُونَهُمْ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ إنْظَارِ الْمُعْسِرِ إلَى الْمَيْسَرَةِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] .\n٢١٤ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: وَادِعُونَا عَلَى أَنْ نُعْطِيَكُمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَالًا مَعْلُومًا عَلَى أَنْ تُجْرُوا عَلَيْنَا أَحْكَامَكُمْ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي الْمُوَادَعَةُ عَلَى ذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ لَا يَلْتَزِمُونَ شَيْئًا مِنْ أَحْكَامِنَا، وَإِنَّمَا يَنْتَهِي الْقِتَالُ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْتِزَامِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمُعَامَلَاتِ، وَالرِّضَا مِنْهُمْ بِالْمُقَامِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مَقْهُورِينَ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ الْمُحَارَبَةِ أَصْلًا، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِيمَا طَلَبُوا، وَلِأَنَّهُمْ لَوْ أُجِيبُوا إلَى ذَلِكَ رُبَّمَا يَظُنُّونَ أَنَّا إنَّمَا نُقَاتِلُهُمْ طَمَعًا فِي أَمْوَالِهِمْ، بَلْ لَا يَشُكُّونَ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَقْصِدُوا ذَلِكَ أَوْ يُظْهِرُوهُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ.\n٢١٥ - إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ شَوْكَةٌ شَدِيدَةٌ فَحِينَئِذٍ تَجُوزُ الْمُوَادَعَةُ مَعَهُمْ بِغَيْرِ مَالٍ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ، فَلَأَنْ يَجُوزَ بِمَالٍ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ كَانَ أَوْلَى. وَهَذَا الْمَالُ لَا يُؤْخَذُ عِوَضًا عَنْ تَرْكِ الْقِتَالِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ لِأَنَّ مَالَهُمْ مُبَاحٌ لَنَا. فَبِاعْتِبَارِ تِلْكَ الْإِبَاحَةِ يُؤْخَذُ هَذَا الْمَالُ مِنْهُمْ.\n\n- قَالَ: فَإِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ إلَى الْجِهَادِ وَلَهُ أَبَوَانِ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَخْرُجَ حَتَّى يَسْتَأْذِنَهُمَا","vol":"1","page":191},{"text":"لِأَنَّ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ وَتَرْكَ مَا يُلْحِقُ الضَّرَرَ وَالْمَشَقَّةَ بِهِمَا فَرْضٌ عَلَيْهِ عَيْنًا، وَالْجِهَادُ فَرْضُ عَلَى الْكِفَايَةِ إذَا لَمْ يَقَعْ النَّفِيرُ عَامًّا. فَعَلَيْهِ أَنْ يُقَدِّمَ الْأَقْوَى. وَفِي خُرُوجِهِ إلْحَاقُ الضَّرَرِ وَالْمَشَقَّةِ بِهِمَا، فَإِنَّ الْمُجَاهِدَ عَلَى خَطَرٍ فِي التَّمَكُّنِ مِنْ الرُّجُوعِ.\n٢١٧ - فَإِنْ أَذِنَّا لَهُ فَلْيَخْرُجْ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْآخَرُ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَخْرُجَ مُرَاعَاةً لِحَقِّ الَّذِي يَأْبَى مِنْهُمَا، وَكَذَلِكَ إنْ أَبَيَا جَمِيعًا. وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: إنِّي جِئْت أُجَاهِدُ مَعَك، وَتَرَكْت وَالِدَيَّ يَبْكِيَانِ، فَقَالَ: اذْهَبْ فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا» .\nوَأَفْضَلُ الْجِهَادِ مَا كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -. ثُمَّ أَمَرَهُ بِالرُّجُوعِ لِكَرَاهَةِ الْوَالِدَيْنِ لِخُرُوجِهِ «وَلَمَّا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ قَالَ: الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا، ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ، ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» فَهَذَا تَنْصِيصٌ عَلَى تَقْدِيمِ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى الْجِهَادِ، وَالْوَالِدَانِ فِي سَعَةٍ مِنْ أَنْ لَا يَأْذَنَا لَهُ إذَا كَانَ يَدْخُلُهُمَا مِنْ ذَلِكَ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ، لِأَنَّهُمَا يَحْمِلَانِهِ عَلَى مَا هُوَ الْأَقْوَى فِي حَقِّهِ وَهُوَ بِرُّهُمَا. وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَسَعُهُ الْخُرُوجُ بِغَيْرِ إذْنِهِمَا، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يَسَعُهُ ذَلِكَ لَكَانَا يَأْثَمَانِ فِي مَنْعِهِ، وَلَوْ كَانَا يَأْثَمَانِ فِي مَنْعِهِ لَكَانَ هُوَ فِي سَعَةٍ مِنْ الْخُرُوجِ حَتَّى يَبْطُلَ عَنْهُمَا الْإِثْمُ","vol":"1","page":192},{"text":"٢١٨ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مَاتَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ وَالْآخَرُ حَيٌّ. لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلْبِرِّ فِي حَقِّ الْحَيِّ مِنْهُمَا كَامِلٌ.\n٢١٩ - وَإِنْ كَانَا كَافِرَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا كَافِرٌ (٥٣ ب) وَالْآخَرُ مُسْلِمٌ فَكَرِهَا خُرُوجَهُ لِلْجِهَادِ، أَوْ كَرِهَهُ الْكَافِرُ مِنْهُمَا، فَإِنْ كَانَ إنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْمَخَافَةِ عَلَى نَفْسِهِ وَالْمَشَقَّةِ الَّتِي تُلْحِقُهُ بِخُرُوجِهِ، فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَخْرُجَ؛ لِأَنَّهُ فِي بِرِّ الْوَالِدَيْنِ يَسْتَوِي الْكَافِرُ وَالْمُسْلِمُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥]، وَالْمُرَادُ الْأَبَوَانِ الْمُشْرِكَانِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي﴾ [لقمان: ١٥] .\n٢٢٠ - وَإِنْ كَانَا إنَّمَا يَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ كَرَاهَةَ أَنْ يُقَاتِلَ أَهْلَ دِينِهِ، لَا شَفَقَةَ عَلَيْهِ فَلْيَخْرُجْ وَلَا يُطِعْهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا كُرِهَ خُرُوجُهُ بِسَبَبٍ دَعَاهُ الشِّرْكُ إلَى ذَلِكَ لَا الْوِلَادُ (؟)، وَلَيْسَ عَلَيْهِ طَاعَةٌ فِي دَاعِيَةِ الشِّرْكِ. وَإِنَّمَا يُعْرَفُ ذَلِكَ بِغَالِبِ الظَّنِّ وَالرَّأْيِ، لِأَنَّ فِيمَا لَا طَرِيقَ إلَى مَعْرِفَةِ حَقِيقَتِهِ يُبْنَى الْحُكْمُ فِيهِ عَلَى أَكْثَرِ الرَّأْيِ. وَهَذَا إذَا كَانَ لَا يُخَافُ عَلَيْهِ الضَّيْعَةُ، فَإِنْ كَانَ يَخَافُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ","vol":"1","page":193},{"text":"لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مُعْسِرًا مُحْتَاجًا إلَى خِدْمَتِهِ فَخِدْمَتُهُ فَرْضٌ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا. وَلَيْسَ مِنْ الصَّوَابِ أَنْ يَتْرُكَ فَرْضًا عَيْنًا لِيَتَوَصَّلَ إلَى مَا هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ. وَلِأَنَّ مَا يَفُوتُهُ مِنْ تَضْيِيعِ وَالِدِهِ لَا يُمْكِنُهُ تَدَارُكُهُ. وَهُوَ يَتَمَكَّنُ أَنْ يَتَدَارَكَ الْجِهَادَ فِي وَقْتٍ آخَرَ.\n\n- قَالَ: وَإِنْ أَذِنَ لَهُ الْأَبَوَانِ وَلَهُ جَدَّانِ وَجَدَّتَانِ فَكَرِهُوا خُرُوجَهُ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ؛ لِأَنَّهُ فِي حَالِ قِيَامِ الْوَالِدَيْنِ، الْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ كَالْأَجَانِبِ، أَلَا تَرَى أَنَّ فِي حُكْمِ الْحَضَانَةِ وَالْوِلَايَةِ وَاسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ هُمْ كَالْأَجَانِبِ، فَكَذَلِكَ فِي الْمَنْعِ عَنْ الْخُرُوجِ لَا أَمْرَ لَهُمْ مَا دَامَ الْوَالِدَانِ حَيَّيْنِ.\n٢٢٢ - فَإِنْ مَاتَ الْأَبَوَانِ فَأَذِنَ لَهُ الْجَدُّ الَّذِي مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَالْجَدَّةُ الَّتِي مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْآخَرَانِ - يَعْنِي أَبَا الْأُمِّ وَأُمَّ الْأَبِ - فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ؛ لِأَنَّ أَبَا الْأَبِ عِنْدَ عَدَمِ الْأَبِ قَائِمٌ مَقَامَهُ بِدَلِيلِ ثُبُوتِ الْوِلَايَةِ لَهُ، وَأُمُّ الْأُمِّ عِنْدَ عَدَمِ الْأُمِّ بِمَنْزِلَتِهَا، بِدَلِيلِ ثُبُوتِ حَقِّ الْحَضَانَةِ لَهَا، وَالْآخَرَانِ مَعَهُمَا بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الْأَجَانِبِ.\n٢٢٣ - وَإِنْ أَذِنَ لَهُ الْآخَرَانِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ هَذَانِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ.","vol":"1","page":194},{"text":"وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ جَدَّةٌ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ، وَلَا جَدَّ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ، فَاسْتَأْذَنَ الْآخَرَيْنِ فَلَمْ يَأْذَنَا لَهُ، أَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ أَحَدُهُمَا، فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ لَا يَخْرُجَ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْحَضَانَةِ لِأُمِّ الْأَبِ عِنْدَ عَدَمِ أُمِّ الْأُمِّ. وَهِيَ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ وَالْجَدِّ أَبِي الْأُمِّ وَإِنْ لَمْ يُجْعَلْ كَالْأَبِ فِي الْوِلَايَةِ فَقَدْ جُعِلَ كَالْأَبِ فِي حُكْمِ الْقِصَاصِ، وَفِي مَنْعِ قَبُولِ الشَّهَادَةِ لَهُ وَحُرْمَةِ وَضْعِ الزَّكَاةِ فِيهِ. فَإِذَا لَمْ يَبْقَ جَدٌّ أَقْرَبَ مِنْهُ كَانَ هُوَ قَائِمًا مَقَامَ الْأَبِ فِي مَنْعِهِ مِنْ الْخُرُوجِ أَيْضًا.\n٢٢٥ - وَإِنْ كَانَ لَهُ أُمُّ وَأَبُو أَبٍ فَأَذِنَ لَهُ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ لَمْ يَسَعَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ حَتَّى يَأْذَنَا لَهُ؛ لِأَنَّ أَبَا الْأَبِ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ عِنْدَ عَدَمِهِ، فَكَأَنَّ هَذَا وَمَنْ كَانَ أَبُوهُ وَأُمُّهُ حَيَّيْنِ فِي الْحُكْمِ سَوَاءٌ.\n٢٢٦ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أُمٌّ وَكَانَتْ لَهُ (٥٤ آ) جَدَّةٌ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ وَجَدَّةٌ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ، فَحَقُّ الْإِذْنِ لِلَّتِي مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ خَاصَّةً، أَلَا تَرَى أَنَّهَا فِي الْحَضَانَةِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْأُخْرَى، وَالْجَدَّةُ الَّتِي مِنْ قِبَلِ الْأَبِ لَا تَقُومُ مَقَامَ الْأَبِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا تَثْبُتُ لَهَا الْوِلَايَةُ كَمَا تَثْبُتُ لِلْجَدِّ.\n٢٢٧ - وَلَوْ كَانَتْ الْأُمُّ حَيَّةً فَحَقُّ الْإِذْنِ إلَيْهَا وَلَيْسَ إلَى الْجَدَّاتِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ بِمَنْزِلَةِ حَقِّ الْحَضَانَةِ، وَكَذَلِكَ مَعَ بَقَاءِ الْأَبِ لَيْسَ لِأَجْدَادِ إذْنٌ فِي هَذَا الْبَابِ","vol":"1","page":195},{"text":"٢٢٨ - وَإِنْ كَانَ لَهُ أَبٌ وَأُمُّ أَبٍ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَخْرُجَ حَتَّى يَأْذَنَا لَهُ؛ لِأَنَّ أُمَّ الْأَبِ إذَا لَمْ يَكُنْ سِوَاهَا أَحَدٌ مِنْ الْأُمَّهَاتِ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ، أَلَا تَرَى أَنَّ حَقَّ الْحَضَانَةِ لَهَا؟ وَأَشَارَ فِي الْكِتَابِ إلَى أَنَّ لَهُ مُخَالِفًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَمْ يُبَيِّنْ مَنْ هُوَ. فَكَأَنَّ هَذَا الْمُخَالِفَ يَقُولُ: أُمُّ الْأَبِ تُدْلِي بِالْأَبِ. وَإِذَا لَمْ يُعْتَبَرُ إذْنُ الْجَدِّ الَّذِي يُدْلِي بِالْأَبِ مَعَ الْأَبِ لَمْ يُعْتَبَرْ إذْنُ أُمِّ الْأَبِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى، وَهَذَا فَاسِدٌ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ أُمٌّ، وَأُمُّ أَبٍ، فَأَذِنَتْ لَهُ الْأُمُّ كَانَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ، وَلَوْ كَانَ أُمَّ الْأَبِ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْإِدْلَاءِ كَالْأَبِ أَوْ كَالْجَدِّ أَبِي الْأَبِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ إلَّا بِإِذْنِهِمَا.\n\n- قَالَ: وَكُلُّ سَفَرٍ أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يُسَافِرَ غَيْرَ الْجِهَادِ لِتِجَارَةٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَكَرِهَ ذَلِكَ أَبَوَاهُ، وَهُوَ لَا يَخَافُ عَلَيْهِمَا الضَّيْعَةَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي هَذِهِ الْأَسْفَارِ السَّلَامَةُ، وَلَا يَلْحَقُهُمَا فِي خُرُوجِهِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ، فَإِنَّ الْحُزْنَ بِحُكْمِ الْغَيْبَةِ يَنْدَفِعُ بِالطَّمَعِ فِي الرُّجُوعِ ظَاهِرًا، إلَّا أَنْ يَكُونَ سَفَرًا مَخُوفًا عَلَيْهِ مِنْهُ، نَحْوُ رُكُوبِ الْبَحْرِ، فَحِينَئِذٍ حُكْمُ هَذَا وَحُكْمُ الْخُرُوجِ إلَى الْجِهَادِ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ خَطَرَ الْهَلَاكَ فِيهِ أَظْهَرُ.","vol":"1","page":196},{"text":"٢٣٠ - وَالسَّفَرُ عَلَى قَصْدِ التَّعَلُّمِ إذَا كَانَ الطَّرِيقُ آمِنًا وَالْأَمْنُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي قَصَدَهُ ظَاهِرًا لَا يَكُونُ دُونَ السَّفَرِ لِلتِّجَارَةِ، بَلْ هَذَا فَوْقَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢] . فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ إلَيْهِ وَإِنْ كَرِهَ الْوَالِدَانِ، إذَا كَانَ لَا يَخَافُ الضَّيْعَةَ عَلَيْهِمَا.\n٢٣١ - قَالَ: وَإِنْ كَانَ يَخْرُجُ فِي التِّجَارَةِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ بِالْأَمَانِ فَكَرِهَا ذَلِكَ فَإِنْ كَانُوا قَوْمًا يَفُونَ بِالْعَهْدِ مَعْرُوفِينَ بِذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ هُوَ السَّلَامَةُ، فَصَارَ هَذَا وَالْخُرُوجُ إلَى بَلْدَةٍ أُخْرَى مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ سَوَاءً.\n٢٣٢ - وَإِنْ كَانَ يَخْرُجُ فِي تِجَارَةٍ إلَى دَارِ الْحَرْبِ مَعَ عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ كَانَ عَسْكَرًا عَظِيمًا كَالصَّائِفَةِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ وَإِنْ كَرِهَا خُرُوجَهُ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ حَالِهِ السَّلَامَةُ، فَإِنَّهُ لَا يُعَرِّضُ نَفْسَهُ بِالِاشْتِغَالِ بِالْقِتَالِ وَالْعَسْكَرُ الْعَظِيمُ يَقْوَوْنَ عَلَى دَفْعِ شَرِّ الْعَدُوِّ عَنْهُ وَعَنْ أَنْفُسِهِمْ","vol":"1","page":197},{"text":"٢٣٣ - وَإِنْ كَانَتْ سُرِّيَّةً أَوْ نَحْوَهَا لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يَخْرُجَ إلَّا بِإِذْنِهِمَا؛ لِأَنَّ خَطَرَ الْهَلَاكِ أَظْهَرُ فِي خُرُوجِهِ مَعَ قَوْمٍ لَيْسَ لَهُمْ قُوَّةُ الدَّفْعِ عَنْهُ. وَإِنْ كَانَ لَا يَخْرُجُ لِلْجِهَادِ مَعَ هَؤُلَاءِ بِغَيْرِ إذْنِهِمَا لِخَطَرِ الْهَلَاكِ فَكَذَلِكَ (٥٤ ب) لَا يَخْرُجُ لِلتِّجَارَةِ.\n\n- وَإِنْ كَرِهَ خُرُوجَهُ لِلْجِهَادِ أَوْلَادُهُ أَوْ إخْوَانُهُ أَوْ أَعْمَامُهُ أَوْ عَمَّاتُهُ أَوْ زَوْجَتُهُ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ إذَا كَانَ لَا يَخَافُ عَلَيْهِمْ الضَّيْعَةَ، وَإِنَّمَا يَخَافُ مِنْهُمْ الْجَزَعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ وُجُوبِ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَوْلَادِ وَالْقَرَابَاتِ لَا يُسَاوِيهِمَا فِي ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْخُرُوجِ، إلَّا أَنْ يَخَافَ الضَّيْعَةَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ فَحِينَئِذٍ لَا يَسَعَهُ أَنْ يَخْرُجَ وَيَدَعَ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، لِأَنَّ الْقِيَامَ بِتَعَاهُدِهِ وَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ. قَالَ - ﷺ -: «كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُهُ» . وَهَذَا الْحُكْمُ فِي الذُّكُورِ مِنْ أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ، وَالْإِنَاثِ صِغَارًا كُنَّ أَوْ كِبَارًا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ أَزْوَاجٌ، وَالزَّمِنِيُّ مِنْ الْكِبَارِ الَّذِينَ لَا حِرْفَةَ لَهُمْ مِنْ ذَوِي الرَّحِمِ، لِأَنَّ نَفَقَتَهُمْ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ شَرْعًا، فَكَذَلِكَ زَوْجَتُهُ.\n٢٣٥ - وَأَمَّا بَنُوهُ الْكِبَارُ الْأَصِحَّاءُ وَإِخْوَانُهُ الَّذِينَ لَا زَمَانَةَ بِهِمْ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ وَيَدَعَهُمْ وَإِنْ خَافَ الضَّيْعَةَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَاضِرًا لَمْ يُجْبَرْ عَلَى نَفَقَتِهِمْ وَإِنْ ضَاعُوا، فَلَا يَمْتَنِعُ خُرُوجَهُ بِسَبَبِ خَوْفِ الضَّيْعَةِ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ النَّفِيرُ عَامًّا","vol":"1","page":198},{"text":"٢٣٦ - فَأَمَّا إذَا جَاءَ النَّفِيرُ عَامًّا فَقِيلَ لِأَهْلِ مَدِينَةٍ: قَدْ جَاءَ الْعَدُوُّ يُرِيدُونَ أَنْفُسَكُمْ أَوْ ذَرَارِيَّكُمْ أَوْ أَمْوَالَكُمْ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ بِغَيْرِ إذْنِ وَالِدَيْهِ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١] . وَمَا يَفُوتُهُ بِتَرْكِ هَذِهِ الْفَرِيضَةِ لَا يُمْكِنُهُ اسْتِدْرَاكُهُ، وَمَا يَفُوتُهُ بِالْخُرُوجِ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَالِدَيْنِ يُمْكِنُهُ اسْتِدْرَاكُهُ بَعْدَ هَذَا؛ فَيَشْتَغِلُ بِمَا هُوَ الْأَهَمُّ، وَلِأَنَّ الضَّرَرَ فِي تَرْكِهِ الْخُرُوجَ أَعَمُّ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَتَعَدَّى إلَيْهِ وَإِلَى وَالِدَيْهِ وَإِلَى غَيْرِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَلِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِوَالِدَيْهِ أَنْ يَنْهَيَاهُ عَنْ هَذَا الْخُرُوجِ، فَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ لِيُسْقِطَ بِهِ الْإِثْمَ عَنْهُمَا، وَلَا طَاعَةَ لَهُمَا عَلَيْهِ فِيمَا كَانَا عَاصِيَيْنِ فِيهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ قَطَعَ الطَّرِيقَ عَلَى رَجُلٍ لِيَأْخُذَ مَالَهُ أَوْ لِيَقْتُلَهُ، أَوْ أَرَادَ امْرَأَةً لِيَفْجُرَ بِهَا. وَهُنَاكَ مَنْ لَهُ قُوَّةٌ عَلَى أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَمْنَعَهُ، وَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ وَالِدَاهُ لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يُطِيعَهُمَا فِي ذَلِكَ وَلَمْ يَسَعْهُمَا أَنْ يَمْنَعَاهُ؛ لِأَنَّ هَذَا فَرْضٌ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ طَاعَةُ الْوَالِدَيْنِ فِيمَا يَكُونُ مُوَسَّعًا عَلَيْهِ بَيْنَ الْإِتْيَانِ وَالتَّرْكِ. فَأَمَّا مَا يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ مُبَاشَرَتُهُ بِعَيْنِهِ فَلَيْسَ لِوَالِدَيْهِ أَنْ يَمْنَعَاهُ مِنْ ذَلِكَ. أَرَأَيْت لَوْ أَرَادَ أَحَدُ وَالِدَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَنَهَاهُ الْوَالِدُ الْآخَرُ أَنْ يُعِينَهُ شَفَقَةً عَلَيْهِ أَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُطِيعَهُ وَيَدَعَ وَالِدَهُ يَنْتَهِكُ حُرْمَتَهُ؟ ذُكِرَ هَذَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِقْبَاحِ لِمُرَاعَاةِ إذْنِ الْوَالِدَيْنِ فِيمَا هُوَ فَرْضٌ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ.\n\n- قَالَ: وَلَا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يُجَاهِدَ بِغَيْرِ إذْن مَوْلَاهُ مَا لَمْ","vol":"1","page":199},{"text":"يَكُنْ النَّفِيرُ عَامًّا. فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ، وَلَيْسَ لِمَوْلَاهُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فَرْضِيَّةَ (٥٥ آ) الْخُرُوجِ عِنْدَ النَّفِيرِ الْعَامِّ كَفَرْضِيَّةِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَذَلِكَ مُسْتَثْنًى لِلْعَبْدِ مِمَّا مَلَكَهُ عَلَيْهِ مَوْلَاهُ وَإِذَا تَبَيَّنَ هَذَا فِي الْعَبْدِ، وَلِلْمَوْلَى عَلَيْهِ مِلْكٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ، تَبَيَّنَ فِي حَقِّ الْوَلَدِ مَعَ الْوَالِدَيْنِ بِطَرِيقٍ الْأَوْلَى.\n٢٣٨ - وَكَذَلِكَ النِّسَاءُ إذَا كَانَتْ بِهِنَّ قُوَّةُ الْقِتَالِ فَلْيَخْرُجْنَ إذَا كَانَ النَّفِيرُ عَامًّا. وَقَدْ بَيَّنَّا مَا صَنَعَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ يَوْمَ حُنَيْنٍ. وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمَ أُحُدٍ: «لَمَقَامُ نُسَيْبَةَ بِنْتِ كَعْبٍ خَيْرٌ مِنْ مَقَامِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ فَسَمَّى جَمَاعَةً مِنْ الَّذِينَ فَرُّوا» . وَكَانَ النَّفِيرُ عَامًّا، فَاسْتَحْسَنَ قِتَالَ النِّسَاءِ وَمَدَحَ مِنْ لَمْ يَهْرُبْ مِنْهُنَّ بِمَا قَالَ. فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ النَّفِيرُ عَامًّا فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَشْتَغِلَ النِّسَاءُ بِالْقِتَالِ.\n٢٣٩ - وَلَا يَنْبَغِي لِلشَّوَابِّ أَنْ يَخْرُجْنَ أَيْضًا فِي الصَّوَائِفِ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّ مَقَامَهُنَّ فِي الْبُيُوتِ أَقْرَبُ إلَى دَفْعِ الْفِتْنَةِ.","vol":"1","page":200},{"text":"فَأَمَّا الْعَجَائِزُ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجْنَ مَعَ الصَّوَائِفِ لِمُدَاوَاةِ الْجَرْحَى.\nجَاءَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: خَرَجْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي سَبْعِ غَزَوَاتٍ، فَكُنْت أَطْبُخُ لَهُمْ وَأُدَاوِي الْجَرْحَى وَأَسْقِيهِمْ الْمَاءَ.\n٢٤٠ - وَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُبَاشِرْنَ الْقِتَالَ، لِأَنَّ بِالرِّجَالِ غُنْيَةً عَنْ قِتَالِ النِّسَاءِ، فَلَا يَشْتَغِلْنَ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ. وَعِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ بِوُقُوعِ النَّفِيرِ عَامًّا لَا بَأْسَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُقَاتِلَ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا وَزَوْجِهَا.\nبَلَغَنَا «أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَتَلَتْ يَهُودِيًّا تَسَوَّرَ عَلَيْهِمْ حِصْنًا كَانُوا فِيهِ. وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ. وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - جَمَعَ النِّسَاءَ فِي أُطُمٍ مِنْ آطَامِ الْمَدِينَةِ. وَكَانَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ مَعَهُنَّ فَجَاءَ يَهُودِيٌّ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ وَأَرَادَ أَنْ يَتَسَوَّرَ الْحَائِطَ. فَأَمَرَتْ صَفِيَّةُ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ بِأَنْ يَقُومَ إلَيْهِ بِحَجَرٍ أَوْ خَشَبٍ فَيَقْتُلَهُ، فَقَالَ حَسَّانُ: أَنَا مِنْ أَرْبَابِ اللِّسَانِ لَسْت مِنْ أَرْبَابِ الضَّرْبِ وَالطِّعَانِ فِي شَيْءٍ، فَقَامَتْ بِنَفْسِهَا فَقَتَلَتْهُ. وَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ذَلِكَ اسْتَحْسَنَهُ مِنْهَا» . فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.\n٢٤١ - وَكَذَلِكَ الْغِلْمَانُ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا إذَا أَطَاقُوا الْقِتَالَ فَلَا بَأْسَ","vol":"1","page":201},{"text":"بِأَنْ يَخْرُجُوا وَيُقَاتِلُوا فِي النَّفِيرِ الْعَامِّ، وَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ الْآبَاءُ وَالْأُمَّهَاتُ. وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا، إلَّا أَنْ تَطِيبَ أَنْفُسُهُمْ بِذَلِكَ.\n\n- قَالَ: بَلَغْنَا أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - أَسْلَمَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ ابْنُ تِسْعِ سِنِينَ، فَلَوْ حَضَرَ قِتَالًا لَقَاتَلَ فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ.\nوَالرِّوَايَاتُ اخْتَلَفَتْ فِي سِنِّ عَلِيٍّ - ﵁ - حِينَ أَسْلَمَ فَاَلَّذِي ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي هَذَا الْكِتَابِ التِّسْعَ وَالْعَشْرَ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ أَسْلَمَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ أَسْلَمَ وَهُوَ ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ.\nوَاخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يَبْتَنِي عَلَى اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي سِنِّهِ حِينَ قُتِلَ، فَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: قُتِلَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَقَالَ (٥٥ ب) الْجَاحِظُ: قَتَلَ وَهُوَ ابْنُ سِتِّينَ، وَقَالَ الْعُتْبِيُّ: قُتِلَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ أَسْلَمَ فِي أَوَّلِ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -.\nوَقَدْ أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بَعْدَ مَا بُعِثَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرًا، وَالْخِلَافَةُ بَعْدَهُ ثَلَاثُونَ سَنَةً انْتَهَى ذَلِكَ بِقَتْلِ عَلِيٍّ - ﵁ - فَذَلِكَ ثَلَاثٌ وَخَمْسُونَ، فَإِنْ كَانَتْ سِنُّهُ حِينَ قُتِلَ مَا قَالَهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ظَهَرَ أَنَّهُ أَسْلَمَ وَهُوَ ابْنُ","vol":"1","page":202},{"text":"خَمْسِ سِنِينَ. وَإِنْ كَانَ عَلَى مَا قَالَهُ الْجَاحِظُ فَقَدْ أَسْلَمَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ، وَإِنْ كَانَ عَلَى مَا قَالَهُ الْعُتْبِيُّ فَقَدْ أَسْلَمَ وَهُوَ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ. وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَالِغًا حِينَ أَسْلَمَ وَعَلَيْهِ دَلَّ قَوْلُهُ:\nسَبَقْتُكُمْ إلَى الْإِسْلَامِ طُرًّا غُلَامًا مَا بَلَغْتُ أَوَانَ حُلْمِ\nوَإِنَّمَا حَقَقْنَا هَذَا لِاعْتِمَادِ أَصْحَابِنَا عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي صِحَّةِ إسْلَامِ الصَّبِيِّ.\n\n- قَالَ: وَإِذَا خَرَجَ الْقَوْمُ إلَى الصَّوَائِفِ فَأَرَادُوا أَنْ يُخْرِجُوا مَعَهُمْ النِّسَاءَ بِغَيْرِ مَنْفَعَةٍ إلَّا الْمُبَاضَعَةَ وَالْخِدْمَةَ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَفْعَلُوا ذَلِكَ مَخَافَةً عَلَيْهِنَّ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ لَحْمٌ عَلَى وَضَمٍّ إلَّا مَا ذُبَّ عَنْهُنَّ. وَمَنْ خَرَجَ لِلْقِتَالِ رُبَّمَا يُبْتَلَى بِعَارِضٍ يَشْغَلُهُ بِنَفْسِهِ وَلَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنْ الذَّبِّ عَنْ حَرَمِهِ. وَاقْتِضَاءُ الشَّهْوَةِ بِالْمُبَاضَعَةِ لَيْسَ مِنْ أُصُولِ حَوَائِجِهِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَرِّضَ حَرَمَهُ لِلضَّيَاعِ لِأَجَلِهِ، وَلَوْ لَمْ يُكْرَهْ لَهُ الْخُرُوجُ بِهِنَّ إلَّا لِمَخَافَةِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِهِنَّ عَنْ الْقِتَالِ لَكَانَ ذَلِكَ كَافِيًا.","vol":"1","page":203},{"text":"فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مِنْ إخْرَاجِهِنَّ فَالْإِمَاءُ دُونَ الْحَرَائِرِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الِاخْتِلَاطِ بِالرِّجَالِ فِي حَقِّ الْإِمَاءِ أَخَفُّ. أَلَا تَرَى أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ لَهُنَّ بِمَنْزِلَةِ الْمَحْرَمِ فِي النَّظَرِ وَالْمَسِّ، وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْأَمَةِ أَنْ تُسَافِرَ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ، وَلَيْسَ لِلْحُرَّةِ ذَلِكَ إلَّا مَعَ زَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ. وَمَا هُوَ الْمَقْصُودُ لَهُ مِنْ الْمُبَاضَعَةِ وَالْخِدْمَةِ يَتِمُّ بِالْإِمَاءِ.\n٢٤٤ - وَلَكِنْ مَعَ هَذَا رُخِّصَ فِي إخْرَاجِ الْحَرَائِرِ وَالْإِمَاءِ لِمَنْ يَقْوَى عَلَى حِفْظِهِنَّ إنْ اُبْتُلِيَ الْمُسْلِمُونَ بِهَزِيمَةٍ، حَتَّى يَخْرُجَهُنَّ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ إمَّا بِقُوَّةِ نَفْسِهِ أَوْ بِمَا مَعَهُ مِنْ الظُّهُورِ وَالْخَدَمِ. لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - «كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَغْزُوَ قَرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ وَأَخْرَجَ مِنْهُنَّ مَعَهُ الَّتِي تُقْرَعُ. قَالَتْ عَائِشَةُ - ﵂ -: فَأَصَابَتْنِي الْقُرْعَةُ فِي السَّفَرِ الَّذِي أَصَابَنِي فِيهِ مَا أَصَابَنِي حِينَ تَكَلَّمَ أَهْلُ الْإِفْكِ بِمَا تَكَلَّمُوا» . وَهِيَ غَزْوَةُ الْمُرَيْسِيعُ غَزْوَةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ كَانَ يَأْمَنُ عَلَيْهِنَّ مِنْ الضَّيَاعِ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَمَنْ يَكُون بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا بَأْسَ لَهُ بِأَنْ يُخْرِجُهُنَّ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ هَذَا لِمَنْ إذَا اُبْتُلِيَ الْمُسْلِمُونَ بِهَزِيمَةٍ لَمْ يَقْوَ عَلَى إخْرَاجِهِنَّ وَاشْتَغَلَ بِنَفْسِهِ فَيَكُونُ مُضَيِّعًا لَهُنَّ. وَالتَّعَرُّضُ لِمِثْلِ هَذَا التَّضْيِيعِ حَرَامٌ شَرْعًا.\n٢٤٥ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانُوا سُرِّيَّةً يَدْخُلُونَ أَرْضَ الْعَدُوِّ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ الْعَجَائِزِ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهُمْ لِمُدَاوَاةِ الْجَرْحَى؛ لِأَنَّهُمْ جَرِيدَةُ خَيْلٍ إذَا حَزَبَهُمْ أَمْرٌ اشْتَغَلُوا بِأَنْفُسِهِمْ، وَلَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ الدَّفْعِ عَنْهَا، وَهِيَ عَاجِزَةٌ عَنْ الدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهَا، وَإِنَّمَا يَحِلُّ لَهَا ذَلِكَ","vol":"1","page":204},{"text":"فِي الصَّوَائِفِ الَّتِي أَكْبَرُ الرَّأْيِ فِيهَا أَنَّهُمْ قَاهِرُونَ لَا يَنْهَزِمُونَ مِنْ الْعَدُوِّ فَيَتَمَكَّنُونَ مِنْ الدَّفْعِ عَنْهَا وَعَنْ أَنْفُسِهِمْ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحُكْمَ يُبْنَى عَلَى الظَّاهِرِ (٥٦ آ) فِيمَا يَتَعَذَّرُ الْوُقُوفُ عَلَى حَقِيقَةِ الْحَالِ فِيهِ.\n\n- وَلَا بَأْسَ بِإِدْخَالِ الْمَصَاحِفِ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي مِثْلِ هَذَا الْعَسْكَرِ الْعَظِيمِ. وَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ ذَلِكَ إذَا كَانَ يَخْرُجُ فِي سَرِيَّةٍ؛ لِأَنَّ الْغَازِيَ رُبَّمَا يَحْتَاجُ إلَى الْقِرَاءَةِ مِنْ الْمُصْحَفِ إذَا كَانَ لَا يُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ، أَوْ يَتَبَرَّكُ بِحَمْلِ الْمُصْحَفِ، أَوْ يَسْتَنْصِرُ بِهِ، فَالْقُرْآنُ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ مَنْ اعْتَصَمَ بِهِ نَجَا، إلَّا أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ تَعْرِيضِ الْمُصْحَفِ لِاسْتِخْفَافِ الْعَدُوِّ بِهِ. وَلِهَذَا لَوْ اشْتَرَاهُ ذِمِّيٌّ أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ فِي الْعَسْكَرِ الْعَظِيمِ يَأْمَنُ هَذَا لِقُوَّتِهِمْ، وَفِي السَّرِيَّةِ رُبَّمَا يُبْتَلَى بِهِ لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ. فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ يَقَعُ الْفَرْقُ، وَاَلَّذِي رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - «نَهَى أَنْ يُسَافِرَ بِالْقُرْآنِ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ» . تَأْوِيلُ هَذَا أَنْ يَكُونَ سَفَرُهُ مَعَ جَرِيدَةِ خَيْلٍ لَا شَوْكَةَ لَهُمْ، هَكَذَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ. وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ هَذَا النَّهْيَ كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِأَنَّ الْمَصَاحِفَ لَمْ تَكْثُرْ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ. وَكَانَ لَا يُؤْمَنُ إذَا وَقَعَتْ الْمَصَاحِفُ فِي أَيْدِي الْعَدُوِّ أَنْ يَفُوتَ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ مِنْ أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ، وَيُؤْمَنُ مِنْ مِثْلِهِ فِي زَمَانِنَا لِكَثْرَةِ الْمَصَاحِفِ وَكَثْرَةِ الْقُرَّاءِ.\nقَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَلَوْ وَقَعَ مُصْحَفٌ فِي يَدِهِمْ لَمْ يَسْتَخِفُّوا بِهِ لِأَنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا لَا يُقِرُّونَ بِأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ فَهُمْ يُقِرُّونَ بِأَنَّهُ أَفْصَحُ الْكَلَامِ بِأَوْجَزِ الْعِبَارَاتِ وَأَبْلَغِ الْمَعَانِي فَلَا يَسْتَخِفُّونَ بِهِ، كَمَا لَا يَسْتَخِفُّونَ بِسَائِرِ الْكُتُبِ.","vol":"1","page":205},{"text":"لَكِنَّ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ أَصَحُّ، فَإِنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مُغَايَظَةً لِلْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ ظَهَرَ ذَلِكَ مِنْ الْقَرَامِطَةِ حِينَ ظَهَرُوا عَلَى مَكَّةَ، جَعَلُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَصَاحِفِ إلَى أَنْ قَطَعَ اللَّهُ دَابِرَهُمْ. وَلِهَذَا مُنِعَ الذِّمِّيُّ مِنْ شِرَى الْمُصْحَفِ، وَأُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهِ كَمَا أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ. وَكَذَلِكَ كُتُبُ الْفِقْهِ بِمَنْزِلَةِ الْمُصْحَفِ فِي هَذَا الْحُكْمِ. فَأَمَّا كُتُبُ الشَّعْرِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَحْمِلَهُ مَعَ نَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَاهُ الْكَافِرُ لَا يُجْبِرُ عَلَى بَيْعِهِ.\n٢٤٧ - وَإِنْ دَخَلَ إلَيْهِمْ مُسْلِمٌ بِأَمَانٍ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُدْخِلَ مَعَهُ الْمُصْحَفُ إذَا كَانُوا قَوْمًا يُوفُونَ بِالْعَهْدِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ هُوَ الْأَمْنُ مِنْ تَعَرُّضِ الْعَدُوِّ لِمَا فِي يَدِهِ. فَأَمَّا إذَا كَانُوا رُبَّمَا لَا يُوفُونَ بِالْعَهْدِ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْمِلَ الْمُصْحَفَ مَعَ نَفْسِهِ إذَا دَخَلَ دَارَهُمْ بِأَمَانٍ.\n٢٤٨ - وَإِذَا قَالَ الْحَرْبِيُّ أَوْ الذِّمِّيُّ لِلْمُسْلِمِ: عَلِّمْنِي الْقُرْآنَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُعَلِّمَهُ وَيُفَقِّهَهُ فِي الدِّينِ لَعَلَّ اللَّهَ يُقَلِّبُ قَلْبَهُ. أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيّ - ﷺ - كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَبِهِ أُمِرَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] . وَقَالَ اللَّهُ","vol":"1","page":206},{"text":"تَعَالَى ﴿اُدْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] . وَمَعْلُومٌ أَنَّ تَمَامَ هَذِهِ الصِّفَةِ فِي الْقُرْآنِ وَالْفِقْهِ الْمُسْتَنْبَطِ مِنْ الْقُرْآنِ وَهُوَ الْحِكْمَةُ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] . وَفَسَّرَهُ الْمُفَسِّرُونَ بِالْفِقْهِ وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ دُعَاؤُهُ (٥٦ ب) بِهَذَا الطَّرِيقِ إذَا عَلَّمَهُ ذَلِكَ وَفَهَّمَهُ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] يَعْنِي يَسْمَعَ فَيَفْهَمَ فَرُبَّمَا يَرْغَبُ فِي الْإِيمَانِ لِمَا يَقِفُ عَلَيْهِ مِنْ مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ. وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: لَعَلَّ اللَّهَ يُقَلِّبُ قَلْبَهُ.\nوَفِي حَدِيثِ عُثْمَانَ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «خَيْرُ النَّاسِ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» . وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ تَعْلِيمِ الْمُسْلِمِينَ وَتَعْلِيمِ الْكُفَّارِ. وَإِذَا كَانَ يُنْدَبُ إلَى تَعْلِيمِ غَيْرِ الْمُخَاطَبِينَ رَجَاءَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهِ إذَا خُوطِبُوا، فَلَأَنْ يُنْدَبَ إلَى تَعْلِيمِ الْمُخَاطَبِينَ رَجَاءَ أَنْ يَهْتَدُوا بِهِ وَيَعْلَمُوا كَانَ أَوْلَى.\n\n- وَإِذَا دَخَلَ الْمُشْرِكُونَ دَارَ الْإِسْلَامِ فَأَخَذُوا الْأَمْوَالَ وَالذَّرَارِيَّ وَالنِّسَاءَ، ثُمَّ عَلِمَ بِهِمْ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَهُمْ عَلَيْهِمْ قُوَّةٌ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَّبِعُوهُمْ مَا دَامُوا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، لَا يَسَعُهُمْ إلَّا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ الْمُقَامِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ بِالتَّنَاصُرِ، وَفِي تَرْكِ التَّنَاصُرِ ظُهُورُ الْعَدُوِّ عَلَيْهِمْ فَلَا يَحِلُّ لَهُمْ ذَلِكَ. وَفِعْلُ أَهْلِ الْحَرْبِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مُنْكَرٌ قَبِيحٌ، وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ فَرْضٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَاَلَّذِينَ وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمْ صَارُوا مَظْلُومِينَ، وَيُفْتَرَضُ عَلَى","vol":"1","page":207},{"text":"الْمُسْلِمِينَ دَفْعُ الظُّلْمِ عَنْ الْمَظْلُومِ وَالْأَخْذُ عَلَى يَدِ الظَّالِمِ، قَالَ - ﵇ -: «وَلَا، حَتَّى تَأْخُذُوا عَلَى يَدِ الظَّالِمِ فَتَأْطُرُوهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا» .\n٢٥٠ - فَإِنْ دَخَلُوا بِهِمْ دَارَ الْحَرْبِ نُظِرَ: فَإِنْ كَانَ الَّذِي فِي أَيْدِيهِمْ ذَرَارِيُّ الْمُسْلِمِينَ، فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا أَنْ يَتَّبِعُوهُمْ إذَا كَانَ غَالِبُ رَأْيِهِمْ أَنَّهُمْ يَقْوَوْنَ عَلَى اسْتِنْقَاذِ الذَّرَارِيِّ مِنْ أَيْدِيهِمْ إذَا أَدْرَكُوهُمْ، مَا لَمْ يَدْخُلُوا حُصُونَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ مَا مَلَكُوا الذَّرَارِيَّ بِالْإِحْرَازِ بِدَارِ الْحَرْبِ، فَكَوْنُهَا فِي أَيْدِيهِمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَفِي دَارِ الْإِسْلَامِ سَوَاءٌ. وَالْمُعْتَبَرُ تَمَكُّنِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الِانْتِصَافِ مِنْهُمْ، وَذَلِكَ قَائِمٌ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ مَا لَمْ يَدْخُلُوا حُصُونَهُمْ.\n٢٥١ - فَأَمَّا إذَا دَخَلُوا حُصُونَهُمْ فَإِنْ أَتَاهُمْ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يُقَاتِلُوهُمْ لِاسْتِنْقَاذِ الذَّرَارِيِّ فَذَلِكَ فَضْلٌ أَخَذُوا بِهِ، وَإِنْ تَرَكُوهُمْ رَجَوْت أَنْ يَكُونُوا فِي سَعَةٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُمْ بَعْدَ مَا وَصَلُوا إلَى مَأْمَنِهِمْ وَدَخَلُوا حُصُونَهُمْ يَعْجِزُ الْمُسْلِمُونَ عَنْ اسْتِنْقَاذِ الذَّرَارِيِّ مِنْ أَيْدِيهِمْ، إلَّا بِالْمُبَالَغَةِ فِي الْجَهْدِ وَبَذْلِ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ فَعَلُوهُ فَهُوَ الْعَزِيمَةُ، وَإِنْ تَرَكُوهُ لِدَفْعِ الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ كَانَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ رُخْصَةٌ. أَلَا تَرَى أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ فِي يَدِ الْكُفَّارِ بِالرُّومِ","vol":"1","page":208},{"text":"وَالْهِنْدِ بَعْضَ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا الْخُرُوجُ لِقِتَالِهِمْ لِاسْتِنْقَاذِ الْأُسَارَى مِنْ أَيْدِيهِمْ.\n٢٥٢ - فَأَمَّا إذَا كَانَ مَا ظَهَرُوا عَلَيْهِ الْمَالَ دُونَ الذَّرَارِيِّ فَإِذَا دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ وَسِعَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ لَا يَتْبَعُوهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانُوا تَبِعُوهُمْ فَهُوَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُمْ مَلَكُوا الْأَمْوَالَ بِالْإِحْرَازِ، وَانْتَهَتْ الْعِصْمَةُ الثَّابِتَةُ فِيهَا بِالْإِحْرَازِ بِدَارِ الْحَرْبِ فَالْتُحِقَتْ بِسَائِرِ أَمْوَالِهِمْ. وَالْمُسْلِمُونَ فِي سَعَةٍ مِنْ أَنْ يَتْرُكُوا أَتْبَاعَهُمْ لِأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَإِنْ كَانُوا لَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ لِإِعْزَازِ الدِّينِ وَقَهْرِ الْمُشْرِكِينَ كَانَ أَفْضَلَ، فَكَذَلِكَ حُكْمُ هَذِهِ الْأَمْوَالِ.\n٢٥٣ - وَالْحُكْمُ فِيمَا إذَا ظَهَرَ أَهْلُ الْحَرْبِ عَلَى ذَرَارِيِّ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ حِينَ أَعْطَوْهُمْ الذِّمَّةَ فَقَدْ الْتَزَمُوا دَفْعَ الظُّلْمِ عَنْهُمْ وَهُمْ صَارُوا مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِحْرَازَ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ لِلْمَالِ وَالنَّفْسِ فِي حُكْمِ الضَّمَانِ، وَالْعُقُوبَةِ بِمَنْزِلَةِ الْإِحْرَازِ الَّذِي لِلْمُسْلِمِ. فَيَسْتَوِي الْحُكْمُ فِي وُجُوبِ الِاتِّبَاعِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْأَمْوَالِ وَالذَّرَارِيِّ بَعْدَ دُخُولِ دَارِ الْحَرْبِ أَنَّهُمْ لَوْ أَسْلَمُوا سُلِّمَتْ لَهُمْ الْأَمْوَالُ، وَأُمِرُوا بِرَدِّ الذَّرَارِيِّ، وَفِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَوْ أَسْلَمُوا أُمِرُوا بِرَدِّ الْأَمْوَالِ وَالذَّرَارِيِّ. وَالْمُسْلِمُونَ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ فَيَتَّضِحُ الْفَرْقُ.\n٢٥٤ - وَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ بَلَغَهُمْ هَذَا النَّفِيرُ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ إنْ خَرَجُوا فِي إثْرِهِمْ لَمْ يُدْرِكُوهُمْ حَتَّى يَدْخُلُوا حُصُونَهُمْ فِي","vol":"1","page":209},{"text":"الذَّرَارِيِّ، أَوْ حَتَّى يَدْخُلُوا دَارَ الْحَرْبِ فِي الْأَمْوَالِ، رَجَوْت أَنْ يَكُونُوا فِي سَعَةٍ مِنْ تَرْكِ الِاتِّبَاعِ؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى الظَّاهِرِ جَائِزٌ فِي مِثْلِ هَذَا. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ فِي الْخُرُوجِ يُتْعِبُونَ أَنْفُسَهُمْ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ. وَإِنَّمَا الَّذِي يُفْتَرَضُ فِيهِ الْخُرُوجُ بِعَيْنِهِ عَلَى كُلِّ مَنْ يَبْلُغُهُ إذَا كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا خَرَجَ أَدْرَكَهُمْ، وَقَوِيَ عَلَى الِاسْتِنْقَاذِ مِنْ أَيْدِيهِمْ بِمَنَعَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَا بَيَّنَّا.\n\n- قَالَ: وَلَا بَأْسَ لِلَّذِينَ يَسْكُنُونَ الثُّغُورَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَّخِذُوا فِيهَا النِّسَاءَ وَالذَّرَارِيَّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الثُّغُورِ وَبَيْنَ أَرْضِ الْعَدُوِّ أَرْضٌ لِلْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّهُمْ يُنْدَبُونَ إلَى الْمُقَامِ فِي الثُّغُورِ. وَإِنَّمَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ الْمُقَامِ بِالنِّسَاءِ وَالذَّرَارِيِّ، فَالنِّسَاءُ سَكَنٌ لِلرِّجَالِ. وَلِأَنَّهُمْ إذَا أَقَامُوا فِي (٥٧ آ) ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِالنِّسَاءِ وَالذَّرَارِيِّ كَثُرُوا بِمُرُورِ الزَّمَانِ حَتَّى يَصِيرَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ مِصْرًا مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَتَّخِذُ الْمُسْلِمُونَ وَرَاءَ ذَلِكَ ثَغْرًا بِالْقُرْبِ مِنْ الْعَدُوِّ. وَلَكِنَّ هَذَا إذَا كَانُوا بِحَيْثُ لَوْ نَزَلَتْ بِهِمْ جَلَبَةُ الْعَدُوِّ قَدَرُوا عَلَى دَفْعِ شَرِّهِمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَعَنْ ذَرَارِيِّهِمْ. وَتَمَكَّنُوا مِنْ أَنْ يُخْرِجُوهُمْ إلَى أَرْضِ الْإِسْلَامِ.","vol":"1","page":210},{"text":"فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. أَيْ كَانُوا عَدَدًا قَلِيلًا لَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ دَفْعِ جَلَبَةِ الْعَدُوِّ وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى إخْرَاجِ الذَّرَارِيِّ إلَى أَرْضِ الْإِسْلَامِ. فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَتَّخِذُوا النِّسَاءَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الثُّغُورِ. لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُمْ يُضَيِّعُونَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الثُّغُورِ، وَيَأْمَنُونَ الضَّيَاعَ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ. وَهُوَ نَظِيرُ مَا سَبَقَ مِنْ الْفَصْلِ بَيْنَ الصَّائِفَةِ وَالسَّرِيَّةِ. إلَّا أَنَّ هُنَاكَ كُرِهَ إخْرَاجُ النِّسَاءِ مَعَ الْجَيْشِ الْعَظِيمِ لِلْمُبَاضَعَةِ، وَلَمْ يُكْرَهُ ذَلِكَ فِي الثَّغْرِ إذَا كَثُرَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ. لِأَنَّ أَهْلَ الْعَسْكَرِ لَا يَطُولُ مُقَامُهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا يَحْتَاجُونَ إلَى النِّسَاءِ مُدَّةَ مُقَامِهِمْ فِي الظَّاهِرِ. فَأَمَّا أَهْلُ الثُّغُورِ يَطُولُ مُقَامَهُمْ فِي الثَّغْرِ، بَلْ يُؤْمَرُونَ بِأَنْ لَا يَبْرَحُوا مِنْهَا. وَإِذَا كَانُوا عُزَّابًا ضَجِرُوا بِالْمُقَامِ فِيهَا، فَلِهَذَا لَمْ يَرَ بَأْسًا بِأَنْ يَتَّخِذُوا فِيهَا النِّسَاءَ وَالذَّرَارِيِّ.\n٢٥٧ - فَإِنْ قَالَ أَهْلُ الثَّغْرِ: لَا نَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ الْعَدُوِّ بِأَنْفُسِنَا إنْ أَتَانَا وَلَكِنْ نَسْتَغِيثُ بِالْمُسْلِمِينَ فَيَأْتِينَا الْغِيَاثُ مِنْهُمْ فَنَدْفَعُ بِهِمْ الْعَدُوَّ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَحْمِلُوا النِّسَاءَ وَالذَّرَارِيَّ إلَى مِثْلِ هَذِهِ الثُّغُورِ أَيْضًا. لِأَنَّهُمْ لَا يَقْوَوْنَ عَلَى الدَّفْعِ عَنْهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ، وَلُحُوقُ الْغَوْثُ بِهِمْ لِلدَّفْعِ مَوْهُومٌ. وَلَا يُبْنَى الْحُكْمُ عَلَى الْمَوْهُومِ خُصُوصًا فِيمَا يَكُونُ الْوَاجِبُ فِيهِ الْأَخْذَ بِالِاحْتِيَاطِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُتَوَهَّمُ أَنْ تَقَعَ فِتْنَةٌ أَوْ عَصَبِيَّةٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَيَشْتَغِلُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ حَتَّى لَا يَقْدِرُوا عَلَى إغَاثَةِ تِلْكَ الثُّغُورِ، فَيَضِيعُ مَنْ","vol":"1","page":211},{"text":"فِيهَا مِنْ النِّسَاءِ وَالذَّرَارِيِّ. فَلِهَذَا لَا يَسْتَقِيمُ الْبِنَاءُ عَلَى الْغَوْثِ. وَإِنَّمَا يَبْنُونَ ذَلِكَ عَلَى شَوْكَةِ أَنْفُسِهِمْ.\n\n- وَذُكِرَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ تَرَكَ دَابَّةً بِمَهْلَكَةٍ فَهِيَ لِمَنْ أَحْيَاهَا» . وَبِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ أَخَذَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فَقَالُوا: إذَا تَرَكَ الْغَازِي دَابَّتَهُ فِي هَزِيمَةِ فَأَخَذَهَا مُسْلِمٌ آخَرُ وَأَخْرَجَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا. لِأَنَّ الْأَوَّلَ تَرَكَهَا مُعْرِضًا عَنْهَا، وَإِنَّمَا كَانَ مَالِكًا لَهَا لِكَوْنِهِ مُحْرِزًا لَهَا بِيَدِهِ، فَإِذَا زَالَ ذَلِكَ الْتَحَقَتْ بِالصَّيُودِ، فَهِيَ لِمَنْ أَخَذَهَا وَأَحْيَاهَا. وَلَسْنَا نَأْخُذُ بِهِ، فَإِنَّ هَذَا تَسْيِيبُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَدْ نَفَاهُ الشَّرْعُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ.﴾ [المائدة: ١٠٣] الْآيَةَ) .\nوَلَيْسَ التَّسْيِيبُ فِي الدَّوَابِّ نَظِيرَ الْإِعْتَاقِ فِي الْعَبِيدِ. فَبِالْإِعْتَاقِ تَحْدُثُ فِيهِ صِفَةُ الْمَالِكِيَّةِ فَتَنْتَفِي الْمَمْلُوكِيَّةُ. وَبِالتَّسْيِيبِ لَا تُحْذَفُ صِفَةُ الْمَالِكِيَّةُ فِي الدَّوَابِّ. وَإِذَا بَقِيَتْ مَمْلُوكَةً كَانَتْ لِصَاحِبِهَا. وَحُرْمَةُ الْمِلْكِ بِاعْتِبَارِ حُرْمَةِ الْمَالِكِ (٥٧ ب) فَلَا يَمْلِكُهَا أَحَدٌ بِالْأَخْذِ.\n٢٥٩ - وَذُكِرَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يَأْخُذُهَا صَاحِبُهَا وَلَا نَفَقَةَ لَهُ عَلَى الَّذِي أَحْيَاهَا إنْ كَانَ أَنْفَقَ مِنْ مَالِهِ. وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ وَهَمٌّ. فَالشَّعْبِيُّ هُوَ الَّذِي رَوَاهُ، وَمَا كَانَ يُفْتِي بِخِلَافِ مَا يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ -.","vol":"1","page":212},{"text":"ثُمَّ مِثْلُ هَذَا الْحَدِيثِ الشَّاذِّ لَا يَكُونُ مَعْمُولًا بِهِ. إذَا كَانَ مُخَالِفًا لِلْأُصُولِ فَكَانَ الرُّجُوعُ إلَى الْمُقَامِ الْمُتَّفَقِ عَلَى قَبُولِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ - ﷺ -: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِطِيبَةِ نَفْسٍ مِنْهُ» أَوْلَى. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ - ﵇ -: «مَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا.\nوَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ - ﵀ - يَقُولُ: يَأْخُذُهَا صَاحِبُهَا وَيَرُدُّ عَلَى الْمُنْفِقِ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ النَّفَقَةِ إنْ كَانَ أَنْفَقَ بِغَيْرِ إذْنِهِ. وَبِقَوْلِ الشَّعْبِيِّ نَأْخُذُ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِالْإِنْفَاقِ عَلَى مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ. وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَلْزَمَهُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ لِنَفْسِهِ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ هَذِهِ الْوِلَايَةُ عَلَى غَيْرِهِ. فَأَمَّا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ يَقُولُ: دَلَالَةُ الْإِذْنِ فِي الْإِنْفَاقِ مِنْ صَاحِبِهَا مَعْلُومٌ بِطَرِيقِ الظَّاهِرِ. لِأَنَّهُ لَوْ تَمَكَّنَ مِنْ إخْرَاجِهَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، فَإِذَا عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ كَانَ مُسْتَعِينًا بِكُلِّ مَنْ يَقْوَى عَلَى ذَلِكَ رَاضِيًا بِأَنْ يَنْفُقَ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ. وَدَلَالَةُ الْإِذْنِ كَصَرِيحِ الْإِذْنِ. وَلَكِنَّا نَقُولُ: هَذِهِ الِاسْتِعَانَةُ وَالرِّضَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّعِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ بِمَا يُنْفِقُ. وَالْمُحْتَمَلُ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً لِإِيجَابِ الدَّيْنِ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ، وَهُوَ نَظِيرُ الْمُودِعِ يُنْفِقُ عَلَى الْوَدِيعَةِ فِي حَالِ غَيْبَةِ صَاحِبهَا بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي، فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهَا بِمَا أَنْفَقَ لِهَذَا الْمَعْنَى، كَذَا هَذَا، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":213},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>[بَابٌ صَاحِبُ السَّاقَةِ إذَا وَجَدَ فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ رَجُلًا مَعَ دَابَّتِهِ]</span>\n٢٦٠ - وَإِذَا جَعَلَ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ عَلَى السَّاقَةِ رَجُلًا يَلْحَقُ مَنْ تَخَلَّفَ بِالْمُعَسْكَرِ فَهُوَ حَسَنٌ فِي دُخُولِ دَارِ الْحَرْبِ وَالِانْصِرَافِ مِنْهَا. لِأَنَّ فِيهِ نَظَرٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَاَلَّذِي يَغْلِبُهُ النَّوْمُ أَوْ يَعِي رُبَّمَا يَجْلِسُ أَوْ يَنَامُ لِلِاسْتِرَاحَةِ فِي مَوْضِعِ الْخَوْفِ ثُمَّ لَا يَلْتَحِقُ بِالْجَيْشِ فَيَضِيعُ.\n- وَإِذَا كَانَ عَلَى السَّاقَةِ مَنْ يُكَلِّفُهُ اللُّحُوقَ بِالْعَسْكَرِ يُؤْمَنُ عَلَيْهِ الضَّيَاعُ. وَفِي نَظِيرِهِ قَالَ عُمَرُ - ﵁ -: لَوْ تُرِكْتُمْ لَبِعْتُمْ أَوْلَادَكُمْ.\n\n- فَإِنْ وَجَدَ صَاحِبُ السَّاقَةِ رَجُلًا قَامَتْ عَلَيْهِ دَابَّتُهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يَتْرُكَ الدَّابَّةَ وَيَلْتَحِقَ بِالْعَسْكَرِ كَيْ لَا يَهْلِكَ، فَأَخَذَهُ وَأَلْحَقَهُ بِالْعَسْكَرِ وَتَرَكَ دَابَّتَهُ فَهَلَكَتْ، لَمْ يَضْمَنْ لَهُ شَيْئًا.\nلِأَنَّهُ مَا تَعَرَّضَ لِلدَّابَّةِ بِشَيْءٍ، إنَّمَا أَحْسَنَ إلَى صَاحِبِهَا حِينَ أَلْحَقَهُ بِالْعَسْكَرِ","vol":"1","page":214},{"text":"وَلَوْ أَسَاءَ إلَى صَاحِبِهَا بِأَنْ حَبَسَ صَاحِبَ الْمَوَاشِي حَتَّى ضَاعَتْ مَوَاشِيه لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا. فَإِذَا أَحْسَنَ إلَيْهِ كَانَ أَوْلَى. وَلِأَنَّ الرَّجُلَ ابْتَلَى بِبَلِيَّتَيْنِ: إمَّا يُضَيِّعُ دَابَّتَهُ أَوْ يُضَيِّعُ نَفْسَهُ (٥٨ آ) إنْ وَقَفَ مَعَهَا. وَمَنْ دُفِعَ إلَى شَرَّيْنِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَخْتَارَ أَهْوَنَهُمَا. وَذَلِكَ تَرْكُ الدَّابَّةِ. فَصَاحِبُ السَّاقَةِ أَمْرٌ يَحِقُّ عَلَيْهِ فِعْلُهُ شَرْعًا فَيَكُونُ مُحْسِنًا، وَمَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ.\n\n- وَإِنْ كَانَ أَخَذَ الدَّابَّةَ مِنْ يَدِ صَاحِبِهَا فَنَحَّاهَا عَنْهُ ثُمَّ مَنَعَهُ مِنْ أَخْذِهَا، فَهَلَكَتْ، فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ قِيمَتَهَا. لِأَنَّهُ فَوَّتَ لَهُ يَدَهُ بِصُنْعٍ أَحْدَثَهُ فِي الدَّابَّةِ، وَذَلِكَ غَصْبٌ مِنْهُ. تَوْضِيحُهُ أَنَّهُ أَمَرَ بِإِزَالَةِ يَدِ صَاحِبِ الدَّابَّةِ عَنْ الدَّابَّةِ وَإِنَّمَا أَمَرَ بِإِلْحَاقِهِ بِالْعَسْكَرِ. وَهُوَ فِيمَا أَمَرَ بِهِ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَى التَّعَرُّضِ لِدَابَّتِهِ، فَيَكُونُ ضَامِنًا لَهُ قِيمَتَهَا إذَا أَخْرَجَهَا مِنْ يَدِهِ كَغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ ذَبَحَهَا صَاحِبُ السَّاقَةِ أَوْ ضَرَبَهَا فَقَتَلَهَا فَهُوَ ضَامِنٌ. وَهَذَا أَظْهَرُ.\n\n- فَإِنْ أَخَذَ صَاحِبُ الدَّابَّةِ بِلِجَامِ دَابَّتِهِ فَفَكَّ صَاحِبُ السَّاقَةِ يَدَهُ وَأَلْحَقَهُ بِالْعَسْكَرِ وَتَرَكَ الدَّابَّةَ فِي مَوْضِعِهَا لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا.\nلِأَنَّ صُنْعَهُ حَلَّ بِيَدِ صَاحِبِهَا لَا بِالدَّابَّةِ. وَهَذَا دَلِيلٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي أَنَّ ضَمَانَ الْغَصْبِ لَا يَجِبُ إلَّا بِاعْتِبَارِ صُنْعٍ فِي الْمَغْصُوبِ يُفَوِّتُ يَدَ الْمَالِكِ بِتَحْوِيلِهِ عَنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ يَدُ الْمَالِكِ عَلَيْهِ ثَابِتًا فِيهِ. فَإِنَّهُ إذَا أَخَذَ لِجَامَ الدَّابَّةِ وَنَحَّاهَا كَانَ ضَامِنًا، وَإِذَا فَكَّ يَدَ صَاحِبِهَا عَنْ اللِّجَامِ لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا، وَتَلَفُ الدَّابَّةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ","vol":"1","page":215},{"text":"حَاصِلٌ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ، إلَّا أَنَّ مُحَمَّدًا - ﵀ - يُسَلِّمُ هَذَا الْأَصْلَ فِيمَا يَحْتَمِلُ النَّقْلَ، وَلَكِنَّهُ يَقُولُ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ النَّقْلَ: يُقَامُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ بِاعْتِبَارِ تَفْوِيتِ ثَمَرَاتِ الْمِلْكِ عَلَى الْمَالِكِ، كَمَا تُشْتَرَطُ الْإِشَارَةُ فِي الدَّعْوَى، وَالشَّهَادَةِ إلَى الْعَيْنِ فِيمَا يَحْتَمِلُ النَّقْلَ إلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي، ثُمَّ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ يُقَامُ ذِكْرُ الْحُدُودِ مَقَامُهُ لِلتَّيْسِيرِ.\n- وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الرَّجُلُ رَاكِبًا فَأَنْزَلَهُ كُرْهًا وَأَلْحَقَهُ بِالْعَسْكَرِ لَمْ يَضْمَنْ دَابَّتَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصْنَعْ فِيهَا شَيْئًا، إنَّمَا صَنَعَهُ فِي صَاحِبِهَا.\n\n- وَإِنْ أَخَذَ صَاحِبُ السَّاقَةِ الرَّجُلَ فَأَلْحَقَهُ بِالْعَسْكَرِ وَتَرَكَ دَابَّتَهُ فَمَرَّ بِهَا سَرِيَّةٌ كَانُوا عَلَى إثْرِهِمْ فَعَلَفُوهَا وَقَامُوا عَلَيْهَا حَتَّى أَلْحَقُوهَا بِالْعَسْكَرِ، ثُمَّ حَضَرَ صَاحِبُهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا.\nلِأَنَّهُ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ فَيَكُونُ أَحَقُّ بِهِ. وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقُوا، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِذَلِكَ. وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا. وَحُكِيَ أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ - ﵁ - كَانَ لَهُ رُمْحٌ طَوِيلٌ. وَكَانَ إذَا شَقَّ عَلَيْهِ حَمْلُهُ أَلْقَاهُ عَلَى الطَّرِيقِ فَيَمُرُّ بِهِ بَعْضُ الْأَعْرَابِ مِمَّنْ يَكُونُ فِي آخِرِ الْعَسْكَرِ فَيَأْخُذُهُ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ قِصَّتَهُ، حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ الْمَنْزِلَ، فَيَجِيءُ الزُّبَيْرُ وَيَقُولُ: جَزَاك اللَّهُ خَيْرًا فِيمَا حَمَلْت مِنْ رُمْحِي. فَيَأْخُذُهُ. فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ.\n\n- فَإِنْ كَانُوا حِينَ أَتَوْا بِهَا الْعَسْكَرَ أَخْبَرُوا الْأَمِيرَ خَبَرَهَا فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُنْفِقُوا عَلَيْهَا حَتَّى يَجِدُوا صَاحِبَهَا فَفَعَلُوا ذَلِكَ، ثُمَّ حَضَرَ صَاحِبُهَا، أَخَذَهَا وَأَعْطَاهُمْ مَا أَنْفَقُوا بَعْدَ أَمْرِ الْأَمِيرِ (٥٨ ب) . وَلَمْ يُعْطِهِمْ شَيْئًا مِمَّا أَنْفَقُوا قَبْلَ ذَلِكَ.","vol":"1","page":216},{"text":"لِأَنَّ فِي هَذَا الْأَمْرِ نَظَرًا لِصَاحِبِهَا بِإِحْيَاءِ مِلْكِهِ وَإِمْسَاكِهِ عَلَيْهِ، وَالدَّابَّةُ لَا تَبْقَى بِدُونِ النَّفَقَةِ، وَالْإِنْسَانُ لَا يَرْضَى بِالتَّبَرُّعِ بِالْإِنْفَاقِ عَلَى مِلْكِ الْغَيْرِ. وَلِلْأَمِيرِ وِلَايَةُ النَّظَرِ لِكُلِّ مَنْ عَجَزَ عَنْ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ مِنْ الْجُنْدِ، فَكَانَ أَمْرُهُ بِذَلِكَ كَأَمْرِ صَاحِبِ الدَّابَّةِ حِينَ صَدَرَ عَنْ وِلَايَةٍ شَرْعِيَّةٍ.\n- فَإِنْ قَالُوا: أَنْفَقْنَا عَلَيْهَا بَعْدَ الْأَمْرِ كَذَا، وَذَلِكَ نَفَقَةُ مِثْلِهَا، وَقَالَ صَاحِبُهَا: لَمْ يُنْفِقُوا عَلَيْهَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبُهَا.\nلِأَنَّهُمْ يَدَّعُونَ فِي ذِمَّتِهِ دَيْنًا لِأَنْفُسِهِمْ وَهُوَ مُنْكِرٌ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلُهُ بَعْدَ مَا يَحْلِفُ عَلَى عِلْمِهِ، لِأَنَّهُ اسْتِحْلَافٌ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ، وَهُوَ إنْفَاقُهُمْ عَلَيْهَا، فَيَكُونُ عَلَى الْعِلْمِ دُونَ الثَّبَاتِ.\n- فَإِنْ أَقَامُوا شَاهِدَيْنِ مُسْلِمَيْنِ عَلَى مَا ادَّعَوْا، أَوْ كَانَ إنْفَاقُهُمْ بِعِلْمِ الْأَمِيرِ رَجَعُوا عَلَى صَاحِبِهَا. وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى إنْكَارِهِ لِثُبُوتِ مَا ادَّعَوْا بِحُجَّةٍ حُكْمِيَّةٍ: وَذَلِكَ عِلْمُ الْأَمِيرِ أَوْ شَهَادَةُ شَاهِدَيْنِ.\n- فَإِنْ كَانُوا - حِينَ رَفَعُوهَا إلَى الْأَمِيرِ وَشَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّهُمْ وَجَدُوهَا - لَا يَدْرُونَ لِمَنْ هِيَ. إنْ رَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَبِيعَهَا فَبَاعَهَا جَازَ. لِأَنَّ ذَلِكَ نَظَرٌ مِنْهُ لِصَاحِبِهَا. فَالْإِنْفَاقُ رُبَّمَا يَأْتِي عَلَى مَالِيَّتِهَا، وَحِفْظُ ثَمَنِهَا أَيْسَرُ مِنْ حِفْظِ عَيْنِهَا. وَلِلْأَمِيرِ وِلَايَةُ النَّظَرِ عَلَى جُنْدِهِ.","vol":"1","page":217},{"text":"وَلَيْسَ لِصَاحِبِهَا إذَا حَضَرَ أَنْ يُبْطِلَ الْبَيْعَ، وَإِنَّمَا حَقُّهُ فِي ثَمَنِهَا.\n٢٧١ - فَإِنْ كَانَ أَمَرَهُمْ بِالْإِنْفَاقِ زَمَانًا ثُمَّ بَاعَهَا، فَقَالُوا: أَعْطِنَا مِنْ الثَّمَنِ مَا أَنْفَقْنَا، وَأَقَامُوا الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا ادَّعَوْا مِنْ النَّفَقَةِ قَبْلَ أَنْ يَحْضُرَ صَاحِبُهَا أَوْ بَعْدَ مَا حَضَرَ أَعْطَاهُمْ مَا أَنْفَقُوا بَعْدَ أَمْرِهِ.\nلِأَنَّهُمْ اسْتَوْجَبُوا ذَلِكَ فِي ذِمَّةِ صَاحِبِهَا بِإِحْيَائِهِمْ مَالِيَّةَ هَذِهِ الدَّابَّةِ، وَلِهَذَا لَوْ حَضَرَ صَاحِبُهَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَحْبِسُوهَا حَتَّى يَأْخُذُوا مَا أَنْفَقُوا، بِمَنْزِلَةِ رَادِّ الْآبِقِ يَحْبِسُهُ بِالْجُعَلِ. وَالثَّمَنُ بَدَلُ تِلْكَ الْمَالِيَّةِ، فَيُعْطِيهِمْ الْأَمِيرُ مِقْدَارَ حَقِّهِمْ مِنْ ذَلِكَ. وَهَذِهِ الْبَيِّنَةُ مَقْبُولَةٌ مِنْهُمْ قَبْلَ حُضُورِ صَاحِبِهَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْأَمِيرَ خَصْمٌ فِيهِ عَنْ صَاحِبِهَا، كَمَا تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ مِنْهُمْ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ بِالْإِنْفَاقِ، فَإِنَّهُمْ لَوْ قَالُوا لِلْأَمِيرِ: وَجَدْنَا هَذِهِ الدَّابَّةَ وَلَا نَعْرِفُ صَاحِبَهَا، أَمَرَهُمْ بِأَنْ يَأْتُوهُ بِشُهُودٍ عَلَى ذَلِكَ، وَيَقْبَلُ بَيِّنَتَهُمْ لِيَأْمُرَهُمْ بِالْإِنْفَاقِ.\n- فَإِنْ لَمْ يَأْتُوهُ بِشُهُودٍ وَرَأَى الْأَمِيرُ النَّظَرَ فِي أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقُولَ: أَمَرْتهمْ أَنْ يُنْفِقُوا عَلَيْهَا، عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمُوا رَجَعُوا عَلَى صَاحِبِهَا، وَإِلَّا فَلَسْت آمُرُهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. وَيُشْهِدُ عَلَى هَذَا، أَوْ يَقُولُ: أَمَرْتهمْ بِبَيْعِهَا وَإِنْفَاقِ ثَمَنِهَا إنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرُوا. وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى غَيْرِ مَا زَعَمُوا فَلَسْت آمُرُهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.\nوَهَذَا لِأَنَّ الْإِشْهَادَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يَتَمَحَّصُ نَظَرًا لِصَاحِبِهَا بِأَنَّهُمْ إنْ","vol":"1","page":218},{"text":"كَانُوا صَادِقِينَ يَحْيَا مِلْكُهُ بِهَذَا، وَإِنْ كَانُوا غَاصِبِينَ لَا يَسْتَفِيدُونَ الْبَرَاءَةَ عَمَّا لَزِمَهُمْ مِنْ الضَّمَانِ بِهَذَا. وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ (٥٩ آ) بِاعْتِبَارِ هَذَا الْأَمْرِ إذَا كَانَ مَنْ فِي يَدِهِ غَاصِبًا.\n- فَإِنْ حَضَرَ صَاحِبُهَا وَقَدْ هَلَكَ الثَّمَنُ فِي يَدِ مَنْ بَاعَهَا بَعْدَ أَمْرِ الْأَمِيرِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَإِنْ أَقَرَّ بِمَا أَخْبَرَ الْمُخْبِرُ بِهِ الْأَمِيرَ فَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ ضَمَانِهِ وَضَمَانِ ثَمَنِهِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ الْبَيْعَ كَانَ بِإِذْنٍ صَحِيحٍ.\n- وَإِنْ جَحَدَ صَاحِبُهَا ذَلِكَ فَالْبَائِعُ ضَامِنٌ لَقِيمَتِهَا حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا يَدَّعِي، فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا يَدَّعِي، فَالثَّابِتُ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِاتِّفَاقِ الْخَصْمِ.\n٢٧٥ - فَإِنْ وَجَدَ صَاحِبُهَا الدَّابَّةَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ.\n- فَإِنْ أَقَامَ الْمُشْتَرِي الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا قَالَهُ الْوَاجِدُ وَعَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ الْأَمِيرُ سَلَّمَ لَهُ مَا اشْتَرَى؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ سَبَبَ مِلْكٍ صَحِيحٍ لِنَفْسِهِ بِالْبَيِّنَةِ.\n- وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ أَخَذَ الدَّابَّةَ صَاحِبُهَا وَرَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ. لِاسْتِحْقَاقِ الْمَبِيعِ مِنْ يَدِهِ.","vol":"1","page":219},{"text":"- فَإِنْ أَقَامَ الْبَائِعُ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا ادَّعَى، مِنْ أَنَّهُ وَجَدَهَا ضَائِعَةً وَأَنَّ الْأَمِيرَ أَمَرَهُ بِبَيْعِهَا بَرِيءَ هُوَ مِنْ الثَّمَنِ.\nبِمَحْضَرٍ مِنْ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ. وَهَذَا التَّقْيِيدُ دَلِيلٌ عَلَى مَسْأَلَةٍ أُخْرَى وَهُوَ أَنَّ الْمُشْتَرِي إذَا اسْتَحَقَّ مِنْهُ الْمَبِيعَ فَأَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ، فَأَقَامَ الْبَائِعُ بَيِّنَةً عَلَى أَمْرٍ يَبْطُلُ بِهِ اسْتِحْقَاقُ الْمُسْتَحِقِّ إنْ كَانَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الْمُسْتَحِقِّ تُقْبَلُ، وَإِلَّا فَلَا، وَرَجَعَ الْمُشْتَرِي فَأَخَذَهَا مِنْ الْمُسْتَحِقِّ، لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِإِقْرَارِ الْخَصْمِ. وَأَيُّ قَاضٍ رُفِعَ إلَيْهِ هَذِهِ الْحَادِثَةُ وَسُئِلَ إجَازَةَ الْبَيْعِ لَمْ يُجِزْهُ حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ عِنْدَهُ عَلَى جَمِيعِ مَا بَيَّنَّا. لِأَنَّ وِلَايَةَ الْإِجَازَةِ إنَّمَا تَثْبُتُ لَهُ إذَا ظَهَرَ جَمِيعُ ذَلِكَ عِنْدَهُ، وَلَا يَظْهَرُ إلَّا بِالْحُجَّةِ. وَاَللَّهُ الْمُعِينُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>[بَابُ سَجْدَةِ الشُّكْرِ]</span>\n٣٨ -","vol":"1","page":220},{"text":"٣٨ - بَابُ سَجْدَةِ الشُّكْرِ\n- وَإِذَا أَتَى الْأَمِيرَ أَمْرٌ يَسُرُّهُ فَأَرَادَ أَنْ يَشْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَيْهِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُكَبِّرَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، فَيَخِرَّ سَاجِدًا يَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى وَيَشْكُرُهُ، وَيُسَبِّحُ وَيُكَبِّرُ تَكْبِيرَةً وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ. وَهَذِهِ سَجْدَةُ الشُّكْرِ\nوَهِيَ سُنَّةٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ. رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ سِمَاعَةَ. فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَكَانَ لَا يَرَاهَا شَيْئًا، أَيْ شَيْئًا مَسْنُونًا، أَوْ لَا يَرَاهَا شُكْرًا تَامًّا، فَإِنَّ تَمَامَ الشُّكْرِ فِي أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، كَمَا «فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ» . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُهَا. وَهَكَذَا رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. لِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ مَنْ يَكُونُ مَنْظُورًا إلَيْهِ رُبَّمَا يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ أَوْ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ عِنْدَ حُدُوثِ النِّعَمِ، فَيَكُونُ مُدْخِلًا فِي الدِّينِ مَا لَيْسَ مِنْهُ. وَقَالَ - ﵇ -: «مَنْ أَدْخَلَ فِي دِينِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» . وَمَا مِنْ سَاعَةٍ إلَّا وَفِيهَا نِعْمَةٌ مُتَجَدِّدَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مِنْ صِحَّةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. فَلَوْ اشْتَغَلَ بِالسُّجُودِ عِنْدَ كُلِّ نِعْمَةٍ لَمْ يَتَفَرَّغْ لِشُغْلٍ آخَرَ. وَلَمَّا وُفِّقَ حَتَّى سَجَدَ كَانَ ذَلِكَ نِعْمَةٌ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدَ لَهَا ثَانِيًا. وَلَكِنْ اسْتَحْسَنَ مُحَمَّدٌ الْآثَارَ الْمَرْوِيَّةَ فِي الْبَابِ.","vol":"1","page":221},{"text":"- مِنْهَا مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إذَا بُشِّرَ بِبُشْرَى تَسُرُّهُ يَخِرُّ سَاجِدًا لِلَّهِ» . وَرُوِيَ «أَنَّهُ - ﵇ - مَرَّ بِرَجُلٍ بِهِ زَمَانَةٌ فَسَجَدَ» . وَمَرَّ بِهِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ (٥٩ ب) فَفَعَلَا ذَلِكَ. وَفِي كُتُبِ الْحَدِيثِ يُرْوَى «أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - مَرَّ بِنُغَاشِي فَسَجَدَ» . يَعْنِي نَاقِصَ الْخَلْقِ.\nوَرُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - ﵁ - لَمَّا أَتَاهُ فَتْحُ الْيَمَامَةِ سَجَدَ. وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: كُنَّا مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِالنَّهْرَوَانِ فَقَالَ: الْتَمِسُوهُ، يَعْنِي ذَا الثُّدَيَّةِ. فَالْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ. فَجَعَلَ","vol":"1","page":222},{"text":"يَعْرَقُ جَبِينُهُ وَيَقُولُ: مَا كَذَبْت وَلَا كُذِّبْت. فَوَجَدُوهُ فِي سَاقِيَةٍ أَوْ بِئْرٍ فَسَجَدَ عَلِيٌّ - ﵁ - سَجْدَةً.\nوَأَصْلُ هَذَا مَا رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا قَاتَلَ عَلِيٌّ - ﵁ - الْحَرُورِيَّةَ قَالَ: اُنْظُرُوا. فَإِنَّ فِيهِمْ رَجُلًا إحْدَى ثَدْيَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ. حَدَّثَنِي نَبِيُّ اللَّهِ أَنِّي صَاحِبُهُ. فَقَلَّبُوا الْقَتْلَى فَلَمْ يَجِدُوهُ. فَقَالَ: اُنْظُرُوا، فَوَاَللَّهِ مَا كَذَبْت وَلَا كُذِّبْت. قَالُوا: فَإِنَّ سَبْعَةَ نَفَرٍ تَحْتَ نَخْلٍ لَمْ نُقَلِّبْهُمْ بَعْدُ. قَالَ: اُنْظُرُوا. قَالَ الرَّاوِي: فَرَأَيْت فِي رِجْلَيْهِ حَبْلًا جَرُّوهُ بِهِ حَتَّى أَلْقَوْهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. فَخَرَّ لِلَّهِ سَاجِدًا، وَقَالَ: أَبْشِرُوا. إنَّمَا فَعَلَ هَذَا لِأَنَّهُ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَخْبَرَهُ بِأَنَّ الْقَوْمَ الَّذِي فِيهِمْ رَجُلٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يُقَاتِلُونَك وَهُمْ عَلَى الضَّلَالَةِ. فَحِينَ وَجَدُوهُ كَانَ ذَلِكَ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ. فَلِهَذَا خَرَّ لِلَّهِ سَاجِدًا. وَبِاَللَّهِ الْعَوْنُ وَالتَّوْفِيقُ.","vol":"1","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>[بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ]</span>\n- قَالَ مُحَمَّدٌ - ﵀ -: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ. وَأَحْسَنُ الْأَقَاوِيلِ فِيهَا مَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَجَامَعَهُمَا عَلَيْهِ ابْنُ عُمَرَ. وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ الْإِمَامُ النَّاسَ طَائِفَتَيْنِ فَتَقِفُ طَائِفَةٌ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ وَيُصَلِّي بِطَائِفَةٍ شَطْرَ الصَّلَاةِ. ثُمَّ تَذْهَبُ هَذِهِ الطَّائِفَةُ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ وَيُصَلِّي بِطَائِفَةٍ شَطْرَ الصَّلَاةِ. ثُمَّ تَذْهَبُ هَذِهِ الطَّائِفَةُ فَتَقِفُ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ وَتَأْتِي الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فَيُصَلِّي بِهِمْ شَطْرَ الصَّلَاةِ. ثُمَّ يُسَلِّمُ الْإِمَامُ. وَتَذْهَبُ هَذِهِ الطَّائِفَةُ فَتَقِفُ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ وَتَأْتِي الطَّائِفَةُ الْأُولَى فَيُتِمُّونَ صَلَاتَهُمْ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ لِأَنَّهُمْ أَدْرَكُوا أَوَّلَ الصَّلَاةِ، فَهُمْ فِي حُكْمِ الْمُقْتَدِينَ فِي جَمِيعِهَا. ثُمَّ تَأْتِي الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ فَيَقْضُونَ مَا فَاتَهُمْ بِقِرَاءَةٍ لِأَنَّهُمْ مَسْبُوقُونَ فِيهَا.\nوَقَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ مَا فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ اخْتِلَافِ الْآثَارِ وَاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ وَمَا فِي نَوَادِرِ أَبِي سُلَيْمَانَ لِأَبِي يُوسُفَ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا إذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ أَوْ فِي دُبُرِ الْقِبْلَةِ فِي حُكْمِ صَلَاةِ الْخَوْفِ.\n- وَذُكِرَ هَاهُنَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - «أَنَّ الْإِمَامَ يُصَلِّي بِكُلِّ طَائِفَةٍ سَجْدَةً» .","vol":"1","page":224},{"text":"وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ رَكْعَةً. وَهَذِهِ لُغَةٌ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ. يَقُولُونَ: سَجَدَ فُلَانٌ سَجْدَةً: أَيْ صَلَّى رَكْعَةً.\n- وَذُكِرَ فِي حَدِيثِهِ أَيْضًا: فَإِنْ كَانَ خَوْفًا هُوَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ صَلُّوا رِجَالًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ أَوْ رُكْبَانًا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ أَوْ غَيْرِ مُسْتَقْبِلِيهَا. وَإِنَّمَا أَرَادَ إذَا كَانُوا قِيَامًا لَا مُشَاةً، فَإِنَّ الْمَشْيَ عَمَلٌ لَا يَجُوزُ الصَّلَاةُ مَعَهُ بِمَنْزِلَةِ السِّبَاحَةِ فِي الْبَحْرِ وَالْمُسَايَفَةِ فِي زَمَانِ الْقِتَالِ.\n٢٨٤ - وَذُكِرَ عَنْ (٦٠ آ) مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إذَا سَافَرَ فَنَزَلَ مَنْزِلًا لَمْ يَقْعُدْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» .\nوَأَهْلُ الْحَدِيثِ يَرْوُونَ هَذَا الْحَدِيثَ أَتَمُّ مِنْ هَذَا، لِأَنَّهُ فِي كُلِّ مَنْزِلٍ كَانَ يُعَيِّنُ مَكَانَ الصَّلَاةِ أَوَّلًا فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِكُلِّ مُسَافِرٍ أَنْ يَفْعَلَهُ، فَإِنَّ النُّزُولَ لِلِاسْتِرَاحَةِ، وَذَلِكَ نَصِيبُ الْبَدَنِ، فَالْأُولَى أَنْ يُقَدِّمَ أَمْرَ الدِّينِ عَلَيْهِ. وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - فِي بَيْتِهِ كَانَ يُصَلِّي وَيَسْعَى فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ»، وَبِهِ أَمَرَ أُمَّتَهُ فَقَالَ: «لَا تَتَّخِذُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا» . قِيلَ مَعْنَاهُ: لَا تُصَلُّوا فِيهِ. وَقِيلَ مَعْنَاهُ: بِأَنْ تَنَامُوا فِيهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ وَأَنْ تُعِينُوا أَهَالِيَكُمْ فِي حَوَائِجِهِمْ. وَقَالَ - ﷺ -: «جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ»، وَقُرَّةُ عَيْنِ أُمَّتِهِ فِيمَا فِيهِ قُرَّةُ عَيْنِهِ. فَالْبِدَايَةُ بِهِ عِنْدَ النُّزُولِ فِي الْمَنْزِلِ أَوْلَى.","vol":"1","page":225},{"text":"- قَالَ: وَإِذَا اُبْتُلِيَ الْمُسْلِمُ بِالْقَتْلِ صَبْرًا فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عِنْدَ ذَلِكَ رَكْعَتَيْنِ وَيَسْتَغْفِرُ بَعْدَهُمَا ذُنُوبَهُ. لِيَكُونَ آخِرَ عَمَلِهِ الصَّلَاةُ وَالِاسْتِغْفَارُ. قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَنْ خُتِمَ كِتَابُهُ بِالطَّاعَةِ غُفِرَ لَهُ مَا سَلَفَ» . وَقَالَ: «الْأُمُورُ بِخَوَاتِيمِهَا» . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ كَانَ أَوَّلُ كَلَامِهِ وَآخِرُ كَلَامِهِ قَوْلَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَ ذَلِكَ» . فَلِهَذَا اسْتَحَبُّوا أَنْ يُلَقَّنَ الصَّبِيُّ فِي أَوَّلِ مَا يَقْدِرُ عَلَى التَّكَلُّمِ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ، وَيُلَقَّنُ ذَلِكَ عِنْدَ مَوْتِهِ أَيْضًا لِيَكُونَ أَوَّلُ كَلَامِهِ وَآخِرُ كَلَامِهِ هَذَا.\n- ثُمَّ الْأَصْلُ فِي الْبَابِ حَدِيثُ «خُبَيْبٍ، فَإِنَّهُ لَمَّا أُسِرَ فَبِيعَ بِمَكَّةَ خَرَجُوا بِهِ إلَى الْحِلِّ لِيَقْتُلُوهُ. فَقَالَ: دَعُونِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ. فَقَالُوا: صَلِّ. فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا أَنْ تَظُنُّونِي جَزِعْت مِنْ الْمَوْتِ لَزِدْت. وَفِي رِوَايَةٍ: أَوْجَزَهُمَا وَقَالَ: لَوْلَا خَشْيَةَ أَنْ يَقُولُوا: جَزَعَ مِنْ الْمَوْتِ لَطَوَّلْت صَلَاتِي. ثُمَّ نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْمُشْرِكِينَ فَلَمْ يَرَ إلَّا شَامِتًا أَوْ شَاتِمًا أَوْ إنْسَانًا فِي يَدِهِ حَجَرٌ أَوْ عَصًا. فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا أَرَى إلَّا وَجْهَ عَدُوٍّ اللَّهُمَّ لَيْسَ هَاهُنَا أَحَدٌ يُبَلِّغُ رَسُولَك عَنِّي السَّلَامَ، فَأَقْرِئْ رَسُولَك وَأَصْحَابَهُ مِنِّي السَّلَامَ.","vol":"1","page":226},{"text":"وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَدَّ ﵇ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ بِالْمَدِينَةِ. ثُمَّ قَالَ خُبَيْبٌ: اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا، وَالْعَنْهُمْ بَدَّدَا، وَلَا تُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا. زَادَ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ الْتَمَسَ مِنْهُمْ أَنْ يُكِبُّوهُ عَلَى وَجْهِهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ لِيَقْتُلُوهُ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ. فَجَعَلَ يَقُولُ:\nوَلَسْت أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا ... عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ فِي اللَّهِ مَصْرَعِي\nثُمَّ صَلَبُوهُ بَعْدَ الْقَتْلِ مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةِ، فَتَحَوَّلَتْ خَشَبَتُهُ حَتَّى صَارَ مُسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةِ. وَقَدْ اسْتَحْسَنَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - مَا صَنَعَهُ خُبَيْبٌ عِنْدَ الْقَتْلِ مِنْ الصَّلَاةِ رَكْعَتَيْنِ وَسَمَّاهُ سَيِّدَ الشُّهَدَاءِ وَقَالَ: هُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ» فَصَارَتْ سُنَّةٌ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ\n- قَالَ: وَصَلَاةُ الْخَوْفِ إنَّمَا تَكُونُ إذَا كَانُوا (٦٠ ب) مُوَاقِفِينَ لِلْعَدُوِّ. فَأَمَّا فِي حَالَةِ الْمُسَايَفَةِ وَالْمُطَاعَنَةِ وَالرَّمْي فَلَا تَسْتَقِيمُ الصَّلَاةُ لِأَنَّ هَذَا عَمَلٌ، وَلَا تَسْتَقِيمُ الصَّلَاةُ مَعَ الِاشْتِغَالِ بِعَمَلٍ لَيْسَ مِنْهَا، وَلَكِنَّهُمْ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ إلَى أَنْ يَفْرُغُوا مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّ مَا يَفُوتُهُمْ مِنْ الصَّلَاةِ يُمْكِنُهُمْ تَدَارُكُهُ بَعْدَ هَذَا، وَمَا يَفُوتُهُمْ بِالِاشْتِغَالِ بِالصَّلَاةِ، وَالْكَفِّ عَنْ الْقِتَالِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يُمْكِنُهُمْ تَدَارُكُهُ.","vol":"1","page":227},{"text":"- وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ «أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: حُبِسْنَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنْ الصَّلَاةِ إلَى هَوِيٍّ مِنْ اللَّيْلِ حَتَّى كُفِينَا، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب: ٢٥] . فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِلَالًا فَأَمَرَ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ صَلَاةَ الظُّهْرِ، فَصَلَّاهَا كَأَحْسَنِ مَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا، ثُمَّ أَقَامَ الْعَصْرَ فَصَلَّاهَا مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ الْعِشَاءَ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]» .\n٢٨٩ - وَفِي رِوَايَةِ «ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَمَرَهُ فَأَذَّنَ وَأَقَامَ لِلْأُولَى، ثُمَّ أَقَامَ لِكُلِّ صَلَاةٍ بَعْدَ الْأُولَى. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ أَنَّهُ أَمَرَهُ فَأَذَّنَ وَأَقَامَ لِكُلِّ صَلَاةٍ. وَبِأَيِّ ذَلِكَ أَخَذْت فَهُوَ حَسَنٌ» .\nوَفِيهِ دَلِيلُ جَوَازِ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ لِشُغْلِ الْقِتَالِ، وَأَنَّ الْمُسْتَحَبَّ فِي الْفَوَائِتِ أَنْ تُقْضَى بِالْجَمَاعَةِ كَمَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَإِنْ كَانُوا قِيَامًا عَلَى أَرْجُلِهِمْ أَوْ رُكْبَانًا لَا يَعْمَلُونَ شَيْئًا صَلَّوْا بِالْإِيمَاءِ وَلَمْ يَجُزْ لَهُمْ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ، لِأَنَّ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، الْفَرْضُ يَتَأَدَّى بِالْإِيمَاءِ، وَعَجْزُهُمْ ظَاهِرٌ.\n- وَذُكِرَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: «نَسِيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - صَلَاةَ الْعَصْرِ يَوْمَ الْأَحْزَابِ حَتَّى صَلَّى الْمَغْرِبَ. ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ فَصَلَّاهَا» .","vol":"1","page":228},{"text":"وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ يَسْقُطُ بِعُذْرِ النِّسْيَانِ. وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ. ثُمَّ يَوْمُ الْأَحْزَابِ هُوَ يَوْمُ الْخَنْدَقِ أَيْضًا، وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ تَرَكَ أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ ذُكِرَ أَنَّهُ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ. فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: «شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى، مَلَأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نَارًا» يَعْنِي صَلَاةَ الْعَصْرِ. فَوَجْهُ التَّوْفِيقِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ كَانَ فِي يَوْمٍ عَلَى حِدَةٍ، لِأَنَّهُمْ بَقُوا فِي الْخَنْدَقِ سَبْعَةَ عَشْرَ يَوْمًا. وَكَانُوا مَشْغُولِينَ بِالْقِتَالِ فِي أَكْثَرِ تِلْكَ الْأَيَّامِ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. ٤٠","vol":"1","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>[بَابُ الشَّهِيدِ وَمَا يُصْنَعُ بِهِ]</span>\n- قَالَ مُحَمَّدٌ - ﵀ -: الشَّهِيدُ إذَا قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ لَمْ يُغَسَّلْ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ فِي قَوْلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَأَهْلِ الشَّامِ. وَبِهِ نَأْخُذُ وَفِي قَوْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ. وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ.\nوَاعْلَمْ أَنَّ مُحَمَّدًا - ﵀ - سَلَكَ فِي هَذَا الْكِتَابِ لِلتَّرْجِيحِ طَرِيقًا سِوَى مَا ذَكَرَهُ فِي سَائِرِ الْكُتُبِ (٦١ آ)، وَهُوَ أَنَّهُ نَظَرَ فِيمَا اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلَ الْعِرَاقِ وَأَهْلَ الشَّامِ وَأَهْلَ الْحِجَازِ، فَرَجَحَ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ فَرِيقَانِ وَأَخَذَ بِهِ دُونَ مَا تَفَرَّدَ بِهِ فَرِيقٌ وَاحِدٌ. وَهَذَا خِلَافُ مَا هُوَ الْمَذْهَبُ الظَّاهِرُ لِأَصْحَابِنَا فِي التَّرْجِيحِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ. وَعَلَيْهِ دَلَّ ظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى: ﴿إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْت بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] . وَوَجْهُ مَا اعْتَبَرَهُ هَاهُنَا أَنَّ مِثْلَ هَذَا الِاخْتِلَافِ إنَّمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى اشْتِبَاهِ الْأَثَرِ فِيمَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي الْمَغَازِي وَكَانَ ذَلِكَ أَمْرًا ظَاهِرًا. فَتُهْمَةُ الْغَلَطِ فِيمَا تَفَرَّدَ بِهِ فَرِيقٌ وَاحِدٌ يَكُونُ أَظْهَرُ مِنْ تُهْمَةِ الْغَلَطِ فِيمَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ فَرِيقَانِ كَمَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.","vol":"1","page":230},{"text":"- فَإِنَّ جَابِرًا رَوَى «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يُصَلِّ عَلَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ» . وَأَكْثَرُ الصَّحَابَةِ يَرْوُونَ أَنَّهُ صَلَّى عَلَيْهِمْ. حَتَّى رَوَوْا «أَنَّهُ صَلَّى عَلَى حَمْزَةَ - ﵁ - سَبْعِينَ صَلَاةً، كَانَ مَوْضُوعًا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - كُلَّمَا أَتَى رَجُلٌ صَلَّى عَلَيْهِ وَعَلَى حَمْزَةَ مَعَهُ» . وَكَانَ جَابِرٌ - ﵁ - يَوْمَئِذٍ قُتِلَ أَبُوهُ وَخَالُهُ. فَكَانَ مَشْغُولًا بِهِمَا، لَمْ يَشْهَدْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى الشُّهَدَاءِ، عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّهُ حَمَلَهُمَا إلَى الْمَدِينَةِ «فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ ادْفِنُوا الْقَتْلَى فِي مَضَاجِعِهِمْ» . فَرَدَّهُمَا. وَلَا شَكَّ أَنَّ تَوَهُّمَ الْغَلَطِ فِي رِوَايَتِهِ أَظْهَرُ.\n- ثُمَّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ: إنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ اسْتِغْفَارٌ لَهُ وَتَرَحُّمٌ عَلَيْهِ، وَالشَّهِيدُ يَسْتَغْنِي عَنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ السَّيْفَ مَحَّاءٌ لِلذُّنُوبِ، وَنَحْنُ نَقُولُ: الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ حَقِّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ كَرَامَةً لَهُ، وَالشَّهِيدُ أَوْلَى بِهَذِهِ الْكَرَامَةِ. وَلَا إشْكَالَ أَنَّ دَرَجَةَ الشَّهِيدِ دُونَ دَرَجَةِ مَنْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَقَدْ صَلَّى عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ، وَالنَّاسُ يَقُولُونَ: وَارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآلَ مُحَمَّدٍ فِي الصَّلَاةِ، فَعَلِمَنَا أَنَّهُ لَا يَبْلُغُ الشَّهِيدُ دَرَجَةً يَسْتَغْنِي بِهَا عَنْ اسْتِغْفَارِ الْمُؤْمِنِينَ وَالدُّعَاءِ بِالرَّحْمَةِ لَهُ. وَمَنْ يَقُولُ مِنْهُمْ إنَّ الشَّهِيدَ حَيٌّ بِالنَّصِّ وَلَا يُصَلَّى عَلَى الْحَيِّ فَهَذَا ضَعِيفٌ أَيْضًا، لِأَنَّهُ حَيٌّ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ فَأَمَّا فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا فَهُوَ مَيِّتٌ فِي حَقِّنَا، يُقَسَّمُ مِيرَاثُهُ، وَيَجُوزُ لِزَوْجَتِهِ أَنْ تَتَزَوَّجَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ. وَالصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ أَحْكَامِ الدُّنْيَا إلَّا أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ لِيَكُونَ مَا عَلَيْهِ شَاهِدًا لَهُ عَلَى خَصْمِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.","vol":"1","page":231},{"text":"- قَالَ - ﵇ - فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ: «زَمِّلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ فَإِنَّهُمْ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوْدَاجُهُمْ تَشْخَبُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ» . وَلِهَذَا لَا يُنْزَعُ عَنْهُ جَمِيعُ ثِيَابِهِ، عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ حَمْزَةَ - ﵁ - كُفِّنَ فِي نَمِرَةٍ كَانَتْ عَلَيْهِ حِينَ اُسْتُشْهِدَ، وَلَكِنْ يُنْزَعُ عَنْهُ السِّلَاحُ لِأَنَّهُ كَانَ لَبِسَهُ لِدَفْعِ الْبَأْسِ فَقَدْ انْقَطَعَ ذَلِكَ.\nوَلِأَنَّ دَفْنَ الْقَتْلَى (٦١ ب) مَعَ الْأَسْلِحَةِ فِعْلُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَدْ نُهِينَا عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ. وَكَذَلِكَ مَا لُبِسَ مِنْ جِنْسِ الْكَفَنِ كَالسَّرَاوِيلِ وَالْقَلَنْسُوَةِ وَالْمِنْطَقَةِ وَالْخَاتَمِ وَالْخُفِّ. هَكَذَا ذُكِرَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ. وَلِأَهْلِهِ أَنْ يَزِيدُوا فِي أَكْفَانِهِ مَا أَحَبُّوا. وَبِهَذَا اللَّفْظِ يُسْتَدَلُّ عَلَى أَنَّ التَّقْدِيرَ بِثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ أَوْ بِثَوْبَيْنِ فِي كَفَنِ الرِّجَالِ غَيْرُ لَازِمٍ.\n- وَإِنْ صَارَ مُرْتَثًّا فَهُوَ شَهِيدٌ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ وَلَكِنْ يُصْنَعُ بِهِ مَا يُصْنَعُ بِالْمَوْتَى مِنْ الْغُسْلِ وَالتَّكْفِينِ.\nوَالْمُرْتَثُّ مَنْ يَصِيرُ خَلَقًا فِي حُكْمِ الشَّهَادَةِ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: ثَوْبٌ رَثٌّ أَيْ خَلَقٌ.\n- فَإِذَا حُمِلَ مِنْ مَصْرَعِهِ حَيًّا فَمَاتَ عَلَى أَيْدِي الرِّجَالِ أَوْ مَرِضَ فِي خَيْمَتِهِ فَهُوَ مُرْتَثٌّ. لِأَنَّهُ نَالَ بَعْضَ الرَّاحَةِ.","vol":"1","page":232},{"text":"فَأَمَّا إذَا جُرَّ بِرِجْلِهِ مِنْ بَيْنِ صَفَّيْنِ لِكَيْ لَا تَطَأَهُ الْخُيُولُ فَإِنَّهُ لَا يُغَسَّلُ. لِأَنَّ نَقْلَهُ مِنْ مَصْرَعِهِ لَمْ يَكُنْ لِإِيصَالِ الرَّاحَةِ إلَيْهِ وَلَوْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَإِنَّهُ يُغَسَّلُ لِأَنَّهُ نَالَ بَعْضَ الرَّاحَةِ بِذَلِكَ.\n- قَالَ: وَذُكِرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ صُوحَانَ قَالَ: لَا تَنْزِعُوا عَنِّي ثَوْبًا إلَّا الْخُفَّيْنِ، وَلَا تَغْسِلُوا عَنِّي دَمًا، وَارْمُسُونِي فِي الْأَرْضِ رَمْسًا، فَإِنِّي رَجُلٌ مُحَاجٌّ أُحَاجُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَتَلَنِي.\nفَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُنْزَعُ عَنْ الشَّهِيدِ مِنْ ثِيَابِهِ إلَّا مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْكَفَنِ، وَأَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ لِيَكُونَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّمِ شَاهِدًا لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.\n- وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ بِالْقَادِسِيَّةِ فَقَالَ: إنَّا لَاقُونَ غَدًا فَمُسْتَشْهِدُونَ. فَلَا تَغْسِلُوا عَنَّا دَمًا، وَلَا تُكَفِّنُونَا فِي ثَوْبٍ إلَّا مَا عَلَيْنَا.\nوَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَيْضًا، وَكَأَنَّهُ كَرِهَ شَيْئًا مِمَّا يَرْجِعُ إلَى الزِّينَةِ فِي كَفَنِهِ، لَا لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَا تَحِلُّ.\n- وَذُكِرَ عَنْ الزُّهْرِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ: أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. زَمِّلُوهُمْ فِي ثِيَابِهِمْ. ثُمَّ قَالَ: أَيُّ","vol":"1","page":233},{"text":"هَؤُلَاءِ كَانَ أَكْثَرَ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إلَى رَجُلٍ قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ قَبْلَ صَاحِبِهِ. وَكَانَ يَدْفِنُ فِي الْقَبْرِ الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ» .\nوَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ بِدَفْنِ الْجَمَاعَةِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ. «فَالْأَنْصَارُ يَوْمَئِذٍ أَصَابَهُمْ قَرْحٌ وَجَهْدٌ شَدِيدٌ حَتَّى شَكَوْا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالُوا: إنَّ الْحَفْرَ عَلَيْنَا لِكُلِّ إنْسَانٍ شَدِيدٍ. فَقَالَ: أَعْمِقُوا وَأَوْسِعُوا وَادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ» .\n- وَلَكِنْ يَنْبَغِي عِنْدَ الْحَاجَةِ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَ كُلِّ مَيِّتَيْنِ حَاجِزًا مِنْ التُّرَابِ كَيْ يَصِيرَ فِي حُكْمِ قَبْرَيْنِ.\nوَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا بَأْسَ بِدَفْنِ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، عَلَى مَا رَوَاهُ عَنْ إبْرَاهِيمَ، وَيُقَدَّمُ إلَى جَانِبِ الْقِبْلَةِ أَفْضَلُهُمَا وَهُوَ الرَّجُلُ.\nفَإِنْ كَانَا رَجُلَيْنِ تَقَدَّمَ أَفْضَلُهُمَا أَيْضًا عَلَى مَا قَالَ - ﵇ -: «قَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ» . فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ كَانَ أَفْضَلُهُمْ يَوْمَئِذٍ. لِأَنَّهُمْ يَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ بِأَحْكَامِهِ.\n- ثُمَّ رُوِيَ حَدِيثُ جَابِرٍ «أَنَّ مُنَادِيَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - نَادَى يَوْمَئِذٍ: ادْفِنُوا الْقَتْلَى فِي مَضَاجِعِهِمْ» وَهَذَا حَسَنٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ. وَإِنَّمَا صَنَعَ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِأَنَّهُ كَرِهَ الْمَشَقَّةَ عَلَيْهِمْ بِالنَّقْلِ مَعَ مَا أَصَابَهُمْ مِنْ الْقَرْحِ.","vol":"1","page":234},{"text":"- وَذُكِرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: اُسْتُعْمِلَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَلَى جَيْشٍ، فَكَرِهَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ الْخُرُوجَ مَعَهُ، ثُمَّ نَدِمَ نَدَامَةً شَدِيدَةً فَغَزَا مَعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَحَضَرَ، فَأَتَاهُ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ يَعُودُهُ فَقَالَ: أَلَكَ حَاجَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. إذَا أَنَا مِتُّ فَاغْسِلُونِي وَكَفِّنُونِي ثُمَّ احْمِلُونِي حَتَّى تَأْتُوا بِلَادَ الْعَدُوِّ مَا لَمْ يَشُقَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ تَأْمُرُهُمْ فَيَدْفِنُونِي.\nوَهَذَا أَيْضًا لَيْسَ مِنْ الْوَاجِبِ وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ أَحَبَّهُ إمَّا لِيَكُونَ أَقْرَبَ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ فَيَنَالَ ثَوَابَ مَنْ مَاتَ مُرَابِطًا، أَوْ لِيَكُونَ أَبْعَدَ عَنْ الشُّهْرَةِ بِكَثْرَةِ الزِّيَارَةِ. فَقَدْ قَالَ - ﵇ -: «لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي بَعْدِي مَعْبَدًا» . وَقَالَ: «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» . وَذُكِرَ فِي الْمَغَازِي أَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ وَدَفَنُوهُ لَيْلًا، فَصَعِدَ مِنْ قَبْرِهِ نُورٌ إلَى السَّمَاءِ، وَرَأَى ذَلِكَ مَنْ كَانَ بِالْقُرْبِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ. فَجَاءَ رَسُولُهُمْ مِنْ الْغَدِ فَقَالَ: مَنْ كَانَ هَذَا الْمَيِّتُ فِيكُمْ؟ قَالُوا: صَاحِبٌ لِنَبِيِّنَا. فَأَسْلَمُوا لَمَّا رَأَوْا.\n\n- وَذُكِرَ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: مَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ بِالْحَبَشِيِّ فَنُقِلَ مِنْهُ وَدُفِنَ بِمَكَّةَ. فَجَاءَتْ عَائِشَةُ - ﵂ - حَاجَةً أَوْ مُعْتَمِرَةً فَزَارَتْ قَبْرَهُ وَقَالَتْ:","vol":"1","page":235},{"text":"وَكُنَّا كَنَدْمَانَيْ جَذِيمَةَ حِقْبَةً ... مِنْ الدَّهْرِ حَتَّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعَا\nفَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأَنِّي وَمَالِكًا ... لِطُولِ اجْتِمَاعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعًا\nأَنَا وَاَللَّهِ لَوْ شَهِدْتُك مَا زُرْتُك، وَلَوْ شَهِدْتُك مَا دَفَنْتُك إلَّا فِي مَكَانِك الَّذِي مِتَّ فِيهِ. وَإِنَّمَا قَالَتْ ذَلِكَ لِإِظْهَارِ التَّأَسُّفِ عَلَيْهِ حِينَ مَاتَ فِي الْغُرْبَةِ، وَلِإِظْهَارِ عُذْرِهَا فِي زِيَارَتِهِ. فَإِنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ - ﵇ -: «لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ» يَمْنَعُ النِّسَاءَ مِنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ. وَالْحَدِيث وَإِنْ كَانَ مُؤَوَّلًا فَلِحِكْمَةٍ ظَاهِرَةٍ قَالَتْ مَا قَالَتْ. وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُدْفَنَ الْقَتِيلُ وَالْمَيِّتُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فِي مَقَابِرِ أُولَئِكَ الْقَوْمِ. أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمَّا مَاتَ فِي حُجْرَةِ عَائِشَةَ - ﵂ - دُفِنَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ؟\n- قَالَ: وَلَوْ نُقِلَ مِيلًا أَوْ مِيلَيْنِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ. وَفِي هَذَا بَيَانٌ أَنَّ النَّقْلَ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدِ مَكْرُوهٌ، لِأَنَّهُ قَدْرُ الْمَسَافَةِ الَّتِي لَا يُكْرَهُ النَّقْلُ فِيهَا بِمِيلٍ أَوْ مِيلَيْنِ. وَهَذَا لِأَنَّهُ اشْتِغَالٌ بِمَا لَا يُفِيدُ (٦٢ ب) فَالْأَرْضُ كُلُّهَا كِفَاتٌ لِلْمَيِّتِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٦] . إلَّا أَنَّ الْحَيَّ يَنْتَقِلُ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ لِغَرَضٍ لَهُ فِي ذَلِكَ،","vol":"1","page":236},{"text":"وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ. وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي نَقْلِهِ إلَّا تَأْخِيرُ دَفْنِهِ أَيَّامًا كَانَ كَافِيًا فِي الْكَرَاهَةِ.\n\n- وَذُكِرَ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: إذَا وُجِدَ مَا يَلِي صَدْرَ الْقَتِيلِ إلَى رَأْسِهِ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ. يَعْنِي إذَا وُجِدَ أَكْثَرُ الْبَدَنِ أَوْ نِصْفُ الْبَدَنِ مَعَهُ الرَّأْسُ، وَبِهِ نَأْخُذُ.\nفَإِنَّهُ لَا تُعَادُ الصَّلَاةُ عَلَى مَيِّتٍ وَاحِدٍ. فَلَوْ صَلَّى عَلَى النِّصْفِ أَوْ مَا دُونَهُ يُؤَدِّي إلَى تَكْرَارِ الصَّلَاةِ عَلَى مَيِّتٍ وَاحِدٍ بِأَنْ يُوجَدَ النِّصْفُ الْبَاقِي. وَهَذَا لَا يَكُونُ فِيمَا إذَا وُجِدَ أَكْثَرُ الْبَدَنِ أَوْ النِّصْفُ وَمَعَهُ الرَّأْسُ.\n- فَأَمَّا الْقَتِيلُ فَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يُغَسَّلْ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ غُسِّلَ. لِأَنَّ الْغُسْلَ سُنَّةُ الْمَوْتَى مِنْ بَنِي آدَمَ، إلَّا أَنَّهُ يَسْقُطُ فِي حَقِّ الشَّهِيدِ لِمَقْصُودٍ قَدْ بَيَّنَّاهُ. فَمَا لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ وَجَبَ غُسْلُهُ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الْمَوْتَى.\n\n- وَذُكِرَ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ آخِذٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ. ثُمَّ انْسَلَّ قِيَادُ فَرَسِهِ مِنْ يَدِهِ. فَمَضَى الْفَرَسُ عَلَى الْقِبْلَةِ وَتَبِعْهُ أَبُو بَرْزَةَ حَتَّى أَخَذَ بِقِيَادِ فَرَسِهِ. ثُمَّ رَجَعَ نَاكِصًا عَلَى عَقِبَيْهِ فَصَلَّى بَقِيَّةَ صَلَاتِهِ. فَقَالَ الرَّجُلُ: مَا لِهَذَا الشَّيْخِ فَعَلَ اللَّهُ بِهِ وَفَعَلَ","vol":"1","page":237},{"text":"فَانْصَرَفَ أَبُو بَرْزَةَ مِنْ صَلَاتِهِ فَقَالَ: مَنْ هَذَا الشَّاتِمُ لِي آنِفًا؟ إنَّا صَحِبْنَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وَرَأَيْنَا مِنْ يُسْرِهِ. وَلَوْ كُنْت تَرَكْت فَرَسِي حَتَّى تَبَاعَدَ ثُمَّ طَلَبْته شَقَّ عَلَيَّ. فَقَالَ الْقَوْمُ لِلرَّجُلِ: مَا كَانَ يَنْتَهِي بِك خُبْثُك حَتَّى تَتَنَاوَلَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - تَسُبُّهُ.\nفَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْغَازِي أَنْ يَأْخُذَ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي الصَّلَاةِ. لِأَنَّهُ يَبْتَلِي بِهِ مَنْ لَيْسَ لَهُ سَائِسٌ. وَإِنْ مَشَى فِي صَلَاتِهِ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْحَاجَةِ يَسِيرًا وَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ الْقِبْلَةَ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ. أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - ﵁ - كَبَّرَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ وَرَكَعَ وَدَبَّ رَاكِعًا حَتَّى الْتَحَقَ بِالصَّفِّ. وَلَوْ اسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ فِي مَشْيِهِ حَتَّى جَعَلَهَا خَلْفَ ظَهْرِهِ كَانَ مُفْسِدًا لِصَلَاتِهِ لَا لِمَشْيِهِ بَلْ لِتَفْوِيتِ شَرْطِ الْجَوَازِ وَهُوَ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ. وَكَأَنَّ الرَّجُلَ اسْتَعْظَمَ مَشْيَهُ فِي الصَّلَاةِ لِأَجْلِ الْفَرَسِ فَنَالَ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْهُ، فَاسْتَعْظَمَ فِعْلَهُ. ثُمَّ بَيَّنَ أَبُو بَرْزَةَ أَنَّهُ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وَرَأَى مِنْ يُسْرِهِ، يُرِيدُ مِنْ تَيْسِيرِهِ عَلَى النَّاسِ فِعْلًا وَقَوْلًا عَلَى مَا قَالَ - ﵇ -: «خَيْرُ دِينِكُمْ الْيُسْرُ» فَبَيَّنَ عُذْرَ نَفْسِهِ وَلَمْ يَشْتَغِلْ بِمُكَافَأَةِ مَنْ نَالَ مِنْهُ، فَفَعَلَ ذَلِكَ الْقَوْمُ عَلَى وَجْهِ النِّيَابَةِ عَنْهُ. وَهَذَا هُوَ الطَّرِيقُ الْمَحْمُودُ فِي الْمُعَاشَرَةِ مَعَ النَّاسِ.\n\n- قَالَ: وَلَا بَأْسَ لِلْغُزَاةِ (٦٣ آ) وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْمُسَافِرِينَ أَنْ يُصَلُّوا عَلَى دَوَابِّهِمْ حَيْثُ مَا كَانَتْ وُجُوهُهُمْ تَطَوُّعًا يُومُونَ إيمَاءً.\nوَهَذَا لِأَنَّ التَّطَوُّعَ مُسْتَدَامٌ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِوَقْتٍ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُسَافِرَ يَلْحَقُهُ الْحَرَجُ فِي النُّزُولِ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فِي كُلِّ وَقْتٍ، فَذَلِكَ يُشْبِهُ الْعُذْرَ لِإِثْبَاتِ هَذِهِ الرُّخْصَةِ لَهُ إذَا أَرَادَ اسْتِدَامَةَ الصَّلَاةِ.","vol":"1","page":238},{"text":"وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - «قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إلَى خَيْبَرَ»، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ - ﵄ - يَصْنَعُ ذَلِكَ أَيْضًا. وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - أَنَّهُ «رَأَى رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فِي غَزْوَةِ أَبْوَاءَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ وَوَجْهُهُ قِبَلَ الْمَشْرِقِ. وَرَآهُ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ وَهُوَ ذَاهِبٌ إلَى خَيْبَرَ حَيْثُ مَا تَوَجَّهَتْ بِهِ مُقْبِلًا أَوْ مُدْبِرًا» . فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.\n\n- ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْغُزَاةِ الَّذِينَ لَا ثِيَابَ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا قُعُودًا وُحْدَانًا كَأَسْتَرِ مَا يَكُونُ يُومُونَ إيمَاءً. وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ - ﵃ -. ٣١٠ - قَالَ: وَلَا يُعْجِبُنَا أَنْ يُصَلُّوا جَمَاعَةً، فَإِنْ صَلَّوْا جَمَاعَةً قَعَدَ الْإِمَامُ فِي وَسَطِ الصَّفِّ لِكَيْ لَا يَقَعَ بَصَرُهُمْ عَلَى عَوْرَتِهِ كَمَا هُوَ السُّنَّة فِي صَلَاةِ النِّسَاءِ بِالْجَمَاعَةِ.\n\n- ثُمَّ ذَكَرَ الْجَمْعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْغَزْوِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَسْفَارِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ فِعْلًا لَا وَقْتًا، بِأَنْ يُؤَخِّرَ الْأُولَى إلَى آخِرِ الْوَقْتِ ثُمَّ يَنْزِلُ فَيُصَلِّيهَا فِي آخِرِ الْوَقْتِ. هَكَذَا فَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ - ﵄ -. وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَفْعَلُ هَكَذَا إذَا جَهِدَ بِهِ السَّيْرُ. وَقَدْ بَيَّنَّا تَمَامَ هَذِهِ الْفُصُولِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. ٤١","vol":"1","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>[بَابُ صَلَاةِ الْقَوْمِ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ إلَى الْعَسْكَرِ وَيُرِيدُونَ الْعَدُوَّ]</span>\n- قَالَ: إذَا كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ مَدِينَتَانِ بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ يَوْمٍ وَاحِدٍ هُمَا أَقْرَبُ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ، فَكَتَبَ وَالِي الْمَدِينَةِ الْقَرِيبَةِ إلَى وَالِي الْمَدِينَةِ الْبَعِيدَةِ أَنَّ الْخَلِيفَةَ كَتَبَ إلَيَّ يَأْمُرُنِي بِالْغَزْوِ فَأَعْلِمْ مَنْ قِبَلَك ذَلِكَ لِيَقْدَمُوا عَلَيَّ فَإِنِّي شَاخِصٌ مِنْ مَدِينَتِي يَوْمَ كَذَا، فَخَرَجَ الْقَوْمُ مِنْ الْمَدِينَةِ الْبَعِيدَةِ عَلَى قَصْدِ الْغَزْوِ مَعَ وَالِي الْمَدِينَةِ الْقَرِيبَةِ وَلَا يَدْرُونَ أَيْنَ يُرِيدُ مِنْ أَرْضِ الْحَرْبِ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْمَدِينَةِ الْقَرِيبَةِ وَبَيْنَ أَرْضِ الْحَرْبِ مَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ فَأَهْلُ الْمَدِينَةِ الْبَعِيدَةِ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ كَمَا خَرَجُوا مِنْ مَدِينَتِهِمْ.\nلِأَنَّهُمْ يَتَيَقَّنُونَ السَّفَرَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ مِنْ الْمَدِينَةِ الْبَعِيدَةِ إلَى الْمَدِينَةِ الْقَرِيبَةِ مَسِيرَةَ يَوْمٍ، وَمِنْهَا إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ مَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ، وَالْغُزَاةُ يَدْخُلُونَ دَارَ الْحَرْبِ لَا مَحَالَةَ فَلِهَذَا يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ.\n- وَإِنْ كَانَتْ الْمَسِيرَةُ مِنْ الْمَدِينَةِ الْقَرِيبَةِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ دُونَ يَوْمَيْنِ فَإِنَّهُمْ يُتِمُّونَ الصَّلَاةَ.\nلِأَنَّهُمْ (٦٣ ب) لَا يَدْرُونَ أَيْنَ يُرِيدُ الْوَالِي، فَلَعَلَّهُ لَا يُرِيدُ أَنْ يُجَاوِزَ","vol":"1","page":240},{"text":"أَوَّلَ دَارِ الْحَرْبِ. وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ فِي الْعِبَادَةِ بِالِاحْتِيَاطِ. وَطَرِيقُ الْعِبَادَةِ الِاحْتِيَاطُ فِي الْبِنَاءِ عَلَى الْمُتَيَقَّنِ بِهِ دُونَ الْمُحْتَمَلِ، وَالْغُزَاةُ تَبَعٌ لِلْوَالِي فِي نِيَّةِ السَّفَرِ وَالْإِقَامَةِ، لِأَنَّ عَلَيْهِمْ طَاعَتَهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ مَعَ مَوْلَاهُ وَالزَّوْجَةِ مَعَ زَوْجِهَا.\n- وَإِنْ كَانَ بَيَّنَ فِي كِتَابِهِ أَيْنَ يُرِيدُ الْمَسِيرَ إلَيْهِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ فَقَدْ زَالَ الِاشْتِبَاهُ بِبَيَانِهِ فَإِنْ كَانَ الْمَسِيرُ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِقْدَارَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا مِنْ مَدِينَتِهِمْ قَصَرُوا الصَّلَاةَ وَإِلَّا أَتَمُّوا.\n- وَإِنْ قَدِمُوا عَلَى وَالِي الْمَدِينَةِ الْقَرِيبَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ أَيَّامًا فَإِنَّهُمْ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ مَا لَمْ يَعْزِمُوا عَلَى الْإِقَامَةِ خَمْسَ عَشَرَةَ لَيْلَةً فِي الْمَدِينَةِ الْقَرِيبَةِ.\nلِأَنَّهُمْ صَارُوا مُسَافِرِينَ، فَمَا لَمْ يَعْزِمُوا عَلَى الْإِقَامَةِ فِي مَوْضِعِهَا أَوْ فِي مُدَّةِ الْإِقَامَةِ كَانُوا مُسَافِرِينَ عَلَى حَالِهِمْ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَقَامَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ لَيْلَةً يَقْصُرُ الصَّلَاةَ»، وَابْنُ عُمَرَ - ﵄ - أَقَامَ بِأَذْرَبِيجَان سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَكَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ؟\n- وَأَمَّا أَهْلُ الْمَدِينَةِ الْقَرِيبَةِ فَإِنَّهُمْ يُتِمُّونَ الصَّلَاةَ حَتَّى يُخْبِرُهُمْ الْأَمِيرُ أَنَّهُ يُرِيدُ سَفَرَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا، وَإِذَا أَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ فَمَا لَمْ يَخْرُجُوا مِنْ مَدِينَتِهِمْ يُتِمُّونَ الصَّلَاةَ أَيْضًا.","vol":"1","page":241},{"text":"وَإِنْ خَرَجُوا إلَى الْعَسْكَرِ يَنْتَظِرُونَ أَنْ يَخْرُجَ الْأَمِيرُ فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ لَا يَعْزِمُ عَلَى الرُّجُوعِ إلَى مَنْزِلِهِ فَإِنَّهُ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ وَإِنْ أَقَامَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ شَهْرًا. لِأَنَّهُ صَارَ مُسَافِرًا حِينَ فَارَقَ عُمْرَانَ مِصْرِهِ عَلَى قَصْدِ السَّفَرِ.\nوَإِنْ كَانَ مِنْ عَزْمِهِ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مَنْزِلِهِ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ لِيَقْضِيَ حَاجَتَهُ فَإِنَّهُ يُتِمُّ الصَّلَاةَ. لِأَنَّ عَزْمَهُ عَلَى الرُّجُوعِ إلَى وَطَنِهِ الْأَصْلِيِّ إذَا كَانَ هُوَ فِي فِنَائِهَا بِمَنْزِلَةِ مَقَامِهِ فِي جَوْفِهَا، فَيُتِمُّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ الْمَدِينَةِ رَاجَعَا إلَى الْعَسْكَرِ. وَهُوَ لَا يُرِيدُ الرَّجْعَةَ إلَى أَهْلِهِ حَتَّى يَغْزُوَ، فَإِذَا جَعَلَهَا خَلْفَ ظَهْرِهِ قَصَرَ الصَّلَاةَ لِأَنَّهُ صَارَ مُسَافِرًا بِهَذَا الْخُرُوجِ. وَإِنْ عَزَمُوا عَلَى الْإِقَامَةِ فِي الْمُعَسْكَرِ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً أَتَمُّوا الصَّلَاةَ لِأَنَّهُمْ نَوَوْا الْإِقَامَةَ فِي مَوْضِعِهَا، فَإِنَّ فِنَاءَ الْمِصْرِ كَجَوْفِ الْمِصْرِ فِي صِحَّةِ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِيهِ.\n- وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ الْبَعِيدَةِ قَصُرُوا الصَّلَاةَ إلَى أَنْ يَنْتَهُوا إلَى الْمَدِينَةِ الْقَرِيبَةِ فَقَالَ الْوَالِي: إنَّ الْخَلِيفَةَ كَتَبَ إلَيَّ أَنْ تَغْزُوَا قَبْلَ أَنْ تَخْرُجُوا مِنْ مَدِينَتِكُمْ إلَيَّ فَصَلَاتُهُمْ الَّتِي أَدَّوْهَا تَامَّةً لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُسَافِرِينَ وَمَا لَمْ يَعْرِفُوا فَسْخَ الْوَالِي عَزِيمَةَ السَّفَرِ لَا يَصِيرُونَ مُقِيمِينَ، لِأَنَّ التَّكْلِيفَ يَثْبُتُ بِحَسَبِ الْوُسْعِ ثُمَّ عَلَيْهِمْ مِنْ حِينَ سَمِعُوا هَذَا الْخَبَرِ أَنْ يُتِمُّوا الصَّلَاةَ لِأَنَّهُمْ عَزَمُوا عَلَى الرُّجُوعِ إلَى وَطَنِهِمْ الْأَصْلِيِّ، وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ وَطَنِهِمْ (٦٤ آ) مَسِيرَةُ يَوْمٍ فَكَانُوا مُقِيمِينَ فِي الْحَالِ.","vol":"1","page":242},{"text":"- وَإِنْ سَمِعَ بِذَلِكَ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ فَعَلَى الَّذِينَ سَمِعُوا أَنْ يُتِمُّوا الصَّلَاةَ، وَقَصَرَ الَّذِينَ لَمْ يَسْمَعُوا، فَصَلَاتُهُمْ صَحِيحَةٌ لَيْسَ عَلَيْهِمْ إعَادَتُهَا.\nلِأَنَّ مَا يَبْتَنِي عَلَى السَّمَاعِ لَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ فِي حَقِّ الْمُخَاطَبِ مَا لَمْ يَسْمَعْ بِهِ أَصْلُهُ خِطَابُ الشَّرْعِ، وَهَذَا لِأَنَّ حُكْمَ الْخِطَابِ إنَّمَا يَلْزَمُ الْمُخَاطَبَ إذَا تَمَكَّنَ مِنْ الْعَمَلِ بِهِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ السَّمَاعِ. فَكَانُوا مُسَافِرِينَ مَا لَمْ يَسْمَعُوا السَّبَبَ الَّذِي هُوَ فَاسِخٌ لِعَزِيمَةِ سَفَرِهِمْ.\n- فَإِنْ كَانَ وَالِي الْمَدِينَةِ الْقَرِيبَةِ كَتَبَ إلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْبَعِيدَةِ: مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ الْغَزْوَ فَلْيُوَافِنِي فِي مَوْضِعِ كَذَا، وَلَمْ يُخْبِرْ أَيْنَ يُرِيدُ، وَذَلِكَ الْمَكَانُ عَلَى مَسِيرَةِ يَوْمَيْنِ مِنْ الْمَدِينَةِ الْبَعِيدَةِ، فَإِنَّ أَهْلَهَا يُتِمُّونَ الصَّلَاةَ حَتَّى يَنْتَهُوا إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ لِأَنَّهُمْ قَصَدُوا أَقَلَّ مِنْ مُدَّةِ السَّفَرِ، وَلَعَلَّ مِنْ رَأْيِ الْإِمَامِ أَنْ يُقِيمَ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ وَيَبْعَثَ السَّرَايَا وَالْجُيُوشَ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَيُتِمُّونَ الصَّلَاةَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ أَيْضًا، لِأَنَّهُمْ إذَا لَمْ يَصِيرُوا مُسَافِرِينَ بِالْقَصْدِ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ لَا يَصِيرُونَ مُسَافِرِينَ بِالْمَقَامِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ أَيْضًا.\n- فَإِنْ أَخْبَرَهُمْ الْوَالِي بَعْدَ مَا نَزَلُوا ذَلِكَ الْمَكَانَ أَنْ يَسِيرَ بِهِمْ مَسِيرَةَ شَهْرٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَإِنَّهُمْ يُتِمُّونَ الصَّلَاةَ مَا دَامُوا فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ. لِأَنَّهُمْ حَصَلُوا فِيهِ وَهُمْ مُقِيمُونَ، فَبِمُجَرَّدِ نِيَّةِ السَّفَرِ لَا يَصِيرُونَ مُسَافِرِينَ مَا لَمْ يَرْتَحِلُوا مِنْهُ، بِمَنْزِلَةِ الْمُقِيمِ يَنْوِي السَّفَرَ وَهُوَ فِي مِصْرِهِ.","vol":"1","page":243},{"text":"- فَإِنْ قَصُرُوا الصَّلَاةَ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلُوا مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ فَعَلَيْهِمْ إعَادَةَ الصَّلَاةِ. لِأَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنْهَا قَبْلَ إكْمَالِ الْفَرْضِ.\n- ثُمَّ إنْ خَرَجُوا مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ وَقْتُهَا وَقَبْلَ أَنْ يُعِيدُوهَا صَلَّوْهَا رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ خَرَجُوا بَعْدَ مُضِيِّ وَقْتِهَا صَلَّوْهَا أَرْبَعًا. لِأَنَّ تَقَرُّرَ الْوُجُوبِ بِاعْتِبَارِ آخِرِ الْوَقْتِ.\n- فَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَهُمْ مُسَافِرُونَ كَانَ عَلَيْهِمْ صَلَاةَ السَّفَرِ. وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَهُمْ مُقِيمُونَ كَانَ عَلَيْهِمْ صَلَاةَ الْمُقِيمِينَ، وَلَا يَتَغَيَّرُ هَذَا الْحُكْمُ بِمَا أَدَّوْا. لِأَنَّ الْمُؤَدَّاةَ كَانَتْ فَاسِدَةً حِينَ سَلَّمُوا عَلَى رَأْسِ رَكْعَتَيْنِ وَهُمْ مُقِيمُونَ فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يُصَلُّوهَا أَصْلًا.\n- فَإِنْ سَبَقَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ الْبَعِيدَةِ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ فَلَمْ يَأْتِهِمْ وَالِي الْمَدِينَةِ الْقَرِيبَةِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، وَأَنَّ ذَلِكَ الْمَكَانَ مِنْ مَدِينَتِهِمْ عَلَى مَسِيرَةِ يَوْمَيْنِ أَتَمُّوا الصَّلَاةَ لِمَا بَيَّنَّا.\n- وَإِنْ كَانَ عَلَى مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ قَصَرُوا الصَّلَاةَ فِيهَا وَإِنْ أَقَامُوا شَهْرًا أَوْ أَكْثَرَ لِأَنَّهُمْ صَارُوا مُسَافِرِينَ بِالْخُرُوجِ إلَيْهَا، فَلَا يَصِيرُونَ مُقِيمِينَ مَا لَمْ يَعْزِمُوا","vol":"1","page":244},{"text":"عَلَى إقَامَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً (٦٤ ب) وَهُمْ مُنْتَظِرُونَ لِلْوَالِي فِي هَذَا الْمَكَانِ غَيْرُ عَازِمِينَ عَلَى إقَامَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً.\n- فَإِنْ قَصَرُوا الصَّلَاةَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ ثُمَّ أَتَاهُمْ كِتَابُ الْوَالِي أَنَّهُ قَدْ أَمَرَ بِالْمَقَامِ فَإِنَّهُمْ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ عَلَى حَالِهِمْ حَتَّى يَرْجِعُوا إلَى مَدِينَتِهِمْ. لِأَنَّهُمْ انْصَرَفُوا وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَوَاضِعِ إقَامَتِهِمْ مَسِيرَةُ سَفَرِ، فَلَا يَصِيرُونَ مُقِيمِينَ حَتَّى يَدْخُلُوا وَطَنَهُمْ.\n- قَالَ: وَإِنْ دَخَلَ الْمُسْلِمُونَ أَرْضَ الْحَرْبِ فَانْتَهَوْا إلَى حِصْنٍ وَوَطَّنُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى أَنْ يُقِيمُوا عَلَيْهِ شَهْرًا إلَّا أَنْ يَفْتَحُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ، أَخْبَرَهُمْ الْوَالِي بِذَلِكَ، فَإِنَّهُمْ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ. لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْزِمُوا عَلَى إقَامَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً لِمَكَانِ الِاسْتِثْنَاءِ، فَالْفَتْحُ قَبْلَ مُضِيِّ خَمْسَ عَشَرَةَ لَيْلَةً مُحْتَمَلٌ.\n- وَإِنْ أَخْبَرَهُمْ الْوَالِي أَنَّهُ لَا يُقِيمُ بِهِمْ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ فَتَحُوا أَوْ لَمْ يَفْتَحُوا فَإِنَّهُمْ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ أَيْضًا. لِأَنَّهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ مُحَارِبُونَ لِأَهْلِهَا، وَالْمُحَارِبُ بَيْنَ أَنْ يَقْهَرَ عَدُوَّهُ فَيَتَمَكَّنُ مِنْ الْمَقَامِ، وَبَيْنَ أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ عَدُوُّهُ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْمَقَامِ. وَمِثْلُ هَذَا الْمَوْضِعِ لَا يَكُونُ مَوْضِعَ الْإِقَامَةِ فِي حَقِّهِ، وَنِيَّةُ الْإِقَامَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا هَدَرٌ، كَأَهْلِ السَّفِينَةِ إذَا نَوَوْا الْإِقَامَةَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ لُجَّةِ الْبَحْرِ.","vol":"1","page":245},{"text":"- وَلَوْ أَطَالُوا الْمُقَامَ فِي دَارِ الْحَرْبِ حَتَّى وَقَعَ الثَّلْجُ فَصَارُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ، فَعَزَمُوا عَلَى الْإِقَامَةِ سَنَتَهُمْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُمْ الثَّلْجُ فَيَخْرُجُونَ، وَهُمْ فِي غَيْرِ أَمَانٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَإِنَّهُمْ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ أَيْضًا.\nلِأَنَّهُمْ لَا يَأْمَنُونَ مِنْ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ الْعَدُوُّ فَيَمْنَعُوهُمْ مِنْ الْقَرَارِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَعَنْ زُفَرَ - ﵀ - أَنَّهُ إنْ كَانَتْ لَهُمْ مَنَعَةٌ وَشَوْكَةٌ عَلَى وَجْهٍ يَنْتَصِفُونَ مِنْ الْعَدُوِّ إنْ أَتَاهُمْ، يَصِحُّ بَيْنَهُمْ الْإِقَامَةُ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - ﵀ - قَالَ: إذَا كَانُوا فِي الْأَخْبِيَةِ وَالْفَسَاطِيطِ لَمْ يَصِحَّ بَيْنَهُمْ الْإِقَامَةُ. وَإِنْ كَانُوا فِي الْأَبْنِيَةِ وَهُمْ مُمْتَنِعُونَ صَحَّتْ مِنْهُمْ الْإِقَامَةُ. وَالْأَصَحُّ مَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ - ﵀ -؛ لِمَا قُلْنَا إنَّ مَوْضِعَ الْإِقَامَةِ مَا يَتَمَكَّنُ الْمَرْءُ مِنْ الْمَقَامِ فِيهِ بِقَدْرِ مَا نَوَى.\n- وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ زَائِدَةَ بْنِ عُمَيْرٍ: قَالَ: قُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -: إنَّا نُطِيلُ الثَّوَاءَ بِأَرْضِ الْعَدُوِّ، يَعْنِي الْقَرَارَ، فَكَيْفَ أَنْوِي فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: رَكْعَتَيْنِ حَتَّى تَرْجِعَ إلَى أَهْلِك. قُلْت: كَيْفَ تَقُولُ فِي الْعَزْلِ؟ قَالَ: إنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ذَكَرَ فِيهِ شَيْئًا فَهُوَ كَمَا ذَكَرَ وَإِلَّا فَإِنَى أَقُولُ فِيهِ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] مَنْ شَاءَ عَزَلَ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَ.","vol":"1","page":246},{"text":"وَفِيهِ دَلِيلُ جَوَازِ الْعَزْلِ. وَهَذَا اللَّفْظُ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَيْضًا. وَالْيَهُودُ كَانُوا يَكْرَهُونَ ذَلِكَ وَيَقُولُونَ إنَّهُ الْمَوْءُودَة الصُّغْرَى فَنَزَلَتْ الْآيَةُ رَدًّا عَلَيْهِمْ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْعَزْلِ فَقَالَ: إذَا أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ نَسَمَةٍ مِنْ صُلْبِ رَجُلٍ فَهُوَ خَالِقُهَا، وَإِنْ صَبَّ الْمَاءَ عَلَى صَخْرَةٍ. فَإِنْ شِئْتُمْ فَاعْزِلُوا وَإِنْ شِئْتُمْ فَاتْرُكُوا. وَهَكَذَا يَرْوِيه أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ - ﵁ - عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - إلَّا أَنَّهُ فِي الْعَزْلِ عَنْ الْحُرَّةِ يَحْتَاجُ إلَى رِضَاهَا لِيَحِلَّ لَهُ ذَلِكَ، وَفِي الْعَزْلِ عَنْ أَمَتِهِ لَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ.\n\n- قَالَ: وَلَوْ دَخَلَ مُسْلِمٌ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ وَنَوَى الْإِقَامَةَ فِي مَوْضِعٍ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَتَمَّ الصَّلَاةَ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُحَارَبٍ لَهُمْ، بَلْ هُوَ فِي أَمَانٍ مِنْهُمْ، فَيَتَمَكَّنُ مِنْ الْمَقَامِ بِقَدْرِ مَا نَوَاهُ كَمَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.\n- وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَمْ يَأْسِرُوهُ أَوْ لَمْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِهِ فَهُوَ يُتِمُّ الصَّلَاةَ أَيْضًا مَا دَامَ فِي مَنْزِلِهِ لِأَنَّهُ كَانَ مُقِيمًا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَلَا يَصِيرُ مُسَافِرًا مَا لَمْ يَرْتَحِلْ مِنْهُ.\n- وَإِنْ سَافَرَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَقَصَرَ الصَّلَاةَ ثُمَّ انْتَهَى إلَى مَقْصِدِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ نَوَى أَنْ يُقِيمَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَتَمَّ الصَّلَاةَ لِأَنَّهُ مَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ أَهْلُ الْحَرْبِ فَهُوَ يَتَمَكَّنُ مِنْ الْقَرَارِ فِي مَوْضِعِهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُحَارِبٍ لَهُمْ فَيَكُونُ فِي حُكْمِ الْمُسْتَأْمَنِ فِيهِمْ.","vol":"1","page":247},{"text":"- قَالَ: وَالْأَسِيرُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي أَيْدِيهِمْ إنْ أَقَامُوا بِهِ فِي مَوْضِعٍ يُرِيدُونَ الْمَقَامَ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَعَلَيْهِ أَنْ يُتِمَّ الصَّلَاةَ وَإِنْ كَانَ لَا يُرِيدُ الْمَقَامَ مَعَهُمْ بَلْ يَكُونُ عَازِمًا عَلَى الْفِرَارِ مِنْهُمْ إنْ تَمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ مَقْهُورٌ مَغْلُوبٌ فِي أَيْدِيهمْ، فَيَكُونُ الْمُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِ نِيَّتُهُمْ فِي السَّفَرِ وَالْإِقَامَةِ لَا نِيَّتَهُ، بِمَنْزِلَةِ عَبْدِ الرَّجُلِ وَزَوْجَتِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.\nفَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِمَا نِيَّةُ الْمَوْلَى وَالزَّوْجِ فِي السَّفَرِ وَالْإِقَامَةِ لَا نِيَّتُهُمَا. وَكَذَلِكَ مَنْ بَعَثَ إلَيْهِ الْخَلِيفَةُ مِنْ عُمَّالِهِ لِيُؤْتَى بِهِ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ لَا تُعْتَبَرُ نِيَّتُهُ فِي السَّفَرِ وَالْإِقَامَةِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنْ تَنْفِيذِ قَصْدِهِ. فَمَنْ بَعَثَهُ الْخَلِيفَةُ لَا يُمْكِنُهُ مِنْ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ حَالُ الْأَسِيرِ فِي أَيْدِيهِمْ.\n- وَإِنْ كَانَ الْأَسِيرُ انْفَلَتَ مِنْهُمْ وَهُوَ مُسَافِرٌ فَوَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَى إقَامَةِ شَهْرٍ فِي غَارٍ أَوْ غَيْرِهِ قَصَرَ الصَّلَاةَ. لِأَنَّهُ مُحَارِبٌ لَهُمْ، فَلَا تَكُونُ دَارُ الْحَرْبِ مَوْضِعَ الْإِقَامَةِ فِي حَقِّهِ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.\n- وَكَذَا الَّذِي أَسْلَمَ فِي دَارِهِمْ إذَا عَلِمُوا بِإِسْلَامِهِ فَطَلَبُوهُ فَخَرَجَ هَارِبًا يُرِيدُ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَهُوَ مُسَافِرٌ، وَإِنْ أَقَامَ فِي مَوْضِعٍ مُخْتَفِيًا شَهْرًا مِنْهُمْ أَوْ أَكْثَرَ لِأَنَّهُ صَارَ مُحَارِبًا لَهُمْ حِينَ طَلَبُوهُ لِيَقْتُلُوهُ.","vol":"1","page":248},{"text":"- وَكَذَلِكَ الْمُسْتَأْمَنُ (٦٥ ب) إذَا غَدَرُوا بِهِ فَطَلَبُوهُ لِيَقْتُلُوهُ لِأَنَّهُ صَارَ مُحَارِبًا لَهُمْ، وَحَالُ هَؤُلَاءِ كَحَالِ مَنْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ مُتَلَصِّصًا فَنَوَى الْإِقَامَةَ فِي مَوْضِعٍ شَهْرًا، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُسَافِرًا. وَنِيَّتُهُ الْإِقَامَةُ لَغْوٌ، لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ إقَامَتِهِ.\n- قَالَ: وَإِنْ كَانَ وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ مُقِيمًا بِمَدِينَةٍ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ فَلَمَّا طَلَبُوهُ لِيَقْتُلُوهُ اخْتَفَى فِيهَا مِنْهُمْ فَإِنَّهُ يُتِمُّ الصَّلَاةَ أَيْضًا لِأَنَّهُ كَانَ مُقِيمًا فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ فَلَا يَصِيرُ مُسَافِرًا مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا.\n٣٣٩ - وَكَذَلِكَ إنْ خَرَجَ مِنْهَا يُرِيدُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُقِيمَ لَا يَصِيرُ مُسَافِرًا بِنِيَّةِ الْخُرُوجِ إلَى مَا دُونَ مُدَّةِ السَّفَرِ، بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يَخْرُجُ إلَى ضَيْعَتِهِ فِي بَعْضِ الْقُرَى.\n٣٤٠ - وَهَؤُلَاءِ بِمَنْزِلَةِ جَيْشٍ دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ مِنْ مَسِيرَةِ يَوْمٍ مِنْ مَنَازِلِهِمْ وَلَا يُرِيدُونَ أَنْ يَسِيرُوا فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ إلَّا يَوْمًا آخَرَ فَلَقُوا الْعَدُوَّ وَقَاتَلُوهُمْ فَإِنَّهُمْ يُكْمِلُونَ الصَّلَاةَ وَإِنْ طَالَ مَقَامُهُمْ. لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُسَافِرِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَبِالْقِتَالِ لَا يَصِيرُونَ مُسَافِرِينَ.\n- أَلَا تَرَى أَنَّ أَهْلَ مَدِينَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَوْ أَسْلَمُوا فَقَاتَلَهُمْ أَهْلُ الْحَرْبِ وَهُمْ مُقِيمُونَ فِي مَدِينَتِهِمْ فَإِنَّهُمْ يُتِمُّونَ الصَّلَاةَ.","vol":"1","page":249},{"text":"وَكَذَلِكَ إنْ غَلَبَهُمْ أَهْلُ الْحَرْبِ عَلَى مَدِينَتِهِمْ فَخَرَجُوا مِنْهَا يُرِيدُونَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ فَإِنَّهُمْ يُتِمُّونَ الصَّلَاةَ. وَإِنْ خَرَجُوا مِنْهَا يُرِيدُونَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَقَدْ صَارُوا مُسَافِرِينَ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ. فَإِنْ أَقَامُوا فِي مَوْضِعٍ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ عِنْدَ مَدِينَتِهِمْ قَصَرُوا الصَّلَاةَ أَيْضًا.\nلِأَنَّهُمْ مُحَارِبُونَ، وَمَنْ حَصَّلَ مُسَافِرًا فِي دَارِ الْحَرْبِ مُحَارِبًا لِلْمُشْرِكِينَ لَا يَصِيرُ مُقِيمًا بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِي مَوْضِعٍ مِنْهَا.\n٣٤٢ - وَإِنْ رَجَعُوا إلَى مَدِينَتِهِمْ وَلَمْ يَكُنْ الْمُشْرِكُونَ عَرَضُوا لَهَا فَعَادُوا فِيهَا أَتَمُّوا الصَّلَاةَ لِأَنَّ مَدِينَتَهُمْ كَانَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ حِين أَسْلَمُوا فِيهَا. وَكَانَتْ مَوْضِعَ إقَامَةٍ لَهُمْ، فَمَا لَمْ يَعْرِضْ لَهَا الْمُشْرِكُونَ فَهِيَ وَطَنٌ أَصْلِيٌّ فِي حَقِّهِمْ. فَيُتِمُّونَ الصَّلَاةَ إذَا وَصَلُوا إلَيْهَا.\n- وَإِنْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ غَلَبُوا عَلَيْهَا وَأَقَامُوا فِيهَا ثُمَّ إنَّ الْمُسْلِمِينَ رَجَعُوا إلَيْهَا وَخَلَا الْمُشْرِكُونَ عَنْهَا، فَإِنْ كَانُوا اتَّخَذُوهَا دَارًا وَمَنْزِلًا لَا يَبْرَحُونَهَا فَصَارَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ يُتِمُّونَ فِيهَا الصَّلَاةَ لِأَنَّهَا صَارَتْ فِي حُكْمِ دَارِ الْحَرْبِ حِينَ غَلَبَ الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهَا، فَحِينَ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهَا وَعَزَمُوا عَلَى الْمُقَامِ فَقَدْ صَارَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ. وَنِيَّةُ الْمُسْلِمِ الْإِقَامَةُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ صَحِيحَةٌ.","vol":"1","page":250},{"text":"- وَإِنْ كَانُوا لَا يُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوهَا دَارًا وَلَكِنْ يُقِيمُونَ فِيهَا شَهْرًا ثُمَّ يَخْرُجُونَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ قَصَرُوا الصَّلَاةَ. لِأَنَّ هَذَا الْمَوْضِعَ مِنْ جُمْلَةِ دَارِ الْحَرْبِ، (٦٦ أ) وَهُمْ مُحَارِبُونَ لَهُمْ، فَلَا يَصِيرُونَ مُقِيمِينَ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِيهَا.\n- وَكَذَلِكَ عَسْكَرٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ فَغَلَبُوا عَلَى مَدِينَةٍ. فَإِنْ اتَّخَذُوهَا دَارًا فَقَدْ صَارَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ يُتِمُّونَ فِيهَا الصَّلَاةَ، فَإِنْ لَمْ يَتَّخِذُوهَا دَارًا وَلَكِنْ هُمْ أَرَادُوا الْإِقَامَةَ بِهَا شَهْرًا أَوْ أَكْثَرَ فَإِنَّهُمْ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ لِأَنَّهَا دَارُ الْحَرْبِ وَهُمْ فِيهَا مُحَارِبُونَ. فَهَذَا التَّخْرِيجُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ عَلَى قَوْلِهِمَا، لِأَنَّهُ بِمُجَرَّدِ ظُهُورِ أَحْكَامِ الشِّرْكِ فِي بَلْدَةٍ عِنْدَ غَلَبَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَيْهَا تَصِيرُ دَارَ حَرْبٍ. فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - فَيُشْتَرَطُ مَعَ هَذَا أَنْ تَكُونَ مُلَاصِقَةً لِدَارِ أَهْلِ الشِّرْكِ. وَأَنْ لَا يَبْقَى فِيهَا مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ آمِنًا عَلَى نَفْسِهِ، وَبَيَانُ هَذَا يَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ. وَذَكَرَ بَعْدَ هَذَا بَابَ مَنْ يُغَسَّلُ مِنْ الشُّهَدَاءِ وَبَابَ صَلَاةِ الْخَوْفِ فِي الْخَطَأِ وَقَدْ اسْتَقْصَيْنَا شَرَحَ مَسَائِلِ الْبَابَيْنِ فِيمَا أَمْلَيْنَاهُ مِنْ شَرْحِ الزِّيَادَاتِ، فَإِنَّهُ أَعَادَ تِلْكَ الْمَسَائِلَ بِعَيْنِهَا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ.","vol":"1","page":251},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>[بَابُ أَمَانِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ وَالصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَالذِّمِّيِّ]</span>\n٤٢ - بَابُ أَمَانِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ وَالصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَالذِّمِّيِّ قَالَ - ﵁ -: اعْلَمْ بِأَنَّ أَدَقَّ مَسَائِلِ هَذَا الْكِتَابِ وَأَلْطَفَهَا فِي أَبْوَابِ الْأَمَانِ. فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ دَقَائِقِ عِلْمِ النَّحْوِ وَدَقَائِقِ أُصُولِ الْفِقْهِ. وَكَانَ شَاوَرَ فِيهَا عَلِيَّ بْنَ حَمْزَةَ الْكِسَائِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَإِنَّهُ كَانَ ابْنَ خَالَتِهِ وَكَانَ مُقَدَّمًا فِي عِلْمِ النَّحْوِ. وَقِيلَ: مَنْ أَرَادَ امْتِحَانَ حُفَّاظِ الرِّوَايَةِ مِنْ أَصْحَابِنَا فَعَلَيْهِ بِبَابِ الْأَذَانِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ. وَمَنْ أَرَادَ امْتِحَانَ الْمُتَبَحِّرِينَ فِي الْفِقْهِ فَعَلَيْهِ بِأَيْمَانِ الْجَامِعِ، وَمَنْ أَرَادَ امْتِحَانَ الْمُتَبَحِّرِينَ فِي النَّحْوِ وَالْفِقْهِ فَعَلَيْهِ بِأَمَانِ السِّيَرِ.\n- قَالَ: ثُمَّ أَمَانُ الرَّجُلِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ جَائِزٌ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ كُلِّهِمْ عَدْلًا كَانَ أَوْ فَاسِقًا، لِقَوْلِهِ - ﵇ -: «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ» . وَالْمُرَادُ بِالذِّمَّةِ الْعَهْدِ، مُؤَقَّتًا كَانَ أَوْ مُؤَبَّدًا، وَذَلِكَ الْأَمَانُ وَعَقْدُ الذِّمَّةِ. فَإِنْ كَانَ","vol":"1","page":252},{"text":"اللَّفْظُ مُشْتَقًّا مِنْ الْأَدْنَى الَّذِي هُوَ الْأَقَلُّ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ﴾ [المجادلة: ٧] فَهُوَ تَنْصِيصٌ عَلَى صِحَّةِ أَمَانِ الْوَاحِدِ. وَإِنْ كَانَ مُشْتَقًّا مِنْ الدُّنُوِّ وَهُوَ الْقُرْبُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩] فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ أَمَانِ الْمُسْلِمِ الَّذِي يَسْكُنُ الثُّغُورَ فَيَكُونُ قَرِيبًا مِنْ الْعَدُوِّ. وَإِنْ كَانَ مُشْتَقًّا مِنْ الدَّنَاءَةِ فَهُوَ تَنْصِيصٌ عَلَى صِحَّةِ أَمَانِ الْفَاسِقِ لِأَنَّ صِفَةَ الدَّنَاءَةِ (٦٦ ب) بِهِ تَلِيقُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. ثُمَّ الْحَاصِلُ أَنَّ فِي الْأَمَانِ مَعْنَى النُّصْرَةِ. فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّا فَتَحْنَا لَك فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] نَزَلَتْ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ فَتْحًا مُبِينًا وَنَصْرًا عَزِيزًا. وَكُلُّ مُسْلِمٍ أَهْلٌ أَنْ يَقُومَ بِنُصْرَةِ الدَّيْنِ، وَيَقُومَ فِي ذَلِكَ مَقَامَ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا تَحَقَّقَ النُّصْرَةُ مِنْهُ بِالْقِتَالِ عَلَى وَجْهٍ يَدْفَعُ شَرَّ الْمُشْرِكِينَ سَقَطَ بِهِ الْفَرْضُ عَنْ جَمَاعَتِهِمْ، فَكَذَلِكَ إذَا وَجَدَ مِنْهُمْ النُّصْرَةَ بِعَقْدِ الْأَمَانِ وَالصُّلْحِ كَانَ ذَلِكَ كَالْمَوْجُودِ مِنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ.\n\n- وَلِهَذَا يَصِحُّ أَمَانُ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ لِأَنَّهَا مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ، إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا بِنْيَةٌ صَالِحَةٍ لِمُبَاشَرَةِ الْقِتَالِ، وَالْأَمَانُ نُصْرَةٌ بِالْقَوْلِ، وَبِنْيَتُهَا تَصْلُحُ لِذَلِكَ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا تُجَاهِدُ بِمَالِهَا. لِأَنَّ مَالَهَا يَصْلُحُ لِذَلِكَ كَمَالِ الرَّجُلِ. ٣٤٨ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ أَمَانِهَا أَنَّ «زَيْنَبَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ","vol":"1","page":253},{"text":"- ﷺ - أَجَارَتْ زَوْجَهَا أَبَا الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَمَانَهَا» . وَعَنْ أُمِّ هَانِئٍ قَالَتْ: «أَجَرْت حَمَوَيْنِ لِي مِنْ الْمُشْرِكِينَ، أَيْ قَرِيبَيْنِ، فَدَخَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - فَتَفَلَّتَ عَلَيْهِمَا لِيَقْتُلَهُمَا أَيْ قَصْدَهُمَا فَجْأَةً، وَقَالَ: أَتُجِيرِينَ الْمُشْرِكِينَ؟ فَقُلْت: وَاَللَّهِ لَا تَقْتُلُهُمَا حَتَّى تَبْدَأَ بِي قَبْلَهُمَا. ثُمَّ خَرَجْت وَقُلْت: أَغْلِقُوا دُونَهُ الْبَابَ. فَذَهَبْت إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي أَسْفَلِ الثَّنِيَّةِ. فَلَمْ أَجِدْهُ وَوَجَدْت فَاطِمَةَ فَقُلْت: مَاذَا لَقِيت مِنْ ابْنِ أُمِّي عَلِيٍّ. أَجَرْت حَمَوَيْنِ لِي مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَتَفَلَّتَ عَلَيْهِمَا لِيَقْتُلَهُمَا. فَكَانَتْ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ زَوْجِهَا. إلَى أَنْ طَلَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَعَلَيْهِ رَهْجَةُ الْغُبَارِ. فَقَالَ: مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ فَاخِتَةَ. فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَاذَا لَقِيت مِنْ ابْنِ أُمِّي عَلِيٍّ مَا كِدْت أَنْفَلِتُ مِنْهُ. أَجَرْت حَمَوَيْنِ لِي مِنْ الْمُشْرِكِينَ","vol":"1","page":254},{"text":"فَتَفَلَّتَ عَلَيْهِمَا لِيَقْتُلَهُمَا. فَقَالَ: مَا كَانَ لَهُ ذَلِكَ. فَقَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْت وَأَمَّنَّا مَنْ أَمَّنْت. ثُمَّ أَمَرَ فَاطِمَةَ - ﵂ - فَسَكَبَتْ لَهُ غُسْلًا فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ صَلَّى ثَمَانِي رَكَعَاتٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ يُخَالِفُ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، وَذَلِكَ ضُحَى فَتْحِ مَكَّةَ» . فَقَدْ صَحَّحَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَمَانَهَا، وَبَيَّنَ أَنَّهُ مَا كَانَ لِعَلِيٍّ أَنْ يَتَعَرَّضَ لَهُمَا بَعْدَ أَمَانِهَا. وَقِيلَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ أَنَّ رَكْعَتَيْنِ مِنْهُمَا لِلشُّكْرِ عَلَى فَتْحِ مَكَّةَ، وَرَكْعَتَيْنِ كَانَ يَفْتَتِحُ صَلَاةَ الضُّحَى بِهِمَا عَلَى مَا رَوَاهُ عُمَارَةُ بْنُ رُوَيْبَةَ، فَأَرْبَعًا كَانَ يُوَاظِبُ عَلَيْهَا فِي صَلَاةِ الضُّحَى عَلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ - ﵁ -. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: مُخَالِفًا بَيْنَ طَرَفَيْهِ: أَيْ مُتَوَشِّحًا بِهِ مِنْ طَرَفَيْهِ. فَيَكُونُ فِيهِ بَيَانٌ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ. وَعَنْ عُمَرَ - ﵁ - قَالَ: إنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ لِتَأْجُرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَيَجُوزُ ذَلِكَ - أَيْ تُعْطِي الْأَمَانَ لِلْمُشْرِكِينَ - وَفِي رِوَايَةٍ: لِتَأْخُذَ - أَيْ تَأْخُذَ الْعَهْدَ بِالصُّلْحِ وَالْأَمَان (٦٧ آ)، وَهَكَذَا قَالَتْ عَائِشَةُ - ﵂ -: إنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ لِتَأْخُذَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.\n٣٤٩ - فَأَمَّا الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ فَلَا أَمَانَ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ يُقَاتِلُ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - ﵀ -. وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - ﵀ -: أَمَانُهُ صَحِيحٌ قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ، لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ مِنْ أَهْلِ نُصْرَةِ الدِّينِ بِمَا يَمْلِكُهُ. وَالْأَمَانُ نُصْرَةٌ بِالْقَوْلِ، وَهُوَ مَمْلُوكٌ لَهُ بِخِلَافِ مُبَاشَرَةِ الْقِتَالِ، فَإِنَّهُ نُصْرَةُ الدِّينِ بِمَا لَا يَمْلِكُهُ مِنْ نَفْسِهِ وَمَنَافِعِهِ. وَلِأَنَّهُ بِالْأَمَانِ يَلْتَزِمُ حُرْمَةَ التَّعَرُّضِ لَهُمْ فِي نُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، ثُمَّ يَتَعَدَّى","vol":"1","page":255},{"text":"ذَلِكَ إلَى غَيْرِهِ. وَالْعَبْدُ فِي مِثْلِ هَذَا كَالْحُرِّ أَصْلُهُ الشَّهَادَةُ عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ. لَكِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - ﵀ - يَقُولُ: مَعْنَى النُّصْرَةِ فِي الْأَمَانِ مَسْتُورٌ فَلَا يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ إلَّا لِمَنْ يَكُونُ مَالِكًا لِلْقِتَالِ، وَالْعَبْدُ الْمَشْغُولُ بِخِدْمَةِ الْمَوْلَى غَيْرُ مَالِكٍ لِلْقِتَالِ، فَلَا تَظْهَرُ الْخَيْرِيَّةُ فِي أَمَانِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مُقَاتِلًا بِإِذْنِ الْمَوْلَى، فَإِنَّهُ يَظْهَرُ عِنْدَهُ الْخَيْرِيَّةُ فِي الْأَمَانِ حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْ مُبَاشَرَةِ الْقِتَالِ، فَيَكُونُ تَصَرُّفُهُ وَاقِعًا عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ. وَإِنَّمَا يَكُونُ بِالْأَمَانِ مُلْتَزِمًا لِلْكَفِّ عَنْ قِتَالِهِمْ إذَا كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْقِتَالِ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مِنْ ذَلِكَ كَانَ مُلْزِمًا غَيْرَهُ ابْتِدَاءً لَا مُلْتَزِمًا، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ هَذِهِ الْوِلَايَةُ.\n٣٥٠ - قَالَ: وَالْأَمَةُ كَالْعَبْدِ فِي ذَلِكَ. وَاسْتَدَلَّ مُحَمَّدٌ - ﵀ - فِيهِ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - ﵄ - وَقَالَ: أَمَانُ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ جَائِزٌ. وَتَأْوِيلُ هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - فِي الْعَبْدِ الْمُقَاتِلِ.\n٣٥١ - وَبِحَدِيثِ الْفَضْلِ الرَّقَاشِيِّ قَالَ: حَضَرْنَا أَهْلَ حِصْنٍ. فَكَتَبَ عَبْدٌ أَمَانًا فِي سَهْمٍ، ثُمَّ رَمَى بِهِ إلَى الْعَدُوِّ. فَكَتَبْنَا إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ -. فَكَتَبَ: إنَّهُ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّ أَمَانَهُ جَائِزٌ. وَإِنَّمَا عَلَّلَ لِصِحَّةِ أَمَانِهِ بِكَوْنِهِ مُسْلِمًا لَا بِكَوْنِهِ مُقَاتِلًا. وَلَكِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - ﵀ - قَالَ: هَذَا الْعَبْدُ كَانَ مُقَاتِلًا؛ لِأَنَّ الرَّمْيَ بِالسَّهْمِ مِنْ عَمَلِ الْمُقَاتِلِينَ، وَأَمَانُ الْمُقَاتِلِ إنَّمَا يَصِحُّ عِنْدَهُ لِكَوْنِهِ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ. وَفِي الْمَغَازِي ذَكَرَ أَنَّهُ كَتَبَ عَلَى سَهْمِهِ بِالْفَارِسِيَّةِ: مترسيد","vol":"1","page":256},{"text":"- فَأَمَّا أَمَانُ الذِّمِّيِّ فَبَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ يُقَاتِلُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ بِأَمْرِهِمْ لِأَنَّهُ مَائِلٌ إلَيْهِمْ لِلْمُوَافَقَةِ فِي الِاعْتِقَادِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَقْصِدُ بِالْأَمَانِ النَّظَرَ لِلْمُسْلِمِينَ. ثُمَّ هُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ نُصْرَةِ الدِّينِ، وَالِاسْتِعَانَةُ بِهِمْ فِي الْقِتَالِ عِنْدَ الْحَاجَةِ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِعَانَةِ بِالْكِلَابِ، أَوْ كَأَنَّ ذَلِكَ لِلْمُبَالَغَةِ فِي قَهْرِ الْمُشْرِكِينَ، حَيْثُ يُقَاتِلُهُمْ بِمَنْ يُوَافِقُهُمْ فِي الِاعْتِقَادِ. وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَتَحَقَّقُ فِي تَصْحِيحِ أَمَانِهِمْ بَلْ فِي إبْطَالِهِ.\n\n- قَالَ: فَأَمَّا أَمَانُ الْغُلَامِ الَّذِي رَاهَقَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ كَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ فَعَقَلَ الْإِسْلَامَ وَوَصَفَهُ. فَغَيْرُ جَائِزٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي قَوْلِ (٦٧ ب) أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - ﵀ -. جَائِزٌ. لِأَنَّهُ يَصِحُّ إسْلَامُهُ إذَا كَانَ عَاقِلًا. وَمَنْ صَحَّ إيمَانُهُ صَحَّ أَمَانُهُ بَعْدَ إيمَانِهِ. وَهَذَا لِأَنَّ الْأَمَانَ نُصْرَةُ الدِّينِ بِالْقَوْلِ. فَإِذَا اُعْتُبِرَ قَوْلُ مِثْلِهِ فِي أَصْلِ الدِّينِ فَكَذَلِكَ يُعْتَبَرُ فِي نُصْرَةِ الدِّينِ. وَأَبُو حَنِيفَةَ - ﵀ - يَقُولُ فِي مَعْنَى الْخَيْرِيَّةِ وَالنَّظَرُ فِي الْأَمَانِ إنَّهُ مَسْتُورٌ لَا يَعْرِفُهُ إلَّا مَنْ اعْتَدَلَ، وَاعْتِدَالُ الْحَالِ لَا يَكُونُ قَبْلَ الْبُلُوغِ، ثُمَّ هُوَ لَا يَمْلِكُ الْقِتَالَ بِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ الْخَيْرِيَّةَ فِي الْأَمَانِ لِمَنْ يَكُونُ مَالِكًا لِلْقِتَالِ مُبَاشِرًا لَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا إذَا كَانَ الصَّبِيُّ مَأْذُونًا فِي الْقِتَالِ. وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ يَقُولُ: يَصِحُّ أَمَانُهُ لِكَوْنِهِ مُتَمَكِّنًا مِنْ مُبَاشَرَةِ الْقِتَالِ بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ. وَغَيْرُهُ مِنْ مَشَايِخِنَا كَانَ يَقُولُ: لَا يَصِحُّ أَمَانُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُعْتَدِلِ الْحَالِ، فَلَا يَتِمُّ مَعْنَى النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ فِي أَمَانِهِ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":257},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>[بَابُ أُعْطِي الْأَمَانِ لِلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ أُصِيبُوا بَعْدَ أَمَانِهِمْ]</span>\n٤٣ - بَابُ الْأَمَانِ ثُمَّ يُصَابُ الْمُشْرِكُونَ بَعْدَ أَمَانِهِمْ.\n٣٥٤ - قَالَ: رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَمَّنَ قَوْمًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَأَغَارَ عَلَيْهِمْ قَوْمٌ آخَرُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَتَلُوا الرِّجَالَ وَأَصَابُوا النِّسَاءَ وَالْأَمْوَالَ فَاقْتَسَمُوهَا، وَوُلِدَ مِنْهُنَّ لَهُمْ أَوْلَادٌ، ثُمَّ عَلِمُوا بِالْأَمَانِ، فَعَلَى الْقَاتِلِينَ دِيَةُ الْقَتْلَى. لِأَنَّ أَمَانَ الْوَاحِدِ نَافِذٌ فِي حَقِّ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَظْهَرُ بِهِ الْعِصْمَةُ وَالتَّقَوُّمُ فِي نُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ. وَالْقَتْلُ مِنْ الْقَاتِلِينَ كَانَ بِصِفَةِ الْخَطَأِ حِين لَمْ يَعْلَمُوا بِالْأَمَانِ، أَوْ بِصِفَةِ الْعَمْدِ إنْ عَلِمُوا بِالْأَمَانِ، وَلَكِنْ مَعَ قِيَامَ الشُّبْهَةِ الْمُبِيحَةِ وَهِيَ الْمُحَارَبَةُ. فَتَجِبُ الدِّيَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] . وَالنِّسَاءُ وَالْأَمْوَالُ مَرْدُودَةٌ عَلَيْهِمْ لِبُطْلَانِ الِاسْتِرْقَاقِ بِعِصْمَةِ الْمَحَلِّ، وَيَغْرَمُونَ لِلنِّسَاءِ أَصْدُقَهُنَّ لِأَجْلِ الْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ، فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّهُمْ بَاشَرُوا الْوَطْءَ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ وَسَقَطَ الْحَدُّ بِشُبْهَةٍ، فَيَجِبُ الْمَهْرُ وَالْأَوْلَادُ أَحْرَارٌ.","vol":"1","page":258},{"text":"لِأَنَّهُمْ انْفَصِلُوا مِنْ حَرَائِرَ فَكَانُوا أَحْرَارَ الْأَصْلِ، بِغَيْرِ قِيمَةٍ، مُسْلِمِينَ تَبَعًا لِآبَائِهِمْ، لِأَنَّ الْوَلَدَ يَتَّبِعُ خَيْرَ الْأَبَوَيْنِ دِينًا.\n٣٥٥ - وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ قَالَ: حَاصَرْنَا مَدِينَةً بِالْأَهْوَازِ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ - ﵁ - فَفَتَحْنَاهَا، وَقَدْ كَانَ صُلْحًا لَهُمْ مِنْ عُمَرَ، فَأَصَبْنَا نِسَاءً فَوَقَعْنَا عَلَيْهِنَّ. فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ - ﵁ - فَكَتَبَ إلَيْنَا أَنْ خُذُوا أَوْلَادَكُمْ وَرُدُّوا إلَيْهِمْ نِسَاءَهُمْ. وَعَنْ عَطَاءٍ قَالَ: كَانَتْ تُسْتَرَ فُتِحَتْ صُلْحًا - وَهُوَ اسْمُ مَوْضِعٍ - فَكَفَرَ أَهْلُهَا، فَغَزَاهُمْ الْمُهَاجِرُونَ فَسَبَوْهُمْ، وَأَصَابَ الْمُسْلِمُونَ نِسَاءَهُمْ حَتَّى وَلَدْنَ لَهُمْ، فَأَمَرَ عُمَرُ - ﵁ - بِرَدِّ النِّسَاءِ عَلَى حُرِّيَّتِهِنَّ وَفَرَّقَ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ سَادَاتِهِنَّ. فَتَأْوِيلُ هَذَا أَنَّ الْقَوْمَ حِينَ كَفَرْوِ لَمْ يَغْلِبُوا عَلَى الدَّارِ وَلَمْ يَجْرِ فِيهَا حُكْمَ الشِّرْكِ وَلَمْ تَصِرْ دَرَاهِمُ دَارَ حَرْبٍ. فَلِهَذَا لَمْ (٦٨ آ) يَرَ عُمَرُ عَلَيْهِمْ شَيْئًا. وَعَنْ شُوَيْسٍ قَالَ: لَقَدْ خَشِيت أَنْ يَكُونَ مِنْ صُلْبِي بِمَيْسَانَ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ. قَالُوا: وَمَا ذَاكَ يَا فُلَانُ؟ قَالَ: كُنْت جِئْت بِجَارِيَةٍ فَنَكَحْتهَا زَمَانًا. ثُمَّ جَاءَ كِتَابُ عُمَرَ فَرَدَدْتهَا إذَا رَدَّ النَّاسُ. وَإِنَّمَا خَافَ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ رَدَّهَا قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ عِنْدَهُ، وَمَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا حَتَّى تَحِيضَ ثَلَاثَ حِيَضٍ لِأَنَّهَا حُرَّةٌ. وَقَدْ","vol":"1","page":259},{"text":"وَطِئَهَا بِشُبْهَةٍ فَعَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهَا حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهَا حَامِلٌ أَوْ غَيْرُ حَامِلٍ.\n\n- وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: «لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - مَا صَنَعَ خَالِدٌ بِبَنِي جَذِيمَةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إبْطَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَبْرَأُ إلَيْك مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ. ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ دَعَا عَلِيًّا - ﵁ - فَقَالَ: خُذْ هَذَا الْمَالَ فَاذْهَبْ بِهِ إلَى بَنِي جَذِيمَةَ وَاجْعَلْ أَمْرَ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيْك» . يَعْنِي مَا كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ مَكَّةَ مِنْ الْخُمَاشَاتِ وَالذُّحُولِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. قَالَ: فَدَلَّهُمْ مَا أَصَابَ خَالِدٌ. فَخَرَجَ إلَيْهِمْ عَلِيٌّ بِذَلِكَ الْمَالِ فَوَدَى لَهُمْ كُلَّ مَا أَصَابَ خَالِدٌ مِنْهُمْ، حَتَّى إنَّهُ أَدَّى لَهُمْ مِيلَغَةَ الْكَلْبِ. حَتَّى إذَا لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ يَطْلُبُونَهُ وَبَقِيَتْ مَعَ عَلِيٍّ بَقِيَّةٌ مِنْ الْمَالِ، قَالَ عَلِيٌّ - ﵁ -: هَذِهِ الْبَقِيَّةُ مِنْ الْمَالِ لَكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مِمَّا أَصَابَ خَالِدٌ","vol":"1","page":260},{"text":"مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ وَلَا تَعْلَمُونَهُ. فَأَعْطَاهُمْ ذَلِكَ. ثُمَّ انْصَرَفَ عَلِيٌّ - ﵁ - إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ. وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ إذَا أَصَابُوا شَيْئًا مِمَّا كَانَ فِي أَمَانٍ أَوْ مُوَادَعَةٍ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي لَهُمْ كُلَّ شَيْءٍ أُصِيبَ لَهُمْ مِنْ دَمٍ أَوْ مَالٍ. وَكَانَ خَالِدٌ أَصَابَ ذَلِكَ خَطَأً، وَكَانَتْ عَاقِلَتُهُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لِأَنَّ قُوَّتَهُ وَنُصْرَتَهُ كَانَتْ بِهِ. وَلِهَذَا أَدَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ أَوْ تَبَرَّعَ بِأَدَاءِ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِهِ. وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ فَإِنَّ تَحَمُّلَ الْعَقْلِ فِي الدِّمَاءِ لَا فِي الْأَمْوَالِ، وَمَا أُطْلِقَ مِنْ لَفْظِ الدِّيَةِ فِي بَذْلِ الْمَالِ إنَّمَا أَطْلَقَهُ عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ وَالِاتِّبَاعُ لِبَذْلِ النَّفْسِ. فَاسْمُ الدِّيَةِ حَقِيقَةٌ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ بَذْلَ النَّفْسِ، وَلَكِنْ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْأَدَاءِ يَجُوزُ إطْلَاقُهُ عَلَى بَذْلِ الْمَالِ مَجَازًا. وَفِيهِ دَلِيلُ جَوَازِ الصُّلْحِ عَنْ الْحُقُوقِ الْمَجْهُولَةِ عَلَى مَالٍ مَعْلُومٍ. فَإِنَّهُ قَالَ: هَذَا لَكُمْ مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ وَلَا تَعْلَمُونَهُ. وَاسْتَحْسَنَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ذَلِكَ مِنْهُ.\n\n- قَالَ: وَأَيُّمَا عَسْكَرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَاصَرُوا حِصْنًا أَوْ مَدِينَةً فَأَسْلَمَ بَعْضُهُمْ، كَانَ آمِنًا عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ لِقَوْلِهِ - ﵇ -: «فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا» وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] . فَأَمَّا زَوْجَتُهُ وَأَوْلَادُهُ الْكِبَارُ إنْ لَمْ يُسْلِمُوا مَعَهُ فَهُمْ فَيْءٌ، لِأَنَّ الصِّغَارَ صَارُوا مُسْلِمِينَ تَبَعًا لَهُ. فَأَمَّا الْكِبَارُ مَا صَارُوا مُسْلِمِينَ بِإِسْلَامِهِ، وَزَوْجَتُهُ كَذَلِكَ، فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ.","vol":"1","page":261},{"text":"وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ (٦٨ ب) بِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ ثَعْلَبَةَ وَأُسَيْدًا ابْنَيْ سَعْيَةَ وَأُسَيْدَ بْنَ عُبَيْدٍ «قَالُوا لِبَنِي قُرَيْظَةَ حِينَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مُحَاصِرًا لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ بَنِي قُرَيْظَةَ أَسْلِمُوا تَأْمَنُوا عَلَى دِمَائِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ. هَذَا وَاَللَّهِ الَّذِي كَانَ أَخْبَرَكُمْ بِهِ بَنُو الْهَيَبَانِ قَالُوا: لَيْسَ بِهِ» . وَقِصَّةُ الْهَيَبَانِ مَذْكُورَةٌ فِي الْمَغَازِي أَنَّهُ كَانَ حَبْرًا مِنْ أَحْبَارِ الشَّامِ قَدِمَ عَلَى يَهُودِ يَثْرِبَ قَبْلَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -. فَحَضَرَهُ الْمَوْتُ فَجَمَعَهُمْ فَقَالَ: أَتَدْرُونَ لَمْ تَرَكْت أَرْضَ الْخَمْرِ وَالْخَمِيرِ: يَعْنِي الْخَصِبِ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ فَنَزَلْت بِأَرْضِ الْجَدْبِ وَالشِّدَّةِ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: لِأَجْلِ نَبِيٍّ قَدْ أَظَلَّ زَمَانَهُ وَهَذَا مُهَاجِرُهُ، وَكُنْت أَرْجُو أَنْ أُدْرِكَهُ، فَمَنْ يُدْرِكُهُ مِنْكُمْ فَلْيُقْرِئْهُ مِنَى السَّلَامَ وَلْيُؤْمِنْ بِهِ، فَإِنَّهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَخَيْرُ الْخَلَائِقِ أَجْمَعِينَ. قَالَ: فَلَمَّا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الَّتِي فِي صَبِيحَتِهَا نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - خَرَجَ ابْنَا سَعْيَةَ وَابْنُ عُبَيْدٍ حَتَّى أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَأَسْلَمُوا وَأَمِنُوا عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ. وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُحَاصَرَ يَأْمَنُ بِالْإِسْلَامِ كَمَا يَأْمَنُ غَيْرُ الْمُحَاصَرِ","vol":"1","page":262},{"text":"وَذُكِرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ - قَالَ: أَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ الْعَدُوِّ أَشَارَ إلَيْهِ رَجُلٌ بِأُصْبُعِهِ: إنَّك إنْ جِئْت قَتَلَتْك، فَجَاءَهُ فَهُوَ آمِنٌ فَلَا يَقْتُلْهُ. وَبَعْدَ هَذَا نَأْخُذُ فَنَقُولُ: إذَا أَشَارَ إلَيْهِ بِإِشَارَةِ الْأَمَانِ وَلَيْسَ يَدْرِي الْكَافِرُ مَا يَقُولُ فَهُوَ آمِنٌ. لِأَنَّهُ بِالْإِشَارَةِ دَعَاهُ إلَى نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يُدْعَى بِمِثْلِهِ الْآمِنُ لَا الْخَائِفُ، وَمَا تَكَلَّمَ بِهِ: إنْ جِئْت قَتَلْتُك، لَا طَرِيقَ لِلْكَافِرِ إلَى مَعْرِفَتِهِ بِدُونِ الِاسْتِكْشَافِ مِنْهُ، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَقْرَبَ مِنْهُ، فَلَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِ الْأَمَانِ بِظَاهِرِ الْإِشَارَةِ وَإِسْقَاطُ مَا وَرَاءِ ذَلِكَ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الْغَدْرِ. فَإِنَّ ظَاهِرَ إشَارَتِهِ أَمَانٌ لَهُ. وَقَوْلُهُ: إنْ جِئْت قَتَلْتُك، بِمَعْنَى النَّبْذِ لِذَلِكَ الْأَمَانِ. فَمَا لَمْ يَعْلَمْ بِالنَّبْذِ كَانَ آمِنًا عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] أَيْ سَوَاءٌ مِنْكُمْ وَمِنْهُمْ فِي الْعِلْمِ بِالنَّبْذِ، وَأَشَارَ إلَى الْمَعْنَى فِيهِ فَقَالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨] وَمَبْنَى الْأَمَانِ عَلَى التَّوَسُّعِ حَتَّى يَثْبُتَ بِالْمُحْتَمَلِ مِنْ الْكَلَامِ، فَكَذَلِكَ يَثْبُتُ بِالْمُحْتَمَلِ مِنْ الْإِشَارَةِ.\n٣٦٠ - وَبَيَانُ هَذَا فِي حَدِيثِ الْهُرْمُزَانِ. فَإِنَّهُ لَمَّا أَتَى بِهِ عُمَرُ - ﵁ - قَالَ لَهُ: تَكَلَّمَ. قَالَ: أَتَكَلَّمُ بِكَلَامِ حَيٍّ أَمْ كَلَامِ مَيِّتٍ؟ فَقَالَ عُمَرُ: كَلَامُ حَيٍّ. فَقَالَ: كُنَّا نَحْنُ وَأَنْتُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، لَمْ يَكُنْ لَنَا وَلَا لَكُمْ دِينٌ. فَكُنَّا نَعُدُّكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ بِمَنْزِلَةِ الْكِلَابِ. فَإِذَا أَعَزّكُمْ اللَّهُ بِالدِّينِ وَبَعَثَ رَسُولَهُ مِنْكُمْ لَمْ نُطِعْكُمْ. فَقَالَ عُمَرُ: أَتَقُولُ هَذَا وَأَنْتَ أَسِيرٌ فِي أَيْدِينَا؟ اُقْتُلُوهُ. فَقَالَ: أَفِيمَا عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ أَنْ تُؤَمِّنُوا أَسِيرًا","vol":"1","page":263},{"text":"ثُمَّ تَقْتُلُوهُ؟ فَقَالَ: مَتَى أَمَّنْتُك؟ فَقَالَ: قُلْت لِي تَكَلَّمَ بِكَلَامِ حَيٍّ. وَالْخَائِفُ عَلَى نَفْسِهِ لَا يَكُونُ حَيًّا. فَقَالَ عُمَرُ: قَاتَلَهُ اللَّهُ أَخَذَ الْأَمَانَ وَلَمْ أَفْطِنْ (٦٩ آ) بِهِ. فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى التَّوَسُّعِ فِي بَابِ الْأَمَانِ.\n\n- قَالَ: فَإِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ قَوْمًا ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَنْبِذَ إلَيْهِمْ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] . لِأَنَّ الْأَمَانَ كَانَ بِاعْتِبَارِ النَّظَرِ فِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ لِيَحْفَظُوا قُوَّةَ أَنْفُسِهِمْ، وَذَلِكَ يَخْتَصُّ بِبَعْضِ الْأَوْقَاتِ، فَإِذَا انْقَضَى ذَلِكَ الْوَقْتُ كَانَ النَّظَرُ وَالْخَيْرِيَّةُ فِي النَّبْذِ إلَيْهِمْ، لِيَتَمَكَّنُوا مِنْ قِتَالِهِمْ بَعْدَ مَا ظَهَرَتْ لَهُمْ الشَّوْكَةُ. وَالنَّبْذُ لُغَةً هُوَ الطَّرْحُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧] .\n\n- وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ طَرْحُ الْأَمَانِ بِإِعْلَامِهِمْ وَإِعَادَتِهِمْ إلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ الْأَمَانِ، حَتَّى إنْ كَانُوا لَمْ يَبْرَحُوا حِصْنَهُمْ فَلَا بَأْسَ بِقِتَالِهِمْ بَعْدَ الْإِعْلَامِ. لِأَنَّهُمْ فِي مَنَعْتهمْ، فَصَارُوا كَمَا كَانُوا.\n\n- وَإِنْ نَزَلُوا وَصَارُوا فِي عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ فَهُمْ آمِنُونَ حَتَّى يَعُودُوا إلَى مَأْمَنِهِمْ كَمَا كَانُوا. لِأَنَّهُمْ نَزَلُوا بِسَبَبِ الْأَمَانِ، فَلَوْ عَمَلَ النَّبْذُ فِي رَفْعِ أَمَانِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَصِيرُوا مُمْتَنِعِينَ كَانَ ذَلِكَ خِيَانَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ.","vol":"1","page":264},{"text":"وَدَلَّ عَلَى هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَك فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦] . وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ مُعَاوِيَةَ، فَإِنَّهُ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرُّومِ عَهْدٌ فَكَانَ يُشِيرُ نَحْوَ بِلَادِهِمْ كَأَنَّهُ يَقُولُ: حَتَّى نَفِيَ بِالْعَهْدِ ثُمَّ نُغِيرُ عَلَيْهِمْ يَعْنِي أَنَّ الْعَهْدَ كَانَ إلَى مُدَّةٍ، فَفِي آخِرِ الْمُدَّةِ سَارَ إلَيْهِمْ لَيَقْرَبَ مِنْهُمْ حَتَّى يُغِيرَ عَلَيْهِمْ مَعَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ. قَالَ: وَإِذَا شَيْخٌ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَفَاءٌ لَا غَدْرٌ، وَفَاءٌ لَا غَدْرٌ. وَكَانَ هَذَا الشَّيْخُ عَمْرَو بْنَ عَنْبَسَةَ السُّلَمِيَّ. تَبَيَّنَ لَهُ بِمَا قَالَ أَنَّ فِي صُنْعِهِ مَعْنَى الْغَدْرِ، لِأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ يَدْنُو مِنْهُمْ يُرِيدُ غَارَتَهُمْ، وَإِنَّمَا يَظُنُّونَ أَنَّهُ يَدْنُو مِنْهُمْ لِلْأَمَانِ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: مَا قَوْلُك: وَفَاءٌ لَا غَدْرٌ؟ قَالَ: سَمِعْت النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «أَيُّمَا رَجُلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلَا يَحُلَّنَّ عُقْدَةً وَلَا يَشُدَّهَا حَتَّى يُمْضِيَ أَمَدَهَا وَيُنْبَذَ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ» . وَفِي هَذَا دَلِيلُ وُجُوبِ التَّحَرُّزِ عَمَّا يُشْبِهُ الْغَدْرَ صُورَةً وَمَعْنًى، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>[بَابُ مَا لَا يَكُونُ أَمَانًا]</span>\n٤٤ - بَابُ مَا لَا يَكُونُ أَمَانًا ٣٦٥ - قَالَ: وَإِذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ بِغَيْرِ أَمَانٍ فَأَخَذَهُ الْمُشْرِكُونَ فَقَالَ لَهُمْ: أَنَا رَجُلٌ مِنْكُمْ، أَوْ جِئْت أُرِيدُ أَنْ أُقَاتِلَ مَعَكُمْ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلَ مَنْ أَحَبَّ مِنْهُمْ وَيَأْخُذَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا شَاءَ. لِأَنَّ هَذَا الَّذِي قَالَ لَيْسَ بِأَمَانٍ مِنْهُ لَهُمْ، إنَّمَا هُوَ خِدَاعٌ بِاسْتِعْمَالِ مَعَارِيضِ الْكَلَامِ. فَإِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: أَنَا رَجُلٌ مِنْكُمْ: أَيْ آدَمِيٌّ مِنْ جِنْسِكُمْ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: جِئْت لِأُقَاتِلَ مَعَكُمْ الْمُسْلِمِينَ: أَيْ أَهْلَ الْبَغْيِ إنْ نَشِطْتُمْ فِي ذَلِكَ، أَوْ أَضْمَرَ فِي كَلَامِهِ: عَنْ، أَيْ جِئْت لِأُقَاتِلَ مَعَكُمْ دَفْعًا عَنْ الْمُسْلِمِينَ. وَلَوْ كَانَ هَذَا اللَّفْظُ أَمَانًا مِنْهُ لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّهُ أَسِيرٌ مَقْهُورٌ فِي أَيْدِيهِمْ فَكَيْفَ يُؤَمِّنُهُمْ، إنَّمَا حَاجَتُهُ إلَى طَلَبِ الْأَمَانِ مِنْهُمْ. وَلَيْسَ فِي هَذَا اللَّفْظِ مِنْ طَلَبِ الْأَمَانِ شَيْءٌ.\n٣٦٦ - ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِالْآثَارِ. فَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّ (٦٩ ب) رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ سَرِيَّةً وَحْدَهُ إلَى خَالِدِ بْنِ سُفْيَانَ بْنِ نُبَيْحٍ الْهُذَلِيِّ إلَى نَخْلَةَ أَوْ بِعُرَنَةَ. وَبَلَغَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنَّهُ يَجْمَعُ لَهُ، أَيْ جَمَعَ الْجَيْشَ لِقِتَالِهِ، وَأَمَرَهُ بِقَتْلِهِ وَقَالَ: انْتَسِبْ إلَى خُزَاعَةَ. وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِذَلِكَ لِأَنَّ ابْنَ سُفْيَانَ كَانَ مِنْهُمْ.","vol":"1","page":266},{"text":"فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي لَا أَعْرِفُهُ. فَقَالَ: إنَّك إذَا رَأَيْته هِبْتَهُ. وَكُنْت لَا أَهَابُ الرِّجَالِ. فَأَقْبَلْت عَشِيَّةَ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ تَصْغِيرُ الْعَشِيَّةِ، فَحَانَتْ الصَّلَاةُ فَخَشِيت أَنْ أُصَلِّيَ فَأُعْرَفَ فَأَوْمَأْت إيمَاءً وَأَنَا أَمَشَى. وَبِهِ يَسْتَدِلُّ أَبُو يُوسُفَ عَلَى أَنَّ (الْمُنْهَزِمَ مَاشِيًا يُومِئُ ثُمَّ يُعِيدُ) . قَالَ: حَتَّى أُدْفَعَ إلَى رَاعِيَةٍ لَهُ. فَقُلْت: لِمَنْ أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: لِابْنِ سُفْيَانَ. فَقُلْت: أَيْنَ هُوَ؟ قَالَتْ: جَاءَك الْآنَ. فَلَمْ أَنْشَبُ أَنْ جَاءَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَصًا - أَيْ لَمْ أَلْبَثْ - فَلَمَّا رَأَيْته وَجَدْتنِي أَقْطُرُ. وَفِي رِوَايَةٍ أَفْكَلُ، أَيْ تَرْتَعِدُ فَرَائِصِي هَيْبَةً مِنْهُ. فَجَاءَ فَسَلَّمَ، ثُمَّ نَسَبَنِي فَانْتَسَبْت إلَى خُزَاعَةَ. وَذُكِرَ فِي الطَّرِيقِ الْآخِرِ: كُنْت أَعْتَزَى إلَى جُهَيْنَةَ. أَيْ أَنْتَسِبُ إلَيْهِمْ.","vol":"1","page":267},{"text":"ثُمَّ قُلْت لَهُ: جِئْت لِأَنْصُرَك وَأُكْثِرَك وَأَكُونَ مَعَك. وَمَعْنَاهُ لِأَنْصُرَك بِالدُّعَاءِ إلَى الْإِسْلَامِ، وَبِالْمَنْعِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَهُوَ قِتَالُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى مَا قَالَ - ﵇ -: «أَنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا. فَقِيلَ: كَيْفَ يَنْصُرُهُ ظَالِمًا قَالَ: يَكُفُّهُ عَنْ ظُلْمِهِ» .\nوَقَوْلُهُ: أُكْثِرَك أَيْ أَجْعَلُك إرَبًا إرَبًا فَأُكْثِرَ أَجْزَاءَك إنْ لَمْ تُؤْمِنْ وَأَكُونُ مَعَك إلَى أَنْ أَقْتُلَك. فَقَالَ لِلْجَارِيَةِ: احْلِبِي، فَحَلَبَتْ. ثُمَّ نَاوَلَتْنِي فَمَصَصْت شَيْئًا يَسِيرًا ثُمَّ دَفَعْته إلَيْهِ، فَعَبَّ فِيهِ كَمَا يَعُبُّ الْجَمَلُ، حَتَّى إذَا غَابَ أَنْفُهُ فِي الرَّغْوَةِ صَوَّبْتُهُ وَقُلْت لِلْجَارِيَةِ: لَئِنْ تَكَلَّمْت لَأَقْتُلَنَّكِ. وَذَكَرَ بَعْدَ هَذَا: فَمَشَيْت مَعَهُ حَتَّى اسْتَحْلَى حَدِيثِي. ثُمَّ أَرَيْته أَنَّى وَطِئْت عَلَى غُصْنِ شَوْكٍ فَشِيكَتْ رِجْلِي. فَقَالَ: الْحَقْ يَا أَخَا جُهَيْنَةَ. فَجَعَلْت أَتَخَلَّفُ وَيَسْتَلْحِقُنِي. فَلَحِقْته وَهُوَ مُوَلًّى. فَضَرَبْت عُنُقَهُ وَأَخَذْت بِرَأْسِهِ. ثُمَّ خَرَجْت أَشْتَدُّ حَتَّى صَعِدْت الْجَبَلَ فَدَخَلْت غَارًا، وَأَقْبَلَ الطَّلَبُ. وَفِي رِوَايَةٍ: خَرَجَتْ الْخَيْلُ تُوَزَّعُ فِي كُلِّ وَجْهٍ فِي الطَّلَبِ،","vol":"1","page":268},{"text":"وَأَنَا مُتَمَكِّنٌ فِي الْجَبَلِ. فَأَقْبَلَ رَجُلٌ مَعَهُ إدَاوَةٌ، وَنَعْلَاهُ فِي يَدِهِ، وَكُنْت حَافِيًا. فَجَلَسَ يَبُولُ، فَوَضَعَ إدَاوَتَهُ وَنَعْلَيْهِ. وَضَرَبْت الْعَنْكَبُوتَ عَلَى الْغَارِ. أَوْ قَالَ: خَرَجَتْ حَمَامَةٌ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: لَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ. فَنَزَلَ وَتَرَك نَعْلَيْهِ وَإِدَاوَتَهُ. فَخَرَجْت وَلَبِسْت النَّعْلَيْنِ وَأَخَذْت الْإِدَاوَةَ فَكُنْت أَسِيرُ اللَّيْلَ وَأَتَوَارَى بِالنَّهَارِ، حَتَّى جِئْت الْمَدِينَةَ، فَوَجَدْت النَّبِيَّ - ﷺ - فِي الْمَسْجِدِ. فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: أَفْلَحَ الْوَجْهُ - وَهَذَا لَفْظٌ يَتَكَلَّمُ بِهِ الْعَرَبُ خِطَابًا لِمَنْ نَالَ الْمُرَادَ وَفَازَ بِالنُّصْرَةِ - فَقُلْت: وَجْهُك الْكَرِيمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَأَخْبَرْته خَبَرِي، فَدَفَعَ إلَيَّ (٧٠ أ) عَصًا وَقَالَ: \" تَخَصَّرْ بِهَذِهِ يَا ابْنَ أُنَيْسٍ فِي الْجَنَّةِ فَإِنَّ الْمُتَخَصِّرِينَ فِي الْجَنَّةِ قَلِيلٌ \". قِيلَ مَعْنَاهُ: تَحَكَّمْ بِهَا فِي الْجَنَّةِ كَمَا يَتَحَكَّمُ الْمُلُوكُ بِمَا يَشَاءُونَ. وَقِيلَ مَعْنَاهُ: لِيَكُنْ هَذَا عَلَامَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَك يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى أُجَازِيَك عَلَى صَنِيعِك بِسُؤَالِ الزِّيَادَةِ فِي الدَّرَجَةِ لَك، فَإِنَّ مِثْلَك مِمَّنْ يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَبِيِّهِ عَلَامَةٌ فَيُجَازِيَهُ عَلَى صَنِيعِهِ فِي الْجَنَّةِ. قِيلَ: فَكَانَتْ عِنْدَ ابْنِ أُنَيْسٍ. حَتَّى إذَا مَاتَ أَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُدْرِجُوهَا فِي كَفَنِهِ","vol":"1","page":269},{"text":"وَمُرَادُهُ مِنْ الْقِصَّةِ الِاسْتِدْلَال بِقَوْلِهِ: جِئْت لِأَنْصُرَك وَأُكَثِّرُك، فَإِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ أَمَانًا مِنْهُ.\n٣٦٧ - وَذَكَرَ حَدِيثَ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ قَالَ: لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قُدُومُ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَإِعْلَانُهُ بِالشَّرِّ وَقَوْلُهُ الْأَشْعَارَ، وَكَعْبٌ هَذَا مِنْ عُظَمَاءِ الْيَهُودِ بِيَثْرِبَ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالطَّاغُوتِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠] وَكَانَ يَسْتَقْصِي فِي إظْهَارِ الْعَدَاوَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ بَعْدَ حَرْبِ بَدْرٍ. وَجَعَلَ يَرْثِي قَتَلَاهُمْ، وَيَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فِي أَشْعَارِهِ، وَيَحُثُّهُمْ عَلَى الِانْتِقَامِ. فَمِنْ ذَلِكَ الْقَصِيدَةُ الَّتِي أَوَّلُهَا:\nطَحَنَتْ رَحَا بَدْرٍ لِمَهْلِك أَهْلِهِ ... وَلِمِثْلِ بَدْرٍ يُسْتَهَلُّ وَيُدْمَعُ\nفَلَمَّا رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: مَنْ لِي بِابْنِ الْأَشْرَفِ؟ فَإِنَّهُ قَدْ آذَانِي. فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: أَنَا لَك يَا رَسُولَ اللَّهِ","vol":"1","page":270},{"text":"وَأَنَا أَقْتُلُهُ: قَالَ: فَافْعَلْ. فَمَكَثَ ابْنُ مَسْلَمَةَ أَيَّامًا لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ، فَدَعَاهُ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: تَرَكْت الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْت لَك قَوْلًا فَلَا أَدْرِي أَفِي بِهِ أَمْ لَا. فَقَالَ - ﷺ -: إنَّمَا عَلَيْك بِالْجَهْدِ. وَمَعْنَى هَذَا أَنَّهُ تَرَكَ الْإِصَابَةَ مِنْ اللَّذَّاتِ قَبْلَ أَنْ يُوَفِّيَ بِمَا وَعَدَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -. وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِمَنْ قَصَدَ إلَى خَيْرٍ أَنْ يُقَدِّمَهُ عَلَى الْإِصَابَةِ مِنْ اللَّذَّاتِ. إلَّا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - بَيَّنَ لَهُ أَنَّ نَفْسَهُ لَا تَتَقَوَّى إلَّا بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ [الأنبياء: ٨] وَأَنَّ عَلَيْهِ الْجَهْدُ بِالْوَفَاءِ بِالْوَعْدِ لَا غَيْرُ. قَالَ: فَاجْتَمَعَ فِي قَتْلِهِ مُحَمَّدٌ وَأُنَاسٌ مِنْ الْأَوْسِ مِنْهُمْ عُبَادَةُ بْنُ بِشْرِ بْنِ وَقْشٍ، وَأَبُو نَائِلَةَ سِلْكَانُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ أَوْسٍ، وَأَبُو عَبْسِ بْنِ جَبْرٍ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَحْنُ نَقْتُلُهُ. فَأْذَنْ لَنَا فَلِنَقُلْ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَنَا مِنْهُ، أَيْ نَخْدَعُهُ بِاسْتِعْمَالِ الْمَعَارِيضِ","vol":"1","page":271},{"text":"وَإِظْهَارِ النَّيْلِ مِنْك. قَالَ: فَقُولُوا. فَخَرَجَ إلَيْهِ أَبُو نَائِلَةَ، وَكَانَ أَخَاهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ، فَتَحَدَّثَ مَعَهُ وَتَنَاشَدَ الْأَشْعَارَ. ثُمَّ قَالَ أَبُو نَائِلَةَ: كَانَ قُدُومُ هَذَا الرَّجُلِ عَلَيْنَا مِنْ الْبَلَاءِ. يَعْنِي النَّبِيَّ، وَمُرَادُهُ مِنْ ذِكْرِ الْبَلَاءِ النِّعْمَةِ. فَالْبَلَاءُ يُذْكَرُ بِمَعْنَى النِّعْمَةِ كَمَا يُذْكَرُ بِمَعْنَى الشِّدَّةِ، فَإِنَّهُ مِنْ الِابْتِلَاءِ. وَذَلِكَ يَكُونُ بِهِمَا كَمَا قَالَتْ الصَّحَابَةُ: اُبْتُلِينَا (٧٠ ب) بِالضَّرَّاءِ فَصَبْرِنَا، وَابْتُلِينَا بِالسَّرَّاءِ فَلَمْ نَصْبِرْ. وَقِيلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩] . أَيْ فِي إنْجَائِكُمْ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ. وَقِيلَ: أَيْ فِي ذَبْحِهِ أَبْنَاءَكُمْ وَاسْتِحْيَائِهِ نِسَائِكُمْ مِحْنَةٌ عَظِيمَةٌ. ثُمَّ قَالَ: حَارَبَتْنَا الْعَرَبُ وَرَمَتْنَا عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ وَتَقَطَّعَتْ السُّبُلُ عَنَّا، حَتَّى جَهِدَتْ الْأَبْدَانُ، وَضَاعَ الْعِيَالُ، وَأَخَذْنَا بِالصَّدَقَةِ، وَلَا نَجِدُ مَا نَأْكُلُ. قَالَ كَعْبٌ: قَدْ وَاَللَّهِ كُنْت أُحَدِّثُك بِهَذَا يَا ابْنَ سَلَامَةَ: إنَّ الْأَمْرَ سَيَصِيرُ إلَى هَذَا. قَالَ سِلْكَانُ: وَمِعَى رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِي عَلَى مِثْلِ رَأْيِي. وَقَدْ أَرَدْت أَنْ آتِيَك بِهِمْ لِنَبْتَاعَ مِنْك طَعَامًا وَتَمْرًا وَتُحْسِنَ فِي ذَلِكَ إلَيْنَا وَنَرْهَنَك مَا يَكُونُ لَك فِيهِ ثِقَةٌ.","vol":"1","page":272},{"text":"قَالَ كَعْبٌ: أَمَا إنَّ رِفَافِي تَتَقَصَّفُ تَمْرًا مِنْ عَجْوَةٍ يَغِيبُ فِيهَا الضِّرْسُ. وَالرِّفَافُ: جَمْعُ الرَّفِّ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَجْمَعُ فِيهِ التَّمْرُ، شِبْهُ الْخُنْبُقِ. وَقَوْلُهُ تَتَقَصَّفُ: أَيْ تَتَكَسَّرُ مِنْ كَثْرَةِ مَا فِيهَا مِنْ التَّمْرِ. وَوَصَفَ جُودَتَهَا بِقَوْلِهِ: يَغِيبُ فِيهَا الضِّرْسُ. قَالَ: أَمَا وَاَللَّهِ يَا أَبَا نَائِلَةَ مَا كُنْت أُحِبُّ أَنْ أَرَى هَذِهِ الْخَصَاصَةِ، يَعْنِي شِدَّةَ الْحَاجَةِ، وَإِنْ كُنْت لَمِنْ أَكْرَمِ النَّاسِ عَلَيَّ. فَمَاذَا تَرْهَنُونَ؟ أَتَرْهَنُونَنِي أَبْنَاءَكُمْ وَنِسَائِكُمْ؟ قَالَ: لَقَدْ أَرَدْت أَنْ تَفْضَحَنَا وَتُظْهِرَ أَمَرَنَا. وَلَكِنَّا نَرْهَنُك مِنْ الْحَلَقَةِ مَا تَرْضَى بِهِ يَا كَعْبُ. قَالَ: إنَّ فِي الْخَلِيعَةِ لَوَفَاءٌ. يَعْنِي السِّلَاحَ. وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ سِلْكَانُ كَيْلًا يُنْكِرُهُمْ إذَا جَاءُوا إلَى السِّلَاحِ. فَرَجَعَ أَبُو نَائِلَةَ مِنْ عِنْدِهِ عَلَى مِيعَادٍ. فَأَتَى أَصْحَابَهُ وَأَجْمَعُوا أَمَرَهُمْ عَلَى أَنْ يَأْتُوهُ إذَا أَمْسَوْا. ثُمَّ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عِشَاءً فَأَخْبَرُوهُ. فَمَشَى مَعَهُمْ حَتَّى أَتَى الْبَقِيعَ، ثُمَّ وَجَّهَهُمْ وَقَالَ: امْضُوا عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ. ثُمَّ دَعَا لَهُمْ. وَذَلِكَ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ مِثْلَ النَّهَارِ.","vol":"1","page":273},{"text":"فَمَضَوْا حَتَّى أَتَوْهُ. فَلَمَّا انْتَهَوْا إلَى حِصْنِهِ هَتَفَ بِهِ أَبُو نَائِلَةَ، وَكَانَ ابْنُ الْأَشْرَفِ حَدِيثَ عَهْدٍ بِعُرْسٍ. فَوَثَبَ، فَأَخَذَتْ امْرَأَتُهُ بِنَاحِيَةِ مِلْحَفَتِهِ فَقَالَتْ: أَيْنَ تَذْهَبُ؟ إنَّك رَجُلٌ مُحَارِبٌ، وَلَا يَنْزِلُ مِثْلُك فِي مِثْلِ هَذِهِ السَّاعَةِ. قَالَ: إنَّمَا هُوَ أَخِي أَبُو نَائِلَةَ، وَاَللَّهِ لَوْ وَجَدَنِي نَائِمًا مَا أَيْقَظَنِي. ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ الْمِلْحَفَةَ فَنَزَلَ وَهُوَ يَقُولُ: لَوْ دُعِيَ الْفَتَى لِطَعْنَةٍ لَأَجَابَا ثُمَّ نَزَلَ إلَيْهِمْ فَحَيَّاهُمْ، وَتَحَدَّثُوا سَاعَةً، ثُمَّ انْبَسَطَ إلَيْهِمْ، فَقَالُوا: وَيْحَك يَا ابْنَ الْأَشْرَفِ هَلْ لَك أَنْ نَمْشِيَ إلَى شَرْجِ الْعَجُوزِ فَنَتَحَدَّثَ فِيهِ بَقِيَّةَ لَيْلَتِنَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَخَرَجُوا يَتَمَشَّوْنَ. فَلَمَّا تَوَجَّهُوا قِبَلَ الشَّرْجِ أَدْخَلَ أَبُو نَائِلَةَ يَدَهُ فِي رَأْسِ كَعْبٍ وَقَالَ: وَيْحَك يَا ابْنَ الْأَشْرَفِ مَا أَطْيَبَ عِطْرُك هَذَا. ثُمَّ مَشَى سَاعَةً فَعَادَ بِمِثْلِهَا. حَتَّى إذَا اطْمَأَنَّ إلَيْهِ أَخَذَ بِقُرُونِ رَأْسِهِ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: اُقْتُلُوا عَدُوَّ اللَّهِ فَضَرَبُوهُ بِأَسْيَافِهِمْ. فَالْتَفَّتْ عَلَيْهِ فَلَمْ تُغْنِ شَيْئًا. يَعْنِي رَدَّ بَعْضُهَا بَعْضًا.\nقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: فَذَكَرْت مَغُولًا كَانَ فِي سَيْفِي وَهُوَ يُشْبِهُ الْخَنْجَرَ، فَانْتَزَعْته فَوَضَعْته فِي سُرَّتِهِ، ثُمَّ تَحَامَلْت عَلَيْهِ فَغَطَطْته، أَيْ غَيَّبْته فِيهِ، حَتَّى انْتَهَى إلَى عَانَتِهِ، فَصَاحَ عَدُوُّ اللَّهِ صَيْحَةً مَا بَقِيَ أُطْمٌ مِنْ","vol":"1","page":274},{"text":"آطَامِ الْيَهُودِ إلَّا أُوقِدَتْ عَلَيْهِ نَارٌ، وَهَذِهِ عَادَةُ الْيَهُودِ يُوقِدُونَ النَّارَ بِاللَّيْلِ عِنْدَ الْفَزَعِ. قَالَ ابْنُ سُنَيْنَةَ، يَهُودِيٌّ مِنْ يَهُودِ بَنِي حَارِثَةَ: إنِّي أَجِدُ رِيحَ دَمٍ بِيَثْرِبَ مَسْفُوحٍ. وَذُكِرَ فِي الْمَغَازِي أَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِقْدَارَ فَرْسَخٍ. قَالَ: وَقَدْ أَصَابَ بَعْضُ الْقَوْمِ الْحَارِثَ بْنَ أَوْسٍ بِسَيْفٍ وَهُمْ يَضْرِبُونَ كَعْبًا فَكَلَمَهُ فِي رِجْلِهِ، أَيْ جَرَحَهُ، فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْهُ خَرَجُوا يَشْتَدُّونَ حَتَّى أَخَذُوا عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ، ثُمَّ عَلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، ثُمَّ عَلَى بُعَاثَ. حَتَّى إذَا كَانُوا بِحَرَّةِ الْعَرِيضِ - وَهَذِهِ أَسْمَاءُ الْمَوَاضِعِ - نَزَفَ الْحَارِثُ الدَّمَ، يَعْنِي كَثُرَ سَيَلَانُ الدَّمِ مِنْ جِرَاحَتِهِ فَعَطَفُوا عَلَيْهِ، أَيْ رَحِمُوهُ أَوْ حَمَلُوهُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ حَتَّى أَتَوْا النَّبِيَّ - ﷺ -. فَلَمَّا أَتَوْا الْبَقِيعَ كَبَّرُوا وَقَدْ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - تِلْكَ اللَّيْلَةَ يُصَلِّي. فَلَمَّا سَمِعَ تَكْبِيرَهُمْ عَرَفَ أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ. ثُمَّ أَتَوْا بِصَاحِبِهِمْ الْحَارِثَ بْنَ أَوْسٍ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَتَفَلَ عَلَى جُرْحِهِ فَلَمْ يُؤْذِهِ. وَأَخْبَرُوهُ بِخَبَرِ عَدُوِّ اللَّهِ، ثُمَّ رَجَعُوا إلَى أَهْلِهِمْ. فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: مَنْ ظَفِرْتُمْ بِهِ مِنْ رِجَالِ يَهُودَ فَاقْتُلُوهُ.\nوَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِئَلَّا يَتَجَمَّعُوا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ لِلتَّحَدُّثِ بِمَا جَرَى وَالتَّدْبِيرِ فِيهِ، وَهَذَا مِنْ الْحَزْمِ وَالسِّيَاسَةِ.","vol":"1","page":275},{"text":"قَالَ: فَخَافَتْ الْيَهُودُ، وَلَمْ يَخْرُجْ عَظِيمٌ مِنْ عُظَمَائِهِمْ، وَلَمْ يَنْطِقُوا بِشَيْءٍ، وَخَافُوا أَنْ يُبَيَّتُوا كَمَا بُيِّتَ ابْنُ الْأَشْرَفِ. وَكَانَ ابْنُ سُنَيْنَةَ مِنْ يَهُودِ بَنِي حَارِثَةَ، وَكَانَ حَلِيفًا لِحُوَيِّصَةَ بْنِ مَسْعُودٍ. وَكَانَ أَخُوهُ مُحَيِّصَةُ قَدْ أَسْلَمَ، فَغَدَا مُحَيِّصَةُ عَلَى ابْنِ سُنَيْنَةَ فَقَتَلَهُ. فَجَعَلَ حُوَيِّصَةُ يَضْرِبُ مُحَيِّصَةَ، وَكَانَ أَسَنَّ مِنْهُ، وَيَقُولُ: أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ قَتَلْته. أَمَا وَاَللَّهِ لَرُبَّ شَحْمٍ فِي بَطْنِك مِنْ مَالِهِ - لِأَنَّهُ كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِمَا - فَقَالَ مُحَيِّصَةُ: وَاَللَّهِ لَوْ أَمَرَنِي بِقَتْلِك الَّذِي أَمَرَنِي بِقَتْلِهِ لَقَتَلْتُك. فَقَالَ لَهُ: لَوْ أَمَرَك مُحَمَّدٌ بِقَتْلَى لَقَتَلْتَنِي؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ حُوَيِّصَةُ: وَاَللَّهِ إنَّ دِينًا يَبْلُغُ مِنْك هَذَا لَدِينٌ مُعْجِبٌ. فَأَسْلَمَ حُوَيِّصَةُ يَوْمَئِذٍ وَأَنْشَأَ مُحَيِّصَةُ يَقُولُ:\nيَلُومُ ابْنُ أُمِّي لَوْ أُمِرْت بِقَتْلِهِ ... لَطَبَّقْت دَفْرَاه بِأَبْيَضَ قَاضِبٍ\nحُسَامٍ كَلَوْنِ الْمِلْحِ أُخْلِصَ صَقْلُهُ ... مَتَى مَا أُصَوِّبُهُ فَلَيْسَ بِكَاذِبِ\nوَمَا سَرَّنِي أَنَّى قَتَلْتُك طَائِعًا ... وَلَوْ أَنَّ لِي مَا بَيْنَ بُصْرَى وَمَأْرَب\nثُمَّ أَعَادَ هَذَا الْحَدِيثَ بِرِوَايَةِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - ﵄ - مِنْ وَجْهٍ آخَرَ:\n٣٦٨ - أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ هُوَ الَّذِي أَتَى ابْنَ الْأَشْرَفِ فَقَالَ. يَا كَعْبُ قَدْ جِئْتُك لِحَاجَةٍ. قَالَ: مَرْحَبًا بِحَاجَتِك. قَالَ: جِئْتُك أَسْتَسْلِفُكَ تَمْرًا. قَالَ: مَا بَغَيْتُكُمْ إلَى مَسْأَلَةِ التَّمْرِ؟ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ","vol":"1","page":276},{"text":"لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَجِدُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَلْفَ وَسْقٍ. فَقَالَ مُحَمَّدٌ: إنَّ هَذَا الرَّجُلَ لَمْ يَدَعْ عِنْدَنَا شَيْئًا وَأَصْحَابَهُ. وَأَرَادَ بِهِ لَمْ (٧١ ب) يَدَعْ عِنْدَنَا شَيْئًا مِمَّا كَانَ يَضُرُّنَا مِنْ أُمُورِ الْجَاهِلِيَّةِ أَوْ شَيْئًا مِنْ الشِّرْكِ أَوْ شَيْئًا مِمَّا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا إلَّا هَدَانَا إلَيْهِ. قَالَ كَعْبٌ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَرَاك النُّصْرَةَ فَانْظُرْ حَاجَتَك، وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ رَهْنٍ. قَالَ: أَرْهَنُك دِرْعِي. قَالَ: لَعَلَّهَا دِرْعُ أَبِيك الزَّغْبَاءُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأْتِ بِمَنْ أَحْبَبْته وَخُذْ حَاجَتَك. قَالَ: فَإِنِّي آتِيك فِي خَمْرِ اللَّيْلِ. أَيْ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وَالْخَمْرُ مَا وَارَاكَ. فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَرَى النَّاسُ أَنِّي أَطْلُبُك أَوْ آتِيك فِي حَاجَةٍ أَوْ أَنِّي احْتَجْت. . . الْحَدِيثَ. إلَى أَنْ نَزَلَ إلَى مُحَمَّدٍ وَآنَسَهُ شَيْئًا وَحَادَثَهُ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي رَأْسِهِ. وَكَانَ جَعْدًا فَقَالَ: مَا أَطْيَبَ دُهْنَك. قَالَ: إنْ شِئْت أَرْسَلْت إلَيْك مِنْهُ. ثُمَّ عَادَ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: قَدْ تَرَكْت يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ وَأَصْحَابُك هَذَا، يَعْنِي الدُّهْنَ. فَلَمَّا أَنْ خَلَّلَ أَصَابِعَهُ فِي رَأْسِهِ ضَرَبَ بِالْخِنْجَرِ سُرَّتَهُ، الْحَدِيثَ إلَى آخِرِهِ. فَقَدْ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ يَأْتِيهِ لِيَسْتَسْلِفَهُ تَمْرًا ثُمَّ قَتَلَهُ. وَلَمْ يَكُ ذَلِكَ مِنْهُ غَدْرًا. فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِمِثْلِهِ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>[بَابُ الْأَمَانِ عَلَى الشَّرْطِ]</span>\n٤٥ - بَابُ الْأَمَانِ عَلَى الشَّرْطِ ٣٦٩ - قَالَ: وَإِذَا أَمَّنَ الْمُسْلِمُونَ رَجُلًا عَلَى أَنْ يَدُلَّهُمْ عَلَى كَذَا وَلَا يَخُونَهُمْ، فَإِنْ خَانَهُمْ فَهُمْ فِي حِلٍّ مِنْ قَتْلِهِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَدِينَتِهِ أَوْ حِصْنِهِ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى صَارَ فِي أَيْدِيهِمْ، ثُمَّ خَانَهُمْ، أَوْ لَمْ يَدُلَّهُمْ، فَاسْتَبَانَتْ لَهُمْ خِيَانَتُهُ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ وَصَارَ الرَّأْيُ فِيهِ إلَى الْإِمَامِ إنْ شَاءَ قَتَلَهُ وَإِنْ شَاءَ جَعَلَهُ فَيْئًا. لِأَنَّ الشَّرْطَ هَكَذَا جَرَى بَيْنَهُمْ. فَقَالَ - ﵇ -: «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» . وَقَالَ عُمَرُ - ﵁ -: الشَّرْطُ أَمْلَكُ. أَيْ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ. وَلِأَنَّهُ كَانَ مُبَاحَ الدَّمِ، عَلَّقُوا حُرْمَةَ دَمِهِ بِالدَّلَالَةِ وَتَرْكِ الْخِيَانَةِ، وَتَعْلِيقُ أَسْبَابِ التَّحْرِيمِ بِالشَّرْطِ صَحِيحٌ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، فَإِنْ انْعَدَمَ الشَّرْطُ بَقِيَ حِلُّ دَمِهِ عَلَى مَا كَانَ. وَلِأَنَّ النَّبْذَ بَعْدَ الْأَمَانِ وَالْإِعَادَةِ إلَى مَأْمَنِهِ إنَّمَا كَانَ مُعْتَبَرًا لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الْغَدْرِ، وَبِالتَّصْرِيحِ بِالشَّرْطِ قَدْ انْتَفَى مَعْنَى الْغَدْرِ.\n٣٧٠ - وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ مُوسَى بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: «أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى الْكَتِيبَةِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا - يَعْنِي حِصْنًا مِنْ حُصُونِ خَيْبَرَ - وَكَانَ آخِرَ حُصُونِهِمْ. فَلَمَّا أَيْقَنُوا بِالْهَلَكَةِ سَأَلُوا","vol":"1","page":278},{"text":"النَّبِيَّ - ﷺ - الصُّلْحَ. فَأَرْسَلَ إلَى ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ: انْزِلْ فَأُكَلِّمَك. فَقَالَ: نَعَمْ. فَصَالَحَهُ عَلَى حَقْنِ دِمَائِهِمْ وَيَخْرُجُونَ مِنْ خَيْبَرَ وَأَرْضِهَا، وَيُخَلُّونَ بَيْنَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَبَيْنَ مَا كَانَ لَهُمْ مِنْ مَالٍ أَوْ أَرَاضٍ، وَعَلَى الصَّفْرَاءِ وَالْبَيْضَاءِ وَالْحَلْقَةِ، وَعَلَى الْبَزِّ إلَّا ثَوْبٌ عَلَى ظَهْرِ إنْسَانٍ. قَالَ: وَبَرِئَتْ مِنْكُمْ ذِمَّةُ اللَّهِ إنْ كَتَمْتُمُونِي شَيْئًا. فَصَالَحُوهُ عَلَى ذَلِكَ. ثُمَّ كَتَمَ ابْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ آنِيَةً مِنْ فِضَّةٍ وَمَالًا كَثِيرًا. كَانَ فِي مَسْكِ الْجَمَلِ عِنْدَ كِنَانَةَ ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ. وَهَذِهِ كَانَتْ أَنْوَاعًا مِنْ الْحُلِيِّ كَانُوا يُعِيرُونَهَا أَهْلَ مَكَّةَ، رُبَّمَا قَدِمَ الْقَادِمُ مِنْ (٧٢ آ) قُرَيْشٍ فَيَسْتَعِيرُهَا شَهْرًا لِلْعُرْسِ، يَكُونُ فِيهِمْ. فَكَانَ ذَلِكَ يَكُونُ عِنْدَ الْأَكَابِرِ فَالْأَكَابِرُ مِنْ آلِ أَبِي الْحُقَيْقِ. حَتَّى ذَكَرَ فِي الْمَغَازِي أَنَّهُ ضَاعَ مِنْهَا شَيْءٌ مَرَّةً بِمَكَّةَ. فَغَرِمَ مَنْ ضَاعَ عَلَى يَدِهِ قِيمَةَ ذَلِكَ عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: فَأَيْنَ الْآنِيَةُ وَالْأَمْوَالُ الَّتِي خَرَجْتُمْ بِهَا مِنْ الْمَدِينَةِ حِين أَجْلَيْتُكُمْ؟ فَقَالُوا: ذَهَبَتْ فِي الْحَرْبِ يَا أَبَا الْقَاسِمِ إنَّمَا كُنَّا نُمْسِكُهَا لِمِثْلِ يَوْمِنَا هَذَا، فَلَا وَاَللَّهِ مَا بَقِيَ عِنْدَنَا مِنْهَا شَيْءٌ. وَحَلَفُوا عَلَى ذَلِكَ. فَقَالَ: أَفَرَأَيْتُمْ إنْ وَجَدْته عِنْدَكُمْ أَقْتُلُكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ»","vol":"1","page":279},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ «قَالَ لِكِنَانَةَ وَرَبِيعَةَ ابْنَيْ أَبِي الْحُقَيْقِ: بَرِئَتْ مِنْكُمَا ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ إنْ كَانَ عِنْدَكُمَا؟ قَالَا: نَعَمْ. قَالَ: فَكُلُّ مَا أَخَذْت مِنْ أَمْوَالِكُمْ فَهُوَ حَلَالٌ لِي وَلَا ذِمَّةَ لَكُمَا؟ قَالَا نَعَمْ فَأَشْهَدَ عَلَيْهِمَا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيًّا وَالزُّبَيْرَ وَعَشَرَةً مِنْ يَهُودَ. فَقَامَ يَهُودِيٌّ إلَى كِنَانَةَ فَقَالَ: إنْ كَانَ عِنْدَك أَوْ تَعْلَمُ عِلْمَهُ فَأَعْلِمْهُ لِتَأْمَنَ عَلَى دَمِك، فَوَاَللَّهِ لَيَطَّلِعَنَّ عَلَيْهِ، فَقَدْ اطَّلَعَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يَعْلَمْهُ أَحَدٌ. فَزَبَرَهُ ابْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ. فَتَنَحَّى الْيَهُودِيُّ فَقَعَدَ. ثُمَّ أَمَرَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - بِهِمَا الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ أَنْ يُعَذِّبَهُمَا وَيَسْتَأْصِلَ مَا عِنْدَهُمَا. فَعَذَّبَ كِنَانَةَ حَتَّى أَجَافَهُ، فَلَمْ يَعْتَرِفْ بِشَيْءٍ» . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَبْلَ نَهْيِ النَّبِيِّ - ﷺ - عَنْ الْمُثْلَةِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ السِّيَاسَةِ لِيَظْهَرَ الْأَمْرُ وَيَتِمَّ الزَّجْرُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ عَنْ مِثْلِ هَذَا التَّلْبِيسِ. قَالَ: «فَاعْتَرَفَ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ فَقَالَ: قَدْ رَأَيْت كِنَانَةَ يَطُوفُ كُلَّ غَدَاةٍ بِهَذِهِ الْخَرِبَةِ. فَأَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - الزُّبَيْرَ حَتَّى حَفَرَهَا وَاسْتَخْرَجَ مِنْهَا ذَلِكَ الْكَنْزَ» .\nوَفِي رِوَايَةٍ: «سَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ثَعْلَبَةَ بْنَ سَلَّامِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَكَانَ رَجُلًا ضَعِيفًا مُخْتَلِطَ الْعَقْلِ، قَالَ: لَيْسَ لِي عِلْمٌ","vol":"1","page":280},{"text":"غَيْرَ أَنِّي كُنْت أَرَى كِنَانَةَ كُلَّ غَدَاةٍ يَطُوفُ بِهَذِهِ الْخَرِبَةِ. فَإِنْ كَانَ شَيْئًا دَفَنَهُ فَهُوَ فِيهَا. فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - إلَى تِلْكَ الْخَرِبَةِ فَحَفَرَ فَوَجَدَ ذَلِكَ الْكَنْزَ. فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِأَنْ يَدْفَعَ كِنَانَةَ بْنَ أَبِي الْحُقَيْقِ إلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ لِيَقْتُلَهُ بِأَخِيهِ مَحْمُودِ بْنِ مَسْلَمَةَ، فَقَدْ كَانَ هُوَ الَّذِي دَلَّى عَلَى مَحْمُودٍ الرَّحَى» . وَإِنَّمَا اسْتَحَلَّ دِمَاءَهُمَا وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمَا لِمَكَانِ الشَّرْطِ الَّذِي جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا، فَسَبَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ، وَكَانَتْ تَحْتَ كِنَانَةَ، وَمَعَهَا ابْنَةُ عَمِّهَا، لَمْ يَسْبِ مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ غَيْرَهُمَا. وَكَانَ قَدْ وَعَدَ دِحْيَةَ الْكَلْبِيَّ مِنْ سَبْي خَيْبَرَ. فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ صَفِيَّةَ فَأَعْطَاهُ مَكَانَهَا ابْنَةَ عَمِّهَا. وَأَمْسَكَ صَفِيَّةَ لِنَفْسِهِ، وَهِيَ عَرُوسٌ بِحِدْثَانِ مَا دَخَلَتْ عَلَى زَوْجِهَا. وَذُكِرَ فِي الْمَغَازِي أَنَّهَا كَانَتْ رَأَتْ فِي مَنَامِهَا فِي بَعْضِ تِلْكَ اللَّيَالِي أَنَّ الْقَمَرَ وَقَعَ فِي حِجْرِهَا مِنْ السَّمَاءِ. فَلَمَّا أَصْبَحَتْ قَصَّتْ رُؤْيَاهَا عَلَى كِنَانَةَ (٧٢ ب)، فَلَطَمَهَا لَطْمَةً عَلَى وَجْهِهَا وَقَالَ: أَتُرِيدِينَ أَنْ تَكُونِي زَوْجَةَ مُحَمَّدٍ؛ ثُمَّ أَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِلَالًا أَنْ يَذْهَبَ بِهَا إلَى رَحْلِهِ. فَمَرَّ بِهَا وَسَطَ الْقَتْلَى. فَكَرِهَ ذَلِكَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَقَالَ: ذَهَبْت بِجَارِيَةٍ حَدِيثَةِ السِّنِّ إلَى الْقَتْلَى. لَقَدْ ذَهَبَتْ مِنْك الرَّحْمَةُ. فَاعْتَذَرَ بِلَالٌ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا مَرَرْت بِهَا إلَّا إرَادَةَ أَنْ تَرَى مَصَارِعَ قَوْمِهَا وَلَمْ أَدْرِ أَنَّك تَكْرَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. وَذُكِرَ فِي الْمَغَازِي أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا. فَأَمَرَ أُمَّ أَيْمَنَ أَنْ تُصْلِحَهَا لَهُ. فَبَنَى بِهَا فِي الطَّرِيقِ قَبْلَ أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى الْمَدِينَةِ. وَكَانَتْ","vol":"1","page":281},{"text":"لَهَا مَنْزِلَةٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -. وَسَبَبُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا قَرَّبَ بَعِيرَهَا لِتَرْكَبَ بَعْدَ مَا بَنَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَرَادَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يُرْكِبَهَا بِنَفْسِهِ فَأَمَرَهَا أَنْ تَضَعَ رِجْلَهَا عَلَى فَخْذِهِ وَتَرْكَبَ فَوَضَعَتْ رُكْبَتَهَا عَلَى رُكْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَاسْتَعْظَمَتْ وَضْعَ رِجْلِهَا عَلَى رُكْبَتِهِ، وَإِنْ كَانَ بِأَمْرِهِ. فَاسْتَحْسَنَ رَسُولُ اللَّهِ ذَلِكَ مِنْهَا، وَبَعْدَ مَا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ دَخَلَتْ عَائِشَةُ مُتَنَكِّرَةً مَعَ النِّسَاءِ مَنْزِلَهَا لِتَرَاهَا. فَوَجَدَتْ عِنْدَهَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وَجَمَاعَةً مِنْ نِسَاءِ عَشِيرَتِهَا. فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَائِشَةَ بَيْنَ مَنْ دَخَلَ مِنْ النِّسَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهَا شَيْئًا حَتَّى عَادَتْ إلَى مَنْزِلِهَا. ثُمَّ جَاءَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: كَيْفَ رَأَيْت صَفِيَّةَ؛ فَقَالَتْ: مَا رَأَيْت شَيْئًا غَيْرَ ابْنَةِ يَهُودِيٍّ بَيْنَ يَهُودِيَّاتٍ، وَلَكِنِّي سَمِعْت أَنَّك تُحِبُّهَا. فَقَالَ: لَا تَقُولِي يَا عَائِشَةُ. فَإِنَى لَمْ أَرَ فِي وَجْهِهَا كَبْوَةً حِينَ عَرَضْت عَلَيْهَا الْإِسْلَامَ. ثُمَّ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ إذَا اجْتَمَعَ نِسَاءُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مَعَهَا فِي مَوْضِعٍ يُخَاطِبْنَهَا: يَا ابْنَةَ الْيَهُودِيِّ. فَشَكَتْ ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -. فَقَالَ: إذَا قُلْنَ لَك هَذَا فَقُولِي: مَنْ مِنْكُنَّ مِثْلِي؟ أَبَى نَبِيٌّ وَعَمِّي نَبِيٌّ وَزَوْجِي نَبِيٌّ. فَإِنَّهَا كَانَتْ مِنْ أَوْلَادِ هَارُونَ - ﵇ -. فَلَمَّا قَالَتْ ذَلِكَ لَهُنَّ قَالَتْ عَائِشَةُ - ﵂ -: لَيْسَ هَذَا مِنْ كَيْسِك يَا ابْنَةَ الْيَهُودِيِّ. وَمَنْ جَوَّزَ التَّنْفِيلَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ اسْتَدَلَّ بِإِعْطَاءِ النَّبِيِّ - ﷺ - دَحْيَةَ ابْنَةَ عَمِّ صَفِيَّةَ.\nوَلَكِنَّ تَأْوِيلَ ذَلِكَ مَا قَالَ مُحَمَّدٌ: ٣٧١ - إنَّ الْكَتِيبَةَ كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - خَالِصًا فَلِذَلِكَ أَعْطَاهُ الْجَارِيَةَ. وَاسْتَدَلَّ مَنْ جَوَّزَ الْمُعَامَلَةَ بِمَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ نَحْنُ أَرْبَابُ الْأَمْوَالِ وَنَحْنُ أَعْلَمُ بِهَا، فَلَا تُخْرِجْنَا. عَامِلْنَا عَلَى النِّصْفِ. وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ لِأَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْمُزَارَعَةِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>[بَابُ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْأَمَانِ]</span>\n٤٦ - بَابُ الْأَمَانِ ٣٧٢ - قَالَ: وَإِذَا نَادَى الْمُسْلِمُونَ أَهْلَ الْحَرْبِ بِالْأَمَانِ فَهُمْ آمِنُونَ جَمِيعًا إذَا سَمِعُوا أَصْوَاتَهُمْ (٧٣ آ) بِأَيِّ لِسَانٍ نَادَوْهُمْ بِهِ. الْعَرَبِيَّةُ وَالْفَارِسِيَّةُ وَالرُّومِيَّةُ وَالْقِبْطِيَّةُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. لِحَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ - فَإِنَّهُ كَتَبَ إلَى جُنُودِهِ بِالْعِرَاقِ: إنَّكُمْ إذَا قُلْتُمْ: لَا تَخَفْ، أَوْ مِتْرَسِي، أَوْ لَا تَذْهَلُ فَهُوَ آمِنٌ. فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْرِفُ الْأَلْسِنَةَ، وَالْمَعْنَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ. فَإِنَّ الْأَمَانَ الْتِزَامُ الْكَفِّ عَنْ التَّعَرُّضِ لَهُمْ بِالْقَتْلِ وَالسَّبْيِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَاَللَّهُ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ. ثُمَّ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمُعَامَلَاتِ يُعْتَبَرُ حُصُولُ الْمَقْصُودِ بِالْكَلَامِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْتَصَّ ذَلِكَ بِلُغَةٍ. وَإِنَّمَا اعْتَبَرَ ذَلِكَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي الْعِبَادَاتِ حَيْثُ لَمْ يُجَوِّزَا التَّكْبِيرَ وَالْقِرَاءَةَ بِالْفَارِسِيَّةِ، لِأَنَّ تَمَامَ الْإِسْلَامِ فِي وُجُوبِ مُرَاعَاةِ النَّصِّ لَفْظًا وَمَعْنًى. وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي الْمُعَامَلَاتِ. وَإِذَا كَانَ الْإِيمَانُ يَصِحُّ بِأَيِّ لِسَانٍ كَانَ إذَا حَصَلَ بِهِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَهُوَ الْإِقْرَارُ وَالتَّصْدِيقُ فَالْأَمَانُ أَوْلَى. وَكَذَلِكَ التَّسْمِيَةُ عَلَى الذَّبِيحَةِ تَصِحُّ بِأَيِّ لِسَانٍ كَانَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ. فَالْأَمَانُ أَوْسَعُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ.","vol":"1","page":283},{"text":"وَإِنْ نَادَوْهُمْ بِلِسَانٍ لَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ الْحَرْبِ، وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَهُمْ آمِنُونَ أَيْضًا. لِأَنَّ مَعْرِفَتَهُمْ لِذَلِكَ حَقِيقَةً أَمْرٌ بَاطِنًا لَا يُمْكِنُ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِهِ، فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِالسَّبَبِ الظَّاهِرِ الدَّالِّ عَلَيْهِ وَهُوَ إسْمَاعُهُمْ كَلِمَةَ الْأَمَانِ. وَهَذَا أَصْلٌ كَبِيرٌ فِي الْفِقْهِ. وَلِهَذَا شَرَطْنَا الْإِسْمَاعَ حَتَّى إذَا كَانُوا بِالْبُعْدِ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهٍ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ ذَلِكَ أَمَانًا، لِأَنَّ هَذَا ظَاهِرٌ يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ، فَيُمْكِنُ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِحَقِيقَتِهِ. ثُمَّ لَعَلَّهُ كَانَ فِيهِمْ تُرْجُمَانٌ يَعْرِفُ مَعْنَى نِدَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَيُوقِفُهُمْ عَلَى ذَلِكَ. فَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ الْأَمَانُ بِهِ كَانَ نَوْعَ غَدْرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. وَالتَّحَرُّزُ عَنْ صُورَةِ الْغَدْرِ وَاجِبٌ. يُوَضِّحُ الْفَرْقَ أَنَّهُمْ إذَا لَمْ يَفْهَمُوا فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ بِمَعْنًى مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَيْثُ نَادَوْهُمْ بِلُغَةٍ لَا يَعْرِفُونَهَا، فَلَا يَبْطُلُ بِهِ حُكْمُ الْأَمَانِ فِي حَقِّهِمْ.\n٣٧٤ - فَأَمَّا إذَا كَانُوا بِالْبُعْدِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُونَ كَلَامَهُمْ. فَإِنَّهُمْ لَمْ يَقِفُوا عَلَى مَقَالَةِ الْمُسْلِمِينَ لِمَعْنًى مِنْ جِهَتِهِمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ لَمْ يَقْرَبُوا مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلِهَذَا: لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْأَمَانِ لَهُمْ.\n\n- قَالَ: وَإِذَا قَالَ الْمُسْلِمُونَ لِلْحَرْبِيِّ: أَنْتَ آمِنٌ، أَوْ لَا تَخَفْ أَوْ لَا بَأْسَ عَلَيْك، أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُ هَذَا، فَهُوَ كُلُّهُ أَمَانٌ. لِأَنَّهُ إنَّمَا يُخَاطَبُ الْخَائِفُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ لِإِزَالَةِ الْخَوْفِ عَادَةً. وَإِنَّمَا يَزُولُ عَنْهُ الْخَوْفُ بِثُبُوتِ الْأَمَانِ. وَكُلُّ مُسْلِمٍ يَمْلِكُ إنْشَاءَ الْأَمَانِ لَهُ فَيُجْعَلُ بِهَذَا اللَّفْظِ مُنْشِئًا، كَمَنْ يَقُولُ لِعَبْدِهِ: أَعْتَقْتُك، أَوْ أَنْتَ حُرٌّ، يُجْعَلُ مُنْشِئًا عِتْقَهُ بِمَا وَصَفَهُ","vol":"1","page":284},{"text":"- ثُمَّ ذَكَرَ أَمَانَ مُخْتَلَطِ الْعَقْلِ إذَا كَانَ يَعْقِلُ الْإِسْلَامَ وَيَصِفُهُ وَهُوَ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الصَّبِيِّ الَّذِي يَعْقِلُ كَمَا فِي أَصْلِ الْإِيمَانِ. وَقَدْ بَيَّنَّا الْخِلَافَ فِي أَمَانِ الصَّبِيِّ فَكَذَلِكَ مُخْتَلَطُ الْعَقْلِ (٧٣ ب) .\n٣٧٧ - فَإِنْ كَانَ لَا يَعْقِلُ الْإِسْلَامَ وَلَا يَصِفُهُ لَا يَجُوزُ أَمَانُهُ. لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ. وَإِنْ كَانَ عَاقِلًا فِي أَمْرِ مَعِيشَتِهِ إلَّا أَنَّهُ بَالِغٌ لَا يَصِفُ الْإِسْلَامَ وَلَا يَعْقِلُهُ فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمُرْتَدِّ، وَالْمُرْتَدُّ لَا يَجُوزُ أَمَانُهُ، بِخِلَافِ الصَّبِيِّ فَإِنَّهُ مُسْلِمٌ تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ أَوْ لِأَحَدِهِمَا. وَإِنْ كَانَ لَا يَصِفُ الْإِسْلَامَ وَلَا يَعْقِلُهُ فَإِذَا كَانَ بِحَيْثُ يَعْقِلُ الْأَمَانَ صَحَّ أَمَانُهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ.\n٣٧٨ - قَالَ: وَإِنْ أَمَرَ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَنْ يُؤَمِّنَهُمْ، أَوْ أَمَرَهُ بِذَلِكَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَأَمَّنَهُمْ فَهُوَ جَائِزٌ. لِأَنَّ الْأَمِيرَ يَمْلِكُ مُبَاشَرَةَ الْأَمَانِ بِنَفْسِهِ، فَيَمْلِكُ الذِّمِّيُّ بَعْدَ أَمْرِهِ إيَّاهُ بِذَلِكَ. وَهَذَا لِأَنَّ أَمَانَ الذِّمِّيِّ إنَّمَا لَا يَصِحُّ لِتُهْمَةِ مَيْلِهِ إلَيْهِمْ اعْتِقَادًا، وَيَزُولُ ذَلِكَ إذَا أَمَرَهُ الْمُسْلِمُ بِهِ. وَيَتَبَيَّنُ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِ إيَّاهُ أَنَّ فِي أَمَانِهِ مَعْنَى النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَمَرَهُ بِالْقِتَالِ، لِأَنَّهُ بِأَمْرِهِ إيَّاهُ بِالْقِتَالِ لَا يَتَعَيَّنُ مَعْنَى الْخَيْرِيَّةِ فِي الْأَمَانِ، فَلَوْ تَعَيَّنَ ذَلِكَ إنَّمَا يَتَعَيَّنُ بِرَأْيِ الْكَافِرِ وَهُوَ مُتَّهَمٌ فِي ذَلِكَ، فَإِذَا أَمَرَهُ بِالْأَمَانِ يَتَعَيَّنُ بِهَذَا الْأَمْرِ مَعْنَى الْخَيْرِيَّةِ فِي الْأَمَانِ بِرَأْيِ الْمُسْلِمِ وَلَا تُهْمَةَ فِي ذَلِكَ. ثُمَّ الْمَسْأَلَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ: أَمِّنْهُمْ، أَوْ يَقُولَ: قُلْ لَهُمْ إنَّ فُلَانًا الْمُسْلِمَ يُؤَمِّنُكُمْ. وَكُلُّ وَجْهٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَقُولَ الذِّمِّيُّ لَهُمْ: قَدْ أَمَّنْتُكُمْ، أَوْ يَقُولَ: إنْ فُلَانًا الْمُسْلِمَ قَدْ أَمَّنَكُمْ. فَأَمَّا إذَا قَالَ لَهُ الْمُسْلِمُ: أَمِّنْهُمْ،","vol":"1","page":285},{"text":"فَسَوَاءٌ قَالَ لَهُمْ أَمَّنْتُكُمْ أَوْ أَمَّنَكُمْ فُلَانٌ، فَهُمْ آمِنُونَ. لِأَنَّهُ صَارَ مَالِكًا لِلْأَمَانِ بِهَذَا الْأَمْرِ، فَيَكُونُ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ مُسْلِمٍ آخَرَ، وَالْمُسْلِمُ إذَا قَالَ لَهُمْ: أَمَّنْتُكُمْ أَوْ أَمَّنَكُمْ فُلَانٌ كَانُوا آمِنِينَ فِي الْوَجْهَيْنِ، لِأَنَّهُ أَضَافَ الْأَمَانَ إلَى مَنْ يَمْلِكُ إنْشَاءَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إخْبَارًا مِنْهُ بِأَمَانٍ صَحِيحٍ، فَيُجْعَلُ فِي حُكْمِ الْإِنْشَاءِ لِرَفْعِ الْغَدْرِ. فَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُ قَالَ لَهُ: قُلْ لَهُمْ إنَّ فُلَانًا أَمَّنَكُمْ، فَإِنْ كَانَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَهُمْ آمِنُونَ، لِأَنَّهُ جَعَلَهُ رَسُولًا إلَيْهِمْ، وَقَدْ أَدَّى الرِّسَالَةَ عَلَى وَجْهِهَا. فَيَكُونُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَتَبَ إلَيْهِمْ كِتَابَ الْأَمَانِ، وَبَعَثَ بِهِ عَلَى يَدِهِ. فَإِذَا بَلَغَهُمْ كَانُوا آمِنِينَ. وَإِنْ قَالَ لَهُمْ: أَمَّنْتُكُمْ. فَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّهُ خَالَفَ مَا أَمَرَ بِهِ، لِأَنَّهُ أُمِرَ بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَهَذَا لَا يَتَضَمَّنُ تَمْلِيكَ الْأَمَانِ مِنْهُ. فَإِذَا قَالَ: أَمَّنْتُكُمْ فَهَذَا لَيْسَ بِتَبْلِيغٍ لِلرِّسَالَةِ وَلَكِنَّهُ إنْشَاءُ عَقْدٍ مِنْهُ مُضَافٍ إلَى نَفْسِهِ، وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ فَيَكُونُ بَاطِلًا.\n\n- قَالَ: وَالْأَسِيرُ فِي دَارِ الْحَرْبِ إذَا أَمَّنَهُمْ لَا يَصِحُّ أَمَانُهُ (٧٤ آ) عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّ أَمَانَهُ لَا يَقَعُ بِصِفَةِ النَّظَرِ مِنْهُ لِلْمُسْلِمِينَ بَلْ لِنَفْسِهِ، حَتَّى يَتَخَلَّصَ مِنْهُمْ. وَلِأَنَّ الْأَسِيرَ خَائِفٌ عَلَى نَفْسِهِ. وَإِنَّمَا يُؤَمِّنُ غَيْرَهُ مَنْ يَكُونُ آمِنًا فِي نَفْسِهِ. وَلِأَنَّهُمْ آمِنُونَ مِنْهُ لِكَوْنِهِ مَقْهُورًا فِي أَيْدِيهِمْ. فَعَقْدُهُ يَكُونُ عَلَى الْغَيْرِ ابْتِدَاءً، وَقَلَّ مَا تَخْلُو دَارُهُمْ عَنْ أَسِيرٍ. فَلَوْ صَحَّحْنَا أَمَانَهُ انْسَدَّ بَابُ الْقِتَالِ عَلَيْنَا. فَإِنَّهُمْ كُلَّمَا حَزَبَهُمْ خَوْفٌ أَمَرُوا الْأَسِيرَ حَتَّى يُؤَمِّنَهُمْ. وَالْقَوْلُ بِهَذَا فَاسِدٌ. إلَّا أَنَّهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ إنْ أَمَّنُوهُ وَأَمَّنَهُمْ فَيَنْبَغِي أَنْ يَفِيَ لَهُمْ كَمَا يَفُونَ لَهُ، وَلَا يَسْرِقُ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِي حَقِّ نَفْسِهِ. وَقَدْ شَرَطَ أَنْ يَفِيَ لَهُمْ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنِ فِي دَارِهِمْ.","vol":"1","page":286},{"text":"وَإِنْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ عَبْدٌ مُسْلِمٌ أَوْ أَمَةٌ مُسْلِمَةٌ لَمْ يَنْبَغِ لَهُ أَنْ يَعْرِضَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ. لِأَنَّهُمْ لَوْ أَسْلَمُوا عَلَيْهِ كَانَ سَالِمًا لَهُمْ، فَحُكْمُ هَذَا وَحُكْمُ سَائِرِ أَمْوَالِهِمْ سَوَاءٌ.\n٣٨١ - وَلَكِنْ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْخُذَ مَا وَجَدَ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ أَسِيرٍ حُرٍّ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ أَوْ مُكَاتَبٍ أَوْ أُمِّ وَلَدٍ مَدِينٍ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ. لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ السَّبْيُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ أَسْلَمُوا عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ، فَهُمْ ظَالِمُونَ فِي إمْسَاكِهِمْ، وَهُوَ بِالْأَمَانِ مَا الْتَزَمَ تَقْرِيرَهُمْ عَلَى الظُّلْمِ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يُزِيلَ ظُلْمَهُمْ بِالسَّرِقَةِ أَوْ الْغَصْبِ حَتَّى يُخْرِجَهُمْ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُرَاعِيَ بِالْعَهْدِ مَا يَجُوزُ إعْطَاءُ الْعَهْدِ عَلَيْهِ. وَلَا يَجُوزُ إعْطَاءُ الْأَمَانِ عَلَى تَرْكِ هَؤُلَاءِ فِي أَيْدِيهِمْ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ أَخْذِهِمْ مِنْهُمْ.\n\n- وَلَوْ حَصَلَ الْمُسْتَأْمِنُونَ فِي عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ غَيْرَ مُمْتَنِعِينَ مِنْهُمْ فَبَدَا لِلْأَمِيرِ أَنْ يَنْبِذَ إلَيْهِمْ فَعَلَيْهِ أَنْ يُلْحِقَهُمْ بِمَأْمَنِهِمْ. فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَخْرُجُوا وَقَالُوا: نَكُونُ مَعَ ذَرَارِيِّنَا وَنِسَائِنَا الَّذِينَ أَسَرْتُمُوهُمْ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْأَمِيرِ أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْإِعْذَارِ وَالْإِنْذَارِ، وَيُؤَجِّلُهُمْ إلَى وَقْتٍ يَتَيَسَّرُ عَلَيْهِمْ اللُّحُوقُ بِمَأْمَنِهِمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَلَا يُرْهِقُهُمْ فِي الْأَجَلِ كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى الْإِضْرَارِ بِهِمْ، وَيَقُولُ: إنْ لَحِقْتُمْ بِمَأْمَنِكُمْ إلَى أَجَلِ كَذَا وَإِلَّا فَأَنْتُمْ ذِمَّةٌ نَضَعُ عَلَيْكُمْ الْخَرَاجَ وَلَا نَدَعُكُمْ تَرْجِعُونَ إلَى مَأْمَنِكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ. فَإِنْ لَمْ يَخْرُجُوا حَتَّى مَضَتْ الْمُدَّةُ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلُ","vol":"1","page":287},{"text":"الرِّضَا مِنْهُمْ بِأَنْ يَكُونُوا ذِمَّةً فَيَكُونُوا بِمَنْزِلَةِ قَبُولِ عَقْدِ الذِّمَّةِ نَصًّا بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنِينَ فِي دَارِنَا إذَا أَطَالُوا الْمُقَامَ.\n\n- وَإِنْ خَافَ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ إنْ لَقِيَ الْمُسْلِمُونَ عَدُوَّهُمْ أَنْ يُغِيرُوا عَلَى عَسْكَرِهِمْ، أَوْ خَافَ أَنْ يَقْتُلُوا الْمُسْلِمِينَ لَيْلًا، فَإِنَّهُ يَأْمُرُهُمْ بِأَنْ يَلْحَقُوا (٧٤ ب) بِمَأْمَنِهِمْ، وَيُوَقِّتُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ وَقْتًا، كَمَا بَيَّنَّا، نَظَرًا مِنْهُ لِلْمُسْلِمِينَ. ثُمَّ يَأْمُرُهُمْ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، حَتَّى يَمْضِيَ ذَلِكَ الْوَقْتُ، أَنْ يُجْمَعُوا فِي مَوْضِعٍ فَيُحْرَسُوا. لِأَنَّ الْخَوْفَ مِنْهُمْ يَزْدَادُ بِالتَّقَدُّمِ إلَيْهِمْ فِي الْخُرُوجِ وَمُفَارَقَةِ النِّسَاءِ وَالذَّرَارِيِّ، وَالتَّوْقِيتُ كَانَ نَظَرًا مِنْهُ لَهُمْ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرُ لِلْمُسْلِمِينَ كَمَا يَنْظُرُ لَهُمْ، وَطَرِيقُ النَّظَرِ هَذَا. فَإِنْ مَضَى ذَلِكَ الْوَقْتُ فَصَارُوا ذِمَّةً أَمَرَ بِهِمْ أَنْ يُجْمَعُوا فِي مَوْضِعٍ كُلَّ لَيْلَةٍ وَيُجْعَلَ عَلَيْهِمْ حُرَّاسًا حَتَّى يَخْرُجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. لِأَنَّ الْأَمْنَ لَمْ يَقَعْ مِنْ جَانِبِهِمْ، وَإِنْ جَعَلَهُمْ ذِمَّةً بِمُضِيِّ الْوَقْتِ، بَلْ ازْدَادَ الْخَوْفُ بِمَا أَلْزَمَهُمْ مِنْ صِغَارِ الْجِزْيَةِ. إلَّا أَنَّ الْخَوْفَ يَكُونُ بِاللَّيْلِ غَالِبًا فَيَجْعَلُ عَلَيْهِمْ حُرَّاسًا كُلَّ لَيْلَةٍ، فَإِذَا أَصْبَحَ الْمُسْلِمُونَ خَلُّوا سَبِيلَهُمْ فِي الْعَسْكَرِ لِيَكُونُوا عِنْدَ ذَرَارِيِّهِمْ وَنِسَائِهِمْ.","vol":"1","page":288},{"text":"٣٨٤ - وَكَذَلِكَ إذَا حَصَرَ الْمُسْلِمُونَ الْعَدُوَّ جَمَعَهُمْ فِي مَوْضِعٍ وَجَعَلَ عَلَيْهِمْ حُرَّاسًا. لِأَنَّ الْخَوْفَ يَزْدَادُ مِنْهُمْ عِنْدَ الْتِقَاءِ الصَّفَّيْنِ، وَيَحْتَاجُ الْمُسْلِمُونَ إلَى أَنْ يَأْمَنُوا مِنْ جَانِبِهِمْ لِيَتَفَرَّغُوا لِقِتَالِ الْعَدُوِّ. وَذَلِكَ إنَّمَا يَحْصُلُ إذَا جَعَلَ عَلَيْهِمْ حُرَّاسًا يَحْرُسُونَهُمْ. فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَنْ يَحْرُسَهُمْ إلَّا بِأَجْرٍ اسْتَأْجَرَ الْإِمَامُ قَوْمًا يَحْرُسُونَهُمْ مِنْ الْغَنِيمَةِ. لِأَنَّ فِي هَذَا الِاسْتِئْجَارِ مَنْفَعَةٌ لِلْغَانِمِينَ. فَهُوَ نَظِيرُ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى حِفْظِ الْغَنَائِمِ، أَوْ عَلَى حِفْظِ مَنْفَعَةِ الْغَانِمِينَ. فَإِنْ قِيلَ: فِي هَذَا الْحِفْظِ مَعْنَى الْجِهَادِ فَكَيْفَ يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ؟ قُلْنَا: لَا كَذَلِكَ. فَالْقَوْمُ ذِمَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ غَيْرِ مُحَارِبِينَ لَهُمْ. فَلَا يَكُونُ حِفْظُهُمْ جِهَادًا، وَلَكِنْ يُخَافُ مِنْ جَانِبِهِمْ أَنْ يُغِيرُوا عَلَى غَنَائِمِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْتِعَتِهِمْ. فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى حِفْظِ الْغَنَائِمِ وَبَيْنَ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى حِفْظِ هَؤُلَاءِ وَمَنْعِهِمْ مِنْ أَخْذِ الْغَنَائِمِ وَقَتْلِ الْمُسْلِمِينَ.\n\n- وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ فِي مَنْعَتِهِمْ أَشَارَ إلَى مُشْرِكٍ فِي حِصْنٍ أَوْ مَنَعَةٍ لَهُمْ أَنْ تَعَالَ، أَوْ أَشَارَ إلَى أَهْلِ الْحِصْنِ أَنْ افْتَحُوا الْبَابَ، أَوْ أَشَارَ إلَى السَّمَاءِ، فَظَنَّ الْمُشْرِكُونَ أَنَّ ذَلِكَ أَمَانٌ، فَفَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، وَقَدْ كَانَ هَذَا الَّذِي صَنَعَ مَعْرُوفًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الدَّارِ أَنَّهُمْ إذَا صَنَعُوا كَانَ أَمَانًا، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَعْرُوفًا، فَهُوَ أَمَانٌ جَائِزٌ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: قَدْ أَمَّنْتُكُمْ.","vol":"1","page":289},{"text":"لِأَنَّ أَمْرَ الْأَمَانِ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّوَسُّعِ. وَالتَّحَرُّزِ عَمَّا يُشْبِهُ الْغَدْرَ وَاجِبٌ. فَإِذَا كَانَ مَعْرُوفًا بَيْنَهُمْ فَالثَّابِتُ بِالْعُرْفِ كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ. فَلَوْ لَمْ يُجْعَلْ أَمَانًا كَانَ غَدْرًا. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا فَقَدْ اقْتَرَنَ بِهِ مِنْ دَلَالَةِ الْحَالِ (٥٧ آ) مَا يَكُونُ مِثْلَ الْعُرْفِ أَوْ أَقْوَى مِنْهُ، وَهُوَ امْتِثَالُهُمْ أَمْرُهُ وَمَا أَشَارَ عَلَيْهِمْ بِهِ، فَهُوَ مِنْ أَبْيَنِ الدَّلَائِلِ عَلَى الْمُسَالَمَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ قَالُوا لَهُمْ: أَخْرَجُوا حَتَّى تَهْدِمُوا هَذَا الْحِصْنَ فَخَرَجُوا كَانُوا آمَنِينَ؟\n٣٨٦ - ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ عُمَرَ - ﵁ -: أَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَشَارَ إلَى رَجُلٍ مِنْ الْعَدُوِّ أَنْ تَعَالَ فَإِنَّك إنْ جِئْت قَتَلْتُك. فَأَتَاهُ، فَهُوَ آمِنٌ. وَتَأْوِيلُ هَذَا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَفْهَمْ قَوْلَهُ: إنْ جِئْت قَتَلْتُك أَوْ لَمْ يَسْمَعْ. فَأَمَّا إذَا عَلِمَ ذَلِكَ وَسَمِعَهُ وَجَاءَهُ مَعَ ذَلِكَ فَهُوَ فَيْءٌ، لِأَنَّ دَلَالَةَ الْحَالِ وَالْعُرْفِ يُسْقِطُ اعْتِبَارَهُ إذَا صَرَّحَ بِخِلَافِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: تَعَالَ إنْ كُنْت تُرِيدُ الْقِتَالَ أَوْ إنْ كُنْت رَجُلًا، أَوْ تَعَالَ حَتَّى تُبْصِرَ مَا أَفْعَلُهُ مَعَك، فَإِنَّهُ لَا يُشْكِلُ عَلَى أَحَدٍ أَنَّ هَذَا كَلَامُ تَهْدِيدٍ لَا كَلَامَ أَمَانٍ. فَأَمَّا قَوْلُهُ: تَعَالَ، مُطْلَقًا فَكَلَامُ مُوَافَقَةٍ. وَكَذَلِكَ إشَارَتُهُ بِالْأَصَابِعِ إلَى السَّمَاءِ فِيهِ بَيَانُ أَنَّى أَعْطَيْتُك ذِمَّةَ إلَهِ السَّمَاءِ، أَوْ أَنْتَ آمِنٌ مِنَى بِحَقِّ رَبِّ السَّمَاءِ. فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: أَمَّنْتُك.\n\n- وَلَوْ أَنَّ عَسْكَرَ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَجَدُوا رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً، فَقَالَ حِينَ وَجَدُوهُ: جِئْت أَطْلُبُ الْأَمَانَ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عِلْمٌ بِهِ حَتَّى هَجَمُوا عَلَيْهِ فَهُوَ فَيْءٌ وَلَا يُصَدَّقْ فِي ذَلِكَ. لِأَنَّ الظَّاهِرَ يُكَذِّبُهُ فِيمَا يَقُولُ. فَإِنَّهُ كَانَ مُخْتَفِيًا مِنْهُمْ إلَى أَنْ هَجَمُوا عَلَيْهِ. وَإِنَّمَا يَلِيقُ هَذَا بِحَالِ مَنْ يَأْتِيهِمْ مُغِيرًا لَا مُسْتَأْمَنًا. فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَحْتَالُ بِهَذِهِ الْحِيلَةِ بَعْدَ مَا وَقَعَ فِي الشَّبَكَةِ فَلَا يُصَدَّقُ.","vol":"1","page":290},{"text":"وَإِنْ كَانَ مُمْتَنِعًا فِي مَوْضِعٍ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، وَهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَهُ إنْ تَكَلَّمَ، فَأَرَادُوهُ لِيَقْتُلُوهُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ لَمْ يَتَكَلَّمْ، وَلَكِنَّهُ أَقْبَلَ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي أَيْدِيهِمْ، فَهُوَ فَيْءٌ. وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ، وَلَا يَقْبَلَ قَوْلَهُ إنِّي جِئْت أَطْلُبُ الْأَمَانَ. لِأَنَّهُ حِينَ أَرَادَ الْمُسْلِمُونَ أَسْرَهُ أَوْ قَتْلَهُ كَانَ مُتَمَكِّنًا عَلَى أَنْ يُنَادِيَ بِالْأَمَانِ فَيَعْلَمَ أَيُؤَمِّنُونَهُ أَمْ لَا. وَقَدْ كَانَ مُمْتَنِعًا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَحِينَ تَرَكَ النِّدَاءَ بِالْأَمَانِ فَهُوَ الَّذِي لَمْ يَنْظُرْ لِنَفْسِهِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ. فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَقْبَلَ رَادًّا لِقَصْدِ الْمُسْلِمِينَ، فَحِينَ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ احْتَالَ بِهَذِهِ الْحِيلَةِ.\n٣٨٩ - وَإِنْ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ الْمُسْلِمُونَ بِقَتْلٍ وَلَا أَسْرٍ فَأَقْبَلَ إلَيْهِمْ حَتَّى أَتَاهُمْ فَهُوَ آمِنٌ. لِأَنَّ إقْبَالَهُ إلَيْهِمْ دَلِيلُ الْمُسَالَمَةِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ النِّدَاءِ بِالْأَمَانِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. فَإِقْبَالُهُ بَعْدَ قَصْدِ الْمُسْلِمِينَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ رَدَّ قَصْدِهِمْ بِالْقِتَالِ. وَأَمَّا إقْبَالُهُ قَبْلَ قَصْدِ الْمُسْلِمِينَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ الْمُسَالَمَةَ. أَلَا تَرَى أَنَّ تُجَّارَهُمْ هَكَذَا يَكُونُ الْحَالُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ يَدْخُلُونَ دَارَ الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنَادَوْا لِطَلَبِ (٧٥ ب) الْأَمَانِ.\n٣٩٠ - وَإِنْ كَانَ فِي مَنْعَةٍ حَيْثُ لَا يَسْمَعُ الْمُسْلِمُونَ كَلَامَهُ وَلَا يَرَوْنَهُ، فَانْحَطَّ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ وَلَا سِلَاحٌ حَتَّى أَتَى الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا كَانَ حَيْثُ يَسْمَعُهُمْ نَادَى بِالْأَمَانِ، فَهُوَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَهُوَ آمِنٌ. لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا فِي وُسْعِهِ مِنْ مُفَارَقَةِ الْمَنَعَةِ وَالنِّدَاءِ بِالْأَمَانِ إذْ كَانَ بِحَيْثُ","vol":"1","page":291},{"text":"يَسْمَعُ الْمُسْلِمُونَ، وَأَلْقَى السِّلَاحَ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ جَاءَ طَالِبًا لِلْأَمَانِ، فَهُوَ آمِنٌ، أَمَّنُوا أَوْ لَمْ يُؤَمِّنُوا. لِأَنَّ الشَّرْعَ أَمَّنَ مِثْلَهُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَك فَأَجِرْهُ﴾ [التوبة: ٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١] .\n٣٩١ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَعَهُ السِّلَاحُ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ هَيْئَةُ رَجُلٍ يُرِيدُ الْقِتَالَ. لِأَنَّهُ رُبَّمَا اسْتَصْحَبَ السِّلَاحَ لِيَبِيعَهُ فِي عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ خَافَ ضَيَاعَهُ إنْ خَلَفَهُ عِنْدَهُمْ، فَاسْتَصْحَبَهُ ضِنَةً مِنْهُ بِسِلَاحِهِ.\n٣٩٢ - وَإِنْ كَانَ أَقْبَلَ سَالًّا سَيْفَهُ مَادًّا رُمْحَهُ نَحْوَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَكُونُ مُمْتَنِعًا مِنْهُمْ نَادَى الْأَمَانَ، فَهُوَ فَيْءٌ. لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ أَقْبَلَ مُقَاتِلًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى الظَّاهِرِ فِيمَا يُتَعَذَّرُ الْوُقُوفُ عَلَى حَقِيقَتِهِ جَائِزٌ. وَغَالِبُ الرَّأْيِ يَجُوزُ تَحْكِيمُهُ فِيمَا لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ حَقِيقَتِهِ، وَإِنْ كَانَ يَرْجِعُ إلَى إبَاحَةِ الدَّمِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ رَأَى إنْسَانًا يَدْخُلُ بَيْتَهُ لَيْلًا وَلَا يَدْرِي أَنَّهُ سَارِقٌ أَوْ هَارِبٌ مِنْ اللُّصُوصِ فَإِنَّهُ يُحَكِّمُ: فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ سِيمَا اللُّصُوصِ أَوْ كَانَ مَعَهُ آخَرُ يَجْمَعُ مَتَاعَهُ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَدْنُوَا مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ سِيمَا أَهْلِ الْخَيْرِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُؤْوِيَهُ وَلَا يَسَعُهُ أَنْ يَرْمِيَ إلَيْهِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ تَحْكِيمِ السِّيمَاءِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ الرُّجُوعِ إلَى دَلَالَةِ الْحَالِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة: ٤٦]","vol":"1","page":292},{"text":"- وَلَوْ أَنَّ عَسْكَرًا نَزَلَ لَيْلًا فِي أَرْضِ الْحَرْبِ فَجَاءَ مُشْرِكٌ عَلَى طَرِيقٍ لَا يَعْدُو عَلَى غَيْرِهِ حَتَّى لَقِيَ أَوَّلَ مَسَالِحِ الْمُسْلِمِينَ فَسَأَلَهُمْ الْأَمَانَ، إلَّا أَنَّهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، كَانَ آمِنًا. لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا فِي وُسْعِهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا صَارَ بِحَيْثُ يَسْمَعُ الْمُسْلِمِينَ لَا يَكُونُ مُمْتَنِعًا مِنْهُمْ، وَالنِّدَاءُ بِالْأَمَانِ فِي مَوْضِعٍ لَا يَسْمَعُ الْمُسْلِمِينَ لَا يَكُونُ مُفِيدًا شَيْئًا، فَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِهِ. وَذُكِرَ فِي الْمَغَازِي أَنَّ «مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ كَانَ عَلَى حَرَسِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي بَعْضِ اللَّيَالِي حِينَ كَانَ مُحَاصِرًا لِبَنِي قُرَيْظَةَ. فَخَرَجَ رَجُلَانِ وَوَجْهُهُمَا نَحْوَهُ. فَلَمَّا وَصَلَا إلَيْهِ قَالَ: مَا الَّذِي جَاءَ بِكُمَا؛ قَالَا: جِئْنَا بِالْأَمَانِ (٧٦ آ) . فَخَلَّى سَبِيلَهُمَا وَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمنِي إقَالَةَ عَثَرَاتِ الْكِرَامِ. وَلَمْ يُوقَفْ عَلَى أَثَرِهِمَا بَعْدَ ذَلِكَ. وَأَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَلَمْ يُعَاتِبُهُ عَلَى ذَلِكَ» .\n\n- وَلَوْ وَجَدُوا رَجُلًا عَلَيْهِ سِلَاحَهُ فِي مُؤَخَّرِ الْعَسْكَرِ أَوْ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ يُعَارِضُ الْعَسْكَرَ، فَلَمَّا بَصُرُوا بِهِ دَعَا إلَى الْأَمَانِ، كَانَ فَيْئًا، وَلِلْأَمِيرِ أَنْ يَقْتُلَهُ. لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ جَاءَ مُتَجَسِّسًا، أَوْ جَاءَ عَلَى قَصْدِ أَنْ يُبَيِّتَ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ يُؤْخَذُ فِي مِثْلِ هَذَا بِغَالِبِ الظَّنِّ وَالرَّأْيِ.\n٣٩٥ - وَإِنْ أَشْكَلَ حَالُهُ وَلَيْسَ فِيهِ أَمْرٌ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَأْمَنٌ وَلَا مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَأْمَنٍ، وَلَمْ يَقَعْ فِي الْقُلُوبِ","vol":"1","page":293},{"text":"تَرْجِيحُ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ مِنْ حَالِهِ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْأَمِيرِ أَنْ يَأْخُذَهُ فَيُخْرِجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَيَجْعَلَهُ ذِمَّةً. لِأَنَّ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْمُعَارَضَةِ وَانْعِدَامِ التَّرْجِيحِ يَجِبُ الْأَخْذُ بِالِاحْتِيَاطِ، وَمِنْ الِاحْتِيَاطِ أَنْ لَا يَقْتُلَهُ وَلَا يَجْعَلَهُ فَيْئًا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ جَاءَ مُسْتَأْمِنًا، وَأَنْ لَا يَرُدَّهُ إلَى مَأْمَنِهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ جَاءَ مُغِيرًا، فَلَا يَبْطُلُ حُكْمُ حُرْمَتِهِ بِالْمُحْتَمَلِ، وَلَا يَجُوزُ إرَاقَةُ دَمِهِ بِهِ أَيْضًا. فَيَبْقَى حُرًّا مُحْتَبِسًا فِي دَارِنَا عَلَى التَّأْبِيدِ. فَإِنْ أَسْلَمَ فَهُوَ حُرٌّ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَبَى وُضِعَ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ. وَكَذَلِكَ الْقَوْمُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ يُرِيدُونَ دُخُولَ دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُنَادُوا بِالْأَمَانِ إلَّا فِي مَوْضِعٍ لَا يَكُونُونَ فِيهِ مُمْتَنِعِينَ. فَنَادَوْا بِالْأَمَانِ حِينَ انْتَهَوْا إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ، فَهُمْ آمِنُونَ. لِأَنَّهُمْ أَتَوْا بِمَا فِي وُسْعِهِمْ.\n\n- وَلَوْ كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ جَاءُوا فَاسْتَأْمَنُوا، فَإِنْ شَاءَ الْمُسْلِمُونَ أَمَّنُوهُمْ، وَإِنْ شَاءُوا لَمْ يُؤَمِّنُوهُمْ. لِأَنَّ أَهْلَ الْمَنَعَةِ فِي دَارِنَا كَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ فِي حُصُونِهِمْ، لِكَوْنِهِمْ مُمْتَنِعِينَ.\n٣٩٧ - وَلَوْ كَانُوا مُسْتَأْمَنِينَ كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ إذَا","vol":"1","page":294},{"text":"كَانُوا فِي مَنَعَتِهِمْ. فَيَكُونُ لَهُمْ أَيْضًا أَنْ يَمْتَنِعُوا مِنْ إعْطَاءِ الْأَمَانِ لَهُمْ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. فَأَمَّا غَيْرُ الْمُمْتَنِعِينَ لَوْ كَانُوا مُسْتَأْمَنِينَ لَمْ يَجُزْ نَبْذُ الْأَمَانِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ حَتَّى نُلْحِقَهُمْ بِمَأْمَنِهِمْ. فَكَذَلِكَ إذَا جَاءُوا طَالِبِينَ الْأَمَانَ حَتَّى صَارُوا غَيْرَ مُمْتَنِعِينَ مِنَّا، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ تَقَدَّمَ عَلَى أَهْلِ تِلْكَ الدَّارِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَنَّهُ لَا أَمَانَ لَكُمْ عِنْدَنَا، فَلَا يَخْرُجَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إلَيْنَا. فَإِذَا عَلِمُوا بِذَلِكَ فَلَا أَمَانَ لَهُمْ. وَمَنْ جَاءَ يَطْلُبُ الْأَمَانَ فَهُوَ فَيْءٌ، لِأَنَّهُ أَعْذَرَ إلَيْهِمْ بِمَا صَنَعَ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ قَدَّمْت إلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ [ق: ٢٨] . ثُمَّ الْحَاصِلُ (٧٦ ب) أَنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْمَنَعَةَ عِنْدَ الِاسْتِئْمَانِ فَإِنَّهُ يَكُونُ آمِنًا عَادَةً، وَالْعَادَةُ تُجْعَلُ حُكْمًا إذَا لَمْ يُوجَدْ التَّصْرِيحُ بِخِلَافِهِ، فَأَمَّا عِنْدَ وُجُودِ التَّصْرِيحِ بِخِلَافِهِ يَسْقُطُ اعْتِبَارُهُ، كَمُقَدِّمِ الْمَائِدَةِ بَيْنَ يَدَيْ إنْسَانٍ إذَا قَالَ: لَا تَأْكُلْ.\n\n- وَلَوْ وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ حَرْبِيًّا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ: دَخَلْت بِأَمَانِ، لَمْ يُصَدَّقْ. لِأَنَّهُ صَارَ مَأْخُوذًا مَقْهُورًا بِمَنْعِهِ الدَّارَ، فَهُوَ مُتَّهَمٌ فِيمَا يَدَّعِي مِنْ الْأَمَانِ، وَقَوْلُ الْمُتَّهَمِ لَا يَكُونُ حُجَّةً. أَرَأَيْت لَوْ أَخَذَهُ وَاحِدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَاسْتَرَقَّهُ ثُمَّ قَالَ: كُنْت دَخَلْت بِأَمَانٍ أَكَانَ مُصَدَّقًا فِي ذَلِكَ؟\n٣٩٩ - وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ: أَنَا أَمَّنْته لَمْ يُصَدَّقْ بِذَلِكَ أَيْضًا. لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا لَا يَمْلِكُ إنْشَاءَهُ، وَقَدْ ثَبَتَ حَقُّ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي مَنْعِهِ","vol":"1","page":295},{"text":"مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ وَاسْتِرْقَاقِهِ. وَقَوْلُ الْوَاحِدِ فِي إبْطَالِ الْحَقِّ الثَّابِتِ بِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ غَيْرُ مَقْبُولٍ.\n٤٠٠ - فَإِنْ شَهِدَ بِذَلِكَ رَجُلَانِ مُسْلِمَانِ غَيْرُ الْمَخْبَرِ أَنَّهُ أَمَّنَّهُ فَهُوَ آمِنٌ. لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ. وَلَا شَهَادَةَ فِيهِ لِلَّذِي يَقُولُ: أَنَا أَمَّنْته، لِأَنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ فِعْلِ نَفْسِهِ، فَيَكُونُ دَعْوَى لَا شَهَادَةً، وَلَا شَهَادَةَ فِيهِ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّهَا تَقُومُ عَلَى إبْطَالِ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ.\n٤٠١ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَنَا رَسُولُ الْمَلِكِ إلَى الْخَلِيفَةِ لَمْ يُصَدَّقْ وَكَانَ فَيْئًا. لِأَنَّ هَذَا مِنْهُ دَعْوَى الْأَمَانِ. فَإِنَّ الرَّسُولَ آمِنٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ. هَكَذَا جَرَى الرَّسْمُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ. فَإِنَّ أَمْرَ الصُّلْحِ أَوْ الْقِتَالِ لَا يَلْتَئِمُ إلَّا بِالرَّسُولِ، وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ آمِنًا لِيَتَمَكَّنَ مِنْ أَدَاءِ الرِّسَالَةِ. فَلَمَّا تَكَلَّمَ رَسُولُ قَوْمٍ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بِمَا كَانَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ قَالَ: «لَوْلَا أَنَّك رَسُولٌ لَقَتَلْتُك» . فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الرَّسُولَ آمِنٌ، وَلَكِنْ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ لَا يُصَدَّقُ أَنَّهُ رَسُولٌ.\n٤٠٢ - فَإِنْ أَخْرَجَ كِتَابًا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ كِتَابَ مَلِكِهِمْ وَادَّعَى أَنَّهُ كِتَابُ مَلِكِهِمْ فَهُوَ آمِنٌ حَتَّى يُبَلِّغَ الرِّسَالَةَ. وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْأَمَانُ لَهُ هَهُنَا بِغَالِبِ الظَّنِّ. فَلَعَلَّ الْكِتَابَ مُفْتَعَلٌ، وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي وُسْعِهِ فَوْقَ هَذَا لِأَنَّهُ لَا يَجِدُ مُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِيُسْتَصْحَبَهُمَا لِيَشْهَدَا عَلَى أَنَّهُ رَسُولٌ مِنْ قِبَلِهِ، يُكْتَفَى مِنْهُ بِهَذَا الدَّلِيلِ.","vol":"1","page":296},{"text":"فَكَذَلِكَ فِيمَا سَبَقَ. وَلَوْ لَمْ يَصْحَبْهُ دَلِيلٌ وَلَا كِتَابٌ فَأَخَذَهُ وَاحِدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ فَيْءٌ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لِأَنَّهُ تَمَكَّنَ مِنْ أَخْذِهِ بِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ وُجِدَ فِي عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَأَخَذَهُ وَاحِدٌ، إلَّا أَنَّ هُنَاكَ يَجِبُ (٧٧ آ) فِيهِ الْخُمُسُ فِيهِ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ. وَفِي هَذَا الْفَصْلِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي إيجَابِ الْخُمُسِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ هُوَ فَيْءٌ لِمَنْ أَخَذَهُ، لِأَنَّهُ مُبَاحٌ فِي دَارِنَا. فَمَنْ سَبَقَتْ يَدُهُ إلَيْهِ يَكُونُ مُحْرَزًا لَهُ مُخْتَصًّا بِمِلْكِهِ كَالصَّيْدِ وَالْحَشِيشِ. وَفِي إيجَابِ الْخُمُسِ فِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ مُحَمَّدٍ أَيْضًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - يَصِيرُ هُوَ مَقْهُورًا لِمَنْعِهِ الدَّارَ مَأْخُوذًا، حَتَّى لَوْ أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يُوجَدَ كَانَ فَيْئًا، بِمَنْزِلَةِ الْأَسِيرِ يُسْلِمُ بَعْدَ الْأَخْذِ قَبْلَ أَنْ يَضْرِبَ الْإِمَامُ عَلَيْهِ الرِّقَّ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - ﵀ - لَا يَصِيرُ مَأْخُوذًا بِالدَّارِ مَا لَمْ يَأْخُذْهُ مُسْلِمٌ، حَتَّى لَوْ أَسْلَمَ كَانَ حُرًّا. لِأَنَّ الْإِحْرَازَ فِي الْحَقِيقَةِ يَكُونُ بِالْيَدِ لَا بِالدَّارِ، وَلِهَذَا لَوْ رَجَعَ إلَى دَارِهِ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ كَانَ حُرَّ الْأَصْلِ، فَإِذَا أَخَذَهُ إنْسَانٌ كَانَ مُخْتَصًّا بِمِلْكِهِ، لِاخْتِصَاصِهِ بِإِحْرَازِهِ. فَإِنْ قَالَ: إنِّي أَمَّنْته قَبْلَ أَنْ آخُذَهُ فَهُوَ آمِنٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، لِأَنَّهُ فِي الظَّاهِرِ عَبْدٌ لَهُ. وَقَدْ أَقَرَّ بِحُرِّيَّتِهِ، وَلَا تُهْمَةَ فِي إقْرَارِهِ. وَيَنْبَغِي فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - أَنْ لَا يَكُونَ مُصَدَّقًا فِي ذَلِكَ، لِأَنَّ الْحَقَّ ثَابِتٌ فِيهِ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَهُوَ غَيْرُ مُصَدَّقٍ فِي إبْطَالِ حَقِّهِمْ، وَإِنْ لَمْ يُؤْخَذْ بَعْدَ مَا أَسْلَمَ فِي دَارِنَا حَتَّى رَجَعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَهُوَ حُرٌّ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ. أَمَّا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَلَا إشْكَالَ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَرْجِعْ كَانَ حُرًّا، فَكَذَلِكَ إذَا رَجَعَ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَلِأَنَّهُ وَإِنْ صَارَ مَأْخُوذًا لَا يَصِيرُ رَقِيقًا مَا لَمْ يُضْرَبْ عَلَيْهِ الرِّقُّ. فَإِذَا رَجَعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَقَدْ انْعَدَمَ عَرْضِيَّةُ الِاسْتِرْقَاقِ فِيهِ، وَتَقَرَّرَ حُرِّيَّتُهُ فِي حَالِ إسْلَامِهِ، فَلَا يُسْتَرَقُّ بَعْدَ ذَلِكَ، بِمَنْزِلَةِ الْأَسِيرِ يُسْلِمُ وَيَنْقَلِبُ إلَى عَسْكَرِ أَهْلِ الْحَرْبِ، ثُمَّ يُؤْخَذُ بَعْدَ ذَلِكَ. فَكَمَا يَكُونُ حُرًّا هُنَاكَ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.\n\n- وَإِذَا مَرَّ عَسْكَرُ الْمُسْلِمِينَ بِمَدِينَةٍ مِنْ مَدَائِنِ أَهْلِ الْحَرْبِ","vol":"1","page":297},{"text":"وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ بِهِمْ طَاقَةٌ، فَأَرَادُوا أَنْ يَنْفُذُوا إلَى غَيْرِهِمْ، قَالَ لَهُمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: أُعْطُونَا أَنْ لَا تَمُرُّوا فِي هَذَا الطَّرِيقِ عَلَى أَنْ لَا نَقْتُلَ مِنْكُمْ أَحَدًا وَلَا نَأْسِرَهُ. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ خَيْرًا لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُعْطُوهُمْ ذَلِكَ وَيَأْخُذُوا فِي طَرِيقٍ آخَرَ، وَإِنْ كَانَ أَبْعَدَ وَأَشَقَّ. لِأَنَّهُمْ لَا يَأْمَنُونَ أَنْ يَتْبَعُوهُمْ فَيَقْتُلُوا الْوَاحِدَ وَالِاثْنَيْنِ مِمَّنْ فِي أُخْرَيَاتِ الْعَسْكَرِ. وَهَذِهِ الْمُوَادَعَةُ تُؤَمِّنُهُمْ مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ قَبِلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي الْمُوَادَعَةِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ الشَّرْطِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا. فَإِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ شَرَطُوا عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ كُلَّ مَنْ أَتَى مُسْلِمًا مِنْهُمْ. وَوَفَى لَهُمْ بِهَذَا الشَّرْطِ، إلَى أَنْ انْتَسَخَ. لِأَنَّهُ كَانَ فِيهِ نَظَرٌ لِلْمُسْلِمِينَ لِمَا كَانَ بَيْنَ أَهْلِ مَكَّةَ وَأَهْلِ خَيْبَرَ مِنْ الْمُوَاطَأَةِ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - إذَا تَوَجَّهَ إلَى أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ أَغَارَ الْفَرِيقُ الْآخَرُ عَلَى الْمَدِينَةِ. فَوَادَعَ أَهْلَ مَكَّةَ حَتَّى يَأْمَنَ مِنْ جَانِبِهِمْ إذَا تَوَجَّهَ إلَى خَيْبَرَ. فَعَرَفْنَا (٧٧ ب) أَنَّ مِثْلَ هَذَا الشَّرْطِ لَا بَأْسَ بِقَبُولِهِ إذَا كَانَ فِيهِ نَظَرٌ لِلْمُسْلِمِينَ.\n٤٠٤ - فَإِنْ قَبِلُوهُ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ أَنْ يَمُرُّوا فِي ذَلِكَ الطَّرِيقِ فَلْيَنْبِذُوا إلَيْهِمْ وَيُعْلِمُوهُمْ بِذَلِكَ. لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمُوَادَعَةِ وَالْأَمَانِ، فَيَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ وَالتَّحَرُّزُ عَنْ الْغَدْرِ إلَى أَنْ يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ.\n٤٠٥ - فَإِنْ قَالَ الْمُسْلِمُونَ: إنَّ مَمَرَّنَا فِي هَذَا الطَّرِيقِ لَا يَضُرُّهُمْ شَيْئًا قِيلَ لَهُمْ: لَعَلَّ لَهُمْ فِي هَذَا الطَّرِيقِ زُرُوعًا وَنَخْلًا وَكَلَأً يَحْتَاجُونَ","vol":"1","page":298},{"text":"إلَيْهِ، وَلَا يُحِبُّونَ أَنْ تَرْعُوهُ، أَوْ لَعَلَّ لَهُمْ مَوَاشِيَ وَلَا يُحِبُّونَ أَنْ تَعْرِضُوا لَهَا. فَإِنْ قَالُوا: نَمُرُّ وَلَا نَتَعَرَّضُ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا أَسْهَلَ الطُّرُقِ، قِيلَ لَهُمْ: وَإِنْ لَمْ تَأْخُذُوا شَيْئًا، فَلَعَلَّ الْقَوْمَ يَكْرَهُونَ أَنْ تَرَوْا حُصُونَهُمْ وَمَوَاشِيَهُمْ وَتَعْرِفُوا الطَّرِيقَ إلَيْهِمْ، فَتَأْتُوهُمْ مَرَّةً أُخْرَى. أَوْ تَرَوْنَ لَهُمْ عَوْرَةً مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ فَتَغْزُونَهُمْ مَرَّةً أُخْرَى بِمَا رَأَيْتُمْ مِنْ الْعَوْرَةِ. فَلَيْسَ لَكُمْ إلَّا الْوَفَاءُ بِمَا قُلْتُمْ أَوْ النَّبْذُ إلَيْهِمْ عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] .\n\n- وَلَوْ قَالَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: أُعْطُونَا عَلَى أَنْ لَا تَشْرَبُوا مِنْ مَاءِ نَهْرِنَا فَأَعْطَيْنَاهُمْ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ شُرْبُنَا يَضُرُّهُمْ فِي مَائِهِمْ، أَوْ لَا نَعْلَمُ أَيَضُرُّ ذَلِكَ بِمَائِهِمْ أَوْ لَا، فَيَنْبَغِي أَنْ نَفِيَ لَهُمْ بِذَلِكَ. وَإِنْ كُنَّا نَتَيَقَّنُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ بِمَاءِ نَهْرِهِمْ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ نَشْرَبَ مِنْ ذَلِكَ النَّهْرِ وَنَسْقِيَ الدَّوَابَّ بِغَيْرِ عِلْمِهِمْ. لِأَنَّ الشَّرْطَ إنْ كَانَ مُفِيدًا يَجِبُ مُرَاعَاتُهُ. وَمَنْ اشْتَرَطَ مِثْلَهُ يَكُونُ مُتَعَنِّتًا لَا طَالِبَ مَنْفَعَةٍ أَوْ دَافِعَ ضَرَرٍ. فَإِذَا عَلِمْنَا أَنَّهُ لَا يَضُرُّ بِهِمْ فَهَذَا شَرْطٌ غَيْرُ مُفِيدٍ فَيُلْغَى. وَإِذَا كَانَ يَضُرُّ بِهِمْ فَهَذَا شَرْطٌ مُفِيدٌ لَهُمْ فَيَجِبُ اعْتِبَارُهُ، بِمَنْزِلَةِ مَا يَجْرِي مِنْ الشُّرُوطِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُعَامَلَاتِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَدْرِي أَيَضُرُّ","vol":"1","page":299},{"text":"بِهِمْ أَمْ لَا، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَشْتَرِطُونَ ذَلِكَ إلَّا لِمَنْفَعَةٍ لَهُمْ أَوْ دَفْعِ ضَرَرٍ عَنْهُمْ، لِأَنَّ الْعَاقِلَ لَا يَشْتَغِلُ بِمَا لَا يُفِيدُهُ شَيْئًا، وَالْبِنَاءُ عَلَى الظَّاهِرِ وَاجِبٌ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ خِلَافُهُ.\n٤٠٧ - فَإِذَا احْتَاجَ الْمُسْلِمُونَ إلَى ذَلِكَ الْمَاءِ لِأَنْفُسِهِمْ أَوْ دَوَابِّهِمْ فَلْيَنْبِذُوا إلَيْهِمْ وَيُخْبِرُوهُمْ أَنَّهُمْ فَاعِلُونَ، ثُمَّ يَشْرَبُونَ. وَكَذَلِكَ الْكَلَأُ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ. لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لَهُمْ. وَقَدْ أَثْبَتَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بَيْنَ النَّاسِ شَرِكَةً عَامَّةً فِي الْكَلَأِ وَالْمَاءِ فَلَا تَنْقَطِعُ شَرِكَتُهُمْ بِهَذَا الشَّرْطِ إذَا عَلِمُوا أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لَهُمْ فِيهِ.\n٤٠٨ - فَأَمَّا الزَّرْعُ وَالْأَشْجَارُ وَالثِّمَارُ إذَا أَعْطُوهُمْ أَنْ لَا يَتَعَرَّضُوا لِذَلِكَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَضَرَّ بِأَهْلِ الْحَرْبِ أَوْ لَمْ يَضُرَّ بِهِمْ. لِأَنَّ هَذَا مِلْكٌ (٧٨ آ) لَهُمْ، وَنُفُوذُ تَصَرُّفِ الْإِنْسَانِ فِي مِلْكِهِ بِحُكْمِ الْمِلْكِ لَا بِاعْتِبَارِ الْمَنْفَعَةِ وَالضَّرَرِ، إلَّا أَنْ يَضْطَرَّ الْمُسْلِمُونَ إلَيْهِ فَلْيَنْبِذُوا إلَيْهِمْ ثُمَّ يَأْخُذُونَ وَيَأْكُلُونَ وَيَعْلِفُونَ. لِأَنَّ بِهَذَا الشَّرْطِ لَا تَنْعَدِمُ صِفَةُ الْإِبَاحَةِ الثَّابِتَةِ فِي أَمْلَاكِهِمْ، وَلَكِنَّ التَّحَرُّزَ عَنْ الْغَدْرِ وَاجِبٌ. وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ بِالنَّبْذِ إلَيْهِمْ.\n٤٠٩ - وَإِنْ قَالُوا أَعْطُونَا عَلَى أَنْ لَا تُحَرِّقُوا زُرُوعَنَا وَلَا كَلَأَنَا فَأَعْطَيْنَاهُمْ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ نَأْكُلَ مِنْهُ وَنَعْلِفَ دَوَابَّنَا.","vol":"1","page":300},{"text":"لِأَنَّ الْوَفَاءَ إنَّمَا يَلْزَمُنَا بِقَدْرِ مَا قَبِلْنَا مِنْ الشُّرُوطِ. وَذَلِكَ الْإِحْرَاقُ وَالْأَكْلُ لَيْسَ مِنْ الْإِحْرَاقِ فِي شَيْءٍ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَحِلُّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَأْكُلَ مِلْكَهُ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُحْرِقَهُ؛ وَأَهْلُ الشَّامِ يَكْرَهُونَ الْإِحْرَاقَ فِي أَمْوَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَلَا يَكْرَهُونَ التَّنَاوُلَ. وَلَعَلَّهُمْ إنَّمَا شَرَطُوا هَذَا الشَّرْطَ لِمَا فِي الْإِحْرَاقِ مِنْ الْفَسَادِ. وَالْأَصْلُ أَنَّ مَا ثَبَتَ بِالشَّرْطِ نَصًّا لَا يَلْحَقُ بِهِ مَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.\n٤١٠ - وَإِنْ سَأَلُونَا أَنْ لَا نُخَرِّبَ قُرَاهُمْ فَأَعْطَيْنَاهُمْ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ نَأْخُذَ مَا وَجَدْنَا فِي قُرَاهُمْ مِنْ مَتَاعٍ أَوْ عَلَفٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا لَيْسَ بِبِنَاءٍ. لِأَنَّ التَّخْرِيبَ يَكُونُ فِي الْأَبْنِيَةِ. أَمَّا أَخْذُ الْأَمْتِعَةِ فَمِنْ الْحِفْظَةِ لَا مِنْ التَّخْرِيبِ. وَلَعَلَّهُمْ كَرِهُوا ذَلِكَ لِمَا فِي التَّخْرِيبِ مِنْ صُورَةِ الْإِفْسَادِ. وَلَكِنَّ كُلَّ مَا كَانَ فِي قُرَاهُمْ مِنْ خَشَبٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ نَعْرِضَ لَهُ. وَمَا كَانَ مِنْ خَشَبٍ مَوْضُوعٍ لَيْسَ فِي بِنَاءٍ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ نَأْخُذَهُ وَنُوقِدَ بِهِ، لِأَنَّ هَذَا انْتِفَاعٌ وَلَيْسَ بِتَخْرِيبٍ. وَإِنَّمَا الَّذِي لَا يَحِلُّ بَعْدَ هَذَا الشَّرْطِ هَدْمُ شَيْءٍ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ أَوْ تَخْرِيبُهُ بِالنَّارِ، لِأَنَّ ذَلِكَ فَوْقَ التَّخْرِيبِ. فَيَثْبُتُ حُكْمُ الشَّرْطِ فِيهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَإِنْ وَجَدْنَا بَابًا مُغْلَقًا وَلَمْ نَقْدِرْ عَلَى فَتْحِهِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ نَقْلَعَهُ قَبْلَ النَّبْذِ إلَيْهِمْ، لِأَنَّ هَذَا تَخْرِيبٌ. بِخِلَافِ مَا إذَا قَدْرَنَا عَلَى فَتْحِ الْبَابِ، فَإِنَّ فَتْحَ الْبَابِ لَيْسَ بِتَخْرِيبٍ، فَإِنْ لَمْ نَقْدِرْ عَلَى فَتْحِهِ إلَّا بِكَسْرِ الْغَلْقِ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَفْعَلَ، لِأَنَّ هَذَا تَخْرِيبٌ، وَالْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ فِيمَا الْتَزَمْنَا بِالشَّرْطِ نَصًّا سَوَاءٌ.\n٤١١ -","vol":"1","page":301},{"text":"وَإِنْ شَرَطُوا عَلَيْنَا أَنْ لَا نَأْكُلَ مِنْ زُرُوعِهِمْ وَلَا نَعْلِفَ مِنْهَا فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُحَرِّقَ شَيْئًا مِنْهَا. لِأَنَّ الْإِحْرَاقَ فَوْقَ الْأَكْلِ فِي تَفْوِيتِ مَقْصُودِهِمْ بِالشَّرْطِ، فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِيهِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى، بِمَنْزِلَةِ التَّنْصِيصِ عَلَى التَّأْفِيفِ فِي حَقِّ الْأَبَوَيْنِ يَكُونُ تَنْصِيصًا عَلَى حُرْمَةِ الشَّتْمِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى. وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا شَرَطُوا بِأَنْ لَا يُحْرَقَ، لِأَنَّ الْأَكْلَ دُونَ التَّحْرِيقِ. فَإِنَّ الْإِحْرَاقَ إفْسَادٌ لِلْعَيْنِ، وَالْأَكْلُ انْتِفَاعٌ بِالْعَيْنِ. فَإِذَا شَرَطُوا أَنْ لَا يَأْكُلَ فَمَقْصُودُهُمْ بَقَاءُ الْعَيْنِ لَهُمْ، وَذَلِكَ يَنْعَدِمُ بِالْإِحْرَاقِ كَمَا يَنْعَدِمُ بِالْأَكْلِ. وَإِذَا شَرَطُوا أَنْ لَا نُحَرِّقَ فَمَقْصُودُهُمْ (٧٨ ب) أَنْ لَا يَفْسُدَ شَيْءٌ مِنْ مِلْكِهِمْ، وَلَيْسَ فِي الْأَكْلِ فَسَادٌ.\n٤١٢ - فَإِنْ اشْتَرَطُوا أَنْ لَا نُحَرِّقَ لَهُمْ زُرُوعًا فَقَدْرَنَا عَلَى أَنْ نُغْرِقَهَا بِالْمَاءِ، فَلَيْسَ لَنَا أَنْ نَفْعَلَ ذَلِكَ. لِأَنَّ هَذَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إفْسَادٌ.\n٤١٣ - وَكَذَلِكَ لَوْ شَرَطُوا أَنْ لَا نُغْرِقَهَا فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُحَرِّقَهَا.\n٤١٤ - وَكَذَلِكَ لَوْ شَرَطُوا أَنْ لَا نُغْرِقَ سَفِينَتَهُمْ وَلَا نُحَرِّقَهَا لَمْ يَنْبَغِ لَنَا أَنْ نَذْهَبَ بِهَا. لِأَنَّ مَقْصُودَهُمْ مِنْ هَذَا بَقَاءُ عَيْنِهَا لَهُمْ لِيَنْتَفِعُوا بِهَا، وَذَلِكَ يَفُوتُ إذَا ذَهَبْنَا بِهَا.","vol":"1","page":302},{"text":"أَرَأَيْت لَوْ شَرَطُوا أَنْ لَا نُحَرِّقَ مَنَازِلَهُمْ وَلَا نُغْرِقَهَا أَكَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَنْقُضَهَا فَنَذْهَبَ بِخَشَبِهَا وَأَبْوَابِهَا؟ هَذَا لَا يَنْبَغِي. لِأَنَّهُمْ إنَّمَا أَرَادُوا أَنْ لَا نَسْتَهْلِكَهَا عَلَيْهِمْ. إلَّا أَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ التَّنْصِيصُ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ الِاسْتِهْلَاكِ، وَذَكَرُوا مَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ أَسْبَابِهِ وَهُوَ التَّغْرِيقُ وَالْإِحْرَاقُ.\n٤١٥ - وَلَوْ شَرَطُوا أَنْ لَا نَقْتُلَ أَسْرَاهُمْ إذَا أَصَبْنَاهُمْ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ نَأْسِرَهُمْ وَيَكُونُوا فَيْئًا وَلَا نَقْتُلَهُمْ. لِأَنَّ الْأَسْرَ لَيْسَ فِي مَعْنَى مَا شَرَطُوا مِنْ الْقَتْلِ. فَإِنَّ الْقَتْلَ نَقْصُ الْبِنْيَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ نَأْسِرَ نِسَاءَهُمْ وَذَرَارِيَّهُمْ وَإِنْ كَانَ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُمْ شَرْعًا.\n٤١٦ - وَإِنْ شَرَطُوا أَنْ لَا نَأْسِرَ مِنْهُمْ أَحَدًا فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَأْسِرَهُمْ وَنَقْتُلَهُمْ. لِأَنَّ الْقَتْلَ أَشَدُّ مِنْ الْأَسْرِ. وَمَقْصُودُهُمْ بِهَذَا الشَّرْطِ يَفُوتُ بِالْقَتْلِ كَمَا يَفُوتُ بِالْأَسْرِ. إلَّا أَنْ تَظْهَرَ الْخِيَانَةُ مِنْهُمْ بِأَنْ كَانُوا الْتَزَمُوا أَنْ لَا يَقْتُلُوا وَلَا يَأْسِرُوا مِنَّا أَحَدًا، ثُمَّ فَعَلُوا ذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ هَذَا مِنْهُمْ نَقْضًا لِلْعَهْدِ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ نَقْتُلَ أَسْرَاهُمْ وَأَنْ نَأْسِرَهُمْ كَمَا كَانَ لَنَا ذَلِكَ قَبْلَ الْعَهْدِ. أَلَا تَرَى أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ لَمَّا صَارُوا نَاقِضِينَ لِلْعَهْدِ لِمُسَاعِدَةِ بَنِي بَكْرٍ عَلَى بَنِي خُزَاعَةَ","vol":"1","page":303},{"text":"وَكَانُوا حُلَفَاءَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - كَيْفَ قَصَدَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ إلَيْهِمْ فَإِنَّهُ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُعَمِّيَ عَلَيْهِمْ الْأَخْبَارَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً؟ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ رَجُلٌ وَاحِدٌ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِنَقْضٍ مِنْهُمْ لِعَهْدِهِمْ. لِأَنَّ فِعْلَ الْوَاحِدِ لَا يَشْتَهِرُ فِي جَمَاعَتِهِمْ عَادَةً، وَلَيْسَ لِهَذَا الْوَاحِدِ وِلَايَةُ نَقْضِ الْعَهْدِ عَلَى جَمَاعَتِهِمْ. أَلَا تَرَى أَنَّ مُسْلِمًا لَوْ ارْتَكَبَ مَا لَا يَحِلُّ فِي دِينِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَقْضًا مِنْهُ لِإِيمَانِهِ، وَلَوْ أَنَّ ذِمِّيًّا فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ نَقْضًا مِنْهُ لِأَمَانِهِ. فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ جَمَاعَتُهُمْ أَوْ أَمِيرُهُمْ أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهِ الْمُحَارَبَةِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ بِذَلِكَ فَلَا يُغَيِّرُونَهُ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ نَقْضًا لِلْعَهْدِ مِنْهُمْ. لِأَنَّ فِعْلَ أَمِيرِهِمْ يَشْتَهِرُ لَا مَحَالَةَ، وَالْوَاحِدُ مِنْهُمْ إذَا فَعَلَهُ مُجَاهِرَةً فَلَمْ يُغِيرُوا عَلَيْهِ فَكَأَنَّهُمْ أَمَرُوهُ بِذَلِكَ، عَلَى مَا قِيلَ: إنَّ السَّفِيهَ إذَا لَمْ يَنْهَهُ مَأْمُورٌ. وَمُبَاشَرَةُ ذَلِكَ الْفِعْلِ عَلَى سَبِيلِ الْمُجَاهِرَةِ بِمَنْزِلَةِ النَّبْذِ لِلْعَهْدِ الَّذِي جَرَى بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ.\n٤١٧ - فَإِنْ شَرَطُوا عَلَى أَنْ لَا نَقْتُلَ أَسْرَاهُمْ عَلَى أَنْ لَا يَقْتُلُوا أَسْرَانَا، وَأَسَرُوا مِنَّا أُسَارَى فَلَمْ يَقْتُلُوهُمْ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ نَأْسِرَ نَحْنُ أَيْضًا أَسْرَاهُمْ وَلَا نَقْتُلَهُمْ. لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ نَقْضَ (٧٩ آ) الْعَهْدِ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُمْ الْتَزَمُوا بِأَنْ لَا يُقْتَلُوا وَمَا الْتَزَمُوا بِأَنْ لَا يَأْسِرُوا، وَإِذَا بَقِيَ الْعَهْدُ نُعَامِلُهُمْ كَمَا يُعَامِلُونَنَا جَزَاءً وِفَاقًا.\n٤١٨ -","vol":"1","page":304},{"text":"وَإِذَا دَخَلَ حَرْبِيٌّ دَارنَا بِأَمَانٍ فَقَتَلَ مُسْلِمًا عَمْدًا أَوْ خَطَأً أَوْ قَطَعَ الطَّرِيقَ، أَوْ تَجَسَّسَ أَخْبَارَ الْمُسْلِمِينَ. فَبَعَثَ بِهَا إلَى الْمُشْرِكِينَ أَوْ زَنَى بِمُسْلِمَةٍ أَوْ ذِمِّيَّةٍ كُرْهًا، أَوْ سَرَقَ، فَلَيْسَ يَكُونُ شَيْءٌ مِنْهَا نَقْضًا مِنْهُ لِلْعَهْدِ. إلَّا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: يَصِيرُ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ بِمَا صَنَعَ. لِأَنَّهُ حِينَ دَخَلَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ فَقَدْ الْتَزَمَ بِأَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَإِذَا فَعَلَهُ كَانَ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ بِمُبَاشَرَتِهِ، مِمَّا يُخَالِفُ مُوجِبَ عَقْدِهِ، وَلَوْ لَمْ يَجْعَلْهُ نَاقِضَ الْعَهْدِ بِهَذَا رَجَعَ إلَى الِاسْتِخْفَافِ بِالْمُسْلِمِينَ. وَلَكِنَّا نَقُولُ: لَوْ فَعَلَ الْمُسْلِمُ شَيْئًا مِنْ هَذَا لَيْسَ بِنَاقِضٍ لِإِيمَانِهِ، فَإِذَا فَعَلَهُ الْمُسْتَأْمَنُ لَا يَكُونُ نَاقِضًا لِأَمَانِهِ.\n٤١٩ - وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ فَإِنَّهُ كَتَبَ إلَى أَهْلِ مَكَّةَ أَنَّ مُحَمَّدًا يَغْزُوكُمْ فَخُذُوا حِذْرَكُمْ. وَلِذَلِكَ قِصَّةٌ. وَفِيهِ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١] فَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى مُؤْمِنًا مَعَ مَا فَعَلَهُ. وَكَذَلِكَ أَبُو لُبَابَةَ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ حِين اسْتَشَارَهُ بَنُو قُرَيْظَةَ أَنَّهُمْ إنْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مَاذَا يَصْنَعُ بِهِمْ، فَأَمَرَّ يَدَهُ عَلَى حَلْقِهِ، يُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ يَضْرِبُ أَعْنَاقَهُمْ. وَفِيهِ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [الأنفال: ٢٧] الْآيَةُ.","vol":"1","page":305},{"text":"فَعَرَفْنَا أَنَّ هَذَا لَا يَكُونُ نَقْضًا لِلْإِيمَانِ مِنْ الْمُسْلِمِ، فَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ نَقْضًا لِلْأَمَانِ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِ، وَلَكِنَّهُ إنْ قَتَلَ إنْسَانًا عَمْدًا يُقْتَلُ بِهِ قِصَاصًا، لِأَنَّهُ الْتَزَمَ حُقُوقَ الْعِبَادِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمُعَامَلَاتِ.\n٤٢٠ - وَإِنْ قَذَفَ مُسْلِمًا يُضْرَبُ الْحَدُّ. لِأَنَّ فِيهِ حَقَّ الْعَبْدِ أَيْضًا، فَإِنَّهُ مَشْرُوعٌ صِيَانَةً لِعَرْضِهِ. وَلِهَذَا تُسْمَعُ خُصُومَتُهُ فِي الْحَدِّ، وَلَا تُسْتَوْفَى إلَّا بِهِ. فَأَمَّا مَا أَصَابَ مِنْ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِلْحَدِّ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ، فَالْخِلَافُ فِيهِ مَعْرُوفٌ أَنَّهُ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ ذَلِكَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ.\n٤٢١ - وَاسْتَدَلَّ بِصِحَّةِ مَذْهَبِهِ هُنَا، بِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ اخْتَلَفُوا فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ هَلْ تُقَامُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْحُدُودُ. فَقَالَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: لَا يُقَامُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، لَكِنْ يُرْفَعُونَ إلَى حَاكِمِهِمْ لَيُقِيمَهَا عَلَيْهِمْ. وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ -. فَاخْتِلَافُهُمْ فِي ذَلِكَ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ، يَكُونُ اتِّفَاقًا مِنْهُمْ فِي حَقِّ الْمُسْتَأْمَنِ أَنَّهُ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ. وَنَحْنُ لَمْ نَأْخُذْ بِذَلِكَ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ لِوُرُودِ النَّصِّ. فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - «أَمَرَ بِرَجْمِ الْيَهُودِيِّ»، وَلَكِنَّ وُرُودَ النَّصِّ فِي الذِّمِّيِّ، لَا يُوجِبُ ذَلِكَ الْحُكْمَ فِي حَقِّ الْمُسْتَأْمَنِ. لِأَنَّ الذِّمِّيَّ مُلْتَزِمٌ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمُعَامَلَاتِ، فَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ دَارنَا، فَيُقَامُ عَلَيْهِمْ الْحُدُودُ كُلُّهَا إلَّا حَدَّ الْخَمْرِ، فَإِنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ حُرْمَةَ شُرْبِهِ، وَبِدُونِ اعْتِقَادِ الْحُرْمَةِ لَا يَتَقَرَّرُ السَّبَبُ. فَأَمَّا الْمُسْتَأْمَنُ لَا يَصِيرُ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا وَلَا الْتَزَمَ شَيْئًا مِنْ أَحْكَامِنَا، وَإِنَّمَا دَخَلَ دَارَنَا لِيَقْضِيَ حَاجَتَهُ. ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى دَارِهِ. وَلِهَذَا لَا يُمْنَعُ مِنْ الرُّجُوعِ.","vol":"1","page":306},{"text":"٤٢٢ - وَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الذِّمِّيِّ بِقَتْلِ الْمُسْتَأْمَنِ كَمَا لَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ. فَلِهَذَا لَا يُقَامُ عَلَيْهِ مَا كَانَ مَحْضُ حَقِّ اللَّهِ. وَلَكِنَّهُ يُؤْمَرُ بِرَدِّ مَا أَخَذَ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ. وَيَغْرَمُ مَا اُسْتُهْلِكَ مِنْ ذَلِكَ وَيَكُونُ عَلَيْهِ صَدَاقُ الَّتِي أَصَابَهَا. لِأَنَّ الْوَطْءَ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ لَا يَخْلُو عَنْ حَدٍّ أَوْ مَهْرٍ، فَإِذَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحَدُّ يَلْزَمُهُ الْمَهْرُ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حَقِّهَا. وَيُوجَبُ عُقُوبَةً عَلَى مَا صَنَعَ وَيَجْلِسُ فِي السِّجْنِ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى الْإِمَامُ. وَيُعَزَّرُ لِأَنَّ فِي لَفْظِ التَّعْزِيرِ مَا يُنَبِّئُ عَنْ مَعْنَى التَّطْهِيرِ وَالتَّعْظِيمِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩] وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ فَلِهَذَا قَالَ: يَوْجَعَ عُقُوبَةً بِمَا صَنَعَ مِنْ إسَاءَةِ الْأَدَبِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":307},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>[بَابُ مَا يُصَدَّقُ الْمُسْتَأْمَنُ فِيهِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَمَا لَا يُصَدَّقُ]</span>\n٤٢٣ - وَإِذَا انْتَهَى عَسْكَرُ الْمُسْلِمِينَ إلَى مَطْمُورَةٍ أَوْ حِصْنٍ فَأَقَامُوا عَلَيْهَا فَنَادَاهُمْ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِهَا: أَمِّنُونَا عَلَى أَهْلِينَا وَمَتَاعِنَا عَلَى أَنْ نَفْتَحَهَا لَكُمْ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَفَتَحُوهَا لَهُمْ. فَالْقَوْمُ الَّذِينَ سَأَلُوا ذَلِكَ آمِنُونَ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرُوا أَنْفُسَهُمْ بِشَيْءٍ. لِأَنَّ النُّونَ وَالْأَلِفَ أَوْ النُّونَ وَالْيَاءَ فِي قَوْلِهِ أَمِّنُونَا كِنَايَةٌ لِإِضَافَةِ الْمُتَكَلِّمِ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ إلَى نَفْسِهِ. وَكَلِمَةُ عَلَى لِلشَّرْطِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاَللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إلَّا الْحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٠٥] أَيْ بِشَرْطِ ذَلِكَ. فَعَرَفْنَا أَنَّ تَقْرِيرَ كَلَامِهِمْ نَحْنُ آمِنُونَ مَعَ أَهْلِينَا وَأَمْوَالِنَا إنْ فَتَحْنَاهَا لَكُمْ، وَقَدْ أَعْطَاهُمْ الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ فَإِذَا فَتَحُوا كَانُوا آمِنِينَ.\n٤٢٤ - فَإِذَا خَرَجَ أَهْلُ الْمَطْمُورَةِ، فَقَالَ الَّذِينَ أُومِنُوا: هَذَا مَتَاعُنَا","vol":"1","page":308},{"text":"لِجَيِّدِ الْمَتَاعِ، وَهَؤُلَاءِ أَهْلُونَا لِفَرِهَةِ السَّبْيِ فَالْقِيَاسُ فِي هَذَا أَنَّهُمْ لَا يُصَدَّقُونَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْعُدُولِ. لِأَنَّ حَقَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ ثَبَتَ فِي جَمِيعِ مَا وُجِدَ فِي الْمَطْمُورَةِ لِظُهُورِ سَبَبِهِ، فَهُمْ يَدَّعُونَ الْمَانِعَ بَعْدَ مَا ظَهَرَ الِاسْتِحْقَاقُ بِسَبَبِهِ فَلَا يُصَدَّقُونَ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِحُجَّةٍ، وَلَا حُجَّةَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إلَّا بِشَهَادَةِ الْعُدُولِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ ادَّعَى أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ شَرْطَ خِيَارٍ لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ إلَّا بِحُجَّةٍ.\n٤٢٥ - قَالَ: وَلَكِنَّ الْعَمَلَ (٨٠ أ) بِالْقِيَاسِ يَتَعَذَّرُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَإِنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ فِي الْمَطْمُورَةِ قَبْلَ فَتْحِ الْبَابِ عُدُولًا مُسْلِمِينَ لِيُشْهِدُوهُمْ عَلَى مَا لَهُمْ مِنْ الْمَتَاعِ وَالْأَهْلِ. وَكَمَا يَسْقُطُ اعْتِبَارُ صِفَةِ الذُّكُورَةِ فِي الشَّهَادَةِ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ يَسْقُطُ اعْتِبَارُ أَصْلِ الشَّهَادَةِ هُنَا لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ، وَيَجِبُ الْعَمَلُ فِيهِ بِالِاسْتِحْسَانِ فَنَقُولُ: إنْ صَدَّقَهُمْ السَّبْيُ الَّذِينَ ادَّعَوْهُمْ بِمَا قَالُوا فَهُمْ مُصَدَّقُونَ وَهُمْ آمِنُونَ مَعَهُمْ. لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْمَطْمُورَةِ جُمْلَةً.\nفَإِذَا تَصَادَقُوا عَلَى شَيْءٍ فَعَلَيْنَا أَنْ نَأْخُذَ بِذَلِكَ. لِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ لَنَا إلَى الْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَةِ مَا كَانَ بَيْنَهُمْ، فَيُبْنَى الْحُكْمُ عَلَى مَا يَظْهَرُ بِتَصَادُقِهِمْ.","vol":"1","page":309},{"text":"وَإِنْ كَذَّبُوهُمْ بِمَا قَالُوا كَانُوا فَيْئًا. لِأَنَّهُ عِنْدَ التَّكْذِيبِ لَمْ يَثْبُتْ السَّبَبُ الَّذِي بُنِيَ الْأَمَانُ عَلَيْهِ، وَدَعْوَى الْمُسْتَأْمَنِينَ لَا يَكُونُ مَقْبُولًا عَلَى مَنْ كَانَ مَعَهُمْ فِي الْمَطْمُورَةِ أَنَّهُمْ أَهْلُونَا إلَّا بِحُجَّةٍ، فَإِنَّ مُجَرَّدَ خَبَرِهِمْ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً فِي ذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ عَارَضُوهُمْ بِالتَّكْذِيبِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ.\nفَالسَّبَبُ هُنَاكَ قَدْ ثَبَتَ فِيمَا بَيْنَهُمْ بِالتَّصَادُقِ، وَعَلَيْهِ بَنَيْنَا الْأَمَانَ فَلِهَذَا كَانُوا آمِنِينَ.\n٤٢٦ - فَإِنْ كَانُوا حِينَ كَذَّبَهُمْ هَؤُلَاءِ ادَّعُوا غَيْرَهُمْ أَنَّهُمْ أَهْلُونَا لَمْ يُصَدَّقُوا عَلَى ذَلِكَ. لِأَنَّهُ يُنَاقِضُ كَلَامَهُمْ، وَالْمُنَاقِضُ لَا قَوْلَ لَهُ. وَلِأَنَّا إنَّمَا نَقْبَلُ قَوْلَهُمْ عِنْدَ التَّصْدِيقِ لِنَوْعٍ مِنْ الِاسْتِحْسَانِ، وَهُوَ الَّذِي سَبَقَ إلَى فَهْمِ كُلِّ أَحَدٍ أَنَّهُمْ لَا يَتَجَاسَرُونَ عَلَى التَّصَادُقِ عَلَى الْبَاطِلِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ. وَهَذَا الْمَعْنَى يَنْعَدِمُ عِنْدَ التَّنَاقُضِ فِي الدَّعْوَى. فَكَانَ جَمِيعُ مَنْ فِي الْمَطْمُورَةِ فَيْئًا، إلَّا الْمُسْتَأْمَنِينَ وَمَنْ صَدَّقَهُمْ فِي الِابْتِدَاءِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِيهِمْ.\n٤٢٧ - وَإِنْ ادَّعَى بَعْضَ السَّبْيِ رَجُلَانِ مِنْهُمْ، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: هَذَا مِنْ أَهْلِي. فَإِنْ صَدَّقَ الْمُدَّعَى بِهِ أَحَدَهُمَا فَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ وَكَانَ آمِنًا، وَإِنْ كَذَّبَهُمَا جَمِيعًا كَانَ فَيْئًا.\nلِأَنَّ السَّبَبَ الَّذِي رَتَّبْنَا عَلَيْهِ الْأَمَانَ لَمْ يَثْبُتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.\n٤٢٨ - وَأَهْلُهُ وَامْرَأَتُهُ وَوَلَدُهُ الَّذِينَ كَانُوا فِي عِيَالِهِ مِنْ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ مِنْ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ.","vol":"1","page":310},{"text":"وَفِي الْقِيَاسِ أَهْلُهُ زَوْجَتُهُ فَقَطْ. لِأَنَّهُ فِي الْعُرْفِ يُقَالُ لِمَنْ لَهُ زَوْجَةٌ مُتَأَهِّلٌ، وَلِمَنْ لَا زَوْجَةَ لَهُ غَيْرُ مُتَأَهِّلٍ. وَإِنْ كَانَ يَقُولُهُ جَمَاعَةٌ. وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ: اسْمُ الْأَهْلِ يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَنْ يَعُولُهُ الرَّجُلُ فِي دَارِهِ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ.\nأَلَا تَرَى فِي قَوْله تَعَالَى فِي قِصَّةِ نُوحٍ - ﵇ -: ﴿إنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥] وَقَدْ اسْتَثْنَى اللَّهُ الزَّوْجَةَ عَنْ الْأَهْلِ فِي قِصَّةِ لُوطٍ - ﵇ -. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إلَّا امْرَأَتَهُ﴾ [الأعراف: ٨٣] وَفِي قِصَّةِ نُوحٍ: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ [هود: ٤٠] (٨٠ ب) يَعْنِي زَوْجَتَهُ. فَعَرَفْنَا أَنَّ اسْمَ الْأَهْلِ يَتَنَاوَلُ غَيْرَ الزَّوْجَةِ. وَيُقَالُ فُلَانٌ كَثِيرُ الْأَهْلِ: إذَا كَانَ يُنْفِقُ عَلَى جَمَاعَةٍ. وَهَذَا لِأَنَّ الْأَهْلَ وَالْعِيَالَ مُسَاوَاةٌ فِي الِاسْتِعْمَالِ عُرْفًا.\n٤٢٩ - فَأَمَّا ابْنٌ لَهُ كَبِيرٌ هُوَ مُعْتَزِلٌ عَنْهُ فَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ. وَكَذَلِكَ كُلُّ ابْنَةٍ مِنْ بَنَاتِهِ لَهَا زَوْجٌ وَقَدْ ضَمَّهَا زَوْجُهَا إلَيْهِ فَهِيَ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِهِ. لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي نَفَقَتِهِ، وَالْأَهْلُ مَنْ يَكُونُ فِي نَفَقَتِهِ فِي دَارِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ قَرَابَتِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ قَرَابَتِهِ.\n٤٣٠ - فَإِذَا تَصَادَقُوا عَلَى ذَلِكَ كَانُوا آمِنِينَ، وَأَيُّهُمْ ادَّعَى ذَلِكَ وَكَذَّبَهُ الْمُسْتَأْمَنُ أَوْ ادَّعَى الْمُسْتَأْمَنُ وَكَذَّبَهُ الْمُدَّعِي فَهُوَ فَيْءٌ.","vol":"1","page":311},{"text":"فَإِنْ رَجَعَ الْمُكَذِّبُ مِنْهُمَا إلَى تَصْدِيقِ صَاحِبِهِ وَقَالَ: أَوْهَمْت. لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ. لِأَنَّهُ مُنَاقِضٌ فِي كَلَامٍ، وَلِأَنَّ حَقَّ الْمُسْلِمِينَ تَقَرَّرَ فِيهِ بِالتَّكْذِيبِ، فَلَا يَبْطُلُ بِمُجَرَّدِ رُجُوعِهِ إلَى التَّصْدِيقِ.\n٤٣١ - وَلَوْ قَالُوا أَمِّنُونَا عَلَى أَهْلِ بُيُوتَاتِنَا فَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا. فَأَهْلُ بَيْتِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَرَابَتُهُ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ الَّذِينَ يُنْسَبُونَ إلَيْهِ فِي بِلَادِهِمْ كَمَا يَكُونُ فِي بِلَادِنَا أَهْلُ بَيْتِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ آلِ عَبَّاسٍ، وَأَهْلُ بَيْتِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَهْلُ بَيْتِ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ. لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ السُّكْنَى، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بَيْتُ النَّسَبِ. وَالْإِنْسَانُ مَنْسُوبٌ إلَى قَوْمِ أَبِيهِ. فَعَرَفْنَا أَنَّ ذَلِكَ بَيْتُ نَسَبِهِ وَأَنَّ مَنْ يُنَاسِبُهُ إلَى أَقْصَى أَبٍ يُعْرَفُونَ بِهِ فَهُمْ أَهْلُ بَيْتِهِ.\n٤٣٢ - وَلَا يَكُونُ أُمُّ الْمُسْتَأْمَنِ وَلَا زَوْجَتُهُ وَلَا إخْوَتُهُ لِأُمِّهِ، وَلَا خَالَاتُهُ وَأَخْوَالُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَإِنْ كَانُوا فِي عِيَالِهِ. لِأَنَّهُمْ يُنْسَبُونَ إلَى غَيْرِ مَنْ يُنْسَبُ هُوَ إلَيْهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ أَوْلَادَ الْخُلَفَاءِ مِنْ الْإِمَاءِ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ الْخِلَافَةِ يَصْلُحُونَ لَهَا؟\n٤٣٣ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: آمِنُونِي عَلَى آلِي. فَالْآلُ وَأَهْلُ الْبَيْتِ فِي عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ سَوَاءٌ.","vol":"1","page":312},{"text":"وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: آمِنُونِي عَلَى جِنْسِي. لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مِنْ جِنْسِ قَوْمِ أَبِيهِ لَا مِنْ جِنْسِ قَوْمِ أُمِّهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ إبْرَاهِيمَ بْنَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ مِنْ قُرَيْشٍ وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ قِبْطِيَّةً. وَكَذَا إسْمَاعِيلُ كَانَ مِنْ جِنْسِ قَوْمِ أَبِيهِ لَا مِنْ جِنْسِ قَوْمِ أُمِّهِ هَاجَرَ.\n٤٣٤ - وَإِنْ قَالَ: آمِنُونِي عَلَى ذَوِي قَرَابَتِي، أَوْ عَلَى أَقْرِبَائِي، أَوْ عَلَى أَنْسَابِي. فَهَذَا فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - عَلَى كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ.\nوَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي الْوَصَايَا فِي الزِّيَادَاتِ. إلَّا أَنَّهُ يَقَعُ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الْوَصِيَّةِ فِي فَصْلَيْنِ.\nأَحَدُهُمَا: أَنَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - اسْتِحْقَاقَ الْوَصِيَّةِ لِلْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ. وَهَا هُنَا يَدْخُلُ فِي الْأَمَانِ كُلُّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ؛ الْأَقْرَبُ وَالْأَبْعَدُ فِيهِ سَوَاءٌ. لِأَنَّ ذَلِكَ إيجَابٌ بِطَرِيقِ الصِّلَةِ، وَالْإِنْسَانُ فِي الصِّلَةِ يُمَيِّزُ بَيْنَ الْأَقْرَبِ وَالْأَبْعَدِ وَيُرَتِّبُ الْأَبْعَدَ عَلَى الْأَقْرَبِ. وَهَذَا اسْتِنْقَاذٌ. وَالْإِنْسَانُ عِنْدَ اكْتِسَابِ سَبَبِ الِاسْتِنْقَاذِ لَا يُرَتِّبُ الْأَبْعَدَ عَلَى الْأَقْرَبِ. يُوَضِّحُهُ أَنَّ فِي التَّسْوِيَةِ هُنَاكَ إضْرَارًا بِالْأَقْرَبِ فَإِنَّهُ يُنْقِصُ حَقَّهُ وَلَا (٨١ آ) يَجُوزُ الْإِضْرَارُ بِالْأَقْرَبِ لِمُزَاحَمَةِ الْأَبْعَدِ. وَهَاهُنَا لَيْسَ فِي التَّسْوِيَة إضْرَارٌ بِالْأَقْرَبِ، لِأَنَّهُ يُثْبِتُ الْأَمَانَ لَهُ سَوَاءٌ ثَبَتَ لِلْأَبْعَدِ مَعَهُ أَوْ لَمْ يَثْبُتْ.\nوَالْفَصْلُ الثَّانِي: أَنَّ فِي الْوَصِيَّةِ لِذَوِي قَرَابَتِهِ لَا يَدْخُلُ وَلَدُهُ وَوَالِدُهُ، وَإِنْ كَانُوا لَا يَرِثُونَهُ لِمَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي. وَفِي الْأَمَانِ يَدْخُلُ وَلَدُهُ وَوَالِدُهُ اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ فِيهِمَا سَوَاءٌ لِأَنَّ اسْمَ الْقَرَابَةِ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ مَنْ يَتَقَرَّبُ إلَى الْغَيْرِ بِوَاسِطَةِ.\nفَأَمَّا مَنْ يَتَّصِلُ بِهِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ فَهُوَ أَقْرَبُ مِنْ أَنْ يُنْسَبَ إلَى الْقَرَابَةِ. وَأَيَّدَ هَذَا","vol":"1","page":313},{"text":"أَنَّ اللَّهَ - ﷾ - عَطَفَ الْأَقْرَبِينَ عَلَى الْوَالِدَيْنِ فَقَالَ: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ وَقَالَ: ٤٣٥ - مَقْصُودُهُ مِنْ طَلَبِ الْأَمَانِ لِقَرَابَتِهِ اسْتِنْقَاذُهُمْ لِلشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ، وَشَفَقَتُهُ عَلَى وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ أَظْهَرُ مِنْ شَفَقَتِهِ عَلَى سَائِرِ الْقَرَابَاتِ. فَلِمَعْرِفَةِ الْمَقْصُودِ أَدْخَلْنَاهُمْ فِي الْأَمَانِ وَلِأَنَّا إنَّمَا لَا نُدْخِلُهُمْ فِي هَذَا الِاسْمِ لِأَنَّهُ يُعَدُّ مِنْ الْجَفَاءِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِأَبِيهِ هُوَ قَرِيبِي.\nوَفِي فَصْلِ الْأَمَانِ الْجَفَاءُ فِي تَرْكِ اسْتِنْقَاذِهِ أَوْ طَلَبِ الْأَمَانِ لِغَيْرِهِ أَظْهَرُ. فَلَوْ أَدْخَلْنَاهُمْ فِي الِاسْمِ هَا هُنَا يُؤَدِّي إلَى تَحْقِيقِ مَعْنَى الْبِرِّ لَا إلَى الْجَفَاءِ وَالْعُقُوقِ. فَلِهَذَا أُدْخِلُوا فِي الْأَمَانِ.\n٤٣٦ - قَالَ: وَلَوْ اسْتَأْمَنُوا عَلَى مَتَاعِهِمْ ثُمَّ ادَّعُوا جَيِّدَ الْمَتَاعِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَتَاعُ أُخِذَ مِنْ يَدِ بَعْضِ أَهْلِ الْمَطْمُورَةِ وَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ، فَإِنْ صَدَّقُوهُمْ فَهُمْ مُصَدَّقُونَ، وَإِنْ كَذَّبُوهُمْ كَانَ فَيْئًا. لِأَنَّا عَرَفْنَا كَوْنَ الْيَدِ فِي هَذِهِ الْأَمْتِعَةِ لَهُ إلَى أَنْ أُخِذَ مِنْهُ. وَلِصَاحِبِ الْيَدِ قَوْلٌ فِيمَا فِي يَدِهِ، كَمَا أَنَّ لِلْمَرْءِ قَوْلًا مُعْتَبَرًا فِي نَفْسِهِ.\nوَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى تَصْدِيقِ الْمُدَّعِي؛ فَكَذَلِكَ فِي الْمَتَاعِ يُرْجَعُ إلَى تَصْدِيقِ مَنْ كَانَ فِي يَدِهِ وَلَا يُقَالُ يَدُهُ زَائِلَةٌ فِي الْحَالِ. لِأَنَّ سَبَبَ زَوَالِهَا الْأَخْذُ عَلَى وَجْهِ الِاغْتِنَامِ. وَمَا ثَبَتَ فِي الْأَمَانِ لَا يَكُونُ مَحَلَّ الدَّاخِلِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. وَهَذَا الْمَعْنَى فِي النُّفُوسِ مَوْجُودٌ أَيْضًا فَقَدْ صَارَتْ مَأْخُوذَةً مِنْهُمْ بِالِاغْتِنَامِ حُكْمًا، وَمَعَ ذَلِكَ اُعْتُبِرَ تَصْدِيقُهُمْ فِيهَا بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ.\n٤٣٧ - فَإِنْ ادَّعُوا بَعْدَ هَذَا التَّكْذِيبِ مَتَاعًا آخَرَ لَمْ يُصَدَّقُوا عَلَى ذَلِكَ.","vol":"1","page":314},{"text":"لِأَنَّ فِي دَعْوَاهُمْ الْأُولَى بَيَانُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْمَطْمُورَةِ سِوَى مَا ادَّعَوْا مِنْ الْمَتَاعِ، وَطَرِيقُ الْمَفْهُومِ الَّذِي نَعْتَبِرُهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَكَانُوا مُتَنَاقِضِينَ فِيمَا يَدَّعُونَ بَعْدَ ذَلِكَ.\n٤٣٨ - وَإِنْ كَذَّبَهُمْ مَنْ كَانَ الْمَتَاعُ فِي يَدِهِ وَقَالَ: هُوَ مَتَاعِي، ثُمَّ صَدَّقَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَى هَذَا التَّصْدِيقِ لِلتَّنَاقُضِ، وَلِتَقَرُّرِ حُكْمِ الِاغْتِنَامِ فِيهِ بِالتَّكْذِيبِ، فَيَكُونُ الْمَتَاعُ فَيْئًا.\n٤٣٩ - وَإِنْ وَجَدْنَا الْمَتَاعَ فِي أَيْدِي الْمُسْتَأْمَنِينَ فَقَالُوا: هُوَ مَتَاعُنَا الَّذِي أَمَّنْتُمُونَا عَلَيْهِ، فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُهُمْ. لِأَنَّ أَصْلَ الْيَدِ لَهُمْ، وَهِيَ شَاهِدَةٌ لَهُمْ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ. فَيُبْنَى الْحُكْمُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُعْلَمْ خِلَافُهُ.\n٤٤٠ - وَكُلُّ مَنْ جَعَلَ الْقَوْلَ قَوْلَهُ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَسْتَحْلِفُهُ. لِأَنَّ أَكْثَرَ (٨١ ب) مَا فِيهِ أَنَّهُ أَمِينٌ فِيمَا يُخْبِرُ. فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ الْيَمِينِ، فَإِنَّ تُهْمَةَ الْكَذِبِ شَرْعًا إنَّمَا تَنْتَفِي بِالْيَمِينِ. وَلَا يَسْتَحْلِفُهُ إلَّا بِاَللَّهِ. لِقَوْلِهِ - ﵊ -: «فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَذَرْ» . إلَّا أَنَّهُ يُغْلِظُ عَلَيْهِ الْيَمِينَ. فَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا اسْتَحْلَفَهُ بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى، وَإِنْ كَانَ يَهُودِيًّا اسْتَحْلَفَهُ بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى.","vol":"1","page":315},{"text":"لِأَنَّ انْزِجَارَهُ عَنْ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ عِنْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ أَظْهَرُ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالِاسْتِحْلَافِ هَا هُنَا.\nقَالَ: وَإِنْ كَانَ مَجُوسِيًّا اسْتَحْلَفَهُ بِاَللَّهِ الَّذِي خَلَقَ النَّارَ. لِهَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا. وَقَدْ قَالَ كَثِيرٌ مِنْ مَشَايِخِنَا: لَا يُسْتَحْلَفُ الْمَجُوسِيُّ إلَّا بِاَللَّهِ. لِأَنَّ فِي ذِكْرِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ مَعْنَى تَعْظِيمِ النَّارِ، وَالنَّارُ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ مِنْ الْجَمَادَاتِ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ فَهُنَاكَ فِيمَا يَزِيدُ مَعْنَى تَعْظِيمِ الْكِتَابَيْنِ وَالرَّسُولَيْنِ وَذَلِكَ يَسْتَقِيمُ.\n٤٤١ - فَإِنْ كَانُوا أَمَّنُوهُمْ عَلَى أَهْلِيهِمْ فَقَالَ: هَذَا مِنْ أَهْلِي وَصَدَّقَهُ الْمُدَّعِي ثُمَّ قَالَ الْمُدَّعِي لَيْسَ مِنْ أَهْلِي وَقَدْ كَذَبْت، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعِي. لِأَنَّهُ اسْتَفَادَ الْأَمْنَ بِادِّعَائِهِ الْأَوَّلِ، فَهُوَ بِالْكَلَامِ الثَّانِي يُرِيدُ إبْطَالَ الْأَمَانِ الثَّابِتِ لَهُ.\n٤٤٢ - وَهُوَ لَا يُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُنَاقِضًا فَكَيْفَ إذَا كَانَ مُنَاقِضًا، وَلَوْ رَجَعَ الْمُدَّعَى دُونَ الْمُدَّعِي كَانَ الْمُدَّعَى فَيْئًا. لِأَنَّهُ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالرِّقِّ لِلْمُسْلِمِينَ، وَبِكَوْنِهِ مِنْ أَهْل الْمُدَّعِي لَا يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَقْبُولَ الْإِقْرَارِ عَلَى نَفْسِهِ. إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي ادَّعَى أَنَّهُ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ لَهُ وَصَدَّقَهُ الْمُدَّعَى ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: لَسْت بِمَمْلُوكٍ، لَمْ يُصَدَّقْ وَكَانَ مَمْلُوكًا لَهُ. لِأَنَّ بِتَصْدِيقِهِ صَارَ مَمْلُوكًا لَهُ. فَلَا يَبْقَى لَهُ قَوْلٌ مُعْتَبَرٌ فِي إبْطَالِ مِلْكِهِ بَعْدَ ذَلِكَ. وَمَمْلُوكُهُ مِنْ أَهْلِهِ فَإِنَّهُ يَعُولُهُ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ فَيَتَنَاوَلُهُ الْأَمَانُ.","vol":"1","page":316},{"text":"وَلَوْ قَالَ الْمُدَّعِي: لَيْسَ مِنْ أَهْلِي، وَلَيْسَ بِمَمْلُوكٍ لِي. وَكَذَّبَهُ الْمُدَّعَى فَهُوَ فَيْءٌ. لِأَنَّ الْمُدَّعَى أَقَرَّ فِي مِلْكِهِ بِثُبُوتِ حَقِّ الْغَانِمِينَ، وَذَلِكَ إقْرَارٌ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ. إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ لِلْأَمِيرِ أَنْ يَقْتُلَهُ. لِأَنَّهُ صَارَ آمِنًا مِنْ الْقَتْلِ بِتَصَادُقِهَا فِي الِابْتِدَاءِ أَنَّهُ مَمْلُوكٌ لَهُ، فَبَعْدَ ذَلِكَ لَوْ أُبِيحَ قَتْلُهُ إنَّمَا يُبَاحُ بِقَوْلِ الْمُدَّعِي. وَقَوْلُهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى مَمْلُوكِهِ فِي إبَاحَةِ دَمِهِ.\n٤٤٤ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُنَاقِضًا، كَمَا لَوْ أَقَرَّ عَلَيْهِ بِالْقِصَاصِ فَكَيْفَ إذَا كَانَ مُنَاقِضًا؟ وَإِنْ تَصَادَقَا جَمِيعًا أَنَّهُ لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ لَهُ فَلِلْأَمِيرِ أَنْ يَقْتُلَهُ إنْ كَانَ رَجُلًا إنْ شَاءَ. لِأَنَّ بِقَوْلِ الْمُدَّعِي انْتَفَى مِلْكُهُ بِإِقْرَارِ الْمُدَّعِي وَثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْأَمَانُ، وَهُوَ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِيمَا يُقِرُّ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ إبَاحَةِ دَمِهِ.\n٤٤٥ - كَمَا لَوْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالْقِصَاصِ كَانَ إقْرَارُهُ صَحِيحًا، حُرًّا كَانَ أَوْ مَمْلُوكًا.\n\nوَلَوْ قَالَ الْمُدَّعِي: هُوَ ابْنِي فِي عِيَالِي، وَصَدَّقَهُ الْمُدَّعَى وَهُوَ رَجُلٌ، فَاتَّهَمَهُمَا الْأَمِيرُ، فَإِنَّهُ يُحَلِّفُ الْمُدَّعَى. فَإِنْ حَلَفَ كَانَ حُرًّا وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ كَانَ فَيْئًا. لِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِثُبُوتِ حَقِّ (٨٢ آ) الْغَانِمِينَ فِيهِ، فَإِنَّ النُّكُولَ بِمَنْزِلَةِ الْإِقْرَارِ.","vol":"1","page":317},{"text":"وَلَكِنَّهُ لَا يُقْتَلُ. لِأَنَّهُ آمِنٌ مِنْ الْقَتْلِ بِتَصَادُقِهِمَا. فَلَوْ جَازَ قَتْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ إنَّمَا يَجُوزُ بِالنُّكُولِ، وَالنُّكُولُ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً لِإِبَاحَةِ الْقَتْلِ بِدَلِيلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ إذَا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ، فَإِنَّهُ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِالْقِصَاصِ؛ فَهَذَا مِثْلُهُ. قَالَ عِيسَى - ﵀ -: هَذَا غَلَطٌ. لِأَنَّ إبَاحَةَ الْقَتْلِ هُنَا لَيْسَ بِاعْتِبَارِ النُّكُولِ بَلْ بِاعْتِبَارِ أَصْلِ الْإِبَاحَةِ، فَإِنَّهُ كَانَ مُبَاحُ الدَّمِ فَبِنُكُولِهِ يَنْتَفِي الْمَانِعُ وَهُوَ الْأَمَانُ، فَيَكُونُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ ادَّعَى الْقَاتِلُ الْعَفْوَ عَلَى الْوَلِيِّ وَجَحَدَ الْوَلِيُّ وَحَلَفَ، فَإِنَّهُ يَسْتَوْفِي الْقِصَاصَ وَلَا يَكُونُ هَذَا قَتْلًا بِالْيَمِينِ.\nوَلَكِنْ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ أَصَحُّ، لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ الَّتِي كَانَتْ فِي الْأَصْلِ قَدْ ارْتَفَعَتْ بِتَصَادُقِهِمَا عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْمُدَّعِي. فَلَوْ جَازَ قَتْلُهُ بَعْدَ هَذَا كَانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ نُكُولِهِ. وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِمَا فِي النُّكُولِ مِنْ الشُّبْهَةِ وَالِاحْتِمَالِ. فَقَدْ يَكُونُ لِلتَّوَرُّعِ عَنْ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ، وَقَدْ يَكُونُ لِلتَّرَفُّعِ عَنْ الْيَمِينِ الصَّادِقَةِ. وَلَا يَسْتَحْلِفُ الْمُدَّعَى لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الِاسْتِحْلَافِ لَمْ يَحْصُلْ. لِأَنَّهُ لَا قَوْلَ لَهُ عَلَى ابْنِهِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى اسْتِحْقَاقِ الرِّقِّ وَإِبَاحَةِ الْقَتْلِ. وَالْمَقْصُودُ بِالِاسْتِحْلَافِ هَذَا.\n٤٤٦ - وَإِنْ قَالَ الَّذِي اسْتَأْمَنَ عَلَى مَتَاعِهِ: لَمَتَاعُ هَذَا مِنْ مَتَاعِي وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي يَدِ أَحَدٍ، فَإِنْ كَانَ قَالَ هَذَا بَعْدَ مَا صَارَ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.","vol":"1","page":318},{"text":"لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ تُعْرَفْ فِيهِ يَدٌ لِأَحَدٍ فِيمَا مَضَى وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى الْيَدِ الظَّاهِرَةِ فِي الْحَالِ، وَهِيَ لِلْمُسْلِمِينَ مُوجِبَةُ الِاسْتِحْقَاقِ لَهُمْ. فَالْمُدَّعِي يُبْطِلُ حَقًّا ظَهَرَ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهِ لِلْمُسْلِمِينَ. وَقَوْلُهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً فِي ذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.\n٤٤٧ - وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ الْمَتَاعُ إلَى أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ. لِأَنَّ مَا كَانَ فِي الْمَطْمُورَةِ فَيَدُهُ إلَيْهِ أَقْرَبُ مِنْ يَدِ الْمُسْلِمِينَ حِينَ كَانَ فِي الْمَطْمُورَةِ. فَكَأَنَّهُ كَانَ فِي يَدِهِ حِينَ ادَّعَى ذَلِكَ.\n٤٤٨ - وَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ وَيَدِ الْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا فَوَصَلَ ذَلِكَ إلَى الْأَمِيرِ وَهُمْ مُتَعَلِّقُونَ بِهِ، فَهُوَ لِلْمُسْتَأْمَنِ بَعْدَ مَا يَحْلِفُ. لِأَنَّ يَدَهُ كَانَتْ أَقْرَبَ إلَيْهِ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ يَدَ الْمُسْلِمِينَ يَدٌ مُسْتَحْدَثَةٌ فِيهِ، فَمَعَ بَقَاءِ الْأَصْلِ لَا يُعْتَبَرُ يَدُ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّا لَوْ عَلِمْنَا أَنَّهُمْ أَخَذُوهُ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِ كَانَ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلَ الْمُسْتَأْمَنِ؟ فَهَذَا أَوْلَى.\n٤٤٩ - وَكَذَلِكَ إنْ وَصَلَ إلَى الْأَمِيرِ، وَقَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْمَطْمُورَةِ وَقَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مُتَعَلِّقُونَ بِهِ، وَأَهْلُ الْمَطْمُورَةِ يُقِرُّونَ أَنَّهُ لِلْمُسْتَأْمَنِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ. بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْيَدَ فِي الْأَصْلِ كَانَتْ لَهُمْ فَلَا يُعْتَبَرُ يَدُ الْمُسْلِمِينَ (٨٢ ب) بِتَعَلُّقِهِمْ بِهِ.\n٤٥٠ - فَأَمَّا إذَا وَصَلُوا إلَى الْأَمِيرِ وَهُوَ فِي يَدِ الْمُسْلِمِينَ خَاصَّةً.","vol":"1","page":319},{"text":"فَقَدْ عَرَفْنَا زَوَالَ الْيَدِ الَّتِي كَانَتْ فِي الْأَصْلِ، وَلَا يَدْرِي لِمَنْ كَانَتْ حَقِيقَةً: لِلْمُدَّعِي كَانَ، أَوْ لِلْمُصَدِّقِينَ لَهُ، أَوْ لِغَيْرِهِمْ. فَلَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ. وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ مَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي الْحَالِ، وَهُوَ فِي يَدِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَجُوزُ إزَالَتُهَا إلَّا بِبَيِّنَةِ عُدُولٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.\n٤٥١ - فَإِنْ شَهِدَ قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الَّذِينَ فِي أَيْدِيهِمْ ذَلِكَ أَخَذُوهُ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِينَ، أَوْ أَقَرَّ الَّذِينَ ذَلِكَ فِي أَيْدِيهِمْ أَنَّهُمْ أَخَذُوهُ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِينَ، أَوْ أَقَرُّوا أَنَّهُمْ أَخَذُوهُ مِنْ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْمَطْمُورَةِ، وَأَقَرَّ أُولَئِكَ أَنَّهُ لِلْمُسْتَأْمَنِينَ أَوْ شَهِدَ شُهُودٌ أَنَّهُمْ أَخَذُوهُ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَهْلِ الْمَطْمُورَةِ وَأَقَرَّ أُولَئِكَ أَنَّهُ لِلْمُسْتَأْمَنِينَ فَهُوَ رَدٌّ عَلَيْهِمْ. لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ. وَالثَّابِتُ بِالْإِقْرَارِ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ كَذَلِكَ. وَالِاسْتِحْقَاقُ لِلْمُسْلِمِينَ الْآنَ بِاعْتِبَارِ يَدِ الْآخِذِينَ فِي بَيَانِ جِهَةِ الْوُصُولِ إلَى أَيْدِيهِمْ. فَلِهَذَا وَجَبَ رَدُّهُ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِينَ، وَلَوْ لَمْ يُقِرَّ الَّذِينَ أُخِذَ ذَلِكَ مِنْ أَيْدِيهِمْ أَنَّهُ لِلْمُسْتَأْمَنِينَ إلَّا بَعْدَمَا أَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ. فَهَذَا وَمَا لَوْ أَقَرُّوا بِهِ قَبْلَ الْأَخْذِ مِنْهُمْ سَوَاءٌ لِأَنَّا قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ أَصْلَ الْيَدِ لَهُمْ وَتِلْكَ الْيَدُ قَائِمَةٌ حُكْمًا لِمَا وَجَبَ اعْتِبَارُ تَصَادُقِهِمْ مَعَ الْمُسْتَأْمَنِينَ. فَكَانَ إقْرَارُهُمْ بَعْدَ الْأَخْذِ مِنْهُمْ بِمَنْزِلَةِ إقْرَارِهِمْ قَبْلَهُ.\n٤٥٢ - فَإِنْ اقْتَسَمَ الْمُسْلِمُونَ الْمَتَاعَ، أَوْ بِيعَ الْمَتَاعُ، ثُمَّ ادَّعَى الْمُسْتَأْمَنُونَ أَنَّ الْمَتَاعَ مَتَاعُهُمْ، لَمْ يُصَدَّقُوا عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ أَنَّهُ أُخِذَ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ قَوْمٍ كَانُوا مُقِرِّينَ بِالْمِلْكِ لَهُمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ.","vol":"1","page":320},{"text":"لِأَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ قَدِيمٌ لِمَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ أَوْ لِلْمُشْتَرِي، وَالْمِلْكُ لَا يُسْتَحَقُّ بِمُجَرَّدِ الظَّاهِرِ بَلْ بِالْحُجَّةِ التَّامَّةِ. وَإِنَّمَا الظَّاهِرُ حُجَّةٌ لِدَفْعِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَحَاجَةُ الْمُسْتَأْمَنِينَ هُنَا إلَى اسْتِحْقَاقِ الْمِلْكِ عَلَى الْمُلَّاكِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِمَا ذَكَرْنَا.\n٤٥٣ - فَإِنْ أَقَرَّ الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ كَانُوا أَخَذُوهُ أَنَّهُمْ أَخَذُوهُ مِنْ أَيْدِي الْمُسْتَأْمَنِينَ، أَوْ مِنْ أَيْدِي قَوْمٍ يُقِرُّونَ أَنَّهُ لِلْمُسْتَأْمَنِينَ، لَمْ يُصَدَّقُوا عَلَى ذَلِكَ. لِأَنَّهُمْ لَمْ يَبْقَ لَهُمْ فِي الْمَتَاعِ يَدٌ وَلَا مِلْكٌ، فَهُمْ كَسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذَا الْإِقْرَارِ. إلَّا أَنْ يَقَعَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي سَهْمِ الَّذِي أَقَرَّ فَيُصَدَّقُ عَلَى نَفْسِهِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ فَيُرَدُّ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِينَ. لِأَنَّ إقْرَارَهُ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ بِمَنْزِلَةِ الْبَيِّنَةِ فِي حَقِّهِ أَوْ أَقْوَى. وَلَكِنْ لَا يُعَوَّضُ. لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ كَانَ بِإِقْرَارِهِ، وَإِقْرَارُهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى سَائِرِ الْغَانِمِينَ، فَكَانَ هُوَ فِي حَقِّهِمْ مُتْلِفًا نَصِيبَ نَفْسِهِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ التَّعْوِيضَ مِنْ الْغَنِيمَةِ.\n٤٥٤ - فَأَمَّا السَّبْيُ فَهُمْ مُصَدَّقُونَ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمُسْتَأْمَنِينَ وَإِنْ وَقَعُوا فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ، مَا لَمْ يَقْتَسِمُوا أَوْ يُبَاعُوا، سَوَاءٌ كَانُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ قَدْ أُخْرِجُوا مِنْهَا. لِأَنَّ اعْتِبَارَ يَدِهِمْ وَقَوْلِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ لَا يَزُولُ إلَّا بِضَرْبِ الرِّقِّ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ بِالْقِسْمَةِ أَوْ الْبَيْعِ دُونَ الْإِحْرَازِ، أَلَا تَرَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُمْ بَعْدَ الْإِحْرَازِ؟","vol":"1","page":321},{"text":"آ) وَلَيْسَ لَهُ بَعْدَ ضَرْبِ الرِّقِّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَقْتُلَهُمْ. وَكَذَلِكَ لَهُ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ فَيَجْعَلَهُمْ ذِمَّةً، وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ كَانُوا إحْرَازَ الْأَصْلِ.\n٤٥٥ - فَأَمَّا إذَا اُقْتُسِمُوا أَوْ بِيعُوا لَمْ يُصَدَّقُوا عَلَى ذَلِكَ. لِأَنَّ الرِّقَّ قَدْ تَقَرَّرَ فِيهِمْ، فَلَا قَوْلَ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَا يَدَ مُعْتَبَرَةً فِي أَنْفُسِهِمْ. إلَّا أَنْ يَقُومَ لَهُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمْ تَصَادَقُوا مَعَ الْمُسْتَأْمَنِينَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِيهِمْ، فَحِينَئِذٍ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ. لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ.\n٤٥٦ - وَكَذَلِكَ فِي الْمَتَاعِ إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى أَنَّهُمْ تَصَادَقُوا عَلَى ذَلِكَ قَبْلَ الْأَخْذِ مِنْ أَيْدِيهِمْ. وَكَأَنَّهُ جَعَلَ الْأَخْذَ مِنْ أَيْدِيهِمْ فِي الْمَتَاعِ بِمَنْزِلَةِ ضَرْبِ الرِّقِّ عَلَيْهِمْ بِالْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ فِي نُفُوسِهِمْ، وَلَكِنَّ هَذَا إنَّمَا يَسْتَقِيمُ فِي مَتَاعٍ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ أَصْلَ الْيَدِ فِيهِ لِمَنْ كَانَ.\n٤٥٧ - وَإِذَا ثَبَتَ الِاسْتِحْقَاقُ بِالْبَيِّنَةِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَإِنْ كَانَ مُشْتَرِيًا رَجَعَ بِالثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ غَازِيًا أَصَابَهُ ذَلِكَ بِالْقِسْمَةِ، عُوِّضَ قِيمَتَهُ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانَتْ الْغَنَائِمُ كُلُّهَا قُسِّمَتْ. لِأَنَّ نَصِيبَهُ قَدْ اسْتَحَقَّ، فَيَسْتَوْجِبُ الرُّجُوعُ بِعِوَضِهِ عَلَى الْغَانِمِينَ.\n٤٥٨ - وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِمْ لِتَفَرُّقِهِمْ، فَتَكُونُ","vol":"1","page":322},{"text":"هَذِهِ نَائِبَةٌ مِنْ نَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَالُ بَيْتِ الْمَالِ مُعَدٌّ لَهَا.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَقِيَ مِنْ الْغَنِيمَةِ شَيْءٌ يَتَعَذَّرُ قِسْمَتُهُ كَجَوْهَرَةٍ وَنَحْوِهَا يُوضَعُ ذَلِكَ فِي بَيْتِ الْمَالِ، فَكَذَلِكَ إذَا ظَهَرَ دَرْكٌ يُجْعَلُ ذَلِكَ فِي بَيْتِ الْمَالِ، لِأَنَّ الْغُرْمَ مُقَابَلٌ بِالْغُنْمِ.\n٤٥٩ - وَإِنْ كَانَ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى هَذَا هُمْ الَّذِينَ اشْتَرَوْا أَوْ وَقَعَ الْمَتَاعُ فِي سِهَامِهِمْ، صُدِّقُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لِإِقْرَارِهِمْ. وَلَا يُصَدَّقُونَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، فَلَا يَثْبُتُ لَهُمْ حَقُّ الرُّجُوعِ بِعِوَضٍ وَلَا ثَمَنٍ، فَيُؤْخَذُ مَا فِي أَيْدِيهِمْ فَيُرَدُّ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِينَ، وَتُرِكُوا يَرْجِعُونَ بِذَلِكَ كُلِّهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، إلَّا الْكُرَاعُ وَالسِّلَاحُ وَالرَّقِيقُ فَإِنَّهَا قَدْ اُحْتُبِسَتْ فِي دَارِنَا حَتَّى نَفَذَ فِيهَا الْقِسْمَةُ وَالْبَيْعُ. وَهَذَا الِاحْتِبَاسُ لِحَقِّ الشَّرْعِ وَحَقِّ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى لَا يَتَقَوَّى أَهْلُ الْحَرْبِ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ. فَلَا يُصَدَّقُ الْمُلَّاكُ فِي إبْطَالِ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ. وَصَارَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ وَهَبُوهُ لِلْمُسْتَأْمَنِينَ أَوْ بَاعُوهُ مِنْهُمْ، فَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْ إدْخَالِهِ دَارَ الْحَرْبِ، بِخِلَافِ مَا إذَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ حُجَّةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.\n٤٦٠ - وَلَوْ قَالَ الَّذِينَ أُمِّنُوا عَلَى أَهْلِيهِمْ وَمَتَاعِهِمْ: جَمِيعُ مَا فِي الْمَطْمُورَةِ أَهْلُونَا، وَجَمِيعُ مَا فِيهَا مَتَاعُنَا، وَنَحْنُ بَطَارِقَتُهَا، وَصَدَّقَهُمْ بِذَلِكَ مَنْ فِيهَا فَهُمْ مُصَدَّقُونَ.","vol":"1","page":323},{"text":"لِأَنَّ الْمَعْنَى (٨٣ ب) الَّذِي لِأَجْلِهِ وَجَبَ تَصْدِيقُهُمْ إذَا ادَّعُوا بَعْضَ مَا فِيهَا، وَذَلِكَ الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي الْكُلِّ. وَلَكِنَّ هَذَا إذَا لَمْ يُعْلَمْ خِلَافَ ذَلِكَ. بِأَنْ كَانُوا قَوْمًا مَعْرُوفِينَ بِأَنَّهُمْ رُءُوسُ أَهْلِ الْمَطْمُورَةِ. وَأَمَّا إذَا كَانَ يُعْلَمُ خِلَافُ ذَلِكَ لَا يُصَدَّقُونَ. لِأَنَّ التَّصْدِيقَ هُنَا بِاعْتِبَارِ نَوْعٍ مِنْ الظَّاهِرِ، وَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ ذَلِكَ إذَا ظَهَرَ دَلِيلُ الْكَذِبِ.\n٤٦١ - قَالَ: وَلَا يَدْخُل فِي الْمَتَاعِ نَقْدٌ وَلَا تِبْرٌ وَلَا حُلِيٌّ وَلَا جَوْهَرٌ. لِأَنَّ الْمَتَاعَ وَإِنْ كَانَ اسْمًا لِمَا يُسْتَمْتَعُ بِهِ فِي الْحَقِيقَةِ وَلَكِنَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَالْحُلِيَّ اخْتَصَّتْ بِاسْمٍ آخَرَ وَهُوَ الْعَيْنُ أَوْ الْجَوْهَرُ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ دُخُولَهَا فِي مُطْلَقِ اسْمِ الْمَتَاعِ وَلِأَنَّ الْمَتَاعَ مَا يَكُونُ مُبْتَذَلًا فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِهِ عَلَى وَجْهٍ يَفْنَى بِالِاسْتِمْتَاعِ، وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَعْيَانِ لِنَفَاسَتِهَا، وَيَدْخُلُ فِي الْمَتَاعِ مَا سِوَاهَا مِنْ الثِّيَابِ وَالْفُرُشِ وَالسُّتُورِ وَجَمِيعِ مَتَاعِ الْبَيْتِ، وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْأَوَانِي. لِأَنَّ فِي عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ يُعْطَفُ الْأَوَانِي عَلَى الْأَمْتِعَةِ، وَالشَّيْءُ لَا يُعْطَفُ عَلَى نَفْسِهِ، وَالْعَطْفُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَوَانِيَ غَيْرُ الْأَمْتِعَةِ. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ الْأَوَانِي الَّتِي يُنْتَفَعُ بِهَا فِي الْبُيُوتِ تَدْخُلُ فِي الْمَتَاعِ. لِأَنَّ الْمَفْهُومَ عِنْدَ النَّاسِ مِنْ مُطْلَقٍ اسْمِ الْمَتَاعِ مَا يُسْتَمْتَعُ بِهِ فِي الْبُيُوتِ، وَيَتَأَتَّى بِهِ السُّكْنَى وَالْمُقَامُ فِي الْبُيُوتِ. وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي الْأَوَانِي.","vol":"1","page":324},{"text":"وَلِهَذَا لَا يَدْخُلُ السِّلَاحُ وَالْكُرَاعُ وَالسُّرُوجُ فِي ذَلِكَ. لِأَنَّهُ لَا يُسْتَمْتَعُ بِهَا فِي الْبُيُوتِ، وَإِنَّمَا يُسْتَمْتَعُ بِهَا عِنْدَ الرُّكُوبِ أَوْ الْحَرْبِ. وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْ السُّكْنَى فِي الْبُيُوتِ فِي شَيْءٍ، فَلَا يَتَنَاوَلُهَا مُطْلَقُ اسْمِ الْمَتَاعِ، كَمَا لَا يَتَنَاوَلُ النُّقُودَ وَالْمَصَاغَ وَالْجَوَاهِرَ.\n٤٦٢ - وَإِنْ كَانُوا قَالُوا أَمِّنُونَا عَلَى مَا لَنَا مِنْ شَيْءٍ، دَخَلَ جَمِيعُ ذَلِكَ فِي كَلَامِهِمْ؛ لِأَنَّ اسْمَ الشَّيْءِ يَعُمُّ كُلَّ مَوْجُودٍ. وَلَوْ قَالُوا: أَمِّنُونَا عَلَى مَا لَنَا أَوْ عَلَى جَمِيعِ مَا لَنَا مِنْ مَالٍ، دَخَلَ ذَلِكَ كُلُّهُ أَيْضًا. لِأَنَّ اسْمَ الْمَالِ يَعُمُّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مُتَمَوَّلٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِرَجُلٍ دَخَلَ جَمِيعُ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ فِي الْأَمَانِ. وَإِنَّمَا يَخْتَصُّ فِي النَّذْرِ بِالصَّدَقَةِ لَفْظُ الْمَالِ بِمَالِ الزَّكَاةِ لِنَوْعٍ مِنْ الِاسْتِحْسَانِ، وَهُوَ اعْتِبَارُ مَا يُوجِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ. وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي الْأَمَانِ، بَلْ هَذَا نَظِيرُ الْوَصِيَّةِ، لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ أُخْتُ الْمِيرَاثِ، وَالْإِرْثُ يَثْبُتْ فِي كُلِّ مَالٍ فَكَذَلِكَ الْوَصِيَّةُ. وَهَا هُنَا إعْطَاءُ الْأَمَانِ عَلَى الْمَالِ نَظِيرُ اغْتِنَامِ الْمَالِ، فَكَمَا أَنَّ الِاغْتِنَامَ يَثْبُتُ فِي كُلِّ مَالٍ فَكَذَلِكَ حُكْمُ الْأَمَانِ عِنْدَ إعْطَائِهِ بِلَفْظِ الْمَالِ.\n٤٦٣ - وَإِنْ قَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: أَمِّنُوا أَهْلِينَا فَقَالُوا: نَعَمْ قَدْ أَمَّنَّاهُمْ، فَهُمْ فَيْءٌ، وَأَهْلُوهُمْ آمِنُونَ. لِأَنَّهُمْ طَلَبُوا الْأَمَانَ لَأَهْلِيهِمْ وَلَمْ يَذْكُرُوا (٨٤ آ) أَنْفُسَهُمْ بِشَيْءٍ صَرِيحًا وَلَا كِنَايَةً وَلَا دَلَالَةً. فَالْإِنْسَانُ لَا يَكُونُ مِنْ أَهْلِ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا أَهْلُهُ غَيْرُهُ. لِأَنَّ الْمُضَافَ غَيْرُ الْمُضَافِ إلَيْهِ. فَإِنْ قِيلَ: نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ قَصَدُوا بِهَذَا أَمَانَ أَنْفُسِهِمْ أَيْضًا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ طَلَبُوا الْأَمَانَ إشْفَاقًا عَلَى أَهْلِيهِمْ، وَشَفَقَتُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَظْهَرُ مِنْهُ عَلَى أَهْلِيهِمْ.","vol":"1","page":325},{"text":"وَالثَّانِي. أَنَّهُمْ قَصَدُوا بِهَذَا اسْتِبْقَاءَ أَهْلِيهِمْ، وَبَقَاؤُهُمْ بِمَنْ يَعُولُهُمْ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ أَنْفُسُهُمْ. قُلْنَا: نَعَمْ هُمْ قَصَدُوا هَذَا، وَلَكِنْ حُرِمُوا هَذَا الْمَقْصُودَ حِينَ خَذَلَهُمْ اللَّهُ فَلَمْ يَذْكُرُوا أَنْفُسَهُمْ بِشَيْءٍ، لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا. ثُمَّ بِمُجَرَّدِ الْقَصْدِ لَا يَثْبُتُ لَهُمْ الْأَمَانُ، بَلْ بِإِعْطَاءِ الْمُسْلِمِينَ إيَّاهُمْ الْأَمَانَ. وَإِنَّمَا أَعْطَوْا أَهْلِيهِمْ فَقَالُوا: أَمَّنَّاهُمْ وَلَوْ يَقُولُوا أَمَّنَّاكُمْ. وَقَدْ حُكِيَ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْحَادِثَةِ وَقَعَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ. وَكَانَ الَّذِي يَسْعَى فِي طَلَبِ الْأَمَانِ لِلْجَمَاعَةِ قَدْ آذَى الْمُسْلِمِينَ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ - ﵁ -: اللَّهُمَّ أَغْفِلْهُ عَنْ نَفْسِهِ. فَطَلَبَ الْأَمَانَ لِقَوْمِهِ وَأَهْلِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ. فَأُخِذَ وَقُتِلَ. ثُمَّ الْإِنْسَانُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ قَدْ يَسْعَى فِي اسْتِنْقَاذِ أَهْلِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْصِدَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ، إمَّا لِانْقِطَاعِ طَمَعِهِ بِأَنَّهُ لَا يُؤَمَّنُ إنْ طَلَبَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ، أَوْ لِأَنَّهُ مَلَّ مِنْ نَفْسِهِ لِفَرْطِ الضَّجَرِ. فَبِاعْتِبَارِ الْمَقْصُودِ الدَّلِيلُ مُشْتَرَكٌ، وَبِاعْتِبَارِ اللَّفْظِ لَا ذِكْرَ لَهُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ قَالُوا: نَضَعُ أَيْدِيَنَا فِي أَيْدِيكُمْ عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُوا أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا. فَفَعَلَ الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ، لَمْ نُدْخِلْهُمْ فِي الْأَمَانِ. فَإِنَّ مَعْنَى كَلَامِهِمْ: أَنْ نَضَعَ أَيْدِيَنَا فِي أَيْدِيكُمْ لِتَفْعَلُوا بِنَا مَا شِئْتُمْ، فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ. فَإِنْ قَالُوا: نَخْرُجُ إلَيْكُمْ عَلَى أَنْ نُرَاوِضَكُمْ فِي الْأَمَانِ عَلَى أَهْلِينَا. فَقَالُوا لَهُمْ: اُخْرُجُوا. فَلَمَّا خَرَجُوا أَمَّنُوا أَهْلِيهِمْ. فَلَا سَبِيلَ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، لَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمْ أَمَّنُوا أَهْلِيهِمْ بَلْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمْ حِينَ أَمَرُوهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا لِلْمُرَاوَضَةِ عَلَى الْأَمَانِ، فَهَذَا أَمَانٌ مِنْهُمْ لَهُمْ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَهَيَّأْ بَيْنَهُمْ أَمَانٌ فِي شَيْءٍ كَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَرُدُّوهُمْ إلَى مَأْمَنِهِمْ وَلَا يَتَعَرَّضُوا لَهُمْ بِشَيْءٍ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. فَهُنَاكَ قَالُوا وَهُوَ فِي الْمَطْمُورَةِ: أَمِّنُوا أَهْلِينَا. فَأَمَّنَّا أَهْلِيهِمْ وَلَمْ يَتَنَاوَلْهُمْ ذَلِكَ الْكَلَامُ، ثُمَّ خَرَجُوا لَا عَلَى طَلَبِ الْأَمَانِ فَكَانُوا فَيْئًا.","vol":"1","page":326},{"text":"وَإِنْ قَالُوا أَمِّنُونَا عَلَى ذَرَارِيّنَا فَأَمَّنُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَهُمْ آمِنُونَ وَأَوْلَادُهُمْ، وَأَوْلَادُ أَوْلَادِهِمْ، وَإِنْ سَفَلُوا مِنْ أَوْلَادِ الرِّجَالِ. لِأَنَّ اسْمَ الذُّرِّيَّةِ يَعُمُّ جَمِيعَ ذَلِكَ. فَذُرِّيَّةُ الْمَرْءِ فَرْعُهُ الَّذِي هُوَ مُتَوَلَّدٌ مِنْهُ، وَهُوَ أَصْلٌ لِذُرِّيَّتِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ ذُرِّيَّةُ آدَمَ وَنُوحٍ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا - قَالَ - ﷾ -: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ [مريم: ٥٨] الْآيَةِ (٨٤ ب) .\n٤٦٥ - قَالَ: وَلَا يَدْخُلُ أَوْلَادُ الْبَنَاتِ فِي ذَلِكَ. هَكَذَا قَالَ هَا هُنَا وَوُجْهَتُهُ أَنَّ أَوْلَادَ الْبَنَاتِ مِنْ ذُرِّيَّةِ آبَائِهِمْ لَا مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمِ الْأُمِّ، أَلَا تَرَى أَنَّ أَوْلَادَ الْخُلَفَاءِ مِنْ الْإِمَاءِ مِنْ ذُرِّيَّةِ آبَائِهِمْ، كَمَا قَالَ الْمَأْمُونُ:\nلَا عَيْبَ لِلْمَرْءِ فِيمَا أَنْ يَكُونَ لَهُ ... أُمٌّ مِنْ الرُّومِ أَوْ سَوْدَاءُ عَجْمَاءُ\nفَإِنَّمَا أُمَّهَاتُ النَّاسِ أَوْعِيَةٌ ... مُسْتَوْدَعَاتٌ، وَلِلْأَنْسَابِ آبَاءُ\n٤٦٦ - وَذَكَرَ بَعْدَ هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُدْخِلُ أَوْلَادَ الْبَنَاتِ فِي ذَلِكَ. وَوُجْهَتُهُ مَا بَيَّنَّا أَنَّ الذُّرِّيَّةَ اسْمُ الْفَرْعِ الْمُتَوَلَّدِ مِنْ الْأَصْلِ. وَالْأَبُ وَالْأُمُّ أَصْلَانِ لِلْوَلَدِ. ثُمَّ الْأُمُّ مِنْ ذُرِّيَّةِ أَبِيهَا. فَمَا يَتَوَلَّدُ مِنْهَا يَكُونُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ أَيْضًا. وَمَعْنَى الْأَصْلِيَّةِ وَالتَّوَلُّدِ فِي جَانِبِ الْأُمِّ أَرْجَحِ، لِأَنَّ مَاءَ الْفَحْلِ يَصِيرُ مُسْتَهْلَكًا بِحَضَانَتِهَا فِي رَحِمِهَا. فَإِنَّمَا يَكُونُ الْوَلَدُ مُتَوَلَّدًا مِنْهَا بِوَاسِطَةِ مَاءِ الْفَحْلِ. فَإِذَا جُعِلَ النَّافِلَةُ مِنْ ذُرِّيَّةِ أَبِ أَبِيهِ، فَكَذَلِكَ يُجْعَلُ مِنْ ذُرِّيَّةِ أَبِ أُمِّهِ.","vol":"1","page":327},{"text":"وَفِيهِ حِكَايَةُ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ. فَإِنَّ الْحَجَّاجَ أَمَرَ بِهِ ذَاتَ يَوْمٍ فَأُدْخِلَ عَلَيْهِ وَهَمَّ بِقَتْلِهِ. فَقَالَ لَهُ: لَتَقْرَأَنَّ عَلَيَّ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى نَصًّا عَلَى أَنَّ الْعَلَوِيَّةَ ذُرِّيَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَوْ لَأَقْتُلَنَّكَ، وَلَا أُرِيدُ قَوْله تَعَالَى: ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] . فَتَلَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُد وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] . إلَى أَنْ قَالَ: ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى﴾ [الأنعام: ٨٥] ثُمَّ قَالَ: فَعِيسَى مِنْ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ أَوْ مِنْ قِبَل الْأُمِّ؟ فَبُهِتَ الْحَجَّاجُ وَرَدَّهُ بِجَمِيلٍ. وَقَالَ: كَأَنِّي سَمِعْت هَذِهِ الْآيَةَ الْآنَ.\n٤٦٧ - وَلَوْ قَالُوا: أَمِّنُونَا عَلَى أَوْلَادِنَا. فَهَذَا عَلَى أَوْلَادِهِمْ لِأَصْلَابِهِمْ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ مِنْ قِبَلِ الرِّجَالِ، وَأَمَّا أَوْلَادُ الْبَنَاتِ فَلَيْسُوا بِأَوْلَادِهِمْ. هَكَذَا ذُكِرَ هَا هُنَا.\nوَذَكَرَ الْخَصَّافُ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ فِي الْأَمَانِ أَيْضًا. لِأَنَّ اسْمَ الْأَوْلَادِ يَتَنَاوَلُهُمْ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي قُلْنَا. وَأَيَّدَ ذَلِكَ قَوْلُهُ - ﵇ - حِينَ أَخَذَ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ: «أَوْلَادُنَا أَكْبَادُنَا» . فَأَمَّا عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَقُولُ ذَلِكَ نَوْعٌ مِنْ الْمَجَازِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠] وَمَنْ كَانَ وَلَدَك حَقِيقَةً كُنْت أَبًا لَهُ حَقِيقَةً،","vol":"1","page":328},{"text":"أَوْ كَانَ ذَلِكَ لِأَوْلَادِ فَاطِمَةَ - ﵂ - عَلَى الْخُصُوصِ. كَمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «كُلُّ الْأَوْلَادِ يَنْتَمُونَ إلَى آبَائِهِمْ، إلَّا أَوْلَادُ فَاطِمَةَ فَإِنَّهُمْ يُنْسَبُونَ إلَيَّ، أَنَا أَبُوهُمْ» . وَلَكِنَّ هَذَا حَدِيثٌ شَاذٌّ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ كَمَا تَلَوْنَا.\n\n- وَلَوْ اسْتَأْمَنُوا عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ دَخَلَ فِي ذَلِكَ أَوْلَادُ الْبَنَاتِ لِأَنَّ اسْمَ وَلَدِ الْوَلَدِ حَقِيقَةٌ لِمَنْ وَلَدَتْهُ وَهُوَ وَلَدُهُ وَابْنَةُ وَلَدِهِ. فَمَا وُلِدَ لِابْنَتِهِ يَكُنْ وَلَدَ وَلَدِهِ حَقِيقَةً، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. فَقَدْ ذَكَرَ هُنَاكَ أَوْلَادَهُ وَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ وَلَدُهُ هُوَ، وَمِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ مَنْ يَكُونُ مَنْسُوبًا إلَيْهِ بِالْوِلَادَةِ وَذَلِكَ أَوْلَادُ الِابْنِ دُونَ أَوْلَادِ الْبَنَاتِ.\n٤٦٩ - وَلَوْ قَالَ: أَمِّنُونَا عَلَى مَوَالِينَا. وَلَهُمْ مَوَالٍ وَمَوَالِي (٨٥ آ) مَوَالٍ، فَكُلُّهُمْ آمِنُونَ اسْتِحْسَانًا. وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَدْخُلُ مَوَالِي الْمَوَالِي، لِأَنَّ الِاسْمَ لِمَوَالِيهِ حَقِيقَةً، وَلِمَوَالِي الْمَوَالِي مَجَازًا. أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَسْتَقِيمُ نَفْيُهُ عَنْهُمْ فَيُقَالُ: هَؤُلَاءِ لَيْسُوا مِنْ مَوَالِيهِ؟ وَلِهَذَا لَا يَدْخُلُونَ فِي الْوَصِيَّةِ لِمَوَالِيهِ، حَتَّى لَا يُزَاحِمُونَ مَوَالِيَهُ. وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ: ٤٧٠ - مَوَالِي الْمَوَالِي يُنْسَبُونَ إلَيْهِ بِالْوَلَاءِ بِوَاسِطَةِ الْمَوَالِي، فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ مَعَ الْأَوْلَادِ.\nوَفِي الْوَصِيَّةِ يَدْخُلُ مَوَالِي الْمَوَالِي إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَوَالٍ، إلَّا عِنْدَ وُجُودِ الْفَرِيقَيْنِ","vol":"1","page":329},{"text":"لَوْ أَثْبَتْنَا الْمُزَاحَمَةَ انْتَقَضَ نَصِيبُ الْمَوَالِي، وَلَا يَجُوزُ إدْخَالُ النُّقْصَانِ عَلَى الْأَقْرَبِ بِمُزَاحَمَةِ الْأَبْعَدِ، وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي الْأَمَانِ، فَسَوَاءٌ دَخَلَ مَوَالِي الْمَوَالِي أَوْ لَمْ يَدْخَلُوا كَانَ الْأَمَانُ لِمَوَالِيهِ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَقْصُودَهُ اسْتِنْقَاذُ الْفَرِيقَيْنِ. ثُمَّ لَا نَقُولُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، وَلَكِنَّ هَذَا الِاسْمَ لِلْمَوَالِي حَقِيقَةً وَلِمَوَالِي الْمَوَالِي أَيْضًا صُورَةً وَمَجَازًا، فَبِاعْتِبَارِ هَذِهِ الصُّورَةِ تَتَمَكَّنُ شُبْهَةٌ فِي حَقِّهِمْ.\nوَالْأَمَانُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّوَسُّعِ حَيْثُ يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الْإِشَارَةِ صُورَةً، فَلَأَنْ يَثْبُتَ بِهَذَا اللَّفْظِ أَوْلَى. وَبِهِ فَارَقَ الْوَصِيَّةَ.\n٤٧١ - وَلَوْ قَالُوا: أَمِّنُونَا عَلَى إخْوَانِنَا وَلَهُمْ إخْوَةٌ وَأَخَوَاتٌ فَهُمْ آمِنُونَ. لِاسْمِ الْإِخْوَةِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لِلذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١٧٦] وَفِي الْحَقِيقَةِ هَذِهِ الصِّيغَةُ لِلذُّكُورِ، إلَّا أَنَّ مِنْ مَذْهَبِ الْعَرَبِ عِنْدَ اخْتِلَاطِ الذُّكُورِ بِالْإِنَاثِ تَغْلِيبَ الذُّكُورِ وَإِطْلَاقَ عَلَامَةِ الذُّكُورِ عَلَى الْكُلِّ. وَالْمُسْتَعْمَلُ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ بِمَنْزِلَةِ الْحَقِيقَةِ. نَقُولُ: فَإِنْ كَانَ لَهُمْ أَخَوَاتٌ لَيْسَ مَعَهُنَّ وَاحِدٌ مِنْ الذُّكُورِ لَمْ يَدْخُلْنَ فِي الْأَمَانِ. لِأَنَّ الْإِنَاثَ الْمُفْرَدَاتِ لَا تَتَنَاوَلُهُنَّ صِيغَةُ الذُّكُورِ. فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ أَنَّ اللَّهَ - ﷾ - قَالَ: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١]، ثُمَّ الْأَخَوَاتُ الْمُنْفَرِدَاتُ يَحْجُبْنَ الْأُمَّ مِنْ الثُّلُثِ إلَى السُّدُسِ؟ قُلْنَا: لَا بِهَذِهِ الْآيَةِ بَلْ بِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ وَاعْتِبَارِ مَعْنَى الْحَجْبِ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي الْفَرَائِضِ. وَلَكِنَّ اعْتِبَارَ الْمَعْنَى فِي النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ جَائِزٌ، فَأَمَّا فِي أَلْفَاظِ الْعِبَادِ يُرَاعَى عَيْنُ","vol":"1","page":330},{"text":"الْمَلْفُوظِ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَقِلَّ بِتَعْلِيلِهِ. وَاسْمُ الْإِخْوَةِ لَا يَتَنَاوَلُهُ الْإِنَاثُ الْمُفْرَدَاتِ حَقِيقَةً وَلَا اسْتِعْمَالًا.\n٤٧٢ - وَلَوْ قَالُوا: أَمِّنُونَا عَلَى أَبْنَائِنَا، وَلَهُمْ بَنُونَ وَبَنَاتٌ، فَهُمْ آمِنُونَ جَمِيعًا. لِمَا بَيَّنَّا فِي الْإِخْوَةِ.\nوَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ: جَوَابُهُ فِي الْفَصْلَيْنِ قَوْلُهُمَا وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ الْأَوَّلُ. فَأَمَّا قَوْلُهُ الْآخَرُ فَيَتَنَاوَلُ الذُّكُورَ خَاصَّةً، بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيَّةِ لِبَنِي فُلَانٍ وَفُلَانٌ أَبُ أَوْلَادٍ، أَوْ لِإِخْوَةِ فُلَانٍ. وَلَكِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ هَذَا قَوْلُهُمْ جَمِيعًا، لِأَنَّهُ يُتَوَسَّعُ فِي بَابِ الْأَمَانِ مَا لَا يُتَوَسَّعُ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ. فَأَبُو حَنِيفَةَ فِي الْوَصِيَّةِ اعْتَبَرَ الْحَقِيقَةَ فَقَطْ، فَأَمَّا فِي الْأَمَانِ فَيَعْتَبِرُ الْحَقِيقَةَ وَمَا يُشْبِهُ الْحَقِيقَةَ بِطَرِيقِ (٨٥ ب) الِاسْتِعْمَالِ.\n٤٧٣ - فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ ذَكَرٌ وَإِنَّمَا لَهُمْ بَنَاتٌ خَاصَّةً، فَهُنَّ فَيْءٌ جَمِيعًا. لِأَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ لَا تَتَنَاوَلُ الْإِنَاثَ الْمُفْرَدَاتِ إلَّا إذَا كَانَ الْمُضَافُ إلَيْهِ أَبَا قَبِيلَةٍ. وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي الْوَصَايَا أَنَّهُ إذَا أَوْصَى لِبَنِي فُلَانٍ، وَفُلَانُ أَبُو قَبِيلَةٍ، فَالْمُرَادُ بِهَذِهِ النِّسْبَةِ إلَى الْقَبِيلَةِ. وَالْإِنَاثُ الْمُفْرَدَاتُ فِي النِّسْبَةِ بِهَذَا اللَّفْظِ كَالذُّكُورِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فُلَانٌ أَبَا أَوْلَادٍ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: إذَا تَقَدَّمَ مِنْهُ كَلَامٌ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْأَمَانَ لَهُنَّ بِأَنْ قَالَ: لَيْسَ لِي إلَّا هَؤُلَاءِ الْبَنَاتُ أَوْ الْأَخَوَاتُ فَأَمِّنُونِي عَلَى بَنِيَّ أَوْ عَلَى أَخَوَاتِي، فَحِينَئِذٍ يُسْتَدَلُّ بِتِلْكَ الْمُقَدَّمَةِ أَنَّ مُرَادَهُ الْإِنَاثُ فَهُنَّ آمِنَاتٌ.","vol":"1","page":331},{"text":"وَإِنْ قَالُوا: أَمِّنُونَا عَلَى أَوْلَادِنَا دَخَلَ فِي هَذَا الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ الْمُفْرَدَاتُ أَيْضًا. لِأَنَّ الْوِلَادَ حَقِيقَةٌ فِي الْفَرِيقَيْنِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] . ثُمَّ قَالَ: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ [النساء: ١١] فَقَدْ فُسِّرَ ` الْأَوْلَادُ بِالْإِنَاثِ الْمُفْرَدَاتِ.\n٤٧٥ - وَإِنْ قَالُوا: أَمِّنُونَا عَلَى بَنَاتِنَا وَأَخَوَاتِنَا، فَهَذَا عَلَى الْإِنَاثِ دُونَ الذُّكُورِ. لِأَنَّ صِيغَةَ الْكَلَامِ لِلْإِنَاثِ خَاصَّةً، فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الذُّكُورُ حَقِيقَةً وَلَا اسْتِعْمَالًا. وَمِنْ حَيْثُ الْمَقْصُودُ قَدْ يَطْلُبُ الْأَمَانُ لِلْإِنَاثِ خَاصَّةً لِضَعْفِهِنَّ، وَلِعِلْمِهِ أَنَّهُ لَا يُجَابُ إلَى الْأَمَانِ لَوْ طَلَبَهُ لِلذُّكُورِ بَعْدَ مَا اتَّصَلَ مِنْهُمْ أَذًى بِالْمُسْلِمِينَ مِنْ حَيْثُ الْقِتَالُ.\n٤٧٦ - وَإِنْ قَالُوا: أَمِّنُونَا عَلَى بَنِينَا، فَإِذَا لِكُلِّهِمْ بَنَاتٌ إلَّا لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ فَإِنَّ لَهُ ابْنًا وَاحِدًا، كَانَ الْأَمَانُ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا. لِأَنَّهُمْ اسْتَأْمَنُوا لِلْكُلِّ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ. وَتِلْكَ الْكَلِمَةُ تَتَنَاوَلُ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ عِنْدَ الِاخْتِلَاطِ، وَبِالِابْنِ الْوَاحِدِ لِأَحَدِهِمْ يَتَحَقَّقُ الِاخْتِلَاطُ.\n٤٧٧ - وَإِنْ قَالُوا: أَمِّنُونَا، كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا عَلَى بَنِيهِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، كَانَ الْبَنَاتُ كُلُّهُنَّ فَيْئًا إلَّا أَوْلَادَ الرَّجُلِ الَّذِي لَهُ الِابْنُ.","vol":"1","page":332},{"text":"لِأَنَّ كَلِمَةَ \" كُلٍّ \" تُوجِبُ الْإِحَاطَةَ عَلَى سَبِيلِ الِانْفِرَادِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] . وَبِاعْتِبَارِ انْفِرَادِ اللَّفْظِ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَا يَتَنَاوَلُ هَذَا اللَّفْظُ إلَّا أَوْلَادَ الرَّجُلِ الَّذِي لَهُ الِابْنُ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّ الْكَلِمَةَ هُنَاكَ لِلْإِحَاطَةِ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِمَاعِ، وَالْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ.\n٤٧٨ - وَلَوْ قَالُوا: أَمِّنُونَا عَلَى آبَائِنَا، وَلَهُمْ آبَاءٌ وَأُمَّهَاتٌ، فَهُمْ آمِنُونَ جَمِيعًا. لِأَنَّ اسْمَ الْآبَاءِ يَتَنَاوَلُ الْآبَاءَ وَالْأُمَّهَاتِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا يُسَمَّيَانِ أَبَوَيْنِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١] وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ الْأَبُ مِنْهُمْ إلَّا لِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ. فَالْأُمَّهَاتُ وَالْأَبُ الَّذِي مَعَهُنَّ آمِنُونَ، لِأَنَّ الِاسْمَ حَقِيقَةٌ لِلْكُلِّ اسْتِعْمَالًا عِنْدَ الِاخْتِلَاطِ.\n٤٧٩ - وَلَوْ قَالُوا: أَمِّنُونَا عَلَى أَبْنَائِنَا، وَلَهُمْ أَبْنَاءٌ وَأَبْنَاءُ أَبْنَاءٍ، فَالْأَمَانُ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا اسْتِحْسَانًا. وَكَانَ يَنْبَغِي فِي الْقِيَاسِ أَنْ يَكُونَ الْأَمَانُ لِلْأَبْنَاءِ خَاصَّةً. لِأَنَّ الِاسْمَ حَقِيقَةٌ لِلْأَبْنَاءِ، مَجَازٌ فِي حَقِّ أَبْنَاءِ الْأَبْنَاءِ. وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ. وَلِهَذَا جَعَلَ أَبُو حَنِيفَةَ الْوَصِيَّةَ لِلْأَبْنَاءِ خَاصَّةً بِهَذَا اللَّفْظِ. إلَّا إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَبْنَاءٌ، فَحِينَئِذٍ يَتَنَاوَلُ أَبْنَاءَ الْأَبْنَاءِ، لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ لَمَّا تَنَحَّتْ وَجَبَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ هَا هُنَا فَقَالَ:","vol":"1","page":333},{"text":"إنَّمَا يَطْلُبُ الْأَمَانُ لِمَنْ يَكُونُ مُضَافًا إلَيْهِ بِالْبُنُوَّةِ، وَبِاعْتِبَارِ الصُّورَةِ، وَهَذَا يُوجَدُ فِي أَبْنَاءِ الْأَبْنَاءِ. فَيَصِيرُ ذَلِكَ شُبْهَةً يَثْبُتُ بِهِ الْأَمَانُ لَهُمْ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ، فَإِنَّهَا لَا تُسْتَحَقُّ بِالصُّورَةِ وَالشُّبْهَةِ، ثُمَّ فِي إثْبَاتِ الْمُزَاحَمَةِ هُنَاكَ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ إدْخَالُ النَّقْصِ فِي نَصِيبِ الْأَبْنَاءِ. وَلَا يُوجَدُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْأَمَانِ. وَهَذَا نَظِيرُ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: لِذَوِي قَرَابَتِي. لِأَنَّ طَلَبَ الْأَمَانِ بِهَذَا اللَّفْظِ لِإِظْهَارِ الشَّفَقَةِ عَلَى مَا يُنْسَبُ إلَيْهِ بِالْبُنُوَّةِ. وَرُبَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي حَقِّ أَبْنَاءِ الْأَبْنَاءِ أَظْهَرَ مِنْهُ فِي حَقِّ الْأَبْنَاءِ، عَلَى مَا قِيلَ: النَّافِلَةُ أَحَبُّ إلَى الْمَرْءِ مِنْ الْوَلَدِ. وَلَوْ كَانَ لِبَعْضِهِمْ أَبْنَاءٌ لِصُلْبِهِ، وَلِبَعْضِهِمْ أَبْنَاءُ أَبْنَاءٍ فَهُمْ آمِنُونَ جَمِيعًا لِمَا قُلْنَا.\n٤٨١ - وَإِنْ قَالُوا: أَمِّنُونَا عَلَى أَبْنَائِنَا، وَلَيْسَ لَهُمْ آبَاءٌ وَلَهُمْ أَجْدَادٌ، فَلَيْسَ يَدْخُلُ الْأَجْدَادُ فِي ذَلِكَ. وَهَذَا الْفَصْلُ مُشْكِلٌ. فَإِنَّ اسْمَ الْأَبِ لَا يَتَنَاوَلُ الْجَدَّ حَقِيقَةً حَتَّى يَجُوزَ أَنْ يَنْفِيَ عَنْهُ بِإِثْبَاتِ غَيْرِهِ، فَيُقَالُ إنَّهُ جَدٌّ وَلَيْسَ بِأَبٍ، وَلَكِنْ يَتَنَاوَلُهُ مَجَازًا، أَلَا تَرَى إلَى مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ: أَيُّ أَبٍ لَك أَكْبَرُ؟ فَلَمْ يَفْهَمْ الرَّجُلُ مَا قَالَ: فَتَلَا ابْنُ عَبَّاسٍ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ٣١] وَقَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ مَنْ كُنْتَ ابْنَهُ فَهُوَ أَبُوك؟ فَبِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَجَازِ، أَوْ بِاعْتِبَارِ الصُّورَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ الْأَمَانُ لَهُمْ كَمَا ذَكَرْنَا فِي أَبْنَاءِ الْأَبْنَاءِ. وَلَكِنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا لِمَعْنًى آخَرَ فَقَالَ:\n٤٨٢ - الْمَجَازُ تَبَعٌ لِلْحَقِيقَةِ. وَيُمْكِنُ تَحْقِيقُ هَذَا فِي أَبْنَاءِ الْأَبْنَاءِ. فَإِنَّهُمْ تَفَرَّعُوا مِنْ الْأَبْنَاءِ، فَكَانُوا تَبَعًا لَهُمْ، وَلَا يَأْتِي مِثْلُ ذَلِكَ فِي","vol":"1","page":334},{"text":"الْأَجْدَادِ فَإِنَّهُمْ أُصُولُ الْآبَاءِ، مُخْتَصُّونَ بِاسْمٍ، فَكَيْفَ يَتَنَاوَلُهُمْ اسْمُ الْآبَاءِ عَلَى وَجْهِ الِاتِّبَاعِ لِفُرُوعِهِمْ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَمِّنُونِي عَلَى أُمِّي، وَلَيْسَتْ لَهُ أُمٌّ إنَّمَا لَهُ جَدَّةٌ، أَنَّ الْأَمَانَ لَا يَتَنَاوَلُهَا؟ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: يَتَنَاوَلُهَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْجَدَّةَ تُسَمَّى أُمًّا، قُلْنَا: قَدْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الْخَالَةَ أُمًّا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يوسف: ١٠٠] أَيْ أَبَاهُ، وَخَالَتَهُ.\nوَسَمَّى الْعَمَّ أَبًا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا: نَعْبُدُ إلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ: إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] وَإِسْمَاعِيلُ كَانَ عَمًّا. ثُمَّ أَحَدٌ لَا يَقُلْ إنَّ الْعَمَّ والْخَالَةَ يَدْخُلَانِ فِي الْأَمَانِ لِلْآبَاءِ. لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُخْتَصٌّ بِاسْمِ آخَرَ، بِهِ يُنْسَبُ إلَيْهِ. فَكَذَلِكَ الْجَدُّ وَالْجَدَّةُ. بِخِلَافِ بَنِي الِابْنِ فَإِنَّهُمْ يُنْسَبُونَ إلَيْهِ بِاسْمِ الْبُنُوَّة، وَلَكِنْ بِوَاسِطَةِ الِابْنِ. فَكَانَ الْأَمَانُ بِهَذَا الِاسْمِ مُتَنَاوِلًا لَهُمْ. وَهَذَا بَيَانُ لِسَانِ الْعَرَبِ، فَإِنَّ كُلَّ قَوْمٍ فِي لِسَانِهِمْ الَّذِي يَتَكَلَّمُونَ بِهِ أَنَّ الْجَدَّ وَالِدٌ، كَمَا أَنَّ ابْنَ الِابْنِ ابْنٌ، فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْأَمَانِ. وَهَكَذَا فِي لِسَانِ الْفَارِسِيَّةِ فَإِنَّهُ يُقَالُ لِلْجَدِّ بدر بدر كَمَا يُقَالُ لِلْحَفِيدِ بسر بسر، وَاَللَّهُ - ﷾ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":335},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>[بَابُ الْمَرْأَةِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ تَخْرُجُ مَعَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ فَيَقُولُ أَسَرْتهَا وَتَدَّعِي الْأَمَانَ]</span>\n٤٨ - بَابُ الْمَرْأَةِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ تَخْرُجُ مَعَ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَيَقُولُ: أَسَرْتهَا. وَهِيَ تَقُولُ: جِئْت مُسْتَأْمَنَةً\n٤٨٣ - وَإِذَا دَخَلَ الْعَسْكَرُ دَارَ الْحَرْبِ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ مُسْلِمٌ كَانَ أَسِيرًا، أَوْ كَانَ مُسْتَأْمَنًا فِيهِمْ، أَوْ كَانَ أَسْلَمَ مِنْهُمْ وَالْتَحَقَ بِجَيْشِ الْمُسْلِمِينَ وَمَعَهُ حَرْبِيَّةٌ فَقَالَتْ: جِئْت مُسْتَأْمَنَةً إلَيْكُمْ. وَقَالَ الْمُسْلِمُ: جِئْت بِهَا قَهْرًا. فَهَذَا إنَّمَا يَكُنْ عَلَى مَا جَاءَتْ عَلَيْهِ الْمَرْأَةُ، فَإِنْ كَانَتْ مُخَلَّاةً غَيْرَ مَرْبُوطَةٍ تَمْشِي مَعَهُ حَتَّى إذَا انْتَهَتْ إلَى أَدْنَى مَسَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، نَادَتْ بِالْأَمَانِ أَوْ لَمْ تُنَادِ، فَهِيَ آمِنَةٌ. لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهَا، فَإِنَّهَا جَاءَتْ مَجِيءَ الْمُسْتَأْمَنَاتِ.\n٤٨٤ - وَلَوْ جَاءَتْ وَحْدَهَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ كَانَتْ آمِنَةً، فَكَذَلِكَ إذَا صَحِبَهَا مُسْلِمٌ فِي الطَّرِيقِ. لِأَنَّهُ بِمُجَرَّدِ هَذِهِ الصُّحْبَةِ لَا تَثْبُتُ الْيَدُ عَلَيْهَا لِلْمُسْلِمِ فَهِيَ فِي يَدِ نَفْسِهَا. فَاَلَّذِي يَسْبِقُ إلَى فَهْمِ كُلِّ أَحَدٍ أَنَّهَا طَاوَعَتْهُ فِي الْمَجِيءِ مُسْتَأْمَنَةً. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ فِيمَا لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى حَقِيقَتِهِ يُعْتَبَرُ الظَّاهِرُ وَغَالِبُ الرَّأْيِ.","vol":"1","page":336},{"text":"وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ جَاءَ بِهَا وَهُوَ قَاهِرٌ لَهَا، قَدْ رَبَطَهَا فَنَادَتْ بِالْأَمَانِ أَوْ لَمْ تُنَادِ فَهِيَ فَيْءٌ. لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَسَرَهَا وَأَخْرَجَهَا، وَقَدْ كَانَتْ يَدُهُ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ ثَابِتَةً عَلَيْهَا. وَذَلِكَ سَبَبٌ لِاسْتِحْقَاقِهِ نَفْسَهَا، فَإِنَّهَا حَرْبِيَّةٌ لَا أَمَانَ لَهَا، إلَّا أَنَّهُ حِين أَحْرَزَهَا بِمَنَعَةِ الْجَيْشِ، فَالْجَيْشُ شُرَكَاؤُهُ فِيهَا، لِأَنَّ الْإِحْرَازَ بِالدَّارِ حَصَلَ بِهِمْ جَمِيعًا. وَلَوْ لَمْ يُخْرِجْهَا إلَى عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ وَلَكِنْ أَخْرَجَهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ. إلَّا فِي خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِهَا هُنَا إذَا جَاءَ بِهَا قَاهِرًا لَهَا. لِأَنَّهُ تَفَرَّدَ بِإِحْرَازِهَا بِدَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَا خُمْسَ فِيهَا لِأَنَّهُ مَا أَصَابَهَا عَلَى وَجْهِ إعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا أَخَذَهُ الْمُتَلَصِّصُ وَأَحْرَزَهُ بِدَارِ الْإِسْلَامِ.\n٤٨٦ - فَإِنْ قَالَتْ تَزَوَّجْته وَخَرَجْت مَعَهُ، وَقَالَ هُوَ: كَذَبَتْ، بَلْ قَهَرْتهَا وَأَخْرَجْتهَا، أَوْ هِيَ أَمَةٌ اشْتَرَيْتهَا، وَوُهِبَتْ لِي، لَمْ يُصَدَّق عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إذَا جَاءَتْ مَعَهُ مُخَلَّاةً. لِأَنَّهُ فِي يَدِ نَفْسِهَا، فَإِقْرَارُهَا بِأَنَّهُ زَوْجُهَا غَيْرُ مُسْقِطِ حُكْمِ يَدِهَا فِي نَفْسِهَا. فَكَانَتْ مُسْتَأْمَنَةً. إلَّا (٨٦ آ) أَنْ يَأْتِيَ بِهَا مَقْهُورَةً، يُعْرَفُ قَهْرُهُ إيَّاهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ. فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ. لِأَنَّ بِاعْتِبَارِ مَا ظَهَرَ مِنْ الْقَهْرِ فِي مَوْضِعِهِ سَقَطَ حُكْمُ يَدِهَا فِي نَفْسِهَا.","vol":"1","page":337},{"text":"وَكَذَلِكَ إذَا جَاءَ مَعَهُ بِرَقِيقٍ فَقَالُوا: نَحْنُ أَحْرَارٌ. فَقَالَ هُوَ: بَلْ هُمْ عَبِيدِي، وَقَدْ جَاءُوا مَعَهُ غَيْرَ مَقْهُورِينَ وَلَا مَرْبُوطِينَ. فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ سَوَاءٌ نَادَوْا بِالْأَمَانِ حِينَ انْتَهُوا إلَى مَسَالِحِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ لَمْ يُنَادُوا. لِأَنَّهُمْ لَوْ جَاءُوا وَحْدَهُمْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ كَانُوا آمِنِينَ. فَكَذَلِكَ إذَا جَاءُوا مَعَهُ.\n٤٨٨ - فَإِنْ أَقَامَ عَلَيْهِمْ بَيِّنَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، أَوْ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِينَ، عُدُولٍ، أَنَّهُ كَانَ أَسَرَهُمْ وَقَهَرَهُمْ، قُبِلَتْ الْبَيِّنَةُ وَكَانُوا عَبِيدًا لَهُ. لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِإِقْرَارِ الْخَصْمِ.\n٤٨٩ - وَلَوْ أَقَرُّوا أَنَّهُ قَهَرَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ، أَوْ عَلِمْنَا ذَلِكَ مُعَايَنَةً، كَانُوا عَبِيدًا لَهُ. وَفِي زَعْمِ الْخُصُومِ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مُسْتَأْمَنُونَ. وَشَهَادَةُ الْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمِنِ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ مَقْبُولَةٌ، فَلِهَذَا قُبِلَتْ شَهَادَةُ الْكُلِّ.\n٤٩٠ - وَإِنْ كَانَ انْتَهَى إلَى أَدْنَى مَسَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ بِقَاهِرٍ لَهُمْ وَلَا يُعْلَمُ أَنَّهُمْ فِي يَدِهِ، فَنَادَوْا بِالْأَمَانِ حَيْثُ يُنَادُونَ بِهِ، أَوْ لَمْ يُنَادُوا، فَهُمْ آمِنُونَ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ. كَمَا لَوْ جَاءُوا وَلَيْسَ مَعَهُمْ مُسْلِمٌ، وَإِنْ لَمْ يُنَادُوا بِالْأَمَانِ، وَكَانُوا رِجَالًا، وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُمْ أَمْرٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ جَاءُوا مُسْتَأْمَنِينَ، وَلَا يُعْلَمُ","vol":"1","page":338},{"text":"أَنَّهُ قَاهِرٌ لَهُمْ أَيْضًا، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ حَرْبِيٍّ خَرَجَ إلَى دَارِنَا بِغَيْرِ أَمَانٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ.\nوَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ يَدٌ عَلَيْهِمْ حِسًّا فَهُمْ فِي يَدِ أَنْفُسِهِمْ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، كَانَ خُرُوجُهُمْ مَعَهُ وَخُرُوجُهُمْ دُونَهُ فِي الْحُكْمِ سَوَاءٌ.\n٤٩١ - وَلَوْ كَانَ هَذَا الْمُسْلِمُ خَرَجَ وَمَعَهُ امْرَأَةٌ وَلَمْ يَسْتَأْمِنْ لَهَا، فَأَرَادَ الْمُسْلِمُونَ أَخْذَهَا لِتَكُونَ فَيْئًا، فَقَالَ: هَذِهِ امْرَأَتِي، وَصَدَّقَتْهُ بِذَلِكَ، فَهِيَ امْرَأَتُهُ، لِتَصَادُقِهِمَا عَلَى النِّكَاحِ فِي حَالٍ لَمْ يَتَقَرَّرْ لِأَحَدٍ فِيهَا حَقٌّ. وَإِذَا ثَبَتَ النِّكَاحُ كَانَتْ حُرَّةً ذِمِّيَّةً. لِأَنَّهُ حِينَ خَرَجَ بِهَا بِنَاءً عَلَى النِّكَاحِ الَّذِي بَيْنَهُمَا فَقَدْ أَمَّنَهَا. وَأَمَانُ الْوَاحِدِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ مَا خَرَجَ مِنْ قَهْرِ أَهْلِ الْحَرْبِ كَأَمَانِ جَمَاعَتِهِمْ. ثُمَّ هِيَ مُسْتَأْمَنَةٌ تَحْتَ مُسْلِمٍ، فَتَصِيرُ ذِمِّيَّةً بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنَةِ فِي دَارِنَا لَوْ تَزَوَّجَتْ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا. وَهَذَا لِأَنَّ الْمَرْأَةَ فِي الْمُقَامِ تَابِعَةٌ لِزَوْجِهَا، وَالزَّوْجُ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا فَتَصِيرُ هِيَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا تَبَعًا لَهُ.\n٤٩٢ - وَكَذَلِكَ لَوْ خَرَجَ بِسَبْيٍ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ عَبِيدِي وَإِمَائِي، وَصَدَّقُوهُ بِذَلِكَ. لِأَنَّهُمْ تَصَادَقُوا عَلَى ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَثْبُتَ الْحَقُّ فِيهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ. وَمَعْنَى الْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ يَتَحَقَّقُ هَا هُنَا. فَالْمُسْتَأْمَنُ فِي دَارِهِمْ أَوْ الَّذِي أَسْلَمَ يُخْرِجُ","vol":"1","page":339},{"text":"عَبِيدَهُ وَزَوْجَتَهُ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَسْتَصْحِبَ شَاهِدَيْنِ مَعَ نَفْسِهِ (٨٦ ب) أَنَّهُمْ لَهُ، فَلَا بُدَّ مِنْ بِنَاءِ الْحُكْمِ عَلَى قَوْلِهِمْ إذَا تَصَادَقُوا عَلَيْهِ. وَإِنْ كَذَّبُوهُ كَانُوا فَيْئًا، لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ دَخَلُوا فِي دَارِنَا بِغَيْرِ أَمَانٍ.\n٤٩٣ - وَإِنْ قَالُوا نَحْنُ عَبِيدٌ وَإِمَاءٌ لِأَهْلِ الْحَرْبِ خَرَجْنَا نُرِيدُ الْأَمَانَ وَلَسْنَا لِهَذَا الرَّجُلِ. فَإِنْ كَانَ قَاهِرًا لَهُمْ حِينَ أَخْرَجَهُمْ فَهُمْ لَهُ. لِأَنَّهُمْ أَقَرُّوا بِالرِّقِّ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَذَلِكَ يُسْقِطُ اعْتِبَارَ يَدِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ. وَقَدْ ظَهَرَ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهِ لَهُمْ وَهُوَ الْقَهْرُ فِي مَوْضِعِهِ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُمْ فِي يَدِهِ.\n٤٩٤ - فَإِذَا كَانُوا نَادَوْا بِالْأَمَانِ حِينَ دَنَوْا مِنْ أَدْنَى الْمَسَالِحِ فَهُمْ آمِنُونَ. لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ مِنْهُمْ، وَهُوَ الْيَدُ الْقَاهِرَةُ عَلَيْهِمْ. وَقَدْ نَادُوا بِالْأَمَانِ فِي مَوْضِعِهِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ صَادِقُونَ جَاءُوا مُسْتَأْمَنِينَ.\n٤٩٥ - وَلَوْ جَاءُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَحْدَهُمْ كَانُوا آمِنِينَ، عَلَى مَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمُسْتَأْمَنِينَ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى طَلَبِ الْأَمَانِ إلَّا بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَكَذَلِكَ إذَا جَاءُوا مَعَهُ.\n٤٩٦ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَرَوْنَهُمْ مِنْ عَلَى مَوْضِعٍ بَعِيدٍ لَا يَسْمَعُونَ فِيهِ النِّدَاءَ بِالْأَمَانِ، فَوَقَعَ فِي قَلْبِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الْأَمَانَ، فَلَمَّا بَلَغُوا إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُسْمَعُ فِيهِ النِّدَاءُ بِالْأَمَانِ نَادُوا أَوْ لَمْ يُنَادُوا، فَهُمْ آمِنُونَ.","vol":"1","page":340},{"text":"لِأَنَّهُمْ جَاءُوا مُنْقَادِينَ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ طَالِبُونَ لِلْأَمَانِ، وَالدَّلِيلُ فِي مِثْلِ هَذَا كَالصَّرِيحِ.\n٤٩٧ - فَإِنْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ عَبِيدٌ لِأَهْلِ الْحَرْبِ فَهُمْ عَبِيدٌ كَمَا ذَكَرُوا يُمَكَّنُونَ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى مَوَالِيهِمْ كَمَا هُوَ حُكْمُ الْأَمَانِ.\n٤٩٨ - وَإِنْ قَالُوا جِئْنَا مُرَاغِمَيْنِ لِمَوَالِينَا نُرِيدُ الذِّمَّةَ أَوْ نُرِيدُ الْإِسْلَامَ، فَهُمْ أَحْرَارٌ لَا سَبِيلَ لِمَوَالِيهِمْ عَلَيْهِمْ.\nوَلَوْ جَاءُوا مُسْتَأْمَنِينَ وَأَقَامُوا الْبَيِّنَةَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ فَكَذَلِكَ. لِأَنَّهُمْ أَحْرَزُوا أَنْفُسَهُمْ بِدَارِنَا عَلَى مَوَالِيهِمْ، وَلَوْ قَهَرُوا مَوَالِيَهُمْ فَأَحْرَزُوهُمْ بِدَارِنَا مَلَكُوهُمْ، فَكَذَلِكَ إذَا أَحْرَزُوا أَنْفُسَهُمْ يَمْلِكُونَ رِقَابَهُمْ. وَمَنْ مَلَكَ نَفْسَهُ عَتَقَ، وَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ لِأَنَّهُ عَتَقَ بِمِلْكِ نَفْسِهِ وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ يَوْمَ الطَّائِفِ: «أَيُّمَا عَبْدٍ خَرَجَ إلَيْنَا مُسْلِمًا فَهُوَ حُرٌّ. فَخَرَجَ إلَيْهِ سَبْعَةُ أَعْبُدٍ فَأَعْتَقَهُمْ» . وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ عُتَقَاءَ اللَّهِ. ثُمَّ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَخْرُجُوا مُسْلِمِينَ أَوْ ذِمَّةً، لِأَنَّ الذِّمِّيَّ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا كَالْمُسْلِمِ فَيَتِمُّ فِيهِمْ إحْرَازُ أَنْفُسِهِمْ بِالطَّرِيقَيْنِ.","vol":"1","page":341},{"text":"وَإِنْ قَدِمَ مَوَالِيهِمْ فَزَعَمُوا أَنَّهُمْ أَذِنُوا لَهُمْ فِي الْخُرُوجِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لِلتِّجَارَةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوَالِي. لِأَنَّهُمْ تَصَادَقُوا عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا مَمْلُوكِينَ لَهُمْ، ثُمَّ ادَّعَوْا سَبَبَ زَوَالِ مِلْكِ الْمَوَالِي عَنْهُمْ، وَهُوَ الْمُرَاغَمَةُ. فَلَا يُصَدَّقُونَ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِحُجَّةٍ، بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ (٨٧ آ) يَدَّعِي أَنَّ مَوْلَاهُ أَعْتَقَهُ.\nوَهَذَا لِأَنَّ الْمَوَالِيَ يَتَمَسَّكُونَ بِمَا هُوَ الْأَصْلُ، وَالْأَصْلُ أَنَّ الْعَبْدَ غَيْرُ مُرَاغَمٍ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَتَمَسَّكُ بِالْأَصْلِ مَعَ يَمِينِهِ. فَيَسْتَحْلِفُ الْإِمَامُ الْمَوَالِيَ بِاَللَّهِ إنْ طَلَبَ الْعَبِيدُ ذَلِكَ. ثُمَّ إذَا حَلَفُوا أَنَّهُمْ عَبِيدٌ لَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا أَسْلَمُوا، أُجْبِرُوا عَلَى بَيْعِهِمْ. لِأَنَّ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ كَمَا لَا يُتْرَكُ فِي يَدِ الذِّمِّيِّ لَا يُتْرَكُ فِي يَدِ الْحَرْبِيِّ لِيَرْجِعَ بِهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ. وَفِي الْإِجْبَارِ عَلَى الْبَيْعِ هَا هُنَا مُرَاعَاةُ حَقِّ الْعَبْدِ مِنْ حَيْثُ إزَالَةُ ذُلِّ الْكَافِرِ عَنْهُ.\n٥٠٠ - وَالْمُسْتَأْمَنُ يُؤْخَذُ بِمِثَالِ هَذَا كَالذِّمِّيِّ. فَأَمَّا مَنْ صَارَ مِنْهُمْ ذِمَّةً فَإِنَّ مَوْلَاهُ يُتْرَكُ يَذْهَبُ بِهِ حَيْثُ شَاءَ. لِأَنَّ الْمَمْلُوكَ تَبَعٌ لِمَوْلَاهُ، فَلَا يَصْلُحُ مِنْهُ قَبُولُ الذِّمَّةِ مَقْصُودًا. أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَرْبِيَّ الْمُسْتَأْمَنَ فِي دَارِنَا إذَا كَانَ مَعَهُ عَبْدٌ أَدْخَلَهُ مَعَ نَفْسِهِ، فَطَلَبَ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ ذِمَّةً لَنَا لَا نُجِيبُهُ إلَى ذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ أَخَذَ مِنْهُ الْخَرَاجَ قَبْلُ، رَدَّهُ عَلَى مَوْلَاهُ لِأَنَّهُ كَسْبُ عَبْدِهِ. وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ الْخَرَاجَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ مَوْلَاهُ لِأَنَّهُ يَبْنِي الْحُكْمَ عَلَى الظَّاهِرِ، وَهُوَ فِي الظَّاهِرِ مُصَدَّقٌ فِيمَا يَقُولُ مَا لَمْ يَأْتِ مَنْ يُكَذِّبُهُ.","vol":"1","page":342},{"text":"٥٠١ - وَهَذَا كُلُّهُ إذَا عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا لَهُ بِحُجَّةٍ سِوَى إقْرَارِهِ. وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ إلَّا بِإِقْرَارِ الْعَبْدِ فَإِنْ كَانَ حِينَ نَادَى بِالْأَمَانِ أَوْ رَآهُ الْمُسْلِمُونَ أَخْبَرَ أَنَّهُ عَبْدٌ جَاءَ غَيْرَ مُرَاغِمٍ لِمَوْلَاهُ صُدِّقَ أَيْضًا، وَدُفِعَ إلَى مَوْلَاهُ. لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا، وَقَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّقَ حَقُّ الْمُسْلِمِينَ بِهِ، فَلَا تَتَمَكَّنُ التُّهْمَةُ فِي إقْرَارِهِ.\n٥٠٢ - وَلَوْ لَمْ يَكُنْ أَقَرَّ أَنَّهُ عَبْدٌ حَتَّى صَارَ ذِمَّةً وَأُخِذَ مِنْهُ الْخَرَاجُ ثُمَّ جَاءَ مُسْتَأْمَنٌ فَادَّعَى أَنَّهُ عَبْدُهُ بَعَثَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لِلتِّجَارَةِ بِأَمَانٍ، وَصَدَّقَهُ بِذَلِكَ الذِّمِّيُّ، فَإِنَّ الْإِمَامَ لَا يُصَدِّقُهُ عَلَى مَا قَبَضَ مِنْ الْخَرَاجِ لِيَرُدَّهُ، وَلَا عَلَى رَقَبَتِهِ لِيُعِيدَهُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَلَكِنَّهُ يَجْعَلُهُ عَبْدًا لَهُ بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ. لِأَنَّ الْإِقْرَارَ خَبَرٌ مُحْتَمَلٌ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ، فَلَا يَكُونُ حُجَّةً فِيمَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ التُّهْمَةُ، فَيَكُونُ حُجَّةً عَلَى الْمُقِرِّ فِيمَا لَا تُهْمَةَ فِيهِ. وَفِي صَيْرُورَتِهِ مِلْكًا لِلْمُقَرِّ لَهُ لَا تُهْمَةَ فِيهِ. فَأَمَّا فِي رَدِّهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَتَتَمَكَّنُ التُّهْمَةُ لِأَنَّهُ صَارَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا مَمْنُوعًا مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ. فَلَعَلَّهُ وَاضِعٌ هَذَا الرَّجُلَ حِينَ لَمْ يُعْجِبْهُ الْمُقَامُ فِي دَارِنَا حَتَّى يُقِرَّ لَهُ بِالرِّقِّ فَيَرُدُّهُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ. وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ صَيْرُورَتِهِ عَبْدًا لَهُ أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ رَدِّهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا ذِمِّيًّا فِي دَارِنَا أَوْ أَسْلَمَ عَبْدُهُ فَيُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ وَلَا يُمَكَّنُ مِنْ أَنْ يَرُدَّهُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ. وَلَا إشْكَالَ أَنَّ مَا قُبِضَ مِنْهُ مِنْ الْخَرَاجِ قَدْ صَارَ حَقًّا لِلْمُقَاتِلَةِ. فَلَا يُصَدَّقُ هُوَ (٨٧ ب) فِي إيجَابِ رَدِّ ذَلِكَ عَلَى الْحَرْبِيِّ.","vol":"1","page":343},{"text":"فَإِنْ أَقَامَ الْحَرْبِيُّ بَيِّنَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَا ادَّعَى مِنْ الرِّقِّ فَإِنَّهُ يَدَعُهُ لِيَرُدَّهُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ وَيَرُدَّ عَلَيْهِ مَا أَخَذَهُ مِنْ الْخَرَاجِ. لِأَنَّهُ أَثْبَتَ حَقَّهُ بِمَا هُوَ حُجَّةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.\n٥٠٤ - وَإِنْ شَهِدَ عَلَى ذَلِكَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مُسْتَأْمَنُونَ لَمْ يَقْبَلْ شَهَادَتَهُمْ، وَلَمْ يَقْضِ عَلَيْهِ بِالرِّقِّ إذَا كَانَ هُوَ مُنْكِرًا لِذَلِكَ. لِأَنَّهُ ذِمِّيٌّ وَشَهَادَةُ الْحَرْبِيِّ لَا تَكُونُ حُجَّةً عَلَى الذِّمِّيِّ.\n٥٠٥ - وَإِنْ شَهِدَ عَلَيْهِ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ جَعَلَهُ عَبْدًا لَهُ. لِأَنَّ فِي هَذَا الْحُكْمِ الشَّهَادَةَ تَقُومُ عَلَيْهِ. وَشَهَادَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ حُجَّةٌ عَلَى الذِّمِّيِّ وَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ فِي رَدِّ الْخَرَاجِ عَلَيْهِ وَلَا فِي رَدِّهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ. لِأَنَّ فِي هَذَا الْحُكْمِ الشَّهَادَةَ تَقُومُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَشَهَادَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ ثُبُوتُ الْحُكْمِ الْآخَرِ.\n٥٠٦ - وَلَوْ كَانَ أَسْلَمَ لَمْ يُقْبَلْ عَلَيْهِ إلَّا شُهُودٌ مُسْلِمُونَ. فَإِذَا قَضَى بِشَهَادَتِهِمْ جَعَلَهُ عَبْدًا لَهُ وَأَجْبَرَهُ عَلَى بَيْعِهِ. كَمَا لَوْ أَقَرَّ الْعَبْدُ بِذَلِكَ.\n٥٠٧ - قَالَ: فَإِذَا اسْتَأْمَنَ الْحَرْبِيُّ إلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَأَمَّنُوهُ فَخَرَجَ مَعَهُ بِامْرَأَةٍ وَبِأَطْفَالٍ صِغَارٍ فَقَالَ: هَذِهِ امْرَأَتِي، وَهَؤُلَاءِ وَلَدِي.","vol":"1","page":344},{"text":"وَلَمْ يَكُنْ ذَكَرَهُمْ فِي الْأَمَانِ فَالْقِيَاسُ فِي هَذَا أَنَّهُمْ فَيْءُ غَيْرِهِ. لِأَنَّهُ طَلَبَ الْأَمَانَ لِنَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَحُكْمُ الْأَمَانِ لَا يَتَعَدَّى إلَى مَنْ كَانَ مُنْفَصِلًا عَنْهُ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ اسْتِئْمَانٌ لِهَؤُلَاءِ إشَارَةٌ وَلَا دَلَالَةٌ. وَلَكِنَّ هَذَا قَبِيحٌ، فَيُجْعَلُونَ جَمِيعًا آمِنِينَ بِأَمَانِهِ اسْتِحْسَانًا. لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَأْمِنُ إلَيْنَا فِرَارًا مِنْهُمْ لِمَعْنًى هُوَ أَعْلَمُ بِهِ، أَوْ لِيُقِيمَ فِي دَارِنَا زَمَانًا وَيَتَّجِرَ بِمَا يَتِمُّ لَهُ. هَذَا الْمَقْصُودُ إذَا خَرَجَ بِزَوْجَتِهِ وَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ. فَإِنْ قُلْت: الْمَرْءُ مَعَ عِيَالِهِ، فَهَذَا دَلِيلُ اسْتِئْمَانِهِ لَهُمْ، ثُمَّ هُمْ تَبَعٌ لَهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَعُولُهُمْ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِمْ، وَالتَّبَعُ يَصِيرُ مَذْكُورًا بِذِكْرِ الْأَصْلِ، إلَّا إذَا كَانَ هُنَاكَ عُرْفٌ يَمْنَعُ مِنْهُ. وَالْعُرْفُ هُنَا مُؤَيِّدٌ لِهَذَا الْمَعْنَى. أَلَا تَرَى أَنَّ الذِّمِّيَّ فِي دَارِنَا يُؤَدِّي الْجِزْيَةَ، وَلَا جِزْيَةَ عَلَى أَتْبَاعِهِ وَذَرَارِيِّهِ مِنْ النِّسَاءِ وَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ؟ .\n٥٠٨ - وَكَذَلِكَ لَوْ جَاءَ مَعَهُ بِسَبْيٍ كَثِيرٍ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ رَقِيقِي. وَصَدَّقُوهُ. أَوْ كَانُوا صِغَارًا لَا يُعَبِّرُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، أَوْ كَانَ مَعَهُ دَوَابُّ عَلَيْهَا مَتَاعٌ وَمَعَهَا قَوْمٌ يَسُوقُونَهَا فَقَالَ: هَؤُلَاءِ غِلْمَانِي. فَصَدَّقُوهُ فِي ذَلِكَ، كَانَ مُصَدَّقًا مَعَ يَمِينِهِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهُ. فَإِنَّهُ يَسْتَصْحِبُ مَالَهُ سَوَاءٌ جَاءَ لِلتِّجَارَةِ أَوْ عَلَى قَصْدِ الْفِرَارِ مِنْهُمْ.\nوَلَوْ جَاءَ وَحْدَهُ لَا شَيْءَ مَعَهُ هَلَكَ جُوعًا فِي دَارِنَا وَإِنَّمَا طَلَبَ الْأَمَانَ لِنَفْسِهِ حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْ الْقَرَارِ فِي دَارِنَا زَمَانًا، فَدَخَلَ مَالُهُ فِي ذَلِكَ تَبَعَا","vol":"1","page":345},{"text":"إلَّا أَنَّ الْإِمَامَ يَسْتَحْلِفُهُ تُهْمَةُ الْكَذِبِ بِيَمِينِهِ. وَمَنْ كَذَّبَهُ مِنْ الرِّقَابِ الَّذِينَ مَعَهُ كَانَ فَيْئًا (٨٨ آ) وَجَمِيعُ مَا مَعَهُ. لِأَنَّ الرِّقَّ لَمْ يَثْبُتْ فِي حَقِّهِ إذَا كَذَّبَهُ، وَالتَّبَعِيَّةُ فِي الْأَمَانِ تُبْتَنَى عَلَى ذَلِكَ، فَكَانَ هَذَا حُرًّا حَرْبِيًّا فِي دَارِنَا لَا أَمَانَ لَهُ، فَيَكُونُ فَيْئًا مَعَ مَا مَعَهُ.\n٥٠٩ - وَإِنْ قَالَ: لَيْسَتْ الدَّوَابُّ دَوَابِّي، وَلَا الَّذِينَ يَسُوقُونَهَا بِغِلْمَانِي، وَلَكِنْ الْمَتَاعَ مَتَاعِي، اسْتَأْجَرْتهمْ لِيُحْمَلَ ذَلِكَ مَعِي فَصَدَّقُوهُ، فَالْقِيَاسُ أَنَّهُمْ فَيْءٌ وَدَوَابَّهُمْ. لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَأْمِنْ لَهُمْ وَلَا اسْتَأْمَنُوا لِأَنْفُسِهِمْ إشَارَةً وَلَا دَلَالَةً. .\nوَفِي الِاسْتِحْسَانِ هُمْ آمِنُونَ مَعَ دَوَابِّهِمْ. لِأَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْأَمْتِعَةِ إلَى دَارِنَا عَلَى ظَهْرِهِ لِيَتَّجِرَ فِيهَا، وَلَكِنَّ مِنْ عَادَةِ التُّجَّارِ الْكِرَاءَ فِي مِثْلِ هَذَا. وَثُبُوتُ الْأَمَانِ لَهُمْ مِنْ جُمْلَةِ حَوَائِجِهِ. وَمِمَّا يَتِمُّ بِهِ مَقْصُودُهُ فَيَتَعَدَّى حُكْمُ الْأَمَانِ إلَيْهِمْ بِهَذَا الطَّرِيقِ، كَمَا يَتَعَدَّى إلَى زَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ وَيَصِيرُ كَأَنَّهُ اسْتَأْمَنَ لَهُمْ.\n٥١٠ - وَإِنْ كَانَ مَعَهُ رِجَالٌ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ أَوْلَادِي. فَهُمْ فَيْءٌ. لِأَنَّهُمْ أُصُولٌ قَدْ خَرَجُوا بِالْبُلُوغِ مِنْ أَنْ يَكُونُوا تَبَعًا لَهُ مِنْ حُكْمِ الْأَمَانِ، كَمَا أَنَّهُمْ فِي حُكْمِ الذِّمَّةِ وَالْإِسْلَامِ لَا يَتْبَعُونَهُ. وَكَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَسْتَأْمِنُوا لِأَنْفُسِهِمْ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلُوا كَانُوا فَيْئًا.","vol":"1","page":346},{"text":"وَإِنْ كَانُوا صِغَارًا يُعَبِّرُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، فَقَالَ: هُمْ وَلَدِي، وَصَدَّقُوهُ فَهُمْ آمِنُونَ. لِأَنَّهُمْ أَتْبَاعُهُ مَا لَمْ يَبْلُغُوا. أَلَا تَرَى لِأَنَّهُمْ يَتْبَعُونَ فِي الذِّمَّةِ وَالْإِسْلَامِ وَإِنْ كَانُوا يُعَبِّرُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، فَكَذَلِكَ فِي الْأَمَانِ. وَإِنْ كَذَّبُوهُ فَهُمْ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّ نَسَبَهُمْ لَا يَثْبُتُ مِنْهُ عِنْدَ تَكْذِيبِهِمْ إذَا كَانُوا يُعَبِّرُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَقَدْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ صَارُوا فَيْئًا حِينَ دَخَلُوا بِغَيْرِ أَمَانٍ. وَقَوْلُ مَنْ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فِي هَذَا مَقْبُولٌ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا، كَمَجْهُولِ الْحَالِ إذَا أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالرِّقِّ لِإِنْسَانٍ وَصَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ.\n٥١٢ - وَإِنْ كَانَ مَعَهُ صِغَارٌ لَا يُعَبِّرُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ فَقَالَ: سَرَقْتهمْ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَأَخْرَجْتهمْ، أَوْ هُمْ أَيْتَامٌ كَانُوا فِي عِيَالِي فَأَخْرَجْتُهُمْ مَعِي، فَهُمْ لَهُ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ. لِأَنَّ يَدَهُ عَلَيْهِمْ مُسْتَقِرَّةٌ إذَا كَانُوا لَا يُعَبِّرُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ. فَيَجِبُ قَبُولُ قَوْلِهِ فِيهِمْ. وَقَدْ زَعَمَ أَنَّهُ اسْتَوْلَى عَلَيْهِمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِطَرِيقِ السَّرِقَةِ، فَهُمْ مَمَالِيكُهُ وَأَتْبَاعٌ لَهُ، أَوْ أَنَّهُمْ فِي عِيَالِهِ أَتْبَاعُهُ بِسَبَبِ إنْفَاقِهِ عَلَيْهِمْ، وَمَا كَانُوا يَجِيئُونَ إلَى دَارِنَا إلَّا مَعَهُ، فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِهِ.\n٥١٣ - وَلَوْ خَرَجَ بِنِسَاءٍ قَدْ بَلَغْنَ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ بَنَاتِي. وَصَدَّقْنَهُ فَهُنَّ فَيْءٌ فِي الْقِيَاسِ. لِأَنَّ مَعْنَى التَّبَعِيَّةِ يَزُولُ بِبُلُوغِهِنَّ حَتَّى لَا يَصِرْنَ مُسْلِمَاتٍ بِإِسْلَامِهِ، فَهُنَّ بِمَنْزِلَةِ الذُّكُورِ الْبَالِغِينَ مِنْ أَوْلَادِهِ.","vol":"1","page":347},{"text":"وَفِي الِاسْتِحْسَانِ هُنَّ آمِنَاتٌ. لِأَنَّهُنَّ فِي عِيَالِهِ وَنَفَقَتِهِ، مَا لَمْ يَتَحَوَّلْنَ إلَى بُيُوتِ الْأَزْوَاجِ. وَبُنِيَ هَذَا الْحُكْمُ عَلَى الظَّاهِرِ (٨٨ ب) . فَالنِّسَاءُ لَا يَسْتَأْمِنَّ لِأَنْفُسِهِنَّ عَادَةً، وَلَكِنْ يَكُنَّ مَعَ آبَائِهِنَّ أَوْ أَزْوَاجِهِنَّ، بِخِلَافِ الذُّكُورِ مِنْ الْأَوْلَادِ. لِأَنَّ الذُّكُورَ بَعْدَ الْإِدْرَاكِ مُقَاتِلَةٌ فَلَا يَحْصُلُ الْأَمَانُ لَهُمْ إلَّا بِالِاسْتِئْمَانِ مَقْصُودًا. وَالنِّسَاءُ آمِنَاتٌ عَنْ الْقَتْلِ. وَإِنَّمَا حَاجَتُهُنَّ إلَى الْأَمَانِ لِدَفْعِ الِاسْتِرْقَاقِ عَنْ أَنْفُسِهِنَّ، وَيُمْكِن إثْبَاتُ ذَلِكَ لَهُنَّ بِالْإِتْبَاعِ لِآبَائِهِنَّ فِي حُكْمِ الْأَمَانِ.\n٥١٤ - وَعَلَى هَذَا الْأُمَّهَاتُ وَالْجَدَّاتُ وَالْأَخَوَاتُ وَالْعَمَّاتُ وَالْخَالَاتُ وَمَنْ مَعَهُ مِنْهُنَّ فَهُنَّ آمِنَاتٌ، تَبَعًا لَهُ، بِخِلَافِ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ. فَإِنَّهُ لَا يَتْبَعُهُ فِي الْأَمَانِ أَحَدٌ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ إلَّا عَبْدُهُ وَأَجِيرُهُ اسْتِحْسَانًا، لِتَحَقُّقِ حَاجَتِهِ إلَى اسْتِصْحَابِهِمْ مَعَ نَفْسِهِ، إمَّا لِلتِّجَارَةِ فِيهِمْ، أَوْ لِنَقْلِ أَمْتِعَةِ التِّجَارَةِ بِهِمْ. وَلِكُلِّ مَنْ كَانَ آمِنًا بِأَمَانِهِ نَعْلَمُ أَنَّهُ كَمَا قَالَ إذَا ادَّعَى ذَلِكَ وَصَدَّقَهُ الْآخَرُ فَهُوَ آمِنٌ، لِتَصَادُقِهِ عَلَيْهِ قَبْلَ ثُبُوتِ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ.\nوَإِنْ كَذَّبَهُ ثُمَّ صَدَّقَهُ كَانَ فَيْئًا. لِأَنَّ بِتَكْذِيبِهِ يَثْبُتُ حَقُّ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ. فَتَصْدِيقُهُ بَعْدَ ذَلِكَ إبْطَالٌ لِحَقِّ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ مُنَاقِضٌ فِي ذَلِكَ. وَإِنْ صَدَّقَهُ ثُمَّ كَذَّبَهُ كَانَ فَيْئًا أَيْضًا. لِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِثُبُوتِ حَقِّ الِاسْتِرْقَاقِ فِيهِ، وَذَلِكَ مَقْبُولٌ مِنْهُ.","vol":"1","page":348},{"text":"إلَّا رَقِيقُهُ وَأَوْلَادُهُ الصِّغَارُ الَّذِينَ يُعَبِّرُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ. أَمَّا رَقِيقُهُ فَلِأَنَّ مِلْكَهُ تَقَرَّرَ فِيهِمْ بِالتَّصْدِيقِ، فَلَا يَبْقَى لَهُمْ قَوْلٌ فِي إبْطَالِ مِلْكِهِ. وَأَمَّا أَوْلَادُهُ فَقَدْ ثَبَتَ نَسَبُهُمْ بِالتَّصْدِيقِ وَتَأَكَّدَتْ حُرِّيَّتُهُمْ بِاعْتِبَارِ أَمَانِهِ، وَلَا قَوْلَ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْإِقْرَارِ بِالرِّقِّ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، بِمَنْزِلَةِ مَعْرُوفِ النَّسَبِ وَحُرِّ الْأَصْلِ إذَا أَقَرَّ بِالرِّقِّ عَلَى نَفْسِهِ، وَهُوَ صَغِيرٌ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ. أَمَّا ابْنَتُهُ وَزَوْجَتُهُ وَأُخْتُهُ وَعَمَّتُهُ إذَا كَذَّبَتْ بَعْدَ التَّصْدِيقِ كَانَتْ فَيْئًا، لِإِقْرَارِهَا بِالرِّقِّ عَلَى نَفْسِهَا. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ ثَبَتَ نَسَبُ الِابْنَةِ مِنْهُ حِينَ صَدَّقَتْهُ. قُلْنَا: نَعَمْ. وَلَكِنْ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ نَسَبِهَا مِنْهُ بُطْلَانُ إقْرَارِهَا بِالرِّقِّ عَلَى نَفْسِهَا. وَالْبَالِغَةُ مَقْبُولَةُ الْقَوْلِ فِيمَا يَضُرُّهَا، بِخِلَافِ الصَّغِيرِ الَّذِي يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ مَقْبُولُ الْقَوْلِ فِيمَا يَنْفَعُهُ لَا فِيمَا يَضُرُّهُ، وَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ الرِّقِّ بِإِقْرَارٍ بَعْدَ مَا ظَهَرَتْ حُرِّيَّتُهُ بِتَصْدِيقِهِ. فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ أَنَّ هَذَا الصَّغِيرَ لَوْ كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ وَهُوَ مَجْهُولُ الْحَالِ فَأَقَرَّ بِأَنَّهُ عَبْدُهُ كَانَ عَبْدًا لَهُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ. وَلَكِنَّهُ لَا بِإِقْرَارِهِ بَلْ بِدَعْوَى ذَلِكَ الرَّجُلِ. إلَّا أَنَّ مَنْ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ لَمْ تَكُنْ يَدُ الْغَيْرِ مُسْتَقِرَّةً عَلَيْهِ. فَإِذَا ادَّعَى أَنَّهُ حُرٌّ وَجَبَ الْأَخْذُ بِقَوْلِهِ، وَحِينَ قَالَ: أَنَا عَبْدٌ لَهُ فَقَدْ تَقَرَّرَتْ يَدُ ذِي الْيَدِ عَلَيْهِ. فَيَثْبُتُ الرِّقُّ بِدَعْوَى ذِي الْيَدِ، وَبِاعْتِبَارِ يَدِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ. فَأَمَّا أَنْ يَثْبُتَ الرِّقُّ بِإِقْرَارِهِ (٨٩ آ) فَلَا. لِأَنَّ إقْرَارَ الصَّبِيِّ بِمَا يَتَرَدَّدُ بَيْنَ النَّفْعِ وَالضَّرَرِ لَا يَصِحُّ، فَكَيْفَ يَصِحُّ إقْرَارُهُ بِمَا يَضُرُّهُ؟ .\n٥١٥ - وَلَوْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ حَاصَرُوا حِصْنًا فَطَلَبَ إلَيْهِمْ رَجُلٌ الْأَمَانَ","vol":"1","page":349},{"text":"عَلَى أَنْ يَنْزِلَ إلَيْهِمْ، فَأَعْطَوْهُ ذَلِكَ، فَخَرَجَ وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ وَوَلَدُهُ الصِّغَارُ وَرَقِيقُهُ وَمَالُهُ فَذَلِكَ كُلُّهُ فَيْءُ غَيْرِهِ. لِأَنَّ هَذَا قَدْ صَارَ مَقْهُورًا خَائِفًا عَلَى نَفْسِهِ. وَإِنَّمَا يَطْلُبُ الْأَمَانَ لِيَنْجُوَ بِنَفْسِهِ.\nوَفِي تَحْصِيلِ هَذَا الْمَقْصُودِ لَا حَاجَةَ إلَى اتِّبَاعِ شَيْءٍ مِنْ هَؤُلَاءِ مَعَهُ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ كَانَ فِي دَارِهِ غَيْرَ خَائِفٍ. وَإِنَّمَا اسْتَأْمَنَ إلَى دَارِنَا لِيَسْكُنَ فِيهَا، وَيَتَّجِرَ، وَلَا يَتِمُّ لَهُ هَذَا الْمَقْصُودُ إلَّا بِاسْتِصْحَابِ هَؤُلَاءِ. وَالثَّانِي أَنَّ حَقَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ ثَبَتَ فِي جَمِيعِ مَا فِي الْحِصْنِ هُنَا، فَإِنَّ الْمَحْصُورَ كَالْمَأْخُوذِ. فَلِهَذَا يَتَوَقَّفُ حُكْمُ تَصَرُّفَاتِهِ. فَالْحَاجَةُ إلَى إبْطَالِ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ عَنْهُمْ بَعْدَ مَا ثَبَتَ، وَذَلِكَ بِالنَّصِّ يَكُونُ، لَا بِدَلَالَةِ الْحَالِ. فَأَمَّا الَّذِي اسْتَأْمَنَ إلَى دَارِنَا لَمْ يَثْبُتْ حَقُّ الْمُسْلِمِينَ فِيمَنْ اسْتَصْحَبَهُمْ مَعَهُ، وَإِنَّمَا حَاجَتُهُمْ إلَى مَنْعِ ثُبُوتِ حَقِّ الِاسْتِرْقَاقِ فِيهِمْ وَدَلَالَةُ الْحَالِ يَكْفِي لِذَلِكَ. وَلَكِنَّ هَذَا الْمَحْصُورَ إنْ خَرَجَ إلَيْنَا بِسِلَاحٍ كَمَا يَلْبِسُ النَّاسُ، رَاكِبًا عَلَى دَابَّةٍ، وَمَعَهُ نَقْدٌ بِقَدْرِ نَفَقَتِهِ فِي حَقْوَيْهِ فَذَلِكَ سَالِمٌ لَهُ اسْتِحْسَانًا، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَخْرُجَ عُرْيَانًا. وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ أَنْكَرْنَا مَا عَلَيْهِ، وَيَحْتَاجُ إلَى لُبْسِ السِّلَاحِ أَيْضًا لِيَرَى أَصْحَابُهُ أَنَّهُ يَخْرُجُ إلَى الْقِتَالِ أَوْ يَدْفَعُ شَرَّهُمْ عَنْ نَفْسِهِ إنْ رَمَوْهُ بَعْدَ مَا خَرَجَ. وَرُبَّمَا لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَمْشِيَ فَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَخْرُجَ رَاكِبًا عَلَى دَابَّتِهِ، وَيَحْتَاجُ إلَى نَفَقَتِهِ أَيْضًا لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُعْطَى شَيْئًا فِي عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ يَكْفِيهِ مِنْهُمْ أَنْ يَنْجُوَ رَأْسًا بِرَأْسٍ، وَلَوْ لَمْ يَسْتَصْحِبْ نَفَقَتَهُ مَاتَ جُوعًا، فَلَا يَحْصُلُ مَقْصُودُهُ. فَبِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَعْنَى يَصِيرُ هَذَا الْقَدْرُ مُسْتَثْنًى مِنْ جُمْلَةِ مَا يَسْتَصْحِبُهُ مَعَ نَفْسِهِ، فَيُسَلَّمُ لَهُ، كَمَا أَنَّ الطَّعَامَ وَالْكِسْوَةَ مِمَّا يَشْتَرِيهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَفَاوِضَيْنِ يَصِيرُ مُسْتَثْنًى عَنْ مُقْتَضَى الشَّرِكَةِ، لِعِلْمِنَا بِوُقُوعِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ اسْتِحْسَانًا.","vol":"1","page":350},{"text":"ثُمَّ أَوْضَحَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَحْصُورِ وَبَيْنَ الَّذِي جَاءَ مُسْتَأْمَنًا إلَى دَارِنَا فَقَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَحْصُورَ لَوْ نَادَى بِالْأَمَانِ وَانْحَطَّ إلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤَمِّنُوهُ كَانَ فَيْئًا. وَاَلَّذِي جَاءَ إلَى أَدْنَى مَسَالِحِ الْمُسْلِمِينَ إذَا نَادَى بِالْأَمَانِ وَلَمْ يَقُلْ الْمُسْلِمُونَ لَهُ شَيْئًا كَانَ آمِنًا. فَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الدَّلَالَةَ هَا هُنَا تَكْفِي وَفِي الْمَحْصُورِ لَا.\n٥١٧ - وَلَوْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ (٨٩ ب) أَمَّنُوا رَجُلًا فِي الْحِصْنِ وَلَمْ يَذْكُرْ خُرُوجَهُ إلَيْهِمْ لِأَمْرٍ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ مِنْ دَلَالَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، فَهُوَ آمِنٌ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ. لِأَنَّهُمْ أَمَّنُوهُ لِيَسْكُنَ فِي مَوْضِعِهِ. وَإِنَّمَا يَتَأَتَّى لَهُ السُّكْنَى بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَيَتْبَعُونَهُ فِي الْأَمَانِ بِخِلَافِ النَّازِلِ مِنْ الْحِصْنِ فَإِنَّهُ اسْتَأْمَنَ لِيَنْجُوَ بِنَفْسِهِ.\n٥١٨ - وَلَوْ تَقَدَّمَتْ مَسَالِحُ الْمُسْلِمِينَ إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ أَنَّ مَنْ اسْتَأْمَنَ مِنْكُمْ إلَى دَارِنَا أَوْ إلَى عَسْكَرِنَا فِي تِجَارَةٍ فَهُوَ آمِنٌ وَحْدَهُ دُونَ مَا يَأْتِي بِهِ فَعَلِمُوا بِذَلِكَ، فَمَنْ جَاءَ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَبْيٍ لَمْ يُبَيِّنْهُ لِلْمُسْلِمِينَ فَهُوَ فَيْءٌ كُلُّهُ لَا يُسَلَّمُ لَهُ، إلَّا مَا يُسَلَّمُ لِلْمَحْصُورِ الَّذِي يَخْرُجُ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّهُمْ قَدْ نَبَذُوا إلَيْهِمْ الْأَمَانَ فِيمَا يَأْتُونَ بِهِ.\nوَإِذَا كَانَ النَّبْذُ بَعْدَ الْأَمَانِ يَرْفَعُ حُكْمَ الْأَمَانِ فَاقْتِرَانُهُ يَمْنَعُ ثُبُوتَ حُكْمِهِ. وَلِأَنَّا إنَّمَا كُنَّا نُثْبِتُ الْأَمَانَ لَهُ فِيمَا يَأْتِي بِهِ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ، وَلَا دَلَالَةَ مَعَ التَّصْرِيحِ بِخِلَافِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ","vol":"1","page":351},{"text":"لَوْ أَعْلَمُوهُمْ أَنَّهُ لَا أَمَانَ لِمَنْ جَاءَ مِنْهُمْ بِطَلَبِ الْأَمَانِ، ثُمَّ جَاءُوا بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَأْمَنُوا، إلَّا أَنْ يُعْطِيَهُمْ الْمُسْلِمُونَ الْأَمَانَ. فَعَرَفْنَا بِأَنَّ حَالَهُمْ بَعْدَ هَذَا النَّبْذِ كَحَالِ الْمَحْصُورِ.\n٥١٩ - وَلَوْ خَرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَمَعَهُ حَرْبِيٌّ يُنَادِي بِالْأَمَانِ، وَمَعَهُمَا مَالٌ، فَهُوَ فِي أَيْدِيهِمَا أَوْ عَلَى دَابَّةٍ مُمْسِكَانِ لَهَا، فَقَالَ: الْمُسْلِمُ: هَذَا عَبْدِي وَالْمَالُ وَالدَّابَّةُ لِي. وَقَالَ الْمُسْتَأْمَنُ: كَذَبَ. بَلْ جِئْت مُسْتَأْمَنًا وَالْمَالُ مَالِي. فَإِنْ كَانَ الْحَرْبِيُّ مَقْهُورًا بِرِبَاطٍ أَوْ غَيْرِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلِمِ. لِأَنَّهُ صَارَ عَبْدًا لَهُ حِينَ جَاءَ بِهِ مَقْهُورًا، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ يَدٌ مُعَارِضَةٌ لِيَدِ مَوْلَاهُ فِي الْمَالِ. وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَقْهُورٍ فَهُوَ حُرٌّ مُسْتَأْمَنٌ. لِكَوْنِ الظَّاهِرِ شَاهِدًا لَهُ. ثُمَّ يَدُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْمَالِ مُعَارِضَةٌ لِيَدِ صَاحِبِهِ، فَيَكُونُ الْمَالُ وَالدَّابَّةُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.\n٥٢٠ - وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا رَاكِبًا عَلَيْهَا وَالْآخَرُ مُمْسِكًا بِلِجَامِهَا فَالْيَدُ لِلرَّاكِبِ دُونَ الْمُمْسِكِ بِاللِّجَامِ أَيُّهُمَا كَانَ. لِأَنَّ الْمَرْكُوبَ نَفْعٌ لِلرَّاكِبِ، وَمَا عَلَى الدَّابَّةِ فَهُوَ فِي يَدِ مَنْ فِي يَدِهِ الدَّابَّةُ.\n٥٢١ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ ثَوْبًا وَأَحَدُهُمَا لَابِسُهُ وَالْآخَرُ مُمْسِكٌ بِهِ، فَالثَّوْبُ لِلَّابِسِ دُونَ الْمُمْسِكِ بِهِ. فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ.","vol":"1","page":352},{"text":"وَكَذَلِكَ الْيَدُ لِلرَّاكِبِ دُونَ السَّائِقِ وَالْقَائِدِ لِلدَّابَّةِ. فَإِذَا كَانَ الْمَالُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُهُ دُونَ صَاحِبِهِ. وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَقُودُ الدَّابَّةَ وَالْآخَرُ يَسُوقُهَا فَالدَّابَّةُ وَالْمَالُ لِلْقَائِدِ. لِأَنَّهُ مُمْسِكٌ بِلِجَامِ الدَّابَّةِ فَهِيَ وَمَا عَلَيْهَا فِي يَدِهِ دُونَ السَّائِقِ.\n٥٢٣ - فَإِنْ كَانَا خَرَجَا إلَى مُعَسْكَرِنَا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَقَالَ الْمُسْتَأْمَنُ: هُوَ مَالِي، وَقَالَ الْمُسْلِمُ: هُوَ مَالِي وَهَبَهُ لِي أَهْلُ الْحَرْبِ أَوْ اغْتَصَبْته مِنْهُمْ، وَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُ أَسِيرًا فِيهِمْ، فَإِنَّ الْمَالَ فِي أَيْدِيهِمَا فَنِصْفُهُ لِلْمُسْتَأْمَنِ بِاعْتِبَارِ يَدِهِ (٩٠ آ) وَنِصْفُهُ فَيْءٌ لِجَمَاعَةِ الْعَسْكَرِ. لِأَنَّ هَذَا النِّصْفَ فِي يَدِ الْأَسِيرِ، وَقَدْ أَحْرَزَهُ بِمَنَعَةِ الْجَيْشِ، فَهُوَ فِيمَا يَدَّعِي مِنْ الْهِبَةِ يُرِيدُ إبْطَالَ حَقِّ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُشَارَكَةِ مَعَهُ.\n٥٢٤ - وَلَا يُصَدَّقُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِينَ عَلَى مَا ادَّعَى، قُضِيَ لَهُ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ بِجَمِيعِ الْمَالِ. لِأَنَّ مَا أَقَامَ مِنْ الْبَيِّنَةِ حُجَّةٌ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ. وَذَلِكَ الْمَالُ يَكُونُ كُلُّهُ فَيْئًا لِجَمَاعَةِ الْعَسْكَرِ وَهُوَ فِيهِمْ. لِأَنَّ مَا أَقَامَ مِنْ الْبَيِّنَةِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي إبْطَالِ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَثْبُتُ مَا ادَّعَى مِنْ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ.","vol":"1","page":353},{"text":"وَإِنْ شَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَالْمَالُ سَالِمٌ لَهُ. لِأَنَّهُ أَثْبَتَ مَا ادَّعَى بِمَا هُوَ حُجَّةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَيُجْعَلُ كَالثَّابِتِ مُعَايَنَةً.\n٥٢٥ - وَإِنْ كَانَ الْمَالُ فِي يَدِ الْمُسْتَأْمَنِينَ خَاصَّةً وَشَهِدَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ كَانَ لِلْأَسِيرِ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ أَوْدَعَهُ هَذَا الْمُسْتَأْمَنُ، فَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهُ أَوْدَعَهُ إيَّاهُ فِي مَنَعَةِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ رُدَّ الْمَالُ عَلَيْهِ. لِأَنَّهُ الثَّابِتُ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ مُعَايَنَةً. وَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهُ أَوْدَعَهُ إيَّاهُ فِي مَنْعَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ لَمْ يُقْضَ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّ هَذَا سَبَبٌ كَانَ بَيْنَهُمَا بِالتَّرَاضِي فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَالْمُسْتَأْمَنُ لَمْ يُلْزَمْ أَحْكَامَنَا وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَتَّجِرَ عِنْدَنَا ثُمَّ يَرْجِعَ إلَى دَارِهِ، فَلَا يَسْمَعُ الْقَاضِي الْخُصُومَةَ عَلَيْهِ فِيمَا كَانَ جَرَى بَيْنَهُمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ. أَلَا تَرَى أَنَّ مُسْلِمًا وَمُسْتَأْمَنًا لَوْ دَخَلَا دَارَ الْإِسْلَامِ فَادَّعَى أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ أَنَّهُ أَدَانَهُ دَيْنًا فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ أَوْدَعَهُ وَدِيعَةً وَأَقَامَ بَيِّنَةً مُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا بِشَيْءٍ، إلَّا أَنْ يُسْلِمَ الْمُسْتَأْمَنُ أَوْ يَصِيرَ ذِمِّيًّا، فَحِينَئِذٍ يَسْمَعُ خُصُومَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، لِأَنَّهُ صَارَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا مُلْتَزِمًا لِأَحْكَامِنَا.\n٥٢٦ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ مُسْتَأْمَنَيْنِ فِي دَارِنَا ادَّعَى أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ دَيْنًا أَوْ وَدِيعَةً، فَإِنْ كَانَتْ الْمُعَامَلَةُ بَيْنَهُمَا فِي دَارِنَا تُسْمَعُ الْخُصُومَةُ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْإِنْصَافِ وَالنَّظَرِ بَيْنَهُمَا مُدَّةَ مُقَامِهِمَا فِي دَارِنَا.","vol":"1","page":354},{"text":"وَإِنْ كَانَتْ الْمُعَامَلَةُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، لَمْ تُسْمَعْ الْخُصُومَةُ. فِي ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يُسْلِمَا أَوْ يَصِيرَا ذِمَّةً. وَبَعْدَ ذَلِكَ إنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ أَنَّهُ غَصَبَهُ شَيْئًا فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ تُسْمَعْ هَذِهِ الْخُصُومَةُ أَيْضًا لِأَنَّهَا دَارُ نُهْبَةٍ. فَكُلُّ مَنْ اسْتَوْلَى عَلَى شَيْءٍ ثُمَّ أَسْلَمَ عَلَيْهِ أَوْ صَارَ ذِمِّيًّا كَانَ سَالِمًا لَهُ، بِخِلَافِ الدَّيْنِ الْوَدِيعَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَتْ مُعَامَلَةً جَرَتْ بَيْنَهُمَا بِالتَّرَاضِي. فَتُسْمَعُ الْخُصُومَةُ فِيهِمَا بَعْدَ مَا صَارَا مِنْ أَهْلِ دَارِنَا.\n٥٢٨ - وَكَذَلِكَ الْمُسْلِمُ وَالْمُسْتَأْمَنُ إذَا خَرَجَا وَقَدْ غَصَبَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ شَيْئًا قَائِمًا بِعَيْنِهِ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْمُسْتَأْمَنُ، لَمْ يَسْمَعْ الْقَاضِي الْخُصُومَةَ فِي ذَلِكَ. لِأَنَّ الْمُسْلِمَ إنْ كَانَ (٩٠ ب) هُوَ الْغَاصِبُ فَقَدْ اسْتَوْلَى عَلَى مَالٍ مُبَاحٍ. وَالْحَرْبِيُّ إنْ كَانَ هُوَ الْغَاصِبُ فَقَدْ تَمَّ إحْرَازُهُ لَهُ، بِخِلَافِ الدَّيْنِ الْوَدِيعَةِ. فَإِنَّ الِاسْتِيلَاءَ وَالْإِحْرَازَ فِيهِ لَا يَتَحَقَّقُ فَتُسْمَعُ الْخُصُومَةُ فِيهِ لِهَذَا.\n٥٢٩ - وَلَوْ خَرَجَ الْمُسْلِمُ وَالْمُسْتَأْمَنُ وَفِي أَيْدِيهِمَا بَغْلٌ عَلَيْهِ مَالٌ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقُولُ: مَالِي وَفِي يَدِي. فَقَامَتْ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، قَضَى الْقَاضِي بِهِ لَهُ. لِأَنَّهُ نَوَّرَ دَعْوَاهُ بِالْحُجَّةِ.\nوَتَبَيَّنَ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خَطَأُ بَعْضِ مَشَايِخِنَا فِيمَا قَالَ: إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَدَاعِيَيْنِ إذَا قَالَ مِلْكِي وَفِي يَدِي لَا يَسْمَعُ الْقَاضِي هَذِهِ الْخُصُومَةَ وَيَقُولُ: إذَا كَانَ مِلْكُك فِي يَدِك فَمَاذَا تَطْلُبُ مِنِّي؟ فَقَدْ نَصَّ هُنَا عَلَى قَبُولِ الْبَيِّنَةِ مِنْ أَحَدِهِمَا. وَوَجْهُهُ أَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَيْهَا لِدَفْعِ مُنَازَعَةِ الْآخَرِ. وَالْبَيِّنَةُ لِهَذَا الْمَقْصُودِ مَقْبُولَةٌ، وَهُوَ يَقُولُ لِلْقَاضِي: أَطْلُبُ مِنْكَ أَنْ تَمْنَعَهُ مِنْ مُزَاحِمَتِي وَتُقَرِّرَهُ فِي يَدِي.","vol":"1","page":355},{"text":"فَإِنْ قِيلَ: لِمَاذَا لَمْ يَجْعَلْ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، فَإِنَّ هُنَاكَ لَا تُسْمَعُ الْخُصُومَةُ فِيهِ، وَهُنَا فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ. فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تُسْمَعَ الْخُصُومَةُ بَيْنَهُمَا فِيهِ مَا لَمْ يَصِرْ الْمُسْتَأْمَنُ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا؟ قُلْنَا: فِي هَذَا الْمَوْضِعِ يَدَّعِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ فِي يَدِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ فِي عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَسْمَعَ الْخُصُومَةَ فِيهِ بَيْنَهُمَا، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ أَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. فَإِنْ شَهِدَتْ الشُّهُودُ أَنَّ الْغَاصِبَ وَثَبَ فِي مَنَعَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ حَتَّى تَعَلَّقَ بِالْبَغْلِ مَعَ صَاحِبِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَأْمِنَا، فَإِنَّهُ يَسْمَعُ هَذِهِ الْخُصُومَةَ أَيْضًا وَيَقْضِي بِهِ لِصَاحِبِهِ. لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ يَدِ صَاحِبِهِ وَلَمْ يُحْرِزْهُ غَاصِبُهُ مَا دَامَتْ يَدُ صَاحِبِهِ مُعَارِضَةً لِيَدِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَخْرَجَهُ مِنْ يَدِ صَاحِبِهِ فِي مَنَعَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ لِأَنَّ هُنَاكَ قَدْ تَمَّ زَوَالُ يَدِ صَاحِبِهِ. وَقَدْ تَمَّ الْإِحْرَازُ مِنْ الْغَاصِبِ لَهُ. فَلِهَذَا لَا يَقْضِي لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ وَإِنْ أَسْلَمَا.\n٥٣٠ - وَإِنْ قَالَ الْمُسْلِمُ الَّذِي كَانَ أَسِيرًا فِي دَارِهِمْ: هَذَا الْبَغْلُ وَهَذَا الْمَالُ كَانَ لِهَذَا الْمُسْتَأْمَنِ، أَخَذْتُهُ مِنْهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ بَعْدَ مَا خَرَجْنَا. وَقَالَ الْمُسْتَأْمَنُ: الْبَغْلُ وَمَا عَلَيْهِ لِي وَهَذَا كَاذِبٌ. وَالْبَغْلُ فِي أَيْدِيهِمَا، فَفِي الْقِيَاسِ نِصْفُهُ لِلْمُسْتَأْمَنِ بِاعْتِبَارِ يَدِهِ، وَنِصْفُهُ فَيْءٌ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ إذَا أَخْرَجَهُ إلَيْهِمْ. لِأَنَّ الْأَسِيرَ بِإِقْرَارِهِ يُرِيدُ إبْطَالَ حَقِّ أَهْلِ الْعَسْكَرِ بَعْدَمَا ثَبَتَ حَقُّهُمْ. وَهُوَ غَيْرُ مَقْبُولِ الْقَوْلِ فِي حَقِّهِمْ. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَكُونُ ذَلِكَ كُلُّهُ لِلْمُسْتَأْمَنِ.","vol":"1","page":356},{"text":"لِأَنَّ حَقَّ أَهْلِ الْعَسْكَرِ إنَّمَا يَثْبُتُ بِاعْتِبَارِ يَدِ الْأَسِيرِ، وَلَا بُدَّ مِنْ قَبُولِ قَوْلِ الْأَسِيرِ فِي بَيَانِ جِهَةِ ثُبُوتِ يَدِهِ عَلَى هَذَا الْمَالِ. وَقَدْ ثَبَتَ بِقَوْلِهِ: إنَّ أَصْلَ الْمَالِ كَانَ لِلْمُسْتَأْمَنِ. فَمَا بَقِيَتْ يَدُهُ لَا تَتَقَرَّرُ يَدُ الْأَسِيرِ عَلَيْهِ، فَلَا يَكُونُ مُحْرِزًا لَهُ، فَلِهَذَا كَانَ لِلْمُسْتَأْمَنِ. سَوَاءٌ خَرَجَا إلَى الْمُعَسْكَرِ أَوْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.\n٥٣١ - وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي يَدِ الْأَسِيرِ خَاصَّةً وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُسْتَأْمَنُ أَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْهُ فِي دَارِ الْحَرْب فَلَا سَبِيلَ لِلْمُسْتَأْمَنِ عَلَيْهِ. لِأَنَّهُ قَدْ تَمَّ اسْتِيلَاءُ الْمُسْلِمِ عَلَيْهِ حِينَ انْقَطَعَ يَدُ الْمُسْتَأْمَنِ عَنْهُ. فَإِنْ أَخْرَجَهُ إلَى الْمُعَسْكَرِ فَهُوَ فَيْءٌ لِجَمَاعَتِهِمْ. وَإِنْ أَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ لَهُ خَاصَّةً. بِمَنْزِلَةِ مَا يُخْرِجُهُ الْمُتَلَصِّصُ، وَلَا خُمْسَ فِيهِ.\n٥٣٢ - وَإِنْ قَالَ الْمُسْتَأْمَنُ إنَّمَا أَخَذَهُ مِنِّي فِي مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَأْمَنِ. لِأَنَّهُمَا تَصَادَقَا أَنَّ أَصْلَ الْمِلْكِ كَانَ لِلْمُسْتَأْمَنِ. وَبِأَمَانِهِ صَارَ مِلْكُهُ مَغْصُوبًا مُحْتَرَمًا. فَالْأَسِيرُ يَدَّعِي سَبَبَ تَمَلُّكِ مَالِهِ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُنْكِرٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ بِاَللَّهِ. وَلِأَنَّ أَخْذَهُ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِ حَادِثٌ، فَيُحَالُ بِحُدُوثِهِ عَلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ، وَهُوَ مَا بَعْدَ حُصُولِهِمَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. كَمَنْ ادَّعَى تَارِيخًا سَابِقًا فِي الْأَخْذِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الْمُوَفِّقُ. .","vol":"1","page":357},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>[بَابُ مَا يَكُونُ أَمَانًا وَمَا لَا يَكُونُ]</span>\n٤٩ - بَابُ مَا يَكُونُ أَمَانًا وَمَا لَا يَكُونُ ٥٣٣ - وَإِذَا حَاصَرَ الْمُسْلِمُونَ حِصْنًا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَنَادَاهُمْ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَالَ: أَنْتُمْ آمِنُونَ. وَكَانَ نِدَاؤُهُ إيَّاهُمْ فِي مَوْضِعٍ لَا يَسْمَعُونَ ذَلِكَ فَلَيْسَ هَذَا بِأَمَانٍ.\nلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْكَلَامِ إسْمَاعُ الْمُخَاطَبِ. فَإِذَا عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَسْمَعُونَ كَلَامَهُ كَانَ لَاغِيًا فِي كَلَامِهِ لَا مُعْطِيًا الْأَمَانَ لَهُمْ. وَلَوْ كَانَ هَذَا أَمَانًا لَكَانَ الْوَاحِدُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ يُؤَمِّنُ الرُّومَ وَالتُّرْكَ وَالْهِنْدَ، فَلَا يَسَعُ لِلْمُسْلِمِينَ قِتَالُهُمْ حَتَّى يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ، فَكُلُّ أَحَدٍ يَعْرِفُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ.\nفَإِنْ قِيلَ: فِي الْأَمَانِ إسْقَاطُ الْحَدِّ، أَوْ تَحْرِيمُ الْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ، وَهَذَا يَتِمُّ بِالْمُتَكَلِّمِ بِهِ وَحْدَهُ، بِمَنْزِلَةِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ.\nقُلْنَا: لَا كَذَلِكَ، بَلْ فِيهِ إثْبَاتُ صِفَةِ الْأَمْنِ لَهُمْ بِكَلَامٍ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ رَدُّوا أَمَانَهُ لَمْ يَثْبُتْ الْأَمَانُ. وَلَا يَكُونُ إثْبَاتُ صِفَةُ الْأَمْنِ لَهُمْ بِكَلَامِهِ فِي مَوْضِعٍ يُعْلَمُ أَنَّهُمْ لَا يَسْمَعُونَهُ.\n٥٣٤ - وَلَوْ نَادَاهُمْ بِالْأَمَانِ بِحَيْثُ يَسْمَعُونَ الْكَلَامَ وَهُوَ النِّدَاءُ، إلَّا أَنَّ الْعِلْمَ قَدْ أَحَاطَ أَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا، بِأَنْ كَانُوا نِيَامًا أَوْ مُتَشَاغِلِينَ بِالْحَرْبِ، كَانَ ذَلِكَ أَمَانًا، حَتَّى لَا يَحِلُّ قِتَالُهُمْ إلَّا بَعْدَ النَّبْذِ إلَيْهِمْ","vol":"1","page":358},{"text":"لِأَنَّ حَقِيقَةَ سَمَاعِهِمْ بَاطِنٌ يَتَعَذَّرُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ، وَفِي مِثْلِهِ إنَّمَا يُعَلِّقُ الْحُكْمَ بِالسَّبَبِ الظَّاهِرِ الدَّالِّ عَلَيْهِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُونَ نِدَاءَهُ\nوَإِذَا قَامَ السَّبَبُ الظَّاهِرُ مَقَامَ الْمَعْنَى الْبَاطِنِ دَارَ الْحُكْمُ مَعَهُ وُجُودًا وَعَدَمًا، وَهَذَا لِأَنَّ التَّحَرُّزَ عَنْ الْغُرُورِ وَاجِبٌ (٩٢ ب) . وَمَعْنَى الْغُرُورِ يَتَمَكَّنُ إذَا كَانَ الْمُنَادِي مِنْهُمْ بِحَيْثُ يَسْمَعُونَ نِدَاءَهُ، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْمُنَادِي مِنْهُمْ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُونَ نِدَاءَهُ.\n٥٣٥ - قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّك لَوْ انْتَهَيْت إلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ نَائِمًا عَلَى فِرَاشِهِ فَنَادَيْته بِالْأَمَانِ وَأَنْتَ قَرِيبٌ مِنْهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُ كَلَامَك فَلَمْ يَسْمَعْ ذَلِكَ لِنَوْمِهِ أَوْ لِصَمَمٍ كَانَ بِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ أَمَانًا؟\nوَهَذَا عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَظْهَرُ، لِأَنَّهُ يَجْعَلُ النَّائِمَ كَالْمُنْتَبِهِ، عَلَى مَا قَالَ فِي مَسْأَلَةِ الْخَلْوَةِ وَالصَّيْدِ الَّذِي يَقَعُ عِنْدَ النَّائِمِ.\nوَقَالَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ: إذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا فَنَادَاهُ أَوْ أَيْقَظَهُ فَهُوَ حَانِثٌ فِي يَمِينِهِ.\nوَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: فَنَادَاهُ وَأَيْقَظَهُ.\nوَبِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ سَوَاءٌ أَيْقَظَهُ أَوْ لَمْ يُوقِظْهُ إذَا نَادَاهُ وَهُوَ مِنْهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُ كَلَامَهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُتَكَلِّمًا لَهُ.\n٥٣٦ - وَلَوْ كَتَبَ كِتَابًا فِيهِ أَمَانٌ وَرَمَى بِهِ إلَيْهِمْ فَنَزَلُوا عَلَى ذَلِكَ كَانُوا آمِنِينَ.","vol":"1","page":359},{"text":"لِأَنَّ الْكِتَابَ أَحَدُ اللِّسَانَيْنِ. فَإِنَّ الْبَيَانَ بِالْبَيَانِ كَهُوَ بِاللِّسَانِ. أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ مَأْمُورًا بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ ثُمَّ كَتَبَ إلَى الْآفَاقِ وَكَانَ ذَلِكَ تَبْلِيغًا مِنْهُ، وَلِأَنَّهُمْ لَمَّا وَقَفُوا عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ نَزَلُوا عَلَى ذَلِكَ، فَلَوْ لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ أَمَانًا لَأَدَّى إلَى الْغُرُورِ. وَقَدْ بَيَّنَّا فِيهِ حَدِيثَ عُمَرَ - ﵁ -.\n٥٣٧ - وَإِنْ وَجَدُوا كِتَابًا فِيهِ أَمَانٌ لَمْ يَرْمِ بِهِ إلَيْهِمْ أَحَدٌ فَلَيْسَ هَذَا بِأَمَانٍ.\nلِأَنَّ الْكِتَابَ جَمَادٌ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْأَمَانُ. وَإِنَّمَا يَكُونُ مِنْ الْكَاتِبِ، وَهُوَ غَيْرُ مَعْلُومٍ. وَالْأَمَانُ مِنْ الْمَجْهُولِ لَا يَتَحَقَّقُ. ثُمَّ لَعَلَّ الْكِتَابَ مُفْتَعَلٌ، أَوْ كَتَبَهُ بَعْضُ مَنْ لَا يَصِحُّ أَمَانُهُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ. فَلِهَذَا لَا يَثْبُتُ الْأَمَانُ لَهُمْ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّ الرَّامِيَ بِهِ مُسْلِمٌ بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ، لِأَنَّ حَقَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ ثَبَتَ فِي اسْتِرْقَاقِهِمْ، وَهَذِهِ الْبَيِّنَةُ تَقُومُ لِإِبْطَالِ حَقِّهِمْ.\n٥٣٨ - فَإِنْ قَالَ مُسْلِمٌ: أَنَا رَمَيْتُ بِهِ إلَيْهِمْ. فَإِنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَظْفَرَ بِهِمْ الْمُسْلِمُونَ، فَهُوَ مُصَدَّقٌ.\nلِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا يَمْلِكُ إنْشَاءَهُ وَلَا تَتَمَكَّنُ التُّهْمَةُ فِي خَبَرِهِ. وَلِأَنَّ حَقَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَتَقَرَّرْ فِيهِمْ بَعْدُ، فَيَكُونُ تَأْثِيرُ كَلَامِهِ فِي مَنْعِ ثُبُوتِ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ، وَالْوَاحِدُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَمْلِكُ ذَلِكَ.\n٥٣٩ - وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا أَعْطَى الْقَوْمَ بِأَيْدِيهِمْ لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى ذَلِكَ، حَتَّى يَشْهَدَ الشَّاهِدَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ سِوَاهُ أَنَّهُ رَمَى إلَيْهِمْ","vol":"1","page":360},{"text":"لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا لَا يَمْلِكُ إنْشَاءَهُ، وَقَصَدَ بِإِخْبَارِهِ إبْطَالَ حَقٍّ ثَابِتٍ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا شَهَادَتُهُ. لِأَنَّهُ شَهِدَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ وَذَلِكَ دَعْوَى لَا شَهَادَةٌ.\n٥٤٠ - فَإِنْ شَهِدَ سِوَاهُ مُسْلِمَانِ، يَثْبُتُ الْأَمَانُ لَهُمْ، وَرُدُّوا حَتَّى يَبْلُغُوا مَأْمَنَهُمْ.\nوَإِنْ لَمْ يَقُمْ بَيِّنَةٌ فَقُسِّمُوا وَوَقَعَ بَعْضُهُمْ فِي سَهْمِ الْمُقِرِّ، كَانَ حُرًّا لِإِقْرَارِهِ بِحُرِّيَّتِهِ، (٩٢ آ) وَكَوْنِهِ آمِنًا، وَإِقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ فِي مِلْكِهِ صَحِيحٌ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُتْرَكُ لِيَرْجِعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ.\nلِأَنَّ احْتِبَاسَهُ فِي دَارِنَا عَلَى التَّأْبِيدِ مِنْ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ، وَإِقْرَارُهُ عَلَيْهِمْ غَيْرُ مَقْبُولٍ.\nفَيُجْعَلُ ذِمِّيًّا إنْ أَبَى أَنْ يُسْلِمَ.\nلِأَنَّ مَنْ اُحْتُبِسَ فِي دَارِنَا عَلَى التَّأْبِيدِ يُضْرَبُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ، بِمَنْزِلَةِ الذِّمِّيِّ عَلَى مَا يَأْتِيك بَيَانُهُ.\n٥٤١ - وَكَذَلِكَ لَوْ رَأَى الْإِمَامُ بَيْعَهُمْ فَاشْتَرَاهُمْ الْمُقِرُّ بِالْأَمَانِ فَعَلَيْهِ الثَّمَنُ. لِأَنَّهُمْ فِي الظَّاهِرِ أَرِقَّاءُ. ثُمَّ يَكُونُونَ أَحْرَارًا فِي يَدَيْهِ، بِمَنْزِلَةِ مَنْ اشْتَرَى عَبْدًا قَدْ أَقَرَّ بِحُرِّيَّتِهِ، وَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ لِمَا بَيَّنَّا.\n٥٤٢ - وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا قَالَ لِلْمَحْصُورِينَ: إنَّ الْأَمِيرَ قَدْ أَمَّنَكُمْ وَهُوَ كَاذِبٌ فِي مَقَالَتِهِ فَفَتَحُوا حِصْنَهُمْ كَانُوا آمِنِينَ.","vol":"1","page":361},{"text":"لِأَنَّهُ أَخْبَرَهُمْ بِأَمَانٍ صَحِيحٍ وَهُوَ يَمْلِكُ إنْشَاءَ مِثْلِهِ، فَيَكُونُ إخْبَارُهُ بِهِ إظْهَارًا لِأَمَانٍ سَابِقٍ إنْ كَانَ، وَإِنْشَاءً إنْ لَمْ يَكُنْ سَبَقَ الْأَمَانُ، بِمَنْزِلَةِ قَضَاءِ الْقَاضِي فِي الْعُقُودِ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. ثُمَّ مُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنْتُمْ آمِنُونَ بِأَمَانِ الْأَمِيرِ فَافْتَحُوا الْبَابَ.\n٥٤٣ - وَلَوْ صَرَّحَ بِهَذَا كَانُوا آمِنِينَ بِأَمَانِهِ. فَكَذَلِكَ إذَا ثَبَتَ بِمُقْتَضَى كَلَامِهِ. وَإِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ بِذَلِكَ لَهُمْ ذِمِّيًّا أَوْ مُسْتَأْمَنًا كَانُوا فَيْئًا.\nلِأَنَّ الْمُخْبَرَ بِهِ إذَا كَانَ كَذِبًا فَبِالْإِخْبَارِ لَا يَصِيرُ صِدْقًا، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ هَذَا أَمَانًا مِنْ جِهَتِهِ، بِمُقْتَضَى كَلَامِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إنْشَاءَ الْأَمَانِ.\n٥٤٤ - وَإِنْ كَانَ الْأَمِيرُ قَالَ: أَمَّنْتهمْ، فِي مَجْلِسِهِ، فَلَمْ يَبْلُغْهُمْ ذَلِكَ حَتَّى نَهَاهُمْ الْأَمِيرُ أَنْ يُبَلِّغُوهُمْ، فَذَهَبَ رَجُلٌ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ الْأَمِيرِ فَأَبْلَغَهُمْ إيَّاهُ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ مُسْلِمٌ فَهُمْ آمِنُونَ.\nلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَاذِبًا فِي أَصْلِ الْخَبَرِ كَانُوا آمِنِينَ مِنْ جِهَتِهِ كَمَا بَيَّنَّا. فَإِذَا كَانَ صَادِقًا فِي أَصْلِ الْخَبَرِ إلَّا أَنَّهُ أَخْبَرَ بِهِ بَعْدَ نَهْيِ الْأَمِيرِ أَوْلَى أَنْ يَكُونُوا آمِنِينَ.\n٥٤٥ - فَإِنْ أَبْلَغَهُمْ ذِمِّيٌّ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ سَمِعَ مَقَالَةَ الْأَمِيرِ الْأُولَى وَلَمْ يَسْمَعْ مَقَالَتَهُ الثَّانِيَةَ الْقَوْمُ آمِنُونَ.\nلِأَنَّ قَوْلَ الْإِمَامِ ذَلِكَ فِي مَجْلِسِهِ أَمْرٌ لِكُلِّ سَامِعٍ بِالتَّبْلِيغِ إلَيْهِمْ دَلَالَةً، وَالثَّابِتُ بِالدَّلَالَةِ كَالثَّابِتِ بِالْإِفْصَاحِ وَبَعْدَ ثُبُوتِ وِلَايَةِ التَّبْلِيغِ لِلسَّامِعِ لَا يَنْعَزِلُ مَا لَمْ يَبْلُغْهُ النَّهْيُ. بِمَنْزِلَةِ عَزْلِ الْوَكِيلِ، وَالْحَجْرِ عَلَى الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ، لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ مَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، فَكَانَ هَذَا مُبَلِّغًا أَمَانَ الْإِمَامِ إلَيْهِمْ بِأَمْرِهِ. وَعِبَارَةُ الرَّسُولِ فِي مِثْلِ هَذَا كَعِبَارَةِ الْمُرْسِلِ.","vol":"1","page":362},{"text":"وَإِنْ كَانَ سَمِعَ الْمَقَالَتَيْنِ جَمِيعًا، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَهُمْ فَيْءٌ.\nلِأَنَّهُ حِينَ بَلَغَهُ النَّهْيُ صَارَ مَعْزُولًا عَنْ التَّبْلِيغِ وَارْتَفَعَ حُكْمُ ذَلِكَ الْأَمْرِ فِي حَقِّهِ.\nوَهَذَا لِأَنَّ النَّهْيَ بِمَنْزِلَةِ النَّبْذِ لِذَلِكَ الْأَمَانِ. إلَّا أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ وُصُولِ الْأَمَانِ إلَيْهِمْ لَا يَثْبُتُ النَّبْذُ فِي حَقِّهِمْ مَا لَمْ يَعْلَمُوا بِهِ. فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْوُصُولِ إلَيْهِمْ يَثْبُتُ حُكْمُهُ قَبْلَ عِلْمِهِمْ بِهِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ أَذِنَ (٩٢ ب) لِعَبْدِهِ فِي أَهْلِ سُوقِهِ، ثُمَّ حَجَرَ عَلَيْهِ فِي بَيْتِهِ، لَا يَنْحَجِرُ مَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَهْلُ سُوقِهِ. وَلَوْ أَذِنَ لَهُ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ حَجَرَ عَلَيْهِ قَبْل أَنْ يَعْلَمَ أَهْلُ سُوقِهِ بِالْإِذْنِ كَانَ ذَلِكَ حَجْرًا.\n٥٤٦ - وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ الْأَمِيرُ لِذِمِّيٍّ: اذْهَبْ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي قَدْ أَمَّنْتهمْ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: ارْجِعْ وَلَا تُخْبِرْهُمْ. أَوْ كَانَ كَاتِبُهُ ذِمِّيًّا فَقَالَ: اُكْتُبْ إلَيْهِمْ بِأَمَانِهِمْ. فَأَعْلِمْهُمْ، ثُمَّ قَالَ: لَا تَكْتُبْ.\nفَكَتَبَ إلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَنَزَلُوا، كَانُوا فَيْئًا، وَلَوْ لَمْ يَنْهَ الرَّسُولَ وَالْكَاتِبَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ نَهَاهُ وَلَمْ يَسْمَعْ حَتَّى كَتَبَ إلَيْهِمْ أَوْ بَلَّغَهُمْ فَنَزَلُوا، كَانُوا آمِنِينَ. وَالْفِقْهُ فِي الْكُلِّ التَّحَرُّزُ عَنْ صُورَةِ الْغُرُورِ وَحَقِيقَتِهِ.\n٥٤٧ - وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا قَالَ لِأَهْلِ الْحِصْنِ: إنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ أَمَّنَكُمْ، وَأَشَارَ إلَى شَخْصٍ مَعَهُ، فَنَزَلُوا، فَإِذَا الْمَحْكِيُّ عَنْهُ ذِمِّيٌّ أَوْ مُسْتَأْمَنٌ فَهُمْ فَيْءٌ، صُدِّقَ عَلَيْهِ أَوْ كُذِّبَ.","vol":"1","page":363},{"text":"لِأَنَّهُ أَخْبَرَهُمْ بِأَمَانٍ بَاطِلٍ فَلَا يَصِيرُ بِهِ مُعْطِيًا أَمَانًا صَحِيحًا لَهُمْ وَهُوَ لَمْ يَغُرَّهُمْ فِي شَيْءٍ، وَلَكِنَّهُمْ اغْتَرُّوا بِأَنْفُسِهِمْ حِينَ لَمْ يَتَفَحَّصُوا عَنْ حَالِ الْمَحْكِيِّ عَنْهُ بَعْدَ مَا عَيَّنَهُ لَهُمْ مِنْهُ، أَوْ مِنْ الْحَاكِي، أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا.\n٥٤٨ - وَإِنْ أَشَارَ لَهُمْ إلَى مُسْلِمٍ أَوْ مُسْلِمَةٍ كَانُوا آمِنِينَ، صَدَقَ فِي ذَلِكَ أَوْ كَذَبَ.\nلِأَنَّهُ أَخْبَرَهُمْ بِأَمَانٍ صَحِيحٍ فَيَكُونُ مُعْطِيًا الْأَمَانَ لَهُمْ حِينَ أَضَافَهُ إلَى مَنْ يَصِحُّ أَمَانُهُ\n٥٤٩ - وَلَوْ أَنَّ ذِمِّيًّا قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ حِكَايَةً عَنْ مُسْلِمٍ، فَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ صَادِقٌ كَانُوا آمِنِينَ، وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ كَاذِبٌ أَوْ لَمْ يُعْلَمْ أَصَادِقٌ هُوَ أَمْ كَاذِبٌ كَانُوا فَيْئًا.\nلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إعْطَاءَ الْأَمَانِ بِنَفْسِهِ، فَهُمْ إذَا اعْتَمَدُوا خَبَرَ مَنْ لَا يَمْلِكُ الْأَمَانِ بِنَفْسِهِ كَانُوا مُغْتَرِّينَ لَا مَغْرُورِينَ.\n٥٥٠ - وَإِنْ قَالَ الْمَحْكِيُّ عَنْهُ صَدَقَ فِيمَا قَالَ. فَإِنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ فِي حَالِ بَقَاءِ مَنَعَتِهِمْ ثُمَّ نَزَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُمْ آمِنُونَ.\nلِأَنَّهُ صَدَّقَ الْمُخْبِرِ فِي حَالٍ يَمْلِكُ إنْشَاءَ الْأَمَانِ لَهُمْ فَلَا يَكُونُ مُتَّهَمًا فِي التَّصْدِيقِ.\n٥٥١ - وَإِنْ كَانَ قَالَ لَهُمْ بَعْدَ مَا صَارُوا فِي أَيْدِينَا غَيْرَ مُمْتَنَعِينَ، لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي هَذَا التَّصْدِيقِ. فَقَدْ صَارَ بِحَالٍ لَا يَمْلِكُ إنْشَاءَ الْأَمَانِ لَهُمْ، وَلِأَنَّهُ قَصَدَ بِهَذَا التَّصْدِيقِ إبْطَالَ حَقٍّ ثَابِتٍ لِلْمُسْلِمِينَ فِي اسْتِرْقَاقِهِمْ.","vol":"1","page":364},{"text":"إلَّا أَنَّهُ إذَا قَسَّمَهُمْ الْإِمَامُ فَوَقَعَ بَعْضُهُمْ فِي سَهْمِ الْمُقِرِّ أَوْ فِيمَا رَضَخَ بِهِ الذِّمِّيُّ عَتَقَ عَلَيْهِمَا.\n٥٥٢ - وَكَذَلِكَ إنْ بَاعَهُمْ الْإِمَامُ فَاشْتَرَاهُمْ الذِّمِّيُّ الْمُخْبِرُ أَوْ الْمُسْلِمُ الْمُصَدَّقُ لَهُ، عَتَقُوا جَمِيعًا لِتَصَادُقِهِمَا، عَلَى أَنَّهُمْ أَحْرَارٌ آمِنُونَ.\nوَذَلِكَ عَامِلٌ فِي حَقِّ مَنْ صَارَ مِلْكًا لَهُمَا مِنْهُمْ، وَلَكِنْ لَا يُمَكَّنُونَ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ.\nلِأَنَّ احْتِبَاسَهُمْ فِي دَارِنَا مِنْ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ حِينَ قَسَّمَهُمْ الْإِمَامُ إذَا بَاعَهُمْ.\nوَهُمَا لَا يُصَدَّقَانِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى حَقِّ الْمُسْلِمِينَ. وَبِاَللَّهِ الْعَوْنُ.","vol":"1","page":365},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>[بَابُ الْحَرْبِيِّ يَدْخُلُ الْحَرَمَ غَيْرَ مُسْتَأْمَنٍ]</span>\n٥٠ - بَابُ الْحَرْبِيِّ يَدْخُلُ الْحَرَمَ غَيْرَ مُسْتَأْمَنٍ (٩٣ آ) ٥٥٣ - وَإِذَا دَخَلَ الْحَرْبِيُّ الَّذِي لَا أَمَانَ لَهُ الْحَرَمَ فَإِنَّهُ لَا يُهَاجُ لَهُ بِقَتْلٍ وَلَا أَسْرٍ.\nوَهَذَا أَصْلُ عُلَمَائِنَا أَنَّ مَنْ كَانَ مُبَاحَ الدَّمِ خَارِجَ الْحَرَمِ يَسْتَفِيدُ الْأَمْنَ بِدُخُولِ الْحَرَمِ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧] .\nوَقَالَ - عَزَّ مَنْ قَائِلٍ -: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] .\nوَقَالَ - ﵇ - فِي خُطْبَةِ يَوْمِ الْفَتْحِ: «إنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي. وَلَمْ تَحِلَّ لِي إلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ثُمَّ هِيَ حَرَامٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» .\nوَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَتَلَ مِنْهُمْ أُنَاسًا وَهُمْ غَيْرُ مُقَاتِلِينَ لَهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَلَوْ كَانُوا مُقَاتِلِينَ لَهُ لَمْ تَظْهَرْ فَائِدَةُ تَخْصِيصِهِ بِمَا قَالَ، لِأَنَّ مَنْ اسْتَحَلَّ الْحَرَمَ يَسْتَحِلُّ مِنْهُ عَلَى مَا بَيَّنَهُ.","vol":"1","page":366},{"text":"قَالَ ابْنُ عُمَرَ - ﵄ -: لَوْ وَجَدْت قَاتِلَ عُمَرَ فِي الْحَرَمِ مَا هِجْتُهُ.\nوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِثْلَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُقْتَلْ أَبُوهُ.\nوَلَكِنْ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ فِي النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ أَحَدٍ فِي الْحَرَمِ ابْتِدَاءً، وَكَمَا لَا يُقْتَلُ لَا يُؤْسَرُ لِأَنَّ فِيهِ إتْلَافَهُ حُكْمًا فَالْحُرِّيَّةُ حَيَاةٌ وَالرِّقُّ تَلَفٌ، وَحُكْمُ حُرْمَةِ الْحَرَمِ تَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ. أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّيْدَ كَمَا لَا يُقْتَلُ فِي الْحَرَمِ لَا يُتَمَلَّكُ بِالْأَخْذِ.\n٥٥٤ - فَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ فَهُوَ حُرٌّ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ.\nلِأَنَّهُ كَانَ آمِنًا حُرًّا مَا دَامَ فِي الْحَرَمِ. وَقَدْ تَأَكَّدَتْ حُرِّيَّتُهُ بِالْإِسْلَامِ.\nوَإِنْ سَأَلَنَا أَنْ يَكُونَ ذِمَّةً لَنَا فَإِنْ شِئْنَا أَعْطَيْنَاهُ ذَلِكَ وَإِنْ شِئْنَا لَمْ نُعْطِهِ.\nلِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مُشْرِفٌ عَلَى الْهَلَاكِ. فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَطْلُبُ عَقْدَ الذِّمَّةِ مُلْتَزِمًا لِأَحْكَامِنَا اخْتِيَارًا بَلْ اضْطِرَارًا، لِيَتَمَكَّنَ بِهِ مِنْ الْفِرَارِ. فَالرَّأْيُ إلَى الْإِمَامِ فِي إعْطَاءِ الذِّمَّةِ لَهُ، بِمَنْزِلَةِ الْمَأْسُورِ قَبْلَ ضَرْبِ الرِّقِّ عَلَيْهِ إذَا طَلَبَ أَنْ يَكُونَ ذِمَّةً.\n٥٥٥ - وَإِنْ أَبَى أَنْ يُسْلِمَ وَجَعَلَ يَتَرَدَّدُ فِي الْحَرَمِ فَإِنَّهُ لَا يُجَالَسُ وَلَا يُطْعَمُ وَلَا يُبَايَعُ حَتَّى يَضْطَرَّ وَيَخْرُجَ.\nلِأَنَّهُ بِسَبَبِ الْأَمْنِ الثَّابِتِ بِالْحَرَمِ يَتَعَذَّرُ عَلَيْنَا التَّعَرُّضُ لَهُ بِالْإِسَاءَةِ، وَلَا يَلْزَمُنَا الْإِحْسَانُ إلَيْهِ. فَإِنَّ مَنْعَ الْإِحْسَانِ لَا يَكُونُ إسَاءَةً، فَلِهَذَا لَا يَجِبُ قَبُولُ الذِّمَّةِ مِنْهُ إنْ طَلَبَ لِأَنَّ ذَلِكَ إحْسَانٌ إلَيْهِ.","vol":"1","page":367},{"text":"إلَّا أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْهُ الْكَلَأُ وَمَاءُ الْعَامَّةِ.\nلِأَنَّ ذَلِكَ حَقُّهُ. فَقَدْ أَثْبَتَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِيهِ شَرِكَةً عَامَّةً بَيْنَ النَّاسِ فِي قَوْلِهِ: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: الْكَلَأِ وَالْمَاءِ وَالنَّارِ» .\nوَفِي مَنْعِ حَقِّهِ مِنْهُ إسَاءَةٌ إلَيْهِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَلَوْ كَانَ لَك أَنْ تَمْنَعَهُ الْمَاءَ كَانَ لَك أَنْ تَقْتُلَهُ.\n٥٥٦ - فَإِنْ قَالَ الْأَمِيرُ: إنِّي لَا آسِرُهُ وَلَكِنْ أَحْبِسُهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ أَيْضًا.\nلِأَنَّ فِي الْحَبْسِ مَعْنَى الْعُقُوبَةِ.\nوَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أُخْرِجُهُ مِنْ الْحَرَمِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.\nلِأَنَّ الْأَمْنَ الثَّابِتَ بِسَبَبِ الْحَرَمِ يُحَرِّمُ التَّعَرُّضَ لَهُ بِالْحَبْسِ وَالْإِخْرَاجِ كَمَا فِي حَقِّ الصَّيْدِ.\n٥٥٧ - وَلَوْ كَانُوا جَمَاعَةً دَخَلُوا الْحَرَمَ لِلْقِتَالِ فَلَا بَأْسَ لِلْمُسْلِمِينَ (٩٣ ب) أَنْ يَقْتُلُوهُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ -: الْحَرَمُ كُلُّهُ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ.\nأَيْ كَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي هَذَا الْحُكْمِ، وَلِأَنَّ حُرْمَةَ الْحَرَمِ لَا تُلْزِمُنَا بِحَمْلِ الْأَذَى عَنْهُمْ، كَمَا لَا يَلْزَمُنَا تَحَمُّلُ الْأَذَى عَنْ الصَّيْدِ حَتَّى إنَّ الضَّبُعَ إذَا صَالَ عَلَى إنْسَانٍ فِي الْحَرَمِ جَازَ قَتْلُهُ دَفْعًا لِأَذَاهُ.","vol":"1","page":368},{"text":"فَإِنْ حَمَلَ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ فَانْهَزَمُوا فَأَخَذُوا مِنْهُمْ الْأَسْرَى فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلُوهُمْ.\nلِأَنَّهُمْ لَمْ يُرَاعُوا حُرْمَةَ الْحَرَمِ. فَيَكُونُ الْحَرَمُ فِي حَقِّهِمْ بِمَنْزِلَةِ الْحِلِّ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً.\nبِخِلَافِ الصَّيْدِ فَإِنَّهُ بَعْدَ الصِّيَالِ إذَا هَرَبَ لَمْ يَحِلُّ قَتْلُهُ.\nلِأَنَّ الصَّيْدَ غَيْرُ عَاقِلٍ، وَإِنَّمَا يُبَاحُ دَفْعُ أَذَاهُ عِنْدَ قَصْدِهِ حِسًّا، وَقَدْ انْدَفَعَ ذَلِكَ بِهَرَبِهِ.\nفَأَمَّا الْآدَمِيُّ عَاقِلٌ يَجُوزُ دَفْعُ أَذَاهُ بِقَتْلِهِ زَجْرًا.\nوَلِهَذَا شُرِعَ الْقِصَاصُ لِمَعْنَى الْحَيَاةِ. فَكَمَا يَجُوزُ قِتَالُهُمْ فِي الِابْتِدَاءِ إذَا قَصَدُوا دَفْعًا لِأَذَاهُمْ وَزَجْرًا لَهُمْ عَنْ هَتْكِ حُرْمَةِ الْحَرَمِ، فَكَذَلِكَ يَجُوزُ قَتْلُهُمْ بَعْدَ الِانْهِزَامِ وَالْأَسْرِ لِمَعْنَى الزَّجْرِ عَنْ هَتْكِ حُرْمَةِ الْحَرَمِ بِطَرِيقِ الِاعْتِبَارِ.\n٥٥٩ - وَكَذَلِكَ لَوْ دَخَلُوا الْحَرَمَ مُقَاتِلِينَ وَمَعَهُمْ عَيَّالَاتُهُمْ، فَهُزِمُوا وَأُخِذْت عَيَّالَاتُهُمْ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُؤْسَرُوا.\nلِأَنَّهُمْ أَتْبَاعُ الْمُقَاتِلَةِ، وَحِينَ اُلْتُحِقَ الْحُرُمُ بِالْحِلِّ فِي حَقِّ الْأُصُولِ لِهَتْكِهِمْ حُرْمَةِ الْحَرَمِ فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ الْأَتْبَاعِ، فَإِنَّ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي حَقِّ التَّبَعِ بِثُبُوتِهِ فِي الْأَصْلِ.\n٥٦٠ - وَلَوْ كَانُوا قَاتَلُوا فِي غَيْرِ الْحَرَمِ فَقَتَلُوا جَمَاعَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ انْهَزَمُوا بِعَيَّالَاتِهِمْ حَتَّى أَدْخَلُوهُمْ الْحَرَمَ فَحَصَلُوا فِي الْحَرَمِ مُنْهَزِمِينَ لَا فِئَةَ لَهُمْ، لَمْ يَحِلَّ أَنْ يُعْرَضَ لَهُمْ وَلَا لِعِيَالَاتِهِمْ.","vol":"1","page":369},{"text":"لِأَنَّهُمْ الْتَجَئُوا إلَى الْحَرَمِ مُعَظِّمِينَ لَهَا وَكَانُوا آمِنِينَ فِيهَا، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُمْ دَخَلُوا الْحَرَمَ هَاتِكِينَ حُرْمَتَهَا بِالْقَصْدِ إلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ فِيهَا.\n٥٦١ - وَلَوْ كَانَتْ فِئَتُهُمْ تَجَمَّعَتْ بِالْحَرَمِ وَصَارَتْ لَهُمْ مَنَعَةٌ فَهَرَبَ هَؤُلَاءِ بِعَيَّالَاتِهِمْ إلَى فِئَتِهِمْ فِي الْحَرَمِ فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِمْ وَأَسْرِهِمْ.\nلِأَنَّ الْمُلْتَجِئَ إلَى فِئَةٍ يَكُونُ مُحَارِبًا وَلَا يَكُونُ تَارِكًا لِلْحَرْبِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الْمُنْهَزِمَ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ يُتَّبَعُ فَيُقْتَلُ، إذَا بَقِيَتْ لَهُمْ فِئَةٌ. فَكَذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.\n٥٦٢ - وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَا فِي أَهْلِ الْحَرْبِ هُوَ الْحُكْمُ فِي الْخَوَارِجِ وَأَهْلِ الْبَغْيِ. إلَّا أَنَّهُ لَا تُسْبَى ذَرَارِيِّهِمْ وَلَا نِسَاؤُهُمْ.\nلِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا، وَلِتَأَكُّدِ حُرِّيَّتِهِمْ بِالْإِسْلَامِ كَانُوا آمِنِينَ مِنْ السَّبْيِ.\nفَأَمَّا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا يَحِلُّ فِيهِ قَتْلُهُمْ، وَيَحْرُمُ فَهُمْ كَأَهْلِ الْحَرْبِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":370},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>[بَابٌ مِنْ الْأَمَانِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ]</span>\n٥٦٣ - وَإِذَا أَحَاطَ الْمُسْلِمُونَ بِحِصْنٍ مِنْ حُصُونِ أَهْلِ الْحَرْبِ فَأَشْرَفَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ نَفَرٍ فَقَالُوا: آمِنُونَا عَلَى أَنْ نَخْرُجَ إلَيْكُمْ لِنُرَاوِضَكُمْ عَلَى الصُّلْحِ. فَفُعِلَ ذَلِكَ بِهِمْ، فَخَرَجَ مِنْهُمْ عِشْرُونَ رَجُلًا مَعًا، فَإِنْ عَرَفْنَا الْأَرْبَعَةَ بِأَعْيَانِهِمْ كَانُوا آمِنِينَ، وَمَنْ سِوَاهُمْ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، إنْ شَاءُوا قَتَلُوهُمْ وَإِنْ شَاءُوا جَعَلُوهُمْ فَيْئًا\nلِأَنَّهُمْ حَصَلُوا فِي أَيْدِينَا بِغَيْرِ أَمَانٍ. فَإِنَّ الْمَحْصُورَ بِمُجَرَّدِ الْخُرُوجِ لَا يَسْتَفِيدُ الْأَمْنَ مَا لَمْ يُعْطَ لَهُ الْأَمَانُ نَصًّا. (آخِرُ ص ١٣٦) . وَكَيْفَ يَسْتَفِيدُ الْأَمْنَ وَإِنَّمَا حُصِرَ لِيَخْرُجَ، وَلَيْسَ بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ وَبَيْنَ مَنْ سِوَاهُمْ سَبَبٌ يُوجِبُ الْأَمْنَ لَهُمْ بِطَرِيقِ التَّبَعَةِ.\nوَأَمَّا حُكْمُ الْأَرْبَعَةِ:\n٥٦٤ - فَإِنْ اسْتَقَامَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَهُمْ صُلْحٌ وَإِلَّا رَدُّوهُمْ إلَى حِصْنِهِمْ، كَمَا هُوَ مُوجِبُ الْأَمَانِ. وَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَرْجِعُوا إلَى الْحِصْنِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُجْبِرُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ حَصَلُوا آمِنِينَ فِينَا.","vol":"1","page":409},{"text":"وَلَا يَجُوزُ التَّعَرُّضُ لَهُمْ بِحَبْسٍ وَلَا أَسْرٍ. وَلَكِنْ يُقَالُ لَهُمْ اذْهَبُوا إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ إنْ شِئْتُمْ، فَإِنَّا لَا نَتَعَرَّضُ لَكُمْ حَتَّى تَبْلُغُوا مَأْمَنَكُمْ.\nلِأَنَّ الْوَفَاءَ بِالْأَمَانِ وَالتَّحَرُّزَ عَنْ الْعُذْرِ وَاجِبٌ.\n٥٦٥ - فَإِنْ قَالُوا: لَا نُفَارِقُ عَسْكَرَكُمْ. فَالسَّبِيلُ أَنْ يَتَقَدَّمَ الْإِمَامُ إلَيْهِمْ وَيُؤَجِّلَهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ مَا يَرَاهُ، وَيُخْبِرَهُمْ أَنَّهُمْ إنْ لَمْ يَذْهَبُوا جَعَلَهُمْ ذِمَّةً وَأَخْرَجَهُمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.\nوَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا الْفَصْلِ.\nوَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: إنْ ذَهَبْتُمْ إلَى وَقْتِ كَذَا وَإِلَّا جَعَلْنَاكُمْ عَبِيدًا أَوْ وَإِلَّا فَدِمَاؤُكُمْ حَلَالٌ.\nلِأَنَّهُمْ آمِنُونَ فِينَا، وَمِنْ ضَرُورَةِ الْأَمَانِ ثُبُوتُ الْعِصْمَةِ عَنْ الِاسْتِرْقَاقِ وَالْقَتْلِ. وَكَمَا لَا يَمْلِكُ تَنْفِيذَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فِي الْحَالِ لَا يَمْلِكُ تَعْلِيقَهُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ، بِخِلَافِ تَصْيِيرِهِمْ ذِمَّةً عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي الْأَمَانَ بَلْ يُقَرِّرُهُ.\nوَالْكَافِرُ لَا يُمَكَّنُ مِنْ إطَالَةِ الْمَقَامِ فِينَا بِدُونِ صَغَارِ الْجِزْيَةِ وَالْتِزَامِ أَحْكَامِنَا فِي الْمُعَامَلَاتِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الِاسْتِخْفَافِ بِالْمُسْلِمِينَ.\n٥٦٦ - وَلَوْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَالُوا لِأَرْبَعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ: انْزِلُوا، فَأَنْتُمْ آمِنُونَ حَتَّى نُرَاوِضَكُمْ عَلَى الصُّلْحِ فَنَزَلَ عِشْرُونَ رَجُلًا فِيهِمْ أُولَئِكَ","vol":"1","page":410},{"text":"الْأَرْبَعَةُ، وَلَكِنْ لَا نَعْلَمُ الْأَرْبَعَةَ بِأَعْيَانِهِمْ، وَكُلُّ وَاحِدٍ يَقُولُ: أَنَا مِنْ الْأَرْبَعَةِ. فَهُمْ جَمِيعًا آمِنُونَ، لَا يَحِلُّ قَتْلُ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَلَا أَسْرُهُ.\nلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ تَرَدَّدَ حَالُهُ بَعْدَمَا حَصَلَ فِينَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ آمِنًا مَعْصُومَ الدَّمِ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُبَاحَ الدَّمِ. فَيَتَرَجَّحُ جَانِبُ الْعِصْمَةِ عَمَلًا بِقَوْلِهِ - ﷺ - «مَا اجْتَمَعَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ فِي شَيْءٍ إلَّا غَلَبَ الْحَرَامُ الْحَلَالَ» وَلِأَنَّ الْأَمَانَ يُتَوَسَّعُ فِي إثْبَاتِ حُكْمِهِ لَا فِي الْمَنْعِ مِنْ ثُبُوتِ حُكْمِهِ، وَلِأَنَّ تَرْكَ الْقَتْلِ وَالْأَسْرِ، وَهُوَ حَلَالٌ لَهُ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى قَتْلٍ أَوْ أَسْرٍ فِي مَحَلٍّ مَعْصُومٍ. ثُمَّ هَذَا التَّجْهِيلُ مِنْ نَاحِيَةِ الْمُسْلِمِينَ حِينَ لَمْ يُعَلِّمُوا الْأَرْبَعَةَ بِعَلَامَةٍ يَتَمَكَّنُونَ مِنْ تَمْيِيزِهِمْ بِتِلْكَ الْعَلَامَةِ عَنْ أَغِيَارهمْ، فَلَا يُؤَثِّرُ ذَلِكَ فِي إبْطَالِ الْأَمَانِ الثَّابِتِ بِطَرِيقِ الِاحْتِمَالِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ.\nوَلَكِنَّهُمْ يَبْلُغُونَ مَأْمَنَهُمْ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أُمِّنُوا جَمِيعًا.\n٥٦٧ - وَلَوْ أَنَّ الْأَمِيرَ أَمَّنَ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ بِأَعْيَانِهِمْ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالنُّزُولِ، ثُمَّ فَتَحَ الْحِصْنَ، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: أَنَا مِنْ الْأَرْبَعَةِ. فَإِنْ عَرَفَ الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ أَمَّنُوهُمْ وَإِلَّا كَانَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ فَيْئًا.\nلِأَنَّهُمْ أُخِذُوا فِي مَنَعَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَمَنْ كَانَ فِي مَنَعَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ فَهُوَ مُبَاحُ الْأَخْذِ، إلَّا أَنْ يُعْلَمَ فِيهِ مَانِعٌ، وَلَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمْ. بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَهُنَاكَ الْأَرْبَعَةُ صَارُوا آمِنِينَ، وَهُمْ فِي مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَمِنْ فِي مَنَعَةِ","vol":"1","page":411},{"text":"الْمُسْلِمِينَ لَا يَكُونُ مُحَارِبًا لَهُمْ. بِاعْتِبَارِ الْحَالِ، فَمَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ مُحَارِبٌ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ وَأَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْأَمَانُ لَا يَجُوزُ التَّعَرُّضُ لَهُ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ أَرْبَعَةٌ فِي الْحِصْنِ، فَأَمَرَهُمْ الْمُسْلِمُونَ بِالنُّزُولِ، فَنَزَلَ عِشْرُونَ وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَسْلَمَ فِي الْحِصْنِ، لَمْ يَحِلَّ سَبْيُ أَحَدٍ مِنْهُمْ.\n٥٦٨ - وَلَوْ أَسْلَمَ أَرْبَعَةٌ فِي الْحِصْنِ وَلَمْ يَخْرُجُوا حَتَّى ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْحِصْنِ، فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَسْلَمَ، كَانُوا جَمِيعًا فَيْئًا، إلَّا مَنْ عُرِفَ بِعَيْنِهِ أَنَّهُ كَانَ فِيمَنْ أَسْلَمَ. فَحِينَئِذٍ يَكُونُ حُرًّا هُوَ وَأَوْلَادُهُ الصِّغَارُ، وَيَسْلَمُ لَهُ مَالُهُ.\nلِأَنَّهُ هُوَ الْمُحْرِزُ لَهُ.\nفَأَمَّا الْكِبَارُ مِنْ أَوْلَادِهِ فَلَا يَتْبَعُونَهُ فِي الْإِسْلَامِ فَكَانُوا فَيْئًا أَجْمَعِينَ. إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَ أَحَدًا مِنْهُمْ هَا هُنَا.\nلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَابِلٌ لِلْإِسْلَامِ أَوْ رَاغِبٌ فِيهِ (ص ١٣٧) وَإِسْلَامُ الْأَسِيرِ يُؤَمِّنُهُ عَنْ الْقَتْلِ وَلَكِنَّهُ لَا يُؤَمِّنُهُ عَنْ الِاسْتِرْقَاقِ.\n٥٦٩ - قَالَ: وَلَوْ لَمْ أَسْبِ هَؤُلَاءِ لَمْ أَسْبِ أَهْلَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ إذَا عَلِمْت أَنَّ فِيهَا مُسْلِمًا وَاحِدًا أَوْ ذِمِّيًّا وَلَا أَعْرِفُهُ بِعَيْنِهِ. فَهَذَا لَيْسَ بِسَبْيٍ، وَكُلُّ مَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ الظُّهُورُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَهُوَ فَيْءٌ مَا لَمْ يُعْلَمْ الْمَانِعُ فِيهِ.\nوَاسْتَوْضَحَ هَذَا الْفَرْقُ بِمَا:","vol":"1","page":412},{"text":"لَوْ دَخَلَ قَوْمٌ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ بِغَيْرِ أَمَانٍ قَرْيَةً مِنْ قُرَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فَأَتَاهُمْ الْمُسْلِمُونَ لِيَأْخُذُوا أَهْلَ الْحَرْبِ فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ فِي الْقَرْيَةِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَهُمْ آمِنُونَ كُلُّهُمْ.\nلِأَنَّهُمْ فِي مَوْضِعِ الْأَمْنِ وَالْعِصْمَةِ. فَلَا يَحِلُّ التَّعَرُّضُ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ مَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ.\n٥٧٠ - وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ دَخَلُوا بَعْضَ حُصُونِ أَهْلِ الْحَرْبِ بِمَرْأَى الْعَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ ظَهَرْنَا عَلَى أَهْلِ الْحِصْنِ، فَكُلُّ مَنْ فِي الْحِصْنِ فَيْءٌ، إلَّا مَنْ عُرِفَ بِالذِّمَّةِ بِعَيْنِهِ.\nلِأَنَّهُمْ وُجِدُوا فِي مَوْضِعِ النُّهْبَةِ وَالْإِبَاحَةِ فَكَانُوا فَيْئًا، مَا لَمْ يَظْهَرْ الْمَانِعُ فِي بَعْضِهِمْ. وَتَحْكِيمُ الْمَكَانِ فِي مِثْلِ هَذَا أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ مَنْ رَأَى شَخْصًا فِي دَارِ الْحَرْبِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ يُبَاحُ لَهُ الرَّمْيُ إلَيْهِ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ. وَلَوْ رَآهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ حَرْبِيٌّ.\n٥٧١ - وَلَوْ أَنَّ ذِمِّيًّا دَخَلَ حِصْنًا مِنْ حُصُونِهِمْ، فَافْتُتِحَ الْحِصْنُ حِينَ دَخَلَ الرَّجُلُ، وَلَمْ يُقْتَلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ حَتَّى أُخِذُوا، وَقَدْ أَحَاطَ الْعِلْمُ بِأَنَّ الذِّمِّيَّ فِيمَنْ أُخِذَ وَلَا يُعْلَمُ أَيُّهُمْ هُوَ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَ أَحَدًا مِنْهُمْ.","vol":"1","page":413},{"text":"لِأَنَّهُ لَيْسَ بَعْضُهُمْ بِأَنْ يَقْتُلَهُ أَوْلَى مِنْ الْبَعْضِ. وَلَوْ قَتَلَهُمْ جَمِيعًا كَانَ مُتَيَقِّنًا بِقَتْلِ مَنْ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ. وَلَا طَرِيقَ لَهُ إلَى التَّحَرُّزِ عَمَّا لَا يَحِلُّ إلَّا بِالْكَفِّ عَنْ قَتْلِهِمْ جَمِيعًا. وَهَذَا لِأَنَّ التَّحَرُّزَ عَنْ قَتْلِ الذِّمِّيِّ فَرْضٌ عَلَيْهِ، وَقَتْلُ الْحَرْبِيِّ الْأَسِيرِ مُبَاحٌ لَهُ. وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ الْمُبَاحِ وَالْفَرْضِ. وَفِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تَتَحَقَّقُ الْمُعَارَضَةُ يَتَرَجَّحُ جَانِبُ الْحُرْمَةِ عَلَى الْحِلِّ. فَهُنَا أَوْلَى.\n٥٧٢ - فَإِنْ كَانَ الْقَوْمُ قُتِلَ بَعْضُهُمْ، أَوْ مَاتَ بَعْضُهُمْ، أَوْ جُرِحَ بَعْضُهُمْ، فَلَمْ يُحِطْ الْعِلْمُ بِأَنَّ الذِّمِّيَّ فِيهِمْ فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِ الرِّجَالِ كُلِّهِمْ.\nلِأَنَّهُمْ وُجِدُوا فِي مَوْضِعِ الْحَرْبِ، وَالْمَانِعُ مِنْ قَتْلِهِمْ كَوْنُ الذِّمِّيِّ فِيهِمْ. وَذَلِكَ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ بِهِ، فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِمْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الذِّمِّيَّ كَانَ هُوَ الَّذِي مَاتَ أَوْ خَرَجَ مِنْهُمْ. وَهَذَا لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ حَرْبِيٌّ مُبَاحُ الدَّمِ.\nوَإِنَّمَا يُبْنَى عَلَى الظَّاهِرِ فِيمَا لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى حَقِيقَتِهِ، إلَّا أَنْ يُعَارِضَ الظَّاهِرَ يَقِينٌ بِخِلَافِهِ. فَفِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ عَارَضَ الظَّاهِرَ يَقِينٌ وَهُوَ الْعِلْمُ بِكَوْنِ الذِّمِّيِّ فِيهِمْ، وَفِي هَذَا الْفَصْلِ لَمْ يُعَارِضْ الظَّاهِرَ يَقِينٌ، فَبُنِيَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ.\n٥٧٣ - فَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ ظَنِّ الْإِمَامِ أَنَّ الذِّمِّيَّ فِيهِمْ وَكُلُّهُمْ يَقُولُ: أَنَا الذِّمِّيُّ، فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ لَا يَقْتُلَ أَحَدًا مِنْهُمْ.\nلِأَنَّ أَكْبَرَ الرَّأْيِ وَإِنْ كَانَ لَا يُعَارِضُ الظَّاهِرَ، لَكِنْ يَثْبُتُ بِهِ اسْتِحْبَابُ الِاحْتِيَاطِ. أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ وَجَدَ مَاءً وَغَلَبَ عَلَى رَأْيِهِ أَنَّهُ نَجِسٌ وَلَكِنْ لَمْ يُخْبِرْهُ أَحَدٌ بِنَجَاسَتِهِ فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِغَيْرِهِ، وَإِنْ تَوَضَّأَ بِهِ أَجْزَأَهُ. فَهَا هُنَا أَيْضًا الْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَقْتُلَ أَحَدًا مِنْهُمْ.\n٥٧٤ - وَإِنْ كَانَ لَوْ قَتَلَهُمْ، جَازَ. بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ","vol":"1","page":414},{"text":"- ﷺ - لِوَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ: «ضَعْ يَدَكَ عَلَى صَدْرِكَ وَاسْتَفْتِ قَلْبَكَ، فَمَا حَكَّ فِي صَدْرِكَ فَدَعْهُ، وَإِنْ أَفْتَاك النَّاسُ بِهِ» .\nوَإِنْ كَانَ لَا رَأْيَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلَهُمْ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ.\nوَإِنْ شَكَّ فِي اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلَ الْبَاقِينَ وَيَسْبِيَ الَّذِينَ فِي أَكْبَرِ رَأْيِهِ أَنَّ الذِّمِّيَّ فِيهِمْ.\n٥٧٥ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ أَشْرَفَ عَلَى الْحِصْنِ فَدَلَّنَا عَلَى عَوْرَةٍ مِنْ عَوْرَاتِهِمْ فَأَمَّنَهُ الْإِمَامُ ثُمَّ اُفْتُتِحَ الْحِصْنُ مِنْ سَاعَتِهِ فَهَذَا وَالذِّمِّيُّ سَوَاءٌ.\nلِأَنَّ الَّذِي أَمَّنَّاهُ مَعْصُومٌ عَنْ الْقَتْلِ، فَإِنَّ حُرْمَةَ الْقَتْلِ بِالْأَمَانِ وَبِالذِّمَّةِ سَوَاءٌ.\n٥٧٦ - وَلَوْ وُجِدَتْ الْمُرَاوَضَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ أَهْلِ الْحِصْنِ (ص ١٣٨) عَلَى الصُّلْحِ فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: أَخْرِجُوا إلَيْنَا أَرْبَعَةً مِنْكُمْ، فَهُمْ آمِنُونَ حَتَّى نُرَاوِضَهُمْ. فَخَرَجَ مِنْهُمْ عِشْرُونَ مَعًا، فَهُمْ آمِنُونَ.\nلِأَنَّ أَرْبَعَةً مِنْ الْعِشْرِينَ قَدْ صَارُوا آمِنِينَ بِإِعْطَاءِ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ الْأَمَانَ. فَإِنَّ إعْطَاءَ الْأَمَانِ لِمَجْهُولٍ صَحِيحٌ.\nفَإِذَا حَصَلُوا فِي عَسْكَرِنَا وَبَعْضُهُمْ آمِنُونَ ثَبَتَ الْأَمَانُ لَهُمْ جَمِيعًا إذْ لَيْسَ بَعْضُهُمْ بِأَوْلَى مِنْ بَعْضٍ\nوَلَا يَحِلُّ التَّعَرُّضُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ لِتَرَدُّدِ حَالِهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ آمِنًا مَعْصُومًا وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَوْ قَالُوا: لِيَخْرُجْ إلَيْنَا رَجُلٌ مِنْكُمْ فَهُوَ آمِنٌ. فَإِذَا فَتَحَ الْبَابَ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَخْرُجَ وَيَكُونَ آمِنًا.","vol":"1","page":415},{"text":"فَإِذَا خَرَجَ عَشَرَةٌ مَعًا فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي صُورَةِ مَنْ سَلَّطَهُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْخُرُوجِ، وَلَوْ خَرَجَ وَحْدَهُ كَانَ آمِنًا.\nفَخُرُوجُ غَيْرِهِ مَعَهُ لَا يُبْطِلُ مَا أَوْجَبَ لَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ الْأَمَانِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ قَالُوا: إنْ فَتَحَ رَجُلٌ مِنْكُمْ الْبَابَ فَهُوَ آمِنٌ فَوَثَبَ عَشْرَةٌ مِنْهُمْ فَفَتَحُوهُ مَعًا كَانُوا آمِنِينَ.\nلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَوْ فَتَحَهُ وَحْدَهُ كَانَ آمِنًا، فَلَا يَبْطُلُ أَمَانُهُ بِفَتْحِ الْغَيْرِ مَعَهُ.\n٥٧٧ - وَلَوْ قَالَ: إنْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْكُمْ إلَيْنَا لِنُرَاوِضَهُ عَلَى الصُّلْحِ فَهُوَ آمِنٌ. فَخَرَجَ رَجُلٌ، ثُمَّ تَبِعَهُ آخَرُ، ثُمَّ آخَرُ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ صَارَ فِي مَنَعَتِنَا قَبْلَ خُرُوجِ الْآخَرِينَ فَالثَّانِي وَالثَّالِثُ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ.\nلِأَنَّ حُكْمَ الْأَمَانِ تَعَيَّنَ فِي الْأَوَّلِ حِينَ صَارَ فِي مَنَعَتِنَا وَحْدَهُ، ثُمَّ خَرَجَ الثَّانِي وَالثَّالِثُ بِغَيْرِ أَمَانٍ، فَإِنَّ النَّكِرَةَ فِي مَوْضِعِ الْإِثْبَاتِ تَخُصُّ. فَبَعْدَمَا تَعَيَّنَ الْأَوَّلُ لَهُ لَا يَمَسُّ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ.\nوَإِنْ لَمْ يَصِلْ الْأَوَّلُ إلَى مَنَعَتِنَا حَتَّى لَحِقَهُ صَاحِبَاهُ فَهَذَا وَخُرُوجُهُمْ مَعًا سَوَاءٌ.\nلِأَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ خُرُوجُهُ إلَيْنَا. وَإِنَّمَا يَتِمُّ ذَلِكَ بِوُصُولِهِ إلَى مَنَعَتِنَا، فَقَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَتَعَيَّنْ الْأَمَانُ فِي الْأَوَّلِ، فَكَانَ هَذَا وَخُرُوجُهُمْ مَعًا سَوَاءٌ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الْأَوَّلَ لَوْ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى مَنَعَتِنَا ثُمَّ خَرَجَ الْآخَرُ كَانَ آمِنًا إذَا وَصَلَ إلَى مَنَعَتِنَا.\nوَلَوْ وَصَلَ الْأَوَّلُ إلَى مَنَعَتِنَا ثُمَّ مَاتَ أَوْ رَجَعَ فَخَرَجَ الْآخَرُ كَانَ فَيْئًا.","vol":"1","page":416},{"text":"أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ الثَّانِيَ عَجَّلَ فَوَصَلَ إلَى مَنَعَتِنَا قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ الْأَوَّلُ مِنْ مَنَعَةِ الْمُشْرِكِينَ أَلَمْ يَكُنْ آمِنًا؟ وَهُوَ أَوَّلُ رَجُلٍ وَصَلَ إلَى مَنَعَتِنَا، فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ حَالُ الْوُصُولِ إلَى مَنَعَتِنَا، وَقَدْ وَصَلُوا إلَيْنَا مَعًا فَكَأَنَّهُمْ خَرَجُوا مَعًا فَكَانُوا آمِنِينَ.\nفَإِنْ قِيلَ: إذَا خَرَجُوا مَعًا كَيْفَ يَثْبُتُ الْأَمَانُ لَهُمْ وَالنَّكِرَةُ فِي الْإِثْبَاتِ لَا تَعُمُّ؟ قُلْنَا: هَذِهِ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ: بِصِفَةٍ عَامَّةٍ وَهِيَ الْخُرُوجُ إلَيْنَا، وَمِثْلُ هَذِهِ النَّكِرَةِ تَعُمُّ، كَالرَّجُلِ يَقُولُ: لَا أُكَلِّمُ إلَّا رَجُلًا عَالِمًا. وَلَكِنْ يَنْتَهِي شَرْطُ الْأَمَانِ بِوُصُولِ أَحَدِهِمْ إلَيْنَا قَبْلَ خُرُوجِ الْآخَرِينَ. فَإِذَا خَرَجُوا مَعًا كَانُوا آمِنِينَ لِهَذَا.\n٥٧٨ - وَلَوْ كَانَ قَالَ: عَشَرَةٌ مِنْكُمْ آمِنُونَ عَلَى أَنْ تَفْتَحُوا الْبَابَ. فَقَالَ الْإِمَامُ: نَعَمْ. فَفَتَحُوا الْبَابَ فَعَشْرَةٌ مِنْهُمْ آمِنُونَ، وَالْخِيَارُ فِي تَعْيِينِهِمْ إلَى الْإِمَامِ.\nلِأَنَّهُ مَا أَوْجَبَ الْأَمَانَ لِلْفَاتِحِينَ بِأَعْيَانِهِمْ، وَإِنَّمَا أَوْجَبَهُ لِعَشَرَةٍ مُنَكَّرَةٍ مِنْهُمْ. وَلَكِنَّ إيجَابَ الْأَمَانِ لِلْمَجْهُولِ يَصِحُّ مُنْجَزًا، وَكَذَلِكَ مُعَلَّقًا بِالشَّرْطِ ثُمَّ الْبَيَانُ يَكُونُ إلَى مَنْ أَوْجَبَ فِي الْمَجْهُولِ كَمَا فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ\nوَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْأَمَانُ لِعَشَرَةٍ مِنْهُمْ بِغَيْرِ عِيَالٍ وَلَا مَالٍ، إلَّا مَا عَلَيْهِمْ مِنْ الْكِسْوَةِ وَالسِّلَاحِ اسْتِحْسَانًا.\n؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْأَمَانِ لَهُمْ بَعْدَ فَتْحِ الْبَابِ وَتَمَامِ الْقَهْرِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْعِيَالَ لَا يَدْخُلُونَ فِي مِثْلِهِ.","vol":"1","page":417},{"text":"وَإِنْ كَانُوا قَالُوا: عَشَرَةٌ مِنْ أَهْلِ حِصْنِنَا آمِنُونَ عَلَى أَنْ يُفْتَحَ لَكُمْ الْبَابُ. فَقَالَ الْإِمَامُ: نَعَمْ. فَلَهُ الْخِيَارُ، إنْ شَاءَ جَعَلَ الْعَشَرَةَ مِنْ نِسَائِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ وَإِنْ شَاءَ جَعَلَهُمْ مِنْ رِجَالِهِمْ.\nلِأَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي بِهِ طُلِبَ الْأَمَانُ يَتَنَاوَلُ الْكُلَّ، وَالْكُلُّ (ص ١٣٩) مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ. وَفِي الْأَوَّلِ إنَّمَا خَاطَبَ الرِّجَالَ. فَيَثْبُتُ الْأَمَانُ لِعَشَرَةٍ مِنْ الرِّجَالِ يُعَيِّنُهُمْ الْإِمَامُ.\n٥٨٠ - وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْتَاطَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ، حَتَّى لَا يُخْتَارَ لِلْأَمَانِ مَنْ تَكُونُ مَنْفَعَةُ الْمُسْلِمِينَ فِي اسْتِرْقَاقِهِ أَقَلَّ؛ لِأَنَّهُ نُصِّبَ نَاظِرًا لَهُمْ\nوَهَذَا بِخِلَافِ مَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ لِيَخْرُجْ إلَيْنَا أَرْبَعَةٌ مِنْكُمْ. وَقَوْلِهِ: لِيَخْرُجْ إلَيْنَا أَحَدٌ مِنْكُمْ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ الْأَمَانَ إنَّمَا يَثْبُتُ لَهُمْ بَعْدَمَا وَصَلُوا إلَى مَنَعَتِنَا، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَوْ خَرَجَ وَحْدَهُ كَانَ آمِنًا. فَبِانْضِمَامِ غَيْرِهِ إلَيْهِ لَا يَبْطُلُ الْأَمَانُ. وَهَذَا الْأَمَانُ لِعَشَرَةٍ مِنْهُمْ بَعْدَ الْفَتْحِ وَهُمْ فِي الْحِصْنِ.\nوَحَقِيقَةُ هَذَا الْفَرْقِ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ النَّكِرَةَ هُنَا غَيْرُ مَوْصُوفَةٍ، وَهُنَاكَ النَّكِرَةُ مَوْصُوفَةٌ بِالْخُرُوجِ إلَيْنَا. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: إنْ رَمَى رَجُلٌ مِنْكُمْ بِنَفْسِهِ إلَيْنَا وَحْدَهُ كَانَ آمِنًا. فَرَمَى عَشَرَةٌ مَعًا كَانُوا آمِنِينَ؛ لِأَنَّ النَّكِرَةَ مَوْصُوفَةٌ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَوْ رَمَى بِنَفْسِهِ وَحْدَهُ كَانَ آمِنًا، فَبِانْضِمَامِ غَيْرِهِ إلَيْهِ لَا يَبْطُلُ حَقُّهُ.\n٥٨١ - وَلَوْ قَالَ: لِيَخْرُجْ إلَيْنَا هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ حَتَّى نُرَاوِضَهُمْ عَلَى الصُّلْحِ. فَخَرَجُوا، فَهُمْ آمِنُونَ، سَوَاءٌ قَالَ: وَهُمْ آمِنُونَ أَوْ لَمْ يَقُلْ.","vol":"1","page":418},{"text":"لِأَنَّهُ دَعَاهُمْ إلَى الْخُرُوجِ لِطَلَبِ السِّلْمِ وَالْمُوَافَقَةِ، وَلِأَنَّ الْمُرَاوَضَةَ عَلَى الصُّلْحِ إنَّمَا تَتَأَتَّى مِمَّنْ كَانَ آمِنًا عَلَى نَفْسِهِ. فَهَذَا دَلِيلُ الْأَمَانِ لَهُمْ.\nبِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ لِأَرْبَعَةٍ مِنْهُمْ: اُخْرُجُوا إلَيْنَا. فَخَرَجُوا. فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُمْ.\nلِأَنَّهُ لَيْسَ فِي لَفْظِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْأَمَانِ أَوْ عَلَى الْخُرُوجِ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَافَقَةِ، وَلَكِنَّ هَذَا طَلَبُ الْمُبَارَزَةِ. فَكَأَنَّهُ قَالَ: اُخْرُجُوا إلَيْنَا لِلْقِتَالِ إنْ كُنْتُمْ رِجَالًا.\n٥٨٢ - وَلَوْ قَالَ: اُخْرُجُوا إلَيْنَا فَبِيعُوا وَاشْتَرُوا، كَانُوا آمِنِينَ؛ لِأَنَّ فِي كَلَامِهِ مَا دَلَّ عَلَى الْأَمَانِ وَالْخُرُوجِ إلَى الْمُوَافَقَةِ. فَالتِّجَارَةُ تَكُونُ عَنْ مُرَاضَاةٍ، وَإِنَّمَا يَتَمَكَّنُ مِنْهَا مَنْ يَكُونُ آمِنًا.\n٥٨٣ - وَلَوْ قَالَ: لِيَخْرُجْ إلَيْنَا هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ حَتَّى نُرَاوِضَهُمْ عَلَى الصُّلْحِ. فَخَرَجَ أَرْبَعَةٌ غَيْرُ أُولَئِكَ الْأَرْبَعَةِ، فَهُمْ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ.\nلِأَنَّ دَلَالَةَ الْأَمَانِ لَا تَكُونُ فَوْقَ التَّصْرِيحِ بِعَيْنِهِ.\n٥٨٤ - وَلَوْ قَالَ لِأَرْبَعَةٍ بِأَعْيَانِهِمْ: أَمَّنْتُكُمْ، فَخَرَجَ غَيْرُهُمْ كَانُوا فَيْئًا.\n٥٨٥ - وَإِنْ أَشْكَلَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يَدْرُوا أَنَّهُمْ أُولَئِكَ الْأَرْبَعَةُ أَمْ غَيْرُهُمْ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ غَيْرُهُمْ، كَانُوا فَيْئًا لِإِقْرَارِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِحَقِّ الِاسْتِرْقَاقِ. وَإِنْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ أُولَئِكَ الْأَرْبَعَةُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ.\nلِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهُمْ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَتَجَاسَرُ أَحَدٌ عَلَى الْخُرُوجِ إلَّا مَنْ أُومِنَ بِعَيْنِهِ.","vol":"1","page":419},{"text":"فَإِنْ اتَّهَمَهُمْ اسْتَحْلَفَهُمْ بِاَللَّهِ عَلَى ذَلِكَ. فَإِنْ نَكَلُوا عَنْ الْيَمِينِ كَانُوا فَيْئًا، وَلَكِنْ لَا يُقْتَلُونَ.\nلِأَنَّ النُّكُولَ بِمَنْزِلَةِ الْإِقْرَارِ، وَلَكِنْ فِيهِ ضَرْبُ شُبْهَةٍ وَاحْتِمَالٍ، فَلَا يَجِبُ الْقَتْلُ بِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.\n٥٨٦ - وَإِنْ خَرَجَ عِشْرُونَ رَجُلًا مَعًا فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: أَنَا مِنْ الْأَرْبَعَةِ، وَحَلَفَ عَلَى ذَلِكَ، فَهُمْ آمِنُونَ جَمِيعًا.\nلِأَنَّ كُلَّ أَرْبَعَةٍ لَوْ خَرَجُوا وَحْدَهُمْ وَحَلَفُوا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلُهُمْ. فَخُرُوجُ غَيْرِهِمْ لَا يُبْطِلُ حُكْمَ الْأَمَانِ فِي حَقِّهِمْ. أَوْ لِأَنَّهُ اخْتَلَطَ الْمُسْتَأْمَنُ بِغَيْرِ الْمُسْتَأْمَنِ فِي مَنَعَتِنَا. وَفِي مِثْلِ هَذَا يَثْبُتُ الْأَمَانُ لَهُمْ جَمِيعًا احْتِيَاطًا. فَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُبَلِّغَهُمْ مَأْمَنَهُمْ.","vol":"1","page":420},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>[بَابُ الْخِيَارِ فِي الْأَمَانِ]</span>\n٥٨٧ - قَالَ: وَإِذَا حَاصَرَ الْمُسْلِمُونَ حِصْنًا فَأَشْرَفَ عَلَيْهِمْ رَأْسُ الْحِصْنِ فَقَالَ: آمِنُونِي عَلَى عَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْحِصْنِ عَلَى أَنْ أَفْتَحَهُ لَكُمْ. فَقَالُوا: لَك ذَلِكَ. فَفَتَحَ الْحِصْنَ. فَهُوَ آمِنٌ وَعَشَرَةٌ مَعَهُ.\nلِأَنَّهُ اسْتَأْمَنَ لِنَفْسِهِ نَصًّا بِقَوْلِهِ: آمِنُونِي. فَالْيَاءُ وَالنُّونُ يُكَنِّي بِهِمَا الْمُتَكَلِّمُ عَنْ نَفْسِهِ (ص ١٤٠)، وَقَوْلُهُ عَلَى عَشَرَةٍ، كَلِمَةُ عَشَرَةٍ لِلشَّرْطِ. وَقَدْ شَرَطَ أَمَانَ عَشَرَةٍ مُنَكَّرَةً مَعَ أَمَانِ نَفْسِهِ، فَعَرَفْنَا أَنَّ الْعَشَرَةَ سِوَاهُ.\nثُمَّ الْخِيَارُ فِي تَعْيِينِ الْعَشَرَةِ إلَى رَأْسِ الْحِصْنِ.\nلِأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَا حَظٍّ مِنْ أَمَانِهِمْ، وَهُوَ لَيْسَ بِذِي حَظٍّ، بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي أَمَانِهِمْ، فَقَدْ اسْتَأْمَنَ لِنَفْسِهِ بِلَفْظٍ عَلَى حِدَةٍ، وَلَيْسَ بِذِي حَظٍّ عَلَى أَنَّهُ مُبَاشِرٌ لِأَمَانِهِمْ. فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ مِنْهُ. فَعَرَفْنَا أَنَّهُ ذُو حَظٍّ عَلَى أَنْ يَكُونَ مُعَيِّنًا لِمَنْ تَنَاوَلَهُ الْأَمَانُ مِنْهُمْ، بِاعْتِبَارِ أَنَّ التَّعْيِينَ فِي الْمَجْهُولِ كَالْإِيجَابِ الْمُبْتَدَأِ مِنْ وَجْهٍ.\n٥٨٨ - وَلَوْ كَانَ قَالَ: آمِنُوا لِي عَشَرَةً مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ. فَلَهُ","vol":"1","page":421},{"text":"عَشَرَةٌ يَخْتَارُ أَيَّ عَشَرَةٍ شَاءَ. فَإِنْ اخْتَارَ عَشَرَةً هُوَ أَحَدُهُمْ فَذَلِكَ جَائِزٌ وَإِنْ اخْتَارَ عَشَرَةً سِوَاهُ فَالْعَشَرَةُ آمِنُونَ وَهُوَ فَيْءٌ.\nلِأَنَّهُ مَا اسْتَأْمَنَ لِنَفْسِهِ عَيْنًا، وَإِنَّمَا اسْتَأْمَنَ لِعَشَرَةٍ مُنَكَّرَةٍ، وَلَكِنْ بِقَوْلِهِ لِي شَرَطَ لِنَفْسِهِ أَنْ يَكُونَ ذَا حَظٍّ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ ذَا حَظٍّ عَلَى وَجْهِ مُبَاشَرَةِ الْأَمَانِ لَهُمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ مِنْهُ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ ذُو حَظٍّ، عَلَى أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُعَيِّنُ لِلْعَشَرَةِ. وَنَفْسُهُ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ كَنَفْسِ غَيْرِهِ إذَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْأَمَانُ نَصًّا.\n٥٨٩ - فَإِنْ عَيَّنَ نَفْسَهُ فِي جُمْلَةِ الْعَشَرَةِ صَارَ آمِنًا.\nبِمَنْزِلَةِ التِّسْعَةِ الَّذِينَ عَيَّنَهُمْ مَعَ نَفْسِهِ.\n٥٩٠ - وَإِنْ عَيَّنَ عَشَرَةً سِوَاهُ فَقَدْ تَعَيَّنَ عَلَى حُكْمِ الْأَمَانِ فِيهِمْ وَصَارَ هُوَ فَيْئًا.\nكَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ.\nوَكَانَ حَقِيقَةُ كَلَامِهِ: آمِنُوا لِأَجْلِي عَشَرَةً، وَأَوْجِبُوا لِي حَقَّ تَعْيِينِ عَشَرَةٍ تُؤَمِّنُونَهُمْ. وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ كَانَ الْحُكْمُ فِيهِ مَا بَيَّنَّا.\nقَالَ: وَبَلَغَنَا نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ يَوْمَ النجير.\nوَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ الْحَدِيثِ نَحْوَ ذَلِكَ عَنْ مُعَاوِيَةَ - ﵁ -.\nوَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ الْبِدَايَةُ مِنْ رَأْسِ الْحِصْنِ بِأَنْ يَقُولَ: فَأَفْتَحُ لَكُمْ الْحِصْنَ عَلَى أَنِّي آمِنٌ عَلَى عَشَرَةٍ. أَوْ قَالَ: عَلَى أَنَّ لِي عَشَرَةً آمِنِينَ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ، فَهَذَا وَمَا تَقَدَّمَ سَوَاءٌ فِي الْفَصْلَيْنِ جَمِيعًا.","vol":"1","page":422},{"text":"وَلَوْ قَالَ: أَفْتَحُ لَكُمْ عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونِي فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ، أَوْ عَلَى أَنِّي آمِنٌ فِي عَشَرَةٍ. فَهُوَ سَوَاءٌ، وَهُوَ آمِنٌ وَتِسْعَةٌ مَعَهُ.\nلِأَنَّ حَرْفَ فِي لِلظَّرْفِ. فَقَدْ جَعَلَ نَفْسَهُ فِي جُمْلَةِ الْعَشَرَةِ الَّذِينَ الْتَمَسَ الْأَمَانَ لَهُمْ. فَلَا يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ إلَّا تِسْعَةٌ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَنَاوَلَ عَشَرَةً سِوَاهُ كَانَ هُوَ آمِنًا فِي أَحَدَ عَشَرَةَ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَهُنَاكَ مَا جَعَلَ نَفْسَهُ فِي جُمْلَةِ الْعَشَرَةِ.\nفَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ جَعَلَ الْعَشَرَةَ هُنَا ظَرْفًا لِنَفْسِهِ وَالْمَظْرُوفُ غَيْرُ الظَّرْفِ.\nقُلْنَا: هُوَ كَذَلِكَ فِيمَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ الظَّرْفُ. وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي الْعَدَدِ إلَّا بِالطَّرِيقِ الَّذِي قُلْنَا. وَهُوَ أَنْ يَكُونَ هُوَ أَحَدُهُمْ وَيُجْعَلَ كَأَنَّهُ قَالَ: اجْعَلُونِي أَحَدَ الْعَشَرَةِ الَّذِينَ تُؤَمِّنُونَهُمْ.\nفَإِنْ قِيلَ: إذَا لَمْ يُمْكِنْ حَمْلُهُ عَلَى مَعْنَى الظَّرْفِ حَقِيقَةً فَيَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ بِمَعْنَى مَعَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى؛ ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر: ٢٩] أَوْ يُجْعَلَ بِمَعْنَى عَلَى، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] وَبِاعْتِبَارِ الْوَجْهَيْنِ يَثْبُتُ الْأَمَانُ لِعَشَرَةٍ سِوَاهُ.\nقُلْنَا: الْكَلِمَةُ لِلظَّرْفِ حَقِيقَةً، فَيَجِبُ حَمْلُهَا عَلَى ذَلِكَ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ. وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ هُوَ أَحَدُهُمْ دَاخِلًا فِي عَدَدِهِمْ، فَلِهَذَا لَا نَحْمِلُهُ عَلَى الْمَجَازِ.\nثُمَّ الْخِيَارُ فِي التِّسْعَةِ الَّذِينَ مَعَهُ إلَى الْإِمَامِ هَا هُنَا، لَا إلَى رَأْسِ الْحِصْنِ.\nلِأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ أَحَدَ الْعَشَرَةِ، فَكَمَا لَا خِيَارَ لَهُ لِمَنْ سِوَاهُ مِنْ الْعَشَرَةِ فِي التَّعْيِينِ لَا خِيَارَ لَهُ. وَهَذَا لِأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَا حَظٍّ مِنْ أَمَانٍ الْعَشَرَةِ عَلَى أَنْ","vol":"1","page":423},{"text":"يَتَنَاوَلَهُ حُكْمُ أَمَانِهِمْ، لَا أَنْ يَكُونَ هُوَ مُعَيِّنًا لَهُمْ. وَقَدْ نَالَ مَا سَأَلَ. وَبَقِيَ الْإِمَامُ مُوجِبًا الْأَمَانَ لِتِسْعَةٍ بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمْ فَإِلَيْهِ بَيَانُهَا.\n٥٩٢ - وَلَوْ قَالَ: آمِنُونِي وَعَشَرَةً، أَوْ أَفْتَحُ لَكُمْ عَلَى أَنِّي آمِنٌ أَنَا وَعَشَرَةٌ. فَالْأَمَانُ لَهُ وَلِعَشَرَةٍ سِوَاهُ.\nلِأَنَّ حَرْفَ الْوَاوِ لِلْعَطْفِ. وَإِنَّمَا يُعْطَفُ الشَّيْءُ عَلَى غَيْرِهِ لَا عَلَى نَفْسِهِ.\nفَفِي كَلَامِهِ تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ الْعَشَرَةَ سِوَاهُ هَا هُنَا\nفَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْحِصْنِ إلَّا ذَاكَ الْعَدَدُ (ص ١٤١) أَوْ أَقَلُّ، فَهُمْ آمِنُونَ كُلُّهُمْ.\nلِأَنَّ الْأَمَانَ بِذِكْرِ الْعَدَدِ بِمَنْزِلَةِ الْأَمَانِ لَهُمْ بِالْإِشَارَةِ إلَى أَعْيَانِهِمْ. وَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْحِصْنِ كَثِيرًا فَالْخِيَارُ فِي تَعْيِينِ الْعَشَرَةِ إلَى الْإِمَامِ.\n؛ لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ مَا جَعَلَ نَفْسَهُ ذَا حَظٍّ فِي أَمَانِ الْعَشَرَةِ، وَإِنَّمَا عَطَفَ أَمَانَهُمْ عَلَى أَمَانِ نَفْسِهِ. فَكَانَ الْإِمَامُ هُوَ الْمُوجِبُ لِلْأَمَانِ لَهُمْ فَإِلَيْهِ التَّعْيِينُ.\nوَإِنْ رَأَى أَنْ يَجْعَلَ الْعَشَرَةَ مِنْ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ فَلَهُ ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُتَكَلِّمُ اشْتَرَطَ ذَلِكَ مِنْ الرِّجَالِ.\n٥٩٣ - وَلَوْ قَالَ: آمِنُونِي بِعَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ، كَانَ هَذَا وَقَوْلُهُ: وَعَشَرَةً، سَوَاءٌ.","vol":"1","page":424},{"text":"لِأَنَّ الْبَاءَ لِلْإِلْصَاقِ، فَقَدْ أَلْصَقَ أَمَانَ الْعَشَرَةِ بِأَمَانِهِ. وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إذَا كَانَتْ الْعَشَرَةُ سِوَاهُ. وَلَكِنَّ هَذَا غَلَطٌ زَلَّ بِهِ قَلَمُ الْكَاتِبِ وَالصَّحِيحُ مَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْعَتِيقَةِ (آمِنُونِي فَعَشَرَةً) .\nلِأَنَّ الْفَاءَ مِنْ حُرُوفِ الْعَطْفِ وَهُوَ يَقْتَضِي الْوَصْلَ وَالتَّعْقِيبَ، فَيَسْتَقِيمُ عَطْفُهُ عَلَى قَوْلِهِ أَمِّنُونِي وَعَشَرَةً. فَأَمَّا الْبَاءُ فَتَصْحَبُ الْأَعْوَاضَ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: أَمِّنُونِي بِعَشَرَةٍ؛ بِمَعْنَى عَشَرَةً أُعْطِيكُمْ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ عِوَضًا عَنْ أَمَانِي. وَهَذَا لَا مَعْنَى لَهُ فِي هَذَا الْجِنْسِ مِنْ الْمَسَائِلِ. فَعَرَفْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ قَوْلُهُ: أَمِّنُونِي فَعَشَرَةً.\n٥٩٤ - وَلَوْ قَالَ: أَمِّنُونِي ثُمَّ عَشَرَةً. كَانَ هَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءً، فَالْعَشَرَةُ سَوَاءٌ.\nلِأَنَّ كَلِمَةَ ثُمَّ لِلتَّعْقِيبِ مَعَ التَّرَاخِي. وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَيْضًا أَنَّ الصَّحِيحَ فِي الْأَوَّلِ قَوْلُهُ فَعَشَرَةً؛ لِأَنَّهُ بَدَأَ بِمَا هُوَ لِلْعَطْفِ مُطْلَقًا ثُمَّ بِمَا هُوَ لِلْعَطْفِ عَلَى وَجْهِ التَّعْقِيبِ بِلَا مُهْمَلَةٍ، ثُمَّ إنَّمَا هُوَ لِلتَّعْقِيبِ مَعَ التَّرَاخِي.\n٥٩٥ - وَلَوْ قَالَ: أَمِّنُوا لِي عَشَرَةً، فَالْخِيَارُ فِي تَعْيِينِهِمْ إلَى الْإِمَامِ.\nلِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَمْ يَجْعَلْ نَفْسَهُ ذَا حَظٍّ، وَإِنَّمَا الْتَمَسَ الْأَمَانَ بِعَشَرَةٍ مُنَكَّرَةٍ.\nفَكَأَنَّ الْإِمَامَ هُوَ الَّذِي ابْتَدَأَ فَقَالَ: عَشَرَةٌ مِنْكُمْ آمِنُونِي عَلَى أَنْ يَفْتَحُوا. فَالْخِيَارُ فِي تَعْيِينِهِمْ إلَى الْإِمَامِ. إنْ شَاءَ جَعَلَ الْمُتَكَلِّمَ أَحَدَهُمْ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَجْعَلْ.\n٥٩٦ - وَلَوْ قَالَ: أَمِّنُونِي مَعَ عَشَرَةٍ، فَالْعَشَرَةُ سِوَاهُ","vol":"1","page":425},{"text":"لِأَنَّ كَلِمَةَ مَعَ لِلضَّمِّ وَالْقِرَانِ. وَإِنَّمَا يُضَمُّ الشَّيْءُ إلَى غَيْرِهِ لَا إلَى نَفْسِهِ. فَعَرَفْنَا أَنَّ الْعَشَرَةَ سِوَاهُ.\nوَالْخِيَارُ فِي تَعْيِينِهِمْ إلَى الْإِمَامِ.\nلِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَبْهَمَ الْإِيجَابَ وَالْمُتَكَلِّمُ مَا جَعَلَ نَفْسَهُ ذَا حَظٍّ مِنْ أَمَانِ الْعَشَرَةِ.\n٥٩٧ - وَلَوْ قَالَ: أَمِّنُونِي فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ حِصْنِي. فَهَذَا وَقَوْلُهُ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ، سَوَاءٌ. وَالْأَمَانُ لَهُ وَلِتِسْعَةٍ يَخْتَارُهُمْ الْإِمَامُ.\nفَإِنْ قِيلَ: هُوَ جَعَلَ نَفْسَهُ مَعْرِفَةً بِإِضَافَةِ الْحِصْنِ إلَى نَفْسِهِ؛ وَالْعَشَرَةُ مُنَكَّرَةٌ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَدْخُلَ الْمَعْرِفَةُ فِي النَّكِرَةِ.\nكَمَا قَالَ فِي \" الْجَامِعِ \": إنْ دَخَلَ دَارِي هَذِهِ أَحَدٌ فَعَبْدُهُ حُرٌّ فَدَخَلَهَا هُوَ لَمْ يَحْنَثْ.\nقُلْنَا: هُوَ مَعْرِفَةٌ هُنَا بِإِضَافَةِ الْأَمَانِ إلَى نَفْسِهِ قَبْلَ إضَافَةِ الْحِصْنِ إلَى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ آمِنُونِي. وَإِنَّمَا الْحَاجَةُ إلَى مَعْرِفَةِ حُكْمِ (فِي) .\nوَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لِلظَّرْفِ. وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ هُوَ فِي جُمْلَةِ الْعَشَرَةِ. وَالْعَمَلُ بِالْحَقِيقَةِ هَا هُنَا مُمْكِنٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ كَغَيْرِهِ.\n٥٩٨ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، أَوْ فِي عَشَرَةٍ مِنْ بَنِي أَبِي، كَانَ هُوَ وَتِسْعَةً سِوَاهُ.\nلِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ أَهْلِ بَيْتِهِ وَالْمُرَادُ بَيْتُ النَّسَبِ. وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ بَنِي أَبِيهِ.\nفَكَانَ الْعَمَلُ بِحَقِيقَةِ الظَّرْفِ هَا هُنَا مُمْكِنًا، فَلِهَذَا كَانَ الْأَمَانُ بِعَشَرَةٍ مِمَّنْ سَمَّاهُمْ هُوَ أَحَدُهُمْ، وَالْبَيَانُ إلَى الْإِمَامِ.\n٥٩٩ - وَلَوْ قَالَ: فِي عَشَرَةٍ مِنْ إخْوَانِي، فَهُوَ آمِنٌ وَعَشَرَةٌ سِوَاهُ مِنْ إخْوَانِهِ.","vol":"1","page":426},{"text":"لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِمَا يَمْنَعُ الْعَمَلَ بِحَقِيقَةِ الظَّرْفِ هُنَا. وَالْإِنْسَانُ لَا يَكُونُ مِنْ إخْوَانِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يُجْعَلَ حَرْفُ \" فِي \" بِمَعْنَى مَعَ، كَمَا هُوَ الْأَصْلُ أَنَّهُ مَتَى تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِحَقِيقَةِ الْكَلِمَةِ وَلَهُ مَجَازٌ مُتَعَارَفٌ يُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ الْمَجَازِ لِتَصْحِيحِ الْكَلَامِ.\n٦٠٠ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: فِي عَشَرَةٍ مِنْ وَلَدِي.\n؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مِنْ وَلَدِ نَفْسِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَجْعَلَ الْعَشَرَةَ سِوَاهُ.\nوَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: أَمِّنُوا عَشَرَةً مِنْ إخْوَانِي أَنَا فِيهِمْ، أَوْ قَالَ: عَشَرَةً مِنْ أَوْلَادِي أَنَا مِنْهُمْ فَالْأَمَانُ لِعَشَرَةٍ سِوَاهُ. (ص ١٤٢) .\n٦٠١ - وَلَوْ قَالَ: عَشَرَةً مِنْ أَهْلِ بَيْتِي أَنَا فِيهِمْ، أَوْ عَشَرَةً مِنْ أَهْلِ حِصْنِي أَنَا فِيهِمْ، فَالْأَمَانُ لِعَشَرَةٍ وَهُوَ أَحَدُهُمْ.\nلِمَا بَيَّنَّا مِنْ الْفَرْقِ.\n٦٠٢ - وَلَوْ قَالَ: فِي عَشَرَةٍ مِنْ بَنِيَّ، فَهُوَ عَلَى عَشَرَةٍ مِنْ بَنِيهِ سِوَاهُ يُعَيِّنُهُمْ الْإِمَامُ.\nلِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ نَفْسَهُ ذَا حَظٍّ مِنْ أَمَانِهِمْ.\n٦٠٣ - فَإِنْ كَانُوا ذُكُورًا كُلُّهُمْ أَوْ مُخْتَلِطِينَ فَالْإِمَامُ يُعَيِّنُ أَيَّ عَشَرَةٍ شَاءَ مِنْ ذُكُورِهِمْ أَوْ إنَاثِهِمْ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ ذَكَرٌ فَهُمْ فَيْءٌ كُلُّهُمْ، سِوَى الرَّجُلِ الْمُسْتَأْمَنِ.\nلِأَنَّهُ إنَّمَا اسْتَأْمَنَ لِبَنِيهِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنْ هَذَا الِاسْمَ لَا يَتَنَاوَلُ الْإِنَاثَ الْمُفْرَدَاتِ.","vol":"1","page":427},{"text":"فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ أَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مُخْتَلِطِينَ فَعَيَّنَ الْإِمَامُ عَشَرَةً مِنْ الْإِنَاثِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِذَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُمْ اسْمُ الْبَنِينَ فَكَيْفَ يُعَيِّنُهُمْ الْإِمَامُ؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُ مَا آمَنَ عَشَرَةً وَهُمْ بَنُوهُ، وَإِنَّمَا آمَنَ عَشَرَةً هُمْ مِنْ بَنِيهِ.\nوَعِنْدَ الِاخْتِلَاطِ الْبَنَاتُ الْعَشَرَةُ هُمْ عَشَرَةُ مِنْ بَنِيهِ. فَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يُعَيِّنَهُمْ.\nفَأَمَّا عِنْدَ عَدَمِ الِاخْتِلَاطِ فَالْإِنَاثُ الْمُفْرَدَاتُ لَسْنَ مِنْ بَنِيهِ فَكَيْفَ يَتَنَاوَلُهُنَّ الْأَمَانُ؟ .\n٦٠٤ - وَلَوْ كَانُوا بَنِينَ وَبَنَاتٍ، وَبَنِي بَنِينَ وَبَنِي بَنَاتٍ، فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ عَشَرَةً: إنْ شَاءَ مِنْ الْوِلْدَانِ وَإِنْ شَاءَ مِنْ وَلَدِ الْوَلَدِ.\nوَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا الِاسْمَ يَتَنَاوَلُ بَنِي الْبَنِينَ فِي الْأَمَانِ كَمَا يَتَنَاوَلُ الْبَنِينَ اسْتِحْسَانًا.\nذُكِرَ فِي الْكِتَابِ \" بَنِي الْبَنَاتِ \"، فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: هَذَا غَلَطٌ مِنْ الْكَاتِبِ، وَالصَّحِيحُ: بَنَاتِ الْبَنِينَ. وَقِيلَ: بَلْ هُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْنَا فِيمَا سَبَقَ أَنَّهُ يُطْلَقُ اسْمُ الْبَنِينَ عَلَى أَوْلَادِ الْبَنَاتِ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى أَوْلَادِ الْبَنِينَ. وَالْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ.\nإلَّا أَنَّهُ إذَا قَالَ: فِي عَشَرَةٍ مِنْ إخْوَانِي وَلَهُ أَخَوَاتٌ مُنْفَرِدَاتٌ وَبَنُو إخْوَةٍ فَهُمْ فَيْءٌ كُلُّهُمْ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْإِخْوَةِ لَا يَتَنَاوَلُ الْأَخَوَاتِ الْمُنْفَرِدَاتِ وَلَا بَنِي الْإِخْوَةِ حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا، بِخِلَافِ بَنِي الْبَنِينَ. فَالِاسْمُ هُنَاكَ يَتَنَاوَلُهُمْ مَجَازًا، فَإِذَا اخْتَلَطَ ابْنُ الِابْنِ بِالْبَنَاتِ الْمُنْفَرِدَاتِ يَتَنَاوَلُهُمْ اسْمُ الْبَنِينَ مَجَازًا.\n٦٠٥ - وَلَوْ قَالَ: آمِنُونِي فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَصْحَابِي. فَالْعَشَرَةُ سِوَاهُ.\nلِأَنَّ أَصْحَابَهُ غَيْرُهُ، وَلَا وَجْهَ لِإِعْمَالِ حَرْفِ \" فِي \" هَا هُنَا لِلظَّرْفِ.\n٦٠٦ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: فِي عَشَرَةٍ مِنْ رَقِيقِي، أَوْ فِي عَشَرَةٍ مِنْ مَوَالِي.","vol":"1","page":428},{"text":"وَلَوْ نَظَرَ الْإِمَامُ إلَى فَارِسٍ مِنْهُمْ فَقَالَ: أَنْتَ آمِنٌ فِي عَشَرَةٍ مِنْ فُرْسَانِكُمْ. فَهُوَ آمِنٌ وَتِسْعَةٌ سِوَاهُ.\nفَإِنَّ حَرْفَ \" فِي \" هَا هُنَا لِلظَّرْفِ. فَإِنَّهُ بِصِفَةِ الْعَشَرَةِ الَّذِينَ آمَنَهُمْ الْإِمَامُ.\nفَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ هُوَ أَحَدُهُمْ.\n٦٠٨ - وَإِنْ قَالَ: أَنْتَ آمِنٌ فِي عَشَرَةٍ مِنْ الرَّجَّالَةِ. فَالْعَشَرَةُ مِنْ الرَّجَّالَةِ سِوَاهُ.\nلِأَنَّهُ لَيْسَ بِصِفَةِ الْعَشَرَةِ، فَإِنَّهُ فَارِسٌ، فَعَرَفْنَا أَنَّ حَرْفَ \" فِي \" بِمَعْنَى مَعَ هُنَا.\nوَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ عَلَى عَكْسِ هَذَا.\nقَالَ: وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ فِي هَذَا بِمَا عَلَيْهِ كَلَامُ النَّاسِ.\nيَعْنِي الَّذِي سَبَقَ إلَى فَهْمِ كُلِّ أَحَدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي ذُكِرَتْ.\n٦٠٩ - وَلَوْ قَالَ: فِي عَشْرٍ مِنْ بَنَاتِي، وَلَهُ بَنُونَ، فَالْأَمَانُ، لِلْبَنَاتِ خَاصَّةً.\nلِأَنَّ اسْمَ الْبَنَاتِ لَا يَتَنَاوَلُ الذُّكُورَ بِحَالٍ.\n٦١٠ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ لَهُ بَنَاتُ بَنِينَ، فَهُوَ عَلَيْهِنَّ دُونَ الْبَنِينَ.\nلِأَنَّ اسْمَ الْبَنَاتِ لَا يَتَنَاوَلُهُنَّ مَجَازًا.\nوَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا بَنَاتُ بَنَاتٍ، فَلَيْسَ يَدْخُلْنَ فِي الْأَمَانِ.","vol":"1","page":429},{"text":"وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَظْهَرْ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّ أَوْلَادَ الْبَنَاتِ يُنْسَبُونَ إلَى آبَائِهِمْ لَا إلَى أَبِي أُمِّهِمْ. إلَّا أَنْ يَكُونَ جَرَى مُقَدِّمَةٌ بِأَنْ يَقُولَ: لِي بَنَاتُ بَنَاتٍ، وَقَدْ مَاتَتْ أُمَّهَاتُهُنَّ، فَأَمِّنُونِي فِي بَنَاتِي. فَحِينَئِذٍ يُعْرَفُ بِتِلْكَ الْمُقَدِّمَةِ أَنَّهُ إنَّمَا اسْتَأْمَنَ لَهُنَّ.\nوَالرُّجُوعُ إلَى دَلَالَةِ الْحَالِ لِمَعْرِفَةِ الْمَقْصُودِ بِالْكَلَامِ أَصْلٌ صَحِيحٌ فِي الشَّرْعِ.\n٦١١ - وَلَوْ قَالَ: آمِنُونِي فِي مَوَالِيَّ. وَلَهُ مَوَالٍ وَمَوَالِي مَوَالٍ، كَانُوا آمِنِينَ اسْتِحْسَانًا.\nلِأَنَّ الِاسْمَ لِمُعْتِقِهِ حَقِيقَةً، بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ أَحْيَاهُمْ بِالْإِعْتَاقِ حُكْمًا. أَوْ لِمُعْتِقِ مُعْتِقِهِ مَجَازًا، بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ حِينَ جَعَلَ الْمُعْتِقِينَ أَهْلًا لِإِيجَابِ الْعِتْقِ لَهُمْ، فَكَأَنَّهُ سَبَبٌ لِإِعْتَاقِهِمْ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْأَمَانَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّوَسُّعِ، وَأَنَّ مُجَرَّدَ صُورَةِ اللَّفْظِ يَكْفِي لِثُبُوتِ حَقْنِ الدَّمِ بِهِ احْتِيَاطًا، وَإِنَّمَا لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، فَأَمَّا فِي مَحَلَّيْنِ فَيَجُوزُ أَنْ يُجْمَعَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَكُونُ (ص ١٤٣) الْمَجَازُ مُعَارِضًا لِلْحَقِيقَةِ فِي إدْخَالِ الْجِنْسِ عَلَى صَاحِبِ الْحَقِيقَةِ، وَفِي الْأَمَانِ لَا يُؤَدِّي إلَى هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ. وَإِنَّمَا هَذَا نَظِيرُ قَوْله تَعَالَى؛ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] حَتَّى يَتَنَاوَلَ الْأُمَّ وَالْجَدَّاتِ جَمِيعًا.\n٦١٢ - وَلَوْ قَالَ: آمِنُونِي فِي مَوَالِيَّ. وَلَهُ مَوَالٍ أَعْتَقُوهُ وَمَوَالٍ أَعْتَقَهُمْ، فَالْأَمَانُ لَا يَتَنَاوَلُ الْفَرِيقَيْنِ بِهَذَا اللَّفْظِ.\nلِأَنَّ مَقْصُودَهُ مِنْ طَلَبِ الْأَمَانِ لِلْأَعْلَى مُجَازَاتُهُ عَلَى مَا أَنْعَمَ عَلَيْهِ، وَلِلْأَسْفَلِ التَّرَحُّمُ وَالزِّيَادَةُ فِي الْإِنْعَامِ عَلَيْهِ. وَهُمَا مَعْنَيَانِ مُتَغَايَرَانِ. وَلَا عُمُومَ","vol":"1","page":430},{"text":"لِلِاسْمِ الْمُشْتَرَكِ، بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ اجْتِمَاعُ الْمَعْنَيَيْنِ الْمُتَغَايِرَيْنِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ. فَلِهَذَا كَانَ الْأَمَانُ لِأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ كَالْوَصِيَّةِ، إلَّا أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْمَجْهُولِ لَا تَصِحُّ، فَكَانَتْ بَاطِلَةً بِهَذَا اللَّفْظِ. وَالْأَمَانُ لِلْمَجْهُولِ صَحِيحٌ.\nفَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى مَا نَوَاهُ الَّذِي أَمَّنَهُمْ، وَهُوَ مُصَدَّقٌ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ.\nفَإِنْ قَالَ: مَا نَوَيْت شَيْئًا. فَهُمْ جَمِيعًا آمِنُونَ اسْتِحْسَانًا.\nلَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ اللَّفْظَ الْمُشْتَرَكَ عَمَّهُمْ فَالْمُشْتَرَكُ لَا عُمُومَ لَهُ، وَلَكِنْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْأَمَانَ يَتَنَاوَلُ أَحَدَ الْفَرِيقَيْنِ، وَلَا يُعْرَفُونَ بِأَعْيَانِهِمْ. وَعِنْدَ اخْتِلَاطِ الْمُسْتَأْمَنِ بِغَيْرِ الْمُسْتَأْمَنِ يَثْبُتُ الْأَمَانُ لَهُمْ احْتِيَاطًا كَمَا بَيَّنَّا.\nفَإِنْ قِيلَ: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خِيَارُ التَّعْيِينِ إلَى الْإِمَامِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فِي الِابْتِدَاءِ؛ لِأَنَّهُ أَوْجَبَ فِي الْمَجْهُولِ، فَإِلَيْهِ الْبَيَانُ.\nقُلْنَا: لَا كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْمُشْتَرَكَ غَيْرُ الْمُجْمَلِ. وَاللَّفْظُ الَّذِي أَوْجَبَ الْأَمَانَ هُنَا لَيْسَ بِمُجْمَلٍ حَتَّى يَرْجِعَ فِي الْبَيَانِ إلَى الْمُجْمَلِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُشْتَرَكٌ. بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى وَجْهِ الِانْفِرَادِ، كَأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ.\nوَفِي مِثْلِ هَذَا لَا بَيَانَ لِلْمُوجِبِ، وَإِنَّمَا يُطْلَبُ الْبَيَانُ بِالتَّأَمُّلِ فِي صِفَةِ الْكَلَامِ.\nفَإِذَا تَعَذَّرَ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ كَانُوا جَمِيعًا آمِنِينَ، لِاخْتِلَاطِ الْمُسْتَأْمَنِ بِغَيْرِ الْمُسْتَأْمَنِ. وَهَذَا لِأَنَّ بَيَانَ الْمُشْتَرَكِ بِمَا يَكُونُ مُقَارِنًا. فَأَمَّا مَا يَكُونُ طَارِئًا فَهُوَ نَسْخٌ، فَلَا جَرَمَ إذَا قَالَ: نَوَيْت الْأَسْفَلِينَ أَوْ الْأَعْلَيْنَ، كَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا.\nلِأَنَّهُ بَيَانٌ بِمَا اقْتَرَنَ بِالْكَلَامِ. فَأَمَّا إذَا قَالَ: أَخْتَارُ الْآنَ، فَهَذَا لَيْسَ بِبَيَانٍ، إنَّمَا هُوَ فِي مَعْنَى النَّسْخِ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ.","vol":"1","page":431},{"text":"وَإِنْ قَالَ الْمُتَكَلِّمُ: أَنَا نَوَيْت الْأَسْفَلَيْنِ. وَقَالَ الْإِمَامُ: أَنَا نَوَيْت الْأَعْلَيْنَ. فَهُوَ عَلَى مَا عَنَى الْإِمَامُ.\nلِأَنَّهُ هُوَ الْمُوجِبُ بِالصِّيغَةِ الْمُشْتَرَكَةِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: آمِنِّي عَلَى قَرِيبِي عَبَّاسِ بْنِ عُمَرَ. فَقَالَ: آمَنْتُك. وَلَهُ قَرِيبَانِ كُلٌّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِهَذَا الِاسْمِ. فَقَالَ الْإِمَامُ: عَنَيْتُ هَذَا. وَقَالَ الْمُسْتَأْمَنُ: عَنَيْت الْآخَرَ. كَانَ ذَلِكَ عَلَى مَا عَنَى الْإِمَامُ.\nوَإِنْ قَالَ الْأَمِيرُ: لَمْ أَعْنِ وَاحِدًا مِنْهُمَا بِعَيْنِهِ. وَقَالَ الْمُسْتَأْمَنُ كَذَلِكَ فَهُمَا آمِنَانِ. لِاخْتِلَاطِ مَنْ صَارَ آمِنًا بِغَيْرِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ تَمْيِيزُهُ.\nوَإِنْ قَالَ الْمُسْتَأْمَنُ: عَنَيْت هَذَا. وَقَالَ الْأَمِيرُ: لَمْ أَعْنِ وَاحِدًا بِعَيْنِهِ، إنَّمَا أَجَبْته إلَى مَا طَلَبَ. فَالْأَمَانُ الَّذِي عَنَاهُ الْمُسْتَأْمَنُ.\nلِأَنَّ الْإِمَامَ بَنَى الْإِيجَابَ عَلَى كَلَامِهِ، وَأَحَدُهُمَا فِي ذَلِكَ عُيِّنَ بِإِرَادَةِ الْمُسْتَأْمَنِ إيَّاهُ. فَيُجْعَلُ ذَلِكَ كَالْمُعَيَّنِ فِي جَوَابِ الْإِمَامِ أَيْضًا.\n٦١٤ - وَلَوْ قَالَ: آمِنِّي عَلَى عَشَرَةٍ مِنْ مَوَالِي الْأَسْفَلِينَ. فَالْخِيَارُ فِي تَعْيِينِهِمْ إلَى الْمُسْتَأْمَنِ هُنَا، كَمَا فِي قَوْلِهِ: عَلَى عَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ حِصْنِي.\nلِأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَا حَظٍّ مِنْ أَمَانِهِمْ، بِذِكْرِ كَلِمَةِ الشَّرْطِ بَعْدَ أَمَانِ نَفْسِهِ.\n٦١٥ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: عَلِيٌّ ابْنُ عَمِّي. فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ أَيَّهُمَا شَاءَ إذَا كَانَ لَهُ ابْنَا عَمٍّ.\nوَلَوْ قَالَ: عَلِيٌّ ابْنُ عَمِّي زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو. فَإِذَا كَانَ لَهُ ابْنَا عَمٍّ كُلُّ وَاحِدٍ","vol":"1","page":432},{"text":"مِنْهُمَا بِهَذَا الِاسْمِ، وَأَجْمَعَ الْمُسْتَأْمَنُ وَاَلَّذِي أَمَّنَ أَنَّهُمَا لَمْ يُعَيِّنَا وَاحِدًا مِنْهُمَا، فَهُمَا آمِنَانِ.\nلِأَنَّ التَّعْرِيفَ بِالِاسْمِ وَالنَّسَبِ كَالتَّعْرِيفِ بِالْإِشَارَةِ. وَإِنَّمَا وَقَعَ الْأَمَانُ بِهَذَا اللَّفْظِ عَلَى أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ، وَلَكِنَّا لَا نَعْرِفُهُ (ص ١٤٤)، فَاخْتَلَطَ الْمُسْتَأْمَنُ بِغَيْرِ الْمُسْتَأْمَنِ. وَفِي الْأَوَّلِ إنَّمَا أَوْجَبَ الْأَمَانَ فِي مُنَكَّرٍ مَجْهُولٍ. فَكَانَ لَهُ أَنْ يُعَيِّنَ أَيَّهُمَا شَاءَ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا بِعَيْنِهِ مِنْ عَبِيدِهِ، ثُمَّ اخْتَلَطَ بِغَيْرِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ تَمْيِيزُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارُ التَّعْيِينِ. بِخِلَافِ مَا لَوْ أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ بِغَيْرِ عَيْنِهِ.\n٦١٦ - وَلَوْ قَالَ: آمِنُونِي فِي عَشَرَةِ أَنْفُسٍ مِنْ بَنِيَّ. فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا. إلَّا أَنَّ هُنَا لَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعَيِّنَ عَشَرَةً مِنْ بَنَاتِهِ لَيْسَ فِيهِنَّ ذَكَرٌ.\nلِأَنَّهُ أَوْجَبَ الْأَمَانَ لِعَشَرَةٍ هُمْ بَنُوهُ. وَهَذَا لَا يَتَنَاوَلُ الْإِنَاثَ الْمُفْرَدَاتِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. فَهُنَاكَ أَوْجَبَ الْأَمَانَ لِعَشَرَةٍ هُمْ مِنْ بَنِيهِ، وَالْإِنَاثُ الْمُفْرَدَاتُ مِنْ بَنِيهِ إذَا كَانَ لَهُ مَعَهُنَّ ذَكَرٌ.\n٦١٧ - وَلَوْ قَالَ: آمِنُونِي عَلَى مَوَالِيَّ. وَلَيْسَ لَهُ إلَّا مُوَالِيَاتٌ إنَاثٌ لَا ذَكَرَ فِيهِنَّ. فَهُنَّ آمِنَاتٌ مَعَهُ اسْتِحْسَانًا\nوَفِي الْقِيَاسِ هَذَا وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْإِخْوَةِ وَالْبَنِينَ سَوَاءٌ فِي أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ الْإِنَاثَ الْمُفْرَدَاتِ وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ: ٦١٨ - وَأَهْلُ اللُّغَةِ يَسْتَجِيزُونَ إطْلَاقَ اسْمِ الْمَوَالِي عَلَى الْإِنَاثِ","vol":"1","page":433},{"text":"الْمُفْرَدَاتِ، وَيَعُدُّونَ قَوْلَ الْقَائِلِ مَوَالِيَاتٍ مِنْ بَابِ التَّكَلُّفِ، بَلْ يَقُولُونَ لِلْمُعْتَقَاتِ: هُنَّ مَوَالِي بَنِي فُلَانٍ، كَمَا يَقُولُونَ لِلْمُعْتَقِينَ، وَلِلْعُرْفِ عِبْرَةٌ فِي مَعْرِفَةِ الْمُرَادِ بِالِاسْمِ.\nفَلِهَذَا تَنَاوَلَ هَذَا اللَّفْظُ الْإِنَاثَ الْمُفْرَدَاتِ فِي الْأَمَانِ وَالْوَصِيَّةِ بِخِلَافِ اسْمِ الْإِخْوَةِ وَالْبَنِينَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.","vol":"1","page":434},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>[بَابُ الْأَمَانِ عَلَى غَيْرِهِ]</span>\nمَا يَدْخُلُ هُوَ فِيهِ وَمَا لَا يَدْخُلُ وَمَا يَكُونُ فِدَاءً وَمَا لَا يَكُونُ\n٦١٩ - قَالَ: رَجُلٌ مِنْ الْمَحْصُورِينَ قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: أَفْتَحُ لَكُمْ الْحِصْنَ عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونِي عَلَى فُلَانٍ رَأْسِ الْحِصْنِ. فَقَالُوا: نَعَمْ. فَفُتِحَ الْحِصْنُ. فَهُوَ وَالرَّأْسُ آمِنَانِ؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِاشْتِرَاطِ الْأَمَانِ لِنَفْسِهِ وَلِلرَّأْسِ عَلَى فَتْحِ الْحِصْنِ. فَإِنَّهُ أَضَافَ الْأَمَانَ إلَى نَفْسِهِ بِالْكِنَايَةِ، وَإِلَى الرَّأْسِ بِالتَّصْرِيحِ بِاسْمِهِ وَوَصَلَ كَلِمَةَ عَلَى الَّذِي هُوَ لِلشَّرْطِ بِهِ.\n٦٢٠ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَنَا آمِنٌ عَلَى فُلَانٍ رَأْسِ الْحِصْنِ إنْ فَتَحْت الْبَابَ. فَقَالُوا: نَعَمْ.\nوَهَذَا لِأَنَّ نَعَمْ غَيْرُ مَفْهُومِ الْمَعْنَى بِنَفْسِهِ، فَإِذَا ذُكِرَ فِي مَوْضِعِ الْجَوَابِ يَصِيرُ الْخِطَابُ مُعَادًا فِيهِ. فَكَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَالُوا لَهُ: أَمَّنَّاك عَلَى فُلَانٍ رَأْسِ الْحِصْنِ عَلَى أَنْ تَفْتَحَ الْبَابَ. وَفِي هَذَا إيجَابُ الْأَمَانِ لَهُمَا، بِمَنْزِلَةِ","vol":"1","page":435},{"text":"مَا لَوْ قَالُوا: أَمَّنَّاك عَلَى أَهْلِك وَوَلَدِك، أَوْ عَلَى أَهْلِك وَمَالِك، عَلَى أَنْ تَفْتَحَ الْحِصْنَ. وَلَوْ كَانَ قَالَ: اعْقِدُوا لِي الْأَمَانَ عَلَى فُلَانٍ فَهُمَا آمِنَانِ أَيْضًا.\n٦٢١ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: اجْعَلُوا لِي الْأَمَانَ عَلَى فُلَانٍ.\nلِأَنَّهُ صَرَّحَ بِاشْتِرَاطِ الْأَمَانِ لِنَفْسِهِ وَلِفُلَانٍ. وَهَذَا بِخِلَافِ مَا قَالَ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ آمِنُوا لِي عَشَرَةً. فَإِنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُهُ الْأَمَانُ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَ كَلَامِهِ هُنَاكَ آمِنُوا لِأَجْلِي، فَلَا يَصِيرُ مُضِيفًا الْأَمَانَ إلَى نَفْسِهِ، بَلْ يَصِيرُ مُلْتَمِسًا الْأَمَانَ لِعَشَرَةٍ مُنَكَّرَةٍ، مُتَشَفِّعًا فِي ذَلِكَ. وَكَمْ مِنْ شَفِيعٍ لَا حَظَّ لَهُ فِيمَا يَشْفَعُ فِيهِ.\nوَلَا يَتَحَقَّقُ هَذَا الْمَعْنَى هُنَا، فَإِنَّ قَوْلَهُ: اعْقِدُوا لِي الْأَمَانَ تَصْرِيحٌ بِإِضَافَةِ الْأَمَانِ إلَى نَفْسِهِ. وَلِأَنَّهُ قَالَ عَلَى فُلَانٍ. وَلَوْ حَمَلْنَا قَوْلَهُ عَلَى مَعْنَى الشَّفَاعَةِ لَمْ يَبْقَ لِقَوْلِهِ: (عَلَى) فَائِدَةٌ، بَلْ يَصِيرُ كَلَامُهُ اعْقِدُوا أَوْ اجْعَلُوا لِأَجْلِي وَبِشَفَاعَتِي الْأَمَانَ لِفُلَانٍ. وَكَلِمَةُ عَلَى لِلشَّرْطِ، فَلَا بُدَّ مِنْ إعْمَالِهَا إذَا صَرَّحَ بِهَا. وَذَلِكَ فِي أَنْ يَلْتَمِسَ الْأَمَانَ لِنَفْسِهِ وَيَشْتَرِطَ أَمَانَ فُلَانٍ مَعَهُ. وَفِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ لَمْ يَذْكُرْ كَلِمَةَ عَلَى، إنَّمَا قَالَ: آمِنُوا لِي عَشَرَةً.\n٦٢٢ - وَلَوْ قَالَ: عَاقِدُونِي عَلَى أَنَّ الْأَمَانَ عَلَى رَأْسِ الْحِصْنِ، فَالرَّأْسُ آمِنٌ وَالْمُتَكَلِّمُ فَيْءٌ.\nلِأَنَّهُ أَضَافَ الْعَقْدَ إلَى نَفْسِهِ دُونَ الْأَمَانِ. وَكَمْ مِنْ مُبَاشِرٍ لِلْعَقْدِ لَا حَظَّ لَهُ مِنْ الْمَقْصُودِ بِالْعَقْدِ، خُصُوصًا فِي هَذَا الْعَقْدِ الَّذِي لَا تَتَعَلَّقُ الْحُقُوقُ فِيهِ بِالْعَائِدِ. وَلَا بُدَّ مِنْ الْإِضَافَةِ (ص ١٤٥) إلَى مَنْ يَقَعُ الْعَقْدُ لَهُ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَوْ قَالُوا: عَاقَدْنَاكَ الْأَمَانَ عَلَى الرَّأْسِ إنْ","vol":"1","page":436},{"text":"فَتَحْت. فَكَانَ الْأَمَانُ عَلَى الرَّأْسِ دُونَهُ؛ لِأَنَّ الْمُعَاقَدَةَ عَلَى مِيزَانِ الْمُفَاعَلَةِ، فَبِهِ يَصِيرُ الْعَقْدُ مُضَافًا إلَيْهِ دُونَ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْعَقْدُ وَهُوَ الْأَمَانُ.\n٦٢٣ - ثُمَّ إنَّمَا يَأْمَنُ الرَّأْسُ وَحْدَهُ، وَلَا يَدْخُلُ فِي الْأَمَانِ عِيَالُهُ وَرَقِيقُهُ فِي هَذَيْنِ الْفَصْلَيْنِ.\nلِأَنَّ الْأَمَانَ لَهُ بَعْدَ الْفَتْحِ وَتَمَامِ الْقَهْرِ. وَفِي مِثْلِهِ لَا يَدْخُلُ إلَّا مَا عَلَيْهِ مِنْ اللِّبَاسِ.\n٦٢٤ - وَلَوْ قَالَ: عَاقِدُونِي الْأَمَانَ، أَوْ اُكْتُبُوا إلَيَّ الْأَمَانَ عَلَى فُلَانٍ. فَقَالُوا: نَعَمْ. فَالْأَمَانُ لِفُلَانٍ دُونَهُ.\n؛ لِأَنَّهُ الْتَمَسَ أَنْ يَكْتُبُوا إلَيْهِ أَمَانَ فُلَانٍ. وَالْمَكْتُوبُ إلَيْهِ قَدْ لَا يَكُونُ ذَا حَظٍّ مِنْ الْمَكْتُوبِ. فَهَذَا وَقَوْلُهُ: عَاقِدُوا لِي سَوَاءٌ.\nوَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: (اُكْتُبُوا لِي الْأَمَانَ عَلَى فُلَانٍ) . وَهُوَ غَلَطٌ.\nفَإِنَّ قَوْلَهُ: اُكْتُبُوا لِي الْأَمَانَ كَقَوْلِهِ: اجْعَلُوا لِي الْأَمَانَ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَصْرِيحًا بِإِضَافَةِ الْأَمَانِ الْمَكْتُوبِ إلَى نَفْسِهِ، فَعَرَفْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ: اُكْتُبُوا إلَيَّ.\n٦٢٥ - وَلَوْ قَالَ: اعْقِدُوا لِي الْأَمَانَ، أَوْ عَاقِدُونِي عَلَى الْأَمَانِ عَلَى عِيَالِي، أَوْ قَالَ: عَلَى وَلَدِي، أَوْ عَلَى مَالِي، أَوْ عَلَى قَرَابَتِي. فَهُوَ آمِنٌ، وَجَمِيعُ مَنْ اشْتَرَطَ عَقْدَ الْأَمَانِ عَلَيْهِ.","vol":"1","page":437},{"text":"أَمَّا فِي قَوْلِهِ: اعْقِدُوا لِي، فَهُوَ غَيْرُ مُشْكِلٍ. وَأَمَّا فِي قَوْلِهِ: عَاقِدُونِي فَهُوَ لَا يَدْخُلُ فِي الْأَمَانِ فِي الْقِيَاسِ، كَمَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ الْعَقْدَ إلَى نَفْسِهِ دُونَ الْأَمَانِ، وَلَكِنَّهُ اُسْتُحْسِنَ هُنَا لِوَجْهَيْنِ:\nأَحَدُهُمَا: أَنَّ فِي كَلَامِهِ دَلَالَةَ اشْتِرَاطِ الْأَمَانِ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ الْأَمَانَ لِوَلَدِهِ وَلِعِيَالِهِ. وَالْمَقْصُودُ بِهِ إبْقَاؤُهُمْ. وَإِنَّمَا بَقَاؤُهُمْ بِبَقَائِهِ عَلَى وَجْهٍ يَعُولُهُمْ بَعْدَ هَذَا، كَمَا كَانَ يَعُولُهُمْ مِنْ قَبْلُ. وَلَا يَتَحَقَّقُ هَذَا إلَّا إذَا تَنَاوَلَهُ الْأَمَانُ، فَإِنَّهُ إذَا قُتِلَ أَوْ اُسْتُرِقَّ لَا يَعُولُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ.\nوَهَذَا فِي قَوْلِهِ: عَلَى مَالِي، أَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ لَا غَرَضَ لَهُ فِي طَلَبِ الْأَمَانِ لِمَالِهِ سِوَى أَنْ يَبْقَى عَلَى مِلْكِهِ، فَيَصْرِفَهُ إلَى حَوَائِجِهِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَثْبُتَ الْأَمَانُ لَهُ. وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَفِيرٍ فِي هَذَا الْعَقْدِ. فَالْعَاقِدُ عَلَى مَالِ نَفْسِهِ يَكُونُ عَامِلًا لِنَفْسِهِ، وَلَا يَكُونُ سَفِيرًا عَنْ غَيْرِهِ.\nوَكَذَلِكَ فِي حَقِّ الْعِيَالِ وَالْوَلَدِ؛ لِأَنَّ قَصْدَهُ إلَى اسْتِنْقَاذِهِمْ لِحَاجَتِهِ إلَى ذَلِكَ حَتَّى يَقُومُوا بِمَصَالِحِهِ، أَوْ لِإِظْهَارِ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ أَظْهَرُ. فَعَرَفْنَا أَنَّهُ طَلَبَ الْأَمَانَ لِنَفْسِهِ دَلَالَةً بِخِلَافِ مَا سَبَقَ.\n٦٢٦ - وَلَوْ قَالَ: عَاقِدُونِي عَلَى الْأَمَانِ عَلَى عِيَالِ فُلَانٍ أَوْ عَلَى وَلَدِ فُلَانٍ. فَهُوَ لَا يَدْخُلُ فِي الْأَمَانِ.\nلِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِهِ دَلِيلٌ عَلَى طَلَبِ الْأَمَانِ لِنَفْسِهِ، فَإِنَّ بَقَاءَ عِيَالِ فُلَانٍ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِبَقَائِهِ، وَبَقَاؤُهُ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ أَيْضًا بِقِيَامِهِمْ بِمَصَالِحِهِ. فَكَانَ هَذَا وَقَوْلُهُ عَلَى رَأْسِ الْحِصْنِ سَوَاءً.\nوَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ فُلَانًا الْمَنْسُوبَ إلَيْهِ الْعِيَالُ وَالْوَلَدُ هَلْ يَدْخُلُ فِي هَذَا الْأَمَانِ أَمْ لَا؟ وَعَلَى أَحَدِ الطَّرِيقَيْنِ الِاسْتِحْسَانُ يَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلَ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ عِيَالِ فُلَانٍ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ يَتَعَلَّقُ بِأَمَانِ فُلَانٍ. وَعَلَى الطَّرِيقِ الْآخَرِ لَا يَدْخُلُ؛ لِأَنَّ","vol":"1","page":438},{"text":"الْمُتَكَلِّمَ أَظْهَرَ الشَّفَقَةَ وَالتَّرَحُّمَ عَلَى وَلَدِ فُلَانٍ وَعِيَالِهِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى شَفَقَتِهِ عَلَى فُلَانٍ.\nثُمَّ أَوْضَحَ هَذَا بِمَا: ٦٢٧ - لَوْ قَالَ الرَّأْسُ: عَاقِدُونِي الْأَمَانَ عَلَى أَهْلِ مَمْلَكَتِي، أَوْ عَلَى بَيْتِي، فَإِنَّهُ بِهَذَا اللَّفْظِ يَعْلَمُ كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّ مُرَادَهُ إبْقَاءُ نَفْسِهِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مُتَصَرِّفًا فِي مَمْلَكَتِهِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ الْأَمَانِ. ٦٢٨ -\nوَلَوْ قَالَ: اعْقِدُوا لِي الْأَمَانَ عَلَى أَهْلِ حِصْنِي عَلَى أَنْ أَفْتَحَهُ لَكُمْ. فَهُوَ آمِنٌ وَأَهْلُ الْحِصْنِ مِنْ بَنِي آدَمَ. فَأَمَّا الْأَمْوَالُ وَالسِّلَاحُ وَالْمَتَاعُ وَالْكُرَاعُ فَهُوَ فَيْءٌ.\nلِأَنَّ ثُبُوتَ الْأَمَانِ بَعْدَ فَتْحِ الْبَابِ. وَفِي مِثْلِهِ لَا تَدْخُلُ الْأَمْوَالُ تَبَعًا.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُمْ شَرَطُوا لَهُ ذَلِكَ جَزَاءً عَلَى فَتْحِ الْبَابِ؟\n٦٢٩ - وَلَوْ تَنَاوَلَ الْأَمَانُ جَمِيعَ مَا فِي الْحِصْنِ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالنُّفُوسِ لَمْ يَبْقَ لِلْمُسْلِمِينَ فَائِدَةٌ فِي فَتْحِ الْبَابِ. (ص ١٤٦) .\nفَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّهُمْ قَصَدُوا ذَلِكَ لِيَتَوَصَّلُوا إلَى اسْتِغْنَامِ الْأَمْوَالِ، وَلِأَنَّ فِي اشْتِرَاطِ فَتْحِ الْبَابِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الَّذِينَ تَنَاوَلَهُمْ الْأَمَانُ غَيْرُ مُقِرِّينَ عَلَى السُّكْنَى فِي الْحِصْنِ، وَإِنَّمَا تَدْخُلُ الْأَمْوَالُ فِي الْأَمَانِ؛ لِأَنَّ التَّمَكُّنَ مِنْ الْمَقَامِ بِهَا يَكُونُ، فَإِذَا انْعَدَمَ ذَلِكَ الْمَعْنَى هُنَا لَا يَدْخُلُ الْمَالُ.","vol":"1","page":439},{"text":"وَلَوْ قَالَ: اعْقِدُوا لِي الْأَمَانَ عَلَى أَهْلِ حِصْنِي عَلَى أَنْ أَدُلَّكُمْ عَلَى الطَّرِيقِ إلَى مَوْضِعِ كَذَا. فَفَعَلُوا، وَفَتَحَ الْحِصْنَ.\nفَجَمِيعُ مَنْ فِي الْحِصْنِ، وَجَمِيعُ مَا فِيهِ دَاخِلٌ فِي الْأَمَانِ هُنَا.\nلِأَنَّ شَرْطَ الْأَمَانِ هُنَا جَزَاءٌ عَلَى الدَّلَالَةِ لَا عَلَى فَتْحِ الْبَابِ، فَفِي كَلَامِهِ بَيَانُ أَنَّهُ يَدُلُّهُمْ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الْقَرَارِ فِي حِصْنِهِ مَعَ أَهْلِ الْحِصْنِ عَلَى مَا كَانُوا مِنْ قَبْلُ. وَفِي مِثْلِ هَذَا الْأَمَانِ تَدْخُلُ الْأَمْوَالُ.\n٦٣١ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: اعْقِدُوا لِي الْأَمَانَ عَلَى أَهْلِ حِصْنِي عَلَى أَنْ تَدْخُلُوهُ فَتُصَلُّوا فِيهِ. فَلَيْسَ لَهُمْ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ مِنْ النُّفُوسِ وَلَا مِنْ الْأَمْوَالِ.\nلِأَنَّ فِي كَلَامِهِ تَصْرِيحًا بِمَا هُوَ فَائِدَةُ فَتْحِ الْبَابِ، وَهُوَ الصَّلَاةُ فِيهِ دُونَ إزْعَاجِ أَهْلِهِ مِنْهُ. وَقَدْ يَرْغَبُ الْمُسْلِمُونَ فِي ذَلِكَ لِيُفْشُوا الْخَبَرَ بِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ صَلَّوْا بِالْجَمَاعَةِ فِي حِصْنِ كَذَا، فَيَقَعُ بِهِ الرُّعْبُ فِي قُلُوبِ الْمُشْرِكِينَ، أَوْ لِيُعْبَدَ اللَّهُ فِي مَكَان لَمْ يَعْبُدْهُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ أَهْلُهُ. وَمَكَانُ الْعِبَادَةِ شَاهِدٌ لِلْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا وَرَدَ بِهِ الْأَثَرُ.\n٦٣٢ - وَلَوْ قَالَ: آمِنُونِي عَلَى أَهْلِ الْحِصْنِ عَلَى أَنْ تَدْخُلُوهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَ ذَلِكَ. فَهَذَا الْأَمَانُ عَلَى النَّاسِ خَاصَّةً.\nلِأَنَّ فَائِدَةَ دُخُولِ الْحِصْنِ الِاسْتِغْنَامُ، هُوَ الظَّاهِرُ وَمَا سِوَاهُ مُحْتَمَلٌ.\nوَلَكِنَّ الْمُحْتَمَلَ لَا يُقَابِلُ الظَّاهِرَ. فَإِذَا انْعَدَمَ التَّصْرِيحُ بِالْوَجْهِ الْمُحْتَمَلِ كَانَ الْكَلَامُ مَحْمُولًا عَلَى الظَّاهِرِ. إلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:","vol":"1","page":440},{"text":"وَبَعْضُ هَذَا قَرِيبٌ مِنْ بَعْضٍ. وَلَكِنَّ هَذَا عَلَى مَا يَقَعُ عَلَيْهِ مَعَانِي الْكَلَامِ.\n٦٣٣ - وَلَوْ قَالَ: أَفْتَحُ الْحِصْنَ عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونِي فِي أَهْلِ حِصْنِي، أَوْ مَعَ أَهْلِ حِصْنِي، أَوْ وَأَهْلَ حِصْنِي، لَمْ تَدْخُلْ الْأَمْوَالُ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا.\nلِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْأَمَانِ لَهُمْ جَزَاءٌ عَلَى فَتْحِ الْبَابِ مُطْلَقًا.\n٦٣٤ - وَلَوْ قَالَ: أَفْتَحُ الْحِصْنَ عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونِي عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ. فَهُوَ آمِنٌ. وَمَالُهُ كُلُّهُ فَيْءٌ. إنَّمَا لَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ يُعْطِيهِ الْإِمَامُ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ.\nلِأَنَّهُ شَرَطَ أَلْفَ دِرْهَمٍ مُطْلَقًا مَعَ أَمَانِ نَفْسِهِ، جَزَاءً عَلَى الْفَتْحِ. وَفِي مِثْلِ هَذَا الْأَمَانِ لَا يَدْخُلُ مَالُهُ، وَلَكِنْ يَدْخُلُ مَا شَرَطَ مِنْ الْأَلْفِ عِوَضًا عَلَى فَتْحِ الْبَابِ.\nفَإِذَا فَتَحَ أُعْطِيَ مَا شُرِطَ لَهُ مِنْ الْعِوَضِ.\n٦٣٥ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَفْتَحُ الْحِصْنَ وَتُؤَمِّنُونِي عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ.\nفَإِنَّ الْوَاوَ هُنَا بِمَعْنَى الْحَالِ، يَعْنِي فِي حَالِ مَا تُؤَمِّنُونِي عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ. فَيَكُونُ شَرْطًا. كَقَوْلِهِ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَأَنْتِ مَرِيضَةٌ.\n٦٣٦ - فَإِنْ قَالَ: أَفْتَحُ الْحِصْنَ فَتُؤَمِّنُونِي عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِي، أَوْ عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونِي. فَإِنَّمَا لَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِهِ وَالْبَاقِي كُلُّهُ فَيْءٌ.","vol":"1","page":441},{"text":"وَإِنْ لَمْ يَفِ مَالُهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ لَمْ يَكُنْ زِيَادَةً عَلَى مَالِهِ.\nلِأَنَّا عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ الْأَلْفَ لِنَفْسِهِ عِوَضًا. فَإِنَّهُ أَضَافَ الْأَلْفَ إلَى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: مِنْ مَالِي. وَمَالُهُ لَا يَسْلَمُ لَهُ عِوَضًا عَنْ فَتْحِ الْبَابِ، بَلْ يَسْلَمُ لَهُ بِأَنْ أُعْطِيَ الْأَمَانَ فِي مَالِهِ كَمَا فِي نَفْسِهِ. وَبِطَرِيقِ الْأَمَانِ لَا يَسْلَمُ لَهُ زِيَادَةٌ عَلَى مَالِهِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. فَقَدْ أَطْلَقَ تَسْمِيَةَ الْأَلْفِ بِمُقَابَلَةِ مَنْفَعَةٍ شَرَطَهَا عَلَى نَفْسِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عِوَضًا، بِمَنْزِلَةِ الْأَجِيرِ يَقُولُ: أَعْمَلُ لَك هَذَا الْعَمَلَ عَلَى دِرْهَمٍ، وَلَوْ قَالَ: أَعْمَلُ لَك هَذَا الْعَمَلَ عَلَى دِرْهَمٍ مِنْ مَالِي لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إجَارَةً. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَالُهُ دَرَاهِمَ وَلَكِنَّهُ كَانَ عُرُوضًا أُعْطِيَ مِنْ ذَلِكَ مَا يُسَاوِي أَلْفًا؛ لِأَنَّهُ قَالَ: مِنْ مَالِي. فَإِنَّمَا جَعَلَ الْمَشْرُوطَ فِيهِ الْأَمَانُ جُزْءًا مِنْ مَالِهِ، وَبِصِفَةِ الْمَالِيَّةِ الْأَمْوَالُ جِنْسٌ وَاحِدٌ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ (ص ١٤٧) عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ دَرَاهِمِي؛ لِأَنَّ الْمَشْرُوطَ فِيهِ الْأَمَانُ هُنَاكَ جُزْءٌ مِنْ دَرَاهِمِهِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ دَرَاهِمُ لَمْ يُصَادِفْ هَذَا الْأَمَانُ مَحَلَّهُ، فَكَانَ لَغْوًا. وَنَظِيرُهُ الْوَصِيَّةُ إذَا قَالَ: أَوْصَيْت لِفُلَانٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِي. أُعْطِيَ أَلْفَ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ دَرَاهِمُ. وَإِنْ قَالَ: مِنْ دَرَاهِمِي لَمْ يُعْطَ شَيْئًا.\nثُمَّ ذَكَرَ سُؤَالًا فَقَالَ:\n٦٣٧ - إذَا قَالَ عَلَى أَلْفٍ مِنْ مَالِي لِمَاذَا لَا يَجْعَلُ شَرْطًا لِلْأَلْفِ عَلَى نَفْسِهِ لِلْمُسْلِمِينَ عِوَضًا عَنْ الْأَمَانِ، فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ شَرَطَ لَهُمْ فَتْحَ الْحِصْنِ وَأَلْفَ دِرْهَمٍ عَنْ نَفْسِهِ عِوَضًا عَنْ أَمَانِهِ.\nقُلْنَا: لِأَنَّ فِي هَذَا إلْغَاءَ هَذَا الشَّرْطِ. فَإِنَّهُ لَوْ فَتَحَ الْبَابَ وَلَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ كَانَ مَالُهُ كُلُّهُ فَيْئًا.\nفَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَيْسَ مُرَادَهُ - وَتُؤَمِّنُونِي عَلَى أَلْفٍ مِنْ مَالِي - أَنْ تَكُونَ الْأَلْفُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ مَالِهِ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أَنْ يَكُونَ الْأَلْفُ سَالِمًا لَهُ مِنْ مَالِهِ","vol":"1","page":442},{"text":"بِطَرِيقِ الْأَمَانِ، وَمَا سِوَاهُ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَفْتَحُ الْحِصْنَ عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونِي عَلَى رَقِيقِي أَوْ عَلَى مَالِي أَوْ عَلَى سِلَاحِي كَانَ ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلَى طَلَبِ الْأَمَانِ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ مَعَ نَفْسِهِ. فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَى أَلْفٍ مِنْ مَالِي؟ .\n٦٣٨ - وَلَوْ قَالَ: عَلَى عَشَرَةِ أَرْؤُسٍ مِنْ الرَّقِيقِ أَوْ عَلَى عَشَرَةِ أَفْرَاسٍ، كَانَ ذَلِكَ عِوَضًا، بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الرَّقِيقَ يَصْلُحُ عِوَضًا عَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ كَالدَّرَاهِمِ، وَفَتْحُ الْبَابِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَلِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُعْطُوهُ الْأَرْؤُسَ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ أَحَبُّوا.\nبِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: رَقِيقِي أَوْ كُرَاعِي.\n٦٣٩ - وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ فَتْحَ الْحِصْنِ. وَلَكِنْ قَالَ: آمِنُونِي حَتَّى أَنْزِلَ إلَيْكُمْ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ، أَوْ قَالَ: عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِي، فَأَمَّنُوهُ. فَعَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا.\nلِأَنَّهُ مَا شَرَطَ فِي مُقَابَلَةِ مَا الْتَمَسَ مِنْ الْأَمَانِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ. فَعَرَفْنَا أَنَّ مُرَادَهُ بِذِكْرِ الْأَلْفِ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى أَمَانِهِ سَوَاءً أَطْلَقَ أَوْ قَالَ: مِنْ مَالِي. وَهَذَا لِأَنَّ بِنُزُولِهِ يَتَوَصَّلُ الْمُسْلِمُونَ إلَى مَالِهِ الَّذِي فِي الْحِصْنِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ دَلَالَةَ الْتِمَاسِ الْأَمَانِ فِي هَذَا الْقَدْرِ مِنْ مَالِهِ. وَإِذَا حَمَلْنَا عَلَى اشْتِرَاطِ الْعِوَضِ كَانَ مُفِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ.\n٦٤٠ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: عَلَى عَشَرَةِ أَرْؤُسٍ مِنْ الرَّقِيقِ، أَوْ مِنْ رَقِيقِي، فَهَذَا عِوَضٌ. وَقَدْ فَدَى بِهِ نَفْسَهُ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ ذَلِكَ إلَى الْمُسْلِمِينَ.","vol":"1","page":443},{"text":"وَلَوْ قَالَ: عَلَى أَهْلِي، أَوْ وَلَدِي، أَوْ مَالِي، فَهُوَ آمِنٌ، وَجَمِيعُ مَا نَزَلَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.\nلِأَنَّ أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ لَيْسَ بِمَالٍ، وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِأَنْ يَجْعَلَهُمْ الْمَرْءُ فِدَاءً لِنَفْسِهِ، بَلْ يَجْعَلُ نَفْسَهُ وِقَايَةً دُونَهُمْ. فَعَرَفْنَا أَنَّ مُرَادَهُ الْتِمَاسُ الْأَمَانِ لَهُمْ مَعَ نَفْسِهِ.\nوَكَذَلِكَ إذَا ذَكَرَ الْمَالَ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَجْهُولُ الْجِنْسِ وَالصِّفَةِ وَالْقَدْرِ، فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ فِدَاءً، وَلِأَنَّهُ لَا يَفْدِي نَفْسَهُ بِجَمِيعِ مَالِهِ عَادَةً، إذًا يَهْلِكُ جُوعًا.\n٦٤٢ - وَلَوْ قَالَ: آمِنُونِي عَلَى رَقِيقِي عَلَى أَنْ أَنْزِلَ، فَهُوَ آمِنٌ وَرَقِيقُهُ. وَلَوْ قَالَ: عَلَى نِصْفِ رَقِيقِي، كَانَ هَذَا فِدَاءً.\nوَبِاعْتِبَارِ حَقِيقَةِ الْمَعْنَى لَا يَتَّضِحُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، وَلَكِنْ بِاعْتِبَارِ عُرْفِ النَّاسِ. فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَفْدِي نَفْسَهُ بِبَعْضِ مَا يَأْتِي بِهِ مَعَهُ لِيَتَعَيَّشَ آمِنًا بِمَا بَقِيَ، وَلَا يَفْدِي بِجَمِيعِ مَا يَنْزِلُ بِهِ.\nفَإِذَا ذَكَرَ نِصْفَ الْمَالِ أَوْ نِصْفَ جِنْسٍ مِنْ الْمَالِ فَالْغَالِبُ أَنَّ مُرَادَهُ الْفِدَاءُ.\nوَإِذَا ذَكَرَ جَمِيعَ الْمَالِ أَوْ جَمِيعَ جِنْسٍ مِنْ الْمَالِ كَالرَّقِيقِ، فَالْغَالِبُ أَنَّ مُرَادَهُ طَلَبُ الْأَمَانِ لِذَلِكَ الْجِنْسِ مَعَ نَفْسِهِ.\nفَإِذَا ذَكَرَ مَا لَيْسَ بِمَالٍ كَالزَّوْجَةِ وَالْوَلَدِ فَالْغَالِبُ أَنَّ مُرَادَهُ الِاسْتِئْمَانُ لَهُمْ لَا الْفِدَاءُ، سَوَاءً ذَكَرَ عَدَدًا مِنْهُمْ أَوْ ذَكَرَ جَمَاعَتَهُمْ (ص ١٤٨)، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ ذَكَرَ إنْسَانًا آخَرُ بِقَوْلِهِ: آمِنُونِي عَلَى فُلَانٍ. فَإِنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ طَلَبَ الْأَمَانِ لِفُلَانٍ، لَا جَعْلَهُ فِدَاءً لِنَفْسِهِ.\n٦٤٣ - فَإِنْ قَالَ: آمِنُونِي عَلَى عَشَرَةٍ مِنْ رَقِيقِي حَتَّى أَنْزِلَ، فَهَذَا فِدَاءٌ.","vol":"1","page":444},{"text":"فَإِنْ نَزَلَ مَعَهُ بِمَالِهِ وَزَوْجَتِهِ فَهُمْ فَيْءٌ أَجْمَعُونَ.\nلِمَا بَيَّنَّا أَنَّ فِي أَمَانِ النَّازِلِ لَا يَدْخُلُ سِوَى مَا عَلَيْهِ مِنْ اللِّبَاسِ. أَلَا تَرَى أَنَّ فِي الْأَمَانِ بِغَيْرِ فِدَاءٍ لَا يَدْخُلُ الْمَالُ وَالْعِيَالُ؟ فَكَذَلِكَ فِي الْأَمَانِ بِالْفِدَاءِ.\n٦٤٤ - وَلَكِنَّهُ إنْ نَزَلَ مَعَهُ بِمِثْلِ مَا اشْتَرَطَ فِي فِدَائِهِ فَقَالَ: جِئْت بِهِ لِلْفِدَاءِ الَّذِي شَرَطْتُمْ عَلَيَّ، فَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فَيْئًا، فَيَكُونُ عَلَيْهِ فِدَاءً آخَرَ.\nلِأَنَّ الْأَمَانَ لَهُ بَعْدَ النُّزُولِ، وَذَلِكَ لَا يَتَنَاوَلُ مَا مَعَهُ مِنْ الْمَالِ، فَصَارَ الْمَالُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ. وَهُوَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أَدَاءِ مَا الْتَزَمَهُ مِنْ الْفِدَاءِ بِفَيْءٍ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ: يُحْسَبُ لَهُ هَذَا مِنْ الْفِدَاءِ.\nلِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَدَاءِ مَا الْتَزَمَهُ بِمَالِهِ، وَهُوَ يَنْزِلُ إلَيْنَا وَلَا مَالَ لَهُ عِنْدَنَا.\nوَإِذَا لَمْ يَنْزِلْ بِهَذَا الْقَدْرِ مَعَ نَفْسِهِ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْفِدَاءِ. فَكَانَ اشْتِرَاطُ الْفِدَاءِ عَلَيْهِ تَسْلِيطًا لَهُ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ بِهِ، كَمَا أَنَّ اشْتِرَاطَ بَدَلِ الْكِتَابَةِ عَلَى الْمُكَاتَبِ يَكُونُ تَسْلِيطًا لَهُ عَلَى الِاكْتِسَابِ وَتَمْلِيكًا لِلْيَدِ وَالْكَسْبِ مِنْهُ.\n٦٤٥ - فَإِنْ كَانَ الْمَشْرُوطُ عَلَيْهِ عَشَرَةَ أَرْؤُسٍ فَجَاءَ بِأَحَدَ عَشَرَةَ، كَانَ لَنَا أَنْ نَأْخُذَ الْكُلَّ: عَشَرَةً بِالْفِدَاءِ وَالْبَاقِي؛ لِأَنَّهُ فَيْءٌ.\nلِأَنَّ الِاسْتِحْسَانَ فِي مِقْدَارِ حَاجَتِهِ إلَى الْفِدَاءِ، وَفِيمَا زَادَ عَلَيْهِ يُؤْخَذُ بِالْقِيَاسِ.","vol":"1","page":445},{"text":"وَكَذَلِكَ لَوْ جَاءَ بِعِشْرِينَ رَأْسًا فَقَالَ: جِئْت بِهَا لِتَبِيعُوهَا، فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ الْكُلُّ مِنْهُ بِاعْتِبَارِ الْقِيَاسِ كَمَا ذَكَرْنَا.\n٦٤٧ - وَإِنْ جَاءَ بِصِنْفٍ غَيْرِ الرَّقِيقِ فَقَالَ: أَرَدْت أَنْ أَبِيعَهُ وَأُعْطِيَكُمْ الْقِيمَةَ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ مَعَ يَمِينِهِ اسْتِحْسَانًا.\nلِأَنَّ الرَّقِيقَ فِي مُعَاوَضَةِ مَا لَيْسَ بِمَالٍ مُطْلَقًا يَثْبُتُ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الْعَيْنِ وَبَيْنَ الْقِيمَةِ، وَبِأَيِّهِمَا جَاءَ قُبِلَ مِنْهُ. فَكَانَتْ الْمُجَانَسَةُ بَيْنَ الْفِدَاءِ وَبَيْنَ مَا جَاءَ بِهِ ثَابِتَةً، بِاعْتِبَارِ الْمَالِيَّةِ، فَلِهَذَا يُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ.\n٦٤٨ - وَهَذَا إذَا قَالَ: عَلَى عَشَرَةِ أَرْؤُسٍ مِنْ الرَّقِيقِ. وَأَمَّا إذَا قَالَ: مِنْ رَقِيقِي، ثُمَّ جَاءَ بِالدَّرَاهِمِ، فَذَلِكَ فَيْءٌ، وَهُوَ مُطَالَبٌ بِمَا الْتَزَمَهُ مِنْ الْفِدَاءِ.\nلِأَنَّهُ بِإِضَافَةِ الرَّقِيقِ إلَى نَفْسِهِ يَصِيرُ مُعَيِّنًا لَهُمْ. فَكَأَنَّهُ عَيَّنَهُمْ بِالْإِشَارَةِ، وَفِي مِثْلِ هَذَا لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْقِيمَةُ مَكَانَ الْعَيْنِ.\n٦٤٩ - فَإِنْ قَالَ: لَمْ يَدَعْنِي أَهْلُ الْحِصْنِ أَنْزِلُ إلَيْكُمْ بِذَلِكَ فَجِئْت بِالْقِيمَةِ الْمُسْتَأْمَن. لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى ذَلِكَ.\nلِأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مِنْ الدَّرَاهِمِ صَارَ غَنِيمَةً لِلْمُسْلِمِينَ، فَلَا يُصَدَّقُ عَلَى أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ مَحْسُوبًا عَلَيْهِمْ بِالْفِدَاءِ. وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ أَنْ يُبَيِّنَ","vol":"1","page":446},{"text":"لِلْمُسْلِمِينَ قَبْلَ نُزُولِهِ أَنَّهُمْ يَمْنَعُونَهُ مِنْ النُّزُولِ بِالرَّقِيقِ حَتَّى يَأْذَنُوا لَهُ فِي النُّزُولِ بِالْقِيمَةِ. فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ كَانَ التَّقْصِيرُ مِنْهُ، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَأَذِنُوا لَهُ فِي النُّزُولِ بِالْقِيمَةِ كَانَ مَا يَأْتِي بِهِ مِنْ الدَّرَاهِمِ فِدَاءً وَلَا يَكُونُ فَيْئًا.\n٦٥٠ - وَلَوْ أَنَّ صَاحِبَ الْقَلْعَةِ قَالَ: آمِنُونِي عَلَى قَلْعَتِي، أَوْ عَلَى مَدِينَتِي عَلَى أَنْ أَفْتَحَهَا لَكُمْ. فَإِنْ جَرَى كَلَامٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ عَيْنُ الْقَلْعَةِ وَالْمَدِينَةِ بِأَنْ قَالَ: إنِّي أَخَافُ إنْ فَتَحْت لَكُمْ أَنْ تَهْدِمُوا قَلْعَتِي أَوْ تُخَرِّبُوا مَدِينَتِي، فَقَالُوا لَهُ: أَنْتَ آمِنٌ عَلَى قَلْعَتِك وَمَدِينَتِك. فَهَذَا عَلَيْهِمَا خَاصَّةً دُونَ مَا فِيهِمَا مِنْ الْأَمْوَالِ وَالنُّفُوسِ.\nلِأَنَّ مُطْلَقَ الْكَلَامِ يَتَقَيَّدُ بِمَا سَبَقَ مِنْ دَلَالَةِ الْحَالِ. وَإِنَّمَا جَعَلُوا لَهُ الْأَمَانَ جَزَاءً عَلَى فَتْحِ الْبَابِ. وَمَقْصُودُنَا مِنْ ذَلِكَ الِاسْتِغْنَامُ، فَعَرَفْنَا أَنَّ الْأَمَانَ يَخْتَصُّ بِمَا سُمِّيَ لَهُ، إلَّا أَنَّهُ يَأْمَنُ بِمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَعِيَالِهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَأْمَنَ عَلَى قَلْعَتِهِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الْقَرَارِ فِيهَا، وَتَمَكُّنُهُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ. فَفِي هَذَا الْحُكْمِ يُشْبِهُ حَالُهُ حَالَ الْمُسْتَأْمَنِ إلَى دَارِنَا لِلتِّجَارَةِ.\nفَأَمَّا إذَا لَمْ يَسْبِقْ كَلَامٌ يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى (ص ١٤٩) تَخْصِيصٍ فَفِي الْقِيَاسِ الْجَوَابُ كَذَلِكَ أَيْضًا.\nلِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ فَتْحِ الْبَابِ هُوَ الِاسْتِغْنَامُ وَالِاسْتِرْقَاقُ. ثُمَّ لَيْسَ فِي لَفْظَةِ الْقَلْعَةِ وَالْمَدِينَةِ مَا يُنْبِئُ عَنْ أَهْلِهَا أَوْ عَمَّا فِيهَا، وَلَعَلَّهُ إنَّمَا اسْتَأْمَنَ لِهَذِهِ الصِّفَةِ لِخَوْفِهِ عَلَى الْقَلْعَةِ أَنْ تُقْلَعَ وَعَلَى الْمَدِينَةِ أَنْ تُحَرَّقَ أَوْ تُخَرَّبَ. وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ مَسْقَطَ رَأْسِهِ وَمَسْكَنَ آبَائِهِ، فَقَصَدَ بِالْأَمَانِ إبْقَاءَهَا دُونَ إبْقَاءِ مَنْ فِيهَا.\nوَفِي الِاسْتِحْسَانِ هَذَا أَمَانٌ عَلَى الْقَلْعَةِ وَالْمَدِينَةِ وَعَلَى جَمِيعِ مَا فِيهَا، لِدَلَالَةِ الْعُرْفِ.","vol":"1","page":447},{"text":"فَإِنَّهُ إذَا قِيلَ هَذِهِ مَدِينَةٌ عَامِرَةٌ أَوْ قَلْعَةٌ حَصِينَةٌ يُفْهَمُ مِنْهُ عِمَارَتُهَا بِكَثْرَةِ أَهْلِهَا لَا بِجُدْرَانِهَا. أَرَأَيْت لَوْ قَالَ: آمِنُونِي عَلَى مَمْلَكَتِي عَلَى أَنْ أَفْتَحَ لَكُمْ الْقَلْعَةَ أَلَيْسَ يُفْهَمُ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ جَمِيعَ مَا فِي مَمْلَكَتِهِ مِنْ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ؟ وَلِأَنَّ مَقْصُودَهُ أَنْ تَبْقَى لَهُ الْمَدِينَةُ وَالْقَلْعَةُ عَلَى مَا كَانَتْ مِنْ قَبْلُ، وَيَكُونُ هُوَ الْمُتَصَرِّفُ فِي أَهْلِهَا كَمَا كَانَ. وَإِنَّمَا يَحْصُلُ هَذَا الْمَقْصُودُ إذَا دَخَلُوا فِي الْأَمَانِ.\n٦٥١ - وَلَوْ أَشْرَفَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ فَقَالَ: أَفْتَحُ لَكُمْ عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونِي مِنْ مَالِي عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ. فَلَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِهِ بِطَرِيقِ الْأَمَانِ لَا بِطَرِيقِ الْعِوَضِ. كَمَا فِي قَوْلِهِ: عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونِي عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِي.\nإذْ التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ فِي هَذَا لَا يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْمَعْنَى.\nوَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ.\nفَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُقَدِّمَ ذِكْرَ الْأَلْفِ عَلَى أَمَانِ نَفْسِهِ أَوْ يُؤَخِّرَهُ فِي أَنْ يَكُونَ عِوَضًا شَرَطَهُ عَلَيْهِمْ بِفَتْحِ الْبَابِ.\n٦٥٢ - وَلَوْ قَالَ: أَفْتَحُ لَكُمْ عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونِي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، كَانَ آمِنًا وَحْدَهُ. وَكَانَ عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ يَكْتَسِبُهَا فَيُؤَدِّيهَا.\nلِأَنَّ جَمِيعَ مَالِهِ يَصِيرُ فَيْئًا بِفَتْحِ الْبَابِ لَوْ لَمْ يَقُلْ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: بِأَلْفِ دِرْهَمٍ.\nوَهَذَا لِأَنَّ حَرْفَ الْبَاءِ يَصْحَبُ الْأَعْوَاضَ. فَإِذَا وَصَلَ الْأَلْفَ بِأَمَانِ نَفْسِهِ بِحَرْفِ الْبَاءِ كَانَ ذَلِكَ تَنْصِيصًا عَلَى أَنَّ الْأَلْفَ عِوَضٌ عَنْ الْأَمَانِ.","vol":"1","page":448},{"text":"وَالْأَمَانُ حَاصِلٌ لَهُ. فَكَانَ الْأَلْفُ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَقُولُ لِغَيْرِهِ: وَهَبْت هَذِهِ الْعَيْنَ مِنْك عَلَى أَنْ تَبِيعَنِي جَارِيَتَك هَذِهِ بِمِائَةِ دِينَارٍ كَانَتْ الْمِائَةُ عِوَضًا عَنْ الْجَارِيَةِ.\n٦٥٣ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَفْتَحُ لَكُمْ وَتُؤَمِّنُونِي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ.\n٦٥٤ - وَلَوْ قَالَ: أَفْتَحُ لَكُمْ عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونِي مِنْ مَالِي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ.\nفَالْأَلْفُ عِوَضٌ عَنْ أَمَانِهِ أَيْضًا، إلَّا أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ مِنْ مَالِهِ مِقْدَارُ الْأَلْفِ إذَا وُجِدَ، مَكَانَ مَا عَلَيْهِ عِوَضًا مِنْ الْأَمَانِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ.\nلِأَنَّ هَا هُنَا عَيَّنَ لِمَا الْتَزَمَ مِنْ الْعِوَضِ مَحَلًّا مَخْصُوصًا وَهُوَ مَالُهُ الَّذِي فِي يَدِهِ، وَعَلَى ذَلِكَ أَعْطَيْنَاهُ الْأَمَانَ. وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ الْقَدْرَ مِنْهُ بِطَرِيقِ الْفِدَاءِ لَا بِطَرِيقِ الِاسْتِغْنَامِ. وَفِي الْأَوَّلِ الْتَزَمَ الْعِوَضَ فِي ذِمَّتِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ عَيَّنَ لَهُ مَحَلًّا، فَيَبْقَى مَالُهُ فَيْئًا كَمَا هُوَ مُوجِبُ فَتْحِ الْبَابِ عَلَى وَجْهِ إتْمَامِ الْقَهْرِ.\nوَإِنْ لَمْ يَجِدُوا لَهُ مَالًا هُنَا فَعَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ يُؤَدِّيهَا إلَى الْمُسْلِمِينَ.\nلِأَنَّ الْأَمَانَ قَدْ سَلِمَ لَهُ فَيَلْزَمُهُ الْعِوَضُ بِمُقَابَلَتِهِ. وَلَكِنَّهُ كَانَ يُعْطِي ذَلِكَ الْعِوَضَ مِنْ الْمَالِ الْمَوْجُودِ فِي يَدِهِ إنْ كَانَ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فَقَدْ عَرَفْنَا أَنَّ مُرَادَهُ مِنْ الْمَالِ الَّذِي يَكْسِبُهُ.\n٦٥٥ - وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ فَتْحَ الْبَابِ وَلَكِنْ قَالَ: آمِنُونِي حَتَّى أَنْزِلَ إلَيْكُمْ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِي، أَوْ مِنْ مَالِي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ. فَهَذَا فِدَاءٌ.\nلِأَنَّ حَرْفَ الْبَاءِ يَصْحَبُ الْأَعْوَاضَ. فَإِنَّمَا الْتَمَسَ أَمَانًا بِعِوَضٍ. وَقَدْ نَالَ ذَلِكَ حِينَ نَزَلَ فَعَلَيْهِ إذًا الْأَلْفُ.","vol":"1","page":449},{"text":"وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ بِحَرْفِ عَلَى هُنَا.\nلِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَى نَفْسِهِ لِلْمُسْلِمِينَ مَنْفَعَةً حَتَّى يَكُونَ ذِكْرُ الْأَلْفِ شَرْطًا شَرَطَهُ لِنَفْسِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، عِوَضًا، فَتَكُونُ الْأَلْفُ عِوَضًا عَنْ أَمَانِهِ فِي الْوَجْهَيْنِ.\n٦٥٦ - وَلَوْ قَالَ: أَفْتَحُ لَكُمْ عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونِي عَلَى أَهْلِي وَأَلْفِ دِرْهَمٍ. أَوْ قَالَ: بِأَهْلِي وَأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَهُوَ سَوَاءٌ. وَلَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِهِ مَعَ أَهْلِهِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَيْءٌ.\nلِأَنَّ الْأَهْلَ لَيْسَ بِمَالٍ، فَلَا يَكُونُ ذِكْرُهُ الْأَلْفَ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ عَنْ أَمَانِهِ، سَوَاءٌ (ص ١٥٠) ذَكَرَهُ بِحَرْفِ عَلَى أَوْ بِحَرْفِ الْبَاءِ وَلَكِنَّهُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِئْمَانِ لَهُمْ.\nثُمَّ الْوَاوُ لِلْعَطْفِ، وَحُكْمُ الْعَطْفِ حُكْمُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. فَإِذَا كَانَ الْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ اسْتِئْمَانًا كَانَ الْمَعْطُوفُ كَذَلِكَ.\n٦٥٧ - وَلَوْ بَدَأَ بِالْمَالِ فَقَالَ: أَفْتَحُ لَكُمْ وَتُؤَمِّنُونِي عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ وَعَلَى أَهْلِي وَوَلَدِي، كَانَ آمِنًا عَلَى أَلْفٍ يُعْطُونَهَا إيَّاهُ، وَعَلَى أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَيْءٌ.\nلِأَنَّهُ شَرَطَ ذَلِكَ كُلَّهُ لِنَفْسِهِ جَزَاءً عَلَى فَتْحِ الْبَابِ، فَمَا يَصْلُحُ عِوَضًا وَهُوَ الْأَلْفُ يُعْطُونَهُ إيَّاهُ. وَأَهْلُهُ وَوَلَدُهُ كَنَفْسِهِ فِي أَنَّهُ شَرَطَ أَمَانَهُمْ جَزَاءً عَلَى الْفَتْحِ.\n٦٥٨ - وَلَوْ قَالَ: أَفْتَحُ لَكُمْ عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونِي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَبِأَهْلِي وَوَلَدِي. فَعَلَيْهِ الْأَلْفُ وَأَهْلُهُ وَوَلَدُهُ كُلُّهُمْ فَيْءٌ.","vol":"1","page":450},{"text":"لِأَنَّ حَرْفَ الْبَاءِ مُحْكَمٌ فِي الْأَعْوَاضِ. فَقَدْ قَرَنَهُ بِالْأَلْفِ فَكَانَ عِوَضًا عَنْ أَمَانِهِ، وَقَرَنَهُ بِالْأَهْلِ وَالْوَلَدِ أَيْضًا، وَعَطَفَهُمَا عَلَى الْعِوَضِ أَيْضًا، فَكَانَ تَنْصِيصًا عَلَى أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ عِوَضًا عَنْ أَمَانِهِ.\n٦٥٩ - فَإِذَا بَدَأَ بِالْأَهْلِ فَقَالَ: عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونِي بِأَهْلِي وَأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَالْقِيَاسُ هَكَذَا يَقْتَضِي. وَلَكِنَّ الِاسْتِحْسَانَ: الْأَهْلُ لَيْسَ بِمَالٍ لِيَصْلُحَ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا.\nفَاسْتَدْلَلْنَا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الِاسْتِئْمَانُ لِلْأَهْلِ جَزَاءً عَلَى الْفَتْحِ، وَقَدْ عَطَفَ الْأَلْفَ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ اسْتِثْنَاءَ الْأَلْفِ مِنْ مَالِهِ مِنْ جُمْلَةِ مَا يَكُونُ فَيْئًا.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَفْتَحُ لَكُمْ عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونِي بِجَمِيعِ قَرَابَتِي وَبِأَهْلِي وَوَلَدِي وَبِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَاَلَّذِي يَسْبِقُ إلَيَّ وَهَمَ كُلُّ أَحَدٍ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ اسْتِثْنَاءٌ لَا فِدَاءٌ.\n٦٦٠ - وَلَوْ قَالَ: أَنْزِلُ إلَيْكُمْ عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونِي عَلَى أَهْلِي وَأَلْفِ دِرْهَمٍ، أَوْ بِأَهْلِي وَأَلْفِ دِرْهَمٍ. فَهُوَ سَوَاءٌ. وَلَهُ أَهْلُهُ وَأَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِهِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ. وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَيْءٌ كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي أَمَانِ النَّازِلِ.\nلِأَنَّهُ عَطَفَ الْأَلْفَ عَلَى الْأَهْلِ وَمُرَادُهُ فِي حَقِّ الْأَهْلِ الِاسْتِئْمَانُ دُونَ الْفِدَاءِ، فَكَذَلِكَ فِيمَا عُطِفَ عَلَيْهِ. ٦٦١ - وَلَوْ قَالَ: بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَأَهْلِي. فَهَذَا فِدَاءٌ. وَعَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُمْ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَأَهْلَهُ.\nلِأَنَّ الْأَلْفَ عِوَضٌ حِينَ قَرَنَ بِهِ حَرْفَ الْبَاءِ ثُمَّ عَطَفَ الْأَهْلَ عَلَيْهِ، فَكَانَ ذَلِكَ تَنْصِيصًا عَلَى الْفِدَاءِ.","vol":"1","page":451},{"text":"قَالَ: وَبَعْضُ هَذَا أَقْرَبُ مِنْ بَعْضٍ. وَلَكِنْ إنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْغَالِبِ مِنْ مَعَانِي كَلَامِ النَّاسِ فِي كُلِّ فَصْلٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَبْلَ ذَلِكَ مُرَاوَضَةٌ تَدُلُّ عَلَى فِدَاءٍ أَوْ عَلَى أَمَانٍ عَلَيْهِ، فَيُؤْخَذُ بِذَلِكَ.\nلِأَنَّ الْكَلَامَ يَحْتَمِلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ. فَإِذَا سَبَقَ مَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ تَرَجَّحَ ذَلِكَ، وَإِذَا لَمْ يَسْبِقْ حُمِلَ عَلَى أَغْلِبْ الْوَجْهَيْنِ. كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْمُشْتَرَكِ إذَا تَرَجَّحَ أَحَدُ الْمُحْتَمَلَيْنِ فِيهِ بِدَلِيلٍ فِي صِيغَتِهِ.\n٦٦٢ - وَلَوْ قَالَ: أَفْتَحُ لَكُمْ وَأُعْطِيكُمْ مِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونِي عَلَى عَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِي. فَعَلَيْهِ بَعْدَ فَتْحِ الْبَابِ أَنْ يُعْطِيَهُمْ مِائَةَ دِينَارٍ، وَعَلَيْهِمْ أَنْ يُسَلِّمُوا لَهُ عَشَرَةَ آلَافٍ مِنْ مَالِهِ، كَمَا اسْتَثْنَاهُ لِنَفْسِهِ وَهَذَا لَا يَكُونُ فِدَاءً.\n؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَذْكُرْ الْمِائَةَ الدِّينَارَ كَانَ ذَلِكَ اسْتِئْمَانًا مِنْهُ عَلَى عَشَرَةِ آلَافٍ مِنْ مَالِهِ، فَكَذَلِكَ إذَا ذَكَرَ الْمِائَةَ الدِّينَارَ شَرْطًا لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى نَفْسِهِ مَعَ فَتْحِ الْبَابِ.\n٦٦٣ - وَلَوْ قَالَ: أَفْتَحُ لَكُمْ وَأُعْطِيكُمْ مِائَةَ دِينَارٍ، عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونِي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَعَلَيْهِ مِائَةُ دِينَارٍ وَأَلْفُ دِرْهَمٍ.\nلِأَنَّهُ صَرَّحَ بِكَوْنِ الْأَلْفِ عِوَضًا عَنْ أَمَانِهِ حِينَ وَصَلَ حَرْفَ الْبَاءِ بِذِكْرِهِ، وَصَرَّحَ بِكَوْنِ الدَّنَانِيرِ عِوَضًا عَنْ أَمَانِهِ حِينَ شَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يُعْطِيَهَا لِلْمُسْلِمِينَ، إلَّا أَنْ يَقُولَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ آخُذُهَا، أَوْ تُعْطُونَهَا، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ ذَلِكَ تَنْصِيصًا عَلَى اشْتِرَاطِ الْأَلْفِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِنَفْسِهِ عِوَضًا. وَهَذَا تَفْسِيرُ مَا قَالَ إنَّ هَذَا الْكَلَامَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ. يَعْنِي بِقَوْلِهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ. أَيْ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ أَلْتَزِمُهَا، أَوْ بِأَلْفِ آخُذُهَا مِنْكُمْ. فَإِذَا جَاءَ دَلِيلٌ أُخِذَ بِهِ، وَإِذَا لَمْ يَأْتِ دَلِيلٌ أُخِذَ بِمَا هُوَ الْغَالِبُ مِنْ مَعَانِي الْكَلَامِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (ص ١٥١) .","vol":"1","page":452},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>[بَابُ الْحَرْبِيِّ يَسْتَأْمِنُ إلَى مُعَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ]</span>\n٥٤ - بَابُ الْحَرْبِيِّ يَسْتَأْمِنُ إلَى مُعَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ ٦٦٤ - فَإِذَا اسْتَأْمَنَ الْحَرْبِيُّ إلَى الْعَسْكَرِ مِنْ غَيْرِ حِصْنٍ وَلَا قَلْعَةٍ وَلَا مَطْمُورَةٍ فَقَالَ: أَسْتَأْمِنُ لِأَخْرُجَ إلَيْكُمْ، ثُمَّ أَرْجِعَ إلَى أَهْلِي، فَآتِيكُمْ بِالتِّجَارَاتِ، فَذَهَبَ ثُمَّ جَاءَ بِتِجَارَةٍ أَوْ سِلَاحٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَقَالَ: هَذَا مَالِي، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَهُوَ آمِنٌ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ.\nلِأَنَّهُ اسْتَأْمَنَ فِي حَالٍ لَمْ يَصِرْ مَقْهُورًا، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ اسْتَأْمَنَ لِيَخْرُجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هُنَاكَ يَدْخُلُ مَالُهُ فِي أَمَانِهِ تَبَعًا. وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ، فَكَذَلِكَ الَّذِي اسْتَأْمَنَ إلَى الْعَسْكَرِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَحْصُورًا، وَقَوْلُهُ فِي الْمَالِ مَقْبُولٌ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْيَدَ لَهُ. فَالظَّاهِرُ شَاهِدٌ لَهُ.\n٦٦٥ - وَكَذَلِكَ لَوْ جَاءَ بِامْرَأَةٍ فَقَالَ: هَذِهِ امْرَأَتِي، أَوْ ابْنَتِي، أَوْ أُخْتِي، أَوْ جَاءَ بِصِبْيَانٍ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ وَلَدِي. فَهُوَ مُصَدَّقٌ عَلَى ذَلِكَ وَهُمْ آمِنُونَ مَعَهُ. بِمَنْزِلَةِ مَنْ اسْتَأْمَنَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.\nوَقَدْ ذَكَرْنَا هُنَاكَ أَنَّهُ يَتْبَعُهُ عِيَالُهُ فِي الْأَمَانِ كَمَا يَتْبَعُهُ مَالُهُ.\nوَمَنْ كَذَّبَهُ مِنْهُمْ فِيمَا قَالَ فَهُوَ فَيْءٌ.\nلِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِالرِّقِّ حِينَ كَذَّبَهُ فِي سَبَبِ التَّبَعِيَّةِ فِي الْأَمَانِ","vol":"1","page":453},{"text":"وَإِنْ صَدَّقُوهُ ثُمَّ رَجَعَ الْمُسْتَأْمَنُ فَقَالَ: لَا قَرَابَةَ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، وَكَذَّبُوهُ فَهُمْ آمِنُونَ.\nلِأَنَّهُمْ بِالتَّصَادُقِ اسْتَفَادُوا الْأَمَانَ فِي الِابْتِدَاءِ، فَلَا يَبْطُلُ ذَلِكَ بِقَوْلِ الْمُسْتَأْمَنِ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ عَلَيْهِمْ بِالرِّقِّ أَوْ بِمَا يُبْطِلُ أَمَانَهُمْ مَرْدُودٌ. وَإِنْ اتَّهَمَ الْأَمِيرُ أَحَدًا مِنْهُمْ حَلَّفَهُ، فَإِنْ نَكَلَ أُخِذَ مَمْلُوكًا، وَلَكِنْ لَا يُقْتَلُ بِنُكُولِهِ.\n٦٦٦ - وَلَوْ جَاءَ مَعَهُ رِجَالٌ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ أَوْلَادِي وَإِخْوَانِي.\nفَهُمْ فَيْءٌ أَجْمَعُونَ.\nلِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمُقَاتِلَةُ لَا يَتْبَعُونَهُ فِي الْأَمَانِ لَوْ اسْتَأْمَنَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَكَذَلِكَ إذَا اسْتَأْمَنَ إلَى الْعَسْكَرِ وَلَمْ يَسْتَأْمِنْ لَهُمْ نَصًّا وَلَا اسْتَأْمَنُوا لِأَنْفُسِهِمْ.\n٦٦٧ - وَلَوْ جَاءَ بِمَتَاعٍ أَوْ رَقِيقٍ فَقَالَ: هَذَا مَالِي، أَوْ بِامْرَأَةٍ فَقَالَ: هَذِهِ عِيَالِي. فَعُلِمَ أَنَّهُ جَاءَ بِذَلِكَ مِنْ قَرْيَةٍ أَوْ مَطْمُورَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ الْعَسْكَرِ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا أَهْلُ الْعَسْكَرِ فَذَلِكَ كُلُّهُ سَالِمٌ، سَوَاءٌ كَانَتْ بِحَيْثُ لَوْ عَلِمُوا بِهَا كَانُوا قَاهِرِينَ لِأَهْلِهَا أَوْ لَمْ يَكُونُوا.\nلِأَنَّ مَعْنَى الْقَهْرِ لَا يَتَحَقَّقُ إذَا لَمْ يَعْلَمُوا بِهِمْ، وَالْقَرِيبُ كَالْبَعِيدِ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَعْلَمُ بِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ تَيَمَّمَ وَالْمَاءُ قَرِيبٌ مِنْهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِهِ صَحَّ تَيَمُّمُهُ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ الْمَاءُ بَعِيدًا؟\n٦٦٨ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ عَلِمَ بِهِمْ، إلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يُقَاتِلُوهُمْ وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُمْ وَهُمْ مُمْتَنِعُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.","vol":"1","page":454},{"text":"لِأَنَّ أَهْلَ الْمَنَعَةِ لَا يَصِيرُونَ مَقْهُورِينَ بِمُجَرَّدِ الْعِلْمِ بِهِمْ مَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُمْ بِالْقِتَالِ. فَإِنَّمَا جَاءَ بِذَلِكَ مِنْ مَوْضِعٍ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ قَهْرُ الْمُسْلِمِينَ فَيَكُونُ سَالِمًا لَهُ.\n٦٦٩ - وَإِنْ جَاءَ بِهِ مِنْ قَرْيَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ الْعَسْكَرِ لَيْسَتْ لَهُمْ مَنَعَةٌ وَقَدْ عَلِمَ أَهْلُ الْعَسْكَرِ بِهَا وَبِمَا فِيهَا، أَوْ لَمْ يَعْلَمُوا بِمَا فِيهَا إلَّا أَنَّهُمْ لَوْ دَخَلُوهَا عَلِمُوا ذَلِكَ، فَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِمَّا جَاءَ بِهِ.\nلِأَنَّ الْعَسْكَرَ دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ عَلَى قَصْدِ قَهْرِ الْمُشْرِكِينَ، فَإِذَا نَزَلُوا بِسَاحَةِ قَوْمٍ غَيْرِ مُمْتَنِعِينَ مِنْهُمْ، وَعَلِمُوا بِحَالِهِمْ، كَانُوا قَاهِرِينَ لَهُمْ. أَلَا تَرَى أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - حِينَ قَرُبَ مِنْ خَيْبَرَ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إنَّا إذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧]» . وَإِذَا ثَبَتَ الْقَهْرُ بِهَذَا الطَّرِيقِ عَرَفْنَا أَنَّهُ إنَّمَا جَاءَ بِهَذَا مِمَّا كَانَ فِي يَدِ الْمُسْلِمِينَ وَتَحْتَ قَهْرِهِمْ، وَلَا يَسْلَمُ لَهُ شَيْءٌ مِنْهُ، بِمَنْزِلَةِ الْمَحْصُورِ الَّذِي يَسْتَأْمِنُ لِيَنْزِلَ أَوْ لِيَفْتَحَ الْبَابَ.\n٦٧٠ - وَإِنْ كَانَ أَخْرَجَهُ مِنْ مَطْمُورَةٍ فِي قَرْيَةٍ قَدْ عَرَفَ الْمُسْلِمُونَ الْقَرْيَةَ وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا الْمَطْمُورَةَ، فَجَمِيعُ ذَلِكَ سَالِمٌ.\nلِأَنَّ مَا فِي الْمَطْمُورَةِ لَا يَتَنَاوَلُهُ قَهْرُهُمْ إذَا لَمْ يَعْلَمُوا بِهَا، دَخَلُوا الْقَرْيَةَ أَوْ لَمْ يَدْخُلُوهَا، فَإِنَّهُمْ عَدِمُوا آلَةَ الْوُصُولِ إلَيْهَا.\n٦٧١ - وَإِنْ جَاءَ بِذَلِكَ مِنْ حِصْنٍ قَدْ قَاتَلَهُمْ الْمُسْلِمُونَ وَهُمْ مُقِيمُونَ عَلَيْهِ لِيَفْتَحُوهُ فَجَمِيعُ مَا جَاءَ فِيهِ فَيْءٌ.","vol":"1","page":455},{"text":"لِأَنَّ قَهْرَ الْمُسْلِمِينَ يَتَنَاوَلُ مَا فِي الْحِصْنِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ نَزَلَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ مُسْتَأْمَنًا لَمْ يَسْلَمْ شَيْءٌ مِمَّا جَاءَ بِهِ مَعَ نَفْسِهِ. فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يَسْتَأْمِنَ وَهُوَ خَارِجٌ، وَبَيْنَ أَنْ يَسْتَأْمِنَ لِيَخْرُجَ فِي حَقِّ الْمَالِ الَّذِي يُخْرِجُهُ مِنْ الْحِصْنِ. فَكَمَا أَنَّ هُنَاكَ لَا يَسْلَمُ لَهُ شَيْءٌ فِي الْمَالِ وَالْعِيَالِ بِدُونِ التَّصْرِيحِ بِالِاسْتِئْمَانِ مِنْهُ لَهُ، كَذَلِكَ هَذَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":456},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>[بَابُ الْحَرْبِيِّ يَسْتَأْمِنُ إلَيْنَا ثُمَّ نَجِدُهُ فِي أَيْدِيهمْ]</span>\n٥٥ - بَابُ الْحَرْبِيِّ يَسْتَأْمِنُ إلَيْنَا ثُمَّ نَجِدُهُ فِي أَيْدِيهمْ ٦٧٢ - وَإِذَا اسْتَأْمَنَ الْحَرْبِيُّ إلَى الْعَسْكَرِ لِيَدُلَّهُمْ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُشْرِكِينَ وَلَقِيَ الْمُسْلِمُونَ الْعَدُوَّ فَفَقَدُوهُ. فَلَمَّا هَزَمُوهُمْ وَجَدُوهُ فِيهِمْ وَقَالَ: أَسَرُونِي مِنْ صَفِّ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُعْرَفُ كَذِبُهُ مِنْ صِدْقِهِ، فَإِنَّهُ يُنْظَرُ فِي حَالِهِ، فَإِنْ كَانَتْ هَيْئَتُهُ كَهَيْئَةِ الْمَأْسُورِ بِأَنْ كَانَ مَغْلُولًا أَوْ مَرْبُوطًا أَوْ مَضْرُوبًا لَمْ يُعْرَضْ لَهُ، وَكَانَ عِنْدَنَا عَلَى أَمَانِهِ الْأَوَّلِ.\nلِأَنَّهُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَةِ الْحَالِ يُصَارُ إلَى تَحْكِيمِ الظَّاهِرِ، وَإِلَى الْعَلَامَةِ وَالزِّيِّ.\nفَإِذَا تَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مَأْسُورًا فِيهِمْ قُلْنَا: أَسْرُهُمْ إيَّاهُ لَا يُبْطِلُ أَمَانَهُ، كَمَا لَوْ أَسَرُوا ذِمِّيًّا لَا يُبْطِلُ ذَلِكَ عَهْدَهُ، وَلَكِنَّهُ يُسْتَحْلَفُ عَلَى مَا يَدَّعِي مِنْ ذَلِكَ.\nلِأَنَّ بِمَا شَاهَدْنَاهُ مِنْ دَلَالَةِ الْحَالِ يَصِيرُ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لَهُ وَلَكِنْ لَا تَنْتَفِي تُهْمَةُ الْكَذِبِ عَنْ كَلَامِهِ. فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.","vol":"1","page":457},{"text":"وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ عَلَامَاتِ الْأَسْرِ فَهُوَ فَيْءٌ. وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ.\nلِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ فَارَقَ عَسْكَرَنَا بِاخْتِيَارِهِ، وَالْتَحَقَ بِمَنَعَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَانْتَهَى بِهِ الْأَمَانُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، وَحَالُهُ كَحَالِ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ.\n٦٧٤ - وَإِنْ أَشْكَلَ أَمْرُهُ بِأَنَّ دَلَّ بَعْضُ الْعَلَامَاتِ عَلَى أَنَّهُ أَتَاهُمْ اخْتِيَارًا وَبَعْضُ الْعَلَامَاتِ عَلَى أَنَّهُمْ أَسَرُوهُ، فَهُوَ فَيْءٌ. وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ.\nلِأَنَّ عِنْدَ تَعَارُضِ الْعَلَامَاتِ يُحَكَّمُ الْمَوْضِعُ الَّذِي وُجِدَ فِيهِ. وَإِنَّمَا وُجِدَ فِي مَنَعَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَفِي مَوْضِعِ إبَاحَةِ الِاسْتِرْقَاقِ. إلَّا أَنَّ تَعَارُضَ الْعَلَامَاتِ يُمَكِّنُ شُبْهَةً فِي أَمْرِهِ، فَمُنِعَ الْقَتْلُ، إذْ الْقَتْلُ مِمَّا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ.\nفَإِنْ قِيلَ: عِنْدَ تَعَارُضِ الْعَلَامَاتِ لِمَاذَا لَا يُتَمَسَّكُ بِالْأَصْلِ وَهُوَ الْأَمَانُ الَّذِي كَانَ ثَابِتًا لَهُ مِنَّا؟ قُلْنَا: التَّمَسُّكُ بِالْأَصْلِ الْمَعْلُومِ هُوَ لِانْعِدَامِ الدَّلِيلِ الْمُزِيلِ لَهُ، لَا لِوُجُودِ الدَّلِيلِ الْمُبْقِي. وَقَدْ ظَهَرَ الدَّلِيلُ لِأَمَانِهِ، وَهُوَ كَوْنُهُ فِي مَنَعَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ.\nفَكَانَ يَنْبَغِي عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ أَنْ يَكُونَ فَيْئًا عَلَى كُلِّ حَالٍ. إلَّا أَنَّا تَرَكْنَا هَذَا الْقِيَاسَ فِيمَا إذَا ظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ أَسِيرًا فِيهِمْ بِدَلِيلٍ. فَإِذَا انْعَدَمَ ذَلِكَ أَوْ جَاءَ مَا عَارَضَهُ وَجَبَ الِاعْتِمَادُ عَلَى مَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي الْحَالِ، وَهُوَ أَنَّهُ حَرْبِيٌّ وُجِدَ فِي مَنَعَتِهِمْ.\n٦٧٥ - قَالَ: وَلَوْ جَالَتْ خَيْلُ الْمُسْلِمِينَ جَوْلَةً ثُمَّ إنَّهُمْ عَطَفُوا","vol":"1","page":458},{"text":"فَهَزَمُوهُمْ، فَوَجَدُوهُ فِي أَيْدِيهمْ.\n، فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ. إذَا عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ فِي مَنَعَتِهِمْ قَبْلَ هَزِيمَتِهِمْ.\nوَإِنْ هَزَمَهُمْ الْمُسْلِمُونَ فَوَجَدُوهُ لَا يَدْرُونَ أَكَانَ مَعَهُمْ أَوْ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ، إلَّا أَنَّهُمْ كَانُوا فَقَدُوهُ. فَلَمَّا وَجَدُوهُ قَالَ: لَمْ أَبْرَحْ عَسْكَرَكُمْ. فَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْعَسْكَرِ قَلِيلًا وَأَحَاطَ الْعِلْمُ بِأَنَّهُ لَا يَخْفَى مِثْلُهُ إنْ كَانَ فِي الْعَسْكَرِ، فَهُوَ فَيْءٌ.\nلِأَنَّا تَيَقَّنَّا بِأَنَّهُ كَاذِبٌ مُحْتَالٌ، وَأَنَّا حِينَ فَقَدْنَاهُ قَدْ الْتَحَقَ بِمَنَعَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَانْتَهَى حُكْمُ الْأَمَانِ.\nوَإِنْ كَانَ الْعَسْكَرُ عَظِيمًا قَدْ يَخْفَى مِثْلُهُ فِيهِ وَلَا يُدْرَى أَصَدَقَ أَمْ كَذَبَ، فَهُوَ عَلَى أَمَانِهِ.\nلِأَنَّ الدَّلِيلَ الْمُزِيلَ لِلْأَصْلِ الْمَعْلُومِ لَمْ يَظْهَرْ هُنَا، وَهُوَ وُصُولُهُ إلَى مَنَعَةِ الْمُشْرِكِينَ. وَلَكِنَّا نَدَّعِي ذَلِكَ عَلَيْهِ وَهُوَ مُنْكِرٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.\n٦٧٦ - وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا فَفَقَدُوهُ، فَلَمَّا هَزَمُوا الْعَدُوَّ إذَا هُمْ بِهِ لَا يَدْرُونَ أَكَانَ مَعَ الْعَدُوِّ أَوْ كَانَ مَعَهُمْ. فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: ذَهَبْت أَتَعَلَّفُ الْعَلَفَ، أَوْ ضَلَلْت الطَّرِيقَ وَلَمْ أَلْحَقْ بِالْعَدُوِّ. فَفِي الْقِيَاسِ هُوَ فَيْءٌ.","vol":"1","page":459},{"text":"لِأَنَّا عَلِمْنَا مُفَارَقَتَهُ الْعَسْكَرَ فِي دَارِ الْحَرْبِ. وَدَارُ الْحَرْبِ مَوْضِعُ أَهْلِ الْحَرْبِ. فَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ وُصُولِهِ إلَى مَنَعَتِهِمْ فِي حُكْمِ انْتِهَاءِ الْأَمَانِ.\nوَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ وَقَالَ: هُوَ مُصَدَّقٌ مَعَ يَمِينِهِ.\nلِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِخَبَرٍ مُحْتَمَلٍ. فَإِنَّهُ لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْمُعَسْكَرِ لِيَقْضِيَ حَاجَتَهُ أَوْ لِيَأْتِيَ بِالْعَلَفِ. وَرُبَّمَا يَضِلُّ عِنْدَ الْخَوْفِ وَكَثْرَةِ الزِّحَامِ، كَمَا أَخْبَرَ بِهِ. وَقَدْ عَرَفْنَا ثُبُوتَ الْأَمَانِ لَهُ. فَيَجِبُ التَّمَسُّكُ بِذَلِكَ الْأَصْلِ مَا لَمْ يَظْهَرْ مُزِيلُهُ بِدَلِيلٍ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":460},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>[بَابُ الْمُرَاوَضَةِ عَلَى الْأَمَانِ بِالْجُعْلِ وَغَيْرِهِ]</span>\n٥٦ - بَابُ الْمُرَاوَضَةِ عَلَى الْأَمَانِ بِالْجُعْلِ وَغَيْرِهِ ٦٧٧ - قَالَ: وَلَوْ أَنَّ عَسْكَرَ الْمُسْلِمِينَ أَتَوْا حِصْنًا مِنْ حُصُونِ أَهْلِ الْحَرْبِ فَنَاهَضُوهُ، وَقَالَ لَهُمْ أَهْلُ الْحِصْنِ: يَخْرُجُ عَشْرَةٌ مِنَّا يُعَامِلُونَكُمْ عَلَى الْأَمَانِ، وَقَدْ رَضِينَا بِمَا صَنَعُوا. فَلَمَّا خَرَجَ الْعَشَرَةُ سَأَلُوا الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُسَلِّمُوا السَّبْيَ وَيَأْخُذُوا مَا سِوَى ذَلِكَ. فَأَبَى الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ. وَصَالَحَهُمْ الْعَشَرَةُ عَلَى أَنْ يُؤَمِّنُوهُمْ خَاصَّةً وَعِيَالَاتِهِمْ. فَتَرَاضَوْا عَلَى ذَلِكَ. ثُمَّ دَخَلُوا الْحِصْنَ وَفَتَحُوا الْبَابَ. فَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ يَسْبُونَ فَقَالَ أَهْلُ الْحِصْنِ: أَخْبَرَنَا الْعَشَرَةُ بِأَنَّكُمْ آمَنْتُمْ السَّبْيَ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى كَلَامِهِمْ، سَوَاءٌ صَدَقَهُمْ الْعَشَرَةُ فِي ذَلِكَ أَوْ كَذَبُوهُمْ. وَجَمِيعُ مَا فِي الْحِصْنِ فَيْءٌ، سِوَى الْعَشَرَةِ مَعَ عِيَالَاتِهِمْ.\nلِأَنَّهُ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَمَانٌ لِغَيْرِ الْعَشَرَةِ صَرِيحًا وَلَا دَلَالَةً. وَأَهْلُ الْحِصْنِ لَا يَدْخُلُونَ فِي أَمَانِ الْعَشَرَةِ تَبَعًا. فَإِنَّ فِي أَمَانِ الْمَحْصُورِ لَا يَدْخُلُ مَنْ كَانَ تَبَعًا لَهُ حَقِيقَةً فَكَيْفَ يَدْخُلُ مَنْ لَمْ يَكُنْ تَبَعًا؟ وَالْعَشَرَةُ وَإِنْ أَخْبَرُوهُمْ بِأَمَانِ السَّبْيِ كَمَا زَعَمُوا فَقَدْ كَذَبُوا فِي ذَلِكَ.","vol":"1","page":461},{"text":"وَالْمُشْرِكُونَ إنَّمَا أُتُوا مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ حِينَ نَصَّبُوا الْخَائِنِينَ لِلسِّفَارَةِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، وَصَارُوا مُغْتَرِّينَ لَا مَغْرُورِينَ مِنْ جِهَةِ الْمُسْلِمِينَ.\n٦٧٨ - وَعَلَى هَذَا لَوْ شَهِدَ قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا فِي الْحِصْنِ أَنَّ الْعَشَرَةَ أَخْبَرُوهُمْ بِذَلِكَ لَمْ تَنْفَعْهُمْ هَذِهِ الشَّهَادَةُ.\nلِمَا بَيِّنَا، فَإِنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ لَا يَكُونُ أَقْوَى مِنْ الثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ.\n٦٧٩ - وَلَوْ عَايَنَّا أَنَّ الْعَشَرَةَ أَخْبَرُوهُمْ بِذَلِكَ حِينَ دَخَلُوا الْحِصْنَ لَمْ يَمْنَعْنَا ذَلِكَ مِنْ اسْتِرْقَاقِهِمْ.\n؛ لِأَنَّهُ لَا أَمَانَ لَهُمْ مِنَّا.\n٦٨٠ - وَلَوْ كَانَ أَهْلُ الْحِصْنِ أَخَذُوا الْأَمَانَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَا فِي حُصُونِهِمْ حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْهِمْ الْعَشَرَةُ بِصُلْحٍ أَوْ غَيْرِ صُلْحٍ، فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ.\nلِأَنَّ ذَلِكَ الْأَمَانَ قَدْ انْتَهَى بِرُجُوعِ الْعَشَرَةِ إلَيْهِمْ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَصْلًا.\n٦٨١ - وَلَوْ كَانُوا أَخَذُوا الْأَمَانَ حَتَّى تَرْجِعَ إلَيْهِمْ الْعَشَرَةُ فَيُخْبِرُوهُمْ بِمَا جَرَى عَلَى وَجْهِهِ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَقَالَ الْعَشَرَةُ: قَدْ أَخْبَرْنَاهُمْ بِذَلِكَ. وَقَالَ أَهْلُ الْحِصْنِ: لَمْ تُخْبِرُونَا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. فَهُمْ عَلَى أَمَانِهِمْ.\nلِأَنَّ الْعَشَرَةَ يَدَّعُونَ انْتِهَاءَ الْأَمَانِ الَّذِي كَانَ مِنَّا لِأَهْلِ الْحِصْنِ، وَأَهْلُ الْحِصْنِ مُنْكِرُونَ لِذَلِكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ وَلَا شَهَادَةَ لِلْعَشْرَةِ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ عَلَى فِعْلِ أَنْفُسِهِمْ، وَلِأَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ عَلَى إجَازَةِ مَا فَعَلُوا، فَإِنَّهُمْ","vol":"1","page":462},{"text":"يَقُولُونَ: قَدْ أَخْبَرْنَا أَهْلَ الْحِصْنِ وَرَضُوا بِمَا فَعَلْنَا، وَلَا شَهَادَةَ لِلْمَرْءِ عَلَى إجَازَةِ مَا بَاشَرَهُ.\n٦٨٢ - وَلَوْ شَهِدَ عَلَى مَقَالَتِهِمْ قَوْمٌ مُسْلِمُونَ، أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، كَانُوا فِي الْحِصْنِ، قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ وَكَانُوا فَيْئًا.\nلِأَنَّ شَهَادَتَهُمْ حُجَّةٌ عَلَى أَهْلِ الْحِصْنِ. فَكَانَ الثَّابِتُ بِشَهَادَتِهِمْ كَالثَّابِتِ بِإِقْرَارِ أَهْلِ الْحِصْنِ.\n٦٨٣ - فَإِنْ كَانَ الشُّهُودُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ فُسَّاقًا رُدَّ السَّبْيُ إلَى الْحِصْنِ، وَأُعِيدَ الْأَمْرُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يُنْبَذُ إلَيْهِمْ وَيُقَاتَلُونَ.\nلِأَنَّ الْأَمْرَ بِالتَّوَقُّفِ فِي خَبَرِ الْفَاسِقِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مُسْلِمًا أَوْ حَرْبِيًّا فِي أَنَّهُ لَيْسَ لِلْفَاسِقِ عَلَيْهِ شَهَادَةٌ مَقْبُولَةٌ. وَمَا لَمْ يَثْبُتْ إخْبَارُ الْعَشَرَةِ إيَّاهُمْ بِالْأَمْرِ عَلَى وَجْهِهِ كَانُوا آمِنِينَ فَلَا يَحِلُّ سَبْيُهُمْ.\n٦٨٤ - وَإِنْ كَانُوا حِينَ دَخَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ كُسِرَ حِصْنُهُمْ فَصَارُوا لَا مَنَعَةَ لَهُمْ، فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُلْحِقُوهُمْ بِمَأْمَنِهِمْ.\nلِأَنَّهُمْ فِي أَمَانٍ مِنَّا.\nفَلَا يَجُوزُ النَّبْذُ إلَيْهِمْ حَتَّى نُبَلِّغَهُمْ مَأْمَنَهُمْ.\n٦٨٥ - وَلَوْ قَالَتْ الْعَشَرَةُ مَا أَخْبَرْنَاهُمْ بِالصُّلْحِ عَلَى وَجْهِهِ، وَلَكِنَّا","vol":"1","page":463},{"text":"أَخْبَرْنَاهُمْ أَنَّكُمْ أَمَّنْتُمْ السَّبْيَ. فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ، وَلَا يَجُوزُ التَّعَرُّضُ بِشَيْءٍ مِمَّا فِي الْحِصْنِ.\nلِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي أَمَانٍ مِنَّا إلَى غَايَةٍ. وَهُوَ أَنْ يُخْبِرَهُمْ الْعَشَرَةُ بِالْأَمْرِ عَلَى وَجْهِهِ، وَلَمْ يَفْعَلُوا.\n٦٨٦ - فَإِنْ قَالَ الْمُسْلِمُونَ: فَنَحْنُ نُسَلِّمُ لَكُمْ السَّبْيَ كَمَا أَخْبَرَكُمْ بِهِ الْعَشَرَةُ وَنَأْخُذُ مَا سِوَاهُ مِنْ الْمَتَاعِ؛ لِأَنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِذَلِكَ وَفَتَحْتُمْ الْحِصْنَ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَهْلُ الْحِصْنِ: لَا نَرْضَى بِهَذَا الْآنَ. فَذَلِكَ لِأَهْلِ الْحِصْنِ.\nلِأَنَّ الْأَمَانَ مِنَّا يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ مَا فِي الْحِصْنِ، فَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْأَمَانِ، وَإِنْ رَضُوا بِغَيْرِهِ، مَا لَمْ يُنْبَذْ إلَيْهِمْ أَوْ يُنْتَهَى بِوُجُودِ غَايَتِهِ، وَغَايَتُهُ الْإِخْبَارُ بِالْأَمْرِ عَلَى وَجْهِهِ. فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ كَانَ عَلَيْنَا أَنْ نُعِيدَهُمْ إلَى مَنَعَتِهِمْ كَمَا كَانُوا، أَوْ نُبَلِّغَهُمْ مَأْمَنَهُمْ ثُمَّ نَنْبِذُ إلَيْهِمْ.\n٦٨٧ - وَلَوْ بَعَثَ الْأَمِيرُ مَعَ الْعَشَرَةِ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ. فَقَالَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ: قَدْ أَخْبَرَهُمْ الْعَشَرَةُ كَيْفَ كَانَ الصُّلْحُ. وَأَنْكَرَ ذَلِكَ أَهْلُ الْحِصْنِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ.\nلِأَنَّ شَهَادَةَ الْوَاحِدِ فِي الْإِلْزَامِ لَا تَكُونُ حُجَّةً عَلَى الْمُسْتَأْمَنِينَ كَمَا لَا تَكُونُ حُجَّةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ.\n٦٨٨ - وَإِنْ كَانَ بَعَثَ مَعَهُمْ رَجُلَيْنِ مُسْلِمَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فَشَهِدَا بِذَلِكَ كَانُوا فَيْئًا.","vol":"1","page":464},{"text":"لِأَنَّ شَهَادَةَ الْمُسْلِمِينَ حُجَّةٌ تَامَّةٌ، فَيَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِمَا مَا يُوجِبُ انْتِهَاءَ الْأَمَانِ بِهِ.\nفَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا وَهُمَا يَجُرَّانِ بِهَا نَفْعًا إلَى أَنْفُسِهِمَا؛ لِأَنَّ لَهُمَا نَصِيبًا فِي الْغَنِيمَةِ؟ قُلْنَا: نَعَمْ. لَكِنَّ الْحَقَّ فِي الْغَنِيمَةِ لَا يَتَأَكَّدُ قَبْلَ الْإِحْرَازِ. وَلِهَذَا مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ لَا يُورَثُ نَصِيبُهُ. وَمِثْلُ هَذَا الْحَقِّ الضَّعِيفِ لَا يُورِثُ تُهْمَةً مَانِعَةً مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ مُسْلِمَيْنِ مِنْ الْجُنْدِ لَوْ شَهِدَا عَلَى ذِمِّيٍّ أَنَّهُ سَرَقَ مِنْ الْغَنِيمَةِ شَيْئًا بِعَيْنِهِ، أَوْ شَهِدَا عَلَيْهِ أَنَّهُ سَرَقَ شَيْئًا مِنْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ. كَانَتْ شَهَادَتُهُمَا مَقْبُولَةً وَلَا يُنْظَرُ إلَى مَا لَهُمَا فِيهِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ بِنَاءً عَلَى الشَّرِكَةِ الْعَامَّةِ.\n٦٨٩ - وَإِنْ كَانَ الرَّجُلَانِ مِمَّنْ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَالْقَوْمُ عَلَى أَمَانِهِمْ.\nلِأَنَّ مَا يَنْتَهِي بِهِ الْأَمَانُ لَمْ يَثْبُتْ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّ ثُبُوتَهُ بِنَاءٌ عَلَى قَبُولِ شَهَادَتِهِمَا.\n٦٩٠ - وَلَوْ كَانَ بَعَثَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ مَعَ الْعَشَرَةِ وَهُمَا مِمَّنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَهُمْ فَيْءٌ أَيْضًا.\nلِأَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِينَ، وَلِأَهْلِ الذِّمَّةِ شَهَادَةٌ مَقْبُولَةٌ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِينَ فِيمَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ وَفِيمَا لَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، فَكَانَا بِمَنْزِلَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ.","vol":"1","page":465},{"text":"فَإِنْ شَهِدَ عَلَى ذَلِكَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، جَازَتْ الشَّهَادَةُ وَكَانُوا فَيْئًا، إلَّا أَنَّهُمْ لَا يُقْتَلُونَ.\nلِأَنَّ شَهَادَةَ الرِّجَالِ مَعَ النِّسَاءِ حُجَّةٌ فِيمَا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ، وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ فِيمَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ. لِتَمَكُّنِ شُبْهَةِ الضَّلَالِ وَالنِّسْيَانِ فِي شَهَادَتِهِنَّ.\n٦٩٢ - وَلَوْ كَانَ بَعَثَ مَعَ الْعَشَرَةِ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مُسْتَأْمِنَيْنِ، فَشَهِدَا عَلَيْهِمْ، فَإِنْ كَانَا مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الدَّارِ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا، وَإِنْ كَانَا مِنْ غَيْرِ تِلْكَ الدَّارِ بِأَنْ كَانَا مِنْ التُّرْكِ، وَأَهْلُ الْحِصْنِ نَصَارَى لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا، لِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْطَعُ وِلَايَةَ الشَّهَادَةِ كَمَا يَقْطَعُ وِلَايَةَ التَّوَارُثِ.\nوَهَذَا لِأَنَّ دَارَ الْحَرْبِ دَارُ قَهْرٍ، لَيْسَ بِدَارِ حُكْمٍ. فَبِاعْتِبَارِ اخْتِلَافِ الْمَنَعَةِ يَتَبَايَنُ الدَّارُ، حَتَّى لَا تُقْبَلَ شَهَادَةُ الْمُسْتَأْمِنِينَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، إذَا كَانُوا مِنْ أَهْلِ دُورٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَإِنْ كَانُوا مُجْتَمَعِينَ فِي دَارِنَا بِخِلَافِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَإِنَّهُمْ صَارُوا مِنْ أَهْلِ دَارِنَا، وَدَارُ الْإِسْلَامِ دَارُ حُكْمٍ، فَإِذَا جَمَعَهُمْ حُكْمٌ وَاحِدٌ قُبِلَتْ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ مِلَلُهُمْ، كَمَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُسْلِمِينَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ مَذَاهِبُهُمْ.\n٦٩٣ - وَكُلُّ شَيْءٍ رَدَدْت فِيهِ أَهْلَ الْحِصْنِ إلَى مَأْمَنِهِمْ فَإِنَّى أَرُدُّ فِيهِ الْعَشَرَةَ إلَى مَأْمَنِهِمْ أَيْضًا.","vol":"1","page":466},{"text":"لِأَنَّ الْأَمَانَ تَنَاوَلَهُمْ يَقِينًا، فَلَا يَجُوزُ التَّعَرُّضُ لَهُمْ قَبْلَ النَّبْذِ إلَيْهِمْ.\n٦٩٤ - وَلَوْ شَهِدَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ سِوَى الْعَشَرَةِ مِمَّنْ يَعْدِلُ فِي دِينِهِ أَنَّ الْعَشَرَةَ أَخْبَرُوهُمْ بِالصُّلْحِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمْ.\nلِأَنَّهُمْ صَارُوا عَبِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ بِزَعْمِهِمْ. فَإِنَّ الشُّهُودَ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْأَمَانَ قَدْ انْتَهَى بِإِخْبَارِ الْعَشَرَةِ إيَّاهُمْ بِالْأَمْرِ عَلَى وَجْهِهِ، فَهُمْ أَرِقَّاءٌ أَوْ حَالُهُمْ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ، فَيَكُونُونَ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِينَ لَا شَهَادَةَ لَهُمْ.\n٦٩٥ - وَإِذَا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ فَأَهْلُ الْحِصْنِ آمِنُونَ غَيْرُ الْعَشَرَةِ وَأَمْوَالِهِمْ وَرَقِيقِهِمْ.\nهَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَهُوَ غَلَطٌ وَالصَّحِيحُ: غَيْرُ الشُّهُودِ عَلَى الْعَشَرَةِ.\nفَإِنَّهُ لَا إشْكَالَ فِي أَمَانِ الْعَشَرَةِ، فَكَيْفَ يَسْتَثْنِيهِمْ مِنْ جُمْلَةِ الْآمِنِينَ؟ وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ شَهِدُوا هُمْ مُقِرُّونَ بِانْتِهَاءِ الْأَمَانِ، وَإِقْرَارُهُمْ صَحِيحٌ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَكَانُوا فَيْئًا مَعَ أَمْوَالِهِمْ وَرَقِيقِهِمْ وَمَنْ صَدَّقَهُمْ مِنْ عِيَالِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ الصِّغَارِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُمْ فِي حِجْرِ الْأُمَّهَاتِ، وَعِنْدَ التَّكْذِيبِ هُنَّ آمِنَاتٌ، فَكَذَلِكَ أَوْلَادُهُنَّ.\nوَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أُمٌّ مِنْ أَوْلَادِهِمْ الصِّغَارِ فَهُمْ مُصَدَّقُونَ عَلَيْهِمْ. وَهَذَا لِأَنَّهُمْ لَمَّا صَارُوا أَرِقَّاءَ وَالْأُمَّهَاتُ حَرَائِرَ فَبِاعْتِبَارِ بَقَاءِ الْأَمَانِ لَهُنَّ كَانَ الْمُعْتَبَرُ فِي حَقِّ الْأَوْلَادِ حِجْرُ الْأُمَّهَاتِ. وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أُمٌّ فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ حِجْرِ","vol":"1","page":467},{"text":"الْأَبِ فِي حَقِّهِ. فَيَصِيرُ رَقِيقًا مَعَهُ، وَلَا يُصَدَّقُونَ عَلَى الْكِبَارِ مِنْ أَوْلَادِهِمْ إلَّا أَنْ يُصَدِّقُوهُمْ فَحِينَئِذٍ يَكُونُونَ أَرِقَّاءَ بِإِقْرَارِهِمْ.\n٦٩٦ - قَالَ: وَلَوْ كَتَبَ الْأَمِيرُ كِتَابًا إلَى أَمِيرِ الْحِصْنِ يُخْبِرُهُ بِمَا جَرَى، وَخَتَمَهُ بِخَاتَمِهِ، وَبَعَثَهُ عَلَى يَدَيْ رَسُولٍ مِنْ قِبَلِهِ مَعَ الْعَشَرَةِ فَلَمَّا فَتَحَ الْحِصْنَ قَالَ أَمِيرُهُمْ: لَمْ يَأْتِ بِالْكِتَابِ وَلَمْ يَدْفَعْهُ إلَى الرَّسُولِ.\nوَقَالَ الرَّسُولُ: قَدْ دَفَعْتُهُ إلَيْهِ وَقَرَأَهُ بِمَحْضَرٍ مِنِّي.\nفَأَهْلُ الْحِصْنِ عَلَى أَمَانِهِمْ الْأَوَّلِ.\nلِأَنَّ الرَّسُولَ ادَّعَى انْتِهَاءَ الْأَمَانِ بِإِيصَالِ الْكِتَابِ إلَيْهِ، وَهُوَ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ.\nوَهَذَا؛ لِأَنَّ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِانْتِهَاءِ الْأَمَانِ إبَاحَةُ قَتْلِهِمْ وَاسْتِرْقَاقِهِمْ، وَهَذَا مِمَّا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، فَخَبَرُ الْوَاحِدِ فِيهِ لَا يَكُونُ حُجَّةً تَامَّةً وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا.\n٦٩٧ - فَإِنْ كَانَ بَعَثَ مَعَهُ رَجُلَيْنِ مُسْلِمَيْنِ فَشَهِدَا بِأَنَّهُ قَرَأَ عَلَيْهِ بِمَحْضَرٍ مِنْهُمَا حَتَّى سَمِعَهُ وَعَلِمَ مَا فِيهِ فَهُمْ فَيْءٌ أَجْمَعُونَ.\nلِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِإِقْرَارِ الْخَصْمِ، وَشَهَادَةُ الْمُسْلِمَيْنِ حُجَّةٌ تَامَّةٌ. ٦٩٨ - وَلَوْ شَهِدَا أَنَّهُ دَفَعَ الْكِتَابَ إلَيْهِ، فَقَرَأَهُ عَلَيْهِ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَتَرْجَمَ لَهُ التُّرْجُمَانُ، وَلَكِنَّهُمَا لَا يَدْرِيَانِ مَا قَالَهُ التُّرْجُمَانُ، فَالْقِيَاسُ فِيهِ أَنَّهُمْ آمِنُونَ حَتَّى نَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ مَا فِي الْكِتَابِ.","vol":"1","page":468},{"text":"لِأَنَّا نَعْرِفُ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ، وَالشُّهُودُ لَمْ يَعْرِفُوا مَا قَالَ لَهُ التُّرْجُمَانُ، فَلَا يَثْبُتُ عِلْمُهُ بِمَا فِي الْكِتَابِ بِهَذَا الْقَدْرِ، وَمَا لَمْ يَصِرْ ذَلِكَ مَعْلُومًا لَهُ لَا يَنْتَهِي الْأَمَانُ وَلَا تَنْتَفِي الشُّبْهَةُ. فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ الْإِقْدَامُ عَلَى الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ.\n٦٩٩ - فَقَالَ: فَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِ الْمُسْلِمِينَ فَوْقَ ذَلِكَ إذَا أَرَادُوا النَّبْذَ إلَيْهِمْ.\nوَإِنْ خَانَ التُّرْجُمَانُ فَذَكَرَ لَهُمْ غَيْرَ مَا فِي الْكِتَابِ فَإِنَّمَا أُتُوا مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ حِينَ اتَّخَذُوا تُرْجُمَانًا هُوَ خَائِنٌ.\nوَمَا لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ حَقِيقَةً لَا يَجُوزُ تَعَلُّقُ الْحُكْمِ بِهِ، وَإِنَّمَا يُعَلَّقُ بِالسَّبَبِ الظَّاهِرِ، وَقَدْ تَمَّ ذَلِكَ كَمَا شَهِدَ الشُّهُودُ.\n٧٠٠ - وَلَوْ أَنَّ رُسُلَ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَحْضُرُوا مَجْلِسَ أَمِيرِهِمْ إلَّا أَنَّ الْأَمِيرَ رَدَّ جَوَابَ الْكِتَابِ بِكِتَابٍ مَخْتُومٍ ثُمَّ فَتَحَ الْحِصْنَ فَجَحَدَ الْأَمِيرُ الْكِتَابَ فَقَالَ: مَا وَصَلَ إلَيَّ كِتَابٌ، وَلَا أَخْبَرَنِي الْعَشَرَةُ بِمَا جَرَى عَلَى وَجْهِهِ. فَهُمْ عَلَى أَمَانِهِمْ.\nلِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ إلَى أَمِيرِ الْعَسْكَرِ مُحْتَمَلٌ. فَلَعَلَّهُ افْتَعَلَ ذَلِكَ مُفْتَعِلٌ عَلَى لِسَانِ أَمِيرِهِمْ. وَانْتِهَاءُ الْأَمَانِ لَا يَثْبُتُ مُبِيحًا لِلْقَتْلِ وَالِاسْتِغْنَامِ بِمِثْلِ هَذَا الْكِتَابِ الْمُفْتَعَلِ.","vol":"1","page":469},{"text":"وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ هَذَا الْكِتَابُ مِنْ مَلِكِهِمْ الْأَعْظَمِ ثُمَّ أَنْكَرَهُ بَعْدَمَا وَقَعَ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى مَمْلَكَتِهِ.\nفَإِنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِهِ الْأَمَانُ الَّذِي كَانَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَهُمْ. لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْكِتَابَ مُحْتَمَلٌ قَدْ يُفْتَعَلُ عَلَى لِسَانِ الْأَعْظَمِ كَمَا يُفْتَعَلُ عَلَى لِسَانِ مَنْ هُوَ دُونَهُ.\n٧٠٢ - وَلَا يَحِلُّ إرَاقَةُ الدِّمَاءِ وَالِاسْتِرْقَاقُ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْكِتَابِ الَّذِي لَا يَدْرُونَ أَحَقُّ هُوَ أَمْ بَاطِلٌ.\nفَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ أَنَّ كِتَابَ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي يُجْعَلُ حُجَّةً فِي الْأَحْكَامِ وَهَذَا الِاحْتِمَالُ فِيهِ مَوْجُودٌ؟ قُلْنَا: أَمَّا فِيمَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ لَا يُجْعَلُ حُجَّةً، وَفِيمَا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ فِي الْقِيَاسِ لَا يَكُونُ حُجَّةً أَيْضًا. وَإِنَّمَا جُعِلَ حُجَّةً فِيمَا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ اسْتِحْسَانًا، لِتَحَقُّقِ الْحَاجَةِ فِيهِ بِشَرَائِطَ يَقَعُ بِهَا الْأَمْنُ عَنْ الِافْتِعَالِ ظَاهِرًا، وَهُوَ الْخَتْمُ، وَشَهَادَةُ الشُّهُودِ عَلَيْهِ وَعَلَى مَا فِيهِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي كِتَابِ كَبِيرِهِمْ إلَيْنَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":470},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>[بَابُ أَمَانِ الرَّسُولِ إلَى أَمِيرِ حِصْنٍ فِي حَاجَةٍ]</span>\n٥٧ - بَابُ أَمَانِ الرَّسُولِ ٧٠٣ - قَالَ: فَإِذَا أَرْسَلَ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ رَسُولًا إلَى أَمِيرِ حِصْنٍ فِي حَاجَةٍ لَهُ، فَذَهَبَ الرَّسُولُ وَهُوَ مُسْلِمٌ. فَلَمَّا بَلَّغَ الرِّسَالَةَ قَالَ: إنَّهُ أَرْسَلَ عَلَى لِسَانِي إلَيْكَ الْأَمَانَ، لَكَ وَلِأَهْلِ مَمْلَكَتِك، فَافْتَحْ الْبَابَ. وَأَتَاهُ بِكِتَابٍ افْتَعَلَهُ عَلَى لِسَانِ الْأَمِيرِ، أَوْ قَالَ ذَلِكَ قَوْلًا، وَحَضَرَ الْمَقَالَةَ نَاسٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. فَلَمَّا فَتَحَ الْبَابَ دَخَلَ الْمُسْلِمُونَ وَجَعَلُوا يَسْبُونَ. فَقَالَ أَمِيرُ الْحِصْنِ: إنَّ رَسُولَكُمْ أَخْبَرَنَا أَنَّ أَمِيرَكُمْ أَمَّنَنَا وَشَهِدَ أُولَئِكَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَقَالَتِهِمْ. فَالْقَوْمُ آمِنُونَ، يُرَدُّ عَلَيْهِمْ مَا أُخِذَ مِنْهُمْ.\nلِأَنَّ عِبَارَةَ الرَّسُولِ كَعِبَارَةِ الْمُرْسِلِ فَكَأَنَّ أَمِيرَ الْعَسْكَرِ أَمَّنَهُمْ.\nفَإِنْ قِيلَ: عِبَارَةُ الرَّسُولِ كَعِبَارَةِ الْمُرْسِلِ فِيمَا جَعَلَهُ رَسُولًا فِيهِ، فَأَمَّا فِيمَا افْتَعَلَهُ فَلَا. قُلْنَا: هَذَا التَّمْيِيزُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي حَقِّ الْمَبْعُوثِ إلَيْهِ.\nلِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ لَهُ إلَى ذَلِكَ. وَإِنَّمَا الَّذِي فِي وُسْعِهِ الِاعْتِمَادُ عَلَى مَا يُخْبِرُ بِهِ الرَّسُولُ، فَلِهَذَا يُجْعَلُ مَا أَخْبَرَ بِهِ كَأَنَّهُ حَقٌّ بَعْدَمَا ثَبَتَ أَنَّهُ رَسُولٌ. وَهَذَا لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْمُرْسِلِ أَنْ يَخْتَارَ لِرِسَالَتِهِ الْأَمِينَ دُونَ الْخَائِنِ، وَالصَّادِقَ دُونَ الْكَاذِبِ. فَلَوْ لَمْ يُجْعَلْ مَا يُخْبِرُ الرَّسُولُ بِهِ كَأَنَّهُ حَقٌّ مِنْ حَقِّهِمْ أَدَّى ذَلِكَ إلَى الْغُرُورِ، وَذَلِكَ حَرَامٌ.\nأَرَأَيْت لَوْ نَادَاهُمْ الْأَمِيرُ: إنَّ هَذَا رَسُولِي فِي كُلِّ مَا يَجْرِي بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ.","vol":"1","page":471},{"text":"ثُمَّ أَتَاهُمْ بِهَذَا لَمْ يَكُنْ الْقَوْمُ آمِنِينَ. وَمَنْ تَأَمَّلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ﴾ [الحاقة: ٤٤] ﴿لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦] يَتَّضِحُ عِنْدَهُ هَذَا الْمَعْنَى. وَقَدْ تَقَوَّلَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ نَحْوَ مُسَيْلِمَةَ وَنُظَرَائِهِ مِمَّنْ ادَّعَى الرِّسَالَةَ، وَلَمْ يُصِبْهُمْ فِي الدُّنْيَا، فَعَرَفْنَا أَنَّ حَالَ الرُّسُلِ فِيمَا يُخْبِرُونَ بِهِ عَمَّنْ أَرْسَلَهُمْ لَا يَكُونُ كَحَالِ غَيْرِهِمْ.\n٧٠٤ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الرَّسُولُ ذِمِّيًّا أَوْ حَرْبِيًّا مُسْتَأْمَنًا.؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ هَذَا الْأَمَانِ مِنْ جِهَةِ أَمِيرِ الْعَسْكَرِ لَا مِنْ جِهَةِ الرَّسُولِ. فَإِنَّ الرَّسُولَ فِي حِصْنِهِمْ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ مِنْهُمْ، فَلَا يَصِحُّ أَمَانُهُ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ.\nثُمَّ هَذَا التَّقْصِيرُ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْأَمِيرِ حِينَ اخْتَارَ لِرِسَالَتِهِ كَافِرًا خَائِنًا وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْ ذَلِكَ.\nأَلَا تَرَى إلَى مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ - ﵁ - قَالَ لِأَبِي مُوسَى - ﵁ -: مُرْ كَاتِبَك فَلْيَدْخُلْ الْمَسْجِدَ وَلْيَقْرَأْ هَذَا الْكِتَابَ. فَقَالَ: إنَّ كَاتِبِي لَا يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ. قَالَ: وَلِمَ؟ أَجُنُبٌ هُوَ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّهُ نَصْرَانِيٌّ. فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، اتَّخَذْت بِطَانَةً مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ؟ أَمَا سَمِعْت قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: ١١٨] . أَيْ. لَا يُقَصِّرُونَ فِي إفْسَادِ أُمُورِكُمْ.\n٧٠٥ - فَإِنْ قَالَ الرَّسُولُ: إنِّي قُلْت لَهُمْ هَذَا الَّذِي ادَّعَوْا، وَلَا نَعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهِ، وَقَدْ فُتِحَ الْحِصْنُ وَسَبَاهُمْ الْمُسْلِمُونَ، لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى ذَلِكَ.","vol":"1","page":472},{"text":"لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا لَا يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَهُ، وَادَّعَى مَا يُبْطِلُ حَقَّ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ مَا ظَهَرَ سَبَبُ ثُبُوتِ حَقِّهِمْ، فَلَا يُصَدَّقُ فِيهِ إلَّا بِحُجَّةٍ.\n٧٠٦ - وَلَكِنْ مَنْ وَقَعَ سَهْمُهُ مِنْهُمْ صَارَ حُرًّا، لِإِقْرَارِهِ أَنَّهُ آمِنٌ، وَلَا يُتْرَكُ لِيَرْجِعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ.\nلِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ.\n٧٠٧ - وَإِنْ شَهِدَ عَلَى هَذِهِ الْمَقَالَةِ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ.\nلِأَنَّهَا تَقُومُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.\n٧٠٨ - وَإِنْ كَانَ الَّذِي أَتَاهُمْ بِهَذِهِ الرِّسَالَةِ رَجُلٌ لَيْسَ بِرَسُولٍ، وَلَكِنَّهُ افْتَعَلَ كِتَابًا فِيهِ أَمَانُهُمْ، فَدَخَلَ بِهِ إلَيْهِمْ، أَوْ قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ قَوْلًا، وَقَالَ: إنِّي رَسُولُ الْأَمِيرِ، أَوْ رُسُلُ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَهُمْ فَيْءٌ كُلُّهُمْ. وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَ مُقَاتِلَتَهُمْ.\nلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ الْأَمَانِ لَهُمْ مِنْ جِهَتِهِ. فَإِنَّهُ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ مِنْهُمْ حِينَ قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ، بَلْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْأَسِيرِ فِيهِمْ. وَأَمَانُ الْأَسِيرِ لَا يَنْفُذُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.\nفَلَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ مِنْ جِهَةِ أَمِيرِ الْعَسْكَرِ؛ لِأَنَّهُ مَا أَرْسَلَهُ حَتَّى تَكُونَ عِبَارَتُهُ قَائِمَةً مَقَامَ عِبَارَةِ الْأَمِيرِ. وَهَذَا لِأَنَّ مَعْنَى الْغُرُورِ لَا يَتَحَقَّقُ هُنَا لَوْ أَبْطَلْنَا هَذِهِ الْمَقَالَةَ، وَإِنَّمَا جَاءَ التَّقْصِيرُ مِنْ جِهَتِهِمْ حِينَ اعْتَمَدُوا قَوْلَ مَجْهُولٍ غَيْرِ مَعْرُوفٍ بِالرِّسَالَةِ، وَلَا كَانَ رَسُولًا إلَيْهِمْ مِنْ جِهَةِ الْأَمِيرِ، فِي وَقْتٍ مِنْ","vol":"1","page":473},{"text":"الْأَوْقَاتِ. وَالْأَمِيرُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَحَرَّرَ عَنْ هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الْمُفْتَعِلَ لِيَمْنَعَهُ مِنْ الِافْتِعَالِ. وَكَمَا أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُمْ الْوُقُوفُ عَلَى مَا لَيْسَ فِي وُسْعِهِمْ، يَسْقُطُ عَنْ الْإِمَامِ التَّحَرُّزُ عَمَّا لَيْسَ فِي وُسْعِهِ.\n٧٠٩ - وَلَوْ قَالَ لَهُمْ هَذَا الَّذِي لَمْ يَكُنْ رَسُولًا، هَذِهِ الْمَقَالَةَ وَهُوَ فِي عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ، نَادَاهُمْ فَفَتَحُوا الْبَابَ، كَانُوا آمِنِينَ حَتَّى يَنْبِذَ إلَيْهِمْ.\nلِأَنَّهُ يَجْعَلُ هَذِهِ الْمَقَالَةَ أَمَانًا مِنْ جِهَتِهِ حِينَ كَانَ فِي مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَنْ يَمْلِكُ الْأَمَانَ إذَا أَخْبَرَ عَنْ مَنْ يَمْلِكُ الْأَمَانَ فَذَلِكَ أَمَانٌ صَحِيحٌ لَهُمْ. سَوَاءٌ كَانَ الْخَبَرُ صِدْقًا أَمْ كَذِبًا. إنْ كَانَ صِدْقًا فَمِنْ جِهَةِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ كَذِبًا فَمِنْ جِهَةِ الْمُخْبِرِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ ذَلِكَ إلَّا بِشَهَادَةِ الْعُدُولِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهَا تَقُومُ لِإِبْطَالِ حَقِّهِمْ فِي الِاسْتِغْنَامِ.\n٧١٠ - وَلَوْ أَنَّ رَسُولَ الْأَمِيرِ حِينَ بَلَّغَ رِسَالَةَ الْأَمِيرِ قَالَ: إنَّ فُلَانًا الْقَائِدَ قَدْ أَمَّنَكُمْ وَأَرْسَلَنِي بِذَلِكَ إلَيْكُمْ، أَوْ إنَّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى بَابِ الْأَمِيرِ آمَنُوكُمْ، أَوْ إنِّي كُنْت قَدْ أَمَّنْتُكُمْ، قَبْلَ أَنْ أَدْخُلَ إلَيْكُمْ، وَنَادَيْتُكُمْ بِذَلِكَ. وَشَهِدَ عَلَى هَذِهِ الْمَقَالَةِ قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. فَهُمْ فَيْءٌ أَجْمَعُونَ إذَا كَانَ مَا أَخْبَرَ بِهِ كَذِبًا.\nلِأَنَّهُ لَيْسَ بِرَسُولِ الْقَائِدِ حَتَّى يَجْعَلَ عِبَارَتَهُ كَعِبَارَةِ الْقَائِدِ، وَلَا هُوَ رَسُولُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى بَابِ الْأَمِيرِ حَتَّى تَكُونَ عِبَارَتُهُ كَعِبَارَتِهِمْ، وَلَا يَمْلِكُ هُوَ أَمَانَهُمْ بِنَفْسِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَنَعَتِهِمْ، فَلِهَذَا بَطَلَ حُكْمُ كَلَامِهِ.","vol":"1","page":474},{"text":"وَلَوْ كَانَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَرْسَلَ فِي حَاجَتِهِ فَقَضَى حَاجَتَهُ ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ مَنْ أَرْسَلَهُ آمَنَهُمْ. فَهَذَا أَيْضًا بَاطِلٌ.\nلِأَنَّ رَسُولَ الْوَاحِدِ مِنْ عَرْضِ الْعَسْكَرِ، فِي مِثْلِ هَذَا لَا يُشْبِهُ رَسُولَ الْأَمِيرِ أَوْ رَسُولَ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ. فَإِنَّ ذَلِكَ الْمُرْسَلَ لَوْ كَانَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَا يَصِحُّ أَمَانُهُ، فَكَذَلِكَ رَسُولُهُ إذَا أَخْبَرَ عَنْهُ.\nوَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ فِي رَسُولِ الْأَمِيرِ وَرَسُولِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا، غَيْرَ أَنَّا اسْتَحْسَنَّا فِي هَاتَيْنِ الْخَصَلَتَيْنِ.\nلِأَنَّ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَنَعَةِ حَيْثُ مَا كَانُوا، وَرَسُولُهُمْ قَائِمٌ مَقَامَهُمْ. فَإِذَا أَضَافَ الْأَمَانَ إلَيْهِمْ كَانَ صَحِيحًا. وَكَذَلِكَ الْأَمِيرُ أَمَانُهُ صَحِيحٌ حَيْثُ يَكُونُ أَمِيرًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ أَمِيرًا إلَّا بِاعْتِبَارِ الْمَنَعَةِ. فَلِسَانُ رَسُولِهِ كَلِسَانِهِ فِي الْإِخْبَارِ بِالْأَمَانِ. وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي حَقِّ الْوَاحِدِ مِنْ عَرْضِ النَّاسِ، فَلِهَذَا لَا يُعْتَبَرُ إخْبَارُ رَسُولِهِ إيَّاهُمْ بِالْأَمَانِ عَنْهُ.\n٧١٢ - قَالَ: وَلَوْ أَنَّ الْأَمِيرَ أَرْسَلَ إلَيْهِمْ مَنْ يُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ آمَنَهُمْ، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَدْ أَتَاهُمْ بِرِسَالَتِهِ، فَهُمْ آمِنُونَ، وَإِنْ كَانُوا لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الرَّسُولَ قَدْ بَلَّغَهُمْ.\n؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى الظَّاهِرِ وَاجِبٌ فِيمَا لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى حَقِيقَتِهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الرَّسُولَ بَعْدَمَا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ لَا يَخْرُجُ حَتَّى يُؤَدِّيَ الرِّسَالَةَ. وَلِأَنَّ فِيمَا يَقُولُهُ الرَّسُولُ احْتِمَالُ الصِّدْقِ، وَإِنْ لَمْ يَتَرَجَّحْ جَانِبُ الصِّدْقِ. وَبِهَذَا الْقَدْرِ تَثْبُتُ الشُّبْهَةُ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْأَمَانَ يَثْبُتُ فِي مَوْضِعِ الشُّبْهَةِ.\nفَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ حَتَّى يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ.","vol":"1","page":475},{"text":"وَلَوْ كَانَ الْأَمِيرُ وَالْمُسْلِمُونَ آمَنُوهُمْ ثُمَّ بَعَثُوا رَجُلًا يَنْبِذُ إلَيْهِمْ وَيُخْبِرُهُمْ أَنَّهُمْ قَدْ نَقَضُوا الْعَهْدَ، فَرَجَعَ الرَّسُولُ وَذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ أَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ. فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ حَتَّى يَعْلَمُوا ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُ أَتَاهُمْ بِخَبَرٍ مُحْتَمِلٍ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ. وَذَلِكَ لَا يَكُونُ حُجَّةً تَامَّةً فِي نَقْضِ الْعَهْدِ، وَإِنْ كَانَ حُجَّةً فِي الْأَمَانِ بِمَعْنَى. وَهُوَ أَنَّ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِنَبْذِ الْأَمَانِ إبَاحَةُ السَّبْيِ، وَاسْتِحْلَالُ الْفَرْجِ وَالدِّمَاءِ. وَهَذَا مِمَّا لَا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبْهَةِ. وَمُجَرَّدُ الظَّاهِرِ أَوْ خَبَرُ الْوَاحِدِ لَا يَنْفَكُّ عَنْ الشُّبْهَةِ.\nفَأَمَّا الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالْأَمَانِ حُرْمَةُ السَّبْيِ، وَذَلِكَ مِمَّا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبْهَةِ.\nوَلِأَنَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِنَبْذِ الْأَمَانِ إذَا وَقَعَ فِيهِ الْغَلَطُ لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَمَدَ فِيهِ بِمُجَرَّدِ الظَّاهِرِ، وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَمَانِ إذَا وَقَعَ فِيهِ غَلَطٌ يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ فَيَجُوزُ الِاعْتِمَادُ فِيهِ عَلَى الْخَبَرِ الْوَاحِدِ إذَا كَانَ رَسُولًا.\n٧١٤ - فَإِنْ أَغَارَ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ قَبْلَ التَّثَبُّتِ فَقَالُوا: لَمْ يَبْلُغْنَا مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُكُمْ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ.\nلِأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا نَبْذَ الْأَمَانِ، وَفِيهِ تَمَسُّكٌ بِالْأَصْلِ الْمَعْلُومِ. فَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ مَا أَخَذُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَيَغْرَمُونَ دِيَاتِ مَنْ قَتَلُوا مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي أَمَانٍ مَا لَمْ يَعْلَمُوا بِالنَّبْذِ.\nفَإِنْ قِيلَ: فَلَيْسَ فِي وُسْعِ الْأَمِيرِ فَوْقَ هَذَا.\nقُلْنَا: لَا كَذَلِكَ، بَلْ فِي وُسْعِهِ أَنْ يُرْسِلَ إلَيْهِمْ رَسُولًا يَنْبِذُ إلَيْهِمْ، وَيُرْسِلَ لَهُمْ مَعَهُ بِرَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ، حَتَّى يَشْهَدَا عَلَى تَبْلِيغِهِ","vol":"1","page":476},{"text":"النَّبْذَ. فَهَذَا أَدْنَى مَا تَتِمُّ بِهِ الرِّسَالَةُ فِي النَّبْذِ. حَتَّى لَوْ أَرْسَلَ إلَيْهِمْ رَجُلَيْنِ فَرَجَعَا وَشَهِدَا عَلَى تَبْلِيغِ النَّبْذِ إلَيْهِمْ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا شَهِدَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ حُجَّةً فِي الْأَحْكَامِ. وَلَا يُقْبَلُ فِي مِثْلِ هَذَا إلَّا مَا يَكُونُ حُجَّةً فِي الْأَحْكَامِ.\n٧١٥ - وَلَوْ جَاءَ رَسُولُ أَمِيرِهِمْ بِكِتَابٍ مَخْتُومٍ إلَى أَمِيرِ الْعَسْكَرِ: إنِّي قَدْ نَاقَضْتُك الْعَهْدَ. فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُعَجِّلُوا حَتَّى يَعْلَمُوا حَقِيقَةَ ذَلِكَ.\nلِأَنَّ الْكِتَابَ مُحْتَمَلٌ وَلَعَلَّهُ مُفْتَعَلٌ.\n٧١٦ - وَإِنْ كَانَ الَّذِي جَاءَ بِالْكِتَابِ رَجُلَانِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَشَهِدَا أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ كِتَابُ الْمَلِكِ وَخَاتَمُهُ، جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ.؛ لِأَنَّ الرَّسُولَيْنِ عِنْدَنَا فِي أَمَانٍ، وَالْقَوْمُ كَذَلِكَ، قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ النَّبْذُ. وَشَهَادَةُ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى أَمْثَالِهِمْ مِنْ أَهْلِ دَارِهِمْ حُجَّةٌ تَامَّةٌ. وَبَعْدَ تَمَامِ النَّبْذِ بِشَهَادَتِهِمْ لَا بَأْسَ بِقَتْلِهِمْ وَاسْتِرْقَاقِهِمْ.\n٧١٧ - إلَّا أَنْ يَكُونَ اللَّذَانِ شَهِدَا بِالْكِتَابِ مِمَّنْ لَا ` تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا مِنْهُمْ، أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، أَوْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَحِينَئِذٍ لَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُعَجِّلُوا بِقِتَالِهِمْ.","vol":"1","page":477},{"text":"لِأَنَّ شَهَادَةَ هَؤُلَاءِ لَيْسَ بِحَجَّةٍ فِي الْأَحْكَامِ. وَنَبْذُ الْأَمَانِ لَا يَثْبُتُ بِمِثْلِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ.\nفَيَنْبَغِي لِلْأَمِيرِ أَنْ يَبْعَثَ إلَيْهِمْ رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِيَسْأَلُوهُمْ عَنْ ذَلِكَ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ أَسَرُوهُمْ فَجَحَدُوا الْكِتَابَ وَحَلَفُوا أَنَّهُمْ مَا كَتَبُوهُ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُمْ شَرْعًا، وَلَا يَبْطُلُ إنْكَارُهُمْ بِشَهَادَةِ مَنْ لَا شَهَادَةَ لَهُ. فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَبْعَثَ الْأَمِيرُ مَنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ، حَتَّى إذَا أَنْكَرُوا الْكِتَابَ شَهِدُوا بِهِ عَلَيْهِمْ.\n٧١٨ - وَلَوْ أَنَّ الْأَمِيرَ بَعَثَ إلَيْهِمْ عَشْرَةً مَعَهُمْ كِتَابٌ فِيهِ نَقْضُ الْعَهْدِ، وَقَالَ لِلرَّجُلِ الْمُسْلِمِ: اقْرَأْهُ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ لِلْآخَرِينَ: اشْهَدُوا عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ. فَاجْتَمَعَ أَمِيرُهُمْ مَعَ الْقُوَّادِ وَالْبَطَارِقَةِ. فَقَرَأَ الرَّجُلُ عَلَيْهِمْ بِالْعَرَبِيَّةِ وَتَرْجَمَ التُّرْجُمَانُ بِلِسَانِهِمْ. ثُمَّ رَجَعَ الرُّسُلُ فَأَخْبَرُوا بِمَا كَانَ. فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُغِيرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ.\nلِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِهِمْ فَوْقَ هَذَا، وَالتَّكْلِيفُ يَثْبُتُ بِحَسَبِ الْوُسْعِ فِيمَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ وَفِيمَا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ.\n٧١٩ - فَإِنْ أَغَارُوا عَلَيْهِمْ فَقَالُوا: إنَّ التُّرْجُمَانَ لَمْ يُخْبِرْنَا بِنَقْضِ الْعَهْدِ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَنَا أَنَّ فِي الْكِتَابِ: قَدْ زِدْنَاكُمْ فِي مُدَّةِ الْأَمَانِ كَذَا. فَقَوْلُهُمْ هَذَا بَاطِلٌ.","vol":"1","page":478},{"text":"لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُمْ أُتُوا مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ حِينَ اخْتَارُوا لِلتَّرْجَمَةِ خَائِنًا، وَلَيْسَ فِي وُسْعِنَا أَنْ نَعْلَمَ حَقِيقَةَ مَا يُخْبِرُهُمْ بِهِ التُّرْجُمَانُ، إلَّا أَنْ يَسْتَقِرَّ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ حَضَرُوهُمْ أَنَّ التُّرْجُمَانَ قَالَ لَهُمْ غَيْرَ مَا فِي الْكِتَابِ. فَإِنْ اسْتَيْقَنَ الْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ فَالْقَوْمُ عَلَى أَمَانِهِمْ.\nأَرَأَيْت لَوْ كَانَ أَهْلُ الْحَرْبِ الَّذِينَ أَمَّنَّاهُمْ لَهُمْ لُغَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَكَانُوا قَوْمًا مِنْ الْعَرَبِ لَهُمْ لُغَةٌ، فَكَلَّمُوهُمْ بِلُغَةٍ غَيْرِ لُغَتِهِمْ أَوْ أَعْرَبُوا فِي الْكَلَامِ. فَذَكَرُوا الْغَرِيبَ مِنْ اللُّغَاتِ فَقَالُوا: لَمْ نَفْهَمْ اللُّغَةَ، أَيَنْبَغِي أَنْ نُصَدِّقَهُمْ عَلَى هَذَا وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِاللُّغَةِ؟ لَا نُصَدِّقُهُمْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى نَسْتَيْقِنَ أَنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا. فَإِذَا تَيَقَّنَّا بِذَلِكَ فَقَدْ سَقَطَ اعْتِبَارُ الظَّاهِرِ بِالْيَقِينِ، وَكَانُوا هُمْ عَلَى الْأَمَانِ.\nوَكَذَلِكَ إنْ كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا؛ لِأَنَّ أَكْبَرَ الرَّأْيِ بِمَنْزِلَةِ الْيَقِينِ فِيمَا يُبْتَنَى عَلَى الِاحْتِيَاطِ.\n\nوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - ﵁ -: لَوْ أَنَّ مُسْلِمًا جَاءَ بِرَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ إلَى الْأَمِيرِ وَهُمْ فِي الْمَفَازَةِ، وَكَانُوا عَلَى حِصْنٍ، حَاصَرُوهُ وَقَالَ: إنِّي كُنْت أَمَّنْت هَذَا. فَأَتَانِي عَلَى أَمَانِي إيَّاهُ، لَمْ يُصَدَّقْ حَتَّى يَشْهَدَ شَاهِدَانِ سِوَاهُ أَنَّهُ قَدْ أَمَّنَهُ.\nلِأَنَّهُ صَارَ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ حِينَ جَاءَ بِهِ الْأَمِيرُ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ مِنْهُمْ. وَهَذَا الْمُسْلِمُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أَنْ يُؤَمِّنَهُ ابْتِدَاءً، فَلَا يُصَدَّقُ فِيمَا يُقِرُّ بِهِ مِنْ أَمَانِهِ.\nوَفِي الْقِيَاسِ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ إنْ شَاءَ بِمَنْزِلَةِ غَيْرِهِ مِنْ الْمَأْسُورِينَ. وَلَكِنْ فِي الِاسْتِحْسَانِ لَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ فَيْئًا، وَلَا يَقْتُلَهُ؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ الصِّدْقِ فِي خَبَرِهِ يُمْكِنْ شُبْهَةً مَانِعَةً مِنْ إرَاقَةِ الدَّمِ.\nوَهَذَا لِأَنَّ حُرْمَةَ قَتْلِ الْمُسْتَأْمَنِ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى. وَخَبَرُ الْوَاحِدِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى أَمْرِ الدِّينِ حُجَّةٌ شَرْعًا، خُصُوصًا فِيمَا لَا يَكُونُ فِيهِ إلْزَامٌ عَلَى شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، وَهُوَ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ الْخَبَرِ.","vol":"1","page":479},{"text":"وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا غَيْرَ الَّذِي جَاءَ بِهِ شَهِدَ أَنَّهُ آمَنَهُ. لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ حَتَّى يَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ رَجُلَانِ مُسْلِمَانِ.\nوَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ الْهُرْمُزَانِ، فَإِنَّ عُمَرَ - ﵁ - قَالَ لَهُ: تَكَلَّمْ، لَا بَأْسَ عَلَيْك، أَوْ تَكَلَّمْ بِكَلَامٍ حَيٍّ. ثُمَّ اشْتَبَهَ ذَلِكَ عَلَى عُمَرَ. فَشَهِدَ لَهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ. فَأَبَى عُمَرُ أَنْ يَقْبَلَ ذَلِكَ حَتَّى جَاءَ مَعَهُ رَجُلٌ آخَرُ فَشَهِدَ بِذَلِكَ، فَآمَنَهُ عُمَرُ.\nفَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ إذَا شَهِدَا عَلَى أَمَانِ غَيْرِهِمَا.\nلِأَنَّ ذَلِكَ الْغَيْرَ مُنْكِرٌ لِلْأَمَانِ، وَلَوْ كَانَ مُقِرًّا بِهِ لَمْ تَكُنْ شَهَادَتُهُ حُجَّةً عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ شَاهِدَانِ سِوَاهُ حَتَّى يَثْبُتَ الْأَمَانُ، إلَّا فِي حَقِّ الرَّسُولِ خَاصَّةً إذَا عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ قَدْ أَخْبَرَهُمْ بِالْأَمَانِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ ائْتَمَنُوهُ عَلَى الرِّسَالَةِ. فَإِنْ ظَهَرَ مِنْهُ خِيَانَةٌ فَذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الْإِمَامَ إذَا وَلَّى قَاضِيًا أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ فَأَخْطَأَ فِي إقَامَةِ حَدٍّ مِنْ رَجْمٍ أَوْ قَطْعٍ فِي سَرِقَةٍ كَانَ ذَلِكَ عَلَى بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّهُمْ وَلَّوْهُ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَخَطَؤُهُ عَلَيْهِمْ، كَذَلِكَ الرَّسُولُ حِينَ وَلَّوْهُ الرِّسَالَةَ فَخَطَؤُهُ وَجِنَايَتُهُ تَكُونُ عَلَيْهِمْ دُونَ أَهْلِ الْحَرْبِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>[بَابُ السَّرِيَّةِ تُؤَمِّنُ أَهْلَ الْحِصْنِ ثُمَّ تَلْحَقُهَا سَرِيَّةُ أُخْرَى]</span>\n٧٢١ -","vol":"1","page":480},{"text":"٥٨ - بَابُ السَّرِيَّةِ تُؤَمِّنُ أَهْلَ الْحِصْنِ ثُمَّ تَلْحَقُهَا السَّرِيَّةُ الْأُخْرَى قَالَ: وَلَوْ أَنَّ سَرِيَّةً صَالَحُوا أَهْلَ حِصْنٍ عَلَى خَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ عَلَى أَنْ يُؤَمِّنُوهُمْ حَتَّى يَخْرُجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ صَحَّ ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُمْ لَوْ أَمَّنُوهُمْ بِغَيْرِ عِوَضٍ إلَى هَذِهِ الْغَايَةِ جَازَ فَمَعَ الْعِوَضِ أَجَوْزُ؛ لِأَنَّ فِي الْأَمَانِ تَحْرِيمَ الْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ، وَهُوَ صَحِيحٌ بِعِوَضٍ وَبِغَيْرِ عِوَضٍ بِمَنْزِلَةِ الصُّلْحِ عَنْ الْقِصَاص.\n٧٢٢ - وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُغِيرُوا بَعْدَ هَذَا الصُّلْحِ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ.\nلِأَنَّهُمْ خَصُّوا بِالْأَمَانِ أَهْلَ الْحِصْنِ. وَدَخَلَ فِي أَمَانِهِمْ أَمْتِعَتُهُمْ وَمَوَاشِيهِمْ تَبَعًا؛ لِأَنَّهُمْ أَمَّنُوهُمْ، لِيُقِيمُوا فِي حِصْنِهِمْ. فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْرِضُوا لِشَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ إلَّا مَا كَانُوا أَخَذُوهُ قَبْلَ الصُّلْحِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ رَدُّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.\n؛ لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ صَارَ غَنِيمَةً لَهُمْ، وَمَا أَمَّنُوهُمْ لِيَرُدُّوا عَلَيْهِمْ الْغَنَائِمَ إنَّمَا أَمَّنُوهُمْ لِيَتْرُكُوا التَّعَرُّضَ لِأَمْوَالِهِمْ، وَقَدْ خَرَجَ الْمَأْخُوذُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ جُمْلَةِ أَمْوَالِهِمْ.","vol":"1","page":481},{"text":"فَإِنْ مَضَتْ هَذِهِ السَّرِيَّةُ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ وَدَخَلَتْ سَرِيَّةٌ أُخْرَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إلَى الْحِصْنِ أَخْبَرُوهُمْ بِذَلِكَ الصُّلْحِ، وَشَهِدَ عَلَى ذَلِكَ عَدْلَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لِأَهْلِ الْحِصْنِ بِشَيْءٍ.\nلِأَنَّ عَقْدَ السَّرِيَّةِ الْأُولَى نَافِذٌ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ كَافَّةً. قَالَ - ﵇ -: «الْمُسْلِمُونَ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ يَعْقِدُ عَلَيْهِمْ أَوْلَاهُمْ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ» .\nقِيلَ الْمُرَادُ بِعَقْدِ أَوَّلِ السَّرَايَا الْأَمَانُ. فَيَنْفُذُ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.\n٧٢٤ - وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ حُكْمَ هَذِهِ السَّرِيَّةِ حُكْمُ السَّرِيَّةِ الْأُولَى، وَهُمْ لَوْ رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَمْ يَحِلَّ لَهُمْ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لِأَهْلِ الْحِصْنِ بِشَيْءٍ، إلَّا أَنْ يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ بِرَدِّ الدَّنَانِيرِ الْمَقْبُوضَةِ عَلَيْهِمْ. فَكَذَلِكَ السَّرِيَّةُ الثَّانِيَةُ لَا يَجُوزُ لَهُمْ قِتَالُهُمْ حَتَّى يَرُدُّوا عَلَيْهِمْ الدَّنَانِيرَ الَّتِي أَخَذَهَا أَصْحَابُهُمْ ثُمَّ يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ وَيُقَاتِلُوهُمْ.\nوَهَذَا لِأَنَّهُمْ أَعْطَوْا الدَّنَانِيرَ لِيَأْمَنُوا إلَى وَقْتِ خُرُوجِ السَّرِيَّةِ الْأُولَى مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، فَمَا لَمْ يَخْرُجُوا كَانُوا فِي أَمَانٍ.\nوَلَوْ قَاتَلْنَاهُمْ مِنْ غَيْرِ رَدٍّ الدَّنَانِيرِ كَانَ فِيهِ إضْرَارٌ وَغُرُورٌ وَهُوَ حَرَامٌ.\nوَإِنْ رَدُّوا الدَّنَانِيرَ فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى ظَفِرُوا بِهِمْ، ثُمَّ الْتَقَوْا هُمْ وَالسَّرِيَّةُ","vol":"1","page":482},{"text":"الْأُولَى فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي أَمْوَالِ أَهْلِ الْحِصْنِ وَالدَّنَانِيرِ الَّتِي أَخَذَتْهَا السَّرِيَّةُ الْأُولَى.\nلِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ غَنِيمَةٌ. وَقَدْ اشْتَرَكُوا فِي إحْرَازِهَا بِدَارِ الْإِسْلَامِ. وَذَلِكَ سَبَبُ الشَّرِكَةِ بَيْنَهُمْ فِيهَا.\nإلَّا أَنَّ السَّرِيَّةَ الثَّانِيَةَ إنْ كَانُوا غَرِمُوا الدَّنَانِيرَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ أَخَذُوهَا مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الْحِصْنِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ.\nلِأَنَّهُمْ تَوَصَّلُوا إلَى هَذِهِ الْأَمْوَالِ بِرَدِّ تِلْكَ الدَّنَانِيرِ، وَمَا كَانُوا مُتَبَرِّعِينَ فِيمَا أَدَّوْا مِنْهَا، وَإِنَّمَا كَانُوا مُتَطَرِّقِينَ بِهَا إلَى الْوُصُولِ إلَى هَذِهِ الْغَنِيمَةِ، فَيَكُونُ حَقُّهُمْ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ مُقَدَّمًا عَلَى حَقِّ الْغَانِمِينَ.\nثُمَّ الْبَاقِي مَقْسُومٌ بَيْنَ الْكُلِّ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ. فَإِنْ كَانُوا غَرِمُوهَا مِنْ غَنِيمَةٍ أَصَابُوهَا لَمْ يَأْخُذُوهَا؛ لِأَنَّ مَا أَدَّوْا مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمْ، بِمَنْزِلَةِ مَا تَوَصَّلُوا بِهِ إلَى أَخْذِهِ.\nوَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَضَى بَعْضُ الْوَرَثَةِ دَيْنًا بِهِ رَهْنٌ، وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ التَّرِكَةِ. فَإِنْ قَضَاهُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ رَجَعَ بِهِ عَلَى التَّرِكَةِ، وَإِنْ قَضَاهُ مِنْ التَّرِكَةِ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ مِنْهُ.\n٧٢٥ - وَإِنْ لَمْ تَلْتَقِ السَّرِيَّتَانِ فِي دَارِ الْحَرْبِ سَلِمَتْ لِلسَّرِيَّةِ الْأُولَى الدَّنَانِيرُ الَّتِي أَخَذُوهَا وَلِلسَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ غَنَائِمُهُمْ الَّتِي غَنِمُوا","vol":"1","page":483},{"text":"لِأَنَّ كُلَّ فَرِيقٍ اخْتَصَّ بِإِحْرَازِ ذَلِكَ بِدَارِنَا.\nوَلَيْسَ لِلسَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ أَنْ يَأْخُذُوا الدَّنَانِيرَ مِنْ السَّرِيَّةِ الْأُولَى. وَإِنْ غَرِمُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ.\nلِأَنَّهُمْ اخْتَصُّوا بِمَنْفَعَةِ مَا أَدَّوْا حِينَ سَلِمَتْ لَهُمْ غَنَائِمُ أَهْلِ الْحِصْنِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَقَدْ اشْتَرَكَتْ السَّرِيَّتَانِ هُنَاكَ فِي الْمَنْفَعَةِ وَهُوَ غَنَائِمُ أَهْلِ الْحِصْنِ، مَعَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ. فَهُنَاكَ رُجُوعُهُمْ فِي غَنَائِمِ أَهْلِ الْحِصْنِ خَاصَّةً، وَهُنَا غَنَائِمُ أَهْلِ الْحِصْنِ سَالِمَةٌ لَهُمْ.\n٧٢٦ - وَإِنْ لَمْ تَظْفَرْ السَّرِيَّةُ الثَّانِيَةُ بِالْحِصْنِ فَالْتَقَوْا مَعَ السَّرِيَّةِ الْأُولَى فِي دَارِ الْحَرْبِ، لَمْ يَكُنْ لِلسَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ أَنْ يَأْخُذُوا شَيْئًا مِنْ دَنَانِيرِهِمْ مِنْ جُمْلَةِ مَا أَحْرَزُوا بِدَارِنَا مِنْ الْغَنَائِمِ.\n؛ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ لِلسَّرِيَّةِ الْأُولَى فِيمَا رَدُّوا مِنْ الدَّنَانِيرِ حِينَ لَمْ يَتَوَصَّلُوا بِهَا إلَى غَنَائِمِ أَهْلِ الْحِصْنِ فَكَانُوا مُتَبَرِّعِينَ فِي حَقِّهِمْ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. وَهَذَا لِأَنَّ الْغُنْمَ مُقَابَلٌ بِالْغُرْمِ. فَإِذَا ظَهَرَتْ الْمَنْفَعَةُ لَهُمْ جَمِيعًا بِسَبَبِ مَا رَدُّوا مِنْ الدَّنَانِيرِ، نَفَذَ الرَّدُّ فِي حَقِّ الْكُلِّ. وَإِذَا لَمْ تَظْهَرْ الْمَنْفَعَةُ لَا يَنْفُذُ ذَلِكَ فِي حَقِّ غَيْرِ الَّذِينَ رَدُّوا.\n٧٢٧ - وَإِنْ كَانَتْ السَّرِيَّةُ الثَّانِيَةُ غَنِمَتْ مِنْ غَيْرِ أَمْوَالِ أَهْلِ الْحِصْنِ فَأَرَادُوا أَخْذَ دَنَانِيرِهِمْ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذَلِكَ.\nلِأَنَّ هَذِهِ الْغَنَائِمَ كَانُوا يَتَوَصَّلُونَ إلَيْهَا بِدُونِ رَدِّ الدَّنَانِيرِ، فَلَا يَظْهَرُ حُكْمُ رَدِّ الدَّنَانِيرِ فِي حَقِّهَا، كَمَا لَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ مَا أَصَابَ السَّرِيَّةُ الْأُولَى،","vol":"1","page":484},{"text":"بِخِلَافِ مَا إذَا غَنِمُوا مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ، فَإِنَّ وُصُولَهُمْ إلَى تِلْكَ الْغَنَائِمِ بِاعْتِبَارِ رَدِّ الدَّنَانِيرِ فَيَرْفَعُونَ دَنَانِيرَهُمْ مِنْهَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ.\n٧٢٨ - وَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْحِصْنِ أَخْبَرُوا السَّرِيَّةَ الثَّانِيَةَ بِالْأَمَانِ، وَلَمْ يَكُنْ بَيِّنَةٌ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمْ يُصَدِّقُوهُمْ. وَلَكِنْ قَاتَلُوهُمْ وَظَفِرُوا بِهِمْ، ثُمَّ عَلِمُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِالْأَمَانِ فَعَلَيْهِمْ رَدُّ مَا أَخَذُوا وَضَمَانُ مَا اسْتَهْلَكُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَدِيَاتُ مَنْ قَتَلُوا مِنْهُمْ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ.\nلِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا مُسْتَأْمَنِينَ، وَأَنَّ نُفُوسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ كَانَتْ مَعْصُومَةً مُتَقَوِّمَةً. فَكُلُّ مَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ رَجُلًا فَإِنَّمَا قَتَلَهُ خَطَأً، فَتَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ.\nبَلَغَنَا أَنَّ «رَجُلَيْنِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ جَاءَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مُسْتَأْمِنَيْنِ فَأَجَازَهُمَا بِحُلَّتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ فَلَقِيَهُمَا قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَتَلُوهُمَا. ثُمَّ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَأَخْبَرُوهُ، فَعَرَفَهُمَا وَعَرَفَ الْحُلَّتَيْنِ، فَوَدَاهُمَا بِدِيَةِ حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ» هَكَذَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ - ﵀ - الْحَدِيثَ.\nوَفِي كُتُبِ الْمَغَازِي أَنَّ الرَّجُلَيْنِ كَانَا مِنْ بَنِي عَامِرٍ. قَتَلَهُمَا عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ حِين انْصَرَفَ مِنْ بِئْرِ مَعُونَةَ، وَقَدْ فَعَلَ بَنُو عَامِرٍ بِأَصْحَابِهِ مَا فَعَلُوا.","vol":"1","page":485},{"text":"وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ أَهْلُ الْحِصْنِ قَالُوا لِلسَّرِيَّةِ الْأُولَى: آمِنُونَا أَنْتُمْ. فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ.\nلِأَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ يُؤَمِّنُونَهُمْ، سَوَاءٌ صَرَّحُوا بِقَوْلِهِمْ أَنْتُمْ أَوْ لَمْ يُصَرِّحُوا.\n٧٣٠ - وَلَوْ قَالُوا: عَلَى أَنْ لَا تَعْرِضُوا أَنْتُمْ لَنَا حَتَّى تَخْرُجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. فَفَعَلُوا ذَلِكَ. ثُمَّ جَاءَتْ السَّرِيَّةُ الثَّانِيَةُ، فَلَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا أَهْلَ الْحِصْنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرُدُّوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا.\nلِأَنَّهُمْ إنَّمَا اسْتَأْمَنُوا مِنْهُمْ خَاصَّةً لِيُزِيلُوا تَعَرُّضَهُمْ عَنْهُمْ. وَمَقْصُودُهُمْ مِنْ أَدَاءِ الدَّنَانِيرِ هُنَا أَنْ تَنْصَرِفَ عَنْهُمْ السَّرِيَّةُ الَّتِي أَحَاطَتْ بِهِمْ، وَقَدْ حَصَلَ هَذَا الْمَقْصُودُ لَهُمْ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. فَهُنَاكَ الْتَمَسُوا أَمَانًا عَامًّا إلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ.\nوَكَمَا أَنَّ الْأَمَانَ يَقْبَلُ التَّخْصِيصَ بِالْوَقْتِ، يَقْبَلُ التَّخْصِيصَ مِنْ حَيْثُ السَّرَايَا، إلَّا أَنَّ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ مُوجِبَ اللَّفْظِ الْعُمُومُ، وَعِنْدَ التَّنْصِيصِ عَلَى مَا يُوجِبُ الْخُصُوصَ يَثْبُتُ الْحُكْمُ خَاصَّةً\n\nثُمَّ فَرَّعَ عَلَى الْأَمَانِ الْعَامِّ فَقَالَ: ٧٣١ - إنْ خَرَجَتْ السَّرِيَّةُ الْأُولَى قَبْلَ وُصُولِ الثَّانِيَةِ إلَى أَهْلِ الْحِصْنِ. ثُمَّ وَصَلُوا إلَيْهِمْ فَلَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا أَهْلَ الْحِصْنِ مِنْ غَيْرِ نَبْذِ وَرَدِّ الدَّنَانِيرِ.","vol":"1","page":486},{"text":"لِأَنَّ الْأَمَانَ كَانَ لَهُمْ إلَى غَايَةٍ، وَهُوَ خُرُوجُ السَّرِيَّةِ الْأُولَى إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. فَانْتَهَى الْأَمَانُ بِوُجُودِ الْغَايَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّ السَّرِيَّةَ الْأُولَى لَوْ عَادُوا إلَيْهِمْ بَعْدَ مَا خَرَجُوا كَانَ لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ؟ فَكَذَلِكَ السَّرِيَّةُ الثَّانِيَةُ.\n٧٣٢ - وَلَوْ كَانَ خَرَجَ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ فَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ خُرُوجُ الْأَمِيرِ مَعَ جَمَاعَةِ الْقَوْمِ الَّذِينَ لَهُمْ الْمَنَعَةُ.\nلِأَنَّ الْبَاعِثَ لِأَهْلِ الْحِصْنِ عَلَى الْتِمَاسِ الصُّلْحِ وَأَدَاءِ الدَّنَانِيرِ خَوْفُهُمْ مِنْ السَّرِيَّةِ، وَذَلِكَ كَانَ بِاعْتِبَارِ جَمَاعَتِهِمْ وَمَنَعَتِهِمْ.\nوَكَانَ يَنْبَغِي فِي الْقِيَاسِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵁ - أَنَّهُ وَإِنْ بَقِيَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يَحِلُّ قِتَالُهُمْ بِدُونِ رَدِّ الدَّنَانِيرِ.\nلِأَنَّ الْحُكْمَ إذَا ثَبَتَ بِجُمْلَةٍ يَبْقَى بِبَقَاءِ الْوَاحِدِ، كَمَا قَالَ فِي الْبَلْدَةِ الَّتِي ارْتَدَّ أَهْلُهَا وَبَقِيَ فِيهَا مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ آمِنٌ أَنَّهَا لَا تَصِيرُ دَارَ الْحَرْبِ. وَلَكِنَّ هَذَا الْقِيَاسَ مَتْرُوكٌ هَا هُنَا لِأَجْلِ التَّعَذُّرِ. أَرَأَيْت لَوْ قُتِلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَوْ مَاتَ أَوْ أُسِرَ أَوْ فُقِدَ أَلَمْ يَحِلَّ قِتَالُ أَهْلِ الْحِصْنِ أَيْضًا بَعْدَ خُرُوجِ الْجَمَاعَةِ؟ .\n٧٣٣ - وَلَوْ لَمْ تَخْرُجْ السَّرِيَّةُ الْأُولَى وَلَكِنَّهُمْ قُتِلُوا حَلَّ قِتَالُ أَهْلِ الْحِصْنِ أَيْضًا.\n؛ لِأَنَّهُمْ إذَا قُتِلُوا فَكَأَنَّهُمْ خَرَجُوا. يَعْنِي أَنَّ أَهْلَ الْحِصْنِ يَأْمَنُونَ جَانِبَهُمْ إذَا قُتِلُوا فَوْقَ مَا يَأْمَنُونَ جَانِبَهُمْ إذَا خَرَجُوا.","vol":"1","page":487},{"text":"وَإِنْ قُتِلَ مِنْهُمْ نَاسٌ وَبَقِيَ نَاسٌ فَالْمُعْتَبَرُ هُوَ الْمَنَعَةُ كَمَا فِي الْخُرُوجِ. فَإِنْ كَانَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ لَا مَنَعَةَ لَهُ فَلَا بَأْسَ بِقِتَالِ أَهْلِ الْحِصْنِ.\nوَإِنْ كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ لَمْ يَحِلَّ قِتَالُهُمْ مَا لَمْ يَخْرُجْ هَؤُلَاءِ إلَى دَارِنَا. .\n\nوَلَوْ كَانُوا صَالَحُوهُمْ عَلَى أَنْ يُؤَمِّنُوهُمْ هَذِهِ السَّنَةَ فَهَذَا جَائِزٌ.\nلِأَنَّهُمْ وَقَّتُوا الْأَمَانَ بِمَا هُوَ مَعْلُومٌ يَقِينًا، وَلَوْ وَقَّتُوهُ بِمَا هُوَ غَيْرُ مَعْلُومٍ وَهُوَ خُرُوجُهُمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، جَازَ، فَفِيمَا هُوَ مَعْلُومٌ أَجَوْزُ. ثُمَّ لَمَّا عَرَّفُوا السَّنَةَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ يَنْصَرِفُ إلَى السَّنَةِ الْمَعْهُودَةِ الَّتِي هُمْ فِيهَا، وَمُضِيُّهَا انْقِضَاءُ ذِي الْحِجَّةِ، حَتَّى إذَا كَانَ الْبَاقِي مِنْهَا شَهْرًا فَلَهُمْ ذَلِكَ خَاصَّةً.\n٧٣٥ - وَإِنْ قَالُوا: إنَّمَا صَالَحْنَاكُمْ عَلَى مَا نَحْسِبُ نَحْنُ عَلَيْهِ السَّنَةَ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى ذَلِكَ.\nلِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ هُمْ الَّذِينَ أَعْطَوْهُمْ الْأَمَانَ، وَالْمُدَّةُ الْمَذْكُورَةُ تَنْصَرِفُ إلَى مَا يَكُونُ مَعْلُومًا عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ دُونَ مَا يَكُونُ مَعْلُومًا لَهُمْ. فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ. وَقَدْ أُمِرْنَا بِبِنَاءِ الْأَحْكَامِ عَلَى مَا نَعْرِفُهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابِ﴾ [يونس: ٥] . إلَّا أَنْ يَكُونُوا بَيَّنُوا ذَلِكَ فِي صُلْحِهِمْ فَحِينَئِذٍ الشَّرْطُ أَمْلَكُ.\n٧٣٦ - وَإِنْ قَالُوا: لَنَا سَنَةٌ كَامِلَةٌ مِنْ وَقْتِ الصُّلْحِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى ذَلِكَ.","vol":"1","page":488},{"text":"لِأَنَّهُمْ قَالُوا: هَذِهِ السَّنَةُ، وَاثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مُدَّةُ سَنَةٍ مُنَكَّرَةٍ لَا سَنَةٍ مُعَرَّفَةٍ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ سَنَةٍ يَنْصَرِفُ نَذْرُهُ إلَى سَنَةٍ كَامِلَةٍ؟ وَلَوْ قَالَ: صَوْمُ السَّنَةِ يَنْصَرِفُ إلَى بَقِيَّةِ السَّنَةِ وَمُضِيُّهَا انْقِضَاءُ ذِي الْحِجَّةِ.\n٧٣٧ - وَإِنْ قَالُوا: عَنَيْنَا هَذِهِ السَّنَةَ إلَى انْصِرَافِكُمْ مِنْ صَائِفَتِكُمْ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُمْ ادَّعَوْا مَا هُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ. فَإِنَّ الظَّاهِرَ مَا يَسْبِقُ إلَى الْأَفْهَامِ، وَاَلَّذِي يَسْبِقُ إلَى الْأَفْهَامِ مِنْ ذِكْرِ السَّنَةِ الْمُدَّةُ دُونَ الِانْصِرَافُ، إلَّا أَنَّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ أَيْضًا.\n٧٣٨ - فَإِنْ بَيَّنُوا فِي الصُّلْحِ فَهُوَ عَلَى مَا بَيَّنُوا. وَإِنْ قَالُوا: عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونَا سَنَةً، فَهَذَا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ وَقْتِ الصُّلْحِ.\n؛ لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوا سَنَةً مُنَكَّرَةً، وَذَلِكَ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: ٣٦] يَعْنِي شُهُورَ السَّنَةِ.\n٧٣٩ - وَلَوْ قَالُوا: نُصَالِحُكُمْ عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونَا عَلَى أَلْفِ دِينَارٍ، وَلَمْ يُوَقِّتُوا وَقْتًا، فَهَذَا عَلَى خُرُوجِهِمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.\n؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْكَلَامِ يَتَقَيَّدُ بِدَلَالَةِ الْحَالِ وَبِمَا يُعْلَمُ مِنْ مَقْصُودِ الْمُتَكَلِّمِ، وَبَعْدَ مَا أَحَاطَتْ بِهِمْ السَّرِيَّةُ يُعْلَمُ أَنَّ مَقْصُودَهُمْ بِهَذَا الصُّلْحِ الْأَمْنُ مِنْ الْخَوْفِ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ، وَإِنَّمَا يَتِمُّ ذَلِكَ بِخُرُوجِ السَّرِيَّةِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. فَكَأَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِهَذَا وَقَالُوا: آمِنُونَا حَتَّى تَخْرُجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.","vol":"1","page":489},{"text":"فَإِنْ خَرَجُوا ثُمَّ عَادُوا، هُمْ أَوْ غَيْرُهُمْ، فَلَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا أَهْلَ الْحِصْنِ مِنْ غَيْرِ رَدِّ الدَّنَانِيرِ. وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ.\nلِأَنَّ الْأَمَانَ لَهُمْ مُطْلَقٌ. وَالْمَقْصُودُ الَّذِي ذَكَرْنَا يَرْجِعُ إلَى مَا أَدَّوْا مِنْ الدَّنَانِيرِ. فَبِاعْتِبَارِ ذَلِكَ الْمَقْصُودِ تَتِمُّ سَلَامَةُ الدَّنَانِيرِ لَهُمْ إذَا خَرَجُوا، وَبِاعْتِبَارِ كَوْنِ الْأَمَانِ مُطْلَقًا لَا يَحِلُّ قِتَالُهُمْ مَا لَمْ يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ، كَمَا لَوْ أَمَّنُوهُمْ بِغَيْرِ عِوَضٍ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ: فَهُنَاكَ الْأَمَانُ مُؤَقَّتٌ نَصًّا، فَلَا يَبْقَى بَعْدَ مُضِيِّ الْوَقْتِ.\n٧٤١ - وَلَوْ أَنَّ الْإِمَامَ بَعَثَ إلَيْهِمْ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ مَنْ يَدْعُوهُمْ إلَى الصُّلْحِ، فَصَالَحُوهُ عَلَى أَنْ يُؤَمِّنُوهُمْ عَلَى مَالٍ مُطْلَقًا. ثُمَّ بَدَا لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْبِذَ إلَيْهِمْ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَاتِلَهُمْ حَتَّى يَرُدَّ إلَيْهِمْ مَا أَخَذُوا مِنْهُمْ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ.\nلِأَنَّ هُنَاكَ مَقْصُودُهُمْ مِنْ بَذْلِ الْمَالِ إزَالَةُ الْخَوْفِ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ، وَهَا هُنَا مَا حَلَّ بِهِمْ خَوْفٌ، وَإِنَّمَا مَقْصُودُهُمْ مِنْ بَذْلِ الْمَالِ هَا هُنَا تَحْصِيلُ الْأَمْنِ لَهُمْ مُطْلَقًا، حَتَّى لَا يَتَعَرَّضَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِجَانِبِهِمْ. وَالْمُطْلَقُ فِيمَا يَحْتَمِلُ التَّأْيِيدَ بِمَنْزِلَةِ الْمُصَرَّحِ بِذِكْرِ التَّأْيِيدِ.\nفَكَأَنَّهُمْ قَالُوا: آمِنُونَا أَبَدًا. فَلِهَذَا لَا يَحِلُّ قِتَالُهُمْ إلَّا بَعْدَ رَدِّ الْمَالِ عَلَيْهِمْ.\n٧٤٢ - فَإِنْ كَانَتْ السَّرِيَّةُ الَّتِي أَحَاطَتْ بِالْحِصْنِ صَالَحُوهُمْ عَلَى أَنْ يَكُفُّوا عَنْهُمْ عَلَى أَلْفِ دِينَارٍ وَلَمْ يَزِيدُوا عَلَى هَذَا شَيْئًا، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لَهُمْ مَا دَامُوا فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ.","vol":"1","page":490},{"text":"وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُغِيرَ عَلَيْهِمْ غَيْرُ تِلْكَ السَّرِيَّةُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ تِلْكَ السَّرِيَّةُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ.\nلِأَنَّهُمْ عِنْدَ بَذْلِ الْمَالِ شَرَطُوا عَلَيْهِمْ أَنْ يَكُفُّوا عَنْهُمْ. وَهَذَا اللَّفْظُ يَخُصُّهُمْ دُونَ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ.\n٧٤٣ - وَمِنْ حَيْثُ الْمَقْصُودُ يُعْلَمُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنْ يَأْمَنُوا جَانِبَهُمْ، وَهَذَا الْمَقْصُودُ يَتِمُّ بِخُرُوجِهِمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَيَتِمُّ سَلَامَةُ الدَّنَانِيرِ لَهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ.\n٧٤٤ - فَإِنْ عَادُوا إلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ رَدُّ الدَّنَانِيرِ، وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ حَتَّى يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ.\nلِأَنَّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ الْحِصْنِ أَمَانًا خَاصًّا، وَلَكِنْ مُطْلَقٌ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ نَصًّا. وَقَدْ قُلْنَا إنَّ مِثْلَ هَذَا الْأَمَانِ لَوْ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَحِلَّ قِتَالُهُمْ قَبْلَ النَّبْذِ إلَيْهِمْ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الْغَدْرِ.\n٧٤٥ - فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّرِيَّةِ، حَتَّى أَغَارُوا عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ وَأَخَذُوا مِنْهُمْ مَالًا رَدُّوا عَلَيْهِمْ مَا أَخَذُوا.\nلِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي أَمَانٍ مِنْهُمْ حَتَّى يُنْبَذَ إلَيْهِمْ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَا أُحِلُّ لَكُمْ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِ الْمُعَاهَدِينَ» .\n٧٤٦ - وَلَوْ أَنَّ الْخَلِيفَةَ بَعَثَ ثَلَاثَةَ عَسَاكِرَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ.","vol":"1","page":491},{"text":"فَبَعَثَ أَهْلُ حِصْنٍ لَمْ يَأْتِهِ الْمُسْلِمُونَ بَعْدُ إلَى أَمِيرِ عَسْكَرٍ مِنْ تِلْكَ الْعَسَاكِرِ أَنْ آمِنُوا أَهْلَ حِصْنِ كَذَا - عَلَى أَنْ تَكُفُّوا عَنْهُمْ حَتَّى تَرْجِعُوا مِنْ غَزَاتِكُمْ هَذِهِ - عَلَى أَلْفِ دِينَارٍ. وَتَرَاضَوْا عَلَى هَذَا، فَلَيْسَ لِلْعَسْكَرَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ وَلَا لِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَدْخُلُ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ أَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ، حَتَّى تَرْجِعَ الْعَسْكَرُ الثَّلَاثَةُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.\nلِأَنَّ هَذَا الْأَمَانَ نَافِذٌ فِي حَقِّ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَلَمْ يَكُنْ مَقْصُودُ أَهْلِ الْحِصْنِ بِهَذَا أَنْ يَأْمَنُوا جَانِبَ الْعَسْكَرِ الْمَبْعُوثِ إلَيْهِمْ خَاصَّةً، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَنْزِلُوا بِسَاحَتِهِمْ بَعْدُ، بَلْ خَوْفُهُمْ مِنْهُمْ وَمِنْ الْعَسْكَرَيْنِ الْآخَرَيْنِ وَمِنْ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ، فَعَرَفْنَا أَنَّ مَقْصُودَهُمْ مِنْ بَذْلِ الْمَالِ إزَالَةُ هَذَا الْخَوْفِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ إلَى غَايَةٍ، وَهُوَ خُرُوجُ الْعَسْكَرِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَحْصُلُ إذَا عَلِمَ الْأَمَانَ كَافَّةُ الْمُسْلِمِينَ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُغِيرَ عَلَيْهِمْ إلَّا بَعْدَ النَّبْذِ وَرَدِّ الدَّنَانِيرِ.\n٧٤٧ - بِخِلَافِ مَا إذَا دَنَا الْعَسْكَرُ الْمَبْعُوثُ إلَيْهِمْ مِنْ الْحِصْنِ حَتَّى حَاصَرُوهُمْ، أَوْ كَانُوا قَرِيبًا مِنْهُمْ. فَإِنَّ هُنَاكَ مَقْصُودَهُمْ الْأَمْنُ مِنْ جَانِبِهِمْ خَاصَّةً.\nلِأَنَّهُمْ صَارُوا مَحْصُورِينَ مَقْهُورِينَ مِنْ جِهَتِهِمْ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مُطْلَقَ الْكَلَامِ يَتَقَيَّدُ بِالْمَقْصُودِ، فَلِهَذَا كَانَ لِلْعَسْكَرَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَمِيرُ الشَّامِ أَوْ الْخَلِيفَةُ أَوْ وَلِيُّ الْعَهْدِ مَعَ أَحَدِ الْعَسَاكِرِ الثَّلَاثَةِ، فَأَرْسَلُوا إلَيْهِ أَنْ آمِنُونَا عَلَى أَنْ تَكُفُّوا عَنَّا حَتَّى تَرْجِعُوا عَنْ غَزَاتِكُمْ فَفَعَلَ، أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْعَسَاكِرِ كُلِّهَا، وَعَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْحَرْبِ أَيْضًا، حِينَ","vol":"1","page":492},{"text":"لَمْ يَذْكُرُوا أَهْلَ حِصْنٍ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ، فَيَكُونُ مُوجِبًا الْحُكْمَ فِي كُلِّ مَا يَتَنَاوَلُهُ، إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلُ الْخُصُوصِ بِأَنْ يُبَيِّنُوا فَيَقُولُوا: آمِنُوا أَهْلَ حِصْنِ كَذَا.\n٧٤٨ - وَلَوْ كَانَ الْخَلِيفَةُ مَعَ عَسْكَرِهِ أَحَاطَ بِذَلِكَ الْحِصْنِ فَآمَنَهُمْ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، كَانَ الْأَمَانُ لَهُمْ خَاصَّةً مِنْ الْعَسْكَرِ الَّذِينَ أَحَاطُوا بِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ، فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ.\n٧٤٩ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانُوا بَعَثُوا إلَى أَحَدِ الْعَسَاكِرِ فَقَالُوا: آمِنُونَا أَنْتُمْ خَاصَّةً. فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ.\nلِأَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ يُؤَمِّنُونَهُمْ خَاصَّةً، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرُوا هَذِهِ الزِّيَادَةَ، وَلَكِنَّ حُكْمَ أَمَانِهِمْ يَثْبُتُ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ كَافَّةً.\n٧٥٠ - وَإِنْ قَالُوا: عَلَى أَنْ تَكُفُّوا عَنَّا أَنْتُمْ خَاصَّةً، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْتَهُوا إلَيْهِمْ، فَهَذَا عَلَى ذَلِكَ الْعَسْكَرِ خَاصَّةً.\nلِوُجُودِ دَلِيلٍ لِلتَّخْصِيصِ.\nوَكَذَلِكَ إنْ كَانُوا قَالُوا لِلْخَلِيفَةِ: آمِنُونَا نَحْنُ خَاصَّةً. فَالْأَمَانُ لَهُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ.\nلِلتَّصْرِيحِ بِمَا يُوجِبُ التَّخْصِيصَ فِي الْكَلَامِ.","vol":"1","page":493},{"text":"إنْ لَحِقَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْعَسْكَرِ بِغَيْرِهِ مِنْ الْعَسَاكِرِ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَاتِلَ مَعَهُمْ أَهْلَ الْحِصْنِ.\nلِأَنَّهُمْ اسْتَفَادُوا الْأَمَانَ مِنْ جَانِبِ أَهْلِ ذَلِكَ الْعَسْكَرِ خَاصَّةً، وَذَلِكَ حُكْمٌ ثَابِتٌ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى الِانْفِرَادِ. فَكَمَا لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ مَعَ عَسْكَرِهِ لَا يَكُونُ لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ مَعَ عَسْكَرٍ آخَرَ.\n٧٥٢ - وَلَوْ أَنَّ سَرِيَّةً حَاصَرُوا حِصْنًا، فَسَأَلَهُمْ أَهْلُ الْحِصْنِ أَنْ يُؤَمِّنُوهُمْ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، عَلَى أَنْ يُعْطُوهُمْ خَمْسَ مِائَةِ دِينَارٍ فَفَعَلُوا، ثُمَّ دَخَلَتْ سَرِيَّةٌ أُخْرَى فِي دَارِ الْحَرْبِ وَعَلِمُوا بِذَلِكَ، لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَرُدُّوا عَلَيْهِمْ الدَّنَانِيرَ أَوْ يَنْتَهِيَ الْأَمَانُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ لِنُفُوذِ أَمَانِهِمْ عَلَى كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ.\nفَإِنْ رَدُّوا الدَّنَانِيرَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَقَاتَلُوهُمْ وَظَفِرُوا بِهِمْ، ثُمَّ خَرَجُوا بِالْغَنَائِمِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بِالدَّنَانِيرِ الَّتِي أَدَّوْا، فَيُعْطَوْنَ ذَلِكَ قَبْلَ الْخُمُسِ وَقَبْلَ كُلِّ قِسْمَةٍ.\nلِأَنَّهُمْ إنَّمَا تَوَصَّلُوا إلَى هَذِهِ الْغَنَائِمِ بِمَا أَدَّوْا، فَلَا يَكُونُونَ مُتَبَرِّعِينَ فِيمَا أَدَّوْا، بَلْ يَكُونُونَ أَحَقَّ بِمَا أَصَابُوا مِنْ الْحِصْنِ حَتَّى يَأْخُذُوا دَنَانِيرَهُمْ.\nأَرَأَيْت لَوْ وَجَدُوا فِي الْحِصْنِ تِلْكَ الدَّنَانِيرَ بِعَيْنِهَا مَا كَانُوا أَحَقَّ بِهَا قَبْلَ الْخُمُسِ وَالْقِسْمَةِ؟ فَكَذَلِكَ إذَا وَجَدُوا فِي الْحِصْنِ مِثْلَهَا.\nوَهُوَ نَظِيرُ الْمَرْهُونِ إذَا أَسَرَهُ الْعَدُوُّ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ مِنْهُمْ مُسْلِمٌ فَأَخْرَجَهُ، وَظَفِرَ بِهِ الرَّاهِنُ دُونَ الْمُرْتَهِنِ فَأَخَذَهُ بِالثَّمَنِ، فَإِنَّهُ يُسْقِطُ دَيْنَ الْمُرْتَهِنِ، إلَّا أَنْ","vol":"1","page":494},{"text":"يَرُدَّ عَلَى الرَّاهِنِ مَا أَعْطَى مِنْ الثَّمَنِ، فَحِينَئِذٍ يَأْخُذُ الْعَبْدَ وَيَكُونُ رَهْنًا عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ مَا تَمَكَّنَ مِنْ أَخْذِهِ وَإِحْيَاءِ مِلْكِهِ فِيهِ إلَّا بِمَا أَدَّى، فَلَمْ يَكُنْ مُتَطَوِّعًا.\nوَكَذَلِكَ الْعَبْدُ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ لِإِنْسَانٍ مُدَّةً مَعْلُومَةً، وَبِرَقَبَتِهِ لِآخَرَ. فَإِنَّ الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ إذَا فَدَاهُ بِالثَّمَنِ مِنْ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ وَلَا يَكُونُ مُتَبَرِّعًا فِي هَذَا الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّهُ مَا كَانَ يَصِلُ إلَى خِدْمَتِهِ إلَّا بِهِ، حَتَّى إذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْخِدْمَةِ بِيعَ الْعَبْدُ لَهُ فِي الْفِدَاءِ. إلَّا أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ صَاحِبُ الرَّقَبَةِ مِثْلَ مَا أَدَّى فَحِينَئِذٍ يَسْلَمُ الْعَبْدَ لَهُ.\nوَكَذَلِكَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْبَائِعِ إذَا أَسَرَهُ الْعَدُوُّ فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَلِلْبَائِعِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالثَّمَنِ، ثُمَّ يُقَالُ لِلْمُشْتَرِي: إنْ شِئْت فَخُذْهُ بِالثَّمَنَيْنِ جَمِيعًا، وَإِنْ شِئْت فَدَعْ.\nلِأَنَّ الْبَائِعَ مَا كَانَ يَتَوَصَّلُ إلَى إحْيَاءِ حَقِّهِ إلَّا بِأَدَاءِ الْفِدَاءِ، فَلَا يَكُونُ هُوَ مُتَبَرِّعًا فِيمَا أَدَّى، فَكَذَلِكَ حَالُ السَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ فِيمَا أَدَّوْا مِنْ الدَّنَانِيرِ، فَيُسَلَّمُ لَهُمْ هَذَا قَبْلَ الْخُمُسِ؛ لِأَنَّ الْخُمُسَ فِي الْغَنِيمَةِ، وَمَا أَدَّوْا لَمْ يَكُنْ مِنْ الْغَنِيمَةِ. فَمِثْلُهُ الْمَرْدُودُ عَلَيْهِمْ لَا يَكُونُ مِنْ الْغَنِيمَةِ أَيْضًا، وَلَكِنْ بِمَنْزِلَةِ النَّفْلِ يَنْفُلُونَهُ قَبْلَ الْخُمُسِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ فِي آخِرِ الْبَابِ.\n٧٥٣ - وَلَوْ لَمْ يَظْفَرُوا بِالْحِصْنِ، وَجَعَلُوا يُقَاتِلُونَهُمْ، حَتَّى مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ. ثُمَّ ظَفِرُوا بِهِمْ، فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا بِتِلْكَ الدَّنَانِيرِ وَلَا مِثْلِهَا قَبْلَ الْخُمُسِ، بَلْ يُخَمَّسُ جَمِيعُ مَا أَصَابُوا، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.","vol":"1","page":495},{"text":"لِأَنَّ تَمَكُّنَهُمْ مِنْ اغْتِنَامِ مَا فِي هَذَا الْحِصْنِ لَمْ يَكُنْ بِرَدِّ الدَّنَانِيرِ، فَإِنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَرُدُّوا حَتَّى مَضَتْ مُدَّةُ الْأَمَانِ كَانَ لَهُمْ أَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ، بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، فَإِنَّهُمْ مَا كَانُوا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ الِاغْتِنَامِ فِي الْمُدَّةِ قَبْلَ رَدِّ الدَّنَانِيرِ، وَلَوْ فَعَلُوا أُمِرُوا بِرَدِّ الْأَمْوَالِ عَلَيْهِمْ وَإِعَادَتِهِمْ إلَى مَأْمَنِهِمْ.\n٧٥٤ - وَلَوْ أَنَّهُمْ لَمْ يَخْرُجُوا إلَى دَارِنَا حَتَّى الْتَقَوْا، هُمْ وَالسَّرِيَّةُ الْأُولَى، فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَإِنْ كَانُوا ظَفِرُوا بِأَهْلِ الْحِصْنِ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِيمَا أَصَابُوا، وَلَيْسَ لَهُمْ مِنْ دَنَانِيرِهِمْ شَيْءٌ. وَلَوْ كَانُوا ظَفِرُوا بِهِمْ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ أَخَذُوا دَنَانِيرَهُمْ أَوَّلًا ثُمَّ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمْ فِي الْبَاقِي.\nلِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي الْإِحْرَازِ بِدَارِنَا، وَذَلِكَ سَبَبُ الشَّرِكَةِ فِي الْغَنِيمَةِ.\nوَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا ظَفِرُوا بِهِمْ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ فَجَمِيعُ مَا أَصَابُوا غَنِيمَةٌ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ رُدَّ الدَّنَانِيرُ عَلَيْهِمْ. وَقَدْ قَرَّرْنَا هَذَا فِي الْخُمُسِ فَكَذَلِكَ فِي شَرِكَةِ السَّرِيَّةِ الْأُولَى مَعَهُمْ.\n٧٥٥ - وَلَوْ أَنَّ السَّرِيَّةَ الثَّانِيَةَ بَعْد رَدِّ الدَّنَانِيرِ لَمْ يَقْدِرُوا فَتْحِ الْحِصْنِ، فَدَخَلُوا أَرْضَ الْحَرْبِ ثُمَّ أَتَى أَهْلَ الْحِصْنِ سَرِيَّةٌ ثَالِثَةٌ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ.\nلِأَنَّ حُكْمَ أَمَانِهِمْ قَدْ بَطَلَ بِرَدِّ السَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ الدَّنَانِيرَ عَلَيْهِمْ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ كَانَ يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ. فَكَذَلِكَ يَجُوزُ لِلسَّرِيَّةِ الثَّالِثَةِ.","vol":"1","page":496},{"text":"فَإِنْ ظَفِرُوا بِهِمْ فِي الْمُدَّةِ أَوْ بَعْدَهَا، ثُمَّ الْتَقَتْ السَّرَايَا فِي أَرْضِ الْحَرْبِ. فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي جَمِيعِ الْغَنَائِمِ.\nلِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي إحْرَازِهَا.\nوَلَا سَبِيلَ لِلسَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ عَلَى أَخْذِ دَنَانِيرِهِمْ وَإِنْ وَجَدُوهَا بِعَيْنِهَا.؛ لِأَنَّهُمْ مَا ظَفِرُوا بِالْحِصْنِ.\nفَإِنْ قِيلَ: السَّرِيَّةُ الثَّالِثَةُ إنَّمَا تَمَكَّنُوا مِنْ فَتْحِ الْحِصْنِ فِي الْمُدَّةِ بِرَدِّ تِلْكَ الدَّنَانِيرِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِلسَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ حَقُّ اسْتِرْدَادِ ذَلِكَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ.\nقُلْنَا: نَعَمْ. وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ لِأَهْلِ السَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ وِلَايَةٌ عَلَى أَهْلِ السَّرِيَّةِ الثَّالِثَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ خَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يَلْتَقُوا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ سَبِيلٌ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا أَصَابُوا. وَمُلَاقَاتُهُمْ إيَّاهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ سَبَبٌ لِثُبُوتِ حَقِّ الشَّرِكَةِ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ لَا فِي غَيْرِهَا. فَإِنْ لَمْ يُجْعَلْ هَذِهِ الدَّنَانِيرُ مِنْ الْغَنِيمَةِ فَلَا حَقَّ لِلسَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ فِيهَا. وَإِنْ جُعِلَتْ مِنْ الْغَنِيمَةِ فَلَيْسَ لَهُمْ حَقُّ الِاخْتِصَاصِ بِشَيْءٍ مِنْهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ أَوْ مَنْ كَانَ أَمِيرًا عَلَى السَّرَايَا هُوَ الَّذِي أَمَرَ السَّرِيَّةَ الثَّانِيَةَ بِرَدِّ الدَّنَانِيرِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، فَحِينَئِذٍ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى السَّرَايَا كُلِّهَا. فَاَلَّذِينَ أَدَّوْا بِأَمْرِهِ لَا يَكُونُونَ مُتَبَرِّعِينَ فِي حَقِّ أَحَدٍ.\n٧٥٧ - فَإِنْ ظَفِرَتْ السَّرِيَّةُ الثَّالِثَةُ بِهِمْ فِي الْمُدَّةِ رَدُّوا عَلَى السَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ دَنَانِيرَهُمْ أَوَّلًا.\nلِأَنَّهُمْ مَا تَمَكَّنُوا مِنْ هَذَا الِاغْتِنَامِ إلَّا بِذَلِكَ.\nوَإِنْ ظَفِرُوا بِهِمْ بَعْدَ الْمُدَّةِ، فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ رَدُّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنْ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَ الَّذِينَ أَدَّوْا مَالَهُمْ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ.","vol":"1","page":497},{"text":"لِأَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِأَدَاءِ مَالٍ لِأَجْلِ مَنْفَعَةٍ رَجَعَتْ إلَى الْمُسْلِمِينَ، فَكَانَ ذَلِكَ دَيْنًا لَهُمْ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَلِأَنَّ خُمُسَ تِلْكَ الْغَنِيمَةِ سَلِمَ لِبَيْتِ الْمَالِ، فَيُرَدُّ عَلَيْهِمْ مَا غَرِمُوا مِنْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ أَيْضًا لِيَكُونَ الْغُرْمُ بِمُقَابَلَةِ الْغُنْمِ.\n٧٥٨ - وَلَوْ لَمْ يَأْتِ أَهْلَ الْحِصْنِ سَرِيَّةٌ أُخْرَى حَتَّى رَجَعَتْ إلَيْهِمْ السَّرِيَّةُ الْأُولَى فَرَدَّتْ عَلَيْهِمْ الدَّنَانِيرَ وَظَفِرُوا بِهَا، فَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ عَلَى أَخْذِ الدَّنَانِيرِ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ.\nلِأَنَّهُمْ أَخَذُوا مِثْلَ مَا أَرَادُوا، وَفَسَخُوا حُكْمَ فِعْلِهِمْ بِالرَّدِّ. فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَأْخُذُوا شَيْئًا فِي الِابْتِدَاءِ حَتَّى ظَفِرُوا بِالْحِصْنِ، فَيَكُونُ لِجَمِيعِ مَا أَصَابُوا حُكْمُ الْغَنِيمَةِ.\n٧٥٩ - وَإِنْ كَانَ تِلْكَ الدَّنَانِيرُ ضَاعَتْ مِنْهُمْ، وَحِينَ رَجَعُوا أَعْطَوْا مِثْلَهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، لَيْسَ مِمَّا غَنِمُوا، فَهُمْ أَحَقُّ بِالْغَنِيمَةِ حَتَّى يَسْتَوْفُوا مِنْهَا مِثْلَ مَا أَعْطَوْا إنْ كَانُوا ظَفِرُوا بِهِمْ فِي الْمُدَّةِ.\nلِأَنَّ حَالَهُمْ عِنْدَ الرُّجُوعِ وَرَدِّ الدَّنَانِيرِ كَحَالِ سَرِيَّةٍ أُخْرَى.\n٧٦٠ - وَلَوْ أَنَّ الْإِمَامَ وَادَعَ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ سَنَةً عَلَى مَالٍ دَفَعُوهُ إلَيْهِ، فَذَلِكَ جَائِزٌ. إنَّمَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُوَادِعَ إذَا كَانَ خَيْرًا لِلْمُسْلِمِينَ.\nلِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ نُصِّبَ نَاظِرًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُ الْقِتَالِ وَالْمِيلُ إلَى أَخْذِ الْمَالِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ نَظَرٌ لِلْمُسْلِمِينَ.","vol":"1","page":498},{"text":"ثُمَّ هَذَا الْمَالُ لَيْسَ بِفَيْءٍ وَلَا غَنِيمَةٍ حَتَّى لَا يُخَمَّسَ، وَلَكِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْخَرَاجِ يُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ.\nلِأَنَّ الْغَنِيمَةَ اسْمُ الْمَالِ مُصَابٌ بِإِيجَافِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، وَالْفَيْءُ اسْمٌ لِمَا يَرْجِعُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ إلَى أَيْدِينَا بِطَرِيقِ الْقَهْرِ. فَأَمَّا هَذَا فَمَالٌ رَجَعَ إلَيْنَا بِطَرِيقِ الْمُرَاضَاةِ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ يُوضَعُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ.\nلِأَنَّ الْإِمَامَ إنَّمَا تَمَكَّنَ مِنْهُ لِمَنَعَةِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ.\n٧٦١ - فَإِنْ نَظَرَ الْإِمَامُ فَرَأَى هَذِهِ الْمُوَادَعَةَ شَرًّا لِلْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ حَتَّى يَرُدَّ عَلَيْهِمْ مَا أُخِذَ.\nلِأَنَّ الْوَفَاءَ بِالْعَهْدِ وَالتَّحَرُّزَ عَنْ الْغَدْرِ وَاجِبٌ.\n٧٦٢ - فَإِنْ رَدَّ عَلَيْهِمْ عَيْنَهُ أَوْ مِثْلَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَنَبَذَ إلَيْهِمْ، ثُمَّ بَعَثَ جُنْدًا حَتَّى ظَفِرُوا بِهِمْ، فَإِنَّهُ يُخَمِّسُ جَمِيعَ مَا أَصَابُوا، وَيُقَسِّمُ الْبَاقِيَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْتَجِعَ شَيْئًا مِمَّا أَعْطَى مِنْ الدَّنَانِيرِ.\n؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي الْأَخْذِ عَامِلًا لِلْمُسْلِمِينَ. فَقَدْ رَدَّهَا أَوْ مِثْلَهَا مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ.\nفَإِنَّ مَالَ بَيْتِ الْمَالِ مُعَدٌّ لِنَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا كَانَ مِنْ جُمْلَةِ النَّوَائِبِ.\nبِخِلَافِ مَا ذَكَرْنَا فِي السَّرِيَّةِ الْأُولَى إذَا رَدُّوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ بَعْدَ مَا ضَاعَتْ تِلْكَ الدَّنَانِيرُ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ الْمَأْخُوذَ الَّذِي ضَاعَ مِنْهُمْ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ، وَالْمَرْدُودَ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْغَنِيمَةِ، إنَّمَا كَانَ مِنْ خَاصِّ أَمْوَالِهِمْ. وَهَاهُنَا الْمَأْخُوذُ","vol":"1","page":499},{"text":"كَانَ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمَرْدُودُ أَيْضًا مِنْ مَالِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ. فَلِهَذَا لَا يَرْجِعُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.\n\nثُمَّ عَادَ إلَى مَسْأَلَةِ السَّرِيَّتَيْنِ فَقَالَ: ٧٦٣ - لَوْ أَنَّ السَّرِيَّةَ الثَّانِيَةَ رَدُّوا الدَّنَانِيرَ بِأَمْرِ أَمِيرِهِمْ خَاصَّةً ثُمَّ أَدْرَكَتْهُمْ سَرِيَّةٌ أُخْرَى، فَافْتَتَحَتْ السَّرِيَّتَانِ الْحِصْنَ وَأَخَذُوا مَا فِيهِ، فَإِنَّهُ يُقَسَّمُ الْمُصَابُ عَلَى رُءُوسِ الرِّجَالِ مِنْ السَّرِيَّتَيْنِ أَوَّلًا، ثُمَّ يُنْظَرُ إلَى مَا أَصَابَ السَّرِيَّةُ الَّتِي رَدَّتْ الدَّنَانِيرَ فَيَبْدَأُ بِدَنَانِيرِهِمْ مِنْ ذَلِكَ.\n؛ لِأَنَّ أَمْرَ أَمِيرِهِمْ غَيْرُ نَافِذٍ عَلَى السَّرِيَّةِ الثَّالِثَةِ، وَإِنَّمَا يَنْفُذُ عَلَى أَهْلِ سَرِيَّتِهِ خَاصَّةً. وَأَمْوَالُ أَهْلِ الْحِصْنِ مُصَابُ السَّرِيَّتَيْنِ جَمِيعًا، فَلَا بُدَّ مِنْ قِسْمَتِهَا بَيْنَهُمْ لِيَتَبَيَّنَ مُصَابُ السَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ، حَتَّى يَرْفَعُوا دَنَانِيرَهُمْ مِنْهَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَإِنَّمَا قُسِّمَتْ هَذِهِ الْغَنِيمَةُ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ.\n؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِقِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ حَتَّى يُعْتَبَرَ فِيهَا سِهَامُ الْفُرْسَانِ وَالرَّجَّالَةِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهَا قَبْلَ الْخُمُسِ، وَقِسْمَةُ الْغَنِيمَةِ بَعْدَ الْخُمُسِ.\n٧٦٤ - فَإِذَا دَفَعُوا دَنَانِيرَهُمْ يُضَمُّ مَا بَقِيَ إلَى مَا أَصَابَ السَّرِيَّةُ الثَّالِثَةَ بِالْقِسْمَةِ الْأُولَى. فَيُخَمَّسُ جَمِيعُ ذَلِكَ، ثُمَّ يُقَسَّمُ الْبَاقِي بَيْنَ السَّرِيَّتَيْنِ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.\nقَالَ: وَإِنَّمَا مَثَلُ هَذَا مَثَلُ إمَامٍ بَعَثَ سَرِيَّتَيْنِ وَنَفَلَ إحْدَاهُمَا بِعَيْنِهَا","vol":"1","page":500},{"text":"الرُّبُعَ قَبْلَ الْخُمُسِ. وَهُنَاكَ يُقَسَّمُ مَا أَصَابُوا أَوَّلًا عَلَى رُءُوسِ الرِّجَالِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ نَصِيبُ الْمُنَفَّلِينَ فَيُعْطَوْنَ نَفْلَهُمْ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ يُضَمُّ مَا بَقِيَ إلَى مَا أَصَابَ السَّرِيَّةُ الْأُخْرَى، فَيُخَمَّسُ وَيُقَسَّمُ مَا بَقِيَ بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.\nوَهَذَا بِخِلَافِ مَا سَبَقَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ فِي مَسْأَلَةِ الْمِائَةِ الْعُصَاةِ إذَا كَانُوا بِأَعْيَانِهِمْ. فَإِنَّ هُنَاكَ الْقِسْمَةَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الثَّلَاثِ مِائَةٍ عَلَى سِهَامِ الْخَيْلِ الرَّجَّالَةِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَاتِ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ نَصِيبُ الثَّلَاثِ مِائَةٍ فَيُعْطَوْنَ مِنْ ذَلِكَ نَفْلَهُمْ.\nلِأَنَّ هُنَاكَ إنَّمَا نَفْلُهُمْ الرُّبُعُ بَعْدَ الْخُمُسِ، وَالْقِسْمَةُ الَّتِي تَكُونُ بَعْدَ الْخُمُسِ قِسْمَةُ الْغَنِيمَةِ. وَهَذَا وَإِنَّمَا نَفْلُهُمْ الرُّبُعُ قَبْلَ الْخُمُسِ. وَالْقِسْمَةُ الْأُولَى هَا هُنَا لَيْسَتْ بِقِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ. فَلِهَذَا قَسَّمَ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِ الرِّجَالِ.\n٧٦٥ - فَإِنْ كَانَ مَا أَصَابَ السَّرِيَّةُ الرَّادَّةُ لَمْ يُرَدَّ عَلَى دَنَانِيرِهِمْ سَلِمَ لَهُمْ جَمِيعُ ذَلِكَ، وَيُخَمَّسُ مَا أَصَابَ السَّرِيَّةُ الْأُخْرَى، ثُمَّ يُقَسَّمُ مَا بَقِيَ بَيْنَ السَّرِيَّتَيْنِ جَمِيعًا عَلَى الْغَنِيمَةِ.\n؛ لِأَنَّ الْمَغْنُومَ هَذَا الْمِقْدَارُ.\nوَإِنْ لَمْ يَفِ مَا أَصَابَهُمْ بِدَنَانِيرَ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ.\n؛ لِأَنَّهُ لَا أَمْرَ لِأَمِيرِهِمْ فِيمَا أَصَابَ السَّرِيَّةُ الثَّالِثَةَ لِيَأْخُذُوا أَشْيَاءَ مِنْهَا بِحِسَابِ الدَّنَانِيرِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>[بَابُ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ الرَّجُلُ فَيَكُونُ أَمَانًا أَوْ لَا يَكُونُ]</span>\n٧٦٦ -","vol":"1","page":501},{"text":"بَابُ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ الرَّجُلُ فَيَكُونُ أَمَانًا أَوْ لَا يَكُونُ فَإِذَا أَخَذَ الْمُسْلِمُ أَسِيرًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَطَلَبَ الْأَسِيرُ مِنْهُ الْأَمَانَ فَآمَنَهُ، فَهُوَ آمِنٌ لَا يَحِلُّ لَهُ وَلَا لِلْأَمِيرِ وَلَا لِغَيْرِهِ أَنْ يَقْتُلَهُ.\nلِأَنَّ أَمَانَ الْوَاحِدِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ نَافِذٌ عَلَى الْجَمَاعَةِ. فَكَأَنَّ الْأَمِيرَ هُوَ الَّذِي آمَنَهُ، وَلَكِنَّهُ يَكُونُ فَيْئًا؛ لِأَنَّهُ مَقْهُورٌ مَأْخُوذٌ. وَقَدْ ثَبَتَ فِيهِ حَقُّ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَبْطُلُ بِأَمَانِ الْوَاحِدِ الْحَقُّ الثَّابِتُ لِجَمَاعَتِهِمْ. وَأَمْنًا مِنْ الْقَتْلِ بِسَبَبِ الْأَمَانِ لَا يَكُونُ فَوْقَ أَمَانِهِ مِنْ الْقَتْلِ بِالْإِسْلَامِ.\n٧٦٧ - وَلَوْ أَسْلَمَ بَعْدَ مَا أُسِرَ لَمْ يُقْتَلْ، وَلَكِنْ يَكُونُ فَيْئًا، فَكَذَلِكَ إذَا آمَنَهُ بَعْدَ الْأَسْرِ.\nوَهَذَا لِأَنَّهُ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الرَّقِيقِ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ مَالِكُهُ مَا لَمْ يُقْسَمْ. وَإِسْلَامُ الرَّقِيقِ لَا يُزِيلُ الرِّقَّ عَنْهُ.\nثُمَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ إسْلَامَهُ بَعْدَ الْأَخْذِ لَا يُبْطِلُ الْحَقَّ الثَّابِتَ فِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ «حَدِيثُ الْعَبَّاسِ - ﵁ -. فَإِنَّهُ أَسْلَمَ يَوْمَ بَدْرٍ بَعْدَ مَا أُسِرَ. وَحَسُنَ إسْلَامُهُ، عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَالُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ: قَدْ قَتَلْنَا الرِّجَالَ وَأَسَرْنَاهُمْ، فَنَتْبَعُ الْعِيرَ الْآنَ. فَلَمَّا عَزَمُوا عَلَى ذَلِكَ قَالَ","vol":"1","page":502},{"text":"الْعَبَّاسُ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ فِي وَثَاقِ الْأَسْرِ: هَذَا لَا يَصْلُحُ. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَعَدَك إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ. وَقَدْ أَنْجَزَهَا لَك فَارْجِعْ سَالِمًا» .\nفَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى حُسْنِ إسْلَامِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. وَمَعَ ذَلِكَ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِالْفِدَاءِ. وَفِيهِ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنْ الْأَسْرَى إنْ يَعْلَمْ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٠] الْآيَةَ.\n٧٦٨ - فَإِنْ قَالَ: لَا أُسْلِمُ، وَلَكِنْ أَكُونُ ذِمَّةً لَكُمْ. فَلِلْإِمَامِ أَنْ لَا يُعْطِيَهُ ذَلِكَ وَيَقْتُلَهُ.\nلِأَنَّهُ صَارَ مَأْخُوذًا مَقْهُورًا. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يُفْتَرَضُ الْإِجَابَةُ إلَى إعْطَاءِ الذِّمَّةِ فِي حَقِّ مِثْلِهِ.\n٧٦٩ - فَإِنْ كَانَ حِينَ أَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ خَافُوا أَنْ يُسْلِمَ فَكَعَمُوهُ - أَيْ سَدُّوا فَمَه، وَالْكِعَامُ اسْمٌ لِمَا يُسَدُّ بِهِ الْفَمُ.\nأَوْ ضَرَبُوهُ حَتَّى يَشْتَغِلَ بِالضَّرْبِ فَلَا يُسْلِمُ، فَقَدْ أَسَاءُوا فِي ذَلِكَ.؛ لِأَنَّ فِعْلَهُمْ فِي صُورَةِ الْمَنْعِ عَنْ الْإِسْلَامِ لِمَنْ يُرِيدُ الْإِسْلَامَ، وَذَلِكَ لَا رُخْصَةَ فِيهِ. وَلَكِنَّهُمْ إنْ كَعَمُوهُ كَيْ لَا يَنْفَلِتَ وَلَمْ يُرِيدُوا بِهِ أَنْ يَمْنَعُوهُ مِنْ الْإِسْلَامِ فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد: ٤]","vol":"1","page":503},{"text":"فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَعَمُوهُ حَتَّى لَا يُسْلِمَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كُفْرًا مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ رَضَوْا بِكُفْرِهِ، وَمَنْ رَضِيَ بِكُفْرِ غَيْرِهِ يَكْفُرُ.\nقُلْنَا: لِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّهُ لَا يُسْلِمُ حَقِيقَةً، وَلَكِنْ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ تَقِيَّةً لِيَنْجُوَ مِنْ الْقَتْلِ. فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ رِضًا مِنْهُمْ بِكُفْرِهِ.\nوَالثَّانِي أَنَّ مَقْصُودَهُمْ مِنْ ذَلِكَ الِانْتِقَامُ مِنْهُ وَالتَّشْدِيدُ عَلَيْهِ، لِكَثْرَةِ مَا آذَاهُمْ لَا عَلَى وَجْهِ الرِّضَى بِكُفْرِهِ. وَمَنْ تَأَمَّلَ قَوْله تَعَالَى ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨] يَتَّضِحُ لَهُ هَذَا الْمَعْنَى.\nوَأَيَّدَ هَذَا مَا رُوِيَ «أَنَّ عُثْمَانَ - ﵁ - جَاءَ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ (ص ١٦٩) يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: بَايِعْ عَبْدَ اللَّهِ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ. حَتَّى جَاءَ إلَى كُلِّ جَانِبٍ هَكَذَا، فَقَالَ: بَايَعْنَاهُ فَلْيَنْصَرِفْ. فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَمَا كَانَ فِيكُمْ مَنْ يَقُومُ إلَيْهِ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ قَبْلَ أَنْ أُبَايِعَهُ؟ فَقَالُوا: أَهَلَّا أَوْمَأَتْ إلَيْنَا بِعَيْنِك يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ» .\nوَأَحَدٌ لَا يَظُنُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يَرْضَى بِكُفْرِهِ، وَلَكِنْ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ يُظْهِرُ فِي ذَلِكَ تَقِيَّةً. فَلِهَذَا أَعْرَضَ عَنْهُ وَقَالَ مَا قَالَ.\n٧٧٠ - وَلَوْ أَنَّ الْأَسِيرَ قَالَ لِلْمُسْلِمِ حِينَ أَرَادَ قَتْلَهُ: الْأَمَانَ الْأَمَانَ. فَقَالَ لَهُ الْمُسْلِمُ: الْأَمَانَ الْأَمَانَ. وَإِنَّمَا أَرَادَ رَدَّ كَلَامِهِ عَلَى وَجْهِ التَّغْلِيظِ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُرِدْ عَلَى هَذَا. فَهَذَا فِي حَقِّهِ حَلَالُ الدَّمِ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلَهُ. وَلَكِنْ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ هَذِهِ الْمَقَالَةَ يَمْنَعُهُ مِنْ قَتْلِهِ، وَلَا يُصَدِّقُهُ فِيمَا ادَّعَى مِنْ مُرَادِهِ.","vol":"1","page":504},{"text":"لِأَنَّ سِيَاقَ كَلَامِهِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ أَمَانٌ، وَلَكِنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِمَا أَرَادَ. إلَّا أَنَّ ذَلِكَ فِي ضَمِيرِهِ فَلَا يَقِفُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ. فَأَمَّا الْأَمِيرُ وَالنَّاسُ يَتَتَبَّعُونَ الظَّاهِرَ فَلَا يُمَكِّنُونَهُ مِنْ قَتْلِهِ بَعْدَ مَا آمَنَهُ. وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ هُوَ فِي سَعَةٍ مِنْ قَتْلِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلَى ضَمِيرِهِ.\n٧٧١ - وَلَوْ كَانَ قَالَ لَهُ الْمُسْلِمُ: الْأَمَانَ الْأَمَانَ تَطْلُبُ؟ أَوْ قَالَ: لَا تُعَجِّلْ حَتَّى تَنْظُرَ مَا تَلْقَى. فَهَذَا لَا يَكُونُ أَمَانًا، وَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ.\nلِأَنَّ فِي سِيَاقِ كَلَامِهِ تَنْصِيصًا عَلَى مَعْنَى التَّهْدِيدِ، وَسِيَاقُ النَّظْمِ دَلِيلٌ عَلَى تَرْكِ الْحَقِيقَةِ. أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا﴾ [الكهف: ٢٩] أَنَّهُ زَجْرٌ وَتَوْبِيخٌ لَا تَخْيِيرٌ بِاعْتِبَارِ سِيَاقِ الْكَلَامِ؟\nوَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠] تَهْدِيدٌ وَلَيْسَ بِأَمْرٍ.\nوَكَذَلِكَ إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: افْعَلْ فِي مَالِي مَا شِئْت إنْ كُنْت رَجُلًا، أَوْ افْعَلْ بِي مَا شِئْت إنْ كُنْت صَادِقًا، لَا يَكُونُ إذْنًا بَلْ يَكُونُ زَجْرًا وَتَقْرِيعًا. فَكَذَلِكَ هَا هُنَا إذَا قَالَ الْمُسْلِمُ: الْأَمَانَ، سَتَعْلَمُ أُؤَمِّنُكَ أَوْ لَا، تَعْلَمُ أَنَّهُ أَرَادَ رَدَّ كَلَامِهِ.\n٧٧٢ - وَإِذَا قَالَ: الْأَمَانَ وَسَكَتَ. لَا يُعْلَمُ مَا فِي ضَمِيرِهِ فَجُعِلَ ذَلِكَ أَمَانًا بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ.\nبِمَنْزِلَةِ مَنْ يَقُولُ لِغَيْرِهِ: افْعَلْ فِي مَالِي كَذَا وَكَذَا، يَكُونُ إذْنًا، وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت بِهِ التَّهْدِيدَ، لَمْ يُدَنْ فِي الْقَضَاءِ.","vol":"1","page":505},{"text":"وَلَوْ أَنَّ الْمُشْرِكَ نَادَى مِنْ الْحِصْنِ قَبْلَ أَنْ يَظْفَرَ بِهِ: الْأَمَانَ الْأَمَانَ. فَقَالَ لَهُ الْمُسْلِمُ: الْأَمَانَ الْأَمَانَ. فَرَمَى بِنَفْسِهِ إلَى الْمُسْلِمِينَ.\nفَقَالَ الَّذِي آمَنَهُ: إنَّمَا أَرَدْت التَّهْدِيدَ، لَا يُلْتَفَتُ إلَى كَلَامِهِ، وَخُلِّيَ سَبِيلُهُ، سَوَاءٌ كَانَ الْأَمِيرُ قَالَ لَهُ ذَلِكَ أَوْ غَيْرُهُ.\nلِأَنَّ مَا فِي ضَمِيرِهِ لَا يَعْرِفُهُ الْمُشْرِكُ. فَلَوْ اُعْتُبِرَ ذَلِكَ أَدَّى إلَى الْغُرُورِ وَهَذَا حَرَامٌ، وَبِهَذَا فَارَقَ الْأَسِيرَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَقْهُورًا مَأْخُوذًا. فَلَا يَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْغُرُورِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِ فَيُعْتَبَرُ مَا فِي ضَمِيرِهِ فِي حَقِّهِ خَاصَّةً.\n٧٧٤ - وَلَوْ كَانَ الْمُسْلِمُ قَالَ لِلْمَحْصُورِ: الْأَمَانَ الْأَمَانَ، مَا أَبْعَدَك عَنْ ذَلِكَ أَوْ انْزِلْ إنْ كُنْت رَجُلًا. فَأَسْمَعَهُ الْكَلَامَ كُلَّهُ بِلِسَانِهِ، فَرَمَى الْمُشْرِكُ بِنَفْسِهِ، فَهُوَ فَيْءٌ يَجُوزُ قَتْلُهُ.\nلِأَنَّهُ لَمْ يُغْرِهِ فِي شَيْءٍ، فَقَدْ أَسْمَعَهُ مَا هَدَّدَهُ بِهِ، وَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ كَلَامَهُ تَهْدِيدٌ وَلَيْسَ بِإِعْطَاءِ الْأَمَانِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ يَقُولُ لِآخَرَ: لِي عَلَيْكُمْ أَلْفُ دِرْهَمٍ.\nفَيَقُولُ الْآخَرُ: لَك عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ؟ مَا أَبْعَدَك مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ كَلَامُهُ إقْرَارًا لِهَذَا الْمَعْنَى. فَأَمَّا إذَا أَسْمَعَهُ ذِكْرَ الْأَمَانِ وَلَمْ يُسْمِعْهُ مَا وَصَلَ بِهِ فَهُوَ آمِنٌ، لَا يُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِ مَا أَسْمَعَهُ دُونَ مَا لَمْ يُسْمِعْهُ. وَمَا لَمْ يُسْمِعْهُ هُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا فِي ضَمِيرِهِ لَوْ اُعْتُبِرَ أَدَّى إلَى الْغُرُورِ، وَالْغُرُورُ حَرَامٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ص ١٧٠)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>[بَابُ مَا يَكُونُ أَمَانًا مِمَّنْ يَدْخُلُ دَارَ الْحَرْبِ وَالْأَسْرَى وَمَا لَا يَكُونُ أَمَانًا]</span>\n٧٧٥ -","vol":"1","page":506},{"text":"بَابُ مَا يَكُونُ أَمَانًا مِمَّنْ يَدْخُلُ دَارَ الْحَرْبِ وَالْأَسْرَى، وَمَا لَا يَكُونُ أَمَانًا وَلَوْ أَنَّ رَهْطًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَتَوْا أَوَّلَ مَسَالِحِ أَهْلِ الْحَرْبِ فَقَالُوا: نَحْنُ رُسُلُ الْخَلِيفَةِ. وَأَخْرَجُوا كِتَابًا يُشْبِهُ كِتَابَ الْخَلِيفَةِ، أَوْ لَمْ يُخْرِجُوا، وَكَانَ ذَلِكَ خَدِيعَةً مِنْهُمْ لِلْمُشْرِكِينَ. فَقَالُوا لَهُمْ: اُدْخُلُوا. فَدَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ. فَلَيْسَ يَحِلُّ لَهُمْ قَتْلُ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَلَا أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا دَامُوا فِي دَارِهِمْ.\nلِأَنَّ مَا أَظْهَرُوهُ لَوْ كَانَ حَقًّا كَانُوا فِي أَمَانٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَأَهْلُ الْحَرْبِ فِي أَمَانٍ مِنْهُمْ أَيْضًا لَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لَهُمْ بِشَيْءٍ، هُوَ الْحُكْمُ فِي الرُّسُلِ إذَا دَخَلُوا إلَيْهِمْ كَمَا بَيَّنَّا.\n٧٧٦ - فَكَذَلِكَ إذَا أَظْهَرُوا ذَلِكَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ.\nلِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ لَهُمْ إلَى الْوُقُوفِ عَلَى مَا فِي بَاطِنِ الدَّاخِلِينَ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا يُبْنَى الْحُكْمُ عَلَى مَا يُظْهِرُونَ لِوُجُوبِ التَّحَرُّزِ عَنْ الْغَدْرِ، وَهَذَا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ أَمْرَ الْأَمَانِ شَدِيدٌ وَالْقَلِيلُ مِنْهُ يَكْفِي.\nفَيُجْعَلُ مَا أَظْهَرُوهُ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِئْمَانِ مِنْهُمْ. وَلَوْ اسْتَأْمَنُوا فَآمَنُوهُمْ وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَفُوا لَهُمْ.","vol":"1","page":507},{"text":"فَكَذَلِكَ إذَا ظَهَرَ مَا هُوَ دَلِيلُ الِاسْتِئْمَانِ. - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالُوا: جِئْنَا نُرِيدُ التِّجَارَةَ. وَقَدْ كَانَ قَصْدُهُمْ أَنْ يَغْتَالُوهُمْ.\nلِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا تُجَّارًا حَقِيقَةً كَمَا أَظْهَرُوا لَمْ يَحِلَّ لَهُمْ أَنْ يَغْدِرُوا بِأَهْلِ الْحَرْبِ، فَكَذَلِكَ إذَا أَظْهَرُوا ذَلِكَ لَهُمْ.\n٧٧٨ - وَكَذَلِكَ لَوْ لَقُوهُمْ فِي وَسَطِ دَارِ الْحَرْبِ إلَّا أَنَّ مَا كَانُوا أَخَذُوا قَبْل أَنْ يَلْقَوْهُمْ، فَهُوَ سَالِمٌ لَهُمْ، وَلَا يَحِلُّ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لِشَيْءٍ بَعْدَ ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُمْ حِينَ خَلَّوْا سَبِيلَهُمْ بِنَاءً عَلَى مَا أَظْهَرُوا فَكَأَنَّهُمْ آمَنُوهُمْ الْآنَ. وَذَلِكَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ التَّعَرُّضَ لَهُمْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَلَا يَلْزَمُهُمْ رَدُّ شَيْءٍ مِمَّا أَصَابُوا قَبْلَ ذَلِكَ.\n٧٧٩ - وَلَوْ كَانُوا تَشَبَّهُوا بِالرُّومِ وَلَبِسُوا لِبَاسَهُمْ، فَلَمَّا قَالُوا لَهُمْ: مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَحْنُ قَوْمٌ مِنْ الرُّومِ كُنَّا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ. وَانْتَسَبُوا لَهُمْ إلَى مَنْ يَعْرِفُونَهُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، أَوْ لَمْ يَنْتَسِبُوا، فَخَلَّوْا سَبِيلَهُمْ. وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلُوا مَنْ يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ وَيَأْخُذُوا الْأَمْوَالَ.\nلِأَنَّ مَا أَظْهَرُوا لَوْ كَانَ حَقِيقَةً لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ أَمَانٌ. فَإِنَّ بَعْضَهُمْ لَيْسَ فِي أَمَانٍ مِنْ بَعْضٍ حَتَّى لَوْ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ أَوْ عَلَى مَالٍ بِمِلْكِهِ، وَإِذَا أَسْلَمَ عَلَيْهِ كَانَ سَالِمًا لَهُ. يُوَضِّحُهُ أَنَّهُمْ مَا خَلَّوْا سَبِيلَهُمْ بِنَاءً عَلَى اسْتِئْمَانٍ","vol":"1","page":508},{"text":"مِنْهُمْ صُورَةً أَوْ مَعْنًى، وَإِنَّمَا خَلَّوْا سَبِيلَهُمْ عَلَى بِنَاءِ أَنَّهُمْ مِنْهُمْ. فَهَذَا وَقَوْلُهُمْ: نَحْنُ مِنْكُمْ، سَوَاءٌ.\n٧٨٠ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَخْبَرُوهُمْ أَنَّهُمْ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَتَوْهُمْ نَاقِضِينَ لِلْعَهْدِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَذِنُوا لَهُمْ فِي الدُّخُولِ. فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ.\nلِأَنَّهُمْ خَلَّوْا سَبِيلَهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ مِنْهُمْ، وَأَنَّ الدَّارَ تَجْمَعُهُمْ، وَالْإِنْسَانُ فِي دَارِ نَفْسِهِ لَا يَكُونُ مُسْتَأْمَنًا. وَاسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ الْمُتَخَصِّرِ فِي الْجَنَّةِ حِينَ قَالَ لِسُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: جِئْت لِأَنْصُرَك وَأُكْثِرَك وَأَكُونَ مَعَك. ثُمَّ قَتَلَهُ. فَدَلَّ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَكُونُ أَمَانًا.\nوَقَدْ بَيَّنَّا تَفْسِيرَ الْمُتَخَصِّرِ فِيمَا سَبَقَ.\nوَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -: «خَيْرُ الْعَامِلِينَ فِي الدُّنْيَا بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ الْمُتَخَصِّرُونَ» . يَعْنِي الَّذِينَ يَعْمَلُونَ فِي الدُّنْيَا مِنْ الطَّاعَاتِ مَا يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهَا فِي الْجَنَّةِ وَيَنَالُونَ بِهَا مِنْ الدَّرَجَاتِ، كَمَا يَتَوَكَّأُ الرَّجُلُ عَلَى عَصَاهُ فِي الدُّنْيَا يَضَعُهُ عَلَى خَاصِرَتِهِ.","vol":"1","page":509},{"text":"وَلَوْ أَنَّ رَهْطًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا أُسَرَاءَ فِي أَيْدِيهِمْ فَخَلَّوْا سَبِيلَهُمْ، لَمْ أَرَ بَأْسًا أَنْ يَقْتُلُوا مَنْ أَحَبُّوا مِنْهُمْ، وَيَأْخُذُوا الْأَمْوَلَ وَيَهْرُبُوا إنْ قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُمْ كَانُوا مَقْهُورِينَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَقَبْلَ أَنْ يُخَلُّوا سَبِيلَهُمْ، لَوْ قَدَرُوا عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنْهُ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ تَخْلِيَةِ سَبِيلِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ مَا أَظْهَرُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ مَا يَكُونُ دَلِيلَ الِاسْتِئْمَانِ، وَمَا خَلَّوْهُمْ عَلَى سَبِيلِ إعْطَاءِ الْأَمَانِ بَلْ عَلَى وَجْهِ قِلَّةِ الْمُبَالَاةِ بِهِمْ وَالِالْتِفَاتِ إلَيْهِمْ.\n٧٨٢ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالُوا لَهُمْ: قَدْ آمَنَّاكُمْ فَاذْهَبُوا حَيْثُ شِئْتُمْ، وَلَمْ تَقُلْ الْأُسَرَاءُ (ص ١٧١) شَيْئًا.\nلِأَنَّهُ إنَّمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ التَّعَرُّضُ لَهُمْ بِالِاسْتِئْمَانِ صُورَةً أَوْ مَعْنًى، فَبِهِ يَلْتَزِمُونَ الْوَفَاءَ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ ذَلِكَ، وَقَوْلُ أَهْلِ الْحَرْبِ لَا يُلْزِمُهُمْ شَيْئًا لَمْ يَلْتَزِمُوهُ.\n٧٨٣ - بِخِلَافِ مَا إذَا جَاءُوا مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ لَهُمْ أَهْلُ الْحَرْبِ: اُدْخُلُوا فَأَنْتُمْ آمِنُونَ.\nلِأَنَّ هُنَاكَ جَاءُوا عَنْ اخْتِيَارٍ مَجِيءَ الْمُسْتَأْمَنِينَ، فَإِنَّهُمْ حِينَ ظَهَرُوا لِأَهْلِ الْحَرْبِ فِي مَوْضِعٍ لَا يَكُونُونَ مُمْتَنِعِينَ مِنْهُمْ بِالْقُوَّةِ، فَكَأَنَّهُمْ اسْتَأْمَنُوهُمْ وَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ. وَأَمَّا الْأُسَرَاءُ فَحَصَلُوا فِي دَارِهِمْ مَقْهُورِينَ لَا عَنْ اخْتِيَارٍ مِنْهُمْ، فَلَا بُدَّ لِلِاسْتِئْمَانِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ.\n٧٨٤ - وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْهُمْ لَقُوا الْأُسَرَاءَ فَقَالُوا: مَنْ أَنْتُمْ؟ فَقَالُوا:","vol":"1","page":510},{"text":"نَحْنُ قَوْمٌ تُجَّارٌ دَخَلْنَا بِأَمَانِ أَصْحَابِكُمْ. أَوْ قَالُوا: نَحْنُ رُسُلُ الْخَلِيفَةِ. فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ بَعْدَ هَذَا أَنْ يَقْتُلُوا أَحَدًا مِنْهُمْ.\nلِأَنَّهُمْ أَظْهَرُوا مَا هُوَ دَلِيلُ الِاسْتِئْمَانِ. فَيُجْعَلُ ذَلِكَ اسْتِيمَانًا مِنْهُمْ، فَلَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَغْدِرُوا بِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ.\nمَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُمْ أَهْلُ الْحَرْبِ.\n- فَإِنْ عَلِمَ أَهْلُ الْحَرْبِ أَنَّهُمْ أُسَرَاءُ فَأَخَذُوهُمْ ثُمَّ انْفَلَتُوا مِنْهُمْ حَلَّ لَهُمْ قِتَالُهُمْ وَأَخْذُ أَمْوَالِهِمْ.\nلِأَنَّ حُكْمَ الِاسْتِئْمَانِ إلَيْهِمْ يَرْتَفِعُ بِمَا فَعَلُوا. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْتَأْمَنِينَ لَوْ غَدَرَ بِهِمْ مَلِكُ أَهْلِ الْحَرْبِ فَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ وَحَبَسَهُمْ، ثُمَّ انْفَلَتُوا، حَلَّ لَهُمْ قَتْلُ أَهْلِ الْحَرْبِ وَأَخْذُ أَمْوَالِهِمْ؟ بِاعْتِبَارِ أَنَّ ذَلِكَ نَقْضٌ لِلْعَهْدِ مِنْ مَلِكِهِمْ.\n٧٨٦ - وَكَذَلِكَ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ رَجُلٌ بِأَمْرِ مَلِكِهِ أَوْ بِعِلْمِهِ وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ ذَلِكَ. فَإِنَّ السَّفِيهَ إذَا لَمْ يُنْهَ مَأْمُورٌ. فَأَمَّا إذَا فَعَلُوا بِغَيْرِ عِلْمِ الْأَمِيرِ أَوْ عِلْمِ جَمَاعَتِهِمْ لَمْ يَحِلَّ لِلْمُسْتَأْمَنِينَ أَنْ يَسْتَحِلُّوا حَرِيمَ الْقَوْمِ بِمَا صَنَعَ هَذَا بِهِمْ.\nلِأَنَّ فِعْلَ الْوَاحِدِ مِنْ عَرْضِهِمْ لَا يَكُونُ نَقْضًا لِلْعَهْدِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْتَأْمَنِ، فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا هَذَا ظُلْمٌ مِنْهُ إيَّاهُمْ، فَيَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَنْتَصِفُوا مِنْهُ بِاسْتِرْدَادِ عَيْنِ مَا أَخَذَ مِنْهُمْ أَوْ مِثْلِهِ إنْ قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ بِشَيْءٍ سِوَى هَذَا لِأَنَّ الظَّالِمَ لَا يُظْلَمُ وَلَكِنْ يُنْتَصَفُ مِنْهُ بِالْمِثْلِ فَقَطْ.","vol":"1","page":511},{"text":"وَلَوْ كَانَ الْأُسَرَاءُ قَالُوا لَهُمْ حِينَ أَخَذُوهُمْ: نَحْنُ قَوْمٌ مِنْكُمْ: فَخَلَّوْا سَبِيلَهُمْ. حَلَّ لَهُمْ قَتْلُهُمْ وَأَخْذُ أَمْوَالِهِمْ.\nلِمَا بَيَّنَّا أَنَّ مَا أَظْهَرُوهُ لَيْسَ بِاسْتِئْمَانٍ.\n٧٨٨ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانُوا أَسْلَمُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْأُسَرَاءِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا.\nلِأَنَّ حُصُولَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِئْمَانِ.\n٧٨٩ - وَلَوْ كَانَ الَّذِينَ لَقِيَهُمْ أَهْلُ الْحَرْبِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَالُوا: نَحْنُ قَوْمٌ مِنْ بُرْجَانِ جِئْنَا مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ بِالْأَمَانِ. أَمَّنَنَا بَعْضُ مَسَالِحِكُمْ لِنَلْحَقَ بِبِلَادِنَا. فَخَلَّوْا سَبِيلَهُمْ، لَمْ يَحِلَّ لَهُمْ أَنْ يَعْرِضُوا بَعْدَ هَذَا لِأَحَدٍ مِنْهُمْ.\nوَبُرْجَانُ هَذَا اسْمُ نَاحِيَةٍ وَرَاءَ الرُّومِ، بَيْنَ أَهْلِهَا وَبَيْنَ أَهْلِ الرُّومِ عَدَاوَةٌ ظَاهِرَةٌ. وَلَا يَتَمَكَّنُ بَعْضُهُمْ مِنْ الدُّخُولِ عَلَى بَعْضٍ إلَّا بِالِاسْتِئْمَانِ.\nفَمَا أَظْهَرُوهُ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِئْمَانِ. أَلَا تَرَى أَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ حَقًّا لَمْ يَحِلَّ لَهُمْ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لَهُمْ؟\n٧٩٠ - فَكَذَلِكَ إذَا أَظْهَرُوا ذَلِكَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ. مَا لَمْ يَرْجِعُوا إلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ. فَإِنْ رَجَعُوا فَقَدْ انْتَهَى حُكْمُ ذَلِكَ الِاسْتِئْمَانِ وَإِذَا دَخَلُوا دَارَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَصْنَعُوا بِهِمْ مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ.","vol":"1","page":512},{"text":"لِأَنَّهُمْ الْآنَ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَلَصِّصِينَ فِيهِمْ، سَوَاءٌ عَلِمُوا بِرُجُوعِهِمْ أَوْ لَمْ يَعْلَمُوا.\nلِأَنَّ رُجُوعَهُمْ إنَّمَا يَخْفَى عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ لِتَقْصِيرٍ مِنْهُمْ فِي حِفْظِ حَرِيمِهِمْ، بِخِلَافِ الْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَةِ الْحَالِ فِيمَا سَبَقَ.\n٧٩١ - وَلَوْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَخَذُوا أُسَرَاءَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَأَرَادُوا قَتْلَهُمْ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: أَنَا مُسْلِمٌ. فَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقْتُلُوهُ حَتَّى يَسْأَلُوهُ عَنْ الْإِسْلَامِ. لَا لِأَنَّهُ سَيَصِيرُ مُسْلِمًا بِهَذَا اللَّفْظِ، وَلَكِنْ بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى (ص ١٧٢): ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إلَيْكُمْ السَّلَامَ لَسْت مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء: ٩٤]،\nوَلِأَنَّهُ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ مُبْهَمٍ فَيُسْتَفْسَرُ. وَلَيْسَ مِنْ الِاحْتِيَاطِ الْمُبَادَرَةُ إلَى قَتْلِهِ قَبْلَ الِاسْتِفْسَارِ.\n٧٩٢ - فَإِنْ وَصَفَ الْإِسْلَامَ حِينَ سَأَلُوهُ عَنْهُ فَهُوَ مُسْلِمٌ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ، وَهُوَ فَيْءٌ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا قَبْلَ ذَلِكَ.\nلِأَنَّ هَذَا مِنْهُ ابْتِدَاءُ الْإِسْلَامِ لَمَّا لَمْ يُعْرَفْ إسْلَامُهُ قَبْلَ هَذَا. وَذَاكَ يُؤَمِّنُهُ مِنْ الْقَتْلِ دُونَ الِاسْتِرْقَاقِ.\n٧٩٣ - فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ سِيمَاءُ الْمُسْلِمِينَ. وَأَكْبَرُ الظَّنِّ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا، فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الْعِلْمِ بِإِسْلَامِهِ، حَتَّى يَجِبَ تَخْلِيَةُ سَبِيلِهِ","vol":"1","page":513},{"text":"لِأَنَّ أَكْبَرَ الرَّأْيِ بِمَنْزِلَةِ الْيَقِينِ فِيمَا بُنِيَ أَمْرُهُ عَلَى الِاحْتِيَاطِ وَفِيمَا يَتَعَذَّرُ الْوُقُوفُ فِيهِ عَلَى حَقِيقَةِ الْحَالِ.\n٧٩٤ - وَلَوْ قَالَ: لَسْت بِمُسْلِمٍ، وَلَكِنْ اُدْعُونِي إلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى أُسْلِمَ، لَمْ يَحِلَّ قَتْلُهُ أَيْضًا.\nلِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «فَادْعُوهُمْ إلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» فَكَانَ لَا يُقَاتِلُ قَوْمًا حَتَّى يَدْعُوَهُمْ وَلَوْ أَرَدْنَا قِتَالَ قَوْمٍ لَمْ تَبْلُغْهُمْ الدَّعْوَةُ لَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُقَاتِلَهُمْ حَتَّى نَدْعُوَهُمْ. وَرُبَّمَا يُجِيبُونَ وَرُبَّمَا يَمْتَنِعُونَ.\nفَهَذَا الَّذِي طَلَبَ مِنَّا أَنْ نَدْعُوَهُ وَأَظْهَرَ مِنْ نَفْسِهِ الْإِجَابَةَ إلَى ذَلِكَ أَوْلَى أَنْ لَا يَحِلَّ قَتْلُهُ قَبْلَ الدُّعَاءِ إلَى الْإِسْلَامِ.\n٧٩٥ - وَلَوْ قَالَ: أَنَا مُسْلِمٌ: فَاسْتُوْصِفَ الْإِسْلَامَ فَأَبَى أَنْ يَصِفَهُ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَصِفُوا الْإِسْلَامَ، ثُمَّ يَقُولُوا لَهُ: أَنْتَ عَلَى هَذَا؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ. فَهُوَ مُسْلِمٌ.\nوَإِنْ قَالَ: لَسْت عَلَى هَذَا، أَوْ قَالَ: مَا أَعْرِفُ هَذَا الَّذِي تَقُولُونَ، فَهُوَ حَلَالُ الدَّمِ. إلَّا أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ لَهُ الْإِمَامُ: أَتَدْخُلُ فِي هَذَا الَّذِي دَعَوْنَاك إلَيْهِ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ. لَمْ نَقْتُلْهُ. وَكَانَ فَيْئًا. وَإِنْ قَالَ: لَا، فَحِينَئِذٍ يُضْرَبُ عُنُقُهُ.\nوَبِهَذَا الْفَصْلِ يَتَبَيَّنُ الْجَوَابُ فِي مَسْأَلَةِ الزَّوْجَةِ وَالْجَارِيَةِ أَنَّهُ إذَا اسْتَوْصَفَهَا الْإِسْلَامَ فَلَمْ تُحْسِنْ أَنْ تَصِفَهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَصِفَ الْإِسْلَامَ بَيْنَ يَدَيْهَا وَيَقُولُ: أَنَا عَلَى هَذَا. وَظَنِّي بِكِ أَنَّكِ عَلَى هَذَا. فَإِنْ قَالَتْ: نَعَمْ. فَذَلِكَ يَكْفِي. وَتَكُونُ مُسْلِمَةً يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا بِالنِّكَاحِ وَالْمِلْكِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>[بَابُ أَمْنِ الرَّسُولِ وَالْمُسْتَأْمَنِ إذَا خِيفَ أَنْ يَدُلَّ عَلَى بَعْضِ عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ]</span>\n٧٩٦ -","vol":"1","page":514},{"text":"بَابُ أَمْنِ الرَّسُولِ وَالْمُسْتَأْمَنِ إذَا خِيفَ أَنْ يَدُلَّ عَلَى بَعْضِ عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَلَوْ أَنَّ رَسُولَ مَلِكِ أَهْلِ الْحَرْبِ جَاءَ إلَى عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ آمِنٌ حَتَّى يُبَلِّغَ رِسَالَتَهُ بِمَنْزِلَةِ مُسْتَأْمَنٍ جَاءَ لِلتِّجَارَةِ.\nلِأَنَّ فِي مَجِيءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَنْفَعَةً لِلْمُسْلِمِينَ.\n٧٩٧ - فَإِنْ أَرَادَا الرُّجُوعَ فَخَافَ الْأَمِيرُ أَنْ يَكُونَا قَدْ رَأَيَا لِلْمُسْلِمِينَ عَوْرَةً فَيَدُلَّانِ عَلَيْهَا الْعَدُوَّ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَحْبِسَهُمَا عِنْدَهُ حَتَّى يَأْمَنَ مِنْ ذَلِكَ.\nلِأَنَّ فِي حَبْسِهِمَا نَظَرًا لِلْمُسْلِمِينَ وَدَفْعَ الْفِتْنَةِ عَنْهُمْ. وَإِذَا جَازَ حَبْسُ الدَّاعِرِ لِدَفْعِ فِتْنَتِهِ وَإِنْ لَمْ نَتَحَقَّقْ مِنْهُ خِيَانَةً فَلَأَنْ يَجُوزَ حَبْسُ هَذَيْنِ أَوْلَى.\n٧٩٨ - فَإِنْ قَالَا لِلْإِمَامِ: خَلِّ سَبِيلَنَا وَإِنَّا عِنْدَك بِأَمَانٍ. لَمْ يَنْبَغِ لَهُ أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَهُمَا.","vol":"1","page":515},{"text":"لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُمَا يَدُلَّانِ الْعَدُوَّ عَلَى مَا رَأَيَا مِنْ الْعَوْرَةِ. فَإِنَّ اعْتِقَادَهُمَا يَحْمِلُهُمَا عَلَى ذَلِكَ. وَأَيَّدَ هَذَا الظَّاهِرَ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: ١١٨] .\n٧٩٩ - وَإِنْ قَالَا: نَحْلِفُ أَنْ لَا نُخْبِرَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. لَمْ يُصَدِّقْهُمَا فِي ذَلِكَ.\nلِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا تَكُونُ حُجَّةً لِمَنْ شَهِدَ الظَّاهِرُ لَهُ. وَالظَّاهِرُ هُنَا يَشْهَدُ بِخِلَافِ مَا يَقُولَانِ. فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى يَمِينِهِمَا. وَأَيَّدَ هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿إنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢] أَيْ لَا أَيْمَانَ يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهَا فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْإِضْرَارِ بِالْمُسْلِمِينَ. وَهَذِهِ الْيَمِينُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَعْتَمِدَهَا، وَلَكِنَّهُ يَحْبِسُهُمَا عِنْدَهُ حَتَّى يَأْمَنَ.\nإلَّا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَيِّدَهُمَا وَلَا أَنْ يَغُلَّهُمَا.\nلِأَنَّ فِيهِ تَعْذِيبًا لَهُمَا، وَهُمَا فِي أَمَانٍ مِنْهُ، فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمَا مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنْهُمَا خِيَانَةً.\nفَإِنْ قِيلَ: فَفِي الْحَبْسِ (ص ١٧٣) تَعْذِيبٌ أَيْضًا.\nقُلْنَا: لَا نَعْنِي بِقَوْلِنَا يَحْبِسُهُمَا الْحَبْسَ فِي السِّجْنِ. فَإِنَّ ذَلِكَ تَعْذِيبٌ. وَإِنَّمَا نَعْنِي بِهِ أَنَّهُ يَمْنَعُهُمَا مِنْ الرُّجُوعِ وَيَجْعَلُ مَعَهُمَا حَرَسًا يَحْرُسُونَهُمَا. وَلَيْسَ فِي هَذَا الْقَدْرِ تَعْذِيبٌ لَهُمَا بَلْ فِيهِ نَظَرٌ لِلْمُسْلِمِينَ. وَلَئِنْ كَانَ فِيهِ نَوْعُ تَعْذِيبٍ مِنْ حَيْثُ الْحَيْلُولَةِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ وَطَنِهِمَا فَالْمَقْصُودُ دَفْعُ ضَرَرٍ هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ. وَإِذَا لَمْ نَجِدْ بُدًّا مِنْ إيصَالِ الضَّرَرِ إلَى بَعْضِ النَّاسِ، تَرَجَّحَ أَهْوَنُ الضَّرَرَيْنِ عَلَى أَعْظَمِهِمَا. ثُمَّ هَذَا الْمَقْصُودُ يَحْصُلُ بِحَرَسٍ يَجْعَلُهُ مَعَهُمَا. فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمَا فَوْقَ ذَلِكَ بِالتَّقْيِيدِ.","vol":"1","page":516},{"text":"فَإِنْ حَضَرَ قِتَالٌ وَشُغِلَ عَنْهُمَا الْحَرَسُ وَخَافَ انْفِلَاتَهُمَا فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُقَيِّدَهُمَا حَتَّى يَذْهَبَ ذَلِكَ الشُّغْلُ؛ لِأَنَّ هَذَا مَوْضِعُ الضَّرَرِ.\nفَإِذَا ذَهَبَ ذَلِكَ الشُّغْلُ حَلَّ قُيُودَهُمَا؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا.\n٨٠٠ - وَإِنْ سَارَ الْإِمَامُ رَاجِعًا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَهُ أَنْ يَذْهَبَ بِهِمَا مَعَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَأْمَنُ فِيهِ مِمَّا يَخَافُ عَنْهُمَا، ثُمَّ يُخَلِّيَ سَبِيلَهُمَا.\nلِأَنَّ النَّظَرَ لِلْمُسْلِمِينَ دَفْعُ الْفِتْنَةِ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ\n٨٠١ - فَإِنْ لَمْ يَأْمَنْ مِنْهُمَا حَتَّى يَدْخُلَ أَرْضَ الْإِسْلَامِ لَمْ يُخَلِّ سَبِيلَهُمَا حَتَّى يَدْخُلَ أَرْضَ الْإِسْلَامِ.\nلِأَنَّ الْفِتْنَةَ فِي تَخْلِيَةِ سَبِيلِهِمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ تَعْظُمُ عَنْهُمَا. وَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَتَحَرَّزَ وَيَجْتَهِدَ لِدَفْعِ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ الْعَسْكَرِ.\nفَإِنْ أَبَيَا أَنْ يَبْرَحَا مَكَانَهُمَا أَكْرَهَهُمَا عَلَى ذَلِكَ.\nلِأَنَّ فِي مَوْضِعِ النَّظَرِ لِلْإِمَامِ وِلَايَةَ الْإِكْرَاهِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا وَقَعَ النَّفِيرُ عَامًّا كَانَ لَهُ أَنْ يُجْبِرَ النَّاسَ عَلَى الْخُرُوجِ؟ وَفِي نَظِيرِهِ قَالَ عُمَرُ - ﵁ -: \" لَوْ تُرِكْتُمْ لَبِعْتُمْ أَوْلَادَكُمْ \".\n٨٠٢ - فَإِنْ وَصَلَ إلَى مَأْمَنِهِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ أَمَرَهُمَا بِالِانْصِرَافِ فَسَأَلَاهُ أَنْ يُعْطِيَهُمَا مَالًا يَتَجَهَّزَانِ بِهِ إلَى بِلَادِهِمَا فَإِنَّهُ يَنْبَغِي","vol":"1","page":517},{"text":"لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُمَا مِنْ النَّفَقَةِ مَا يُبَلِّغُهُمَا إلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَبَيَا أَنْ يَصْحَبَاهُ مِنْهُ.\n\nلِأَنَّهُ جَاءَ بِهِمَا مُكْرَهَيْنِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ\n، فَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا إلَيْهِ. وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ نَظَرًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَتَكُونُ تِلْكَ الْمُؤْنَةُ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ بِمَنْزِلَةِ نَائِبَةٍ تَنُوبُ الْمُسْلِمِينَ.\n٨٠٣ - وَفِيمَا يُجَاوِزُ ذَلِكَ قَدْ أَتَيَا اخْتِيَارًا مِنْهُمَا، فَلَا يُعْطِيهِمَا لِلرُّجُوعِ نَفَقَةً، وَإِنَّمَا يُعْطِي هَذِهِ النَّفَقَةَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إذَا لَمْ تُصِبْ الْجُنْدُ غَنِيمَةً، أَوْ أَصَابُوهَا وَاقْتَسَمُوهَا. فَأَمَّا إذَا أَصَابُوا غَنِيمَةً وَلَمْ تُقْسَمْ بَعْدُ فَإِنَّهُ يُعْطِيهِمَا النَّفَقَةَ مِنْ تِلْكَ الْغَنِيمَةِ.\nلِأَنَّهُ أَكْرَهَهُمَا عَلَى ذَلِكَ نَظَرًا مِنْهُ لِلْجُنْدِ خَاصَّةً. فَيَكُونُ الْمُؤْنَةُ مِنْ مَالٍ هُوَ حَقٌّ لِلْجُنْدِ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَ لِحَمْلِ الْغَنَائِمِ أَوْ سَوْقِهَا أَوْ حِفْظِهَا.\n٨٠٤ - وَكَذَلِكَ إذَا مَنَعَهُمَا مِنْ الرُّجُوعِ وَأَكْرَهَهُمَا عَلَى الْمُقَامِ مَعَهُ.\nفَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِمَا مِنْ غَنَائِمِ الْمُسْلِمِينَ\n٨٠٥ - وَإِذَا حَمَلَهُمَا مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مَعَ نَفْسِهِ عَلَى الدَّوَابِّ مِنْ غَنَائِمِ الْمُسْلِمِينَ.\nلِأَنَّهُمَا آمِنَانِ عِنْدَهُ. وَالتَّحَرُّزُ عَنْ الْغَدْرِ وَاجِبٌ. فَإِذَا حَبَسَهُمَا لِمَنْفَعَةِ الْغَانِمِينَ أَنْفَقَ عَلَيْهِمَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ بِمَنْزِلَةِ الْعَامِلِ عَلَى الصَّدَقَاتِ يُعْطَى الْكِفَايَةَ مِنْ","vol":"1","page":518},{"text":"مَالِ الصَّدَقَةِ. وَالْمَرْأَةُ إذَا كَانَتْ مَحْبُوسَةً عِنْدَ الزَّوْجِ لِحَقِّهِ اسْتَوْجَبَتْ النَّفَقَةَ عَلَيْهِ.\n٨٠٦ - فَإِنْ أَرَادَ تَخْلِيَةَ سَبِيلِهَا بَعْدَ مَا أَمِنَ، وَكَانَ هُوَ فِي مَوْضِعٍ يَخَافَانِ فِيهِ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْظُرَ لَهُمَا، وَلَا يُخَلِّي سَبِيلَهُمَا إلَّا فِي مَوْضِعٍ لَا يُخَافُ عَلَيْهِمَا فِيهِ.\nلِأَنَّهُمَا تَحْتَ وِلَايَتِهِ وَفِي أَمَانِهِ. وَهُوَ مَأْمُورٌ بِدَفْعِ الظُّلْمِ عَنْهُمَا. فَكَمَا يَنْظُرُ لِلْمُسْلِمِينَ بِمَا يُزِيلُ الْخَوْفَ عَنْهُمْ فَكَذَلِكَ يَنْظُرُ لَهُمَا.\nأَرَأَيْت (ص ١٧٤) لَوْ حَمَلَهُمَا مَعَهُ فِي الْبَحْرِ. فَلَمَّا انْتَهَى إلَى جَزِيرَةٍ أَمِنَ فِيهَا، أَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتْرُكَهُمَا فِي تِلْكَ الْجَزِيرَةِ؟ لَا، وَلَكِنْ يَحْمِلُهُمَا إلَى مَوْضِعٍ لَا يَخَافُ عَلَيْهِمَا فِيهِ الضَّيْعَةَ. ثُمَّ يُعْطِيهِمَا مَا يَكْفِيهِمَا لِجِهَازِهِمَا وَحُمْلَانِهِمَا.\n٨٠٧ - وَإِنْ كَانَا لَا يَأْمَنَانِ مِنْ اللُّصُوصِ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُرْسِلَ مَعَهُمَا قَوْمًا يُبَلِّغُونَهُمَا مَأْمَنَهُمَا. لِأَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْإِمَامِ وَلَكِنَّهُ رُبَّمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى مُبَاشَرَتِهِ بِنَفْسِهِ فَيَسْتَعِينُ عَلَيْهِ بِقَوْمٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.\n٨٠٨ - فَإِنْ كَانَا لَا يَبْلُغَانِ مَأْمَنَهُمَا حَتَّى يَبْلُغَا مَوْضِعًا يَخَافُ فِيهِ الَّذِينَ أُرْسِلُوا مَعَهُمَا. فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُرْسِلَ مَعَهُمَا إلَى أَبْعَدِ مَوْضِعٍ يَأْمَنُ فِيهِ أَهْلُ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ يُخَلِّي سَبِيلَهُمَا لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ.","vol":"1","page":519},{"text":"لِأَنَّ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ تَعْرِيضَ الْمُسْلِمِينَ لِلْهَلَاكِ، وَذَلِكَ لَا يَحِلُّ لَهُ لِدَفْعِ الْخَوْفِ عَنْ الْمُشْرِكِينَ. ثُمَّ إنْ أَجْبَرَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنْ يَذْهَبُوا مَعَهُمَا إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَخَافُونَ فِيهِ فَقُتِلُوا كَانَ هُوَ السَّاعِي فِي دَمِهِمْ. وَإِنْ تَرَكَهُمَا لِيَذْهَبَا فَأُصِيبَا لَمْ يَكُنْ هُوَ سَاعِيًا فِي دَمِهِمَا. فَكَانَ هَذَا أَهْوَنَ الْأَمْرَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":520},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>[بَابُ أَهْلِ الْحِصْنِ يُؤَمِّنُهُمْ الرَّجُلُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى جُعْلٍ أَوْ غَيْرِ جُعْلٍ]</span>\nٍ ٨٠٩ - وَإِذَا حَاصَرَ الْمُسْلِمُونَ حِصْنًا وَفِيهَا أَسِيرٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَآمَنَهُمْ، ثُمَّ جَاءَ بِهِمْ لَيْلًا حَتَّى أَدْخَلَهُمْ الْمُعَسْكَرَ فَهُمْ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ.\nلِأَنَّ الَّذِي أَمَّنَهُمْ كَانَ مَقْهُورًا غَيْرَ مُمْتَنِعٍ مِنْهُمْ، وَأَمَانُ مِثْلِهِ بَاطِلٌ. وَلِأَنَّهُ مَا قَصَدَ بِهَذَا الْأَمَانِ النَّظَرَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا قَصَدَ تَخْلِيصَ نَفْسِهِ. وَلَوْ صَحَّحْنَا أَمَانَ مِثْلِهِ لَمْ يَتَوَصَّلْ الْمُسْلِمُونَ إلَى فَتْحِ الْحِصْنِ مِنْ حُصُونِهِمْ قَهْرًا، فَقَلَّ مَا يَخْلُو حِصْنٌ عَنْ أَسِيرٍ فَإِذَا أَيْقَنُوا بِالْفَتْحِ أَمَرُوا الْأَسِيرَ حَتَّى يُؤَمِّنَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَسِيرٌ، أَمَرُوا رَجُلًا مِنْهُمْ حَتَّى يُسْلِمَ ثُمَّ يُؤَمِّنَهُمْ، فَيَكُونُ حُكْمُهُ وَحُكْمُ الْأَسِيرِ سَوَاءً. فَلِأَجْلِ هَذِهِ الْمَعَانِي قُلْنَا: هُمْ جَمِيعًا فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ.\n٨١٠ - وَفِي الْقِيَاسِ لَا بَأْسَ بِقَتْلِ رِجَالِهِمْ؛ لِأَنَّ الْأَمَانَ الْبَاطِلَ لَا يُحَرِّمُ الْقَتْلَ، كَمَا لَوْ حَصَلَ مِنْ صَبِيٍّ لَا يَعْقِلُ أَوْ مِنْ كَافِرٍ، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ وَقَالَ: لَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَ رِجَالَهُمْ. لِوَجْهَيْنِ:","vol":"1","page":521},{"text":"أَحَدُهُمَا: أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ - ﵇ - «يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ» الْحَدِيثَ، يَعُمُّ الْأَسِيرَ وَغَيْرَهُ وَهَذَا الظَّاهِرُ وَإِنْ تُرِكَ الْعَمَلُ بِهِ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ بِنَفْيِ شُبْهَةٍ فِيمَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك.\nوَالثَّانِي: أَنَّ الْقَوْمَ إنَّمَا جَاءُوا إلَى الْمُعَسْكَرِ لِلِاسْتِئْمَانِ لَا لِلْقِتَالِ فَإِنَّهُمْ جَاءُوا بِاعْتِبَارِ أَمَانِ الْأَسِيرِ إيَّاهُمْ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمَحْصُورَ إذَا جَاءَ عَلَى هَيْئَةٍ يُعْلَمُ أَنَّهُ تَارِكٌ لِلْقِتَالِ بِأَنْ أَلْقَى، السِّلَاحَ وَنَادَى بِالْأَمَانِ وَجَاءَ فَإِنَّهُ يَأْمَنُ الْقَتْلَ. فَهَؤُلَاءِ أَيْضًا يَأْمَنُونَ مِنْ الْقَتْلِ وَلَكِنَّهُمْ لَا يَأْمَنُونَ مِنْ الِاسْتِرْقَاقِ، فَنُخَمِّسُهُمْ وَنَقْسِمُهُمْ بَيْنَ الْغَانِمِينَ.\nوَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الَّذِي أَمَّنَهُمْ مُسْتَأْمَنًا فِيهِمْ، أَوْ كَانَ رَجُلًا مِنْهُمْ أَسْلَمَ فَالْمَعْنَى يَجْمَعُ الْكُلَّ.\n٨١١ - وَلَوْ أَمَّنَهُمْ مُسْلِمٌ مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ فَأَمَانُهُ جَائِزٌ.\nلِأَنَّهُ آمِنٌ مِنْهُمْ، مُمْتَنِعٌ فِي عَسْكَرِهِ فَأَمَانُهُ كَأَمَانِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ.\n٨١٢ - فَإِنْ لَمْ يَخْرُجُوا مِنْ حِصْنِهِمْ بَعْدَ نَبْذِ الْإِمَامِ إلَيْهِمْ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ كَمَا لَوْ كَانَ هُوَ الَّذِي أَمَّنَهُمْ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ رَأَى النَّظَرَ فِي قِتَالِهِمْ، فَإِنْ خَرَجُوا إلَى الْمُعَسْكَرِ وَقَالُوا: آمَنَنَا فُلَانٌ، لَمْ نُصَدِّقْهُمْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَشْهَدَ عَدْلَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.","vol":"1","page":522},{"text":"لِأَنَّهُمْ صَارُوا فَيْئًا بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ، وَقَدْ ادَّعَوْا مَا يُسْقِطُ حَقَّ الْمُسْلِمِينَ عَنْهُمْ فَلَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ (ص ١٧٥) عَدْلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ.\nوَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ ذَلِكَ الرَّجُلِ: إنِّي آمَنْتُهُمْ. لِأَنَّهُ يُخْبِرُ بِمَا لَا يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَهُ.\nوَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ هُوَ مَعَ رَجُلٍ آخَرَ.\nلِأَنَّهُ يَشْهَدُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ وَلَا شَهَادَةَ لِلْمَرْءِ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ\n٨١٣ - فَإِنْ شَهِدَ عَدْلَانِ سَوَاء وَجَبَ تَبْلِيغُهُمْ مَأْمَنَهُمْ.\nلِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ مُعَايَنَةً.\n٨١٤ - وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ بَيِّنَةٌ إلَّا قَوْلُ ذَلِكَ الرَّجُلِ، كَانُوا فَيْئًا، إلَّا أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ رِجَالُهُمْ اسْتِحْسَانًا لِلشُّبْهَةِ الَّتِي تَمَكَّنَتْ فَإِنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ أَخْبَرَ بِحُرْمَةِ قَتْلِهِمْ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ لِلصِّدْقِ، وَحُرْمَةُ الْقَتْلِ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ؛ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ فِي أَمْرِ الدِّينِ حُجَّةٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً فِي إلْزَامِ الْحُكْمِ. فَلِهَذَا لَا يُقْتَلُونَ.\n٨١٥ - وَلَوْ كَانَ الْمُسْلِمُ آمَنَهُمْ عَلَى أَلْفِ دِينَارٍ أَخَذَهَا مِنْهُمْ ثُمَّ عَلِمَ بِذَلِكَ الْإِمَامُ وَهُمْ فِي حِصْنِهِمْ فَهُوَ بِالْخِيَارِ.","vol":"1","page":523},{"text":"إنْ شَاءَ أَجَازَ أَمَانَهُ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُمْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، وَأَخَذَ الدَّنَانِيرَ، فَكَانَتْ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ.\nلِأَنَّ الْإِمَامَ لَوْ رَأَى النَّظَرَ فِي إنْشَاءِ الْأَمَانِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ كَانَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ، فَكَذَلِكَ إذَا رَأَى النَّظَرَ فِي أَنْ يُجِيزَ أَمَانَ غَيْرِهِ.\nثُمَّ الْمَالُ مَأْخُوذٌ بِقُوَّةِ الْعَسْكَرِ فَيَكُونُ فَيْئًا لَهُمْ.\nوَإِنْ شَاءَ رَدَّ عَلَيْهِمْ الدَّنَانِيرَ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الْغَدْرِ ثُمَّ نَبَذَ إلَيْهِمْ وَقَاتَلَهُمْ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ آمَنَهُمْ بِنَفْسِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ.\n- وَإِنْ كَانُوا دَخَلُوا عَسْكَرَ الْمُسْلِمِينَ حِينَ صَالَحَهُمْ الرَّجُلُ أَوْ خَرَّبُوا حِصْنَهُمْ فَإِنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْخُذَ أَلْفَ دِينَارٍ فَيَجْعَلَهَا فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ.\n\nلِأَنَّ مَعْنَى النَّظَرِ هَهُنَا مُتَعَيَّنٌ فِي إجَازَةِ ذَلِكَ الصُّلْحِ\n، فَإِنَّهُمْ آمِنُونَ فِي الْعَسْكَرِ وَلَا سَبِيلَ لِلْإِمَامِ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُبْلِغَهُمْ مَأْمَنَهُمْ وَإِنْ رَدَّ الدَّنَانِيرَ عَلَيْهِمْ.\nفَعَرَفْنَا أَنَّ فِي أَخْذِ الدَّنَانِيرِ مَنْفَعَةً لِلْمُسْلِمِينَ\n. وَهُوَ نَظِيرُ الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ يُؤَاجِرُ نَفْسَهُ وَيَسْلَمُ مِنْ الْعَمَلِ.\n٨١٧ - وَإِذَا قَسَمَ الدَّنَانِيرَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ قَالَ لَهُمْ: الْحَقُوا حَيْثُ شِئْتُمْ مِنْ بِلَادِ أَهْلِ الْحَرْبِ. وَلَا يَعْرِضُ لَهُمْ حَتَّى يَبْلُغُوا مَأْمَنَهُمْ.\nفَيَتِمُّ بِهِ الْوَفَاءُ لِمَا شُرِطَ لَهُمْ فِي الصُّلْحِ.\n٨١٨ - وَإِذَا فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ الْحِصْنَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: إنِّي كُنْت","vol":"1","page":524},{"text":"صَالَحْت الْقَوْمَ قَبْلَ فَتْحِ الْحِصْنِ عَلَى هَذِهِ الْأَلْفِ دِينَارٍ.\nوَصَدَّقَهُ أَهْلُ الْحِصْنِ بِذَلِكَ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ خَيْرًا لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُصَدِّقَهُ صَدَّقَهُ وَأَخَذَ مِنْهُ الدَّنَانِيرَ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَلْحَقُوا بِمَأْمَنِهِمْ، وَإِنْ كَانَ خَيْرًا لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُكَذِّبَهُ كَذَّبَهُ وَلَمْ يَعْرِضْ لِلدَّنَانِيرِ وَجَعَلَهُمْ فَيْئًا. لِأَنَّهُ نُصِّبَ نَاظِرًا لِلْمُسْلِمِينَ.\nفَيَنْظُرُ مَا يَكُون أَنْفَعَ لِلْمُسْلِمِينَ فَيَعْمَلُ بِهِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ رَأَى النَّظَرَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ، كَانَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ. فَهَذَا مِثْلُهُ.\nإلَّا أَنَّهُ لَا يَقْتُلُ رِجَالَهُمْ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِلشُّبْهَةِ الَّتِي دَخَلَتْ بِإِخْبَارِ الرَّجُلِ أَنَّهُ آمَنَهُمْ.\n٨١٩ - وَإِنْ كَانَ حِينَ أَخْبَرَ الرَّجُلُ بِهَذَا كَانُوا مُمْتَنِعِينَ فِي حِصْنِهِمْ فَهُمْ آمِنُونَ، وَالْإِمَامُ بِالْخِيَارِ. كَمَا بَيَّنَّا إذَا أَنْشَأَ لَهُمْ الْأَمَانَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. فَإِنَّ الْإِخْبَارَ بِهِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ بِمَنْزِلَةِ الْإِنْشَاءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":525},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>[بَابُ مَا يَكُونُ أَمَانًا وَمَا لَا يَكُونُ عَلَى شَرْطٍ يَشْتَرِطُهُ]</span>\nُ ٨٢٠ - وَإِذَا قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْمَحْصُورِينَ: آمِنُونِي حَتَّى أَنْزِلَ إلَيْكُمْ عَلَى أَنْ أَدُلَّكُمْ عَلَى مِائَةِ رَأْسٍ مِنْ السَّبْيِ فِي مَوْضِعٍ. فَآمَنُوهُ عَلَى ذَلِكَ. فَلَمَّا نَزَلَ أَتَى بِهِمْ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ فَإِذَا لَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ، فَقَالَ: قَدْ كَانُوا هَا هُنَا، فَذَهَبُوا، وَلَا أَدْرَى أَيْنَ ذَهَبُوا. (ص ١٧٦) فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرُدُّوهُ إلَى مَأْمَنِهِ إنْ لَمْ يَفْتَحُوا الْحِصْنَ. فَإِنْ افْتَتَحُوا الْحِصْنَ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُبْلِغُوهُ مَأْمَنَهُ مِنْ أَرْضِ الْحَرْبِ.\nلِأَنَّهُ حَصَّلَ أَمْنًا فِي الْمُعَسْكَرِ. فَإِنَّ الْأَمَانَ شَرْطٌ يَثْبُتُ بِوُجُودِ الْقَبُولِ وَلَا يَتَأَخَّرُ إلَى أَدَاءِ الْمَقْبُولِ. بِمَنْزِلَةِ الْعِتْقِ بِجُعْلٍ فَإِنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَ إلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَقَبِلَ كَانَ الْعِتْقُ وَاقِعًا. وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ. ٨٢١ - فَهَاهُنَا الْأَمَانُ يَثْبُتُ لَهُ أَيْضًا إذَا نَزَلَ عَنْ مَنَعَتِهِ. عَلَى أَنْ","vol":"1","page":526},{"text":"يَدُلَّ. فَسَوَاءٌ وَفَّى بِمَا قَالَ أَوْ لَمْ يَفِ كَانَ هُوَ فِي أَمَانٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَيُبْلِغُوهُ مَأْمَنَهُ.\nفَإِنْ قَالَ الْمُسْلِمُونَ: إنَّمَا آمَنَّاهُ عَلَى أَنْ يَدُلَّنَا وَلَمْ يَفِ بِالشَّرْطِ، قِيلَ لَهُمْ: إنَّهُ لَمْ يَقُلْ لَكُمْ إنِّي إنْ لَمْ أَدُلَّكُمْ فَلَا أَمَانَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ.\nوَهَذَا تَنْصِيصٌ مِنْ مُحَمَّدٍ. - ﵀ - عَلَى أَنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَنَا. وَقَدْ حَكَاهُ الْكَرْخِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - ﵀ - فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾ [النور: ٨] أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابُ إنْ لَمْ تَشْهَدْ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ [النساء: ٢٥] .\nوَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا إذَا أَتَتْ بِالْفَاحِشَةِ وَلَمْ تُحْصَنْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا ذَلِكَ الْعَذَابُ. وَهَذَا لِأَنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ كَمَفْهُومِ الصِّفَةِ. وَذَلِكَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَبَنَاتِ خَالِك وَبَنَاتِ خَالَاتِك اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَك﴾ [الأحزاب: ٥٠] ثُمَّ لَمْ يَدُلَّ عَلَى حُرْمَةِ اللَّاتِي لَمْ يُهَاجِرْنَ مَعَهُ وَقَالَ: تَعَالَى ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦] وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ الظُّلْمِ فِي غَيْرِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ. فَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: آمَنَّاك عَلَى أَنْ تَدُلَّنَا لَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ لَا أَمَانَ لَك إنْ لَمْ تَدُلَّنَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ، وَالْمُحْتَمَلُ لَا يُعَارِضُ الْمَنْصُوصَ وَلَا يَدْفَعُ حُكْمَهُ، إلَّا أَنْ يَنُصَّ فَيَقُولُ: عَلَى أَنَّى إنْ لَمْ أَدُلَّكُمْ عَلَيْهِمْ فَلَا أَمَانَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ. فَحِينَئِذٍ هَذَا نَصٌّ يَصْلُحُ مُعَارِضًا لِذَلِكَ النَّصِّ.\nوَفِي النَّبْذِ حِلُّ الْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ وَذَلِكَ مِنْ بَابِ الْإِطْلَاقِ يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ","vol":"1","page":527},{"text":"بِالشَّرْطِ، فَإِذَا لَمْ يَدُلَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَمَانٌ، وَلِلْإِمَامِ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ قَتَلَهُ وَإِنْ شَاءَ جَعَلَهُ فَيْئًا.\nوَنَظِيرُ هَذَا مَا لَوْ كَفَلَ بِنَفْسِ رَجُلٍ إلَى شَهْرٍ لَمْ يَبْرَأْ بِمُضِيِّ الشَّهْرِ مَا لَمْ يُسَلِّمْ نَفْسَ الْخَصْمِ إلَيْهِ. وَإِنْ قَالَ: عَلَى أَنَّى بَرِيءٌ مِنْ الْكَفَالَةِ بَعْدَ شَهْرٍ كَانَ عَلَى مَا قَالَ.\n٨٢٢ - وَلَوْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ أَسِيرًا فِي أَيْدِينَا وَقَالَ: تُؤَمِّنُونِي عَلَى أَنْ أَدُلَّكُمْ عَلَى مِائَةِ رَأْسٍ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، ثُمَّ لَمْ يَدُلَّهُمْ، فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ.\nلِأَنَّهُ صَارَ مَقْهُورًا فِي أَيْدِينَا، وَحَلَّ لِلْإِمَامِ قَتْلُهُ وَاسْتِرْقَاقُهُ. وَإِنَّمَا عَلَّقَ عَلَى إزَالَةِ ذَلِكَ عَنْهُ بِالدَّلَالَةِ وَلَمْ يَفْعَلْ.\nفَفِي الْأَوَّلِ كَانَ فِي مَنَعَتِهِ، وَإِنْ كَانَ مَحْصُورًا فَإِنَّمَا نَزَلَ عَلَى أَمَانٍ فَأَخَذَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْتَزَمَ لَهُمْ بِمُقَابَلَةِ ذَلِكَ دَلَالَةً فِيهَا مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ. فَإِذَا لَمْ يَفِ بِمَا الْتَزَمَ كَانَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُبْلِغَهُ مَأْمَنَهُ، وَفِي الْحَقِيقَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ. فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَدُلَّ عَادَ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ هَذَا الِالْتِزَامِ فِي الْوَجْهَيْنِ، إلَّا أَنَّ هَذَا الْأَسِيرَ، قَبْلَ هَذَا الِالْتِزَامِ، كَانَ مُبَاحَ الْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ فِي أَيْدِينَا، فَيَعُودُ كَمَا كَانَ. وَالْمَحْصُورُ قَبْلَ هَذَا الِالْتِزَامِ كَانَ فِي مَنَعَتِهِ، فَإِذَا لَمْ يَفِ بِمَا الْتَزَمَ وَجَبَتْ إعَادَتُهُ إلَى مَنَعَتِهِ كَمَا كَانَ.\n٨٢٣ - وَإِنْ كَانَ الْمَحْصُورُ قَالَ: إنِّي إنْ لَمْ أَدُلَّكُمْ كُنْت لَكُمْ فَيْئًا. أَوْ قَالَ: رَقِيقًا، وَلَمْ يَفِ بِالشَّرْطِ. فَهُوَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ. لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقُلْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ كَانَ آمِنًا مِنْ الْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ (ص ١٦٧) وَإِنْ لَمْ يَفِ بِالشَّرْطِ. فَهَذِهِ الزِّيَادَةُ دَلِيلٌ مُعَارِضٌ الْكَلَامَ الْأَوَّلَ فِي رَفْعِ","vol":"1","page":528},{"text":"حُكْمِهِ. وَإِنَّمَا يَعْمَلُ الْمُعَارِضُ حَسَبَ الدَّلِيلِ. وَلِأَنَّهُ شَرَطَ إزَالَةِ ذَلِكَ الْأَمَانِ فِي حُكْمِ الِاسْتِرْقَاقِ خَاصَّةً دُونَ الْقَتْلِ، وَفِي هَذَا الشَّرْطِ مَنْفَعَةٌ، فَيَجِبُ مُرَاعَاتُهَا.\n٨٢٤ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: عَلَى أَنِّي إنْ لَمْ أَفِ كُنْت ذِمَّةً لَكُمْ. فَهُوَ كَمَا قَالَ. وَإِذَا لَمْ يَفِ بِالشَّرْطِ فَهُوَ ذِمَّةٌ لَا يَقْتُلُونَهُ وَلَا يَسْتَرِقُّونَهُ لِأَنَّ الْوَفَاءَ بِالشَّرْطِ وَاجِبٌ.\n٨٢٥ - وَلَوْ قَالَ آمِنُونَا حَتَّى يُفْتَحَ لَكُمْ الْحِصْنُ فَتَدْخُلُونَ، عَلَى أَنْ تَعْرِضُوا عَلَيْنَا الْإِسْلَامَ فَنُسْلِمَ. ثُمَّ أَبَوْا أَنْ يُسْلِمُوا، فَهُمْ آمِنُونَ. وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ حِصْنِهِمْ حَتَّى يَعُودُوا مُمْتَنِعِينَ كَمَا كَانُوا، ثُمَّ يَنْبِذُونَ إلَيْهِمْ.\nلِأَنَّهُمْ اسْتَفَادُوا الْأَمَانَ بِقَبُولِ الشَّرْطِ قَبْلَ الْوَفَاءِ بِهِ. ثُمَّ لَا يَبْطُلُ حُكْمُ الْأَمَانِ بِالِامْتِنَاعِ مِنْ الْوَفَاءِ بِمَا وُعِدُوا، وَبِحُكْمِ الْأَمَانِ يَجِبُ إعَادَتُهُمْ إلَى مَأْمَنِهِمْ، ثُمَّ النَّبْذُ إلَيْهِمْ.\n٨٢٦ - فَإِنْ شَرَطَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ: إِنَّكُمْ إنْ أَبَيْتُمْ الْإِسْلَامَ فَلَا أَمَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ فَرَضُوا بِذَلِكَ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا. فَلَا بَأْسَ بِاسْتِرْقَاقِهِمْ، وَقَتْلِ الْمُقَاتِلَةِ مِنْهُمْ إذَا أَبَوْا أَنْ يُسْلِمُوا. لِأَنَّ الشَّرْطَ هَكَذَا كَانَ، وَفِيمَا يَجْرِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الْوَاجِبُ الْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ فَقَطْ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنَيْ أَبِي الْحَقِيقِ حَيْثُ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ:","vol":"1","page":529},{"text":"وَبَرِئَتْ مِنْكُمْ الذِّمَّةُ إنْ كَتَمْتُمُونِي شَيْئًا» .\nفَقَبِلُوا ذَلِكَ. ثُمَّ ظَهَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَاسْتَخَارَ قَتْلَهُمْ وَاسْتِرْقَاقَهُمْ.\nوَقَدْ بَيَّنَّا قِصَّةَ ذَلِكَ.\nوَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ بَعْدَ وَقْعَةِ أُحُدٍ حِينَ رَجَعَ الْجَيْشُ ضَلَّ الطَّرِيقَ، فَدَخَلَ الْمَدِينَةَ، وَجَاءَ إلَى بَيْتِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - ﵁ - سِرًّا وَكَانَ بَيْنَهُمَا قَرَابَةٌ. فَأَتَى عُثْمَانُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَسَأَلَ لَهُ الْأَمَانَ. فَقَالَ: قَدْ آمَنَّاهُ عَلَى أَنَّا إنْ أَدْرَكْنَاهُ بَعْدَ ثَالِثَةٍ فَقَدْ حَلَّ دَمُهُ فَخَرَجَ الرَّجُلُ. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: اُطْلُبُوهُ، فَإِنَّى أَرْجُو أَنْ تَجِدُوهُ. فَوَجَدُوهُ بَعْدَ ثَالِثَةٍ، قَدْ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّوْمَ. فَأُخِذَ فَقُتِلَ»\nفَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الشَّرْطَ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ فِي الْأَمَانِ مُعْتَبَرٌ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى النَّبْذِ وَإِبَاحَةِ الْقَتْلِ.\n٨٢٧ - وَلَوْ أَسْلَمَ بَعْضُهُمْ وَأَبَى الْبَعْضُ كَانَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ حُرًّا لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ، وَمَنْ أَبَى الْإِسْلَامَ فَهُوَ فَيْءٌ اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ.\nوَهَذَا لِأَنَّ الْجَمِيعَ الْمُضَافَ إلَى جَمَاعَةٍ يَتَنَاوَلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى الِانْفِرَادِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ [نوح: ٧] فَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ شَرَطْنَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: إنَّك إنْ أَبَيْت الْإِسْلَامَ فَلَا أَمَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَك.\n٨٢٨ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ وَاحِدًا مِنْ الْمَحْصُورِينَ قَالَ: آمِنُونِي عَلَى أَنْ أَنْزِلَ إلَيْكُمْ فَأُسْلِمَ. ثُمَّ أَبَى أَنْ يُسْلِمَ يُرَدُّ إلَى حِصْنِهِ.","vol":"1","page":530},{"text":"لِأَنَّهُ آمِنٌ عِنْدَنَا، وَفِي مِثْلِ حَالِهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦]\n٨٢٩ - وَإِنْ شَرَطُوا عَلَيْهِ: إنَّك إنْ أَبَيْت الْإِسْلَامَ فَلَا أَمَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَك، ثُمَّ أَبَى الْإِسْلَامَ. فَهُوَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ.\nلِأَنَّ الشَّرْطَ هَكَذَا جَرَى بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ.\n٨٣٠ - فَإِنْ جَعَلَهُ الْإِمَامُ فَيْئًا بَعْدَ مَا عَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ فَأَبَى، ثُمَّ أَسْلَمَ، لَمْ يَقْبَلْهُ بَعْدَ إسْلَامِهِ وَلَكِنَّهُ يَجْعَلُهُ فَيْئًا.\nلِأَنَّ حُكْمَ ذَلِكَ الْأَمَانِ انْتَهَى حِينَ أَبَى الْإِسْلَامَ بَعْدَ مَا عَرَضَ عَلَيْهِ، وَيَبْقَى هُوَ أَسِيرًا فِي أَيْدِينَا.\n٨٣١ - فَإِذَا أَسْلَمَ لَمْ يُقْتَلْ وَكَانَ فَيْئًا، وَهَذَا إذَا حُكِمَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ فَيْءٌ بَعْدَ مَا أَبَى الْإِسْلَامَ.\n٨٣٢ - فَإِنْ جَعَلَ الْإِمَامُ يَدْعُوهُ إلَى الْإِسْلَامِ وَهُوَ يَأْبَى إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِ (ص ١٧٨) بِأَنَّهُ فَيْءٌ حِينَ أَسْلَمَ فَفِي الْقِيَاسِ هُوَ فَيْءٌ. لِأَنَّ شَرْطَ انْتِبَاذِ الْأَمَانِ قَدْ تَحَقَّقَ بِإِبَائِهِ الْإِسْلَامَ. وَالْمُتَعَلِّقُ بِالشَّرْطِ يَثْبُتُ بِوُجُودِ الشَّرْطِ، وَبِمَنْزِلَةِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ إذَا عُلِّقَ بِالشَّرْطِ.\nوَفِي الِاسْتِحْسَانِ هُوَ حُرٌّ مُسْلِمٌ.\nلِأَنَّ الْإِبَاءَ مُتَرَدِّدٌ مُحْتَمَلٌ فِيهِ يَكُونُ لِكَرَاهَةِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ إبَاءٌ حَقِيقَةً.","vol":"1","page":531},{"text":"وَقَدْ يَكُونُ لِلتَّأَمُّلِ فِيهِ إلَى أَنْ تَزُولَ الشُّبْهَةُ عَنْ قَلْبِهِ فَلَا تُعَيَّنُ جِهَةُ الْإِبَاءِ إلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ فِي دَارِنَا فَإِنَّ الْفُرْقَةَ تَتَوَقَّفُ عَلَى إبَاءِ الْآخَرِ الْإِسْلَامَ. ثُمَّ لَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي، وَكَذَلِكَ النُّكُولُ فِي بَابِ الْأَمْوَالِ بِمَنْزِلَةِ الْإِقْرَارِ شَرْعًا، وَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي.\n٨٣٣ - وَلَوْ لَمْ يَأْبَ الْإِسْلَامَ وَلَكِنْ قَالَ: دَعُونِي حَتَّى أَنْظُرَ فِي أَمْرِي، فَإِنَّ الْإِمَامَ يُؤَجِّلُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ.\nلِأَنَّ التَّأَمُّلَ وَإِزَالَةَ الشُّبْهَةِ يَحْتَاجُ إلَى مُدَّةٍ، فَإِذَا طَلَبَ ذَلِكَ مِنْ الْإِمَامِ أَجَّلَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. فَإِنَّهَا مُدَّةٌ تَامَّةٌ لِلنَّظَرِ بِدَلِيلِ خِيَارِ الشَّرْطِ.\nوَالْأَصْلُ فِيهِ الْمُرْتَدُّ، فَإِنَّهُ إذَا اسْتَمْهَلَ النَّظَرَ فِي أَمْرِهِ أَمْهَلَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَرَدَ بِهِ حَدِيثٌ عَنْ عُمَرَ حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ قِبَلِ أَبِي مُوسَى فَسَأَلَهُ عَنْ النَّاسِ فَأَخْبَرَهُ، ثُمَّ قَالَ: هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ مُغْرِبَةِ خَبَرٍ - يَعْنِي: أَمْرٌ حَادِثٌ وَخَبَرٌ غَرِيبٌ - فَقَالَ: نَعَمْ رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إسْلَامِهِ. فَقَالَ: مَاذَا فَعَلْتُمْ بِهِ؟ فَقَالَ: قَرَّبْنَاهُ فَضَرَبْنَا عُنُقَهُ. قَالَ: فَهَلَّا طَيَّنْتُمْ عَلَيْهِ بَيْتًا ثَلَاثًا وَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا وَأَسْقَيْتُمُوهُ، فَلَعَلَّهُ أَنْ يَتُوبَ وَيُرَاجِعَ أَمْرَ اللَّهِ اللَّهُمَّ إنِّي لَمْ أَحْضُرْ، وَلَمْ آمُرْ، وَلَمْ أَرْضَ إذْ بَلَغَنِي","vol":"1","page":532},{"text":"وَبِظَاهِرِهِ يَأْخُذُ الشَّافِعِيُّ، - ﵀ -، وَيَقُولُ: يَجِبُ تَأْجِيلُهُ شَرْعًا، طَلَبَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَطْلُبْهُ. فَتَأْوِيلُهُ عِنْدَنَا أَنَّهُ كَانَ اسْتَمْهَلَهُمْ فَأَبَوْا، فَلِهَذَا أَنْكَرَهُ عُمَرُ - ﵁ -.\nوَإِذَا كَانَ الْمُرْتَدُّ الَّذِي وَقَفَ عَلَى مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ يُؤَجَّلُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَهَذَا الَّذِي لَمْ يَقِفْ عَلَيْهَا أَصْلًا أَحْرَى أَنْ يُؤَجَّلَ.\n٨٣٤ - فَإِنْ سَكَتَ حِينَ عُرِضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ وَلَمْ يُجِبْ بِقَبُولٍ أَوْ بِرَدٍّ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَيُخْبِرُهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ أَنَّهُ إنْ لَمْ يُجِبْهُ حَكَمَ عَلَيْهِ أَنَّهُ فَيْءٌ.\nوَهَذَا لِأَنَّ سُكُوتَهُ إبَاءٌ مِنْهُ لِلْإِسْلَامِ. إلَّا أَنَّهُ مُحْتَمَلٌ فِي نَفْسِهِ فَيُكَرِّرُ عَلَيْهِ الْعَرْضَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لِإِبْلَاءِ الْعُذْرِ، وَيُخْبِرُهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْذَارِ. فَإِنْ أَبَى حَكَمَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ فَيْءٌ. وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْخَصْمِ إذَا سَكَتَ عَنْ الْجَوَابِ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي جَعَلَهُ مُنْكِرًا، وَإِذَا سَكَتَ عَنْ الْيَمِينِ بَعْدَ مَا طُلِبَ مِنْهُ جَعَلَهُ نَاكِلًا، وَعَرَضَ عَلَيْهِ الْيَمِينَ ثَلَاثًا وَأَخْبَرَهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ أَنَّهُ يَحْكُمُ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَحْلِفْ، ثُمَّ يَحْكُمُ بَعْدَ الثَّالِثَةِ.\n٨٣٥ - وَلَوْ كَانَ قَالَ حِينَ أَرَادَ النُّزُولَ: آمِنُونِي عَلَى أَنْ تَعْرِضُوا عَلَيَّ الْإِسْلَامَ. فَإِنْ أَسْلَمْت فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَإِلَّا فَلَا أَمَانَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ. ثُمَّ عَرَضُوا عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ، فَلَهُ مُهْلَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا مِنْ حِينِ عَرَضُوا عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ.\nلِأَنَّهُ شَرَطَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ. فَإِنَّهُ بَيَّنَ أَنَّهُ يُسْلِمُ بَعْدَ مَا يُعْرَضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ","vol":"1","page":533},{"text":"وَاسْتَمْهَلَ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. فَعَرَفْنَا أَنَّ ابْتِدَاءَ الْمُدَّةِ مِنْ سَاعَةِ الْعَرْضِ. وَذِكْرُ أَحَدِ الْعَدَدَيْنِ مِنْ الْإِيَامِ وَاللَّيَالِي بِعِبَارَةِ الْجَمْعِ يَقْتَضِي دُخُولَ مَا بِإِزَائِهِ مِنْ الْعَدَدِ الْآخَرِ.\n٨٣٦ - فَإِنْ مَضَتْ الْمُدَّةُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ كَانَ فَيْئًا، وَلَا حَاجَةَ إلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ. لِأَنَّ الشَّرْطَ هَكَذَا جَرَى. فَاشْتِرَاطُ الْحُكْمِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لِيَتَمَيَّزَ بِهِ التَّأَمُّلُ مِنْ الْإِبَاءِ، وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ بِالْمُدَّةِ هُنَا. ثُمَّ التَّوْقِيتُ نَصًّا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ لِمَا بَعْدَ مُضِيِّ الْوَقْتِ حُكْمُ مَا قَبْلَهُ، كَمَا فِي الْإِجَارَةِ.\n٨٣٧ - وَإِنْ كَانَ لَمْ يَقُلْ: وَإِلَّا فَلَا أَمَانَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَإِنَّهُ يُرَدُّ إلَى مَأْمَنِهِ بَعْدَ مُضِيِّ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. (ص ١٧٩) .\nلِأَنَّ مُدَّةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ شَرَطَهُ لِلتَّرَوِّي وَالنَّظَرِ لَا لِلْأَمَانِ. فَبَعْدَ مُضِيِّهَا يَتَحَقَّقُ الْإِبَاءُ. وَلَكِنَّهُ أَمِنَ حِينَ لَمْ يُشْتَرَطْ عَلَيْهِ نَبْذُ الْأَمَانِ بَعْدَ الْإِبَاءِ، فَيَجِبُ تَبْلِيغُهُ مَأْمَنَهُ مِنْ حِصْنِهِ.\n٨٣٨ - وَإِنْ كَانُوا قَدْ افْتَتَحُوا حِصْنَهُ، بَلَّغُوا أَدْنَى مَأْمَنٍ لَهُ مِنْ أَرْضِ الْحَرْبِ. ثُمَّ حَلَّ قِتَالُهُ.\n٨٣٩ - وَإِنْ كَانَ قَالَ: فَإِنْ أَسْلَمْت فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ","vol":"1","page":534},{"text":"وَإِلَّا كُنْت عَبْدًا لَكُمْ. فَإِنْ أَسْلَمَ فَهُوَ حُرٌّ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ، وَإِنْ مَضَتْ الْمُدَّةُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ كَانَ فَيْئًا يُقَسَّمُ مَعَ الْغَنِيمَةِ وَلَا يُقْتَلُ. لِأَنَّ الشَّرْطَ هَكَذَا كَانَ.\n٨٤٠ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: وَإِلَّا كُنْت ذِمَّةً لَكُمْ، أَوْ قَالَ ذَلِكَ جَمِيعُ أَهْلِ الْحِصْنِ، ثُمَّ مَضَتْ الْمُدَّةُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا، فَهُمْ ذِمَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ.\nكَمَا الْتَزَمُوهُ بِالشَّرْطِ.\n٨٤١ - وَلَوْ قَالَ الْمَحْصُورُ لِلْمُسْلِمِينَ: تُؤَمِّنُونِي عَلَى أَنْ أَنْزِلَ إلَيْكُمْ فَأَدُلَّكُمْ عَلَى قَرْيَةٍ فِيهَا مِائَةُ رَأْسٍ. فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: إنْ دَلَلْتنَا عَلَى قَرْيَةٍ فِيهَا مِائَةُ رَأْسٍ فَأَنْتَ آمِنٌ، وَرَضِيَ بِذَلِكَ وَنَزَلَ. ثُمَّ جَاءَ بِهِمْ إلَى قَرْيَةٍ لَا شَيْءَ فِيهَا. فَقَالَ: قَدْ كَانُوا هُنَا وَذَهَبُوا. فَهُوَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ: رُدُّونِي إلَى مَأْمَنِي بِخِلَافِ مَا سَبَقَ. لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ عَلَّقُوا الْأَمَانَ لَهُ بِالشَّرْطِ، وَهُوَ الدَّلَالَةُ، وَالْمُتَعَلِّقُ بِالشَّرْطِ مَعْدُومٌ قَبْلَ الشَّرْطِ، وَفِي الْأَوَّلِ أَوْجَبُوا لَهُ الْأَمَانَ عَلَى أَنْ يَدُلَّ، وَقَدْ قَبِلَ ذَلِكَ. فَيَكُونُ آمِنًا دَلَّ أَوْ لَمْ يَدُلَّ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ إنْ أَدَّيْت إلَيَّ أَلْفًا فَأَنْتَ حُرٌّ. فَقَبِلَ ذَلِكَ. فَإِنَّهُ لَا يَعْتِقُ مَا لَمْ يُؤَدِّ. وَلَوْ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي أَلْفَ دِرْهَمٍ. فَقَبِلَ فَهُوَ حُرٌّ، أَدَّى أَوْ لَمْ يُؤَدِّ. فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.","vol":"1","page":535},{"text":"وَكَذَلِكَ لَوْ قَالُوا لَهُ: إنْ نَزَلْت وَأَسْلَمْت فَأَنْتَ آمِنٌ ثُمَّ نَزَلَ وَلَمْ يُسْلِمْ فَهُوَ فَيْءٌ.\nلِأَنَّ قَوْلَهُمْ فَأَسْلَمْت مَعْطُوفٌ عَلَى الشَّرْطِ، فَيَكُونُ شَرْطًا. وَإِنَّمَا عَلَّقُوا أَمَانَهُ بِشَرْطِ أَنْ يُسْلِمَ. فَإِذَا لَمْ يُسْلِمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَمَانٌ.\n٨٤٣ - وَإِذَا قَالُوا: أَنْتَ آمِنٌ عَلَى أَنْ تَنْزِلَ فَتُسْلِمَ. فَهُوَ آمِنٌ بَعْدَ النُّزُولِ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ. فَيَجِبُ أَنْ تُبْلِغَهُ مَأْمَنَهُ وَإِنْ أَبَى الْإِسْلَامَ. وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالُوا: أَنْتَ آمِنٌ عَلَى أَنْ تَنْزِلَ فَتُعْطِيَنَا مِائَةَ دِينَارٍ، فَقَبِلَ ذَلِكَ وَنَزَلَ، ثُمَّ أَبَى أَنْ يُعْطِيَ الدَّنَانِيرَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ آمِنًا.\nبِخِلَافِ مَا لَوْ قَالُوا: إنْ نَزَلْت فَأَعْطَيْتنَا مِائَةَ دِينَارٍ فَأَنْتَ آمِنٌ.\nلِأَنَّ هُنَا الْأَمَانَ مُعَلَّقٌ بِشَرْطِ أَدَاءِ الدَّنَانِيرِ. وَفِي الْأَوَّلِ بِشَرْطِ أَدَاءِ الْقَبُولِ.\n٨٤٤ - فَإِذَا نَزَلَ وَقَبِلَ، كَانَ آمِنًا وَكَانَتْ الدَّنَانِيرُ عَلَيْهِ.\n- فَإِذَا أَبَى أَنْ يُعْطِيَهَا أَوْ قَالَ: لَيْسَتْ عِنْدِي، حُبِسَ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا وَلَا يَكُونُ فَيْئًا لِأَجْلِ الْأَمَانِ الثَّابِتِ لَهُ. فَمَتَى مَا أَعْطَى الدَّنَانِيرَ وَجَبَ تَخْلِيَةُ سَبِيلِهِ، حَتَّى يَلْحَقَ بِمَأْمَنِهِ.\n- وَإِنْ أَبَى أَنْ يُعْطِيَهُ حَتَّى يُخْرِجَهُ الْإِمَامُ مَعَ نَفْسِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ أَعْطَاهَا يُخَلِّي سَبِيلَهُ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى مَأْمَنِهِ.","vol":"1","page":536},{"text":"لِأَنَّهُ فِي أَمَانٍ، وَقَدْ كَانَ مَحْبُوسًا فِي دَيْنٍ عَلَيْهِ، فَإِذَا قَضَى الدَّيْنَ لَمْ يَبْقَ لَنَا عَلَيْهِ سَبِيلٌ.\n٨٤٦ - وَإِنْ طَالَ مُكْثُهُ فِي دَارِنَا وَلَمْ يُعْطِ الدَّنَانِيرَ جَعَلَهُ الْإِمَامُ ذِمَّةً.\nلِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إطَالَةِ الْمُقَامِ فِي دَارِنَا بِدُونِ صَغَارِ الْجِزْيَةِ، وَلِأَنَّهُ اُحْتُبِسَ عِنْدَنَا إلَى أَدَاءِ الدَّنَانِيرِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ عَنْهُ أَوْ عَاجِزٌ عَنْ الْأَدَاءِ. وَالْكَافِرُ إذَا اُحْتُبِسَ فِي دَارِنَا تُضْرَبُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ، بِمَنْزِلَةِ الرَّهْنِ.\n٨٤٧ - فَإِذَا جَعَلَهُ الْإِمَامُ ذِمَّةً أَخْرَجَهُ مِنْ الْحَبْسِ وَأَبْطَلَ عَنْهُ الدَّنَانِيرَ.\nلِأَنَّ تِلْكَ الدَّنَانِيرَ كَانَ الْتَزَمَهَا عِوَضًا عَنْ أَمَانِ نَفْسِهِ، أَوْ كَانَ قَدْ افْتَدَى بِهَا نَفْسَهُ لِيَلْحَقَ بِمَأْمَنِهِ. فَإِذَا كَانَ الْأَمَانُ (ص ١٨٠) فَقَدْ اسْتَفَادَ ذَلِكَ بِأَقْوَى السَّبَبَيْنِ وَهُوَ عَقْدُ الذِّمَّةِ أَوْ الْإِسْلَامِ.\nإنْ أَسْلَمَ فَيَسْقُطُ عَنْهُ أَدَاؤُهَا، بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ إذَا أَعْتَقَهُ الْمَوْلَى، أَوْ أُمِّ الْوَلَدِ إذَا أُعْتِقَتْ بِمَوْتِ الْمَوْلَى وَهِيَ مُكَاتَبَةٌ، يَسْقُطُ بَدَلُ الْكِتَابَةِ لِوُقُوعِ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ أَدَائِهَا.\nوَإِنْ كَانَ فِدَاءً فَقَدْ انْعَدَمَ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ كَانَ يَفْدِي بِهَا نَفْسَهُ؛ لِأَنَّهُ حِينَ أَسْلَمَ أَوْ صَارَ ذِمِّيًّا فَقَدْ صَارَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا مَمْنُوعًا مِنْ الرُّجُوعِ إلَى","vol":"1","page":537},{"text":"دَارِ الْحَرْبِ، وَإِنْ أَعْطَى الدَّنَانِيرَ كَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَفْدِي بِهَا نَفْسَهُ لِيَلْحَقَ بِمَأْمَنِهِ.\nفَإِنْ قِيلَ: لِمَاذَا لَمْ يُجْعَلْ الْمَالُ عَلَيْهِ عِوَضًا عَنْ رَقَبَتِهِ، حَتَّى يُطَالَبَ بِهِ بَعْدَ عَقْدِ الذِّمَّةِ بِسَلَامَةِ رَقَبَتِهِ لَهُ؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَبْدًا لِلْمُسْلِمِينَ قَطُّ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْمَالُ عِوَضًا عَنْ رَقَبَتِهِ إذَا كَانَ عَبْدًا فِي وَقْتٍ، فَعَتَقَ بِذَلِكَ الْمَالِ.\n٨٤٨ - وَكَذَلِكَ لَوْ صَالَحُوهُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُمْ، رَأْسًا، فَعَلَيْهِ رَأْسٌ وَسَطٌ أَوْ قِيمَتُهُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ.\nلِأَنَّ مَا يَلْزَمُهُ بِطَرِيقِ الْفِدَاءِ لَا يَكُونُ عِوَضًا عَنْ مَالٍ. وَالرَّأْسُ الْمُطْلَقُ فِي مِثْلِهِ يَثْبُتُ مُقَيَّدًا بِالْوَسَطِ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الْقِيمَةِ وَالْعَيْنِ، كَمَا فِي بَدَلِ الْخُلْعِ، وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ.\n٨٤٩ - فَإِذَا أَعْطَى مَا الْتَزَمَ وَلَمْ يُفْتَحْ حِصْنُهُ بَعْدُ، فَأَرَادَ أَنْ يَذْهَبَ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ، لَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ. وَلَهُ أَنْ يَذْهَبَ حَيْثُ شَاءَ مِنْ أَرْضِ الْحَرْبِ.\nلِأَنَّا عَرَفْنَا أَنَّهُ نَزَلَ مِنْ الْحِصْنِ وَفَدَى نَفْسَهُ بِالْمَالِ لَا لِيَعُودَ إلَى الْحِصْنِ بَلْ لِيَأْمَنَ مِمَّا كَانَ خَائِفًا مِنْهُ فِي الْحِصْنِ. وَإِنَّمَا يَتِمُّ لَهُ ذَلِكَ إذَا تَمَكَّنَ مِنْ الذَّهَابِ إلَى حَيْثُ شَاءَ مِنْ أَرْضِ الْحَرْبِ.","vol":"1","page":538},{"text":"فَإِذَا بَلَغَ مَأْمَنَهُ مِنْهَا حَلَّ قِتَالُهُ. لِأَنَّ مَقْصُودَهُ قَدْ تَمَّ حِينَ وَصَلَ إلَى مَنَعَةٍ أُخْرَى، فَيَنْتَهِي الْأَمَانُ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ اشْتَرَطَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ آمِنٌ مِنْهُمْ حَتَّى يَخْرُجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، أَوْ كَذَا كَذَا شَهْرًا. فَحِينَئِذٍ يَجِبُ الْوَفَاءُ لَهُ بِذَلِكَ الشَّرْطِ.\nلِأَنَّا إنَّمَا نَجْعَلُ الْأَمَانَ مُنْتَهِيًا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ إذَا وَصَلَ إلَى مَأْمَنِهِ لِدَلَالَةِ الْحَالِ وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ خَائِفًا مَحْصُورًا، وَإِنَّمَا قَصَدَ إزَالَةَ ذَلِكَ الْخَوْفِ عَنْ نَفْسِهِ، وَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ دَلَالَةِ الْحَالِ إذَا جَاءَ التَّصْرِيحُ بِخِلَافِهَا.\n٨٥١ - وَإِذَا لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ، ثُمَّ اخْتَارَ الرُّجُوعَ إلَى حِصْنِهِ، فَرَجَعَ حَتَّى صَارَ فِيهِ مُمْتَنِعًا، فَقَدْ خَرَجَ مِنْ أَمَانِ الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا. لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَى مَنَعَتِهِ بِاخْتِيَارِهِ، وَذَلِكَ سَبَبٌ لِانْتِهَاءِ الْأَمَانِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ شَرَطَ أَنَّهُ آمِنٌ كَذَا كَذَا شَهْرًا. أَوْ حَتَّى يَنْصَرِفَ الْمُسْلِمُونَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَحِينَئِذٍ هُوَ آمِنٌ وَإِنْ دَخَلَ الْحِصْنَ لِبَقَاءِ مُدَّةِ الْأَمَانِ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ الْتَحَقَ بِمَنَعَةٍ أُخْرَى.","vol":"1","page":539},{"text":"فَإِنْ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْحِصْنِ.\nخَلَّوْا سَبِيلَهُ لِبَقَاءِ مُدَّةِ الْأَمَانِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَاتَلَ الْمُسْلِمِينَ حِينَ رَجَعَ إلَى الْحِصْنِ. فَحِينَئِذٍ يَكُونُ فَيْئًا.\nلِأَنَّهُ بِمُبَاشَرَةِ الْقِتَالِ فِي مَأْمَنِهِ يَصِيرُ نَاقِضًا لِلْأَمَانِ الَّذِي كَانَ مِنَّا وَلَا حُكْمَ لِلْأَمَانِ بَعْدَ النَّقْضِ فِي حُرْمَةِ الْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ.\n٨٥٣ - وَإِنْ قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: آمِنُونِي عَلَى أَنْ أَنْزِلَ إلَيْكُمْ فَأُعْطِيَكُمْ مِائَةَ دِينَارٍ، فَإِنْ لَمْ أُعْطِكُمْ فَلَا أَمَانَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ. أَوْ قَالَ: إنْ نَزَلْت إلَيْكُمْ فَأَعْطَيْتُكُمْ مِائَةَ دِينَارٍ فَأَنَا آمِنٌ. ثُمَّ نَزَلَ فَطَالَبُوهُ فَأَبَى أَنْ يُعْطِيَهُمْ. فَهُوَ فَيْءٌ فِي الْقِيَاسِ.\nلِوُجُودِ شَرْطِ انْتِبَاذِ الْأَمَانِ فِي أَحَدِ الْفَصْلَيْنِ، وَانْعِدَامِ شَرْطِ الْأَمَانِ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي (ص ١٨١) .\nوَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا يَكُونُ فَيْئًا حَتَّى يُرْفَعَ إلَى الْإِمَامِ فَيَأْمُرَهُ بِالْأَدَاءِ، وَإِنْ أَبَى حَكَمَ عَلَيْهِ بِأَنْ يَجْعَلَهُ فَيْئًا. لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ فِي امْتِنَاعِهِ مِنْ الْأَدَاءِ لِمَا طُلِبَ مِنْهُ احْتِمَالُ الْمَعَانِي. فَلَا تَتَعَيَّنُ جِهَةُ الْإِبَاءِ إلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ.\nأَرَأَيْت لَوْ قَالَ لَهُمْ: لَا أُعْطِيكُمْ وَإِنَّمَا أُعْطِي الْأَمِيرَ. أَوْ قَالَ: لَا أُعْطِيكُمْ إلَّا بِشُهُودٍ. أَكَانَ فَيْئًا بِهَذَا الِامْتِنَاعِ؟ لِيُعْلَمَ أَنَّ الْقَوْلَ بِالْقِيَاسِ فِي هَذَا قَبِيحٌ.","vol":"1","page":540},{"text":"وَلَوْ رَفَعُوهُ إلَى الْإِمَامِ فَقَالَ: هَاتِ الْمِائَةَ الدِّينَارِ: فَقَالَ: أَجِّلْنِي فِيهَا حَتَّى أَنْحَلَهَا لَهَا. فَلَا بَأْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُؤَجِّلَهُ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْقَدْرِ كَثِيرُ ضَرَرٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لَهُ، وَالْإِمَامُ مَأْمُورٌ بِالنَّظَرِ فِي كُلِّ جَانِبٍ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ لَزِمَهُ الدَّيْنُ إذَا اسْتَمْهَلَ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ الْمُدَّةِ أَمْهَلَهُ الْحَاكِمُ وَلَمْ يَحْبِسْهُ. فَهَذَا الَّذِي يَفْدِي نَفْسَهُ بِالْمَالِ أَوْلَى بِأَنْ يُمْهِلَهُ وَلَا يُعَجِّلَهُ.\n٨٥٥ - وَإِنْ كَانَ قَالَ: تُؤَمِّنُونِي عَلَى أَنْ أَنْزِلَ إلَيْكُمْ فَأُعْطِيَكُمْ رَأْسًا أَوْ مِائَةَ دِينَارٍ مَا بَيْنِي وَبَيْنَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَنَزَلَ فَهُوَ آمِنٌ: وَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِ حَتَّى يَمْضِيَ الْوَقْتُ.\nلِأَنَّهُ شَرَطَ هَذِهِ الْمُدَّةَ مُهْلَةً لِنَفْسِهِ. فَلَا يُحْبَسُ قَبْلَ مُضِيِّهَا، كَمَا لَا يُحْبَسُ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ.\n٨٥٦ - فَإِنْ مَضَتْ الْمُدَّةُ فَهُوَ آمِنٌ لِقَبُولِهِ وَلَكِنْ يُحْبَسُ حَتَّى يُؤَدِّيَ مَا الْتَزَمَ بِهِ، إلَّا أَنْ يُسْلِمَ أَوْ يَصِيرَ ذِمَّةً، فَحِينَئِذٍ يَبْطُلُ الْمَالُ عَنْهُ.\nلِمَا بَيَّنَّا مِنْ الطَّرِيقَيْنِ فِيهِ.","vol":"1","page":541},{"text":"وَلَوْ قَالَ: تُؤَمِّنُونِي عَلَى أَنْ أُعْطِيَكُمْ مِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَجَلِ كَذَا. فَإِنْ لَمْ أُعْطِكُمْ فَلَا أَمَانَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ. أَوْ قَالَ: إنْ أَعْطَيْتُكُمْ إلَى أَجَلِ كَذَا فَأَنَا آمِنٌ. ثُمَّ لَمْ يُعْطِهِمْ حَتَّى مَضَى الْأَجَلُ. فَهُوَ فَيْءٌ، وَلَا حَاجَةَ إلَى قَضَاءِ الْقَاضِي هَا هُنَا. لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِاشْتِرَاطِ الْوَقْتِ لِنَفْسِهِ، فَلَا يُزَادُ عَلَى الْوَقْتِ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ، وَلَوْ شَرَطْنَا قَضَاءَ الْقَاضِي بَعْدَ مُضِيِّ الْوَقْتِ كَانَ زِيَادَةً عَلَى الْوَقْتِ. وَالزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ فِي مَعْنَى النَّسْخِ.\n٨٥٨ - وَلَوْ كَانَ قَالَ: تُؤَمِّنُونِي عَلَى أَنْ أَنْزِلَ فَأَدُلَّكُمْ عَلَى قَرْيَةٍ فِيهَا مِائَةُ رَأْسٍ، عَلَى أَنِّي إنْ لَمْ أَدُلَّكُمْ فَلَا أَمَانَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ. ثُمَّ نَزَلَ فَدَلَّهُمْ عَلَى قَرْيَةٍ فِيهَا مِائَةُ رَأْسٍ قَدْ أَصَابَهَا الْمُسْلِمُونَ قَبْلَ هَذَا الْأَمَانِ أَوْ بَعْدَهُ، قَبْلَ نُزُولِهِ أَوْ بَعْدَ نُزُولِهِ، قَبْلَ أَنْ يَدُلَّهُمْ، فَلَيْسَتْ هَذِهِ بِدَلَالَةٍ. فَإِنْ دَلَّهُمْ عَلَى غَيْرِهَا وَإِلَّا كَانَ فَيْئًا.\nوَكَذَلِكَ لَوْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ بِهَا قَبْلَ دَلَالَتِهِ وَلَمْ يُصِيبُوهَا.\nلِأَنَّهُ الْتَزَمَ دَلَالَةً فِيهَا مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ إذَا دَلَّ عَلَى مَا كَانَ مَعْلُومًا لِلْمُسْلِمِينَ. وَلِأَنَّ الدَّلَالَةَ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ إذَا كَانَ التَّوَصُّلُ إلَى الْمَقْصُودِ بِتِلْكَ الدَّلَالَةِ، وَوُصُولُ الْمُسْلِمِينَ إلَى هَذِهِ الْقَرْيَةِ لَمْ يَكُنْ بِدَلَالَتِهِ حِينَ عَلِمُوا بِمَا قَبْلَ دَلَالَتِهِ، أَصَابُوهَا أَوْ لَمْ يُصِيبُوهَا.","vol":"1","page":542},{"text":"أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا دَلَّ عَلَى صَيْدٍ كَانَ الْمَدْلُولُ عَالِمًا بِمَكَانِهِ لَمْ يَكُنْ مُلْتَزِمًا لِلْجَزَاءِ بِهَذِهِ الدَّلَالَةِ.\n٨٥٩ - وَلَوْ كَانُوا خَرَجُوا مَعَهُ فَدَلَّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ فَجَعَلُوا يَسِيرُونَ أَمَامَهُ حَتَّى عَرَفُوا مَكَانَهَا قَبْل أَنْ يَنْتَهِيَ إلَيْهَا فَيَدُلَّهُمْ عَلَيْهَا.\nفَهَذِهِ دَلَالَةٌ، وَهُوَ آمِنٌ لَا سَبِيلَ لَهُمْ عَلَيْهِ.\nلِأَنَّهُمْ إنَّمَا أَخَذُوا فِي ذَلِكَ الطَّرِيقِ بِدَلَالَتِهِ. وَإِنَّمَا عَلِمُوا بِهَا حِينَ أَخَذُوا فِي ذَلِكَ الطَّرِيقِ، فَمَا يَحْصُلُ لَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ يَكُونُ مُضَافًا إلَى أَصْلِ السَّبَبِ وَهُوَ دَلَالَتُهُ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ دَلَالَةَ الْمُحْرِمِ عَلَى الصَّيْدِ بِهَذَا الطَّرِيقِ يَتَحَقَّقُ حَتَّى يَلْزَمَهُ جَزَاءُ الصَّيْدِ.\n٨٦٠ - وَكَذَلِكَ لَوْ وَصَفَ لَهُمْ مَكَانَهَا وَلَمْ يَذْهَبْ مَعَهُمْ فَذَهَبُوا بِصِفَتِهِ حَتَّى أَصَابُوهَا فَهُوَ آمِنٌ.\nلِأَنَّ الدَّلَالَةَ هَكَذَا تَكُونُ. فَإِنَّ (ص ١٨٢) مَنْ يَدُلُّ غَيْرَهُ عَلَى طَرِيقٍ قَدْ يَذْهَبُ مَعَهُ وَقَدْ لَا يَذْهَبُ، وَلَكِنْ يَصِفُ الطَّرِيقَ لَهُ فَيَصِيرُ مَعْلُومًا بِدَلَالَتِهِ، وَيُسَمَّى دَالًّا عَلَيْهِ فِي الْوَجْهَيْنِ.","vol":"1","page":543},{"text":"وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: آمِنُونِي عَلَى أَنْ أَدُلَّكُمْ عَلَى بِطْرِيقٍ بِأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ، فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ فَلَا أَمَانَ لِي عَلَيْكُمْ. فَلَمَّا نَزَلَ وَجَدَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ أَصَابُوا بِطْرِيقًا فَقَالَ: هَذَا الَّذِي أَرَدْت أَنْ أَدُلَّكُمْ عَلَيْهِ. فَلَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ.\nلِأَنَّهُ الْتَزَمَ الدَّلَالَةَ عَلَى بِطْرِيقٍ مُنْكَرٍ، حَتَّى يَنْتَفِعَ الْمُسْلِمُونَ بِدَلَالَتِهِ. وَلَا يَحْصُلُ هَذَا الْمَقْصُودُ بِهَذِهِ الدَّلَالَةِ.\n٨٦٢ - وَإِنْ كَانَ قَالَ: عَلَى أَنْ أَدُلَّكُمْ عَلَى بِطْرِيقِ الْحِصْنِ فَإِنَّهُ قَدْ نَزَلَ هَارِبًا مِنْ الْحِصْنِ، ثُمَّ لَمَّا نَزَلَ وَجَدَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ أَصَابُوا ذَلِكَ الْبِطْرِيقَ، فَهُوَ آمِنٌ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ.\nلِأَنَّهُ الْتَزَمَ الدَّلَالَةَ عَلَى مُعَرَّفٍ مَعْلُومٍ بِعَيْنِهِ أَوْ بِنَسَبِهِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ. وَهَذَا لِأَنَّ فِي الْمُعَيَّنِ لَا يُعْتَبَرُ الْوَصْفُ وَفِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ يُعْتَبَرُ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قَالَ: لَا أُكَلِّمُ هَذَا الشَّابَّ، فَكَلَّمَهُ بَعْدَ مَا شَاخَ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ. وَلَوْ قَالَ: لَا أُكَلِّمُ شَابًّا، فَكَلَّمَ شَيْخًا كَانَ شَابًّا وَقْتَ يَمِينِهِ لَمْ يَحْنَثْ. وَحُصُولُ الْعِلْمِ لِلْمُسْلِمِينَ بِدَلَالَتِهِ أَوْ انْتِفَاعِهِمْ بِدَلَالَتِهِ وَصْفٌ مُعْتَبَرٌ فِي الْمَشْرُوطِ. فَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ، فَأَمَّا فِي الْمُعَيَّنِ فَلَا يُعْتَبَرُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.\n٨٦٣ - وَعَلَى هَذَا لَوْ الْتَزَمَ أَنْ يَدُلَّهُمْ عَلَى حِصْنٍ أَوْ مَدِينَةٍ فَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهَا لَا تُعْتَبَرُ دَلَالَتُهُ عَلَى مَا يَعْلَمُ الْمُسْلِمُونَ بِهَا، وَفِي الْمُعَيَّنِ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ.\nثُمَّ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ لَوْ دَلَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَدْ كَانُوا يَعْرِفُونَهُ فِي دَخْلَةٍ","vol":"1","page":544},{"text":"دَخَلُوهَا أَرْضَ الْحَرْبِ قَبْلَ هَذِهِ الدَّخْلَةِ إلَّا أَنَّ مَوْضِعَهَا أُشْكِلَ عَلَيْهِمْ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ فَهُوَ آمِنٌ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ.\nلِأَنَّهُمْ تَوَصَّلُوا إلَيْهَا بِدَلَالَتِهِ لَا بِمَا كَانَ سَبَقَ مِنْ عِلْمِهِمْ بِهَا. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُحْرِمَ فِي مِثْلِ هَذَا يَكُونُ دَالًّا عَلَى الصَّيْدِ مُلْتَزِمًا لِلْجَزَاءِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ دَلَالَةٌ فِيهَا مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ وُجِدَ، فَإِنَّهُمْ انْتَفَعُوا بِهَذِهِ الدَّلَالَةِ فَأَمَّا عَمَلُهُمْ الَّذِي سَبَقَ فَمَا كَانَ يُوَصِّلُهُمْ إلَى هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ بَعْدَ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ أَوْ بَعْدَ مَا نَسَوْهَا. فَيَتَحَقَّقُ مِنْهُ الْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ عِنْدَ هَذِهِ الدَّلَالَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":545},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>[بَابُ مَنْ يَكُونُ آمِنًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤَمِّنَهُ أَهْلُ الْإِسْلَامِ]</span>\nِ وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا فِي دَارِ الْحَرْبِ تَزَوَّجَ مِنْهُمْ كِتَابِيَّةً وَأَخْرَجَهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَهِيَ حُرَّةٌ.\nلَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ النِّكَاحَ أَمَانٌ مِنْهُ لَهَا، فَإِنَّ أَمَانَ الْمُسْلِمِ فِي دَارِ الْحَرْبِ بَاطِلٌ، أَسِيرًا كَانَ أَوْ تَاجِرًا أَوْ رَجُلًا أَسْلَمَ مِنْهُمْ. وَلَكِنْ؛ لِأَنَّهَا جَاءَتْ مَعَهُ مَجِيءَ الْمُسْتَأْمَنَاتِ. فَإِنَّهَا جَاءَتْ لِلْمَقَامِ فِي دَارِنَا مَعَ زَوْجِهَا، وَهَذِهِ صِفَةُ الْمُسْتَأْمَنَةِ.\nفَإِنْ أَرَادَتْ أَنْ تَرْجِعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَكُنْ لَهَا ذَلِكَ، لِقِيَامِ النِّكَاحِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمُسْلِمِ.\n٨٦٥ - وَلَوْ أَنَّ الْمُسْتَأْمَنَةَ فِي دَارِنَا تَزَوَّجَتْ الْمُسْلِمَ صَارَتْ ذِمِّيَّةً فَكَذَلِكَ إذَا بَقِيَتْ فِي دَارِنَا بِنِكَاحِ مُسْلِمٍ.\nوَهَذَا لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَابِعَةٌ لِلزَّوْجِ فِي الْمَقَامِ، وَالزَّوْجُ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا فَتَصِيرُ هِيَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا تَبَعًا.\n٨٦٦ - وَإِنْ قَالَ الزَّوْجُ: قَهَرْتهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ وَأَخْرَجْتهَا قَهْرًا. وَقَالَتْ الْمَرْأَةُ: بَلْ خَرَجْت عَلَى النِّكَاحِ وَلَمْ يَقْهَرْنِي. فَهَذَا عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الظَّاهِرُ.\nفَإِنْ جَاءَ بِهَا مَرْبُوطَةً فَالظَّاهِرُ شَاهِدٌ لِلزَّوْجِ. فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ وَهِيَ لَهُ أَمَةٌ.","vol":"1","page":546},{"text":"وَإِنْ جَاءَتْ مَعَهُ غَيْرَ مَرْبُوطَةٍ فَالظَّاهِرُ يَشْهَدُ لَهَا فَتَكُونُ حُرَّةً ذِمِّيَّةً، إلَّا أَنَّهُ لَا نِكَاحَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزَّوْجِ، لِإِقْرَارِهِ بِمَا يُبْطِلُ النِّكَاحَ. وَهُوَ الْمِلْكُ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ. فَإِنَّ إقْرَارَ الزَّوْجِ بِمَا يُنَافِي النِّكَاحَ يُبْطِلُهُ. كَمَا لَوْ زَعَمَ أَنَّ زَوْجَتَهُ قَدْ ارْتَدَّتْ وَأَنْكَرَتْ هِيَ، فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَنَّهُ قَهَرَهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ كَانَتْ أَمَةً لَهُ. لِأَنَّهُ أَثْبَتَ سَبَبَ مِلْكِهِ رَقَبَتَهَا بِالْحُجَّةِ، وَهِيَ ذِمِّيَّةٌ فِي الظَّاهِرِ لِإِقْرَارِهَا أَنَّهَا فِي نِكَاحِ مُسْلِمٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ (ص ١٨٣) وَشَهَادَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى الذِّمِّيَّةِ تُقْبَلُ.\n٨٦٧ - ثُمَّ إنْ كَانَ الْمُسْلِمُ مُسْتَأْمَنًا فِي دَارِ الْحَرْبِ كُرِهَ لَهُ مَا صَنَعَ، وَأُمِرَ بِأَنْ يُعْتِقَهَا وَيُخَلِّيَ سَبِيلَهَا.\nلِأَنَّهُ حِينَ دَخَلَ عَلَيْهِمْ بِأَمَانٍ فَقَدْ ضَمِنَ أَنْ لَا يَغْدِرَ بِهِمْ، وَأَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لَهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَيُؤْمَرُ بِالْوَفَاءِ بِمَا ضَمِنَ وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ غَدَرَ بِأَمَانِ نَفْسِهِ خَاصَّةً دُونَ أَمَانِ الْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ أَمْرٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ.\n٨٦٨ - وَإِنْ كَانَ أَسِيرًا فِيهِمْ أَوْ كَانَ أَسْلَمَ مِنْهُمْ، لَمْ يُؤْمَرْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ شَرْعًا مِنْ اسْتِرْقَاقِهِمْ وَأَخْذِ مَالِهِمْ إذَا قَدَرَ عَلَيْهِمْ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ تَزَوُّجَهُ إيَّاهَا لَا يَكُونُ أَمَانًا مِنْهُ لَهَا.","vol":"1","page":547},{"text":"ثُمَّ لَا خُمُسَ فِيهَا.\nلِأَنَّهُ أَخْرَجَهَا عَلَى وَجْهِ التَّلَصُّصِ.\nوَلَا تُقْبَلُ عَلَى قَهْرِهِ إيَّاهَا شَهَادَةُ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِينَ.\nلِأَنَّهَا ذِمِّيَّةٌ فِي الظَّاهِرِ، وَقَدْ تَصَادَقَا عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ زَوْجَةً لَهُ. وَشَهَادَةُ الْمُسْتَأْمَنِ بِالرِّقِّ عَلَى الذِّمِّيَّةِ لَا تُقْبَلُ.\n٨٦٩ - وَإِنْ قَالَتْ: مَا تَزَوَّجَنِي وَلَا قَهَرَنِي، وَلَكِنَّهُ آمَنَنِي فَخَرَجْت مَعَهُ. فَهِيَ حُرَّةٌ إنْ خَرَجَتْ طَائِعَةً لِدَلَالَةِ الْحَالِ، وَلَا تَكُونُ زَوْجَةً لَهُ.\nلِأَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهَا النِّكَاحَ وَهِيَ تُنْكِرُ.\n٨٧٠ - وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِحُجَّةٍ. فَكَذَلِكَ قَوْلُهَا إذَا ادَّعَتْ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ. فَإِنْ أَرَادَتْ الرُّجُوعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ تُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّ النِّكَاحَ لَمْ يَثْبُتْ حِينَ أَنْكَرَتْ. وَبِهِ تَصِيرُ ذِمِّيَّةً تَابِعَةً لِلرَّجُلِ.\n٨٧١ - وَإِنْ أَقَامَ الزَّوْجُ الْبَيِّنَةَ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِينَ فِي هَذَا الْفَصْلِ عَلَى أَنَّهُ قَهَرَهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ. لِأَنَّهَا مُسْتَأْمَنَةٌ فِي الظَّاهِرِ وَشَهَادَةُ الْمُسْتَأْمَنِينَ عَلَى الْمُسْتَأْمَنَةِ بِالرِّقِّ مَقْبُولَةٌ.","vol":"1","page":548},{"text":"وَإِنْ أَخْرَجَهَا مَعَهُ مُقَيَّدَةً فَهِيَ أَمَةٌ لَهُ، وَلَا خُمْسَ فِيهَا. لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهُ فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ صَنَعَ بِهَا هَذَا إلَّا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - هِيَ فَيْءٌ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا أَنْكَرَتْ النِّكَاحَ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا حُكْمُ الْأَمَانِ فِي دَارِنَا. فَإِنَّ الْمُسْتَأْمَنَةَ مَنْ تَجِيءُ لِلْمَقَامِ فِي دَارِنَا. وَلَا نَعْلَمُ لِذَلِكَ سَبَبًا حِينَ أَنْكَرَتْ النِّكَاحَ فَكَانَتْ حَرْبِيَّةً لَا أَمَانَ لَهَا فِي دَارِنَا.\nوَمِنْ أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ -: أَنَّ الْحَرْبِيَّ إذَا دَخَلَ دَارَنَا بِغَيْرِ أَمَانٍ فَأَخَذَهُ مُسْلِمٌ يَكُونُ فَيْئًا لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَعِنْدَهُمَا يَكُونُ لِلْآخِذِ، وَفِي إيجَابِ الْخُمُسِ فِيهِ رِوَايَتَانِ.\n٨٧٣ - وَلَوْ أَنَّ ذِمِّيًّا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ امْرَأَةً، أَخْرَجَهَا مَعَ نَفْسِهِ بَعْدَ مَا اسْتَأْمَنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهَا، فَهِيَ حُرَّةٌ. لِأَنَّهَا جَاءَتْ مَجِيءَ الْمُسْتَأْمَنَاتِ، وَلِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ آمَنُوهَا حِينَ اسْتَأْمَنَ عَلَيْهَا. ثُمَّ تَكُونُ ذِمِّيَّةً مِنْ أَهْلِ دَارِنَا تَبَعًا لِزَوْجِهَا. بِمَنْزِلَةِ مَا إذَا تَزَوَّجَتْ الْمُسْتَأْمَنَةُ ذِمِّيًّا فِي دَارِنَا، فَلَا تَرْجِعُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ. وَإِنْ أَذِنَ الزَّوْجُ لَهَا فِي ذَلِكَ أَوْ طَلَّقَهَا فَالِاسْتِئْمَانُ عَلَيْهَا لَيْسَ بِشَرْطٍ وَلَكِنَّهَا إذَا خَرَجَتْ مَعَهُ طَائِعَةً فَهِيَ آمِنَةٌ. لِأَنَّهَا جَاءَتْ لِلْمَقَامِ مَعَ زَوْجِهَا، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا.","vol":"1","page":549},{"text":"فَإِنْ اسْتَأْمَنَ هَذَا الذِّمِّيُّ عَلَى ابْنَتِهِ أَوْ أُخْتِهِ فَهِيَ آمِنَةٌ أَيْضًا. لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ آمَنُوهَا. وَلِأَنَّهَا جَاءَتْ مَجِيءَ الْمُسْتَأْمَنَاتِ حِينَ اسْتَأْمَنَ عَلَيْهَا.\nوَلَهَا أَنْ تَرْجِعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ مَتَى شَاءَتْ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِتَابِعَةٍ لِأَبِيهَا أَوْ أَخِيهَا الذِّمِّيِّ فَإِنَّهَا بَالِغَةٌ.\n٨٧٥ - وَإِنْ أَخْرَجَهَا مَعَ نَفْسِهِ وَلَمْ يَسْتَأْمِنْ لَهَا فَهِيَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ.\nلِأَنَّهَا جَاءَتْ مَجِيءَ الْمُسْتَأْمَنَاتِ. فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِتَابِعَةٍ لَهُ فِي الْمَقَامِ، وَلَمْ يَسْتَأْمِنْ لَهَا نَصًّا.\n٨٧٦ - وَإِنْ قَالَ الذِّمِّيُّ: قَدْ كُنْت قَهَرْتُهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ وَأَخْرَجْتهَا. وَكَذَّبَتْهُ، وَلَا قَرَابَةَ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ.\nلِأَنَّ ظَاهِرَ الْحَالِ يُكَذِّبُهُ فِيمَا قَالَ. فَإِنَّهَا جَاءَتْ غَيْرَ مَرْبُوطَةٍ مَعَهُ. وَقَدْ ثَبَتَ فِيهَا حَقُّ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ. فَلَا يُصَدَّقُ الذِّمِّيُّ فِيهِ فِي إبْطَالِ ذَلِكَ.\n٨٧٧ - وَإِنْ شَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ شُهُودٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانَتْ أَمَةً لَهُ. لِأَنَّهُ أَثْبَتَ سَبَبَ الْمِلْكِ فِيهَا بِالْحُجَّةِ.\nوَلَا يُقْبَلُ فِي ذَلِكَ شَهَادَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ.","vol":"1","page":550},{"text":"لِأَنَّهَا تَقُومُ (ص ١٨٤) عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ صَارَتْ هِيَ أَمَةً لَهُ فِي الظَّاهِرِ.\n٨٧٨ - وَإِنْ أَخْرَجَهَا مَغْلُولَةً قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ. لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهُ.\n٨٧٩ - وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ قَهَرَهَا إلَّا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - هِيَ فَيْءٌ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ.\nوَعِنْدَهُمَا هِيَ لَهُ. وَلَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْخُمُسُ. بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَصَابَ الذِّمِّيُّ رِكَازًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يُخَمَّسُ وَمَا بَقِيَ يَكُونُ لَهُ.\n٨٨٠ - وَلَوْ خَرَجَ عِلْجٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مَعَ مُسْلِمٍ إلَى الْمُعَسْكَرِ فَقَالَ الْمُسْلِمُ: أَخَذْتُهُ أَسِيرًا. قَالَ الْحَرْبِيُّ: جِئْت مُسْتَأْمَنًا. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْحَرْبِيِّ. لِأَنَّهُ جَاءَ مَجِيءَ الْمُسْتَأْمَنِينَ. وَالظَّاهِرُ شَاهِدٌ لَهُ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَقْهُورٍ حِينَ جَاءَ مَعَهُ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ يَنْتَصِفُ مِنْ الْوَاحِدِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ جَاءَ وَحْدَهُ هَكَذَا كَانَ آمِنًا؟ فَكَذَلِكَ إذَا جَاءَ مَعَ مُسْلِمٍ.\n٨٨١ - وَلَوْ كَانَ جَاءَ بِهِ وَهُوَ مَكْتُوفٌ أَوْ مَغْلُولٌ أَوْ فِي عُنُقِهِ حَبْلٌ يَقُودُهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلِمِ. لِأَنَّ دَلَالَةَ الْحَالِ تَشْهَدُ لَهُ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ فِي مِثْلِ هَذَا يُحْكَمُ بِدَلَالَةِ الْحَالِ","vol":"1","page":551},{"text":"وَلَوْ كَانَ هَذَا الْحَرْبِيُّ جَاءَ مَعَ عَدَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ مُخَلًّى عَنْهُ فَقَالُوا: هُوَ أَسِيرُنَا. وَقَالَ الْحَرْبِيُّ: جِئْت مُسْتَأْمَنًا مَعَهُمْ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلِمِينَ.\nلِأَنَّهُ مَقْهُورٌ لِجَمَاعَتِهِمْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الِانْتِصَافِ وَالتَّخَلُّصِ مِنْهُمْ لَوْ أَرَادَ ذَلِكَ. فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَرْبُوطِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مِائَةَ رَجُلٍ قَدْ أَحْدَقُوا بِهِ حَتَّى صَارَ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّخَلُّصِ مِنْهُمْ فَإِنَّهُ يَسْبِقُ إلَى وَهْمِ كُلِّ أَحَدٍ أَنَّهُ أَسِيرٌ لَا مُسْتَأْمَنٌ، فَيَكُونُ فَيْئًا لِجَمِيعِ الْعَسْكَرِ.\n٨٨٣ - وَإِنْ شَهِدَ مُسْلِمَانِ أَنَّهُ جَاءَ مُسْتَأْمَنًا قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ. لِأَنَّ شَهَادَةَ الْمُسْلِمِينَ حُجَّةٌ تَامَّةٌ عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ.\n٨٨٤ - وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ بِهِ شَاهِدَانِ وَلَكِنْ أَقَرَّ رَجُلٌ وَاحِدٌ مِنْ الْقَوْمِ أَنَّهُ جَاءَ مُسْتَأْمَنًا لَمْ يُصَدَّقْ فِي ذَلِكَ.\nلِأَنَّ قَوْلَ الْوَاحِدِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي الْحُكْمِ، وَشَرِكَتُهُمْ فِيهِ شَرِكَةٌ عَامَّةٌ فَلَا حُكْمَ لِإِقْرَارِ الْوَاحِدِ فِيهِ، إلَّا أَنْ يَقَعَ فِي سَهْمِهِ بِالْقِسْمَةِ.\n٨٨٥ - قَالَ: وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا خَرَجَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَمَعَهُ امْرَأَةٌ. فَقَالَ: لَيْسَتْ لِي بِزَوْجَةٍ، وَلَكِنِّي آمَنْتُهَا فَأَخْرَجْتهَا عَلَى الْأَمَانِ فَهِيَ فِي الْقِيَاسِ فَيْءٌ.","vol":"1","page":552},{"text":"لِأَنَّ أَمَانَهُ إيَّاهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ بَاطِلٌ، لِكَوْنِهِ مَقْهُورًا فِي مَنَعَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ. وَكَمَا حَصَلَتْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَقَدْ صَارَتْ فَيْئًا مَأْخُوذَةً بِالدَّارِ، فَلَا يَعْمَلُ أَمَانُهُ إبْطَالَ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ عَنْهَا.\nوَفِي الِاسْتِحْسَانِ هِيَ حُرَّةٌ مُسْتَأْمَنَةٌ، تَرْجِعُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ مَتَى شَاءَتْ.\nلِأَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ مَعَهَا مُسْتَدِيمًا لِذَلِكَ الْأَمَانِ، صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْمُنْشِئِ لِلْأَمَانِ فِي أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ دَارِ الْإِسْلَامِ. وَإِنَّمَا يَثْبُتُ حَقُّ الْمُسْلِمِينَ فِيهَا إذَا حَصَلَتْ فِي دَارِنَا غَيْرَ آمِنَةٍ. وَهِيَ مَا حَصَلَتْ فِي دَارِنَا إلَّا آمِنَةً. فَأَدْنَى الدَّرَجَاتِ أَنْ يَقْتَرِنَ أَمَانُ الْمُسْلِمِ إيَّاهَا بِسَبَبِ ثُبُوتِ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ فِيهَا. وَذَلِكَ يَمْنَعُ ثُبُوتَ حَقِّهِمْ فِيهَا.\nيُوَضِّحُهُ: أَنَّهُمَا لَمَّا وَصَلَا إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يَأْمَنُ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ وَلَا أَهْلُ الْحَرْبِ، فَقَدْ خَرَجَا مِنْ مَنَعَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَصَحَّ أَمَانُ الْمُسْلِمِ إيَّاهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ. وَهِيَ لَا تَصِيرُ مَأْخُوذَةً بِدَارِ الْإِسْلَامِ مَا لَمْ تَصِلْ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَأْمَنُ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ آمَنَهَا ثُمَّ خَرَجَتْ هِيَ وَحْدَهَا؛ لِأَنَّ أَمَانَهُ إيَّاهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ بَاطِلٌ. وَهُوَ لَيْسَ مَعَهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَصِحُّ فِيهِ الْأَمَانُ حَتَّى يُجْعَلَ كَالْمُنْشِئِ لِلْأَمَانِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ. فَلِهَذَا كَانَتْ فَيْئًا.\n٨٨٦ - وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا فِي دَارِ الْحَرْبِ آمَنَ جُنْدًا عَظِيمًا فَخَرَجُوا مَعَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَظَفِرَ بِهِمْ الْمُسْلِمُونَ كَانُوا فَيْئًا.","vol":"1","page":553},{"text":"لِأَنَّ هَذَا الْمُسْلِمَ لَيْسَ مُمْتَنِعًا مِنْهُمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، بَلْ هُوَ مَقْهُورٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِمَنَعَتِهِمْ. فَيَكُونُ (ص ١٨٥) أَمَانُهُ لَهُمْ بَاطِلًا.\nأَلَا تَرَى أَنَّ هَذَا الْعَسْكَرَ لَوْ دَخَلُوا دَارَ الْإِسْلَامِ فَدَخَلَ إلَيْهِمْ مُسْلِمٌ بِأَمَانٍ ثُمَّ أَمَّنَهُمْ كَانَ ذَلِكَ بَاطِلًا؟ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ مِنْهُمْ، فَكَذَلِكَ إذَا خَرَجَ مَعَهُمْ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ مُسْتَدِيمًا لِذَلِكَ الْأَمَانِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ آمَنَ وَاحِدًا مِنْهُمْ وَخَرَجَ مَعَهُ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ لَا يَكُونُ مَقْهُورًا بِالْوَاحِدِ بَلْ يَمْتَنِعُ مِنْهُ وَيَنْتَصِفُ فِي الظَّاهِرِ فَيَصِحُّ أَمَانُهُ لَهُ، كَمَا لَوْ دَخَلَا دَارَ الْإِسْلَامِ.\n٨٨٧ - وَلَوْ كَانَ آمَنَ فِي دَارِ الْحَرْبِ عِشْرِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ. ثُمَّ خَرَجَ مَعَهُمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَهُمْ آمِنُونَ. بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَنْشَأَ الْأَمَانَ لِهَذَا الْعَدَدِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ابْتِدَاءً.\nفَإِنْ قِيلَ: هُوَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ مِنْ هَذَا الْعَدَدِ أَيْضًا، بَلْ هُوَ مَقْهُورٌ بِهِمْ فِي الظَّاهِرِ. فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ أَمَانُهُ.\nقُلْنَا: نَعَمْ هُوَ مَقْهُورٌ بِاعْتِبَارِ نَفْسِهِ، وَلَكِنَّهُ قَاهِرٌ مُمْتَنِعٌ بِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَمْتَنِعُونَ مِنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَالْقُوَّةُ لِلْمُسْلِمِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ بِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ. فَإِذَا لَمْ يَكُونُوا مُمْتَنِعِينَ مِنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ قَاهِرًا لَهُمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ حُكْمًا لَا مَقْهُورًا بِهِمْ. فَيَصِحُّ أَمَانُهُ لَهُمْ. بِخِلَافِ الْجُنْدِ، فَإِنَّهُمْ مُمْتَنِعُونَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ بِشَوْكَتِهِمْ. فَيَكُونُ هُوَ مَقْهُورًا فِيهِمْ فِي دَارِنَا كَمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ.","vol":"1","page":554},{"text":"أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَوْمَ الَّذِينَ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ لَوْ دَخَلُوا دَارَنَا بِغَيْرِ أَمَانٍ وَأَخَذَهُمْ قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا فَيْئًا لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ؟\n٨٨٨ - وَلَوْ أَنَّ جُنْدًا عَظِيمًا مِنْهُمْ دَخَلُوا دَارَنَا، فَقَاتَلَهُمْ قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى قَهَرُوهُمْ كَانُوا لَهُمْ خَاصَّةً.\nوَمَا كَانَ الْفَرْقُ إلَّا بِهَذَا. إنَّ الَّذِينَ لَهُمْ مَنَعَةٌ مَا صَارُوا مَقْهُورِينَ بِحُصُولِهِمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، بِخِلَافِ الَّذِينَ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ.\nثُمَّ تَحَقَّقَ مَا قُلْنَا: إنَّهُمْ إذَا لَمْ يَكُونُوا مُمْتَنِعِينَ مِنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَوْ لَمْ يُجْعَلْ أَمَانُ الْوَاحِدِ الَّذِي جَاءَ مَعَهُمْ صَحِيحًا أَدَّى إلَى الْغُرُورِ؛ لِأَنَّهُمْ فَارَقُوا مَنَعَتَهُمْ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ الْأَمَانِ. وَفِي الْجُنْدِ لَا يُؤَدِّي إلَى هَذَا؛ لِأَنَّهُمْ مَا فَارَقُوا مَنَعَتَهُمْ بِنَاءً عَلَى أَمَانِهِ بَلْ هُمْ مُمْتَنِعُونَ بِشَرِكَتِهِمْ فِي دَارِنَا، كَمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ. وَعَلَى هَذَا لَوْ أَخْرَجَهُمْ هَذَا الْمُسْلِمُ إلَى عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنْ كَانُوا بِحَيْثُ لَا يَمْتَنِعُونَ مِنْ الْعَسْكَرِ فَهُمْ آمِنُونَ؛ لِأَنَّ قُوَّةَ الْعَسْكَرِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِعَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ. فَيَكُونُ قَاهِرًا لَا مَقْهُورًا إذَا وَصَلَ عَسْكَرَ الْمُسْلِمِينَ. وَإِنْ كَانُوا بِحَيْثُ يَمْتَنِعُونَ مِنْ الْعَسْكَرِ لِكَثْرَتِهِمْ فَأَمَانُهُ لَهُمْ بَاطِلٌ وَإِنْ خَرَجَ مَعَهُمْ لِمَا بَيَّنَّا.\n٨٨٩ - وَلَوْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ حَاصَرُوا حِصْنًا وَفِيهِمْ مُسْلِمٌ فَآمَنَ قَوْمًا لَا مَنَعَةَ لَهُمْ وَأَخْرَجَهُمْ مَعَهُ إلَى الْعَسْكَرِ لَمْ يَكُونُوا آمَنِينَ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. لِأَنَّ الْمَحْصُورِينَ قَدْ صَارُوا مَقْهُورِينَ مِنْ وَجْهٍ، فَحَالُهُمْ كَحَالِ الْمَأْسُورِينَ","vol":"1","page":555},{"text":"فَلَا يَصِحُّ، أَمَانُ الْمُسْلِمِ لَهُمْ إذَا كَانَ فِيهِمْ، لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ.\nوَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ هَذَا الْأَمَانُ لَمْ يَقْدِرْ الْمُسْلِمُونَ عَلَى قَهْرِهِمْ بِحَالٍ، فَإِنَّهُمْ إذَا أَيْقَنُوا بِالْقَهْرِ أَسْلَمَ بَعْضُهُمْ، ثُمَّ آمَنَهُمْ عَلَى أَنْ يَخْرُجَ مَعَ كُلِّ نَفَرٍ مِنْهُمْ، وَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِمَا يُؤَدِّي إلَى سَدِّ بَابِ الِاسْتِرْقَاقِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.\nيُوَضِّحُهُ: أَنَّ يَدَ الْمُسْلِمِينَ إلَى الْمَحْصُورِينَ سَابِقَةٌ عَلَى قُوَّةِ هَذَا الْمُسْلِمِ الْخَارِجِ مَعَهُمْ، فَلَا يَبْطُلُ - بِاعْتِبَارِ هَذِهِ الْقُوَّةِ - حُكْمُ الْيَدِ السَّابِقَةِ. بِخِلَافِ جَمِيعِ مَا سَبَقَ.\n٨٩٠ - وَلَوْ أَنَّ حَرْبِيَّةً أَسْلَمَتْ وَزَوْجُهَا حَرْبِيٌّ، فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا حَتَّى تَحِيضَ ثَلَاثَ حِيَضٍ. لِأَنَّ يَدَ الْإِمَامِ لَا تَصِلُ إلَى الزَّوْجِ لِتَعْرِضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ، فَتُجْعَلُ ثَلَاثُ حِيَضٍ قَائِمَةً مَقَامَ ثَلَاثِ عَرْضَاتٍ، بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا مُؤَثِّرَةٌ فِي الْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا إذَا صَارَ غَيْرَ مُرِيدٍ لَهَا، كَمَا بَعْدَ الطَّلَاقِ. وَبِإِصْرَارِهِ عَلَى الْكُفْرِ يُعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ مُرِيدٍ لَهَا.\n٨٩١ - فَإِنْ لَمْ تَحِضْ حَتَّى خَرَجَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ كَانَ الرَّجُلُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ (ص ١٨٦) .\nلِأَنَّهُ خَرَجَ لَا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِئْمَانِ.\nوَلَكِنْ يَبْقَى النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا.\nلِأَنَّ الرِّقَّ الَّذِي ثَبَتَ فِيهِ لَا يُنَافِي ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ فِيمَا بَيْنَهُمَا. وَلَا يُنَافِي بَقَاءَ النِّكَاحِ أَيْضًا. وَإِنَّمَا الْمُوجِبُ لِلْفُرْقَةِ تَبَايُنُ الدَّارَيْنِ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ، فَالرَّجُلُ لَمَّا صَارَ عَبْدًا لِلْمُسْلِمِينَ كَانَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا.","vol":"1","page":556},{"text":"ثُمَّ لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا وَإِنْ حَاضَتْ ثَلَاثَ حِيَضٍ حَتَّى يُعْرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ.\nلِأَنَّ الْحِيَضَ كَانَتْ خَلَفًا عَنْ عَرْضِ الْإِسْلَامِ، بِاعْتِبَارِ تَعَذُّرِ عَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ، وَقَدْ زَالَ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ. وَالْقُدْرَةُ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْخَلَفِ يُسْقِطُ اعْتِبَارَ الْخَلَفِ. فَلِهَذَا يُعْرَضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ.\n٨٩٣ - فَإِنْ أَسْلَمَ فَهِيَ امْرَأَتُهُ، وَإِنْ أَبَى فُرِّقَ بَيْنَهُمَا.\n- وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ هُوَ الَّذِي أَسْلَمَ وَهِيَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ، ثُمَّ خَرَجَا إلَى دَارِنَا قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ شَيْئًا، فَهِيَ امْرَأَةٌ آمِنَةٌ حُرَّةٌ لَا سَبِيلَ عَلَيْهَا.\nلِأَنَّهَا جَاءَتْ مَجِيءَ الْمُسْتَأْمَنَاتِ. فَإِنَّهَا تَابِعَةٌ لِلزَّوْجِ فِي الْمَقَامِ، وَمَنْ جَاءَتْ لِلْمَقَامِ فِي دَارِنَا كَانَتْ مُسْتَأْمَنَةً. فَأَمَّا الرَّجُلُ فَلَيْسَ بِتَابِعٍ لِامْرَأَتِهِ فِي الْمَقَامِ، وَهُوَ إنَّمَا جَاءَ مُغْتَرًّا لَا مُسْتَأْمَنًا، إذَا لَمْ يَطْلُبْ الْأَمَانَ وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ عَلَامَةٌ لِذَلِكَ.\n٨٩٥ - ثُمَّ إنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَهِيَ ذِمِّيَّةٌ.\nلِأَنَّ النِّكَاحَ بَيْنَهُمَا مُسْتَقِرٌّ، وَذَلِكَ يُلْزِمُهَا الْمُقَامَ فِي دَارِنَا مَعَ زَوْجِهَا.\n٨٩٦ - وَإِنْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَالنِّكَاحُ بَيْنَهُمَا غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، فَلَا تَصِيرُ ذِمِّيَّةً، وَلَكِنْ يُعْرَضُ عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ، فَإِنْ أَسْلَمَتْ وَإِلَّا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَكَانَ لَهَا أَنْ تَرْجِعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ.","vol":"1","page":557},{"text":"لِأَنَّهَا مُسْتَأْمَنَةٌ. وَقَدْ بَيَّنَّا فِي \" كِتَابِ الطَّلَاقِ \" اخْتِلَافَ الرِّوَايَاتِ فِيمَا إذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْمُسْتَأْمَنِينَ فِي دَارِنَا، أَنَّ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ تَتَوَقَّفُ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى مُضِيِّ ثَلَاثِ حِيَضٍ، كَمَا لَوْ كَانَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.\nوَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَيُّ الْأَمْرَيْنِ يَسْبِقُ إمَّا عَرْضُ الْإِسْلَامِ عَلَى الْمُصِرِّ مِنْهُمَا أَوْ مُضِيُّ ثَلَاثِ حِيَضٍ تَقَعُ الْفُرْقَةُ بِهِ. وَعَلَيْهِ نَصَّ هَا هُنَا؛ لِأَنَّهُمَا تَحْتَ يَدِ الْإِمَامِ فِي الْحَقِيقَةِ. فَيَتَمَكَّنُ مِنْ عَرْضِ الْإِسْلَامِ. وَالْمُصِرُّ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ حُكْمًا، فَتَقَعُ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا بِمُضِيِّ ثَلَاثِ حِيَضٍ.\n٨٩٧ - فَإِنْ لَمْ تُسْلِمْ وَلَكِنَّهَا تَحَوَّلَتْ إلَى دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقَدْ تَقَرَّرَ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَتْ كِتَابِيَّةً فِي الْأَصْلِ فَتَكُونُ ذِمِّيَّةً.\nوَأَشَارَ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ إسْلَامِ الزَّوْجِ وَإِسْلَامِ الْمَرْأَةِ فَقَالَ مُحَمَّدٌ - ﵀ -: ٨٩٨ - الزَّوْجُ لَيْسَ مِنْ عِيَالِ امْرَأَتِهِ إذَا أَسْلَمَتْ، وَالْمَرْأَةُ مِنْ عِيَالِ الزَّوْجِ إذَا أَسْلَمَ، فَتَكُونُ آمِنَةً إذَا خَرَجَتْ مَعَهُ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ حَرْبِيًّا لَوْ اسْتَأْمَنَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَأَخْرَجَ مَعَهُ امْرَأَتَهُ كَانَتْ آمِنَةً؟ فَكَذَلِكَ إذَا أَسْلَمَ.\n٨٩٩ - وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْهُمْ اسْتَأْمَنَتْ ثُمَّ أَخْرَجَتْ مَعَهَا زَوْجَهَا لَمْ يَكُنْ آمِنًا تَبَعًا لَهَا، فَكَذَلِكَ إذَا أَسْلَمَتْ.","vol":"1","page":558},{"text":"وَلَوْ كَانَتْ الَّتِي أَسْلَمَتْ آمَنَتْ زَوْجَهَا عَلَى أَنْ أَخْرَجَتْهُ إلَى دَارِنَا فَخَرَجَ مَعَهَا كَانَ آمِنًا. لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ اسْتِدَامَةَ ذَلِكَ الْأَمَانِ حِينَ حَصَلَا فِي دَارِنَا بِمَنْزِلَةِ الْإِنْشَاءِ.\n٩٠١ - فَإِنْ قَالَتْ هِيَ: آمَنْتُهُ وَأَخْرَجْته مَعِي. وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: خَرَجَ مَعَك بِغَيْرِ أَمَانٍ. فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا. لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهَا. فَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَهَا، وَهُوَ لَا يَخْرُجُ مَعَهَا مُصِرًّا عَلَى الْكُفْرِ إلَّا بِأَمَانِهَا. وَالْبِنَاءُ عَلَى الظَّاهِرِ وَاجِبٌ فِيمَا لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى حَقِيقَةِ الْحَالِ فِيهِ.\n٩٠٢ - وَلَوْ أَسْلَمَ رَجُلٌ مِنْ الْمَحْصُورِينَ وَأَخْرَجَ مَعَهُ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ كَافِرَةٌ، كَانَتْ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ.\nلِأَنَّهُ لَوْ اسْتَأْمَنَ وَهُوَ مَحْصُورٌ بِأَمَانٍ لَمْ تَتْبَعْهُ زَوْجَتُهُ، فَكَذَلِكَ إذَا أَسْلَمَ.\nوَكَذَلِكَ (ص ١٨٧) لَوْ أَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ وَآمَنَتْ زَوْجَهَا فَخَرَجَ مَعَهَا.\nلِأَنَّ أَمَانَهَا إيَّاهُ فِي مَنْفَعَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ بَاطِلٌ، وَهُوَ كَمَا لَا يَأْمَنُ تَبَعًا لَهَا فِي الْأَمَانِ. لَا يَأْمَنُ بِإِيمَانِهَا أَيْضًا.\n٩٠٣ - بِخِلَافِ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مَحْصُورًا فَاسْتَأْمَنَ إلَى عَسْكَرِ","vol":"1","page":559},{"text":"الْمُسْلِمِينَ أَوْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ تَتْبَعُهُ زَوْجَتُهُ وَالصِّغَارُ مِنْ أَوْلَادِهِ وَالْكِبَارُ مِنْ الْإِنَاثِ.\nلِأَنَّ حُكْمَ الْقَهْرِ لَمْ يَتَنَاوَلْهُمْ هُنَاكَ. وَقَدْ يَتَنَاوَلُ الْمَحْصُورِينَ، فَيُؤَثِّرُ أَمَانُهُ وَإِيمَانُهُ فِي إزَالَةِ الْقَهْرِ عَنْهُ خَاصَّةً.\n٩٠٤ - وَلَوْ أَنَّ ذِمِّيًّا تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي دَارِ الْحَرْبِ وَأَخْرَجَهَا مَعَ نَفْسِهِ، فَهِيَ حُرَّةٌ ذِمِّيَّةٌ.\nلِأَنَّ عَقْدَ الذِّمِّيَّةِ أَقْوَى مِنْ عَقْدِ الْأَمَانِ. - وَلَوْ خَرَجَ مُسْتَأْمَنًا مَعَ زَوْجَتِهِ كَانَتْ حُرَّةً آمِنَةً.\n- فَإِذَا خَرَجَ وَهُوَ ذِمِّيٌّ مَعَ زَوْجَتِهِ فَأَوْلَى أَنْ تَكُونَ آمِنَةً، ثُمَّ هِيَ تَابِعَةٌ لِمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا فِي الْمُقَامِ، وَهُوَ الذِّمِّيُّ، فَتَصِيرُ ذِمِّيَّةً.\n٩٠٧ - وَلَوْ خَرَجَ الذِّمِّيُّ بِابْنَةٍ لَهُ كَبِيرَةٍ، أَوْ أُخْتٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، كَانَتْ فَيْئًا. إلَّا أَنْ يَكُونَ اسْتَأْمَنَ عَلَيْهَا.\nلِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِتَابِعَةٍ لَهُ فِي الْمُقَامِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَلَا يَكُونُ خُرُوجُهَا مَعَهُ دَلِيلَ الِاسْتِئْمَانِ، بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ.\nفَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ أَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ لَوْ أَخْرَجَ مَعَ نَفْسِهِ ابْنَتَهُ أَوْ أُخْتَهُ كَانَتْ آمِنَةً مَعَهُ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِي الذِّمِّيِّ هَكَذَا؟","vol":"1","page":560},{"text":"قُلْنَا: هُنَاكَ الزَّوْجَةُ الَّتِي هِيَ تَابِعَةٌ لَهُ لَا تَصِيرُ مَمْنُوعَةً مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنِ نَفْسِهِ، وَيُمْكِنُ إثْبَاتُ مِثْلِ هَذَا الْحُكْمِ فِي الِابْنَةِ وَالْأُخْتِ أَيْضًا. وَبِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ هُوَ يَعُولُهُمَا كَمَا يَعُولُ زَوْجَتَهُ. فَأَمَّا الذِّمِّيُّ فَتَصِيرُ زَوْجَتُهُ ذِمِّيَّةً مَمْنُوعَةً مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ مِثْلِ هَذَا الْحُكْمِ فِي حَقِّ الِابْنَةِ وَالْأُخْتِ لِانْعِدَامِ التَّبَعِيَّةِ فِي حَقِّ الِاحْتِبَاسِ فِي دَارِنَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ فِي التَّابِعِ حُكْمٌ آخَرُ سِوَى الثَّابِتِ فِيمَنْ هُوَ أَصْلٌ.\n٩٠٨ - وَلَوْ أَخْرَجَ الذِّمِّيُّ مَعَهُ امْرَأَةً وَقَالَ: هِيَ امْرَأَتِي، وَصَدَّقَتْهُ. كَانَتْ امْرَأَتُهُ حُرَّةً، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهِمَا. لِأَنَّهُمَا تَصَادَقَا عَلَى ذَلِكَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا لَا يَجِدَانِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ شُهُودًا عَلَى نِكَاحٍ كَانَ بَيْنَهُمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ. فَلِأَجْلِ الضَّرُورَةِ يُقْبَلُ قَوْلُهُمَا إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يُنَازِعُهُمَا.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَخْرَجَ مَعَهُ بِرِجَالٍ وَنِسَاءٍ وَقَالَ: هُمْ عَبِيدِي وَإِمَائِي وَصَدَّقُوهُ. قُبِلَ قَوْلُهُمْ فِي ذَلِكَ.\n٩٠٩ - وَكَذَلِكَ لَوْ خَرَجَ مُسْتَأْمَنًا فَهُوَ مُصَدَّقٌ فِيمَا يَدَّعِي مِنْ ذَلِكَ إذَا صَدَّقَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِهَذَا الْمَعْنَى.\n- وَإِنْ كَذَّبَتْهُ الْمَرْأَةُ وَقَالَتْ: لَا نِكَاحَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَلَا قَرَابَةَ، كَانَتْ فَيْئًا.\nلِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلتَّبَعِيَّةِ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ تَكْذِيبِهِمَا فَتَبْقَى حَرْبِيَّةً فِي دَارِنَا لَا أَمَانَ لَهَا فَكَانَتْ فَيْئًا.","vol":"1","page":561},{"text":"وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا خَرَجَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَمَعَهُ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ وَقَالَ: هَذَا مَمْلُوكِي أَوْ هَذِهِ مَمْلُوكَتِي، وَقَالَ الْآخَرُ: لَيْسَ كَذَا، وَلَكِنَّهُ آمَنَنَا فَخَرَجْنَا مَعَهُ. فَفِي الْقِيَاسِ هُمَا فَيْءٌ.\nلِأَنَّ مَا ادَّعَى هُوَ مِنْ الْمِلْكِ قَدْ انْتَفَى بِتَكْذِيبِهِمَا، وَمَا ادَّعَيَا مِنْ الْأَمَانِ قَدْ انْتَفَى بِإِنْكَارِهِ.\nوَفِي الِاسْتِحْسَانِ هُمَا حُرَّانِ مُسْتَأْمَنَانِ يَرْجِعَانِ إذَا أَحَبَّا.\nلِأَنَّهُمَا مَعَ الِاخْتِلَافِ تَصَادَقَا عَلَى أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمَا.\nوَالْأَسْبَابُ مَطْلُوبَةٌ لِأَحْكَامِهَا لَا لِأَعْيَانِهَا، فَبَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى الْحُكْمِ لَا يُعْتَبَرُ الِاخْتِلَافُ فِي السَّبَبِ.\nيُوَضِّحُهُ أَنَّ اخْتِلَافَ السَّبَبِ فِي الصُّورَةِ، فَأَمَّا فِي الْمَعْنَى فَالسَّبَبُ وَاحِدٌ وَهُوَ الْأَمَانُ الثَّابِتُ لَهُمَا تَبَعًا أَوْ مَقْصُودًا. فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَقَرَّ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ قَرْضًا، وَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ: هِيَ غَصْبٌ. فَإِنَّ الْمَالَ يَلْزَمُهُ لِهَذَا الْمَعْنَى.\n٩١٢ - وَلَوْ كَانَ الَّذِي أَخْرَجَهَا ذِمِّيٌّ أَوْ حَرْبِيٌّ مُسْتَأْمَنٌ وَقَالَ: هِيَ امْرَأَتِي، فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ: لَسْت بِزَوْجَةٍ لَهُ، وَلَكِنَّهُ آمَنَنِي فَأَخْرَجَنِي. كَانَتْ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ.\nلِأَنَّ النِّكَاحَ لَمْ يَثْبُتْ لِإِنْكَارِهَا، وَقَدْ زَعَمَتْ أَنَّهَا خَرَجَتْ بِأَمَانِ الذِّمِّيِّ أَوْ الْحَرْبِيِّ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ.","vol":"1","page":562},{"text":"وَلَوْ خَرَجَ حَرْبِيٌّ مَعَ مُسْلِمِينَ فَقَالَ: آمَنَنِي (ص ١٨٨) هَذَانِ. وَكَذَّبَاهُ، فَهُوَ فَيْءٌ. لِأَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِمَا مَا لَا يُعْرَفُ سَبَبُهُ، فَلَا يُصَدَّقُ إلَّا بِحُجَّةٍ. وَقَدْ ثَبَتَ حَقُّ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّهُ حَرْبِيٌّ فِي دَارِنَا لَا أَمَانَ لَهُ، فَلَا يُصَدَّقُ فِي إبْطَالِهِ.\n٩١٤ - فَإِنْ صَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا فَهُوَ آمِنٌ يَرْجِعُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ إنْ أَحَبَّ.\nلِأَنَّ الْأَمَانَ يَثْبُتُ لَهُ مِنْ جِهَةِ مَنْ صَدَّقَهُ بِتَصَادُقِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ مِنْ جِهَةِ الْآخَرِ. فَكَأَنَّهُ مَا ادَّعَى إلَّا عَلَى هَذَا، وَفِي أَمَانِ الْوَاحِدِ كِفَايَةٌ لَهُ.\n٩١٥ - وَإِنْ قَالَ: آمَنَنِي هَذَا، وَكَذَّبَهُ وَقَالَ الْآخَرُ: أَنَا الَّذِي آمَنْته، وَكَذَّبَهُ الْحَرْبِيُّ، وَثَبَتَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى مَقَالَتِهِ فَهُوَ فَيْءٌ.\nلِأَنَّ الْأَمَانَ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ مِنْ جِهَةِ مَنْ ادَّعَاهُ حِينَ كَذَّبَهُ، وَلَا مِنْ جِهَةِ مَنْ أَقَرَّ لَهُ لِتَكْذِيبِ الْحَرْبِيِّ إيَّاهُ. فَكَانَ فَيْئًا. بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ الْمُسْلِمُ: أَنَا آمَنْتُك، وَقَالَ الْحَرْبِيُّ: أَبْطَلْت، بَلْ كَتَبَ إلَيَّ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ رَجُل بِالْأَمَانِ. لَمْ يُصَدَّقْ وَكَانَ فَيْئًا.\n٩١٦ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: آمَنِّي فُلَانٌ الْمُسْلِمُ، وَهُوَ غَائِبٌ أَوْ مَيِّتٌ.","vol":"1","page":563},{"text":"لِأَنَّ الْأَمَانَ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ عَلَى الْغَائِبِ وَالْمَيِّتِ، وَمَنْ أَقَرَّ بِالْأَمَانِ. فَقَدْ كَذَّبَهُ الْحَرْبِيُّ فِي ذَلِكَ. وَهَذَا بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ. فَهُنَاكَ الْأَمَانُ مِنْ جِهَةِ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمَا فِي السَّبَبِ، وَهَهُنَا الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمَا فِيمَنْ كَانَ الْأَمَانُ مِنْ جِهَتِهِ، فَلَا يَثْبُتُ وَاحِدٌ مِنْ الْأَمْرَيْنِ مَعَ التَّكْذِيبِ.\n٩١٧ - وَلَوْ كَانَ قَالَ بَعْدَ هَذَا الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِالْأَمَانِ: صَدَقْت أَنْتَ آمَنْتَنِي، وَقَدْ غَلِطْتُ فِيمَا قُلْتُ. فَفِي الْقِيَاسِ هُوَ فَيْءٌ. لِأَنَّ إقْرَارَهُ لَهُ قَدْ بَطَلَ بِالتَّكْذِيبِ، فَلَا يَعْمَلُ التَّصْدِيقُ بَعْدَ ذَلِكَ. إذْ الْأَمَانُ عَقْدٌ مُحْتَمِلٌ لِلْفَسْخِ وَالتَّصْدِيقِ بَعْدَ التَّكْذِيبِ، إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِيمَا لَا يَكُونُ مُحْتَمِلًا لِلْفَسْخِ كَالنَّسَبِ وَالْوَلَاءِ.\nوَفِي الِاسْتِحْسَانِ هُوَ آمِنٌ إذَا لَمْ يُصِرَّ عَلَى ذَلِكَ التَّكْذِيبِ.\nلِأَنَّ الْغَلَطَ فِي هَذَا الْبَابِ قَدْ يَقَعُ، فَإِنَّهُ مَا رَأَى مَنْ آمَنَهُ قَبْلَ هَذَا الْوَقْتِ. وَبِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ قَلَّ مَا تَثْبُتُ مَعْرِفَتُهُ. فَإِذَا تَبَيَّنَ لَهُ الْغَلَطُ وَجَبَ اعْتِبَارُ تَصْدِيقِهِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ، بِخِلَافِ مَا إذَا ثَبَتَ عَلَى التَّكْذِيبِ بَعْدَ الِاسْتِثْبَاتِ؛ لِأَنَّ تَوَهُّمَ الْغَلَطِ. هُنَاكَ قَدْ انْتَفَى.\nوَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَةٍ جَالِسَةٍ إلَى جَنْبِهِ: هِيَ أُخْتِي مِنْ الرَّضَاعَةِ ثُمَّ قَالَ: غَلِطْت، هِيَ امْرَأَتِي. .\nكَانَ مُصَدَّقًا فِي ذَلِكَ، وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا. فَإِنْ ثَبَتَ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ الِاسْتِثْبَاتِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ قَدْ غَلِطْت لَا يُصَدَّقُ.\nوَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا لِلْمَعْنَى الَّذِي قُلْنَا.\n٩١٨ - وَلَوْ قَالَ الْحَرْبِيُّ: مَا آمَنَنِي أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، لَكِنِّي خَرَجْت بِغَيْرِ أَمَانٍ. بَعْدَ مَا قَالَ لَهُ الْمُسْلِمُ: أَنَا آمَنْتُك. ثُمَّ رَجَعَ إلَى تَصْدِيقِهِ، لَمْ يُصَدَّقْ، وَكَانَ فَيْئًا.","vol":"1","page":564},{"text":"لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا يُوهَمُ الْغَلَطُ، فَأَهَمُّ الْأَشْيَاءِ عِنْدَ الْحَرْبِيِّ الَّذِي يَخْرُجُ إلَى دَارِنَا هُوَ الْأَمَانُ. وَبَعْدَ مَا خَرَجَ بِأَمَانِ مُسْلِمٍ لَا يُشْتَبَهُ عَلَيْهِ أَصْلُ الْأَمَانِ. فَبَعْدَ إنْكَارِ أَصْلِ الْأَمَانِ لَا يُعْتَبَرُ تَصْدِيقُهُ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَقَدْ يَقَعُ الِاشْتِبَاهُ لَهُ فِيمَنْ كَانَ أَمَانُهُ مِنْ جِهَتِهِ، فَلِهَذَا يُعْتَبَرُ رُجُوعُهُ إلَى التَّصْدِيقِ وَيُعْذَرُ بِالْغَلَطِ فِي ذَلِكَ.\n٩١٩ - وَلَوْ خَرَجَ إلَى دَارِنَا رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَشَهِدَ مُسْلِمَانِ بِأَنَّهُمَا خَرَجَا بِأَمَانِ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ. وَهُمَا يَقُولَانِ كَذَبَا: مَا آمَنَنَا أَحَدٌ. فَفِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - الْمَرْأَةُ آمِنَةٌ وَالرَّجُلُ فَيْءٌ. لِأَنَّهُمَا صَارَا رَقِيقَيْنِ فِي الظَّاهِرِ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى عِتْقِ الْأَمَةِ مَقْبُولَةٌ مِنْ غَيْرِ الدَّعْوَى بِالِاتِّفَاقِ، وَعَلَى عِتْقِ الْعَبْدِ كَذَلِكَ فِي قَوْلِهِمَا، وَلَا يُقْبَلُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ -.\n٩٢٠ - فَإِنْ كَانَا ادَّعَيَا، ذَلِكَ بَعْدَ الْإِنْكَارِ ثُمَّ شَهِدَ الْمُسْلِمَانِ بِهِ قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ. لِأَنَّ هَذَا تَنَاقُضٌ فِي الدَّعْوَى. وَالتَّنَاقُضُ لَا يَمْنَعُ قَبُولَ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْحُرِّيَّةِ.\n٩٢١ - وَإِنْ شَهِدَ لَهُمَا ذِمِّيَّانِ (ص ١٨٩) أَوْ مُسْتَأْمَنَانِ بِذَلِكَ لَمْ تُقْبَلْ الشَّهَادَةُ. لِأَنَّهَا تَقُومُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.","vol":"1","page":565},{"text":"وَبَعْدَ شَهَادَةِ الْمُسْلِمَيْنِ لَوْ أَرَادَا الرُّجُوعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يُمْنَعَا مِنْ ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالْحُجَّةِ أَنَّهُمَا مُسْتَأْمَنَانِ.\nفَإِنْ قِيلَ: هُمَا قَدْ أَقَرَّا بِالرِّقِّ عَلَى أَنْفُسِهِمَا فِي الِابْتِدَاءِ، فَكَيْفَ يُتْرَكَانِ لِيَرْجِعَا حَرْبِيَّيْنِ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ الْإِمَامَ قَدْ حَكَمَ بِكَذِبِهِمَا فِيمَا قَالَا بِالْحُجَّةِ، وَالْمُقِرُّ إذَا صَارَ مُكَذَّبًا فِي إقْرَارِهِ يَسْقُطُ حُكْمُ إقْرَارِهِ.\n٩٢٢ - وَلَوْ قَالَا: خَرَجْنَا بِغَيْرِ أَمَانٍ. فَشَهِدَ لَهُمَا شَاهِدَانِ بِأَنَّهُمَا أَسْلَمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَا، وَصَدَّقَا الشَّاهِدَيْنِ بِذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الشَّاهِدَانِ مُسْلِمَيْنِ فَهُمَا حُرَّانِ، وَإِنْ كَانَا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَهُمَا رَقِيقَانِ لِلْمُسْلِمِينَ.\nلِأَنَّ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَا تَكُونُ حُجَّةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَإِسْلَامُهُمَا إنَّمَا ظَهَرَ بَعْدَمَا صَارَا فَيْئًا، فَلَا يَبْطُلُ الرِّقُّ عَنْهُمَا.\n٩٢٣ - وَلَوْ قَالَا لِلشَّاهِدَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ: كَذَبْتُمَا، مَا أَسْلَمْنَا قَطُّ. أُجْبِرَا عَلَى الْإِسْلَامِ.\nلِأَنَّ شَهَادَةَ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمَا بِالْإِسْلَامِ عَلَيْهِمَا حُجَّةٌ تَامَّةٌ.\n٩٢٤ - فَإِنْ أَسْلَمَا فَهُمَا حُرَّانِ.\nأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فَهُوَ غَيْرُ مُشْكِلٍ، وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - فَلِأَنَّ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ الْتِزَامَ حَقٍّ عَلَى الرَّجُلِ، وَالْمُسْلِمُونَ","vol":"1","page":566},{"text":"خَصْمٌ فِي ذَلِكَ. فَإِنْكَارُهُ لَا يَمْنَعُ قَبُولَهُ الْبَيِّنَةَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَنْكَرَ الْعِتْقَ وَهُنَاكَ مَنْ يَدَّعِي حَقًّا مِنْ حَدِّ قَذْفٍ أَوْ قِصَاصٍ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ.\n٩٢٥ - وَإِنْ أَبَيَا أَنْ يُسْلِمَا قُتِلَ الرَّجُلُ وَحُبِسَتْ الْمَرْأَةُ حَتَّى تُسْلِمَ. لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِالْحُجَّةِ أَنَّهُمَا حُرَّانِ مُرْتَدَّانِ، فَلَا يَجْرِي عَلَيْهِمَا شَيْءٌ فِي دَارِنَا وَلَكِنَّ الْحُكْمَ فِي الْمُرْتَدِّ وَالْمُرْتَدَّةِ مَا بَيَّنَّا.\n٩٢٦ - وَإِنْ قَالَا مَا أَسْلَمْنَا قَطُّ. وَشَهِدَ الشَّاهِدَانِ أَنَّهُمَا أَسْلَمَا يَوْمَ كَذَا فِي دَارِ الْحَرْبِ. فَقَالَا: قَدْ كُنَّا عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ هَذَا الْوَقْتِ. فَإِنَّهُمَا يُجْبَرَانِ عَلَى الْإِسْلَامِ.\nفَإِنْ أَسْلَمَا فَالرَّجُلُ حُرٌّ وَالْمَرْأَةُ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّهُ ظَهَرَ بِإِقْرَارِهِمَا ارْتِدَادُهُمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ وَخُرُوجُهُمَا إلَى دَارِنَا عَلَى ذَلِكَ. وَالْمُرْتَدَّةُ فِي دَارِ الْحَرْبِ تُسْتَرَقُّ، وَلَا يَبْطُلُ الرِّقُّ عَنْهَا بِإِسْلَامِهَا. وَهَذَا بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَلَمْ تَظْهَرْ هُنَاكَ الرِّدَّةُ مِنْهُمَا بَعْدَ مَا ثَبَتَ إسْلَامُهُمَا إلَّا فِي دَارِنَا. فَإِنْ قِيلَ: هُنَاكَ قَدْ أَقَرَّا أَيْضًا أَنَّهُمَا كَانَا كَافِرَيْنِ بَعْدَ الْوَقْتِ الَّذِي شَهِدَ فِيهِ الْمُسْلِمَانِ عَلَيْهِمَا بِالْإِسْلَامِ. قُلْنَا: نَعَمْ. وَلَكِنَّهُمَا مَا أَقَرَّا بِكُفْرٍ مُتَجَدِّدٍ مِنْهُمَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لِيَجْعَلَ ذَلِكَ رِدَّةً، إنَّمَا أَنْكَرَا أَصْلَ الشَّهَادَةِ. فَأَمَّا هُنَا فَقَدْ أَقَرَّا بِأَنَّهُمَا أَظْهَرَا كُفْرًا حَادِثًا بَعْدَ الْوَقْتِ الَّذِي ثَبَتَ فِيهِ إسْلَامُهُمَا بِالْحُجَّةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ.\nفَإِنْ قِيلَ مَعَ هَذَا: هَذِهِ الشَّهَادَةُ إثْبَاتُ حُرِّيَّةِ الْمَرْأَةِ فَلِمَاذَا يُعْتَبَرُ قَوْلُهُمَا حَتَّى تُجْعَلَ أَمَةً بَعْدَ مَا شَهِدَ الشُّهُودُ بِحُرِّيَّتِهَا؟","vol":"1","page":567},{"text":"قُلْنَا: لِأَنَّ هَذَا إقْرَارٌ مِنْهَا بِالرِّقِّ عَلَى نَفْسِهَا. وَإِقْرَارُ الْمَرْأَةِ بِالرِّقِّ مَقْبُولٌ، بِمَنْزِلَةِ اللَّقِيطِ إذَا كَانَتْ أُنْثَى فَأَقَرَّتْ بِالرِّقِّ.\n٩٢٧ - وَلَوْ أَنَّ حَرْبِيَّةً أَسْلَمَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَعُرِفَ إسْلَامُهَا، ثُمَّ أُخِذَتْ فِي الْأُسَرَاءِ فَقَالَتْ: قَدْ ارْتَدَدْت قَبْلَ أَنْ تَأْخُذُونِي. كَانَتْ فَيْئًا، وَصُدِّقَتْ لِإِقْرَارِهَا عَلَى نَفْسِهَا بِالرِّقِّ.\n- وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ مُسْلِمَةً لَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ أُخِذَتْ فِي الْأُسَرَاءِ، فَزَعَمَتْ أَنَّهَا لَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدَّةً، فَهِيَ أَمَةٌ، وَإِنْ كَذَّبَهَا أَبُوهَا فِيمَا قَالَتْ.\nلِأَنَّهَا أَقَرَّتْ عَلَى نَفْسِهَا بِالرِّقِّ بِسَبَبٍ هُوَ ظَاهِرٌ. فَإِنَّهَا أُخِذَتْ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، وَحُكْمُ الشِّرْكِ ظَاهِرٌ فِيهَا.\n٩٢٩ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ ذِمِّيًّا أَوْ ذِمِّيَّةً لَحِقَتَا بِدَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ أُخِذَا فَقَالَا: خَرَجْنَا نَاقِضَيْنِ لِلْعَهْدِ. كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُمَا، وَكَانَا فَيْئًا؛ لِأَنَّهُمَا أَقَرَّا بِالرِّقِّ عَلَى أَنْفُسِهِمَا.\nوَكُلُّ هَذَا يُوَضِّحُ مَا سَبَقَ أَنَّ شَهَادَةَ الْمُسْلِمَيْنِ بِأَنَّهَا أَسْلَمَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ إقْرَارِهَا بِالرِّقِّ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَبَبِ رِدَّتِهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ.\n٩٣٠ - وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمَةً فِي دَارِ الْإِسْلَامِ حُرَّةً مَعْرُوفَةَ الْأَبَوَيْنِ تَعَلَّقَ بِهَا رَجُلٌ وَقَالَ: هِيَ أَمَةٌ لِي. فَقَالَتْ: صَدَقْت قَدْ كُنْت","vol":"1","page":568},{"text":"ارْتَدَدْت وَلَحِقْت بِدَارِ الْحَرْبِ (ص ١٩٠) فَسَبَانِي وَأَخْرَجَنِي. فَهِيَ أَمَةٌ لَهُ فِي الْقِيَاسِ.\nلِأَنَّهُمَا تَصَادَقَا عَلَى سَبَبٍ يُوجِبُ الْمِلْكَ لَهُ فِيهَا. فَيُجْعَلُ مَا تَصَادَقَا عَلَيْهِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ أَوْ بِالْبَيِّنَةِ.\nيُوَضِّحُهُ أَنَّهَا تُقِرُّ عَلَى نَفْسِهَا بِمَا يُتْلِفُهَا حُكْمًا وَهُوَ الرِّقُّ. وَلَوْ أَقَرَّتْ عَلَى نَفْسِهَا بِمَا يُتْلِفُهَا حَقِيقَةً مِنْ قِصَاصٍ أَوْ رَجْمٍ وَجَبَ قَبُولُ قَوْلِهَا؛ لِأَنَّهَا مُخَاطَبَةٌ. فَهُنَا أَوْلَى. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا تُصَدَّقُ، وَهِيَ حُرَّةٌ لَا سَبِيلَ عَلَيْهَا.\nلِأَنَّهَا تُقِرُّ بِمَا لَا تَمْلِكُ إنْشَاءَهُ، فَإِنَّ حُرِّيَّةَ الْأَصْلِ تَثْبُتُ لَهَا لِحُرِّيَّةِ الْأَبَوَيْنِ عَلَى وَجْهٍ وَلَا تَمْلِكُ إبْطَالَهُ، وَهِيَ مُتَّهَمَةٌ فِيمَا أَقَرَّتْ بِهِ مِنْ السَّبَبِ، فَإِنَّ النِّسَاءَ جُبِلْنَ عَلَى الْمَيْلِ إلَى الْهَوَى، فَلَعَلَّهَا أَحَبَّتْ هَذَا الرَّجُلَ وَهُوَ لَا يَرْغَبُ فِيهَا بِالنِّكَاحِ فَأَقَرَّتْ لَهُ بِالرِّقِّ بِهَذَا السَّبَبِ كَاذِبَةً لِيَحْصُلَ مُرَادُهَا.\nوَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا عُرِفَ لِحَاقُهَا بِدَارِ الْحَرْبِ.\nلِأَنَّ هُنَاكَ الظَّاهِرُ يَشْهَدُ لَهُمَا فِيمَا قَالَا. فَإِنَّ الْمُسْلِمَةَ لَا تَلْحَقُ بِدَارِ الْحَرْبِ مَا دَامَتْ مُصِرَّةً عَلَى الْإِسْلَامِ عَادَةً. يُوَضِّحُهُ: أَنَّ اعْتِقَادَهَا بَاطِنٌ لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ قَبُولِ قَوْلِهَا فِيهِ.\nفَأَمَّا لُحُوقُهَا بِدَارِ الْحَرْبِ فَظَاهِرٌ يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى قَبُولِ قَوْلِهَا فِي ذَلِكَ.","vol":"1","page":569},{"text":"تَقْرِيرُهُ: هُوَ أَنَّ دَارَ الْحَرْبِ دَارُ سَبْيٍ وَاسْتِرْقَاقٍ. فَإِذَا عَرَفْت لِحَاقَهَا فَإِنَّمَا أَصَابَهَا مِنْ مَوْضِعِ الِاسْتِرْقَاقِ، فَتَكُونُ أَمَةً لَهُ، مَا لَمْ يَظْهَرْ الْمَانِعُ وَهُوَ إسْلَامُهَا عِنْدَ الْأَخْذِ.\nفَأَمَّا دَارُ الْإِسْلَامِ فَلَيْسَ بِدَارِ اسْتِرْقَاقٍ بَلْ دَارُ حُرِّيَّةٍ مُتَأَكِّدَةٍ، فَلَا تَبْطُلُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهَا إذَا لَمْ يُعْلَمْ صِدْقُهَا فِي ذَلِكَ. وَالذِّمِّيَّةُ فِي هَذَا كَالْمُسْلِمَةِ. فَأَمَّا الْحُرُّ الذِّمِّيُّ إذَا قَالَ ذَلِكَ وَلَمْ يُعْرَفْ صِدْقُهُ وَلُحُوقُهُ بِدَارِ الْحَرْبِ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ وَالْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُمَا مَعْنَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي حُرِّيَّةِ الرَّجُلِ كَمَا فِي حُرِّيَّةِ الْمَرْأَةِ، وَلِهَذَا قَبِلَا الشَّهَادَةَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى، وَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُوَ عَبْدٌ سَوَاءٌ عُرِفَ لِحَاقُهُ أَوْ لَمْ يُعْرَفْ؛ لِأَنَّ مَعْنَى حَقِّهِ هُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي حُرِّيَّتِهِ عِنْدَهُ، وَلِهَذَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى عِتْقِ الْعَبْدِ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى. وَلِأَنَّ مَعْنَى الْمَيْلِ إلَى الْهَوَى مُنْعَدِمٌ فِي حَقِّ الرَّجُلِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْإِقْرَارِ مَعْنَى حِلِّ الْفَرْجِ بِالْمِلْكِ بِخِلَافِ إقْرَارِ الْمَرْأَةِ.\n٩٣١ - وَلَوْ خَرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَمَعَهُ حَرْبِيٌّ: رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ. فَقَالَ: أَمَّنْته بِالْعَرَبِيَّةِ وَأَخْرَجْته، وَقَالَ الْحَرْبِيُّ: أَبْطَلَ وَلَكِنَّهُ آمَنَنِي بِالْفَارِسِيَّةِ، وَثَبَتَا عَلَى الِاخْتِلَافِ فَهُوَ آمِنٌ. لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى السَّبَبِ وَالْحُكْمِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْعِبَارَةِ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِهَذَا الِاخْتِلَافِ، خُصُوصًا فِي الْأَمَانِ. فَقَدْ ثَبَتَ مِنْ غَيْرِ عِبَارَةٍ. وَإِذَا كَانَ الِاخْتِلَافُ، فِي الْعِبَارَةِ لَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ فَكَيْفَ يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْأَمَانِ؟\n٩٣٢ - وَكَذَلِكَ لَوْ اخْتَلَفَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي آمَنَهُ فِيهِ، أَوْ فِي الْمَكَانِ أَوْ فِي الْكِتَابِ وَالرِّسَالَةِ. وَالْأَمَانُ بِاللِّسَانِ.","vol":"1","page":570},{"text":"لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى مَا هُوَ الْمَقْصُودُ. وَالْأَمَانُ مِمَّا يُعَادُ وَيُكَرَّرُ. فَالِاخْتِلَافُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَا يَمْنَعُ الْحُكْمَ بِمَا هُوَ الْمَقْصُودُ.\n٩٣٣ - وَلَوْ قَالَ الْمُسْلِمُ: أَسْلَمَ فَخَرَجَ مَعِي. وَقَالَ الْحَرْبِيُّ: بَلْ آمَنَنِي. فَهُوَ فَيْءٌ. لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ هُنَا بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ بِالسَّبَبِ، فَإِنَّ الْمُسْلِمَ يَسْتَفِيدُ الْأَمَانَ مِنْ قِبَلِ إيمَانِهِ، وَالْمُسْتَأْمَنُ إنَّمَا يَسْتَفِيدُ الْأَمَانَ مِنْ جِهَةِ مَنْ آمَنَهُ، فَمَعَ اخْتِلَافِهِمَا لَا يَثْبُتُ وَاحِدٌ مِنْ الْأَمْرَيْنِ\n٩٣٤ - وَإِنْ قَالَ: سَأَلَنِي أَنْ يَخْرُجَ مَعِي وَيَكُونَ ذِمِّيًّا فَأَعْطَيْته ذَلِكَ. وَقَالَ الْحَرْبِيُّ: بَلْ آمَنَنِي. فَهُوَ آمِنٌ هُنَا. لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى الْحُكْمِ، وَهُوَ ثُبُوتُ الْأَمَانِ لَهُ مِنْ جِهَةِ هَذَا الْمُسْلِمِ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي سَبَبِهِ (ص ١٩١) وَالْمُسْلِمُ يَدَّعِي عَلَيْهِ زِيَادَةً وَهُوَ احْتِبَاسُهُ فِي دَارِنَا وَالْتِزَامُهُ الْجِزْيَةَ، فَلَا تَثْبُتُ تِلْكَ الزِّيَادَةُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ، وَيَبْقَى أَصْلُ الْأَمَانِ لَهُ بِاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ، فَيَرْجِعُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ إنْ شَاءَ.\n٩٣٥ - وَلَوْ كَانَ مَعَ الْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ فِي دَارِنَا جَارِيَةٌ لَهُ فَأَعْتَقَهَا كَانَ لَهَا أَنْ تَرْجِعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ. لِأَنَّهَا مُسْتَأْمَنَةٌ تَبَعًا لَهُ، حَتَّى لَوْ أَرَادَ إعَادَتَهَا إلَى دَارِ الْحَرْبِ كَانَ مُمَكَّنًا مِنْ ذَلِكَ، فَإِعْتَاقُهُ إيَّاهَا لَا يُبْطِلُ ذَلِكَ الْحُكْمَ.\n٩٣٦ - وَلَوْ بَاعَهَا مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ صَارَتْ ذِمِّيَّةً تَبَعًا لِمَوْلَاهَا.","vol":"1","page":571},{"text":"لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا.\n٩٣٧ - فَإِنْ أَعْتَقَهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَرْجِعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ.\nلِأَنَّهَا بَعْدَ مَا صَارَتْ ذِمِّيَّةً لَا تَعُودُ حَرْبِيَّةً بِالْعِتْقِ.\n٩٣٨ - وَلَوْ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا فَرَدَّهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَعُودَ بِهَا إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَلَكِنْ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهَا لِأَنَّهَا صَارَتْ ذِمِّيَّةً بِالشِّرَاءِ، وَثَبَتَ الْمِلْكُ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ فِيهَا، فَكَانَتْ بِمَنْزِلَةِ أَمَةٍ ذِمِّيَّةٍ اشْتَرَاهَا الْمُسْتَأْمَنُ.\n٩٣٩ - فَإِنْ كَانَ بَاعَهَا مِنْ مُسْتَأْمَنٍ مِثْلِهِ فَأَعْتَقَهَا الْمُشْتَرِي فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْبَائِعِ، فَلَهَا أَنْ تَعُودَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ كَمَا لَوْ كَانَ الْبَائِعُ أَعْتَقَهَا بِنَفْسِهِ.\nلِأَنَّ حَالَهُمَا سَوَاءٌ. وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي مِنْ أَهْلِ دَارِ أُخْرَى لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَعُودَ إلَى وَاحِدَةٍ مِنْ الدَّارَيْنِ.\nلِأَنَّ تَبَعِيَّةَ الْبَائِعِ انْقَطَعَتْ بِالْبَيْعِ، وَمَا كَانَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يُخْرِجَهَا إلَى دَارِ نَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يُعْتِقَهَا، فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْعِتْقِ لَا يَكُونُ لَهَا أَنْ تَرْجِعَ إلَى دَارِهِ. وَهَذَا لِأَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ إنَّمَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إعَادَةِ مَا أَخْرَجَهُ مِنْ دَارِهِ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَ هَذِهِ الْأَمَةَ","vol":"1","page":572},{"text":"مِنْ دَارِهِ، وَإِذَا كَانَ هَذَا الْحُكْمُ ثَابِتًا فِي السِّلَاحِ فَفِي الْآدَمِيِّ أَوْلَى. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهَا اُحْتُبِسَتْ فِي دَارِنَا كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الذِّمِّيَّةِ بَعْدَ الْإِعْتَاقِ. وَقَبْلَ الْإِعْتَاقِ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الذِّمِّيَّةِ.\n٩٤٠ - وَإِنْ رَدَّهَا بِعَيْبٍ عَلَى الْبَائِعِ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ. لِأَنَّهَا بَعْدَ مَا صَارَتْ ذِمِّيَّةً بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى الَّذِي قُلْنَا لَا تَعُودُ حَرْبِيَّةً.\n٩٤١ - وَلَوْ كَانَ بَاعَهَا مِنْ مُسْلِمٍ فَشَهِدَ مُسْلِمَانِ أَنَّ الْحَرْبِيَّ كَانَ أَعْتَقَهَا فِي دَارِنَا قَبْلَ أَنْ يَبِيعَهَا قُبِلَتْ هَذِهِ الشَّهَادَةُ لِمَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى حُرْمَةِ الْفَرْجِ، فَيَبْطُلُ الْبَيْعُ وَيَرُدُّ الْبَائِعُ الثَّمَنَ عَلَى الْمُشْتَرِي. فَإِنْ أَرَادَتْ أَنْ تَخْرُجَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ لَمْ تُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ.\nلِأَنَّ الْبَيْعَ لَهَا ظَهَرَ بُطْلَانُهُ، فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهَا حُرَّةٌ حَرْبِيَّةٌ. فَإِنْ قِيلَ: هِيَ تُقِرُّ بِأَنَّهَا أَمَةٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهَا إلَى الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ. قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَكِنَّ الْقَاضِيَ حَكَمَ بِبُطْلَانِ إقْرَارِهَا بِذَلِكَ، فَلَا يَبْقَى لِإِقْرَارِهَا حُكْمٌ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مُقِرٌّ أَيْضًا بِأَنَّ الثَّمَنَ سَالِمٌ لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَبَضَهَا، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ الرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ حَكَمَ بِخِلَافِ زَعْمِهِ.\n٩٤٢ - وَلَوْ لَمْ يَبِعْهَا الَّذِي أَخْرَجَهَا وَلَكِنَّهُ قَالَ: كَانَتْ زَوْجَتِي فَقَهَرْتهَا وَأَخْرَجْتهَا، فَهِيَ أَمَةٌ لِي، فَقَالَتْ: كُنْت زَوْجَةً لَهُ فَخَرَجْت مَعَهُ غَيْرَ مَقْهُورَةٍ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا.","vol":"1","page":573},{"text":"لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهَا. فَإِنَّهَا خَرَجَتْ وَلَيْسَ عَلَيْهَا أَثَرُ الْقَهْرِ.\nثُمَّ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا إنْ أَسْلَمَا بِإِقْرَارِهِ. فَقَدْ أَقَرَّ أَنَّهَا صَارَتْ أَمَةً لَهُ، وَذَلِكَ مُنَافٍ لِلنِّكَاحِ، وَإِقْرَارُهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ.\nفَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ حَكَمَ الْإِمَامُ هُنَا بِأَنَّهَا حُرَّةٌ فَلِمَاذَا يُعْتَبَرُ إقْرَارُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُ حَكَمَ بِذَلِكَ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهَا وَنَوْعٍ مِنْ الظَّاهِرِ. (ص ١٩٢) وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ تَكْذِيبَ الْمُقِرِّ لَا مَحَالَةَ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا ادَّعَى قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ وَقُضِيَ بِهَا أَمَةً لَهُ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ فَقَدْ حُكِمَ هُنَاكَ بِحُرِّيَّتِهَا بِحُجَّةٍ تَامَّةٍ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ عَلَى رِقِّهَا بَعْدَ ذَلِكَ.\n٩٤٣ - وَاسْتَوْضَحَ هَذَا بِمُسْلِمٍ تَحْتَهُ مُسْلِمَةٌ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا إذَا زَعَمَ أَنَّهَا ارْتَدَّتْ مِنْ الْإِسْلَامِ وَجَحَدَتْ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ. فَإِنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِإِقْرَارِهِ، وَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ.\nلِأَنَّهُ غَيْرُ مُصَدِّقٍ عَلَيْهَا فِي إبْطَالِ حَقِّهَا، وَإِنْ كَانَ مُصَدِّقًا عَلَى نَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الْحَرْبِيِّ.\nفَإِنْ قَالَ الْإِمَامُ: اسْتَحْلِفْهَا مَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قُلْت. فَلَا يَمِينَ عَلَيْهَا فِي قِيَاسِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.\nلِأَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهَا الرِّقَّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يَرَى الِاسْتِحْلَافَ فِي دَعْوَى الرِّقِّ.","vol":"1","page":574},{"text":"وَعِنْدَهُمَا يَسْتَحْلِفُهَا عَلَى مَا ادَّعَى مِنْ سَبَبِ الرِّقِّ عَلَيْهَا، فَإِنْ نَكَلَتْ قُضِيَ بِكَوْنِهَا أَمَةً؛ لِأَنَّ نُكُولَهَا بِمَنْزِلَةِ إقْرَارِهَا، وَمِنْ أَصْلِهِمَا الْقَضَاءُ بِالنُّكُولِ فِي دَعْوَى الرِّقِّ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.","vol":"1","page":575},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>[بَابٌ مِنْ الْأَمَانِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ وَبَعْدَ نَهْيِ الْإِمَامِ]</span>\n- بَابٌ مِنْ الْأَمَانِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ وَبَعْدَ نَهْيِ الْإِمَامِ - وَإِذَا حَاصَرَ الْمُسْلِمُونَ حِصْنًا فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤَمِّنَ أَهْلَ الْحِصْنِ وَلَا أَحَدًا مِنْهُمْ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ.\nلِأَنَّهُمْ أَحَاطُوا بِالْحِصْنِ لِيَفْتَحُوهُ، وَالْأَمَانُ يَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ هَذَا الْمُرَادِ فِي الظَّاهِرِ. وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَكْتَسِبَ سَبَبَ الْحَيْلُولَةِ بَيْنَ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ مُرَادِهِمْ، خُصُوصًا فِيمَا فِيهِ قَهْرُ الْعَدُوِّ. وَلِأَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ تَجِبُ طَاعَةُ الْأَمِيرِ عَلَيْهِ. فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْقِدَ عَقْدًا يَلْزَمُ الْأَمِيرَ طَاعَتُهُ فِي ذَلِكَ إلَّا بِرِضَاهُ. وَلِأَنَّ مَا يَكُونُ مَرْجِعُهُ إلَى عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ فِي النَّفْعِ وَالضَّرَرِ فَالْإِمَامُ هُوَ الْمَنْصُوبُ لِلنَّظَرِ فِي ذَلِكَ، فَالِافْتِيَاتُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى الِاسْتِخْفَافِ بِالْإِمَامِ، وَلَا يَنْبَغِي لِلرَّعِيَّةِ أَنْ يُقْدِمُوا عَلَى مَا فِيهِ اسْتِخْفَافٌ بِالْإِمَامِ.\n- فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ جَائِزٌ.\nلِأَنَّ عِلَّةَ (؟) صِحَّةِ الْأَمَانِ ثَابِتٌ وَمُتَكَامِلٌ فِي حَقِّ كُلِّ مُسْلِمٍ، عَلَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي قَوْلِهِ «يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ» وَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَكُفَّ عَنْ قِتَالِهِمْ حَتَّى يَنْبِذَ إلَيْهِمْ بَعْدَمَا يَرُدُّهُمْ إلَى مَأْمَنِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا أُخْرِجُوا.","vol":"1","page":576},{"text":"- وَإِنْ رَأَى أَنْ يُؤَدَّبَ الَّذِي آمَنَهُمْ فَعَلَ.\nلِأَنَّهُ أَسَاءَ الْأَدَبَ حِينَ فَعَلَ مَا يَرْجِعُ إلَى الِاسْتِخْفَافِ بِالْإِمَامِ، وَلَوْ لَمْ يُؤَدِّبْهُ اجْتَرَأَ غَيْرُهُ عَلَى مِثْلِهِ، وَذَلِكَ يَقْدَحُ فِي السِّيَاسَةِ وَتَدْبِيرِ الْإِمَارَةِ. إلَّا أَنَّهُ إذَا آمَنَهُمْ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ مِنْهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَظَهَرَ ذَلِكَ لِلْإِمَامِ فَإِنَّهُ لَا يُؤَدِّبُهُ فِي ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُ قَصَدَ بِفِعْلِهِ تَوْفِيرَ الْمَنْفَعَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَرُبَّمَا تَفُوتُهُمْ تِلْكَ الْمَنْفَعَةُ لَوْ أَخَّرَهُ إلَى اسْتِطْلَاعِ رَأْيِ الْإِمَامِ، وَفِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ يُبَاحُ لَهُ إعْطَاءُ الْأَمَانِ.\nفَإِنَّ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ إذَا قَالَ لَهُ سِرًّا: آمِنِّي عَلَى أَنْ أَدُلَّكُمْ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ، أَوْ عَلَى أَنْ أَفْتَحَ لَك الْحِصْنَ، وَخَافَ إنْ لَمْ يُؤَمِّنْهُ أَنْ يَفُوتَهُ مَا وَعَدَهُ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا إشْكَالَ أَنَّ لَهُ أَنْ يُؤَمِّنَهُ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْمَانِ الْإِمَامِ.\nلِأَنَّ الْأَمَانَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ يَرْجِعُ إلَى تَحْصِيلِ مَقْصُودِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ يَسْتَوْجِبُ الشُّكْرَ عَلَى ذَلِكَ لَا التَّأْدِيبَ، فَلَا يُؤَدِّبُهُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ.\n\n- وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا آمَنَ وَاحِدًا مِنْهُمْ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ عَلَى أَنْ يَنْزِلَ مِنْ حِصْنِهِ إلَى الْمُعَسْكَرِ. فَلَمَّا قَبَضَ الدَّنَانِيرَ وَجَاءَ بِهِ إلَى عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ عَلِمَ بِهِ الْإِمَامُ. فَقَدْ أَسَاءَ الْمُسْلِمُ فِي ذَلِكَ وَأَمَانُهُ جَائِزٌ كَمَا لَوْ فَعَلَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ.\nثُمَّ يَنْظُرُ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ.","vol":"1","page":577},{"text":"- فَإِنْ كَانَ شَرَطَ لَهُ الْمُسْلِمُ أَنَّهُ آمِنٌ حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْ أَرْضِ الْحَرْبِ فَالْإِمَامُ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ رَدَّ الدَّنَانِيرَ عَلَيْهِ وَرَدَّهُ إلَى مَأْمَنِهِ، (ص ١٩٣) وَإِنْ شَاءَ وَفَّى بِمَا شَرَطَ لَهُ وَأَخَذَ الدَّنَانِيرَ فَجَعَلَهَا غَنِيمَةً لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ.\nلِأَنَّ الْمُعْطِيَ لِلْأَمَانِ إنَّمَا يُمَكَّنُ مِنْ أَخْذِ الدَّنَانِيرِ بِقُوَّةِ الْعَسْكَرِ، فَلَا يَخْتَصُّ بِهَا وَلَكِنْ يُجْعَلُ فِعْلُهُ لِذَلِكَ كَفِعْلِ الْأَمِيرِ أَوْ فِعْلِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ.\n- وَإِنْ كَانَ شَرَطَ لَهُ أَنْ يَنْزِلَ إلَى الْعَسْكَرِ فَيَلْقَى رَجُلًا فِي حَاجَةٍ لَهُ، ثُمَّ يَعُودُ إلَى حِصْنِهِ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يُمْضِي هَذَا الْأَمَانَ وَيَجْعَلُ الدَّنَانِيرَ غَنِيمَةً لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ.\nلِأَنَّ مَعْنَى النَّظَرِ هُنَا مُتَعَيَّنٌ فِي تَنْفِيذِ هَذَا الْأَمَانِ. فَإِنَّهُ آمِنٌ فِينَا حَتَّى يَعُودَ إلَى حِصْنِهِ. فَإِنْ رَدَّ عَلَيْهِ الدَّنَانِيرَ فَلَا فَائِدَةَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي رَدِّهَا بِخِلَافِ الْأَوَّلِ.\n- فَإِنْ لَمْ يَعُدْ إلَى حِصْنِهِ حَتَّى فُتِحَ الْحِصْنُ فَهُوَ آمِنٌ فِينَا حَتَّى يَبْلُغَ مَأْمَنَهُ مِنْ أَرْضِ الْحَرْبِ.\nوَلَا فَائِدَةَ فِي رَدِّ الدَّنَانِيرِ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ لَا يَتَعَرَّضُ لَهُ حَتَّى يَصِلَ إلَى مَأْمَنِهِ، وَالدَّنَانِيرُ فَيْءٌ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ.\n- وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمُسْلِمُ آمَنَ أَهْلَ الْحِصْنِ شَهْرًا عَلَى مِائَةِ","vol":"1","page":578},{"text":"دِينَارٍ وَأَخَذَهَا مِنْهُمْ، فَالْإِمَامُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ رَدَّ الدَّنَانِيرَ وَنَبَذَ إلَيْهِمْ، وَإِنْ شَاءَ أَجَازَ أَمَانَهُ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُمْ حَتَّى يَمْضِيَ شَهْرٌ، وَأَخَذَ الْمِائَةَ الدَّنَانِيرِ فَجَعَلَهَا فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ.\n؛ لِأَنَّ فِي كُلِّ جَانِبٍ تَوَهُّمَ الْمَنْفَعَةِ عَسَى، فَإِنَّهُ إنْ طَمِعَ فِي فَتْحِ الْحِصْنِ قَبْلَ مُضِيِّ شَهْرٍ فَالْمَنْفَعَةُ فِي رَدِّ الدَّنَانِيرِ، وَإِنْ لَمْ يَطْمَعْ فِي ذَلِكَ فَالْمَنْفَعَةُ فِي أَخْذِ الدَّنَانِيرِ وَإِمْضَاءِ الْأَمَانِ. فَلِهَذَا يُخَيَّرُ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ.\n\n- وَلَوْ أَنَّ الْأَمِيرَ أَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى فِي الْعَسْكَرِ: إنَّ مَنْ آمَنَ مِنْكُمْ أَهْلَ الْحِصْنِ أَوْ وَاحِدًا مِنْهُمْ فَأَمَانُهُ بَاطِلٌ، ثُمَّ آمَنَهُمْ مُسْلِمٌ بِجُعْلٍ أَوْ بِغَيْرِ جُعْلٍ فَأَمَانُهُ جَائِزٌ.\nلِأَنَّ الْعِلَّةَ الْمُوجِبَةَ لِصِحَّةِ الْأَمَانِ مِنْ الْمُسْلِمِ لَمْ تَنْعَدِمْ بِهَذَا النِّدَاءِ. وَوِلَايَةُ الْأَمَانِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ ثَابِتَةٌ شَرْعًا كَوِلَايَةِ الشَّهَادَةِ، وَلَا تَنْعَدِمُ هَذِهِ الْوِلَايَةُ بِنَهْيِ الْإِمَامِ.\nثُمَّ أَهْلُ الْحَرْبِ لَا يَعْلَمُونَ هَذَا النَّهْيَ، فَلَوْ لَمْ يَصْلُحْ أَمَانُ هَذَا الْمُسْلِمِ بَعْدَ هَذَا النَّهْيِ رَجَعَ إلَى الْغُرُورِ وَهُوَ حَرَامٌ، إلَّا أَنَّ لِلْأَمِيرِ أَنْ يُؤَدِّبَ الَّذِي آمَنَ بِالْحَبْسِ وَالْعُقُوبَةِ إنْ كَانَ لَمْ يُؤَمِّنْهُمْ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ.\nلِأَنَّ إسَاءَةَ الْأَدَبِ هَهُنَا أَبْلَغُ مِنْهَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ جَاهَرَ بِمُخَالَفَةِ الْإِمَامِ فَيَسْتَوْجِبُ الْحَبْسَ وَالْعُقُوبَةَ بِهَذَا.","vol":"1","page":579},{"text":"- فَإِنْ أَمَرَ بِأَنْ يُنَادَى أَهْلُ الْحِصْنِ أَوْ يَكْتُبَ إلَيْهِمْ أَوْ يُرْسِلَ إلَيْهِمْ رَسُولًا: إنْ آمَنَكُمْ وَاحِدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَا تَغْتَرُّوا بِأَمَانِهِ، فَإِنَّ أَمَانَهُ بَاطِلٌ. ثُمَّ آمَنَهُمْ رَجُلٌ فَنَزَلُوا عَلَى أَمَانِهِ، فَهُمْ فَيْءٌ.\nلَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ أَمَانَ الْمُسْلِمِ لَا يَصِحُّ بَعْدَ هَذَا النَّهْيِ وَلَكِنْ لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنْ الْإِمَامِ بِمَنْزِلَةِ النَّبْذِ إلَيْهِمْ، وَكَمَا يَصِحُّ نَبْذُهُ إلَيْهِمْ بَعْدَ الْأَمَانِ يَصِحُّ قَبْلَ الْأَمَانِ. إذْ الْمَقْصُودُ بِالنَّبْذِ دَفْعُ الْغُرُورِ. وَذَلِكَ يَنْتَفِي فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، إذَا كَانَ النَّبْذُ لَوْ طَرَأَ عَلَى الْأَمَانِ دُفِعَ ثُبُوتُ حُكْمِهِ، فَإِذَا اقْتَرَنَ بِالْأَمَانِ مُنِعَ ثُبُوتُ حُكْمِهِ. بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. فَهُنَاكَ لَا عِلْمَ لِأَهْلِ الْحَرْبِ بِنَهْيِ الْأَمِيرِ. وَالنَّبْذُ إلَيْهِمْ لَمْ يَتَحَقَّقْ مَا لَمْ يَعْلَمُوا بِهِ. وَإِنَّمَا صَحَّ النَّبْذُ قَبْلَ الْأَمَانِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ. فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ تَمَكَّنَ بَعْضُ فُسَّاقِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَحُولَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ فَتْحِ حُصُونِهِمْ بِأَنْ يُؤَمِّنَهُمْ كُلَّمَا نَبَذَ الْأَمِيرُ إلَيْهِمْ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، فَلَا يَظْفَرُونَ بِحِصْنٍ أَبَدًا. فَلِدَفْعِ هَذَا الضَّرَرِ صَحَّ النَّبْذُ إلَيْهِمْ قَبْلَ الْأَمَانِ لِلْإِعْذَارِ وَالْإِنْذَارِ.\n\n- وَلَوْ كَانَ قَالَ لَهُمْ: لَا أَمَانَ لَكُمْ إنْ آمَنَكُمْ رَجُلٌ مُسْلِمٌ حَتَّى أُؤَمِّنَكُمْ أَنَا. ثُمَّ أَتَاهُمْ مُسْلِمٌ فَقَالَ: إنِّي رَسُولُ (ص ١٩٤) الْأَمِيرِ إلَيْكُمْ، قَدْ آمَنَكُمْ، فَنَزَلُوا عَلَى ذَلِكَ. فَهُمْ آمِنُونَ. وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ كَذَبَ فِي ذَلِكَ.\nلِأَنَّ عِبَارَةَ الرَّسُولِ كَعِبَارَةِ الْمُرْسِلِ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا إذَا ثَبَتَتْ الرِّسَالَةُ، فَأَمَّا إذَا كَذَبَ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ تُجْعَلَ","vol":"1","page":580},{"text":"عِبَارَتُهُ كَعِبَارَةِ الْأَمِيرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلْهُ، وَلَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُ الْأَمَانِ لَهُمْ مِنْ جِهَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ آمَنْتُكُمْ لَا يَصِحُّ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَمَانُهُ بَاطِلًا. قُلْنَا: نَعَمْ. وَلَكِنْ حِينَ أُخْرِجَ الْكَلَامُ مَخْرَجَ الرِّسَالَةِ فَقَدْ تَحَقَّقَ مَعْنَى الْغُرُورِ، إذَا لَا طَرِيقَ إلَى الْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَةِ كَلَامِهِ أَنَّهُ صَادِقٌ فِي ذَلِكَ أَوْ كَاذِبٌ. وَإِذَا كَانَ عَقْلُهُ وَدِينُهُ يَدْعُوهُ إلَى الصِّدْقِ وَيَمْنَعُهُ مِنْ الْكَذِبِ وَسِعَهُمْ أَنْ يَعْتَمِدُوا عَلَى هَذَا الظَّاهِرِ، فَلَوْ لَمْ يَصِحَّ الْأَمَانُ أَدَّى إلَى الْغُرُورِ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَضَافَ الْأَمَانَ إلَى نَفْسِهِ.\n- فَإِنْ كَانَ الْأَمِيرُ قَالَ لَهُمْ: لَا أَمَانَ لَكُمْ إنْ آمَنَكُمْ مُسْلِمٌ أَوْ أَتَاكُمْ بِرِسَالَةٍ مِنِّي، حَتَّى آتِيكُمْ أَنَا فَأُؤَمِّنَكُمْ بِنَفْسِي، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَهُمْ فَيْءٌ.\nلِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ النَّبْذِ لِكُلِّ أَمَانٍ إلَيْهِمْ إلَّا أَمَانًا يَسْمَعُونَهُ مِنْ لِسَانِهِ، وَلِأَنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَاجِبٌ. وَلَا طَرِيقَ لِلْأَمِيرِ فِي دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُمْ إلَّا مَا فَعَلَهُ مِنْ التَّقْدِمَةِ إلَيْهِمْ، فَلَوْ لَمْ يُصَحِّحْ ذَلِكَ أَدَّى إلَى أَنْ يَتَمَكَّنَ الْفَاسِقُ مِنْ إفْسَادِ الْجِهَادِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ. إلَّا أَنَّ فِي هَذَا الْفَصْلِ إنْ كَانَ الْأَمِيرُ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ إلَيْهِمْ لِيُبْلِغَهُمْ الْأَمَانَ فَفَعَلَ فَهُمْ آمِنُونَ. لِأَنَّ عِبَارَةَ الرَّسُولِ كَعِبَارَةِ الْمُرْسِلِ، فَكَأَنَّهُ آمَنَهُمْ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ بِمَا تَقَدَّمَ إلَيْهِمْ قَصَدَ أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنْ الِاعْتِمَادِ عَلَى خَبَرِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولٌ، كَاذِبًا، وَلَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ الِاعْتِمَادِ عَلَى خَبَرِ مَنْ يُرْسِلُهُ إلَيْهِمْ حَقِيقَةً، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا أَبْطَلْنَا الْخَبَرَ إذَا كَانَ","vol":"1","page":581},{"text":"الرَّسُولُ كَاذِبًا لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِيمَا إذَا كَانَ الرَّسُولُ صَادِقًا.\nيُوَضِّحُهُ: أَنَّهُ إذَا أَرْسَلَ إلَيْهِمْ بَعْدَ تِلْكَ الْمَقَالَةِ. فَذَلِكَ رُجُوعٌ مِنْهُ عَنْ تِلْكَ الْمَقَالَةِ، وَرُجُوعُهُ صَحِيحٌ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُمْ: إذَا آمَنْتُكُمْ فَأَمَانِي بَاطِلٌ. ثُمَّ آمَنَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ أَمَانًا صَحِيحًا. بِاعْتِبَارِ أَنَّ هَذَا رُجُوعٌ عَمَّا قَالَهُ لَهُمْ، وَذَلِكَ الْقَوْلُ مَا كَانَ مُلْزِمًا إيَّاهُ شَيْئًا فَيَصِحُّ رُجُوعُهُ عَنْهُ.\n\n- وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا وَادَعَ أَهْلَ الْحَرْبِ سَنَةً عَلَى أَلْفِ دِينَارٍ جَازَتْ مُوَادَعَتُهُ، وَلَمْ يَحِلَّ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَغْزُوهُمْ، وَإِنْ قَتَلُوا وَاحِدًا مِنْهُمْ غَرِمُوا دِيَتَهُ.\nلِأَنَّ أَمَانَ الْوَاحِدِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِمَنْزِلَةِ أَمَانِ جَمَاعَتِهِمْ.\n- وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْإِمَامُ بِذَلِكَ حَتَّى مَضَتْ سَنَةٌ أَمْضَى مُوَادَعَتَهُ وَأَخَذَ الْمَالَ فَجَعَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ.\nلِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْمُسْلِمِينَ مُتَعَيِّنَةٌ فِي إمْضَاءِ الْمُوَادَعَةِ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ إذَا أَجَّرَ نَفْسَهُ وَسَلِمَ مِنْ الْعَمَلِ، فَإِنَّهُ يَنْفُذُ الْعَقْدُ وَتَكُونُ الْأُجْرَةُ لِلْمَوْلَى. وَإِنْ كَانَ لَوْ عَلِمَ بِهِ الْمَوْلَى قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ فَسْخِ الْإِجَارَةِ.","vol":"1","page":582},{"text":"ثُمَّ إنَّمَا أَخَذَ هَذَا الْمَالَ مِنْهُمْ بِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ خَوْفَ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ لَا مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ؛ فَلِهَذَا يَأْخُذُ الْمَالَ مِنْهُمْ فَيَجْعَلُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ مُعَدًّا لِنَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ.\n- وَإِنْ عَلِمَ بِمُوَادَعَتِهِ قَبْلَ مُضِيِّ السَّنَةِ، فَإِنَّهُ يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ. فَإِنْ كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي إمْضَاءِ تِلْكَ الْمُوَادَعَةِ أَمْضَاهَا وَأَخَذَ الْمَالَ فَجَعَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ.\nلِأَنَّ لَهُ أَنْ يُنْشِئَ الْمُوَادَعَةَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ إذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهَا، فَلَأَنْ يُمْضِيَهَا كَانَ أَوْلَى.\nوَإِنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي إبْطَالِهَا رَدَّ الْمَالَ إلَيْهِمْ ثُمَّ نَبَذَ إلَيْهِمْ وَقَاتَلَهُمْ.\nلِأَنَّ أَمَانَ الْمُسْلِمِ كَانَ صَحِيحًا وَالتَّحَرُّزَ عَنْ الْغَدْرِ وَاجِبٌ.\n- فَإِنْ كَانَ مَضَى نِصْفُ السَّنَةِ (ص ١٩٥)، فَفِي الْقِيَاسِ يَرُدُّ نِصْفَ الْمَالِ وَيُمْسِكُ النِّصْفَ لِلْمُسْلِمِينَ.\nاعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ وَقِيَاسًا لِلْمُوَادَعَةِ، فِي مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ وَقِيَاسًا عَلَى الْإِجَارَةِ. وَهُنَاكَ إذَا انْفَسَخَ الْعَقْدُ فِي بَعْضِ الْمُدَّةِ يَسْقُطُ مِنْ الْأَجْرِ بِحِسَابِ مَا بَقِيَ، وَيَتَقَرَّرُ بِحِسَابِ مَا مَضَى.\nوَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَرُدُّ الْمَالَ كُلَّهُ.\nلِأَنَّهُمْ مَا الْتَزَمُوا الْمَالَ إلَّا بِشَرْطِ أَنْ يُسَلِّمَ لَهُمْ الْمُوَادَعَةَ فِي جَمِيعِ الْمُدَّةِ،","vol":"1","page":583},{"text":"وَالْجَزَاءُ إنَّمَا يَثْبُتُ بِاعْتِبَارِ الشَّرْطِ جُمْلَةً، وَلَا يَتَوَزَّعُ عَلَى أَجْزَائِهِ. وَكَلِمَةُ عَلَى، لِلشَّرْطِ حَقِيقَةً. وَالْمُوَادَعَةُ فِي الْأَصْلِ لَيْسَتْ مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ، فَجَعَلْنَا هَذِهِ الْكَلِمَةَ فِيهَا عَامِلَةً بِحَقِيقَتِهَا. فَإِذَا لَمْ يُسَلِّمْ لَهُمْ الْمُوَادَعَةَ سَنَةً كَامِلَةً وَجَبَ رَدُّ الْمَالِ كُلِّهِ عَلَيْهِمْ. وَهَذَا لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَكُونُ خَوْفُهُمْ مِنْ بَعْضِ الْمُدَّةِ دُونَ الْبَعْضِ، فَإِنَّهُمْ يَأْمَنُونَ فِي الشِّتَاءِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ الْعَدُوُّ، وَإِنَّمَا يَخَافُونَ ذَلِكَ فِي الصَّيْفِ. فَإِذَا نَبَذَ إلَيْهِمْ فِي وَقْتِ خَوْفِهِمْ، وَمَنْعَهُمْ بَعْضَ الْمَالِ. لَمْ يَحْصُلْ شَيْءٌ مِنْ مَقْصُودِهِمْ بِهَذَا الشَّرْطِ، وَذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى الْغُرُورِ، فَلِهَذَا يَرُدُّ الْمَالَ إنْ نَبَذَ إلَيْهِمْ قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ.\n- وَإِنْ كَانُوا وَادَعُوهُ ثَلَاثَ سِنِينَ، كُلُّ سَنَةٍ بِأَلْفِ دِينَارٍ، وَقَبَضَ الْمَالَ كُلَّهُ، ثُمَّ أَرَادَ الْإِمَامُ نَقْضَ الْمُوَادَعَةِ بَعْدَ مُضِيِّ سَنَةٍ فَإِنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ الثُّلُثَيْنِ.\nلِأَنَّ الْمُوَادَعَةَ كَانَتْ هَا هُنَا بِحَرْفِ الْبَاءِ، وَهُوَ يَصْحَبُ الْأَعْوَاضَ، فَيَكُونُ الْمَالُ عِوَضًا. فَيَنْقَسِمُ عَلَى الْمُعَوَّضِ بِاعْتِبَارِ الْأَجْزَاءِ، كَيْفَ وَقَدْ فَرَّقَ الْعُقُودَ هَهُنَا بِتَفْرِيقِ التَّسْمِيَةِ قَالَ: كُلُّ سَنَةٍ بِأَلْفِ دِينَارٍ. بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَهُنَاكَ الْعَقْدُ وَاحِدٌ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ، وَالْمَالُ مَذْكُورٌ بِحَرْفِ عَلَى، وَهُوَ حَرْفُ الشَّرْطِ.\nفَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ أَنَّ فِي الْإِجَارَةِ بَيِّنٌ أَنْ يُقْرَنَ بِالْبَدَلِ حَرْفُ الْبَاءِ أَوْ حَرْفُ عَلَى فِي أَنَّهُ يَتَوَزَّعُ الْبَدَلُ عَلَى الْمُدَّةِ، وَكَذَلِكَ فِي بَابِ الْبَيْعِ، فَلِمَاذَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا هُنَا؟ قُلْنَا: لِأَنَّ الْبَيْعَ وَالْإِجَارَةَ مُعَاوَضَةٌ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ، وَلَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ، وَأَمَّا الْمُوَادَعَةُ فَلَيْسَتْ بِمُعَاوَضَةٍ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا تَصِيرُ مُعَاوَضَةً","vol":"1","page":584},{"text":"عِنْدَ التَّصْرِيحِ بِحَرْفِ الْبَاءِ الَّذِي يَصْحَبُ الْأَعْوَاضَ، وَهِيَ تَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ، فَإِذَا ذُكِرَ فِيهَا حَرْفُ الشَّرْطِ كَانَ مَحْمُولًا عَلَى الشَّرْطِ حَقِيقَةً. وَبِهَذَا الْفَصْلِ يَسْتَدِلُّ أَبُو حَنِيفَةَ فِيمَا إذَا قَالَتْ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا: طَلِّقْنِي ثَلَاثًا عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ. فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً، أَنَّهُ لَا يَجِبُ شَيْءٌ مِنْ الْمَالِ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَتْ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ.\nلِأَنَّ الطَّلَاقَ يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ وَهُوَ لَيْسَ بِمُعَاوَضَةٍ، بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ فَيُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ حَرْفِ الْبَاءِ وَعَلَى كَمَا فِي الْأَمَانِ. وَلَكِنَّهُمَا قَالَا: الْخُلْعُ مُعَاوَضَةٌ. وَمَا هُوَ الْمَقْصُودُ لَهَا - وَهُوَ زَوَالُ مِلْكِهِ عَنْهَا - يَحْصُلُ بِالْوَاحِدَةِ. فَرَجَّحْنَا مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ فِيهِ بِخِلَافِ الْأَمَانِ عَلَى مَا قَرَّرْنَا.\n\n- وَلَوْ حَاصَرَ الْمُسْلِمُونَ حِصْنًا فَقَالَ أَمِيرَهُمْ لِأَهْلِ الْحِصْنِ: إنِّي لَعَلِّي أَنْ أُؤَمِّنَكُمْ، فَمَتَى آمَنْتُكُمْ فَأَمَانِي بَاطِلٌ. أَوْ قَالَ: فَلَا أَمَانَ لَكُمْ. أَوْ: فَقَدْ نَبَذْت إلَيْكُمْ. ثُمَّ آمَنَهُمْ، فَأَمَانُهُ بَاطِلٌ كَمَا قَالَ.\nلِأَنَّهُ بَيَّنَ لَهُمْ عَلَى وَجْهٍ انْتَفَى شُبْهَةُ الْغُرُورِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهُوَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْكَلَامِ يَصِيرُ كَأَنَّهُ نَبَذَ إلَيْهِمْ الْأَمَانَ الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ.\nفَإِنْ قِيلَ: لِمَاذَا لَمْ يَجْعَلْ إقْدَامَهُ عَلَى الْأَمَانِ رُجُوعًا عَنْ تِلْكَ الْمَقَالَةِ كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ؟\nقُلْنَا: هُنَاكَ فِي الْوَضْعِ زِيَادَةٌ هُوَ أَنَّهُ آمَنَهُمْ بَعْدَ مَقَالَتِهِ وَقَالَ: قَدْ أَبْطَلْت قَوْلِي لَكُمْ أَنَّهُ لَا أَمَانَ لَكُمْ. فَهَذَا الْبَيَانُ يُظْهِرُ أَنَّهُ رُجُوعٌ. فَأَمَّا هُنَا فَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الرُّجُوعِ عَنْ الْمَقَالَةِ الْأُولَى بَلْ مَا يَدُلُّ عَلَى تَحْقِيقِهَا. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُمْ: إنِّي أُقَاتِلُ أَهْلَ هَذَا الْحِصْنِ مَعَكُمْ، وَقَدْ دَعَوْتهمْ إلَى أَنْ أُؤَمِّنَهُمْ فَلَمْ يُجِيبُونِي. فَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُظْهِرَ لَكُمْ الْأَمَانَ، لَعَلِّي (ص ١٩٦)","vol":"1","page":585},{"text":"إذَا دَعَوْتهمْ أَجَابُونِي. وَهَذَا الْأَمَانُ الَّذِي أُظْهِرُهُ لَكُمْ بَاطِلٌ وَزُورٌ فَلَا تَغْتَرُّوا بِهِ. ثُمَّ آمَنَهُمْ كَانَ ذَلِكَ بَاطِلًا.\nوَهَذَا لِأَنَّ الْأَمَانَ مِمَّا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ، فَإِذَا أَعْلَمَهُمْ أَنَّ تَكَلُّمَهُ بِهِ بَاطِلٌ ثُمَّ تَكَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ.\nوَنَظَائِرُ هَذَا فِي فُصُولِ التَّلْجِئَةِ فِي الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ. وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الْإِكْرَاهِ وَالْإِقْرَارِ.\nوَذَكَرَ بَعْدَ هَذَا بَابَ النُّزُولِ عَلَى الْحُكْمِ، وَقَدْ بَيَّنَّا تَمَامَ شَرْحِ هَذَا الْبَابِ فِيمَا أَمْلَيْنَاهُ مِنْ شَرْحِ الزِّيَادَاتِ.","vol":"1","page":586},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>[بَابُ الْحُكْمِ فِي أَهْلِ الْحَرْبِ إذَا نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ]</span>\n٩٦٢ - قَالَ: وَإِذَا نَزَلَ أَهْلُ حِصْنٍ قَدْ حُوصِرُوا فِيهِ عَلَى حُكْمِ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَذَلِكَ جَائِزٌ لِقَوْلِهِ - ﵇ -: «وَلَكِنْ أَنْزِلُوهُمْ عَلَى حُكْمِكُمْ، ثُمَّ اُحْكُمُوا فِيهِمْ» . وَلِأَنَّ الرِّوَايَاتِ اخْتَلَفَتْ فِي نُزُولِ بَنِي قُرَيْظَةَ عَلَى الْحُكْمِ. فَذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَغَازِي أَنَّهُمْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ - ﵁ - ابْتِدَاءً، فَإِنَّ «النَّبِيَّ - ﵇ - لَمَّا حَاصَرَهُمْ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً وَكَانَ قَالَ لَهُمْ فِي الِابْتِدَاءِ - حِينَ أَخْبَرَهُ عَلِيٌّ - ﵁ - أَنَّهُمْ يَسُبُّونَهُ -: يَا إخْوَةَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ أَتَسُبُّونَنِي؟ انْزِلُوا عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَحُكْمِ رَسُولِهِ. فَقَالُوا: لَا يَا أَبَا الْقَاسِمِ مَا كُنْت فَحَّاشًا. ثُمَّ لَمَّا طَالَ عَلَيْهِمْ الْأَمْرُ عَرَضَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ مَنْ شَاءُوا مِنْ الْمُسْلِمِينَ. وَكَانُوا حُلَفَاءَ الْأَوْسِ قَبْلَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ.","vol":"1","page":587},{"text":"وَكَانَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ سَيِّدَ الْأَوْسِ، فَرَضَوَا بِالنُّزُولِ عَلَى حُكْمِهِ رَجَاءَ أَنْ يُحْسِنَ إلَيْهِمْ لِمَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَأَنْزَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى حُكْمِهِ» .\nفَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.\nوَالْأَشْهَرُ أَنَّهُمْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ - ﵇ -. ثُمَّ «جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵇ - الْحُكْمَ فِيهِمْ إلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ بِرِضَاهُمْ. فَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَنْصَارَ أَحَاطُوا بِرَسُولِ اللَّهِ فَكَلَّمُوهُ فِي شَأْنِهِمْ عَلَى سَبِيلِ الشَّفَاعَةِ. فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مُرَاعَاةَ قُلُوبِهِمْ فَقَالَ: أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَحْكُمَ فِيكُمْ رَجُلٌ مِنْكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَذَاكَ إلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ. وَإِنَّمَا جُعِلَ ذَلِكَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَصَابَهُ سَهْمٌ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَقَطَعَ أَكْحَلَهُ وَكَانَ لَا يُرْقَأُ الدَّمُ. فَدَعَا وَقَالَ: اللَّهُمَّ إنْ كُنْت أَبْقَيْت مِنْ حَرْبِ قُرَيْشٍ شَيْئًا فَأَبْقِنِي لِذَلِكَ، فَلَا شَيْءَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ قِتَالِ قَوْمٍ أَخْرَجُوا رَسُولَك مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ، وَإِنْ لَمْ تُبْقِ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَاجْعَلْ هَذَا سَبَبَ شَهَادَتِي، وَلَا تُمِتْنِي حَتَّى تُقِرَّ عَيْنِي فِي بَنِي قُرَيْظَة. فَلَمَّا دَعَا بِذَلِكَ رَقَأَ الدَّمُ. وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ بِهَذَا الدُّعَاءِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَتَى بَنِي قُرَيْظَةَ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ","vol":"1","page":588},{"text":"- ﷺ - مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ رُءُوسِ الْأَنْصَارِ حِينَ أُخْبِرَ أَنَّهُمْ نَقَضُوا الْعَهْدَ لِيَدْعُوَهُمْ إلَى تَجْدِيدِ الْعَهْدِ. فَأَغْلَظُوا لَهُ الْقَوْلَ وَشَتَمُوهُ. فَانْصَرَفَ عَنْهُمْ وَهُوَ يَقُولُ: أَتَشْتُمُونَنِي؟ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَهَمُّ مِنْ الشَّتْمِ وَهُوَ السَّيْفُ. فَلَمَّا هَزَمَ اللَّهُ الْأَحْزَابَ وَحَاصَرَ الْمُسْلِمُونَ بَنِي قُرَيْظَةَ دَعَا هُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ فَلَمَّا نَزَلَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ جَعَلَ الْحُكْمَ فِيهِمْ إلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَهُوَ كَانَ مَرِيضًا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ. فَأَتَاهُ الْأَنْصَارُ وَحَمَلُوهُ عَلَى حِمَارٍ لِيَأْتُوا بِهِ مُعَسْكَرَ رَسُولِ اللَّهِ. فَجَعَلُوا يُكَلِّمُونَهُ فِي الطَّرِيقِ وَيَقُولُونَ: حُلَفَاؤُك وَمَوَالِيك، أَمْكَنَك اللَّهُ مِنْهُمْ فَأَحْسِنْ إلَيْهِمْ. وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵇ - يُحِبُّ الْإِحْسَانَ وَالْإِبْقَاءَ. وَقَدْ عَلِمْت مَا فَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فِي تَخْلِيصِ حُلَفَائِهِ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعِ، وَأَنْتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ. فَلَمَّا أَكْثَرُوا مِنْ ذَلِكَ مَسَحَ لِحْيَتَهُ بِيَدِهِ وَقَالَ: لَقَدْ آنَ لِسَعْدٍ أَنْ لَا يَأْخُذَهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، فَقَالُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ: هَلَكَتْ قُرَيْظَةُ وَاَللَّهِ. فَانْصَرَفُوا عَنْهُ إلَى مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ فَلَمَّا أَتَى سَعْدٌ إلَى مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ لِلْأَنْصَارِ: قُومُوا لِسَيِّدِكُمْ (ص ١٩٧) فَأَنْزِلُوهُ. فَلِمَا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: قَدْ جَعَلْت الْحُكْمَ فِيهِمْ إلَيْك فَاحْكُمْ فِيهِمْ.","vol":"1","page":589},{"text":"فَأَقْبَلَ سَعْدٌ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: عَلَيْكُمْ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ أَنَّ الْحُكْمَ فِيكُمْ مَا حَكَمْت؟ قَالُوا: نَعَمْ ثُمَّ قَالَ لِلنَّاحِيَةِ الَّتِي فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﵇ -، وَهُوَ مُعْرِضٌ إجْلَالًا لِرَسُولِ اللَّهِ: وَعَلَى مَنْ هُنَا بِمِثْلِ ذَلِكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ: نَعَمْ. قَالَ سَعْدٌ: فَإِنِّي حَكَمْت فِيهِمْ بِأَنْ تُقْتَلَ الرِّجَالُ، وَتُسْبَى النِّسَاءُ وَالذُّرِّيَّةُ، وَتُقَسَّمَ الْأَمْوَالُ. فَقَالَ - ﵇ -: لَقَدْ حَكَمْت فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ، أَيْ سَبْعِ سَمَوَاتٍ» .\nوَهَكَذَا رُوِيَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ.\nفَفِي هَذَا دَلِيلٌ أَنَّهُمْ إذَا نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَجُلٍ فَجَعَلَ الْحُكْمَ إلَى غَيْرِهِ بِرِضَاهُمْ أَنَّهُ يَجُوزُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ الْحُكْمَ إلَى غَيْرِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ؛ لِأَنَّ سَعْدًا أَخَذَ عَلَيْهِمْ الْعَهْدَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - ﵇ -، لِيَسْتَرْضِيَهُمْ بِذَلِكَ. وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﵇ -، وَهَذَا لِأَنَّ النَّاسَ يَتَفَاوَتُونَ فِي الرَّأْيِ. وَهَذَا الْحُكْمُ مِمَّا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الرَّأْيِ. فَرِضَاهُمْ بِحُكْمِ شَخْصٍ لَا يَكُونُ رِضًا بِحُكْمِ شَخْصٍ آخَرَ، حَتَّى إذَا جَعَلَهُ إلَى غَيْرِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ فَحَكَمَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ إلَّا أَنْ يُجِيزَهُ الْمُحَكَّمُ الْأَوَّلُ بَعْدَ مَا يَعْلَمُ بِهِ. فَحِينَئِذٍ يَنْفُذُ؛ لِأَنَّ إجَازَتَهُ بِمَنْزِلَةِ إنْشَائِهِ. وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَتِمُّ الْحُكْمُ بِرَأْيِهِ وَقَدْ رَضُوا بِذَلِكَ. ثُمَّ إنَّ حُكْمَ الْمُحَكَّمِ فِيهِمْ بِأَنْ يُقْتَلَ الْمُقَاتِلَةُ أَوْ بِأَنْ يُجْعَلُوا ذِمَّةً أَوْ بِأَنْ يُجْعَلُوا فَيْئًا فَذَلِكَ كُلُّهُ نَافِذٌ، اسْتِدْلَالًا بِمَا حَكَمَ بِهِ سَعْدٌ.\nوَذُكِرَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ سَعْدًا حَكَمَ يَوْمَئِذٍ بِأَنْ يُقْتَلَ مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمُوسَى. وَبِهِ يَسْتَدِلُّ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ الْبُلُوغَ بِاعْتِبَارِ نَبَاتِ الْعَانَةِ. وَلَسْنَا نَقُولُ بِهَذَا.","vol":"1","page":590},{"text":"لِأَنَّ نَبَاتَ الْعَانَةِ يَخْتَلِفُ فِيهِ أَحْوَالُ النَّاسِ. أَلَا تَرَى أَنَّ ذَلِكَ يُبْطِئُ فِي الْأَتْرَاكِ وَيَسْرُعُ فِي الْهُنُودِ. فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ حُكْمًا. وَتَأْوِيلُ هَذَا أَنَّهُ عَلِمَ بِإِخْبَارِ رَسُولِ اللَّهِ إيَّاهُ مِنْ طَرِيقِ الْوَحْيِ أَنَّ ذَلِكَ عَلَامَةُ بُلُوغِ بَنِي قُرَيْظَةَ. وَإِنَّمَا حَكَمَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمُوسَى مِنْهُمْ كَانَ مُقَاتِلًا. وَإِنَّمَا حُكِمَ بِقَتْلِ مُقَاتِلِهِمْ. وَالْمُقَاتِلُ يُقْتَلُ بَالِغًا كَانَ أَوْ غَيْرَ بَالِغٍ. وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْبَالِغِ إنَّمَا يُقْتَلُ قَبْلَ الْأَسْرِ إذَا قَاتَلَ، فَأَمَّا بَعْدَ مَا أُسِرَ فَلَا يُقْتَلُ.\nثُمَّ ذُكِرَ: أَنَّهُ لَمَّا حَكَمَ فِيهِمْ سِيقُوا حَتَّى حُبِسُوا فِي دَارِ بِنْتِ الْحَارِثِ النَّجَّارِيَّةِ وَأَمَرَ بِهِمْ أَنْ يُكَتَّفُوا.\nوَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُصْنَعَ بِالْأُسَرَاءِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد: ٤] .\nقَالَ: «ثُمَّ جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِبَنِي قُرَيْظَةَ حَتَّى قُتِلَ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ. وَسُمِّيَ مِمَّنْ قُتِلَ مِنْهُمْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ فِي الْمَغَازِي: حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَكَعْبُ بْنُ أُسَيْدٍ، وَجَمَاعَةٌ. فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ قَالَ النَّبِيُّ - ﵇ -: لَا تَجْمَعُوا عَلَيْهِمْ حَرَّ الشَّمْسِ وَحَرَّ السِّلَاحِ. قَيِّلُوهُمْ وَاسْقُوهُمْ حَتَّى يَبْرُدُوا ثُمَّ اُقْتُلُوا مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ» .\nوَفِي الْمَغَازِي ذُكِرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵇ - قَامَ وَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ: شَأْنُك وَمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ» . وَكَانَ الَّذِينَ يَلُونَ قَتْلَهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ","vol":"1","page":591},{"text":"فَقُتِلُوا عِنْدَ مَوْضِعِ دَارِ ابْنِ أَبِي الْجَهْمِ. فَسَالَتْ دِمَاؤُهُمْ حَتَّى بَلَغَ أَحْجَارَ الزَّيْتِ.\nوَلَمْ يُبَيِّنْ فِي الْكِتَابِ عَدَدَ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ. وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِيهِ.\nفَأَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّهُمْ قَتَلُوا سَبْعَ مِائَةِ رَجُلٍ مِنْهُمْ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: قَتَلُوا أَرْبَعَ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ. وَكَانَ عَدَدُ السَّبْيِ سِتَّ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ. فَكَانَ كُلُّ مَنْ يُشَكُّ فِي أَمْرِهِ يُكْشَفُ عَنْ عَانَتِهِ، عَلَى مَا قَالَ عَطِيَّةُ الْقُرَظِيّ: شَكُّوا فِي أَمْرِي يَوْمَئِذٍ فَكَشَفُوا عَنْ عَانَتِي، فَإِذَا أَنَا لَمْ أَنْبُتْ، فَجَعَلُونِي (ص ١٩٨) فِي الذُّرِّيَّةِ.\nوَذُكِرَ عَنْ عُمَرَ - ﵁ - أَنَّهُ كَتَبَ إلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ أَنْ اُقْتُلُوا مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمُوسَى، وَلَا تَسْبُوا إلَيْنَا مِنْ الْعُلُوجِ أَحَدًا.\nوَإِنَّمَا نَهَى عَنْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ حَتَّى لَا يَقْصِدُوهُمْ بِسُوءٍ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ حِينَ لَمْ يُبَالِغُوا فِي مُرَاعَاةِ نَهْيِهِ اُبْتُلِيَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فَقَتَلَهُ أَبُو لُؤْلُؤَةَ وَكَانَ نَصْرَانِيًّا وَكَانَ مَجُوسِيًّا؟ .\nوَذُكِرَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: «عُرِضْت عَلَى رَسُولِ اللَّهِ يَوْمَ أُحُدٍ وَأَنَا ابْنُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَرَدَّنِي ثُمَّ عُرِضْت عَلَيْهِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَقَبِلَنِي فِي الْمُقَاتِلَةِ» .\nوَإِنَّمَا أَوْرَدَ هَذَا مُسْتَدِلًّا بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ فِي الْبُلُوغِ بِنَبَاتِ الْعَانَةِ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْعَلَامَةُ بِالِاحْتِلَامِ، أَوْ بِأَنْ يَتِمَّ لَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - ثَمَانِ عَشْرَةَ سَنَةً فِي رِوَايَةٍ، وَتِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً فِي رِوَايَةٍ. وَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ.\nتَمَّ أَبْوَابُ الْأَمَانِ بِحَمْدِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ آمَنَنَا اللَّهُ مِنْ النَّارِ وَأَسْكَنَنَا دَارَ الْقَرَارِ.","vol":"1","page":592},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>[أَبْوَابُ الْأَنْفَالِ]</span>\n٩٦٣ - الْأَنْفَالُ: الْغَنَائِمُ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ. وَأَصْلُهَا نَفْلٌ. وَمِنْهُ قَوْلُ الْقَائِلِ:\nإنَّ تَقْوَى رَبِّنَا خَيْرُ نَفَلْ ... وَبِإِذْنِ اللَّهِ رَيْثِي وَالْعَجَلْ\nوَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١] أَيْ الْغَنَائِمِ. وَسَبَبُ نُزُولِ الْآيَةِ مَا رُوِيَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: سَاءَتْ أَخْلَاقُنَا يَوْمَ بَدْرٍ فَحُرِمْنَا. فَقِيلَ: وَكَيْفَ سَاءَتْ أَخْلَاقُكُمْ؟ قَالَ: لَمَّا هَزَمَ اللَّهُ الْعَدُوَّ افْتَرَقْنَا ثَلَاثَ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ كَانُوا حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - ﵇ -، يَحْرُسُونَهُ. وَفِرْقَةٌ اتَّبَعُوا الْمُنْهَزِمِينَ، وَفِرْقَةٌ جَمَعُوا الْأَمْوَالَ. ثُمَّ ادَّعَتْ كُلُّ فِرْقَةٍ أَنَّهَا أَحَقُّ بِالْغَنَائِمِ، فَاجْتَمَعْنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﵇ - وَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنَا، وَرَسُولُ اللَّهِ سَاكِتٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي تِلْكَ الْحَالَةِ: ﴿يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَنْفَالِ. قُلْ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] الْآيَةَ.","vol":"1","page":593},{"text":"وَالْمُرَادُ فِي اسْتِعْمَالِ لَفْظِ الْأَنْفَالِ فِي عِبَارَةِ الْفُقَهَاءِ مَا يَخُصُّ بِهِ الْإِمَامُ بَعْضَ الْغَانِمِينَ. فَذَلِكَ الْفِعْلُ يُسَمَّى مِنْهُ تَنْفِيلًا، وَذَلِكَ الْمَحَلُّ يُسَمَّى نَفْلًا.\n- وَلَا خِلَافَ أَنَّ التَّنْفِيلَ جَائِزٌ قَبْلَ الْإِصَابَةِ، لِلتَّحْرِيضِ عَلَى الْقِتَالِ. فَإِنَّ الْإِمَامَ مَأْمُورٌ بِالتَّحْرِيضِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥] فَهَذَا الْخِطَابُ لِرَسُولِ اللَّهِ وَلِكُلِّ مَنْ قَامَ مَقَامَهُ، وَالتَّحْرِيضُ بِالتَّنْفِيلِ، فَإِنَّ الشُّجْعَانَ قَلَّ مَا يُخَاطِرُونَ بِأَنْفُسِهِمْ إذَا لَمْ يُخَصُّوا بِشَيْءٍ مِنْ الْمُصَابِ. فَإِذَا خَصَّهُمْ الْإِمَامُ بِذَلِكَ فَذَلِكَ يُغْرِيهِمْ عَلَى الْمُخَاطَرَةِ بِأَرْوَاحِهِمْ وَإِيقَاعِ أَنْفُسِهِمْ فِي حَلْبَةِ الْعَدُوِّ. وَصُورَةُ هَذَا التَّنْفِيلِ أَنْ يَقُولَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، وَمَنْ أَخَذَ أَسِيرًا فَهُوَ لَهُ. كَمَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الْمُنَادِي حِينَ نَادَى يَوْمَ بَدْرٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ. أَوْ يَبْعَثُ سَرِيَّةً فَيَقُولُ: لَكُمْ الثُّلُثُ مِمَّا تُصِيبُونَ بَعْدَ الْخُمُسِ. أَوْ يُطْلِقُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ، فَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ لَهُمْ ثُلُثُ الْمُصَابِ قَبْلَ أَنْ يُخَمَّسَ، يَخْتَصُّونَ بِهِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ الْجَيْشِ فِيمَا بَقِيَ بَعْدَ مَا يُرْفَعُ مِنْهُ الْخُمُسُ، وَعِنْدَ التَّنْفِيلِ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ يُخَمَّسُ مَا أَصَابُوا، ثُمَّ يَكُونُ لَهُمْ الثُّلُثُ مِمَّا بَقِيَ يَخْتَصُّونَ بِهِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ الْجَيْشِ فِيمَا بَقِيَ. وَلَا يَسْتَحِقُّ الْقَاتِلُ بِدُونِ تَنْفِيلِ الْإِمَامِ عِنْدَنَا.","vol":"1","page":594},{"text":"وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ مَنْ قَتَلَ مُشْرِكًا عَلَى وَجْهِ الْمُبَارَزَةِ وَهُوَ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ اسْتَحَقَّ سَلَبَهُ، وَإِنْ لَمْ يَسْبِقْ التَّنْفِيلُ مِنْ الْإِمَامِ. لِأَنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - ﵇ -: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» لِنَصْبِ الشَّرْعِ. وَمِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ فِي لِسَانِ صَاحِبِ الشَّرْعِ لِبَيَانِ السَّبَبِ كَقَوْلِهِ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (ص ١٩٩) .\n- وَلَكِنَّا نَقُولُ هَذَا لَوْ أَنْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - هَذِهِ الْكَلِمَةَ بِالْمَدِينَةِ بَيْنَ يَدَيْ أَصْحَابِهِ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ قَالَ هَذَا إلَّا بَعْدَ تَحَقُّقِ الْحَاجَةِ إلَى التَّحْرِيضِ. فَإِنَّ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ قَالَ: لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - قَالَ فِي شَيْءٍ مِنْ مَغَازِيهِ «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» إلَّا يَوْمَ حُنَيْنٍ. وَذَلِكَ بَعْدَ مَا انْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ وَوَقَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى تَحْرِيضِهِمْ لِيَكُرُّوا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] .\nوَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ أَيْضًا. وَقَدْ كَانَتْ الْحَاجَةُ إلَى التَّحْرِيضِ يَوْمَئِذٍ مَعْلُومَةً، فَإِنَّهُمْ كَانُوا كَمَا وَصَفَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣] . فَعَرَفْنَا أَنَّهُ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّنْفِيلِ لِلتَّحْرِيضِ. لَا بِطَرِيقِ نَصْبِ الشَّرْعِ وَأَيَّدَ مَا قُلْنَا مَا ذَكَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - مُحَاصِرًا وَادِيَ الْقُرَى، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: مَا تَقُولُ فِي الْغَنَائِمِ؟","vol":"1","page":595},{"text":"فَقَالَ: لِلَّهِ سَهْمٌ وَلِهَؤُلَاءِ أَرْبَعَةٌ. قَالَ: فَالْغَنِيمَةُ يَغْنَمُهَا الرَّجُلُ؟ قَالَ: إنْ رُمِيتَ فِي جَنْبِك بِسَهْمٍ فَاسْتَخْرَجْتَهُ فَلَسْتَ بِأَحَقَّ بِهِ مِنْ أَخِيكَ الْمُسْلِمِ» .\nفَهَذَا دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى أَنَّ الْقَاتِلَ لَا يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ بِدُونِ التَّنْفِيلِ وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِرَاقِ وَأَهْلُ الْحِجَازِ.\nوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - ﵀ -: لَا نَفْلَ بَعْدَ إحْرَازِ الْغَنِيمَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَالْحِجَازِ وَأَهْلُ الشَّامِ يُجَوِّزُونَ التَّنْفِيلَ بَعْدَ الْإِحْرَازِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ الْأَوْزَاعِيُّ وَمَا قُلْنَا دَلِيلٌ عَلَى فَسَادِ قَوْلِهِمْ.\nلِأَنَّ التَّنْفِيلَ لِلتَّحْرِيضِ عَلَى الْقِتَالِ وَذَلِكَ قَبْلَ الْإِصَابَةِ لَا بَعْدَهَا. وَلِأَنَّ التَّنْفِيلَ لِإِثْبَاتِ الِاخْتِصَاصِ ابْتِدَاءً، لَا لِإِبْطَالِ حَقٍّ ثَابِتٍ لِلْغَانِمِينَ، أَوْ الْإِبْطَالُ حَقٌّ ثَابِتٌ فِي الْخُمُسِ لِأَرْبَابِهَا وَفِي التَّنْفِيلِ بَعْدَ الْإِصَابَةِ إبْطَالُ الْحَقِّ.\n- وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ حَدِيثُ الْحَسَنِ أَنَّ «رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - زِمَامًا مِنْ شَعْرٍ مِنْ الْمَغْنَمِ فَقَالَ: وَيْلَك سَأَلْتنِي زِمَامًا مِنْ نَارٍ - مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا - وَاَللَّهِ مَا كَانَ لَك أَنْ تَسْأَلَنِيهِ، وَمَا كَانَ لِي أَنْ أُعْطِيَكَهُ» .","vol":"1","page":596},{"text":"وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ «رَجُلًا جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بِكُبَّةٍ مِنْ شَعْرٍ أَخَذَهُ مِنْ الْمَغْنَمِ فَقَالَ: هَبْ لِي هَذِهِ فَقَالَ: أَمَّا نَصِيبِي مِنْهَا فَلَكَ» وَعَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ - ﵇ - وَمَعَهُ زِمَامٌ مِنْ شَعْرٍ. قَالَ: مُرْ لِي بِهَذَا الزِّمَامِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لِرَاحِلَتِي زِمَامٌ فَقَالَ سَأَلْتنِي زِمَامًا مِنْ نَارٍ. مَا لَك أَنْ تَسْأَلَنِيهِ وَمَا لِي أَنْ أُعْطِيَكَهُ فَرَمَى بِهِ فِي الْمَغْنَمِ» .\nوَلَوْ جَازَ التَّنْفِيلُ بَعْدَ الْإِصَابَةِ لَمَا حَرَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﵇ - ذَلِكَ مَعَ صِدْقِ حَاجَتِهِ. وَاَلَّذِي رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَفَّلَ بَعْدَ الْإِحْرَازِ فَإِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَعْطَى ذَلِكَ مِنْ الْخُمُسِ بَعْضَ الْمُحْتَاجِينَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مِنْ الْمَسَاكِينِ. أَوْ أَعْطَى ذَلِكَ مِنْ سَهْمِ نَفْسِهِ مِنْ الْخُمُسِ أَوْ الصَّفِيِّ الَّذِي كَانَ لَهُ عَلَى مَا قَالَ: «لَا يَحِلُّ مِنْ غَنَائِمِكُمْ إلَّا الْخُمُسَ وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ» .\nأَوْ أَعْطَى مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَا بِإِيجَافِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، كَأَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ فَقَدْ كَانَتْ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [الحشر: ٧] الْآيَةَ.","vol":"1","page":597},{"text":"أَوْ أَعْطَى ذَلِكَ مِنْ غَنَائِمِ بَدْرٍ. فَقَدْ كَانَ الْأَمْرُ فِيهَا مُفَوَّضًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] ثُمَّ انْتَسَخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] الْآيَةَ.\nوَذُكِرَ:\n٩٦٧ - عَنْ مُوسَى بْنِ سَعْدٍ بْنِ يَزِيدَ أَوْ زَيْدٍ (ص ٢٠٠) قَالَ: «نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَوْمَ بَدْرٍ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، وَمَا أَخَذُوا بِغَيْرِ قِتَالٍ، قَسَمَهُ بَيْنَهُمْ عَنْ فُوَاقٍ» .\nيَعْنِي عَلَى سَوَاءٍ.\nوَهَكَذَا ذُكِرَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵁ - قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ الْآيَةُ ﴿يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١]- إلَى قَوْلِهِ - ﴿لَكَارِهُونَ﴾ [الأنفال: ٥] فَقَسَمَهَا بَيْنَهُمْ بِالسَّوَاءِ. وَقَدْ اتَّفَقَتْ الرِّوَايَاتُ عَلَى أَنَّهُ أَعْطَى كُلَّ قَاتِلٍ سَلَبَ قَتِيلِهِ يَوْمَئِذٍ عَلَى مَا ذُكِرَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ قَتَادَةَ قَالَ: أَخَذَ عَلِيٌّ سَلَبَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأَخَذَ حَمْزَةُ سَلَبَ عُتْبَةَ، وَأَخَذَ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ سَلَبَ شَيْبَةَ","vol":"1","page":598},{"text":"فَدَفَعَهُ إلَى وَرَثَتِهِ. وَكَانَ عُبَيْدَةُ قَدْ جُرِحَ فَمَاتَ فِي ذَاتِ أَجْدَالٍ بِالصَّفْرَاءِ قَبْلَ أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى الْمَدِينَةِ.\nوَهُوَ اسْمُ مَوْضِعٍ.\n- وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي قَاتِلِ أَبِي جَهْلٍ. فَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: «كُنْت: يَوْمَ بَدْرٍ بَيْنَ شَابَّيْنِ حَدِيثٍ أَسْنَانُهُمَا أَحَدُهُمَا مُعَوِّذُ ابْنُ عَفْرَاءَ وَالْآخَرُ مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ فَقَالَ لِي أَحَدُهُمَا: أَيْ عَمُّ أَتَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ؟ قُلْت: وَمَا شَأْنُك بِهِ؟ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَوَاَللَّهِ لَوْ لَقِيته لَمَا فَارَقَ سَوَادِي سَوَادَهُ، حَتَّى يَمُوتَ الْأَعْجَلُ مِنَّا مَوْتًا، وَغَمَزَنِي الْآخَرُ إلَى مِثْلِ ذَلِكَ. ثُمَّ لَقِيت أَبَا جَهْلٍ وَهُوَ يُسَوِّي صَفَّ الْمُشْرِكِينَ. فَقُلْت: ذَاكَ صَاحِبُكُمَا الَّذِي تُرِيدَانِهِ. فَابْتَدَرَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا فَقَتَلَاهُ. وَجَاءَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا قَتَلْته فَلِي سَلَبُهُ. فَقَالَ - ﵇ -: أَمَسَحْتُمَا سَيْفَكُمَا؟ فَقَالَا: لَا: أَرِيَانِي سَيْفَكُمَا. فَأَرَيَاهُ فَقَالَ: كِلَاكُمَا قَتَلَهُ. ثُمَّ أَعْطَى السَّلَبَ مُعَوِّذَ ابْنَ عَفْرَاءَ» .\nوَذُكِرَ فِي الْمَغَازِي أَنَّهُ إنَّمَا خَصَّهُ؛ لِأَنَّهُ رَأَى أَثَرَ الطِّعَانِ عَلَى سَيْفِهِ فَعَلِمَ أَنَّهُ هُوَ الْقَاتِلُ وَأَنَّهُ أَعَانَهُ الْآخَرُ.","vol":"1","page":599},{"text":"وَرُوِيَ أَنَّهُ بَعَثَ إلَى عِكْرِمَة بْنِ أَبِي جَهْلٍ فَسَأَلَهُ: مَنْ قَتَلَ أَبَاك؟ فَقَالَ: الَّذِي قَطَعْت أَنَا يَدَهُ.\nوَإِنَّمَا كَانَ قَطَعَ يَدَ مُعَوِّذِ ابْنِ عَفْرَاءَ مِنْ الْمَنْكِبِ.\nوَأَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّهُ أَثْخَنَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - وَأَجْهَزَ عَلَيْهِ ابْنُ مَسْعُودٍ.\nعَلَى مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: «كُنْت أُفَتِّشُ الْقَتْلَى يَوْمَ بَدْرٍ لِأُبَشِّرَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - بِمَنْ أَرَاهُ مَقْتُولًا مِنْهُمْ. فَرَأَيْت أَبَا جَهْلٍ صَرِيعًا بِهِ رَمَقٌ. فَجَلَسْت عَلَى صَدْرِهِ، فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ وَقَالَ: يَا رُوَيْعِيَّ الْغَنَمِ، لَقَدْ ارْتَقَيْت مُرْتَقًى عَظِيمًا. فَقُلْت: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَكَّنَنِي مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ: لِمَنْ الدَّبْرَةُ؟ فَقُلْت: لِلَّهِ وَرَسُولِهِ. فَقَالَ: مَاذَا تُرِيدُ أَنْ تَصْنَعَهُ؟ فَقُلْت: أَحُزُّ رَأْسَك. فَقَالَ: خُذْ سَيْفِي فَهُوَ أَمْضَى لِمَا تُرِيدُ، وَاقْطَعْ رَأْسِي مِنْ كَاهِلِي لِيَكُونَ أَهْيَبَ فِي عَيْنِ النَّاظِرِ. وَإِذَا رَجَعْت إلَى مُحَمَّدٍ فَأَخْبِرْهُ أَنِّي الْيَوْمَ أَشَدُّ بُغْضًا لَهُ مِمَّا كُنْت مِنْ قَبْلُ. فَقَالَ: قَطَعْت رَأْسَهُ وَأَتَيْت بِهِ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَقُلْت: هَذَا رَأْسُ عَدُوِّ اللَّهِ أَبِي جَهْلٍ فَقَالَ - ﵇ -: اللَّهُ أَكْبَرُ. هَذَا فِرْعَوْنِي وَفِرْعَوْنُ أُمَّتِي. كَانَ شَرُّهُ عَلَيَّ وَعَلَى أُمَّتِي أَعْظَمَ مِنْ شَرِّ فِرْعَوْنَ عَلَى مُوسَى وَأُمَّتِهِ، ثُمَّ نَفَّلَنِي سَيْفَهُ» .\nزَادَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: «وَأَخْبَرْته بِمَا قَالَ، فَقَالَ: إنَّهُ كَفَرَ فِي الدُّنْيَا وَعِنْدَ مَوْتِهِ، وَسَيَكْفُرُ فِي النَّارِ أَيْضًا. قَالَ: وَكَيْفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إذَا دَخَلَ النَّارَ جَعَلَ يَنْظُرُ وَيَقُولُ","vol":"1","page":600},{"text":"لِأَصْحَابِهِ أَيْنَ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ؟ فَيُقَالُ لَهُ: هُمْ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ: كَلًّا، إنَّمَا كَانَ الْيَوْمُ يَوْمَ زَحْمَةٍ ص ٢٠١ فَهَرَبُوا» .\nوَالرِّوَايَاتُ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَعْطَى ابْنَ مَسْعُودٍ سَيْفَهُ. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَيْضًا أَعْطَاهُ سَلَبَهُ.\nفَإِنْ صَحَّ هَذَا فَإِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الَّذِي جَرَحَهُ مَا أَثْخَنَهُ، فَيَكُونُ قَاتِلُهُ مَنْ قَطَعَ رَأْسَهُ. وَإِنْ كَانَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ أَعْطَى سَلَبَهُ غَيْرَ ابْنِ مَسْعُودٍ فَإِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْأَوَّلَ كَانَ أَثْخَنَهُ وَصَيَّرَهُ بِحَالٍ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ وَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْقِتَالُ، فَيَكُونُ السَّلَبُ لَهُ دُونَ مَنْ قَطَعَ رَأْسَهُ. وَإِنَّمَا أَعْطَى سَيْفَهُ ابْنَ مَسْعُودٍ؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ فِي غَنَائِمِ بَدْرٍ كَانَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - كَمَا بَيَّنَّا.\nوَبِهَذَا يَسْتَدِلُّ مَنْ يُجَوِّزُ التَّنْفِيلَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ فَإِنَّهُ يَقُولُ: أَعْطَاهُ سَيْفَهُ عَلَى طَرِيقِ التَّنْفِيلِ. وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ مُسْتَحَقًّا لِغَيْرِهِ بِالتَّنْفِيلِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُنَفِّلَهُ الْإِمَامُ لِغَيْرِهِ، كَيْفَ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ عَلَى سَيْفِهِ فِضَّةٌ؟ وَعَلَى قَوْلِ أَهْلِ الشَّامِ لَا نَفْلَ فِي ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، عَلَى مَا بَيَّنَهُ، وَإِنْ كَانَ هَذَا تَنْفِيلًا، فَهُوَ حُجَّةٌ لَنَا عَلَيْهِمْ.\n- وَذُكِرَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَوْمَ حُنَيْنٍ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ» .\nوَتَمَامُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ «أَبَا قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ يَوْمَ حُنَيْنٍ. فَلَقِيت رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ. فَأَتَيْته مِنْ وَرَائِهِ وَضَرَبْت عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ ضَرْبَةً، فَتَرَكَهُ وَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي إلَى نَفْسِهِ ضَمَّةً شَمَمْت مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ. ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَأَرْسَلَنِي، فَأَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَسَمِعْته يَقُولُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا وَلَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ. فَقُلْت: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ فَقَالَ رَجُلٌ: صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَلَبُ ذَلِكَ الْقَتِيلِ عِنْدِي فَأَرْضِهِ عَنِّي.","vol":"1","page":601},{"text":"فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ. لَاهَا اللَّهِ أَيَعْمِدُ أَسَدٌ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنْ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ ثُمَّ يُعْطِيك سَلَبَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: صَدَقَ أَبُو بَكْرٍ. وَأَعْطَانِي سَلَبَهُ.»\n- وَذُكِرَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵁ - قَالَ: لَا مَغْنَمَ حَتَّى يُخَمَّسَ، وَلَا نَفْلَ حَتَّى يُقْسَمَ جُفَّةً. أَيْ جُمْلَةً.\nوَإِنَّمَا أَرَادَ بِهَذَا نَفْيَ التَّنْفِيلِ بَعْدَ الْإِصَابَةِ، نَفَى اخْتِصَاصَ وَاحِدٍ مِنْ الْغَانِمِينَ بِشَيْءٍ قَبْلَ الْخُمُسِ بِغَيْرِ تَنْفِيلٍ. وَهُوَ مَذْهَبُنَا.\n- وَذُكِرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ - قَالَ: لَا نَفْلَ فِي أَوَّلِ الْغَنِيمَةِ، وَلَا بَعْدَ الْغَنِيمَةِ، وَلَا يُعْطَى مِنْ الْغَنَائِمِ إذَا اجْتَمَعَتْ إلَّا رَاعٍ أَوْ سَائِقٌ أَوْ حَارِسٌ غَيْرُ مُحَابًى.\nوَمَعْنَى قَوْلِهِ لَا نَفْلَ فِي أَوَّلِ الْغَنِيمَةِ: أَيْ بَعْدَ الْإِصَابَةِ، لَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُنَفِّلَ أَحَدًا شَيْئًا قَبْلَ رَفْعِ الْخُمُسِ وَلَا بَعْدَ رَفْعِ الْخُمُسِ. وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُنَفِّلَ فِي أَوَّلِ اللِّقَاءِ قَبْلَ الْحَاجَةِ إلَى التَّحْرِيضِ؛ لِأَنَّ الْجَيْشَ فِي أَوَّلِ اللِّقَاءِ يَكُونُ لَهُمْ نَشَاطٌ فِي الْقِتَالِ فَلَا تَقَعُ الْحَاجَةُ إلَى التَّحْرِيضِ، فَأَمَّا بَعْدَ مَا طَالَ الْأَمْرُ وَقَلَّ نَشَاطُهُمْ فَتَقَعُ الْحَاجَةُ إلَى التَّحْرِيضِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ التَّنْفِيلُ عِنْدَ ذَلِكَ. فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُنَفِّلَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ.\nوَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ «النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يُنَفِّلُ","vol":"1","page":602},{"text":"فِي الْبُدَاءَةِ الرُّبْعَ وَفِي الرَّجْعَةِ الثُّلُثَ» . فَأَهْلُ الشَّامِ حَمَلُوا هَذَا عَلَى التَّنْفِيلِ بَعْدَ الْإِصَابَةِ، وَلَيْسَ كَمَا ظَنُّوا، بَلْ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ كَانَ يُنَفِّلُ أَوَّلَ السَّرَايَا الرُّبْعَ، وَآخِرَ السَّرَايَا الثُّلُثَ، لِزِيَادَةِ الْحَاجَةِ إلَى التَّحْرِيضِ.\nفَإِنَّ أَوَّلَ السَّرَايَا يَكُونُونَ نَاشِطِينَ فِي الْقِتَالِ (ص ٢٠٢) فَلَا يَحْتَاجُونَ إلَى الْإِمْعَانِ فِي طَلَبِ الْعَدُوِّ، وَآخِرَ السَّرَايَا قَدْ قَلَّ نَشَاطُهُمْ وَيَحْتَاجُونَ إلَى الْإِمْعَانِ فِي الطَّلَبِ. فَلِهَذَا زَادَ فِيمَا نَفَّلَ لَهُمْ. وَأَمَّا الرَّاعِي وَالسَّائِقُ وَالْحَارِسُ فَهُمْ أُجَرَاءُ يُعْطِيهِمْ الْإِمَامُ أَجْرَهُمْ بِاعْتِبَارِ عَمَلِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ \" غَيْرُ مُحَابًى \"، فَإِنَّمَا يُعْطِيهِمْ الْأَجْرَ بِقَدْرِ عَمَلِهِمْ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ النَّفْلِ فِي شَيْءٍ.\n\n- وَذُكِرَ عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَعَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُمَا كَانَا لَا يُخَمِّسَانِ الْأَسْلَابَ. وَعَنْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ وَمَكْحُولٍ أَنَّ السَّلَبَ مَغْنَمٌ وَفِيهِ الْخُمُسُ. وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -.\nوَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِقَوْلِ هَؤُلَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] . وَالسَّلَبُ مِنْ الْغَنِيمَةِ. وَتَأْوِيلُ مَا نُقِلَ عَنْ خَالِدٍ وَعَوْفٍ إذَا تَقَدَّمَ التَّنْفِيلُ مِنْ الْإِمَامِ لِقَوْلِهِ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» . وَعِنْدَنَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَا يُخَمَّسُ السَّلَبُ. فَأَمَّا بِدُونِ التَّنْفِيلِ يُخَمَّسُ، عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ مَكْحُولٍ أَنَّ","vol":"1","page":603},{"text":"الْبَرَاءَ بْنَ مَالِكٍ أَخُو أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَتَلَ مَرْزُبَانَ الزَّارَةِ وَأَخَذَ سَلَبَهُ مُذَهَّبًا بِالذَّهَبِ مُرَصَّعًا بِالْجَوَاهِرِ تَبْلُغُ قِيمَتُهُ أَرْبَعِينَ أَلْفًا. فَكَتَبَ صَاحِبُ الْجَيْشِ ذَلِكَ إلَى عُمَرَ - ﵁ -. فَكَتَبَ عُمَرُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ الْخُمُسَ وَيَدْفَعَ سَائِرَ ذَلِكَ إلَيْهِ.\nوَهَذَا مُشْكِلٌ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ سَبَقَ التَّنْفِيلُ فَلَا خُمُسَ فِي السَّلَبِ. وَإِنْ كَانَ لَمْ يَسْبِقْ التَّنْفِيلُ فَأَعْطَى مَا بَقِيَ إلَى الْبَرَاءِ فَيَكُونُ تَنْفِيلًا بَعْدَ الْإِصَابَةِ. وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا. وَلَكِنَّ تَأْوِيلَهُ أَنَّهُ كَانَ تَقَدَّمَ بِتَنْفِيلٍ مُقَيَّدٍ بِأَنْ كَانَ الْأَمِيرُ قَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ بَعْدَ الْخُمُسِ. وَفِي هَذَا الْمَوْضِعِ يُخَمَّسُ السَّلَبُ عِنْدَنَا وَالْبَاقِي لِلْقَاتِلِ.\nوَذُكِرَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵁ - قَالَ: الْفَرَسُ وَالسَّلَبُ مِنْ النَّفْلِ.\nوَالْمُرَادُ أَنَّ الْقَاتِلَ بَعْدَ التَّنْفِيلِ يَسْتَحِقُّ الْفَرَسَ؛ لِأَنَّ السَّلَبَ اسْمٌ لِمَا يُسْلَبُ مِنْهُ بِإِظْهَارِ الْجَزَاءِ وَالْعَنَاءِ. وَهَذَا يَتَحَقَّقُ فِي الْفَرَسِ كَمَا يَتَحَقَّقُ فِي السَّلَبِ، فَيَدْخُلُ الْكُلُّ فِي التَّنْفِيلِ بِقَوْلِهِ.\n- فَإِنْ جَرَحَ الْكَافِرَ رَجُلٌ بَعْدَ تَنْفِيلِ الْإِمَامِ ثُمَّ قَتَلَهُ الْآخَرُ.","vol":"1","page":604},{"text":"فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ صَيَّرَهُ بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيعُ قِتَالًا وَلَا عَوْنًا بِيَدٍ وَيُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ مَعَ مِثْلِ تِلْكَ الْجِرَاحَةِ فَالسَّلَبُ لِلْأَوَّلِ، وَإِلَّا فَالسَّلَبُ لِلثَّانِي.\n؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْإِمَامِ مِنْ هَذَا التَّنْفِيلِ أَنْ يُظْهِرَ الْقَاتِلُ فَضْلَ جَزَاءٍ وَعَنَاءٍ بِقَتْلِ الْمُشْرِكِ. وَهَذَا إنَّمَا حَصَلَ مِنْ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي. لِأَنَّهُ إذَا صَارَ بِحَيْثُ لَا يُتَوَهَّمُ الْقِتَالُ مِنْهُ فَالثَّانِي لَا يَحْتَاجُ إلَى عَنَاءٍ وَقُوَّةٍ فِي حَزِّ رَأْسِهِ، وَإِنْ كَانَ يَتَحَامَلُ مَعَ تِلْكَ الْجِرَاحَةِ وَيُتَوَهَّمُ أَنْ يَعِيشَ وَيُقَاتِلَ فَقَدْ أَظْهَرَ الثَّانِي بِقَتْلِهِ الْعَنَاءَ وَالْقُوَّةَ فَيَكُونَ السَّلَبُ لَهُ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الصَّيْدَ إذَا رَمَاهُ إنْسَانٌ فَأَثْخَنَهُ، ثُمَّ رَمَاهُ آخَرُ فَقَتَلَهُ كَانَ لِلْأَوَّلِ. وَلَوْ كَانَ يَتَحَامَلُ بَعْدَ رَمْيِ الْأَوَّلِ حَتَّى رَمَاهُ الثَّانِي فَهُوَ لِلثَّانِي. وَاسْتُدِلَّ عَلَى هَذَا بِحَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ.\n- قَالَ: «قَطَعَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ رِجْلَيْ مَرْحَبَ وَضَرَبَ عَلِيٌّ عُنُقَهُ. فَأَعْطَى النَّبِيُّ - ﷺ - سَلَبَهُ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ» .\nوَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُمَا اخْتَصَمَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ مُحَمَّدٌ: وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا قَطَعْت رِجْلَيْهِ إلَّا وَأَنَا قَادِرٌ عَلَى قَتْلِهِ، وَلَكِنِّي أَرَدْت أَنْ يَذُوقَ مِنْ الْمَوْتِ مَا ذَاقَ أَخِي مَحْمُودٌ. وَكَانَ مَرْحَبُ قَدْ دَلَّى عَلَيْهِ حَجَرَ الرَّحَّاءِ. فَمَكَثَ ثَلَاثًا حَيًّا ثُمَّ مَاتَ. فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - ﵇ - (ص ٢٠٣) بِسَلَبِهِ لِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ. وَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا قَطَعَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ رِجْلَيْهِ قَالَ مَرْحَبُ: أَجْهِزْ عَلَيَّ","vol":"1","page":605},{"text":"يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ: لَا، حَتَّى تَذُوقَ مَا ذَاقَ أَخِي مَحْمُودٌ. وَجَاوَزَهُ. فَجَاءَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - فَذَفَّفَ عَلَيْهِ. أَيْ حَزَّ رَأْسَهُ وَأَخَذَ سَلَبَهُ. فَجَعَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - سَلَبَهُ لِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ.\nقَالَ الرَّاوِي مِنْ أَوْلَادِهِ: وَكَانَ سَيْفُ مَرْحَبَ عِنْدَنَا، وَفِيهِ كِتَابٌ كُنَّا لَا نَعْرِفُهُ حَتَّى جَاءَ يَهُودِيٌّ فَقَرَأَهُ، فَإِذَا فِيهِ: هَذَا سَيْفُ مَرْحَبَ، مَنْ يَذُقْهُ يَعْطَبُ.\n- وَذُكِرَ عَنْ عُمَرَ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ: عَانَقَ رَجُلٌ رَجُلًا، وَجَاءَ آخَرُ فَقَتَلَهُ. فَأَعْطَى سَلَبَهُ لِلَّذِي قَتَلَهُ. وَعَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ: هُوَ بَيْنَهُمَا.\nلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَظْهَرَ زِيَادَةَ عَنَاءٍ وَقُوَّةٍ، أَحَدُهُمَا بِإِثْبَاتِهِ وَالْآخَرُ بِقَتْلِهِ.\nوَإِنَّمَا نَأْخُذُ بِقَوْلِ عُمَرَ - ﵁ -؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ بِإِمْسَاكِهِ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُقَاتِلًا، وَإِنَّمَا الْقَاتِلُ هُوَ الثَّانِي فِي الْحَقِيقَةِ. فَيَكُونُ السَّلَبُ لَهُ بِالتَّنْفِيلِ. وَقَدْ كَانَ التَّنْفِيلُ مِنْ الْإِمَامِ لِلْقَاتِلِ لَا لِلْمُمْسِكِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.","vol":"1","page":606},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>[بَابُ النَّفْلِ وَمَا كَانَ لِلنَّبِيِّ خَالِصًا]</span>\n٦٨ - بَابُ النَّفْلِ وَمَا كَانَ لِلنَّبِيِّ خَالِصًا قَالَ: لَا بَأْسَ بِأَنْ يُعْطِيَ الْإِمَامُ الرَّجُلَ الْمُحْتَاجَ إذَا أَبْلَى مِنْ الْخُمُسِ مَا يُعِينُهُ، وَيَجْعَلُهُ نَفْلًا لَهُ بَعْدَ الْغَنِيمَةِ.\n؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِصَرْفِ الْخُمُسِ إلَى الْمُحْتَاجِينَ، وَهَذَا مُحْتَاجٌ. وَإِذَا جَازَ صَرْفُهُ إلَى مُحْتَاجٍ لَمْ يُقَاتِلْ فَلَأَنْ يَجُوزَ صَرْفُهُ إلَى مُحْتَاجٍ قَاتَلَ وَأَبْلَى بَلَاءً حَسَنًا كَانَ أَوْلَى.\nوَهَذَا لِأَنَّ بِقِتَالِهِ وَقِتَالِ أَمْثَالِهِ حَصَلَ هَذَا الْخُمُسُ.\nوَهُوَ نَظِيرُ مَنْ وَجَدَ رِكَازًا فَرَآهُ الْإِمَامُ مُحْتَاجًا وَصَرَفَ الْخُمُسَ إلَيْهِ. فَإِنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ. وَرُدَّ بِنَحْوِهِ أَثَرٌ عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ لِلْوَاجِدِ: خُمُسُهَا لَنَا وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا لَك وَسَنُتِمُّهَا لَك.\nثُمَّ هَذَا تَأْوِيلُ مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا نَفْلَ إلَّا مِنْ الْخُمُسِ» . وَعَنْ سَعِيدٍ قَالَ: كَانَ النَّفَلُ مِنْ الْخُمُسِ.","vol":"1","page":607},{"text":"يَعْنِي النَّفَلَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ لِلْمُحْتَاجِينَ كَانَ يَكُونُ مِنْ الْخُمُسِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -.\nفَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ مَنْ جَوَّزَ التَّنْفِيلَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ اسْتِدْلَالًا بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - «أَنَّهُ نَفَّلَ بَعْدَ الْغَنِيمَةِ»، فَقَدْ أَخْطَأَ. لِأَنَّهُ تَرَكَ التَّأَمُّلَ، وَلَمْ يَدْرِ أَنَّهُ مِنْ أَيِّ مَحَلٍّ نَفَّلَ. وَقَدْ كَانَ تَنْفِيلُهُ مِمَّا كَانَ لَهُ خَاصَّةً وَقَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - ثَلَاثُ حُظُوظٍ مِنْ الْغَنَائِمِ: الصَّفِيُّ، وَخُمُسُ الْخُمُسِ، وَسَهْمٌ كَسَهْمِ أَحَدِ الْغَانِمِينَ.\nوَمَعْنَى الصَّفِيُّ أَنَّهُ كَانَ يَصْطَفِي لِنَفْسِهِ شَيْئًا قَبْلَ الْقِسْمَةِ مِنْ سَيْفٍ أَوْ دِرْعٍ أَوْ جَارِيَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَقَدْ كَانَ هَذَا لِوَلِيِّ الْجَيْشِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَعَ حُظُوظٍ أُخَرَ.\nوَفِيهِ يَقُولُ الْقَائِلُ:\nلَك الْمِرْبَاعُ مِنْهَا وَالصَّفَايَا ... وَحُكْمُك وَالنَّشِيطَةُ وَالْفُضُولُ\nفَانْتَسَخَ ذَلِكَ كُلُّهُ سِوَى الصَّفِيِّ. فَإِنَّهُ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ مَوْتِهِ بِالِاتِّفَاقِ. حَتَّى إنَّهُ لَيْسَ لِلْإِمَامِ الصَّفِيُّ بَعْدَ وَفَاةِ الرَّسُولِ - ﵇ -، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي سَهْمِهِ مِنْ الْخُمُسِ أَنَّهُ هَلْ بَقِيَ لِلْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ؟ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي السِّيَرِ الصَّغِيرِ.\n٩٧٧ - وَذُكِرَ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: «كَانَتْ بَنُو النَّضِيرِ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -. فَقَسَّمَهَا بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَلَمْ يُعْطِ أَحَدًا","vol":"1","page":608},{"text":"مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْئًا، إلَّا سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ وَسِمَاكَ بْنَ خَرَشَةَ أَبَا دُجَانَةَ فَإِنَّهُمَا كَانَا مُحْتَاجَيْنِ فَأَعْطَاهُمَا» .\nوَبَيَانُهُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - خَاصَّةً فِي قَوْلِهِ: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦] (ص ٢٠٤) فَإِنَّهُمْ مَا فَتَحُوا بَنِي النَّضِيرِ عَنْوَةً وَقَهْرًا، وَإِنَّمَا صَالَحُوا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى أَنَّ لَهُمْ مَا حَمَلَتْ الْإِبِلُ، إلَّا الْحَلْقَةَ وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﵇ -. وَإِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا أَلْقَى اللَّهُ مِنْ الرُّعْبِ فِي قُلُوبِهِمْ.\nفَإِنْ قِيلَ: فَفِي زَمَانِنَا لَوْ حَاصَرَ الْإِمَامُ حِصْنًا ثُمَّ صَالَحَهُمْ عَلَى مِثْلِ هَذَا هَلْ تَكُونُ الْأَمْوَالُ لَهُ خَاصَّةً أَمْ تَكُونُ غَنِيمَةً لِلْجَيْشِ؟ قُلْنَا: بَلْ تَكُونُ غَنِيمَةً؛ لِأَنَّ خَوْفَهُمْ مِنْ مَنَعَةِ الْإِمَامِ لَا مِنْ نَفْسِهِ، وَمَنَعَتُهُ بِالْجَيْشِ. فَأَمَّا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَمَنَعَةُ رَسُولِ اللَّهِ مَا كَانَ بِمَنْ حَوْلَهُ مِنْ النَّاسِ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا يَأْمَنُونَ بِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاَللَّهُ يَعْصِمُك مِنْ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] .\n٩٧٨ - وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ فِيمَا صَنَعَ اسْتَرْضَى الْأَنْصَارَ أَيْضًا. فَإِنَّ الْمُهَاجِرِينَ كَانُوا نَازِلِينَ مَعَ الْأَنْصَارِ فِي بُيُوتِهِمْ وَقَالَ - ﵇ - لِلْأَنْصَارِ: «إمَّا أَنْ أَقْسِمَ بَنِي النَّضِيرِ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ بِرِضَاكُمْ لِيَتَحَوَّلُوا إلَيْهَا فَتَسْلَمَ لَكُمْ مَنَازِلُكُمْ، وَإِمَّا أَقْسِمُهَا بَيْنَ الْكُلِّ وَهُمْ يَسْكُنُونَ مَعَكُمْ فِي مَنَازِلِكُمْ عَلَى حَالِهِمْ.","vol":"1","page":609},{"text":"فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بَلْ نَرْضَى بِأَنْ تَقْسِمَهَا بَيْنَهُمْ، وَيَكُونُونَ مَعَنَا فِي مَنَازِلِنَا أَيْضًا» .\nوَفِيهِ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاَلَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ [الحشر: ٩] الْآيَةَ وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - أَعْطَى يَوْمَئِذٍ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ سَيْفَ ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، نَفَّلَهُ إيَّاهُ» . وَإِنَّمَا أَعْطَاهُ تَنْفِيلًا بَعْدَ الْإِصَابَةِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ خَاصَّةً.\nقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - ﵁ -: «كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - ثَلَاثُ صَفَايَا: بَنُو النَّضِيرِ، وَفَدَكُ، وَخَيْبَرُ» . وَكَانَتْ بَنُو النَّضِيرِ حَبْسًا لِنَوَائِبِهِ.\nأَيْ مَحْبُوسَةً لِذَلِكَ كَالْمَوْقُوفَةِ.\nوَكَانَتْ فَدَكُ لِابْنِ السَّبِيل.\nوَالْمُرَادُ بِنَوَائِبِهِ جَوَائِزُ الرُّسُلِ وَالْوُفُودِ الَّذِينَ كَانُوا يَأْتُونَهُ.\nوَأَمَّا خَيْبَرُ فَجَزَّأَهَا ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ: جُزْءَانِ لِلْمُهَاجِرِينَ وَجُزْءٌ كَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ مِنْهُ. فَإِنْ فَضَلَ رَدَّهُ عَلَى فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ.\nوَإِنَّمَا أَرَادَ بِهَذَا بَعْضَ خَيْبَرَ لَا كُلَّهَا. فَقَدْ اتَّفَقَتْ الرِّوَايَاتُ عَلَى أَنَّهُ قَسَمَ الشِّقَّ وَالنَّطَاةَ عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي أَوَّلِ الْقِسْمَةِ.","vol":"1","page":610},{"text":"وَذُكِرَ عَنْ عُرْوَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - أَقْطَعَ الزُّبَيْرَ عَامِرًا وَمَوَاتًا مِنْ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ» .\nوَعَنْ الزُّهْرِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - أَقْطَعَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَسُهَيْلٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَمْوَالًا مِنْ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ عَامِرَةً» .\nوَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ غَامِرَةً، وَهِيَ الْخَرَابُ الَّتِي يَبْلُغُهَا الْمَاءُ.\nقَالَ مُحَمَّدٌ - ﵀ -: فَمَنْ يَسْمَعُ هَذِهِ الْآثَارَ يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ نَفَّلَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ عَلَى وَجْهِ نَصْبِ الشَّرْعِ، وَلَا نَعْلَمُ أَنَّهُ إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ خَالِصَ حَقِّهِ. فَإِذَا تَأَمَّلَ مَا يُرْوَى عَنْ عُمَرَ - ﵁ - «قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تُخَمِّسُ مَا أَصَبْت مِنْ بَنِي النَّضِيرِ كَمَا خَمَّسْت مَا أَصَبْت مِنْ بَدْرٍ؟ قَالَ: لَا أَجْعَلُ شَيْئًا جَعَلَهُ اللَّهُ لِي دُونَ الْمُؤْمِنِينَ مِثْلَ مَا هُوَ لَهُمْ. وَتَلَا قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر: ٧]» .\nثُمَّ ذُكِرَ:\n٩٨٠ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْأَنْفَالِ فَقَالَ: لَا نَفْلَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ.\nإنَّمَا أَرَادَ بِهِ مَا بَيَّنَّا أَنَّ مَا كَانَ خَالِصًا لِرَسُولِ اللَّهِ - ﵇ - فَلَيْسَ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ مِثْلُ تِلْكَ الْخُصُوصِيَّةِ لِيُنَفِّلَ مِنْهُ. كَمَا كَانَ يُنَفِّلُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -.","vol":"1","page":611},{"text":"وَذُكِرَ عَنْ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - نَفَّلَ يَوْمَ بَدْرٍ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ سَيْفَ الْعَاصِ بْنِ سَعِيدٍ» .\n٩٨٢ - وَإِنَّمَا يُحْمَلُ هَذَا عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا نَفَّلَهُ مِنْ الْخُمُسِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُحْتَاجًا، أَوْ عَلَى أَنَّ غَنَائِمَ بَدْرٍ كَانَتْ مُفَوَّضَةً إلَيْهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] وَعَلَى أَنَّهُ اصْطَفَى ذَلِكَ لِنَفْسِهِ ثُمَّ أَعْطَاهُ سَعْدًا.\nوَهُوَ نَظِيرُ مَا يُرْوَى «أَنَّهُ اصْطَفَى يَوْمَ بَدْرٍ ذَا الْفَقَارِ ثُمَّ أَعْطَاهُ عَلِيًّا وَكَانَ يُقَاتِلُ بِهِ، وَقَدْ كَانَ سَيْفَ مُنَبَّهِ بْنِ الْحَجَّاجِ» . وَفِي رِوَايَةِ نُبَيْهِ بْنِ الْحَجَّاجِ، وَبِخِلَافِ مَا يَزْعُمُ الرَّوَافِضُ أَنَّ ذَا الْفَقَارِ كَانَ نَزَلَ مِنْ السَّمَاءِ لِعَلِيٍّ - ﵁ - وَذَلِكَ كَذِبٌ وَزُورٌ. وَمَبْنَى مَذْهَبِ الرَّوَافِضِ عَلَى الْكَذِبِ. وَإِنَّمَا سُمِّيَ ذَا الْفَقَارِ لِكَسْرٍ فِيهِ.\n٩٨٣ - وَعَلَى هَذَا أَيْضًا يُحْمَلُ حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - لَمَّا أَمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ أَنْ يَرُدُّوا مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ الْغَنَائِمِ ثُمَّ جَاءَ أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ بِسَيْفِ ابْنِ عَائِذٍ الْمَخْزُومِيِّ حَتَّى أَلْقَاهُ فِي الْغَنَائِمِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ لَا يُسْأَلُ شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ. فَجَاءَهُ الْأَرْقَمُ بْنُ أَبِي الْأَرْقَمِ وَعَرَفَ ذَلِكَ السَّيْفَ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ - ﵇ - فَأَعْطَاهُ إيَّاهُ» .\n٩٨٤ - وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ أَيْضًا حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: «جَاءَ عَيْنٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَأَصْحَابِهِ وَهُمْ","vol":"1","page":612},{"text":"فِي سَفَرٍ. فَأَكَلَ مَعَهُمْ وَخَالَطَهُمْ ثُمَّ ذَهَبَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵇ -: الْحَقُوهُ فَاقْتُلُوهُ. وَكَانَ سَلَمَةُ سَبَّاقًا يَسْبِقُ الْفَرَسَ عَدْوًا فَلَحِقَهُ وَأَخَذَ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ فَقَتَلَهُ. وَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ - ﵇ - بِنَاقَتِهِ وَسَلَبِهِ فَنَفَّلَهُ إيَّاهُ» .\nوَكَأَنَّهُ جَعَلَ هَذَا مِنْ الْخُمُسِ، ثُمَّ نَفَّلَهُ إيَّاهُ لِحَاجَتِهِ. وَلِلْإِمَامِ رَأْيٌ فِي مِثْلِ هَذَا.\n٩٨٥ - وَذُكِرَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: لَمَّا كَانَ فِي حِصَارِ بَنِي قُرَيْظَةَ قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ: مَنْ يُبَارِزُ؟ فَقَامَ إلَيْهِ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ. فَقَالَتْ صَفِيَّةُ: وَاحِدِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵇ -: «أَيُّهُمَا عَلَا صَاحِبَهُ يَقْتُلُهُ. فَعَلَاهُ الزُّبَيْرُ فَقَتَلَهُ. وَنَفَّلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﵇ - سَلَبَهُ» .\nوَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي الْمَغَازِي أَنَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ هَذَا كَانَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَقَدْ أَخْطَأَ، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا بِخَيْبَرَ. فَقَدْ كَانَتْ الْمُبَارَزَةُ وَالْقِتَالُ يَوْمَئِذٍ. فَأَمَّا بَنُو قُرَيْظَةَ فَلَمْ يَخْرُجْ أَحَدٌ مِنْهُمْ لِلْمُبَارَزَةِ وَالْقِتَالِ. وَصَفِيَّةُ كَانَتْ أُمَّ الزُّبَيْرِ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ سِوَاهُ، فَتَأَسَّفَتْ عَلَيْهِ حِينَ خَرَجَ لِلْمُبَارَزَةِ وَقَالَتْ: وَاحِدِي. أَيْ وَا أَسَفَا عَلَى وَاحِدٍ لِي لَا وَلَدَ لِي سِوَاهُ. فَطَيَّبَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵇ - قَلْبَهَا بِمَا قَالَ. ثُمَّ نَفَّلَ الزُّبَيْرَ سَلَبَهُ. وَكَانَ ذَلِكَ بِالطَّرِيقِ الَّذِي قُلْنَا إنَّهُ جَعَلَهُ مِمَّا كَانَ لَهُ خَاصَّةً ثُمَّ نَفَّلَهُ إيَّاهُ.\n٩٨٦ - وَذُكِرَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵁ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵇ -","vol":"1","page":613},{"text":"بَعَثَ بَعْثًا قِبَلَ نَجْدٍ فَغَنِمُوا إبِلًا كَثِيرَةً، فَكَانَتْ سِهَامُهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا، وَنُفِلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا» .\nوَتَأْوِيلُ هَذَا أَنَّهُمْ نُفِلُوا ذَلِكَ مِنْ الْخُمُسِ لِحَاجَتِهِمْ، أَوْ نُفِلُوا ذَلِكَ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ. وَقَدْ كَانُوا رَجَّالَةً كُلَّهُمْ، أَوْ فُرْسَانًا كُلَّهُمْ. وَعِنْدَنَا مِثْلُ هَذَا التَّنْفِيلِ بَعْدَ الْإِصَابَةِ يَجُوزُ.\nلِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْقِسْمَةِ. وَإِنَّمَا يَجُوزُ النَّفَلُ بَعْدَ الْإِصَابَةِ إذَا كَانَ فِيهِ تَخْصِيصُ بَعْضِهِمْ.\n٩٨٧ - قَالَ: وَلَوْ أَنَّ إمَامًا نَفَّلَ مِنْ الْغَنِيمَةِ بَعْدَ الْإِصَابَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بَعْضَ مَنْ كَانَ لَهُ جَزَاءٌ أَوْ عَنَاءٌ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ وَالنَّظَرِ مِنْهُ، ثُمَّ رُفِعَ إلَى وَالٍ آخَرَ لَا يَرَى التَّنْفِيلَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ فَإِنَّهُ يَمْضِي مَا صَنَعَ وَلَا يَرُدُّهُ.\nلِأَنَّهُ أَمْضَى تَنْفِيلًا مُجْتَهَدًا فِيهِ، وَقَضَاءُ الْقَاضِي فِي الْمُجْتَهَدَاتِ نَافِذٌ.\nبِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَضَى عَلَى الْغَائِبِ بِالْبَيِّنَةِ. فَإِنَّهُ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ لِكَوْنِهِ مُجْتَهِدًا فِيهِ. ٩٨٨ - وَاسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: بَارَزْت دِهْقَانًا فَقَتَلْته، فَنَفَّلَنِي أَمِيرِي سَلَبَهُ. فَأَجَازَ ذَلِكَ عُمَرُ - ﵁ -. وَقَدْ صَحَّ مِنْ مَذْهَبِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ أَنَّهُ كَانَ لَا يُجَوِّزُ التَّنْفِيلَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ، عَلَى مَا رَوَيْنَا مِنْ قَوْلِهِ: لَا نَفْلَ بَعْدَ الْغَنِيمَةِ.","vol":"1","page":614},{"text":"فَلَوْ كَانَ هُوَ الْوَالِي مَا نَفَّلَ إلَيْهِ شَيْئًا بَعْدَ الْإِصَابَةِ، وَلَكِنْ لَمَّا نَفَّلَهُ الْأَمِيرُ وَأَمْضَاهُ أَجَازَ ذَلِكَ عُمَرُ - ﵁ -.\n٩٨٩ - وَذُكِرَ عَنْ شَبْرِ بْنِ عَلْقَمَةَ قَالَ: بَارَزْت رَجُلًا مِنْ الْأَعَاجِمِ فَقَتَلْته. فَنَفَّلَنِي سَعْدٌ سَلَبَهُ. ثُمَّ رُفِعَ ذَلِكَ إلَى عُمَرَ فَأَمْضَاهُ.\n٩٩٠ - وَإِذَا قَالَ الْأَمِيرُ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ جَمِيعًا: مَا أَصَبْتُمْ فَهُوَ لَكُمْ نَفْلًا بِالسَّوِيَّةِ بَعْدَ الْخُمُسِ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ (ص ٢٠٦) .\nلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ التَّنْفِيلِ التَّحْرِيضُ عَلَى الْقِتَالِ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إذَا خَصَّ الْبَعْضَ بِالتَّنْفِيلِ، فَأَمَّا إذَا عَمَّهُمْ فَلَا يَحْصُلُ بِهِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالتَّنْفِيلِ، وَإِنَّمَا فِي هَذَا إبْطَالُ السُّهْمَانِ الَّتِي أَوْجَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﵇ -، وَإِبْطَالُ تَفْضِيلِ الْفَارِسِ عَلَى الرَّاجِلِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ.\n٩٩١ - وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: مَا أَصَبْتُمْ فَلَكُمْ، وَلَمْ يَقُلْ: بَعْدَ الْخُمُسِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ.\nلِأَنَّ فِيهِ إبْطَالَ الْخُمُسِ الَّتِي أَوْجَبَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الْغَنِيمَةِ.\n٩٩٢ - وَذُكِرَ عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: لَا يَصْلُحُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُنَفِّلَ كُلَّ شَيْءٍ إلَّا الْخُمُسَ. لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَى قَوِيِّ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى ضَعِيفِهِمْ.\nوَمَعْنَى هَذَا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقُولَ: مَنْ أَصَابَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ بَعْدَ الْخُمُسِ؛ لِأَنَّ التَّنْفِيلَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ إبْطَالًا لِحَقِّ ضُعَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ. وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّهُ «قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -:","vol":"1","page":615},{"text":"أَرَأَيْت الرَّجُلَ يَكُونُ حَامِيَةَ الْقَوْمِ، وَآخَرَ لَا يَقْدِرُ عَلَى حَمْلِ السِّلَاحِ أَيُسَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الْغَنِيمَةِ؟ فَقَالَ - ﵇ -: وَهَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إلَّا بِضُعَفَائِكُمْ» .\n٩٩٣ - قَالَ: وَالنَّفَلُ فِي الْأَمْوَالِ كُلِّهَا مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.\n٩٩٤ - وَإِذَا قَالَ الْإِمَامُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ. فَقَتَلَ رَجُلٌ قَتِيلًا، وَكَانَ مَعَهُ دَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ، أَوْ فِضَّةُ سَيْفٍ، أَوْ سِوَارٌ مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ قُرْطُ ذَهَبٍ، أَوْ مِنْطَقَةٌ مِنْ فِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ، فَذَلِكَ كُلُّهُ لَهُ. وَعَلَى قَوْلِ أَهْلِ الشَّامِ لَا نَفْلَ فِي ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ. وَإِنَّمَا النَّفَلُ فِيمَا يَكُونُ مِنْ الْأَمْتِعَةِ فَأَمَّا فِي أَعْيَانِ الْأَمْوَالِ فَلَا.\nوَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ عَيْنُ مَالٍ، فَيَكُونُ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ مُقَرَّرًا فِيهَا. وَقَاسُوا هَذَا بِإِبَاحَةِ التَّنَاوُلِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْغَانِمِينَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَثْبُتُ فِي الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ دُونَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، حَتَّى لَوْ أَرَادَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَرْفَعَ الدَّرَاهِمَ مِنْ الْغَنِيمَةِ فَيَشْتَرِيَ بِهَا طَعَامًا لِنَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.\nوَلَكِنَّا نَقُولُ: التَّنْفِيلُ لِلتَّحْرِيضِ عَلَى الْمُخَاطَرَةِ بِالرُّوحِ فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ. وَفِي هَذَا الْمَعْنَى يَسْتَوِي الْأَمْوَالُ، بَلْ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُخَاطِرُ بِأَعَزِّ الْأَشْيَاءِ عِنْدَهُ، فَإِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُسَلَّمُ لَهُ الْمَالُ النَّفِيسُ يَمْتَنِعُ مِنْ هَذِهِ الْمُخَاطَرَةِ.\nوَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ السَّلَبَ اسْمٌ لِمَا يُسْلَبُ. فَكُلُّ مَا يَكُونُ مَعَ الْحَرْبِيِّ إذَا قَتَلَهُ فَقَدْ اسْتَلَبَهُ مِنْهُ. وَيَسْتَحِقُّ كُلَّ ذَلِكَ بِمُطْلَقِ اسْمِ السَّلَبِ.","vol":"1","page":616},{"text":"ثُمَّ اُسْتُدِلَّ عَلَيْهِ: بِحَدِيثِ عُمَرَ - ﵁ - فِي قِصَّةِ الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ حِينَ قَتَلَ مَرْزُبَانَ الزَّارَةِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ مِنْطَقَةُ ذَهَبٍ فِيهَا جَوْهَرٌ فَقُوِّمَ فَبَلَغَ ثَلَاثِينَ أَلْفًا.\nوَقَدْ ذُكِرَ قَبْلَ هَذَا أَنَّهُ كَانَ بَلَغَ أَرْبَعِينَ أَلْفًا، فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ ثَلَاثُونَ أَلْفًا قِيمَةُ الْمِنْطَقَةِ فَقَطْ، وَأَرْبَعُونَ قِيمَةُ جَمِيعِ السَّلَبِ، أَوْ يُقَالُ: مَا سَبَقَ وَهْمٌ مِنْ الرَّاوِي.\nوَالصَّحِيحُ مَا ذُكِرَ هُنَا. فَقَدْ قَالَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ أَنَسٍ - ﵁ -: قَالَ: بَعَثْنَا إلَى عُمَرَ بِالْخُمُسِ سِتَّةِ آلَافِ دِرْهَمٍ. فَبِهَذَا التَّفْسِيرِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ قِيمَةَ السَّلَبِ كَانَ ثَلَاثِينَ أَلْفًا.\nوَقَدْ رَوَيْنَا «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَفَّلَ ابْنُ مَسْعُودٍ سَيْفَ أَبِي جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ وَكَانَ عَلَيْهِ فِضَّةٌ» . فَدَلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ التَّنْفِيلُ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.\nوَذُكِرَ:\n٩٩٥ - عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ لَا سَلَبَ إلَّا لِمَنْ أَسَرَ عِلْجًا أَوْ قَتَلَهُ.\nوَلَا يَكُونُ السَّلَبُ فِي يَوْمِ هَزِيمَةٍ أَوْ فَتْحٍ. وَيَصْلُحُ فِي السَّلَبِ الثِّيَابُ وَالسِّلَاحُ وَالْمِنْطَقَةُ وَالدَّابَّةُ، وَمَا كَانَ مَعَ الْعِلْجِ بَعْدَ هَذَا فَلَا سَلَبَ فِيهِ. وَلَا سَلَبَ فِي السِّلْعَةِ.\nأَمَّا قَوْلُهُ لَا سَلَبَ إلَّا لِمَنْ أَسَرَ عِلْجًا أَوْ قَتَلَهُ فَهُوَ كَمَا قَالَ.","vol":"1","page":617},{"text":"لِأَنَّ التَّنْفِيلَ إنَّمَا يَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْجَزَاءِ وَالْعَنَاءِ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالْأَسْرِ وَالْقَتْلِ.\nوَأَمَّا قَوْلُهُ: (ص ٢٠٧) لَا سَلَبَ فِي يَوْمِ هَزِيمَةٍ وَلَا فَتْحٍ. فَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُنَفِّلَ الْأَسْلَابَ مِنْ الْقَتْلَى وَالْأَسْرَى فِي الْهَزِيمَةِ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا أَوْ أَسَرَ قَبْلَ الْهَزِيمَةِ أَوْ الْفَتْحِ فَلَهُ سَلَبُهُ، وَلْيَتِمَّ النَّظَرُ مِنْهُ لِلْمُسْلِمِينَ. وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِي قَتْلِ الْمُنْهَزِمِ إلَى عَظِيمِ جَزَاءٍ وَعَنَاءٍ. وَكَذَلِكَ بَعْدَ الْفَتْحِ.\nفَأَمَّا إذَا أَطْلَقَ وَقَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، وَمَنْ أَسَرَ أَسِيرًا فَهُوَ لَهُ. فَلِكُلِّ مُسْلِمٍ مَا شَرَطَ الْإِمَامُ لَهُ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ فِي حَالَةِ الْهَزِيمَةِ أَوْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ، وَبِمُجَرَّدِ الْمَقْصُودِ لَا يَثْبُتُ تَخْصِيصُ الْعَامِّ بَلْ يَجِبُ إجْرَاؤُهُ عَلَى عُمُومِهِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ أَسَرُوا كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ الْهَزِيمَةِ؟ بَلْ كَانَتْ عَامَّةُ الْأُسَرَاءِ بَعْدَ الْهَزِيمَةِ. ثُمَّ سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الْأَسْرَى لِمَنْ أَسَرُوهُمْ، حَتَّى أَخَذُوا فِدَاءَهُمْ.\nوَأَمَّا قَوْلُهُ: يَصْلُحُ مِنْ السَّلَبِ السِّلَاحُ وَالثِّيَابُ وَالْمِنْطَقَةُ وَالدَّابَّةُ، فَمَا كَانَ مَعَ الْعِلْجِ بَعْدَ هَذَا فَلَا سَلَبَ فِيهِ فَهُوَ كَمَا قَالَ. وَالْمُرَادُ أَنَّ مَا مَعَهُ مِمَّا خَلَّفَهُ فِي الْمُعَسْكَرِ لَيْسَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى فَرَسِهِ الَّذِي خَرَجَ يُقَاتِلُ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ السَّلَبِ؛ لِأَنَّ السَّلَبَ اسْمٌ لِمَا يُسْلَبُ مِنْهُ. فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ مَا مَعَهُ خَاصَّةً مِمَّا إذَا قُتِلَ هُوَ لَا يَبْقَى مَانِعٌ يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ الْقَاتِلِ، وَهَذَا غَيْرُ مَوْجُودٍ فِيمَا خَلَّفَهُ مِنْ الْمُعَسْكَرِ، فَإِنَّهُمْ يَمْنَعُونَ ذَلِكَ مِنْ الْقَاتِلِ. فَلَا يَتَمَكَّنُ هُوَ مِنْ أَخْذِهِ بِقَتْلِ الْعِلْجِ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مَعَهُ بَغْلَةٌ عَلَيْهَا مَتَاعُهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ سَلَبِهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ","vol":"1","page":618},{"text":"الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: لَا سَلَبَ فِي السِّلْعَةِ، يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَقُودُ هَذَا مَعَ نَفْسِهِ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ فِي الْقِتَالِ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ السِّلَعِ الَّتِي يَحْمِلُهَا لِلتِّجَارَةِ.\nوَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ: لَا سَلَبَ فِي السِّلْعَةِ: مَا يَكُونُ مَعَهُ مِنْ الْمَالِ الْعَيْنِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الشَّامِ لَا نَأْخُذُ بِهِ. فَأَمَّا عِنْدَنَا مَا مَعَهُ فِي حَقْوِهِ فَهُوَ مِنْ السَّلَبِ يُسَلَّمُ لِلْقَاتِلِ.","vol":"1","page":619},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>[بَابُ النَّفْلِ فِي دَارِ الْحَرْبِ]</span>\n٦٩ - بَابُ النَّفْلِ فِي دَارِ الْحَرْبِ ٩٩٦ - قَالَ: كُلُّ أَمِيرٍ كَانَ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ يَلِي سَرِيَّةً أَوْ جُنْدًا فَلَهُ أَنْ يُنَفِّلَ مِنْهَا أَصْحَابَهُ قَبْلَ إصَابَةِ الْغَنِيمَةِ وَهُوَ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْإِمَامِ.\nلِأَنَّهُ فُوِّضَ إلَيْهِ تَدْبِيرُ الْقِتَالِ، وَالتَّنْفِيلُ مِنْ تَدْبِيرِ الْقِتَالِ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ التَّحْرِيضُ عَلَى الْقِتَالِ. فَكُلُّ أَمِيرٍ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْإِمَامِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا أَمَرَهُمْ بِشَيْءٍ فِي الْقِتَالِ كَانَ عَلَيْهِمْ طَاعَتُهُ فِي ذَلِكَ، كَمَا تَجِبُ طَاعَةُ الْإِمَامِ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ، فَكَذَلِكَ فِي التَّنْفِيلِ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْإِمَامِ.\n٩٩٧ - وَلَوْ أَنَّ أَمِيرَ الشَّامِ بَعَثَ جُنْدًا إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا وَلَمْ يَأْذَنْ لِأَمِيرِهِمْ أَنْ يُنَفِّلَ وَلَمْ يَنْهَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَرَأَى أَمِيرُهُمْ أَنْ يُنَفِّلَ جَازَ تَنْفِيلُهُ، وَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ بَعْضُ مَنْ تَحْتَ رَايَتِهِ.\nلِأَنَّهُ مَا أُمِرَ بِأَنْ يَتَّبِعَ رَأْيَهُمْ، وَإِنَّمَا أُمِرُوا أَنْ لَا يُخَالِفُوهُ فِيمَا يَرَاهُ صَوَابًا.\nوَلِأَنَّهُ وَلِيَ الْقِتَالَ فَيَدْخُلُ فِيهِ مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّحْرِيضُ عَلَى الْقِتَالِ.\n٩٩٨ - وَإِنْ نَهَاهُ الَّذِي وَجَّهَهُ أَنْ يُنَفِّلَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُنَفِّلَ أَحَدًا شَيْئًا.\nلِأَنَّ سَبَبَ الْإِمَارَةِ التَّقْلِيدُ. وَهُوَ يَقْبَلُ التَّخْصِيصَ، وَبِمَنْزِلَةِ تَقْلِيدِ الْقَضَاءِ","vol":"1","page":620},{"text":"فَإِنَّهُ يَقْبَلُ التَّخْصِيصَ. وَلِأَنَّا إنَّمَا صَحَّحْنَا تَنْفِيلَهُ قَبْلَ النَّهْيِ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ، فَيَسْقُطُ اعْتِبَارُهَا عِنْدَ التَّنْصِيصِ بِخِلَافِهَا.\n٩٩٩ - فَإِنْ رَضِيَ جَمِيعُ مَنْ مَعَهُ جَازَ تَنْفِيلُهُ مِنْ أَنْصِبَائِهِمْ بَعْدَ رَفْعِ الْخُمُسِ.\nلِأَنَّ لَهُمْ وِلَايَةً عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَإِنَّمَا يُعْمِلُ رِضَاهُ فِي حَقِّهِمْ. فَأَمَّا الْخُمُسُ حَقُّ غَيْرِهِمْ، فَلَا يُعْمِلُ فِيهِ رِضَاهُمْ بِالتَّنْفِيلِ.\n١٠٠٠ - وَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ وَأَذِنَ فِيهِ بَعْضُهُمْ فَلَهُ أَنْ يُنَفِّلَ مِنْ حِصَصِ الَّذِينَ أَذِنُوا لَهُ فِي ذَلِكَ.\nلِمَا بَيَّنَّا أَنَّ وِلَايَتَهُمْ مَقْصُورَةٌ عَلَى حِصَصِهِمْ دُونَ حِصَصِ الْبَاقِينَ مِمَّنْ كَرِهَ تَنْفِيلَهُ.\n١٠٠١ - قَالَ (ص ٢٠٨) وَلَوْ أَنَّ أَمِيرَ الْمِصِّيصَةِ بَعَثَ سَرِيَّةً لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُنَفِّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ.\nيُرِيدُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُنَفِّلَ السَّرِيَّةَ مَا أَصَابُوا.\n١٠٠٢ - بِخِلَافِ مَا إذَا دَخَلَ الْإِمَامُ مَعَ الْجَيْشِ دَارَ الْحَرْبِ، ثُمَّ بَعَثَ سَرِيَّةً وَنَفَّلَ لَهُمْ مَا أَصَابُوا فَإِنَّهُ يَجُوزُ. لِأَنَّ السَّرِيَّةَ الْمَبْعُوثَةَ مِنْ الْمِصِّيصَةِ يَخْتَصُّونَ بِمَا أَصَابُوا قَبْلَ تَنْفِيلِ الْإِمَامِ، وَلَيْسَ لِأَهْلِ الْمِصِّيصَةِ مَعَهُمْ شَرِكَةٌ فِي ذَلِكَ. فَإِنَّ الْمِصِّيصَةَ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ،","vol":"1","page":621},{"text":"وَمَنْ يَتَوَطَّنُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يُشَارِكُ الْجَيْشَ فِيمَا أَصَابُوا، فَلَيْسَ فِي هَذَا التَّنْفِيلِ إلَّا إبْطَالُ الْخُمُسِ.\nوَأَمَّا السَّرِيَّةُ الْمَبْعُوثَةُ مِنْ الْجَيْشِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا يَخْتَصُّونَ بِالْمُصَابِ قَبْلَ تَنْفِيلِ الْإِمَامِ، وَإِنَّمَا هَذَا التَّنْفِيلُ لِلتَّخْصِيصِ عَلَى وَجْهِ التَّحْرِيضِ لَهُمْ، فَكَانَ مُسْتَقِيمًا.\n١٠٠٣ - ثُمَّ لَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُنَفِّلَ أَحَدًا شَيْئًا إلَّا بِبَلَاءٍ يُبْلِيهِ. وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ فِي التَّنْفِيلِ لِلسَّرِيَّةِ الْمَبْعُوثَةِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَيَحْصُلُ فِي السَّرِيَّةِ الْمَبْعُوثَةِ مِنْ الْجَيْشِ فِي دَارِ الْحَرْبِ.\nلِأَنَّهُمْ دَخَلُوا جَمِيعًا لِلْقِتَالِ، ثُمَّ اخْتَصَّتْ السَّرِيَّةُ بِالتَّقَدُّمِ فِي نَحْوِ الْعَدُوِّ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إظْهَارَ الْبَلَاءِ مِنْهُمْ، فَإِذَا نَفَّلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ كَانَ صَحِيحًا، بِمَنْزِلَةِ التَّنْفِيلِ فِي السَّلَبِ لِلْقَاتِلِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا بَرَزَ عِلْجٌ مِنْ الصَّفِّ وَدَعَا إلَى الْبِرَازِ فَقَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ بَرَزَ إلَيْهِ فَقَتَلَهُ فَلَهُ سَلَبُهُ، فَذَلِكَ تَنْفِيلٌ صَحِيحٌ؟ لِأَنَّ الَّذِي يَبْرُزُ إلَيْهِ يُظْهِرُ فَضْلَ بَلَاءٍ بِصُنْعِهِ، فَيَجُوزُ لِلْأَمِيرِ أَنْ يُنَفِّلَهُ عَلَى ذَلِكَ.\n١٠٠٤ - وَكَذَلِكَ لَوْ حَاصَرُوا حِصْنًا فَكَرِهَ الْقَوْمُ التَّقَدُّمَ فَيَقُولُ الْأَمِيرُ: مَنْ تَقَدَّمَ إلَى الْقِتَالِ، أَوْ إلَى الْبَابِ، أَوْ إلَى حَصْرِ الْحِصْنِ فَلَهُ كَذَا، فَذَلِكَ تَنْفِيلٌ مُسْتَقِيمٌ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى التَّحْرِيضِ","vol":"1","page":622},{"text":"وَالْمَنْفَعَةُ لِلْمُسْلِمِينَ. وَكُلُّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ اسْتَحَقَّ مَا سُمِّيَ لَهُ مِنْ الْمُصَابِ قَبْلَ الْخُمُسِ وَالْقِسْمَةِ. فَأَمَّا مَا لَيْسَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا يَنْبَغِي فِيهِ التَّنْفِيلُ.\nلِأَنَّ لَا مَقْصُودَ فِيهِ سِوَى إبْطَالِ الْخُمُسِ، أَوْ تَفْضِيلِ الْفَارِسِ عَلَى الرَّاجِلِ، وَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ.\n١٠٠٥ - وَلَوْ أَنَّ أَمِيرَ الْعَسْكَرِ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَجَّهَ سَرِيَّتَيْنِ بَعْدَ الْخُمُسِ إحْدَاهُمَا يَمْنَةً وَالْأُخْرَى يَسْرَةً، وَنَفَّلَ لِإِحْدَاهُمَا الثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ مِمَّا يُصِيبُونَ وَلِأُخْرَى الرُّبْعَ بَعْدَ الْخُمُسِ، فَهُوَ جَائِزٌ.\nلِأَنَّ التَّنْفِيلَ لِلتَّرْغِيبِ فِي الْخُرُوجِ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الطَّرِيقِ فِي الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ، وَالْوُعُورَةِ وَالسُّهُولَةِ، وَالْخَوْفِ وَالْأَمْنِ، وَبِاخْتِلَافِ حَالِ الْمَبْعُوثِ إلَيْهِمْ فِي الْمَنَعَةِ وَالْقُوَّةِ، وَالْأَمِيرُ نَاظِرٌ لَهُمْ فَيَجُوزُ أَنْ يُفَاوِتَ فِي النَّفْلِ بِحَسَبِ ذَلِكَ.\n١٠٠٦ - فَإِنْ جَاءَتْ كُلُّ سَرِيَّةٍ بِمَالٍ أَخَذَ الْخُمُسَ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ أُعْطُوا نَفْلَهُمْ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ، لَا يُفَضَّلُ فِيهِ الْفَارِسُ عَلَى الرَّاجِلِ.\nلِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِالتَّسْمِيَةِ بِخِلَافِ الْغَنِيمَةِ، فَاسْتِحْقَاقُهَا بِاعْتِبَارِ الْعَنَاءِ وَالْقُوَّةِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ تَفْضِيلِ الذَّكَرِ عَلَى الْأُنْثَى فِي الْمِيرَاثِ، وَالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فِي الْوَصِيَّةِ.\n١٠٠٧ - ثُمَّ مَا بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ يُقَسَّمُ بَيْنَ أَصْحَابِ السَّرِيَّتَيْنِ وَالْجَيْشِ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.","vol":"1","page":623},{"text":"لِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي إحْرَازِهَا بِالدَّارِ.\n١٠٠٨ - فَإِنْ ذَهَبَ رَجُلٌ مِمَّنْ بَعَثَهُ فِي سَرِيَّةِ الرُّبْعِ مَعَ أَصْحَابِ سَرِيَّةِ الثُّلُثِ فَأَصَابُوا غَنَائِمَ، فَفِي الْقِيَاسِ لَا شَيْءَ لِهَذَا الرَّجُلِ مِنْ النَّفْلِ.\nلِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ النَّفْلِ بِالتَّسْمِيَةِ، وَمَا سَمَّى الْإِمَامُ لَهُ شَيْئًا فِي أَصْحَابِ سَرِيَّةِ الثُّلُثِ، وَهُوَ لَمْ يَخْرُجْ مَعَ الَّذِينَ سَمَّى لَهُ نَفْلًا مَعَهُمْ، فَهُوَ قِيَاسُ مَا لَوْ تَخَلَّفَ مَعَ الْعَسْكَرِ وَلَمْ يَخْرُجْ أَوْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ الْعَسْكَرِ مَعَ أَصْحَابِ سَرِيَّةِ الثُّلُثِ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِالْخُرُوجِ أَصْلًا فَكَمَا لَا يَسْتَحِقُّ هُنَاكَ النَّفَلَ فَكَذَلِكَ هُنَا.\nوَلَمْ يُبَيَّنْ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ هُنَا. فَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا (ص ٢٠٩): عَلَى طَرِيقَةِ الِاسْتِحْسَانِ يَكُونُ لَهُ النَّفَلُ مَعَ أَصْحَابِ سَرِيَّةِ الثُّلُثِ. لِأَنَّ تَسْمِيَةَ الْإِمَامِ لَهُمْ مَا كَانَ بِاعْتِبَارِ أَعْيَانِهِمْ بَلْ لِتَحْرِيضِهِمْ عَلَى الْخُرُوجِ إلَى الطَّرِيقِ الَّذِي وُجِّهُوا إلَيْهِ، وَقَدْ وُجِدَ هَذَا فِي حَقِّ الْوَاحِدِ.\nوَالْأَصَحُّ أَنَّ لِلِاسْتِحْسَانِ فِيهِ وَجْهًا آخَرَ فَسَّرَهُ فِي آخِرِ الْكِتَابِ فَنُبَيِّنُهُ عِنْدَ ذَلِكَ.\n١٠٠٩ - وَلَوْ أَنَّ الْإِمَامَ قَالَ: مَنْ شَاءَ فَلْيَخْرُجْ فِي هَذِهِ السَّرِيَّةِ، وَمَنْ شَاءَ فِي هَذِهِ، فَلِجَمِيعِ مَنْ خَرَجُوا النَّفَلَ الَّذِي نُفِلُوا.\nلِأَنَّهُمْ خَرَجُوا بِإِذْنِ الْإِمَامِ. فَبِهَذَا تَبَيَّنَ ضَعْفُ الِاسْتِحْسَانِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ فِيهِ تَسْوِيَةً، بَيْنَ مَا إذَا عَيَّنَ الْإِمَامُ لِلْخُرُوجِ قَوْمًا فِي كُلِّ جَانِبٍ وَبَيْنَ مَا إذَا لَمْ يُعَيِّنْ وَجَعَلَ الْأَمْرَ مُفَوَّضًا إلَى رَأْيِهِمْ.","vol":"1","page":624},{"text":"وَلَوْ بَعَثَ سَرِيَّةً وَعَلَيْهِمْ أَمِيرٌ وَنَفَّلَهُمْ الثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ؛ ثُمَّ إنَّ أَمِيرَ السَّرِيَّةِ نَفَّلَ قَوْمًا نَفْلًا لِفَتْحِ الْحِصْنِ أَوْ لِلْمُبَارَزَةِ، وَلَمْ يَكُنْ أَمَرَهُ الْأَمِيرُ بِذَلِكَ، فَإِنَّ نَفْلَ أَمِيرِ السَّرِيَّةِ يَجُوزُ مِنْ حِصَّةِ السَّرِيَّةِ مِنْ النَّفْلِ، وَمِنْ سِهَامِهِمْ بَعْدَ النَّفْلِ، وَلَا يَجُوزُ مِنْ سِهَامِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ مِمَّا أَصَابُوا.\nلِأَنَّهُ أَمِيرٌ عَلَى السَّرِيَّةِ. فَهُوَ فِي حَقِّ الْعَسْكَرِ بِمَنْزِلَةِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ السَّرِيَّةِ، فَلَا يَنْفُذُ تَنْفِيلُهُ عَلَيْهِمْ. وَهُوَ فِي حَقِّ السَّرِيَّةِ بِمَنْزِلَةِ أَمِيرِ الْعَسْكَرِ، فَيَجُوزُ تَنْفِيلُهُ فِيمَا هُوَ حَقُّهُمْ، وَحَقُّهُمْ مَا نَفَّلَ لَهُمْ وَمَا يُصِيبُهُمْ مِنْ السِّهَامِ بِالْقِسْمَةِ، فَيَنْفُذُ تَنْفِيلُ أَمِيرِهِمْ مِنْ ذَلِكَ خَاصَّةً.\n١٠١١ - وَلَوْ أَنَّ السَّرِيَّةَ لَمَّا بَعُدُوا مِنْ الْعَسْكَرِ مَسِيرَةَ يَوْمٍ فَقَدُوا رَجُلًا مِنْهُمْ. فَقَالُوا لِبَعْضِهِمْ: أَقِيمُوا عَلَى صَاحِبِنَا هَا هُنَا. وَبَعْضُهُمْ ذَهَبُوا حَتَّى أَصَابُوا غَنَائِمَ وَرَجَعُوا إلَى أَصْحَابِهِمْ وَقَدْ وَجَدُوا الرَّجُلَ، كَانُوا شُرَكَاءَ كُلَّهُمْ فِي النَّفْلِ.\nلِأَنَّهُمْ فَارَقُوا الْمُعَسْكَرَ جُمْلَةً، وَأَحْرَزُوا الْمُصَابَ بِالْمُعَسْكَرِ جُمْلَةً، فَكَانُوا شُرَكَاءَ فِي النَّفْلِ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ بَاشَرَ الْقِتَالَ بَعْضُهُمْ وَالْبَعْضُ كَانُوا رِدْءًا لَهُمْ وَهَذَا لِأَنَّ إحْرَازَ الْمُصَابِ بِالْمُعَسْكَرِ فِي اسْتِحْقَاقِ النَّفْلِ بِمَنْزِلَةِ الْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ فِي اسْتِحْقَاقِ السَّهْمِ.","vol":"1","page":625},{"text":"وَلَوْ وَقَعَتْ هَذِهِ الْحَادِثَةُ لِبَعْضِ الْعَسْكَرِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا عِنْدَ إحْرَازِ الْغَنَائِمِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ كَانُوا شُرَكَاءَ فِي الْغَنِيمَةِ فَهَذَا مِثْلُهُ.\nوَعَلَى هَذَا لَوْ أَصَابَ الرَّجُلُ الْمَفْقُودُ غَنَائِمَ، وَاَلَّذِينَ قَامُوا لِانْتِظَارِهِ غَنَائِمَ. وَالسَّرِيَّةُ كَذَلِكَ، ثُمَّ الْتَقَوْا قَبْلَ أَنْ يَنْتَهُوا إلَى الْمُعَسْكَرِ، فَلَهُمْ النَّفَلُ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ كَمَا لَوْ لَمْ يَتَفَرَّقُوا.\nلِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي إحْرَازِ الْمُصَابِ بِالْمُعَسْكَرِ.\n١٠١٣ - وَلَوْ لَمْ يَلْتَقُوا حَتَّى أَتَى كُلُّ فَرِيقٍ الْمُعَسْكَرَ، فَلِكُلِّ فَرِيقٍ النَّفَلُ مِمَّا أَصَابَ خَاصَّةً.\nلِأَنَّهُ تَفَرَّدَ بِإِحْرَازِ ذَلِكَ بِالْمُعَسْكَرِ. وَالْإِمَامُ إنَّمَا نَفَّلَ لَهُمْ الثُّلُثَ مِمَّا أَصَابُوا، فَذَلِكَ يَتَنَاوَلُ كُلَّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ.\nثُمَّ الْبَاقِي يَكُونُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ الْعَسْكَرِ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.\n١٠١٤ - وَعَلَى هَذَا لَوْ أَنَّ السَّرِيَّةَ بَعْدَمَا بَعُدَتْ مِنْ الْمُعَسْكَرِ تَفَرَّقُوا سَرِيَّتَيْنِ، وَبَعُدَتْ إحْدَاهُمَا عَنْ الْأُخْرَى بِحَيْثُ لَا تَقْدِرُ إحْدَاهُمَا عَلَى عَوْنِ الْأُخْرَى، فَإِنْ الْتَقَوْا قَبْلَ أَنْ يَنْتَهُوا إلَى الْمُعَسْكَرِ كَانَ لَهُمْ النَّفَلُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ.\nبِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانُوا مُجْتَمِعِينَ حِينَ أَصَابُوا.\nوَإِنْ لَمْ يَلْتَقُوا حَتَّى أَتَى كُلُّ فَرِيقٍ الْمُعَسْكَرَ، فَلِكُلِّ فَرِيقٍ النَّفَلُ مِمَّا أَصَابُوا خَاصَّةً.","vol":"1","page":626},{"text":"وَكَذَلِكَ لَوْ الْتَقَوْا فِي مَكَان دُونَ الْمُعَسْكَرِ بِحَيْثُ يَرَاهُمْ أَهْلُ الْمُعَسْكَرِ، لَوْ قُوتِلُوا لَنَصَرُوهُمْ. فَهَذَا وَمَا لَوْ الْتَقَوْا فِي الْمُعَسْكَرِ سَوَاءٌ.\nلِأَنَّ مَا قَرُبَ مِنْ الْمُعَسْكَرِ بِمَنْزِلَةِ جَوْفِ الْمُعَسْكَرِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّ إحْرَازَ الْمُصَابِ (ص ٢١٠) بِالْمُعَسْكَرِ يَحْصُلُ بِالِاتِّصَالِ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَقَدْ تَفَرَّدَ بِهِ كُلُّ فَرِيقٍ.\n١٠١٥ - قَالَ: وَلَوْ أَنَّ هَذِهِ السَّرِيَّةَ حِينَ بَعُدُوا مِنْ الْمُعَسْكَرِ وَأَصَابُوا غَنَائِمَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الرُّجُوعِ إلَى الْمُعَسْكَرِ، فَخَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ، وَلَمْ يَلْتَقُوا مَعَ أَهْلِ الْمُعَسْكَرِ.\nفَالْغَنِيمَةُ كُلُّهَا لَهُمْ: يُخَمَّسُ مَا أَصَابُوا، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ دُونَ أَهْلِ الْعَسْكَرِ.\nلِأَنَّهُمْ تَفَرَّدُوا بِالْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ سَبَبُ تَأَكُّدِ الْحَقِّ.\nفَإِنْ قَالُوا: سَلِّمْ لَنَا نَفْلَنَا أَوَّلًا، لَمْ يُسَلِّمْ لَهُمْ ذَلِكَ.\nلِأَنَّ الْغَنِيمَةَ لَمَّا صَارَتْ لَهُمْ كُلُّهَا بَطَلَ التَّنْفِيلُ، بِمَنْزِلَةِ مَا كَانُوا دَخَلُوا مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ.\n١٠١٦ - وَلَوْ أَنَّ الْإِمَامَ بَعَثَ سَرِيَّةً مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ فَنَفَّلَ لَهُمْ الثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ أَوْ قَبْلَ الْخُمُسِ كَانَ هَذَا التَّنْفِيلُ بَاطِلًا.\nلِأَنَّهُ مَا خَصَّ بَعْضَهُمْ بِالتَّنْفِيلِ، وَلَا مَقْصُودَ مِنْ هَذَا التَّنْفِيلِ سِوَى إبْطَالِ الْخُمُسِ، وَإِبْطَالُ تَفْضِيلِ الْفَارِسِ عَلَى الرَّاجِلِ. وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ.\nبِخِلَافِ مَا إذَا الْتَقَوْا فِي دَارِ الْحَرْبِ. فَفِي التَّنْفِيلِ هُنَاكَ مَعْنَى التَّخْصِيصِ لَهُمْ.","vol":"1","page":627},{"text":"لِأَنَّ الْجَيْشَ شُرَكَاؤُهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ، فَفِي التَّنْفِيلِ يَخُصُّهُمْ بِبَعْضِ الْمُصَابِ، وَذَلِكَ مُسْتَقِيمٌ.\n١٠١٧ - وَلَوْ أَنَّ السَّرِيَّةَ أَصَابَتْ الْغَنَائِمَ فِي مَوْضِعٍ كَانَ أَهْلُ الْعَسْكَرِ فِيهِ رِدْءًا لَهُمْ، يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغِيثُوهُمْ إذَا اسْتَغَاثُوا، ثُمَّ خَرَجُوا بِالْغَنِيمَةِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يَأْتُوا الْمُعَسْكَرَ، فَأَهْلُ الْمُعَسْكَرِ شُرَكَاؤُهُمْ فِي الْمُصَابِ.\nلِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي الْإِصَابَةِ حُكْمًا حِينَ كَانُوا رِدْءًا لَهُمْ وَقْتَ الْإِصَابَةِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ.\n١٠١٨ - وَإِذَا ثَبَتَتْ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمْ فَلِأَصْحَابِ السَّرِيَّةِ نَفْلُهُمْ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ رَجَعُوا بِالْمُصَابِ إلَى الْعَسْكَرِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَدَدِ يَلْحَقُ الْجَيْشَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ فَإِنَّهُمْ يَشْتَرِكُونَ فِي الْمُصَابِ.\nوَإِنْ كَانَ الْمَدَدُ لَمْ يَلْحَقْ الْجَيْشَ وَلَمْ يَقْرُبُوا مِنْهُمْ حَتَّى خَرَجُوا فَلَا شَرِكَةَ لَهُمْ فِي الْمُصَابِ.\nوَإِنْ قَرُبُوا مِنْهُمْ بِحَيْثُ لَوْ اسْتَغَاثُوا بِهِمْ أَغَاثُوهُمْ، ثُمَّ خَرَجَ الْجَيْشُ قَبْلَ أَنْ يَجْتَمِعُوا، فَلَهُمْ الشَّرِكَةُ فِي الْمُصَابِ.\nلِأَنَّهُمْ حِينَ قَرُبُوا مِنْهُمْ فَكَأَنَّهُمْ خَالَطُوهُمْ فِي الْحُكْمِ، وَإِنَّمَا حَصَلَ الْإِحْرَازُ بِقُوَّةِ الْجَمَاعَةِ.\n١٠١٩ - قَالَ: وَلَوْ أَنَّ أَمِيرَ السَّرِيَّةِ الْمَبْعُوثَةِ مِنْ الْعَسْكَرِ فِي دَارِ","vol":"1","page":628},{"text":"الْحَرْبِ نَفَّلَ قَوْمًا مَا صَعِدُوا الْحِصْنَ بِالسَّلَالِيمِ حَتَّى فَتَحُوهُ، فَنَفْلُهُ جَائِزٌ فِي حِصَّةِ أَصْحَابِ السَّرِيَّةِ كَمَا بَيَّنَّا.\nوَإِنْ لَمْ تَرْجِعْ السَّرِيَّةُ إلَى الْمُعَسْكَرِ حَتَّى خَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ جَازَ نَفْلُ أَمِيرِهِمْ فِي جَمِيعِ مَا أَصَابُوا.\nلِأَنَّهُمْ لَا شَرِكَةَ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ مَعَهُمْ فِي الْمُصَابِ، وَإِنَّمَا الْحَقُّ لَهُمْ خَاصَّةً. وَنَفْلُ الْأَمِيرِ جَائِزٌ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ يَبْطُلُ نَفْلُ أَمِيرِ الْعَسْكَرِ لَهُمْ لِفَوَاتِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالتَّنْفِيلِ، حَتَّى اخْتَصُّوا بِالسَّرِيَّةِ فِي الْمُصَابِ دُونَ الْعَسْكَرِ.\nفَإِنْ قِيلَ: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ تَنْفِيلُ أَمِيرِ السَّرِيَّةِ فِي جَمِيعِ الْمُصَابِ وَإِنْ رَجَعُوا إلَى الْعَسْكَرِ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَرْجِعُوا كَانَ الْمُصَابُ لَهُمْ خَاصَّةً، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لِلْعَسْكَرِ الشَّرِكَةُ مَعَهُمْ بِالرُّجُوعِ، وَقَدْ سَبَقَ تَنْفِيلُهُ الرُّجُوعَ إلَيْهِمْ فَلَا يَتَضَمَّنُ هَذَا التَّنْفِيلُ إبْطَالَ حَقٍّ ثَابِتٍ لَهُمْ.\nقُلْنَا: هُمْ لَا يَسْتَحِقُّونَ الشَّرِكَةَ بِالرُّجُوعِ إلَيْهِمْ خَاصَّةً، بَلْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ كَانُوا بِمَنْزِلَةِ الرِّدْءِ لَهُمْ، فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مَعَهُمْ.\nوَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْحَقَّ كَانَ ثَابِتًا لَهُمْ، وَلَوْ كَانَ الِاسْتِحْقَاقُ بِالرُّجُوعِ إلَيْهِمْ لَمَا اسْتَحَقُّوا، إلَّا أَنْ يَلْقَوْا قِتَالًا فَيُقَاتِلُوا عَنْ الْغَنِيمَةِ، بِمَنْزِلَةِ التُّجَّارِ وَالْأُسَرَاءِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.\n١٠٢٠ - وَاَلَّذِينَ أَسْلَمُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ (ص ٢١١) إذَا الْتَحَقُوا بِالْجَيْشِ بَعْدَ الْإِصَابَةِ لَمْ يَسْتَحِقُّوا الشَّرِكَةَ إلَّا أَنْ يَلْقَوْا قِتَالًا.\nوَهَا هُنَا لَمَّا اسْتَحَقُّوا عَرَفْنَا أَنَّ الطَّرِيقَ فِيهِ مَا ذَكَرْنَا.\n١٠٢١ - وَعَلَى هَذَا لَوْ بَعَثَ الْإِمَامُ سَرِيَّةً مِنْ دَارِ السَّلَامِ وَنَفَّلَ","vol":"1","page":629},{"text":"لَهُمْ الثُّلُثَ وَقَالَ: تَقَدَّمُوا حَتَّى نَلْحَقَكُمْ، فَأَصَابُوا غَنَائِمَ، ثُمَّ تَبِعَهُمْ الْعَسْكَرُ، فَإِنْ الْتَقَوْا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَهُمْ النَّفَلُ. وَإِنْ لَمْ يَلْتَقُوا بِدَارِ الْحَرْبِ بِأَنْ أَخْطَأَ الْعَسْكَرُ الطَّرِيقَ أَوْ بَدَا لِلْإِمَامِ أَنْ لَا يَبْعَثَ أَهْلُ الْعَسْكَرِ فَلَا شَيْءَ لِأَصْحَابِ السَّرِيَّةِ مِنْ النَّفْلِ.\nلِأَنَّ الْمُصَابَ غَنِيمَةٌ لَهُمْ خَاصَّةً.\n١٠٢٢ - وَإِذَا الْتَقَوْا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَالْمُصَابُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعَسْكَرِ، فَيَحْصُلُ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالتَّنْفِيلِ، فَلِهَذَا اسْتَحَقُّوا نَفْلَهُمْ. وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى مَذْهَبِنَا.\nوَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَهْلِ الشَّامِ فَلَا نَفْلَ لِلسَّرِيَّةِ الْأُولَى الْمَبْعُوثَةِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ. وَيَرْوُونَ فِيهِ أَثَرًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَتَأْوِيلُهُ عِنْدَنَا: لَا نَفْلَ لِلسَّرِيَّةِ الْمَبْعُوثَةِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ إذَا لَمْ يَلْتَحِقْ بِهِمْ الْجَيْشُ فِي دَارِ الْحَرْبِ.\nلِأَنَّ فِي هَذَا التَّنْفِيلِ إبْطَالَ الْخُمُسِ، وَإِبْطَالَ تَفْضِيلِ الْفَارِسِ عَلَى الرَّاجِلِ.\n١٠٢٣ - وَلَوْ قَالَ الْإِمَامُ لَهُمْ: لَا خُمُسَ عَلَيْكُمْ فِيمَا أَصَبْتُمْ، أَوْ الْفَارِسُ وَالرَّاجِلُ سَوَاءٌ. فِيمَا أَصَبْتُمْ، كَانَ ذَلِكَ بَاطِلًا مِنْهُ، فَكَذَلِكَ كُلُّ تَنْفِيلٍ لَا يُفِيدُ إلَّا ذَلِكَ.\nفَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ أَنَّ فِي قَوْلِ الْأَمِيرِ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ إبْطَالَ الْخُمُسِ عَنْ الْأَسْلَابِ وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ مُسْتَقِيمًا؟ قُلْنَا: هُنَاكَ الْمَقْصُودُ بِالتَّنْفِيلِ التَّحْرِيضُ عَلَى الْقِتَالِ، أَوْ تَخْصِيصُ الْقَاتِلِينَ بِإِبْطَالِ شَرِكَةِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ عَنْ الْأَسْلَابِ، ثُمَّ تَثْبِيتُ إبْطَالِ حَقِّ أَرْبَابِ","vol":"1","page":630},{"text":"الْخُمُسِ عَنْ خُمُسِ الْأَسْلَابِ تَبَعًا، وَقَدْ يَثْبُتُ تَبَعًا مَا لَا يَثْبُتُ مَقْصُودًا، بِمَنْزِلَةِ الشُّرْبِ وَالطَّرِيقِ فِي الْبَيْعِ، وَالْوُقُوفِ فِي الْمَنْقُولِ، وَيَثْبُتُ تَبَعًا لِلْعَقَارِ وَإِنْ كَانَ لَا يَثْبُتُ مَقْصُودًا.\nوَاَلَّذِي يُوَضِّحُ هَذَا أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ ظَهَرَ عَلَى بَلْدَةٍ مِنْ بِلَادِ أَهْلِ الْحَرْبِ كَانَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَهَا خَرَاجًا، وَيُبْطِلُ مِنْهَا سِهَامَ مَنْ أَصَابَهَا وَالْخُمُسَ.\n١٠٢٤ - وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يُقَسِّمَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ وَيَجْعَلَ حِصَّةَ الْخُمُسِ خَرَاجًا لِلْمُقَاتِلَةِ الْأَغْنِيَاءِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْإِبْطَالِ الْخُمُسُ مَقْصُودًا، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ. وَفِي الْأَوَّلِ إبْطَالُ الْخُمُسِ يَثْبُتُ تَبَعًا لِإِبْطَالِ حَقِّ الْغَانِمِينَ فِي الْغَنِيمَةِ، فَيَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ يُخَلِّصُ الْمَنْفَعَةَ لِلْمُقَاتِلَةِ.\n١٠٢٥ - وَلَوْ قَالَ الْإِمَامُ لِلسَّرِيَّةِ الْمَبْعُوثَةِ مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ وَمَنْ أَصَابَ مِنْكُمْ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، دُونَ مَنْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِهِ، كَانَ هَذَا جَائِزًا. لِأَنَّ فِي هَذَا التَّنْفِيلِ مَعْنَى التَّخْصِيصِ. فَإِنَّ الْمُقَاتِلَ وَالْمُصِيبَ يَخْتَصُّ بِالنَّفْلِ، وَيَحْصُلُ بِهِ مَعْنَى التَّحْرِيضِ. بِخِلَافِ مَا إذَا نَفَّلَ لَهُمْ الثُّلُثَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ التَّنْفِيلِ تَخْصِيصُ الْبَعْضِ وَلَا إبْطَالُ حَقِّ أَحَدٍ مِنْ الْغَانِمِينَ.\n١٠٢٦ - وَلَوْ بَعَثَ الْإِمَامُ رَجُلًا أَوْ رَجُلَيْنِ مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ لِقِتَالٍ، وَأَصَابُوا غَنَائِمَ، خَمَّسَ مَا أَصَابُوا.\nلِأَنَّهُمْ أَصَابُوا عَلَى وَجْهِ إعْزَازِ الدِّينِ، فَإِنَّهُمْ حِينَ خَرَجُوا بِإِذْنِ الْإِمَامِ","vol":"1","page":631},{"text":"كَانُوا ظَاهِرِينَ بِقُوَّةِ الْإِمَامِ، فَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَمُدَّهُمْ إذَا حَزَبَهُمْ أَمْرٌ. فَلِهَذَا يُخَمَّسُ مَا أَصَابُوا، بِخِلَافِ مَا يُصِيبُ الْمُتَلَصِّصُ الْخَارِجُ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ.\n١٠٢٧ - وَلَوْ قَالَ الْإِمَامُ لَهُمْ: مَا أَصَبْتُمْ فَهُوَ لَكُمْ عَلَى سِهَامِكُمْ، (ص ٢١٢) وَلَا خُمُسَ فِيهِ، فَهُوَ جَائِزٌ. بِخِلَافِ مَا إذَا كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ فَقَالَ لَهُمْ الْإِمَامُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ.\nلِأَنَّ الَّذِينَ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ إنَّمَا يَثْبُتُ الْخُمُسُ فِيمَا أَصَابُوا بِاعْتِبَارِ إذْنِ الْإِمَامِ فَلِلْإِمَامِ أَنْ يُبْطِلَ بِقَوْلِهِ مَا كَانَ وُجُوبُهُ بِاعْتِبَارِ قَوْلِهِ. فَأَمَّا وُجُوبُ الْخُمُسِ فِيمَا أَصَابَ أَهْلُ الْمَنَعَةِ فَلَمْ يَكُنْ بِإِذْنِ الْإِمَامِ، فَإِنَّهُمْ لَوْ خَرَجُوا مُغِيرِينَ بِغَيْرِ إذْنِهِ خَمَّسَ مَا أَصَابُوا؛ لِأَنَّهُمْ إذَا كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ فَمَعْنَى إعْزَازِ الدِّينِ يَحْصُلُ بِقِتَالِهِمْ.\nفَإِنْ كَانُوا خَرَجُوا بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْقُطَ حَقُّ أَرْبَابِ الْخُمُسِ مِنْ مُصَابِهِمْ بِإِسْقَاطِ الْإِمَامِ أَيْضًا. وَهَذَا الْمَعْنَى وَهُوَ أَنَّ الْإِمَامَ هُنَاكَ كَالْمُبَيِّنِ لَهُمْ بِقَوْلِهِ: لَا خُمُسَ عَلَيْكُمْ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ أَنْ يَمُدَّهُمْ وَأَنْ يُغِيثَهُمْ إذَا اسْتَغَاثُوا بِهِ، فَالْتَحَقُوا فِي ذَلِكَ بِالْمُتَلَصَّصِينَ، وَانْعَدَمَ بِهِ السَّبَبُ الَّذِي كَانَ يَجِبُ الْخُمُسُ لِأَجْلِهِ فِي مُصَابِهِمْ. وَفِي حَقِّ أَهْلِ الْمَنَعَةِ لَمْ يَنْعَدِمْ السَّبَبُ بِقَوْلِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ قُوَّتُهُمْ، وَمَنَعَتُهُمْ، وَذَلِكَ بَاقٍ بَعْدَ قَوْلِ الْإِمَامِ: أَبْطَلْت الْخُمُسَ عَنْكُمْ.\n١٠٢٨ - وَلَوْ بَعَثَ الْإِمَامُ سَرِيَّةً فِي دَارِ الْحَرْبِ وَنَفَّلَهُمْ الرُّبُعَ بَعْدَ الْخُمُسِ كَانَ جَائِزًا.\nوَكَانَ يَنْبَغِي عَلَى قِيَاسِ مَا تَقَدَّمَ أَنْ لَا يَجُوزَ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا التَّنْفِيلِ تَخْصِيصَ حَقِّ أَهْلِ الْعَسْكَرِ بِالْإِبْطَالِ دُونَ حَقِّ أَرْبَابِ الْخُمُسِ. وَإِذَا كَانَ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ حَقِّ أَرْبَابِ الْخُمُسِ بِالْإِبْطَالِ بِسَبَبِ التَّنْفِيلِ فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي","vol":"1","page":632},{"text":"أَنْ لَا يَجُوزَ تَخْصِيصُ حَقِّ أَهْلِ الْعَسْكَرِ بِالْإِبْطَالِ، وَلَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ أَرْبَابَ الْخُمُسِ يَسْتَحِقُّونَ بِغَيْرِ قِتَالٍ، وَلَا عَنَاءٍ مِنْ جِهَتِهِمْ، فَلَا يَجُوزُ إبْطَالُ حَقِّهِمْ إلَّا تَبَعًا لِحَقِّ الْمُقَاتِلَةِ. وَأَمَّا الْمُقَاتِلَةُ فَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّونَ أَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسِ بِالْعَنَاءِ وَالْقِتَالِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَخُصَّ بَعْضَهُمْ بِشَيْءٍ قَبْلَ الْإِحْرَازِ لِفَضْلِ عَنَاءٍ كَانَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ إبْطَالُ حَقِّ الْبَاقِينَ.\n١٠٢٩ - وَلَوْ بَعَثَ الْإِمَامُ سَرِيَّةً فِي دَارِ الْحَرْبِ وَقَالَ: لَكُمْ مِمَّا أَصَبْتُمْ الرُّبُعُ بَعْدَ الْخُمُسِ. وَبَعَثَ سَرِيَّةً أُخْرَى وَقَالَ: لَكُمْ الثُّلُثُ بَعْدَ الْخُمُسِ. فَضَلَّ رَجُلٌ مِنْ كُلِّ سَرِيَّةٍ الطَّرِيقَ وَوَقَعَ مَعَ السَّرِيَّةِ الْأُخْرَى فَذَهَبَ مَعَهُمْ. وَأَصَابَتْ كُلُّ سَرِيَّةٍ الْغَنَائِمَ، ثُمَّ لَمْ يَلْتَقُوا حَتَّى انْتَهَوْا إلَى الْعَسْكَرِ. فَإِنَّ مَا أَصَابَتْ كُلُّ سَرِيَّةٍ يُقْسَمُ عَلَى رُءُوسِهِمْ، وَيَدْخُلُ فِيهِمْ الرَّجُلُ الَّذِي الْتَحَقَ بِهِمْ، عَلَى قَدْرِ مَا جَعَلَ لَهُمْ الْإِمَامُ فِي الِاسْتِحْسَانِ.\nوَهَذَا الَّذِي بَيَّنَّا أَنَّهُ الْوَجْهُ الصَّحِيحُ مِنْ الِاسْتِحْسَانِ فِيمَا سَبَقَ.\nفَإِنْ كَانَ مِمَّنْ جَعَلَ لَهُ الْإِمَامُ الثُّلُثَ أَخَذَ الثُّلُثَ مِنْ حِصَّتِهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ جَعَلَ لَهُ الرُّبُعَ أَخَذَ الرُّبُعَ، وَكَانَ مَا بَيْنَ الرُّبُعِ إلَى الثُّلُثِ مِنْ نَصِيبِهِ غَنِيمَةً لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ.\nيَعْنِي أَهْلَ الْعَسْكَرِ. لِأَنَّ نَفْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي الْمُصَابِ، فَيُجْعَلُ فِيمَا يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ وَاحِدٍ","vol":"1","page":633},{"text":"مِنْهُمْ كَانَ شُرَكَاؤُهُ كَانُوا فِي مِثْلِ حَالِهِ فِي حُكْمِ النَّفْلِ، حَتَّى إذَا كَانَتْ كُلُّ سَرِيَّةٍ مِائَةَ رَجُلٍ قُسِّمَ مُصَابُ كُلِّ سَرِيَّةٍ عَلَى مِائَةٍ لِيَتَبَيَّنَ مُصَابُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَيَأْخُذُ نَفْلَهُ مِنْ جُزْئِهِ ثُلُثًا كَانَ أَوْ رُبْعًا، ثُمَّ الْبَاقِي يَكُونُ غَنِيمَةً.\n١٠٣٠ - وَإِنْ لَحِقَ رَجُلٌ مِنْ إحْدَى السَّرِيَّتَيْنِ بِالْأُخْرَى خَاصَّةً قُسِمَ مُصَابُهُمْ عَلَى مِائَةِ سَهْمٍ وَسَهْمٍ.\nلِأَنَّ عَدَدَهُمْ مِائَةٌ وَوَاحِدٌ. فَتَكُونُ الْقِسْمَةُ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ.\n١٠٣١ - ثُمَّ يَأْخُذُ الرَّجُلُ اللَّاحِقُ بِهِمْ مِنْ جُزْئِهِ مَا كَانَ سَمَّى الْإِمَامُ لَهُ مِنْ النَّفْلِ.\nلِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ بِالتَّسْمِيَةِ، وَلَكِنْ عِنْدَ الْإِصَابَةِ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ مِنْ جُزْئِهِ (ص٢١٣) بِالنَّفْلِ مِقْدَارَ مَا سُمِّيَ لَهُ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى نَفْلِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ فَرَّقَ بَيْنَهُمْ فِي التَّسْمِيَةِ، وَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمْ فِي الْمُسْتَحَقِّ بِالتَّسْمِيَةِ.\n١٠٣٢ - فَإِنْ الْتَقَتْ السَّرِيَّتَانِ قَبْلَ أَنْ يَقْرَبُوا مِنْ الْمُعَسْكَرِ فَالْجَوَابُ فِيهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، إلَّا فِي خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ. وَمَا أَصَابَ اللَّاحِقَ بِالسَّرِيَّةِ مِنْ النَّفْلِ ضَمَّهُ إلَى نَصِيبِ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ كَانَ أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ مَعَهُمْ فَاقْتَسَمُوا نَفْلَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ عَلَى مَا كَانَ جَعَلَ لَهُمْ الْإِمَامُ. وَإِنْ لَمْ تُصِبْ تِلْكَ السَّرِيَّةُ شَيْئًا دَخَلَتْ مَعَهُ فِي نَفْلِهِ.\nلِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْإِحْرَازَ بِالْمُعَسْكَرِ هُنَا حَصَلَ بِهِمْ جَمِيعًا، فَكَأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي الْإِصَابَةِ.","vol":"1","page":634},{"text":"وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ ضَلَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ الطَّرِيقَ، فَذَهَبَ وَحْدَهُ فَأَصَابَ غَنِيمَةً، وَلَمْ تُصِبْ السَّرِيَّةُ شَيْئًا، ثُمَّ الْتَقَوْا قَبْلَ أَنْ يَنْتَهُوا إلَى الْمُعَسْكَرِ، فَإِنَّهُمْ يَدْخُلُونَ مَعَهُ فِي النَّفْلِ. بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَصَابُوهُ جَمِيعًا. وَلَوْ لَمْ يَلْقَوْهُ حَتَّى انْتَهَوْا إلَى الْمُعَسْكَرِ كَانَ النَّفَلُ لَهُ خَاصَّةً.\n١٠٣٣ - وَلَوْ أَنَّ السَّرِيَّتَيْنِ أَصَابَتَا الْغَنِيمَةَ وَهُمَا مُتَقَارِبَتَانِ بِحَيْثُ يُغِيثُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، إلَّا أَنَّ كُلَّ سَرِيَّةٍ أَصَابَتْ غَنِيمَةً عَلَى حِدَةٍ، لَمْ يَدْخُلْ بَعْضُهُمْ فِي نَفْلِ بَعْضٍ.\nلِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ النَّفْلِ بِالتَّسْمِيَةِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ سَمَّى النَّفَلَ لِبَعْضِ السَّرِيَّةِ خَاصَّةً لَمْ يَكُنْ لِلْبَاقِينَ مَعَهُمْ شَرِكَةٌ فِي ذَلِكَ وَإِنْ شَارَكُوهُمْ فِي الْإِصَابَةِ حَقِيقَةً. فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.\n١٠٣٤ - وَإِنْ شَارَكَتْ إحْدَى السَّرِيَّتَيْنِ الْأُخْرَى فِي الْإِصَابَةِ حُكْمًا بِاعْتِبَارِ الْقُرْبِ لَمْ يَكُنْ لِلْبَعْضِ أَنْ يَدْخُلَ فِي نَفْلِ الْبَعْضِ. أَلَا تَرَى أَنَّ السَّرِيَّتَيْنِ لَوْ قَاتَلَتَا فِي مَوْضِعٍ يَقْدِرُ أَهْلُ الْعَسْكَرِ عَلَى أَنْ يُعِينُوهُمَا، لَمْ يَكُنْ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ مَعَهُمْ شَرِكَةٌ فِي النَّفْلِ، بِاعْتِبَارِ هَذَا الْقُرْبِ، فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا بَيْنَ أَهْلِ السَّرِيَّتَيْنِ.\n١٠٣٥ - وَلَكِنَّهُمْ لَوْ أَصَابُوا جَمِيعًا غَنِيمَةً وَاحِدَةً قُسِّمَتْ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ لِيَتَبَيَّنَ مَحَلُّ النَّفْلِ لِكُلِّ سَرِيَّةٍ فَإِنَّ مَحَلَّ النَّفْلِ مَا أَصَابَتْ.","vol":"1","page":635},{"text":"وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ مُصَابُ كُلِّ سَرِيَّةٍ بِهَذِهِ الْقِسْمَةِ. ثُمَّ تَأْخُذُ كُلُّ سَرِيَّةٍ نَفْلَهَا مِمَّا أَصَابَهَا، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ، وَبَيْنَ جَمِيعِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ فِي النَّفْلِ يَسْتَوِي الْفَارِسُ وَالرَّاجِلُ. إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَمِيرُ بَيَّنَ لَهُمْ بِأَنْ يَقُولَ: لَكُمْ الرُّبْعُ بَعْدَ الْخُمُسِ، لِلْفَارِسِ مِنْكُمْ سَهْمُ الْفَارِسِ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمُ الرَّاجِلِ.\nلِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِاعْتِبَارِ التَّسْمِيَةِ، فَإِذَا فَضَّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي التَّسْمِيَةِ ثَبَتَ الِاسْتِحْقَاقُ بِتَسْمِيَتِهِ وَإِذَا لَمْ يُفَضِّلْ ثَبَتَ الِاسْتِحْقَاقُ لَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ. وَلَا يُقَالُ.\n١٠٣٦ - وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الْإِمَامُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الِاسْتِحْقَاقُ لَهُمْ فِي هَذَا بِنَاءً عَلَى الِاسْتِحْقَاقِ الثَّابِتِ لَهُمْ مِنْ الْغَنِيمَةِ.\nلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسْتَحِقُّ بِسَبَبِ الْقِتَالِ، وَهَذَا لِأَنَّ النَّفَلَ غَيْرُ الْغَنِيمَةِ. فَإِنَّ هَذَا شَيْءٌ رَضَخَ لَهُمْ الْإِمَامُ بِاعْتِبَارِ جَزَائِهِمْ وَعَنَائِهِمْ. وَمِنْ أَصْلِنَا أَنَّ الْمُطْلَقَ لَا يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي حُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَإِنْ كَانَا فِي حَادِثَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ التَّقْيِيدُ فِي الْغَنِيمَةِ بِمَنْزِلَةِ التَّقْيِيدِ فِي النَّفْلِ، وَلَكِنْ يُعْتَبَرُ فِي النَّفْلِ إطْلَاقُ التَّسْمِيَةِ فَيَكُونُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ.\nأَلَا نَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، فَاعْتَوَرَ الْقَتِيلَ فَارِسٌ وَرَاجِلٌ حَتَّى قَتَلَاهُ، كَانَ سَلَبُهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؟\n١٠٣٧ - وَلَوْ قَالَ الْأَمِيرُ لِقَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَعَثَهُمْ سَرِيَّةً: لَكُمْ","vol":"1","page":636},{"text":"الرُّبْعُ مِمَّا أَصَبْتُمْ. فَكَانَ فِيهِمْ فُرْسَانٌ وَرَجَّالَةٌ، كَانَ الرُّبْعُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ وَكَذَلِكَ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ.\n(ص ٢١٤) ١٠٣٨ - فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: لَيْسَ لِأَهْلِ الذَّمَّةِ سِهَامٌ مَعْرُوفَةٌ لِيُعْتَبَرَ النَّفَلُ بِهَا بِخِلَافِ الْمُسْلِمِينَ.\nقُلْنَا: أَرَأَيْتُمْ لَوْ بَعَثَ الْإِمَامُ سَرِيَّةً فِيهَا مِائَتَا رَجُلٍ: مِائَةٌ مُسْلِمُونَ وَمِائَةٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَنَفَّلَهُمْ الرُّبْعَ. فَإِنْ قَسَمَ النَّفَلَ بَيْنَهُمْ فَجَعَلَ لِأَهْلِ الذَّمَّةِ نِصْفَهُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ وَلِلْمُسْلِمِينَ نِصْفَهُ، وَفَضَّلَ فِيهِ الْفَارِسَ عَلَى الرَّاجِلِ، كَأَنَّ الرَّاجِلَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ قَدْ أَخَذَ أَكْثَرَ مِمَّا يَأْخُذُ رَاجِلُ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ عَمِلَا عَمَلًا وَاحِدًا، وَأَجْزَيَا جَزَاءً وَاحِدًا، فَأَيُّ فِعْلٍ يَكُونُ أَقْبَحَ مِنْ هَذَا. فَكَأَنَّهُ أَشَارَ فِي هَذَا إلَى مُخَالِفٍ لَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَلَكِنْ لَمْ يُبَيِّنْ مَنْ الْمُخَالِفُ. وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ الْمُخَالِفُ لَهُ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَإِنْ كَانَا فِي حَادِثَيْنِ. وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.","vol":"1","page":637},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>[بَابُ النَّفْلِ الَّذِي يُنَفِّلُهُ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ]</span>\n٧٠ - بَابُ النَّفْلِ الَّذِي يُنَفِّلُهُ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ وَإِذَا خَرَجَ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ مَعَ السَّرِيَّةِ وَخَلَّفَ الضَّعَفَةَ فِي الْمُعَسْكَرِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا، فَابْتُلُوا بِالْقِتَالِ فَنَفَّلَ لَهُمْ أَمِيرَهُمْ، فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ نَفْلُ أَمِيرِ السَّرِيَّةِ.\nلِأَنَّ الَّذِينَ خَلَّفَهُمْ فِي الْمُعَسْكَرِ بِمَنْزِلَةِ سَرِيَّةٍ وَجَّهَهُمْ مِنْ الْمُعَسْكَرِ إلَى نَاحِيَةٍ، فَكَمَا أَنَّ لِأَمِيرِهِمْ الْوِلَايَةَ عَلَيْهِمْ خَاصَّةً دُونَ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَ أَمِيرِ الْعَسْكَرِ.\nفَهُنَا لِأَمِيرِ الضَّعَفَةِ الْوِلَايَةَ عَلَيْهِمْ خَاصَّةً دُونَ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَ أَمِيرِ الْعَسْكَرِ فِي حُكْمِ التَّنْفِيلِ.\n١٠٤٠ - وَلَوْ أَنَّ أَمِيرَ السَّرِيَّةِ الَّذِينَ نَفَّلَ لَهُمْ الْإِمَامُ الثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ بَعُدَ مِنْ الْمُعَسْكَرِ، ثُمَّ بَعَثَ سَرِيَّةً مِنْ سَرِيَّتِهِ وَنَفَّلَهُمْ أَقَلَّ مِنْ النَّفْلِ الْأَوَّلِ وَأَكْثَرَ، فَذَلِكَ جَائِزٌ فِي حِصَّةِ أَصْحَابِ سَرِيَّتِهِ.\nثُمَّ الْمَسْأَلَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ نَصِيبَ السَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ غَنِيمَةٌ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى السَّرِيَّةِ الْأُولَى. ثُمَّ يَلْحَقُونَ جَمِيعًا بِأَهْلِ الْمُعَسْكَرِ. وَفِي هَذَا يَجُوزُ النَّفَلُ لِلسَّرِيَّةِ الْأُولَى، وَيُرْفَعُ ذَلِكَ مِمَّا جَاءُوا بِهِ، ثُمَّ يُقَسَّمُ مَا بَقِيَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ حِصَّةَ السَّرِيَّةِ الْأُولَى، ثُمَّ يَنْفُذَ","vol":"1","page":638},{"text":"مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ نَفْلُ السَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ تَنْفِيلَ أَمِيرِ السَّرِيَّةِ الْأُولَى إنَّمَا يَجُوزُ فِي حِصَّةِ أَصْحَابِهِ خَاصَّةً مِنْ النَّفْلِ وَالْغَنِيمَةِ جَمِيعًا دُونَ حِصَّةِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ.\nفَإِذَا تَبَيَّنَ مِنْ ذَلِكَ حِصَّتَهُمْ يُعْطِي مِنْ ذَلِكَ نَفْلَ السَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ.\nفَإِنْ كَانَ يَأْتِي ذَلِكَ عَلَى جَمِيعِ حِصَّتِهِمْ وَيَفْضُلُ أَيْضًا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْفَضْلِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِأَمِيرِهِمْ عَلَى حِصَّةِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ أَذِنَ لَهُ فِي التَّنْفِيلِ، فَحِينَئِذٍ هُوَ نَائِبٌ عَنْ الْأَمِيرِ يَنْفُذُ تَنْفِيلُهُ لِلسَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ فِي حَقِّ جَمِيعِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ.\nوَالْفَصْلُ الثَّانِي: فِيمَا إذَا لَمْ يَلْقَوْا أَهْلَ الْعَسْكَرِ حَتَّى خَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. فَهَاهُنَا يَبْطُلُ نَفْلُ السَّرِيَّةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْمُصَابِ لَهُمْ خَاصَّةً، وَالنَّفَلُ الْعَامُّ فِي مِثْلِهِ بَاطِلٌ. كَمَا لَوْ كَانُوا بَعَثُوا مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ. وَجَازَ نَفْلُ السَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ سَرِيَّةٍ مَبْعُوثَةٍ مِنْ جَيْشٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ. وَقَدْ نَفَّلَ لَهُمْ أَمِيرُهُمْ. فَيُعْطِيهِمْ النَّفَلَ مِنْ الْمُصَابِ أَوَّلًا ثُمَّ يَقْسِمُ الْبَاقِيَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ جَمِيعِ أَهْلِ السَّرِيَّةِ عَلَى قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ.\n١٠٤١ - وَلَوْ بَعَثَ الْإِمَامُ مِنْ الْمُعَسْكَرِ سَرِيَّةً وَنَفَّلَ لَهُمْ الرُّبْعَ قَبْلَ الْخُمُسِ، فَهُوَ تَنْفِيلٌ صَحِيحٌ فِي جَمِيعِ مَا أَصَابُوا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ رَقِيقٍ أَوْ مَتَاعٍ.\nلِأَنَّهُ سَمَّى لَهُمْ بِلَفْظٍ عَامٍّ.\n١٠٤٢ - فَإِنْ خَصَّ شَيْئًا فَهُوَ عَلَى مَا خَصَّ.\nلِأَنَّ الْوُجُوبَ لَهُمْ بِالتَّسْمِيَةِ، فَيُرَاعِي صِفَةَ التَّسْمِيَةِ.","vol":"1","page":639},{"text":"فَإِنْ جَاءَتْ السَّرِيَّةُ بِغَنَائِمَ فِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ، فَأَعْتَقَ وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ السَّرِيَّةِ بَعْضَ السَّبْيِ فَعِتْقُهُ بَاطِلٌ.\nلِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ (ص ٢١٥) لَهُمْ بِطَرِيقِ الِاغْتِنَامِ، كَاسْتِحْقَاقِ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ لِلْجَيْشِ. فَكَمَا أَنَّ هُنَاكَ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ حَتَّى لَا يَنْفُذَ الْعِتْقُ مِنْ بَعْضِ الْغَانِمِينَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْغَنِيمَةِ فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.\nفَإِنْ قِيلَ: لَا كَذَلِكَ، بَلْ الِاسْتِحْقَاقُ لِلنَّفْلِ بِالتَّسْمِيَةِ. وَقَدْ صَحَّتْ مِنْ الْإِمَامِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ لَهُ الْمِلْكُ بِنَفْسِ الْإِصَابَةِ.\nقُلْنَا: تَسْمِيَةُ الْإِمَامِ لِقَطْعِ شَرِكَةِ الْجَيْشِ مَعَهُمْ فِي مِقْدَارِ مَا نَفَّلَ لَهُمْ، لَا لِإِثْبَاتِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّونَ بَعْدَ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ بِالْإِصَابَةِ.\nفَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ قَدْ قُلْتُمْ لَا يُفَضَّلُ فِي هَذَا الْفَارِسُ عَلَى الرَّاجِلِ؟ وَلَوْ كَانَ الِاسْتِحْقَاقُ بِالْإِصَابَةِ لَثَبَتَ التَّفْضِيلُ. قُلْنَا: الْإِمَامُ بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ كَمَا قَطَعَ شَرِكَةَ الْجَيْشِ مَعَهُمْ قَطَعَ حَقَّ الْفَارِسِ فِي التَّفْضِيلِ، لِضَرُورَةِ أَنَّهُ سَوَّى بَيْنَهُمْ فِي النَّفْلِ.\nثُمَّ مِنْ ضَرُورَةِ انْقِطَاعِ الشَّرِكَةِ لِلْغَيْرِ وَاخْتِصَاصِهِمْ فِي النَّفْلِ أَنْ يَتَأَكَّدَ حَقُّهُمْ فِيهِ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، فَيَكُونُ الْمُنَفَّلُ فِي حَقِّهِمْ بِمَنْزِلَةِ الْغَنَائِمِ الْمُحْرَزَةِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ.\nوَلَوْ أَنَّ الْجَيْشَ بَعْدَ إحْرَازِ الْغَنَائِمِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ أَعْتَقَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بَعْضَ السَّبْيِ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا. وَكَانَ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ يَقَعُ نَصِيبُهُ مِنْهَا بِالْقِسْمَةِ، وَأَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَبِيعَ الْغَنَائِمَ وَيَقْسِمَ الثَّمَنَ بَيْنَهُمْ. وَأَنَّ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ الرِّجَالَ مِنْ السَّبْيِ. فَهَذَا مَوْجُودٌ فِي النَّفْلِ قَبْلَ الْإِحْرَازِ أَيْضًا.\nثُمَّ خَرَّجَ الْمَسَائِلَ عَلَى هَذَا فَقَالَ:","vol":"1","page":640},{"text":"وَلَوْ كَانَ فِي السَّبْيِ قَرِيبٌ لِبَعْضِ أَهْلِ السَّرِيَّةِ لَمْ يُعْتَقْ عَلَيْهِ بِالْقَرَابَةِ.\nلِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ.\n١٠٤٥ - وَلَوْ أَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يَقْتُلَ الرِّجَالَ فَلَيْسَ لِأَصْحَابِ السَّرِيَّةِ أَنْ يَمْنَعُوهُ مِنْ ذَلِكَ لِأَجْلِ نَفْلِهِمْ.\nكَمَا لَا يَكُونُ لِلْجَيْشِ ذَلِكَ فِي الْغَنَائِمِ الْمُحْرَزَةِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ.\n١٠٤٦ - وَلَوْ ظَهَرَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْغَنِيمَةِ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا السَّرِيَّةُ فَأَحْرَزُوهَا ثُمَّ إنَّ الْمُسْلِمِينَ قَاتَلُوهُمْ حَتَّى اسْتَنْقَذُوا ذَلِكَ مِنْ أَيْدِيهِمْ رَدُّوا النَّفَلَ إلَى أَهْلِهِ.\nلِأَنَّ حَقَّهُمْ تَأَكَّدَ فِي الْمُنَفَّلِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْغَنَائِمِ الْمُحْرَزَةِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ إذَا اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْمُشْرِكُونَ فَأَحْرَزُوهَا ثُمَّ اسْتَنْقَذَهَا مِنْهُمْ جَيْشٌ آخَرُ فَهُنَاكَ الرِّوَايَةُ وَاحِدَةٌ.\nأَنَّ الْأَوَّلِينَ إنْ ظَفِرُوا بِمَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذُوهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ.\nلِأَنَّ حَقَّهُمْ تَأَكَّدَ فِيهَا بِالْإِحْرَازِ. وَالْحَقُّ الْمُتَأَكِّدُ فِي هَذَا الْحُكْمِ بِمَنْزِلَةِ الْمِلْكِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَرْهُونَ إذَا أَحْرَزَهُ الْمُشْرِكُونَ ثُمَّ وَقَعَ فِي الْغَنِيمَةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَأْخُذَهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ الْمُتَأَكِّدِ.\nوَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِيمَا إذَا وَجَدُوهَا بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَذُكِرَ هُنَا: أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَهَا بِالْقِيمَةِ إنْ شَاءُوا عَلَى قِيَاسِ الْمَرْهُونِ.","vol":"1","page":641},{"text":"فَإِنَّ الْمُرْتَهِنَ إذَا وَجَدَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِالْقِيمَةِ لِمَا لَهُ مِنْ الْحَقِّ الْمُتَأَكِّدِ فِيهِ. وَذُكِرَ بَعْدَ هَذَا: أَنَّهُمْ لَا يَأْخُذُونَهَا بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ.\nلِأَنَّ الْحَقَّ لِلْجَيْشِ الْأَوَّلِ إنَّمَا تَأَكَّدَ فِي الْمَالِيَّةِ دُونَ الْعَيْنِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَبِيعَ الْغَنَائِمَ وَيَقْسِمَ الثَّمَنَ بَيْنَهُمْ، فَلَا يَكُونُ الْأَخْذُ بِالْقِيمَةِ مُفِيدًا لَهُمْ شَيْئًا بِخِلَافِ الْأَخْذِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ. وَلِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ. وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَحْرَزَ الْكُفَّارُ شَيْئًا مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ لِبَعْضِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ وَقَعَ فِي الْغَنِيمَةِ، فَلِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَلَيْسَ لَهُ حَقُّ الْأَخْذِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَهُ بِالْمِثْلِ، فَلَا يَكُونُ مُفِيدًا، وَبِخِلَافِ الْمَرْهُونِ، فَإِنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ فِي حَبْسِ الْعَيْنِ ثَابِتٌ، فَيَكُونُ الْأَخْذُ مُفِيدًا فِي حَقِّهِ.\nوَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي الْغَنَائِمِ الْمُحْرَزَةِ فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمُنَفَّلِ قَبْلَ الْإِحْرَازِ (ص ٢١٦)، فَإِنَّهُمْ أَحَقُّ بِهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ فِيهِ رِوَايَتَانِ وَهَذَا بِخِلَافِ الْغَنِيمَةِ الَّتِي لَا نَفْلَ فِيهَا قَبْلَ الْإِحْرَازِ، فَإِنَّهُ إذَا ظَهَرَ عَلَيْهَا الْعَدُوُّ وَأَحْرَزُوهَا ثُمَّ اسْتَنْقَذَهَا مِنْهُمْ جَيْشٌ آخَرُ، فَلَا سَبِيلَ لِلْجَيْشِ الْأَوَّلِ عَلَيْهَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ، وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ. لِأَنَّ الثَّابِتَ لَهُمْ كَانَ حَقًّا ضَعِيفًا.\nأَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ لَمْ يُورَثْ نَصِيبُهُ بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْإِحْرَازِ.\nوَكَذَلِكَ لَوْ لَحِقَهُمْ مَدَدٌ شَارَكُوهُمْ فِي ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْإِحْرَازِ. وَالْحَقُّ الضَّعِيفُ يُبْطِلُ إحْرَازَ الْمُشْرِكِينَ الْمَالَ بِدَارِهِمْ فَكَأَنَّهَا مَا أُخِذَتْ مِنْهُمْ حَتَّى الْآنَ.\nوَأَمَّا فِي الْمُنَفَّلِ فَالْحَقُّ مُتَأَكِّدٌ لَهُمْ قَبْلَ الْإِحْرَازِ، حَتَّى إنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ يُورَثُ نَصِيبُهُ، وَلَا يَشْرَكُهُمْ الْمَدَدُ فِي ذَلِكَ إذَا لَحِقُوهُمْ. فَلِهَذَا وَجَبَ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ.","vol":"1","page":642},{"text":"وَلَوْ قُسِمَتْ الْغَنَائِمُ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ بِيعَتْ وَلَمْ يُقَسَّمْ الثَّمَنُ بَعْدَ الْقَبْضِ مِنْ الْمُشْتَرِي حَتَّى ظَهَرَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْغَنَائِمِ وَعَلَى الثَّمَنِ فَأَحْرَزُوهَا، ثُمَّ اسْتَنْقَذَهَا مِنْهُمْ عَسْكَرٌ آخَرُ، فَإِنَّهُمْ يَرُدُّونَ الْغَنَائِمَ عَلَى الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ بِالْقِيمَةِ.\nلِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ مَلَكَ الْعَيْنَ بِالشِّرَاءِ، فَيَرُدُّونَ الثَّمَنَ عَلَى الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ كَمَا يَرُدُّونَ عَلَى الْجَيْشِ مِنْ أَمْوَالِ سَائِرِ النَّاسِ. لِأَنَّ بَيْعَ الْإِمَامِ حِينَ نَفَذَ مُوجِبُ الْمِلْكِ لِلْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ، فَهُوَ مُوجِبُ الْمِلْكِ فِي الثَّمَنِ لِمَنْ وَقَعَ الْبَيْعُ لَهُمْ أَيْضًا.\n١٠٤٨ - وَلَوْ أَنَّ السَّرِيَّةَ لَمَّا جَاءَتْ بِالْغَنَائِمِ وَلَهُمْ فِيهَا النَّفَلُ اسْتَهْلَكَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ جَمِيعَ تِلْكَ الْغَنَائِمِ. فَهُوَ ضَامِنٌ لِحِصَّةِ النَّفْلِ خَاصَّةً، إلَّا مَنْ قُتِلَ مِنْ الرِّجَالِ فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ فِي ذَلِكَ.\nلِأَنَّ النَّفَلَ بِمَنْزِلَةِ الْغَنَائِمِ الْمُحْرَزَةِ.\n١٠٤٩ - وَلَوْ أَنَّ وَاحِدًا مِنْ الْغَانِمِينَ اسْتَهْلَكَ الْغَنَائِمَ قَبْلَ الْإِحْرَازِ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا لِضَعْفِ حَقِّهِمْ فِيهَا. وَلَوْ اسْتَهْلَكَ بَعْدَ الْإِحْرَازِ بِالدَّارِ كَانَ ضَامِنًا لِتَأَكُّدِ الْحَقِّ فِيهَا بِالْإِحْرَازِ، إلَّا مَنْ قُتِلَ مِنْ الرِّجَالِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ ضَامِنًا لَهَا.\nلِأَنَّ الْحَقَّ فِي الرِّجَالِ لَا يَتَأَكَّدُ بِالْإِحْرَازِ مَا لَمْ يَضْرِبْ عَلَيْهِمْ الْإِمَامُ الرِّقَّ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ لَهُ أَنْ لَا يَقْتُلَهُمْ، وَأَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ فَيَجْعَلَهُمْ ذِمَّةً، فَكَذَلِكَ هَذَا الْحُكْمُ فِي الْمُنَفَّلِ قَبْلَ الْإِحْرَازِ.","vol":"1","page":643},{"text":"وَلَوْ أَنَّ السَّرِيَّةَ جَاءَتْ بِغَنَائِمَ فِيهَا طَعَامٌ وَعَلَفٌ فَلِأَهْلِ الْعَسْكَرِ أَنْ يَأْكُلُوا ذَلِكَ بِقَدْرِ حَاجَتِهِمْ.\nلِأَنَّهُمْ شُرَكَاءُ لِلسَّرِيَّةِ فِيهَا بِسِهَامِهِمْ.\nفَكَمَا أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ السَّرِيَّةِ أَنْ يَتَنَاوَلَ فِيهَا مِقْدَارَ حَاجَتِهِ فَكَذَلِكَ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ أَنْ يَتَنَاوَلُوا.\nلِأَنَّ الشَّرِكَةَ تَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ.\nفَإِنْ قِيلَ: فَأَيْنَ ذَهَبَ قَوْلُكُمْ أَنَّ الْمُنَفَّلَ بِمَنْزِلَةِ الْغَنَائِمِ الْمُحْرَزَةِ. فَإِنَّ بَعْدَ الْإِحْرَازِ بِالدَّارِ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْ الْغَانِمِينَ أَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا ضَمَانٍ. فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ فِي الْمُنَفَّلِ قَبْلَ الْإِحْرَازِ كَذَلِكَ.\nقُلْنَا: إنَّمَا افْتَرَقَا فِي هَذَا الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ إبَاحَةَ التَّنَاوُلِ مِنْ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ قَبْلَ الْإِحْرَازِ، بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَثْنًى مِنْ شَرِكَةِ الْغَنِيمَةِ لِضَرُورَةِ الْحَاجَةِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يَسْتَصْحِبُوا مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ مَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ لِلذَّهَابِ وَالرُّجُوعِ، وَلَا يَجِدُونَ ذَلِكَ فِي دَارِ الْحَرْبِ شِرَاءً. وَمَا يَأْخُذُونَهُ يَكُونُ غَنِيمَةً. وَهَذِهِ الضَّرُورَةُ لَا تَتَحَقَّقُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. فَإِذَا صَارَ مُسْتَثْنًى مِنْ الشَّرِكَةِ بِاعْتِبَارِ هَذِهِ الضَّرُورَةِ بَقِيَ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ، بِمَنْزِلَةِ شِرَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَفَاوِضَيْنِ الطَّعَامَ وَالْكِسْوَةَ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَثْنًى مِنْ مُوجِبِ الْمُفَاوَضَةِ لِضَرُورَةِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ. ثُمَّ هَذِهِ الضَّرُورَةُ تَتَحَقَّقُ فِي الْغَنَائِمِ الَّتِي فِيهَا نَفْلٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَمَا تَتَحَقَّقُ فِي الْغَنَائِمِ الَّتِي لَا نَفْلَ فِيهَا فَيَصِيرُ (ص ٢١٧) مُسْتَثْنًى مِنْ حُكْمِ النَّفْلِ أَيْضًا. وَلِهَذَا جَازَ لِأَصْحَابِ السَّرِيَّةِ التَّنَاوُلُ مِنْهَا، فَكَذَلِكَ لِغَيْرِهِمْ.\nفَإِنْ قِيلَ: لَا كَذَلِكَ، فَإِنَّهُمْ إذَا قَسَمُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَعْطَوْهُمْ النَّفَلَ مِنْ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ كَمَا أَعْطَوْهُمْ مِنْ سَائِرِ الْأَمْوَالِ، وَلَوْ صَارَ هَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ التَّنْفِيلِ لَمَا اسْتَحَقَّ النَّفَلَ مِنْهُ.","vol":"1","page":644},{"text":"قُلْنَا هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ بِاعْتِبَارِ الضَّرُورَةِ، وَالثَّابِتُ بِالضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدَرِ الضَّرُورَةِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الْغَنِيمَةَ الَّتِي لَا نَفْلَ فِيهَا إذَا قُسِّمَتْ بَيْنَ الْغَانِمِينَ فَالطَّعَامُ وَغَيْرُ الطَّعَامِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ؟ وَلَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ قَبْلَ الْقِسْمَةِ لَمْ تَكُنْ بَاقِيَةً عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ، فَكَذَلِكَ حُكْمُ الْمُنَفَّلِ. وَلِهَذَا لَا يُبَاحُ التَّنَاوُلُ مِنْ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ لِلتُّجَّارِ الَّذِينَ لَا يُقَاتِلُونَ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِاعْتِبَارِ الضَّرُورَةِ. وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِي حَقِّ الْغُزَاةِ الَّذِينَ لَهُمْ شَرِكَةٌ فِي الْقِسْمَةِ دُونَ التُّجَّارِ. وَلَوْ تَنَاوَلَ التُّجَّارُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أَوْ عَلَفُوا دَوَابَّهُمْ لَمْ يَغْرَمُوا شَيْئًا؛ لِأَنَّ بِاعْتِبَارِ الِاسْتِثْنَاءِ الَّذِي قُلْنَا لَا يَتَأَكَّدُ الْحَقُّ فِيهَا، مَا دَامُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَمَنْ اسْتَهْلَكَ شَيْئًا مِنْهَا لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا الْمُنَفَّلَ، وَغَيْرُ الْمُنَفَّلِ فِيهِ سَوَاءٌ، بِمَنْزِلَةِ قَتْلِ الرِّجَالِ عَلَى مَا قَرَّرْنَا.\n١٠٥١ - قَالَ: وَلَوْ أَنَّ السَّرِيَّةَ أَصَابُوا أَرَاضِي بِمَا فِيهَا. فَلَهُمْ النَّفَلُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، لِتَعْمِيمِ التَّنْفِيلِ مِنْ الْإِمَامِ.\nفَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَمُنَّ بِهَا عَلَى أَهْلِهَا وَيَجْعَلَهُمْ ذِمَّةً فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.\nلِأَنَّهُ نُصِّبَ نَاظِرًا، فَرُبَّمَا رَأَى النَّظَرَ فِي ذَلِكَ.\nوَلَيْسَ لِأَصْحَابِ النَّفْلِ أَنْ يَأْبَوْا ذَلِكَ عَلَيْهِ.\nلِأَنَّ حَقَّهُمْ فِي النَّفْلِ كَحَقِّ الْغَانِمِينَ فِي الْغَنَائِمِ الْمُحْرَزَةِ. وَلِلْإِمَامِ وِلَايَةُ الْمَنِّ هُنَاكَ فَكَذَلِكَ هُنَا.\n١٠٥٢ - إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَرْضِيَهُمْ بِأَنْ يُعْطِيَهُمْ عِوَضًا مِنْ مَحَلٍّ آخَرَ وَاسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِفِعْلِ عُمَرَ - ﵁ - فَإِنَّهُ حِينَ بَعَثَ النَّاسَ إلَى","vol":"1","page":645},{"text":"الْعِرَاقِ قَالَ لِجَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ: لَك وَلِقَوْمِك رُبْعُ مَا غَلَبْتُمْ عَلَيْهِ فَفَتَحُوا السَّوَادَ. ثُمَّ جَعَلَ عُمَرُ - ﵁ - الْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ أَرْضَ خَرَاجٍ. وَلَمْ يَمْنَعْهُ مَا نَفَّلَ جَرِيرًا وَقَوْمَهُ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: وَبَلَغَنَا أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْهُ فَقَالَتْ: إنَّ ذَا قَرَابَةٍ لِي مَاتَ مِنْ الْغُزَاةِ فَتَرَكَ نَصِيبَهُ مِنْ ذَلِكَ مِيرَاثًا، وَلَسْت أُسَلِّمُ مَا صَنَعْت إلَّا أَنْ تُعْطِيَنِي دَنَانِيرَ. فَأَعْطَاهَا كَفًّا مِنْ دَنَانِيرَ.\nوَفِي الْمَغَازِي يُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ أَنَّهَا قَالَتْ: لَسْت أَرْضَى حَتَّى تَمْلَأَ كَفِّي ذَهَبًا وَتَحْمِلَنِي عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ. فَفَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ - ﵁ -.\nفَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ بَعْدَ الْإِحْرَازِ يُورَثُ نَصِيبُهُ. وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَرْضِيَ أَصْحَابَ النَّفْلِ بِأَنْ يُعْطِيَهُمْ شَيْئًا إذَا أَرَادَ الْمَنَّ عَلَى أَهْلِ الْأَرَاضِي بِهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":646},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>[بَابُ مَا يَبْطُلُ فِيهِ النَّفَلُ وَمَا لَا يَبْطُلُ]</span>\n٧١ - بَابُ مَا يَبْطُلُ فِيهِ النَّفَلُ وَمَا لَا يَبْطُلُ وَإِذَا بَعَثَ الْخَلِيفَةُ عَسْكَرًا إلَى دَارِ الْحَرْبِ وَعَلَيْهِمْ أَمِيرٌ فَبَعَثَ أَمِيرَهُمْ سَرِيَّةً وَنَفَّلَ لَهَا الرُّبْعَ. ثُمَّ بَعَثَ الْخَلِيفَةُ عَسْكَرًا آخَرَ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى، فَلَقُوا السَّرِيَّةَ بَعْدَمَا غَنِمَتْ الْغَنَائِمَ، ثُمَّ لَحِقُوا جَمِيعًا بِالْمُعَسْكَرِ الْأَوَّلِ، وَأَخْرَجُوا الْغَنَائِمَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَالنَّفَلُ سَالِمٌ لِلسَّرِيَّةِ مِنْ جَمِيعِ مَا أَصَابُوا عَلَى مَا سَمَّى أَمِيرُهُمْ لَهُمْ.\nلِأَنَّ أَمِيرَ ذَلِكَ الْعَسْكَرِ مَبْعُوثُ الْخَلِيفَةِ. فَهُوَ فِيمَا يُنَفِّلُ كَالْخَلِيفَةِ، فَيَنْفُذُ تَنْفِيلُهُ فِي حَقِّ الْعَسْكَرَيْنِ وَجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ. بِخِلَافِ مَا سَبَقَ مِنْ نَفْلِ أَمِيرِ السَّرِيَّةِ لِمَنْ بَعَثَهُ مِنْ سَرِيَّتِهِ. لِأَنَّ وِلَايَتَهُ هُنَاكَ مَقْصُورَةٌ عَلَى أَهْلِ سَرِيَّتِهِ (ص ٢١٨) .\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ بَعْدَ الرُّجُوعِ إلَى الْمُعَسْكَرِ هُوَ كَسَائِرِ الرَّعَايَا؟ وَهَا هُنَا لِأَمِيرِ الْعَسْكَرِ وِلَايَةٌ كَامِلَةٌ، بِاعْتِبَارِ تَقْلِيدِ الْخَلِيفَةِ إيَّاهُ. فَيَنْفُذُ تَنْفِيلُهُ فِي حَقِّ الْكُلِّ، ثُمَّ مَا يَبْقَى بَعْدَ النَّفْلِ وَالْخُمُسِ يَشْتَرِكُ فِيهِ أَهْلُ الْعَسْكَرَيْنِ وَالسَّرِيَّةِ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ؛ لِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي إحْرَازِ ذَلِكَ بِدَارِ الْإِسْلَامِ.\n١٠٥٤ - وَلَوْ أَنَّ السَّرِيَّةَ وَالْعَسْكَرَيْنِ لَقَوْهُمْ خَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يَلْقَوْا الْعَسْكَرَ الْأَوَّلَ فَلِلسَّرِيَّةِ أَيْضًا نَفْلُهَا.\nلِأَنَّ نَفْلَهُمْ قَائِمٌ مَقَامَ الْخَلِيفَةِ فِي التَّنْفِيلِ لَهُمْ، فَيَسْتَحِقُّونَ النَّفَلَ بِتَسْمِيَتِهِ لَهُمْ","vol":"1","page":647},{"text":"سَوَاءٌ رَجَعُوا إلَيْهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ لَمْ يَرْجِعُوا، ثُمَّ الْبَاقِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعَسْكَرِ الثَّانِي دُونَ الْعَسْكَرِ الْأَوَّلِ.\nلِأَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ أَحْرَزُوهُ.\n١٠٥٥ - وَلَوْ لَمْ تَلْقَ السَّرِيَّةُ وَاحِدًا مِنْ الْعَسْكَرَيْنِ حَتَّى خَرَجَتْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَقَدْ بَطَلَ نَفْلُهُمْ.\nلِأَنَّهُمْ هُمْ الْمُخْتَصُّونَ بِالْإِحْرَازِ. وَثُبُوتُ الْحَقِّ فِي الْمُصَابِ هُنَا. وَالنَّفَلُ الْعَامُّ فِي مِثْلِ هَذَا يَكُونُ بَاطِلًا، بِمَنْزِلَةِ السَّرِيَّةِ الْمَبْعُوثَةِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ.\n١٠٥٦ - وَلَوْ أَنَّ الْإِمَامَ قَالَ لِلسَّرِيَّةِ الْمَبْعُوثَةِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ: مَنْ أَصَابَ مِنْكُمْ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، دُونَ أَصْحَابِهِ كَانَ هَذَا جَائِزًا، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: لَكُمْ الرُّبْعُ.\nلِأَنَّ التَّنْفِيلَ لِلتَّحْرِيضِ، وَمَعْنَى التَّحْرِيضِ عَلَى الْإِصَابَةِ يَتَحَقَّقُ بِهَذَا التَّنْفِيلِ الْأَوَّلِ، وَلِأَنَّ هَذَا التَّنْفِيلَ قَطْعُ شَرِكَةِ غَيْرِ الْمُصِيبِ مَعَ الْمُصِيبِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ فَيَبْطُلُ فِيهِ الْخُمُسُ. وَيُفَضَّلُ الْفَارِسُ عَلَى الرَّاجِلِ أَيْضًا، تَبَعًا.\nوَمِثْلُ هَذَا لَا يُوجَدُ فِيمَا إذَا نَفَّلَ لَهُمْ الرُّبْعَ. أَرَأَيْت لَوْ قَالَ لَهُمْ: مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ فَارِسًا فَأَصَابَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ. أَمَا كَانَ يَصِحُّ هَذَا التَّنْفِيلُ وَفِيهِ تَحْرِيضُهُمْ عَلَى الْتِزَامِ مُؤْنَةِ الْفَرَسِ، وَلَوْ قَالَ لَهُمْ مَا أَصَبْتُمْ؟ فَلَوْ صَحَّ هَذَا التَّنْفِيلُ كَانَ فِيهِ تَقْلِيلُ نَشَاطِهِمْ فِي الْتِزَامِ مُؤْنَةِ الْفَرَسِ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا عَلِمُوا أَنَّهُ لَا يَزْدَادُ نَصِيبُهُمْ بِالْتِزَامِ مُؤْنَةِ الْفَرَسِ فَقَلَّ مَا يَرْغَبُونَ فِي ذَلِكَ. فَبِهَذَا وَقَعَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا.","vol":"1","page":648},{"text":"وَلَوْ أَنَّ الْعَسْكَرَ الثَّانِيَ لَحِقُوا السَّرِيَّةَ الْمَبْعُوثَةَ فِي دَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبُوا شَيْئًا، ثُمَّ قَاتَلُوا جَمِيعًا فَأَصَابُوا غَنَائِمَ، ثُمَّ لَحِقُوا بِالْعَسْكَرِ الْأَوَّلِ وَخَرَجُوا، فَالْغَنَائِمُ تُقَسَّمُ بَيْنَ السَّرِيَّةِ وَالْعَسْكَرِ الَّذِينَ لَحِقُوهُمْ عَلَى قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ. كَأَنَّهُ لَا نَفْلَ فِيهَا. ثُمَّ يُنْظَرُ إلَى حِصَّةِ السَّرِيَّةِ فَيُخْرَجُ نَفْلُهُمْ مِنْ ذَلِكَ.\nلِأَنَّ أَمِيرَهُمْ إنَّمَا نَفَّلَ لَهُمْ الرُّبْعَ مِمَّا أَصَابُوهُمْ دُونَ مَا أَصَابَهُ عَسْكَرٌ آخَرُ.\nوَلَا يَتَبَيَّنُ مُصَابُهُمْ إلَّا بِالْقِسْمَةِ، فَلَا بُدَّ مِنْ هَذِهِ الْقِسْمَةِ لِيَتَبَيَّنَ مَحَلُّ حَقِّهِمْ، فَيُعْطَوْنَ النَّفَلَ مِنْ ذَلِكَ.\nثُمَّ يُجْمَعُ مَا بَقِيَ إلَى مَا أَصَابَ أَهْلُ الْعَسْكَرِ، فَيُقَسَّمُ بَيْنَ السَّرِيَّةِ وَالْعَسْكَرَيْنِ عَلَى قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ. لِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي الْإِحْرَازِ.\nوَلَوْ لَمْ يَلْقَوْا الْعَسْكَرَ الْأَوَّلَ حَتَّى خَرَجُوا قُسِمَ بَيْنَهُمْ أَوَّلًا لِيَتَبَيَّنَ حِصَّةُ السَّرِيَّةِ، ثُمَّ يُعْطَوْنَ نَفْلَهُمْ مِنْ ذَلِكَ.\nلِأَنَّ تَنْفِيلَ الْأَمِيرِ لَهُمْ صَحَّ مُطْلَقًا.\nثُمَّ يُجْمَعُ مَا بَقِيَ إلَى حِصَّةِ الْعَسْكَرِ فَيُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ لَا شَيْءَ فِيهِ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ الْأَوَّلِ.\nلِأَنَّهُمْ لَمْ يُشَارِكُوهُمْ فِي الْإِحْرَازِ.","vol":"1","page":649},{"text":"وَلَوْ أَنَّ أَمِيرَ الْعَسْكَرِ فِي دَارِ الْحَرْبِ بَعَثَ سَرِيَّةً وَقَالَ: مَا أَصَبْتُمْ فَهُوَ لَكُمْ. فَهَذَا جَائِزٌ.\nلِأَنَّ الْمَقْصُودَ قَطْعُ شَرِكَةِ الْجَيْشِ مَعَهُمْ فِي الْمُصَابِ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ، بِخِلَافِ السَّرِيَّةِ الْمَبْعُوثَةِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ.\n١٠٥٩ - فَإِنْ فَتَحُوا حِصْنًا مُتَاخِمَةً لِدَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ لَحِقَهُمْ أَهْلُ الْعَسْكَرِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَجَمِيعُ مَا أَصَابُوا لَهُمْ دُونَ أَهْلِ الْعَسْكَرِ.\nلِأَنَّ الْإِمَامَ قَطَعَ شَرِكَةَ أَهْلِ الْعَسْكَرِ مَعَهُمْ (ص ٢١٩) بِتَنْفِيلٍ صَحِيحٍ.\n١٠٦٠ - لَكِنْ لَوْ أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ نَصِيبَهُ مِنْ الرَّقِيقِ، أَوْ كَانَ فِيهِمْ ذَاتُ رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ بَعْضِهِمْ، لَمْ تَعْتِقْ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَصِرْ مَمْلُوكَةً لَهُمْ بِالْإِصَابَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ. وَإِنْ انْقَطَعَتْ شَرِكَةُ الْغَيْرِ مَعَهُمْ، بِمَنْزِلَةِ الْغَنَائِمِ الْمُحْرَزَةِ بِالدَّارِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ رَأَى أَنْ يَجْعَلَهُمْ ذِمَّةً، أَوْ رَأَى أَنْ يَقْتُلَ الرِّجَالَ كَانَ لَهُ ذَلِكَ.\n١٠٦١ - قَالَ: وَالنَّفَلُ بِمَنْزِلَةِ رَضْخٍ رُضِخَ لَهُمْ مِنْ الْغَنِيمَةِ. فَإِذَا","vol":"1","page":650},{"text":"كَانَ سِهَامُ الْغَانِمِينَ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ هَذَا فَالرَّضْخُ كَيْفَ يَمْنَعُهُ؟\n١٠٦٢ - وَلَوْ كَانَ قَالَ لَهُمْ: مَنْ أَصَابَ مِنْكُمْ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ. ثُمَّ أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَسِيرًا قَدْ أَصَابَهُ، فَإِنَّهُ يَنْفُذُ عِتْقُهُ، وَلَوْ أَصَابَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ عَتَقَ عَلَيْهِ.\nلِأَنَّهُ اخْتَصَّ بِمِلْكِهِ هُنَا بِنَفْسِ الْإِصَابَةِ. وَهَذَا لِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَا أَمْرٌ آخَرُ مُنْتَظَرٌ لِوُقُوعِ الْمِلْكِ سِوَى الْإِصَابَةِ، حَتَّى يَتَوَقَّفَ الْمِلْكُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. فَإِنَّ هُنَاكَ أَمْرًا آخَرَ مُنْتَظَرًا وَهُوَ الْقِسْمَةُ بَيْنَهُمْ، فَلَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ قَبْلَ وُجُودِهَا.\nوَفِي هَذَا الْفَصْلِ لَيْسَ لِلْأَمِيرِ أَنْ يَقْتُلَ أَحَدًا مِنْ رِجَالِ الْأُسَرَاءِ. لِأَنَّ الْمِلْكَ ثَبَتَ فِيهِ لِلْمُصِيبِ بِنَفْسِ الْإِصَابَةِ. فَكَأَنَّ الْإِمَامَ ضَرَبَ عَلَيْهِ الرِّقَّ.\nوَكَذَلِكَ مَنْ اسْتَهْلَكَ شَيْئًا عَلَى الْمُصِيبِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ غَرِمَ لَهُ.\nفَلَيْسَ لِغَيْرِ الْمُصِيبِ مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ. وَلَا مِنْ أَهْلِ السَّرِيَّةِ أَنْ يَرُدَّ أَشْيَاءَ مِنْ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ. بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. وَهَذَا لِأَنَّ هَذَا التَّنْفِيلَ مِنْ الْإِمَامِ بِمَنْزِلَةِ\nالْقِسْمَةِ بَعْدَ الْإِصَابَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ.\nوَلَوْ قُسِمَ بَيْنَهُمْ ثَبَتَ هَذِهِ الْأَحْكَامُ فِيمَا أَصَابَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ.\nوَكَذَلِكَ إذَا نَفَّلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا أَصَابَهُ خَاصَّةً، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، فَإِنَّ قَوْلَهُ \" مَا أَصَبْتُمْ فَلَكُمْ \" قَطْعٌ لِشَرِكَةِ الْجَيْشِ. فَلَيْسَ فِيهِ مَعْنَى الْقِسْمَةِ بَيْنَهُمْ. وَالْمِلْكُ فِي الْمُصَابِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالْقِسْمَةِ.\n١٠٦٣ - وَلَوْ قَالَ لِلسَّرِيَّةِ الْمَبْعُوثَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ: مَنْ أَصَابَ مِنْكُمْ أَسِيرًا فَهُوَ لَهُ. فَأَصَابُوا جَمِيعًا أَسِيرًا وَاحِدًا، فَهُوَ لَهُمْ.\nلِأَنَّ \" مَنْ \" اسْمٌ مُبْهَمٌ. فَهُوَ عَامٌّ فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ. فَكَمَا يَتَنَاوَلُهُ الْفَرْدُ مِنْهُمْ","vol":"1","page":651},{"text":"يَتَنَاوَلُ جَمَاعَتَهُمْ، بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ الرَّجُلِ لِعَبِيدِهِ: مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ الْعِتْقَ فَهُوَ حُرٌّ.\nفَشَاءُوا، عَتَقُوا. بِخِلَافِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - فِيمَا إذَا قَالَ: مَنْ شِئْت عِتْقَهُ مِنْ عَبِيدِي. لِأَنَّهُ أَضَافَ الْمَشِيئَةَ هُنَاكَ إلَى مَنْ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ \" مَنْ \" وَهَا هُنَا أَضَافَ الْإِصَابَةَ إلَى مَنْ تَنَاوَلَهُ \" مَنْ \".\n١٠٦٤ - وَإِذَا ثَبَتَ الِاسْتِحْقَاقُ لَهُمْ بِالْإِصَابَةِ صَارَ الْأَسِيرُ مَمْلُوكًا لَهُمْ. حَتَّى إذَا كَانَ قَرِيبًا لِبَعْضِهِمْ عَتَقَ حِصَّتُهُ مِنْهُ. وَلَوْ أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمْ عَتَقَ حِصَّتُهُ. لِأَنَّ الْإِمَامَ حِينَ خَصَّ الْمُصِيبَ بِالْمُصَابِ فَذَلِكَ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ الْقِسْمَةِ بَعْدَ الْإِصَابَةِ، لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُصِيبَ الْأَسِيرَ جَمَاعَةٌ وَبَيْنَ أَنْ يُصِيبَ الْوَاحِدُ، فِي ثُبُوتِ الْمِلْكِ بِهِ. فَكَذَلِكَ فِي الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْإِصَابَةِ.\n١٠٦٥ - وَلَوْ كَانَ قَالَ لَهُمْ: مَا أَصَبْتُمْ فَهُوَ لَكُمْ. وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، لَمْ يَعْتِقْ الْأَسِيرُ بِإِعْتَاقِ أَحَدِهِمْ إيَّاهُ وَلَا بِقَرَابَتِهِ مِنْهُ.\nلِأَنَّ هَذَا التَّنْفِيلَ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْقِسْمَةِ مِنْ الْإِمَامِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الْمُصِيبَ لَا يَخْتَصُّ بِالْمُصَابِ، وَلَكِنْ مَا يُصِيبُ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ يَكُونُ بَيْنَ جَمَاعَتِهِمْ، وَبِدُونِ الْقِسْمَةِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا لَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ بِنَفْسِ الْإِصَابَةِ.\nيُوَضِّحُ الْفَرْقَ أَنَّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَخْتَصُّ الْمُصِيبُ بِالْمُصَابِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ فَتِلْكَ الْإِصَابَةُ فِي مَعْنَى الِاصْطِيَادِ. فَكَمَا أَنَّ الْمِلْكَ فِي الصَّيْدِ يَثْبُتُ بِنَفْسِ الْإِصَابَةِ، لِلْوَاحِدِ كَانَ أَوْ لِلْجَمَاعَةِ، فَكَذَلِكَ الْمِلْكُ يَثْبُتُ لِلسَّرِيَّةِ بِمِثْلِ هَذِهِ الْإِصَابَةِ، وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَا يَخْتَصُّ الْمُصِيبُ بِالْمُصَابِ وَلَكِنْ يُشَارِكُهُ فِيهِ أَصْحَابُهُ. فَتِلْكَ الْإِصَابَةُ فِي مَعْنَى إصَابَةِ الْغَنِيمَةِ. وَمُجَرَّدُ الْأَخْذِ فِي الْغَنِيمَةِ لَا يُوجِبُ الْمِلْكَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَكَذَلِكَ مَا يَكُونُ فِي مَعْنَاهُ.","vol":"1","page":652},{"text":"وَلَوْ بَعَثَ الْأَمِيرُ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثَلَاثَةً طَلِيعَةً، وَنَفَّلَ لَهُمْ الرُّبْعَ مِمَّا يُصِيبُونَ، فَأَصَابُوا أَسِيرًا، ثُمَّ أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمْ أَوْ كَانَ (ص ٢٢٠) قَرِيبًا مِنْهُ، لَمْ يَعْتِقْ.\nلِأَنَّ أَهْلَ الْعَسْكَرِ وَأَرْبَابَ الْخَمْسِ شُرَكَاؤُهُمْ فِي الْمُصَابِ، فَلَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لَهُمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ قَلُّوا أَوْ كَثُرُوا.\nأَلَا تَرَى أَنَّ لِلْإِمَامِ وِلَايَةَ الْبَيْعِ وَقِسْمَةَ الثَّمَنِ، وَأَنَّ نَصِيبَهُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ يَقَعُ بِالْقِسْمَةِ.\n١٠٦٧ - وَلَوْ كَانَ قَالَ لَهُمْ: لَكُمْ مَا أَصَبْتُمْ. وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، عَتَقَ الْمُصَابُ بِإِعْتَاقِ أَحَدِهِمْ أَوْ بِقَرَابَتِهِ مِنْهُ اسْتِحْسَانًا. وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَعْتِقُ.\nلِأَنَّ بِهَذَا التَّنْفِيلِ لَا يَخْتَصُّ الْمُصِيبُ بِالْمُصَابِ، وَلَكِنْ يُشَارِكُهُ فِيهِ أَصْحَابُهُ، فَلَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لَهُمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ. بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ السَّرِيَّةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.\nوَفِي الِاسْتِحْسَانِ نَقُولُ قَدْ ثَبَتَ الِاخْتِصَاصُ لَهُمْ بِالْمُصَابِ بِسَبَبِ تَنْفِيلِ الْإِمَامِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ مِنْ الْإِمَامِ قَبْلَ الْإِصَابَةِ فَهُوَ فِي الْمَعْنَى كَالْمَوْجُودِ بَعْدَ الْإِصَابَةِ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْقِسْمَةِ، يَثْبُتُ لَهُمْ الْمِلْكُ حَتَّى يَنْفُذَ الْعِتْقُ فِيهِ مِنْ بَعْضِهِمْ.\nوَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ قَسَّمَ الْإِمَامُ الْغَنِيمَةَ عَلَى الرَّايَاتِ بَيْنَ الْعُرَفَاءِ، ثُمَّ أَعْتَقَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ رَايَةٍ عَبْدًا مِمَّا أَصَابَ أَهْلُ تِلْكَ الرَّايَةِ، قَبْلَ أَنْ يُقَسِّمَ الْعَرِيفُ بَيْنَهُمْ، فَإِنَّهُ يَنْفُذُ عِتْقُهُ.\nوَالْمَعْنَى فِي الْكُلِّ أَنَّ الشُّرَكَاءَ مَتَى قَلُّوا فَالشَّرِكَةُ بَيْنَهُمْ تَكُونُ شَرِكَةً خَاصَّةً. وَهِيَ لَا تَمْنَعُ الْمِلْكَ لَهُمْ فِي الْمُشْتَرَكِ، بِمَنْزِلَةِ الشَّرِكَةِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ فِي الْمِيرَاثِ.","vol":"1","page":653},{"text":"وَعِنْدَ الْكَثْرَةِ الشَّرِكَةُ عَامَّةٌ، فَيَمْنَعُ ذَلِكَ ثُبُوتَ الْمِلْكِ. بِمَنْزِلَةِ شَرِكَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَشَرِكَةِ الْغَانِمِينَ فِي الْغَنِيمَةِ.\nفَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْحَدُّ الْفَاصِلُ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فِي ذَلِكَ؟ قُلْنَا: قَدْ ذَكَرَ فِي ذَلِكَ وُجُوهًا كُلَّهَا مُحْتَمَلَةً.\n١٠٦٨ - أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا أَقَلَّ مِنْ تِسْعَةٍ جَازَ عِتْقُهُمْ، وَإِنْ كَانُوا تِسْعَةً فَصَاعِدًا لَمْ يَجُزْ. لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - بَعَثَ تِسْعَةً سَرِيَّةً.\nوَلِأَنَّ الْجَمْعَ فِي حَدِّ الْكَثْرَةِ وَالْقِلَّةِ جَمْعٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَالتِّسْعَةُ تَكُونُ جَمْعَ الْجَمْعِ.\nوَالثَّانِي: أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ جَازَ عِتْقُهُمْ.\nلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - إنَّمَا أَظْهَرَ الدُّعَاءَ إلَى الدِّينِ بِمَكَّةَ حِينَ تَمُّوا أَرْبَعِينَ بِإِسْلَامِ عُمَرَ - ﵁ -.\nفَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الْأَرْبَعِينَ أَهْلُ عِزَّةٍ وَمَنَعَةٍ. فَقَدْ كَانَ «دَعَا رَسُولُ اللَّهِ - ﵇ - فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَحَبِّ الرَّجُلَيْنِ إلَيْك» . وَالْعِزَّةُ وَالْمَنَعَةُ إنَّمَا تَحْصُلُ بِالْعَدَدِ الْكَثِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.\nوَالثَّالِثُ: أَنَّهُمْ إنْ كَانُوا أَقَلَّ مِنْ مِائَةٍ جَازَ عِتْقُهُمْ.\nلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ","vol":"1","page":654},{"text":"يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦] فَكُلُّ هَذَا مُحْتَمَلٌ، إنْ قَالَ بِهِ قَائِلٌ وَسِعَهُ اجْتِهَادُ الرَّأْيِ فِيهِ. وَأَمَّا أَنَا فَلَسْت أُوَقِّتُ فِي ذَلِكَ وَقْتًا، وَلَكِنِّي أَقُولُ: إنْ كَانُوا قَوْمًا لَا مَنَعَةَ لَهُمْ جَازَ الْعِتْقُ، وَإِلَّا فَلَا.\nلِأَنَّ نَصْبَ الْمَقَادِيرِ بِالرَّأْيِ لَا يَكُونُ، وَلَيْسَ فِي هَذَا نَصٌّ. وَالْمَنَعَةُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ، فَالسَّبِيلُ أَنْ يُفَوَّضَ إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ لِيَحْكُمَ بِرَأْيِهِ فِيهِ. هَذَا هُوَ الْأَقْرَبُ إلَى مَعَانِي الْفِقْهِ.\nوَهَذَا نَظِيرُ مَا بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الشَّرِكَةِ الْخَاصَّةِ فِي النَّهْرِ وَالشَّرِكَةِ الْعَامَّةِ فِي اسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ. فَكُلُّ فَصْلٍ ذَكَرْنَاهُ ثَمَّةَ فَإِنَّهُ يَسْتَقِيمُ الْقَوْلُ بِهِ هُنَا.\nثُمَّ فِي كُلِّ فَصْلٍ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَنْفُذُ الْعِتْقُ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَ الرِّجَالَ مِنْ الْأُسَرَاءِ. لِأَنَّهُمْ قَدْ مُلِكُوا فَصَارَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْغَنِيمَةِ الْمَقْسُومَةِ.\nوَكَذَلِكَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ بَيْنَ الْعُرَفَاءِ لَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَ أَحَدًا مِنْ الرِّجَالِ. وَهَذَا أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ هُنَا يَثْبُتُ بِالْقِسْمَةِ الْأُولَى، وَهِيَ قِسْمَةُ الْجُمَلِ. وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ الْقِسْمَةُ بَيْنَ الْأَفْرَادِ بَعْدُ.\n١٠٦٩ - وَإِنْ كَانَ الْعَدَدُ الْقَلِيلُ بَعَثَهُمْ الْإِمَامُ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ فَأَصَابُوا غَنَائِمَ ثُمَّ أَعْتَقَ بَعْضُهُمْ الرَّقِيقَ فَعِتْقُهُ بَاطِلٌ فِي الْقِيَاسِ.\nلِأَنَّ الْمُصَابَ هُنَا غَنِيمَةٌ.\nأَلَا تَرَى (ص ٢٢١) أَنَّهُمْ لَوْ لَحِقَهُمْ الْمَدَدُ فِي دَارِ الْحَرْبِ شَارَكُوهُمْ، فَلَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لَهُمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ. وَلِأَنَّ أَرْبَابَ الْخُمُسِ شُرَكَاؤُهُمْ، وَالْإِمَامُ رَأَى","vol":"1","page":655},{"text":"بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ، فَلَا يَدْرِي أَيْنَ يَقَعُ نَصِيبُ مَنْ أَعْتَقَ عِنْدَ الْقِسْمَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْفُذَ عِتْقُهُ.\nوَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَنْفُذُ عِتْقُهُ.\nلِأَنَّ الشَّرِكَةَ بَيْنَهُمْ شَرِكَةٌ خَاصَّةٌ، لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ. وَقَدْ تَأَكَّدَ حَقُّهُمْ بِالْإِحْرَازِ حَسَبَ مَا يَتَأَكَّدُ حَقُّ الطَّلِيعَةِ الْمَبْعُوثَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِالْإِصَابَةِ، بَعْدَ تَنْفِيلِ الْإِمَامِ. فَكَمَا أَنَّ هُنَاكَ يَنْفُذُ الْعِتْقُ هَا هُنَا يَنْفُذُ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الْمَبْعُوثَ لَوْ كَانَ رَجُلًا وَاحِدًا فَأَعْتَقَ السَّبْيَ، أَوْ كَانُوا أَقْرِبَاءَهُ بَعْدَ الْإِحْرَازِ، لَمْ يَشْكُلْ أَنَّهُ يَنْفُذُ عِتْقُهُ.\n١٠٧٠ - وَإِنْ كَانَ لَوْ أَعْتَقَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ.\nلِأَنَّ الْحَقَّ لَمْ يَتَأَكَّدْ فِيهِمْ قَبْلَ الْإِحْرَازِ.\nثُمَّ بَعْدَ نُفُوذِ الْعِتْقِ إنْ كَانَ الْمَبْعُوثُ رَجُلًا وَاحِدًا فَهُوَ ضَامِنٌ الْخُمُسَ لِأَرْبَابِ الْخُمُسِ إنْ كَانَ مُوسِرًا. وَكَذَلِكَ إنْ كَانُوا نَفَرًا فَهُوَ ضَامِنٌ نَصِيبَ أَصْحَابِهِ مِمَّنْ أَعْتَقَهُ. وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا سَعَى الرَّقِيقُ فِي حِصَّةِ أَصْحَابِهِ. كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي عِتْقِ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ.\nوَأَمَّا فِي حِصَّةِ الْخُمُسِ فَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ لَا يَسْتَسْعِيَهُمْ.\nلِأَنَّ الْخُمُسَ لِلْمُحْتَاجِينَ، وَلَا حَاجَةَ أَظْهَرُ مِنْ حَاجَةِ الْمُعْتَقِينَ فَإِنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا حَتَّى يَلْزَمَهُمْ السِّعَايَةُ. فَلِهَذَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ لَا يُسَلِّمَ حِصَّةَ الْخُمُسِ لَهُمْ.","vol":"1","page":656},{"text":"وَعَلَى هَذَا لَوْ جَاءُوا بِرِجَالٍ فَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُمْ بَعْدَ الْإِحْرَازِ.\nلِأَنَّ الشَّرِكَةَ فِي الْمُصَابِ خَاصَّةٌ بَيْنَ الْعَدَدِ الْقَلِيلِ. وَقَدْ تَأَكَّدَ حَقُّهُمْ بِالْإِحْرَازِ.\nوَلَهُ أَنْ يَقْتُلَهُمْ قَبْلَ الْإِحْرَازِ.\nلِأَنَّ الْحَقَّ لَمْ يَتَأَكَّدْ بِالْإِصَابَةِ قَبْلَ الْإِحْرَازِ، وَالْمُصَابُ غَنِيمَةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ.","vol":"1","page":657},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>[بَابُ النَّفْلِ الَّذِي يَبْطُلُ بِأَمْرِ الْأَمِيرِ وَاَلَّذِي لَا يَبْطُلُ]</span>\nُ ١٠٧١ - وَلَوْ أَرْسَلَ الْأَمِيرُ فِي دَارِ الْحَرْبِ سَرِيَّةً مِنْ الْمُعَسْكَرِ وَنَفَّلَهُمْ الرُّبْعَ، فَلِمَا بَعُدُوا مِنْهُ خَافَ عَلَيْهِمْ فَأَرْسَلَ سَرِيَّةً أُخْرَى وَقَالَ: الْحَقُوا بِأَصْحَابِكُمْ، فَمَا أَصَبْتُمْ فَأَنْتُمْ شُرَكَاؤُهُمْ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مِنْ النَّفْلِ وَغَيْرِهِ. فَأَدْرَكُوهُمْ بَعْدَ مَا أَصَابُوا الْغَنِيمَةَ. وَرَجَعُوا إلَى الْمُعَسْكَرِ جُمْلَةً، فَلَا شَيْءَ لِلسَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ مِنْ النَّفْلِ. لِأَنَّ أَصْحَابَ السَّرِيَّةِ الْأُولَى قَدْ تَأَكَّدَ حَقُّهُمْ فِي الْمُنَفَّلِ بِنَفْسِ الْإِصَابَةِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُشْرِكُهُمْ فِي ذَلِكَ غَيْرُهُمْ. بِمَنْزِلَةِ تَأَكُّدِ حَقِّ الْغَانِمِينَ بِالْإِحْرَازِ.\nوَلَوْ أَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يُثْبِتَ الشَّرِكَةَ بَيْنَ الْمَدَدِ وَالْجَيْشِ بَعْدَ مَا أَحْرَزُوا الْغَنِيمَةَ بِالدَّارِ لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ، فَهَذَا مِثْلُهُ. -\nوَإِنْ غَنِمُوا جَمِيعًا بَعْدَ مَا لَحِقُوهُمْ فَلَهُمْ النَّفَلُ فِي الْغَنِيمَةِ الثَّانِيَةِ.\nلِأَنَّ ثُبُوتَ الْحَقِّ لِلْمُنَفَّلِينَ بِالْإِصَابَةِ، وَقَدْ أُشْرِكُوا جَمِيعًا فِي الْإِصَابَةِ وَالتَّنْفِيلُ مِنْ الْإِمَامِ لَهُمْ جَمِيعًا فِي الدَّفْعَتَيْنِ.","vol":"1","page":658},{"text":"- قَالَ: فَإِنْ كَانَتْ السَّرِيَّةُ الْأُولَى مِائَةَ فَارِسٍ وَالثَّانِيَةُ خَمْسِينَ فَارِسًا وَخَمْسِينَ رَاجِلًا فَلَمَّا أَتَوْهُمْ لَمْ يُعْلِمُوهُمْ بِمَا جَعَلَ لَهُمْ الْإِمَامُ مِنْ النَّفْلِ حَتَّى أَصَابُوا غَنَائِمَ، فَإِنَّهَا تُقَسَّمُ بَيْنَ السَّرِيَّتَيْنِ أَوَّلًا عَلَى سِهَامِ الْفُرْسَانِ وَالرَّجَّالَةِ، ثُمَّ يُنْظَرُ إلَى مَا أَصَابَ السَّرِيَّةُ الْأُولَى فَيُعْطَوْنَ مِنْ ذَلِكَ نَفْلَهُمْ لَا يُنْقَصُونَ مِنْهُ شَيْئًا، وَإِلَى مَا أَصَابَ السَّرِيَّةُ الثَّانِيَةُ فَيُعْطَوْنَ مِنْهُ نَفْلَهُمْ أَيْضًا، ثُمَّ الْبَاقِي يُخَمَّسُ وَيُقَسَّمُ بَيْنَ السَّرِيَّتَيْنِ وَأَهْلِ الْعَسْكَرِ عَلَى قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ.\nلِأَنَّ السَّرِيَّةَ الْأُولَى اسْتَحَقُّوا رُبْعَ مَا يُصِيبُونَ بِالتَّنْفِيلِ الْأَوَّلِ. فَكَمَا لَا يَمْلِكُ الْإِمَامُ إبْطَالَ حَقِّهِمْ بِالرُّجُوعِ عَنْ ذَلِكَ التَّنْفِيلِ بَعْدَ عِلْمِهِمْ، فَكَذَلِكَ لَا يَمْلِكُ إدْخَالَ ضَرَرِ النُّقْصَانِ عَلَيْهِمْ، بِاشْتِرَاكِ الْغَيْرِ مَعَهُمْ بِدُونِ عِلْمِهِمْ. لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ وَالْإِبْطَالَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خِطَابٌ مِنْ الْإِمَامِ إيَّاهُمْ، فَلَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ فِي حَقِّهِمْ مَا لَمْ يَعْلَمُوا بِهِ، بِمَنْزِلَةِ خِطَابِ الشَّرْعِ فِي حَقِّ الْمُخَاطَبِينَ. -\nوَلَوْ أَخْبَرَتْ السَّرِيَّةُ الثَّانِيَةُ السَّرِيَّةَ الْأُولَى (ص ٢٢٢) بِمَا جَعَلَ لَهُمْ الْأَمِيرُ مِنْ الشَّرِكَةِ مَعَهُمْ فِي النَّفْلِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبُوا الْغَنِيمَةَ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَالنَّفَلُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ.\nوَهَذَا لِأَنَّ التَّنْفِيلَ الْأَوَّلَ مِنْ الْإِمَامِ لَمْ يَكُنْ لَازِمًا قَبْلَ الْإِصَابَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ رَجَعَ عَنْهُ بِعِلْمِهِمْ كَانَ صَحِيحًا؟ فَكَذَلِكَ إذَا نَقَصَ حَقُّهُمْ بِالِاشْتِرَاكِ بِعِلْمِهِمْ.\n- وَكَذَلِكَ إذَا أَعْلَمُوا بِذَلِكَ أَمِيرَ السَّرِيَّةِ الْأُولَى.\nفَإِنَّ إعْلَامَ أَمِيرِهِمْ كَإِعْلَامِ جَمَاعَتِهِمْ، إذْ الْأَمِيرُ نَائِبٌ عَنْهُمْ.","vol":"1","page":659},{"text":"- وَكَذَلِكَ إنْ أَظْهَرُوا ذَلِكَ حَتَّى عَلِمَ بِهِ عَامَّتُهُمْ. لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِمْ إعْلَامُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِهِمْ، وَإِنَّمَا يُمْكِنُهُمْ إظْهَارُ ذَلِكَ الْخَبَرِ فِي عَامَّتِهِمْ. فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْوَاصِلِ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، كَالْخِطَابِ الشَّائِعِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ يَشْتَرِكُ فِي حُكْمِهِ مَنْ عَلِمَ بِهِ وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ مِمَّنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، حَتَّى يَلْزَمَهُ قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ الْمَتْرُوكَةِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، بِخِلَافِ مَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَالْفَرْقُ بِاعْتِبَارِ شُيُوعِ الْخِطَابِ.\n- وَلَوْ كَانَ الْأَمِيرُ قَالَ لِلسَّرِيَّةٍ الثَّانِيَةِ: أَنْتُمْ شُرَكَاؤُهُمْ فِي النَّفْلِ. لَكُمْ ثُلُثَاهُ وَلَهُمْ ثُلُثُهُ. وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا. فَإِنْ كَانُوا لَمْ يُعْلِمُوهُمْ حِينَ أَدْرَكُوهُمْ حَتَّى أَصَابُوا غَنَائِمَ فَلِلسَّرِيَّةِ الْأُولَى نَفْلُهُمْ مِمَّا أَصَابُوا كَامِلًا.\nلِأَنَّ حُكْمَ الْخِطَابِ بِالتَّفْضِيلِ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّهِمْ مَا لَمْ يَعْلَمُوا لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِهِمْ. فَإِنَّهُ يُنْتَقَصُ حَقُّهُمْ بِذَلِكَ.\n- وَإِنْ كَانُوا أَعْلَمُوهُمْ ذَلِكَ ثَبَتَ حُكْمُ الْخِطَابِ فِي حَقِّهِمْ، فَيَكُونُ النَّفَلُ بَيْنَهُمْ عَلَى الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ كَمَا بَيَّنَ الْإِمَامُ.\n١٠٧٩ - قَالَ: وَلَوْ جَازَ مِنْ الْإِمَامِ أَنْ يُنْقِصَ حَقَّ السَّرِيَّةِ الْأُولَى بِغَيْرِ عِلْمِهِمْ لَجَازَ أَنْ يَقُولَ لِلسَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ: النَّفَلُ كُلُّهُ لَكُمْ دُونَ الْأُولَى. فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُجِيزَ هَذَا.","vol":"1","page":660},{"text":"لِأَنَّ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالتَّنْفِيلِ - وَهُوَ التَّحْرِيضُ - يَفُوتُ بِتَجْوِيزِ هَذَا. فَإِنَّ السَّرِيَّةَ لَا يَعْتَمِدُونَ ذَلِكَ التَّنْفِيلَ بَعْدَ مَا بَعُدُوا مِنْ الْإِمَامِ، إذْ كَانَ هُوَ مُتَمَكِّنًا مِنْ إبْطَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِمْ.\nأَرَأَيْت لَوْ قَالَ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ بَعْدَ مَا مَضَتْ السَّرِيَّةُ الْأُولَى: قَدْ أَبْطَلْت نَفْلَهَا. كَانَ يَصِحُّ ذَلِكَ فِي حَقِّهِمْ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا بِهِ. فَكَمَا لَا يَصِحُّ مِنْهُ الْإِبْطَالُ فَكَذَلِكَ لَا يَصِحُّ مِنْهُ تَحْوِيلُهُ إلَى السَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ قَبْلَ عِلْمِ السَّرِيَّةِ الْأُولَى بِهِ. وَلَوْ عَلِمُوا بِهِ صَحَّ ذَلِكَ كُلُّهُ، إبْطَالًا كَانَ ذَلِكَ أَوْ نَفْلًا إلَى غَيْرِهِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: إنْ قَتَلْت هَذَا الْقَتِيلَ فَلَكَ سَلَبُهُ. فَلَمَّا خَرَجَ لِلْمُبَارَزَةِ قَالَ: قَدْ أَبْطَلْت نَفْلَهُ، لَمْ يَبْطُلْ ذَلِكَ مَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْمُبَارِزُ، فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ.\n\n- وَلَوْ بَعَثَ أَمِيرُ الْمِصِّيصَةِ سَرِيَّةً مِنْهَا وَهِيَ اسْمُ بَلْدَةٍ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ فِي وَسَطِ الرُّومِ فَنَفَّلَ أَصْحَابَ الْخَيْلِ دُونَ الرَّجَّالَةِ.\nلَمْ يَجُزْ.\nلِأَنَّ هَذِهِ السَّرِيَّةَ مَبْعُوثَةٌ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ. وَهَذَا تَنْفِيلٌ عَامٌّ. فَإِنَّ أَهْلَ السَّرِيَّةِ أَصْحَابُ الْخَيْلِ كُلُّهُمْ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ التَّنْفِيلَ الْعَامَّ فِي مِثْلِ هَذِهِ السَّرِيَّةِ لَا يَجُوزُ. لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا إبْطَالُ الْخُمُسِ وَتَفْضِيلُ الْفَارِسِ عَلَى الرَّاجِلِ.\n- وَلَكِنَّهُ لَوْ أَرْسَلَ مَعَهُمْ قَوْمًا مِنْ أَصْحَابِ الْمَجَانِيقِ وَقَوْمًا يَحْضُرُونَ الْحِصْنَ فَنَفَّلَهُمْ شَيْئًا لِجَزَائِهِمْ وَعَنَائِهِمْ فَهَذَا جَائِزٌ.","vol":"1","page":661},{"text":"لِأَنَّهُ تَنْفِيلٌ خَاصٌّ لِبَعْضِ أَهْلِ السَّرِيَّةِ. بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ وَهَذَا بِخِلَافِ السَّرِيَّةِ الْمَبْعُوثَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَوْ نَفَّلَ أَصْحَابَ الْخَيْلِ جَازَ. لِأَنَّ التَّعْمِيمَ فِي حَقِّهِمْ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ التَّنْفِيلِ إذْ الْمَقْصُودُ قَطْعُ شَرِكَةِ الْجَيْشِ مَعَهُمْ.\n- وَكَذَلِكَ إنْ نَفَّلَ أَصْحَابَ الْخَيْلِ الْعَرَبَ عَلَى الْبَرَاذِينِ جَازَ. وَالْعِرَابُ أَفْرَاسُ الْعَرَبِ وَالْبَرَاذِينُ أَفْرَاسُ الْعَجَمِ. وَأَفْرَاسُ الْعَرَبِ أَقْوَى فِي الطَّلَبِ وَالْهَرَبِ، وَالْبَرَاذِينُ أَصْبَرُ عَلَى الْقِتَالِ وَأَلْيَنُ عَنْدَ الْعَطْفِ. وَالتَّنْفِيلُ بِحَسَبِ الْعَنَاءِ وَالْجَزَاءِ، فَلَا بَأْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَخْتَصَّ أَحَدَ الْفَرِيقَيْنِ بِالْفِعْلِ عَلَى حَسَبِ مَا يَرَى فِيهِ مِنْ النَّظَرِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":662},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>[بَابُ نَفْلِ الْأَمِيرِ]</span>\n٧٣ - بَابُ نَفْلِ الْأَمِيرِ وَإِذَا قَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، ثُمَّ لَقِيَ الْأَمِيرُ رَجُلًا فَقَتَلَهُ، فَلَهُ السَّلَبُ اسْتِحْسَانًا. وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَسْتَحِقُّ.\nلِأَنَّ الْغَيْرَ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِإِيجَابِهِ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُ الْإِيجَابَ لِنَفْسِهِ بِوِلَايَةِ الْإِمَارَةِ بِمَنْزِلَةِ الْقَاضِي لَا يَمْلِكُ أَنْ يَقْضِيَ لِنَفْسِهِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ خَصَّ نَفْسَهُ فَقَالَ: إنْ قَتَلْت قَتِيلًا فَلِي سَلَبُهُ، لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ. وَلَوْ كَانَ هُوَ كَغَيْرِهِ فِي هَذَا الْحُكْمِ يَصِحُّ إيجَابُهُ خَاصًّا كَانَ أَوْ عَامًّا، كَمَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ. وَلِأَنَّ التَّنْفِيلَ لِلتَّحْرِيضِ، وَإِنَّمَا يُحَرِّضُ غَيْرَهُ عَلَى الْقِتَالِ لَا نَفْسَهُ. فَالْإِمَارَةُ تَكْفِيهِ لِذَلِكَ.\nوَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ وَجَبَ النَّفَلُ لِلْجَيْشِ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَيَسْتَحِقُّ كَمَا يَسْتَحِقُّ غَيْرُهُ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ فِيمَا يَجِبُ شَرْعًا وَهُوَ السَّهْمُ هُوَ كَوَاحِدٍ مِنْ الْجَيْشِ، فَارِسًا أَوْ رَاجِلًا؟ فَكَذَلِكَ فِيمَا يَسْتَحِقُّ بِالْإِيجَابِ.\nأَرَأَيْت لَوْ بَرَزَ عِلْجٌ وَدَعَا إلَى الْبِرَازِ. فَقَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ قَتَلَهُ فَلَهُ سَلَبُهُ فَلَمْ يَتَجَاسَرْ أَحَدٌ عَلَى الْخُرُوجِ، حَتَّى خَرَجَ هُوَ بِنَفْسِهِ فَقَتَلَهُ. كَانَ لَا يَسْتَحِقُّ سَلَبَهُ. وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا خَصَّ نَفْسَهُ، لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِيمَا يَخُصُّ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ التَّنْفِيلِ، بِمَنْزِلَةِ الْقَاضِي يَكُونُ مُتَّهَمًا فِيمَا يَقْضِي بِهِ لِنَفْسِهِ. فَأَمَّا عِنْدَ التَّعْمِيمِ فَتَنْتَفِي التُّهْمَةُ، فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي حَقِّهِ كَمَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ إبَاحَةَ التَّنَاوُلِ مِنْ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ يَثْبُتُ فِي حَقِّ الْإِمَامِ كَمَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ الْعَسْكَرِ، بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَا تَتَمَكَّنُ تُهْمَتُهُ فِيمَا لَا يَخْتَصُّ الْأَمِيرُ بِهِ.","vol":"1","page":663},{"text":"وَإِذَا خَصَّ غَيْرَهُ بِالتَّنْفِيلِ لَا تَتَمَكَّنُ التُّهْمَةُ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَخْرُجُ فِعْلُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَاقِعًا بِصِفَةِ النَّظَرِ.\n\n- وَلَوْ كَانَ قَالَ: مَنْ قَتَلَ مِنْكُمْ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ. ثُمَّ قَتَلَ الْأَمِيرُ قَتِيلًا لَمْ يَكُنْ لَهُ سَلَبُهُ. لِأَنَّهُ خَصَّهُمْ بِقَوْلِهِ: مِنْكُمْ. فَلَا يَتَنَاوَلُهُ حُكْمُ الْكَلَامِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: أَعْتِقْ مَمَالِيكِي. فَقَالَ الْعَبْدُ لِسَائِرِ الْمَمَالِيكِ: أَنْتُمْ أَحْرَارٌ. لَمْ يَدْخُلْ هُوَ فِي هَذَا الْكَلَامِ. وَلَوْ قَالَ: مَمَالِيكِي أَحْرَارٌ دَخَلَ هُوَ فِي جُمْلَتِهِمْ لِهَذَا الْمَعْنَى.\n\n- وَلَوْ قَالَ: إنْ قَتَلْت قَتِيلًا فَلِي سَلَبُهُ. ثُمَّ لَمْ يَقْتُلْ أَحَدًا. حَتَّى قَالَ: وَمَنْ قَتَلَ مِنْكُمْ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ. ثُمَّ قَتَلَ الْأَمِيرُ بَعْدَ ذَلِكَ قَتِيلًا اسْتَحَقَّ سَلَبَهُ.\nلِأَنَّ التَّنْفِيلَ صَارَ عَامًّا، بِاعْتِبَارِ كَلَامَيْهِ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ تَنْفِيلِ الْعَامِّ بِكَلَامَيْنِ وَبَيْنَهُ بِكَلَامٍ وَاحِدٍ. وَهَذَا لِأَنَّ كَلَامَهُ الْأَوَّلَ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا لِلتُّهْمَةِ الْمُتَمَكِّنَةِ بِسَبَبِ التَّخْصِيصِ، وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ بِكَلَامِهِ الثَّانِي. وَبَعْدَمَا انْعَدَمَ الْمَانِعُ مِنْ صِحَّةِ الْإِيجَابِ يَكُونُ الْإِيجَابُ صَحِيحًا عَامًّا فِي حَقِّهِمْ.\n- وَلَوْ كَانَ قَتَلَ قَتِيلَيْنِ: أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْكَلَامِ الثَّانِي، وَالْآخَرُ بَعْدَهُ، فَلَهُ سَلَبُ الْقَتِيلِ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ.\nلِأَنَّ الْقَتْلَ الَّذِي جَعَلَهُ سَبَبًا تَمَّ مِنْهُ فِي الْأَوَّلِ قَبْلَ صِحَّةِ الْإِيجَابِ. فَصَارَ ذَلِكَ السَّبَبُ غَنِيمَةً. ثُمَّ صَحَّ الْإِيجَابُ بِالْكَلَامِ الثَّانِي، فَيُجْعَلُ عِنْدَ الْكَلَامِ الثَّانِي","vol":"1","page":664},{"text":"كَأَنَّهُ أَنْشَأَ تَنْفِيلًا عَامًّا الْآنَ. فَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِهِ سَلَبَ مَا نَفَّلَ بَعْدَ ذَلِكَ. لِأَنَّ التَّنْفِيلَ لَا يَعْمَلُ فِيمَا صَارَ غَنِيمَةً قَبْلَهُ. بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْكَلَامَ غَيْرُ مُتَنَاوِلٍ لَهُ، وَلَوْ كَانَ مُتَنَاوِلًا لَهُ لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا، لِأَنَّهُ تَنْفِيلٌ بَعْدَ الْإِصَابَةِ.\n\n- وَلَوْ قَالَ: إنْ قَتَلْت قَتِيلًا فَلِي سَلَبُهُ. وَمَنْ قَتَلَ مِنْكُمْ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ. ثُمَّ قَتَلَ الْأَمِيرُ قَتِيلَيْنِ، وَرَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ (ص ٢٢٤) قَتِيلَيْنِ. فَلِلْأَمِيرِ سَلَبُ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي.\nلِأَنَّهُ أَوْجَبَ لِنَفْسِهِ بِحَرْفٍ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ. وَهُوَ حَرْفُ الشَّرْطِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ. فَدَخَلَتْ دَخْلَتَيْنِ لَمْ تَطْلُقْ إلَّا وَاحِدَةً. أَوْجَبَ لِلْقَوْمِ بِكَلِمَةِ (مَنْ) وَهِيَ عَامَّةٌ كَمَا بَيَّنَّا. فَيَتَنَاوَلُ كُلَّ قَتِيلٍ يَقْتُلُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، حَتَّى لَوْ قَتَلَ رَجُلٌ عِشْرِينَ قَتِيلًا كَانَ لَهُ أَسْلَابُهُمْ جَمِيعًا.\n\n- وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْهُمْ: إنْ قَتَلْت قَتِيلًا فَلَكَ سَلَبُهُ فَقَتَلَ رَجُلَيْنِ، كَانَ لَهُ سَلَبُ الْأَوَّلِ خَاصَّةً. لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ عَلَّقَ اسْتِحْقَاقَهُ بِالشَّرْطِ. وَذَلِكَ يَنْتَهِي بِقَتْلِ الْأَوَّلِ. وَلَيْسَ فِي لَفْظِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّكْرَارِ وَالْعُمُومِ.\n\n- وَلَوْ قَالَ لِجَمِيعِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ: إنْ قَتَلَ رَجُلٌ مِنْكُمْ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ. فَقَتَلَ رَجُلٌ عَشَرَةً مِنْهُمْ اسْتَحَقَّ أَسْلَابَهُمْ جَمِيعًا. وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ. وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا الْقَتِيلَ الْأَوَّلَ، كَمَا لَوْ خَصَّهُ بِالْإِيجَابِ بِهَذَا اللَّفْظِ. وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَقْصِدْ لِإِنْسَانٍ بِعَيْنِهِ. فَقَدْ خَرَجَ الْكَلَامُ مِنْهُ عَامًّا.","vol":"1","page":665},{"text":"أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْمُخَاطَبِينَ. فَكَمَا يَعُمُّ جَمَاعَتَهُمْ يَعُمُّ جَمَاعَةَ الْمَقْتُولِينَ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. أَلَا تَرَى أَنَّ فِي هَذَا الْفَصْلِ إذَا قَتَلَ عَشَرَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَشَرَةً مِنْهُمْ اسْتَحَقَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَلَبَ قَتِيلِهِ؟\nفَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْوَاحِدُ هُوَ الْقَاتِلُ لِعَشَرَةٍ. وَحَقِيقَةُ مَعْنَى الْفَرْقِ أَنَّ مَقْصُودَ الْإِمَامِ هُنَا تَحْرِيضُهُمْ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي النِّكَايَةِ فِيهِ. وَفِي مَعْنَى النِّكَايَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ لِلْعَشَرَةِ عَشَرَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ وَاحِدًا مِنْهُمْ. وَفِي الْأَوَّلِ مَقْصُودُ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ وَجَلَادَتِهِ، وَذَلِكَ يَتِمُّ بِدُونِ إثْبَاتِ مَعْنَى الْعُمُومِ فِي الْمَقْتُولِينَ.\n\n- وَلَوْ قَالَ لِعَشَرَةٍ هُوَ أَحَدُهُمْ: مَنْ قَتَلَ مِنَّا قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ. أَوْ إنْ قَتَلَ رَجُلٌ مِنَّا قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ. ثُمَّ قَتَلَ بِنَفْسِهِ قَتِيلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، اسْتَحَقَّ أَسْلَابَهُمْ.\nلِأَنَّ مَعْنَى التُّهْمَةِ قَدْ انْتَفَى بِاشْتِرَاكِ التِّسْعَةِ مَعَ نَفْسِهِ فِي الْإِيجَابِ، وَصَارَ كَلَامُهُ عَامًّا بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى الَّذِي قُلْنَا. فَيَسْتَحِقُّ هُوَ مِنْ سَلَبِ الْمَقْتُولِينَ مَا يَسْتَحِقُّهُ تِسْعَةٌ مَعَهُ إذَا قَتَلُوا.\n\n- وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ: إنْ قَتَلْت قَتِيلًا فَلَكَ سَلَبُهُ. فَقَتَلَ قَتِيلَيْنِ مَعًا، فَلَهُ سَلَبُ أَحَدِهِمَا.\nلِأَنَّ هَذَا الْإِيجَابَ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا الْوَاحِدَ، ثُمَّ يَخْتَارُ أَيَّ السَّلَبَيْنِ شَاءَ. لِأَنَّ الْحَقَّ ثَابِتٌ لَهُ، فَالْخِيَارُ فِي الْبَيَانِ إلَيْهِ. وَلَا يُقَالُ: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْخِيَارُ إلَى الْإِمَامِ، لِأَنَّهُ هُوَ الْمُوجِبُ لَهُ. وَهَذَا لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ مِنْ الْإِمَامِ عَلَى وَجْهِ بَيَانِ السَّبَبِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْخِيَارُ لِمَنْ بَاشَرَ السَّبَبَ. وَأَكْثَرُ مَا فِيهِ أَنَّهُ يَخْتَارُ أَفْضَلَهُمَا سَلَبًا، وَلَوْ لَمْ يَقْتُلْ إلَّا ذَلِكَ الرَّجُلَ بِضَرْبَتِهِ كَانَ مُسْتَحِقًّا لِسَلَبِهِ. فَإِنْ قَتَلَ مَعَهُ غَيْرَهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَصِيرَ مَحْرُومًا، لِأَنَّهُ أَظْهَرَ زِيَادَةَ الْقُوَّةِ بِمَا صَنَعَ.","vol":"1","page":666},{"text":"- وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: إنْ أَصَبْت أَسِيرًا فَهُوَ لَك. فَأَخَذَ أَسِيرَيْنِ مَعًا. فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ أَرْفَعَهُمَا.\nلِهَذَا الْمَعْنَى.\n\n- وَلَوْ خَرَجَ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ فِي سَرِيَّةٍ وَنَفَّلَ لَهُمْ الرُّبْعَ فَأَصَابُوا غَنَائِمَ، كَانَ لِلْأَمِيرِ النَّفَلُ مَعَ السَّرِيَّةِ.\nلِأَنَّهُ أَوْجَبَ النَّفَلَ لِأَصْحَابِ السَّرِيَّةِ. وَهُوَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ. وَبِهَذَا الْفَصْلِ يَتَبَيَّنُ مَا سَبَقَ أَنَّهُ عِنْدَ التَّعْمِيمِ يَكُونُ الْإِمَامُ فِي اسْتِحْقَاقِ النَّفْلِ كَغَيْرِهِ. وَالْكَلَامُ فِي فَصْلِ السَّرِيَّةِ أَظْهَرُ، فَإِنَّ اسْتِحْقَاقَهُمْ لِلنَّفْلِ عَلَى هَيْئَةِ اسْتِحْقَاقِ الْغَنِيمَةِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الْمُبَاشِرَ مِنْهُمْ وَالرِّدْءَ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. ثُمَّ فِي اسْتِحْقَاقِ (ص ٢٢٥) الْغَنِيمَةِ الْإِمَامُ بِمَنْزِلَةِ الْجَيْشِ. فَكَذَلِكَ فِي اسْتِحْقَاقِ السَّرِيَّةِ إذَا خَرَجَ وَهُوَ مَعَهُمْ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.","vol":"1","page":667},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>[بَابٌ مِنْ النَّفْلِ الَّذِي يَصِيرُ لَهُمْ وَلَا يَبْطُلُ إذَا نَفَّلَ بَعْضَهُمْ دُونَ بَعْضٍ]</span>\nٍ وَلَوْ قَالَ الْأَمِيرُ: إنْ قَتَلَ رَجُلٌ مِنْكُمْ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ. فَقَتَلَ رَجُلَانِ قَتِيلًا وَاحِدًا، فَلَهُمَا سَلَبُهُ.\nلِأَنَّهُ حِينَ أَخْرَجَ الْكَلَامَ مَخْرَجَ الْعُمُومِ فَقَدْ قَصَدَ بِهِ التَّحْرِيضَ عَلَى النِّكَايَةِ.\n- وَفِي هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ وَاحِدًا أَوْ جَمَاعَةً إلَّا أَنْ يُبَيِّنَ فَيَقُولَ: إنْ قَتَلَ رَجُلٌ مِنْكُمْ وَحْدَهُ قَتِيلًا. فَحِينَئِذٍ لَا شَيْءَ لِلْقَاتِلَيْنِ مِنْ السَّلَبِ.\nلِأَنَّهُ تَبَيَّنَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ أَنَّ مَقْصُودَهُ التَّحْرِيضُ عَلَى إظْهَارِ الْجَلَادَةِ بِالِاسْتِبْدَادِ بِالْقَتْلِ وَبِالِاشْتِرَاكِ لَا يَحْصُلُ ذَلِكَ.\n\n- وَلَوْ بَرَزَ عَشَرَةٌ لِلْقِتَالِ فَقَالَ الْأَمِيرُ لِعَشَرَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ: إنْ قَتَلْتُمُوهُمْ فَلَكُمْ أَسْلَابُهُمْ. فَقَتَلَ كُلُّ رَجُلٍ رَجُلًا مِنْهُمْ، اسْتَحَقَّ كُلُّ قَاتِلٍ سَلَبَ قَتِيلِهِ خَاصَّةً. .","vol":"1","page":668},{"text":"لِأَنَّ تَعْمِيمَ الْعَشَرَةِ بِالْخِطَابِ بِمَنْزِلَةِ تَعْمِيمِ الْكُلِّ بِقَوْلِهِ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ. وَهَذَا لِأَنَّ ذَا الْعَدَدِ إذَا قُوبِلَ بِذِي عَدَدٍ يَنْقَسِمُ الْآحَادُ عَلَى الْآحَادِ. كَقَوْلِ الرَّجُلِ: أَعْطِ هَؤُلَاءِ الْعَشَرَةِ هَذِهِ الْعَشَرَةَ الدَّرَاهِمَ. وَالْفِعْلُ الْمُضَافُ إلَى جَمَاعَةٍ بِعِبَارَةِ الْجَمْعِ يَقْتَضِي الِانْقِسَامَ عَلَى الْأَفْرَادِ. كَمَا يُقَالُ: رَكِبَ الْقَوْمُ دَوَابَّهُمْ، فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ رُكُوبُ كُلِّ أَحَدٍ دَابَّتَهُ. .\n\n- وَلَوْ قَتَلَ تِسْعَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ تِسْعَةً مِنْهُمْ، وَقَتَلَ الْمُشْرِكُ الْمُسْلِمَ الْعَاشِرَ أَوْ هَرَبَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَاتِلِينَ سَلَبُ قَتِيلِهِ.\nلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ جَعْلُ الْقَتْلِ سَبَبًا لِاسْتِحْقَاقِ السَّلَبِ لَا اشْتِرَاطَ قَتْلِهِمْ. حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُمْ أَحَدٌ. إلَّا أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ فَيَقُولَ: لَكُمْ أَسْلَابُهُمْ إنْ قَتَلْتُمُوهُمْ كُلَّهُمْ، وَلَمْ تُغَادِرُوا مِنْهُمْ أَحَدًا. فَحِينَئِذٍ يَتَبَيَّنُ بِتَنْصِيصِهِ أَنَّهُ عَلَّقَ الِاسْتِحْقَاقَ بِشَرْطِ قَتْلِ الْكُلِّ وَالشَّرْطُ يُقَابِلُ الْمَشْرُوطَ جُمْلَةً وَلَا يُقَابِلُهُ جُزْءًا فَجُزْءًا. وَمَا لَمْ يَتِمَّ الشَّرْطُ لَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْ الْجَزَاءِ. فَأَمَّا إذَا لَمْ يُبَيِّنْ فَإِنَّمَا يُحْمَلُ مُطْلَقُ كَلَامِهِ عَلَى مَا هُوَ الْمَفْهُومُ عَادَةً، وَهُوَ التَّحْرِيضُ عَلَى دَفْعِ شَرِّهِمْ عَنْ الْمُسْلِمِينَ بِقَتْلِهِمْ، بِقَدْرِ مَا حَصَلَ مِنْ الْمَقْصُودِ يُسْتَحَقُّ السَّلَبُ. .\n\n- وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِسَرِيَّةٍ: ائْتُوا حِصْنَ كَذَا، فَإِنْ قَتَلْتُمْ مُقَاتِلَتَهُ وَفَتَحْتُمُوهُ فَلَكُمْ الرُّبْعُ. فَقَتَلُوا بَعْضَهُمْ أَوْ قَتَلُوا رَأْسَهُمْ وَتَفَرَّقَ جَمِيعُهُمْ وَفَتَحُوا الْحِصْنَ، فَلَهُمْ النَّفَلُ.","vol":"1","page":669},{"text":"لِأَنَّ مَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِهِ قَدْ حَصَلَ، وَهُوَ تَفْرِيقُ الْجَمْعِ وَفَتْحُ الْحِصْنِ بِالْقِتَالِ. وَإِنْ فَتَحُوا الْحِصْنَ بِغَيْرِ قِتَالٍ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ نَفْلٌ.\nلِأَنَّ مَا جَعَلَهُ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ لَهُمْ وَهُوَ الْقِتَالُ لَمْ يُوجَدْ.\nأَلَا تَرَى لَوْ قَالَ: إنْ قَتَلْتُمْ مُقَاتِلَتَهُ وَسَبَيْتُمْ ذُرِّيَّتَهُ فَلَكُمْ كَذَا. فَقَتَلُوا الْبَعْضَ وَسَبَوْا مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ، كَانَ لَهُمْ النَّفَلُ. وَلَوْ أَخَذُوهُمْ بِغَيْرِ قِتَالٍ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ نَفْلٌ لِمَا قُلْنَا.\n\n- وَلَوْ قَالَ: إنْ قَتَلَ إنْسَانٌ مِنْكُمْ قَتِيلًا. فَقَتَلَ رَجُلَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَتِيلًا كَانَ سَلَبُهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.\nوَلَوْ قَتَلَ مُسْلِمٌ وَمُشْرِكٌ مُشْرِكًا أَخْطَأَ بِهِ فَقَتَلَهُ مَعَ الْمُسْلِمِ كَانَ نِصْفُ السَّلَبِ لِلْمُسْلِمِ وَنِصْفُهُ فِي الْغَنِيمَةِ.\nلِأَنَّ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ يُجْعَلُ كَأَنَّ الْقَاتِلَ مَعَهُ مُسْلِمٌ. وَفِي حِصَّةِ الْمُشْرِكِ يُجْعَلُ كَأَنَّ الْقَاتِلَ مَعَهُ مُشْرِكٌ. وَهَذَا لِأَنَّ الْإِيجَابَ بِالتَّنْفِيلِ مِنْ الْإِمَامِ كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ. فَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ الْمُسْلِمُ بِقَدْرِ مَا بَاشَرَ مِنْ السَّلَبِ. وَإِنَّمَا بَاشَرَ هُوَ قَتْلَ نِصْفِ النَّفْسِ حِينَ شَارَكَ غَيْرُهُ فِيهِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَتَلَ مُسْلِمًا خَطَأً مَعَ غَيْرِهِ كَانَ عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ. فَإِذَا كَانَ فِيمَا يَجِبُ مِنْ الْغُرْمِ بِالْقَتْلِ يُجْعَلُ هَذَا قَاتِلًا نِصْفَ النَّفْسِ فَكَذَلِكَ فِيمَا يَسْتَحِقُّ مِنْ الْغُنْمِ بِهِ.\n\n- وَلَوْ قَالَ: مَنْ قَتَلَ بِطْرِيقًا (ص ٢٢٦) فَلَهُ سَلَبُهُ. فَقَتَلَ مُشْرِكًا لَيْسَ بِبِطْرِيقٍ لَمْ يَسْتَحِقَّ السَّلَبَ. .","vol":"1","page":670},{"text":"لِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّحْرِيضُ عَلَى قَتْلِ مَنْ تَنْكَسِرُ شَوْكَتُهُمْ بِقَتْلِهِ. وَلَمْ يَحْصُلْ هَذَا الْمَقْصُودُ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: مَنْ قَتَلَ الْمَلِكَ فَلَهُ سَلَبُهُ. فَقَتَلَ رَجُلًا غَيْرَ الْمَلِكِ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا؟ . .\n\n- وَلَوْ قَالَ: مَنْ قَتَلَ بِطْرِيقًا فَلَهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَقَتَلَ رَجُلٌ بِطْرِيقًا اسْتَحَقَّ مَا أَوْجَبَ لَهُ الْإِمَامُ مِنْ الْغَنِيمَةِ أَلْفَ دِرْهَمٍ، لِمُبَاشَرَتِهِ سَلَبَهُ، وَلَكِنْ مِمَّا يَغْنَمُونَ بَعْدَ هَذَا، حَتَّى لَوْ لَمْ يَغْنَمُوا بَعْدَ هَذَا شَيْئًا لَمْ يُعْطِهِ مِمَّا كَانُوا غَنِمُوا قَبْلَ هَذَا شَيْئًا.\nلِأَنَّ سِهَامَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ وَجَبَتْ فِيهِ وَهَذَا التَّنْفِيلُ فِيمَا كَانُوا غَنِمُوا، لِأَنَّهُ يَكُونُ تَنْفِيلًا بَعْدَ الْإِصَابَةِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ.\n\n- وَلَوْ قَالَ: مَنْ قَتَلَ مِنْكُمْ صُعْلُوكًا فَلَهُ سَلَبُهُ. فَقَتَلَ رَجُلٌ بِطْرِيقًا، أَوْ قَتَلَ الْمَلِكَ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا.\nلِأَنَّهُ أَوْجَبَ لَهُ سَلَبَ الصُّعْلُوكِ. وَسَلَبُ الْمَلِكِ وَالْبِطْرِيقِ أَفْضَلُ مِنْ سَلَبِ الصُّعْلُوكِ لَا مَحَالَةَ. فَبِإِيجَابِ الْأَدْنَى لَا يَسْتَحِقُّ الْأَعْلَى.\nبِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: مَنْ قَتَلَ صُعْلُوكًا فَلَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ، فَقَتَلَ رَجُلٌ بِطْرِيقًا فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْمِائَةَ. لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا شَرَطَ عَلَيْهِ وَزِيَادَةٍ. فَانْكِسَارُ شَوْكَتِهِمْ بِقَتْلِ الْبِطْرِيقِ أَظْهَرُ مِنْهُ بِقَتْلِ الصُّعْلُوكِ. وَالْمُسَمَّى بِمُقَابِلَتِهِ وَهُوَ الْمِائَةُ مَعْلُومٌ. وَالْمَسَائِلُ بَعْدَ هَذَا إلَى آخِرِ الْبَابِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَصْلٍ وَهُوَ أَنَّهُ:","vol":"1","page":671},{"text":"- إنْ أَوْجَبَ لَهُ بِالتَّنْفِيلِ شَيْئًا بِعَيْنِهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا آخَرَ، سَوَاءٌ أَتَى بِأَدْوَنَ مِمَّا شُرِطَ عَلَيْهِ أَوْ أَعْلَى.\nلِأَنَّ مَحَلَّ الِاسْتِحْقَاقِ لَمْ يُوجَدْ، وَالْإِيجَابُ لَا يَعْمَلُ بِدُونِ الْمَحَلِّ. .\n١١٠٤ - وَإِنْ كَانَ أَوْجَبَ لَهُ مَالًا مُسَمًّى، فَإِنْ أَتَى بِخِلَافِ مَا شُرِطَ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا مِنْ الْمُسَمَّى.\nلِأَنَّ مَعَ مُخَالَفَةِ الْجِنْسِ لَا يَحْصُلُ الِامْتِثَالُ. .\n١١٠٥ - وَإِنْ كَانَ مَا أَتَى بِهِ مِنْ جِنْسِ مَا شُرِطَ عَلَيْهِ: فَإِنْ كَانَ أَدْوَنَ مِمَّا شُرِطَ عَلَيْهِ فِي الْمَنْفَعَةِ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا.\nلِأَنَّهُ لَمْ يَمْتَثِلْ الْأَمْرَ وَلَمْ يَحْصُلْ الْمَقْصُودُ بِكَمَالِهِ.\n- فَإِنْ كَانَ أَعْلَى مِمَّا شُرِطَ عَلَيْهِ اسْتَحَقَّ الْمُسَمَّى.\nلِأَنَّهُ أَتَى بِالْمَشْرُوطِ وَزَادَ عَلَيْهِ. .\n\n- فَإِذَا قَالَ: مَنْ قَتَلَ شَيْخًا فَلَهُ سَلَبُهُ، فَقَتَلَ شَابًّا اسْتَحَقَّهُ.\nلِأَنَّهُ أَتَى بِالْمَشْرُوطِ وَزِيَادَةٍ، فَإِنَّ النِّكَايَةَ وَإِظْهَارَ الْجَلَادَةِ فِي قَتْلِ الشَّابِّ أَكْثَرُ، وَالسَّلَبُ لَا يَتَفَاوَتُ بِالشَّبَابِ وَالشَّيْخُوخَةِ.\n- وَإِنْ قَالَ: مَنْ قَتَلَ شَابًّا فَقَتَلَ شَيْخًا لَمْ يَسْتَحِقَّ.","vol":"1","page":672},{"text":"لِأَنَّ مَا أَتَى بِهِ أَدْنَى مِمَّا شُرِطَ عَلَيْهِ فِي مَعْنَى النِّكَايَةِ وَالْجَلَادَةِ. .\n\n- وَلَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِأَسِيرٍ فَهُوَ لَهُ. فَجَاءَ بِوَصِيفٍ، أَوْ عَلَى عَكْسِ هَذَا لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا.\nلِأَنَّ الْمَحَلَّ الَّذِي أَوْجَبَ صِفَةَ النَّفْلِ فِيهِ لَمْ يُوجَدْ، فَإِنَّ الْأَسِيرَ غَيْرُ الْوَصِيفِ. .\n١١١٠ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِوَصِيفٍ فَهُوَ لَهُ، فَجَاءَ بِرَضِيعٍ، أَوْ عَلَى عَكْسِ هَذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ.\nلِأَنَّ الْوَصِيفَ غَيْرُ الرَّضِيعِ. فَالْمَحَلُّ الَّذِي أَوْجَبَ حَقَّهُ لَمْ يُوجَدْ. .\n\n- وَلَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَلَهُ مِنْهَا مِائَةٌ. فَجَاءَ بِأَلْفِ دِينَارٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْهَا شَيْءٌ.\nلِأَنَّهُ أَوْجَبَ لَهُ بَعْضَ مَا يَأْتِي بِهِ مِنْ الدَّرَاهِمِ، وَبَيْنَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ مُخَالَفَةٌ فِي الْجِنْسِ. .\n\n- وَلَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِوَصِيفٍ فَلَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ فَجَاءَ بِوَصِيفَةٍ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا.\nلِأَنَّ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ مِنْ بَنِي آدَمَ جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ لِتَبَايُنِ الْمَقْصُودِ. وَلِهَذَا لَوْ اشْتَرَى شَخْصًا عَلَى أَنَّهُ عَبْدٌ فَإِذَا هِيَ أَمَةٌ لَمْ يَنْعَقِدْ الْبَيْعُ، وَمَعَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ لَا يَتَحَقَّقُ الِامْتِثَالُ. .","vol":"1","page":673},{"text":"- وَلَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِشَابٍّ فَلَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ فَجَاءَ بِشَيْخٍ، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا. وَلَوْ كَانَ عَلَى عَكْسِ هَذَا اسْتَحَقَّ.\nلِأَنَّ الْجِنْسَ وَاحِدٌ وَالشَّابُّ فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ هَا هُنَا خَيْرٌ مِنْ الشَّيْخِ. فَإِذَا جَاءَ بِمَا هُوَ أَزْيَدُ مِنْ الْمَشْرُوطِ عَلَيْهِ اسْتَحَقَّ النَّفَلَ. وَإِنْ جَاءَ بِأَنْقَصَ مِنْهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ (ص ٢٢٧) بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ غَلَّةً فَلَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ. فَجَاءَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ جِيَادٍ أَخَذَ مِائَةَ دِرْهَمٍ غَلَّةً.\nلِأَنَّ الْجِنْسَ وَاحِدٌ وَمَا جَاءَ بِهِ أَفْضَلُ، وَلَكِنْ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا قَدْرَ مَا سُمِّيَ لَهُ وَذَلِكَ مِائَةُ دِرْهَمٍ غَلَّةً. .\n١١١٤ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ غَلَّةً فَلَهُ عُشْرُهَا فَجَاءَ بِأَلْفِ نَقْدِ بَيْتِ الْمَالِ اسْتَحَقَّ عُشْرَهَا مِنْ دَرَاهِمَ غَلَّةً. لِأَنَّهُ مَا أَوْجَبَ لَهُ الْفَضْلَ وَالِاسْتِحْقَاقَ بِالتَّسْمِيَةِ، وَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِقَدْرِ الْمُسَمَّى. .\n\n- وَلَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ جِيَادٍ فَلَهُ مِائَةٌ. فَجَاءَ بِأَلْفٍ غَلَّةً، لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ.\nلِأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ دُونَ مَا شُرِطَ عَلَيْهِ. .\n\n- وَلَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِعَشْرِ شِيَاهٍ فَلَهُ شَاةٌ. فَجَاءَ بِعَشْرِ بَقَرَاتٍ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا. لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ. .\n١١١٧ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِعَشَرَةِ أَثْوَابِ دِيبَاجٍ فَلَهُ","vol":"1","page":674},{"text":"كَذَا، فَجَاءَ بِعَشَرَةِ أَثْوَابِ بُزْيُونٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ عَلَى عَكْسِ هَذَا.\nلِأَنَّ الْجِنْسَ مُخْتَلِفٌ.\n\n- وَلَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِعَشَرَةِ أَثْوَابِ بُزْيُونٍ أَحْمَرَ، فَجَاءَ بِالْأَخْضَرِ أَوْ الْأَصْفَرِ فَإِنْ كَانَ الْأَحْمَرُ أَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا. وَإِنْ كَانَ مِثْلَ مَا جَاءَ بِهِ أَوْ دُونَهُ اسْتَحَقَّ مَا سُمِّيَ لَهُ.\nلِأَنَّ الْجِنْسَ وَاحِدٌ وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي الصِّفَةِ هُنَا.\nأَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ اشْتَرَى ثَوْبَ بُزْيُونٍ عَلَى أَنَّهُ أَحْمَرُ فَإِذَا هُوَ أَخْضَرُ فَإِنَّ الْبَيْعَ يَكُونُ صَحِيحًا.\nوَكَذَلِكَ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ الْبَغْلُ وَالْفَرَسُ وَالْحِمَارُ. وَلَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِفَرَسٍ فَلَهُ مِائَةٌ، فَجَاءَ بِبِرْذَوْنٍ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا، وَإِنْ كَانَ عَلَى عَكْسِ هَذَا اسْتَحَقَّ.\nلِأَنَّ الْجِنْسَ وَاحِدٌ وَالْفَرَسُ أَفْضَلُ مِنْ الْبِرْذَوْنِ. بِخِلَافِ مَا إذَا جَاءَ بِحِمَارٍ أَوْ بَغْلٍ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا.\nلِأَنَّ الْجِنْسَ مُخْتَلِفٌ. .","vol":"1","page":675},{"text":"- وَلَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِفَرَسٍ فَلَهُ مِائَةٌ. فَجَاءَ رَجُلٌ بِفَرَسٍ فَإِنَّمَا يُعْطَى نَفْلَهُ مِمَّا يَغْنَمُونَ بَعْدَ هَذَا. حَتَّى إذَا لَمْ يَغْنَمُوا شَيْئًا آخَرَ فَإِنَّ نَفْلَهُ مِنْ الْفَرَسِ خَاصَّةً دُونَ مَا غَنِمُوا قَبْلَ هَذَا.\nفَإِنْ كَانَ الْفَرَسُ لَا يُسَاوِي مِائَةً لَمْ يَزِدْ لَهُ عَلَى مِقْدَارِ ثَمَنِهِ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ يُسَاوِي مِائَةً أَوْ أَكْثَرَ فَرَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَجْعَلَ الْفَرَسَ فِيمَا غَنِمُوا قَبْلَ هَذَا وَيُعْطِيَهُ الْمِائَةَ مِنْهَا، فَذَلِكَ مُسْتَقِيمٌ.\nلِأَنَّ لَهُ وِلَايَةَ بَيْعِ الْغَنَائِمِ. وَهَذَا التَّصَرُّفُ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ بَيْعِ شَيْءٍ مِنْ الْغَنَائِمِ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ فَيَجُوزُ. وَإِنْ كَانَتْ الْمِائَةُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْفَرَسِ لَمْ يُعْطِهِ مِنْ الْغَنِيمَةِ إلَّا مِقْدَارَ قِيمَةِ الْفَرَسِ.\nلِأَنَّ لَهُ وِلَايَةَ الْمُبَادَلَةِ بِشَرْطِ النَّظَرِ لَا بِالْمُحَابَاةِ الْفَاحِشَةِ. .","vol":"1","page":676},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>[بَابُ مَا يَجِبُ مِنْ السَّلَبِ بِالْقَتْلِ وَمَا لَا يَجِبُ]</span>\nُ ١١٢١ - وَلَوْ قَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ. فَبَرَزَ عِلْجٌ لِلْقِتَالِ، وَخَرَجَ إلَيْهِ مُسْلِمٌ فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً أَبَانَهُ عَنْ فَرَسِهِ وَأَخَذَ فَرَسَهُ وَجَرَّهُ إلَى الْمُسْلِمِينَ حَيًّا، فَمَاتَ بَعْدَ أَيَّامٍ. وَقَدْ كَانَ صَاحِبَ فِرَاشٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ، إلَّا أَنَّهُ عُلِمَ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ ضَرْبَتِهِ، فَلَهُ السَّلَبُ وَالْفَرَسُ وَالسِّلَاحُ مِنْ جُمْلَةِ السَّلَبِ.\nلِأَنَّهُ صَارَ قَاتِلًا لَهُ حِينَ مَاتَ مِنْ ضَرْبَتِهِ. وَفِيمَا يَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ بِالْقَتْلِ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَمُوتَ الْمَقْتُولُ بِضَرْبَتِهِ فِي الْحَالِ وَبَيْنَ أَنْ يَمُوتَ مِنْهَا بَعْدَ مُدَّةٍ، فَكَذَلِكَ فِيمَا يَجِبُ لَهُ بِالْقَتْلِ.\n- وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ مَاتَ قَبْلَ إحْرَازِ الْغَنِيمَةِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ بَعْدَهَا، مَا لَمْ يُقْسَمْ. فَأَمَّا إذَا قُسِمَتْ الْغَنَائِمُ أَوْ بِيعَتْ وَالرَّجُلُ حَيٌّ بَعْدُ فَإِنَّ سَلَبَهُ يُقْسَمُ فِي الْغَنِيمَةِ بَيْنَ الْغَانِمِينَ. لِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ فِيهِ لِلْقَاتِلِ لَمْ يَتِمَّ بَعْدُ وَهُوَ الْقَتْلُ. فَإِنَّ تَمَامَ الْقَتْلِ لَا يَكُونُ بِدُونِ الْمَوْتِ، وَالرَّجُلُ حَيٌّ بَعْدُ. وَسَبَبُ ثُبُوتِ حَقِّ الْغَانِمِينَ","vol":"1","page":677},{"text":"فِيهِ قَدِيمٌ وَهُوَ الِاغْتِنَامُ، فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمْ. وَبِالْقِسْمَةِ يَتَعَيَّنُ الْمِلْكُ، فَمِنْ ضَرُورَتِهِ إبْطَالُ حَقِّ حُكْمِ التَّنْفِيلِ (ص ٢٢٨) فِيهِ. وَبَعْدَ مَا نَفَذَ الْحُكْمُ مِنْ الْإِمَامِ بِإِبْطَالِ التَّنْفِيلِ فِيهِ لَا يَسْتَحِقُّهُ بِالتَّنْفِيلِ وَإِنْ تَمَّ السَّبَبُ.\nفَإِنْ قِيلَ: لِمَاذَا لَا تُؤَخَّرُ الْغَنِيمَةُ وَالْبَيْعُ فِي السَّلَبِ حَتَّى نَنْظُرَ إلَى مَاذَا يَئُولُ حَالُ الرَّجُلِ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلْقِسْمَةِ وَهُوَ الِاغْتِنَامُ قَدِيمٌ فِيهِ، فَلَا يُؤَخَّرُ الْحُكْمُ الَّذِي يَثْبُتُ بِتَقْرِيرِ سَبَبِهِ لِأَجَلٍ مَوْهُومٍ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الْمَضْرُوبَ نَفْسَهُ يُقْسَمُ فِي الْغَنِيمَةِ، فَكَيْفَ لَا يُقْسَمُ سَلَبُهُ؟ فَإِنْ قِيلَ: لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي نَفْسِهِ حَقٌّ مُنْتَظِرٌ لِأَحَدٍ، فَأَمَّا فِي السَّلَبِ فَحَقٌّ مُنْتَظِرٌ لِلْقَاتِلِ، فَقَدْ وُجِدَ سَبَبُهُ مِنْهُ. قُلْنَا: قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ السَّبَبَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِمَوْتِ الْمَضْرُوبِ. ثُمَّ لَا يَتَأَخَّرُ قِسْمَةُ الْغَنِيمَةِ لِحَقٍّ أَقْوَى مِنْ هَذَا، وَهُوَ حَقُّ الْمَالِكِ الْقَدِيمِ فِي الْمَأْسُورِ، فَإِنَّهُ حَقٌّ ثَابِتٌ لَوْ جَاءَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ. ثُمَّ لَا تُؤَخَّرُ الْقِسْمَةُ وَالْبَيْعُ لِحَقِّهِ؛ فَلَأَنْ لَا يُؤَخِّرَهَا هَهُنَا لِحَقِّ الضَّارِبِ، وَهُوَ غَيْرُ ثَابِتٍ فِي الْحَالِ، كَانَ أَوْلَى.\nفَإِنْ قِيلَ: فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي إذَا مَاتَ الْمَضْرُوبُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَنْ يَكُونَ لِلْقَاتِلِ حَقُّ أَخْذِ السَّلَبِ بِالْقِيمَةِ، كَمَا فِي الْمَأْسُورِ إذَا جَاءَ الْمَوْلَى بَعْدَ الْقِسْمَةِ. قُلْنَا: هُنَاكَ الْمِلْكُ كَانَ ثَابِتًا لِلْمَوْلَى فِي الْأَصْلِ فَيَتَمَكَّنُ مِنْ أَخْذِهِ بِالْقِيمَةِ عَلَى وَجْهِ الْفِدَاءِ لِذَلِكَ الْمِلْكِ، وَهَا هُنَا الْمِلْكُ لِلضَّارِبِ فِي السَّلَبِ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا قَطُّ لِيَفْدِيَهُ بِالْقِيمَةِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَثْبُتُ لَهُ الْحَقُّ ابْتِدَاءً بِسَبَبِ التَّنْفِيلِ إنْ لَوْ مَاتَ الْمَضْرُوبُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، فَأَمَّا بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ حَقِّهِ لِانْعِدَامِ مَحَلِّهِ. فَإِنَّمَا وِزَانُ هَذَا مِنْ الْمَأْسُورِ إنْ لَوْ خَرَجَ الْحَرْبِيُّ بِالْعَبْدِ إلَيْنَا بِأَمَانٍ ثُمَّ أَسْلَمَ، أَوْ بَاعَهُ مِنْ مُسْلِمٍ. وَهُنَاكَ لَا يَثْبُتُ لِلْمَوْلَى حَقُّ الْأَخْذِ مِنْهُ لِانْعِدَامِ مَحَلِّهِ، فَكَذَلِكَ حُكْمُ السَّلَبِ.","vol":"1","page":678},{"text":"- وَعَلَى هَذَا لَوْ أَنَّ الْمُسْلِمَ حِينَ رُمِيَ بِهِ عَنْ فَرَسِهِ اجْتَرَّهُ الْمُشْرِكُونَ فَذَهَبُوا بِهِ حَيًّا فَلَا شَيْءَ لِلضَّارِبِ مِنْ فَرَسِهِ وَسَلَبِهِ مَا لَمْ يَعْلَمْ بِمَوْتِهِ مِنْ ضَرْبَتِهِ.\nلِأَنَّ تَمَامَ السَّبَبِ بِهِ يَكُونُ، فَالِاسْتِحْقَاقُ يَثْبُتُ لَهُ ابْتِدَاءً، فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّيَقُّنِ بِالسَّبَبِ، وَلَا يَكْفِي وُجُودُهُ ظَاهِرًا، بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ عِتْقٌ أَوْ طَلَاقٌ، فَإِنَّهُ مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ بِهِ لَا يَنْزِلُ الْجَزَاءُ. وَإِنَّمَا طَرِيقُ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ عَدْلَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّ السَّلَبَ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ غَنِيمَةُ الْمُسْلِمِينَ. وَإِنَّمَا الْحَاجَةُ إلَى الِاسْتِحْقَاقِ عَلَيْهِمْ. فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَوْتِهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ.\n- فَأَمَّا إذَا مَاتَ الْمَضْرُوبُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ لَمْ يَكُنْ لِلْقَاتِلِ مِنْ السَّلَبِ شَيْءٌ وَلَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِهِ.\nلِفَوَاتِ الْمَحَلِّ بِنُفُوذِ الْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ مِنْ الْإِمَامِ فِيهِ. .\n١١٢٥ - وَلَوْ كَانَ قَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ. فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ، إلَّا فِي خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ: وَهُوَ أَنَّهُ إذَا بِيعَتْ الْغَنَائِمُ ثُمَّ مَاتَ الْمَضْرُوبُ اسْتَحَقَّ الْمِائَةَ هَا هُنَا، مَا لَمْ يُقْسَمْ الثَّمَنُ. أَمَّا إذَا قُسِمَ الثَّمَنُ أَوْ قُسِمَتْ الْغَنِيمَةُ ثُمَّ مَاتَ الْمَضْرُوبُ فَلَا نَفْلَ لَهُ.\nلِأَنَّ مَحَلَّ حَقِّهِ الْغَنِيمَةُ هَا هُنَا. وَبِالْبَيْعِ لَا يَفُوتُ هَذَا الْمَحَلُّ. فَإِنَّ الثَّمَنَ غَنِيمَةٌ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْمَبِيعِ يُقْسَمُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ. فَأَمَّا بِالْقِسْمَةِ يَفُوتُ مَحَلُّ حَقِّهِ فَيَبْطُلُ نَفْلُهُ. وَفِي الْأَوَّلِ مَحَلُّ حَقِّهِ السَّلَبُ، وَهُوَ يَفُوتُ بِالسَّلَبِ.\nفَإِنَّ الثَّمَنَ لَيْسَ مِنْ السَّلَبِ فِي شَيْءٍ، فَفِي هَذَا يَقَعُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .","vol":"1","page":679},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>[بَابٌ مِنْ النَّفْلِ لِأَهْلِ الذَّمَّةِ وَالْعَبِيدِ وَالنِّسَاءِ وَغَيْرِهِمْ]</span>\n١١٢٦ - وَإِذَا قَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ. فَقَتَلَ ذِمِّيٌّ مِمَّنْ كَانَ يُقَاتِلُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ قَتِيلًا اسْتَحَقَّ سَلَبَهُ.\nلِأَنَّ الْإِمَامَ أَوْجَبَ السَّلَبَ لِلْقَاتِلِ بِلَفْظٍ عَامٍّ يَتَنَاوَلُ الْمُسْلِمَ وَالذِّمِّيَّ. وَالْعَامُّ كَالنَّصِّ فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ (ص ١١٩) فِي كُلِّ مَا يَتَنَاوَلُهُ. .\n١١٢٧ - وَلَوْ خَصَّ الذِّمِّيَّ بِهَذَا اسْتَحَقَّ السَّلَبَ بِالْقَتْلِ، فَكَذَلِكَ إذَا تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ الْعَامُّ. وَهَذَا لِأَنَّ الذِّمِّيَّ إذَا قَاتَلَ مَعَنَا اسْتَحَقَّ، الرَّضْخَ مِنْ الْغَنِيمَةِ كَمَا يَسْتَحِقُّ الْمُسْلِمُ السَّهْمَ. وَمَنْ اسْتَحَقَّ الرَّضْخَ فَهُوَ شَرِيكٌ فِي الْغَنِيمَةِ، بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَسْتَحِقُّ السَّهْمَ. وَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ مِقْدَارَ حَاجَتِهِ. .\n١١٢٨ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَتَلَ رَجُلٌ مِنْ التُّجَّارِ قَتِيلًا سَوَاءٌ كَانَ يُقَاتِلُ قَبْلَ هَذَا أَوْ كَانَ لَا يُقَاتِلُ.\nلِأَنَّهُ قَاتَلَ الْآنَ، وَبِهِ يَصِيرُ شَرِيكًا فِي الْغَنِيمَةِ فَيَتَنَاوَلُهُ حُكْمُ التَّنْفِيلِ. .\n١١٢٩ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَتَلَتْ امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ أَوْ ذِمِّيَّةٌ قَتِيلًا.","vol":"1","page":680},{"text":"لِأَنَّهَا شَرِيكَةٌ بِمَا يُسْتَحَقُّ مِنْ الرَّضْخِ. .\n١١٣٠ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَتَلَ عَبْدٌ كَانَ يُقَاتِلُ مَعَ مَوْلَاهُ قَبْلَ هَذَا، أَوْ كَانَ لَا يُقَاتِلُ حَتَّى الْآنَ.\nلِأَنَّهُ شَرِيكٌ بِمَا يُسْتَحَقُّ مِنْ الرَّضْخِ. فَلْيَسْتَحِقَّ السَّلَبَ بِالتَّنْفِيلِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ لِمَوْلَاهُ.\nلِأَنَّهُ كَسْبُ عَبْدِهِ. إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَمِيرُ خَصَّ فَقَالَ: مَنْ قَتَلَ مِنْ الْأَحْرَارِ قَتِيلًا، أَوْ قَالَ: مَنْ قَتَلَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَتِيلًا، فَحِينَئِذٍ يُبْنَى الْأَمْرُ عَلَى تَخْصِيصِهِ لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِإِيجَابِهِ. فَكَمَا يُعْتَبَرُ عُمُومُ كَلَامِهِ يُعْتَبَرُ خُصُوصُهُ. .\n\n- وَإِذَا لَمْ يَسْتَحِقَّ الذِّمِّيُّ السَّلَبَ عِنْدَ التَّخْصِيصِ يُرْضَخُ لَهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى الْإِمَامُ.\nلِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَمَنْ يَكُونُ تَبَعًا فِي الْقِتَالِ يَسْتَحِقُّ الرَّضْخَ دُونَ السَّهْمِ، كَالْعَبِيدِ وَالنِّسَاءِ.\nوَهَذَا لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُعْطَى شَيْئًا لِيَكُونَ ذَلِكَ تَحْرِيضًا لَهُ عَلَى الْخُرُوجِ وَلَا وَجْهَ لِلتَّسْوِيَةِ بَيْنَ التَّبَعِ وَالْمَتْبُوعِ. وَلِهَذَا أَعْطَيْنَاهُ الرَّضْخَ، وَلَا يُزَادُ رَضْخُهُ إنْ كَانَ فَارِسًا عَلَى سَهْمِ فَارِسٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ كَانَ رَاجِلًا عَلَى سَهْمِ رَاجِلٍ مِنْهُمْ. لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ ذِمِّيٌّ أَبَدًا إلَّا وَفِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ هُوَ أَعْظَمُ غَنَاءً مِنْهُ. فَإِذَا كَانَ لَا يُزَادُ لِلْمُسْلِمِ الْعَظِيمِ الْغَنَاءُ عَلَى السَّهْمِ فَكَيْفَ يُزَادُ لِلذِّمِّيِّ؟ .","vol":"1","page":681},{"text":"وَظَاهِرُ مَا يَقُولُ فِي الْكِتَابِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَبْلُغَ بِرَضْخِهِ سَهْمَ الْمُسْلِمِ إذَا كَانَ عَظِيمَ الْغَنَاءِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَبْلُغُ بِهِ أَيْضًا وَلَكِنْ يَنْقُصُ بِقَدْرِ مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ كَمَا لَا يَبْلُغُ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ دِيَةَ الْحُرِّ.\nفَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ فِي التَّنْفِيلِ الْعَامِّ يُسَوَّى بَيْنَهُمَا فِي السَّلَبِ، وَرُبَّمَا يَكُونُ سَلَبُ قَتِيلِ الذِّمِّيِّ أَكْثَرَ قِيمَةً مِنْ سَهْمِ الْمُسْلِمِ فَلِمَاذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَهُمَا أَوْ يَفْضُلَ الذِّمِّيُّ فِيمَا يُرْضَخُ لَهُ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ السَّلَبِ بَعْدَ التَّنْفِيلِ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِالْقَتْلِ أَوْ بِالْإِيجَابِ مِنْ الْإِمَامِ. وَلَا تَفَاوُتَ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ. بِخِلَافِ اسْتِحْقَاقِ الْغَنِيمَةِ فَإِنَّهُ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْكَرَامَةِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ فِي الِاسْتِحْقَاقِ بِالتَّنْفِيلِ يُسَوَّى بَيْنَ الْفَارِسِ وَالرَّاجِلِ، وَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي اسْتِحْقَاقِ الْغَنِيمَةِ. .\n\n- وَلَوْ كَانَ الْأَمِيرُ قَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، فَسَمِعَ ذَلِكَ بَعْضُ النَّاسِ دُونَ الْبَعْضِ. ثُمَّ قَتَلَ رَجُلٌ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ مَقَالَةَ الْإِمَامِ.\nلِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِ الْإِمَامِ إسْمَاعُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. وَإِنَّمَا فِي وُسْعِهِ أَنْ يَجْعَلَ الْخِطَابَ شَائِعًا وَقَدْ فَعَلَ. فَيَكُونُ هَذَا كَالْوَاصِلِ إلَى كُلِّ مَنْ تَنَاوَلَهُ الْخِطَابُ حُكْمًا.\nأَلَا تَرَى «أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ - ﵁ - كَانَ قَتَلَ قَتِيلًا يَوْمَ حُنَيْنٍ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ التَّنْفِيلَ، ثُمَّ أَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﵇ - سَلَبَهُ» عَلَى مَا رَوَيْنَا.\nوَلِأَنَّ سَمَاعَ الْخِطَابِ إنَّمَا يُشْتَرَطُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمُخَاطَبِ وَفِي هَذَا مَحْضُ مَنْفَعَةٍ لَهُ.","vol":"1","page":682},{"text":"- وَعَلَى هَذَا لَوْ بَعَثَ سَرِيَّةً وَقَالَ لِأَمِيرِهِمْ: لَكُمْ نَفْلُ الرُّبْعِ فَإِنَّ إعْلَامَ أَمِيرِهِمْ كَإِعْلَامِ جَمَاعَتِهِمْ.\n١١٣٤ - وَكَذَلِكَ لَوْ سَمِعَ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَفْلٌ.\nلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالتَّنْفِيلِ التَّحْرِيضُ عَلَى الْقِتَالِ. وَلَا يَحْصُلُ هَذَا إذَا لَمْ يَسْمَعْ كَلَامَهُ أَحَدٌ. فَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ تَفَكَّرَ (ص ٢٣٠) هَذَا فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ.\nفَأَمَّا إذَا سَمِعَ أَمِيرُهُمْ أَوْ بَعْضُهُمْ فَقَدْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ وَهُوَ التَّحْرِيضُ.\nيُوَضِّحُهُ أَنَّ كَلَامَ الْأَمِيرِ يَفْشُو إذَا سَمِعَهُ بَعْضُ النَّاسِ عَادَةً. لِأَنَّ السَّامِعَ يُبَلِّغُ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ كَمَا قَالَ - ﵇ - «أَلَا فَلْيُبْلِغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ» . وَأَمَّا مَا لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ أَحَدٌ فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَفْشُوَ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُ إشَاعَةَ الْخِطَابِ. .\n\n- وَلَوْ قَالَ فِي أَهْلِ عَسْكَرِهِ: قَدْ جَعَلْت لِهَذِهِ السَّرِيَّةِ نَفْلَ الرُّبْعِ. وَلَمْ يَسْمَعْ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ السَّرِيَّةِ، فَفِي الْقِيَاسِ لَا نَفْلَ لَهُمْ.\nلِأَنَّ الْمَقْصُودَ وَهُوَ التَّحْرِيضُ لَا يَحْصُلُ إذَا لَمْ يَسْمَعْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ. فَتَكَلُّمُهُ بِذَلِكَ مَعَ أَهْلِ الْعَسْكَرِ وَتَكَلُّمُهُ بِهِ مَعَ عِيَالِهِ لَيْلًا أَوْ فِي نَفْسِهِ وَحْدَهُ سَوَاءٌ فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالتَّنْفِيلِ. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَهُمْ النَّفَلُ. لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ الْإِمَامُ فِي أَهْلِ عَسْكَرِهِ فَإِنَّهُ يَفْشُو. أَوْ كَأَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِتَبْلِيغِ أَهْلِ السَّرِيَّةِ بِهِ دَلَالَةً. وَلَيْسَ فِي إثْبَاتِ هَذَا الْحُكْمِ فِي حَقِّهِمْ قَبْلَ التَّبْلِيغِ إضْرَارٌ بِهِمْ. وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى التَّبْلِيغَ لَهُمْ لِيَتِمَّ مَعْنَى التَّحْرِيضِ. وَيُوَضِّحُهُ أَنَّ أَصْحَابَ","vol":"1","page":683},{"text":"السَّرِيَّةِ قَدْ يَكُونُونَ قَوْمًا لَا يُخَاطِبُهُمْ الْإِمَامُ بِنَفْسِهِ عَادَةً. وَمِنْ عَادَةِ الْمُلُوكِ أَنَّهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بَيْنَ يَدَيْ خَوَاصِّهِمْ بِمَا يُرِيدُونَ أَنْ يَظْهَرَ لِلْعَامَّةِ، فَبِهَذَا الطَّرِيقِ يَصِيرُ هَذَا مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ إشَاعَةِ الْخِطَابِ وَالْأَمْرِ إيَّاهُمْ بِالتَّبْلِيغِ. .\n\n- وَلَوْ قَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ. ثُمَّ لَحِقَهُمْ مَدَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَقَتَلَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ قَتِيلًا، كَانَ لَهُ سَلَبُهُ.\nلِأَنَّ الْمَدَدَ فِي اسْتِحْقَاقِ الشَّرِكَةِ فِي الْغَنِيمَةِ يَكُونُ كَالْحَاضِرِ وَقْتَ التَّنْفِيلِ، فَلَهُ سَلَبُ قَتِيلِهِ، عَلِمَ بِمَقَالَةِ الْأَمِيرِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ. .\n١١٣٧ - وَلَوْ كَانَ جَاءَ مَعَ الْمَدَدِ أَمِيرٌ آخَرُ وَعُزِلَ الْأَمِيرُ الْأَوَّلُ، بَطَلَ التَّنْفِيلُ فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَ.\nلِأَنَّ حِصَّةَ تَنْفِيلِهِ بِاعْتِبَارِ وِلَايَتِهِ، وَقَدْ زَالَتْ وِلَايَتُهُ بِالْعَزْلِ. وَالْعَارِضُ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالشَّيْءِ كَالْمُقْتَرِنِ بِأَصْلِ السَّبَبِ. .\n١١٣٨ - وَلَوْ كَانَ مَعْزُولًا حِينَ نَفَّلَ لَمْ يُعْتَبَرْ تَنْفِيلُهُ. فَكَذَلِكَ إذَا صَارَ مَعْزُولًا بَعْدَ التَّنْفِيلِ قَبْلَ الْقَتْلِ، أَوْ بَعْدَ بَعْثِ السَّرِيَّةِ قَبْلَ إصَابَةِ الْغَنَائِمِ. فَأَمَّا إذَا أَصَابُوا الْغَنَائِمَ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ الْأَوَّلُ مَعْزُولًا فَلَهُمْ النَّفَلُ مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّ الْمَقْصُودَ قَدْ تَمَّ بِالتَّنْفِيلِ قَبْلَ الْعَزْلِ. - ثُمَّ إذَا كَانَ الْأَمِيرُ الْأَوَّلُ قَدْ أَخْبَرَ بِأَنَّ الْأَمِيرَ الثَّانِيَ قَادِمٌ","vol":"1","page":684},{"text":"بِعَزْلِهِ فَمَا دَامَ بِالْبُعْدِ مِنْ مُعَسْكَرِهِ لَا يَصِيرُ هُوَ مَعْزُولًا. فَإِذَا صَارَ قَرِيبًا مِنْ الْمُعَسْكَرِ بِحَيْثُ يُغِيثُ أَهْلَ الْعَسْكَرِ إنْ طَلَبُوا مِنْهُ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مَعْزُولًا وَيَبْطُلُ نَفْلُ الْأَوَّلِ.\nلِأَنَّهُ لَمَّا قَرُبَ مِنْهُمْ فَكَأَنَّهُ خَالَطَهُمْ. وَهَذَا لِأَنَّهُ بَعْدَ مَا بَعَثَ الْخَلِيفَةُ الثَّانِي بِعَزْلِ الْأَوَّلِ. إنَّمَا لَا يَنْعَزِلُ الْأَوَّلُ مَا لَمْ يَقْرُبْ مِنْهُمْ، لِحَاجَةِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ إلَى مَنْ يُدَبِّرُ أُمُورَهُمْ. وَالثَّانِي عَاجِزٌ عَنْ ذَلِكَ لِبُعْدِهِ عَنْهُ. فَإِذَا قَرُبَ مِنْهُمْ فَقَدْ ارْتَفَعَ هَذَا الْمَعْنَى. .\n\n- وَلَوْ لَمْ يَقْدُمْ عَلَيْهِمْ أَمِيرٌ آخَرُ، وَلَكِنْ مَاتَ أَمِيرَهُمْ فَأَمَّرُوا عَلَيْهِمْ أَمِيرًا آخَرَ، وَكَانَ الْأَوَّلُ قَدْ نَفَّلَ لَهُمْ، لَمْ يَبْطُلْ حُكْمُ تَنْفِيلِهِ.\nلِأَنَّ الثَّانِيَ خَلِيفَةُ الْأَوَّلِ قَائِمٌ مَقَامَهُ وَلَا يَبْطُلُ شَيْءٌ مِمَّا صَنَعَهُ الْأَوَّلُ. إلَّا أَنْ يُبْطِلَ ذَلِكَ الْأَمِيرُ الثَّانِي. فَإِنْ أَبْطَلَهُ بِعِلْمِ الْمُخَاطَبِينَ بَطَلَ.\nلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْأَوَّلِ. وَلَوْ أَبْطَلَ الْأَوَّلُ ذَلِكَ بِعِلْمِهِمْ بَطَلَ. فَكَذَلِكَ الثَّانِي. .\n١١٤١ - وَلَوْ كَانَ الْخَلِيفَةُ قَالَ لَهُمْ: إنْ مَاتَ أَمِيرُكُمْ أَوْ قُتِلَ فَأَمِيرُكُمْ فُلَانٌ. فَهَذَا صَحِيحٌ. لِأَنَّهُ تَعْلِيقُ الْإِطْلَاقِ بِالشَّرْطِ. فَيَصِحُّ، كَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ.\nوَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - قَالَ يَوْمَ مُؤْتَةَ: إنْ قُتِلَ زَيْدٌ فَجَعْفَرٌ أَمِيرُكُمْ، وَإِنْ قُتِلَ جَعْفَرٍ فَابْنُ رَوَاحَةَ أَمِيرُكُمْ» . الْحَدِيثُ.","vol":"1","page":685},{"text":"ثُمَّ فِي هَذَا الْفَصْلِ إذَا مَاتَ الْأَوَّلُ بَطَلَ تَنْفِيلُهُ، لِأَنَّ الثَّانِيَ (ص ٢٣١) نَائِبُ الْخَلِيفَةِ بِتَقْلِيدِهِ مِنْ جِهَتِهِ، فَكَأَنَّهُ قَلَّدَهُ ابْتِدَاءً بَعْدَ مَوْتِ الْأَوَّلِ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ. وَهَذَا لِأَنَّ التَّنْفِيلَ رَأْيٌ رَآهُ الْأَوَّلُ. وَحُكْمُ رَأْيِهِ يَنْقَطِعُ بِرَأْيٍ فَوْقَ رَأْيِهِ، وَهُوَ تَقْلِيدُ الْخَلِيفَةِ لِلثَّانِي.\nفَأَمَّا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ فَلَمْ يَعْتَرِضْ عَلَى رَأْيِهِ رَأْيٌ فَوْقَهُ، إنَّمَا نَظَرَ الْجُنْدُ لَهُ وَلِأَنْفُسِهِمْ فِي نَصْبِ خَلِيفَةٍ. فَيَبْقَى حُكْمُ رَأْيِهِ بِاعْتِبَارِ خَلِيفَتِهِ، كَمَا لَوْ اسْتَخْلَفَ هُوَ بِنَفْسِهِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ فِي الِاسْتِخْلَافِ فِي الصَّلَاةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَفْعَلَهُ الْإِمَامُ الْأَوَّلُ وَبَيْنَ أَنْ يَفْعَلَهُ الْقَوْمُ. فَهَذَا مِثْلُهُ. .\n\n- وَلَوْ قَالَ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ: مَنْ قَتَلَ مِنْكُمْ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ ثُمَّ لَحِقَ بِهِمْ مَدَدٌ أَوْ تُجَّارٌ أَوْ قَوْمٌ أَسْلَمُوا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ. فَقَتَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ قَتِيلًا، فَفِي الْقِيَاسِ لَا يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ.\nلِأَنَّهُ خَصَّ الْحَاضِرِينَ بِالْخِطَابِ بِقَوْلِهِ: (مِنْكُمْ) بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، فَقَدْ عَمَّ الْخِطَابُ هُنَاكَ بِقَوْلِهِ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا. وَذَلِكَ يَتَنَاوَلُ الْحَاضِرَ وَمَنْ يَحْضُرُ. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَهُ السَّلَبُ.\nلِأَنَّهُ مَا قَصَدَ الْحَاضِرِينَ لِأَعْيَانِهِمْ، بَلْ لِتَحْرِيضِهِمْ عَلَى الْقِتَالِ وَفِي هَذَا الْمَعْنَى مَنْ يَحْضُرُ وَمَنْ حَضَرَ سَوَاءٌ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الَّذِينَ لَحِقُوا بِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ فِيمَا أَصَابُوا قَبْلَ ذَلِكَ إذَا قَاتَلُوا وَجُعِلُوا كَالْحَاضِرِينَ وَقْتَ الْإِصَابَةِ، فَكَذَلِكَ هُمْ شُرَكَاؤُهُمْ فِي حُكْمِ التَّنْفِيلِ، وَجُعِلُوا كَالْحَاضِرِينَ وَقْتَ التَّنْفِيلِ. .","vol":"1","page":686},{"text":"- وَلَوْ كَانَ فِي الْمُعَسْكَرِ قَوْمٌ مُسْتَأْمَنُونَ، فَإِنْ كَانُوا دَخَلُوا بِإِذْنِ الْإِمَامِ فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي اسْتِحْقَاقِ الرَّضْخِ وَاسْتِحْقَاقِ النَّفْلِ إذَا قَاتَلُوا.\n١١٤٤ - وَإِنْ كَانُوا دَخَلُوا بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ مِمَّا يُصِيبُونَ مِنْ السَّلَبِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ، بَلْ ذَلِكَ كُلُّهُ لِلْمُسْلِمِينَ.\nلِأَنَّ هَذَا الِاسْتِحْقَاقَ مِنْ الْمَرَافِقِ الشَّرْعِيَّةِ لِمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا. فَلَا يَثْبُتَ فِي حَقِّ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ اسْتَعَانَ بِهِمْ، فَبِاسْتِعَانَتِهِ بِهِمْ يَلْحَقُونَ بِمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا حُكْمًا\nوَنَظِيرُهُ الرِّكَازُ وَالْمَعْدِنُ. فَإِنَّ الْمُسْتَأْمَنَ إذَا اسْتَخْرَجَ ذَلِكَ مِنْ دَارِنَا بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ أُخِذَ كُلُّهُ مِنْهُ، وَإِنْ اسْتَخْرَجَهُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الذِّمِّيِّ يُخَمَّسُ مَا أَصَابَ وَالْبَاقِي لَهُ. .\n\n- وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ دَخَلُوا دَارَ حَرْبٍ غَيْرَ دَارِهِمْ، عَلَى إثْرِ جَيْشٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ، فَأَصَابُوا غَنَائِمَ، وَأَصَابَ الْمُسْلِمُونَ أَيْضًا غَنَائِمَ، ثُمَّ خَرَجُوا، فَمَا أَصَابَ الْمُسْلِمُونَ يُخَمَّسُ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ\nوَمَا أَصَابَ الْمُسْتَأْمَنُونَ فَهُوَ لَهُمْ لَا خُمُسَ فِيهِ.\nلِأَنَّ إصَابَتَهُمْ لِذَلِكَ لَمْ تَكُنْ عَلَى وَجْهِ إعْزَازِ الدِّينِ. إنَّمَا يُخَمَّسُ الْمُصَابُ إذَا أُصِيبَ بِأَشْرَفِ الْجِهَاتِ. وَهَذَا لَا يَتَحَقَّقُ فِي مُصَابِ الْمُسْلِمِينَ دُونَ مُصَابِ","vol":"1","page":687},{"text":"الْمُسْتَأْمَنِينَ. وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ اكْتِسَابًا مَحْضًا، فَيُسَلَّمُ لَهُمْ كَسْبُهُمْ. بِخِلَافِ مَا سَبَقَهُ، فَالْإِصَابَةُ هُنَاكَ كَانَتْ بِمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ الْمُسْتَأْمَنِينَ إنَّمَا قَاتَلُوا تَحْتَ رَايَتِهِمْ، وَالِاسْتِعَانَةُ بِهِمْ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِعَانَةِ بِالْكِلَابِ، فَلِهَذَا خُمِّسَ جَمِيعُ الْمُصَابِ. .\n١١٤٦ - وَلَوْ كَانَ الَّذِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، لَهُمْ مَنَعَةُ جَمْعِ مَا أَصَابَ الْفَرِيقَانِ. أَخْرَجَ خُمُسَهُ، وَالْبَاقِي غَنِيمَةٌ بَيْنَهُمْ جَمِيعًا لِأَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا، فَإِنَّمَا يُقَاتِلُونَ لِلذَّبِّ عَنْ دَارِ الْإِسْلَامِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا نَصْرُهُ أَهْلِ الذِّمَّةِ إنْ قَهَرُوا إنْ قَوِينَا عَلَى نُصْرَتِهِمْ. وَلَيْسَ عَلَيْنَا ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمُسْتَأْمَنِينَ بَعْدَ مَا دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ.\nيُوَضِّحُهُ أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ تَبَعٌ لِلْمُسْلِمِينَ فِي السُّكْنَى حِينَ صَارُوا مِنْ أَهْلِ دَارِنَا، فَيَكُونُونَ تَبَعًا لِلْمُسْلِمِينَ فِيمَا يُصِيبُونَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَيْضًا. وَقَدْ تَمَّ الْإِحْرَازُ بِالْكُلِّ. فَلِهَذَا يُخَمَّسُ جَمِيعُ الْمُصَابِ. فَأَمَّا الْمُسْتَأْمَنُونَ لَا يَكُونُونَ تَبَعًا لِلْمُسْلِمِينَ (ص ٢٣٢) فِي السُّكْنَى حَتَّى يَتَمَكَّنُوا مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَكَذَلِكَ فِي الْإِصَابَةِ. .\n\n- وَلَوْ أَنَّ حَرْبِيًّا فِي دَارِ الْحَرْبِ أَخَذَ مَالًا مِنْ مَالِهِمْ، ثُمَّ اسْتَأْمَنَ إلَى أَهْلِ الْعَسْكَرِ، فَلَهُ مَا جَاءَ بِهِ.\nلِأَنَّهُ بِنَفْسِ الْأَخْذِ مَلَكَ الْمَأْخُوذَ لَا بِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَالْتَحَقَ بِسَائِرِ أَمْوَالِهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْأَخْذِ وَصَارَ ذِمِّيًّا وَخَرَجَ إلَى دَارِنَا مَعَ الْعَسْكَرِ فَذَلِكَ الْمَالُ لَهُ. .","vol":"1","page":688},{"text":"لِأَنَّهُ مَا أَصَابَ بِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَثْبُتُ حَقُّهُمْ فِيهِ. وَرُوِيَ «أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ - ﵁ - كَانَ فَعَلَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَتَلَ الَّذِينَ صَحِبُوهُ فِي السَّفَرِ وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ وَجَاءَ إلَى الْمَدِينَةِ وَأَسْلَمَ، فَلَمْ يُخَمِّسْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ذَلِكَ الْمَالَ، وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا. وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: أَمَّا إسْلَامُك فَمَقْبُولٌ، وَأَمَّا مَالُك فَمَالُ غَدْرٍ لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِ» .\nوَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ غَدَرَ بِهِمْ. وَلِذَلِكَ قِصَّةٌ مَعْرُوفَةٌ. .\n١١٤٨ - وَلَوْ كَانَ أَسْلَمَ قَبْلَ إصَابَةِ الْمَالِ ثُمَّ قَتَلَ بَعْضَهُمْ وَأَخَذَ مَالَهُ وَلَحِقَ بِهِ الْعَسْكَرُ فَهُوَ غَنِيمَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِ الْعَسْكَرِ.\nلِأَنَّهُ أَصَابَهُ بِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ تَمَّ الْإِحْرَازُ بِمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ. .\n١١٤٩ - وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ سِوَاهُ كَانَ الْحُكْمُ فِيهِ هَذَا، فَكَذَلِكَ إذَا فَعَلَهُ الَّذِي أَسْلَمَ مِنْهُمْ. وَكَذَلِكَ لَوْ خَرَجَ فَصَارَ ذِمَّةً لِلْمُسْلِمِينَ ثُمَّ رَجَعَ فَأَصَابَ ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُ لَمَّا صَارَ ذِمَّةً لِلْمُسْلِمِينَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الذِّمِّيِّ الدَّاخِلِ مَعَ الْجَيْشِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ وَإِنَّمَا تَمَكَّنَ مِنْ هَذَا الْمَالِ بِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ. .\n١١٥٠ - وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَأْمَنَ إلَى أَهْلِ الْعَسْكَرِ ثُمَّ عَادَ بِإِذْنِ الْأَمِيرِ وَفَعَلَ ذَلِكَ.\nلِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ بَعْدَ إذْنِ الْأَمِيرِ بِمَنْزِلَةِ الذِّمِّيِّ فِيمَا يُصِيبُ.","vol":"1","page":689},{"text":"- وَلَوْ فَعَلَ بِغَيْرِ إذْنِ الْأَمِيرِ كَانَ ذَلِكَ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ إذَا كَانَ الْمُسْتَأْمَنُ غَيْرَ أَهْلِ تِلْكَ الدَّارِ.\nلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مُسْتَأْمَنٍ دَخَلَ مَعَ الْعَسْكَرِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ.\nوَهَذَا لِأَنَّهُ لَا مَنَعَةَ لَهُ، فَإِنَّمَا أَصَابَ ذَلِكَ بِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ لَهُمْ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمُسْتَأْمَنُونَ أَهْلَ مَنَعَةٍ. .\n\n- وَلَوْ أَنَّ الْعَسْكَرَ أَسَرُوا الْأُسَرَاءَ مِنْ الْعَدُوِّ، فَقَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ. فَقَتَلَ أَسِيرٌ رَجُلًا مِنْ الْعَدُوِّ، فَسَلَبُهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ إنْ لَمْ يَقْسِمْ الْأَمِيرُ الْأُسَرَاءَ، وَإِنْ كَانَ قَسَمَهُمْ أَوْ بَاعَهُمْ فَالسَّلَبُ لِمَوْلَى الْقَاتِلِ. لِأَنَّ بِالْقِسْمَةِ صَارَ عَبْدًا لَهُ. وَسَلَبُ قَتِيلِهِ كَسَبْيِهِ. فَأَمَّا قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَالْأَسِيرُ مِنْ الْغَنِيمَةِ. فَسَلَبُ قَتِيلِهِ يَكُونُ مِنْ الْغَنِيمَةِ أَيْضًا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":690},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>[بَابٌ مِنْ الشَّرِكَةِ فِي النَّفْلِ وَمَا يُؤْخَذُ بِحِسَابٍ]</span>\nٍ إذَا قَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ أَصَابَ أَسِيرًا فَهُوَ لَهُ. فَأَصَابَ رَجُلٌ أَسِيرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً فَهُمْ لَهُ.\nلِأَنَّ صِيغَةَ كَلَامِهِ عَامَّةٌ فِي الْمُصِيبِ وَالْمُصَابِ جَمِيعًا. .\n١١٥٤ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: إنْ أَصَابَ إنْسَانٌ مِنْكُمْ أَسِيرًا فَهُوَ لَهُ.\nلِأَنَّهُ صَرَّحَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى التَّعْمِيمِ فِي الْمُصِيبِ وَالْمُصَابِ. وَفِي مِثْلِهِ لَا فَرْقَ بَيْنَ حَرْفِ الشَّرْطِ وَحَرْفِ مَنْ، وَقَوْلُهُ إنْسَانٌ. لَمَّا لَمْ يَصْمُدْ عَيْنًا بِهِ كَانَ لِلْجَيْشِ، حَتَّى إذَا أَصَابَ جَمَاعَةٌ أَسِيرًا وَاحِدًا فَهُوَ لَهُمْ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَعْنَى. .\n\n- وَلَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ مِنْكُمْ عَشَرَةَ أَرْؤُسٍ فَهُمْ لَهُ فَأَصَابَ رَجُلٌ مِنْهُمْ عِشْرِينَ رَأْسًا.\nفَهُمْ لَهُ كُلُّهُمْ. لِلتَّصْرِيحِ بِمَا يُوجِبُ التَّعْمِيمَ. وَهَذَا كُلُّهُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: مَنْ أَصَابَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ.","vol":"1","page":691},{"text":"-\nوَلَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ عَشَرَةَ أَرْؤُسٍ فَلَهُ عُشْرُهُمْ. فَأَصَابَ رَجُلٌ عِشْرِينَ فَلَهُ عُشْرُ مَا أَصَابَ.\nوَذَلِكَ رَأْسَانِ. (ص ٢٣٣) . .\n١١٥٧ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ عَشَرَةَ أَرْؤُسٍ فَلَهُ رَأْسٌ مِنْهُمْ، ثُمَّ أَصَابَ رَجُلٌ عِشْرِينَ فَلَهُ رَأْسَانِ. وَإِنْ أَصَابَ عَشَرَةً فَلَهُ رَأْسٌ وَإِنَّمَا يُعْطَى الْوَسَطَ مِمَّا أَصَابَ، وَلَا يُعْطَى أَرْفَعَهُمْ وَلَا أَخَسَّهُمْ.\nلِأَنَّ الْأَمِيرَ أَوْجَبَ لَهُ ذَلِكَ بِإِزَاءِ مَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ بِعَمَلِهِ، وَذَلِكَ التِّسْعَةُ الَّتِي تَبْقَى لَهُمْ. وَتَسْمِيَةُ الرَّأْسِ مُطْلَقًا بِمُقَابَلَةِ مَا لَيْسَ بِمَالٍ يَنْصَرِفُ إلَى الْوَسَطِ. كَمَا فِي الْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ.\nوَلِأَنَّ الْإِمَامَ مَأْمُورٌ بِالنَّظَرِ لَهُ وَلِلْمُسْلِمِينَ، وَفِي إعْطَاءِ أَرْفَعِهِمْ إيَّاهُ تَرْكُ النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ. وَفِي إعْطَاءِ الْأَخَسِّ تَرْكُ النَّظَرِ لَهُ، فَيُعْطِيهِ الْوَسَطَ لِيَعْتَدِلَ النَّظَرُ. وَخَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا. .\n١١٥٨ - وَإِنْ أَصَابَ خَمْسَةَ أَرْؤُسٍ أُعْطِيَ نِصْفَ وَاحِدٍ مِنْ أَوْسَاطِهَا اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ.\nفَإِنْ قِيلَ: الْإِمَامُ شَرَطَ لِاسْتِحْقَاقِهِ الْمَجِيءَ بِعَشَرَةِ أَرْؤُسٍ وَالشَّرْطُ لَا يَنْقَسِمُ عَلَى الْمَشْرُوطِ بِاعْتِبَارِ الْأَجْزَاءِ. فَإِذَا أَتَى بِمَا دُونَ الْعَشَرَةِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ شَيْئًا. قُلْنَا: لَا كَذَلِكَ وَلَكِنَّهُ أَوْجَبَ لَهُ ذَلِكَ بِمُقَابَلَةِ مَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ بِعَمَلِهِ، فَبِقَدْرِ مَا يَحْصُلُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ لِلْمُسْلِمِينَ يُعْطِيهِ مِنْ الْمُسَمَّى.","vol":"1","page":692},{"text":"وَهَذَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ التَّنْفِيلِ التَّحْرِيضُ عَلَى الْأَخْذِ وَالْأَسْرِ. وَهَذَا الْمَقْصُودُ لَا يَحْصُلُ إذَا اعْتَبَرْنَا الشَّرْطَ صُورَةً، لِأَنَّهُ إذَا تَمَكَّنَ مِنْ أَخْذِ تِسْعَةٍ فَعَلِمَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا لَوْ جَاءَ بِهِمْ لَمْ يَرْغَبْ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى مُعَالَجَةٍ وَمُؤْنَةٍ. فَإِذَا عَلِمَ أَنَّ نَصِيبَهُ فِيهِ كَنَصِيبِ سَائِرِ الْغَانِمِينَ قَلَّ مَا يَرْغَبُ فِي الْتِزَامِ ذَلِكَ. فَإِنَّمَا تَمَامُ مَعْنَى التَّحْرِيضِ فِي اعْتِبَارِ مَا قُلْنَا أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِقَدْرِ مَا جَاءَ بِهِ. أَرَأَيْت لَوْ قَالَ: مَنْ قَتَلَ مِنْكُمْ عَشَرَةً فَلَهُ عُشْرُ أَسْلَابِهِمْ. فَقَتَلَ تِسْعَةً، أَمَا كَانَ يَسْتَحِقُّ الْمُسَمَّى بِحِسَابِ مَا قَتَلَ؟ فَكُلُّ أَحَدٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودُ الْإِمَامِ اشْتِرَاطَ الْعَشَرَةِ، لِأَنَّ الْوَاحِدَ قَلَّ مَا يَتَمَكَّنُ مِنْ قَتْلِ عَشَرَةٍ مِنْهُمْ أَوْ أَخْذِ عَشَرَةِ أَرْؤُسٍ.\n- وَلَوْ أَصَابَ رَجُلَانِ عَشَرَةَ أَرْؤُسٍ فَلَهُمَا وَاحِدٌ مِنْ أَوْسَاطِهِمْ.\nلِأَنَّ تَمَامَ الْمَنْفَعَةِ الْمَشْرُوطَةِ لِلْمُسْلِمِينَ كَانَ بِهِمَا. فَالْمُسَمَّى يَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا أَيْضًا. .\n\n- وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ: إنْ أَصَبْت رَأْسًا فَهُوَ لَك. فَأَصَابَ رَأْسَيْنِ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا وَاحِدٌ مِنْهُمَا.\nلِأَنَّهُ أَخْرَجَ الْكَلَامَ مَخْرَجَ الْخُصُوصِ فِي الْمُصِيبِ وَالْمُصَابِ، فَيَنْتَفِي مَعْنَى الْعُمُومِ عَنْهُ فِيهِمَا.","vol":"1","page":693},{"text":"ثُمَّ إنْ أَصَابَهُمَا عَلَى التَّرْتِيبِ فَلَهُ أَوَّلُهُمَا، وَإِنْ أَصَابَهُمَا مَعًا فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ أَفْضَلَهُمَا.\nلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُصِبْ إلَّا الْأَفْضَلَ كَانَ سَالِمًا لَهُ، فَلَا يُحْرَمُ ذَلِكَ بِإِصَابَةِ آخَرَ مَعَهُ.\n\n- وَلَوْ قَالَ: إنْ أَصَبْت عَشَرَةَ أَرْؤُسٍ فَلَكَ مِنْهُمْ رَأْسٌ فَأَصَابَ عِشْرِينَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا رَأْسٌ وَاحِدٌ. لِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْخُصُوصِ فِي كَلَامِهِ.\n١١٦٢ - فَإِنْ أَصَابَ بَعْضَهُمْ قَبْلَ بَعْضٍ فَلَهُ وَاحِدٌ مِنْ الْعَشَرَةِ الْأُولَى مِنْ أَوْسَاطِهِمْ، وَإِنْ أَصَابَهُمْ مَعًا فَلَهُ وَاحِدٌ مِنْ أَوْسَاطِهِمْ.\nفَإِنْ قِيلَ: لِمَاذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ الْأَفْضَلَ هُنَا كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ هُنَاكَ مَا شُرِطَ عَلَيْهِ مَنْفَعَةُ الْمُسْلِمِينَ بِمُقَابَلَةِ مَا أَوْجَبَ لَهُ، وَهُنَا قَدْ شُرِطَ ذَلِكَ عَلَيْهِ حِينَ سَمَّى لَهُ جَزَاءً مِمَّا يَأْتِي بِهِ. فَلِهَذَا يُعْتَبَرُ الْوَسَطُ. هَا هُنَا. .\n١١٦٣ - وَإِنْ أَصَابَ خَمْسَةً فَلَهُ نِصْفُ رَأْسٍ مِنْ أَوْسَاطِهِمْ.\nاعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ، وَتَحْقِيقًا لِمُرَاعَاةِ مَعْنَى التَّحْرِيضِ. .\n١١٦٤ - وَلَوْ قَالَ لِعَشَرَةٍ مِنْ الْعَسْكَرِ: إنْ أَصَبْتُمْ عَشَرَةَ أَرْؤُسٍ فَلَكُمْ مِنْهَا رَأْسٌ. فَهَذَا وَقَوْلُهُ لِلْوَاحِدِ سَوَاءٌ (ص ٢٣٤) فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا.\nلِأَنَّهُ لَمَّا جَمَعَ بَيْنَهُمْ فِي ذِكْرِ الْإِصَابَةِ فَقَدْ خَصَّهُمْ، وَالتَّخْصِيصُ فِي الْمُصِيبِ يَدُلُّ عَلَى التَّخْصِيصِ فِي الْمُصَابِ، لِكَوْنِهِ مَبْنِيًّا عَلَيْهِ. .","vol":"1","page":694},{"text":"- وَلَوْ قَالَ لِعَشَرَةٍ: إنْ أَصَابَ رَجُلٌ مِنْكُمْ عَشَرَةَ أَرْؤُسٍ فَلَهُ مِنْهَا وَاحِدٌ. فَأَصَابَ رَجُلٌ عِشْرِينَ رَأْسًا فَلَهُ رَأْسَانِ مِنْ أَوْسَاطِهِمْ.\nلِأَنَّهُ أَفْرَدَ كُلَّ وَاحِدٍ بِالْإِصَابَةِ وَجَعَلَ خِطَابَهُ عَامًّا فِيهِمْ. فَتَعْمِيمُ الْخِطَابِ فِي الْمُصِيبِينَ يُثْبِتُ حُكْمَ الْعُمُومِ فِي الْمُصَابِ، كَمَا لَوْ خَاطَبَ بِهِ جَمِيعَ أَهْلِ الْعَسْكَرِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ هُنَا لَوْ أَصَابَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ عَشَرَةَ أَرْؤُسٍ كَانَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ رَأْسٌ مِمَّا أَصَابَ؟ فَكَذَلِكَ إذَا أَصَابَ الْمِائَةَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ يَكُونُ لَهُ عَشَرَةُ أَرْؤُسٍ. .\n\n- وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ: مَا أَصَبْت مِنْ عَشَرَةِ أَرْؤُسٍ فَلَكَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ. فَأَصَابَ عِشْرِينَ. فَلَهُ رَأْسَانِ مِنْ أَوْسَاطِهِمْ.\nلِأَنَّ كَلِمَةَ \" مَا \" تُوجِبُ الْعُمُومَ، وَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ الْعُمُومِ بِهِ فِي الْمُصِيبِ. لِأَنَّهُ خَصَّ الْوَاحِدَ بِهِ. فَأَثْبَتْنَا بِالْعُمُومِ بِهِ فِي الْمُصَابِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ إنْ أَصَبْت. لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِهِ مَا يُوجِبُ الْعُمُومَ صُورَةً وَلَا مَعْنًى. .\n\n- وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ: يَا فُلَانُ: إنْ قَتَلْت هَذَا الَّذِي بَرَزَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَلَكَ سَلَبُهُ. فَسَمِعَ ذَلِكَ رَجُلٌ آخَرُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَبَرَزَ لِلْمُشْرِكِ وَقَتَلَهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ سَلَبُهُ.\nلِأَنَّ الْأَمِيرَ خَصَّ بِهِ مَنْ خَاطَبَهُ، وَالِاسْتِحْقَاقُ بِاعْتِبَارِ تَنْفِيلِهِ. وَالتَّنْفِيلُ قَابِلٌ لِلتَّخْصِيصِ، فَيُجْعَلُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ كَأَنَّ التَّنْفِيلَ لَمْ يُوجَدْ أَصْلًا. .\n١١٦٨ - فَلَوْ قَتَلَهُ الْمُخَاطَبُ بِالتَّنْفِيلِ مَعَ مُسْلِمٍ آخَرَ كَانَ لِلْمُخَاطَبِ نِصْفُ السَّلَبِ وَالنِّصْفُ الْآخَرُ فِي الْغَنِيمَةِ. لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَتَلَ نِصْفَهُ، وَالْبَعْضُ يُعْتَبَرُ بِالْكُلِّ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَاتِلَيْنِ.","vol":"1","page":695},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>[بَابٌ مِنْ النَّفْلِ الْمَجْهُولِ]</span>\nِ وَلَوْ قَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ بِشَيْءٍ فَلَهُ مِنْهُ طَائِفَةٌ. فَجَاءَ رَجُلٌ بِمَتَاعٍ أَوْ ثِيَابٍ أَوْ بِرُءُوسِ، فَذَلِكَ إلَى الْأَمِيرِ يُعْطِيهِ مِنْ ذَلِكَ بِقَدْرِ مَا يَرَى، عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ مِنْهُ لِمَنْ جَاءَ بِهِ وَلِأَهْلِ الْعَسْكَرِ.\nلِأَنَّهُ عَبَّرَ عَمَّا يَأْتِي بِهِ بِأَعَمَّ مَا يَكُونُ مِنْ أَسْمَاءِ الْمَوْجُودَاتِ، وَهُوَ اسْمُ الشَّيْءِ، فَيَتَنَاوَلُ كُلَّ مَا يَأْتِي بِهِ. وَقَدْ أَوْجَبَ لَهُ طَائِفَةٌ مِنْ ذَلِكَ. وَذَلِكَ اسْمٌ لِجُزْءٍ مَجْهُولٍ. إلَّا أَنَّ هَذِهِ الْجَهَالَةَ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِيجَابِ فِيمَا كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى التَّوَسُّعِ، وَبَعْدَ صِحَّةِ الْإِيجَابِ الْبَيَانُ إلَى الْمُوجِبِ أَوْ إلَى مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ. وَالْمُوجِبُ الْإِمَامُ هُنَا. وَهُوَ مَأْمُورٌ بِالنَّظَرِ لِلْكُلِّ. فَيَنْبَغِي أَنْ يُبَيِّنَ عَلَى وَجْهٍ يُرَاعِي النَّظَرَ فِيهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ الْبَيَانُ مَقْبُولًا مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَوْصَى لِإِنْسَانٍ بِطَائِفَةٍ مِنْ مَالِهِ، فَإِنَّ الْوَارِثَ يُعْطِيهِ مِنْ ذَلِكَ مَا يَشَاءُ، لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُوجِبِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ فَمِيرَاثُهُ لِلْمُسْلِمِينَ. وَيَكُونُ ذَلِكَ إلَى الْإِمَامِ يُعْطِيهِ مَا يَشَاءُ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ لَهُ وَلِلْمُسْلِمِينَ. .\n١١٨٠ - وَلَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِشَيْءٍ فَلَهُ مِنْهُ شَيْءٌ، أَوْ لَهُ مِنْهُ قَلِيلٌ أَوْ يَسِيرٌ. فَهُوَ عَلَى قِيَاسِ مَا سَبَقَ. إلَّا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْأَمِيرِ هُنَا أَنْ يَبْلُغَ مَا يُعْطِيهِ نِصْفَ مَا جَاءَ بِهِ. .","vol":"1","page":696},{"text":"لِأَنَّهُ أَوْجَبَ لَهُ يَسِيرًا مِمَّا جَاءَ بِهِ أَوْ قَلِيلًا، أَوْ شَيْئًا مُنْكَرًا. وَذَلِكَ دَلِيلُ الْقِلَّةِ أَيْضًا، وَالْقِلَّةُ وَالْكَثْرَةُ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَرَكَةِ إنَّمَا تَظْهَرُ بِالْمُقَاتَلَةِ. فَالْقَلِيلُ مِنْ الشَّيْءِ دُونَ نِصْفِهِ، حَتَّى إذَا قُوبِلَ بِمَا بَقِيَ مِنْهُ كَانَ مَا بَقِيَ أَكْثَرَ. .\n١١٧١ - وَلَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِشَيْءٍ فَلَهُ مِنْهُ جُزْءٌ، فَذَلِكَ إلَى الْأَمِيرِ أَيْضًا. إلَّا أَنَّهُ لَا يَزِيدُهُ عَلَى النِّصْفِ هُنَا، وَلَهُ أَنْ يَبْلُغَ بِهِ النِّصْفَ. لِأَنَّ أَدْنَى مَا يَكُونُ جُزْءٌ مِنْ جُزْأَيْنِ وَذَلِكَ النِّصْفُ. .\n١١٧٢ - وَلَوْ قَالَ: بَعْضُهُ. فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: وَلَهُ طَائِفَةٌ.\nلِأَنَّ الْأَقَلَّ وَالْأَكْثَرَ (ص ٢٣٥) يَكُونُ بَعْضَ الشَّيْءِ وَطَائِفَةً مِنْهُ. فَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. فَلِهَذَا كَانَ الرَّأْيُ فِيهِ إلَى الْإِمَامِ. .\n\n- وَلَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِشَيْءٍ فَلَهُ مِنْهُ سَهْمٌ. فَفِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵁ - يُعْطِيهِ سُدُسَ مَا جَاءَ بِهِ. لِأَنَّ السَّهْمَ عِنْدَهُ عِبَارَةٌ عَنْ السُّدُسِ، حَتَّى قَالَ: إذَا أَوْصَى رَجُلٌ لِرَجُلٍ بِسَهْمٍ مِنْ مَالِهِ لَهُمْ يَنْقُصُ حَقُّهُ عَنْ السُّدُسِ. وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي الْوَصِيَّةِ: لَهُ سَهْمٌ كَسِهَامِ أَحَدِ الْوَرَثَةِ. وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ - ﵀ -. وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي الْوَصَايَا. وَهُنَا عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِمْ إذَا قَالَ فَلَهُ سَهْمٌ يُعْطِيهِ قَدْرَ مَا يَرَى بَعْدَ أَنْ لَا يَزِيدَهُ عَلَى النِّصْفِ، بِمَنْزِلَةِ الْجُزْءِ، لِأَنَّ الْأَدْنَى سَهْمٌ مِنْ سَهْمَيْنِ، كَجُزْءٍ مِنْ جُزْأَيْنِ.","vol":"1","page":697},{"text":"- وَإِنْ قَالَ: فَلَهُ سَهْمُ رَجُلٍ مِنْ الْقَوْمِ، كَانَ لَهُ مِقْدَارُ سَهْمِ رَاجِلٍ. وَإِنْ كَانَ فِي الْقَوْمِ فُرْسَانٌ وَرَجَّالَةٌ. لِأَنَّهُ لَا يُعْطِي إلَّا الْقَدْرَ الْمُتَيَقَّنَ، وَهُوَ الْأَقَلُّ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَوْصَى بِسَهْمٍ مِنْ مَالِهِ وَقَدْ تَرَكَ خَمْسَةَ بَنِينَ وَخَمْسَ بَنَاتٍ، فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْمُوصَى لَهُ سَهْمٌ كَسَهْمِ إحْدَى الْبَنَاتِ حَتَّى تَكُونَ الْقِسْمَةُ مِنْ سِتَّةَ عَشَرَ سَهْمًا. وَلَا يُعْطِي إلَّا الْأَقَلَّ لِكَوْنِهِ مُتَيَقِّنًا بِهِ، فَكَذَلِكَ هُنَا. ثُمَّ فِي جَمِيعِ هَذَا إذَا أَخَذَ نَفْلَهُ فَالْبَاقِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِ الْعَسْكَرِ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ. وَلَا يُحْرَمُ سَهْمُهُ بِاعْتِبَارِ مَا أَوْجَبَ لَهُ مِنْ النَّفْلِ. فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَ هُوَ شَرِيكًا بِسَهْمِهِ فِيمَا يَأْتِي بِهِ كَيْفَ يَسْتَحِقُّ النَّفَلَ؟ قُلْنَا: هَذَا إنَّمَا يَمْتَنِعُ إذَا كَانَ النَّفَلُ عِوَضًا، وَالْغَازِي فِيمَا يَنْكَأُ فِي الْعَدُوِّ لَا يَسْتَحِقُّ عِوَضًا بِالشَّرْطِ، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّنْفِيلِ لِلتَّحْرِيضِ ثُمَّ هُوَ شَرِيكُ الْقَوْمِ فِيمَا بَقِيَ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْكَرَامَةِ. .\n\n- وَلَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَلَهُ أَلْفَا دِرْهَمٍ. فَجَاءَ رَجُلٌ بِمَا قَالَ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُ مَا جَاءَ بِهِ.\nلِأَنَّ مَعْنَى التَّحْرِيضِ وَالنَّظَرِ مُتَعَيَّنٌ فِي إيجَابِ جَمِيعِ مَا يَأْتِي بِهِ لَهُ أَوْ بَعْضِهِ. فَأَمَّا الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ فَلَيْسَ فِيهِ مِنْ مَعْنَى التَّحْرِيضِ شَيْءٌ فَلَا يَسْتَحِقُّ. .\n١١٧٦ - وَكَذَلِكَ هَذَا فِي كُلِّ مَا يُشْتَرَطُ عَلَيْهِ الْمَجِيءُ بِهِ مِمَّا لَا مَقْصُودَ فِيهِ سِوَى الْعَالِيَةِ كَالدَّنَانِيرِ وَالْوُصَفَاءِ وَالْأَفْرَاسِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.","vol":"1","page":698},{"text":"فَإِنَّهُ إذَا كَانَ مَا جَاءَ بِهِ دُونَ مَا أَوْجَبَ لَهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ إلَّا بِقَدْرِ قِيمَةِ مَا جَاءَ بِهِ. .\n\n- وَلَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِأَسِيرٍ فَهُوَ لَهُ وَخَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ فَهَذَا صَحِيحٌ وَيُعْطَى الْخَمْسَمِائَةِ مِمَّا يَغْنَمُونَ بَعْدَ هَذَا. بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا النِّكَايَةُ فِي الْعَدُوِّ بِأَسْرِ الْمُبَارِزِينَ مِنْهُمْ، وَفِيمَا تَقَدَّمَ لَا مَقْصُودَ سِوَى الْمَالِيَّةِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِبِطْرِيقٍ فَهُوَ لَهُ وَأَلْفُ دِينَارٍ؟ أَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِالْمَلِكِ فَهُوَ لَهُ وَعِشْرُونَ رَأْسًا. فَجَاءَ بِهِ رَجُلٌ اسْتَحَقَّ مِنْ الْغَنِيمَةِ مَا سَمَّى لَهُ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِمَّا جَاءَ، لِحُصُولِ مَعْنَى النِّكَايَةِ بِفِعْلِهِ.\nأَلَا تَرَى لَوْ قَالَ مَنْ قَتَلَ الْمَلِكَ فَلَهُ عَشَرَةُ آلَافِ دِينَارٍ، فَقَتَلَهُ رَجُلٌ أُعْطِيَ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لِلْمُسْلِمِينَ بِقَتْلِهِ شَيْءٌ مِنْ الْمَالِ؟ .\n\n- وَلَوْ نَظَرَ إلَى مُشْرِكٍ عَلَى سُورِ الْحِصْنِ يُقَاتِلُ، فَقَالَ: مَنْ صَعِدَ السُّورَ فَأَخَذَهُ فَهُوَ لَهُ وَخَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ فَفَعَلَ ذَلِكَ رَجُلٌ اسْتَحَقَّ مَا سُمِّيَ لَهُ.\nلِأَنَّ الْمَقْصُودَ النِّكَايَةُ فِي الْعَدُوِّ بِفِعْلِهِ وَقَدْ حَصَلَ. .\n١١٧٩ - فَإِنْ وَقَعَ الرَّجُلُ مِنْ فَوْقِ السُّورِ إلَى الْأَرْضِ خَارِجًا مِنْ الْحِصْنِ فِي مَوْقِعٍ يَمْتَنِعُ فِيهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَأَخَذَهُ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ قَتَلَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ. .","vol":"1","page":699},{"text":"لِأَنَّ الْأَمِيرَ أَوْجَبَ لَهُ ذَلِكَ إذَا صَعِدَ السُّورَ فَأَخَذَهُ وَقَتَلَهُ. وَفِي ذَلِكَ مِنْ النِّكَايَةِ فِي الْعَدُوِّ مَا لَا يَحْصُلُ إذَا قَتَلَهُ بَعْدَ مَا وَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ خَارِجًا مِنْ الْحِصْنِ.\nأَرَأَيْت لَوْ وَقَعَ وَسَطَ الْمُسْلِمِينَ حَيْثُ لَا يَمْتَنِعُ مِنْهُمْ فَقَتَلَهُ رَجُلٌ أَكَانَ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا؟\n١١٨٠ - وَلَوْ وَقَعَ فِي دَاخِلِ الْحِصْنِ فَصَعِدَ إلَيْهِ رَجُلٌ فَأَخَذَهُ أَوْ قَتَلَهُ اسْتَحَقَّ النَّفَلَ.\nلِأَنَّهُ أَتَى بِالْمَشْرُوطِ عَلَيْهِ وَزِيَادَةٍ. فَالصُّعُودُ وَالنُّزُولُ إلَى دَاخِلِ الْحِصْنِ فِي النِّكَايَةِ فِيهِمْ وَفِي إظْهَارِ الْجَلَادَةِ مِنْ الْمُسْلِمِ فَوْقَ مُجَرَّدِ الصُّعُودِ. .\n١١٨١ - وَلَوْ كَانَ عَلَى السُّورِ عَلَى حَالِهِ فَطَعَنَهُ حَتَّى رَمَى بِهِ إلَى الْمُسْلِمِينَ فِي مَوْضِعٍ يَمْتَنِعُ فِيهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَخَذَهُ فَقَتَلَهُ كَانَ لَهُ النَّفَلُ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْمَشْرُوطِ عَلَيْهِ مَعْنًى، فَإِنَّهُ سَقَطَ مِنْ الْحِصْنِ بِفِعْلِهِ، فَكَانَ هَذَا وَالصُّعُودُ إلَيْهِ قَرِيبًا مِنْ السَّوَاءِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَوَهَّقَهُ حَتَّى جَرَّدَهُ فَأَلْقَاهُ مِنْ السُّورِ ثُمَّ قَتَلَهُ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ نَفْلَهُ؟ .\n١١٨٢ - وَلَوْ كَانَ الْأَمِيرُ قَالَ: مَنْ أَخَذَهُ فَهُوَ لَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ صُعُودًا إلَيْهِ. فَوَقَعَ مِنْ السُّورِ خَارِجًا مِنْ الْحِصْنِ. فَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ يَمْتَنِعُ فِيهِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ فَأَخَذَهُ رَجُلٌ كَانَ لَهُ. وَإِلَّا فَهُوَ فَيْءٌ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ.","vol":"1","page":700},{"text":"لِأَنَّهُ إذَا وَقَعَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَمْتَنِعُ فِيهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ صَارَ مَأْخُوذًا بِجَمَاعَتِهِمْ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ فِعْلُ الْآخِذِ بَعْدَ ذَلِكَ. وَإِذَا كَانَ فِي مَوْضِعٍ يَمْتَنِعُ فِيهِ فَإِنَّمَا صَارَ مَأْخُوذًا بِالْأَخْذِ فَيَكُونُ لَهُ. .\n\n- لَوْ قَالَ: مَنْ صَعِدَ الْحِصْنَ ثُمَّ نَزَلَ عَلَيْهِمْ فَلَهُ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ. فَفَعَلَ ذَلِكَ رَجُلٌ اسْتَحَقَّ النَّفَلَ. لِحُصُولِ النِّكَايَةِ. وَإِنْ صَعِدَ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَنْزِلَ فَرَجَعَ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ النَّفْلِ شَيْءٌ. لِأَنَّ مَا أَتَى بِهِ دُونَ الْمَشْرُوطِ عَلَيْهِ فِي النِّكَايَةِ. .\n\n- وَلَوْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ثُلْمَةٍ فِي الْحِصْنِ فَقَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ دَخَلَ فِيهَا فَلَهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ. فَدَخَلَ رَجُلٌ وَلَمْ يَقْتُلْ أَحَدًا أَخَذَ الدَّنَانِيرَ.\nلِأَنَّهُ أَتَى بِمَا كَانَ مَشْرُوطًا عَلَيْهِ. وَالْمَقْصُودُ النِّكَايَةُ فِيهِمْ، وَقَدْ حَصَلَ. .\n١١٨٥ - وَإِنْ دَخَلَ مِنْ ثُلْمَةٍ أُخْرَى أَوْ صَعِدَ حَائِطًا فَنَزَلَ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ كَانَ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ مَوْضِعٍ مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَوْ أَشَدَّ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى جُرْأَةِ الدَّاخِلِ وَالنِّكَايَةِ فِيهِمْ وَالْمَنْفَعَةِ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَهُ نَفْلُهُ.\nلِأَنَّهُ أَتَى بِالْمَشْرُوطِ مَعْنًى وَزِيَادَةً.\n١١٨٦ - وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ أَيْسَرَ فِي الدُّخُولِ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ أَوْ أَشَدَّ، إلَّا أَنَّهُ أَقَلُّ مَنْفَعَةً لِلْمُسْلِمِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُ النَّفَلُ.","vol":"1","page":701},{"text":"وَهُوَ الْأَصْلُ فِيمَا ذُكِرَ إلَى آخِرِ الْبَابِ:.\n١١٨٧ - أَنَّهُ مَتَى أَتَى بِمَا هُوَ أَقَلُّ مِنْ الْمَشْرُوطِ عَلَيْهِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمَقْصُودِ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا. وَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ أَوْ فَوْقَهُ يَسْتَحِقُّ مِقْدَارَ مَا سُمِّيَ لَهُ، حَتَّى إذَا قَالَ: مَنْ جَاءَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ جِيَادٍ فَلَهُ مِنْهَا مِائَةٌ فَجَاءَ بِأَلْفٍ غَلَّةً لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا مَنْفَعَةُ الْمَالِ، وَمَا جَاءَ بِهِ دُونَ الْمَشْرُوطِ عَلَيْهِ.\n\n- وَلَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِأَلْفٍ غَلَّةً فَلَهُ مِنْهَا مِائَةٌ فَجَاءَ بِأَلْفٍ جِيَادٍ أَخَذَ مِنْهَا مِائَةً غَلَّةً.\nلِأَنَّهُ جَاءَ بِأَنْفَعَ مِنْ الْمَشْرُوطِ عَلَيْهِ. وَلَكِنْ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا الْمُسَمَّى.\n، لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِاعْتِبَارِ التَّسْمِيَةِ.\n\n- وَلَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِأَلْفٍ جِيَادٍ فَهِيَ لَهُ فَجَاءَ بِأَلْفٍ غَلَّةً كَانَتْ لَهُ.\nلِأَنَّهُ مَا شُرِطَ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ مَنْفَعَةٌ هَا هُنَا. فَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الصِّفَةُ فِيمَا جَاءَ بِهِ لِأَجْلِ مَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ. فَإِذَا كَانَ الْمَشْرُوطُ لَهُ بَعْضَ مَا جَاءَ بِهِ اُعْتُبِرَ مَعْنَى الْمَنْفَعَةِ. فَإِذَا كَانَ جَمِيعُ مَا جَاءَ بِهِ فَلَا مُعْتَبَرَ بِالصِّفَةِ فِيهِ. .","vol":"1","page":702},{"text":"- وَلَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِأَلْفٍ غَلَّةً فَهِيَ لَهُ فَجَاءَ بِأَلْفٍ نَقْدِ بَيْتِ الْمَالِ كَانَ لَهُ أَلْفٌ غَلَّةً.\nلِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِاعْتِبَارِ التَّسْمِيَةِ وَهُوَ مَا أَوْجَبَهُ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَلْفٍ غَلَّةً، فَمَا زَادَ عَلَى صِفَةِ مَا أَوْجَبَ لَهُ يَكُونُ فِي الْغَنِيمَةِ.\nوَعَلَى هَذَا ذُكِرَ هُنَا بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِهِ: مَنْ جَاءَ بِنُقْرَةٍ.","vol":"1","page":703},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>[بَابٌ النَّفَلُ الَّذِي يُسْتَحَقُّ بِقَتْلِ الْقَتِيلِ]</span>\nبَابٌ مِنْ النَّفْلِ الَّذِي يُسْتَحَقُّ بِقَتْلِ الْقَتِيلِ وَلَا يُسْتَحَقُّ إذَا اُخْتُلِفَ فِيهِ\nوَإِذَا قَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ. فَضَرَبَ مُسْلِمٌ مُشْرِكًا فَصَرَعَهُ، وَاجْتَزَّ آخَرُ رَأْسَهُ (ص ٢٣٧) فَإِنْ كَانَ الَّذِي ضَرَبَهُ قَتَلَهُ، وَاجْتَزَّ الْآخَرُ رَأْسَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ فَالسَّلَبُ لِلضَّارِبِ.\nلِأَنَّهُ هُوَ الْقَاتِلُ. فَإِنَّ تَمَامَ فِعْلِ الْقَتْلِ بِالْمَقْتُولِ، وَقَدْ صَارَ مَقْتُولًا بِضَرْبَتِهِ.\n١١٩٢ - وَإِنْ كَانَ لَمْ يَقْتُلْهُ، وَكَانَ بِحَيْثُ يَقْدِرُ عَلَى التَّحَامُلِ مَعَ ضَرْبَتِهِ أَوْ الْعَوْنِ بِالْكَلَامِ أَوْ غَيْرِهِ فَالسَّلَبُ لِلَّذِي اجْتَزَّ رَأْسَهُ.\nلِأَنَّهُ هُوَ الْقَاتِلُ. فَإِنَّهُ بَعْدَ فِعْلِ الْأَوَّلِ كَانَ مَضْرُوبًا مَقْتُولًا.\nوَإِنَّمَا صَارَ مَقْتُولًا بَعْدَ فِعْلِ الثَّانِي. وَالْإِمَامُ لَمْ يَقُلْ مَنْ صَرَعَهُ أَوْ ضَرَبَهُ، وَإِنَّمَا قَالَ: مَنْ قَتَلَهُ.\nفَإِنْ قِيلَ: لَوْلَا فِعْلُ الْأَوَّلِ لَمَا تَمَكَّنَ الثَّانِي مِنْ جَزِّ رَأْسِهِ. قُلْنَا: وَلَوْلَا خُرُوجُهُ إلَى هَذَا الْمَوْضِعِ مَا تَمَكَّنَ الْقَاتِلُ مِنْ قَتْلِهِ فِيهِ، ثُمَّ بِهَذَا لَا يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ يَكُونُ قَاتِلًا نَفْسَهُ.\nأَرَأَيْت لَوْ تَوَهَّقَهُ إنْسَانٌ فَرَمَى بِهِ عَنْ بِرْذَوْنِهِ وَلَمْ يُخْرِجْهُ فَوَثَبَ آخَرُ فَجَزَّ","vol":"1","page":704},{"text":"رَأْسَهُ أَكَانَ الْقَاتِلُ هُوَ الْأَوَّلُ؟ لَا، وَلَكِنَّ الْقَاتِلَ مَنْ جَزَّ رَأْسَهُ وَإِنْ كَانَ لَوْلَا مَا سَبَقَ مِنْ فِعْلِ الْآخَرِ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهُ.\n١١٩٣ -. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ ضَرَبَهُ الْأَوَّلُ بِحَيْثُ يُعْلَمُ أَنَّ آخِرَهُ يَكُونُ إلَى الْمَوْتِ إلَّا أَنَّهُ رُبَّمَا عَاشَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ فَاجْتَزَّ آخَرُ رَأْسَهُ فَالسَّلَبُ لِلثَّانِي.\nلِأَنَّهُ هُوَ الْقَاتِلُ حَقِيقَةً. أَلَا تَرَى أَنَّ فِي نَظِيرِهِ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ يَكُونُ الْقَوَدُ عَلَى الثَّانِي، وَيُجْعَلُ فِعْلُ الثَّانِي فِي حَقِّ الْأَوَّلِ كَالْبُرْءِ، لِأَنَّهُ قَاطِعٌ لِسِرَايَةِ فِعْلِ الْأَوَّلِ. وَاسْتُدِلَّ عَلَيْهِ:\n١١٩٤ - بِحَدِيثِ عُمَرَ - ﵁ -. فَإِنَّ الَّذِي ضَرَبَهُ فِي الْمِحْرَابِ أَصَابَ مَقْتَلَهُ حَتَّى شَرِبَ اللَّبَنَ فَخَرَجَ مِنْ جُرْحِهِ، وَعُلِمَ أَنَّ آخِرَ أَمْرِهِ إلَى الْمَوْتِ. وَمَعَ هَذَا كَانَ حَيًّا مَا لَمْ يَمُتْ. حَتَّى لَوْ مَاتَ لَهُ وَلَدٌ وَرِثَهُ عُمَرُ وَلَمْ يَرِثْ ذَلِكَ الْوَلَدُ مِنْهُ شَيْئًا.\n١١٩٥ - وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ ضَرَبَهُ فَنَثَرَ مَا فِي بَطْنِهِ فَأَلْقَاهُ، أَوْ قَطَعَ أَوْدَاجَهُ إلَّا أَنَّ فِيهِ الرُّوحَ بَعْدُ، فَاجْتَزَّ الْآخَرُ رَأْسَهُ فَالسَّلَبُ لِلَّذِي ضَرَبَهُ.\nلِأَنَّهُ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْمَيِّتِ بِفِعْلِ الْأَوَّلِ، وَاَلَّذِي بَقِيَ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ اضْطِرَابِ الْمَذْبُوحِ فَلَا يُعْتَبَرُ بِهِ.","vol":"1","page":705},{"text":"أَلَا تَرَى أَنَّ الذِّئْبَ لَوْ عَدَا عَلَى شَاةٍ فَقَطَعَ أَوْدَاجَهَا أَوْ نَثَرَ مَا فِي بَطْنِهَا ثُمَّ أَدْرَكَهَا صَاحِبُهَا فَذَبَحَهَا لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهَا، وَإِنْ كَانَتْ تَضْطَرِبُ عِنْدَ الذَّبْحِ.\nوَمِثْلُهُ لَوْ عَقَرَهَا الذِّئْبُ عَقْرًا يُعْلَمُ أَنَّ آخِرَ ذَلِكَ الْمَوْتُ إلَّا أَنَّهَا تَعِيشُ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ فَذَبَحَهَا صَاحِبُهَا جَازَ أَكْلُهَا. وَهُوَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] .\nوَذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵁ - فِي شَاةٍ بَقَرَ الذِّئْبُ بَطْنَهَا فَخَرَجَ قَصَبُهَا فَأَدْرَكَهَا صَاحِبُهَا فَذَبَحَهَا. قَالَ: لَا بَأْسَ بِأَكْلِهَا. وَهَذَا لِأَنَّ الْمُتَيَقَّنَ بِهِ لَا يَتَبَدَّلُ إلَّا بِمِثْلِهِ. فَالرُّوحُ قَبْلَهُ كَانَ مُتَيَقَّنًا بِهِ فَلَا يُحْكَمُ بِمَوْتِهِ إلَّا بِفِعْلٍ يَتَيَقَّنُ بِهِ بِأَنَّهُ لَا يَبْقَى فِيهِ الرُّوحُ بَعْدَهُ، وَمَا يُتَوَهَّمُ أَنْ يَعِيشَ بَعْدَهُ يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ لَيْسَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا يُجْعَلُ مَقْتُولًا، بَلْ إنَّمَا يُجْعَلُ مَقْتُولًا بِحَزِّ الرَّأْسِ.\n١١٩٦ - فَإِنْ قَالَ الَّذِي اجْتَزَّ رَأْسَهُ: اجْتَزَزْت رَأْسَهُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، وَقَالَ الضَّارِبُ: بَلْ اجْتَزَزْت رَأْسَهُ بَعْدَ مَا مَاتَ. فَإِنَّهُ يُجْعَلُ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ الظَّاهِرُ. فَإِنْ كَانَ فِعْلُ الضَّارِبِ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَطْعِ الْأَوْدَاجِ أَوْ إلْقَاءِ مَا فِي الْبَطْنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ.\nلِأَنَّا نَتَيَقَّنُ أَنَّ فِعْلَهُ قَاتِلُهُ وَفِعْلَ الثَّانِي كَذَلِكَ.\nوَعِنْدَ الْمُسَاوَاةِ فِي الْأَثَرِ يَتَرَجَّحُ الْأَوَّلُ بِالسَّبْقِ.\nوَإِنْ كَانَ فِعْلُ الْأَوَّلِ بِحَيْثُ يُعَاشُ مِنْ مِثْلِهِ يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الثَّانِي وَالسَّلَبُ لَهُ.\nلِأَنَّا نَتَيَقَّنُ أَنَّ فِعْلَ الثَّانِي قَتْلٌ، وَلَا نَتَيَقَّنُ بِهِ فِي فِعْلِ الْأَوَّلِ. وَلَا مُعَارَضَةَ","vol":"1","page":706},{"text":"بَيْنَ الْأَضْعَفِ وَالْأَقْوَى. فَإِنَّمَا يُحَالُ بِزَهُوقِ الرُّوحِ عَلَى الْأَقْوَى (ص ٢٣٨) الَّذِي نَتَيَقَّنُ بِهِ\n١١٩٧ - وَإِنْ كَانَتْ جِرَاحَةُ الْأَوَّلِ مُشْكِلَةً، أَوْ كَانَ خَفِيَ عَلَيْهِ مَوْضِعُهَا مِنْ الْجَسَدِ، أَوْ أَخَذَهُ أَصْحَابُهُ فَاحْتَمَلُوهُ فَالسَّلَبُ لِلَّذِي اجْتَزَّ رَأْسَهُ.\nلِأَنَّا نَتَيَقَّنُ بِأَنَّ فِعْلَهُ قَتْلٌ. وَفِي فِعْلِ الْأَوَّلِ تَرَدُّدٌ إذَا لَمْ يُوقَفْ عَلَى صِفَتِهِ، وَالْمُتَرَدِّدُ لَا يُعَارِضُ الْمُتَيَقَّنَ بِهِ، لِأَنَّ مَنْ عُلِمَ حَيَاتُهُ يَقِينًا لَا يُجْعَلُ مَيِّتًا إلَّا بِتَيَقُّنٍ مِثْلِهِ، وَذَلِكَ بَعْدَ فِعْلِ الثَّانِي. .\n١١٩٨ - وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا احْتَمَلَ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ عَنْ فَرَسِهِ حَتَّى جَاءَ بِهِ إلَى صَفِّ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ ذَبَحَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَلَبُهُ، وَلَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ.\nلِأَنَّهُ لَمَّا جَاءَ بِهِ إلَى الصَّفِّ حَيًّا فَقَدْ صَارَ هَذَا أَسِيرًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَحِلُّ قَتْلُ الْأَسِيرِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ. لِأَنَّ لِلْإِمَامِ فِي الْأَسِيرِ رَأْيًا بَيْنَ أَنْ يَقْتُلَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَجْعَلَهُ فَيْئًا. وَلَمْ يَكُنْ مَقْصُودُ الْإِمَامِ مِنْ قَوْلِهِ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ الْأَسِيرَ، وَكَيْفَ يَكُونُ قَصْدُهُ هَذَا وَإِنَّمَا نَفَّلَ لِلتَّحْرِيضِ. وَقَتْلُ الْأَسِيرِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ لَا يَحِلُّ شَرْعًا.\n١١٩٩ - فَلَوْ كَانَ حِينَ احْتَمَلَهُ أَنْزَلَهُ عَنْ دَابَّتِهِ فَقَتَلَهُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ كَانَ لَهُ سَلَبُهُ.\nلِأَنَّهُ قَتَلَ مُقَاتِلًا عَلَى وَجْهِ الْمُبَارَزَةِ. فَإِنَّهُ لَمْ يَصِرْ أَسِيرًا بِمُجَرَّدِ إنْزَالِهِ عَنْ دَابَّتِهِ.","vol":"1","page":707},{"text":"أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْلَا أَخْذُهُ لَكَانَ يَنْتَصِفُ مِنْهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ بَعْدَ مَا حَصَلَ فِي صَفِّ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ صَارَ مَقْهُورًا لَا يَنْتَصِفُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْخُوذَ هَذَا الرَّجُلِ.\nوَاَلَّذِي يُوَضِّحُ الْفَرْقَ أَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ بَعْدَ مَا جَاءَ بِهِ إلَى صَفِّ الْمُسْلِمِينَ كَانَ عَبْدًا لِلْمُسْلِمِينَ.\n١٢٠٠ - وَلَوْ أَسْلَمَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ بَعْدَ مَا أَنْزَلَهُ عَنْ دَابَّتِهِ كَانَ حُرًّا لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ.\n١٢٠١ - وَكَذَلِكَ لَوْ تَوَهَّقَهُ حَتَّى أَنْزَلَهُ عَنْ دَابَّتِهِ ثُمَّ قَتَلَهُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ فَلَهُ سَلَبُهُ.\n١٢٠٢ - فَلَوْ جَرَّهُ بِوَهْقِهِ إلَى صَفِّ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ قَتَلَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَلَبُهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُشْرِكُ مُمْتَنِعًا مَعَ ذَلِكَ يُعَالِجُ نَفْسَهُ وَيُقَاتِلُهُ بَعْدَ مَا أَتَى بِهِ صَفَّ الْمُسْلِمِينَ فَقَتَلَهُ، فَحِينَئِذٍ يَسْتَحِقُّ سَلَبَهُ.\nلِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ أَسْرُهُ بَعْدَ إذْ كَانَ مُمْتَنِعًا مُقَاتِلًا.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ حُمِلَ فَوَقَعَ فِي صَفِّ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ يُقَاتِلُ مَعَ ذَلِكَ فَقَتَلَهُ إنْسَانٌ اسْتَحَقَّ سَلَبَهُ؟\n١٢٠٣ - وَلَوْ أَسْلَمَ حِينَ وَقَعَ فِي الصَّفِّ وَأَلْقَى سِلَاحَهُ ثُمَّ قَتَلَهُ رَجُلٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَلَبُهُ.\nلِأَنَّهُ صَارَ أَسِيرًا مَقْهُورًا بِمَا صَنَعَهُ. .\n١٢٠٤ - وَلَوْ قَالَ الْأَمِيرُ حِينَ اصْطَفَّ الْفَرِيقَانِ لِلْقِتَالِ: مَنْ","vol":"1","page":708},{"text":"جَاءَ بِرَأْسٍ فَلَهُ مِائَةُ دِينَارٍ. فَهَذَا جَائِزٌ، وَهُوَ عَلَى رُءُوس الرِّجَالِ لَيْسَ عَلَى السَّبْيِ.\nلِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ التَّحْرِيضُ عَلَى الْقِتَالِ. وَمُطْلَقُ الْكَلَامِ يَتَقَيَّدُ بِمَا هُوَ الْمَعْلُومُ مِنْ دَلَالَةِ الْحَالِ. فَكُلُّ مَنْ قَتَلَ إنْسَانًا وَجَاءَ بِرَأْسِهِ اسْتَحَقَّ النَّفَلَ مِنْ الْغَنِيمَةِ كَمَا سَمَّى لَهُ الْإِمَامُ.\n١٢٠٥ - فَإِنْ جَاءَ رَجُلٌ بِرَأْسٍ وَقَالَ: أَنَا قَتَلْتُهُ. وَقَالَ آخَرُ: بَلْ أَنَا قَتَلْتُهُ، وَهَذَا أَخَذَ بِرَأْسِهِ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الَّذِي جَاءَ بِالرَّأْسِ.\nلِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهُ. فَإِنَّ تَمَكُّنَهُ مِنْ جَزِّ رَأْسِهِ وَالْمَجِيءِ بِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْقَاتِلُ. فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.\nفَإِنْ قِيلَ: بِالظَّاهِرِ يُدْفَعُ الِاسْتِحْقَاقُ، وَحَاجَتُهُ إلَى إثْبَاتِ الِاسْتِحْقَاقِ.\nقُلْنَا: نَعَمْ، وَلَكِنَّ التَّكْلِيفَ بِحَسَبِ الْوُسْعِ، وَهُوَ عِنْدَ قَتْلِ الْمُشْرِكِ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى ذَلِكَ شَاهِدَيْنِ عَادَةً، فَلَا بُدَّ مِنْ تَحْكِيمِ الْعَلَامَةِ لِاسْتِحْقَاقِهِ.\nوَإِنْ أَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي قَتَلَهُ فَالسَّلَبُ لَهُ.\nلِأَنَّا عَلِمْنَا أَنَّ مَقْصُودَ الْأَمِيرِ التَّحْرِيضُ عَلَى الْقَتْلِ وَحَثُّ الْمُبَارِزِينَ عَلَى مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُمْ، وَذَلِكَ فِعْلُ الْقَتْلِ دُونَ جَزِّ رَأْسِ الْمَقْتُولِ.\nفَكَأَنَّهُ جَعَلَ قَوْلَهُ: مَنْ جَاءَ بِرَأْسٍ كِنَايَةً عَنْ هَذَا. وَاللَّفْظُ مَتَى صَارَ مَجَازًا عَنْ غَيْرِهِ بِدَلِيلٍ سَقَطَ اعْتِبَارُ حَقِيقَتِهِ.\nأَرَأَيْت (ص ٢٣٩) أَنَّهُ لَوْ قَتَلَ مُشْرِكًا فَاجْتَرَّهُ أَصْحَابُهُ إلَيْهِمْ","vol":"1","page":709},{"text":"فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى رَأْسِهِ، أَوْ ضَرَبَ رَأْسَهُ فَأَنْدَرَهُ فَوَقَعَ فِي نَهْرٍ فَذَهَبَ بِهِ الْمَاءُ أَكَانَ لَا يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ بِهَذَا؟ أَرَأَيْت لَوْ ضَرَبَ رَأْسَهُ فَأَنْدَرَهُ فَوَقَعَ فِي كَفِّ آخَرَ أَكَانَ السَّلَبُ لِلَّذِي وَقَعَ فِي كَفِّهِ؟ لَا، وَلَكِنَّهُ لِلْقَاتِلِ.\n١٢٠٦ -. وَلَوْ جَاءَ بِرَأْسٍ فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: هَذَا رَجُلٌ مَاتَ فَاجْتَزَّ رَأْسَهُ. وَقَالَ الَّذِي جَاءَ بِرَأْسِهِ: بَلْ قَتَلْتُهُ. فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.\nلِأَنَّا وَجَدْنَا مَعَهُ عَلَامَةً يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْقَاتِلُ، وَتَحْكِيمُ الْعَلَامَةِ فِي مِثْلِ هَذَا أَصْلٌ.\n١٢٠٧ - وَلَوْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: هَذَا رَأْسُ مُسْلِمٍ. نُظِرَ إلَى السِّيمَاءِ. فَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ سِيمَاءُ الْمُشْرِكِينَ فَلَهُ النَّفَلُ، وَإِلَّا فَلَا.\nلِأَنَّ تَحْكِيمَ السِّيمَاءِ فِيمَا يُحْكَمُ فِيهِ بِالْعَلَامَةِ أَصْلٌ، بِدَلِيلِ مَا إذَا اخْتَلَطَ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ بِمَوْتَى الْمُشْرِكِينَ. فَإِنَّ تَحْكِيمَ السِّيمَاءِ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ وَالدَّفْنِ.\n١٢٠٨ - وَإِنْ أُشْكِلَ فَلَمْ يَدْرِ أَرَأْسُ مُسْلِمٍ هُوَ أَوْ رَأْسُ مُشْرِكٍ لَمْ يُعْطَ شَيْئًا حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ رَأْسُ مُشْرِكٍ.\nلِأَنَّ مَعَهُ عَلَامَةً يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى أَنَّهُ مُشْرِكٌ. وَبِدُونِهِ لَا يَسْتَحِقُّ الْقَاتِلُ.\nفَمَا لَمْ يُعْلَمْ بِمَا هُوَ الْمَشْرُوطُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا.\n١٢٠٩ - وَإِنْ جَاءَ بِرَأْسٍ يَزْعُمُ أَنَّهُ قَتَلَهُ، وَمَعَهُ آخَرُ يَزْعُمُ أَنَّهُ قَتَلَهُ","vol":"1","page":710},{"text":"فَالْقَوْلُ قَوْلُ الَّذِي فِي يَدِهِ الرَّأْسُ مَعَ يَمِينِهِ. فَإِنْ حَلَفَ أَخَذَ النَّفَلَ، وَإِنْ نَكَلَ فَفِي الْقِيَاسِ لَا نَفْلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.\nلِأَنَّ النَّاكِلَ قَدْ صَارَ مُقِرًّا أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ. وَلَمْ يُجَدْ مَعَ الْآخَرِ عَلَامَةٌ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى أَنَّهُ قَاتِلٌ، إذْ الرَّأْسُ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ. وَحَاجَتُهُ إلَى الِاسْتِحْقَاقِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَنُكُولُ النَّاكِلِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَيْهِمْ.\n١٢١٠ - وَفِي الِاسْتِحْسَانِ النَّفَلُ لِلْآخَرِ. لِأَنَّ نُكُولَ النَّاكِلِ كَإِقْرَارِهِ.\n١٢١١ - وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّ الْقَاتِلَ هَذَا، بَعْدَ مَا جَحَدَ، أَوْ قَبْلَ أَنْ يَجْحَدَ كَانَ النَّفَلُ لَهُ.\nفَكَذَلِكَ إذَا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ. وَالْمَعْنَى فِي الْكُلِّ أَنَّ الَّذِي جَاءَ بِالرَّأْسِ مُسْتَحِقٌّ لِلنَّفْلِ بِوُجُودِ الْعَلَامَةِ مَعَهُ. فَهُوَ بِإِقْرَارِهِ أَوْ نُكُولِهِ حَوَّلَ مَا كَانَ مُسْتَحِقًّا لَهُ إلَى الثَّانِي، وَذَلِكَ صَحِيحٌ. كَمَنْ أَقَرَّ بِعَيْنِ الْإِنْسَانِ، وَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ: لَيْسَ لِي وَلَكِنَّهُ لِفُلَانٍ، فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْمُقَرِّ لَهُ الثَّانِي، وَيُجْعَلُ مُحَوَّلًا إلَيْهِ مَا صَارَ مُسْتَحِقًّا لَهُ بِإِقْرَارِهِ.\n١٢١٢ - وَكَذَلِكَ لَوْ جَاءَ رَجُلَانِ بِرَأْسٍ وَهُمَا يَزْعُمَانِ أَنَّهُمَا قَتَلَاهُ. فَالنَّفَلُ بَيْنَهُمَا، سَوَاءٌ كَانَ الرَّأْسُ فِي أَيْدِيهِمَا أَوْ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، وَهُوَ مُقِرٌّ أَنَّهُمَا قَتَلَاهُ.\nلِأَنَّ الْعَلَامَةَ ظَهَرَتْ فِي حَقِّهِمَا بِتَصَادُقِهِمَا، أَوْ بِكَوْنِ الرَّأْسِ فِي أَيْدِيهِمَا.\n١٢١٣ - وَإِنْ قَالَ الَّذِي فِي يَدِهِ الرَّأْسُ: قَتَلْتُهُ أَنَا وَهَذَا الرَّجُلُ، وَقَالَ الْآخَرُ: قَتَلْتُهُ دُونَهُ. فَالنَّفَلُ لَهُمَا.","vol":"1","page":711},{"text":"لِأَنَّ الْعَلَامَةَ لِمَنْ فِي يَدِهِ الرَّأْسُ. وَهُوَ مَا حُوِّلَ بِإِقْرَارِهِ إلَى صَاحِبِهِ، إلَّا بِنِصْفِ مَا صَارَ مُسْتَحَقًّا لَهُ. فَيَبْقَى اسْتِحْقَاقُهُ لِلنِّصْفِ الْآخَرِ.\n١٢١٤ - وَلَوْ جَاءَ بِالرَّأْسِ وَهُمَا آخِذَانِ بِهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقُولُ: أَنَا قَتَلْتُهُ وَحْدِي. اُسْتُحْلِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى دَعْوَى صَاحِبِهِ لِقَطْعِ الْمُنَازَعَةِ بَيْنَهُمَا. فَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا فَالنَّفَلُ لِصَاحِبِهِ خَاصَّةً. فَإِنْ حَلَفَا فَالنَّفَلُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ.\nلِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْعَلَامَةِ وَهُوَ الْمَجِيءُ بِالرَّأْسِ وَالِاسْتِحْقَاقُ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ. .\n١٢١٥ - وَلَوْ نَظَرَ الْمُسْلِمُونَ إلَى رَجُلٍ يَجْتَزُّ رَأْسَ مَقْتُولٍ فَقَالَ: أَنَا قَتَلْتُهُ. وَحَلَفَ عَلَى ذَلِكَ أُعْطِيَ نَفْلَهُ.\nلِوُجُودِ الْعَلَامَةِ مَعَهُ. فَإِنْ كَانُوا رَأَوْهُ جَاءَ مِنْ مَوْضِعٍ بَعِيدٍ لَا يَقْتُلُهُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ حَتَّى اجْتَزَّ رَأْسَهُ وَهُوَ مَقْتُولٌ فَهَذَا لَا نَفْلَ لَهُ. لِأَنَّ تَحْكِيمَ الْعَلَامَةِ إنَّمَا يَكُونُ فِي مَوْضِعٍ لَا يُعَارِضُهُ دَلِيلٌ أَقْوَى مِنْهُ، وَقَدْ عَارَضَهُ دَلِيلٌ هَا هُنَا، وَهُوَ عِلْمُنَا بِأَنَّهُ مَقْتُولٌ (ص ٢٤٠) حَالَ مَا كَانَ الرَّجُلُ بِالْبُعْدِ مِنْهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ضَرْبِهِ. وَاَلَّذِي سَبَقَ إلَى وَهْمِ كُلِّ وَاحِدٍ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَنَّهُ كَاذِبٌ.\n١٢١٦ - فَإِنْ قَالَ: إنِّي كُنْتُ قَتَلْتُهُ ثُمَّ قَاتَلْت ثُمَّ رَجَعْت إلَيْهِ فَاجْتَزَزْت رَأْسَهُ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ.","vol":"1","page":712},{"text":"لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا لَا يَشْهَدُ لَهُ الظَّاهِرُ بِهِ، وَبِمَا لَيْسَ مَعَهُ عَلَامَةٌ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى صِدْقِهِ. فَلَوْ أُعْطِيَ شَيْئًا إنَّمَا يُعْطَى بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى. وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ بِالنَّصِّ.\n١٢١٧ - وَلَوْ كَانَ الْأَمِيرُ قَالَ حِينَ انْهَزَمَ: مَنْ جَاءَ بِرَأْسٍ فَلَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ. فَهَذَا أَيْضًا عَلَى رُءُوس الرِّجَالِ.\nلِأَنَّ فِي انْهِزَامِ الْمُسْلِمِينَ فِي آثَارِهِمْ يَقْتُلُونَهُمْ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ التَّحْرِيضُ عَلَى الِاتِّبَاعِ وَالْقَتْلِ.\nوَلَوْ قَالَ الْإِمَامُ: عَنَيْت السَّبْيَ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ.\nلِأَنَّهُ أَضْمَرَ خِلَافَ مَا أَظْهَرَ، وَلَا طَرِيقَ لَهُمْ إلَى مَعْرِفَةِ مَا فِي ضَمِيرِهِ. فَإِنَّمَا يُبْنَى الْحُكْمُ فِي حَقِّهِمْ عَلَى مَا أَظْهَرَ وَعَلَى مَا عَلَيْهِ الْغَالِبُ مِنْ الْأُمُورِ، إلَّا أَنْ يُبَيِّنَ فَيَقُولَ: مَنْ جَاءَ بِرَأْسٍ مِنْ السَّبْيِ فَلَهُ كَذَا.\n١٢١٨ - وَإِنْ كَانُوا قَدْ انْهَزَمُوا وَتَفَرَّقُوا وَكَفَّ الْمُسْلِمُونَ عَنْ الْقَتْلِ، وَقَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ جَاءَ بِرَأْسٍ فَلَهُ كَذَا فَهَذَا عَلَى السَّبْيِ.\nلِأَنَّهُ قَدْ انْقَضَى وَقْتُ الْقِتَالِ. وَإِنَّمَا الْآنَ وَقْتُ جَمْعِ الْغَنَائِمِ. فَعَرَفْنَا أَنَّ مُرَادَهُ التَّحْرِيضُ عَلَى الطَّلَبِ وَالْجَمْعِ. وَإِنْ قَالَ: عَنَيْت بِهِ رَأْسَ الْقَتِيلِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْحُكْمَ يُبْنَى عَلَى مَا هُوَ الْغَالِبُ مِنْ الْمُرَادِ فِي كُلِّ فَصْلٍ. .\n١٢١٩ - وَلَوْ قَالَ فِي حَالَةِ الْقِتَالِ: مَنْ جَاءَ بِرَأْسَيْنِ فَلَهُ أَحَدُهُمَا فَهَذَا عَلَى السَّبْيِ. لِأَنَّهُ مَلَّكَهُ بَعْضَ مَا يَأْتِي بِهِ. وَذَلِكَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِي السَّبْيِ لَا فِي رَأْسِ الْقَتِيلِ. فَإِنَّهُ جِيفَةٌ لَا يَحْتَمِلُ التَّمْلِيكَ وَلَا يَحْصُلُ بِهِ مَعْنَى التَّحْرِيضِ بِخِلَافِ","vol":"1","page":713},{"text":"مَا إذَا قَالَ: فَلَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ لِأَنَّ مَعْنَى التَّحْرِيضِ عَلَى الْقَتْلِ هُنَاكَ يَحْصُلُ بِمَا أَوْجَبَ لَهُ.\n١٢٢٠ - وَلَوْ قَالَ: بِطْرِيقُ الْقَوْمِ قُتِلَ. فَقَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ جَاءَ بِرَأْسِهِ فَلَهُ مِائَةٌ. فَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ إلَّا بِقِتَالٍ فَقَاتَلَ رَجُلٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ عَنْ رَأْسِهِ حَتَّى جَاءَ بِهِ فَلَهُ النَّفَلُ.\nوَكَذَلِكَ إنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ يُخَافُ فِيهِ أَنْ يُقَاتِلَ الْمُشْرِكُونَ عَنْهُ فَأَخَذَهُ وَجَاءَ بِهِ وَلَمْ يُقَاتِلْهُمْ فَلَهُ النَّفَلُ، لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ مَقْصُودَ الْأَمِيرِ التَّحْرِيضُ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ بِرَأْسِهِ، فَقَدْ أُتِيَ بِهِ، وَفِي هَذَا كَبْتٌ وَغَيْظٌ لِلْعَدُوِّ.\nلِأَنَّهُ قَصَدَ أَنْ يَنْصِبَ رَأْسًا بِطْرِيقِهِمْ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ قُتِلَ فَتَنْكَسِرَ شَوْكَتُهُمْ.\nوَهَذَا نَوْعٌ مِنْ الْجِهَادِ، فَيَسْتَحِقُّ النَّفَلَ عَلَيْهِ.\n١٢٢١ - فَإِنْ تَنَحَّى الْعَدُوُّ عَنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَذَهَبَ رَجُلٌ حَتَّى اجْتَزَّ رَأْسَهُ وَجَاءَ بِهِ مِنْ مَوْضِعٍ لَا يُخَافُ فِيهِ الْعَدُوُّ فَلَيْسَ لَهُ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ.\nلِأَنَّ فِعْلَهُ هَذَا لَيْسَ بِجِهَادٍ، وَإِنَّمَا هَذَا مِنْ الْأَمِيرِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِئْجَارِ بِحَمْلِ الْجِيفَةِ إلَيْهِ، وَلَمْ يَصْمُدْ لِقَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ. إنَّمَا قَالَ: مَنْ جَاءَ بِرَأْسِهِ. وَفِي مِثْلِ هَذَا الِاسْتِئْجَارِ بَاطِلٌ.\n١٢٢٢ - فَإِنْ عَمَدَ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ فَقَالَ: إنْ جِئْتَنِي بِرَأْسِ الْبِطْرِيقِ فَلَكَ كَذَا. أَوْ لِقَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ فَقَالَ: أَيُّكُمْ جَاءَ بِرَأْسِهِ فَلَهُ كَذَا.\nوَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا. فَلِلَّذِي جَاءَ بِهِ أَجْرُ مِثْلِهِ لَا يُجَاوِزُ بِهِ مَا سُمِّيَ لَهُ.","vol":"1","page":714},{"text":"لِأَنَّ هَذَا كَانَ مِنْ الْإِمَامِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِئْجَارِ، وَلَكِنَّهُ إجَازَةٌ فَاسِدَةٌ. فَإِنَّ مِقْدَارَ الْعَمَلِ كَانَ مَجْهُولًا، لِأَنَّهُ مَا كَانَ يَعْلَمُ مَوْضِعَهُ حِينَ اسْتَأْجَرَهُ. وَالْحُكْمُ فِي الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ وُجُوبُ أَجْرِ الْمِثْلِ عِنْدَ إقَامَتِهِ الْعَمَلَ، وَلَا يُجَاوِزُ بِهِ مَا يُسَمَّى لَهُ، لِأَنَّهُ قَدْ رَضِيَ بِالْمُسَمَّى. وَإِنَّمَا يُعْطِيهِ ذَلِكَ مِنْ الْغَنِيمَةِ، لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ. فَإِنَّ مَقْصُودَهُ أَنْ يَنْصِبَ رَأْسَهُ لِتَنْكَسِرَ قُلُوبُهُمْ فَلَا يَكُرُّوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ. فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَدُلَّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ أَوْ يَسُوقَ الْغَنَمَ أَوْ الرَّمَكَ، أَوْ لِيَحْمِلَ الْأَمْتِعَةَ، وَيُعْطِيَهُ ذَلِكَ مِمَّا غَنِمُوا قَبْلَ هَذَا، لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ عَلَى وَجْهِ الْأَجْرِ لَا عَلَى وَجْهِ النَّفْلِ. وَإِنَّمَا الَّذِي لَا يَجُوزُ التَّنْفِيلُ بَعْدَ إحْرَازِ الْغَنِيمَةِ، فَأَمَّا الِاسْتِئْجَارُ لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَنَائِمِهِمْ بَعْدَ الْإِحْرَازِ فَصَحِيحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (ص ٢٤١) . .","vol":"1","page":715},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>[بَابُ مَا يَجُوزُ فِيهِ السَّلَبُ إذَا قَتَلَهُ وَمَا لَا يَجُوزُ]</span>\nوَإِذَا قَالَ الْأَمِيرُ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ فَقَتَلَ رَجُلٌ أَجِيرًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ لَمْ يَكُنْ يُقَاتِلُ مَعَهُمْ فَلَهُ سَلَبُهُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَذَا التَّنْفِيلِ التَّحْرِيضُ عَلَى الْقِتَالِ. فَيَتَنَاوَلُ كُلَّ مَنْ يُبَاحُ قَتْلُهُ مِنْهُمْ. وَقَتْلُ الْأَجِيرِ مِنْهُمْ مُبَاحٌ، لِأَنَّ لَهُ بِنْيَةً صَالِحَةً لِلْقِتَالِ، وَهُوَ يُقَاتِلُ إذَا اُحْتِيجَ إلَيْهِ. وَإِنَّمَا يَتَمَكَّنُ الْقَاتِلُ مِنْ الْقِتَالِ بِعِلْمِهِ لِأَنَّهُ يُهَيِّئُ لَهُ أَسْبَابَ ذَلِكَ ١٢٢٤ - وَكَذَلِكَ لَوْ. قَتَلَ تَاجِرًا مِنْهُمْ، أَوْ عَبْدًا كَانَ مَعَ مَوْلَاهُ يَخْدُمُهُ، أَوْ رَجُلًا كَانَ ارْتَدَّ وَلَحِقَ بِهِمْ، أَوْ ذِمِّيًّا نَقَضَ الْعَهْدَ وَلَحِقَ بِهِمْ.\nلِأَنَّ قَتْلَ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ مُبَاحٌ. .\n١٢٢٥ - وَلَوْ قَتَلَ امْرَأَةً مِنْهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَلَبُهَا.\nلِأَنَّ قَتْلَ النِّسَاءِ مَمْنُوعٌ مِنْهُ شَرْعًا. عَلَى مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - حِينَ رَأَى امْرَأَةً مَقْتُولَةً اسْتَعْظَمَ ذَلِكَ فَقَالَ: هَاهْ مَا كَانَتْ هَذِهِ تُقَاتِلُ» وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الْأَمِيرَ لَمْ يُرِدْ بِكَلَامِهِ التَّحْرِيضَ عَلَى قَتْلِ مَنْ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ.\nإلَّا إذَا عُلِمَ أَنَّهَا كَانَتْ تُقَاتِلُ فَحِينَئِذٍ لَهُ سَلَبُهَا.","vol":"1","page":716},{"text":"لِأَنَّ قَتْلَهَا مُبَاحٌ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - اسْتَعْظَمَ قَتْلَهَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا لَا تُقَاتِلُ. .\n١٢٢٦ - وَكَذَلِكَ الْغُلَامُ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ مِنْهُمْ إنْ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ فَلَيْسَ لَهُ سَلَبُهُ.\nلِأَنَّ قَتْلَ الصِّبْيَانِ مِنْهُمْ لَا يَحِلُّ. فَعَلِمْنَا أَنَّ الْأَمِيرَ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ بِالتَّحْرِيضِ. إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ كَانَ يُقَاتِلُ مَعَهُمْ. فَحِينَئِذٍ يُبَاحُ قَتْلُهُ، وَلِلْقَاتِلِ سَلَبُهُ. .\n١٢٢٧ - وَلَوْ قَتَلَ مَرِيضًا أَوْ مَجْرُوحًا مِنْهُمْ فَلَهُ سَلَبُهُ. سَوَاءٌ كَانَ يَسْتَطِيعُ الْقِتَالَ أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ.\nلِأَنَّهُ مُبَاحُ الْقَتْلِ فِي الْوَجْهَيْنِ. فَإِنَّهُ يُقَاتِلُ بِرَأْيِهِ، وَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْقِتَالِ بِنَفْسِهِ فِي الْحَالِ لِمَا بِهِ مِنْ الْمَرَضِ. .\n١٢٢٨ - فَإِنْ قَتَلَ شَيْخًا مِنْهُمْ. فَإِنْ كَانَ شَيْخًا فَانِيًا لَا يُتَوَهَّمُ مِنْهُ قِتَالٌ بِنَفْسِهِ وَلَا بِرَأْيِهِ وَلَا يُرْجَى لَهُ نَسْلٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَلَبُهُ.\nلِأَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُبَاحُ قَتْلُهُ.\nوَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يُرْجَى لَهُ نَسْلٌ أَوْ كَانَ لَهُ فِي الْحَرْبِ رَأْيٌ فَهَذَا يُبَاحُ قَتْلُهُ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ قُتِلَ وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَسِتِّينَ سَنَةً. وَلَكِنْ كَانَ ذَا رَأْيٍ فِي الْحَرْبِ. فَإِذَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلِقَاتِلِهِ سَلَبُهُ. .\n١٢٢٩ - وَلَوْ قَتَلَ مُسْلِمًا كَانَ فِي صَفِّ الْمُشْرِكِينَ يُقَاتِلُ الْمُسْلِمِينَ مَعَهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَلَبُهُ.","vol":"1","page":717},{"text":"لِأَنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ مُبَاحَ الْقَتْلِ وَلَكِنَّ سَلَبَهُ لَيْسَ بِغَنِيمَةٍ. لِأَنَّهُ مَالُ الْمُسْلِمِ، وَمَالُ الْمُسْلِمِ لَا يَكُونُ غَنِيمَةً لِلْمُسْلِمِينَ بِحَالٍ كَأَمْوَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ.\n١٢٣٠ - فَإِنْ كَانَ السَّلَبُ الَّذِي عَلَيْهِ لِلْمُشْرِكِينَ أَعَارُوهُ إيَّاهُ فَذَلِكَ لِلَّذِي قَتَلَهُ.\nلِأَنَّ مَا عَلَيْهِ مِنْ السَّلَبِ غَنِيمَةٌ. وَهُوَ مُبَاحُ الْقَتْلِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، فَيَدْخُلُ فِي تَحْرِيضِ الْإِمَامِ عَلَيْهِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ صَمَدَ لَهُ نَفْسُهُ فَقَالَ: إنْ قَتَلْتَهُ فَلَكَ سَلَبُهُ، اسْتَحَقَّ ذَلِكَ.\nفَكَذَلِكَ إذَا عَمَّ بِهِ. .\n١٢٣١ - وَلَوْ قَتَلَ صَبِيًّا أَوْ امْرَأَةً، وَسَلَبُهُ لِرَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَلَبُهُ.\nلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ السَّلَبُ لِلْقَتِيلِ لَمْ يَسْتَحِقَّهُ، لَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلِّ الِاغْتِنَامِ، بَلْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ كَلَامَ الْإِمَامِ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ أَصْلًا. وَفِي هَذَا الْمَعْنَى لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ السَّلَبُ الَّذِي عَلَيْهِ مِلْكًا أَوْ عَارِيَّةً. .\n١٢٣٢ - وَلَوْ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَعْلَمُ أَنَّ سَلَبَهُ لِرَجُلٍ آخَرَ مِنْهُمْ، أَوْ امْرَأَةٍ، أَوْ شَيْخٍ، أَوْ صَبِيٍّ، فَالسَّلَبُ لِلْقَاتِلِ.\nلِأَنَّ الَّذِي قَتَلَهُ مُبَاحُ الْقَتْلِ. وَالسَّلَبُ الَّذِي عَلَيْهِ مَحَلُّ الِاغْتِنَامِ لِمَنْ كَانَ مِنْهُمْ، فَيَسْتَحِقُّهُ الْقَاتِلُ بِالتَّنْفِيلِ.\n١٢٣٣ - وَلَوْ كَانَ السَّلَبُ الَّذِي عَلَيْهِ لِمُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهَدٍ غَيْرِ نَاقِضٍ لِلْعَهْدِ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَلَبُهُ.","vol":"1","page":718},{"text":"لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلِّ الِاغْتِنَامِ. وَهَذَا إذَا كَانَ الْمُسْلِمُ دَخَلَ إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ.\n١٢٣٤ - فَإِنْ كَانَ لِرَجُلٍ مِنْهُمْ أَسْلَمَ وَلَمْ يُهَاجِرْ، فَالسَّلَبُ لِلْقَاتِلِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵁ -.\nلِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ بِمُجَرَّدِ الْإِسْلَامِ يَصِيرُ مَالُهُ مَعْصُومًا فِي الْإِثْمِ دُونَ الْحُكْمِ (ص ٢٤٢)، بِمَنْزِلَةِ نَفْسِهِ. فَأَمَّا التَّقَوُّمُ وَالْعِصْمَةُ عَنْ الِاغْتِنَامِ فَإِنَّمَا يَكُونُ بِالْإِحْرَازِ بِالدَّارِ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ خَرَجَ إلَى دَارِنَا وَتَرَكَ أَمْوَالَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الدَّارِ، كَانَ جَمِيعُ مَالِهِ فَيْئًا، وَلَوْ لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الدَّارِ فَعَقَارُهُ وَعُرُوضُهُ فَيْءٌ، إلَّا مَا كَانَ فِي يَدِهِ مِنْهُ. لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُحْرَزًا لِسَبْقِ يَدِهِ إلَيْهِ، وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِيمَا أَعَارَهُ مِنْ الْحَرْبِيِّ الْمَقْتُولِ. فَلِهَذَا اسْتَحَقَّهُ الْقَاتِلُ بِالتَّنْفِيلِ.\n١٢٣٥ - وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْحَرْبِيُّ أَخَذَ هَذَا السَّلَبَ غَصْبًا فَقَتَلَهُ هَذَا الْمُسْلِمُ كَانَ لَهُ سَلَبُهُ.\nلِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَدَ لِلْمُسْلِمِ عَلَيْهِ، حَتَّى يَصِيرَ مُحْرَزًا لَهُ بِهَا فَيَكُونُ مَحَلُّ الِاغْتِنَامِ.\n١٢٣٦ - وَلَوْ أَنَّ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِ هَذَا الْمُسْلِمِ قَاتَلَ الْمُسْلِمِينَ فَأُخِذَ كَانَ فَيْئًا.\nلِأَنَّهُ صَارَ غَاصِبًا نَفْسَهُ مِنْ مَوْلَاهُ حَتَّى قَاتَلَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ عَلَيْهِ يَدٌ مُحْرَزَةٌ لَهُ، فَيَكُونُ فَيْئًا كَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ. وَهَذَا وَغَاصِبُ السَّلَبِ سَوَاءٌ.","vol":"1","page":719},{"text":"فَإِنْ كَانَ الْحَرْبِيُّ إنَّمَا غَصَبَ السَّلَبَ مِنْ مُسْلِمٍ دَخَلَ إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَالسَّلَبُ لِلْقَاتِلِ.\nلِأَنَّ الْحَرْبِيَّ بِالْغَصْبِ صَارَ مُحْرِزًا لِمَالِ الْمُسْلِمِ. وَهُمْ يَمْلِكُونَ أَمْوَالَنَا بِالْإِحْرَازِ، فَيَصِيرُ لِلْقَاتِلِ بِالتَّنْفِيلِ. إلَّا أَنَّ لِصَاحِبِ السَّلَبِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُمْ بِالْقِيمَةِ إنْ شَاءَ، لِأَنَّ التَّنْفِيلَ بِمَنْزِلَةِ الْقِسْمَةِ حِينَ اخْتَصَّ الْمُنَفَّلُ لَهُ بِمِلْكِهِ. وَالْمَالِكُ الْقَدِيمُ إذَا وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ فِي الْغَنِيمَةِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ بِالْقِيمَةِ إنْ شَاءَ فَهَذَا قِيَاسُهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .","vol":"1","page":720},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>[بَابُ السَّلَبِ الَّذِي لَا يُحْرِزُهُ الْمُنَفَّلُ لَهُ]</span>\nوَلَوْ قَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ. فَرَمَى مُسْلِمٌ مِنْ صَفِّ الْمُسْلِمِينَ رَجُلًا فِي صَفِّ الْمُشْرِكِينَ فَقَتَلَهُ فَلَهُ سَلَبُهُ.\nلِأَنَّهُ قَتَلَ مُقَاتِلًا يَحِلُّ لَهُ قَتْلُهُ. وَهُوَ السَّبَبُ لِاسْتِحْقَاقِ السَّلَبِ بِتَنْفِيلِ الْإِمَامِ.\n١٢٣٩ - فَإِنْ لَمْ يَعْرِضْ الْمُشْرِكُونَ لِسَلَبِهِ حَتَّى انْهَزَمُوا فَظَفِرَ الْمُسْلِمُونَ بِهِ قَتِيلًا عَلَيْهِ سَلَبُهُ وَعِنْدَهُ دَابَّتُهُ فَذَلِكَ كُلُّهُ لِلْقَاتِلِ.\nلِأَنَّ حَقَّهُ تَأَكَّدَ فِيهِ بِمُبَاشَرَةِ السَّبَبِ، وَلَمْ يَعْتَرِضْ عَلَيْهِ مَا يُبْطِلُهُ. إنَّمَا تَأَخَّرَ أَخْذُهُ لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ، أَوْ لِغَفْلَةٍ مِنْهُ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُبْطِلٍ لِحَقِّهِ.\n١٢٤٠ - وَإِنْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ أَخَذُوا دَابَّتَهُ وَسِلَاحَهُ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، لَمْ يَكُنْ لِلْقَاتِلِ مِنْ سَلَبِهِ شَيْءٌ.\nلِأَنَّهُ لَمْ يُحْرِزْهُ حَتَّى أَخَذَهُ الْمُشْرِكُونَ. وَلَوْ كَانَ مُحْرِزًا لَهُ فَأَخَذَهُ الْمُشْرِكُونَ وَأَحْرَزُوهُ بَطَلَ مِلْكُهُ فَكَيْفَ إذَا لَمْ يُحْرِزْهُ؟ وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِهِ قَدْ انْفَسَخَ لِأَنَّ الْإِمَامَ إنَّمَا جَعَلَ الْقَتْلَ سَبَبًا لِاسْتِحْقَاقِ السَّلَبِ بِالتَّنْفِيلِ. لِأَنَّ الْقَاتِلَ بِهِ يَتَمَكَّنُ مِنْ الْأَخْذِ، وَقَدْ زَالَ","vol":"1","page":721},{"text":"هَذَا التَّمَكُّنُ بِأَخْذِ الْمُشْرِكِينَ إيَّاهُ. وَبَعْدَ مَا انْفَسَخَ السَّبَبُ لَا يَكُونُ لَهُ أَثَرٌ فِي الْحُكْمِ، فَيَبْقَى هَذَا مَا لَهُمْ وَقْعٌ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ غَنِيمَةٌ.\n١٢٤١ - وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُمْ أَخَذُوا سَلَبَهُ أَوْ لَمْ يَأْخُذُوهُ، فَمَا وُجِدَ عَلَيْهِ مِنْ سَلَبِهِ فَهُوَ لِلْقَاتِلِ، وَمَا وُجِدَ وَقَدْ نُزِعَ عَنْهُ فَهُوَ فَيْءٌ، لِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْوُقُوفِ عَلَى الْحَقِيقَةِ.\n١٢٤٢ - فَإِنْ كَانُوا جَرُّوهُ إلَيْهِمْ حِينَ قُتِلَ وَسَلَبُهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ انْهَزَمُوا فَهُوَ لِلَّذِي قَتَلَهُ.\nلِأَنَّهُمْ جَرُّوهُ لِكَيْ لَا تَطَأَهُ الْخُيُولُ، لَا لِإِحْرَازِ سَلَبِهِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الْمَجْرُوحَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إذَا جُرَّ بِرَجْلِهِ مِنْ بَيْنِ الصَّفَّيْنِ لِكَيْ لَا تَطَأَهُ الْخُيُولُ فَمَاتَ كَانَ شَهِيدًا لَا يُغَسَّلُ؟ .\n١٢٤٣ - وَهَذَا إذَا كَانَ الَّذِينَ جَرُّوهُ غَيْرَ وَرَثَتِهِ. فَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ هُوَ الَّذِي جَرَّهُ فَسَلَبُهُ غَنِيمَةٌ.\nلِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْوَارِثَ إنَّمَا جَرَّهُ لِإِحْرَازِ سَلَبِهِ. فَإِنَّهُ يَخْلُفُهُ فِيمَا كَانَ لَهُ. وَقَدْ كَانَ هُوَ مُحْرِزًا سَلَبَهُ بِلِبَاسِهِ، فَكَذَلِكَ مَنْ يَخْلُفُهُ يَجُرُّهُ إلَيْهِمْ. فَأَمَّا الْأَجْنَبِيُّ فَمَا كَانَ يَخْلُفُهُ فِي مِلْكِهِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مُحْرِزًا لَهُ إذَا نَزَعَهُ لِأَنَّهُ يَتَمَلَّكُهُ ابْتِدَاءً. وَالْمَلْبُوسُ تَبَعُ اللَّابِسِ. فَإِذَا تَرَكَهُ عَلَيْهِ عَرَفْنَا أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ تَمَلُّكَهُ ابْتِدَاءً.","vol":"1","page":722},{"text":"وَإِنْ لَمْ يُدْرَ أَنَّ الَّذِي جَرَّهُ كَانَ وَارِثًا أَوْ وَصِيًّا أَوْ أَجْنَبِيًّا فَالسَّلَبُ لِلْقَاتِلِ.\nلِأَنَّ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِهِ مَعْلُومٌ. فَمَا لَمْ يُعْلَمْ اعْتِرَاضُ (ص ٢٤٣) مَا يُبْطِلُهُ يَجِبُ اعْتِبَارُهُ فِي الْحُكْمِ.\n١٢٤٥ - وَكَذَلِكَ إنْ وَجَدُوا دَابَّتَهُ عِنْدَهُ فَهِيَ لِلْقَاتِلِ. وَإِنْ وَجَدُوهَا فِي يَدِ رَجُلٍ مِنْهُمْ كَانَتْ غَنِيمَةً.\nلِأَنَّهُ بِاعْتِرَاضِ يَدٍ أُخْرَى عَلَيْهَا يَنْفَسِخُ حُكْمُ السَّبَبِ الْأَوَّلِ.\n١٢٤٦ - وَلَوْ وُجِدَتْ بَعْدَ مَا سَارَ الْعَسْكَرُ مَنْقَلَةً أَوْ مَنْقَلَتَيْنِ فَهِيَ لِلْقَاتِلِ فِي الْقِيَاسِ.\nلِأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ اعْتِرَاضُ يَدٍ أُخْرَى مُبْطِلَةٍ لِحَقِّهِ. وَلَعَلَّهَا اتَّبَعَتْ الْعَسْكَرَ عَابِرَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْخُذَهَا أَحَدٌ.\nوَفِي الِاسْتِحْسَانِ هِيَ غَنِيمَةٌ.\nلِأَنَّهَا لَمْ تُوجَدْ فِي يَدِ الْقَتِيلِ، وَلَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ يَدُ الْقَتِيلِ عَلَيْهَا ثَابِتَةً فِيهِ.\nوَلَوْ أَخَذْنَا فِيهَا بِالْقِيَاسِ لَزِمَنَا أَنْ نَقُولَ: هِيَ لِلْقَاتِلِ.","vol":"1","page":723},{"text":"وَإِنْ سَارُوا شَهْرًا فَرَجَعُوا إلَى مَدَائِنِهِمْ، وَهَذَا يَقْبُحُ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تَمْشِي عَابِرَةً هَكَذَا، وَلَكِنَّهَا تَقِفُ لِلْعَلَفِ أَوْ تَتَحَوَّلُ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً عَنْ الطَّرِيقِ. فَإِذَا سَارَتْ مُسْتَوِيَةً عَلَى الطَّرِيقِ عَرَفْنَا أَنَّ سَائِقًا سَاقَهَا، فَكَانَتْ غَنِيمَةً. إلَّا أَنْ نَعْلَمَ أَنَّهَا ذَهَبَتْ عَابِرَةً فَهِيَ لِلْقَاتِلِ حِينَئِذٍ. لِأَنَّهَا لَمْ تَعْتَرِضْ عَلَيْهَا يَدٌ أُخْرَى. وَفِعْلُهَا جُبَارٌ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ فَاسِخًا لِسَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ الثَّابِتِ لِلْقَاتِلِ.\n١٢٤٨ - وَلَوْ أَنَّهُمْ أَخَذُوا دَابَّتَهُ فَحَمَلُوا عَلَيْهَا الْقَتِيلَ مَعَ سِلَاحِهِ وَسَاقُوهَا مُنْهَزِمِينَ ثُمَّ ظَفِرْنَا بِهِمْ فَذَلِكَ كُلُّهُ لِلْقَاتِلِ.\nلِأَنَّهُمْ مَا قَصَدُوا إحْرَازَ مَا عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا حَمَلُوهُ عَلَى دَابَّتِهِ لِيَرُدُّوهُ إلَى أَهْلِهِ. فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُمْ إحْرَازًا لِمَا عَلَيْهِ.\n١٢٤٩ - إلَّا أَنْ يَكُونَ ابْنُ الْقَتِيلِ هُوَ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ، حِينَئِذٍ يَكُونُ ذَلِكَ غَنِيمَةً.\nلِأَنَّ الِابْنَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلَّا مُحْرِزًا لَهُ، بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ خَلِيفَةُ الْقَتِيلِ. غَيْرُهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ وَهُوَ لَا يَرُدُّ عَلَى أَحَدٍ. وَأَحَدُ الْوَرَثَةِ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَجَمَاعَتِهِمْ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الْمَيِّتِ فِي إثْبَاتِ حَقِّهِ وَمِلْكِهِ؟ .\n١٢٥٠ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى إلَى رَجُلٍ فَفَعَلَ الْوَصِيُّ ذَلِكَ.","vol":"1","page":724},{"text":"لِأَنَّ الْوَصِيَّ خَلِيفَتُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ. فَفِعْلُهُ يَكُونُ إحْرَازًا كَفِعْلِ الْوَارِثِ، سَوَاءٌ نَزَعَ مِنْهُ سَلَبَهُ أَوْ لَمْ يَنْزِعْهُ.\n١٢٥١ - فَإِنْ كَانَ الْأَجَانِبُ حِينَ حَمَلُوهُ عَلَيْهَا مَعَ سِلَاحِهِ حَمَلُوا عَلَيْهَا أَيْضًا أَمْتِعَةً لِأَنْفُسِهِمْ وَسَاقُوهَا، فَالدَّابَّةُ وَمَا عَلَيْهَا غَنِيمَةٌ، إلَّا مَا عَلَى الْقَتِيلِ مِنْ السَّلَبِ.\nلِأَنَّهُمْ قَصَدُوا إحْرَازَ الدَّابَّةِ حِينَ اسْتَعْمَلُوهَا فِي حَوَائِجِهِمْ، وَلَمْ يَقْصِدُوا إحْرَازَ سَلَبِهِ حِينَ لَمْ يَنْزِعُوهُ عَنْهُ.\n١٢٥٢ - فَإِنْ كَانُوا عَلَّقُوا عَلَيْهَا إدَاوَةً أَوْ مِخْلَاةً فَقَطْ، فَالدَّابَّةُ وَمَا عَلَيْهَا مِنْ سَلَبِ الْقَتِيلِ كُلِّهِ لِلْقَاتِلِ. لِأَنَّ بِهَذَا الْقَدْرِ لَا يَكُونُونَ مُحْرِزِينَ لَهَا. فَالْإِحْرَازُ بِثُبُوتِ يَدِهِمْ عَلَيْهَا. وَإِنَّمَا تَثْبُتُ الْيَدُ عَلَى الدَّابَّةِ بِحَمْلٍ مَقْصُودٍ بِتَعْلِيقِ إدَاوَةٍ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلَيْنِ لَوْ تَنَازَعَا فِي دَابَّةٍ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهَا حِمْلٌ وَلِلْآخَرِ إدَاوَةٌ فَإِنَّهُ يُقْضَى بِهَا لِصَاحِبِ الْحِمْلِ الْمَقْصُودِ؟ .\n١٢٥٣ - وَلَوْ غَيَّرُوا سَرْجَهَا بِإِكَافٍ، أَوْ بِسَرْجٍ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَحْمِلُوا عَلَيْهَا غَيْرَ الْقَتِيلِ وَسَلَبِهِ فَذَلِكَ كُلُّهُ لِلْقَاتِلِ.\nلِأَنَّ تَغْيِيرَ السَّرْجِ بِسَرْجٍ آخَرَ لَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُمْ قَصَدُوا إحْرَازَهَا، أَوْ أَثْبَتُوا أَيْدِيَهُمْ عَلَيْهَا. وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ فِي هَذَا وَنَحْوِهِ بِمَا يَكُونُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الرَّأْيِ، وَمَا يَكُونُ فِيهِ الْعَلَامَاتُ مِنْ أَخْذِهِمْ ذَلِكَ لِأَنْفُسِهِمْ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .","vol":"1","page":725},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>[بَابُ الِاسْتِثْنَاءِ فِي النَّفْلِ وَالْخَاصُّ مِنْهُ]</span>\nوَإِذَا قَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ أَصَابَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً فَلَهُ مِنْ ذَلِكَ الرُّبْعُ. فَهَذَا عَلَى التِّبْرِ وَالْمَضْرُوبِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ ضَرْبِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ الْمُشْرِكِينَ.\nلِأَنَّ اسْمَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ يَتَنَاوَلُ الْكُلَّ حَقِيقَةً. وَالِاسْتِحْقَاقُ بِنَاءٌ عَلَيْهِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اسْتَثْنَى بِهَذَا الِاسْمِ وَقَالَ: مَنْ أَصَابَ (ص ٢٤٤) شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، إلَّا ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً، كَانَ الْكُلُّ مُسْتَثْنًى بِهَذَا الِاسْمِ. فَكَذَلِكَ إذَا بَنَى الْإِيجَابَ عَلَيْهِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِاعْتِبَارِ الْعَيْنِ؟ وَكَذَلِكَ وُجُوبُ التَّقَايُضِ عِنْدَ مُبَادَلَةِ الْبَعْضِ بِالْبَعْضِ، وَحُرْمَةِ الْفَضْلِ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ. وَكَانَ التِّبْرُ وَالْمَضْرُوبُ فِي ذَلِكَ سَوَاءً.\nوَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا حَلَفَ لَا يَشْتَرِي ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً فَاشْتَرَى دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ لَمْ يَحْنَثْ. لِأَنَّهُ عَقَدَ الْيَمِينَ هُنَاكَ عَلَى الشَّرْيِ، وَذَلِكَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالْبَائِعِ. وَبَائِعُ الْمَضْرُوبِ يُسَمَّى صَيْرَفِيًّا. وَإِنَّمَا يُسَمَّى بَائِعُ الذَّهَبِ مَنْ يَبِيعُ غَيْرَ الْمَضْرُوبِ فَأَمَّا هَا هُنَا فَعُلِّقَ الِاسْتِحْقَاقُ بِحَقِيقَةِ الِاسْمِ، فَعُرُوضُهُ مِنْ الْيَمِينِ أَنْ لَوْ حَلَفَ لَا يَمَسُّ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً. وَذَلِكَ يَتَنَاوَلُ الْمَضْرُوبَ وَغَيْرَ الْمَضْرُوبِ. ثُمَّ الْإِيجَابُ بِطَرِيقِ التَّنْفِيلِ بِمَنْزِلَةِ الْإِيجَابِ بِالْوَصِيَّةِ.","vol":"1","page":726},{"text":"وَلَوْ أَوْصَى لِغَيْرِهِ بِالذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ مِنْ مَالِهِ يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ الْمَضْرُوبَ وَغَيْرَهُ. .\n١٢٥٥ - وَلَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ حَدِيدًا فَهُوَ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَهُ نِصْفُهُ. فَمَا أَصَابَ رَجُلٌ مِنْ الْحَدِيدِ تِبْرًا أَوْ إنَاءً مِنْ حَدِيدٍ، أَوْ سِلَاحٍ، أَوْ سَكَاكِينَ، أَوْ سُيُوفٍ، فَهُوَ لَهُ كُلُّهُ.\nلِأَنَّ اسْمَ الْحَدِيدِ لِذَلِكَ كُلِّهِ. فَإِنَّ بِالصَّنْعَةِ لَا يَتَبَدَّلُ اسْمُ الْعَيْنِ، لِأَنَّهُ لَا يَنْعَدِمُ بِهِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْعَيْنِ، بَلْ يَتَقَرَّرُ، وَهُوَ مَعْنَى الْبَأْسِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥] .\nفَأَمَّا جُفُونُ السَّيْفِ وَأَنْصِبَةُ السَّكَاكِينِ وَغُلُفُهَا فَلَهُ نِصْفُهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَدِيدٍ. فَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ النَّفَلَ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ أَصَابَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَهُ نِصْفُهُ.\nإلَّا أَنَّهُ يُؤْخَذُ نِصْفُ ذَلِكَ مِنْهُ، أَوْ نِصْفُ قِيمَتِهِ إنْ كَانَ نَزْعُ ذَلِكَ يَضُرُّ بِهِ.\nلِأَنَّهُ صَاحِبُ الْأَصْلِ. وَحَقُّ الْغَانِمِينَ ثَابِتٌ فِي نِصْفِ مَا هُوَ تَبَعٌ. إلَّا أَنَّ الضَّرَرَ مَدْفُوعٌ عَنْهُ. فَإِذَا اُحْتُبِسَ عِنْدَهُ لِوُجُوبِ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ كَانَ","vol":"1","page":727},{"text":"عَلَيْهِ قِيمَتُهُ، بِمَنْزِلَةِ بِنَاءٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي أَرْضِ أَحَدِهِمَا، فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَنْ يَتَمَلَّكَ عَلَى شَرِيكِهِ نَصِيبَهُ مِنْ الْبِنَاءِ بِالْقِيمَةِ لِهَذَا الْمَعْنَى. .\n١٢٥٦ - وَلَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ بَزًّا فَهُوَ لَهُ. فَأَصَابَ ثَوْبَ دِيبَاجٍ أَوْ بُزْيُونٍ أَوْ أَكْسِيَةَ صُوفٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ.\nلِأَنَّ اسْمَ الْبَزِّ لَا يَتَنَاوَلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ. إنَّمَا يَتَنَاوَلُ اسْمَ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ خَاصَّةً.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الْبَزَّازَ فِي النَّاسِ مَنْ يَبِيعُ ثَوْبَ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ. وَسُوقُ الْبَزَّازِينَ الْمَوْضِعُ الَّذِي فِيهِ ثَوْبُ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ. دُونَ الدِّيبَاجِ وَالْكِسَاءِ. فَكَأَنَّهُ بَنَى عَلَى عَادَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ.\nفَأَمَّا فِي دِيَارِنَا فَمَنْ يَبِيعُ ثَوْبَ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ يُسَمَّى كَرَابِيسِيًّا.\nفَلَوْ أَصَابَ كَتَّانًا أَوْ قُطْنًا غَيْرَ مَغْزُولٍ. أَوْ مَغْزُولًا غَيْرَ مَنْسُوجٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، لِأَنَّ اسْمَ الْبَزِّ يَتَنَاوَلُ الْمَلْبُوسَ وَلَا يَتَنَاوَلُ الْغَزْلَ عَادَةً.\nأَلَا تَرَى أَنَّ بَائِعَهُ يُسَمَّى قَطَّانًا وَغَزَّالًا وَلَا يُسَمَّى بَزَّازًا؟ .\n١٢٥٧ - وَلَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ ثَوْبًا فَهُوَ لَهُ. فَأَصَابَ ثَوْبَ دِيبَاجٍ أَوْ بُزْيُونٍ مِمَّا يَلْبَسُهُ النَّاسُ، أَوْ فَرْوًا أَوْ كِسَاءً فَهُوَ لَهُ.\nلِأَنَّ اسْمَ الثَّوْبِ عَادَةً يُطْلَقُ عَلَى مَلْبُوسِ بَنِي آدَمَ. فَكُلُّ مَا يَلْبَسُهُ النَّاسُ عَادَةً فَهُوَ دَاخِلٌ فِي هَذَا الْإِيجَابِ. مَا خَلَا الْخُفَّ وَالْعِمَامَةَ وَالْقَلَنْسُوَةَ. فَإِنَّهُ لَوْ أَصَابَ ذَلِكَ لَمْ يَسْتَحِقَّهُ. لِأَنَّ الثَّوْبَ اسْمٌ لِمَا يُلْبَسُ لِلِاكْتِسَاءِ بِهِ، وَالْعِمَامَةُ وَالْقَلَنْسُوَةُ لَا يَحْصُلُ بِهِمَا الِاكْتِسَاءُ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ لَا تَتَأَدَّى بِالْكِسْوَةِ إذَا أَعْطَى كُلَّ مِسْكِينٍ","vol":"1","page":728},{"text":"قَلَنْسُوَةً أَوْ عِمَامَةً أَوْ خُفَّيْنِ، إلَّا أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ مَكَانَ الطَّعَامِ إذَا كَانَ يُسَاوِي ذَلِكَ. وَمَنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا فَلَبِسَ عِمَامَةً أَوْ قَلَنْسُوَةً لَمْ يَحْنَثْ.\n١٢٥٨ - وَلَوْ أَصَابَ مِسْحًا أَوْ بِسَاطًا، (ص ٢٤٥) أَوْ سِتْرًا أَوْ فِرَاشًا، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ.\nلِأَنَّ هَذَا لَا يَلْبَسُهُ النَّاسُ عَادَةً وَإِنَّمَا يَتَمَتَّعُونَ بِهِ فِي الْبُيُوتِ. وَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الْمَتَاعِ لَا اسْمُ الثَّوْبِ.\nحَتَّى لَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ مَتَاعًا فَهُوَ لَهُ، اسْتَحَقَّ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَمَلْبُوسُ النَّاسِ أَيْضًا.\nلِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ الْمَتَاعِ. فَالْمَتَاعُ اسْمٌ لِمَا يُسْتَمْتَعُ بِهِ. وَكَذَلِكَ يَسْتَحِقُّ الْأَوَانِيَ عِنْدَ إطْلَاقِ اسْمِ الْمَتَاعِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ نَصًّا لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ مَتَاعًا دُونَ الْآنِيَةِ، فَأَصَابَ طَاسًا أَوْ أَبَارِيقَ، وَقَمَاقِمَ، وَقُدُورًا مِنْ نُحَاسٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ. لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْآنِيَةِ وَقَدْ اسْتَثْنَاهَا مِنْ الْمَتَاعِ، فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ عِنْدَ عَدَمِ الِاسْتِثْنَاءِ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ كُلَّهُ. .\n١٢٥٩ - وَلَوْ قَالَ مَنْ أَصَابَ فِضَّةً أَوْ ذَهَبًا فَأَصَابَ سَيْفًا مُحَلًّى بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ كَانَ لَهُ الْحِلْيَةُ.\nلِأَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلُهُ حَقِيقَةً.\nأَلَا تَرَى أَنَّ حُكْمَ الصَّرْفِ يَثْبُتُ فِي حِصَّةِ الْحِلْيَةِ فِي الْبَيْعِ؟ وَكَذَلِكَ إنْ أَصَابَ سَرْجًا مُفَضَّضًا فَلَهُ الْفِضَّةُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ خَاصَّةً.","vol":"1","page":729},{"text":"وَلَوْ وَجَدَ أَبْوَابًا فِيهَا مَسَامِيرُ فِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ إنْ نُزِعَتْ تَفَكَّكَتْ الْأَبْوَابُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ. قَالَ: لِأَنَّ الْغَالِبَ غَيْرُ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ.\nيَعْنِي أَنَّ الْمَسَامِيرَ فِي حُكْمِ الْمُسْتَهْلَكَةِ حِينَ كَانَتْ مُغَيَّبَةً. وَالْمَقْصُودُ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ التَّزَيُّنُ بِهَا، وَفِي الْمَسَامِيرِ الْمَقْصُودُ الِانْتِفَاعُ لَا التَّزَيُّنُ، بِخِلَافِ حِلْيَةِ السَّرْجِ وَالسَّيْفِ، فَهُوَ ظَاهِرًا يُقْصَدُ بِهِ التَّزَيُّنُ. وَلِأَنَّ الْمِسْمَارَ صَارَ تَبَعًا مَحْضًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ إذَا نُزِعَ لَا يَبْقَى اسْمُ الْبَابِ، وَالْمُصَابُ بَابٌ. وَفِي الْعَادَةِ لَا يُسَمَّى هَذَا بَابًا مِنْ ذَهَبٍ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَسَامِيرُ ذَهَبٍ، بِخِلَافِ السَّرْجِ وَاللِّجَامِ، فَإِنَّهُ يُقَالُ إنَّهُ مُفَضَّضٌ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ الْفِضَّةِ.\n١٢٦١ - وَلَوْ وَجَدَ حُلِيَّ فِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ مُرَصَّعًا بِفُصُوصٍ، أَوْ خَاتَمَ فِضَّةٍ فِيهِ فَصٌّ، فَالْفُصُوصُ كُلُّهَا غَنِيمَةٌ.\nلِأَنَّ اسْمَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لَا يَتَنَاوَلُهَا حَقِيقَةً وَالْحُلِيُّ لَهُ لِأَنَّ اسْمَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ يَتَنَاوَلُهُ حَقِيقَةً، وَلَمْ يَغْلِبْ عَلَيْهِ اسْمٌ آخَرُ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ خَاتَمُ فِضَّةٍ وَخَاتَمُ ذَهَبٍ، وَلَا يُنْسَبُ إلَى الْفَصِّ، وَإِنْ كَانَ الْفَصُّ مُرْتَفِعًا؟ .\n١٢٦٢ - وَكَذَلِكَ لَوْ وَجَدْنَا صَلِيبًا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فِيهِ فُصُوصٌ.","vol":"1","page":730},{"text":"لِأَنَّهُ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى اسْمِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ اسْمٌ آخَرُ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الصَّلِيبَ يُنْسَبُ إلَى مَا صِيغَ مِنْهُ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ دُونَ مَا فِيهِ مِنْ الْفُصُوصِ. .\n١٢٦٣ - وَلَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ يَاقُوتًا أَوْ زُمُرُّدًا فَأَصَابَ حُلِيًّا مُفَضَّضًا فِيهِ الْيَاقُوتُ وَالزُّمُرُّدُ فَإِنَّ ذَلِكَ يُنْزَعُ وَيُدْفَعُ إلَيْهِ.\nلِأَنَّ الِاسْمَ بَاقٍ لَهُ حَقِيقَةً، وَإِنْ رُكِّبَ فِي الْفِضَّةِ أَوْ الذَّهَبِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَرِضْ عَلَيْهِ اسْمٌ آخَرُ يُزِيلُهُ.\n١٢٦٤ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَصَابَ خَاتَمًا فِيهِ فَصُّ يَاقُوتٍ أَوْ زُمُرُّدٍ فَإِنَّ ذَلِكَ يُقْلَعُ وَيُدْفَعُ إلَيْهِ. لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي نَزْعِهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ لَهُمْ وَهُوَ الْمَالِيَّةُ. .\n١٢٦٥ - وَلَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ حَدِيدًا فَهُوَ لَهُ. فَأَصَابَ سَرْجًا رِكَابَاهُ مِنْ حَدِيدٍ، نُزِعَ الرِّكَابَانِ لَهُ.\nلِأَنَّ الِاسْمَ فِيهِمَا بَاقٍ حَقِيقَةً. يُقَالُ: رِكَابٌ مِنْ حَدِيدٍ وَرِكَابٌ مِنْ خَشَبٍ.\nوَلَيْسَ فِي النَّزْعِ ضَرَرٌ.\n١٢٦٦ - وَلَوْ كَانَ فِي السَّرْجِ مَسَامِيرُ حَدِيدٍ، أَوْ ضَبَّةُ حَدِيدٍ إنْ نُزِعَتْ تَفَكَّكَ السَّرْجُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ.","vol":"1","page":731},{"text":"لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَهْلَكِ فِيهِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ اُسْتُعْمِلَ لِمَنْفَعَةِ السَّرْجِ، لَا لِلزِّينَةِ بِمَنْزِلَةِ الْمَسَامِيرِ فِي الْأَبْوَابِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَصَابَ سَفِينَةً مُضَبَّبَةً بِالْحَدِيدِ إنْ نُزِعَتْ تَخَلَّعَتْ السَّفِينَةُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ.\nوَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِي جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ: إنَّ كُلَّ شَيْءٍ كَانَ مُسْتَعْمَلًا فِي عَيْنٍ آخَرَ، لَا لِلزِّينَةِ بَلْ لِيُنْتَفَعَ بِهِ، بِاسْمٍ غَيْرِ الِاسْمِ الَّذِي أَوْجَبَ بِهِ النَّفَلَ، لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الِاسْمُ. وَإِنْ كَانَ مُسْتَعْمَلًا لِلزِّينَةِ (ص ٢٤٦) يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ. لِأَنَّ الزِّينَةَ صِفَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى مَا هُوَ الْمَطْلُوبُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالْعَيْنِ. ثُمَّ إنْ كَانَ يُنْزَعُ بِغَيْرِ ضَرَرٍ فَاحِشٍ نُزِعَ لِحَقِّهِ. وَإِنْ تَفَاحَشَ الضَّرَرُ فِي نَزْعِهِ بِيعَ، فَيُقْسَمُ الثَّمَنُ عَلَى قِيمَةِ مَا يَتَنَاوَلُهُ النَّفَلُ، وَقِيمَةُ مَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ النَّفَلُ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ انْصَبَغَ ثَوْبُ إنْسَانٍ بِصِبْغِ غَيْرِهِ، وَأَبَى صَاحِبُ الثَّوْبِ أَنْ يَغْرَمَ قِيمَةَ الصِّبْغِ، فَإِنَّهُ يُبَاعُ الثَّوْبُ، وَيُقْسَمُ الثَّمَنُ بَيْنَهُمَا عَلَى قِيمَةِ مِلْكِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. .\n١٢٦٧ - وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ قَزًّا. فَهُوَ لَهُ. فَأَصَابَ قَبَاءً أَوْ جُبَّةً حَشْوُهَا قَزٌّ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.\nلِأَنَّ الْحَشْوَ مُغَيَّبٌ. وَكَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ اتِّخَاذِهِ فِي الْقَبَاءِ، وَالْجُبَّةِ الِانْتِفَاعَ بِهِ دُونَ الزِّينَةِ. فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَهْلَكِ فِيهِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِمِثْلِ هَذَا الْقَبَاءِ لِلرِّجَالِ، وَإِنْ كَانَ لُبْسُ الْقَزِّ حَرَامًا لِلرِّجَالِ فِي غَيْرِ حَالَةِ الْحَرْبِ. وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: يَسْتَحِقُّ هَذَا لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ أَنْ يَقُولَ: إذَا أَصَابَ ثَوْبًا سُدَاهُ قَزٌّ وَلُحْمَتُهُ غَيْرُ الْقَزِّ أَلَيْسَ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ السُّدَى؟ وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا. .\n١٢٦٨ - وَلَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ ثَوْبَ قَزٍّ فَهُوَ لَهُ. فَأَصَابَ جُبَّةً","vol":"1","page":732},{"text":"ظِهَارَتُهَا أَوْ بِطَانَتُهَا قَزٌّ، فَلَهُ الثَّوْبُ الَّذِي هُوَ قَزٌّ مِنْهُمَا، وَالْآخَرُ فِي الْغَنِيمَةِ.\nلِأَنَّ اسْمَ الثَّوْبِ يَتَنَاوَلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الظِّهَارَةِ وَالْبِطَانَةِ عَلَى الِانْفِرَادِ.\nوَأَحَدُهُمَا غَيْرُ غَالِبٍ عَلَى صَاحِبِهِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ظَاهِرٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ.\nوَمِنْ حَيْثُ الْحُكْمِ يُكْرَهُ لِلرِّجَالِ لُبْسُ هَذَا الثَّوْبِ. فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ حِلْيَةِ السَّيْفِ.\nثُمَّ يُبَاعُ وَيُقْسَمُ الثَّمَنُ كَمَا بَيَّنَّا.\nلِأَنَّ الضَّرَرَ فَاحِشٌ فِي نَزْعِ الظِّهَارَةِ مِنْ الْبِطَانَةِ. .\n١٢٦٩ - وَلَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ جُبَّةَ حَرِيرٍ فَهِيَ لَهُ. فَأَصَابَ جُبَّةً ظِهَارَتُهَا أَوْ بِطَانَتُهَا حَرِيرٌ فَالْمُعْتَبَرُ الظِّهَارَةُ هَا هُنَا.\nلِأَنَّ الْجُبَّةَ مَنْسُوبَةٌ إلَى الظِّهَارَةِ عَادَةً، وَالْبِطَانَةُ فِي النِّسْبَةِ تَبَعٌ لِلظِّهَارَةِ. ثُمَّ الْإِيجَابُ لَهُ كَانَ بِاسْمِ الْجُبَّةِ. وَهَذَا الِاسْمُ لَا يَتَنَاوَلُ الظِّهَارَةَ بِدُونِ الْبِطَانَةِ.\nفَلِهَذَا اسْتَحَقَّ الْكُلَّ. بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، فَالْإِيجَابُ هُنَاكَ بِاسْمِ الثَّوْبِ، وَالظِّهَارَةُ بِدُونِ الْبِطَانَةِ تُسَمَّى ثَوْبًا. .\n١٢٧٠ - وَلَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ ذَهَبًا فَهُوَ لَهُ. فَأَصَابَ دِيبَاجًا مَنْسُوجًا بِالذَّهَبِ. فَإِنْ كَانَ الذَّهَبُ مُسْتَعْمَلًا فِي سُدَى الثَّوْبِ فَلَيْسَ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ.\nبِمَنْزِلَةِ الْقَزِّ الَّذِي هُوَ سُدَى الثَّوْبِ.\nوَإِنْ كَانَ الذَّهَبُ فِيهِ بَيِّنًا يُرَى فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الذَّهَبَ دُونَ غَيْرِهِ وَالطَّرِيقُ فِيهِ الْبَيْعُ كَمَا ذَكَرْنَا، لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ اللُّحْمَةُ دُونَ السُّدَى.","vol":"1","page":733},{"text":"أَلَا تَرَى أَنَّ مَا يَكُونُ سُدَاهُ قَزًّا وَإِبْرَيْسَمًا يَحِلُّ لُبْسُهُ لِلرِّجَالِ كَالْعَتَّابِيِّ، وَمَا يَكُونُ لُحْمَتُهُ إبْرَيْسَمًا لَا يَحِلُّ لُبْسُهُ لِلرِّجَالِ. يُوَضِّحُهُ إنَّهُ بِاللُّحْمَةِ يَصِيرُ ثَوْبًا. فَعَرَفْنَا أَنَّهُ مَنْسُوبٌ إلَى اللُّحْمَةِ دُونَ السُّدَى. .\n١٢٧١ - وَلَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ حَرِيرًا فَأَصَابَ جُبَّةً لَبِنَتُهَا مِنْ حَرِيرٍ، أَوْ ثَوْبًا عَمِلَهُ مِنْ حَرِيرٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ.\nلِأَنَّ هَذَا تَبَعٌ مَحْضٌ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِلُبْسِ هَذَا الثَّوْبِ لِلرِّجَالِ؟\n١٢٧٢ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ ذَهَبًا فَأَصَابَ يَاقُوتًا فِيهِ مِسْمَارُ ذَهَبٍ، أَوْ خَاتَمَ فِضَّةٍ فِي فَصِّهَا مِسْمَارُ ذَهَبٍ. لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ.\nلِأَنَّهُ مُضَبَّبٌ وَتَبَعٌ مَحْضٌ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَصَابَ أَسِيرًا مُضَبَّبَ الْأَسْنَانِ بِالذَّهَبِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ الذَّهَبُ.\nوَلَوْ أَصَابَ أَسِيرًا قَدْ اتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ كَانَ لَهُ الذَّهَبُ.\nلِأَنَّ الْأَنْفَ بَائِنٌ مِنْ جَسَدِهِ فَإِنَّهُ يَرْبِطُهُ وَيَنْزِعُهُ مَتَى شَاءَ فَلَمْ يَكُنْ تَبَعًا مَحْضًا. بِخِلَافِ الْأَسْنَانِ، وَهَذَا كُلُّهُ اسْتِحْسَانٌ. وَفِي الْقِيَاسِ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ كُلَّهُ لِبَقَاءِ الِاسْمِ حَقِيقَةً. .","vol":"1","page":734},{"text":"وَلَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ ثَوْبَ خَزٍّ فَهُوَ لَهُ فَأَصَابَ جُبَّةَ خَزٍّ بِطَانَتُهَا سَمُّورٌ أَوْ فَنَكُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا الظِّهَارَةُ.\nلِأَنَّهُ أَوْجَبَ بِاسْمِ الثَّوْبِ.\nوَقَدْ بَيَّنَّا فِي هَذَا أَنَّ (ص ٢٤٧) الْبِطَانَةَ لَا تَكُونُ تَبَعًا لِلظِّهَارَةِ فِي الْقَزِّ.\nفَكَذَلِكَ فِي الْخَزِّ. وَلَوْ كَانَ التَّنْفِيلُ بِاسْمِ الْجُبَّةِ كَانَ الْجَوَابُ كَذَلِكَ هَهُنَا. لِأَنَّ السَّمُّورَ وَالْفَنَكَ لَا يَكُونُ تَبَعًا لِلْخَزِّ فِي النِّسْبَةِ بِحَالٍ، فَإِنَّهُ يُقَالُ لِهَذِهِ الْجُبَّةِ إنَّهَا جُبَّةُ سَمُّورٍ أَوْ فَنَكٍ، فَبِإِيجَابِ الْخَزِّ لَهُ لَا يَسْتَحِقُّ مَا لَا يَتْبَعُهُ فِي النِّسْبَةِ بِحَالٍ.\n١٢٧٤ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ ثَوْبَ فَنَكٍ. فَلَهُ الْفَنَكُ دُونَ الظِّهَارَةِ.\nلِأَنَّ اسْمَ الثَّوْبِ وَالْجُبَّةِ يَتَنَاوَلُ الْفَنَكَ بِدُونِ الظِّهَارَةِ، وَالظِّهَارَةُ لَا تَتْبَعُ الْبِطَانَةَ فِي النِّسْبَةِ.\n١٢٧٥ - وَلَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ الْبِزْيَوْنِ. فَأَصَابَ جُبَّةً الْبَدَنُ مِنْهَا بُزْيُونٌ، وَالْكُمَّانِ وَالدَّخَارِيصُ دِيبَاجٌ فَلَهُ الْبَدَنُ خَاصَّةً لِأَنَّ بَعْضَ هَذَا لَيْسَ يَتْبَعُ لِلْبَعْضِ فَلَوْ كَانَتْ كُلُّهَا بُزْيُونًا إلَّا اللَّبِنَةَ فَهِيَ لِلْمُصِيبِ كُلُّهَا","vol":"1","page":735},{"text":"لِأَنَّ اللَّبِنَةَ تَبَعٌ مَحْضٌ\n١٢٧٦ - وَلَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ جُبَّةَ بُزْيُونٍ، فَأَصَابَ جُبَّةً بَدَنُهَا بُزْيُونٌ وَمَا سِوَى الْبَدَنِ دِيبَاجٌ، أَوْ عَلَى عَكْسِ ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْهَا شَيْءٌ لِأَنَّ مَا أَصَابَ لَيْسَ بِجُبَّةِ بُزْيُونٍ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا نُزِعَ مِنْهَا الدِّيبَاجُ لَا يُسَمَّى مَا بَقِيَ جُبَّةً، وَإِنَّمَا جَعَلَ الشَّرْطَ إصَابَةَ جُبَّةٍ بُزْيُونٍ.\n١٢٧٧ - وَلَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ فِضَّةً أَوْ ذَهَبًا. فَأَصَابَ قَصْعَةً مُضَبَّبَةً بِهِمَا. فَإِنْ كَانَ جَعَلَ ذَلِكَ لِلزِّينَةِ فَلَهُ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ. وَعَلَامَةُ ذَلِكَ أَنَّهَا لَوْ نُزِعَتْ تَبْقَى قَصْعَةً. وَإِنْ كَانَتْ الضَّبَّةُ جُعِلَتْ لِكَسْرِ الْقَصْعَةِ بِحَيْثُ لَوْ نُزِعَتْ لَمْ تَكُنْ قَصْعَةً، أَوْ سَقَطَ مِنْهَا كَسْرَةٌ، فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمَسَامِيرِ.\nلِأَنَّهَا اُسْتُعْمِلَتْ فِيهَا لِلْمَنْفَعَةِ لَا لِلزِّينَةِ. فَكَانَتْ تَبَعًا مَحْضًا.\n١٢٧٨ - وَلَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ شَعْرًا فَهُوَ لَهُ، فَأَصَابَ جُلُودَ مَعْزٍ عَلَيْهَا الشَّعْرُ، أَوْ أَنْمَاطَ شَعْرٍ، أَوْ سِتْرَ شَعْرٍ، أَوْ مُسُوحًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.","vol":"1","page":736},{"text":"لِأَنَّ اسْمَ الشَّعْرِ لَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَ الْمَخْلُوقِ مِنْ الْجِلْدِ عَادَةً. وَلَا يَتَنَاوَلُ الثَّوْبَ الْمُتَّخَذَ مِنْ الشَّعْرِ، بِمَنْزِلَةِ اسْمِ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ فَإِنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ الثَّوْبَ الْمُتَّخَذَ مِنْهُ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا مُجَانَسَةَ بَيْنَ مِثْلِ هَذَا الثَّوْبِ وَبَيْنَ الْأَصْلِ الَّذِي اتَّخَذَ مِنْهُ؟ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ بِالصَّنْعَةِ صَارَ شَيْئًا آخَرَ.\n١٢٧٩ - وَلَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ خَزًّا. فَأَصَابَ جُلُودَ خَزٍّ، أَوْ خَزًّا قَدْ حَلَقَ مِنْ الْجُلُود، فَلَهُ الْخَزُّ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا.\nلِأَنَّ اسْم الْخَزِّ يَتَنَاوَلهُمَا حَقِيقَةً.\nفَإِنْ قِيلَ: بَعْد الْحَلْقِ أَيُنْسَبُ الْجِلْدُ إلَى الْخَزِّ؟ فَيُقَال: هُوَ خَزٌّ، بِخِلَافِ جُلُودِ الْمَعْزِ وَالضَّأْنِ. فَإِنَّهَا لَا تُنْسَب إلَى مَا عَلَيْهَا مِنْ الشَّعْرِ وَالصُّوفِ. لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَقُولُ جِلْدُ الصُّوفِ.\n١٢٨٠ - وَلَوْ أَصَابَ ثَوْبَ خَزٍّ فَهُوَ لَهُ.\nلِأَنَّ الثَّوْبَ مَنْسُوبٌ إلَى الْخَزِّ مُطْلَقًا، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: مِنْ أَصَابَ صُوفًا أَوْ بُزْيُونًا، فَأَصَابَ ثَوْبَ بُزْيُونٍ أَوْ ثَوْبَ صُوفٍ لِأَنَّ بَعْدَ النَّسْجِ لَا يُسَمَّى صُوفًا وَلَا بُزْيُونًا مُطْلَقًا، بَلْ مُقَيَّدًا بِالثَّوْبِ. بِمَنْزِلَةِ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ وَلَوْ أَصَابَ خَزًّا مَغْزُولًا كَانَ لَهُ.\nلِأَنَّ بَعْدَ الْغَزْلِ يُسَمَّى خَزًّا مُطْلَقًا بِخِلَافِ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ. فَصَارَ الْحَاصِلُ فِي الْخَزِّ أَنَّ الِاسْمَ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ عَلَى أَيْ وَجْهٍ كَانَ\n١٢٨١ - وَلَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ جُبَّةَ خَزٍّ أَوْ جُبَّةً مَرْوِيَّةً","vol":"1","page":737},{"text":"فَهِيَ لَهُ، فَأَصَابَ جُبَّةً بِطَانَتُهَا وَظِهَارَتُهَا فَنَكُ أَوْ سَمُّورٌ، فَهِيَ غَنِيمَةٌ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ ظِهَارَتُهَا مَرْوِيَّةٌ وَبِطَانَتُهَا مِنْ فَنَكٍ أَوْ سَمُّورٍ.\nلِأَنَّ هَذِهِ تُنْسَبُ عَادَةً إلَى الْفَنَكِ وَالسَّمُّورِ دُونَ الْخَزِّ وَالْمَرْوِيِّ. عَلَى مَعْنَى أَنَّ الِاسْمَ يَنْطَلِقُ عَلَى الْفَنَكِ وَالسَّمُّورِ مَقْصُودًا بِدُونِ الظِّهَارَةِ، فَإِنَّهُ يُسَمَّى جُبَّةً، وَلَا يَنْطَلِقُ عَلَى الْخَزِّ وَالْمَرْوِيِّ الَّذِي هُوَ ظِهَارَةٌ بِدُونِ الْبِطَانَةِ. فَإِنَّمَا الْأَصْلُ فِي النِّسْبَةِ مَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ وَحْدَهُ دُونَ مَا لَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ وَحْدَهُ.\n١٢٨٢ - وَإِنْ أَصَابَ جُبَّةَ خَزٍّ بِطَانَتُهَا (ص ٢٤٨) مَرْوِيَّةٌ أَوْ قُوهِيَّةٌ، كَانَتْ لَهُ الظِّهَارَةُ دُونَ الْبِطَانَةِ. مِنْ قِبَلِ أَنَّ هَذِهِ الْجُبَّةَ لَا تُنْتَسَبُ إلَى الْبِطَانَةِ، إذْ الْبِطَانَةُ بِانْفِرَادِهَا لَا تُسَمَّى جُبَّةً. وَقَدْ يَنْطَلِقُ اسْمُ الْجُبَّةِ عَلَى الظِّهَارَةِ مِنْ الْخَزِّ بِغَيْرِ الْبِطَانَةِ. فَلِهَذَا يَسْتَحِقُّ الظِّهَارَةَ دُونَ الْبِطَانَةِ.\nوَقَدْ ذُكِرَ قَبْلَ هَذَا فِي الْحَرِيرِ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الظِّهَارَةَ وَالْبِطَانَةَ جَمِيعًا. فَقِيلَ: فِيهِ رِوَايَتَانِ. وَقِيلَ: بَيْنَهُمَا فَرْقٌ، لِأَنَّ الظِّهَارَةَ مِنْ الْحَرِيرِ بِدُونِ الْبِطَانَةِ لَا تُسَمَّى جُبَّةً حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا، وَمِنْ الْخَزِّ تُسَمَّى جُبَّةً، وَإِنْ كَانَ مَجَازًا.\nفَإِذَا كَانَتْ الْبِطَانَةُ مِنْ سَمُّورٍ أَوْ فَنَكٍ يُسْتَعْمَلُ اللَّفْظُ حَقِيقَةً فَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ الْمَجَازِ. وَإِذَا كَانَ مَرْوِيًّا فَقَدْ تَعَذَّرَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ حَقِيقَةً فَيُسْتَعْمَلُ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ وَيُجْعَلُ لَهُ الظِّهَارَةُ خَاصَّةً.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ جُبَّةَ خَزٍّ أَوْ سَمُّورٍ أَوْ فَنَكٍ، فَأَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ظِهَارَتُهُ وَشْيٌ أَوْ حَرِيرٌ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الظِّهَارَةُ وَكَانَ لَهُ مَا سِوَى ذَلِكَ؟ لِأَنَّ اسْمَ الْجُبَّةِ يَتَنَاوَلُ مَا سِوَى الظِّهَارَةِ، إمَّا حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا، وَالظِّهَارَةُ لَا تَكُونُ تَبَعًا لِلْبِطَانَةِ بِحَالٍ.","vol":"1","page":738},{"text":"وَلَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ جُبَّةً مَرْوِيَّةً، فَأَصَابَ جُبَّةً ظِهَارَتُهَا مَرْوِيَّةٌ وَبِطَانَتُهَا مِنْ غَيْرِهِ، فَلَهُ الْكُلُّ. وَهَذَا وَالْحَرِيرُ سَوَاءٌ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الظِّهَارَةَ بِدُونِ الْبِطَانَةِ هَا هُنَا تُسَمَّى قَمِيصًا دُونَ الْجُبَّةِ؟ وَاَلَّذِي يُوَضِّحُ هَذَا.\nلَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ قَلَنْسُوَةً ظِهَارَتُهَا عَلَى مَا قَالَ وَبِطَانَتُهَا وَحَشْوُهَا مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ كَانَ لَهُ الْكُلُّ.\nلِأَنَّهَا لَا تَكُونُ قَلَنْسُوَةً بِدُونِ الْبِطَانَةِ وَالْحَشْوِ.\n١٢٨٤ - وَلَوْ صَمَدَ الْجُبَّةَ عَلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ فَقَالَ: مَنْ أَصَابَ هَذِهِ الْجُبَّةَ الْخَزَّ فَهِيَ لَهُ. فَأَصَابَهَا إنْسَانٌ، فَإِذَا هِيَ مُبَطَّنَةٌ بِفَنَكٍ أَوْ سَمُّورٍ فَالْكُلُّ لِلْمُصِيبِ هَهُنَا.\nلِأَنَّهُ بَنَى الِاسْتِحْقَاقَ هُنَا عَلَى الْيَقِينِ بِالْإِشَارَةِ دُونَ الِاسْمِ وَالنِّسْبَةِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلتَّعْرِيفِ. إلَّا عِنْدَ التَّعْرِيفِ بِالْإِشَارَةِ يَسْقُطُ اعْتِبَارُ النِّسْبَةِ، لِأَنَّ الْإِشَارَةَ أَبْلَغُ بِخِلَافِ جَمِيعِ مَا سَبَقَ.\nوَاسْتَوْضَحَ هَذَا بِالْوَصِيَّةِ بِجُبَّةِ الْخَزِّ، وَالْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِي النَّفْلِ.\n١٢٨٥ - وَلَوْ قَالَ مَنْ أَصَابَ جُبَّةً مَرْوِيَّةً فَهَذَا عَلَى الظِّهَارَةِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ النِّسْبَةَ إلَى الظِّهَارَةِ، وَهِيَ لَا تُسَمَّى جُبَّةً بِدُونِ الْبِطَانَةِ، وَالْحَشْوُ يَتْبَعُ لَهُمَا، فَيَسْتَحِقُّ الْكُلَّ ١٢٨٦ - وَلَوْ. قَالَ مَنْ أَصَابَ جُبَّةَ خَزٍّ، فَأَصَابَ جُبَّةَ خَزٍّ بِطَانَتُهَا غَيْرُ الْخَزِّ، وَهِيَ مَحْشُوَّةٌ بِقَزٍّ أَوْ قُطْنٍ، فَلَهُ الظِّهَارَةُ خَاصَّةً.","vol":"1","page":739},{"text":"لِأَنَّ الظِّهَارَةَ مِنْ الْخَزِّ تُسَمَّى جُبَّةً بِانْفِرَادِهَا مَجَازًا. فَلَا يَسْتَحِقُّ الْبِطَانَةَ بِهَذَا الِاسْمِ، وَإِذَا لَمْ يَسْتَحِقَّ الْبِطَانَةَ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْحَشْوَ.\n١٢٨٧ - وَلَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ قَبَاءً مَرْوِيًّا، فَأَصَابَ قَبَاءً بِطَانَتُهُ غَيْرُ مَرْوِيٍّ، وَحَشْوُهُ كَذَلِكَ، فَلَهُ الظِّهَارَةُ خَاصَّةً.\nلِأَنَّ الظِّهَارَةَ وَحْدَهَا تُسَمَّى قَبَاءً. يُقَالُ: قَبَاءٌ طَاقٌ، وَقَبَاءٌ طَاقَيْنِ، بِخِلَافِ الْجُبَّةِ، فَالظِّهَارَةُ وَحْدَهَا هُنَاكَ تُسَمَّى قَمِيصًا لَا جُبَّةً.\nوَلَوْ كَانَتْ الظِّهَارَةُ وَالْبِطَانَةُ مَرْوِيَّتَيْنِ وَالْحَشْوُ مِنْ غَيْرِهِ اسْتَحَقَّ الْكُلَّ.\nلِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَحَقَّ الظِّهَارَةَ وَالْبِطَانَةَ اسْتَحَقَّ الْحَشْوَ تَبَعًا.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: مَنْ أَصَابَ قَبَاءً، اسْتَحَقَّ الْحَشْوَ تَبَعًا لِلظِّهَارَةِ وَالْبِطَانَةِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْحَشْوُ قَبَاءً. فَكَذَلِكَ عِنْدَ التَّقْيِيدِ يَسْتَحِقُّ الْحَشْوَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَرْوِيًّا. وَالسَّرَاوِيلُ بِمَنْزِلَةِ الْقَبَاءِ فِي جَمِيعِ مَا قُلْنَا، لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى سَرَاوِيلَ مُبَطَّنًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُبَطَّنٍ.","vol":"1","page":740},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>[بَابُ النَّفْلِ مِنْ أَسْلَابِ الْخَوَارِجِ وَأَهْلِ الْحَرْبِ]</span>\nِ يُقَاتِلُونَ مَعَهُمْ بِأَمَانٍ أَوْ بِغَيْرِ أَمَانٍ (ص ٢٤٩)\n- قَالَ: أَمَانُ الْخَوَارِجِ لِأَهْلِ الْحَرْبِ جَائِزٌ كَأَمَانِ أَهْلِ الْعَدْلِ، لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ مِنْ أَهْلِ فِئَةٍ مُمْتَنِعَةٍ وَبَيَانُ هَذَا الْوَصْفِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] وَفِي قَوْلِ عَلِيٍّ - ﵁ -: إخْوَانُنَا بَغَوْا عَلَيْنَا. ثُمَّ أَمَانُ الْوَاحِدِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَأَمَانِ جَمَاعَتِهِمْ.\nلِأَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ لَا يَقِفُونَ عَلَى السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْقِتَالِ بَيْنَ أَهْلِ الْعَدْلِ وَأَهْلِ الْبَغْيِ، حَتَّى يُمَيِّزُوا أَهْلَ الْعَدْلِ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ فَيَسْتَأْمِنُوا مِنْهُمْ. فَإِذَا اسْتَأْمَنُوا مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ فَقَدْ سَالَمُونَا عَلَى أَنْ يَتَّجِرُوا فِينَا وَذَلِكَ أَمَانٌ نَافِذٌ\nفَلَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْعَدْلِ أَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ حَتَّى يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ.\nإنْ كَانُوا فِي مَنَعَةٍ، أَوْ يُبْلِغُوهُمْ مَأْمَنَهُمْ إنْ كَانُوا فِي غَيْرِ مَنَعَةٍ.\n١٢٨٩ - وَلَوْ اسْتَعَانَ الْخَوَارِجُ بِأَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الْعَدْلِ فَخَرَجُوا إلَيْهِمْ فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ أَهْلُ الْعَدْلِ، سَبَوْا أَهْلَ الْحَرْبِ، وَلَا يَكُونُ اسْتِعَانَةُ الْخَوَارِجِ بِهِمْ أَمَانًا لَهُمْ.\nوَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: كَانَ ذَلِكَ أَمَانًا لَهُمْ. وَلَكِنَّهُمْ حِينَ قَاتَلُوا أَهْلَ الْعَدْلِ","vol":"1","page":741},{"text":"صَارُوا نَاقِضِينَ لِذَلِكَ الْأَمَانِ. وَهَذَا غَلَطٌ. فَإِنَّهُمْ لَوْ أَمَّنُوهُمْ ثُمَّ قَاتَلُوا مَعَهُمْ أَهْلَ الْعَدْلِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَقْضًا لِلْأَمَانِ إذَا كَانُوا تَحْتَ رَايَةِ الْخَوَارِجِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ بَعْدَ هَذَا وَلَكِنَّ. الْوَجْهَ فِيهِ أَنَّهُمْ مَا خَرَجُوا مُسَالِمِينَ لِلْمُسْلِمِينَ، إنَّمَا خَرَجُوا مُقَاتِلِينَ. أَمَّا فِي حَقِّ أَهْلِ الْعَدْلِ فَغَيْرُ مُشْكِلٍ، وَأَمَّا فِي حَقِّ الْخَوَارِجِ فَلِأَنَّهُمْ انْضَمُّوا إلَيْهِمْ لِيُعِينُوهُمْ لَا لِيَكُونُوا فِي أَمَانٍ مِنْهُمْ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الْجَيْشَ فِي دَارِ الْحَرْبِ يُعِينُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ فِي أَمَانٍ مِنْ بَعْضٍ.\n١٢٩٠ - فَإِذَا ظَفِرْنَا بِهِمْ كَانُوا فَيْئًا، سَوَاءٌ قَاتَلُونَا مَعَ الْخَوَارِجِ أَوْ لَمْ يُقَاتِلُونَا. وَلَكِنْ إنْ أَرَادَ الْخَوَارِجُ قَتْلَهُمْ وَأَخْذَ أَمْوَالِهِمْ لَمْ يَحِلَّ لَهُمْ ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُمْ ضَمِنُوا لَهُمْ تَرْكَ التَّعَرُّضِ حِينَ دَعَوْهُمْ إلَى أَنْ يَخْرُجُوا مُقَاتِلِينَ مَعَهُمْ أَهْلَ الْعَدْلِ، إذْ لَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِهَذَا. وَمَنْ ضَمِنَ لِغَيْرِهِ شَيْئًا فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِذَلِكَ.\n١٢٩١ - فَإِنْ سَبَوْهُمْ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ لَمْ يَحِلَّ لَنَا أَنْ نَشْتَرِيَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.\nلِأَنَّهَا جُعِلَتْ لَهُمْ بِسَبَبٍ حَرَامٍ شَرْعًا. وَلَوْ اشْتَرَاهَا مُشْتَرٍ جَازَ شِرَاؤُهُ.","vol":"1","page":742},{"text":"لِأَنَّ الْحُرْمَةَ لَيْسَتْ لِعِصْمَةِ الْمَحَلِّ بَلْ لِمَعْنَى الْغَدْرِ. فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ ثُبُوتَ الْمِلْكِ وَصِحَّةَ الشِّرَاءِ مِنْ الْمُتَمَلَّكِ.\n١٢٩٢ - وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مُسْلِمٍ يَدْخُلُ إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ كَأَنَّهُ لَا يَكُونُ مُعْطِيًا لَهُمْ أَمَانًا بِهَذَا، وَلَكِنْ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَسْبِيَ بَعْضَهُمْ وَيَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِمْ، لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْغَدْرِ. فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ أُمِرَ بِرَدِّهِ وَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ، وَإِنْ اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْهُ ذَلِكَ الْمَالَ جَازَ الشِّرَاءُ مَعَ الْكَرَاهِيَةِ.\n١٢٩٣ - فَإِنْ قَاتَلُوا فَقَالَ أَمِيرُ أَهْلِ الْعَدْلِ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ. فَقَتَلَ رَجُلٌ قَتِيلًا مِنْ الْخَوَارِجِ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَلَبُهُ.\nلِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ وَأَمْوَالُهُمْ مُحْرَزَةٌ بِدَارِ الْإِسْلَامِ فَلَا تَكُونُ غَنِيمَةً.\n١٢٩٤ - وَإِنْ قَتَلَ حَرْبِيًّا فَلَهُ سَلَبُهُ.\nلِأَنَّ مَالَهُ مُبَاحُ الِاغْتِنَامِ إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَمَانٌ مِنْ جِهَةِ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.\n١٢٩٥ - فَإِنْ أَخَذَ أَهْلُ الْحَرْبِ رَقِيقًا وَأَمْوَالًا مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ فَأَحْرَزُوهَا بِمَنَعَةِ الْخَوَارِجِ ثُمَّ أَسْلَمُوا فَعَلَيْهِمْ رَدُّ جَمِيعِ مَا أَخَذُوا.\nلِأَنَّهُمْ لَمْ يُحْرِزُوهَا بِدَارِهِمْ، وَإِنَّمَا يَمْلِكُونَ أَمْوَالَنَا بِالْإِحْرَازِ بِدَارِهِمْ.","vol":"1","page":743},{"text":"١٢٩٦ - وَلَوْ كَانَتْ الْمَنَعَةُ لَهُمْ فِي دَارِنَا فَأَحْرَزُوا الْمَالَ بِهَا لَمْ يَمْلِكُوهَا. فَإِذَا كَانَتْ لِلْخَوَارِجِ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَمْلِكُوهَا.\nفَإِنْ كَانُوا أَدْخَلُوهَا دَارَهُمْ ثُمَّ أَسْلَمُوا أَوْ صَارُوا ذِمَّةً فَهِيَ لَهُمْ.\nلِأَنَّهُمْ مَلَكُوهَا بِتَمَامِ الْإِحْرَازِ. وَقَالَهُ - ﵇ -: «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى مَالٍ فَهُوَ لَهُ»\n١٢٩٧ - وَلَوْ أَصَابُوا مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْعَدْلِ وَصِبْيَانِهِمْ لَمْ يَسَعْ الْخَوَارِجَ تَرْكُهُمْ يَذْهَبُونَ بِهِمْ إلَى دَارِ الْحَرْبِ (ص ٢٥٠) .\nلِأَنَّهُمْ ظَالِمُونَ فِي حَبْسِ أَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ.\nوَلَيْسَ عَلَيْهِمْ الْوَفَاءُ لَهُمْ بِالتَّقْرِيرِ عَلَى الظُّلْمِ، وَلَكِنَّهُمْ يَأْمُرُونَهُمْ بِتَخْلِيَةِ سَبِيلِهِمْ. فَإِنْ أَبَوْا قَاتَلُوهُمْ لِاسْتِنْقَاذِ ذَرَارِيِّ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَيْدِيهِمْ. لَمْ يَسَعْهُمْ غَيْرُ ذَلِكَ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ إذَا تَمَكَّنُوا مِنْ اسْتِنْقَاذِ ذَرَارِيِّ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَيْدِيهِمْ لَمْ يَسَعْهُمْ غَيْرُ ذَلِكَ.\n١٢٩٨ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَرَادُوا إدْخَالَ الْأَمْوَالِ دَارَهُمْ فَالْوَاجِبُ عَلَى الْخَوَارِجِ أَخْذُ ذَلِكَ مِنْهُمْ لِيَرُدُّوهَا عَلَى أَهْلِهَا.","vol":"1","page":744},{"text":"لِأَنَّهُمْ لَمْ يَمْلِكُوهَا قَبْلَ الْإِحْرَازِ، فَهُمْ ظَالِمُونَ فِي حَمْلِهَا، بِخِلَافِ الْمُسْتَأْمَنِ فِي دَارِ الْحَرْبِ. لِأَنَّ هُنَاكَ قَدْ مَلَكُوا الْمَالَ بِالْإِحْرَازِ، وَهُوَ قَدْ ضَمِنَ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لَهُمْ فِي أَخْذِ أَمْوَالِهِمْ، فَلَا يَسَعُهُ أَنْ يَأْخُذَهَا. وَإِذَا عَلِمَ هَذَا الْحُكْمَ فِي الْأَمْوَالِ فِي حَقِّ الْخَوَارِجِ فَفِي الْإِحْرَازِ أَوْلَى.\n١٢٩٩ - وَإِنْ كَانُوا اسْتَهْلَكُوا مَا أَخَذُوا مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الْعَدْلِ ثُمَّ أَسْلَمُوا لَمْ يَضْمَنُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُمْ فَعَلُوهُ وَهُمْ مُحَارِبُونَ.\nوَلِأَنَّهُمْ حِينَ انْضَمُّوا إلَى أَهْلِ الْبَغْيِ كَانُوا بِمَنْزِلَتِهِمْ فِي هَذَا الْحُكْمِ. وَأَهْلُ الْبَغْيِ إذَا اسْتَهْلَكُوا أَمْوَالَ أَهْلِ الْعَدْلِ ثُمَّ تَابُوا لَمْ يَضْمَنُوا، فَكَذَلِكَ أَهْلُ الْحَرْبِ.\nوَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ الَّذِينَ أَعَانُوهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، لَمْ يَكُونُوا خَوَارِجَ وَلَكِنَّهُمْ لُصُوصٌ غَيْرُ مُتَأَوِّلِينَ.\nلِأَنَّ فِي حَقِّ أَهْلِ الْحَرْبِ حُكْمَ سُقُوطِ الضَّمَانِ لَا يَخْتَلِفُ بِالتَّأْوِيلِ وَعَدَمِ التَّأْوِيلِ، إنَّمَا ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. فَأَمَّا أَهْلُ الْحَرْبِ فَلَا يَضْمَنُونَ فِي الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّهُمْ فَعَلُوهُ وَهُمْ مُحَارِبُونَ.\n١٣٠٠ - وَلَوْ اسْتَعَارَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ السِّلَاحَ، ثُمَّ قَالَ أَمِيرُ أَهْلِ الْعَدْلِ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ. فَقُتِلَ خَارِجِيٌّ عَلَيْهِ سِلَاحُ حَرْبِيٍّ وَعَلَى عَكْسِ ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ السَّلَبُ لِلْقَاتِلِ فِي الْوَجْهَيْنِ.","vol":"1","page":745},{"text":"أَمَّا إذَا كَانَ سِلَاحُ الْخَارِجِيِّ عَلَى الْحَرْبِيِّ فَلِأَنَّ هَذَا الْمَالَ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلِاغْتِنَامِ.\nوَأَمَّا إذَا كَانَ سِلَاحُ الْحَرْبِيِّ عَلَى الْخَارِجِيِّ فَلِأَنَّهُ حِينَ اسْتَعَارَهُ مِنْهُ وَأَثْبَتَ يَدَهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَالِ فَقَدْ ثَبَتَ حُكْمُ الْأَمَانِ فِيهِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ بَعَثُوا إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ فَاسْتَعَارُوا مِنْهُمْ سِلَاحًا أَوْ كُرَاعًا فَأَخْرَجُوهُ إلَيْهِمْ أَنَّهُ يَثْبُتُ حُكْمُ الْأَمَانِ فِي ذَلِكَ الْمَالِ، لِحُصُولِهِ فِي يَدِ الْخَوَارِجِ، حَتَّى لَا يَكُونَ غَنِيمَةً، فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ. إلَّا أَنَّ أَهْلَ الْعَدْلِ إذَا ظَفِرُوا بِذَلِكَ لَمْ يَرُدُّوهُ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ، وَلَكِنَّهُمْ يَبِيعُونَهُ وَيَقِفُونَ ثَمَنَهُ حَتَّى يَجِيءَ أَصْحَابُهُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَيَأْخُذُونَ الثَّمَنَ.\n١٣٠١ - وَمَنْ اسْتَهْلَكَ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ شَيْئًا لَمْ يَضْمَنْ، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي أَمْوَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ إذَا وَقَعَتْ فِي يَدِ أَهْلِ الْعَدْلِ.\nوَهَذَا لِأَنَّ ثُبُوتَ الْأَمَانِ فِي هَذَا الْمَالِ بِثُبُوتِ يَدِ أَهْلِ الْبَغْيِ عَلَيْهِ، وَالْيَدُ لَا تَكُونُ فَوْقَ الْمِلْكِ.\n١٣٠٢ - وَلَوْ مَلَكُوهَا مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ كَانَ الْحُكْمُ فِيهِ هَذَا، وَلَوْ لَمْ يَبِعْ ذَلِكَ أَهْلُ الْعَدْلِ حَتَّى تَفَرَّقَ الْخَوَارِجُ ثُمَّ جَاءَ أَصْحَابُ السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ يَطْلُبُونَ ذَلِكَ فَفِي الْقِيَاسِ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ لِيَرُدُّوهُمْ عَلَى دَارِهِمْ.\nلِأَنَّ حُكْمَ الْأَمَانِ كَانَ ثَابِتًا فِي هَذَا الْمَالِ مِنْ جِهَةِ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ.","vol":"1","page":746},{"text":"وَلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَالِ الْخَوَارِجِ وَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَيْهِمْ بَعْدَ مَا تَفَرَّقَ جَمْعُهُمْ وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ فِئَةٌ.\nوَفِي الِاسْتِحْسَانِ يُجْبَرُونَ عَلَى بَيْعِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَأَخْذِ ثَمَنِهِ.\nلِأَنَّهُ صَارَ مَحْبُوسًا فِي يَدِ أَهْلِ الْعَدْلِ. وَالْكُرَاعُ وَالسِّلَاحُ بَعْدَ مَا صَارَ مُحْتَبَسًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يُمَكَّنُ الْكَافِرُ مِنْ رَدِّهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَيَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.\nوَهُوَ قِيَاسُ مَا لَوْ كَانُوا عَبِيدًا فَأَسْلَمُوا.\nيُوَضِّحُهُ أَنَّ هَذَا الْمَالَ لَوْ كَانَ لِلْخَوَارِجِ لَمْ يَجُزْ رَدُّهُ عَلَيْهِمْ مَعَ بَقَاءِ تَوَهُّمِ الِاسْتِعَانَةِ عَلَى (ص ٢٥١) قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، إنْ كَانَتْ مَنَعَتُهُمْ بَاقِيَةً. فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ رَدُّهُ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ لِيَسْتَعِينُوا بِهِ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ مَنَعَةَ أَهْلِ الْحَرْبِ بَاقِيَةٌ.\n١٣٠٣ - وَلَوْ أَنَّ الْخَوَارِجَ أَمَّنُوا تُجَّارًا دَخَلُوا عَسْكَرَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، ثُمَّ اسْتَعَارُوا مِنْهُمْ كُرَاعًا أَوْ سِلَاحًا، أَوْ أَخَذُوا مِنْهُمْ غَصْبًا، ثُمَّ قُتِلَ رَجُلٌ مِنْ الْخَوَارِجِ عَلَيْهِ ذَلِكَ السِّلَاحُ بَعْدَ تَنْفِيلِ الْإِمَامِ، فَإِنَّ سَلَبَهُ لَا يَكُونُ لِلْقَاتِلِ.\nلِأَنَّ بِأَمَانِهِمْ صَارَ هَذَا الْمَالُ مَعْصُومًا مِنْ الِاغْتِنَامِ، فَإِنَّ أَمَانَهُمْ فِي ذَلِكَ كَأَمَانِ أَهْلِ الْعَدْلِ يَبِيعُونَ مَا أَصَابُوا مِنْ ذَلِكَ وَيَقِفُونَ ثَمَنَهُ حَتَّى يَجِيئُوا فَيَأْخُذُوهُ.\n١٣٠٤ - وَإِنْ احْتَاجَ أَهْلُ الْعَدْلِ إلَى أَنْ يُقَاتِلُوا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِمْ لِيُقَاتِلُوا بِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ.\nلِأَنَّ هَذَا الْمَالَ لَوْ كَانَ عِنْدَهُ لِلْمُسْلِمِينَ جَازَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ عِنْدَ","vol":"1","page":747},{"text":"الْحَاجَةِ. فَإِذَا كَانَ لِلْمُسْتَأْمَنِينَ فَأَوْلَى. وَلِأَنَّ الْمُسْتَأْمَنِينَ حِينَ أَعَارُوهُمْ هَذَا الْمَالَ لِيُقَاتِلُوا بِهِ أَهْلَ الْعَدْلِ فَقَدْ رَضَوْا بِأَنْ يَكُونَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ أَمْوَالِ الْخَوَارِجِ فِي حَقِّنَا. وَلَوْ ظَفِرْنَا بِأَمْوَالِ الْخَوَارِجِ جَازَ أَنْ نَفْعَلَ بِهِ هَذَا، فَكَذَلِكَ فِي أَمْوَالِ الْمُسْتَأْمَنِينَ إذَا كَانُوا هُمْ الَّذِينَ أَعَارُوهُمْ.\n١٣٠٥ - وَإِنْ كَانُوا أَخَذُوا ذَلِكَ مِنْهُمْ غَصْبًا فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِإِمَامِ أَهْلِ الْعَدْلِ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ لِيُقَاتِلَ بِهِ عِنْدَ عَدَمِ الضَّرُورَةِ.\nلِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِينَ الرِّضَا بِأَنْ يُقَاتِلَ أَحَدٌ بِمَالِهِمْ. وَالْعِصْمَةُ ثَابِتَةٌ فِي أَمْوَالِهِمْ بِسَبَبِ الْأَمَانِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَقَدْ رَضَوْا هُنَالِكَ بِأَنْ يُقَاتَلَ بِمَالِهِمْ.\n١٣٠٦ - وَعَلَى هَذَا لَوْ اسْتَهْلَكَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَدْلِ ذَلِكَ الْمَالَ هُنَا ضَمِنَهُ لِلْمُسْتَأْمَنِينَ، وَفِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ لَمْ يَضْمَنْهُ، كَمَا لَا يَضْمَنُ مَالَ الْخَوَارِجِ.\nوَكَذَلِكَ لَا يَنْبَغِي لِأَمِيرِ أَهْلِ الْعَدْلِ أَنْ يَبِيعَ هَذَا الْمَالَ هُنَا، إلَّا أَنْ يَخَافَ التَّلَفَ عَلَيْهِ فَيَبِيعَهُ حِينَئِذٍ.\nلِأَنَّ عَيْنَ الْمَالِ مَحْفُوظٌ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِينَ كَمَا هُوَ مَحْفُوظٌ عَلَى الْمُسْلِمِ.\nفَهَذَا بِمَنْزِلَةِ مَالٍ لِبَعْضِ أَهْلِ الْعَدْلِ فِي يَدِهِ وَصَاحِبُهُ غَائِبٌ، فَيَحْفَظُ عَيْنَهُ. إلَّا أَنْ يَتَعَذَّرَ ذَلِكَ فَيَبِيعَهُ وَيَحْفَظَ ثَمَنَهُ عَلَيْهِ.","vol":"1","page":748},{"text":"فَإِنْ تَفَرَّقَ الْخَوَارِجُ قَبْلَ أَنْ يَبِيعَ الْإِمَامُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُرَدُّ الْمَالُ فِي الْفَصْلَيْنِ عَلَى أَصْحَابِهِ لِيَرُدُّوهُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ.\nلِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَالِ الْخَوَارِجِ، وَهُنَاكَ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ عَيْنُ مَالِهِمْ بَعْدَ مَا تَفَرَّقُوا.\nوَلِأَنَّهُمْ أَعْطَوْا الْمَالَ هُنَا إلَى الْخَوَارِجِ بَعْدَ مَا ثَبَتَتْ الْعِصْمَةُ فِيهَا بِالْأَمَانِ، فَلَا يُحْبَسُ فِي دَارِنَا، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ الْأَمَانُ لَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ ثُمَّ أَعَارُوا الْخَوَارِجَ كُرَاعَهُمْ وَسِلَاحَهُمْ.\n١٣٠٧ - وَلَوْ أَنَّ الْخَوَارِجَ آمَنُوا قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى أَنْ يُقَاتِلُوا مَعَهُمْ أَهْلَ الْعَدْلِ، فَخَرَجُوا فَقَاتَلُوا، أَوْ لَمْ يُقَاتِلُوا، حَتَّى ظَهَرَ أَهْلُ الْعَدْلِ عَلَيْهِمْ، فَلَيْسَ يَقَعُ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ سَبْيٌ وَلَا تَكُونُ أَمْوَالُهُمْ غَنِيمَةً.\nلِأَنَّهُمْ حِينَ أَعْطَوْهُمْ الْأَمَانَ فَقَدْ ثَبَتَتْ لَهُمْ الْعِصْمَةُ فِي نُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَبِسَبَبِ الْقِتَالِ لَا يُنْبَذُ ذَلِكَ الْأَمَانُ، لِأَنَّهُمْ قَاتَلُوا بِمَنَعَةِ الْخَوَارِجِ. فَكَمَا أَنَّ الْقِتَالَ مِنْ الْخَوَارِجِ لَا يَكُونُ نَقْضًا لِأَمَانِهِمْ، فَكَذَلِكَ الْقِتَالُ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِينَ مَعَهُمْ لَا يَكُونُ نَقْضًا لِلْأَمَانِ، وَلَكِنَّ حُكْمَهُمْ كَحُكْمِ الْخَوَارِجِ فِيمَا يَحِلُّ مِنْهُمْ وَمَا يَحْرُمُ، وَفِي التَّنْفِيلِ فِي السَّلَبِ.\nوَهَذَا بِخِلَافِ مَا سَبَقَ إذَا قَالُوا لَهُمْ: اُخْرُجُوا فَقَاتِلُوا مَعَنَا، وَلَمْ يَذْكُرُوا الْأَمَانَ.\nلِأَنَّ أُولَئِكَ لَمْ تَثْبُتْ لَهُمْ الْعِصْمَةُ فِي نُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ. فَإِنَّ انْضِمَامَهُمْ إلَى الْخَوَارِجِ لِلْقِتَالِ مَعَنَا لَا يُوجِبُ ذَلِكَ.","vol":"1","page":749},{"text":"وَلَوْ أَنَّ الْخَوَارِجَ كَانُوا هُمْ الدَّاخِلِينَ عَلَيْهِمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ (ص ٢٥٢) فَأَمَّنَ الْقَوْمُ بَعْضَهُمْ بَعْضًا، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ أَهْلُ الْعَدْلِ: فَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْحَرْبِ فِي عِزِّهِمْ وَمَنَعَتِهِمْ فَهُمْ فَيْءٌ، وَمَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ.\nلِأَنَّهُمْ فِي عِزِّهِمْ وَمَنَعَتِهِمْ لَا يَكُونُونَ مُسْتَأْمَنِينَ. وَإِنَّمَا الْخَوَارِجُ هُمْ الْمُسْتَأْمَنُونَ إلَيْهِمْ. وَلِأَنَّهُمْ حِينَ قَاتَلُوا فِي مَنَعَتِهِمْ وَدَارِهِمْ فَقَدْ انْتَبَذَ الْأَمَانُ الَّذِي كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، فَكَانُوا أَهْلَ حَرْبٍ ظَفِرْنَا بِهِمْ.\n١٣٠٩ - وَإِنْ كَانُوا خَرَجُوا إلَى عَسْكَرِ الْخَوَارِجِ بِأَمَانٍ، وَكَانُوا غَيْرَ مُمْتَنِعِينَ إلَّا بِمَنَعَةِ الْخَوَارِجِ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ سَبْيٌ.\nلِأَنَّهُمْ مُسْتَأْمَنُونَ فِي مَنَعَةِ الْخَوَارِجِ، وَالْمُسْتَأْمَنُ فِي عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَالْمُسْتَأْمَنِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فِي حُكْمِ الْعِصْمَةِ. وَلِأَنَّ الْأَمَانَ لَمْ يُنْبَذْ بِقِتَالِهِمْ حِينَ لَمْ يَكُونُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ بِأَنْفُسِهِمْ.\n١٣١٠ - وَلَوْ أَنَّ الْخَوَارِجَ طَلَبُوا إلَى تُجَّارِ أَهْلِ الْحَرْبِ مُسْتَأْمَنِينَ فِيهِمْ أَنْ يُعِينُوهُمْ عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ، فَأَنْعَمُوا لَهُمْ، وَعَلِمَ ذَلِكَ أَهْلُ الْعَدْلِ لَمْ يَحِلَّ لَهُمْ التَّعَرُّضُ لَهُمْ بِقَتْلٍ وَلَا أَخْذِ مَالٍ حَتَّى يَنْصِبُوا الْحَرْبَ لِأَهْلِ الْعَدْلِ.\nلِأَنَّهُمْ مُسْتَأْمَنُونَ، فَحُكْمُهُمْ كَحُكْمِ أَهْلِ الذِّمَّةِ. وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ قَصَدُوا أَنْ يُقَاتِلُوا الْمُسْلِمِينَ فَمَا لَمْ يَظْهَرُوا ذَلِكَ لَا يَحِلُّ التَّعَرُّضُ لَهُمْ، وَلِأَنَّهُمْ حِينَ أَنْعَمُوا لِلْخَوَارِجِ كَانُوا بِمَنْزِلَةِ الْخَوَارِجِ، وَالْخَوَارِجُ مَا لَمْ يَنْصِبُوا لِقِتَالِ أَهْلِ الْعَدْلِ لَا يَحِلُّ التَّعَرُّضُ لَهُمْ فِي نَفْسٍ أَوْ مَالٍ.","vol":"1","page":750},{"text":"فَإِنْ قَاتَلُوا فَحُكْمُهُمْ كَحُكْمِ الْخَوَارِجِ فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ.\nلِأَنَّهُمْ قَاتَلُوا تَحْتَ رَايَةِ الْخَوَارِجِ، فَلَا يُنْتَبَذُ أَمَانُهُمْ بِذَلِكَ.\n١٣١١ - وَلَوْ كَانَ أَهْلُ الْحَرْبِ قَالُوا لِمُسْلِمٍ: أَنْتَ آمِنٌ فَادْخُلْ إلَيْنَا. فَدَخَلَ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِشَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ أَوْ مِنْ الْخَوَارِجِ.\nلِأَنَّهُ ضَمِنَ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لَهُمْ، وَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِمَا ضَمِنَ، لِقَوْلِهِ - ﵇ - «وَفَاءٌ لَا غَدْرَ فِيهِ» .\n١٣١٢ - وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَدْخُلْ إلَيْهِمْ حَتَّى آمَنَهُمْ وَآمَنُوهُ، وَهَذَا أَظْهَرُ مِنْ الْأَوَّلِ فِي حَقِّهِ.\nلِأَنَّهُمْ فِي أَمَانٍ صَحِيحٍ مِنْ جِهَتِهِ.\nإلَّا أَنَّ فِي هَذَا الْفَصْلِ لَيْسَ لِإِمَامِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَعْرِضَ لَهُمْ بِشَيْءٍ، وَلَا أَخْذِ مَالٍ، حَتَّى يُنْبَذَ إلَيْهِمْ. فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ ضَامِنًا لِجَمِيعِ مَا اسْتَهْلَكَ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ.\nلِأَنَّ الْقَوْمَ هُنَا فِي أَمَانٍ صَحِيحٍ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. فَإِنَّهُ آمَنَهُمْ وَهُوَ فِي مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَصَحَّ أَمَانُهُ. وَفِي الْأَوَّلِ لِلْإِمَامِ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ لِأَنَّهُ مَا آمَنَهُمْ الْمُسْلِمُ، وَلَكِنَّهُمْ آمَنُوهُ. إلَّا أَنَّ مِنْ ضَرُورَةِ كَوْنِهِ فِي أَمَانِهِمْ أَنْ لَا يَعْرِضَ لَهُمْ كَمَا لَا يَعْرِضُونَ لَهُ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَتِهِ أَنْ يَكُونُوا فِي أَمَانٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.","vol":"1","page":751},{"text":"وَلَوْ سَأَلَ الْخَوَارِجُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَنْ يُعِينُوهُمْ عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ فَقَالُوا: لَا نُعِينُكُمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَمِيرُ مِنَّا، وَيَكُونُ حُكْمُنَا هُوَ الْجَارِي. فَفَعَلُوا ذَلِكَ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ أَهْلُ الْعَدْلِ، فَأَهْلُ الْحَرْبِ وَأَمْوَالُهُمْ فَيْءٌ.\nأَمَّا إذَا كَانَتْ الْخَوَارِجُ لَمْ يُؤَمِّنُوهُمْ فَالْجَوَابُ ظَاهِرٌ. لِأَنَّهُمْ أَهْلُ حَرْبٍ لَا أَمَانَ لَهُمْ.\nوَأَمَّا إذَا كَانُوا أَمَّنُوهُمْ حِينَ خَرَجُوا فَلِأَنَّهُمْ نَقَضُوا ذَلِكَ الْأَمَانَ حِينَ قَاتَلُوا أَهْلَ الْعَدْلِ لِمَنَعَتِهِمْ وَتَحْتَ رَايَتِهِمْ، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فَهُنَاكَ إنَّمَا قَاتَلُوا تَحْتَ رَايَةِ الْخَوَارِجِ، وَكَانَ حُكْمُ الْخَوَارِجِ هُوَ الْجَارِي، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَقْضًا لِأَمَانِهِمْ.\nوَأَمَّا أَمْوَالُ أَهْلِ الْبَغْيِ فَهِيَ مَرْدُودَةٌ عَلَيْهِمْ إذَا وَضَعَتْ الْحَرْبُ أَوْزَارهَا.\nلِأَنَّ مَالَ الْمُسْلِمِ لَا يَكُونُ غَنِيمَةً فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لِلْمُسْلِمِينَ بِحَالٍ.\n١٣١٤ - وَحُكْمُ تَنْفِيلِ السَّلَبِ عَلَى هَذَا. حَتَّى إذَا قُتِلَ خَارِجِيٌّ وَعَلَيْهِ سِلَاحُ حَرْبِيٍّ فَهُوَ لِلْقَاتِلِ.\nلِأَنَّهُ لَا عِصْمَةَ فِي أَمْوَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ هُنَا.\nفَإِنْ قُتِلَ حَرْبِيٌّ وَعَلَيْهِ سِلَاحُ خَارِجِيٍّ لَمْ يَكُنْ لِلْقَاتِلِ.","vol":"1","page":752},{"text":"لِأَنَّهُ مَالٌ مَعْصُومٌ عَنْ الِاغْتِنَامِ.\nوَاسْتُوْضِحَ هَذَا بِمَا:\n١٣١٥ - لَوْ اجْتَمَعَ قَوْمٌ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِينَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَأَمَّرُوا عَلَيْهِمْ أَمِيرًا، أَوْ امْتَنَعُوا وَقَاتَلُوا الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ نَقْضًا لِأَمَانِهِمْ. بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُونُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَحُكْمُهُمْ فِي هَذَا كَحُكْمِ أَهْلِ الذِّمَّةِ.\n١٣١٦ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ أَهْلُ الْحَرْبِ الَّذِينَ دَخَلُوا لِإِعَانَةِ الْخَوَارِجِ قَاتَلُوا أَهْلَ الْعَدْلِ مِنْ نَاحِيَةٍ، وَقَاتَلَهُمْ الْخَوَارِجُ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى. فَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْحَرْبِ أَمِيرُهُمْ مِنْهُمْ وَهُمْ مُمْتَنِعُونَ بِغَيْرِ مَنَعَةِ الْخَوَارِجِ فَهُمْ فَيْءٌ إذَا ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ.\nلِأَنَّهُمْ صَارُوا نَاقِضِينَ بِاعْتِبَارِ مَنَعَتِهِمْ.\nوَإِنْ كَانَتْ مَنَعَتُهُمْ بِالْخَوَارِجِ فَحُكْمُهُمْ حُكْمُ الْخَوَارِجِ، وَإِنْ كَانَ أَمِيرُهُمْ مِنْهُمْ.\nلِأَنَّ التَّمَكُّنَ مِنْ الْقِتَالِ بِالْمَنَعَةِ لَا بِالْأَمِيرِ.\n١٣١٧ - وَلَوْ أَنَّ عَشَرَةً مِنْ الْخَوَارِجِ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ آمَنُوا عَشَرَةً مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى أَنْ يَخْرُجُوا فَيُغِيرُوا مَعَهُمْ، فَهَؤُلَاءِ إذَا وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمْ لَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ السَّبْيُ. وَلَا تَكُونُ أَمْوَالُهُمْ غَنِيمَةً.","vol":"1","page":753},{"text":"لِأَنَّهُمْ فِي أَمَانِ قَوْمٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَمَا نَقَضُوا ذَلِكَ الْأَمَانَ بِالْإِغَارَةِ وَالْقِتَالِ حِينَ لَمْ يَكُونُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ.\nوَلَكِنَّهُمْ يَأْخُذُونَ بِجَمِيعِ مَا اسْتَهْلَكُوا مِنْ الْأَمْوَالِ، وَيَقْتُلُونَ بِمَنْ قَتَلُوهُ عَمْدًا.\nلِأَنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ اللُّصُوصِ حِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَنَعَةٌ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ فِي حَقِّ الْخَوَارِجِ يَثْبُتُ هَذَا الْحُكْمُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ الْمُسْتَأْمَنِينَ مَعَهُمْ.\n١٣١٨ - وَلَوْ كَانُوا لَمْ يُؤَمِّنُوهُمْ وَإِنَّمَا قَالُوا لَهُمْ: اُخْرُجُوا فَأَغِيرُوا مَعَنَا، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا. فَالْجَوَابُ فِي حَقِّ الْخَوَارِجِ فِي هَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ.\nوَأَمَّا أَهْلُ الْحَرْبِ فَهُمْ فَيْءٌ وَجَمِيعُ مَا مَعَهُمْ، وَلَا يُقْتَلُونَ بِمَنْ قَتَلُوا، وَلَا يَضْمَنُونَ مَا اسْتَهْلَكُوا، لِأَنَّهُمْ لَا أَمَانَ لَهُمْ مِنْ جِهَةِ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَكِنَّهُمْ لُصُوصٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَلُصُوصُ أَهْلِ الْحَرْبِ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَبَيْنَ أَنْ يَقَعَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي هَذَا الْحُكْمِ.\nوَعَلَى هَذَا يُبْتَنَى حُكْمُ التَّنْفِيلِ فِي السَّلَبِ، فَإِنَّ أَمْوَالَهُمْ لَمَّا كَانَتْ فَيْئًا كَانَ لِلْقَاتِلِ مِنْهُمْ السَّلَبُ بِالتَّنْفِيلِ.\nفَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ الْمُسْتَأْمَنِينَ مِنْ جِهَةِ الْخَوَارِجِ وَالْمُسْتَأْمَنِينَ مِنْ جِهَةِ","vol":"1","page":754},{"text":"أَهْلِ الْعَدْلِ سَوَاءٌ فِي حُكْمِ التَّلَصُّصِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ، وَفِيمَا يَكُونُ نَقْضًا لِلْعَهْدِ إذَا كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ حِينَ قَاتَلُوا.\n١٣١٩ - وَلَوْ أَنَّ الْخَوَارِجَ صَالَحُوا أَهْلَ الْحَرْبِ وَوَادَعُوهُمْ ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ إلَى أَهْلِ الْعَدْلِ بِغَيْرِ أَمَانٍ كَانَ آمِنًا بِتِلْكَ الْمُوَادَعَةِ.\nلِأَنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الْعَدْلِ فِي الْمُوَادَعَةِ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ فِي عَقْدِ الذِّمَّةِ وَإِعْطَاءِ الْأَمَانِ هُمْ بِمَنْزِلَتِهِمْ؟ فَكَذَلِكَ فِي الْمُوَادَعَةِ.\n١٣٢٠ - وَلَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْعَدْلِ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ. كَمَا لَوْ كَانَتْ الْمُوَادَعَةُ مِنْ جِهَتِهِمْ. فَإِنْ اسْتَعَانَ بِهِمْ الْخَوَارِجُ فَخَرَجُوا وَقَاتَلُوا مَعَهُمْ أَهْلَ الْعَدْلِ فَوَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمْ لَمْ يُسْبَ أَحَدٌ مِنْهُمْ.\nلِأَنَّ تِلْكَ الْمُوَادَعَةَ كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ إعْطَاءِ الْأَمَانِ لَهُمْ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَنْ يَكُونُ فِي أَمَانٍ مِنْ الْخَوَارِجِ إذَا قَاتَلَ أَهْلَ الْعَدْلِ تَحْتَ رَايَةِ الْخَوَارِجِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَقْضًا لِلْأَمَانِ. فَهَؤُلَاءِ كَذَلِكَ. وَحَالُهُمْ كَحَالِ الْخَوَارِجِ فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ مِنْهُمْ وَمِنْ أَمْوَالِهِمْ.\n١٣١٢ - وَإِنْ كَانُوا خَرَجُوا عَلَى أَنْ يَكُونَ (ص ٢٥٤) الْأَمِيرُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ يَحْكُمُ فِيهِمْ بِحُكْمِ أَهْلِ الشِّرْكِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، ثُمَّ وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمْ فَهُمْ فَيْءٌ.\nلِأَنَّهُمْ صَارُوا نَاقِضِينَ لِتِلْكَ الْمُوَادَعَةِ حِينَ قَاتَلُوا بِمَنَعَتِهِمْ أَهْلَ الْعَدْلِ. وَحُكْمُ التَّنْفِيلِ فِي السَّلَبِ عَلَى هَذَا يُخَرَّجُ فِي الْفَصْلَيْنِ.","vol":"1","page":755},{"text":"وَكَذَلِكَ إنْ كَانُوا خَرَجُوا هُمْ مِنْ نَاحِيَةٍ لِيُقَاتِلُوا أَهْلَ الْعَدْلِ، وَالْخَوَارِجُ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى فَإِنْ كَانَ أَمِيرُ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْهُمْ فَهُمْ فَيْءٌ.\nلِأَنَّهُمْ قَاتَلُوا تَحْتَ رَايَتِهِمْ بِمَنَعَتِهِمْ.\nوَإِنْ كَانَ الْخَوَارِجُ بَعَثُوا إلَيْهِمْ أَمِيرًا مِنْهُمْ فَحُكْمُهُمْ كَحُكْمِ الْخَوَارِجِ لِأَنَّهُمْ قَاتَلُوا تَحْتَ رَايَةِ الْخَوَارِجِ. ١٣٢٣ -\nوَلَوْ خَرَجَ مِنْ الْمُوَادِعِينَ قَوْمٌ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ فَأَغَارُوا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَوَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمْ، فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ اللُّصُوصِ فِي حُكْمِ الضَّمَانِ وَالْقِصَاصِ.\nلِأَنَّهُمْ مَا قَاتَلُوا عَنْ مَنَعَةٍ لَهُمْ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ نَقْضًا مِنْهُمْ لِلْمُوَادَعَةِ.\n١٣٢٤ - وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَمَّنَهُمْ وَاحِدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ نَبَذَ الْإِمَامُ إلَيْهِمْ، فَأَمَّنَهُمْ ذَلِكَ الْمُسْلِمُ أَيْضًا فَهُمْ آمِنُونَ.\nلِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ صَحَّ أَمَانُ الْمُسْلِمِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى مَوْجُودٌ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ.\n١٣٢٥ - فَإِنْ قَالَ لَهُمْ الْأَمِيرُ: إنَّ هَذَا قَدْ آمَنَكُمْ غَيْرَ مَرَّةٍ فَلَا تَلْتَفِتُوا إلَى أَمَانِهِ، فَإِنَّهُ كُلَّمَا آمَنَكُمْ فَقَدْ نَبَذْنَا إلَيْكُمْ، كَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا مِنْهُ.","vol":"1","page":756},{"text":"لِأَنَّ نَبْذَ الْأَمَانِ تَأْثِيرُهُ فِي إطْلَاقِ الْأَمَانِ وَالِاسْتِغْنَامِ، فَيَجُوزُ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ كَالطَّلَاقِ. وَلِأَنَّ النَّبْذَ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِنَفْيِ الْغُرُورِ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالنَّبْذِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. .\n١٣٢٦ - وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا أَمَّنَ حَرْبِيًّا فَكَرِهَ الْإِمَامُ مَقَامَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يَتَقَدَّمُ إلَيْهِ فِي الْخُرُوجِ.\nوَلِأَنَّ لِلْإِمَامِ وِلَايَةَ النَّبْذِ بَعْدَ صِحَّةِ الْأَمَانِ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ أَنْ يُبْلِغَهُ مَأْمَنَهُ، فَيَتَقَدَّمُ إلَيْهِ فِي الْخُرُوجِ، وَيُجْعَلُ لَهُ مِنْ الْمُهْلَةِ مَا يَتَمَكَّنُ فِيهَا مِنْ الْخُرُوجِ بِغَيْرِ ضَرَرٍ، بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنِ إذَا طَالَ الْمَقَامُ فِي دَارِنَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الْحُكْمِ فِيهِ.\n١٣٢٧ - وَلَوْ قَالَ الْإِمَامُ لِحَرْبِيٍّ: لَا تَدْخُلْ دَارَنَا بِأَمَانِ فُلَانٍ فَإِنَّك إنْ دَخَلْت بِأَمَانِهِ فَأَنْتَ فَيْءٌ، ثُمَّ دَخَلَ بِأَمَانِهِ لَمْ يَكُنْ فَيْئًا.\nلِأَنَّ حَجْرَ الْمُسْلِمِ عَنْ إعْطَاءِ الْأَمَانِ بَاطِلٌ، فَإِنَّهُ لَا تَنْعَدِمُ بِحَجْرِهِ الْعِلَّةُ الْمُصَحِّحَةُ لِأَمَانِهِ، فَيَكُونُ حَجْرُهُ إبْطَالًا لِحُكْمِ الشَّرْعِ. وَلَا يُمْكِنُ جَعْلُ كَلَامِهِ نَبْذًا لِأَمَانٍ وَهُوَ فِي دَارِنَا. لِأَنَّ نَبْذَ الْأَمَانِ بَعْدَ إعْطَاءِ الْأَمَانِ لَا يَصِحُّ مَا لَمْ يَبْلُغْ مَأْمَنَهُ، فَكَذَلِكَ قَبْلَ إعْطَاءِ الْأَمَانِ. وَبِهِ فَارَقَ الْمُوَادِعِينَ، لِأَنَّ أُولَئِكَ فِي مَنَعَتِهِمْ، وَنَبْذُ الْأَمَانِ صَحِيحٌ لَوْ حَصَلَ مِنْهُ بَعْدَ الْأَمَانِ، فَكَذَلِكَ قَبْلَهُ. فَأَمَّا هَذَا فِي دَارِنَا فَلَا يَمْلِكُ أَحَدٌ نَبْذَ أَمَانِهِ مَا لَمْ يَبْلُغْ مَأْمَنَهُ. وَالْإِمَامُ وَغَيْرُهُ فِيهِ سَوَاءٌ.\n١٣٢٨ - وَلَوْ قَالَ الْإِمَامُ لِأَهْلِ الْحَرْبِ: مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ دَارَنَا بِأَمَانِ فُلَانٍ فَهُوَ ذِمَّةٌ لَنَا. فَدَخَلَ رَجُلٌ قَدْ عَلِمَ تِلْكَ الْمَقَالَةَ بِأَمَانِ فُلَانٍ. فَهُوَ ذِمَّةٌ، وَلَا يُتْرَكُ يَرْجِعُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ.","vol":"1","page":757},{"text":"لِأَنَّ دُخُولَهُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِمَقَالَةِ الْأَمِيرِ دَلَالَةُ الرِّضَا بِقَبُولِ الذِّمَّةِ، وَالدَّلَالَةُ فِي هَذَا كَالصَّرِيحِ. بِمَنْزِلَةِ مَقَامِ الذِّمِّيِّ الَّذِي يُقَدَّمُ إلَيْهِ الْأَمَانُ فِي دَارِنَا بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ.\nوَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ فَهُوَ فَيْءٌ.\nلِأَنَّ ذَلِكَ نَبْذُ الْأَمَانِ، فَلَا يَصِحُّ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي مَنَعَتِهِ، وَهَذَا تَأْكِيدٌ لِلْأَمْنِ الثَّابِتِ بِذَلِكَ الْأَمَانِ وَلَيْسَ بِنَبْذٍ.\n١٣٢٩ - وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ لِلْمَحْصُورِينَ: إنْ آمَنَكُمْ فُلَانٌ فَقَدْ نَبَذْت إلَيْكُمْ، فَخُذُوا حِذْرَكُمْ. ثُمَّ آمَنَهُمْ فُلَانٌ، كَانَ مَا تَقَدَّمَ نَبْذًا صَحِيحًا وَحَلَّ بِهِ قِتَالُهُمْ.\nلِأَنَّهُمْ فِي مَنَعَتِهِمْ.\n١٣٣٠ - وَلَوْ قَالَ: مَنْ خَرَجَ مِنْكُمْ بِأَمَانِ فُلَانٍ فَهُوَ فَيْءٌ، أَوْ فَقَدْ حَلَّ دَمُهُ. فَخَرَجَ (ص ٢٥٥) رَجُلٌ فَهُوَ آمِنٌ لِأَنَّ النَّبْذَ إلَيْهِ وَهُوَ فِي مَنَعَتِنَا بَاطِلٌ.\n١٣٣١ - وَلَوْ قَالَ: مَنْ خَرَجَ مِنْكُمْ بِأَمَانِ فُلَانٍ فَهُوَ ذِمَّةٌ لَنَا فَهَذَا صَحِيحٌ.\nلِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نَبْذُ الْأَمَانِ، إنَّمَا فِيهِ تَقْرِيرُ حُكْمِ الْأَمْنِ. فَكَوْنُهُ فِي مَنَعَتِنَا لَا يَمْنَعُ مِنْهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":758},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>[بَابٌ مِنْ نَفْلِ الْخَيْلِ مَا يَكُونُ عَلَى الْعِرَابِ دُونَ الْبَرَاذِينِ]</span>\n٨٤ - بَابٌ مِنْ نَفْلِ الْخَيْلِ مَا يَكُونُ عَلَى الْعِرَابِ دُونَ الْبَرَاذِينِ وَإِذَا قَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ فَرَسُهُ، فَقَتَلَ مُسْلِمٌ رَاجِلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَلَهُ فَرَسٌ مَعَ غُلَامِهِ. فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ فَرَسَهُ.\nلِأَنَّ إيجَابَ فَرَسِ الْقَتِيلِ لَهُ مِنْ أَبْيَنِ الدَّلَائِلِ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ قَتْلَ مَنْ هُوَ فَارِسٌ فِي حَالِ مَا يَقْتُلهُ، وَهَذَا لَمْ يَكُنْ فَارِسًا فِي حَالِ مَا قَتَلَهُ بِالْفَرَسِ الَّذِي مَعَ غُلَامِهِ. وَالْغُلَامُ لَيْسَ بِحَاضِرٍ عِنْدَهُ.\nأَلَا تَرَى لَوْ قَتَلَ آخَرُ الْغُلَامَ وَهُوَ عَلَى ذَلِكَ الْفَرَسِ اسْتَحَقَّ الْفَرَسَ بِقَتْلِهِ؟ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْأَوَّلَ إنَّمَا قَتَلَ رَاجِلًا لَا فَارِسًا.\nوَلِأَنَّ الْإِمَامَ خَصَّ الْفَرَسَ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ الَّذِي يُعْلَمُ أَنَّ الْحَرْبِيَّ حَمَلَهُ مَعَ نَفْسِهِ، وَلَا فَائِدَةَ فِي هَذَا التَّخْصِيصِ سِوَى أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ الْفَرَسَ الَّذِي يُقَاتِلُ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ كَانَ قَصْدُهُ التَّحْرِيضَ عَلَى قَتْلِ فُرْسَانِهِمْ لِتَنْكَسِرَ بِهِ شَوْكَتُهُمْ\n١٣٣٣ - وَإِنْ كَانَ قَدْ نَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ وَهُوَ مَعَهُ يَقُودُهُ فِي الْقِتَالِ فَلَهُ فَرَسُهُ.\nلِأَنَّهُ فَارِسٌ بِمَا مَعَهُ مِنْ الْفَرَسِ. فَإِنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ. وَإِنَّمَا كَانَ نُزُولُهُ لِزِيَادَةِ جَدٍّ فِي الْحَرْبِ أَوْ لِضَيِّقِ الطَّرِيقِ، أَوْ كَثْرَةِ الزِّحَامِ. فَلَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ فَارِسًا حِينَ قُتِلَ.","vol":"1","page":759},{"text":"- وَلَوْ قَتَلَ رَجُلًا عَلَى بِرْذَوْنٍ أَوْ بِرْذَوْنَةٍ فَلَهُ ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُ فَارِسٌ، سَوَاءٌ كَانَ عَلَى بِرْذَوْنٍ أَوْ فَرَسٍ عَرَبِيٍّ. أَلَا تَرَى أَنَّ مِثْلَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْفَرَسَانِ؟ فَإِنْ قِيلَ: هَذَا فِيمَا إذَا كَانَ الْفَرَسُ مَعَ غُلَامِهِ فِي الْمُعَسْكَرِ مَوْجُودًا. قُلْنَا: لَا كَذَلِكَ، فَإِنَّ فِي حَقّ الْمُسْلِمِينَ، غُلَامُهُ بِهَذَا الْفَرَسِ، لَا يَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْفَرَسَانِ، فَيُتَمَكَّنُ أَنْ يَجْعَلَ هُوَ فَارِسًا بِهِ. وَهُنَا فِي حُكْمِ التَّنْفِيلِ غُلَامُهُ فَارِسٌ بِهَذَا الْفَرَسِ فَلَا يَكُونُ هُوَ فَارِسًا بِهِ.\n\n- وَلَوْ قَتَلَ رَجُلًا عَلَى بَغْلٍ أَوْ حِمَارٍ أَوْ بَعِيرٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ.\nلِأَنَّهُ غَيْرُ فَارِسٍ بِهَذَا الْمَرْكُوبِ، وَلِأَنَّ اسْمَ الْفَرَسِ لَا يَتَنَاوَلُهُ بِحَالٍ.\n\n- وَلَوْ قَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ فَرَسُهُ. فَقَتَلَ رَاجِلًا أَوْ فَارِسًا فَلَهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ فَرَسٌ عَرَبِيٌّ وَسَطٌ، أَوْ قِيمَتُهُ. وَلَا يَكُونُ لَهُ بِرْذَوْنٌ.\nلِأَنَّهُ أَطْلَقَ اسْمَ الْفَرَسِ فِيمَا أَوْجَبَهُ نَفْلًا لَهُ. وَمُطْلَقُهُ يَتَنَاوَلُ الْعَرَبِيَّ خَاصَّةً. وَبِمُطْلَقِ التَّسْمِيَةِ يَسْتَحِقُّ الْوَسَطَ مِنْ عَيْنِ الْمُسَمَّى، أَوْ قِيمَتَهُ. بِخِلَافِ مَا سَبَقَ.\nفَقَدْ أَضَافَ الْفَرَسَ هُنَا إلَى الْقَتِيلِ بِحَرْفِ الْهَاءِ، وَبِهِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ مُرَادَهُ مَا يَكُونُ الْقَتِيلُ فَارِسًا بِهِ، وَذَلِكَ يَعُمُّ الْبِرْذَوْنَ وَالْفَرَسَ الْعَرَبِيَّ.\n\n- وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ مِنْ بَابِ الْمَدِينَةِ عَلَى فَرَسِهِ أَوْ مَنْ قَاتَلَ عَلَى فَرَسِهِ فَلَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ. فَهَذَا عَلَى الْعِرَابِ وَالْبَرَاذِينِ جَمِيعًا.","vol":"1","page":760},{"text":"وَلَوْ قَالَ: عَلَى فَرَسٍ فَهُوَ عَلَى الْعِرَابِ خَاصَّةً.\nوَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مَنْ نَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ فَقَاتَلَ رَاجِلًا فَلَهُ مِائَةٌ. فَهَذَا عَلَى الْعِرَابِ وَالْبَرَاذِينِ.\nوَلَوْ قَالَ: عَلَى فَرَسٍ، فَفِي الْقِيَاسُ لَا يَسْتَحِقُّ النَّفَلَ إلَّا مَنْ نَزَلَ عَنْ فَرَسٍ عَرَبِيٍّ.\nلِأَنَّهُ أَطْلَقَ اسْمَ الْفَرَسِ فَلَا يَتَنَاوَلُ إلَّا الْعَرَبِيَّ، كَمَا فِي الْفُصُولِ الْمُتَقَدِّمَةِ.\nوَفِي الِاسْتِحْسَانِ كُلُّ مَنْ نَزَلَ عَنْ بِرْذَوْنٍ أَوْ فَرَسٍ عَرَبِيٍّ فَقَاتَلَ رَاجِلًا فَلَهُ نَفْلُهُ.\nلِأَنَّ مَقْصُودَ الْأَمِيرِ هُنَا التَّحْرِيضُ عَلَى مُبَاشَرَةِ الْقِتَالِ رَاجِلًا.\nأَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ نَزَلَ عَنْ فَرَسٍ عَرَبِيٍّ وَلَمْ يُقَاتِلْ (ص ٢٥٦) لَا يَسْتَحِقُّ النَّفَلَ؟ وَفِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَنْزِلَ عَنْ بِرْذَوْنٍ أَوْ عَنْ فَرَسٍ عَرَبِيٍّ.\nوَلِأَنَّهُ وَإِنْ أَطْلَقَ الْفَرَسَ فَقَدْ عِلْمنَا أَنَّ الْمُرَادَ فَرَسُهُ، إذْ الْإِنْسَانُ يَنْزِلُ عَنْ فَرَسِهِ لَا عَنْ فَرَسِ غَيْرِهِ. فَكَانَ هَذَا وَقَوْلُهُ: عَنْ فَرَسِهِ، سَوَاءً. وَاسْمُ الْبِرْذَوْنِ فِي التَّنْفِيلِ يَتَنَاوَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، وَلَا يَتَنَاوَلُ الْفَرَسَ الْعَرَبِيَّ بِحَالٍ. لِأَنَّ هَذَا اسْمُ نَوْعٍ خَاصٍّ مِنْ الْخَيْلِ، فَلَا يَتَنَاوَلُ نَوْعًا آخَرَ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ: مَنْ قَتَلَ رَجُلًا عَلَى فَرَسٍ عَرَبِيٍّ. فَإِنْ ذَلِكَ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ خَاصَّةً، دُونَ الْبَرَاذِينِ. بِخِلَافِ الْفَرَسِ، فَإِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْبَرَاذِينِ وَفُرْسِ الْعَرَبِ جَمِيعًا كَالْخَيْلِ. وَإِنْ كَانَ الِاسْمُ حَقِيقَةً فِي الْعَرَبِيِّ فَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ يُحْمَلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ،","vol":"1","page":761},{"text":"وَعِنْدَ الْإِضَافَةِ يُعْتَبَرُ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ. وَالْفَرَسُ الشَّهْرِيُّ مِنْ نَوْعِ الْبَرَاذِينِ دُونَ الْعِرَابِ.\n\n- وَلَوْ قَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ دَابَّتُهُ. فَاسْمُ الدَّابَّةِ يَتَنَاوَلُ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] . وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةً يَتَنَاوَلُ الِاسْمُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الثَّلَاثَةَ.\n١٣٣٩ - وَإِنْ قَتَلَ رَجُلًا عَلَى بَعِيرٍ أَوْ ثَوْرٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونُوا قَوْمًا دَوَابُّهُمْ الْإِبِلُ وَالثِّيرَانُ. فَبِاعْتِبَارِ الْحَالِ يَصِيرُ مَعْلُومًا أَنَّ مُرَادَ الْإِمَامِ ذَلِكَ.\nوَالْكَلَامُ يَتَقَيَّدُ بِدَلَالَةِ الْحَالِ. وَاسْمُ الْبَغْلِ فِي التَّنْفِيلِ يَتَنَاوَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى وَكَذَلِكَ اسْمُ الْبَغْلَةِ. لِأَنَّ الْهَاءَ تُسْتَعْمَلُ فِيهِ لِعَلَامَةِ الْوَحَدَانِ لَا لِعَلَامَةِ التَّأْنِيثِ، كَاسْمِ الْبَقَرَةِ، يَتَنَاوَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى. وَاسْمُ الْحِمَارِ وَالْبَعِيرِ يَتَنَاوَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى جَمِيعًا. فَأَمَّا اسْمُ الْأَتَانِ فَلَا يَتَنَاوَلُ إلَّا الْأُنْثَى، وَكَذَلِكَ اسْمُ حِمَارَةٍ، لِأَنَّهُ لَا تُسْتَعْمَلُ الْهَاءُ هُنَا إلَّا لِعَلَامَةِ التَّأْنِيث. وَاسْمُ الْجَمَلِ وَالْبَعِيرِ يَتَنَاوَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى أَيْضًا. فَأَمَّا اسْمُ النَّاقَةِ فَلَا يَتَنَاوَلُ إلَّا الْأُنْثَى خَاصَّةً. وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي الْجَامِعِ.\n\n- وَلَوْ قَالَ: مَنْ قَتَلَ فَارِسًا فَلَهُ دَابَّتُهُ. فَقَتَلَ رَجُلًا عَلَى حِمَارٍ أَوْ بَغْلٍ أَوْ بَعِيرٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ.","vol":"1","page":762},{"text":"لِأَنَّهُ مَا كَانَ فَارِسًا بِدَابَّتِهِ، وَإِنَّمَا شَرْطُ الِاسْتِحْقَاقِ أَنْ يَقْتُلَ فَارِسًا.\n- وَلَوْ قَتَلَ رَجُلًا عَلَى بِرْذَوْنٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، اسْتَحَقَّ دَابَّتَهُ. .\nلِأَنَّهُ فَارِسٌ بِدَابَّتِهِ. .","vol":"1","page":763},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>[بَاب مَنْ يَكُونُ لَهُ النَّفَلُ وَمَنْ لَا يَكُونُ]</span>\n٨٥ - بَاب مَنْ يَكُونُ لَهُ النَّفَلُ وَمَنْ لَا يَكُونُ ١٣٤٢ - وَإِذَا قَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ. فَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ السَّلْبُ لِلْقَاتِلِ، وَاحِدًا كَانَ أَوْ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. .\nلِأَنَّ \" مَنْ \" مِنْ أَسْمَاءِ الْعُمُومِ، فَيَتَنَاوَلُ الْمُخَاطَبِينَ عَلَى سَبِيلِ الِاجْتِمَاعِ وَالِانْفِرَادِ جَمِيعًا.\n- وَلَكِنَّ الْأَخْذَ بِالْقِيَاسِ فِي هَذَا قَبِيحٌ إذْ يُؤَدِّي إلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْعَسْكَرَ كُلَّهُمْ لَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى قَتْلِ رَجُلٍ وَاحِدٍ اسْتَحَقُّوا سَلَبَهُ. وَقَدْ عِلْمنَا أَنَّ الْإِمَامَ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ بِالتَّنْفِيلِ.\nلِأَنَّ مَعْنَى التَّحْرِيضِ يَفُوتُ بِهِ. .\nوَلَكِنْ لِلِاسْتِحْسَانِ فِيهِ وُجُوهٌ.\nأَحَدُهَا أَنَّهُ إنْ قَتَلَهُ رَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ فَلَهُمَا السَّلْبُ. وَإِنْ قَتَلَهُ ثَلَاثَةٌ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ سَلَبُهُ.\nلِأَنَّ الثَّلَاثَةَ أَدْنَى الْجَمْعِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ. فَإِنَّ الْكَلَامَ وُحْدَانٌ وَتَثْنِيَةٌ وَجَمْعٌ.\nفِيهِ تَبَيَّنَّ أَنَّ الْجَمْعَ غَيْرُ التَّثْنِيَةِ. ثُمَّ أَدْنَى الْجَمْعِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ كَأَعْلَى الْجَمْعِ. وَمُرَادُ الْإِمَامِ بِهَذَا تَحْرِيضُ الْآحَادِ عَلَى الْقِتَالِ لَا تَحْرِيضَ الْجَمَاعَةِ. وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ","vol":"1","page":764},{"text":"أَنْ يَفِرَّ مِنْ الثَّلَاثَةِ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَفِرَّ مِنْ الْوَاحِدِ وَلَا مِنْ الِاثْنَيْنِ. قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦٦] فِيهِ تَبَيَّنَّ الْفَرْقُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ، وَأَنَّ حُكْمَ الِاثْنَيْنِ كَحُكْمِ الْوَاحِدِ. وَلَكِنَّ هَذَا إذَا كَانَ مَعَهُ السِّلَاحُ، وَهُوَ يَطْمَعُ (ص ٢٥٧) فِي أَنْ يَنْتَصِفَ مِنْ اثْنَيْنِ. فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ سِلَاحٌ وَلَا يَطْمَعُ فِي أَنْ يَنْتَصِفَ مِنْهُمَا فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَنْحَازَ إلَى فِئَةٍ وَلَا يُلْقِي بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ. .\nوَالْوَجْهُ الثَّانِي لِلِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ إنْ قَتَلَهُ قَوْمٌ لَا مَنْعَة لَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَهُمْ السَّلَبُ. وَإِنْ قَتَلَهُ قَوْمٌ لَهُمْ مَنَعَةٌ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ السَّلَبُ. .\nلِأَنَّ الَّذِينَ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ حُكْمُهُمْ حُكْمُ الْوَاحِدِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ عَلَى وَجْهِ التَّلَصُّصِ لَمْ يُخَمَّسْ مَا أَصَابُوا، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ فِي حُكْمِ التَّنْفِيلِ، لِأَنَّهُ بِصِحَّةِ التَّنْفِيلِ فِيهِ يُبْطِلُ حَقَّ أَرْبَابِ الْخُمُسِ عَنْهُ. .\nوَالْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنَّهُ إنْ قَتَلَهُ قَوْمٌ يَرَى الْإِمَامُ وَالْمُسْلِمُونَ أَنَّ ذَلِكَ الْقَتِيلَ كَانَ يَنْتَصِف مِنْهُمْ لَوْ خَلَّى بَيْنه وَبَيْنهمْ فَلَهُمْ سَلَبَهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَنْتَصِفُ مِنْهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ سَلَبُهُ. .\nلِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّحْرِيضُ وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ مَعْنَى التَّحْرِيضِ عَلَى قَتْلِ مَنْ يَنْتَصِفُ مِنْهُمْ دُونَ مَنْ لَا يَنْتَصِفُ. .\nقَالَ: وَكُلُّ هَذَا وَاسِعٌ إنْ أَمْضَاهُ الْإِمَامُ وَرَآهُ عَدْلًا. .\nوَلَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّ كُلَّ هَذَا حَقٌّ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أَنَّ كُلَّ هَذَا طَرِيقُ الِاجْتِهَادِ.","vol":"1","page":765},{"text":"وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - فِيمَا صَنَعَ مَسْرُوقٌ وَجُنْدُبٌ: \" كِلَاكُمَا أَصَابَ \"، يَعْنِي طَرِيقَ الِاجْتِهَادِ. .\nقَالَ: وَأَحْسَنُ الْوُجُوهِ عِنْدِي وَأَقْرَبُهَا مِنْ الْحَقِّ الْوَجْهُ الْأَخِيرُ.\nلِأَنَّ فِيهِ تَحْقِيقَ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالتَّنْفِيلِ وَهُوَ التَّحْرِيضُ. .\nأَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ انْتَهَوْا إلَى مَطْمُورَةٍ فَقَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ نَاهَضَهَا أَيْ قَامَ بِأَخْذِهَا فَلَهُ مَا فِيهَا بَعْدَ الْخُمْسِ. فَفَعَلَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ فَإِنْ كَانَ يَنْتَصِفُ مِنْهُمْ أَهْلُ الْمَطْمُورَةِ اسْتَحَقُّوا النَّفَلَ، وَإِنْ اجْتَمَعَ عَلَى الْمَطْمُورَةِ مِنْ الْعَسْكَرِ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ أَهْلَ الْمَطْمُورَةِ لَا يَنْتَصِفُونَ مِنْهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ النَّفَلُ. .\nلِمُرَاعَاةِ التَّحْرِيضِ. .\n\n- وَلَوْ قَتَلَ رَجُلٌ قَتِيلَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَهُ سَلَبُهُمْ جَمِيعًا، كَمَا لَوْ قَتَلَهُمْ بِضَرَبَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ. .\nلِأَنَّ كَلِمَةَ \" مَنْ \" عَامَّةٌ. فَيَتَعَمَّمُ بِهِ الْمَقْتُولُونَ أَيْضًا. .\n\n- وَإِذَا دَخَلَ الْأَمِيرُ مَعَ الْعَسْكَرِ أَرْضَ الْحَرْبِ فَقَالَ لَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَلْقَوْا قِتَالًا: مَنْ قَتَلَ مِنْكُمْ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ. فَهَذَا جَائِزٌ.\nوَيَبْقَى حُكْمُ هَذَا التَّنْفِيلِ إلَى أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ.","vol":"1","page":766},{"text":"لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَحْرِيضُهُمْ عَلَى الْإِمْعَانِ وَالطَّلَبِ، فَيَتَقَيَّدُ مُطْلَقُ كَلَامِهِ بِهَذَا الْمَقْصُودِ. .\n١٣٤٦ - حَتَّى إذَا انْتَهَى مُسْلِمٌ إلَى مُشْرِكٍ نَائِمٍ أَوْ غَافِلٍ فِي عَمَلِهِ فَقَتَلَهُ، فَلَهُ سَلَبُهُ. بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ لَقُوا الْعَدُوَّ فَقَتَلَهُ فِي الصَّفِّ أَوْ بَعْدَ مَا انْهَزَمُوا. .\nلِأَنَّ تَنْفِيلَ الْإِمَامِ عَمَّ الْمَقْتُولِينَ عَلَى أَيْ حَالٍّ كَانُوا، بَعْدَ أَنْ يَكُونُوا بِحَيْثُ يَحِلُّ قَتْلُهُمْ. .\n١٣٤٧ - وَكَذَلِكَ عَمَّ الْقَاتِلِينَ مِمَّنْ يَكُونُ لَهُمْ سَهْمٌ فِي الْغَنِيمَةِ أَوْ رَضْخٌ، كَالنِّسَاءِ وَالصَّبِيَّانِ وَالْعَبِيدِ.\nفَأَمَّا إذَا قَالَ الْأَمِيرُ هَذِهِ الْمَقَالَةَ بَعْدَ مَا اصْطَفُّوا لِلْقِتَالِ فَهَذَا عَلَى ذَلِكَ الْقِتَالِ حَتَّى يَنْقَضِيَ. .\nلِأَنَّ الْحَالَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ. وَهَذَا لِأَنَّهُ لَمَّا أَخَّرَ الْكَلَامَ إلَى أَنْ حَضَرَ الْقِتَالُ، فَقَدْ عِلْمنَا أَنَّ مَقْصُودَهُ التَّحْرِيضُ عَلَى ذَلِكَ الْقِتَالِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَهُنَاكَ إنَّمَا تَكَلَّمَ بِهِ حِينَ دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ. فَعَرَفْنَا أَنَّ مُرَادَهُ التَّحْرِيضُ عَلَى الْجَدِّ فِي الدُّخُولِ وَالطَّلَبِ. .\nثُمَّ إنْ بَقُوا فِي ذَلِكَ الْقِتَالِ أَيَّامًا فَحُكْمَ ذَلِكَ التَّنْفِيلِ بَاقٍ.\n١٣٤٨ -. وَكَذَلِكَ إنْ دَخَلَ الْمُنْهَزِمُونَ حِصْنَهُمْ فَتَحَصَّنُوا فِيهِ وَأَقَامَ الْمُسْلِمُونَ يُقَاتِلُونَهُمْ فَقَتَلَ رَجُلٌ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ. .","vol":"1","page":767},{"text":"لِأَنَّ ذَلِكَ الْقِتَالَ بَاقٍ إذَا لَمْ يَتْرُكُوهُ حِينًا، وَلَا حَصَلَ مَقْصُودُهُمْ بِهِ، وَهُوَ تَمَامُ الْقَهْرِ. .\n١٣٤٩ - وَإِنْ لَمْ يَتْبَعْهُمْ (ص ٢٥٨) الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ مَا انْهَزَمُوا حَتَّى لَحِقُوا بِحُصُونِهِمْ، ثُمَّ مَرُّوا بَعْدَ ذَلِكَ بِحُصُونِهِمْ فَقَتَلَ مُسْلِمٌ رَجُلًا مِمَّنْ كَانَ انْهَزَمَ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَلَبُهُ. .\nلِأَنَّهُمْ حِينَ تَرَكُوا أَتْبَاعَهُمْ فَقَدْ انْقَضَتْ تِلْكَ الْحَرْبُ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، وَالتَّنْفِيلُ كَانَ مُقَيَّدًا بِهَا. .\n١٣٥٠ - وَلَوْ كَانُوا عَلَى إثْرِهِمْ فَمَرُّوا بِحِصْنٍ آخَرِ، فَقَتَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ قَتِيلًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ سَلَبُهُ. .\nلِأَنَّ النَّفَلَ كَانَ عَلَى الْحَرْبِ الْأُولَى، وَهِيَ مَا كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ هَذَا الْحِصْنِ. إنَّمَا كَانَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ حَضَرُوا. فَهَذَا إنْشَاءُ حَرْبٍ أُخْرَى لَمْ يَكُنْ التَّنْفِيلُ مُتَنَاوِلًا لَهَا.\n١٣٥١ - وَلَوْ أَنَّ أَصْحَابَ الْحَرْبِ الْأُولَى انْهَزَمُوا، فَدَخَلُوا حِصْنًا آخَرَ، وَالْمُسْلِمُونَ فِي إثْرِهِمْ. فَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ فِي هَذَا الْحِصْنِ غَيْرَ الْمُنْهَزِمِينَ، وَالْمَنَعَةُ مَنَعَتُهُمْ، ثُمَّ قَتَلَ مُسْلِمٌ قَتِيلًا، لَمْ يَسْتَحِقَّ سَلَبُهُ.\nسَوَاءً كَانَ الْمَقْتُولُ مِنْ الْمُنْهَزِمِينَ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ. .\nلِأَنَّ هَذِهِ حَرْبٌ سِوَى الْأُولَى.","vol":"1","page":768},{"text":"- وَإِنْ كَانَ عَظْمُ الْقَوْمِ الَّذِينَ انْهَزَمُوا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمَنَعَةُ لَهُمْ، فَحُكْمُ ذَلِكَ التَّنْفِيلِ بَاقٍ، وَأَهْلُ الْحِصْنِ الثَّانِي بِمَنْزِلَةِ مَدَدٍ لَحِقَهُمْ. فَتَبْقَى الْحَرْبُ الْأُولَى. وَمَنْ قَتَلَ مِنْ الْمُنْهَزِمِينَ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ فَلَهُ سَلَبُهُ. .\nوَهَذَا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْحُكْمَ لِلْمَنَعَةِ وَالْغَلَبَةِ. .\n١٣٥٣ - وَلَوْ جَاءَ مَلِكَهُمْ الْأَعْظَمُ بِجُنْدِهِ فَانْحَازَ إلَيْهِ الَّذِينَ كَانُوا يُقَاتِلُونَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ قَتَلَ مُسْلِمٌ مِنْهُمْ قَتِيلًا لَمْ يَكُنْ لَهُ سَلَبُهُ. .\nلِأَنَّ هَذِهِ مَنَعَةٌ أُخْرَى، وَالتَّنْفِيلُ كَانَ مُفِيدًا بِالْحَرْبِ الْأُولَى، فَبَعْدَ مَا حَدَّثَ لَهُمْ مَنَعَةٌ أُخْرَى تَكُونُ الْحَرْبُ غَيْرَ الْأُولَى.\n- فَإِذَا لَمْ يُجَدِّدْ الْإِمَامُ تَنْفِيلًا لَمْ يَسْتَحِقَّ الْقَاتِلُ السَّلَبَ.\nوَإِنْ جَدَّدَ الْإِمَامُ التَّنْفِيلَ فَسَمِعَهُ بَعْضُ النَّاسِ دُونَ الْبَعْضِ، فَكُلُّ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا اسْتَحَقَّ سَلَبُهُ. الَّذِي سَمِعَ وَاَلَّذِي لَمْ يَسْمَعْ فِيهِ سَوَاءٌ. .\nلِأَنَّ هَذَا مَحْضُ مَنْفَعَةٍ فِي حَقِّ الْقَاتِلِينَ. وَلِأَنَّ كَلَامَ الْإِمَامِ لَمَّا اُشْتُهِرَ فِي النَّاسِ فَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْوَاصِلِ إلَى جَمَاعَتِهِمْ فِي الْحُكْمِ. .","vol":"1","page":769},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>[بَابٌ مِنْ النَّفْلِ عَلَى الدَّلَالَةِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْحَرْبِ الْأُسَرَاءِ]</span>\n- وَإِذَا قَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ دَلَّنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى عَشْرَةٍ مِنْ الرَّقِيقِ فَلَهُ رَأْسٌ. فَدَلَّهُمْ رَجُلٌ بِكَلَامٍ وَلَمْ يَذْهَبْ مَعَهُمْ. فَذَهَبُوا إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَجَاءُوا بِالرَّقِيقِ كَمَا قَالَ. فَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ النَّفْلِ. .\nوَكَانَ يَنْبَغِي فِي الْقِيَاسِ أَنْ يَسْتَحِقَّ النَّفَلَ.\nلِأَنَّهُ شَرَطَ عَلَيْهِ الدَّلَالَةَ وَقَدْ فَعَلَ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الدَّلَالَةَ عَلَى الصَّيْدِ مِنْ الْمُحَرَّمِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ؟ وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ:.\n١٣٥٦ - اسْتِحْقَاقُ النَّفْلِ يَكُونُ بِالْعَمَلِ لَا بِمُجَرَّدِ الْكَلَامِ. وَالْمَقْصُودُ بِهِ التَّحْرِيضُ. وَإِنَّمَا يَكُونُ التَّحْرِيضُ عَلَى عَمَلٍ هُوَ مِنْ جِنْسِ الْجِهَادِ وَالْقِتَالِ. وَبِمُجَرَّدِ وَصْفِ الْمَوْضِعِ بِكَلَامِهِ لَا يَحْصُلُ ذَلِكَ الْعَمَلُ إذَا لَمْ يَذْهَبْ مَعَهُمْ، فَلَا يَسْتَحِقُّ النَّفَلَ.","vol":"1","page":770},{"text":"وَلَوْ آمَنُوا حَرْبِيًّا عَلَى أَنْ يَدُلَّهُمْ عَلَى مِثْلِهِ، فَدَلَّهُمْ بِكَلَامِهِ فَهُوَ دَالٌ أَرَأَيْت لَوْ كَانَ الْمُسْلِمُ فِي مَنْزِلَةٍ بِالْكُوفَةِ أَوْ الشَّامِ فَقَالَ: إنْ دَلَلْتُكُمْ عَلَى عَشْرَةِ أَرْؤُسٍ فِي مَوْضِعٍ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ قَدْ مَرَرْت بِهِمْ أَتَجْعَلُونَ لِي رَأْسًا؟ فَقَالُوا: نَعَمْ. فَدَلَّهُمْ وَلَمْ يَذْهَبْ مَعَهُمْ، أَكَانَ يَسْتَحِقُّ النَّفَلَ؟ فَكَذَلِكَ إنْ دَلَّهُمْ وَهُوَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَهُوَ شَرِيكُهُمْ بِسَهْمٍ فِي الْغَنِيمَةِ، إلَّا أَنَّهُ إذَا ذَهَبَ مَعَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَهُوَ شَرِيكُهُمْ بِسَهْمِهِ فِي الْغَنِيمَةِ، بِمَنْزِلَةٍ مَا لَوْ لَمْ تَسْبِقْ الدَّلَالَةُ وَالتَّنْفِيلُ.\nوَلَوْ ذَهَبَ مَعَهُمْ حَتَّى دَلَّهُمْ عَلَى عَشْرَةِ أَرْؤُسٍ فَلَهُ مِنْهُمْ رَأْسٌ. .\nلِأَنَّهُ بَاشَرَ عَمَلًا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَحِقَّ النَّفَلَ بِهِ وَهُوَ الذَّهَابُ. وَإِنَّمَا يُعْطِيهِ رَأْسًا وَسَطًا.\n- وَكَذَلِكَ لَوْ دَلَّ عَلَى مِائَةِ رَأْسٍ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلَهُ مِنْ كُلِّ عَشْرَةٍ رَأْسٌ وَسَطٌ. وَلَوْ دَلَّهُمْ عَلَى خَمْسَةٍ كَانَ لَهُ نِصْفُ وَاحِدٍ مِنْ أَوْسَاطِهِمْ.\nلِأَنَّهُ أَوْجَبَ لَهُ ذَلِكَ بِمُقَابِلَةِ عَمَلٍ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: مَنْ جَاءَ بِعَشْرَةِ أَرْؤُسٍ (ص ٢٥٩) فَلَهُ رَأْسٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا الْفَصْلِ. .\n\n- وَلَوْ أَسَرَ الْأَمِيرُ أُسَرَاءَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَقَالَ: مَنْ","vol":"1","page":771},{"text":"دَلَّنَا مِنْكُمْ عَلَى عَشْرَةِ أَرْؤُسٍ فَهُوَ حُرٌّ. فَدَلَّهُمْ رَجُلٌ بِكَلَامٍ وَلَمْ يَذْهَبْ مَعَهُمْ، فَوَجَدُوا الْأَمْرَ كَمَا وَصَفَ لَهُمْ، فَهُوَ حُرٌّ. .\nلِأَنَّ هَذَا تَعْلِيقُ عِتْقِهِ بِالشَّرْطِ، فَيُرَاعَى وُجُودُ الشَّرْطِ فِيهِ حَقِيقَةً. وَبِالدَّلَالَةِ بِالْوَصْفِ يَتِمُّ الشَّرْطُ حَقِيقَةً. وَهَذَا لِأَنَّ الْإِمَامَ مَا أَوْجَبَ لَهُ هُنَا شَيْئًا لَا يُسْتَحَقُّ إلَّا بِعَمَلٍ، فَلَا حَاجَةَ بِنَا إلَى تَرْكِ حَقِيقَةَ الدَّلَالَةِ هُنَا، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَقَدْ أَوْجَبَ لَهُ هُنَاكَ نَفْلًا لَا يُسْتَحَقُّ إلَّا بِالْعَمَلِ. فَلِأَجَلِهِ تَرَكْنَا حَقِيقَةَ لَفْظِ الدَّلَالَةِ، وَحَمَلْنَاهُ عَلَى نَوْعٍ مِنْ الْمَجَازِ.\n- ثُمَّ لَا يُتْرَكُ هَذَا الْأَسِيرُ يَرْجِعُ إلَى دَارِهِ، وَلَكِنَّهُ يَخْرُجُ إلَى دَارِنَا لِيَكُونَ ذِمَّةً لَنَا.\nلِأَنَّهُ بِالْأَسْرِ قَدْ اُحْتُبِسَ عِنْدَنَا، وَإِنَّمَا أَوْجَبَ لَهُ بِالدَّلَالَةِ الْحُرِّيَّةَ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَتِهِ التَّمَكُّنُ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِهِ.\n- وَيَسْتَوِي فِي هَذَا الْحُكْمِ إنْ ذَهَبَ مَعَهُمْ أَوْ لَمْ يَذْهَبْ إلَّا أَنْ يَقُولَ: إنْ دَلَلْتُكُمْ فَأَنَا حُرٌّ وَتَدَعُونِي أَرْجِعُ إلَى بِلَادِي. فَحِينَئِذٍ يُوَفَّى لَهُ بِالشَّرْطِ، وَيُمَكَّنُ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى بَلَدِهِ إنْ أَحَبَّ.\nلِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ صُلْحٍ جَرَى بَيْنَ الْإِمَامِ وَبَيْنَهُ. وَفِي الصُّلْحِ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ.\n- إلَّا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْأَمِيرِ أَنْ يَفْعَلَ هَذَا إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ حَظٌّ لِلْمُسْلِمِينَ.","vol":"1","page":772},{"text":"لِأَنَّهُ نُصِبَ نَاظِرًا، فَلَا يَدَعْ الْأَسِيرَ لِيَعُودَ حَرْبًا لَنَا إلَّا بِمَنْفَعَةٍ عَظِيمَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ. .\nنَحْوُ أَنْ يَقُولَ: أَدُلّكُمْ عَلَى مِائَةٍ مِنْ بِطَارِقَتِهِمْ، فَذَرُونِي أَرْجِعُ إلَى بِلَادِي. فَيُعْلَمُ أَنَّ حَظَّ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ حَظِّهِمْ فِي أَسْرِهِ. فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِإِجَابَتِهِ إلَى ذَلِكَ. وَإِنْ دَلَّهُمْ الْأَسِيرُ عَلَى تِسْعَةٍ وَذَهَبَ مَعَهُمْ أَوْ لَمْ يَذْهَبْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ رَقَبَتِهِ. .\nلِأَنَّ عِتْقَهُ هُنَا بِاعْتِبَارِ الشَّرْطِ، وَالشَّرْطُ يُقَابِلُ الْمَشْرُوطَ جُمْلَةً. فَمَا لَمْ يَأْتِ بِكَمَالِ الشَّرْطِ لَا يَسْتَحِقُّ الْعِتْقَ. أَوْ هَذَا صُلْحٌ مِنْ رَقَبَتِهِ عَلَى شَرْطٍ الْتَزَمَهُ، فَمَا لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ الشَّرْطِ بِكَمَالِهِ لَمْ يَتِّمْ الصُّلْحُ وَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِمَّا وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَيْهِ. بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ. فَإِنَّ اسْتِحْقَاقَهُ لِلنَّفْلِ كَانَ بِاعْتِبَارِ عَمَلٍ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ. فَبِقَدْرِ مَا يَحْصُلُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ بِعَمَلِهِ يَسْتَحِقُّ النَّفَلَ. .\n\n- وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْأَمِيرُ قَالَ لِلْأَسِيرِ: إنْ دَلَلْتنَا عَلَى عَشَرَةٍ فَأَنْتَ آمِنٌ مِنْ أَنْ نَقْتُلَك. فَدَلَّ عَلَى تِسْعَةٍ، كَانَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ. .\nلِأَنَّهُ عَلَّقَ الْأَمَانَ لَهُ بِالشَّرْطِ، فَمَا لَمْ يَتِمَّ الشَّرْطُ لَا يَسْتَفِيدُ الْأَمْنَ. .\n\n- وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ حِصْنٍ نَزَلَ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ قَالُوا: إنْ دَلَلْنَاكُمْ عَلَى عَشَرَةٍ مِنْ الْبَطَارِقَةِ أَتُؤَمِّنُونَا وَتَرْجِعُونَ عَنَّا؟ فَقَالُوا: نَعَمْ. فَدَلْوهمْ عَلَى خَمْسَةٍ أَوْ عَلَى تِسْعَةٍ، فَلَيْسُوا بِآمَنِينَ. وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرْجِعُوا عَنْهُمْ.\nلِأَنَّ الشَّرْطَ لَمْ يَتِمَّ، فَلَا يَنْزِلُ شَيْءٌ مِنْ الْجَزَاءِ.","vol":"1","page":773},{"text":"- وَلَوْ قَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: نُعْطِيكُمْ مِائَةً مِنْ الرُّءُوسِ، أَوْ أَلْفَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونَا وَتَرْجِعُوا عَنَّا عَامَكُمْ هَذَا. ثُمَّ أَعْطَوْا بَعْضَ الْمَالِ، فَلِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ. .\nلِأَنَّ الْأَمَانَ تَعَلَّقَ بِأَدَاءِ جَمِيعِ الْمَالِ، فَلَا يَثْبُتُ بِأَدَاءِ بَعْضِ الْمَالِ. .\nوَلَكِنْ إنْ أَرَادُوا قِتَالَهُمْ فَلْيَرُدُّوا عَلَيْهِمْ مَا أَخَذُوا، ثُمَّ يُنَابَذُوهُمْ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الْغَدْرِ وَدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُمْ. فَإِنَّهُمْ إنَّمَا أَعْطَوْا مَا لَهُمْ عَلَى سَبِيلِ الدَّفْعِ عَنْ نُفُوسِهِمْ. وَهَذَا بِخِلَافِ مَا سَبَقَ مِنْ الدَّلَالَة عَلَى عَشْرَةٍ مِنْ الْبَطَارِقَةِ. فَإِنَّهُ هُنَاكَ إنْ دَلُّوا عَلَى بَعْضِهِمْ فَلَنَا أَنْ نُقَاتِلَهُمْ مِنْ غَيْرِ رَدِّ شَيْءٍ عَلَيْهِمْ. .\nلِأَنَّا مَا تَمَلَّكْنَا عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْ الْمَالِ بِمُقَابِلَةِ مَا وَعَدْنَا لَهُمْ مِنْ الْأَمَانِ. وَلَوْ قَاتَلْنَاهُمْ مِنْ غَيْرِ رَدِّ شَيْءٍ لَا يُؤَدِّي إلَى الْإِضْرَارِ بِهِمْ بِطَرِيقِ إهْدَارِ مُلْكِهِمْ. وَهَا هُنَا تَمَلَّكْنَا الْمَالَ بِمُقَابِلَةِ مَا شَرْطنَا لَهُمْ، فَيَجِبُ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ إذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ مَنْفَعَةُ الْأَمَانِ بِهِ.\n- وَإِنْ أَبَى الْإِمَامُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ (ص ٢٦٠) فَلْيَرْجِعْ عَنْهُمْ وَلَا يُقَاتِلْهُمْ، إظْهَارًا لِلْمُسَامَحَةِ وَإِتْمَامًا لِلْوَفَاءِ بِالشَّرْطِ. وَإِنْ هَلَكَ بَعْضُ السَّبْيِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُمْ ثُمَّ أَرَدْنَا قِتَالَهُمْ فَلَا بُدَّ مِنْ رَدِّ مَا بَقِيَ مِنْ السَّبْيِ وَقِيمَةِ مَنْ هَلَكَ مِنْهُمْ.\nلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالرَّدِّ دَفْعُ الضَّرَرِ وَالْخَسْرَانِ عَنْهُمْ، وَالتَّحَرُّزِ عَنْ الْغَدْرِ.\nوَذَلِكَ يَحْصُلُ بِرَدِّ الْقِيمَةِ عِنْدَ تَعَذُّرِ رَدِّ الْعَيْنِ، كَمَا يَحْصُلُ بِرَدِّ الْعَيْنِ. .","vol":"1","page":774},{"text":"- وَلَوْ صَالَحُوهُمْ عَلَى مِائَةِ رَأْسٍ عَلَى أَنْ يُؤَمِّنُوهُمْ سَنَتَهُمْ هَذِهِ وَيَنْصَرِفُوا عَنْهُمْ، ثُمَّ رَأَوْا أَنَّ النَّظَرَ لَهُمْ فِي قِتَالِهِمْ فَلْيَرُدُّوا الْمَالَ ثُمَّ يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ وَهُمْ فِي مَنَعَتِهِمْ. .\nلِأَنَّهُ مَعَ بَقَائِهِمْ حَرْبًا لَنَا لَا يَحْرُمُ قِتَالُهُمْ لِإِعْزَازِ الدَّيْنِ، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ الْغَدْرُ. وَبِالنَّبْذِ إلَيْهِمْ، وَهُمْ فِي مَنَعَتِهِمْ، يَنْتَفِي مَعْنَى الْغَدْرِ، وَلَكِنَّ الْمَالَ مَأْخُوذٌ مِنْهُمْ بِطَرِيقِ الْجُعَلِ. فَإِذَا لَمْ يَسْلَمْ لَهُمْ الْمَشْرُوطُ وَجَبَ رَدُّهُ عَلَيْهِمْ. بِمَنْزِلَةِ الْعِوَضِ يَجِبُ رَدُّهُ إذَا لَمْ يَسْلَمْ الْمُعَوَّضُ.\n-. فَإِنْ كَانَ أَسْلَمَ السَّبْيُ فَلْيَرُدَّ عَلَيْهِمْ قِيمَتَهُمْ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ رَدُّ عَيْنِهِمْ بَعْدَ مَا أَسْلَمُوا. .\nلِأَنَّ تَمْلِيكَ الْمُسْلِمِ مِنْ الْحَرْبِيِّ لَا يَحِلُّ، فَصَارَ كَمَا لَوْ تَعَذَّرَ رَدُّهُمْ بِالْهَلَاكِ.\n- وَلَوْ كَانُوا لَمْ يَقْبِضُوا مِنْهُمْ الْمَالَ حَتَّى بَدَا لَهُمْ أَنْ يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ. .\nلِأَنَّهُمْ يَخْتَارُونَ مَا فِيهِ النَّظَرُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَالْحَالُ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى النَّظَرِ يَتَبَدَّلُ سَاعَةً فَسَاعَةً. فَكَمَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ النَّظَرُ فِي الِابْتِدَاءِ فِي الْقِتَالِ لَمْ يَمِيلُوا إلَى الصُّلْحِ فَكَذَلِكَ إذَا صَارَ النَّظَرُ فِي الْقِتَالِ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَنْقُضُوا الصُّلْحَ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وَادَعَهُمْ عَلَى أَنْ يُؤَدُّوا إلَيْهِ كُلَّ سَنَةٍ مِائَةَ رَأْسٍ مِنْ رَقِيقِهِمْ، ثُمَّ بَدَا لَهُ بَعْدَ مُضِيِّ سَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ لِأَنَّهُ رَأَى بِالْمُسْلِمِينَ قُوَّةً فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَنْبِذَ إلَيْهِمْ. .\n\n- وَلَوْ وَادَعَهُمْ عَلَى أَنْ يُعْطُوهُمْ مِائَةً مِنْ أُسَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ","vol":"1","page":775},{"text":"لِيَرْجِعُوا عَنْهُمْ عَامَهُمْ هَذَا فَأَعْطَوْهُمْ تِسْعِينَ، فَلَا بَأْسَ بِالنَّبْذِ إلَيْهِمْ وَقِتَالِهِمْ، لِانْعِدَامِ تَمَامِ الشَّرْطِ الَّذِي عُلِّقَ الْأَمَانُ بِهِ، وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنْ الْمَأْخُوذِ. .\nلِأَنَّ الْأَحْرَارَ مِنْ الْأُسَرَاءِ مَا كَانُوا فِي مُلْكِهِمْ قَطُّ، وَلَا تَمَلَّكْنَاهُمْ عَلَيْهِمْ بِطَرِيقِ الْجُعَلِ، فَلَا يَكُونُ فِي الِامْتِنَاعِ مِنْ الرَّدِّ مَعْنَى الْإِضْرَارِ بِهِمْ، وَإِنَّمَا فِيهِ كَفٌّ عَنْ الظُّلْمِ.\n-. وَكَذَلِكَ إنْ أَعْطَوْا ذَلِكَ مِنْ مُدْبِرِينَ، أَوْ مُكَاتِبِينَ، أَوْ أُمَّهَاتِ أَوْلَادٍ كَانُوا لِلْمُسْلِمِينَ أَسْرَى فِي أَيْدِيهِمْ.\nلِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَمَلَّكُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ ثُبُوتَ حَقِّ الْعِتْقِ فِي الْمَحَلِّ، كَثُبُوتِ حَقِيقَةِ الْعِتْقِ فِي إخْرَاجِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلتَّمَلُّكِ بِالْقَهْرِ. وَلَكِنَّا نَرُدُّهُمْ عَلَى مَوَالِيهِمْ بِغَيْرِ شَيْءٍ.\n- وَإِنْ أَعْطَوْا ذَلِكَ مِنْ عَبِيدِ مُسْلِمِينَ كَانُوا أَسْرَى فِي أَيْدِيهِمْ رُدَّ عَلَيْهِمْ قِيمَتُهُمْ. .\nلِأَنَّهُمْ كَانُوا تَمَلَّكُوا الْعَبِيدَ بِالْإِحْرَازِ، ثُمَّ تَمَلَّكْنَا عَلَيْهِمْ بِطَرِيقِ الْجُعَلِ. فَيَجِبُ رَدُّهُمْ إذَا لَمْ يَسْلَمْ لَهُمْ الْمَشْرُوطُ. وَلَكِنْ يَتَعَذَّرُ رَدُّ عَيْنِهِمْ لِإِسْلَامِهِمْ فَيَجِبُ رَدُّ قِيمَتِهِمْ.\n- وَإِنْ رَدُّوا الْمِائَةَ كَمَا شَرَطُوا مِمَّنْ لَا يَمْلِكُونَهُمْ مِنْ الْأُسَرَاءِ فَلِلْأَمَامِ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ بَعْدَ النَّبْذِ إلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ رَدِّ شَيْءٍ عَلَيْهِمْ. لِأَنَّا لَمْ نَتَمَلَّكْ عَلَيْهِمْ شَيْئًا كَانُوا يَمْلِكُونَهُ.","vol":"1","page":776},{"text":"وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ لَهُ أَنْ يَفِيَ لَهُمْ. .\nكَمَا وُفُّوا لَهُ بِالْمَشْرُوطِ، لِيَطْمَئِنُّوا إلَيْهِ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ. فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَرْكَنُوا إلَى مِثْلِ ذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبِلِ، بِنَاءً عَلَى مَا عِنْدَهُمْ أَنَّ هَذَا غَدْرٌ فِي تَخْلِيصِ الْأَسَارَى مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَدْرًا فِي الْحَقِيقَةِ.\n- وَإِنْ انْصَرَفَ عَنْهُمْ بَعْدَ مَا أَخَذَ الْمَشْرُوطَ مِنْهُمْ، فَإِنْ كَانُوا أَحْرَارًا خَلَّى سَبِيلَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا مُدَبَّرِينَ رَدَّهُمْ عَلَى الْمَوَالِي بِغَيْرِ قِيمَةٍ، وَإِنْ كَانُوا عَبِيدًا فَإِنْ وَجَدَهُمْ الْمَوَالِيَ قَبْلَ (ص ٢٦١) الْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ أَخَذُوهُمْ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدُوهُمْ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَوْ الْبَيْعِ أَخَذُوهُمْ بِالْقِيمَةِ أَوْ الثَّمَنِ إنْ أَحَبُّوا. .\nلِأَنَّ التَّمْلِيكَ عَلَيْهِمْ بِطَرِيقِ الْجُعَلِ بِمَنْزِلَةِ التَّمَلُّكِ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَأْخُوذَ فَيْءٌ يَجِبُ قِسْمَتُهُ بَيْنَهُمْ فِي الْوَجْهَيْنِ. .\n\n- وَلَوْ قَالَ الْأَمِيرُ لِلْأُسَرَاءِ: مَنْ دَلَّنَا عَلَى عَشَرَةٍ مِنْ الْمُقَاتِلَة فَهُوَ حُرٌّ. فَدَلَّهُمْ أَسِيرٌ عَلَى عَشَرَةٍ مُمْتَنِعِينَ فِي قَلْعَةٍ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِمْ، لَمْ يَكُنْ حُرًّا. .\nلِأَنَّا عِلْمنَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هَذَا مَقْصُودَ الْإِمَامِ، وَإِنَّمَا كَانَ مَقْصُودُهُ دَلَالَةً فِيهَا مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ. وَلَمْ يَحْصُلْ.\nفَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا يُعْتَبَرُ ظَاهِرُ كَلَامِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ عَشْرَةٌ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ، وَالْمُقَاتِلُ مَنْ يَكُونُ مُمْتَنِعًا.\nقُلْنَا: نَعَمْ. وَلَكِنَّ مَقْصُودَهُ دَلَالَةٌ يَسْتَفِيدُ بِهَا عِلْمًا لَمْ يَكُنْ حَاصِلًا لَهُ","vol":"1","page":777},{"text":"قَبْلَ الدَّلَالَةِ، وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِهَذِهِ الدَّلَالَةِ، فَكَمْ مِنْ عَشَرَةٍ مُقَاتِلَةٍ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِمْ يَعْلَمُهُمْ الْأَمِيرُ وَالْمُسْلِمُونَ فِي دَارِ الْحَرْبِ. فَعَرَفْنَا بِهَذَا أَنَّ مُرَادَهُ الدَّلَالَةُ عَلَى عَشَرَةٍ يَتَمَكَّنُونَ مِنْ أَخْذِهِمْ.\n- فَإِنْ دَلَّهُمْ عَلَى عَشَرَةٍ غَيْرِ مُمْتَنِعِينَ إلَّا أَنَّهُمْ دَرَوْا بِهِمْ فَهَرَبُوا، فَإِنْ كَانُوا هَرَبُوا قَبْلَ وُصُولِ الْمُسْلِمِينَ إلَى مَوْضِعٍ يَقْدِرُونَ عَلَى أَخْذِهِمْ فَلَيْسَتْ هَذِهِ أَيْضًا بِدَلَالَةِ. .\nلِأَنَّ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَهُوَ التَّمَكُّنُ مِنْ الْأَخْذِ لَمْ يَحْصُلْ بِهَا.\n- وَإِنْ كَانُوا قَدْ قَدَرُوا عَلَى أَخْذِهِمْ فَفَرَّطُوا فِي ذَلِكَ حَتَّى هَرَبُوا فَالْأَسِيرُ حُرٌّ. .\nلِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِالْمَشْرُوطِ عَلَيْهِ مِنْ الدَّلَالَةِ وَهُوَ التَّمَكُّنُ مِنْ أَخْذِ الْعَشَرَةِ فَالتَّفْرِيطُ الَّذِي يَكُونُ مِنَّا بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ مَحْسُوبًا عَلَيْهِ.\n- وَإِنْ دَلَّ عَلَى الْعَشَرَةِ فِي مَوْضِعٍ فَقَاتَلُوا حَتَّى نَجَوَا فَلَيْسَتْ هَذِهِ بِدَلَالَةٍ. .\nلِأَنَّهُ إنَّمَا دَلَّ عَلَى قَوْمٍ مُمْتَنِعِينَ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ امْتِنَاعُهُمْ بِقُوَّةِ أَنْفُسِهِمْ أَوْ بِحِصْنٍ كَانُوا فِيهِ. .\nإلَّا أَنْ يَكُونُوا إنَّمَا نَجَوْا لِتَفْرِيطٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي أَخْذِهِمْ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ لِلدَّالِ مَا شُرِطَ لَهُ. .","vol":"1","page":778},{"text":"- وَإِنْ قَاتَلَ الْعَشَرَةُ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ فَقَتَلُوا بَعْضَهُمْ ثُمَّ ظَفَرَ الْمُسْلِمُونَ بِهِمْ فَالْأَسِيرُ حُرٌّ. .\nلِأَنَّهُمْ إنَّمَا تَمَكَّنُوا مِنْ أَخْذِهِمْ وَأَسْرِهِمْ بِدَلَالَتِهِ.\n- وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَسْرِهِمْ وَلَكِنْ قَاتَلُوهُمْ حَتَّى قُتِلُوا فَلَيْسَتْ هَذِهِ بِدَلَالَةِ. لِأَنَّ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَهُوَ التَّمَكُّنُ مِنْ الْأَسْرِ لَمْ يَحْصُلْ بِهَذِهِ الدَّلَالَةِ.\nوَهَذَا لِأَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْعَشَرَةِ كَانُوا يَجِدُونَهُمْ قَبْلَ دَلَالَتِهِ، فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالدَّلَالَةِ غَيْرُ هَذَا.\n- وَلَوْ قَتَلَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ وَاحِدًا وَظَفَرُوا بِالْبَقِيَّةِ، فَإِنْ كَانُوا قَتَلُوا ذَلِكَ الْوَاحِدَ وَهُمْ مُمْتَنِعُونَ لَمْ يَكُنْ الْأَسِيرُ حُرًّا. .\nلِأَنَّ التَّمَكُّنَ إنَّمَا حَدَثَ بَعْدَ قَتْلِهِ، وَالْبَاقُونَ بَعْدَ قَتْلِهِ تِسْعَةٌ. فَكَأَنَّهُ دَلَّهُمْ ابْتِدَاءً عَلَى تِسْعَةِ نَفَرٍ. .\nوَإِنْ كَانُوا قَتَلُوهُ بَعْدَ مَا ظَفَرُوا بِالْعَشَرَةِ فَهُوَ حُرٌّ. .\nلِأَنَّهُمْ تَمَكَّنُوا بِدَلَالَتِهِ مِنْ أَخْذِ الْعَشَرَةِ.\n- وَكَذَلِكَ إنْ كَانُوا قَتَلُوا بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ ظَفَرُوا بِهِمْ أَحْيَاءً. .\nلِأَنَّهُمْ تَمَكَّنُوا مِنْ أَسْرِ الْعَشَرَةِ بِدَلَالَتِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ جَهْدٍ وَقِتَالٍ.","vol":"1","page":779},{"text":"١٣٨٢ - فَإِنْ انْتَهَى إلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ وَلَا سِلَاحَ عَلَيْهِمْ، فَفَرَّطُوا فِي أَخْذِهِمْ حَتَّى تَسَلَّحُوا أَوْ امْتَنَعُوا فَالْأَسِيرُ حُرٌّ. .\nلِأَنَّهُ مَكَّنَهُمْ بِالدَّلَالَةِ مِنْ أَخْذِ الْعَشَرَةِ، وَإِنَّمَا جَاءَ التَّقْصِيرُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.\n\n- وَلَوْ كَانَ الْأَسِير قَالَ: أَدُلّكُمْ عَلَى عَشَرَةٍ عَلَى أَنِّي إنْ دَلَلْتُكُمْ عَلَيْهِمْ فَامْتَنَعُوا أَوْ لَمْ يَمْتَنِعُوا فَأَنَا حُرٌّ. فَرَضِيَ الْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ فَهُوَ حُرٌّ، إذَا دَلَّ عَلَيْهِمْ وَإِنْ امْتَنَعُوا لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا الْتَزَمَهُ بِالشَّرْطِ نَصًّا. وَإِنَّمَا تُعْتَبَرُ دَلَالَةُ الْحَالِ وَالْمَقْصُودُ بِالْكَلَامِ إذَا لَمْ يُوجَدْ التَّنْصِيصُ بِخِلَافِهِ. .\n\n- وَلَوْ قَالَ الْأَمِيرُ لِلْأُسَرَاءِ: مَنْ دَلَّنَا عَلَى حِصْنِ كَذَا أَوْ عَلَى عَسْكَرِ فُلَانٍ الْبِطْرِيقِ، أَوْ عَلَى عَسْكَرِ الْمِلْكِ فَهُوَ حُرٌّ. فَدَلَّهُمْ رَجُلٌ ثُمَّ لَمْ يَظْفَرُوا بِهِمْ فَالْأَسِيرُ حُرٌّ (ص ٢٦٢) .\nلِأَنَّهُ أَتَى بِمَا شُرِطَ عَلَيْهِ مِنْ الدَّلَالَةِ. وَالْمَشْرُوطُ عَلَيْهِ الدَّلَالَةُ عَلَى قَوْمٍ مُمْتَنِعِينَ هُنَا وَقَدْ أَتَى بِهِ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ. وَالْغَالِبُ أَنَّ الْمُرَادَ هُنَاكَ الدَّلَالَةُ عَلَى عَشَرَةٍ غَيْرِ مُمْتَنِعِينَ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: مَنْ دَلَّنَا عَلَى عَشَرَةٍ مِنْ السَّبْيِ مِنْ نِسَاءٍ أَوْ صِبْيَانٍ فَهُوَ حُرٌّ، فَدَلَّهُمْ رَجُلٌ عَلَى ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْ جُنْدٍ يَمْنَعُونَهُمْ أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ؟ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْمُرَادَ الدَّلَالَةُ عَلَيْهِمْ فِي غَيْرِ مَنَعَةٍ، وَإِنَّمَا يُحْمَلُ مُطْلَقُ الْكَلَامِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ عَلَى مَا هُوَ الْغَالِبُ. .\n\n- وَلَوْ تَحَيَّرَ الْأَمِيرُ فِي رُجُوعِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: مَنْ دَلَّنَا مِنْكُمْ عَلَى الطَّرِيقِ فَلَهُ رَأْسٌ، أَوْ قَالَ: فَلَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ","vol":"1","page":780},{"text":"فَدَلَّهُمْ رَجُلٌ بِوَصْفٍ ذَكَرَهُ، فَمَضَوْا عَلَى دَلَالَتِهِ حَتَّى أَصَابُوا الطَّرِيقَ وَلَمْ يَذْهَبْ هُوَ مَعَهُمْ، فَلَا شَيْءَ لَهُ. .\nلِأَنَّ مَا أَوْجَبَ كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْأُجْرَةِ لَا عَلَى سَبِيلِ التَّنْفِيلِ. إذْ التَّنْفِيلُ بَعْدَ إحْرَازِ الْغَنِيمَةِ لَا يَجُوزُ. وَإِرْشَادُ الْمُتَحَيِّرِ إلَى الطَّرِيقِ لَيْسَ مِنْ الْجِهَادِ لِيَسْتَحِقَّ عَلَيْهِ النَّفَلَ. فَعَرَفْنَا أَنَّهُ إجَارَةٌ. وَاسْتِحْقَاقُ الْأَجْرِ بِعَمَلٍ لَا بِقَوْلٍ. فَلِهَذَا لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا إذَا لَمْ يَذْهَبْ مَعَهُمْ.\n- وَإِنْ ذَهَبَ مَعَهُمْ حَتَّى دَلَّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ فِي ذَهَابِهِ مَعَهُمْ. لِأَنَّهُ أَتَى بِالْعَمَلِ بِحُكْمِ إجَارَةٍ فَاسِدَةٍ. فَإِنَّ الْمَقْصُودَ عَلَيْهِ مِنْ الْعَمَلِ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا حِينَ لَمْ يُتَبَيَّنْ إلَى أَيِّ مَوْضِعِ يَذْهَبُ مَعَهُمْ. وَرُبَّمَا يُوَصِّلُهُمْ إلَى الطَّرِيقِ بِعَشْرَةِ خُطًى، وَرُبَّمَا لَا يُوَصِّلُهُمْ إلَّا بِمَسِيرَةِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ. وَجَهَالَةُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ تُفْسِدُ الْعَقْدَ.\n- ثُمَّ إنْ كَانَ الْمَشْرُوطُ لَهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِهِ أَجْرَ الْمِثْلِ لَا يُجَاوِزُ بِهِ مِائَةً، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ إذَا كَانَ الْمُسَمَّى مَعْلُومًا. وَإِنْ كَانَ الْمَشْرُوطُ رَأْسًا مِنْ السَّبْيِ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ بَالِغًا مَا بَلَغَ.\nلِأَنَّ تَسْمِيَةَ الرَّأْسِ مُطْلَقًا فِي بَابِ الْإِجَارَةِ لَا يَكُونُ تَسْمِيَةً صَحِيحَةً. وَهَذَا لِأَنَّهُ إنَّمَا لَا يُجَاوِزُهُ الْمُسَمَّى لِتَمَامِ الرِّضَا بِهِ، وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ فِي الْمِائَةِ وَلَا يَتَحَقَّقُ فِي الرَّأْسِ، لِأَنَّ الرُّءُوسَ تَتَفَاضَلُ فِي الْمَالِيَّةِ. .","vol":"1","page":781},{"text":"- وَلَوْ قَالَ: مَنْ دَلَّنَا عَلَى الطَّرِيقِ حَتَّى يَبْلُغَ بِنَا مَوْضِعَ كَذَا فَلَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ، أَوْ فَلَهُ هَذَا الرَّأْسُ بِعَيْنِهِ. فَذَهَبَ رَجُلٌ مَعَهُمْ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ فَلَهُ الْمُسَمَّى. .\nلِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَعْلُومٌ هُنَا، وَالْبَدَلَ مَعْلُومٌ.\nفَإِنْ قِيلَ: الْمُخَاطَبُ بِالْعَقْدِ مَجْهُولٌ فَكَيْفَ يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ صَحِيحًا؟ قُلْنَا: إنَّمَا يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ حِينَ يَأْخُذُ فِي الذَّهَابِ مَعَهُمْ، وَيَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ بِحَسَبِ مَا يَأْتِي بِهِ مِنْ الْعَمَلِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا جَهَالَةَ فِيهِ. .\n\n- وَلَوْ لَمْ يَتَحَيَّرْ الْإِمَامُ وَلَكِنْ قَالَ: مَنْ سَاقَ هَذِهِ الْأَرْمَاكَ مِنْكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الطَّرِيقَ فَلَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ. فَفَعَلَ ذَلِكَ قَوْمٌ، اسْتَحَقُّوا أَجْرَ الْمِثْلِ لَا يُجَاوِزُ بِهِ الْمِائَةَ. .\nلِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مِنْ الْعَمَلِ مَجْهُولٌ لِجَهَالَةِ الْمَسَافَةِ.\n- وَلَوْ كَانَ قَالَ: إلَى مَوْضِعِ كَذَا. فَلَهُمْ الْمُسَمَّى.\nلِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَعْلُومٌ وَالْبَدَلُ مَعْلُومٌ.\n- وَإِنْ خَاطَبَ قَوْمًا بِأَعْيَانِهِمْ فَسَمِعَ قَوْمٌ آخَرُونَ فَسَاقُوهُمْ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ.\nلِأَنَّ الْعَقْدَ إنَّمَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ خَاطَبَهُمْ بِهِ، فَغَيْرُهُمْ يَكُونُ مُتَبَرِّعًا فِي إقَامَةِ الْعَمَلِ.","vol":"1","page":782},{"text":"- وَلَوْ نَادَى بِذَلِكَ فِي جَمِيعِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ فَسَاقَهَا قَوْمٌ سَمِعُوا النِّدَاءَ فَلَهُمْ الْأَجْرُ. .\nلِأَنَّهُمْ أَقَامُوا الْعَمَلَ عَلَى وَجْهِ الْإِجَارَةِ.\n- وَلَوْ سَاقَهَا قَوْمٌ لَمْ يَسْمَعُوا النِّدَاءَ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ.\nلِأَنَّهُمْ أَقَامُوا الْعَمَلَ مُتَطَوِّعِينَ لَا عَلَى وَجْهِ الْإِجَارَةِ حِينَ لَمْ يَسْمَعُوا النِّدَاءَ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ هُنَا لَيْسَ عَلَى وَجْهِ التَّنْفِيلِ.\n\n- وَلَوْ أَنَّ الْأَمِيرَ أَخْطَأَ الطَّرِيقَ فَتَحَيَّرَ. فَقَالَ لِأَسِيرٍ فِي يَدِهِ: إنْ دَلَلْتنَا عَلَى الطَّرِيقِ (ص ٢٦٣) فَلَكَ أَهْلُك وَوَلَدُك. فَدَلَّهُمْ بِصِفَةٍ أَوْ بِذَهَابٍ مَعَهُمْ حَتَّى أَوْقَفَهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ، كَانَ عَلَى حَالِهِ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ مَعَ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ.\nلِأَنَّ الْأَمِيرَ لَمْ يَذْكُرْ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الْجَزَاءِ، فَيَبْقَى هُوَ أَسِيرًا عَلَى حَالِهِ، وَإِذَا كَانَ هُوَ عَبْدًا لِلْمُسْلِمِينَ فَمَا يَكُونُ لَهُ يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ أَيْضًا، أَهْلُهُ وَوَلَدُهُ وَغَيْرُهُمْ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ.\n- وَلَوْ كَانَ قَالَ: لَكَ نَفْسُكَ وَأَهْلُكَ وَوَلَدُكَ. وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَهُوَ حُرٌّ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ.\nلِأَنَّهُ جَعَلَ لَهُ نَفْسَهُ جَزَاءً عَلَى دَلَالَتِهِ. وَقَدْ أَتَى بِهَا فَكَانَ حُرًّا، وَلَهُ أَهْلُهُ وَوَلَدُهُ أَيْضًا، لِأَنَّهُ شَرَطَ لَهُ ذَلِكَ\nإلَّا أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي اسْمِ الْأَهْلِ هُنَا إلَّا زَوْجَتُهُ.","vol":"1","page":783},{"text":"بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فِي فُصُولِ الْأَمَانِ. لِأَنَّهُمْ هُنَا قَدْ صَارُوا مَمْلُوكَيْنِ بِالْأَسْرِ فَلَا يَزُولُ الْمِلْكُ عَنْهُمْ إلَّا بِيَقِينٍ، وَهَذَا الْيَقِينُ فِي زَوْجَتِهِ خَاصَّةً.\n- وَكَذَلِكَ فِي اسْمِ الْوَلَدِ لَا يَدْخُلُ هُنَا إلَّا وَلَدٌ لِصُلْبِهِ. وَأَمَّا وَلَدُ وَلَدِهِ فَهُمْ فَيْءٌ.\nلِأَنَّ الْيَقِينَ فِي وَلَدِ الصُّلْبِ خَاصَّةً. وَهَذَا الِاسْتِحْقَاقُ لَهُ يُبْتَنَى عَلَى الْمُتَيَقِّنِ بِهِ.\n- وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْأُسَرَاءِ وَلَدٌ لِصُلْبِهِ فَلَهُ أَوْلَادُ بَنِيهِ.\nلِأَنَّهُمْ قَائِمُونَ مَقَامَ أَبِيهِمْ فِي هَذَا الِاسْمِ، فَيَتَنَاوَلُهُمْ عِنْدَ عَدَمِ آبَائِهِمْ.\n- وَلَا يَكُونُ وَلَدُ بَنَاتِهِ مِنْ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ، إلَّا أَنْ يُسَمِّيَهُمْ.\nلِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَوْلَادِهِ.\n- ثُمَّ لَا يُتْرَكُ يَرْجِعُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ وَلَكِنَّهُ يُخْرِجُهُمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لِيَكُونُوا ذِمَّةً لِلْمُسْلِمِينَ.\nلِأَنَّهُ بَعْدَ تَقَرُّرِ الْأَسْرِ لَا يَجُوزُ تَمْكِينُهُمْ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ.\n- وَيَسْتَوِي إذَا كَانَ دَلَّهُمْ بِكَلَامٍ أَوْ ذَهَبَ مَعَهُمْ.\nبِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ دَلَالَةِ الْمُسْلِمِينَ. فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْإِجَارَةِ. فَلَا يَثْبُتُ بِالْكَلَامِ. وَهَذَا عَلَى وَجْهِ الصُّلْحِ وَالْأَمَانِ. فَيُعْتَبَرُ فِيهِ وُجُودُ الشَّرْطِ حَقِيقَةً.\n\n- فَإِنْ كَانَ الْأَمِيرُ قَسَّمَ السَّبْيَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ بَاعَهُمْ ثُمَّ","vol":"1","page":784},{"text":"تَحَيَّرَ فَقَالَ لِلْأُسَرَاءِ: مَنْ دَلَّنَا عَلَى الطَّرِيقِ فَهُوَ حُرٌّ. أَوْ قَالَ: فَلَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ، فَفَعَلَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ، فَإِنْ كَانَ شَرَطَ لَهُ مِائَةً فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ لَا يُجَاوِزُ بِهِ الْمِائَةَ وَيَكُونُ ذَلِكَ لِمَوْلَاهُ.\nلِأَنَّ الْمِلْكَ قَدْ تَعَيَّنَ فِيهِمْ هُنَا. فَمَا أَوْجَبَهُ يَكُونُ عَلَى وَجْهِ الْإِجَارَةِ دُونَ الصُّلْحِ وَالْأَمَانِ.\n- وَلِهَذَا لَوْ دَلَّهُمْ بِمُجَرَّدِ كَلَامٍ وَلَمْ يَذْهَبْ مَعَهُمْ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا. وَإِنْ كَانَ قَالَ: فَهُوَ حُرٌّ، فَهَذَا بَاطِلٌ.\nلِأَنَّ الْأَمِيرَ لَا يَمْلِكُ أَنْ يُعْتِقَ أَرِقَّاءَ الْمُلَّاكِ بَعْدَ مَا تَعَيَّنَ مُلْكُهُمْ فِيهِمْ.\n\n- وَلَوْ تَحَيَّرَ قَبْلَ قِسْمَتِهِمْ فَقَالَ: مَنْ دَلَّنَا مِنْكُمْ عَلَى الطَّرِيقِ فَهُوَ حُرٌّ. فَدَلَّهُمْ أَسِيرٌ عَلَى طَرِيقٍ بَيِّنٍ، إلَّا أَنَّهُ طَرِيقٌ يَأْخُذُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ لَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. فَإِنْ كَانُوا تَحَيَّرُوا فِي الدُّخُولِ فَهَذِهِ دَلَالَةٌ وَالْأَسِيرُ حُرٌّ. وَإِنْ كَانُوا تَحَيَّرُوا فِي الِانْصِرَافِ فَلَيْسَتْ هَذِهِ بِدَلَالَةٍ.\nوَإِنْ دَلَّهُمْ عَلَى طَرِيقٍ يَأْخُذُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لَا إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَالتَّقْسِيمُ فِيهِ عَلَى عَكْسِ هَذَا.\nلِأَنَّ مُطْلَقَ الْكَلَامِ يَتَقَيَّدُ بِدَلَالَةِ الْحَالِ، وَقَدْ عِلْمنَا أَنَّ مُرَادَهُ فِي حَالَةِ الدُّخُولِ الدَّلَالَةُ عَلَى طَرِيقٍ يُوَصِّلُهُ إلَى مَقْصِدِهِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ. وَفِي الِانْصِرَافِ مَقْصُودُهُ الدَّلَالَةُ عَلَى طَرِيقٍ يُوَصِّلُهُ إلَى مَقْصِدِهِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ","vol":"1","page":785},{"text":"- وَإِنْ قَالَ: إنْ دَلَلْتنَا عَلَى طَرِيقِ حِصْنِ كَذَا فَأَنْتَ حُرٌّ، وَلِذَلِكَ الْحِصْنِ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ طَرِيقٌ، فَدَلَّهُمْ عَلَى طَرِيقٍ آخَرَ هُوَ أَبْعَدُ مِنْ الطَّرِيقِ الْمَعْهُودِ، فَلَهُ شَرْطُهُ.\nلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الطَّرِيقَيْنِ طَرِيقُ ذَلِكَ الْحِصْنِ إذَا كَانَ بِحَيْثُ يَعْتَادُ النَّاسُ الذَّهَابَ إلَى ذَلِكَ الْحِصْنِ مِنْ ذَلِكَ الطَّرِيقِ. وَالْأَمِيرُ أَطْلَقَ اللَّفْظَ وَلَا يَجُوزُ تَقْيِيدُ الْمُطْلَقِ إلَّا بِدَلِيلٍ. وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ ذَلِكَ.\n- وَإِنْ دَلَّهُمْ عَلَى طَرِيقٍ لَيْسَ بِطَرِيقٍ إلَى ذَلِكَ الْحِصْنِ وَلَكِنَّهُ طَرِيقٌ إلَى غَيْرِهِ، إلَّا أَنَّهُمْ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يَدُورُوا مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ حَتَّى يَأْتُوهُ، فَلَيْسَتْ هَذِهِ بِدَلَالَةٍ.\nلِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ (ص ٢٦٤) مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ كَاشْغَرُ ثُمَّ يَدُورُ حَتَّى يَأْتِيَ بُخَارَى. ثُمَّ لَا يَعُدُّ أَحَدٌ الطَّرِيقَ مِنْ هُنَا إلَى كَاشْغَرَ طَرِيقَ بُخَارَى. فَعَرَفْنَا أَنَّهُ مَا أَتَى بِالْمَشْرُوطِ عَلَيْهِ. فَلَا يَكُون حُرًّا.\n- وَإِنْ قَالَ: إنْ دَلَلْتنَا عَلَى طَرِيقِ حِصْنِ كَذَا، وَهُوَ الطَّرِيقُ الَّذِي كَانَ يُقَالُ لَهُ كَذَا. فَدَلَّهُمْ عَلَى طَرِيقٍ غَيْرِهِ حَتَّى أَقَامَهُمْ عَلَى الْحِصْنِ. فَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ مَنْفَعَةٌ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي عَيَّنُوا لَهُ مِنْ حَيْثُ قُرْبُ الطَّرِيقِ أَوْ أَمْنُهُ أَوْ كَثْرَةُ الْعُلَّفِ أَوْ كَثْرَة الْقُرَى أَوْ كَثْرَةُ مَا يَجِدُونَ مِنْ السَّبْيِ فَهُوَ فَيْءٌ عَلَى حَالِهِ.\nلِأَنَّهُ مَا وَفَّى بِالشَّرْطِ. فَإِنَّهُمْ عَيَّنُوا لَهُ طَرِيقًا وَكَانَتْ لَهُمْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ، وَالتَّعْيِينُ مَتَى كَانَ مُفِيدًا يَجِبُ اعْتِبَارُهُ.","vol":"1","page":786},{"text":"- وَإِنْ كَانَ الَّذِي دَلَّهُمْ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مَنْفَعَةً مِنْ الَّذِي عَيَّنُوا لَهُ فَهُوَ فَيْءٌ فِي الْقِيَاسِ أَيْضًا.\nلِأَنَّهُ مَا أَتَى بِالْمَشْرُوطِ. وَفِي إيجَابِ الْعِبَادِ يَعْتَبِرُ اللَّفْظِ دُونَ الْمَعْنَى لِجَوَازِهِ أَنْ يَخْلُوَ كَلَامُهُمْ عَنْ حِكْمَةٍ وَفَائِدَةٍ حَمِيدَةٍ.\nوَفِي الِاسْتِحْسَانِ هُوَ حُرٌّ\nلِأَنَّهُ أَتَى بِمَقْصُودِهِمْ وَزِيَادَةٍ. وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ التَّعْيِينُ إذَا كَانَ مُفِيدًا. فَإِذَا عُلِمَ أَنَّ فَائِدَتَهُمْ فِيمَا أُتِيَ بِهِ أَظْهَرُ، سَقَطَ اعْتِبَارُ التَّعْيِينِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُفِيدٍ.\nوَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَيَّهمَا أَنْفَعَ فَهُوَ فَيْءٌ عَلَى حَالِهِ.\nلِأَنَّ التَّعْيِينَ كَلَامٌ مِنْ عَاقِلٍ. فَيَكُونُ مُعْتَبَرًا فِي الْأَصْلِ، مَا لَمْ يَعْلَمْ بَخِلُوهُ عَنْ الْفَائِدَةِ. وَلَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ.\n\n- وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: مَنْ دَلَّنَا عَلَى طَرِيقِ دَرْبِ الْحَدَثِ فَهُوَ حُرٌّ. فَدَلَّهُمْ رَجُلٌ عَلَى طَرِيقِ الْمِصِّيصَةِ أَوْ عَلَى طَرِيقِ مَلَطْيَةَ. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَقْرَبَ وَأَكْثَرَ مَنْفَعَةً فَهُوَ حُرٌّ. وَإِنْ كَانَ لَيْسَ كَذَلِكَ، أَوْ لَا يَدْرِي أَهْوَ كَذَلِكَ أَمْ لَا فَهُوَ فَيْءٌ","vol":"1","page":787},{"text":"لِأَنَّهُ مَا أُتِيَ بِالْمَشْرُوطِ عَلَيْهِ أَرَأَيْت لَوْ ذَهَبَ بِهِمْ إلَى طَرِيقٍ غَيْرِ مَا ذَكَرُوا لَهُ، فَكَانَ فِيهِ الْمَلِكُ وَجُنْدُهُ. فَقَاتَلَهُمْ وَقَتَلَ مِنْهُمْ، أَوْ ذَهَبَ بِهِمْ فِي طَرِيقٍ لَا عَلَفَ فِيهِ فَهَلَكَتْ دَوَابُّهُمْ، أَوْ مَاتُوا جُوعًا، أَكَانَ يُوفِي لَهُ بِشَرْطِهِ؟ وَإِنَّمَا قَصْدَ بِهَذَا بَيَانَ أَنَّ التَّقْيِيدَ مَتَى مَا كَانَ مُفِيدًا يَجِبُ اعْتِبَارُهُ.","vol":"1","page":788},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>[بَابُ مَا يَجُوزُ مِنْ النَّفْلِ فِي السِّلَاحِ وَغَيْرِهِ]</span>\n- وَإِذَا رَأَى أَمِيرُ الْعَسْكَرِ دُرُوعَ الْمُسْلِمِينَ قَلِيلَةً عِنْدَ دُخُولِهِمْ دَارَ الْحَرْبِ فَقَالَ: مَنْ دَخَلَ بِدِرْعٍ فَلَهُ مِنْ النَّفْلِ كَذَا، أَوْ فَلَهُ بِهِ سَهْمٌ كَسَهْمِهِ فِي الْغَنِيمَةِ. فَهَذَا جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ.\nلِأَنَّ هَذَا التَّنْفِيلَ يَقَعُ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ، فَالْمُسْلِمُ فِي حَمْلِ الدُّرُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ يَحْتَاجُ إلَى مُؤْنَةٍ، وَيَحْصُلُ بِهِ إرْهَابُ الْعَدُوِّ، فَيَجُوزُ أَنْ يُنَفِّلَ عَلَى ذَلِكَ لِتَحْرِيضِهِمْ عَلَى تَحَمُّلِ هَذِهِ الْمُؤْنَةِ لِإِرْهَابِ الْعَدُوِّ أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّرْعَ أَوْجَبَ لِلْغَازِي السَّهْمَ لِفَرَسِهِ لِهَذَا الْمَعْنَى؟ وَهُوَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْمُؤْنَةَ فِيمَا يَحْصُلُ بِهِ إرْهَابُ الْعَدُوِّ، فَلِلْأَمَامِ أَنْ يُوجِبَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ النَّفْلِ اعْتِبَارًا بِمَا أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ.\n- وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ بِدِرْعَيْنِ فَلَهُ كَذَا.\nلِأَنَّ الْمُبَارِزَ قَدْ يُظَاهِرُ بَيْنَ دِرْعَيْنِ إذَا أَرَادَ الْقِتَالُ، عَلَى مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - ظَاهَرَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ يَوْمَ أُحُدٍ» . فَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ.","vol":"1","page":789},{"text":"- وَإِنْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ بِدِرْعٍ وَمَنْ دَخَلَ بِدِرْعَيْنِ فَلَهُ مِئَتَانِ. وَمَنْ دَخَلَ بِثَلَاثَةِ دُرُوعٍ فَلَهُ ثَلَاثُ مِائَةٍ.\nوَسَاقَ الْكَلَامَ هَكَذَا.\nفَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُنَفِّلَ هَكَذَا، وَلَا يَجُوزُ مِنْهُ هَذَا التَّنْفِيلُ فِي أَكْثَرِ مِنْ دِرْعَيْنِ.\nلِأَنَّ هَذَا لَا يَقَعُ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ وَالنَّظَرِ، وَالْمُقَاتِلُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَلْبِسَ أَكْثَرَ مِنْ دِرْعَيْنِ عِنْدَ الْقِتَالِ. لِأَنَّ ذَلِكَ يَثْقُلُ عَلَيْهِ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُقَاتِلَ مَعَهُ. فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي التَّنْفِيلِ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ دِرْعَيْنِ مَنْفَعَةٌ.\nفَإِنْ قِيلَ: مَعْنَى الْتِزَامِ الْمُؤْنَةِ وَإِرْهَابِ الْعَدُوِّ يَتَحَقَّقُ فِي الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ وَالْخَامِسِ.\nقُلْنَا: لَيْسَ كَذَلِكَ. فَإِنَّ الْإِرْهَابَ بِالدَّارِعِ لَا بِالدِّرْعِ. يُقَالُ انْفَصَلَ (ص ٢٦٥) كَذَا وَكَذَا دَارِعٍ، وَكَذَا وَكَذَا حَارِسٍ. فَيَحْصُلُ بِهِ الْإِرْهَابُ. وَالدَّارِعُ هُوَ وَحْدُهُ، لِأَنَّهُ مَا حَمَلَ الدُّرُوعَ مَعَ نَفْسِهِ لِيُعْطِيَهَا غَيْرَهُ، وَإِنَّمَا حَمَلَ لِلُّبْسِ عِنْدَ الْقِتَالِ. وَذَلِكَ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ فِي أَكْثَرِ مِنْ دِرْعَيْنِ.\n- وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ لِأَصْحَابِ الْخَيْلِ بِتِجْفَافٍ فَلَهُ كَذَا.\nفَإِنَّ مَعْنَى الْتِزَامِ الْمُؤْنَةِ وَإِرْهَابِ الْعَدُوِّ يَحْصُلُ بِالتِّجْفَافِ لِلْخَيْلِ كَمَا يَحْصُلُ بِالدُّرُوعِ لِلْفَارِسِ. فَيَجُوزُ أَنْ يُنَفِّلَ عَلَى تِجْفَافٍ وَتِجْفَافَيْنِ.\nوَلَا يَجُوزُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ","vol":"1","page":790},{"text":"لِأَنَّ التِّجْفَافَ لِلْفَرَسِ، فَالتَّنْفِيلُ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ التَّنْفِيلِ عَلَى الْفَرَسِ.\n\n- وَلَوْ كَانَ الْأَمِيرُ مِمَّنْ لَا يَرَى أَنْ يُسْهَمَ إلَّا لِفَرَسٍ وَاحِدٍ فَقَالَ: مَنْ دَخَلَ بِفَرَسَيْنِ فَلَهُ كَذَا، كَانَ ذَلِكَ تَنْفِيلًا صَحِيحًا. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنَفِّلَ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ فَرَسَيْنِ.\nلِأَنَّ الْمُبَارِزَ قَدْ يُقَاتِلُ بِفَرَسَيْنِ وَلَا يُقَاتِلُ بِأَكْثَرِ مِنْهُمَا. فَإِنَّمَا يَجُوزُ مِنْ تَنْفِيلِهِ مَا يَكُونُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ دُونَ مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ.\nإلَّا أَنْ يَكُونَ أَمْرًا مَعْرُوفًا قَدْ يَحْتَاجُ الرَّجُلُ فِيهِ إلَى ثَلَاثَةِ أَفْرَاسٍ. فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ تَنْفِيلُهُ لِثَلَاثَةِ أَفْرَاسٍ فِي ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لِثَلَاثَةِ تَجَافِيفَ.\nلِأَنَّهُ يَكُونُ عَلَى كُلِّ فَرَسٍ تِجْفَافٌ. وَمَتَى عُلِمَ أَنَّ تَنْفِيلَهُ كَانَ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ يَجِبُ تَنْفِيذُهُ مِمَّا أَصَابَ مِنْ الْغَنَائِمِ بَعْدَ التَّنْفِيلِ.\n- وَلَوْ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا لَهُمْ حَتَّى حَاصَرُوا حِصْنًا فَقَالَ: مَنْ تَقَدَّمَ إلَى الْبَابِ دَارِعًا فَلَهُ كَذَا. أَوْ قَالَ: مَنْ تَقَدَّمَ مُتَجَفِّفًا فَلَهُ كَذَا، أَوْ قَالَ: مَنْ تَقَدَّمَ مُظَاهِرًا دِرْعَيْنِ فَلَهُ كَذَا، فَذَلِكَ تَنْفِيلٌ صَحِيحٌ.\nلِأَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةً لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ حَيْثُ إظْهَارُ الْجَلَّادَةِ وَالْقُوَّةِ وَإِيقَاعُ الرُّعْبِ فِي قُلُوبِ الْمُشْرِكِينَ. وَالتَّنْفِيلُ عَلَى مِثْلِهِ يَكُونُ.\n- وَلَوْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ حَتَّى فَتَحُوا الْحِصْنَ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُنَفِّلَ مِنْهُ لِلدَّارِعِ وَالْمُتَجَفِّفِ عَلَى قَدْرِ الْعَنَاءِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُنَفِّلَهُ.","vol":"1","page":791},{"text":"لِأَنَّ التَّنْفِيلَ مَا يَكُونُ قَبْلَ الْإِحْرَازِ، فَأَمَّا بَعْدَ الْإِحْرَازِ فَيَكُونُ صِلَةً لَا تَنْفِيلًا، وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَخُصَّ بَعْضَ الْغَانِمِينَ بِالصِّلَةِ مِنْ الْغَنِيمَةِ بَعْدَ مَا ثَبَتَ حَقُّهُمْ فِيهَا.\n- فَإِنْ نَفَلَ الْإِمَامُ بَعْدَ الْإِحْرَازِ عَلَى قَدْرِ الْعَنَاءِ وَالْجَزَاءِ فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ رَأْيِهِ فَهُوَ نَافِذٌ.\nلِأَنَّهُ أَمْضَى بِاجْتِهَادِهِ فَصْلًا مُخْتَلَفًا فِيهِ، فَلَيْسَ لِأَحَدِ مِنْ الْقُضَاةِ أَنْ يُبْطِلَ ذَلِكَ.\n- وَيَحِلُّ لِلْمُنَفِّلِ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ هُوَ مِمَّنْ لَا يَرَى التَّنْفِيلَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ.\nلِأَنَّ الرَّأْيَ يَسْقُطُ اعْتِبَارُهُ إذَا جَاءَ الْحُكْمُ بِخِلَافِهِ. فَإِنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي مُلْزِمٌ غَيْرَهُ، وَمُجَرَّدُ الِاجْتِهَادِ غَيْرُ مُلْزِمٍ غَيْرَهُ. وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ. وَمِنْ رَأْيِهِ أَنَّ ذَلِكَ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ. فَقَضَى الْقَاضِي بِأَنَّهَا تَطْلِيقَةٌ رَجْعِيَّةٌ كَمَا هُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ - ﵄ -، فَإِنَّهُ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ، وَيَسَعُهُ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهَا. وَلَكِنَّ هَذَا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ. وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فَالْمُجْتَهِدُ لَا يَدْعُ رَأْيَهُ إذَا كَانَ ذَلِكَ أَشَدَّ عَلَيْهِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي بِخِلَافِهِ. وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ فِي آخَرِ الِاسْتِحْسَانِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":792},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>[بَابُ مَا يَجُوزُ مِنْ النَّفْلِ بَعْدَ إصَابَةِ الْغَنِيمَةِ وَمَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ مِنْهُ]</span>\n- قَالَ: وَلَوْ أَنَّ سَرِيَّةً فِي دَارِ الْحَرْبِ أَصَابُوا غَنَائِمَ فَعَجَزُوا عَنْ حَمْلِهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَأَرَادَ الْأَمِيرُ إحْرَاقَهَا أَوْ تَرْكَهَا، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَقَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: مَنْ أَخَذَ مِنْهَا شَيْئًا فَهُوَ لَهُ. فَهَذَا جَائِزٌ. وَمَنْ تَكَلَّفَ مِنْهُمْ فَأَخْرَجَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، وَلَا خُمُسَ فِيهِ.\nلِأَنَّ هَذَا تَنْفِيلٌ وَقَعَ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ، وَإِنَّمَا كَرِهْنَا التَّنْفِيلَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ حَقِّ بَعْضِ الْغَانِمِينَ بَعْدَ مَا ثَبَتَ حَقُّهُمْ فِي الْمُصَابِ. وَالْإِبْطَالُ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْحِفْظِ، وَتَأْكِيدِ حَقِّهِمْ بِالْإِخْرَاجِ. فَأَمَّا بَعْدَ تَحَقُّقِ الْعَجْزِ عَنْ ذَلِكَ فَهَذَا لَا يَكُونُ إبْطَالًا لِحَقِّ أَحَدٍ.\nيُوضِحُهُ أَنَّ لَهُ إحْرَاقَ الْجَمَادَاتِ (ص ٢٦٦) مِنْهَا وَذَبْحَ الْحَيَوَانَاتِ، ثُمَّ الْإِحْرَاقُ أَوْ تَرْكُهَا فِي مَضْيَعَةٍ. وَفِي ذَلِكَ إبْطَالُ حَقِّ الْكُلِّ. فَمِنْ ضَرُورَةِ جَوَازِ ذَلِكَ جَوَازُ إبْطَالِ حَقِّ الْبَعْضِ بِتَخْصِيصِ الْبَعْضِ بِطَرِيقِ التَّنْفِيلِ.\nوَلِأَنَّ فِي الْإِحْرَاقِ إبْطَالَ حَقٍّ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي التَّنْفِيلِ تَوْفِيرُ الْمَنْفَعَةِ عَلَى بَعْضِهِمْ. فَكَانَ الْمِيلُ إلَى هَذَا الْجَانِبِ أَوْلَى\n- فَأَمَّا إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الْإِخْرَاجِ أَوْ الْبَيْعِ أَوْ الْقِسْمَةِ","vol":"1","page":793},{"text":"فَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ إيصَالِ الْمَنْفَعَةِ إلَى جَمَاعَتِهِمْ. فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُبْطِلَ حَقَّ بَعْضِهِمْ.\nوَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ عِنْدَ الْعَجْزِ: مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ بَعْدَ الْخُمُسِ. أَوْ قَالَ: فَلَهُ نِصْفُ مَا أَخَذَ قَبْلَ الْخُمُسِ أَوْ بَعْدَهُ. فَذَلِكَ كُلُّهُ صَحِيحٌ. يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَ مِنْ ذَلِكَ مَا يَكُونُ أَقْرَبَ إلَى النَّظَرِ، ثُمَّ الْقِسْمَةُ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ، عَلَى مَا أَوْجَبَهُ الْأَمِيرُ بِالتَّنْفِيلِ.\nوَإِنْ أَحَدٌ وَجَدَ مِنْهُمْ شَيْئًا كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَقْدِرُونَ عَلَى إخْرَاجِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْإِمَامِ عِلْمٌ بِهِ مِنْ جَوْهَرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذَا يُخَمَّسُ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.\nلِأَنَّ صِحَّةَ هَذَا التَّنْفِيلِ لِضَرُورَةِ الْعَجْزِ عَنْ الْإِحْرَازِ. وَالثَّابِتِ بِالضَّرُورَةِ لَا يَعْدُو مَوَاضِعَهَا، فَلَا يُتَنَاوَلُ هَذَا التَّنْفِيلُ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ فِيهِ الضَّرُورَةُ.\n- وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا الْحُكْمُ فِيمَا أَخَذُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ثَبَتَ فِيمَا لَمْ يَأْخُذُوهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، حَتَّى إذَا مَرُّوا بِبِنَاءٍ مِنْ بِنَائِهِمْ فِيهِ السِّلَاحُ وَالرُّخَامُ وَمَاءُ الذَّهَبِ وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَخْذِهِ وَإِخْرَاجِهِ فَقَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، فَذَلِكَ صَحِيحٌ. وَمَنْ خَرَّبَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَأَخْرَجَهُ اخْتَصَّ بِهِ.\nلِأَنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا قَادِرِينَ عَلَى هَدْمِهِ فَقَدْ كَانُوا عَاجِزِينَ عَنْ إخْرَاجِهِ.","vol":"1","page":794},{"text":"وَلَهُمْ أَنْ يَتْرُكُوهُ فَيَصِحُّ تَنْفِيلُ أَمِيرِهِمْ فِي ذَلِكَ أَيْضًا، وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يُقْدَرُ عَلَى حَمْلِهِ بَعْدَ الْهَدْمِ أَوْ لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ.\nلِأَنَّ التَّنْفِيلَ مِنْ الْأَمِيرِ قَبْلَ الْهَدْمِ، وَإِنَّمَا صَارَ بِحَيْثُ يُقْدَرُ عَلَى حَمْلِهِ بِمَا أُحْدِثَ فِيهِ مِنْ الْهَدْمِ بَعْدَ تَنْفِيلِ الْإِمَامِ.\n- إلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مَوْضُوعًا نَائِيًا عَنْ الْبِنَاءِ يَقْدِرُونَ عَلَى إخْرَاجِهِ حِينَ نَفَلَ الْإِمَامُ وَلَمْ يُعْلَمْ بِهِ، فَإِنْ ذَلِكَ يُقَسَّمُ بَيْنَ الْجَمَاعَةِ، وَإِنْ أَخْرَجَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ.\nلِأَنَّ التَّنْفِيلَ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ.\n\n- وَلَوْ أَنَّ الْأَمِيرَ لَمْ يُنَفِّلْ أَحَدًا وَلَكِنَّهُ أَمَرَهُمْ بِإِحْرَاقِ ذَلِكَ، فَتَكَلَّفَ بَعْضُهُمْ إخْرَاجَهَا عَلَى دَوَابِّهِمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَذَلِكَ يُخَمَّسُ وَيُقَسَّمُ بَيْنَ جَمِيعِ السَّرِيَّةِ.\nلِأَنَّ تَخْصِيصَ الْبَعْضِ بِتَنْفِيلِ الْإِمَامِ، وَلَمْ يُوجَدْ، إنَّمَا الْمَوْجُودُ الْأَمْرُ بِالْإِحْرَاقِ، وَلَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي تَخْصِيصِ بَعْضِهِمْ بِشَيْءٍ، وَأَدْنَى الدَّرَجَاتِ أَنَّ الَّذِي أَخْرَجَ أَحْيَا بِفِعْلِهِ مَا كَانَ مُشْرِفًا عَلَى الْهَلَاكِ مِمَّا كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِقَطْعِ الشِّرْكَة وَتَخْصِيصِهِ بِهِ.\n- وَلَوْ قَسَّمَ مَا أَصَابَ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ، أَوْ بَاعَهُ مِنْ التُّجَّارِ، أَوْ أَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَلَحِقَهُمْ الْعَدُوُّ، وَابْتُلُوا بِالْهَرَبِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحَرِّقُوا ذَلِكَ بِالنَّارِ لِيَنْقَطِعَ مَنْفَعَةُ الْعَدُوِّ عَنْهُ. فَإِنَّ فِي ذَلِكَ","vol":"1","page":795},{"text":"مَعْنَى الْكَبْتِ لَهُمْ. وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ لِلْغُزَاةِ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ بِمَا ثَقُلَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَتَاعِهِمْ وَسِلَاحِهِمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ، لِئَلَّا يَنْتَفِعَ بِهِ الْعَدُوُّ، كَمَا فَعَلَهُ جَعْفَرٌ فَإِنَّهُ حِينَ أَيِسَ مِنْ نَفْسِهِ عَقَرَ فَرَسَهُ.\nفَلَأَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ فِيمَا أَخَذُوا مِنْ أَمْتِعَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ كَانَ أَوْلَى.\n- فَإِنْ نَبَذُوا ذَلِكَ لِيُحَرِّقُوهُ فَقَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، فَأَخَذَ ذَلِكَ قَوْمٌ وَأَخْرَجُوهُ مِنْ الْمُهْلِكَةِ، فَذَلِكَ كُلُّهُ مَرْدُودٌ إلَى أَهْلِهِ.\nلِأَنَّهُ بِالْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ قَدْ تَعَيَّنَ الْمِلْكُ فِيهِ.\n- وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ وِلَايَةُ التَّنْفِيلِ فِي أَمْلَاكِ النَّاسِ بِحَالٍ، وَكَذَلِكَ بِالْإِخْرَاجِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ تَأَكَّدَ الْحَقُّ فِيهِ لَهُمْ عَلَى وَجْهٍ يُورَثُ عَنْهُمْ، فَلَا يَبْقَى لِلْإِمَامِ فِيهِ وِلَايَةُ التَّنْفِيلِ أَصْلًا. بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الْإِحْرَازِ. فَالثَّابِتُ هُنَاكَ حَقٌّ ضَعِيفٌ (ص ٢٦٧) ثَبَتَ بِالْإِحْرَازِ بِالْيَدِ، وَذَلِكَ يَنْعَدِمُ بِالْإِلْقَاءِ لِلْإِحْرَاقِ، فَيُلْتَحَقُ هَذَا التَّنْفِيلُ بِالتَّنْفِيلِ قَبْلَ الْإِحْرَازِ. فَأَمَّا بَعْدَ الْإِحْرَازِ بِالدَّارِ فَالْحَقُّ قَدْ يَتَأَكَّدُ بِتَمَامِ السَّبَبِ بِالْإِحْرَازِ بِالدَّارِ، فَلَا يَبْطُلُ ذَلِكَ بِالْإِلْقَاءِ لِلْإِحْرَاقِ. فَلَا يَكُونُ لِلْإِمَامِ فِيهِ وِلَايَةُ التَّنْفِيلِ. وَهَذَا بَعْدَ الْقِسْمَةِ. وَالْبَيْعِ أَظْهَرُ.\nلِأَنَّ الْمِلْكَ قَدْ تَعَيَّنَ فِيهِ.","vol":"1","page":796},{"text":"أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ طَرَحُوا ذَلِكَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَمْ يَفْطِنْ بِهَا أَهْلُ الْحَرْبِ حَتَّى دَخَلَتْ سَرِيَّةٌ أُخْرَى فَأَخْرَجُوهَا، وَأَخَذَهَا أَهْلُ الْحَرْبِ، ثُمَّ دَخَلَتْ سَرِيَّةٌ أُخْرَى فَأَخَذُوهَا مِنْهُمْ، لَمْ يَكُنْ لِلسَّرِيَّةِ الْأُولَى حَقٌّ، بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ أَمْوَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ الَّتِي لَمْ تُؤْخَذْ مِنْهُمْ.\nوَلَوْ طَرَحُوهَا لِلْإِحْرَاقِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ ثُمَّ تَرَكُوهَا مَخَافَةَ الْعَدُوِّ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا الْمُشْرِكُونَ حَتَّى جَاءَتْ سَرِيَّةٌ أُخْرَى فَأَخَذُوهَا وَأَخْرَجُوهَا فَهِيَ مَرْدُودَةٌ عَلَى الْمُلَّاكِ لِبَقَاءِ مُلْكِهِمْ فِيهَا.\n١٤٢٦ - وَإِنْ أَخَذَهَا الْمُشْرِكُونَ ثُمَّ اسْتَنْقَذَهَا مِنْ أَيْدِيهِمْ سَرِيَّةٌ. أُخْرَى، فَإِنْ وَجَدَهَا الْمُلَّاكُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذُوهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدُوهَا بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذُوهَا بِالْقِيمَةِ، بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ أَمْوَالِهِمْ إذَا أَصَابَهَا أَهْلُ الْحَرْبِ وَأَحْرَزُوهَا. وَكَذَلِكَ بَعْدَ الْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ. وَإِنْ طَرَحُوهَا ثُمَّ جَاءَتْ سَرِيَّةٌ أُخْرَى فَأَخَذُوهَا وَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا أَهْلُ الْحَرْبِ فَهِيَ مَرْدُودَةٌ عَلَى السَّرِيَّةِ الْأُولَى، لِتَأَكُّدِ حَقِّهِمْ فِيهَا. وَإِنْ أَحْرَزَهَا أَهْلُ الْحَرْبِ ثُمَّ أَخَذَهَا مِنْهُمْ سَرِيَّةٌ أُخْرَى فَإِنْ وَجَدَهَا السَّرِيَّةُ الْأُولَى قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذُوهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ. وَإِنْ وَجَدُوهَا بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَلَا سَبِيلَ لَهُمْ عَلَيْهَا. وَهَذِهِ هِيَ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي بَيَّنَّا أَنَّهَا أَصَحُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.\nلِأَنَّهُمْ لَوْ أَخَذُوهَا أَخَذُوهَا بِالْقِيمَةِ، وَحَقُّهُمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فِي الْمَالِيَّةِ،","vol":"1","page":797},{"text":"إذْ لَا مِلْكَ لِأَحَدِ فِي الْعَيْنِ، وَلِهَذَا كَانَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَبِيعَهَا وَيُقَسِّمَ الثَّمَنَ، فَلَا يَكُونُ الْأَخْذُ بِالْقِيمَةِ مُفِيدًا لَهُمْ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ حَقُّ الْأَخْذِ إذَا كَانَ مُفِيدًا.\n- وَلَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِينَ، أَوْ الَّذِينَ وَقَعَ ذَلِكَ فِي سِهَامِهِمْ، أَوْ الَّذِينَ رَمَوْا بِمَتَاعِهِمْ قَالُوا حِينَ رَمَوْا بِهِ: مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ. فَأَخَذَ ذَلِكَ قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ لَهُمْ، أَخْرَجُوهُ أَوْ لَمْ يُخْرِجُوهُ.\nلِأَنَّ هَذَا هِبَةٌ مِنْ الْمُلَّاكِ لِلْآخِذِينَ. وَقَدْ تَمَّتْ الْهِبَةُ بِقَبْضِهِمْ. فَإِنْ أَرَادُوا الرُّجُوعَ فِيهِ فَلَهُمْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُخْرِجَهُ الْآخِذُونَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْهِبَةِ.\n- وَإِنْ أَخْرَجُوهُ أَوْ بَلَغُوهُ مَوْضِعًا يَقْدِرُ فِيهِ عَلَى حَمْلِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا فِيهِ.\nلِأَنَّهُ حَدَثَ فِيهِ زِيَادَةٌ بِصُنْعِ الْمَوْهُوبِ لَهُ. فَإِنَّهُ كَانَ مُشْرِفًا عَلَى الْهَلَاكِ فِي مَضْيَعَةٍ، وَقَدْ أَحْيَاهُ بِالْإِخْرَاجِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَالزِّيَادَةُ فِي عَيْنِ الْمَوْهُوبِ تَمْنَعُ الْوَاهِبَ مِنْ الرُّجُوعِ، وَلَكِنَّ هَذَا الْحُكْمَ فِيمَا إذَا أَخَذَهُ مَنْ سَمِعَ مَقَالَةَ الْمَالِكِ مِنْهُ، أَوْ مِمَّنْ بَلَغَهُ، فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَسْمَع ذَلِكَ أَصْلًا إذَا أَخَذَ شَيْئًا فَأَخْرَجَهُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُ إلَى مَالِكِهِ. لِأَنَّ مَنْ عَلِمَ بِمَقَالَتِهِ فَإِنَّمَا أَخَذَهُ عَلَى وَجْهِ الْهِبَةِ. فَيَكُونُ ذَلِكَ قَبْضًا مُتَمِّمًا لِلْهِبَةِ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ فَهُوَ إنَّمَا أَخَذَهُ لَا عَلَى وَجْهِ الْهِبَةِ بَلْ عَلَى وَجْهِ الْإِعَانَةِ لِمَالِكِهِ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ، فَلَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لَهُ بِهَذَا الْأَخْذِ.\nفَإِنْ قِيلَ: هَذَا إيجَابٌ لِمَجْهُولٍ، فَكَيْفَ يَصِحُّ بِطَرِيقِ الْهِبَةِ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ هَذِهِ جَهَالَةٌ لَا تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ. فَالْمُلْكُ إنَّمَا يَثْبُتُ عِنْدَ","vol":"1","page":798},{"text":"الْأَخْذِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ، الْأَخْذُ مُتَعَيَّنٌ مَعْلُومٌ. وَكَانَ الْمَالِكُ بِهَذَا اللَّفْظِ. أَبَاحَ أَخْذَهُ عَلَى وَجْهِ الْهِبَةِ مِنْهُ، وَهَذِهِ الْإِبَاحَةُ تَثْبُتُ مَعَ الْجَهَالَةِ.\nأَصْلُهُ: مَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قُرْطٍ الثُّمَالِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «أَفْضَلُ الْأَيَّامِ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ» .\nيَعْنِي الثَّانِيَ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ - لِأَنَّ الْحَاجَّ يَقِرُّونَ فِيهِ بِمِنًى.\nقَالَ: «وَقُرِّبَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بَدَنَاتٌ خَمْسًا أَوْ سِتًّا، فَطَفِقْنَ يَزْدَلِفْنَ إلَيْهِ بِأَيَّتِهِنَّ يَبْدَأُ. فَلَمَّا وَجَبَتْ جَنُوبُهَا قَالَ كَلِمَةً لَا أَفْهَمُهَا. فَسَأَلَتْ بَعْضَ مَنْ يَلِيهِ: مَاذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ» .\nفَهَذِهِ إبَاحَةُ الْأَخْذِ عَلَى (ص ٢٦٨) وَجْهِ التَّمْلِيكِ، وَالِانْتِفَاعِ بِالْمَأْخُوذِ، أَوْجَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مَعَ الْجَهَالَةِ.\nفَمَا يَكُونُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ يَتَعَدَّى إلَيْهِ حُكْمُ هَذَا النَّصِّ.\nيُقَرِّرُهُ أَنَّ مُجَرَّدَ الْإِلْقَاءِ بِغَيْرِ كَلَامٍ يُفِيدُ هَذَا الْحُكْمَ. فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَنْثُرُ السُّكْرَ وَالدَّرَاهِمَ فِي الْعُرْسِ وَغَيْرِهِ، وَكُلُّ مَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ يَصِيرُ مَمْلُوكًا لَهُ، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَكَلَّمَ النَّاثِرُ بِشَيْءٍ.\nوَقِيلَ: بِأَنَّ الْحَالَ دَلِيلٌ عَلَى الْإِذْنِ فِي الْأَخْذِ. فَإِذَا وُجِدَ التَّصْرِيحُ بِالْإِذْنِ فِي الْأَخْذِ؛ فَلَأَنْ يَثْبُتَ هَذَا الْحُكْمُ كَانَ أَوْلَى.\nوَعَلَى هَذَا لَوْ وَضَعَ الْإِنْسَانُ الْمَاءَ وَالْجَمَدَ عَلَى بَابِ دَارِهِ فَإِنَّهُ يُبَاحُ","vol":"1","page":799},{"text":"الشُّرْبُ مِنْهُ لِكُلِّ مَنْ مَرَّ بِهِ مِنْ غَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ لِوُجُودِ الْإِذْن دَلَالَةً.\nوَإِذَا غَرَسَ شَجَرَةً فِي مَوْضِعٍ لَا مِلْكَ فِيهِ لِأَحَدٍ وَأَبَاحَ لِلنَّاسِ الْإِصَابَةَ مِنْ ثِمَارِهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِكُلِّ مَنْ مَرَّ بِهَا أَنْ يَأْخُذَ مِنْ ثِمَارِهَا فَيَتَنَاوَلُهُ. وَكُلُّ ذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَا. .\n\n- وَلَوْ أَنْ الْأَمِيرَ بَعْدَ انْهِزَامِ الْمُشْرِكِينَ نَظَرَ إلَى قَتْلَى مِنْهُمْ، عَلَيْهِمْ أَسْلَابُهُمْ، وَهُوَ لَا يَدْرِي مَنْ قَتَلَهُمْ، فَقَالَ: مَنْ أَخَذَ سَلَبَ قَتِيلٍ فَهُوَ لَهُ. فَأَخَذَهَا قَوْمٌ، فَذَلِكَ لَهُمْ نَفْلٌ.\nلِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَأْخُذُوهَا، فَيَكُونُ هَذَا فِي مَعْنَى التَّنْفِيلِ قَبْلَ الْإِصَابَةِ.\nوَالْأَصَحُّ أَنْ تَقُولَ: هَذَا تَنْفِيلٌ بَعْدَ الْإِصَابَةِ. وَلَكِنَّ الْإِمَامَ أَمْضَاهُ بِاجْتِهَادِهِ.\nوَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ بِإِمْضَاءِ الْإِمَامِ بِاجْتِهَادِهِ يَصِيرُ كَالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، حَتَّى إذَا مَاتَ أَوْ عُزِلَ وَوُلِّيَ غَيْرُهُ لَمْ يَسْتَرِدَّ مِنْ الْآخَرِينَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.\n- وَإِنْ لَمْ يَأْخُذُوا حَتَّى عُزِلَ الْأَوَّلُ وَجَاءَ أَمِيرٌ آخَرُ ثُمَّ أَخَذُوا ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا بِعَزْلِهِ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّ الثَّانِيَ يَأْخُذُ كُلَّهُ مِنْهُمْ فَيَرُدُّهُ فِي الْغَنِيمَةِ.\nلِأَنَّ التَّنْفِيلَ الْأَوَّلَ قَدْ بَطَلَ بِعَزْلِهِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ. فَالْمَقْصُودُ هُوَ الْأَخْذُ، فَإِذَا بَطَلَ تَنْفِيلُهُ قَبْلَ حُصُولِ هَذَا الْمَقْصُودِ صَارَ كَأَنَّ لَمْ يَكُنْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِيمَا إذَا نَفَّلَ قَبْلَ الْإِحْرَازِ ثُمَّ مَاتَ أَوْ عُزِلَ قَبْلَ الْإِصَابَةِ وَاسْتَعْمَلَ غَيْرُهُ، فَإِنَّهُ يُبْطِلُ حُكْمَ ذَلِكَ التَّنْفِيلِ. فَفِي التَّنْفِيلِ بَعْدَ الْإِصَابَةِ هَذَا أَوْلَى. وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَضَاءٍ لَمْ يُنَفِّذْهُ قَاضٍ حَتَّى عُزِلَ وَاسْتَقْضَى غَيْرُهُ مِمَّنْ يَرَى خِلَافَ ذَلِكَ.","vol":"1","page":800},{"text":"ثُمَّ فُرِّعَ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي بَيَّنَّا أَنَّ التَّنْفِيلَ عِنْدَ حَضْرَةِ الْقِتَالِ يَكُونُ عَلَى ذَلِكَ الْقِتَالِ خَاصَّةً، وَعِنْدَ دُخُولِ دَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ أَنْ يُلْقُوا قِتَالًا يَكُونُ بَاقِيًا إلَى أَنْ يَخْرُجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ يَقُولُ:.\n\n- فَإِنْ خَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ قَفَلُوا إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَقَتَلَ رَجُلٌ قَتِيلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَلَا سَلَبَ لَهُ.\nلِأَنَّ حُكْمَ ذَلِكَ التَّنْفِيلِ قَدْ انْتَهَى بِخُرُوجِهِمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. وَهَذِهِ دُخْلَةٌ أُخْرَى، فَإِنْ لَمْ يُجَدِّدْ الْإِمَامُ تَنْفِيلًا غَيْرَهَا لَمْ يَكُنْ لِلْقَاتِلِ السَّلَبُ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ أَقَامُوا سَنَةً ثُمَّ رَجَعُوا لَمْ يَكُنْ لِلْقَاتِلِ السَّلَبُ بِالتَّنْفِيلِ الْأَوَّلِ؟ .\n\n- وَلَوْ بَلَغَهُمْ أَنَّ الْعَدُوَّ دَخَلُوا دَارَ الْإِسْلَامِ فَخَرَجُوا يُرِيدُونَهُمْ، فَقَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ. فَهَذَا عَلَى مَا أَصَابُوا فِي وَجْهِهِمْ ذَلِكَ، فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَدَارِ الْحَرْبِ، إلَى أَنْ يَرْجِعُوا إلَى مَنَازِلِهِمْ.\nوَإِنْ لَقُوا الْعَدُوَّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ قَالَ الْأَمِيرُ ذَلِكَ فَهَذَا عَلَى ذَلِكَ الْقِتَالِ خَاصَّةً.\nلِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمُطْلَقَ مِنْ الْكَلَامِ يَتَقَيَّدُ بِمَا هُوَ الْغَالِبُ مِنْ دَلَالَةِ الْحَالِ فِي كُلِّ فَصْلٍ. .","vol":"1","page":801},{"text":"- وَلَوْ أَنَّ الْأَمِيرَ بَعَثَ فِي دَارِ الْحَرْبِ سَرِيَّةً إلَى حِصْنٍ وَقَالَ: مَا أَصَبْتُمْ مِنْهُ فَلَكُمْ الرُّبُعُ مِنْ ذَلِكَ. فَأَقَامُوا عَلَيْهِ أَيَّامًا يُقَاتِلُونَ، ثُمَّ لَحِقَهُمْ الْعَسْكَرُ فَقَاتَلُوا مَعَهُمْ حَتَّى فَتَحُوا الْحِصْنَ فَلَا نَفْلَ لِلْأَوَّلِينَ.\nلِأَنَّهُ إنَّمَا أَوْجَبَ لَهُمْ النَّفَلَ فِيمَا يُصِيبُونَ مِنْ قِتَالِهِمْ دُونَ مَنْ بَقِيَ مِنْ الْعَسْكَرِ.\nوَالْمَقْصُودُ كَانَ تَحْرِيضَهُمْ (ص ٢٦٩) عَلَى فَتْحِ الْحِصْنِ وَالْإِصَابَةِ، وَلَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ بِهِمْ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الْعَسْكَرَ لَوْ فَتَحُوا الْحِصْنَ دُونَ أَهْلِ السَّرِيَّةِ لَمْ يَكُنْ لِأَهْلِ السَّرِيَّةِ مِنْ النَّفْلِ شَيْءٌ، وَإِنْ كَانَ الْفَتْحُ بِمَحْضَرٍ مِنْهُمْ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْفَتْحُ بِقِتَالِ جَمِيعِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ.\n\n- قَالَ: وَلَوْ بَعَثَ الْإِمَامُ سَرِيَّةً مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ وَعَلَيْهِمْ أَمِيرٌ ثُمَّ عَزَلَ أَمِيرَهُمْ وَبَعَثَ أَمِيرًا آخَرَ. وَقَدْ نَفَلَ الْأَوَّلُ قَوْمًا نَفْلًا فَأَخَذُوهُ فَإِنْ كَانُوا أَخَذُوا ذَلِكَ قَبْلَ عِلْمِهِ بِعَزْلِهِ فَذَلِكَ سَالِمٌ لَهُمْ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ ابْتِدَاءُ التَّنْفِيلِ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ بِالْعَزْلِ.\nلِأَنَّهُ أَمِيرٌ مَا لَمْ يَعْلَمْ بِعَزْلِهِ أَوْ يَأْتِيهِ مَنْ هُوَ صَارِفُهُ وَيُخْبِرُهُ بِعَزْلِهِ.\n- فَأَمَّا إذَا نَفَّلَ الْأَوَّلُ بَعْدَ مَا جَاءَ الثَّانِي وَأَخْبَرَهُ بِعَزْلِهِ فَتَنْفِيلُهُ بَاطِلٌ.\nلِأَنَّهُ اُلْتُحِقَ بِسَائِرِ الرَّعَايَا.\n- وَإِنْ جَاءَهُ الْكِتَابُ بِأَنَّ الْإِمَامَ قَدْ بَعَثَ فُلَانًا أَمِيرًا عَلَى السَّرِيَّةِ، فَمَا لَمْ يَقْدُمْ عَلَيْهِ فُلَانٌ فَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى حَالِهِ يَجُوزُ تَنْفِيلُهُ.","vol":"1","page":802},{"text":"أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَمِيرُ مِصْرَ كَانَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ إلَى أَنْ يَقْدُمَ صَارِفُهُ\nوَهَذَا لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَرْكُ الْمُسْلِمِينَ سُدًى لَيْسَ عَلَيْهِمْ مَنْ يُدَبِّرُ أُمُورَهُمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَا فِي دَارِ الْحَرْبِ. فَمَا لَمْ يَقْدُمْ الثَّانِي كَانَ التَّدْبِيرُ إلَى الْأَوَّلِ، فَيَصِحُّ مِنْهُ التَّنْفِيلُ. إلَّا أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ كَتَبَ إلَيْهِ: إنَّا قَدْ عَزَلْنَاك وَاسْتَعْمَلْنَا فُلَانًا، أَوْ لَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ، فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ هُوَ مَعْزُولًا لَا يَجُوزُ تَنْفِيلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُ صَارَ أَمِيرًا بِخِطَابِ الْأَمِيرِ إيَّاهُ، عِنْدَ التَّقْلِيدِ. فَيَصِيرُ مَعْزُولًا بِخِطَابِهِ إيَّاهُ بِالْعَزْلِ. وَالْخِطَابُ مِمَّنْ نَأَى كَالْخِطَابِ مِمَّنْ دَنَا.\n\n- وَلَوْ كَانَ الْأَمِيرُ الْأَوَّلُ حِينَ اُسْتُعْمِلَ أَمَرَ بِأَنْ يَدْخُلَ بِالْقَوْمِ أَرْضَ الْحَرْبِ فَلَمْ يَدْخُلْ بِهِمْ حَتَّى جَاءَهُ كِتَابُ الْإِمَامِ: إنَّا قَدْ أَمَّرْنَا فُلَانًا، فَلَا تَبْرَحْ حَتَّى يَأْتِيَك. فَعَجَّلَ فَدَخَلَ بِهِمْ أَرْضَ الْحَرْبِ وَنَفَلَ لَهُمْ نَفْلًا، فَذَلِكَ بَاطِلٌ.\nلِأَنَّ نَهْيَ الْإِمَامِ إيَّاهُ عَنْ دُخُولِ أَرْضِ الْحَرْبِ قَدْ وَصَلَ إلَيْهِ بِكِتَابِهِ. فَصَارَ كَمَا لَوْ وَاجَهَهُ بِهِ.\n- وَلَوْ وَاجَهَهُ بِذَلِكَ فَدَخَلَ بِهِمْ دَارَ الْحَرْبِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَلَمْ يَكُنْ أَمِيرًا، فَلَا يَجُوزُ تَنْفِيلُهُ.\nوَلَوْ كَانَ الْكِتَابُ أَتَاهُ: إنَّك الْأَمِيرُ فَادْخُلْ بِهِمْ. فَإِذَا أَدْرَكَك","vol":"1","page":803},{"text":"فُلَانٌ فَهُوَ الْأَمِيرُ دُونَك، فَجَمِيعُ مَا صَنَعَ الْأَوَّلُ مِنْ النَّفْلِ جَائِزٌ حَتَّى يَلْقَاهُ الْأَمِيرُ الْآخَرُ.\nلِأَنَّهُ عَلَّقَ عَزْلَهُ بِالْتِقَائِهِ مَعَ الثَّانِي، فَمَا لَمْ يَلْتَقِيَا فَهُوَ الْأَمِيرُ عَلَى حَالِهِ. وَبَعْدَ مَا الْتَقَيَا صَارَ الْأَمِيرُ هُوَ الثَّانِي، إنْ نَفَلَ جَازَ تَنْفِيلُهُ دُونَ الْأَوَّلِ.\n- وَلَوْ كَتَبَ إلَيْهِ: أَنْتَ الْأَمِيرُ حَتَّى يَلْقَاكَ فُلَانٌ. فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ.\nلِأَنَّهُ جَعَلَ لِوِلَايَتِهِ غَايَةً، وَمِنْ حُكْمِ الْغَايَةِ أَنْ يَكُونَ مَا بَعْدَهُ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ\nوَيَسْتَوِي إنْ كَانَ قَلَّدَهُ قَبْلَ هَذَا مُطْلَقًا أَوْ لَمْ يُقَلِّدْهُ.\nلِأَنَّ بَعْدَ التَّقْلِيدِ مُطْلَقًا لَهُ وِلَايَةُ الْعَزْلِ، فَلَهُ وِلَايَةُ التَّوْقِيتِ فِي ذَلِكَ التَّقْلِيدِ أَيْضًا. وَإِذَا ثَبَتَ التَّوْقِيتُ بِهَذَا الْكِتَابِ صَارَ كَأَنَّهُ هُوَ صَرَّحَ بِقَوْلِهِ: فَإِذَا أَتَاك فُلَانٌ فَهُوَ الْأَمِيرُ دُونَك.\n\n- وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ مَنَعَةٌ أَمَّرُوا أَمِيرًا وَدَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ مُغِيرِينَ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ فَأَصَابُوا غَنَائِمَ خُمُسَ مَا أَصَابُوا وَكَانَ مَا بَقِيَ بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.\nلِأَنَّهُ بِاعْتِبَارِ مَنَعَتِهِمْ يَكُونُ الْمَالُ مَأْخُوذًا عَلَى وَجْهِ إعْزَازِ الدَّيْنِ فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْغَنِيمَةِ.\n- فَإِنْ نَفَلَ أَمِيرُهُمْ فَذَلِكَ جَائِزٌ مِنْهُ، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي كَانَ يَجُوزُ مِنْ أَمِيرِ سَرِيَّةٍ قَلَّدَهُ الْإِمَامُ وَبَعَثَهُ.","vol":"1","page":804},{"text":"لِأَنَّهُمْ رَضُوا بِهِ أَمِيرًا عَلَيْهِمْ، وَرِضَاهُمْ مُعْتَبَرٌ فِي حَقِّهِمْ، فَصَارَ أَمِيرُهُمْ بِاتِّفَاقِهِمْ عَلَيْهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِمَامَةَ الْعُظْمَى، كَمَا تَثْبُتُ بِاسْتِخْلَافِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ تَثْبُتُ بِاجْتِمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَاحِدٍ؟\nوَالْأَصْلُ فِيهِ إمَامَةُ الصِّدِّيقِ - ﵁ - (ص ٢٧٠) فَكَذَلِكَ الْإِمَارَةُ عَلَى أَهْلِ السَّرِيَّةِ تَثْبُتُ بِاتِّفَاقِهِمْ كَمَا تَثْبُتُ بِتَقْلِيدِ الْإِمَامِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ أَهْلَ الْبَغْيِ لَوْ أَمَّرُوا عَلَيْهِمْ أَمِيرًا وَدَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ فَنَفَلَ أَمِيرَهُمْ شَيْئًا ثُمَّ تَابُوا جَازَ مَا نَفَلَهُ أَمِيرُهُمْ؟ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا. .\n\n- وَلَوْ أَنَّ الْخَلِيفَةَ غَزَا بِجُنْدٍ فَمَاتَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ قُتِلَ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْجُنْدِ: نُؤَمِّرُ فُلَانًا. فَأَمَّرُوهُ وَاعْتَزَلُوا. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: نُؤَمِّرُ فُلَانًا فَأَمَّرُوهُ، وَاعْتَزَلُوا. فَأَخَذَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ وَجْهًا فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ، فَأَصَابُوا غَنَائِمَ، وَنَفَلَ كُلُّ أَمِيرٍ نَفْلًا لِقَوْمِهِ قَبْلَ الْخُمُسِ أَوْ بَعْدَ الْخُمُسِ، ثُمَّ الْتَقَوْا فِي أَرْضِ الْحَرْبِ وَاصْطَلَحُوا، فَالْخَلِيفَةُ الَّذِي قَامَ مَقَامَ الْأَوَّلِ يُنَفِّذُ تَنْفِيلَ كُلِّ أَمِيرٍ. بِاعْتِبَارِ أَنَّ قَوْمَهُ قَدْ رَضُوا بِهِ أَمِيرًا عَلَيْهِمَا، وَهُمْ الَّذِينَ أَصَابُوا مَا أَصَابُوا مِنْ الْغَنِيمَةِ. فَيَجُوزُ تَنْفِيلُ كُلِّ أَمِيرٍ سَوَاءٌ الْتَقَوْا فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ بَعْدَ مَا خَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.\nإلَّا أَنَّهُمْ إذَا الْتَقَوْا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَمَا بَقِيَ بَعْدَ النَّفْلِ يُقَسَّمُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.","vol":"1","page":805},{"text":"لِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي الْإِحْرَازِ. .\n\n- وَلَوْ بَعَثَ الْخَلِيفَةُ عَامِلًا عَلَى الثُّغُورِ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ النَّفَلَ بِشَيْءٍ، فَلَهُ أَنْ يُنَفِّلَ قَبْلَ الْخُمُسِ وَبَعْدَ الْخُمُسِ.\nلِأَنَّهُ إنَّمَا اُسْتُعْمِلَ عَلَى الثُّغُورِ لِيَحْفَظَهَا وَيَغْزُوَ أَهْلَ الْحَرْبِ حَتَّى يَنْقَطِعَ طَمَعُهُمْ عَنْهَا. وَالنَّفَلُ مِنْ أَمْرِ الْحَرْبِ، فَإِنَّهُ تَحْرِيضٌ عَلَى الْقِتَالِ. فَمِنْ ضَرُورَةِ تَفْوِيضِ أَمْرِ الْحَرْبِ إلَيْهِ، وَجَعْلِ التَّدْبِيرِ فِي ذَلِكَ إلَى رَأْيِهِ، أَنْ يَكُونَ أَمْرُ التَّنْفِيلِ مُفَوَّضًا إلَيْهِ.\n- إلَّا أَنْ يَنْهَاهُ الْخَلِيفَةُ عَنْ النَّفْلِ، فَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُنَفِّلَ.\nلِأَنَّ الدَّلَالَةَ يَسْقُطُ اعْتِبَارُهَا إذَا جَاءَ التَّصْرِيحُ بِخِلَافِهَا. بِمَنْزِلَةِ تَقْدِيمِ الْمَائِدَةِ بَيْنَ يَدَيْ الْإِنْسَانِ، فَإِنَّهُ إذْنٌ فِي التَّنَاوُلِ دَلَالَةً، إلَّا أَنْ يَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ.\n- فَإِنْ اسْتَعْمَلَ هَذَا الْعَامِلُ عَامِلًا آخَرَ فَنَفَلَ الثَّانِي فَإِنْ كَانَ الْخَلِيفَةُ لَمْ يَنْهَ الْأَوَّلَ عَنْ التَّنْفِيلِ جَازَ التَّنْفِيلُ مِنْ الثَّانِي.\nوَإِنْ كَانَ نَهَى الْأَوَّلَ عَنْ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ التَّنْفِيلُ مِنْ الثَّانِي.\nلِأَنَّهُ عَامِلٌ لِلْعَامِلِ الْأَوَّلِ فَيَقُومُ مَقَامَ الْأَوَّلِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا اسْتَخْلَفَ وَقَدْ نُهِيَ عَنْ الْقَضَاءِ فِي الْحُدُودِ لَمْ يَكُنْ لِخَلِيفَتِهِ أَنْ يَقْضِيَ فِيهَا، وَإِنْ لَمْ يُنْهَ عَنْ ذَلِكَ كَانَ لِخَلِيفَتِهِ أَنْ يَقْضِيَ فِيهَا فَكَذَلِكَ فِيمَا سَبَقَ. .","vol":"1","page":806},{"text":"- وَلَوْ أَنَّ هَذَا الْعَامِلَ بَعَثَ سَرِيَّةً مِنْ الثُّغُورِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا فَنَفَلَ أَمِيرَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِلسَّرِيَّةِ سَلَبَ الْقَتْلَى فَذَلِكَ جَائِزٌ مِنْهُ، كَمَا يَجُوزُ مِنْ الْعَامِلِ لَوْ غَزَا بِنَفْسِهِ.\nلِأَنَّهُ فَوَّضَ إلَيْهِ أَمْرَ الْحَرْبِ وَجَعَلَهُ نَافِذَ الْأَمْرِ عَلَى أَهْلِ السَّرِيَّةِ. وَإِنَّمَا بَعَثَهُمْ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ. فَكَانَ أَمِيرُهُمْ كَأَمِيرِ الْعَسْكَرِ، وَتَنْفِيلُ أَمِيرِ الْعَسْكَرِ جَائِزٌ، وَإِنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ نَصًّا. لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْمُصَابِ لِمَنْ تَجِبُ وِلَايَتُهُ خَاصَّةً، فَكَذَلِكَ تَنْفِيلُ أَمِيرِ السَّرِيَّةِ.\n- وَلَوْ نَهَاهُ الْعَامِلُ أَنْ يُنَفِّلَ أَحَدًا شَيْئًا فَنَفَّلَ لَمْ يَجُزْ تَنْفِيلُهُ.\nلِأَنَّ مَنْ قَلَّدَهُ صَرَّحَ بِالنَّهْيِ عَنْ التَّنْفِيلِ، فَيَكُونُ حَالُهُ فِي التَّنْفِيلِ كَحَالِ الْعَامِلِ إذَا نَهَاهُ الْخَلِيفَةُ عَنْ التَّنْفِيلِ. وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَمِيرٍ عَلَيْهِمْ فِيمَا لَمْ يُوَلِّهِ الْعَامِلُ، فَكَانَ تَنْفِيلُهُ كَتَنْفِيلِ سَائِرِ الرَّعَايَا.\n- وَيَسْتَوِي إنْ رَضِيَ الْجُنْدُ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يَرْضَوْا. وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ تَنْفِيلُهُ إذَا رَضُوا بِهِ، كَمَا تَثْبُتُ الْإِمَارَةُ لَهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ مَوْتِ أَمِيرِهِمْ إذَا رَضُوا بِهِ. وَلَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ هُنَاكَ رِضَاهُمْ لَمْ يَحْصُلْ عَلَى مُخَالِفَةِ أَمْرِ الْعَامِلِ، بَلْ حَصَلَ فِيمَا لَمْ يَأْمُرْ الْعَامِلَ فِيهِ بِشَيْءٍ، فَكَانَ مُعْتَبَرًا. وَهَا هُنَا حَصَلَ رِضَاهُمْ عَلَى مُخَالِفَةِ مَا أَمَرَ بِهِ الْعَامِلَ فَلَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا.\nكَمَا لَوْ أَرَادُوا عَزْلَ أَمِيرِهِمْ وَتَقْلِيدَ غَيْرِهِ.\n\n- فَإِنْ نَفَلَ أَمِيرَهُمْ ثُمَّ لَمْ يُقَسِّمُوا الْغَنَائِمَ حَتَّى أَخْرَجُوهَا،","vol":"1","page":807},{"text":"(ص ٢٧١) وَأَخْبَرَ أَمِيرُهُمْ الْعَامِلَ بِمَا نَفَلَ فَرَأَى أَنْ يُجِيزَ ذَلِكَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ. .\nلِأَنَّ إجَازَتَهُ بِمَنْزِلَةِ تَنْفِيلِهِ بَعْدَ الْإِصَابَةِ.\n- فَإِنْ أَجَازَ ذَلِكَ جَازَ النَّفَلُ وَحَلَّ لِمَنْ أَصَابَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا أَصَابَ.\nلِأَنَّ هَذَا حُكْمٌ مِنْ جِهَتِهِ فِي فَصْلٍ مُجْتَهَدٍ فِيهِ، وَهُوَ التَّنْفِيلُ بَعْدَ الْإِصَابَةِ، فَيَكُونُ نَافِذًا.\nفَإِنْ قِيلَ: أَصْلُ التَّنْفِيلِ كَانَ بَاطِلًا، وَإِجَازَةُ مَا كَانَ بَاطِلًا يَلْغُو، وَإِنْ حَصَلَ مِمَّنْ يَمْلِكُ الْإِنْشَاءَ. كَمَا لَوْ طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَةَ الصَّبِيِّ، ثُمَّ بَلَّغَ الصَّبِيَّ فَأَجَازَ ذَلِكَ كَانَتْ إجَازَتُهُ لَغْوًا. وَإِنْ كَانَ هُوَ يَمْلِكُ إنْشَاءَ الطَّلَاقِ الْآنَ. وَعَنْ هَذَا الْكَلَامِ جَوَابَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ هُنَاكَ أَصْلَ الْإِيقَاعِ لَمْ يَكُنْ مَوْقُوفًا، لِأَنَّهُ لَا مُجِيزَ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ وَهَا هُنَا أَصْلُ التَّنْفِيلِ حِينَ وَقَعَ كَانَ مَوْقُوفًا، حَتَّى لَوْ أَجَازَهُ الْعَامِلُ قَبْلَ أَنْ يُصِيبُوا الْغَنَائِمَ كَانَ صَحِيحًا. فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُجِيزَهُ بَعْدَ الْإِصَابَةِ قُلْنَا بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَيْضًا. وَالثَّانِي: أَنَّ إجَازَتَهُ هَا هُنَا إنَّمَا تَتِمُّ بِالتَّسْلِيمِ إلَى مَنْ نَفَلَ لَهُ الْأَمِيرُ، فَيَجْعَلُ هَذَا التَّسْلِيمَ بِمَنْزِلَةِ الْإِنْشَاءِ، لَا قَوْلَهُ أَجَزْت. وَوِزَانُهُ مِنْ الطَّلَاقِ أَنْ لَوْ قَالَ الصَّبِيُّ بَعْدَ الْبُلُوغِ: جَعَلْت ذَلِكَ تَطْلِيقَةً وَاقِعَةً، فَإِنَّهُ يَجْعَلُ ذَلِكَ إنْشَاءً لِلطَّلَاقِ مِنْهُ. وَأَوْضَحُ هَذَا لِمَنْ اشْتَرَى شَيْئًا إلَى الْعَطَاءِ. فَإِنَّ الشِّرَاءَ فَاسِدٌ. فَإِنْ رَأَى الْقَاضِي أَنْ يُجِيزَ هَذَا الْبَيْعَ حِينَ خُوصِمَ فِيهِ إلَيْهِ نَفَذَ الْبَيْعُ بِإِجَازَتِهِ وَحَلَّ لِلْمُشْتَرِي إمْسَاكُهُ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُ الْبَيْعِ فَاسِدًا عِنْدَنَا. .\n\n- وَلَوْ كَانَ الْعَامِلُ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِيِّ مَعَ الْعَسْكَرِ ثُمَّ بَعَثَ","vol":"1","page":808},{"text":"سَرِيَّةً وَلَمْ يَأْمُرْ أَمِيرَهُمْ بِالتَّنْفِيلِ وَلَمْ يَنْهَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَنَفَلَ أَصْحَابُ السَّرِيَّةِ نَفْلًا، ثُمَّ جَاءُوا بِالْغَنِيمَةِ إلَى الْعَسْكَرِ فَإِنَّ تَنْفِيلَ أَمِيرِ السَّرِيَّةِ يَجُوزُ فِي نَصِيبِ أَصْحَابِ السَّرِيَّةِ خَاصَّةً.\nلِأَنَّ الْجَيْشَ شُرَكَاءُ أَصْحَابِ السَّرِيَّةِ فِي الْمُصَابِ هُنَا، وَلَيْسَ لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ وِلَايَةٌ عَلَى الْجَيْشِ، إنَّمَا وِلَايَتُهُ عَلَى أَهْلِ السَّرِيَّةِ خَاصَّةً، فَيَجُوزُ تَنْفِيلُهُ فِي نُصِبْهُمْ خَاصَّةً.\n\n- وَإِنْ كَانَ الْعَامِلُ حِينَ بَعَثَهُمْ نَفَلَ لَهُمْ نَفْلًا، ثُمَّ نَفَلَ أَمِيرُهُمْ أَيْضًا نَفْلًا، فَجَاءُوا بِالْغَنَائِمِ، فَمَا نَفَلَ لَهُمْ الْعَامِلُ يُرْفَعُ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ، وَيُقَسَّمُ مَا بَقِيَ حِينَ تَبِينُ حِصَّةُ أَصْحَابِ السَّرِيَّةِ، ثُمَّ يَنْفُذُ مَا نَفَلَ أَمِيرُ السَّرِيَّةِ مِنْ حِصَّتِهِمْ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَمِمَّا نَفَلَ لَهُمْ الْعَامِلُ.\nلِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَهُمْ خَاصَّةً، وَلِأَمِيرِهِمْ وِلَايَةٌ عَلَيْهِمْ. فَيَنْفُذُ تَنْفِيلُهُ فِيمَا لَهُمْ خَاصَّةً.\nبِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَهُنَاكَ السَّرِيَّةُ مَبْعُوثَةٌ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَا شِرْكَةَ لِغَيْرِهِمْ مَعَهُمْ فِي الْمُصَابِ، حَتَّى لَوْ أَنَّ هَذِهِ السَّرِيَّةَ لَمْ تَرْجِعْ إلَى الْعَسْكَرِ وَلَكِنَّهُمْ خَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مِنْ جَانِبٍ آخَرِ فَإِنَّهُ يَكُونُ الْحُكْمُ كَالْحُكْمِ فِي السَّرِيَّةِ الْمَبْعُوثَةِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ.\nلِأَنَّهُ لَا شَرِيكَ فِي الْمُصَابِ.\nوَفِي الْوَجْهَيْنِ لَوْ أَصَابُوا طَعَامًا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبُّوا.","vol":"1","page":809},{"text":"أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ بَعْدَ مَا رَجَعُوا إلَى الْعَسْكَرِ يُبَاحُ لَهُمْ التَّنَاوُلُ مِنْ الطَّعَامِ كَمَا يُبَاحُ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ؟ وَفِي إبَاحَةِ تَنَاوُلِ الطَّعَامِ الْمُصَابِ كَالْبَاقِي عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ بِخِلَافِ حُكْمِ التَّنْفِيلِ. .\n\n- وَلَوْ أَنَّهُمْ أَصَابُوا غَنَمًا أَوْ بَقَرًا أَوْ رَمَكًا، فَاسْتَأْجَرَ الْأَمِيرُ مَنْ يَسُوقُهَا إلَى الْعَسْكَرِ فَذَلِكَ جَائِزٌ فِي حَقِّ أَصْحَابِ السَّرِيَّةِ وَحَقِّ أَهْلِ الْعَسْكَرِ.\nلِأَنَّهُ نَظَرَ لَهُمْ فِيمَا صَنَعَ. وَمَنْفَعَةُ فِعْلِهِ يَرْجِعُ إلَيْهِمْ جَمِيعًا، بِخِلَافِ النَّفْلِ فَالْمَنْفَعَةُ فِيهِ لِلْمُنَفِّلِينَ خَاصَّةً. فَلِهَذَا لَا يَجُوزُ تَنْفِيلُهُ فِي حِصَّةِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ.\n\n- وَلَوْ أَنَّ الْعَامِلَ كَانَ نَفَلَهُمْ الرُّبُعَ، ثُمَّ نَفَلَهُمْ أَمِيرَهُمْ حِينَ لَقُوا الْعَدُوَّ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ مِنْهُ ثُمَّ لَمْ يَرْجِعُوا إلَى الْعَسْكَرِ حَتَّى رَجَعُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ نَفْلَ الْعَامِلِ لَهُمْ (ص ٢٧٢) بَاطِلٌ، وَنَفْلَ أَمِيرِهِمْ لَهُمْ جَائِزٌ.\nلِأَنَّهُمْ حِينَ خَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يَلْقَوْا الْعَسْكَرَ مِنْهُمْ فِي الْمُصَابِ بِمَنْزِلَةِ السَّرِيَّةِ الْمَبْعُوثَةِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ. وَإِنَّمَا نَفَلَ الْعَامِلُ لِجَمَاعَتِهِمْ بِالسَّرِيَّةِ.\nوَهَذَا التَّنْفِيلُ بَاطِلٌ عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ الْأَثَرُ. وَلَا نَفْلَ لِلسَّرِيَّةِ الْأُولَى. فَأَمَّا نَفْلُ أَمِيرِهِمْ لَهُمْ فَحَصَلَ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ لِبَعْضِ الْخَوَاصِّ، فَيَكُونُ ذَلِكَ صَحِيحًا لِاخْتِصَاصِهِمْ بِالْحَقِّ فِي الْمُصَابِ.\n- وَإِنْ رَجَعُوا إلَى الْعَسْكَرِ جَازَ نَفْلُ الْعَامِلِ لَهُمْ.\nلِأَنَّ الْعَسْكَرَ شُرَكَاؤُهُمْ فِي الْمُصَابِ. فَكَانَ فِي هَذَا التَّنْفِيلِ إبْطَالُ شَرِكَةِ الْعَسْكَرِ مَعَهُمْ، فَيَصِحُّ وَإِنْ كَانَ يَتَعَدَّى إلَى إبْطَالِ الْخُمُسِ وَتَفْضِيلِ الْفَارِسِ عَلَى الرَّاجِلِ.","vol":"1","page":810},{"text":"وَأَمَّا نَفْلُ أَمِيرِهِمْ فَإِنَّمَا يَجُوزُ فِيمَا هُوَ حَقُّهُمْ خَاصَّةً دُونَ مَا يَكُونُ حِصَّةَ أَهْلِ الْعَسْكَرِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.\n\n- وَإِنْ كَانَ الْعَامِلُ نَهَى أَمِيرَ السَّرِيَّةِ عَنْ التَّنْفِيلِ فَنَفْلُهُ بَاطِلٌ لِنَهْيِ الْعَامِلِ إيَّاهُ عَنْ ذَلِكَ. وَنَفْلُ الْإِمَامِ لَهُمْ جَائِزٌ إنْ رَجَعُوا إلَى الْعَسْكَرِ. وَإِنْ خَرَجُوا مِنْ جَانِبٍ آخَرِ إلَى دَارِ السَّلَامِ، فَذَلِكَ أَيْضًا بَاطِلٌ. وَيُخَمَّسُ جَمِيعُ مَا أَصَابُوا، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.\nلِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْمُصَابِ لَهُمْ خَاصَّةً، فَلَيْسَ فِي هَذَا التَّنْفِيلِ إلَّا إبْطَالُ الْخُمُسِ وَتَفْضِيلُ الْفَارِسِ عَلَى الرَّاجِلِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":811},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>[بَابُ مِنْ النَّفْلِ الَّذِي يَكُونُ لِلرَّجُلِ فِي الشَّيْءِ الْخَاصِّ وَلَا يَدْرِي مَا هُوَ]</span>\n- وَإِذَا قَالَ الْأَمِيرُ مَنْ جَاءَ بِعَشَرَةِ أَثْوَابٍ فَلَهُ ثَوْبٌ فَجَاءَ رَجُلٌ بِعَشَرَةِ أَثْوَابٍ مُخْتَلِفَةِ الْأَجْنَاسِ فَلَهُ عُشْرُ كُلِّ ثَوْبٍ مِنْهَا.\nلِأَنَّهُ أَوْجَبَ لَهُ بِالتَّنْفِيلِ عُشْرَ مَا يَأْتِي بِهِ.\nفَإِنَّ مَعْنَى كَلَامِهِ فَلَهُ ثَوْبٌ مِنْهَا. وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ.\nوَهَذَا لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِتَصْحِيحِ كَلَامِهِ إلَّا هَذَا. فَإِنَّ إيجَابَ الثَّوْبِ مُطْلَقًا لَا يَصِحُّ فِي شَيْءِ مِنْ الْعُقُودِ لِاخْتِلَافِ أَجْنَاسِ الثِّيَابِ ثُمَّ لَبِسَ بَعْضَ الْأَثْوَابِ بِأَنْ يَجْعَلَ لَهُ نَفْلًا بِأَوْلَى مِنْ الْبَعْضِ. وَالثِّيَابُ إذَا كَانَتْ مُخْتَلِفَةُ الْأَجْنَاسِ لَا تُقَسَّمُ قِسْمَةً وَاحِدَةً. فَلِهَذَا كَانَ لَهُ عُشْرُ كُلِّ ثَوْبٍ مِنْهَا. .\n\n- وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ مِنْ الدَّوَابِّ فَلَهُ دَابَّةٌ.\nلِأَنَّ هَذَا الِاسْمَ يَتَنَاوَلُ الْأَجْنَاسَ الْمُخْتَلِفَةَ كَالثِّيَابِ.\n- وَلَوْ جَاءَ بِالْكُلِّ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَلَهُ وَاحِدٌ مِنْهَا وَسَطٌ.\nلِأَنَّ الْجِنْسَ الْوَاحِدَ مُحْتَمِلٌ لِلْقِسْمَةِ. وَعَلَى الْأَمِيرِ أَنْ يُرَاعِي النَّظَرَ لِلْغَانِمِينَ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ. وَتَمَامُ النَّظَرِ فِي أَنْ يُعْطِيَهُ الْوَسَطَ مِمَّا جَاءَ بِهِ. .","vol":"1","page":812},{"text":"- وَلَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِدَابَّةٍ فَلَهُ ثُلُثُهَا. فَجَاءَ بِبَقَرَةٍ أَوْ جَامُوسٍ أَوْ بَعِيرٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ.\nلِأَنَّ اسْمَ الدَّابَّةِ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا الْحِمَارَ وَالْفَرَسَ وَالْبَغْلَ اسْتِحْسَانًا.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةً لَا يَتَنَاوَلُ يَمِينُهُ غَيْرَ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ؟ وَحَقِيقَةُ اللَّفْظِ. هَا هُنَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ بِلَا شُبْهَةٍ. فَإِنَّ أَحَدًا لَا يَقُولُ: لَوْ جَاءَ بِجَارِيَةٍ يَسْتَحِقُّ النَّفَلَ مِنْهَا. وَاسْمُ الدَّابَّةِ يَتَنَاوَلُهَا فِي قَوْلِهِ ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] فَعَرَفْنَا أَنَّهُ إنَّمَا يُبْنَى هَذَا عَلَى مَعَانِي كَلَامِ النَّاسِ.\n- فَإِنْ كَانَ الْقَوْمُ فِي مَوْضِعِ دَوَابِّهِمْ الْجَوَامِيسِ أَوْ الْبَقَرِ إيَّاهَا يَرْكَبُونَ وَإِيَّاهَا يُسَمُّونَ الدَّوَابَّ فَهُوَ عَلَى مَا يَتَعَارَفُونَهُ.\nفَأَمَّا فِي دِيَارِنَا فَالدَّوَابُّ هِيَ الْخَيْلُ وَالْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ. .\n\n- وَلَوْ قَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ أَصَابَ جَزُورَةً فَهِيَ لَهُ. فَجَاءَ رَجُلٌ بِجَزُورٍ أَوْ بَقَرَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ. وَإِنْ جَاءَ بِشَاةٍ مَاعِزٍ أَوْ ضَأْنٍ فَهِيَ لَهُ.\nلِأَنَّ هَذَا الِاسْمَ وَإِنْ كَانَ حَقِيقَةً فِي كُلِّ مَا يُجْزَرُ، لَكِنَّ النَّاسَ اعْتَادُوا اسْتِعْمَالَهُ فِي الْغَنَمِ خَاصَّةً. فَإِنَّ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ إذَا قَالَ لِغَيْرِهِ: \" أَجْزِرْنِي مِنْ نَعَمِك \" فَإِنَّمَا يُفْهَمُ مِنْهُ سُؤَالُ الشَّاةِ دُونَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ. .\n\n- وَلَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِجَزُورٍ فَهُوَ لَهُ، لَمْ يَسْتَحِقَّ بِهَذَا اللَّفْظِ الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ الْإِبِلَ خَاصَّةً. وَإِنْ كَانَ كُلُّ ذَلِكَ مِمَّا يُجْزَرُ وَلَكِنَّ اسْمَ الْجَزُورِ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي الْإِبِلِ.","vol":"1","page":813},{"text":"ثُمَّ فِي الْقِيَاسِ إذَا جَاءَ بِبَعِيرٍ قَدْ رُكِبَ أَوْ نَاقَةٍ قَدْ رُكِبَتْ لَمْ يَسْتَحِقَّ مِنْهَا شَيْئًا. ٩٨.\nلِأَنَّ الْجَزُورَ اسْمٌ لِمَا يَكُونُ مُعَدًّا مِنْ هَذَا النَّوْعِ لِلْكَرِّ دُونَ الرُّكُوبِ. وَإِنَّمَا ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُرْكَبَ. فَأَمَّا مَا رُكِبَ فَهُوَ لَا يُنْحَرُ لِلْأَكْلِ عَادَةً بَعْدً ذَلِكَ.\nوَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَهُ النَّفَلُ إذَا جَاءَ بِذَلِكَ كُلِّهِ.\nلِأَنَّ الِاسْمَ يُطْلَقُ اسْتِعْمَالًا عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ فِي الْعُرْفِ. .\n\n- وَلَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِبَعِيرٍ أَوْ جَمَلٍ فَهُوَ لَهُ، فَجَاءَ بِبُخْتِيٍّ فَهُوَ لَهُ\nلِأَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلُ الْكُلَّ.\nبِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِبُخْتِيٍّ أَوْ بُخْتِيَّةٍ، فَجَاءَ بِجَمَلٍ عَرَبِيٍّ أَوْ نَاقَةٍ.\nلِأَنَّ الْبُخْتِيَّ اسْمٌ خَاصٌّ لِجَمَالِ الْعَجَمِ فَلَا يَتَنَاوَلُ الْعَرَبِيَّ.\nكَمَا أَنَّ اسْمَ الْعَجَمِيِّ فِي التَّنْفِيلِ لَا يَتَنَاوَلُ الْعَرَبِيَّ، وَاسْمُ الْبُخْتِيِّ يَتَنَاوَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى. كَمَا أَنَّ اسْمَ الْجَمَلِ يَتَنَاوَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى مِنْ الْإِبِلِ الْعَرَبِيِّ.\nوَاسْمُ الْبَقَرِ فِي التَّنْفِيلِ لَا يَتَنَاوَلُ الْجَامُوسَ. فَكَانَ يَنْبَغِي عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ لِأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ يُكَمَّلُ نَصَّابُ الْبَقَرِ بِهِ فِي الزَّكَاةِ، وَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ قَوْلَهُ - ﵊ - «فِي ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ تَبِيعٌ أَوْ تَبِيعَةٌ» . لَكِنَّهُ اعْتَبَرَ الْعُرْفَ.\nوَفِي الْعُرْفِ يَنْفِي عَنْ الْجَامُوسِ اسْمَ الْبَقَرِ، وَلَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ هَذَا الِاسْمُ إلَّا مُقَيَّدًا كَمَا يُقَالُ بِالْفَارِسِيَّةِ كاؤميش بِخِلَافِ اسْمِ الْبَعِيرِ وَالْجَمَلِ فَإِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْبُخْتِيِّ فِي كُلِّ لِسَانٍ. .","vol":"1","page":814},{"text":"- وَلَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِشَاةٍ فَهِيَ لَهُ. فَلِذَلِكَ يَتَنَاوَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى مَعْزًا كَانَ أَوْ ضَانًّا. وَكَانَ يَنْبَغِي عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ أَنْ لَا يَدْخُلَ فِيهِ الْمَاعِزُ.\nلِأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِاسْمٍ آخَرِ. وَيَنْفِي عَنْهُ اسْمَ الشَّاةِ كَمَا فِي الْجَامُوسِ. وَلَكِنْ اُعْتُبِرَ فِيهِ مَعْنًى آخَرَ وَهُوَ أَنَّهُ يُخْلَطُ الْبَعْضُ بِالْبَعْضِ عَادَةً. وَيُعَدُّ الْكُلُّ شَيْئًا وَاحِدًا، فَيُطْلَقُ اسْمُ الشَّاةِ وَالْغَنَمِ عَلَى الْكُلِّ. وَهَذَا الْوَجْهُ بِخِلَافِ الْجَوَامِيسِ.\nوَاسْمُ الْكَبْشِ وَالتَّيْسِ لَا يَتَنَاوَلُ النَّعْجَةَ لِأَنَّهُ اسْمُ نَوْعٍ خَاصٍّ. وَاسْمُ الدَّجَاجِ يَتَنَاوَلُ الدِّيكَ وَالدَّجَاجَةَ جَمِيعًا.\nأَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ لَبِيدٍ\nبَاكَرَتْ حَاجَتَهَا الدَّجَاجَ بِسَحَرَةٍ ... لِأُعَلَّ مِنْهَا حِينَ هَبَّ نِيَامُهَا\nوَقَالَ آخَرُ:\nلَمَّا مَرَرْت بِدَيْرِ الْهِنْدِ أَرَّقَنِي ... صَوْتُ الدَّجَاجِ وَضَرْبٌ بِالنَّوَاقِيسِ\nفَأَمَّا اسْمُ الدَّجَاجَةِ فَلَا يَتَنَاوَلُ الدِّيكَ. وَاسْمُ الدِّيكِ لَا يَتَنَاوَلُ الدَّجَاجَةَ أَيْضًا وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي أَيْمَانِ الْجَامِعِ فِيمَا إذَا قَالَ: لَا آكُلَ لَحْمَ دَجَاجٍ.\nفَأَكَلَ لَحْمَ دِيكٍ حَنِثَ وَلَوْ عَقَدَ الْيَمِينَ بِاسْمِ الدَّجَاجَةِ لَمْ يَحْنَثْ. وَلَوْ عَقَدَ الْيَمِينَ بِاسْمِ الدِّيكِ لَمْ يَحْنَثْ إذَا أَكَلَ دَجَاجَةً. فَحُكْمُ التَّنْفِيلِ فِي ذَلِكَ حُكْمُ قِيَاسِ الْيَمِينِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":815},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>[بَابٌ مِنْ التَّنْفِيلِ فِي الْعَسْكَرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ]</span>\n- وَإِذَا دَخَلَ الْعَسْكَرَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَرْضَ الْحَرْبِ مِنْ طَرِيقَيْنِ، فَبَعَثَ أَمِيرُ كُلِّ عَسْكَرٍ سَرِيَّةً وَنَفَلَ لَهُمْ الثُّلُثَ أَوْ الرُّبُعَ فَالْتَقَتْ السَّرِيَّتَانِ عِنْدَ حِصْنٍ وَأَصَابُوا الْغَنَائِمَ، ثُمَّ أَرَادُوا أَنْ يَتَفَرَّقُوا حَتَّى تَرْجِعَ كُلُّ سَرِيَّةٍ إلَى عَسْكَرِهِمْ. .\nفَإِنَّ الْغَنِيمَةَ تُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ. كَأَنَّهُ لَا نَفْلَ فِيهَا وَلَا مُسْتَحِقَّ لَهَا سِوَاهُمْ.\nلِأَنَّ كُلَّ أَمِيرٍ إنَّمَا نَفَلَ سَرِيَّتَهُ مِمَّا أَصَابَتْ، وَلَا يَتَبَيَّنُ مُصَابُ كُلِّ سَرِيَّةٍ إلَّا بِالْقِسْمَةِ. فَلِهَذَا يُقَسَّمُ بَيْنَ السَّرِيَّتَيْنِ عَلَى سِهَامِ الْخَيْلِ وَالرَّجَّالَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرْفَعَ الْخُمُسُ أَوَّلًا.\nإذْ لَيْسَتْ إحْدَى السَّرِيَّتَيْنِ بِأَنْ تَذْهَبَ بِالْخُمُسِ بِأَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى، ثُمَّ تَرْجِعُ كُلُّ سَرِيَّةٍ بِمَا أَصَابَهَا مِنْ الْقِسْمَةِ إلَى الْعَسْكَرِ، فَيُعْطِيهِمْ أَمِيرُهُمْ النَّفَلَ مِنْ ذَلِكَ وَيَضُمُّ مَا بَقِيَ إلَى غَنَائِمِهِمْ، فَيُخْرِجُ الْخُمُسَ مِنْهَا وَيَقْسِمُ مَا بَقِيَ بَيْنَ السَّرِيَّةِ وَأَهْلِ الْعَسْكَرِ. حَتَّى إذَا كَانَتْ إحْدَى السَّرِيَّتَيْنِ ثَمَانَ مِائَةٍ: أَرْبَعَ مِائَةٍ فُرْسَانٍ وَأَرْبَعَ مِائَةِ رَجَّالَةٍ، وَالسَّرِيَّةُ الْأُخْرَى أَرْبَعُ مِائَةٍ: مِائَةٌ فُرْسَانٌ وَثَلَاثُ مِائَةٍ (ص ٢٧٤) رَجَّالَةٌ.\nفَإِنَّمَا يُقَسَّمُ الْمُصَابُ فِي الِابْتِدَاءِ عَلَى خَمْسِ مِائَةٍ فُرْسَانٍ وَسَبْعِ مِائَةٍ رَجَّالَةٍ.","vol":"1","page":816},{"text":"ثُمَّ مَا أَصَابَ الْفُرْسَانُ يُقَسَّمُ أَخْمَاسًا: خُمُسُ ذَلِكَ لِلسَّرِيَّةِ الَّتِي هِيَ قَلِيلَةُ الْعَدَدِ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لِلسَّرِيَّةِ الْأُخْرَى. وَمَا أَصَابَ الرَّجَّالَةُ يُقَسَّمُ أَسْبَاعًا: ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهِ لِلْقَلِيلَةِ وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِهِ لِلْأُخْرَى.\nفَبِهَذَا الطَّرِيقِ يَتَبَيَّنُ حِصَّةُ كُلِّ سَرِيَّةِ مِنْ الْمُصَابِ\n- وَيَسْتَوِي فِي هَذَا الْحُكْمِ إنْ كَانَ الْأَمِيرَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَفَّلَ لِسَرِيَّتِهِ أَوْ لَمْ يُنَفِّل وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَوْ نَفَّلَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ.\nلِأَنَّ تَنْفِيلَ كُلِّ أَمِيرٍ لَا يَجُوزُ فِيمَا هُوَ حِصَّةُ السَّرِيَّةِ الْأُخْرَى. فَإِنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِمْ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":817},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>[بَابُ النَّفْلِ لِمَنْ يَجِبُ إذَا جَعَلَهُ الْأَمِيرُ جُمْلَةً]</span>\n٩١ - بَابُ النَّفْلِ لِمَنْ يَجِبُ إذَا جَعَلَهُ الْأَمِيرُ جُمْلَةً وَإِذَا قَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ خَرَجَ مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ فَأَصَابَ شَيْئًا فَلَهُ مِنْ ذَلِكَ الرُّبْعُ. فَهَذَا اللَّفْظُ يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَنْ لَهُ فِي الْغَنِيمَةِ سَهْمٌ أَوْ رَضْخٌ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيِّ، رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، صَغِيرٍ أَوْ بَالِغٍ، تَاجِرٍ أَوْ مُقَاتِلٍ، قَاتَلَ قَبْلَ هَذَا أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ.\nلِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّحْرِيضُ عَلَى الْقِتَالِ وَالْإِصَابَةِ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ يَتَحَقَّقُ فِيهِمْ مَعْنَى التَّحْرِيضِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ السَّهْمَ أَوْ الرَّضْخَ مِنْ الْغَنِيمَةِ لِلتَّحْرِيضِ؟ وَالتَّاجِرُ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ قَبْلَ هَذَا فَقَدْ قَاتَلَ الْآنَ حِينَ أَصَابَ شَيْئًا وَجَاءَ بِهِ. فَلِهَذَا اسْتَحَقَّ النَّفَلَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ.\n- فَأَمَّا الْمُسْتَأْمَنُ فَإِنْ كَانَ خَرَجَ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ فَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي الْغَنِيمَةِ رَضْخًا وَلَا سَهْمًا. وَإِنْ كَانَ خَرَجَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الذِّمِّيِّ فِي ذَلِكَ.\n- وَلَوْ أَنَّ أَسِيرًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ سَمِعَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ مِنْ الْأَمِيرِ فَخَرَجَ وَأَصَابَ شَيْئًا فَذَلِكَ كُلُّهُ لِلْمُسْلِمِينَ.","vol":"1","page":835},{"text":"لِأَنَّ الْأَسِيرَ فَيْءٌ لَهُمْ، وَمَا أَصَابَهُ فَهُوَ كَسْبُهُ، وَكَسْبُ الْعَبْد لِمَوْلَاهُ. فَلِهَذَا كَانَ هُوَ مَعَ مَا جَاءَ بِهِ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ.\n- وَلَوْ كَانُوا مُسْتَأْمَنِينَ فِي عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الدَّارِ، فَلَمَّا سَمِعُوا هَذِهِ الْمَقَالَةَ خَرَجُوا فَأَصَابُوا غَنَائِمَ فَأَتَوْا بِهَا الْعَسْكَرَ. فَإِنْ كَانُوا وَصَلُوا إلَى مَوْضِعٍ قَدْ أَمِنُوا فِيهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ أَصَابُوا هَذَا الْمَالَ فَعَادُوا وَاسْتَأْمَنُوا عَلَيْهَا أَمَانًا مُسْتَقْبَلًا فَذَلِكَ كُلُّهُ لَهُمْ، لَا خُمْسَ فِيهَا.\nلِأَنَّهُ بِوُصُولِهِمْ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ قَدْ انْتَهَى حُكْمُ الْأَمَانِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، فَهُمْ أَهْلُ حَرْبٍ أَغَارُوا عَلَى أَمْوَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ فَمَلَكُوهَا ثُمَّ اسْتَأْمِنُوا عَلَيْهَا.\n- وَإِنْ كَانُوا أَصَابُوا ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ قَرِيبٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَبْلُغُوا فِيهِ مَأْمَنَهُمْ فَذَلِكَ كُلُّهُ لِلْمُسْلِمِينَ إنْ كَانُوا خَرَجُوا بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ، وَإِنْ كَانُوا خَرَجُوا بِإِذْنِهِ فَلَهُمْ النَّفَلُ مِنْ ذَلِكَ.\nلِأَنَّ الْأَمَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ بَاقٍ مَا لَمْ يَبْلُغُوا مَأْمَنَهُمْ. فَحُكْمُهُمْ فِي هَذَا كَحُكْمِ الْمُسْتَأْمَنِينَ فِي عَسْكَرِنَا مِنْ أَهْلِ دَارٍ أُخْرَى. وَاَلَّذِي يُوَضِّحُ الْفَرْقَ بَيْنَ الَّذِينَ خَرَجُوا بِإِذْنِ الْأَمِيرِ وَاَلَّذِينَ خَرَجُوا بِغَيْرِ إذْنِهِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْأَمِيرِ وَالْمُسْلِمِينَ نُصْرَةُ الْخَارِجِينَ بِإِذْنِهِ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِينَ إذَا بَلَغَهُمْ أَنَّ الْعَدُوَّ أَحَاطُوا بِهِمْ، كَمَا يَجِبُ نُصْرَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ. وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ نُصْرَةُ الْخَارِجِينَ بِغَيْرِ إذْنِهِ. فَكَذَلِكَ فِي حُكْمِ التَّنْفِيلِ الَّذِينَ خَرَجُوا بِإِذْنِهِ، بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ دُونَ الَّذِينَ خَرَجُوا بِغَيْرِ إذْنِهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.","vol":"1","page":836},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>[بَابُ النَّفْلِ فِي دُخُولِ الْمَطْمُورَةِ]</span>\n٩٢ - بَابُ النَّفْلِ فِي دُخُولِ الْمَطْمُورَةِ وَإِذَا وَقَفَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى بَابِ مَطْمُورَةٍ فِيهَا الْعَدُوُّ يُقَاتِلُونَ. فَقَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ دَخَلَ مِنْ بَابِ هَذِهِ الْمَطْمُورَةِ فَلَهُ نَفْلُ مِائَةِ دِرْهَمٍ. فَاقْتَحَمَ الْبَابَ قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. فَإِذَا لِلْمَطْمُورَةِ بَابٌ آخَرُ دُونَ ذَلِكَ الْبَابِ (ص ٢٧٥) مُغْلَقٌ. وَإِذَا لَيْسَ بَيْنَ الْبَابَيْنِ أَحَدٌ. فَقَاتَلَ عَامَّةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْبَابِ الثَّانِي حَتَّى اقْتَحَمُوا، فَلِلَّذِينَ اقْتَحَمُوا الْبَابَ الْأَوَّلَ نَفْلُهُمْ لِكُلِّ إنْسَانٍ مِائَةُ دِرْهَمٍ.\nلِأَنَّ الْإِمَامَ أَوْجَبَ لَهُمْ ذَلِكَ. فَإِنَّ كَلِمَةَ (مَنْ) تُوجِبُ الْعُمُومَ، عَلَى أَنْ يَتَنَاوَلَ كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى سَبِيلِ الِانْفِرَادِ. فَإِنْ قَالَ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ: لَا نُعْطِيهِمْ النَّفَلَ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْبَابَيْنِ أَحَدٌ، وَقَدْ اجْتَمَعْنَا عَلَى الْقِتَالِ عَلَى بَابِ الْمَطْمُورَةِ. قِيلَ لَهُمْ: إنَّ الْأَمِيرَ حَرَّضَ الدَّاخِلِينَ عَلَى دُخُولِ الْبَابِ الْأَوَّلِ بِمَا أَوْجَبَ لَهُمْ، فَكَانَتْ الْحَاجَةُ إلَى التَّنْفِيلِ مَاسَّةً يَوْمَئِذٍ. فَإِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَدْرُونَ أَنَّ وَرَاءَ الْبَابِ بَابًا آخَرَ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْبَابَيْنِ أَحَدٌ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا لَوْ قَالَ الْإِمَامُ مَنْ دَخَلَ مِنْ هَذَا الْبَابِ. وَهُوَ مَا صَمَدَ","vol":"1","page":837},{"text":"لَبَابٍ بِعَيْنِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ: مَنْ دَخَلَ مِنْ بَابِ الْمَطْمُورَةِ. وَبَابُ الْمَطْمُورَةِ الْبَابُ الْأَقْصَى. قُلْنَا: لَا كَذَلِكَ، فَإِنَّ بَابَ الْمَطْمُورَةِ عِنْدَ الْأَمِيرِ وَالْمُسْلِمِينَ حِينَ نُفِلَ كَانَ الْبَابَ الْأَوَّلَ، وَكَانُوا لَا يَتَجَاسَرُونَ عَلَى الدُّخُولِ فِيهِ، فَاَلَّذِينَ دَخَلُوهُ بَعْدَ التَّنْفِيلِ خَاطَرُوا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَتَوْا بِمَا أَوْجَبَ لَهُمْ الْإِمَامُ النَّفَلَ عَلَيْهِ. فَإِنْ قِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ يُعْطَى جَمَاعَتُهُمْ مِائَةَ دِرْهَمٍ، فَإِنَّهُ إنَّمَا أَوْجَبَ الْإِمَامُ ذَلِكَ لِلدَّاخِلَيْنِ. قُلْنَا: مُطْلَقُ الْكَلَامِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَتَسَارَعُ إلَى الْأَفْهَامِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ الْمِائَةُ نَفْلًا. فَإِنَّهُ نَكَّرَ الْمِائَةَ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَقَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ غَيْرُ الْمُسْتَحَقِّ لِصَاحِبِهِ.\n- وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ فَلَهُ رَأْسٌ - بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ فَلَهُ الرُّبْعُ مِنْ الْغَنِيمَةِ - فَدَخَلَ عَشْرَةٌ، فَلَهُمْ الرُّبْعُ بَيْنَهُمْ.\nلِأَنَّ هُنَاكَ عُرْفًا مَا أَوْجَبَ لِلدَّاخِلَيْنِ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْغَنِيمَةِ، وَالْغَالِبُ أَنَّ مُرَادَهُ الْإِشْرَاكُ بَيْنَ الدَّاخِلِينَ فِي الْجُزْءِ الْمُسَمَّى. أَلَا تَرَى أَنَّ الدَّاخِلِينَ يَزِيدُونَ عَلَى الْأَرْبَعَةِ عَادَةً، وَلَا تَكُون الْغَنِيمَةُ إلَّا أَرْبَعَةَ أَرْبَاعٍ؟ فَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ مُرَادَهُ الْإِشْرَاكُ بَيْنَهُمْ فِي الرُّبْعِ وَإِنْ كَثُرُوا.\n- وَإِنْ دَخَلَ وَاحِدٌ ثُمَّ وَاحِدٌ هَكَذَا (ص ١٩١) حَتَّى كَمُلُوا عَشْرَةً. فَالرُّبْعُ بَيْنَهُمْ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ دَخَلُوا مَعًا.\nلِأَنَّهُ أَوْجَبَ النَّفَلَ عَلَى الدُّخُولِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَعَرَّضَ بِجَمْعٍ أَوْ تَرْتِيبٍ.","vol":"1","page":838},{"text":"- وَلَكِنَّ هَذَا لِكُلِّ مَنْ دَخَلَ قَبْلَ أَنْ يَتَنَحَّى الْعَدُوُّ مِنْ الْبَابِ. فَإِذَا تَنَحَّوْا أَوْ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْبَابَيْنِ أَحَدٌ فَلَا نَفْلَ لِمَنْ يَدْخُلُ بَعْدَ ذَلِكَ.\nلِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ التَّحْرِيضُ عَلَى الدُّخُولِ، وَذَلِكَ يَخْتَصُّ بِحَالِ بَقَاءِ الْخَوْفِ.\n- وَكَذَلِكَ إنْ فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ الْبَابَ وَهَابُوا أَنْ يَدْخُلُوا مَخَافَةَ كَمِينٍ خَلْفَ الْبَابِ، فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ.\nلِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّحْرِيضُ عَلَى الدُّخُولِ فَيَتَقَيَّدُ بِحَالِ بَقَاءِ الْخَوْفِ.\n\n- وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ فَلَهُ بِطْرِيقُ الْمَطْمُورَةِ. فَدَخَلَ الْعَشَرَةُ مَعًا أَوْ عَلَى التَّرْتِيبِ حَالَ قِيَامِ الْخَوْفِ. .\nلِأَنَّهُ عَرَّفَ الْبِطْرِيقَ بِالْإِضَافَةِ. فَعَرَفْنَا أَنَّ مُرَادَهُ الْإِشْرَاكُ بَيْنَ الدَّاخِلِينَ فِيهِ.\n- وَلَوْ قَالَ: فَلَهُ بِطْرِيقٌ مِنْ بِطَارِقَتِهِمْ. فَلِكُلِّ دَاخِلٍ بِطْرِيقٌ.\nلِأَنَّ مَا أَوْجَبَهُ هُنَاكَ مُنْكَرٌ.\nإلَّا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَطْمُورَةِ إلَّا بِطْرِيقَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ فَذَلِكَ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ لَا يُعْطَوْنَ شَيْئًا آخَرَ.\nلِأَنَّ صِحَّةَ الْإِيجَابِ بِاعْتِبَارِ الْمَحِلِّ، فَلَا يَصِحُّ إلَّا فِي مِقْدَارِ الْمَوْجُودِ فِي الْمَحِلِّ.","vol":"1","page":839},{"text":"- وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: فَلَهُ جَارِيَةٌ مِنْ جَوَارِيهِمْ. ثُمَّ لَمْ يُوجَدْ فِيهِمْ إلَّا ثَلَاثَ جِوَارٍ، فَذَلِكَ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ.\nلِأَنَّهُ لَيْسَ بَعْضُهُمْ بِأَوْلَى مِنْ الْبَعْضِ.\nوَلَا يُعْطَوْنَ شَيْئًا آخَرَ.\nلِأَنَّ التَّنْفِيلَ لَمْ يُوجَدْ فِيمَا سِوَى الْجَوَارِي الْمَوْجُودَاتِ فِيهَا.\n- بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: فَلَهُ جَارِيَةٌ. وَلَمْ يَقُلْ مِنْ جَوَارِيهِمْ. فَإِنَّ هُنَاكَ يُعْطَى، كُلُّ دَاخِلٍ جَارِيَةً أَوْ قِيمَةَ جَارِيَةٍ وَسَطٍ مِنْ الْمَالِ الْمَوْجُودِ فِيهَا.\nلِأَنَّهُ سَمَّى لِكُلِّ دَاخِلٍ جَارِيَةً مُطْلَقًا. وَهَذِهِ التَّسْمِيَةُ تُوجِبُ الْحَقَّ فِي مَالِيَّةِ جَارِيَةٍ إمَّا عَيْنُهَا أَوْ قِيمَتُهَا.\nوَلَكِنْ يَتَقَيَّدُ بِالْمَالِ الْمَوْجُودِ فِي الْمَطْمُورَةِ.\nلِأَنَّ الْمَقْصُودَ إيصَالُ\nالْمَنْفَعَةِ\nإلَى الْمُسْلِمِينَ. وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إذَا تَقَيَّدَ النَّفَلُ بِالْمَالِ الْمَوْجُودِ فِيهَا.\nحَتَّى إذَا لَمْ يَجِدُوا فِي الْمَطْمُورَةِ شَيْئًا فَلَا شَيْءَ لِلدَّاخِلِينَ.\nلِانْعِدَامِ الْمَحِلِّ الَّذِي أَوْجَبَ الْإِمَامُ حَقَّهُمْ فِيهِ. وَأَوْضَحَ هَذَا الْفَرْقَ بِالْوَصِيَّةِ:","vol":"1","page":840},{"text":"فَإِنَّ مَنْ قَالَ أَوْصَيْت لِفُلَانٍ بِجَارِيَةٍ مِنْ جَوَارِيَّ، فَمَاتَ وَلَيْسَ لَهُ جَوَارٍ، لَمْ يَكُنْ لِلْمُوصَى لَهُ شَيْءٌ. وَلَوْ قَالَ بِجَارِيَةٍ. أُعْطِيَ قِيمَةَ جَارِيَةٍ مِنْ مَالِهِ. فَإِنْ مَاتَ وَلَا مَالَ لَهُ فَلَا شَيْءَ لِلْمُوصَى لَهُ. فَكَذَلِكَ حُكْمُ التَّنْفِيلِ. إنْ لَمْ يُوجَدْ فِي الْمَطْمُورَةِ شَيْءٌ وَأَصَابُوا غَنَائِمَ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ النَّفَلُ.\nلِأَنَّ مَا يُقَيَّدُ مِنْ الْكَلَامِ بِمَقْصُودِ الْمُتَكَلِّمِ بِمَنْزِلَةِ مَا يَتَقَيَّدُ بِتَنْصِيصِ الْمُتَكَلَّمِ عَلَيْهِ.\n- فَإِنْ دَخَلَ وَاحِدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ (ص ١٩١) وَنَادَى أَنَّهُ لَيْسَ خَلْفَ هَذَا الْبَابِ أَحَدٌ ثُمَّ دَخَلَ جَمَاعَةٌ فَالنَّفَلُ لِلْأَوَّلِ خَاصَّةً.\nلِأَنَّهُ تَقَيَّدَ بِحَالِ بَقَاءِ الْخَوْفِ، وَقَدْ زَالَ حِينَ سَمِعُوا النِّدَاءَ مِنْ الْأَوَّلِ.\nبِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ الْمَطْمُورَةُ مُظْلِمَةً وَلَمْ يُسَمُّوا مِنْ الْأَوَّلِ كَلَامًا حَتَّى دَخَلُوا عَلَى إثْرِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَبِينَ لَهُمْ شَيْءٌ.\nلِأَنَّهُمْ دَخَلُوا فِي حَالِ بَقَاءِ الْخَوْفِ، فَهُمْ كَالدَّاخِلِ أَوَّلًا فِي اسْتِحْقَاقِ النَّفْلِ.\n- وَلَوْ دَخَلَ قَوْمٌ مِنْ بَابِهَا، وَتَدَلَّى قَوْمٌ مِنْ فَوْقِهَا. دَلَّاهُمْ غَيْرُهُمْ بِإِذْنِهِمْ، حَتَّى دَخَلُوا وَسَطَهَا، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ النَّفَلُ إذَا كَانَ الْأَمِيرُ قَالَ: مَنْ دَخَلَهَا.","vol":"1","page":841},{"text":"لِأَنَّهُ شَرَطَ الدُّخُولَ مُطْلَقًا. وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ مَنْ دَخَلَ مِنْ بَابِ الْمَطْمُورَةِ، لِأَنَّ هُنَاكَ قَيَّدَ الْكَلَامَ بِاشْتِرَاطِ الدُّخُولِ مِنْ الْبَابِ. أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إنْ خَرَجْت مِنْ هَذَا الْبَابِ. فَخَرَجَتْ مِنْ جَانِبِ السَّطْحِ، لَمْ يَقَع عَلَيْهَا شَيْءٌ. بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: إنْ خَرَجْت مِنْ الدَّارِ.\n- فَإِنْ كَانَ الَّذِينَ تَدَلَّوْا جَعَلُوا أَنْفُسَهُمْ فِي قُدُورٍ مِنْ حَدِيدٍ ثُمَّ أَمَرُوا أَصْحَابَهُمْ فَدَلُّوهُمْ، وَكَانُوا مُعَلَّقِينَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، يُقَاتِلُونَ أَهْلَ الْمَطْمُورَةِ، حَتَّى فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ الْحِصْنَ. فَلَهُمْ النَّفَلُ.\nلِأَنَّهُمْ انْتَهَوْا إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ مَقْصُودَ الْأَمِيرِ، وَهُوَ مَوْضِعُ الْقِتَالِ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي يَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْجُرْأَةُ بِالْوُصُولِ إلَيْهِ، وَيَنْتَفِعُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ. وَإِنَّمَا تَمَكَّنَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ الْفَتْحِ بِاشْتِغَالِ الْعَدُوِّ بِالْقِتَالِ مَعَ الَّذِينَ تَدَلَّوْا.\n- فَإِنْ كَانُوا دَلُّوهُمْ ذِرَاعًا أَوْ ذِرَاعَيْنِ ثُمَّ أَخْرَجُوهُمْ لَمْ يَكُنْ هَذَا دُخُولًا.\nلِأَنَّهُمْ مَا وَصَلُوا إلَى مَوْضِعِ الْقِتَالِ وَمَا انْتَفَعَ الْمُسْلِمُونَ بِمَا صَنَعُوا فَلَا شَيْءَ لَهُمْ مِنْ النَّفْلِ.\n- وَلَوْ انْقَطَعَتْ الْحِبَالُ حِينَ دَلُّوهُمْ، فَوَقَعُوا فِي الْحِصْنِ، أَخَذُوا النَّفَلَ.\nلِأَنَّهُمْ دَلُّوهُمْ بِأَمْرِهِمْ. فَكَأَنَّهُمْ طَرَحُوا أَنْفُسَهُمْ فِيهَا، فَيَسْتَحِقُّونَ النَّفَلَ لِإِتْيَانِهِمْ بِمَا شُرِطَ عَلَيْهِمْ.","vol":"1","page":842},{"text":"- فَإِنْ كَانَ الَّذِينَ دَلُّوهُمْ قَطَعُوا الْحِبَالَ بِغَيْرِ أَمْرِهِمْ، فَوَقَعُوا فِي الْمَطْمُورَةِ فَقَاتَلُوا حَتَّى فَتَحُوا، لَمْ يَكُنْ مِنْ النَّفْلِ شَيْءٌ.\nلِأَنَّهُمْ مَا دَخَلُوهَا، وَإِنَّمَا أُلْقُوا فِيهَا. فَإِنَّ الْقَطْعَ إذَا كَانَ بِغَيْرِ أَمْرِهِمْ لَا يَكُونُ فِعْلُ الْقَاطِع مُضَافًا إلَيْهِمْ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ بِأَمْرِهِمْ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ عَطَبُوا فِي هَذَا الْفَصْلِ مِنْ وَقْعَتِهِمْ ضَمِنَ الْقَاطِعُونَ دِيَاتِهِمْ. وَفِي الْأَوَّلِ لَا يَضْمَنُونَ شَيْئًا. بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَلْقَوْا أَنْفُسَهُمْ فِيهَا. فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ أَنْ يُجْمَعَ لَهُمْ بَيْنَ النَّفْلِ وَالدِّيَاتِ.\n\n- وَلَوْ زَلِقَتْ رِجْلُ أَحَدٍ مِنْ الْوَاقِفِينَ فَوْقَ الْمَطْمُورَةِ وَهُوَ يُقَاتِلُ فَوَقَعَ فِيهَا فَلَهُ النَّفَلُ.\nلِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي وَضَعَ قَدَمَهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَمَا طَرَأَ عَلَى فِعْلِهِ فِعْلٌ آخَرُ مُعْتَبَرٌ. فَيَكُونُ حُصُولُهُ فِيهَا مُضَافًا إلَى فِعْلِهِ، كَأَنَّهُ دَخَلَهَا قَصْدًا.\n- وَلَوْ دَفَعَهُ إنْسَانٌ فِيهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ النَّفْلِ شَيْءٌ.\nلِأَنَّهُ طَرَأَ عَلَى فِعْلِهِ فِعْلٌ مُعْتَبَرٌ، فَيَكُونُ هُوَ مُلْقًى فِيهَا لَا دَاخِلًا. إلَّا أَنْ يَكُونَ أَمَرَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ بِأَنْ يُرْمَى بِهِ فِيهَا. فَإِنَّ فِعْلَ الْغَيْرِ بِأَمْرِهِ كَفِعْلِهِ بِنَفْسِهِ. وَهَذَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إظْهَارُ الْجُرْأَةِ وَذَلِكَ يَحْصُلُ فِيمَا فَعَلَ بِهِ غَيْرُهُ (ص ٢٧٧) بِأَمْرِهِ، وَلَا يَحْصُلُ إذَا فَعَلَ بِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ.\n- وَلَوْ أَنَّ أَصْحَابَهُ دَلُّوهُ فِيهَا، فَقَطَعَ أَهْلُ الْحَرْبِ الْحِبَالَ بِالسُّيُوفِ، فَوَقَعَ فِيهَا وَقَاتَلَ حَتَّى فُتِحَتْ الْمَطْمُورَةُ فَلَهُ النَّفَلُ.\nلِأَنَّهُ قَدْ بَلَغَ مَوْضِعَ الْقِتَالِ حَيْثُ وَصَلَتْ السُّيُوفُ إلَى الْحِبَالِ فَقَطَعُوهَا، أَوْ إلَى الْقُدُورِ فَكَسَرُوهَا.","vol":"1","page":843},{"text":"- فَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْهَوَاءِ أَعْلَى مِنْ أَنْ يَصِلَ سِلَاحُ الْعَدُوِّ إلَيْهِ فَتُوهِقُهُ أَهْلُ الْحَرْبِ بِوَهَقٍ حَتَّى رَمَوْا بِهِ فِي الْمَطْمُورَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ النَّفْلِ شَيْءٌ.\nلِأَنَّهُ مُلْقَى فِي الْمَطْمُورَةِ بِفِعْلِ فَاعِلٍ مُعْتَبَرٍ، وَلَيْسَ بِدَاخِلٍ فِيهَا عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ فِيهِ إظْهَارُ الْجُرْأَةِ. فَلَا يَسْتَحِقُّ النَّفَلَ.\n\n- وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْمَطْمُورَةِ طَلَبُوا الصُّلْحَ عَلَى أَنْ يُؤَمِّنُوا الرِّجَالَ وَيَأْخُذُوا الْأَمْوَالَ وَالذُّرِّيَّةَ، وَأَدْخَلُوا النَّاسَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. فَنَظَرُوا فَإِذَا عِدَّةُ الرِّجَالِ خَمْسُونَ. فَأَجَابُوهُمْ إلَى مَا الْتَمَسُوا مِنْ الصُّلْحِ. ثُمَّ لَمَّا دَخَلُوا وَجَدُوا فِيهَا أَلْفَ رَجُلٍ. فَإِذَا الْمَطْمُورَةُ أَمْيَالٌ فِي الْأَرْضِ إلَّا أَنَّ بَابَهَا الَّذِي يَخْرُجُ أَهْلُهَا مِنْهُ إلَى الْأَرْضِ وَاحِدٌ. فَهَذِهِ مَطْمُورَةٌ وَاحِدَةٌ، وَجَمِيعُ مَنْ فِيهَا مِنْ الرِّجَالِ آمِنٌ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ.\nلِأَنَّ بَابَ الْمَطْمُورَةِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَاحِدٌ. فَتَكُونُ مَطْمُورَةً وَاحِدَةً، بِمَنْزِلَةِ دَارٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فِيهَا حُجَرٌ وَمَقَاصِيرُ، وَلَكِنَّ بَابَهَا إلَى السِّكَّةِ وَاحِدٌ. فَإِنَّهَا تَكُونُ بِمَنْزِلَةِ دَارٍ وَاحِدَةٍ. ثُمَّ قَدْ آمَنُوا الرِّجَالَ الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَطْمُورَةِ. وَإِنَّمَا ظَنُّوا قِلَّةَ عَدَدِهِمْ. وَلَا يُبْنَى الْحُكْمُ عَلَى الظَّنِّ، وَإِنَّمَا يُبْنَى عَلَى مَا صَرَّحُوا بِهِ. فَكَانُوا جَمِيعًا آمَنِينَ.","vol":"1","page":844},{"text":"- وَإِنْ كَانَ لِأَقْصَى الْمَطْمُورَةِ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ بَابٌ يَخْرُجُ إلَى أَعْلَى الْأَرْضِ فَهَاتَانِ مَطْمُورَتَانِ، بِاخْتِلَافِ الْمَدْخَلِ.\nبِمَنْزِلَةِ دَارٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ عَظِيمَةٍ، لِكُلِّ جَانِبٍ مِنْهَا بَابٌ، فَإِنَّهَا تُجْعَلُ فِي حُكْمِ دَارَيْنِ.\n\n- ثُمَّ الْأَمَانُ أَيْضًا وَقَعَ عَلَى الْمَطْمُورَةِ الَّتِي تَلِي الْمُسْلِمِينَ، فَمَنْ وُجِدَ فِيهَا مِنْ الرِّجَالِ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ وُجِدَ فِي الْمَطْمُورَةِ الْأُخْرَى مِنْ الرِّجَالِ فَهُوَ فَيْءٌ.\n١٤٩٨ - فَإِنْ قَالُوا: نَحْنُ مِنْ الْمَطْمُورَةِ الْأُولَى لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى كَلَامِهِمْ.\nلِأَنَّهُمْ وُجِدُوا فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْأَمَانِ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ فِيمَا يَدَّعُونَ مِنْ الْأَمَانِ. إلَّا أَنْ يُعْرَفُوا بِأَعْيَانِهِمْ. بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ إذَا دَخَلُوا قَرْيَةً مِنْ قُرَى أَهْلِ الْحَرْبِ ثُمَّ ظَفِرَ الْمُسْلِمُونَ بِهَا فَهُمْ فَيْءٌ أَجْمَعُونَ إلَّا مِنْ عُرِفَ أَنَّهُ ذِمِّيٌّ.\n- وَمَنْ وُجِدَ فِي الْمَطْمُورَةِ الْأُولَى، فَهُوَ آمِنٌ.\nلِأَنَّهُ وُجِدَ فِي مَوْضِعِ الْأَمْنِ. إلَّا مَنْ عُرِفَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْمَطْمُورَةِ الْأُخْرَى. بِمَنْزِلَةِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ دَخَلُوا قَرْيَةً مِنْ قُرَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فَلَا سَبِيلَ","vol":"1","page":845},{"text":"لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى اسْتِرْقَاقِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، إلَّا مَنْ عُرِفَ بِعَيْنِهِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ.\n- ثُمَّ إنْ كَانَ بَيْنَ الْمَطْمُورَتَيْنِ حَائِطٌ. وَعَلَيْهِ بَابٌ يَصِلُ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ، فَالْحَائِطُ هُوَ الْمُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَطْمُورَتَيْنِ.\nوَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ حَائِطٌ فَإِنَّمَا يُنْظَرُ إلَى مَوْضِعٍ يَنْقَطِعُ مِنْهُ وُصُولُ بَعْضِهِمْ إلَى بَعْضٍ، فَمِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ تَفْتَرِقُ الْمَطْمُورَتَانِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ يَنْقَطِعُ مِنْهُ وُصُولُ بَعْضِهِمْ إلَى بَعْضٍ فَهَذِهِ كُلُّهَا مَطْمُورَةٌ وَاحِدَةٌ.\nبِمَنْزِلَةِ مَدِينَةٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ لَهَا أَبْوَابٌ. فَإِنَّ بِاخْتِلَافِ الْأَبْوَابِ لَا يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْكُلُّ مَدِينَةً وَاحِدَةً.\nوَالْمَطَامِيرُ تَحْتَ الْأَرْضِ بِمَنْزِلَةِ الْأَبْنِيَةِ فَوْقَهَا يَدْخُلُ فِي الْأَمَانِ جَمِيعُ مَنْ فِيهَا مِنْ الرِّجَالِ.\nوَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":846},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>[بَابٌ مِنْ النَّفْلِ يُفَضَّلُ فِيهِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالتَّقَدُّمِ]</span>\n٩٣ - بَابٌ مِنْ النَّفْلِ يُفَضَّلُ فِيهِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالتَّقَدُّمِ وَإِذَا وَقَفَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى بَابِ حِصْنٍ. فَقَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ أَوَّلًا فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْؤُسٍ، وَلِلثَّانِي رَأْسَانِ، وَلِلثَّالِثِ رَأْسٌ.\nفَهَذَا تَنْفِيلٌ صَحِيحٌ حَصَلَ مِنْ الْإِمَامِ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ، بِحَسَبِ الْجَزَاءِ وَالْعَنَاءِ. فَعَنَاءُ الدَّاخِلِ أَوَّلًا (ص ٢٧٨) أَكْثَرُ مِنْ عَنَاءِ الثَّانِي، وَعَنَاءُ الثَّانِي أَكْثَرُ مِنْ عَنَاءِ الثَّالِثِ.\n١٥٠٢ - فَإِذَا دَخَلَ ثَلَاثَةٌ تِبَاعًا كَانَ لِلْأَوَّلِ ثَلَاثَةُ أَرْؤُسٍ، وَلِلثَّانِي رَأْسَانِ، وَلِلثَّالِثِ رَأْسٌ.\n١٥٠٣ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْؤُسٍ، وَلِلثَّانِي رَأْسَانِ، وَلِلثَّالِثِ رَأْسٌ.\nلِأَنَّ بِالْعَطْفِ بِلَفْظِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ عَرَفْنَا أَنَّ مُرَادَهُ مِنْ أَوَّلِ كَلَامِهِ مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ أَوَّلٌ، فَكَأَنَّهُ صَرَّحَ بِذَلِكَ.\n- وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَيُّكُمْ دَخَلَ.\nلِأَنَّ أَيَّ كَلِمَةٍ جَمْعٍ تَتَنَاوَلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُخَاطَبِينَ عَلَى سَبِيلِ الِانْفِرَادِ. بِمَنْزِلَةِ كَلِمَةِ مَنْ.","vol":"1","page":847},{"text":"- وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ الثَّانِي وَالثَّالِثُ النَّفَلَ إذَا دَخَلُوا فِي الْفَصْلَيْنِ فِي حَالِ بَقَاءِ الْخَوْفِ. فَأَمَّا مَنْ دَخَلَ بَعْدَ زَوَالِ الْخَوْفِ فَلَا شَيْءَ لَهُ.\n١٥٠٦ - وَإِنْ دَخَلَ فِي هَذِهِ الْفُصُولِ الثَّلَاثِ جَمِيعًا مَعًا بَطَلَ نَفْلُ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي. وَإِنَّمَا لَهُمْ نَفْلُ الثَّالِثِ وَهُوَ رَأْسٌ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا.\nلِأَنَّ الْأَوَّلَ اسْمٌ لِفَرْدٍ سَابِقٍ، وَالثَّانِي اسْمٌ لِفَرْدٍ هُوَ تَالٍ لِلسَّابِقِ، وَالثَّالِثَ اسْمٌ لِفَرْدٍ هُوَ تَالٍ لِلسَّابِقِ وَالثَّانِي. هَذَا هُوَ الْحَقِيقَةُ. وَلَكِنَّ مَقْصُودَ الْإِمَامِ التَّنْفِيلُ. بِحَسَبِ إظْهَارِ الْجَلَّادَةِ وَالْقُوَّةِ، وَمَا كَانَ مِنْ الْجَلَّادَةِ الَّتِي تَحْصُلُ بِدُخُولِ أَوَّلِ الْقَوْمِ لَا تَحْصُلُ إذَا دَخَلَ مَعَهُ اثْنَانِ. فَلِهَذَا يَبْطُلُ نَفْلُ الْأَوَّلِ. وَكَذَلِكَ مَا يَحْصُلُ مِنْ الْجَلَّادَةِ بِدُخُولِهِ بَعْدَ وَاحِدٍ لَا يَحْصُلُ بِدُخُولِهِ مَعَ اثْنَيْنِ. فَأَمَّا مَا يَحْصُلُ بِدُخُولِهِ بَعْدَ اثْنَيْنِ يَحْصُلُ بِدُخُولِهِ مَعَهُمَا بِيَقِينٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلِهَذَا يَجِبُ نَفْلُ الثَّالِثِ.\n- ثُمَّ لَيْسَ أَحَدُهُمْ بِأَنْ يُجْعَلَ ثَالِثًا بِأَوْلَى مِنْ صَاحِبِيهِ، فَلِهَذَا كَانَ نَفْلُ الثَّالِثِ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ أَثْلَاثًا.\nفَإِنْ قِيلَ: لِمَاذَا لَا يُعْطَى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رَأْسٌ عَلَى أَنَّهُ ثَالِثٌ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ الْإِمَامَ أَوْجَبَ لِلثَّالِثِ رَأْسًا وَاحِدًا. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ اسْمَ الثَّالِثِ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا الْفَرْدَ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الْإِيجَابُ بِهَذَا اللَّفْظِ عَامًّا أَوْ مُتَنَاوِلًا لَهُمْ جَمِيعًا. وَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ أَحَدَهُمْ بِغَيْرِ عَيْنِهِ. ثُمَّ الْمُشَارَكَةُ بَيْنَهُمْ فِي الْمُسْتَحَقِّ بِاعْتِبَارِ الْمُعَارَضَةِ وَالْمُسَاوَاةِ فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ.","vol":"1","page":848},{"text":"- وَلَوْ دَخَلَ اثْنَانِ مَعًا ثُمَّ ثَالِثٌ بَعْدَهُمَا بَطَلَ نَفْلُ الْأَوَّلِ.\nلِأَنَّهُ لَا أَوَّلَ بَيْنَهُمَا وَيَكُونُ لَهُمَا نَفْلُ الثَّانِي.\nوَذَلِكَ رَأْسَانِ.\nلِأَنَّ الثَّانِي فِيهِمَا يَتَعَيَّنُ، فَجَزَاءُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الدُّخُولِ مَعَ صَاحِبِهِ أَظْهَرُ مِنْ جَزَائِهِ فِي الدُّخُولِ بَعْدَ صَاحِبِهِ.\nوَلِلثَّالِثِ رَأْسٌ.\nلِأَنَّهُ دَخَلَ بَعْدَ اثْنَيْنِ فَهُوَ الثَّالِثُ بِعَيْنِهِ.\n- وَلَوْ دَخَلَ اثْنَانِ مَعًا، ثُمَّ اثْنَانِ مَعًا، فَلِلْأَوَّلَيْنِ نَفْلُ الثَّانِي.\nلِمَا قُلْنَا.\nوَلَا شَيْءَ لِلْآخَرَيْنِ.\nلِأَنَّهُ دَخَلَ مَعَ الثَّالِثِ رَابِعٌ. وَالثَّالِثُ اسْمٌ لِفَرْدٍ يَدْخُلُ بَعْدَ اثْنَيْنِ، وَلَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، لِكَوْنِ صَاحِبِهِ مَعَهُ.\n١٥١٠ - وَلَوْ دَخَلَ أَرْبَعَةٌ مِنْ الْقَوْمِ مَعًا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَيْءٌ.\nلِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمْ أَوَّلٌ وَلَا ثَانٍ وَلَا ثَالِثٌ، فَإِنَّ الرَّابِعَ مُزَاحِمٌ لَهُمْ. أَرَأَيْت لَوْ دَخَلَ عِشْرُونَ مَعًا، أَوْ دَخَلَ الْعَسْكَرُ جَمِيعًا مَعًا أَكَانُوا يَسْتَحِقُّونَ شَيْئًا؟","vol":"1","page":849},{"text":"- وَلَوْ دَخَلَ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَاحِدٌ، ثُمَّ اثْنَانِ، فَالدَّاخِلُ أَوَّلًا يَسْتَحِقُّ نَفْلَ الْأَوَّلِ.\nلِأَنَّهُ فَرْدٌ سَبَقَ بِالدُّخُولِ.\nوَبَطَلَ نَفْلُ الثَّانِي.\nلِأَنَّهُ لَا يَأْتِي فِي الْآخَرَيْنِ.\nوَلَكِنْ لَهُمَا نَفْلُ الثَّالِثِ.\nلِأَنَّا تَيَقَّنَّا أَنَّ الثَّالِثَ فِيهِمَا.\n- وَلَوْ دَخَلَ وَاحِدٌ ثُمَّ وَاحِدٌ ثُمَّ اثْنَانِ فَلَا شَيْءَ لِلْآخَرَيْنِ.\nلِأَنَّهُ لَا ثَالِثَ فِيهِمَا. فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَابِعٌ مَعَ صَاحِبِهِ. وَالْإِمَامُ مَا أَوْجَبَ لِلرَّابِعِ شَيْئًا.\n\n- وَلَوْ صَمَدَ الْأَمِيرُ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ فَقَالَ: لَسْت أَطْمَعُ فِي أَنْ تَدْخُلَ أَوَّلًا، وَلَكِنْ إنْ دَخَلَتْ ثَانِيًا فَلَكَ رَأْسَانِ. فَدَخَلَ أَوَّلَ الْقَوْمِ. فَلَا شَيْءَ لَهُ فِي الْقِيَاسِ.\nلِأَنَّ الْإِمَامَ مَا أَوْجَبَ لِلْأَوَّلِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا أَوْجَبَ لَهُ التَّنْفِيلَ بِشَرْطِ أَنْ يَدْخُلَ ثَانِيًا. وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ الشَّرْطُ.\nوَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَهُ رَأْسَانِ.\nلِأَنَّا نَتَيَقَّنُ أَنَّهُ صَنَعَ مَا طَلَبَ الْإِمَامُ مِنْهُ وَزِيَادَةً فِي إظْهَارِ الْقُوَّةِ وَالْجَلَّادَةِ. فَإِنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ:","vol":"1","page":850},{"text":"لَسْت أَطْمَعُ فِي أَنْ تَدْخُلَ أَوَّلًا.\nيَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُرَادُهُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ الدُّخُولَ ثَانِيًا. وَإِنَّمَا مُرَادُهُ التَّحْرِيضُ عَلَى إظْهَارِ الْجِدِّ فِي الْقِتَالِ. وَقَدْ أَتَى بِهِ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ.\n- وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةَ، وَلَكِنْ قَالَ: إنْ دَخَلَتْ ثَانِيًا فَلَكَ رَأْسَانِ فَدَخَلَ أَوَّلًا فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا.\nلِأَنَّ مَقْصُودَ الْإِمَامِ هَا هُنَا أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ أَوَّلًا إبْقَاءً عَلَى نَفْسِهِ. فَإِنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ يَقْتَحِمُ الْمَهَالِكَ، فَأَرَادَ أَنْ لَا يَدْخُلَ وَحْدَهُ حَتَّى يَدْخُلَ غَيْرُهُ قَبْلَهُ أَوْ مَعَهُ، لِيَكُونَ أَقْوَى لَهُ. فَإِذَا لَمْ يَدْخُلْ بِتِلْكَ الصِّفَةِ لَا يَسْتَحِقُّ النَّفَلَ. ثُمَّ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي قُلْنَا مُحْتَمَلٌ، وَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي وَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ مُحْتَمَلٌ أَيْضًا. وَلَكِنْ لَا يَتَعَيَّنُ أَحَدُ الْمُحْتَمَلِينَ إلَّا بِالدَّلِيلِ. وَقَدْ وُجِدَ الدَّلِيلُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ. وَهُوَ الْمُقَدِّمَةُ الَّتِي جَرَتْ، وَلَمْ يُوجَدْ الدَّلِيلُ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي فَيَبْقَى الِاحْتِمَالُ، وَمَعَ الِاحْتِمَالِ لَا يَثْبُتُ الِاسْتِحْقَاقُ.\n- وَلَوْ دَخَلَ مَعَ آخَرَ فَلَهُ رَأْسَانِ.\nلِأَنَّهُ دَخَلَ ثَانِيًا كَمَا شَرَطَ عَلَيْهِ الْأَمِيرُ.\n- وَلَوْ دَخَلَ ثَلَاثَةٌ هُوَ أَحَدُهُمْ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا بِإِيجَابِ النَّفْلِ لَهُ إذَا دَخَلَ ثَانِيًا، فَإِنْ أَوْجَبَ لَهُ نَفْلًا إنْ دَخَلَ ثَالِثًا اسْتَحَقَّ ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُ ثَالِثٌ فِي الدُّخُولِ إذَا دَخَلَ مَعَ اثْنَيْنِ، كَمَا هُوَ ثَالِثٌ إذَا دَخَلَ بَعْدَهُمَا.\n\n- وَلَوْ قَالَ لِلْقَوْمِ: مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ ثَانِيًا فَلَهُ رَأْسٌ. فَدَخَلَ وَاحِدٌ أَوَّلًا، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا.","vol":"1","page":851},{"text":"لِأَنَّهُ أَوْجَبَ النَّفَلَ لِلثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ. فَإِنْ قِيلَ: فَأَيْنَ ذَهَبَ قَوْلُكُمْ إنَّ مَعْنَى الْعَنَاءِ وَالْقُوَّةِ فِي الدُّخُولِ أَوَّلًا أَكْثَرُ. فَإِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ أَتَى بِأَفْضَلَ مِمَّا كَانَ شُرِطَ. قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَكِنَّ هَذَا إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِيمَا إذَا كَانَ الْإِيجَابُ لِشَخْصٍ بِعَيْنِهِ. فَأَمَّا إذَا كَانَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الْوَصْفِ الَّذِي رُتِّبَ الْإِيجَابُ عَلَيْهِ. أَرَأَيْت لَوْ اسْتَحَقَّ هَذَا النَّفَلَ لِأَنَّهُ صَنَعَ خَيْرًا مِمَّا طُلِبَ مِنْهُ. ثُمَّ دَخَلَ الثَّانِي بَعْدَ ذَلِكَ، هَلْ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا؟ فَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ، لِأَنَّهُ أَتَى بِالْوَصْفِ الَّذِي أَوْجَبَ الْإِمَامُ النَّفَلَ بِهِ. وَإِذَا ثَبَتَ الِاسْتِحْقَاقُ لَهُ عَرَفْنَا أَنَّهُ لَا شَيْءَ لِلْأَوَّلِ. وَمِثْلُ هَذَا لَا يَتَحَقَّقُ فِيمَا إذَا كَانَ التَّنْفِيلُ لِمُعَيَّنٍ.\n- وَلَوْ قَالَ لِثَلَاثَةِ نَفَرٍ بِأَعْيَانِهِمْ: مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ أَوَّلًا فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْؤُسٍ. فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ مَعَ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ الثَّلَاثَةِ. فَلِلدَّاخِلِ مِنْ الثَّلَاثَةِ ثَلَاثَةُ أَرْؤُسٍ.\nلِأَنَّهُ أَوْجَبَ لَهُ النَّفَلَ عَلَى أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ الثَّلَاثَةِ دُخُولًا. لَا عَلَى أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ النَّاسِ دُخُولًا. وَهُوَ أَوَّلُ الثَّلَاثَةِ حِينَ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ صَاحِبَاهُ. فَلَا يَبْطُلُ نَفْلُهُ بِدُخُولِ قَوْمٍ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ الثَّلَاثَةِ.\n- وَلَوْ كَانَ قَالَ: مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ قَبْلَ النَّاسِ فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْؤُسٍ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا. لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ.\nلِأَنَّهُ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ مُنْفَرِدًا بِالدُّخُولِ، سَابِقًا عَلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ. وَلَمْ يُوجَدْ حِينَ دَخَلَ مَعَهُ غَيْرُهُ. وَفِي الْأَوَّلِ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ سَابِقًا عَلَى صَاحِبِهِ. وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ.","vol":"1","page":852},{"text":"- وَكَذَلِكَ لَوْ دَخَلَ اثْنَانِ مِنْ الثَّلَاثَةِ مَعًا فِي هَذَا الْفَصْلِ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا شَيْءٌ.\nلِأَنَّهُ أَوْجَبَ النَّفَلَ لِفَرْدٍ يَسْبِقُ النَّاسَ كُلَّهُمْ بِالدُّخُولِ وَلَمْ يُوجَدْ.\n\n- وَلَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ مِنْ الشُّبَّانِ أَوَّلًا فَلَهُ رَأْسَانِ، وَلِلثَّانِي رَأْسٌ. وَمَنْ دَخَلَ مِنْ الشُّيُوخِ أَوَّلًا فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْؤُسٍ، وَلِلثَّانِي رَأْسَانِ. فَدَخَلَ شَابٌّ وَشَيْخٌ مَعًا كَانَ لِلشَّابِّ رَأْسَانِ.\nلِأَنَّهُ أَوَّلُ شَابٍّ دَخَلَ. فَإِنَّ الَّذِي مَعَهُ لَيْسَ بِشَابٍّ، فَعَرَفْنَاهُ أَنَّهُ أَوَّلُ الشَّبَابِ دُخُولًا.\nوَلِلشَّيْخِ ثَلَاثَةُ أَرْؤُسٍ.\nلِأَنَّهُ أَوَّلُ الشُّيُوخِ دُخُولًا، وَاَلَّذِي مَعَهُ لَيْسَ بِشَيْخٍ.\n- وَلَوْ دَخَلَ شَابَّانِ وَشَيْخٌ فَلِلشَّيْخِ ثَلَاثَةُ أَرْؤُسٍ.\nلِأَنَّ أَوَّلَ شَيْخٍ دَخَلَ.\nوَبَطَلَ نَفْلُ الشَّابِّ الْأَوَّلِ (ص ٢٨٠) . .\nلِأَنَّهُ لَا أَوَّلَ فِيهِمَا. فَصَاحِبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُزَاحِمُهُ. وَلَكِنْ لَهُمَا نَفْلُ الثَّانِي رَأْسٌ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ. لِأَنَّ فِيهِمَا الثَّانِيَ.","vol":"1","page":853},{"text":"وَعَلَى هَذَا لَوْ دَخَلَ شَابَّانِ وَشَيْخَانِ مَعًا فَلِلشَّيْخَيْنِ أَيْضًا نَفْلُ الثَّانِي مِنْ الشُّيُوخِ.\nلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُزَاحِمٌ لِصَاحِبِهِ، فَلَا يَكُونُ فِيهِمَا أَوَّلُ شَيْخٍ دُخُولًا.\n\n- وَلَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ أَوَّلًا فَلَهُ كَذَا. فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الشَّامِ، ثُمَّ دَخَلَ شَامِيٌّ فَلَهُ النَّفَلُ.\nلِأَنَّهُ أَوَّلُ شَامِيٍّ دَخَلَ، وَهُوَ الَّذِي شَرَطَهُ الْإِمَامُ. إلَّا أَنْ يَكُونَ قَالَ فِي كَلَامِهِ أَوَّلُ النَّاسِ. فَحِينَئِذٍ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا.\nلِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَوَّلِ النَّاسِ دُخُولًا.\n\n- وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ مِنْ الْأَحْرَارِ أَوَّلًا، أَوْ قَالَ: مِنْ أَوَّلِ النَّاسِ. أَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوَّلًا، أَوْ قَالَ: أَوَّلُ النَّاسِ، فَهُوَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْفَرْقِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَوَّلُ عَبْدٍ مُسْلِمٍ أَشْتَرِيهِ فَهُوَ حُرٌّ، فَاشْتَرَى نَصْرَانِيًّا، ثُمَّ اشْتَرَى مُسْلِمًا، عَتَقَ الْمُسْلِمُ. وَلَوْ قَالَ: أَوَّلُ عَبْدٍ مُسْلِمٍ أَشْتَرِيهِ أَوَّلُ الْعَبِيدِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، لَمْ يَعْتِقْ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ مِنْ عَبِيدِ الْأَتْرَاكِ أَوَّلًا الدَّارَ فَهُوَ حُرٌّ، فَدَخَلَ هِنْدِيٌّ ثُمَّ دَخَلَ تُرْكِيٌّ، عَتَقَ التُّرْكِيُّ. وَلَوْ قَالَ: أَوَّلُ عَبِيدِي لَمْ يَعْتِقْ. وَكَانَ الْفَرْقُ مَا ذَكَرْنَا.","vol":"1","page":854},{"text":"- وَلَوْ قَالَ: أَيُّ فَارِسٍ دَخَلَ أَوَّلًا فَلَهُ رَأْسٌ. فَدَخَلَ رَاجِلٌ ثُمَّ فَارِسٌ، كَانَ لَهُ النَّفَلُ.\nلِأَنَّهُ أَوْجَبَ لِأَوَّلِ فَارِسٍ يَدْخُلُ. وَهَذَا أَوَّلُ فَارِسٍ. وَإِنْ قَالَ: أَوَّلُ النَّاسِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ.\nلِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَوَّلِ دَاخِلٍ مِنْ النَّاسِ، فَالرَّاجِلُ الَّذِي دَخَلَ قَبْلَهُ مِنْ النَّاسِ.\n\n- وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَيُّ حَاسِرٍ دَخَلَ أَوَّلَ. فَدَخَلَ دَارِعٌ ثُمَّ حَاسِرٌ فَلَهُ النَّفَلُ.\nلِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُجْرِيَ الْحَسْرَ بِالتَّنْفِيلِ. وَهُوَ أَوَّلُ حَاسِرٍ دَخَلَ. بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: أَوَّلُ النَّاسِ. فَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَيُّ دَارِعٍ دَخَلَ أَوَّلًا. لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهَذَا الْقُوَّةَ فِي الْقِتَالِ. فَإِنَّ الدَّارِعَ يَعْمَلُ مَا لَا يَعْمَلُ الْحَاسِرُ، فَسَوَاءٌ دَخَلَ دَارِعٌ أَوْ حَاسِرٌ مَعًا، أَوْ دَخَلَ الدَّارِعُ بَعْدَ الْحَاسِرِ، فَلِلدَّارِعِ النَّفَلُ. إلَّا أَنْ يَكُونَ قَالَ: أَوَّلُ النَّاسِ.\n١٥٢٧ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَيُّ نَاشِبٍ رَمَى أَوَّلَ، فَرَمَى نَابِلٌ ثُمَّ نَاشِبٌ.","vol":"1","page":855},{"text":"لِأَنَّ هَذَا أَوَّلُ نَاشِبٍ رَمَى. إلَّا أَنْ يَكُونَ قَالَ: أَوَّلُ النَّاسِ، فَحِينَئِذٍ لَا شَيْءَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا.\n\n- وَلَوْ قَالَ: أَيُّ فَارِسٍ دَخَلَ أَوَّلَ فَلَهُ رَأْسٌ، وَأَيُّ رَاجِلٍ دَخَلَ أَوَّلَ فَلَهُ رَأْسٌ. فَدَخَلَ فَارِسٌ وَرَاجِلٌ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَأْسٌ، سَوَاءٌ دَخَلَا مَعًا أَوْ أَحَدُهُمَا قَبْلَ صَاحِبِهِ.\nلِأَنَّ أَحَدَهُمَا أَوَّلُ فَارِسٍ دَخَلَ، وَالْآخَرَ أَوَّلُ رَاجِلٍ دَخَلَ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا.\n١٥٢٩ - فَلَوْ دَخَلَ فَارِسَانِ وَرَاجِلَانِ مَعًا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَيْءٌ.\nلِأَنَّ الْأَوَّلَ اسْمٌ لِفَرْدٍ سَابِقٍ، وَلَيْسَ فِي الْفَارِسَيْنِ فَرْدٌ سَابِقٌ مِنْ الْفُرْسَانِ وَلَا فِي الرَّاجِلَيْنِ فَرْدٌ مِنْ الرَّجَّالَةِ.\n١٥٣٠ - وَلَوْ قَالَ: أَيُّ فَارِسٍ أَوْ رَاجِلٍ دَخَلَ أَوَّلًا، فَدَخَلَ فَارِسٌ وَرَاجِلٌ مَعًا، لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا شَيْءٌ.\nلِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمَا فَرْدٌ سَابِقٌ مُطْلَقٌ. وَقَوْلُهُ: أَيُّ فَارِسٍ أَوْ رَاجِلٍ، إنَّمَا يَتَنَاوَلُ فَرْدًا سَابِقًا مُطْلَقًا. بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ، فَأَحَدُ الْكَلَامَيْنِ هُنَاكَ يَتَنَاوَلُ فَرْدًا سَابِقًا مُقَيَّدًا بِالْفُرْسَانِ خَاصَّةً، وَالْآخَرُ مُقَيَّدًا بِالرَّجَّالَةِ خَاصَّةً. وَعَلَى هَذَا مِثْلُهُ الشَّامِيُّ وَالْخُرَاسَانِيُّ.\n\n- وَلَوْ قَالَ: لِكُلِّ مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ هَذَا الْحِصْنَ أَوَّلَ فَلَهُ رَأْسٌ، فَدَخَلَ خَمْسَةٌ مَعًا. فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رَأْسٌ.","vol":"1","page":856},{"text":"لِأَنَّ كَلِمَةَ كُلٍّ تَجْمَعُ الْأَسْمَاءَ عَلَى أَنْ يَتَنَاوَلَ كُلٌّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى الِانْفِرَادِ فَعِنْدَ ذِكْرِهِ يَجْعَلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الدَّاخِلِينَ، كَأَنَّ اللَّفْظَ تَنَاوَلَهُ خَاصَّةً، وَكَأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ. فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رَأْسٌ.\n١٥٣٢ - وَلَوْ دَخَلُوا مُتَوَاتِرِينَ كَانَ لِلْأَوَّلِ النَّفَلُ خَاصَّةً.\nلِأَنَّ كُلَّ الدَّاخِلِ أَوَّلًا هُوَ. فَإِنَّ مَنْ دَخَلَ بَعْدَهُ لَيْسَ بِأَوَّلٍ حِينَ سَبَقَهُ غَيْرُهُ بِالدُّخُولِ، وَفِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ لَمْ يَسْبِقْ كُلٌّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ غَيْرَهُ بِالدُّخُولِ، وَعَلَى اعْتِبَارِ إفْرَادِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَمَا هُوَ مُوجِبُ كَلِمَةِ كُلٍّ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَوَّلَ دَاخِلٍ. وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ: مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ أَوَّلَ. فَإِنَّ هُنَاكَ إذَا دَخَلَ الْخَمْسَةُ مَعًا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَيْءٌ. لِأَنَّ كَلِمَةَ مَنْ تُوجِبُ عُمُومَ الْجِنْسِ، وَلَا تُوجِبُ إفْرَادَ كُلِّ وَاحِدٍ (ص ٢٨١) مِنْ الدَّاخِلِينَ. كَأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ. وَعَلَى اعْتِبَارِ مَعْنَى الْعُمُومِ لَيْسَ فِيهِمْ أَوَّلُ. فَأَمَّا كَلِمَةُ كُلٍّ فَتُوجِبُ تَنَاوُلَ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى الِانْفِرَادِ، كَأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: كُلُّ رَجُلٍ دَخَلَ أَوَّلَ. فَدَخَلَ خَمْسَةٌ مَعًا، كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رَأْسٌ. وَكَلِمَةُ كُلٍّ قَدْ تُوجِبُ الْعُمُومَ أَيْضًا. وَلَكِنْ لَوْ حَمَلْنَاهَا عَلَى مَعْنَى الْعُمُومِ لَمْ يَبْقَ لَهَا فَائِدَةٌ. لِأَنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ بِقَوْلِهِ: مَنْ دَخَلَ. وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهَا زِيَادَةُ فَائِدَةٍ. وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا مَا قُلْنَا. وَهُوَ أَنَّهَا تُوجِبُ الْجَمْعَ فِي كُلِّ دَاخِلٍ لَمْ يَسْبِقْهُ غَيْرُهُ، عَلَى أَنْ يَتَنَاوَلَ كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى الِانْفِرَادِ. وَهَذَا بِخِلَافِ كَلِمَةِ","vol":"1","page":857},{"text":"أَيُّ. فَإِنَّهَا لَا تُوجِبُ الْجَمْعَ، وَإِنَّمَا تُوجِبُ الْعُمُومَ. فَيَكُونُ قَوْلُهُ: أَيُّ رَجُلٍ دَخَلَ أَوَّلَ، وَقَوْلُهُ: مَنْ دَخَلَ أَوَّلًا سَوَاءٌ، حَتَّى إذَا دَخَلَ خَمْسَةٌ مَعًا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ شَيْءٌ.\n\n- وَلَوْ قَالَ: جَمِيعُ مَنْ دَخَلَ أَوَّلَ. فَدَخَلَ خَمْسَةٌ مَعًا. فَلَهُمْ رَأْسُ وَاحِدٍ بَيْنَهُمْ عَلَى السَّوِيَّةِ.\nلِأَنَّ مَا أُلْحِقَ بِكَلِمَةِ مَنْ هَا هُنَا يَدُلُّ عَلَى الْجَمْعِ دُونَ الْإِفْرَادِ، فَيَصِيرُ بِاعْتِبَارِهِ جَمِيعُ الدَّاخِلِينَ كَشَخْصٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُمْ أَوَّلُ. فَلَهُمْ رَأْسٌ وَاحِدٌ. فَكَلِمَةُ كُلُّ تَقْتَضِي الْجَمْعَ عَلَى سَبِيلِ الْإِفْرَادِ، فَيُجْعَلُ بِاعْتِبَارِهَا كَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الدَّاخِلِينَ تَنَاوَلَهُ الْإِيجَابُ خَاصَّةً.\n\n- وَلَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ خَامِسًا فَلَهُ رَأْسٌ. فَدَخَلَ خَمْسَةٌ مَعًا. فَلَهُمْ رَأْسٌ بَيْنَهُمْ أَخْمَاسًا.\nلِأَنَّ الْخَامِسَ فِيهِمْ بِيَقِينٍ، وَلَيْسَ بَعْضُهُمْ بِالنَّفْلِ الَّذِي أَوْجَبَهُ لِلْخَامِسِ بِأَوْلَى مِنْ الْبَعْضِ.\n١٥٣٥ - وَإِنْ دَخَلُوا مُتَوَاتِرِينَ فَالرَّأْسُ لِلْخَامِسِ خَاصَّةً. لِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالِاسْمِ الَّذِي أَوْجَبَ النَّفَلَ لَهُ لَا مُزَاحَمَةً مَعَهُ فِيهِ لِمَنْ سَبَقَهُ بِالدُّخُولِ.\n١٥٣٦ - وَإِنْ دَخَلَ ثَلَاثَةٌ ثُمَّ اثْنَانِ فَالرَّأْسُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ.\nلِأَنَّ الْخَامِسَ فِيهِمَا دُونَ الثَّلَاثَةِ.\n١٥٣٧ - وَإِنْ دَخَلَ ثَلَاثَةٌ ثُمَّ ثَلَاثَةٌ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ شَيْءٌ.","vol":"1","page":858},{"text":"لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَادِسٌ، دَاخِلٌ بِانْضِمَامِ صَاحِبَيْهِ إلَيْهِ، وَمَا أَوْجَبَ النَّفَلَ لِلسَّادِسِ.\n\n- وَلَوْ قَالَ: كُلُّ مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ خَامِسًا. فَدَخَلَ خَمْسَةٌ مُتَوَاتِرَيْنِ. كَانَ النَّفَلُ لِلْخَامِسِ.\nلِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِاسْمِ الْخَامِسِ حِينَ سَبَقَهُ أَرْبَعَةٌ بِالدُّخُولِ.\n١٥٣٩ - وَإِنْ دَخَلَ الْخَمْسَةُ مَعًا فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رَأْسٌ.\nلِأَنَّ كَلِمَةَ كُلُّ تُوجِبُ الْجَمْعَ عَلَى وَجْهِ الْإِفْرَادِ، فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَامِسًا لِوُجُودِ الْأَرْبَعَةِ مَعَهُ، كَمَا يَكُونُ خَامِسًا إنْ دَخَلُوا قَبْلَهُ.\n\n- وَلَوْ قَالَ: جَمِيعُ مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ خَامِسًا. فَدَخَلَ خَمْسَةٌ مَعًا. كَانَ لَهُمْ رَأْسٌ وَاحِدٌ.\nلِأَنَّهُ لَيْسَ فِي لَفْظِهِ مَا يُوجِبُ إفْرَادَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. فَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُهُمْ الْإِيجَابُ جُمْلَةً. وَذَلِكَ رَأْسٌ وَاحِدٌ بَيْنَهُمْ، بِخِلَافِ كَلِمَةِ كُلُّ.\n\n- وَلَوْ قَالَ: كُلُّ مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ خَامِسًا فَلَهُ رَأْسٌ. فَدَخَلَ خَمْسَةٌ مَعًا، ثُمَّ خَمْسَةٌ مَعًا، وَالْخَوْفُ قَائِمٌ عَلَى حَالِهِ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رَأْسٌ حَتَّى يَأْخُذُوا عَشَرَةَ أَرْؤُسٍ.\nلِأَنَّ مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ: كُلُّ مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ خَامِسَ خَمْسَةٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ خَامِسُ خَمْسَةٍ. وَكَذَلِكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقِ الثَّانِي خَامِسُ خَمْسَةٍ. وَإِنَّمَا جَعَلْنَا تَقْدِيرَ كَلَامِهِ هَذَا لِأَنَّهُ أَوْجَبَ لِلْخَامِسِ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ الْخَامِسُ إلَّا فِي خَمْسَةٍ.","vol":"1","page":859},{"text":"وَلَوْ دَخَلَ أَرْبَعَةٌ ثُمَّ دَخَلَ اثْنَانِ مَعًا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمْ شَيْءٌ.\nلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْآخَرِينَ سَادِسُ سِتَّةٍ.\n١٥٤٣ - فَإِنْ دَخَلَ اثْنَانِ بَعْدَ ذَلِكَ مَعًا، ثُمَّ دَخَلَ وَاحِدٌ. فَلِهَذَا الْآخَرِ النَّفَلُ.\nلِأَنَّ الْأَرْبَعَةَ الْأُولَى لَا يُحْتَسَبُ لَهُمْ إذْ لَمْ يُوجَدْ بَعْدَهُمْ خَامِسٌ، فَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ دُخُولِهِمْ، بَقِيَ اثْنَانِ ثُمَّ اثْنَانِ ثُمَّ وَاحِدٌ، فَهَذَا الْوَاحِدُ خَامِسُ خَمْسَةٍ، فَلَهُ النَّفَلُ.\n١٥٤٤ - وَلَوْ دَخَلَ أَرْبَعَةٌ مَعًا فِي الِابْتِدَاءِ، ثُمَّ خَمْسَةٌ مَعًا. كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَمْسَةِ رَأْسٌ.\nلِأَنَّهُ لَا يُحْتَسَبُ بِالْأَرْبَعَةِ لِمَا بَيَّنَّا. فَإِذَا سَقَطَ اعْتِبَارُ دُخُولِهِمْ صَارَ كَأَنَّ الْخَمْسَةَ دَخَلُوا ابْتِدَاءً، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَامِسُ خَمْسَةٍ.\n\n- وَلَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ عَاشِرًا، فَدَخَلَ تِسْعَةٌ مَعًا، أَوْ مُتَوَاتِرَيْنِ. ثُمَّ دَخَلَ بَعْدَهُمْ اثْنَانِ، لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ شَيْءٌ.\nلِأَنَّهُ لَا عَاشِرَ فِيهِمْ. فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْآخَرِينَ مَعَ أَصْحَابِهِ وَاحِدٌ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ، لَا مِنْ عَشْرَةٍ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا يَسْتَقِيمُ فِيمَا إذَا دَخَلَ تِسْعَةٌ مَعًا، فَأَمَّا إذَا دَخَلُوا مُتَوَاتِرِينَ (ص ٢٨٢) فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْقُطَ اعْتِبَارُ الْأَوَّلِ حَتَّى يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الِاثْنَيْنِ عَاشِرَ عَشْرَةٍ كَمَا فَعَلْتُمْ فِي الْأَرْبَعَةِ.","vol":"1","page":860},{"text":"قُلْنَا: فَعَلْنَا فِي الْأَرْبَعَةِ ذَلِكَ لِأَنَّ الَّذِي تَأَخَّرَ دُخُولُهُ وَحْدَهُ فَيَكُونُ خَامِسَ خَمْسَةٍ. فَأَمَّا هَا هُنَا فَإِنَّمَا دَخَلَ اثْنَانِ مَعًا آخِرًا، وَكَمَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ عَاشِرِ الْعَشَرَةِ مِنْهُمْ بِإِلْغَاءِ الْأَوَّلِ يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ بِإِلْغَاءِ أَحَدِهِمَا، وَلَيْسَ أَحَدُ الْجَانِبَيْنِ بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ.\n\n- فَإِنْ دَخَلَ بَعْدَ الِاثْنَيْنِ ثَمَانِيَةٌ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّمَانِيَةِ رَأْسٌ.\nلِأَنَّ التِّسْعَةَ يَسْقُطُ اعْتِبَارُهُمْ حِينَ لَمْ يَجِئْ بَعْدَهُمْ الْعَاشِرُ. بَقِيَ اثْنَانِ ثُمَّ ثَمَانِيَةٌ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّمَانِيَةِ عَاشِرُ عَشْرَةٍ.\n\n- وَلَوْ دَخَلَ بَعْدَ الِاثْنَيْنِ عَشَرَةٌ مَعًا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَشَرَةِ رَأْسٌ.\nلِأَنَّهُ يَسْقُطُ اعْتِبَارُ الِاثْنَيْنِ هَا هُنَا كَمَا يَسْقُطُ اعْتِبَارُ تِسْعَةٍ؛ يَبْقَى دُخُولُ الْعَشَرَةِ مَعًا، فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَاشِرُ عَشَرَةٍ. فَيَسْتَحِقُّ النَّفَلَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.","vol":"1","page":861},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>[بَابٌ مِنْ الِاسْتِئْجَارِ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ وَالنَّفَلِ فِيهِ]</span>\n٩٤ - بَابٌ مِنْ الِاسْتِئْجَارِ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ وَالنَّفَلِ فِيهِ ١٥٤٨ - وَلَوْ أَقَامَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَطْمُورَةٍ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ، فَقَالَ الْأَمِيرُ: كُلُّ رَجُلٍ يَحْفَظُ الْمَطْمُورَةَ اللَّيْلَةَ حَتَّى لَا يَخْرُجَ مِنْهَا الْعَدُوُّ فَلَهُ دِينَارٌ. وَأَقَامَ عَلَيْهَا مِائَةُ رَجُلٍ حَتَّى أَصْبَحُوا. فَإِنْ كَانَ الدِّينَارُ جَعَلَهُ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مِمَّا يُصِيبُونَ مِنْ الْمَطْمُورَةِ فَهُوَ نَفْلٌ صَحِيحٌ.\nلِأَنَّ أَهْلَ الْمَطْمُورَةِ مُمْتَنِعُونَ، وَالْحَاجَةُ إلَى التَّحْرِيضِ عَلَى حِفْظِهِمْ بِالتَّنْفِيلِ مَاسَّةٌ، وَحِفْظُهُمْ حَتَّى لَا يَهْرُبُوا مِنْ الْجِهَادِ. فَلِهَذَا صَحَّ التَّنْفِيلُ.\n١٥٤٩ - وَإِنْ كَانَ الْأَمِيرُ جَعَلَ لَهُمْ ذَلِكَ مِنْ الْغَنَائِمِ الَّتِي أَصَابَهَا الْمُسْلِمُونَ فَذَلِكَ بَاطِلٌ.\nلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُ ذَلِكَ لَهُمْ بِطَرِيقِ التَّنْفِيلِ. فَإِنَّ التَّنْفِيلَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ لَا يَجُوزُ وَلَا بِطَرِيقِ الْأُجْرَةِ. لِأَنَّ هَذَا الْعَمَلَ مِنْ الْجِهَادِ. وَاسْتِئْجَارُ الْمُسْلِمِ عَلَى الْجِهَادِ بَاطِلٌ. وَهَذَا لِأَنَّهُمْ عَلَى عَمَلِ الْجِهَادِ يَسْتَحِقُّونَ السَّهْمَ مِنْ الْغَنِيمَةِ فَكَيْفَ يَسْتَحِقُّونَ الْأَجْرَ مَعَ ذَلِكَ؟ وَلِأَنَّ الْجِهَادَ وَإِنْ كَانَ فَرْضًا عَلَى الْكِفَايَةِ، فَكُلُّ مَنْ بَاشَرَهُ يَكُونُ مُؤَدِّيًا فَرْضًا. وَالِاسْتِئْجَارُ عَلَى أَدَاءِ الْفَرْضِ بَاطِلٌ كَالِاسْتِئْجَارِ عَلَى الصَّلَاةِ.","vol":"1","page":862},{"text":"١٥٥٠ - وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الْأَمِيرُ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ يُعْطِيهِمْ ذَلِكَ فَهَذَا تَنْفِيلٌ صَحِيحٌ مِنْ الْمَطْمُورَةِ. لِأَنَّ مُطْلَقَ كَلَامِ الْعَاقِلِ مَحْمُولٌ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَصِحُّ شَرْعًا لَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَكُونُ بَاطِلًا شَرْعًا.\n١٥٥١ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَطْمُورَةِ مُقَاتَلَةٌ، وَإِنَّمَا فِيهَا الذَّرَارِيُّ وَالْأَمْوَالُ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دِينَارٌ فِي الْغَنِيمَةِ هَا هُنَا. لِأَنَّ حِفْظَهُمْ لَيْسَ بِجِهَادٍ هَا هُنَا، وَإِنَّمَا هَذَا اسْتِئْجَارٌ عَلَى عَمَلٍ مَعْلُومٍ، بِبَدَلٍ مَعْلُومٍ. فَكُلُّ مَنْ سَمِعَ مَقَالَةَ الْأَمِيرِ وَأَقَامَ الْعَمَلَ فَلَهُ الْأَجْرُ، وَمَنْ لَمْ يَسْمَعْ مَقَالَتَهُ فَلَا أَجْرَ لَهُ. لِأَنَّهُ مَا أَقَامَ الْعَمَلَ عَلَى وَجْهِ الْإِجَارَةِ، وَلَكِنْ عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّعِ حِينَ لَمْ يَسْمَعْ بِمَقَالَةِ الْأَمِيرِ. وَإِنَّمَا هَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِ: كُلُّ مَنْ سَاقَ هَذِهِ الْأَرْمَاكَ إلَى مَوْضِعِ كَذَا فَلَهُ دِينَارٌ. فَسَاقَهَا قَوْمٌ سَمِعُوا مَقَالَتَهُ. فَلِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُجْرَةُ دِينَارٍ، يَبْدَأُ بِهِ مِنْ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ كُلِّ نَفْلٍ وَقِسْمَةٍ. وَإِنْ ذَهَبَتْ الْغَنَائِمُ كُلُّهَا لَمْ يَكُنْ لِلْأُجَرَاءِ عَلَى الْإِمَامِ شَيْءٌ، لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُمْ عَلَى وَجْهِ الْحُكْمِ مِنْهُ لِمَنْفَعَةِ الْغَانِمِينَ، فَإِنَّمَا أَجْرُهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ، وَلَمْ يَبْقَ بِيَدِهِ شَيْءٌ مِنْ الْغَنِيمَةِ. وَالْإِمَامُ فِيمَا يَحْكُمُ بِهِ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ لَا يَكُونُ مُلْتَزِمًا لِلْعَهْدِ، فَلَا يَلْزَمُهُ إذًا شَيْءٌ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ،","vol":"1","page":863},{"text":"وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْغَنِيمَةِ بِشَيْءٍ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَلَيْهِمْ مُقَيَّدَةٌ بِتَوْفِيرِ الْمَنْفَعَةِ دُونَ الْإِضْرَارِ بِهِمْ، وَلِأَنَّهُمْ لَمْ يَمْلِكُوا الْغَنِيمَةَ بَعْدُ. أَلَا تَرَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَ الْأُسَارَى، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْبَدَلُ عَلَيْهِمْ بِالْعَقْدِ إذَا سَلَّمَ الْعَمَلَ إلَيْهِمْ. وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا بِالتَّسْلِيمِ (ص ٢٨٣) إلَى مُلْكِهِمْ.\n\n- وَلَوْ قَالَ الْأَمِيرُ مَنْ نَصَبَ رِمَاحَ الْمُسْلِمِينَ حَوْلَ الْعَسْكَرِ فَلَهُ دِينَارٌ. فَفَعَلَ ذَلِكَ رَجُلٌ اسْتَحَقَّ الدِّينَارَ.\nلِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ الْحَرْبِ، وَلَا مِمَّا يَجِبُ عَلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ أَنْ يَفْعَلَهُ فَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الْإِمَامِ إيَّاهُ عَلَى ذَلِكَ بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ.\n١٥٥٣ - وَلَوْ قَالَ: مَنْ نَصَبَ رُمْحَهُ فَلَهُ دِينَارٌ أَجْرًا لَهُ، لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ.\nلِأَنَّ مَا يَفْعَلُهُ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ لَا يَكُونُ فِيهِ أَجِيرًا لِغَيْرِهِ، وَلِأَنَّ نَصْبَ رُمْحِهِ مِنْ عَمَلِ الْحَرْبِ كَالطَّعْنِ بِهِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ عَلَيْهِ. بِخِلَافِ نَصْبِ رِمَاحِ غَيْرِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.\n\n- وَلَوْ قَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا وَجَاءَ بِرَأْسِهِ فَلَهُ دِينَارٌ. فَهَذَا تَنْفِيلٌ صَحِيحٌ، وَيُعْطَى الدِّينَارَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ الْغَنَائِمِ الَّتِي تُصَابُ بَعْدَ هَذَا، أَوْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إنْ رَأَى الْإِمَامُ ذَلِكَ. فَأَمَّا مِمَّا أُحْرِزَ مِنْ الْغَنَائِمِ قَبْلَ هَذَا فَلَا.\nلِأَنَّهُ لَا تَنْفِيلَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ. فَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُعْطِيَهُ الدِّينَارَ مِنْ ذَلِكَ نَفْلًا وَلَا أُجْرَةً، لِأَنَّ قَتْلَ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ الْجِهَادِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الْمُسْلِمُ عَلَيْهِ الْأَجْرَ.","vol":"1","page":864},{"text":"١٥٥٥ - وَكَمَا يَثْبُتُ هَذَا الْحُكْمُ فِي حَقِّ الْمُقَاتِلَةِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ التُّجَّارِ وَالْعَبِيدِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.\nلِأَنَّ فِعْلَهُمْ ذَلِكَ مِنْ الْجِهَادِ أَيْضًا، وَلِهَذَا يَسْتَحِقُّ التَّاجِرُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ السَّهْمَ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَالْعَبْدُ الرَّضْخَ.\n١٥٥٦ - وَأَمَّا أَهْلُ الذِّمَّةِ إذَا فَعَلُوا ذَلِكَ، وَقَدْ اسْتَعَانَ بِهِمْ الْإِمَامُ وَأَوْجَبَ لَهُمْ مَالًا مَعْلُومًا عَلَى عَمَلٍ مِنْ ذَلِكَ مَعْلُومٍ فَلَهُمْ الْأَجْرُ.\nلِأَنَّ فِعْلَهُمْ لَيْسَ بِجِهَادٍ، فَإِنَّ الْجِهَادَ يُنَالُ بِهِ الثَّوَابُ، وَالْكَافِرُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِذَلِكَ. وَالْجِهَادُ مَا يَتَقَرَّبُ الْعَبْدُ بِهِ إلَى رَبِّهِ، وَهُمْ لَا يَتَقَرَّبُونَ بِذَلِكَ. بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ. قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ خَرَجَ بِآخَرَ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَدِيلًا عَنْ إنْسَانٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَجْرٌ.\nلِأَنَّهُ يَتَقَرَّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى. فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَالْمُتَقَرِّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى عَامِلٌ لِنَفْسِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ الْأَجْرُ عَلَى غَيْرِهِ. وَعِنْدَ إصَابَةِ الْغَنِيمَةِ السَّهْمُ يَكُونُ لَهُ دُونَ مَنْ اسْتَأْجَرَهُ. فَعَرَفْنَا أَنَّهُ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ: الِاسْتِئْجَارَ عَلَى الْجِهَادِ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى الْحَجِّ، وَعَلَى الْأَذَانِ، وَالْإِقَامَةِ. وَقَدْ بَيَّنَّا الْكَلَامَ فِي الِاسْتِئْجَارِ عَلَى الطَّاعَاتِ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ.","vol":"1","page":865},{"text":"- وَلَوْ حَاصَرَ الْمُسْلِمُونَ حِصْنًا، وَلِأَهْلِ الْحِصْنِ مَلَاعِبُ وَكَنَائِسُ خَارِجَ مِنْهُ وَلَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ. فَاسْتَأْجَرَ الْإِمَامُ عَلَى تَخْرِيبِهَا قَوْمًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ.\nلِأَنَّ تَخْرِيبَ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ عَمَلِ الْجِهَادِ، وَقَدْ حَصَلَ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَحْتَاجُ فِي التَّخْرِيبِ إلَى قِتَالٍ.\n١٥٥٨ - بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَأْجَرَهُمْ عَلَى تَخْرِيبِ حِصْنٍ أَهْلُهُ مُمْتَنِعُونَ فِيهِ أَوْ كَسْرِ بَابٍ.\nلِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِ الْجِهَادِ يَحْتَاجُ فِي إقَامَتِهِ إلَى الْقِتَالِ.\n\n- وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَقْبَلُوا فِي سُفُنِهِمْ يُرِيدُونَ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَأْجَرَ الْإِمَامُ قَوْمًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَحْرَارِهِمْ، أَوْ عَبِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ كُفَّارًا أَوْ مُسْلِمِينَ، يَرْمُونَهُمْ بِالْمُحَرِّقَاتِ فَلَا أَجْرَ لَهُمْ.\nلِأَنَّ هَذَا مِنْ عَمَلِ الْجِهَادِ. وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِيهِ دَيْنُ الْمَوْلَى لَا دَيْنُ الْعَبْدِ، لِأَنَّ الْمُسْلِمَ يَكُونُ مُجَاهِدًا بِعَبِيدِهِ كَمَا يَكُونُ مُجَاهِدًا بِفَرَسِهِ. وَإِنْ جَعَلَ ذَلِكَ نَفْلًا لَهُمْ مِمَّا يُصِيبُونَ فَهُوَ جَائِزٌ لِلْحَاجَةِ إلَى التَّحْرِيضِ.\n\n- وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا فِي الْبَرِّ يَرْمُونَ بِالْمَجَانِيقِ الْحُصُونَ. وَإِنْ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى ذَلِكَ جَازَ.\nلِأَنَّ عَمَلَهُمْ لَيْسَ بِجِهَادٍ لِانْعِدَامِ الْأَهْلِيَّةِ فِيهِمْ.","vol":"1","page":866},{"text":"- وَلَوْ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَجْذِفُونَ بِهِمْ فِي الْبَحْرِ فَهَذَا جَائِزٌ. لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ عَمَلِ الْجِهَادِ، وَهُوَ عَمَلٌ مَعْلُومٌ يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إذَا لَقُوا الْعَدُوَّ أَوْ لَمْ يَلْقَوْهُمْ، وَأَنَّ الْمَلَّاحِينَ يَأْخُذُونَ الْأَجْرَ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ حَلَالٌ لَهُمْ.\n\n- وَلَوْ ظَفِرَ الْمُسْلِمُونَ بِغَنَائِمَ مُتَفَرِّقَةٍ وَلَيْسَ مَعَهَا مَنْ يَمْنَعُهَا. فَقَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ جَمَعَهَا فَلَهُ دِينَارٌ. فَهَذَا جَائِزٌ.\nلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَمَلِ الْجِهَادِ، وَهُوَ مَعْلُومٌ فِي نَفْسِهِ. فَيَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ بِبَدَلٍ مَعْلُومٍ.\n\n- وَلَوْ اسْتَأْجَرَ مُسْلِمًا بَعْدَ إحْرَازِ الْغَنِيمَةِ لِيَبِيعَهَا فَهَذِهِ إجَارَةٌ فَاسِدَةٌ (ص ٢٨٤)، إلَّا أَنْ يُبَيِّنَ الْمُدَّةَ فَيَقُولُ: اسْتَأْجَرْتُكَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ بِكَذَا لِتَبِيعَ الْغَنَائِمَ.\nلِأَنَّ عِنْدَ بَيَانِ الْمُدَّةِ، الْعَقْدُ يَتَنَاوَلُ مَنَافِعَهُ. وَلِهَذَا اسْتَحَقَّ الْأَجْرَ بِتَسْلِيمِ النَّفْسِ، بَاعَ أَوْ لَمْ يَبِعْ. وَإِذَا لَمْ يُبَيِّنْ الْمُدَّةَ فَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الْبَيْعُ، وَهُوَ مَجْهُولٌ، وَقَدْ يَتِمُّ الْبَيْعُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَدْ لَا يَتِمَّ بِعَشْرِ كَلِمَاتٍ. فَكَذَلِكَ لَا يَتَهَيَّأُ مِنْهُ الْبَيْعُ بِدُونِ مُسَاعِدَةِ الْمُشْتَرِي، فَلِهَذَا كَانَ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْبَيْعِ فَاسِدًا. وَلَيْسَ هَذَا فِيمَنْ يَبِيعُ الْغَنَائِمَ خَاصَّةً، وَلَكِنْ فِي جَمِيعِ الْبَاعَةِ الْحُكْمُ هَكَذَا.","vol":"1","page":867},{"text":"- وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَأْجَرَ مَنْ يُقَسِّمُ الْغَنَائِمَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ. لِأَنَّ الْقِسْمَةَ عَمَلٌ مَعْلُومٌ يَتِمُّ بِالْقِسَامِ، وَيَجُوزُ أَخْذُ الْأَجْرِ عَلَيْهِ. عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ لِعَلِيٍّ - ﵁ - قَاسِمٌ يُقَسِّمُ بِالْأَجْرِ. وَيَسْتَوِي أَنْ يُبَيِّنَ الْمُدَّةَ هَا هُنَا أَوْ لَمْ يُبَيِّنْ. لِأَنَّ الْعَمَلَ مَعْلُومٌ بِنَفْسِهِ. ثُمَّ يَبْدَأُ بِأَجْرِهِ قَبْلَ النَّفْلِ وَالْغَنِيمَةِ. لِأَنَّ هَذَا دَيْنٌ، وَقِسْمَةُ الْغَنِيمَةِ كَقِسْمَةِ الْمِيرَاثِ. وَالنَّفَلُ فِيهِ كَالْوَصِيَّةِ، وَالدَّيْنُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِمَا.\n١٥٦٥ - فَإِنْ كَانَ اسْتَأْجَرَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ أَجْرِ مِثْلِهِ نَظَرَ. فَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ يَسِيرَةً فَذَلِكَ جَائِزٌ. وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا مِقْدَارَ أَجْرِ مِثْلِهِ. لِأَنَّ الْأَمِيرَ فِي هَذَا التَّصَرُّفِ نَاظِرٌ. فَتَتَقَيَّدُ وِلَايَتُهُ بِشَرْطِ النَّظَرِ، كَوِلَايَةِ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ فِي الِاسْتِئْجَارِ لِلْيَتِيمِ.\n١٥٦٦ - فَإِنْ اسْتَرَدَّ مِنْهُ الْفَضْلَ عَلَى أَجْرِ مِثْلِهِ. فَقَالَ الْأَجِيرُ: أَنَا أَرْجِعُ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ اسْتَأْجَرَنِي لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.\nلِأَنَّ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ مَا عَقَدَ الْعَقْدَ لِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا عَقَدَ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِ الْحُكْمِ مِنْهُ. إلَّا أَنَّهُ أَخْطَأَ فِي ذَلِكَ، فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْ الْعُهْدَةِ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ","vol":"1","page":868},{"text":"بِالِاسْتِئْجَارِ، فَإِنَّهُ إذَا بَاشَرَ الْعَقْدَ بِأَكْثَرَ مِنْ أَجْرِ الْمِثْلِ فَذَلِكَ كُلُّهُ لَازِمٌ عَلَيْهِ، لَيْسَ عَلَى الْأَمِيرِ مِنْهُ شَيْءٌ لِأَنَّهُ صَارَ مُخَالِفًا بِالْمُحَابَاةِ الْفَاحِشَةِ فِي الِاسْتِئْجَارِ فَيَنْفُذُ الْعَقْدُ عَلَيْهِ خَاصَّةً بِمَنْزِلَةِ الشِّرَاءِ، وَأَمَّا الْأَمِيرُ فَالْعَقْدُ لَا يَنْفُذُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا تَلْحَقُهُ الْعُهْدَةُ فِيمَا يَحْكُمُ بِهِ، وَإِنَّمَا يُشْبِهُ الْأَمِيرُ هَا هُنَا الْقَاضِي إذَا اسْتَأْجَرَ رَجُلًا يَعْمَلُ لِلْيَتِيمِ عَمَلًا بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ، فَإِذَا فِيهِ غَبْنٌ فَاحِشٌ، فَإِنَّهُ يُعْطِي الْأَجِيرَ أَجْرَ مِثْلِهِ وَيَرُدُّ مَا بَقِيَ عَلَى الْيَتِيمِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاضِي، لِأَنَّ اسْتِئْجَارَهُ مِنْهُ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْحُكْمِ مِنْهُ.\n١٥٦٧ - وَلَوْ قَالَ الْأَمِيرُ وَالْقَاضِي: فَعَلْنَا ذَلِكَ وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَفْعَلَهُ. فَجَمِيعُ الْأَجْرِ عَلَيْهِمَا فِي مَالَيْهِمَا. قَالَ: لِأَنَّهُمَا تَعَمَّدَا الْجَوْرَ فَصَارَا فِيهِ غَيْرَ حَاكِمَيْنِ. وَبِهَذَا اللَّفْظِ يَسْتَدِلُّ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ الْحَاكِمَ يَنْعَزِلُ بِالْجَوْرِ. وَلَيْسَ هَذَا بِمَذْهَبٍ لَنَا، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا أَمْلَيْنَا مِنْ شَرْحِ الزِّيَادَاتِ \" فِي بَابِ التَّحْكِيمِ. وَإِنَّمَا تَأْوِيلُ مَا ذُكِرَ هَا هُنَا أَنَّ حُكْمَهُ إنَّمَا يَنْفُذُ إذَا صَدَرَ عَنْ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ وَهَذَا الْحُكْمُ خَلَا عَنْ ذَلِكَ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْقَاضِي إذَا قَضَى بِغَيْرِ حُجَّةٍ، أَوْ قَضَى بِرَأْيِهِ مُخَالِفًا لِلنَّصِّ. لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ. وَهُوَ قَاضٍ عَلَى حَالِهِ. فَإِذَا لَمْ يَنْفُذْ قَضَاؤُهُ بِهَذَا الطَّرِيقِ نَفَذَ عَقْدُهُ عَلَيْهِ، عَلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ أَنَّ الْعَقْدَ مَتَى وَجَدَ نَفَاذًا عَلَى الْعَاقِدِ يَنْفُذُ عَلَيْهِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي آدَابِ الْقَاضِي أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا أَخْطَأَ فِي قَضَائِهِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ، فَغُرْمُ ذَلِكَ عَلَى مَنْ قَضَى لَهُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي حُدُودِ اللَّهِ فَخَطَؤُهُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ. وَإِنْ قَالَ: تَعَمَّدْتُ ذَلِكَ كَانَ الْغُرْمُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ. فَكَذَا مَا صَنَعَهُ الْأَمِيرُ يَكُونُ الْحُكْمُ فِيهِ ذَلِكَ.\n\n- وَلَوْ اسْتَأْجَرَ الْأَمِيرُ قَوْمًا يَسُوقُونَ الْأَرْمَاكَ، فَسَاقُوهَا فَعَطِبَ مِنْهَا شَيْءٌ مِنْ سِيَاقِهِمْ، أَوْ هَلَكَتْ فِي أَيْدِيهِمْ. فَإِنْ كَانَ","vol":"1","page":869},{"text":"ذَلِكَ وَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ أَنْ يَنْتَهُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، سَوَاءٌ تَلِفَتْ بِعَمَلِهِمْ أَوْ بِغَيْرِ عَمَلِهِمْ. لِأَنَّهُمْ لَوْ اسْتَهْلَكُوا الْغَنَائِمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ (ص ٢٨٥) لَمْ يَضْمَنُوهَا، بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْحَقَّ لَمْ يَتَأَكَّدْ فِيهَا لِلْغَانِمَيْنِ بَعْدُ. وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا وَصَلُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَحَالُهُمْ كَحَالِ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ. وَقَدْ بَيَّنَّا فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ \" أَنَّ مَا تَلِفَ فِي يَدِ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ بِغَيْرِ صُنْعِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - سَوَاءٌ تَلِفَ بِسَبَبٍ يَتَأَتَّى الِاحْتِرَازُ عَنْهُ أَوْ لَا يَتَأَتَّى. وَعِنْدَهُمَا هُوَ ضَامِنٌ لَهُ، إلَّا أَنْ يَتْلَفَ بِسَبَبٍ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ. وَمَا تَلِفَ بِجِنَايَةِ يَدِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ فِي قَوْلِ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اسْتَهْلَكَهُ، فَهَا هُنَا أَيْضًا مَا عَطِبَ بِسِيَاقِهِمْ أَوْ بِتَنَاطُحِهَا فَذَلِكَ مِنْ جِنَايَةِ يَدِ الْأُجَرَاءِ، فَعَلَيْهِمْ ضَمَانُ قِيمَةِ ذَلِكَ. وَلَكِنْ إنَّمَا يَضْمَنُونَ قِيمَتَهُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي تَلِفَ فِيهِ، وَيَكُونُ لَهُمْ الْأَجْرُ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ. بِخِلَافِ الْقَصَّارِ وَغَيْرِهِ، فَهُنَاكَ لِصَاحِبِ الْمَتَاعِ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَةَ مَتَاعِهِ غَيْرَ مَعْمُولٍ، وَلَا أَجْرَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ مَعْمُولًا وَلَهُ الْأَجْرُ. لِأَنَّ هُنَاكَ فَسْخُ الْعَقْدِ بِاعْتِبَارِ تَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ عَلَى الْعَاقِدِ مُمْكِنٌ. فَإِنَّ إيجَابَ الضَّمَانِ عَلَى الْأَجِيرِ مِنْ وَقْتِ الْقَبْضِ بِهَذَا الطَّرِيقِ يَتَأَتَّى، لِأَنَّهُ لَوْ اسْتَهْلَكَهُ عِنْدَ ذَلِكَ كَانَ ضَامِنًا. فَأَمَّا هُنَا لَا يُمْكِنُ بِإِيجَابِ الضَّمَانِ عَلَيْهِمْ بِاعْتِبَارِ وَقْتِ التَّسْلِيمِ إلَيْهِمْ، لِأَنَّهُمْ لَوْ اسْتَهْلَكُوا عِنْدَ ذَلِكَ، وَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ، لَمْ يَضْمَنُوا","vol":"1","page":870},{"text":"شَيْئًا. فَلَا بُدَّ مِنْ إبْقَاءِ الْعَقْدِ بِقَدْرِ مَا أَوْفَوْا مِنْ الْعَمَلِ، لِيَتَأَتَّى إيجَابُ الضَّمَانِ عَلَيْهِمْ. فَلِهَذَا كَانَ لَهُمْ الْأَجْرُ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ. وَكَذَلِكَ هَذَا الْفَرْقُ لَهُمَا فِيمَا يَتْلَفُ بِغَيْرِ صُنْعِهِمْ فِيمَا يَتَأَتَّى الِاحْتِرَازُ عَنْهُ. وَلَوْ تَلِفَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ لِمَا قُلْنَا، وَلَكِنْ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ إنْ تَلِفَ بِغَيْرِ صُنْعِهِمْ فَلَهُمْ الْأَجْرُ بِقَدْرِ مَا أَتْلَفُوا مِنْ الْعَمَلِ. لِأَنَّهُمْ مَا صَارُوا مُسْتَرِدِّينَ لِمَا سَلَّمُوا حِينَ هَلَكَ بِغَيْرِ صُنْعِهِمْ. وَإِنْ هَلَكَ بِصُنْعِهِمْ فَلَا أَجْرَ لَهُمْ لِأَنَّهُمْ صَارُوا كَالْمُسْتَرَدِّينَ لِلْعَمَلِ. وَلِأَنَّهُ لَمْ يُسَلَّمْ لِلْغَانِمِينَ بِعَمَلِهِمْ شَيْءٌ حِينَ لَمْ يَجِبْ الضَّمَانُ عَلَيْهِمْ، فَلَا يَجِبُ الْأَجْرُ أَيْضًا لَهُمْ. بِخِلَافِ مَا إذَا أَعْطَبَ مِنْ فِعْلِهِمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَالضَّمَانُ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِمْ هَا هُنَا، فَعَرَفْنَا أَنَّ الْعَمَلَ قَدْ سَلِمَ لِلْغَانِمِينَ بِهَذَا الطَّرِيقِ. وَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا فَلَا أَجْرَ لَهُمْ فِيمَا يَتْلَفُ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِغَيْرِ صُنْعِهِمْ أَيْضًا، لِأَنَّهُ فِيمَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ يَكُونُ التَّلَفُ مُضَافًا إلَيْهِمْ حُكْمًا، وَلِهَذَا لَوْ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ضَمِنُوا قِيمَتَهُ. فَبِهَذَا الطَّرِيقِ يَثْبُتُ اسْتِرْدَادُ مَا أَقَامُوا مِنْ الْعَمَلِ حُكْمًا، فَلَا يَكُونُ لَهُمْ الْأَجْرُ عَلَى ذَلِكَ. وَشُبِّهَ هَذَا بِمَنْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ يَحْمِلُ لَهُ جُلُودَ مَيْتَةٍ لِيَدْبَغَهَا. فَحَمَلَهَا، فَعَثَرَ فِي الطَّرِيقِ فَسَقَطَتْ فَاحْتَرَقَتْ، أَوْ أَحْرَقَهَا الَّذِي حَمَلَهَا بِالنَّارِ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَمَانٌ. لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ، وَلَا أَجْرَ لَهُ، لِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَرِدًّا لِعَمَلِهِ بِمَا فَعَلَهُ مِنْ الْإِتْلَافِ، فَلَا يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ. فَكَذَلِكَ حُكْمُ الْغَنَائِمِ فِيمَا وَصَفْنَا إذَا تَلِفَ فِي دَارِ الْحَرْبِ شَيْءٌ مِنْهَا. بِصُنْعِهِ أَوْ بِغَيْرِ صُنْعِهِ.\n١٥٦٩ - وَإِنْ كَانَ أَخَذَ الْعَدُوُّ ذَلِكَ مِنْهُمْ مُجَاهَرَةً فَلَهُمْ الْأَجْرُ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ.","vol":"1","page":871},{"text":"لِأَنَّ التَّلَفَ هَا هُنَا حَصَلَ بِمَا لَا يَتَأَتَّى لَهُمْ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ. فَلَا يَكُونُوا بِهِ مُسْتَرِدِّينَ لِمَا أَقَامُوا، إلَّا أَنَّهُمْ إذَا ادَّعَوْا ذَلِكَ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ الْقَوْلُ قَوْلُهُمْ مَعَ الْيَمِينِ. لِأَنَّ أَصْلَ قَبْضِهِمْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَمَانَةِ عِنْدَهُ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْأَمِينِ مَعَ الْيَمِينِ. وَعِنْدَهُمَا لَا يُصَدَّقُونَ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ. لِأَنَّ قَبْضَهُمْ (ص ٢٨٦) قَبْضُ ضَمَانٍ عِنْدَهُمَا. وَلِهَذَا لَوْ تَلِفَ بَعْدَ الْخُرُوجِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ كَانُوا ضَامِنِينَ، وَالضَّامِنُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا بِحُجَّةٍ، بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِ.\n\n- وَلَوْ اسْتَأْجَرَ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ رَجُلًا يَحْمِلُ رَقِيقًا وَسَبْيًا مِنْ الْغَنِيمَةِ، صِغَارًا أَوْ كِبَارًا، عَلَى دَوَابِّهِ، إلَى مَكَان مَعْلُومٍ، فَحَمَلَهُمْ. فَعَطَبُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ مِنْ سِيَاقِهِ أَوْ لَا مِنْ سِيَاقِهِ، بِمَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ أَوْ بِمَا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ. فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.\n١٥٧١ - وَكَذَلِكَ إنْ هَلَكُوا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ إذَا لَمْ يُعْلَمْ مِنْ جِهَتِهِ اسْتِهْلَاكٌ أَوْ تَضْيِيعٌ أَوْ عُنْفٌ فِي سَوْقِ الدَّابَّةِ. بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمَحْمُولُ مَتَاعًا سِوَى بَنِي آدَمَ، فَهُنَاكَ يَضْمَنُ مَا عَطِبَ مِنْ سِيَاقِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. وَهَذَا لِأَنَّ الضَّمَانَ الْوَاجِبَ فِي الْآدَمِيِّ ضَمَانُ جِنَايَةٍ. وَهُوَ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ ضَمَانِ الْعَقْدِ. وَوُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَى الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ بِاعْتِبَارِ الْعَقْدِ، وَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْعَقْدِ فِي ضَمَانٍ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ ضَمَانِ الْعَقْدِ. بِخِلَافِ ضَمَانِ الْأَمْتِعَةِ. وَلِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ يَصِيرُ مُسْلِمًا إلَى الرَّاكِبِ إذَا كَانَ مِنْ بَنِي آدَمَ فَيَخْرُجُ مِنْ ضَمَانِ الْأَجِيرِ، بِخِلَافِ الْأَمْتِعَةِ. ثُمَّ يَكُونُ لَهُ الْأَجْرُ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي حَمَلَهُمْ إلَيْهِ.","vol":"1","page":872},{"text":"لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ صَارَ مُسْلِمًا إلَى مَنْ أَمَرَ الْمُسْتَأْجِرَ بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجِبْ الضَّمَانُ عَلَى الْأَجِيرِ عَرَفْنَا أَنَّهُ لَمْ يَصِرْ مُسْتَرِدًّا شَيْئًا.\n١٥٧٢ - وَأَمَّا إذَا عَنُفَ عَلَيْهِمْ فِي السَّوْقِ، أَوْ اسْتَهْلَكَهُمْ، فَإِنْ فَعَلَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. لِعَدَمِ تَأَكُّدِ الْحَقِّ لِلْغَانِمِينَ. وَلَا أَجْرَ لَهُ.\nلِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَرِدًّا لِمَا سَلَّمَ بِمَا أَحْدَثَ مِنْ فِعْلِ الِاسْتِهْلَاكِ. وَالْأَمِيرُ يُؤَدِّبُهُ فِيمَا صَنَعَ. لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِإِتْلَافِ مَا ثَبَتَ حَقُّ الْغَانِمِينَ فِيهِ. فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ ضَامِنٌ قِيمَةَ مَا اسْتَهْلَكَ. لِتَأَكُّدِ الْحَقِّ فِيهِ بِالْإِحْرَازِ. وَلَهُ الْأَجْرُ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي حَمَلَهُمْ إلَيْهِ.\nلِأَنَّهُ إنَّمَا يَضْمَنُ الْقِيمَةَ فِي هَذَا الْمَكَانِ وَذَلِكَ يُقَرِّرُ تَسْلِيمَهُ لَا أَنْ يَجْعَلَهُ مُسْتَرِدًّا. إلَّا الرِّجَالَ مِنْ الْأُسَرَاءِ فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِمْ. لِأَنَّ الْحَقَّ فِيهِمْ لَا يَتَأَكَّدُ بِالْإِحْرَازِ. أَلَا تَرَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُمْ؟ فَكَانَ فِعْلُهُ ذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَفِي دَارِ الْحَرْبِ سَوَاءً، وَلَا أَجْرَ لَهُ فِي حِمْلَانِهِمْ، لِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَرِدًّا لِعَمَلِهِ فِي حَمْلِهِمْ حَتَّى لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الضَّمَانُ فِيهِمْ.","vol":"1","page":873},{"text":"- وَلَوْ أَنَّ الْأَمِيرَ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا مُيَاوَمَةً أَوْ مُشَاهَرَةً لِسَوْقِ الْأَرْمَاكِ فَهُوَ جَائِزٌ.\nلِأَنَّهُ عَقَدَ الْعَقْدَ عَلَى مَنْفَعَةٍ مَعْلُومَةٍ بِبَدَلٍ مَعْلُومٍ. ثُمَّ لَا ضَمَانَ عَلَى الْأَجِيرِ هَا هُنَا فِيمَا يَعْطَبُ مِنْ سِيَاقِهِ أَوْ لَا مِنْ سِيَاقِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. لِأَنَّهُ أَجِيرُ الْوَحْدِ، وَأَجِيرُ الْوَحْدِ لَا يَضْمَنُ مَا جَنَتْ يَدُهُ إذَا كَانَ فِعْلُهُ حَاصِلًا عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ، لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَنَافِعُهُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ النَّفْسَ فِي الْمُدَّةِ اسْتَوْجَبَ الْأَجْرَ وَمَنَافِعَهُ فِي حُكْمِ الْعَيْنِ؟ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ صِفَةُ سَلَامَةِ الْعَمَلِ عَنْ الْعَيْبِ. بِخِلَافِ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ.\n١٥٧٤ - فَإِنْ عَنُفُوا فِي السُّوقِ أَوْ اسْتَهْلِكُوا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَانُوا ضَامِنِينَ. لِوُجُودِ التَّعَدِّي مِنْهُمْ بَعْدَ تَأَكُّدِ الْحَقِّ. وَلَهُمْ أُجُورُهُمْ لِمَا مَضَى. لِأَنَّهُ تَقَرَّرَ الْأَجْرُ بِتَسْلِيمِ النَّفْسِ فِي الْمُدَّةِ، فَلَا يَبْطُلُ حَقُّهُمْ بِوُجُودِ التَّعَدِّي مِنْهُمْ. وَأَوْضَحَ هَذَا الْفَرْقَ فَقَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّ لِلْأَمِيرِ هُنَا أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهِمْ أَرْمَاكًا بَعْدَ أَرْمَاكٍ بِقَدْرِ","vol":"1","page":874},{"text":"مَا يُطِيقُونَ، وَلَوْ مَاتَ بَعْضُهَا كَانَ لَهُ أَنْ يَخْلُفَ مَكَانَهَا مِثْلُهَا، وَفِي الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. فَبِهِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْعَقْدَ هُنَاكَ يَتَنَاوَلُ الْعَمَلَ، وَبِقَضِيَّةِ الْمُفَاوَضَةِ (ص ٢٧٨) تَثْبُتُ صِفَةُ السَّلَامَةِ عَنْ الْعَيْبِ. وَهَا هُنَا الْعَقْدُ يَتَنَاوَلُ الْمَنْفَعَةَ دُونَ الْعَمَلِ.\n\n- وَلَوْ قَالَ الْأَمِيرُ لِمُسْلِمٍ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ: إنْ قَتَلْت ذَلِكَ الْفَارِسَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَلَكَ عَلَيَّ أَجْرُ مِائَةٍ دِينَارٍ. فَقَتَلَهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَجْرٌ.\nلِأَنَّهُ لَمَّا صَرَّحَ بِالْأَجْرِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُ عَلَى التَّنْفِيلِ. وَالْفِعْلُ الَّذِي حَرَّضَهُ عَلَيْهِ جِهَادٌ. وَالِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْجِهَادِ لَا يَجُوزُ.\n١٥٧٦ - وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ. فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵁ - وَأَبِي يُوسُفَ - ﵀ - وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - ﵀ - لِلذِّمِّيِّ الْأَجْرُ الْمُسَمَّى. وَأَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الِاسْتِئْجَارَ عَلَى الْقَتْلِ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، سَوَاءٌ كَانَ بِحَقٍّ أَوْ بِغَيْرِ حَقٍّ. حَتَّى لَوْ اسْتَأْجَرَ وَلِيُّ الدَّمِ رَجُلًا لِيَسْتَوْفِيَ الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَجْرٌ عِنْدَهُمَا. وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْقَتْلِ، لِأَنَّهُ عَمَلٌ مَعْلُومٌ يُقَدَّرُ الْأَجِيرُ عَلَى إقَامَتِهِ. فَيَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ كَذَبْحِ الشَّاةِ، وَقَطْعِ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ. فَإِنَّ الْإِمَامَ لَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِقَطْعِ يَدِ السَّارِقِ أَوْ مَنْ لَهُ الْقِصَاصُ فِي الطَّرَفِ إذَا اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَسْتَوْفِيَ ذَلِكَ جَازَ بِالِاتِّفَاقِ. وَبَيَانُ ذَلِكَ الْوَصْفِ أَنَّ الْقَتْلَ يَكُونُ بِجَزِّ الرَّقَبَةِ، وَفِي قُدْرَةِ الْأَجِيرِ عَلَى ذَلِكَ لَا فَرْقَ بَيْنَ إبَانَةِ الرَّأْسِ مِنْ الْبَدَنِ وَبَيْنَ إبَانَةِ الطَّرَفِ مِنْ الْجُمْلَةِ. وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ الْقَتْلَ لَيْسَ مِنْ عَمَلِهِ، لِأَنَّ الْقَتْلَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِزَهُوقِ الرُّوحِ،","vol":"1","page":875},{"text":"وَذَلِكَ مُصَانٌ عَنْ مَحِلِّ قُدْرَتِهِ، فَلَا يَكُونُ مِنْ عَمَلِهِ، بِمَنْزِلَةِ حُصُولِ الْوَلَدِ. وَنَبَاتِ الزَّرْعِ، وَالْإِضَافَةُ إلَيْهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يَحْصُلُ بِكَسْبِهِ لَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مِنْ عَمَلِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ فِعْلَهُ الضَّرْبَ بِالسَّيْفِ، وَقَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَلَا يَحْصُلُ الْقَتْلُ بِهِ؟ وَإِنَّمَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى مَنَافِعِهِ، أَوْ عَلَى مَا يَكُونُ مِنْ عَمَلِهِ. وَهَذَا بِخِلَافِ الذَّبْحِ. لِأَنَّ الِاسْتِئْجَارَ هُنَاكَ عَلَى مَا يَحْصُلُ بِهِ الزَّكَاةُ، وَهُوَ يُمَيِّزُ الطَّاهِرَ مِنْ النَّجِسِ، وَذَلِكَ قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْأَوْدَاجِ، وَذَلِكَ مِنْ عَمَلِهِ. وَكَذَلِكَ قَطْعُ الْأَطْرَافِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ مِنْ إزْهَاقِ الرُّوحِ شَيْءٌ، وَلَكِنَّهُ فَصْلُ الْجُزْءِ مِنْ الْجُمْلَةِ. وَهَذَا مِنْ عَمَلِهِ بِمَنْزِلَةِ قَطْعِ الْحَبْلِ وَالْخَشَبَةِ.\n\n- وَلَوْ كَانَ الْأُسَرَاءُ قَتْلَى. فَقَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ قَطَعَ رُءُوسَهُمْ فَلَهُ أَجْرُ عَشْرَةِ دَرَاهِمَ. فَفَعَلَ ذَلِكَ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ كَانَ لَهُ الْأَجْرُ.\nلِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ عَمَلِ الْجِهَادِ وَهُوَ عَمَلٌ مَعْلُومٌ فِي مَحِلِّ قُدْرَةِ الْأَجِيرِ. فَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُهُ عَلَيْهِ كَقَطْعِ الْخَشَبَةِ أَوْ الْحَبْلِ.\n\n- وَلَوْ نَظَرَ الْأَمِيرُ إلَى فَارِسٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَقَالَ لِمُسْلِمٍ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ: إنْ جِئْتَنِي بِسَلْبِهِ فَلَكَ أَجْرُ عَشْرَةِ دَنَانِيرَ، فَقَتَلَهُ وَجَاءَ بِسَلْبِهِ. وَأَفَلْت مِنْهُ، فَلَا شَيْءَ لَهُ.\nلِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى عَمَلِ الْجِهَادِ.\n١٥٧٩ - وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ لِذِمِّيٍّ فَلَهُ الْأَجْرُ مِنْهُ. لِأَنَّ فِعْلَهُ لَيْسَ بِجِهَادٍ.\n١٥٨٠ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ إنْ قَطَعْت يَدَهُ فَلَكَ كَذَا.","vol":"1","page":876},{"text":"لِأَنَّ قَطْعَ يَدِ الْمُمْتَنِعِ الْمُقَاتِلِ مِنْ الْجِهَادِ، فَلَا يَسْتَوْجِبُ الْمُسْلِمُ عَلَيْهِ أَجْرًا، وَيَكُونُ عَلَيْهِ لِلذِّمِّيِّ الْأَجْرُ، لِأَنَّ فِعْلَهُ لَيْسَ بِجِهَادٍ.\n\n- وَلَوْ أَرَادَ قَتْلَ الْأُسَارَى فَاسْتَأْجَرَ عَلَى ذَلِكَ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي الِاسْتِئْجَارِ عَلَى قَتْلِ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ بِالْقِصَاصِ.\n\n- وَلَوْ قَالَ الْأَمِيرُ لِقَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ: احْفِرُوا هَذَا الْمَوْضِعَ مِنْ هَذَا النَّهْرِ إلَى مَوْضِعِ كَذَا حَتَّى يَنْبَثِقَ الْمَاءُ فَيَغْرَقُ أَهْلُ هَذِهِ الْمَدِينَةِ، وَلَكُمْ أَجْرُ مِائَةِ دِينَارٍ. فَفَعَلُوا ذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ عَلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ يُقَاتِلُونَ وَيَمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ لِلْأُجَرَاءِ إذَا كَانُوا مُسْلِمِينَ.\nلِأَنَّ مَا اُسْتُؤْجِرُوا عَلَيْهِ مِنْ عَمَلِ الْجِهَادِ. وَإِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَلَهُمْ الْأَجْرُ. وَإِنْ كَانُوا عِشْرِينَ نَفَرًا: عَشْرَةً مُسْلِمِينَ، وَعَشْرَةً ذِمِّيِّينَ فَلِأَهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفُ الْأَجْرِ. لِأَنَّهُ يُجْعَلُ فِي حَقِّ كُلِّ فَرِيقٍ كَانَ الْفَرِيقُ الثَّانِي مِثْلَهُمْ.","vol":"1","page":877},{"text":"١٥٨٣ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مَنْ يُقَاتِلُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَلَهُمْ الْأَجْرُ الْمُسَمَّى. لِأَنَّ حَفْرَ الْأَرْضِ (ص ٢٨٨) لَيْسَ مِنْ عَمَلِ الْجِهَادِ، فَيَسْتَوْجِبُ الْمُسْلِمُ الْأَجْرَ عَلَيْهِ كَمَا يَسْتَوْجِبُ الذِّمِّيُّ. وَهُوَ نَظِيرُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَخْرِيبِ الْمَلَاعِبِ وَالْكَنَائِسِ الْخَارِجَةِ عَنْ الْحِصْنِ بَعْدَ مَا صَارَتْ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ.\n- وَكَذَلِكَ إنْ اسْتَأْجَرَهُمْ لِقَطْعِ الْأَشْجَارِ فَهُوَ عَلَى هَذَا التَّقْسِيمِ.\nلِأَنَّ مَا اُسْتُؤْجِرُوا عَلَيْهِ عَيْنَهُ لَيْسَ بِجِهَادٍ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ فِي مَعْنَى الْجِهَادِ إذَا كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَمْنَعُك عَنْهُ حَتَّى يَحْتَاجَ إلَى أَنْ تُجَاهِدَهُ فِي إتْمَامِ ذَلِكَ الْعَمَلِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يُنَابِذُك لَمْ يَكُنْ مِنْ الْجِهَادِ فِي شَيْءٍ.\n\n- وَلَوْ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يَرْمُونَ بِالْمَنْجَنِيقِ. فَإِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَلَهُمْ الْأَجْرُ، وَإِنْ كَانُوا مُسْلِمِينَ أَحْرَارًا أَوْ عَبِيدًا فَلَا أَجْرَ لَهُمْ.\nلِأَنَّ هَذَا مِنْ عَمَلِ الْجِهَادِ. فَالرَّمْيُ بِالْمَنْجَنِيقِ لِتَخْرِيبِ الْحِصْنِ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُمْتَنِعُونَ، وَعَلَى الدَّفْعِ عَنْهُ يُقَاتِلُونَ، بِمَنْزِلَةِ الرَّمْيِ بِالسَّهْمِ لِإِصَابَةِ النُّفُوسِ. وَلَا يُقَالُ إنَّهُمْ يَرْمُونَ فِي مَنْعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَكُونُ فِعْلُهُمْ جِهَادًا، لِأَنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا فِي مَنْعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَالرَّمْيَةُ وَقَعَتْ فِي مَنْعَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ. فَإِنْ قِيلَ: فَفِي حَفْرِ النَّهْرِ إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يَمْنَعُ، يُوجَدُ هَذَا الْمَعْنَى. لِأَنَّ الْمَاءَ يَسِيلُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ حَتَّى يُغْرِقَهُمْ فِي مَنْعَتِهِمْ، كَمَا أَنَّ مَا يُرْمَى مِنْ الْمَنْجَنِيقِ يَذْهَبُ حَتَّى يُخَرِّبَ وَيَقْتُلَ فِي مَنْعَتِهِمْ. قُلْنَا: نَعَمْ. وَلَكِنَّ الْمَنْجَنِيقَ وَالسَّهْمَ عَمَلُ الْقَوْمِ بِأَيْدِيهِمْ، عَلَى مَعْنَى أَنَّ مَا يَحْصُلُ يَكُونُ مُضَافًا إلَيْهِ بِالْمُبَاشَرَةِ. وَأَمَّا الْغَرَقُ فَلَا يَصِيرُ مُضَافًا إلَى","vol":"1","page":878},{"text":"حَافِرِ النَّهْرِ بِالْمُبَاشَرَةِ، وَإِنَّمَا عَمَلُهُمْ هُنَاكَ الْحَفْرُ فَقَطْ. وَتَبَيُّنُ هَذَا الْفَرْقِ فِي فِعْلٍ هُوَ جِنَايَةٌ. فَإِنَّ مَنْ وَقَفَ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ وَرَمَى سَهْمًا وَرَمَى سَهْمًا إلَى إنْسَانٍ فَقَتَلَهُ كَانَ قَاتِلًا لَهُ مُبَاشَرَةً مُسْتَوْجِبًا لِلْقِصَاصِ. وَبِمِثْلِهِ مَنْ حَفَرَ نَهْرًا فِي مِلْكِهِ فَغَلَبَهُ الْمَاءُ وَانْبَثَقَ عَلَى أَرْضِ جَارٍ لَهُ فَغَرَقَ الزَّرْعُ، لَمْ يَكُنْ عَلَى الْحَافِرِ فِي ذَلِكَ ضَمَانٌ. فَبِهَذَا تَبَيَّنَ الْفَرْقُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.","vol":"1","page":879},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>[بَابُ الْأَنْفَالِ بِالْأَثْمَانِ وَالْهِبَاتِ]</span>\n٩٥ - بَابُ الْأَنْفَالِ بِالْأَثْمَانِ وَالْهِبَاتِ ١٥٨٦ - وَإِذَا قَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ جَاءَ بِرَمَكَةٍ فَهِيَ لَهُ بَيْعًا بِعَشْرَةِ دَرَاهِمَ. فَذَهَبَ الْمُسْلِمُونَ وَجَاءُوا بِذَلِكَ. فَإِنَّ هَذَا الْبَيْعَ بَاطِلٌ، لِنَهْيِ النَّبِيِّ - ﵇ - عَنْ الْبَيْعِ الْغَرَرِ، وَعَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ. فَإِنَّ الْمُرَادَ بَيْعُ مَا لَيْسَ فِي مِلْكِهِ، وَالْأَمِيرُ هَا هُنَا بَاعَ مَا لَيْسَ فِي مِلْكِهِ وَلَا فِي يَدِهِ، وَهُوَ عَلَى خَطَرِ الْحُصُولِ فِي يَدِ الْمُسْلِمِينَ مَجْهُولٌ فِي نَفْسِهِ. وَلَوْ كَانَ مَعْلُومًا لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ فِيهِ، إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ، فَكَيْفَ إذَا كَانَ مَجْهُولًا؟\n١٥٨٧ - وَلَكِنْ إنْ رَغِبَ الَّذِي جَاءَ بِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ فَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بَيْعًا مِنْهُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ.\nلِأَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّنْفِيلِ، وَالْقَصْدُ تَحْرِيضُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمَجِيءِ بِهَا. فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ التَّنْفِيلِ بَعْدَ مَا أَتَوْا بِمَا شَرَطَ عَلَيْهِمْ. وَلَكِنْ يَحْصُلُ مَقْصُودُهُمْ بِطَرِيقٍ صَحِيحٍ شَرْعًا، وَهُوَ الْبَيْعُ ابْتِدَاءً.","vol":"1","page":880},{"text":"١٥٨٨ - وَإِنْ لَمْ يَرْغَبْ فِيهِ الَّذِي جَاءَ بِهِ أَخَذَهُ الْأَمِيرُ مِنْهُ فَجَعَلَهُ فِي الْغَنِيمَةِ، وَلَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ شَيْءٌ مِنْ ثَمَنِهِ.\nلِأَنَّ التَّنْفِيلَ لِمُرَاعَاةِ حَقِّهِ، وَذَلِكَ يَنْعَدِمُ إذَا لَمْ يَرْضَ بِهِ. وَأَصْلُ الثَّمَنِ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ السَّبَبِ. وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا كَانَ لَهُ الْخِيَارُ فِي رَدِّهِ.\nلِأَنَّهُ اشْتَرَى مَا لَمْ يَرَهُ، فَكَيْفَ إذَا لَمْ يَكُنْ الْبَيْعُ صَحِيحًا أَصْلًا. ثُمَّ لَا نَفْلَ لَهُ. لِأَنَّ التَّنْفِيلَ كَانَ فِي ضِمْنِ الْبَيْعِ، فَيَبْطُلُ بِبُطْلَانِهِ. بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيَّةِ بِالْمُحَابَاةِ فَإِنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ فِي ضِمْنِ الْبَيْعِ بَطَلَ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ بِالرَّدِّ.\n\n- وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِرَمَكَةٍ بِعْنَاهَا إيَّاهُ بِعَشَرَةٍ. فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ. لِأَنَّهُ وَعَدَ الْبَيْعَ هَا هُنَا. وَلَكِنْ فِيهِ مَعْنَى التَّنْفِيلِ. فَعَلَيْهِ أَنْ يَفِيَ بِهِ إذَا رَغِبَ فِيهِ الَّذِي جَاءَ بِهَا.\n١٥٩٠ - أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: وَهَبْنَاهَا لَهُ أَوْ وَهَبْنَا لَهُ نِصْفَهَا، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَفِيَ لِمَنْ جَاءَ بِذَلِكَ بِمَا وَعَدَ لَهُ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَصِيرُ (ص ٢٨٩) مَالِكًا لِذَلِكَ مَا لَمْ يَجْعَلْهَا الْأَمِيرُ لَهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: فَهِيَ لَهُ.\nلِأَنَّهُ إذَا قَالَ فَهِيَ لَهُ فَهَذَا تَنْفِيلٌ مُنْفَذٌ، فَبِنَفْسِ الْإِصَابَةِ يَصِيرُ لَهُ.","vol":"1","page":881},{"text":"١٥٩١ - وَإِذَا قَالَ: وَهَبْنَاهَا لَهُ. فَهَذَا تَنْفِيلٌ مَوْعُودٌ فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِمَا وَعَدَ. وَلَكِنْ لَا يَثْبُتُ الْمَالُ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَهَبَهَا مِنْهُ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ جَارِيَةً وَأَعْتَقَهَا لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ، وَإِنْ قَالَ: فَهِيَ لَهُ هِبَةً، أَوْ فَهِيَ عَلَيْهِ صَدَقَةً، فَذَلِكَ لِمَنْ جَاءَ بِهَا مِنْ غَيْرِ تَمْلِيكٍ جَدِيدٍ مِنْ الْأَمِيرِ.\nلِأَنَّ قَوْلَهُ: فَهِيَ لَهُ، تَنْفِيلٌ تَامٌّ. وَقَوْلَهُ هِبَةً يَكُونُ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ فَهِيَ لَهُ، فَلَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُهُ.\n\n- وَإِنْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِسَيْفٍ وَهَبْنَاهُ لَهُ، أَوْ بِعْنَاهُ مِنْهُ بِعَشْرَةِ دَرَاهِمَ. فَجَاءَ رَجُلٌ بِذَلِكَ، ثُمَّ رَأَى الْإِمَامُ أَنْ لَا يُسَلِّمَهُ لَهُ لِشِدَّةِ حَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ إلَيْهِ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَمْنَعَهُ مِنْهُ. وَلَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يُعْطِيَهُ قِيمَتَهُ إذَا كَانَ الْمَوْعُودُ هِبَةً، وَإِذَا كَانَ بَيْعًا يُعْطِيهِ قِيمَتَهُ، لَكِنْ يَرْفَعُ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ الْمَشْرُوطِ عَلَيْهِ.\nلِأَنَّ التَّمْلِيكَ مَوْعُودٌ هَا هُنَا غَيْرُ مُنْفَذٍ. وَالْإِمَامُ نَاظِرٌ لِلْكُلِّ. فَإِذَا رَأَى بِالْمُسْلِمِينَ حَاجَةً إلَى ذَلِكَ. فَلَوْ أَعْطَاهُ الْمَشْرُوطَ تَضَرَّرَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ، وَلَوْ أَعْطَاهُ الْقِيمَةَ تَوَفَّرَ عَلَيْهِ مَقْصُودُهُ وَارْتَفَعَتْ حَاجَةُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ ذَلِكَ الْعَيْنِ، فَيَعْتَدِلُ النَّظَرُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ بِهَذَا الطَّرِيقِ.\n١٥٩٣ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالْمُسْلِمِينَ حَاجَةٌ فَلْيُسَلِّمْهُ لَهُ عَلَى مَا شَرَطَ.","vol":"1","page":882},{"text":"لِأَنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّنْفِيلِ مِنْهُ، فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِذَلِكَ، لِقَوْلِهِ - ﵇ - «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» .\n\n- وَلَوْ جُمِعَتْ الْغَنَائِمُ فَقَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ أَخَذَ جُبْنَةً فَعَلَيْهِ ثَمَنُهَا دِرْهَمٌ، وَمَنْ أَخَذَ شَاةً فَعَلَيْهِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَمَنْ أَخَذَ جَارِيَةً فَهِيَ لَهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ. فَأَخَذَ رَجُلٌ شَاةً فَذَبَحَهَا وَأَكَلَهَا، وَأَخَذَ آخَرُ جُبْنَةً فَأَكَلَهَا، وَأَخَذَ آخَرُ جَارِيَةً فَأَعْتَقَهَا. فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ قِيمَةُ مَا أَخَذَهُ.\nلِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مِنْ الْأَمِيرِ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ التَّنْفِيلِ، فَإِنَّ التَّنْفِيلَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ لَا يَجُوزُ، وَلَكِنَّهُ عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ، وَهُوَ فَاسِدٌ لِجَهَالَةِ الْمَبِيعِ عِنْدَ الْعَقْدِ. فَكُلُّ مَنْ أَخَذَ شَيْئًا وَلَمْ يَسْتَهْلِكْهُ فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ مِنْهُ، لِفَسَادِ الْبَيْعِ، أَوْ يُسَلِّمَهُ لَهُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ بَيْعًا مُسْتَقْبَلًا إنْ رَضِيَ بِهِ الْمُشْتَرِي. لِأَنَّهُ بِأَخْذِهِ قَدْ تَعَيَّنَ، فَيَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْهُ ابْتِدَاءً، وَلَكِنَّ ابْتِدَاءَ الْبَيْعِ يَعْتَمِدُ التَّرَاضِيَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَإِنْ اسْتَهْلَكَهَا فَعَلَيْهِ ضَمَانُ الْقِيمَةِ، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْمُشْتَرَى شِرَاءً فَاسِدًا إذَا اسْتَهْلَكَهُ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْقَبْضِ. وَلِهَذَا نَفَذَ الْعِتْقُ فِي الْجَارِيَةِ لِأَنَّهُ قَبَضَهَا بِحُكْمِ بَيْعٍ فَاسِدٍ فَتَمَلَّكَهَا، حَتَّى لَوْ بَاعَهَا جَازَ الْبَيْعُ وَغَرِمَ قِيمَتَهَا. فَكَذَلِكَ إذَا أَعْتَقَهَا. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَضْمَنُ الْقِيمَةَ وَهُوَ لَوْ أَكَلَ الْجُبْنَةَ أَوْ ذَبَحَ الشَّاةَ فَأَكَلَهَا قَبْلَ هَذَا كَانَ مُبَاحًا لَهُ؟ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَمَانٌ فِي ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَتْلَفَ الْجَارِيَةَ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا شَيْئًا. قُلْنَا: لِأَنَّ قَبْلَ هَذَا الْكَلَامِ لَمْ يَتَأَكَّدْ حَقُّ الْغَانِمِينَ فِيهَا. فَأَمَّا بَعْدَ هَذَا الْقَوْلِ فَقَدْ تَأَكَّدَ حَقُّ الْغَانِمِينَ فِيهَا، لِأَنَّ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ مُعْتَبَرٌ بِالْجَائِزِ، وَبَيْعُ الْإِمَامِ الْغَنَائِمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِمَنْزِلَةِ الْإِحْرَازِ فِي تَأَكُّدِ حَقِّ الْغَانِمِينَ فِيهَا. يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ قَدْ تَمَلَّكَ الْمَأْخُوذَ هَاهُنَا بِالْأَخْذِ بِجِهَةِ الْعَقْدِ، وَلِهَذَا لَوْ بَاعَهُ جَازَ بَيْعُهُ فِيهِ. وَالتَّمْلِيكُ بِعَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ لَا يَكُونُ إلَّا بِعِوَضٍ، وَذَلِكَ بِالْقِيمَةِ","vol":"1","page":883},{"text":"إذَا لَمْ يَجِبْ الْمُسَمَّى لِفَسَادِ الْبَيْعِ. فَأَمَّا قَبْلَ هَذَا الْقَوْلِ فَهُوَ لَا يَتَمَلَّكُهُ بِالْأَخْذِ حَتَّى لَوْ بَاعَهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ فِيهِ. فَإِذَا أَتْلَفَهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ ضَمَانٌ، لِأَنَّ حَقَّ الْغَانِمِينَ لَمْ يَتَأَكَّدْ قَبْلَ الْإِحْرَازِ (ص ٢٩٠) .\n١٥٩٥ - وَلَوْ كَانَ الْآخِذُ لَمْ يَسْمَعْ مَقَالَةَ الْأَمِيرِ حَتَّى أَكَلَ الشَّاةَ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا، وَلَوْ بَاعَهَا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ.\nلِأَنَّهُ مَا أَخَذَهَا عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ حِينَ لَمْ يَسْمَعْ مَقَالَةَ الْأَمِيرِ، فَكَانَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَخَذَهَا قَبْلَ مَقَالَةِ الْأَمِيرِ. فَأَمَّا السَّامِعُ فَإِنَّمَا أَخَذَهَا عَلَى جِهَةِ الْبَيْعِ وَالْمِلْكِ.\n١٥٩٦ - وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ قَبْلَ إحْرَازِ الْغَنِيمَةِ: مَنْ جَاءَ بِجَارِيَةٍ فَهِيَ لَهُ بَيْعًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ. فَجَاءَ رَجُلٌ بِجَارِيَةٍ فَأَعْتَقَهَا، لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ.\nلِأَنَّ ذَلِكَ الْبَيْعَ لَمْ يَكُنْ مُنْعَقِدًا أَصْلًا، لِأَنَّ الْبَيْعَ بِدُونِ الْمَحِلِّ لَا يَنْعَقِدُ لَا جَائِزًا وَلَا فَاسِدًا. وَهَاهُنَا الْمَحِلُّ كَانَ مَوْجُودًا، وَلَكِنَّهُ كَانَ مَجْهُولًا حِينَ أَوْجَبَ الْبَيْعَ، فَيَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِصِفَةِ الْفَسَادِ وَيَثْبُتُ الْمِلْكُ بِالْقَبْضِ.\n١٥٩٧ - وَلَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَ بِشَاةٍ فَهِيَ لَهُ بَيْعًا بِدِرْهَمٍ. فَجَاءَ رَجُلٌ بِشَاةٍ فَذَبَحَهَا وَأَكَلَهَا، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِيهَا ضَمَانٌ.\nلِأَنَّ الْبَيْعَ لَمْ يَكُنْ مُنْعَقِدًا هَاهُنَا. فَكَأَنَّهُ أَخَذَهَا قَبْلَ مَقَالَةِ الْأَمِيرِ وَأَكَلَهَا، فَلِهَذَا لَا يَضْمَنُ شَيْئًا.","vol":"1","page":884},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>[أَبْوَابٌ سُهْمَانُ الْخَيْلِ وَالرَّجَّالَةِ فِي الْغَنَائِمِ]</span>\n٩٦ - أَبْوَابٌ سُهْمَانُ الْخَيْلِ وَالرَّجَّالَةِ ١٥٩٨ - وَإِذَا أَصَابَ الْمُسْلِمُونَ الْغَنَائِمَ فَأَحْرَزُوهَا وَأَرَادُوا قِسْمَتَهَا فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵁ -: يُعْطَى الْفَارِسُ سَهْمَيْنِ، سَهْمًا لَهُ وَسَهْمًا لِفَرَسِهِ، وَالرَّاجِلُ سَهْمًا. وَقَالَ: لَا أَجْعَلُ سَهْمَ الْفَرَسِ أَفْضَلَ مِنْ سَهْمِ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ.\nلِأَنَّ تَفْضِيلَ الْبَهِيمَةِ عَلَى الْآدَمِيِّ فِيمَا يَسْتَحِقُّ بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ لَا وَجْهَ لَهُ، وَالِاسْتِحْقَاقُ بِاعْتِبَارِ إرْهَابِ الْعَدُوِّ، وَذَلِكَ بِالرَّجُلِ أَظْهَرُ مِنْهُ بِالْفَرَسِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْفَرَسَ لَا يُقَاتِلُ بِدُونِ الرَّجُلِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ بِدُونِ الْفَرَسِ؟ وَكَذَلِكَ مُؤْنَةُ الرَّجُلِ قَدْ تَزْدَادُ عَلَى مُؤْنَةِ الْفَرَسِ. فَالْفَرَسُ يُجْتَرَى بِالْحَشِيشِ وَمَا لَا قِيمَةَ لَهُ. وَمَطْعُومُ الْآدَمِيِّ لَا يُوجَدُ إلَّا بِثَمَنٍ مَعَ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ بِالْمُؤْنَةِ. فَإِنَّ السَّهْمَ لَا يُسْتَحَقُّ بِالْبَغْلِ وَالْبَعِيرِ وَالْحِمَارِ. وَصَاحِبُهُ يَلْتَزِمُ مُؤْنَةً مِثْلَ مُؤْنَةِ الْفَرَسِ أَوْ أَكْثَرَ، وَبِالْفِيلِ لَا يَسْتَحِقُّ السَّهْمَ، وَمُؤْنَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ مُؤْنَةِ الْفَرَسِ.\nوَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ السَّهْمِ بِالْفَرَسِ ثَابِتٌ، بِخِلَافِ الْقِيَاسِ بِالنَّصِّ. لِأَنَّ الْفَرَسَ آلَةٌ لِلْحَرْبِ، وَبِالْآلَةِ يُسْتَحَقُّ السَّهْمُ. وَمُجَرَّدُ حُصُولِ إرْهَابِ الْعَدُوّ بِهِ لَا يُوجِبُ اسْتِحْقَاقَ السَّهْمِ بِهِ كَالْفِيلِ. وَلَكِنْ تَرَكْنَا الْقِيَاسَ","vol":"1","page":885},{"text":"فِي الْفَرَسِ بِالسُّنَّةِ، وَإِنَّمَا اتَّفَقَتْ الْأَخْبَارُ عَلَى اسْتِحْقَاقِ سَهْمٍ وَاحِدٍ بِالْفَرَسِ، فَيُتْرَكُ الْقِيَاسُ فِيهِ لِكَوْنِهِ مُتَيَقَّنًا. وَفِيمَا تَعَارَضَ فِيهِ الْأَثَرُ يُؤْخَذُ بِأَصْلِ الْقِيَاسِ.\nوَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ: سَهْمٌ لَهُ وَسَهْمَانِ لِفَرَسِهِ. وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ الشَّامِ.\nقَالَ مُحَمَّدٌ: وَلَيْسَ فِي هَذَا تَفْضِيلُ الْبَهِيمَةِ عَلَى الْآدَمِيِّ. فَإِنَّ السَّهْمَيْنِ لَا يُعْطَيَانِ لِلْفَرَسِ، وَإِنَّمَا يُعْطَيَانِ لِلْفَارِسِ. فَيَكُونُ فِي هَذَا تَفْضِيلُ الْفَارِسِ عَلَى الرَّاجِلِ. وَذَلِكَ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ. ثُمَّ هُوَ يَسْتَحِقُّ أَحَدَ السَّهْمَيْنِ بِالْتِزَامِ مُؤْنَةِ فَرَسِهِ وَالْقِيَامِ بِتَعَاهُدِهِ، وَالسَّهْمَ الْآخَرَ لِقِتَالِهِ عَلَى فَرَسِهِ، وَالسَّهْمَ الثَّالِثَ لِقِتَالِهِ بِبَدَنِهِ. وَقَالَ: أُرَجِّحُ هَذَا الْقَوْلَ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ فَرِيقَانِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ يُرَجِّحُ بِهَذَا فِي مَسَائِلِ الْكِتَابِ، وَعَلَّلَ فِيهِ فَقَالَ: لِأَنَّهُ أَقْوَى مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ فَرِيقٌ وَاحِدٌ. يَعْنِي طُمَأْنِينَةَ الْقَلْبِ إلَى مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ فَرِيقَانِ أَظْهَرُ. وَهُوَ نَظِيرُ مَا قَالَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ إذَا أَخْبَرَ مُخْبِرٌ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ، وَأَخْبَرَ اثْنَانِ بِطَهَارَتِهِ، فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِقَوْلِ الِاثْنَيْنِ، لِأَنَّ طُمَأْنِينَةَ الْقَلْبِ فِي خَبَرِ الِاثْنَيْنِ أَظْهَرُ.\nثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ الْآثَارَ جَاءَتْ صَحِيحَةً مَشْهُورَةً لِكُلِّ قَوْلٍ. وَرَوَى","vol":"1","page":886},{"text":"الْأَخْبَارَ بِالْأَسَانِيدِ فِي الْكِتَابِ فَالْحَاجَةُ إلَى التَّوْفِيقِ وَالتَّرْجِيحِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ.\nفَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ - ﵀ - فَقَالَ: أُوَفِّقُ بَيْنَ الْأَخْبَارِ فَأَحْمِلُ مَا رُوِيَ أَنَّهُ أَعْطَى الْفَرَسَ سَهْمَيْنِ عَلَى أَنَّ أَحَدَ السَّهْمَيْنِ لِلْفَارِسِ لِفَرَسِهِ وَالْآخَرَ كَانَ مِنْ الْخُمْسِ لِحَاجَتِهِ، أَوْ كَانَ نَفَلَ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ الْإِصَابَةِ، أَوْ الْمُرَادُ بِذِكْرِ الْفَرَسِ الْفَارِسُ لِعِلْمِنَا أَنَّهُ إنَّمَا أَعْطَى الْفَارِسَ، وَعَلَيْهِ حُمِلَ حَدِيثُ خَيْبَرَ فِي قَوْلِهِ: «وَكَانَتْ الرِّجَالُ أَلْفًا وَأَرْبَعَ مِائَةٍ، وَالْخَيْلُ مِائَتَيْ فَرَسٍ» فَقَالَ: الْمُرَادُ بِالرِّجَالِ الرَّجَّالَةُ وَبِالْخَيْلِ الْفُرْسَانُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤] أَيْ بِفُرْسَانِك وَرَجَّالَتِك. وَوَجْهُ التَّرْجِيحِ أَنَّ السَّهْمَيْنِ لِلْفَارِسِ مُتَيَقَّنٌ بِهِ لِاتِّفَاقِ الْآثَارِ عَلَيْهِ. وَفِيمَا يَكُونُ مُسْتَحَقًّا بِخِلَافِ الْقِيَاسِ لَا يَثْبُتُ إلَّا الْمُتَيَقَّنُ بِهِ، وَهُمَا قَالَا: الْمُثَبِّتُ لِلزِّيَادَةِ مِنْ الْأَخْبَارِ أَوْلَى مِنْ النَّافِي.\nوَوَجْهُ التَّوْفِيقِ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا يُرْوَى أَنَّهُ أَعْطَى الْفَارِسَ سَهْمَيْنِ بَيَانُ مَا فُضِّلَ الْفَارِسُ بِهِ عَلَى الرَّاجِلِ، لَا بَيَانُ جُمْلَةِ مَا أَعْطَاهُ.\nثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ قِسْمَةِ غَنَائِمِ خَيْبَرَ أَنَّهَا كَانَتْ عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَقَالَ فِي آخِرِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ: وَلَمْ يَكُنْ قَسَمَهَا النَّبِيُّ، إنَّمَا كَانَتْ فَوْضَى، وَكَانَ الَّذِي قَسَمَهَا وَأَرَّفَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - ﵁ -.","vol":"1","page":887},{"text":"وَمَعْنَى قَوْلِهِ فَوْضَى أَيْ مُتَسَاوِيَةٌ. وَمِنْهُ اشْتِقَاقُ الْمُفَاوَضَةِ. قَالَ الْقَائِلُ:\nلَا يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لَا سَرَاةَ لَهُمْ ... وَلَا سَرَاةَ إذَا جُهَّالُهُمْ سَادُوا\nوَمَعْنَى قَوْلِهِ أَرَّفَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَيْ أَخْرَجَ الْقُرْعَةَ وَوَضَعَهَا عَلَى كُلِّ سَهْمٍ.\nوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - ﵀ -: لَا سَهْمَ لِلرَّجُلِ إلَّا لِفَرَسٍ وَاحِدٍ. وَإِنْ حَضَرَ بِأَفْرَاسٍ. وَبِهِ أَخَذَ مُحَمَّدٌ.\nلِأَنَّهُ اجْتَمَعَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَهْلُ الْعِرَاقِ وَأَهْلُ الْحِجَازِ.\nفَأَمَّا أَهْلُ الشَّامِ فَيَقُولُونَ بِسَهْمٍ لِفَرَسَيْنِ وَيُجْعَلُ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ جَنِيبَةً. وَبِهِ أَخَذَ أَبُو يُوسُفَ - ﵀ - لِأَنَّ الْمُبَارِزَ قَدْ يَحْتَاجُ إلَى فَرَسَيْنِ لِيُقَاتِلَ عَلَيْهِمَا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ قَالَا: لَا يُقَاتِلُ عَادَةً إلَّا عَلَى فَرَسٍ وَاحِدٍ فَكَأَنَّ الثَّانِي وَالثَّالِثَ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ عَادَةً.\nوَهَذَا نَظِيرُ اخْتِلَافِهِمْ فِي نَفَقَةِ الْخَادِمِ أَيْضًا، فَإِنَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ الْقَاضِي: لَا يَفْرِضُ النَّفَقَةَ إلَّا لِخَادِمٍ وَاحِدٍ مِنْ خَدَمِ الْمَرْأَةِ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَفْرِضُ لَهَا نَفَقَةَ خَادِمَيْنِ. وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ مِنْ شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ \".\nثُمَّ قَدْ جَاءَتْ الْآثَارُ بِمَا يَشْهَدُ لِكُلِّ قَوْلٍ عَلَى مَا رَوَاهَا فِي الْكِتَابِ بِالْأَسَانِيدِ وَالتَّوْفِيقِ وَالتَّرْجِيحِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ.","vol":"1","page":888},{"text":"عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى.\nوَذُكِرَ: عَنْ مَالِكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخَثْعَمِيِّ قَالَ: كُنْت بِالْمَدِينَةِ، فَقَامَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ - ﵁ - فَقَالَ: هَلْ هَاهُنَا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ أَحَدٌ؟ فَقُلْت: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: فَإِذَا أَتَيْت مُعَاوِيَةَ فَأْمُرْهُ إنْ فَتْحَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ خَمْسَةَ أَسْهُمٍ، ثُمَّ يَكْتُبَ فِي أَحَدِهَا اللَّهَ، ثُمَّ يُقْرِعُ، فَحَيْثُ مَا وَقَعَ فَلْيَأْخُذْهُ.\nوَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْأَمِيرِ أَنْ يَتَخَيَّرَ إذَا مَيَّزَ الْخُمُسَ مِنْ الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ، وَلَكِنَّهُ يُمَيِّزُ بِالْقُرْعَةِ. وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: كَانَتْ الْغَنَائِمُ تُجَزَّأُ خَمْسَةَ أَجْزَاءٍ، ثُمَّ يُسْهَمُ عَلَيْهَا، فَمَا كَانَ لِلنَّبِيِّ فَهُوَ لَهُ، وَلَا يَتَخَيَّرُ.\nفَكَأَنَّ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ كُلَّ أَمِيرٍ مَنْدُوبٌ إلَى مُرَاعَاةِ قُلُوبِ الرَّعِيَّةِ، وَإِلَى نَفْيِ تُهْمَةِ الْمَيْلِ وَالْأَثَرَةِ عَنْ نَفْسِهِ. وَذَلِكَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِاسْتِعْمَالِ الْقُرْعَةِ عِنْدَ الْقِسْمَةِ. وَلِهَذَا تُسْتَعْمَلُ الْقُرْعَةُ فِي قِسْمَةِ الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ بَيْنَ الْعُرَفَاءِ، ثُمَّ يَسْتَعْمِلُ كُلُّ عَرِيفٍ الْقُرْعَةَ فِي الْقِسْمَةِ بَيْنَ مَنْ تَحْتَ رَايَتِهِ. فَكَذَلِكَ يَسْتَعْمِلُ الْقُرْعَةَ فِي تَمْيِيزِ الْخُمُسِ مِنْ الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ.","vol":"1","page":889},{"text":"وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ (ص ٢٩٢) «أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - كَانَ إذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ» . وَقَدْ كَانَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِمَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ بِغَيْرِ إقْرَاعٍ فَإِنَّهُ لَا حَقَّ لِلْمَرْأَةِ فِي الْقَسْمِ عِنْدَ سَفَرِ الزَّوْجِ. وَمَعَ هَذَا كَانَ يُقْرِعُ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِنَّ وَنَفْيًا لِتُهْمَةِ الْمَيْلِ عَنْ نَفْسِهِ. فَكَذَا يَنْبَغِي لِلْأَمِيرِ أَنْ يَفْعَلَ فِي الْقِسْمَةِ أَيْضًا.","vol":"1","page":890},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>[بَابُ سُهْمَانِ الْبَرَاذِينِ]</span>\n٩٧ - بَابُ سُهْمَانِ الْبَرَاذِينِ ١٥٩٩ - قَالَ عُلَمَاؤُنَا - ﵏ -: الْبِرْذَوْنُ فِي اسْتِحْقَاقِ السَّهْمِ بِهِ كَالْفَرَسِ. وَكَذَا الْهَجِينُ وَالْمَقْرِفُ وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَأَهْلِ الْحِجَازِ.\nفَالْفَرَسُ اسْمٌ لِلْفَرَسِ الْعَرَبِيِّ. وَالْبِرْذَوْنُ لِلْفَرَسِ الْعَجَمِيِّ. وَالْهَجِينُ مَا يَكُونُ الْفَحْلُ عَرَبِيًّا وَالْأُمُّ مِنْ أَفْرَاسِ الْعَجَمِ. وَالْمَقْرِفُ عَلَى عَكْسِ هَذَا.\nثُمَّ فِي اسْتِحْقَاقِ السَّهْمِ مِنْ الْغَنِيمَةِ الْعَرَبِيُّ وَالْعَجَمِيُّ سَوَاءٌ. فَكَذَلِكَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ بِالْخَيْلِ. وَهَذَا لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِالْخَيْلِ لِإِرْهَابِ الْعَدُوِّ بِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] وَاسْمُ الْخَيْلِ يَتَنَاوَلُ الْبَرَاذِينَ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّهُ سُئِلَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ صَدَقَةِ الْبَرَاذِينِ فَقَالَ: أَوَ فِي الْخَيْلِ صَدَقَةٌ؟ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵁ -: الْفَرَسُ وَالْبِرْذَوْنُ سَوَاءٌ.","vol":"1","page":891},{"text":"إذْ الِاسْتِحْقَاقُ بِالْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَرْبِ يَقُولُونَ: الْبِرْذَوْنُ أَفْضَلُ فِي الْقِتَالِ عِنْدَ اللِّقَاءِ مِنْ الْفَرَسِ. فَإِنَّهُ أَلْيَنُ عَطْفًا وَأَشَدُّ مُتَابَعَةً لِصَاحِبِهِ عَلَى مَا يُرِيدُ، وَأَصْبَرُ فِي الْقِتَالِ. فَمَا يَفْضُلُهَا الْعَرَّابُ إلَّا لِلطَّلَبِ وَالْهَرَبِ. فَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَوْعُ زِيَادَةٍ فِيمَا هُوَ مِنْ أَمْرِ الْقِتَالِ، فَيَسْتَوِيَانِ، إذْ الِاسْتِحْقَاقُ بِالْتِزَامِ مُؤْنَةِ الْفَرَسِ، وَمُؤْنَةُ الْبِرْذَوْنِ لَا تَكُونُ دُونَ مُؤْنَةِ الْفَرَسِ.\n١٦٠٠ - فَأَمَّا أَهْلُ الشَّامِ فَيَقُولُونَ: لَا سَهْمَ لِلْبِرْذَوْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُقَارِبًا لِلْفَرَسِ وَيَسْتَدِلُّونَ فِي ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ كَتَبَ إلَى عُمَرَ - ﵁ -: أَمَّا بَعْدُ. فَإِنَّا أَصَبْنَا مِنْ خَيْلِ الْقَوْمِ خَيْلًا دُكًّا عِرَاضًا، فَمَا يَرَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي إسْهَامِهَا؟ فَكَتَبَ إلَيْهِ: إنَّ ذَلِكَ يُسَمَّى الْبَرَاذِينَ، فَانْظُرْ، فَمَا كَانَ مِنْهَا مُقَارِبًا لِلْخَيْلِ فَأَسْهِمْهَا سَهْمًا، وَأَلْغِ مَا سِوَاهَا. وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَإِنَّهُ قَالَ لِعَامِلِهِ: فَإِنْ كَانَ بِرْذَوْنًا رَائِعَ الْجَرْيِ وَالْمَنْظَرِ فَأَسْهِمْ لَهُ، وَلَا تُسْهِمْ لِمَا سِوَى ذَلِكَ.\nوَأُتِيَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِهَجِينٍ. فَقَالَ: لَأَنْ أَسْتَفَّ التُّرَابَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْسِمَ لَهُ.","vol":"1","page":892},{"text":"وَعَنْ كُلْثُومِ بْنِ الْأَقْمَرِ قَالَ: أَغَارَتْ الْخَيْلُ بِالشَّامِ فَأَدْرَكْتُ الْعِرَابَ مِنْ يَوْمِهَا، وَأَدْرَكْت الكودان ضُحَى الْغَدِ وَعَلَيْهِمْ الْمُنْذِرُ بْنُ أَبِي حِمَّصَةَ الْوَادِعِيُّ. فَقَالَ: لَا أَجْعَلُ مَا أُدْرِكَ سَابِقًا كَمَا لَا يُدْرَكُ. فَكَتَبَ بِذَلِكَ إلَى عُمَرَ - ﵁ - فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ - ﵁ -: هَبِلَتْ الْوَادِعِيَّ أُمُّهُ لَقَدْ أَذْكَتْ بِهِ، أَيْ أَتَتْ بِهِ ذَكِيًّا.\nوَفِي رِوَايَةٍ: لَقَدْ أَذَكَرَتْهُ. أَيْ أَتَتْ بِهِ ذَكَرًا. فَامْضُوهَا عَلَى مَا قَالَ. إلَّا أَنَّا نَقُولُ: هَذِهِ الْآثَارُ تُحْمَلُ عَلَى مَا لَا يَكُونُ صَالِحًا لِلْقِتَالِ مِمَّا يُعَدُّ لِحَمْلِ الْأَمْتِعَةِ عَلَيْهِ دُونَ الْقِتَالِ بِهِ.\nوَقَدْ نُقِلَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: مَا كَانَ مِنْ فَرَسٍ ضَرْعٍ أَوْ بَغْلٍ فَاجْعَلُوا صَاحِبَهُ بِمَنْزِلَةِ الرَّجَّالَةِ.\nثُمَّ فِي حَدِيثِ الْمُنْذِرِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِسْهَامَ لِلْبَرَاذِينِ كَانَ مَعْرُوفًا بَيْنَهُمْ. فَإِنَّ عُمَرَ تَعَجَّبَ مِنْ صَنِيعِهِ، وَمَا تَعَجَّبَ إلَّا لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ صَنَعَ ذَلِكَ قَبْلَ هَذَا. ثُمَّ الْمُنْذِرُ كَانَ عَامِلًا فَحَكَمَ فِيمَا هُوَ مُجْتَهِدٌ فِيهِ، وَأَمْضَى عُمَرُ حُكْمَهُ لِهَذَا، لَا لِأَنَّ رَأْيَهُ كَانَ مُوَافِقًا لِذَلِكَ. وَنَحْنُ هَكَذَا نَقُولُ: إنَّ الْحَاكِمَ إذَا قَضَى فِي الْمُجْتَهَدِ بِشَيْءٍ فَلَيْسَ لِمَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْحُكَّامِ أَنْ يُبْطِلَ ذَلِكَ.\n- ثُمَّ قَالَ: بَعْضُ أَهْلِ الشَّامِ: يُسْهِمُ لِلْبِرْذَوْنِ سَهْمًا وَلِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ. وَهَكَذَا ذُكِرَ قَبْلَ ذَلِكَ (ص ٢٩٣) مُفَسَّرًا فِي حَدِيثِ الْمُنْذِرِ.","vol":"1","page":893},{"text":"وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُسْهَمُ لِلْبِرْذَوْنِ أَصْلًا. كَمَا ذَكَرَهُ فِي حَدِيثِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ. وَقَالَ: صَاحِبُ الْبِرْذَوْنِ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الْحِمَارِ وَالْبَغْلَةِ.\n\n- وَذَكَرَ عَنْ عُمَرَ - ﵁ - قَالَ: إذَا جَاوَزَ الْفَرَسُ الدَّرْبَ ثُمَّ نَفَقَ أُسْهِمَ لَهُ. وَبِهِ أَخَذَ عُلَمَاؤُنَا فَقَالُوا: مَعْنَى إرْهَابِ الْعَدُوِّ يَحْصُلُ بِمُجَاوَزَةِ الدَّرْبِ فَارِسًا، فَإِنَّ الدَّوَاوِينَ إنَّمَا تُدَوَّنُ، وَالْأَسَامِيَ إنَّمَا تَكْتُبُ عِنْدَ مُجَاوَزَةِ الدَّرْبِ. ثُمَّ يَنْتَشِرُ الْخَبَرُ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِأَنَّهُ جَاوَزَ كَذَا كَذَا فَارِسٌ وَكَذَا كَذَا رَاجِلٌ. فَلِحُصُولِ مَعْنَى الْإِرْهَابِ بِهِ يَسْتَحِقُّ السَّهْمَ.\nوَلَا يُعَارِضُ هَذَا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ: الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ.\nلِأَنَّ عِنْدَنَا مَنْ نَفَقَ فَرَسُهُ بَعْدَ مُجَاوَزَةِ الدَّرْبِ فَإِنَّمَا يَأْخُذُ الْغَنِيمَةَ إذَا شَهِدَ الْوَقْعَةَ. عَلَى أَنَّ دُخُولَ دَارِ الْحَرْبِ فَارِسًا بِمَنْزِلَةِ شُهُودِ الْوَقْعَةِ فَارِسًا، وَلِذَلِكَ جَعَلْنَا لِلْمَدَدِ شَرِكَةً مَعَ الْجَيْشِ فِي الْمُصَابِ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا الْوَقْعَةَ. وَهَذَا لِأَنَّ إعْزَازَ الدِّينِ يَحْصُلُ بِدُخُولِ دَارِ الْحَرْبِ عَلَى قَصْدِ الْجِهَادِ. قَالَ عَلِيٌّ - ﵁ -: مَا غُزِيَ قَوْمٌ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إلَّا ذَلُّوا.","vol":"1","page":894},{"text":"- وَلَا يُسْهَمُ عِنْدَنَا لِصَبِيٍّ وَلَا لِامْرَأَةٍ وَلَا لِعَبْدٍ وَلَا لِذِمِّيٍّ وَإِنَّمَا يُسْهَمُ لِلْمُقَاتِلَةِ مِنْ أَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ، قَاتَلُوا أَوْ لَمْ يُقَاتِلُوا، وَيُرْضَخُ لِمَنْ سِوَاهُمْ إذَا قَاتَلُوا، وَلِلنِّسَاءِ إذَا خَرَجْنَ لِمُدَاوَاةِ الْجَرْحَى وَالطَّبْخِ وَالْخَبْزِ لِلْغُزَاةِ.\nوَأَهْلُ الشَّامِ يَقُولُونَ: يُسْهَمُ لِلْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ. وَاسْتَدَلُّوا فِيهِ بِحَدِيثِ مَكْحُولٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَسْهَمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ لِلنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ» وَفِي صِحَّةِ هَذَا الْخَبَرِ نَظَرٌ.\nوَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْقِسْمَةَ يَوْمَئِذٍ كَانَتْ عَلَى أَلْفٍ وَثَمَانِمِائَةِ سَهْمٍ، فَكَانَ الرِّجَالُ أَلْفًا وَأَرْبَعَ مِائَةٍ، وَالْخَيْلُ مِائَتَيْ فَرَسٍ، لَمْ يُذْكَرْ فِي ذَلِكَ امْرَأَةٌ وَلَا صَبِيٌّ. وَلَوْ كَانُوا لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: كَانَتْ الرِّجَالُ كَذَا وَكَذَا، وَالصِّبْيَانُ كَذَا، وَالنِّسَاءُ كَذَا، لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يُقَالَ ذُكِرَتْ الْخَيْلُ وَلَمْ تُذْكَرْ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ضَعْفِ الْحَدِيثِ مَا اُشْتُهِرَ مِنْ قَوْلِ الْكِبَارِ مِنْ الصَّحَابَةِ، فَإِنَّ عُمَرَ - ﵁ - كَانَ يَقُولُ: لَيْسَ لِلْعَبْدِ فِي الْمَغْنَمِ نَصِيبٌ.\n١٦٠٤ - وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «لَا يُسْهَمُ لِلنِّسَاءِ، وَلَكِنْ يُحْذَيْنَ مِنْ الْغَنَائِمِ. أَيْ يُعْطَى لَهُنَّ رَضْخًا» . هَكَذَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﵇ -.\nوَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ - ﵁ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ لَا يُسْهِمُ لِلْعَبِيدِ وَالصِّبْيَانِ» .","vol":"1","page":895},{"text":"وَعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لَا يُسْهِمُ لِلْمَمْلُوكِينَ» .\nوَرَوَى «أَنَّ شُقْرَانَ غُلَامَ النَّبِيِّ - ﵇ - شَهِدَ بَدْرًا مَعَهُ فَلَمْ يُسْهِمْ لَهُ، وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْأَسَارَى فَجَزَاهُ كُلَّ رَجُلٍ مِنْ الْأَسَارَى، حَتَّى كَانَ حَظُّهُ كَحَظِّ رَجُلٍ مِنْ الثَّمَانِيَةِ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، وَقَدْ سَمَّاهُمْ فِي الْكِتَابِ» . وَعَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ قَالَ: «شَهِدْت خَيْبَرَ وَأَنَا مَمْلُوكٌ، فَلَمْ يُسْهِمْ لِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَأَعْطَانِي مِنْ خُرْثِيِّ الْمَتَاعِ» .\nفَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ أَنَّهُ رَضَخَ لِهَؤُلَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ. وَبِهِ نَقُولُ أَنَّهُ يُرْضَخُ لَهُمْ. وَهَذَا لِأَنَّهُمْ أَتْبَاعٌ، وَلَا يُسَوَّى بَيْنَ التَّبَعِ وَالْمَتْبُوعِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ، بِخِلَافِ الْخَيْلِ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا، وَإِنَّمَا الْمُسْتَحِقُّ صَاحِبُهُ، فَلَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ مَعْنَى الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ التَّبَعِ وَالْمَتْبُوعِ.\nوَكَذَلِكَ (ص ٢٩٤) أَهْلُ الذِّمَّةِ أَتْبَاعٌ، فَإِنَّ فِعْلَهُمْ لَا يَكُونُ جِهَادًا فَيُرْضَخُ لَهُمْ وَلَا يُسْهَمُ، إلَّا أَنَّ عَطَاءً كَانَ يَقُولُ: إنْ خَرَجَ الْإِمَامُ بِهِمْ كُرْهًا فَلَهُمْ أَجْرُ مِثْلِهِمْ. وَابْنُ سِيرِينَ كَانَ يَقُولُ: يَضَعُ عَنْهُمْ الْجِزْيَةَ. وَمُرَادُهُمْ مِنْ ذَلِكَ بَيَانُ الرَّضْخِ أَنَّهُ يَكُونُ بِحَسَبِ الْعَنَاءِ وَالْقِتَالِ.\nوَكَانَ الزُّهْرِيُّ يَقُولُ: يُسْهَمُ لَهُمْ كَمَا يُسْهَمُ لِلْمُسْلِمِينَ.\nوَرُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - غَزَا بِأُنَاسٍ مِنْ الْيَهُودِ فَجَعَلَ لَهُمْ سُهْمَانًا مِثْلَ سُهْمَانِ الْمُسْلِمِينَ» . وَلِأَجْلِ هَذَا الِاخْتِلَافِ قَالَ مُحَمَّدٌ - ﵀ -:","vol":"1","page":896},{"text":"١٦٠٥ - وَلَوْ أَنَّ وَالِيًا جَعَلَ لِهَؤُلَاءِ السَّهْمِ كَمَا لِلْمُسْلِمِينَ نَفَذَ حُكْمُهُ، حَتَّى لَوْ رُفِعَ إلَى وَالٍ آخَرَ يَرَى خِلَافَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُمْضِيَ ذَلِكَ الْحُكْمَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُبْطِلَهُ. لِأَنَّهُ أَمْضَى الْحُكْمَ فِي فَصْلٍ مُجْتَهَدٍ بِهِ وَالْحُكْمُ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ نَافِذٌ بِالْإِجْمَاعِ فَفِي إبْطَالِهِ مُخَالَفَةُ الْإِجْمَاعِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ.\n\n- وَلَا يُسْهَمُ لِلْأَجِيرِ الَّذِي يَسْتَأْجِرُهُ غَازٍ فَيَخْدُمُهُ لِأَنَّهُ أَخَذَ عَلَى خُرُوجِهِ مَالًا فَلَا يَسْتَوْجِبُ لِهَذَا الْخُرُوجِ شَيْئًا مِنْ الْغَنِيمَةِ.\nوَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ - ﵁ - اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا بِثَلَاثَةِ دَنَانِيرَ، فَلَمَّا طَلَبَ سَهْمَهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: هَذِهِ الدَّنَانِيرُ حَظُّك فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» .\nوَعَنْ عِكْرِمَةَ «أَنَّ أَجِيرًا كَانَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي غَزْوَةٍ فَلَمْ يُسْهِمْ لَهُ شَيْئًا» .\nوَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّهُ يُسْهَمُ لِلْأَجِيرِ.\nوَتَأْوِيلُ هَذَا أَنَّهُ إذَا قَاتَلَ وَتَرَكَ الْعَمَلَ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَيَسْتَحِقُّ السَّهْمَ، وَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَهُوَ يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ فَلَا يَسْتَحِقُّ السَّهْمَ، وَحَالُهُ كَحَالِ التَّاجِرِ فِي الْعَسْكَرِ: إنْ قَاتَلَ اسْتَحَقَّ السَّهْمَ، وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ لَا يَسْتَحِقَّ السَّهْمَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":897},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>[بَابُ سُهْمَانِ الْخَيْلِ فِي دَارِ الْحَرْبِ]</span>\n٩٨ - بَابُ سُهْمَانِ الْخَيْلِ فِي دَارِ الْحَرْبِ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَنْ نَفَقَ فَرَسُهُ بَعْدَ مُجَاوَزَةِ الدَّرْبِ فَهُوَ يَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ.\n١٦٠٧ - قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ عُقِرَ فَرَسُهُ فِي الْقِتَالِ أَوْ قُتِلَ اسْتَحَقَّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ.\nوَإِنْ كَانَتْ إصَابَةُ الْغَنَائِمِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي حَالِ مَا كَانَ هُوَ رَاجِلًا. وَكَذَلِكَ لَوْ أَخَذَ الْعَدُوُّ فَرَسَهُ وَأَحْرَزُوهُ.\nإذْ لَوْ قُلْنَا: يَحْرُمُ سَهْمُ الْفَرَسِ بِهَذَا، امْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْخَيْلِ مَخَافَةَ أَنْ تَبْطُلَ سِهَامُهُمْ بِهَا.\nوَإِنَّمَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَ مَا فِيهِ زِيَادَةُ تَحْرِيضٍ لِلْمُسْلِمِينَ. ثُمَّ الِاسْتِحْقَاقُ بِالْتِزَامِ مُؤْنَةُ الْفَرَسِ فِي دَارِ الْحَرْبِ عَلَى قَصْدِ الْقِتَالِ لَا بِمُبَاشَرَةِ الْقِتَالِ فَارِسًا. أَلَا تَرَى أَنَّ قِتَالَهُمْ لَوْ كَانَ فِي الْمَغَائِضِ أَوْ عَلَى أَبْوَابِ الْحُصُونِ أَوْ فِي السُّفُنِ، فَإِنَّ مَنْ كَانَ فَارِسًا مِنْهُمْ اسْتَحَقَّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ؟ وَقَدْ","vol":"1","page":898},{"text":"«أَسْهَمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَوْمَ حُنَيْنٍ لِلْفُرْسَانِ، وَكَانَتْ حُصُونًا افْتَتَحُوهَا بِالْقِتَالِ رَجَّالَةً» فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْتِزَامُ مُؤْنَةِ الْفَرَسِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا الْقِتَالُ عَلَيْهِ.\n\n- وَلَوْ ضَنَّ بِفَرَسِهِ فَرَبَطَهُ فِي الْمُعَسْكَرِ عَلَى آرِيٍّ فَقَاتَلَ رَاجِلًا اسْتَحَقَّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ. فَإِذَا أُصِيبَ فَرَسُهُ فِي الْقِتَالِ لَأَنْ يَسْتَحِقَّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ كَانَ أَوْلَى.\n\n- وَلَوْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ رَاجِلًا ثُمَّ اشْتَرَى فَرَسًا فَقَاتَلَ فَارِسًا لَمْ يَسْتَحِقَّ سَهْمَ الرَّجَّالَةِ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ - ﵀ - يَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ.\nلِأَنَّهُ الْتَزَمَ مُؤْنَةَ الْفَرَسِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِلْقِتَالِ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّ مُجَاوَزَةَ الدَّرْبِ بِمَنْزِلَةِ الْقِتَالِ حُكْمًا. فَإِذَا كَانَ يَسْتَحِقُّ بِهِ سَهْمَ الْفُرْسَانِ فَلَأَنْ يَسْتَحِقَّ بِحَقِيقَةِ الْقِتَالِ فَارِسًا كَانَ أَوْلَى. وَوَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ انْعِقَادَ (ص ٢٩٥) سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ يَكُونُ مُجَاوَزَةَ الدَّرْبِ، وَقَدْ انْعَقَدَ لَهُ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِ سَهْمِ الرَّاجِلِ، فَلَا يَتَغَيَّرُ بَعْدَ ذَلِكَ. وَهَذَا لِأَنَّهُ يَشُقُّ عَلَى الْإِمَامِ مُرَاعَاةُ حَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْغُزَاةِ فِي كُلِّ وَقْتٍ. فَيَجِبُ اعْتِبَارُ حَالِ مُجَاوَزَةِ الدَّرْبِ تَيْسِيرًا، لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ عَرَضَ الْجَيْشِ عِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ فِي حَالِ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ. فَمَنْ أُثْبِتَ فَارِسًا فِي الدِّيوَانِ","vol":"1","page":899},{"text":"عِنْدَ ذَلِكَ يَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ وَإِنْ تَغَيَّرَ حَالُهُ. وَمَنْ أُثْبِتَ فِي دِيوَانِ الرَّجَّالَةِ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا سَهْمَ رَاجِلٍ وَإِنْ تَغَيَّرَ حَالُهُ.\n\n- فَإِنْ دَخَلَ بِفَرَسٍ لَا يُسْتَطَاعُ الْقِتَالُ عَلَيْهِ، لِضَعْفِ كِبَرٍ، أَوْ مُهْرٍ لَمْ يُرْكَبْ، لَمْ يُضْرَبْ لَهُ بِسَهْمِ فَارِسٍ.\nلِأَنَّ مَا دَخَلَ بِهِ لَيْسَ بِصَالِحٍ لِلْقِتَالِ عَلَيْهِ. فَعَرَفْنَا أَنَّهُ دَخَلَ رَاجِلًا، وَحَالُهُ دُونَ حَالِ مَنْ دَخَلَ بِبَغْلَةٍ أَوْ حِمَارٍ أَوْ بَعِيرٍ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يُسْهَمُ لَهُ إلَّا سَهْمُ رَاجِلٍ.\n\n- فَإِنْ كَانَ الْفَرَسُ مَرِيضًا لَا يُسْتَطَاعُ الْقِتَالُ عَلَيْهِ حِينَ قُتِلَ بِهِ فَلَمْ يَغْنَمْ الْمُسْلِمُونَ غَنِيمَةً حَتَّى صَحَّ الْفَرَسُ، فَفِي الْقِيَاسِ لَهُ سَهْمُ رَاجِلٍ.\nلِأَنَّهُ عِنْدَ مُجَاوَزَةِ الدَّرْبِ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ فَرَسٌ صَالِحٌ لِلْقِتَالِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا صَارَ بَعْدَ ذَلِكَ حِينَ صَحَّ، فَيُجْعَلُ كَمَا لَوْ اشْتَرَى فَرَسًا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، أَوْ دَخَلَ بِمُهْرٍ ثُمَّ طَالَ مَقَامُهُمْ حَتَّى صَارَ بِحَالٍ يُرْكَبُ. وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ:\n١٦١٢ - يُضْرَبُ لَهُ بِسَهْمِ فَارِسٍ فِي كُلِّ غَنِيمَةٍ أَصَابُوهَا قَبْلَ بُرْئِهِ أَوْ بَعْدَ بُرْئِهِ.\nلِأَنَّ مَا دَخَلَ بِهَذَا الْفَرَسِ إلَّا لِلْقِتَالِ عَلَيْهِ، وَمَا الْتَزَمَ مُؤْنَتَهُ إلَّا لِذَلِكَ. فَإِنَّهُ كَانَ صَالِحًا لِلْقِتَالِ عَلَيْهِ، إلَّا أَنَّهُ تَعَذَّرَ ذَلِكَ بِعَارِضٍ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ. فَإِذَا زَالَ صَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ. بِخِلَافِ الْمُهْرِ، فَإِنَّهُ مَا كَانَ صَالِحًا لِلْقِتَالِ عَلَيْهِ،","vol":"1","page":900},{"text":"وَإِنَّمَا صَارَ صَالِحًا لِذَلِكَ ابْتِدَاءً فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَيَكُونُ حَالُهُ كَحَالِ مَنْ اشْتَرَى فَرَسًا فِي دَارِ الْحَرْبِ. وَاَلَّذِي يُوَضِّحُ هَذَا الْفَرْقَ أَنَّ الصَّغِيرَةَ لَا تَسْتَوْجِبُ النَّفَقَةَ عَلَى زَوْجِهَا، لِأَنَّهَا لَا تَصْلُحُ لِخِدْمَةِ الزَّوْجِ، وَالْمَرِيضَةُ الَّتِي لَا يُجَامَعُ مِثْلُهَا لَا تَسْتَوْجِبُ النَّفَقَةَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا كَانَتْ صَالِحَةً لِخِدْمَتِهِ، وَإِنَّمَا تَعَذَّرَ ذَلِكَ بِعَارِضٍ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ. فَكَذَلِكَ الْفَرَسُ إذَا ضَلَعَ أَوْ مَرِضَ عِنْدَ مُجَاوَزَةِ الدَّرْبِ، بِخِلَافِ مَا إذَا ضَعْفُهُ لِكِبَرٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ.\n\n- وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ فَارِسًا فَقُتِلَ فَرَسُهُ وَأُخِذَ أَسِيرًا قَبْلَ أَنْ تُصَابَ الْغَنَائِمُ، ثُمَّ أَصَابَ الْجَيْشُ الْغَنَائِمَ فَلَمْ يُخْرِجُوهَا حَتَّى انْفَلَتَ فَلَحِقَ بِهِمْ، فَلَهُ سَهْمُ الْفُرْسَانِ.\nلِأَنَّهُ انْعَقَدَ لَهُ بِسَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ مَعَهُمْ عِنْدَ مُجَاوَزَةِ الدَّرْبِ، وَشَارَكَهُمْ فِي إحْرَازِ الْغَنَائِمِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ فَيُجْعَلُ فِي الْحُكْمِ. كَأَنَّهُ لَمْ يُفَارِقْهُمْ. لِأَنَّهُ اُبْتُلِيَ بِمُفَارَقَتِهِمْ بِعَارِضٍ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ، فَإِذَا زَالَ صَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ.\n\n- وَلَوْ كَانَ خَرَجَ ذَلِكَ الْجَيْشُ وَدَخَلَ جَيْشٌ آخَرُ فَانْفَلَتَ إلَيْهِمْ رَاجِلًا، ثُمَّ أَصَابُوا غَنَائِمَ بَعْدَ مَا لَحِقَ بِهِمْ. فَلَهُ فِي ذَلِكَ سَهْمُ رَاجِلٍ، وَلَا يُشْرِكُهُمْ فِيمَا أَصَابُوا قَبْلَ أَنْ يَلْتَحِقَ بِهِمْ.","vol":"1","page":901},{"text":"لِأَنَّهُ مَا انْعَقَدَ لَهُ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ مَعَهُمْ، وَقَدْ تَمَّ ذَلِكَ السَّبَبُ الَّذِي انْعَقَدَ لَهُ بِخُرُوجِ ذَلِكَ الْجَيْشِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَكُنْ هُوَ مَعَهُمْ، فَبَطَلَ ذَلِكَ الِاسْتِحْقَاقُ. ثُمَّ قَدْ انْعَقَدَ لَهُ بِاللُّحُوقِ بِالْجَيْشِ الثَّانِي سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ الْآنَ ابْتِدَاءً، فَيُعْتَبَرُ حَالُهُ فِي هَذَا الْوَقْتِ.\n١٦١٥ - فَإِنْ لَحِقَ بِهِمْ رَاجِلًا اسْتَحَقَّ سَهْمَ الرَّجَّالَةِ، وَإِنْ لَحِقَ فَارِسًا اسْتَحَقَّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ. بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَالْتَحَقَ بِالْجَيْشِ، أَوْ كَانَ تَاجِرًا مُسْتَأْمَنًا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَالْتَحَقَ بِالْجَيْشِ. وَلِهَذَا لَا شَرِكَةَ لَهُ فِيمَا أُصِيبَ قَبْلَ ذَلِكَ.\nلِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ مَا كَانَ مُنْعَقِدًا لَهُ حِينَ أُصِيبَ ذَلِكَ.\n١٦١٦ - إلَّا أَنْ يُبْتَلَى الْمُسْلِمُونَ بِقِتَالٍ فَيُقَاتِلَ مَعَهُمْ عَنْ ذَلِكَ، (ص ٢٦٩) فَحِينَئِذٍ يَسْتَحِقُّ الشَّرِكَةَ فِيهِمْ بِسَهْمِ رَاجِلٍ إنْ الْتَحَقَ بِهِمْ رَاجِلًا، وَبِسَهْمِ فَارِسٍ إنْ الْتَحَقَ بِهِمْ فَارِسًا عَلَى فَرَسٍ اشْتَرَاهُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَوْ وَهَبُوهُ لَهُ. لِأَنَّ ذَلِكَ الْفَرَسَ لَهُ عَلَى الْخُلُوصِ فَيَكُونُ بِهِ فَارِسًا.\n١٦١٧ - وَإِنْ كَانَ أَخَذَ ذَلِكَ الْفَرَسَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ بِغَيْرِ طِيبِ أَنْفُسِهِمْ فَهُوَ رَاجِلٌ، وَذَلِكَ الْفَرَسُ يَكُونُ فَيْئًا.\nلِأَنَّهُ أَحْرَزَهُ بِمَنَعَةِ الْجَيْشِ، فَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ، وَيُشَارِكُهُ فِيهِ الْجَيْشُ، وَهُوَ لَا يَكُونُ فَارِسًا بِفَرَسٍ هُوَ مِنْ الْغَنِيمَةِ.","vol":"1","page":902},{"text":"أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُقَاتِلَ عَلَى ذَلِكَ الْفَرَسِ؟\n\n- وَلَوْ كَانَ ارْتَدَّ وَلَحِقَ بِالْعَدُوِّ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَلَحِقَ بِالْعَسْكَرِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْأَسِيرِ، وَاَلَّذِي أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا.\n١٦١٩ - فَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا إلَى الْعَسْكَرِ حَتَّى نَفَقَتْ خُيُولُهُمْ فَهُمْ رَجَّالَةٌ.\nلِأَنَّ حَالَةَ اللُّحُوقِ بِالْعَسْكَرِ فِي حَقِّهِمْ بِمَنْزِلَةِ مُجَاوَزَةِ الدَّرْبِ فِي حَقِّ مَنْ دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ. إلَّا أَنْ يَكُونُوا قَدْ قَرُبُوا مِنْ الْعَسْكَرِ بِحَيْثُ يَكُونُ الْعَسْكَرُ رِدْءًا لَهُمْ يُغِيثُونَهُمْ إنْ طَلَبُوا الْغِيَاثَ، ثُمَّ نَفَقَ الْفَرَسُ فَحِينَئِذٍ يَسْتَحِقُّونَ سَهْمَ الْفُرْسَانِ،.\nلِأَنَّهُمْ وَصَلُوا إلَى الْعَسْكَرِ فُرْسَانًا، فَكَأَنَّهُمْ خَالَطُوهُمْ. ثُمَّ نَفَقَتْ أَفْرَاسُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ.\n\n- وَلَوْ دَخَلَ مُسْلِمٌ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمْرِ الْإِمَامِ فَارِسًا عَلَى إثْرِ الْعَسْكَرِ فَنَفَقَ فَرَسُهُ ثُمَّ أَدْرَكَهُمْ رَاجِلًا يُضْرَبُ لَهُ بِسَهْمِ فَارِسٍ.\nلِأَنَّهُ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ غَازِيًا عَلَى فَرَسٍ، فَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ لُحُوقِهِ بِالْجَيْشِ فِي اسْتِحْقَاقِ أَصْلِ الشَّرِكَةِ، عَلَى مَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمَدَدَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ فِي اسْتِحْقَاقِ السَّهْمِ، فَكَذَلِكَ فِي صِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ. وَهَذَا مَدَدٌ حِينَ دَخَلَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ.","vol":"1","page":903},{"text":"- فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ نَهَى النَّاسَ أَنْ يَدْخُلُوا بَعْدَ الْعَسْكَرِ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَإِنَّمَا يَنْظُرُ الْآنَ إلَى حَالِهِ يَوْمَ لُحُوقِهِمْ.\nلِأَنَّهُ دَخَلَ لِصًّا مُغِيرًا، وَمَا دَخَلَ غَازِيًا حِينَ دَخَلَ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَصَابَ وَحْدَهُ شَيْئًا لَمْ يُخَمَّسْ ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَنْ دَخَلَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ. وَأَنَّ هَذَا لَا يُشَارِكُ الْجَيْشَ فِيمَا أَصَابُوهُ قَبْلَ أَنْ يَلْتَحِقَ بِهِمْ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَيَكُونُ حَالُ هَذَا كَحَالِ الْأَسِيرِ، وَاَلَّذِي أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فِي أَنَّهُ يُعْتَبَرُ حَالُهُ وَقْتَ اللُّحُوقِ لِأَنَّهُ صَارَ غَازِيًا حِينَئِذٍ.\n\n- وَلَوْ أَنَّ التُّجَّارَ فِي عَسْكَرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ كَانُوا فُرْسَانًا فَقَاتَلُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّمَا يُنْظَرُ إلَى حَالِهِمْ حِينَ قَاتَلُوا.\nلِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ يَنْعَقِدُ لَهُمْ ابْتِدَاءً فِي هَذَا الْوَقْتِ. فَإِنَّهُمْ كَانُوا تُجَّارًا قَبْلَ هَذَا لَا غُزَاةً. فَمَنْ كَانَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَارِسًا اسْتَحَقَّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَارِسًا اسْتَحَقَّ الرَّضْخَ بِحَسَبِ ذَلِكَ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ رَاجِلًا اسْتَحَقَّ الرَّضْخَ بِسَبَبِ ذَلِكَ.\n١٦٢٣ - وَلَوْ أَسْلَمُوا ثُمَّ قَاتَلُوا مَعَهُمْ فَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ حَالُهُمْ فِي صِفَةِ اسْتِحْقَاقِ السَّهْمِ حِينَ قَاتَلُوا مَعَهُمْ. لِأَنَّ حَالَهُمْ كَحَالِ الْأُسَرَاءِ وَاَلَّذِينَ أَسْلَمُوا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ حَيْثُ إنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ يَنْعَقِدُ لَهُمْ الْآنَ.\n١٦٢٤ - وَلَوْ لَحِقُوا بِالْعَسْكَرِ وَهُمْ عَلَى دِينِهِمْ، فَجَعَلُوا يُقَاتِلُونَ","vol":"1","page":904},{"text":"مَعَهُمْ، ثُمَّ أَسْلَمُوا، فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ فَارِسًا حِينَ لَحِقُوا بِالْمُسْلِمِينَ فَلَهُ سَهْمُ الْفُرْسَانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ رَاجِلًا فَلَهُ سَهْمُ الرَّجَّالَةِ. وَكَذَلِكَ لَوْ دَخَلُوا مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ مَعَ الْجَيْشِ لِلْقِتَالِ فُرْسَانًا أَوْ رَجَّالَةً، ثُمَّ أَسْلَمُوا قَبْلَ إصَابَةِ الْغَنَائِمِ أَوْ بَعْدَهَا، فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ رَاجِلًا حِينَ دَخَلَ اسْتَحَقَّ سَهْمَ الرَّجَّالَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ فَارِسًا اسْتَحَقَّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ. وَقَدْ طَعَنُوا فِي هَذَيْنِ الْفَصْلَيْنِ وَقَالُوا: قَبْلَ الْإِسْلَامِ مَا انْعَقَدَ لَهُمْ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِ السَّهْمِ، لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِأَهْلٍ لِذَلِكَ. وَانْعِقَادُ السَّبَبِ بِدُونِ أَهْلِيَّةِ الْمُسْتَحِقِّ لَا يَكُونُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ حَالُهُمْ بَعْدَ الْإِسْلَامِ لَا حَالُ مُجَاوَزَةِ الدَّرْبِ وَحَالُ اللُّحُوقِ بِالْجَيْشِ (ص ٢٩٧) إذَا كَانُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ. وَلَكِنْ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ أَصَحُّ. لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ أَنْ يَسْتَحِقُّوا شَيْئًا مِنْ الْغَنِيمَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّ قَبْلَ الْإِسْلَامِ يَسْتَحِقُّونَ الرَّضْخَ، وَذَلِكَ شَيْءٌ مِنْ الْغَنِيمَةِ فِيهِ يَتَبَيَّنُ انْعِقَادُ سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ لَهُمْ عِنْدَ اللُّحُوقِ بِالْجَيْشِ أَوْ مُجَاوَزَةِ الدَّرْبِ عَلَى قَصْدِ الْقِتَالِ. ثُمَّ إذَا أَسْلَمُوا قَبْلَ تَمَامِ الِاسْتِحْقَاقِ بِإِحْرَازِ الْغَنَائِمِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ، يُجْعَلُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ السَّبَبِ فِي صِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ، لِأَنَّ الصِّفَةَ تَتْبَعُ الْأَصْلَ فَيُبْتَنَى عَلَيْهِ. وَعَلَى هَذَا لَوْ دَخَلُوا مَدَدًا لِلْجَيْشِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ ثُمَّ أَسْلَمُوا قَبْلَ أَنْ يَلْحَقُوا الْجَيْشَ أَوْ بَعْدَ مَا لَحِقُوهُمْ، قَبْلَ الْإِحْرَازِ.\n\n- وَلَوْ أَنَّ عَبْدًا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ مَعَ مَوْلَاهُ فَارِسًا يُرِيدُ الْقِتَالَ بِإِذْنِ مَوْلَاهُ، فَغَنِمُوا غَنَائِمَ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ مَوْلَاهُ، وَوَهَبَ لَهُ ذَلِكَ","vol":"1","page":905},{"text":"الْفَرَسَ، فَغَنِمُوا غَنَائِمَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَرْضَخُ لِمَوْلَاهُ، مِمَّا غَنِمَ الْمُسْلِمُونَ قَبْلَ أَنْ يُعْتَقَ الْعَبْدُ، وَلَا يَبْلُغُ بِذَلِكَ الرَّضْخِ سَهْمَ فَارِسٍ، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُزَادَ عَلَى سَهْمِ الرَّاجِلِ. لِأَنَّ الْعَبْدَ فِي حُكْمِ الرَّضْخِ كَالذِّمِّيِّ، وَلَا يَبْلُغُ بِرَضْخِ الذِّمِّيِّ إذَا كَانَ فَارِسًا سَهْمَ فَارِسٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ مُقَاتِلٌ إلَّا وَفِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ. فَكَذَلِكَ حَالُ الْعَبْدِ. إلَّا أَنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمُسْتَحَقَّ لِلْعَبْدِ، وَهُوَ الرَّضْخُ، لَا يَتَغَيَّرُ بِعِتْقِهِ فِيمَا أُصِيبَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَالْمُسْتَحَقُّ لِلذِّمِّيِّ يَتَغَيَّرُ حِينَ يَسْتَحِقُّ السَّهْمَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ. لِأَنَّ بِإِسْلَامِ الذِّمِّيِّ لَا يَتَبَدَّلُ الْمُسْتَحَقُّ، فَهُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلسَّهْمِ وَالرَّضْخِ جَمِيعًا، فَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ إسْلَامُهُ كَالْمَوْجُودِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ السَّبَبِ. وَبِعِتْقِ الْعَبْدِ يَتَبَدَّلُ الْمُسْتَحَقُّ، لِأَنَّ الرَّضْخَ يَكُونُ لِمَوْلَاهُ مُسْتَحِقًّا بِالْعَبْدِ، كَمَا يَكُونُ السَّهْمُ مُسْتَحَقًّا لَهُ بِالْفَرَسِ. وَبَعْدَ الْعِتْقِ الِاسْتِحْقَاقُ لِلْعَبْدِ. فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الْعِتْقُ كَالْمَوْجُودِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ السَّبَبِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ اسْتِحْقَاقَ الْمَوْلَى أَصْلًا. وَلِهَذَا الْمَعْنَى قُلْنَا يَبْقَى حُكْمُ الرَّضْخِ فِيمَا أُصِيبَ قَبْلَ عِتْقِهِ، وَفِيمَا يُصَابُ بَعْدَ الْعِتْقِ يَكُونُ لِلْعَبْدِ سَهْمُ الْفُرْسَانِ، لِأَنَّهُ كَانَ فَارِسًا عِنْدَ انْعِقَادِ أَصْلِ السَّبَبِ، وَإِنْ كَانَ الْفَرَسُ لِغَيْرِهِ، بِمَنْزِلَةِ مَنْ دَخَلَ فَارِسًا عَلَى فَرَسٍ عَارِيَّةٍ، أَوْ هُوَ بَعْدَ الْعِتْقِ حِينَ وَهَبَ لَهُ الْمَوْلَى الْفَرَسَ، بِمَنْزِلَةِ مَنْ الْتَحَقَ بِالْعَسْكَرِ فَارِسًا مِنْ أَسِيرٍ أَوْ تَاجِرٍ فَيَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ.\n\n- قَالَ: وَكَذَلِكَ الذِّمِّيُّ وَالْمُكَاتَبُ يَدْخُلَانِ فَارِسَيْنِ. ثُمَّ يُصِيبُ الْمُسْلِمُونَ غَنَائِمَ، ثُمَّ يُعْتَقُ الْمُكَاتَبُ وَيُسْلِمُ الذِّمِّيُّ، ثُمَّ يُصِيبُونَ غَنَائِمَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُرْضَخُ لَهُمَا فِي الْغَنِيمَةِ الْأُولَى رَضْخَ فَارِسَيْنِ، وَيُعْطَيَانِ بَعْدَ الْعِتْقِ وَالْإِسْلَامِ سَهْمَيْ فَارِسَيْنِ.","vol":"1","page":906},{"text":"وَهَذَا الْجَوَابُ غَيْرُ صَحِيحٍ فِي الذِّمِّيِّ. فَقَدْ أَجَابَ قَبْلَ هَذَا أَنَّ لَهُ السَّهْمَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِذَلِكَ. وَهُوَ تَنَاقُضٌ بَيِّنٌ. وَإِنَّمَا يَقَعُ مِثْلُ هَذَا الْغَلَطِ مِنْ الْكَاتِبِ. وَالصَّحِيحُ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ الْجَوَابُ الْأَوَّلُ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ الْمَعْنَى فَأَمَّا فِي حَقِّ الْمُكَاتَبِ: فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْجَوَابُ أَيْضًا غَيْرُ صَحِيحٍ. لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِكَسْبِهِ دُونَ مَوْلَاهُ، فَبِعِتْقِهِ لَا يَتَبَدَّلُ الْمُسْتَحَقُّ بَلْ يَكُونُ حَالُهُ كَحَالِ الذِّمِّيِّ وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ بَعْدَ هَذَا فِي الْبَابِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِخِلَافِ الْعَبْدِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلْ هُوَ صَحِيحٌ. لِأَنَّ كَسْبَ الْمُكَاتَبِ دَائِرٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْلَاهُ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيهِ حَقُّ الْمِلْكِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَنْقَلِبُ حَقِيقَةُ مِلْكِ الْمَوْلَى بِعَجْزِ الْمُكَاتَبِ فَيَثْبُتُ مَعْنَى تَبَدُّلِ الْمُسْتَحَقِّ بِعِتْقِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ؟ فَلِهَذَا يُعْتَبَرُ الرَّضْخُ فِيمَا كَانَ قَبْلَ الْعِتْقِ. وَأَمَّا بَعْدَ الْعِتْقِ فَلَهُ سَهْمُ الْفَارِسِ (ص ٢٩٨)، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْفَرَسُ مِلْكًا لَهُ حَقِيقَةً حِينَ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ، لِأَنَّ لَهُ مِلْكَ الْيَدِ فِي مَكَاسِبِهِ، فَلَا يَكُونُ فَرَسُهُ دُونَ الْفَرَسِ الْمُسْتَعَارِ.\n\n- وَلَوْ جُعِلَ رَاجِلًا بَعْدَ الْعِتْقِ أَدَّى إلَى أَنْ يَكُونَ اسْتِحْقَاقُهُ بَعْدَ الْعِتْقِ دُونَ اسْتِحْقَاقِهِ قَبْلَهُ. لِأَنَّ رَضْخَ الْفَارِسِ قَدْ يَزْدَادُ عَلَى سَهْمِ الرَّاجِلِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْعِتْقَ يَزِيدُهُ خَيْرًا لَا شَرًّا. فَعَرَفْنَا أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْفَارِسِ بَعْدَ الْعِتْقِ.\n\n- وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِي الْقِتَالِ، وَإِنَّمَا دَخَلَ لِلْخِدْمَةِ مَعَ مَوْلَاهُ فَقَاتَلَ، فَلَا شَيْءَ لَهُ فِي الْقِيَاسِ.\nلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ أَهْلًا لَهُ عِنْدَ إذْنِ الْمَوْلَى، فَيَكُونُ حَالُهُ كَحَالِ الْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ إنْ قَاتَلَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ اسْتَحَقَّ الرَّضْخَ، وَإِلَّا فَلَا.","vol":"1","page":907},{"text":"١٦٢٩ - وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يُرْضَخُ لَهُ.\nلِأَنَّهُ غَيْرُ مَحْجُورٍ عَنْ الِاكْتِسَابِ، وَعَمَّا يَتَمَحَّصُ مَنْفَعَتُهُ، وَاسْتِحْقَاقُ الرَّضْخِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. فَيَكُونُ هُوَ كَالْمَأْذُونِ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْمَوْلَى دَلَالَةً. وَهُوَ نَظِيرُ الْقِيَاسِ، وَالِاسْتِحْسَانُ فِي الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ إذَا أَجَّرَ نَفْسَهُ وَسَلِمَ مِنْ الْعَمَلِ. ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ:\n\n- الْمُكَاتَبَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَغْزُوَ إلَّا بِإِذْنِ مَوْلَاهُ كَالْقِنِّ.\nلِأَنَّهُ فِي الْغَزْوِ يُعَرِّضُ نَفْسَهُ لِلْخَطَرِ، وَهُوَ مَمْلُوكٌ لِلْمَوْلَى، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُخَاطِرَ بِنَفْسِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ كَالْعَبْدِ، بِخِلَافِ الْخُرُوجِ لِلتِّجَارَةِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الِاكْتِسَابِ، فَيَلْتَحِقُ هُوَ بِالْحُرِّ. وَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ مَوْلَاهُ فِي الْكِتَابَةِ أَنْ لَا يَخْرُجَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّ شَرْطَهُ لَغْوٌ. وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الْمُكَاتَبِ.\n\n- فَإِنْ قَاتَلَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ وَأَبْلَى بَلَاءً فَإِنَّهُ يُرْضَخُ لَهُ عَلَى قَدْرِ بَلَائِهِ، إنْ كَانَ فَارِسًا أَوْ رَاجِلًا.\nلِأَنَّ فِعْلَهُ هَذَا كَانَ اكْتِسَابًا لِلْمَالِ، وَعِنْدَ الْكِتَابَةِ يُطْلَقُ ذَلِكَ لَهُ. فَإِذَا ثَبَتَ فِي حَقِّ الْمُكَاتَبِ فَهُوَ كَذَلِكَ فِي حَقِّ الْعَبْدِ إذَا قَاتَلَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ.\n\n- وَلَوْ أَنَّ عَبْدًا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ مَعَ مَوْلَاهُ فَأَعْتَقَهُ وَوَهَبَ لَهُ فَرَسًا، ثُمَّ لَحِقَ بِالْجُنْدِ، فَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ حَالُهُ حِينَ لَحِقَ بِهِمْ. فَإِنْ كَانَ فَارِسًا فَلَهُ سَهْمُ الْفُرْسَانِ، وَإِنْ كَانَ رَاجِلًا فَلَهُ سَهْمُ الرَّجَّالَةِ فِيمَا يُصِيبُونَ بَعْدَ مَا يَلْحَقُ بِهِمْ، وَلَا شَرِكَةَ لَهُ فِيمَا أَصَابُوا قَبْلَ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُقَاتِلَ مَعَهُمْ.","vol":"1","page":908},{"text":"لِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ مَا انْعَقَدَ لَهُ حِينَ دَخَلَ لَا عَلَى قَصْدِ الْقِتَالِ، وَإِنَّمَا يَنْعَقِدُ لَهُ السَّبَبُ حِينَ يَلْتَحِقُ بِالْجَيْشِ، فَيَكُونُ حَالُهُ كَحَالِ التَّاجِرِ وَاَلَّذِي أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ.\n\n- وَلَوْ كَانَ مُكَاتَبًا حِينَ دَخَلَ فَأَعْتَقَهُ الْمَوْلَى، أَوْ أَدَّى بَدَلَ الْكِتَابَةِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّمَا يُنْظَرُ إلَى حَالِهِ حِينَ دَخَلَ. فَإِنْ كَانَ فَارِسًا اسْتَحَقَّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ فِيمَا أَصَابُوا قَبْلَ عِتْقِهِ وَبَعْدَهُ.\nلِأَنَّ دُخُولَهُ كَانَ عَلَى قَصْدِ الْقِتَالِ، سَوَاءٌ أَذِنَ لَهُ الْمَوْلَى فِي الْغَزْوِ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ. إذْ لَا خِدْمَةَ لِلْمَوْلَى عَلَيْهِ. وَقَصْدُهُ إلَى الْقِتَالِ يَكُونُ مُعْتَبَرًا فِي حَقِّهِ، فَانْعَقَدَ لَهُ السَّبَبُ بِالدُّخُولِ. وَقَدْ كَمُلَ حَالُهُ قَبْلَ تَمَامِ الْإِحْرَازِ، فَيَلْتَحِقُ بِمَا لَوْ كَانَ كَامِلَ الْحَالِ عِنْدَ الدُّخُولِ. وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنْ الْجَوَابِ قَبْلَ هَذَا فِي الْمُكَاتَبِ غَلَطٌ مِنْ الْكَاتِبِ.\n١٦٣٤ - فَإِنْ لَمْ يُعْتَقْ حَتَّى قُسِمَتْ الْغَنَائِمُ أَوْ بِيعَتْ، فَلَيْسَ لَهُ فِي تِلْكَ الْغَنَائِمِ إلَّا الرَّضْخُ.\nلِأَنَّ الْحَقَّ تَأَكَّدَ فِيهَا قَبْلَ كَمَالِ حَالِهِ. فَإِنَّ الْقِسْمَةَ وَالْبَيْعَ فِي تَأَكُّدِ الْحَقِّ فِي الْغَنِيمَةِ كَالْإِحْرَازِ. وَلِهَذَا يَنْقَطِعُ بِهَا شَرِكَةُ الْمَدَدِ. فَيَكُونُ هَذَا وَمَا لَوْ عَتَقَ بَعْدَ الْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ سَوَاءٌ. وَالرَّضْخُ الْوَاجِبُ يَكُونُ لَهُ لِأَنَّهُ كَسْبُ الْمُكَاتَبِ، فَيُسَلَّمُ لَهُ بَعْدَ الْعِتْقِ.\n\n- وَإِنْ خَاصَمَهُ مَوْلَاهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي الْمُكَاتَبَةِ (ص ٢٩٩) يَفْسَخُ الْقَاضِي الْكِتَابَةَ.\nلِأَنَّهُ أَخَلَّ بِبَعْضِ النُّجُومِ.","vol":"1","page":909},{"text":"وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا إنْ كَانَ دَخَلَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ. لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَمَّا انْفَسَخَتْ صَارَتْ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ، وَكَأَنَّ كَحَالِ الْعَبْدِ الدَّاخِلِ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ عَلَى قَصْدِ الْقِتَالِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هُنَاكَ فِي الْقِيَاسِ لَا يَسْتَحِقُّ الرَّضْخَ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَسْتَحِقُّ وَيَكُونُ ذَلِكَ لِمَوْلَاهُ فَهَذَا مِثْلُهُ.\n\n- وَلَوْ مَاتَ عَاجِزًا أَوْ عَنْ وَفَاءٍ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ أَوْ الْإِخْرَاجِ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَا لِمَوْلَاهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، وَإِنْ أُدِّيَتْ كِتَابَتُهُ.\nلِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الرَّضْخِ لَا يَكُونُ أَقْوَى مِنْ اسْتِحْقَاقِ السَّهْمِ، وَمَوْتُ الْغَازِي قَبْلَ الْإِحْرَازِ وَالْقِسْمَةِ يُبْطِلُ سَهْمَهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ. فَمَوْتُ الْمُكَاتَبِ أَوْلَى. وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَوْ الْبَيْعِ وَالْإِخْرَاجِ فَلَهُ نَصِيبُهُ مِنْهَا. كَمَا لَوْ مَاتَ الْحُرُّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، إلَّا أَنَّهُ إذَا مَاتَ عَاجِزًا كَانَ ذَلِكَ لِمَوْلَاهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ وَفَاءٌ بِالْمُكَاتَبَةِ، فَيَقْبِضُهُ الْمَوْلَى مِنْ مُكَاتَبِهِ وَيَحْكُمُ بِحُرِّيَّتِهِ، وَإِنْ كَانَ مَاتَ عَنْ وَفَاءٍ فَذَلِكَ لِوَرَثَتِهِ. فَإِنْ قِيلَ: عِتْقُهُ يَسْتَنِدُ إلَى حَالِ حَيَاتِهِ، فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَحِقَّ السَّهْمَ. بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ عَتَقَ قَبْلَ الْإِحْرَازِ فِي حَيَاتِهِ. قُلْنَا: عَلَى إحْدَى الطَّرِيقَيْنِ لَا يَسْتَنِدُ عِتْقُهُ، وَإِنَّمَا يُجْعَلُ هُوَ حَيًّا حُكْمًا إلَى وَقْتِ أَدَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ. وَعَلَى الطَّرِيقِ الْأُخْرَى هَذَا الْإِسْنَادُ لِأَجْلِ","vol":"1","page":910},{"text":"الضَّرُورَةِ. فَلَا يَظْهَرُ فِيمَا وَرَاءَ مَا تَحَقَّقَتْ فِيهِ الضَّرُورَةُ وَهُوَ حُكْمُ الْكِتَابَةِ. فَأَمَّا اسْتِحْقَاقُ السَّهْمِ فَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ.\n\n- وَلَوْ كَانَ عَبْدًا مَأْذُونًا لَهُ فِي الْقِتَالِ أَوْ غَيْرَ مَأْذُونٍ فَمَاتَ قَبْلَ الْإِحْرَازِ وَالْقِسْمَةِ فَلَا شَيْءَ لِمَوْلَاهُ مِنْ ذَلِكَ، اعْتِبَارًا بِمَوْتِ مَنْ لَهُ سَهْمٌ.\nفَإِنْ قِيلَ: اسْتِحْقَاقُ الرَّضْخِ هَاهُنَا لِلْمَوْلَى بِسَبَبِ عَبْدِهِ كَاسْتِحْقَاقِ السَّهْمِ لِلْفَارِسِ بِفَرَسِهِ. ثُمَّ بِمَوْتِ الْفَرَسِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يُبْطِلُ سَهْمَ الْفَارِسِ فَكَذَلِكَ بِمَوْتِ الْعَبْدِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُبْطِلَ حَقَّ الْمَوْلَى فِي الرَّضْخِ. قُلْنَا: لَا كَذَلِكَ، وَلَكِنَّ الِاسْتِحْقَاقَ لِلْعَبْدِ هَاهُنَا، ثُمَّ يَخْلُفُهُ الْمَوْلَى فِي مِلْكِ الْمُسْتَحَقِّ كَمَا يَخْلُفُهُ فِي سَائِرِ أَكْسَابِهِ. وَهَذَا لِأَنَّ الْعَبْدَ آدَمِيٌّ مُخَاطَبٌ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ أَنْ يَنْعَقِدَ لَهُ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ عَلَى أَنْ يَخْلُفَهُ مَوْلَاهُ فِي مِلْكِ الْمُسْتَحَقِّ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ مَاتَ الْعَبْدُ بَعْدَ مُجَاوَزَةِ الدَّرْبِ قَبْلَ الْقِتَالِ لَمْ يَسْتَحِقَّ مَوْلَاهُ الرَّضْخَ؟ بِخِلَافِ الْفَرَسِ، وَإِنْ كَانَ مَوْتُهُ بَعْدَ الْإِحْرَازِ وَالْقِسْمَةِ فَرَضْخُهُ يَكُونُ لِمَوْلَاهُ. لِأَنَّ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِهِ قَدْ تَأَكَّدَ، فَلَا يَبْطُلُ بِمَوْتِهِ، وَلَكِنْ يَخْلُفُهُ مَوْلَاهُ فِيهِ كَمَا يَخْلُفُ الْوَارِثُ الْمُوَرِّثَ.\n١٦٣٨ - وَإِنْ بَاعَهُ مَوْلَاهُ قَبْلَ الْإِحْرَازِ فَإِنَّهُ لَا يَبْطُلُ رَضْخُهُ.\nلِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِلِاسْتِحْقَاقِ، وَإِنْ تَحَوَّلَ الْمِلْكُ فِيهِ مِنْ شَخْصٍ إلَى شَخْصٍ فَيَكُونُ رَضْخُهُ لِمَوْلَاهُ الْأَوَّلِ. أَمَّا إذَا بَاعَهُ بَعْدَ الْإِحْرَازِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا قَبْلَهُ فَلِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ انْعَقَدَ لَهُ فِي مِلْكِ الْمَوْلَى الْأَوَّلِ. وَيَثْبُتُ أَصْلُ الِاسْتِحْقَاقِ بِالْإِصَابَةِ، فَلَا يَبْطُلُ حَقُّ الْمَوْلَى فِيهِ بِبَيْعِهِ كَمَا فِي سَائِرِ أَكْسَابِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَأْذُونَ إذَا اشْتَرَى شَيْئًا بِشَرْطِ الْخِيَارِ، ثُمَّ بَاعَهُ مَوْلَاهُ فَإِنَّ الْمُشْتَرَى يَكُونُ لِلْبَائِعِ دُونَ الْمُشْتَرِي.","vol":"1","page":911},{"text":"١٦٣٩ - فَإِنْ غَنِمُوا غَنِيمَةً أُخْرَى بَعْدَ مَا بَاعَهُ مَوْلَاهُ فَنَصِيبُهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ الثَّانِيَةِ لِلْمُشْتَرِي.\nلِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ إنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ عِنْدَ الْإِصَابَةِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ هُوَ مِلْكُ الْمُشْتَرِي فَيَخْلُفُهُ الْمُشْتَرِي فِي الْمِلْكِ الْمُسْتَحَقِّ.\n\n- وَلَوْ كَانَ حُرًّا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ عَاقِلًا ثُمَّ صَارَ مَعْتُوهًا قَبْلَ الْإِحْرَازِ فَإِنَّهُ لَا يُمْنَعُ نَصِيبَهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ.\nلِأَنَّهَا أُحْرِزَتْ (ص ٣٠٠) وَهُوَ حَيٌّ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَإِنْ كَانَ مَعْتُوهًا. بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ قَبْلَ الْإِحْرَازِ.\n\n- وَلَوْ لَمْ يَصِرْ مَعْتُوهًا وَلَكِنَّهُ ارْتَدَّ وَخَرَجَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ أَبَى أَنْ يُسْلِمَ حَتَّى قُتِلَ فَإِنَّ نَصِيبَهُ لِوَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ، يُرْضَخُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ رَضْخًا كَمَا يُصْنَعُ بِالذِّمِّيِّ. لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ بِمَنْزِلَةِ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ. وَإِنَّمَا أُحْرِزَتْ الْغَنَائِمُ وَهُوَ أَهْلٌ لِاسْتِحْقَاقِ الرَّضْخِ دُونَ السَّهْمِ، لِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا. قَالَ: وَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الذِّمِّيَّ إذَا أَسْلَمَ، أَوْ عَتَقَ الْمُكَاتَبُ قَبْلَ إحْرَازِ الْغَنَائِمِ أَنَّهُ يُضْرَبُ لَهُمَا بِسَهْمٍ كَامِلٍ.\nلِأَنَّهُ إنَّمَا يُنْظَرُ إلَى حَالِهِمَا يَوْمَ تُحْرَزُ الْغَنَائِمِ بِالدَّارِ أَوْ تُقْسَمُ أَوْ تُبَاعُ. وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَيْضًا أَنَّ جَوَابَهُ الْأَوَّلَ فِي الذِّمِّيِّ وَالْمُكَاتَبِ جَمِيعًا غَلَطٌ كَمَا بَيَّنَّا.","vol":"1","page":912},{"text":"- وَلَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا بَعْدَ إصَابَةِ الْغَنِيمَةِ ثُمَّ رَجَعَ مُسْلِمًا قَبْلَ الْإِحْرَازِ أَوْ بَعْدَهُ فَلَيْسَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ.\nلِأَنَّهُ الْتَحَقَ بِحَرْبِيِّ الْأَصْلِ، وَالْحَرْبِيُّ إذَا أَسْلَمَ وَلَحِقَ بِالْجَيْشِ بَعْدَ الْإِحْرَازِ أَوْ قَبْلَهُ وَلَكِنْ لَمْ يَلْقَوْا قِتَالًا بَعْدَ ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِكَةٌ فِي الْمُصَابِ، فَالْمُرْتَدُّ مِثْلُهُ. وَكَيْفَ يَسْتَحِقُّ الشَّرِكَةَ فِي غَنَائِمِ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ صَارَ بِحَالٍ لَوْ أُصِيبَ مَالُهُ كَانَ فَيْئًا، وَلَوْ أَخَذَ مِنْ الْغَنِيمَةِ شَيْئًا فَأَحْرَزَهُ ثُمَّ أَسْلَمَ كَانَ لَهُ. فَعَرَفْنَا أَنَّهُ صَارَ كَحَرْبِيِّ الْأَصْلِ.\n\n- وَلَوْ لَمْ يَلْتَحِقْ بِدَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ الرِّدَّةِ حَتَّى أُحْرِزَتْ الْغَنَائِمُ أَوْ قُسِمَتْ أَوْ بِيعَتْ فَنَصِيبُهُ مِنْهَا مِيرَاثٌ لِوَرَثَتِهِ.\nلِأَنَّ حَقَّهُ قَدْ تَأَكَّدَ فِيهَا، فَهُوَ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ. وَلَحَاقُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا كَمَوْتِهِ.\n\n- وَلَوْ لَمْ يَرْتَدَّ وَلَكِنْ الْمُشْرِكِينَ أَسَرُوهُ قَبْلَ الْإِحْرَازِ وَلَمْ يَقْتُلُوهُ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَعْزِلُوا نَصِيبَهُ فِيمَا غَنِمُوا قَبْلَ أَنْ يُؤْسَرَ.\nلِأَنَّ حَقَّهُ ثَبَتَ فِيهِ، وَبِالْأَسْرِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِتَقَرُّرِ حَقِّهِ بِالْإِحْرَازِ. وَلَا شَيْءَ لَهُ فِيمَا غَنِمُوا بَعْدَ مَا أُسِرَ.\nلِأَنَّ الْمَأْسُورَ فِي يَدِ أَهْلِ الْحَرْبِ لَا يَكُونُ مَعَ الْجَيْشِ حَقِيقَةً، وَلَا حُكْمًا. فَهُوَ لَمْ يُشَارِكْهُمْ فِي إصَابَةِ هَذَا وَلَا فِي إحْرَازِهِ بِالدَّارِ.","vol":"1","page":913},{"text":"- فَإِنْ لَمْ يَدْرِ مَا فَعَلُوا بِهِ حِينَ أُسِرَ قُسِمَتْ الْغَنَائِمُ وَلَمْ يُوقَفْ لَهُ مِنْهَا قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ. لِأَنَّ تَمَامَ الِاسْتِحْقَاقِ إنَّمَا يَكُونُ بِالْإِخْرَاجِ. وَالْمَفْقُودُ كَالْمَيِّتِ فِيمَا يَسْتَحِقُّهُ ابْتِدَاءً، حَتَّى إذَا مَاتَ قَرِيبٌ لَهُ لَمْ يَرِثْهُ، وَلَمْ يُوقَفْ لِأَجْلِهِ شَيْءٌ. فَهَذَا مِثْلُهُ.\n\n- وَإِنْ قُسِمَتْ الْغَنَائِمُ ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ حَيًّا مُسْلِمًا لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ.\nلِأَنَّ حَقَّ الَّذِينَ قُسِمَ بَيْنَهُمْ قَدْ تَأَكَّدَ بِالْقِسْمَةِ وَثَبَتَ مِلْكُهُمْ فِيهَا. وَمِنْ ضَرُورَتِهِ إبْطَالُ الْحَقِّ الضَّعِيفِ.\n\n- وَإِنْ بِيعَتْ الْغَنَائِمُ أَوْ أُخْرِجَتْ وَتَخَلَّفَ هُوَ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِحَاجَةِ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ فَأُسِرَ، فَإِنَّهُ يُوقَفُ نَصِيبُهُ حَتَّى يَجِيءَ فَيَأْخُذَهُ، أَوْ يَظْهَرُ مَوْتُهُ فَيَكُونُ لِوَرَثَتِهِ.\nلِأَنَّ حَقَّهُ قَدْ تَأَكَّدَ فِي الْمُصَابِ بِالْإِحْرَازِ فِي الْبَيْعِ، فَيَكُونُ الْحُكْمُ فِيهِ مَا هُوَ الْحُكْمُ فِي مَالِ الْمَفْقُودِ","vol":"1","page":914},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>[بَابُ سُهْمَانِ الْخَيْلِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَالشَّرِكَةِ فِي الْغَنِيمَةِ]</span>\n٩٩ - بَابُ سُهْمَانِ الْخَيْلِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَالشَّرِكَةِ فِي الْغَنِيمَةِ وَلَوْ أَنَّ جَيْشًا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ دَخَلُوا دَارَ الْإِسْلَامِ، فَقَاتَلَهُمْ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى ظَفِرُوا بِهِمْ، فَإِنَّمَا الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ. هَكَذَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - ﵁ - قَالَ: الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ. وَهَذَا لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِالْجِهَادِ، وَالْمُجَاهِدُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ خَاصَّةً. بِخِلَافِ مَا إذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُونَ دَارَ الْحَرْبِ، فَهُنَاكَ لِلْمَدَدِ شَرِكَةٌ فِي الْمُصَابِ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا الْوَقْعَةَ. لِأَنَّهُمْ دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ عَلَى قَصْدِ الْجِهَادِ وَكَانُوا مُجَاهِدِينَ بِذَلِكَ. وَلِأَنَّ دَارَ الْحَرْبِ مَوْضِعُ الْقِتَالِ (ص ٣٠١)، فَكُلُّ مَنْ حَصَّلَ فِي دَارِ الْحَرْبِ عَلَى قَصْدِ الْقِتَالِ يُجْعَلُ فِي الْحُكْمِ كَمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ. وَدَارُ الْإِسْلَامِ لَيْسَ بِمَوْضِعِ الْقِتَالِ، فَإِنَّمَا الْمُقَاتِلُ فِيهَا مَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ خَاصَّةً. وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ وَقَفَ فِي الْمَسْجِدِ بِالْبُعْدِ مِنْ الْإِمَامِ وَاقْتَدَى بِهِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ، لِأَنَّ الْمَسْجِدَ مَكَانُ الصَّلَاةِ، فَيُجْعَلُ هُوَ كَالْوَاقِفِ خَلْفَ الْإِمَامِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِي الصَّحْرَاءِ.\n\n- وَلَوْ أَنَّ عَسْكَرًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ افْتَتَحُوا بَلْدَةً وَصَيَّرُوهَا دَارَ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ لَحِقَ بِهِمْ مَدَدٌ قَبْلَ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ فَلَا شَرِكَةَ لَهُمْ فِي الْمُصَابِ.","vol":"1","page":915},{"text":"لِأَنَّ الْغَنَائِمَ بِمَا صَنَعُوا صَارَتْ مُحْرَزَةً بِدَارِ الْإِسْلَامِ. فَكَأَنَّهُمْ أَخْرَجُوهَا ثُمَّ لَحِقَهُمْ مَدَدٌ. وَهَذَا لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الشَّرِكَةِ لِلْمَدَدِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمْ شَارَكُوهُمْ فِي الْإِحْرَازِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ هُنَا.\n\n- وَكَذَلِكَ لَوْ قَسَمُوا الْغَنَائِمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ بَاعُوهَا ثُمَّ أَصَابَهُمْ مَدَدٌ.\nلِأَنَّ بِالْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ يَتَأَكَّدُ الْحَقُّ كَمَا بِالْإِحْرَازِ. وَإِنَّمَا الشَّرِكَةُ لِلْمَدَدِ فِيمَا إذَا لَحِقُوا بِهِمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ أَنْ يَتَأَكَّدَ حَقُّهُمْ فِيهَا، اسْتِدْلَالًا بِالْأَثَرِ الْمَرْوِيِّ عَنْ الصِّدِّيقِ - ﵁ - فِي أَهْلِ النجير بِالْيَمَنِ. وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي السِّيَرِ الصَّغِيرِ \".\n\n- وَلَوْ أَنَّ عَسْكَرًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ دَخَلُوا دَارَ الْإِسْلَامِ فَانْتَهَوْا إلَى مَدِينَةٍ مِثْلِ الْمِصِّيصَةِ أَوْ الْمَلْطِيَّةِ، فَخَرَجَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِهَا وَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى ظَفِرُوا بِهِمْ، فَالْغَنِيمَةُ لَهُمْ دُونَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَإِنْ قَالَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: قَدْ كُنَّا رِدْءًا لَكُمْ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُمْ مَا كَانُوا مُجَاهِدِينَ، إنَّمَا كَانُوا مُسْتَوْطِنِينَ فِي مَسَاكِنِهِمْ. وَالشَّرِكَةُ فِي الْمُصَابِ لِمَنْ كَانَ مُجَاهِدًا. وَلِأَنَّهُمْ لَمْ يُشَارِكُوهُمْ فِي الْإِصَابَةِ وَلَا فِي الْإِحْرَازِ.\n\n- فَإِنْ كَانُوا تَسَلَّحُوا وَرَكِبُوا الْخَيْلَ وَأَتَوْا بَابَ الْمَدِينَةِ فَتَضَايَقَ النَّاسُ عَلَى الْبَابِ، فَخَرَجَ بَعْضُهُمْ فِي الْمَدِينَةِ، فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الْمُصَابِ هَاهُنَا.","vol":"1","page":916},{"text":"لِأَنَّهُمْ قَدْ شَهِدُوا الْوَقْعَةَ، وَكَانُوا مُجَاهِدِينَ حِينَ تَسَلَّحُوا وَأَتَوْا بَابَ الْمَدِينَةِ عَلَى قَصْدِ الْقِتَالِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَوْمَ يَلْقَوْنَ الْعَدُوَّ مُحْصَرِينَ فَلَا يَلِي الْقِتَالَ مِنْهُمْ إلَّا قَوْمٌ قَلِيلٌ، ثُمَّ تَكُونُ الْغَنِيمَةُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ جَمَاعَتِهِمْ. لِأَنَّهُمْ جَمِيعًا شَهِدُوا الْوَقْعَةَ فَهَذَا مِثْلُهُ.\n\n- وَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ بَلَغُوا بَابَ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَدْ خَرَجَ مِنْ دَارِهِ مُتَسَلِّحًا فَمَنَعَهُ ذَلِكَ الزِّحَامُ مِنْ الْمُضِيِّ إلَى بَابِ الْمَدِينَةِ، فَهُوَ شَرِيكُهُمْ فِي الْمُصَابِ.\nلِأَنَّهُ مُجَاهِدٌ فِيمَا صَنَعَ، شَاهِدٌ لِلْوَقْعَةِ.\n\n- وَإِنْ كَانَ وَاقِفًا عَلَى بَابِ دَارِهِ، أَوْ فِي جَوْفِ دَارِهِ فَارِسًا أَوْ رَاجِلًا، إذَا لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ الْمُضِيِّ إلَّا الزِّحَامُ. فَإِنْ كَانَ بَابُ دَارِهِ مَفْتُوحًا كَانَ لَهُ سَهْمٌ مِنْ الْغَنِيمَةِ. وَإِنْ كَانَ بَابُ دَارِهِ مُغْلَقًا عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ نَصِيبٌ.\nلِأَنَّ هَذَا مُتَحَصِّنٌ بِمَنْزِلِهِ لَيْسَ بِمُتَوَجِّهٍ إلَى مَوْضِعِ الْقِتَالِ عَلَى قَصْدِ الْقِتَالِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ بَابُ دَارِهِ مَفْتُوحًا.\n- قَالَ: وَلَوْ كَانَ لِهَذَا سَهْمٌ لَكَانَ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ هُوَ مَعَ امْرَأَتِهِ","vol":"1","page":917},{"text":"فِي جَوْفِ بَيْتِهِ يُجَامِعُهَا. وَبَعْضُ هَذَا قَرِيبٌ مِنْ الْبَعْضِ. وَلَكِنْ إنَّمَا يُؤْخَذُ فِيهِ بِالِاسْتِحْسَانِ وَمَا يَقَعُ عَلَيْهِ أُمُورُ النَّاسِ.\n١٦٥٦ - وَإِنْ كَانُوا عَلَى سُورِ الْمَدِينَةِ يَرْمُونَ أَوْ يَصِيحُونَ بِمَا فِيهِ تَحْرِيضٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَإِرْهَابٌ لِلْمُشْرِكِينَ كَانُوا شُرَكَاءَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ.\nلِأَنَّهُمْ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ وَجَاهَدَ نَوْعًا مِنْ الْجِهَادِ.\n\n- وَإِنْ كَانَ الْأَمِيرُ أَمَرَهُمْ بِالْكَيْنُونَةِ عَلَى سُورِهَا لِيَمْنَعُوا الْعَدُوَّ مِنْ دُخُولِ الْمَدِينَةِ إنْ هَزَمُوا الْمُسْلِمِينَ، وَنَهَاهُمْ أَنْ يُعِينُوا الْمُسْلِمِينَ بِشَيْءٍ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الْغَنِيمَةِ أَيْضًا.\nلِأَنَّهُمْ مِمَّنْ شَهِدُوا الْوَقْعَةَ وَاشْتَغَلُوا بِمَا فِيهِ قُوَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ فَرَاغُ قُلُوبِهِمْ مِنْ أَنْ يَظْفَرَ الْعَدُوُّ بِمَدِينَتِهِمْ. وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - ﵇ - (ص ٣٠٢) أَنَّهُ أَمَرَ الرُّمَاةَ يَوْمَ أُحُدٍ أَنْ لَا يَبْرَحُوا مَرَاكِزَهُمْ. وَلَا شَكَّ أَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ جُمْلَةِ مَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ، شُرَكَاءَ فِي الْمُصَابِ أَنْ لَوْ أَصَابُوا الْغَنَائِمَ.\n\n- وَلَوْ خَرَجَ الْمُسْلِمُونَ إلَى بَابِ الْمَدِينَةِ وَقَاتَلُوهُمْ رَجَّالَةً وَقَدْ سَرَّجُوا خُيُولَهُمْ فِي مَنَازِلِهِمْ، لَمْ يُضْرَبْ لَهُمْ إلَّا بِسَهْمِ الرَّجَّالَةِ.","vol":"1","page":918},{"text":"لِأَنَّهُمْ مَا قَاتَلُوا عَلَى الْأَفْرَاسِ حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا، فَإِسْرَاجُ الْفَرَسِ لَيْسَ مِنْ عَمَلِ الْقِتَالِ فِي شَيْءٍ.\n\n- وَإِنْ كَانُوا خَرَجُوا مِنْ مَنَازِلِهِمْ عَلَى الْخَيْلِ ثُمَّ نَزَلُوا فِي الْمَعْرَكَةِ وَقَاتَلُوا رَجَّالَةً اسْتَحَقُّوا سَهْمَ الْفُرْسَانِ.\nلِأَنَّهُمْ شَهِدُوا الْوَقْعَةَ فُرْسَانًا، وَإِنَّمَا تَرَجَّلُوا لِضِيقِ الْمَكَانِ أَوْ لِزِيَادَةِ جِدٍّ مِنْهُمْ فِي الْقِتَالِ، فَلَا يُحْرَمُونَ بِهِ سَهْمَ الْفُرْسَانِ.\n\n- وَكَذَلِكَ مَنْ حَضَرَ الْمَعْرَكَةَ رَاجِلًا وَمَعَهُ غُلَامٌ يَقُودُ مِنْ فَرَسِهِ إلَى جَنْبِهِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ.\nلِأَنَّهُ مُقَاتِلٌ بِفَرَسِهِ حُكْمًا لِتَمَكُّنِهِ مِنْ أَخْذِهِ مِنْ يَدِ الْغُلَامِ، وَالْقِتَالُ عَلَيْهِ.\n\n- وَلَوْ حَضَرَ فَارِسًا ثُمَّ أَمَرَ غُلَامَهُ أَنْ يَرُدَّ فَرَسَهُ إلَى مَنْزِلِهِ، فَرَدَّهُ وَقَاتَلَ رَاجِلًا، فَلَهُ سَهْمُ الرَّاجِلِ فَقَطْ.\nلِأَنَّ الْغُلَامَ حِينَ رَدَّ فَرَسَهُ فَكَأَنَّهُ مَا أَحْضَرَهُ مَوْضِعَ الْقِتَالِ أَصْلًا. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ احْتَاجَ إلَى الْقِتَالِ عَلَيْهِ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهُ.\n\n- وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ لَمْ يَدْنُوَا مِنْ الْمَدِينَةِ وَلَكِنَّهُمْ عَسْكَرُوا عَلَى أَمْيَالٍ مِنْهَا، فَخَرَجَ الْمُسْلِمُونَ إلَيْهِمْ رَجَّالَةً وَفُرْسَانًا حَتَّى هَزَمُوهُمْ وَأَصَابُوا الْغَنَائِمَ، فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ فَارِسًا يَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ سَوَاءٌ قَاتَلَ رَاجِلًا أَوْ فَارِسًا.","vol":"1","page":919},{"text":"لِأَنَّهُ لَمَّا أَحْضَرَ فَرَسَهُ الْعَسْكَرَ فَقَدْ صَارَ مُقَاتِلًا بِفَرَسِهِ حُكْمًا.\n\n- وَإِنْ بَاشَرَ الْقِتَالَ رَاجِلًا بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَهُنَاكَ الْفَرَسُ فِي مَنْزِلِهِ عَلَى آرِيِّهِ، فَلَا يَكُونُ هُوَ مُجَاهِدًا بِهِ. لَا حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا.\n\n- وَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ عَسْكَرُوا بِحِذَائِهِمْ تَنَحَّى الْمُشْرِكُونَ عَنْ مُعَسْكَرِهِمْ، فَأَتْبَعَهُمْ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى لَحِقُوهُمْ فَقَاتَلُوهُمْ رَجَّالَةً، وَخُيُولُهُمْ فِي الْمُعَسْكَرِ، فَإِنْ كَانُوا لَقُوهُمْ فِي مَوْضِعٍ يَقْدِرُ مَنْ فِي الْمُعَسْكَرِ عَلَى أَنْ يُعِينَهُمْ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَبْعَثُوا إلَى خَيْلِهِمْ بَعَثُوا إلَيْهِمْ، فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الْمُصَابِ، لِلْفَارِسِ مِنْهُمْ سَهْمُ الْفَارِسِ.\nلِأَنَّهُمْ جَمِيعًا فِي الْحُكْمِ قَدْ شَهِدُوا الْوَقْعَةَ لِقُرْبِ الْمُعَسْكَرِ مِنْ مَوْضِعِ الْوَقْعَةِ.\n- وَإِنْ كَانُوا قَدْ تَبَاعَدُوا مِنْ الْمُعَسْكَرِ فَلَيْسَ لِمَنْ فِي الْمُعَسْكَرِ مَعَهُمْ شَرِكَةٌ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ سَهْمُ الْفُرْسَانِ إلَّا لِمَنْ حَضَرَ الْمَعْرَكَةَ عَلَى فَرَسِهِ.\nلِأَنَّهُمْ مَا كَانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ رَكِبُوا الْإِبِلَ فِي آثَارِهِمْ حَتَّى سَارُوا أَيَّامًا كَانُوا رَجَّالَةً وَلَمْ يُنْظَرْ إلَى مَا كَانَ لَهُمْ مِنْ الْخَيْلِ فِي الْمُعَسْكَرِ؟ لِأَنَّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ الِاسْتِحْقَاقَ بِشُهُودِ الْوَقْعَةِ، فَيُعْتَبَرُ فِي حَقِّ مَنْ يَسْتَحِقُّ. وَمَا يَسْتَحِقُّ بِهِ شُهُودُ الْوَقْعَةِ بِالْحُضُورِ حَقِيقَةً، أَوْ بِأَنْ كَانُوا بِالْقُرْبِ","vol":"1","page":920},{"text":"مِنْهُ حُكْمًا عَلَى وَجْهٍ لَوْ اسْتَغَاثُوا بِهِمْ أَمْكَنَهُمْ أَنْ يُغِيثُوهُمْ. فَيَكُونُونَ كَالرِّدْءِ لَهُمْ. فَأَمَّا إذَا انْعَدَمَ ذَلِكَ لَمْ يَكُونُوا مِنْ جُمْلَةِ مَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ.\n\n- وَلَوْ خَرَجُوا إلَى عَسْكَرِهِمْ فُرْسَانًا فَنَفَقَ فَرَسُ بَعْضِهِمْ كَانَ لَهُمْ سَهْمُ الْفَارِسِ.\nلِأَنَّهُ حَضَرَ الْمُعَسْكَرَ فَارِسًا فَيَصِيرُ بِهِ مُجَاهِدًا بِفَرَسِهِ، إذَا كَانَ الْقِتَالُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَوْ بِالْقُرْبِ مِنْهُ. وَهَذَا فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ بِمَنْزِلَةِ مُجَاوَزَةِ الدَّرْبِ فَارِسًا أَنْ لَوْ كَانَ الْقِتَالُ فِي دَارِ الْحَرْبِ. وَإِنْ كَانَ خَرَجَ إلَى الْعَسْكَرِ رَاجِلًا فَلَمْ يَلْقَ قِتَالًا حَتَّى أَتَى بِفَرَسِهِ، (ص ٣٠٣) أَوْ اشْتَرَى فَرَسًا فَلَهُ سَهْمُ الْفَارِسِ أَيْضًا. وَكَذَلِكَ لَوْ اصْطَفَّ الْفَرِيقَانِ لِلْقِتَالِ وَهُوَ رَاجِلٌ ثُمَّ أَتَى بِفَرَسِهِ أَوْ اشْتَرَى فَرَسًا فَلَهُ سَهْمُ الْفُرْسَانِ.\nلِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُنَا شُهُودُ الْوَقْعَةِ. وَحَقِيقَةُ شُهُودِ الْوَقْعَةِ إنَّمَا تَكُونُ عِنْدَ الْقِتَالِ. فَحُضُورُ الْمُعَسْكَرِ وَإِنْ أُقِيمَ مَقَامَهُ حُكْمًا لَا يَسْقُطُ بِهِ اعْتِبَارُ الْحَقِيقَةِ.\n\n- فَإِنْ الْتَحَمَ الْقِتَالُ وَهُوَ رَاجِلٌ ثُمَّ أَصَابَ فَرَسًا بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا سَهْمُ رَاجِلٍ.\nلِأَنَّ شُهُودَ الْوَقْعَةِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا قَدْ وُجِدَ مِنْهُ وَهُوَ رَاجِلٌ، فَلَا يَتَغَيَّرُ حَالُهُ بِإِصَابَةِ الْفَرَسِ بَعْدَ ذَلِكَ.","vol":"1","page":921},{"text":"أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قُتِلَ بَعْضُهُمْ وَأَخَذَ فَرَسَهُ فَقَاتَلَ عَلَيْهِ لَمْ يُضْرَبْ لَهُ إلَّا بِسَهْمِ رَاجِلٍ.\n\n- وَمَنْ مَاتَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ قُتِلَ فِي حَالِ تَشَاغُلِهِمْ بِالْقِتَالِ قَبْلَ أَنْ يَنْهَزِمَ الْعَدُوُّ فَلَا شَرِكَةَ لَهُمْ فِي الْمُصَابِ.\nلِأَنَّ الْإِصَابَةَ لَا تَتِمُّ مَعَ بَقَاءِ الْقِتَالِ. فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ مُمْتَنِعُونَ بَعْدُ، دَافِعُونَ عَنْ أَمْوَالِهِمْ.\n\n- وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ بَعْدَ مَا انْهَزَمُوا ضُرِبَ لَهُ بِسَهْمٍ فِي الْغَنِيمَةِ.\nلِأَنَّ الْقِتَالَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. فَبِانْهِزَامِ الْعَدُوِّ يَتَأَكَّدُ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ وَتَصِيرُ الْغَنَائِمُ فِي حُكْمِ الْمُحْرَزَةِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَنْ مَاتَ بَعْدَ الْإِحْرَازِ لَا يَبْطُلُ نَصِيبُهُ. فَهَذَا مِثْلُهُ.\n\n- وَلَوْ أَصَابَ مُسْلِمٌ فِي حَالِ تَشَاغُلِهِمْ بِالْقِتَالِ فَرَسًا، هِبَةً أَوْ شِرَاءً، فَقَاتَلَ عَلَيْهِ وَغَنِمُوا غَنِيمَةً وَرَجَعُوا إلَى عَسْكَرِهِمْ لَمْ يُضْرَبْ لَهُ فِيهَا إلَّا بِسَهْمِ رَاجِلٍ.\nلِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ حَالَ شُهُودِ الْوَقْعَةِ. وَذَلِكَ عِنْدَ أَوَّلِ الْقِتَالِ. وَقَدْ كَانَ رَاجِلًا.\n- فَإِنْ عَادُوا مِنْ الْغَدِ لِلْقِتَالِ وَعَادَ مَعَهُمْ فَارِسًا وَأَصَابُوا غَنِيمَةً ضُرِبَ لَهُ فِيهَا بِسَهْمِ فَارِسٍ.\nلِأَنَّ هَذِهِ وَقْعَةٌ أُخْرَى غَيْرُ الْأُولَى، وَقَدْ شَهِدَهَا فَارِسًا. فَالْأُولَى قَدْ انْقَضَتْ حِينَ كَفَّ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ.","vol":"1","page":922},{"text":"أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَصَابَ الْفَرَسَ قَبْلَ الْقِتَالِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى كَانَ لَهُ سَهْمُ فَارِسٍ فِي الْمُصَابِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى، فَكَذَلِكَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ.\n\n- وَلَوْ قَاتَلُوا الْمُشْرِكِينَ فَلَمْ يُصِيبُوا شَيْئًا حَتَّى جَاءَ قَوْمٌ مِنْ الْمَدِينَةِ مَدَدًا لَهُمْ، فُرْسَانًا أَوْ رَجَّالَةً، فَقَاتَلُوا مَعَهُمْ، أَوْ وَقَفُوا رِدْءًا لَهُمْ، حَتَّى أَصَابُوا غَنِيمَةً شَارَكُوهُمْ فِيهَا. فَمَنْ كَانَ فَارِسًا ضُرِبَ لَهُ بِسَهْمِ فَارِسٍ، وَمَنْ كَانَ رَاجِلًا ضُرِبَ لَهُ بِسَهْمِ رَاجِلٍ.\nلِأَنَّهُمْ شَهِدُوا الْوَقْعَةَ قَبْلَ إصَابَةِ الْغَنِيمَةِ، فَكَانَ حَالُهُمْ كَحَالِ مَنْ خَرَجَ مَعَ الْجَيْشِ.\n\n- وَكَذَلِكَ لَوْ انْتَهَوْا إلَى عَسْكَرِهِمْ فَأَقَامُوا فِيهِ وَلَمْ يَأْتُوا مَوْضِعَ الْقِتَالِ، أَوْ عَسْكَرُوا قَرِيبًا مِنْهُمْ حَيْثُ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغِيثُوهُمْ. لِأَنَّهُمْ فَارَقُوا مَنَازِلَهُمْ عَلَى قَصْدِ الْجِهَادِ، وَعَلَى أَنْ يَكُونُوا مَدَدًا لِلْجَيْشِ يُقَاتِلُونَ مَعَهُمْ. فَإِذَا وَصَلُوا إلَى مَوْضِعٍ لَوْ اسْتَغَاثُوا بِهِمْ أَغَاثُوهُمْ قَبْلَ إصَابَةِ الْغَنِيمَةِ كَانُوا رِدْءًا لَهُمْ، وَالرِّدْءُ كَالْمُبَاشِرِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْمُصَابِ.\n- وَكَذَلِكَ لَوْ كَانُوا غَنِمُوا غَنَائِمَ قَبْلَ أَنْ يَأْتُوهُمْ وَغَنَائِمَ بَعْدَ مَا أَتَوْهُمْ.","vol":"1","page":923},{"text":"لِأَنَّ الْقِتَالَ مَا دَامَ قَائِمًا بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ فَالْإِصَابَةُ لَا تَتِمُّ. إذْ الْمُشْرِكُونَ قَاصِدُونَ إلَى الِاسْتِنْقَاذِ مِنْ أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّمَا تَمَّتْ الْإِصَابَةُ فِي الْكُلِّ بِقُوَّةِ الَّذِينَ أَتَوْهُمْ رِدْءًا.\n\n- وَلَوْ كَانُوا حِينَ غَنِمُوا غَنَائِمَ كَفُّوا عَنْ الْقِتَالِ، فَأَتَى كُلُّ فَرِيقٍ عَسْكَرَهُ، ثُمَّ جَاءَ الْمَدَدُ لَمْ يُشَارِكُوهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْغَنَائِمِ.\nلِأَنَّ الْوَقْعَةَ الَّتِي أُصِيبَ فِيهَا تِلْكَ الْغَنَائِمُ قَدْ انْقَضَتْ، فَإِنَّمَا الشَّرِكَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ (ص ٣٠٤) حَقِيقَةً وَحُكْمًا، وَلِأَنَّ الْإِصَابَةَ قَدْ تَمَّتْ فِي تِلْكَ الْغَنِيمَةِ. حَقِيقَةً بِتَفْرِيقِ الْفَرِيقَيْنِ. وَحُكْمًا بِالْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ. لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يُقَاتِلُونَ الْعَدُوَّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. وَلَا شَرِكَةَ لِلْمَدَدِ بَعْدَ الْإِحْرَازِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا.\n\n- فَإِنْ عَادُوا إلَى الْعَدُوِّ مِنْ الْغَدِ وَقَاتَلُوهُمْ وَأَصَابُوا غَنَائِمَ، شَارَكُوهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ الثَّانِيَةِ.\nلِأَنَّهُمْ شَهِدُوا الْوَقْعَةَ فِيهَا، وَإِنَّمَا صَارَتْ مُحْرَزَةً بِمُبَاشَرَتِهِمْ الْقِتَالَ أَوْ قُرْبِهِمْ بِأَنْ كَانُوا رِدْءًا لِلْجَيْشِ.\n\n- وَإِنْ كَانُوا حِينَ لَقُوا الْعَدُوَّ مِنْ الْغَدِ قَاتَلُوهُمْ فَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ إلَى خَنْدَقِهِمْ، فَمَنَعَهُمْ الْمَدَدُ الَّذِينَ جَاءُوا حَتَّى هَزَمُوا عَنْهُمْ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالُوا نُشَارِكُكُمْ فِي الْغَنَائِمِ الْأُولَى لِأَنَّا دَفَعْنَا الْمُشْرِكِينَ عَنْهَا بِالْقِتَالِ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِمْ. لِأَنَّهَا صَارَتْ مُحْرَزَةً بِدَارِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ هَذَا الْقِتَالِ. وَالْقِتَالُ لِلدَّفْعِ","vol":"1","page":924},{"text":"عَنْ الْمَالِ فِي الْغَنَائِمِ الْمُحْرَزَةِ بِالدَّارِ، كَالْقِتَالِ لِلدَّفْعِ عَنْ ثِيَابِ الْجَيْشِ وَأَسْلِحَتِهِمْ فَلَا يَكُونُ مُوجِبًا لَهُمْ الشَّرِكَةَ فِيهَا.\n\n- وَإِنْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ حِينَ هَزَمُوا الْمُسْلِمِينَ أَخَذُوا تِلْكَ الْغَنَائِمَ فَاسْتَنْقَذَهَا مِنْهُمْ الْمَدَدُ فَإِنَّهُمْ يَرُدُّونَهَا إلَى أَهْلِهَا.\nلِأَنَّ حَقَّهُمْ كَانَ تَأَكَّدَ فِيهَا بِالْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ، وَالْتَحَقَتْ بِأَمْوَالِهِمْ، فَيَجِبُ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ، وَلِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ وَإِنْ أَخَذُوهَا لَمْ يُحْرِزُوهَا بِدَارِهِمْ، فَبَقِيَتْ حَقًّا لِلْأَوَّلِينَ كَمَا كَانَتْ. بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْحَادِثَةُ فِي دَارِ الْحَرْبِ. لِأَنَّ حَقَّ الْأَوَّلِينَ هُنَاكَ لَمْ يَتَأَكَّدْ لِانْعِدَامِ الْإِحْرَازِ. وَإِحْرَازُ أَهْلِ الْحَرْبِ لَهَا بِالْأَخْذِ يَتِمُّ فَيَبْطُلُ حَقُّ الْأَوَّلِينَ عَنْهَا وَيَلْتَحِقُ بِالْغَنَائِمِ الَّتِي يُصِيبُونَهَا الْآنَ ابْتِدَاءً.\n\n- وَلَوْ كَانَ الْعَدُوُّ فِي السُّفُنِ فِي الْبَحْرِ فِي أَرْضِ الْإِسْلَامِ فَرَكِبَ الْمُسْلِمُونَ الْبَحْرَ فِي السُّفُنِ وَحَمَلُوا مَعَهُمْ الْخَيْلَ رَجَاءَ أَنْ يَخْرُجُوا إلَى الْبَرِّ فَيُقَاتِلُوهُمْ، فَالْتَقُوا فِي الْبَحْرِ فَاقْتَتَلُوا، فَأَصَابُوا غَنَائِمَ، فَإِنَّهُمْ يَقْسِمُونَهَا عَلَى الْخَيْلِ وَالرَّجَّالَةِ.\nلِأَنَّهُمْ الْتَزَمُوا مُؤْنَةَ الْفَرَسِ لِقَصْدِ الْجِهَادِ عَلَيْهِ، فَلَا يُحْرَمُونَ سَهْمَ الْفُرْسَانِ بِقِتَالِهِمْ رَجَّالَةً فِي مَوْضِعٍ لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ لَقُوهُمْ فِي بَعْضِ الْمَضَايِقِ فَتَرَجَّلُوا أَوْ قَاتَلُوا رَجَّالَةً","vol":"1","page":925},{"text":"اسْتَحَقُّوا سَهْمَ الْفُرْسَانِ؟ وَكَذَلِكَ لَوْ قَاتَلُوهُمْ عَلَى بَابِ حِصْنٍ رَجَّالَةً اسْتَحَقُّوا سَهْمَ الْفُرْسَانِ لِهَذَا الْمَعْنَى كَذَلِكَ هُنَا.\n- فَإِنْ كَانُوا تَرَكُوا الْخَيْلَ عَلَى السَّاحِلِ فِي أَرْضِ الْإِسْلَامِ وَرَكِبُوا السُّفُنَ رَجَّالَةً، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَإِنْ كَانُوا تَبَاعَدُوا مِنْ خُيُولِهِمْ، حَتَّى لَوْ كَانُوا فِي الْبَرِّ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَفْرَاسِهِمْ إنْ احْتَاجُوا إلَى الْقِتَالِ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ سَهْمُ الْفَرَسِ، وَلَمْ يَكُنْ لِمَنْ تَخَلَّفَ فِي الْمُعَسْكَرِ عَلَى السَّاحِلِ شَرِكَةٌ مَعَهُمْ.\nلِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا عَلَى الْبَرِّ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يَثْبُتْ الِاسْتِحْقَاقُ لِمَنْ تَخَلَّفَ فِي الْمُعَسْكَرِ، بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمْ لَمْ يَشْهَدُوا الْوَقْعَةَ فَكَذَلِكَ إذَا كَانُوا فِي الْبَحْرِ.\n\n- وَإِنْ كَانُوا لَقُوا الْعَدُوَّ قَرِيبًا مِنْ الْمُعَسْكَرِ حَيْثُ يُغِيثُونَهُمْ إنْ أَرَادُوا غَنَائِمَهُمْ فَلَهُمْ الشَّرِكَةُ، وَيُضْرَبُ لِأَصْحَابِ الْخَيْلِ فِيهَا بِسِهَامِ الْخَيْلِ.\nلِأَنَّهُمْ شَهِدُوا الْوَقْعَةَ وَصَارُوا بِقُرْبِهِمْ مِنْ مَوْضِعِ الْقِتَالِ كَأَنَّهُمْ فِي مَوْضِعِ الْقِتَالِ. وَإِنَّمَا انْهَزَمَ الْعَدُوُّ وَظَفِرَ بِهِمْ الْمُسْلِمُونَ بِقُوَّةِ مَنْ كَانَ فِي الْمُعَسْكَرِ فَيُشَارِكُونَهُمْ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَوْ كَانُوا فِي جَزِيرَةٍ فِي أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ، وَبَيْنَ","vol":"1","page":926},{"text":"عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَهُمْ شَيْءٌ يَسِيرٌ مِثْلُ عَرْضِ الدِّجْلَةِ، فَرَكِبَ الْمُسْلِمُونَ فِي السُّفُنِ حَتَّى أَصَابُوا غَنَائِمَ، فَإِنَّ مَنْ فِي الْمُعَسْكَرِ يُشَارِكُهُمْ فِيهَا إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ (ص ٣٠٥)، فَكَذَلِكَ فِي الْأَوَّلِ.\n\n- وَعَلَى هَذَا لَوْ دَخَلَ الْمُسْلِمُونَ غَيْضَةً فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مِثْلَ غِيَاضِ طَبَرِسْتَانَ، فَلَمْ يَقْدِرْ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنْ يَدْخُلُوهَا عَلَى الْخَيْلِ، فَدَخَلُوهَا رَجَّالَةً، وَقَاتَلُوا الْعَدُوَّ قَرِيبًا مِنْ مُعَسْكَرِهِمْ حَيْثُ يَسْمَعُونَ صَهِيلَ خُيُولِهِمْ، فَإِنَّ أَهْلَ الْعَسْكَرِ شُرَكَاؤُهُمْ فِيمَا غَنِمُوا، وَلِأَصْحَابِ الْخَيْلِ سَهْمُ الْفُرْسَانِ. لِأَنَّ الْكُلَّ، لِلْقُرْبِ مِنْ مَوْضِعِ الْقِتَالِ، كَالْحُضُورِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ.\n- وَإِنْ أَمْعَنُوا فِي الْغَيْضَةِ عَلَى إثْرِ الْعَدُوِّ حَتَّى اقْتَتَلُوا فِي مَوْضِعٍ لَوْ طَلَبُوا الْغِيَاثَ لَمْ يُغِثْهُمْ أَصْحَابُهُمْ فَلَا شَرِكَةَ لِمَنْ فِي الْمُعَسْكَرِ مَعَهُمْ فِي الْمُصَابِ. لِأَنَّهُمْ لَمْ يَشْهَدُوا الْوَقْعَةَ حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا لِبُعْدِهِمْ مِنْ مَوْضِعِ الْقِتَالِ.\n\n- وَكَذَلِكَ لَوْ تَحَصَّنَ الْمُسْلِمُونَ فِي قَلْعَةٍ فِي أَرْضِ الْإِسْلَامِ. أَوْ فِي جَبَلٍ لَا تَقْدِرُ الْخَيْلُ عَلَى صُعُودِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، أَوْ تَحَصَّنُوا فِي حِصْنٍ وَجَعَلُوا الْمَاءَ فِي الْخَنْدَقِ، حَتَّى صَارَ مَا حَوْلَ الْمَدِينَةِ شَبَهَ الْبُحَيْرَةِ،","vol":"1","page":927},{"text":"فَرَكِبُوا السُّفُنَ حَتَّى انْتَهَوْا إلَى الْحِصْنِ، وَصَعِدُوا الْقَلْعَةَ رَجَّالَةً حَتَّى فَتَحُوا الْقَلْعَةَ، وَأَصَابُوا الْغَنَائِمَ، فَإِنَّ أَهْلَ الْعَسْكَرِ شُرَكَاؤُهُمْ فِيهَا، وَلِأَصْحَابِ الْخَيْلِ سَهْمُ الْفُرْسَانِ.\nلِأَنَّ الَّذِينَ ظَفِرُوا بِالْعَدُوِّ إنَّمَا ظَفِرُوا بِقُوَّةِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ حِينَ كَانُوا بِالْقُرْبِ مِنْهُمْ.\n- إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُعَسْكَرُ نَائِيًا عَنْ الْقَلْعَةِ وَالْحِصْنِ بِحَيْثُ لَا يُغِيثُونَهُمْ وَلَا يَكُونُونَ رِدْءًا لَهُمْ، فَحِينَئِذٍ لَا شَرِكَةَ مَعَهُمْ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ.\nلِأَنَّ تَمَكُّنَهُمْ مِنْ الْإِصَابَةِ بِقُوَّةِ أَنْفُسِهِمْ لَا بِقُوَّةِ مَنْ فِي الْمُعَسْكَرِ، وَالْإِصَابَةُ تَتِمُّ قَبْلَ الرُّجُوعِ إلَى الْمُعَسْكَرِ هَاهُنَا، وَتَصِيرُ الْغَنِيمَةُ مُحْرَزَةً بِدَارِ الْإِسْلَامِ فَلَا يُشَارِكُونَهُمْ فِيهَا. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ فَعَلُوا هَذَا فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ لَمْ يَرْجِعُوا إلَى الْمُعَسْكَرِ، وَلَكِنَّهُمْ خَرَجُوا مِنْ جَانِبٍ آخَرَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ أَهْلَ الْمُعَسْكَرِ لَا يُشَارِكُونَهُمْ فِيهَا، إلَّا إذَا كَانُوا بِالْقُرْبِ مِنْهُمْ. حِينَ اقْتَتَلُوا وَأَصَابُوا عَلَى وَجْهٍ لَوْ اسْتَغَاثُوا بِهِمْ أَغَاثُوهُمْ؟ فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْقِتَالُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. إلَّا أَنَّ فِي دَارِ الْحَرْبِ مَنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ السَّرِيَّةِ خَلَّفَ فَرَسَهُ فِي الْمُعَسْكَرِ اسْتَحَقَّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ، وَإِنْ كَانَتْ الْإِصَابَةُ بَعْدَ مَا بَعِدُوا مِنْ الْمُعَسْكَرِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْقِتَالُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّ هُنَاكَ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ لَهُ قَدْ انْعَقَدَ بِمُجَاوَزَةِ الدَّرْبِ فَارِسًا. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ نَفَقَ فَرَسُهُ اسْتَحَقَّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ؟ فَكَذَلِكَ إذَا خَلَّفَهُ فِي الْمُعَسْكَرِ، وَلَكِنَّ هَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي حَقِّ الْمُسْتَحِقِّ. أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ الْجُنْدِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يُضْرَبْ لَهُ بِسَهْمٍ.","vol":"1","page":928},{"text":"فَلِهَذَا لَا شَرِكَةَ لِمَنْ تَخَلَّفَ فِي الْمُعَسْكَرِ. وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّرِيَّةِ خَلَّفَ فَرَسَهُ فِي الْمُعَسْكَرِ اسْتَحَقَّ السَّهْمَ بِهِ. فَأَمَّا إذَا كَانَ الْقِتَالُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّمَا يَنْعَقِدُ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ هَاهُنَا بِشُهُودِ الْوَقْعَةِ فَارِسًا، وَحِينَ كَانَ فَرَسُهُ بِالْبُعْدِ مِنْهُ فِي مَوْضِعٍ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ إنْ لَوْ احْتَاجَ إلَيْهِ، فَهُوَ مَا شَهِدَ الْوَقْعَةَ إلَّا رَاجِلًا، فَلَا يَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْفَارِسِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":929},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>[بَابُ دُخُولِ الْمُسْلِمِينَ دَارَ الْحَرْبِ بِالْخَيْلِ وَمَنْ يُسْهَمُ لَهُ مِنْهُمْ]</span>\n١٠٠ - بَابُ دُخُولِ الْمُسْلِمِينَ دَارَ الْحَرْبِ بِالْخَيْلِ\nوَمَنْ يُسْهَمُ لَهُ مِنْهُمْ فِي الْغَصْبِ وَالْإِجَارَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَالْحَبْسِ قَالَ: قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا سَبَقَ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْأَمِيرِ أَنْ يَعْرِضَ الْجَيْشَ حِينَ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ فَيَكْتُبَ أَصْحَابَ الْخَيْلِ (ص ٣٠٦) بِأَسْمَائِهِمْ، وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ، وَحِلَاهُمْ، وَيَكْتُبَ الرَّجَّالَةَ كَذَلِكَ.\nلِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ يَنْعَقِدُ لَهُمْ الْآنَ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى مَعْرِفَةِ حَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الْقَضَاءِ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ. ثُمَّ إذَا رَجَعُوا إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ عَرَضَهُمْ أَيْضًا.\nلِأَنَّ الْقِسْمَةَ إنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ الْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَعْرِضَهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الْقِسْمَةِ بَيْنَهُمْ. وَهَذَا لِأَنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهِ عَرْضُهُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ، فَلِدَفْعِ الْمَشَقَّةِ يَكْتَفِي بِالْعَرْضِ عِنْدَ انْعِقَادِ السَّبَبِ ابْتِدَاءً وَعِنْدَ تَأَكُّدِ الْحَقِّ بِالْإِحْرَازِ.\n\n- فَمَنْ مَرَّ بِهِ فِي الْعَرْضِ الثَّانِي رَاجِلًا وَقَدْ كَانَ فِي الْعَرْضِ الْأَوَّلِ فَارِسًا سَأَلَهُ عَنْ فَرَسِهِ مَا حَالُهُ. فَإِنْ قَالَ: عُقِرَ أَوْ نَفَقَ أَوْ أَخَذَهُ الْمُشْرِكُونَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.","vol":"1","page":930},{"text":"لِأَنَّهُ يَتَمَسَّكُ بِمَا عُرِفَ ثُبُوتُهُ، وَانْعِقَادُ سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ لَهُ مَعْلُومٌ. وَأَصْحَابُهُ بِقَوْلِهِمْ إنَّهُ بَاعَ فَرَسَهُ يَدَّعُونَ عَلَيْهِ مَا يُبْطِلُ اسْتِحْقَاقَهُ مِنْ مَعْنَى هُوَ عَارِضٌ وَهُوَ مُنْكِرٌ. لِذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، حَتَّى يَثْبُتَ الْعَارِضُ الْمُسْقِطُ.\n\n- فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ بَاعَ فَرَسَهُ قَبْلَ إصَابَةِ الْغَنِيمَةِ فَقَدْ ثَبَتَ بِالْحُجَّةِ الْعَارِضُ الْمُسْقِطُ لِاسْتِحْقَاقِهِ. وَالثَّابِتُ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ. وَلَوْ عَايَنَاهُ أَنَّهُ بَاعَ فَرَسَهُ قَبْلَ إصَابَةِ الْغَنِيمَةِ لَمْ يَسْتَحِقَّ بِهِ السَّهْمَ. إلَّا فِي رِوَايَةٍ شَاذَّةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ بِرِوَايَةِ الْحَسَنِ. وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ \". وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ الشَّاهِدَانِ مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ أَوْ مِنْ التُّجَّارِ.\nلِأَنَّ شَرِكَتَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ شَرِكَةٌ عَامَّةٌ. فَإِنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا قَبْلَ الْقِسْمَةِ. وَبِمِثْلِ هَذِهِ الشَّرِكَةِ لَا تَتَمَكَّنُ التُّهْمَةُ فِي الشَّهَادَةِ، كَمَا فِي مَالِ بَيْتِ الْمَالِ.\n\n- فَإِذَا حَضَرَ الرَّجُلُ بِفَرَسِهِ لِيَدْخُلَ دَارَ الْحَرْبِ غَازِيًا فَغَصَبَ مُسْلِمٌ فَرَسَهُ وَأَدْخَلَهُ دَارَ الْحَرْبِ، ثُمَّ وَجَدَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ فَرَسَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَأَقَامَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ فَأَخَذَهُ، فَفِي الْقِيَاسِ لَيْسَ لَهُ إلَّا سَهْمُ الرَّجَّالَةِ.","vol":"1","page":931},{"text":"لِأَنَّهُ كَانَ رَاجِلًا حِينَ انْعَقَدَ لَهُ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ بِدُخُولِ دَارِ الْحَرْبِ، إذَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ فَرَسٌ يَتَمَكَّنُ مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ إنْ لَوْ احْتَاجَ إلَيْهِ، وَقَدْ أُثْبِتَ اسْمُهُ فِي دِيوَانِ الرَّجَّالَةِ، فَلَا يَتَغَيَّرُ حَالُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِعَوْدِ الْفَرَسِ إلَى يَدِهِ، وَتَمَكُّنِهِ مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ. بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اشْتَرَى فَرَسًا. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَهُ سَهْمُ الْفُرْسَانِ. لِأَنَّهُ الْتَزَمَ مُؤْنَةَ الْفَرَسِ لِلْقِتَالِ عَلَيْهِ، حِينَ خَرَجَ مِنْ أَهْلِهِ فَارِسًا وَقَاتَلَ وَهُوَ فَارِسٌ أَيْضًا، فَلَا يُحْرَمُ سَهْمَهُ بِعَارِضِ غَصْبٍ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ، يُزِيلُ تَمَكُّنَهُ مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ مَرِضَ فَرَسُهُ. أَرَأَيْت أَنَّهُ لَوْ بَقِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ دُخُولِ دَارِ الْحَرْبِ مِقْدَارُ نِصْفِ مِيلٍ، فَنَزَلَ لِيَقْضِيَ حَاجَتَهُ، فَاسْتَوَى رَاجِلٌ عَلَى فَرَسِهِ فَأَدْخَلَهُ دَارَ الْحَرْبِ، ثُمَّ دَخَلَ صَاحِبُ الْفَرَسِ عَلَى إثْرِهِ فَأَخَذَهُ مِنْهُ، أَكَانَ يُحْرَمُ سَهْمَ الْفَرَسِ بِهَذَا الْمِقْدَارِ؟\nأَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّهُ عَارَ الْفَرَسُ حِينَ نَزَلَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ وَدَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ، فَاتَّبَعَهُ الرَّجُلُ فَأَخَذَهُ، أَكَانَ يُحْرَمُ سَهْمَ الْفَرَسِ؟ أَرَأَيْت لَوْ أَنَّهُ حِينَ عَارُ الْفَرَسُ أَخَذَهُ مُسْلِمٌ فَرَكِبَهُ أَوْ لَمْ يَرْكَبْهُ، حَتَّى دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ، ثُمَّ وَجَدَ صَاحِبَهُ فَأَخَذَهُ مِنْهُ، أَكَانَ يُحْرَمُ سَهْمَ الْفَرَسِ؟ لَا يَسْتَجِيزُ أَحَدٌ أَنْ يَقُولَ: بِهَذَا الْقَدْرِ يُحْرَمُ سَهْمَ الْفَرَسِ. فَكَذَلِكَ الْأَوَّلُ، وَلَكِنَّهُ إنْ مَرَّ بِاَلَّذِي يَعْرِضُهُمْ وَهُوَ رَاجِلٌ وَأَخْبَرَهُ هَذَا الْخَبَرَ لَمْ يُصَدِّقْهُ عَلَى قَوْلِهِ، وَكَتَبَهُ رَاجِلًا، لِأَنَّهُ يَعْلَمُهُ رَاجِلًا حَقِيقَةً، وَمَا أَخْبَرَ بِهِ مُحْتَمِلٌ لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ، فَلَا يَدَعُ الْحَقِيقَةَ لِأَجْلِهِ. فَإِنْ كَتَبَهُ رَاجِلًا ثُمَّ مَرَّ بِهِ فِي الْعَرْضِ الثَّانِي وَهُوَ فَارِسٌ، فَقَالَ: هَذَا الْفَرَسُ الَّذِي كُنْت أَخْبَرْتُكَ خَبَرَهُ، لَمْ يُصَدِّقْهُ بِقَوْلِهِ، لِأَنَّهُ يَدَّعِي اسْتِحْقَاقَ","vol":"1","page":932},{"text":"سَهْمِ الْفَرَسِ بِسَبَبٍ لَمْ يُعْرَفْ. وَالِاسْتِحْقَاقُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ لَا يَثْبُتُ، فَيَحْتَاجُ إلَى إقَامَةِ (ص ٣٠٧) الْبَيِّنَةِ عَلَى مَنْ ادَّعَى مِنْ ذَلِكَ. وَإِذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ كَانَ الثَّابِتُ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ.\n\n- وَلَوْ أَنَّ الْغَاصِبَ حِينَ أَدْخَلَ فَرَسَ الْغَازِي دَارَ الْحَرْبِ قَاتَلَ عَلَيْهِ حَتَّى غَنِمَ الْمُسْلِمُونَ وَخَرَجُوا، فَإِنَّهُ يُضْرَبُ لَهُ فِي الْغَنِيمَةِ بِسَهْمِ الْفَارِسِ.\nلِأَنَّهُ الْتَزَمَ مُؤْنَةَ الْفَرَسِ لِلْقِتَالِ عَلَيْهِ وَحَقَّقَ ذَلِكَ بِالْقِتَالِ، فَإِنَّ مُؤْنَةَ الْمَغْصُوبِ عَلَى الْغَاصِبِ مَا لَمْ يَرُدَّهُ.\n\n- وَلَا فَرْقَ فِي التَّمَكُّنِ مِنْ الْقِتَالِ حِسًّا بَيْنَ الْفَرَسِ الْمَغْصُوبِ وَالْفَرَسِ الْمَمْلُوكِ لَهُ. ثُمَّ يُرَدُّ الْفَرَسُ إلَى صَاحِبِهِ وَيَغْرَمُ لَهُ مَا نَقَصَ إنْ كَانَ نَقَصَهُ شَيْءٌ. لِأَنَّ مَا اسْتَحَقَّ مِنْ السَّهْمِ إنَّمَا اسْتَحَقَّهُ لِقِتَالِهِ عَلَى الْفَرَسِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَجَّرَ الْمَغْصُوبَ وَأَخَذَ الْأَجْرَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مَمْلُوكًا لَهُ وَلَيْسَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ عَلَى الْأَجْرِ سَبِيلٌ، وَإِنَّمَا لَهُ نُقْصَانُ الْفَرَسِ إنْ تَمَكَّنَ فِيهِ نُقْصَانٌ، فَهَذَا مِثْلُهُ. وَلَا يُضْرَبُ لِصَاحِبِ الْفَرَسِ فِي الْغَنِيمَةِ إلَّا بِسَهْمِ رَاجِلٍ. لِأَنَّهُ مَا كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ فِي مَوْضِعٍ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، وَلِأَنَّ بِالْفَرَسِ الْوَاحِدِ لَا يَسْتَحِقُّ رَجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السَّهْمَ الْكَامِلَ، وَقَدْ اسْتَحَقَّ الْغَاصِبُ السَّهْمَ بِهَذَا الْفَرَسِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الْمَالِكُ بِهِ شَيْئًا.\n\n- وَلَوْ كَانَ غَصَبَهُ مِنْهُ بَعْدَ مَا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَلِصَاحِبِ الْفَرَسِ سَهْمُ فَارِسٍ.","vol":"1","page":933},{"text":"لِأَنَّ زَوَالَ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ بِالْغَصْبِ بَعْدَ مَا جَاوَزَ الدَّرْبَ كَزَوَالِ تَمَكُّنِهِ بِمَوْتِ الْفَرَسِ. وَالْغَاصِبُ لَا يُضْرَبُ لَهُ إلَّا بِسَهْمِ رَاجِلٍ. لِأَنَّ الْمَالِكَ لَمَّا جُعِلَ فَارِسًا بِهَذَا الْفَرَسِ فَغَيْرُهُ لَا يَكُونُ فَارِسًا بِهِ أَيْضًا. وَلِأَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى فَرَسًا فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَسْتَحِقَّ بِهِ سَهْمَ الْفُرْسَانِ، فَإِذَا غَصَبَ فَرَسًا أُخْرَى أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ بِهِ سَهْمَ الْفُرْسَانِ أَوْلَى.\n\n- وَلَوْ غُصِبَ الْفَرَسُ قَبْلَ مُجَاوَزَةِ الدَّرْبِ ثُمَّ أَصَابُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ غَنَائِمَ وَالْفَرَسُ فِي يَدِ الْغَاصِبِ، ثُمَّ اسْتَحَقَّهُ الْمَالِكُ، وَأَصَابُوا غَنَائِمَ بَعْدَ ذَلِكَ بِقِتَالٍ أَوْ بِغَيْرِ قِتَالٍ، فَفِي الْغَنَائِمِ الْأُولَى يُضْرَبُ لِلْغَاصِبِ بِسَهْمِ فَارِسٍ.\nلِأَنَّهُ انْفَصَلَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَارِسًا، وَقَاتَلَ حِينَ أُصِيبَتْ تِلْكَ الْغَنَائِمُ وَهُوَ فَارِسٌ، فَيَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ. وَيُضْرَبُ فِيهَا لِصَاحِبِ الْفَرَسِ بِسَهْمِ رَاجِلٍ. لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَكُونُ بِالْفَرَسِ الْوَاحِدِ فَارِسَانِ. وَمَا أَصَابُوا مِنْ الْغَنَائِمِ بَعْدَ مَا اسْتَحَقَّ صَاحِبُ الْفَرَسِ فَرَسَهُ فَإِنَّهُ يُضْرَبُ لِصَاحِبِ الْفَرَسِ فِيهِ بِسَهْمِ الْفَارِسِ. لِأَنَّهُ اسْتَرَدَّهُ قَبْلَ هَذِهِ الْوَقْعَةِ، فَهُوَ قِيَاسُ مَا لَوْ اسْتَرَدَّهُ قَبْلَ أَنْ يَلْقَوْا قِتَالًا فِيمَا أُصِيبَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَيُضْرَبُ لِلْغَاصِبِ فِيهَا بِسَهْمِ رَاجِلٍ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ","vol":"1","page":934},{"text":"الْفَرَسِ لَمَّا كَانَ فَارِسًا فِي هَذِهِ الْغَنِيمَةِ بِهَذَا الْفَرَسِ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ فَارِسًا بِهَا، وَلِأَنَّ الْفَرَسَ أُخِذَ مِنْ يَدِهِ بِحَقٍّ مُسْتَحَقٍّ كَانَ سَابِقًا عَلَى دُخُولِهِ دَارَ الْحَرْبِ. وَلَوْ أُخِذَ بِحَقٍّ مُسْتَحَقٍّ اعْتَرَضَ بَعْدَ دُخُولِهِ بِأَنْ بَاعَهُ يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ فَارِسًا فِيمَا يُصَابُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَهَاهُنَا أَوْلَى. وَكَذَلِكَ إنْ لَقُوا قِتَالًا فَقَاتَلَ صَاحِبُ الْفَرَسِ عَنْ الْغَنَائِمِ الْأُولَى بَعْدَمَا اسْتَرَدَّ فَرَسَهُ، فَإِنَّهُ لَا يُضْرَبُ لَهُ فِيهَا إلَّا بِسَهْمِ رَاجِلٍ، لِأَنَّ حَقَّهُ كَانَ ثَابِتًا فِي الْغَنَائِمِ الْأُولَى بِقَدْرِ سَهْمِ رَاجِلٍ، فَهُوَ مَا قَاتَلَ إلَّا دَفْعًا عَنْ ذَلِكَ الْحَقِّ، فَلَا يَزْدَادُ بِهِ حَقُّهُ (ص ٣٠٨) وَلَا يَبْطُلُ مَا كَانَ مُسْتَحَقًّا لِلْغَاصِبِ مِنْ سَهْمِ فَرَسِهِ.\n\n- وَلَوْ كَانَ صَاحِبُ الْفَرَسِ حِينَ جَاءَ يُرِيدُ دُخُولَ دَارِ الْحَرْبِ أَعَارَ مُسْلِمًا فَرَسَهُ وَقَالَ: قَاتِلْ عَلَيْهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ. فَلَمَّا أَدْخَلَهُ الْمُسْتَعِيرُ دَارَ الْحَرْبِ بَدَا لِلْمُعِيرِ فَأَخَذَهُ مِنْهُ قَبْلَ إصَابَةِ الْغَنِيمَةِ أَوْ بَعْدَهَا، فَلِصَاحِبِ الْفَرَسِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ سَهْمُ رَاجِلٍ.\nلِأَنَّهُ أَزَالَ الْفَرَسَ عَنْ يَدِهِ بِاخْتِيَارِهِ قَبْلَ مُجَاوَزَةِ الدَّرْبِ، وَإِنَّمَا انْعَقَدَ لَهُ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ عِنْدَ مُجَاوَزَةِ الدَّرْبِ وَهُوَ رَاجِلٌ، ثُمَّ لَا يَتَغَيَّرُ بَعْدَ ذَلِكَ بِاسْتِرْدَادِ الْفَرَسِ، كَمَا لَا يَتَغَيَّرُ بِشِرَاءِ الْفَرَسِ. وَلَيْسَ هَذَا نَظِيرَ مَا اسْتَحْسَنَّا فِيهِ مِنْ فَصْلِ الْغَصْبِ، فَإِنَّ هُنَاكَ مَا أَزَالَ يَدَهُ بِاخْتِيَارِهِ، وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ فَارِسًا ثُمَّ أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ فَرَسَهُ اسْتَحَقَّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ؟ وَلَوْ بَاعَ فَرَسَهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ. وَمَا كَانَ الْفَرْقُ إلَّا بِهَذَا، أَنَّ تَمَكُّنَهُ فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ زَالَ فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ لَا بِاخْتِيَارِهِ. وَفِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ أَزَالَهُ بِاخْتِيَارِهِ.","vol":"1","page":935},{"text":"- وَأَمَّا الْمُسْتَعِيرُ فَلَهُ سَهْمُ الْفَارِسِ فِيمَا أُصِيبَ قَبْلَ رَدِّهِ الْفَرَسَ عَلَى الْمُعِيرِ.\nلِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ بِمُجَاوَزَةِ الدَّرْبِ انْعَقَدَ لَهُ وَهُوَ فَارِسٌ، وَالْإِصَابَةُ وُجِدَتْ وَهُوَ فَارِسٌ أَيْضًا، وَقَدْ قَرَّرَنَا هَذَا فِي الْغَاصِبِ، فَفِي الْمُسْتَعِيرِ أَوْلَى.\n- وَأَمَّا مَا أُصِيبَ بَعْدَ رَدِّ الْفَرَسِ فَلَهُ فِي ذَلِكَ سَهْمُ رَاجِلٍ.\nلِأَنَّ الْفَرَسَ أُخِذَ مِنْهُ بِحَقٍّ مُسْتَحَقٍّ سَابِقًا عَلَى دُخُولِهِ دَارَ الْحَرْبِ، وَذَلِكَ يُخْرِجُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ فَارِسًا فِيمَا يُصَابُ بَعْدَ ذَلِكَ.\n\n- وَلَوْ نَفَقَ الْفَرَسُ عِنْدَ الْمُسْتَعِيرِ ضُرِبَ لَهُ فِي الْغَنَائِمِ كُلِّهَا بِسَهْمِ فَرَسٍ.\nلِأَنَّهُ كَانَ فَارِسًا حِينَ انْعَقَدَ لَهُ السَّبَبُ، ثُمَّ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ بِحَقٍّ حَتَّى نَفَقَ فِي يَدِهِ، فَيَكُونُ هُوَ كَالْمَالِكِ فِي ذَلِكَ.\n\n- وَإِنْ أَخَذَهُ الْمُشْرِكُونَ مِنْ يَدِهِ فَأَحْرَزُوهُ، ثُمَّ أَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ فَرَدُّوهُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَعُودُ إلَى يَدِهِ كَمَا كَانَ. حَتَّى إذَا أَصَابُوا غَنَائِمَ ثُمَّ قَبْلَ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى الْمُعِيرِ كَانَ لَهُ سَهْمُ الْفُرْسَانِ فِي ذَلِكَ. وَإِنْ رَدَّهُ إلَى الْمُعِيرِ ثُمَّ أُصِيبَتْ الْغَنَائِمُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ سَهْمُ رَاجِلٍ، وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ لَمْ يَأْخُذْهُ الْمُشْرِكُونَ أَصْلًا.\n١٦٩٩ - وَلَوْ كَانَ صَاحِبُ الْفَرَسِ دَخَلَ بِالْفَرَسِ أَرْضَ الْحَرْبِ","vol":"1","page":936},{"text":"ثُمَّ أَعَارَهُ غَيْرَهُ. فَلَمْ يَزَلْ مَعَهُ يُقَاتِلُ عَلَيْهِ حَتَّى نَفَقَ وَقَدْ أَصَابَ الْمُسْلِمُونَ غَنَائِمَ قَبْلَ ذَلِكَ وَبَعْدَهُ، فَلِصَاحِبِ الْفَرَسِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ سَهْمُ فَارِسٍ.\nلِأَنَّهُ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ مُلْتَزِمًا مُؤْنَةَ الْفَرَسِ لِلْقِتَالِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ بِإِعَارَتِهِ الْفَرَسَ مِنْ غَيْرِهِ لِلْقِتَالِ بَعْدَ مَا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ لَا يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ الْقِتَالَ عَلَى الْفَرَسِ، بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَهُ، فَإِنَّهُ يَتَبَيَّنُ بِالْبَيْعِ أَنَّ قَصْدَهُ كَانَ التِّجَارَةَ لَا الْقِتَالَ عَلَيْهِ. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ لِلْمُعِيرِ سَهْمَ الْفَارِسِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ ثَبَتَ أَنَّ لِلْمُسْتَعِيرِ سَهْمَ الرَّجَّالَةِ، لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ بِالْفَرَسِ الْوَاحِدِ فَارِسَانِ، وَلِأَنَّ اسْتِعَارَةَ الْفَرَسِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا تَكُونُ فَوْقَ شِرَاءِ الْفَرَسِ.\n١٧٠٠ - وَلَوْ لَمْ يَدْخُلْ صَاحِبُ الْفَرَسِ دَارَ الْحَرْبِ حَتَّى أَعَادَ فَرَسَهُ لِيَرْكَبَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقَاتِلَ عَلَيْهِ، فَرَكِبَهُ حَتَّى دَخَلَ أَرْضَ الْحَرْبِ، ثُمَّ رَدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ، فَصَاحِبُ الْفَرَسِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فَارِسٌ. لِأَنَّهُ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ (ص ٣٠٩) مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ. إنْ لَوْ احْتَاجَ إلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَسْتَرِدُّهُ مِنْ الْمُسْتَعِيرِ مَتَى شَاءَ. وَقَدْ اسْتَرَدَّهُ وَقَاتَلَ فَارِسًا فَيَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ. وَالْمُسْتَعِيرُ رَاجِلٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.\nلِأَنَّهُ مَا كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ عِنْدَ مُجَاوَزَةِ الدَّرْبِ، فَإِنَّهُ اسْتِعَارَةٌ لِلرُّكُوبِ لَا لِلْقِتَالِ عَلَيْهِ. بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ هُنَاكَ إذَا قَاتَلَ حَتَّى أُصِيبَتْ الْغَنَائِمُ قَبْلَ الرَّدِّ اسْتَحَقَّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ، لِكَوْنِهِ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ. وَبِهَذَا يَتَّضِحُ الْفَرْقُ أَيْضًا فِي حَقِّ الْمُعِيرِ. فَإِنَّ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ الْمُسْتَعِيرَ","vol":"1","page":937},{"text":"لَمَّا كَانَ فَارِسًا بِهَذَا الْفَرَسِ عَرَفْنَا أَنَّ الْمُعِيرَ لَيْسَ فَارِسًا بِهِ. وَفِي الْفَصْلِ الثَّانِي وَهُوَ الْإِعَارَةُ لِلرُّكُوبِ، الْمُسْتَعِيرُ لَمْ يَصِرْ فَارِسًا بِهِ فِي اسْتِحْقَاقِ السَّهْمِ، فَجَعَلْنَا الْمُعِيرَ فَارِسًا بِهِ، لِتَمَكُّنِهِ مِنْ أَخْذِهِ مَتَى شَاءَ.\n\n- وَلَوْ كَانَ الْمُسْتَعِيرُ حِينَ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ ادَّعَى أَنَّ الْفَرَسَ لَهُ وَجَحَدَ حَقَّ صَاحِبِهِ، وَقَاتَلَ عَلَى الْفَرَسِ حَتَّى أُصِيبَتْ الْغَنَائِمُ، ثُمَّ أَقَامَ الْمُعِيرُ الْبَيِّنَةَ وَأَخَذَ فَرَسَهُ، فَصَاحِبُ الْفَرَسِ فَارِسٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.\nلِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ بِالْجُحُودِ صَارَ غَاصِبًا، وَإِنَّمَا جَحَدَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ غَصَبَ الْفَرَسَ مِنْ صَاحِبِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ ابْتِدَاءً. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ صَاحِبَ الْفَرَسِ بِهَذَا الْغَصْبِ لَا يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ فَارِسًا وَالْغَاصِبُ بِهِ لَا يَصِيرُ فَارِسًا، فَكَذَلِكَ هَهُنَا.\n\n- وَلَوْ كَانَ صَاحِبُ الْفَرَسِ آجَرَهُ مِنْ رَجُلٍ أَيَّامًا لِيَرْكَبَهُ حِينَ يَدْخُلُ دَارَ الْحَرْبِ، وَانْقَضَتْ الْإِجَارَةُ قَبْلَ إصَابَةِ الْغَنَائِمِ أَوْ بَعْدَهَا، فَصَاحِبُ الْفَرَسِ رَاجِلٌ فِي جَمِيعِهَا.\nلِأَنَّهُ حِينَ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ، فَقَدْ أَوْجَبَ لِلْمُسْتَأْجِرِ فِيهِ حَقًّا مُسْتَحَقًّا، وَبِهِ فَارَقَ الْإِعَارَةَ.\n١٧٠٣ - فَإِذَا اسْتَرَدَّهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ كَانَ فِي حُكْمِ الْمُشْتَرِي لِلْفَرَسِ الْآنَ، فَلَا يَصِيرُ بِهِ فَارِسًا. وَالْمُسْتَأْجِرُ رَاجِلٌ أَيْضًا فِي جَمِيعِ الْغَنَائِمِ.","vol":"1","page":938},{"text":"لِأَنَّهُ مَا اسْتَأْجَرَهُ لِلْقِتَالِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا اسْتَأْجَرَهُ لِلرُّكُوبِ. فَلَمْ يَصِرْ بِهِ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ أَنْ لَوْ احْتَاجَ إلَيْهِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحْمِلَ عَلَيْهِ ثِقَلَهُ.\n\n- وَلَوْ كَانَ اسْتَأْجَرَهُ شَهْرًا أَوْ أَكْثَرَ لِيَرْكَبَهُ وَيُقَاتِلَ عَلَيْهِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَصَاحِبُ الْفَرَسِ رَاجِلٌ فِي جَمِيعِ مَا يُصَابُ إلَى أَنْ يَخْرُجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ، وَلِغَيْرِهِ حَقٌّ مُسْتَحَقٌّ فِي فَرَسِهِ، فَلَا يَكُونُ هُوَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ.\n\n- وَأَمَّا الْمُسْتَأْجِرُ فَهُوَ فَارِسٌ فِيمَا أُصِيبَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْإِجَارَةِ. .\nلِأَنَّهُ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ عَلَى فَرَسٍ هُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، وَأُصِيبَتْ الْغَنَائِمُ فِي حَالِ بَقَاءِ تَمَكُّنِهِ.\n١٧٠٦ - فَأَمَّا مَا أُصِيبَ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ فَلَيْسَ لَهُ فِيهَا إلَّا سَهْمُ رَاجِلٍ.\nلِأَنَّ الْفَرَسَ أُخِذَ مِنْ يَدِهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ بِحَقٍّ مُسْتَحَقٍّ كَانَ سَابِقًا عَلَى دُخُولِهِ دَارَ الْحَرْبِ، فَيَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ فَارِسًا بِهِ.\n\n- وَلَوْ كَانَ صَاحِبُ الْفَرَسِ دَخَلَ بِهِ أَرْضَ الْحَرْبِ فَأَصَابُوا غَنَائِمَ، ثُمَّ آجَرَهُ مِنْ رَجُلٍ لِلرُّكُوبِ أَوْ لِلْقِتَالِ عَلَيْهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً، وَأَصَابُوا غَنَائِمَ، ثُمَّ اسْتَرَدَّهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، فَأَصَابُوا غَنَائِمَ أَيْضًا، فَإِنَّ الْمُسْتَأْجِرَ رَاجِلٌ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.","vol":"1","page":939},{"text":"لِأَنَّ اسْتِئْجَارَهُ الْفَرَسَ بَعْدَ دُخُولِ دَارِ الْحَرْبِ لَا يَكُونُ أَقْوَى مِنْ شِرَائِهِ.\n١٧٠٨ - وَأَمَّا صَاحِبُ الْفَرَسِ فَهُوَ فَارِسٌ فِيمَا أُصِيبَ قَبْلَ أَنْ يُؤَاجِرَ فَرَسَهُ.\nلِأَنَّهُ دَخَلَ الدَّارَ فَارِسًا، وَأُصِيبَتْ تِلْكَ الْغَنَائِمُ، وَهُوَ فَارِسٌ أَيْضًا. فَاسْتَحَقَّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ. ثُمَّ إجَارَةُ الْفَرَسِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا تَكُونُ أَقْوَى مِنْ بَيْعِهِ.\n١٧٠٩ - وَهُوَ فَارِسٌ أَيْضًا فِيمَا أُصِيبَ (٣١٠) بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ.\nلِأَنَّ بِالْإِجَارَةِ لَمْ يَخْرُجْ الْفَرَسُ مِنْ مِلْكِهِ، وَقَدْ بَاشَرَ الْقِتَالَ عَلَيْهِ فَارِسًا كَمَا انْعَقَدَ لَهُ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ حِينَ جَاوَزَ الدَّرْبَ.\n١٧١٠ - فَأَمَّا فِيمَا أُصِيبَ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ فَهُوَ رَاجِلٌ.\nلِأَنَّ الْفَرَسَ أُخِذَ مِنْهُ بِحَقٍّ أَوْجَبَهُ لِلْغَيْرِ بِاخْتِيَارِهِ، وَقَدْ زَالَ بِهِ تَمَكُّنُهُ مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ، فَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ بَاعَهُ فِيمَا أُصِيبَ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ، إذْ الْإِجَارَةُ كَالْبَيْعِ فِي إزَالَةِ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ.\n١٧١١ - وَكَذَلِكَ إنْ لَقُوا قِتَالًا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ فَقَاتَلَ فَارِسًا عَنْ ذَلِكَ الْمُصَابِ.\nلِأَنَّ لَهُ فِيهَا سَهْمَ رَاجِلٍ، وَإِنَّمَا قَاتَلَ دَفْعًا عَنْ سَهْمِهِ، فَلِهَذَا لَا يَزْدَادُ حَقُّهُ فِي تِلْكَ الْغَنَائِمِ بِهَذَا الْقِتَالِ.\n\n- وَإِذَا غَصَبَ مُسْلِمٌ مِنْ مُسْلِمٍ فَرَسًا وَلَمْ يَكُنْ مِنْ قَصْدِ صَاحِبِهِ أَنْ يَدْخُلَ دَارَ الْحَرْبِ بِالْفَرَسِ، فَأَدْخَلَهُ الْغَاصِبُ دَارَ الْحَرْبِ.","vol":"1","page":940},{"text":"ثُمَّ بَدَا لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ فَأَتْبَعَهُ وَأَخَذَ الْفَرَسَ مِنْهُ، وَقَدْ كَانُوا أَصَابُوا غَنَائِمَ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ فَرَسَهُ، وَأَصَابُوا بَعْدَ ذَلِكَ، فَصَاحِبُ الْفَرَسِ رَاجِلٌ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ رَاجِلًا، ثُمَّ اسْتِرْدَادُهُ الْفَرَسَ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِمَنْزِلَةِ شِرَائِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُسْتَحْسَنِ الْمَذْكُورِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ، فَإِنَّ هُنَاكَ كَانَ مُلْتَزِمًا مُؤْنَةَ الْفَرَسِ لِأَجْلِ الْقِتَالِ عَلَيْهِ حَتَّى دَنَا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ أَخَذَهُ الْغَاصِبُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، فَإِذَا اسْتَرَدَّهُ مِنْهُ جُعِلَ مَا اعْتَرَضَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، وَهَاهُنَا مَا كَانَ مُلْتَزِمًا مُؤْنَةَ الْفَرَسِ لِلْقِتَالِ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ دَارَ الْحَرْبِ وَلَا عِنْدَ دُخُولِهِ دَارَ الْحَرْبِ، فَلَمْ يَكُنْ فَارِسًا بِهِ أَصْلًا، وَإِنَّمَا صَارَ مُلْتَزِمًا مُؤْنَتَهُ لِلْقِتَالِ عَلَيْهِ حِينَ اسْتَرَدَّهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَكَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ الْآنَ.\n\n- وَأَمَّا الْغَاصِبُ فَهُوَ فَارِسٌ فِيمَا أُصِيبَ قَبْلَ اسْتِرْدَادِ الْفَرَسِ مِنْهُ.\nلِأَنَّهُ دَخَلَ الدَّارَ فَارِسًا وَأُصِيبَتْ هَذِهِ الْغَنَائِمُ وَهُوَ فَارِسٌ، فَثَبَتَ لَهُ فِيهَا سَهْمُ الْفُرْسَانِ. ثُمَّ لَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ بِاسْتِحْقَاقِ الْفَرَسِ مِنْ يَدِهِ، وَهُوَ رَاجِلٌ فِيمَا أُصِيبَ بَعْدَ ذَلِكَ. لِأَنَّ الْفَرَسَ أُخِذَ مِنْهُ بِحَقٍّ.\n\n- وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ صَاحِبُ الْفَرَسِ أَعَارَهُ إيَّاهُ لِيُقَاتِلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَغَزَا بِنَفْسِهِ، فَلَمَّا الْتَقَيَا فِي دَارِ الْحَرْبِ اسْتَرَدَّ الْفَرَسَ مِنْهُ، فَهَذَا كَالْأَوَّلِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا.","vol":"1","page":941},{"text":"لِأَنَّ صَاحِبَ الْفَرَسِ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ رَاجِلًا، فَيَكُونُ رَاجِلًا إلَى أَنْ يَخْرُجَ. وَهَذَا لِأَنَّهُ حِينَ دَخَلَ الْغَزْوَ لَمْ يَكُنْ الْفَرَسُ فِي يَدِهِ أَصْلًا، وَلَا كَانَ هُوَ مُلْتَزِمًا مُؤْنَتَهُ. فَإِنَّ مُؤْنَةَ الْمُسْتَعَارِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ حَتَّى يَرُدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ.\n\n- وَلَوْ كَانَ أَعَارَهُ إيَّاهُ لِلرُّكُوبِ لَا لِلْقِتَالِ عَلَيْهِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَهَذَا وَالْأَوَّلُ فِي حَقِّ صَاحِبِ الْفَرَسِ سَوَاءٌ. وَأَمَّا الْمُسْتَعِيرُ فَهُوَ رَاجِلٌ فِي جَمِيعِ الْغَنَائِمِ هَاهُنَا.\nلِأَنَّهُ مَا كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْقِتَالِ عَلَى هَذَا الْفَرَسِ، فَقَدْ اسْتَعَارَهُ لِلرُّكُوبِ لَا لِلْقِتَالِ عَلَيْهِ.\n\n- فَإِنْ غَدَرَ بِصَاحِبِهِ حِينَ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ فَقَاتَلَ عَلَيْهِ فَهُوَ رَاجِلٌ أَيْضًا.\nلِأَنَّهُ صَارَ غَاصِبًا لِلْفَرَسِ بِالْقِتَالِ عَلَيْهِ، بَعْدَ مَا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَنْ غَصَبَ فَرَسًا بَعْدَ مَا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ وَقَاتَلَ عَلَيْهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ بِهِ سَهْمَ الْفُرْسَانِ.\n١٧١٧ - وَأَمَّا صَاحِبُ الْفَرَسِ فَهُوَ رَاجِلٌ فِي جَمِيعِ الْغَنَائِمِ.\nلِأَنَّ الْإِعَارَةَ لِلرُّكُوبِ وَالْإِعَارَةَ لِلْقِتَالِ قَبْلَ قَصْدِ الْغَزْوِ فِي حَقِّهِ سَوَاءٌ. فَإِنَّهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ لَمْ يَصِرْ مُلْتَزِمًا مُؤْنَةَ الْفَرَسِ لِلْقِتَالِ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ دُخُولِ دَارِ الْحَرْبِ. فَلِهَذَا لَا يَكُونُ لَهُ إلَّا سَهْمُ رَاجِلٍ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ. وَلِأَنَّهُ حِينَ قَصَدَ الْغَزْوَ مَا كَانَ يَدْرِي أَنَّهُ يُصِيبُ فَرَسَهُ أَوْ لَا يُصِيبُهُ. وَإِنَّمَا اسْتَحْسَنَّا فِيمَا إذَا حَضَرَ لِيَدْخُلَ دَارَ الْحَرْبِ غَازِيًا ثُمَّ أَعَارَهُ غَيْرَهُ لِيَرْكَبَهُ (ص ٣١١)، فَجَعَلْنَاهُ فَارِسًا إذَا اسْتَرَدَّهُ مِنْهُ بَعْدَ مَا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ،","vol":"1","page":942},{"text":"وَجَعَلْنَا هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ مَرَّ بِرَاجِلٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ فَحَمَلَهُ عَلَى فَرَسِهِ أَمْيَالًا. حَتَّى دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ، ثُمَّ أَنْزَلَهُ وَأَخَذَ فَرَسَهُ، فَلَا إشْكَالَ فِي هَذَا الْفَصْلِ أَنَّهُ يَكُونُ هُوَ فَارِسًا. فَكَذَلِكَ فِيمَا يَكُونُ فِي مَعْنَاهُ.\n\n- وَلَوْ كَانَ آجَرَهُ لِيَرْكَبَهُ وَلَا يُقَاتِلُ عَلَيْهِ، أَوْ يُقَاتِلُ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَصَاحِبُ الْفَرَسِ رَاجِلٌ فِي جَمِيعِ الْغَنَائِمِ. لِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا إذَا حَضَرَ يُرِيدُ الدُّخُولَ لِلْقِتَالِ ثُمَّ أَجَّرَ فَرَسَهُ حَتَّى أَدْخَلَهُ الْمُسْتَأْجِرُ دَارَ الْحَرْبِ، أَنَّ صَاحِبَ الْفَرَسِ يَكُونُ رَاجِلًا فِي جَمِيعِ الْغَنَائِمِ. فَهَاهُنَا أَوْلَى، لِأَنَّهُ مَا بَدَا لَهُ قَصْدُ الْغَزْوِ إلَّا وَالْفَرَسُ فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ بِحَقٍّ مُسْتَحَقٍّ.\n١٧١٩ - وَأَمَّا الْمُسْتَأْجِرُ فَإِنْ كَانَ اسْتَأْجَرَهُ لِلرُّكُوبِ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ. وَإِنْ كَانَ اسْتَأْجَرَهُ لِلْقِتَالِ عَلَيْهِ فَهُوَ فَارِسٌ فِيمَا يُصَابُ قَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ، رَاجِلٌ فِيمَا يُصَابُ بَعْدَ ذَلِكَ.\nلِأَنَّ الْفَرَسَ أُخِذَ مِنْهُ بِحَقٍّ مُسْتَحَقٍّ.\n١٧٢٠ - إلَّا أَنْ يَكُونَ مَنَعَ الْفَرَسَ مِنْ صَاحِبِهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ أَوْ جَحَدَهُ إيَّاهُ فَحِينَئِذٍ هُوَ فَارِسٌ فِي جَمِيعِ الْغَنَائِمِ، وَكَذَلِكَ الْمُسْتَعِيرُ.\nلِأَنَّهُمَا دَخَلَا فَارِسَيْنِ، فَكَانَا فَارِسَيْنِ حَتَّى يُؤْخَذَ الْفَرَسُ مِنْهُمَا بِحَقٍّ. وَهَذَا لِأَنَّهُمَا صَارَا غَاصِبَيْنِ بِالْمَنْعِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ ابْتِدَاءَ سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ يَنْعَقِدُ لَهُ بِالْفَرَسِ الْمَغْصُوبِ إذَا قَاتَلَ عَلَيْهِ، فَلَأَنْ يَبْقَى لَهُ مَا كَانَ مُنْعَقِدًا مِنْ السَّبَبِ بِالْفَرَسِ الْمَغْصُوبِ كَانَ أَوْلَى، فَإِنَّ حَالَةَ الْبَقَاءِ أَسْهَلُ مِنْ حَالَةِ الِابْتِدَاءِ.\n\n- وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا آجَرَ فَرَسًا يَغْزُو عَلَيْهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ سَهْمُ الْفَرَسِ لِصَاحِبِ الْفَرَسِ، فَهَذِهِ إجَارَةٌ فَاسِدَةٌ.","vol":"1","page":943},{"text":"لِأَنَّ مَا يُصَابُ مَجْهُولُ الْجِنْسِ وَالْقَدْرِ. وَإِنَّمَا السَّهْمُ لِلْغَازِي عَلَى الْفَرَسِ لَا لِلْفَرَسِ، فَهُوَ إنَّمَا اسْتَأْجَرَ الْفَرَسَ بِبَدَلٍ مَجْهُولٍ جَهَالَةٍ فَاحِشَةٍ. ثُمَّ الْإِجَارَةُ الْفَاسِدَةُ تُعْتَبَرُ بِالْجَائِزَةِ فِي الْحُكْمِ، فَيَكُونُ سَهْمُ الْفَرَسِ لِلْمُسْتَأْجِرِ، وَلِصَاحِبِ الْفَرَسِ أَجْرُ مِثْلِهِ بَالِغًا مَا بَلَغَ.\nلِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ اسْتَوْفَى الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ بِحُكْمِ عَقْدٍ فَاسِدٍ.\n١٧٢٢ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ أَعَارَهُ إيَّاهُ بِهَذَا الشَّرْطِ. لِأَنَّ هَذَا اشْتِرَاطُ الْأَجْرِ عَلَيْهِ، وَعِنْدَ اشْتِرَاطِ الْأَجْرِ لَا فَرْقَ بَيْنَ لَفْظِ الْإِجَارَةِ وَلَفْظِ الْإِعَارَةِ.\n١٧٢٣ - وَلَوْ لَمْ يُصِيبُوا شَيْئًا حَتَّى خَرَجُوا كَانَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ مِثْلُهُ أَيْضًا.\nلِأَنَّهُ اسْتَوْفَى الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ بِحُكْمِ إجَارَةٍ فَاسِدَةٍ، فَيَلْزَمُهُ أَجْرُ الْمِثْلِ؛ أَصَابَ شَيْئًا أَوْ لَمْ يُصِبْ. وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُضَارِبِ فِي الْمُضَارَبَةِ الْفَاسِدَةِ إذَا عَمِلَ، فَإِنَّهُ اسْتَوْجَبَ أَجْرَ الْمِثْلِ، حَصَلَ الرِّبْحُ أَوْ لَمْ يَحْصُلْ.\n\n- وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا يَغْزُو عَنْهُ مُدَّةً مَعْلُومَةً بِأَجْرٍ مُسَمًّى أَوْ لَمْ يَذْكُرْ الْمُدَّةَ وَقَالَ: هَذِهِ الْغَزْوَةُ إلَى حَيْثُ يَبْلُغُ الْمُسْلِمُونَ. فَهَذَا الْعَقْدُ بَاطِلٌ. لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْجِهَادَ مِنْ بَابِ الْعِبَادَاتِ، فَإِنَّهُ سَنَامُ الدِّينِ. وَالِاسْتِئْجَارُ عَلَى الطَّاعَاتِ بَاطِلٌ. وَهُوَ إنْ كَانَ فَرْضَ كِفَايَةٍ فَمَنْ بَاشَرَهُ يَكُونُ مُؤَدِّيًا فَرْضًا عَلَيْهِ، وَالِاسْتِئْجَارُ عَلَى أَدَاءِ الْفَرْضِ بَاطِلٌ.","vol":"1","page":944},{"text":"ثُمَّ السَّهْمُ لِلْأَجِيرِ، شَرَطَهُ الْمُسْتَأْجِرُ لِنَفْسِهِ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ.\nلِأَنَّ الِاسْتِئْجَارَ لَمَّا بَطَلَ صَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ. فَيَكُونُ السَّهْمُ لِلْغَازِي.\n\n- وَإِنْ كَانَ أَخَذَ الْأَجْرَ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ رَدَّهُ عَلَيْهِ.\nلِأَنَّ الْعَقْدَ بَاطِلٌ، وَبِالْعَقْدِ الْبَاطِلِ لَا يَجِبُ الْأَجْرُ أَصْلًا. وَلِأَنَّهُ فِي الْغَزْوِ كَانَ عَامِلًا لِنَفْسِهِ، فَلَا يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ عَلَى غَيْرِهِ.\n\n- وَإِنْ كَانَ دَفَعَ إلَيْهِ سِلَاحَهُ وَفَرَسَهُ فَعَلَى الْأَجِيرِ أَجْرُ مِثْلِ فَرَسِهِ وَأَجْرُ مِثْلِ سِلَاحِهِ بَالِغًا مَا بَلَغَ، إنْ كَانَ الشَّرْطُ بَيْنَهُمَا أَنَّ السَّهْمَ لِلْمُسْتَأْجِرِ.\nلِأَنَّهُ شَرَطَ لِنَفْسِهِ بِإِزَاءِ مَنْفَعَةِ الدَّابَّةِ وَالسِّلَاحِ عِوَضًا مَجْهُولًا، وَقَدْ اسْتَوْفَى الْأَجِيرُ تِلْكَ الْمَنْفَعَةَ (ص ٣١٢) بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، فَعَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْلِ.\n\n- وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ لَمْ يَشْتَرِطْ السَّهْمَ لِنَفْسِهِ فَلَيْسَ عَلَى الْأَجِيرِ مِنْ أَجْرِ السِّلَاحِ وَالدَّابَّةِ شَيْءٌ.\nلِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ مَا شَرَطَ لِنَفْسِهِ عِوَضًا مَالِيًّا، فَيَكُونُ هُوَ مُعِيرَ الْفَرَسِ وَالسِّلَاحِ مِنْهُ، أَوْ بَاذِلًا لِيُقَاتِلَ بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَا يَسْتَوْجِبُ أَجْرًا عَلَى مَنْ اسْتَعْمَلَهُ فِي الْقِتَالِ.\n\n- وَلَوْ اسْتَأْجَرَ فَرَسًا لِيَرْكَبَهُ وَيُقَاتِلَ عَلَيْهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً. أَوْ اسْتَأْجَرَ غُلَامًا لِيَخْدُمَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ مُدَّةً مَعْلُومَةً بِبَدَلٍ مَعْلُومٍ، فَهُوَ جَائِزٌ سَوَاءٌ سَمَّى لِكُلِّ يَوْمٍ أَجْرًا عَلَى حِدَةٍ أَوْ لَمْ يُسَمِّ.","vol":"1","page":945},{"text":"لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَعْلُومٌ بِبَيَانِ الْمُدَّةِ، وَالْبَدَلَ مَعْلُومٌ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْعَقْدِ مِنْ مَعْنَى الطَّاعَةِ وَإِقَامَةِ الْفَرْضِ، فَيَصِحُّ الِاسْتِئْجَارُ.\n١٧٢٩ - وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الْمُدَّةَ وَلَكِنْ قَالَ: أَسْتَأْجِرْهُ لِغُزَاتِي هَذِهِ حَتَّى أَرْجِعَ إلَى مَوْضِعِ كَذَا، فَهَذَا فَاسِدٌ.\nلِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَجْهُولٌ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي إلَى أَيْنَ يَبْلُغُ الْمُسْلِمُونَ، وَيَطُولُ مَقَامُهُمْ أَوْ يَقْصُرُ.\n١٧٣٠ - وَلَوْ اسْتَوْفَى الْمَنْفَعَةَ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ فَلَهُ أَجْرُ الْمِثْلِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ.\nلِأَنَّ الْعَقْدَ هَاهُنَا مُنْعَقِدٌ لِوُجُودِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ فَاسِدٌ لِلْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ، فَيَسْتَوْجِبُ أَجْرَ الْمِثْلِ بَالِغًا مَا بَلَغَ، لِأَنَّ الْأَجْرَ وَإِنْ كَانَ مُسَمًّى فَصَاحِبُ الدَّابَّةِ يَقُولُ: أَنَا مَا رَضِيتُ بِهَذَا الْمُسَمَّى إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي انْتَهَيْتُمْ إلَيْهِ، وَقَدْ كَانَ عِنْدِي أَنَّكُمْ تَرْجِعُونَ قَبْلَ الْوُصُولِ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَلِهَذَا يَسْتَحِقُّ أَجْرَ الْمِثْلِ بَالِغًا مَا بَلَغَ.\n\n- وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا فِي يَدِهِ أَفْرَاسٌ حُبْسٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَعْطَى أَقْوَامًا مِنْهَا أَفْرَاسًا يَغْزُونَ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاَلَّذِي فِي يَدِهِ كَانَ الْقَيِّمَ فِي ذَلِكَ، يُعْطِي مَنْ شَاءَ وَيَأْخُذُ مِمَّنْ شَاءَ. فَلَمَّا دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ أَخَذَهَا مِنْهُمْ وَدَفَعَهَا إلَى غَيْرِهِمْ، وَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ أَصَابُوا غَنَائِمَ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذُوهَا","vol":"1","page":946},{"text":"وَغَنَائِمَ بَعْدَ ذَلِكَ. فَلَهُمْ سَهْمُ الْفُرْسَانِ فِيمَا أُصِيبَ قَبْلَ أَخْذِ الْأَفْرَاسِ مِنْهُمْ، وَلَهُمْ سَهْمُ الرَّجَّالَةِ فِيمَا أُصِيبَ بَعْدَ ذَلِكَ. وَالْمُرَادُ بِالْأَفْرَاسِ الْحُبْسُ الْمَوْقُوفَةُ لِلْجِهَادِ. وَذَلِكَ جَائِزٌ. أَمَّا عَلَى أَصْلِ مُحَمَّدٍ فَظَاهِرٌ، لِأَنَّهُ يُجِيزُ الْوَقْفَ فِي الْمَنْقُولَاتِ. وَعَلَى أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ كَذَلِكَ فِيمَا فِيهِ عُرْفٌ ظَاهِرٌ، كَثِيَابِ الْجِنَازَةِ وَالْآلَاتِ الَّتِي يُغَسَّلُ بِهَا الْمَوْتَى، فَكَذَلِكَ يَجُوزُ فِي الْأَفْرَاسِ الَّتِي يُقَاتَلُ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَى عَنْ عُمَرَ - ﵁ - أَنَّهُ حِينَ قُبِضَ، كَانَ فِي يَدِهِ ثَلَاثُ مِائَةِ فَرَسٍ مَكْتُوبٍ عَلَى أَفْخَاذِهَا: حُبْسٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. ثُمَّ الْغَازِي عَلَى مِثْلِ هَذَا الْفَرَسِ قَدْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ، وَدَامَ تَمَكُّنُهُ إلَى أَنْ أُصِيبَتْ الْغَنَائِمُ، فَيَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْفَرَسِ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَعِيرِ. ثُمَّ أُخِذَ الْفَرَسُ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِحَقٍّ مُسْتَحَقٍّ، فَلَا يَبْقَى فَارِسًا فِيمَا يُصَابُ بَعْدَ ذَلِكَ كَالْمُسْتَعِيرِ. وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ الْقَيِّمُ هُوَ الَّذِي يَسْتَرِدُّهُ مِنْهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ الْوَاقِفُ. ثُمَّ لَا يَصِيرُ الْوَاقِفُ وَلَا الْقَيِّمُ بِهِ فَارِسًا. لِأَنَّهُ إنَّمَا اسْتَرَدَّهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَهَذَا لَا يَكُونُ أَقْوَى فِي حَقِّهِ مِنْ شِرَاءِ الْفَرَسِ، فَكَذَلِكَ إنْ دَفَعَهُ إلَى رَاجِلٍ آخَرَ لَمْ يَصِرْ بِهِ فَارِسًا، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ.","vol":"1","page":947},{"text":"- وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا فِي يَدِهِ خَيْلٌ حُبُسٌ آجَرَهَا لِيُقَاتَلَ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهِيَ لَهُ أَوْ لَيْسَتْ لَهُ، فَقَدْ أَسَاءَ فِيمَا صَنَعَ.\nلِأَنَّ مَنْ جَعَلَهَا حَبْسًا فَقَدْ جَعَلَهَا لِلَّهِ خَالِصًا. بِمَنْزِلَةِ مَنْ جَعَلَ أَرْضَهُ مَسْجِدًا فَلَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهَا بِالْإِجَارَةِ لِاكْتِسَابِ الْمَالِ بَعْدَ ذَلِكَ. وَلِأَنَّ صَاحِبَهَا إنَّمَا أَعَدَّهَا لِاكْتِسَابِ (ص ٣١٣) الْأَجْرِ فِي الْآخِرَةِ بِالْقِتَالِ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَاكْتِسَابُ الْقَيِّمِ الْمَالَ بِهَا فِي الدُّنْيَا يَكُونُ تَغْيِيرًا لِلشَّرْطِ.\n١٧٣٣ - وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨١] . فَإِنْ قَاتَلَ عَلَيْهَا الْمُسْتَأْجِرُونَ فَلَهُمْ سِهَامُ الْفُرْسَانِ. لِأَنَّهُمْ حَصَلُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ فُرْسَانًا وَتَمَكَّنُوا مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهَا وَاسْتِحْقَاقِ سَهْمِ الْفَرَسِ بِهِ، وَيَكُونُ عَلَيْهِمْ أُجُورُ الْخَيْلِ لِأَنَّهُمْ اسْتَوْفَوْا الْمَنْفَعَةَ الَّتِي تَنَاوَلَهَا الْعَقْدُ، وَحَالُهُمْ كَحَالِ مَنْ اسْتَأْجَرَ الْخَيْلَ مِنْ الْغَاصِبِ، لِأَنَّ الْقَيِّمَ أَوْ الْوَاقِفَ فِيمَا صَنَعَ لَا يَكُونُ أَسْوَأَ حَالًا مِنْ الْغَاصِبِ، وَالْغَاصِبُ يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ إذَا اسْتَوْفَى الْمُسْتَأْجِرُ الْمَنْفَعَةَ بِعَقْدِهِ. وَيَنْبَغِي لِلَّذِي آجَرَهَا أَنْ يَتَصَدَّقَ بِأَجْرِهَا وَلَا يَأْكُلُهُ، لِأَنَّهُ اكْتَسَبَهُ بِسَبَبٍ خَبِيثٍ، فَإِنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ هَذِهِ الْإِجَارَةِ لِحَقِّ الشَّرْعِ، وَسَبِيلُ مِثْلِهِ التَّصَدُّقُ بِهِ.\n\n- وَإِنْ عَطِبَتْ تَحْتَ بَعْضِ مَنْ اسْتَأْجَرَهَا، أَوْ عَقَرَهَا الْعَدُوُّ، ضَمِنَ الَّذِي آجَرَهَا قِيمَةَ الْفَرَسِ، إنْ شَاءَ الْوَالِي ذَلِكَ، وَإِنْ شَاءَ ضَمِنَ الْمُسْتَأْجِرُ الْقِيمَةَ.","vol":"1","page":948},{"text":"لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَعَدٍّ، بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِ يُؤَاجِرُ الْمَغْصُوبَ، فَيَتْلَفُ فِي اسْتِعْمَالِ الْمُسْتَأْجِرِ.\n- فَإِنْ ضَمِنَ الْمُسْتَأْجِرُ رَجَعَ بِالْقِيمَةِ عَلَى الْآجِرِ.\nلِأَنَّهُ صَارَ مَغْرُورًا مِنْ جِهَتِهِ بِسَبَبِ عَقْدِ ضَمَانٍ. وَإِنْ ضَمِنَ الْآجِرُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ بِشَيْءٍ ثُمَّ يَشْتَرِي بِهَذِهِ الْقِيمَةِ فَرَسًا مَكَانَهُ فَيُجْعَلُ حَبِيسًا.\nلِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ الْقِيمَةَ إنَّمَا تُسَمَّى قِيمَةً لِقِيَامِهَا مَقَامَ الْعَيْنِ. وَالْعَيْنُ كَانَ حَبِيسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَيُجْعَلُ بَدَلَهُ بِتِلْكَ الصِّفَةِ أَيْضًا. كَمَا لَوْ قُتِلَ وَغَرِمَ الْقَاتِلُ الْقِيمَةَ. وَإِنَّمَا يَصِيرُ الْبَدَلُ بِتِلْكَ الصِّفَةِ إذَا اُشْتُرِيَ بِهِ الْفَرَسُ فَجُعِلَ حَبِيسًا.\nلِأَنَّ الْفَرَسَ وَالسِّلَاحَ لَا يَكُونُ حَبِيسًا حَتَّى يُخْرِجَهُ صَاحِبُهُ مِنْ يَدِهِ. لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْوَقْفِ، وَالتَّسْلِيمُ إلَى الْمُتَوَلِّي شَرْطٌ لِتَمَامِ الْوَقْفِ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - ﵀ - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى.\n- فَإِذَا سَلَّمَهُ إلَى الْقَيِّمِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ اشْتَرَطَ الَّذِي جَعَلَهُ حَبِيسًا أَنَّ التَّدْبِيرَ فِيهِ إلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِ الْقَيِّمِ، أَوْ يَكُونُ هُوَ الْقَيِّمُ فِيهِ حَتَّى يَمُوتَ فَذَلِكَ جَائِزٌ.\nلِأَنَّ التَّسْلِيمَ شَرْطٌ لِإِتْمَامِ الْوَقْفِ، وَقَدْ وُجِدَ. فَالْعَوْدُ إلَى يَدِهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَضُرَّ. وَاسْتَدَلَّ عَلَى جَوَازِ الْحَبْسِ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ بِمَا بَلَغَهُ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ - ﵃ - إنَّمَا أَجَازُوا ذَلِكَ.","vol":"1","page":949},{"text":"- فَإِنْ أَعْطَى رَجُلًا فَرَسًا حَبِيسًا يَغْزُو عَلَيْهِ فَدَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ، وَأَصَابُوا غَنَائِمَ، ثُمَّ أُخِذَ الْفَرَسُ مِنْهُ، ثُمَّ أَصَابُوا غَنَائِمَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا يُضْرَبُ لَهُ فِي الْغَنِيمَةِ الْأُولَى بِسَهْمِ الْفَارِسِ، وَفِي الْغَنِيمَةِ الثَّانِيَةِ بِسَهْمِ الرَّاجِلِ.\nلِأَنَّ الْفَرَسَ أُخِذَ مِنْهُ بِحَقٍّ.\n\n- وَأَمَّا الْقَيِّمُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي وَجْهِ فَرَسٍ آخَرَ حِينَ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ يُضْرَبُ لَهُ بِسَهْمِ رَاجِلٍ فِي جَمِيعِ الْغَنَائِمِ.\nلِأَنَّهُ دَخَلَ الدَّارَ رَاجِلًا، فَلَا يَصِيرُ فَارِسًا بَعْدَ ذَلِكَ بِأَخْذِ الْفَرَسِ مِنْ يَدِ الْغَازِي، كَمَا لَا يَصِيرُ فَارِسًا بِشِرَاءِ فَرَسٍ.","vol":"1","page":950},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>[بَابُ مَا يَبْطُلُ فِيهِ سَهْمُ الْفَارِسِ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَمَا لَا يَبْطُلُ]</span>\n١٠١ - بَابُ مَا يَبْطُلُ فِيهِ سَهْمُ الْفَارِسِ\nفِي دَارِ الْحَرْبِ وَمَا لَا يَبْطُلُ\n١٧٣٩ - (ص ٣١٥) رَجُلٌ وَهَبَ لِرَجُلٍ فَرَسًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَقَبَضَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ وَدَخَلَ بِهِ مَعَ الْمُعَسْكَرِ دَارَ الْحَرْبِ، فَأَصَابُوا غَنَائِمَ، ثُمَّ أَرَادَ الْوَاهِبُ أَنْ يَرْجِعَ فِي فَرَسِهِ فَلَهُ ذَلِكَ. لِأَنَّ الْمَوْهُوبَ قَائِمٌ عِنْدَ الْمَوْهُوبِ لَهُ عَلَى حَالِهِ، وَلَمْ يَصِلْ إلَى الْوَاهِبِ عِوَضٌ مِنْ جِهَتِهِ، فَيَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ فِيهِ، لِتَمَكُّنِ الْخَلَلِ فِي مَقْصُودِهِ.\n١٧٤٠ - فَإِنْ رَجَعَ فِيهِ ثُمَّ أَصَابُوا غَنَائِمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ كَانَ الْوَاهِبُ دَخَلَ الدَّارَ رَاجِلًا فَالْوَاهِبُ رَاجِلٌ فِي الْغَنَائِمِ كُلِّهَا. لِأَنَّهُ انْفَصَلَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ رَاجِلًا، وَلَا مُعْتَبَرَ بِتَحْصِيلِ الْفَرَسِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي اسْتِحْقَاقِ السَّهْمِ بِهِ.\n١٧٤١ - وَأَمَّا الْمَوْهُوبُ لَهُ فَهُوَ فَارِسٌ فِي الْغَنَائِمِ الْأُولَى. لِأَنَّهُ انْفَصَلَ فَارِسًا وَأُصِيبَتْ تِلْكَ الْغَنَائِمُ وَهُوَ فَارِسٌ. وَهُوَ رَاجِلٌ فِي الْغَنَائِمِ الْأُخْرَى. لِأَنَّ الْفَرَسَ أُخِذَ مِنْ يَدِهِ بِحَقٍّ مُسْتَحَقٍّ. فَإِنَّ حَقَّ الْوَاهِبِ ثَابِتٌ فِي الرُّجُوعِ شَرْعًا، مَا لَمْ يَتَّصِلْ إلَيْهِ الْعِوَضُ.","vol":"1","page":951},{"text":"فَإِنْ قِيلَ: قَدْ انْفَصَلَ هُوَ عَلَى فَرَسٍ مَمْلُوكٍ لَهُ، ثُمَّ أُزِيلَ مِلْكُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا بِاخْتِيَارِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَخْرُجَ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ فَارِسًا، كَمَا لَوْ أَخَذَهُ أَهْلُ الْحَرْبِ فَأَحْرَزُوهُ. قُلْنَا: إنَّمَا أُخِذَ الْفَرَسُ مِنْهُ بِحَقٍّ مُسْتَحَقٍّ شَرْعًا. وَذَلِكَ الْحَقُّ كَانَ سَابِقًا عَلَى دُخُولِهِ دَارَ الْحَرْبِ، فَيَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا كَانَ تَمَكُّنُهُ مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ مُقَيَّدًا بِمَا قَبْلَ رُجُوعِ الْوَاهِبِ.\n١٧٤٢ - وَلِهَذَا لَوْ رَجَعَ الْوَاهِبُ قَبْلَ أَنْ يُصِيبُوا شَيْئًا لَمْ يَكُنْ الْمَوْهُوبُ لَهُ فَارِسًا بَعْدَ رُجُوعِهِ، وَكَذَلِكَ إذَا رَجَعَ بَعْدَ مَا أُصِيبَ بَعْضُ الْغَنَائِمِ.\n١٧٤٣ - وَلَوْ جُعِلَ هُوَ فَارِسًا بِهَذَا الْمِقْدَارِ أَدَّى إلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَنْ كَانَ مَعَهُ عَشَرَةُ أَفْرَاسٍ فَوَهَبَ مِنْ كُلِّ رَاجِلٍ مِنْ الرَّجَّالَةِ فَرَسًا حَتَّى دَخَلُوا عَلَيْهَا دَارَ الْحَرْبِ ثُمَّ اسْتَرَدَّ الْأَفْرَاسَ مِنْهُمْ أَنْ يَكُونُوا فُرْسَانًا بِذَلِكَ الْقَدْرِ فِيمَا يُصِيبُونَ. وَهَذَا بَعِيدٌ. فَإِنَّ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْبُعْدِ لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ أَنْ يَقُولَ إذَا أَعَادَ الْأَفْرَاسَ مِنْهُمْ ثُمَّ اسْتَرَدَّهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ: كَانُوا فُرْسَانًا أَيْضًا، إذْ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَوْضِعَيْنِ عِنْدَ الِانْفِصَالِ كَانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْأَفْرَاسِ، إلَى أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا صَاحِبُهَا. وَعَلَى هَذَا لَوْ اشْتَرَى فَرَسًا شِرَاءً فَاسِدًا فَقَبَضَهُ وَدَخَلَ عَلَيْهِ دَارَ الْحَرْبِ لِأَنَّ حَقَّ الْبَائِعِ فِي الِاسْتِرْدَادِ ثَابِتٌ لِفَسَادِ الْبَيْعِ، كَحَقِّ الْوَاهِبِ فِي الرُّجُوعِ، بَلْ أَظْهَرُ. فَالْبَائِعُ هَاهُنَا مَأْمُورٌ بِالِاسْتِرْدَادِ شَرْعًا، وَالْوَاهِبُ مَنْهِيٌّ","vol":"1","page":952},{"text":"مِنْ الرُّجُوعِ نَدْبًا. ثُمَّ هُنَاكَ بِالِاسْتِرْدَادِ يَخْرُجُ الْمَوْهُوبُ لَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ فَارِسًا فِيمَا يُصَابُ بَعْدَ ذَلِكَ فَهَاهُنَا أَوْلَى.\n١٧٤٤ - وَلَوْ كَانَ الْبَيْعُ صَحِيحًا ثُمَّ اسْتَحَقَّ الْفَرَسَ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي فِي دَارِ الْحَرْبِ بِالْحُجَّةِ، فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ. لِأَنَّهُ أُخِذَ مِنْهُ بِحَقٍّ مُسْتَحَقٍّ كَانَ ثَابِتًا قَبْلَ دُخُولِهِ دَارَ الْحَرْبِ، وَلِأَنَّهُ تَبَيَّنَ بِالِاسْتِحْقَاقِ أَنَّهُ كَانَ غَاصِبًا لِلْفَرَسِ، فَإِذَا اسْتَرَدَّهُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ يَخْرُجُ هُوَ مِنْ أَنْ يَكُونَ فَارِسًا بِهِ.\n١٧٤٥ - وَكَذَلِكَ رَجُلَانِ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ فَرَسًا بِبَغْلٍ وَتَقَايَضَا، فَلَمَّا دَخَلَا دَارَ الْحَرْبِ وُجِدَ الْعَيْبُ بِأَحَدِهِمَا، فَرُدَّ بِالْعَيْبِ بِقَضَاءٍ أَوْ بِغَيْرِ قَضَاءٍ فَمَا كَانُوا غَنِمُوا قَبْلَ التَّرَادِّ يُضْرَبُ فِيهِ لِمُشْتَرِي الْفَرَسِ سَهْمُ الْفَرَسِ سَوَاءٌ كَانَ هُوَ الرَّادُّ أَوْ الْمَرْدُودُ عَلَيْهِ. وَمَا أُصِيبَ بَعْدَ التَّرَادِّ يُضْرَبُ لَهُ (٣١٦) فِيهِ بِسَهْمِ رَاجِلٍ. لِأَنَّهُ إنْ كَانَ هُوَ الرَّادُّ فَقَدْ أَزَالَ الْمِلْكَ عَنْ فَرَسِهِ بِاخْتِيَارِهِ.\n١٧٤٦ - وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمَرْدُودُ عَلَيْهِ فَقَدْ أُخِذَ الْفَرَسُ مِنْ يَدِهِ بِحَقٍّ. فَأَمَّا مُشْتَرِي الْبَغْلِ فَهُوَ رَاجِلٌ فِي الْغَنِيمَتَيْنِ جَمِيعًا. لِأَنَّهُ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ رَاجِلًا.\n١٧٤٧ - وَعَلَى هَذَا لَوْ تَقَايَلَا الْبَيْعَ، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَرَ","vol":"1","page":953},{"text":"مَا اشْتَرَى فَرَدَّهُ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ، أَوْ كَانَ مُشْتَرِي الْفَرَسِ قَبَضَ الْفَرَسَ وَلَمْ يُسَلِّمْ الْبَغْلَ حَتَّى هَلَكَ عِنْدَهُ فَرَدَّ الْفَرَسَ فِي دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ مَا أَصَابَ بَعْضَ الْغَنَائِمِ. لِأَنَّ مِلْكَهُ أُزِيلَ بِسَبَبٍ مُسْتَحَقٍّ، فَيَخْرُجُ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ فَارِسًا فِيمَا يُصَابُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ.\n١٧٤٨ - وَلَوْ رَهَنَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَرَسًا مِنْ رَجُلٍ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ دَخَلَا دَارَ الْحَرْبِ مَعَ الْعَسْكَرِ، فَقَضَى الرَّاهِنُ الْمُرْتَهِنَ مَا لَهُ وَأَخَذَ الْفَرَسَ فَقَاتَلَ عَلَيْهِ، فَهُمَا رَاجِلَانِ: أَمَّا الْمُرْتَهِنُ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ الْمَرْهُونِ، فَلَا يَكُونُ هُوَ فَارِسًا بِهِ. وَأَمَّا الرَّاهِنُ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْقِتَالِ عَلَى فَرَسِهِ حِينَ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ. لِأَنَّ عَقْدَ الرَّهْنِ يُوجِبُ مِلْكَ الْيَدِ لِلْمُرْتَهِنِ، حَتَّى لَا يَتَمَكَّنَ الرَّاهِنُ مِنْ إثْبَاتِ يَدِهِ عَلَى الْمَرْهُونِ، مَا لَمْ يَقْضِ دَيْنَهُ.\n١٧٤٩ - وَلَوْ كَانَ إنَّمَا رَهَنَ الْفَرَسَ فِي دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ إصَابَةِ بَعْضِ الْغَنَائِمِ ثُمَّ أُصِيبَتْ أُخْرَى، ثُمَّ قَضَى الدَّيْنَ وَاسْتَرَدَّ الْفَرَسَ، ثُمَّ أُصِيبَتْ غَنِيمَةٌ أُخْرَى، فَهُوَ فَارِسٌ فِي الْغَنِيمَةِ الْأُولَى وَالْآخِرَةِ، رَاجِلٌ فِي الْغَنِيمَةِ الْوُسْطَى. لِأَنَّهُ أَزَالَ تَمَكُّنَهُ مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ بِاخْتِيَارِهِ، مَعَ قِيَامِ مِلْكِهِ، فَيَكُونَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ آجَرَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ. وَقَدْ بَيَّنَّا الْإِجَارَةَ فِي هَذَا الْفَصْلِ","vol":"1","page":954},{"text":"وَقَرَّرْنَا الْمَعْنَى فِيهِ، فَالرَّهْنُ قِيَاسُهُ. لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَقْدَيْنِ يُوجِبُ اسْتِحْقَاقَ الْيَدِ عَلَى صَاحِبِ الْفَرَسِ مَعَ قِيَامِ مِلْكِهِ.\n\n- وَلَوْ بَاعَ فَرَسَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ إصَابَةِ بَعْضِ الْغَنَائِمِ، ثُمَّ أُصِيبَتْ غَنِيمَةٌ أُخْرَى، ثُمَّ وَجَدَ الْمُشْتَرِي بِهِ عَيْبًا وَرَدَّهُ بِقَضَاءٍ أَوْ بِغَيْرِ قَضَاءٍ، ثُمَّ أُصِيبَتْ غَنِيمَةٌ أُخْرَى، فَصَاحِبُ الْفَرَسِ فَارِسٌ فِي الْغَنِيمَةِ الْأُولَى وَالْأُخْرَى، رَاجِلٌ فِي الْغَنِيمَةِ الْوُسْطَى. لِأَنَّهُ أَزَالَ تَمَكُّنَهُ مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ مِلْكِهِ. فَسَوَاءٌ عَادَ إلَيْهِ بِسَبَبٍ هُوَ فَسْخٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ أَوْ بِسَبَبٍ هُوَ فَسْخٌ فِي حَقِّهِ، بَيْعٌ جَدِيدٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ لَا يَتَبَيَّنُ بِهِ أَنَّهُ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ حِينَ أُصِيبَتْ الْغَنِيمَةُ الْوُسْطَى. فَإِنْ قِيلَ: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ رَاجِلًا فِي الْغَنِيمَةِ الثَّالِثَةِ أَيْضًا. لِأَنَّ بِالْبَيْعِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْتِزَامَهُ مُؤْنَةَ الْفَرَسِ كَانَ لِقَصْدِ التِّجَارَةِ لَا لِقَصْدِ الْقِتَالِ عَلَيْهِ. فَبَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ عَادَ الْفَرَسُ إلَى يَدِهِ يُجْعَلُ كَالْمُشْتَرِي لِلْفَرَسِ الْآنَ ابْتِدَاءً. وَلَوْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ رَاجِلًا ثُمَّ اشْتَرَى فَرَسًا لَمْ يَسْتَحِقَّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ. قُلْنَا بَيْعُهُ الْفَرَسَ فِي دَارِ الْحَرْبِ مُحْتَمَلٌ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِقَصْدِ التِّجَارَةِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِقَصْدِ اسْتِبْدَالِ هَذَا الْفَرَسِ بِفَرَسٍ آخَرَ يَكُونُ أَقْوَى مِنْهُ فِي الْقِتَالِ عَلَيْهِ. فَمَا انْعَقَدَ لَهُ مِنْ سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ لَا يَبْطُلُ بِهَذَا الْمُحْتَمَلِ، وَإِنَّمَا يَبْطُلُ بِمَا هُوَ مُتَيَقَّنٌ بِهِ، وَهُوَ زَوَالُ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ. وَإِنَّمَا وُجِدَ ذَلِكَ فِي الْغَنِيمَةِ الْوُسْطَى خَاصَّةً. وَعَلَى هَذَا قَالَ:\n١٧٥١ - لَوْ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْفَرَسَ وَلَكِنْ اشْتَرَى فَرَسًا آخَرَ مَكَانَهُ أَوْ وُهِبَ لَهُ فَرَسٌ آخَرُ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ رَاجِلًا إلَّا فِي الْغَنِيمَةِ الْوُسْطَى.","vol":"1","page":955},{"text":"لِأَنَّهَا (٣١٧) أُصِيبَتْ وَهُوَ لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ يَوْمَئِذٍ. فَأَمَّا فِي الْغَنِيمَةِ الْأُولَى وَالْآخِرَةِ فَهُوَ فَارِسٌ. لِأَنَّهُ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ حِينَ أُصِيبَتْ بَعْدَ مَا انْعَقَدَ لَهُ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ بِالِانْفِصَالِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَارِسًا.\n١٧٥٢ - وَكَذَلِكَ إنْ قَاتَلَ الْمُشْرِكُونَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْغَنِيمَةِ الْوُسْطَى لِيَسْتَرِدُّوهَا فَقَاتَلَ هُوَ مَعَهُمْ عَلَى الْفَرَسِ الثَّانِي. لِأَنَّهُ قَاتَلَ وَلَهُ فِيهَا نَصِيبٌ، وَهُوَ سَهْمُ الرَّاجِلِ، فَلَا يَزْدَادُ بِهَذَا الْقِتَالِ حَقُّهُ فِيهَا.\n١٧٥٣ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْفَرَسُ الَّذِي اشْتَرَى دُونَ الَّذِي بَاعَهُ إلَّا أَنَّهُ بِحَيْثُ يُقَاتِلُ عَلَيْهِ. لِأَنَّهُ لَوْ دَخَلَ عَلَى هَذَا دَارَ الْحَرْبِ فِي الِابْتِدَاءِ اسْتَحَقَّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ، وَحَالَةُ الْبَقَاءِ أَسْهَلُ. فَإِذَا جَازَ أَنْ يَنْعَقِدَ لَهُ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ بِهَذَا الْفَرَسِ فَالْبَقَاءُ بِهِ يَكُونُ أَجْوَزَ.\n١٧٥٤ - وَلَوْ كَانَ رَجُلَانِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَرَسٌ فَتَبَادَلَا، أَوْ بَاعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ فَرَسًا بِدَرَاهِمَ، فَهُمَا فَارِسَانِ عَلَى حَالِهِمَا.\nلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ فَارِسًا، وَدَامَ تَمَكُّنُهُ مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ. إمَّا بِمَا بَاعَهُ أَوْ بِمَا اشْتَرَاهُ.","vol":"1","page":956},{"text":"وَلَوْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ فَارِسًا فَقَتَلَ مُسْلِمٌ فَرَسَهُ وَضَمِنَ لَهُ قِيمَتَهُ فَلَمْ يَشْتَرِ بِهَا صَاحِبُ الْفَرَسِ فَرَسًا حَتَّى أَصَابُوا غَنَائِمَ فَصَاحِبُ الْفَرَسِ فَارِسٌ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ. لِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ قَدْ انْعَقَدَ لَهُ، وَمَا أَزَالَ الْفَرَسَ عَنْ مِلْكِهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِاخْتِيَارِهِ، وَإِنَّمَا تَلِفَ بِغَيْرِ صُنْعٍ مِنْ جِهَتِهِ. فَهُوَ كَمَا لَوْ مَاتَ. فَإِنْ قِيلَ: حِينَ ضَمِنَ الْمُتْلِفُ قِيمَتَهُ فَقَدْ مَلَكَهُ بِمَا اسْتَوْفَى مِنْ الْقِيمَةِ، فَلِمَاذَا لَا يُجْعَلُ هَذَا كَبَيْعِهِ مِنْهُ؟ قُلْنَا: هُوَ مَا قَصَدَ التَّمْلِيكَ مِنْهُ، وَإِنَّمَا قَصَدَ دَفْعَ الْخُسْرَانِ عَنْ نَفْسِهِ بِاسْتِرْدَادِ الْقِيمَةِ مِنْهُ، بَعْدَ تَعَذُّرِ اسْتِرْدَادِ الْعَيْنِ. إلَّا أَنَّ مِنْ شَرْطِ تَقَرُّرِ مِلْكِهِ فِي الْقِيمَةِ انْعِدَامَ مِلْكِهِ فِي الْأَصْلِ، لِكَيْ لَا يَجْتَمِعَ الْبَدَلَانِ فِي مِلْكٍ وَاحِدٍ. فَكَانَ التَّمْلِيكُ هَاهُنَا ثَابِتًا بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ لَا بِاعْتِبَارِ قَصْدٍ أَوْ فِعْلٍ كَانَ مِنْ جِهَةِ صَاحِبِ الْفَرَسِ، فَلَا يَبْطُلُ بِهِ حَقُّهُ. وَعَلَى هَذَا لَوْ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ ثُمَّ فَرَّ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، أَوْ غَصَبَهُ مِنْهُ مُسْلِمٌ فَغَيَّبَهُ وَضَمِنَ لَهُ قِيمَتَهُ، أَوْ هَرَبَ عَلَيْهِ فَأَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْأَوَّلِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا.\n١٧٥٦ - وَلَوْ كَانَ الْغَاصِبُ غَيَّبَهُ فَقَضَى الْقَاضِي عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ، ثُمَّ ظَهَرَ الْفَرَسُ فِي يَدِهِ، وَقَدْ كَانُوا أَصَابُوا غَنَائِمَ قَبْلَ غَصْبِ الْفَرَسِ وَبَعْدَهُ، وَبَعْدَ مَا ظَهَرَ الْفَرَسُ، فَمَا كَانَ مِنْ غَنِيمَةٍ قَبَلَ غَصْبِ الْفَرَسِ وَبَعْدَهُ، قَبْلَ أَنْ يَضْمَنَ الْغَاصِبُ الْقِيمَةَ فَالْمَغْصُوبُ مِنْهُ فِي ذَلِكَ فَارِسٌ. لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالْغَصْبِ لَمْ يَزُلْ، وَإِنَّمَا زَالَ تَمَكُّنُهُ مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ لَا بِاخْتِيَارِهِ. وَمَا أُصِيبَ بَعْدَ مَا ضَمِنَ الْغَاصِبُ الْقِيمَةَ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ الْفَرَسُ أَوْ بَعْدَهُ فَلِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ سَهْمُ رَاجِلٍ.","vol":"1","page":957},{"text":"لِأَنَّ زَوَالَ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَانَ بِاخْتِيَارِهِ، وَقَدْ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ أَنْ يَتَلَوَّمَ وَلَا يُعَجِّلَ بِتَضْمِينِ الْقِيمَةِ لَعَلَّ فَرَسَهُ يَظْهَرُ فَيَأْخُذُهُ. فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ طَلَبَ الْقِيمَةَ وَقُضِيَ لَهُ بِهَا، فَقَدْ صَارَ فِي حُكْمِ الْبَائِعِ لِفَرَسِهِ. فَيُجْعَلُ زَوَالُ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْقِتَالِ عَلَى فَرَسِهِ مُضَافًا إلَى اخْتِيَارِهِ. أَرَأَيْت لَوْ غَصَبَهُ إنْسَانٌ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ فَضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ، ثُمَّ ظَهَرَ الْفَرَسُ لَكَانَ هَذَا فَارِسًا بَعْدَ هَذَا. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مِنْ مِلْكِهِ بِاخْتِيَارِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ حِينَ اسْتَوْفَى الْقِيمَةَ اشْتَرَى بِهَا فَرَسًا آخَرَ قَبْلَ إصَابَةِ الْغَنَائِمِ، فَحِينَئِذٍ هُوَ يَكُونُ فَارِسًا فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، لِقِيَامِ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ.\n١٧٥٧ - (٣١٨) وَلَوْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ فَارِسًا فَأَصَابُوا غَنَائِمَ، ثُمَّ بَاعَ فَرَسَهُ وَاسْتَأْجَرَ فَرَسًا وَقَاتَلَ عَلَيْهِ فَأَصَابُوا غَنَائِمَ أَيْضًا، فَهُوَ فَارِسٌ فِي الْغَنَائِمِ الْأُولَى رَاجِلٌ فِي الْغَنَائِمِ الثَّانِيَةِ. لِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ إنَّمَا انْعَقَدَ لَهُ بِفَرَسٍ مَمْلُوكٍ لَهُ، وَالْمُسْتَأْجَرُ لَا يَكُونُ مَمْلُوكًا لَهُ، فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ قَائِمًا مَقَامَ الْأَوَّلِ فِي إبْقَاءِ سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ الْمُنْعَقِدِ بِالْفَرَسِ الْأَوَّلِ، وَلَا يَنْعَقِدُ بِهِ سَبَبٌ آخَرُ ابْتِدَاءً، لِأَنَّهُ حَصَلَ فِي دَارِ الْحَرْبِ.\n١٧٥٨ - وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَعَارَ فَرَسًا. فَإِنَّهُ مِثْلُ الِاسْتِئْجَارِ أَوْ دُونَهُ.\n١٧٥٩ - فَأَمَّا إذَا وُهِبَ لَهُ فَرَسٌ، أَوْ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِ وَقَبَضَهُ فَهُوَ فَارِسٌ فِي جَمِيعِ الْغَنَائِمِ.","vol":"1","page":958},{"text":"لِأَنَّ الْمَوْهُوبَ مَمْلُوكٌ لَهُ، فَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ قَائِمًا مَقَامَ الْأَوَّلِ فِي إبْقَاءِ مَا انْعَقَدَ بِهِ مِنْ سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ. يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ بِاسْتِئْجَارِ الْفَرَسِ وَالِاسْتِعَارَةِ لَا يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودُهُ التِّجَارَةَ بِالْتِزَامِ مُؤْنَةِ الْفَرَسِ الْأَوَّلِ، وَبِالشِّرَاءِ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودُهُ ذَلِكَ، فَيُمْكِنُ إقَامَةُ الْمُشْتَرَى مَقَامَ مَا بَاعَ. ثُمَّ يُجْعَلُ الْمَوْهُوبُ كَالْمُشْتَرَى، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ السَّبَبَيْنِ يُثْبِتُ لَهُ الْمِلْكَ فِي غَيْرِ الْفَرَسِ.\n١٧٦٠ - وَلَوْ كَانَ فِي الِابْتِدَاءِ دَخَلَ عَلَى فَرَسٍ مُسْتَأْجَرٍ، فَأَصَابُوا غَنَائِمَ، ثُمَّ انْقَضَتْ الْإِجَارَةُ فَأَخَذَهُ صَاحِبُهُ، ثُمَّ أَصَابُوا غَنَائِمَ، ثُمَّ اسْتَأْجَرَ فَرَسًا آخَرَ فَقَاتَلَ عَلَيْهِ، فَأَصَابُوا غَنَائِمَ، فَهُوَ فَارِسٌ فِي الْغَنَائِمِ الْأُولَى وَالْأَخِيرَةِ، رَاجِلٌ فِي الْغَنِيمَةِ الْوُسْطَى. لِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ انْعَقَدَ لَهُ بِاعْتِبَارِ فَرَسٍ هُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِعَيْنِهِ. وَالثَّانِي مِثْلُ الْأَوَّلِ فِي هَذَا، فَيَقُومُ مَقَامَهُ فِي إبْقَاءِ ذَلِكَ الِاسْتِحْقَاقِ بِهِ، كَمَا قَامَ الْمُشْتَرَى مَقَامَ الْفَرَسِ الَّذِي كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ. وَإِنَّمَا لَا يَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْفَارِسِ فِيمَا أُصِيبَ فِي حَالٍ لَمْ يَكُنْ هُوَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ، وَهُوَ الْغَنِيمَةُ الْوُسْطَى. ثُمَّ لَا فَرْقَ فِي هَذَا الْمَعْنَى بَيْنَ أَنْ يَنْتَهِيَ الْعَقْدُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ أَوْ يُنْتَقَضُ بِمَوْتِ الْمُؤَاجِرِ، أَوْ بِتَقَايُلِ الْإِجَارَةِ فِي الْمُدَّةِ.\n١٧٦١ - وَلَوْ كَانَ اسْتَعَارَ فَرَسًا وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا سَهْمُ رَاجِلٍ فِيمَا أُصِيبَ بَعْدَ ذَلِكَ.","vol":"1","page":959},{"text":"لِأَنَّ الِاسْتِعَارَةَ دُونَ الِاسْتِئْجَارِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ. فَإِنَّ بِالِاسْتِئْجَارِ يَثْبُتُ لَهُ اسْتِحْقَاقُ الْمَنْفَعَةِ وَبِالِاسْتِعَارَةِ لَا يَثْبُتُ، فَلَا يُمْكِنُ إبْقَاءُ مَا انْعَقَدَ لَهُ مِنْ السَّبَبِ بِاعْتِبَارِ الْفَرَسِ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ بِهَذَا الْفَرَسِ الْمُسْتَعَارِ.\n١٧٦٢ - وَلَوْ كَانَ اشْتَرَى فَرَسًا حِينَ انْقَضَتْ الْإِجَارَةُ، أَوْ وُهِبَ لَهُ، فَهُوَ فَارِسٌ فِي جَمِيعِ الْغَنَائِمِ. لِأَنَّهُ لَوْ اسْتَأْجَرَ كَانَ فَارِسًا، فَإِذَا اشْتَرَى أَوْ وُهِبَ لَهُ كَانَ أَوْلَى. إذْ قَدْ وُجِدَ فِي الثَّانِي الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ انْعَقَدَ لَهُ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ وَزِيَادَةٌ.\n١٧٦٣ - وَلَوْ كَانَ الْفَرَسُ فِي يَدِهِ حِينَ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ عَارِيَّةً وَأَصَابُوا غَنَائِمَ، ثُمَّ اسْتَرَدَّهُ الْمُعِيرُ فَأَصَابُوا غَنَائِمَ، ثُمَّ اسْتَعَارَ فَرَسًا آخَرَ لِيُقَاتِلَ عَلَيْهِ فَأَصَابُوا غَنَائِمَ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَعَارَهُ الْفَرَسَ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ السَّهْمَ بِسَبَبِ الْفَرَسِ الَّذِي أَعَارَ، فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ اسْتِحْقَاقُهُ بِالْإِعَارَةِ لِلْقِتَالِ. لِأَنَّهُ لَا يَزُولُ بِهِ تَمَكُّنُهُ مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ، فَإِذَا بَقِيَ هُوَ مُسْتَحِقًّا لِلسَّهْمِ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْفَرَسِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الْمُسْتَعِيرُ بِاعْتِبَارِهِ شَيْئًا، لِأَنَّ بِالْفَرَسِ الْوَاحِدِ لَا يَكُونُ رَجُلَانِ فَارِسَيْنِ، وَإِنَّمَا يُضْرَبُ لِلْمُسْتَعِيرِ بِسَهْمِ الْفَارِسِ فِي الْغَنِيمَةِ الْأُولَى خَاصَّةً.\n١٧٦٤ - وَإِنْ كَانَ الْمُعِيرُ مَعَهُ خَيْلٌ كَثِيرٌ وَهُوَ يَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْفَرَسِ بِغَيْرِ هَذَا الْفَرَسِ، فَلِلْمُسْتَعِيرِ سَهْمُ الْفَرَسِ فِي الْغَنَائِمِ الْأُولَى وَالْأَخِيرَةِ، وَلَهُ سَهْمُ رَاجِلٍ فِي الْغَنِيمَةِ الْوُسْطَى. لِأَنَّ الثَّانِيَ مِثْلُ الْأَوَّلِ الَّذِي انْعَقَدَ لَهُ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ بِاعْتِبَارِهِ، فَيُجْعَلُ ذَلِكَ السَّبَبُ بَاقِيًا بِبَقَاءِ مَا هُوَ مِثْلُهُ، كَمَا يُجْعَلُ بَاقِيًا بِبَقَاءِ عَيْنِهِ.","vol":"1","page":960},{"text":"أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اسْتَعَارَ ذَلِكَ (ص ٣١٩) الْفَرَسَ بِعَيْنِهِ ثَانِيًا وَقَاتَلَ عَلَيْهِ كَانَ فَارِسًا؟\n١٧٦٥ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّهُ اشْتَرَى فَرَسًا أَوْ وُهِبَ لَهُ أَوْ اسْتَأْجَرَهُ. لِأَنَّ الثَّانِي فَوْقَ الْأَوَّلِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي انْعَقَدَ بِهِ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ لَهُ، فَيَبْقَى ذَلِكَ الِاسْتِحْقَاقُ بِاعْتِبَارِهِ. وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ فَرَسًا، كَانَ صَاحِبُهُ بِهِ فَارِسًا أَوْ لَمْ يَكُنْ. لِأَنَّ بِالْإِجَارَةِ يَخْرُجُ صَاحِبُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ فَارِسًا بِهِ، بِخِلَافِ الْإِعَارَةِ، وَهَذَا لِأَنَّ بِالْإِجَارَةِ يَزُولُ تَمَكُّنُ صَاحِبِهِ مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ، بِمَا أَوْجَبَ مِنْ الْحَقِّ لِلْمُسْتَأْجَرِ، وَبِالْإِعَارَةِ لَا يَزُولُ ذَلِكَ. أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّهُ آجَرَ نَفْسَهُ لِلْخِدْمَةِ مُدَّةً مَعْلُومَةً فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَهْمٌ؟ وَلَوْ أَعَانَ غَازِيًا وَخَدَمَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يَبْطُلُ بِهِ سَهْمُهُ، فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي سَهْمِ فَرَسِهِ.\n١٧٦٦ - وَلَوْ اشْتَرَى فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَرَسًا وَلَمْ يَقْبِضْهُ، حَتَّى دَخَلَا دَارَ الْحَرْبِ، ثُمَّ نَقَدَ الثَّمَنَ وَقَبَضَ الْفَرَسَ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَاجِلٌ فِي جَمِيعِ الْغَنَائِمِ. أَمَّا الْبَائِعُ فَلِأَنَّ الْفَرَسَ زَالَ مِنْ مِلْكِهِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ دَارَ الْحَرْبِ، فَهُوَ قَدْ دَخَلَ وَلَيْسَ لَهُ فَرَسٌ. وَأَمَّا الْمُشْتَرِي فَلِأَنَّهُ دَخَلَ وَهُوَ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنْ الْقِتَالِ عَلَى فَرَسِهِ. لِكَوْنِهِ مَحْبُوسًا عِنْدَ الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ، بِمَنْزِلَةِ الْمَرْهُونِ، وَإِنَّمَا صَارَ مُتَمَكِّنًا حِينَ نَقَدَ الثَّمَنَ فِي دَارِ الْحَرْبِ ابْتِدَاءً، فَكَأَنَّهُ اشْتَرَى الْفَرَسَ الْآنَ.","vol":"1","page":961},{"text":"١٧٦٧ - وَلَوْ كَانَ نَقَدَ الثَّمَنَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ دَارَ الْحَرْبِ وَلَمْ يَقْبِضْ الْفَرَسَ حَتَّى دَخَلَ، أَوْ كَانَ الثَّمَنُ إلَى أَجَلٍ، فَفِي الْقِيَاسِ: الْمُشْتَرِي رَاجِلٌ فِيمَا أُصِيبَ مِنْ الْغَنَائِمِ. لِأَنَّ الْقِتَالَ عَلَى الْفَرَسِ تَصَرُّفٌ. وَمِلْكُ التَّصَرُّفِ يَحْصُلُ لِلْمُشْتَرِي عِنْدَ الْقَبْضِ ابْتِدَاءً، وَإِنَّمَا مَلَكَ الْقِتَالَ عَلَيْهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَمَا قَبَضَهُ. يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْفَرَسَ فِي ضَمَانِ مِلْكِ الْبَائِعِ، وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ نَقَدَهُ الثَّمَنَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ هَلَكَ يَهْلَكُ عَلَى مِلْكِهِ، وَالْبَائِعُ إذَا وَجَدَ الثَّمَنَ زُيُوفًا فَرَدَّهُ يَكُونُ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ إلَى اسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ، فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ حِينَ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، فَلَا يَسْتَحِقُّ بِهِ سَهْمَ الْفَارِسِ، كَمَا قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لِلْمُشْتَرِي سَهْمُ الْفَرَسِ. لِأَنَّ انْعِقَادَ سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ لَهُ بِاعْتِبَارِ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ عِنْدَ مُجَاوَزَةِ الدَّرْبِ، وَهَذَا ثَابِتٌ بِاعْتِبَارِ مِلْكِهِ وَخُلُوِّهِ عَنْ حَقِّ الْغَيْرِ وَتَمَكُّنِهِ مِنْ الْأَخْذِ مَتَى شَاءَ بِإِقْرَارِ الْبَائِعِ لَهُ بِذَلِكَ، وَقَدْ تَقَرَّرَ هَذَا التَّمَكُّنُ بِقَبْضِهِ، فَيَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْفَرَسِ بِهِ، كَمَا لَوْ أَعَارَ فَرَسَهُ غَيْرَهُ لِلرُّكُوبِ أَوْ أَوْدَعَهُ مِنْهُ.\n١٧٦٨ - وَلَوْ دَخَلَ مُسْلِمَانِ دَارَ الْحَرْبِ بِفَرَسٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا يُقَاتِلُ عَلَيْهِ هَذَا مَرَّةً وَهَذَا مَرَّةً، فَهُمَا رَاجِلَانِ فِي الْغَنَائِمِ كُلِّهَا. لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ، فَلَا يَكُونُ فَارِسًا بِاعْتِبَارِهِ.\n١٧٦٩ - فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَجَّرَهُ مِنْ صَاحِبِهِ أَوْ أَعَارَهُ مِنْهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَالْمُسْتَعِيرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ فَارِسٌ بِهِ.","vol":"1","page":962},{"text":"لِأَنَّهُ انْفَصَلَ وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ. إلَّا أَنْ يَأْخُذَ الْمُعِيرُ حِصَّتَهُ أَوْ تَنْقَضِيَ الْإِجَارَةُ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ هُوَ رَاجِلًا فِيمَا يُصَابُ بَعْدَ ذَلِكَ. لِأَنَّهُ زَالَ تَمَكُّنُهُ مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ بِحَقٍّ مُسْتَحَقٍّ كَانَ سَابِقًا عَلَى دُخُولِهِ دَارَ الْحَرْبِ.\n١٧٧٠ - وَلَوْ دَخَلَا بِفَرَسَيْنِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَطَيَّبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَنْ يُقَاتِلَ عَلَى فَرَسٍ مِنْهُمَا بِعَيْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ عَيْنِهِ، فَهُمَا رَاجِلَانِ. لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا انْفَصَلَ وَهُوَ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ، وَإِنَّمَا صَارَ مُتَمَكِّنًا مِنْ ذَلِكَ بِسَبَبٍ حَادِثٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَهُوَ أَنَّ صَاحِبَهُ طَيَّبَ لَهُ ذَلِكَ، وَذَلِكَ لَا يَنْفَعُهُ شَيْئًا.\n١٧٧١ - وَلَوْ كَانَ طَيَّبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ قَبْلَ دُخُولِ دَارِ الْحَرْبِ فَهُمَا فَارِسَانِ، إلَى أَنْ يَرْجِعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَمَّا أَذِنَ لِصَاحِبِهِ فِيهِ. لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا انْفَصَلَ وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ، فَيَنْعَقِدُ لَهُ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ بِهِ مَا بَقِيَ تَمَكُّنُهُ. فَإِذَا رَجَعَا عَنْ ذَلِكَ فَقَدْ زَالَ التَّمَكُّنُ، فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَاجِلًا بَعْدَ ذَلِكَ.\n١٧٧٢ - وَكَذَلِكَ إذَا تَهَايَئَا عَلَى الرُّكُوبِ قَبْلَ دُخُولِ دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّ الْمُهَايَأَةَ قِسْمَةُ الْمَنْفَعَةِ. وَقَدْ بَيَّنَّا الْخِلَافَ فِي التَّهَايُؤِ عَلَى رُكُوبِ الدَّابَّتَيْنِ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ مِنْ شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ.","vol":"1","page":963},{"text":"وَلَا خِلَافَ أَنَّ أَحَدَهُمَا إذَا طَلَبَ ذَلِكَ وَأَبَى صَاحِبُهُ فَإِنَّهُ لَا يُجْبَرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْمُهَايَأَةِ عَلَى الرُّكُوبِ لِلْقِتَالِ. لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْمُعَادَلَةِ فِي ذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ، فَلَا يَجْرِي فِيهِ الْإِجْبَارُ. وَلَكِنْ إنْ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ فَلَهُمَا ذَلِكَ بِوُجُودِ التَّرَاضِي مِنْهُمَا، وَيُجْبَرَانِ عَلَى التَّهَايُؤِ عَلَى الرُّكُوبِ لِغَيْرِ الْحَرْبِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - ﵀ -. لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْمُعَادَلَةِ فِيهِ مُمْكِنٌ. فَإِذَا طَلَبَ أَحَدُهُمَا أُجْبِرَ الْآخَرُ عَلَيْهِ اعْتِبَارًا لِقِسْمَةِ الْمَنْفَعَةِ بِقِسْمَةِ الْعَيْنِ. ثُمَّ لَا يَسْتَحِقُّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِذَلِكَ سَهْمَ فَارِسٍ. لِأَنَّ وَاحِدًا مِنْهُمَا لَا يَصِيرُ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ بِالْمُهَايَأَةِ عَلَى الرُّكُوبِ.\n١٧٧٣ - وَلَوْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَذِنَ لِصَاحِبِهِ فِي رُكُوبِ أَيِّ الْفَرَسَيْنِ شَاءَ وَلَمْ يَدْفَعْ إلَى صَاحِبِهِ فَرَسًا بِعَيْنِهِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَاجِلٌ، سَوَاءٌ كَانَ هَذَا الْإِذْنُ مِنْهُمَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ فِي دَارِ الْحَرْبِ. لِأَنَّ إعَارَةَ نَصِيبِهِ مِنْ صَاحِبِهِ لَا تَتِمُّ بِمُجَرَّدِ الْإِذْنِ مَا لَمْ يُسَلِّمْ إلَيْهِ.\n١٧٧٤ - وَلَوْ دَخَلَ مُسْلِمٌ دَارَ الْحَرْبِ بِأَفْرَاسٍ فَبَاعَهَا كُلَّهَا إلَّا وَاحِدًا مِنْهَا لَمْ يُحْرَمْ سَهْمَ الْفَارِسِ. لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ بِمَا بَقِيَ عِنْدَهُ، وَلِأَنَّهُ تَبَيَّنَ بِمَا صَنَعَ","vol":"1","page":964},{"text":"أَنَّهُ قَصَدَ التِّجَارَةَ فِيمَا بَاعَ، فَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ ذَلِكَ فِي اسْتِحْقَاقِ السَّهْمِ بِهِ، وَيُجْعَلُ فِي الْحُكْمِ كَأَنَّهُ حِينَ دَخَلَ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلَّا هَذَا الْفَرَسُ. وَهَذَا لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدِ فَضْلٌ هُوَ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُبْنَى حُكْمُ الِاسْتِحْقَاقِ ثُبُوتًا وَبَقَاءً عَلَى مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ خَاصَّةً. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ رَجَعَ بَعْضُ الشُّهُودِ لَمْ يُنْتَقَصْ نِصَابُ الشَّهَادَةِ بِرُجُوعِ مَنْ رَجَعَ. فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَةِ لِهَذَا الْمَعْنَى. وَلَوْ كَانَ بَعْدَ الْقَضَاءِ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ مِنْ الضَّمَانِ عَلَى الرَّاجِعِينَ.\n١٧٧٥ - وَلَوْ نَفَقَ مِنْهَا وَاحِدٌ أَوْ عُقِرَ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ بَاعَ بَقِيَّةَ خَيْلِهِ فَهُوَ فَارِسٌ أَيْضًا. لِأَنَّهُ لَوْ نَفَقَ بَعْدَ بَيْعِ الْبَعْضِ بَقِيَ فَارِسًا بِاعْتِبَارِهِ، فَكَذَلِكَ قَبْلَهُ. وَهَذَا لِأَنَّ مَا بَاعَ صَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ. فَكَأَنَّهُ دَخَلَ بِفَرَسٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ نَفَقَ قَبْلَ الْقِتَالِ عَلَيْهِ أَوْ بَعْدَهُ، وَهُوَ يَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ فِي هَذَا.\n١٧٧٦ - وَلَوْ دَخَلَ مُرَاهِقٌ دَارَ الْحَرْبِ فَارِسًا أَوْ رَاجِلًا فَأَصَابُوا غَنَائِمَ فَلَهُ الرَّضْخُ عَلَى التَّفْسِيرِ الَّذِي قُلْنَا: فَإِنْ لَمْ يَخْرُجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَقْسِمُوا الْغَنَائِمَ حَتَّى بَلَغَ الْغُلَامُ ضُرِبَ لَهُ بِسَهْمِ فَارِسٍ إنْ كَانَ فَارِسًا، وَبِسَهْمِ رَاجِلٍ إنْ كَانَ رَاجِلًا، سَوَاءٌ لَقُوا قِتَالًا بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَلْقَوْا. لِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ قَدْ انْعَقَدَ لَهُ حِينَ جَاوَزَ الدَّرْبَ، ثُمَّ قَبْلَ تَمَامِ الِاسْتِحْقَاقِ كَمُلَ حَالُهُ، فَيُجْعَلُ مَا اعْتَرَضَ كَالْمُقْتَرِنِ بِأَصْلِ السَّبَبِ فِي اسْتِحْقَاقِهِ السَّهْمَ الْكَامِلَ، بِمَنْزِلَةِ الذِّمِّيِّ إذَا أَسْلَمَ. وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِيمَا مَضَى. أَشَارَ هَاهُنَا إلَى حَرْفٍ آخَرَ فَقَالَ:","vol":"1","page":965},{"text":"مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَقُولُ: يُسْهَمُ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ. وَلِلذِّمِّيِّ وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ. فَاخْتِلَافُهُمْ فِي اسْتِحْقَاقِ السَّهْمِ الْكَامِلِ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَالْإِسْلَامِ يَكُونُ اتِّفَاقًا مِنْهُمْ عَلَى اسْتِحْقَاقِ ذَلِكَ إذَا كَانَ بَالِغًا مُسْلِمًا عِنْدَ تَمَامِ الِاسْتِحْقَاقِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":966},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>[بَابُ مَا يَخْتَلِفُ فِيهِ صَاحِبُ الْفَرَسِ وَصَاحِبُ الْمَقَاسِمِ فِيمَا يَجِبُ لِلْفَرَسِ]</span>\n١٠٢ - بَابُ مَا يَخْتَلِفُ فِيهِ صَاحِبُ الْفَرَسِ\nوَصَاحِبُ الْمَقَاسِمِ فِيمَا يَجِبُ لِلْفَرَسِ ١٧٧٨ - وَلَوْ أَنَّ غَازِيًا بَاعَ فَرَسَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَهُ سَهْمُ الْفُرْسَانِ فِيمَا أُصِيبَ قَبْلَ بَيْعِهِ، وَفِيمَا أُصِيبَ بَعْدَ الْبَيْعِ لَهُ سَهْمُ الرَّجَّالَةِ فَإِنْ قَالَ الَّذِي يَلِي الْمَقَاسِمَ: إنَّمَا بِعْتَ فَرَسَكَ قَبْلَ الْإِصَابَةِ، وَقَالَ (ص ٣٢١) الْغَازِي: مَا بِعْته إلَّا بَعْدَ الْإِصَابَةِ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الَّذِي يَلِي الْمَقَاسِمَ. وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْغَازِي. لِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ قَدْ انْعَقَدَ لَهُ بِمُجَاوَزَةِ الدَّرْبِ، وَلِأَنَّ الْبَيْعَ حَادِثٌ، فَإِنَّمَا يُحَالُ بِحُدُوثِهِ عَلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ، مَا لَمْ يَثْبُتْ سَبْقُ التَّارِيخِ بِالْحُجَّةِ وَلَكِنَّهُ قَالَ: سَبَبُ الْحِرْمَانِ قَدْ ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ، وَهُوَ بَيْعُ الْفَرَسِ. فَلَا يَثْبُتُ لَهُ الِاسْتِحْقَاقُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا بِحُجَّةٍ.\n١٧٧٩ - أَلَا تَرَى أَنَّ مُسْلِمًا لَوْ مَاتَ وَلَهُ أَخٌ مُسْلِمٌ، فَجَاءَ ابْنُهُ مُرْتَدًّا، وَزَعَمَ أَنَّهُ ارْتَدَّ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ، فَالْمِيرَاثُ لَهُ، وَقَالَ الْأَخُ: إنَّمَا ارْتَدَّ فِي حَيَاتِهِ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَخِ. وَإِنْ كَانَ يَدَّعِي تَارِيخًا سَابِقًا فِي رِدَّتِهِ. لِأَنَّ سَبَبَ حِرْمَانِهِ ظَاهِرٌ، فَلَا يَثْبُتُ اسْتِحْقَاقُهُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا بِحُجَّةٍ.","vol":"1","page":967},{"text":"١٧٨٠ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ ابْنُهُ نَصْرَانِيًّا فَزَعَمَ أَنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ مَوْتِ أَبِيهِ لِأَنَّ سَبَبَ حِرْمَانِهِ وَهُوَ الْمُخَالَفَةُ فِي الدِّينِ مَعْلُومٌ، فَلَا يَثْبُتُ الِاسْتِحْقَاقُ إلَّا بِحُجَّةٍ. يُوَضِّحُهُ أَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ الْتِزَامُ مُؤْنَةِ الْفَرَسِ عِنْدَ مُجَاوَزَةِ الدَّرْبِ عَلَى قَصْدِ الْقِتَالِ، وَبِالْبَيْعِ فِي دَارِ الْحَرْبِ قَدْ صَارَ مُحْتَمَلًا فَلَا يَثْبُتُ اسْتِحْقَاقُهُ إلَّا بِتَرَجُّحِ جَانِبِ الْقَصْدِ إلَى الْقِتَالِ. وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ بَاعَهُ بَعْدَ الْقِتَالِ وَإِصَابَةِ الْغَنَائِمِ. فَمَا لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ لَا يَثْبُتُ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهِ.\n١٧٨١ - فَأَمَّا الْإِحَالَةُ بِالْبَيْعِ عَلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ فَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الظَّاهِرِ، وَبِالظَّاهِرِ يُدْفَعُ الِاسْتِحْقَاقُ، وَلَا يَثْبُتُ الِاسْتِحْقَاقُ.\n١٧٨٢ - وَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ مِنْ الْجُنْدِ عَلَى أَنَّهُ بَاعَهُ بَعْدَ الْإِصَابَةِ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ لِخُلُوِّهَا عَنْ التُّهْمَةِ.\n١٧٨٣ - وَإِنْ شَهِدَ بِذَلِكَ شَاهِدٌ وَاحِدٌ فَالْحُجَّةُ لَا تَتِمُّ بِشَهَادَتِهِ. فَإِنْ قَالَ الْمَشْهُودُ لَهُ: أُشَارِكُ هَذَا الْفَارِسَ الَّذِي شَهِدَ لِي فِي نَصِيبِهِ لِإِقْرَارِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ. لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا مِلْكٌ فِي شَيْءٍ مِنْ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ. وَإِقْرَارُ مَنْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ إنَّمَا يُعْتَبَرُ إذَا صَادَفَ مِلْكَهُ أَوْ كَانَ أَقَرَّ بِمِلْكٍ لِلْغَيْرِ فِيهِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ هَاهُنَا، فَلِهَذَا لَا يُشَارِكُهُ فِي نَصِيبِهِ.","vol":"1","page":968},{"text":"وَإِنْ قَالَ الْفَارِسُ: نَفَقَ فَرَسِي أَوْ عُقِرَ. وَقَالَ الَّذِي يَلِي الْمَقَاسِمَ: أَرَاك بِعْته. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْفَارِسِ، وَلَهُ سَهْمُ الْفُرْسَانِ. لِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ لَهُ مَعْلُومٌ. وَمَا يُبْطِلُ حَقَّهُ وَهُوَ بَيْعُ الْفَرَسِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ: صَاحِبُ الْمَقَاسِمِ يَدَّعِيهِ وَالْغَازِي يُنْكِرُهُ. فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ. بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ ادَّعَى الْأَخُ الْمُسْلِمُ عَلَى الِابْنِ أَنَّهُ ارْتَدَّ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَقَالَ الِابْنُ: مَا ارْتَدَدْت قَطُّ. فَإِنَّهُ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الِابْنِ، وَالْمِيرَاثُ لَهُ.\n١٧٨٥ - فَإِنْ قَالَ: دَخَلْت بِفَرَسٍ فَنَفَقَ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمَقَاسِمِ: مَا أَدْخَلْتَ بِفَرَسٍ أَمْ لَا؟ فَهُوَ رَاجِلٌ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ دَخَلَ بِفَرَسٍ. لِأَنَّ الْغَازِيَ هَاهُنَا يَدَّعِي سَبَبَ اسْتِحْقَاقِ سَهْمِ الْفَرَسِ، وَهُوَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، فَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا إلَّا بِحُجَّةٍ. بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ ادَّعَتْ امْرَأَةٌ مِيرَاثَ مَيِّتٍ وَزَعَمَتْ أَنَّهُ كَانَ تَزَوَّجَهَا فِي حَيَاتِهِ، لَمْ تُصَدَّقْ إلَّا بِحُجَّةٍ.\n١٧٨٦ - وَإِنْ عَلِمَ صَاحِبُ الْمَقَاسِمِ وَالْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ كَانَ فَارِسًا، وَأَنَّهُ اسْتَهْلَكَ فَرَسَهُ بَعْدَ إصَابَةِ بَعْضِ الْغَنَائِمِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ وَلَكِنَّهُمْ لَا يَدْرُونَ مَا أَصَابُوا قَبْلَ اسْتِهْلَاكِهِ، وَلَا مَا أَصَابُوا بَعْدَهُ، فَلَهُ فِي ذَلِكَ سَهْمُ رَاجِلٍ، إلَّا مَا عُلِمَ أَنْ إصَابَتِهِ كَانَ قَبْلَ اسْتِهْلَاكِهِ. لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُبْطِلَ لِحَقِّهِ هَاهُنَا عَنْ الْبَعْضِ مَعْلُومٌ، فَلَا يُعْطَى إلَّا الْقَدْرَ الْمُتَيَقَّنَ بِهِ. وَلِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ الْمُصَابِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُصَابًا بَعْدَ اسْتِهْلَاكِهِ،","vol":"1","page":969},{"text":"وَيَحْتَمِلُ (٣٢٢) أَنْ يَكُونَ قَبْلَهُ، وَبِالِاحْتِمَالِ لَا يَثْبُتُ الِاسْتِحْقَاقُ. وَصَارَ كُلُّ جُزْءٍ هَاهُنَا كَجَمِيعِ الْمُصَابِ فِي مَسْأَلَةِ أَوَّلِ الْبَابِ. وَلَا يَمِينَ عَلَى صَاحِبِ الْمَقَاسِمِ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا. لِأَنَّهُ لَيْسَ بِخَصْمٍ، إنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْحَاكِمِ.\n١٧٨٧ - وَإِنْ كَانَ بَاعَ فَرَسَهُ وَاشْتَرَى فَرَسًا آخَرَ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ فَارِسٌ فِي كُلِّ مُصَابٍ، إلَّا مَا كَانَ بَعْدَ بَيْعِهِ الْفَرَسَ قَبْلَ شِرَائِهِ الْفَرَسَ الثَّانِيَ. فَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ لَمْ يُضْرَبْ لَهُ إلَّا بِسَهْمِ رَاجِلٍ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ لِبَقَاءِ الِاحْتِمَالِ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْ الْمُصَابِ أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ بَيْعِهِ الْفَرَسَ الْأَوَّلَ قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَ الْفَرَسَ الثَّانِي، وَمَعَ الِاحْتِمَالِ لَا يَثْبُتُ حَقُّهُ إلَّا بِحُجَّةٍ. وَلِأَنَّا عَلِمْنَا أَنَّهُ كَانَ رَاجِلًا فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي وَقْتٍ فَلَا يَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ، مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْإِصَابَةَ كَانَتْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ. بِمَنْزِلَةِ الِابْنِ الَّذِي عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ نَصْرَانِيًّا فِي وَقْتٍ فَجَاءَ مُسْلِمًا بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ كَانَ أَسْلَمَ فِي حَيَاتِهِ، لَمْ يُصَدَّقْ إلَّا بِحُجَّةٍ. وَكَذَلِكَ لَوْ عَلِمَ أَنَّ الِابْنَ كَانَ مُرْتَدًّا فِي وَقْتٍ فَقَالَ: أَسْلَمْت قَبْلَ مَوْتِ الْأَبِ. وَقَالَ الْأَخُ: أَسْلَمْت بَعْدَ مَوْتِهِ. فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْمِيرَاثَ مَا لَمْ يُثْبِتْ بِالْبَيِّنَةِ إسْلَامَهُ قَبْلَ مَوْتِ أَبِيهِ.\n١٧٨٨ - وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ بَادَلَ فَرَسَهُ بِهَذَا الْفَرَسِ الَّذِي فِي يَدِهِ،","vol":"1","page":970},{"text":"وَقَالَ صَاحِبُ الْمَقَاسِمِ: أَظُنُّك بِعْت فَرَسَك ثُمَّ اشْتَرَيْتَ هَذَا الْفَرَسَ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَازِي مَعَ يَمِينِهِ. لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَم. كَوْنَهُ رَاجِلًا فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ. فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مُبَادَلَةَ الْفَرَسِ بِفَرَسٍ آخَرَ لَا تَجْعَلُهُ فِي حُكْمِ الرَّاجِلِ. فَصَاحِبُ الْمَقَاسِمِ هَاهُنَا يَدَّعِي السَّبَبَ الْمُبْطِلَ لِحَقِّهِ، وَهُوَ مُنْكِرٌ. فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ. بِخِلَافِ الْأَوَّلِ.\n١٧٨٩ - وَمَنْ لَحِقَ بِالْجَيْشِ مِنْ تَاجِرٍ، أَوْ حَرْبِيٍّ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، أَوْ عَبْدٍ كَانَ يَخْدُمُ مَوْلَاهُ فَأَعْتَقَهُ، فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ لَهُ الشَّرِكَةَ فِيمَا يُصَابُ بَعْدَ مَا الْتَحَقَ بِهِمْ، وَلَا شَرِكَةَ فِيمَا أُصِيبَ قَبْلَ ذَلِكَ. إلَّا أَنْ يَلْقَوْا قِتَالًا فِيهِ، فَيُقَاتِلَ دَفْعًا عَنْ ذَلِكَ. فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مَا أَصَابُوا قَبْلَ أَنْ يَلْحَقَ بِهِمْ، وَلَا مَا أَصَابُوا بَعْدَ مَا لَحِقَ بِهِمْ، وَلَمْ يَلْقَوْا قِتَالًا بَعْدَ الْإِصَابَةِ فَلَا شَيْءَ لَهُ، مَا لَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ عَلَى شَيْءٍ أَنَّهُ قَدْ أُصِيبَ بَعْدَ مَا لَحِقَ بِهِمْ. لِأَنَّ الِاحْتِمَالَ قَائِمٌ فِي كُلِّ جُزْءٌ مِنْ الْمُصَابِ، وَبِالِاحْتِمَالِ لَا يَثْبُتُ الِاسْتِحْقَاقُ ابْتِدَاءً.\n١٧٩٠ - فَإِنْ شَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ فَأَرَادَ أَنْ يُشَارِكَ الشَّاهِدَ فِيمَا أَصَابَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ. لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَشْهَدُوا بِمِلْكٍ لَهُ فِي شَيْءٍ.","vol":"1","page":971},{"text":"أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ لَمْ يَمْلِكْ شَيْئًا قَبْلَ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ؟ وَحَقُّ الِاشْتِرَاكِ يَنْبَنِي عَلَى الْمِلْكِ فِيمَا هُوَ خَاصٌّ. أَلَا تَرَى أَنَّ جَيْشًا لَوْ اقْتَسَمُوا غَنَائِمَ، ثُمَّ ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُمْ فَأَقَرَّ بِذَلِكَ بَعْضُ الْجَيْشِ لَمْ يُشَارِكِ الْمُقَرُّ لَهُ الْمُقِرَّ فِي نَصِيبِهِ؟ وَهَذَا مِمَّا لَا يُشْكِلُ فَإِنَّهُ لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ مَعَ الْجَيْشِ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبِيلٌ عَلَى مَا أَصَابَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ اسْتِحْسَانًا، وَلَكِنْ إنْ بَقِيَتْ مِنْ الْغَنِيمَةِ بَقِيَّةٌ. أَعْطَاهُ الْإِمَامُ نَصِيبَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ أَعْطَاهُ عِوَضَ نَصِيبِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. فَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ كَانَ أَوْلَى. وَهَذَا نَوْعُ اسْتِحْسَانٍ، بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْغُرْمَ مُقَابَلٌ بِالْغُنْمِ. وَلَوْ بَقِيَ شَيْءٌ تَتَعَذَّرُ قِسْمَتُهُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ يُجْعَلُ فِي بَيْتِ الْمَالِ. فَكَذَلِكَ إذَا ظَهَرَ سَهْوٌ يُجْعَلُ ذَلِكَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ.\n١٧٩١ - وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى هَذَا الرَّجُلُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَقُوا قِتَالًا بَعْدَ مَا لَحِقَ بِهِمْ، وَأَنَّهُ قَاتَلَ دَفْعًا عَنْ الْمُصَابِ مَعَهُمْ، وَقَدْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ (ص ٣٢٣) أَنَّهُمْ لَقُوا قِتَالًا بَعْدَ الْإِصَابَةِ وَلَكِنْ لَا يَدْرُونَ أَنَّ ذَلِكَ الْقِتَالَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَلْحَقَ بِهِمْ هَذَا الرَّجُلُ أَوْ بَعْدَهُ فَلَا شَرِكَةَ لَهُ مَعَهُمْ، حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَا يَدَّعِي مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِهِ هَاهُنَا الْمُقَاتَلَةُ مَعَهُمْ دَفْعًا عَنْ الْمُصَابِ، وَذَلِكَ لَا يَظْهَرُ بِقَوْلِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ.","vol":"1","page":972},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>[بَابُ دَفْعِ الْفَرَسِ بِاشْتِرَاطِ السَّهْمِ وَإِعَادَتِهِ وَإِيدَاعِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ]</span>\n١٠٣ - بَابُ دَفْعِ الْفَرَسِ بِاشْتِرَاطِ السَّهْمِ\nوَإِعَادَتِهِ وَإِيدَاعِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ ١٧٩٢ - قَالَ: وَإِذَا دَخَلَ الْغَازِي فِي دَارِ الْحَرْبِ فَارِسًا، ثُمَّ دَفَعَ فَرَسَهُ إلَى رَجُلٍ لِيُقَاتِلَ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّ سَهْمَ الْفَرَسِ لِصَاحِبِهِ فَهَذَا جَائِزٌ. لِأَنَّهُ شَرْطٌ مُوَافِقٌ لِحُكْمِ الشَّرْعِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ إعَارَةَ الْفَرَسِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يُبْطِلُ اسْتِحْقَاقَهُ، وَأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ هَذَا كَانَ لَهُ سَهْمُ الْفَرَسِ، وَالشَّرْطُ لَا يَزِيدُهُ إلَّا وَكَادَةً.\n١٧٩٣ - وَلَوْ كَانَ شَرَطَ أَنَّ سَهْمَ الْفَرَسِ وَسَهْمَ الرَّاجِلِ الَّذِي قَاتَلَ عَلَيْهِ كُلُّهُ لِصَاحِبِ الْفَرَسِ فَهَذَا فَاسِدٌ. لِأَنَّهُ شَرَطَ لِنَفْسِهِ مَا هُوَ حَقُّ الَّذِي يُقَاتِلُ عَلَى فَرَسِهِ. فَيَكُونُ هَذَا إجَارَةً مِنْهُ لِفَرَسِهِ بِمَا شَرَطَ عَلَيْهِ. وَهَذِهِ إجَارَةٌ فَاسِدَةٌ لِجَهَالَةِ الْبَدَلِ الْمَشْرُوطِ عَلَيْهِ. فَيَكُونُ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ عَلَى الَّذِي قَاتَلَ عَلَيْهِ، وَلَا سَهْمَ لِلْفَرَسِ هَاهُنَا. أَمَّا الَّذِي قَاتَلَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ اسْتَأْجَرَ فِي دَارِ الْحَرْبِ إجَارَةً فَاسِدَةً، وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ إجَارَةً صَحِيحَةً أَوْ اشْتَرَاهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ بِهِ شَيْئًا، فَهَذَا أَوْلَى. وَأَمَّا صَاحِبُ الْفَرَسِ فَلِأَنَّهُ لَوْ آجَرَهُ إجَارَةً صَحِيحَةً بَطَلَ بِهِ حَقُّهُ كَمَا لَوْ بَاعَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَكَذَلِكَ إذَا آجَرَهُ إجَارَةً فَاسِدَةً. لِأَنَّ الْعَقْدَ الْفَاسِدَ مُعْتَبَرٌ بِالْجَائِزِ فِي الْحُكْمِ، وَلِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ عِوَضًا عَنْ مَنْفَعَةِ فَرَسِهِ وَهُوَ أَجْرُ الْمِثْلِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ بِهِ السَّهْمَ مَعَ ذَلِكَ.","vol":"1","page":973},{"text":"وَلَوْ كَانَ مَعَ صَاحِبِ الْفَرَسِ فَرَسٌ غَيْرُ هَذَا فَلَهُ سَهْمُ فَارِسٍ بِاعْتِبَارِ الْفَرَسِ الْآخَرِ سَوَاءٌ بَقِيَ فِي يَدِهِ أَوْ نَفَقَ. لِأَنَّ الَّذِي آجَرَهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ صَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ.\n١٧٩٥ - وَلَوْ لَمْ يَدْخُلُوا دَارَ الْحَرْبِ حَتَّى أَعْطَى فَرَسَهُ رَاجِلًا عَلَى أَنْ يَكُونَ سَهْمُ الْفَرَسِ لِصَاحِبِهِ، فَإِنَّ سَهْمَ الْفَرَسِ هَاهُنَا لِلَّذِي أَدْخَلَهُ دَارَ الْحَرْبِ. لِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ قَدْ انْعَقَدَ لَهُ وَهُوَ الِانْفِصَالُ فَارِسًا. فَيَكُونُ صَاحِبُ الْفَرَسِ مُؤَاجِرًا فَرَسَهُ بِبَدَلٍ مَجْهُولٍ فَيَسْتَوْجِبُ عَلَيْهِ أَجْرَ الْمِثْلِ، وَلَيْسَ لَهُ مِنْ سَهْمِ الْفَرَسِ شَيْءٌ. لِأَنَّهُ انْفَصَلَ رَاجِلًا. فَإِنْ كَانَ مَعَهُ فَرَسَانِ فَصَنَعَ هَذَا بِأَحَدِهِمَا وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَلَهُ سَهْمُ الْفَارِسِ بِاعْتِبَارِ فَرَسِهِ الَّذِي بَقِيَ لَهُ. وَأَمَّا سَهْمُ الْفَرَسِ الْآخَرِ فَهُوَ لِلَّذِي قَاتَلَ عَلَيْهِ، وَلِصَاحِبِ الْفَرَسِ عَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْلِ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِمَا أَنَّ الْغَازِيَ لَا يَسْتَحِقُّ السَّهْمَ إلَّا بِفَرَسٍ وَاحِدٍ. وَإِنْ قَادَ بِأَفْرَاسٍ، فَكَانَ فِي هَذَا الشَّرْطِ مَعْنَى إجَارَةِ الْفَرَسِ كَمَا بَيَّنَّا. فَأَمَّا فِي قِيَاسِ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِسَهْمٍ لِفَرَسَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ صَحِيحًا وَالسَّهْمُ كُلُّهُ لِصَاحِبِ الْفَرَسِ، لِأَنَّهُ بِدُونِ هَذَا الشَّرْطِ كَانَ يَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْفَرَسَيْنِ، فَالشَّرْطُ لَا يَزِيدُهُ إلَّا وَكَادَةً.","vol":"1","page":974},{"text":"٧٩٦ - وَلَكِنَّ هَذَا إذَا كَانَ الْإِعْطَاءُ بِهَذَا الشَّرْطِ فِي دَارِ الْحَرْبِ. فَأَمَّا إذَا كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَسَهْمُ الْفَرَسِ لِلَّذِي قَاتَلَ عَلَيْهِ، وَلِصَاحِبِ الْفَرَسِ عَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِهِ فِي الْوَجْهَيْنِ. لِأَنَّهُ مَا انْعَقَدَ لِصَاحِبِ الْفَرَسِ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِ السَّهْمِ بِهَذَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا انْعَقَدَ ذَلِكَ لِمَنْ كَانَ فَارِسًا بِهِ (ص ٣٢٤) عِنْدَ الِانْفِصَالِ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْإِجَارَةِ مُتَقَرِّرًا بَيْنَهُمَا هَاهُنَا.\n١٧٩٧ - وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الرَّجُلَيْنِ فَرَسٌ غَيْرُ الْفَرَسِ الَّذِي أَعْطَى أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بِهَذَا الشَّرْطِ. فَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: لَا يُسْهَمُ لِهَذَا الْفَرَسِ، وَلَا شَيْءَ لِصَاحِبِهِ عَلَى مَنْ أَخَذَهُ مِنْهُ. لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَارِسٌ عِنْدَ الِانْفِصَالِ بِالْفَرَسِ الْآخَرِ، دُونَ هَذَا الْفَرَسِ. وَأَمَّا فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فَلِلَّذِي قَاتَلَ عَلَى الْفَرَسِ سَهْمُ فَرَسَيْنِ؛ لِأَنَّهُ انْفَصَلَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ وَمَعَهُ فَرَسَانِ، فَيَكُونُ لِصَاحِبِ الْفَرَسِ عَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِهِ، بِاعْتِبَارِ الشَّرْطِ الَّذِي جَرَى بَيْنَهُمَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.\n١٧٩٨ - وَإِذَا أَوْدَعَ الْمُسْلِمُ فَرَسَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا، ثُمَّ خَرَجَ رَاجِلًا فِي سَرِيَّةٍ فَأَصَابُوا غَنَائِمَ وَرَجَعُوا إلَى الْعَسْكَرِ، أَوْ خَرَجُوا مِنْ جَانِبٍ آخَرَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَصَاحِبُ الْفَرَسِ فَارِسٌ فِي ذَلِكَ فِي الْوَجْهَيْنِ.","vol":"1","page":975},{"text":"لِأَنَّ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِ سَهْمِ الْفَرَسِ قَدْ انْعَقَدَ لَهُ، ثُمَّ يَبْطُلُ ذَلِكَ بِإِيدَاعِهِ إيَّاهُ مِنْ رَجُلٍ مَعَهُ فِي الْمُعَسْكَرِ لِبَقَاءِ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْأَخْذِ بَعْدَ الْإِيدَاعِ، وَقَدْ قَرَّرَنَا هَذَا فِي الْإِعَارَةِ. فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ تَرَكَهُ مَعَ غُلَامِهِ فِي الْمُعَسْكَرِ. فَكَمَا لَا يَبْطُلُ هُنَاكَ سَهْمُهُ لَا يَبْطُلُ هَاهُنَا. أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَدُوَّ لَوْ حَضَرُوا الْعَسْكَرَ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ رَاجِلًا وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى فَرَسِهِ، وَلَكِنْ تَرَكَهُ إبْقَاءً عَلَيْهِ. كَانَ لَهُ سَهْمُ الْفَرَسِ؟ فَكَذَلِكَ إذَا خَرَجَ فِي سَرِيَّةٍ وَتَرَكَهُ فِي الْمُعَسْكَرِ عِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِهِ لِيَقُومَ عَلَيْهِ وَيُسَمِّنَهُ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى ذَلِكَ أَوْ غَيْرُ مُحْتَاجٍ.\n١٧٩٩ - وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ نَفَلَ لِلْفُرْسَانِ مِنْ السَّرِيَّةِ نَفْلًا فَلَيْسَ لِهَذَا الرَّجُلِ مِنْ النَّفْلِ شَيْءٌ. لِأَنَّهُ قَصَدَ بِالتَّنْفِيلِ تَحْرِيضَهُمْ عَلَى إخْرَاجِ الْأَفْرَاسِ مَعَهُمْ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي وَجْهُهُمْ إلَيْهِ. فَمَنْ تَرَكَ فَرَسَهُ فِي الْمُعَسْكَرِ لَا يَدْخُلُ فِي هَذَا التَّنْفِيلِ، حَتَّى لَوْ خَرَجَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ رَجَّالَةً وَتَرَكُوا الْأَفْرَاسَ فِي الْمُعَسْكَرِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ نَفْلِ الْفُرْسَانِ شَيْءٌ لِهَذَا الْمَعْنَى.\n١٨٠٠ - وَلَوْ مَرَّ عَسْكَرُ الْمُسْلِمِينَ بِحِصْنٍ مِنْ حُصُونِهِمْ مُمْتَنِعِينَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَأَوْدَعَ مُسْلِمٌ فَرَسَهُ مِنْ رَجُلٍ كَانَ سَاكِنًا فِي الْحِصْنِ مُسْلِمًا مُسْتَأْمَنًا أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ أَسِيرًا أَوْ حَرْبِيًّا، بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ، ثُمَّ قَاتَلَ رَاجِلًا وَهُوَ بِالْقُرْبِ مِنْ بَابِ الْحِصْنِ أَوْ بِالْبُعْدِ مِنْهُ، فَلَيْسَ لَهُ فِيمَا يُصَابُ إلَّا سَهْمُ رَاجِلٍ.","vol":"1","page":976},{"text":"لِأَنَّهُ صَارَ مُضَيِّعًا فَرَسَهُ حِينَ جَعَلَهُ فِي مَنَعَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اسْتَهْلَكَ فَرَسَهُ، وَهَذَا لِأَنَّهُ أَزَالَ تَمَكُّنَهُ مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ بِاخْتِيَارِهِ. فَإِنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ إذَا مَنَعُوهُ مِنْهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إثْبَاتِ يَدِهِ عَلَى الْفَرَسِ بِقُوَّتِهِ، وَلَا بِقُوَّةِ الْإِمَامِ، إذْ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى مَنْ هُوَ فِي مَنَعَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ. فَهُنَاكَ إنَّمَا جُعِلَ الْفَرَسُ فِي يَدِ مُسْلِمٍ مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ، وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الِاسْتِرْدَادِ مِنْهُ مَتَى شَاءَ، فَلَا يَزُولُ بِهِ تَمَكُّنُهُ مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ.\n١٨٠١ - فَإِنْ رَجَعَ إلَيْهِمْ بَعْدَ إصَابَةِ الْغَنَائِمِ وَأَخْذِ فَرَسِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهَا إلَّا سَهْمُ رَاجِلٍ، سَوَاءٌ لَقُوا قِتَالًا بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَلْقَوْا. أَمَّا إذَا لَمْ يَلْقَوْا قِتَالًا فَلَا إشْكَالَ، وَحَالُهُ كَحَالِ مَنْ بَاعَ فَرَسَهُ ثُمَّ اشْتَرَى فَرَسًا بَعْدَ إصَابَةِ الْغَنِيمَةِ. وَأَمَّا إذَا لَقُوا قِتَالًا فَلِأَنَّ لَهُ فِي الْمُصَابِ سَهْمُ رَاجِلٍ. وَإِنَّمَا قَاتَلَ دَفْعًا عَنْ ذَلِكَ، فَلَا يَزْدَادُ بِهِ سَهْمُهُ.\n١٨٠٢ - وَكَذَلِكَ لَوْ دَخَلَ مَدِينَةً مِنْ مَدَائِنِهِمْ بِأَمَانٍ مَعَ فَرَسِهِ، فَأَصَابُوا غَنَائِمَ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْمُعَسْكَرِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَا نَصِيبَ لَهُ فِي تِلْكَ الْغَنِيمَةِ. لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُقَاتِلًا حِينَ دَخَلَ فِي مَنَعَتِهِمْ بِأَمَانٍ، فَلَا يَكُونُ هُوَ مِمَّنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ (ص ٣٢٥) حَقِيقَةً لَا حُكْمًا. وَلَكِنْ: حَالُهُ كَحَالِ مَنْ كَانَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مُسْتَأْمَنًا فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ، فَخَرَجَ وَالْتَحَقَ بِالْعَسْكَرِ، فَلَا شَرِكَةَ لَهُ فِيمَا أُصِيبَ قَبْلَ ذَلِكَ، إلَّا أَنَّ هَاهُنَا","vol":"1","page":977},{"text":"إنْ لَقِيَ الْمُسْلِمُونَ قِتَالًا فَقَاتَلَ مَعَهُمْ دَفْعًا كَانَ لَهُ سَهْمُ الْفَارِسِ فِيمَا أُصِيبَ قَبْلَ ذَلِكَ. لِأَنَّهُ مَا كَانَ مُسْتَحِقًّا لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْمُصَابِ حَتَّى يَكُونَ قِتَالُهُ دَفْعًا عَنْ ذَلِكَ، فَيَثْبُتُ الْحَقُّ لَهُ بِهَذَا الْقِتَالِ، وَإِنَّمَا الْتَحَقَ بِهِمْ فَارِسًا فَيَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ.\n١٨٠٣ - وَلَوْ كَانَ أُسِرَ عَلَى فَرَسِهِ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، كَانَ لَهُ سَهْمُ الْفَارِسِ، سَوَاءٌ الْتَحَقَ بِهِمْ فَارِسًا أَوْ رَاجِلًا. لِأَنَّهُ انْعَقَدَ لَهُ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ مَعَهُمْ بِدُخُولِ دَارِ الْحَرْبِ لِلْقِتَالِ، ثُمَّ لَمْ يَعْتَرِضْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يُبْطِلُهُ، فَإِنَّهُ أُسِرَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَلَمْ يَخْرُجْ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُحَارِبًا. أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ قَتْلُهُمْ وَأَخْذُ أَمْوَالِهِمْ إنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَهُنَاكَ تَرَكَ الْقِتَالَ مَعَهُمْ بِاخْتِيَارِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ قَتْلُهُمْ وَلَا أَخْذُ أَمْوَالِهِمْ مَا دَامَ مُسْتَأْمَنًا فِيهِمْ.\n١٨٠٤ - وَلَوْ كَانَ الْأَمِيرُ بَعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولًا فِي بَعْضِ حَوَائِجِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا دَخَلَ الرَّسُولُ إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ أَصَابَ الْمُسْلِمُونَ غَنَائِمَ بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ خَرَجَ الرَّسُولُ، فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ مَعَهُمْ إنْ كَانَ فَارِسًا، سَوَاءٌ خَرَجَ إلَيْهِمْ فَارِسًا أَوْ رَاجِلًا. لِأَنَّ الرَّسُولَ لَمْ يَتْرُكْ الْمُحَارَبَةَ مَعَهُمْ، وَإِنَّمَا أَتَاهُمْ لِيُدَبِّرَ أَمْرَ الْحَرْبِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَكُونُ فِي الْمُعَسْكَرِ، بِخِلَافِ الْمُسْتَأْمَنِ إلَيْهِمْ لِحَاجَةِ نَفْسِهِ.","vol":"1","page":978},{"text":"أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّسُولَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ يَكُونُ آمِنًا مِنْ غَيْرِ اسْتِئْمَانٍ لِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَعْنَى؟ وَلِأَنَّ الرَّسُولَ إنَّمَا أَتَاهُمْ لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَمَنْ يَكُونُ سَاعِيًا فِيمَا تَرْجِعُ مَنْفَعَتُهُ إلَى الْمُسْلِمِينَ لَا يَكُونُ مُفَارِقًا لَهُمْ حُكْمًا، وَالْمُسْتَأْمَنُ مَا أَتَاهُمْ لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ بَلْ لِمَنْفَعَةٍ لَهُ خَاصَّةً، فَيَصِيرُ بِهِ مُفَارِقًا لِلْعَسْكَرِ حُكْمًا. الْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ مَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَسْهَمَ لِطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ مِنْ غَنَائِمِ بَدْرٍ. وَقَدْ كَانَ وَجَّهَهُ إلَى نَاحِيَةِ الشَّامِ لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَكُنْ حَاضِرًا عِنْدَ الْقِتَالِ» . وَرُوِيَ «أَنَّهُ بَعَثَ مُحَيِّصَةَ الْأَنْصَارِيَّ إلَى أَهْلِ فَدَكَ، وَهُوَ مُحَاصِرٌ خَيْبَرَ، فَفَتَحَهَا وَهُوَ غَائِبٌ، ثُمَّ جَاءَ فَضُرِبَ لَهُ سَهْمٌ» . فَعَرَفْنَا أَنَّ مَنْ كَانَ سَعْيُهُ فِي تَوْفِيرِ الْمَنْفَعَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَهُوَ فِي الْحُكْمِ كَأَنَّهُ مَعَهُمْ.\n١٨٠٥ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ دَخَلَا يُرِيدَانِ الْقِتَالَ فَقَاتَلَا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمْ يُصِيبُوا شَيْئًا حَتَّى اسْتَأْمَنَا إلَى الْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ رَجَعَا إلَى الْعَسْكَرِ، بِآخَرَيْنِ لَا يُرِيدَانِ قِتَالًا، فَأَصَابَ الْمُسْلِمُونَ غَنَائِمَ، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهَا شَيْءٌ. لِأَنَّهُمَا حِينَ اسْتَأْمَنَا إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ فَقَدْ تَرَكَا الْمُحَارَبَةَ مَعَهُمْ، وَيَكُونُ حَالُهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ كَحَالِ مَنْ كَانَ تَاجِرًا فِيهِمْ بِأَمَانٍ وَالْتَحَقَ بِالْعَسْكَرِ عَلَى قَصْدِ","vol":"1","page":979},{"text":"الْقِتَالِ. وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِيمَا إذَا رَجَعْنَا إلَى الْعَسْكَرِ لَا عَلَى قَصْدِ الْقِتَالِ ثَبَتَ فِيمَا إذَا كَانَا مُسْتَأْمَنَيْنِ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا لَوْ لَمْ يَسْتَأْمِنَا إلَيْهِمْ وَلَكِنَّهُمَا تَرَكَا الْقِتَالَ وَاشْتَغَلَا بِالتِّجَارَةِ فِي الْمُعَسْكَرِ، وَتَبَيَّنَ ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَصَابَ الْمُسْلِمُونَ الْغَنَائِمَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا شَرِكَةٌ فِيهَا. فَبَعْدَ الِاسْتِئْمَانِ إلَيْهِمْ أَحْرَى أَنْ لَا يَكُونَ لَهُمَا شَرِكَةٌ.\n١٨٠٦ - وَلَوْ دَخَلَ مُسْلِمٌ فَارِسًا مَعَ الْجَيْشِ وَلَيْسَ لَهُ اسْمٌ فِي الدِّيوَانِ، فَلَمَّا أَصَابُوا غَنَائِمَ قَالَ: دَخَلْت لِلْقِتَالِ مُتَطَوِّعًا. وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: دَخَلْت تَاجِرًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ. لِأَنَّ الْمُسْلِمَ مُحَارِبٌ لِلْمُشْرِكِينَ فِي الْأَصْلِ. فَإِنَّ مُخَالَفَتَهُ إيَّاهُمْ فِي الدِّينِ وَالدَّارِ تَحْمِلُهُ عَلَى الْمُحَارَبَةِ مَعَهُمْ، فَمَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ خِلَافُ ذَلِكَ يَكُونُ هُوَ مُحَارِبًا، وَالْمُسْلِمُونَ بِقَوْلِهِمْ: دَخَلْت تَاجِرًا عَلَيْهِ سَبَبُ الْحِرْمَانِ، وَهُوَ مُنْكِرٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ. (ص ٣٢٦) .\n١٨٠٧ - وَإِنْ كَانَ الدَّاخِلُ ذِمِّيًّا أَوْ عَبْدًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ امْرَأَةً وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَلَا شَيْءَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ، مَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ دَخَلَ لِلْقِتَالِ، وَأَنَّ الْمَرْأَةَ دَخَلَتْ لِمُدَاوَاةِ الْجَرْحَى. لِأَنَّ هَؤُلَاءِ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ غَيْرُ مُقَاتِلِينَ. فَلَيْسَ لِلْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ بَيِّنَةٌ صَالِحَةٌ لِلْمُحَارَبَةِ. وَالْعَبْدُ مَحْجُورٌ عَنْ الْقِتَالِ لِحَقِّ مَوْلَاهُ. وَالذِّمِّيُّ مُوَافِقٌ لَهُمْ فِي الِاعْتِقَادِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُهُ مِنْ الْمُحَارَبَةِ مَعَهُمْ. فَمَا لَمْ يُعْلَمْ بِالْحُجَّةِ قَصْدُهُمْ إلَى الْمُحَارَبَةِ أَوْ مُبَاشَرَةِ الْمُحَارَبَةِ لَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْمُصَابِ شَيْءٌ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ.\n١٨٠٨ - وَالدَّلِيلُ عَلَى الْفَرْقِ أَنَّ مَنْ لَا يُعْلَمُ حَالُهُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ","vol":"1","page":980},{"text":"إذَا كَانَ رَجُلًا بَالِغًا يُبَاحُ قَتْلُهُ. وَإِنَّمَا يُبَاحُ لِكَوْنِهِ مُحَارَبًا، وَمَنْ كَانَ صَبِيًّا مِنْهُمْ أَوْ امْرَأَةً لَا يُبَاحُ قَتْلُهُ مَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مُبَاشَرَةُ الْقِتَالِ. يُوَضِّحُهُ أَنَّ مَنْ كَانَ مُقَاتِلًا فِي الْأَصْلِ يَسْتَحِقُّ السَّهْمَ، وَهَؤُلَاءِ لَا يَسْتَحِقُّونَ السَّهْمَ، إلَّا الرَّضْخَ. وَإِنْ قَاتَلُوا فَعَرَفْنَا أَنَّهُمْ لَيْسُوا مُقَاتِلِينَ فِي الْأَصْلِ.\n١٨٠٩ - وَلَوْ أَنَّ فَارِسًا فِي دَارِ الْحَرْبِ أَعَارَ فَرَسَهُ بَعْضَ التُّجَّارِ، أَوْ رَسُولًا أَرْسَلَهُ الْأَمِيرُ إلَى الْخَلِيفَةِ، فَرَكِبَ الْمُسْتَعِيرُ وَانْطَلَقَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَأَصَابَ أَهْلُ الْعَسْكَرِ غَنَائِمَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَعِيرُ خَرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ إصَابَةِ تِلْكَ الْغَنَائِمِ فَلَيْسَ لِلْمُعِيرِ فِيهَا إلَّا سَهْمُ رَاجِلٍ. لِأَنَّهُ جَعَلَ فَرَسَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ بِاخْتِيَارِهِ، فَيَزُولُ بِهِ تَمَكُّنُهُ مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، وَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ هُوَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَارِسًا بِفَرَسٍ لَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ رَدَّ الْفَرَسَ مَعَ غُلَامِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَأَتَى بِهِ أَهْلَهُ لَمْ يَكُنْ هُوَ فَارِسًا بِهِ، فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ.\n١٨١٠ - وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَعِيرُ لَمْ يَخْرُجْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ فَارِسٌ فِيمَا أُصِيبَ.","vol":"1","page":981},{"text":"لِأَنَّ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِ سَهْمِ الْفَرَسِ قَدْ انْعَقَدَ لَهُ بِالِانْفِصَالِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ عَلَى قَصْدِ الْقِتَالِ عَلَيْهِ، فَمَا بَقِيَ فَرَسُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ يَبْقَى ذَلِكَ الِاسْتِحْقَاقُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ حَقِيقَةً لِبُعْدِهِ مِنْهُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَعَارَهُ فِي الْمُعَسْكَرِ ثُمَّ خَرَجَ فِي سَرِيَّةٍ رَاجِلًا وَبَعُدَ مِنْ الْمُعَسْكَرِ كَانَ لَهُ سَهْمُ الْفَارِسِ فِي الْمُصَابِ؟ وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ. فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ. أَرَأَيْت لَوْ بَدَا لِلْمُسْتَعِيرِ فَرَجَعَ إلَى الْعَسْكَرِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. فَرُدَّ الْفَرَسُ عَلَيْهِ، أَمَا كَانَ لَهُ سَهْمُ الْفُرْسَانِ فِيمَا أُصِيبَ قَبْلَ رُجُوعِهِ؟ وَهُوَ فَارِسٌ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ؟ وَهَذَا لِأَنَّ دَارَ الْحَرْبِ فِي حُكْمِ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فِيمَا يَبْتَنِي عَلَيْهِ اسْتِحْقَاقُ الْغَنِيمَةِ. وَلِهَذَا يُشَارِكُ الْمَدَدُ الْجَيْشَ وَالْعَسْكَرُ أَصْحَابَ السَّرِيَّةِ فِي الْمُصَابِ إذَا الْتَقَوْا فِي دَارِ الْحَرْبِ. فَهَاهُنَا مَا دَامَ فَرَسُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ يُجْعَلُ فِي الْحُكْمِ كَأَنَّهُ حَاضِرٌ مَعَهُ، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ إخْرَاجِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ نَظِيرُ الْمَسْجِدِ فِي حُكْمِ صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ بِالْإِمَامِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الصُّفُوفُ مُتَّصِلَةً مَعَ الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ خَارِجُ الْمَسْجِدِ.\n١٨١١ - وَلَوْ عَادَ الْمُسْتَعِيرُ بِالْفَرَسِ إلَى الْمُعَسْكَرِ بَعْدَ مَا خَرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَلِلْمُعِيرِ سَهْمُ الْفَارِسِ فِيمَا أُصِيبَ بَعْدَ دُخُولِ الْمُسْتَعِيرِ دَارَ الْحَرْبِ، كَمَا أَنَّ لَهُ سَهْمُ الْفَارِسِ فِيمَا أُصِيبَ قَبْلَ خُرُوجِ الْمُسْتَعِيرِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ. وَأَمَّا فِيمَا أُصِيبَ بَعْدَ خُرُوجِ الْمُسْتَعِيرِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَهُ سَهْمُ الرَّجَّالَةِ خَاصَّةً. لِلْمَعْنَى الَّذِي بَيَّنَّا.","vol":"1","page":982},{"text":"فَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ مَتَى كَانَتْ الْإِصَابَةُ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْفَرَسَ وَصَلَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَيْسَ لِلْمُعِيرِ إلَّا سَهْمُ الرَّاجِلِ. لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ كُلَّ جُزْءٍ فِيهِ احْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ إصَابَتُهُ بَعْدَ مَا حَصَّلَ الْفَرَسَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَلَا يُعْطَى إلَّا قَدْرَ الْمُتَيَقَّنِ بِهِ.\n١٨١٢ - وَإِنْ قَالَ صَاحِبُ الْفَرَسِ: لَمْ يَخْرُجْ الْفَرَسُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ. وَصَدَّقَهُ الْمُسْتَعِيرُ (ص ٣٢٧) فِي ذَلِكَ أَوْ كَذَّبَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ. لِأَنَّ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِهِ مَعْلُومٌ، وَمَا يُبْطِلُهُ وَهُوَ حُصُولُ الْفَرَسِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ غَيْرُ مَعْلُومٍ، بَلْ هُوَ مُنْكِرٌ. لِذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَكَمَا لَا يُصَدَّقُ صَاحِبُ الْمَقَاسِمِ عَلَيْهِ فِيمَا يُبْطِلُ حَقَّهُ لَا يُصَدَّقُ الْمُسْتَعِيرُ إذَا كَذَّبَهُ، لِأَنَّ قَوْلَ الْمُسْتَعِيرِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْفَرَسُ عِنْدَهُ، وَبِدُونِ الْحُجَّةِ لَا يَثْبُتُ سَبَبُ الْحِرْمَانِ. وَأَمَّا الْمُسْتَعِيرُ فَهُوَ يَكُونُ فَارِسًا بِهَذَا الْفَرَسِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْغَنَائِمِ سَوَاءٌ حَصَلَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ لَمْ يَحْصُلْ. لِأَنَّهُ اسْتِعَارَةٌ لِلرُّكُوبِ لَا لِلْقِتَالِ عَلَيْهِ، فَلَا يَكُونُ هُوَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ أَصْلًا.\n١٨١٣ - وَلَوْ كَانَ الْفَرَسُ نَفَقَ فِي يَدِ الْمُسْتَعِيرِ، فَإِذَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَالْمُعِيرُ فَارِسٌ فِي الْغَنَائِمِ كُلِّهَا. لِأَنَّ مَوْتَهُ فِي يَدِ الْمُسْتَعِيرِ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَمَوْتِهِ فِي يَدِ الْمُعِيرِ، فَإِنَّ بِالْإِعَارَةِ لَا يَصِيرُ مُبْطِلًا اسْتِحْقَاقَهُ بِالْفَرَسِ.","vol":"1","page":983},{"text":"١٨١٤ - وَإِنْ كَانَ نَفَقَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ فَارِسٌ فِي كُلِّ غَنِيمَةٍ أُصِيبَتْ قَبْلَ إخْرَاجِ الْفَرَسِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. لِأَنَّ حُصُولَ الْفَرَسِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ بِاخْتِيَارِهِ مَانِعٌ مِنْ اسْتِحْقَاقِهِ السَّهْمَ بِهِ، غَيْرُ مُبْطِلٍ لِمَا اسْتَحَقَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ. فَإِنَّمَا يَكُونُ هُوَ رَاجِلًا فِيمَا يُصَابُ بَعْدَ خُرُوجِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.\n١٨١٥ - وَإِنْ كَانَ نَفَقَ بَعْدَ مَا رَدَّهُ الْمُسْتَعِيرُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَهُوَ فَارِسٌ فِيمَا يُصَابُ بَعْدَ مَا رَدَّهُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ. لِزَوَالِ الْمَانِعِ. وَمَوْتُ الْفَرَسِ فِي يَدِ الْمُسْتَعِيرِ كَمَوْتِهِ فِي يَدِ الْمُعِيرِ. وَلَوْ مَاتَ بَعْدَ مَا سَلَّمَهُ إلَى الْمُعِيرِ كَانَ هُوَ فَارِسًا، إلَّا فِيمَا أُصِيبَ حَالَ كَوْنِ الْفَرَسِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَهَذَا مِثْلُهُ.\n١٨١٦ - وَأَمَّا بَيَانُ سَهْمِ الْمُسْتَعِيرِ فَنَقُولُ: إنْ بَعَثَ رَسُولًا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَهُ السَّهْمُ فِيمَا أُصِيبَ قَبْلَ خُرُوجِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، عَادَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ أَوْ لَمْ يَعُدْ. لِأَنَّهُ وَإِنْ بَعُدَ مِنْ الْعَسْكَرِ فَهُوَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَإِنَّمَا ذَهَبَ لِمَنْفَعَةِ الْعَسْكَرِ فَيُجْعَلُ فِي الْحُكْمِ كَأَنَّهُ مَعَهُمْ، سَوَاءٌ عَادَ إلَيْهِمْ أَوْ لَمْ يَعُدْ.\n١٨١٧ - وَمَا أُصِيبَ بَعْدَ مَا دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ عَادَ هُوَ إلَى","vol":"1","page":984},{"text":"دَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ أَنْ يَقْتَسِمُوا أَوْ يَبِيعُوا فَهُوَ شَرِيكُهُمْ فِيهَا، بِمَنْزِلَةِ الْمَدَدِ، وَإِنْ لَمْ يَعُدْ أَوْ عَادَ بَعْدَ مَا اقْتَسَمُوهَا أَوْ بَاعُوهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِكَةٌ فِيهَا. لِأَنَّهُ بَعْدَ مَا حَصَلَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ الْتَحَقَ هُوَ بِمَنْ لَمْ يَدْخُلْ دَارَ الْحَرْبِ قَبْلَ هَذَا فِي الشَّرِكَةِ فِيمَا يُصَابُ، وَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ الشَّرِكَةُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ عِنْدَ امْرَأَتِهِ وَوَلَدِهِ فِي مَنْزِلِهِ حَيْثُ أُصِيبَ ذَلِكَ؟\n١٨١٨ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَسُولًا فَلَهُ سَهْمُهُ فِيمَا أُصِيبَ حَالَ كَوْنِهِ مَعَ الْجَيْشِ أَوْ بِالْقُرْبِ مِنْهُمْ، عَلَى وَجْهٍ يُمَكِّنُهُ أَنْ يُغِيثَهُمْ لَوْ احْتَاجُوا إلَيْهِ. فَأَمَّا مَا أُصِيبَ بَعْدَ مَا بَعُدَ مِنْهُمْ أَوْ بَعْدَ مَا خَرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَا سَهْمَ لَهُ فِي ذَلِكَ إذَا لَمْ يَعُدْ إلَيْهِمْ. لِأَنَّهُ فَارَقَهُمْ لَا لِمَنْفَعَةٍ تَرْجِعُ إلَيْهِمْ فَيَخْرُجُ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا لِلْوَقْعَةِ مَعَهُمْ حُكْمًا. كَمَا لَوْ اشْتَغَلَ بِالتِّجَارَةِ وَتَرَكَ الْقِتَالَ. إلَّا أَنْ يَعُودَ إلَيْهِمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ. فَحِينَئِذٍ يَكُونُ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَدَدِ يُشَارِكُهُمْ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ. وَهَكَذَا كَانَ الْقِيَاسُ فِي الرَّسُولِ، وَلَكِنَّا اسْتَحْسَنَّا بِاعْتِبَارِ أَنَّ الرَّسُولَ إنَّمَا بَعُدَ عَنْهُمْ فِي أَمْرٍ تَرْجِعُ مَنْفَعَتُهُ إلَيْهِمْ، وَهُوَ نَظِيرُ الِاسْتِحْسَانِ الَّذِي قُلْنَا","vol":"1","page":985},{"text":"فِيمَا إذَا دَخَلَ مَنَعَةَ أَهْلِ الْحَرْبِ رَسُولًا أَوْ مُسْتَأْمَنًا إلَيْهِمْ لِحَاجَةِ نَفْسِهِ، فَالْفَرْقُ الَّذِي ذَكَرْنَا هُنَاكَ هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ هَا هُنَا.\n١٨١٩ - وَلَوْ أَوْدَعَ الْغَازِي فَرَسَهُ بَعْضَ مَنْ فِي مَنَعَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ يَصِيرُ مُضَيِّعًا فَرَسَهُ بِمَا صَنَعَ، فَلَا يُضْرَبُ لَهُ فِيمَا يُصَابُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا بِسَهْمِ رَاجِلٍ. كَمَا لَوْ بَاعَ (ص ٣٢٨) فَرَسَهُ وَإِنْ غَنِمَ الْمُسْلِمُونَ فَرَسَهُ فَرَدُّوهُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، أَوْ بَاعَهُ الْإِمَامُ فَأَخَذَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، ثُمَّ غَنِمُوا غَنَائِمَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ فَارِسٌ فِيمَا أُصِيبَ بَعْدَ عَوْدِ الْفَرَسِ إلَيْهِ، رَاجِلٌ فِيمَا أُصِيبَ قَبْلَ ذَلِكَ. بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اشْتَرَى فَرَسًا ابْتِدَاءً. لِأَنَّهُ بِمَا صَنَعَ فِي الِابْتِدَاءِ صَارَ مُبْطِلًا اسْتِحْقَاقَهُ حِينَ أَزَالَ تَمَكُّنَهُ مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ، فَمَا لَمْ يَعُدْ الْفَرَسُ إلَى يَدِهِ لَا يَعُودُ تَمَكُّنُهُ مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ.\n١٨٢٠ - وَلَوْ كَانَ لَمْ يُودِعْ الْفَرَسَ أَحَدًا وَلَكِنَّهُ غَنِمَهُ الْمُشْرِكُونَ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَهُوَ فَارِسٌ فِيمَا يُصَابَ بَعْدَ ذَلِكَ. لِأَنَّهُ مَا زَالَ تَمَكُّنُهُ بِاخْتِيَارِهِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ نَفَقَ الْفَرَسُ فِي يَدِهِ.\n١٨٢١ - وَكَذَلِكَ إنْ أَبَى أَنْ يَأْخُذَهُ بِالثَّمَنِ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ، فَهُوَ فَارِسٌ حُكْمًا فِيمَا يُصَابُ بَعْدَ ذَلِكَ. لِأَنَّهُ لَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلَّا بِالثَّمَنِ، وَهُوَ غَيْرُ مُجْبَرٍ عَلَى إعْطَاءِ الثَّمَنِ.","vol":"1","page":986},{"text":"بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ نَفَقَ فَرَسُهُ فَلَمْ يَشْتَرِ فَرَسًا آخَرَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْهُ.\n١٨٢٢ - وَلَوْ أَعَارَ فَرَسَهُ مُسْلِمًا لِيَخْرُجَ بِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُسَلِّمَهُ إلَى أَهْلِهِ، فَأَخْرَجَهُ الْمُسْتَعِيرُ، ثُمَّ رَكِبَهُ رَاجِعًا إلَى دَارِ الْحَرْبِ، فَالْمُعَيَّرُ رَاجِلٌ فِي كُلِّ غَنِيمَةٍ أُصِيبَتْ، وَالْمُسْتَعِيرُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ بَعْدَ مَا رَجَعَ إلَيْهِمْ قَبْلَ أَنْ يَعُودَ الْفَرَسُ إلَى يَدِهِ. أَمَّا مَا أُصِيبَ وَالْفَرَسُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَقَدْ بَيَّنَّا الْحُكْمَ فِيهِ. وَأَمَّا فِي الْمُصَابِ بَعْدَ الرُّجُوعِ فَلِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ يَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْفَرَسِ. لِأَنَّهُ مَدَدٌ الْتَحَقَ بِالْجَيْشِ عَلَى فَرَسٍ مَغْصُوبٍ، فَإِنَّهُ بِالرَّدِّ صَارَ غَاصِبًا ضَامِنًا مَا لَمْ يُسَلِّمْهُ إلَى صَاحِبِهِ.\n١٨٢٣ - وَإِذَا كَانَ الْمُسْتَعِيرُ فَارِسًا بِهِ فَالْمُعِير لَا يَكُونُ فَارِسًا بِهِ وَفِيمَا أُصِيبَ بَعْدَ مَا أَخَذَ الْمُعِيرُ فَرَسَهُ فَالْمُسْتَعِيرُ رَاجِلٌ. لِأَنَّ الْفَرَسَ أُخِذَ مِنْهُ بِحَقٍّ مُسْتَحَقٍّ. وَالْمُعِيرُ فَارِسٌ لِأَنَّهُ عَادَ تَمَكُّنُهُ مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى فَرَسًا آخَرَ.\n١٨٢٤ - وَلَوْ لَمْ يَرُدَّهُ الْمُسْتَعِيرُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ حَتَّى ظَهَرَ عَلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَأَحْرَزُوهُ، فَالْمُعِيرُ رَاجِلٌ فِيمَا يُصَابُ بَعْدَ حُصُولِ الْفَرَسِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَبَعْدَ إحْرَازِ أَهْلِ الْحَرْبِ إيَّاهُ.","vol":"1","page":987},{"text":"لِأَنَّهُمْ أَحْرَزُوهُ لِأَنْفُسِهِمْ، فَلَا يَعُودُ تَمَكُّنُهُمْ مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ.\n١٨٢٥ - إلَّا أَنْ يَأْخُذَهُ الْمُسْلِمُونَ فِي الْغَنِيمَةِ فَيَرُدُّوهُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، أَوْ بَعْدَ الْبَيْعِ بِالثَّمَنِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ هُوَ فَارِسًا فِيمَا يُصَابُ بَعْدَ ذَلِكَ. لِأَنَّهُ عَادَ تَمَكُّنُهُ مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهِ. كَمَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَ بِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.\n١٨٢٦ - وَلَوْ كَانَ الْغَازِي خَلَّفَ فَرَسَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَدَخَلَ مَعَ الْجَيْشِ رَاجِلًا، ثُمَّ أَحْرَزَ الْمُشْرِكُونَ فَرَسَهُ بِدَارِهِمْ، ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْفَرَسِ فَرَدُّوهُ عَلَيْهِ فَهُوَ رَاجِلٌ. لِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ انْعَقَدَ لَهُ بِالِانْفِصَالِ وَهُوَ رَاجِلٌ، فَلَا يَتَغَيَّرُ بَعْدَ ذَلِكَ بِوُصُولِ الْفَرَسِ إلَى يَدِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ. كَمَا لَوْ اشْتَرَى فَرَسًا ابْتِدَاءً، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَهُنَاكَ انْعَقَدَ لَهُ السَّبَبُ وَهُوَ فَارِسٌ، ثُمَّ اعْتَرَضَ مَانِعٌ بِاخْتِيَارِهِ فَزَالَ بِهِ تَمَكُّنُهُ مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ، فَإِذَا ارْتَفَعَ ذَلِكَ الْمَانِعُ صَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ.\n١٨٢٧ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّهُ دَخَلَ رَاجِلًا، ثُمَّ كَتَبَ إلَى أَهْلِهِ حَتَّى بَعَثُوا إلَيْهِ فَرَسَهُ، فَهُوَ رَاجِلٌ فِي جَمِيعِ الْغَنَائِمِ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اشْتَرَى فَرَسًا آخَرَ.","vol":"1","page":988},{"text":"وَهَذَا لِأَنَّ التَّمَكُّنَ مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُغَيِّرًا لِمَا انْعَقَدَ مِنْ السَّبَبِ، وَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُقَرَّرًا لَهُ رَافِعًا لِلْمَانِعِ الَّذِي كَانَ يَمْنَعُ ظُهُورَ الْحُكْمِ بَعْدَ انْعِقَادِ السَّبَبِ.\n١٨٢٨ - وَلَوْ كَانَ دَخَلَ فَارِسًا ثُمَّ رَدَّ فَرَسَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَاشْتَرَى فَرَسًا آخَرَ فَلَهُ سَهْمُ الْفُرْسَانِ (ص ٣٢٩) فِي جَمِيعِ الْغَنَائِمِ. لِأَنَّهُ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ بَعْدَ مَا انْعَقَدَ لَهُ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ.\n١٨٢٩ - وَإِنْ وَقَعَتْ الْمُنَازَعَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِ الْمَقَاسِمِ فَقَالَ هُوَ: مَا وَصَلَ فَرَسِي إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ حَتَّى اشْتَرَيْتُ هَذَا الْفَرَسَ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمَقَاسِمِ: لَا أَدْرِي لَعَلَّهُ كَانَ وَصَلَ فَرَسُك إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ تَشْتَرِيَ هَذَا الْفَرَسَ فَأَصَبْنَا غَنَائِمَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَازِي مَعَ يَمِينِهِ. لِأَنَّهُ مَا لَمْ يَصِلُ فَرَسُهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يَصِيرُ هُوَ فِي حُكْمِ الرَّاجِلِ.\n١٨٣٠ - وَصَاحِبُ الْمَقَاسِمِ يَدَّعِي عَلَيْهِ شَيْئًا يَصِيرُ بِهِ فِي حُكْمِ الرَّاجِلِ، وَهُوَ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ بَاعَ فَرَسَهُ وَاشْتَرَى فَرَسًا ثُمَّ قَالَ: اشْتَرَيْتُ هَذَا الْفَرَسَ قَبْلَ أَنْ أَبِيعَ فَرَسِي، أَوْ بَادَلْتُ بِفَرَسِي هَذَا الْفَرَسَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ. لِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ بِكَوْنِهِ رَاجِلًا فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَحْوَالِ، فَهُوَ مُنْكِرٌ مَا يُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ سَبَبِ الْحِرْمَانِ.","vol":"1","page":989},{"text":"وَلَوْ دَخَلَ مَعَ الْعَسْكَرِ رَاجِلًا فَأَصَابُوا غَنَائِمَ ثُمَّ رَجَعَ وَحْدَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَرَكِبَ فَرَسَهُ وَكَرَّ إلَى الْعَسْكَرِ رَاجِعًا فَهُوَ فَارِسٌ فِي جَمِيعِ مَا أُصِيبَ، إلَّا فِي غَنِيمَةٍ أُصِيبَتْ قَبْلَ خُرُوجِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ رَاجِلٌ فِي تِلْكَ الْغَنِيمَةِ. لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ سَهْمَ الرَّجَّالَةِ فِي تِلْكَ الْغَنِيمَةِ بِالدُّخُولِ الْأَوَّلِ فَلَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ بِالدُّخُولِ الثَّانِي. وَإِنْ صَارَ هُوَ مَدَدًا لِلْجَيْشِ مُلْتَحِقًا بِهِمْ. لِأَنَّ الْتِحَاقَ الْمَدَدِ بِالْجَيْشِ لَا يَكُونُ أَقْوَى مِنْ الْقِتَالِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَنْ لَهُ سَهْمُ الرَّجَّالَةِ فِي غَنِيمَةٍ فَقَاتَلَ عَلَيْهَا فَارِسًا لَا يَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ.\n١٨٣٢ - وَإِذَا قَاتَلَ فَارِسًا عَنْ غَنِيمَةٍ لَا حَقَّ لَهُ فِيهَا اسْتَحَقَّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ، فَكَذَلِكَ حُكْمُ الْتِحَاقِهِ بِالْجَيْشِ. فَإِنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيمَا أُصِيبَ بَعْدَ خُرُوجِهِ، فَيَسْتَحِقُّ بِهَذَا الِالْتِحَاقِ سَهْمَ الْفُرْسَانِ فِي ذَلِكَ، وَفِيمَا أُصِيبَ قَبْلَ الْخُرُوجِ كَانَ لَهُ سَهْمُ الرَّجَّالَةِ، فَلَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ. وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ قَالَ:\n١٨٣٣ - لَوْ دَخَلَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَارِسًا فَإِنَّ لِهَذَا الثَّانِي سَهْمُ الْفَارِسِ فِي جَمِيعِ الْغَنَائِمِ. لِأَنَّهُ مَا كَانَ لَهُ حَقٌّ فِيهَا قَبْلَ أَنْ يَلْتَحِقَ بِالْجَيْشِ. فَإِذَا الْتَحَقَ بِهِمْ فَارِسًا","vol":"1","page":990},{"text":"اسْتَحَقَّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا قَرَّرْنَا، وَهَذَا لِأَنَّ الْأَوَّلَ عَادَ لِيُحْرِزَ مَا هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ، وَالثَّانِي جَاءَ لِيُحْرِزَ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ شَرِكَةٌ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ هُوَ شَرِيكًا الْآنَ ابْتِدَاءً، فَيُرَاعَى فِي صِفَةِ الشَّرِكَةِ حَالُهُ الْآنَ.\n١٨٣٤ - وَلَوْ أَعَارَ الْغَازِي فَرَسَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ مُسْلِمًا لِيَخْرُجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَيَقْضِيَ حَاجَتَهُ ثُمَّ يَرُدَّهُ إلَيْهِ، فَلَمَّا دَخَلَ الْمُسْتَعِيرُ دَارَ الْإِسْلَامِ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، فَدَفَعَهُ إلَى غَيْرِهِ لِيُبَلِّغَهُ صَاحِبَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ. فَجَاءَ بِهِ الرَّجُلُ فَدَفَعَهُ إلَيْهِ. فَإِنْ كَانَ الَّذِي جَاءَ بِهِ بَعْضُ مَنْ فِي عِيَالِ الْمُسْتَعِيرِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى الَّذِي جَاءَ بِهِ.\nلِأَنَّ يَدَ مَنْ فِي عِيَالِهِ كَيَدِهِ فِي الْحِفْظِ، فَكَذَلِكَ فِي الرَّدِّ.\n١٨٣٥ - وَلَوْ رَدَّ بِنَفْسِهِ كَانَ الْمُعِيرُ فَارِسًا فِي جَمِيعِ الْغَنَائِمِ، إلَّا فِيمَا أُصِيبَ حَالَ كَوْنِ الْفَرَسِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. فَهَذَا مِثْلُهُ.\n١٨٣٦ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ مِنْ عِيَالِ الْمُسْتَعِيرِ فَالْمُعِيرُ رَاجِلٌ فِي كُلِّ مَا أُصِيبَ بَعْدَ خُرُوجِ الْفَرَسِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ إلَى أَنْ يَعُودَ إلَى يَدِهِ. لِأَنَّ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْآنَ غَاصِبٌ لِلْفَرَسِ، فَلَا تَكُونُ يَدُهُ عَلَيْهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَيَدِ الْمُعِيرِ.","vol":"1","page":991},{"text":"أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ نَفَقَ الْفَرَسُ فِي يَدِ الَّذِي جَاءَ بِهِ كَانَ لِلْمُعِيرِ الْخِيَارُ؛ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُسْتَعِيرَ وَلَا يَرْجِعُ هُوَ عَلَى أَحَدٍ بِشَيْءٍ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الَّذِي جَاءَ بِهِ وَيَرْجِعُ هُوَ بِمَا ضَمِنَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ. وَعَلَّلَ فَقَالَ: لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَدِيعَةِ لَهُ فِي يَدِهِ. فَهَذَا تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُسْتَعِيرِ أَنْ يُودِعَ. وَإِذَا فَعَلَهُ صَارَ ضَامِنًا، بِخِلَافِ الْإِعَارَةِ. فَإِنَّ لِلْمُسْتَعِيرِ أَنْ يُعِيرَ فِيمَا لَا يَتَفَاوَتُ النَّاسُ فِي الِانْتِفَاعِ بِهِ. وَقَدْ بَيَّنَّا اخْتِلَافَ الْمَشَايِخِ فِي هَذَا الْفَصْلِ فِي \" شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَقَرَّرْنَا الْفَرْقَ بَيْنَ الْإِعَارَةِ وَالْإِيدَاعِ فِي حَقِّ الْمُسْتَعِيرِ.\n١٨٣٧ - وَأَمَّا الَّذِي جَاءَ بِهِ لِيَرُدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ فَهُوَ رَاجِلٌ فِي جَمِيعِ الْغَنَائِمِ وَإِنْ كَانَ قَصْدُهُ الْقِتَالَ حِينَ دَخَلَ. وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فَارِسًا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ ضَامِنٌ لِلْفَرَسِ كَالْغَاصِبِ وَلَكِنْ قَالَ: هُوَ مَا أَدْخَلَ الْفَرَسَ لِيَغْزُوَ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ أَدْخَلَهُ لِيَرُدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ. وَلِأَنَّ الضَّمَانَ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ عَلَيْهِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ إذَا ضَمِنَهُ، فَكَيْفَ يَصِيرُ هُوَ فَارِسًا بِفَرَسٍ لَوْ لَحِقَهُ فِيهِ ضَمَانٌ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ كَانَ رَاجِلًا مِنْ الْغُزَاةِ إذَا أَوْدَعَهُ رَجُلٌ فَرَسًا فَأَدْخَلَهُ مَعَ نَفْسِهِ دَارَ الْحَرْبِ لَمْ يَكُنْ هُوَ فَارِسًا بِهِ، فَكَذَلِكَ هَذَا.","vol":"1","page":992},{"text":"١٨٣٨ - وَلَوْ كَانَ الْمُسْتَعِيرُ أَعَارَهُ هَذَا الدَّاخِلَ لِيُقَاتِلَ عَلَيْهِ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَالدَّاخِلُ فَارِسٌ فِي كُلِّ غَنِيمَةٍ، إلَّا فِيمَا أُصِيبَ قَبْلَ خُرُوجِ الْفَرَسِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. لِأَنَّ الدَّاخِلَ الْآنَ ضَامِنٌ لِلْفَرَسِ ضَمَانًا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ وَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ فَيَكُونُ هُوَ فِي حُكْمِ الْغَاصِبِ، وَإِنَّمَا دَخَلَ فَارِسًا لِيُقَاتِلَ عَلَى الْفَرَسِ. فَكَانَ يَنْبَغِي عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ فَارِسًا فِي كُلِّ غَنِيمَةٍ، إلَّا أَنَّ فِيمَا أُصِيبَ قَبْلَ حُصُولِ الْفَرَسِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لِلْمُسْتَعِيرِ سَهْمُ الْفَارِسِ بِسَبَبِ هَذَا الْفَرَسِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الْغَاصِبُ فِيهِ سَهْمَ الْفَارِسِ أَيْضًا بِهَذَا الْفَرَسِ، لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَسْتَحِقَّ رَجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السَّهْمَ بِفَرَسٍ وَاحِدٍ.\n١٨٣٩ - وَأَمَّا الْمُسْتَعِيرُ فَلَا شَيْءَ لَهُ فِي الْغَنَائِمِ إلَّا فِيمَا أُصِيبَ قَبْلَ أَنْ يَبْعُدَ هُوَ مِنْ الْعَسْكَرِ، فَإِنَّ لَهُ فِي ذَلِكَ سَهْمَ رَاجِلٍ. لِأَنَّهُ كَانَ دَخَلَ مَعَ الْجَيْشِ رَاجِلًا. وَفِيمَا سِوَى ذَلِكَ لَا حَقَّ لَهُ. لِأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ إلَى الْعَسْكَرِ وَلَمْ يُشَارِكْهُمْ فِي الْإِصَابَةِ وَلَا فِي الْإِحْرَازِ حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا.\n١٨٤٠ - وَلَوْ أَرَادَ الْأَمِيرُ أَنْ يُرْسِلَهُ رَسُولًا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، فَسَأَلَ فَارِسًا أَنْ يُعْطِيَهُ فَرَسَهُ فَفَعَلَ ذَلِكَ صَاحِبُ","vol":"1","page":993},{"text":"الْفَرَسِ طَائِعًا، ثُمَّ أَصَابُوا غَنَائِمَ وَالْفَرَسُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَالْمُعِيرُ رَاجِلٌ فِي تِلْكَ الْغَنَائِمِ؛ رَجَعَ إلَيْهِ فَرَسُهُ أَوْ لَمْ يَرْجِعْ. لِأَنَّهُ أَزَالَ تَمَكُّنَهُ مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ بِاخْتِيَارِهِ.\n١٨٤١ - وَإِنْ أَبَى أَنْ يُعْطِيَهُ الْفَرَسَ وَلَمْ يَجِدْ الْإِمَامُ بُدًّا مِنْ أَنْ يَأْخُذَ الْفَرَسَ مِنْهُ فَيَدْفَعَهُ إلَى الرَّسُولِ لِضَرُورَةٍ جَاءَتْ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ كُرْهًا. لِأَنَّهُ نُصِّبَ نَاظِرًا، وَعِنْدَ الضَّرُورَةِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَالَ الْغَيْرِ بِشَرْطِ الضَّمَانِ كَمَنْ أَصَابَهُ مَخْمَصَةٌ. ثُمَّ الْمُعِيرُ يَكُونُ فَارِسًا فِي جَمِيعِ الْغَنَائِمِ هَا هُنَا. لِأَنَّهُ مَا زَالَ تَمَكُّنُهُ مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْفَرَسِ بِاخْتِيَارِهِ، وَإِنَّمَا أُخِذَ الْفَرَسُ مِنْهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، فَلَا يَصِيرُ هُوَ مُضَيِّعًا لِلْفَرَسِ. بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَخَذَهُ الْمُشْرِكُونَ، بَلْ أَوْلَى. لِأَنَّ هُنَاكَ لَا مَنْفَعَةَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ الْأَخْذِ، وَهَا هُنَا لَهُمْ مَنْفَعَةٌ فِي ذَلِكَ. فَإِذَا لَمْ يَسْقُطْ هُنَاكَ سَهْمُهُ وَإِنْ زَالَ تَمَكُّنُهُ، فَهَا هُنَا أَوْلَى أَنْ لَا يَسْقُطَ سَهْمُهُ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":994},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>[بَابُ مَنْ يُرْضَخُ لَهُ وَمَنْ لَا يُرْضَخُ لَهُ مِنْ الْأَدِلَّاءِ وَغَيْرِهِمْ]</span>\n١٠٤ - بَابُ مَنْ يُرْضَخُ لَهُ وَمَنْ لَا يُرْضَخُ لَهُ مِنْ الْأَدِلَّاءِ وَغَيْرِهِمْ ١٨٤٢ - وَإِذَا دَخَلَ الْعَسْكَرُ دَارَ الْحَرْبِ وَمَعَهُمْ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ يَدُلُّونَهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ وَلَا يُقَاتِلُونَ مَعَهُمْ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَرْضِخَ لَهُمْ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَلَا يُسْهِمَ لَهُمْ كَسِهَامِ الْخَيْلِ. وَلَا كَسِهَامِ الرَّجَّالَةِ، لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُجَاهِدِينَ حُكْمًا، وَلَا مُقَاتِلِينَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ حِسًّا، وَلَكِنَّهُمْ جَاءُوا لِأَمْرٍ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ الدَّلَالَةُ عَلَى الطَّرِيقِ، فَيَرْضِخُ لَهُمْ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ بِحَسَبِ عَمَلِهِمْ، لِيَرْغَبُوا فِي مِثْلِهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ، حَتَّى إذَا كَانَتْ فِي دَلَالَتِهِمْ مَنْفَعَةٌ عَظِيمَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَرْضِخَ لَهُمْ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ سِهَامِ الْفُرْسَانِ وَالرَّجَّالَةِ. لِأَنَّ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِهِمْ هَا هُنَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ السَّبَبِ فِي حَقِّ الْمُقَاتِلِينَ، وَلَكِنَّهُ مَنْفَعَةٌ أُخْرَى، فَإِنَّمَا يَرْضِخُ لَهُمْ بِحَسَبِ مَا يَكُونُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ بِدَلَالَتِهِمْ.\n١٨٤٣ - وَإِنْ كَانَ جَعَلَ لَهُمْ عَلَى (ص ٣٣١) الدَّلَالَةِ نَفْلًا مُسَمًّى مِنْ الْغَنِيمَةِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ أَيْضًا.","vol":"1","page":995},{"text":"لِأَنَّ التَّنْفِيلَ فِي الْأَصْلِ لِلتَّحْرِيضِ عَلَى مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ.\n١٨٤٤ - فَإِنْ أَصَابُوا غَنَائِمَ بَدَأَ بِنَفْلِهِمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ.\nلِأَنَّ النَّفَلَ فِي الْغَنَائِمِ كَالْوَصِيَّةِ فِي التَّرِكَةِ يُبْدَأُ بِهَا قَبْلَ الْمِيرَاثِ.\n١٨٤٥ - وَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا شَيْئًا إلَّا قَدْرَ النَّفْلِ فَذَلِكَ سَالِمٌ لَهُمْ. لِأَنَّهُ مُقَدَّمٌ فِي جَمِيعِ الْغَنِيمَةِ بِمَنْزِلَةِ الدَّيْنِ فِي التَّرِكَةِ.\n١٨٤٦ - وَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا شَيْئًا أَصْلًا فَلَا شَيْءَ لَهُمْ؛ لِانْعِدَامِ حَقِّهِمْ، كَمَا لَا شَيْءَ لِلْغَرِيمِ وَالْمُوصَى لَهُ إذَا لَمْ تُوجَدْ التَّرِكَةُ أَصْلًا.\n١٨٤٧ - فَإِنْ خَرَجُوا فِي غَزَاةٍ أُخْرَى وَسَمَّوْا لَهُمْ أَيْضًا نَفْلًا عَلَى الدَّلَالَةِ، وَأَصَابُوا غَنَائِمَ، أَعْطَوْهُمْ مِنْ ذَلِكَ النَّفْلِ الْآخَرِ دُونَ الْأَوَّلِ.\nلِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُمْ بِالتَّسْمِيَةِ الثَّانِيَةِ، فَأَمَّا الْأُولَى فَقَدْ بَطَلَتْ الْغَنَائِمُ لِانْعِدَامِ مَحَلِّهَا حِينَ رَجَعُوا قَبْلَ أَنْ يُصِيبُوا شَيْئًا.\n١٨٤٨ - إلَّا أَنْ يَكُونُوا شَرَطُوا لَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُمْ مِمَّا يَغْنَمُونَ النَّفَلَ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ، فَحِينَئِذٍ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِذَلِكَ.\nلِأَنَّ فِي هَذَا الشَّرْطِ تَنْصِيصًا عَلَى تَسْمِيَةِ الْكُلِّ، فَيَسْتَحِقُّونَ جَمِيعَ ذَلِكَ بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ. كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ الْأَوَّلُ.\n١٨٤٩ - وَفِيمَا يَسْتَحِقُّهُ الذِّمِّيُّ وَالْحَرْبِيُّ وَالْمُسْتَأْمَنُ بِطَرِيقِ التَّنْفِيلِ","vol":"1","page":996},{"text":"عَلَى الدَّلَالَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَذْهَبَ مَعَهُمْ وَبَيْنَ أَنْ يَدُلَّهُمْ بِخَبَرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَذْهَبَ مَعَهُمْ إذَا وَجَدُوا الْأَمْرَ عَلَى مَا قَالَ.\nلِأَنَّهُ سَمَّى ذَلِكَ عَلَى الدَّلَالَةِ، وَالدَّلَالَةُ بِالْخَبَرِ تَتَحَقَّقُ.\n١٨٥٠ - إلَّا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَذْهَبْ مَعَهُمْ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَهُمْ رَضْخًا وَلَا نَفْلًا مِمَّا أُصِيبَ قَبْلَ دَلَالَتِهِ.\nلِأَنَّهُ لَا نَفْلَ مِمَّا أُصِيبَ مِنْ الْغَنَائِمِ قَبْلَ التَّنْفِيلِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ إعْطَاءُ الْأَجْرِ مِنْ ذَلِكَ، وَبِالدَّلَالَةِ بِالْخَبَرِ مِنْ غَيْرِ ذَهَابٍ لَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ.\n١٨٥١ - فَإِنْ رَضِيَ الْمُسْلِمُونَ بِأَنْ يُعْطِيَهُ ذَلِكَ أَعْطَاهُ مِنْ أَنْصِبَائِهِمْ دُونَ الْخُمُسِ.\nلِأَنَّ رِضَاهُمْ يُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِمْ لَا فِي حَقِّ أَرْبَابِ الْخُمُسِ.\n١٨٥٢ - وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ الْإِمَامُ عَلَى أَنْ يَدُلَّهُ عَلَى مَوْضِعِ كَذَا فَدَلَّهُ بِخَبَرِهِ وَلَمْ يَذْهَبْ مَعَهُ فَلَا أَجْرَ لَهُ.\nلِمَا بَيَّنَّا أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْأَجْرِ بِالْعَمَلِ لَا بِمُجَرَّدِ الْكَلَامِ، وَهُوَ لَمْ يَعْمَلْ لِلْمُسْلِمِينَ شَيْئًا، إنَّمَا أَخْبَرَهُمْ بِخَبَرٍ.\n١٨٥٣ - فَإِنْ أَصَابُوا غَنَائِمَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ فَرَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَرْضِخَ لَهُ لِلدَّلَالَةِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ. بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ الْأَجْرِ.","vol":"1","page":997},{"text":"وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هُنَاكَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَرْضِخَ لَهُ مِمَّا أَصَابَ بِدَلَالَتِهِ قَدْرَ مَا يَرَى، فَهَذَا مِثْلُهُ.\n١٨٤٥ - فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ قَالَ لَهُ: اذْهَبْ مَعَنَا إلَى مَوْضِعِ كَذَا، وَلَك مِنْ الْأَجْرِ كَذَا، فَذَهَبَ مَعَهُمْ فَلَهُ الْأَجْرُ الْمُسَمَّى.\nلِأَنَّهُ وَفِي بِالْعَمَلِ الْمَشْرُوطِ عَلَيْهِ. ثُمَّ يُعْطِيهِ الْإِمَامُ أَجْرَهُ مِمَّا أَصَابُوا بَعْدَ دَلَالَتِهِ أَوْ قَبْلَ دَلَالَتِهِ، بِخِلَافِ النَّفْلِ وَالرَّضْخِ.\nفَإِنَّ الِاسْتِحْقَاقَ هَا هُنَا بِعَقْدٍ لَازِمٍ وَهُوَ عَقْدُ الْإِجَارَةِ، فَلَا يَخْتَصُّ بِهِ بَعْضُ الْمُصَابِ دُونَ الْبَعْضِ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا لِسَوْقِ الْغَنَمِ وَالرِّمَاكِ.\nفَأَمَّا اسْتِحْقَاقُ الرِّضْخِ وَالنَّفَلِ بِاعْتِبَارِ مَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَيَتَعَيَّنُ لَهُ الْمُصَابُ بِدَلَالَتِهِ وَعَمَلِهِ.\nلِأَنَّ ذَلِكَ مَنْفَعَةُ عَمَلِهِ.\n١٨٥٥ - وَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا شَيْئًا مِنْ الْغَنَائِمِ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَ الْأَجِيرَ أَجْرَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.\nلِأَنَّهُ فِي هَذَا الِاسْتِئْجَارِ كَانَ نَاظِرًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ لَا يَلْحَقُهُ الْعُهْدَةُ فِيمَا يُبَاشِرُ مِنْ الْعُقُودِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَكِنَّهُ يَرْجِعُ بِهِ فِي مَالِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ مَالُ بَيْتِ الْمَالِ.\n١٨٥٦ - وَلَوْ اسْتَأْجَرَ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ حَرْبِيًّا لِيَدْخُلَ مَعَهُمْ دَارَ","vol":"1","page":998},{"text":"الْحَرْبِ فَيَدُلَّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ، فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْإِجَارَةَ فَاسِدَةٌ عَلَى هَذَا، بِخِلَافِ التَّنْفِيلِ.\nلِأَنَّ فِي الْإِجَارَةِ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ مِقْدَارِ الْمَعْقُودِ (ص ٣٣٢) عَلَيْهِ، وَإِذَا لَمْ يُسَمِّ لَهُ مَكَانًا فَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ لَمْ يَصِرْ مَعْلُومًا. وَفِي التَّنْفِيلِ لَا حَاجَةَ إلَى إعْلَامِ الْمِقْدَارِ فِيمَا سُمِّيَ النَّفَلُ لِلتَّحْرِيضِ عَلَيْهِ.\n١٨٥٧ - ثُمَّ إذَا ذَهَبَ مَعَهُمْ عَلَى الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ فَلَا سَهْمَ لَهُ فِي الْغَنِيمَةِ وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا.\nلِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى قَصْدِ الْقِتَالِ.\nوَلَكِنْ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ، لَا يُجَاوِزُ بِهِ مَا سُمِّيَ. لِأَنَّهُ أَقَامَ الْعَمَلَ الْمَشْرُوطَ عَلَيْهِ، وَقَدْ وُجِدَ مِنْهُ الرِّضَى بِالْمُسَمَّى، فَلَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ أَجْرُ مِثْلِهِ أَكْثَرَ مِنْهُ.\n١٨٥٨ - وَلَوْ أَنَّ الْأَجِيرَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ الْمُسْتَأْمَنِينَ لَمْ يَدُلَّهُمْ عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي طَلَبُوا مِنْهُ وَلَكِنْ هَجَمَ بِهِمْ عَلَى الْعَدُوِّ فَلَا أَجْرَ لَهُ، سَوَاءٌ ذَهَبَ مَعَهُمْ أَوْ لَمْ يَذْهَبْ.\nلِأَنَّهُ مَا أَتَى بِالْعَمَلِ الْمَشْرُوطِ عَلَيْهِ.\n١٨٥٩ - وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ وَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ.\nلِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَوْ فَعَلَ هَذَا لَمْ يَكُنْ بِهِ نَاقِضًا لِإِيمَانِهِ، فَكَذَلِكَ إذَا فَعَلَهُ صَاحِبُ الْعَهْدِ لَا يَصِيرُ نَاقِضًا لِأَمَانِهِ.","vol":"1","page":999},{"text":"وَلَكِنْ لِلْإِمَامِ أَنْ يُؤَدِّبَهُ بِقَدْرِ مَا يَرَى، إنْ رَأَى أَنَّهُ تَعَمَّدَ ذَلِكَ، كَمَا يُؤَدَّبُ الْمُسْلِمُ عَلَى مِثْلِهِ.\nلِأَنَّهُ قَصَدَ إلْحَاقَ الضَّرَرِ بِالْمُسْلِمِينَ.\n١٨٦٠ - إلَّا أَنْ يَكُونُ الْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَنُ إنَّمَا آمَنُوهُ عَلَى شَرْطِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ آمِنًا قَبْلَ ذَلِكَ. فَحِينَئِذٍ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ.\nلَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ نَاقِضٌ لِلْأَمَانِ، وَلَكِنْ لِأَنَّ الْأَمَانَ كَانَ مُعَلَّقًا بِالشُّرُوطِ، فَيَكُونُ مَعْدُومًا قَبْلَ الشَّرْطِ.\n١٨٦١ - وَإِنْ جَعَلَ الْإِمَامُ لِلدَّلِيلِ نَفْلًا مِنْ غَنِيمَةٍ وَقَدْ أَصَابَهَا الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنْ يَذْهَبَ مَعَهُ إلَى مَوْضِعِ كَذَا، حَتَّى يَدُلَّهُ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُعْطِيَهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ رِضَى الْمُسْلِمِينَ.\nلِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْإِجَارَةِ، وَقَدْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى عَمَلٍ مَعْلُومٍ بِبَدَلٍ مَعْلُومٍ، فَيُعْطِيهِ ذَلِكَ مِنْ الْغَنِيمَةِ. لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَ لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ.\n١٨٦٢ - وَلَوْ دَلَّهُ بِخَبَرٍ وَلَمْ يَذْهَبْ مَعَهُ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ فِيمَا أُصِيبَ قَبْلَ الدَّلَالَةِ شَيْئًا، إلَّا بِرِضَى الْمُسْلِمِينَ، وَعِنْدَ وُجُودِ الرِّضَى يُعْطِيهِ ذَلِكَ مِنْ أَنْصِبَائِهِمْ دُونَ الْخُمُسِ.\nلِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ إلَّا عَلَى مُجَرَّدِ الْخَبَرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَذْهَبَ مَعَهُمْ.\n١٨٦٣ - وَلَوْ بَعَثَ الْأَمِيرُ بَشِيرًا إلَى الْخَلِيفَةِ لِيُخْبِرَهُ بِمَا صَنَعَ","vol":"1","page":1000},{"text":"بِالْعَدُوِّ بَعْدَ مَا أَصَابُوا الْغَنَائِمَ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ الْبَشِيرَ إلَّا سَهْمَهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ، فَارِسًا كَانَ أَوْ رَاجِلًا.\nلِأَنَّ الْغَنِيمَةَ قَدْ صَارَتْ مُسْتَحَقَّةً لِلْغَانِمِينَ، فَلَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَ مِنْهَا أَحَدًا شَيْئًا بِغَيْرِ رِضَى الْمُسْلِمِينَ.\n١٨٦٤ - وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ الْكُبَّةِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ: أَمَّا نَصِيبِي مِنْهَا فَهُوَ لَك. فَحِينَ تَحَرَّزَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ الْكُبَّةَ مِنْ الشَّعْرِ مَعَ حَاجَتِهِ إلَى ذَلِكَ وَسُؤَالِهِ إيَّاهُ، وَكَانَ لَا يَمْنَعُ أَحَدًا شَيْئًا سَأَلَهُ، عَرَفْنَا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ، إلَّا أَنَّ الْبَشِيرَ إنْ كَانَ مُحْتَاجًا فَلَا بَأْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ الْخُمُسِ شَيْئًا لِحَاجَتِهِ. لِأَنَّ الْخُمُسَ مَصْرُوفٌ إلَى الْمُحْتَاجِينَ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ. وَقَدْ كَانَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرْسِلَهُ بَشِيرًا، فَبَعْدَ إرْسَالِهِ أَوْلَى.\n١٨٦٥ - فَإِنْ رِضَى الْمُسْلِمُونَ بِمَا يُعْطِي الْإِمَامُ الْبُشَرَاءَ، فَإِنْ كَانُوا أَهْلَ حَاجَةٍ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُعْطِيَهُمْ ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ الْغَنِيمَةِ، وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ أَعْطَاهُمْ ذَلِكَ مِنْ الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ دُونَ الْخُمُسِ.\nلِأَنَّ رِضَاهُمْ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي نَصِيبِهِمْ دُونَ الْخُمُسِ.\n١٨٦٦ - وَإِنْ كَانُوا مُحْتَاجِينَ فَقَدْ كَانَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ مِنْ الْخُمُسِ بِغَيْرِ رِضَا الْغَانِمِينَ، وَرِضَاهُمْ مُعْتَبَرٌ فِي نَصِيبِهِمْ أَيْضًا.","vol":"1","page":1001},{"text":"فَإِذَا قَدِمَ الْبُشَرَاءُ عَلَى الْخَلِيفَةِ فَرَأَى أَنْ يُعْطِيَهُمْ جَائِزَةً مِنْ بَيْتِ الْمَالِ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.\nلِأَنَّ «النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يُجِيزُ الرُّسُلَ وَالْوُفُودَ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ عَلَيْهِ» .\nوَهَذَا لِأَنَّ بَيْتَ الْمَالِ مُعَدٌّ لِنَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ، وَالصَّرْفِ إلَى مَا فِيهِ مَنْفَعَةُ الْمُسْلِمِينَ، بِخِلَافِ الْغَنِيمَةِ فَإِنَّهَا مُسْتَحَقَّةٌ لِلْغَانِمِينَ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقْسِمُ الْغَنَائِمَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ وَلَا يَقْسِمُ مَالَ بَيْتِ الْمَالِ بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَكِنَّهُ يُعِدُّهُ (ص ٣٣٣) لِنَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ؟\n١٧٦٨ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَتَى أَمِيرُ الْعَسْكَرِ رَسُولٌ مِنْ مَلِكِ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُجِيزَهُ بِشَيْءٍ مِنْ الْغَنِيمَةِ إلَّا بِرِضَى الْمُسْلِمِينَ.\nلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَخُصَّ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ بِشَيْءٍ مِنْهَا فَلَأَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَخُصَّ حَرْبِيًّا بِذَلِكَ كَانَ أَوْلَى.\n١٨٦٩ - فَإِنْ رَضِيَ الْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ أَجَازَهُ مِنْ أَنْصَائِهِمْ دُونَ الْخُمُسِ. لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْحَرْبَيَّ فِي الْخُمُسِ، وَرِضَاهُمْ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي نَصِيبِهِمْ خَاصَّةً.\n١٨٧٠ - فَإِنْ أَجَازَ الْأَمِيرُ الْبُشَرَاءَ وَالرُّسُلَ مِنْ الْغَنِيمَةِ عَلَى وَجْهِ","vol":"1","page":1002},{"text":"الِاجْتِهَادِ، ثُمَّ رَفَعَ ذَلِكَ إلَى قَاضٍ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ يَنْفُذُ مَا صَنَعَ، وَإِنْ كَانَ رَأْيُهُ مُخَالِفًا لِذَلِكَ.\nلِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْفُقَهَاءُ، وَقَدْ أَمْضَاهُ بِاجْتِهَادِهِ، فَلَا يُبْطِلُهُ أَحَدٌ بَعْدَ ذَلِكَ. وَقَدْ قَرَّرْنَا هَذَا فِي التَّنْفِيلِ بَعْدَ الْإِصَابَةِ.\nوَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ أَيْضًا بِمَا لَوْ جَعَلَ الْأَمِيرُ لِلْمُقَاتِلِينَ مِنْ أَسْلَابِ الْقَتْلَى مِنْ غَيْرِ تَنْفِيلٍ، ثُمَّ رُفِعَ ذَلِكَ إلَى مَنْ يَرَى خِلَافَ رَأْيِهِ فَإِنَّهُ لَا يُبْطِلُ شَيْئًا مِمَّا فَعَلَهُ.\nلِأَنَّهُ أَمْضَى بِاجْتِهَادِهِ فَصْلًا مُخْتَلَفًا فِيهِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ فِيمَا هُوَ أَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ حُرْمَةُ الْفَرْجِ يَنْفُذُ قَضَاءُ الْقَاضِي بِاجْتِهَادِهِ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُبْطِلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِرَأْيِهِ، حَتَّى إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ خَلِيَّةٌ أَوْ بَرِّيَّةٌ أَوْ بَائِنٌ أَوْ بَتَّةٌ، فَإِنَّ عُمَرَ وَابْنَ مَسْعُودٍ - ﵄ - قَالَا: يَقَعُ بِهِ رَجْعِيَّةٌ. وَقَالَ عَلِيٌّ - ﵁ -: ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ. فَإِنْ قَضَى قَاضٍ بِأَحَدِ الْقَضَاءَيْنِ ثُمَّ رُفِعَ إلَى مَنْ يَرَى خِلَافَ ذَلِكَ لَمْ يَبْطُلْ قَضَاؤُهُ، لِأَنَّهُ حَصَلَ فِي مَحَلٍّ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، وَإِبْطَالُ الْقَضَاءِ فِي الْمُجْتَهِدَاتِ يَكُونُ قَضَاءً، بِخِلَافِ الْإِجْمَاعِ فَيَكُونُ بَاطِلًا. وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي تَحْرِيمِ الْفَرْجِ مَعَ كَوْنِهِ مَبْنِيًّا عَلَى الِاسْتِقْصَاءِ ثَبَتَ فِي النَّفْلِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.\nوَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":1003},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>[بَابُ كَيْفِيَّةِ قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ وَبَيَانِ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا مِمَّنْ جَاءَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ]</span>\n١٠٥ - بَابُ كَيْفِيَّةِ قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ وَبَيَانِ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا مِمَّنْ جَاءَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ ١٨٧١ - وَإِذَا وَقَعَ الْقِتَالُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْحَرْبِ فَالْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ، وَلَا شَيْءَ لِمَنْ جَاءَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْقِتَالِ.\nلِأَنَّ بِنَفْسِ الْإِصَابَةِ تَصِيرُ مُحْرَزَةً بِدَارِ الْإِسْلَامِ، فَمَنْ يَلْحَقُ بَعْدَ ذَلِكَ مَدَدًا فَهُوَ لَمْ يُشَارِكْ الْجَيْشَ فِي الْإِصَابَةِ وَلَا فِي الْإِحْرَازِ.\n١٨٧٢ - وَكَذَلِكَ لَوْ فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ الْعَدُوِّ حَتَّى صَارَتْ فِي أَيْدِيهِمْ وَهَرَبَ أَهْلُهَا عَنْهَا.\nلِأَنَّهَا صَارَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ بِظُهُورِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فِيهَا، فَتَصِيرُ الْغَنَائِمُ مُحْرَزَةً بِدَارِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ لُحُوقِ الْمَدَدِ.\n١٨٧٣ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَصَابُوا غَنَائِمَ فَأَخْرَجُوهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ لَحِقَهُمْ مَدَدٌ.","vol":"1","page":1004},{"text":"لِأَنَّ بِالْإِحْرَازِ بِالْيَدِ قَدْ تَأَكَّدَ حَقُّهُمْ فِيهَا، وَلِهَذَا لَوْ مَاتَ بَعْضُهُمْ كَانَ نَصِيبُهُمْ مِيرَاثًا.\n١٨٧٤ - فَأَمَّا إذَا أَصَابُوا الْغَنَائِمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ لَحِقَهُمْ مَدَدٌ قَبْلَ الْإِحْرَازِ وَقَبْلَ الْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ فَإِنَّهُمْ يُشَارِكُونَهُمْ فِي الْمُصَابِ عِنْدَنَا.\nلِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَتَأَكَّدُ بِنَفْسِ الْأَخْذِ، فَإِنَّ سَبَبَ ثُبُوتِ الْحَقِّ الْقَهْرُ، وَهُوَ مَوْجُودٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، لِأَنَّهُمْ قَاهِرُونَ يَدًا مَقْهُورُونَ دَارًا.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ الْقَرَارِ فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ وَتَصْيِيرِهَا دَارَ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّمَا تَمَّ السَّبَبُ بِقُوَّةِ الْمَدَدِ، وَكَانُوا شُرَكَاءَهُمْ وَلِهَذَا قُلْنَا: مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يُورَثُ نَصِيبُهُ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ - ﵁ -.\nلِأَنَّ الْإِرْثَ فِي الْمَتْرُوكِ بَعْدَ الْوَفَاةِ، وَالْحَقُّ الضَّعِيفُ لَا يَبْقَى بَعْدَ مَوْتِهِ لِيَكُونَ مَتْرُوكًا عَنْهُ. وَعَلَى قَوْلِ عُمَرَ - ﵁ - (ص ٣٣٤) يُورَثُ نَصِيبُهُ.\nلِأَنَّ وَارِثَهُ يَخْلُفُهُ فِيمَا كَانَ حَقًّا مُسْتَحَقًّا لَهُ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ بِالْآثَارِ مِنْهَا: مَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - ﵁ - بَعَثَ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ فِي خَمْسِ مِائَةِ نَفَرٍ مَدَدًا لِأَبِي أُمَيَّةَ وَزِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ الْبَيَاضِيِّ فَأَدْرَكُوهُمْ حِينَ افْتَتَحُوا النُّجَيْرَ. فَأَشْرَكَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ.","vol":"1","page":1005},{"text":"وَبِهِ يَسْتَدِلُّ مَنْ يَقُولُ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ إنَّ لِلْمُدَدِ شَرِكَةً وَإِنْ أَدْرَكُوهُمْ بَعْدَ الْفَتْحِ.\nوَلَكِنَّا نَقُولُ: النُّجَيْرُ هَذَا اسْمُ قَرْيَةٍ وَهِيَ كَانَتْ تَابِعَةً لِلْبَلْدَةِ، فَمَا لَمْ تُفْتَحْ الْبَلْدَةُ لَا تَصِيرُ الْقَرْيَةُ دَارَ الْإِسْلَامِ. أَوْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ أَدْرَكُوا عَلَى أَثَرِ الْفَتْحِ قَبْلَ إظْهَارِ حُكْمِ الْإِسْلَامِ فِيهَا.\nوَفِي مِثْلِ هَذَا تَثْبُتُ الشَّرِكَةُ عِنْدَنَا. فَأَمَّا بَعْدَ تَمَامِ الْفَتْحِ فَلَا.\nعَلَى مَا رُوِيَ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: لَمَّا فُتِحَتْ مَاهَ دِينَارٍ أَمَدَّ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِأُنَاسٍ عَلَيْهِمْ عَمَّارٌ. فَأَرَادَ أَنْ يُشَارِكُوهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عُطَارِدَ: أَيُّهَا الْعَبْدُ الْأَجْدَعُ أَتُرِيدُ أَنْ تُشَارِكَنَا فِي غَنَائِمِنَا؟ فَقَالَ: خَيْرُ أُذُنَيَّ سَبَبٌ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ إحْدَى أُذُنَيْهِ قُطِعَتْ فِي الْجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَكَتَبَ فِيهِ إلَى عُمَرَ - ﵁ - فَكَتَبَ عُمَرُ: إنَّ الْغَنِيمَةَ بَيْنَ مَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ.\nوَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ مَاهَ دِينَارٍ صَارَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ بِإِجْرَاءِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فِيهَا.","vol":"1","page":1006},{"text":"أَلَا تَرَى إلَى مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ - ﵁ - كَتَبَ إلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: مَنْ وَافَاك مِنْ الْجُنْدِ مَا لَمْ تَتَفَقَّأْ الْقَتْلَى فَأَشْرِكْهُ فِي الْغَنِيمَةِ. أَيْ مَا لَمْ يَتَشَقَّقْ الْقَتْلَى بِتَطَاوُلِ الزَّمَانِ، أَوْ مَعْنَاهُ مَا لَمْ يَتَمَيَّزْ قَتْلَى الْمُشْرِكِينَ مِنْ قَتْلَى الْمُسْلِمِينَ بِالدَّفْنِ. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: مَا لَمْ تُتَقَفَّا الْقَتْلَى، أَيْ تَجْعَلُهُمْ عَلَى قَفَاك بِالِانْصِرَافِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. وَالْأَشْهَرُ هُوَ الْأَوَّلُ، فَإِنَّ الْفَقْءَ عِبَارَةٌ عَنْ التَّمْيِيزِ وَالتَّشَقُّقِ وَمِنْهُ سُمِّيَ الْفَقِيهُ. لِأَنَّهُ يُمَيِّزُ الصَّحِيحَ مِنْ السَّقِيمِ. وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:\nتَفْقَأَ فَوْقَهُ الْقَلَعُ السَّوَارِي ... وَجُنَّ الْخَازِبَازِ بِهِ جُنُونًا\nوَذُكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَسْهَمَ لِجَعْفَرِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَلِمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ السَّفِينَتَ وَالدَّوْسِيِّينَ، فِيهِمْ أَبُو هُرَيْرَةَ وَالطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو مَعَ سُهْمَانِ أَهْلِ خَيْبَرَ. وَإِنَّمَا قَدِمُوا بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ. وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَلَّمَ الْمُسْلِمِينَ فِي حُقُوقِهِمْ أَنْ يُدْخِلُوهُمْ، فَأَسْهَمَ لَهُمْ» . هَكَذَا رُوِيَ مُفَسَّرًا. وَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّ مَنْ لَحِقَ بَعْدَ الْفَتْحِ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِكَةٌ.\nلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ شَرِيكًا مَا احْتَاجَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إلَى أَنْ يَسْتَرْضِيَ الْمُسْلِمِينَ إلَى أَنْ يُسْهِمَ لَهُمْ.","vol":"1","page":1007},{"text":"وَرُوِيَ «أَنَّ أَبَانَ بْنَ سَعِيدٍ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى سَرِيَّةٍ مِنْ الْمَدِينَةِ قَبْلَ نَجْدٍ، فَقَدِمُوا عَلَيْهِ بِخَيْبَرَ بَعْدَ الْفَتْحِ. فَقَالَ أَبَانُ: اقْسِمْ لَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: اجْلِسْ يَا أَبَانُ. وَلَمْ يَقْسِمْ لَهُمْ» .\nفَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ بَعْدَ الْفَتْحِ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِكَةٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ رَسُولًا بَعَثَهُ الْإِمَامُ فِي بَعْضِ حَوَائِجِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ.\nوَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ فِي الْحُكْمِ كَالْحَاضِرِ مَعَهُمْ.\nوَقَدْ رُوِيَ «أَنَّهُ أَسْهَمَ لِمُحَيِّصَةَ وَأَصْحَابِهِ مِنْ غَنَائِمِ خَيْبَرَ» .\nلِأَنَّهُ كَانَ أَرْسَلَهُمْ إلَى فَدَكَ حِينَ كَانَ مُحَاصِرًا أَهْلَ خَيْبَرَ فَرَجَعُوا إلَيْهِ بَعْدَ الْفَتْحِ.\nفَأَسْهَمَ لَهُمْ فِي الشِّقِّ وَالنَّطَاةِ، وَأَطْعَمَهُمْ طُعْمَةً سِوَى ذَلِكَ.\nمِنْ الْخُمُسِ فِي الْكَتِيبَةِ، جَارِيَةٌ عَلَيْهِمْ.\nوَقِيلَ فِي ذَلِكَ تَأْوِيلٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ غَنَائِمَ أَهْلِ خَيْبَرَ كَانَتْ عِدَةً مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لِأَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَعَدَكُمْ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ [الفتح: ٢٠] .\nفَكُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ أَسْهَمَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ غَنَائِمِ خَيْبَرَ، مَنْ شَهِدَ فَتْحَهَا وَمَنْ لَمْ يَشْهَدْ.\nوَذُكِرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَسْهَمَ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ","vol":"1","page":1008},{"text":"- ﵁ - مِنْ غَنَائِمِ بَدْرٍ، وَكَانَ تَخَلَّفَ بِالْمَدِينَةِ عَلَى ابْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - رُقَيَّةَ لِيُمَرِّضَهَا وَأَسْهَمَ لِطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَلِسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَكَانَ بَعَثَهُمَا نَحْوَ الشَّامِ، يَتَجَسَّسَانِ أَخْبَارَ عِيرِ قُرَيْشٍ وَأَسْهَمَ لِخَمْسَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ - وَقَدْ سَمَّاهُمْ فِي الْكِتَابِ - وَقَدْ كَانَ رَدَّهُمْ إلَى الْمَدِينَةِ لِخَبَرٍ بَلَغَهُ عَنْ الْمُنَافِقِينَ» (ص ٣٣٥) .\nوَفِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ وُجُوهٌ.\nأَحَدُهَا: أَنَّ الْمَدِينَةَ يَوْمَئِذٍ مَا كَانَ لَهَا حُكْمُ دَارِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَأَصْحَابِهِ مِنْهَا، لِكَثْرَةِ الْيَهُودِ وَالْمُنَافِقِينَ بِهَا. فَكَانُوا جَمِيعًا فِي دَارِ الْحَرْبِ مَشْغُولِينَ بِمَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَبِمَا فِيهِ فَرَاغُ قَلْبِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -. وَقِيلَ إنَّ غَنَائِمَ بَدْرٍ كَانَ الْأَمْرُ فِيهَا مُفَوَّضًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يُعْطِي مَنْ شَاءَ وَيَحْرِمُ مَنْ شَاءَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] فَلِهَذَا أَسْهَمَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -.\nثُمَّ ذُكِرَ أَنَّ الْمُنْهَزِمِينَ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَدْ كَانُوا بَلَغُوا إلَى مَكَّةَ،","vol":"1","page":1009},{"text":"ثُمَّ جَاءَتْ النُّصْرَةُ، فَرَجَعُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَأَسْهَمَ لَهُمْ. وَأَنَّ حَرْبَ حُنَيْنٍ كَانَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَقَدْ وَصَلُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ رَجَعُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَأَسْهَمَ لَهُمْ.\nفَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ لِلْمَدَدِ شَرِكَةً مَعَ الْجَيْشِ إذَا أَدْرَكُوا قَبْلَ إحْرَازِ الْغَنِيمَةِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ.\n١٨٧٥ - قَالَ: وَلَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْسِمَ الْغَنَائِمَ وَلَا يَبِيعَهَا حَتَّى يُخْرِجَهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.\nلِأَنَّ بِالْقِسْمَةِ تَنْقَطِعُ الشَّرِكَةُ فِي حَقِّ الْمَدَدِ، فَيَكُونُ فِيهَا تَقْلِيلُ رَغْبَةِ الْمَدَدِ فِي اللُّحُوقِ بِالْجَيْشِ، وَفِيهَا تَعْرِيضُ الْمُسْلِمِينَ لِوُقُوعِ الدَّبْرَةِ عَلَيْهِمْ بِأَنْ يَتَفَرَّقُوا وَيَشْتَغِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِحَمْلِ نَصِيبِهِ، فَيَكُرُّ عَلَيْهِمْ الْعَدُوُّ. ثُمَّ الْقِسْمَةُ وَالْبَيْعُ تُصْرَفُ، وَالتَّصَرُّفُ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ تَأَكُّدِ الْحَقِّ بِتَمَامِ السَّبَبِ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الْإِحْرَازِ بِالدَّارِ.\n١٨٧٦ - وَإِنْ قَسَمَهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ جَازَ لِأَنَّهُ أَمْضَى فَصْلًا مُخْتَلَفًا فِيهِ بِاجْتِهَادِهِ. ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَسَمَ غَنَائِمَ بَدْرٍ بِالْمَدِينَةِ مَعَ غَنَائِمِ أَهْلِ نَخْلَةَ وَكَانَتْ تِلْكَ غَنِيمَةٌ أُصِيبَتْ","vol":"1","page":1010},{"text":"قَبْلَ بَدْرٍ، فَوَقَفَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَمَضَى إلَى بَدْرٍ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَسَمَ الْغَنِيمَتَيْنِ بِالْمَدِينَةِ جُمْلَةً» .\nوَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: قَسَمَهَا بِسِيَرِ وَهِيَ شِعْبٌ بِمَضِيقِ الصَّفْرَاءِ.\nفَإِنْ كَانَتْ الْقِسْمَةُ بِالْمَدِينَةِ فَهُوَ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ لِمَا قُلْنَا. وَإِنْ كَانَتْ بِسَيْرِ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ يَوْمَئِذٍ كَانَ الْمَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ.\nلِأَنَّهُ مَا كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ مَنَعَةٌ سِوَى ذَلِكَ. فَأَمَّا غَنَائِمُ خَيْبَرَ فَإِنَّهُ لَمْ يَقْسِمْهَا حَتَّى أَتَى الْجِعْرَانَةَ.\nوَرُوِيَ «أَنَّهُمْ طَالَبُوهُ بِالْقِسْمَةِ حَتَّى أَلْجَئُوهُ إلَى سَمُرَةَ فَتَعَلَّقَ بِهَا رِدَاؤُهُ ثُمَّ جَذَبُوا رِدَاءَهُ فَتَخَرَّقَ. فَقَالَ: اُتْرُكُوا إلَيَّ رِدَائِي، فَوَاَللَّهِ لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْعِضَاهُ إبِلًا وَبَقَرًا وَغَنَمًا لَقَسَمْتهَا بَيْنَكُمْ، ثُمَّ لَا تَجِدُونِي جَبَانًا وَلَا بَخِيلًا» .\nفَقَدْ أَخَّرَ الْقِسْمَةَ مَعَ كَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ حَتَّى انْتَهَى إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.\nفَإِنَّ جِعْرَانَةَ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى مَكَّةَ وَقَدْ صَارَتْ مَفْتُوحَةً بِفَتْحِ مَكَّةَ.\nفَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّهَا لَا تُقْسَمُ فِي دَارِ الْحَرْبِ.","vol":"1","page":1011},{"text":"ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ:\n١٨٧٧ - مَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ فَهُوَ شَرِيكٌ فِي الْغَنِيمَةِ، قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ، مَرِيضًا كَانَ أَوْ صَحِيحًا. وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - ﵁ -. قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت الرَّجُلَ يَكُونُ حَامِيَةَ الْقَوْمِ وَيَدْفَعُ عَنْ أَصْحَابِهِ، أَيَكُونُ نَصِيبُهُ مِثْلَ نَصِيبِ غَيْرِهِ؟ فَقَالَ: ثَكِلَتْك أُمُّك يَا ابْنَ أُمِّ سَعْدٍ. وَهَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إلَّا بِضُعَفَائِكُمْ» .\nوَنَظِيرُ هَذَا مَا رُوِيَ «عَنْ (ص ٣٣٦) النَّبِيِّ - ﷺ - فِيمَا يُؤْثَرُ عَنْ رَبِّهِ: لَوْلَا الصِّبْيَانُ الرُّضَّعُ وَالشُّيُوخُ الرُّكَّعُ لَصَبَبْت عَلَيْكُمْ الْعَذَابَ صَبًّا» وَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «أَطْيَبُ كَسْبِ الْمُؤْمِنِ سَهْمُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَصَفْقَةُ يَدِهِ، وَمَا تُعْطِيهِ الْأَرْضُ» .","vol":"1","page":1012},{"text":"فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْغَازِي أَنْ يُظْهِرَ الرَّغْبَةَ فِي سَهْمِهِ غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا، قَلَّ سَهْمُهُ أَوْ كَثُرَ، فَإِنَّهُ أَطْيَبُ كَسْبِهِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ مُصَابٌ بِطَرِيقٍ فِيهِ إعْلَاءُ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِعْزَازُ الدِّينِ. وَذَلِكَ أَشْرَفُ جِهَاتِ إصَابَةِ الْمَالِ.\nوَالْمُرَادُ بِصَفْقَةِ يَدِهِ التِّجَارَةُ، وَلَكِنَّهَا بِشَرْطِ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَمُرَاعَاةِ حُدُودِ الشَّرْعِ.\nوَمَا تُعْطِيهِ الْأَرْضُ الْمُرَادُ الزِّرَاعَةُ، فَهِيَ تِجَارَةٌ عَلَى مَا قَالَ - ﵇ -: «الزَّارِعُ يُتَاجِرُ رَبَّهُ» .\n١٨٧٨ - وَإِذَا أَرَادَ الْإِمَامُ قِسْمَةَ الْغَنَائِمِ يَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ عَلَيْهَا رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَدْلًا وَصِيًّا عَالِمًا بِالْأُمُورِ مُجَرِّبًا لَهَا. فَإِذَا مَيَّزَ الْخُمُسَ جَعَلَ عَلَى الْخُمُسِ أَيْضًا رَجُلًا أَمِينًا حَافِظًا كَاتِبًا عَالِمًا.\nلِأَنَّهُ يَعْجَزُ بِنَفْسِهِ عَنْ مُبَاشَرَةِ الْقِسْمَةِ لِكَثْرَةِ أَشْغَالِهِ فَيَسْتَعِينُ بِغَيْرِهِ وَيَخْتَارُ لِذَلِكَ مَنْ يَكُونُ أَقْدَرَ عَلَى مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْحِفْظِ وَالْقِسْمَةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ مُسْتَجْمِعًا لِلشَّرَائِطِ الَّتِي قَالَهَا.\nوَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - جَعَلَ مَحْمِيَّةَ بْنَ جَزْءٍ الزُّبَيْدِيَّ عَلَى خُمُسِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ. وَكَانَتْ تُجْمَعُ إلَيْهِ الْأَخْمَاسُ، وَكَانَتْ الصَّدَقَاتُ عَلَى حِدَةٍ لَهَا أَهْلٌ، وَلِلْفَيْءِ أَهْلٌ، وَكَانَ يُعْطِي مِنْ الصَّدَقَةِ الْيَتِيمَ وَالضَّعِيفَ وَالْمِسْكِينَ. فَإِذَا احْتَلَمَ الْيَتِيمُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ نُقِلَ إلَى الْفَيْءِ، وَإِنْ كَرِهَ الْجِهَادَ لَمْ يُعْطَ مِنْ الصَّدَقَةِ شَيْئًا، وَأُمِرَ بِأَنْ يَكْسِبَ لِنَفْسِهِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لَا يَمْنَعُ سَائِلًا شَيْئًا فَأَتَاهُ","vol":"1","page":1013},{"text":"رَجُلَانِ يَسْأَلَانِهِ مِنْ خُمُسِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ فَقَالَ: إنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا مِنْهُ وَلَا حَظَّ فِيهِ لِغَنِيٍّ وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» .\nثُمَّ رُوِيَ أَنَّ عُبَيْدَة السَّلْمَانِيَّ كَانَ يَقْسِمُ أَعْطِيَاتِ قَوْمِهِ، فَفَضَلَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ دِرْهَمٌ فَقَالَ: اقْتَرِعَا أَيُّكُمَا يَأْخُذُهُ. فَقَامَ إلَيْهِ رَجُلٌ فَسَارَهُ. فَقَالَ: أَتَأْمُرُهُمَا أَيُّهُمَا يَذْهَبُ بِنَصِيبِ صَاحِبِهِ. فَقَالَ: اذْهَبَا فَاشْتَرِيَا بِهِ شَيْئًا بَيْنَكُمَا فَاقْتَسِمَاهُ.\nوَبِهِ نَقُولُ إنَّهُ لَا يَجُوزُ الْإِقْرَاعُ فِي تَعْيِينِ الْمُسْتَحِقِّ، وَأَنَّ الْمُشْتَرَكَ إذَا كَانَ بِحَيْثُ لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ بِنَفْسِهِ فَإِمَّا أَنْ يُمْسِكَهُ الشَّرِيكَانِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ أَوْ يَشْتَرِيَا بِهِ شَيْئًا فَيَقْسِمَانِهِ نِصْفَيْنِ. وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ لِأَيِّهِمَا فَإِنَّهُ يُجْعَلُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ.\nوَذُكِرَ عَنْ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: كُنَّا بِبَابِ عُمَرَ - ﵁ - فَمَرَّتْ جَارِيَةٌ فَتَخَشْخَشَ لَهَا الْقَوْمُ، أَيْ تَحَرَّكُوا وَأَوْسَعُوا لَهَا. فَقَالُوا: لَعَلَّهَا مِنْ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَتْ: إنِّي لَا أَحِلُّ لِأَمِيرٍ، إنِّي مِنْ خُمُسِ مَالِ اللَّهِ تَعَالَى. فَقُلْنَا فِيمَا بَيْنَنَا: مَا يَحِلُّ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ مَالِ اللَّهِ تَعَالَى. الْحَدِيثَ. . . إلَى أَنْ قَالَ عُمَرُ - ﵁ -: إنِّي أَسْتَحِلُّ مِنْ مَالِ اللَّهِ تَعَالَى حُلَّتَيْنِ حُلَّةً بِالشِّتَاءِ وَحُلَّةً بِالصَّيْفِ. وَظَهْرِي الَّذِي أَحُجُّ عَلَيْهِ","vol":"1","page":1014},{"text":"وَأَعْتَمِرُ، وَقُوتُ أَهْلِي، وَقُوتِي قُوتُ أَهْلِ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ، لَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ، ثُمَّ أَنَا شَرِيكُ الْمُسْلِمِينَ بَعْدُ.\nفَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ إنَّمَا يَأْخُذُ مِقْدَارَ الْكِفَايَةِ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ هُوَ يُسَاوِيهِمْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيِّ فِي مَالِ الْيَتِيمِ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] (ص ٣٣٧) .\n١٨٧٩ - ثُمَّ ذُكِرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَسَمَ سَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَى بِخَيْبَرَ بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، حَتَّى كَلَّمَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَجُبَيْرُ بْن مُطْعِمٍ» .\nوَقَدْ بَيَّنَّا تَمَامَ ذَلِكَ فِي السِّيَرِ الصَّغِيرِ.\nوَاَلَّذِي زَادَ هَا هُنَا: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لَهُمَا: إنَّ بَنِي الْمُطَّلِبِ كَانُوا دَخَلُوا مَعَنَا الشَّعْبَ، وَكَانُوا مَعَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يُفَارِقُونَا وَإِنَّمَا بَنُو الْمُطَّلِبِ وَبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ» .\nفَفِي هَذَا تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ قُرْبُ النُّصْرَةِ بِالِانْضِمَامِ إلَيْهِ. حَالَ مَا هَجَرَهُ النَّاسُ لِأَقْرَبَ الْقَرَابَةِ.","vol":"1","page":1015},{"text":"وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - اسْتَشَارَ جِبْرِيلَ - ﵇ - فِي ذَلِكَ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْسِمَهُ بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَبَيْنَ بَنِي الْمُطَّلِبِ» .\nوَذُكِرَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كَانَ خُمُسُ الْخُمُسِ لِذَوِي الْقُرْبَى. لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَأْكُلُونَ الصَّدَقَةَ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.\nلِأَنَّ حُرْمَةَ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِمْ كَانَ بِطَرِيقِ الْإِكْرَامِ لَهُمْ فَمَا كَانُوا يَحْتَاجُونَ إلَى عِوَضِ ذَلِكَ، ثُمَّ حُرْمَةُ الصَّدَقَةِ فِي حَقِّ بَنِي هَاشِمٍ خَاصَّةً. وَقَدْ أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بَنِي الْمُطَّلِبِ أَيْضًا، فَعَرَفْنَا أَنَّ السَّبَبَ قُرْبُ النُّصْرَة لِمَا بَيِّنَاهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":1016},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>[بَابُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَيُؤْكَلُ وَيُشْرَبُ]</span>\n١٠٦ - بَابُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَيُؤْكَلُ وَيُشْرَبُ ١٨٨٠ - وَإِنْ أَصَابَ الْمُسْلِمُونَ غَنَائِمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَنْتَفِعَ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ إلَّا الْمَأْكُولَ وَالْمَشْرُوبَ، لَهُمْ وَلِدَوَابِّهِمْ. وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَذْبَحُوا الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ لِيَأْكُلُوا بِغَيْرِ خُمُسٍ.\nلِأَنَّ حَاجَتَهُمْ إلَى الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ حَاجَةٌ مَاسَّةٌ، وَلَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَسْتَصْحِبُوا ذَلِكَ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَا يَجِدُونَهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ بِشِرَاءٍ، وَمَا يَأْخُذُونَ يَكُونُ غَنِيمَةً.\nفَلِأَجْلِ الْحَاجَةِ يَصِيرُ ذَلِكَ مُسْتَثْنًى مِنْ شَرِكَةِ الْغَنِيمَةِ، فَيَبْقَى عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ كَمَا كَانَ قَبْلَ الْإِصَابَةِ.\nوَهُوَ نَظِيرُ شَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ، فَإِنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْهَا مَا يَشْتَرِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ، حَتَّى يَخْتَصَّ بِذَلِكَ الْعِلْمُ بِوُقُوعِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ فِي مُدَّةِ الشَّرِكَةِ.\nوَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ عُمَرَ - ﵁ - حَيْثُ كَتَبَ إلَى عَامِلِهِ جَوَابَ كِتَابِهِ أَنْ دَعْ النَّاسَ يَأْكُلُوا وَيَعْلِفُوا، فَمَنْ بَاعَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ فِيهِ خُمُسُ اللَّهِ وَسِهَامُ الْمُسْلِمِينَ.\nوَرُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، وَبِهِ نَأْخُذُ.","vol":"1","page":1017},{"text":"فَنَقُولُ: إنَّمَا يُبَاحُ التَّنَاوُلُ مِنْ ذَلِكَ لِلْحَاجَةِ دُونَ التِّجَارَةِ، فَمَا يَدْخُلُ تَحْتَ التِّجَارَةِ بِالْبَيْعِ يَكُونُ بَدَلُهُ كَسَائِرِ الْغَنَائِمِ، فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَخُصَّ نَفْسَهُ بِذَلِكَ.\nوَذَكَرَ حَدِيثَ سَلْمَانَ حِينَ أَتَاهُ غُلَامُهُ بِسَلَّةٍ يَوْمَ نَهَاوَنْدَ. فَقَالَ: هَاتِهَا، فَإِنْ كَانَ مَالًا دَفَعْنَاهُ إلَى هَؤُلَاءِ، وَإِنْ كَانَ طَعَامًا أَكَلْنَاهُ. فَإِذَا فِيهَا أَرْغِفَةُ حُوَّارَى وَجُبْنَةٌ وَسِكِّينٌ. فَجَعَلَ سَلْمَانُ يَطْرَحُ لِأَصْحَابِهِ مِنْ ذَلِكَ الْخُبْزِ وَيَقْطَعُ لَهُمْ مِنْ جُبْنِهِ فَيَأْكُلُونَ، وَيُخْبِرُهُمْ كَيْفَ يُصْنَعُ الْجُبْنُ.\n١٨٨١ - ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵁ - أَنَّهُ رَخَّصَ فِي الْأَكْلِ. وَقَالَ: فَإِنْ خَرَجُوا بِشَيْءٍ مِنْهُ تَصَدَّقُوا بِهِ.\nوَالْمُرَادُ إنَّمَا يَتَصَدَّقُونَ إذَا قُسِمَتْ الْغَنَائِمُ، فَأَمَّا قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَيُرَدُّ ذَلِكَ فِي الْمَغْنَمِ، لِأَنَّ قَبْلَ الْقِسْمَةِ يَتَيَسَّرُ إيصَالُهُ إلَى مُسْتَحِقِّهِ بِالْإِلْقَاءِ فِي الْغَنِيمَةِ وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ يَتَعَذَّرُ ذَلِكَ، فَيَكُونُ سَبِيلُهُ التَّصَدُّقُ بِهِ كَاللُّقَطَةِ.\nإلَّا أَنْ يَكُونَ مُحْتَاجًا فَيَأْكُلُهُ، وَإِنْ أَكَلَهُ وَهُوَ غَنِيٌّ تَصَدَّقَ بِقِيمَتِهِ كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي اللُّقَطَةِ (ص ٣٣٨) وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵁ -.\n١٨٨٢ - وذكر عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - ﵄ - «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: رُدُّوا الْخَيْطَ وَالْمِخْيَطَ وَكُلُوا وَاعْلِفُوا وَلَا تَحْمِلُوا» .\nفَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا سِوَى الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ يَكُونُ غَنِيمَةً لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَخْتَصَّ بِشَيْءٍ مِنْهُ. فَأَمَّا الْمَأْكُولُ وَالْمَشْرُوبُ فَمُسْتَثْنًى فِي حُكْمِ الْأَكْلِ","vol":"1","page":1018},{"text":"خَاصَّةً لَا فِي حُكْمِ الْحَمْلِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ. وَلِهَذَا قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ: بَيْعُ الطَّعَامِ إذَا خَرَجَ مِنْ أَرْضِ الْعَدُوِّ مِنْ الْغُلُولِ. وَكَذَلِكَ بَيْعُهُ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ مِنْ الْغُلُولِ إنْ لَمْ يُرَدَّ ثَمَنُهُ فِي الْغَنِيمَةِ.\nوَذُكِرَ عَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: لَمْ يُخَمَّسْ الطَّعَامُ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَكَانَ الرَّجُلُ يَأْخُذُ مِنْهُ مَا شَاءَ.\nفَفِي هَذَا دَلِيلُ أَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ أَصْلِ شَرِكَةِ الْغَنِيمَةِ، حَتَّى لَا يَجِبَ فِيهِ الْخُمُسُ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ مَا يَكْثُرُ وُجُودُهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَمَا يَعِزُّ وُجُودُهُ فِيهِ، بِخِلَافِ مَا يَقُولُهُ بَعْضُ أَهْلِ الشَّامِ: إنَّ هَذِهِ الْإِبَاحَةَ تَخْتَصُّ بِطَعَامٍ يَكُونُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ حَتَّى يَكُونَ تَافِهًا، فَأَمَّا مَا يُنْقَلُ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ إلَيْهِ فَهُوَ مِنْ أَعَزِّ الْأَمْوَالِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ.\nوَاعْتِمَادُنَا فِيهِ عَلَى حَدِيثِ مَكْحُولٍ: أَنَّ رَجُلًا نَحَرَ جَزُورًا بِأَرْضِ الرُّومِ، ثُمَّ نَادَى فِي النَّاسِ: هَلُمُّوا إلَى هَذَا اللَّحْمِ فَخُذُوا مِنْهُ. فَقَالَ مَكْحُولٌ لِلرَّجُلِ مِنْ غَسَّانَ: أَلَا تَقُومُ فَتَأْتِينَا مِنْ لَحْمِ هَذَا الْجَزُورِ؟ فَقَالَ: إنَّهَا نُهْبَى، أَيْ لَمْ تُخَمَّسْ. فَقَالَ مَكْحُولٌ: إنَّهُ لَا نُهْبَى فِي الْمَأْذُونِ فِيهِ.\nوَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِبِلَ مِمَّا لَا يَكُونُ بِأَرْضِ الرُّومِ، وَقَدْ جُوِّزَ نَحْرُهَا وَالْأَكْلُ مِنْهَا.\nفَدَلَّ أَنَّ الْأَكْلَ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ.\nوَعَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: كُلُّ مَا حُمِلَ مِنْ أَرْضِ الْعَدُوِّ مِمَّا لَا قِيمَةَ لَهُ","vol":"1","page":1019},{"text":"هُنَاكَ فَحَمَلَهُ فِي حَاجَةِ نَفْسِهِ فَهُوَ لَهُ. وَهَذَا عِنْدَنَا صَحِيحٌ فِيمَا لَا قِيمَةَ لَهُ فِي دَارِنَا أَيْضًا، فَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُ فِي الْغَنِيمَةِ.\nلِأَنَّ بِمُجَرَّدِ النَّقْلِ مِنْ مَكَان إلَى مَكَان لَمْ تَتَبَدَّلْ الْعَيْنُ وَإِنَّمَا تَمَكَّنَ مِنْ إخْرَاجِهِ بِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ. فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنَائِمِ.\nوَكَأَنَّ مَكْحُولًا جَعَلَ النَّقْلَ مُحْدِثًا صِفَةَ التَّقَوُّمِ فِيهِ، بِمَنْزِلَةِ الصَّنْعَةِ حَتَّى قَالَ: فَمَا اقْتَطَعْت مِنْ شَجَرِ الْعَدُوِّ فَعَمِلْته قَدَحًا أَوْ مِرْزَبَّةً أَوْ مَزَادَةً فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَمَا وَجَدْت مِنْ ذَلِكَ مَعْمُولًا فَرُدَّهُ فِي الْغَنِيمَةِ.\nوَبِهَذَا نَأْخُذُ.\nفَإِنَّ الْمَعْمُولَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ بِصَنْعَتِهِ، وَقَبْلَ الْعَمَلِ لَا يَكُونُ مَالًا مُتَقَوِّمًا.\nفَإِذَا صَيَّرَهُ مَالًا مُتَقَوِّمًا بِصَنْعَتِهِ فَهُوَ لَهُ خَاصَّةً، بِمَنْزِلَةِ مَنْ اتَّخَذَ الْكُوزَ مِنْ تُرَابِ غَيْرِهِ، لَكِنَّا نُفَرِّقُ بَيْنَ الصَّنْعَةِ وَالنَّقْلِ، لِأَنَّ بِالصَّنْعَةِ تَتَبَدَّلُ الْعَيْنُ، فَيَكُونُ الْمُتَقَوِّمُ شَيْئًا آخَرَ، هُوَ حَادِثٌ بِصَنْعَتِهِ، فَأَمَّا بِالنَّقْلِ فَلَا تَتَبَدَّلُ الْعَيْنُ.\n١٨٨٣ - ثُمَّ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «إيَّاكُمْ وَرِبَا الْغُلُولِ» . وَفُسِّرَ ذَلِكَ بِأَنْ يَرْكَبَ دَابَّةً مِنْ الْفَيْءِ، حَتَّى إذَا أَعْجَفَهَا رَدَّهَا فِي الْمَغْنَمِ، أَوْ يَلْبَسَ ثَوْبًا حَتَّى إذَا خَلُقَ رَدَّهُ فِي الْمَغْنَمِ، أَوْ يَنْكِحَ الْجَارِيَةَ قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ.","vol":"1","page":1020},{"text":"وَبِهَذَا نَأْخُذُ. فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْتَصَّ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَعْيَانِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، فَكَذَلِكَ بِمَنَافِعِهَا.\nوَبِالْجُزْءِ الَّذِي يَفُوتُ مِنْ عَيْنِهَا لِتَمَكُّنِ النُّقْصَانِ بِاسْتِعْمَالِهِ.\n١٨٨٤ - وَذُكِرَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: لَا بَأْسَ بِمَا أَصَابَتْ السَّرِيَّةُ مِنْ الطَّعَامِ أَنْ يَرْجِعُوا بِهِ إلَى أَهْلِهِمْ فَيَأْكُلُونَ وَيُهْدُونَ مَا لَمْ يَبِيعُوا.\nفَكَأَنَّهُ جَعَلَ الْإِهْدَاءَ مِنْ جُمْلَةِ الْحَاجَةِ كَالْأَكْلِ. وَلَسْنَا نَأْخُذُ بِهَذَا. فَإِنَّ الْأَكْلَ مِنْ أُصُولِ الْحَوَائِجِ (ص ٣٣٩) تَتَحَقَّقُ فِيهِ الضَّرُورَةُ، وَالْإِهْدَاءُ لَيْسَ مِنْ أُصُولِ الْحَوَائِجِ، فَهُوَ كَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ.\n١٨٨٥ - وَذُكِرَ أَنَّ الْبَرَاءَ بْنَ مَالِكٍ أَخَذَ سَيْفًا مِمَّا أَصَابُوا يَوْمَ الزَّارَةِ وَقَاتَلَ بِهِ.\nوَبِهِ نَأْخُذُ عِنْدَ الْحَاجَةِ، بِأَنْ يَنْكَسِرَ سِلَاحُهُ. فَأَمَّا إذَا أَرَادَ الْإِبْقَاءَ عَلَى سِلَاحِهِ وَالْقِتَالَ بِسِلَاحٍ أَخَذَهُ مِنْ الْعَدُوِّ فَهُوَ مِنْ رِبَا الْغُلُولِ.\nلِأَنَّ مَا أَخَذَهُ يَكُونُ غَنِيمَةً، وَلَكِنْ عِنْدَ الضَّرُورَةِ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَسْتَعْمِلَهُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ فِي الْقِتَالِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ ضَرَبَهُ الْمُشْرِكُ بِسَيْفٍ فَأَخَذَهُ مِنْ يَدِهِ وَضَرَبَهُ بِهِ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ.\n١٨٨٦ - قَالَ: وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُوَقِّحَ دَابَّتَهُ، وَيَدْهُنَ رَأْسَهُ مِنْ الْمَغْنَمِ.","vol":"1","page":1021},{"text":"وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِمَا يُؤْكَلُ مِنْ الزَّيْتِ وَالسَّمْنِ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَخْتَصَّ بِذَلِكَ الْعَيْنِ أَكْلًا، فَكَذَلِكَ لَهُ أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ انْتِفَاعًا بِوَجْهٍ آخَرَ.\nفَأَمَّا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْأَدْهَانِ كَالْبَنَفْسَجِ وَالزَّنْبَقِ وَالْخَيْرِيِّ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَدْهُنَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.\nلِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُؤْكَلُ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وَجَدَ غَالِيَةً أَوْ بَانًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ هَذَا. لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُؤْكَلُ. وَأَمَّا الزَّيْتُ وَنَحْوُهُ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْكُلَهُ أَوْ يَسْتَصْبِحَ بِهِ فِي السِّرَاجِ فَذَلِكَ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَدْهُنَ بِهِ.\n١٨٨٧ - وَذُكِرَ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَجَدَ يَوْمَ خَيْبَرَ دَرَاهِمَ فِي خَرِبَةٍ، فَأَخَذَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الْخُمُسَ» . وَبِهَذَا نَأْخُذُ. فَإِنَّ وَاحِدًا مِنْ الْغَانِمِينَ إذَا وَجَدَ فِي دَارِ الْحَرْبِ رِكَازًا أَوْ مَعْدِنًا فَهُوَ غَنِيمَةٌ، لِأَنَّهُ مَا تَوَصَّلَ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ وَاسْتِخْرَاجِ ذَلِكَ الْمَالِ إلَّا بِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ.\n١٨٨٨ - فَإِنْ نَهَى الْإِمَامُ الْجَيْشَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْ الْبَقَرِ أَوْ الْغَنَمِ أَوْ غَيْرِهِمَا وَأَقْسَمَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَفْعَلُوا ذَلِكَ حَتَّى يَقْسِمَ فَعَلَيْهِمْ طَاعَتُهُ، وَلَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لِشَيْءٍ مِنْهُ.\nلِأَنَّ الْإِمَامَ مُجْتَهِدٌ، فِيمَا يَأْخُذُ عَلَيْهِمْ الْمِيثَاقَ بِهِ، وَبِتَنْصِيصِهِ يَنْعَدِمُ مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ فِي هَذَا الْمَالِ مِنْ شَرِكَةِ الْغَنِيمَةِ، فَيَكُونُ حُكْمُهُ كَحُكْمِ سَائِرِ الْغَنَائِمِ.","vol":"1","page":1022},{"text":"١٨٨٩ - إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْظُرَ لَهُمْ. فَإِذَا عَرَفَ حَاجَتَهُمْ إلَى ذَلِكَ أَخَذَ مِنْهُ الْخُمُسَ وَقَسَمَ مَا بَقِيَ، لِيَتَنَاوَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ نَصِيبِهِ. فَإِنَّ الْحَاجَةَ إلَى ذَلِكَ قَدْ تَحَقَّقَتْ، وَعِنْدَ الضَّرُورَةِ تَجُوزُ الْقِسْمَةُ فِي دَارِ الْحَرْبِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":1023},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>[بَابُ قَتْلِ الْأَسَارَى وَالْمَنِّ عَلَيْهِمْ]</span>\n١٠٧ - بَابُ قَتْلِ الْأَسَارَى وَالْمَنِّ عَلَيْهِمْ ١٨٩٠ - قَالَ: الْإِمَامُ بِالْخِيَارِ فِي الرِّجَالِ مِنْ أُسَارَى الْمُشْرِكِينَ بَيْنَ أَنْ يَقْتُلَهُمْ وَبَيْنَ أَنْ يَخْمِسَهُمْ وَيَقْسِمَ بَيْنَ مَنْ أَصَابَهُمْ.\nوَكَانَ الْحَسَنُ - ﵁ - يَكْرَهُ قَتْلَ الْأَسِيرِ إلَّا فِي الْحَرْبِ لِيُهِيبَ بِهِ الْعَدُوَّ. وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ - ﵀ - كَانَ يَكْرَهُ قَتْلَ الْأَسِيرِ بَعْدَ مَا وَضَعَتْ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا.\nوَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ إبَاحَةَ الْقَتْلِ لِدَفْعِ مُحَارَبَتِهِمْ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] وَقَدْ انْدَفَعَ ذَلِكَ بِالْأَسْرِ وَانْقِضَاءِ الْحَرْبِ، فَلَيْسَ فِي الْقَتْلِ بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا إبْطَالُ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ مَا ثَبَتَ فِي رِقَابِهِمْ حَقٌّ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ بَعَثَ إلَى ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - بِأَسِيرٍ لِيَقْتُلَهُ فَقَالَ: أَمَا وَاَللَّهِ مَصْرُورًا فَلَا أَقْتُلُهُ. يَعْنِي: بَعْدَ مَا شَدَدْتُمُوهُ وَأَسَرْتُمُوهُ فَلَا أَقْتُلُهُ.","vol":"1","page":1024},{"text":"وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ، حَتَّى إذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ [محمد: ٤] الْآيَةَ وَإِنَّمَا أَمَرَنَا بِالْقِتَالِ إلَى غَايَةِ الْأَسْرِ، ثُمَّ جَعَلَ الْحُكْمَ بَعْدَ ذَلِكَ الْمَنَّ أَوْ الْفِدَاءَ.\nوَدَلِيلُنَا عَلَى جَوَازِ الْقَتْلِ بَعْدَ الْأَسْرِ قِصَّةُ بَنِي قُرَيْظَةَ. فَقَدْ قَتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بَعْدَ الْأَسْرِ، وَبَعْدَ مَا وَضَعَتْ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا. «وَقَتَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ وَالنَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ بِالْأَثِيلِ وَكَانَا مِنْ أَسَارَى بَدْرٍ» . (ص ٣٤٠) وَقَتَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - ﵁ - مَعْبَدَ بْنَ وَهْبٍ وَقَدْ كَانَ أَسَرَهُ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ يَوْمَ بَدْرٍ فَسَمِعَهُ يَقُولُ: يَا عُمَرُ أَتَحْسِبُونَ أَنَّكُمْ غَلَبْتُمْ، كَلًّا وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى. فَقَالَ: أَتَقُولُ هَذَا وَأَنْتَ أَسِيرٌ فِي أَيْدِينَا؟ ثُمَّ أَخَذَهُ مِنْ أَبِي بُرْدَةَ وَضَرَبَ عُنُقَهُ.\nوَلِأَنَّ الْأَمْنَ عَنْ الْقَتْلِ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالْأَمَانِ أَوْ بِالْإِيمَانِ، وَبِالْأَسْرِ لَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَبَقِيَ مُبَاحَ الدَّمِ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ الْأَسْرِ. وَهُوَ بِالْأَسْرِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُحَارَبًا، وَلَكِنَّهُ عَجَزَ عَنْ الْمُحَارَبَةِ لِكَوْنِهِ مَقْهُورًا فِي أَيْدِينَا مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ الَّذِي يَحْمِلُهُ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ الْمُخَالَفَةُ فِي الدِّينِ.\nفَيَجُوزُ قَتْلُهُ كَالْمُرْتَدِّ الْمَقْهُورِ فِي أَيْدِينَا، وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] فَمَنْسُوخٌ.","vol":"1","page":1025},{"text":"هَكَذَا نُقِلَ عَنْ السُّدِّيِّ أَنَّهُ نَسَخَهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] .\n١٨٩١ - وَتَأْوِيلُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَ قَتْلَهُ مَشْدُودَ الْيَدَيْنِ، لَا أَنْ يُقَالَ تَحَرَّزَ عَنْ قَتْلِهِ بَعْدَ مَا أُسِرَ. وَنَحْنُ هَكَذَا نَقُولُ: الْأُولَى أَنْ لَا يُقْتَلَ مَشْدُودَ الْيَدَيْنِ إذَا كَانَ لَا يُخَافُ أَنْ يَهْرُبَ أَوْ يَقْتُلَ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ يَسْتَوِي فِي ذَلِكَ مَا بَعْدَ الْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ وَمَا قَبْلَهُ.\nلِانْعِدَامِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِحُرْمَةِ دِمَائِهِمْ.\nفَإِنَّ الْحَقَّ لَا يَتَأَكَّدُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْأَسَارَى بَعْدَ الْإِحْرَازِ بِالدَّارِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَهُمْ أَحْرَارَ الْأَصْلِ بِأَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ بِرِقَابِهِمْ وَأَرَاضِيِهِمْ وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ عَلَيْهِمْ وَالْخَرَاجَ عَلَى أَرَاضِيِهِمْ، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ - ﵁ - بِالسَّوَادِ.\n١٨٩٢ - وَإِذَا لَمْ يَتَأَكَّدْ الْحَقُّ فِيهِمْ كَانَ الْحُكْمُ فِيهِمْ بَعْدَ الْإِحْرَازِ كَالْحُكْمِ قَبْلَهُ، وَالْإِمَامُ نَاظِرٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ رَأَى الصَّوَابَ فِي قِسْمَتِهِمْ قَسَمَهُمْ، وَإِنْ رَأَى الصَّوَابَ فِي قَتْلِهِمْ قَتَلَهُمْ.\nلِدَفْعِ فِتْنَتِهِمْ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] . وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ حَرُمَ قَتْلُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣] . وَقَدْ","vol":"1","page":1026},{"text":"خَرَجَ بِالْإِسْلَامِ مِنْ أَنْ يَكُونَ ظَالِمًا، وَقَالَ - ﵇ -: «فَإِذَا قَالُوهَا فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ» . وَلَكِنَّهُ يُقْسَمُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.\nلِأَنَّ الْإِسْلَامَ يُؤَمِّنُهُ مِنْ الْقَتْلِ، وَلَكِنْ لَا يَبْطُلُ الْحَقُّ الثَّابِتُ فِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ.\nوَقَدْ كَانَ الْإِمَامُ مُخَيَّرًا بَيْنَ الْقَتْلِ وَالْقِسْمَةِ فَإِذَا تَعَذَّرَ أَحَدُهُمَا بِالْإِسْلَامِ تَعَيَّنَ الْآخَرُ.\n١٨٩٣ - وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ قَتَلَ أَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ أَوْ يُبَاعَ أَوْ يُقْسَمَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.\nلِأَنَّهُ أَرَاقَ دَمًا مُبَاحًا فَهُوَ كَمَنْ قَتَلَ مُرْتَدًّا أَوْ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ بِالرَّجْمِ.\nوَلَكِنْ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْأَسِيرُ لِغَيْرِهِ فَهُوَ بِالْقَتْلِ يُفَوِّتُ عَلَيْهِ يَدَهُ فِيهِ، وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ.\nبِحَدِيثِ جَابِرٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَتَعَاطَى أَحَدُكُمْ أَسِيرَ صَاحِبِهِ إذَا أَخَذَهُ قَبْلَهُ فَيَقْتُلَهُ» . وَلَكِنْ مَعَ هَذَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.\nلِأَنَّهُ أَزَالَ يَدَهُ عَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ لِحَقِّهِ. فَهُوَ كَمَنْ أَرَاقَ خَمْرًا عَلَى مُسْلِمٍ وَهُوَ يُمْسِكُهُ لِلتَّخْلِيلِ.\n١٨٩٤ - وَإِنْ كَانَ هُوَ الَّذِي أَسَرَهُ فَهُوَ فِي الْقَتْلِ يَفْتَاتُ عَلَى رَأْيِ الْإِمَامِ، وَيُبْطِلُ الْخِيَارَ الثَّابِتَ لَهُ. وَذَلِكَ مَكْرُوهٌ، وَقَالَ - ﵇ -: «لَيْسَ لِلْمَرْءِ إلَّا مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُ إمَامِهِ» .","vol":"1","page":1027},{"text":"١٨٩٥ - إلَّا أَنْ يُعَالِجَهُ الْأَسِيرُ وَيَقْصِدَ الِانْفِلَاتَ مِنْ يَدِهِ حَتَّى يُعْجِزَهُ عَنْ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ الْإِمَامُ، فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلَهُ، قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ.\n١٨٩٦ - وَإِنْ أَسْلَمَ فِي يَدِهِ فَهُوَ آمِنٌ مِنْ الْقَتْلِ. هَكَذَا قَالَ عُمَرُ - ﵁ -: إذَا أَسْلَمَ الْأَسِيرُ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ أَمِنَ مِنْ الْقَتْلِ وَهُوَ رَقِيقٌ.\n١٨٩٧ - فَإِنْ قَسَمَ الْإِمَامُ الْأَسَارَى أَوْ بَاعَهُمْ حُرِّمَتْ دِمَاؤُهُمْ.\n(ص ٣٤١) .\nلِأَنَّهُ آمَنَهُمْ بِمَا صَنَعَ، فَإِنَّهُ مَلَّكَهُمْ مِنْ الَّذِينَ وَقَعُوا فِي سِهَامِهِمْ، وَالْمِلْكُ يَكُونُ مُحْتَرَمًا بِحُرْمَةِ الْمَالِكِ.\n١٨٩٨ - فَمَنْ قَتَلَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ خَطَأً فَعَلَيْهِ قِيمَةُ مَنْ قَتَلَ.\nوَالْكَفَّارَةُ، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي قَتْلِ غَيْرِهِمْ مِنْ عَبِيدِ الْمُسْلِمِينَ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ.\nفَهُنَاكَ الْمِلْكُ لَمْ يَثْبُتْ لِمَنْ فِي يَدِهِ الْأَسِيرُ، فَإِذَا قَتَلَهُ غَيْرُهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَإِنْ كُرِهَ ذَلِكَ لِحُرْمَةِ يَدِ الْمُسْلِمِ. «قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمَ بَدْرٍ: لَا تُخْبِرُوا سَعْدًا بِقَتْلِ أَخِيهِ فَيَقْتُلَ كُلَّ أَسِيرٍ فِي أَيْدِيكُمْ» .\n١٨٩٩ - وَذُكِرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ قَالَ: رُدَّتْ الْغَنَائِمُ","vol":"1","page":1028},{"text":"فِي الْمَغْنَمِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَأُقِرَّتْ الْأَسَارَى فِي أَيْدِي مَنْ أَسَرَهُمْ، وَالْأَسْلَابُ فِي أَيْدِي مَنْ قَتَلَهُمْ.\nوَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّ التَّنْفِيلَ كَانَ قَدْ سَبَقَ مِنْ النَّبِيِّ - ﷺ - بِقَوْلِهِ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، وَمَنْ أَسَرَ أَسِيرًا فَهُوَ لَهُ» . فَأَمَّا إذَا لَمْ يَسْبِقْ التَّنْفِيلُ مِنْ الْأَمِيرِ بِذَلِكَ فَكُلُّ ذَلِكَ مَرْدُودٌ فِي الْمَغْنَمِ.\n١٩٠٠ - وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ قَتْلَ الْأَسَارَى فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ بِالْعَطَشِ وَالْجُوعِ وَلَكِنَّهُ يَقْتُلُهُمْ قَتْلًا كَرِيمًا.\nيَعْنِي لَا يَنْبَغِي أَنْ يُمَثِّلَ بِهِمْ. فَقَدْ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ الْمُثْلَةِ وَلَوْ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ» .\nوَقَالَ - ﵇ - «فِي بَنِي قُرَيْظَةَ بَعْدَ مَا احْتَرَقَ النَّهَارُ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ: لَا تَجْمَعُوا عَلَيْهِمْ حَرَّ هَذَا الْيَوْمِ وَحَرَّ السِّلَاحِ. قَيِّلُوهُمْ حَتَّى يَبْرُدُوا. فَقَيَّلُوهُمْ حَتَّى أَبْرَدُوا، ثُمَّ رَاحُوا بِبَقِيَّتِهِمْ فَقَتَلُوهُمْ. وَقَدْ كَانَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِأَحْمَالِ التَّمْرِ فَنُثِرَتْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، فَكَانُوا يَكْدُمُونَهَا كَدْمَ الْحُمُرِ» .","vol":"1","page":1029},{"text":"قَالَ: وَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَمُنَّ عَلَى الْقَتِيلِ فَيَتْرُكَهُ وَلَا يَقْتُلُهُ وَلَا يَقْسِمُهُ.\nلِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ إبْطَالَ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ عَنْهُ بِأَنْ يَخْتَصَّ بِهِ أَحَدُهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ. فَإِذَا أَرَادَ إبْطَالَ حَقِّ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ بِالْمَنِّ عَلَيْهِ، أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا مِنْهُ.\nوَهَذَا لِأَنَّ فِي الْمَنِّ عَلَيْهِ تَمْكِينَهُ مِنْ أَنْ يَعُودَ حَرْبًا لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدَ الظُّهُورِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لَا يَحِلُّ.\n١٩٠٢ - وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ حُكْمَ الْمَنِّ الثَّابِتِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] . قَدْ انْتَسَخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] .\nوَاَلَّذِي رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - مَنَّ عَلَى أَبِي عَزَّةَ الْجُمَحِيِّ يَوْمَ بَدْرٍ. فَقَدْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ انْتِسَاخِ حُكْمِ الْمَنِّ» .\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا «وَقَعَ أَسِيرًا يَوْمَ أُحُدٍ وَطَلَبَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِ أَبَى وَقَالَ: لَا تُحَدِّثْ الْعَرَبَ بِأَنِّي خَدَعْت مُحَمَّدًا مَرَّتَيْنِ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ» .\nوَذَكَرَ مُحَمَّدٌ - ﵀ - لِلْحَدِيثِ تَأْوِيلًا آخَرَ وَهُوَ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يُقَاتِلُ عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ.\nوَأُولَئِكَ مَا كَانَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ السَّبْيِ، وَإِنَّمَا مَنَّ عَلَى بَعْضِ الْأُسَرَاءِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إبْطَالُ حَقٍّ ثَابِتٍ لِلْمُسْلِمِينَ فِي رِقَابِهِمْ. وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ فِي مِثْلِهِمْ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ، الَّذِينَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا السَّيْفُ أَوْ الْإِسْلَامُ، فَإِنَّهُمْ إنْ أَسْلَمُوا كَانُوا أَحْرَارًا، وَإِنْ أَبَوْا قُتِلُوا.","vol":"1","page":1030},{"text":"وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ النَّظَرَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْمَنِّ عَلَيْهِمْ عَلَى بَعْضِ الْأَسَارَى، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ أَيْضًا لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - مَنَّ عَلَى ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ الْحَنَفِيِّ حِينَ أَسَرَهُ الْمُسْلِمُونَ وَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سِوَارِي الْمَسْجِدِ. فَخَرَجَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: مَا وَرَاءَك يَا ثُمَامَةُ؟ فَقَالَ: إنْ عَاقَبْتَ عَاقَبْتَ ذَا ذَنْبٍ، وَإِنْ مَنَنْتَ مَنَنْتَ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ أَرَدْتَ الْمَالَ فَعِنْدِي مِنْ الْمَالِ مَا شِئْتَ. فَمَنَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - (ص ٣٤٢) بِشَرْطِ أَنْ يَقْطَعَ الْمِيرَةَ عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ. فَفَعَلَ ذَلِكَ حَتَّى قَحَطُوا» .\nوَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَمُنَّ عَلَى الرِّقَابِ تَبَعًا لَلْأَرَاضِي، لِأَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةً لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ حَيْثُ الْجِزْيَةُ وَالْخَرَاجُ. فَعَرَفْنَا أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ الْمَنْفَعَةِ لِلْمُسْلِمِينَ.\nوَذُكِرَ: عَنْ «جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا لِلْمَقِيلِ، ثُمَّ دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَجِئْته وَعِنْدَهُ رَجُلٌ جَالِسٌ. فَقَالَ - ﵇ -: إنَّ هَذَا جَاءَ وَأَنَا نَائِمٌ، فَسَلَّ سَيْفِي ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ: مَنْ يَمْنَعُك مِنِّي الْيَوْمَ؟ فَقُلْت: اللَّهُ. ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَنْ يَمْنَعُك مِنِّي الْيَوْمَ؟ فَقُلْت: اللَّهُ. ثُمَّ شَامَ","vol":"1","page":1031},{"text":"السَّيْفَ. وَهَا هُوَ جَالِسٌ. فَمَا قَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - شَيْئًا وَلَا عَاقَبَهُ» .\nوَتَأْوِيلُ ذَلِكَ أَنَّهُ حِينَ سَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ وَتَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ أَسْلَمَ. فَلِهَذَا لَمْ يُعَاقِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَوْ إنَّمَا تَمَكَّنَ مِنْهُ النَّبِيُّ - ﷺ - بِتَأْيِيدٍ إلَهِيٍّ لَا بِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ. فَرَأَى أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِ رَجَاءَ أَنْ يُسْلِمَ.\n١٩٠٤ - وَإِذَا قَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ أَخَذَ أَسِيرًا فَهُوَ لَهُ. فَوُجِدَ الْأَسِيرُ فِي يَدِ رَجُلَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِيهِ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ.\nلِاسْتِوَائِهِمَا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ.\nإلَّا أَنْ يَكُونَ عَقَرَهُ أَحَدُهُمَا بِعَيْنِهِ، وَأَخَذَهُ الْآخَرُ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ عُقِرَ عَقْرًا لَا يَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى الْبَرَاحِ فَهُوَ لِلَّذِي عَقَرَهُ.\nلِأَنَّهُ صَارَ مَأْخُوذًا بِفِعْلِهِ.\nوَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى الْفِرَارِ فَهُوَ لِلَّذِي أَخَذَهُ. لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ مَأْخُوذًا بِفِعْلِ الْأَوَّلِ.\nوَنَظِيرُهُ الصَّيْدُ إذَا رَمَاهُ إنْسَانٌ فَأَثْخَنَهُ ثُمَّ أَخَذَهُ آخَرُ. وَرُوِيَ حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - ﵁ - قَالَ: «رَمَيْت يَوْمَ بَدْرٍ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو، فَانْقَطَعَ نَسَاهُ ثُمَّ اتَّبَعْتُ أَثَرَ الدَّمِ حَتَّى وَجَدْته فِي يَدِ مَالِكِ بْنِ الدُّخْشُمِ وَقَدْ جَزَّ نَاصِيَتَهُ، فَاخْتَصَمْنَا فِيهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ","vol":"1","page":1032},{"text":"- ﷺ - فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مِنَّا» .\nوَإِنَّمَا أَخَذَهُ مِنْهُمَا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ غَنَائِمَ بَدْرٍ كَانَتْ مُخَالِفَةً لِسَائِرِ الْغَنَائِمِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْأَمْرَ فِيهَا كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يُعْطِي مَنْ شَاءَ وَيَحْرِمُ مَنْ شَاءَ.\n\nوَذُكِرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ: ١٩٠٥ - قَالَ: قُلْت لِلْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: أَرَأَيْت رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ اشْتَرَى أَسِيرًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَيَصْلُحُ لَهُ أَنْ يَرْبَحَ فِيهِ؟ قَالَ: لَا.\nوَبِهِ نَأْخُذُ. فَإِنَّ الْمُسْلِمَ وَإِنْ وَقَعَ أَسِيرًا فَهُوَ حُرٌّ عَلَى حَالِهِ، وَمَنْ اشْتَرَاهُ مِنْ الْعَدُوِّ لَا يَمْلِكُهُ، فَكَيْفَ يَرْبَحُ عَلَيْهِ؟ وَلَكِنْ إنْ اشْتَرَاهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ فِيمَا أَدَّى مِنْ فِدَائِهِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَهُ. وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِأَمْرِهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ. وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ. وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ نَصًّا.\nلِأَنَّ مُجَرَّدَ الْأَمْرِ مُتَنَوِّعٌ، قَدْ يَكُونُ لِطَلَبِ الْإِحْسَانِ وَالْأَخْذِ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَقَدْ يَكُونُ لِلِاسْتِقْرَاضِ، وَلَكِنَّهُ عَيَّنَ جِهَةَ الِاسْتِقْرَاضِ لِلْعَادَةِ الظَّاهِرَةِ فِيهِ، بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَمَرَ غَيْرُهُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى عِيَالِهِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ. ثُمَّ يَصِيرُ هَذَا رِوَايَةً فِي فَصْلٍ اخْتَلَفَ فِيهِ الْمَشَايِخُ، وَهُوَ أَنَّ السُّلْطَانَ إذَا صَادَرَ رَجُلًا فَأَمَرَ ذَلِكَ الرَّجُلُ غَيْرَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ الْمَالَ فَقَدْ قَالَ هُنَاكَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: لَا يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ إلَّا بِالشَّرْطِ، لِأَنَّ الْمَالَ مَا كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْآمِرِ، وَإِنَّمَا كَانَ مَظْلُومًا فِيهِ، وَمَنْ دَفَعَ ظُلْمًا عَنْ غَيْرِهِ بِسُؤَالِهِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، وَلَكِنْ","vol":"1","page":1033},{"text":"الْأَصَحُّ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ ظَالِمُونَ فِي حَبْسِ الْأَسِيرِ أَيْضًا.\nوَمَنْ اشْتَرَاهُ مِنْهُمْ فَقَدْ دَفَعَ ظُلْمَهُمْ عَنْهُ، وَمَعَ ذَلِكَ يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ إذَا كَانَ بِأَمْرِهِ.\n\nوَذُكِرَ عَنْ بِشْرِ بْنِ غَالِبٍ: ١٩٠٦ - قَالَ: سُئِلَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ - ﵄ -: مَتَى يَجِبُ السَّهْمُ لِلْمَوْلُودِ؟ قَالَ: إذَا اسْتَهَلَّ (ص ٣٤٣) .\nيُرِيدُ بِهِ نَصِيبَهُ مِنْ الْمِيرَاثِ. فَإِنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ إذَا انْفَصَلَ حَيًّا، وَإِنَّمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ بِالِاسْتِهْلَالِ.\n١٩٠٧ - وَسُئِلَ عَنْ فِكَاكِ الْأَسِيرِ فَقَالَ: عَلَى الْأَرْضِ الَّتِي يُقَاتِلُ عَنْهَا.\nيَعْنِي مِنْ خَرَاجِ تِلْكَ الْأَرْضِ، لِأَنَّهُ قَبْلَ الْأَسْرِ كَانَ يَذُبُّ عَنْ أَهْلِ تِلْكَ الْأَرْضِ، فَهُمْ أَوْلَى بِفِكَاكِهِ، لِيَكُونَ الْغُرْمُ بِمُقَابَلَةِ الْغُنْمِ، وَإِنَّمَا يُفَكُّ مِنْ الْخَرَاجِ لِأَنَّهُ مُعَدٌّ لِنَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ وَسَدِّ خُلَّةِ الْمُحْتَاجِينَ مِنْهُ. وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ.\n١٩٠٨ - وَسُئِلَ عَنْ الشَّرَابِ قَائِمًا، فَحَلَبَ نَاقَةً ثُمَّ شَرِبَ قَائِمًا وَإِنَّمَا قَصَدَ الْبَيَانَ بِفِعْلِهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ. وَقَدْ اقْتَدَى فِيهِ بِأَبِيهِ عَلِيٍّ - ﵁ - فَإِنَّهُ حِينَ بَلَغَهُ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُمْ يَكْرَهُونَ الشُّرْبَ قَائِمًا تَوَضَّأَ فِي رَحْبَةِ الْمَسْجِدِ بِالْكُوفَةِ ثُمَّ أَخَذَ الْإِنَاءَ وَشَرِبَ فَضْلَةً فِيهَا قَائِمًا. وَكَانَ قَصْدُهُ مِنْ ذَلِكَ رَدَّ قَوْلِهِمْ فِي كَرَاهَةِ شُرْبِ الْمَاءِ قَائِمًا.\n١٩٠٩ - وَذُكِرَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - أُتِيَ بِأَسِيرٍ","vol":"1","page":1034},{"text":"يَوْمَ صَفَّيْنِ، فَقَالَ: لَا تَقْتُلْنِي. قَالَ: لَا أَقْتُلُك صَبْرًا، إنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ. وَجَعَلَ سِلَاحَهُ لِلَّذِي جَاءَ بِهِ.\nوَإِنَّمَا جَعَلَ ذَلِكَ لِيَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الْعَدُوِّ، حَتَّى إذَا وَضَعَتْ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا رَدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ إنْ كَانَ حَيًّا، وَعَلَى وَرَثَتِهِ إنْ كَانَ مَيِّتًا. وَهُوَ أَيْضًا تَأْوِيلُ مَا نُقِلَ عَنْ الشَّعْبِيِّ - ﵁ - أَنَّ عَلِيًّا - ﵁ - لَمْ يَغْنَمْ مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الْجُمَلِ إلَّا الْكُرَاعَ وَالسِّلَاحَ. أَيْ دَفَعَ ذَلِكَ إلَى أَصْحَابِهِ لِيَتَقَوَّوْا بِهِ عَلَى عَدُوِّهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُمَلِّكَهُمْ ذَلِكَ، فَإِنَّ مَالَ الْمُسْلِمِ لَا يَصِيرُ غَنِيمَةً لِلْمُسْلِمِينَ بِحَالٍ\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يُخَمِّسْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَأَنَّهُمْ لَمَّا طَالَبُوهُ الْقِسْمَةَ بَيْنَهُمْ قَالَ: فَمَنْ يَأْخُذُ مِنْكُمْ عَائِشَةَ؟ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ. فَعَرَفْنَا أَنَّهُ إنَّمَا دَفَعَ السِّلَاحَ إلَى مَنْ دَفَعَ لِحَاجَتِهِ، حَتَّى يُقَاتِلَ بِهِ ثُمَّ يَرُدُّهُ عَلَى صَاحِبِهِ بَعْدَ مَا وَضَعَتْ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا.\n١٩١٠ - وَإِذَا وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْ رِجَالِهِمْ إلَّا السَّيْفُ أَوْ الْإِسْلَامُ. فَأَمَّا نِسَاؤُهُمْ وَصِبْيَانُهُمْ فَهُمْ فَيْءٌ لَا يُجْبَرُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ لِقَوْلِهِ - ﵇ -: «اُقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكِينَ وَاسْتَحْيُوا شَرْخَهُمْ» .\nوَالْمُرَادُ بِالِاسْتِحْيَاءِ الِاسْتِرْقَاقُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩] وَالْمُرَادُ بِالشَّرْخِ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ.\nثُمَّ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ حَالَهُمْ كَحَالِ الْمُرْتَدِّينَ، وَالنِّسَاءُ وَالذَّرَارِيُّ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ بَعْدَ مَا صَارُوا أَهْلَ حَرْبٍ يُسْتَرَقُّونَ، بِخِلَافِ الرِّجَالِ إلَّا أَنَّ أُولَئِكَ يُجْبَرُونَ","vol":"1","page":1035},{"text":"عَلَى الْإِسْلَامِ، لِأَنَّ حُكْمَ الْإِسْلَامِ قَدْ لَزِمَهُمْ. فَأَمَّا عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ فَلَمْ يَسْبِقْ مِنْهُمْ الْإِقْرَارُ بِالْإِسْلَامِ، فَلِهَذَا لَا يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ مَنْ اُسْتُرِقَّ مِنْ ذَرَارِيِّهِمْ.\n١٩١١ - ثُمَّ كُلُّ مَنْ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ مِنْ الرِّجَالِ يَجُوزُ أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْهُ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ، كَأَهْلِ الْكِتَابِ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَجَمِ.\nوَمَنْ لَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْهُ كَالْمُرْتَدِّينَ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ.\nلِأَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إبْقَاءَ الْكَافِرِ بِمَنْفَعَةٍ تَحْصُلُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ حَيْثُ الْمَالِ.\nوَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثَانِ: أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ قَالَ: لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَبِلَ مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ الْجِزْيَةَ إلَّا الْإِسْلَامَ أَوْ الْقَتْلَ.\nوَالثَّانِي حَدِيثُ مُعَاذٍ - ﵁ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ يَوْمَ حُنَيْنٍ: لَوْ ثَبَتَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْعَرَبِ وَلَاءٌ أَوْ رِقٌّ لَثَبَتَ الْيَوْمَ، وَلَكِنْ إنَّمَا هُوَ الْقَتْلُ أَوْ الْفِدَاءُ» .\nوَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ حُكْمَ الْفِدَاءِ قَدْ انْتَسَخَ، فَبَقِيَ الْقَتْلُ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ.","vol":"1","page":1036},{"text":"وَإِذَا وَقَعَ السَّبْيُ فِي سَهْمِ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَأَخْرَجَ مَالًا كَانَ مَعَهُ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَيَنْبَغِي لِلَّذِي وَقَعَ فِي سَهْمِهِ (ص ٣٤٤) أَنْ يَرُدَّهُ فِي الْغَنِيمَةِ.\nلِأَنَّ الْأَمِيرَ إنَّمَا مَلَّكَهُ بِالْقِسْمَةِ رَقَبَةَ الْأَسِيرِ لَا مَا مَعَهُ مِنْ الْمَالِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا لَهُ وَهُوَ مَأْمُورٌ بِالْعَدْلِ فِي الْقِسْمَةِ. وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ الْعَدْلُ إذَا كَانَتْ الْقِسْمَةُ لَا تَتَنَاوَلُ إلَّا مَا كَانَ مَعْلُومًا لَهُ.\n١٩١٣ - فَإِنْ تَفَرَّقَ الْغَانِمُونَ وَذَلِكَ السَّبْيُ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ لِقِلَّتِهِ فَلْيَتَصَدَّقْ بِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ.\nلِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ إيصَالِهِ إلَى صَاحِبِهِ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ اللُّقَطَةِ فِي يَدِهِ يَتَصَدَّقُ بِهِ.\nهَكَذَا نُقِلَ عَنْ مَكْحُولٍ: أَنَّهُ قَالَ لِمَنْ اُبْتُلِيَ بِذَلِكَ: مَا أَرَى وَجْهًا أَحْسَنَ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ.\nوَاَلَّذِي رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَعْطَى ذَلِكَ مَنْ وَقَعَ الْأَسِيرُ فِي يَدِهِ.\nفَتَأْوِيلُهُ أَنَّهُ إنَّمَا أَعْطَاهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا لِلَّذِي قَسَمَ الْغَنِيمَةَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ. وَإِنَّمَا حَسِبَ أَنَّ الَّذِي قَسَمَ أَعْطَاهُ ذَلِكَ بِنَصِيبِهِ مَعَ الْأَسِيرِ الَّذِي أَعْطَاهُ إيَّاهُ.","vol":"1","page":1037},{"text":"وَذُكِرَ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى جَارِيَةً مِنْ الْمَغْنَمِ، فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهَا قَدْ خَلَصَتْ لَهُ أَخْرَجَتْ حُلِيًّا كَانَ مَعَهَا. فَقَالَ الرَّجُلُ: مَا أَدْرِي هَذَا وَأَتَى سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ فَأَخْبَرَهُ. فَقَالَ: اجْعَلْهُ فِي غَنَائِمِ الْمُسْلِمِينَ وَانْطَلَقَ آخَرُ يَغْتَسِلُ، فَأَمَرَّ الْمَاءُ التُّرَابَ عَنْ لَبِنَةٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَأَتَى سَعْدًا فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: اجْعَلْهَا فِي غَنَائِمِ الْمُسْلِمِينَ. وَبِهِ نَأْخُذُ.\nفَإِنَّ الْمَالَ الَّذِي مَعَ الْأَسِيرِ كَانَ غَنِيمَةً، وَبَيْعُ الْأَمِيرِ إنَّمَا تَنَاوَلَ الرَّقَبَةَ دُونَ الْمَالِ، فَيَبْقَى الْمَالُ غَنِيمَةً.\n١٩١٥ - وَمَنْ وَجَدَ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَنْزًا وَقَدْ دَخَلَ مَعَ الْجَيْشِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ غَنِيمَةً.\nلِأَنَّهُ مَا تَمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ إلَّا بِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ.\n١٩١٦ - وَإِذَا وَقَعَتْ الْجَارِيَةُ مِنْ السَّبْيِ فِي سَهْمِ رَجُلٍ فَقَالَتْ: أَنَا جَارِيَةٌ ذِمِّيَّةٌ سَبَانِي أَهْلُ الْحَرْبِ ثُمَّ أَخَذَنِي الْمُسْلِمُونَ. وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهَا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا.\nلِأَنَّهَا صَارَتْ رَقِيقَةً حِينَ سُبِيَتْ مِنْ أَرْضِ الْعَدُوِّ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي إسْقَاطِ الرِّقِّ عَنْهَا.\nوَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَطَأَهَا مَوْلَاهَا بِالْمِلْكِ وَيَبِيعَهَا حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ عَلَى مَا قَالَتْ.","vol":"1","page":1038},{"text":"لِأَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ مَأْمُورٌ بِاتِّبَاعِ الظَّاهِرِ، مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ غَيْرَ ذَلِكَ بِالْحُجَّةِ.\nوَذُكِرَ عَنْ الْحَسَنِ - ﵁ -: أَنَّهُ قَالَ لِلسَّائِلِ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ: لَا تَقَعْ عَلَيْهَا وَبِعْهَا. فَإِنَّمَا كَرِهَ مُوَاقَعَتَهَا عَلَى طَرِيقِ التَّنَزُّهِ، لَا لِأَنَّهُ لَمْ يَرَهَا حَلَالًا لَهُ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ أَمَرَهُ بِبَيْعِهَا، وَلَوْ رَآهَا حُرَّةً كَمَا زَعَمَتْ مَا أَمَرَ بِبَيْعِهَا.\n١٩١٧ - وَإِذَا ظَهَرَ الْإِمَامُ عَلَى أَرْضٍ مِنْ أَرْضِ الْمُشْرِكِينَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ خَمَّسَهَا وَخَمَّسَ أَهْلَهَا وَقَسَمَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ ذَلِكَ بَيْنَ مَنْ أَصَابَهَا، كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ذَلِكَ بِخَيْبَرَ. وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَتْ الْأَرَاضِي أَرْضَ عُشْرٍ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُبْتَدَأُ بِتَوْظِيفِ الْخَرَاجِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُوضَعُ عَلَيْهِ الْعُشْرُ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الصَّدَقَةِ.\nوَإِنْ شَاءَ تَرَكَهَا وَأَهْلَهَا يُؤَدُّونَ مِنْهَا الْخَرَاجَ، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ - ﵁ - بِأَرْضِ السَّوَادِ وَأَرْضِ الشَّامِ. وَمَا خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ إلَّا نَفَرٌ يَسِيرٌ وَلَمْ يُحْمَدُوا عَلَى خِلَافِهِ حَتَّى دَعَا عَلَيْهِمْ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِلَالًا وَأَصْحَابَهُ. فَمَا حَالَ الْحَوْلُ وَفِيهِمْ عَيْنٌ تَطْرِفُ.\nيَعْنِي مَاتُوا فِي الطَّاعُونِ. وَقَدْ بَيَّنَّا تَمَامَ هَذَا فِي السِّيَرِ الصَّغِيرِ.\n١٩١٨ - وَذُكِرَ أَنَّ عُمَرَ - ﵁ - كَتَبَ إلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ","vol":"1","page":1039},{"text":"أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَنِي كِتَابُك يَذْكُرُ أَنَّ النَّاسَ قَدْ سَأَلُوا أَنْ تَقْسِمَ بَيْنَهُمْ غَنَائِمَهُمْ. فَانْظُرْ مَا أَجْلَبَ النَّاسُ عَلَيْك مِنْ كُرَاعٍ أَوْ سِلَاحٍ فَاقْسِمْهُ بَيْنَ مَنْ حَضَرَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَاتْرُكْ الْأَرْضَ وَالْأَنْهَارَ لِعُمَّالِهَا.\nوَبِهِ نَأْخُذُ. وَإِنَّمَا أُصِيبَ قَبْلَ الْفَتْحِ وَالظُّهُورِ.\nوَقَدْ تَحَقَّقَ انْفِصَالُهُ عَنْ أَهْلِ الْأَرْضِ وَخُرُوجُهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ، فَيَجِبُ قِسْمَةُ ذَلِكَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ.\nوَلَا يَبْطُلُ ذَلِكَ بِفَتْحِ الْأَرْضِ وَالْمَنِّ عَلَى أَهْلِهَا.\nقَالَ: وَانْظُرْ أَنْ لَا تُوَلِّهَ وَالِدَةً عَنْ وَلَدِهَا.\nأَيْ لَا تُفَرِّقْ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَوَالِدَتِهِ. وَبِنَحْوِ هَذَا جَاءَ الْأَثَرُ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - (ص ٣٤٥) حِينَ «رَأَى جَارِيَةً وَالِهَةً فِي الْغَنِيمَةِ فَقَالَ: مَا حَالُهَا؟ فَقَالَ: بِيعَ وَلَدُهَا. قَالَ: لَا تُوَلَّهُ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا» .\nقَالَ: وَلَا تَمَسَّ امْرَأَةً حَتَّى يَطِيبَ رَحِمُهَا.\nأَيْ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا. وَهُوَ نَظِيرُ مَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ: وَلَا الْحَبَالَى حَتَّى يُسْتَبْرَأْنَ بِحَيْضَةٍ.\nقَالَ: وَلَا تَتَّخِذْ أَحَدًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ كَاتِبًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُمْ يَأْخُذُونَ الرِّشْوَةَ فِي دِينِهِمْ، وَلَا رِشْوَةَ فِي دِينِ اللَّهِ. وَبِهِ نَأْخُذُ.","vol":"1","page":1040},{"text":"فَإِنَّ الْوَالِيَ مَمْنُوعٌ مِنْ أَنْ يَتَّخِذَ كَاتِبًا مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] .\nثُمَّ قَالَ: وَلَا عُشْرَ عَلَى مُسْلِمٍ وَلَا عَلَى صَاحِبِ ذِمَّةٍ، إنَّمَا الْعُشُورُ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ إذَا اسْتَأْذَنُوا أَنْ يَتَّجِرُوا فِي أَرْضِنَا.\nوَفِي هَذَا نَظَرٌ، فَقَدْ اشْتَهَرَ عَنْ عُمَرَ - ﵁ - أَنَّهُ أَمَرَ عُمَّالَهُ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفَ الْعُشْرِ. فَإِنْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ فَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ الْعُشْرُ الْكَامِلُ فِي أَمْوَالِ التِّجَارَةِ إذَا مَرُّوا بِهِ عَلَى الْعَاشِرِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ خَاصَّةً. فَأَمَّا أَهْلُ الذِّمَّةِ فَعَلَيْهِمْ نِصْفُ الْعُشْرِ.\n١٩١٩ - وَذُكِرَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: أَيُّمَا مَدِينَةٍ فُتِحَتْ فَأَسْلَمَ أَهْلُهَا قَبْلَ أَنْ تُقْسَمَ فَهُمْ أَحْرَارٌ.\nوَتَأْوِيلُ ذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانُوا مُرْتَدِّينَ أَوْ عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ، أَوْ كَانَ رَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَدَعَهُمْ فِي أَرْضِهِمْ يُؤَدُّونَ الْخَرَاجَ. فَأَمَّا إذَا رَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَقْسِمَهُمْ وَأَرْضَهُمْ فَهُمْ عَبِيدٌ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُمْ أَسْلَمُوا بَعْدَ تَمَامِ الْقَهْرِ، وَذَلِكَ يُؤَمِّنُهُمْ مِنْ الْقَتْلِ وَلَا يُبْطِلُ حَقَّ الْمُسْلِمِينَ عَنْ رِقَابِهِمْ.\nوَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.","vol":"1","page":1041},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>[بَابُ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ الْفَيْءُ وَمَا يَجُوزُ فِعْلُهُ بِالْغَنَائِمِ فِي دَارِ الْحَرْبِ]</span>\n- بَابُ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ الْفَيْءُ وَمَا يَرْكَبُهُ الرَّجُلُ مِنْ الدَّوَابِّ وَمَا يَجُوزُ فِعْلُهُ بِالْغَنَائِمِ فِي دَارِ الْحَرْبِ مِنْ الْقِسْمَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.\nقَالَ - ﵁ -: ١٩٢٠ - قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْسِمَ الْغَنَائِمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَا يَبِيعَهَا، وَإِنْ كَانَ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ نَفَذَ مِنْهُ، إلَّا أَنْ يَحْتَاجَ الْمُسْلِمُونَ إلَيْهَا. فَعِنْدَ الْحَاجَةِ تُقْسَمُ الثِّيَابُ وَالسِّلَاحُ بَيْنَهُمْ بَعْدَ رَفْعِ الْخُمُسِ.\nلِأَنَّ مَا يُشْبِهُ الْقِسْمَةَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ قَبْلَ الْإِصَابَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَهُوَ التَّنْفِيلُ، فَالْقِسْمَةُ بَعْدَ الْإِصَابَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ أَجْوَزُ. وَلِأَنَّهُ إنَّمَا لَا يَقْسِمُ مُرَاعَاةً لِحَقِّ الْمَدَدِ، كَيْ لَا تَقِلَّ رَغْبَتُهُمْ فِي اللُّحُوقِ بِالْجَيْشِ، وَعِنْدَ الْحَاجَةِ مُرَاعَاةُ جَانِبِ الَّذِينَ هُمْ مَعَهُمْ أَوْلَى ١٩٢١ - فَأَمَّا الرَّقِيقُ فَلَا تَتَحَقَّقُ الْحَاجَةُ إلَى قِسْمَتِهِمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَلَا يَتَأَكَّدُ الْحَقُّ فِيهِمْ أَيْضًا، حَتَّى حَلَّ لِلْإِمَامِ قَتْلُهُمْ.\nفَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْسِمَهُمْ قَبْلَ الْإِحْرَازِ بِالدَّارِ.\n١٩٢٢ - فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ ظَهْرٌ يَحْمِلُ عَلَيْهِ الْغَنَائِمَ نَظَرَ: فَإِنْ كَانَتْ فِي الْغَنَائِمِ دَوَابُّ فَلْيَحْمِلْ عَلَيْهَا الْغَنَائِمَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَكَانَ مَعَ عَامَّةِ الْجَيْشِ فَضْلُ حُمُولَةٍ حَمَلَ الْغَنَائِمَ عَلَيْهَا.","vol":"1","page":1042},{"text":"لِأَنَّ الْغَنَائِمَ حَقُّهُمْ وَالدَّوَابَّ كَذَلِكَ لَهُمْ، فَفِي الْحَمْلِ عَلَيْهَا مُرَاعَاةُ النَّظَرِ لَهُمْ، فَلَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ لِأَجْلِ الْخُمُسِ. فَإِنَّهُ تَبَعٌ لِحَقِّ الْغَانِمِينَ، عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِإِصَابَتِهِمْ. وَثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي الْبَيْعِ كَثُبُوتِهِ فِي الْأَصْلِ.\nوَإِنْ كَانَتْ فَضْلُ الْحُمُولَةِ مَعَ خَوَاصَّ مِنْهُمْ فَإِنْ طَابَتْ أَنْفُسُهُمْ بِأَنْ تُحْمَلَ الْغَنَائِمُ عَلَيْهَا فُعِلَ، وَإِنْ أَبَوْا لَمْ يُكْرِهْهُمْ عَلَى ذَلِكَ.\nلِأَنَّ الدَّوَابَّ لِلْخَاصِّ مِنْهُمْ، وَالْغَنِيمَةَ لِعَامَّتِهِمْ، فَاعْتِبَارُ جَانِبِ غَيْرِ صَاحِبِ الدَّابَّةِ يَمْنَعُهُ مِنْ حَمْلِهَا عَلَى دَابَّتِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ، وَلَيْسَ حَقُّ الْبَعْضِ تَبَعًا لِحَقِّ الْبَعْضِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَحْمِلَ بَعْضَهُمْ عَلَى دَوَابِّ الْبَعْضِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ، فَكَذَلِكَ حُكْمُ حَمْلِ الْغَنَائِمِ.\n١٩٢٣ - ثُمَّ إذَا أَبَوْا فَيَنْبَغِي أَنْ يَقْسِمَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ، حَتَّى يَتَوَلَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَمْلَ نَصِيبِهِ بِالطَّرِيقِ الَّذِي يُمْكِنُهُ.\nلِأَنَّ الْحَاجَةَ قَدْ تَحَقَّقَتْ، إذْ لَوْ لَمْ يَقْسِمْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ احْتَاجَ إلَى تَرْكِهَا وَفِيهِ إبْطَالُ حَقِّهِمْ عَنْهَا أَصْلًا.\n١٩٢٤ - وَإِنْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ تُجَّارٌ يَشْتَرُونَ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَبِيعَهَا مِنْهُمْ.\nلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ لَهُ الْقِسْمَةُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ (ص ٣٤٦) جَازَ الْبَيْعُ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَهُ تَصَرُّفٌ يَبْتَنِي عَلَى تَأَكُّدِ الْحَقِّ.\nثُمَّ بَعْدَ الْبَيْعِ يَقْسِمُ الثَّمَنَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ. وَلَا يُؤَخِّرُ ذَلِكَ إلَى الْخُرُوجِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ.","vol":"1","page":1043},{"text":"لِأَنَّ بِنُفُوذِ الْبَيْعِ يَتَأَكَّدُ حَقُّ الْغَانِمِينَ وَتَنْقَطِعُ شَرِكَةُ الْمَدَدِ مَعَهُمْ فِي الثَّمَنِ، فَلَا مَعْنَى لِتَأَخُّرِ الْقِسْمَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، كَمَا بَعْدَ الْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ.\n١٩٢٥ - وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْحُمُولَةَ مِنْ أَصْحَابِهَا بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ فَذَلِكَ صَحِيحٌ، وَيَكُونُ الْأَجْرُ مِنْ الْغَنَائِمِ يَبْدَأُ بِهِ قَبْلَ الْخُمُسِ.\nلِأَنَّ فِي هَذَا الِاسْتِئْجَارِ مَنْفَعَةً لِلْغَانِمِينَ، فَهُوَ كَالِاسْتِئْجَارِ لِسَوْقِ الْغَنَمِ وَالرِّمَاكِ. وَحَقُّ أَصْحَابِ الْحُمُولَةِ فِي ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الِاسْتِئْجَارِ.\nلِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُمْ فِيهَا قَبْلَ الْإِحْرَازِ وَالْقِسْمَةِ، وَشَرِكَةُ الْمِلْكِ هُوَ الَّذِي يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الِاسْتِئْجَارِ، لَا شَرِكَةُ الْحَقِّ كَمَا فِي مَالِ بَيْتِ الْمَالِ. وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ إنْ رَضِيَ بِهِ أَصْحَابُ الْحُمُولَةِ أَوْ أَبَوْا إذَا كَانَ بِهِمْ غِنًى عَنْ تِلْكَ الْحُمُولَةِ.\nلِأَنَّهُمْ بِهَذَا الْإِبَاءِ قَصَدُوا التَّعَنُّتَ. فَإِنَّ فِي هَذَا الِاسْتِئْجَارِ مَنْفَعَةً لَهُمْ، مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَحْصُلُ لَهُمْ الْأُجْرَةُ بِمُقَابَلَةِ مَنْفَعَةٍ لَا تَبْقَى لَهُمْ بِدُونِ هَذَا الِاسْتِئْجَارِ، وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْغَانِمِينَ أَيْضًا. فَكَانُوا مُتَعَنِّتِينَ فِي الْإِبَاءِ، وَالْقَاضِي لَا يَلْتَفِتُ إلَى إبَاءِ الْمُتَعَنِّتِ. وَلِأَنَّ ابْتِدَاءَ الِاسْتِئْجَارِ وَبَقَاءَ الْإِجَارَةِ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْحَاجَةِ صَحِيحٌ مِنْ غَيْرِ الْأَمِيرِ، فَمِنْ الْأَمِيرِ أَوْلَى.\nوَبَيَانُهُ فِي اسْتِئْجَارِ السَّفِينَةِ مُدَّةً مَعْلُومَةً، إذَا انْتَهَتْ الْمُدَّةُ أَوْ مَاتَ صَاحِبُ السَّفِينَةِ وَالسَّفِينَةُ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ. وَكَذَلِكَ اسْتِئْجَارُ الْأَوْعِيَةِ لِحَمْلِ الْمَائِعِ فِيهَا مُدَّةً مَعْلُومَةً إذَا انْتَهَتْ الْمُدَّةُ وَهُمْ فِي الْمَفَازَةِ. وَكَذَلِكَ إذَا اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِحَمْلِ أَمْتِعَةٍ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ مُدَّةً مَعْلُومَةً فَانْتَهَتْ الْمُدَّةُ وَهُمْ فِي الْمَفَازَةِ، أَوْ مَاتَ صَاحِبُ الدَّابَّةِ، فَإِنَّهُ يُبْتَدَأُ بِالْعَقْدِ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْمُدَّةِ، وَيَبْقَى بَعْدَ الْمَوْتِ","vol":"1","page":1044},{"text":"فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ بِأَجْرِ الْمِثْلِ، وَبِالْمُسَمَّى فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ. وَكَانَ ذَلِكَ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ فَكَذَلِكَ فِي الْغَنَائِمِ إذَا تَحَقَّقَتْ الْحَاجَةُ إلَى حَمْلِهَا.\n١٩٢٦ - إلَّا أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ يَقْدِرُ عَلَى حَمْلِ الْغَنِيمَةِ بِغَيْرِ إجْبَارٍ مِنْهُ لِأَصْحَابِ فَضْلِ الْحُمُولَةِ، فَحِينَئِذٍ لَا يَتَعَرَّضُ لِحُمُولَتِهِمْ.\nلِأَنَّ الْحَاجَةَ لَمْ تَتَحَقَّقْ. وَقَالَ - ﵇ - «وَلَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» .\n١٩٢٧ - وَإِنْ كَانَتْ الْغَنِيمَةُ سَبْيًا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُمَشِّيَهُمْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُجْبِرْ أَصْحَابَ الْحُمُولَةِ.\nلِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَنَّ السَّبْيَ يَلْحَقُهُمْ تَعَبٌ فِي الْمَشْيِ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ إجْبَارُ أَصْحَابِ الْحُمُولَةِ عَلَى مَا لَا تَطِيبُ بِهِ نُفُوسُهُمْ.\n١٩٢٨ - وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ مَعَ أَحَدٍ فَضْلُ حُمُولَةٍ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحَرِّقَ بِالنَّارِ مَا يَحْتَرِقُ مِنْ غَيْرِ الْحَيَوَانِ، وَمَا لَا يَحْتَرِقُ كَالْحَدِيدِ يَدْفِنُهُ فِي مَوْضِعٍ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَرْبِ. وَمَنْ كَانَ مِنْ رِجَالِ السَّبْيِ يَضْرِبُ أَعْنَاقَهُمْ، وَمَا كَانَ مِنْ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ خَلَّى سَبِيلَهُمْ فِي مَوْضِعٍ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَضِيعُونَ فِيهِ. وَمَا كَانَ مِنْ حَيَوَانٍ ذَبَحَهُ ذَبْحًا ثُمَّ أَحْرَقَهُ بِالنَّارِ. وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحْرِقَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَفِيهِ الرُّوحُ.\nلِأَنَّ ذَلِكَ مُثْلَةٌ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إلَّا رَبُّهَا» . وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ بَعْدَ مَا وَقَعَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ شَيْئَانِ:","vol":"1","page":1045},{"text":"أَحَدُهُمَا: قَطْعُ مَنْفَعَةِ الْمُشْرِكِينَ عَنْ ذَلِكَ أَصْلًا.\nوَالْآخَرُ: إيصَالُ الْمَنْفَعَةِ لِلْمُسْلِمِينَ. فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِمَا فَلْيَأْتِ بِهِمَا، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ أَحَدِهِمَا فَلْيَأْتِ بِالْآخَرِ. وَهَا هُنَا قَدْ عَجَزَ عَنْ أَحَدِهِمَا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْآخَرِ.\nوَهُوَ قَطْعُ مَنْفَعَتِهِمْ عَنْهَا لِكَيْ لَا يَتَقَوَّوْا بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِحَالٍ.\nوَلِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَفْعَلَ مَا فِيهِ الْكَبْتَ وَالْغَيْظَ لِلْعَدُوِّ. وَفِي جَمِيعِ مَا قُلْنَا تَحْقِيقُ مَعْنَى الْغَيْظِ وَالْكَبْتِ لَهُمْ. ثُمَّ لَا يَكُونُ هُوَ مُتْلِفًا لِلصِّبْيَانِ وَلِلنِّسَاءِ بِتَرْكِهِمْ فِي مَضْيَعَةٍ، وَلَكِنْ يَكُونُ مُمْتَنِعًا (ص ٣٤٧) مِنْ الْإِحْسَانِ إلَيْهِمْ بِالنَّقْلِ إلَى الْعُمْرَانِ. وَتَرْكُ الْإِحْسَانِ لَا يَكُونُ إسَاءَةً.\nأَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ مَرَّ بِامْرَأَةٍ أَوْ صَبِيٍّ فِي مَفَازَةٍ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى نَقْلِهِ إلَى الْعُمْرَانِ فَلَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا شَيْئًا مِنْ بَدَلِهِ، وَكَذَلِكَ يَصْنَعُ بِمَا قَامَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ دَوَابِّهِمْ وَبِمَا ثَقُلَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَتَاعِهِمْ.\n١٩٢٩ - وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ دَابَّةً فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَغَزَا عَلَيْهَا، فَوَجَدَ بِهَا عَيْبًا فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ مَعَهُ فِي الْعَسْكَرِ خَاصَمَهُ حَتَّى يَرُدَّهَا عَلَيْهِ.\nلِأَنَّهُ صَارَ مَظْلُومًا مِنْ جِهَتِهِ بِتَدْلِيسِ الْعَيْبِ، فَلَهُ أَنْ يَنْتَصِفَ مِنْهُ.\nوَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَرْكَبَهَا، وَلَكِنْ يَسُوقُهَا مَعَهُ حَتَّى يُخْرِجَهَا فَيَرُدَّهَا.\nلِأَنَّ الرُّكُوبَ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ يَكُونُ رِضًى مِنْهُ بِهَا، فَلْيُتَحَرَّزْ مِنْ ذَلِكَ.\n١٩٣٠ - إلَّا أَنْ يَرْكَبَهَا لِيَسْقِيَهَا أَوْ لِيَسُوقَهَا إلَى مَعْلَفِهَا، أَوْ حَمَلَ عَلَيْهَا عَلَفَهَا، فَإِنَّ هَذَا لَا يَكُونُ رِضًى مِنْهُ بِالْعَيْبِ.","vol":"1","page":1046},{"text":"لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ رَدِّهَا إلَّا بِأَنْ يَسْقِيَهَا وَيَعْلِفَهَا، فَرُبَّمَا لَا تَنْقَادُ لَهُ فِي ذَلِكَ مَا لَمْ يَرْكَبْهَا، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلَ الرِّضَى مِنْهُ. وَأَمَّا الرُّكُوبُ لِحَاجَةِ نَفْسِهِ أَوْ لِحَمْلِ أَمْتِعَتِهِ عَلَيْهَا فَدَلِيلُ الرِّضَا مِنْهُ، مِنْ حَيْثُ إنَّهُ انْتِفَاعٌ بِمِلْكِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ آيَةَ رِضَاهُ بِتَقَرُّرِ مِلْكِهِ.\n١٩٣١ - وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ إنْ لَمْ يَجِدْ دَابَّةً أُخْرَى أَوْ وَجَدَهَا.\nلِأَنَّ الْعُذْرَ الَّذِي لَهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى حَقِّ الْبَائِعِ، وَالرُّكُوبُ لِحَاجَتِهِ دَلِيلُ الرِّضَا، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ التَّصْرِيحِ بِالرِّضَا.\n١٩٣٢ - فَإِنْ أَتَى الْإِمَامَ وَأَخْبَرَهُ خَبَرَهَا فَقَالَ لَهُ الْإِمَامُ: ارْكَبْهَا فَرَكِبَهَا بِأَمْرِهِ، لَمْ يَسْتَطِعْ رَدَّهَا أَيْضًا.\nلِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي الْتَمَسَ ذَلِكَ مِنْ الْإِمَامِ، وَقَدْ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْهُ قَبْلَ أَمْرِهِ، فَلَا يَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ بِاعْتِبَارِهِ أَمْرَهُ بَعْدَ أَنْ يَرْكَبَهَا طَائِعًا.\n١٩٣٣ - فَإِنْ أَكْرَهَهُ الْإِمَامُ عَلَى ذَلِكَ حِينَ خَافَ الْهَلَاكَ عَلَيْهِ، فَإِنْ نَقَصَهَا رُكُوبُهُ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ تَعَيَّبَتْ فِي يَدِهِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ وَإِنْ لَمْ يُنْقِصْهَا رُكُوبُهُ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهَا بِالْعَيْبِ.\nلِأَنَّ عِنْدَ الْإِكْرَاهِ يَنْعَدِمُ الْفِعْلُ مِنْ الْمُكْرَهِ، وَيَصِيرُ آلَةً لَهُ، إنْ كَانَ الْإِكْرَاهُ بِالْقَتْلِ. وَإِنْ كَانَ بِالْحَبْسِ وَالْقَيْدِ يَنْعَدِمُ بِهِ الرِّضَا. وَإِنَّمَا كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ رَدَّهَا بَعْدَ الرُّكُوبِ لِوُجُودِ دَلِيلِ الرِّضَا. فَإِذَا انْعَدَمَ ذَلِكَ فِي الرُّكُوبِ مُكْرَهًا يَتَمَكَّنُ مِنْ رَدِّهَا.","vol":"1","page":1047},{"text":"١٩٣٤ - وَإِنْ لَمْ يُكْرِهْهُ وَلَكِنْ قَالَ: ارْكَبْهَا وَأَنْتَ عَلَى رَدِّك لَهَا. فَرَكِبَهَا، لَزِمَتْهُ. وَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْ الْأَمِيرِ بَاطِلًا.\nلِأَنَّهُ فَتْوَى بِخِلَافِ حُكْمِ الشَّرِيعَةِ، وَلَيْسَ بِقَضَاءٍ مِنْ جِهَتِهِ.\nلِأَنَّ الْقَضَاءَ مُسْتَدْعٍ مَقْضِيًّا لَهُ وَمَقْضِيًّا عَلَيْهِ.\n١٩٣٥ - فَإِذَا رَفَعَهَا إلَى قَاضٍ بَعْدَ ذَلِكَ فَرَدَّهَا بِالْعَيْبِ عَلَى طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ لَمَّا قَالَ لَهُ الْأَمِيرُ ذَلِكَ، ثُمَّ رُفِعَتْ إلَى قَاضٍ آخَرَ يَرَى مَا صَنَعَ الْأَوَّلُ خَطَأً فَإِنَّهُ يَمْضِي قَضَاءُ الْأَوَّلِ وَلَا يَرُدُّهُ.\nلِأَنَّ الْقَضَاءَ الْأَوَّلَ حَصَلَ فِي مَوْضِعِ الِاجْتِهَادِ. فَإِنَّ ظَاهِرَ النُّصُوصِ الْمُوجِبَةِ لِطَاعَةِ الْأَمِيرِ تُخْرِجُ رُكُوبَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ رِضًا بِالْعَيْبِ.\n١٩٣٦ - وَكَذَلِكَ التَّنْصِيصُ مِنْ الْأَمِيرِ بِقَوْلِهِ: وَأَنْتَ عَلَى رَدِّك. يُسْقِطُ اعْتِبَارَ دَلِيلِ الرِّضَا بِالْعَيْبِ مِنْهُ عِنْدَ الرُّكُوبِ.\nلِأَنَّ الدَّلِيلَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ إذَا لَمْ يُوجَدْ التَّنْصِيصُ بِخِلَافِهِ.\n١٩٣٧ - ثُمَّ إذَا تَعَذَّرَ رَدُّهَا، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِوُجُودِ دَلِيلِ الرِّضَا مِنْهُ لَمْ يَرْجِعْ بِحِصَّةِ الْعَيْبِ مِنْ الثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ لِنُقْصَانٍ دَخَلَهَا، بِأَنْ كَانَ رَكِبَهَا مُكْرَهًا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِحِصَّةِ الْعَيْبِ مِنْ الثَّمَنِ، إلَّا أَنْ يَرْضَى الْبَائِعُ بِالرَّدِّ عَلَيْهِ.\nوَهَذَا لِأَنَّ دَلِيلَ الرِّضَا كَصَرِيحِهِ، وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الرِّضَا بِالْعَيْبِ صَرِيحًا لَمْ يَسْقُطْ بِهِ حَقُّهُ فِي الرَّدِّ. فَكَذَلِكَ إذَا أُكْرِهَ عَلَى مَا يَكُونُ دَلِيلَ الرِّضَا.","vol":"1","page":1048},{"text":"فَإِذَا انْعَدَمَ الرِّضَا بَقِيَ اعْتِبَارُ النُّقْصَانِ، فَكَانَ ذَلِكَ حَصَلَ بِغَيْرِ صَنِيعِ أَحَدٍ، وَذَلِكَ يُمَكِّنُهُ مِنْ الرُّجُوعِ (ص ٣٤٨) بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ، إلَّا أَنْ يَرْضَى الْبَائِعُ بِالرَّدِّ عَلَيْهِ.\n١٩٣٨ - وَإِذَا أَصَابَ الْمُسْلِمُونَ غَنَائِمَ فَكَانَ فِيهَا مُصْحَفٌ لَا يُدْرَى أَنَّ الْمَكْتُوبَ فِيهِ تَوْرَاةٌ أَوْ إنْجِيلٌ أَوْ زَبُورٌ أَوْ كُفْرٌ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْأَمِيرِ أَنْ يَبِيعَ ذَلِكَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، مَخَافَةَ أَنْ يَضِلُّوا بِهِ فَيَكُونُ هُوَ الْمُسَبِّبُ لِفِتْنَتِهِمْ وَإِصْرَارِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ، وَذَلِكَ لَا رُخْصَةَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ لَا يَبِيعُ مِنْ مُسْلِمٍ.\nلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَبِيعَ ذَلِكَ مِنْهُمْ أَيْضًا فَيَضِلُّوا بِسَبَبِهِ. وَكَذَلِكَ لَا يَقْسِمُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ.\nلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ عَلَى مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَيَضِلُّوا بِسَبَبِهِ. وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحَرِّقَ بِالنَّارِ ذَلِكَ أَيْضًا.\nلِأَنَّ مِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِمَّا هُوَ كَلَامُ اللَّهِ، وَفِي إحْرَاقِهِ بِالنَّارِ مِنْ الِاسْتِخْفَافِ مَا لَا يَخْفَى.\nوَاَلَّذِي يُرْوَى أَنَّ عُثْمَانَ - ﵁ - فَعَلَ ذَلِكَ بِالْمَصَاحِفِ الْمُخْتَلِفَةِ حِينَ أَرَادَ جَمْعَ النَّاسِ عَلَى مُصْحَفٍ وَاحِدٍ لَا يَكَادُ يَصِحُّ. فَاَلَّذِي ظَهَرَ مِنْهُ مِنْ تَعْظِيمِ الْحُرْمَةِ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَى تِلَاوَتِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا أَصْلَ لِذَلِكَ الْحَدِيثِ.","vol":"1","page":1049},{"text":"وَلَكِنَّهُ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ لِوَرَقِهِ قِيمَةٌ مُحِيَ الْكِتَابُ وَجُعِلَ الْوَرِقُ فِي الْغَنِيمَةِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِوَرَقِهِ فَلْيَغْسِلْ وَرَقَهُ بِالْمَاءِ حَتَّى يَذْهَبَ الْكِتَابُ ثُمَّ يُحْرِقَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ أَحَبَّ.\nلِأَنَّهُ لَا كِتَابَ فِيهِ، وَرُبَّمَا يَكُونُ فِي إحْرَاقِهِ بَعْدَ غَسْلِهِ الْمَكْتُوبَ فِيهِ مَعْنَى الْغَيْظِ لَهُمْ، وَهُمْ الْمُشْرِكُونَ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَفْعَلَهُ. وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَدْفِنَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ مَحْوِ الْكِتَابِ.\nلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَطْلُبَهُ الْمُشْرِكُونَ فَيَسْتَخْرِجُوهُ، وَيَأْخُذُوا بِمَا فِيهِ، فَيَزِيدُهُمْ ذَلِكَ ضَلَالًا إلَى ضَلَالِهِمْ.\nوَفِي هَذَا التَّعْلِيلِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ يَأْمَنُ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَدْفِنَهُ، فَيَكُونُ دَلِيلًا لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ مِنْ أَصْحَابِنَا فِيمَا إذَا انْقَطَعَ أَوْرَاقُ الْمُصْحَفِ: إنَّهُ لَا بَأْسَ بِدَفْنِهِ فِي مَكَان طَاهِرٍ. وَالْغَسْلُ بِالْمَاءِ أَحْسَنُ الْوُجُوهِ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ. وَإِنْ أَرَادَ شِرَاءَهُ رَجُلٌ ثِقَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُؤْمَنُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَبِيعَهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَبِيعَهُ مِنْهُ الْإِمَامُ.\nلِأَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ. وَلِهَذَا لَوْ بَاعَهُ جَازَ بَيْعُهُ، إلَّا أَنَّ كَرَاهَةَ بَيْعِهِ لِخَوْفِ الْفِتْنَةِ، وَذَلِكَ يَنْعَدِمُ هَا هُنَا. فَهُوَ نَظِيرُ بَيْعِ الْعَصِيرِ مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَتَّخِذُهُ خَمْرًا.\nقَالَ مَشَايِخُنَا: وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِيمَا يَجِدُهُ الْمُسْلِمُ مِنْ كُتُبِ الْبَاطِنَةِ وَأَهْل الْأَهْوَاء الْمُضِلَّةِ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ بَيْعِ ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ يَقَعَ فِي يَدِ أَهْلِ الضَّلَالَةِ فَيُفْتَتَنُوا بِهِ؛ وَإِنَّمَا يَفْعَلُ بِهِ مَا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.","vol":"1","page":1050},{"text":"وَلَوْ وَجَدُوا فِي الْغَنَائِمِ صَلِيبًا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ تَمَاثِيلَ، أَوْ دَرَاهِمَ، أَوْ دَنَانِيرَ فِيهَا التَّمَاثِيلُ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَكْسِرَ ذَلِكَ كُلَّهُ فَيَجْعَلَهُ تِبْرًا.\nلِأَنَّهُ لَوْ قَسَمَهُ أَوْ بَاعَهُ كَذَلِكَ، رُبَّمَا يَبِيعُهُ مَنْ يَقَعُ فِي سَهْمِهِ مِنْ بَعْضِ الْمُشْرِكِينَ بِأَنْ يَزِيدُوا لَهُ فِي ثَمَنِهِ رَغْبَةً مِنْهُمْ فِي لِبَاسِهِ، أَوْ فِي أَنْ يَعْبُدُوهُ. فَلْيُتَحَرَّزْ عَنْ ذَلِكَ بِكَسْرِ الصَّلِيبِ وَالتَّمَاثِيلِ.\nوَاَلَّذِي يُرْوَى أَنَّ مُعَاوِيَةَ بَعَثَ بِهَا لِتُبَاعَ بِأَرْضِ الْهِنْدِ. فَقَدْ اسْتَعْظَمَ ذَلِكَ مَسْرُوقٌ عَلَى مَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ الْإِكْرَاهِ، ثُمَّ قَدْ بَيَّنَّا تَأْوِيلَ ذَلِكَ الْحَدِيثِ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ. فَأَمَّا الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ فَلَا بَأْسَ بِقِسْمَتِهَا وَبَيْعِهَا قَبْلَ أَنْ تُكْسَرَ. لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُلْبَسُ، وَلَكِنَّهُ يُبْتَذَلُ فِي الْمُعَامَلَاتِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَتَبَايَعُونَ بِدَرَاهِمِ الْأَعَاجِمِ فِيهَا التَّمَاثِيلُ بِالتِّيجَانِ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَحَدٌ عَنْ الْمُعَامَلَةِ بِذَلِكَ. وَإِنَّمَا يُكْرَهُ هَذَا فِيمَا يُلْبَسُ أَوْ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ الصَّلِيبِ وَنَحْوِهَا.\n١٩٤٠ - وَحُكْمُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كَحُكْمِ مَا لَوْ أَصَابُوا بَرَابِط وَغَيْرَهَا مِنْ الْمَعَازِفِ. فَهُنَاكَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكْسِرَهَا ثُمَّ يَبِيعَهَا أَوْ يَقْسِمَهَا حَطَبًا. قَالَ: إلَّا أَنْ يَبِيعَهَا قَبْلَ أَنْ يَكْسِرَهَا مِمَّنْ هُوَ ثِقَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُعْلَمُ أَنَّهُ يَرْغَبُ فِيهَا لِلْحَطَبِ لَا لِلِاسْتِعْمَالِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَحِلُّ، فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.\nلِأَنَّهُ مَالٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ. فَيَجُوزُ بَيْعُهُ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ بِطَرِيقٍ مُبَاحٍ شَرْعًا.","vol":"1","page":1051},{"text":"وَمَا وَجَدُوا فِي الْغَنَائِمِ مِنْ كَلْبِ صَيْدٍ أَوْ فَهْدٍ أَوْ بَازِي فَلَا بَأْسَ بِقِسْمَةِ ذَلِكَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.\nلِأَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِطَرِيقٍ مُبَاحٍ شَرْعًا. وَلِهَذَا جَوَّزَ عُلَمَاؤُنَا - ﵏ - بَيْعَهُ. وَاسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ إبْرَاهِيمَ قَالَ: «رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِأَهْلِ الْبَيْتِ الْقَاصِي فِي الْكَلْبِ يَتَّخِذُونَهُ» .\nيَعْنِي لِلْحَرَسِ. ثُمَّ شُبِّهَ الْكَلْبُ بِالْهِرَّةِ. وَبَيْعُ الْهِرَّةِ جَائِزٌ.\nلِأَنَّهُ مُنْتَفَعٌ بِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ فَالْكَلْبُ الْمُنْتَفَعُ بِهِ مِثْلُهُ.\n١٩٤٢ - وَمَنْ وَجَدَ مِنْ الْغُزَاةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَهْدًا أَوْ بَازِيًا أَوْ صَقْرًا غَيْرَ مَمْلُوكٍ لِأَحَدٍ فَأَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يَجْعَلُ ذَلِكَ فِي الْغَنِيمَةِ.\nلِأَنَّ هَذَا مَالٌ مُتَقَوِّمٌ بَعْدَ إخْرَاجِهِ، وَهُوَ لَمْ يَتَوَصَّلْ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَخَذَ ذَلِكَ فِيهِ إلَّا بِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ فِي الْغَنَائِمِ. بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَخَذَهُ مِنْ بَعْضِ الْمُشْرِكِينَ.\nوَنَظِيرُهُ مَا تَقَدَّمَ فِيمَا إذَا وَجَدَ كَنْزًا أَوْ مَعْدِنًا فِي دَارِ الْحَرْبِ وَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ مَالًا.","vol":"1","page":1052},{"text":"١٩٤٣ - وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَخْرَجَ مِنْ الْبَحْرِ لُؤْلُؤًا أَوْ عَنْبَرًا فِي مَوْضِعٍ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، فَإِنَّهُ يَرُدُّ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي الْغَنِيمَةِ.\nلِأَنَّهُ مَا تَوَصَّلَ إلَى ذَلِكَ إلَّا بِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ.\n١٩٤٤ - وَكَذَلِكَ إنْ أَصَابَ سَمَكًا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ.\nإلَّا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَنَاوَلَ السَّمَكَ وَيُطْعِمَ أَصْحَابَهُ، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي طَعَامِ الْغَنِيمَةِ.\n١٩٤٥ - وَكَذَلِكَ لَوْ اصْطَادَ بِكَلْبٍ أَوْ فَهْدٍ أَوْ بَازِيٍّ مِنْ الْغَنِيمَةِ، فَإِنَّ مَا يُصَادُ بِهِ يَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ.\nإلَّا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَنَاوَلَهُ كَسَائِرِ الْأَطْعِمَةِ.\n١٩٤٦ - وَأَهْلُ الشَّامِ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَا يَكُونُ مِنْ ذَلِكَ مَمْلُوكًا لِلْعَدُوِّ يَأْخُذُهُ مِنْهُمْ، وَبَيْنَ مَا لَا يَكُونُ مَمْلُوكًا. فَيَقُولُونَ فِيمَا لَا يَكُونُ مَمْلُوكًا: هُوَ سَالِمٌ لَهُ. لِظَاهِرِ قَوْلِهِ - ﵊ -: «الصَّيْدُ لِمَنْ أَخَذَهُ» .\nوَلِأَنَّ الْغَنِيمَةَ اسْمٌ لِمَالٍ مُصَابٍ بِطَرِيقٍ فِيهِ إعْلَاءُ كَلِمَةِ اللَّهِ وَإِعْزَازُ الدِّينِ، وَذَلِكَ فِيمَا يُتَمَلَّكُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ. أَمَّا مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمَالِ الْمُبَاحِ الَّذِي هُوَ تَافِهٌ بَيْنَ النَّاسِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ غَنِيمَةً. وَبِهَذَا الْحَرْفِ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَبَيْنَ مَا لَيْسَ بِتَافِهٍ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْعَنْبَرِ وَاللُّؤْلُؤِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ مَا يُوجَدُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مِمَّا يَكُونُ تَافِهًا كَالصَّيْدِ وَالْحَطَبِ وَالْحَشِيشِ لَا يَجِبُ فِيهِ الْخَمْسُ، وَمَا لَا يَكُونُ تَافِهًا كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الْمُسْتَخْرَجَةِ مِنْ الْمَعَادِنِ يَجِبُ فِيهَا الْخَمْسُ. وَكَذَلِكَ اللُّؤْلُؤُ وَالْعَنْبَرُ عَلَى قَوْلِهِمْ بِخِلَافِ السَّمَكِ.","vol":"1","page":1053},{"text":"إلَّا أَنَّا نَقُولُ: مَا أُصِيبَ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِقُوَّةِ الْجَيْشِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ. وَفِي هَذَا يَسْتَوِي مَا كَانَ مَمْلُوكًا لَهُمْ وَمَا لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا لَهُمْ.\nلِأَنَّ دَارَ الْحَرْبِ مَوْضِعُ وِلَايَتِهِمْ، وَفِي إصَابَةِ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِ وِلَايَتِهِمْ مَعْنَى الْمُغَايَظَةِ لَهُمْ. فَإِذَا حَصَلَتْ تِلْكَ الْإِصَابَةُ بِمَنَعَةِ الْجَيْشِ يَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ الْغَنِيمَةِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الْغُزَاةَ لَوْ اسْتَخْرَجُوا مِنْ بَعْضِ جِبَالِهِمْ الْيَاقُوتَ وَالزَّبَرْجَدَ فَإِنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ غَنِيمَةً، وَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُ لَوْ وَجَدَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِي جِبَالِ أَرْضِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ خَمْسٌ، عَلَى مَا قَالَ - ﵇ -: «لَيْسَ فِي الْحَجَرِ زَكَاةٌ» وَهَذَا كُلُّهُ حَجَرٌ، إلَّا أَنَّ بَعْضَ الْأَحْجَارِ أَضْوَأُ مِنْ بَعْضِ. فَعَرَفْنَا أَنَّ مَا يُوجَدُ مِنْ ذَلِكَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَيَخْرُجُ بِقُوَّةِ الْجَيْشِ لَا يَكُونُ قِيَاسَ مَا يُوجَدُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.\n١٩٤٧ - وَلَوْ أَرَادَ الْغَازِي أَنْ يَصْطَادَ بِكَلْبٍ أَوْ فَهْدٍ أَوْ بَازِي مِنْ الْغَنِيمَةِ فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ لَهُ. لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ بِمَا هُوَ مِنْ الْغَنِيمَةِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ رُكُوبِ الدَّابَّةِ وَلُبْسِ الثَّوْبِ مِنْ الْغَنِيمَةِ. فَإِنْ أَرْسَلَهُ فَذَهَبَ وَلَمْ يَعُدْ إلَيْهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ. لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّهُ بِالْإِرْسَالِ مُسْتَهْلَكٌ لَهُ، وَمَنْ اسْتَهْلَكَ شَيْئًا مِنْ الْغَنَائِمِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَضْمَنْ. وَلَكِنَّهُ يُؤَدَّبُ عَلَى ذَلِكَ إنْ فَعَلَهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْأَمِيرِ.\nفَهَذَا مِثْلُهُ.","vol":"1","page":1054},{"text":"وَلَوْ وُجِدَ (ص ٣٥٠) فِي الْغَنَائِمِ فَرَسٌ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ: حَبِيسٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى. فَإِنْ كَانُوا إنَّمَا وَجَدُوا ذَلِكَ فِي عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ بِالْقُرْبِ مِنْهُ بِحَيْثُ يَكُونُ أَغْلَبُ الرَّأْيِ فِيهِ أَنَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ اللُّقَطَةِ، فَالسَّبِيلُ فِيهِ التَّعْرِيفُ. بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ وُجِدَ ذَلِكَ بِدَارِ الْإِسْلَامِ. وَلَا يَكُونُ حَبِيسًا بِمَا عَلَيْهِ مِنْ السِّمَةِ.\nلِأَنَّ السِّمَةَ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ حَكِيمَةٍ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ بِهَا الْمِلْكَ وَلَا الْيَدَ. وَإِنْ وَجَدُوا ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ هُوَ فِي يَدِ أَهْلِ الْحَرْبِ مِمَّا يَكُونُ غَالِبُ الرَّأْيِ فِيهِ أَنَّهُ لِلْمُشْرِكِينَ، فَإِنَّ هَذَا غَنِيمَةٌ كَسَائِرِ الْغَنَائِمِ.\nلِأَنَّ بِهَذِهِ السِّمَةِ لَا يَثْبُتُ اسْتِحْقَاقُ شَيْءٍ فِي الْحُكْمِ. فَوُجُودُهَا كَعَدَمِهَا، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُشْرِكُونَ فَعَلُوا ذَلِكَ لِيَلْبَسُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ إذَا خَرَجَ بَعْضُهُمْ إلَى الْمُعَسْكَرِ عَيْنًا يَتَجَسَّسُ أَخْبَارَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمُحْتَمَلُ لَا يَكُونُ حُجَّةً.\nوَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْفَرَسِ لَوْ كَانَ فِي يَدِ مُسْلِمٍ يَبِيعُهُ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ بَيْعِهِ، بِاعْتِبَارِ هَذِهِ السِّمَةِ، فَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ السِّمَةَ لَا تَكُونُ حُجَّةً فِي الْأَحْكَامِ. وَلَكِنْ لَوْ شَهِدَ قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ مِنْ الْخَيْلِ الْحُبْسِ، وَقَدْ حَضَرَ صَاحِبُهُ الَّذِي كَانَ فِي يَدِهِ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَرُدُّهُ إلَيْهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ، بِغَيْرِ شَيْءٍ.","vol":"1","page":1055},{"text":"لِأَنَّ عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجِيزُ الْوَقْفَ: الْفَرَسُ الْحَبِيسُ، كَالْوَقْفِ فِي الْحُكْمِ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ وَلَا يَتَمَلَّكُهُ الْمُشْرِكُونَ بِالْإِحْرَازِ وَلَا الْمُسْلِمُونَ بِالْأَخْذِ مِنْهُمْ، فَيَجِبُ رَدُّهُ عَلَى الْقَيِّمِ الَّذِي كَانَ فِي يَدِهِ، وَتَعْوِيضُ مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ قِيمَتُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَرَدُّ الثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي إنْ كَانَ بَاعَهُ الْإِمَامُ. وَيَكُونُ الْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي الْمُدَبَّرِ يَأْسِرُهُ الْمُشْرِكُونَ ثُمَّ يُصِيبُهُ الْمُسْلِمُونَ. فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - فَالْحُكْمُ فِي هَذَا كَالْحُكْمِ فِي غَيْرِهِ مِنْ أَفْرَاسِ الْمُسْلِمِينَ يُحْرِزُهَا الْمُشْرِكُونَ.\nلِأَنَّ عِنْدَهُ هَذَا مَحَلٌّ لِلتَّمْلِيكِ بِالْإِرْثِ وَالْبَيْعِ، فَيَكُونُ مَحَلَّ التَّمْلِيكِ بِالِاغْتِنَامِ أَيْضًا.\n١٩٤٩ - وَإِذَا قَسَمَ الْإِمَامُ الْغَنَائِمَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَعَزَلَ الْخُمُسَ ثُمَّ أَغَارَ الْعَدُوُّ عَلَى مَا عَزَلَهُ لِلْخَمْسِ فَأَحْرَزُوهُ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، فَإِنْ عَرَفَ ذَلِكَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ رَدَّ فِي الْخُمُسِ كَمَا كَانَ.\nلِأَنَّ حَقَّ أَرْبَابِ الْخُمُسِ تَأَكَّدَ فِي الْخُمُسِ، كَمَا أَنَّ حَقَّ الْغَانِمِينَ قَدْ تَأَكَّدَ فِي الْأَرْبَعَةِ أَخْمَاسٍ. وَإِنْ كَانَ لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ حَتَّى قَسَمَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، فَهُوَ سَالِمٌ لَهُمْ.\nلِأَنَّ الْإِمَامَ لَوْ أَخَذَهُ لِأَرْبَابِ الْخُمُسِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِالْقِيمَةِ وَلَا فَائِدَةَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ.\n١٩٥٠ - وَلَوْ كَانَ بَاعَهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ مِنْ الْخُمُسِ فَإِنْ كَانَ بَاعَهُ بِقِسْمَتِهِ أَوْ أَكْثَرَ، فَهُوَ سَالِمٌ لِلْمُشْتَرِي.","vol":"1","page":1056},{"text":"لِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَهُ مِنْ يَدِهِ أَخَذَهُ بِالثَّمَنِ، وَلَا فَائِدَةَ لِأَرْبَابِ الْخُمُسِ.\nوَإِنْ كَانَ بَاعَهُ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالثَّمَنِ.\nلِأَنَّ الْأَخْذَ هَا هُنَا مُفِيدٌ لِأَرْبَابِ الْخُمُسِ، فَإِنَّهُ يُعْطِي الثَّمَنَ مِنْ الْخُمُسِ وَيَجْعَلُ مَا بَقِيَ مَقْسُومًا بَيْنَهُمْ.\n١٩٥١ - وَمَا وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ مَتَاعٍ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ أَوْ وَجَدُوا سَفِينَةً قَدْ ضَرَبَتْهَا الرِّيحُ فَرَمَتْ بِهَا عَلَى السَّاحِلِ، وَفِيهَا أَمْتِعَةٌ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ الَّذِي وَجَدَ فِيهِ مِنْ أَرْضِ الْحَرْبِ فَهُوَ فَيْءٌ يُخَمَّسُ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْمَتَاعُ مِمَّا يَتَّخِذُهُ الْمُسْلِمُونَ أَوْ الْمُشْرِكُونَ.\nلِأَنَّهُمْ إنَّمَا تَوَصَّلُوا إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِقُوَّةِ الْجَيْشِ، فَيَكُونُ الْمُصَابُ غَنِيمَةً، وَبِأَنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ مَتَاعِ الْمُسْلِمِينَ لَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ غَنِيمَةً. كَمَا لَوْ وَجَدُوا ذَلِكَ فِي حِصْنٍ مِنْ حُصُونِهِمْ.\nوَهَذَا لِأَنَّهُ يُتَوَهَّمُ أَنْ يَكُونُوا اشْتَرَوْا ذَلِكَ مِنْ تُجَّارِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ أَخَذُوهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَهْرًا، أَوْ أَحْرَزُوهُ.\n١٩٥٢ - وَإِنْ وَجَدُوا ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ السَّاحِلِ هُوَ مِنْ أَرْضِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَالْحُكْمُ فِيهِ مَا هُوَ الْحُكْمُ فِي اللُّقَطَةِ. وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ مَتَاعٍ يَتَّخِذُهُ الْمُسْلِمُونَ أَوْ الْمُشْرِكُونَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ (ص ٣٥١) أَكْثَرُ الرَّأْيِ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ لِلْعَدُوِّ، فَحِينَئِذٍ يُخَمَّسُ، وَمَا بَقِيَ يَكُونُ لِلْغَانِمِينَ لِأَنَّ مَا يُوجَدُ عَلَى ظَاهِرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِمَنْزِلَةِ مَا يُوجَدُ فِي بَاطِنِهِ.","vol":"1","page":1057},{"text":"وَلَوْ اسْتَخْرَجُوا كَنْزًا مِنْ مَوْضِعٍ هُوَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْغَنِيمَةِ.\n١٩٥٤ - وَإِنْ اسْتَخْرَجُوا ذَلِكَ مِنْ مَوْضِعٍ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ، يَجِبُ الْخَمْسُ فِيهِ، وَيَكُونُ مَا بَقِيَ لِمَنْ أَصَابَهُ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَوْجُودُ مِنْ دَارِهِمْ الْأَعَاجِمِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ وَضْعِ أَهْلِ الْحَرْبِ.\nوَهَذَا لِأَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى الظَّاهِرِ فِيمَا يَتَعَذَّرُ الْوُقُوفُ فِيهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَغَالِبِ الرَّأْيِ، بِمَنْزِلَةِ الْيَقِينِ فِيمَا لَا يُمْكِنَ إثْبَاتَهُ بِحُجَّةٍ أُخْرَى.\n١٩٥٥ - فَإِذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُونَ دَارَ الْحَرْبِ فَدُلُّوا عَلَى قُبُورِ الْكُفَّارِ، فِيهَا الْأَمْوَالُ وَالسِّلَاحُ قَدْ دُفِنَتْ مَعَهُمْ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَحْفِرُوا تِلْكَ الْقُبُورَ وَيَسْتَخْرِجُوا مَا فِيهَا. وَهَذِهِ عَادَةُ بَعْضِ أَهْلِ الْحَرْبِ أَنَّهُمْ يَدْفِنُونَ الْأَبْطَالَ مِنْهُمْ بِأَسْلِحَتِهِمْ وَأَعْيَانِ أَمْوَالِهِمْ. ثُمَّ فِي اسْتِخْرَاجِ ذَلِكَ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُمْ يَتَقَوَّوْنَ بِتِلْكَ الْأَسْلِحَةِ عَلَى قِتَالِهِمْ.\nوَحُرْمَةُ قُبُورِهِمْ لَا تَكُونُ فَوْقَ حُرْمَةِ بُيُوتِهِمْ. فَإِذَا جَازَ الْهُجُومُ عَلَيْهِمْ فِي بُيُوتِهِمْ لِأَخْذِ مَا فِيهَا مِنْ الْأَمْوَالِ فَكَذَلِكَ يَجُوزُ حَفْرُ قُبُورِهِمْ.\nوَهَذَا لِأَنَّ هَذِهِ الْأَمْوَالَ ضَائِعَةٌ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي تُدْفَنُ فِيهِ الْأَمْوَالُ يَكُونُ كَنْزًا لَا قَبْرًا، وَبِهِ فَارَقَ مَا لَوْ أَرَادُوا حَفْرَ الْقُبُورِ لِنَبْشِ أَكْفَانِ الْمَوْتَى، لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَالٍ ضَائِعٍ، بَلْ هُوَ مَصْرُوفٌ إلَى حَاجَةِ الْمَيِّتِ.","vol":"1","page":1058},{"text":"ثُمَّ مَنْ اسْتَخْرَجَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَمْوَالِ فَهُوَ غَنِيمَةٌ يُخَمَّسُ.\nلِأَنَّهُ مَا تَوَصَّلَ إلَيْهَا إلَّا بِقُوَّةِ الْعَسْكَرِ.\n١٩٥٦ - وَمَا وَجَدُوا مِنْ مَتَاعِ الْمُشْرِكِينَ أَوْ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا قَدْ سَقَطَ مِنْهُمْ، مِثْلُ السَّوْطِ وَالْحِذَاءِ وَالْحَبْلِ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِمَنْ كَانَ غَنِيًّا أَنْ يَنْتَفِعَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ مَتَاعِ الْمُشْرِكِينَ فَهُوَ غَنِيمَةٌ وَإِنْ كَانَ مِنْ مَتَاعِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ اللُّقْطَةِ، فَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا إلَى ذَلِكَ انْتَفَعَ بِهِ، وَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا نَقَصَهُ إذَا جَاءَ صَاحِبُهُ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ وَجَدَ ذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.\nفَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ جَاءَتْ الرُّخْصَةُ فِي السَّوْطِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَعْبَدٍ الضَّبِّيِّ عَلَى مَا رَوَاهُ فِي كِتَابِ اللُّقَطَةِ.\nقُلْنَا: تَأْوِيلُ ذَلِكَ فِي السَّوْطِ الْمُنْكَسِرِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا قِيمَةَ لَهُ، وَلَا يَطْلُبُهُ صَاحِبُهُ بَعْدَ مَا سَقَطَ مِنْهُ، وَرُبَّمَا أَلْقَاهُ وَاسْتَبْدَلَ بِهِ. فَأَمَّا إذَا كَانَ شَيْئًا لَهُ قِيمَةٌ وَيَعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَهُ مَا أَلْقَاهُ بَلْ سَقَطَ عَنْهُ. وَهُوَ فِي طَلَبِهِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ اللُّقَطَةِ.\nاعْتِبَارُ الْقَلِيلِ بِالْكَثِيرِ.\nأَلَا تَرَى إلَى مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «رَدُّوا الْخَيْطَ وَالْمَخِيطَ. فَقِيلَ لَهُ: إنَّ فُلَانًا أَخَذَ قِبَالَيْنِ مِنْ شَعْرٍ. فَقَالَ: قِبَالَيْنِ مِنْ نَارٍ» . وَإِذَا كَانَ هَذَا الْحُكْمُ فِي الْغَنِيمَةِ فَمَا ظَنُّك فِي مَالِ الْمُسْلِمِينَ؟ وَقَدْ أَشَارَ فِي الْكِتَابِ إلَى أَنَّ لَهُ مُخَالِفًا فِي الْمَسْأَلَةِ، وَهُمْ بَعْضُ أَهْلِ الشَّامِ. فَإِنَّهُمْ يُرَخِّصُونَ فِي السَّوْطِ وَنَحْوِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ فَسَادَ مَذْهَبِهِمْ فَقَالَ:","vol":"1","page":1059},{"text":"أَرَأَيْت لَوْ كَانَ سَوْطًا يُسَاوِي عَشَرَةَ دَرَاهِمَ أَكَانَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ، وَهُوَ بِحَيْثُ لَوْ سَرَقَهُ مِنْ صَاحِبِهِ قُطِعَتْ يَدُهُ فِيهِ.\nأَرَأَيْت لَوْ كَانَ عِشْرُونَ سَوْطًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ؟ فَعَرَفْنَا أَنَّ الَّذِي لَا بَأْسَ بِأَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ هُوَ مَا لَيْسَ بِمُتَقَوِّمٍ، وَلَا يَطْلُبُهُ صَاحِبُهُ، مِثْلُ النَّوَى وَقُشُورِ الرُّمَّانِ وَبَعْرِ الْإِبِلِ وَجِلْدِ الشَّاةِ الْمَيِّتَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.\nفَأَمَّا مَا يُعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَهُ يَطْلُبُهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ اللُّقَطَةِ فِي يَدِهِ.\n١٩٥٧ - وَالدَّابَّةُ الْعَجْفَاءُ الَّتِي يُعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَهَا تَرَكَهَا إذَا أَخَذَهَا إنْسَانٌ فَأَخْرَجَهَا فَعَلَيْهِ رَدُّهَا، وَلَا يُجْعَلُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ السَّوْطِ يُلْقِيهِ صَاحِبُهُ.\nوَالْقِيَاسُ فِي الْكُلِّ وَاحِدٌ، إلَّا أَنَّا اسْتَحْسَنَّا فِي السَّوْطِ لِأَنَّ صَاحِبَهُ أَلْقَاهُ رَغْبَةً عَنْهُ. فَقَدْ كَانَ قَادِرًا عَلَى حَمْلِهِ، وَمَا تَرَكَ الدَّابَّةَ رَغْبَةً عَنْهَا وَإِنَّمَا تَرَكَهَا لِعَجْزِهِ عَنْ إخْرَاجِهَا، فَلَا يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهَا بِذَلِكَ.\nأَرَأَيْت لَوْ كَانَتْ جَارِيَةً مَرِيضَةً تَرَكَهَا لِعَجْزِهِ عَنْ إخْرَاجِهَا فَأَخَذَهَا إنْسَانٌ وَأَحْسَنَ إلَيْهَا حَتَّى بَرَأَتْ مِنْ مَرَضِهَا كَانَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ لَهُ فِيهَا؟ فَلِهَذَا وَشَبَهِهِ أَخَذْنَا فِي الْحَيَوَانِ بِالْقِيَاسِ.\n١٩٥٨ - وَلَوْ ادَّعَى الَّذِي فِي يَدِهِ الدَّابَّةُ عَلَى صَاحِبِهَا: إنَّك قُلْت حِينَ خَلَّيْت سَبِيلَهَا: مَنْ أَخَذَهَا فَهِيَ لَهُ. وَجَحَدَ ذَلِكَ صَاحِبُهَا. فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ. لِأَنَّ دَعْوَاهُ هَذَا السَّبَبَ عَلَيْهِ كَدَعْوَاهُ مِنْهُ.","vol":"1","page":1060},{"text":"فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَوْ نَكَلَ صَاحِبُهَا عَنْ الْيَمِينِ سُلِّمَتْ الدَّابَّةُ لِلَّذِي أَخَذَهَا. سَوَاءٌ كَانَ حَاضِرًا حِينَ قَالَ صَاحِبُهَا هَذِهِ الْمَقَالَةَ أَوْ لَمْ يَكُنْ.\nلِلْحَدِيثِ الَّذِي رُوِّينَا أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - «قَالَ فِي الْهَدَايَا: مَنْ شَاءَ فَلْيَقْتَطِعْ.» وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا الْجِنْسِ مِنْ الْمَسَائِلِ. وَبَعْدَ صِحَّةِ الْهِبَةِ لَمَّا صَلُحَتْ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَسَمِنَتْ فَلَيْسَ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا. لِأَنَّ الزِّيَادَةَ الْمُتَّصِلَةَ تَمْنَعُ الرُّجُوعَ فِي الْهِبَةِ.","vol":"1","page":1061},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>[بَابُ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا الْخَطَأُ]</span>\n١٠٩ - بَابُ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا الْخَطَأُ ١٩٥٩ - وَإِذَا رَأَى صَاحِبُ الْمَقَاسِمِ أَنْ يَقْسِمَ الْأَجْنَاسَ الْمُخْتَلِفَةَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ فَيُعْطِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جِنْسًا بِنَصِيبِهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ، بَعْدَ أَنْ يَعْتَبِرَ الْمُعَادَلَةَ فِي الْمَالِيَّةِ.\nلِأَنَّ حَقَّ الْغَانِمِينَ فِي الْمَالِيَّةِ دُونَ الْعَيْنِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ الْكُلَّ وَيَقْسِمَ الثَّمَنَ بَيْنَهُمْ، وَفِي الْقِسْمَةِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ اعْتِبَارُ مَعْنَى الْمُعَادَلَةِ فِيمَا هُوَ حَقُّهُمْ.\n١٩٦٠ - وَهَذَا بِخِلَافِ قِسْمَةِ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ الْمَوْرُوثِ وَالْمُشْتَرَى، فَإِنَّ هُنَاكَ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ لَا يُجِيزُ الْقَاضِي الشُّرَكَاءَ عَلَى الْقِسْمَةِ جُمْلَةً وَاحِدَةً.\nلِأَنَّ الشَّرِكَةَ هُنَاكَ ثَابِتَةٌ فِي الْعَيْنِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ الْعَيْنَ وَيَقْسِمَ الثَّمَنَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ دُونَ رِضَاهُمْ.\nيُوَضِّحُهُ أَنَّ الْمِلْكَ هُنَاكَ ثَابِتٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي كُلِّ جِنْسٍ، وَلِهَذَا لَوْ عَتَقَ بَعْضُهُمْ نَفَذَ عِتْقُهُ فِي نَصِيبِهِ، فَيَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ فِي قِسْمَةِ الْأَجْنَاسِ جُمْلَةً وَاحِدَةً","vol":"1","page":1062},{"text":"١٩٦١ - وَهَا هُنَا لَا مِلْكَ لِلْغَانِمِينَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ. وَلِهَذَا لَوْ أَعْتَقَ بَعْضُهُمْ شَيْئًا مِنْ الرَّقِيقِ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ، وَلَوْ اسْتَوْلَدَ جَارِيَةً لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ. وَلَا يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهُ، وَلَكِنْ سَقَطَ الْحَدُّ بِشُبْهَةٍ فَكَانَتْ الْقِسْمَةُ هَا هُنَا تَمْلِيكًا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا يُعْطِيهِ بِحَقِّهِ ابْتِدَاءً، فَيَسْتَوِي فِيهِ الْجِنْسُ الْوَاحِدُ وَالْأَجْنَاسُ الْمُخْتَلِفَةُ.\nفَإِنْ وَقَعَتْ جَارِيَةٌ مِنْهَا فِي سَهْمِ رَجُلٍ، فَأَقَامَتْ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا حُرَّةٌ ذِمِّيَّةٌ قَدْ سَبَاهَا الْمُشْرِكُونَ، فَإِنْ كَانَ شُهُودُهَا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ.\nلِأَنَّ هَذِهِ الشَّهَادَةَ تَقُومُ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي إبْطَالِ مِلْكِهِ. وَإِنْ كَانَ شُهُودُهَا مُسْلِمِينَ قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ وَقُضِيَ بِأَنَّهَا حُرَّةٌ.\nثُمَّ فِي الْقِيَاسِ يَرْجِعُ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ عَلَى الْجُنْدِ فَيَأْخُذُ مِنْهُمْ حِصَّتَهُ مِمَّا أَخَذُوا، كَمَا فِي قِسْمَةِ الْمِيرَاثِ إذَا اُسْتُحِقَّ نَصِيبُ بَعْضِ الشُّرَكَاءِ، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ وَقَالَ: الْإِمَامُ يُعَوِّضُ الَّذِي وَقَعَتْ فِي سَهْمِهِ قِيمَتَهَا مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يُنْتَقَضُ بِتِلْكَ الْقِسْمَةِ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهَا مُدَبَّرَةٌ لِمُسْلِمٍ أَوْ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ.\nوَهَذَا لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ رُجُوعُهُ عَلَيْهِمْ بِحِصَّتِهِ لِكَثْرَتِهِمْ وَتَفَرُّقِهِمْ فِي الْقَبَائِلِ، وَالْمُتَعَذِّرُ كَالْمُمْتَنِعِ. ثُمَّ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ وَاجِبٌ، وَذَلِكَ فِي أَنْ يُعَوِّضَ لَهُ قِيمَتَهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، لِأَنَّ هَذَا مِنْ نَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ. وَلِأَنَّهُ لَوْ بَقِيَ","vol":"1","page":1063},{"text":"شَيْءٌ مِنْ الْغَنِيمَةِ مِمَّا يَتَعَذَّرُ قِسْمَتُهُ (ص ٣٥٣) فَإِنَّهُ يُوضَعُ ذَلِكَ فِي بَيْتِ الْمَالِ، فَكَذَلِكَ إذَا لَحِقَهُ غُرْمٌ يُجْعَلُ ذَلِكَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ. لِأَنَّ الْغُرْمَ مُقَابَلٌ بِالْغُنْمِ.\nوَلِأَنَّ هَذَا خَطَأٌ مِنْ الْإِمَامِ فِيمَا عَمِلَ فِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ.\n١٩٦٢ - وَكَذَلِكَ إنْ اُسْتُحِقَّتْ جَارِيَتَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، مِمَّا لَا يَكُونُ فِيهِ ضَرَرٌ بَيِّنٌ فِي بَيْتِ الْمَالِ.\nوَكَذَلِكَ لَوْ أَغْفَلَ رَجُلًا أَوْ رَجُلَيْنِ عِنْدَ الْقِسْمَةِ، فَهَذَا وَمَا لَوْ اُسْتُحِقَّ نَصِيبُهُمْ سَوَاءٌ\n\nفَأَمَّا إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى أَلْفِ رَأْسٍ أَوْ أَكْثَرَ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَقُضِيَ بِحُرِّيَّتِهِمْ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يُعَوِّضُ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَلَكِنْ يَقُولُ لَهُمْ: ائْتُونِي بِمَنْ قَدَرْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْجُنْدِ حَتَّى أَرُدَّكُمْ عَلَيْهِمْ بِحِصَصِكُمْ مِنْ الْغَنِيمَةِ.\nلِأَنَّهُ كَمَا يَجِبُ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِمْ يَجِبُ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي الْتِزَامِ التَّعْوِيضِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، عِنْدَ كَثْرَةِ الْمُسْتَحَقِّ، إضْرَارٌ بِالْمُسْلِمِينَ فِي بَيْتِ مَالِهِمْ. وَرُبَّمَا يَأْتِي ذَلِكَ عَلَى جَمِيعِ مَالِ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ. فَلِهَذَا أَخَذَ بِالِاسْتِحْسَانِ إذَا قَلَّ الْمُسْتَحَقُّ، وَعَادَ إلَى الْقِيَاسِ إذَا كَثُرَ الْمُسْتَحَقُّ.\n١٩٦٣ - وَأَيُّ رَجُلٍ جَاءُوا بِهِ قَدْ أَخَذَ مِنْ الْغَنِيمَةِ شَيْئًا أَعْطَاهُمْ بِحِصَّتِهِمْ مِمَّا فِي يَدِهِ، وَأَعْطَى أَيْضًا نَصِيبَهُمْ مِنْ الْخُمُسِ إنْ لَمْ يَقْسِمْ","vol":"1","page":1064},{"text":"ذَلِكَ بَيْنَ الْمَسَاكِينِ، وَإِنْ كَانَ قَسَمَ أَعْطَاهُمْ ذَلِكَ مِنْ أَمْوَالِ الصَّدَقَاتِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ مِنْ أَمْوَالِ الصَّدَقَاتِ شَيْءٌ كَانَ ذَلِكَ دَيْنًا فِيمَا يَأْتِيهِ مِنْ ذَلِكَ.\nلِأَنَّ حَقَّهُمْ كَانَ ثَابِتًا فِيمَا دَفَعَهُ لِلْخُمُسِ وَفِيمَا دَفَعَهُ إلَى غَيْرِهِمْ، فَلَا يَسْقُطُ حَقُّهُمْ عَنْ ذَلِكَ إلَّا بِسَلَامَةِ نَصِيبِهِمْ لَهُمْ مِنْ مَحَلٍّ آخَرَ، وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ.\n١٩٦٤ - فَإِنْ جَاءُوا بِقَوْمٍ كَثِيرٍ مِمَّنْ أَخَذُوا الْغَنَائِمَ وَقَالُوا لِلْأَمِيرِ: اجْمَعْ مَا فِي أَيْدِيهِمْ فَاقْسِمْهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ لِأَنَّا وَإِيَّاهُمْ شَرْعًا سَوَاءٌ، لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إلَى حِصَّتِهِمْ مِمَّا فِي أَيْدِي الَّذِينَ أَحْضَرُوهُمْ فَيُعْطِيهِمْ ذَلِكَ الْقَدْرَ.\nلِأَنَّ التَّمْلِيكَ مِنْ الْإِمَامِ بِالْقِسْمَةِ قَدْ صَحَّ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَلَا يَبْطُلُ ذَلِكَ إلَّا فِي قَدْرِ مَا يُتَيَقَّنُ بِالسَّبَبِ الْمُبْطِلِ فِيهِ، وَذَلِكَ مِقْدَارُ حِصَّتِهِمْ مِنْ ذَلِكَ، وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ حَقِّهِمْ فِي يَدِ سَائِرِ الْغَانِمِينَ، فَمَا لَمْ يُحْضِرُوهُمْ لَا يَقْضِي لَهُمْ بِهِ.\n١٩٦٥ - وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمَقْسُومُ بَيْنَهُمْ جِنْسًا وَاحِدًا مِنْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، فَإِنَّ هُنَاكَ يَقْسِمُ مَا فِي يَدِ الَّذِينَ أَحْضَرُوهُمْ بَيْنَ جَمَاعَتِهِمْ، كَأَنَّ الْغَنِيمَةَ لَمْ تَكُنْ إلَّا ذَلِكَ، وَكَأَنَّهُمْ الْغَانِمُونَ خَاصَّةً.\nلِأَنَّ الْقِسْمَةَ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ تَمْيِيزٌ مَحْضٌ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ يَنْفَرِدُ بِهِ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ، وَأَنَّ تِلْكَ الْقِسْمَةَ بَيْنَ الْمُشْتَرِينَ","vol":"1","page":1065},{"text":"لَا تَمْنَعُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ بَيْعِ نَصِيبِهِ مُرَابَحَةً، فَاَلَّذِينَ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِمْ قَدْ أَخَذُوا مِقْدَارَ حَقِّهِمْ وَزِيَادَةً، فَتُجْعَلُ الزِّيَادَةُ كَالتَّسَاوِي. فَأَمَّا فِي الْعُرُوضِ وَالْأَجْنَاسِ الْمُخْتَلِفَةِ فَيَتَمَكَّنُ مَعْنَى الْمُعَارِضَةِ فِي الْقِسْمَةِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَنْفَرِدُ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْ الْمُشْتَرِينَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَنْ يَبِيعَ نَصِيبَهُ مُرَابَحَةً عَلَى قَدْرِ مَا غَرِمَ فِيهِ مِنْ الثَّمَنِ؟ فَلِهَذَا يُعْتَبَرُ مِقْدَارُ نَصِيبِ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِمْ فِيمَا فِي يَدِ الَّذِينَ أَحْضَرُوهُمْ فِي الْأَصْلِ، فَيَرُدُّهُمْ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ الْقَدْرِ.\n١٩٦٦ - قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ مَاتَ عَنْ ثَلَاثَةِ أَعْبُدَ وَثَلَاثِ بَنِينَ، فَقَسَمَ الْقَاضِي الْعَبِيدَ بَيْنَهُمْ، وَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَبْدًا، ثُمَّ اُسْتُحِقَّ نَصِيبُ أَحَدِهِمْ، أَوْ ظَهَرَتْ حُرِّيَّتُهُ، فَوَجَدَ (ص ٣٥٤) أَحَدُ صَاحِبَيْهِ لَمْ يَأْخُذْ مِمَّا فِي يَدِهِ إلَّا قَدْرَ نَصِيبِهِ فِي الْأَصْلِ، وَهُوَ الثُّلُثُ مِنْ الْعَبْدِ الَّذِي فِي يَدِهِ.\nوَلَوْ كَانَ الْمَوْزُونُ بَيْنَهُمْ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَإِنَّهُ يَأْخُذُ مِنْهُ نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ.\nوَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مَا ذَكَرْنَا. فَإِذَا كَانَ هَذَا الْحُكْمُ فِي الْقِسْمَةِ الَّتِي تَبْتَنِي عَلَى الْمِلْكِ وَهِيَ لَا تَتَضَمَّنُ التَّمْلِيكَ ابْتِدَاءً فَفِي، الْقِسْمَةِ الَّتِي تَبْتَنِي عَلَى الْحَقِّ وَفِيهَا تَمْلِيكُ الْعَيْنِ ابْتِدَاءً أَوْلَى.\n١٩٦٧ - وَلَوْ سَمِعَ بِهَذَا الِاسْتِحْقَاقِ بَقِيَّةُ الْجُنْدِ الَّذِينَ أَخَذُوا الرَّقِيقَ فَهُمْ فِي سَعَةٍ مِنْ بَيْعِ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَجِمَاعِ الْأَمَةِ الَّتِي أَصَابَتْ","vol":"1","page":1066},{"text":"كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، مَا لَمْ يَقْضِ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ لِمَنْ اسْتَحَقَّ نَصِيبَهُ بِحِصَّتِهِ مِمَّا فِي يَدِهِ.\nلِأَنَّهُ تَمَلَّكَهَا بِالْقِسْمَةِ بِتَمْلِيكِ الْإِمَامِ ابْتِدَاءً مِنْهُ، فَلَا يَبْطُلُ مِلْكُهُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا مَا لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بِإِبْطَالِ ذَلِكَ التَّمْلِيكِ عَلَيْهِ. وَهَذَا بِخِلَافِ الْمِيرَاثِ، فَإِنَّ هُنَاكَ لَا يَحِلُّ لِمَنْ لَمْ يَسْتَحِقَّ نَصِيبَهُ أَنْ يَطَأَهَا وَلَا يَبِيعَهَا بَعْدَ مَا اُسْتُحِقَّ نَصِيبُ أَحَدِهِمْ، لِأَنَّ هُنَاكَ الْقِسْمَةُ كَانَتْ تَمْيِيزًا لِلْمِلْكِ لَا تَمْلِيكًا ابْتِدَاءً، وَيُمْكِن فِيهَا مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ، بِحَيْثُ إنَّ مَا أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَخَذَ بَعْضَهُ بِنَصِيبِهِ فِيهَا وَبَعْضَهُ عِوَضًا عَنْ نَصِيبِهِ فِيمَا أَخَذَهُ صَاحِبُهُ.\n١٩٦٨ - فَإِذَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ حُرِّيَّةُ الْأَصْلِ أَوْ الِاسْتِحْقَاقُ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمْ، فَقَدْ بَطَلَتْ تِلْكَ الْقِسْمَةُ وَعَادَ الْحُكْمُ فِيهَا كَمَا كَانَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ. فَلِهَذَا لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا وَلَا بَيْعُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ مِنْهَا.\nوَحَقِيقَةُ هَذَا الْفَرْقِ تَتَبَيَّنُ بِمَا قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَا مِلْكَ لِلْغَانِمِينَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، حَتَّى لَوْ أَعْتَقَ بَعْضَهُمْ لَا يَنْفُذُ عِتْقُهُ، وَلَوْ اسْتَوْلَدَ لَمْ يَصِحَّ اسْتِيلَادُهُ، فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ بِالْقِسْمَةِ ابْتِدَاءً، وَفِي الْمَوْرُوثِ الْمِلْكُ ثَابِتٌ لِلشُّرَكَاءِ حَتَّى يَنْفُذَ الْعِتْقُ وَالِاسْتِيلَادُ فِيهِ مِنْ بَعْضِهِمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ.\nفَإِذَا بَطَلَتْ الْقِسْمَةُ بِالِاسْتِحْقَاقِ كَانَ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ مَالِكًا لِنَصِيبِهِ مِمَّا فِي يَدِ صَاحِبِهِ، قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي، كَمَا كَانَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، وَفِي الْغَنِيمَةِ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ بَعْدَ بُطْلَانِ الْقِسْمَةِ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا مِمَّا فِي يَدِهِ قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي، كَأَنْ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا قَبْلَ الْقِسْمَةِ.","vol":"1","page":1067},{"text":"يُوَضِّحُهُ أَنَّ فِي الْغَنِيمَةِ لَوْ رَأَى الْإِمَامُ أَنْ لَا تَبْطُلَ الْقِسْمَةُ وَأَنْ يُعَوَّضَ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ قِيمَةَ نَصِيبِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ.\nوَفِي الْمِيرَاثِ لَوْ أَرَادَ الْقَاضِي أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهُ، وَكَانَ لِلْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ بِنَصِيبِهِ فِيمَا أَخَذَهُ شَرِيكُهُ، شَاءَ الْحَاكِمُ أَوْ أَبَى.\nوَبِهِ اتَّضَحَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ.\n١٩٦٩ - وَلَوْ أَنَّ الْمُوَلَّى لِقِسْمَةِ الْغَنَائِمِ عَزَلَ الْخُمُسَ وَالْأَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسِ وَلَمْ يُعْطِ أَحَدًا شَيْئًا حَتَّى سُرِقَ الْخُمُسُ أَوْ هَلَكَ، أَوْ سُرِقَتْ الْأَخْمَاسُ الْأَرْبَعَةُ فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُ الْقِسْمَةَ فِيمَا بَقِيَ وَيَجْعَلُ مَا هَلَكَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ.\nلِأَنَّ الْقِسْمَةَ لَا تَتِمُّ بِتَمْيِيزِهِ الْبَعْضَ مِنْ الْبَعْضِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، فَالْوَاحِدُ لَا يَكُونُ مُقَاسِمًا مَعَ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا تَتِمُّ الْقِسْمَةُ بَيْنَ اثْنَيْنِ. فَلِهَذَا كَانَ هَلَاكُ مَا هَلَكَ قَبْلَ التَّمْيِيزِ وَبَعْدَهُ سَوَاءٌ.\n١٩٧٠ - وَلَوْ أَعْطَى الْمَسَاكِينَ الْخُمُسَ ثُمَّ سُرِقَتْ الْأَخْمَاسُ الْأَرْبَعَةُ فَقَدْ سَلَّمَ لِلْمَسَاكِينِ مَا أَخَذُوا، وَلَمْ يَكُنْ لِلْغَانِمِينَ أَنْ يَرْجِعُوا عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ بَدَأَ بِالْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ فَقَسَمَهَا بَيْنَ الْجُنْدِ ثُمَّ سَرَقَ الْخُمُسَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْغَانِمِينَ بِشَيْءٍ.\nلِأَنَّ الْقِسْمَةَ قَدْ تَمَّتْ هُنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَرْبَابِ الْخُمُسِ بِدَفْعِ نَصِيبِهِمْ إلَيْهِمْ، عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّهُ كَالْوَكِيلِ مِنْ جِهَةِ الْغُزَاةِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَانِمِينَ، إذَا سَلَّمَ نَصِيبَهُمْ إلَيْهِمْ، عَلَى اعْتِبَارِ (ص ٣٥٥) أَنَّهُ كَالْوَكِيلِ لِلْمَسَاكِينِ فَإِنَّهُ يَصْلُحُ","vol":"1","page":1068},{"text":"لِلنِّيَابَةِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَوْصَى الرَّجُلُ بِثُلُثِ مَالِهِ لِلْمَسَاكِينِ فَقَسَمَ الْقَاضِي وَأَعْطَى الثُّلُثَيْنِ لِلْوَرَثَةِ، ثُمَّ ضَاعَ الثُّلُثُ فِي يَدِهِ، أَوْ أَعْطَى الْمَسَاكِينَ الثُّلُثَ ثُمَّ ضَاعَ نَصِيبُ الْوَرَثَةِ فِي يَدِهِ، فَإِنَّ الْقِسْمَةَ تَكُونُ مَاضِيَةً، وَلَا رُجُوعَ لِأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِشَيْءٍ، بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْقَاضِيَ كَالنَّائِبِ عَنْ الَّذِينَ بَقِيَ نَصِيبُهُمْ فِي يَدِهِ، فَوُصُولُ نَصِيبِهِمْ إلَى نَائِبِهِمْ بِمَنْزِلَةِ وُصُولِهِ إلَيْهِمْ، فَيَكُونُ هَلَاكُهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ.\n١٩٧١ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ قَسَمَ الْأَخْمَاسَ الْأَرْبَعَةَ وَجَزَّأَهَا عَلَى سِهَامِ الْخَيْلِ وَالرَّجَّالَةِ وَلَكِنْ لَمْ يُعْطِ أَحَدًا شَيْئًا حَتَّى ضَاعَ بَعْضُ مَا عَزَلَ، فَإِنَّ الْقِسْمَةَ تُنْتَقَضُ وَيَقْسِمُ مَا بَقِيَ بَيْنَهُمْ قِسْمَةً مُسْتَقْبَلَةً.\nفَالْقِسْمَةُ لَا تَتِمُّ.\nلِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مُقَاسِمًا بِنَفْسِهِ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنْ مَا هَلَكَ يَهْلَكُ مِنْ نَصِيبِ جَمَاعَتِهِمْ وَمَا بَقِيَ يَبْقَى لِجَمَاعَتِهِمْ.\n١٩٧٢ - وَلَوْ كَانَ أَعْطَى الرَّجَّالَةَ سِهَامَهُمْ، وَبَقِيَتْ سِهَامُ الْخَيْلِ، وَلَمْ يُعْطِ الْمَسَاكِينَ الْخَمْسَ أَيْضًا، ثُمَّ ضَاعَتْ سِهَامُ الْخَيْلِ جَازَ لِلرَّجَّالَةِ مَا أَخَذُوا.\nلِأَنَّ الْقِسْمَةَ فِي حَقِّهِمْ تَمَّتْ عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّ الْإِمَامَ نَائِبٌ عَنْ أَصْحَابِ الْخَيْلِ.\n١٩٧٣ - ثُمَّ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْسِمَ مَا فِي يَدِهِ مِنْ الْخُمُسِ عَلَى حَقِّ أَرْبَابِ الْخُمُسِ وَعَلَى سِهَامِ الْخَيْلِ.\nلِأَنَّ الْقِسْمَةَ لَمْ تَتِمَّ فِيمَا بَيْنَ أَرْبَابِ الْخُمُسِ وَأَصْحَابِ الْخَيْلِ حِينَ لَمْ يُعْطِ وَاحِدًا مِنْ الْفَرِيقَيْنِ نَصِيبَهُ، فَمَا يُتْوَى يُتْوَى عَلَيْهِمْ، وَمَا يَبْقَى يَبْقَى لَهُمْ.","vol":"1","page":1069},{"text":"١٩٧٤ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الَّذِي ضَاعَ مَا عَزَلَهُ لِلْخُمُسِ، فَإِنَّهُ يَقْسِمُ مَا عَزَلَهُ لِأَصْحَابِ الْخَيْلِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَرْبَابِ الْخُمُسِ عَلَى مِقْدَارِ حَقِّهِمْ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الرَّجَّالَةِ بِشَيْءٍ.\nلِأَنَّ الْقِسْمَةَ قَدْ تَمَّتْ فِي حَقِّهِمْ حِينَ قَبَضُوا نَصِيبَهُمْ، وَفَرَّقَ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَبَيْنَ مَا إذَا اسْتَحَقَّ نَصِيبَ الْبَعْضِ لِحُرِّيَّةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ عَلَى مَا بَيَّنَّا.\nوَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ بِالِاسْتِحْقَاقِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْقَاسِمَ أَخْطَأَ، وَأَنَّ الْقِسْمَةَ كَانَتْ فَاسِدَةً. وَأَمَّا هَا هُنَا فَبِهَلَاكِ الْبَعْضِ لَمْ يَتَبَيَّنْ خَطَأُ الْقَاسِمِ، فَلِهَذَا كَانَتْ الْقِسْمَةُ بَاقِيَةً فِي نَصِيبِ مَنْ تَمَّتْ الْقِسْمَةُ فِي حَقِّهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":1070},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>[بَابُ أَثْمَانِ الْغَنَائِمِ الَّتِي يُبَرِّئُ الْإِمَامُ مِنْهَا أَهْلَهَا]</span>\n١٩٧٥ - قَالَ: قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ قَسَمَ الْغَنَائِمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ بَاعَهَا ثُمَّ لَحِقَهُمْ مَدَدٌ لَمْ يُشَارِكُوهُمْ فِيهَا.\nلِأَنَّ بِالْقِسْمَةِ قَدْ ثَبَتَ الْمِلْكُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي نَصِيبِهِ، فَلَوْ ثَبَتَ لِلْمَدَدِ شَرِكَةٌ لَثَبَتَ بِطَرِيقِ الْغَنِيمَةِ، فَالْمُسْلِمُ لَا يَثْبُتُ لَهُ الْحَقُّ فِي مِلْكِ الْمُسْلِمِ بِطَرِيقِ الْغَنِيمَةِ. وَكَذَلِكَ بِالْبَيْعِ قَدْ ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي، فَتَعَذَّرَ إثْبَاتُ الشَّرِكَةِ لِلْمَدَدِ فِي الْمَبِيعِ، وَلَا يَثْبُتُ لَهُمْ الشَّرِكَةُ فِي الثَّمَنِ أَيْضًا، سَوَاءٌ قَبَضَ مِنْ الْمُشْتَرِي أَوْ لَمْ يَقْبِضْ.\nلِأَنَّ وُجُوبَ الثَّمَنِ لِلْغَانِمِينَ بِالْبَيْعِ. وَالشَّرِكَةُ فِي الْغَنِيمَةِ لَا فِيمَا صَارَ مُسْتَحَقًّا لَهُمْ بِالْعَقْدِ.\nوَلِأَنَّ الْعَقْدَ يَقْتَضِي تَقَابُلَ الْبَدَلَيْنِ فِي الْمِلْكِ، وَكَمَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ يَثْبُتُ لِلْغَانِمِينَ فِي الثَّمَنِ. فَكَانَ ذَلِكَ أَقْوَى فِي قَطْعِ الشَّرِكَةِ مِنْ تَأَكُّدِ حَقِّهِمْ بِالْإِحْرَازِ. وَلِأَنَّ الْإِمَامَ نَائِبٌ عَنْهُمْ فِي الْبَيْعِ، فَكَأَنَّهُمْ بَاعُوهُ بِأَنْفُسِهِمْ، وَنُفُوذُ الْبَيْعِ مِنْ جِهَتِهِمْ آيَةُ تَأَكُّدِ حَقِّهِمْ فِيهِ، فَكَأَنَّهُ قَسَمَهَا بَيْنَهُمْ، وَبَاعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نَصِيبَهُ.\n١٩٧٦ - فَلَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِينَ لَمْ يَنْقُدُوا الثَّمَنَ وَقَبَضُوا مَا اشْتَرَوْا، ثُمَّ لَحِقَهُمْ الْمُشْرِكُونَ، وَقَدْ عَلِمَ الْأَمِيرُ أَنَّهُ لَا طَاقَةَ لِلْمُسْلِمِينَ (ص ٣٥٦)","vol":"1","page":1071},{"text":"بِهِمْ، فَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى: مَنْ اشْتَرَى مِنَّا شَيْئًا فَلْيَطْرَحْهُ. وَتَجَمَّعُوا حَتَّى تَبْلُغُوا مَأْمَنَكُمْ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ فَفَعَلُوا ذَلِكَ، ثُمَّ طَالَبَهُمْ الْأَمِيرُ بِالثَّمَنِ بَعْدَ مَا خَرَجُوا، فَقَالُوا: قَدْ طَرَحْنَا مَا اشْتَرَيْنَا بِأَمْرِك، فَلَا ثَمَنَ لَك عَلَيْنَا. أَوْ قَالُوا: اضْمَنْ لَنَا قِيمَتَهُ. فَإِنْ كَانُوا طَرَحُوا ذَلِكَ طَائِعِينَ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ عَلَى الْأَمِيرِ، وَعَلَيْهِمْ مَا الْتَزَمُوا مِنْ الثَّمَنِ.\nلِأَنَّ حُكْمَ الْبَيْعِ فِي الْمَبِيعِ قَدْ انْتَهَى بِالتَّسْلِيمِ وَالْتَحَقَ بِسَائِرِ أَمْلَاكِهِمْ، فَهُمْ قَوْمٌ أَتْلَفُوا مِلْكَهُمْ طَوْعًا. وَالْأَمِيرُ أَشَارَ عَلَيْهِمْ بِمَشُورَةٍ، فَلَا يُوجِبُ ذَلِكَ غُرْمًا لَهُمْ عَلَيْهِ، وَلَا يَسْقُطُ بِهِ الثَّمَنُ الَّذِي تَقَرَّرَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِمْ.\n١٩٧٧ - وَإِنْ كَانَ أَكْرَهَهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِوَعِيدٍ مُتْلِفٍ نَظَرَ الْخَلِيفَةُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ نَظَرًا لَهُمْ لَمْ يَضْمَنْ لَهُمْ شَيْئًا مِمَّا طَرَحُوا.\nلِأَنَّهُ كَانَ مَأْمُورًا مِنْ جِهَتِهِ بِالنَّظَرِ لَهُمْ، وَقَدْ فَعَلَ. وَلِأَنَّهُ أَكْرَهَهُمْ عَلَى مَا يَحِقُّ عَلَيْهِمْ فِعْلُهُ شَرْعًا، فَإِنَّ الْمُسْلِمَ مَأْمُورٌ عِنْدَ الضَّرُورَةِ بِأَنْ يَجْعَلَ مَالَهُ وِقَايَةً لِنَفْسِهِ، وَهُوَ مَا أَمَرَهُمْ إلَّا بِذَلِكَ، وَالْمُكْرَهُ بِحَقٍّ يَكُونُ مُحْسِنًا، وَمَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ.\n١٩٧٨ - وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ أَكْرَهَهُمْ لَا عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ لَهُمْ ضَمِنَ لَهُمْ قِيمَةَ مَا طَرَحُوا.\nلِأَنَّهُ مَا كَانَ مُتَعَدِّيًا فِيمَا أَكْرَهَهُمْ عَلَيْهِ مُخَالِفًا لِأَمْرِ الْخَلِيفَةِ، فَكَانُوا بِمَنْزِلَةِ الْآلَةِ لَهُ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْإِكْرَاهِ، فَكَأَنَّهُ أَخَذَ الْمَالَ مِنْهُمْ وَطَرَحَهُ، فَيَضْمَنُ لَهُمْ قِيمَتَهُ.","vol":"1","page":1072},{"text":"وَالثَّمَنُ وَاجِبٌ عَلَى الْمُشْتَرِينَ فِي الْوَجْهَيْنِ.\nلِأَنَّهُ تَقَرَّرَ ذَلِكَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِمْ، وَإِتْلَافُ الْبَيْعِ بَعْدَ تَقَرُّرِ الثَّمَنِ وَانْتِهَاءِ الْعَقْدِ لَا يُسْقِطُ الثَّمَنَ، سَوَاءٌ حَصَلَ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي أَوْ بِفِعْلِ الْبَائِعِ.\n١٩٧٩ - وَلَوْ كَانَ قَالَ: لِيَطْرَحْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا اشْتَرَى مِنِّي وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ الثَّمَنِ. أَوْ عَلَى أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ الثَّمَنِ، أَوْ إنْ طَرَحَهُ فَقَدْ أَبْرَأْته مِنْ الثَّمَنِ، فَطَرَحُوا طَائِعِينَ أَوْ مُكْرَهِينَ، فَالثَّمَنُ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ.\nلِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مِنْ الْأَمِيرِ بَاطِلٌ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ الْإِبْرَاءِ عَنْ الثَّمَنِ فِيمَا بَاعَهُ لِلْغَانِمِينَ. أَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - ﵀ - فَظَاهِرٌ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ أَوْ الْوَكِيلِ فِي ذَلِكَ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فَلِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَلْتَزِمُ الْعُهْدَةَ فِي هَذَا التَّصَرُّفِ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْحُكْمِ مِنْهُ، فَيَكُونُ كَالرَّسُولِ فِي الْبَيْعِ لَا يَمْلِكُ الْإِبْرَاءَ مِنْ الثَّمَنِ.\n١٩٨٠ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانُوا فِي السَّفِينَةِ فَاحْتَاجُوا إلَى أَنْ يُخَفِّفُوهَا فَأَمَرَهُمْ بِالطَّرْحِ فِي الْمَاءِ، فَهُوَ كَالْأَوَّلِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا.\n١٩٨١ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ بَائِعُ الْأَطْعِمَةِ فِي السَّفِينَةِ مُتَصَرِّفًا لِنَفْسِهِ ثُمَّ نَادَاهُمْ: مَنْ طَرَحَ شَيْئًا مِمَّا اشْتَرَاهُ مِنِّي فِي الْمَاءِ فَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ ثَمَنِهِ، أَوْ اطْرَحُوا عَلَى أَنَّكُمْ بُرَآءُ مِنْ الثَّمَنِ، فَهَذَا بَاطِلٌ، وَعَلَيْهِمْ الثَّمَنُ لَهُ. وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ الثَّمَنُ هُنَا.\nلِأَنَّهُ كَانَ مَالِكًا لِلْإِبْرَاءِ عَنْ الثَّمَنِ. وَلَكِنْ نَقُولُ: إنَّهُ عَلَّقَ الْإِبْرَاءَ بِالشَّرْطِ، وَالْإِبْرَاءُ لَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ كَالْعَقْدِ.","vol":"1","page":1073},{"text":"١٩٨٢ - وَلَوْ قَالَ لَهُمْ رَجُلٌ آخَرُ: اطْرَحُوهُ عَلَى أَنَّ عَلَيَّ ثَمَنَهُ، أَوْ قِيمَتِهِ لَكُمْ، لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ وَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ. وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ الْبَائِعُ ذَلِكَ.\nوَهَذَا لِأَنَّ الْمَبِيعَ قَدْ صَارَ فِي مِلْكِهِمْ وَضَمَانِهِمْ، فَمَنْ يُنَادِيهِمْ بِالطَّرْحِ بَعْدَ ذَلِكَ يَكُونُ مُشِيرًا عَلَيْهِمْ بِمَا يَفْعَلُونَهُ فِي مِلْكِهِمْ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ سَبَبًا فِي الضَّمَانِ عَلَيْهِ، إذَا فَعَلَ الْمَرْءُ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ لَا يَنْتَقِلُ إلَى مَنْ أَشَارَ عَلَيْهِ فَيَبْقَى الْإِبْرَاءُ أَوْ الْعَقْدُ مُتَعَلِّقًا بِالشَّرْطِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ، وَبِهَذَا الطَّرِيقِ يَتَّضِحُ الْكَلَامُ فِي بَيْعِ الْأَمِيرِ الْغَنِيمَةَ.\n١٩٨٣ - وَلَوْ كَانَ الْأَمِيرُ أَمَرَ الْمُنَادِيَ فَنَادَى: أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا قَدْ أَقَلْنَا الْمُشْتَرِينَ الْعَقْدَ فِيمَا اشْتَرَوْا مِنَّا فَمَنْ كَانَ اشْتَرَى شَيْئًا فَلْيَطْرَحْهُ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ مِنْ الثَّمَنِ شَيْءٌ.\nلِأَنَّهُ أَقَالَهُمْ الْبَيْعَ، وَذَلِكَ صَحِيحٌ مِنْهُ، كَأَصْلِ الْبَيْعِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَبَ وَالْوَصِيَّ يَصِحُّ مِنْهُمَا الْإِقَالَةُ فِيمَا بَاعَهُ لِلْيَتِيمِ كَمَا يَصِحُّ أَصْلُ الْبَيْعِ، وَبَعْدَ صِحَّةِ الْإِقَالَةِ لَا يَبْقَى الثَّمَنُ عَلَى الْمُشْتَرِي ثُمَّ الْبَيْعُ عَادَ كَمَا كَانَ غَنِيمَةً، وَقَدْ طَرَحُوهُ بِأَمْرِ الْأَمِيرِ، فَكَأَنَّهُ طَرَحَهُ بِنَفْسِهِ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ بِسَبَبِهِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اشْتَرَى ثَوْبَ رَجُلٍ فَقَالَ لَهُ الْبَائِعُ: قَدْ أَقَلْتُك الْبَيْعَ، فَاقْطَعْهُ لِي قَمِيصًا، فَفَعَلَ ذَلِكَ، أَوْ كَانَ الْمُشْتَرَى طَعَامًا فَقَالَ: قَدْ أَقَلْتُك الْبَيْعَ فِيهِ فَتَصَدَّقْ بِهِ عَنِّي عَلَى هَؤُلَاءِ الْمَسَاكِينِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ. فَإِنَّ الْإِقَالَةَ تَكُونُ صَحِيحَةً، وَعَلَى الْبَائِعِ رَدُّ الثَّمَنِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْإِقَالَةَ مُعْتَبَرَةٌ بِأَصْلِ الْعَقْدِ.\nوَلَوْ قَالَ: قَدْ اشْتَرَيْت مِنْك هَذَا الطَّعَامَ بِكَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ عَنِّي، أَوْ هَذَا الثَّوْبَ بِكَذَا فَاقْطَعْهُ لِي قَمِيصًا، فَفَعَلَ الرَّجُلُ ذَلِكَ كَانَ الْبَيْعُ صَحِيحًا بَيْنَهُمَا، وَعَلَى الْآمِرِ الثَّمَنُ، فَكَذَلِكَ الْإِقَالَةُ.","vol":"1","page":1074},{"text":"أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِينَ وَجَدُوا عَيْبًا بِالْمَبِيعِ فَقَبِلَ الْأَمِيرُ مِنْهُمْ بِغَيْرِ قَضَاءٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ صَحِيحًا، وَالرَّدُّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ الْقَبْضِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْإِقَالَةِ فِيهِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ يَصِحُّ الْإِقَالَةُ مِنْهُ مَعَهُمْ فِي حَقِّ الْغَانِمِينَ، وَهَذَا لِأَنَّ حَقَّهُمْ قَدْ تَأَكَّدَ فِي الثَّمَنِ، وَلَكِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ مِلْكُهُمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، وَذَلِكَ لَا يَنْفِي وِلَايَةَ التَّصَرُّفِ لِلْأَمِيرِ كَمَا فِي الْغَنَائِمِ الْمُحْرَزَةِ بِالدَّارِ، وَكَمَا فِي مَالِ الْخَرَاجِ إذَا أَخَذَ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ ثِيَابًا أَوْ بَاعَهَا، ثُمَّ رَأَى أَنْ يُقِيلَ الْمُشْتَرِي الْعَقْدَ فِيهَا صَحَّتْ الْإِقَالَةُ مِنْهُ، فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ.\n١٩٨٤ - وَإِنْ لَمْ يَطْرَحُوا ذَلِكَ حِينَ سَمِعُوا النِّدَاءَ حَتَّى إذَا سَارُوا مَنْقَلَةً أَوْ مِنْقَلَتَيْنِ عَمِلُوا عَمَلًا آخَرَ مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى قَطْعِ الْمَجْلِسِ ثُمَّ طَرَحُوا ذَلِكَ فَعَلَيْهِمْ الثَّمَنُ.\nلِأَنَّ الْإِقَالَةَ مُعْتَبَرَةٌ بِأَصْلِ الْبَيْعِ، وَكَمَا أَنَّ إيجَابَ الْبَيْعِ يَبْطُلُ بِالتَّفَرُّقِ قَبْلَ الْقَبُولِ فَكَذَلِكَ إيجَابُ الْإِقَالَةِ، وَقَبُولُ الْإِقَالَةِ مِنْهُمْ هَا هُنَا يَكُونُ بِالطَّرْحِ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ فِي الْمَجْلِسِ لَمْ تَثْبُتْ الْإِقَالَةُ وَبَقِيَ الثَّمَنُ عَلَيْهِمْ.\n١٩٨٥ - وَإِنْ ادَّعَى الْمُشْتَرُونَ أَنَّهُمْ طَرَحُوا كَمَا سَمِعُوا وَلَا يَعْلَمْ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهِمْ لَمْ يُصَدَّقُوا عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.\nلِأَنَّهُمْ ادَّعَوْا مَا يُسْقِطُ الثَّمَنَ عَنْهُمْ بَعْدَ تَقَرُّرِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ ادَّعَوْا قَبُولَ الْإِقَالَةِ فِي الْمَجْلِسِ، وَالْبَائِعُ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ إلَّا بِحُجَّةٍ.\n١٩٨٦ - وَلَوْ كَانَ أَمَرَ الْمُنَادِينَ حَتَّى قَالَ: مَنْ طَرَحَ مِنْكُمْ الْمَتَاعَ الَّذِي اشْتَرَى مِنَى فَقَدْ أَقَلْته الْبَيْعَ فِيهِ. فَهَذَا فِي الْقِيَاسِ لَا يَصِحُّ.","vol":"1","page":1075},{"text":"لِأَنَّهُ تَعْلِيقُ الْإِقَالَةِ بِالشَّرْطِ. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ هُوَ صَحِيحٌ.\nلِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَحْقِيقُ الْإِقَالَةِ وَالْحَثُّ لَهُمْ عَلَى الطَّرْحِ.\n١٩٨٧ - وَكَذَا لَوْ قَالَ: أَقَلْتُكُمْ عَلَى أَنْ تَطْرَحُوا، أَوْ اطْرَحُوا عَلَى الْإِقَالَةِ مِنْكُمْ لِي، وَكَذَا غَيْرُ الْأَمِيرِ مَنْ بَاعَ مَتَاعَهُ فَهُوَ عَلَى قِيَاسِ الْأَمِيرِ.\nوَهُوَ نَظِيرُ الْقِيَاسِ. وَالِاسْتِحْسَانُ فِي أَصْلِ الْبَيْعِ إذَا قَالَ: إنْ أَدَّيْت إلَيَّ كَذَا دِرْهَمًا ثَمَنَ الثَّوْبِ فَقَدْ بِعْته مِنْك، فَأَدَّى الثَّمَنَ فِي الْمَجْلِسِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ بَيْعًا صَحِيحًا اسْتِحْسَانًا، فَكَذَلِكَ الْإِقَالَةُ.\n١٩٨٨ - وَلَوْ كَانَ سَمِعَ النِّدَاءَ مِنْ الْمُنَادِي بَعْضُ النَّاسِ، ثُمَّ أَخْبَرُوا بِذَلِكَ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ النِّدَاءَ فَهَذَا وَمَا لَوْ سَمِعُوا جَمِيعًا مِنْ الْمُنَادِي سَوَاءٌ.\nلِأَنَّ الْأَمِيرَ أَذِنَ بِتَبْلِيغِ كَلَامِهِ إلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْ دَلَالَةً لِكُلِّ مَنْ سَمِعَ، كَمَا أَنَّهُ أَذِنَ لِلْمُنَادِي فِي ذَلِكَ أَيْضًا، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ الْبَائِعُ تَاجِرًا بَاعَ مَتَاعَهُ فِي السَّفِينَةِ، فَإِنَّ هُنَاكَ إذَا لَمْ يَسْمَعْ كَلَامَهُ فِي إيجَابِ الْإِقَالَةِ بَعْضُ الْمُشْتَرِينَ وَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ مَنْ سَمِعَ فَطَرَحَ مَعَهُمْ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الثَّمَنُ، لِأَنَّ الْمُبَلِّغَ لَمْ يُرْسِلْهُ الْبَائِعُ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالتَّبْلِيغِ صَرِيحًا وَدَلَالَةً، فَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ أَصْلًا فَأَمَّا الْأَمِيرُ فَإِنَّهُ أَذِنَ فِي التَّبْلِيغِ دَلَالَةً لِأَنَّ مَبْنَى كَلَامِ الْأَمِيرِ فِيمَا يُخَاطِبُ بِهِ رَعِيَّتَهُ عَلَى الِانْتِشَارِ وَالِاسْتِفَاضَةِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ التَّاجِرِ الَّذِي يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ. ثُمَّ الْإِقَالَةُ تُعْتَبَرُ بِالْعَقْدِ.\nوَلَوْ قَالَ التَّاجِرُ: قَدْ بِعْت عَبْدِي هَذَا مِنْ فُلَانٍ بِكَذَا. فَبَلَّغَهُ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ ذَلِكَ الْكَلَامَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْعَلَهُ رَسُولًا إلَيْهِ، فَقَبِلَ، لَمْ يَنْعَقِدْ الْبَيْعُ بِهِ. وَلَوْ قَالَ: فَأَبْلِغْهُ يَا فُلَانُ. فَذَهَبَ فَأَبْلَغَهُ كَانَ ذَلِكَ بَيْعًا صَحِيحًا إذَا قَبِلَهُ.","vol":"1","page":1076},{"text":"وَكَذَلِكَ لَوْ ذَهَبَ رَجُلٌ آخَرُ فَأَبْلَغَهُ، لِأَنَّهُ حِينَ قَالَ: فَأَبْلِغْهُ يَا فُلَانُ فَقَدْ أَظْهَرَ مِنْ نَفْسِهِ الرِّضَا بِالتَّبْلِيغِ إلَيْهِ، فَكُلُّ مَنْ بَلَّغَهُ فَقَبِلَ الْبَيْعَ، كَانَ الْبَيْعُ صَحِيحًا، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي الْعَقْدِ فَكَذَلِكَ فِي الْإِقَالَةِ. وَبِهِ يَتَّضِحُ فَصْلُ الْأَمِيرِ حِينَ أَمَرَ الْمُنَادِيَ بِهِ. لِأَنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِالْأَمْرِ بِالتَّبْلِيغِ لِلْمُنَادِي، فَتَبْلِيغُهُ وَتَبْلِيغُ غَيْرِهِ بَعْدَ ذَلِكَ سَوَاءٌ.\n١٩٨٩ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ الْأَمِيرُ بِنَفْسِهِ: قَدْ أَقَلْتُكُمْ الْبَيْعَ، فَاطْرَحُوا مَا اشْتَرَيْتُمْ مِنِّي وَلْيُبَلِّغْ شَاهِدُكُمْ غَائِبَكُمْ. فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ.\nلِأَنَّهُ نَصٌّ عَلَى الْأَمْرِ بِالتَّبْلِيغِ، فَعِبَارَةُ كُلِّ مُبَلِّغٍ تَكُونُ بِمَنْزِلَةِ عِبَارَتِهِ.\n١٩٩٠ - وَلَوْ كَانَ الْأَمِيرُ لَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فَفِي الْقِيَاسِ لَا يَبْرَأُ مِنْ الثَّمَنِ إلَّا مَنْ سَمِعَ مَقَالَةَ الْأَمِيرِ، كَمَا فِي حَقِّ الْبَائِعِ لِنَفْسِهِ، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ: هُمْ بُرَآءُ مِنْ الثَّمَنِ إذَا طَرَحُوا حِينَ بَلَّغَهُمْ مَقَالَةَ الْأَمِيرِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ مَبْنَى كَلَامِ الْأَمِيرِ عَلَى الِانْتِشَارِ وَالظُّهُورِ عَادَةٌ، وَالْعَادَةُ تُعْتَبَرُ فِي تَقْيِيدِ مُطْلَقِ الْكَلَامِ. فَكَانَ هَذَا وَالتَّصْرِيحُ بِقَوْلِهِ: فَلْيُبَلِّغْ شَاهِدُكُمْ غَائِبَكُمْ سَوَاءً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":1077},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>[بَابُ قِسْمَةِ الْخُمُسِ مِنْ الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ]</span>\n١١١ - بَابُ قِسْمَةِ الْخُمُسِ مِنْ الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ ١٩٩١ - وَلَوْ أَنَّ الْأَمِيرَ فِي دَارِ الْحَرْبِ عَزَلَ الْخُمُسَ مِنْ الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ وَلَمْ يَدْفَعْ إلَى أَحَدٍ شَيْئًا حَتَّى أَتَاهُمْ جَيْشٌ آخَرُ مَدَدٌ أَقَلَّهُمْ الشَّرِكَةَ.\nلِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْأَمِيرَ لَا يُقَاسِمُ نَفْسَهُ، وَأَنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ لِأَحَدٍ فِي شَيْءٍ بِهَذَا الْعَزْلِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ سُرِقَ الْمَعْزُولُ لِلْخُمْسِ كَانَ الْبَاقِي مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْغَانِمِينَ وَأَرْبَابِ الْخُمُسِ أَخْمَاسًا، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ سُرِقَ الْبَعْضُ قَبْلَ الْعَزْلِ.\nوَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ قِسْمَةً فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ الْمَدَدَ لَحِقُوهُمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ، وَكَانُوا شُرَكَاءَ الْجَيْشِ فِي الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ.\n١٩٩٢ - وَلَوْ كَانَ الْأَمِيرُ أَعْطَى الْخُمُسَ الْمَسَاكِينَ، وَلَمْ يَقْسِمْ الْأَخْمَاسَ الْأَرْبَعَةَ بَيْنَ الْجُنْدِ حَتَّى لَحِقَهُمْ الْمَدَدُ، فَلَا شَرِكَةَ لَهُمْ مَعَ الْجَيْشِ فِي الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ هَا هُنَا.\nلِأَنَّ الْقِسْمَةَ قَدْ تَحَقَّقَتْ بِتَسْلِيمِ الْخَمْسِ إلَى أَرْبَابِ الْخُمُسِ، وَقَدْ ثَبَتَ الْمِلْكُ لَهُمْ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الْأَخْمَاسَ الْأَرْبَعَةَ لَوْ هَلَكَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْغَانِمِينَ رُجُوعٌ عَلَى أَرْبَابِ الْخُمُسِ بِشَيْءٍ.","vol":"1","page":1078},{"text":"وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا شَرِكَةَ لِلْمَدَدِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ.\nفَإِنْ قِيلَ: شَرِكَةُ الْمَدَدِ إنَّمَا تَثْبُتُ فِي الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ دُونَ الْخُمُسِ، وَلَمْ تُوجَدْ الْقِسْمَةُ فِيمَا هُوَ مَحَلُّ حَقِّهِمْ فَكَيْفَ تَنْقَطِعُ شَرِكَتُهُمْ بِقِسْمَةٍ وَقَعَتْ لَا فِي مَحَلِّ حَقِّهِمْ؟ قُلْنَا: لَا كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْقِسْمَةَ لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهَا مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، فَمِنْ ضَرُورَةِ تَقَرُّرِ الْقِسْمَةِ فِي الْمَصْرُوفِ إلَى أَرْبَابِ الْخُمُسِ ثُبُوتُ حُكْمِ الْقِسْمَةِ فِي الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ.\nيُوَضِّحُهُ أَنَّ الْمَدَدَ لَوْ اسْتَحَقُّوا الشَّرِكَةَ فَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْغَنِيمَةِ وَإِذَا صَارَ نَصِيبُهُمْ كَالْغَنِيمَةِ ابْتِدَاءً فَلَا بُدَّ مِنْ إيجَابِ الْخَمْسِ فِيهَا، إذْ الْخُمُسُ يَجِبُ فِي كُلِّ مَا يُصَابُ بِطَرِيقِ الْغَنِيمَةِ وَهَذَا لَا وَجْهَ لَهُ هَا هُنَا، ثُمَّ أَدْنَى دَرَجَاتِ هَذِهِ الْقِسْمَةِ (ص ٣٥٩) هَا هُنَا أَنْ تُجْعَلَ الْأَخْمَاسُ الْأَرْبَعَةُ بِمَنْزِلَةِ التَّنْفِيلِ. لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إيجَابُ الْخَمْسِ فِيمَا يُجْعَلُ لِلْمَدَدِ مِنْ ذَلِكَ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ النَّفْلِ.\n١٩٩٣ - وَلَوْ أَنَّ الْأَمِيرَ نَفَلَ سَرِيَّةً بَعْضَ مَا أَصَابُوا، ثُمَّ لَحِقَهُمْ الْمَدَدُ بَعْدَ الْإِصَابَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِكَةٌ مَعَ السَّرِيَّةِ فِي النَّفْلِ، وَكَذَلِكَ هَا هُنَا، لَا يَكُونُ لِلْمَدَدِ شَرِكَةٌ فِي الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ إذَا لَحِقُوهُمْ بَعْدَ مَا صَرَفَ الْخَمْسَ إلَى أَرْبَابِهَا.\n١٩٩٤ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْأَمِيرُ قَسَمَ الْأَخْمَاسَ الْأَرْبَعَةَ بَيْنَ أَهْلِهَا وَلَمْ يَقْسِمْ الْخُمُسَ حَتَّى لَحِقَ الْمَدَدُ، أَوْ كَانَ أَخَذَ بَعْضُ الْقَوْمِ سِهَامَهُمْ وَبَقِيَ الْخُمُسُ وَسِهَامُ بَعْضِهِمْ، فَلَا شَرِكَةَ لِلْمَدَدِ لِثُبُوتِ حُكْمِ الْقِسْمَةِ بِمَا صَنَعَهُ الْأَمِيرُ.","vol":"1","page":1079},{"text":"١٩٩٥ - وَلَوْ لَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ عَجَّلَ لِرَجُلٍ أَوْ رَجُلَيْنِ نَصِيبَهُمَا مِنْ الْغَنِيمَةِ، ثُمَّ لَحِقَهُمْ جَيْشٌ آخَرُ شَرَكُوهُمْ فِي الْمُصَابِ.\n١٩٩٦ - وَلَوْ عَجَّلَ ذَلِكَ لِأُنَاسٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُشْرِكْهُمْ الْمَدَدَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَالْقِيَاسُ فِي الْفَصْلَيْنِ وَاحِدٌ.\nأَنَّهُ لَا شَرِكَةَ لِلْمَدَدِ فَقَدْ وُجِدَ مِنْهُ نَوْعُ قِسْمَةٍ، وَلَكِنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ عَلَى طَرِيقَةِ الِاسْتِحْسَانِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا سَبَقَ، إذَا ظَهَرَ الِاسْتِحْقَاقُ فِي نَصِيبِ وَاحِدٍ أَوْ اثْنَيْنِ لَمْ تَبْطُلْ الْقِسْمَةُ، وَيُعَوَّضُ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ قِيمَةَ نَصِيبِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَحَقَّ نَصِيبَ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ، فَلِمَا فَصَلَ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فِي بَعْضِ الْقِسْمَةِ بِالِاسْتِحْقَاقِ فَكَذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ الْقِسْمَةِ يَفْصِلُ بَيْنَ أَنْ يَجْعَلَ لِنَفَرٍ يَسِيرٍ نَصِيبَهُمْ أَوْ لِجَمْعٍ كَثِيرٍ، فَلَا يَجْعَلُ تَعْجِيلَهُ لِلْوَاحِدِ وَالْمُثَنَّى قِسْمَةً، لِأَنَّ الشَّرِكَةَ فِي الْغَنِيمَةِ شَرِكَةٌ عَامَّةٌ، فَلَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ بِمَا صَنَعَهُ مَعَ وَاحِدٍ أَوْ اثْنَيْنِ، وَإِنَّمَا يَتَغَيَّرُ إذَا صَنَعَ ذَلِكَ فِي حَقِّ جَمْعٍ عَظِيمٍ مِنْهُمْ، لِتَحَقُّقِ مَعْنَى الْعُمُومِ فِيمَا صَنَعَهُ.\nأَرَأَيْت لَوْ أَعْطَى نَصِيبَ الْفُرْسَانِ وَبَقِيَتْ الرَّجَّالَةُ، أَوْ أَعْطَى نَصِيبَ أَكْثَرِ الْجُنْدِ وَبَقِيَ فِي يَدِهِ نَصِيبُ مِائَةِ رَجُلٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، أَكَانَ لِلْمَدَدِ شَرِكَةٌ إذَا لَحِقُوا بَعْدَ ذَلِكَ؟ هَذَا مِمَّا لَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ.\n١٩٩٧ - وَلَوْ أَنَّ الْمَدَدَ دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَصِلُوا إلَى الْجَيْشِ حَتَّى قَسَمَ الْإِمَامُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، فَلَا شَرِكَةَ لِلْمَدَدِ إذَا لَحِقُوهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ.\nلِأَنَّ ثُبُوتَ الشَّرِكَةِ لِلْمَدَدِ عِنْدَ اللُّحُوقِ بِالْجَيْشِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَمَّا دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ وَلَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ حِينَ خَرَجُوا مِنْ جَانِبٍ آخَرَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَكُنْ لِلْمَدَدِ مَعَهُمْ شَرِكَةٌ، فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُعْتَبِرَ","vol":"1","page":1080},{"text":"حَالَ لُحُوقِهِمْ بِهِمْ لَا حَالَ دُخُولِهِمْ دَارَ الْحَرْبِ، وَعِنْدَ اللُّحُوقِ بِهِمْ إنَّمَا يَسْتَحِقُّونَ الشَّرِكَةَ فِي الْغَنِيمَةِ لَا فِي مِلْكِ الْغَانِمِينَ، وَقَدْ تَعَيَّنَ الْمِلْكُ بِالْقِسْمَةِ هَا هُنَا قَبْلَ أَنْ يَلْحَقُوا بِهِمْ.\n- وَلَوْ كَانُوا نَزَلُوا قَرِيبًا مِنْهُمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ حَتَّى يَكُونُوا عَوْنًا لَهُمْ إنْ احْتَاجُوا إلَيْهِمْ إلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يُخَالِطُوهُمْ فَهُمْ شُرَكَاؤُهُمْ فِيهَا.\nلِأَنَّ ثُبُوتَ الشَّرِكَةِ لِلْمَدَدِ فِي الْغَنِيمَةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْجَيْشَ يَتَقَوَّوْنَ بِهِمْ، وَفِي هَذَا الْمَعْنَى لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا إذَا خَالَطُوهُمْ وَبَيْنَ مَا إذَا نَزَلُوا بِالْقُرْبِ مِنْهُمْ.\n١٩٩٩ - فَإِذَا قَسَمَ الْإِمَامُ الْغَنِيمَةَ بَيْنَ أَهْلِ الْعَسْكَرِ الْأَوَّلِ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَمْ يُعْطِ الْعَسْكَرَ الثَّانِيَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، ثُمَّ رَفَعَ الْعَسْكَرُ الثَّانِي الْأَمْرَ إلَى الْخَلِيفَةِ فَإِنَّهُ يُمْضِي مَا صَنَعَ الْأَوَّلُ.\nلِأَنَّ ثُبُوتَ الشَّرِكَةِ لِلْمَدَدِ مَعَ الْجَيْشِ إذَا لَمْ يَشْهَدُوا الْوَقْعَةَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَالْأَمِيرُ الْأَوَّلُ فِيمَا يَصْنَعُ مِنْ الْقِسْمَةِ بِمَنْزِلَةِ الْحَاكِمِ، وَحُكْمُ الْحَاكِمِ فِي الْمُجْتَهَدِ نَافِذٌ إذَا رُفِعَ إلَى حَاكِمٍ آخَرَ يَرَى خِلَافَهُ لَمْ يَنْقُضْهُ، فَكَذَلِكَ مَا صَنَعَهُ الْأَمِيرُ هَا هُنَا.\n٢٠٠٠ - وَلَوْ كَانَ الْأَمِيرُ بَاعَ الْغَنَائِمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَشَرَطَ الْمُشْتَرُونَ الْخِيَارَ لِأَنْفُسِهِمْ، أَوْ كَانُوا لَمْ يَرَوْا فَرَدُّوا بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ (ص ٣٦٠) أَوْ بِخِيَارِ الشَّرْطِ، أَوْ رَدُّوا ذَلِكَ بِعَيْبٍ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ، ثُمَّ لَحِقَهُمْ الْمَدَدُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَرِكَةٌ فِي تِلْكَ الْغَنِيمَةِ.\nلِأَنَّ الْبَيْعَ فِيهَا قَدْ نَفَذَ وَلَزِمَ مِنْ الْأَمِيرِ.","vol":"1","page":1081},{"text":"أَلَا تَرَى أَنَّ الْمِلْكَ ثَبَتَ لِلْمُشْتَرِينَ مَعَ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَالْعَيْبِ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا، وَمَعَ خِيَارِ الشَّرْطِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ -: الْمُشْتَرُونَ إنْ لَمْ يَمْلِكُوا فَقَدْ صَارُوا أَحَقَّ بِالتَّصَرُّفِ فِيهَا بِحُكْمِ الشِّرَاءِ فَيَتَبَيَّنُ بِهَذَا أَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ أَنْ تَكُونَ غَنِيمَةً وَالْتَحَقْت بِسَائِرِ أَمْلَاكِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَكُونُ لِلْمَدَدِ فِيهَا شَرِكَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ لَحِقُوا بِهِمْ، وَالْمُشْتَرُونَ عَلَى خِيَارِهِمْ لَمْ يَنْقُضُوا الْبَيْعَ، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَرِكَةٌ فِي الثَّمَنِ إذَا تَمَّ الْبَيْعُ؟ فَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ لَهُمْ شَرِكَةٌ فِي الْمَبِيعِ إذَا نُقِضَ الْبَيْعُ وَصَارَ عَوْدُهُ إلَى يَدِ الْإِمَامِ، يُنْقَضُ الْبَيْعُ بِبَعْضِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ، بِمَنْزِلَةِ الْعَوْدِ بِالْإِقَالَةِ إذَا الْتَمَسَ ذَلِكَ الْمُشْتَرُونَ مِنْهُ.\n٢٠٠١ - وَلَوْ قَسَمَ الْأَمِيرُ الْخُمُسَ وَأَعْطَى لِلْمَسَاكِينِ، ثُمَّ رَأَى أَنْ يَبِيعَ الْأَخْمَاسَ الْأَرْبَعَةَ وَيَقْسِمَ ثَمَنَهَا فَذَلِكَ جَائِزٌ مِنْهُ.\nلِأَنَّ الْقِسْمَةَ وَإِنْ تَحَقَّقَتْ بَيْنَ الْغُزَاةِ وَأَرْبَابِ الْخُمُسِ فَالْمِلْكُ لَمْ يَثْبُتْ لِلْغُزَاةِ فِي نَصِيبِهِمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بَيْنَهُمْ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ بَاعُوا ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُمْ، وَمَا لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ لَهُمْ كَانَتْ وِلَايَةُ الْإِمَامِ فِي الْبَيْعِ وَقِسْمَةِ الثَّمَنِ بَاقِيَةً.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَسَمَ الْأَخْمَاسَ الْأَرْبَعَةَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ بَاعَ الْخُمُسَ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا مِنْهُ؟ فَكَذَلِكَ الْأَوَّلُ.\n٢٠٠٢ - وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ شَرَطَ الْخِيَارَ لِنَفْسِهِ فِي الْبَيْعِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ لَحِقَهُمْ الْمَدَدُ بَعْدَ نَقْضِ الْبَيْعِ أَوْ قَبْلَهُ، فَهُمْ شُرَكَاءُ الْجَيْشِ فِي الْمَبِيعِ إنْ اُنْتُقِضَ الْبَيْعُ فِي الثَّمَنِ، وَفِي الثَّمَنِ إنْ تَمَّ الْبَيْعُ.","vol":"1","page":1082},{"text":"لِأَنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي مَعَ خِيَارِ الشَّرْطِ لِلْبَائِعِ، فَكَذَلِكَ لَا يَثْبُتُ لَهُمْ حَقُّ التَّصَرُّفِ فِي الْمَبِيعِ فَلَمْ يَخْرُجْ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَاقِيًا عَلَى حُكْمِ الْغَنِيمَةِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. وَهَذَا لِأَنَّ الْبَيْعَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِلْبَائِعِ فِي حَقِّ الْحُكْمِ كَالْمُتَعَلِّقِ بِالشَّرْطِ، وَالْمُتَعَلِّقُ بِالشَّرْطِ مَعْدُومٌ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْبَيْعِ ابْتِدَاءً عَنْ إسْقَاطِ الْخِيَارِ، وَلِهَذَا لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي أَعْتَقَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ، فَيَكُونُ هُوَ كَالْبَائِعِ ابْتِدَاءً بَعْدَ مَا لَحِقَهُمْ الْمَدَدُ.\n٢٠٠٣ - وَلَوْ أَنَّ الْأَمِيرَ عَزَلَ الْخُمُسَ وَأَعْطَاهُ الْمَسَاكِينَ وَلَمْ يَقْسِمْ الْأَخْمَاسَ الْأَرْبَعَةَ حَتَّى أَعْتَقَ رَجُلٌ جَارِيَةً مِنْ الْغَنِيمَةِ أَوْ اسْتَوْلَدَهَا لَمْ يَصِحَّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مِنْهُ.\nلِأَنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَثْبُتْ بِهَذِهِ الْقِسْمَةِ لِلْغَانِمِينَ، وَبِدُونِ الْمِلْكِ فِي الْمَحَلِّ لَا يَثْبُتُ الِاسْتِيلَاءُ وَالْإِعْتَاقُ. وَبِأَنْ لَا يَكُونَ لِلْمَدَدِ شَرِكَةٌ إذَا لَحِقُوا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُمْ، كَمَا يُعَدُّ الْإِحْرَازُ بِالدَّارِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، فَإِنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ لَهُمْ حَتَّى لَا يَنْفُذَ الْعِتْقُ وَالِاسْتِيلَادُ.\n٢٠٠٤ - وَإِنْ كَانَ لَوْ لَحِقَهُمْ الْمَدَدُ لَمْ يُشَارِكُوهُمْ، وَلِهَذَا وَجَبَ الْعُقْرُ عَلَى الْوَطْءِ هَا هُنَا.\nلِأَنَّ بِمَا صَنَعَ الْإِمَامُ صَارَتْ هَذِهِ كَالْغَنَائِمِ الْمُحْرَزَةِ بِالدَّارِ فِي تَأَكُّدِ الْحَقِّ فِيهَا، وَقَدْ سَقَطَ الْحَدُّ عَنْ الْوَاطِئِ لِلشُّبْهَةِ، فَيَجِبُ الْعُقْرُ، وَتَكُونُ الْجَارِيَةُ مَعَ وَلَدِهَا فِي الْغَنِيمَةِ تُقْسَمُ بَيْنَهُمْ.\nوَلِأَنَّ الْأَخْمَاسَ الْأَرْبَعَةَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِمَنْزِلَةِ النَّفْلِ، وَالِاسْتِيلَادُ وَالْإِعْتَاقُ مِنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّفْلِ لَا يَكُونُ صَحِيحًا.","vol":"1","page":1083},{"text":"وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَدَدِ مِنْهُمْ شَرِكَةٌ فَكَذَلِكَ هَذَا.\n٢٠٠٥ - وَإِنْ كَانَ الْأَمِيرُ قَسَمَ الْأَخْمَاسَ الْأَرْبَعَةَ بَيْنَ الْعُرَفَاءِ وَأَهْلِ الرَّايَاتِ، ثُمَّ أَعْتَقَ بَعْضَهُمْ عَبْدًا، فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ عِتْقَهُ يَنْفُذُ هَا هُنَا اسْتِحْسَانًا، فَيَكُونُ الْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ يُعْتِقُهُ بَعْضُهُمْ. وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ لَوْ مَاتَ بَعْضُ الْغَانِمِينَ بَعْدَ مَا أَعْطَى الْأَمِيرُ الْخُمُسَ لِلْمَسَاكِينِ فَإِنَّ نَصِيبَهُ يَصِيرُ مِيرَاثًا.\nلِأَنَّ نُفُوذَ (ص ٣٦١) الْقِسْمَةِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى تَأَكُّدِ الْحَقِّ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ أَوْ الْإِحْرَازِ بِالدَّارِ وَالْإِرْثُ يَجْرِي فِي الْحَقِّ الْمُتَأَكِّدِ كَمَا يَجْرِي فِي الْمِلْكِ.\n٢٠٠٦ - وَكَذَلِكَ لَوْ ظَهَرَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ وَأَحْرَزُوهَا بِالدَّارِ، ثُمَّ ظَهَرَ جَيْشٌ آخَرُ عَلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنْ وَجَدَهَا الْجَيْشُ الْأَوَّلُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ وَإِنْ وَجَدَهَا بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَلَا سَبِيلَ لَهُمْ عَلَيْهَا، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْغَنَائِمِ الْمُحْرَزَةِ بِالدَّارِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ.\nوَهَذَا لِأَنَّ الْجَيْشَ الثَّانِيَ مَلَكُوهَا بِالْقِسْمَةِ، وَالْجَيْشَ الْأَوَّلَ مَا كَانُوا يَمْلِكُونَهَا، فَلَا يَثْبُتُ لَهُمْ حَقُّ الْأَخْذِ مَجَّانًا وَلَا بِالْقِيمَةِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُفِيدُهُمْ شَيْئًا. فَأَمَّا قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَالْجَيْشُ الثَّانِي لَا يَمْلِكُونَهَا، وَإِنْ تَأَكَّدَ حَقُّهُمْ فِيهَا بِالْإِحْرَازِ، وَقَدْ كَانَ حَقُّ الْأَوَّلِينَ مُتَأَكِّدًا فِيهَا فَيُتَرَجَّحُونَ بِالسَّبَقِ.","vol":"1","page":1084},{"text":"٢٠٠٧ - وَإِنْ كَانَ حُضُورُ الْجَيْشِ الْأَوَّلِ بَعْدَ قِسْمَةِ الْأَمِيرِ الْخُمُسَ بَيْنَ الْمَسَاكِينِ فَهُمْ أَحَقُّ بِالْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ.\nلِأَنَّهَا لَمْ تَصِرْ مِلْكًا لِلْجَيْشِ الثَّانِي بِهَذِهِ الْقِسْمَةِ. وَلَا سَبِيلَ لَهُمْ عَلَى مَا أَخَذَهُ الْمَسَاكِينُ.\nلِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ مِلْكًا لَهُمْ.\n٢٠٠٨ - وَلَوْ كَانَ الْأَمِيرُ قَسَمَ الْأَخْمَاسَ الْأَرْبَعَةَ بَيْنَ الْجُنْدِ الثَّانِي وَبَقِيَ الْخُمُسُ فَالْجَيْشُ الْأَوَّلُ يَأْخُذُونَ الْخُمُسَ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَلَا سَبِيلَ لَهُمْ عَلَى الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ.\nلِثُبُوتِ الْمِلْكِ فِيهَا لِلْجُنْدِ الثَّانِي.\n\nوَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَلَكِنْ بَاعَ الْغَنَائِمَ كُلَّهَا قَبْلَ الْإِحْرَازِ أَوْ بَعْدَهُ ثُمَّ حَضَرَ الْجَيْشُ الْأَوَّلُ فَلَا سَبِيلَ لَهُمْ عَلَيْهَا.\nلِأَنَّهَا بِالْبَيْعِ صَارَتْ مِلْكًا لِلْمُشْتَرِينَ، فَنَفَذَ فِيهَا عِتْقُهُمْ، وَلَيْسَ لِلْأَوَّلِينَ وِلَايَةُ إبْطَالِ الْمِلْكِ الْمُتَعَيِّنِ لِمَكَانِ مِلْكِ حَقٍّ كَانَ لَهُمْ فِيهَا وَلَمْ يَصِرْ مِلْكًا بَعْدُ.\n٢٠٠٩ - وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ خَمَّسَهَا وَقَسَمَهَا بَيْنَ أَهْلِ الرَّايَاتِ وَبَيْنَ الْأَشْخَاصِ مِنْ الْجُنْدِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ ظَهَرَ الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهَا وَأَحْرَزُوهَا، ثُمَّ اسْتَنْقَذَهَا مِنْ أَيْدِيهِمْ جَيْشٌ آخَرَ فَأَخْرَجُوهَا، وَحَضَرَ أَصْحَابُهَا","vol":"1","page":1085},{"text":"الْأَوَّلُونَ، فَإِنْ حَضَرُوا قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذُوهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ حَضَرُوا بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذُوهَا بِالْقِيمَةِ إنْ شَاءُوا.\nلِأَنَّ الْمِلْكَ كَانَ ثَبَتَ لَهُمْ بِالْقِسْمَةِ بَيْنَ الْأَشْخَاصِ أَوْ بَيْنَ أَهْلِ الرَّايَاتِ، حَتَّى كَانَ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُمْ فِيهَا وَالِاسْتِيلَاءُ الْوَارِدُ عَلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِيلَاءِ الْوَارِدِ عَلَى سَائِرِ أَمْلَاكِهِمْ.\nوَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.","vol":"1","page":1086},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>[بَابُ الْعَيْبُ يُوجَدُ فِي بَعْضِ الْغَنِيمَةِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَوْ قَبْلَهَا]</span>\n١١٢ - بَابُ الْعَيْبُ يُوجَدُ فِي بَعْضِ الْغَنِيمَةِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَوْ قَبْلَهَا ٢٠١٠ - وَإِذَا عَزَلَ الْأَمِيرُ الْخُمُسَ عَلَى حِدَةٍ وَالْأَخْمَاسَ الْأَرْبَعَةَ عَلَى حِدَةٍ، وَعَدَلَ فِي الْقِسْمَةِ، ثُمَّ وَجَدَ بِبَعْضِ الرَّقِيقِ الَّذِينَ جَعَلَهُمْ فِي أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ عَيْبًا قَبْلَ دَفْعِ نَصِيبِ كُلِّ فَرِيقٍ إلَيْهِمْ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَيْبًا يَسِيرًا أَمْضَى الْقِسْمَةَ عَلَى حَالِهَا.\nلِأَنَّ قِسْمَةَ الْغَنَائِمِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّوَسُّعِ، وَالْعَيْبُ الْيَسِيرُ فِيمَا بُنِيَ عَلَى التَّوَسُّعِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، كَمَا فِي الصَّدَاقِ وَبَدَلِ الْخُلْعِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وُجِدَ هَذَا الْعَيْبُ بَعْدَ تَمَامِ الْقِسْمَةِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ؟ فَكَذَلِكَ إذَا وَجَدَهُ قَبْلَ تَمَامِ الْقِسْمَةِ. قُلْنَا: لَا يَمْتَنِعُ لِأَجْلِهِ إتْمَامُ الْقِسْمَةِ.\n٢٠١١ - وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَيْبًا فَاحِشًا وَجَدَهُ بِبَعْضِهِمْ، أَوْ عُيُوبًا كَثِيرَةً غَيْرَ فَاحِشَةٍ وَجَدَهَا بِجَمَاعَةِ الرَّقِيقِ، بِحَيْثُ إذَا جُمِعَتْ كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الْعَيْبِ الْفَاحِشِ فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ الْقِسْمَةَ أَيْضًا، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إلَى هَذَا النُّقْصَانِ فَيَجْمَعُهُ ثُمَّ يَزِيدُ عَلَيْهِ مِنْ الْقِسْمِ الْآخَرِ حَتَّى تَحْصُلَ الْمُعَادَلَةُ.\nلِأَنَّ الْعَيْبَ الْفَاحِشَ مُعْتَبَرٌ لِمَا فِي اعْتِبَارِهِ مِنْ الْفَائِدَةِ فِيمَا بُنِيَ عَلَى التَّوَسُّعِ (ص ٣٦٢)، وَفِيمَا بُنِيَ عَلَى الضِّيقِ، إلَّا أَنَّهُ لَا حَاجَةَ بِهِ إلَى نَقْضِ مَا بَاشَرَهُ مِنْ عَمَلِ الْقِسْمَةِ. وَالْمَقْصُودُ هُوَ الْمُعَادَلَةُ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالزِّيَادَةِ","vol":"1","page":1087},{"text":"مِنْ أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ فِي الْقِسْمِ الْآخَرِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَنْقُضَ مَا صَنَعَهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ.\nفَإِنْ قِيلَ: الْقِسْمَةُ لَا تَقَعُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُؤْمَرَ بِالِاسْتِئْنَافِ عَلَى وَجْهٍ يَعْتَدِلُ فِيهِ النَّظَرُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ.\nقُلْنَا: مَا أَتَى بِهِ مِنْ الْعَزْلِ هُوَ مِنْ عَمَلِ الْقِسْمَةِ وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ، فَبِظُهُورِ الْعَيْبِ الْفَاحِشِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَقَامَ بَعْضَ الْعَمَلِ دُونَ الْبَعْضِ، فَإِنَّمَا يَشْتَغِلُ بِمُبَاشَرَةِ مَا لَمْ يَأْتِ بِهِ مِنْ الْعَمَلِ لَا بِنَقْضِ مَا قَدْ أَتَى بِهِ.\n١٠١٢ - وَكَذَلِكَ لَوْ وَجَدَ بَعْضَ الرَّقِيقِ الَّذِينَ جَعَلَهُمْ لِلْخُمُسِ حُرًّا مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا، أَوْ أُمَّ وَلَدٍ مُسْلِمٍ، فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ مَا صَنَعَ مِنْ الْقِسْمَةِ، وَلَكِنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ مِقْدَارَ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِ هَذَا الَّذِي وَجَدَهُ حُرًّا.\nلِأَنَّ الْمُعَادَلَةَ بِذَلِكَ تَحْصُلُ.\nوَفِي هَذَا الْجَوَابِ نَظَرٌ. فَإِنَّ خُمُسَ هَذَا الَّذِي وَجَدَهُ حُرًّا مِنْ نَصِيبِ أَرْبَابِ الْخُمُسِ، وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ مِنْ نَصِيبِ الْغَانِمِينَ، كَمَا كَانَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، إذْ الْقِسْمَةُ لَا تُؤَثِّرُ فِيهِ. فَأَمَّا إذَا أَخَذَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ قِيمَتِهِ مِمَّا بَقِيَ وَجَعَلَهُ لِأَرْبَابِ الْخُمُسِ يَزْدَادُ نَصِيبُهُمْ، لَا أَنْ يَحْصُلَ بِهِ الْمُعَادَلَةُ.\nوَلَكِنَّا نَقُولُ: هُوَ حِينَ جَعَلَ هَذَا فِي حِصَّةِ أَرْبَابِ الْخُمُسِ فَقَدْ جَعَلَ خُمُسَهُ لِأَرْبَابِ الْخُمُسِ، بِاعْتِبَارِ أَصْلِ حَقِّهِمْ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لَهُمْ عِوَضًا عَمَّا سَلَّمَهُ لِلْغَانِمِينَ مِنْ نَصِيبِ أَرْبَابِ الْخُمُسِ فِيمَا دَفَعَهُ إلَيْهِمْ، فَإِنَّمَا يَكُونُ لَهُ الرُّجُوعُ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِ الْمُعَوَّضِ بِالْعِوَضِ.\n٢٠١٣ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ وَجَدَ هَذَا بَعْدَ إتْمَامِ الْقِسْمَةِ بِتَسْلِيمِ أَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ إلَى الْغَانِمِينَ وَقِسْمَتِهِ بَيْنَهُمْ، أَوْ وَجَدَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا قَسَمَ الْخُمُسَ","vol":"1","page":1088},{"text":"بَيْنَ أَهْلِهِ دُونَ الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ الْقِسْمَةَ، وَلَكِنَّهُ يَرْجِعُ بِقَدْرِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْمُعَادَلَةُ عِنْدَ الْكَثْرَةِ، وَعِنْدَ الْقِلَّةِ يَصِيرُ إلَى التَّعْوِيضِ مِنْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ إنْ كَانَ وَقَعَ ذَلِكَ فِي قِسْمِ الْغَانِمِينَ، وَإِنْ كَانَ وَقَعَ ذَلِكَ فِي قِسْمِ الْخُمُسِ يَرْجِعُ بِحِصَّتِهِ فِيمَا صَارَ لِلْغَانِمِينَ. ثُمَّ إنْ شَاءَ أَعْطَى ذَلِكَ مَنْ كَانَ دَفَعَ إلَيْهِ وَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ مِسْكِينًا آخَرَ.\nلِأَنَّ بِظُهُورِ الْحُرِّيَّةِ فِيهِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ دَفْعُهُ فِيمَا دَفَعَهُ إلَيْهِ، فَيَبْقَى رَأْيُهُ فِي اخْتِيَارِ الْمَصْرِفِ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَدْفَعْهُ إلَى أَحَدٍ، وَكَذَلِكَ فِي الرُّجُوعِ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ الْفَاحِشِ، فَالرَّأْيُ إلَيْهِ فِي أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى ذَلِكَ الْمِسْكِينِ أَوْ غَيْرِهِ. وَمَا بَعْدَ هَذَا إلَى آخَرِ الْبَابِ مُعَادٌ كُلُّهُ.","vol":"1","page":1089},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>[بَابُ مَا يَجُوزُ لِصَاحِبِ الْمَقَاسِمِ لِلْغَنَائِمِ وَمَا لَا يَجُوزُ]</span>\n١١٣ - بَابُ مَا يَجُوزُ لِصَاحِبِ الْمَقَاسِمِ أَنْ يَأْخُذَ لِنَفْسِهِ\nوَمَا لَا يَجُوزُ وَمَا يَكُونُ قَبْضًا فِي الْبَيْعِ وَمَا لَا يَكُونُ ٢٠١٤ - وَإِذَا بَاعَ الْمُوَلَّى لِلْقِسْمَةِ الْغَنَائِمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا، فَإِنْ كَانَ النُّقْصَانُ بِقَدْرِ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ فَبَيْعُهُ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ فَبَيْعُهُ مَرْدُودٌ.\nلِأَنَّ فِعْلَ الْمُوَلَّى كَفِعْلِ الْإِمَامِ بِنَفْسِهِ، وَالْمَعْنَى فِي الْكُلِّ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَنَّ الْغَنِيمَةَ حَقُّ الْغَانِمِينَ، وَنُفُوذُ الْبَيْعِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُمْ بِاعْتِبَارِ النَّظَرِ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَالْبَيْعُ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ لَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ مَعْنَى النَّظَرِ. فَأَمَّا بِالْغَبْنِ الْيَسِيرِ فَيَتَحَقَّقُ فِيهِ مَعْنَى النَّظَرِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ عَادَةً.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الْأَبَ وَالْوَصِيَّ يَمْلِكَانِ بَيْعَ مَالِ (ص ٣٦٣) الصَّغِيرِ بِالْغَبْنِ الْيَسِيرِ، وَلَا يَمْلِكَانِ ذَلِكَ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ.\nفَإِنْ قِيلَ: لِمَنْ بَاشَرَ الْبَيْعَ فِي الْغَنِيمَةِ نَصِيبٌ وَلَهُ وِلَايَةُ الْبَيْعِ فِي نَصِيبِهِ مُطْلَقًا، فَيَنْبَغِي أَنْ يَنْفُذَ بَيْعُهُ فِيهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ.\nقُلْنَا: لَا مِلْكَ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ بَيْعُهُ فِي شَيْءٍ إذَا لَمْ يُوَلِّهِ الْإِمَامُ ذَلِكَ؟ فَعَرَفْنَا أَنَّ تَنْفِيذَ بَيْعِهِ فِي الْكُلِّ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى النَّظَرِ.\nيُوَضِّحُهُ أَنَّ الْمُحَابَاةَ الْفَاحِشَةَ مِمَّنْ لَا يَمْلِكُ الْهِبَةَ بِمَنْزِلَةِ الْهِبَةِ، وَهُوَ لَوْ وَهَبَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ هِبَتُهُ فِي الْكُلِّ.","vol":"1","page":1090},{"text":"فَكَذَلِكَ إذَا بَاعَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ، وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - ﵁ -. فَإِنَّهُ حِينَ افْتَتَحَ الْعِرَاقَ بَاعَ مِنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ طَسْتًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَبَاعَهَا الْمِسْوَرُ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ. فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: لَا تَتَّهِمْنِي، وَرَدَّ الطَّسْتَ. فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْمَعَ ذَلِكَ عُمَرُ - ﵁ - فَيَرَى أَنِّي قَدْ حَابَيْتُك؛ فَرَدَّهُ. ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ - ﵁ - فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ رَعِيَّتِي. تَخَافُنِي فِي آفَاقِ الْأَرْضِ. وَمَا زَادَنِي عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا وَلَوْ كَانَ هَذَا الْبَيْعُ. جَائِزًا لَأَمَرَ عُمَرُ - ﵁ - بِرَدِّ الطَّسْتِ عَلَيْهِ.\n٢٠١٥ - فَإِنْ اشْتَرَى الْمُوَلَّى شَيْئًا مِنْ الْغَنِيمَةِ لِنَفْسِهِ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ، أَوْ أَكْثَرَ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ.\nلِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مُشْتَرِيًا مِنْ نَفْسِهِ وَلَا بَائِعًا مِنْهَا. فَإِنَّ الْوَاحِدَ لَا يَتَوَلَّى الْعَقْدَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَضَادِّ الْأَحْكَامِ.\nمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ هَذَا الْجَوَابُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - ﵀ -. فَأَمَّا عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ إذَا اشْتَرَاهُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ، عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلْغَانِمِينَ، بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيِّ يَشْتَرِي مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ لِنَفْسِهِ. وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ قَوْلُهُمْ جَمِيعًا، لِأَنَّ بَيْعَهُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْحُكْمِ، وَلِهَذَا لَا يَلْزَمُهُ الْعُهْدَةُ فِي ذَلِكَ، فَيَكُونُ هَذَا قَضَاءً مِنْهُ لِنَفْسِهِ، وَالْإِنْسَانُ لَا يَكُونُ قَاضِيًا فِي حَقِّ نَفْسِهِ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا. وَلَوْلَا هَذَا الْمَعْنَى لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ الْبَيْعُ عِنْدَهُمْ","vol":"1","page":1091},{"text":"جَمِيعًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ ظَاهِرَةٌ، لِأَنَّ الْوَصِيَّ إنَّمَا لَا يَبِيعُ مِنْ نَفْسِهِ لِأَنَّ الْعُهْدَةَ تَلْحَقُهُ فَيُؤَدِّي إلَى تَضَادِّ الْأَحْكَامِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ.\n٢٠١٦ - فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي جَارِيَةً وَأَشْهَدَ أَنَّهُ يَأْخُذُهَا لِنَفْسِهِ بِثَمَنٍ قَدْ سَمَّاهُ فَحَبِلَتْ مِنْهُ وَوَلَدَتْ رُدَّتْ فِي الْغَنِيمَةِ مَعَ عُقْرِهَا لِأَنَّ الْبَيْعَ كَانَ بَاطِلًا وَقَدْ سَقَطَ الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ فَعَلَيْهِ الْعُقْرُ\n٢٠١٧ - وَفِي الْقِيَاسِ الْوَلَدُ مَرْدُودٌ فِي الْغَنِيمَةِ أَيْضًا، وَلَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ.\nكَمَا لَوْ كَانَ فَعَلَ هَذَا قَبْلَ الشِّرَاءِ لِنَفْسِهِ.\n٢٠١٨ - وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَجَعَلَ الْوَلَدَ حُرًّا بِالْقِيمَةِ ثَابِتَ النَّسَبِ مِنْهُ.\nلِأَجْلِ الْغُرُورِ الثَّابِتِ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ، أَوْ لِقِيَاسِ الشَّبَهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُجْعَلُ هُوَ فِي هَذَا التَّصَرُّفِ، بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ فِيمَا يَشْتَرِي مِنْ مَالِ وَلَدِهِ لِنَفْسِهِ؛ فَإِنَّ وِلَايَةَ الْبَيْعِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِاعْتِبَارِ النَّظَرِ لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ. وَهَذَا الْقَدْرُ يَكْفِي لِإِثْبَاتِ حُكْمِ الْغُرُورِ، فَلِهَذَا كَانَ ابْنُهُ حُرًّا بِالْقِيمَةِ.\n٢٠١٩ - فَيُجْعَلُ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي الْغَنِيمَةِ إنْ لَمْ يَقْسِمْهَا، وَإِنْ كَانَ قَسَمَهَا وَقَسَمَ الثَّمَنَ الَّذِي غَرِمَ مَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْإِمَامَ يُعْطِيهِ الثَّمَنَ مِنْ قِيمَةِ الْوَلَدِ الَّذِي غَرِمَ، وَمِنْ الْعُقْرِ.","vol":"1","page":1092},{"text":"لِأَنَّ ذَلِكَ دَيْنٌ عَلَيْهِ لِلْغَانِمِينَ وَالثَّمَنُ الَّذِي فِي الْغَنِيمَةِ لِبُطْلَانِ الْبَيْعِ، فَيُجْعَلُ أَحَدُهُمَا قِصَاصًا بِالْآخَرِ.\n٢٠٢٠ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ وَفَاءٌ بِالثَّمَنِ بَاعَ الْجَارِيَةَ فَأَوْفَاهُ بَقِيَّةَ الثَّمَنِ، ثُمَّ أَخَذَ مَا بَقِيَ فَجَعَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ. لِأَنَّ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ وَقَدْ تَعَذَّرَ قِسْمَتُهُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ لِتَفَرُّقِهِمْ.\nثُمَّ بَيَّنَ الْحِيلَةَ لِلْمُوَلَّى (ص ٣٦٤) إذَا أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا لِنَفْسِهِ.\n٢٠٢١ - فَقَالَ: يَنْبَغِي أَنْ يَبِيعَ ذَلِكَ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ بِأَقْصَى ثَمَنِهِ وَيُسَلِّمَهُ إلَيْهِ، ثُمَّ يَشْتَرِيَهُ مِنْهُ لِنَفْسِهِ بَعْدَ مَا يَقْبِضُ الثَّمَنَ مِنْهُ كُلَّهُ إنْ أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ الثَّمَنِ أَوْ أَكْثَرَ فَلَا حَاجَةَ إلَى قَبْضِ الثَّمَنِ.\nلِأَنَّ فِي هَذَا كَحَالِ الْقَاضِي فِيمَا يُرِيدُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ لِنَفْسِهِ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ.\nثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الشِّرَاءَ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ بِحَدِيثِ عُثْمَانَ - ﵁ -. فَإِنَّ إبِلًا مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ أَتَى بِهَا عُثْمَانُ فَأَعْجَبَتْهُ، فَأَقَامَهَا فِي السُّوقِ حَتَّى بَلَغَتْ أَقْصَى ثَمَنِهَا، ثُمَّ أَخَذَهَا بِذَلِكَ. فَأَتَى النَّاسُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ - ﵁ - وَأَخْبَرُوهُ بِمَا صَنَعَ. فَأَتَاهُ وَقَالَ لَهُ: هَلْ رَأَيْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - ﵁ - صَنَعَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا؟ وَأَمَرَهُ بِرَدِّ ذَلِكَ. وَكَانَ هَذَا أَوَّلُ مَا عِيبَ عَلَى عُثْمَانَ - ﵁ -. فَإِذَا كَانَ هَذَا يُرَدُّ عَلَى مِثْلِ عُثْمَانَ فَعَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ يَلِي الْمَقَاسِمَ أَوْلَى.","vol":"1","page":1093},{"text":"وَلَوْ أَنَّ الْمُوَلَّى لِلْقِسْمَةِ جَزَّأَهَا وَبَيَّنَ نَصِيبَ كُلِّ رَجُلٍ، وَأَقْرَعَ عَلَيْهَا فَخَرَجَ نَصِيبُهُ فِيمَا خَرَجَ جَازَ قَبْضُ الْمُوَلَّى لِنَصِيبِ نَفْسِهِ، وَإِنْ هُوَ الَّذِي وَلِيَ الْقِسْمَةَ، كَمَا يَجُوزُ الْقَبْضُ مِنْ غَيْرِهِ فِي نَصِيبِ نَفْسِهِ. لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مُتَّهَمًا فِي تَمْيِيزِ نَصِيبِ نَفْسِهِ بِالْقُرْعَةِ، وَإِنَّمَا تَتَمَكَّنُ التُّهْمَةُ فِيمَا يَخُصُّ بِهِ نَفْسَهُ، لَا فِيمَا تَسْتَوِي نَفْسُهُ فِيهِ بِغَيْرِهِ. وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي التَّنْفِيلِ. يُوَضِّحُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ أَنَّ الْقِسْمَةَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَا تَتِمُّ بِهِ وَحْدَهُ، بَلْ بِهِ وَبِالْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُمْ يَقْبِضُونَ أَنْصِبَاءَهُمْ كَمَا يَقْبِضُ هُوَ نَصِيبَهُ، وَلَا تَتِمُّ الْقِسْمَةُ إلَّا بِالْقَبْضِ. فَإِذَا كَانَ تَمَامُ الْقِسْمَةِ بِهِمْ جَمِيعًا كَانَ مُسْتَقِيمًا. فَأَمَّا الْبَيْعُ لَوْ صَحَّ كَانَ تَمَامُهُ بِهِ وَحْدَهُ، وَالْبَيْعُ لَا يَتِمُّ بِالْوَاحِدِ مُبَاشَرَةً مِنْ الْجَانِبَيْنِ. أَلَا تَرَى أَنَّ أَحَدَ الْوَرَثَةِ لَوْ قَسَمَ التَّرِكَةَ بِرِضَاءِ سَائِرِ الْوَرَثَةِ، وَقَبَضَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نَصِيبَهُ بَعْدَ الْإِقْرَاعِ جَازَ؟ وَبِمِثْلِهِ لَوْ اشْتَرَى أَحَدُ الْوَرَثَةِ نَصِيبَ سَائِرِ الْوَرَثَةِ مِنْ التَّرِكَةِ مِنْ نَفْسِهِ بِرِضَاهُمْ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ حَالُ الْمُوَلَّى لِلْقِسْمَةِ فِي الْغَنِيمَةِ.\n٢٠٢٣ - وَلَوْ أَنَّ الْمُوَلَّى لِبَيْعِ الْغَنَائِمِ جَعَلَ رَمَكًا فِي حَظِيرَةٍ ثُمَّ بَاعَ رَمَكَةً بِعَيْنِهَا وَقَبَضَ الثَّمَنَ وَقَالَ لِلْمُشْتَرِي: اُدْخُلْ الْحَظِيرَةَ فَاقْبِضْهَا، فَقَدْ خَلَّيْت بَيْنَك وَبَيْنَهَا. فَدَخَلَ الرَّجُلُ وَعَالَجَهَا، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ. وَخَرَجَتْ مِنْ بَابِ الْحَظِيرَةِ. فَيُطَالِبُهُ الْمُشْتَرِي بِرَدِّ الثَّمَنِ. لِأَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْهَا. فَالْأَصْلُ فِي جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ قَبْضَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ يَكُونُ مِنْ الْمُشْتَرِي، تَارَةً بِالتَّمَكُّنِ مِنْهُ بَعْدَ تَخْلِيَةِ الْبَائِعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، وَتَارَةً يَكُونُ بِمُبَاشَرَةِ التَّسْلِيمِ إلَيْهِ. فَفِي التَّخْلِيَةِ يُعْتَبَرُ التَّمَكُّنُ مِنْ إثْبَاتِ الْيَدِ عَلَيْهِ لِيَصِيرَ","vol":"1","page":1094},{"text":"قَابِضًا، وَفِي مُبَاشَرَةِ التَّسْلِيمِ إلَيْهِ لَا يُعْتَبَرُ التَّمَكُّنُ مِنْ تَقْرِيرِ الْيَدِ فِيهِ، لِأَنَّ هَذَا تَسْلِيمٌ حَقِيقَةً، وَحَقِيقَةُ الشَّيْءِ تَثْبُتُ بِوُجُودِهِ. وَالْأَوَّلُ تَسْلِيمٌ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ فَيَسْتَدْعِي التَّمَكُّنَ مِنْ قَبْضِهِ.\n٢٠٢٤ - إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ: إذَا كَانَتْ الرَّمَكَةُ فِي الْحَظِيرَةِ بِحَيْثُ يَقْدِرُ الْمُشْتَرِي عَلَى أَخْذِهَا إلَّا أَنَّ ذَلِكَ رُبَّمَا يَصْعُبُ عَلَيْهِ إلَّا بِتَوْهِيقٍ أَوْ نَحْوِهِ وَكَانَتْ لَا تَقْدِرُ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ الْحَظِيرَةِ قَبْلَ فَتْحِ الْبَابِ فَهَذَا قَبْضٌ مِنْ الْمُشْتَرِي؛ لِتَمَامِ التَّسْلِيمِ مِنْ الْبَائِعِ بِالتَّخْلِيَةِ. فَإِنَّهُ صَارَ مُتَمَكِّنًا مِنْ قَبْضِهَا\n٢٠٢٥ - وَإِنْ كَانَتْ بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهَا، أَوْ كَانَتْ فِي مَوْضِعٍ تَقْدِرُ أَنْ تَنْفَلِتَ مِنْهُ وَلَا يَضْبِطَهَا فَلَيْسَ هَذَا بِقَبْضٍ (ص ٣٦٥) مِنْ الْمُشْتَرِي. لِأَنَّ التَّخْلِيَةَ لَمْ تُوجَدْ حُكْمًا فَإِنَّهَا تَمْكِينٌ مِنْ الْقَبْضِ، وَالتَّمْكِينُ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ التَّمَكُّنِ.\n٢٠٢٦ - وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي لَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهَا وَحْدَهُ وَيَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ إنْ كَانَ مَعَهُ أَعْوَانٌ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ.\nلِأَنَّهُ مَا صَارَ مُتَمَكِّنًا مِنْ قَبْضِهَا. فَإِنْ تَمَكَّنَ الْإِنْسَانُ مِنْ شَيْءٍ عِنْدَ وُجُودِ أَعْوَانٍ لَهُ عَلَى ذَلِكَ لَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى تَمَكُّنِهِ مِنْهُ بِنَفْسِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ يَتَمَكَّنُ مِنْ نَقْلِ الْخَشَبَةِ الثَّقِيلَةِ بِأَعْوَانٍ يُعِينُونَهُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى تَمَكُّنِهِ مِنْهُ بِنَفْسِهِ؟ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهَا وَحْدَهُ وَلَوْ كَانَ مَعَهُ حَبْلٌ وَإِنَّمَا انْفَلَتَتْ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ حَبْلٌ فَهَذَا لَا يَكُونُ قَبْضًا","vol":"1","page":1095},{"text":"لِأَنَّ تَمَكُّنَهُ مِنْ الشَّيْءِ بِوُجُودِ آلَتِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْهُ مَعَ انْعِدَامِ تِلْكَ الْآلَةِ.\n٢٠٢٧ - فَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهَا بِغَيْرِ حَبْلٍ وَلَا عَوْنٍ. أَوْ بِحَبْلٍ وَمَعَهُ حَبْلٌ، أَوْ بِعَوْنٍ وَمَعَهُ عَوْنٌ، وَقَدْ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا، فَالثَّمَنُ لَازِمٌ عَلَيْهِ. لِأَنَّهُ قَدْ تَمَكَّنَ مِنْ قَبْضِهَا، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى انْفَلَتَتْ كَانَ مُضَيِّعًا لَهَا بَعْدَ الْقَبْضِ فَتَهْلَكُ مِنْ مَالِهِ.\n٢٠٢٨ - وَإِنْ كَانَتْ الرَّمَكَةُ فِي يَدِ الْبَائِعِ هُوَ مُمْسِكٌ لَهَا فَقَالَ الْمُشْتَرِي: هَاكَ الرَّمَكَةُ، فَوَضَعَهَا فِي يَدِهِ فَهِيَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي. لِأَنَّهُ أَثْبَتَ يَدَهُ عَلَيْهَا حَقِيقَةً حِينَ وَضَعَهَا فِي يَدِهِ، وَتَقَرَّرَ الثَّمَنُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِاعْتِبَارِ أَصْلِ الْقَبْضِ دُونَ اسْتِدَامَتِهِ وَالْمُسْتَحَقُّ عَلَى الْبَائِعِ بِالْعَقْدِ التَّسْلِيمُ إلَى الْمُشْتَرِي لِإِبْقَاءِ يَدِهِ فِيهَا.\n٢٠٢٩ - فَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ الْبَائِعِ عَلَى حَالِهَا وَيَدِ الْمُشْتَرِي جَمِيعًا وَالْبَائِعُ يَقُولُ: قَدْ خَلَّيْت بَيْنَك وَبَيْنَهَا، وَلَسْتُ أُمْسِكُهَا مَنْعًا مِنِّي لَهَا، إنَّمَا أُمْسِكُهَا حَتَّى تَضْبِطَهَا، فَانْفَلَتَتْ فَهَذَا أَيْضًا قَبْضٌ مِنْ الْمُشْتَرِي.\nلِأَنَّ الْبَائِعَ قَدْ أَثْبَتَ يَدَهُ عَلَيْهَا، وَهُوَ فِي اسْتِدَامَةِ يَدِ نَفْسِهِ مُعِينٌ لِلْمُشْتَرِي عَلَى تَقْرِيرِ يَدِهِ عَلَيْهَا، لَا مَانِعَ لَهَا مِنْهُ، فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ صِحَّةَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي.\nفَإِنْ قِيلَ: كَانَتْ الرَّمَكَةُ فِي يَدِ الْبَائِعِ، فَبَقَاءُ يَدِهِ فِيهَا تَمْنَعُ ثُبُوتَ الْيَدِ لِلْغَيْرِ، بِمَنْزِلَةِ الْمَغْصُوبَةِ، فَإِنَّهُ مَا بَقِيَ يَدُ الْمَالِكِ عَلَيْهَا لَا تَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْغَاصِبِ. قُلْنَا: بَقَاءُ يَدِهِ عَلَيْهَا يَمْنَعُ يَدَ الْغَيْرِ عَلَى طَرِيقِ الْمُنَازَعَةِ وَالْمُقَاتَلَةِ، فَأَمَّا","vol":"1","page":1096},{"text":"عَلَى طَرِيقِ التَّمْكِينِ إيَّاهُ فَلَا، ثُمَّ وُجُوبُ الضَّمَانِ فِي الْغَصْبِ إنَّمَا يَكُونُ بِتَفْوِيتِ يَدِ الْمَالِكِ لَا بِمُجَرَّدِ إثْبَاتِ الْيَدِ لِنَفْسِهِ، وَهَاهُنَا دُخُولُ الْمَبِيعِ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بِاعْتِبَارِ ثُبُوتِ يَدِهِ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بِالتَّخْلِيَةِ قَبْلَ النَّقْلِ فِي حُكْمِ الْبَيْعِ وَلَا تَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ بِالتَّخْلِيَةِ فِي حُكْمِ الْغَصْبِ حَتَّى لَوْ هَلَكَ قَبْلَ النَّقْلِ ثُمَّ جَاءَ مُسْتَحِقٌّ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُشْتَرِيَ شَيْئًا\n٢٠٣٠ - وَإِنْ كَانَتْ الرَّمَكَةُ فِي يَدِ الْبَائِعِ وَلَمْ تَصِلْ إلَى يَدِ الْمُشْتَرِي فَقَالَ الْبَائِعُ: قَدْ خَلَّيْت بَيْنَك وَبَيْنَهَا فَاقْبِضْهَا فَإِنِّي أُمْسِكُهَا لَك فَانْفَلَتَتْ لَمْ يَكُنْ هَذَا قَبْضًا مِنْ الْمُشْتَرِي، وَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهَا وَضَبْطِهَا. لِأَنَّ لِلْبَائِعِ فِيهَا يَدًا حَقِيقَةً، وَلَا يَنْسَخُ حُكْمَ تِلْكَ الْيَدِ إلَّا مَا هُوَ مِثْلُهَا، وَتَمَكُّنُ الْمُشْتَرِي مِنْ قَبْضِهَا بِالتَّخْلِيَةِ لَا يَكُونُ مِثْلَ حَقِيقَةِ يَدِ الْبَائِعِ فِيهَا.\n٢٠٣١ - وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا وَضَعَ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ بَيْنَ يَدَيْ الْمُشْتَرِي بِأَنْ كَانَ نَائِيًا فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: خَلَّيْت بَيْنَك وَبَيْنَهَا. ثُمَّ هَلَكَتْ. لِأَنَّ هُنَاكَ لَمْ يَبْقَ لِلْبَائِعِ عَلَيْهَا يَدٌ حَقِيقَةً، وَقَدْ صَارَ الْمُشْتَرِي مُتَمَكِّنًا مِنْ قَبْضِهَا، حَتَّى إذَا كَانَ الْبَائِعُ يُمْسِكُهَا بِيَدِهِ وَقَالَ (ص ٣٦٦) لِلْمُشْتَرِي: خَلَّيْت بَيْنَك وَبَيْنَهَا فَاقْبِضْهَا، فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ قَابِضًا، إلَّا أَنْ تَصِلَ إلَى يَدِ الْمُشْتَرِي، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ يَدُهُ فِيهَا حَقِيقَةً مُعَارِضَةً لِيَدِ الْبَائِعِ، فَيُجْعَلُ قَابِضًا لِذَلِكَ.\n٢٠٣٢ - وَلَوْ كَانَ الْبَائِعُ وَضَعَ الثَّوْبَ بِالْبُعْدِ مِنْ الْمُشْتَرِي وَنَادَاهُ أَنْ قَدْ خَلَّيْت بَيْنَك وَبَيْنَهُ فَاقْبِضْهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَصِرْ قَابِضًا حَتَّى يَقْرُبَ مِنْهُ فَيَصِيرَ بِحَيْثُ تَصِلُ يَدُهُ إلَيْهِ.","vol":"1","page":1097},{"text":"لِأَنَّ هَذَا تَسْلِيمٌ بِطَرِيقِ التَّمْكِينِ، فَلَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ التَّمَكُّنِ، وَتَمَكُّنُهُ مِنْ الْقَبْضِ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَقْرُبَ مِنْهُ، فَقَبْلَ ذَلِكَ وُجُودُ التَّخْلِيَةِ كَعَدَمِهَا\n٢٠٣٣ - وَلَوْ أَنَّ الْمُوَلَّى بَاعَ جَمِيعَ الرَّمَكِ الَّتِي فِي الْحَظِيرَةِ وَخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، وَهِيَ لَا تَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ إلَّا بَعْدَ فَتْحِ الْبَابِ فَفَتَحَ الْبَابَ لِيَأْخُذَ بَعْضَهَا، فَغَلَبَتْهُ وَخَرَجَتْ مِنْ الْحَظِيرَةِ، فَالثَّمَنُ لَازِمٌ لِلْمُشْتَرِي، سَوَاءٌ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهَا إذَا دَخَلَ الْحَظِيرَةَ أَوْ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ. لِأَنَّهَا كَانَتْ مُحْرَزَةً بِالْبَابِ الْمَسْدُودِ، وَقَدْ تَنَاوَلَ الْبَيْعُ كُلَّهَا، ثُمَّ صَارَ الْمُشْتَرِي بِفَتْحِ الْبَابِ مُسْتَهْلِكًا لَهَا، وَاسْتِهْلَاكُ الْمُشْتَرِي لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الْقَبْضِ مِنْهُ. وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ: هَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ - ﵀ -. فَإِنَّ فَتْحَ الْبَابِ عِنْدَهُ اسْتِهْلَاكٌ بِطَرِيقِ الْمُتَسَبِّبِ، حَتَّى قَالَ: إذَا فَتَحَ بَابَ الْإِصْطَبْلِ فَنَدَّتْ الدَّابَّةُ مِنْ سَاعَتِهَا فَهُوَ ضَامِنٌ مِنْ قِيمَتِهَا لِمَا ذَكَرْنَا. فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ الثَّمَنُ عَلَى الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ لَا يَجْعَلُ فَتْحَ الْبَابِ اسْتِهْلَاكًا، وَإِنَّمَا يُحِيلُ بِهَلَاكِ الدَّابَّةِ عَلَى الْفِعْلِ الْمَوْجُودِ مِنْهَا. وَلِهَذَا لَا يُضْمَنُ بِهِ مِلْكُ الْغَيْرِ. وَالْأَصَحُّ أَنَّ هَذَا قَوْلُهُمْ جَمِيعًا، لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - ﵀ - يَجْعَلُ فِعْلَهُ تَسَبُّبًا، وَلَكِنْ فِي حُكْمِ الضَّمَانِ يَقُولُ: قَدْ طَرَأَ عَلَى ذَلِكَ التَّسَبُّبِ فِعْلٌ مُعْتَبَرٌ. لِأَنَّ فِعْلَ الدَّابَّةِ يُعْتَبَرُ فِي إزَالَةِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلضَّمَانِ وَإِنْ كَانَ لَا يُعْتَبَرُ فِي إيجَابِ الضَّمَانِ. أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ سَاقَ دَابَّةً فِي الطَّرِيقِ فَجَالَتْ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً، وَالسَّائِقُ لَيْسَ مَعَهَا. فَأَصَابَتْ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ السَّائِقُ ضَامِنًا لَهَا؟ بِاعْتِبَارِ مَا أَحْدَثَتْ الدَّابَّةُ مِنْ السَّيْرِ بِاخْتِيَارِهَا، لَا عَلَى نَهْجِ سَوْقِ السَّائِقِ. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ فَتْحَ الْبَابِ كَانَ تَسَبُّبًا مِنْهُ لِإِتْلَافِ الدَّابَّةِ فَقَدْ تَقَرَّرَ عَلَيْهِ الثَّمَنُ بِحُكْمِ الْعَقْدِ، ثُمَّ فِعْلُ الدَّابَّةِ لَا يَصْلُحُ مُزِيلًا لِذَلِكَ فَيَبْقَى ضَامِنًا لِلثَّمَنِ","vol":"1","page":1098},{"text":"٢٠٣٤ - وَإِنْ كَانَ الَّذِي فَتَحَ الْبَابَ رَجُلًا آخَرَ فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ صَارَ بِحَالٍ لَوْ دَخَلَ الْحَظِيرَةَ وَاجْتَهَدَ تَمَكَّنَ مِنْ قَبْضِهَا فَعَلَيْهِ الثَّمَنُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ لَوْ فَتَحَ الْبَابَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الثَّمَنُ. لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْإِتْلَافُ تَسَبُّبًا وَلَا مُبَاشَرَةً، فَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ لِتَقَرُّرِ الثَّمَنِ عَلَيْهِ تَمَكُّنُهُ مِنْ قَبْضِهَا بِتَخْلِيَةِ الْبَائِعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا قَبْلَ فَتْحِ الْبَابِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَائِعَ لَوْ كَانَ هُوَ الَّذِي فَتَحَ الْبَابَ وَلَمْ يَكُنْ الْمُشْتَرِي مُتَمَكِّنًا مِنْ قَبْضِ شَيْءٍ مِنْهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مِنْ الثَّمَنِ شَيْءٌ؟ فَكَذَلِكَ إذَا فَتَحَ الْبَابَ أَجْنَبِيٌّ آخَرُ. وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ بَاعَ طَيْرًا فِي بَيْتٍ عَظِيمٍ وَخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي هُوَ الَّذِي فَتَحَ الْبَابَ فَطَارَ، كَانَ عَلَيْهِ الثَّمَنُ، وَإِنْ فَتَحَ غَيْرُهُ الْبَابَ أَوْ فَتَحَتْ الرِّيحُ الْبَابَ فَخَرَجَ الطَّيْرُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مِنْ الثَّمَنِ شَيْءٌ، إذْ لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مِنْ أَخْذِهَا. فَكَذَلِكَ الرَّمَكُ. وَبَعْضُ هَذَا قَرِيبٌ مِنْ بَعْضٍ. وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالِاسْتِحْسَانِ فِي كُلِّ فَصْلٍ.\n٢٠٣٥ - وَلَوْ أَنَّ الْمُوَلَّى بَاعَ الْغَنَائِمَ وَلَمْ يَقْبِضْ الثَّمَنَ، فَسَأَلَهُ الْإِمَامُ أَنْ (ص ٣٦٧) يَضْمَنَ الثَّمَنَ عَنْ الْمُشْتَرِي فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَهُوَ جَائِزٌ.\nوَهَذَا بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ إذَا ضَمِنَ الثَّمَنَ لِلْمُوَكِّلِ عَنْ الْمُشْتَرِي.\nلِأَنَّ الْوَكِيلَ فِي حُقُوقِ الْعَقْدِ كَالْعَاقِدِ لِنَفْسِهِ، وَلِهَذَا لَوْ ظَهَرَ الِاسْتِحْقَاقُ أَوْ الْعَيْبُ كَانَتْ الْخُصُومَةُ مَعَهُ. فَإِذَا ضَمِنَ الثَّمَنَ عَنْ الْمُشْتَرِي فَهُوَ إنَّمَا يَضْمَنُ لِنَفْسِهِ عَنْ غَيْرِهِ فِي الْحُكْمِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ.\n٢٠٣٦ - فَأَمَّا الْمُوَلَّى فَهُوَ نَائِبٌ مَحْضٌ فِي هَذَا الْعَقْدِ لَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ شَيْءٌ، بِمَنْزِلَةِ الرَّسُولِ، فَيَكُونُ هُوَ فِي ضَمَانِ الثَّمَنِ عَنْ","vol":"1","page":1099},{"text":"الْمُشْتَرِي كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَجَانِبِ إنْ ضَمِنَ بِأَمْرِهِ رَجَعَ عَلَيْهِ إذَا أَدَّى وَإِنْ ضَمِنَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ إذَا أَدَّى. وَالدَّلِيلُ عَلَى الْفَرْقِ أَنَّ الْمُوَلَّى لَوْ أَبْرَأَ الْمُشْتَرِيَ عَنْ الثَّمَنِ هَاهُنَا لَمْ يَصِحَّ إبْرَاؤُهُ، وَالْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ إذَا أَبْرَأَ الْمُشْتَرِيَ عَلَى الثَّمَنِ صَحَّ إبْرَاؤُهُ فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي. وَإِنْ كَانَ يَصِيرُ ضَامِنًا مِثْلَهُ لِلْمُوَكِّلِ.\nثُمَّ الْمُوَلَّى فِي هَذَا الْبَيْعِ بِمَنْزِلَةِ الْقَاضِي فِي بَيْعِ مَالِ الْيَتِيمِ. وَالْوَكِيلُ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيِّ فِي بَيْعِ مَالِ الْيَتِيمِ، وَلَوْ أَنَّ قَاضِيًا بَاعَ مَالَ الْيَتِيمِ ثُمَّ عُزِلَ وَاسْتُقْضِيَ آخَرُ فَضَمِنَ الْقَاضِي الْأَوَّلُ لِلْقَاضِي الثَّانِي الثَّمَنَ عَنْ الْمُشْتَرِي، أَوْ كَبِرَ الْيَتِيمُ فَضَمِنَ لَهُ الْقَاضِي الْأَوَّلُ ذَلِكَ، وَهُوَ قَاضٍ عَلَى حَالِهِ، كَانَ ضَمَانُهُ جَائِزًا.\nوَلَوْ كَانَ الْوَصِيُّ هُوَ الَّذِي بَاعَ مَالَ الْيَتِيمِ، ثُمَّ ضَمِنَ الثَّمَنَ لِلْقَاضِي عَنْ الْمُشْتَرِي أَوْ لِلْيَتِيمِ بَعْدَ مَا كَبِرَ، فَإِنَّ ضَمَانَهُ يَكُونُ بَاطِلًا. وَكَذَلِكَ الْوَالِدُ إنْ كَانَ هُوَ الَّذِي بَاعَ ثُمَّ ضَمِنَ الثَّمَنَ.\nوَالْفَرْقُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَبَ وَالْوَصِيَّ يَلْزَمُهُمَا الْعُهْدَةُ، وَيَكُونُ خُصُومَةُ الْمُشْتَرِي فِي الْعَيْبِ وَالِاسْتِحْقَاقِ مَعَهُمَا، وَالْقَاضِي لَا يَلْزَمُهُ الْعُهْدَةُ، وَلَا يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي مَعَهُ خُصُومَةٌ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. وَأَمِينُ الْقَاضِي بِمَنْزِلَةِ الْقَاضِي فِي أَنَّهُ لَا تَلْحَقُهُ الْعُهْدَةُ، فَيَصِحُّ ضَمَانُهُ عَنْ الْمُشْتَرِي. فَكَذَلِكَ الْمُوَلَّى يَبِيعُ الَّذِي وَقَعَ الْحَقُّ لَهُ، لِيَأْخُذَ مِنْهُ الثَّمَنَ. وَفِي الْعَيْبِ الْإِمَامُ يُنَصِّبُ لِلْمُشْتَرِي خَصْمًا إنْ شَاءَ ذَلِكَ الْمُوَلَّى، وَإِنْ شَاءَ غَيَّرَهُ، حَتَّى إذَا ثَبَتَ حَقُّ الْمُشْتَرِي رَجَعَ بِالثَّمَنِ فِي غَنَائِمِ الْمُسْلِمِينَ، إنْ كَانَتْ لَمْ تُقْسَمْ، وَإِنْ قُسِمَتْ غَرِمَ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَلَيْسَ عَلَى الَّذِي بَاشَرَ الْبَيْعَ عُهْدَةٌ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. وَلِهَذَا صَحَّ ضَمَانُهُ لِلثَّمَنِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ","vol":"1","page":1100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>[بَابُ الْمُسْلِمِ يَخْرُجُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَمَعَهُ مَالٌ فِيمَا يُصَدَّقُ فِيهِ وَمَا لَا يُصَدَّقُ]</span>\n١١٤ - بَابُ الْمُسْلِمِ يَخْرُجُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَمَعَهُ مَالٌ فِيمَا يُصَدَّقُ فِيهِ وَمَا لَا يُصَدَّقُ ٢٠٣٧ - وَلَوْ أَنَّ مُسْتَأْمَنًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ الْتَحَقَ بِعَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَعَهُ مَالٌ، فَزَعَمَ أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ مَلَّكُوهُ بِبَعْضِ الْأَسْبَابِ، أَوْ أَنَّهُ أَدْخَلَهُ مَعَهُ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ:\nلِأَنَّ يَدَهُ ثَابِتَةٌ عَلَى الْمَالِ، وَهِيَ يَدٌ مُحْتَرَمَةٌ، وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهُ، فَإِنَّهُ دَخَلَ إلَيْهِمْ تَاجِرًا لِيُعَامِلَهُمْ، وَالتَّاجِرُ لَا يَدْخُلُ إلَيْهِمْ إلَّا مَعَ مَالٍ فِي الْعَادَةِ.\n٢٠٣٨ - وَمَا يَصِلُ إلَيْهِ مِنْ مَالِهِمْ فَإِنَّمَا يَكُونُ وُصُولُهُ بِبَعْضِ الْأَسْبَابِ الَّتِي تُبْتَنَى عَلَى الْمُرَاضَاةِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْأَمَانِ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ الظَّاهِرُ.\n٢٠٣٩ - وَإِنْ قَالَ غَصَبْته مِنْهُمْ فَهُوَ فَيْءٌ، وَيَنْبَغِي لِلْأَمِيرِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ فَيَرُدَّهُ إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ. لِأَنَّهُ تَمَلَّكَهُ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ، وَإِنَّمَا تَمَّ ذَلِكَ بِقُوَّةِ الْجَيْشِ حِينَ الْتَحَقَ بِهِمْ، وَشَارَكُوهُ فِي الْإِحْرَازِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَأْمَنًا فِيهِمْ كَانَ ذَلِكَ الْمَالُ غَنِيمَةً بَيْنَهُمْ، وَبِثُبُوتِ حَقِّ الْجَيْشِ فِيهِ تَثْبُتُ الْوِلَايَةُ لِلْأَمِيرِ فِي ذَلِكَ الْمَالِ، وَقَدْ حَصَّلَهُ بِسَبَبٍ حَرَامٍ شَرْعًا، وَهُوَ غَدْرُ الْأَمَانِ.","vol":"1","page":1115},{"text":"لِأَنَّهُ حِينَ اسْتَأْمَنَ إلَيْهِمْ فَقَدْ لَزِمَهُ أَلَّا يَغْدِرَ بِهِمْ، وَأَلَّا يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، بِغَيْرِ طِيبَةِ أَنْفُسِهِمْ.\n٢٠٤٠ - وَمَا حَصَلَ بِسَبَبٍ خَبِيثٍ فَالسَّبِيلُ رَدُّهُ، فَلِهَذَا كَانَ عَلَى الْأَمِيرِ أَنْ يَرُدَّهُ إلَيْهِمْ، سَوَاءٌ كَانُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ بَعْدَ مَا خَرَجُوا، فَإِنْ أَسْلَمَ بَعْضُ الرَّقِيقِ بَاعَهُ الْأَمِيرُ، وَبَعَثَ بِالثَّمَنِ إلَيْهِمْ، أَوْ كَتَبَ إلَيْهِمْ حَتَّى يَأْتُوهُ فَيَأْخُذُوهُ.\nلِأَنَّ بِالْإِسْلَامِ تَعَذَّرَ رَدُّ عَيْنِهِ عَلَيْهِمْ، فَيَجِبُ بَيْعُهُ وَرَدُّ ثَمَنِهِ عَلَيْهِمْ، كَالْمُسْتَأْمَنِ إذَا أَسْلَمَ عَبْدَهُ فِي دَارِنَا وَهُوَ هَا هُنَا، أَوْ قَدْ رَجَعَ إلَى دَارِهِ.\n٢٠٤١ - وَإِنْ كَانُوا أَحْرَارًا، وَقَدْ أَخَذَهُمْ قَهْرًا فَأَخْرَجَهُمْ، فَإِنْ أَسْلَمُوا فَهُمْ أَحْرَارٌ، لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ.\nلِأَنَّهُ مَا تَمَّ قَهْرُهُ حِينَ كَانَ هُوَ مَمْنُوعًا مِنْ أَخْذِهِمْ شَرْعًا بِسَبَبِ الْأَمَانِ فَيَكُونُ حُكْمُهُمْ فِي حَقِّهِ كَحُكْمِ الْمُسْتَأْمَنِينَ فِي دَارِنَا لَا يَمْلِكُونَ بِالْقَهْرِ، فَإِذَا أَسْلَمُوا فَقَدْ تَأَكَّدَتْ حُرِّيَّتُهُمْ بِالْإِسْلَامِ.\n٢٠٤٢ - وَإِنْ لَمْ يُسْلِمُوا أَوْ قَالُوا نَصِيرُ ذِمَّةً فَإِنْ كَانُوا أَحْرَارًا فَلَهُمْ ذَلِكَ لِبَقَاءِ صِفَةِ الْحُرِّيَّةِ لَهُمْ بَعْدَ مَا حَصَّلُوا فِي دَارِنَا، وَإِنْ كَانُوا عَبِيدًا لِأَهْلِ الْحَرْبِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِمْ.\nلِأَنَّ الْحَقَّ فِيهِمْ لِمَوَالِيهِمْ، وَوُجُوبُ الرَّدِّ لَحِقَ الْمَوْلَى فَحُكْمُهُمْ كَحُكْمِ سَائِرِ الْأَمْوَالِ تُرَدُّ عَلَيْهِمْ الْعَيْنُ.","vol":"1","page":1116},{"text":"فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، أَوْ خِيفَ الضَّيْعَةُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُبَاعُ وَيُبْعَثُ إلَيْهِمْ بِثَمَنِهِ أَوْ يُوقَفُ حَتَّى يَجِيءَ صَاحِبُهُ فَيَأْخُذَهُ. وَلَوْ كَانَ هَذَا الْمُسْتَأْمَنُ أَخَذَ شَيْئًا مِمَّا كَانُوا أَحْرَزُوهُ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ فَهَذَا وَمَا سَبَقَ سَوَاءٌ.\nلِأَنَّهُمْ بِالْإِحْرَازِ قَدْ مَلَكُوهُ حَتَّى لَوْ أَسْلَمُوا كَانَ لَهُمْ، فَحُكْمُهُ كَحُكْمِ سَائِرِ أَمْوَالِهِمْ، إلَّا أَنَّ الرَّقِيقَ يُبَاعُ هَا هُنَا؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ، فَلَا يُرَدُّ إلَيْهِمْ أَعْيَانُهُمْ وَإِنَّمَا يَمْلِكُونَ بِالْقَهْرِ، وَلَكِنْ يُبَاعُ وَيُبْعَثُ إلَيْهِمْ الثَّمَنُ.\n٢٠٤٤ - وَإِنْ كَانَ شَيْئًا مِمَّا لَا يُمْلَكُ بِالْقَهْرِ مِنْ رِقَابِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَى حَالِهِ كَمَا كَانَ.\nلِأَنَّهُمْ بِالْقَهْرِ مَا تَمَلَّكُوهُ، حَتَّى لَوْ أَسْلَمُوا وَجَبَ عَلَيْهِمْ قَصْرُ الْيَدِ عَنْهُ، وَبِهِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ مُحْسِنٌ فِيمَا صَنَعَ، حَيْثُ قَصَرَ عَنْهُمْ يَدَ الظُّلْمِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَهُمْ إلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ، وَلَا يَكُونُ هَذَا مِنْ غَدْرِ الْأَمَانِ فِي شَيْءٍ.\n٢٠٤٥ - وَلَوْ كَانَ هَذَا الْمُسْتَأْمَنُ أَحْرَزَ الْمَأْخُوذَ مِنْهُمْ غَصْبًا بِدَارِ الْإِسْلَامِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَإِنْ كَانَ شَيْئًا مِمَّا لَمْ يَمْلِكْهُ أَهْلُ الْحَرْبِ فَهَذَا وَمَا سَبَقَ سَوَاءٌ.\nلِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَمَلَّكُ عَلَيْهِمْ بِالْإِحْرَازِ مَا كَانَ مَمْلُوكًا لَهُمْ، وَمَا يَكُونُ مَحَلًّا لِلتَّمَلُّكِ بِالْقَهْرِ.","vol":"1","page":1117},{"text":"وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ شَيْئًا مِمَّا هُوَ مَمْلُوكٌ لَهُمْ وَكَانَ بِحَيْثُ يُسَلَّمُ لَهُمْ لَوْ أَسْلَمُوا فَإِنَّ الْإِمَامَ يُفْتِيهِ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ، وَلَا يُجْبِرُهُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ.\nلِأَنَّهُ تَفَرَّدَ بِإِتْمَامِ سَبَبِ الْمِلْكِ فِيهِ هَا هُنَا وَهُوَ الْإِحْرَازُ بِدَارِ الْإِسْلَامِ، فَلَا يَثْبُتُ فِيهِ حَقُّ الْمُسْلِمِينَ، وَوِلَايَةُ الْإِمَامِ فِيهِ تُبْتَنَى عَلَى ثُبُوتِ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى الرَّدِّ، بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ.\n٢٠٤٧ - إلَّا أَنَّهُ حَصَّلَ هَذَا الْمَالَ بِسَبَبٍ حَرَامٍ شَرْعًا، فَيُفْتِيهِ بِالرَّدِّ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ أَخْفَرَ ذِمَّةَ نَفْسِهِ لَا ذِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ مَا كَانُوا فِي أَمَانٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا كَانُوا فِي أَمَانٍ مِنْهُ خَاصَّةً.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ كَانَ يُبَاحُ لِغَيْرِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَخْذُ هَذَا الْمَالِ مِنْ أَيْدِيهِمْ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ مَا أَخْفَرَ أَمَانَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَثْبُتَ لِلْإِمَامِ عَلَيْهِ وِلَايَةُ الْإِجْبَارِ فِي الرَّدِّ، لِمُرَاعَاةِ ذَلِكَ الْأَمَانِ، وَلَكِنَّهُ أَخْفَرَ أَمَانَ نَفْسِهِ، وَذَلِكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ. وَالطَّرِيقُ فِي مِثْلِهِ الْفَتْوَى دُونَ الْإِجْبَارِ، فَإِنَّ الْإِجْبَارَ يُبْتَنَى عَلَى الْخُصُومَةِ، وَلَا خُصُومَةَ لِأَحَدٍ مَعَهُ فِي ذَلِكَ\n٢٠٤٨ - وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَشْتَرِيَ ذَلِكَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ كَسْبٌ خَبِيثٌ، وَفِي شِرَائِهِ مِنْهُ تَقْرِيرٌ لِمَعْنَى الْخُبْثِ فِيهِ.\nوَلِأَنَّهُمْ إذَا امْتَنَعُوا مِنْ الشِّرَاءِ كَانَ فِيهِ زَجْرٌ [لَهُ] عَنْ الْعَوْدِ إلَى مِثْلِ هَذَا الصُّنْعِ، وَحَثٌّ لَهُ عَلَى الرَّدِّ كَمَا هُوَ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ.","vol":"1","page":1118},{"text":"وَإِنْ اشْتَرَى إنْسَانٌ مِنْهُ ذَلِكَ جَازَ الشِّرَاءُ وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا.\nلِأَنَّهُ مَلَّكَ نَفْسَهُ فَإِنَّ فَسَادَ السَّبَبِ شَرْعًا لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ بَعْدَ تَمَامِهِ، وَالنَّهْيُ عَنْ هَذَا الشِّرَاءِ لَيْسَ لِمَعْنًى فِي عَيْنِهِ.\n٢٠٥٠ - وَبَعْدَ مَا جَازَ الشِّرَاءُ يُؤْمَرُ فِيهِ الْمُشْتَرِي بِمِثْلِ مَا كَانَ يُؤْمَرُ بِهِ الْبَائِعُ مِنْ الرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ.\nلِأَنَّ الْمَعْنَى الْمُوجِبَ لِلرَّدِّ لَا يَزُولُ بِهَذَا الشِّرَاءِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا إذَا بَاعَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ غَيْرِهِ بَيْعًا صَحِيحًا، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ الثَّانِيَ لَا يُؤْمَرُ بِالرَّدِّ، وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ مَأْمُورًا بِذَلِكَ.\nلِأَنَّ هُنَاكَ الْمَعْنَى الْمُوجِبُ لِلرَّدِّ قَدْ زَالَ بِبَيْعِهِ مِنْ غَيْرِهِ.\nلِأَنَّ وُجُوبَ الرَّدِّ لِفَسَادِ الْبَيْعِ حُكْمٌ مَقْصُورٌ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي وَقَدْ انْقَطَعَ مِلْكُهُ بِالْبَيْعِ مِنْ غَيْرِهِ أَمَّا هُنَا فَوُجُوبُ الرَّدِّ إنَّمَا كَانَ لِمُرَاعَاةِ مِلْكِهِمْ فِي ذَلِكَ الْمَالِ، وَلِأَجْلِ غَدْرِ الْأَمَانِ، وَهَذَا الْمَعْنَى قَائِمٌ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي كَمَا هُوَ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ الَّذِي أَخْرَجَهُ، فَلِهَذَا يُفْتِي بِالرَّدِّ كَمَا كَانَ يُفْتِي بِهِ الْبَائِعُ، وَهُوَ نَظِيرُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْمُكْرَهِ إذَا بَاعَهُ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّ لِلْمُكْرَهِ حَقَّ الِاسْتِرْدَادِ مِنْ الثَّانِي كَمَا هُوَ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ شِرَائِهِ، لِأَنَّ حَقَّهُ لَا يَتَغَيَّرُ بِبَيْعِ الْمُشْتَرِي، وَثُبُوتُ حَقِّ الِاسْتِرْدَادِ كَانَ لِعَدَمِ رِضَاهُ بِهِ.\n٢٠٥١ - وَلَوْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ آمَنَهُمْ وَهُوَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ","vol":"1","page":1119},{"text":"فِي عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ ذَلِكَ الْمَتَاعُ مِنْهُ فَيُرَدُّ عَلَيْهِمْ.\nلِأَنَّ أَمَانَهُ، وَهُوَ فِي مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، كَأَمَانِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَهُوَ إنَّمَا أَخَذَ مَالَ الْمُسْتَأْمَنِينَ بِالْقَهْرِ وَلَا يَمْلِكُ مَالَ الْمُسْتَأْمَنِ بِالْقَهْرِ، فَكَانَ مُجْبَرًا عَلَى رَدِّهِ وَفِي الْأَوَّلِ هُوَ مَا أَخَذَ مَالَ الْمُسْتَأْمَنِينَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ بِأَمَانٍ، وَمَا كَانُوا مُسْتَأْمَنِينَ مِنْهُ إلَّا أَنَّ غَدْرَ ذَلِكَ الْأَمَانِ كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِ شَرْعًا، وَتَمَكَّنَ الْخُبْثُ بِهَذَا السَّبَبِ وَلَكِنْ يَثْبُتُ الْمِلْكُ لَهُ فِي الْمَالِ لِكَوْنِهِ مَحَلَّ التَّمَلُّكِ بِالْقَهْرِ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَى رَدِّهِ فِي الْحُكْمِ، وَلِأَنَّهُ غَدْرٌ بِأَمَانِ الْمُسْلِمِينَ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ حُكْمَ ذَلِكَ الْأَمَانِ ثَابِتٌ فِي حَقِّ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى لَا يَحِلَّ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلِلْإِمَامِ وِلَايَةُ الْمَنْعِ لِلْغَادِرِ بِأَمَانِ الْمُسْلِمِينَ. وَإِذَا كَانَ هُوَ الَّذِي دَخَلَ إلَيْهِمْ فَإِنَّمَا غَدَرَ بِأَمَانِ نَفْسِهِ خَاصَّةً.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ كَانَ لِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ حَقُّ أَخْذِ هَذَا الْمَالِ مِنْ أَيْدِيهِمْ فَلِهَذَا يُفْتِيهِ بِالرَّدِّ وَلَا يُجْبِرُهُ عَلَيْهِ.\n٢٠٥٢ - وَإِنْ كَانَ الَّذِي أَخْرَجَهُ هَذَا الْمُسْتَأْمَنُ إلَيْهِمْ مَتَاعًا لِلْمُسْلِمِينَ قَدْ أَحْرَزُوهُ بِدَرَاهِمَ فَأَرَادَ صَاحِبُهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ بِالْقِيمَةِ لَمْ يَقْضِ لَهُ الْإِمَامُ بِذَلِكَ.","vol":"1","page":1120},{"text":"لِأَنَّ فِي الْقَضَاءِ بِهِ تَقْرِيرَ مِلْكِهِ، فَإِنَّ الْقِيمَةَ لَا تُسَلَّمُ لَهُ إلَّا عَلَى وَجْهِ قِيَامِهَا مَقَامَ الْعَيْنِ، وَمِلْكُهُ غَيْرُ مُتَقَرِّرٍ شَرْعًا مَا دَامَ هُوَ مَأْمُورًا بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ، فَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُقَرِّرَهُ بِقَضَائِهِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ أَسْلَمُوا أَوْ صَارُوا ذِمَّةً، (كَانَ سَالِمًا لَهُمْ) وَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِ لِلْمَالِكِ الْقَدِيمِ، بِخِلَافِ مَا إذَا وَهَبُوهُ لَهُ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ هُنَاكَ مِلْكٌ مُتَقَرِّرٌ شَرْعًا، فَلِهَذَا كَانَ لِلْمَالِكِ الْقَدِيمِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْقِيمَةِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي، وَلِأَنَّ الْمَالِكَ الْقَدِيمَ بِالْأَخْذِ يُعِيدُهُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ، وَمَا يُعْطِي مِنْ الْقِيمَةِ هُوَ فِدَاءٌ يَفْدِي بِهِ مِلْكَهُ، بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ الْجَانِي يَفْدِيهِ مَوْلَاهُ بِالدِّيَةِ، وَفِي إعَادَتِهِ إلَى مِلْكِهِ إبْطَالُ حَقِّهِمْ عَنْهُ لَا مَحَالَةَ، وَفِيهِ تَقْرِيرُ مَا كَانَ مِنْهُ غَدْرٌ مِنْ الْأَمَانِ.\n٢٠٣٥ - وَلَوْ كَانَ هُوَ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ مُسْلِمٍ كَانَ الْبَيْعُ جَائِزًا، وَإِذَا خُوصِمَ فِيهِ إلَى الْقَاضِي فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُنَفِّذُ ذَلِكَ الْبَيْعَ.\nلِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إبْطَالُ حَقِّهِمْ، فَإِنَّ الثَّانِيَ إنَّمَا يَتَمَلَّكُهُ مِلْكًا جَدِيدًا وَيُؤْمَرُ مَنْ فِي مِلْكِهِ بِالرَّدِّ، كَمَا كَانَ يُؤْمَرُ بِهِ الْبَائِعُ، وَأَمَّا الْمَالِكُ الْقَدِيمُ إنَّمَا يُعِيدُهُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ، وَذَلِكَ سَابِقٌ عَلَى ثُبُوتِ حَقِّهِمْ فِيهِ، فَعَرَفْنَا أَنَّ فِي الْقَضَاءِ بِهِ إبْطَالُ حَقِّهِمْ، ثُمَّ الْمَالِكُ الْقَدِيمُ إنْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْقِيمَةِ أَوْ بِالثَّمَنِ مِنْ الْمُشْتَرِي الثَّانِي لَمْ يَقْضِ لَهُ الْإِمَامُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا الْقَضَاءِ إعَادَتَهُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ كَمَا بَيَّنَّا.\n٢٠٥٤ - وَلَوْ كَانَ الَّذِي جَاءَ بِهِ عَبْدًا أَوْ أَمَةً مُسْلِمَةً لَمْ يَكُنْ لِمَوْلَاهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِقِيمَتِهِ.","vol":"1","page":1121},{"text":"لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ حَقَّ أَهْلِ الْحَرْبِ لَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهُ، وَمَا لَمْ يَنْقَطِعْ حَقُّهُمْ عَنْ الْمُسْتَوْلَى عَلَيْهِ لَا يَثْبُتُ لِلْمَالِكِ الْقَدِيمِ حَقُّ الْأَخْذِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْتَوْلِيَ لَوْ دَخَلَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ، وَمَعَهُ ذَلِكَ الْعَبْدُ، فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ لِإِسْلَامِهِ، وَلَا يَكُونُ لِمَوْلَاهُ الْقَدِيمِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ بِقِيمَةٍ وَلَا ثَمَنٍ.\n٢٠٥٥ - وَلَوْ كَانَ هَذَا الْمُسْتَأْمَنُ أَحْرَزَ هَذَا الْمَتَاعَ بِمَنَعَةِ الْجَيْشِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا سَبِيلَ لِمَالِكِهِ الْقَدِيمِ عَلَى أَخْذِهِ بِثَمَنٍ وَلَا قِيمَةٍ.\nلِأَنَّ حَقَّهُمْ لَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهُ، وَلَكِنَّ الْإِمَامَ يَبِيعُ الرَّقِيقَ وَيَقِفُ الثَّمَنَ مَعَ سَائِرِ الْأَمْوَالِ حَتَّى يَأْتُوهُ فَيَأْخُذُوهُ.\nلِأَنَّ بَقَاءَ حَقِّهِمْ هَا هُنَا أَبْيَنُ مِنْ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ الْإِمَامَ هَا هُنَا يُجْبَرُ عَلَى الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، وَفِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ يُفْتَى بِذَلِكَ فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ هُنَاكَ لِلْمَوْلَى الْقَدِيمِ حَقُّ الْأَخْذِ بِالْقِيمَةِ وَلَا بِالثَّمَنِ فَهَا هُنَا أَوْلَى.\n٢٠٥٦ - وَلَوْ كَانَ الْمُسْلِمُ الْخَارِجُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ أَسِيرًا فِيهِمْ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَإِنْ كَانَ خَرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَجَمِيعُ مَا أُخْرِجَ سَالِمٌ لَهُ.\nلِأَنَّهُ مَا كَانَ مُسْتَأْمَنًا فِيهِمْ بَلْ كَانَ مَقْهُورًا وَكَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ قَتْلِهِمْ وَأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ لَوْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ فَمَا أَحْرَزَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ يَكُونُ طَيِّبًا لَهُ.","vol":"1","page":1122},{"text":"وَإِنْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مِمَّا أَحْرَزُوهُ مِنْ مَتَاعِ الْمُسْلِمِينَ فَلِلْمَالِكِ الْقَدِيمِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ بِالْقِيمَةِ إنْ شَاءَ.\nلِأَنَّ حَقَّهُمْ انْقَطَعَ بِإِحْرَازِهِ عَلَيْهِمْ وَاخْتَصَّ هُوَ بِمِلْكِهِ فَيَكُونُ هُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَصَابَ بِسَهْمِهِ فِي الْغَنِيمَةِ، وَيَأْخُذُهُ مَوْلَاهُ بِالْقِيمَةِ إنْ شَاءَ.\n٢٠٥٨ - وَإِنْ كَانَ جَاءَ بِهِ إلَى عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَقَالَ: وَهَبَهُ لِي أَهْلُ الْحَرْبِ، أَوْ اشْتَرَيْته مِنْهُمْ لَمْ يُصَدَّقْ، وَكَانَ مَا جَاءَ بِهِ فَيْئًا لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ.\nلِأَنَّ الظَّاهِرَ يُكَذِّبُهُ فِيمَا يَقُولُ، فَإِنَّهُ كَانَ مَقْهُورًا فِيهِمْ، وَهُمْ لَا يُعَامِلُونَ الْأُسَرَاءَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمُعَامَلَةِ عَادَةً، فَلِهَذَا لَا يُصَدَّقُ.\n٢٠٥٩ - وَيُجْعَلُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَخْرَجَهُ غَصْبًا فَيَكُونُ فَيْئًا.\nلِأَنَّ أَهْلَ الْعَسْكَرِ يُشَارِكُونَهُ فِي الْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ، وَتَمَامُ الْقَهْرِ بِهِ يَكُونُ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً عَادِلَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَا يَدَّعِي، فَحِينَئِذٍ الثَّابِتُ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ.\n٢٠٦٢ - وَلَوْ عَايَنَاهُمْ وَهَبُوا لَهُ شَيْئًا وَخَلَّوْا سَبِيلَهُ لَمْ يَكُنْ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ مَعَهُ شَرِكَةٌ فِي ذَلِكَ.\nلِأَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ لَهُ بِطَرِيقِ الْمُرَاضَاةِ، وَالشَّرِكَةُ فِي الْمُصَابِ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ،؛ لِأَنَّ ذَلِكَ السَّبَبَ يَتِمُّ بِقُوَّةِ الْجَيْشِ، فَأَمَّا تَمَامُ الْهِبَةِ وَالشِّرَاءِ لَا يَكُونُ بِقُوَّةِ الْجَيْشِ.","vol":"1","page":1123},{"text":"وَلَوْ كَانَ الْخَارِجُ إلَى الْعَسْكَرِ أَسِيرًا أَوْ مُسْتَأْمَنًا، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَفِيمَا فِي يَدِ الْمُسْتَأْمَنِ الْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا يَدَّعِي مِنْ الْهِبَةِ وَالشِّرَاءِ إذَا حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ، وَفِيمَا فِي يَدِ الْأَسِيرِ لَا يُصَدَّقُ هُوَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، اعْتِبَارًا لِحَالِ اجْتِمَاعِهِمَا بِحَالِ انْفِرَادِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِنْ قَالَا دَخَلْنَا بِهَا مَعَنَا مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ فَالْمُسْتَأْمَنُ يُصَدَّقُ فِيمَا فِي يَدِهِ مَعَ يَمِينِهِ، وَالْأَسِيرُ لَا يُصَدَّقُ سَوَاءٌ، أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَوْ لَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ.\nلِأَنَّهُمْ أَحْرَزُوهُ بِدَارِهِمْ، وَأَحْرَزُوا مَا مَعَهُ مِنْ الْمَالِ أَيْضًا، فَيَمْلِكُونَ بِهَذَا الْإِحْرَازِ مَا يَكُونُ مَحَلًّا لِلتَّمْلِيكِ، وَيَلْتَحِقُ هَذَا الْمَالُ بِالْمَالِ الَّذِي كَانَ لَهُمْ فِي الْأَصْلِ.\n٢٠٦٢ - فَإِذَا أَحْرَزَهُ الْأَسِيرُ بِمَنَعَةِ الْجَيْشِ كَانَ فَيْئًا، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ شَيْئًا يَخْفَى عَلَيْهِمْ نَحْوَ دُرَّةٍ قَالَ الْأَسِيرُ: كَانَتْ فِي فَمِي أَوْ كُنْت ابْتَلَعْتهَا فَكَانَتْ فِي بَطْنِي، فَإِنَّهُ فِي الْقِيَاسِ لَا يُصَدَّقُ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا.\nلِأَنَّهُ مَالٌ مُحْتَمَلٌ لِلتَّمْلِيكِ أَيْضًا، وَقَدْ كَانَ مَعَهُ حِينَ صَارَ مَقْهُورًا، وَحِينَ تَمَّ إحْرَازُهُمْ فِيهِ، فَلَا يَبْقَى مَمْلُوكًا لَهُ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ: يُسَلَّمُ لَهُ ذَلِكَ الْمَالُ إذَا أَثْبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهُ أَدْخَلَهُ مَعَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.\n؛ لِأَنَّ إحْرَازَهُمْ يَكُونُ بِالْقَهْرِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَثْبُتُ حِسًّا لَا حُكْمًا، فَإِنَّ دَارَ الْحَرْبِ لَيْسَتْ بِدَارِ حُكْمٍ وَمِنْ حَيْثُ الْحِسُّ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ قَهْرُهُمْ فِيمَا يَعْلَمُونَ بِهِ دُونَ","vol":"1","page":1124},{"text":"مَا لَا يَعْلَمُونَ، وَمَا كَانَ فِي فَمِهِ أَوْ بَطْنِهِ فَلَا عِلْمَ لَهُمْ بِذَلِكَ.\nوَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ لَهُمْ فِيهِ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ، وَقَدْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهُ كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ فِي الْأَصْلِ، فَهُوَ بَاقٍ عَلَى ذَلِكَ الْمِلْكِ، وَلَا شَرِكَةَ لِلْجَيْشِ مَعَهُ فِيمَا كَانَ فِي الْأَصْلِ مَمْلُوكًا لَهُ.\nفَإِنْ قِيلَ: هَذَا إذَا ثَبَتَ مَا أَخْبَرَ بِهِ أَنَّهُ كَانَ فِي بَطْنِهِ أَوْ فِي فَمِهِ. قُلْنَا: هُوَ أَمِينٌ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ مِمَّا يَكُونُ مُحْتَمَلًا وَلَا يُكَذِّبُهُ الظَّاهِرُ فِيهِ.\n٢٠٦٣ - وَلَوْ كَانَ الْخَارِجُ إلَى الْعَسْكَرِ رَجُلًا أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا يَقُولُ إنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ وَهَبُوهُ لِي، أَوْ أَنَّهُ كَانَ مِلْكًا لِي فِي الْأَصْلِ.\nلِأَنَّهُ أَمِينٌ أَخْبَرَ بِخَبَرٍ مُحْتَمَلٍ فِيمَا فِي يَدِهِ فَيَكُونُ الثَّابِتُ بِخَبَرِهِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ. وَلَوْ عَايَنَا ذَلِكَ كَانَ الْمَالُ سَالِمًا لَهُ وَلَا شَرِكَةَ لِلْجَيْشِ مَعَهُ فِيهِ.\n٢٠٦٤ - وَإِنْ قَالَ: قَدْ اغْتَصَبْته مِنْهُمْ، فَالْمَالُ فَيْءٌ، لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ، لَا يُرَدُّ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ، بِخِلَافِ الْمُسْتَأْمَنِ.\n؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ كَانَ مَمْنُوعًا عَنْ الْغَدْرِ بِهِمْ، وَأَخْذِ شَيْءٍ مِنْ الْمَالِ بِغَيْرِ طِيبَةٍ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَأَمَّا الَّذِي أَسْلَمَ مِنْهُمْ فَهُوَ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ بَاقٍ فِيهِمْ عَلَى مَا كَانَ فِي الْأَصْلِ، وَقَبْلَ الْإِسْلَامِ مَا كَانَ بَعْضُهُمْ فِي أَمَانٍ مِنْ بَعْضٍ. وَلَكِنْ كَانَ لَا يَتَعَرَّضُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ لِأَجْلِ الْمُوَافَقَةِ فِي الدِّينِ، فَيَكُونُ هُوَ فِيمَا يَأْخُذُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ غَصْبًا بِمَنْزِلَةِ الْأَسِيرِ. فَإِنْ قِيلَ: فَكَانَ يَنْبَغِي أَلَّا يُصَدَّقَ فِي قَوْلِهِ: وَهَبُوهُ لِي، كَمَا لَا يُصَدَّقُ الْأَسِيرُ فِي ذَلِكَ. قُلْنَا: إنَّمَا لَا يُصَدَّقُ الْأَسِيرُ","vol":"1","page":1125},{"text":"لِأَنَّ الظَّاهِرَ يُكَذِّبُهُ فِيمَا يَقُولُ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ مَقْهُورًا فِيهِمْ، فَأَمَّا الَّذِي أَسْلَمَ مِنْهُمْ فِي أَيْدِيهِمْ فَالظَّاهِرُ غَيْرُ مُكَذِّبٌ لَهُ فِيمَا يَقُولُ؛ لِأَنَّهُ مَا كَانَ مَقْهُورًا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا كَانُوا يَعْلَمُونَ بِإِسْلَامِهِ، وَقَبْلَ الْعِلْمِ بِذَلِكَ مَا كَانُوا قَاصِدِينَ إلَى التَّعَرُّضِ لَهُ وَلِمَالِهِ، بَلْ كَانُوا يُعَامِلُونَهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُعَامِلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَلِهَذَا صَدَّقْنَاهُ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ.\n٢٠٦٥ - وَلَوْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ خَرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَجَمِيعُ مَا جَاءَ بِهِ سَالِمٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ تَقَرَّرَ مِلْكُهُ بِإِحْرَازِهِ بِالدَّارِ.\n٢٠٦٦ - وَإِنْ كَانَ فِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ مَتَاعِ الْمُسْلِمِ وَقَدْ كَانُوا أَحْرَزُوهُ فَإِنَّ صَاحِبَهُ يَأْخُذُهُ بِالْقِيمَةِ إنْ شَاءَ.\nلِأَنَّ تَمَلُّكَهُ عَلَيْهِمْ بِالْقَهْرِ كَتَمَلُّكِ مُسْلِمٍ آخَرَ إلَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُسْتَوْلِي عَلَى ذَلِكَ الْمَتَاعِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ سَالِمًا لَهُ لِقَوْلِهِ - ﵌ -: «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى مَالٍ فَهُوَ لَهُ» .\nوَلِأَنَّ حَقَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ بِإِسْلَامِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ حَقَّ الْمَوْلَى الْقَدِيمَ إنَّمَا يَثْبُتُ إذَا انْقَطَعَ حَقُّ الْمُسْتَوْلَى.\n(يُوَضِّحُهُ): الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْأَسِيرِ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَوْ ظَهَرُوا عَلَى الدَّارِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ الْأَسِيرُ وَهَذَا الَّذِي أَسْلَمَ، فَإِنَّ مَا كَانَ مِنْ مَالِ الَّذِي أَسْلَمَ فِي يَدِهِ يَكُونُ سَالِمًا لَهُ، وَمَا كَانَ مِنْ مَالِ الْأَسِيرِ يَكُونُ غَنِيمَةً لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ قَدْ تَمَلَّكُوا ذَلِكَ بِالْإِحْرَازِ، فَيَكُونُ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِمْ، فَإِنْ قَهَرُوا هَذَا الَّذِي أَسْلَمَ فِيهِمْ وَاسْتَعْبَدُوهُ فَحَالُهُ كَحَالِ الْأَسِيرِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا.","vol":"1","page":1126},{"text":"وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ الْجَيْشِ فِي دَارِ الْحَرْبِ خَرَجُوا فِي الْعَلَّافَةِ وَجَاءُوا بِمَتَاعٍ فَقَالُوا: اشْتَرَيْنَاهُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، أَوْ وَهَبُوهُ لَنَا، لَمْ يَصَدَّقُوا، وَكَانَ ذَلِكَ فَيْئًا.\nلِأَنَّ الظَّاهِرَ يُكَذِّبُهُمْ، فَإِنَّهُمْ مُحَارِبُونَ لِأَهْلِ الْحَرْبِ، قَصَدُوهُمْ لِلْغَارَةِ عَلَيْهِمْ، لَا لِلْمُعَامَلَةِ مَعَهُمْ، فَإِذَا أَقَامُوا بَيِّنَةً عَادِلَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَا قَالُوا فَإِنْ شَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ فَعَلُوا ذَلِكَ بِهِمْ، وَهُمْ مُمْتَنِعُونَ مِنْهُمْ، فَذَلِكَ سَالِمٌ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ بِالْحُجَّةِ أَنَّهُمْ مَلَكُوهُ بِسَبَبٍ تَمَّ بِالْمُرَاضَاةِ.\n٢٠٦٨ - فَإِنْ قَالُوا: فَعَلُوا ذَلِكَ وَهُمْ غَيْرُ مُمْتَنِعِينَ مِنْهُمْ كَانَ ذَلِكَ فَيْئًا.\n؛ لِأَنَّهُمْ صَارُوا غَيْرَ مُمْتَنِعِينَ مِنْهُمْ فَقَدْ تَثْبُتُ الْيَدُ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ عَلَيْهِمْ وَعَلَى مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَتَثْبُتُ الشَّرِكَةُ فِيهِ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ، فَلَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ بِالْهِبَةِ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ.\n٢٠٦٩ - فَإِنْ قَالُوا: قَدْ كُنَّا آمَنَّاهُمْ، وَهُمْ مُمْتَنِعُونَ، ثُمَّ فَعَلُوا ذَلِكَ بِنَا لَمْ يُصَدَّقُوا عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ؛ لِأَنَّ دَعْوَاهُمْ الْأَمَانَ حِينَ كَانُوا مُمْتَنِعِينَ مِنْهُمْ كَدَعْوَاهُمْ الْهِبَةَ حِينَ كَانُوا مُمْتَنِعِينَ مِنْهُمْ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُمْ لَا يُصَدَّقُونَ فِي ذَلِكَ إلَّا بِحُجَّةٍ، فَكَذَلِكَ فِي هَذَا\n٢٠٧٠ - فَإِنْ شَهِدَ لَهُمْ بِذَلِكَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ فَرُدَّتْ شَهَادَاتُهُمْ لِفِسْقِهِمْ كَانَ ذَلِكَ فَيْئًا؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ مَا قَامَتْ لَهُمْ فِيمَا ادَّعَوْا.","vol":"1","page":1127},{"text":"٢٠٧١ - فَإِنْ وَقَعَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي سِهَامِ الَّذِينَ شَهِدُوا أَخَذَهُ مِنْهُمْ الْمَشْهُودُ لَهُمْ.\nلِأَنَّهُمْ مَلَكُوا مَا أَقَرُّوا بِمِلْكِهِ لِغَيْرِهِمْ، وَمَنْ أَقَرَّ بِالْمِلْكِ لِآخَرَ فِي عَيْنٍ ثُمَّ مَلَكَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أُمِرَ بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ.\n٢٠٧٢ - وَلَوْ قَالُوا: هَذَا الْمَتَاعُ مِمَّا كَانَ مَعَنَا أَدْخَلْنَاهُ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ حِينَ دَخَلْنَا، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَشْكُلُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلَا يُدْرَى لَعَلَّهُمْ صَادِقُونَ فِيهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ مَعَ أَيْمَانِهِمْ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ غَيْرُ مُكَذِّبٍ لَهُمْ فِيمَا أَخْبَرُوا بِهِ، فَإِنَّ الْغَازِيَ - يَسْتَصْحِبُ طَائِفَةً مِنْ مَالِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ.\n٢٠٧٣ - وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَشْكُلُ فَإِنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ الْغَنِيمَةِ.\nلِأَنَّ الظَّاهِرَ يُكَذِّبُهُمْ فِيمَا أَخْبَرُوا بِهِ؛ لِأَنَّ الْبَعِيرَ وَغَيْرَهُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ إخْفَاؤُهُ.\n٢٠٧٤ - وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مَعَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجُوا فِي الْعِلَافَةِ لَعَلِمَ الْمُسْلِمُونَ بِهِ، وَمَنْ أَخْبَرَ بِمَا يُكَذِّبُهُ الظَّاهِرُ فِيهِ لَمْ يَكُنْ مُصَدَّقًا.\nفَإِنْ كَانَ فِيمَا جَاءُوا بِهِ رَقِيقٌ، وَهُمْ مُشْكِلُونَ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى قَوْلِ الرَّقِيقِ، فَإِنْ صَدَّقُوهُمْ بِمَا قَالُوا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ.\nلِأَنَّهُمْ فِي أَيْدِي أَنْفُسِهِمْ فَلَا بُدَّ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى قَوْلِهِمْ إذَا زَعَمَ هَؤُلَاءِ أَنَّهُمْ مِلْكُهُمْ أَدْخَلُوهُمْ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ.","vol":"1","page":1128},{"text":"أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ ادَّعَوْا ذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَانَ يَجِبُ الرُّجُوعُ فِيهِ إلَى قَوْلِ الرَّقِيقِ.\n٢٠٧٥ - وَإِنْ قَالَ الرَّقِيقُ: نَحْنُ قَوْمٌ أَحْرَارٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ قَدْ أَسَرْنَا هَؤُلَاءِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ، وَهُمْ فَيْءٌ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ.\n؛ لِأَنَّهُمْ كَذَّبُوهُمْ فِي دَعْوَى الْمِلْكِ عَلَيْهِمْ.\n٢٠٧٦ - وَلَوْ كَانُوا ادَّعَوْا ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَكَذَّبُوهُمْ وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ أَحْرَارٌ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُمْ، فَكَذَلِكَ إذَا ادَّعَوْا ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَإِذَا ثَبَتَ بِقَوْلِهِمْ إنَّهُمْ أَحْرَارٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ كَانُوا فَيْئًا لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُمْ صَارُوا مَقْهُورِينَ فِي أَيْدِينَا بِغَيْرِ أَمَانٍ.\n٢٠٧٧ - وَإِنْ قَالُوا كُنَّا عَبِيدًا لِأَهْلِ الْحَرْبِ فَأَخَذْنَا هَؤُلَاءِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الَّذِينَ جَاءُوا بِهِمْ.\nلِأَنَّهُمْ قَدْ أَقَرُّوا بِأَنَّهُمْ أَرِقَّاءُ وَأَنَّهُمْ لَا يَدَ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ، وَلَا قَوْلَ، فَلَا يُصَدَّقُونَ عَلَى أَنْ يَصْرِفُوا مِلْكَهُمْ إلَى غَيْرِهِمْ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ.\nوَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ ادَّعَى عَلَى مَجْهُولِ الْحَالِ، وَهُوَ فِي يَدِهِ، أَنَّهُ مِلْكُهُ، فَقَالَ مَجْهُولُ الْحَالِ: أَنَا عَبْدٌ لِفُلَانٍ فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ ذِي الْيَدِ.\nوَلَوْ قَالَ: أَنَا حُرٌّ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ، فَهَذَا مِثْلُهُ","vol":"1","page":1129},{"text":"وَاَلَّذِي يُوَضِّحُ ذَلِكَ الْفَرْقَ أَنَّ مَا أَخْبَرُوا بِهِ لَوْ كَانَ مَعْلُومًا فِي الْوَجْهَيْنِ فَوَقَعَ لِلْإِمَامِ فِيهِمْ رَأْيُ الْمَنِّ كَانُوا أَحْرَارًا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، وَكَانُوا عَبِيدًا فِي الْفَصْلِ الثَّانِي يُرَدُّونَ عَلَى مَوَالِيهِمْ، فِيهِ يَتَّضِحُ الْفَرْقُ.\n٢٠٧٨ - وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ غُلَامٌ لَمْ يَبْلُغْ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، كَالْبَالِغِ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الَّذِي فِي يَدِهِ مَعَ يَمِينِهِ بِمَنْزِلَةِ مَتَاعٍ آخَرَ: وَإِنْ كَانَ مَعَ الصَّبِيِّ أَحَدُ أَبَوَيْهِ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ وَالِدِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِ وَالِدِهِ، وَهُوَ تَابِعٌ لَهُ فِي الْحُكْمِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ إذَا سُبِيَ مَعَ وَالِدِهِ.\n٢٠٧٩ - وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فَقَالَ قَوْلًا ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ إلَى قَوْلٍ آخَرَ، فَالْأَمْرُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي مُنَاقِضٌ.\nوَلِأَنَّهُ إنْ قَالَ أَوَّلًا: أَنَا حُرٌّ، فَقَدْ ثَبَتَ فِيهِ حَقُّ الْعَسْكَرِ، فَلَا يُصَدَّقُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي إبْطَالِ حَقٍّ لَهُمْ، وَإِنْ قَالَ: أَنَا عَبْدٌ، فَقَدْ تَقَرَّرَ فِيهِ مِلْكُ ذِي الْيَدِ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي إبْطَالِ مِلْكِهِ.\n٢٠٨٠ - وَلَوْ قَالَ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْمَتَاعِ: قَدْ اشْتَرَيْنَا فِي دَارِ","vol":"1","page":1130},{"text":"الْحَرْبِ مِنْ مُسْلِمٍ، كَانَ مُسْتَأْمَنًا فِيهِمْ أَوْ أَسِيرًا، أَوْ كَانَ أَسْلَمَ مِنْهُمْ، لَمْ يُصَدَّقُوا عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِحُجَّةٍ.\nلِأَنَّهُمْ ادَّعَوْا خِلَافَ مَا يَشْهَدُ بِهِ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّهُمْ ذَهَبُوا لِلْإِغَارَةِ لَا لِلْمُعَامَلَةِ، وَلِأَنَّ وُجُودَ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمْ عَامَلُوهُمْ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ غَيْرُ ظَاهِرٍ.\nفَلَا يُصَدَّقُونَ إلَّا بِحُجَّةٍ.\n٢٠٨١ - فَإِذَا أَقَامُوا بَيِّنَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانَ الْمَتَاعُ لَهُمْ إنْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ اشْتَرَوْا ذَلِكَ الْمَتَاعَ مِنْ مُسْتَأْمَنٍ أَوْ مِمَّنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ.\nلِأَنَّ ثُبُوتَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثُّبُوتِ بِالْمُعَايَنَةِ.\n٢٠٨٢ - وَإِنْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ اشْتَرَوْا ذَلِكَ مِنْ أَسِيرٍ فَإِنَّ ذَلِكَ فَيْءٌ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ.\nلِأَنَّ الْمُشْتَرِينَ فِي إخْرَاجِ هَذَا الْمَتَاعِ قَامُوا مَقَامَ الْبَائِعِ فِي الْفَصْلَيْنِ جَمِيعًا.\n٢٠٨٣ - وَلَوْ كَانُوا قَالُوا لَقِينَا قَوْمًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، مُسْتَأْمَنِينَ أَوْ أُسَرَاءَ، أَوْ أَسْلَمُوا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَأَوْدَعُونَا هَذَا، وَأَمَرُونَا أَنْ نُخْرِجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَصَدَّقَهُمْ الرَّقِيقُ فِي ذَلِكَ لَمْ يُصَدَّقُوا.\nلِأَنَّ الرَّقِيقَ قَدْ أَقَرُّوا بِرِقِّهِمْ، فَلَا قَوْلَ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَاَلَّذِينَ جَاءُوا بِهِمْ أَخْبَرُوا بِمَا لَا ظَاهِرَ يُصَدِّقُهُمْ فِيهِ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ إلَّا بِحُجَّةٍ.\n٢٠٨٤ - فَإِنْ أَقَامُوا بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ فَمَا كَانَ مِنْ وَدِيعَةٍ أَوْ","vol":"1","page":1131},{"text":"عَارِيَّةٍ، لِلْمُسْتَأْمَنِينَ أَوْ الَّذِينَ أَسْلَمُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَلَا سَبِيلَ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ عَلَيْهِ.\nلِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ أَهْلَ الْعَسْكَرِ لَا يَثْبُتُ حَقُّهُمْ فِي مِلْكِ الْمُسْتَأْمَنِينَ، وَكَذَلِكَ فِي مِلْكِ الَّذِي أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ يَدَ مُودِعِهِ كَيَدِهِ، فَيَكُونُ إحْرَازُهُ فِي هَذَا الْمَالِ أَسْبَقَ مِنْ إحْرَازِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَا كَانَ أَوْدَعَهُمْ الْأَسِيرُ أَوْ أَهْلُ الْحَرْبِ أَوْ مُرْتَدُّونَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَهُوَ فَيْءٌ كُلُّهُ؛ لِأَنَّ يَدَ الْمُودَعِ كَيَدِ الْمُودِعِ وَهُوَ بِنَفْسِهِ لَوْ أَحْرَزَ ذَلِكَ بِمَنْعِهِ الْجَيْشَ كَانَ فَيْئًا، فَكَذَلِكَ إذَا جَاءَ بِهِ مُودِعُهُ إلَّا فِي خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ؛ إنْ شَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّهُمْ آمَنُوهُ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، ثُمَّ أَوْدَعَهُمْ فَحِينَئِذٍ لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهُ مَالُ مُسْتَأْمَنٍ، وَهُوَ لَوْ جَاءَ بِنَفْسِهِ مُسْتَأْمَنًا إلَيْنَا لَمْ يَكُنْ لَنَا أَنْ نَعْرِضَ لِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ، فَكَذَلِكَ إذَا جَاءَ بِهِ مُودِعُهُ.\n٢٠٨٥ - وَإِنْ كَانَ الْأَسِيرُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ آمَنَهُ حِينَ دَفَعَ ذَلِكَ إلَيْهِمْ، فَهُوَ فَيْءٌ.\nلِأَنَّ أَمَانَ الْأَسِيرِ إيَّاهُ، وَهُوَ مَقْهُورٌ فِي أَيْدِيهِمْ، بَاطِلٌ، فَكَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، أَوْ يُجْعَلُ فِي الْحُكْمِ كَأَنَّ الْأَسِيرَ هُوَ الَّذِي جَاءَ بِنَفْسِهِ فَأَوْدَعَهُمْ هَذَا الْمَالَ حَتَّى رَجَعَ.\n٢٠٨٦ - وَلَوْ زَعَمَ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْمَالِ أَنَّهُمْ غَصَبُوهُ مِنْ مُسْتَأْمَنٍ","vol":"1","page":1132},{"text":"مُسْلِمٍ أَوْ مِمَّنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ دَارِهِمْ أَوْ مِنْ حَرْبِيٍّ، فَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمَغْصُوبَ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ.\nلِأَنَّ مَالَهُ لَيْسَ بِغَرَضِ التَّمَلُّكِ بِالْقَهْرِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَالْمَغْصُوبُ مِنْ الْحَرْبِيِّ فَيْءٌ، وَالْمَغْصُوبُ مِنْ الَّذِي أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي قِيَاسِ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - يَكُونُ فَيْئًا؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ إسْلَامَهُ يُوجِبُ الْعِصْمَةَ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي الْآثَامِ دُونَ الْأَحْكَامِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَتَلَهُ قَاتِلٌ لَمْ تَلْزَمْهُ إلَّا كَفَّارَةٌ إذَا كَانَ خَطَأً، وَلَوْ أَتْلَفَ مَالَهُ إنْسَانٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا، وَكَذَلِكَ فِي الْمُعَامَلَةِ بِالرِّبَا أَوْ غَيْرِهِ يَتَبَيَّنُ هَذَا الْحُكْمُ.\nوَكَذَلِكَ لَوْ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الدَّارِ فَإِنَّ عَقَارَهُ يَكُونُ فَيْئًا، وَمَا لَيْسَ فِي يَدِهِ مِنْ الْمَنْقُولِ وَلَا فِي يَدٍ مُحْتَرَمَةٍ قَائِمَةٍ مَقَامَ يَدِهِ فَهُوَ فَيْءٌ أَيْضًا فِي الْقَضَاءِ، وَإِنَّمَا لَا يَكُونُ فَيْئًا مَا يَكُونُ فِي يَدِهِ مِنْ الْمَنْقُولِ، أَوْ فِي يَدِ مُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهَدٍ قَدْ أَوْدَعَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ سَبَقَ إحْرَازُهُ بِاعْتِبَارِ مِلْكِ الْيَدِ، فَأَمَّا مَا يَكُونُ فِي يَدِ غَاصِبٍ غَصَبَهُ مِنْهُ فَهُوَ فَيْءٌ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْغَاصِبُ مُسْلِمًا، أَوْ مُعَاهَدًا؛ لِأَنَّ يَدَ الْغَاصِبِ لَا تَكُونُ كَيَدِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ فِي حُكْمِ الْإِحْرَازِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ الْحُكْمُ فِيمَا غَصَبَهُ مِنْهُ مُسْلِمٌ أَوْ مُعَاهَدٌ فَكَذَلِكَ فِيمَا غَصَبَهُ مِنْهُ الَّذِينَ لَقُوهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، إلَّا أَنْ يَكُونُوا غَصَبُوا ذَلِكَ مِنْهُ بَعْدَ مَا صَارَ فِي مَنَعَتِهِمْ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مَرْدُودًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُحْرِزًا لِذَلِكَ الْمَالِ بِمَنَعَتِهِمْ، فَكَانَتْ يَدُهُ إلَيْهِ","vol":"1","page":1133},{"text":"أَسْبَقَ مِنْ يَدِ غَيْرِهِ، بِمَنْزِلَةِ مَالٍ فِي يَدِهِ حِينَ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الدَّارِ، ثُمَّ أَخَذَهُ مِنْهُ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ فَهَذَا مِثْلُهُ.\nوَفِقْهُهُ فِي هَذَا كُلِّهِ أَنَّ الْعِصْمَةَ الْمُقَوَّمَةَ إنَّمَا تَثْبُتُ بِالْإِحْرَازِ بِالْيَدِ لَا بِالدَّيْنِ وَتَمَامُ الْإِحْرَازِ بِالْيَدِ إنَّمَا يَكُونُ بِمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ بِدَارِهِمْ، وَبِدُونِ هَذِهِ الْعِصْمَةِ لَا يَخْرُجُ الْمَالُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلِاغْتِنَامِ.\nوَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - ﵀ - فَحَالُ الَّذِي أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَحَالِ الْمُسْتَأْمَنِ فِيهِمْ فِي ظُهُورِ حُكْمِ الْعِصْمَةِ فِي مَالِهِ، وَلِهَذَا لَا تَجُوزُ مُعَامَلَةُ مَنْ عَامَلَ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِ الرِّبَا، وَفِيمَا يَغْصِبُهُ الَّذِينَ خَرَجُوا فِي الْعِلَافَةِ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِينَ لَا يَثْبُتُ حَقُّ أَهْلِ الْعَسْكَرِ، بَلْ يَجِبُ رَدُّهُ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ فِيمَا يَغْصِبُونَهُ مِنْ الَّذِي أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ.\nوَكَذَلِكَ أَيْضًا إذَا ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الدَّارِ فَمَا فِي يَدِهِ مِنْ الْمَنْقُولِ، أَوْ مَا غَصَبَهُ مِنْهُ مُسْلِمٌ أَوْ مُعَاهَدٌ، فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ، إلَّا مَا غَصَبَهُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَإِنَّ هَذَا يَكُونُ فَيْئًا.\nلِأَنَّهُمْ قَدْ تَمَلَّكُوهُ عَلَيْهِ بِالِاسْتِيلَاءِ، حَتَّى لَوْ أَسْلَمُوا كَانَ ذَلِكَ سَالِمًا لَهُمْ، فَأَمَّا مَا أَوْدَعَهُ مُسْلِمًا أَوْ مُعَاهَدًا أَوْ حَرْبِيًّا فَإِنَّهُ لَمْ يَتَمَلَّكْ عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ كَانَ مَرْدُودًا عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ إذَا ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الدَّارِ.\nوَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ خَرَجَ وَتَرَكَ أَمْوَالَهُ فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ أَهْلُ الْحَرْبِ حَتَّى ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الدَّارِ فَلِلْمُسْلِمِ جَمِيعُ مَالِهِ، فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - ﵀ - بِخِلَافِ مَا إذَا خَرَجَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ ثُمَّ أَسْلَمَ ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَالِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ فَيْئًا.","vol":"1","page":1134},{"text":"لِأَنَّهُ لَمْ يُحْرِزْ مَالَهُ بِإِسْلَامِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ أَسْلَمَ وَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى مَالِهِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ الْإِحْرَازُ بِدُونِ الْوِلَايَةِ وَالتَّمَكُّنِ مِنْ الْمَالِ، وَفِي الْأَوَّلِ صَارَ مُحْرِزَ الْمَالِ بِإِسْلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ تَحْتَ وِلَايَتِهِ حِينَ أَسْلَمَ، وَكَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ حِينَ أَسْلَمَ فِي دَارِنَا فَأَوْلَادُهُ الصِّغَارُ الَّذِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يُحْكَمُ لَهُمْ بِالْإِسْلَامِ تَبَعًا لَهُ، حَتَّى إذَا ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ كَانُوا فَيْئًا، وَلَكِنْ يُجْبَرُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُمْ بَعْدَمَا حَصَلُوا فِي دَارِنَا لَزِمَهُمْ حُكْمُ الْإِسْلَامِ تَبَعًا لِلْأَبِ.\n٢٠٨٧ - وَلَوْ كَانَ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَانَ أَوْلَادُهُ الصِّغَارُ مُسْلِمِينَ بِإِسْلَامِهِ، حَتَّى إذَا وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمْ كَانُوا أَحْرَارًا لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ.\nوَبِأَنْ لَمْ يَجِبْ الضَّمَانُ عَلَى مَنْ أَتْلَفَ مَا لَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُحْرِزًا لَهُ بِإِسْلَامِهِ كَرَقَبَتِهِ، فَإِنَّ مَنْ قَتَلَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً لَمْ يَلْزَمْهُ قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ، وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ مُحْرِزًا رَقَبَتَهُ بِإِسْلَامِهِ. حَتَّى لَا يَمْلِكَ بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ.\nوَكَذَلِكَ أَمْوَالُ أَهْلِ الْبَغْيِ وَرِقَابُهُمْ لَا يَمْلِكُهَا أَهْلُ الْعَدْلِ بِالِاسْتِيلَاءِ، وَإِنْ كَانُوا لَا يَضْمَنُونَ أَوْ أَتْلَفُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَاَلَّذِي مَكَثَ فِي دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ إسْلَامِهِ لَا يَكُونُ أَعْظَمَ جُرْمًا مِنْ الْخَوَارِجِ وَأَهْلِ الْبَغْيِ.\nوَأَيَّدَ جَمِيعَ مَا قُلْنَا قَوْلُهُ - ﷺ -: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ اتَّبَعَهُ مَالُهُ فَهُوَ لَهُ» وَالْمُرَادُ بِمَالِهِ هَا هُنَا عَبْدُهُ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُحْرِزًا لَهُ بِإِسْلَامِهِ لَكَانَ عَبْدُهُ حُرًّا إذَا خَرَجَ بَعْدَهُ، كَمَا يَكُونُ حُرًّا","vol":"1","page":1135},{"text":"إذَا خَرَجَ قَبْلَ إسْلَامِهِ مُسْلِمًا مُرَاغَمًا لَهُ. وَالْحَرْفُ الَّذِي ذَكَرْنَا لِأَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - يُجِيبُ عَنْ كَلَامِ مُحَمَّدٍ - ﵀ - فَإِنَّ دَفْعَ التَّمَلُّكِ فِي الْأَمْوَالِ يَكُونُ بِالْإِحْرَازِ الْمُقَوِّمِ لِلْمَالِ، وَذَلِكَ يَكُونُ بِالدَّارِ لَا بِالدَّيْنِ، بِخِلَافِ النُّفُوسِ، فَإِنَّهَا فِي الْأَصْلِ لَيْسَتْ بِعُرْضَةِ التَّمَلُّكِ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ عُرْضَةً لِلتَّمَلُّكِ جَزَاءً عَلَى الْجَرِيمَةِ، وَبِالْإِسْلَامِ تَنْعَدِمُ تِلْكَ الْجَرِيمَةُ، وَلَوْ كَانَ هَذَا مُحْرِزًا لِمَالِهِ بِإِسْلَامِهِ لَكَانَ الْمُتْلِفُ لَهُ ضَامِنًا بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنِ فِي دَارِ الْحَرْبِ إذَا اسْتَهْلَكَ إنْسَانٌ مَالَهُ.\nوَمُحَمَّدٌ - ﵀ - فَرَّقَ بَيْنَ الْمُسْتَأْمَنِ وَبَيْنَ الَّذِي أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي اسْتِهْلَاكِ الْمَالِ، كَمَا فَرَّقَ الْكُلُّ بَيْنَهُمَا فِي قَتْلِ النَّفْسِ، فَإِنَّ قَتْلَ الْمُسْتَأْمَنِ فِي دَارِ الْحَرْبِ يُوجِبُ الدِّيَةَ فِي مَالِهِ عَمْدًا قَتَلَهُ أَوْ خَطَأً؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَعْقِلُ مَا كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَالْقَوَدُ لَا يَجِبُ بِاعْتِبَارِ سَبَبٍ كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، لِتَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ فِيهِ.\nوَهَذَا؛ لِأَنَّ تَقَوُّمَ الدَّمِ وَالْمَالِ يَكُونُ بِالْإِحْرَازِ بِالدَّارِ فَإِنَّ الدَّيْنَ دَافِعٌ فِي حَقِّ مَنْ يَعْتَقِدُ لَا فِي حَقِّ مَنْ لَا يَعْتَقِدُ، وَمَنَعَةُ الدَّارِ دَافِعَةٌ فِي حَقِّ مَنْ يَعْتَقِدُ وَمَنْ لَا يَعْتَقِدُ. وَبِدُخُولِ الْمُسْلِمِ إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ لَا يَسْقُطُ سَبَبُ إحْرَازِهِ نَفْسَهُ وَمَالَهُ بِالدَّارِ، وَاَلَّذِي أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ إحْرَازُ النَّفْسِ وَالْمَالِ بِالدَّارِ، فَبِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَعْنَى يَقَعُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي حُكْمِ الضَّمَانِ عِنْدَ الِاسْتِهْلَاكِ وَعَلَى هَذَا قَالَ:\n٢٠٨٨ - لَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ أَغَارَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَأَخَذَ مَالًا مِنْ مَالِ الَّذِي أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ إنَّ الْمُسْلِمَ الْمَأْخُوذَ","vol":"1","page":1136},{"text":"مَالُهُ لَحِقَ بِالْمُسْلِمِينَ فَذَلِكَ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ.\nلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنِ فِي أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا يَمْلِكُونَ مَالَهُ بِالِاسْتِيلَاءِ، وَيُمْنَعُونَ مِنْ اسْتِهْلَاكِ ذَلِكَ الْمَالِ أَشَدَّ الْمَنْعِ، إلَى أَنْ يَأْتِيَ صَاحِبُهُ فَيَأْخُذَهُ.\n٢٠٨٩ - وَلَوْ جَاءَ صَاحِبُهُ إلَى عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ اسْتَهْلَكَ إنْسَانٌ ذَلِكَ الْمَالَ كَانَ ضَامِنًا لَهُ.\nلِأَنَّ صَاحِبَهُ لَمَّا صَارَ فِي مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ تَقَوَّمَتْ نَفْسُهُ، حَتَّى لَوْ قَتَلَهُ قَاتِلٌ، فَإِنَّهُ يَغْرَمُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَغْرَمُ لَوْ قَتَلَ غَيْرَهُ مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ فَكَذَلِكَ يَغْرَمُ مَالَهُ بِالِاسْتِهْلَاكِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ لُحُوقِ الْمُسْلِمِ بِالْعَسْكَرِ فَإِنَّهُ لَوْ قَتَلَهُ قَاتِلٌ لَا يَغْرَمُ شَيْئًا فَكَذَلِكَ إذَا اسْتَهْلَكَ الْمَالَ لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - ﵀ - يَقُولُ: الْمَالُ صَارَ مُحْرَزًا بِمَنْعِهِ قَبْلَ خُرُوجِهِ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الْإِحْرَازُ لَهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَضْمَنَ مُتْلِفُهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَحْرَزَ نَفْسَهُ بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَهُوَ إحْرَازٌ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمَالُ فَيْئًا لَهُمْ، وَالْقِيَاسُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ - ﵀ - إلَّا أَنَّ مُحَمَّدًا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اسْتَحْسَنَ الْقَوْلَ بِأَنَّ مَالَ الْمُسْلِمِ لَا يَكُونُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ أَبَدًا وَإِلَيْهِ أَشَارَ فَقَالَ: ٢٠٩٠ - قَدْ كَانَ هُوَ مَأْمُورًا بِأَدَاءِ الزَّكَاةِ عَنْ مَالِهِ بَعْدَ إسْلَامِهِ، إذَا اسْتَجْمَعَ شَرَائِطَهُ، وَيَرِثُهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ وَرَثَتِهِ إذَا مَاتَ، فَكَيْفَ يَجْتَمِعُ حُكْمُ الزَّكَاةِ وَالتَّوْرِيثِ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ الْوَرَثَةِ وَحُكْمُ الِاغْتِنَامِ فِي مَالٍ وَاحِدٍ.","vol":"1","page":1137},{"text":"وَلَوْ أَنَّ رَسُولًا لِإِمَامِ الْمُسْلِمِينَ دَخَلَ إلَيْهِمْ فَأَخَذَ مَتَاعًا مِنْ مَتَاعِهِمْ غَصْبًا، أَوْ رَقِيقًا وَأَخْرَجَهُ إلَى عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَخَذَهُ الْأَمِيرُ وَرَدَّهُ عَلَى أَهْلِهِ.\nلِأَنَّ الرَّسُولَ فِيهِمْ كَالْمُسْتَأْمَنِ وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْحُكْمَ فِي الْمُسْتَأْمَنِ إذَا أَحْرَزَهُ بِمَنَعَةِ الْجَيْشِ فَكَذَلِكَ الرَّسُولُ.\n٢٠٩٢ - فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْأَمِيرُ بِذَلِكَ حَتَّى قَسَّمَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ مَعَ الْغَنَائِمِ ثُمَّ عَلِمَ بِهِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ وَيَرُدُّهُ.\nلِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ كَانَ الرَّدُّ مُسْتَحَقًّا فِيهِ وَهُوَ غَدْرُ الْأَمَانِ لَا يَنْعَدِمُ بِقِسْمَتِهِ.\n٢٠٩٣ - فَإِنْ كَانَ أَعْتَقَهُ الَّذِي وَقَعَ فِي سَهْمِهِ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَخْرَجَهُ حُرًّا مِنْ أَحْرَارِهِمْ فَعِتْقُهُ بَاطِلٌ، وَيُقَالُ لِلْمُعْتَقِ: الْحَقُّ حَيْثُ شِئْت.\nلِأَنَّ بِاعْتِبَارِ غَدْرِ الْأَمَانِ الَّذِي كَانَ مِنْهُ يُمْنَعُ ثُبُوتُ الْمِلْكِ فِي رَقَبَتِهِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ بِحَالِهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ كَانَ حُرًّا آمِنًا يُخَلَّى سَبِيلُهُ حَتَّى يَعُودَ إلَى بِلَادِهِ، فَكَذَلِكَ إذَا عُلِمَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَوْ بَعْدَ الْإِعْتَاقِ، كَانَ بَاطِلًا فِيمَا لَمْ يَصِرْ مَمْلُوكًا.","vol":"1","page":1138},{"text":"٢٠٩٤ - وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِ الْمُشْرِكِينَ فَالْعِتْقُ نَافِذٌ مِنْ الَّذِي وَقَعَ فِي سَهْمِهِ.\nلِأَنَّ الْإِمَامَ مَلَكَهُ بِالْقِسْمَةِ، وَلَهُ هَذِهِ الْوِلَايَةُ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَالِمًا بِحَالِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يُمَلِّكَهُ غَيْرَهُ بِالْبَيْعِ، وَيَبْعَثَ ثَمَنَهُ إلَى مَوْلَاهُ، فَكَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ بِحَالِهِ إذْ مَلَكُهُ بِالْبَيْعِ أَوْ بِالْقِسْمَةِ غَيْرُهُ يَكُونُ ذَلِكَ تَمْلِيكًا صَحِيحًا وَيَنْفُذُ الْعِتْقُ مِنْ الْمِلْكِ فِيهِ لِمُصَادَفَتِهِ مِلْكَهُ، ثُمَّ يَبْعَثُ بِقِيمَتِهِ إلَى مَوْلَاهُ لِمُرَاعَاةِ أَمَانِهِ.\n٢٠٩٥ - فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ وَقَبَضَ مَوْلَاهُ الْقِيمَةَ لَمْ يُتْرَكْ الْمُعْتَقُ يَرْجِعُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ.\nلِأَنَّ مِلْكَ الْمُسَلِّمِ قَدْ تَقَرَّرَ فِيهِ حِينَ انْتَهَى بِالْعِتْقِ، وَقَدْ وَصَلَ عِوَضُهُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَارْتَفَعَ بِهِ حُكْمُ غَدْرِ الْأَمَانِ حَسْبَمَا يَرْتَفِعُ بِرَدِّهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ.\n٢٠٩٦ - فَإِنْ أَبَى مَوْلَاهُ أَنْ يَأْخُذَ قِيمَتَهُ قِيلَ لِلْمُعْتَقِ إنْ شِئْت فَأَقِمْ وَإِنْ شِئْت فَالْحَقْ بِأَرْضِ الْحَرْبِ.\nلِأَنَّ رَدَّهُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ كَانَ مُسْتَحَقًّا لِأَجْلِ ذَلِكَ الْأَمَانِ، وَلَمْ يَبْطُلْ ذَلِكَ الِاسْتِحْقَاقُ بِعِوَضٍ قَائِمٍ مَقَامَهُ، إلَّا أَنَّهُ صَارَ حُرًّا بِإِعْتَاقِ الْمُسَلِّمِ إيَّاهُ كَمَا بَيَّنَّا، فَيَكُونُ الرَّأْيُ إلَيْهِ فِي الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ.","vol":"1","page":1139},{"text":"أَلَا تَرَى أَنَّ قَبْلَ الْعِتْقِ إذَا أَبَى مَوْلَاهُ أَنْ يَأْخُذَ الْقِيمَةَ فَإِنَّ الْأَمِيرَ يَنْقُضُ فِيهِ الْقِسْمَةَ وَالْبَيْعَ وَيَرُدُّهُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْإِعْتَاقِ يَكُونُ الرَّأْيُ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ.\n٢٠٩٧ - وَلَوْ كَانَ الرَّسُولُ لَمْ يُحْرِزْهُ بِمَنْعِهِ الْجَيْشَ وَلَكِنَّهُ أَدْخَلَهُ دَارَ الْإِسْلَامِ فَهُوَ لَهُ، وَيُفْتَى بِرَدِّهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ.\nلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنِ إلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا أَخْفَرَ بِذِمَّتِهِ خَاصَّةً.\n٢٠٩٨ - فَإِنْ لَمْ يَرُدَّهُ وَلَكِنْ بَاعَهُ كَانَ بَيْعُهُ جَائِزًا مَكْرُوهًا سَوَاءٌ كَانَ الَّذِي أَخْرَجَهُ حُرًّا مِنْهُمْ أَوْ مَمْلُوكًا ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى.\nلِأَنَّهُ تَمَّ إحْرَازُهُ لَهُ، وَهُوَ مَحَلٌّ لِلتَّمَلُّكِ، فَيَصِيرُ مَمْلُوكًا لَهُ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، فَهُنَاكَ وِلَايَةُ الْأَمِيرِ فِي رَدِّهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ ثَابِتَةٌ، فَكَذَلِكَ يُمْنَعُ تَمَامُ الْإِحْرَازِ فِيهِ.\n٢٠٩٩ - فَإِنْ أَعْتَقَهُ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَوْ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْهُ نَفَذَ عِتْقُهُ لِمُصَادَفَتِهِ مِلْكَهُ، وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ إنْ شَاءَ.\nلِأَنَّ رَدَّهُ كَانَ مُسْتَحَقًّا شَرْعًا، وَلِهَذَا كَانَ هُوَ مَأْمُورًا بِرَدِّهِ قَبْلَ الْإِعْتَاقِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُجْبَرًا عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ فَإِذَا صَارَ الْمُعْتَقُ مَالِكًا أَمَرَ نَفْسَهُ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ.","vol":"1","page":1140},{"text":"٢١٠٠ - وَلَوْ كَانَ دَبَّرَهُ أَوْ كَاتَبَهُ أَوْ كَانَتْ أَمَةً فَاسْتَوْلَدَهَا فَأَرَادَتْ أَنْ تَرْجِعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَمْنَعْهَا الْمُسْلِمُونَ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ مَنَعَهَا مَوْلَاهَا لَمْ يَحِلَّ الْمُسْلِمُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ.\nلِأَنَّ مِلْكَهُ قَائِمٌ بَعْدَ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْإِعْتَاقِ، فَهُنَاكَ لَمْ يَبْقَ لَهُ عَلَيْهَا مِلْكٌ، فَيَكُونُ هُوَ ظَالِمًا فِي مَنْعِهَا وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَمْنَعُوهُ مِنْ الظُّلْمِ.\n٢١٠١ - وَإِنْ أَرَادَتْ أَنْ تَذْهَبَ بِوَلَدِهَا لَمْ تُتْرَكْ.\nوَذَلِكَ؛ لِأَنَّ وَلَدَهَا مُسْلِمٌ عَلَى دِينِ أَبِيهِ.\n٢١٠٢ - وَصَارَ حَاصِلُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ وَصَلَ الْعِوَضُ إلَى الْمَوْلَى فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ لَا يَبْقَى لِلْمُعَوَّضِ حَقُّ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ بِحَالٍ، وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَمْ يَصِلْ عِوَضُهُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُتَمَكِّنًا مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ إلَّا أَنَّ مَالِكَهُ إذَا مَنَعَهُ فَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ هُوَ مُجْبَرٌ عَلَى رَدِّهِ فِي الْحُكْمِ لَا يَلْتَفِتُ إلَى مَنْعِهِ، وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَا يُجْبَرُ عَلَى رَدِّهِ فِي الْحُكْمِ فَإِنَّهُ لَا يَعْرِضُ لَهُ فِيمَا يَحْدُثُ مِنْ الْمَنْعِ إبْقَاءٌ لِمِلْكِهِ، فَأَمَّا بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِهِ فَلَا حَقَّ لَهُ فِي الْمَنْعِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ كَغَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ","vol":"1","page":1141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>[بَابُ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ]</span>\n١١٥ - بَابُ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ ٢١٠٣ - وَإِذَا قَسَّمَ الْأَمِيرُ غَنِيمَةً فَبَقِيَ مِنْهَا شَيْءٌ يَسِيرٌ، لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يُقَسَّمَ لِكَثْرَةِ الْجُنْدِ وَقِلَّةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَتَصَدَّقُ بِذَلِكَ عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَلَا يَجْعَلُهُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ أَشَارَ قَبْلَ هَذَا فِي تَعْلِيلِ بَعْضِ الْمَسَائِلِ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْجَوَابُ لِاخْتِلَافِ الْمَوْضُوعِ، فَمَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ هُنَاكَ فِيمَا إذَا لَمْ يَأْخُذْ الْخُمُسَ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ أَصْلًا، حَتَّى لَمْ يَكُنْ دَاخِلًا تَحْتَ الْقِسْمَةِ.\nوَمَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ هَهُنَا فِيمَا إذَا أَخَذَ الْخُمُسَ مِنْ جَمِيعِ الْغَنِيمَةِ أَوَّلًا، ثُمَّ بَقِيَ شَيْءٌ يَسِيرٌ مِمَّا هُوَ نَصِيبُ الْجُنْدِ، وَهَذَا قَدْ دَخَلَ تَحْتَ الْقِسْمَةِ وَصَارَ حَقًّا لِلْجُنْدِ خَاصَّةً، فَإِذَا تَعَذَّرَ إيصَالُهُ إلَيْهِمْ كَانَ بِمَنْزِلَةِ اللُّقَطَةِ فِي يَدِ الْإِمَامِ فَسَبِيلُهُ التَّصَدُّقُ بِهِ إلَّا أَنَّ فِي اللُّقَطَةِ يُعَرِّفُهَا سَنَةً؛ لِأَنَّهُ عَلَى رَجَاءٍ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ صَاحِبُهَا فَيَتَمَكَّنُ مِنْ رَدِّهَا عَلَيْهِ، وَلَا يَرْجُو مِثْلَ ذَلِكَ هَا هُنَا، فَلَا مَعْنَى لِتَأْخِيرِ التَّصَدُّقِ بِهِ أَوْ الِاشْتِغَالِ بِتَعْرِيفِهِ، فَلِهَذَا يَتَصَدَّقُ بِهِ فِي الْحَالِ.\n٢١٠٤ - وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا أَتَوْا صَاحِبَ الْمَقَاسِمِ وَقَالُوا: إنَّ مَنَازِلَنَا بَعِيدَةٌ، وَلَسْنَا نَقْدِرُ عَلَى الْمُقَامِ إلَى أَنْ تَقْسِمَ فَأَعْطِنَا حِصَصَنَا مِنْ الْغَنِيمَةِ عَلَى الْحَزْرِ وَالظَّنِّ، وَأَنْتَ فِي حِلٍّ، فَأَعْطَاهُمْ وَذَهَبُوا،","vol":"1","page":1142},{"text":"ثُمَّ تَبَيَّنَ بِالْقِسْمَةِ أَنَّ حِصَّةَ الْقَوْمِ كَانَتْ بِأَكْثَرَ مِمَّا أَخَذُوا، فَإِنَّ مَا تَبَقَّى مِنْ فَضْلِ نَصِيبِهِمْ فِي يَدِ صَاحِبِ الْمَقَاسِمِ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ اللُّقَطَةِ، فَإِمَّا أَنْ يَتْرُكَهَا الْإِمَامُ فِي يَدِهِ أَوْ يَأْخُذَهَا فَيُعَرِّفَهَا حَوْلًا، وَيُخْبِرَ بِذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ، لَعَلَّ ذَلِكَ يَنْتَهِي إلَى أَهْلِهَا؛ لِأَنَّ هَذَا الْفَضْلَ مَعْلُومٌ أَنَّهُ حَقُّ الَّذِينَ غَابُوا وَيُرْجَى حُضُورُهُمْ إذَا انْتَهَى الْخَبَرُ إلَيْهِمْ.\n٢١٠٥ - فَيَكُونُ حُكْمُهُ كَحُكْمِ اللُّقَطَةِ فِي التَّعْرِيفِ ثُمَّ التَّصَدُّقُ بِهِ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ التَّعْرِيفِ، وَالرَّأْيُ فِي ذَلِكَ إلَى الْأَمِيرِ، لَا إلَى صَاحِبِ الْمَقَاسِمِ.\nلِأَنَّ الْأَمِيرَ إنَّمَا وَلَّاهُ الْقِسْمَةَ فَقَطْ، وَقَدْ انْتَهَتْ وِلَايَتُهُ بِإِتْمَامِ الْقِسْمَةِ فَيَكُونُ هُوَ كَغَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ فِيمَا يَجْعَلُهُ الْأَمِيرُ فِي يَدِهِ مِنْ نَصِيبِ بَعْضِ الْغَانِمِينَ، لَا يَتَصَدَّقُ بِهِ.\n٢١٠٦ - إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ الْأَمِيرُ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ تَصَدَّقَ بِهِ بِغَيْرِ إذْنِ الْأَمِيرِ كَانَ لِلْأَمِيرِ أَنْ يُضَمِّنَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَى يَدِهِ مِنْ جِهَتِهِ، فَإِذَا بَاشَرَ فِيهِ فِعْلًا سِوَى مَا أَمَرَهُ بِهِ كَانَ خَائِنًا ضَامِنًا فِي حَقِّ مَنْ أَعْطَاهُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمُودَعِ إذَا أَتْلَفَ الْمَالَ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْمُودِعِ أَنْ يُضَمِّنَهُ قَبْلَ أَنْ يَحْضُرَ صَاحِبُهُ، وَإِنْ أَخَذَ الْأَمِيرُ مِنْهُ ذَلِكَ وَتَصَدَّقَ بِهِ كَانَ جَائِزًا.","vol":"1","page":1143},{"text":"٢١٠٧ - فَإِذَا حَضَرَ أَصْحَابُهُ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ لَهُمْ أَنْ يُضَمِّنُوا الْأَمِيرَ مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ، وَلَا يَرْجِعُ بِهِ الْأَمِيرُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ.\nلِأَنَّ فِي ذَلِكَ كَحَالِ الْمُلْتَقِطِ إذَا تَصَدَّقَ بِاللُّقَطَةِ ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهَا فَإِنَّهُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْأَجْرِ وَالضَّمَانِ فَهَذَا مِثْلُهُ وَإِنَّمَا لَمْ يَرْجِعْ الْأَمِيرُ بِهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ تَصَدُّقَهُ بِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الْحُكْمِ، وَإِنَّمَا كَانَ عَلَى وَجْهِ تَصَدُّقِ الْمُلْتَقِطِ بِاللُّقَطَةِ.\n٢١٠٨ - وَلَوْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْحُكْمِ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِهِ أَبَدًا، وَلَكِنْ يَعْزِلُهُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى يَأْتِيَ صَاحِبُهُ فَيَأْخُذَهُ أَوْ يَبْقَى فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ أَبَدًا.\nفَعَرَفْنَا أَنَّهُ إنَّمَا تَمَكَّنَ مِنْ التَّصَدُّقِ بِهِ لَا عَلَى وَجْهِ الْحُكْمِ، وَفِيمَا يَفْعَلُهُ يَرْجِعُ لَا عَلَى وَجْهِ الْحُكْمِ لَا يَكُونُ عَامِلًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا لَحِقَهُ فِيهِ ضَمَانٌ لَا الْأَمِيرُ فِي بَيْتِ مَالِهِمْ.\n٢١٠٩ - فَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَسْتَقْرِضَهُ لِلْمَسَاكِينِ وَيَقْسِمَهُ بَيْنَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَهُوَ جَائِزٌ مِنْهُ.\nلِأَنَّهُ فِي هَذَا الِاسْتِقْرَاضِ نَاظِرٌ لِأَصْحَابِ هَذَا الْمَالِ وَلِلْمَسَاكِينِ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ لِلنَّظَرِ.","vol":"1","page":1144},{"text":"فَإِنْ جَاءَ لَهُ طَالِبٌ بَعْدَ هَذَا رَجَعَ فِيمَا فِي يَدِهِ مِنْ أَمْوَالِ الْمَسَاكِينِ، حَتَّى يَدْفَعَ ذَلِكَ إلَى طَالِبِهِ.\nلِأَنَّ تَصَرُّفَهُ نَفَذَ عَنْ وِلَايَةٍ، وَالْأَمِيرُ فِي هَذَا كَالْقَاضِي، إذَا وَصَلَتْ اللُّقَطَةُ إلَى يَدِهِ فَكَمَا أَنَّ تَصَدُّقَهُ هُنَاكَ لَا يَكُونُ عَلَى وَجْهِ الْحُكْمِ حَتَّى إذَا صَاحَبَهُ ضَمِنَهُ وَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ مِمَّا يَضْمَنُ عَلَى أَحَدٍ فَكَذَلِكَ حَالُ الْأَمِيرِ؛ لِأَنَّ الْخَلِيفَةَ هُوَ الَّذِي وَلَّاهُ فَهُوَ فِيمَا وَلَّاهُ الْخَلِيفَةُ كَالْقَاضِي، بِخِلَافِ صَاحِبِ الْمَقَاسِمِ فَإِنَّ مَا فَعَلَ لَيْسَ مِنْ الصَّدَقَةِ فِي شَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ مَا وَلَّاهُ لِأَخْذِ ذَلِكَ.\n٢١١١ - وَلَوْ أَنَّ جُنْدًا عَظِيمًا أَصَابُوا غَنَائِمَ يَسِيرَةً فَأَخْرَجُوهَا ثُمَّ تَفَرَّقُوا لِقِلَّةِ غَنَائِمِهِمْ وَبَقِيَ بَعْضُهُمْ فَإِنَّ الْأَمِيرَ يُعْطِي مَنْ بَقِيَ حِصَّتَهُ وَيَقِفُ حِصَّةَ الْبَاقِينَ سَنَةً؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ تَحْتَ الْغَنِيمَةِ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ اللُّقَطَةِ فِي يَدِهِ، وَالْحُكْمُ فِيهِ مِثْلُ مَا بَيَّنَّا فِيمَا سَبَقَ.\n٢١١٢ - وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُمْضِيَ فِيهِ مَا هُوَ الْحُكْمُ حَقِيقَةً، فَلْيَضَعْهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَوْقُوفًا وَيَكْتُبْ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وَلِمَنْ هُوَ، وَمَا قَضِيَّتُهُ، فَيَكُونُ فِي بَيْتِ الْمَالِ أَبَدًا إلَى أَنْ يَحْضُرَ طَالِبُهُ، وَكَذَلِكَ يَصْنَعُ بِاللُّقَطَةِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَصْنَعَ مَا هُوَ الْحُكْمُ فِيهِ حَقِيقَةً.","vol":"1","page":1145},{"text":"لِأَنَّ جَوَازَ التَّصَدُّقِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ بِاللُّقَطَةِ رُخْصَةٌ فَأَمَّا الْعَزِيمَةُ فَهُوَ الْكَفُّ عَنْ مَالِ الْغَيْرِ وَحِفْظُهُ عَلَيْهِ إلَى أَنْ يَأْتِيَ هُوَ أَوْ وَارِثُهُ فَيَأْخُذَهُ.\n٢١١٣ - وَإِنْ كَانَ شَيْئًا مِمَّا يَخَافُ عَلَيْهِ الْفَسَادَ بَاعَهُ، وَوَقَفَ ثَمَنَهُ.\nلِأَنَّ حِفْظَهُ لَا يَتَأَتَّى إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ، ثُمَّ هَذَا الْبَيْعُ يَكُونُ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الْحُكْمِ، حَتَّى إذَا حَضَرَ صَاحِبُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهُ بِخِلَافِ التَّصَدُّقِ بِهِ، فَإِنَّ بَيْعَهُ تَقْرِيرٌ لِمَا هُوَ الْحُكْمُ فِيهِ، وَهُوَ حِفْظُ الْمَالِيَّةِ عَلَى صَاحِبِهِ، بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، فَإِنَّ التَّصَدُّقَ بِهِ لَا يَكُونُ تَقْرِيرًا لِحِفْظِ الْمَالِيَّةِ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ إيصَالٌ لِثَوَابِهِ إلَيْهِ إنْ رَضِيَ بِهِ، فَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وَاقِعًا مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الْحُكْمِ.\n٢١١٤ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا غَلَّ شَيْئًا مِنْ الْغَنَائِمِ ثُمَّ نَدِمَ، فَأَتَى بِهِ الْإِمَامُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَتَفَرَّقَ الْجَيْشُ، فَلِلْإِمَامِ فِي ذَلِكَ رَأْيٌ إنْ شَاءَ كَذَّبَهُ فِيمَا قَالَ، وَقَالَ: أَنَا لَا أَعْرِفُ صِدْقَك، وَقَدْ الْتَزَمْت وَبَالًا بِزَعْمِك، وَأَنْتَ أَبْصَرُ فِيمَا الْتَزَمْته، حَتَّى تُوَصِّلَ الْحَقَّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْهُ وَجَعَلَ خُمُسَهُ لِمَنْ سَمَّى اللَّهَ تَعَالَى.\nلِأَنَّهُ وَجَدَ الْمَالَ فِي يَدِهِ، وَصَاحِبُ الْمَالِ مُصَدَّقٌ شَرْعًا فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ مِنْ حَالِ مَنْ فِي يَدِهِ، وَبِاعْتِبَارِ صِدْقِهِ خُمُسُهُ لِأَرْبَابِ الْخُمُسِ فَيَصْرِفُ إلَيْهِمْ وَالْبَاقِي","vol":"1","page":1146},{"text":"يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ اللُّقَطَةِ فِي يَدِهِ، إنْ طَمِعَ فِي أَنْ يَقْدِرَ عَلَى أَهْلِهِ فَالْحُكْمُ فِيهِ مَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ لَمْ يَطْمَعْ فِي ذَلِكَ قَسَمَهُ بَيْنَ الْمَسَاكِينِ إنْ أَحَبَّ، وَإِلَّا جَعَلَهُ مَوْقُوفًا فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ أَمْرَهُ وَشَأْنَهُ.\n٢١١٥ - وَلَوْ أَنَّ صَاحِبَ الْغُلُولِ لَمْ يَأْتِ بِهِ الْإِمَامُ، وَلَكِنَّهُ تَابَ مِنْ الْغُلُولِ، وَهُوَ فِي يَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَطْمَعْ فِي أَنْ يَقْدِرَ عَلَى أَهْلِهِ فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ، وَإِنْ طَمِعَ فِي ذَلِكَ فَالْحُكْمُ فِيهِ مَا هُوَ الْحُكْمُ فِي اللُّقَطَةِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا، وَدَفْعُهُ ذَلِكَ إلَى الْإِمَامِ أَحَبُّ إلَيَّ كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي اللُّقَطَةِ أَيْضًا، وَبَعْدَ مَا دَفَعَهُ إلَيْهِ فَالْإِمَامُ بِالْخِيَارِ فِي تَصْدِيقِهِ، إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَلَّا يَدَعَ الْخُمُسَ فِي يَدِهِ.\nلِأَنَّهُ قَدْ أَقَرَّ أَنَّ خُمُسَ مَا فِي يَدِهِ لِمَنْ سَمَّى اللَّهَ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ، وَإِقْرَارُهُ فِيمَا فِي يَدِهِ صَحِيحٌ فِي حَقِّهِ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْخُمُسَ مِنْهُ، وَيَصْرِفَهُ إلَى الْمَصَارِفِ، حَتَّى لَا يَكُونَ مُضَيِّعًا حَقَّ أَرْبَابِ الْخُمُسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":1147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>[بَابُ الْحُكْمِ فِي الْأُسَارَى عَبِيدِهِمْ وَأَحْرَارِهِمْ فِي أُمُورِهِمْ]</span>\n١١٦ - بَابُ الْحُكْمِ فِي الْأُسَارَى عَبِيدِهِمْ وَأَحْرَارِهِمْ فِي أُمُورِهِمْ ٢١١٦ - حُكْمُ الْأُسَارَى بَعْدَ الْأَخْذِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ حُكْمُ الْعَبِيدِ قَبْلَ الْإِحْرَازِ وَبَعْدَ الْإِحْرَازِ.\nلِأَنَّ الرِّقَّ قَدْ ثَبَتَ فِيهِمْ بِالْقَهْرِ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ الْمِلْكُ، فَإِنَّ الرِّقَّ عِبَارَةٌ عَنْ الضَّعْفِ، وَقَدْ كَانَ الضَّعْفُ مَوْجُودًا فِيهِمْ قَبْلَ الْأَخْذِ، بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمْ عُرْضَةٌ لِلتَّمَلُّكِ لَكِنَّهُ كَانَ لَا يَظْهَرُ ذَلِكَ لِلْقُوَّةِ الْمَوْجُودَةِ مِنْ طَرِيقِ الْحِسِّ بِاعْتِبَارِ الْمَنَعَةِ، وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ بِالْأَسْرِ، فَثَبَتَ الرِّقُّ فِيهِمْ.\n٢١١٧ - وَإِنْ تَوَقَّفَ ثُبُوتُ الْمِلْكِ عَلَى الْقِسْمَةِ أَوْ الْبَيْعِ حَتَّى وُجِدَ قَتِيلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَشَهِدَ مِنْهُمْ نَفَرٌ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ قَتَلَهُ بِالسَّيْفِ عَمْدًا فَإِنَّ شَهَادَتَهُمْ لَمْ تُقْبَلْ.\nلِأَنَّ الرَّقِيقَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ فَإِنَّهَا نَوْعُ وِلَايَةٍ وَالرِّقُّ يَعْدَمُ الْوِلَايَةَ.\n٢١١٨ - وَلَكِنْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ.\nلِأَنَّهُ أَسِيرٌ لَا أَمَانَ لَهُ، حَتَّى إذَا قَسَمَهُ أَوْ بَاعَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ الشُّهُودُ بِشَيْءٍ.","vol":"1","page":1148},{"text":"٢١١٩ - وَلَوْ شَهِدُوا عَلَى امْرَأَةٍ مِنْهُمْ بِذَلِكَ لَمْ يَقْبَلْهَا الْإِمَامُ؛ لِأَنَّهُ لَا شَهَادَةَ لَهُمْ عَلَيْهَا، فَيَكُونُ حَالُهَا بَعْدَ هَذِهِ الشَّهَادَةِ كَحَالِهَا قَبْلَهَا وَوَاضِحٌ هَذَا بِمَا نُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ وَاحِدًا مِنْ الْجُنْدِ لَوْ أَعْتَقَ مِنْهُمْ نَصِيبَهُ مِنْ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ أَوْ اسْتَوْلَدَهَا فَإِنَّ ذَلِكَ يَنْفُذُ مِنْهُ فِي الْقِيَاسِ، وَلَا يَنْفُذُ فِي الِاسْتِحْسَانِ، وَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ الرِّقُّ فِيهِمْ لَمْ يَكُنْ لِلْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ فِي نُفُوذِ الْعِتْقِ وَالِاسْتِيلَادِ لَهُمْ مَعْنًى.\n٢١٢٠ - وَلَوْ ظَهَرَ الْإِمَامُ عَلَى دَارِ أَهْلِ الْحَرْبِ فَصَيَّرَهَا دَارَ الْإِسْلَامِ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُخَمِّسَهَا وَيَقْسِمَهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ، وَبَيْنَ أَنْ يَمُنَّ عَلَى أَهْلِهَا، فَيَجْعَلَهُمْ ذِمَّةً يُؤَدُّونَ الْجِزْيَةَ عَنْ جَمَاعَتِهِمْ. وَالْخَرَاجَ عَنْ أَرَاضِيِهِمْ، كَمَا فَعَلَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -[بِالسَّوَادِ فَإِنْ لَمْ يَفْرُقْ لَهُ فِيهِمْ رَأْيٌ حَتَّى شَهِدَ بَعْضُهُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ قَتَلَ امْرَأَةً مِنْهُمْ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، ثُمَّ فَرَقَ لَهُ فِيهِمْ أَحَدُ الرَّأْيَيْنِ فَشَهَادَتُهُمْ الْأُولَى بَاطِلَةٌ.\nلِأَنَّهُمْ شَهِدُوا وَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْعَبِيدِ لِكَوْنِهِمْ مَقْهُورِينَ.\n٢١٢١ - وَإِنْ أَعَادُوا تِلْكَ الشَّهَادَةَ فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ قَدْ قَسَمَهُمْ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ أَيْضًا.\n؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ قَدْ تَعَيَّنَ فِيهِمْ بِالْقِسْمَةِ.","vol":"1","page":1149},{"text":"٢١٢٢ - وَإِنْ مَنَّ عَلَيْهِمْ قَبْلَ شَهَادَتِهِمْ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ فِيهِمْ حُكْمُ الْحُرِّيَّةِ بِالْمَنِّ عَلَيْهِمْ، فَقَدْ جَعَلَهُمْ أَحْرَارَ الْأَصْلِ، وَالْعَبْدُ إذَا شَهِدَ فِي حَالِ رِقِّهِ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ ثُمَّ أَعَادَهَا بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ وَجَبَ قَبُولُهَا، ثُمَّ يَغْرَمُ الْقَاتِلُ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ قِيمَةِ الْمَقْتُولَةِ فِي مَالِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ لِأَوْلِيَائِهَا عَلَى الْقَاتِلِ عَمْدًا كَانَ أَوْ خَطَأً، وَلَا قَوَدَ فِي ذَلِكَ لِبَقَاءِ شُبْهَةِ الْهَدْرِ فِي دَمِهَا حِينَ قَتَلَهَا، وَلِاشْتِبَاهِ الْمُسْتَحِقِّ لِلْقَوَدِ حِينَ قَتَلَهَا لِتَرَدُّدِ حَالِهَا.\nثُمَّ حَالُ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ عِنْدَ الْقَتْلِ كَحَالِ الْمُكَاتَبِ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَقِيقٌ مُتَرَدِّدُ الْحَالِ.\nبَيْنَ أَنْ يَتَقَرَّرَ الْمِلْكُ فِيهِ بِالْقِسْمَةِ أَوْ الْحُرِّيَّةِ بِالْمَنِّ فَيَكُونُ كَالْمُكَاتَبِ، وَالْمُكَاتِبُ إذَا قَتَلَ مُكَاتَبًا عَلَى وَجْهِ الْعَمْدِ لَا يَجِبُ فِيهِ الْقَوَدُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ فِيهِ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَةِ الْقَاتِلِ وَمِنْ قِيمَةِ الْمَقْتُولِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي كَسْبِ الْقَاتِلِ لِوَرَثَةِ الْمَقْتُولِ إذَا حَكَمَ بِحُرِّيَّتِهِ بِأَدَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.\nوَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ قَتَلَ حُرًّا مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَطَأً فَإِنْ قَسَمَهُمْ الْإِمَامُ دَفَعَ بِهِ وَإِنْ جَعَلَهُمْ ذِمَّةً غَرِمَ الْقَاتِلُ قِيمَتَهُ لِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْمُكَاتَبِ يَقْتُلُ حُرًّا خَطَأً.\n٢١٢٣ - وَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ رَجُلًا مِنْهُمْ فَلَا شَيْءَ عَلَى قَاتِلِهِ.\n؛ لِأَنَّ دَمَهُ حَلَالٌ وَمَنْ أَرَاقَ دَمًا حَلَالًا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الضَّمَانُ","vol":"1","page":1150},{"text":"وَلَوْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ قَوْمٌ قَبْلَ أَنْ يَفْرُقَ لَهُ فِيهِمْ رَأْيٌ فَشَهِدُوا شَهَادَةً لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمْ عَلَى أَحَدٍ.\nلِأَنَّ الرِّقَّ الَّذِي ثَبَتَ فِيهِمْ بِالْقَهْرِ لَا يَزُولُ بِالْإِسْلَامِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْسِمَهُمْ، فَحَالُهُمْ كَحَالِ مُكَاتَبٍ مُسْلِمٍ، شَهِدَ بِشَهَادَتِهِمْ، وَإِذَا رَدَّ الْإِمَامُ شَهَادَتَهُمْ ثُمَّ جَعَلَهُمْ فِي أَرَاضِيِهِمْ، يُؤَدُّونَ عَنْهَا الْخَرَاجَ فَذَلِكَ جَائِزٌ.\nلِأَنَّهُ كَانَ لَهُ فِيهِمْ هَذَا الرَّأْيُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا، فَبَعْدَ الْإِسْلَامِ أَوْلَى. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَضَعُ الْخَرَاجَ عَلَى أَرَاضِيِهِمْ وَالْمُسْلِمُ لَا يُبْتَدَأُ بِالْخَرَاجِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَسَمَهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ لَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِمْ الْخَرَاجَ فِي الْأَرَاضِي، وَلَكِنْ يَجْعَلُهَا أَرْضَ عُشْرٍ؛ لِأَنَّ أَهْلَهَا مُسْلِمُونَ.\nقُلْنَا: لِأَنَّهُ إذَا قَسَمَهَا فَقَدْ مَلَّكَهَا الْغَانِمِينَ ابْتِدَاءً، فَكَانَ هَذَا تَوْظِيفًا عَلَى الْمُسْلِمِ ابْتِدَاءً فِي أَرْضِهِ فَأَمَّا إذَا مَنَّ بِهَا عَلَى أَهْلِهَا فَقَدْ قَرَّرَ مِلْكَهُمْ فِيهَا عَلَى مَا كَانَ، وَقَدْ كَانَ ثَبَتَ بِهِ حَقُّ تَوْظِيفِ الْخَرَاجِ عَلَى هَذِهِ الْأَرَاضِي فِي مِلْكِ أَهْلِهَا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا، فَيَكُونَ هَذَا إبْقَاءً لِمَا ثَبَتَ مِنْ الْحَقِّ، وَإِبْقَاءُ الْخَرَاجِ فِي أَرْضِ الْمُسْلِمِ مُسْتَقِيمٌ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وَظَّفَ عَلَيْهِمْ الْخَرَاجَ ثُمَّ أَسْلَمُوا بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُمْ خَرَاجُ الرُّءُوسِ، وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُمْ خَرَاجُ الْأَرَاضِي، فَكَذَلِكَ هَذَا.\n٢١٢٥ - فَإِنْ أَعَادُوا تِلْكَ الشَّهَادَةَ قَبِلَهَا الْإِمَامُ.\nلِأَنَّ حُرِّيَّتَهُمْ قَدْ تَقَرَّرَتْ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَسَمَهُمْ، ثُمَّ أَعْتَقَهُمْ الْمَوَالِي فَأَعَادُوا تِلْكَ الشَّهَادَةَ.","vol":"1","page":1151},{"text":"فَإِنْ أَسْلَمَ بَعْضُهُمْ قَبْلَ أَنْ يَفْرُقَ لَهُ فِيهِمْ الرَّأْيُ وَفِيمَنْ أَسْلَمَ رَجُلٌ لَهُ أَبٌ مُسْلِمٌ، مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا، وَلَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُ صَاحِبِهِ، ثُمَّ رَأَى أَنْ يَجْعَلَهُمْ ذِمَّةً فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ غَيْرَ الْأَسِيرِ مِنْهُمَا لَمْ يَرِثْهُ الْأَسِيرُ وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ هُوَ الْأَسِيرُ مِنْهُمَا وَرِثَهُ الْمُسْلِمُ الْآخَرُ.\nلِأَنَّ الْأَسِيرَ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ لِتَرَدُّدِ حَالِهِ بَيْنَ الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ [وَالْمُكَاتَبُ] لَا يَرِثُ أَحَدًا وَيَرِثُهُ قَرِيبُهُ الْمُسْلِمُ إذَا حُكِمَ بِحُرِّيَّتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ بِمَنْزِلَةِ مُكَاتَبٍ يَمُوتُ عَنْ وَفَاءٍ فَيُؤَدِّي كِتَابَتَهُ وَيَحْكُمُ بِحُرِّيَّتِهِ.\n٢١٢٧ - وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْأُسَرَاءِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا مَاتَ، وَوَارِثُهُ أَسِيرٌ فِي الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا، فَرَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُ يَجْعَلُ مَالَ الْمَيِّتِ مِيرَاثًا لِوَارِثِهِ الْمُسْلِمِ.\nلِأَنَّهُ تَقَرَّرَ حُكْمُ الْحُرِّيَّةِ فِي الْوَارِثِ وَالْمَوْرُوثِ بِاعْتِبَارِ سَبَبٍ وَاحِدٍ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مُكَاتَبٍ يَمُوتُ، وَلَهُ وَلَدٌ مَوْلُودٌ فِي كِتَابَتِهِ، ثُمَّ يُؤَدِّي كِتَابَتَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ فَهُنَاكَ حِينَ مَاتَ الَّذِي هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ فَحُرِّيَّتُهُ حِينَ مَاتَ مُتَقَرِّرَةٌ، وَالْأَسِيرُ مُتَرَدِّدٌ فِي الْحَالِ فَلَا يُمْكِنُ تَوْرِيثُهُ عَنْهُ، وَإِنْ ظَهَرَتْ حُرِّيَّتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ.","vol":"1","page":1152},{"text":"لِأَنَّ حُكْمَ التَّوْرِيثِ فِي ذَلِكَ الْمَالِ يَتَقَرَّرُ بِنَفْسِ الْمَوْتِ، وَهَا هُنَا الْمَيِّتُ كَانَ مُتَرَدِّدَ الْحَالِ عِنْدَ الْمَوْتِ كَالْوَارِثِ، فَإِنَّمَا يَتَقَرَّرُ حُكْمُ الْحُرِّيَّةِ فِيهَا وَحُكْمُ الْإِرْثِ فِي الْمَالِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ.\nفَإِنْ قِيلَ: فِي الْمُكَاتَبِ الْحُرِّيَّةُ تَسْتَنِدُ إلَى حَالَةِ الْحَيَاةِ، أَوْ يُجْعَلُ هُوَ كَالْحَيِّ حُكْمًا، إلَى وَقْتِ أَدَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ، وَلَا يُمْكِنُ تَحَقُّقُ ذَلِكَ الْمَعْنَى هَا هُنَا، فَكَيْفَ يَجْرِي الْإِرْثُ بَيْنَهُمَا؟ قُلْنَا: ذَلِكَ الْمَعْنَى هَا هُنَا أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ هَا هُنَا إذَا جَعَلَهُمْ ذِمَّةً فَقَدْ قَرَّرَ فِيهِمْ حُرِّيَّةً كَانَتْ، وَهُنَاكَ عِنْدَ الْأَدَاءِ ثَبَتَتْ حُرِّيَّةٌ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً قَطُّ فِي الْمُكَاتَبِ، فَإِذَا صَحَّ أَنْ يُجْعَلَ حَيًّا حُكْمًا لِإِثْبَاتِ الْحُرِّيَّةِ فِيهِ ابْتِدَاءً لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ، فَلَأَنْ يَصِحَّ ذَلِكَ هَا هُنَا لِتَقْرِيرِ حُكْمِ الْحُرِّيَّةِ فِيهِ كَانَ أَوْلَى.\nوَكَذَلِكَ إنْ كَانَ لَهُ وَرَثَةٌ مُسْلِمُونَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا مَعَ هَذَا الْأَسِيرِ، فَالْمِيرَاثُ بَيْنَهُمْ بِالْحِصَصِ، بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ يَمُوتُ، وَلَهُ وَلَدٌ حُرٌّ وَوَلَدٌ مَوْلُودٌ فِي الْكِتَابَةِ.\n٢١٢٨ - وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا قَتَلَ رَجُلًا مِنْ الْأُسَرَاءِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا عَمْدًا أَوْ خَطَأً، ثُمَّ جَعَلَهُمْ الْإِمَامُ ذِمَّةً، فَإِنَّ الْقَاتِلَ يَغْرَمُ قِيمَتَهُ، إنْ كَانَ عَمْدًا، فَفِي مَالِهِ وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَعَلَى عَاقِلَتِهِ.\n؛ لِأَنَّ صِفَةَ الْحِلِّ فِي دَمِهِ قَدْ زَالَتْ بِإِسْلَامِهِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقَوَدُ عَلَى الْقَاتِلِ لِاشْتِبَاهِ الْمُسْتَحِقِّ فَإِنَّ الْإِمَامَ إنْ يَجْعَلُهُمْ ذِمَّةً كَانَ الْمُسْتَحِقُّ وَرَثَتَهُ، وَإِنْ بَدَا لَهُ الْقِسْمَةُ لَمْ يَكُنْ لِوَرَثَتِهِ حَقٌّ فِي اسْتِيفَاءِ الْقَوَدِ فَلِاشْتِبَاهِ الْمُسْتَحِقِّ لَا يَجِبُ الْقَوَدُ وَلَكِنْ تَجِبُ قِيمَتُهُ فِي مَالِهِ إنْ كَانَ عَمْدًا، وَعَلَى عَاقِلَتِهِ إنْ كَانَ خَطَأً.\nوَيَكُونُ ذَلِكَ مِيرَاثًا لِجَمِيعِ وَرَثَتِهِ؛ لِأَنَّ بَدَلَ نَفْسِهِ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ أَمْلَاكِهِ فِي التَّوْرِيثِ.","vol":"1","page":1153},{"text":"فَإِنْ مَاتَ بَعْضُ وَرَثَتِهِ الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ بَعْدَهُ وَمَاتَ بَعْضُ وَرَثَتِهِ مِنْ الْأُسَرَاءِ بَعْدَهُ، ثُمَّ جَعَلَهُمْ الْإِمَامُ ذِمَّةً فَإِنَّ مَا تَرَكَهُ الْأَسِيرُ الْأَوَّلُ يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ مِنْ الْأُسَرَاءِ، وَمِمَّنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا.\nلِأَنَّهُ كَانَ حَيًّا عِنْدَ مَوْتِهِ، وَبَعْدَ مَا حُكِمَ بِحُرِّيَّتِهِ يَسْتَنِدُ الْإِرْثُ إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ.\n٢١٣٠ - وَلَا يَرِثُ الْأَسِيرَ الَّذِي مَاتَ آخَرُ مِمَّنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا، وَلَا يَرِثُهُ أَيْضًا مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا.\nلِأَنَّ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا قَدْ مَاتَ قَبْلَهُ، فَكَيْفَ يَرِثُهُ؟ وَالْأَسِيرُ وَإِنْ كَانَ حَيًّا عِنْدَ مَوْتِهِ وَلَكِنَّهُ كَانَ مُتَرَدِّدَ الْحَالِ بَيْنَ الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ فَلَا يَرِثُ شَيْئًا مِمَّنْ هُوَ مُتَيَقَّنُ الْحُرِّيَّةِ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَهُوَ نَظِيرُ مُكَاتَبٍ مَاتَ عَنْ وَفَاءٍ، وَتَرَكَ ابْنًا حُرًّا وَابْنًا مَوْلُودًا فِي الْكِتَابَةِ، ثُمَّ مَاتَ ابْنُهُ الْحُرُّ عَنْ مَالٍ، ثُمَّ مَاتَ الْمَوْلُودُ فِي الْكِتَابَةِ عَنْ مَالٍ، ثُمَّ أُدِّيَتْ كِتَابَتُهُ، فَإِنَّ مَا بَقِيَ مِنْ كَسْبِ الْأَبِ يَرِثُهُ الِابْنَانِ جَمِيعًا، وَلَا يَرِثُ وَاحِدٌ مِنْ الِابْنَيْنِ مِنْ صَاحِبِهِ لِمَا بَيَّنَّا.\n٢١٣١ - وَلَوْ أَنَّ بَعْضَ الْأُسَرَاءِ كَاتَبَ عَبْدًا لَهُ أَوْ بَاعَهُ فَإِنَّ تَصَرُّفَهُ مَوْقُوفٌ.","vol":"1","page":1154},{"text":"لِأَنَّ مِلْكَهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَنْ يَسْلَمَ بِالْمَنِّ وَبَيْنَ أَنْ يَبْطُلَ بِالْقِسْمَةِ، فَيَتَوَقَّفَ تَصَرُّفُهُ لِتَوَقُّفِ مِلْكِهِ.\nفَإِنْ قِيلَ: لِمَاذَا لَمْ يُجْعَلْ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ فِي تَصَرُّفِهِ فِي كَسْبِهِ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ هُنَاكَ الْمَوْلَى جَعَلَهُ أَحَقَّ بِكَسْبِهِ وَأَطْلَقَ عَنْهُ الْحَجْرَ فِي التَّصَرُّفِ فِي كَسْبِهِ، وَهَا هُنَا الْحَجْرُ بِسَبَبِ الْقَهْرِ ثَابِتٌ فِي كَسْبِهِ كَمَا هُوَ ثَابِتٌ فِي نَفْسِهِ فَلِهَذَا يَتَوَقَّفُ تَصَرُّفُهُ فِي كَسْبِهِ، فَإِنْ جَعَلَهُمْ الْإِمَامُ ذِمَّةً نَفَذَ تَصَرُّفُهُ.\n٢١٣٢ - فَإِنْ كَانَ الْمُكَاتَبُ أَدَّى إلَيْهِ الْكِتَابَةَ ثُمَّ جَعَلَهُمْ ذِمَّةً فَإِنْ كَانَتْ الْمُكَاتَبَةُ فِي يَدِ الْمَوْلَى لَمْ يَسْتَهْلِكْهَا فَهُوَ حُرٌّ؛ لِأَنَّ حُكْمَ قَبْضِهِ كَانَ مَوْقُوفًا وَقَدْ نَفَذَ ذَلِكَ بِالْمَنِّ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ يُسَلَّمُ لَهُ الْمَقْبُوضُ فَيُجْعَلُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اسْتَوْفَاهُ مِنْهُ بَعْدَ الْمَنِّ، فَيُحْكَمُ بِعِتْقِهِ.\n٢١٣٣ - وَإِنْ كَانَ قَدْ اسْتَهْلَكَ الْمَقْبُوضَ لَمْ يُعْتَقْ الْمُكَاتَبُ إلَّا بِأَدَاءِ الْمَالِ مَرَّةً أُخْرَى؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ إنَّمَا نَفَذَتْ بَعْدَ الْمَنِّ، وَلَا بُدَّ مِنْ قَبْضِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ، بَعْدَ نُفُوذِ الْعَقْدِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا؛ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ، فَإِنَّ حُكْمَ التَّوَقُّفِ لَا يَبْقَى فِي الْمَقْبُوضِ بَعْدَ الِاسْتِهْلَاكِ؛ لِأَنَّهُ فَاتَ لَا إلَى بَدَلٍ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَى الْقَابِضِ، سَوَاءٌ قَسَمَهُمْ الْإِمَامُ أَوْ جَعَلَهُمْ ذِمَّةً.","vol":"1","page":1155},{"text":"٢١٣٤ - وَإِنْ كَانَ أَعْتَقَ الْعَبْدَ أَوْ دَبَّرَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ جَعَلَهُمْ الْإِمَامُ ذِمَّةً فَجَمِيعُ مَا صَنَعَ مِنْ ذَلِكَ بَاطِلٌ.\nلِأَنَّهُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ أَوْ دُونَهُ فِي حُكْمِ التَّصَرُّفِ، وَجِهَةُ الْبُطْلَانِ فِي هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ مِنْ الْمُكَاتَبِ مُتَعَيَّنٌ؛ لِأَنَّهَا تَعْتَمِدُ حَقِيقَةَ الْمِلْكِ، وَلَيْسَ لَهُ بِحَقِيقَةِ الْمِلْكِ فِيمَا فِي يَدِهِ، فَكَذَلِكَ مِنْ الْأَسِيرِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَالْكِتَابَةِ.\n٢١٣٥ - وَلَوْ ظَهَرَ الْإِمَامُ عَلَى دَارَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَلَمْ يَقْسِمْهُمْ وَلَمْ يَجْعَلْهُمْ ذِمَّةً حَتَّى مَاتَ بَعْضُهُمْ، وَتَرَكَ وَرَثَةً مِنْ أَهْلِ دَارِهِ وَوَرَثَةً مِنْ أَهْلِ الدَّارِ الْأُخْرَى، ثُمَّ جَعَلَهُمْ الْإِمَامُ ذِمَّةً، فَمِيرَاثُ الْمَيِّتِ لِوَرَثَتِهِ مِنْ أَهْلِ دَارِهِ خَاصَّةً.\n؛ لِأَنَّ أَهْلَ الدَّارَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَا يَتَوَارَثُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، لِانْقِطَاعِ الْوِلَايَةِ بِتَبَايُنِ الْمَنَعَةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَبْقَى إلَى أَنْ يَجْعَلَهُمْ الْإِمَامُ ذِمَّةً، أَوْ يَقْسِمَهُمْ.\n٢١٣٦ - وَإِنَّمَا حَالُهُمْ فِي هَذَا الْوَجْهِ كَحَالِ الْمُكَاتَبِينَ، هُمْ إخْوَةٌ وَمُكَاتَبَتُهُمْ وَاحِدَةٌ، وَلِبَعْضِهِمْ ابْنٌ مُكَاتَبَتُهُ عَلَى حِدَةٍ، فَمَاتَ الْأَبُ عَنْ مَالٍ ثُمَّ أَدَّى ابْنُهُ فَعَتَقَ ثُمَّ أُدِّيَتْ مُكَاتَبَةُ الْمَيِّتِ، فَإِنَّ إخْوَتَهُ يَرِثُونَهُ دُونَ ابْنِهِ.\nلِأَنَّ الِابْنَ كَانَ مُكَاتَبًا عَلَى حِدَةٍ، فَلَا تَسْتَنِدُ حُرِّيَّتُهُ إلَى مَا اسْتَنَدَتْ إلَيْهِ حُرِّيَّةُ أَبِيهِ، فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ مِنْ أَهْلِ دَارَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ.","vol":"1","page":1156},{"text":"٢١٣٧ - وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ صَيَّرَهُمْ ذِمَّةً قَبْلَ مَوْتِ الرَّجُلِ تَوَارَثُوا جَمِيعًا.\nلِأَنَّهُمْ جَمِيعًا مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ.\n٢١٣٨ - وَإِنْ صَيَّرَ مِنْ إحْدَى الدَّارَيْنِ ذِمَّةً، ثُمَّ مَاتَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ الْأُخْرَى ثُمَّ صَيَّرَهُمْ ذِمَّةً بَعْدَ ذَلِكَ، وَرِثَ الْمَيِّتُ جَمِيعَ وَرَثَتِهِ مِنْ أَهْلِ الدَّارَيْنِ.\nأَمَّا مَنْ كَانَ الْمَيِّتُ مِنْ أَهْلِ دَارِهِ فَغَيْرُ مُشْكِلٍ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ الْأُخْرَى فَلِأَنَّهُمْ صَارُوا أَحْرَارًا مِنْ أَهْلِ دَارِنَا قَبْلَ مَوْتِهِ، فَيَرِثُونَهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.","vol":"1","page":1157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>[بَابُ الشَّرِكَةِ فِي الْغَنِيمَةِ]</span>\n١١٧ - بَابُ الشَّرِكَةِ فِي الْغَنِيمَةِ ٢١٣٩ - وَإِذَا بَعَثَ الْإِمَامُ سَرِيَّةً مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ إلَى حِصْنٍ، وَسَرِيَّةٍ أُخْرَى إلَى حِصْنٍ آخَرَ، فَدَخَلَتْ السَّرِيَّةُ الْأُولَى وَظَفِرُوا بِأَهْلِ حِصْنِهِمْ، وَغَنِمُوا أَمْوَالَهُمْ، ثُمَّ مَرَّتْ بِهِمْ السَّرِيَّةُ الْأُخْرَى وَظَفِرُوا بِأَهْلِ حِصْنِهِمْ، وَغَنِمُوا أَمْوَالَهُمْ، ثُمَّ لَمْ تَلْتَقِ السَّرِيَّتَانِ بَعْدَ ذَلِكَ، حَتَّى خَرَجَتَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَجَمِيعُ مَا غَنِمَتْ السَّرِيَّةُ الْأُولَى يَشْتَرِكُ فِيهِ السَّرِيَّتَانِ، وَمَا غَنِمَتْ السَّرِيَّةُ الثَّانِيَةُ فَهُوَ لَهُمْ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ السَّرِيَّةَ الثَّانِيَةَ حِينَ الْتَقَتْ بِالسَّرِيَّةِ الْأُولَى فِي دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ إصَابَةِ الْغَنِيمَةِ، فَقَدْ ثَبَتَ لَهُمْ الشَّرِكَةُ فِي الْمُصَابِ؛ لِأَنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمَدَدِ لَهُمْ، ثُمَّ لَا تَبْطُلُ تِلْكَ الشَّرِكَةُ بِإِمْعَانِهِمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَخُرُوجُ السَّرِيَّةِ الْأُولَى قَبْلَهُمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.\nوَمَا أَصَابَتْ السَّرِيَّةُ الثَّانِيَةُ فَهُمْ الَّذِينَ تَفَرَّدُوا فِيهَا بِالْإِصَابَةِ وَالْإِحْرَازِ، وَمَا لَقِيَهُمْ السَّرِيَّةُ الْأُولَى بَعْدَ هَذِهِ الْإِصَابَةِ فِي مَوْضِعٍ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، فَلَا يُشَارِكُونَهُمْ فِيهَا.\n٢١٤٠ - وَلَوْ كَانُوا الْتَقَوْا جَمِيعًا فِي دَارِ الْحَرْبِ اشْتَرَكُوا فِي جَمِيعِ الْغَنَائِمِ.","vol":"1","page":1158},{"text":"لِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي إحْرَازِهَا بِدَارِ الْإِسْلَامِ، فَيُجْعَلُ كَأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي الْإِصَابَةِ فِي حَقِّ كُلِّ غَنِيمَةٍ.\n٢١٤١ - وَلَوْ كَانَتْ السَّرِيَّةُ الثَّانِيَةُ لَمْ يَبْعَثْهَا الْإِمَامُ تُقَاتِلُ الرُّومَ، وَلَكِنَّهُ بَعَثَهُمْ يُقَاتِلُونَ عَدُوًّا غَيْرَ الرُّومِ وَطَرِيقُهُمْ فِي أَرْضِ الرُّومِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، لَمْ يُشْرِكْ بَعْضَهُمْ بَعْضًا فِيمَا أَصَابُوا هَا هُنَا، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ، وَيَسْتَوِي إنْ الْتَقَوْا فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ لَمْ يَلْتَقُوا.\nلِأَنَّ السَّرِيَّةَ الثَّانِيَةَ هَا هُنَا مَا قَصَدُوا قِتَالَ الرُّومِ، فَلَا يَكُونُونَ فِي حُكْمِ الْمَدَدِ لِلسَّرِيَّةِ الْمَبْعُوثَةِ لِقِتَالِ الرُّومِ، بَلْ كُلُّ سَرِيَّةٍ فِي حَقِّ مَا أَصَابَتْ السَّرِيَّةُ الْأُولَى بِمَنْزِلَةِ التُّجَّارِ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ، فَلَا يُشْرِكْ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الْمُصَابِ، وَإِنْ الْتَقَوْا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى قَصْدُ كُلِّ سَرِيَّةٍ قِتَالُ أَهْلِ الدَّارِ الَّتِي تُقَاتِلُهَا السَّرِيَّةُ الْأُخْرَى، فَكَانَ بَعْضُهُمْ مَدَدًا لِبَعْضٍ إذَا الْتَقَوْا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ أَهْلَ الدَّارِ الْوَاحِدَةِ إذَا قَهَرَ بَعْضُهُمْ يَظْهَرُ أَثَرُ ذَلِكَ الْقَهْرِ فِي حَقِّ الْبَاقِينَ مِنْهُمْ، وَأَهْلُ الدَّارَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ لَا يَصْبِرُ بَعْضُهُمْ مَقْهُورَيْنِ بِقَهْرِ الْبَعْضِ، وَرُبَّمَا يَزْدَادُونَ قُوَّةً بِذَلِكَ.\n٢١٤٢ - فَإِذَا بُعِثَتْ السَّرِيَّتَانِ لِقِتَالِ أَهْلِ دَارٍ وَاحِدَةٍ يُمْكِنُ جَعْلُ إحْدَاهُمَا مَدَدًا لِلْأُخْرَى، بِاعْتِبَارِ أَنَّ قَصْدَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا قَهْرُ أَهْلِ تِلْكَ الدَّارِ، وَذَلِكَ لَا يَتَأَتَّى فِيمَا إذَا بُعِثَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ لِقِتَالِ أَهْلِ دَارٍ أُخْرَى، فَإِذَا الْتَقَتْ السَّرِيَّتَانِ فِي دَارِ","vol":"1","page":1159},{"text":"الْحَرْبِ بِغَنَائِمَ فَلَقَوْا جُنْدًا مِنْ الرُّومِ فَقَاتَلُوهُمْ عَنْ غَنَائِمِهِمْ، فَهَزَمُوا أَهْلَ الرُّومِ وَأَصَابُوا غَنَائِمَ ثُمَّ خَرَجُوا اشْتَرَكُوا فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.\n؛ لِأَنَّ الْمَالَ صَارَ مُحْرَزًا بِقِتَالِهِمْ، وَنُصْرَتِهِمْ جَمِيعًا وَحَالُهُمْ الْآنَ كَحَالِ التُّجَّارِ إذَا لَحِقُوا بِالْجَيْشِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَقَاتَلُوا مَعَهُمْ دَفْعًا عَنْ الْغَنَائِمِ.\nفَإِنْ قِيلَ: كَانَ يَنْبَغِي أَلَّا يَكُونَ لِلسَّرِيَّةِ الْأُولَى شَرِكَةٌ مَعَ السَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ، فِيمَا أَصَابُوا مِنْ غَيْرِ الرُّومِ؛ لِأَنَّهُمْ أَخْرَجُوا ذَلِكَ مِنْ الدَّارِ الَّتِي أَصَابُوا فِيهَا، قَبْلَ أَنْ تَلْحَقَ بِهِمْ السَّرِيَّةُ الْأُولَى، فَلَا يُشَارِكُونَهُمْ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ الْتَحَقَ الْمَدَدُ بِالْجَيْشِ بَعْدَ الْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ قَاتَلُوا مَعَهُمْ الْعَدُوَّ دَفْعًا عَنْ تِلْكَ الْغَنَائِمِ قُلْنَا: لَا كَذَلِكَ، فَإِنَّ حَقَّهُمْ لَا يَتَأَكَّدُ فِي الْمُصَابِ بِالْإِخْرَاجِ إلَى تِلْكَ الدَّارِ مَا دَامُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَإِنَّمَا يَتَأَكَّدُ حَقُّهُمْ بِالْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ حُكْمَ اخْتِلَافِ الدَّارِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَأَمَّا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ الْكُلُّ فِي حُكْمِ مَكَان وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُسْلِمِينَ إنَّمَا يَتَأَكَّدُ إذَا تَمَّ السَّبَبُ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَصِيرُوا قَاهِرِينَ يَدًا وَدَارًا، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَحْصُلُ، وَإِنْ أَخْرَجُوهَا إلَى دَارِ حَرْبٍ أُخْرَى، مَا لَمْ يُحْرِزُوهَا بِدَارِ الْإِسْلَامِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ بَعَثَ جُنْدًا إلَى عَدُوٍّ خَلْفَ الرُّومِ ثُمَّ عَمِيَ عَلَيْهِمْ خَبَرُهُمْ فَبَعَثَ جُنْدًا آخَرَ فِي طَلَبِهِمْ لِنُصْرَتِهِمْ، فَوَجَدُوهُمْ فِي أَرْضِ الرُّومِ، وَمَعَهُمْ الْغَنَائِمُ قَدْ جَاءُوا بِهَا مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي بُعِثُوا إلَيْهِ، فَإِنَّهُمْ يُشَارِكُونَهُمْ فِيهَا، لِلْمَعْنَى الَّذِي قُلْنَا، فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ","vol":"1","page":1160},{"text":"وَلَوْ بَعَثَ سَرِيَّةً إلَى أَرْضِ الرُّومِ، فَأَصَابُوا فِيهَا غَنَائِمَ، ثُمَّ بَعَثَ سَرِيَّةً أُخْرَى إلَى عَدُوٍّ خَلْفَ الرُّومِ، فَلَقُوا السَّرِيَّةَ الْأُولَى، وَحَضَرَ الشِّتَاءُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الذَّهَابِ، وَكَتَبَ إلَيْهِمْ الْإِمَامُ يَأْمُرُهُمْ بِالرَّجْعَةِ مَعَ أَصْحَابِهِمْ، وَبِنُصْرَتِهِمْ، فَخَرَجُوا جَمِيعًا بِغَنَائِمِ السَّرِيَّةِ الْأُولَى، فَلَا شَرِكَةَ لِلسَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُمْ مَا دَخَلُوا لِنُصْرَتِهِمْ، فَكَانُوا كَالتُّجَّارِ فِي حَقِّهِمْ، إلَّا أَنْ يَلْقَوْا قِتَالًا بَعْدَ انْصِرَافِهِمْ، قَبْلَ أَنْ يَخْرُجُوا فَحِينَئِذٍ يُشَارِكُونَهُمْ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ التُّجَّارِ.\n٢١٤٤ - وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَتْ السَّرِيَّةُ الثَّانِيَةُ مَبْعُوثَةً إلَى نَاحِيَةٍ مِنْ الرُّومِ أَيْضًا.\nلِأَنَّ هُنَاكَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ السَّرِيَّتَيْنِ إنَّمَا بُعِثَتْ لِقِتَالِ الرُّومِ، فَكَانَتْ [كُلُّ] وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِي حُكْمِ الْمَدَدِ لِلْأُخْرَى، سَوَاءٌ عَلِمُوا بِمَكَانِهِمْ أَوْ لَمْ يَعْلَمُوا.\n٢١٤٥ - فَإِذَا الْتَقَوْا فِي دَارِ الْحَرْبِ كَانُوا شُرَكَاءَ فِيمَا أَصَابُوا.\n٢١٤٦ - وَلَوْ بَعَثَ الْإِمَامُ سَرِيَّةً فَأَصَابُوا غَنَائِمَ، فَخَلَّفُوا مَعَهَا أُنَاسًا، وَمَضَوْا أَيَّامًا فَأَصَابُوا غَنَائِمَ، وَدَخَلَتْ سَرِيَّةٌ أُخْرَى فَأَخَذَتْ الْغَنَائِمَ الَّتِي خَلَّفُوا، وَخَرَجُوا بِهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ","vol":"1","page":1161},{"text":"أَقْبَلَ الَّذِينَ أَتَوْا بِالْغَنَائِمِ الْأُخْرَى حَتَّى خَرَجُوا بِهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّ الْغَنِيمَةَ الْأُولَى تَشْتَرِكُ فِيهَا السَّرِيَّتَانِ جَمِيعًا.\nلِأَنَّ السَّرِيَّةَ الْأُولَى أَصَابُوهَا وَالثَّانِيَةَ أَحْرَزُوهَا بِدَارِ الْإِسْلَامِ.\n٢١٤٧ - فَأَمَّا الْغَنِيمَةُ الْأُخْرَى فَهِيَ لِلَّذِينَ مَضَوْا خَاصَّةً، لَا شَرِكَةَ فِيهَا لِلسَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ، وَلَا لِأَصْحَابِهِمْ الَّذِينَ كَانُوا تَخَلَّفُوا مَعَ الْغَنَائِمِ الْأُولَى.\nلِأَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ أَصَابُوهَا وَأَحْرَزُوهَا بِالدَّارِ، لَمْ يُشَارِكْهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ غَيْرُهُمْ.\n٢١٤٨ - وَلَوْ بَعَثَ الْإِمَامُ سَرِيَّةً فَأَصَابُوا غَنَائِمَ، ثُمَّ أَسْلَمَ رَجُلٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَقَتَلَ قَوْمًا مِنْهُمْ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ، وَالْتَحَقَ بِالسَّرِيَّةِ، ثُمَّ خَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَلْقَوْا قِتَالًا، فَلِلسَّرِيَّةِ شَرِكَةٌ مَعَ الرَّجُلِ فِيمَا أَصَابَ.\n؛ لِأَنَّهُ أَحْرَزَهُ بِمَنَعَتِهِمْ، وَشَارَكُوهُ فِي إحْرَازِ ذَلِكَ بِدَارِ الْإِسْلَامِ.\n٢١٤٩ - وَلَا شَرِكَةَ لِلرَّجُلِ مَعَ السَّرِيَّةِ فِيمَا أَصَابُوا.\nلِأَنَّهُ الْتَحَقَ بِهِمْ عَلَى قَصْدِ النَّجَاةِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَكَانَ حَالُهُ كَحَالِ التَّاجِرِ يَلْتَحِقُ بِالسَّرِيَّةِ بَعْدَ إصَابَةِ الْغَنِيمَةِ.\n٢١٥٠ - وَإِنْ لَقَوْا قِتَالًا بَعْدَ مَا الْتَحَقَ بِهِمْ الرَّجُلُ اشْتَرَكُوا فِي الْمُصَابِ كُلِّهِ.\nلِأَنَّ الرَّجُلَ قَاتَلَ عَنْ غَنَائِمِهِمْ فَيُشْرِكُهُمْ فِيهَا كَالتَّاجِرِ.","vol":"1","page":1162},{"text":"وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الرَّجُلُ الَّذِي الْتَحَقَ بِهِمْ أَسِيرًا فِي دَارِ الْحَرْبِ، أُسِرَ قَبْلَ ذَلِكَ بِزَمَانٍ.\nلِأَنَّ كَحَالِ الَّذِي أَسْلَمَ مِنْهُمْ فَإِنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ لَهُ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ مَعَهُمْ، وَإِنَّمَا قَصَدَ النَّجَاةَ بِالِالْتِحَاقِ بِهِمْ.\n٢١٥٢ - وَإِنْ كَانَ مَأْسُورًا مِنْ هَذِهِ السَّرِيَّةِ وَالْمَسْأَلَةِ بِحَالِهَا، فَإِنَّهُ يُشَارِكُهُمْ فِيمَا أَصَابُوا، وَإِنْ لَمْ يَلْقَوْا قِتَالًا؛ لِأَنَّهُ كَانَ انْعَقَدَ لَهُ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ مَعَهُمْ، ثُمَّ اعْتَرَضَ لَهُ عَارِضٌ غَيْرُ قَادِحٍ فِي ذَلِكَ السَّبَبِ، فَإِذَا زَالَ صَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ.\n٢١٥٣ - فَإِنْ لَمْ يَلْتَحِقْ هَذَا الْأَسِيرُ بِهِمْ حَتَّى خَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَا شَرِكَةَ لِلسَّرِيَّةِ مَعَ الْأَسِيرِ فِيمَا أَصَابَ.\nلِأَنَّهُمْ مَا شَارَكُوهُ فِي الْإِصَابَةِ وَلَا فِي الْإِحْرَازِ.\n٢١٥٤ - وَلَا شَرِكَةَ لَهُ مَعَهُمْ فِيمَا أَصَابُوا بَعْدَ مَا أُسِرَ هُوَ.\n؛ لِأَنَّهُ مَا شَارَكَهُمْ فِي الْإِصَابَةِ وَلَا فِي الْإِحْرَازِ.\n٢١٥٥ - وَلَكِنَّهُ يُشَارِكُهُمْ فِيمَا كَانُوا أَصَابُوا قَبْلَ أَنْ يُؤْسَرَ.\nلِأَنَّهُ شَارَكَهُمْ فِي الْإِصَابَةِ فَثَبَتَ حَقُّهُ فِيهَا.\n٢١٥٦ - ثُمَّ بِالْأَسْرِ لَا يَبْطُلُ مَا كَانَ ثَابِتًا فِي حَقِّهِ.","vol":"1","page":1163},{"text":"وَحَالُهُ فِي ذَلِكَ كَحَالِ السَّرِيَّةِ الَّتِي امْتَنَعَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ إصَابَةِ الْغَنِيمَةِ.\n٢١٥٧ - وَلَوْ أَنَّ سَرِيَّةً حَاصَرُوا أَهْلَ حِصْنٍ لَهُمْ كَنَائِسُ خَارِجَةٌ مِنْ حِصْنِهِمْ فَأَرَادُوا هَدْمَهَا فَقَالُوا نَفْدِيهَا مِنْكُمْ بِأَلْفِ دِينَارٍ، فَأَخَذُوهَا وَمَضَوْا فِي أَرْضِ الرُّومِ، ثُمَّ جَاءَتْ سَرِيَّةٌ أُخْرَى فَأَرَادُوا هَدْمَ الْكَنَائِسِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُخَرِّبُوهَا، وَإِنْ ثَبَتَ عِنْدَهُمْ مَا جَرَى بَيْنَ أَهْلِ الْحِصْنِ وَبَيْنَ السَّرِيَّةِ الْأُولَى.\nلِأَنَّهُمْ إنَّمَا بَذَلُوا الدَّنَانِيرَ لِيَدْفَعُوا أَهْلَ السَّرِيَّةِ الْأُولَى عَمَّا قَصَدُوا مِنْ الْهَدْمِ، وَلِيَنْصَرِفُوا عَنْهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ، وَقَدْ حَصَلَ لَهُمْ ذَلِكَ الْمَقْصُودُ، فَكَانَتْ السَّرِيَّةُ الثَّانِيَةُ فِي سَعَةٍ مِنْ هَدْمِهَا.\n٢١٥٨ - إلَّا أَنْ يُصَالِحُوهُمْ أَيْضًا، فَإِنْ صَالَحُوهُمْ عَلَى أَلْفِ دِينَارٍ أُخْرَى وَأَخَذُوهَا ثُمَّ الْتَقَتْ السَّرِيَّتَانِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، اشْتَرَكُوا فِي الْفِدَاءَيْنِ مَعَ الْغَنَائِمِ كُلِّهَا.\nلِأَنَّ الْمَأْخُوذَ عَلَى سَبِيلِ الْفِدَاءِ فَيْءٌ، فَإِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْهُمْ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْحِصْنِ مَا دَفَعُوا ذَلِكَ إلَّا لِيُزِيلُوا قَهْرَهُمْ عَنْهُمْ، وَالْمَأْخُوذُ بِهَذَا الطَّرِيقِ يَكُونُ غَنِيمَةً.\n٢١٥٩ - فَإِنْ مَرَّتْ السَّرِيَّتَانِ بِذَلِكَ الْحِصْنِ فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُخْرِبُوا شَيْئًا مِنْهُ مَا لَمْ يَخْرُجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا","vol":"1","page":1164},{"text":"فِيمَا سَبَقَ أَنَّ صُلْحَ كُلِّ سَرِيَّةٍ مُطْلَقًا يَتَقَيَّدُ بِمُدَّةِ بَقَائِهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَإِنَّ الْخَوْفَ لِأَهْلِ الْحَرْبِ إنَّمَا كَانَ بِذَلِكَ السَّبَبِ.\nفَإِنْ خَرَجُوا ثُمَّ رَجَعُوا غُزَاةً فَلَا بَأْسَ بِتَخْرِيبِهَا؛ لِأَنَّ حُكْمَ ذَلِكَ الصُّلْحِ قَدْ انْتَهَى بِخُرُوجِهِمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، إذْ حَالُهُمْ فِي الرَّجْعَةِ كَحَالِ جَيْشٍ آخَرَ، فَلَا بَأْسَ بِهَدْمِ مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ.\n٢١٦٠ - إلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ الْعَدُوُّ مَرَّةً أُخْرَى، وَإِنْ كَانُوا حِينَ انْصَرَفُوا عَنْهَا دَاخِلِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ قَدْ صَارَ الْعَدُوُّ دُونَهَا، وَقَاتَلُوا الْمُسْلِمِينَ عَنْهَا، وَمَنَعُوهَا مِنْهُمْ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى أَجْلَوْهُمْ عَنْهَا، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُخَرِّبُوهَا؛ أَهْلُ السَّرِيَّةِ وَغَيْرُهُمْ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُمْ حِينَ قَاتَلُوا الْمُسْلِمِينَ دَفْعًا عَنْهَا فَقَدْ أَحْرَزُوهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَانْتَبَذَ مَا كَانَ لَهُمْ فِيهَا مِنْ أَمَانٍ بِهَذَا الْإِحْرَازِ.\n٢١٦١ - وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ صَالَحُوهُمْ فِي الِابْتِدَاءِ عَلَى أَنْ يَكُفُّوا عَنْهُمْ مَجَانِيقَهُمْ، وَيَنْصَرِفُوا عَنْ حِصْنِهِمْ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ ثُمَّ رَجَعُوا إلَيْهِمْ، فَوَجَدُوهُمْ قَدْ خَرَجُوا مِنْ الْحِصْنِ وَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى انْهَزَمُوا وَدَخَلُوا الْحِصْنَ، فَإِنَّهُ يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ قِتَالُهُمْ وَهَدْمُ حِصْنِهِمْ.\nوَلَوْ أَنَّهُمْ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الْحِصْنِ لَمْ يُقَاتِلُوا الْمُسْلِمِينَ","vol":"1","page":1165},{"text":"حَتَّى مَرُّوا بِهِمْ، فَإِنْ كَانُوا أَخَذُوا مِنْهُمْ الْفِدَاءَ عَلَى أَنْ يَكُفُّوا عَنْهُمْ وَعَنْ حِصْنِهِمْ مَا دَامُوا فِي حِصْنِهِمْ حَلَّ قِتَالُهُمْ أَيْضًا، لِانْتِهَاءِ الصُّلْحِ بِخُرُوجِهِمْ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ وَقَعَ الْفِدَاءُ عَلَى أَنْ يَكُفُّوا عَنْهُمْ وَعَنْ حِصْنِهِمْ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَعْرِضُوا لَهُمْ مَا لَمْ يُقَاتِلُوهُمْ، وَإِنْ كَانَ مَلِكُهُمْ بَعَثَ قَوْمًا فَأَنْزَلَهُمْ الْحِصْنَ فَقَاتَلَهُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ بُعِثُوا وَسِعَ الْمُسْلِمِينَ قِتَالُ أَهْلِ الْحِصْنِ وَتَخْرِيبُ الْحِصْنِ وَالْكَنَائِسِ.\n؛ لِأَنَّ أُولَئِكَ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا نَزَلُوا حِصْنَهُمْ لِيَنْصُرُوهُمْ، وَلِيَزْدَادُوا قُوَّةً بِهِمْ، فَكَانَ قِتَالُهُمْ كَقِتَالِ أَهْلِ الْحِصْنِ.\n٢١٦٢ - وَلَوْ كَانَتْ السَّرِيَّةُ مَبْعُوثَةً مِنْ الْجُنْدِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَأَخَذُوا مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ الْفِدَاءَ مِنْ كَنَائِسِهِمْ، ثُمَّ مَضَتْ وَجَاءَ الْعَسْكَرُ فَأَرَادُوا هَدْمَ الْكَنَائِسِ، وَعَلِمُوا مَا صَنَعَتْ السَّرِيَّةُ، فَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْعَسْكَرِ عِنْدَ الصُّلْحِ بِالْقُرْبِ مِنْ الْحِصْنِ، عَلَى وَجْهٍ لَوْ اسْتَعَانَتْ بِهِمْ السَّرِيَّةُ قَدَرُوا عَلَى أَنْ يُعِينُوهُمْ، فَلَيْسَ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ أَنْ يُخَرِّبُوا كَنَائِسَهُمْ.\nلِأَنَّهُمْ كَانُوا رِدْءًا لِلسَّرِيَّةِ، وَالرِّدْءُ فِي الْحُكْمِ كَالْمُبَاشِرِ، فِيمَا يَكُونُ مِنْ أَمْرِ الْحَرْبِ","vol":"1","page":1166},{"text":"٢١٦٣ - وَلَوْ كَانُوا مَعَ السَّرِيَّةِ حِينَ وَقَعَ الصُّلْحُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَهْدِمُوا الْكَنَائِسَ بِدُونِ رَدِّ الْمَالِ، كَمَا لَا يَكُونُ ذَلِكَ لِلسَّرِيَّةِ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانُوا بِالْقُرْبِ مِنْهُمْ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانُوا بِالْبُعْدِ مِنْهُمْ، فَإِنَّ حَالَهُمْ الْآنَ كَحَالِ جَيْشٍ آخَرَ جَاءَ مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ السَّرِيَّةَ لَوْ خَرَجَتْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ الِالْتِحَاقِ بِالْجَيْشِ كَانَ لِلْجَيْشِ مَعَهُمْ الشَّرِكَةُ فِي الدَّنَانِيرِ الْمَقْبُوضَةِ، فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ، وَبِهِ يَتَّضِحُ الْفَرْقُ.\n٢١٦٤ - وَلَوْ أَنَّ السَّرِيَّةَ الْمَبْعُوثَةَ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ أَصَابَتْ غَنَائِمَ وَخَلَّفُوهَا مَعَ أُجَرَائِهِمْ، وَخَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ دَخَلَتْ سَرِيَّةٌ أُخْرَى فَلَقَوْا الْأُجَرَاءَ، وَأَصَابُوا غَنَائِمَ، وَخَرَجُوا مَعَ الْأُجَرَاءِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَغَنِيمَةُ السَّرِيَّةِ الْأُولَى تَشْتَرِك فِيهَا السَّرِيَّتَانِ، لِوُجُودِ الْإِصَابَةِ مِنْ إحْدَاهُمَا، وَالْإِحْرَازِ مِنْ الْأُخْرَى، وَلَا شَرِكَةَ لِلسَّرِيَّةِ الْأُولَى فِيمَا أَصَابَتْ السَّرِيَّةُ الثَّانِيَةُ.\nلِأَنَّهُمْ لَمْ يُشَارِكُوهُمْ فِي الْإِصَابَةِ وَلَا فِي الْإِحْرَازِ.\n٢١٦٥ - وَلَوْ كَانَتْ السَّرِيَّةُ الْأُولَى بَعَثُوا الْغَنَائِمَ مَعَ الْأُجَرَاءِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ دَخَلَتْ سَرِيَّةٌ أُخْرَى فَأَصَابَتْ غَنَائِمَ،","vol":"1","page":1167},{"text":"ثُمَّ الْتَقَتْ السَّرِيَّتَانِ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَخَرَجُوا فَلَا شَرِكَةَ لِلسَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ فِي غَنَائِمِ السَّرِيَّةِ الْأُولَى.\nلِأَنَّهُمْ مَا شَارَكُوهُمْ فِي الْإِصَابَةِ وَلَا فِي الْإِحْرَازِ.\n٢١٦٦ - وَلِأَهْلِ السَّرِيَّةِ الْأُولَى الشَّرِكَةُ فِي غَنَائِمِ السَّرِيَّةِ الْأُخْرَى.\nلِأَنَّهُمْ شَارَكُوهُمْ فِي إحْرَازِهَا بِالدَّارِ حِينَ الْتَقَوْا فِي دَارِ الْحَرْبِ وَخَرَجُوا مَعَهُمْ.\n٢١٦٧ - فَإِنْ لَمْ يَلْتَقُوا فَلَا شَرِكَةَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ أَيْضًا.\nلِأَنَّ السَّرِيَّةَ الْأَخِيرَةَ تَفَرَّدَتْ بِالْإِصَابَةِ وَالْإِحْرَازِ، فَإِنَّ أَهْلَ السَّرِيَّةِ الْأُولَى مَا كَانُوا مَعَهُمْ عِنْدَ الْقِتَالِ، وَلَا بِالْقُرْبِ مِنْهُمْ بِحَيْثُ لَوْ اسْتَغَاثُوا بِهِمْ أَغَاثُوهُمْ.\n٢١٦٨ - وَلَوْ أَنَّ السَّرِيَّةَ الْأُولَى خَلَّفُوا غَنَائِمَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَمَضَوْا حَتَّى الْتَقَوْا مَعَ السَّرِيَّةِ الْأُخْرَى، فَأَصَابُوا غَنَائِمَ ثُمَّ خَرَجُوا، قَبْلَ أَنْ يَلْقَوْا الَّذِينَ خَلَّفُوهُمْ مَعَ غَنَائِمِهِمْ، الْأُولَى لِأَهْلِ السَّرِيَّةِ الْأُولَى خَاصَّةً.\nلِأَنَّ السَّرِيَّةَ الثَّانِيَةَ مَا شَارَكُوهُمْ فِي الْإِصَابَةِ، وَلَا فِي الْإِحْرَازِ، وَالْغَنِيمَةُ الثَّانِيَةُ بَيْنَ الَّذِينَ أَحْرَزُوهَا مِنْ أَهْلِ السَّرِيَّتَيْنِ.","vol":"1","page":1168},{"text":"٢١٦٩ - وَإِنْ كَانَ الَّذِينَ مَضَوْا لَقَوْا السَّرِيَّةَ الثَّانِيَةَ فِي مَوْضِعٍ قَرِيبٍ مِنْ الَّذِينَ خَلَّفُوا عَلَى الْغَنَائِمِ اشْتَرَكَ الْكُلُّ فِي جَمْعِ مَا أَصَابُوا.\nلِأَنَّهُ إذَا كَانَ بَعْضُهُمْ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَنْ يُغِيثَ الْبَعْضَ لَوْ اسْتَغَاثُوا بِهِمْ فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ جَيْشٍ وَاحِدٍ، بَعْضُهُمْ رِدْءٌ لِلْبَعْضِ وَإِنْ كَانُوا بِالْبُعْدِ مِنْهُمْ فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ عَسْكَرَيْنِ مُتَفَرِّقَيْنِ دَخَلُوا أَرْضَ الرُّومِ مِنْ جَانِبَيْنِ.\n٢١٧٠ - وَلَوْ أَنَّ السَّرِيَّةَ الَّتِي حَاصَرَتْ حِصْنًا أَصَابُوا غَنَائِمَ فِيهِمْ سَبَايَا، ثُمَّ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى فَتْحِ الْحِصْنِ، فَسَأَلَهُمْ أَهْلُ الْحِصْنِ الْمُفَادَاةَ بِالْمَالِ، فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عِنْدَنَا انْتِسَاخُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] عَلَى مَا ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ.\n٢١٧١ - فَإِنْ فَعَلُوا جَازَ ذَلِكَ.\nلِأَنَّ فِعْلَهُمْ حَصَلَ فِي مَوْضِعِ الِاجْتِهَادِ، فَإِنَّ الِاخْتِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي مُفَادَاةِ الْأَسِيرِ بِالْمَالِ ظَاهِرٌ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي السِّيَرِ الصَّغِيرِ.\n٢١٧٢ - فَإِنْ دَخَلَتْ سَرِيَّةٌ أُخْرَى فَالْتَقَوْا مَعَ السَّرِيَّةِ الْأُولَى لَمْ يُشَارِكُوهُمْ فِي فِدَاءِ أُولَئِكَ السَّبْيِ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ فِدَاءِ الْكَنَائِسِ.","vol":"1","page":1169},{"text":"لِأَنَّ مَا أَخَذُوهُ عِوَضًا عَنْ السَّبْيِ بِمَنْزِلَةِ الثَّمَنِ، فَقَدْ كَانُوا أَثْبَتُوا الْيَدَ عَلَى السَّبْيِ، ثُمَّ سَلَّمُوهُمْ إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ بِمَا أَخَذُوا مِنْهُمْ، فَيَكُونُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْجَيْشِ أَصَابُوا غَنَائِمَ وَبَاعُوهَا أَوْ قَسَمُوهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ لَحِقَهُمْ مَدَدٌ.\nوَأَمَّا الْكَنَائِسُ فَلَمْ تَصِرْ مُحْرَزَةً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ عَلَى وَجْهٍ يَجُوزُ بَيْعُهُمْ فِيهَا، فَكَانَ مَا أَخَذُوا مِنْ الْفِدَاءِ فِي حُكْمِ مَالِ غَنِيمَةٍ ابْتِدَاءً، وَاَلَّذِي يُوَضِّحُ هَذَا الْفَرْقَ أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ بَاعَ السَّبْيَ فِي دَارِ الْحَرْبِ مِنْ تُجَّارِ الْمُسْلِمِينَ جَازَ بَيْعُهُ، وَلَوْ بَاعَ كَنَائِسَهُمْ قَبْلَ أَنْ تَصِيرَ الْأَرْضُ دَارَ الْإِسْلَامِ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ.\n٢١٧٣ - وَلَوْ كَانَتْ السَّرِيَّةُ مَبْعُوثَةً مِنْ الْعَسْكَرِ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ لَحِقَهُمْ الْعَسْكَرُ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَإِنْ كَانَ الْعَسْكَرُ حِينَ أَخَذَتْ السَّرِيَّةُ السَّبْيَ بِالْقُرْبِ مِنْهُمْ شَرَكُوهُمْ فِي فِدَاءِ السَّبْيِ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانُوا حَضَرُوا مَعَهُمْ.\nوَإِنْ كَانُوا بِالْبُعْدِ مِنْهُمْ فَلَا شَرِكَةَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ قَدْ نَهَى أَمِيرَ السَّرِيَّةِ أَنْ يَبِيعَ شَيْئًا مِنْ السَّبْيِ، أَوْ يُفَادِيَ بِهِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ فِدَاءُ السَّبْيِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ الْعَسْكَرِ.\nلِأَنَّهُ بَعْدَ مَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ لَا يَكُونُ لَهُ وِلَايَةُ الْبَيْعِ، فَفِعْلُهُ لَا يَكُونُ بَيْعًا لَكِنَّهُ يَكُونُ رَدًّا لِلسَّبْيِ عَلَيْهِمْ، فَكَأَنَّ رَدَّهُمْ بِغَيْرِ شَيْءٍ، ثُمَّ أَخَذَ مِنْهُمْ مَالًا بِطَرِيقِ الْمُعَاوَضَةِ.\nفَلَوْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ كَانُوا شُرَكَاءَ فِي الْمَالِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَهُنَاكَ حِينَ فَوَّضَ إلَيْهِ تَدْبِيرَ السَّرِيَّةِ مُطْلَقًا فَقَدْ ثَبَتَ لَهُ وِلَايَةُ الْبَيْعِ، وَيَكُونُ","vol":"1","page":1170},{"text":"الْفِدَاءُ مِنْهُمْ مَأْخُوذًا بِطَرِيقِ الثَّمَنِ، فَلَا شَرِكَةَ فِيهِ لِمَنْ يَلْحَقُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ تَكُونَ شَرِكَتُهُ ثَابِتَةً فِي السَّبْيِ قَبْلَ الْبَيْعِ، بِأَنْ كَانُوا بِالْقُرْبِ مِنْهُمْ.\n٢١٧٤ - وَلَوْ قَالَ أَهْلُ الْحِصْنِ لِلسَّرِيَّةِ نَهَبُ لَكُمْ أَلْفَ دِينَارٍ نَتَصَدَّقُ بِهَا عَلَيْكُمْ، عَلَى أَنْ تَنْصَرِفُوا، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، ثُمَّ لَحِقَ بِهِمْ الْعَسْكَرُ فَهُمْ شُرَكَاؤُهُمْ فِي الْمَالِ.\nلِأَنَّ هَذَا مَأْخُوذٌ بِطَرِيقِ الْفِدَاءِ حِينَ شَرَطُوا عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْصَرِفُوا عَنْهُمْ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ بَعْدَ مَا قَبَضُوا الْمَالَ أَنْ يَعْرِضُوا لَهُمْ إلَّا أَنْ يَرُدُّوا الْمَالَ عَلَيْهِمْ.\n٢١٧٥ - وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ وَهَبُوا لَهُمْ الْمَالَ بِغَيْرِ شَرْطٍ فَانْصَرَفُوا عَنْهُمْ.\nلِأَنَّ الْمَالَ هُنَاكَ مَأْخُوذٌ بِجِهَةِ التَّبَرُّعِ الْمَحْضِ أَوْ بِسَبَبِ تَعَمُّدِ الْمُرَاضَاةِ بِأَنْ كَانُوا اشْتَرَوْا مِنْ السَّرِيَّةِ شَيْئًا بِهَا فَلَا يَأْخُذُ حُكْمَ الْغَنِيمَةِ.\n٢١٧٦ - وَلَوْ بَاعَتْ السَّرِيَّةُ مِنْهُمْ شَيْئًا بِأَلْفِ دِينَارٍ، وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ أَهْلُ الْحِصْنِ فِي الشِّرَاءِ الِانْصِرَافَ عَنْهُمْ، فَإِنَّهُ يُسَلَّمُ لِلسَّرِيَّةِ مِنْ ذَلِكَ قَدْرُ قِيمَةِ مَا بَاعُوا، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ غَنِيمَةٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ الْمُعَسْكَرِ.\nلِأَنَّهُمْ إنَّمَا أَعْطَوْا الزِّيَادَةَ بِإِزَاءِ مَا شَرَطُوا عَلَيْهِمْ مِنْ الِانْصِرَافِ فَكَانَ ذَلِكَ","vol":"1","page":1171},{"text":"غَنِيمَةً، وَأَمَّا مِقْدَارُ الْقِيمَةِ فَإِنَّمَا أَعْطَوْهُ عِوَضًا عَمَّا أَخَذُوا مِنْ تِلْكَ السَّرِيَّةِ فَيَخْتَصُّونَ بِهِ.\n٢١٧٧ - وَلَوْ أَنَّ السَّرِيَّةَ الْمَبْعُوثَةَ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ أَصَابَتْ سَبْيًا وَغَنَائِمَ فَجَعَلُوهَا فِي الْكَنِيسَةِ، وَقَيَّدُوا السَّبْيَ فِيهَا، وَأَغْلَقُوا الْبَابَ عَلَيْهِمْ، وَدَفَنُوا الْأَمْوَالَ، ثُمَّ مَضَوْا فِي دَارِ الْحَرْبِ وَجَاءَتْ سَرِيَّةٌ أُخْرَى فَفَتَحُوا بَابَ الْكَنِيسَةِ، وَأَخَذُوا الْأُسَارَى، وَاسْتَخْرَجُوا الْأَمْوَالَ، وَخَرَجُوا بِهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ جَاءَتْ السَّرِيَّةُ الْأُولَى، فَهَذِهِ الْأَمْوَالُ يَشْتَرِك فِيهَا أَهْلُ السَّرِيَّتَيْنِ.\nلِأَنَّ إحْدَاهُمَا أَصَابَتْ وَالْأُخْرَى أَحْرَزَتْهَا بِالدَّارِ.\n٢١٧٨ - فَإِنْ لَمْ تَنْتَهِ السَّرِيَّةُ الثَّانِيَةُ إلَى تِلْكَ الْكَنِيسَةِ حَتَّى خَرَجَتْ السَّرِيَّةُ الْأُولَى إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَتِلْكَ الْأَمْوَالُ كُلُّهَا لِلسَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ خَاصَّةً.\nلِأَنَّ أَهْلَ السَّرِيَّةِ الْأُولَى حِينَ تَرَكُوهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ وَخَرَجُوا فَقَدْ سَقَطَتْ يَدُهُمْ عَنْهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَالْتَحَقَتْ بِسَائِرِ أَمْوَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ، مِمَّا هُوَ ضَائِعٌ لَيْسَ فِي يَدِ إحْدَاهُمَا، فَإِنَّمَا أَصَابَهَا السَّرِيَّةُ الثَّانِيَةُ وَهُمْ الَّذِينَ أَحْرَزُوهَا.","vol":"1","page":1172},{"text":"٢١٧٩ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانُوا لَمْ يَخْرُجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَكِنْ عَلِمَ أَهْلُ الْحَرْبِ بِحَالِ تِلْكَ الْكَنِيسَةِ فَجَاءُوا، وَأَخَذُوا الْأَمْوَالَ مِنْهَا، ثُمَّ جَاءَتْ السَّرِيَّةُ الثَّانِيَةُ فَاسْتَنْقَذُوهَا مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَأَخْرَجُوهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، قَبْلَ أَنْ يَلْتَقُوا مَعَ السَّرِيَّةِ الْأُولَى فَذَلِكَ كُلُّهُ لِلسَّرِيَّةِ الثَّانِيَةِ خَاصَّةً.\nلِأَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ بِالْأَخْذِ صَارُوا مُحْرِزِينَ لَهَا، فَتَلْحَقُ بِسَائِرِ أَمْوَالِهِمْ، الَّتِي لَمْ يَأْخُذْهَا مِنْهُمْ أَحَدٌ، حَتَّى الْآنَ وَقَدْ تَفَرَّدَتْ السَّرِيَّةُ الثَّانِيَةُ خَاصَّةً بِالْأَخْذِ وَالْإِحْرَازِ مِنْهَا.\n٢١٨٠ - وَلَوْ كَانَ بَعْضُ السَّرِيَّةِ الْأُولَى تَرَكَ فِي تِلْكَ الْكَنِيسَةِ شَيْئًا مِنْ مَتَاعِهِ أَيْضًا، فَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهُ أَهْلُ الْحَرْبِ حَتَّى أَخَذَتْهُ السَّرِيَّةُ الثَّانِيَةُ فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَى صَاحِبِهِ، قَبْلَ الْقِسْمَةِ، وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ.\nلِأَنَّهُ وَجَدَ عَيْنَ مَالٍ، فَإِنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ مَا أَحْرَزُوهُ وَلَا عَلِمُوا بِهِ، حَتَّى يَزُولَ مِلْكُهُ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْحَرْبِ قَدْ أَخَذُوهُ ثُمَّ وَجَدَهُ صَاحِبُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِالْقِيمَةِ.\nلِأَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ صَارُوا مُحْرِزِينَ لَهُ بِنَفْسِ الْأَخْذِ، لِكَوْنِهِ فِي دَارِهِمْ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":1173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>[بَابُ مَا يَأْخُذُهُ الرَّجُلُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَيَكُونُ أَهْلُ الْعَسْكَرِ فِيهِ شُرَكَاءَ]</span>\n- بَابُ مَا يَأْخُذُهُ الرَّجُلُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَيَكُونُ أَهْلُ الْعَسْكَرِ فِيهِ شُرَكَاءَ وَمَا لَا يَكُونُ\n٢١٨١ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ صَارَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَأَصَابَ عَسَلًا، أَوْ لُؤْلُؤًا أَوْ جَوْهَرًا، أَوْ مَعْدِنَ ذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ، فَذَلِكَ كُلُّهُ فَيْءٌ.\nلِأَنَّهُ مَالٌ تَمَكَّنَ مِنْ أَخْذِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِقُوَّةِ الْجَيْشِ، وَالْجَيْشُ حِينَ دَخَلُوا فَقَدْ كَانَ قَصْدُهُمْ إعْلَاءَ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِعْزَازَ الدَّيْنِ، فَكُلُّ مَالٍ يَصِلُ إلَى يَدِ بَعْضِهِمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ، بِاعْتِبَارِ قُوَّتِهِمْ، فَهُوَ غَنِيمَةٌ.\nوَتَحْقِيقُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ مَا كَانَ يَتَمَكَّنُ مِنْ إثْبَاتِ الْيَدِ عَلَى هَذَا الْمَالِ مَا لَمْ يَصِلْ إلَى هَذَا الْمَكَانِ، وَمَا وَصَلَ إلَى هَذَا الْمَكَانِ إلَّا بِقُوَّةِ الْجَيْشِ، فَكَانُوا رِدْءًا لَهُ فِي السَّبَبِ الَّذِي يَتَمَكَّنُ بِهِ مِنْ أَخْذِ هَذَا الْمَالِ.\n- وَإِنْ كَانَ بَاعَهُ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ الْأَمِيرُ بِهِ مِنْ تَاجِرٍ، وَأَخَذَ ثَمَنَهُ، فَرَأَى الْإِمَامُ أَنْ يُجِيزَ بَيْعَهُ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الثَّمَنَ فَيَجْعَلُهُ فِي الْغَنِيمَةِ. لِأَنَّ أَهْلَ الْعَسْكَرِ كَانُوا شُرَكَاءَهُ فِيمَا بَاعَ قَبْلَ الْبَيْعِ، فَيَكُونُ لَهُمْ الشَّرِكَةُ فِي الثَّمَنِ أَيْضًا.","vol":"1","page":1174},{"text":"- وَلَوْ كَانَ احْتَشَّ حَشِيشًا وَبَاعَهُ جَازَ ذَلِكَ، وَكَانَ الثَّمَنُ طَيِّبًا لَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ يَسْتَقِي الْمَاءَ عَلَى ظَهْرِهِ أَوْ دَابَّتِهِ فَيَبِيعُهُ. لِأَنَّ الْحَشِيشَ وَالْمَاءَ مُبَاحٌ لَيْسَ مِنْ الْغَنِيمَةِ فِي شَيْءٍ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ - أَثْبَتَ فِيهِمَا شَرِكَةً عَامَّةً بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: فِي الْمَاءِ وَالْكَلَأِ وَالنَّارِ» .\nفَإِذَا لَمْ يَأْخُذْ حُكْمَ الْغَنِيمَةِ بِأَخْذِهِ كَانَ هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِإِحْرَازِهِ، فَيَكُونُ مَمْلُوكًا لَهُ، فَإِذَا بَاعَهُ طَابَ ثَمَنُهُ لَهُ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ.\n- وَلَوْ كَانَ قَطَعَ خَشَبًا أَوْ حَطَبًا وَبَاعَهُ مِنْ تَاجِرٍ فِي الْعَسْكَرِ أَخَذَ الْأَمِيرُ الثَّمَنَ مِنْهُ فَجَعَلَهُ فِي الْغَنِيمَةِ. لِأَنَّ الْحَطَبَ وَالْخَشَبَ مَالٌ مَمْلُوكٌ فَيَكُونُ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ.\nأَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَخَذَ مِنْ أَرْضِ رَجُلٍ كَلَأً أَوْ مِنْ بِئْرِهِ مَاءً فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ، وَلَوْ بَاعَهُ كَانَ الثَّمَنُ طَيِّبًا لَهُ، فَإِذَا أَخَذَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَهُ.\nوَلَوْ أَخَذَ خَشَبًا أَوْ حَطَبًا مِنْ شَجَرٍ نَابِتَةٍ فِي أَرْضٍ، لَمْ يُنْبِتْهُ أَحَدٌ كَانَ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَحَقَّ بِهِ حَتَّى لَوْ بَاعَهُ الْآخِذُ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ، وَلَوْ اسْتَهْلَكَهُ ضَمِنَ قِيمَتَهُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ.\nفَتَبَيَّنَ أَنَّ الْحَطَبَ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الْأَمْوَالِ الَّتِي يَتَحَقَّقُ فِيهَا الْإِحْرَازُ بِالْمَكَانِ، وَأَنَّ الْكَلَأَ وَالْمَاءَ لَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ فِيهِمَا، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْإِحْرَازُ فِيهِمَا بِالْيَدِ خَاصَّةً.\n- وَلَوْ كَانَ بَاعَ الْحَطَبَ مِنْ جُنْدِيٍّ لِلْوَقُودِ أُمِرَ بِرَدِّ الثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي.","vol":"1","page":1175},{"text":"لِأَنَّ مَا بَاعَ كَانَ مِنْ الْغَنِيمَةِ، وَالْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي فِي الِانْتِفَاعِ بِهِ عَلَى السَّوَاءِ فَلِهَذَا يَلْزَمُهُ رَدُّ الثَّمَنِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَهُ مِنْ تَاجِرٍ.\n- وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ طَعَامًا مِنْ الْحِنْطَةِ وَالْعَسَلِ، أَوْ عَلَفَ الدَّوَابِّ، مِنْ الشَّعِيرِ، وَالْقَتِّ، وَالتِّبْنِ فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْغَانِمِينَ حَقُّ الِانْتِفَاعِ بِهِ. وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْقَتَّ مِنْ جُمْلَةِ الْأَشْجَارِ لَا مِنْ الْحَشِيشِ، حَتَّى لَوْ أَخَذَهُ مِنْ أَرْضِ غَيْرِهِ فَلِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ مِنْهُ.\nقَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: وَكَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - ﵀ - يُفْتِي بِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْحَشِيشِ، فَإِنَّهُ تَافِهٌ لَا قِيمَةَ لَهُ قَبْلَ الْأَخْذِ، فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ، وَلَكِنَّ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ - ﵀ - أَصَحُّ، فَإِنَّ الْحَشِيشَ مَا يَنْبُتُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَلَا يَقُومُ عَلَى سَاقٍ، وَالشَّجَرَ مَا يَقُومُ عَلَى سَاقٍ وَالْقَتَّ مِنْ جِنْسِ مَا يَنْبُتُ عَلَى سَاقٍ.\n- وَقِيلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦] النَّجْمُ مَا يَنْتَشِرُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَالشَّجَرُ مَا يَنْبُتُ عَلَى سَاقٍ، وَالْقَتُّ مِنْ جِنْسِ مَا يَنْبُتُ عَلَى سَاقٍ، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الشَّجَرِ.\n\n- وَلَوْ ظَفِرَ أَهْلُ الْعَسْكَرِ بِحَشِيشٍ لِلْمُشْرِكَيْنِ، قَدْ احْتَشَوْهُ وَأَحْرَزُوهُ، فَأَخَذَ ذَلِكَ رَجُلٌ وَبَاعَهُ، وَاسْتَهْلَكَهُ الْمُشْتَرِي، فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي تَاجِرًا كَانَ الثَّمَنُ فِي الْغَنِيمَةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ كَانَ الثَّمَنُ مَرْدُودًا عَلَيْهِ.","vol":"1","page":1176},{"text":"لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا أَحْرَزُوا هَذَا وَمَلَكُوهُ، فَإِذَا ظَفِرَ بِهِ الْعَسْكَرُ فَأَخَذُوهُ كَانَ فِي حُكْمِ الْغَنِيمَةِ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ مِمَّا لَمْ يُحْرِزْهُ أَحَدٌ حَتَّى أَخَذَهُ هَذَا الْبَائِعُ وَأَحْرَزَهُ.\n- وَلَوْ كَانَ فِي الْجُنْدِ تَاجِرٌ وَجَدَ فِي دَارِ الْحَرْبِ مِنْ هَذَا الْخَشَبِ الخلنج فَعَمِلَ مِنْهُ قِصَاعًا وَأَخْوِنَةً ثُمَّ أَخْرَجَهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَأْخُذُ ذَلِكَ وَيَبِيعُهُ وَيَنْظُرُ إلَى قِيمَةِ الْخَشَبِ، غَيْرَ مَعْمُولٍ، وَإِلَى قِيمَتِهِ مَعْمُولًا، فَيَقْسِمُ الثَّمَنَ عَلَى ذَلِكَ، وَيُعْطِيهِ حِصَّةَ عَمَلِهِ، وَيَجْعَلُ الْبَاقِي فِي الْغَنِيمَةِ. لِأَنَّ الْخَشَبَ الَّذِي أَخَذَهُ قَبْلَ الْعَمَلِ كَانَ مَالًا مُتَقَوِّمًا، فَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ ثُمَّ هَذِهِ الصَّنْعَةُ فِيهَا مِنْهُ اسْتِهْلَاكٌ مِنْ وَجْهٍ، وَلِهَذَا لَوْ فَعَلَهُ الْغَاصِبُ بِالْمَغْصُوبِ كَانَ مُتَمَلِّكًا لَهُ بِالضَّمَانِ، إلَّا أَنَّ هَا هُنَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الْغَاصِبُ ضَامِنًا؛ لِأَنَّ اسْتِهْلَاكَ الْغَنَائِمِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يُوجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانَ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا لَا يَمْلِكُ أَصْلَ الْخَشَبِ، ثُمَّ الصَّنْعَةُ الَّتِي اتَّصَلَتْ بِهِ حَقُّهُ لَيْسَ مِنْ الْغَنِيمَةِ فِي شَيْءٍ، وَأَصْلُ الْخَشَبِ غَنِيمَةٌ وَلَا يُمْكِنُ تَمَيُّزُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ بِالْقِسْمَةِ، فَيُصَارُ فِيهِ إلَى الْبَيْعِ، وَقِسْمَةُ الثَّمَنِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ هَبَّتْ الرِّيحُ عَلَى ثَوْبِ إنْسَانٍ وَأَلْقَتْهُ فِي صِبْغِ غَيْرِهِ فَانْصَبَغَ، ثُمَّ أَبَى صَاحِبُ الثَّوْبِ أَنْ يَغْرَمَ لِصَاحِبِ الصِّبْغِ قِيمَةَ صِبْغِهِ.\nوَعَلَى هَذَا لَوْ أَخَذَ جُلُودَ الْغَنَمِ الَّتِي كَانَتْ تُذْبَحُ","vol":"1","page":1177},{"text":"فَجَعَلَهَا فَرْوًا، أَوْ اصْطَادَ سَمَكًا وَمَلَّحَهُ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي قُلْنَا يَجْمَعُ الْفُصُولَ كُلَّهَا.\n- وَلَوْ كَانَ الَّذِي عَمِلَ ذَلِكَ عَمَلًا بَعْدَ إخْرَاجِ الْغَنَائِمِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَهُوَ ضَامِنٌ قِيمَةَ الْخَشَبِ، وَكَانَ الْمَعْمُولُ لَهُ. لِأَنَّ بَعْدَ الْإِحْرَازِ هُوَ ضَامِنٌ لِمَا يُسْتَهْلَكُ مِنْ الْمَالِ، فَيَتَمَلَّكُ مَحَلَّ الْعَمَلِ بِالضَّمَانِ، قَبْلَ الْعَمَلِ، ثُمَّ إنَّمَا اتَّخَذَ الْمَعْمُولَ مِنْ مِلْكِ نَفْسِهِ.\n- وَعَلَى هَذَا لَوْ قُسِمَتْ الْغَنَائِمُ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ أَخَذَ الْخَشَبَ مِمَّنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ وَعَمِلَ ذَلِكَ مِنْهُ. لِأَنَّهُ صَارَ [غَاصِبًا] ضَامِنًا، وَبِالْعَمَلِ صَارَ مُسْتَهْلِكًا لَهُ مِنْ وَجْهٍ، فَيُقَرَّرُ عَلَيْهِ ضَمَانُ قِيمَتِهِ لِصَاحِبِهِ.\nوَأَوْضَحَ هَذَا الْفَرْقَ بِمَا لَوْ أَخَذَ جُلُودًا ذَكِيَّةً لِرَجُلٍ فَدَبَغَهَا وَجَعَلَهَا فَرْوًا كَانَ الْفَرْوُ لَهُ، وَغَرِمَ قِيمَةَ الْجُلُودِ لِصَاحِبِهَا؛ لِأَنَّ الْمَغْصُوبَ مَالٌ مَضْمُونٌ قَبْلَ الْعَمَلِ.\n- وَلَوْ أَخَذَ جُلُودًا مَيِّتَةً فَدَبَغَهَا وَجَعَلَهَا فَرْوًا قُوِّمَ الْفَرْوُ جِلْدًا غَيْرَ مَعْمُولٍ وَقُوِّمَ مَعْمُولًا، فَإِنْ شَاءَ الْعَامِلُ أَعْطَاهُ قِيمَةَ","vol":"1","page":1178},{"text":"جِلْدِهِ ذَكِيًّا غَيْرَ مَعْمُولٍ، وَإِنْ شَاءَ بِيعَ الْفَرْوُ وَقُسِّمَ ثَمَنُهُ عَلَى قِيمَةِ الْجِلْدِ ذَكِيًّا غَيْرَ مَعْمُولٍ، وَعَلَى قِيمَتِهِ (فَرْوًا) مَعْمُولًا.\nلِأَنَّ الْغَاصِبَ لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا لِلْجِلْدِ هَا هُنَا وَإِنَّهُ مَا كَانَ مُتَقَوِّمًا قَبْلَ الدَّبْغِ، وَلَوْ كَانَ دَبَغَ [الْجِلْدَ] دِبَاغًا لَا يَزِيدُ فِيهِ شَيْئًا أَخَذَهُ صَاحِبُهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ دَبَغَهُ بِمَا لَهُ قِيمَةٌ، وَلَكِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ حَالِهِ، فَلِصَاحِبِ الْجِلْدِ أَنْ يَأْخُذَهُ، وَيُعْطِيَهُ مَا زَادَ الدَّبْغُ فِيهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَةَ جِلْدِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اسْتَهْلَكَهُ قَبْلَ الدَّبْغِ لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا.\n٢٢٩٣ - فَكَذَلِكَ حُكْمُ الْغَنَائِمِ قَبْلَ الْأَحْرَازِ إذَا صَنَعَ مِنْهَا شَيْئًا أَلَا تَرَى أَنَّ وَاحِدًا مِنْ الْعَسْكَرِ فِي أَرْضِ التُّرْكِ لَوْ أَصَابَ دَوَابَّ مِنْ هَذِهِ السُّمُورِ مَوْتَى فَسَلَخَهَا ثُمَّ دَبَغَهَا وَجَعَلَ مِنْهَا فَرْوًا يُسَاوِي أَلْفَ دِينَارٍ ثُمَّ أَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ مَا تَمَكَّنَ مِنْهُ إلَّا بِقُوَّةِ الْجَيْشِ، فَلَا يَسْلَمُ لَهُ وَلَكِنَّهُ يُبَاعُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.\n٢١٩٤ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَصَابَ مَعْدِنَ نُحَاسٍ أَوْ رَصَاصٍ فَجَعَلَ مِنْهُ أَبَارِيقَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَعْدِنَ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَاِتَّخَذَ مِمَّا اسْتَخْرَجَ مِنْهُ الْأَبَارِيقَ.","vol":"1","page":1179},{"text":"فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - ﵀ - فَأَمَّا فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: يُؤْخَذُ مِنْهُ أَبَارِيقُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَيُرَدُّ فِي الْغَنِيمَةِ، وَلَا شَيْءَ لَهُ بِسَبَبِ صَنْعَتِهِ، بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِ أَنَّهُ لَا يَعْتَبِرُ الصَّنْعَةَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَصِيرُ الْعَيْنُ بِهَا فِي حُكْمِ الْمُسْتَهْلَكِ، كَمَا قَالَ فِيمَنْ غَصَبَ نُقْرَةً وَاتَّخَذَ مِنْهَا قَلْبًا وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ","vol":"1","page":1180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>[بَابُ التُّجَّارِ وَغَيْرِهِمْ مَا يَحِلُّ لَهُمْ مِنْ الْغَنِيمَة]</span>\n٢١٩٥ - قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَنْ لَا شَرِكَةَ لَهُ فِي الْغَنِيمَةِ بِسَهْمٍ أَوْ رَضْخٍ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ تَنَاوُلُ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ مِنْ الْغَنِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جُمْلَةِ الْغُزَاةِ، وَحِلُّ ذَلِكَ لِلْغُزَاةِ كَانَ بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ، فَإِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى حَمْلِهَا مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَا يَجِدُونَهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ شِرَاءً؛ لِأَنَّهُمْ مُقَاتِلُونَ لِلْعَدُوِّ، لَا مُعَامِلُونَ مَعَهُمْ.\n٢١٩٦ - فَأَمَّا التُّجَّارُ لَا تَتَحَقَّقُ الضَّرُورَةُ فِي حَقِّهِمْ. لِأَنَّهُمْ يَجِدُونَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الشِّرَاءِ.\n٢١٩٧ - ثُمَّ الْغُزَاةُ يَتَقَوَّوْنَ بِمَا يَأْكُلُونَ وَيَعْلِفُونَ دَوَابَّهُمْ عَلَى نُصْرَةِ الدِّينِ وَتَحْصِيلِ الْغَنَائِمِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِخِلَافِ التُّجَّارِ.\nوَمَعَ هَذَا لَا ضَمَانَ عَلَى التُّجَّارِ فِيمَا أَكَلُوا مِنْ ذَلِكَ فِي دَارِ الْحَرْبِ. لِأَنَّهُمْ لَوْ اسْتَهْلَكُوا ذَلِكَ لَا عَلَى وَجْهِ الِانْتِفَاعِ لَمْ يَضْمَنُوا فَعَلَى وَجْهِ الِانْتِفَاعِ أَوْلَى.","vol":"1","page":1181},{"text":"٢١٩٨ - وَكَمَا أَنَّ لِلْغُزَاةِ أَنْ يَتَنَاوَلُوا مِنْ ذَلِكَ فَلَهُمْ أَنْ يُطْعِمُوا مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ نَفَقَتُهُ مِنْ الْعَبِيدِ وَالنِّسَاءِ وَالْأَوْلَادِ، إذَا كَانُوا مَعَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ. لِأَنَّ حَاجَةَ هَؤُلَاءِ إلَى النَّفَقَةِ كَحَاجَةِ أَنْفُسِهِمْ، وَلَوْ لَمْ يُطْعِمُوهُمْ مِنْ الْغَنِيمَةِ احْتَاجُوا إلَى أَنْ يَكْتَسِبُوا لِإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ.\n٢١٩٩ - وَمَا كَانَ مِنْ أَجِيرٍ لَا يُقَاتِلُ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرْزَأَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُ لَا نَصِيبَ لَهُ فِي الْغَنِيمَةِ، وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَوْجِبٍ نَفَقَتَهُ عَلَى مَنْ اسْتَأْجَرَهُ، وَإِنَّمَا لَهُ الْأَجْرُ فَقَطْ.\n٢٢٠٠ - وَالْمَدَدُ إذَا لَحِقَ الْجَيْشَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ فَلَهُمْ أَنْ يَتَنَاوَلُوا مِنْ ذَلِكَ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ؛ لِأَنَّهُمْ شُرَكَاءُ الْجَيْشِ فِي الْغَنِيمَةِ بَعْدَ مَا لَحِقُوا بِهِمْ.\n٢٢٠١ - فَإِنْ قُسِمَتْ الْغَنِيمَةُ أَوْ بِيعَتْ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا (بِدُونِ إذْنِ مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ ضَامِنًا لَهُ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ أَمْلَاكِهِ.\n\nوَلَوْ أَخَذَ جُنْدِيٌّ شَيْئًا) مِنْ طَعَامِ الْغَنِيمَةِ فَأَهْدَاهُ إلَى تَاجِرٍ فِي الْعَسْكَرِ، لَا يُرِيدُ الْقِتَالَ، لَمْ يُسْتَحَبَّ لِلتَّاجِرِ أَنْ يَأْكُلَ ذَلِكَ.","vol":"1","page":1182},{"text":"لِأَنَّ التَّنَاوُلَ مِنْهُ مُبَاحٌ لِلْجُنْدِيِّ وَذَلِكَ لَا يَتَعَدَّى إلَى الْإِهْدَاءِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الْمُبَاحَ لَهُ الطَّعَامُ لَا يَمْلِكُ أَنْ يُهْدِيَهُ إلَى غَيْرِهِ؟\nوَلِأَنَّ الْإِبَاحَةَ لِلْجُنْدِيِّ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ فِي الْإِهْدَاءِ إلَى الْغَيْرِ، وَإِذَا سَقَطَ اعْتِبَارُ إهْدَائِهِ كَانَ هَذَا وَمَا لَوْ أَخَذَهُ التَّاجِرُ بِنَفْسِهِ مِنْ الْغَنِيمَةِ سَوَاءٌ، وَيَسْتَوِي أَنْ لَوْ كَانَ الْجُنْدِيُّ الْمُهْدِي هُوَ الَّذِي أَتَى بِذَلِكَ الطَّعَامِ مِنْ بَعْضِ الْمَطَامِيرِ أَوْ غَيْرُهُ أَتَى بِهِ؛ لِأَنَّهُ غَنِيمَةٌ فِي الْوَجْهَيْنِ.\n٢٢٠٢ - بِخِلَافِ مَا لَوْ احْتَشَّ الْجُنْدِيُّ أَوْ اسْتَقَى مَاءً ثُمَّ بَعَثَ بِهِ إلَى تَاجِرٍ فَلَا بَأْسَ لِلتَّاجِرِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ. لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ الْغَنِيمَةِ، وَقَدْ صَارَ مِلْكًا خَالِصًا لِمَنْ أَحْرَزَهُ، فَلَهُ أَنْ يُهْدِيَهُ إلَى مَنْ أَحَبَّ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِغَيْرِ رِضَاهُ وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ؟ بِخِلَافِ الطَّعَامِ فَإِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الَّذِي جَاءَ بِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا إلَيْهِ فَلَا بَأْسَ لِغَيْرِهِ مِنْ الْغُزَاةِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ مِقْدَارَ حَاجَتِهِ؟\n٢٢٠٣ - وَإِنْ كَانَ الْآخِذُ مُحْتَاجًا إلَيْهِ فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ رِضَاهُ.","vol":"1","page":1183},{"text":"لِأَنَّهُ إنَّمَا يَأْخُذُهُ لِحَاجَتِهِ، وَقَدْ تَعَيَّنَ لِحَاجَةِ صَاحِبِهِ، وَبَعْدَ مَا اسْتَوَيَا فِي الْمَعْنَى، التَّرْجِيحُ يَقَعُ بِالسَّبْقِ، وَقَدْ سَبَقَتْ يَدُهُ إلَيْهِ فَكَانَ هُوَ أَحَقَّ بِهِ عَمَلًا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -: «مِنًى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ» .\nوَاسْتِدْلَالًا بِمَنْ حَضَرَ الْجَامِعَ، وَجَلَسَ فِي مَوْضِعٍ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ أَنْ يُزْعِجَهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِيَجْلِسَ فِيهِ بِنَفْسِهِ.\n٢٢٠٤ - وَالدَّلِيلُ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْحَشِيشِ وَالطَّعَامِ أَنَّ الْحَشِيشَ لَوْ أَخَذَهُ إنْسَانٌ مِنْ الْمُحْرِزِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَاسْتَهْلَكَهُ كَانَ ضَامِنًا لَهُ، وَالطَّعَامُ لَوْ أَخَذَهُ جُنْدِيٌّ أَوْ تَاجِرٌ مِمَّنْ جَاءَ بِهِ فَاسْتَهْلَكَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَمَانٌ لَهُ.\nلِأَنَّهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ، وَالْغَنِيمَةُ لَا تُضْمَنُ بِالِاسْتِهْلَاكِ فِي دَارِ الْحَرْبِ.\n\n- وَلَوْ أَنَّ جُنْدِيًّا ذَبَحَ شَاةً مِنْ الْغَنِيمَةِ فَسَلَخَهَا وَطَبَخَ لَحْمَهَا، أَوْ أَخَذَ حِنْطَةً مِنْ الْغَنِيمَةِ [فَطَحَنَهَا وَخَبَزَهَا] ثُمَّ دَعَا تَاجِرًا إلَى طَعَامِهِ حَتَّى أَكَلَهُ مَعَهُ، أَوْ أَهْدَاهُ إلَيْهِ لَمْ أَرَ بَأْسًا بِذَلِكَ. لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَهْلَكَ طَعَامَ الْغَنِيمَةِ بِمَا صَنَعَ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الْغَاصِبَ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِمِلْكِ الْغَيْرِ كَانَ مُتَمَكِّنًا ضَامِنًا","vol":"1","page":1184},{"text":"لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ، فَإِذَا فَعَلَهُ بِالْغَنِيمَةِ أَوْلَى أَنْ يَصِيرَ مُتَمَلِّكَهُ.\nثُمَّ الْمِلْكُ يُطْلِقُ لَهُ الْإِبَاحَةَ وَالْإِهْدَاءَ إلَى الْغَيْرِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ الطَّعَامُ عَنْ حَالِهِ، وَاَلَّذِي يُوَضِّحُ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا، أَنَّ بَعْدَ التَّغَيُّرِ لَوْ جَاءَهُ إنْسَانٌ فَأَتْلَفَهُ كَانَ ضَامِنًا لَهُ، وَقَبْلَ ذَلِكَ لَوْ أَتْلَفَهُ إنْسَانٌ لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا، ثُمَّ مَبْنَى الطَّعَامِ الْمُهَيَّأِ لِلْأَكْلِ عَلَى التَّوَسُّعِ فِيهِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ إذَا صَنَعَ طَعَامًا فَدَعَا إلَيْهِ غَيْرَهُ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ لَمْ يَكُنْ بِأَكْلِ ذَلِكَ بَأْسٌ وَكَسْبُهُ مَمْلُوكٌ لِمَوْلَاهُ، فَهَذَا الَّذِي لَا مِلْكَ فِيهِ لِأَحَدٍ يَكُونُ أَيْسَرَ مِنْهُ لَا مَحَالَةَ.\n\n- وَلَوْ أَنَّ تَاجِرًا ذَهَبَ مَعَ الْجُنْدِ إلَى بَعْضِ الْمَطَامِيرِ وَهِيَ نَائِيَةٌ عَنْ الْعَسْكَرِ فَجَاءَ مِنْهَا بِطَعَامٍ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْكُلَ مِنْ ذَلِكَ وَيَعْلِفَ دَابَّتَهُ. لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَصَابَهُ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ حَقُّ سَائِرِ الْغَانِمِينَ فِيهِ بِإِصَابَتِهِ، فَلَا يَكُونُ حَقُّهُمْ فِي ذَلِكَ مَانِعًا لَهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَصَابَ مَالًا آخَرَ كَانَ هُوَ شَرِيكًا فِي ذَلِكَ الْمَالِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرِيكًا لَهُمْ فِيمَا أَحْرَزُوهُ دُونَهُ وَكَذَلِكَ فِي الطَّعَامِ، وَلِذَلِكَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ مِنْ مَوْضِعٍ بَعِيدٍ.\nلِأَنَّ مَا كَانَ بِالْقُرْبِ مِنْ الْعَسْكَرِ فَقَدْ صَارَ مَأْخُوذًا بِقُوَّةِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ قَبْلَ إصَابَتِهِ، فَهُوَ نَظِيرُ الْمُحْرَزِ بِأَخْذِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ دُونَهُ.\n\n- وَالْغَنَمُ وَالْبَقَرُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَطْعِمَةِ، لَا بَأْسَ لِكُلِّ","vol":"1","page":1185},{"text":"وَاحِدٍ مِنْ الْغَانِمِينَ أَنْ يَذْبَحَهُ وَيَتَنَاوَلَ مِنْهُ لِحَاجَتِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ مَا لَمْ يَخْرُجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَأَمَّا بَعْدَ الْخُرُوجِ فَلَا يَحِلُّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إلَّا عِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ بِشَرْطِ الضَّمَانِ. لِأَنَّ الْحَقَّ يَتَأَكَّدُ فِي الْغَنِيمَةِ بِالْإِحْرَازِ، فَحُكْمُ الشَّرِكَةِ يَتَقَرَّرُ فِي الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ بِتَأَكُّدِ الْحَقِّ، كَمَا يَتَقَرَّرُ الْمِلْكُ بِالْقِسْمَةِ وَالْحَقُّ بِالْبَيْعِ.\n٢٢٠٨ - وَإِنْ كَانُوا فُصِلُوا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، وَلَكِنَّهُمْ فِي الدَّرْبِ بَعْدُ، فِي مَوْضِعٍ لَا يَأْمَنُ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ إلَّا بِالْجُنْدِ الْعَظِيمِ، وَلَا يَقْدِرُ أَهْلُ الْحَرْبِ عَلَى الْمُقَامِ فِيهِ أَيْضًا، فَهَذَا وَمَا لَوْ كَانُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ سَوَاءٌ، فِي إبَاحَةِ تَنَاوُلِ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ. لِأَنَّ هَذِهِ الْبِقَاعَ كَانَتْ فِي يَدِ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَكُلُّ مَوْضِعٍ لَا يَأْمَنُ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْمُقَامِ فِيهِ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى مَا كَانَ.\nوَلِأَنَّ إبَاحَةَ التَّنَاوُلِ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ، وَالْحَاجَةُ مُتَحَقِّقَةٌ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، لِعَوَزِ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ فِيهِ بِالشِّرَاءِ.\n٢٢٠٩ - فَإِذَا أُخْرِجُوا إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَأْمَنُ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ فَقَدْ ارْتَفَعَتْ الْحَاجَةُ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَتَنَاوَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا مِنْ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ.\n٢٢١٠ - قَالَ: (ثُمَّ مَا دَامُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا فَرْقَ فِي إبَاحَةِ","vol":"1","page":1186},{"text":"التَّنَاوُلِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْمُتَنَاوَلِ طَعَامٌ كَثِيرٌ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ وَبَيْنَ أَلَّا يَكُونَ. لِأَنَّ بِاعْتِبَارِ الْحَاجَةِ صَارَ الطَّعَامُ مُسْتَثْنًى مِنْ شَرِكَةِ الْغَنِيمَةِ، مَا دَامُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ، بَاقِيًا عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ، وَبِاعْتِبَارِ بَقَائِهِ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ يَسْتَوِي فِي الِانْتِفَاعِ بِهِ الْمُسْتَغْنِي عَنْهُ وَالْمُحْتَاجُ إلَيْهِ.\n\n- قَالَ: وَإِذَا ذَبَحُوا غَنَمًا أَوْ بَقَرًا لِلْأَكْلِ فَلْيَرُدُّوا، جُلُودَهَا فِي الْغَنِيمَةِ. لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ مَصْلَحَةِ الْأَكْلِ، خُصُوصًا بَعْدَ مَا جَفَّ، وَيَسْتَوِي فِي إبَاحَةِ التَّنَاوُلِ مَا يُؤْكَلُ عَلَى سَبِيلِ الْغِذَاءِ عَادَةً، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يَكُونُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَوْ مِمَّا يُنْقَلُ إلَيْهِ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِيهِ بِخِلَافِ بَعْضِ أَهْلِ الشَّامِ فِي هَذَا.\n\n- وَمَا يَكُونُ مِنْ التَّوَابِلِ لِلْقُدُورِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا يَتَغَدَّى بِهِ لِأَنَّهُ مَأْكُولٌ فِي النَّاسِ عَادَةً.\n٢٢١٣ - وَمَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ فِي الْوُقُودِ فَالْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِي الطَّعَامِ. لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَيْهِ مَعْلُومٌ وُقُوعُهَا، وَإِصْلَاحُ الطَّعَامِ لِلْأَكْلِ لَا يَكُونُ إلَّا بِهِ.\n\n- وَكُلُّ مَا يَجُوزُ أَنْ يُوقِدُوا بِهِ لِطَبْخِهِمْ مِنْ أَنْوَاعِ الْحَطَبِ فَكَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ لِبَرْدٍ أَصَابَهُمْ.","vol":"1","page":1187},{"text":"لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ أُصُولِ حَوَائِجِهِمْ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ أَوْقَدُوا لِلطَّبْخِ لَمْ يُمْنَعُوا مِنْ الِاصْطِلَاءِ بِهَا؟\n٢٢١٥ - فَكَذَلِكَ إذَا أَوْقَدُوا لِلِاصْطِلَاءِ بِهَا فِي الِابْتِدَاءِ،\n\nوَكُلُّ مَا يَكُونُ مِنْ الْأَدْهَانِ لَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا كَالزَّيْتِ وَنَحْوِهِ وَلَهُمْ أَنْ يَسْتَصْبِحُوا بِهِ.\nلِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ بِالْعَيْنِ عَلَى وَجْهٍ يَصِيرُ مُسْتَهْلِكًا فِيهِ مِنْ الْوَجْهَيْنِ، فَأَمَّا الْبِزْرُ لِلسِّرَاجِ فَهُوَ كَالْحَطَبِ لِلْوَقُودِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعْلَمُ وُقُوعَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، فَيَكُونُ مُسْتَثْنًى مِنْ شَرِكَةِ الْغَنِيمَةِ.\n٢٢١٦ - فَأَمَّا الْبَنَفْسَجُ وَالْخَيْرِيُّ وَالزَّنْبَقُ فَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَسْتَصْبِحُوا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِمَّا يُؤْكَلُ عَادَةً.\nلِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُمْ الِادِّهَانُ بِهِ، إذْ الِادِّهَانُ لَيْسَ مِنْ أُصُولِ الْحَوَائِجِ، فَهُوَ كَالْغَالِيَةِ وَالطِّيبِ لَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَتَطَيَّبُوا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ أُصُولِ حَوَائِجِهِمْ، فَإِذَا لَمْ يَحِلَّ الِادِّهَانُ بِهِ فَالِاسْتِصْبَاحُ بِهِ أَوْلَى.","vol":"1","page":1188},{"text":"وَكَذَلِكَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَنَاوَلُوا شَيْئًا مِنْ الزَّنْجَبِيلِ الْمُرَبَّى وَالْإِهْلِيلِجِ الْمُرَبَّى وَكَذَلِكَ مِنْ سَائِرِ الْأَدْوِيَةِ الَّتِي تُؤْخَذُ، وَقَدْ صَنَعَهَا الْعَدُوُّ لِأَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ بِأَطْعِمَةِ النَّاسِ. يَعْنِي أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أُصُولِ الْحَوَائِجِ، وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَا بَقَاءُ النَّفْسِ، فَلَا تَكُونُ مُسْتَثْنًى مِنْ شَرِكَةِ الْغَنِيمَةِ، بِخِلَافِ الطَّعَامِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تَسْتَوْجِبُ عَلَى زَوْجِهَا بِعَقْدِ النِّكَاحِ النَّفَقَةَ، وَلَا تَسْتَوْجِبُ عَلَيْهِ الدَّوَاءَ.\n٢٢١٨ - إلَّا أَنْ يَبِيعَ الْإِمَامُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ لَهُ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ. لِأَنَّهُ اخْتَصَّ بِمِلْكِهِ حِينَ بَاشَرَ سَبَبَهُ.\n٢٢١٩ - فَإِنْ وَجَدَ شَيْئًا مِنْ الْأَدْوِيَةِ نَابِتًا فِي أَرْضِهِمْ فَأَخَذَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ لِلْمَأْخُوذِ قِيمَةٌ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ، فَلَا يَنْتَفِعُ بِشَيْءٍ مِنْهُ. لِأَنَّ مَأْخُوذَهُ وَمَأْخُوذَ غَيْرِهِ فِيمَا هُوَ مِنْ الْغَنِيمَةِ سَوَاءٌ.\n- وَإِنْ كَانَ شَيْئًا لَا قِيمَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَدَاوَى بِهِ.","vol":"1","page":1189},{"text":"لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْحَشِيشِ فِي جَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَقَوِّمًا، وَإِنْ كَانَ لَوْ نَقَلَهُ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ يَصِيرُ مُتَقَوِّمًا.\n\n- وَعَلْفُ الدَّوَابِّ فِيمَا ذَكَرْنَا قِيَاسُ طَعَامِ بَنَى آدَمَ. لِأَنَّ حَاجَةَ الْغَازِي إلَى عَلْفِ دَابَّتِهِ أَصْلِيَّةٌ، بِمَنْزِلَةِ حَاجَتِهِ إلَى الطَّعَامِ.\n٢٢٢٢ - وَمَا جَازَ لَهُ أَكْلُهُ جَازَ أَنْ يَعْلِفَ دَابَّتَهُ أَيْضًا.\nأَلَا تَرَى أَنَّ السَّمْنَ لَمَّا جَازَ لَهُ أَكْلُهُ جَازَ لَهُ أَنْ يُوَقِّحَ دَابَّتَهُ، وَكَذَلِكَ لَا بَأْسَ لَهُ بِأَنْ يَنْتَفِعَ بِالْخَلِّ؛ لِأَنَّهُ مَطْعُومٌ، وَهُوَ إدَامُ الطَّعَامِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ التَّوَابِلِ فِي إصْلَاحِ الْمَرَقَةِ بِهِ، فَأَمَّا الثِّيَابُ وَالْأَوَانِي وَسَائِرُ الْأَمْوَالِ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَنْتَفِعَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّ حَاجَتَهُ إلَى الِانْتِفَاعِ بِهِ غَيْرُ مَعْلُومٍ وُقُوعُهَا، فَلَا يَصِيرُ مُسْتَثْنًى مِنْ شَرِكَةِ الْغَنِيمَةِ وَلَا يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ، إلَّا عِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ، فَإِنَّ عِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِمِلْكِ الْغَيْرِ، فَلَأَنْ يَجُوزَ الِانْتِفَاعُ بِالْغَنِيمَةِ أَوْلَى.\n٢٢٢٣ - ثُمَّ إذَا ذَهَبَتْ الضَّرُورَةُ يَرُدُّهُ فِي الْغَنِيمَةِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي النُّقْصَانِ - بِخِلَافِ مِلْكِ الْغَيْرِ، فَإِنَّ هُنَاكَ يَضْمَنُ بِالِاسْتِهْلَاكِ، وَيَضْمَنُ بِإِدْخَالِ النُّقْصَانِ فِيهِ بِاسْتِعْمَالِهِ، أَمَّا الْغَنِيمَةُ [فَلَا] يَضْمَنُهَا بِالِاسْتِهْلَاكِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، إلَّا أَنَّ فِي","vol":"1","page":1190},{"text":"الِاسْتِهْلَاكِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ يُؤَدِّبُهُ الْأَمِيرُ، وَعِنْدَ الْحَاجَةِ يُعَذِّرُهُ.\nوَالضَّرُورَةُ فِي الثِّيَابِ أَنْ يُصِيبَهُ الْبَرْدُ، حَتَّى يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ، وَفِي الْأَوَانِي بِأَنْ يَحْتَاجَ إلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِيهَا، وَلَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.\nوَكَذَلِكَ رُكُوبُ الدَّابَّةِ، فَقَدْ جَاءَ فِي الْأَثَرِ أَنَّ «رُكُوبَ دَوَابِّ الْغَنِيمَةِ مِنْ الْغُلُولِ»، فَإِنْ وَجَدَ حِمَارًا أَوْ فَرَسًا أَوْ بَغْلًا أَوْ بِرْذَوْنًا، وَلَا حَاجَةَ بِهِ إلَى رُكُوبِهَا بِأَنْ كَانَ عِنْدَهُ غَيْرُهَا، أَوْ كَانَ رَاجِلًا وَلَكِنْ لَمْ يَلْحَقْهُ عَنَاءٌ شَدِيدٌ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْكَبَهَا، وَإِنْ رَكِبَ شَيْئًا مِنْهَا لِيَسْقِيَهَا أَوْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا عَلَفًا، أَوْ عَلَفَ الْغَنِيمَةَ فَلَا بَأْسَ بِهِ. لِأَنَّ هَذَا مِنْ حَاجَةِ مَا هُوَ غَنِيمَةٌ، وَهَذِهِ الدَّالَّةُ فِي نَفْسِهَا غَنِيمَةٌ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْكَبَهَا بِحَاجَةِ نَفْسِهِ.\n- وَلَا يَحْمِلُ عَلَيْهَا شَيْئًا مِنْ مَتَاعِهِ أَوْ عَلَفِ دَوَابِّهِ الَّتِي يَمْلِكُهَا، وَلَا يُقَاتِلُ عَلَيْهَا أَيْضًا حَتَّى تَجِيءَ الضَّرُورَةُ. وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ الْأَثَرِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْغُلُولِ.\n- وَالضَّرُورَةُ فِي الرُّكُوبِ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَعْيَا وَهُوَ يَخَافُ الْعَدُوَّ إنْ لَمْ يَرْكَبْ، أَوْ لَا يَخَافُ الْعَدُوَّ وَلَكِنَّهُ قَدْ","vol":"1","page":1191},{"text":"بَلَغَ مِنْهُ الْجُهْدُ، بِحَيْثُ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ يَكُونُ قَدْ قَتَلَ فَرَسَهُ فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُقَاتِلَ رَاجِلًا، فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَرْكَبَهُ، وَإِنْ تَلِفَ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا فِي الْحُكْمِ وَلَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى. لِأَنَّ الرُّكُوبَ مُبَاحٌ لَهُ شَرْعًا.\n٢٢٢٦ - بِخِلَافِ مَا يَسْتَهْلِكُهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ ضَامِنًا فِي الْحُكْمِ لِعَدَمِ تَأَكُّدِ الْحَقِّ فِيهِ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ أَنْ يَغْرَمَ قِيمَةَ ذَلِكَ، فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى. لِأَنَّهُ آثِمٌ فِي الِاسْتِهْلَاكِ فَيُفْتَى بِأَدَاءِ الضَّمَانِ.\n٢٢٢٧ - وَالِانْتِفَاعُ بِالْأَسْلِحَةِ بِمَنْزِلَةِ رُكُوبِ الدَّابَّةِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا مَتَى كَانَ مُبَاحًا لَهُ شَرْعًا لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ، فَهُوَ غَيْرُ ضَامِنٍ لِمَا يُتْلِفُ بِهِ فِي الْحُكْمِ، وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَتَى كَانَ آثِمًا فِي الِاسْتِعْمَالِ فَإِنَّهُ يُفْتَى بِالْغُرْمِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ. لِأَنَّ التَّوْبَةَ تَلْزَمُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَتَمَامُ التَّوْبَةِ بِرَدِّ قِيمَةِ مَا أَتْلَفَهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ.\n٢٢٢٨ - وَالْجَلَالُ لِلدَّوَابِّ بِمَنْزِلَةِ الثِّيَابِ لِلنَّاسِ، وَاللُّجُمُ","vol":"1","page":1192},{"text":"وَالسُّرُوجُ لِلدَّوَابِّ بِمَنْزِلَةِ السِّلَاحِ لِلرِّجَالِ فِي جَمِيعِ مَا بَيَّنَّا.\n\nوَلَوْ وَجَدُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ أُشْنَانًا أَوْ صَابُونًا فَأَرَادَ بَعْضُهُمْ غَسْلَ ثِيَابِهِ بِذَلِكَ فَهُوَ مَكْرُوهٌ. لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ أُصُولِ الْحَوَائِجِ، فَبِاعْتِبَارِهِ لَا يَثْبُتُ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ شَرِكَةِ الْغَنِيمَةِ.\n٢٢٢٩ - إلَّا أَنَّ الْأُشْنَانَ إنْ كَانَ نَابِتًا فِي مَوْضِعٍ لَا قِيمَةَ لَهُ فَلَا بَأْسَ لِمَنْ أَخَذَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَهُ قِيمَةٌ فَبِأَخْذِهِ يَصِيرُ ذَلِكَ مِنْ الْغَنِيمَةِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَأْخُوذِ غَيْرِهِ، وَمَا أَحْرَزَهُ الْعَدُوُّ فِي بُيُوتِهِمْ، فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رُخِّصَ لَهُ أَنْ يُوقِدَ النَّارَ بِالْحَطَبِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ قِيمَةٌ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَلِمَاذَا لَا يُرَخَّصُ لَهُ فِي غَسْلِ الرَّأْسِ بِالْخِطْمِيِّ، وَغَسْلِ الْيَدِ وَالثِّيَابِ بِالْأُشْنَانِ وَالصَّابُونِ.\nقُلْنَا: لِأَنَّ فِي الْوُقُودِ مَعْنَى إصْلَاحِ الطَّعَامِ الَّذِي هُوَ مِنْ أُصُولِ الْحَوَائِجِ، فَبِاعْتِبَارِهِ يَصِيرُ مُسْتَثْنًى مِنْ شَرِكَةِ الْغَنِيمَةِ، وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، فَلَا يَصِيرُ مُسْتَثْنًى\n٢٢٣٠ - وَلَوْ وَجَدَ مِجْمَرًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَجَمَّرَ بِهِ.","vol":"1","page":1193},{"text":"لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ أُصُولِ الْحَوَائِجِ كَالطِّيبِ.\n٢٢٣١ - وَكَذَلِكَ لَا يُوقِدُ بِهِ. لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ الْوَقُودِ فِي النَّاسِ.\n٢٢٣٢ - فَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ أَرْضِ الْعَدُوِّ، وَذَلِكَ خَشَبُهُمْ الَّذِي يُوقِدُونَ بِهِ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُوقِدُوا بِهِ. وَعِنْدَ ذَلِكَ يَتَجَمَّرُ بِهِ أَيْضًا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.\n\n- وَلَوْ وَجَدُوا أَخْوِنَةً وَقِصَاعًا وَأَوْتَادًا فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَنْتَفِعُوا بِهَا لِلْوَقُودِ إلَّا عِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ. لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْأَمْتِعَةِ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْوَقُودِ عَادَةً.\n٢٢٣٤ - فَأَمَّا الْخَشَبُ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مَعْمُولٍ، فَإِنْ كَانَ لَهُ قِيمَةٌ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ إلَّا لِلْوَقُودِ وَإِنْ كَانَ لَا قِيمَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ فَلَا بَأْسَ بِالِانْتِفَاعِ بِهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَ اتِّخَاذِ الْقِصَاعِ وَالْأَقْدَاحِ مِنْهُ بَعْدَ إخْرَاجِهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.\nفَأَمَّا قَبْلَ الْإِخْرَاجِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، إذَا أَرَادَ الِانْتِفَاعَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا بَأْسَ بِهِ. لِأَنَّ قَبْلَ الصَّنْعَةِ كَانَ الِانْتِفَاعُ بِهِ مُبَاحًا لَهُ، بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّمٍ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَصَنْعَتُهُ لَا تَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِانْتِفَاعِ بِهِ أَيْضًا.","vol":"1","page":1194},{"text":"٢٢٣٥ - وَإِنْ أَرَادَ الْأَمِيرُ قِسْمَةَ الْغَنَائِمِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ ذَلِكَ مِنْ الْعَامِلِ فَيَجْعَلُهُ فِي الْغَنِيمَةِ، بَعْدَ أَنْ يُعْطِيَهُ قِيمَةَ عَمَلِهِ، بِأَنْ يُقَوَّمَ الْخَشَبُ مَعْمُولًا وَغَيْرَ مَعْمُولٍ، فَإِنْ كَانَ بَاعَهَا أَعْطَاهُ فَضْلَ ذَلِكَ مِنْ الثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ الْخَشَبُ الْمَعْمُولُ لَا قِيمَةَ لَهُ غَيْرَ مَعْمُولٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَهُوَ سَالِمٌ لِصَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ بِعَمَلِهِ صَارَ مَالًا مُتَقَوِّمًا فَيَكُونُ كَسْبًا لَهُ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ اتَّخَذَ كُوزًا مِنْ تُرَابِ غَيْرِهِ يَكُونُ مَمْلُوكًا لَهُ، وَالطِّينُ الَّذِي يُتَّخَذُ مِنْهُ الْقُدُورُ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْخَشَبِ الَّذِي تُعْمَلُ مِنْهُ الْقِصَاعُ، عَلَى مَا بَيَّنَّا.\n\n- وَإِذَا ذَهَبَ قَوْمٌ فِي طَلَبِ الْغَنَائِمِ فَوَجَدُوا أَرْمَاكًا لِلْمُشْرِكِينَ وَأَمْتِعَةً وَطَعَامًا وَسَبْيًا فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَحْمِلُوا ذَلِكَ كُلَّهُ عَلَى الْأَرْمَاكِ حَتَّى يَأْتُوا بِهِ الْعَسْكَرَ.\nلِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلْغَانِمِينَ، الْحِمْلَ وَمَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ، وَإِذَا ثَبَتَ الْحُكْمُ بِهَذِهِ الْعِلَّةِ فِي الْأَمْتِعَةِ فَكَذَلِكَ فِي الطَّعَامِ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يَأْتُونَ بِالطَّعَامِ لِيَنْتَفِعَ بِهِ الْجَيْشُ كُلُّهُمْ.\n٢٢٣٧ - وَإِنْ وَجَدُوا شَيْئًا يَسِيرًا مِنْ الْعَلَفِ وَالطَّعَامِ، فَأَخَذُوهُ","vol":"1","page":1195},{"text":"لِحَاجَةِ أَنْفُسِهِمْ؛ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُ عَلَى الْأَرْمَاكِ الَّتِي لِلْعَدُوِّ، وَلَا عَلَى حُمُرِهِمْ وَبِغَالِهِمْ، وَلَا عَلَى عِجْلِهِمْ إلَّا عِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ. لِأَنَّهُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِذَلِكَ الطَّعَامِ، إذَا لَمْ يَكُنْ فَاضِلًا عَنْ حَاجَتِهِمْ.\n٢٢٣٨ - فَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الطَّعَامِ الَّذِي أَدْخَلُوهُ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ لِحَاجَتِهِمْ.\nوَلَوْ وَجَدُوا بَقَرًا وَثِيرَانًا وَإِبِلًا فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَحْمِلُوا عَلَيْهَا مَا أَخَذُوا مِنْ الطَّعَامِ لِحَاجَةِ، أَنْفُسِهِمْ. لِأَنَّ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ الطَّعَامِ أَيْضًا.\nأَلَا تَرَى أَنَّ لَهُمْ أَنْ يَذْبَحُوهُ لِلْأَكْلِ وَيَكُونَ أَخَصَّ بِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ فَاضِلًا عَنْ حَاجَتِهِمْ، فَكَذَلِكَ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَحْمِلُوا عَلَيْهَا مَا أَخَذُوا مِنْ الطَّعَامِ لِحَاجَةِ أَنْفُسِهِمْ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ.\n٢٢٣٩ - فَإِنْ وَجَدُوا الطَّعَامَ الْيَسِيرَ عَلَى الْأَرْمَاكِ، وَذَلِكَ لَا يَفْضُلُ عَنْ حَاجَتِهِمْ، فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَأْخُذُوا ذَلِكَ عَنْهَا وَيَحْمِلُوهَا عَلَى دَوَابِّهِمْ ثُمَّ يَسُوقُونَ الْأَرْمَاكَ عَرَبًا إلَى الْمُعَسْكَرِ. لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الْحِمْلِ عَلَيْهَا كَإِنْشَائِهِ.","vol":"1","page":1196},{"text":"٢٢٤٠ - وَلَوْ كَانَ مَعَهُمْ طَعَامٌ أَدْخَلُوهُ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ فَأَرَادُوا أَنْ يَحْمِلُوا ذَلِكَ عَلَى الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ مِنْ الْغَنِيمَةِ لَمْ يَحِلَّ لَهُمْ ذَلِكَ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ. لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ أَطْعِمَةً فَهِيَ مِنْ الْغَنِيمَةِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ مَا يَفْضُلُ مِنْهَا عَنْ حَاجَتِهِمْ فَلِسَائِرِ الْغَانِمِينَ أَخْذُهُ مِنْهُمْ، وَالْمَحْمُولُ مِلْكٌ خَاصٌّ لَهُمْ، لَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ، فَلَا يَكُونُ لَهُمْ أَنْ يَنْتَفِعُوا بِمَا هُوَ مِنْ الْغَنِيمَةِ مِنْ وَجْهٍ فِيمَا لَيْسَ مِنْ الْغَنِيمَةِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْوُجُوهِ، بِخِلَافِ الطَّعَامِ الَّذِي أَخَذُوهُ لِحَاجَةِ أَنْفُسِهِمْ وَإِنَّمَا يَحْمِلُ طَعَامَهُمْ وَمَتَاعَهُمْ عَلَيْهَا بِمَنْزِلَةِ رُكُوبِهِمْ إيَّاهَا.\n٢٢٤١ - وَإِنْ وَجَدُوا غَرَائِرَ لِأَهْلِ الْحَرْبِ فِيهَا الطَّعَامُ فَهَذَا وَالْأَرْمَاكُ الَّتِي يُوجَدُ عَلَيْهَا الطَّعَامُ سَوَاءٌ. لِأَنَّ الْغَرَائِرَ ظُرُوفٌ فَهِيَ مِنْ الْغَنِيمَةِ لَا مِنْ الطَّعَامِ كَالْأَرْمَاكِ، وَإِنْ وَجَدُوا الْأَرْمَاكَ فَأَرَادُوا ذَبْحَهَا وَأَكْلَهَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُمْ فِي ذَلِكَ إلَّا عِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ) .\nوَهَذَا عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ظَاهِرٌ، لِأَنَّهُ يُكْرَهُ لَحْمُ الْخَيْلِ كَمَا هُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، فَلَا يَكُونُ الْخَيْلُ مِنْ جُمْلَةِ الطَّعَامِ فِي الْغَنِيمَةِ، وَعَلَى قَوْلِهِمَا وَإِنْ كَانَ أَكْلُهُ مُبَاحًا لِمَالِكِهِ وَلَكِنْ مَا يَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ لَا يُعَدُّ مِنْ جُمْلَةِ الطَّعَامِ، الَّذِي يُرَخَّصُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي الِاخْتِصَاصِ بِهِ أَكْلًا، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُعَدًّا لِذَلِكَ عُرْفًا.\nأَوْ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ شَرْعًا،","vol":"1","page":1197},{"text":"وَمَنْفَعَةُ الْأَكْلِ فِي الْأَنْعَامِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥] .\nوَفِي الْخَيْلِ غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، وَهُوَ مِمَّا لَا يَعْتَادُهُ النَّاسُ غَالِبًا أَيْضًا، وَإِنَّمَا الْغَالِبُ عَلَيْهَا الرُّكُوبُ فَلِهَذَا يُكْرَهُ ذَبْحُهَا وَأَكْلُهَا فِي الْغَنَائِمِ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ.\n\n- وَإِنْ رَأَى الْأَمِيرُ أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنْ تَنَاوُلِ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الِاعْتِبَارِ وَالنَّظَرِ مِنْهُ لَهُمْ بِأَنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ عَنْ ذَلِكَ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ رَأَى أَنْ يَبِيعَهَا أَوْ يَقْسِمَهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ كَانَ ذَلِكَ نَافِذًا مِنْهُ، وَيَرْتَفِعُ بِهِ حُكْمُ إبَاحَةِ التَّنَاوُلِ، فَكَذَلِكَ إذَا رَأَى أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنْ التَّنَاوُلِ، إلَّا أَنْ يَكُونُوا مُحْتَاجِينَ إلَى ذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنْ التَّنَاوُلِ أَصْلًا وَيَمْنَعُهُمْ مِنْ التَّنَاوُلِ إلَّا بِثَمَنٍ. لِأَنَّهُ يَقْصِدُ إلَى رُخْصَةٍ شَرْعِيَّةٍ فَيُرِيدُ رَفْعَهَا بِرَأْيِهِ مَعَ حَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهَا، وَذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ مَنَعَهُمْ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالْمَاءِ لِلْعَامَّةِ، أَوْ التَّطَرُّقِ فِي الطَّرِيقِ الْجَادَّةِ.\n٢٢٤٣ - فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَأَخَذَ مِنْهُمْ الثَّمَنَ فَجَعَلَهُ فِي الْغَنِيمَةِ ثُمَّ رَفَعَ إلَى قَاضٍ آخَرَ يَرَى خِلَافَهُ فَإِنَّهُ يُمْضِي قَضَاءَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَصَلَ مِنْهُ فِي مَوْضِعِ الِاجْتِهَادِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ قَضَاءَ مِثْلِهِ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ نَافِذٌ.\nقَالَ:","vol":"1","page":1198},{"text":"وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ لَا يَنْبَغِي لِلْأَمِيرِ أَنْ يَعْرِضَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ وَإِنْ كَانَ النَّاسُ عَنْهُ أَغْنِيَاءَ. وَلَمْ يَتَبَيَّنْ هَذَا الْمُخَالِفُ مَنْ هُوَ، فَكَأَنَّهُ اعْتَمَدَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ النُّكْتَةِ أَنَّهُ يَمْنَعُهُمْ مِنْ الرُّخْصَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلَكِنَّ عُلَمَاءَنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى قَالُوا: بِثُبُوتِ الرُّخْصَةِ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ، فَعِنْدَ تَحَقُّقِ الْحَاجَةِ هُوَ فِي مَنْعِهِمْ عَنْ الرُّخَصِ قَاصِدٌ إلَى الْإِضْرَارِ بِهِمْ، لَا إلَى تَوْفِيرِ الْمَنْفَعَةِ عَلَيْهِمْ، حَتَّى لَوْ كَانَ فِي ذَلِكَ مَنْفَعَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، كَانَ هُوَ فِي سَعَةٍ مِنْ أَنْ يَفْعَلَهُ أَيْضًا، فَأَمَّا فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْحَاجَةِ فَهُوَ نَاظِرٌ لَهُمْ، وَلَهُ وِلَايَةُ النَّظَرِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ سِوَى أَنَّ عِنْدَ الْمَنْعِ لَا يُسْرِفُونَ فِي التَّنَاوُلِ مِنْ طَعَامِهِمْ، وَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ يُسْرِفُونَ فِي التَّنَاوُلِ مِنْ طَعَامِ الْغَنِيمَةِ لَكَانَ هَذَا كَافِيًا، فِي سَعَةِ الرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ لَهُ فِي الْمَنْعِ.\n\n- وَمَا وَجَدُوا فِي مَنَازِلِ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ طِينٍ قَدْ أَحْرَزُوهُ لِغَسْلِ الرَّأْسِ، أَوْ مِنْ الطِّينِ الَّذِي لِلدَّوَاءِ، فَلَيْسَ أَحَبَّ لَهُمْ أَنْ يَسْتَعْمِلُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ.\nلِأَنَّ بِالْإِحْرَازِ صَارَ ذَلِكَ مَمْلُوكًا لَهُمْ، وَمَا يُصَابُ مِنْ مِلْكِهِمْ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ يَكُونُ غَنِيمَةً، وَهَذَا الِاسْتِعْمَالُ لَيْسَ مِنْ أُصُولِ الْحَوَائِجِ.\n٢٢٤٥ - فَإِنْ وَجَدُوا طِينًا لَمْ يُحْرِزُوهُ فَإِنْ كَانَ لَهُ قِيمَةٌ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَسْتَعْمِلُوهُ. وَهَذَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ نَظَائِرِهِ سَوَاءٌ.","vol":"1","page":1199},{"text":"- وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا وَجَدُوا مِنْ دَمِ الْأَخَوَيْنِ وَالْحَرْمَلُ، بِخِلَافِ الْوَقُودِ فَإِنَّهُمْ وَإِنْ وَجَدُوا مِنْ ذَلِكَ مَا قَدْ أَحْرَزُوهُ فَلَهُمْ أَنْ يَنْتَفِعُوا بِهِ. وَهُوَ اسْتِحْسَانٌ، وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَكُونُ لَهُمْ ذَلِكَ إلَّا بِاعْتِبَارِ الْحَاجَةِ وَلَكِنْ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْوُقُودَ يَتَحَقَّقُ فِيمَا هُوَ مِنْ أُصُولِ الْحَوَائِجِ.\n\n- فَإِنْ وَجَدُوا أَوْتَادًا أَوْ عَمُودًا لِفُسْطَاطٍ، قَدْ جَعَلَهُ أَهْلُ الْحَرْبِ، فَهَذَا مَالٌ مُتَقَوِّمٌ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ، فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، وَكَذَلِكَ مَا وَجَدُوا مِنْ خَشَبٍ أَحْرَزَهُ أَهْلُ الْحَرْبِ لِغَيْرِ الْوُقُودِ، فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ مِنْ ذَلِكَ أَوْتَادًا أَوْ قِصَاعًا، لَمْ يَنْبَغِ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّ حُكْمَ الْغَنِيمَةِ ثَابِتٌ فِي أَصْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا فِي الصَّنْعَةِ، حَتَّى أَنَّ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَبِيعَ ذَلِكَ وَيَقْسِمَ الثَّمَنَ عَلَى قِيمَتِهِ غَيْرَ مَعْمُولٍ، وَعَلَى قِيمَتِهِ مَعْمُولًا، فَيُعْطِيَهُ حِصَّةَ عَمَلِهِ، وَيَجْعَلَ الْبَاقِيَ فِي الْغَنِيمَةِ، أَوْ يُعْطِيَهُ حِصَّةَ قِيمَةِ عَمَلِهِ، وَيَجْعَلَ ذَلِكَ فِي الْغَنِيمَةِ.\n٢٢٤٨ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الصَّانِعُ هُوَ الَّذِي أَخَذَ الْخَشَبَ مِنْ شَجَرِهِمْ، وَكَانَ لَهُ قِيمَةٌ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ","vol":"1","page":1200},{"text":"فَلَا بَأْسَ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَإِذَا خَرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَحُكْمُهُ كَحُكْمِ مَا سَبَقَ. لِأَنَّ الْأَصْلَ غَنِيمَةٌ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَلَكِنْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إنَّمَا صَارَ غَنِيمَةً بِأَخْذِهِ، وَهُوَ مَا قَصَدَ بِأَخْذِهِ سِوَى الِانْتِفَاعِ بِهِ، فَجُعِلَ انْتِفَاعُهُ بِهِ مُقَدَّمًا بِاعْتِبَارِ قَصْدِهِ، وَهُنَاكَ قَدْ كَانَ ذَلِكَ غَنِيمَةً بِاعْتِبَارِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ، بَعْدَ إحْرَازِ الْمُشْرِكِينَ لَهُ، فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ.\nثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ أَهْلَ الْعَسْكَرِ إذَا فَصَلُوا مِنْ الدَّرْبِ أَنْ يَرُدُّوا الْأَوْتَادَ فِي الْغَنِيمَةِ.\n\n- قَالَ: وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَدْهُنُوا سُرُوجَهُمْ وَجُلُودَهُمْ الَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَيْهَا بِالزَّيْتِ وَالشَّحْمِ الَّذِي يُصِيبُونَهُ، فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَأَمَّا مَا حَمَلُوا مِنْ ذَلِكَ مَعَهُمْ لِلتِّجَارَةِ لَا لِلْقِتَالِ فَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَدْهُنُوا بِهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَالْقِيَاسُ فِي الْكُلِّ وَاحِدٌ، لِأَنَّ مَا أَصَابُوهُ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ، لَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ:\n٢٢٥٠ - لَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا ذَلِكَ لِيَتَقَوَّوْا بِهِ عَلَى الْقِتَالِ، فَكَذَلِكَ لَهُمْ أَنْ يَدْهُنُوا بِهِ مَا يَسْتَعْمِلُونَهُ فِي الْقِتَالِ بِادِّهَانٍ فَأَمَّا [دِهَانُ] مَا حَمَلُوهُ لِلتِّجَارَةِ مَعَهُمْ لَيْسَ مِمَّا يَحْصُلُ لَهُمْ بِهِ التَّقَوِّي عَلَى الْقِتَالِ.","vol":"1","page":1201},{"text":"فَهُوَ نَظِيرُ التُّجَّارِ فِي الْعَسْكَرِ لَا يَكُونُ لَهُمْ أَنْ يَتَنَاوَلُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.\n\n- وَلَوْ أَوْدَعَ الْأَمِيرُ شَيْئًا مِنْ الْغَنَائِمِ فِي دَارِ الْحَرْبِ مُسْلِمًا فَاسْتَهْلَكَهُ لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا. لِأَنَّ الْحَقَّ فِيهِ غَيْرُ مُتَأَكِّدٍ قَبْلَ الْإِحْرَازِ، فَاسْتِهْلَاكُهُ قَبْلَ الْإِيدَاعِ وَبَعْدَهُ سَوَاءٌ إذْ الْإِيدَاعُ لَيْسَ مِنْ الْإِحْرَازِ فِي شَيْءٍ. - وَلِلْإِمَامِ أَنْ يُؤَدِّبَهُ؛ لِأَنَّهُ خَانَ فِيمَا ائْتَمَنَهُ.\n٢٢٥٢ - وَلَوْ اسْتَهْلَكَهُ قَبْلَ الْإِيدَاعِ أَدَّبَهُ عَلَى ذَلِكَ فَبَعْدَهُ أَوْلَى، إلَّا أَنْ يَكُونَ طَعَامًا فَأَكَلَهُ فَحِينَئِذٍ لَا يُؤَدِّبُهُ فِيهِ، إذَا كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْغَانِمِينَ، كَمَا لَوْ أَكَلَهُ قَبْلَ الْإِيدَاعِ، وَلَوْ كَانَ قَالَ لَهُ: إنْ اسْتَهْلَكْته فَأَنْتَ ضَامِنٌ لَهُ كَانَ هَذَا الشَّرْطُ بَاطِلًا. لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الشَّرْعِ مِنْ حَيْثُ اشْتِرَاطُ الضَّمَانِ عَلَى الْأَمِينِ، وَاشْتِرَاطُ الضَّمَانِ قَبْلَ تَأَكُّدِ الْحَقِّ فِيهِ بِالْإِحْرَازِ.\n٢٢٥٣ - وَإِنْ قَالَ حِينَ دَفَعَهُ إلَيْهِ: هُوَ عَلَيْك بِقِيمَتِهِ، أَوْ هُوَ عَلَيْك بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَرَضِيَ بِهِ الْقَابِضُ فَهَذَا بَيْعٌ. لِأَنَّهُ صَرِيحٌ بِالْبَيْعِ الصَّحِيحِ، أَوْ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَالْبَيْعُ فَاسِدًا كَانَ","vol":"1","page":1202},{"text":"أَوْ صَحِيحًا بِمَنْزِلَةِ الْإِحْرَازِ مِنْ الْإِمَامِ، فَإِنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ لَهُ إمَّا بِنَصِيبِهِ أَوْ عِنْدَ الْقَبْضِ كَمَا يَثْبُتُ بِالْقِسْمَةِ.\n\n- وَلَوْ نَقَلَ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ لِسَرِيَّةٍ بَعَثَهَا الرُّبْعَ بَعْدَ الْخُمُسِ فَجَاءُوا بِطَعَامٍ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَنَاوَلُوا مِنْهُ وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ عَنْهُ، أَهْلُ الْعَسْكَرِ وَأَهْلُ السَّرِيَّةِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ.\nلِأَنَّ التَّنْفِيلَ لَا يُؤَثِّرُ فِي حُكْمِ تَنَاوُلِ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ، فَإِنَّ حَقَّ الْمُنْفَلِ بِمَنْزِلَةِ سِهَامِ الْغَانِمِينَ، وَفِي السِّهَامِ التَّفَاوُتُ بَيْنَ الْفُرْسَانِ وَالرَّجَّالَةِ ثَابِتٌ، وَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمْ فِي إبَاحَةِ التَّنَاوُلِ، فَكَذَلِكَ النَّفَلُ.\n\n- وَلَوْ نَفَلَ لِلسَّرِيَّةِ جَمِيعَ مَا أَصَابَتْ فَلَا بَأْسَ لِأَهْلِ السَّرِيَّةِ أَنْ يَتَنَاوَلُوا مِنْهَا، لِقِيَامِ شَرِكَتِهِمْ فِيهَا بِسِهَامِهِمْ، وَلَيْسَ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ أَنْ يَتَنَاوَلُوا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا.\nلِأَنَّهُ لَا نَصِيبَ لَهُمْ فِيهِ فَحَالُهُمْ فِيمَا جَاءَ بِهِ أَهْلُ السَّرِيَّةِ بَعْدَ التَّنْفِيلِ كَحَالِ التُّجَّارِ فِي الْغَنِيمَةِ.\n\n- وَلَوْ كَانَ الْأَمِيرُ قَالَ لِلسَّرِيَّةِ: مَنْ أَصَابَ مِنْكُمْ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ خَاصَّةً فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْ طَعَامٍ قَدْ أَخَذَهُ صَاحِبُهُ إلَّا بِالثَّمَنِ، أَوْ أَنْ يُعْطِيَهُ صَاحِبُهُ.","vol":"1","page":1203},{"text":"لِأَنَّ هَذَا التَّنْفِيلَ بِمَنْزِلَةِ الْقِسْمَةِ، فَكُلُّ مَنْ أَصَابَ شَيْئًا بَعْدَ هَذَا فَقَدْ اخْتَصَّ بِمِلْكِهِ، وَلَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِطِيبٍ مِنْ نَفْسِهِ، فَإِنْ تَنَاوَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا بِغَيْرِ رِضَاءِ مَنْ أَصَابَهُ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْغَنَائِمِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ أَحَدَهُمْ لَوْ أَصَابَ جَارِيَةً فَاشْتَرَاهَا بِحِصَّتِهِ فَلَهُ أَنْ يَطَأَهَا، وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي السِّيَرِ الصَّغِيرِ.\n\n- وَلَوْ لَمْ يَنْفُلْ الْأَمِيرُ لِلسَّرِيَّةِ شَيْئًا فَاسْتَأْجَرَ أَمِيرَهُمْ قَوْمًا يَسُوقُونَ الْغَنَائِمَ إلَى الْعَسْكَرِ جَازَ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ مَا أَصَابُوا. لِأَنَّ الْأَمِيرَ إنَّمَا أَرْسَلَهُ لِلْقِتَالِ وَإِحْرَازِ الْغَنَائِمِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ [إذْنًا لَهُ] فِيمَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِحْرَازُ وَهُوَ السَّوْقُ دَلَالَةً، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ.\n٢٢٥٨ - ثُمَّ يَنْبَغِي لِأَمِيرِ الْعَسْكَرِ أَنْ يَبِيعَ مِمَّا جَاءُوا بِهِ مِنْ الطَّعَامِ مَا يُؤَدِّي أَجْرَ الْأُجَرَاءِ وَيُخَلِّي مَا بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ مَا يَبْقَى حَتَّى يَأْكُلُوا، وَهَذَا إذَا لَمْ يُصِبْ أَهْلُ الْعَسْكَرِ غَنِيمَةً أُخْرَى، فَإِنْ كَانُوا أَصَابُوا أَعْطَى [أَجْرَ] الْأُجَرَاءِ مِنْ ذَلِكَ، وَخَلَّى بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ مَا جَاءَ بِهِ أَهْلُ السَّرِيَّةِ مِنْ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ لِيَأْكُلُوا بِقَدْرِ حَاجَتِهِمْ.\nفَإِنْ أَكَلُوا ذَلِكَ كُلَّهُ قَبْلَ أَنْ يُبَاعَ فَلِلْأُجَرَاءِ مِقْدَارُ أَجْرِهِمْ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى أَحَدٍ فِيمَا يَأْكُلُ مِنْهُ، وَلَكِنْ إنْ","vol":"1","page":1204},{"text":"غَنِمُوا أُخْرَى قَبْلَ أَنْ يَخْرُجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ أَعْطَى مِنْ ذَلِكَ أَجْرَ الْأُجَرَاءِ وَإِلَّا أَعْطَاهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. لِأَنَّ هَذَا دَيْنٌ وَجَبَ لِحَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ فَيَقْضِيهِ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَلِأَنَّ الْغُرْمَ مُقَابَلٌ بِالْغُنْمِ.\nوَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ","vol":"1","page":1205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>[بَابُ مَا جَاءَ فِي الْغُلُولِ]</span>\n٢٢٥٩ - وَإِذَا وُجِدَ الْغُلُولُ فِي رَحْلِ رَجُلٍ أُوجِعَ ضَرْبًا، وَلَمْ يَبْلُغْ بِهِ أَرْبَعِينَ سَوْطًا. لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ جَرِيمَةً لَيْسَ فِيهَا حَدٌّ مُقَدَّرٌ فَيُعَزَّرُ عَلَيْهَا، وَلَا يَبْلُغُ بِالتَّعْزِيرِ شَيْئًا مِنْ الْحَدِّ لِقَوْلِهِ - ﵌ -: «مَنْ بَلَغَ حَدًّا فِي غَيْرِهِ فَهُوَ مِنْ الْمُعْتَدِينَ» .\n٢٢٦٠ - وَلَا يُحْرَقُ رَحْلُهُ بِمَا صَنَعَ. لِأَنَّهُ خَائِنٌ، وَالْخِيَانَةُ لَا تُوجِبُ عَلَيْهِ إحْرَاقَ رَحْلِهِ. - وَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ أَيْضًا. لِأَنَّ لَهُ فِيهَا نَصِيبًا، وَمَنْ سَرَقَ مَالًا لَهُ فِيهِ نَصِيبٌ لَمْ يَلْزَمْهُ قَطْعٌ لِلشُّبْهَةِ.\n٢٢٦١ - وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ مِنْ الْفُقَهَاءِ، فَأَمَّا أَهْلُ الشَّامِ كَانُوا يَقُولُونَ يُحْرَقُ رَحْلُ الْغَالِّ، وَيَرْوُونَ فِيهِ حَدِيثًا عَنْ الْحَسَنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: «يُؤْخَذُ الْغُلُولُ مِنْ رَحْلِهِ ثُمَّ يُحْرَقُ رَحْلُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ مُصْحَفٌ»، وَأَصْحَابُ الْحَسَنِ","vol":"1","page":1206},{"text":"يَرْوُونَ عَنْهُ مَوْقُوفًا، وَقَدْ ذَكَرَ الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ الْحَسَنِ هَذَا الْحَدِيثَ مَرْفُوعًا، وَلَكِنَّ الْفُقَهَاءَ لَمْ يُصَحِّحُوا هَذَا الْحَدِيثَ؛ لِأَنَّهُ شَاذٌّ يَرْوِيهِ مَجْهُولٌ، لَا يُعْرَفُ، فَإِنَّ الْأَوْزَاعِيَّ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ الرَّجُلِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَسَنِ، ثُمَّ هُوَ مُخَالِفٌ لِلْآثَارِ الْمَشْهُورَةِ. وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ بَعْضَهَا.\n٢٢٦٢ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ - أَلْحَقَ الْوَعِيدَ بِكُلِّ مَنْ ظَهَرَ مِنْهُ غُلُولٌ، وَلَمْ يَشْتَغِلْ بِإِحْرَاقِ رَحْلِ أَحَدٍ.\nفَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ مِدْعَمٍ عَبْدٍ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﵌ - قَدْ وَهَبَهُ لَهُ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَبَيْنَا هُوَ بِحِذَاءِ رَحْلِ النَّبِيِّ - ﵊ - إذْ جَاءَهُ سَهْمٌ عَائِرٌ فَقَتَلَهُ، أَيْ لَا يَدْرِي مَنْ رَمَى بِهِ؛ فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لَهُ الْجَنَّةُ.\nفَقَالَ - ﵌ -: «كَلًّا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنْ الْغَنَائِمِ، لَمْ تُصِبْهَا الْقِسْمَةُ، لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسُ ذَلِكَ جَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ أَوْ بِشِرَاكَيْنِ، فَقَالَ - ﵌ -: شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ» .\n«وَقِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -: اُسْتُشْهِدَ فُلَانٌ فَقَالَ: كَلًّا إنِّي","vol":"1","page":1207},{"text":"رَأَيْته يُجَرُّ إلَى النَّارِ بِعَبَاءَةٍ غَلَّهَا» .\nوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: مَا ظَهَرَ الْغُلُولُ فِي قَوْمٍ قَطُّ إلَّا أُلْقِيَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبُ وَلَا فَشَا الرِّبَا فِي قَوْمٍ إلَّا كَثُرَ فِيهِمْ الْمَوْتُ، وَلَا نَقَصَ قَوْمٌ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إلَّا قُطِعَ عَنْهُمْ الرِّزْقُ، وَلَا حَكَمَ قَوْمٌ عَلَى قَوْمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ إلَّا فَشَا فِيهِمْ الدَّمُ، وَلَا نَقَضَ قَوْمٌ الْعَهْدَ إلَّا سُلِّطَ عَلَيْهِمْ الْعَدُوُّ.\nوَلَمَّا قَالَ رَجُلٌ لِسَلْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: إنِّي أَخَذْت خَيْطًا مِنْ الْغَنِيمَةِ فَخِطْت بِهِ ثَوْبِي قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ وَقَدْرُهُ. فَهَذَا كُلُّهُ دَلِيلٌ عَلَى عِظَمِ الْوِزْرِ فِي الْغُلُولِ وَأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إحْرَاقُ الرَّحْلِ. لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ. وَقَالَ جَابِرٌ - ﵁ -: لَيْسَ فِي الْغُلُولِ قَطْعٌ وَلَا نَكَالٌ. وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِنَفْيِ إحْرَاقِ الرَّحْلِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَعْظَمُ النَّكَالِ.\n٢٢٦٣ - وَكَمَا لَا يُحْرَقُ رَحْلُ الْغَالِّ لَا يُحْرَمُ سَهْمَهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَلَا مِنْ الْعَطَاءِ. لِأَنَّهُ لَوْ سَرَقَ مَالًا، لَا نَصِيبَ لَهُ فِيهِ، لَا يُحَرَّمُ سَهْمُهُ بِهِ، فَإِذَا كَانَ لَهُ فِيهِ نَصِيبٌ أَوْلَى.\nوَاَلَّذِينَ يَقُولُونَ بِإِحْرَاقِ رَحْلِهِ يَقُولُونَ لَا يُحْرَقُ الْمُصْحَفُ وَلَا الْحَيَوَانُ وَلَا السِّلَاحُ، فَبِهِ يُقَاسُ سَائِرُ الْأَمْتِعَةِ.","vol":"1","page":1208},{"text":"فَإِنْ قَالُوا: إنَّمَا لَا يُحْرَقُ الْحَيَوَانُ لِمَعْنَى الْمُثْلَةِ.\nفَيَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَذْبَحُوهُ ثُمَّ يَحْرُقُوهُ. وَإِنْ قَالُوا: لَا يُحْرَقُ السِّلَاحُ؛ لِأَنَّهُ يُتَقَوَّى بِهِ عَلَى الْقِتَالِ. فَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَمْتِعَةِ) .\nلِأَنَّ الْغَازِيَ لَا يَسْتَصْحِبُ فِي الْعَادَةِ إلَّا مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِلْقِتَالِ.\n٢٢٦٤ - وَالدَّلِيلُ عَلَى ضَعْفِ هَذَا الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ فِيهِ أَنَّ الْغُلُولَ فِيمَا نَرَى مَا كَانَ فِي زَمَنٍ مِنْ الْأَزْمِنَةِ أَكْثَرَ مِنْهُ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ، - ﵌ -، لِكَثْرَةِ الْمُنَافِقِينَ وَالْأَعْرَابِ الَّذِينَ يَغْزُونَ مَعَهُ، وَهُمْ كَانُوا أَصْحَابَ غُلُولٍ وَكَانَ الْوَحْيُ يَنْزِلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -، بِمَا يَفْعَلُونَ وَمَا يَعْتَقِدُونَ.\nوَأَهْلُ الْمَغَازِي لَمْ يَدَعُوا شَيْئًا مِمَّا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، فِي مَغَازِيهِ إلَّا رَوَوْهُ، فَلَوْ كَانَ أَحْرَقَ رَحْلَ أَحَدٍ لَنَقَلُوا ذَلِكَ مُسْتَفِيضًا، وَحَيْثُ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ عَرَفْنَا أَنَّ الْحَدِيثَ لَا أَصْلَ لَهُ، ثُمَّ فِيهِ إثْبَاتُ حَدٍّ بِحَدِيثٍ شَاذٍّ وَإِثْبَاتُ مَا يُخَالِفُ الْأُصُولَ، مِمَّا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ، بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ الشَّاذِّ لَا يَجُوزُ فَكَيْفَ يَثْبُتُ بِهِ مَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ؟\nأَرَأَيْتُمْ - ثِيَابَهُ الَّتِي عَلَيْهِ؟ أَتُحْرَقُ وَيُتْرَكُ عُرْيَانًا فَلَعَلَّهُ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ مِنْ الْبَرْدِ.","vol":"1","page":1209},{"text":"أَرَأَيْتُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَحْلٌ؟ أَيُحْرَقُ مَتَاعُهُ الَّذِي فِي بَيْتِهِ بِالثَّغْرِ أَوْ مَا عِنْدَهُ مِنْ وَدِيعَةٍ أَوْ عَارِيَّةٍ لِإِنْسَانٍ فِي رَحْلِهِ؟ أَرَأَيْتُمْ رَجُلَيْنِ أَعَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ مَتَاعًا، ثُمَّ غَلَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَيُحْرَقُ مَا عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ مَتَاعِ صَاحِبِهِ؟ أَرَأَيْتُمْ قَوْمًا مُجْتَمَعِينَ فِي رَجُلٍ غَلَّ بَعْضَهُمْ، وَعَلِمَ بِهِ أَصْحَابُهُ، وَلَمْ يُخْبِرُوا بِمَا صَنَعَ أَيُحْرَقُ مَتَاعُهُ خَاصَّةً أَوْ مَتَاعُهُمْ بِكِتْمَانِهِمْ عَلَيْهِ؟ وَاسْتَكْثَرَ مِنْ الشَّوَاهِدِ فِي تَبْعِيدِ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِحَرْقِ رَحْلِ الْغَالِّ ثُمَّ ذَكَرَ الْأَصْلَ الَّذِي بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ.\n- إنَّ الْكِبَارَ مِنْ الصَّحَابَةِ، رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، كَانُوا لَا يَعْمَلُونَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ حَتَّى يَشْهَدَ بِهِ غَيْرُهُ مَعَهُ أَوْ حَتَّى يَحْلِفَ كَمَا هُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فَإِذَا كَانَ هَذَا مَذْهَبُهُمْ فِيمَا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ، كَالْمِيرَاثِ، وَفِي الِاسْتِئْذَانِ الَّذِي لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ مُلْزِمٌ، فَكَيْفَ يُعْتَمَدُ عَلَى حَدِيثٍ شَاذٍّ فِي إقَامَةِ حَدٍّ عَظِيمٍ، وَهُوَ إحْرَاقُ رَحْلِ الْغَالِّ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَجُوزُ إثْبَاتُهُ مَعَ الشُّبْهَةِ.","vol":"1","page":1210},{"text":"أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّحَابَةَ، رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، اتَّفَقُوا عَلَى حَدِّ الْخَمْرِ، ثُمَّ كَانَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، يَقُولُ: مَا كُنْت لِأُقِيمَ عَلَى رَجُلٍ حَدًّا فَيَمُوتُ فَيَكُونُ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ إلَّا حَدَّ الْخَمْرِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ -، وَأَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمْ يَسُنَّاهُ.\nفَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ بِإِحْرَاقِ رَحْلِ الْغَالِّ ضَعِيفٌ جِدًّا، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ","vol":"1","page":1211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>[بَابُ الشِّرَاءِ فِيمَنْ يَزِيدُ وَبَيْعِ السِّهَامِ مِنْ الغنمة]</span>\n١٢١ - بَابُ الشِّرَاءِ فِيمَنْ يَزِيدُ وَبَيْعِ السِّهَامِ\n٢٢٦٦ - وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْغَنَائِمِ فِيمَنْ يَزِيدُ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﵌ -، بَاعَ قَعْبًا وَطَسْتًا - بَيْعَ مَنْ يَزِيدُ. وَإِنَّمَا أَوْرَدْت هَذَا لِأَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَكْرَهُ بَيْعَ الْمُزَايَدَةِ وَقَالَ: إنَّهُ اسْتِيَامٌ عَلَى سَوْمِ الْغَيْرِ، وَقَالَ - ﵌ -: «لَا يَسْتَامُ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ» .\nوَلَيْسَ كَمَا ظَنُّوا فَالِاسْتِيَامُ عَلَى سَوْمِ الْغَيْرِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ أَنْ يَرْكَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى صَاحِبِهِ. وَالْمُزَايَدَةُ تَكُونُ قَبْلَ ذَلِكَ حَتَّى أَنَّ صَاحِبَ الْمَتَاعِ إذَا كَانَ هُوَ الْمُنَادِي عَلَى سِلْعَتِهِ، فَإِنْ طَلَبَهُ إنْسَانٌ بِثَمَنٍ سَمَّاهُ فَلَمْ يَسْكُتْ عَنْ النِّدَاءِ فَلَا بَأْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَزِيدَ، وَإِنْ سَكَتَ عَنْ النِّدَاءِ وَرَكَنَ إلَى ذَلِكَ لَمْ يَحِلَّ لِأَحَدٍ أَنْ يَزِيدَ. لِأَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ اسْتِيَامًا عَلَى سَوْمِ الْغَيْرِ.\n٢٢٦٧ - وَإِنْ كَانَ الْمُنَادِي هُوَ الدَّلَّالُ فَمَا لَمْ يُخْبِرْ بِهِ صَاحِبَ الْمَتَاعِ يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَزِيدَ، وَإِذَا أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَرَكَنَ إلَيْهِ لَمْ يَحِلَّ","vol":"1","page":1212},{"text":"لِأَحَدٍ أَنْ يَزِيدَ بَعْدَ ذَلِكَ. وَذَكَرَ عَنْ مَكْحُولٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ - نَهَى عَنْ بَيْعِ السِّهَامِ حَتَّى تُقْسَمَ»، وَبِهِ نَأْخُذُ فَإِنَّ بَيْعَ الْغَازِي سَهْمَهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بَاطِلٌ. لِأَنَّهُ بَاعَ مَا لَا يَمْلِكُ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ كَانَ عِتْقُهُ بَاطِلًا؟ فَالْبَيْعُ أَحْرَى أَنْ يَكُونَ بَاطِلًا.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَدْرِي أَنَّ نَصِيبَهُ أَيْنَ يَقَعُ؟ وَمَا دَامَ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يَدْرِي أَنَّهُ هَلْ يَبْقَى حَيًّا حَتَّى يَكُونَ لَهُ نَصِيبٌ أَوْ يَمُوتُ قَبْلَ الْإِحْرَازِ؟\n٢٢٦٨ - وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِمَا يَرْوِيهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ -، نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَنَائِمِ حَتَّى تُقْسَمَ» . وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ بَيْعَ الْإِمَامِ الْغَنَائِمَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ جَائِزٌ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالنَّهْيِ بَيْعَ الرَّجُلِ سَهْمَهُ.\n٢٢٦٩ - وَذَكَرَ عَنْ الشَّعْبِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْجَارِيَةَ مِنْ الْمَغْنَمِ، ثُمَّ يَجِدُ بِهَا دَاءً، قَالَ: يَرُدُّهَا؛ وَبِهِ نَأْخُذُ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِي يَسْتَحِقُّ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ سَلَامَةَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ اشْتَرَاهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ أَوْ مِنْ الْمَالِكِ، فَإِذَا لَمْ يَسْلَمْ لَهُ ذَلِكَ رَدَّهَا بِالْعَيْبِ، فَإِنْ كَانَتْ الْغَنِيمَةُ لَمْ تُقْسَمْ رَدَّ عَلَيْهِ ثَمَنَهَا، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ قُسِمَتْ بِيعَتْ الْجَارِيَةُ مَعَ بَيَانِ عَيْبِهَا، وَيُعْطَى الْأَوَّلُ ثَمَنُهَا مِنْ","vol":"1","page":1213},{"text":"الثَّمَنِ الثَّانِي، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ مِنْهُ جُعِلَ فِي بَيْتِ الْمَالِ.\nوَإِنْ نَقَصَ الثَّمَنُ الثَّانِي عَنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ فَذَلِكَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ أَيْضًا. ثُمَّ ذَكَرَ بَابًا فِي كَيْفِيَّةِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا أَمْلَيْنَاهُ مِنْ شَرْحِ الزِّيَادَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.","vol":"1","page":1214},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>[بَابٌ مِنْ السَّبَايَا وَالنَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ وَالْعُهْدَةِ فِي بَيْعِهِمْ]</span>\n٢٢٧٠ - وَإِذَا سُبِيَ أَهْلُ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَوَلَدُهُ فَوَقَعُوا فِي سَهْمِ رَجُلٍ فَجَاءَ الْحَرْبِيُّ بِأَمَانٍ فَقَالَ: آتِيك بِثَمَنِهِمْ حَتَّى أَشْتَرِيَهُمْ وَأُودِعَهُمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَوَقَعَ لَهُ أَنْ يُسْلِمَ أَوْ يَكُونَ ذِمِّيًّا. فَيَقُولُ الْمُسْلِمُ: نَعَمْ فَالرَّقِيقُ عَلَى حَالِهِمْ رَقِيقٌ لِلَّذِي وَقَعَ فِي سَهْمِهِ؛ لِأَنَّهُ مَا جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَرْبِيِّ عَقْدٌ، وَإِنَّمَا جَرَى بَيْنَهُمَا الْمِيعَادُ أَوْ الِاسْتِيَامُ، وَبِهِ لَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْحَرْبِيِّ فِيهِمْ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُسْلِمَ الِامْتِنَاعُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِمْ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَفِيَ بِعِدَّتِهِ. لِأَنَّ الْوَفَاءَ بِالْعَهْدِ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِينَ، وَخُلْفَ الْوَعْدِ مِنْ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ، بِهِ وَرَدَ الْأَثَرُ.\n٢٢٧١ - فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُمْ مِنْ مِلْكِهِ حَتَّى يُخْلِفَ الْحَرْبِيُّ الْمَوْعِدَ إلَّا الْعِتْقَ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يُعْتِقَهُمْ قَبْلَ مَجِيءِ الْحَرْبِيِّ. لِأَنَّ فِي هَذَا تَحْصِيلَ مَقْصُودِ الْحَرْبِيِّ.","vol":"1","page":1215},{"text":"٢٢٧٢ - فَلَا يَكُونُ مِنْ خُلْفِ الْوَعْدِ فِي شَيْءٍ إلَّا الزَّوْجَةُ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعْتِقَهَا حَتَّى يُخْلِفَ الْحَرْبِيُّ الْمَوْعِدَ. لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ إذَا اشْتَرَاهَا لَمْ تُعْتَقْ، وَكَانَتْ أَمَةً لَهُ، بِخِلَافِ الْأَوْلَادِ فَفِي إعْتَاقِهِ إيَّاهَا قَبْلَ مَجِيئِهِ خُلْفُ الْوَعْدِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا قُلْنَا فِي الْمُكَاتَبِ يَشْتَرِي زَوْجَتَهُ مَعَ أَوْلَادٍ لَهُ مِنْهَا، فَأَعْتَقَ الْمَوْلَى بَعْضَ أَوْلَادِهِ يَنْفُذُ عِتْقُهُ فِيهِ، وَلَوْ أَعْتَقَ زَوْجَتَهُ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ فِيهَا؛ لِأَنَّ فِي إعْتَاقِهِ الْوَلَدَ يَحْصُلُ لِلْمُكَاتَبِ مَقْصُودُهُ وَلَيْسَ فِي إعْتَاقِ الزَّوْجَةِ تَحْصِيلُ مَقْصُودِهِ فَإِنَّهَا بَعْدَ أَدَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ تَكُونُ مَمْلُوكَةً لَهُ يَطَؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ.\n٢٢٧٣ - فَإِنْ أَخْلَفَ الْحَرْبِيُّ الْوَعْدَ فَلَا بَأْسَ لِلْمُسْلِمِ بِأَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِمْ بِمَا شَاءَ؛ لِأَنَّ بِإِخْلَافِ الْحَرْبِيِّ يَرْتَفِعُ حُكْمُ ذَلِكَ الْوَعْدِ، وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ بِأَنْ لَا يَجِيءَ إلَى الْوَقْتِ الَّذِي وَقَّتَ لَهُ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يُوَقِّتْ لَهُ فِي ذَلِكَ وَقْتًا فَذَلِكَ عَلَى قَدْرِ الذَّهَابِ وَالْمَجِيءِ وَمِقْدَارُ أَيَّامٍ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى أَنَّهُ يَحْتَبِسُ لِجَمْعِ الْمَالِ. لِأَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى الظَّاهِرِ وَاجِبٌ فِيمَا لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى حَقِيقَةِ الْحَالِ.\n٢٢٧٤ - فَإِنْ كَانَ الْحَرْبِيُّ حِينَ ذَهَبَ لِيَأْتِيَ بِالثَّمَنِ دَفَعَ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ إلَى الْمَوْلَى وَقَالَ: أَنْفِقْ هَذَا عَلَيْهِمْ فَفَعَلَ ذَلِكَ،","vol":"1","page":1216},{"text":"ثُمَّ جَاءَ الْحَرْبِيُّ فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ مِنْ الثَّمَنِ، وَقَالَ: دَفَعْته إلَيْك قَرْضًا وَقَالَ الْمَوْلَى: دَفَعْته إلَيَّ صِلَةً، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْحَرْبِيِّ مَعَ يَمِينِهِ. لِأَنَّهُ هُوَ الدَّافِعُ لِلْمَالِ، فَالْقَوْلُ فِي الْمَدْفُوعِ قَوْلُ الدَّافِعِ، وَلِأَنَّ بِمُطْلَقِ الدَّفْعِ لَا يَثْبُتُ إلَّا الْأَقَلُّ الْمُتَيَقَّنُ بِهِ، وَذَلِكَ الْقَرْضُ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْحَرْبِيِّ فِي ذَلِكَ.\n٢٢٧٥ - سَوَاءٌ قَالَ: قَدْ ذَكَرْت لَك أَنَّهُ قَرْضٌ، أَوْ قَالَ: نَوَيْت ذَلِكَ فِي نَفْسِي. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ أَعْطَاهُ شَيْئًا مِنْ الطَّعَامِ، مِمَّا يَتَأَتَّى فِيهِ الِادِّخَارُ، لِيُنْفِقَهُ عَلَيْهِمْ. وَإِنْ كَانَ أَعْطَاهُ شَيْئًا مِمَّا لَا يُمْكِنُ ادِّخَارُهُ كَالْخُبْزِ وَاللَّحْمِ وَالثَّرِيدِ، فَالْقَوْلُ فِيهِ أَيْضًا قَوْلُ الْحَرْبِيِّ فِي الْقِيَاسِ. لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِلْكُهُ، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فِي هَذَا فَقَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلِمِ وَلَا شَيْءَ لِلْحَرْبِيِّ عَلَيْهِ. لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الدَّفْعَ فِي مِثْلِهِ يَكُونُ عَلَى سَبِيلِ الْهَدِيَّةِ دُونَ الْقَرْضِ، وَالْبِنَاءُ عَلَى الظَّاهِرِ وَاجِبٌ.\nوَهَذَا الْقِيَاسُ وَالِاسْتِحْسَانُ نَظِيرُ مَا قَالُوا فِي الزَّوْجِ إذَا بَعَثَ إلَى زَوْجَتِهِ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا، ثُمَّ زَعَمَ أَنَّهُ بَعَثَ ذَلِكَ إلَيْهَا بِجِهَةِ الصَّدَاقِ، وَقَالَتْ","vol":"1","page":1217},{"text":"الْمَرْأَةُ: بَلْ هِيَ هَدِيَّةٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، إلَّا فِي الطَّعَامِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ ادِّخَارُهُ فَإِنَّ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ قَوْلُهَا اسْتِحْسَانًا.\n٢٢٧٦ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْحَرْبِيُّ أَعْطَاهُ ثِيَابًا لِيَكْسُوهُمْ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ مَمَالِيكُ الْمُسْلِمِ، فَدَفَعَ ذَلِكَ إلَيْهِمْ بِنَفَقَتِهِمْ وَكِسْوَتِهِمْ بِمَنْزِلَةِ دَفْعِهِ إلَيْهِ لِيُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ جِهَةُ الصِّلَةِ إلَّا بِالتَّصْرِيحِ بِهِ.\nثُمَّ ذَكَرَ ثَلَاثَةَ أَبْوَابٍ قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ شَرْحِهَا فِي الزِّيَادَاتِ.","vol":"1","page":1218},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>[بَابٌ مِنْ الشَّهَادَاتِ فِي الْغَنَائِمِ وَالْفَيْءِ]</span>\n٢٢٧٧ - وَلَوْ صَالَحُوا أَهْلَ الْحِصْنِ عَلَى أَنْ يُؤَمِّنُوا أَحْرَارَهُمْ، وَيَكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ رَقِيقُهُمْ فَفَتَحُوا الْحِصْنَ، ثُمَّ قَالَ الْمُسْلِمُونَ لِنَاسٍ مِنْهُمْ: هَؤُلَاءِ مِنْ أَرِقَّائِكُمْ، وَقَالَ أُولَئِكَ الْقَوْمُ: نَحْنُ مِنْ أَحْرَارِهِمْ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ أُولَئِكَ الْقَوْمِ مَعَ أَيْمَانِهِمْ.\nلِأَنَّ مَنْ فِي يَدِ نَفْسِهِ الْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا يَدَّعِي مِنْ الْحُرِّيَّةِ، مَا لَمْ يَثْبُتْ رِقُّهُ بِالْحُجَّةِ.\nفَإِنْ قِيلَ: هَذَا نَوْعٌ ظَاهِرٌ يُدْفَعُ بِهِ الِاسْتِحْقَاقُ وَلَا يَثْبُتُ بِهِ اسْتِحْقَاقُهُمْ أَنْفُسَهُمْ بَعْدَ مَا ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ. قُلْنَا: هُمْ بِهَذَا الظَّاهِرِ يَدْفَعُونَ ظُهُورَ الِاسْتِحْقَاقِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ؛ لِأَنَّ الظُّهُورَ عَلَيْهِمْ إنَّمَا يُوجِبُ الِاسْتِحْقَاقَ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الصُّلْحُ وَالْأَمَانُ، فَمَا لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ هَؤُلَاءِ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الصُّلْحُ لَا يَثْبُتُ الِاسْتِحْقَاقُ عَلَيْهِمْ، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ يَدْفَعُونَ الِاسْتِحْقَاقَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ مَعَ أَيْمَانِهِمْ.\n٢٢٧٨ - فَإِنْ شَهِدَ عَلَيْهِمْ شُهُودٌ عُدُولٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، أَنَّهُمْ مِنْ أَرِقَّائِهِمْ قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ. لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ كَالثَّابِتِ بِإِقْرَارِ الْخَصْمِ.","vol":"1","page":1219},{"text":"٢٢٧٩ - وَلَا يُمْتَنَعُ قَبُولُ هَذِهِ الشَّهَادَةِ بِسَبَبِ مَا لِلشُّهُودِ فِي الْمَشْهُودِ بِهِ مِنْ النَّصِيبِ بِالسَّهْمِ أَوْ الرَّضْخِ. لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرِكَةِ مِلْكٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الشَّرِكَةِ لَا يَمْنَعُ قَبُولُ الشَّهَادَةِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ بِهِ قَوْمٌ مِمَّنْ لَا نَصِيبَ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ كَانَ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِشَهَادَتِهِمْ، وَإِنْ كَانَ الْقَاضِي مِنْ جُمْلَةِ الْغَانِمِينَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ وِلَايَةَ الشَّهَادَةِ دُونَ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ، فَإِذَا كَانَ النَّصِيبُ لِلْقَاضِي بِهَذَا الطَّرِيقِ فَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ قَضَائِهِ فِيهِ، فَالنَّصِيبُ لِلشَّاهِدِ أَوْلَى أَلَّا يَمْنَعَ قَبُولِ شَهَادَتِهِ فِيهِ. ثُمَّ اسْتَكْثَرَ مِنْ الشَّوَاهِدِ لِذَلِكَ حَتَّى قَالَ:\n\n- لَوْ شَهِدَ قَوْمٌ مِنْ الْغُزَاةِ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِالْغُلُولِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ، مَعَ وُجُودِ النَّصِيبِ لَهُمْ فِي الْمَشْهُودِ بِهِ، وَلَوْ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ فِي ذَلِكَ لِأَجْلِ نَصِيبِهِمْ لَمْ يُقْبَلْ فِيهِ أَيْضًا شَهَادَةُ آبَائِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ؛ لِأَنَّ شَرِكَةَ الْمِلْكِ كَمَا تَمْنَعُ قَبُولَ شَهَادَةِ الشَّرِيكِ فِي الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ تَمْنَعُ قَبُولَ شَهَادَةِ آبَائِهِ وَأَوْلَادِهِ فِي ذَلِكَ، وَلَوْ بَطَلَتْ الشَّهَادَةُ لِهَذَا بَطَلَتْ فِيهِ شَهَادَةُ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ مِمَّنْ لَمْ يَشْهَدْ الْقِتَالَ؛ لِأَنَّ لَهُمْ فِي الْمَشْهُودِ بِهِ نَصِيبًا بِاعْتِبَارِ الْخُمُسِ. وَبَطَلَتْ أَيْضًا شَهَادَةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ شَيْئًا لِثُبُوتِ الْحَقِّ لِلشَّاهِدِ فِي ذَلِكَ، وَأَحَدٌ لَا يَقُولُ","vol":"1","page":1220},{"text":"بِهَذَا. فَعَرَفْنَا أَنَّ الشَّرِكَةَ الْعَامَّةَ لَا تَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ وَإِنَّهُ إنَّمَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ بِاعْتِبَارِ شَرِكَةِ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ يُثْبِتُ الْمِلْكَ لِنَفْسِهِ بِشَهَادَتِهِ، فَأَمَّا مَنْ يُثْبِتُ حَقًّا عَامًّا لَا مِلْكًا فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ قَبُولَ شَهَادَتِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ مُسْلِمَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ بَنَى دَارِهِ هَذِهِ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ أَمَرَهُ الْإِمَامُ بِهَدْمِهَا، حَتَّى يُعِيدَهَا طَرِيقًا كَمَا كَانَتْ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِي الطَّرِيقِ حَقًّا لِكُلِّ وَاحِدٍ، فَكَانَ الشَّاهِدُ مُنْتَفِعًا بِشَهَادَتِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَكِنْ لَمَّا انْعَدَمَ الْمِلْكُ لَهُ فِي الْمَشْهُودِ بِهِ وَالْيَدِ، كَانَتْ شَهَادَتُهُ مَقْبُولَةً: فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":1221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>[بَابُ مَا يَتَبَايَعُ أَهْلُ الْإِسْلَامِ بَيْنَهُمْ مِمَّا يَأْخُذُونَهُ مِنْ الْغَنِيمَة]</span>\n- بَابُ مَا يَتَبَايَعُ أَهْلُ الْإِسْلَامِ بَيْنَهُمْ مِمَّا يَأْخُذُونَهُ مِنْ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَعْلَافِ\n٢٢٨١ - قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْغَانِمِينَ حَقَّ التَّنَاوُلِ مِنْ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ قَبْلَ إحْرَازِ الْغَنِيمَةِ بِالدَّارِ، فَإِنْ أَصَابَ أَحَدُهُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ كَثِيرًا فَلْيَأْخُذْ مِنْهُ مِقْدَارَ كِفَايَتِهِ وَلْيَقْسِمْ سَائِرَ ذَلِكَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ. لِأَنَّهُ بِاعْتِبَارِ سَبْقِ يَدِهِ إلَيْهِ صَارَ أَحَقَّ بِهِ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ، فَعَلَيْهِ فِيمَا يَفْضُلُ عَنْ حَاجَتِهِ أَنْ يُوَصِّلَهُ إلَى الْمُحْتَاجِينَ مِنْهُمْ.\n٢٢٨٢ - فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَحْمِلَ الْفَضْلَ إلَى مَنْزِلٍ آخَرَ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُ فِي ذَلِكَ الْمَنْزِلِ شَيْئًا فَلَا بَأْسَ لَهُ بِذَلِكَ. لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ حَاجَتِهِ وَتَجَدُّدِ الْحَاجَةِ إلَى الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ فِي كُلِّ مَنْزِلٍ مَعْلُومٌ، وَمَا يُعْلَمُ وُجُودُهُ بِطَرِيقِ الظَّاهِرِ فَهُوَ كَالْمَوْجُودِ حَقِيقَةً.\nأَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ لَا يَمْلِكُ مِنْ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِلذَّهَابِ وَالرُّجُوعِ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ، وَمَا يُتْرَكُ لِلْعِيَالِ، فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ لَا يَلْزَمُهُ الْحَجُّ. بِاعْتِبَارِ حَقِّ يَدِهِ صَارَ هُوَ أَحَقَّ بِمَا كَانَ مَشْغُولًا بِحَاجَتِهِ، فَكَانَ لَهُ أَلَّا يُعْطِيَهُ غَيْرَهُ.","vol":"1","page":1222},{"text":"٢٢٨٣ - وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُصِيبُ فِي الْمَنْزِلِ الْآخَرِ مِثْلَ هَذَا وَلَكِنَّهُ يَكْرَهُ الطَّلَبَ فِي الْمَنْزِلِ الْآخَرِ، فَلَعَلَّهُ يَشُقُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ الْفَضْلَ إلَى الْمُحْتَاجِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ. لِأَنَّهُ فَاضِلٌ عَنْ حَاجَتِهِ بِتَمَكُّنِهِ مِنْ إصَابَةِ مِقْدَارِ حَاجَتِهِ فِي الْمَنْزِلِ الْآخَرِ، وَحَاجَةُ أَصْحَابِهِ إلَى مَا فِي يَدِهِ مُتَحَقِّقَةٌ فِي الْحَالِ.\n٢٢٨٤ - فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُمْ حَقَّهُمْ لِتَحْصِيلِ الرَّاحَةِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِطُمَأْنِينَةِ قَلْبِهِ، فَإِنْ أَبَى أَنْ يُعْطِيَهُمْ فَأَخَذُوا ذَلِكَ مِنْهُ فَلَا بَأْسَ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي. وَمَكْرُوهٌ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ. لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقُّ الْمَنْعِ شَرْعًا فَهُمْ فِي سَعَةٍ مِنْ الْأَخْذِ، بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الدَّيْنِ إذَا ظَفِرَ بِجِنْسِ حَقِّهِ. وَإِذَا كَانَ لَهُ حَقُّ الْمَنْعِ شَرْعًا فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُبْطِلُوا عَلَيْهِ هَذَا الْحَقَّ بِالْأَخْذِ مِنْهُ لِحُرْمَةِ يَدِهِ هَا هُنَا.\n٢٢٨٥ - وَفِي الْوَجْهَيْنِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ. لِأَنَّهَا غَيْرُ مُحَرَّزَةٍ بِالدَّارِ فَلَا يَضْمَنُ مُسْتَهْلِكُهَا شَيْئًا.\n٢٢٨٦ - وَإِنْ أَخَذُوا ذَلِكَ مِنْهُ فَخَاصَمَهُمْ إلَى الْإِمَامِ قَبْلَ أَنْ يَأْكُلُوا فَإِنْ كَانَ هُوَ مُحْتَاجًا إلَى ذَلِكَ رَدَّهُ الْإِمَامُ عَلَيْهِ. لِأَنَّ الْأَخْذَ مِنْهُ مَعَ قِيَامِ حَاجَتِهِ تَعَدٍّ وَعَلَى الْإِمَامِ إزَالَةُ الْيَدِ الْمُتَعَدِّيَةِ.","vol":"1","page":1223},{"text":"٢٢٨٧ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانَا جَمِيعًا غَنِيَّيْنِ عَنْهُ. لِأَنَّ يَدَهُ إلَى ذَلِكَ كَانَتْ أَسْبَقَ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ الْأَخْذُ مِنْهُ بِاعْتِبَارِ الْحَاجَةِ لِلْمُحْتَاجِ.\n٢٢٨٨ - فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْآخِذُ مُحْتَاجًا إلَيْهِ كَانَ مُتَعَدِّيًا فِي إزَالَةِ يَدِهِ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي مُحْتَاجًا إلَيْهِ دُونَ الْأَوَّلِ لَمْ يَسْتَرِدَّهُ مِنْهُ الْإِمَامُ. لِأَنَّهُ يَحِقُّ أَخْذُهُ مِنْهُ، وَعَلَى الْإِمَامِ تَقْرِيرُ الْيَدِ الْمُحِقَّةِ.\n٢٢٨٩ - فَأَمَّا إذَا كَانَا غَنِيَّيْنِ عَنْهُ فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُمَا فَيَدْفَعَهُ إلَى غَيْرِهِمَا. وَإِذَا ثَبَتَ بِهَذَا الطَّرِيقِ أَنَّ لَهُ وِلَايَةَ الِاسْتِرْدَادِ مِنْ الثَّانِي ثَبَتَ لَهُ وِلَايَةُ الرَّدِّ عَلَى الْأَوَّلِ، لِمُرَاعَاةِ قَلْبِهِ، كَمَا لَوْ تَخَاصَمَا عِنْدَهُ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ، وَهَذَا الْحُكْمُ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي كُلِّ مَا يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ حَقٌّ، كَالنُّزُولِ فِي الرِّبَاطَاتِ وَالْجُلُوسِ فِي الْمَسَاجِدِ لِانْتِظَارِ الصَّلَوَاتِ، وَالنُّزُولِ بِمِنًى أَوْ عَرَفَاتٍ لِلْحَجِّ، حَتَّى إذَا ضَرَبَ رَجُلٌ فُسْطَاطًا فِي مَكَان وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ الْمَكَانُ يَنْزِلُ فِيهِ غَيْرُهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَمَعْرُوفٌ بِذَلِكَ، فَاَلَّذِي بَدَرَ إلَى ذَلِكَ الْمَنْزِلِ أَحَقُّ بِهِ، وَلَيْسَ لِلْآخَرِ أَنْ يُحَوِّلَهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ يَدَهُ سَبَقَتْ إلَيْهِ، وَالْإِحْرَازُ فِي الْمُبَاحِ يَحْصُلُ بِسَبْقِ الْيَدِ، كَالصَّيْدِ وَالْحَطَبِ وَالْحَشِيشِ. فَإِنْ كَانَ أَخَذَ مِنْ ذَلِكَ مَوْضِعًا وَاسِعًا فَوْقَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فَلِغَيْرِهِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ نَاحِيَةً لَا يَحْتَاجُ هُوَ إلَيْهَا فَيَنْزِلُهَا مَعَهُ،","vol":"1","page":1224},{"text":"لِأَنَّهُ بِاعْتِبَارِ سَبْقِ يَدِهِ إنَّمَا صَارَ أَحَقَّ بِهِ لِحَاجَتِهِ. وَلَوْ طَلَبَ ذَلِكَ مِنْهُ رَجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَنْزِلَ فِيهِ فَأَرَادَ الَّذِي بَدَرَ إلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حَاجَةَ مَنْ اخْتَارَهُ كَحَاجَتِهِ - وَعِنْدَ قِيَامِ حَاجَتِهِ هُوَ أَحَقُّ بِهِ بِاعْتِبَارِ يَدِهِ، فَكَذَلِكَ عِنْدَ قِيَامِ حَاجَةِ مَنْ اخْتَارَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَرْغَبُ فِي مُجَاوَرَةِ بَعْضِ النَّاسِ دُونَ الْبَعْضِ، وَيَعُدُّ الْإِنْسَانُ ذَلِكَ مِنْ حَوَائِجِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ حَدِيثُ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فَإِنَّهُ كَانَ يَسْبِقُ النَّاسَ إلَى الْمَنَازِلِ، فَيَجْعَلُ عَلَى كُلِّ مَوْضِعٍ عَلَامَةً فَإِذَا جَاءَ أَصْحَابُهُ أَعْطَاهُمْ تِلْكَ الْمَنَازِلَ الَّتِي كَانَ أَخَذَهَا. وَلَوْ بَدَرَ إلَيْهِ أَحَدُهُمَا فَنَزَلَ فَأَرَادَ الَّذِي كَانَ أَخَذَهُ فِي الِابْتِدَاءِ وَهُوَ عَنْهُ غَنِيٌّ أَنْ يُخْرِجَهُ عَنْهُ وَيُنْزِلَهُ مُحْتَاجًا آخَرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا الرَّأْيَ كَانَ لَهُ بِاعْتِبَارِ يَدِهِ، وَقَدْ اعْتَرَضَ عَلَيْهِمَا يَدٌ أُخْرَى هِيَ مُحِقَّةٌ بِاعْتِبَارِ حَاجَةِ صَاحِبِهَا، فَلَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ إبْطَالِهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ قَالَ: إنَّمَا كُنْت أَخَذْته لِهَذَا الْآخَرِ بِأَمْرِهِ، لَا لِنَفْسِي اسْتَحْلَفَ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِخَبَرٍ مُحْتَمَلٍ، فَيَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ، لِإِنْكَارِ خَصْمِهِ، وَبَعْدَ الْحَلِفِ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ يَدِ الَّذِي بَدَرَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ يَدَهُ فِيهِ كَانَتْ كَيَدِ الَّذِي أَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَقِيَامُ حَاجَةِ الْآمِرِ يَمْنَعُ غَيْرَهُ مِنْ إثْبَاتِ الْيَدِ عَلَيْهِ، فَإِذَا ظَهَرَ أَنَّ يَدَهُ يَدٌ مُتَعَدِّيَةٌ أُمِرَ بِإِزَالَتِهَا، وَهَذَا هُوَ الْحُكْمُ أَيْضًا فِيمَا يَفْضُلُ مِنْ حَاجَةِ الْآخِذِ مِنْ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ، إذَا قَالَ أَخَذْته لِفُلَانٍ بِأَمْرِهِ.\n\n- وَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ أَصَابَ أَحَدُهُمَا شَعِيرًا وَالْآخَرُ قَضْبًا فَتَبَادَلَا، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُحْتَاجٌ إلَى","vol":"1","page":1225},{"text":"مَا اشْتَرَى، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَتَنَاوَلَ مَا اشْتَرَى مِنْ صَاحِبِهِ وَلَيْسَ هَذَا بِبَيْعٍ بَيْنَهُمَا. لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُصِيبَ مِنْ الْعَلَفِ مِقْدَارَ حَاجَتِهِ إلَّا أَنَّ قِيَامَ حَاجَةِ صَاحِبِهِ كَانَ يَمْنَعُهُ مِنْ الْأَخْذِ مِنْهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ، فَيَسْتَرْضِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ بِهَذِهِ الْمُبَايَعَةِ، ثُمَّ يَتَنَاوَلُ بِأَصْلِ الْإِبَاحَةِ، بِمَنْزِلَةِ الْأَضْيَافِ عَلَى الْمَائِدَةِ إذَا تَنَاوَلَ اثْنَانِ طَعَامًا بَيْنَ يَدَيْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بَيْعًا، وَلَكِنْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَانَ مَمْنُوعًا مِنْ أَنْ يَمُدَّ يَدَهُ إلَى مَا بَيْنَ يَدَيْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ، فَبَعْدَ وُجُودِ التَّرَاضِي بِهَذَا السَّبَبِ يَتَنَاوَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مِلْكِ الْمُضِيفِ بِاعْتِبَارِ الْإِبَاحَةِ مِنْهُ.\n٢٢٩١ - وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُحْتَاجًا إلَى مَا أَعْطَى صَاحِبَهُ، وَصَاحِبُهُ مُحْتَاجٌ إلَى ذَلِكَ أَيْضًا فَأَرَادَ أَحَدُهُمَا نَقْضَ مَا صَنَعَ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. لِأَنَّهُ اعْتَرَضَ عَلَى يَدِهِ يَدٌ مُحِقَّةٌ فَإِنَّ صَاحِبَهُ أَخَذَهُ بِطِيبَةِ نَفْسِهِ فَقِيَامُ حَاجَتِهِ يَمْنَعُهُ مِنْ الْأَخْذِ مِنْهُ، كَمَا لَوْ كَانَ هُوَ الَّذِي بَدَرَ إلَيْهِ فِي الِابْتِدَاءِ.\n٢٢٩٢ - وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ مُحْتَاجًا إلَى مَا أَعْطَى، وَكَانَ الْمُشْتَرِي غَنِيًّا عَنْهُ، فَلِلْبَائِعِ أَنْ يَأْخُذَ مَا أَعْطَى وَيَرُدَّ مَا أَخَذَ. لِأَنَّ صَاحِبَهُ لَوْ كَانَ هُوَ الَّذِي بَدَرَ إلَيْهِ فِي الِابْتِدَاءِ، وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْهُ، كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ هُوَ الَّذِي سَلَّمَهُ إلَيْهِ،","vol":"1","page":1226},{"text":"إلَّا أَنَّ هُنَاكَ يَأْخُذُهُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْطِيَهُ شَيْئًا، وَهَا هُنَا يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا أَخَذَهُ مِنْهُ بِمُقَابَلَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَرُدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَانَ غُرُورًا مِنْهُ، وَالْغُرُورُ حَرَامٌ، حَتَّى لَوْ كَانَ وَهَبَهُ لَهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ إذَا كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ غَنِيًّا عَنْهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْطِيَهُ شَيْئًا بِمُقَابَلَتِهِ.\n٢٢٩٣ - وَإِنْ كَانَ حِينَ قَصَدَ الِاسْتِرْدَادَ مِنْ صَاحِبِهِ أَعْطَاهُ صَاحِبُهُ مُحْتَاجًا إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ. لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي سَلَّطَهُ عَلَى الدَّفْعِ إلَى غَيْرِهِ، فَكَأَنَّهُ دَفَعَهُ بِنَفْسِهِ إلَى هَذَا الْمُحْتَاجِ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ، وَقِيَامُ حَاجَةِ مَنْ فِي يَدِهِ فِي مِثْلِ هَذَا يَمْنَعُهُ مِنْ الْأَخْذِ مِنْهُ.\n٢٢٩٤ - وَلَوْ تَبَايَعَا، وَهُمَا غَنِيَّانِ أَوْ مُحْتَاجَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا غَنِيٌّ وَالْآخَرُ مُحْتَاجٌ، فَلَمْ يَتَقَابَضَا حَتَّى بَدَا لِأَحَدِهِمَا تَرْكُ ذَلِكَ فَلَهُ أَنْ يَتْرُكَهُ. لِأَنَّ هَذِهِ الْمُبَايَعَةَ مَا كَانَتْ مُعْتَبَرَةً شَرْعًا فَإِنَّهَا لَمْ تُصَادِفْ مَحَلَّهَا فَكَانَ الْحَالُ بَعْدَهَا كَالْحَالِ قَبْلَهَا، مَا لَمْ يَتَقَابَضَا، فَإِنَّ هَذَا الْحُكْمَ يَبْتَنِي عَلَى الْيَدِ، وَبِمُجَرَّدِ الْمُبَايَعَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا تَتَحَوَّلُ الْيَدُ مِنْ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ.\n٢٢٩٥ - وَلَوْ أَقْرَضَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ شَيْئًا عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ مِثْلَهُ، فَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَنِيًّا عَنْ ذَلِكَ، أَوْ مُحْتَاجًا إلَيْهِ، فَلَيْسَ عَلَى الْمُسْتَقْرِضِ شَيْءٌ.","vol":"1","page":1227},{"text":"لِأَنَّهُ تَنَاوَلَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مِنْ طَعَامِ الْغَنِيمَةِ، وَإِنَّمَا الِاسْتِقْرَاضُ كَانَ لِتَطِيبَ نَفْسُ صَاحِبِهِ بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ بِاعْتِبَارِهِ ضَمَانٌ إنْ اسْتَهْلَكَهُ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَهْلِكْهُ بَعْدُ، فَالْمُقْرِضُ أَحَقُّ بِهِ إذَا أَرَادَ اسْتِرْدَادَهُ.\nلِأَنَّهُ مَا رَضِيَ بِتَحْوِيلِ الْيَدِ إلَى صَاحِبِهِ، إلَّا بِشَرْطِ أَنْ يَجِبَ لَهُ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، وَقَدْ تَعَذَّرَ إيجَابُ هَذَا الشَّرْطِ فَيَنْعَدِمُ رِضَاهُ وَيَصِيرُ هَذَا وَمَا لَوْ أَخَذَهُ صَاحِبُهُ مِنْهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ سَوَاءٌ.\n٢٢٩٦ - وَإِنْ كَانَ الْآخِذُ مُحْتَاجًا إلَيْهِ وَالْمُعْطِي غَنِيًّا عَنْهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ. لِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَهُ مِنْهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ كَانَ هُوَ أَحَقَّ بِهِ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ وَغِنَى صَاحِبِهِ عَنْهُ فَإِذَا أَخَذَهُ بِرِضًى أَوْلَى.\n٢٢٩٧ - وَإِنْ كَانَا غَنِيَّيْنِ عَنْهُ حِينَ أَقْرَضَهُ ثُمَّ احْتَاجَا إلَيْهِ قَبْلَ الِاسْتِهْلَاكِ فَالْمُعْطِي أَحَقُّ بِهِ. لِأَنَّ حَاجَتَهُمَا إذَا اُعْتُرِضَتْ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَوْجُودِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْأَخْذِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ رِضَى الْمُعْطِي لَمْ يَتِمَّ بِهِ حِينَ لَمْ يَسْلَمْ لَهُ الشَّرْطُ، فَهُوَ أَحَقُّ بِالِاسْتِرْدَادِ.\n٢٢٩٨ - وَإِنْ احْتَاجَ الْآخِذُ أَوَّلًا ثُمَّ احْتَاجَ إلَيْهِ الْمُعْطِي، أَوْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الْآخِذِ.","vol":"1","page":1228},{"text":"لِأَنَّ بِاعْتِبَارِ حَاجَةِ الْآخِذِ قَدْ اتَّصَفَتْ يَدُهُ بِالْحَقِيقَةِ فَلَا يَكُونُ لِأَحَدٍ أَنْ يُزِيلَهَا بِغَيْرِ رِضَاهُ وَإِنْ احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ.\n\n- وَإِنْ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا حِنْطَةً مِنْ صَاحِبِهِ مِمَّا هُوَ غَنِيمَةٌ بِدَرَاهِمَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي، فَدَفَعَ الدَّرَاهِمَ، وَقَبَضَ الْحِنْطَةَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مِنْ غَيْرِهِ، إذَا كَانَ هُوَ إلَيْهَا مُحْتَاجًا. لِأَنَّهُ أَثْبَتَ يَدَهُ عَلَيْهَا بِطِيبِ نَفْسِ صَاحِبِهِ، وَقَدْ تَأَكَّدَتْ يَدُهُ لِحَاجَتِهِ. فَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا نَقْضَ الْبَيْعِ؛ وَالْحِنْطَةُ قَائِمَةٌ بِعَيْنِهَا، فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا جَرَى بَيْنَهُمَا لَمْ يَكُنْ بَيْعًا حَقِيقَةً، فَإِنَّهُمَا فِي تَنَاوُلِ طَعَامِ الْغَنِيمَةِ سَوَاءٌ.\n٢٣٠٠ - فَيَرُدُّ الْمُشْتَرِي الْحِنْطَةَ وَيَأْخُذُ دَرَاهِمَهُ إنْ كَانَا غَنِيَّيْنِ عَنْهَا، أَوْ كَانَ الْبَائِعُ مُحْتَاجًا إلَيْهَا وَالْمُشْتَرِي غَنِيًّا.\nفَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي هُوَ الْمُحْتَاجُ إلَيْهَا فَعَلَى الْبَائِعِ أَنْ يَرُدَّ ثَمَنَهُ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ صَحِيحٍ مُعْتَبَرٍ شَرْعًا.\n٢٣٠١ - وَالْحِنْطَةُ سَالِمَةٌ لِلْمُشْتَرِي. لِأَنَّ يَدَهُ فِيهَا اتَّصَفَتْ بِالْحَقِيَةِ لِحَاجَتِهِ، لَا لِتَسْلِيمِ الْبَائِعِ إلَيْهِ، فَإِنَّ الْبَائِعَ إذَا كَانَ غَنِيًّا عَنْهَا كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ.","vol":"1","page":1229},{"text":"٢٣٠٢ - وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ اسْتَهْلَكَهَا فَعَلَى الْبَائِعِ رَدُّ الثَّمَنِ عَلَيْهِ، وَمَا اسْتَهْلَكَهُ الْمُشْتَرِي سَالِمٌ لَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ. فَإِنْ ذَهَبَ الْمُشْتَرِي وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ الْبَائِعُ لِيَرُدَّ عَلَيْهِ الدَّرَاهِمَ، فَهِيَ فِي يَدِهِ بِمَنْزِلَةِ اللُّقَطَةِ إلَّا أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ فِي يَدِهِ. لِأَنَّهُ قَبَضَهَا عَلَى قَصْدِ التَّمَلُّكِ لِنَفْسِهِ، فَحُكْمُهُ كَحُكْمِ الْمُلْتَقِطِ لِقَصْدِ التَّمَلُّكِ بِالْأَخْذِ، ثُمَّ يَبْدُو لَهُ ذَلِكَ فِي الْإِمْسَاكِ، وَالتَّعْرِيفِ وَالتَّصَدُّقِ بِهِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ، عَلَى مَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي اللُّقَطَةِ.\n٢٣٠٣ - فَإِنْ رَفَعَ أَمْرَهَا إلَى صَاحِبِ الْمَغَانِمِ وَالْمَقَاسِمِ فَقَالَ: قَدْ أَجَزْت بَيْعَك فَهَاتِ الثَّمَنَ جَازَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ الثَّمَنَ إلَى صَاحِبِ الْمَغَانِمِ. لِأَنَّ لِلْمُلْتَقِطِ أَنْ يَدْفَعَ اللُّقَطَةَ إلَى الْإِمَامِ إذَا طَلَبَ ذَلِكَ مِنْهُ، فَهَذَا مِثْلُهُ.\n٢٣٠٤ - فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُ الدَّرَاهِمِ بَعْدَ ذَلِكَ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ قَدْ اسْتَهْلَكَ الْحِنْطَةَ قَبْلَ أَنْ يُجِيزَ صَاحِبُ الْمَغَانِمِ الْبَيْعَ فَالدَّرَاهِمُ مَرْدُودَةٌ عَلَيْهِ. لِأَنَّ صِحَّةَ الْإِجَازَةِ تَسْتَدْعِي بَقَاءَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، فَإِنَّ الْإِجَازَةَ فِي حُكْمِ ثُبُوتِ الْمِلْكِ لِلْمُشْتَرِي فِي الْمَحَلِّ كَإِنْشَاءِ الْعَقْدِ فَإِذَا بَطَلَتْ الْإِجَازَةُ وَجَبَ رَدُّ دَرَاهِمِهِ عَلَيْهِ.","vol":"1","page":1230},{"text":"٢٣٠٥ - فَإِنْ كَانَ لَمْ يَسْتَهْلِكْهَا إلَّا بَعْدَ الْإِجَازَةِ فَالدَّرَاهِمُ فِي الْغَنِيمَةِ. لِأَنَّ إجَازَةَ صَاحِبِ الْمَغَانِمِ بَيْعَهُ كَإِنْشَاءِ الْعَقْدِ مِنْهُ، وَلَوْ بَاعَ بِنَفْسِهِ الطَّعَامَ مِنْ الْغَانِمِينَ بِدَرَاهِمَ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا، وَكَانَ الثَّمَنُ فِي الْغَنِيمَةِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ مُسِيئًا فِيمَا صَنَعَ، فَهَذَا مِثْلُهُ.\n٢٣٠٦ - فَإِنْ قَالَ الْمُشْتَرِي قَدْ كُنْت أَكَلْت الْحِنْطَةَ قَبْلَ أَنْ يُجِيزَ الْبَيْعَ فَرُدَّ عَلَيَّ الدَّرَاهِمَ وَحَلَفَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يُصَدَّقْ وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ الدَّرَاهِمَ حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ كَانَ اسْتَهْلَكَهَا قَبْلَ إجَازَةِ الْبَيْعِ. لِأَنَّ مَا عُرِفَ قِيَامُهُ فَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ مَا لَمْ يَعْلَمْ الْهَلَاكَ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الِاسْتِهْلَاكَ حَادِثٌ، فَإِنَّمَا يُحَالُ بِحُدُوثِهِ إلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ، فَإِذَا أَرَادَ اسْتِنَادَهُ إلَى وَقْتٍ سَابِقٍ لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِحُجَّةٍ.\n\n- وَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ أَصَابَ أَحَدُهُمَا حِنْطَةً وَالْآخَرُ ثَوْبًا فَأَرَادَ أَنْ يَتَبَايَعَا فَلَيْسَ لَهُمَا ذَلِكَ. لِأَنَّ الَّذِي أَصَابَ الثَّوْبَ مَمْنُوعٌ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، فَيَكُونُ مَمْنُوعًا عَنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ أَيْضًا، بِخِلَافِ الطَّعَامِ.","vol":"1","page":1231},{"text":"٢٣٠٨ - فَإِنْ فَعَلَا وَاسْتَهْلَكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا أَخَذَ مِنْ صَاحِبِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، إلَّا أَنَّ بَائِعَ الثَّوْبِ مُسِيءٌ فِي الْبَيْعِ.\nلِأَنَّ حَقَّ التَّصَرُّفِ فِي الْغَنِيمَةِ لِلْإِمَامِ فَهُوَ يَفْتَاتُ عَلَى رَأْيِ الْإِمَامِ بِهَذَا التَّصَرُّفِ، فَيَكُونُ مُسِيئًا فِيهِ. وَالْمُشْتَرِي لِلثَّوْبِ قَدْ اسْتَهْلَكَ ثَوْبًا مِنْ الْغَنِيمَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ لَهُ فِي ذَلِكَ فَيَكُونُ مُسِيئًا أَيْضًا.\n٢٣٠٩ - وَإِنْ لَمْ يَسْتَهْلِكَا ذَلِكَ حَتَّى دَخَلَا دَارَ الْإِسْلَامِ فَقَدْ وَجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَدُّ مَا فِي يَدِهِ. لِأَنَّ مَا جَرَى بَيْنَهُمَا مِنْ الْمُبَايَعَةِ كَانَ بَاطِلًا، فَمَا فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ، وَقَدْ تَأَكَّدَ حَقُّ الْغَانِمِينَ فِيهِ بِالْإِحْرَازِ، فَعَلَيْهِ رَدُّهُ، وَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ كَانَ ضَامِنًا؛ لِأَنَّ الطَّعَامَ إنَّمَا يُخَالِفُ سَائِرَ الْأَمْوَالِ قَبْلَ تَأَكُّدِ الْحَقِّ بِالْإِحْرَازِ، فَأَمَّا بَعْدَ التَّأَكُّدِ فَهُوَ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ، يَجِبُ قِسْمَتُهُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَتَنَاوَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، فَلِهَذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَامِنًا لِمَا اسْتَهْلَكَهُ.\n٢٣١٠ - وَإِنْ كَانَا فِي دَارِ الْحَرْبِ بَعْدُ، وَلَمْ يَسْتَهْلِكَا ذَلِكَ، فَعَلَى الَّذِي قَبَضَ الثَّوْبَ أَنْ يَرُدَّهُ فِي الْغَنِيمَةِ، كَمَا لَوْ كَانَ هُوَ الَّذِي أَصَابَهُ ابْتِدَاءً. وَأَمَّا الَّذِي قَبَضَ الْحِنْطَةَ فَالْحُكْمُ فِي حَقَّةِ","vol":"1","page":1232},{"text":"مَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْ اعْتِبَارِ حَاجَتِهِمَا، أَوْ غِنَاهُمَا، أَوْ حَاجَةِ الْآخِذِ دُونَ الْمُعْطِي، أَوْ الْمُعْطِي دُونَ الْآخِذِ، فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا.\n٢٣١١ - فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي لِلْحِنْطَةِ قَدْ ذَهَبَ بِهَا، وَلَا يُوقَفُ عَلَى أَثَرِهِ، أَخَذَ صَاحِبُ الْمَغَانِمِ الثَّوْبَ مِمَّنْ هُوَ فِي يَدِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ هُوَ الَّذِي أَخَذَهُ ابْتِدَاءً. وَإِنْ كَانَ الْآخِذُ لِلثَّوْبِ هُوَ الَّذِي لَمْ يُوقَفْ عَلَيْهِ، فَإِنَّ صَاحِبَ الْمَغَانِمِ لَا يَعْرِضُ لِمُشْتَرِي الْحِنْطَةَ بِشَيْءٍ، مَا دَامُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ هُوَ الَّذِي أَصَابَهَا فِي الِابْتِدَاءِ، فَإِنْ كَانَ إخْرَاجُهَا قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَهَا أَخَذَهَا مِنْهُ صَاحِبُ الْمَغَانِمِ فَجَعَلَهَا فِي الْغَنِيمَةِ.\n\n- وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَتَعَلَّفَ لَهُ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ إلَى بَعْضِ الْمَطَامِيرِ، وَأَتَاهُ بِذَلِكَ الْعَلَفِ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ بَدَا لِي أَلَّا أُعْطِيَك هَذَا، وَآخُذَهُ لِنَفْسِي، وَأَرُدُّ عَلَيْك الْأَجْرَ، وَأَبَى الْمُسْتَأْجِرُ إلَّا أَنْ يَأْخُذَهُ، فَإِنْ أَقَرَّ الْأَجِيرُ أَنَّهُ جَاءَ بِهِ عَلَى الْإِجَارَةِ، أُجْبِرَ عَلَى دَفْعِهِ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ، إنْ كَانَا مُحْتَاجَيْنِ إلَيْهِ، أَوْ كَانَا غَنِيَّيْنِ عَنْهُ. لِأَنَّ يَدَ الْأَجِيرِ كَيَدِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَقَدْ صَحَّتْ هَذِهِ الْإِجَارَةُ؛ لِأَنَّ الْأَجِيرَ عَقَدَ الْعَقْدَ عَلَى مَنَافِعِهِ، وَمَا اُسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ لَيْسَ مِنْ الْجِهَادِ فِي شَيْءٍ.","vol":"1","page":1233},{"text":"١٣١٣ - وَإِنْ كَانَ الْأَجِيرُ مُحْتَاجًا إلَى ذَلِكَ، وَالْمُسْتَأْجِرُ غَنِيًّا عَنْهُ، فَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ. لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ كَانَ لِلْأَجِيرِ حَقُّ الْأَخْذِ مِنْهُ، لِحَاجَتِهِ، فَإِذَا كَانَ فِي يَدِ الْأَجِيرِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ حَقُّ الْمَنْعِ مِنْهُ. وَلَكِنْ لَا أَجْرَ لَهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَخَذَهُ مِنْهُ رَدَّهُ عَلَيْهِ. لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ إلَيْهِ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ حِينَ مَنَعَهُ مَا جَاءَ بِهِ.\n٢٣١٤ - وَلَوْ كَانَ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحْتَشَّ لَهُ حَشِيشًا، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَلِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ هُوَ غَنِيًّا عَنْهُ، وَالْأَجِيرُ مُحْتَاجًا إلَيْهِ إذَا أَقَرَّ أَنَّهُ احْتَشَّهُ لَهُ. لِمَا بَيَّنَّا فِيمَا سَبَقَ أَنَّ الْحَشِيشَ لَيْسَ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ.\n٢٣١٥ - وَلَوْ احْتَشَّهُ الْمُسْتَأْجِرُ لِنَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ، وَدَارُ الْحَرْبِ وَدَارُ الْإِسْلَامِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ فَكَذَلِكَ إذَا احْتَشَّهُ لَهُ لِغَيْرِهِ. لِأَنَّ يَدَ أَجِيرِهِ كَيَدِهِ، بِخِلَافِ الطَّعَامِ فَإِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ، حَتَّى لَوْ بَقِيَ إلَى وَقْتِ الْقِسْمَةِ كَانَ مَقْسُومًا بَيْنَ الْغَانِمِينَ. فَإِذَا كَانَ الْأَجِيرُ مُحْتَاجًا إلَيْهِ وَالْمُسْتَأْجِرُ غَنِيًّا عَنْهُ كَانَ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ أَحَقَّ بِهِ.","vol":"1","page":1234},{"text":"٢٣١٦ - ثُمَّ فِي الطَّعَامِ إنْ سَلَّمَهُ الْأَجِيرُ إلَى الْمُسْتَأْجَرِينَ حِينَ جَاءَ بِهِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ، وَغِنَى الْمُسْتَأْجَرِ عَنْهُ فَلَهُ ذَلِكَ. وَبِهِ يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَشِيشِ.\n٢٣١٧ - وَإِذَا أَخَذَهُ هَا هُنَا لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ فِي الْأَجْرِ. لِأَنَّ حُكْمَ الْعَقْدِ قَدْ انْتَهَى بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ حَقُّهُ فِي الْأَجْرِ، ثُمَّ الْأَخْذُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهُ بِحَقٍّ لَا يَكُونُ فَوْقَ الْأَخْذِ بِطَرِيقِ الْغَصْبِ، وَذَلِكَ لَا يُسْقِطُ حَقَّهُ فِي الْأَجْرِ، فَهَذَا أَوْلَى.\n٢٣١٨ - وَإِنْ كَانَ اسْتَأْجَرَهُ لِيَأْتِيَهُ بِالْعَلَفِ مِنْ بَعْضِ الْمَطَامِيرِ، وَلَمْ يُسَمِّ لَهُ مَطْمُورَةً بِعَيْنِهَا، فَأَتَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ لَا يُجَاوِزُ بِهِ مَا سَمَّى لَهُ مِنْ الْأَجْرِ. لِأَنَّ الْعَقْدَ كَانَ فَاسِدًا لِجَهَالَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَهُوَ ذَهَابُهُ وَمَجِيئُهُ، وَالْحُكْمُ فِي الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ وُجُوبُ أَجْرِ الْمِثْلِ، بَعْدَ إيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا فَرَجَعَ إلَيْهِ.\nلِأَنَّهُ قَدْ أَقَامَ الْعَمَلَ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ الذَّهَابُ وَالطَّلَبُ فَلَهُ أَجْرُ الْمِثْلِ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ فِي الْعَقْدِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ إذَا مَنَعَهُ مَا جَاءَ بِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ بِالْمَنْعِ يَصِيرُ فِي حُكْمِ الْعَامِلِ لِنَفْسِهِ، فَلَا يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ عَلَى غَيْرِهِ، حَتَّى إنَّ هُنَاكَ لَوْ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا كَانَ لَهُ أَجْرُ الذَّهَابِ أَيْضًا.","vol":"1","page":1235},{"text":"لِأَنَّهُ كَانَ عَامِلًا لَهُ فِي الذَّهَابِ، وَهُوَ غَيْرُ عَامِلٍ لَهُ فِي الرُّجُوعِ، حِينَ لَمْ يَأْتِ بِالطَّعَامِ وَالْعَلَفِ، فَعَرَفْت أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَقْدِ الْفَاسِدِ وَالصَّحِيحِ، بَلْ فِي الْمَوْضِعَيْنِ جَمِيعًا إنْ لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِ مَا جَاءَ بِهِ فَلَا أَجْرَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا فَلَهُ الْأَجْرُ فِي الذَّهَابِ مِنْ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ الصَّحِيحِ، وَمِنْ أَجْرِ الْمِثْلِ فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ، وَلَا أَجْرَ لَهُ فِي الرُّجُوعِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ عَامِلٍ لَهُ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":1236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>[بَابُ هَدِيَّةِ أَهْلِ الْحَرْبِ]</span>\n٢٣١٩ - وَإِذَا بَعَثَ مَلِكُ الْعَدُوِّ إلَى أَمِيرِ الْجُنْدِ بِهَدِيَّةٍ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْبَلَهَا وَيَصِيرَ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﵌ - كَانَ يَقْبَلُ هَدِيَّةَ الْمُشْرِكِينَ فِي الِابْتِدَاءِ، عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّهُ أَهْدَى إلَى أَبِي سُفْيَانَ تَمْرَ عَجْوَةٍ، وَاسْتَهْدَاهُ أَدْمًا. ثُمَّ لَمَّا ظَهَرَ مِنْهُمْ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ فِي طَلَبِ الْعِوَضِ أَبَى قَبُولَ الْهَدِيَّةِ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَالَ: إنَّا لَا نَقْبَلُ زَبَدَ الْمُشْرِكِينَ. فَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ لِلْأَمِيرِ رَأْيًا فِي قَبُولِ ذَلِكَ. وَلِأَنَّ فِي الْقَبُولِ مَعْنَى التَّأْلِيفِ، وَفِي الرَّدِّ إظْهَارَ مَعْنَى الْغِلْظَةِ وَالْعَدَاوَةِ.\n٢٣٢٠ - وَإِذَا طَمِعَ فِي إسْلَامِهِمْ فَهُوَ مَنْدُوبٌ إلَى أَنْ يُؤَلِّفَهُمْ فَيَقْبَلَ الْهَدِيَّةَ، وَيُهْدِيَ إلَيْهِمْ، عَمَلًا بِقَوْلِهِ - ﵇ -: «تَهَادَوْا تَحَابُّوا» . وَإِذَا لَمْ يَطْمَعْ فِي إسْلَامِهِمْ فَلَهُ أَنْ يُظْهِرَ مَعْنَى الْغِلْظَةِ وَالشِّدَّةِ عَلَيْهِمْ بِرَدِّ الْهَدِيَّةِ، فَإِنْ قَبِلَهَا كَانَ ذَلِكَ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّهُ مَا أَهْدَى إلَيْهِ بِعَيْنِهِ، بَلْ لِمَنَعَتِهِ، وَمَنَعَتُهُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمَالِ الْمُصَابِ بِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ.","vol":"1","page":1237},{"text":"٢٣٢١ - وَهَذَا بِخِلَافِ مَا كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﵌ - مِنْ الْهَدِيَّةِ، فَإِنَّ قُوَّتَهُ وَمَنَعَتَهُ لَمْ تَكُنْ بِالْمُسْلِمِينَ عَلَى مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاَللَّهُ يَعْصِمُك مِنْ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] فَلِهَذَا كَانَتْ الْهَدِيَّةُ لَهُ خَاصَّةً. ثُمَّ الَّذِي حَمَلَ الْمُشْرِكَ عَلَى الْإِهْدَاءِ إلَيْهِ خَوْفُهُ مِنْهُ، وَطَلَبُ الرِّفْقِ بِهِ وَبِأَهْلِ مَمْلَكَتِهِ، وَتَمَكُّنِهِ مِنْ ذَلِكَ بِعَسْكَرِهِ، فَكَانَتْ الْهَدِيَّةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِ الْعَسْكَرِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ الْهَدِيَّةُ إلَى قَائِدٍ مِنْ قُوَّادِ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ لَهُ عُدَّةٌ وَمَنَعَةٌ. لِأَنَّ الرَّهْبَةَ مِنْهُ وَالرَّغْبَةَ فِي التَّأَلُّفِ مَعَهُ بِالْهَدِيَّةِ لِيَرْفُقَ بِهِ أَهْلُ مَمْلَكَتِهِ إنَّمَا كَانَ بِاعْتِبَارِ مَنَعَتِهِ، وَذَلِكَ بِمَنْ تَحْتَ رَايَتِهِ، وَبِجَمِيعِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ.\n٢٣٢٢ - وَإِنْ كَانَ أَهْدَى إلَى بَعْضِ الْمُبَارِزِينَ، أَوْ إلَى رَجُلٍ مِنْ عَرْضِ الْعَسْكَرِ، فَذَلِكَ لَهُ خَاصَّةً. لِأَنَّ الْهَدِيَّةَ إلَى مِثْلِهِ لَمْ تَكُنْ عَلَى وَجْهِ الْخَوْفِ مِنْهُ، أَوْ طَلَبِ الرِّفْقِ بِهِ، وَإِنْ كَانَ فَذَلِكَ الْخَوْفُ بِاعْتِبَارِ قُوَّتِهِ فِي نَفْسِهِ، لَا لِغَيْرِهِ، إذْ لَا مَنَعَةَ لَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَالِمًا لَهُ خَاصَّةً.\n٢٣٢٣ - وَعَلَى هَذَا قَالُوا لَوْ أَهْدَى إلَى مُفْتٍ أَوْ وَاعِظٍ شَيْئًا، فَإِنَّ ذَلِكَ سَالِمٌ لَهُ خَاصَّةً.","vol":"1","page":1238},{"text":"لِأَنَّ الَّذِي حَمَلَ الْمُهْدِي إلَى الْإِهْدَاءِ إلَيْهِ وَالتَّقَرُّبِ إلَيْهِ مَعْنًى فِيهِ خَاصَّةً، بِخِلَافِ الْهَدِيَّةِ إلَى الْحُكَّامِ، فَإِنَّ ذَلِكَ رِشْوَةً؛ لِأَنَّ مَعْنَى الَّذِي حَمَلَ الْمُهْدِي عَلَى التَّقَرُّبِ إلَيْهِ وِلَايَتُهُ الثَّابِتَةُ، بِتَقْلِيدِ الْإِمَامِ إيَّاهُ، وَالْإِمَامُ فِي ذَلِكَ نَائِبٌ عَنْ الْمُسْلِمِينَ.\n٢٣٢٤ - وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ - ﵊ -: «هَدَايَا الْأُمَرَاءِ غُلُولٌ» يَعْنِي إذَا حَبَسُوا ذَلِكَ لِأَنْفُسِهِمْ، فَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْغُلُولِ مِنْهُمْ، وَالْغُلُولُ اسْمٌ خَاصٌّ لِمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمَغْنَمِ، فَعَرَفْنَا أَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْغَنِيمَةِ، وَتَخْصِيصُ الْأَمِيرِ بِذَلِكَ دَلَّنَا عَلَى أَنَّ مِثْلَهُ فِي حَقِّ الْوَاحِدِ مِنْ عَرَضِ النَّاسِ لَا يَكُونُ غُلُولًا، وَفِي الْحَدِيثِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ - بَعَثَ عَامِلًا فَجَاءَ بِمَالٍ، فَقَالَ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ إلَيَّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، فِي خُطْبَتِهِ: فَهَلَّا جَلَسَ أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ حَتَّى يُهْدَى إلَيْهِ» . وَفِي هَذَا إشَارَةٌ إلَى مَا قُلْنَا، وَأَنَّ عُمَرَ - ﵁ - اسْتَعْمَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَلَى الْبَحْرَيْنِ، فَجَاءَ بِمَالٍ فَقَالَ عُمَرُ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّ كِتَابِهِ، سَرَقْت مَالَ اللَّهِ تَعَالَى. فَقَالَ: لَسْت بِعَدُوِّ اللَّهِ وَلَا كِتَابِهِ، وَلَمْ أَسْرِقْ مَالَ اللَّهِ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، خَيْلِي تَنَاتَجَتْ وَسِهَامِي اجْتَمَعَتْ فَلَمْ يَلْتَفِتْ عُمَرُ - ﵁ - إلَى قَوْلِهِ، وَأَخَذَ الْمَالَ فَجَعَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَكَذَلِكَ لَوْ بَعَثَ الْخَلِيفَةُ عَامِلًا","vol":"1","page":1239},{"text":"إلَى كُورَةٍ فَأُهْدِيَ إلَيْهِ، فَإِنْ عَلِمَ الْخَلِيفَةُ أَنَّهُ أُهْدِيَ إلَيْهِ طَوْعًا، أَخَذَ ذَلِكَ مِنْهُ فَجَعَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ. لِأَنَّهُ أُهْدِيَ إلَيْهِ لِعَمَلِهِ الَّذِي قُلِّدَهُ، وَقَدْ كَانَ هُوَ نَائِبًا فِي ذَلِكَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ، فَهَذِهِ الْهَدَايَا حَقُّ الْمُسْلِمِينَ، تُوضَعُ فِي بَيْتِ مَالِهِمْ.\n٢٣٢٥ - فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُمْ أَهْدَوْا إلَيْهِ مُكْرَهِينَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَهُ فَيَرُدَّهُ عَلَى أَهْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ عَزَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، حَتَّى يَأْتِيَ أَهْلُهُ بِمَنْزِلَةِ اللُّقَطَةِ، وَبِهَذَا الطَّرِيقِ أَمَرَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ حِينَ اُسْتُخْلِفَ بِرَدِّ الْأَمْوَالِ الَّتِي اجْتَمَعَتْ فِي بَيْتِ الْمَالِ. لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ مَنْ قَبْلَهُ مِنْ الْمَرْوَانِيَّةِ كَانُوا أَخَذُوا ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْإِكْرَاهِ.\n\n- وَعَلَى هَذَا لَوْ أَنَّ مَلِكَ الْعَدُوِّ أَهْدَى إلَى مَلِكِ الثَّغْرِ، أَوْ إلَى قَائِدٍ مِنْ قُوَّادُهُ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُهْدَى إلَيْهِ أَنْ يَرْزَأَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ الْخَلِيفَةَ يَأْخُذُهَا مِنْهُ فَيَجْعَلُهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَإِنْ كَانَتْ الْهَدِيَّةُ إلَى شُجَاعٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ سَالِمٌ لَهُ.؛ لِأَنَّ طَلَبَهُمْ الرِّفْقَ مِنْ مَلِكِ الثَّغْرِ بِاعْتِبَارِ قُوَّتِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَمِنْ الْمُبَارِزِ بِاعْتِبَارِ قُوَّتِهِ فِي نَفْسِهِ.\n\n- وَلَوْ أَنَّ أَمِيرَ عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ أَهْدَى إلَى مَلِكِ الْعَدُوِّ فَعَوَّضَهُ مَلِكُ الْعَدُوِّ نُظِرَ فِي هَدِيَّتِهِ، فَإِنْ كَانَ مِثْلُ هَدِيَّةِ أَمِيرِ الْعَسْكَرِ، أَوْ فِيهِ زِيَادَةٌ بِقَدْرِ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ، فَهُوَ سَالِمٌ لَهُ.","vol":"1","page":1240},{"text":"لِأَنَّ الْجَالِبَ لِهَذِهِ الْهَدِيَّةِ مَا قَدَّمَ مِنْ الْإِهْدَاءِ إلَيْهِ، وَقَدْ كَانَ فِي ذَلِكَ عَامِلًا لِنَفْسِهِ.\n٢٣٢٨ - وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ فَلَهُ مِنْ ذَلِكَ مِقْدَارُ قِيمَةِ هَدِيَّتِهِ، وَالْفَضْلُ فَيْءٌ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ مَعَهُ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْقَائِدِ الَّذِي مِمَّنْ يَخَافُ وَيُرْجَى مِنْهُ إذَا كَانَ هُوَ الَّذِي أَهْدَى إلَيْهِمْ. وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عُمَرَ - ﵁ - فَإِنَّ امْرَأَتَهُ أَهْدَتْ إلَى امْرَأَةِ مَلِكِ الرُّومِ هَدِيَّةً مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَأَهْدَتْ إلَيْهَا امْرَأَةُ الْمَلِكِ هَدَايَا، فَأَعْطَاهَا عُمَرُ مِنْ ذَلِكَ مِثْلَ هَدِيَّتِهَا، وَأَخَذَ مَا بَقِيَ مِنْ ذَلِكَ فَجَعَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، فَكَلَّمَهُ فِي ذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ - ﵁ - فَقَالَ لَهُ عُمَرُ - ﵁ - قُلْ لِصَاحِبَتِك فَلْتُهْدِ إلَيْهَا حَتَّى تَنْظُرَ أَتُهْدِي إلَيْهَا مِثْلَ هَذَا أَمْ لَا؟\n\n- وَإِنْ أَهْدَى مُبَارِزٌ إلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ؛ قَائِدٌ أَوْ مَلِكٍ فَأَهْدَى إلَيْهِ أَضْعَافَ ذَلِكَ فَهُوَ سَالِمٌ لَهُ. لِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَمْ تَكُنْ بِاعْتِبَارِ تَعَزُّزٍ لَهُ بِغَيْرِهِ، وَلَكِنَّهُ أَخَذَ مَالًا بِطِيبَةِ أَنْفُسِهِمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَالِمًا لَهُ.\n\n- وَلَوْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ حَاصَرُوا حِصْنًا فَبَاعَهُمْ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ مَتَاعًا. فَإِنْ كَانَ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ أَوْ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ فَالثَّمَنُ سَالِمٌ لَهُ. لِأَنَّهُ بَدَلُ مِلْكِهِ.","vol":"1","page":1241},{"text":"٢٣٣١ - وَإِنْ كَانَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ فَلَهُ مِنْ الثَّمَنِ بِقَدْرِ قِيمَةِ مِلْكِهِ، وَالْبَاقِي يَكُونُ فَيْئًا لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ. لِأَنَّهُمْ إنَّمَا بَذَلُوا هَذِهِ الزِّيَادَةَ لِلْخَوْفِ مِنْهُ، أَوْ لِطَلَبِ الرِّفْقِ، حَتَّى لَا يَقْطَعَ أَشْجَارَهُمْ وَلَا يُخَرِّبَ بُنْيَانَهُمْ، أَوْ يَنْصَرِفَ عَنْهُمْ، وَتَمَكُّنُهُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِقُوَّةِ الْعَسْكَرِ، فَلِهَذَا كَانَ الْفَضْلُ بِمَنْزِلَةِ الْغَنِيمَةِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا هُوَ الظَّاهِرُ، الَّذِي يُسْبَقُ إلَيْهِ وَهُمْ كُلُّ أَحَدٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى الظَّاهِرِ وَاجِبٌ، فِيمَا لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى حَقِيقَتِهِ.\n٢٣٣٢ - وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ رَجُلًا مِنْ عَرَضِ الْعَسْكَرِ فَالثَّمَنُ سَالِمٌ لَهُ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ. لِأَنَّهُمْ مَا أَعْطَوْهُ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لِرَغْبَةٍ أَوْ رَهْبَةٍ مِنْهُ، وَلَكِنَّهُ اسْتَزْبَنَهُمْ فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ حَتَّى أَخَذَ الْمَالَ بِطِيبِ أَنْفُسِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ أَعْطَوْهُ بَدَلًا عَنْ مِلْكِهِ بِطِيبِ أَنْفُسِهِمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَالِمًا لَهُ.\n\n- وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَبِيعَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مَا بَدَا لَهُمْ مِنْ الطَّعَامِ وَالثِّيَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، إلَّا السِّلَاحُ وَالْكُرَاعُ، وَالسَّبْيُ سَوَاءٌ دَخَلُوا إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ أَوْ بِغَيْرِ أَمَانٍ.","vol":"1","page":1242},{"text":"لِأَنَّهُمْ يَتَقَوَّوْنَ بِذَلِكَ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ اكْتِسَابُ سَبَبِ تَقْوِيَتِهِمْ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجَدُ فِي سَائِرِ الْأَمْتِعَةِ.\n٢٣٣٤ - ثُمَّ هَذَا الْحُكْمُ إذَا لَمْ يُحَاصِرُوا مِنْ حُصُونِهِمْ، فَأَمَّا إذَا حَاصَرُوا حِصْنًا مِنْ حُصُونِهِمْ فَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَبِيعُوا مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ طَعَامًا وَلَا شَرَابًا وَلَا شَيْئًا يُقَوِّيهِمْ عَلَى الْمُقَامِ. لِأَنَّهُمْ إنَّمَا حَاصَرُوهُمْ لِيَنْفُذَ طَعَامُهُمْ وَشَرَابُهُمْ حَتَّى يُعْطُوا بِأَيْدِيهِمْ وَيَخْرُجُوا عَلَى حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى، فَفِي بَيْعِ الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ مِنْهُمْ اكْتِسَابُ سَبَبِ تَقْوِيَتِهِمْ عَلَى الْمُقَامِ فِي حِصْنِهِمْ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، فَإِنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ فِي دَارِهِمْ يَتَمَكَّنُونَ مِنْ اكْتِسَابِ مَا يَتَقَوَّوْنَ بِهِ عَلَى الْمُقَامِ، لَا بِطَرِيقِ الشِّرَاءِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَأَمَّا أَهْلُ الْحِصْنِ لَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ مَا أَحَاطَ الْمُسْلِمُونَ بِهِمْ، فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَبِيعَهُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.\n٢٣٣٥ - وَمَنْ فَعَلَهُ فَعَلِمَ بِهِ الْإِمَامُ أَدَّبَهُ عَلَى ذَلِكَ لِارْتِكَابِهِ مَا لَا يَحِلُّ، وَلَوْ أَنَّ أَمِيرَ الْعَسْكَرِ بَعَثَ رَسُولًا إلَى مَلِكِهِمْ فِي حَاجَةٍ فَأَجَازَهُ الْمَلِكُ بِجَائِزَةٍ، وَأَخْرَجَهَا الرَّسُولُ إلَى الْعَسْكَرِ، أَوْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَذَلِكَ سَالِمٌ لَهُ خَاصَّةً. لِأَنَّ هَذِهِ الْجَائِزَةَ لِلرَّسُولِ مَا كَانَتْ لِرَغْبَةٍ أَوْ لِرَهْبَةٍ، بَلْ لِلْإِنْسَانِيَّةِ وَالْمُرُوَّةِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ - كَانَ يُجِيزُ الْوُفُودَ وَالرُّسُلَ الَّذِينَ يَأْتُونَهُ، وَأَوْصَى أَنْ يُفْعَلَ ذَلِكَ بَعْدَهُ، وَلَا يَظُنُّ أَحَدٌ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ كَانَ مِنْهُ لِرَغْبَةٍ أَوْ رَهْبَةٍ.","vol":"1","page":1243},{"text":"٢٣٣٦ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الرَّسُولُ أَهْدَى إلَى مَلِكِهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَعَوَّضَهُ بِأَضْعَافِ ذَلِكَ أَوْ بَاعَهُمْ مَتَاعَهُ بِأَضْعَافِ قِيمَتِهِ، فَذَلِكَ كُلُّهُ سَالِمٌ لَهُ، بِمَنْزِلَةِ مَنْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ، وَعَامَلَهُمْ، فَأَخَذَ مَالًا بِطِيبِ أَنْفُسِهِمْ.\n\n- وَلَوْ أَنَّ مَلِكَ الْعَدُوِّ أَهْدَى إلَى أَمِيرِ الْعَسْكَرِ فَأَرَادَ أَنْ يُعَوِّضَهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ فَفِي الْقِيَاسِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الْغَنِيمَةِ حَقُّ الْغَانِمِينَ حَتَّى لَا يَمْلِكَ أَنْ يَخُصَّ بَعْضَ الْغَانِمِينَ بِشَيْءٍ مِنْهُ بِطَرِيقِ التَّنْفِيلِ بَعْدَ الْإِصَابَةِ، فَكَيْفَ يَمْلِكُ أَنْ يَخُصَّ مَلِكَ الْعَدُوِّ بِشَيْءٍ مِنْهُ. وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ:\n٢٣٣٨ - مَا أُهْدِيَ إلَيْهِ يَصِيرُ مِنْ الْغَنِيمَةِ، فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعْطَى عِوَضَهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَرُدَّ مَا أُهْدِيَ إلَيْهِ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ ذَلِكَ؟ وَإِنْ كَانَ فِيهِ إبْطَالُ حَقِّ الْغَانِمِينَ عَنْهُ، فَكَذَلِكَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَقْبَلَ وَيُعَوِّضَهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ، وَرَأَى النَّظَرَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُعَوَّضُ مِنْ الْغَنِيمَةِ أَكْثَرَ مِنْ الْهَدِيَّةِ، بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيَجْعَلْ ذَلِكَ الْفَضْلَ مِنْ مَالِهِ.\nلِأَنَّهُ لَا يُقَابِلُ هَذِهِ الزِّيَادَةَ عِوَضٌ يُجْعَلُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْإِهْدَاءِ","vol":"1","page":1244},{"text":"إلَيْهِمْ ابْتِدَاءً مِنْ الْغَنِيمَةِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعِوَضَ مَقْصُودٌ مِنْ الْهَدِيَّةِ فَيَكُونُ كَالْمَشْرُوطِ.\n٢٣٣٩ - وَلَا بَأْسَ لَهُ أَنْ يُعَامِلَهُمْ فِي مَتَاعِ الْغَنِيمَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ غَبْنٌ فَاحِشٌ فِي جَانِبِ الْمُسْلِمِينَ، فَذَلِكَ حُكْمُ التَّعْوِيضِ مِنْ هَدِيَّتِهِمْ.","vol":"1","page":1245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>[بَابُ مَا يَكُونُ إحْرَازًا مِنْ أَهْل الْحَرْبِ وَمَا لَا يَكُونُ]</span>\n- بَابُ مَا يَكُونُ إحْرَازًا مِنْهُمْ وَمَا لَا يَكُونُ\n٢٣٤٠ - وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ دَخَلُوا دَارَنَا لِلْإِغَارَةِ فَأَخَذُوا أَمْوَالًا وَسَبَايَا ثُمَّ أَسْلَمُوا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلُوا بِذَلِكَ دَارَهُمْ، فَالْإِمَامُ يَأْخُذُ مِنْهُمْ جَمِيعَ مَا أَخَذُوا فَيَرُدُّهُ عَلَى أَهْلِهِ. لِأَنَّهُمْ لَمْ يَمْلِكُوا مَا أَخَذُوا حِينَ لَمْ يُحْرِزُوهُ بِدَارِهِمْ، فَإِنَّ الْمِلْكَ يَسْتَدْعِي تَمَامَ الْقَهْرِ، وَذَلِكَ لَا يَسْبِقُ الْإِحْرَازَ، فَكَانُوا بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِينَ قَبْلَ الْإِحْرَازِ، وَيُؤْمَرُونَ بِالرَّدِّ.\n٢٣٤١ - سَوَاءٌ أَسْلَمُوا هَا هُنَا، أَوْ صَارُوا ذِمَّةً. لِأَنَّ هَذَا السَّبَبَ إنَّمَا يُقَرِّرُ مِلْكَهُمْ فِيمَا كَانَ مَمْلُوكًا لَهُمْ، وَلَا يُوجِبُ الْمِلْكَ لَهُمْ فِيمَا لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا قَبْلَهُ.\n٢٣٤٢ - وَيَسْتَوِي إذَا كَانُوا قَسَمُوا ذَلِكَ فِي دَارِنَا بَيْنَهُمْ أَوْ لَمْ يَقْسِمُوا. لِأَنَّ الْمَغْصُوبَ بِالْقِسْمَةِ لَا يَصِيرُ مِلْكًا لِلْغَاصِبَيْنِ، فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَوْ قَسَمُوا الْغَنَائِمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْإِحْرَازِ فِي تَأَكُّدِ الْحَقِّ بِهِ، فَلِمَاذَا لَا يُجْعَلُ قِسْمَتُهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْإِحْرَازِ مِنْهُمْ. قُلْنَا: لِأَنَّ إقَامَةَ","vol":"1","page":1246},{"text":"الْقِسْمَةِ مَقَامَ الْإِحْرَازِ يَتَحَقَّقُ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ، لِوُجُودِ أَمِيرٍ هُوَ نَافِذُ الْحُكْمِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي حَقِّ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِمْ تَمَامُ السَّبَبِ حِسًّا وَبِقِسْمَتِهِمْ لَا يَزْدَادُ السَّبَبُ قُوَّةً وَحِسًّا.\n٢٣٤٣ - وَعَلَى هَذَا لَوْ دَخَلَ مُسْلِمٌ عَسْكَرَهُمْ بِأَمَانٍ فَاشْتَرَى بَعْضَ تِلْكَ الْأَمْتِعَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَى أَهْلِهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ. لِأَنَّهُمْ لَمْ يَمْلِكُوهَا قَبْلَ الْإِحْرَازِ، فَلَا يَمْلِكُهَا الْمُشْتَرِي مِنْهُمْ أَيْضًا، وَكَانَ هُوَ مُتَبَرِّعًا فِيمَا فَدَى بِهِ مِلْكَ الْغَيْرِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ.\n٢٣٤٤ - فَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْحَرْبِ قَدْ دَخَلُوا دَارَهُمْ ثُمَّ أَسْلَمُوا صَارَ ذَلِكَ لَهُمْ.\nلِأَنَّهُمْ بِالْإِحْرَازِ قَدْ مَلَكُوا لِتَمَامِ السَّبَبِ وَهُوَ الْقَهْرُ، ثُمَّ يَتَقَرَّرُ مِلْكُهُمْ بِالْإِسْلَامِ لِقَوْلِهِ - ﵊ - «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى مَالٍ فَهُوَ لَهُ» وَكَذَلِكَ إنْ جَاءُوا ذِمَّةً.\nلِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ فِي تَقَرُّرِ الْمِلْكِ بِهِ خَلَفٌ عَنْ الْإِسْلَامِ، فَيَعْمَلُ عَمَلَهُ.\n٢٣٤٥ - وَكَذَلِكَ إنْ اسْتَأْمَنُوا إلَيْنَا، وَمَعَهُمْ ذَلِكَ الْمَالُ. لِأَنَّهُمْ اسْتَفَادُوا الْأَمَانَ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ.\n٢٣٤٦ - وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَاهَا مِنْهُمْ مُسْلِمٌ فَإِنَّ لِلْمَالِكِ الْقَدِيمِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ بِالثَّمَنِ. لِأَنَّ مِلْكَ الْمَالِكِ الْقَدِيمِ قَدْ انْقَطَعَ بِالْمِلْكِ الَّذِي حَدَثَ لَهُمْ، فَلَا يَعُودُ حَقُّهُ فِي ذَلِكَ الْمِلْكِ، مَا لَمْ يَتَحَوَّلْ إلَى غَيْرِهِمْ، وَبِالشِّرَاءِ يَتَحَوَّلُ الْمِلْكُ إلَى الْمُسْلِمِ،","vol":"1","page":1247},{"text":"فَيَظْهَرُ حَقُّ الْمَالِكِ الْقَدِيمِ، عَلَى وَجْهٍ لَا يُؤَدِّي إلَى إلْحَاقِ الضَّرَرِ بِالْمُشْتَرِي، وَذَلِكَ فِي الْأَخْذِ بِالثَّمَنِ، فَأَمَّا إذَا أَسْلَمُوا، أَوْ صَارُوا ذِمَّةً، أَوْ خَرَجُوا بِأَمَانٍ، فَالْمِلْكُ لَمْ يَتَحَوَّلْ مِنْهُمْ إلَى غَيْرِهِمْ، فَلِهَذَا لَا يَظْهَرُ حَقُّ الْمَالِكِ الْقَدِيمِ فِي الْأَخْذِ.\n٢٣٤٧ - فَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ دَخَلُوا دَارَهُمْ مُغِيرِينَ، وَأَصَابُوا سَبَايَا مِنْ أَحْرَارِهِمْ فَلَمْ يُخْرِجُوهُمْ حَتَّى أَسْلَمُوا فَقَدْ أَمِنُوا مِنْ الْقَتْلِ بِالْإِسْلَامِ، وَلَكِنَّهُمْ أَرِقَّاءُ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ قَدْ ثَبَتَ فِيهِمْ لَمَّا صَارُوا مَقْهُورِينَ، وَالْإِسْلَامُ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الِاسْتِرْقَاقِ، وَلَا يَمْنَعُ - الرِّقَّ الثَّابِتَ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا سَبَقَ. لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إذَا قَهَرُوهُمْ فَقَدْ صَارُوا مَقْهُورِينَ حِسًّا وَحُكْمًا ثُمَّ بِإِسْلَامِهِمْ لَا يَرْتَفِعُ الْقَهْرُ حُكْمًا، فَنَفْيُ الرِّقِّ وَالْقَهْرِ مِنْهُمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يَكُونُ حُكْمًا وَإِنَّمَا يَكُونُ حِسًّا، وَالْقَهْرُ الْحِسِّيُّ لَا يَتِمُّ قَبْلَ الْإِحْرَازِ. وَبَيَانُ هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ الْقَاهِرَ إذَا كَانَ مُسْلِمًا فَهُوَ مُحْرِزٌ بِإِسْلَامِهِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِهَذَا لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ إخْرَاجُ مَأْسُورِينَ مِنْ أَيْدِيهِمْ، فَأَمَّا أَهْلُ الْحَرْبِ فَإِنَّمَا يَكُونُ قَهْرُهُمْ بِالْيَدِ لَا بِالدَّيْنِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ يَحِلُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَخْذُ ذَلِكَ مِنْ أَيْدِيهِمْ؟ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ إذَا كَانُوا قَاهِرِينَ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ. فَإِنَّ الذِّمَّةَ خَلَفٌ عَنْ الْإِسْلَامِ فِي حُصُولِ الْإِحْرَازِ بِهَا فِي حَقِّ الشَّرْعِ، حَتَّى لَا يَحِلَّ لِأَحَدٍ التَّعَرُّضُ لَهُمْ فِيمَا أَخَذُوا، وَأَنَّهُ يُخَمَّسُ مَا سَبَى أَهْلُ الذِّمَّةِ كَمَا يُخَمَّسُ مَا سَبَى الْمُسْلِمُونَ.","vol":"1","page":1248},{"text":"- وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ مَنَعَةٍ مِنْ التُّرْكِ دَخَلُوا الرُّومَ فَسَبَوْا مِنْ أَحْرَارِهِمْ، فَلَمْ يُدْخِلُوهُمْ دَارَهُمْ حَتَّى أَسْلَمَ السَّبْيُ فَهُمْ أَحْرَارٌ. لِأَنَّهُمْ مَا صَارُوا مُحْرِزِينَ لَهُمْ بِالدَّيْنِ، إذْ لَا دَيْنَ لَهُمْ، وَبِالْيَدِ لَا يَتِمُّ الْقَهْرُ قَبْلَ الْإِحْرَازِ بِالدَّارِ.\n٢٣٤٩ - فَإِذَا أَسْلَمُوا تَقَرَّرَتْ حُرِّيَّتُهُمْ، حَتَّى لَوْ أَدْخَلُوهُمْ دَارَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ، كَانُوا أَحْرَارًا، أَوْ لَوْ كَانُوا إنَّمَا أَسْلَمُوا بَعْدَ مَا دَخَلُوا دَارَهُمْ كَانُوا عَبِيدًا لَهُمْ، فَإِنْ أَسْلَمُوا كَانُوا عَبِيدًا لَهُمْ، وَإِنْ خَرَجُوا إلَيْنَا مُرَاغِمِينَ فَهُمْ أَحْرَارٌ، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي عَبْدِ الْحَرْبِيِّ إذَا أَسْلَمَ. لِأَنَّهُمْ حِينَ أَحْرَزُوهُمْ بِدَارِهِمْ وَمَنَعَتِهِمْ فَقَدْ تَمَّ قَهْرُهُمْ، وَيَثْبُتُ الرِّقُّ وَالْمِلْكُ ثُمَّ بِمُجَرَّدِ إسْلَامِ الْمَمْلُوكِ لَا يُزِيلُ الْمِلْكُ الثَّابِتُ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ ثَابِتًا لِكَافِرٍ أَوْ مُسْلِمٍ.\n٢٣٥٠ - وَلَوْ كَانَ أَسْلَمَ التُّرْكُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلُوا الْأُسَرَاءَ دَارَهُمْ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْأُسَرَاءُ بَعْدَهُمْ فَهُمْ عَبِيدٌ لَهُمْ. لِأَنَّهُمْ صَارُوا مُحْرِزِينَ لَهُمْ بِإِسْلَامِهِمْ، فَكَانَ هَذَا وَمَا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ عِنْدَ الْأَخْذِ سَوَاءٌ، ثُمَّ إذَا أَخْرَجُوهُمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ الْخُمُسُ مِنْهُمْ، بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ مَنَعَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، دَخَلُوا مُغِيرِينَ دَارَ الْحَرْبِ، بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ","vol":"1","page":1249},{"text":"وَأَصَابُوا سَبَايَا، فَكَمَا أَنَّ هُنَاكَ يُخَمَّسُ مَا أَصَابُوا، وَالْبَاقِي يَكُونُ لَهُمْ، فَهَا هُنَا كَذَلِكَ.\n٢٣٥١ - وَإِنْ كَانَ إسْلَامُ الْفَرِيقَيْنِ بَعْدَ مَا أَدْخَلُوهُمْ دَارَهُمْ ثُمَّ خَرَجُوا إلَى دَارِنَا، فَهُمْ عَبِيدٌ لِلَّذِينَ أَسَرُوهُمْ، وَلَا خُمُسَ فِيهِمْ. لِأَنَّهُمْ مَلَكُوهُمْ بِالْإِحْرَازِ بِدَارِهِمْ، قَبْلَ الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ فِيهِمْ، فَلَا يَثْبُتُ بَعْدَ ذَلِكَ بِإِسْلَامِهِمْ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَهُنَاكَ لَمْ يَمْلِكُوهُمْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ.\n٢٣٥٢ - وَإِنْ ثَبَتَ حَقُّهُمْ فِيهِمْ وَلَكِنْ إنَّمَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ بِالْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ فَيَثْبُتُ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ فِيمَا إذَا أَحْرَزُوا، وَإِذَا أَسْلَمَ الْأُسَرَاءُ قَبْلَ التُّرْكِ فِي أَرْضِ الرُّومِ، ثُمَّ أَسْلَمَ التُّرْكُ بَعْدَهُمْ فَالْأُسَرَاءُ أَحْرَارٌ. لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ حُرِّيَّتَهُمْ قَدْ تَأَكَّدَتْ بِالْإِسْلَامِ، قَبْلَ أَنْ يَثْبُتَ الرِّقُّ فِيهِمْ بِالْإِحْرَازِ.\n٢٣٥٣ - وَلَوْ أَسْلَمَ الْفَرِيقَانِ مَعًا، أَوْ لَا يُدْرَى أَيُّهُمَا أَسْلَمَ قَبْلَ الْآخَرِ فَهُمْ أَحْرَارٌ. لِأَنَّ حُرِّيَّتَهُمْ مَعْلُومَةٌ، وَالسَّبَبُ الْمُوجِبُ لِرِقِّهِمْ وَتَقَدُّمُ إسْلَامِ التُّرْكِ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَالرِّقُّ لَا يَثْبُتُ بِالشَّكِّ. فَإِنْ قِيلَ: قَهْرُ التُّرْكِ إيَّاهُمْ مَعْلُومٌ أَيْضًا،","vol":"1","page":1250},{"text":"وَذَلِكَ مُبْطِلٌ لِحُرِّيَّتِهِمْ. قُلْنَا: قَبْلَ الْإِحْرَازِ لَا، فَإِنَّ ذَلِكَ بَعْضُ الْعِلَّةِ، وَبِبَعْضِ الْعِلَّةِ لَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْ الْحُكْمِ.\n\n- وَإِنْ أَسَرَ التُّرْكُ امْرَأَةً مِنْ الرُّومِ، فَأَسْلَمَتْ فِي أَيْدِيهِمْ، وَزَوْجُهَا فِي مَدِينَةٍ مِنْ مَدَائِنِ الرُّومِ، لَمْ تَبِنْ مِنْ زَوْجِهَا، وَإِنْ أَخْرَجَهَا التُّرْكُ إلَى دَارِهِمْ. لِأَنَّ حُرِّيَّتَهَا تَأَكَّدَتْ بِالْإِسْلَامِ، فَلَا تَصِيرُ هِيَ مِنْ أَهْلِ مَنَعَةِ التُّرْكِ، وَلَكِنَّهَا حَرْبِيَّةٌ أَسْلَمَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَلَا تَبِينُ مِنْ زَوْجِهَا، حَتَّى تَحِيضَ ثَلَاثَ حِيَضٍ، أَوْ تَخْرُجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَحِينَئِذٍ تَبِينُ لِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا.\n٢٣٥٥ - وَإِنْ أَسْلَمَ التُّرْكُ قَبْلَ إسْلَامِهَا بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا حِينَ أَسْلَمَتْ بَعْدَ إسْلَامِ التُّرْكِ، أَوْ قَبْلَ إسْلَامِ التُّرْكِ، إذَا أَسْلَمَ التُّرْكُ؛ لِأَنَّ التُّرْكَ الْآنَ بِمَنْزِلَةِ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ، دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ، وَهُنَاكَ لَوْ أَسْلَمَتْ امْرَأَةٌ ثُمَّ الْتَحَقَتْ بِالْعَسْكَرِ كَانَتْ حُرَّةً، وَتَبِينُ مِنْ زَوْجِهَا لِإِحْرَازِهَا نَفْسَهَا بِمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ سَبَوْا امْرَأَةً، فَأَسْلَمَتْ، بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ أَمَةً لَهُمْ بِالسَّبْيِ يَقْسِمُونَهَا، وَيَتَحَقَّقُ تَبَايُنُ الدَّارَيْنِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا إذَا أَسْلَمَتْ حُكْمًا، فَكَذَلِكَ هَذَا الْحُكْمُ فِيمَا إذَا أَسْلَمَ التُّرْكُ، وَلَوْ لَمْ يُسْلِمُوا وَلَمْ تُسْلِمْ هِيَ، حَتَّى أَحْرَزُوهَا، بِدَارِهِمْ فَقَدْ بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا.","vol":"1","page":1251},{"text":"لِأَنَّهَا صَارَتْ أَمَةً لَهُمْ، فَتَكُونُ مِنْ أَهْلِ دَارِهِمْ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ بِاخْتِلَافِ الْمَنَعَاتِ أَهْلُ دُورٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَإِذَا تَحَقَّقَ تَبَايُنُ الدَّارَيْنِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا بَانَتْ مِنْهُ. وَلِأَنَّهُمْ مَلَكُوهَا بِالسَّبْيِ حِينَ أَحْرَزُوهَا فِي دَارِهِمْ.\n٢٣٥٦ - فَكَانَ هَذَا وَمَا لَوْ مَلَكَهَا الْمُسْلِمُونَ بِالسَّبْيِ بِدُونِ زَوْجِهَا سَوَاءٌ، وَهُنَاكَ تَبِينُ مِنْ زَوْجِهَا، فَهَا هُنَا كَذَلِكَ، حَتَّى إذَا أَسْلَمُوا، وَقَدْ أَصَابَتْ الْجَارِيَةُ أَحَدَهُمْ بِالْقِسْمَةِ، فَاسْتَبْرَأَهَا بِحَيْضَةٍ، حَلَّ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا. لِأَنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا زَوْجَ لَهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.","vol":"1","page":1252},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>[بَابُ مَا يُقْطَعُ مِنْ الْخَشَبِ وَمَا يُصَابُ مِنْ الْمِلْحِ وَغَيْرِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ]</span>\n- بَابُ مَا يُقْطَعُ مِنْ الْخَشَبِ، وَمَا يُصَابُ مِنْ الْمِلْحِ وَغَيْرِهِ\n٢٣٥٧ - وَإِذَا خَرَجَتْ سَرِيَّةٌ بِإِذْنِ الْإِمَامِ لِقَطْعِ الشَّجَرِ فَوَصَلُوا إلَى مَكَان يَخَافُ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ، ثُمَّ قَطَعُوا الْخَشَبَ وَجَاءُوا بِهِ فَهُوَ غَنِيمَةٌ يُخَمَّسُ. لِأَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي لَا يَأْمَنُ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ مِنْ جُمْلَةِ دَارِ الْحَرْبِ، فَإِنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ اسْمٌ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي يَكُونُ تَحْتَ يَدِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَلَامَةُ ذَلِكَ أَنْ يَأْمَنَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ.\nفَإِنْ قِيلَ: كَمَا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا يَأْمَنُونَ فِي هَذَا الْمَكَانِ، فَكَذَلِكَ أَهْلُ الْحَرْبِ لَا يَأْمَنُونَ فِيهِ. قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الْبِقَاعَ كَانَتْ فِي يَدِ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَلَا تَصِيرُ دَارَ الْإِسْلَامِ إلَّا بِانْقِطَاعِ يَدِ أَهْلِ الْحَرْبِ عَنْهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ مَا كَانَ ثَابِتًا فَإِنَّهُ يَبْقَى بِبَقَاءِ بَعْضِ آثَارِهِ، وَلَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِاعْتِرَاضِ مَعْنًى هُوَ مِثْلُهُ أَوْ فَوْقَهُ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ أَرْضِ أَهْلِ الْحَرْبِ فَمَا يَكُونُ فِيهِ مِنْ الْخَشَبِ يَكُونُ فِي يَدِ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَهَذَا مَالٌ أَصَابَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ، وَهُوَ الْغَنِيمَةُ بِعَيْنِهِ.\n٢٣٥٨ - فَإِنْ كَانَ الْأَمِيرُ إذَا بَعَثَهُمْ لِيَقْطَعُوا الْخَشَبَ حَتَّى يَجْعَلَ ذَلِكَ سُفُنًا لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ مَجَانِيقَ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَأْخُذُ مَا جَاءُوا بِهِ فَيُجْعَلُ فِي تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ الَّتِي أَرْسَلَهُمْ لَهَا.","vol":"1","page":1253},{"text":"لِأَنَّهُمْ امْتَثَلُوا أَمْرَ الْأَمِيرِ فِيمَا أَخَذُوا، وَلَا يَتَحَقَّقُ الِامْتِثَالُ مَعَ الْقَصْدِ إلَى الِاغْتِنَامِ، وَإِذَا لَمْ يَقْصِدُوا الِاغْتِنَامَ بِمَا أَخَذُوا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ غَنِيمَةً.\nوَهَذَا؛ لِأَنَّ لِلْإِمَامِ رَأْيًا فِيمَا يَرْجِعُ إلَى النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ يَصِحُّ مِنْهُ التَّنْفِيلُ قَبْلَ الْإِصَابَةِ بِطَرِيقِ النَّظَرِ، فَكَذَلِكَ يَصِحُّ مِنْهُ جَعْلُ الْمُصَابِ لِمَنْفَعَةٍ مَعْلُومَةٍ قَبْلَ الْإِصَابَةِ، فَإِنْ أَخَذَ مِنْ ذَلِكَ مَا يُغْنِيهِ وَبَقِيَ فَضْلٌ فَالْبَاقِي يَكُونُ غَنِيمَةً.\nلِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلِاغْتِنَامِ قَدْ وُجِدَ فِي الْكُلِّ، وَلَكِنْ فِي الْقَدْرِ الْمَشْغُولِ لِحَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ يُجْعَلُ ذَلِكَ مُتَقَدِّمًا لِقَصْدِ الْإِمَامِ، وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ يَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ، بِمَنْزِلَةِ مَا يَفْضُلُ مِنْ التَّرِكَةِ عَنْ الدَّيْنِ وَالْوَصِيَّةِ.\n٢٣٥٩ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ بَعَثَهُمْ مِنْ الْعَسْكَرِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِيَأْتُوا بِالْخَشَبِ، أَوْ بِالطَّعَامِ أَوْ بِالْعَلَفِ، لِمَنْفَعَةٍ عَيَّنَهَا لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ مَا جَاءُوا بِهِ يَكُونُ مَصْرُوفًا إلَى تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ، فَإِنْ فَضَلَ مِنْهَا شَيْءٌ فَهُوَ غَنِيمَةٌ، لِأَهْلِ السَّرِيَّةِ، وَأَهْلِ الْعَسْكَرِ.\nلِأَنَّهُمْ قَصَدُوا تَحْصِيلَ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ، لَا الِاغْتِنَامَ، فَإِنْ فَضَلَ مِنْهَا شَيْءٌ فَهُوَ غَنِيمَةٌ، حِينَ خَرَجُوا مُطِيعِينَ لِلْأَمِيرِ.\n٢٣٦٠ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ بَعَثَهُمْ مِنْ بَعْضِ مَدَائِنِ أَهْلِ الثُّغُورِ، وَقَدْ أَصَابَهُمْ قَحْطٌ، لِيَأْتُوا بِالطَّعَامِ، وَالْعَلَفِ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَقْسِمُ ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، بِغَيْرِ خُمْسٍ،","vol":"1","page":1254},{"text":"وَلَا يَقْسِمُهُ بَيْنَ أَهْلِ السَّرِيَّةِ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا بَيَّنَ لَهُمْ عِنْدَ الْخُرُوجِ أَنَّهُ لِمَاذَا يُوَجِّهُهُمْ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَنْعَدِمُ الْقَصْدُ مِنْهُمْ إلَى الِاغْتِنَامِ إذَا عَلِمُوا مُرَادَ الْأَمِيرِ فِيمَا أَرْسَلَهُمْ لِأَجْلِهِ، وَخَرَجُوا مُطِيعِينَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ كَانُوا إنَّمَا جَاءُوا بِالطَّعَامِ بَعْدَ مَا اسْتَغْنَى الْمُسْلِمُونَ عَنْ ذَلِكَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْغَنِيمَةِ الْآنَ. لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِتَقْدِيمِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِيهِ حَاجَتُهُمْ وَقَدْ انْعَدَمَ، فَكَانَ هَذَا وَمَا يَفْضُلُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ الَّتِي عَيَّنَهَا الْإِمَامُ سَوَاءٌ.\n٢٣٦١ - وَلَوْ أَنَّ الْأَمِيرَ فِي هَذِهِ الْفُصُولِ نَفَّلَهُمْ بَعْضَ مَا جَاءُوا بِهِ فَذَلِكَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ بَعْضَ مَا يَأْتُونَ بِهِ مَصْرُوفًا إلَى مَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَبَعْضَهُ مَصْرُوفًا إلَيْهِمْ بِطَرِيقِ التَّنْفِيلِ، فَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَظَرٌ مِنْ الْإِمَامِ. لِأَنَّهُمْ قَلَّمَا يَرْغَبُونَ فِي الْخُرُوجِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ نَصِيبٌ فِي الْمُصَابِ، وَالتَّنْفِيلُ لِلتَّحْرِيضِ عَلَى الْخُرُوجِ.\nفَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ النَّفَلُ لِجَمَاعَةِ السَّرِيَّةِ الْمَبْعُوثَةِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ؟ قُلْنَا: إنَّمَا لَا يَصِحُّ ذَلِكَ فِيمَا هُوَ غَنِيمَةٌ، يُفَضَّلُ فِيهَا الْفَارِسُ عَلَى الرَّاجِلِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ التَّنْفِيلِ إلَّا إبْطَالُ الْخُمُسِ، وَإِبْطَالُ تَفْضِيلِ الْفَارِسِ عَلَى الرَّاجِلِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجَدُ هَا هُنَا؛ لِأَنَّ مَا يَأْتُونَ بِهِ لَا يَكُونُ غَنِيمَةً لِمَنْ أَصَابَهَا، بَلْ يَكُونُ مَصْرُوفًا إلَى مَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَلِذَلِكَ جَازَ التَّنْفِيلُ فِيهِ لَهُمْ.","vol":"1","page":1255},{"text":"٢٣٦٢ - وَلَوْ جَاءُوا بِذَلِكَ بَعْدَ مَا اسْتَغْنَى عَنْهُ الْمُسْلِمُونَ بَطَلَ النَّفَلُ. لِأَنَّ مَا جَاءُوا بِهِ قَدْ صَارَ غَنِيمَةً، وَالنَّفَلُ الْعَامُّ لِلسَّرِيَّةِ الْمَبْعُوثَةِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ فِي الْغَنِيمَةِ لَا يَصِحُّ.\n٢٣٦٣ - وَإِنْ كَانَ قَالَ مَنْ أَخَذَ مِنْكُمْ شَيْئًا فَلَهُ نِصْفُهُ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَالنَّفَلُ جَائِزٌ لِأَهْلِهَا عَلَى مَا نَفَلُوا. لِأَنَّ هَذَا نَفْلٌ خَاصٌّ لِمَنْ يَأْخُذُ دُونَ غَيْرِهِ، فَيَتَحَقَّقُ فِيهِ مَعْنَى التَّحْرِيضِ عَلَى الطَّلَبِ وَالْأَخْذِ، وَذَلِكَ صَحِيحٌ فِي الْغَنَائِمِ.\n٢٣٦٤ - وَلَوْ أَنَّ السَّرِيَّةَ حِينَ خَرَجَتْ لِقَطْعِ الْخَشَبِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ دُونَ مَسَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ كَانَ أَرْسَلَهُمْ لِمَنْفَعَةٍ عَيَّنَهَا كَانَ مَا جَاءُوا بِهِ مَصْرُوفًا إلَى تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ، وَإِنْ كَانَ نَفَّلَ لَهُمْ بَعْضَ ذَلِكَ أَعْطَاهُمْ النَّفَلَ، وَصَرَفَ مَا بَقِيَ إلَى تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ، فَإِنْ جَاءُوا بِذَلِكَ بَعْدَ مَا اسْتَغْنَى الْأَمِيرُ عَمَّا بَعَثَهُمْ لِأَجْلِهِ فَكُلُّ مَنْ جَاءَ بِذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ خَاصَّةً. لِأَنَّ مَا جَاءُوا بِهِ لَيْسَ بِغَنِيمَةٍ هَا هُنَا، فَأَنَّهُمْ أَصَابُوهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَالْمُبَاحُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كُلُّ مَنْ سَبَقَتْ يَدُهُ إلَيْهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الصَّيْدِ.\n٢٣٦٥ - فَإِنْ جَاءُوا بِهِ جَمِيعًا فَهُوَ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ.","vol":"1","page":1256},{"text":"لِأَنَّ تَفْضِيلَ الْفَارِسِ عَلَى الرَّاجِلِ فِي الْغَنِيمَةِ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَاذَا يَصِحُّ التَّنْفِيلُ مِنْ الْإِمَامِ فِيهِ؟ قُلْنَا: لَا عَلَى وَجْهِ التَّنْفِيلِ، وَلَكِنْ عَلَى وَجْهِ التَّحْضِيضِ، لِلْأَخْذِ بِبَعْضِ مَا يَأْخُذُهُ مِنْ الْمُبَاحِ، وَصَرْفُ مَا بَقِيَ إلَى الْمَنْفَعَةِ الَّتِي عَيَّنَهَا.\n\n- وَلَوْ خَرَجَتْ السَّرِيَّةُ لِقَطْعِ الْخَشَبِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ، إلَى دَارِ الْحَرْبِ أَوْ إلَى الْمَوْضِعِ الْمَخُوفِ، فَمَا جَاءُوا بِهِ يَكُونُ غَنِيمَةً. لِأَنَّهُمْ أَهْلُ مَنَعَةٍ، جَاءُوا بِمَالٍ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ، وَفِي مُصَابِ أَهْلِ الْمَنَعَةِ يَسْتَوِي الْحَالُ بَيْنَ مَا بَعْدَ إذْنِ الْإِمَامِ وَمَا قَبْلَهُ.\n٢٣٦٧ - وَإِنْ كَانُوا أَصَابُوا ذَلِكَ، فِي مَوْضِعٍ يَأْمَنُ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ، فَلِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَا أَخَذَ. لِأَنَّ هَذَا مُبَاحٌ مُلِكَ بِالْأَخْذِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، كَالصَّيْدِ وَالْحَطَبِ وَالْحَشِيشِ.\n٢٣٦٨ - فَإِنْ كَانُوا لَقُوا الْعَدُوَّ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَقَاتَلُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ، حَتَّى أَجْلَوْهُمْ عَنْهُ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ. لِأَنَّ مَا كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَبِمُجَرَّدِ دُخُولِ أَهْلِ الْحَرْبِ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لَا يَأْخُذُ حُكْمَ دَارِ الْحَرْبِ، فَحِينَ أَجْلَوْا عَنْهُ الْعَدُوَّ بِالْقِتَالِ بَقِيَ عَلَى حُكْمِ دَارِ الْإِسْلَامِ كَمَا كَانَ، فَكُلُّ مَنْ أَخَذَ مِنْهُمْ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ.","vol":"1","page":1257},{"text":"٢٣٦٩ - وَكَذَلِكَ لَوْ وَجَدُوا الْعَدُوَّ قَدْ قَطَعُوهُ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يُحْرِزُوهُ فِي دَارِهِمْ. لِأَنَّهُمْ قَبْلَ الْإِحْرَازِ لَا يَمْلِكُونَ مَا يُصِيبُونَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَيَبْقَى عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ إصَابَتِهِمْ.\n٢٣٧٠ - وَإِنْ كَانُوا أَحْرَزُوهُ بِدَارِهِمْ، ثُمَّ لَحِقَهُمْ الْمُسْلِمُونَ فَأَخَذُوهُ مِنْهُمْ، فَهَذَا غَنِيمَةٌ. لِأَنَّهُمْ بِالْإِحْرَازِ قَدْ مَلَكُوهُ، فَأَهْلُ السَّرِيَّةِ إنَّمَا أَحْرَزُوا مِلْكَهُمْ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ، فَكَانَ غَنِيمَةً.\n٢٣٧١ - وَعَلَى هَذَا حُكْمُ الْمَلَّاحَةِ. وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الْمِلْحُ مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ، أَوْ مِنْ أَرْضِ الْحَرْبِ فَإِنَّ الْحُكْمَ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي الْخَشَبِ، فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا.\nلِأَنَّ ذَلِكَ مُبَاحٌ يُمْلَكُ بِالْأَخْذِ كَالْخَشَبِ.\n٢٣٧٢ - وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَمْوَالِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ مِنْ فِضَّةٍ، أَوْ مِنْ جَوْهَرٍ، خَرَجَتْ سَرِيَّةٌ فِي طَلَبِهِ فَإِنَّ مَا وَجَدُوا مِنْ ذَلِكَ فِي أَرْضِ الْإِسْلَامِ لَا يَكُونُ غَنِيمَةً. إلَّا أَنَّ هَذَا يُخَمَّسُ لِقَوْلِهِ - ﵇ -: «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» .","vol":"1","page":1258},{"text":"٢٣٧٣ - وَكَذَلِكَ لَوْ وَجَدُوا ذَلِكَ بَعْدَ مَا اسْتَخْرَجَهُ أَهْلُ الْحَرْبِ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يُحْرِزُوهُ، فَإِنَّهُ يُخَمَّسُ، وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ خَاصَّةً. لِأَنَّهُمْ قَبْلَ الْإِحْرَازِ لَا يَمْلِكُونَهُ، فَكَانَ الْحُكْمُ فِيهِ قَبْلَ أَخْذِهِمْ، وَبَعْدَ أَخْذِهِمْ سَوَاءٌ.\n٢٣٧٤ - وَإِنْ كَانَتْ السَّرِيَّةُ إنَّمَا أَصَابَتْ ذَلِكَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ يُخَمَّسُ مَا أَصَابُوا، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ. لِأَنَّهُمْ أَخْرَجُوهُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ، فَقَدْ كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ.\n٢٣٧٥ - وَإِنْ [لَمْ] يَكُونُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَالْمَأْخُوذُ لِمَنْ أَخَذَهُ، وَلَا خُمُسَ فِيهِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْفُصُولِ. لِأَنَّهُمْ أَصَابُوا ذَلِكَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ عَلَى وَجْهِ التَّلَصُّصِ، لَا عَلَى وَجْهِ إعْزَازِ الدِّينِ.\n٢٣٧٦ - إلَّا أَنْ يَكُونُوا خَرَجُوا بِإِذْنِ الْإِمَامِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ لِمَا أَصَابُوا حُكْمَ الْغَنِيمَةِ. لِأَنَّ الْإِمَامَ الْآنَ كَالْمَدَدِ لَهُمْ، عَلَيْهِ أَنْ يَنْصُرَهُمْ.\n٢٣٧٧ - وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبْعَثَهُمْ إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْقُوَّةَ مِنْهُمْ، فَمَا جَاءُوا بِهِ يَكُونُ مَأْخُوذًا عَلَى وَجْهِ إعْزَازِ الدِّينِ، وَالْخُمُسُ يَجِبُ فِي مِثْلِهِ.","vol":"1","page":1259},{"text":"لِأَنَّ وُجُوبَ الْخُمُسِ فِي الْغَنِيمَةِ لِإِظْهَارِ شَرَفِهِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ كَسْبٌ حَصَلَ بِأَشْرَفِ الْجِهَاتِ.\n\n- وَإِنْ كَانَ أَمِيرُ الثَّغْرِ هُوَ الَّذِي بَعَثَ السَّرِيَّةَ لِقَطْعِ الْخَشَبِ، وَأَخَذَ الْمِلْحِ، وَنَفَّلَ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ مِنْ تَنْفِيلِهِ مَا يَصِحُّ مِنْ الْأَمِيرِ الْأَعْظَمِ. لِأَنَّهُ حِينَ فَوَّضَ إلَيْهِ تَدْبِيرَ الثَّغْرِ فَقَدْ أَقَامَهُ فِي ذَلِكَ مَقَامَ نَفْسِهِ، فَيَصِحُّ مِنْهُ مَا يَصِحُّ مِنْ الْأَمِيرِ الْأَعْظَمِ، مَا لَمْ يَنْهَهُ عَنْ التَّنْفِيلِ. ثُمَّ بَيَّنَ مَا إذَا خَصَّ الْإِمَامُ نَفْسَهُ أَوْ غَيْرَهُ بِالتَّنْفِيلِ، وَقَدْ بَيَّنَّا حُكْمَ ذَلِكَ فَقَالَ:\n٢٣٧٩ - فِي الْجُمْلَةِ لَوْ خَصَّ وَلَدَهُ أَوْ وَالِدَهُ بِالتَّنْفِيلِ فَذَلِكَ صَحِيحٌ مِنْهُ، كَمَا لَوْ خَصَّ أَجْنَبِيًّا آخَرَ، وَهَذَا لِتَبَايُنِ الْمِلْكِ بَيْنَ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ وَالْمُكَاتَبِ، فَإِذَا كَانَ يَصِحُّ مِنْهُ التَّنْفِيلُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، إذَا عَمَّ بِهِ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ، فَهَا هُنَا أَوْلَى. لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ فِيمَا يَحْصُلُ لِوَلَدِهِ وَوَالِدِهِ دُونَ مَنْفَعَتِهِ فِيمَا يَحْصُلُ لَهُ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ.\n٢٣٨٠ - «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَشْجَعَ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ - ﵌ -، فَشَكَا إلَيْهِ الْحَاجَةَ فَقَالَ: اصْبِرْ، ثُمَّ ذَهَبَ فَأَصَابَ مِنْ الْعَدُوِّ غَنِيمَةً، وَأَتَى بِهَا النَّبِيَّ - ﵌ -،","vol":"1","page":1260},{"text":"فَطَيَّبَهَا لَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣]» الْآيَةُ. فَهَذَا أَصْلُ عُلَمَائِنَا فِيمَا يُصِيبُهُ الْوَاحِدُ وَالْمَثْنَى مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إذَا دَخَلُوا عَلَى وَجْهِ التَّلَصُّصِ، بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ، بِخِلَافِ أَهْلِ الْمَنَعَةِ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْوَاحِدُ بَعَثَهُ الْإِمَامُ، ثُمَّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَكُونُ لِلْمُصَابِ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ، فَالْآخِذُ وَغَيْرُهُ فِيهِ سَوَاءٌ. وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَا يَكُونُ لِلْمُصَابِ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ فَإِنَّ الْآخِذَ يَخْتَصُّ بِهِ. وَإِنْ أَخَذُوا جَمِيعًا فَذَلِكَ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ، لَا يُفَضَّلُ فِيهِ الْفَارِسُ عَلَى الرَّاجِلِ. لِأَنَّ هَذَا التَّنْفِيلَ حُكْمٌ يَخْتَصُّ بِالْغَنِيمَةِ، كَالْخُمُسِ، وَهَذَا لَيْسَ بِغَنِيمَةٍ، بَلْ هُوَ إحْرَازُ الْمُبَاحِ عَلَى وَجْهِ التَّلَصُّصِ، لَا عَلَى وَجْهِ إعْزَازِ الدِّينِ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الِاصْطِيَادِ وَالِاحْتِشَاشِ.\n٢٣٨١ - وَلَوْ أَخَذَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ دَفَعَهُ إلَى صَاحِبِهِ يَحْفَظُهُ لَهُ، فَأَمْسَكَهُ حَتَّى أَخْرَجَهُ، فَهُوَ لِلْآخِذِ.\nلِأَنَّهُ صَارَ أَحَقَّ بِهِ حِينَ سَبَقَتْ يَدُهُ إلَيْهِ، ثُمَّ حَفِظَ صَاحِبُهُ لَهُ بِأَمْرِهِ كَحِفْظِهِ لَهُ بِنَفْسِهِ، إلَى أَنْ أَخْرَجَهُ.\n٢٣٨٢ - وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ غَلَبَهُ فَانْتَزَعَهُ مِنْهُ فَهُوَ لِلَّذِي أَخْرَجَهُ.","vol":"1","page":1261},{"text":"لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَمْلِكْهُ بِمُجَرَّدِ الْأَخْذِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى يَصِيرَ بِالْأَخْذِ مُحْرِزًا، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ إحْرَازُهُ بِالْإِخْرَاجِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. وَذَلِكَ إنَّمَا وُجِدَ مِنْ الْغَاصِبِ الَّذِي انْتَزَعَهُ مِنْهُ، غَيْرَ أَنِّي أَكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَقْهَرَ عَلَيْهِ صَاحِبَهُ بَعْدَمَا أَخَذَهُ؛ لِأَنَّ يَدَهُ سَبَقَتْ إلَيْهِ، وَلِيَدِ الْمُسْلِمِ حُرْمَةٌ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ.\nوَلِأَنَّهُ أَحْرَزَهُ بِالدِّينِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْإِحْرَازَ بِالدِّينِ يَثْبُتُ فِي حَقِّ الْآثِمِ وَإِنْ كَانَ لَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْمِلْكِ وَالتَّقَوُّمِ.\n٢٣٨٣ - فَإِنْ جَاءَ نَاسٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ يُرِيدُونَ أَخْذَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَغَلَبَهُمْ الْمُسْلِمُونَ، حَتَّى دَفَعُوهُمْ عَنْ ذَلِكَ، فَهُوَ لِلَّذِينَ أَخَذُوهُ أَيْضًا. لِأَنَّ الْآخِذَ قَدْ صَارَ أَحَقَّ بِهِ، بِذَلِكَ الْأَخْذِ، فَلَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ الْحُكْمُ بِالْقِتَالِ الَّذِي اُبْتُلُوا بِهِ. فَإِنْ قِيلَ: حِينَ قَاتَلُوا عَنْهُ فَلِمَاذَا لَا يُجْعَلُونَ فِي حُكْمِ أَهْلِ مَنَعَةٍ، حَتَّى يَكُونَ لِمُصَابِهِمْ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ. قُلْنَا: لِأَنَّ هَذَا شَيْءٌ وَقَعَ اتِّفَاقًا، لَا قَصْدًا، فَلَا يَصِيرُونَ بِهِ قَاهِرِينَ حُكْمًا.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ أَتَوْا قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ نِيَامًا فَقَتَلُوهُمْ، وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا أَخَذَ، وَلَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ، فَهَذَا مِثْلُهُ. يُوَضِّحُهُ أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ فِيمَا أَصَابُوا بِالْقِتَالِ، دَفْعًا عَنْهُ، إذَا اُبْتُلُوا بِهِ وَعَدَمُ الْقِتَالِ، وَكَذَلِكَ فِيمَا أَصَابَ الَّذِينَ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ لَا يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ بِذَلِكَ، وَلَوْ أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ لَحِقَهُمْ جُنْدُ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، بَعْدَ مَا أَصَابَ كُلُّ فَرِيقٍ الْمَالَ فَإِنَّهُ يُخَمَّسُ مَا أَصَابُوا، ثُمَّ يُنْظَرُ إلَى مَا أَصَابَ الَّذِينَ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ، فَيُقْسَمُ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ","vol":"1","page":1262},{"text":"أَهْلِ الْعَسْكَرِ؛ لِأَنَّهُمْ صَارُوا كَالْمَدَدِ لَهُمْ، حِينَ الْتَحَقُوا بِهِمْ، فَيُشَارِكُونَ فِيمَا أَصَابُوا، إذْ الْجُنْدُ قَدْ دَخَلُوا غُزَاةً، فَأَمَّا مَا أَصَابَ أَهْلُ الْجُنْدِ قَبْلَ أَنْ يَلْتَحِقَ بِهِمْ اللُّصُوصُ فَلَا شَرِكَةَ فِيهِ مَعَهُمْ لِلُّصُوصِ إلَّا أَنْ يَلْقَوْا قِتَالًا فَيُقَاتِلُوا مَعَهُمْ، دَفْعًا عَنْ ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُمْ مَا كَانُوا غُزَاةً حِينَ دَخَلُوا فَلَا يَصِيرُونَ بِمَنْزِلَةِ الْمَدَدِ لِلْجَيْشِ، بَلْ حَالُهُمْ فِيمَا أَصَابَ الْجَيْشُ كَحَالِ مَنْ كَانَ تَاجِرًا فِي دَارِ الْحَرْبِ، أَوْ أَسِيرًا أَوْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَالْتَحَقَ بِالْجَيْشِ بَعْدَ الْإِصَابَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا شَرِكَةَ لِهَؤُلَاءِ فِي الْمُصَابِ إلَّا أَنْ يَلْقَوْا قِتَالًا. وَأَمَّا وُجُوبُ الْخُمُسِ فِي الْكُلِّ فَلِأَنَّهُ صَارَ مُحْرَزًا بِقُوَّةِ الْجَيْشِ فَيَتَحَقَّقُ فِيهِ مَعْنَى إعْزَازِ الدِّينِ.\n٢٣٨٤ - وَلَوْ أَنَّ عَسْكَرًا دَخَلُوا أَوَّلًا بِإِذْنِ الْإِمَامِ، أَوْ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى أَثَرِهِمْ رَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ، وَقَدْ نَهَى الْإِمَامُ عَنْ ذَلِكَ فَإِنْ لَحِقَا بِهِمْ قَبْلَ الْإِصَابَةِ تَثْبُتُ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمْ فِي الْمُصَابِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ لَمْ يُشَارِكُوهُمْ فِي ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَلْقَوْا قِتَالًا فَيُقَاتِلُوا مَعَهُمْ. لِأَنَّهُمْ مُتَلَصِّصُونَ، حِينَ دَخَلُوا بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ، فَلَا يَصِيرُونَ مَدَدًا لِلْجَيْشِ مَا لَمْ يُقَاتِلُوا مَعَهُمْ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ مَدَدَ الْجَيْشِ غُزَاةٌ، وَهُمْ لَيْسُوا بِغُزَاةٍ حُكْمًا، حِين دَخَلُوا مُتَلَصِّصِينَ، فَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِيهِمْ أَنْ يَصِيرُوا غُزَاةً حَقِيقَةً وَذَلِكَ بِأَنْ يُقَاتِلُوا مَعَهُمْ.\n٢٣٨٥ - وَإِنْ كَانُوا لَحِقُوهُمْ بِإِذْنِ الْإِمَامِ شَارَكُوهُمْ فِيمَا أَصَابُوا.","vol":"1","page":1263},{"text":"لِأَنَّهُمْ بِنَفْسِ الدُّخُولِ صَارُوا غُزَاةً الْآنَ، فَكَانُوا مَدَدًا لِلْجَيْشِ يُشَارِكُونَهُمْ فِيمَا أَصَابُوا، قَبْلَ أَنْ يَلْتَحِقُوا بِهِمْ.\n\n- وَلَوْ أَسْلَمَ قَوْمٌ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ الْتَحَقُوا بِالْعَسْكَرِ، فَحَالُهُمْ وَحَالُ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ يُسْلِمُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ سَوَاءٌ. لِأَنَّهُمْ حِينَ دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ مُرْتَدِّينَ، فَقَدْ صَارُوا أَهْلَ حَرْبٍ، فَبَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ أَسْلَمُوا وَالْتَحَقُوا بِالْجَيْشِ، لَا يَكُونُونَ غُزَاةً، بِمَنْزِلَةِ الْمَدَدِ لِلْجَيْشِ، مَا لَمْ يُقَاتِلُوا مَعَهُمْ دَفْعًا عَمَّا أَصَابُوا.\n\n- وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا لَا مَنَعَةَ لَهُمْ دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ، وَأَصَابُوا شَيْئًا، ثُمَّ لَحِقَهُمْ قَوْمٌ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ أَيْضًا، وَلَكِنْ بِإِذْنِ الْإِمَامِ، فَالْتَقَوْا بَعْدَ مَا أَصَابَ كُلُّ فَرِيقٍ شَيْئًا، فَإِنْ لَمْ يَصِيرُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ، بَعْدَ مَا الْتَقَوْا، فَمَا أَصَابَ الْمُتَلَصِّصُونَ قَبْلَ أَنْ يَلْتَقُوا، أَوْ بَعْدَ مَا الْتَقَوْا، يَكُونُ لَهُمْ خَاصَّةً، وَلَا خُمُسَ فِيهِ. لِأَنَّهُ لَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُ مَا أَصَابَهُمْ بِالِالْتِقَاءِ، فَهَؤُلَاءِ إذَا لَمْ يَصِيرُوا بِهِمْ أَهْلَ مَنَعَةٍ فَيَبْقَى الْحُكْمُ فِيمَا أَصَابُوا عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يَلْتَحِقُوا بِهِمْ، فَكُلُّ مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ خَاصَّةً، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الَّذِينَ الْتَحَقُوا بِهِمْ أَهْلَ مَنَعَةٍ، فَقَدْ تَغَيَّرَ صِفَةُ إصَابَتِهِمْ وَإِحْرَازِهِمْ بِالِالْتِحَاقِ بِهِمْ.\n- وَمَا أَصَابَ الَّذِينَ دَخَلُوا بِإِذْنِ الْإِمَامِ، قَبْلَ الِالْتِقَاءِ","vol":"1","page":1264},{"text":"وَبَعْدَهُ، فَإِنَّهُ يُخَمَّسُ وَيُقْسَمُ الْبَاقِي بَيْنَهُمْ عَلَى قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ، كَمَا كَانَ الْحُكْمُ فِي مُصَابِهِمْ قَبْلَ الِالْتِقَاءِ. لِأَنَّ اللُّصُوصَ لَا يَصِيرُونَ فِي حُكْمِ الْمَدَدِ لَهُمْ، حِينَ لَمْ يَتَغَيَّرْ حَالُهُمْ بِهَذَا الِالْتِقَاءِ.\n٢٣٨٩ - وَإِنْ كَانُوا حِينَ اجْتَمَعُوا صَارُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ، وَقَدْ أَصَابُوا غَنَائِمَ، قَبْلَ أَنْ يَلْتَقُوا وَبَعْد مَا الْتَقَوْا، خُمِّسَ مَا أَصَابَ الْفَرِيقَانِ، وَكَانَ مَا أَصَابَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ، قَبْلَ أَنْ يَلْتَقُوا، بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ، وَمَا أَصَابُوا بَعْدَ مَا الْتَقَوْا، فَهُوَ بَيْنَهُمْ جَمِيعًا عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ. لِأَنَّ الْإِحْرَازَ فِي جَمِيعِ الْمُصَابِ وُجِدَ عَلَى وَجْهِ الْقَهْرِ حِينَ صَارُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ، بَعْدَ الِاجْتِمَاعِ، فَيَجِبُ الْخُمُسُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.\n٢٣٩٠ - إلَّا أَنَّ فِيمَا أَصَابَ كُلُّ فَرِيقٍ قَبْلَ الِالْتِقَاءِ لَا يَكُونُ الْفَرِيقُ الْآخَرُ فِي حُكْمِ الْمَدَدِ لَهُمْ إذْ لَا مَنَعَةَ لِكُلِّ فَرِيقٍ عَلَى الِانْفِرَادِ، فَلِهَذَا يُقْسَمُ مَا أَصَابَ كُلُّ فَرِيقٍ بَيْنَهُمْ خَاصَّةً، وَلَا يُشَارِكُهُ فِيهِ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ إلَّا أَنْ يَلْقَوْا قِتَالًا، بَعْدَمَا اجْتَمَعُوا، فَإِنْ لَقُوا قِتَالًا بَعْدَمَا اجْتَمَعُوا. اشْتَرَكُوا فِي جَمِيعِ مَا أَصَابُوا، لِوُجُودِ الْقِتَالِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ، عَلَى وَجْهِ الدَّفْعِ عَمَّا","vol":"1","page":1265},{"text":"أَصَابَهُ الْفَرِيقُ الثَّانِي، وَإِنْ كَانَ دُخُولُ الْفَرِيقَيْنِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَهَذَا وَمَا سَبَقَ سَوَاءٌ، إلَّا فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنَّ مَا أَصَابَ كُلُّ فَرِيقٍ قَبْلَ الِالْتِقَاءِ يَكُونُ بَيْنَهُمْ جَمِيعًا، هَا هُنَا عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ هَا هُنَا قَدْ اسْتَوَى الْحُكْمُ فِي مُصَابِ كُلِّ فَرِيقٍ قَبْلَ الِالْتِقَاءِ، فَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي الْحُكْمِ حَالُ تَأَكُّدِ الْحَقِّ بِالْإِحْرَازِ، وَهُمْ أَهْلُ مَنَعَةٍ عِنْدَ ذَلِكَ وَقَدْ تَمَّ الْإِحْرَازُ بِقُوَّتِهِمْ، فَيُخَمَّسُ الْكُلُّ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ، وَهُنَاكَ قَدْ اخْتَلَفَ حُكْمُ مُصَابِ كُلِّ فَرِيقٍ. لِأَنَّ مَا أَصَابَ الَّذِينَ دَخَلُوا بِإِذْنِ الْإِمَامِ لَهُ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ فَلَا شَرِكَةَ فِيهِ لِلْمُتَلَصِّصِينَ، مَا لَمْ يُقَاتِلُوا عَنْهُ، وَمَا أَصَابَ الْمُتَلَصِّصُونَ لَمْ يَكُنْ لَهُ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ، وَلَا شَرِكَةَ فِيهِ لِلَّذِينَ دَخَلُوا بِإِذْنِ الْإِمَامِ أَيْضًا، مَا لَمْ يُقَاتِلُوا دَفْعًا عَنْهُ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَدْ صَارَ الْكُلُّ غَنِيمَةً، وَتَمَّ الْإِحْرَازُ فِي الْكُلِّ بِقُوَّتِهِمْ.\n٢٣٩١ - وَلَوْ كَانَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ لَهُمْ مَنَعَةٌ وَالْآخَرُ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَإِنَّ الَّذِينَ لَا مَنَعَةَ لَهُ لَا يُشَارِكُونَ أَهْلَ الْمَنَعَةِ فِيمَا أَصَابُوا، قَبْلَ الِالْتِقَاءِ، إلَّا أَنْ يَلْقَوْا قِتَالًا بَعْدَ مَا الْتَحَقُوا بِهِمْ، وَأَهْلُ الْمَنَعَةِ يُشَارِكُونَ الَّذِينَ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ، فِيمَا أَصَابُوا، وَإِنْ لَمْ يَلْقَوْا قِتَالًا بَعْدَ ذَلِكَ.","vol":"1","page":1266},{"text":"لِأَنَّهُمْ صَارُوا مُحْرِزِينَ لِذَلِكَ بِمَنَعَتِهِمْ، فَصَارَ أَهْلُ الْمَنَعَةِ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمَدَدِ لَهُمْ، وَفِي الْأَوَّلِ، الْمُتَلَصِّصُونَ مَا صَارُوا مُحْرِزِينَ بِمَنَعَةِ الَّذِينَ دَخَلُوا بِإِذْنِ الْإِمَامِ إذْ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ.\n٢٣٩٢ - وَلَوْ كَانَ الَّذِينَ لَهُمْ الْمَنَعَةُ دَخَلُوا بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ، وَاَلَّذِينَ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ دَخَلُوا بِإِذْنِهِ، اشْتَرَكُوا فِي جَمِيعِ مَا أَصَابُوا. لِأَنَّ كُلَّ فَرِيقٍ بِنَفْسِ الدُّخُولِ صَارُوا غُزَاةً، أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ بِاعْتِبَارِ الْمَنَعَةِ وَالْآخَرُ بِاعْتِبَارِ إذْنِ الْإِمَامِ، فَكَانَ كُلُّ فَرِيقٍ كَالْمَدَدِ لِلْفَرِيقِ الْآخَرِ، فِيمَا أَصَابُوهُ.\n٢٣٩٣ - وَلَوْ دَخَلَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ الَّذِينَ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ بِإِذْنِ الْإِمَامِ فَالْتَقَوْا، بَعْدَ مَا أَصَابَ كُلُّ فَرِيقٍ شَيْئًا، فَإِنَّهُ يُخَمَّسُ جَمِيعُ مَا أَصَابُوا، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ عَلَى قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ، سَوَاءٌ صَارُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ بِالِاجْتِمَاعِ، أَوْ لَمْ يَصِيرُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ. لِأَنَّ إذْنَ الْإِمَامِ قَدْ جَمَعَهُمْ، وَكَانَ كُلُّ فَرِيقٍ غَازِيًا، بِنَفْسِ الدُّخُولِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ، فَيَكُونُ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ بِمَنْزِلَةِ الْمَدَدِ لِلْفَرِيقِ الْآخَرِ، فِيمَا أَصَابُوا قَبْلَ الِالْتِقَاءِ.\nفَإِنْ قِيلَ: إصَابَةُ كُلِّ فَرِيقٍ هَا هُنَا وَإِحْرَازُهُ لَمْ تَكُنْ بِمَنَعَةِ الْفَرِيقِ الْآخَرِ، فَكَيْفَ يَثْبُتُ لِلْفَرِيقِ الْآخَرِ مَعَهُمْ شَرِكَةٌ فِي ذَلِكَ؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُمْ بِاعْتِبَارِ إذْنِ الْإِمَامِ صَارُوا غُزَاةً، فِي دَارِ الْحَرْبِ. وَالْغُزَاةُ فِي دَارِ الْحَرْبِ بَعْضُهُمْ مَدَدٌ لِلْبَعْضِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ الْمَنَعَةِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الْجَيْشَ لَوْ كَانُوا دَخَلُوا وَأَصَابُوا غَنَائِمَ، ثُمَّ الْتَحَقَ بِهِمْ رَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ كَانَ مَدَدًا لَهُمْ، يُشَارِكُهُمْ فِي الْمُصَابِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ","vol":"1","page":1267},{"text":"مَنَعَةٌ بِنَفْسِهِ؟ بِخِلَافِ مَا إذَا دَخَلَ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ، فَذَلِكَ مَا سَبَقَ. وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ أَهْلَ مَنَعَةٍ، وَقَدْ دَخَلُوا بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ، وَالْتَقَوْا فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَإِنَّهُ يُخَمَّسُ جَمِيعُ مَا أَصَابُوا، وَيَكُونُ الْبَاقِي بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.\nلِأَنَّ كُلَّ فَرِيقٍ هَا هُنَا بِاعْتِبَارِ الْمَنَعَةِ صَارُوا غُزَاةً، كَمَا دَخَلُوا، وَقَدْ صَارَ بَعْضُهُمْ مَدَدًا لِلْبَعْضِ بِالِالْتِقَاءِ، وَإِنَّمَا تَمَّ الْإِحْرَازُ فِي الْمُصَابِ بِهِمْ جَمِيعًا.\nفَكَانُوا شُرَكَاءَ فِي الْمُصَابِ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":1268},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>[بَابُ مَا يُصِيبُهُ الْأُسَرَاءُ وَاَلَّذِينَ أَسْلَمُوا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ]</span>\n١٢٨ - بَابُ مَا يُصِيبُهُ الْأُسَرَاءُ وَاَلَّذِينَ أَسْلَمُوا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ ٢٣٩٤ - قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْأَسِيرَ إذَا انْفَلَتَ فَلَحِقَ بِالْجَيْشِ الَّذِي دَخَلَ مَعَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجُوا فَهُوَ شَرِيكُهُمْ، فِيمَا أَصَابُوا حَالَ كَوْنِهِ مَأْسُورًا.\nلِأَنَّهُ انْعَقَدَ لَهُ مَعَهُمْ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ، حِينَ دَخَلَ مَعَهُمْ عَلَى قَصْدِ الْقِتَالِ، وَشَارَكَهُمْ فِي إتْمَامِ الْإِحْرَازِ، فَمَا اعْتَرَضَ مِنْ الْأَسْرِ بَيْنَ ذَلِكَ يَصِيرُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ مَرِضَ، وَهُوَ فِي الْعَسْكَرِ، زَمَانًا، وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ دُخُولُهُ فِي الِابْتِدَاءِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ، لِأَنَّهُ غَازٍ حِينَ دَخَلَ مَعَهُمْ عَلَى قَصْدِ الْقِتَالِ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ دَخَلَ مَعَهُمْ تَاجِرًا، ثُمَّ تَرَكَ التِّجَارَةَ وَقَاتَلَ مَعَهُمْ، فَأُسِرَ أَوْ كَانَ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَالْتَحَقَ بِهِمْ يُرِيدُ الْقِتَالَ فَأُسِرَ، ثُمَّ انْفَلَتَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجُوا، فَإِنَّهُ يُشَارِكُهُمْ فِيمَا أَصَابُوا، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الْإِذْنُ مِنْ الْإِمَامِ لَهُ فِي الْقِتَالِ، إذَا الْتَحَقَ بِهِمْ قَبْلَ الْإِحْرَازِ وَالْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ.\n٢٣٩٥ - فَإِنْ خَرَجَ ذَلِكَ الْعَسْكَرُ وَهُوَ مَأْسُورٌ، ثُمَّ انْفَلَتَ وَالْتَحَقَ بِعَسْكَرٍ آخَرَ وَقَدْ أَصَابُوا غَنَائِمَ لَمْ يُشَارِكْهُمْ، إلَّا أَنْ يَلْقَوْا قِتَالًا فَيُقَاتِلُ مَعَهُمْ.","vol":"1","page":1269},{"text":"لِأَنَّهُ لَمْ يَنْعَقِدْ لَهُ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ مَعَهُمْ، حَتَّى الْآنَ، فَيَكُونُ حَالُهُ فِي حَقِّهِمْ كَحَالِ مَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَالْتَحَقَ بِالْعَسْكَرِ، وَهُوَ لَا يَصِيرُ مَدَدًا لَهُمْ بِنَفْسِ الِالْتِحَاقِ بِهِمْ، لِأَنَّ قَصْدَهُ النَّجَاةُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، إلَّا أَنْ يُقَاتِلَ مَعَهُمْ دَفْعًا عَنْ الْمُصَابِ، فَيَكُونَ ذَلِكَ دَلِيلَ كَوْنِهِ قَاصِدًا إلَى أَنْ يَكُونَ مَدَدًا لَهُمْ.\n٢٣٩٦ - وَلَوْ أَنَّهُ حِينَ انْفَلَتَ قَتَلَ بَعْضَ الْمُشْرِكِينَ، وَأَخَذَ مَالَهُ، وَأَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ لَهُ، وَلَا خُمُسَ فِيهِ، بِمَنْزِلَةِ حَرْبِيٍّ أَسْلَمَ، ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ وَهَذَا لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ اللِّصِّ فِيمَا أَخَذَهُ، لِأَنَّ قَصْدَهُ النَّجَاةُ مِنْهُمْ دُونَ الْقِتَالِ عَلَى وَجْهِ إعْزَازِ الدِّينِ، فَإِنَّهُ مَقْهُورٌ، لَا مَنَعَةَ لَهُ فِيهِمْ.\n٢٣٩٧ - فَإِذَا كَانَ الْأُسَرَاءُ الَّذِينَ أَسْلَمُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا خَمَّسَ جَمِيعَ مَا أَصَابُوا، وَكَانَ مَا بَقِيَ بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ، الْآخِذُ مِنْهُ وَغَيْرُ الْآخِذِ فِيهِ سَوَاءٌ، وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ كُلُّ فَرِيقٍ أَهْلَ مَنَعَةٍ قَبْلَ أَنْ يَلْتَقُوا، أَوْ حِينَ اجْتَمَعُوا صَارَتْ لَهُمْ مَنَعَةٌ.\nلِأَنَّهُمْ مُحَارِبُونَ فِي الْحَقِيقَةِ، وَقَدْ أَحْرَزُوا الْمَالَ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ، وَهُمْ ظَاهِرُونَ فَيَتَحَقَّقُ مَعْنَى إعْزَازِ الدِّينِ فِيمَا أَصَابُوا، فَلِهَذَا يَكُونُ غَنِيمَةً.\n٢٣٩٨ - وَلَوْ تَمَكَّنَ الْأُسَرَاءُ مِنْ قَتْلِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، غِيلَةً وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ.\nلِأَنَّهُمْ مُحَارِبُونَ لَهُمْ، وَمَعَ ذَلِكَ هُمْ مَقْهُورُونَ مَظْلُومُونَ، فَلَهُمْ أَنْ يَنْتَصِفُوا مِنْ بَعْضِ مَنْ ظَلَمَهُمْ، إذَا تَمَكَّنُوا مِنْ ذَلِكَ.","vol":"1","page":1270},{"text":"٢٣٩٩ - فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ ثُمَّ خَرَجُوا إلَى دَارِنَا، وَلَا مَنَعَةَ لَهُمْ، فَكُلُّ مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ خَاصَّةً، وَإِنْ اشْتَرَكَ فِي الْأَخْذِ رَجُلَانِ: فَارِسٌ وَرَاجِلٌ فَهُوَ بَيْنَهُمَا سَوَاءٌ.\nلِأَنَّ الْمُصَابَ لَمْ يَأْخُذْ حُكْمَ الْغَنِيمَةِ حِينَ لَمْ يَصِيرُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ، بَعْدَ مَا تَجَمَّعُوا.\n٢٤٠٠ - فَإِنْ كَانَ الْآخِذُ أَعْطَاهُ صَاحِبَهُ لِيَحْمِلَهُ فَهُوَ لِلْأَوَّلِ.\nلِأَنَّ يَدَ مَنْ أَخْرَجَهُ نَائِبَةٌ عَنْ يَدِ الْآخِذِ حِينَ ائْتَمَنَهُ.\n٢٤٠١ - وَإِنْ غَلَبَهُ عَلَيْهِ وَأَخْرَجَهُ فَهُوَ لِلَّذِي أَخْرَجَهُ.\nوَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا.\n٢٤٠٢ - وَلَوْ كَانَ الْأُسَرَاءُ فَعَلُوا ذَلِكَ بَعْدَ مَا حَصَلَتْ لَهُمْ مَنَعَةٌ، وَاَلَّذِينَ أَسْلَمُوا فَعَلُوا ذَلِكَ، وَلَا مَنَعَةَ لَهُمْ، ثُمَّ الْتَقَوْا فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ خَرَجُوا فَإِنَّهُ يُخَمِّسُ جَمِيعَ الْمُصَابِ.\nلِأَنَّهُ مُحْرِزٌ بِالدَّارِ بِقَوْمٍ هُمْ أَهْلُ مَنَعَةٍ فَيَكُونُ غَنِيمَةً.\n٢٤٠٣ - ثُمَّ مَا أَصَابَ الَّذِينَ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ فَهُوَ مَقْسُومٌ بَيْنَهُمْ جَمِيعًا عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.\nلِأَنَّهُمْ أَحْرَزُوا ذَلِكَ بِمَنَعَةِ الْفَرِيقِ الْآخَرِ، وَكَانَ الْفَرِيقُ الْآخَرُ كَالْمَدَدِ لَهُمْ فِي ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ مَنَعَتِهِمْ.","vol":"1","page":1271},{"text":"وَلَا شَرِكَةَ لِلَّذِينَ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ مَعَ أَصْحَابِ الْمَنَعَةِ فِيمَا أَصَابُوا قَبْلَ الِالْتِقَاءِ.\nلِأَنَّهُمْ مَا أَحْرَزُوا ذَلِكَ بِمَنَعَتِهِمْ، إذْ لَا مَنَعَةَ لِلْفَرِيقِ الْآخَرِ حَتَّى يَجْعَلُوا كَالْمَدَدِ لَهُمْ فِيمَا أَصَابُوا.\n٢٤٠٥ - إلَّا أَنْ يَلْقَوْا قِتَالًا بَعْدَ مَا اجْتَمَعُوا، فَحِينَئِذٍ يُشَارِكُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الْمُصَابِ.\nلِأَنَّهُمْ اجْتَمَعُوا فِي الْقِتَالِ دَفْعًا عَنْ جَمِيعِ الْمُصَابِ، فَإِنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي الْإِصَابَةِ.\n٢٤٠٦ - وَهَذَا إذَا كَانَ الَّذِينَ لَقَوْهُمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَقَاتَلُوهُمْ، أَهْلَ مَنَعَةٍ. فَإِنْ كَانُوا لَا مَنَعَةَ لَهُمْ لَا يَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ بِهَذَا الْقِتَالِ.\nلِأَنَّ قِتَالَهُمْ لِلدَّفْعِ إنَّمَا يَتَغَيَّرُ بِهِ الْحُكْمُ إذَا قَاتَلُوا مَنْ كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْهُ اسْتِنْقَاذُ الْمَالِ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَهَذَا لَا يَتَحَقَّقُ فِيمَا إذَا لَقِيَهُمْ رَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَإِنَّمَا يُتَوَهَّمُ إذَا لَقِيَهُمْ أَهْلُ مَنَعَةٍ.\n٢٤٠٧ - وَإِنْ كَانَ الْفَرِيقَانِ حِينَ أَصَابُوا مَا أَصَابُوا لَا مَنَعَةَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَلَمَّا الْتَقَوْا صَارَتْ لَهُمْ مَنَعَةُ، فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي جَمِيعِ مَا أَصَابُوا.\nلِأَنَّ بِالِالْتِقَاءِ لَمَّا تَغَيَّرَ حَالُهُمْ بِمَا حَدَثَ لَهُمْ مِنْ الْمَنَعَةِ صَارَ هَذَا فِي الْحُكْمِ وَمَا لَوْ كَانُوا مُجْتَمِعِينَ عِنْدَ الْإِصَابَةِ سَوَاءٌ وَهَذَا؛ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ صَارَ مَدَدًا لِلْبَعْضِ.","vol":"1","page":1272},{"text":"وَصَارَ كُلُّ فَرِيقٍ مُتَمَكِّنًا مِنْ إحْرَازِ مَا أَصَابَهُ بِقُوَّةِ الْفَرِيقِ الْآخَرِ، حِينَ صَارُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ بَعْدَ مَا تَجَمَّعُوا، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ.\n٢٤٠٨ - وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ أَرْسَلَ إلَى كُلِّ فَرِيقٍ يَأْمُرُهُمْ أَنْ يَقْتُلُوا مَنْ قَدَرُوا عَلَيْهِ، وَيَأْخُذُوا الْأَمْوَالَ فَفَعَلُوا، وَكِلَا الْفَرِيقَيْنِ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ، وَلَمْ يَلْتَقُوا حَتَّى خَرَجَ كُلُّ فَرِيقٍ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَمَا أَصَابَ كُلُّ فَرِيقٍ يُخَمَّسُ وَيُقْسَمُ مَا بَقِيَ بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.\nلِأَنَّهُمْ صَارُوا غُزَاةً حِينَ بَلَغَهُمْ إذْنُ الْإِمَامِ، بِمَنْزِلَةِ قَوْمٍ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ، دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ، وَهَذَا لِأَنَّ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَنْصُرَهُمْ، إذَا عَلِمَ بِحَالِهِمْ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، فَكَانُوا قَاهِرِينَ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَعْنَى.\n٢٤٠٩ - وَكَذَلِكَ إنْ الْتَقَوْا فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَصَارَتْ لَهُمْ مَنَعَةٌ، أَوْ لَمْ تَصِرْ، أَوْ كَانَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ لَهُمْ مَنَعَةٌ وَالْآخَرُ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ.\nلِأَنَّ إذْنَ الْإِمَامِ قَدْ جَمَعَهُمْ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُمْ لَوْ دَخَلُوا ابْتِدَاءً، عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ كَانُوا شُرَكَاءَ فِي الْمُصَابِ، إذَا الْتَقَوْا، فَكَذَلِكَ إذَا فَعَلُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ، ثُمَّ الْتَقَوْا بَعْدَ ذَلِكَ.\n٢٤١٠ - وَلَوْ بَعَثَ الْإِمَامُ قَوْمًا لَا مَنَعَةَ لَهُمْ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ فِي طَلَبِ الْغَنِيمَةِ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ أُسَرَاءُ، وَقَوْمٌ أَسْلَمُوا، وَقَدْ أَصَابَ كُلُّ فَرِيقٍ شَيْئًا، فَإِنْ كَانَ حِينَ اجْتَمَعُوا لَمْ يَصِرْ لَهُمْ","vol":"1","page":1273},{"text":"مَنَعَةٌ أَيْضًا، ثُمَّ لَقُوا قِتَالًا، فَأَصَابُوا غَنَائِمَ، فَجَمِيعُ مَا أَصَابَ الَّذِينَ دَخَلُوا بِإِذْنِ الْإِمَامِ يُخَمَّسُ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.\nلِأَنَّهُمْ قَاهِرُونَ، بِاعْتِبَارِ إذْنِ الْإِمَامِ.\n٢٤١١ - وَمَا أَصَابَ الْفَرِيقَ الْآخَرَ فَهُوَ لَهُمْ خَاصَّةً، الْفَارِسُ وَالرَّاجِلُ فِيهِ سَوَاءٌ، وَلَا شَرِكَةَ لِغَيْرِ الْآخِذِ فِيهِ مَعَ الْآخِذِ.\nلِأَنَّهُمْ لُصُوصٌ، إذْ لَيْسَ لَهُمْ إذْنٌ مِنْ الْإِمَامِ، وَلَا مَنَعَةَ بِهَا يَصِيرُونَ قَاهِرِينَ قَبْلَ الِالْتِقَاءِ وَلَا بَعْدَهُ.\nفَإِنْ قِيلَ: لِمَاذَا لَمْ يُجْعَلْ الَّذِينَ دَخَلُوا بِإِذْنِ الْإِمَامِ فِي حَقِّهِمْ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الْمَنَعَةِ حَتَّى يَكُونُوا مَدَدًا لَهُمْ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ أَهْلَ الْمَنَعَةِ إنَّمَا صَارُوا مَدَدًا لَهُمْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمْ أَحْرَزُوا مَا أَصَابُوا بِقُوَّتِهِمْ وَمَنَعَتِهِمْ، وَهَذَا غَيْرُ مَوْجُودٍ هَا هُنَا، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ فِيمَا أَصَابَ الَّذِينَ دَخَلُوا بِإِذْنِ الْإِمَامِ، لِوُجُودِ الْإِذْنِ حُكْمًا، وَهَذَا مَقْصُورٌ عَلَى مُصَابِهِمْ، لَا يَتَعَدَّى إلَى مُصَابِ الْفَرِيقِ الْآخَرِ.\n٢٤١٢ - فَأَمَّا إذَا كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ فَحُكْمُ الْغَنِيمَةِ فِيمَا أَصَابُوا بِاعْتِبَارِ مَنَعَتِهِمْ حِسًّا، فَيَتَعَدَّى مِنْ ذَلِكَ إلَى مَا أَصَابَ الْفَرِيقُ الْآخَرُ حِينَ أَحْرَزُوهُ بِمَنَعَتِهِمْ، فَإِذَا كَانُوا بَعْدَ الِاجْتِمَاعِ أَهْلَ مَنَعَةٍ يُخَمَّسُ جَمِيعُ مَا أَصَابُوا، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ، لَقُوا قِتَالًا أَوْ لَمْ يَلْقَوْا.\nلِأَنَّ بِالِالْتِقَاءِ قَدْ تَغَيَّرَ حَالُهُمْ فَقَدْ صَارُوا بِهِ أَهْلَ مَنَعَةٍ وَلِهَذَا تَغَيَّرَ الْحُكْمُ فِيمَا أَصَابَ كُلُّ فَرِيقٍ.","vol":"1","page":1274},{"text":"وَإِنْ كَانَ الَّذِينَ دَخَلُوا بِإِذْنِ الْإِمَامِ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ، وَالْفَرِيقُ الْآخَرُ لَهُمْ مَنَعَةُ، فَإِنَّهُ يُشَارِكُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي جَمِيعِ الْمُصَابِ، بَعْدَ مَا يَرْفَعُ الْخُمُسَ مِنْ ذَلِكَ.\nلِأَنَّ الَّذِينَ دَخَلُوا بِإِذْنِ الْإِمَامِ غُزَاةٌ، بِاعْتِبَارِ الْإِذْنِ، وَالْآخَرُونَ غُزَاةٌ بِاعْتِبَارِ الْمَنَعَةِ، فَكَانَ حَالُهُمْ بَعْدَ الِالْتِقَاءِ كَحَالِ قَوْمٍ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ، دَخَلُوا بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَالْتَحَقُوا بِالْعَسْكَرِ، بَعْدَ إصَابَةِ الْغَنِيمَةِ، فَيُشَارِكُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الْمُصَابِ.\n٢٤١٤ - فَإِنْ كَانَتْ الْمَنَعَةُ لِلَّذِينَ دَخَلُوا بِإِذْنِ الْإِمَامِ خَاصَّةً، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَإِنَّ أَهْلَ الْمَنَعَةِ يُشَارِكُونَ الْأُسَرَاءَ فِيمَا أَصَابُوا قَبْلَ الِالْتِقَاءِ، بَعْدَ مَا يَرْفَعُ مِنْهُ الْخُمُسَ.\nلِأَنَّهُمْ أَحْرَزُوا ذَلِكَ بِمَنَعَتِهِمْ، وَلَا شَرِكَةَ لِلْأُسَرَاءِ فِيمَا أَصَابَ أَهْلُ الْمَنَعَةِ، إلَّا أَنْ يَلْقَوْا قِتَالًا فَيُقَاتِلُوا مَعَهُمْ.\n٢٤١٥ - وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ فَرِيقٍ مَنَعَةٌ فَإِنَّهُ يُشَارِكُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِيمَا أَصَابُوا.\nلِأَنَّ كُلَّ فَرِيقٍ بِمَنَعَتِهِمْ صَارُوا مَدَدًا لِلْفَرِيقِ الْآخَرِ، وَفِي مُصَابِ أَهْلِ الْمَنَعَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ وُجُودِ الْإِذْنِ مِنْ الْإِمَامِ وَعَدَمِ الْإِذْنِ، كَمَا لَوْ كَانُوا دَخَلُوا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":1275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>[بَابُ الْمُسْتَأْمَنِينَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَأْخُذُونَ أَمْوَالَ أَهْلِ الْحَرْبِ ثُمَّ يُخْرِجُونَهَا]</span>\n٢٤١٦ - قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا سَبَقَ أَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ إذَا أَخَذَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِمْ بِغَيْرِ طِيبِ أَنْفُسِهِمْ فَأَخْرَجَهُ إلَى دَارِنَا أَمَرَ بِرَدِّهِ وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ.\nلِأَنَّهُ أَخْفَرَ ذِمَّةَ نَفْسِهِ، لَا ذِمَّةَ الْإِمَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -\n٢٤١٧ - «أَنَّهُ صَحِبَ قَوْمًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَوَجَدَ مِنْهُمْ غَفْلَةً فَقَتَلَهُمْ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ، فَجَاءَ بِهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -، وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُخَمِّسَ؛ فَأَبَى أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُجْبِرْهُ عَلَى رَدِّ ذَلِكَ عَلَى وَرَثَتِهِمْ» . فَهُوَ الْأَصْلُ فِي هَذَا الْجِنْسِ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُ الْمَتَاعِ مُسْلِمًا أَوْ مُعَاهِدًا أَوْ بِأَمَانٍ، وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً عُدُولًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ أَقَرَّ ذُو الْيَدِ بِذَلِكَ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَجْبُرُهُ بِالرَّدِّ وَلَا يُفْتِيهِ عَلَى ذَلِكَ.","vol":"1","page":1276},{"text":"لِأَنَّهُ حِينَ أَخَذَ الْمَالَ لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِ الْمَتَاعِ أَمَانٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي نَفْسِهِ، وَلَا فِي مَالِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ عَلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ أَلَّا يَغْدِرَ بِهِمْ حِينَ دَخَلَ إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ، وَذَلِكَ غَيْرُ دَاخِلٍ تَحْتَ حُكْمِ الْإِمَامِ فَلَا يُجْبِرُهُ عَلَى الرَّدِّ، بِذَلِكَ الْقَدْرِ مِنْ السَّبَبِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ فَقَأَ عَيْنَ رَجُلٍ مِنْهُمْ، أَوْ قَتَلَ رَجُلًا مِنْهُمْ، أَوْ اسْتَهْلَكَ مَالًا، ثُمَّ خَرَجَ هَارِبًا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَجَاءَ صَاحِبُ الْحَقِّ وَخَاصَمَهُ فِي ذَلِكَ لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي لَهُ بِشَيْءٍ، فَكَذَلِكَ إذَا أَخْرَجَ مَالًا لَهُمْ.\n٢٤١٨ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْمُسْتَأْمَنُونَ الَّذِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ أَهْلَ مَنَعَةٍ، فَأَخْرَجُوا مَا أَخَذُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَهَذَا وَالْوَاحِدُ إذَا أَخْرَجَهُ سَوَاءٌ.\nلِأَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ بِمَنَعَةِ أَنْفُسِهِمْ لَا بِمَنَعَةِ الْإِمَامِ.\n٢٤١٩ - فَإِنْ كَانُوا حِينَ اجْتَمَعُوا، وَصَارَتْ لَهُمْ مَنَعَةٌ، نَابَذُوا أَهْلَ الْحَرْبِ ثُمَّ لَحِقُوا بِعَسْكَرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَدْ غَنِمُوا غَنَائِمَ، ثُمَّ أَصَابُوا غَنَائِمَ أُخْرَى أَيْضًا، بَعْدَ مَا الْتَحَقُوا بِهِمْ فَجَمِيعُ مَا أَصَابَ أَهْلُ الْعَسْكَرِ قَبْلَ الِالْتِقَاءِ يُخَمَّسُ، وَالْبَاقِي لَهُمْ خَاصَّةً دُونَ التُّجَّارِ.","vol":"1","page":1277},{"text":"لِأَنَّ التُّجَّارَ لَا يَصِيرُونَ مَدَدًا لَهُمْ، وَلَا فِي حُكْمِ الْغُزَاةِ، بِمُجَرَّدِ الِالْتِقَاءِ، مَا لَمْ يُقَاتِلُوا دَفْعًا عَمَّا أَصَابُوا.\n٢٤٢٠ - وَمَا أَصَابُوا بَعْدَ الِالْتِقَاءِ فَهُوَ بَيْنَ الْكُلِّ عَلَى قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ.\nلِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي الْإِصَابَةِ، وَالْإِحْرَازِ.\n٢٤٢١ - وَمَا أَصَابَ التُّجَّارُ فِي أَمَانِهِمْ فَإِنَّهُمْ يُؤْمَرُونَ بِرَدِّهِ عَلَى أَهْلِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجْبَرُوا عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ.\nلِأَنَّهُمْ كَانُوا مُحْرِزِينَ لِذَلِكَ، بِاعْتِبَارِ مَنَعَتِهِمْ لَا بِاعْتِبَارِ مَنَعَةِ الْجَيْشِ، فَكَانَ إخْرَاجُهُمْ ذَلِكَ إلَى مَنَعَةِ الْجَيْشِ، وَإِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ سَوَاءٌ.\n٢٤٢٢ - إلَّا أَنْ يَلْقَوْا قِتَالًا فَقَاتَلُوا دَفْعًا عَنْ ذَلِكَ فَحِينَئِذٍ التُّجَّارُ يُشَارِكُونَ الْجَيْشَ فِي جَمِيعِ مَا أَصَابُوا، وَيَأْخُذُ الْإِمَامُ مَا أَصَابَ التُّجَّارُ، فَيَجْعَلُ ذَلِكَ مَوْقُوفًا، حَتَّى يَجِيءَ صَاحِبُهُ فَيَأْخُذَهُ.\nلِأَنَّ الْإِحْرَازَ هَا هُنَا حَصَلَ بِقُوَّةِ الْعَسْكَرِ، وَبِقِتَالِهِمْ دَفْعًا عَنْ ذَلِكَ الْمَالِ، فَبَقِيَتْ وِلَايَةُ الْإِمَامِ فِيهِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَأْخُوذًا عَلَى وَجْهِ الْغَدْرِ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْغَنِيمَةِ، بِقِسْمَةِ الْإِمَامِ بَيْنَ أَهْلِ الْعَسْكَرِ وَالتُّجَّارِ، بَعْدَ مَا يَرْفَعُ الْخُمُسَ مِنْ ذَلِكَ وَإِذَا ثَبَتَ وِلَايَةُ الْإِمَامِ فِيهِ، فَعَلَيْهِ إزَالَةُ الْغَدْرِ بِإِيصَالِهِ إلَى صَاحِبِهِ.","vol":"1","page":1278},{"text":"أَلَا تَرَى أَنَّ الَّذِينَ أَخَذَ مِنْهُمْ تِلْكَ الْأَمْوَالَ لَوْ جَاءُوا إلَى الْعَسْكَرِ، وَلَهُمْ مَنَعَةٌ، فَقَالُوا: نُرِيدُ قِتَالَكُمْ أَوْ تُخَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ التُّجَّارِ حَتَّى نَقْتُلَهُمْ، وَنَأْخُذَ أَمْوَالَنَا لَمْ يَسَعْنَا أَنْ نَدَعَ أَهْلَ الْحَرْبِ يُقَاتِلُونَهُمْ، وَلَكِنْ يَلْزَمُنَا نُصْرَةُ التُّجَّارِ، بِأَنْ نَأْخُذَ مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ مِمَّا غَدَرُوا فِيهِ، وَنَرُدَّهُ عَلَى أَهْلِهِ، وَنَمْنَعَهُمْ مِنْ قَتْلِ التُّجَّارِ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الَّذِينَ جَاءُوا لِلِاسْتِنْقَاذِ قَوْمًا سِوَى أَصْحَابِ الْأَمْوَالِ.\n٢٤٢٣ - وَلَوْ كَانَ الْمُسْتَأْمَنُونَ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَعَلَى أَهْلِ الْعَسْكَرِ أَنْ يَرُدُّوا مَا أَصَابَ الْمُسْتَأْمَنُونَ عَلَى أَهْلِهِ.\nلِأَنَّهُمْ مَا كَانُوا مُحْرِزِينَ لِذَلِكَ بِمَنَعَتِهِمْ، وَإِنَّمَا صَارُوا مُحْرِزِينَ لَهُ بِقُوَّةِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ، وَلِهَذَا يَثْبُتُ حَقُّهُمْ فِيهِ لَوْ كَانَ غَنِيمَةً، وَإِنْ لَمْ يَلْقَوْا قِتَالًا بَعْدَ مَا الْتَحَقُوا بِهِمْ.\n٢٤٢٤ - فَعَرَفْنَا أَنَّ وِلَايَةَ الْإِمَامِ قَدْ ثَبَتَتْ فِي هَذَا الْمَالِ حِينَ كَانَ مُحْرَزًا بِقُوَّةِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ، فَعَلَيْهِ رَدُّهُ عَلَى أَهْلِهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَبْعَثَ بِهِ إلَيْهِمْ، وَلَكِنَّهُ يَكْتُبُ إلَى صَاحِبِهِ حَتَّى يَدْخُلَ بِأَمَانٍ فَيَأْخُذَهُ.\nلِأَنَّهُ مَا أَخْرَجَهُ مِنْ يَدِ صَاحِبِهِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ، فَهُوَ نَظِيرُ الثَّوْبِ إذَا هَبَّتْ بِهِ الرِّيحُ وَأَلْقَتْهُ فِي حِجْرِ إنْسَانٍ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْمِلَهُ إلَى صَاحِبِهِ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ أَنْ يُعْلِمَهُ حَتَّى يَجِيءَ فَيَأْخُذَهُ مِنْهُ.","vol":"1","page":1279},{"text":"وَلَوْ أَنَّ مُسْتَأْمَنًا فِي دَارِ الْحَرْبِ خَرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَأَهْلُ الْحَرْبِ لَا يَعْلَمُونَ بِهِ، ثُمَّ عَادَ إلَيْهِمْ فَلَمْ يَعْرِضُوا لَهُ، وَظَنُّوا أَنَّهُ عَلَى الْأَمَانِ الْأَوَّلِ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلَهُمْ، وَيَأْخُذَ مَا بَدَا لَهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ لِأَنَّ بِوُصُولِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ قَدْ انْتَهَى حُكْمُ الْأَمَانِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، سَوَاءٌ عَلِمُوا بِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمُوا، فَإِذَا دَخَلَ إلَيْهِمْ بِغَيْرِ اسْتِئْمَانٍ جَدِيدٍ كَانَ حَالُهُ وَحَالُ مَنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَأْمَنًا فِيهِمْ قَبْلَ هَذَا سَوَاءٌ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ عَلِمُوا بِذَلِكَ قَتَلُوهُ، وَأَخَذُوا مَالَهُ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا لَا يَثْبُتُ لَهُمْ أَمَانٌ مِنْ جِهَتِهِ.\nفَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا كَانَ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ الْخُرُوجِ، لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الْغَدْرِ، وَهَذَا الْمَعْنَى قَائِمٌ مَا لَمْ يَعْلَمُوا بِخُرُوجِهِ.\nقُلْنَا: لَا كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْلِمَهُمْ بِخُرُوجِهِ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ أَلَّا يَغْفُلُوا عَنْهُ، حَتَّى لَا يُشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ خُرُوجُهُ، وَبَعْدَ انْتِهَاءِ الْأَمَانِ بِالْخُرُوجِ هُوَ مُحَارِبٌ لَهُمْ، وَالْحَرْبُ خَدْعَةٌ، فَظَنُّهُمْ أَنَّهُ عَلَى الْأَمَانِ الْأَوَّلِ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ أَنْ يَصْنَعَ بِهِمْ مَا يَصْنَعُهُ الْمُحَارِبُ.\n٢٤٢٦ - وَكَذَلِكَ إذَا خَرَجَ إلَى عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ.\nلِأَنَّ الْأَمَانَ يَنْتَهِي بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ بِوُصُولِهِ إلَى مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا يَنْتَهِي بِخُرُوجِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْحَرْبِ أَخَذُوهُ حِينَ عَادَ إلَيْهِمْ فَقَالُوا لَهُ: أَيْنَ كُنْت؟ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بَعْدُ، أَوْ قَالُوا","vol":"1","page":1280},{"text":"لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَنَا مُسْتَأْمَنٌ فِيكُمْ، فَتَرَكُوهُ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَعْرِضَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ بَعْدَ هَذَا.\nلِأَنَّ الَّذِي كَلَّمَهُمْ بِهِ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِئْمَانِ الْجَدِيدِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ حَتَّى الْآنَ فَلَمَّا أَخَذُوهُ قَالَ: أَنَا مُسْتَأْمَنٌ فِيكُمْ، كَانَ مُسْتَأْمَنًا إذَا خَلَّوْا سَبِيلَهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَغْدِرَ بِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ.\n٢٤٢٧ - وَإِنْ كَانَ هَذَا الْمُسْتَأْمَنُ خَرَجَ إلَى قَوْمٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، لَا مَنَعَةَ لَهُمْ، قَدْ بَعَثَهُمْ الْإِمَامُ طَلِيعَةً فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَعْرِضَ لِأَهْلِ الْحَرْبِ بِشَيْءٍ.\nلِأَنَّ حُكْمَ الْأَمَانِ الْأَوَّلِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ بَاقٍ، مَا لَمْ يُنَابِذْهُمْ أَوْ يَلْتَحِقْ بِمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَبِاعْتِبَارِ ذَلِكَ الْأَمَانِ لَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَتَعَرَّضَ لَهُمْ.\n٢٤٢٨ - فَإِنْ اجْتَمَعَ الْمُسْتَأْمَنُونَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي مَكَان، حَتَّى صَارَتْ لَهُمْ مَنَعَةٌ، ثُمَّ لَمْ يَنْبِذُوا إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ، حَتَّى تَفَرَّقُوا كَمَا كَانُوا، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَتَعَرَّضَ لَهُمْ بِشَيْءٍ.\nلِأَنَّهُمْ عَلَى الْأَمَانِ الْأَوَّلِ حِينَ لَمْ يَنْبِذُوا إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ. فَإِنْ قِيلَ لِمَاذَا لَا يُجْعَلُ مَا حَدَثَ لَهُمْ مِنْ الْمَنَعَةِ بِمَنْزِلَةِ مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، حَتَّى يَنْتَهِيَ بِهِ حُكْمُ ذَلِكَ الْأَمَانِ. قُلْنَا: لِأَنَّ انْتِهَاءَ الْأَمَانِ بِاعْتِبَارِ مَنَعَةِ الْمُحَارِبِينَ","vol":"1","page":1281},{"text":"لِأَهْلِ الْحَرْبِ، وَالْمُسْتَأْمَنُونَ مَا دَخَلُوا مُحَارِبِينَ، فَبِالْجَمْعِ لَا يَصِيرُونَ مُحَارِبِينَ مَا لَمْ يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ، بِخِلَافِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ.\n٢٤٢٩ - وَكَذَلِكَ إنْ اجْتَمَعُوا مَعَ قَوْمٍ مِنْ الْأُسَرَاءِ، وَمِنْ الَّذِينَ أَسْلَمُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلَهُمْ مَنَعَةٌ إلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَنْبِذُوا إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ بِالْمُحَارَبَةِ.\nلِأَنَّ الْأُسَرَاءَ مَقْهُورُونَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَاَلَّذِينَ أَسْلَمُوا مَا كَانُوا مُحَارِبِينَ لَهُمْ، فَلَا يَصِيرُونَ مُحَارِبِينَ فِي الظَّاهِرِ، بِمُجَرَّدِ الْمَنَعَةِ، مَا لَمْ يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ بِالْمُحَارَبَةِ، وَلَا يَنْتَهِي أَمَانُ الْمُسْتَأْمَنِينَ بِالْتِحَاقِهِمْ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمَنَعَةِ.\n٢٤٣٠ - وَإِنْ كَانَ الْأُسَرَاءُ قَدْ نَبَذُوا إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ بِالْمُحَارَبَةِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَلَا بَأْسَ لِلْمُسْتَأْمَنِينَ إذَا عَادُوا إلَيْهِمْ أَنْ يَقْتُلُوا مَنْ قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْهُمْ.\nلِأَنَّهُمْ الْتَحَقُوا بِأَهْلِ مَنَعَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، هُمْ مُحَارِبُونَ لِأَهْلِ الْحَرْبِ، وَحُكْمُ الْأَمَانِ يَنْتَهِي بِذَلِكَ. كَمَا لَوْ الْتَحَقُوا بِالْعَسْكَرِ.\n٢٤٣١ - فَإِنْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ عَلِمُوا بِهِمْ، فَقَالُوا لَهُمْ حِينَ رَجَعُوا: لِمَ آتَيْتُمُوهُمْ؟ فَقَالُوا: خَرَجْنَا إلَى عَسْكَرِهِمْ تُجَّارًا، وَآتَيْنَاهُمْ لِنَنْهَاهُمْ عَمَّا صَنَعُوا، فَتَرَكُوهُمْ بِمَا قَالُوا، لَمْ يَحِلَّ لَهُمْ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لَهُمْ بِشَيْءٍ.","vol":"1","page":1282},{"text":"لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِئْمَانِ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُمْ أَخْبَرُوهُمْ أَنَّهُمْ عَلَى الْأَمَانِ الْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا تَرَكُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْأَمَانِ، وَكَذَلِكَ هَذَا الْجَوَابُ فِيمَا إذَا خَرَجُوا إلَى عَسْكَرٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ؛ ثُمَّ رَجَعُوا إلَيْهِمْ فَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّهُمْ خَرَجُوا لِلتِّجَارَةِ أَوْ لِحَاجَةٍ.\n٢٤٣٢ - وَلَوْ أَنَّ الْمُسْتَأْمَنِينَ أَصَابُوا شَيْئًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، ثُمَّ تَجَمَّعُوا، فَصَارَتْ لَهُمْ مَنَعَةٌ، وَنَبَذُوا إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ، وَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّهُمْ يُقَاتِلُونَهُمْ، ثُمَّ قَاتَلُوهُمْ، أَوْ لَمْ يُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى أَصَابُوا غَنَائِمَ فَأَخْرَجُوهَا، فَإِنَّ مَا أَصَابُوا بَعْدَ النَّبْذِ يُخَمَّسُ وَيُقْسَمُ بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ، وَمَا أَصَابُوا قَبْلَ النَّبْذِ فَهُوَ لِمَنْ أَصَابَ وَلَا خُمُسَ فِيهِ.\nلِأَنَّهُمْ أَخَذُوا ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْغَدْرِ، وَإِنَّمَا أَحْرَزُوهُ بِمَنَعَتِهِمْ، لَا بِمَنَعَةِ الْإِمَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، فَيُفْتِيهِمْ الْإِمَامُ بِالرَّدِّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجْبِرَهُمْ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ.\n٢٤٣٣ - وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الْمُسْتَأْمَنِينَ أُسَرَاءُ أَوْ قَوْمٌ أَسْلَمُوا مِنْهُمْ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا خَمَّسَ الْإِمَامُ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَقَسَمَ الْبَاقِيَ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.\nلِأَنَّهُمْ أَخَذُوا حِينَ أَخَذُوا وَهُوَ حَلَالٌ لَهُمْ، ثُمَّ أَحْرَزُوهُ بِمَنَعَةٍ وَقُوَّةٍ فَيَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ. فَأَمَّا الْمُسْتَأْمَنُونَ فَإِنَّمَا أَخَذُوا مَا أَخَذُوا قَبْلَ النَّبْذِ، وَهُوَ عَلَيْهِمْ حَرَامٌ، فَلَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ فِي ذَلِكَ الْمَأْخُوذِ بِمَا حَدَثَ لَهُمْ مِنْ الْمَنَعَةِ.","vol":"1","page":1283},{"text":"أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ أَحْرَزُوا ذَلِكَ بِمَنَعَةِ الْجَيْشِ أَخَذَهُ الْإِمَامُ فَيَرُدُّهُ عَلَى أَهْلِهِ، وَلَمْ يَقْسِمْهُ بَيْنَهُمْ عَلَى قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ. وَالْأُسَرَاءُ لَوْ أَحْرَزُوا مَا أَخَذُوا بِمَنَعَةِ الْجَيْشِ قُسِمَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْجَيْشِ عَلَى قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ، فَكَذَلِكَ إذَا أَحْرَزُوهُ بِمَنَعَتِهِمْ، إلَّا أَنَّ هُنَاكَ يَثْبُتُ لِلْإِمَامِ وِلَايَةُ الْإِجْبَارِ عَلَى الرَّدِّ وَهَا هُنَا لَا يَثْبُتُ.\n٢٤٣٤ - وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَأْمَنُونَ لَحِقُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ بِقَوْمٍ لُصُوصٍ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ، وَقَدْ دَخَلُوا بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ، وَلَمْ يَصِيرُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ بَعْدَ مَا اجْتَمَعُوا، فَالْحُكْمُ فِيمَا أَصَابَ كُلُّ فَرِيقٍ بَعْدَ الِالْتِقَاءِ كَمَا كَانَ قَبْلَهُ حَتَّى أَنَّ مَا أَصَابَ اللُّصُوصُ فَهُوَ لِمَنْ وَلِيَ الْأَخْذَ مِنْهُمْ خَاصَّةً، وَمَا أَصَابَ الْمُسْتَأْمَنُونَ أُمِرُوا بِرَدِّهِ مِنْ غَيْرَ جَبْرٍ. فَإِنْ صَارُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ حِينَ اجْتَمَعُوا فَنَبَذُوا إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ ثُمَّ خَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّ الْإِمَامَ يُخَمِّسُ مَا أَصَابَ اللُّصُوصُ.\nلِأَنَّهُمْ أَخَذُوهُ وَالْأَخْذُ حَلَالٌ لَهُمْ، وَأَحْرَزُوهُ وَهُمْ قَاهِرُونَ، بِمَا حَدَثَ لَهُمْ مِنْ الْمَنَعَةِ فَيُخَمِّسُ مَا أَصَابُوا، وَيَقْسِمُ مَا بَقِيَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْتَأْمَنِينَ، عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.\nفَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَثْبُتُ لِلْمُسْتَأْمَنِينَ فِي ذَلِكَ حَقُّ الشَّرِكَةِ مَعَهُمْ، وَلَمْ يُقَاتِلُوا دَفْعًا عَنْ ذَلِكَ الْمَالِ، بَعْدَ مَا الْتَحَقُوا بِهِمْ قُلْنَا: لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُحْرِزًا بِمَنَعَةٍ حَدَثَتْ لَهُمْ، وَبِاعْتِبَارِهَا أَخْذُ حُكْمِ الْغَنِيمَةِ، فَكَانَ هَذَا أَكْثَرَ تَأْثِيرًا مِنْ قِتَالِهِمْ دَفْعًا عَنْ ذَلِكَ الْمَالِ.\n٢٤٣٥ - فَأَمَّا مَا أَصَابَ الْمُسْتَأْمَنُونَ فَإِنَّهُمْ يُؤْمَرُونَ بِرَدِّهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجْبَرُوا عَلَى ذَلِكَ.","vol":"1","page":1284},{"text":"لِأَنَّهُمْ أَخَذُوا، وَالْأَخْذُ حَرَامٌ عَلَيْهِمْ، فَلَا يَصِيرُ غَنِيمَةً بِالْإِخْرَاجِ، وَمَا أَحْرَزُوهُ بِمَنَعَةِ غَيْرِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَثْبُتُ لِلْإِمَامِ فِيهِ وِلَايَةُ الْإِجْبَارِ عَلَى الرَّدِّ.\n٢٤٣٦ - وَإِنْ كَانُوا لَمْ يَنْبِذُوا إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ حَتَّى خَرَجُوا، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، لَمْ يُخَمَّسْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُمْ أَصَابُوهُ عَلَى وَجْهِ التَّلَصُّصِ، وَأَخْرَجُوهُ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يُظْهِرُوا الْقِتَالَ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ فِي دَارِهِمْ، وَاعْتِبَارُ الْمَنَعَةِ لِإِظْهَارِ الْقِتَالِ، وَإِذَا لَمْ يُظْهِرُوهُ كَانَ هَذَا وَمَا لَمْ يَصِيرُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ بَعْدَ الِالْتِقَاءِ فِي الْحُكْمِ سَوَاءٌ، وَإِذَا لَمْ يَصِرْ مَا أَصَابَ اللُّصُوصُ غَنِيمَةً فَهُوَ لِلْآخِذِ خَاصَّةً، وَلَا شَرِكَةَ لِلْمُسْتَأْمَنِينَ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ.\nوَاَلَّذِي يُوَضِّحُ هَذَا الْفَرْقَ أَنَّ الْمُسْتَأْمَنِينَ لَوْ رَجَعُوا إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ قَبْلَ أَنْ يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ كَانُوا عَلَى الْأَمَانِ الْأَوَّلِ، لَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لِأَهْلِ الْحَرْبِ بِشَيْءٍ، وَبَعْدَ مَا نَبَذُوا إلَيْهِمْ بِاعْتِبَارِ الْمَنَعَةِ، لَوْ رَجَعُوا إلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْمَانٍ جَدِيدٍ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَقْتُلُوا مَنْ قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْهُمْ.\n٢٤٣٧ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمُسْتَأْمَنُونَ حِينَ اجْتَمَعُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ، وَاَلَّذِينَ لَحِقُوا بِهِمْ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ.\nلِأَنَّ الْمُسْتَأْمَنِينَ مَا كَانُوا مُحَارِبِينَ لَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا فِي أَمَانٍ مِنْهُمْ، فَلَا يَنْتَهِي حُكْمُ ذَلِكَ الْأَمَانِ مِنْهُمْ مَا لَمْ يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ، أَوْ يَصِلُوا إلَى أَهْلِ مَنَعَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.","vol":"1","page":1285},{"text":"وَإِنْ كَانَتْ الْمَنَعَةُ لِلُّصُوصِ دُونَ الْمُسْتَأْمَنِينَ فَلُحُوقُ الْمُسْتَأْمَنِينَ بِهِمْ بِمَنْزِلَةِ لِحُقُوقِهِمْ بِعَسْكَرٍ دَخَلُوا بِإِذْنِ الْإِمَامِ.\nلِأَنَّ اللُّصُوصَ مُحَارِبُونَ لِلْمُشْرِكَيْنِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ فَدُخُولُهُمْ بِإِذْنِ الْإِمَامِ، وَبِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ سَوَاءٌ.\n٢٤٣٩ - وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَأْمَنُونَ أَهْلَ مَنَعَةٍ، حِينَ اجْتَمَعُوا قَبْلَ أَنْ يَلْتَحِقُوا بِاللُّصُوصِ الَّذِينَ لَهُمْ مَنَعَةٌ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ، إلَّا فِي خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ أَنَّ الْإِمَامَ هَا هُنَا لَا يَأْخُذُ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِينَ مَا كَانُوا أَخَذُوهُ، وَلَكِنَّهُ يُفْتِيهِمْ بِالرَّدِّ فِيهِ.\nلِأَنَّهُمْ مَا أَخَذُوهُ بِمَنَعَةِ اللُّصُوصِ وَإِنَّمَا أَخَذُوهُ بِمَنَعَةِ أَنْفُسِهِمْ، فَلَا يَثْبُتُ وِلَايَةُ الْإِمَامِ فِي أَخْذِ ذَلِكَ مِنْهُمْ. وَفِي الْأَوَّلِ إنَّمَا أَخَذُوهُ بِمَنَعَةِ اللُّصُوصِ إذَا كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ فَحُكْمُهُمْ كَحُكْمِ الْعَسْكَرِ.\n٢٤٤٠ - فَإِنْ لَقُوا قِتَالًا فِي الْفَصْلِ الثَّانِي فَإِنَّ الْإِمَامَ يَأْخُذُ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِينَ مَا كَانُوا أَخَذُوا فَيَرُدُّهُ إلَى أَهْلِهِ.\nلِأَنَّ اللُّصُوصَ حِينَ قَاتَلُوا دَفْعًا عَنْ ذَلِكَ الْمَالِ فَقَدْ ثَبَتَ لِلْإِمَامِ فِيهِ الْوِلَايَةُ كَمَا يَثْبُتُ لَهُ عِنْدَ قِتَالِ الْعَسْكَرِ دَفْعًا عَنْ ذَلِكَ الْمَالِ.\n٢٤٤١ - فَإِنْ الْتَحَقَ الْمُسْتَأْمَنُونَ، وَلَا مَنَعَةَ لَهُمْ، بِقَوْمٍ مِنْ","vol":"1","page":1286},{"text":"الْمُسْلِمِينَ دَخَلُوا بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَلَا مَنَعَةَ لَهُمْ، وَبَعْدَ الِاجْتِمَاعِ لَمْ يَصِيرُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ أَيْضًا، فَإِنَّ الْمُسْتَأْمَنِينَ يُؤْمَرُونَ بِرَدِّ مَا كَانُوا أَصَابُوا مِنْ غَيْرِ جَبْرٍ، وَيُخَمَّسُ مَا أَصَابَ الْفَرِيقُ الْآخَرُونَ وَالْبَاقِي لَهُمْ خَاصَّةً دُونَ الْمُسْتَأْمَنِينَ.\nلِأَنَّ الْمُسْتَأْمَنِينَ بَعْدَ مَا الْتَحَقُوا بِهِمْ كَانُوا عَلَى أَمَانِهِمْ لَوْ رَجَعُوا، وَإِنَّمَا خَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَهُمْ مُسْتَأْمَنُونَ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُمْ مَا صَارُوا مَدَدًا لِلَّذِينَ دَخَلُوا بِإِذْنِ الْإِمَامِ، وَلَا صَارُوا مُحَارِبِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ.\n٢٤٤٢ - وَكَذَلِكَ إنْ صَارُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ بَعْدَ الِاجْتِمَاعِ، إلَّا أَنْ يَنْبِذُوا إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ فَحِينَئِذٍ يُشَارِكُونَهُمْ فِيمَا أَصَابُوا، قَبْلَ أَنْ يَلْتَحِقُوا بِهِمْ، وَبَعْدَ مَا نَبَذُوا جَمِيعًا.\nلِأَنَّ الْأَمَانَ قَدْ انْتَبَذَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَقَدْ حَدَثَتْ لَهُمْ الْمَنَعَةُ بِالْتِحَاقِهِمْ بِهِمْ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْقِتَالِ دَفْعًا عَنْ الْمُصَابِ، أَوْ أَقْوَى مِنْهُ. ٢٤٤٣ - فَأَمَّا مَا أَصَابَ الْمُسْتَأْمَنُونَ فَإِنَّهُمْ يُفْتُونَ فِيهِ بِالرَّدِّ مِنْ غَيْرِ جَبْرٍ.\nلِأَنَّهُ مَا أَحْرَزُوا ذَلِكَ بِمَنَعَةِ غَيْرِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَثْبُتُ فِيهِ وِلَايَةُ الْإِمَامِ\n٢٤٤٤ - وَلَوْ أَنَّ الْمُسْتَأْمَنِينَ الَّذِينَ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ الْتَحَقُوا بِقَوْمٍ أُسَرَاءَ، أَوْ أَسْلَمُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ أَهْلَ مَنَعَةٍ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يُنَابِذُوا","vol":"1","page":1287},{"text":"أَهْلَ الْحَرْبِ، فَمَا أَصَابَ الْأُسَرَاء قَبْل أَنْ يَلْتَحِق بِهِمْ الْمُسْتَأْمَنُونَ يُخَمَّس، وَالْبَاقِي لَهُمْ خَاصَّة.\nلِأَنَّهُمْ أَخَذُوا ذَلِكَ، وَالْأَخْذُ حَلَالٌ لَهُمْ.\n٢٤٤٥ - وَالْمُسْتَأْمَنُونَ بِالِالْتِحَاقِ بِهِمْ مَا صَارُوا مَدَدًا لَهُمْ فِي ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُمْ لَمْ يُقَاتِلُوا مَعَهُمْ دَفْعًا عَنْ ذَلِكَ، وَلَا حَدَثَتْ لَهُمْ الْمَنَعَةُ بِالْتِحَاقِهِمْ بِهِمْ، فَقَدْ كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ قَبْلَ ذَلِكَ.\n٢٤٤٦ - وَكَذَلِكَ مَا أَصَابُوا بَعْدَمَا الْتَحَقَ بِهِمْ الْمُسْتَأْمَنُونَ.\nلِأَنَّهُمْ لَمْ يَصِيرُوا مُحَارِبِينَ لِأَهْلِ الْحَرْبِ حِينَ لَمْ يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ، فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ اللُّصُوصِ فِي ذَلِكَ فِي اخْتِصَاصِهِمْ بِالْمُصَابِ، لِمَعْنًى فِقْهِيٍّ، وَهُوَ أَنَّ الْأَمَانَ بَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ وَبَيْنَ الْمُسْتَأْمَنِينَ يَبْقَى بَعْدَ مَا الْتَحَقُوا بِهِمْ، إذَا كَانُوا لَمْ يُنَابِذُوا أَهْلَ الْحَرْبِ، وَمَعَ بَقَاءِ الْأَمَانِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلُوا كَالرِّدْءِ وَالْمَدَدِ لَهُمْ، فِيمَا أَصَابُوا، فَلِهَذَا لَا يُشَارِكُهُمْ الْمُسْتَأْمَنُونَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مَا أَصَابُوا غَنِيمَةً بِاعْتِبَارِ مَنَعَتِهِمْ حَتَّى يُخَمِّسَ، وَيُقْسِمَ مَا بَقِيَ بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.\n٢٤٤٧ - وَإِنْ كَانُوا قَدْ نَابَذُوا أَهْلَ الْحَرْبِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَمَا أَصَابُوهُمْ وَالْمُسْتَأْمَنُونَ بَعْدَ النَّبْذِ فَهُوَ فَيْءٌ بَيْنَهُمْ جَمِيعًا.\nلِأَنَّ أَمَانَ الْمُسْتَأْمَنِينَ حِينَ انْتَهَى بِالْوُصُولِ إلَيْهِمْ، فَإِنَّهُمْ الْتَحَقُوا بِمَنَعَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، هُمْ مُقَاتِلُونَ لِأَهْلِ الْحَرْبِ، مُنَابِذُونَ، فَكَانُوا بِمَنْزِلَةِ الرِّدْءِ لَهُمْ فِيمَا أَصَابُوا بَعْدَ الِالْتِحَاقِ بِهِمْ.","vol":"1","page":1288},{"text":"٢٤٤٨ - وَمَا أَصَابَ الْمُسْتَأْمَنُونَ قَبْلَ الِالْتِحَاقِ بِهِمْ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَأْخُذُهُ فَيَرُدُّهُ عَلَى أَهْلِهِ.\nلِأَنَّهُمْ أَحْرَزُوهُ بِمَنَعَةِ قَوْمٍ مِنْ غُزَاةِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَثْبُتُ لِلْإِمَامِ فِيهِ وِلَايَةُ الْإِجْبَارِ عَلَى الرَّدِّ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَهُنَاكَ الْأُسَرَاءُ مَا كَانُوا غُزَاةً عَلَى الْإِطْلَاقِ، حِينَ لَمْ يُنَابِذُوا أَهْلَ الْحَرْبِ، فَلَا يَثْبُتُ لِلْإِمَامِ وِلَايَةُ الْإِجْبَارِ فِيمَا أَصَابَهُ الْمُسْتَأْمَنُونَ، وَإِنْ أَحْرَزُوهُ بِمَنَعَتِهِمْ؛ وَلَكِنَّهُ يُفْتِيهِمْ بِالرَّدِّ.\n٢٤٤٩ - وَإِنْ صَارَ الْمُسْتَأْمَنُونَ أَهْلَ مَنَعَةٍ، قَبْلَ أَنْ يَلْتَحِقُوا بِالْأُسَرَاءِ الَّذِينَ نَابَذُوا أَهْلَ الْحَرْبِ، فَإِنَّ الْإِمَامَ لَا يُجْبِرُهُمْ عَلَى رَدِّ مَا أَخَذُوا.\nلِأَنَّهُمْ أَحْرَزُوهُ بِمَنَعَةِ أَنْفُسِهِمْ، لَا بِمَنَعَةِ الْغُزَاةِ، وَفِي مِثْلِهِ لَا يَثْبُتُ وِلَايَةُ الْإِجْبَارِ لِلْإِمَامِ فِي الرَّدِّ، إلَّا أَنْ يَلْقَوْا قِتَالًا، فَحِينَئِذٍ يَثْبُتُ لِلْإِمَامِ فِيهِ وِلَايَةُ الْإِجْبَارِ، بِقِتَالِ الْغُزَاةِ لِلدَّفْعِ عَنْ ذَلِكَ الْمَالِ، فَيَأْخُذُهُ وَيَرُدُّهُ عَلَى أَهْلِهِ.\n٢٤٥٠ - وَإِذَا أَخَذَ الْمُسْتَأْمَنُ فِي دَارِ الْحَرْبِ مَالَ حَرْبِيٍّ عَلَى سَبِيلِ الْغَدْرِ فَأَخْرَجَهُ، ثُمَّ أُسِرَ الْحَرْبِيُّ الَّذِي هُوَ صَاحِبُ الْمَالِ، فَالْمَالُ لِلْمُسْلِمِ الَّذِي كَانَ أَخَذَهُ، وَقَدْ طَابَ لَهُ الْآنَ.\nلِأَنَّ الْمَالَ كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ حِينَ أَخْرَجَهُ، وَلَكِنَّهُ كَانَ لَا يَطِيبُ لَهُ لِبَقَاءِ حَقِّ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ، حِينَ أُسِرَ وَصَارَ عَبْدًا بَطَلَ حَقُّهُ، فَزَالَ الْمَانِعُ مِنْ الطِّيبَةِ لِلْآخِذِ بِهِ.\nفَإِنْ قِيلَ: الْآسِرُ يَخْلُفُ الْمَأْسُورَ فِيمَا هُوَ حَقُّهُ كَمَا يَخْلُفُهُ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ.","vol":"1","page":1289},{"text":"قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَكِنْ فِيمَا يَكُونُ مَحَلًّا لِلتَّمَلُّكِ بِالْقَهْرِ، وَالْمَالُ الَّذِي هُوَ مَمْلُوكٌ لِلْمُسْلِمِ لَا يَكُونُ مَحَلًّا لِلتَّمَلُّكِ بِالْقَهْرِ فَلِهَذَا لَا يَثْبُتُ حَقُّ الْأَسِيرِ فِيهِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ حَرْبِيًّا مُسْتَأْمَنًا لَوْ أَدَانَ مُسْلِمًا دَيْنًا فِي دَارِنَا ثُمَّ عَادَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَأُسِرَ بَطَلَ الدَّيْنُ عَنْ صَاحِبِهِ، وَلَمْ يَكُنْ فَيْئًا.\nلِأَنَّ الدَّيْنَ فِي الذِّمَّةِ لَا يَكُونُ مَحَلَّ التَّمَلُّكِ بِالْقَهْرِ، بَلْ أَوْلَى، لِأَنَّ هُنَاكَ الدَّيْنُ كَانَ مِلْكَ الْأَسِيرِ فِي ذِمَّةِ مَنْ عَلَيْهِ، وَهَا هُنَا الْمَالُ لَمْ يَكُنْ مِلْكَ الْأَسِيرِ فِي يَدِ الْمُسْلِمِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُؤْسَرْ حَتَّى رَجَعَ إلَى دَارِنَا فَطَلَبَ دَيْنَهُ أُجْبِرَ الْمَدِينُ عَلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ، وَهَا هُنَا لَوْ لَمْ يُؤْسَرْ حَتَّى خَرَجَ وَطَلَبَ ذَلِكَ الْمَالَ لَمْ يُجْبَرْ الْمُسْلِمُ عَلَى دَفْعِ شَيْءٍ إلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ قَائِمًا بِعَيْنِهِ فِي يَدِ آخِذِهِ أَوْ اسْتَهْلَكَهُ.\nفَإِنْ قِيلَ: فَلِمَاذَا لَا يَخْلُفُهُ وَارِثُهُ فِي ذَلِكَ الْحَقِّ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ مَاتَ، إذْ الرِّقُّ تَلَفٌ حُكْمًا؟ قُلْنَا: لِأَنَّ إثْبَاتَ التَّوْرِيثِ يَكُونُ بِالنَّصِّ لَا بِالرَّأْيِ. وَلِأَنَّ الْوَارِثَ إنَّمَا يَخْلُفُ الْمُوَرِّثَ فِيمَا يَفْضُلُ عَنْ حَاجَتِهِ، وَبِالِاسْتِرْقَاقِ تَبَدَّلَتْ نَفْسُهُ، وَلَكِنْ لَمْ تَنْقَطِعْ حَاجَتُهُ، فَلَا يُمْكِنُ جَعْلُ الْوَارِثِ خَلَفًا لَهُ فِي أَمْلَاكِهِ وَحُقُوقِهِ.\n٢٤٥١ - وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يُؤْسَرْ الْحَرْبِيُّ وَلَكِنْ الْإِمَامَ غَلَبَ عَلَى تِلْكَ الْأَرْضِ، وَقَتَلَ صَاحِبَ الْمَالِ.\nلِأَنَّ حَقَّهُ قَدْ سَقَطَ بِمَوْتِهِ، وَلَمْ يَخْلُفْهُ فِي ذَلِكَ وَرَثَتُهُ، حِينَ وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمْ، فَصَارُوا أَرِقَّاءَ، فَإِنَّ رِقَّ الْوَارِثِ يَمْنَعُ هَذِهِ الْخِلَافَةَ كَرِقِّ الْمُوَرِّثِ وَالْمَانِعُ مِنْ الطِّيبِ لِلْآخِذِ قِيَامُ حَقِّ الْغَيْرِ فِيهِ، وَقَدْ تَحَقَّقَ سُقُوطُهُ.","vol":"1","page":1290},{"text":"٢٤٥٢ - وَلَوْ قُتِلَ الْحَرْبِيُّ وَلَمْ يَقَعْ الظُّهُورُ عَلَى دَارِهِ فَإِنَّ الْآخِذَ يُفْتَى بِرَدِّ الْمَالِ إلَى وَرَثَتِهِ.\nلِأَنَّهُمْ خُلَفَاؤُهُ فِي حُقُوقِهِ وَأَمْلَاكِهِ، بَعْدَ مَا قُتِلَ، كَمَا يَخْلُفُونَهُ إذَا مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ، وَقِيَامُ حَقِّهِمْ كَقِيَامِ حَقِّ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ، فِي الْمَنْعِ مِنْ الطِّيبَةِ لِلْآخِذِ.\n٢٤٥٣ - وَلَوْ كَانَ الْآخِذُ أَخْرَجَ الْمَالَ إلَى عَسْكَرٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ إنَّ أَهْلَ الْعَسْكَرِ أَسَرُوا صَاحِبَ الْمَالِ فَهُوَ فَيْءٌ لَهُمْ مَعَ الْمَالِ يُخَمَّسُ. وَالْبَاقِي بَيْنَ أَهْلِ الْعَسْكَرِ، وَالْمُسْتَأْمَنُ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.\nلِأَنَّ حَقَّ أَهْلِ الْعَسْكَرِ كَانَ يَثْبُتُ فِي هَذَا الْمَالِ بِاعْتِبَارِ الْإِحْرَازِ بِمَنَعَتِهِمْ. لَوْلَا قِيَامُ حَقِّ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَكَانَ الْمُسْتَأْمَنِ أَسِيرٌ كَانَ الْمَالُ غَنِيمَةً لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ يَثْبُتُ لِلْإِمَامِ وِلَايَةُ الْإِجْبَارِ عَلَى الرَّدِّ فِيهِ، وَمَا كَانَ ذَلِكَ إلَّا بِاعْتِبَارِ ثُبُوتِ حَقِّ أَهْلِ الْعَسْكَرِ فِيهِ، وَقَدْ زَالَ الْمَانِعُ، وَهُوَ حَقُّ الْحَرْبِيِّ حِينَ أُسِرَ. وَلِأَنَّ هَذَا الْمَالَ لَمَّا كَانَ مُسْتَحَقَّ الرَّدِّ عَلَى الْأَسِيرِ فِي الْحُكْمِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَالٍ آخَرَ فِي يَدِهِ، فَيَكُونُ مَحَلَّ التَّمَلُّكِ بِالْقَهْرِ، وَقَدْ تَحَقَّقَ الظُّهُورُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ فَيْئًا بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَهُنَاكَ الْمَالُ غَيْرُ مُسْتَحَقِّ الرَّدِّ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ بَلْ مِلْكُ الْآخِذِ فِيهِ هُوَ مُقَدَّمٌ فِي الْحُكْمِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ تَمَامَ اسْتِيلَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ بِأَسْرِ الْحَرْبِيِّ.\n٢٤٥٤ - وَكَذَلِكَ إنْ قُتِلَ الْحَرْبِيُّ، وَوَقَعَ الظُّهُورُ عَلَى الدَّارِ،","vol":"1","page":1291},{"text":"فَإِنْ لَمْ يَقَعْ الظُّهُورُ عَلَى الدَّارِ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَأْخُذُ ذَلِكَ الْمَالَ فَيَرُدُّهُ عَلَى وَرَثَةِ الْحَرْبِيِّ.\nلِأَنَّهُمْ خُلَفَاؤُهُ فِي ذَلِكَ؛ وَإِنَّمَا هَذَا نَظِيرُ حَرْبِيٍّ مُسْتَأْمَنٍ فِي دَارِنَا أَوْدَعَ رَجُلًا مَالًا، ثُمَّ رَجَعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَأُخِذَ أَسِيرًا، فَإِنَّ الْوَدِيعَةَ تَكُونُ فَيْئًا لِلَّذِينَ أَسَرُوهُ بِمَنْزِلَةِ نَفْسِهِ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمَالَ كَانَ مُسْتَحَقَّ التَّسْلِيمِ إلَيْهِ فِي الْحُكْمِ، وَيَدُ الْمُودِعُ فِيهِ كَيَدِهِ فَيَثْبُتُ حُكْمُ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ حِينَ أُسِرَ.\n٢٤٥٥ - وَكَذَلِكَ لَوْ قُتِلَ فَظَهَرَ عَلَى الدَّارِ، وَإِنْ لَمْ يَقَعْ الظُّهُورُ عَلَى الدَّارِ، وَالْمَالُ فِي يَدِ الْمُودِعِ عَلَى حَالِهِ، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ وَارِثُهُ فَيَأْخُذَهُ، فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ.\nوَاَلَّذِي يُوَضِّحُ الْفَرْقَ بَيْنَ مَا يُحْرِزُهُ الْمُسْتَأْمَنُ بِدَارِ الْإِسْلَامِ وَبَيْنَ مَا يُحْرِزُهُ بِمَنَعَةِ الْجَيْشِ أَنَّ الْمَأْخُوذَ لَوْ كَانَتْ جَارِيَةً فَأَعْتَقَهَا بَعْدَ مَا أَخْرَجَهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ نَفَذَ عِتْقُهُ فِيهَا، وَلَوْ أَعْتَقَهَا بَعْدَ مَا أَخْرَجَهَا إلَى الْعَسْكَرِ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ فِيهَا.\nفَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ قِيَامُ مِلْكِهِ فِيهَا بَعْدَ الْإِخْرَاجِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَانْعِدَامِ مِلْكِهِ إذَا أَحْرَزَهَا بِالْعَسْكَرِ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ ثُبُوتُ الْقَهْرِ لِقِيَامِ مِلْكِهِ فِي الْمَحَلِّ.\n٢٤٥٦ - وَلَوْ أَنَّ الْأُسَرَاءَ تَجَمَّعُوا فَصَارَتْ لَهُمْ مَنَعَةٌ، فَأَخَذُوا أَمْوَالًا فَأَخْرَجُوهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، خُمِسَ مَا أَصَابُوا.\nلِأَنَّ الْأَخْذَ كَانَ مُبَاحًا لَهُمْ، وَكَانُوا قَاهِرِينَ عِنْدَ الْإِحْرَازِ، بِاعْتِبَارِ الْمَنَعَةِ.\n٢٤٥٧ - بِخِلَافِ مَا إذَا كَانُوا مُسْتَأْمَنِينَ، وَلَمْ يُنَابِذُوا أَهْلَ الْحَرْبِ، فَإِنَّهُ لَا يُخَمَّسُ مَا جَاءُوا بِهِ، وَلَكِنَّهُمْ يُفْتُونَ بِرَدِّهِ.","vol":"1","page":1292},{"text":"لِأَنَّ الْأَخْذَ كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِمْ لِمَعْنَى الْغَدْرِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَالَ الْمَأْخُوذَ لَوْ كَانَ فِي يَدِ الْأُسَرَاءِ، لَمْ يَخْرُجُوا حَتَّى غَلَبَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تِلْكَ الدَّارِ، فَإِنَّهُ يُخَمِّسُ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَيُمَثِّلُهُ فِي الْمُسْتَأْمَنِينَ لَوْ وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَى الدَّارِ، وَالْمَالُ فِي أَيْدِيهِمْ وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يُنَابِذُوا أَهْلَ الْحَرْبِ، فَإِنَّ الْمَالَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا شَيْءَ لِلْمُسْتَأْمَنِينَ فِيهِ.\nلِأَنَّ الْمُسْتَأْمَنِينَ مَا دَامُوا فِي أَمَانِهِمْ فَيَكُونُ الْمَالُ فِي أَيْدِيهِمْ، لِكَوْنِهِ فِي يَدِ صَاحِبِهِ، فَيَصِيرُ فَيْئًا إذَا وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِ، كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ، وَلَا شَيْءَ لِلْمُسْتَأْمَنِينَ فِيهِ، لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِغُزَاةٍ، بِخِلَافِ الْأُسَرَاءِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا مُحَارِبِينَ لِأَهْلِ الْحَرْبِ، فَكَانُوا بِمَنْزِلَةِ الْغُزَاةِ فِي الْمَالِ الَّذِي أَحْرَزُوهُ بِمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَلِهَذَا يُخَمَّسُ، وَيُقْسَمُ الْبَاقِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْأُسَرَاءِ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.\n٢٤٥٨ - وَلَوْ كَانَ الْمُسْتَأْمَنُونَ حِينَ أَخَذُوا تِلْكَ الْأَمْوَالَ نَبَذُوا إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ، فَقَاتَلُوهُمْ وَلَهُمْ مَنَعَةٌ، فَحَالُهُمْ الْآنَ كَحَالِ الْأُسَرَاءِ.\nلِأَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنْ أَمَانِهِمْ، صَارُوا مُحَارِبِينَ لَهُمْ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ، وَصَارُوا ذِمَّةً قَبْلَ أَنْ يَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمْ، لَمْ يُؤْمَرْ الْمُسْتَأْمَنُونَ بِرَدِّ الْمَالِ هَا هُنَا، وَفِي الْأَوَّلِ يُؤْمَرُونَ بِرَدِّ الْمَالِ.\n٢٤٥٩ - وَلَوْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ عَسْكَرٌ آخَرُ فَالْتَحَقَ الْمُسْتَأْمَنُونَ بِهِمْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ.","vol":"1","page":1293},{"text":"لِأَنَّ الْمُسْتَأْمَنِينَ إنَّمَا أَحْرَزُوهُ بِمَنَعَتِهِمْ، لَا بِمَنَعَةِ الْجَيْشِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُنَابِذُوا أَهْلَ الْحَرْبِ فَإِنَّ هُنَاكَ إنَّمَا أَحْرَزُوهُ بِمَنَعَةِ الْجَيْشِ، فَيَأْخُذُ الْإِمَامُ الْمَالَ، وَيَرُدُّهُ عَلَى أَهْلِهِ.\n٢٤٦٠ - فَإِنْ كَانَ الْجَيْشُ الَّذِينَ دَخَلُوا ظَهَرُوا عَلَى الدَّارِ، وَقَتَلُوا صَاحِبَ الْمَالِ، أَوْ أَسَرُوهُ فَقَدْ صَارَ ذَلِكَ الْمَالُ فَيْئًا بَيْنَ أَهْلِ الْعَسْكَرِ وَبَيْنَ الْمُسْتَأْمَنِينَ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى الدَّارِ وَلَكِنْ قَتَلُوا صَاحِبَ الْمَالِ لَمْ يَعْرِضُوا لِمَا أَخَذَ الْمُسْتَأْمَنُونَ، وَأُمِرُوا بِالرَّدِّ إلَى وَرَثَةِ صَاحِبِ الْمَالِ. وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْفَرْقَ.\n٢٤٦١ - وَإِذَا كَانَ الْمُسْلِمُ مُسْتَأْمَنًا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَنَزَلَ قَرْيَةً مِنْ قُرَاهُمْ، ثُمَّ مَرَّ بِهِمْ عَسْكَرٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَلَهُمْ مَنَعَةٌ، فَقَتَلُوا رِجَالَ أَهْلِ الْقَرْيَةِ، وَسَبَوْا مَنْ فِيهَا، وَلَمْ يَعْرِضُوا لِلْمُسْتَأْمَنِ بِشَيْءٍ فَهُوَ عَلَى أَمَانِهِ، فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ، لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَعْرِضَ لَهُمْ بِشَيْءٍ.\nلِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مَا يُوجِبُ انْتِهَاءَ الْأَمَانِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِ الْقَرْيَةِ، فَإِنَّ الْقَرْيَةَ لَمْ تَصِرْ دَارَ الْإِسْلَامِ إذْ الْقُرَى تَتْبَعُ الْبَلْدَةَ. وَلِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ حِينَ مَضَوْا وَتَرَكُوهَا فَقَدْ عَرَفْنَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ قَصْدِهِمْ أَنْ يُصَيِّرُوهَا دَارَ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَكُنْ","vol":"1","page":1294},{"text":"الْمُسْلِمُ الْمُسْتَأْمَنُ هُوَ الْمُحْرِزُ لِنَفْسِهِ بِمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، إنَّمَا هُمْ الَّذِينَ نَزَلُوا ذَلِكَ الْمَوْضِعَ، ثُمَّ ارْتَحَلُوا مِنْهُ وَرُبَّمَا كَانَ هُوَ نَائِمًا لَمْ يَشْعُرْ بِمَجِيئِهِمْ، وَلَا بِذَهَابِهِمْ، فَيَكُونُ هُوَ عَلَى أَمَانِهِ عَلَى حَالِهِ.\n٢٤٦٢ - وَإِنْ كَانَ الْعَسْكَرُ نَزَلُوا بِالْقُرْبِ مِنْ الْقَرْيَةِ فَذَهَبَ هُوَ إلَى الْعَسْكَرِ فَقَدْ انْتَهَى الْأَمَانُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ.\nلِأَنَّهُ الْآنَ أَحْرَزَ نَفْسَهُ بِمَنَعَةِ الْجَيْشِ، فَيَخْرُجُ بِهِ مِنْ أَمَانِ أَهْلِ الْحَرْبِ حَتَّى إذَا عَادَ إلَيْهِمْ فَلَهُ أَنْ يَقْتُلَهُمْ وَيَأْخُذَ أَمْوَالَهُمْ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ سَارَ مَعَهُمْ أَيَّامًا أَوْ قَاتَلَ مَعَهُمْ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَالْمُشْرِكُونَ لَا يَعْلَمُونَ بِذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ خَارِجًا مِنْ أَمَانِهِمْ، فَكَذَلِكَ إذَا صَارَ فِي عَسْكَرِهِمْ بِخُرُوجِهِ إلَيْهِمْ.\n٢٤٦٣ - وَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ قَتَلُوا رِجَالَ أَهْلِ الْقَرْيَةِ حَمَلُوهُ كُرْهًا فَأَدْخَلُوهُ فِي عَسْكَرِهِمْ، فَلَمَّا عَلِمُوا أَنَّهُ مُسْلِمٌ خَلَّوْا سَبِيلَهُ، فَرَجَعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، فَفِي الْقِيَاسِ لَا أَمَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ لِأَنَّهُ صَارَ مُحْرَزًا بِمَنَعَةِ الْجَيْشِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ، فَيَخْرُجُ بِهِ مِنْ عَهْدِ الْمُشْرِكِينَ، كَمَا لَوْ حَمَلُوهُ كُرْهًا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ:\n٢٤٦٤ - الْمَوْضِعُ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ الْعَسْكَرُ مِنْ جُمْلَةِ دَارِ الْحَرْبِ، وَالْمُسْتَأْمَنُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَا دَامَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَهُوَ فِي أَمَانٍ مِنْهُمْ،","vol":"1","page":1295},{"text":"إلَّا أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ فِعْلٌ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى نَبْذِ الْأَمَانِ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ حِينَ كَانَ مُكْرَهًا عَلَى الْخُرُوجِ إلَى الْعَسْكَرِ.\nلِأَنَّ الْإِكْرَاهَ إنْ كَانَ بِوَعِيدِ التَّلَفِ، لَا يَبْقَى لَهُ فِعْلٌ أَصْلًا، وَإِنْ كَانَ بِتَهْدِيدٍ دُونَ ذَلِكَ لَا يَبْقَى رِضَاهُ بِهِ، حَتَّى يُجْعَلَ دَلِيلًا عَلَى نَبْذِ الْأَمَانِ مِنْهُ.\n٤٢٤٦٥ - فَأَمَّا إذَا أُخْرِجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَالْمُسْلِمُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يَكُونُ فِي أَمَانِ أَهْلِ الْحَرْبِ قَطُّ.\nأَرَأَيْت لَوْ أَقَامَ فِي أَهْلِهِ سَنَةً، لَا يَدَعُونَهُ يَرْجِعُ إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ، أَكَانَ يَبْقَى فِي أَمَانٍ مِنْهُمْ؟ هَذَا لَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ. فَكَذَلِكَ إذَا أَخْرَجُوهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ خَلَّوْا سَبِيلَهُ، فَرَجَعَ إلَيْهِمْ، كَانَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ، مَا لَمْ يُجَدِّدْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ أَمَانًا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":1296},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>[بَابُ مَا يَظْهَرُ عَلَيْهِ أَهْلُ الشِّرْكِ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ يُصِيبُهُ الْمُسْلِمُونَ]</span>\n١٣٠ - بَابُ مَا يَظْهَرُ عَلَيْهِ أَهْلُ الشِّرْكِ فَيُحْرِزُونَهُ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ يُصِيبُهُ الْمُسْلِمُونَ\n٢٤٦٦ - قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ أَمْوَالَنَا بِطَرِيقِ الْقَهْرِ بَعْدَ مَا يَتِمُّ الْإِحْرَازُ بِدَارِهِمْ، فَإِذَا ظَهَرَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فَهُوَ غَنِيمَةٌ لَهُمْ، بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ أَمْوَالِهِمْ، إلَّا أَنَّ الْمُسْتَوْلِيَ عَلَيْهِ إذَا وَجَدَهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِالْقِيمَةِ إنْ شَاءَ.\nلِأَنَّهُ صَارَ مَظْلُومًا، فَكَانَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْقِيَامُ بِنُصْرَتِهِ، وَدَفْعُ الظُّلْمِ عَنْهُ، فَإِنَّهُمْ لَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ السُّكْنَى فِي دَارِ الْإِسْلَامِ إلَّا بِأَنْ يَدْفَعَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، فَكَانَ دَفْعُ هَذَا الظُّلْمِ عَلَى الْغُزَاةِ الَّذِينَ يَذُبُّونَ عَنْ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَيَأْخُذُونَ الْكِفَايَةَ عَلَى ذَلِكَ فَإِذَا وَقَعَ الْمَالُ فِي أَيْدِيهِمْ فَنَقُولُ: قَبْلَ الْقِسْمَةِ الْحَقُّ لِعَامَّتِهِمْ، وَدَفْعُ الظُّلْمِ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ أَيْضًا، وَذَلِكَ فِي رَدِّ الْمَالِ عَلَيْهِ، فَيَجِبُ رَدُّهُ مَجَّانًا، وَأَمَّا بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَقَدْ تَعَيَّنَ الْمِلْكُ فِيهِ، لِمَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ، وَمَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُ الظُّلْمِ عَنْهُ بِتَسْلِيمِ مِلْكِ نَفْسِهِ إلَيْهِ، إلَّا أَنَّ حَقَّ الَّذِي وَقَعَ فِي سَهْمِهِ كَانَ فِي الْمَالِيَّةِ، حَتَّى كَانَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَبِيعَ الْغَنَائِمَ، وَيَقْسِمَ الثَّمَنَ بَيْنَهُمْ، وَحَقُّ","vol":"1","page":1297},{"text":"الْمَأْسُورِ مِنْهُ كَانَ فِي الْعَيْنِ، فَيَجِبُ مُرَاعَاةُ الْحَقَّيْنِ، وَذَلِكَ بِإِيصَالِ عَيْنِ الْمِلْكِ إلَيْهِ، إذَا وَصَلَ إلَى مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ مَا هُوَ حَقُّهُ، وَهُوَ الْمَالِيَّةُ إنْ شَاءَ. وَلِأَنَّ قَبْلَ الْقِسْمَةِ الثَّابِتُ لِلْغَانِمَيْنِ حَقٌّ لَا مِلْكٌ، وَالثَّابِتُ لِلْمُسْتَوْلِي عَلَيْهِ حَقٌّ أَيْضًا، فَيَتَرَجَّحُ حَقُّهُ بِالسَّبْقِ، فَيَأْخُذُهُ مَجَّانًا، وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ الثَّابِتُ لِمَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ مِلْكٌ، وَلِلْمُسْتَوْلِي عَلَيْهِ حَقٌّ، وَالْحَقُّ، وَإِنْ كَانَ سَابِقًا، فَإِنَّهُ لَا يُعَارِضُ الْمِلْكَ الْمُسْتَقِرَّ شَرْعًا، فَيَجِبُ مُرَاعَاتُهَا وَذَلِكَ فِي أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْقِيمَةِ إنْ شَاءَ.\n٢٤٦٧ - وَكَذَلِكَ لَوْ دَخَلَ مُسْلِمٌ إلَيْهِمْ فَاشْتَرَاهُ بِثَمَنٍ، وَأَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَلِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالثَّمَنِ إنْ شَاءَ وَلَوْ وَهَبُوهُ مِنْهُ وَلِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ بِقِيمَتِهِ إنْ شَاءَ لِلْمَعْنَيَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا.\nوَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَحَادِيثَ رَوَاهَا فِي الْكِتَابِ، مِنْهَا حَدِيثُ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ قَالَ: «أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ نَاقَةً لِمُسْلِمٍ، فَابْتَاعَهَا مِنْهُمْ مُسْلِمٌ، فَارْتَفَعُوا إلَى النَّبِيِّ - ﵌ - فَقَالَ - ﵇ -: أَعْطِهِ ثَمَنَهَا الَّذِي ابْتَاعَهَا بِهِ وَإِلَّا فَخَلِّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ» .\nثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ٢٤٦٨ - إنَّ الْمَأْسُورَ مِنْهُ إذَا وَجَدَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهِ.\nوَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهِ فِي الْآخِذِ مَجَّانًا، وَلَكِنْ إذَا أَعْطَاهُ قِيمَتَهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ. وَذُكِرَ عَنْ الْحَسَنِ وَالزُّهْرِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا:","vol":"1","page":1298},{"text":"أَنَّهُ لَا يُرَدُّ عَلَى صَاحِبِهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَلَا بَعْدَهَا، وَلَا يُؤْخَذُ بِهَذَا لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْكِبَارُ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ. وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ - ﵁ - قَالَ: يُرَدُّ عَلَى صَاحِبِهِ قُسِمَ أَوْ لَمْ يُقْسَمْ إذَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ، وَبِهِ نَأْخُذُ.\nفَإِنَّهُ مَا لَمْ يَثْبُتْ حَقُّ الْمُسْتَوْلِي عَلَيْهِ بِالْحُجَّةِ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أَخْذِهِ، وَطَرِيقُ ثُبُوتِ حَقِّهِ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ، وَبَعْدَ مَا يَثْبُتُ حَقُّهُ فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ مَجَّانًا، وَبَعْدَهَا بِالْقِسْمَةِ إنْ أَحَبَّ، فَكَانَ مُرَادُ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ أَحَقُّ بِهِ إذَا رَغِبَ فِي أَدَاءِ الْقِيمَةِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ.\n٢٤٧٠ - وَأَهْلُ الذِّمَّةِ فِي هَذَا الْحُكْمِ كَالْمُسْلِمِينَ.\nلِأَنَّ نُفُوسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ مَعْصُومَةٌ مُتَقَوِّمَةٌ بِالْإِحْرَازِ بِالدَّارِ، وَلِهَذَا لَا يَسْتَرِقُونَ إذَا وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمْ كَالْإِحْرَازِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَالْحُكْمُ فِي أَمْوَالِهِمْ إذَا وَقَعَ الِاسْتِيلَاءُ عَلَيْهَا كَالْحُكْمِ فِي أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ.\n٢٤٧١ - وَذُكِرَ عَنْ مَكْحُولٍ فِي رَجُلٍ مِنْ الْعَدُوِّ قَالَ لِلْجَيْشِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ: أَرَأَيْتُمْ إنْ أَنَا جِئْتُكُمْ بِمُسْلِمٍ أَتُعْطُونَنِي فِدَاءَهُ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، فَصَالَحَهُمْ عَلَى شَيْءٍ مَعْلُومٍ، ثُمَّ جَاءَ بِهِ، فَمَاتَ الْحَرْبِيُّ فِي الْعَسْكَرِ فَقَالَ: يُدْفَعُ فِدَاءُ ذَلِكَ الْمُسْلِمِ إلَى أَوْلِيَاءِ الْكَافِرِ، وَهَذَا لِأَنَّهُمْ خُلَفَاؤُهُ، فَكَمَا أَنَّ فِي حَالِ حَيَاتِهِ كَانَ عَلَيْنَا أَنْ نَفِيَ لَهُ بِمَا شَرَطْنَا، فَنُعْطِيهِ الْفِدَاءَ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ يَدْفَعُ مَنْ الْتَزَمَ ذَلِكَ بِالشَّرْطِ إلَى وَرَثَتِهِ. وَذُكِرَ عَنْ إبْرَاهِيمَ فِي","vol":"1","page":1299},{"text":"الْمُسْلِمِ يَشْتَرِي مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ الْحُرَّ الْمُسْلِمَ قَالَ: ثَمَنُهُ يَكُونُ دَيْنًا عَلَى الْحُرِّ لَهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ إذَا اشْتَرَاهُ بِأَمْرِهِ.\nلِأَنَّ الْحُرَّ لَا يُسْتَرَقُّ، فَلَمْ يَكُنْ هَذَا الْعَقْدُ شِرَاءً فِي الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا كَانَ قَدْ فَدَى بِهِ الْمُسْلِمَ.\n٢٤٧٢ - فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ فِيمَا أَدَّى، وَإِنْ كَانَ بِأَمْرِهِ فَهُوَ دَيْنٌ لَهُ عَلَيْهِ.\nلِأَنَّهُ كَالْمُسْتَقْرِضِ مِنْهُ حِينَ أَمَرَهُ بِأَنْ يُؤَدِّيَ فِدَاءَهُ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَمَرَهُ بِأَنْ يَقْضِيَ عَنْهُ دَيْنًا كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَيْهِ. وَلَوْ قَضَى الدَّيْنَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَيْهِ، وَالْمَدِينُ كَالْمَأْسُورِ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا الْحُكْمُ فِيمَا هُوَ مُشْبِهٌ بِالْأَسْرِ فَفِي حَقِيقَتِهِ أَوْلَى.\n٢٤٧٣ - فَأَمَّا الْعَبْدُ أَوْ الْأَمَةُ إذَا أَبَقَ إلَيْهِمْ فَأَخَذُوهُ، ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَى صَاحِبِهِ، قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ.\nوَبَعْدَ الْقِسْمَةِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، بِخِلَافِ الْفَرَسِ إذَا عَادَ إلَيْهِمْ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمَا يُقَالُ الْجَوَابُ فِيهِمَا سَوَاءٌ، يَأْخُذُهُ صَاحِبُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ بِالْقِيمَةِ.\nوَأَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يُفَرِّقُ فَيَقُولُ: الْآبِقُ لَا يَكُونُ مُحْرِزًا أَبَدًا لِثُبُوتِ يَدٍ مُحْتَرَمَةٍ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ، بِخِلَافِ الدَّابَّةِ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ مَعْرُوفَةٌ، وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.","vol":"1","page":1300},{"text":"أَنَّهُ كَتَبَ إلَى أَبِي عُبَيْدَةَ فِي جَوَابِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنْ كَانَتْ الْأَمَةُ خُمِّسَتْ وَقُسِّمَتْ فَسَبِيلُهَا وَإِنْ كَانَتْ لَمْ تُخَمَّسْ وَلَمْ تُقَسَّمْ فَارْدُدْهَا عَلَى أَهْلِهَا.\nوَأَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَقُولُ: تَأْوِيلُهُ أَنَّهَا أَبَقَتْ، فَلَمْ تَدْخُلْ دَارَ الْحَرْبِ حَتَّى خَرَجُوا إلَيْهَا فَأَحْرَزُوهَا وَذَكَرَ: أَنَّ غُلَامًا لِابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَبَقَ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ إلَى الْعَدُوِّ وَعَادَ فَرَسٌ لَهُ فَظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ خَالِدٌ قَبْلَ أَنْ يُقَسَّمَ.\nوَهُمَا يَقُولَانِ: بِهَذَا التَّقْيِيدِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ بَعْدَ الْقِسْمَةِ لَا يُرَدُّ عَلَيْهِ مَجَّانًا.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ سَوَّى بَيْنَ الْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ؟ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَقُولُ: فِي الْعَبْدِ قَدْ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أَنَّهُمْ لَا يَكُونُونَ مُحْرِزِينَ لَهُ، فَعَرَفْنَا بِهِ أَنَّهُ كَانَ يَرُدُّهُ عَلَيْهِ لَوْ جَاءَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَيْضًا مَجَّانًا. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":1301},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>[بَابُ مَا يُحْرِزُهُ الْعَدُوُّ فِي دَارِ الْحَرْبِ مِمَّا يَأْخُذُهُ بِقِيمَتِهِ أَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهِ]</span>\n١٣١ - بَابُ مَا يُحْرِزُهُ الْعَدُوُّ مِمَّا يَأْخُذُهُ بِقِيمَتِهِ أَوْ، بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهِ ٢٤٧٥ - وَإِذَا ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى إبْرِيقِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ لِمُسْلِمٍ قِيمَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ وَزْنِهِ لِصِيَاغَتِهِ، ثُمَّ وَقَعَ فِي الْغَنِيمَةِ، فَإِنْ وَجَدَهُ صَاحِبُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِقِيمَتِهِ إنْ شَاءَ، فَإِنْ كَانَ ذَهَبًا أَخَذَهُ بِقِيمَتِهِ دَرَاهِمَ، وَإِنْ كَانَ فِضَّةً أَخَذَهَا بِقِيمَتِهَا دَنَانِيرَ لِلْأَصْلِ الْمَعْرُوفِ أَنَّهُ لَا قِيمَةَ لِلْجَوْدَةِ وَالصَّنْعَةِ فِي الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِجِنْسِهَا، عَلَى مَا قَالَ - ﵊ -: «جَيِّدُهَا وَرَدِيُّهَا سَوَاءٌ» .\nوَحَقُّ مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ مَرْعِيٌّ فِي الصَّنْعَةِ كَمَا هُوَ فِي الْأَصْلِ، فَلِوَا اشْتَغَلْنَا بِالتَّقْوِيمِ بِجِنْسِ الْإِبْرِيقِ لَا يُمْكِنُ تَقْوِيمُ الصَّنْعَةِ أَصْلًا، فَيَفُوتُ حَقُّهُ فِيهِ مَجَّانًا وَذَلِكَ لَا وَجْهَ لَهُ. فَقُلْنَا تَقُومُ بِخِلَافِ الْجِنْسِ، لِتَظْهَرَ قِيمَةُ الصَّنْعَةِ، فَيَتَوَفَّرُ عَلَيْهِ تَمَامُ الْمَالِيَّةِ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَسَرَ قُلْبًا لِإِنْسَانٍ أَوْ اسْتَهْلَكَهُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ، لِهَذَا الْمَعْنَى، فَإِنْ قَضَى الْقَاضِي لَهُ بِالْقِيمَةِ، أَوْ اصْطَلَحَا","vol":"1","page":1302},{"text":"عَلَيْهِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ، وَلَمْ يَتَقَابَضَا حَتَّى افْتَرَقَا فَذَلِكَ جَائِزٌ لَا يَنْقُضُهُ افْتِرَاقُهُمَا.\nلِأَنَّ مَا يُعْطِيهِ مِنْ الْقِيمَةِ لَيْسَ بِبَدَلٍ عَنْ عَيْنِ الْإِبْرِيقِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْتَوْلِيَ عَلَيْهِ يُعِيدُ الْإِبْرِيقَ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ، حَتَّى لَوْ كَانَ مُشْتَرِيًا فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا رَدَّهُ بِالْعَيْبِ عَلَى بَائِعِهِ، وَلَوْ أَرَادَ بَيْعَهُ مُرَابَحَةً بَاعَهُ عَلَى الثَّمَنِ الْأَوَّلِ، دُونَ مَا أَخَذَهُ بِهِ. وَلَوْ كَانَ مَوْهُوبًا فِي يَدِهِ كَانَ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ. وَلَوْ كَانَ عَبْدًا فِي عُنُقِهِ جِنَايَةٌ خُوطِبَ بِالدَّفْعِ أَوْ الْفِدَاءِ.\nفَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَمْ يَتَمَلَّكْهُ عَلَى مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ ابْتِدَاءً وَلَكِنَّهُ يُعِيدُهُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ بِمَا يُفْدِيهِ بِهِ، فَلَا يَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْمُصَارَفَةِ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَشْتَرِطَ الْقَبْضَ فِي الْمَجْلِسِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَنْ اسْتَهْلَكَ إبْرِيقًا عَلَى رَجُلٍ فَقَضَى عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ، ثُمَّ افْتَرَقَا قَبْلَ الْقَبْضِ أَنَّهُ لَا يُبْطِلُ الْقَضَاءَ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ هُنَاكَ الْغَاصِبُ الْمُسْتَهْلِكُ يَتَمَلَّكُ لَكِنَّ ذَلِكَ مِلْكٌ ثَبَتَ شَرْطًا لِلْقَضَاءِ بِالْقِيمَةِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْمُقَابَلَةِ بِهَا فَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ هُنَاكَ مَعْنَى الْمُصَارَفَةِ بَيْنَهُمَا فَلَأَنْ لَا يَتَحَقَّقَ هَا هُنَا وَهُوَ لَا يَتَمَلَّكُهُ عَلَى مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ أَصْلًا وَإِنَّمَا يُعِيدُهُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ، كَانَ أَوْلَى.\n٢٤٧٦ - وَكَذَلِكَ لَوْ وَهَبُوا الْإِبْرِيقَ لِمُسْلِمٍ فَأَخْرَجَهُ أَوْ اشْتَرَاهُ مِنْهُمْ بِخَمْرٍ فَأَخْرَجَهُ.\nلِأَنَّ هَذَا الشِّرَاءَ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا مُعْتَبَرًا، وَإِنَّمَا كَانَ أَخَذَ الْإِبْرِيقَ مِنْهُمْ بِطِيبِ أَنْفُسِهِمْ، فَإِذَا أَخْرَجَهُ كَانَ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِقِيمَتِهِ إنْ شَاءَ، كَمَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ.","vol":"1","page":1303},{"text":"٢٤٧٧ - وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي مِنْهُمْ الْإِبْرِيقَ بِالْخَمْرِ نَصْرَانِيًّا أَوْ مُسْلِمًا اشْتَرَاهُ بِثَوْبٍ، وَأَخْرَجَهُ، فَلِصَاحِبِهِ الْمُسْلِمِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِقِيمَةِ الْخَمْرِ مِنْ النَّصْرَانِيِّ، وَبِقِيمَةِ الثَّوْبِ مِنْ الْمُسْلِمِ.\nلِأَنَّ هَذَا الشِّرَاءَ كَانَ صَحِيحًا، فَإِنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَخْذِهِ بِمِثْلِ مَا أَعْطَاهُ الْمُشْتَرِي، وَالثَّوْبُ لَيْسَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ فَيَكُونُ مِثْلَ الْقِيمَةِ، وَالْمُسْلِمُ مَمْنُوعٌ مِنْ تَمْلِيكِ الْخَمْرِ فَلِعَجْزِهِ عَنْ تَسْلِيمِ الْمِثْلِ يَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُقَوَّمَ الثَّوْبُ وَالْخَمْرُ بِمَا هُوَ مِنْ جِنْسِ الْإِبْرِيقِ، فَيَأْخُذُهُ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِثْلَ وَزْنِ الْإِبْرِيقِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَيْسَ يَتَمَلَّكُهُ بِمَا يُؤَدَّى ابْتِدَاءً، وَلَكِنْ يُعِيدُهُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ بِمَا يُعْطَى مِنْ الْفِدَاءِ، بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ الْجَانِي يَفْدِيهِ مِنْ الْأَرْشِ فَيَبْقَى عَلَى مِلْكِهِ، كَمَا كَانَ، لَا أَنْ يَتَمَلَّكَهُ بِمَا يُؤَدِّي مِنْ الْفِدَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ سَلَامَتُهُ تَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، وَإِذَا لَمْ تُوجَدْ الْمُبَادَلَةُ أَصْلًا لَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ مَعْنَى الرِّبَا، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْإِبْرِيقُ اشْتَرَاهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ أَوْ نَصْرَانِيٌّ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهِ مِنْ جِنْسِهِ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ فَلِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِمِثْلِ مَا أَدَّى، وَإِنْ كَانَ أَضْعَافَ وَزْنِهِ.\nلِأَنَّهُ فِدَاءٌ وَلَيْسَ بِشِرَاءٍ، ثُمَّ قَدْ عُلِمَ أَنَّ الرِّبَا لَا يَجْرِي بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَمَا لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا غَرِمَ فِيهِ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ، فَإِنْ قِيلَ: لِمَاذَا لَمْ يَقُولُوا بِهَذَا فِيمَا إذَا اشْتَرَاهُ مُسْلِمٌ بِخَمْرٍ فَأَخْرَجَهُ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ الْخَمْرَ لَا يَتَقَوَّمُ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ، فَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ بِقِيمَةِ مَا أَدَّى مِنْ الْخَمْرِ، فَلِهَذَا أَخَذَهُ بِقِيمَةِ الْإِبْرِيقِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي نَصْرَانِيًّا فَإِنَّ الْخَمْرَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فِي حَقِّهِ، فَأَمَّا مَا أَعْطَى مِنْ الدَّرَاهِمِ هَا هُنَا مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. قَالَ:","vol":"1","page":1304},{"text":"وَهَذَا بِخِلَافِ الشُّفْعَةِ.\nوَإِنَّمَا عَنَى بِهِ إذَا اشْتَرَى دَارًا بِعَبْدٍ، وَفِي الدَّارِ صَفَائِحُ مِنْ فِضَّةٍ، أَوْ سَلَاسِلُ مِنْ ذَهَبٍ، فَأَرَادَ الشَّفِيعُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِالْقِيمَةِ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ هُنَاكَ بَيْنَ الشَّفِيعِ وَالْمُشْتَرِي حُكْمُ الرِّبَا، وَحُكْمُ الصَّرْفِ فِي حِصَّةِ الصَّفَائِحِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي الزِّيَادَاتِ.\nوَهَذَا لِأَنَّ الشَّفِيعَ يَتَمَلَّكُ الدَّارَ ابْتِدَاءً، بِمَا يُؤَدِّي مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ شِرَاءً مُبْتَدَأً، وَهَذَا إنَّمَا هُوَ فِدَاءٌ يَفْدِي بِهِ صَاحِبُ الْإِبْرِيقِ مِلْكَهُ الْأَوَّلَ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْتَوْلِيَ عَلَيْهِ يَأْخُذُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُضَ شَيْئًا مِنْ الْعُقُودِ، حَتَّى لَوْ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْقُضَ ذَلِكَ الْعَقْدَ، بِخِلَافِ الشَّفِيعِ فَإِنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ نَقْضِ تَصَرُّفَاتِ الْمُشْتَرِي.\n٢٤٧٨ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمَأْسُورُ عَبْدًا فَفَقَأَ الَّذِي أَخْرَجَهُ عَيْنَيْهِ كَانَ لِمَالِكِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ إنْ شَاءَ. وَلَوْ هَدَمَ الْمُشْتَرِي بِنَاءَ الدَّارِ الَّتِي فِيهَا الشُّفْعَةُ فَإِنَّ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ مَا بَقِيَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْمُرَابَحَةِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا.\nفَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا يُعْطِي الشَّفِيعُ يَكُونُ ثَمَنًا، وَمَا يُعْطِي الْمَالِكُ الْقَدِيمُ يَكُونُ فِدَاءً فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَاذَا قُلْتُمْ فِي مَسْأَلَةِ أَوَّلِ الْبَابِ: إنَّهُ يُصَارُ إلَى التَّقْوِيمِ، بِخِلَافِ الْجِنْسِ إذَا كَانَ هَذَا فِدَاءً، وَلَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ؟ قُلْنَا: لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ مَالِيَّةُ الصَّنْعَةِ عِنْدَ التَّقْوِيمِ بِالْجِنْسِ، إذْ لَا قِيمَةَ لَهُ، فَلِلْحَاجَةِ إلَى إظْهَارِ مَالِيَّةِ الصَّنْعَةِ صِرْنَا إلَى التَّقْوِيمِ، بِخِلَافِ الْجِنْسِ لَا لِأَنَّ ذَلِكَ مُبَادَلَةٌ، فَأَمَّا فِي تَقْوِيمِ الثَّوْبِ وَالْخَمْرِ إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي نَصْرَانِيًّا لَا حَاجَةَ إلَى ذَلِكَ، فَلِهَذَا جَوَّزْنَا تَقْوِيمَهُ بِجِنْسِ الْإِبْرِيقِ.","vol":"1","page":1305},{"text":"وَلَوْ أَسَرَ الْعَدُوُّ عَبْدًا لِذِمِّيٍّ فَدَخَلَ إلَيْهِمْ ذِمِّيٌّ فَاشْتَرَاهُ بِأَرْطَالٍ مِنْ خَمْرٍ وَأَخْرَجَهُ كَانَ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِمِثْلِهَا.\nلِأَنَّ الْخَمْرَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ وَهُوَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فِي حَقِّهِمْ، كَالْعَصِيرِ وَالْخَلِّ فِي حَقِّنَا.\n٢٤٨٠ - فَإِنْ قَضَى الْقَاضِي لَهُ بِذَلِكَ فَلَمْ يَأْخُذْهُ حَتَّى أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا لَمْ يُنْتَقَضْ الْقَضَاءُ وَكَانَ عَلَى صَاحِبِهِ قِيمَةُ الْخَمْرِ يَأْخُذُهُ بِهِ.\nلِمَا بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا فِدَاءً فَلَا يَبْطُلُ بِالْإِسْلَامِ قَبْلَ الْقَبْضِ.\n٢٤٨١ - بِخِلَافِ شِرَاءِ الْعَبْدِ بِالْخَمْرِ ابْتِدَاءً، وَأَخْذِ الدَّارِ بِالشُّفْعَةِ بِالْخَمْرِ، وَإِذَا لَمْ يَبْطُلْ الْقَضَاءُ فَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْخَمْرِ.\nلِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِتَسْلِيمِهِ بَاقٍ، وَقَدْ عَجَزَ عَنْ تَسْلِيمِ الْعَيْنِ، فَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُسْلِمُ فَالْمُسْلِمُ مَمْنُوعٌ مِنْ تَمْلِيكِ الْخَمْرِ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ هُوَ الْمُسْلِمُ فَهُوَ مَمْنُوعٌ عَنْ تَمَلُّكِ الْخَمْرِ فَلِهَذَا يَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ فِي الْوَجْهَيْنِ.\n٢٤٨٢ - وَلَوْ قَضَى الْقَاضِي لِصَاحِبِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالثَّمَنِ مِنْ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ فَإِنْ أَرَادَ الْمُشْتَرِي أَنْ يَحْبِسَهُ حَتَّى يَأْخُذَ مِنْهُ الثَّمَنَ فَلَهُ ذَلِكَ.\nلِأَنَّ مِلْكَهُ إنَّمَا حَيِيَ بِمَا أَدَّى الْمُشْتَرِي فَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ الْعَبْدَ بِهِ بِمَنْزِلَةِ","vol":"1","page":1306},{"text":"رَادِّ الْآبِقِ يَحْبِسُهُ بِالْجُعْلِ لِهَذَا الْمَعْنَى لَا لِأَنَّ الْمَوْلَى يَتَمَلَّكُ ابْتِدَاءً بِمَا يُعْطِيهِ مِنْ الْجُعْلِ.\n٢٤٨٣ - فَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ فِي يَدِهِ بَطَلَ الْفِدَاءُ عَنْ صَاحِبِهِ.\nلِأَنَّهُ كَانَ يَفْدِي لِتَسْلِيمِ الْعَبْدِ لَهُ وَلَمْ يُسْلِمْ.\n٢٤٨٤ - وَإِنْ ذَهَبَتْ عَيْنُهُ فَلِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ إنْ شَاءَ، سَوَاءٌ كَانَ ذَهَابُ الْعَيْنِ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ حَصَلَ ذَلِكَ قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي.\nوَهَذَا لِأَنَّ الْفِدَاءَ إنَّمَا يَكُونُ لِلْأَصْلِ لَا لِلْأَوْصَافِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الْعَبْدَ الْجَانِيَ إذَا ذَهَبَتْ عَيْنُهُ لَمْ يَسْقُطْ عَنْ مَوْلَاهُ شَيْءٌ مِنْ الْفِدَاءِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ قَبْلَ اخْتِيَارِ الْفِدَاءِ أَوْ بَعْدَهُ.\n٢٤٨٥ - وَإِنْ قَتَلَهُ الْمُشْتَرِي فَقَدْ بَطَلَ الْفِدَاءُ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ مَاتَ وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْقَاتِلِ.\nلِأَنَّ قَتْلَهُ إيَّاهُ بَعْدَ قَضَاءِ الْقَاضِي وَقَبْلَهُ سَوَاءٌ، فَإِنَّهُ مَا بَقِيَ لَهُ حَقُّ الْحَبْسِ بِاعْتِبَارِ يَدِهِ، لَا يَلْزَمُهُ ضَمَانُ قِيمَتِهِ بِالْجِنَايَةِ، كَالْبَائِعِ إذَا قَتَلَ الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ.\nوَهَذَا لِأَنَّ الْعَبْدَ كَانَ مَمْلُوكًا لِلْمُشْتَرِي، وَكَانَ مَا يُعْطِي فِي حَقِّ الْمَوْلَى فِدَاءً وَفِي حَقِّ الْمُشْتَرِي هُوَ يُزِيلُ مِلْكَهُ عَنْ الْعَبْدِ بِعِوَضٍ يَأْخُذُهُ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْبَائِعِ","vol":"1","page":1307},{"text":"يَقْتُلُ الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَهَذَا بِخِلَافِ رَادِّ الْآبِقِ إذَا قَتَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ بِجَعْلٍ، أَوْ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ إذَا قَتَلَ الْعَبْدَ الْجَانِيَ بَعْدَ مَا اخْتَارَ الْمَوْلَى الْفِدَاءَ.\nلِأَنَّ هُنَاكَ الْقَاتِلُ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لِرَقَبَةِ الْعَبْدِ قَطُّ، حَتَّى يَبْقَى ضَمَانُ مِلْكِهِ بِاعْتِبَارِ يَدِهِ، وَهَا هُنَا الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ كَانَ مَالِكًا لَهُ، فَيَبْقَى ضَمَانُ مِلْكِهِ، بِاعْتِبَارِ بَقَاءِ يَدِهِ وَذَلِكَ يَمْنَعُ وُجُوبَ ضَمَانِ الْقِيمَةِ عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ.\n٢٤٨٦ - وَلَوْ كَانَ الْمَأْسُورُ جَارِيَةً فَوَلَدَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي مِنْهُمْ كَانَ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْخُذَهَا وَوَلَدَهَا بِالثَّمَنِ.\nلِأَنَّ الْوَلَدَ جُزْءٌ مِنْهَا وَفِي الْفِدَاءِ يُجْعَلُ تَبَعًا لَهَا.\n٢٤٨٧ - فَإِنْ قَتَلَ الْمُشْتَرِي وَلَدَهَا أَوْ مَاتَ الْوَلَدُ قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي أَوْ بَعْدَهُ كَانَ لِصَاحِبِهَا أَنْ يَأْخُذَ الْأُمَّ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ إنْ شَاءَ.\nلِأَنَّ الْوَلَدَ تَبَعٌ فِي حُكْمِ الْفِدَاءِ، فَبِفَوَاتِهِ لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ، بِمَنْزِلَةِ فَوَاتِ سَائِرِ الْأَطْرَافِ.\n٢٤٨٨ - وَإِذَا مَاتَتْ الْأُمُّ وَبَقِيَ الْوَلَدُ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، يَأْخُذُ الْوَلَدَ، بِجَمِيعِ الثَّمَنِ إنْ شَاءَ، وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يَأْخُذُهُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ إذَا قُسِمَ عَلَى قِيمَتِهَا وَقِيمَةِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي هَذَا الْفِدَاءِ الْأُمُّ دُونَ الْوَلَدِ، فَلَا يُمْكِنُ إبْقَاءُ جَمِيعِ الْفِدَاءِ بَعْدَ فَوَاتِ الْأَصْلِ،","vol":"1","page":1308},{"text":"فَلَا بُدَّ مِنْ تَوَزُّعِ الْفِدَاءِ عَلَى قِيمَتِهَا، لِمَا يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الْأَخْذِ فِي الْوَلَدِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ ذَلِكَ الْحَقُّ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَسْرِي إلَيْهِ مِلْكُ الْأَصْلِ، وَحَقُّ الْأَخْذِ فِي الْأَصْلِ ثَابِتٌ لَهُ، بِاعْتِبَارِهِ مَلَكَهُ، فَكَذَلِكَ فِي الْوَلَدِ. وَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: لَمَّا بَقِيَ لَهُ حَقُّ الْأَخْذِ بِاعْتِبَارِ بَقَاءِ الْوَلَدِ بَقِيَ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّ الْفِدَاءَ لَا يَحْتَمِلُ التَّوَزُّعَ عَلَى الْأَصْلِ وَالتَّبَعِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا أَمْلَيْنَاهُ مِنْ شَرْحِ الْجَامِعِ فَلِهَذَا أَوْجَزْنَا فِي الْبَيَانِ هَا هُنَا.\nوَقَدْ ذَكَرَ بَعْدَ هَذَا بَابًا قَدْ بَيَّنَّا شَرْحَ مَسَائِلِهِ فِي الْجَامِعِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":1309},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>[بَابُ الْعَبْدِ الْمَأْسُورِ يَشْتَرِيهِ رَجُلٌ ثُمَّ يُقِرُّ بِهِ لِغَيْرِ مَوْلَاهُ]</span>\n٢٤٨٩ - وَإِذَا اشْتَرَى الْعَبْدَ الْمَأْسُورَ مِنْ الْعَدُوِّ مُسْلِمٌ فَأَخْرَجَهُ، ثُمَّ لَمْ يَأْخُذْهُ الْمَالِكُ الْقَدِيمُ بِالثَّمَنِ حَتَّى أَقَرَّ الْمُشْتَرِي لِآخَرَ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا لَهُ قَبْلَ أَنْ يُؤْسَرَ، وَصَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ وَكَذَّبَهُ مَوْلَى الْعَبْدِ فَإِنَّ الْمُقَرَّ لَهُ لَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الْعَبْدِ، وَمَوْلَاهُ الْمَعْرُوفُ أَحَقُّ بِهِ بِالثَّمَنِ.\nلِأَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ ثَابِتٌ لَهُ بِاعْتِبَارِ مِلْكِهِ الظَّاهِرِ، قَبْلَ أَنْ يُؤْسَرَ، وَالْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ أَقَرَّ بِذَلِكَ الْحَقِّ بِعَيْنِهِ لِآخَرَ، وَإِقْرَارُهُ فِيمَا يَكُونُ حَقًّا لَهُ صَحِيحٌ، فَأَمَّا فِيمَا هُوَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ لِلْغَيْرِ فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَمْلِكُ إبْطَالَ هَذَا الْحَقِّ مَعَ قِيَامِ مِلْكِهِ فِي الْعَبْدِ فَلَا يَمْلِكُ تَحْوِيلَهُ إلَى غَيْرِهِ.\nتَوْضِيحُهُ وَهُوَ أَنَّ ثُبُوتَ حَقِّ الْأَخْذِ لِلْمَأْسُورِ مِنْهُ بِاعْتِبَارِ مِلْكِهِ وَمِلْكِ الْمُقَرِّ لَهُ يَثْبُتُ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ خَاصَّةً.\nلِأَنَّ الْإِقْرَارَ لَا يَكُونُ حُجَّةً إلَّا فِي حَقِّ الْمُقِرِّ فَأَمَّا مِلْكُ الْمَوْلَى الْمَعْرُوفِ فَهُوَ ثَابِتٌ فِي حَقِّ الْمُقَرِّ لَهُ وَفِي حَقِّ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ، فَلَا يَثْبُتُ لِلْمُقَرِّ لَهُ مُزَاحَمَةُ الْمَوْلَى الْمَعْرُوفِ بِاعْتِبَارِ مِلْكٍ لَمْ يَظْهَرْ فِي حَقِّهِ.","vol":"1","page":1310},{"text":"٢٤٩٠ - فَإِذَا لَمْ يَرْغَبْ الْمَوْلَى الْمَعْرُوفُ فِي أَخْذِهِ فَلِلْمُقَرِّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالثَّمَنِ إنْ شَاءَ.\nلِأَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ فِي حَقِّ الْمُقَرِّ ثَابِتٌ لِلْمُقَرِّ لَهُ بِإِقْرَارِهِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ لَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْمَوْلَى الْمَعْرُوفِ لِكَوْنِهِ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ، فَإِذَا زَالَ ذَلِكَ بِتَسْلِيمِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ.\n٢٤٩١ - وَإِنْ أَخَذَهُ الْمَوْلَى الْمَعْرُوفُ بِالثَّمَنِ فَلَا شَيْءَ لِلْمُقَرِّ لَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ مِنْ قِيمَةٍ وَلَا ثَمَنٍ.\nلِأَنَّهُ أَخَذَ مِنْ يَدِهِ بِحَقٍّ مُسْتَحَقٍّ لَا بِاخْتِيَارِهِ.\n٢٤٩٢ - وَلَوْ أَزَالَهُ مِنْ مِلْكِهِ بِاخْتِيَارِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ مِنْ سَبِيلٍ، فَإِذَا أَخَذَ مِنْهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ أَوْلَى.\nوَهَذَا لِأَنَّهُ بِالشِّرَاءِ مِنْ الْعَدُوِّ قَدْ مَلَكَهُ مِلْكًا صَحِيحًا، وَالثَّمَنُ الَّذِي أَعْطَاهُ كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ أَيْضًا مِلْكًا صَحِيحًا، فَمَا أَخَذَ مِنْ الثَّمَنِ الْآنَ بَدَلُ مَا أَدَّى فَيَكُونُ سَالِمًا لَهُ، وَمَا أَخْرَجَهُ مِنْ يَدِهِ فَقَدْ كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُضَمِّنَهُ شَيْئًا.\n٢٤٩٣ - وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي أَقَرَّ أَنَّهُ عَبْدٌ لِهَذَا الرَّجُلِ دَبَّرَهُ قَبْلَ أَنْ يُؤْسَرَ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَهُوَ مُدَبَّرٌ لِلْمُقَرِّ لَهُ، وَلَا شَيْءَ لِلْمَوْلَى الْمَعْرُوفِ وَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الْعَبْدِ.\nلِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ هَا هُنَا أَقَرَّ بِأَنَّهُ مِلْكٌ لِلْمُقَرِّ لَهُ، وَهُوَ يَمْلِكُ أَنْ يَمْلِكَهُ ابْتِدَاءً بِالْبَيْعِ أَوْ الْهِبَةِ، فَيَمْلِكُ الْإِقْرَارَ لَهُ بِالْمِلْكِ أَيْضًا.\n٢٤٩٤ - ثُمَّ قَدْ تَصَادَقَا عَلَى أَنَّهُ مُدَبَّرٌ، وَلَوْ دَبَّرَهُ الْمُشْتَرِي","vol":"1","page":1311},{"text":"ابْتِدَاءً صَحَّ تَدْبِيرُهُ، فَإِذَا أَقَرَّ أَنَّهُ مُدَبَّرٌ لِغَيْرِهِ، وَصَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ كَانَ مُدَبَّرًا أَيْضًا، وَبَعْدَ مَا صَارَ مُدَبَّرًا لَا يَبْقَى لِلْمَوْلَى الْمَعْرُوفِ حَقُّ أَخْذِهِ بِالثَّمَنِ، كَمَا لَوْ دَبَّرَهُ الْمُشْتَرِي، وَهُوَ بِهَذَا الْإِقْرَارِ مَا أَبْطَلَ عَلَى الْمَوْلَى الْمَعْرُوفِ مِلْكًا هُوَ مُتَقَوِّمٌ لِحَقِّهِ فَلَا يَضْمَنُ لَهُ شَيْئًا.\n٢٤٩٥ - قَالَ: وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الشُّفْعَةَ، يَعْنِي أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لِلدَّارِ إذَا أَقَرَّ بِأَنَّهَا مَوْقُوفَةٌ عَلَى فُلَانٍ فَإِنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِهِ حَقُّ الشَّفِيعِ فِي الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ.\nلِأَنَّ لِلشَّفِيعِ وِلَايَةَ نَقْصِ تَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي بِالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ، فَلَا يَكُونُ إقْرَارُهُ صَحِيحًا فِي حَقِّهِ. بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اتَّخَذَ الدَّارَ مَسْجِدًا، فَأَمَّا الْمَوْلَى الْقَدِيمُ فَلَيْسَ لَهُ حَقُّ إبْطَالِ تَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي بِالْأَخْذِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ أَوْ دَبَّرَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْقُضَ حَقَّهُ، أَوْ يَأْخُذَهُ، فَإِقْرَارُهُ بِأَنَّهُ مُدَبَّرٌ لِغَيْرِهِ يَكُونُ صَحِيحًا فِي حَقِّهِ أَيْضًا، بِمَنْزِلَةِ الْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا إذَا أَقَرَّ بَعْدَ الْقَبْضِ أَنَّ الْعَبْدَ مُدَبَّرٌ لِفُلَانٍ وَصَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ لِلْبَائِعِ حَقُّ الِاسْتِرْدَادِ لِفَسَادِ الْبَيْعِ، إلَّا أَنَّ هُنَاكَ الْبَائِعُ يُضَمِّنُ الْمُشْتَرِيَ الْقِيمَةَ بِاعْتِبَارِ قَبْضِهِ، هَا هُنَا الْمَوْلَى الْقَدِيمُ لَا يُضَمِّنُ الْمُشْتَرِيَ شَيْئًا.\nلِأَنَّهُ مَا قَبَضَهُ مِنْهُ وَلَا تَمَلَّكَهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ بَاشَرَ التَّدْبِيرَ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا.","vol":"1","page":1312},{"text":"٢٤٩٦ - وَلَوْ قَالَ الْمُقِرُّ لَهُ قَدْ كَانَ عَبْدِي وَلَمْ أُدَبِّرْهُ قَطُّ فَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَأْخُذَهُ، وَلَكِنَّهُ يَكُونُ مُدَبَّرًا مَوْقُوفَ الْحَالِ.\nلِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ مِنْ الْعَدُوِّ أَقَرَّ أَنَّهُ مُدَبَّرٌ، وَالْمَوْلَى الْمَعْرُوفُ مُقِرٌّ بِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالشِّرَاءِ وَأَنَّ إقْرَارَهُ فِيهِ نَافِذٌ.\n٢٤٩٧ - وَكَذَلِكَ الْمُقَرُّ لَهُ فَيَصِيرُ مُدَبَّرًا بِاتِّفَاقِهِمْ، ثُمَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: يَنْفِيهِ عَنْ نَفْسِهِ فَيَبْقَى مُدَبَّرًا مَوْقُوفَ الْحَالِ فَإِذَا مَاتَ الْمُقِرُّ لَهُ عَتَقَ.\nلِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَدْ أَقَرَّ بِأَنَّ عِتْقَهُ قَدْ تَعَلَّقَ بِمَوْتِ الْمُقَرِّ لَهُ، وَالْمُقَرُّ لَهُ كَانَ مُقِرًّا بِأَنَّ إقْرَارَ الْمُشْتَرِي فِيهِ نَافِذٌ، فَعِنْدَ مَوْتِ الْمُقِرِّ لَهُ يَحْصُلُ الِاتِّفَاقُ مِنْهُمْ عَلَى حُرِّيَّتِهِ.\n٢٤٩٨ - فَإِنْ لَمْ يَمُتْ الْمُقَرُّ لَهُ حَتَّى رَجَعَ إلَى تَصْدِيقِ الْمُشْتَرِي أَخَذَهُ مُدَبَّرًا لَهُ.\nلِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ، وَهُوَ الْوَلَاءُ الثَّابِتُ بِالتَّدْبِيرِ، فَلَا يَبْطُلُ ذَلِكَ بِتَكْذِيبِهِ.\n٢٤٩٩ - وَلَكِنَّهُ إذَا صَدَّقَهُ بَعْدَ التَّكْذِيبِ فَهُوَ وَمَا لَوْ صَدَّقَهُ ابْتِدَاءً فِي الْحُكْمِ سَوَاءٌ، وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ إلَى تَصْدِيقِهِ حَتَّى جَنَى الْعَبْدُ جِنَايَةً فَجِنَايَتُهُ تَتَوَقَّفُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.","vol":"1","page":1313},{"text":"لِأَنَّ مُوجِبَ جِنَايَةِ الْمُدَبَّرِ عَلَى مَوْلَاهُ وَلَا يَدْرِي مَنْ الْمَوْلَى مِنْهُمَا. وَالْقَضَاءُ عَلَى الْمَجْهُولِ بِالْقِيمَةِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، هَذَا هُوَ الْقِيَاسُ وَلَكِنْ اسْتَحْسَنَ مُحَمَّدٌ فَقَالَ: يَسْعَى فِي الْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ، لِأَنَّ كَسْبَهُ مَمْلُوكٌ لِمَوْلَاهُ، وَأَرْشُ جِنَايَتِهِ عَلَى مَوْلَاهُ، بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْكَسْبَ لَهُ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَمَّا كَانَ أَحَقَّ بِكَسْبِهِ كَانَ مُوجِبُ جِنَايَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِذَا قَضَيْنَا بِالْأَقَلِّ فِي كَسْبِهِ فَقَدْ قَضَيْنَا عَلَى مَوْلَاهُ بِيَقِينٍ.\nوَأَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا ذَكَرْنَا فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ، جَارِيَةٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَقَرَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ لِصَاحِبِهِ، وَفِيهِ قَوْلَانِ لِأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ ثَمَّةَ.\n٢٥٠٠ - فَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ كَانَ الْأَرْشُ مَوْقُوفًا لِتَوَقُّفِ الْمِلْكِ فِي نَفْسِهِ، فَإِنْ احْتَاجَ إلَى نَفَقَةٍ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى كَسْبٍ لِمَرَضٍ، أَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ.\nلِأَنَّهُ مَالُ مَوْلَاهُ بِيَقِينٍ، وَنَفَقَةُ الْمَمْلُوكِ عِنْدَ عَجْزِهِ عَنْ الْكَسْبِ عَلَى مَوْلَاهُ، وَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الْعَمَلِ وَلَا أَرْشَ لَهُ فَنَفَقَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ.\nوَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْعَمَلِ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ حُرٍّ مَرِيضٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْكَسْبِ، وَلَيْسَ لَهُ قَرِيبٌ يَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ.\n٢٥٠١ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى جَارِيَةً شِرَاءً فَاسِدًا وَقَبَضَهَا، ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّهَا مُدَبَّرَةٌ لِفُلَانٍ، فَقَالَ فُلَانٌ: هِيَ جَارِيَتِي، وَلَيْسَتْ بِمُدَبَّرَتِي، فَإِنَّهُ يَأْخُذُهَا أَمَةً لَهُ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِالْمِلْكِ، وَشَهِدَ عَلَيْهِ بِالتَّدْبِيرِ، فَيَصِحُّ إقْرَارُهُ فِيمَا أَقَرَّ بِهِ لَهُ، لِوُجُودِ التَّصْدِيقِ","vol":"1","page":1314},{"text":"وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَذَّبَهُ فِيهِ وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الْعَبْدَ الْمَأْسُورَ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ الْمُقَرُّ لَهُ حِينَ أَنْكَرَ التَّدْبِيرَ، فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ السَّبْيَ جَرَى عَلَيْهِ، وَأَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَدْ مَلَكَهُ، وَأَنَّهُ قَدْ أَقَرَّ فِيهِ بِالتَّدْبِيرِ وَهُوَ يَمْلِكُهُ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ حَقُّ الْأَخْذِ بِالثَّمَنِ لِمَا نَفَذَ فِيهِ مِنْ إقْرَارِ الْمُشْتَرِي، وَهَا هُنَا الْمُقَرُّ لَهُ يَقُولُ: الْعَبْدُ عَبْدِي وَالشِّرَاءُ مِنْ الْمُشْتَرِي كَانَ بَاطِلًا، فَإِقْرَارُهُ بِالتَّدْبِيرِ لَغْوٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَادِفْ مِلْكَهُ، فَلِهَذَا أَخَذَ الْأَمَةَ مِنْهُ بِحُكْمِ إقْرَارِهِ، فَتَكُونُ مَمْلُوكَةً لَهُ غَيْرَ مُدَبَّرَةٍ.\nوَذَكَرَ بَعْدَ هَذَا بَابًا قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ مَسَائِلِهِ فِي الزِّيَادَاتِ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":1315},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>[بَابٌ مِنْ الْفِدَاءِ لِلْعَبْدِ الْمَأْسُورِ مِنْ الْعَدُوِّ يَصْلُحُ وَفِيمَا لَا يَصْلُحُ]</span>\n١٣٣ - بَابٌ مِنْ الْفِدَاءِ فِيمَا يَصْلُحُ وَفِيمَا لَا يَصْلُحُ ٢٥٠٢ - الْمُشْتَرِي لِلْعَبْدِ الْمَأْسُورِ مِنْ الْعَدُوِّ إذَا أَخْرَجَهُ فَحَضَرَ مَوْلَاهُ، فَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ بِشَيْءٍ لَهُ مِثْلٌ مِنْ جِنْسِهِ، فَلِلْمَوْلَى أَنْ يَأْخُذَهُ بِمِثْلِهِ، وَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ بِمَا لَيْسَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، كَالثِّيَابِ وَالْأَمْتِعَةِ، فَلِلْمَوْلَى أَنْ يَأْخُذَهُ بِقِيمَتِهِ.\nلِأَنَّ الْمَوْلَى إنَّمَا يُعْطِي الْمُشْتَرِيَ مَا غَرِمَ فِيهِ، لِيَنْدَفِعَ بِهِ الضَّرَرُ وَالْخُسْرَانُ عَنْهُ، وَتَمَامُ ذَلِكَ بِالْمِثْلِ صُورَةً وَمَعْنًى، فَيَجِبُ مُرَاعَاةُ ذَلِكَ، إلَّا إذَا تَعَذَّرَ اعْتِبَارُ الْمُمَاثَلَةِ صُورَةً، فَحِينَئِذٍ تُعْتَبَرُ الْمُمَاثَلَةُ فِي مَعْنَى الْمَالِيَّةِ، كَمَا فِي بَدَلِ الْمَغْصُوبِ وَالْمُسْتَهْلَكِ.\n٢٥٠٣ - يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْمَوْلَى حِينَ رَغِبَ فِي أَخْذِهِ فَقَدْ أَجَازَ مَا صَنَعَهُ الْمُشْتَرِي، وَإِجَازَتُهُ فِي الِانْتِهَاءِ بِمَنْزِلَةِ الْإِذْنِ لَهُ فِي الِابْتِدَاءِ أَنْ يَفْدِيَهُ بِمَالِ نَفْسِهِ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ فِي الِابْتِدَاءِ كَانَ الْحُكْمُ فِيهِ مَا ذَكَرْنَا لِمَعْنًى، وَهُوَ أَنَّ ذَوَاتَ الْأَمْثَالِ، كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، مِمَّا يَجُوزُ اسْتِقْرَاضُهُ. فَالْمَوْلَى صَارَ كَالْمُسْتَقْرَضِ مِنْهُ، فَلِهَذَا يَغْرَمُ مِثْلَهُ، وَأَمَّا الثِّيَابُ وَالْأَمْتِعَةُ لَا يَجُوزُ فِيهَا الِاسْتِقْرَاضُ، وَهِيَ تَكُونُ مَضْمُونَةً بِالْقِيمَةِ، بِحُكْمِ الِاسْتِقْرَاضِ الْفَاسِدِ.","vol":"1","page":1316},{"text":"٢٥٠٤ - فَإِنْ (اخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِ قِيمَتِهِ) فَالْقَوْلُ قَوْلُ الَّذِي فَدَاهُ بِهِ مَعَ يَمِينِهِ.\nلِأَنَّ الْمَوْلَى يَدَّعِي عَلَيْهِ ثُبُوتَ حَقِّ الْأَخْذِ لَهُ عِنْدَ أَدَاءِ الْأَقَلِّ، وَهُوَ يُنْكِرُ ذَلِكَ مَا لَمْ يُؤَدِّ الْأَكْثَرَ الَّذِي ادَّعَاهُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ. وَلِأَنَّ مَا فَدَاهُ بِهِ مِلْكُهُ، وَقَدْ كَانَ فِي يَدِهِ إلَى أَنْ دَفَعَهُ إلَى الْحَرْبِيِّ فَيَكُونُ هُوَ أَعْرَفُ بِقِيمَتِهِ مِنْ الْمَوْلَى الْقَدِيمِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ ذَلِكَ إلَى يَدِهِ قَطُّ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُجَازِفٌ فِيمَا يَدَّعِي مِنْ قِيمَتِهِ.\n٢٥٠٥ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الَّذِي فَدَاهُ بِهِ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا فَاخْتَلَفَا فِي وَزْنِهِ أَوْ جُودَتِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الَّذِي فَدَاهُ مَعَ يَمِينِهِ.\nلِلْمَعْنَيَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا.\n٢٥٠٦ - وَعَلَى الْمَوْلَى الْبَيِّنَةُ.\nلِأَنَّهُ يَدَّعِي ثُبُوتَ حَقِّ أَخْذِ مِلْكِهِ بِمِقْدَارِ مَا أَقَرَّ بِهِ، وَالْآخَرُ يُنْكِرُ، وَلَوْ أَنْكَرَ ثُبُوتَ الْحَقِّ لَهُ أَصْلًا كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُثْبِتَ بِالْبَيِّنَةِ، فَكَذَلِكَ إذَا أَنْكَرَ ثُبُوتَ الْحَقِّ لَهُ عِنْدَ إحْضَارِ أَقَلِّ الْمَالَيْنِ، فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً، مُسْلِمَيْنِ أَوْ ذِمِّيَّيْنِ، وَالْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ ذِمِّيٌّ، فَقَدْ أَثْبَتَ دَعْوَاهُ بِمَا هُوَ حُجَّةٌ عَلَى خَصْمِهِ، وَالْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ أَحَقُّ بِالْعَمَلِ بِهَا مِنْ الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ.\n٢٥٠٧ - وَإِنْ كَانَ الَّذِي فَدَاهُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ حَرْبِيًّا كَانَ أَوْ مُسْتَأْمَنًا فِينَا، ثُمَّ أَخْرَجَهُ بِأَمَانٍ، فَلَيْسَ لِمَوْلَاهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ.","vol":"1","page":1317},{"text":"لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ فِي مِلْكِهِ قَائِمٌ مَقَامَ الْبَائِعِ، وَالْبَائِعُ وَهُوَ الَّذِي أَخْرَجَهُ لَوْ خَرَجَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ، وَمَعَهُ ذَلِكَ الْعَبْدُ، لَمْ يَكُنْ لِمَوْلَاهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ فَكَذَلِكَ الْمُشْتَرِي.\n٢٥٠٨ - وَهَذَا لِأَنَّ ثُبُوتَ حَقِّ الْأَخْذِ لَهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ صَارَ مَظْلُومًا، وَأَنَّ عَلَى الْمُشْتَرِي الْقِيَامَ بِنُصْرَتِهِ، وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِيمَا إذَا كَانَ الَّذِي أَخْرَجَهُ حَرْبِيًّا مُسْتَأْمَنًا.\nلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا، وَلَا يَلْزَمُهُ نُصْرَةُ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا.\n٢٥٠٩ - بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ وَلَكِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ.\nلِأَنَّ هَذَا الْعَبْدَ كَانَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا، فَلَا يُتْرَكُ الْحَرْبِيُّ لِيَرْجِعَ بِهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ.\n٢٥١٠ - وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ مُسْلِمًا فَهُوَ غَيْرُ مُشْكِلٍ.\nلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَبْدًا لَهُ مِنْ الْأَصْلِ، فَأَسْلَمَ، أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهِ، فَهَا هُنَا أَوْلَى أَنْ يُجْبَرَ عَلَى بَيْعِهِ.\n٢٥١١ - وَإِنْ كَانَ هَذَا الْحَرْبِيُّ الَّذِي اشْتَرَاهُ خَرَجَ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا. وَمَعَهُ الْعَبْدُ لَمْ يَكُنْ لِمَوْلَاهُ عَلَيْهِ سَبِيلٌ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ خَرَجَ الْبَائِعُ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ -","vol":"1","page":1318},{"text":"مَنْ «أَسْلَمَ عَلَى مَالٍ فَهُوَ لَهُ» . إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ خَرَجَ ذِمِّيًّا وَالْعَبْدُ مُسْلِمٌ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.\nلِأَنَّهُ لَا يُتْرَكُ عَبْدٌ مُسْلِمٌ فِي يَدِ كَافِرٍ يَسْتَعْبِدُهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِذْلَالِ بِالْمُسْلِمِ.\n٢٥١٢ - وَإِنْ كَانَ الْمَأْسُورُ مِمَّنْ لَا يَحْتَمِلُ التَّمَلُّكَ أَوْ النَّقْلَ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ، كَالْحُرِّ وَالْمُدَبَّرِ وَالْمُكَاتَبِ وَأُمِّ الْوَلَدِ فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ أَسْلَمُوا أَوْ صَارُوا ذِمَّةً، أَوْ خَرَجُوا إلَيْنَا بِأَمَانٍ.\nلِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُجْرَى عَلَيْهِ السَّبْيُ، وَلَا يَكُون مُحْرَزًا أَبَدًا، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِلْكًا لَهُمْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ لَا يَكُونُ مِلْكًا لَهُمْ بِالْإِسْلَامِ أَيْضًا، وَلَكِنْ عَلَيْهِمْ إزَالَةُ يَدِ الظُّلْمِ عَنْهُ، فَإِنْ اخْتَلَفَ الْمَوْلَى الْقَدِيمُ مَعَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ فِي الْمَالِ الَّذِي فَدَاهُ بِهِ، فِي جِنْسِهِ أَوْ مِقْدَارِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الَّذِي فَدَاهُ بِهِ، لِمَا بَيَّنَّا فَإِنْ أَقَامَ الْمَوْلَى الْبَيِّنَةَ أُخِذَ بِبَيِّنَتِهِ؛ لِأَنَّهُ نَوَّرَ دَعْوَاهُ بِالْحُجَّةِ، وَهُوَ فِي الظَّاهِرِ مُدَّعٍ لِلزِّيَادَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمَعْنَى مُنْكِرًا، كَمَا بَيَّنَّا، وَلَكِنْ الدَّعْوَى ظَاهِرًا تَكْفِي لِقَبُولِ الْبَيِّنَةِ، كَالْمُودَعِ يَدَّعِي رَدَّ الْوَدِيعَةِ، وَيُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ أَقَامَا جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ. فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمَوْلَى الْقَدِيمِ.","vol":"1","page":1319},{"text":"وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - ﵁ - الْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ - ﵀ - هَا هُنَا، لِمَا كَانَ بَيْنَهُمَا حِينَ صَنَّفَ الْكِتَابَ.\nوَأَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الشَّفِيعِ وَالْمُشْتَرِي إذَا اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ، وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ، فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ بَيِّنَةُ الشَّفِيعِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - ﵄ -.\nفَكَذَلِكَ هَا هُنَا الْمَوْلَى الْقَدِيمُ بِمَنْزِلَةِ الشَّفِيعِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - ﵀ - هُنَاكَ الْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ الزِّيَادَةَ بِبَيِّنَةٍ فَهَا هُنَا كَذَلِكَ.\n٢٥١٣ - وَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ فَدَاهُ بِثِيَابٍ مَعْلُومَةٍ، وَاخْتَلَفَا فِي قِيمَتِهَا، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ، فَالْبَيِّنَةُ هَا هُنَا بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ بِالِاتِّفَاقِ، وَكَذَلِكَ فِي الشُّفْعَةِ إذَا اخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِ قِيمَةِ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَى بِهِ بِالدَّارِ (وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَإِنَّ) الْبَيِّنَةَ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي.\nأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - ﵀ - فَلَا إشْكَالَ فِيهِ، لِأَنَّهُ يُثْبِتُ الزِّيَادَةَ فِي الْفَصْلَيْنِ. وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ الْمُشْتَرِيَ بِبَيِّنَتِهِ يُثْبِتُ فِعْلَ نَفْسِهِ، وَالْمَوْلَى الْقَدِيمُ بِبَيِّنَتِهِ يُثْبِتُ فِعْلَ الْمُشْتَرِي، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ فِعْلُ الْمَرْءِ عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ، لَا أَنْ يُثْبِتَ هُوَ فِعْلَ نَفْسِهِ بِالْبَيِّنَةِ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ نَظِيرُ مَا قَالَ فِي مَسْأَلَةِ الشُّفْعَةِ: إنَّهُ صَدَرَ مِنْ الْمُشْتَرِي إقْرَارَانِ وَلِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ بِمَا عَلَيْهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجَدُ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمَا فِي أَصْلِ الْفِعْلِ، وَهُوَ الْفِدَاءُ مِنْ الْمُشْتَرِي بِمَا فَدَاهُ بِهِ مِنْ الثِّيَابِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي مِقْدَارِ الْقِيمَةِ، فَالْمُثْبِتُ لِلزِّيَادَةِ مِنْ الْبَيِّنَتَيْنِ فِيهِ أَوْلَى.","vol":"1","page":1320},{"text":"وَلَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مِنْ الْعَدُوِّ كَانَ اشْتَرَاهُ بِمَا لَا يَحِلُّ مِنْ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ مَيْتَةٍ فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي مُسْلِمًا فَلِلْمَوْلَى الْقَدِيمِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِقِيمَتِهِ.\nلِأَنَّ مَا جَرَى بَيْنَهُمَا لَمْ يَكُنْ شِرَاءً، وَإِنَّمَا كَانَ أَخْذَ مَالِ الْكَافِرِ بِطِيبَةِ نَفْسِهِ، فَكَأَنَّهُ وَهَبَهُ لَهُ.\n٢٥١٥ - وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي ذِمِّيًّا فَإِنْ اشْتَرَاهُ بِمَيْتَةٍ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ.\nلِأَنَّ الْمَيْتَةَ لَيْسَتْ بِمَالٍ فِي حَقِّهِمْ، كَمَا فِي حَقِّنَا، فَمَا جَرَى بَيْنَهُمَا لَمْ يَكُنْ شِرَاءً، لِأَنَّ الشِّرَاءَ اسْمٌ لِمُبَادَلَةِ مَالٍ بِمَالٍ.\n٢٥١٦ - وَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ فَمَا جَرَى بَيْنَهُمَا كَانَ شِرَاءً عَلَى حَقِيقَتِهِ.\nلِأَنَّ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فِي حَقِّهِمْ.\n٢٥١٧ - ثُمَّ إنْ كَانَ الْمَوْلَى الْقَدِيمُ ذِمِّيًّا أَخَذَهُ فِي الْخَمْرِ بِالْمِثْلِ، وَفِي الْخِنْزِيرِ بِالْقِيمَةِ. وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا أَخَذَهُ فِيهِمَا بِالْقِيمَةِ.\nلِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمُسْلِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ تَمْلِيكِ الْخَمْرِ. وَعِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ تَسْلِيمِ الْخَمْرِ مَعَ وُجُودِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلتَّسْلِيمِ يَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ.\n٢٥١٨ - وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ قَبْلَ الْأَسْرِ بَيْنَ نَصْرَانِيٍّ وَمُسْلِمٍ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ ذِمِّيٌّ مِنْ الْعَدُوِّ بِالْخَمْرِ، فَإِنَّ النَّصْرَانِيَّ يَأْخُذُ نِصْفَهُ بِمِثْلِ","vol":"1","page":1321},{"text":"نِصْفِ ذَلِكَ الْخَمْرِ، وَالْمُسْلِمُ يَأْخُذُ نِصْفَهُ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْخَمْرِ، اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ، وَهَذَا لِأَنَّ النَّصْرَانِيَّ قَادِرٌ عَلَى أَدَاءِ الْمِثْلِ فِي نَصِيبِهِ، وَالْمُسْلِمُ عَاجِزٌ عَنْ ذَلِكَ.\n٢٥١٩ - وَإِنْ كَانَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ الْعَدُوِّ مُسْلِمًا أَخَذَهُ الْمَوْلَيَانِ بِقِيمَتِهِ.\nلِأَنَّ الَّذِي جَرَى مِنْ الْمُسْلِمِ لَمْ يَكُنْ شِرَاءً، إذْ الْخَمْرُ لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ.\n٢٥٢٠ - وَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ مِنْ الْعَدُوِّ مُسْلِمٌ وَنَصْرَانِيٌّ، فَإِنْ كَانَ الْمَوْلَى الْقَدِيمُ مُسْلِمًا أَخَذَ نِصْفَهُ مِنْ الْمُسْلِمِ الْمُشْتَرِي بِنِصْفِ قِيمَتِهِ.\nلِأَنَّ الَّذِي كَانَ مِنْهُ فِي نَصِيبِهِ بِمَنْزِلَةِ الْإِنْهَابِ دُونَ الشِّرَاءِ. وَأُخِذَ نِصْفُهُ مِنْ النَّصْرَانِيِّ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْخَمْرِ. لِأَنَّ الَّذِي كَانَ مِنْهُ فِي نَصِيبِهِ حَقِيقَةُ الشِّرَاءِ فَالْخَمْرُ مَالٌ فِي حَقِّهِ.\n٢٥٢١ - وَإِنْ كَانَ مَوْلَاهُ نَصْرَانِيًّا أَخَذَ مِنْ الْمُسْلِمِ النِّصْفَ بِقِيمَتِهِ لِمَا بَيَّنَّا، وَمِنْ النَّصْرَانِيِّ النِّصْفَ بِمَا أَدَّى مِنْ الْخَمْرِ فِيهِ.\nلِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَدَاءِ الْمِثْلِ إلَيْهِ.\n٢٥٢٢ - وَإِنْ كَانَ لِلْعَبْدِ فِي الْأَصْلِ مَوْلَيَانِ مُسْلِمٌ وَنَصْرَانِيٌّ ثُمَّ اشْتَرَاهُ مِنْ الْعَدُوِّ بِالْخَمْرِ مُسْلِمٌ وَنَصْرَانِيٌّ أَيْضًا، فَإِنَّ النِّصْفَ الَّذِي","vol":"1","page":1322},{"text":"اشْتَرَاهُ الْمُسْلِمُ يَأْخُذُهُ الْمَوْلَيَانِ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ بِالشِّرَاءِ حَقِيقَةً، وَالنِّصْفُ الَّذِي اشْتَرَاهُ النَّصْرَانِيُّ فَالْمَوْلَى الْمُسْلِمُ يَأْخُذُ ذَلِكَ النِّصْفَ بِنِصْفِ قِيمَةِ مَا أَدَّى مِنْ الْخَمْرِ، وَالنَّصْرَانِيُّ يَأْخُذُ بِالْمِثْلِ.\nلِأَنَّ كُلَّ نِصْفٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَنْزِلَةِ عَبْدٍ كَامِلٍ، وَحُكْمُ الْجُزْءِ مُعْتَبَرٌ بِحُكْمِ الْكُلِّ فِي الْوَجْهَيْنِ.\n٢٥٢٣ - فَإِنْ كَانَا اشْتَرَيَاهُ بِخَنَازِيرِ فَإِنَّهُمَا يَأْخُذَانِ النِّصْفَ مِنْ الْمُشْتَرِي الْمُسْلِمِ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْعَبْدِ.\nلِأَنَّهُ مَا أَخَذَهُ بِالشِّرَاءِ حَقِيقَةً، بَلْ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ بِمَنْزِلَةِ الْهِبَةِ. - وَالنِّصْفُ الْآخَرُ يَأْخُذَانِهِ مِنْ النَّصْرَانِيِّ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْخَنَازِيرِ.\nلِأَنَّهُ تَمَلَّكَ ذَلِكَ النِّصْفَ بِالشِّرَاءِ حَقِيقَةً، وَالْخِنْزِيرُ لَيْسَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ فِي حَقِّ أَحَدٍ.\n٢٥٢٤ - وَإِنْ أَرَادَ أَحَدُ الْمَوْلَيَيْنِ أَخْذَ حِصَّتِهِ مِنْ الْعَبْدِ دُونَ الْآخَرِ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قُلْنَا، لِأَنَّ حَقَّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْأَخْذِ ثَابِتٌ فِي النِّصْفِ بِاعْتِبَارِ قَدِيمِ مِلْكِهِ، فَإِنْ أَبْطَلَ أَحَدُهُمَا حَقَّهُ لَا يَتَعَذَّرُ عَلَى الْآخَرِ اسْتِيفَاءُ حَقِّهِ.\nلِأَنَّ إبْطَالَهُ غَيْرُ عَامِلٍ فِي حَقِّ صَاحِبِهِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":1323},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>[بَابٌ الْفِدَاءِ الَّذِي يَرْجِعُ إلَى أَهْلِهِ إذَا ظَهَرَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَاَلَّذِي لَا يَرْجِعُ]</span>\n١٣٤ - بَابٌ مِنْ الْفِدَاءِ الَّذِي يَرْجِعُ إلَى أَهْلِهِ إذَا ظَهَرَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، وَاَلَّذِي لَا يَرْجِعُ\n٢٥٢٥ - وَلَوْ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ اسْتَوْلَوْا عَلَى مَتَاعِ الْمُسْلِمِينَ فَأَحْرَزُوهُ بِعَسْكَرِهِمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ جَيْشٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى اسْتَنْقَذُوهُ مِنْهُمْ، قَبْلَ أَنْ يُحْرِزُوهُ بِدَارِهِمْ، فَذَلِكَ مَرْدُودٌ عَلَى صَاحِبِهِ.\nلِأَنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِينَ لَمْ يَمْلِكُوهُ قَبْلَ الْإِحْرَازِ، فَمَنْ وَصَلَ إلَى يَدِهِ كَانَ عَلَيْهِ رَدُّهُ إلَى مَالِكِهِ؛ لِأَنَّ مَالَ الْمُسْلِمِ لَا يَكُونُ غَنِيمَةً لِلْمُسْلِمِينَ.\n٢٥٢٦ - فَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ الْإِمَامُ بِذَلِكَ حَتَّى قَسَمَهُ بَيْنَ مَنْ أَصَابَهُ فَقِسْمَتُهُ بَاطِلَةٌ، وَالْمَتَاعُ مَرْدُودٌ عَلَى أَهْلِهِ.\nلِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ الْقِسْمَةَ لَمْ تُصَادِفْ مَحَلَّهَا، فَإِنَّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ تَتَضَمَّنُ التَّمْلِيكَ مِنْ الْإِمَامِ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا يُصِيبُهُ، وَلَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ التَّمْلِيكِ فِي مَالِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ رِضَى صَاحِبِهِ.\n٢٥٢٧ - وَكَذَلِكَ إنْ أَسْلَمَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَرْبِ أَوْ صَارُوا ذِمَّةً.\nلِأَنَّهُمْ غَاصِبُونَ فَيَتَأَكَّدُ عَلَيْهِمْ وُجُوبُ الرَّدِّ بِإِسْلَامِهِمْ.","vol":"1","page":1324},{"text":"٢٥٢٨ - قَالَ - ﵌ -: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّ» فَإِنْ عَلِمَ الْإِمَامُ الْحَالَ، وَرَأَى أَنَّ إحْرَازَهُمْ بِالْعَسْكَرِ يَكُونُ تَامًّا فَخَمَّسَهُ وَقَسَمَهُ مَعَ غَنَائِمِ الْمُشْرِكِينَ بَيْنَ مَنْ أَصَابَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ رُفِعَ ذَلِكَ إلَى قَاضٍ يَرَى ذَلِكَ غَيْرَ إحْرَازٍ جَازَ مَا صَنَعَ الْأَوَّلُ وَلَمْ يُبْطِلْهُ.\nلِأَنَّهُ أَمْضَى فَصْلًا مُخْتَلَفًا فِيهِ بِاجْتِهَادِهِ.\n٢٥٢٩ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَمُوا أَوْ صَارُوا ذِمَّةً فَقَضَى بِأَنَّ ذَلِكَ سَالِمٌ لَهُمْ بِالِاجْتِهَادِ نَفَذَ قَضَاؤُهُ.\nفَإِنْ قِيلَ: هَذَا قَضَاءٌ بِخِلَافِ الْإِجْمَاعِ، لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ: مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَا يَمْلِكُونَهُ وَإِنْ أَحْرَزُوهُ بِدَارِهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ يَمْلِكُونَهُ بَعْدَ الْإِحْرَازِ، وَأَحَدٌ لَا يَقُولُ يَمْلِكُونَهُ قَبْلَ الْإِحْرَازِ بِدَارِهِمْ.\nقُلْنَا: الْخِلَافُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي الْفَصْلَيْنِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ هَلْ تَكُونُ مَحَلًّا لِلتَّمْلِيكِ بِالْقَهْرِ بَعْدَ الْإِحْرَازِ بِالدَّارِ أَمْ لَا؟ (وَالْآخَرُ) أَنَّ الْإِحْرَازَ فِيمَا هُوَ مَحَلٌّ لِلتَّمْلِيكِ بِالْقَهْرِ هَلْ يَتِمُّ بِالْيَدِ قَبْلَ الْإِحْرَازِ بِالدَّارِ أَمْ لَا؟ فَإِذَا اجْتَهَدَ الْقَاضِي، وَاسْتَقَرَّ رَأْيُهُ عَلَى أَنَّ مَالَ الْمُسْلِمِ مَحَلُّ التَّمَلُّكِ بِالْقَهْرِ، وَأَنَّ الْقَهْرَ يَتِمُّ بِالْإِحْرَازِ بِالْعَسْكَرِ، بِدُونِ الْإِحْرَازِ بِالدَّارِ، وَأَمْضَى الْحُكْمَ. كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ اجْتِهَادًا فِي مَوْضِعِهِ، فَيَكُونُ قَضَاؤُهُ نَافِذًا، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَضَى بِشَهَادَةِ الْفُسَّاقِ، أَوْ عَلَى الْغَائِبِ، أَوْ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ بِالنِّكَاحِ عَلَى غَائِبٍ،","vol":"1","page":1325},{"text":"فَإِنَّهُ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ مَنْ يُجَوِّزُ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ يَقُولُ: لَيْسَ لِلْفُسَّاقِ شَهَادَةٌ وَلَا لِلنِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ شَهَادَةٌ فِي النِّكَاحِ.\nوَلَكِنْ قِيلَ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَصْلَيْنِ مُجْتَهَدٌ فِيهِ فَيَنْفُذُ الْقَضَاءُ مِنْ الْقَاضِي بِاجْتِهَادِهِ فِيهِمَا، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ يَتْبَعُ الدَّلِيلَ لَا الْقَائِلَ بِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، لِأَنَّ هُنَاكَ الْقَاضِيَ مَا قَضَى بِالْقِسْمَةِ عَنْ اجْتِهَادِهِ، وَإِنَّمَا قَضَى بِذَلِكَ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِأَنَّ هَذَا الْمَالَ مُصَابٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا صَارَ ذَلِكَ مَعْلُومًا لَهُ كَانَ قَضَاؤُهُ بَاطِلًا، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَحَرِّي فِي بَابِ الْقِبْلَةِ، إذَا تَبَيَّنَ خَطَأَهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ، لَا يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ، وَاَلَّذِي لَمْ يَجْتَهِدْ، وَلَمْ يُشْتَبَهْ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ صَلَّى إلَى جِهَتِهِ. ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَخْطَأَ يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ، وَهَذَا لِأَنَّ مُطْلَقَ الْفِعْلِ يَكُونُ مَحْمُولًا عَلَى الصَّوَابِ، مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ فِيهِ الْخَطَأُ، وَمَا يُفْعَلُ عَنْ اجْتِهَادٍ وَنَظَرٍ يَكُونُ مَحْمُولًا عَلَى الصَّوَابِ مَا أَمْكَنَ، وَالْإِمْكَانُ قَائِمٌ إذَا صَادَفَ قَضَاؤُهُ مَحَلًّا مُجْتَهَدًا فِيهِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ مَاتَ وَلَهُ رَقِيقٌ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ كَثِيرٌ، فَبَاعَ الْقَاضِي رَقِيقَهُ وَقَضَى دَيْنَهُ، ثُمَّ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ لِبَعْضِهِمْ أَنَّ مَوْلَاهُ كَانَ دَبَّرَهُ فَإِنَّ بَيْعَ الْقَاضِي فِيهِ يَكُونُ بَاطِلًا.\n٢٥٣٠ - وَلَوْ كَانَ الْقَاضِي عَالِمًا بِتَدْبِيرِهِ فَاجْتَهَدَ وَأَبْطَلَ تَدْبِيرَهُ لِأَنَّهُ وَصِيُّهُ وَبَاعَهُ فِي [الدَّيْنِ] ثُمَّ وَلِيَ قَاضٍ آخَرُ يَرَى ذَلِكَ خَطَأً فَإِنَّهُ يَنْفُذُ قَضَاءُ الْأَوَّلِ لِهَذَا الْمَعْنَى، وَإِنْ كَانَ الْقَاضِي الثَّانِي لَا يَعْلَمُ أَنَّ الْأَوَّلَ فَعَلَهُ عَنْ اجْتِهَادِ، أَوْ لِأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى حَقِيقَةِ الْحَالِ، فَإِنَّهُ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ أَيْضًا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي كَانَ مَحْمُولًا عَلَى الصِّحَّةِ مَا أَمْكَنَ.","vol":"1","page":1326},{"text":"وَلِأَنَّ تَحْسِينَ الظَّنِّ بِالْقَاضِي وَاجِبٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] . وَأَحْسَنُ الْوَجْهَيْنِ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ قَضَى بَعْدَ الْعِلْمِ عَنْ اجْتِهَادٍ فَلِذَا نَفَذَ قَضَاؤُهُ حَتَّى يُعْلَمَ خِلَافُ ذَلِكَ.\n٢٥٣١ - وَلَوْ أَنَّ تَاجِرًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ دَخَلَ عَسْكَرَهُمْ فِي دَارِنَا وَفَدَى مَا أَصَابُوهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِمَالٍ وَأَخْرَجَهُ، فَعَلَيْهِ رَدُّهُ عَلَى صَاحِبِهِ، وَهُوَ مُتَبَرِّعٌ فِي الْفِدَاءِ الَّذِي أَدَّى بِغَيْرِ أَمْرِ صَاحِبِهِ، فَإِنْ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلُوا دَارَهُمْ، وَأَصَابُوا ذَلِكَ الْفِدَاءَ بِعَيْنِهِ، فَلَا سَبِيلَ لِلتَّاجِرِ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ وَجَدَهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَوْ بَعْدَهَا.\nلِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ مَلَكُوا ذَلِكَ بِالْأَخْذِ مِلْكًا تَامًّا، حَتَّى لَوْ أَسْلَمُوا أَوْ صَارُوا ذِمَّةً كَانَ سَالِمًا لَهُمْ، وَهَذَا لِأَنَّهُمْ مَا مَلَكُوا هَذَا الْمَالَ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ حَتَّى يُشْتَرَطَ فِيهِ الْإِحْرَازُ بِالدَّارِ، وَلَكِنْ بِتَمْلِيكِ صَاحِبِ الْمَالِ إيَّاهُمْ ذَلِكَ طَوْعًا فَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَا يَشْتَرُونَهُ مِنْ تُجَّارِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَمْلِكُونَهُ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَبْقَى لِصَاحِبِهِ فِيهِ حَقٌّ بَعْدَ التَّسْلِيمِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَنَّ مَا أَعْطَوْا بِمُقَابَلَتِهِ كَانَ مُسْتَحَقًّا لِمُسْلِمٍ، وَلَكِنَّ بَدَلَ الْمُسْتَحَقِّ مَمْلُوكٌ إذَا جَرَى السَّبَبُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَاتَّصَلَ بِهِ الْقَبْضُ، فَإِذَا جَرَى بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ أَعْطَاهُمْ بِطِيبَةِ نَفْسِهِ يُجْعَلُ فِي حُكْمِ السَّلَامَةِ لَهُمْ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ وُهِبَهُ مِنْهُمْ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ قَتَلُوا مُسْلِمًا وَأَخَذُوا جِيفَتَهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَأَعْطَوْهُمْ جُعْلًا لِيَأْخُذُوهُ فَيَدْفِنُوهُ، كَانَ ذَلِكَ سَالِمًا لَهُمْ إنْ أَسْلَمُوا","vol":"1","page":1327},{"text":"أَوْ صَارُوا ذِمَّةً، وَكَانَ غَنِيمَةً سَالِمَةً لِلْمُسْلِمِينَ إنْ ظَفِرُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِزُوهُ بِدَارِهِمْ، فَهَذَا مِثْلُهُ. قَالَ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ أَسَرُوا أَحْرَارًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَأَدْخَلُوهُمْ دَارَهُمْ، ثُمَّ جَاءَهُمْ أَهْلُ الْأُسَارَى فَافْتَدَوْهُمْ بِمَالٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ الْمَالَ يَكُونُ سَالِمًا لَهُمْ إذَا أَسْلَمُوا، أَوْ صَارُوا ذِمَّةً، وَيَكُونُ غَنِيمَةً سَالِمَةً لِلْمُسْلِمِينَ إذَا ظَهَرُوا عَلَيْهِ، وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّهُمْ هَا هُنَا أَحْرَزُوا الْمَالَ بِدَارِهِمْ.\nلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَعْنَى هَذَا لَوَجَبَ أَنْ يُقَالَ: إذَا وَقَعَ فِي الْغَنِيمَةِ فَوَجَدَهُ صَاحِبُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَنْ يَكُونَ لَهُ حَقُّ الْأَخْذِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، كَمَا فِي الْمَالِ الَّذِي أَخَذُوهُ قَهْرًا وَأَحْرَزُوهُ.\n٢٥٣٢ - فَإِنْ قَالَ هَذَا الْقَائِلُ: فَأَنَا هَكَذَا أَقُولُ قُلْنَا: هُوَ بَعِيدٌ، فَإِنَّ قَوْمًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَوْ خَافُوا أَهْلَ الْحَرْبِ أَنْ يَسْتَأْصِلُوهُمْ فَصَالَحُوهُمْ عَلَى أَلَّا يَغْزُوهُمْ سَنَةً، عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَ إلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ أَلْفَ ثَوْبٍ هَرَوِيٍّ وَقَبَضُوهَا، وَانْقَضَتْ السَّنَةُ، ثُمَّ إنَّ الْمُسْلِمِينَ ظَفِرُوا بِهِمْ، وَغَنِمُوا تِلْكَ الثِّيَابَ بِأَعْيَانِهَا، فَإِنَّهَا تَكُونُ غَنِيمَةً لِمَنْ أَخَذَهَا، سَالِمَةً لَهُمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ.\nلِأَنَّهُمْ أَخَذُوا ذَلِكَ بِطِيبَةِ أَنْفُسِ أَهْلِهَا، وَإِنَّمَا الَّذِي يُرَدُّ عَلَى صَاحِبِهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ مَا أُخِذَ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ.\n٢٥٣٣ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ هَذَا الصُّلْحُ بَيْنَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ عَسْكَرِ الْمُشْرِكِينَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ جَاءَ مَدَدٌ","vol":"1","page":1328},{"text":"لِلْمُسْلِمِينَ فَاسْتَنْقَذُوا الْمَالَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، قَبْلَ أَنْ يُحْرِزُوهُ بِدَارِهِمْ، كَانَ ذَلِكَ غَنِيمَةً لِمَنْ أَصَابَهُ. بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى الَّذِي قُلْنَا.\nفَعَرَفْنَا أَنَّ فِيمَا يَكُونُ مَأْخُوذًا بِطِيبِ نَفْسِ صَاحِبِهِ دَارُ الْإِسْلَامِ وَدَارُ الْحَرْبِ سَوَاءٌ، وَإِنَّمَا جَازَ لِلْمُسْلِمِينَ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الصُّلْحِ؛ لِأَنَّهُمْ يَخَافُونَ الِاسْتِئْصَالَ وَالْإِهْلَاكَ عَلَى النَّفْسِ وَالذَّرَارِيِّ فَيَجْعَلُونَ الْأَمْوَالَ فِدَاءً لِذَلِكَ، وَصَاحِبُ الشَّرْعِ نَدَبَ إلَى ذَلِكَ فَقَالَ - ﵊ - لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ: «اجْعَلْ مَالَك دُونَ نَفْسِك» . وَقَدْ هَمَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - بِذَلِكَ، حِينَ أَحَسَّ الضَّعْفَ بِبَعْضِ الْمُسْلِمِينَ، يَوْمَ الْخَنْدَقِ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِهِمْ الْقُوَّةَ كَمَا قَالَهُ السَّعْدَانِ - ﵄ - امْتَنَعَ مِنْهُ فَصَارَ ذَلِكَ أَصْلًا فِي الْجَوَازِ عِنْدَ الْخَوْفِ عَلَى ذَرَارِيِّ الْمُسْلِمِينَ.\n٢٥٣٤ - وَلَوْ أَنَّهُمْ أَسَرُوا مُسْلِمًا فَافْتُدِيَ مِنْهُمْ بِسِلَاحِهِ أَوْ بِفَرَسِهِ، وَخَلَّوْا سَبِيلَهُ ثُمَّ ظَفِرَ الْمُسْلِمُونَ بِعَيْنِ ذَلِكَ الْمَالِ، فَإِنْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ لَمْ يُحْرِزُوهُ فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَى الْأَسِيرِ، قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَبَعْدَهَا مَجَّانًا، وَإِنْ كَانُوا أَحْرَزُوهُ فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَى صَاحِبِهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَبَعْدَهَا بِالْقِيمَةِ إنْ أَحَبَّ.\nلِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَصَابُوا هَذَا الْمَالَ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ، فَإِنَّ يَدَهُمْ الثَّابِتَةَ عَلَى الْأَسِيرِ تَكُونُ ثَابِتَةً عَلَى الْمَالِ الَّذِي مَعَ الْأَسِيرِ، فَيَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُ الْمُصَابِ بِالِاسْتِيلَاءِ مَقْصُودًا، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، فَيَدُهُمْ عَلَى الْفِدَاءِ هُنَاكَ مَا ثَبَتَتْ إلَّا بِطِيبِ نَفْسِ صَاحِبِ الْمَالِ.","vol":"1","page":1329},{"text":"٢٥٣٥ - وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ حِينَ وَقَعَ هَذَا الْمَالُ فِي الْغَنِيمَةِ بَاعَهُ، وَلَمْ يَكُنْ الْمُشْرِكُونَ أَحْرَزُوهُ فَبَيْعُهُ بَاطِلٌ، وَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَى صَاحِبِهِ، إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ بَاعَهُ حِفْظًا عَلَى صَاحِبِهِ.\nلِأَنَّهُ خَافَ عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ، وَلَا يَدْرِي مَتَى يَجِيءُ صَاحِبُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ بَيْعُهُ نَافِذًا، بِمَنْزِلَةِ الْقَاضِي يَبِيعُ اللُّقَطَةَ، ثُمَّ يَأْتِي صَاحِبُهَا.\n٢٥٣٦ - وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ عَلَى أَيِّ طَرِيقٍ بَاعَهُ فَإِنَّ بَيْعَهُ يَكُونُ مَرْدُودًا.\nلِأَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى الظَّاهِرِ وَاجِبٌ، لِتَعَذُّرِ الْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَةِ الْحَالِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بَاعَهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ، فَيُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ، حَتَّى يُعْلَمَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَقَدْ كَانَ قَالَ قَبْلَ هَذَا فِي بَيْعِ الْمُدَبَّرِ فِي الدَّيْنِ، بَعْدَ مَوْتِ مَوْلَاهُ: إذَا لَمْ يُعْلَمْ كَيْفَ بَاعَهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ بَيْعُهُ جَائِزًا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَنْ عِلْمٍ حَتَّى يُعْلَمَ خِلَافُهُ. فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ: لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الْفَصْلَيْنِ رِوَايَتَانِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ فَقَالَ: هَا هُنَا بَيْعُ الْمَالِ لِلْحِفْظِ عَلَى الْغَائِبِ لَا يَكُونُ مُسْتَحَقًّا عَلَى الْقَاضِي، وَلَكِنَّهُ يَكُونُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ فَعَلَهُ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْهُ، فَأَمَّا بَيْعُ التَّرِكَةِ بِالدَّيْنِ مُسْتَحَقٌّ عَلَى الْقَاضِي، إذَا طَلَبَ صَاحِبُ الدَّيْنِ. فَلِهَذَا حَمَلْنَا هُنَاكَ مُطْلَقَ بَيْعِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُسْتَحَقِّ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ إبْطَالِ التَّدْبِيرِ عَنْ اجْتِهَادٍ إذْ الْمُعَارَضَةُ لَا تَقَعُ بَيْنَ الْمُسْتَحِقِّ وَغَيْرِ الْمُسْتَحِقِّ، وَهَا هُنَا اسْتَوَى الْجَانِبَانِ فَحَمَلْنَا مُطْلَقَ بَيْعِهِ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ.","vol":"1","page":1330},{"text":"فَإِنْ كَانَ الْأَسِيرُ بَعَثَ إلَى بَعْضِ أَهْلِهِ فَسَأَلَهُ أَنْ يَفْدِيَهُ بِمَالٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ بِمَالِ نَفْسِهِ أَوْ مِنْ مَالٍ الْأَسِيرِ فَدَخَلَ إلَيْهِمْ الْمَأْمُورُ بِأَمَانٍ فَفَعَلَ ذَلِكَ، ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْمَالِ، فَهُوَ فَيْءٌ، وَلَا سَبِيلَ لِصَاحِبِهِ عَلَيْهِ.\nلِأَنَّ الْمَال مَا وَصَلَ إلَى يَدِهِمْ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ هَا هُنَا بَلْ بِتَسْلِيمِ صَاحِبِهِ إلَيْهِمْ طَوْعًا.\n٢٥٣٨ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانُوا قَالُوا لَهُ: لَنَقْتُلَنَّك أَوْ لَتَفْدِيَن نَفْسَك.\nلِأَنَّهُ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ أَلَّا يَدْفَعَ الْمَالَ إلَيْهِمْ، حِينَ لَمْ يَكُنْ الْمَالُ مَعَهُ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُمْ مَا أَثْبَتُوا الْيَدَ عَلَى الْمَالِ قَهْرًا، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمَالُ مَعَهُ حِينَ أَسَرُوهُ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنْ دَفْعِ يَدِهِمْ عَنْ ذَلِكَ الْمَالِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ هُنَاكَ لَوْ صَبَرَ حَتَّى قَتَلُوهُ كَانَتْ يَدُهُمْ ثَابِتَةً عَلَى هَذَا الْمَالِ، وَهَا هُنَا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ تَثْبُتْ يَدُهُمْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ، فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَا عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَالِ الْمَأْمُورِ، الَّذِي أَمَرَهُ بِأَنْ يَفْدِيَهُ مِنْ مَالِهِ.\nأَرَأَيْت لَوْ رُدَّ هَذَا الْفِدَاءُ بَعْدَ مَا وَقَعَ فِي الْغَنِيمَةِ، أَكَانَ يُرَدُّ عَلَى مَنْ أَدَّى أَوْ عَلَى مَنْ أَمَرَ بِهِ وَهُوَ الْأَسِيرُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعِيدٌ مِنْ الْفِقْهِ. وَلَوْ وَقَعَ مُسْلِمٌ فِي صَفِّ الْمُشْرِكِينَ وَكَانَ يُقَاتِلُهُمْ، ثُمَّ صَالَحَهُمْ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ مِنْهُمْ عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ لَهُمْ سِلَاحَهُ وَفَرَسَهُ وَيُؤَمِّنُوهُ فَفَعَلُوا ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ الْمُسْلِمِينَ أَصَابُوا ذَلِكَ الْمَالَ فَهُوَ فَيْءٌ","vol":"1","page":1331},{"text":"لِأَنَّ يَدَهُمْ عَلَيْهِ مَا ثَبَتَتْ إلَّا بِإِعْطَاءِ الرَّجُلِ ذَلِكَ إلَيْهِمْ، فَإِنَّهُ أَعْطَى وَهُوَ مُقَاتِلٌ مُمْتَنِعٌ مِنْهُمْ، وَفِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَمْ تَكُنْ يَدُهُمْ ثَابِتَةً عَلَى نَفْسِهِ، فَكَذَلِكَ عَلَى مَا مَعَهُ مِنْ الْمَالِ بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْأَسْرِ.\n٢٥٣٩ - وَلَوْ حَاصَرَ الْمُشْرِكُونَ مَدِينَةً مِنْ مَدَائِنِ الْمُسْلِمِينَ فَصَالَحُوهُمْ عَلَى أَنْ يَكُفُّوا عَنْهُمْ أَيَّامًا مُسَمَّاةً، عَلَى أَنْ يُعْطُوهُمْ رَقِيقًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مُسَمَّيْنَ، كَانُوا أَسَرُوهُمْ مِنْهُمْ، وَأُولَئِكَ الرَّقِيقُ عَبِيدٌ لِأُنَاسٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَطَابَتْ أَنْفُسُ مَوَالِيهِمْ بِتَسْلِيمِهِمْ إلَيْهِمْ، ثُمَّ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ أَتَى الْمُسْلِمِينَ مَدَدٌ فَقَاتَلُوهُمْ وَظَهَرُوا عَلَى أُولَئِكَ الرَّقِيقِ فَهُمْ فَيْءٌ.\nلِأَنَّ الْمَوَالِيَ أَعْطَوْهُمْ الْمُشْرِكِينَ بِطِيبَةِ أَنْفُسِهِمْ.\n٢٥٤٠ - وَلَوْ كَانَ وَالِي الْمَدِينَةِ أَخَذَ أُولَئِكَ الرَّقِيقَ، بِغَيْرِ طِيبِ أَنْفُسِهِمْ فَدَفَعَهُمْ إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَإِنْ ظَفِرَ بِهِمْ الْمُسْلِمُونَ، قَبْلَ أَنْ يُحْرِزُوهُمْ بِدَارِهِمْ، رُدُّوا عَلَى مَوَالِيهِمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَبَعْدَهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْإِحْرَازِ رُدُّوا عَلَى مَوَالِيهِمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَبَعْدَهَا بِالْقِيمَةِ إنْ أَحَبُّوا.\nلِأَنَّهُمْ أُخِذُوا مِنْ الْمَوَالِي بِغَيْرِ طِيبِ أَنْفُسِهِمْ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْآخِذُ أَمِيرَ الْمُسْلِمِينَ فَيَدْفَعَهُ إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْآخِذُ أَهْلَ الْحَرْبِ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ.","vol":"1","page":1332},{"text":"٢٥٤١ - فَإِنْ أَبَوْا أَخْذَهُمْ بَعْدَ الْقِسْمَةِ بِالْقِيمَةِ كَانَ لَهُمْ أَنْ يُضَمِّنُوا الْأَمِيرَ قِيمَتَهُمْ.\nلِأَنَّهُ غَصَبَهُمْ مِنْ الْمَوَالِي وَالْمَغْصُوبُ مَضْمُونٌ عَلَى الْغَاصِبِ بِالْقِيمَةِ، مَا لَمْ يَعُدْ بِهِ إلَى يَدِ مَوْلَاهُ، وَإِذَا ضَمِنَ قِيمَتَهُمْ فَقَدْ مَلَكَهُمْ بِالضَّمَانِ، فَيَكُونُ حُكْمُهُمْ كَحُكْمِ مَا لَوْ كَانُوا مِلْكًا لَهُ، فَأَخَذَهُ الْمُشْرِكُونَ بِغَيْرِ رِضَاهُ حَتَّى يَكُونَ لَهُ إنْ يَأْخُذَهُمْ بِالْقِيمَةِ. وَلَا يُقَالُ: هُوَ قَدْ سَلَّمَهُمْ طَوْعًا، فَيَنْبَغِي أَلَّا يَكُونَ لَهُ حَقُّ الْأَخْذِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الْغَنِيمَةِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ سَلَّمَهُمْ طَوْعًا، عَلَى أَنْ يُتَمَلَّكُوا عَلَى الْمَوَالِي لَا عَلَيْهِ، فَبَعْدَ مَا اسْتَقَرَّ الْمِلْكُ لَهُ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ الرِّضَى وَالطَّوَاعِيَةِ مِنْهُ، فَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ قَهْرًا، وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ وَالْمُعِينُ.","vol":"1","page":1333},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>[بَابُ فِدَاءِ الْعَبْدِ الْغَصْبِ وَالْعَارِيَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ]</span>\nَ ٢٥٤٢ - رَجُلٌ غَصَبَ عَبْدًا ثُمَّ أَصَابَهُ الْمُشْرِكُونَ فَأَحْرَزُوهُ، ثُمَّ وَقَعَ فِي الْغَنِيمَةِ، فَإِنْ وَجَدَهُ صَاحِبُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِالْقِيمَةِ إنْ شَاءَ.\nلِأَنَّ الْمَغْصُوبَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ.\n٢٥٤٣ - فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُسْتَوْلَى عَلَى ذَلِكَ فِي يَدِهِ أَوْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ مِنْهُ.\nلِأَنَّهُ حَقُّ الْآخِذِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ لَهُ بِاعْتِبَارِ قَدِيمِ مِلْكِهِ.\n٢٥٤٤ - فَإِنْ أَخَذَهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ بَرِئَ الْغَاصِبُ مِنْ الضَّمَانِ.\nلِأَنَّ عَيْنَ مَالِهِ عَادَ إلَى يَدِهِ مَجَّانًا.\n٢٥٤٥ - وَإِنْ أَخَذَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ بِالْقِيمَةِ كَانَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْغَاصِبَ تِلْكَ الْقِيمَةَ.\nلِأَنَّهُ مَا وَصَلَتْ يَدُهُ إلَى مَالِهِ إلَّا بَعْدَ أَدَاءِ مِثْلِهِ فِي الْمَالِيَّةِ. فَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْمَالِيَّةَ الَّتِي كَانَتْ مَضْمُونَةً عَلَى الْغَاصِبِ لَمْ تُسَلَّمْ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ فَيَكُونُ لَهُ حَقُّ","vol":"1","page":1334},{"text":"تَضْمِينِ الْغَاصِبِ الْقِيمَةَ بِاعْتِبَارِ الْغَصْبِ، كَمَا لَوْ رَدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ فَدَفَعَ بِجِنَايَةٍ كَانَ جَنَى عِنْدَ الْغَاصِبِ، أَوْ بِيعَ فِي دَيْنٍ كَانَ لَزِمَهُ عِنْدَ الْغَاصِبِ.\n٢٥٤٦ - وَإِنْ أَبَى أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْقِيمَةِ كَانَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْغَاصِبَ قِيمَتَهُ يَوْمَ غَصْبِهِ.\nلِأَنَّهُ مَا تَمَكَّنَ مِنْ إثْبَاتِ يَدِهِ عَلَيْهِ حِينَ كَانَ مَمْنُوعًا مِنْ أَخْذِهِ، قَبْلَ أَدَاءِ الْقِيمَةِ، فَيَكُونُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْهَلَاكِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ.\n٢٥٤٧ - ثُمَّ إذَا ضَمِنَ الْغَاصِبُ قِيمَتَهُ فَقَدْ مَلَكَهُ بِالضَّمَانِ، فَيَقُومُ مَقَامَ الْمَالِكِ فِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهُ، بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَهُ مِمَّنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ بِالْقِيمَةِ وَبَيْنَ أَنْ يَتْرُكَهُ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْغَاصِبُ ضَمِنَ قِيمَتَهُ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهُ الْمُسْلِمُونَ، وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَقَعْ الْعَبْدُ فِي الْغَنِيمَةِ، وَلَكِنْ اشْتَرَاهُ مِنْهُمْ تَاجِرٌ فَأَخْرَجَهُ، فَإِنْ كَانَ مَوْلَاهُ لَمْ يُضَمِّنْ الْغَاصِبَ قِيمَتَهُ. فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى الْغَاصِبِ، بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ يَوْمَ غَصْبِهِ، وَمِنْ الثَّمَنِ الَّذِي غَرِمَ فِيهِ.\nلِأَنَّ التَّيَقُّنَ بِالِاسْتِحْقَاقِ عَلَيْهِ فِي مِقْدَارِ الْأَقَلِّ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ بِيعَ الْعَبْدُ بِالدَّيْنِ، بَعْدَمَا رَدَّهُ عَلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ.\n٢٥٤٨ - وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ وَضَمَّنَ الْغَاصِبَ كَمَالَ قِيمَتِهِ يَوْمَ الْغَصْبِ.","vol":"1","page":1335},{"text":"لِأَنَّهُ حِينَ كَانَ لَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلَّا بِثَمَنٍ وَلَا يَلْزَمُهُ أَدَاءُ الثَّمَنِ كَانَ هُوَ كَالْهَالِكِ فِي يَدِهِ.\n٢٥٤٩ - ثُمَّ الْخِيَارُ لِلْغَاصِبِ فِي أَخْذِهِ بِالثَّمَنِ مِنْ الْمُشْتَرِي، سَوَاءٌ ضَمِنَ قِيمَتَهُ قَبْلَ الشِّرَاءِ أَوْ بَعْدَهُ.\nلِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالضَّمَانِ.\n٢٥٥٠ - فَإِنْ كَانَ مَوْلَاهُ حِينَ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ قِيمَتَهُ قَبْلَ الشِّرَاءِ إنَّمَا أَخَذَ الْقِيمَةَ بِزَعْمِ الْغَاصِبِ بَعْدَ مَا حَلَفَ، ثُمَّ ظَهَرَ الْعَبْدُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَأَدَّى قِيمَتَهُ كَمَا قَالَ الْمَوْلَى، فَهُوَ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ رَدَّ الْقِيمَةَ عَلَى الْغَاصِبِ وَأَخَذَ الْعَبْدَ بِالثَّمَنِ، ثُمَّ رَجَعَ عَلَى الْغَاصِبِ بِالْأَقَلِّ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ تِلْكَ الْقِيمَةَ، وَالْخِيَارُ فِي الْأَخْذِ بِالثَّمَنِ لِلْغَاصِبِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَوَفَّرْ عَلَيْهِ كَمَالُ الْمَالِيَّةِ حِينَ ظَهَرَ أَنَّ قِيمَتَهُ كَمَا قَالَ الْمَوْلَى، فَتَقَعُ الْحَاجَةُ إلَى إثْبَاتِ الْخِيَارِ لَهُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنْ أَبَى أَنْ يَرُدَّ الْقِيمَةَ الْمَقْبُوضَةَ وَقَالَ: أَنَا أَرْجِعُ عَلَى الْغَاصِبِ بِفَضْلِ الْقِيمَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.\nلِأَنَّ حَقَّهُ فِي الْقِيمَةِ وَقْتَ الْغَصْبِ. وَبِمَعْرِفَةِ قِيمَتِهِ الْآنَ لَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ قِيمَتَهُ وَقْتَ الْغَصْبِ كَانَ هَذَا الْمِقْدَارَ. وَإِنَّمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الظَّاهِرِ. وَبِالظَّاهِرِ لَا يَثْبُتُ الِاسْتِحْقَاقُ، فَلِهَذَا لَا يَسْتَحِقُّ فَضْلَ الْقِيمَةِ إذَا أَبَى أَنْ يَرُدَّ الْمَقْبُوضَ، وَإِنَّمَا اسْتَدَلَّ الْكَرْخِيُّ - ﵀ - لِهَذَا اللَّفْظِ وَهُوَ قَوْلُهُ. فَوَجَدَ قِيمَةَ الْعَبْدِ كَمَا","vol":"1","page":1336},{"text":"قَالَ الْمَوْلَى فِي التَّقْسِيمِ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ فِيمَا إذَا أَخَذَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ الْقِيمَةَ بِزَعْمِ الْغَاصِبِ. وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ مِنْ شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ.\n٢٥٥١ - وَكَذَلِكَ لَوْ وَقَعَ الْعَبْدُ فِي الْغَنِيمَةِ فَحَضَرَ مَوْلَاهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ مَعَ الْغَاصِبِ، فَإِنَّهُ يُبْدَأُ بِتَخْيِيرِ الْمَوْلَى، فَإِنْ شَاءَ رَدَّ الْقِيمَةَ الْمَقْبُوضَةَ، وَأَخَذَ الْعَبْدَ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ أَبَى رَدَّ الْقِيمَةِ، فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الْعَبْدِ وَلَا عَلَى الْغَاصِبِ، وَلَكِنَّ الْغَاصِبَ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ.\nلِأَنَّهُ صَارَ رَاضِيًا بِتِلْكَ الْقِيمَةِ، حِينَ أَبَى أَنْ يَرُدَّهُ الْقِيمَةَ، فَكَأَنَّ الْغَاصِبَ كَانَ أَعْطَاهُ الْقِيمَةَ بِقَوْلِهِ فِي الِابْتِدَاءِ، ثُمَّ وَقَعَ الْعَبْدُ فِي الْغَنِيمَةِ، وَقِيمَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ.\n٢٥٥٢ - وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ حَتَّى وَقَعَ فِي سَهْمِ رَجُلٍ بِالْقِسْمَةِ فَمَوْلَاهُ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ رَدَّ الْقِيمَةَ عَلَى الْغَاصِبِ، ثُمَّ أَخَذَهُ بِقِيمَتِهِ، مِمَّنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ، ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى الْغَاصِبِ [بِالْأَقَلِّ] مِنْ قِيمَتِهِ يَوْمَ غَصْبِهِ، وَمِنْ قِيمَتِهِ الْمَدْفُوعَةِ إلَى مَنْ وَقَعَ سَهْمُهُ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ تِلْكَ الْقِيمَةَ وَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الْعَبْدِ، وَلِلْغَاصِبِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِقِيمَتِهِ إنْ شَاءَ، وَلَوْ كَانَ مَوْلَاهُ إنَّمَا أَخَذَ الْقِيمَةَ مِنْ الْغَاصِبِ بِبَيِّنَةٍ قَامَتْ لَهُ، أَوْ بِإِقْرَارٍ أَوْ بِإِبَاءِ يَمِينٍ عَنْ الْغَاصِبِ، أَوْ بِصُلْحٍ كَانَ بَيْنَهُمَا، فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الْعَبْدِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ الْغَاصِبَ هُوَ الَّذِي يَأْخُذُهُ بِقِيمَتِهِ إنْ شَاءَ.","vol":"1","page":1337},{"text":"لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمِلْكَ قَدْ اسْتَقَرَّ لِلْغَاصِبِ بِمَا أَدَّى مِنْ الْقِيمَةِ فَانْقَطَعَ حَقُّ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.\n٢٥٥٣ - وَلَوْ أَنَّ عَبْدًا كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ إجَارَةً فَأَخَذَهُ الْمُشْرِكُونَ، ثُمَّ وَقَعَ فِي الْغَنِيمَةِ، فَإِنْ وَجَدَهُ الْمُسْتَأْجِرُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ كَانَ هُوَ الْخَصْمُ، فَيَأْخُذُهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ حَتَّى يَرُدَّهُ إلَى الْإِجَارَةِ كَمَا كَانَ لِأَنَّ يَدَهُ بِحُكْمِ الْإِجَارَةِ كَانَتْ مُسْتَحِقَّةً عَلَى الْمَوْلَى، حَتَّى لَوْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مِنْ ذَلِكَ، وَعَقْدُ الْإِجَارَةِ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ لَمْ يَبْطُلْ، فَلِهَذَا كَانَ هُوَ الْخَصْمُ فِي اسْتِرْدَادِهِ.\n٢٥٥٤ - وَيَبْطُلُ عَنْهُ الْأَجْرُ بِمِقْدَارِ مَا كَانَ فِي يَدِ الْمُشْرِكِينَ.\nلِأَنَّهُ مَا كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ.\n٢٥٥٥ - فَإِذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِهِ عَلَى وَجْهِ الْإِجَارَةِ فَرَدَّهُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ، ثُمَّ حَضَرَ صَاحِبُهُ فَجَحَدَ الْإِجَارَةَ، وَزَعَمَ أَنَّهُ كَانَ وَدِيعَةً فِي يَدِهِ، أَوْ عَارِيَّةً، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَعَلَى الْمُسْتَأْجِرِ إعَادَةُ الْبَيِّنَةِ.\nلِأَنَّ الْقَاضِيَ مَا قَضَى بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ حِينَ رَدَّهُ عَلَيْهِ. فَإِنَّ تِلْكَ الْبَيِّنَةَ قَامَتْ عَلَى غَائِبٍ لَيْسَ عَنْهُ خَصْمٌ، وَهُوَ يَسْتَغْنِي عَنْ إثْبَاتِ الْإِجَارَةِ فِي الِاسْتِرْدَادِ، وَلِأَنَّ حَقَّ الِاسْتِرْدَادِ إنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ أُخِذَ مِنْ يَدِهِ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ يَدُهُ فِيهِ بِجِهَةِ الْوَدِيعَةِ، أَوْ الْعَارِيَّةِ أَوْ الْإِجَارَةِ، فَلِهَذَا لَا يَتَضَمَّنُ قَضَاؤُهُ بِالرَّدِّ الْقَضَاءُ بِالْإِجَارَةِ عَلَى الْغَائِبِ.","vol":"1","page":1338},{"text":"وَإِنْ وَجَدَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقُولُ لَهُ: إنْ شِئْت فَخُذْهُ بِالْقِيمَةِ، وَأَنْتَ مُتَطَوِّعٌ فِي الْفِدَاءِ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ رَدَّهُ الْقَاضِي عَلَيْهِ، وَعَادَ إلَى يَدِهِ عَلَى الْإِجَارَةِ كَمَا كَانَ.\nوَإِنَّمَا كَانَ مُتَطَوِّعًا فِي الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّهُ فَدَى مِلْكَ الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ لَهُ إلَى ذَلِكَ فَإِنَّ الْمُسْتَأْجِرَ لَمْ يَكُنْ فِي ضَمَانِهِ.\n٢٥٥٧ - وَلَوْ أَبَى أَنْ يَفْدِيَهُ مَا كَانَ لِصَاحِبِهِ أَنْ يُضَمِّنَهُ شَيْئًا، فَإِذَا كَانَ هُوَ بِالْفِدَاءِ لَا يُسْقِطُ الضَّمَانَ عَنْ نَفْسِهِ كَانَ مُتَبَرِّعًا فِيهِ، ثُمَّ إذَا حَضَرَ مَوْلَاهُ فَأَنْكَرَ الْإِجَارَةَ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى ذَلِكَ، وَالْقَضَاءُ عَلَيْهِ مَاضٍ، بِاعْتِبَارِ تِلْكَ الْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّ بِمُجَرَّدِ يَدِهِ مَا كَانَ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَخْذِهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي يَدِهِ وَدِيعَةٌ أَوْ عَارِيَّةٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَصْلًا، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ حِينَ قُضِيَ لَهُ بِالْأَخْذِ فَقَدْ قُضِيَ بِالْإِجَارَةِ عَلَى الْغَائِبِ، بِمَا قَامَ عَلَيْهِ مِنْ الْبَيِّنَةِ، وَجُعِلَ مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ خَصْمًا عَنْ الْغَائِبِ فِي إنْكَارِ الْإِجَارَةِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ، فَإِنَّ هُنَاكَ يَتَمَكَّنُ مِنْ الْأَخْذِ بِمُجَرَّدِ إثْبَاتِ الْيَدِ بِنَفْسِهِ، قَبْلَ الْأَسْرِ لِمَعْنًى، وَهُوَ أَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ إنَّمَا يَثْبُتُ لِمَنْ يُحْيِي بِالْأَخْذِ مِلْكًا كَانَ لَهُ قَبْلَ الْأَسْرِ، إمَّا فِي الْعَيْنِ أَوْ فِي الْمَنْفَعَةِ وَالْمُسْتَأْجِرُ يُحْيِي مِلْكَهُ فِي الْمَنْفَعَةِ، فَأَمَّا الْمُودَعُ وَالْمُسْتَعِيرُ فَهُوَ لَا يُحْيِي مِلْكًا لَهُ قَبْلَ الْأَسْرِ، فَيَكُونُ أَخْذُهُ بِالْقِيمَةِ، فِي حُكْمِ ابْتِدَاءِ التَّمَلُّكِ بِعِوَضٍ، وَلَا يَكُونُ فِدَاءً لِلْمَأْسُورِ، فَأَمَّا قَبْلَ الْقِسْمَةِ إنَّمَا يَأْخُذُهُ مَجَّانًا لِيُعِيدَهُ إلَى يَدِهِ، كَمَا كَانَ، وَالْمُودَعُ وَالْمُسْتَعِيرُ فِي هَذَا كَالْمُسْتَأْجِرِ، فَإِنْ أَبَى الْمُسْتَأْجِرُ أَنْ يَفْدِيَهُ بِالْقِيمَةِ","vol":"1","page":1339},{"text":"أَوْ بِالثَّمَنِ مِنْ الْمُشْتَرِي حَتَّى حَضَرَ مَوْلَاهُ فَأَخَذَهُ بِذَلِكَ، كَانَ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ حَتَّى يُعِيدَهُ فِي الْإِجَارَةِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْأَجْرُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِمَا مَضَى، لِأَنَّ عَقْدَ الْإِجَارَةِ بَاقٍ بَيْنَهُمَا فِي بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ، فَإِنَّ الْإِجَارَةَ فِي حُكْمِ عُقُودٍ مُتَعَدِّدَةٍ، بِحَسَبِ مَا يَحْدُثُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ، أَوْ كَانَ مُنْعَقِدًا جُمْلَةً وَلَكِنْ بِفَوَاتِ بَعْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ لَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ فِيمَا بَقِيَ، وَلَيْسَ لِلْمُؤَاجِرِ أَنْ يَقُولَ إنِّي فَدَيْته فَلَا أُعْطِيكَهُ حَتَّى تُعْطِيَنِي الْفِدَاءَ، لِأَنَّ الْعَيْنَ لَمْ تَكُنْ فِي ضَمَانِ الْمُسْتَأْجِرِ، فَمَا كَانَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْفِدَاءِ حَتَّى يَحْبِسَهُ عَنْهُ بِذَلِكَ، وَهُوَ بِالْأَخْذِ إعَادَةٌ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ، وَقَدْ كَانَ لِلْمُسْتَأْجِرِ حَقٌّ مُسْتَحَقٌّ فِي قَدِيمِ مِلْكِهِ، فَيَعُودُ كَمَا كَانَ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ جَنَى الْعَبْدُ جِنَايَةً فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ فَفَدَاهُ الْمُؤَاجِرُ بِالْأَرْشِ.\n٢٥٥٨ - وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ رَهْنًا فِي يَدِ الْمَأْسُورِ مِنْهُ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَإِنْ وَجَدَهُ الْمُرْتَهِنُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَهُوَ أَحَقُّ بِأَخْذِهِ بِاعْتِبَارِ يَدِهِ، وَقَدْ كَانَتْ يَدُهُ مُسْتَحِقَّةً عَلَى الرَّاهِنِ، فَلَا يَنْتَظِرُ حُضُورَ الرَّاهِنِ فِي أَخْذِهِ إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ أُخِذَ عَنْ يَدِهِ ثُمَّ بَعْدَ الْأَخْذِ يَعُودُ رَهْنًا كَمَا كَانَ، فَإِنْ حَضَرَ الرَّاهِنُ فَأَنْكَرَ الدَّيْنَ وَالرَّهْنَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، إلَّا أَنْ يُعِيدَ الْمُرْتَهِنُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ.\nلِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الرَّدَّ عَلَيْهِ كَانَ بِمُجَرَّدِ ثُبُوتِ الْأَخْذِ مِنْ يَدِهِ لَا بِثُبُوتِ صِفَةِ يَدِهِ وَهُوَ يَدُ الرَّهْنِ.\n٢٥٥٩ - فَإِنْ حَضَرَ الْمُرْتَهِنُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِقِيمَتِهِ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ، فَإِنْ أَخَذَهُ بِالْقِيمَةِ عَادَ رَهْنًا كَمَا كَانَ قَبْلَ الْأَسْرِ، ثُمَّ إذَا حَضَرَ مَوْلَاهُ فَأَرَادَ أَخْذَهُ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ، فَإِنْ","vol":"1","page":1340},{"text":"كَانَ قِيمَةُ الرَّهْنِ وَالدَّيْنِ سَوَاءً، أَوْ كَانَ الدَّيْنُ أَكْثَرَ فَلِلْمَوْلَى ذَلِكَ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا.\nلِأَنَّ جَمِيعَ مَالِيَّةِ الرَّهْنِ كَانَ مَضْمُونًا عَلَى الْمُرْتَهِنِ، وَالْفِدَاءُ فِي الْمَضْمُونِ يَكُونُ عَلَى الضَّامِنِ لَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مِثْلَ نِصْفِ قِيمَتِهِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا فَالْجَوَابُ كَذَلِكَ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَكُونُ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الرَّاهِنِ بِنِصْفِ الْفِدَاءِ، وَلَا يَدْفَعُ الْعَبْدَ إلَيْهِ حَتَّى يَقْبِضَ ذَلِكَ، وَهَذَا نَظِيرُ الْفِدَاءِ مِنْ الْجِنَايَةِ إذَا فَدَاهُ الْمُرْتَهِنُ، وَالرَّاهِنُ غَائِبٌ، وَفِي قِيمَتِهِ فَضْلٌ عَلَى الدَّيْنِ، فَإِنَّ الْمُرْتَهِنَ يَكُونُ مُتَطَوِّعًا فِي الْفَضْلِ فِي قَوْلِهِمَا، وَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا يَكُونُ مُتَطَوِّعًا، وَلَكِنْ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الرَّاهِنِ، فَكَذَلِكَ حُكْمُ الْفِدَاءِ بَعْدَ الْأَسْرِ، وَلَا حَاجَةَ إلَى إعَادَةِ الْبَيِّنَةِ إنْ أَنْكَرَ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ وَالدَّيْنَ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْقَاضِيَ إنَّمَا قَضَى هَا هُنَا لِلْمُرْتَهِنِ بِالْأَخْذِ بِالْقِيمَةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ أَحْيَا بِهِ مِلْكَ الْيَدِ الْمُسْتَحَقِّ لَهُ بِعَقْدِ الرَّهْنِ، فَكَانَ مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ خَصْمًا عَنْ الرَّاهِنِ فِي إثْبَاتِ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ.\n٢٥٦٠ - وَإِنْ حَضَرَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ جَمِيعًا فَأَبَى الرَّاهِنُ أَنْ يَفْدِيَهُ وَفَدَاهُ الْمُرْتَهِنُ عَادَ رَهْنًا كَمَا كَانَ، وَالْمُرْتَهِنُ مُتَطَوِّعٌ، فِيمَا أَدَّى مِنْ الْقِيمَةِ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا، بِمَنْزِلَةِ الْفِدَاءِ مِنْ الْجِنَايَةِ، فَإِنَّ عِنْدَ حَضْرَةِ الرَّاهِنِ يَكُونُ الْمُرْتَهِنُ مُتَطَوِّعًا فِي الْفِدَاءِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي قِيمَتِهِ فَضْلٌ عَلَى الدَّيْنِ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَلَوْ لَمْ يَحْضُرْ الْمُرْتَهِنُ وَحَضَرَ الرَّاهِنُ فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ عَبْدُهُ كَانَ مَرْهُونًا عِنْدَ فُلَانٍ بِمِائَةٍ فَإِنْ وُجِدَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ قُضِيَ لَهُ بِهِ.","vol":"1","page":1341},{"text":"لِأَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ لَهُ مَجَّانًا بِاعْتِبَارِ قَدِيمِ مِلْكِهِ، وَقَدْ أَثْبَتَهُ بِالْبَيِّنَةِ، وَلَكِنْ لَا يُدْفَعُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ أَنَّ الْيَدَ فِيهِ مُسْتَحَقَّةٌ عَلَيْهِ لِلْمُرْتَهِنِ حَتَّى يَقْضِيَهُ دَيْنَهُ، فَلَا يَدْفَعُهُ الْقَاضِي إلَيْهِ نَظَرًا مِنْهُ لِلْمُرْتَهِنِ، فَإِنَّهُ نَاظِرٌ لِكُلِّ مَنْ عَجَزَ عَنْ النَّظَرِ بِنَفْسِهِ، وَلَكِنَّهُ يَضَعُهُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ، حَتَّى يَحْضُرَ الْمُرْتَهِنُ فَيَقْبِضَهُ.\n٢٥٦١ - وَإِنْ حَضَرَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَوْ وَجَدَهُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ فَأَرَادَ أَنْ يَفْدِيَهُ بِالثَّمَنِ قُضِيَ لَهُ بِذَلِكَ.\nلِأَنَّهُ يُحْيِي مِلْكَهُ الْقَدِيمَ بِهَذَا الْأَخْذِ.\n٢٥٦٢ - ثُمَّ إنْ كَانَ الْفِدَاءُ مِثْلَ قِيمَةِ الرَّهْنِ أَوْ أَكْثَرَ دَفَعَهُ الْقَاضِي إلَيْهِ، وَلَمْ يَضَعْهُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ.\nلِأَنَّ الْفِدَاءَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ هَا هُنَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ مَالِيَّةَ الرَّهْنِ كَانَتْ فِي ضَمَانِهِ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ.\nوَإِذَا ثَبَتَ لِلرَّاهِنِ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ بِمَا غَرِمَ مِنْ الْفِدَاءِ فَقَدْ سَقَطَ حُكْمُ اسْتِحْقَاقِ يَدِهِ عَلَيْهِ، مَا لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ الْفِدَاءَ، فَلِهَذَا سَلَّمَهُ إلَيْهِ: بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ. فَإِذَا أَخَذَهُ ثُمَّ حَضَرَ الْمُرْتَهِنُ قِيلَ لَهُ: إنْ شِئْت فَأَدِّ الْفِدَاءَ وَخُذْهُ رَهْنًا كَمَا كَانَ، وَإِنْ شِئْت فَدَعْهُ، وَقَدْ بَطَلَ دَيْنُك، لِأَنَّ مَالِيَّتَهُ هَلَكَتْ فِي ضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ، حِينَ لَمْ يَتَمَكَّنْ الرَّاهِنُ مِنْ أَخْذِهِ إلَّا بِالْفِدَاءِ، فَيُجْعَلُ هُوَ فِي حُكْمِ الْمُسْتَوْفِي لِدَيْنِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُجْعَلْ الرَّاهِنُ مُتَبَرِّعًا فِي الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِهِ إحْيَاءَ مِلْكِهِ فِي الْعَيْنِ وَهُوَ مُضْطَرٌّ إلَى ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْمُرْتَهِنِ فِي فَضْلِ الْفِدَاءِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُتَبَرِّعًا فِي الْفِدَاءِ، وَالْمُسْتَأْجِرُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَا قَصَدَ بِهِ إحْيَاءَ مِلْكِهِ فِي الْعَيْنِ، إذْ لَا مِلْكَ لَهُ فِي الْعَيْنِ، وَإِنْ كَانَ الْفِدَاءُ الَّذِي فَدَى","vol":"1","page":1342},{"text":"بِهِ الرَّاهِنُ أَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ الرَّهْنِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَضَعُهُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ، وَلَا يَدْفَعُهُ إلَى الرَّاهِنِ.\nلِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّ الرَّاهِنَ يَصِيرُ مُوفِيًا لِلْمُرْتَهِنِ بِمَا أَدَّى ذَلِكَ الْقَدْرَ مِنْ دَيْنِهِ بِاعْتِبَارِ ثُبُوتِ حَقِّ الرُّجُوعِ بِهِ لَهُ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ اسْتِحْقَاقَ الْيَدِ لِلْمُرْتَهِنِ لَا يَبْطُلُ، بِاسْتِيفَائِهِ بَعْضَ الدَّيْنِ، فَلِهَذَا وَضَعَهُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ، فَإِذَا حَضَرَ الْمُرْتَهِنُ فَإِنْ شَاءَ أَدَّى الْفِدَاءَ وَكَانَ رَهْنًا بِجَمِيعِ الدَّيْنِ عِنْدَهُ، كَمَا كَانَ قَبْلَ الْأَسْرِ، وَإِنْ أَبَى أَنْ يُؤَدِّيَ الْفِدَاءَ كَانَ رَهْنًا عِنْدَهُ بِمَا بَقِيَ مِنْ دَيْنِهِ، لِأَنَّ بِتَعَذُّرِ الْفِدَاءِ قَدْ صَارَ هُوَ مُسْتَوْفِيًا بِطَرِيقِ الْمُقَاصَّةِ، فَإِنَّ الرَّاهِنَ اسْتَوْجَبَ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَلِلْمُرْتَهِنِ عَلَيْهِ مِثْلُهُ فَكَانَ قِصَاصًا بِهِ.\nفَإِنْ مَاتَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ بَعْدَ ذَلِكَ رَجَعَ الرَّاهِنُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي فَدَاهُ، لِأَنَّهُ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ صَارَ مُسْتَوْفِيًا جَمِيعَ دَيْنِهِ، وَظَهَرَ أَنَّهُ فِي مِقْدَارِ الْفِدَاءِ قَدْ اسْتَوْفَاهُ مَرَّتَيْنِ، وَإِنْ كَانَ فَدَاهُ بِدَرَاهِمَ وَكَانَ الدَّيْنُ دَنَانِيرَ أَوْ طَعَامًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، رَجَعَ عَلَيْهِ بِحِصَّةِ الْفِدَاءِ مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي كَانَ لَهُ عَلَى الرَّاهِنِ، لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ بِطَرِيقِ الْمُقَاصَّةِ بِمَنْزِلَةِ اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ حَقِيقَةً، حَتَّى لَوْ اسْتَوْفَاهُ حَقِيقَةً رَجَعَ فِي ذَلِكَ الْمُسْتَوْفَى بَعْدَ هَلَاكِ الرَّهْنِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الرَّهْنِ بِاعْتِبَارِ الْمَالِيَّةِ لَا بِاعْتِبَارِ الْعَيْنِ فَإِنَّهُ ضَمَانُ اسْتِيفَاءٍ، وَالِاسْتِيفَاءُ إنَّمَا يَكُونُ بِالْجِنْسِ لَا بِخِلَافِ الْجِنْسِ، وَالْمُجَانَسَةُ بَيْنَ الْأَمْوَالِ بِصِفَةِ الْمَالِيَّةِ، فَلِهَذَا كَانَ رُجُوعُهُ بِذَلِكَ الْقَدْرِ مِنْ الدَّيْنِ، لَا مِنْ جِنْسِ الْفِدَاءِ.\n٢٥٦٣ - وَلَوْ أَنَّ الْعَبْدَ الْمَوْهُوبَ أَسَرَهُ الْعَدُوُّ فَأَحْرَزَهُ، ثُمَّ وَقَعَ فِي الْغَنِيمَةِ فَحَضَرَ الْوَاهِبُ وَالْمَوْهُوبُ لَهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، فَإِنَّ حَقَّ الْأَخْذِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ.","vol":"1","page":1343},{"text":"لِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ حَصَلَ عَلَى مِلْكِهِ، وَثُبُوتُ حَقِّ الْأَخْذِ بِاعْتِبَارِ قَدِيمِ الْمِلْكِ، أَوْ بِاعْتِبَارِ الْيَدِ، وَقَدْ كَانَا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ حِينَ أُسِرَ.\n٢٥٦٤ - فَإِذَا أَخَذَهُ رَجَعَ فِيهِ الْوَاهِبُ.\nلِأَنَّهُ بِالْأَخْذِ أَعَادَهُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ، وَقَدْ كَانَ حَقُّ الرُّجُوعِ لِلْوَاهِبِ ثَابِتًا فِي قَدِيمِ مِلْكِهِ.\n٢٥٦٥ - وَإِنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ غَائِبًا فَلَا سَبِيلَ لِلْوَاهِبِ عَلَيْهِ.\nلِأَنَّ حَقَّهُ فِي مِلْكِهِ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ. فَمَا لَمْ يَعُدْ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ لَا يَظْهَرُ فِعْلُ حَقِّهِ.\n٢٥٦٦ - وَإِنْ قَالَ الْمَوْهُوبُ لَهُ حِينَ حَضَرَ لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ] لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ، وَقَضَى الْقَاضِي عَلَيْهِ بِالرَّدِّ، ثُمَّ قَضَى لِلْوَاهِبِ بِالرُّجُوعِ فِيهِ.\nلِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِمِلْكِهِ حَقُّ الْوَاهِبِ، وَقَدْ جَاءَ الْوَاهِبُ طَالِبًا لِحَقِّهِ.\n٢٥٦٧ - وَهُوَ فِي هَذَا الْإِبَاءِ مُتَعَنِّتٌ، قَاصِدٌ إلَى الْإِضْرَارِ بِالْعَيْنِ، لَا إلَى دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ.\nلِأَنَّهُ يَأْخُذُهُ مَجَّانًا، وَالْقَاضِي لَا يَلْتَفِتُ إلَى قَوْلِ الْمُتَعَنِّتِ. وَلِأَنَّهُ لَمَّا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْوَاهِبِ بِمِلْكِهِ قَامَ طَلَبُ الْوَاهِبِ بِحَضْرَتِهِ مَقَامَ طَلَبِهِ.","vol":"1","page":1344},{"text":"وَإِنْ كَانَا حَضَرَا بَعْدَ الْقِسْمَةِ، أَوْ وَجَدَاهُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، فَإِنْ أَخَذَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِالثَّمَنِ أَوْ بِالْقِيمَةِ فَلِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ.\nلِأَنَّهُ عَادَ كَمَا كَانَ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ.\n٢٥٦٩ - فَإِنْ قَالَ الْمَوْهُوبُ لَهُ فَلْيَرُدَّ الْوَاهِبُ عَلَيَّ الْفِدَاءَ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ.\nلِأَنَّهُ فَدَى مِلْكَ نَفْسِهِ، وَهُوَ مَا كَانَ مَضْمُونًا عَلَى غَيْرِهِ لِيَرْجِعَ عَلَيْهِ بِحُكْمِ ذَلِكَ الضَّمَانِ.\n٢٥٧٠ - وَإِنْ قَالَ الْمَوْهُوبُ لَهُ لَا أُرِيدُ أَخْذَهُ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَنِّتٍ فِي هَذَا الْإِبَاءِ، بَلْ هُوَ مُمْتَنِعٌ مِنْ الْتِزَامِ غُرْمٍ غَيْرِ مُفِيدٍ فِي حَقِّهِ، وَلِلْإِنْسَانِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ الْتِزَامِ الْغُرْمِ.\n٢٥٧١ - وَإِنْ كَانَ لَهُ فِيهِ فَائِدَةٌ فَلَأَنْ يَكُونَ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْهُ وَلَا فَائِدَةَ لَهُ فِيهِ كَانَ أَوْلَى، فَإِنْ قَالَ الْوَاهِبُ أَنَا أَفْدِيهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.\nلِأَنَّ الْأَسْرَ لَمْ يَكُنْ عَلَى مِلْكِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ بِالْفِدَاءِ لِمَنْ يُحْيِي بِهِ مِلْكَهُ وَالْوَاهِبُ هَا هُنَا بِالْفِدَاءِ يُحْيِي مِلْكَ الْمَوْهُوبِ لَهُ، ثُمَّ يَتَرَتَّبُ حَقُّهُ فِي الرُّجُوعِ عَلَى مِلْكِهِ، وَالْمَوْهُوبُ لَهُ مُمْتَنِعٌ مِنْ هَذَا الْفِدَاءِ، فَلَا يَصِيرُ الْوَاهِبُ مُتَمَكِّنًا مِنْهُ بَعْدَ مَا صَحَّ الِامْتِنَاعُ مِمَّنْ لَهُ الْحَقُّ.","vol":"1","page":1345},{"text":"وَإِنْ كَانَ الْمَأْسُورُ عَبْدًا جَانِيًا فَإِنْ وَجَدَهُ مَوْلَاهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَقَدْ عَادَ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ، كَمَا كَانَ، فَيُخَاطَبُ بِالدَّفْعِ بِالْجِنَايَةِ أَوْ الْفِدَاءِ. وَإِنْ حَضَرَ صَاحِبُ الْجِنَايَةِ دُونَ الْمَوْلَى لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ سَبِيلٌ.\nلِأَنَّ الْأَسْرَ مَا وَقَعَ عَلَى مِلْكِهِ وَلَا عَلَى يَدِهِ، إنَّمَا كَانَ حَقُّهُ فِي مِلْكِ الْمَوْلَى فَمَا لَمْ يَظْهَرْ مَحَلُّ حَقِّهِ لَا تُسْمَعُ خُصُومَتُهُ.\n٢٥٧٣ - فَإِنْ حَضَرَ الْمَوْلَى فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَهُ قِيلَ لَهُ: اخْتَرْ الدَّفْعَ أَوْ الْفِدَاءَ.\nلِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ إعَادَتِهِ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ فَيُجْعَلُ هَذَا التَّمَكُّنُ بِمَنْزِلَةِ حَقِيقَةِ عَوْدِ الْمِلْكِ إلَيْهِ مُرَاعَاةً لِحَقِّ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ.\n٢٥٧٤ - فَإِنْ اخْتَارَ الدَّفْعَ دَفَعَ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ.\nلِأَنَّهُ فِي الِامْتِنَاعِ مِنْ الْأَخْذِ مَعَ اخْتِيَارِ الدَّفْعِ مُتَعَنِّتٌ قَاصِدٌ إلَى إضْرَارِ صَاحِبِ الْجِنَايَةِ.\n٢٥٧٥ - وَإِنْ فَدَاهُ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ قِيلَ لَهُ: خُذْهُ لِنَفْسِك إنْ شِئْت.\nلِأَنَّهُ قَدْ وَصَلَ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ حَقُّهُ، فَخَلَصَ الْحَقُّ فِي الْأَخْذِ لِلْمَوْلَى، وَلَهُ رَأْيٌ فِي إيصَالِ الْمَنْفَعَةِ لِنَفْسِهِ، وَالِامْتِنَاعِ مِنْ ذَلِكَ.","vol":"1","page":1346},{"text":"٢٥٧٦ - وَإِنْ حَضَرَا بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَلِمَوْلَاهُ أَنْ يَفْدِيَهُ بِالْقِيمَةِ، وَبَعْدَ الْفِدَاءِ يُخَيَّرُ بَيْنَ الدَّفْعِ بِالْجِنَايَةِ بَيْنَ الْفِدَاءِ بِالْأَرْشِ.\nلِأَنَّهُ عَادَ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ.\n٢٥٧٧ - وَإِنْ أَبَى أَنْ يَفْدِيَهُ فَلَهُ ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُ مُمْتَنِعٌ مِنْ الْتِزَامِ الْغُرْمِ بِعِلْمِهِ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لَهُ فِيهِ، فَإِنَّ وَلِيَّ الْجِنَايَةِ يَأْخُذُهُ مِنْهُ.\n٢٥٧٨ - ثُمَّ لَيْسَ لِصَاحِبِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ.\nلِأَنَّ مَحَلَّ حَقِّهِ فَاتَ، لَا بِصُنْعِ الْمَوْلَى، فَلَا يَكُونُ هُوَ فِي حَقِّهِ مُخْتَارًا وَلَا مُسْتَهْلِكًا. فَإِنْ قِيلَ: لِمَاذَا لَمْ يُجْعَلْ مُسْتَهْلِكًا حِينَ امْتَنَعَ مِنْ أَخْذِهِ بَعْدَ مَا تَمَكَّنَ مِنْهُ؟ قُلْنَا: هَذَا أَنْ لَوْ تَمَكَّنَ مِنْهُ مَجَّانًا فَأَمَّا إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهُ مَجَّانًا إلَّا بَعْدَ الْتِزَامِ غُرْمٍ فَلَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُجْبَرُ بِسَبَبِ جِنَايَةِ الْعَبْدِ عَلَى الْتِزَامِ غُرْمٍ، شَاءَ أَوْ أَبَى.\n٢٥٧٩ - وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ مَدِينًا، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَإِنْ وُجِدَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ مَوْلَاهُ وَأَتْبَعَهُ الدَّيْنُ.\nلِأَنَّ حَقَّ الْغَرِيمِ ثَابِتٌ فِي مَالِيَّتِهِ.\n٢٥٨٠ - فَإِنْ حَضَرَ الْغَرِيمُ وَلَمْ يَحْضُرْ الْمَوْلَى لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْعَبْدَ حَتَّى يَحْضُرَ الْمَوْلَى.\nلِأَنَّ الْأَسْرَ لَمْ يَكُنْ عَلَى مِلْكِهِ وَلَا عَلَى يَدِهِ.","vol":"1","page":1347},{"text":"وَلَكِنَّهُ إنْ أَقَامَ الْغَرِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى دَيْنِهِ وَقَفَ الْقَاضِي الْعَبْدَ حَتَّى يَحْضُرَ الْمَوْلَى، وَلَمْ يَقْسِمْهُ فِي الْغَنِيمَةِ.\nلِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِهَذِهِ الْبَيِّنَةِ اسْتِحْقَاقُ مَالِيَّتِهِ بِالدَّيْنِ لِلطَّالِبِ، فَلَا يَشْتَغِلُ بِالْقِسْمَةِ فِيهِ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ مِنْ حَقِّ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ وَالْوَاهِبِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَقْصُورٌ عَلَى مِلْكِ الْمَوْلَى وَالْمَوْهُوبِ لَهُ، فَلَا يَظْهَرُ قَبْلَ عَوْدِ مِلْكِهِمَا، وَأَمَّا الدَّيْنُ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ يَدُورُ مَعَهُ حَيْثُمَا دَارَ، فَاسْتِحْقَاقُ الْمَالِيَّةِ هَا هُنَا ثَابِتٌ، سَوَاءٌ أَخَذَهُ الْمَوْلَى أَوْ لَمْ يَأْخُذْهُ.\n٢٥٨٢ - فَإِذَا حَضَرَ الْمَوْلَى وَفَدَاهُ بِالدَّيْنِ سَلِمَ الْمِلْكُ لَهُ، إنْ أَبَى بِيعَ الْعَبْدُ فِي الدَّيْنِ.\nلِأَنَّ الدَّيْنَ الَّذِي ظَهَرَ وُجُوبُهُ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ يُسْتَوْفَى مِنْ مَالِيَّتِهِ بِالْبَيْعِ فِيهِ فِي مِلْكِ مَنْ كَانَ.\n٢٥٨٣ - وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ الْغَرِيمُ حَتَّى قَسَمَ، أَوْ وَجَدَهُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ فَالْمَوْلَى بِالْخِيَارِ فِي الْأَخْذِ بِالْقِيمَةِ، فَإِنْ أَخَذَهُ بِيعَ فِي الدَّيْنِ إلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ الْمَوْلَى وَإِنْ أَبَى [أَنْ] يَأْخُذَهُ بِيعَ فِي الدَّيْنِ فِي مِلْكِ مَنْ وَجَدَهُ الْغَرِيمُ فِي مِلْكِهِ، إلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ بِالدَّيْنِ.\nلِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الدَّيْنَ لَا يَبْطُلُ عَنْ مَالِيَّتِهِ بِتَحَوُّلِ الْمِلْكِ عَنْ الْمَوْلَى إلَى غَيْرِهِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الْعَبْدَ الْمَدِينَ إذَا أُعْتِقَ كَانَ لِلْغَرِيمِ أَنْ يُطَالِبَهُ بِدَيْنِهِ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْجَانِي فَإِنَّ وَلِيَّ الْجِنَايَةِ لَا يَبِيعُهُ بِشَيْءٍ بَعْدَ الْعِتْقِ.","vol":"1","page":1348},{"text":"٢٥٨٤ - فَإِنْ بِيعَ فِي الدَّيْنِ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْءٌ، عُوِّضَ الَّذِي وَقَعَ فِي سَهْمِهِ قِيمَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.\nلِأَنَّ مَالِيَّتَهُ اُسْتُحِقَّتْ بِسَبَبٍ سَابِقٍ عَلَى أَخْذِهِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ أُعْطِيَ بِالْقِيمَةِ عَبْدًا لَا قِسْمَةَ لَهُ.\n٢٥٨٥ - وَإِنْ بَقِيَ مِنْ الثَّمَنِ الثُّلُثُ عُوِّضَ مِقْدَارَ ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ، بِقَدْرِ مَا اُسْتُحِقَّ بِالدَّيْنِ. وَإِنْ حَضَرَ الْغَرِيمُ فَأَثْبَتَ دَيْنَهُ قَبْلَ أَنْ يَحْضُرَ الْمَوْلَى فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَبِيعُهُ فِي الدَّيْنِ.\nلِأَنَّ حَقَّ الْغَرِيمِ مُتَعَلِّقٌ بِمَالِيَّتِهِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْبَيْعِ إبْطَالُ حَقِّ الْمَوْلَى، وَفِي التَّأْخِيرِ إلَى أَنْ يَحْضُرَ إضْرَارٌ بِالْغَرِيمِ، فَعَلَى الْقَاضِي أَنْ يَشْتَغِلَ بِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ، وَهُوَ أَنْ يَبِيعَهُ فِي الدَّيْنِ.\n٢٥٨٦ - فَإِنْ حَضَرَ مَوْلَاهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي الْآخَرِ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الْمَأْسُورَ مِنْهُ يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الْأَخْذِ مِنْ يَدِ مَنْ يَجِدُهُ فِي يَدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِنَقْضِ التَّصَرُّفِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ الْقِسْمَةَ لِيَأْخُذَهُ مَجَّانًا، فَكَذَلِكَ لَا يَنْقُضُ الْبَيْعَ الثَّانِيَ لِيَأْخُذَهُ بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ، وَلَكِنْ يَأْخُذُهُ بِالثَّمَنِ الثَّانِي، حَتَّى يُعِيدَهُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَأَرَادَ الْغَرِيمُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِمَا بَقِيَ مِنْ دَيْنِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ كَانَ فِي مَالِيَّةِ الرَّقَبَةِ، قَدْ وَصَلَ إلَيْهِ ذَلِكَ مَرَّةً، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ بِشَيْءٍ آخَرَ حَتَّى يُعْتَقَ الْعَبْدُ، كَمَا لَوْ بِيعَ لَهُ فِي مِلْكِ مَوْلَاهُ قَبْلَ الْأَسْرِ مَرَّةً.","vol":"1","page":1349},{"text":"٢٥٨٧ - فَإِنْ قَالَ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ: أَنَا أَرْجِعُ بِمَا أَخَذَ مِنِّي الْغَرِيمُ مِنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ عَلَى الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنِّي لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَ مِنْهُ عِوَضَ مِلْكِهِ مَرَّةً، فَإِنْ اُسْتُحِقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِسَبَبِ دَيْنِ الْعَبْدِ لَا يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ بِبَدَلِهِ مَرَّةً أُخْرَى.\n٢٥٨٨ - وَلَكِنْ لِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ أَنْ يَبِيعَ الْعَبْدَ بِمَا أُخِذَ مِنْهُ بِجِهَةِ دَيْنِهِ، فَيُبَاعُ فِيهِ إلَّا أَنْ يَقْضِيَ الْمَوْلَى ذَلِكَ عَنْهُ.\nلِأَنَّ الْعَبْدَ عَادَ إلَى قَدِيمِ مِلْكِ الْمَوْلَى، وَقَدْ كَانَتْ مَالِيَّتُهُ فِي مِلْكِهِ مُسْتَحَقَّةٌ بِدَيْنِهِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ بِيعَ فَإِنَّهُ يُبَاعُ إلَّا أَنْ يَقْضِيَ الدَّيْنَ، فَإِذَا بِيعَ مَرَّةً وَصُرِفَ إلَى دَائِنِهِ الثَّمَنُ الَّذِي هُوَ حَقُّ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ حَقُّ الرُّجُوعِ بِهِ فِي مَالِيَّتِهِ، بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ قَامَ مَقَامَ الْغَرِيمِ فِي الرُّجُوعِ بِهِ فِي مِلْكِ الْمَوْلَى.\nلِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَطَوِّعٍ فِيمَا أَدَّى، بَلْ هُوَ مُجْبَرٌ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ، وَمَنْ أُجْبِرَ عَلَى قَضَاءِ دَيْنِ الْغَيْرِ بِمِلْكِهِ يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ، وَهَذَا دَيْنٌ آخَرُ سِوَى مَا بِيعَ الْعَبْدُ فِيهِ، وَقَدْ ظَهَرَ وُجُوبُهُ فِي حَقِّ الْمَوْلَى مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي قَرَّرْنَا فِيهِ، إلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ الْمَوْلَى.\n٢٥٨٩ - وَلَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مِنْ الْعَدُوِّ فَدَاهُ بِدَيْنِهِ، ثُمَّ حَضَرَ مَوْلَاهُ وَأَخَذَهُ بِالثَّمَنِ، فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُ: فِي عِتْقِ الْعَبْدِ الَّذِي أَدَّى عَنْهُ الدَّيْنَ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الدَّيْنِ، فَإِنْ فَدَيْته بِذَلِكَ وَإِلَّا بِيعَ لَهُ فِي ذَلِكَ.","vol":"1","page":1350},{"text":"لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ كَانَ مُضْطَرًّا إلَى أَدَاءِ ذَلِكَ الْفِدَاءِ، فَلَا يَكُونُ مُتَبَرِّعًا فِيهِ، وَلَكِنَّ الضَّرُورَةَ إنَّمَا تَحَقَّقَتْ فِي الْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ، فَيَكُونُ رُجُوعُهُ فِي رَقَبَتِهِ بِمِقْدَارِ الْأَقَلِّ. فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مَتَى عَادَ إلَى قَدِيمِ مِلْكِ الْمَوْلَى، وَقَدْ كَانَتْ مَالِيَّتُهُ مُسْتَحَقَّةً بِالدَّيْنِ، فَإِنَّمَا يَعُودُ كَمَا كَانَ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسَلَّمَ لِلْمَوْلَى مَجَّانًا مَا لَمْ يَقْضِ عَنْهُ الدَّيْنَ، وَمَا أَدَّى مِنْ الْفِدَاءِ إلَى الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ فِدَاءٌ لِمِلْكِهِ لَا أَنْ يَكُونَ بَدَلًا عَنْ مَالِيَّتِهِ، بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ الْمَدِينِ إذَا جَنَى جِنَايَةً، فَفَدَاهُ الْمَوْلَى، فَإِنَّهُ يُبَاعُ فِي الدَّيْنِ عَلَى حَالِهِ.\n٢٥٩٠ - وَلَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مِنْ الْعَدُوِّ بَاعَهُ مِنْ آخَرَ أَوْ وَهَبَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ حَضَرَ الْغُرَمَاءُ كَانَ لَهُمْ أَنْ يُبْطِلُوا تَصَرُّفَهُ.\nلِأَنَّ دَيْنَهُمْ وَاجِبٌ عَلَيْهِ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ، كَمَا كَانَ فِي مِلْكِ الْمَوْلَى قَبْلَ الْأَسْرِ، فَكَمَا لَا يَنْفُذُ بَيْعُ الْمَوْلَى وَهِبَتُهُ فِيهِ بِغَيْرِ رِضَى الْغُرَمَاءِ، فَكَذَلِكَ بَيْعُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ.\n٢٥٩١ - فَإِنْ لَمْ يُبْطِلُوا حَتَّى حَضَرَ الْمَوْلَى فَأَخَذَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي الْآخَرِ بِالثَّمَنِ، أَوْ مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ بِالْقِيمَةِ، ثُمَّ حَضَرَ الْغُرَمَاءُ، فَأَرَادُوا إبْطَالَ الْبَيْعِ أَوْ الْهِبَةِ، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ لَهُمْ حَقُّ الْإِبْطَالِ فِي الْمِلْكِ الْحَادِثِ فِيهِ بَعْدَ مَا اشْتَغَلَ بِدَيْنِهِمْ وَقَدْ ارْتَفَعَ كُلُّ مِلْكٍ حَادِثٍ، حِينَ أَخَذَهُ الْمَوْلَى، وَعَادَ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ، فَفِي حَقِّ الْغُرَمَاءِ عَادَ كَمَا كَانَ قَبْلَ الْأَسْرِ، فَيُبَاعُ فِي دُيُونِهِمْ، إلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ الْمَوْلَى.\n٢٥٩٢ - وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ الْمَأْسُورُ وَدِيعَةً أَوْ عَارِيَّةً فَوَجَدَهُ الْمُودَعُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَوْ الْمُسْتَعِيرُ كَانَ لَهُمَا أَنْ يَأْخُذَاهُ إذَا أَقَامَا الْبَيِّنَةَ.","vol":"1","page":1351},{"text":"لِأَنَّ الْأَسْرَ كَانَ مِنْ يَدِهِمَا، وَحَقُّ الْأَسْرِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِاعْتِبَارِ الْيَدِ، فَيُعَادُ إلَى يَدِهِمَا عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ الْأَسْرِ.\n٢٥٩٣ - فَإِنْ جَاءَا بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَأَرَادَا الْأَخْذَ بِالْقِيمَةِ، أَوْ وَجَدَاهُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ، فَلَيْسَ لَهُمَا حَقُّ الْأَخْذِ.\nلِأَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ بِالْفِدَاءِ إنَّمَا يَكُونُ لِمَنْ يُحْيِي بِالْأَخْذِ مِلْكًا قَدْ كَانَ لَهُ، وَالْمُودَعُ وَالْمُسْتَعِيرُ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مِلْكٌ قَبْلَ الْأَخْذِ، فَلَوْ أَخَذَاهُ بِالْفِدَاءِ كَانَ ذَلِكَ تَمَلُّكًا مِنْهُمَا الْعَبْدَ بِالْبَدَلِ ابْتِدَاءً، وَمَنْ فِي يَدِهِ غَيْرُ مُجْبَرٍ عَلَى ابْتِدَاءِ التَّمْلِيكِ مِنْ غَيْرِهِ بِعِوَضٍ.\n٢٥٩٤ - وَإِنْ قَالَا: نَحْنُ نَتَطَوَّعُ بِالْفِدَاءِ عَنْ الْمَوْلَى الْقَدِيمِ فَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ.\nلِأَنَّهُ لَا مِلْكَ فِيهِ لِلْمَوْلَى الْقَدِيمِ قَبْلَ الْأَخْذِ، لِيَتَطَوَّعَا بِفِدَاءِ مِلْكِهِ، وَلَا شَيْءَ فِي ذِمَّةِ الْمَوْلَى الْقَدِيمِ لِيَتَبَرَّعَا بِأَدَاءِ ذَلِكَ عَنْهُ.\n٢٥٩٥ - وَلَكِنْ إنْ حَضَرَ الْمَوْلَى الْقَدِيمُ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْفِدَاءِ.\nلِأَنَّهُ بِالْأَخْذِ يُحْيِي قَدِيمَ مِلْكِهِ.\n٢٥٩٦ - وَلَوْ أَنَّ الْعَبْدَ الْمَأْسُورَ اشْتَرَاهُ رَجُلٌ مِنْ الْعَدُوِّ وَوَقَعَ فِي سَهْمِ رَجُلٍ بِالْقِسْمَةِ، فَلَحِقَهُ دَيْنٌ بِالِاسْتِهْلَاكِ أَوْ بِالتَّصَرُّفِ، بِأَنْ أَذِنَ لَهُ مَوْلَاهُ فِي التِّجَارَةِ ثُمَّ حَضَرَ الْمَوْلَى الْقَدِيمُ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْفِدَاءِ، لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الْأَخْذِ بِالْفِدَاءِ سَابِقٌ عَلَى حَقِّ الْغُرَمَاءِ،","vol":"1","page":1352},{"text":"فَلَا يَمْتَنِعُ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ، وَإِذَا أَخَذَهُ تَبِعَهُ الدَّيْنُ فَبِيعَ فِيهِ، إلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ الْمَوْلَى.\nلِأَنَّ حَقَّهُمْ ثَابِتٌ فِي مَالِيَّتِهِ فَيَدُورُ مَعَهَا أَيْنَمَا دَارَتْ، بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ الْجَانِي إذَا لَحِقَهُ دَيْنٌ، ثُمَّ دُفِعَ بِالْجِنَايَةِ، فَإِنَّهُ يُبَاعُ فِي الدَّيْنِ إلَّا أَنْ يَقْضِيَهُ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ\n٢٥٩٧ - وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ مَوْلَى الْعَبْدِ الْمَدِينِ حَتَّى صَارَ الْعَبْدُ مِيرَاثًا لِلْوَرَثَةِ فَإِنَّهُ يُبَاعُ فِي الدَّيْنِ، فَكَذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ كَانَ مَوْلَاهُ لَمْ يَرْغَبْ فِي أَخْذِهِ بِالْفِدَاءِ لِأَجْلِ دَيْنِهِ، فَقَدْ بَطَلَ حَقُّهُ وَبِيعَ فِي الدَّيْنِ فِي مِلْكِ مَنْ لَهُ الْعَبْدُ إلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ بِالدَّيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مَوْلَاهُ بِالدَّيْنِ حَتَّى أَخَذَهُ، ثُمَّ ثَبَتَ الدَّيْنُ عَلَيْهِ فَالْمَوْلَى بِالْخِيَارِ.\nلِأَنَّ الدَّيْنَ عَيْبٌ فَكَانَ ظُهُورُ هَذَا الْعَيْبِ بَعْدَ أَخْذِهِ بِمَنْزِلَةِ ظُهُورِ عَيْبٍ آخَرَ، كَانَ حَدَثَ بِهِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، فَيَكُونُ لَهُ حَقُّ الرَّدِّ بِهِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا رَغِبَ فِي أَخْذِهِ بِالْفِدَاءِ لِيَعُودَ إلَيْهِ كَمَا كَانَ، وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَعُدْ إلَيْهِ كَمَا كَانَ، فَإِنَّ مَالِيَّتَهُ كَانَتْ فَارِغَةً، وَالْآنَ عَادَ إلَيْهِ مُسْتَحَقُّ الْمَالِيَّةِ.\n٢٥٩٨ - فَإِنْ رَدَّهُ وَاسْتَرَدَّ مَا أَدَّى بِيعَ الْعَبْدُ فِي الدَّيْنِ عِنْدَ مَنْ رَدَّهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَمْسَكَهُ بِيعَ فِي الدَّيْنِ عِنْدَ الْمَوْلَى.\nلِأَنَّهُ رَضِيَ بِعَيْبِهِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ كَانَ عَالِمًا بِالْعَيْبِ حِينَ أَخَذَهُ.\n٢٥٩٩ - فَإِنْ كَانَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ غَائِبًا حِينَ أَثْبَتَ الْغُرَمَاءُ","vol":"1","page":1353},{"text":"دَيْنَهُمْ. فَقَالَ الْمَوْلَى: أَنَا أَرُدُّهُ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُمْهِلُهُ فِي ذَلِكَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، فَإِنْ حَضَرَ رَدَّهُ عَلَيْهِ وَإِلَّا بَاعَهُ لِلْغُرَمَاءِ.\nلِأَنَّ دَيْنَهُمْ ثَابِتٌ عَلَى الْعَبْدِ، وَفِي التَّأْخِيرِ مُدَّةً طَوِيلَةً إضْرَارٌ بِهِمْ، فَأَمَّا فِي مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ لَا يَكُونُ فِي التَّأْخِيرِ كَثِيرُ ضَرَرٍ عَلَيْهِمْ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِلْمَوْلَى.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ قَالَ لَهُمْ: هَاتُوا مَنْ يَشْتَرِيهِ لِأَبِيعَهُ لَكُمْ احْتَاجُوا إلَى هَذَا الْقَدْرِ مِنْ الْمُدَّةِ حَتَّى يُحْضِرُوا الْمُشْتَرِيَ.\n٢٦٠٠ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَرَادُوا بَيْعَ الْعَبْدِ فِي مِلْكِ مَوْلَاهُ فَطَلَبَ الْمُهْلَةَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً لِيَنْظُرَ أَيُّ الْوَجْهَيْنِ أَنْفَعُ لَهُ، أَيْ الْبَيْعِ أَوْ الْفِدَاءِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُجِيبُهُ إلَى ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا، فَإِنْ مَضَتْ مُدَّةُ الْمُهْلَةِ وَلَمْ يَحْضُرْ فَبِيعَ فِي الدَّيْنِ [أَوْ فَدَاهُ] ثُمَّ حَضَرَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ فَلَا سَبِيلَ لِلْمَوْلَى عَلَيْهِ.\nلِأَنَّهُ إنْ كَانَ بِيعَ فَقَدْ خَرَجَ الْعَبْدُ عَنْ مِلْكِهِ، وَالْخُصُومَةُ فِي الْعَيْبِ إنَّمَا كَانَتْ لَهُ مَا بَقِيَ الْعَبْدُ فِي مِلْكِهِ، فَأَمَّا بَعْدَ إخْرَاجِهِ مِنْ مِلْكِهِ فَلَا.\n٢٦٠١ - وَإِنْ كَانَ فَدَاهُ فَقَدْ زَالَ الْعَيْبُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ فِي الْعَيْبِ بَعْدَ زَوَالِ الْعَيْبِ، وَلَوْ لَمْ يَحْضُرْ الْمَأْسُورُ مِنْهُ حَتَّى طَلَبَ الْغُرَمَاءُ مِنْهُ دَيْنَهُمْ فَفَدَاهُ مَنْ فِي يَدِهِ بِالدَّيْنِ، ثُمَّ حَضَرَ الْمَأْسُورُ مِنْهُ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْفِدَاءِ.\nلِأَنَّهُ طَهُرَ مِنْ الدَّيْنِ فَعَادَ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ لُحُوقِ الدَّيْنِ إيَّاهُ.","vol":"1","page":1354},{"text":"٢٦٠٢ - وَبَعْدَ مَا أَخَذَهُ الْمَأْسُورُ مِنْهُ لَا يَكُونُ لِلَّذِي فَدَاهُ بِالدَّيْنِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ.\nلِأَنَّ هُنَاكَ إنَّمَا فَدَاهُ مِنْ دَيْنٍ كَانَ حَادِثًا فِي مِلْكِهِ، وَالْمُسْتَحَقُّ بِهَذَا الدَّيْنِ الْمَالِيَّةُ الَّتِي هِيَ حَقُّهُ فَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ، وَهُنَاكَ إنَّمَا كَانَ فِدَاهُ سَابِقًا عَلَى مِلْكِهِ، وَكَانَ الْمُسْتَحَقُّ بِهِ مَالِيَّةً هِيَ مِلْكُ الْمَوْلَى الْقَدِيمِ، فَإِذَا ظَهَرَتْ تِلْكَ الْمَالِيَّةُ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا.\n٢٦٠٣ - وَكَذَلِكَ لَوْ اخْتَارَ بَيْعَهُ فِي الدَّيْنِ، ثُمَّ حَضَرَ الْمَأْسُورُ مِنْهُ فَأَخَذَهُ بِالثَّمَنِ الثَّانِي، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الدَّيْنُ فِي مِلْكِ الْمَأْسُورِ مِنْهُ.\nوَاَلَّذِي يُقَرِّرُ الْفَرْقَ أَنَّ الدَّيْنَ بِمَنْزِلَةِ الْعَيْبِ، فَإِذَا كَانَ حَادِثًا فِي مِلْكِهِ كَانَ عُهْدَةُ ذَلِكَ الْعَيْبِ عَلَيْهِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الْمَأْسُورَ مِنْهُ كَانَ يَرُدُّهُ عَلَيْهِ إنْ عَلِمَ بِذَلِكَ الْعَيْبِ، فَكَيْفَ يَرْجِعُ هُوَ عَلَى الْمَأْسُورِ مِنْهُ بِاعْتِبَارِهِ وَالْعَيْبُ الْأَوَّلُ كَانَ فِي مِلْكِ الْمَأْسُورِ مِنْهُ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ لِلْمَأْسُورِ مِنْهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْعَيْبِ، فَلِهَذَا كَانَ لِلْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ أَنْ يَبِيعَهُ بِمَا لَحِقَهُ مِنْ الْغُرْمِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْعَيْبِ، فَلِهَذَا كَانَ لِلْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ أَنْ يَبِيعَهُ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ عَلَى الْعَبْدِ قَبْلَ الْأَسْرِ فَبَاعَهُ الْقَاضِي بِالدَّيْنِ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ وَقَبَضَ الثَّمَنَ فَتَوَى فِي يَدِهِ","vol":"1","page":1355},{"text":"قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى الْغُرَمَاءِ ثُمَّ حَضَرَ الْمَأْسُورُ مِنْهُ فَأَخَذَهُ بِالْفِدَاءِ لَمْ يَكُنْ لِلْغُرَمَاءِ عَلَى الْعَبْدِ سَبِيلٌ حَتَّى يُعْتَقَ.\nلِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ بِيعَ لَهُمْ مَرَّةً فِي الدَّيْنِ، وَالْقَاضِي فِي ذَلِكَ الْبَيْعِ عَامِلٌ لَهُمْ، فَهَلَاكُ الثَّمَنِ فِي يَدِهِ كَهَلَاكِهِ فِي أَيْدِيهِمْ.\n٢٦٠٤ - فَلِهَذَا لَا يَبِيعُونَ الْعَبْدَ بِشَيْءٍ آخَرَ حَتَّى يُعْتَقَ، فَلَيْسَ لِمَنْ بِيعَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ أَنْ يَبِيعَ الْعَبْدَ الْمَأْسُورَ مِنْهُ بِشَيْءٍ هَا هُنَا.\nلِأَنَّ الثَّمَنَ لَمَّا لَمْ يَصِلْ إلَى الْغُرَمَاءِ لَمْ يَسْقُطْ شَيْءٌ مِنْ دَيْنِهِمْ عَنْ الْعَبْدِ وَإِنَّمَا كَانَ حَقُّ الرُّجُوعِ لَهُ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ قَضَى دَيْنَهُ بِمِلْكِهِ، وَكَانَ مُجْبَرًا عَلَى ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ، فَإِذَا لَمْ يَصِرْ هَا هُنَا قَاضِيًا شَيْئًا لَا يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ بِشَيْءٍ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الْغُرَمَاءَ لَوْ أَبْرَءُوا الْعَبْدَ مِنْ الدَّيْنِ بَعْدَ قَبْضِ الثَّمَنِ مِنْ الْمُشْتَرِي الثَّانِي كَانَ الثَّمَنُ سَالِمًا لِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ، الَّذِي بِيعَ الْعَبْدُ عَلَيْهِ، فَأَمَّا أَنْ يُقَالَ: تَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّهُ تَوَى مَالُهُ فِي يَدِ الْقَاضِي فَلَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ مِنْهُ عَلَى الْعَبْدِ، أَوْ يُقَالَ بَعْدَ الْإِبْرَاءِ لَمَّا لَمْ يَصِرْ قَاضِيًا شَيْئًا مِنْ دَيْنِ الْعَبْدِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، فَكَذَلِكَ إذَا هَلَكَ الثَّمَنُ الْمَقْبُوضُ قَبْلَ الدَّفْعِ إلَى الْغُرَمَاءِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.\n٦٠٥ - وَلَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ أَوْ بَغْلَتِهِ، مَا عَاشَ، فَإِذَا مَاتَ رَجَعَ إلَى وَارِثِهِ وَأَوْصَى بِرَقَبَتِهِ لِآخَرَ أَوْ أَوْصَى ظَهْرَ فَرَسِهِ لِرَجُلٍ فِي حَيَاتِهِ، وَبِرَقَبَتِهِ لِآخَرَ، فَإِنَّهُ تَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ عَلَى مَا أَوْصَى بِهِ، إذَا كَانَ يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِهِ، فَإِنْ أَسَرَ الْمُشْرِكُونَ الْعَبْدَ","vol":"1","page":1356},{"text":"أَوْ الْفَرَسَ، ثُمَّ وَقَعَ فِي الْغَنِيمَةِ، فَحَضَرَ الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ كَانَ خَصْمًا وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ صَاحِبُ الرَّقَبَةِ.\nلِأَنَّهُ أُسِرَ مِنْ يَدِهِ، فَكَانَ هُوَ أَحَقَّ بِاسْتِرْدَادِهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ.\n٢٦٠٦ - ثُمَّ إنْ حَضَرَ صَاحِبُ الرَّقَبَةِ فَأَنْكَرَ الْوَصِيَّةَ قِيلَ لَهُ: أَعِدْ الْبَيِّنَةَ عَلَى وَصِيَّتِك وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَك.\nلِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ إنَّمَا قَضَى لِلَّذِي أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بِاعْتِبَارِ إثْبَاتِهِ الْأَسْرَ مِنْ يَدِهِ لَا بِاعْتِبَارِ ثُبُوتِ وَصِيَّتِهِ، فَيَحْتَاجُ إلَى إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ لِإِثْبَاتِ الْوَصِيَّةِ عَلَى خَصْمِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي الْإِجَارَةِ.\n٢٦٠٧ - وَإِنْ كَانَ الَّذِي حَضَرَ صَاحِبُ الرَّقَبَةِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي بِهِ لَهُ.\nلِأَنَّهُ أَثْبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّ الْأَسْرَ كَانَ عَلَى مِلْكِهِ، وَتَأْثِيرُ الْمِلْكِ فِي إثْبَاتِ حَقِّ الْأَخْذِ أَكْثَرُ مِنْ تَأْثِيرِ الْيَدِ، ثُمَّ لَا يَدْفَعُهُ إلَيْهِ.\n٢٦٠٨ - وَلَكِنْ يَضَعُهُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ حَتَّى يَحْضُرَ صَاحِبُ الْخِدْمَةِ فَيَقْبِضَهُ.\nلِأَنَّهُ أَقَرَّ بِيَدٍ مُسْتَحَقَّةٍ فِيهِ لِغَيْرِهِ، فَهُوَ قِيَاسُ الرَّهْنِ الَّذِي سَبَقَ. وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا حَتَّى قَسَمَ، أَوْ كَانَ اشْتَرَاهُ رَجُلٌ مِنْ الْعَدُوِّ ثُمَّ حَضَرَ صَاحِبُ الذِّمَّةِ فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْفِدَاءِ","vol":"1","page":1357},{"text":"لِأَنَّهُ يُحْيِي بِالْأَخْذِ حَقًّا مُسْتَحَقًّا لَهُ، فَإِنَّ لِلْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ حَقًّا لَازِمًا لَا يَتَمَكَّنُ أَحَدٌ مِنْ إبْطَالِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْمُسْتَعِيرِ.\n٢٦٠٩ - وَإِذَا أَخَذَهُ ثُمَّ حَضَرَ صَاحِبُ الرَّقَبَةِ فَأَنْكَرَ وَصِيَّتَهُ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى إنْكَارِهِ.\nلِأَنَّ مِنْ ضَرُورَةِ الْقَضَاءِ بِحَقِّ الْأَخْذِ لَهُ بِالْفِدَاءِ الْقَضَاءَ بِالْوَصِيَّةِ، فَإِنَّ بِمُجَرَّدِ الْيَدِ بِدُونِ حَقٍّ مُسْتَحَقٍّ لَا يَقْضِي لَهُ بِذَلِكَ، فَعَرَفْنَا أَنَّ ذَا الْيَدِ انْتَصَبَ خَصْمًا عَنْ صَاحِبِ الرَّقَبَةِ فِي إثْبَاتِ الْوَصِيَّةِ عَلَيْهِ.\n٢٦١٠ - فَيَكُونُ الْعَبْدُ فِي يَدِ صَاحِبِ الْوَصِيَّةِ بِالْخِدْمَةِ، كَمَا كَانَ قَبْلَ الْأَسْرِ إلَى أَنْ يَمُوتَ فَإِذَا مَاتَ رَجَعَتْ الرَّقَبَةُ إلَى صَاحِبِهَا فَيَكُونُ لِوَرَثَةِ صَاحِبِ الْخِدْمَةِ أَنْ يَرْجِعُوا عَلَيْهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي فَدَاهُ الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ مِنْ مَالِهِ، فَيُبَاعُ الْعَبْدُ لَهُ فِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ صَاحِبُ الرَّقَبَةِ.\nلِأَنَّهُ كَانَ مُضْطَرًّا إلَى أَدَاءِ ذَلِكَ الْفِدَاءِ، لِيَتَوَصَّلَ بِهِ إلَى إحْيَاءِ حَقِّهِ، فَلَا يَكُونُ مُتَبَرِّعًا فِيهِ، وَلَمْ يَكُنْ الْعَبْدُ فِي ضَمَانِهِ وَلَا فِي مِلْكِهِ حَتَّى يَتَقَرَّرَ الْفِدَاءُ عَلَيْهِ.\n٢٦١١ - فَإِذَا بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ وَعَادَ الْعَبْدُ إلَى صَاحِبِ الرَّقَبَةِ فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّهُ فَدَى مِلْكَهُ وَلَمْ يَكُنْ مُتَبَرِّعًا فِيهِ فَيَسْتَوْجِبُ الرُّجُوعَ بِهِ فِي مَالِيَّةِ الْعَبْدِ.\nلِأَنَّهَا حَيِيَتْ لَهُ بِهَذَا الْفِدَاءِ، ثُمَّ وَارِثُهُ فِي ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ يَقُومُ مَقَامَهُ، فَيَرْجِعُ بِمَا كَانَ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ فِي حَيَاتِهِ أَنْ لَوْ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ.","vol":"1","page":1358},{"text":"٢٦١٢ - وَلَوْ لَمْ يَفْدِهِ صَاحِبُ الْخِدْمَةِ حَتَّى حَضَرَ هُوَ مَعَ صَاحِبِ الرَّقَبَةِ جَمِيعًا فَإِنْ رَغِبَ صَاحِبُ الْخِدْمَةِ فِي الْفِدَاءِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ.\nلِأَنَّ حَقَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الرَّقَبَةِ.\n٢٦١٣ - وَإِنْ أَبَى أَنْ يَفْدِيَهُ فَدَاهُ صَاحِبُ الرَّقَبَةِ ثُمَّ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ لِصَاحِبِ الْخِدْمَةِ.\nلِأَنَّهُ مَتَى أَبَى أَنْ يَفْدِيَهُ فَقَدْ أَبْطَلَ وَصِيَّتَهُ فِيهِ إذَا كَانَتْ مَقْصُورَةً عَلَى مِلْكِ الْمُوصِي، وَقَدْ تَمَّ مِنْهُ الرِّضَا بِبُطْلَانِ ذَلِكَ (الْمِلْكِ)، فَيُبْطِلُ وَصِيَّتَهُ بِفَوَاتِ مَحَلِّ حَقِّهِ، وَبَعْدَ مَا بَطَلَتْ وَصِيَّةُ صَاحِبِ الْخِدْمَةِ، فَصَاحِبُ الرَّقَبَةِ أَحَقُّ بِالْعَبْدِ.\n٢٦١٤ - فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ صَاحِبُ الْخِدْمَةِ، وَحَضَرَ صَاحِبُ الرَّقَبَةِ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْفِدَاءِ وَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُوضَعْ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ، بَلْ يُسَلَّمُ إلَيْهِ.\nلِأَنَّ صَاحِبَ الْخِدْمَةِ لَمْ يَبْقَ لَهُ حَقٌّ فِي الْأَخْذِ بِالْخِدْمَةِ، إلَّا أَنْ يُؤَدِّيَ إلَيْهِ ذَلِكَ الْفِدَاءَ وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَرْغَبُ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ لَا يَرْغَبُ، وَلَا حَقَّ لَهُ فِيهِ فِي الْحَالِ.\n٢٦١٥ - بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ.\nلِأَنَّ قَبْلَ الْقِسْمَةِ حَقُّهُ ثَابِتٌ فِي خِدْمَتِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ أَدَاءُ شَيْءٍ، فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ يَقَعُ الْفَرْقُ.","vol":"1","page":1359},{"text":"٢٦١٦ - فَإِنْ حَضَرَ صَاحِبُ الْخِدْمَةِ يُخَيَّرُ، فَإِنْ شَاءَ أَدَّى إلَى صَاحِبِ الرَّقَبَةِ مَا فَدَاهُ بِهِ، وَكَانَ هُوَ أَحَقَّ بِخِدْمَتِهِ مَا عَاشَ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ هُوَ الَّذِي حَضَرَ أَوَّلًا وَفَدَاهُ.\nوَهَذَا؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الرَّقَبَةِ يُحْيِي مِلْكَهُ بِالْفِدَاءِ، فَلَا يَكُونُ مُتَبَرِّعًا فِيهِ.\n٢٦١٧ - وَإِذَا ظَهَرَ حَقٌّ سَابِقٌ عَلَى حَقِّهِ. فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى صَاحِبِ الْحَقِّ.\nلِأَنَّهُ مَا رَضِيَ بِالْفِدَاءِ حَتَّى يَكُونَ الْمُنْتَفِعُ بِهِ غَيْرَهُ. وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَعُودُ عَلَى حُكْمِ مِلْكِ الْمُوصِي إذَا اسْتَقَرَّ الْفِدَاءُ عَلَى مِلْكِ الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ.\n٢٦١٨ - فَإِذَا أَدَّى ذَلِكَ الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ وَأَخَذَ الْعَبْدَ، ثُمَّ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ، فَالْعَبْدُ لِصَاحِبِ الرَّقَبَةِ، إلَّا أَنَّهُ يُبَاعُ فِي ذَلِكَ الْفِدَاءِ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمُوصَى لَهُ هُوَ الَّذِي فَدَاهُ مِنْ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ.\n٢٦١٩ - فَإِنْ بِيعَ فِي الْفِدَاءِ فَلَمْ يَفِ ثَمَنُهُ بِالْفِدَاءِ، ثُمَّ عَتَقَ الْعَبْدُ يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ لَمْ يُتْبَعْ بِشَيْءٍ مِمَّا بَقِيَ لَهُ مِنْ الْفِدَاءِ.\nلِأَنَّ الْعَبْدَ مَا اكْتَسَبَ سَبَبَ وُجُوبِ هَذَا الدَّيْنِ حَتَّى يَكُونَ ثَابِتًا فِي ذِمَّتِهِ يُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَلَكِنْ إنَّمَا يُتْبَعُ بِهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ مَالِيَّتَهُ حَيِيَتْ بِسَبَبِ هَذَا الْفِدَاءِ لِصَاحِبِ الرَّقَبَةِ، فَيَكُونُ الْوَاجِبُ مِقْدَارَ الْمَالِيَّةِ لَا الْأَكْثَرَ مِنْهُ، وَهُوَ","vol":"1","page":1360},{"text":"نَظِيرُ الْعَبْدِ الْآبِقِ إذَا رَدَّهُ رَادٌّ وَبِيعَ فِي جُعْلِهِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى الْجُعْلَ الْمُقَدَّرَ قَلَّتْ قِيمَتُهُ أَوْ كَثُرَتْ، فَلَمْ يَفِ ثَمَنُهُ بِالْجُعْلِ لَمْ يُتْبَعْ الْعَبْدُ بِشَيْءٍ مِمَّا بَقِيَ مِنْهُ، بَعْدَ الْعِتْقِ فَهَذَا مِثْلُهُ.\n٢٦٢٠ - وَإِنْ أَبَى صَاحِبُ الْخِدْمَةِ أَنْ يَدْفَعَ الْفِدَاءَ إلَى صَاحِبِ الرَّقَبَةِ، بَعْدَ مَا عَرَضَ الْقَاضِي ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يُبْطِلْ الْقَاضِي وَصِيَّتَهُ بِإِبَائِهِ حَتَّى رَغِبَ فِي أَدَاءِ الْفِدَاءِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ أَبْطَلَ الْقَاضِي وَصِيَّتَهُ حِينَ أَبَى ذَلِكَ فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الْعَبْدِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ رَغِبَ فِي الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّ الْإِبَاءَ إنَّمَا يَتَأَكَّدُ حُكْمُهُ إذَا اتَّصَلَ بِهِ قَضَاءُ الْقَاضِي. بِمَنْزِلَةِ إبَاءِ الْيَمِينِ مِنْ الْمُنْكِرِ، وَإِبَاءِ الْإِسْلَامِ مِنْ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ بَعْدَ إسْلَامِ الْآخَرِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":1361},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>[بَابُ شِرَاءِ الْعَبْدِ الْمَأْسُور الَّذِي يُؤْخَذُ بِالْقِيمَةِ]</span>\n١٣٦ - بَابُ شِرَاءِ الْعَبْدِ الَّذِي يُؤْخَذُ بِالْقِيمَةِ\n٢٦٢١ - وَإِذَا اشْتَرَى الْعَبْدَ الْمَأْسُورَ مُسْلِمٌ مِنْ الْعَدُوِّ، بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَأَلْفِ رِطْلٍ مِنْ خَمْرٍ، فَأَرَادَ مَوْلَاهُ أَنْ يَأْخُذَهُ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَلْفًا أَوْ أَقَلَّ قِيلَ لِمَوْلَاهُ: خُذْ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ أَوْ دَعْ.\nلِأَنَّهُ إنَّمَا يَأْخُذُهُ بِمَا غَرِمَ فِيهِ الْمُشْتَرِي مِمَّا هُوَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ وَذَلِكَ الْأَلْفُ، فَإِنَّ الْخَمْرَ لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ.\n٢٦٢٢ - وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ فَإِنَّمَا يَأْخُذُهُ بِكَمَالِ قِيمَتِهِ.\nلِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ، وَإِنَّمَا أَخَذَهُ بِطِيبِ أَنْفُسِهِمْ، فَكَأَنَّهُمْ وَهَبُوهُ لَهُ. وَلِأَنَّهُ إنْ اشْتَرَاهُ بِخَمْرٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ، فَإِذَا اشْتَرَاهُ بِدَرَاهِمَ مَعَ الْخَمْرِ أَوْلَى أَلَّا يَأْخُذَهُ مِنْهُ إلَّا بِقِيمَتِهِ، وَهُوَ نَظِيرُ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَرِطْلٍ مِنْ خَمْرٍ، فَقَبِلَ الْعَبْدُ ذَلِكَ كَانَ حُرًّا.\n٢٦٢٣ - ثُمَّ إنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَلْفًا أَوْ أَقَلَّ فَعَلَيْهِ الْأَلْفُ.\nلِأَنَّهُ الْتَزَمَ ذَلِكَ طَوْعًا بِإِزَاءِ مَا سَلِمَ لَهُ، وَهُوَ الْعِتْقُ","vol":"1","page":1362},{"text":"٢٦٢٤ - وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ فَعَلَيْهِ تَمَامُ الْقِيمَةِ.\nلِأَنَّ الْمُعْتِقَ مَا رَضِيَ بِالْأَلْفِ وَحْدَهَا، وَلَوْ أَعْتَقَهُ عَلَى خَمْرٍ كَانَ عَلَيْهِ قِيمَةُ نَفْسِهِ فَإِذَا شَرَطَ الْخَمْرَ مَعَ الْأَلْفِ أَوْلَى.\n٢٦٢٥ - وَلَوْ كَانَ اشْتَرَاهُ بِأَلْفٍ وَعِشْرِينَ شَاةً مَيِّتَةً أَوْ عِشْرِينَ زِقًّا مِنْ دَمٍ، فَإِنَّ مَوْلَاهُ يَأْخُذُهُ بِالْأَلْفِ سَوَاءٌ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ.\nلِأَنَّ ضَمَّ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ إلَى الْأَلْفِ لَغْوٌ، بِخِلَافِ ضَمِّ الْخَمْرِ إلَى الْأَلْفِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ يُتَمَوَّلُ، وَإِنْ فَسَدَتْ قِيمَتُهُ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ حَتَّى يَضْمَنَ مُسْتَهْلِكُهُ عَلَى الذِّمِّيِّ بِخِلَافِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ، فَإِنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُمَا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ مَا يَشْتَرِيهِ الْمُسْلِمُ بِالْخَمْرِ يَمْلِكُهُ بِالْقَبْضِ، حَتَّى يَنْفُذَ عِتْقُهُ فِيهِ، بِخِلَافِ مَا يَشْتَرِيهِ بِالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ.\n٢٦٢٦ - وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَلَى مَيْتَةٍ أَوْ دَمٍ عَتَقَ مَجَّانًا. بِخِلَافِ مَا إذَا أَعْتَقَهُ عَلَى خَمْرٍ.\n٢٦٢٧ - وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ فِي يَدِ مُسْلِمٍ فَأَقَامَ مُسْلِمٌ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ عَبْدُهُ، وُلِدَ فِي مِلْكِهِ، وَأَقَامَ ذُو الْيَدِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ الْمَغَانِمِ،","vol":"1","page":1363},{"text":"أَوْ مِمَّنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ مِنْ الْغَنِيمَةِ، فَإِنَّهُ يَقْضِي بِهِ لِلْمُدَّعِي بِغَيْرِ شَيْءٍ.\nلِأَنَّهُ أَثْبَتَ بِبَيِّنَتِهِ مِلْكَهُ فِي الْعَبْدِ، وَذُو الْيَدِ مَا أَثْبَتَ بِبَيِّنَتِهِ الْمِلْكَ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ الشِّرَاءَ مِنْ الْمَغَانِمِ، أَوْ مِمَّنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ الْمِلْكَ لَهُ مَا لَمْ يُعْلَمَ أَنَّ الْعَدُوَّ أَسَرُوهُ وَأَحْرَزُوهُ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونُوا أَخَذُوهُ، وَلَمْ يُحْرِزُوهُ حَتَّى ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ، أَوْ أَنَّ هَذَا الْعَبْدَ كَانَ أَبَقَ إلَيْهِمْ، ثُمَّ وَقَعَ فِي الْغَنِيمَةِ.\n٢٦٢٨ - وَلَوْ كَانَ فِي بَيِّنَةِ ذِي الْيَدِ إثْبَاتُ الْمِلْكِ لَهُ لَمْ تَكُنْ مُعَارِضَةً لِبَيِّنَةِ الْخَارِجِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا إثْبَاتُ الْمِلْكِ لَهُ أَوْلَى أَلَّا تَكُونَ مُعَارِضَةً لَهُ. وَإِنْ أَقَامَ ذُو الْيَدِ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْعَدُوَّ أَخَذُوا هَذَا الْعَبْدَ فَأَحْرَزُوهُ، ثُمَّ وَقَعَ فِي الْغَنِيمَةِ فَاشْتَرَاهُ مِمَّنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي بِهِ لِلَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ.\nلِأَنَّ فِي بَيِّنَةِ ذِي الْيَدِ إثْبَاتَ سَبَبِ زَوَالِ مِلْكِ الْمُدَّعِي وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى ذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ قَبُولِهَا لِحَاجَتِهِ. وَلِأَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ وَالْبَيِّنَتَانِ حُجَجٌ فَعِنْدَ إمْكَانِ الْعَمَلِ بِالْبَيِّنَتَيْنِ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِمَا.\n٢٦٢٩ - ثُمَّ الثَّابِتُ بِهَا كَالثَّابِتِ بِاتِّفَاقِ الْخَصْمَيْنِ، فَيُقَالُ لِلْمُدَّعِي إنْ شِئْت فَخُذْهُ بِالثَّمَنِ، وَإِنْ شِئْت فَدَعْ.\nلِأَنَّ الْعَدُوَّ مَلَكُوهُ حَتَّى لَوْ أَسْلَمُوا، أَوْ صَارُوا ذِمَّةً. أَوْ دَخَلَ مِنْهُمْ دَاخِلٌ","vol":"1","page":1364},{"text":"إلَيْنَا بِأَمَانٍ، وَهُوَ مَعَهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ سَبِيلٌ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَ ثُبُوتِ إحْرَازِ الْمُشْرِكِينَ إيَّاهُ.\n٢٦٣٠ - وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَهُ الدَّاخِلُ إلَيْنَا بِأَمَانٍ مِنْ مُسْلِمٍ آخَرَ لَمْ يَكُنْ لِلْمَوْلَى الْقَدِيمِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ.\nلِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَامَ فِيهِ مَقَامَ الْبَائِعِ، وَبَعْدَ مَا حَصَلَ فِي دَارِنَا عَلَى وَجْهٍ لَا سَبِيلَ لِلْمَوْلَى عَلَى أَخْذِهِ لَا يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الْأَخْذِ، وَإِنْ انْتَقَلَ الْمِلْكُ فِيهِ إلَى غَيْرِهِ.\n٢٦٣١ - فَإِنْ أَخَذَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، فَأَعْتَقَهُ أَوْ كَاتَبَهُ أَوْ دَبَّرَهُ أَوْ بَاعَهُ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ الشُّهُودَ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى مِلْكِهِ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ فَجَمِيعُ مَا صَنَعَ الْآخِذُ مِنْ ذَلِكَ بَاطِلٌ، وَالْعَبْدُ مَرْدُودٌ عَلَى مَنْ كَانَ فِي يَدِهِ.\nلِأَنَّهُ تَبَيَّنَ بُطْلَانُ قَضَاءِ الْقَاضِي لَهُ بِالْمِلْكِ، حِينَ أَظْهَرَ أَنَّهُ قَضَى بِغَيْرِ حُجَّةٍ، فَكَانَ مُتَصَرِّفًا فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ.\nفَإِنْ قِيلَ: الْقَاضِي أَجْبَرَهُ عَلَى أَنْ يُمَلِّكَهُ إيَّاهُ بِالثَّمَنِ فَهَبْ أَنَّ الْقَضَاءَ كَانَ بَاطِلًا، فَهَذَا لَا يَكُونُ دُونَ مَا لَوْ أَجْبَرَ سُلْطَانٌ رَجُلًا عَلَى بَيْعِ عَبْدٍ مِنْ فُلَانٍ، وَدَفَعَهُ إلَيْهِ، وَهُنَاكَ الْمُشْتَرِي يَمْلِكُهُ بِالْقَبْضِ حَتَّى يَنْفُذَ فِيهِ تَصَرُّفَاتُهُ بِالْعِتْقِ وَالتَّدْبِيرِ فَكَذَلِكَ هَا هُنَا. قُلْنَا: هُنَاكَ إنَّمَا أَجْبَرَهُ عَلَى بَيْعٍ مُبْتَدَأٍ وَهُوَ سَبَبٌ مُوجِبٌ لِلْمِلْكِ، وَقَدْ انْعَقَدَ بِصِفَةِ الْفَسَادِ، لِانْعِدَامِ شَرْطِ الْجَوَازِ فِيهِ وَهُوَ الرِّضَاءُ بِهِ، فَلِهَذَا يَمْلِكُهُ الْمُشْتَرِي مِنْهُ بِالْقَبْضِ، وَهَا هُنَا مَا أَجْبَرَهُ عَلَى مُبَاشَرَةِ سَبَبِ التَّمَلُّكِ ابْتِدَاءً، وَإِنَّمَا أَعَادَهُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ،","vol":"1","page":1365},{"text":"وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِلْكٌ فِيهِ قَبْلَ هَذَا، وَالْمِلْكُ لَا يَثْبُتُ ابْتِدَاءً بِغَيْرِ سَبَبٍ، فَلِهَذَا لَا يَنْفُذُ عِتْقُهُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ حَضَرَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ عَبْدُهُ فَأَخَذَهُ مَجَّانًا فَأَعْتَقَهُ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ الشُّهُودَ كَانُوا عَبِيدًا]، فَإِنَّهُ يَرُدُّ الْعَبْدَ فِي الْغَنِيمَةِ، وَيَبْطُلُ عِتْقُهُ لِهَذَا الْمَعْنَى، فَكَذَلِكَ إذَا أَخَذَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ بِالْقِيمَةِ، أَوْ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، وَهَذَا لِأَنَّ مَا يُؤَدَّى فِدَاءٌ لِمِلْكِهِ، لَا عِوَضٌ عَنْ مِلْكٍ يُثْبِتُهُ لِنَفْسِهِ بِخِلَافِ مَا يُعْطَى الْمُشْتَرِي مِنْ الْمُكْرَهِ.\n٢٦٣٢ - وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الْعَبْدِ أَمَةٌ فَاسْتَوْلَدَهَا الْمَقْضِيُّ لَهُ بِهَا. رُدَّتْ هِيَ وَعُقْرُهَا وَوَلَدُهَا رَقِيقًا فِي الْغَنِيمَةِ.\nلِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ وَطِئَ مَا لَا يَمْلِكُ إلَّا أَنَّ الْحَدَّ يَسْقُطُ عَنْهُ، لِضَرُورَةِ الْقَضَاءِ فَيَجِبُ الْعُقْرُ وَالْوَلَدُ يُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَصْلِ.\n٢٦٣٣ - ثُمَّ فِي الْقِيَاسِ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ.\nلِأَنَّ ثُبُوتَ نَسَبِ الْوَلَدِ يَسْتَدْعِي شُبْهَةً حُكْمِيَّةً فِي الْمَحَلِّ، وَلَمْ تُوجَدْ.\n٢٦٣٤ - وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهُ.\nلِأَنَّهُ وَطِئَهَا وَهِيَ مَمْلُوكَةٌ لَهُ فِي قَضَاءِ الْقَاضِي. وَهَذَا الْقَدْرُ فِي الْمَحَلِّ يَكْفِي لِإِثْبَاتِ النَّسَبِ بِالدَّعْوَةِ، فَإِنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ بِأَدْنَى شُبْهَةٍ. فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَاذَا لَا يُجْعَلُ الْوَلَدُ حُرًّا بِالْقِيمَةِ بِمَنْزِلَةِ وَلَدِ الْمَغْرُورِ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ الْغُرُورَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ إذَا تَرَتَّبَ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى سَبَبِ مِلْكٍ ثَابِتٍ لَهُ فِي الْمَحَلِّ حُكْمًا أَوْ حَقِيقَةً.","vol":"1","page":1366},{"text":"وَلَمْ يُوجَدْ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَمْ يُمَلِّكْهُ إيَّاهُ ابْتِدَاءً، وَإِنَّمَا أَعَادَهُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لَهُ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ النَّسَبِ مِنْهُ عِتْقُ الْوَلَدِ، كَمَا لَوْ وَطِئَ أَمَةَ الْغَيْرِ بِشُبْهَةٍ فَوَلَدَتْ مِنْهُ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ أَثْبَتَ دَيْنًا عَلَى رَجُلٍ بِالْبَيِّنَةِ، فَأَجْبَرَ الْقَاضِي الْمَدِينَ عَلَى بَيْعِ أَمَتِهِ، فَبَاعَهَا وَأَعْتَقَهَا الْمُشْتَرِي أَوْ دَبَّرَهَا أَوْ اسْتَوْلَدَهَا أَوْ بَاعَهَا، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ شُهُودَ الدَّيْنِ كَانُوا عَبِيدًا، فَإِنَّ هُنَاكَ الْقَاضِيَ يُبْطِلُ مِنْ تَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي مَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ، وَلَا يُبْطِلُ مِنْ تَصَرُّفِهِ مَا لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ، لِأَنَّ هُنَاكَ أَجْبَرَهُ عَلَى تَمْلِيكٍ مُبْتَدَأٍ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْإِكْرَاهِ الْبَاطِلِ عَلَى الْبَيْعِ، وَهَا هُنَا مَا أَجْبَرَ مَنْ فِي يَدِهِ عَلَى التَّمْلِيكِ ابْتِدَاءً مِنْ الْآخِذِ.\nيُوَضِّحُهُ - أَنَّ إجْبَارَ الْقَاضِي هُنَاكَ عَلَى الْبَيْعِ إذَا تَصَرَّفَ الْمُشْتَرِي بَعْدَهُ بِمَنْزِلَةِ إجْبَارِ الْمَالِكِ عَلَى ذَلِكَ التَّصَرُّفِ بِعَيْنِهِ، وَمَا لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ يَنْفُذُ مِنْ الْمُكْرَهِ إذَا بَاشَرَهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يُرَدُّ، بِخِلَافِ مَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ، وَلَوْ كَانَ الْقَاضِي هُوَ الَّذِي وَلِيَ بَيْعَ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَوْ أَمِينُهُ، وَالْمَسْأَلَةُ عَلَى حَالِهَا، فَإِنَّهُ يَنْقُضُ جَمِيعَ تَصَرُّفَاتِ الْمُشْتَرِي هَا هُنَا؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ الْبَيْعَ كَانَ مَوْقُوفًا، وَالْبَيْعُ الْمَوْقُوفُ لَا يُوجِبُ الْمِلْكَ، فَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفَاتُ الْمُشْتَرِي فِيهِ قَبْلَ إجَازَةِ الْمَالِكِ، وَفِي الْأَوَّلِ الْبَيْعُ كَانَ فَاسِدًا، لِأَنَّ الْمَالِكَ بَاشَرَهُ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ رَاضِيًا بِهِ، وَالرِّضَاءُ شَرْطُ صِحَّةِ الْبَيْعِ، فَعِنْدَ انْعِدَامِهِ يَكُونُ الْبَيْعُ فَاسِدًا. وَإِنْ اسْتَوْلَدَهَا الْمُشْتَرِي هَا هُنَا فَإِنَّهُ يَغْرَمُ عُقْرَهَا وَقِيمَةَ وَلَدِهَا، وَيَكُونُ الْوَلَدُ حُرًّا؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ هُوَ الَّذِي بَاعَهَا، وَكَانَ بَيْعُهُ فِي الصُّورَةِ حَقًّا، مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ بُطْلَانُ شَهَادَةِ الشُّهُودِ، فَكَانَ الْمُشْتَرِي فِي حُكْمِ الْمَغْرُورِ هَا هُنَا، وَوَلَدُ الْمَغْرُورِ حُرٌّ بِالْقِيمَةِ، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فِي أَخْذِ الْمَأْسُورِ مِنْهُ، وَإِنَّمَا الْمَأْسُورُ مِنْهُ نَظِيرُ مَنْ ادَّعَى أَمَةً فِي يَدِ رَجُلٍ أَنَّهُ كَانَ وَهَبَهَا مِنْهُ، وَأَنَّهُ يَرْجِعُ فِيهَا الْآنَ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ، فَقَضَى الْقَاضِي لَهُ بِهَا","vol":"1","page":1367},{"text":"فَأَعْتَقَهَا أَوْ اسْتَوْلَدَهَا، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ الشُّهُودَ كَانُوا عَبِيدًا فَإِنَّهَا مَرْدُودَةٌ عَلَى الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ مَعَ وَلَدِهَا وَعُقْرِهَا، وَلَكِنْ يَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدِ مِنْ الْمُدَّعِي اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ حِينَ قَضَى بِالرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ فَقَدْ أَعَادَهَا إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ، وَلَمْ يُمَلِّكْهَا ابْتِدَاءً فَكَانَ هَذَا وَالْمَأْسُورُ مِنْهُ فِي الْمَعْنَى سَوَاءً.\n٢٦٣٥ - وَلَوْ كَانَ ذُو الْيَدِ اشْتَرَى الْعَبْدَ الْمَأْسُورَ مِنْ الْمَغَانِمِ، أَوْ مِمَّنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ، فَجَاءَ رَجُلٌ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ أَصْلَهُ كَانَ لَهُ، فَقَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي أُعْطِيَ ذُو الْيَدِ الْعَبْدَ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ صُلْحًا، وَلَمْ يُقِرَّ أَنَّهُ عَبْدُهُ فَأَعْتَقَهُ، أَوْ كَانَتْ أَمَةً فَاسْتَوْلَدَهَا، ثُمَّ أَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ عَبْدُهُ، فَزُكِّيَتْ بَيِّنَتُهُ وَلَمْ تُزَكَّ بَيِّنَةُ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَنْقُضُ جَمِيعَ مَا صَنَعَ الْمُدَّعِي وَيَرُدُّهَا إلَى مَنْ كَانَتْ فِي يَدِهِ، وَيَقْضِي لِلَّذِي زُكِّيَتْ بَيِّنَتُهُ أَنْ يَأْخُذَهَا مَعَ وَلَدِهَا بِالثَّمَنِ الَّذِي أَخَذَهُمَا بِهِ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ مَا جَرَى بَيْنَ ذِي الْيَدِ وَبَيْنَ الْمُدَّعِي الْأَوَّلِ لَمْ يَكُنْ تَمْلِيكًا مُبْتَدَأً وَإِنَّمَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْفِدَاءِ لِمِلْكِهِ الْقَدِيمِ.\n٢٦٣٦ - فَإِذَا لَمْ يُثْبِتْ مِلْكَهُ الْقَدِيمَ كَانَ ذَلِكَ بَاطِلًا، وَالْمِلْكُ لَا يَثْبُتُ بِغَيْرِ سَبَبٍ، فَلَا يَنْفُذُ شَيْءٌ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ لِانْعِدَامِ الْمِلْكِ فِي الْمَحَلِّ، وَلَكِنَّهُ يَغْرَمُ الْعُقْرَ فَيَسْلَمُ ذَلِكَ لِذِي الْيَدِ.\nلِأَنَّ الْعُقْرَ دَرَاهِمُ وَهِيَ لَا تُفَكُّ بِالْفِدَاءِ.","vol":"1","page":1368},{"text":"٢٦٣٧ - وَلَوْ كَانَ قَتَلَ الْوَلَدَ قَبْلَ أَنْ تُزَكَّى بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَقِيمَةُ الْوَلَدِ وَالْعُقْرُ يَكُونُ سَالِمًا لِمَنْ كَانَتْ فِي يَدِهِ.\nلِأَنَّ الْقِيمَةَ دَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ كَالْعُقْرِ وَبِاعْتِبَارِهِمَا لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ عَنْ الْمَالِكِ الْقَدِيمِ. لِأَنَّ مَا لَزِمَهُ فِدَاءٌ وَالْفِدَاءُ إنَّمَا يَكُونُ لِأَصْلِ الْمِلْكِ، وَقَدْ سَلِمَ لَهُ ذَلِكَ حِينَ أَخَذَ الْجَارِيَةَ.\n٢٦٣٨ - وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا ادَّعَى شُفْعَةً فِي دَارٍ فَسَلَّمَهَا إلَيْهِ ذُو الْيَدِ عَلَى دَعْوَاهُ، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهَا شَفَاعَةٌ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ بِمَنْزِلَةِ الشِّرَاءِ الْمُبْتَدَأِ فَكَانَ ذَلِكَ تَمْلِيكًا مُبْتَدَأً جَرَى بَيْنَهُمَا بِالتَّرَاضِي فَيَكُونُ نَافِذًا. فَأَمَّا إذَا أَخَذَ الْمَأْسُورَ بِالثَّمَنِ لَا يَكُونُ تَمْلِيكًا ابْتِدَاءً وَلَكِنَّهُ أَعَادَهُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي يُعْطَى.\n٢٦٣٩ - وَلَوْ كَانَ ذُو الْيَدِ صَدَّقَهُ فِي أَنَّ الْأَمَةَ أَمَتُهُ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْضِي لِلثَّانِي بِشَيْءٍ، وَإِنْ زُكِّيَتْ بَيِّنَتُهُ فَجَمِيعُ مَا صَنَعَ الْأَخِذُ فِيهَا نَافِذٌ.\nلِأَنَّ ذَا الْيَدِ حِينَ أَقَرَّ لَهُ بِالْمِلْكِ فَقَدْ أَقَرَّ بِنُفُوذِ تَصَرُّفِهِ فِيهَا مِنْ حَيْثُ الْإِعْتَاقُ وَالِاسْتِيلَاءُ.\n٢٦٤٠ - وَلَوْ بَاشَرَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ لِلَّذِي أَثْبَتَ الْمِلْكَ","vol":"1","page":1369},{"text":"فِيهَا بِالْبَيِّنَةِ عَلَيْهَا سَبِيلٌ بَعْدَ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ إذَا أَقَرَّ ذُو الْيَدِ بِنُفُوذِ ذَلِكَ فِيهَا، يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ بِهَذَا الْإِقْرَارِ سَلَّطَهُ عَلَى مُبَاشَرَةِ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ فِيهَا، وَفِعْلُ الْمُسَلَّطِ عَلَى التَّصَرُّفِ كَفِعْلِ الْمُسَلِّطِ.\nبِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فَإِنَّ هُنَاكَ مَا سَلَّطَهُ عَلَى شَيْءٍ، إنَّمَا تَرَكَ الْخُصُومَةَ، وَسَلَّمَهَا إلَيْهِ بِاعْتِبَارِ زَعْمِهِ، أَنَّهُ كَانَ تَمَلَّكَهَا قَبْلَ الْأَسْرِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَاطِلًا.\n٢٦٤١ - وَلَوْ كَانَ الْمُقَرُّ لَهُ هَا هُنَا بَاعَهَا أَوْ رَهَنَهَا لَمْ يَبْطُلْ بِهِ حَقُّ الَّذِي يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ كَانَ يَمْلِكُهَا قَبْلَ الْأَسْرِ.\nلِأَنَّ ذَا الْيَدِ لَوْ بَاشَرَ هَذَا التَّصَرُّفَ بِنَفْسِهِ لَمْ يَبْطُلْ بِهِ حَقُّ الْمَأْسُورِ مِنْهُ.\n٢٦٤٢ - فَكَذَلِكَ إذَا أَقَرَّ بِنُفُوذِ هَذَا التَّصَرُّفِ فِيهِ، بِخِلَافِ الْعِتْقِ وَالِاسْتِيلَادِ إلَّا أَنَّ هَا هُنَا يَنْقُضُ الْقَاضِي بَيْعَ الْمُقَرِّ لَهُ وَيَرُدُّهُ عَلَى ذِي الْيَدِ حَتَّى يَأْخُذَهُ الْمُدَّعِي بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ. مِنْهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ ذُو الْيَدِ هُوَ الَّذِي بَاعَهَا مِنْهُ.\nلِأَنَّ هُنَاكَ إنَّمَا صَدَرَ الْبَيْعُ مِمَّنْ يَمْلِكُهَا.\n٢٦٤٣ - وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمَأْسُورَ مِنْهُ يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الْأَخْذِ بِالثَّمَنِ أَوْ بِالْقِيمَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُضَ تَصَرُّفًا، وَهَا هُنَا إنَّمَا صَدَرَ الْبَيْعُ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لَهَا حَقِيقَةً.\nلِأَنَّ إقْرَارَ ذِي الْيَدِ لِلْمُدَّعِي الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ كَانَ يَمْلِكُهَا لَمْ يَكُنْ تَمْلِيكًا مِنْهُ","vol":"1","page":1370},{"text":"ابْتِدَاءً، إلَّا أَنَّهُ إذَا اتَّصَلَ بِهِ تَصَرُّفٌ لَا يُمْكِنُ نَقْضُهُ، كَالْإِعْتَاقِ يَبْطُلُ بِهِ حَقُّ الْمَوْلَى الْقَدِيمِ فِي الْأَخْذِ، وَإِذَا اتَّصَلَ بِهِ تَصَرُّفٌ، يَحْتَمِلُ النَّقْضَ لَا يَبْطُلُ بِهِ حَقُّ الْمَوْلَى الْقَدِيمِ، فَيَنْقُضُ هَذَا التَّصَرُّفَ وَيَرُدُّهُ إلَى الْأَوَّلِ، لِيَأْخُذَهُ الْمَوْلَى مِنْهُ بِالثَّمَنِ، فَإِنَّ حَقَّ الْآخِذِ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالْفِدَاءِ مِنْ الْمَالِكِ لَا مِنْ غَيْرِ الْمَالِكِ.\n٢٦٤٤ - وَلَوْ كَانَ الْآخِذُ أَعْتَقَهَا أَوْ اسْتَوْلَدَهَا ثُمَّ تَصَادَقُوا أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مِلْكًا لَهُ، وَأَنَّهُ كَانَ ادَّعَى بَاطِلًا، فَإِنْ كَانَ ذُو الْيَدِ أَعْطَاهَا إيَّاهُ عَلَى غَيْرِ تَصْدِيقٍ مِنْهُ أَبْطَلَ الْقَاضِي مَا تَصَرَّفَ فِيهَا الْآخِذُ، مَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ وَمَا لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ.\nلِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ، وَقَدْ تَصَادَقُوا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا فَتَبْطُلُ جَمِيعُ تَصَرُّفَاتِهِ بِتَصَادُقِهِمْ عَلَيْهِ، إلَّا أَنَّ نَسَبَ الْوَلَدِ يَثْبُتُ مِنْ الْوَاطِئِ اسْتِحْسَانًا لِمَا قُلْنَا، فَإِنَّ النَّسَبَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ، وَالنَّسَبُ حَقُّ الْوَلَدِ، وَلَا يُعْتَبَرُ بِتَصَادُقِهِمْ فِي حَقِّهِ.\n٢٦٤٥ - فَإِنْ كَانَ بَاعَهَا مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ تَصَادَقَ عَلَى ذَلِكَ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ وَالْآخَرُ. وَكَذَّبَ الْمُشْتَرِي الثَّانِي أَوْ كَذَّبَتْ الْأَمَةُ بَعْدَ مَا أَعْتَقَهَا أَوْ اسْتَوْلَدَهَا فَإِنَّهُ لَا يُنْقَضُ شَيْءٌ مِنْ تَصَرُّفِ الْآخِذِ هَا هُنَا.\nلِأَنَّ تَصَادُقَهُمَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي إبْطَالِ حَقِّ الْمُشْتَرِي الثَّانِي، وَلَا فِي إبْطَالِ حَقِّ الْجَارِيَةِ فِي الْعِتْقِ وَفِي الِاسْتِيلَادِ، وَلَكِنَّ الْآخِذَ قَدْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ أَخَذَهَا","vol":"1","page":1371},{"text":"بِغَيْرِ حَقٍّ، وَقَدْ صَارَ مُسْتَهْلِكًا لَهَا بِتَصَرُّفِهِ، فَيَضْمَنُ قِيمَتَهَا، وَإِقْرَارُهُ حُجَّةٌ عَلَى نَفْسِهِ فَتَقَعُ الْمُقَاصَّةُ بِالثَّمَنِ الَّذِي أَعْطَى.\n٢٦٤٦ - وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي الْوَطْءِ عُقْرٌ وَوَلَدُهَا حُرٌّ بِغَيْرِ الْقِيمَةِ.\nلِأَنَّ ضَمَانَ الْغَنِيمَةِ تَقَرَّرَ عَلَيْهِ مِنْ حِينِ قَبَضَهَا، وَذَلِكَ سَبَبٌ لِوُقُوعِ الْمِلْكِ لَهُ فِيهَا، فَتَبَيَّنَ بِهَذَا الطَّرِيقِ أَنَّهُ اسْتَوْلَدَهَا عَلَى مِلْكِهِ.\n٢٦٤٧ - وَإِنْ كَانَ ذُو الْيَدِ صَدَّقَهُ بِمَا قَالَ حِينَ أَعْطَاهُ، ثُمَّ تَصَادَقُوا عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ لِلْمُدَّعِي فَإِنَّ الْإِعْتَاقَ وَالِاسْتِيلَادَ وَكُلَّ تَصَرُّفٍ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ يَكُونُ نَافِذًا فِيهَا مِنْ الْآخِذِ.\nلِأَنَّهُمْ تَصَادَقُوا عَلَى نُفُوذِ ذَلِكَ التَّصَرُّفِ فِيهِ فِي الِابْتِدَاءِ، وَبَعْدَ نُفُوذِ ذَلِكَ التَّصَرُّفِ غَيْرَ مُحْتَمِلٍ لِلنَّقْضِ، فَلَا يَنْتَقِضُ بِتَصَادُقِهِمْ أَيْضًا، وَلَكِنْ يَغْرَمُ الْمُدَّعِي قِيمَةَ الْأَمَةِ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ أَقَرَّ بِأَنَّهُ أَخَذَهَا بِغَيْرِ حَقٍّ، وَقَدْ احْتَبَسَتْ عِنْدَهُ فَيَغْرَمُ قِيمَتَهَا كَمَا فِي الْفَصْلِ الْمُتَقَدِّمِ، إذَا كَذَّبَتْهُمَا الْأَمَةُ.\n٢٦٤٨ - وَلَوْ كَانَ الْآخِذُ بَاعَهَا أَوْ كَاتَبَهَا ثُمَّ تَصَادَقُوا جَمِيعًا فَذَلِكَ كُلُّهُ بَاطِلٌ، وَهِيَ مَرْدُودَةٌ عَلَى مَنْ كَانَتْ فِي يَدِهِ.\nلِأَنَّ هَذَا التَّصَرُّفَ مُحْتَمِلٌ لِلنَّقْضِ، وَقَدْ تَصَادَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ بَاشَرَهُ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لَهَا، فَكَانَ ذَلِكَ اتِّفَاقًا مِنْهُمْ عَلَى بُطْلَانِ هَذَا التَّصَرُّفِ، وَالْحَقُّ لَهُمْ لَا يَعْدُوهُمْ.\n٢٦٤٩ - فَإِنْ كَانَ عَبْدًا فَكَاتَبَهُ، وَاسْتَوْفَى بَعْضَ بَدَلِ الْكِتَابَةِ،","vol":"1","page":1372},{"text":"ثُمَّ تَصَادَقُوا] فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ مِنْ الْعَدُوِّ يَسْتَرِدُّ الْعَبْدَ مَعَ مَا أَخَذَ مِنْهُ الْمُكَاتَبُ لِأَنَّ ذَلِكَ كَسْبُ عَبْدِهِ كَمَا لَوْ تَصَادَقَا عَلَيْهِ، فَيَكُونُ أَحَقَّ بِهِ.\n٢٦٥٠ - وَلَوْ كَانَ أَدَّى جَمِيعَ الْمُكَاتَبَةِ. ثُمَّ تَصَادَقُوا لَمْ يُرَدَّ الْعِتْقُ الَّذِي نَفَذَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ بَعْدَ وُقُوعِهِ، وَلَكِنْ يَضْمَنُ الْمَكَاتِبُ قِيمَةَ الْمُكَاتَبِ يَوْمَ أَدَّى الْكِتَابَةَ لِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ، فَصَارَ مُسْتَهْلِكًا مِلْكَ الْآخِذِ، وَإِنَّمَا تَحَقَّقَ ذَلِكَ عِنْدَ تَحَقُّقِ اسْتِيفَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ، فَلِهَذَا يَضْمَنُ الْقِيمَةَ، مُعْتَبِرًا بِذَلِكَ الْوَقْتَ إنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ ازْدَادَتْ، وَتَكُونُ الْمُكَاتَبَةُ لِلْمَأْخُوذِ مِنْهُ دُونَ الْمُكَاتَبِ، لِإِقْرَارِهِ أَنَّهُ كَسْبُ عَبْدِهِ، قَدْ كَانَ اكْتَسَبَهُ قَبْلَ أَنْ يَمْلِكَهُ هُوَ بِالضَّمَانِ.\nلِأَنَّهُ إذَا ضَمِنَ الْقِيمَةَ يَوْمَ اسْتَوْفَى الْمُكَاتَبَةَ فَإِنَّمَا يَمْلِكُهُ مِنْ هَذَا الْوَقْتِ، وَالْكَسْبُ كَانَ حَاصِلًا قَبْلَهُ، فَيَرُدُّهُ عَلَى الْمَأْخُوذِ مِنْهُ.\n٢٦٥١ - وَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ نَقَصَتْ قَبْلَ أَدَاءِ الْمُكَاتَبَةِ فَأَرَادَ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهُ يَوْمَ قَبْضِهِ مِنْهُ فَلَهُ ذَلِكَ.\nلِأَنَّ الْمَكَاتِبَ قَدْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ قَبَضَهُ لِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ حَقٍّ، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِ لَهُ بِزَعْمِهِ.\n٢٦٥٢ - ثُمَّ تَصِيرُ الْمُكَاتَبَةُ لِلْمُكَاتِبِ هَا هُنَا.","vol":"1","page":1373},{"text":"لِأَنَّهُ بِالضَّمَانِ مَلَكَهُ مِنْ وَقْتِ الْقَبْضِ هَا هُنَا، وَالْكَسْبُ إنَّمَا حَصَلَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَيَكُونُ لَهُ إذْ الْكَسْبُ يُمْلَكُ بِضَمَانِ الْأَصْلِ تَبَعًا لَهُ.\n٢٦٥٣ - وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يُكَاتِبْهُ حَتَّى مَاتَ الْعَبْدُ وَقَدْ اكْتَسَبَ كَسْبًا، ثُمَّ تَصَادَقَا عَلَى مَا بَيَّنَّا، فَلِلْمَأْخُوذِ مِنْهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهُ يَوْمَ قَبْضِهِ، وَيَكُونُ الْكَسْبُ لِلَّذِي مَاتَ فِي يَدِهِ فَإِنْ كَانَتْ ازْدَادَتْ قِيمَتُهُ هَا هُنَا قَبْلَ الْمَوْتِ فَأَرَادَ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهُ زَائِدَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَغْصُوبِ فِي يَدِهِ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُ الْغَاصِبُ قِيمَةَ الْمَغْصُوبِ إذَا مَاتَ مِنْ وَقْتِ الْقَبْضِ، إذْ لَا صُنْعَ لَهُ فِي الْمَوْتِ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ، فَهُنَاكَ بِاسْتِيفَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ يَصِيرُ مُسْتَهْلِكًا لَهُ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهُ بِاعْتِبَارِ الِاسْتِهْلَاكِ، فَإِنَّ الِاسْتِهْلَاكَ بَعْدَ الْغَصْبِ يَتَحَقَّقُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَبَبٌ لِوُجُوبِ ضَمَانِ الْقِيمَةِ. فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ بِأَيِّ السَّبَبَيْنِ شَاءَ. قَالَ:\n٢٦٥٤ - وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا مِنْ رَجُلٍ بِشَيْءٍ لَا ثَمَنَ لَهُ؛ كَالْخَمْرِ أَوْ الْمَيْتَةِ فَقَبَضَهُ وَمَاتَ فِي يَدِهِ. وَاَلَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ رِوَايَةٌ فِي أَنَّ الْمُشْتَرِيَ بِالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ يَصِيرُ مَضْمُونًا بِالْقَبْضِ. وَإِنْ كَانَ لَا يَصِيرُ مَمْلُوكًا، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْمَبْسُوطِ، فَهُنَاكَ قَالَ: الْعَقْدُ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ أَصْلًا، فَبَقِيَ الْقَبْضُ بِتَسْلِيمِ الْمَالِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلضَّمَانِ عَلَى الْقَابِضِ، بِخِلَافِ الْمُشْتَرِي بِالْخَمْرِ، وَلَكِنَّ الْأَصَحَّ مَا ذَكَرَ هَا هُنَا،","vol":"1","page":1374},{"text":"لِأَنَّهُ يَقْبِضُهُ عَلَى أَنَّهُ لَهُ، وَمِثْلُ هَذَا الْقَبْضِ وَإِنْ حَصَلَ بِإِذْنِ الْمَالِكِ يَكُون مُوجِبًا ضَمَانَ الْقِيمَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّ هَذَا لَا يَكُونُ دُونَ الْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ، وَذَلِكَ مَضْمُونٌ بِالْقِيمَةِ، وَإِنْ لَمْ يَصِرْ مَمْلُوكًا لِلْقَابِضِ، فَهَذَا مِثْلُهُ.\n٢٦٥٥ - وَلَوْ كَانَ دَبَّرَ الْعَبْدَ فَاكْتَسَبَ بَعْدَ التَّدْبِيرِ مَالًا، ثُمَّ تَصَادَقُوا، فَالتَّدْبِيرُ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ كَالْإِعْتَاقِ، ثُمَّ لِلْمَأْخُوذِ مِنْهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُدَبِّرَ الْأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ يَوْمَ قَبَضَهُ أَوْ يَوْمَ دَبَّرَهُ.\nلِأَنَّهُ بِالتَّدْبِيرِ صَارَ كَالْمُسْتَهْلِكِ لَهُ، فَإِنَّهُ احْتَبَسَ عِنْدَهُ بِمَا جَرَى فِيهِ مِنْ الْعِتْقِ، يَعْنِي الْعِتْقَ الْمُضَافَ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الِاسْتِهْلَاكَ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ بَعْدَ الْقَبْضِ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ بِأَيِّ السَّبَبَيْنِ شَاءَ.\n٢٦٥٦ - وَالْكَسْبُ يَكُونُ لِلضَّامِنِ.\nلِأَنَّهُ حَادِثٌ بَعْدَ التَّدْبِيرِ، وَقَدْ مَلَكَهُ بِالضَّمَانِ مِنْ وَقْتِ الْقَبْضِ، أَوْ مِنْ وَقْتِ التَّدْبِيرِ.\n٢٦٥٧ - وَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً فَاسْتَوْلَدَهَا فَالْجَوَابُ فِيهَا كَالْجَوَابِ فِي الْمُدَبَّرَةِ، وَإِنْ كَانَ دَفَعَهَا إلَيْهِ فِي الِابْتِدَاءِ عَلَى غَيْرِ تَصْدِيقٍ مِنْهُ أَنَّهَا لَهُ، فَدَبَّرَهَا أَوْ اسْتَوْلَدَهَا أَوْ كَاتَبَهَا، فَأَدَّتْ ثُمَّ اكْتَسَبَتْ مَالًا، ثُمَّ تَصَادَقَ الْآخِذُ وَالْمَأْخُوذُ مِنْهُ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ لَهُ فِي الْأَصْلِ، وَكَذَّبَتْهُمَا الْأَمَةُ، فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ تَصَادُقَهُمَا فِي إبْطَالِ حَقِّ الْأَمَةِ فِي الْعِتْقِ بَعْدَ مَا ثَبَتَ بِالظَّاهِرِ لَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا، يَبْقَى","vol":"1","page":1375},{"text":"حُكْمُ الضَّمَانِ فِيمَا بَيْنَهُمَا، فَيَكُونُ لِلْمَأْخُوذِ مِنْهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْآخِذَ أَكْثَرَ الْقِيمَتَيْنِ.\nلِأَنَّهُ صَارَ حَابِسًا لَهَا مُسْتَهْلِكًا بِالتَّدْبِيرِ أَوْ الِاسْتِيلَادِ.\n٢٦٥٨ - وَمَا اكْتَسَبَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ سَالِمٌ لِلضَّامِنِ.\nلِأَنَّهُ مَلَكَهَا بِالضَّمَانِ مِنْ حِينِ تَقَرَّرَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ فَيَكُونُ الْكَسْبُ الْحَادِثُ بَعْدَ ذَلِكَ مَمْلُوكًا لَهُ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ الْكَسْبُ لَهُ وَهُوَ مُقِرٌّ أَنَّهَا أَمَةُ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ، وَأَنَّ كَسْبَهَا مَمْلُوكٌ لَهُ. قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَكِنَّ الْقَاضِيَ كَذَّبَهُ فِي هَذَا الْإِقْرَارِ حِينَ قَضَى عَلَيْهِ بِقِيمَتِهَا، وَالْمُقِرُّ مَتَى صَارَ مُكَذَّبًا فِي إقْرَارِهِ يَبْطُلُ حُكْمُ إقْرَارِهِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الْمُقَرَّ لَهُ لَوْ كَذَّبَهُ بَطَلَ بِهِ إقْرَارُهُ، فَإِذَا كَذَّبَهُ الْقَاضِي أَوْلَى، وَفُرِّقَ فِي الْكِتَابَةِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا سَبَقَ، فَهُنَاكَ إذَا تَعَذَّرَ رَدُّ الْمُكَاتَبِ بَعْدَ الْعِتْقِ بِالْأَدَاءِ، وَقَدْ صَدَّقَهُمَا، قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ يَرُدُّ الْمُكَاتَبَةَ الَّتِي قَبَضَهَا، وَهَا هُنَا إذَا تَعَذَّرَ رَدُّ الْمُكَاتَبَةِ بِتَكْذِيبِهِ إيَّاهُمَا لَمْ يَلْزَمْهُ رَدُّ الْمُكَاتَبَةِ مَعَ ضَمَانِ الْقِيمَةِ.\nلِأَنَّ هُنَاكَ قَدْ ثَبَتَ حَقُّ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ فِي ذَلِكَ الْكَسْبِ لِوُجُودِ التَّصْدِيقِ مِنْ الْمُكَاتَبِ، لَوْلَا الْعِتْقُ الَّذِي نَفَذَ فِيهِ، فَعَرَفْنَا أَنَّ تَعَذُّرَ الرَّدِّ إنَّمَا كَانَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ اتَّصَلَ بِهِ مَا لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ، لَا بِاعْتِبَارِ تَكْذِيبِ الْقَاضِي إيَّاهُ فِي ذَلِكَ، فَيَقْتَصِرُ الْحُكْمُ عَلَى الْمَحَلِّ الَّذِي وُجِدَ فِيهِ مَا لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْمُكَاتَبَةِ الْمَقْبُوضَةِ، وَهَا هُنَا مَا ثَبَتَ لَهُ الْحَقُّ فِيمَا اكْتَسَبَهُ بَعْدَ الْكِتَابَةِ.\nلِأَنَّ الْمُكَاتَبَ يُكَذِّبُهُمَا فِي ذَلِكَ.\n٢٦٥٩ - فَلَوْ كَانَ هَذَا التَّصَادُقُ مِنْهُمَا قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْبَدَلِ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى الْمُكَاتَبِ وَلَا عَلَى كَسْبِهِ سَبِيلٌ، فَلِهَذَا قُلْنَا: بِأَنَّهُ","vol":"1","page":1376},{"text":"لَا يَلْزَمُهُ رَدُّ الْمُكَاتَبَةِ عَلَيْهِ هَا هُنَا. ثُمَّ بِهَذَا التَّقْرِيرِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ إذَا ازْدَادَتْ الْقِيمَةُ هَا هُنَا فَإِنَّهُ يُضَمِّنُهُ الْقِيمَةَ، يَوْمَ كَاتَبَ لَا يَوْمَ اسْتَوْفَى الْبَدَلَ؛ لِأَنَّ الِاحْتِبَاسَ قَدْ تَحَقَّقَ هَا هُنَا بِنَفْسِ الْكِتَابَةِ، فَلَا يُتَصَوَّرُ تَكَرُّرُهُ بِاسْتِيفَاءِ الْبَدَلِ.\nوَهَا هُنَا إنَّمَا يَتَحَقَّقُ الِاحْتِبَاسُ بِاسْتِيفَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ، فَيُضَمِّنُهُ قِيمَتَهُ عِنْدَ ذَلِكَ.\n٢٦٦٠ - وَإِذَا تَبَيَّنَ هَذَا يَتَّضِحُ بِهِ الْفَرْقُ الْأَوَّلُ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَمْلِكُهُ بِالضَّمَانِ مِنْ حِينِ يَتَقَرَّرُ عَلَيْهِ ضَمَانُ الْقِيمَةِ، وَهَا هُنَا إنَّمَا تَقَرَّرَ عَلَيْهِ ضَمَانُ الْقِيمَةِ بِعَقْدِ الْكِتَابَةِ، وَالْمُسْتَوْفَى مِنْ الْمُكَاتَبَةِ كَسْبٌ حَادِثٌ بَعْدَ ذَلِكَ، فَيَكُونُ سَالِمًا لِلضَّامِنِ، وَهُنَاكَ إنَّمَا ضَمِنَ قِيمَتَهُ مِنْ وَقْتِ الْأَدَاءِ، وَالْمُسْتَوْفَى كَسْبٌ كَانَ حَاصِلًا قَبْلَ ذَلِكَ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الْمَأْذُونَ الْمَدْيُونَ لَوْ كَاتَبَهُ مَوْلَاهُ فَأَدَّى فَعَتَقَ كَانَ لِلْغُرَمَاءِ أَنْ يُضَمِّنُوهُ قِيمَتَهُ يَوْمَ عَتَقَ.\nلِأَنَّ مَالِيَّةَ الرَّقَبَةِ كَانَ مُسْتَحَقًّا لَهُمْ بِالدَّيْنِ، وَقَدْ صَارَ مُسْتَهْلِكًا بِقَبْضِهِ بَدَلَ الْكِتَابَةِ، فَإِنْ قَبِلَ ذَلِكَ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَرُدُّوهُ عَبْدًا فَيَبِيعُوهُ فِي دَيْنِهِمْ.\n٢٦٦١ - ثُمَّ يَكُونُ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا الْمُكَاتَبَةَ إنْ لَمْ تَفِ الْقِيمَةُ بِدُيُونِهِمْ.","vol":"1","page":1377},{"text":"لِأَنَّ حَقَّهُمْ كَانَ ثَابِتًا فِي هَذَا الْكَسْبِ، لِبَقَاءِ حَقِّهِمْ فِي مَالِيَّةِ الرَّقَبَةِ.\n٢٦٦٢ - وَلَوْ غَصَبَ عَبْدًا قِيمَتَهُ أَلْفٌ فَصَارَ يُسَاوِي أَلْفَيْنِ فِي يَدِهِ، ثُمَّ كَاتَبَهُ الْغَاصِبُ، وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ لِغَيْرِهِ، ثُمَّ صَارَتْ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةَ آلَافٍ، ثُمَّ أَدَّى فَعَتَقَ، ثُمَّ تَصَادَقَ الْغَاصِبُ وَالْمَغْصُوبُ مِنْهُ عَلَى مَا كَانَ بَيْنَهُمَا، وَكَذَّبَهُمَا الْعَبْدُ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُضَمِّنُ الْغَاصِبَ قِيمَةَ الْعَبْدِ يَوْمَ كَاتَبَهُ. لَا يَوْمَ أَدَّى فَعَتَقَ.\nلِأَنَّ الِاحْتِبَاسَ وَالِاسْتِهْلَاكَ قَدْ حَصَلَ بِنَفْسِ الْكِتَابَةِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ اسْتَوْفَى الْمُكَاتَبَةَ لَمْ يَعْمَلْ تَصَادُقُهُمَا فِي حَقِّ الْمُكَاتَبِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ عَلَيْهِ سَبِيلٌ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ يَوْمَ كَاتَبَ ثَبَتَ أَنَّهُ يَمْلِكُهُ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَتَكُونُ الْمُكَاتَبَةُ سَالِمَةً لِلْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَاهَا مِنْ كَسْبٍ كَانَ بَعْدَ تَقَرُّرِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ، فَهُوَ إيضَاحٌ لِمَا سَبَقَ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":1378},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>[بَابُ مَا لَا يَكُونُ فَيْئًا وَإِنْ أُحْرِزَ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ]</span>\nِ مُسْلِمٌ غَصَبَ مِنْ مُسْلِمٍ عَبْدًا، ثُمَّ ارْتَدَّ وَأَحْرَزَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ مَعَهُ، ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْمُرْتَدِّ فَقَتَلُوهُ، وَأَخَذُوا مَا مَعَهُ، فَالْعَبْدُ مَرْدُودٌ عَلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ. لِأَنَّ الْآخِذَ كَانَ ضَامِنًا لَهُ، وَلَا يُخْرِجُهُ مِنْ ضَمَانِهِ إحْرَازُهُ، فَإِذَا لَمْ يَبْرَأْ مِنْ ضَمَانِهِ لَمْ يَكُنْ مُحْرِزًا لَهُ وَمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنَّ ضَمَانَ الْغَصْبِ يُوجِبُ الْمِلْكَ لَهُ عِنْدَ تَقَرُّرِهِ عَلَيْهِ، وَفِيمَا انْعَقَدَ لَهُ بِسَبَبِ الْمِلْكِ لَا يَكُونُ مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهِ، مُتَمَلِّكًا لَهُ عَلَى غَيْرِهِ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ.\nوَالثَّانِي: أَنَّ رَدَّ الْعَيْنِ قَدْ لَزِمَهُ بِحُكْمِ الْغَصْبِ، عَلَى وَجْهٍ إذَا تَعَذَّرَ يَخْلُفُهُ ضَمَانُ الْقِيمَةِ فِيهِ.\n- ثُمَّ بِالرِّدَّةِ وَاللُّحُوقِ بِدَارِ الْحَرْبِ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ مَا لَزِمَهُ مِنْ ضَمَانِ الرَّدِّ. وَلَا مَا هُوَ خَلْفٌ عَنْهُ فِي ضَمَانِ الْقِيمَةِ. لِأَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ فِي ذِمَّتِهِ، وَالْإِحْرَازُ بِدَارِ الْحَرْبِ لَا يَتَحَقَّقُ فِيمَا فِي ذِمَّتِهِ.\n- فَإِذَا أَخَذَهُ الْمَوْلَى بَعْدَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ يُعَوَّضُ الَّذِي","vol":"1","page":1379},{"text":"وَقَعَ فِي سَهْمِهِ قِيمَتُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، لِاسْتِحْقَاقِ نَصِيبِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ ارْتَدَّ قَبْلَ الْغَصْبِ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا. لِأَنَّهُ مَا دَامَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ مُخَاطَبٌ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ، بِمَنْزِلَةِ الْمُسْلِمِ، فَيَكُونُ مُلْتَزِمًا ضَمَانَهُ بِالْغَصْبِ.\n- وَالْمَرْأَةُ إنْ كَانَتْ هِيَ الَّتِي اُغْتُصِبَتْ ثُمَّ ارْتَدَّتْ فَهِيَ فِي هَذَا الْحُكْمِ كَالرَّجُلِ، وَالذِّمِّيُّ إذَا نَقَضَ الْعَهْدَ، بَعْدَ الْغَصْبِ أَوْ قَبْلَهُ، فِي هَذَا الْحُكْمِ كَالْمُسْلِمِ. لِأَنَّهُ مُلْتَزِمٌ لِلضَّمَانِ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ هُنَا؛ لِأَنَّ الذِّمِّيَّ النَّاقِضَ لِلْعَهْدِ يَكُونُ فَيْئًا، وَالْمُرْتَدَّةُ بَعْدَ اللَّحَاقِ بِدَارِ الْحَرْبِ كَذَلِكَ، وَمَعَ ذَلِكَ الْمَغْصُوبِ يَكُونُ مَرْدُودًا عَلَى الْمَالِكِ؛ لِأَنَّهُمَا حِينَ أَحْرَزَاهُ لَمْ يَتَمَلَّكَا الْمَغْصُوبَ لِكَوْنِهِمَا ضَامِنَيْنِ لَهُ، فَإِذَا بَقِيَ عَلَى مِلْكِ الْمُسْلِمِ حَتَّى ظَهَرَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ كَانَ مَرْدُودًا عَلَى صَاحِبِهِ، وَإِنْ كَانَ مَنْ فِي يَدِهِ فَيْئًا.\n\n- وَلَوْ كَانَ الْمُرْتَدُّ اللَّاحِقُ بِدَارِ الْحَرْبِ، أَوْ الذِّمِّيُّ النَّاقِضُ لِلْعَهْدِ، خَرَجَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ فَغَصَبَ مَالًا، مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ، فَأَدْخَلَهُ دَارَ الْحَرْبِ. ثُمَّ وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَى مَا مَعَهُ فَذَلِكَ فَيْءٌ. لِأَنَّهُ صَارَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ حِينَ الْتَحَقَ بِهِمْ مُرْتَدًّا أَوْ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ، وَغَصْبُ الْحَرْبِيِّ مَالَ الْمُسْلِمِ لَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ عَلَيْهِ، كَمَا أَنَّ اسْتِهْلَاكَهُ مَالَ الْمُسْلِمِ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ، فَهُنَاكَ حِينَ غَصَبَ كَانَ هُوَ مِنْ أَهْلِ","vol":"1","page":1380},{"text":"دَارِ الْإِسْلَامِ، لَوْ اسْتَهْلَكَ الْمَالَ كَانَ هُوَ ضَامِنًا لَهُ، فَكَذَلِكَ إذَا غَصَبَهُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا مُطَالَبًا بِالرَّدِّ يَتِمُّ إحْرَازُهُ لَهُ فَيَصِيرُ مَالِكًا، ثُمَّ ظُهُورُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَالِ الْحَرْبِيِّ سَبَبٌ لِكَوْنِ الْمَالِ غَنِيمَةً، فَإِنْ وَجَدَهُ صَاحِبُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ الْمُحْرِزُ غَيْرَهُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ فِي هَذَا الْفَصْلِ كَانَ الْمَالُ سَالِمًا لَهُ، وَفِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ لَوْ أَسْلَمَ كَانَ مَأْمُورًا بِرَدِّهِ عَلَى صَاحِبِهِ. وَهُنَا عَلَى قِيَاسِ الِاسْتِهْلَاكِ أَيْضًا، فَإِنَّهُ لَوْ اسْتَهْلَكَهُ بَعْدَ مَا صَارَ حَرْبِيًّا، ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ. وَلَوْ اسْتَهْلَكَهُ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ حَرْبِيًّا ثُمَّ أَسْلَمَ فَهُوَ ضَامِنٌ لِصَاحِبِهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ حَرْبِيًّا دَخَلَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ فَاغْتَصَبَ مُسْلِمًا أَوْ مُعَاهَدًا مَالًا فَأَدْخَلَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ أَسْلَمَ، كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُ. وَلَوْ وَقَعَ فِي الْغَنِيمَةِ كَانَ مَرْدُودًا عَلَى صَاحِبِهِ. قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَبَعْدَهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ. - بِخِلَافِ مَا إذَا خَرَجَ الْحَرْبِيُّ مُغِيرًا لَا مُسْتَأْمَنًا. لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مُسْتَأْمَنًا فَهُوَ ضَامِنٌ لِلْمَغْصُوبِ بِالْأَخْذِ، كَمَا يَكُونُ ضَامِنًا لَوْ اسْتَهْلَكَهُ، فَلَا يَتِمُّ إحْرَازُهُ فِيهِ، وَلَوْ خَرَجَ مُغِيرًا لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا لِمَا أَخَذَهُ، لِأَنَّهُ لَوْ اسْتَهْلَكَهُ لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا لَهُ فَيَتِمُّ إحْرَازُهُ فِيهِ.\n\n- وَلَوْ أَنَّ الْغَاصِبَ الَّذِي هُوَ ضَامِنٌ لَمَّا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ وَمَعَهُ الْمَغْصُوبُ غَصَبَهُ مِنْهُ غَيْرُهُ فَاخْتَصَمَا فِيهِ إلَى سُلْطَانِهِمْ، فَمَنَعَ السُّلْطَانُ الْغَاصِبَ الْأَوَّلَ أَنْ يَعْرِضَ لِلْغَاصِبِ الْآخَرِ فِيهِ، ثُمَّ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ فَذَلِكَ الْمَالُ لِلْغَاصِبِ الْآخَرِ لَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ.","vol":"1","page":1381},{"text":"لِأَنَّ إحْرَازَهُ لَهُ قَدْ تَمَّ حِسًّا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ غَلَبَهُ، وَحُكْمًا بِقُوَّةِ سُلْطَانِهِمْ، حِينَ قَصَرَ يَدَ الْغَاصِبِ الْأَوَّلِ عَنْ اسْتِرْدَادِهِ، فَصَارَ هُوَ مَالِكًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ حَرْبِيٌّ حِينَ أَخَذَهُ فَلَا يَكُونُ ضَامِنًا بِالْغَصْبِ، كَمَا لَا يَكُونُ ضَامِنًا بِالِاسْتِهْلَاكِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَهُ مِنْ يَدِ الْمَالِكِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يَصِيرُ مُتَمَلِّكًا بِالْإِحْرَازِ بِالدَّارِ، وَبِقُوَّةِ سُلْطَانِهِمْ، فَكَذَلِكَ إذَا أَخَذَهُ مِنْ يَدِ الْغَاصِبِ مِنْ الْمَالِكِ.\n- ثُمَّ الْغَاصِبُ الْأَوَّلُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ لِصَاحِبِهِ. لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ رَدُّ الْعَيْنِ بَعْدَ مَا لَزِمَهُ ذَلِكَ، وَضَمَانُ الْقِيمَةِ خَلَفٌ عَنْ رَدِّ الْعَيْنِ عِنْدَ تَعَذُّرِهِ.\n- وَلَوْ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الدَّارِ فَإِنَّ صَاحِبَهُ يَأْخُذُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَبَعْدَهَا بِالْقِيمَةِ إنْ شَاءَ. لِأَنَّ هَذَا الْمَالَ صَارَ غَنِيمَةً، كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ الَّتِي أُخِذَتْ مِنْ الْغَاصِبِ الثَّانِي، وَالْحُكْمُ فِيمَا صَارَ غَنِيمَةً مِمَّا كَانَ أَصْلُ الْمِلْكِ فِيهِ لِمُسْلِمٍ مَا بَيَّنَّا.\n\n- وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمَيْنِ مُسْتَأْمَنَيْنِ، أَوْ أَسِيرَيْنِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، اغْتَصَبَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ شَيْئًا ثُمَّ ارْتَدَّ الْغَاصِبُ، وَمَنَعَ الْمَغْصُوبَ، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ سُلْطَانُ تِلْكَ الْبِلَادِ، ثُمَّ أَسْلَمُوا جَمِيعًا بَعْدَ ذَلِكَ، فَعَلَى الْغَاصِبِ رَدُّ الْمَغْصُوبِ عَلَى صَاحِبِهِ، وَلَوْ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الدَّارِ فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَى صَاحِبِهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَبَعْدَهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ. لِأَنَّ الْغَاصِبَ ضَامِنٌ لِمَا أَخَذَهُ هَا هُنَا، أَمَّا فِي الْمُسْتَأْمَنِينَ فَغَيْرُ مُشْكِلٍ؛ لِأَنَّ","vol":"1","page":1382},{"text":"أَحَدَهُمَا لَوْ اسْتَهْلَكَ مَالَ صَاحِبِهِ كَانَ ضَامِنًا كَمَا لَوْ قَتَلَهُ، فَكَذَلِكَ بِالْغَصْبِ يَصِيرُ ضَامِنًا، وَأَمَّا فِي الْأَسِيرَيْنِ فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ: هَذَا الْجَوَابُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ لِأَنَّ عِنْدَهُ الْأَسِيرَ كَالْمُسْتَأْمَنِ فِي حُكْمِ ضَمَانِ نَفْسِهِ، إذَا قَتَلَهُ مُسْلِمٌ، فَكَذَلِكَ فِي حُكْمِ ضَمَانِ مَالِهِ. فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَوْ قَتَلَ أَحَدُ الْأَسِيرَيْنِ صَاحِبَهُ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا مِنْ بَدَلِ نَفْسِهِ، فَكَذَلِكَ إذَا غَصَبَ مَالَهُ لَا يَكُونُ ضَامِنًا لَهُ. قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: وَالْأَصَحُّ أَنَّ هَذَا قَوْلَهُمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ مُعْتَقِدٌ حُكْمَ الْإِسْلَامِ حَيْثُمَا يَكُونُ، فَهُوَ بِهَذَا الِاعْتِقَادِ يَكُونُ مُسْتَوْجِبًا رَدَّ الْعَيْنِ، وَضَمَانَ الْقِيمَةِ عِنْدَ تَعَذُّرِ رَدِّ الْعَيْنِ، خَلَفٌ عَنْ رَدِّ الْعَيْنِ فِي مَحَلٍّ مَعْصُومٍ مُتَقَوِّمٍ، وَبِالْأَسْرِ لَا يَخْرُجُ مَالُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُتَقَوِّمًا. وَهَذَا لِأَنَّ الْمُسْلِمَ، وَإِنْ كَانَ أَسِيرًا، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ. أَلَا تَرَى أَنَّ زَوْجَتَهُ الَّتِي فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَا تَبِينُ مِنْهُ، فَيَكُونُ الْإِحْرَازُ فِي مَالِهِ بَاقِيًا حُكْمًا بِاعْتِبَارِ يَدِهِ، فَلِهَذَا كَانَ الْغَاصِبُ ضَامِنًا لَهُ، وَمَعَ كَوْنِهِ ضَامِنًا لَا يَتِمُّ إحْرَازُهُ.\n- وَلَوْ كَانَا أَسْلَمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَإِنْ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ رَدُّ الْمَغْصُوبِ عَلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ بِنَفْسِ الْإِسْلَامِ صَارَ مُلْتَزِمًا أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ. وَمِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ رَدُّ الْمَغْصُوبِ عَلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، عَلَى مَا قَالَ - ﵌ - «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّ» . وَبَعْدَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّ الْعَيْنِ لَا يَتِمُّ إحْرَازُهُ لَهُ، وَإِنْ ارْتَدَّ وَصَارَ غَالِبًا بِقُوَّةِ سُلْطَانِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يُسَلِّمُوا حَتَّى ظَهَرَ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ، فَالْغَاصِبُ فَيْءٌ لِمَنْ أَصَابَهُ.","vol":"1","page":1383},{"text":"لِأَنَّهُ مَا أَحْرَزَ نَفْسَهُ بِدَارِ الْإِسْلَامِ فَلَا يَكُونُ مَعْصُومًا مِنْ الِاسْتِرْقَاقِ بَعْدَ مَا صَارَ حَرْبِيًّا بِالرِّدَّةِ.\n- بِخِلَافِ مَا لَوْ ارْتَدَّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ حَرْبِيَّتُهُ كَانَتْ مُتَأَكِّدَةً بِالْإِحْرَازِ بِالدَّارِ، فَلَا يَحْتَمِلُ الِانْتِقَاضَ بَعْدَ ذَلِكَ بِحَالٍ، وَلَا سَبِيلَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ عَلَى الْمَالِ، قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَلَا بَعْدَهَا. لِأَنَّ بِمُجَرَّدِ إسْلَامِهِ لَمْ يَصِرْ مَالُهُ مُحْرَزًا بِالدَّارِ حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا، إلَّا أَنَّهُ إذَا وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَى الدَّارِ، وَالْمَالُ فِي يَدِهِ، فَيَكُونُ هُوَ أَحَقَّ بِهِ لِسَبْقِ إحْرَازِهِ بِاعْتِبَارِ يَدِهِ، وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِيمَا غَصَبَهُ مِنْهُ غَيْرُهُ، مِمَّنْ صَارَ حَرْبِيًّا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَالَ لَيْسَ فِي يَدِهِ حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا، فَيَكُونُ غَنِيمَةً لِلْمُسْلِمِينَ، لَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهِ.\nوَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ: مَوْضُوعُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا كَانَ الْغَاصِبُ حَرْبِيًّا حِينَ غَصَبَهُ، فَأَمَّا إذَا كَانَ مُسْلِمًا ثُمَّ ارْتَدَّ، كَمَا وَضَعَ عَلَيْهِ الْمَسْأَلَةَ الْأُولَى، فَلَا يَكُونُ الْجَوَابُ كَذَلِكَ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ: الْغَاصِبُ فَيْءٌ لِمَنْ أَصَابَهُ. وَلَمْ يَقُلْ: إنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَلَوْ كَانَ مُرَادُهُ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا حِينَ يَغْصِبَهُ ثُمَّ يَرْتَدَّ لَكَانَ مُجْبَرًا عَلَى الْإِسْلَامِ، فَأَمَّا أَنْ يُقَالَ: هَذَا غَلَطٌ وَقَعَ مِنْ الْكَاتِبِ أَوْ وُضِعَ فِي الْمُسْلِمِينَ فِي الِابْتِدَاءِ، ثُمَّ ذَهَبَ وَهْمُهُ إلَى أَنَّهُ وُضِعَ فِي حَرْبِيٍّ يَغْصِبُ مِنْ الْمُسْلِمِ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَأَجَابَ بِمَا قَالَ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ تَتَأَكَّدُ بِنَفْسِ الْإِسْلَامِ، عَلَى وَجْهٍ لَا يَحْتَمِلُ الِانْتِقَاضَ بَعْدَ ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، فَيُقْتَلُ الْغَاصِبُ إنْ لَمْ يُسْلِمْ، فَأَمَّا أَنْ يُجْعَلَ فَيْئًا فَلَا.","vol":"1","page":1384},{"text":"- وَلَوْ اسْتَوْدَعَ مُسْلِمٌ مُسْلِمًا شَيْئًا وَأَذِنَ لَهُ إنْ غَابَ أَنْ يُخْرِجَهُ مَعَهُ فَارْتَدَّ الْمُودَعُ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، فَلَحِقَهُ صَاحِبُهُ وَطَلَبَهُ مِنْهُ فَمَنَعَهُ، وَاخْتَصَمَا فِيهِ إلَى سُلْطَانِ تِلْكَ الْبِلَادِ، فَقَصَرَ يَدَ الْمُسْلِمِ عَنْهُ، ثُمَّ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ فَالْوَدِيعَةُ لِلْمُودِعِ لَا سَبِيلَ لِصَاحِبِهَا عَلَيْهَا.\nلِأَنَّهُ مَا كَانَ ضَامِنًا لَهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَحِينَ مَنَعَهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ كَانَ هُوَ حَرْبِيًّا لَوْ اسْتَهْلَكَهَا لَمْ يَضْمَنْ، فَكَذَلِكَ إذَا مَنَعَهَا. وَلِأَنَّهُ بِهَذَا الْمَنْعِ يَصِيرُ فِي حُكْمِ الْغَاصِبِ، فَكَأَنَّهُ غَصَبَهُ مِنْهُ الْآنَ ابْتِدَاءً، فَيَتِمُّ إحْرَازُهُ بِقُوَّةِ السُّلْطَانِ.\n- فَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ سَالِمًا لَهُ، وَلَوْ وَقَعَ فِي الْغَنِيمَةِ رُدَّ عَلَى صَاحِبِهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَبَعْدَهَا بِالْقِيمَةِ، وَلَوْ كَانَ غَصَبَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَإِنَّهُ مَرْدُودٌ عَلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ.؛ لِأَنَّهُ كَانَ ضَامِنًا لَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَلَا يَصِيرُ ضَامِنًا بِالْمَنْعِ بَعْدَ الطَّلَبِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، إذْ الْغَصْبُ بَعْدَ الْغَصْبِ لَا يَتَحَقَّقُ مَعَ بَقَاءِ الْأَوَّلِ، فَيَجْعَلُ وُجُودَ هَذَا الْمَنْعِ كَعَدَمِهِ.\n- وَإِنْ كَانَ حِينَ طَلَبَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ مِنْ الْغَاصِبِ أَعْطَاهُ إيَّاهُ ثُمَّ وَثَبَ فَأَخَذَ مِنْهُ ثَانِيَةً وَقَصَرَ السُّلْطَانُ يَدَ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ عَنْ الِاسْتِرْدَادِ ثُمَّ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ فَهُوَ سَالِمٌ لِلْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْغَصْبِ الْأَوَّلِ قَدْ انْتَهَى بِالرَّدِّ عَلَى صَاحِبِهِ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ مَا كَانَ","vol":"1","page":1385},{"text":"لَزِمَهُ مِنْ رَدِّ الْعَيْنِ، فَيَكُونُ أَخْذُهُ الْآنَ غَصْبًا ابْتِدَاءً، وَذَلِكَ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلضَّمَانِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ حَرْبِيٌّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، فَيَصِيرُ مُحْرِزًا لَهُ بِهَذَا الْغَصْبِ، حِينَ مَنَعَهُ السُّلْطَانُ مِنْهُ. - وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ الْغَاصِبُ رَدَّهُ وَلَكِنَّ الْمَغْصُوبَ مِنْهُ قَدَرَ عَلَيْهِ فَأَخَذَهُ، ثُمَّ خَاصَمَهُ فِيهِ الْغَاصِبُ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ سُلْطَانُ أَهْلِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْهُ فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ الْغَاصِبَ بَرِئَ مِنْ ضَمَانِهِ حِينَ أَخَذَهُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ مِنْ يَدِهِ، فَالْتُحِقَ هَذَا الْمَالُ بِمَالٍ آخَرَ أَدْخَلَهُ مَعَ نَفْسِهِ، فَإِذَا غَلَبَ عَلَيْهِ الْغَاصِبُ بِقُوَّةِ السُّلْطَانِ يَصِيرُ مُحْرِزًا لَهُ.\n\n- وَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ أَسْلَمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ غَصَبَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ شَيْئًا، وَجَحَدَهُ، فَاخْتَصَمَا إلَى سُلْطَانِ تِلْكَ الْبِلَادِ، فَسَلَّمَهُ لِلْغَاصِبِ لِكَوْنِهِ فِي يَدِهِ، ثُمَّ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ، وَالرَّجُلَانِ مُسْلِمَانِ عَلَى حَالِهِمَا، فَالْمَغْصُوبُ مَرْدُودٌ عَلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ.\nلِأَنَّ رَدَّ الْعَيْنِ مُسْتَحَقٌّ عَلَى الْغَاصِبِ، بِحُكْمِ اعْتِقَادِهِ، فَإِسْلَامُ أَهْلِ الدَّارِ لَا يَزِيدُهُ إلَّا وَكَادَةً، وَبِقُوَّةِ سُلْطَانِ أَهْلِ الْحَرْبِ الْمُسْلِمُ لَا يَصِيرُ مُحْرِزًا مَالَ الْمُسْلِمِ، وَلَا مُتَمَلِّكًا؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ كَانَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَكُنْ هُوَ مُتَمَلِّكًا بِحُكْمِ سُلْطَانِ الْمُسْلِمِينَ، فَكَيْفَ يَصِيرُ مُتَمَلِّكًا بِحُكْمِ سُلْطَانِ أَهْلِ الْحَرْبِ.\n٢٦٨٠ - وَإِنْ لَمْ يُسْلِمُوا حَتَّى ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الدَّارِ] فَالْمَغْصُوبُ فَيْءٌ لِمَنْ أَصَابَهُ، وَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ، وَإِنْ","vol":"1","page":1386},{"text":"أَقَامَ الْبَيِّنَةَ؛ لِأَنَّ الْغَاصِبَ لَا يَكُونُ مُحْرِزًا لِهَذَا الْمَالِ أَبَدًا، وَالْمَغْصُوبُ مِنْهُ إنَّمَا يَكُونُ مُحْرِزًا بِاعْتِبَارِ يَدِهِ، وَلِهَذَا قُلْنَا: إنَّهُ لَا يَكُونُ مُحْرِزًا عَقَارَهُ؛ لِأَنَّ يَدَهُ لَا تَكُونُ مُتَأَكِّدَةً عَلَيْهَا، وَلَا يَكُونُ مُحْرِزًا لِمَا أَوْدَعَهُ مِنْ حَرْبِيٍّ، فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَإِنَّمَا يَكُونُ مُحْرِزًا لِمَا فِي يَدِهِ، أَوْ لِمَا أَوْدَعَهُ مُسْلِمًا أَوْ مُعَاهَدًا بِاعْتِبَارِ أَنَّ يَدَ ذِي الْيَدِ مُعْتَبَرَةٌ مُحْتَرَمَةٌ صَالِحَةٌ لِلْإِحْرَازِ بِهَا، وَهِيَ قَائِمَةٌ مَقَامَ يَدِهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجَدُ فِي يَدِ الْغَاصِبِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مُحْتَرَمَةً فَهِيَ لَيْسَتْ بِقَائِمَةٍ مَقَامَ يَدِهِ، فَيُلْتَحَقُ هَذَا الْمَالُ بِمَا لَيْسَ فِي يَدِ أَحَدٍ أَصْلًا فَيَكُونُ فَيْئًا.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ بَعْدَ مَا أَسْلَمَ لَوْ خَرَجَ إلَى دَارِنَا وَخَلَّفَ مَالَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الدَّارِ، كَانَ جَمِيعُ ذَلِكَ الْمَالِ فَيْئًا إلَّا مَا أَوْدَعَهُ مُسْلِمًا أَوْ مُعَاهَدًا، وَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهِ، قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَلَا بَعْدَهَا.\nلِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ يُبْتَنَى عَلَى إحْرَازِ الْمَالِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَهَذَا كُلُّهُ قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.\nوَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، كُلُّ ذَلِكَ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ، قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَبَعْدَهَا، إلَّا شَيْئًا غَصَبَهُ مِنْهُ حَرْبِيٌّ وَجَحَدَهُ وَمَنَعَهُ مِنْهُ سُلْطَانُ أَهْلِ تِلْكَ الْبِلَادِ، فَإِنَّ إحْرَازَ الْحَرْبِيِّ لِذَلِكَ الْمَالِ عَلَيْهِ يَتِمُّ بِقُوَّةِ السُّلْطَانِ، فَيَصِيرُ مُتَمَلِّكًا لَهُ، فَأَمَّا مَا سِوَى ذَلِكَ كُلِّهِ مَالُ الْمُسْلِمِ فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي يَدِهِ أَوْ فِي يَدِ غَاصِبِهِ الْمُسْلِمِ، أَوْ فِي يَدِ مُودِعِهِ وَهُوَ حَرْبِيٌّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":1387},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>[بَابُ الْوَكَالَةِ فِي الْفِدَاءِ فِي الْعَبْدِ الْمَأْسُورِ]</span>\nِ وَلَوْ أَنَّ الْمَأْسُورَ مِنْهُ الْعَبْدُ وَكَّلَ رَجُلًا بِأَنْ يَأْخُذَهُ لَهُ بِالثَّمَنِ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ فَذَلِكَ جَائِزٌ.\nلِأَنَّهُ يَمْلِكُ أَخْذَهُ بِنَفْسِهِ. فَيَمْلِكُ إقَامَةَ الْغَيْرِ فِيهِ مَقَامَهُ، وَبَعْدَ مَا قَامَ مَقَامَهُ كَانَ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ فِيهِ حَتَّى يَأْخُذَهُ بِالثَّمَنِ.\n٢٦٨٢ - فَإِذَا أَخَذَهُ كَانَ الثَّمَنُ عَلَى الْوَكِيلِ لِلَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ.\nلِأَنَّ حَقَّ قَبْضِ الْعَبْدِ إلَيْهِ فَيَكُونُ وُجُوبُ تَسْلِيمِ الْفِدَاءِ عَلَيْهِ أَيْضًا. وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُبَاشِرُ لِلْعَقْدِ، وَحُقُوقُ الْعَقْدِ تَتَعَلَّقُ بِالْعَاقِدِ، وَالْعَاقِدُ فِيمَا هُوَ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ بِمَنْزِلَةِ الْعَاقِدِ لِنَفْسِهِ، كَمَا فِي الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ ابْتِدَاءً فَإِنْ قِيلَ: هَذَا فِي الشِّرَاءِ يَسْتَقِيمُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْوَكِيلَ يُبَاشِرُ سَبَبَ مِلْكٍ مُبْتَدَأٍ، فَيُجْعَلُ كَأَنَّ الْمِلْكَ ثَبَتَ لَهُ ابْتِدَاءً، أَوْ ثَبَتَ لِلْمُوَكِّلِ عَلَى وَجْهِ الْخِلَافَةِ عَلَيْهِ، بِحُكْمِ عَقْدِهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجَدُ هَا هُنَا؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَعُودُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِ الْمَأْسُورِ مِنْهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ الْوَكِيلَ هَا هُنَا كَالْمُعَبِّرِ عَنْهُ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُقُوقُ الْعَقْدِ.\nقُلْنَا: هَذَا فِي حَقِّ الْمَأْسُورِ مِنْهُ إعَادَةً إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ كَمَا قُلْتُمْ، فَأَمَّا فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ، وَفِي حَقِّ الْوَكِيلِ، هَذَا بِمَنْزِلَةِ الشِّرَاءِ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ أَضَافَ الْعَقْدَ إلَى نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: أَعْطِنِي هَذَا الْعَبْدَ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَيْته بِهِ، أَوْ قَالَ:","vol":"1","page":1388},{"text":"أَعْطِنِي لِفُلَانٍ فَلَا يَكُونُ هُوَ مُعَبِّرًا عَنْهُ فِي مَوْضِعٍ يَكُونُ مُسْتَغْنِيًا عَنْ إضَافَةِ الْعَقْدِ إلَيْهِ، حَتَّى لَوْ أَضَافَ الْعَقْدَ إلَيْهِ، بِأَنْ قَالَ: أَعْطِ فُلَانًا بِالثَّمَنِ الَّذِي أَخَذْته بِهِ.\nنَقُولُ: بِأَنْ يَكُونَ الْمَالُ عَلَى الْآمِرِ، وَحَقُّ قَبْضِ الْعَبْدِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ مُعَبِّرًا عَنْ الْعَبْدِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الرَّسُولِ لَا يَلْحَقُهُ الْعُهْدَةُ، وَنَظِيرُهُ الْوَكِيلُ بِالصُّلْحِ إذَا قَالَ: صَالِحْنِي مِنْ دَعْوَاك الدَّارَ الَّتِي فِي يَدِ فُلَانٍ عَلَى كَذَا، فَصَالَحَهُ كَانَ الْمَالُ عَلَى الْوَكِيلِ.\nوَلَوْ قَالَ: صَالِحْ فُلَانًا مِنْ هَذِهِ الدَّارِ كَذَا، فَإِنَّهُ يَكُونُ الْمَالُ عَلَى الْمُوَكِّلِ لَيْسَ عَلَى الْوَكِيلِ مِنْهُ شَيْءٌ. وَكَانَ الْمَعْنَى فِيهِ وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْعَقْدَ أَخَذَ شَبَهًا مِنْ أَصْلَيْنِ؛ مِنْ الشِّرَاءِ الْمُبْتَدَأِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يُسْتَغْنَى عَنْ الْإِضَافَةِ إلَى الْغَيْرِ. وَبِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مِنْ الْعَدُوِّ يُزِيلُ مِلْكَهُ بِمَا يَأْخُذُهُ مِنْ الْعِوَضِ ابْتِدَاءً. وَشَبَهًا مِنْ الْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ، فَيُوَفِّرُ حَظَّهُ عَلَى الشَّبَهَيْنِ، فَنَقُولُ: لِشَبَهِهِ بِالشِّرَاءِ إذَا أَضَافَ الْعَقْدَ إلَى نَفْسِهِ كَانَ هُوَ الْمُطَالَبُ بِالْعِوَضِ، وَكَانَ حَقُّ الْقَبْضِ إلَيْهِ. وَلِشَبَهِهِ بِالْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ إذَا أَضَافَ الْعَقْدَ إلَى الْمَوْلَى الْقَدِيمِ كَانَ هُوَ مُعَبِّرًا عَنْهُ، فَيَكُونُ الْمُطَالَبُ بِالثَّمَنِ هُوَ الْمُوَكِّلُ، وَحَقُّ الْقَبْضِ إلَيْهِ لَيْسَ عَلَى الْوَكِيلِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ.\n٢٦٨٣ - فَإِنْ دَفَعَ الْوَكِيلُ الثَّمَنَ وَقَبَضَ الْعَبْدَ، فَدَفَعَهُ إلَى الْآمِرِ، ثُمَّ وَجَدَ بِهِ الْآمِرُ عَيْبًا، قَدْ كَانَ حَدَثَ بَعْدَ مَا أُسِرَ مِنْ يَدِ مَوْلَاهُ، فَاَلَّذِي يُخَاصَمُ فِي الْعَيْبِ هُوَ الْوَكِيلُ.\nلِأَنَّ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ، وَالْوَكِيلُ فِي حُقُوقِ هَذَا الْعَقْدِ بِمَنْزِلَةِ الْعَاقِدِ لِنَفْسِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ جَعَلَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الشِّرَاءِ ابْتِدَاءً فِي حُكْمِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، حَتَّى لَا يَكُونَ بَيْنَ الْآمِرِ وَبَيْنَ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ خُصُومَةٌ، سَوَاءٌ كَانَ","vol":"1","page":1389},{"text":"الْوَكِيلُ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا، وَلَكِنَّ الْوَكِيلَ هُوَ الَّذِي يُخَاصَمُ وَيَرُدُّ بِالْعَيْبِ وَيَسْتَرِدُّ الثَّمَنَ.\n٢٦٨٤ - فَإِذَا ادَّعَى الْمَأْخُوذُ مِنْهُ أَنَّ الْعَيْبَ حَادِثٌ بَعْدَ مَا أَخَذَ مِنْهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.\nلِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهُ، فَإِنَّ الْحَادِثَ يُحَالُ بِحُدُوثِهِ عَلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ. حَتَّى يَثْبُتَ دَلِيلُ الْإِسْنَادِ فِيهِ إلَى وَقْتٍ حَادِثٍ.\nوَبَعْدَ مَا قَبَضَ الْآمِرُ الْعَبْدَ لَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُخَاصِمَ فِي عَيْبِهِ إلَّا بِأَمْرِ الْآمِرِ.\nلِأَنَّهُ يُخَاصِمُ لِلرَّدِّ وَهُوَ يَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إلَى إخْرَاجِهِ مِنْ يَدِ الْآمِرِ، فَلَا يَمْلِكُ ذَلِكَ إلَّا بِأَمْرِهِ.\n٢٦٨٥ - وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ فِي يَدِ الْوَكِيلِ لَمْ يَدْفَعْهُ إلَى الْآمِرِ، بَعْدَ مَا كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ مِنْ غَيْرِ أَمْرِ الْآمِرِ، وَبَعْدَ مَا رَدَّهُ لَيْسَ لِلْآمِرِ أَنْ يَأْبَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ وَهَذَا الْحُكْمُ فِي الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ، وَقَدْ قَرَّرْنَا فِي الْبُيُوعِ مِنْ شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ.\n٢٦٨٦ - فَإِنْ ادَّعَى الْمَأْخُوذُ مِنْهُ أَنَّ الْعَيْبَ كَانَ عِنْدَ الْآمِرِ قَبْلَ الْأَسْرِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ مَعَ يَمِينِهِ.\nلِأَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْهُ ادَّعَى فِي الْعَيْبِ، هَا هُنَا، تَارِيخًا سَابِقًا، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا بِحُجَّةٍ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُنْكِرِ لِذَلِكَ مَعَ يَمِينِهِ.","vol":"1","page":1390},{"text":"- فَإِذَا حَلَفَ الْوَكِيلُ رَدَّهُ بِالْعَيْبِ، حَضَرَ الْآمِرُ أَوْ لَمْ يَحْضُرْ، إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا ادَّعَى، فَحِينَئِذٍ الثَّابِتُ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِاتِّفَاقِ الْخَصْمَيْنِ، وَإِنَّمَا عَلَى الْمَأْخُوذِ مِنْهُ أَنْ يُعِيدَهُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أُخِذَ مِنْهُ، وَقَدْ وَجَدَ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَاسْتَحْلَفَ الْوَكِيلَ فَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ لَزِمَ ذَلِكَ الْآمِرَ.\nلِأَنَّ الْوَكِيلَ مُلْجَأٌ إلَى هَذَا، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَحْلِفَ كَاذِبًا إذَا كَانَ عَالِمًا بِأَنَّ الْعَيْبَ كَانَ عِنْدَ الْآمِرِ، وَإِنَّمَا لَحِقَتْهُ هَذِهِ الضَّرُورَةُ فِي عَمَلٍ بَاشَرَهُ لِغَيْرِهِ، فَهُوَ نَظِيرُ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ يَرُدُّ عَلَيْهِ بِالْعَيْبِ يَأْبَى الْيَمِينَ.\n٢٦٨٨ - فَإِنْ أَقَرَّ الْوَكِيلُ أَنَّ الْعَيْبَ كَانَ عِنْدَ الْآمِرِ، وَجَحَدَ الْآمِرُ فَلِلْآمِرِ أَنْ يُلْزِمَ الْوَكِيلَ إنْ شَاءَ.\nلِأَنَّهُ غَيْرُ مُلْجَأٍ إلَى هَذَا الْقَرَارِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ أَنْ يَسْكُتَ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَيْهِ الْيَمِينَ وَيَقْضِيَ بِنُكُولِهِ، وَنَظِيرُهُ الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ إذَا رُدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ يَحْدُثُ مِثْلُهُ بِإِقْرَارِهِ.\n٢٦٨٩ - فَإِنْ أَقَامَ الْوَكِيلُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْعَيْبَ كَانَ عِنْدَ الْآمِرِ لَزِمَ الْعَبْدُ الْآمِرَ.\nلِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِإِقْرَارِ الْآمِرِ، وَالْوَكِيلُ خَصْمٌ فِي إثْبَاتِ ذَلِكَ لِحَاجَتِهِ إلَى أَنْ يُبَرِّئَ نَفْسَهُ مِنْ الْعُهْدَةِ","vol":"1","page":1391},{"text":"- وَلَوْ أَنَّ الْوَكِيلَ أَبْرَأَ الْمَأْخُوذَ مِنْهُ مِنْ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ صَحَّ إبْرَاؤُهُ فِي حَقِّهِ.\nلِأَنَّهُ كَالْعَاقِدِ لِنَفْسِهِ فِي الْخُصُومَةِ فِي هَذَا الْعَيْبِ، فَكَذَلِكَ فِي الْإِبْرَاءِ عَنْهُ إلَّا أَنَّ الْآمِرَ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ رَضِيَ بِمَا رَضِيَ بِهِ الْوَكِيلُ فَيَأْخُذُ الْعَبْدَ، وَإِنْ شَاءَ أَلْزَمَهُ الْوَكِيلَ.\nلِأَنَّ إسْقَاطَهُ صَحِيحٌ فِي حَقِّ مَنْ عَامَلَهُ، وَلَا يَصِحُّ فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ، وَهُوَ فِي هَذَا الْحُكْمِ نَظِيرُ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ إذَا رَضِيَ بِالْعَيْبِ بَعْدَ الشِّرَاءِ، وَأَبَى الْمُوَكِّلُ أَنْ يَرْضَى بِهِ. وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ لِلْآمِرِ حَقَّ الرَّدِّ عَلَى الْوَكِيلِ، وَلِلْوَكِيلِ حَقُّ الرَّدِّ عَلَى الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ، فَإِنَّمَا يَعْمَلُ رِضَاءُ الْوَكِيلِ فِي إسْقَاطِهِ حَقَّهُ لَا فِي إسْقَاطِ حَقِّ الْآمِرِ.\nفَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَمْلِكُهُ الْوَكِيلُ بِالثَّمَنِ وَحُكْمُ هَذَا الْعَقْدِ وَعَوْدِهِ إلَى قَدِيمِ مِلْكِ الْمَأْسُورِ مِنْهُ لَا ثُبُوتَ الْمِلْكَ فِيهِ ابْتِدَاءً لِأَحَدٍ.\nقُلْنَا: مَا كَانَ مِنْ حُكْمِ الْعَقْدِ فَقَدْ تَمَّ؛ لِأَنَّهُ عَادَ إلَى قَدِيمِ مِلْكِ الْمَوْلَى، إلَّا أَنَّهُ بِمَا حَدَثَ مِنْ إبَاءِ الْآمِرِ الرِّضَاءَ بِالْعَيْبِ وَرِضَاءُ الْوَكِيلِ بِهِ يَصِيرُ الْآمِرُ كَأَنَّهُ مَلَكَهُ مِنْ الْوَكِيلِ بِمَا يَغْرَمُهُ مِنْ الثَّمَنِ، فَلِهَذَا كَانَ الْمِلْكُ لِلْآمِرِ. وَفِي الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ هَكَذَا يَكُونُ، فَإِنَّ الْوَكِيلَ إنَّمَا يَتَمَلَّكُهُ عَلَى الْآمِرِ لَا عَلَى الْبَائِعِ.\n٢٦٩١ - وَلَوْ كَانَ الْآمِرُ قَبَضَ الْعَبْدَ وَغَابَ، ثُمَّ جَاءَ الْوَكِيلُ بِهِ لِيَرُدَّهُ بِالْعَيْبِ، فَقَالَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ: لَمْ يَأْمُرْك الْآمِرُ بِرَدِّهِ بِالْعَيْبِ. وَقَالَ الْوَكِيلُ: قَدْ أَمَرَنِي، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ.","vol":"1","page":1392},{"text":"لِأَنَّ أَمْرَهُ إيَّاهُ بِالرَّدِّ عَارِضٌ يَدَّعِيهِ الْوَكِيلُ، وَخَصْمُهُ مُنْكِرٌ، مُتَمَسِّكٌ بِمَا هُوَ الْأَصْلُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ عَلَى عِلْمِهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِحْلَافٌ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ.\n٢٦٩٢ - وَإِنْ قَالَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ أُرِيدُ يَمِينُ الْوَكِيلِ أَنَّ الْآمِرَ قَدْ أَمَرَهُ بِالرَّدِّ، فَلَا يَمِينَ عَلَى الْوَكِيلِ.\nلِأَنَّهُ مُدَّعٍ فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ، وَإِنَّمَا الْيَمِينُ فِي جَانِبِ الْمُنْكِرِ، فَلَا يَجُوزُ تَحْوِيلُهَا عَنْ مَوْضِعِهَا.\n٢٦٩٣ - وَلَوْ ثَبَتَ الْأَمْرُ فَقَالَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ: قَدْ رَضِيَ الْآمِرُ بِالْعَيْبِ وَكَذَّبَهُ الْوَكِيلُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ.\nلِأَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْهُ هَا هُنَا يَدَّعِي، شَيْئًا عَارِضًا وَهُوَ رِضَاءُ الْآمِرِ بِالْعَيْبِ.\n٢٦٩٤ - وَلَوْ ادَّعَى الرِّضَاءَ عَلَى الْوَكِيلِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْوَكِيلِ لِإِنْكَارِهِ، فَكَذَلِكَ إذَا ادَّعَى الرِّضَاءَ عَلَى الْآمِرِ، لَا يَمِينَ عَلَى الْوَكِيلِ فِي ذَلِكَ.\nلِأَنَّ الرِّضَاءَ مُدَّعًى عَلَى غَيْرِهِ وَهُوَ الْآمِرُ.\n٢٦٩٥ - فَلَوْ اسْتَحْلَفَ الْوَكِيلَ كَانَ عَلَى وَجْهِ النِّيَابَةِ، وَلَا نِيَابَةَ فِي الْيَمِينِ؛ لِأَنَّ الْآمِرَ لَا يَحْلِفُ بِهَذِهِ الدَّعْوَى لَوْ كَانَ حَاضِرًا.\nلِأَنَّهُ مَا عَامَلَ الْمَأْخُوذَ مِنْهُ بِشَيْءٍ حَتَّى يَحْلِفَ، فَإِذَا كَانَ لَا يَحْلِفُ مَنْ ادَّعَى الرِّضَاءَ عَلَيْهِ فَكَيْفَ يَحْلِفُ غَيْرُهُ عَلَى ذَلِكَ.","vol":"1","page":1393},{"text":"٢٦٩٦ - وَإِنْ ادَّعَى الرِّضَى عَلَى الْوَكِيلِ وَأَرَادَ يَمِينَهُ فَلَهُ ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُ ادَّعَى عَلَيْهِ مَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ لَزِمَهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ فِي هَذِهِ الْخُصُومَةِ كَالْعَاقِدِ لِنَفْسِهِ.\n٢٦٩٧ - فَإِذَا جَحَدَ الرِّضَى بَعْدَ مَا ادَّعَى عَلَيْهِ ذَلِكَ اُسْتُحْلِفَ فَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ الْعَبْدُ ثُمَّ الْآمِرُ بِالْخِيَارِ.\nلِأَنَّهُ بِنُكُولِهِ صَارَ رَاضِيًا بِالْعَيْبِ إمَّا بِطَرِيقِ الْبَدَلِ أَوْ بِطَرِيقِ الْإِقْرَارِ بِهِ إنْ كَانَ أَقَامَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْآمِرَ قَدْ رَضِيَ بِالْعَيْبِ، وَهُوَ غَائِبٌ، فَقُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ أَوْ بِاتِّفَاقِ الْخَصْمَيْنِ، فَإِنْ حَضَرَ الْآمِرُ وَجَحَدَ الرِّضَاءَ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ خَصْمٌ عَنْهُ، وَبَعْدَ مَا ثَبَتَ رِضَاهُ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى خَصْمِهِ لَا يُلْتَفَتُ إلَى جُحُودِهِ.\n٢٦٩٨ - وَلَوْ كَانَ الْوَكِيلُ عَالِمًا بِالْعَيْبِ حِينَ أَخَذَهُ فَهُوَ لَازِمٌ لِلْآمِرِ، سَوَاءٌ كَانَ الْعَيْبُ مُسْتَهْلِكًا لِلْعَبْدِ كَالْعَمَى أَوْ غَيْرَ مُسْتَهْلِكٍ لِلْعَبْدِ.\nفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى إنْ كَانَ الْعَيْبُ غَيْرَ مُسْتَهْلِكٍ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَهْلِكًا لِلْعَبْدِ لَمْ يَلْزَمْ الْآمِرَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ، وَهَذَا نَظِيرُ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ إذَا اشْتَرَى الْأَعْمَى بِمِثْلِ ثَمَنِهِ، وَالْخِلَافُ فِيهِ مَعْرُوفٌ، إلَّا أَنَّ هُنَاكَ شَرَطَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أَنْ يَكُونَ شِرَاؤُهُ بِمِثْلِ ثَمَنِهِ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْوَكِيلِ فِي","vol":"1","page":1394},{"text":"الْغَبْنِ الْفَاحِشِ فِي الشِّرَاءِ لَا يَلْزَمُ الْآمِرَ؛ وَهَا هُنَا الثَّمَنُ مُسَمًّى، وَهُوَ مَا أَخَذَهُ بِهِ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ، فَيَلْزَمُ الْآمِرَ إذَا أَخَذَهُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَعِنْدَهُمَا هُنَاكَ الْعَقْدُ يَنْفُذُ عَلَى الْوَكِيلِ إذَا تَعَذَّرَ تَنْفِيذُهُ عَلَى الْمُوَكَّلِ، وَهَا هُنَا لَا يَنْفُذُ عَلَى الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ رِضَى الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ، بِاعْتِبَارِ قَدِيمِ الْمِلْكِ، وَقَدِيمُ الْمِلْكِ كَانَ لِلْآمِرِ لَا لِلْوَكِيلِ، فَإِذَا تَعَذَّرَ تَنْفِيذُهُ عَلَى الْآمِرِ كَانَ بَاطِلًا، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ إذَا عَلِمَ بِالْعَيْبِ فَرَضِيَ الْآمِرُ بِهِ فَإِنَّ هُنَاكَ قَدْ عَادَ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ وَتَمَّ مُوجَبُ ذَلِكَ الْعَقْدِ ثُمَّ الْآمِرُ يَلْزَمُهُ الْوَكِيلُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَا يَرْضَى بِعَيْبِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ التَّمْلِيكِ مِنْهُ ابْتِدَاءً بِعِوَضٍ.\n\n- وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ لِلْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ إنَّ مَوْلَاهُ وَكَّلَنِي بِأَخْذِهِ مِنْك بِالثَّمَنِ، فَدَفَعَهُ إلَيْهِ بِقَضَاءٍ أَوْ بِغَيْرِ قَضَاءٍ، ثُمَّ حَضَرَ الْمَوْلَى فَجَحَدَ ذَلِكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.\nلِأَنَّ الْآمِرَ مُدَّعًى عَلَيْهِ، وَهُوَ مُنْكِرٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ لِإِنْكَارِهِ، وَلَوْ أَقَرَّ بِهِ لَزِمَهُ أَخْذُ الْوَكِيلِ لَهُ، فَإِذَا أَنْكَرَ اُسْتُحْلِفَ عَلَيْهِ.\n٢٧٠٠ - فَإِنْ حَلَفَ رَجَعَ الْعَبْدُ إلَى الْمُشْتَرِي، وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَقُولَ آخُذُهُ لِنَفْسِي.\nلِأَنَّهُ مَا أَخَذَهُ ابْتِدَاءً عَلَى وَجْهِ التَّمَلُّكِ، بَلْ عَلَى وَجْهِ الْإِعَادَةِ إلَى قَدِيمِ مِلْكِ الْمَوْلَى بِالْفِدَاءِ، فَإِذَا تَعَذَّرَ ذَلِكَ بَطَلَ أَخْذُهُ، بِخِلَافِ مُدَّعِي الْوَكَالَةِ مِنْ جِهَةِ الشَّفِيعِ بِالْأَخْذِ لَهُ بِالشُّفْعَةِ، إذَا أَخَذَهُ ثُمَّ أَنْكَرَ الشَّفِيعُ الْوَكَالَةَ، فَإِنَّ الْمَأْخُوذَ يَكُونُ لِلْوَكِيلِ بِذَلِكَ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ عَلَى وَجْهِ التَّمَلُّكِ ابْتِدَاءً بِعِوَضٍ، فَإِنَّ","vol":"1","page":1395},{"text":"الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ بِمَنْزِلَةِ الشِّرَاءِ الْمُبْتَدَأِ، فَإِذَا تَعَذَّرَ تَنْفِيذُهُ عَلَى الْمُوَكِّلِ بِجُحُودِهِ كَانَ نَافِذًا عَلَى الْوَكِيلِ.\n٢٧٠١ - وَإِنْ أَقَامَ الْآخِذُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْمَأْسُورَ مِنْهُ وَكَّلَهُ بِأَخْذِهِ كَانَ الثَّابِتُ مِنْ الْآمِرِ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِإِقْرَارِ الْخَصْمِ، فَيَكُونُ الْعَبْدُ لِلْآمِرِ. وَحُكْمُ الْعُهْدَةِ فِيهِ كَمَا بَيَّنَّا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ.\n\n- وَلَوْ أَنَّ أَجْنَبِيًّا وَكَّلَ رَجُلًا بِأَنْ يَشْتَرِيَ الْعَبْدَ الْمَأْسُورَ مِنْ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ. فَاشْتَرَاهُ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ، ثُمَّ حَضَرَ الْمَوْلَى، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَ الْبَيْعَ الثَّانِيَ، وَلَكِنْ يَأْخُذُهُ بِالثَّمَنِ الثَّانِي أَوْ يَدَعُ.\nلِأَنَّ الشَّرْعَ أَثْبَتَ لَهُ حَقَّ الْأَخْذِ بِالْفِدَاءِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُضَ تَصَرُّفًا سَبَقَ أَخْذُهُ، كَمَا قَرَّرْنَا.\n٢٧٠٣ - فَإِنْ وَجَدَهُ فِي يَدِ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ بِالثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ الْمُوَكِّلُ غَائِبًا.\nلِأَنَّ الْوَكِيلَ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي يَدِهِ فِي حُكْمِ الْمُشْتَرِي لِنَفْسِهِ، ثُمَّ الْبَائِعُ مِنْ الْمُوَكِّلِ وَلِهَذَا يَحْبِسُهُ عَنْهُ بِالثَّمَنِ إذَا نَقَدَهُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، وَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ بِالْعَيْبِ مِنْ غَيْرِ اسْتِطْلَاعِ رَأْيِ الْمُوَكِّلِ","vol":"1","page":1396},{"text":"٢٧٠٤ - وَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ قَدْ دَفَعَهُ إلَى الْمُوَكِّلِ فَلَا سَبِيلَ لِلْمَوْلَى الْقَدِيمِ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ يَتْبَعُ الْمُوَكِّلَ، فَيَأْخُذُ مِنْهُ الْعَبْدَ وَيَدْفَعُ إلَيْهِ الثَّمَنَ.\nلِأَنَّ حُكْمَ يَدِ الْوَكِيلِ قَدْ انْتَهَى بِالتَّسْلِيمِ إلَى الْآمِرِ، وَلِهَذَا لَا يَرُدُّهُ بِالْعَيْبِ إلَّا بِرِضَاءِ الْآمِرِ، وَلَا يَحْبِسُهُ عَنْهُ بِالثَّمَنِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّهُ يُخَاصِمُ ذَا الْيَدِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُخَاصِمُ لِيَأْخُذَهُ وَإِنَّمَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْأَخْذِ مِمَّنْ فِي يَدِهِ.\n٢٠٧٥ - فَإِنْ حَضَرَ بَعْدَ مَا اشْتَرَاهُ الْوَكِيلُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَ شِرَاءَ الْوَكِيلِ قَصْدًا، وَلَكِنْ يَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ، بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ الْوَكِيلُ إنْ شَاءَ.\nلِأَنَّهُ صَادَفَهُ فِي يَدِهِ، فَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ، بِمَنْزِلَةِ الشَّفِيعِ يَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ مِنْ يَدِ الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ، قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَهُ إلَى الْمُشْتَرِي. إلَّا أَنَّ هُنَاكَ يُشْتَرَطُ حَضْرَةُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ يَتَمَلَّكُهُ بِالْأَخْذِ ابْتِدَاءً، وَهُوَ مِلْكُ الْمُشْتَرِي، وَهَا هُنَا الْمَوْلَى لَا يَتَمَلَّكُهُ ابْتِدَاءً وَلَكِنْ يُعِيدُهُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ، فَلَا يُشْتَرَطُ حُضُورُ غَيْرِ ذِي الْيَدِ لِأَخْذِهِ، وَإِذَا أَخَذَهُ مِنْ يَدِهِ كَانَتْ عُهْدَتُهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ بِأَخْذِهِ فَاتَ الْقَبْضُ الْمُسْتَحَقُّ بِالْعَقْدِ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَكِيلِ، فَيُنْتَقَضُ ذَلِكَ الْعَقْدُ مِنْ الْأَصْلِ فِيمَا بَيْنَهُمَا حُكْمًا لِأَخْذِهِ، وَيُلْتَحَقُ هَذَا بِمَا لَوْ أَخَذَهُ قَبْلَ شِرَاءِ الْوَكِيلِ، وَهَذَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الشَّفِيعِ أَيْضًا إذَا أَخَذَهُ مِنْ يَدِ الْبَائِعِ، وَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ قَدْ قَبَضَهُ فَأَخَذَهُ مِنْ يَدِهِ فَعُهْدَتُهُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ سَلَّمَهُ إلَى الْمُوَكِّلِ فَأَخَذَهُ مِنْ يَدِهِ فَعُهْدَتُهُ عَلَيْهِ.","vol":"1","page":1397},{"text":"٢٧٠٦ - فَإِنْ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا كَانَ حَادِثًا بِهِ بَعْدَ مَا أُسِرَ مِنْ يَدِهِ، فَرَدَّهُ بِقَضَاءِ قَاضٍ، فَإِنْ كَانَ رَدُّهُ عَلَى الْمُوَكِّلِ أَوْ عَلَى الْوَكِيلِ فَهُوَ عَلَى الْمُوَكِّلِ.\nلِأَنَّهُ بِهَذَا الرَّدِّ انْفَسَخَ قَبْضُهُ فَيَعُودُ الْحُكْمُ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ قَبْضِهِ.\n٢٧٠٧ - وَإِنْ كَانَ أَخَذَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ فَإِنَّهُ يَعُودُ بِالرَّدِّ إلَيْهِ، وَلَا سَبِيلَ لِلْمُوَكِّلِ وَلَا لِلْوَكِيلِ عَلَيْهِ فِي أَخْذِهِ.\nلِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْعَقْدَ الَّذِي جَرَى بَيْنَهُمَا قَدْ انْتَقَصَ بِفَوَاتِ الْقَبْضِ الْمُسْتَحِقِّ لَهُ، فَلَا يَعُودُ إلَّا بِالتَّجْدِيدِ، وَنَظِيرُهُ الشُّفْعَةُ.\n٢٧٠٨ - وَإِنْ كَانَ رَدَّهُ عَلَى الْوَكِيلِ بِغَيْرِ قَضَاءِ قَاضٍ فَهُوَ لِلْوَكِيلِ.\nلِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الشِّرَاءِ الْمُبْتَدَأِ فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ، فَلَا يَلْزَمُهُ حُكْمُهُ.\n٢٧٠٩ - وَلَوْ كَانَ الْمَوْلَى الْقَدِيمُ وَكَّلَ وَكِيلًا بِأَخْذِهِ مِنْ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ بِالثَّمَنِ فَأَخَذَهُ، وَهَلَكَ فِي يَدِهِ، قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَهُ إلَى الْمُوَكِّلِ، فَهَلَاكُهُ عَلَى الْمُوَكِّلِ.\nلِأَنَّ الْوَكِيلَ يَقْبِضُ لَهُ فَيَدُهُ كَيَدِهِ، مَا لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ هَلَكَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ الْوَكِيلُ فَقَدْ انْتَقَضَ حُكْمُ ذَلِكَ الْأَخْذِ، وَيَرْجِعُ الْوَكِيلُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ، فَيَدْفَعُهُ إلَى الْآمِرِ، إنْ كَانَ","vol":"1","page":1398},{"text":"أَعْطَاهُ مِنْ مَالِهِ، وَيُسَلِّمُ مِنْ مَالِهِ إنْ كَانَ أَعْطَاهُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، وَإِنْ تَوَى الثَّمَنُ عَلَى الَّذِي أَعْطَاهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُوَكِّلِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ فِي إعْطَاءِ الثَّمَنِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ كَانَ عَامِلًا لَهُ، وَإِنَّمَا كَانَ عَامِلًا لِنَفْسِهِ فِي إسْقَاطِ الْمُطَالَبَةِ عَنْهُ، فَإِنَّ الْمُطَالَبَةَ بِالثَّمَنِ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ دُونَ الْآمِرِ.\n٢٧١٠ - وَبِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ مِنْ الْآمِرِ إذَا قَبَضَهُ، حَتَّى يَسْتَوْفِيَ مِنْهُ الثَّمَنَ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ هَلَكَ بَعْدَ الْحَبْسِ هَلَكَ مِنْ مَالِ الْوَكِيلِ، وَبَطَلَ الثَّمَنُ عَنْ الْمُوَكِّلِ.\nلِأَنَّهُ حِينَ مَنَعَهُ فَكَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَعْطَاهُ إيَّاهُ بِالثَّمَنِ، وَقَدْ عُرِفَ هَذَا الْحُكْمُ فِي الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ فَهَذَا قِيَاسُهُ.\n٢٧١١ - وَإِنْ تَعَيَّبَ فِي يَدِ الْوَكِيلِ بَعْدَمَا مَنَعَهُ فَالْمَوْلَى الْقَدِيمُ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَإِنْ شَاءَ أَلْزَمَهُ الْوَكِيلَ بِالثَّمَنِ.\nلِأَنَّ الْوَكِيلَ فِي حَقِّهِ بَعْدَ مَا مَنَعَهُ قَامَ مَقَامَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ، وَلِهَذَا اسْتَوَى الْحُكْمُ بَيْنَ مَا إذَا تَعَيَّبَ بِصَنِيعِ الْوَكِيلِ، وَبَيْنَ مَا إذَا تَعَيَّبَ بِغَيْرِ صَنِيعِهِ، كَمَا يَسْتَوِي فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ فِي هَذَا الْفَصْلِ، فَإِنَّهُ إذَا عَيَّبَهُ مَا مَنَعَهُ سَقَطَتْ حِصَّةُ الْعَيْبِ مِنْ الثَّمَنِ عَنْ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ فِي هَذَا قَائِمٌ مَقَامَ الْبَائِعِ، وَمَعْنَى الْفَرْقِ أَنَّ الْمُوَكِّلَ إنَّمَا يَأْخُذُهُ هَا هُنَا بِالْفِدَاءِ، لِيُعِيدَهُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ، فَكَانَ الْفِدَاءُ، بِمُقَابَلَةِ الْأَصْلِ دُونَ الْوَصْفِ","vol":"1","page":1399},{"text":"فَسَوَاءٌ فَاتَ الْوَصْفُ بِصُنْعِ مُكْتَسِبٍ أَوْ لَا بِصُنْعِ أَحَدٍ لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الْفِدَاءِ، بِخِلَافِ الشِّرَاءِ الْمُبْتَدَأِ فَإِنَّ الْوَصْفَ يَأْخُذُ حَظًّا مِنْ الثَّمَنِ فِي الشِّرَاءِ إذَا صَارَ مَقْصُودًا بِالتَّنَاوُلِ.\n٢٧١٢ - وَلَوْ أَنَّ الْوَكِيلَ أَقَالَ الْمُشْتَرِيَ مِنْ الْعَدُوِّ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ عَلَى الْمُوَكِّلِ.\nلِأَنَّ بِأَخْذِهِ عَادَ إلَى قَدِيمِ مِلْكِ الْمُوَكِّلِ، فَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُخْرِجَهُ عَنْ مِلْكِهِ بِعَقْدٍ يُنْشِئُهُ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، وَالْإِقَالَةُ فِي حَقِّهِ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ الْمُبْتَدَأِ.\n\n- وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ وَكَّلَ رَجُلًا بِأَنْ يَدْفَعَهُ إلَى مَوْلَاهُ بِالثَّمَنِ فَهَذَا جَائِزٌ، وَالْوَكِيلُ هُوَ الْمُؤَاخَذُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يُسَلِّمَهُ إلَيْهِ، وَهُوَ الَّذِي يَأْخُذُ الثَّمَنَ مِنْ الْمَوْلَى بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ. .\nوَهَذَا الْحُكْمُ فِي هَذَا الْفَصْلِ أَظْهَرُ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مِنْ الْعَدُوِّ يُزِيلُ مِلْكَهُ بِعِوَضٍ، فَهَذَا التَّصَرُّفُ فِي حَقِّهِ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ الْمُبْتَدَأِ وَإِنْ كَانَ فِي حَقِّ الْمَوْلَى هُوَ إعَادَةٌ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ بِالْفِدَاءِ.\n\n- وَلَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مِنْ الْعَدُوِّ بَاعَ الْعَبْدَ مِنْ إنْسَانٍ بِجَارِيَةٍ وَلَمْ يَتَقَابَضَا حَتَّى حَضَرَ الْمَوْلَى الْقَدِيمُ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِمَّنْ فِي يَدِهِ بِقِيمَةِ الْجَارِيَةِ.\nلِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَقُّ نَقْضِ التَّصَرُّفِ، فَإِنَّمَا يَأْخُذُهُ بِمِثْلِ الثَّمَنِ الثَّانِي، وَالْجَارِيَةُ","vol":"1","page":1400},{"text":"لَيْسَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ فَيَأْخُذُهُ بِقِيمَتِهَا، كَالشَّفِيعِ ثُمَّ يُنْتَقَضُ الْبَيْعُ فِيمَا بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي الْآخَرِ، لِفَوَاتِ الْقَبْضِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ، فَتَبْقَى الْجَارِيَةُ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي الْآخَرِ، وَقِيمَتُهَا لِلْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ، وَعُهْدَةُ الْمَوْلَى عَلَى الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ، وَإِنْ كَانَ حَضَرَ بَعْدَ التَّقَابُضِ، أَوْ بَعْدَ مَا قَبَضَ الْعَبْدُ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ الْجَارِيَةَ أَخَذَهُ بِقِيمَتِهَا مِنْ الْمُشْتَرِي الْآخَرِ وَعُهْدَتُهُ عَلَيْهِ، وَكَانَتْ الْجَارِيَةُ لِلْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ.\nلِأَنَّ الْبَيْعَ بَيْنَهُمَا بَاقٍ قَدْ انْتَهَى بِقَبْضِ الْعَبْدِ.\n٢٧١٥ - فَإِنْ وَجَدَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ بِالْجَارِيَةِ عَيْبًا رَدَّهَا عَلَى الْمُشْتَرِي الْآخَرِ، وَأَخَذَ مِنْهُ قِيمَةَ الْجَارِيَةِ الَّتِي أَخَذَهَا لَيْسَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ.\nلِأَنَّ حَقَّ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ فِي قِيمَةِ الْجَارِيَةِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَخَذَهُ الْمَوْلَى مِنْهُ أَخَذَهُ بِقِيمَةِ الْجَارِيَةِ، وَلَوْ رَدَّ الْجَارِيَةَ بِالْعَيْبِ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ الْعَبْدَ مِنْ الْمُشْتَرِي الْآخَرِ وَاسْتَرَدَّ الْعَبْدَ ثُمَّ حَضَرَ الْمَوْلَى كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِقِيمَةِ الْجَارِيَةِ، فَإِنَّ مُنَاقَضَتَهُمَا الْبَيْعَ لَا يُسْقِطُ حَقَّ الْمَوْلَى عَنْ الْأَخْذِ بِقِيمَةِ الْجَارِيَةِ إذَا كَانَ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ بِغَيْرِ قَضَاءِ الْقَاضِي. فَعَرَفْنَا أَنَّ حَقَّهُ فِي قِيمَةِ الْجَارِيَةِ، وَالْمُشْتَرِي قَادِرٌ عَلَى تَسْلِيمِ قِيمَةِ الْجَارِيَةِ إلَيْهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ آخَرُ. وَنَظِيرُ هَذَا الشُّفْعَةُ. وَقَدْ بَيَّنَّا هُنَاكَ أَنَّ بَدَلَ الدَّارِ كَانَتْ جَارِيَةً قَبْلَ أَخْذِ الشَّفِيعِ، فَيَأْخُذُهُ بِتَحْوِيلٍ إلَى قِيمَةِ الْجَارِيَةِ، وَكَذَلِكَ بَدَلُ الْجَارِيَةِ بَعْدَ أَخْذِ الشَّفِيعِ الدَّارَ قِيمَتَهَا فَكَذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.","vol":"1","page":1401},{"text":"- وَإِنْ كَانَ رَدَّ الْجَارِيَةَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ الْمَوْلَى الْعَبْدَ، وَاسْتَرَدَّ الْعَبْدَ ثُمَّ حَضَرَ الْمَوْلَى، فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ مِنْ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ.\nلِأَنَّ الْبَيْعَ الثَّانِيَ حِينَ اُنْتُقِضَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي صَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، وَهَذَا بِخِلَافِ الشُّفْعَةِ فَإِنَّ هُنَاكَ لَوْ جَعَلْنَا الْبَيْعَ الَّذِي جَرَى بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَطَلَ حَقُّ الشَّفِيعِ، وَهُمَا لَا يَمْلِكَانِ إبْطَالَ حَقِّ الشَّفِيعِ بَعْدَ مَا ثَبَتَ حَقُّهُ فِي الْأَخْذِ، وَهَا هُنَا حَقُّ الْمَوْلَى الْقَدِيمِ لَا يَبْطُلُ، وَإِنْ جَعَلْنَا الْبَيْعَ الثَّانِيَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي الْآخَرُ هُوَ الَّذِي وَجَدَ الْعَيْبَ بِالْعَبْدِ فَرَدَّهُ، عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي قُلْنَا.\n٢٧١٧ - وَلَوْ تَقَايَلَا أَخَذَ الْمَوْلَى عَبْدَهُ بِقِيمَةِ الْجَارِيَةِ إنْ شَاءَ.\nلِأَنَّ الْإِقَالَةَ فِي حَقِّهِ كَالْبَيْعِ الْمُبْتَدَأِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ يَثْبُتُ لَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُضَ تَصَرُّفًا فَإِنَّمَا يَأْخُذُهُ بِآخِرِ الْأَثْمَانِ.\n٢٧١٨ - وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي الْآخَرُ قَبَضَ الْعَبْدَ وَلَمْ يَرَهُ، أَوْ شَرَطَ الْخِيَارَ لِنَفْسِهِ، ثُمَّ حَضَرَ الْمَوْلَى، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ يَدِهِ بِقِيمَةِ الْجَارِيَةِ.\nلِأَنَّهُ صَادَفَهُ فِي يَدِهِ، فَإِنْ أَخَذَهُ فَالْمُشْتَرِي الْآخَرُ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ سَلَّمَ الْجَارِيَةَ لِلْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ، وَكَانَتْ لَهُ الْقِيمَةُ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ الْمَوْلَى، وَإِنْ شَاءَ","vol":"1","page":1402},{"text":"سَلَّمَ الْقِيمَةَ إلَيْهِ، وَأَخَذَ مِنْهُ الْجَارِيَةَ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ، وَفِي خِيَارِ الرُّؤْيَةِ الْجَارِيَةُ تُسَلَّمُ لِلْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ، فَيَكُونُ قِيمَتُهَا لِلْمُشْتَرِي الْآخَرِ.\nلِأَنَّ فِي خِيَارِ الرُّؤْيَةِ قَدْ كَانَ هُوَ مَالِكًا رَاضِيًا بِالْعَقْدِ، إلَّا أَنَّهُ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الرَّدِّ لِلْجَهْلِ بِأَوْصَافِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ حِينَ أَخَذَهُ الْمَوْلَى مِنْ يَدِهِ، فَيَسْقُطُ خِيَارُهُ. وَأَمَّا خِيَارُ الشَّرْطِ فَقَدْ كَانَ مَانِعًا خُرُوجَ الْجَارِيَةِ مِنْ مِلْكِهِ؛ لِأَنَّ خِيَارَهُ فِيهَا خِيَارُ الْبَائِعِ فَهُوَ يَعْدَمُ رِضَاهُ بِتَمْلِيكِ الْجَارِيَةِ عَلَيْهِ، فَبَعْدَمَا أَخَذَ الْعَبْدَ مِنْ يَدِهِ يَبْقَى هُوَ عَلَى خِيَارِهِ، فَإِنْ شَاءَ أَمْضَى الْعَقْدَ فِي الْجَارِيَةِ وَسَلَّمَهَا إلَيْهِ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ الْعَقْدَ فِيهَا، وَرَدَّ قِيمَةَ الْجَارِيَةِ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ بِأَخْذِ الْمَوْلَى الْقَدِيمِ الْعَبْدَ تَعَيَّنَ حَقُّ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ فِي قِيَمِهِ الْجَارِيَةِ.\n٢٧١٩ - وَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ شَيْئًا حَتَّى مَضَتْ مُدَّةُ الْخِيَارِ فَالْجَارِيَةُ لِلْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ.\nلِأَنَّ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ سَقَطَ خِيَارُهُ، وَيَتِمُّ الْبَيْعُ فِيهَا، فَيَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهَا، وَتَكُونُ الْقِيمَةُ لِلْمُشْتَرِي الْآخَرِ.\n٢٧٢٠ - وَلَوْ كَانَا تَبَايَعَا، وَلَمْ يَتَقَابَضَا حَتَّى رَدَّ الْمُشْتَرِي الْآخَرُ الْعَبْدَ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ، أَوْ خِيَارِ الشَّرْطِ أَوْ خِيَارِ الْعَيْبِ ثُمَّ حَضَرَ الْمَوْلَى الْقَدِيمُ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ، الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ مِنْ الْعَدُوِّ.\nلِأَنَّ بِالرَّدِّ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ قَدْ انْتَقَضَ الْبَيْعُ الثَّانِي مِنْ الْأَصْلِ، فَصَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ.","vol":"1","page":1403},{"text":"- وَلَوْ لَمْ يَفْسَخْ الْمُشْتَرِي الْآخَرُ الْعَقْدَ حَتَّى حَضَرَ الْمَوْلَى الْقَدِيمُ فَأَخَذَ الْعَبْدَ مِنْ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ بِقِيمَةِ الْجَارِيَةِ فَإِنَّ الْقِيمَةَ تَكُونُ لِلْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ، وَعَلَيْهِ رَدُّ الْجَارِيَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي الْآخَرِ إنْ كَانَ قَبَضَهَا مِنْهُ.\nلِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْعَقْدَ الثَّانِيَ قَدْ انْتَقَضَ لِفَوَاتِ الْقَبْضِ الْمُسْتَحَقِّ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ خِيَارٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ فَإِنْ قَضَى الْقَاضِي لِلْمَوْلَى بِالْعَبْدِ بِقِيمَةِ الْجَارِيَةِ، ثُمَّ رَأَى بِهِ عَيْبًا حَادِثًا بَعْدَ مَا قَبَضَهُ، أَوْ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ، فَرَدَّهُ، فَلَا سَبِيلَ لِلْمُشْتَرِي الْآخَرِ عَلَى الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ بِنَفْسِ الْقَضَاءِ بِهِ لِلْمَوْلَى بِقِيمَةِ الْجَارِيَةِ قَدْ انْتَقَضَ الْبَيْعُ الثَّانِي فِيمَا بَيْنَهُمَا، فَلَا يَعُودُ إلَّا بِالتَّجْدِيدِ، وَهُوَ نَظِيرُ الشُّفْعَةِ فِي هَذَا الْفَصْلِ، فَإِنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي لِلشَّفِيعِ بِالشُّفْعَةِ عَلَى الْبَائِعِ يَتَضَمَّنُ نَقْضَ الْبَيْعِ فِيمَا بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي حَتَّى لَا يَعُودَ، وَإِنْ رَدَّهُ الشَّفِيعُ بِالْعَيْبِ.\n٢٧٢٢ - وَلَوْ كَانَ الْمَوْلَى الْقَدِيمُ وَكَّلَ رَجُلًا بِأَخْذِهِ مِنْ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ بِالثَّمَنِ فَقَالَ الْوَكِيلُ لِلْمُشْتَرِي: أَعْطِهِ فُلَانًا بِالثَّمَنِ، وَقَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، فَالثَّمَنُ عَلَى الْآمِرِ هَا هُنَا، دُونَ الْوَكِيلِ.\nلِأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ هَا هُنَا سَفِيرًا لَا عَاقِدًا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: أَعْطِنِيهِ.\n٢٧٢٣ - وَلَوْ قَالَ أَعْطِهِ فُلَانًا بِالثَّمَنِ عَلَى أَنِّي ضَامِنٌ لَك الثَّمَنَ، أَوْ أَعْطِهِ إيَّاهُ بِثَمَنِهِ مِنْ مَالِي، فَالثَّمَنُ لَازِمٌ لِلْوَكِيلِ.\nلِأَنَّ إضَافَةَ الْعَقْدِ إلَى مَالِ نَفْسِهِ أَوْ اشْتِرَاطَ الضَّمَانِ عَلَى نَفْسِهِ بِمَنْزِلَةِ إضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى نَفْسِهِ أَوْ أَقْوَى مِنْهُ. أَمَّا بَيَانُ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ إضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى نَفْسِهِ فِي","vol":"1","page":1404},{"text":"الْوَكِيلِ بِالصُّلْحِ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: صَالِحْ فُلَانًا مِنْ هَذِهِ الدَّارِ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ، عَلَى أَنِّي لَهَا ضَامِنٌ، أَوْ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِي، كَانَ الْمَالُ عَلَى الْوَكِيلِ دُونَ الْآمِرِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ: صَالِحْنِي. وَأَمَّا بَيَانُ كَوْنِهِ أَقْوَى، فَفِي الْوَكِيلِ بِالْخُلْعِ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: اخْلَعْهَا عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِي، أَوْ عَلَى أَلْفٍ عَلَى أَنِّي ضَامِنٌ لَهَا، كَانَ الْمَالُ عَلَى الْوَكِيلِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ بِإِضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى الْوَكِيلِ هَا هُنَا لَا يَجِبُ الْمَالُ عَلَيْهِ، فَعَرَفْنَا أَنَّ اشْتِرَاطَ الضَّمَانِ، أَوْ إضَافَةَ الْعَقْدِ إلَى مَالِهِ، يَكُونُ أَقْوَى مِنْ إضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى نَفْسِهِ فِي وُجُوبِ الْبَدَلِ عَلَيْهِ، وَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ عَلَى الْآمِرِ شَيْءٌ.\n\n- وَإِذَا أَخَذَ الْعَدُوُّ إبْرِيقَ فِضَّةٍ لِرَجُلٍ وَزْنُهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ فَاشْتَرَاهُ مِنْهُمْ مُسْلِمٌ بِمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ لِجَوْدَتِهِ وَصِنَاعَتِهِ، فَلِمَالِكِهِ الْقَدِيمِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ، إنْ شَاءَ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ مِنْ الْعَدُوِّ أَعْطَى فِي فِدَائِهِ هَذَا الْمِقْدَارَ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمَوْلَى الْقَدِيمَ إنَّمَا يَأْخُذُهُ بِمَا أَعْطَى الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ فِي فِدَائِهِ، فَيَكُونُ هَذَا مُسْتَقِيمًا.\nلِأَنَّهُ لَا يَتَمَلَّكُهُ ابْتِدَاءً بِعِوَضٍ، وَإِنَّمَا يُعِيدُهُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ بِالْفِدَاءِ، فَلَا يَتَمَكَّنُ مَعْنَى الرِّبَا فِي هَذِهِ الْمُعَامَلَةِ.\n٢٧٢٥ - وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِهَذَا الْمِقْدَارِ ثَبَتَ أَنَّ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ لِيَأْخُذَهُ بِهِ.\nلِأَنَّ الْوَكِيلَ قَامَ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ.","vol":"1","page":1405},{"text":"- وَإِنْ افْتَرَقَا قَبْلَ التَّقَابُضِ لَمْ يُنْتَقَضْ الْأَخْذُ. وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِيمَا سَبَقَ أَنَّهُ فِدَاءٌ، وَلَيْسَ بِشِرَاءٍ مُبْتَدَأٍ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ.\n٢٧٢٧ - فَإِنْ أَعْطَى الْوَكِيلُ الْفِدَاءَ مِنْ مَالِهِ وَقَبَضَهُ، فَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ الْمُوَكِّلِ حَتَّى يَأْخُذَ مِنْهُ الْفِدَاءَ، وَإِنْ هَلَكَ بَعْدَ الْمَنْعِ فِي يَدِ الْوَكِيلِ هَلَكَ بِجَمِيعِ الْفِدَاءِ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْوَكِيلَ بَعْدَ مَا مَنَعَهُ قَامَ فِي ذَلِكَ مَقَامَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ.\nوَأَوْضَحَ هَذَا بِرَجُلٍ وَكَّلَ رَجُلًا بِأَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ أَرْضًا فِيهَا نَخْلٌ بِكُرٍّ مِنْ تَمْرٍ، فَاشْتَرَى الْوَكِيلُ وَنَقَدَ الْكُرَّ مِنْ مَالِهِ، وَقَبَضَهُ ثُمَّ مَنَعَهُ مِنْ الْآمِرِ حَتَّى يَدْفَعَ إلَيْهِ الْكُرَّ فَأَثْمَرَتْ فِي يَدِ الْوَكِيلِ كُرًّا، فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَقْبِضَهُ مَعَ التَّمْرِ بِكُرٍّ دَفَعَهُ إلَيْهِ، وَلَا يَتَمَكَّنُ مَعْنَى الرِّبَا بَيْنَهُمَا بِالزِّيَادَةِ الَّتِي حَدَثَتْ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ قَامَ فِي ذَلِكَ مَقَامَ الْبَائِعِ، وَلَوْ أَثْمَرَتْ كُرًّا فِي يَدِ الْبَائِعِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَمْ يَبْطُلْ الْبَيْعُ، فَكَذَلِكَ إذَا أَثْمَرَتْ فِي يَدِ الْوَكِيلِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْوَكِيلُ رَأَى بِالْمَبِيعِ عَيْبًا فَرَضِيَ بِهِ، وَأَبَى الْمُوَكِّلُ أَنْ يَرْضَى بِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُ الْوَكِيلَ بِالْكُرِّ، وَلَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ الرِّبَا؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمُبَايَعَةٍ تَجْرِي بَيْنَهُمَا ابْتِدَاءً، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ الرِّبَا فِي الْمُعَاوَضَةِ عَلَى سَبِيلِ الْمُقَابَلَةِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الْوَكِيلَ لَوْ رَأَى الْعَيْبَ بِالْأَرْضِ فَرَدَّهَا عَلَيْهِ كَانَ قَدْ رَدَّ أَرْضًا وَنَخْلًا وَكُرًّا مِنْ تَمْرٍ بِكُرٍّ مِنْ تَمْرٍ، فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَهَذَا إنَّمَا يَسْتَقِيمُ فِيمَا إذَا أَثْمَرَتْ","vol":"1","page":1406},{"text":"فِي يَدِ الْبَائِعِ، قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ الْوَكِيلُ، فَأَمَّا إذَا أَثْمَرَتْ بَعْدَ الْقَبْضِ فَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ حَقُّ الرَّدِّ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ الْحَادِثَةَ بَعْدَ الْقَبْضِ تَمْنَعُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ.\nوَأَوْضَحَ هَذَا أَيْضًا بِمَا لَوْ كَانَ الْوَكِيلُ اشْتَرَى لِلْآمِرِ عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ، فَقَتَلَهُ رَجُلٌ خَطَأً فِي يَدِ الْبَائِعِ، أَوْ فِي يَدِ الْوَكِيلِ فَالْجَوَابُ فِيهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي النَّخِيلِ إذَا أَثْمَرَتْ؛ لِأَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَوْضِعَيْنِ لَا يَتَمَكَّنُ بِسَبَبِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ حَقِيقَةُ الرِّبَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَتَمَكَّنُ فِي الْبَيْعِ الْمُسْتَقْبَلِ.\nوَعَلَى هَذَا أَيْضًا مَسْأَلَةُ الْإِبْرِيقِ لَوْ رَأَى الْوَكِيلُ الْعَيْبَ بِهِ فَأَبَى الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ ثُمَّ أَبَى الْآمِرُ أَنْ يَرْضَى بِهِ، فَالْإِبْرِيقُ لِلْوَكِيلِ بِمَا أَدَّى بِهِ مِنْ الْفِدَاءِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهِ؛ لِأَنَّهُ مَا جَرَى بَيْنَهُمَا لَيْسَ بِعَقْدٍ مُبْتَدَأٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَلَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ حُكْمُ الرِّبَا.","vol":"1","page":1407},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>[بَابُ مَا يُكْرَهُ إدْخَالُهُ دَارَ الْحَرْبِ وَمَا لَا يُكْرَهُ]</span>\n٢٧٢٨ - قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: لَا بَأْسَ بِأَنْ يَحْمِلَ الْمُسْلِمُ إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ مَا شَاءَ، إلَّا الْكُرَاعَ وَالسِّلَاحَ وَالسَّبْيَ، وَأَلَّا يَحْمِلَ إلَيْهِمْ شَيْئًا أَحَبُّ إلَيَّ.\nلِأَنَّ الْمُسْلِمَ مَنْدُوبٌ أَنْ يُسْتَبْعَدَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، قَالَ - ﵌ - «لَا تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ الْمُشْرِكِينَ» . وَقَالَ: «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا» . وَفِي حَمْلِ الْأَمْتِعَةِ إلَيْهِمْ لِلتِّجَارَةِ نَوْعُ مُقَارَبَةٍ مَعَهُمْ، فَالْأَوْلَى أَلَّا يَفْعَلَ وَلِأَنَّهُمْ يَتَقَوَّوْنَ بِمَا يَحْمِلُ إلَيْهِمْ مِنْ مَتَاعٍ أَوْ طَعَامٍ، وَيَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ.\n٢٧٢٩ - وَالْأَوْلَى لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَحْتَرِزَ عَنْ اكْتِسَابِ سَبَبِ الْقُوَّةِ لَهُمْ، إلَّا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ فِي الطَّعَامِ وَالثِّيَابِ وَنَحْوِ ذَلِكَ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ ثُمَامَةَ بْنَ أَثَالٍ الْحَنَفِيَّ أَسْلَمَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - ﵌ -، فَقَطَعَ الْمِيرَةَ عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَكَانُوا يَمْتَارُونَ، فَكَتَبُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -، يَسْأَلُونَهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي حَمْلِ الطَّعَامِ إلَيْهِمْ، فَأَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ» وَأَهْلُ مَكَّةَ يَوْمَئِذٍ كَانُوا حَرْبًا لِرَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -،","vol":"1","page":1408},{"text":"فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَحْتَاجُونَ إلَى بَعْضِ مَا فِي دِيَارِهِمْ مِنْ الْأَدْوِيَةِ وَالْأَمْتِعَةِ، فَإِذَا مَنَعْنَاهُمْ مَا فِي دِيَارِنَا فَهُمْ يَمْنَعُونَ أَيْضًا مَا فِي دِيَارِهِمْ.\n٢٧٣٠ - وَإِذَا دَخَلَ التَّاجِرُ إلَيْهِمْ لِيَأْتِيَ الْمُسْلِمِينَ بِمَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ مِنْ دِيَارِهِمْ فَإِنَّهُ لَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ أَنْ يَحْمِلَ إلَيْهِمْ بَعْضَ مَا يُوجَدُ فِي دِيَارِنَا، فَلِهَذَا رَخَّصْنَا لِلْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ، إلَّا الْكُرَاعَ وَالسَّبْيَ وَالسِّلَاحَ.\nفَإِنَّهُ لَا يُحْمَلُ إلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مَنْقُولٌ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُمْ يَتَقَوَّوْنَ بِالْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ أُمِرْنَا بِكَسْرِ شَوْكَتِهِمْ، وَقَتْلِ مُقَاتِلَتِهِمْ، لِدَفْعِ فِتْنَةِ مُحَارَبَتِهِمْ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا رُخْصَةَ فِي تَقْوِيَتِهِمْ عَلَى مُحَارَبَةِ الْمُسْلِمِينَ.\n٢٧٣١ - وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ ثَبَتَ فِي السَّبْيِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.\nلِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُقَاتِلَ بِنَفْسِهِ أَوْ يَكُونَ مِنْهُمْ مَنْ يُقَاتِلُ، وَتَقْوِيَتُهُمْ بِالْمُقَاتِلِ فَوْقَ تَقْوِيَتِهِمْ بِآلَةِ الْقِتَالِ.\n٢٧٣٢ - وَكَذَلِكَ الْحَدِيدُ الَّذِي يُصْنَعُ مِنْهُ السِّلَاحُ.\nلِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ لِذَلِكَ فِي الْأَصْلِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥] وَالْمَصْنُوعُ مِنْهُ وَغَيْرُ الْمَصْنُوعِ فِي كَرَاهِيَةِ الْحَمْلِ إلَيْهِمْ سَوَاءٌ، وَهَذَا","vol":"1","page":1409},{"text":"لِأَنَّ الْحَدِيدَ أَصْلُ السِّلَاحِ، وَالْحُكْمُ الثَّابِتُ فِيمَا يَحْصُلُ مِنْ أَصْلٍ يَكُونُ ثَابِتًا فِي الْأَصْلِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا كَسَرَ بَيْضَ الصَّيْدِ يَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ كَمَا يَلْزَمُهُ بِقَتْلِ الصَّيْدِ.\n٢٧٣٣ - وَاسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ الْحَسَنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ بَيْعَ السِّلَاحِ فِي الْفِتَنِ، وَهَكَذَا نَقُولُ، فَإِنَّ بَيْعَ السِّلَاحِ فِي أَيَّامِ الْفِتْنَةِ اكْتِسَابُ سَبَبِ تَهْيِيجِهَا، وَقَدْ أُمِرْنَا بِتَسْكِينِهَا. قَالَ - ﵌ - «الْفِتْنَةُ نَائِمَةٌ لَعَنَ اللَّهُ مَنْ أَيْقَظَهَا» فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَكْرُوهًا فِي زَمَانِ الْفِتْنَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْفِتْنَةِ فَلَأَنْ يُكْرَهَ حَمْلُهُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ لِلْبَيْعِ مِنْهُمْ كَانَ أَوْلَى.\n٢٧٣٤ - وَإِذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ أَمْوَالَهُمْ بِطِيبِ أَنْفُسِهِمْ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ.\nلِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ لَا تَصِيرُ مَعْصُومَةً بِدُخُولِهِ إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ، وَلَكِنَّهُ ضَمِنَ بِعَقْدِ الْأَمَانِ أَلَّا يَخُونَهُمْ، فَعَلَيْهِ التَّحَرُّزُ عَنْ الْخِيَانَةِ، وَبِأَيِّ سَبَبٍ طَيَّبَ أَنْفُسَهُمْ حِينَ أَخَذَ الْمَالَ، فَإِنَّمَا أَخَذَ الْمُبَاحَ عَلَى وَجْهٍ مَنَعَهُ عَنْ الْغَدْرِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ طَيِّبًا لَهُ، الْأَسِيرُ وَالْمُسْتَأْمَنُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، حَتَّى لَوْ بَاعَهُمْ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ أَوْ بَاعَهُمْ مَيْتَةً بِدَرَاهِمَ، أَوْ أَخَذَ مَالًا مِنْهُمْ بِطَرِيقِ الْقِمَارِ، فَذَلِكَ كُلُّهُ طَيِّبٌ لَهُ، وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٍ - ﵄ -، وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْأَسِيرِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْتَأْمَنِ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ - ﵁ - وَلَكِنَّا","vol":"1","page":1410},{"text":"نَقُولُ: الْمُسْتَأْمَنُ إنَّمَا يُفَارِقُ الْأَسِيرَ فِي الْأَخْذِ بِغَيْرِ طِيبِ أَنْفُسِهِمْ، فَأَمَّا فِي الْأَخْذِ بِطِيبِ أَنْفُسِهِمْ فَهُوَ كَالْأَسِيرِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ أَلَّا يَغْدِرَ بِهِمْ، وَلَا غَدْرَ فِي هَذَا.\nثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ «بِحَدِيثِ مُخَاطَرَةِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، مَعَ أَهْلِ مَكَّةَ فِي غَلَبَةِ الرُّومِ مَعَ أَهْلِ فَارِسَ، حَتَّى قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - زِدْهُ فِي الْخَطَرِ وَأَبْعِدْ فِي الْأَجَلِ» . فَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جَائِزًا مَعَهُمْ لَمَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -.\n٢٧٣٥ - «وَلَمَا قَمَرَهُمْ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ - وَأَخَذَ الْخَطَرَ فَجَاءَ بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -، قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ» . فَبِظَاهِرِهِ يَسْتَدِلُّ سُفْيَانُ فَيَقُولُ: لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَهُ طَيِّبًا لَمْ يَأْمُرْهُ بِالتَّصَدُّقِ.\n٢٧٣٦ - وَلَكِنَّا نَقُولُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ حَرَامًا لَمَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، أَنْ يُقَامِرَهُمْ عَلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يَمْلِكْهُ بِهَذَا الطَّرِيقِ مَا أَمَرَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ) . فَعَرَفْنَا بِهَذَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ جَائِزًا، وَلَكِنْ نَدَبَهُ إلَى التَّصَدُّقِ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا أَظْهَرَ مِنْ صِدْقِهِ.\n٢٧٣٧ - وَاسْتَدَلَّ «بِمُصَارَعَةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ - ابْنَ رُكَانَةَ حِينَ كَانَ بِمَكَّةَ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. فِي كُلِّ مَرَّةٍ بِثُلُثِ","vol":"1","page":1411},{"text":"غَنَمِهِ»، وَلَوْ كَانَ مَكْرُوهًا مَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - «ثُمَّ لَمَّا صَرَعَهُ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ قَالَ مَا وَضَعَ أَحَدٌ جَنْبِي قَطُّ، وَمَا أَنْتَ صَرَعَتْنِي فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - الْغَنَمَ عَلَيْهِ» فَبِظَاهِرِهِ يَسْتَدِلُّ سُفْيَانُ فَيَقُولُ: لَوْ كَانَ ذَلِكَ طَيِّبًا مَا رَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، وَلَكِنَّا نَقُولُ: لَوْ كَانَ ذَلِكَ مَكْرُوهًا مَا دَخَلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، وَإِنَّمَا رَدَّ الْغَنَمَ عَلَيْهِ تَطَوُّلًا مِنْهُ عَلَيْهِ. وَكَثِيرًا مَا فَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، مَعَ الْمُشْرِكِينَ يُؤَلِّفُهُمْ بِهِ حَتَّى يُؤْمِنُوا.\n٢٧٣٨ - وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ أَيْضًا بِحَدِيثِ «بَنِي قَيْنُقَاعِ فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﵌ - حِينَ أَجْلَاهُمْ قَالُوا: إنَّ لَنَا دُيُونًا لَمْ تَحِلَّ بَعْدُ، فَقَالَ: تَعَجَّلُوا أَوْ ضَعُوا» «وَلَمَّا أَجْلَى بَنِي النَّضِيرِ قَالُوا: إنَّ لَنَا دُيُونًا عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: ضَعُوا أَوْ تَعَجَّلُوا» .\nوَمَعْلُومٌ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْمُعَامَلَةِ لَا يَجُوزُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ دَيْنٌ إلَى أَجَلٍ فَوَضَعَ عَنْهُ بَعْضَهُ بِشَرْطِ أَنْ يُعَجِّلَ بَعْضَهُ، لَمْ يَجُزْ، كَرِهَ ذَلِكَ عُمَرُ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَابْنُ عُمَرَ - ﵃ -. ثُمَّ جَوَّزَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - فِي حَقِّهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ حَرْبٍ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَلِهَذَا أَجْلَاهُمْ. فَعَرَفْنَا أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْنَ الْحَرْبِيِّ وَالْمُسْلِمِ مَا لَا يَجُوزُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.\n٢٧٣٩ - قَالَ: فَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ فِي عَسْكَرِهِمْ وَالْمُشْرِكُونَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُبَايِعَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، إلَّا بِمَا يَجُوزُ بَيْنَ","vol":"1","page":1412},{"text":"الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ مَا ذَكَرْنَا إذَا كَانُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ، أَوْ فِي مَنْعَةِ الْمُشْرِكِينَ، فَأَمَّا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا فِي مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَهَذَا وَمَا لَوْ كَانَا فِي مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ سَوَاءٌ.\nوَأَكْثَرُ مَشَايِخِنَا قَالُوا: هَذَا الْجَوَابُ غَلَطٌ، فَإِنَّ جَوَازَ الْأَخْذِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَا عِصْمَةَ لِمَالِهِمْ، وَفِي هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ فِي مَنَعَتِهِمْ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ هُوَ فِي مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْحَرْبِيُّ فِي مَنَعَةِ الْمُشْرِكِينَ، إلَّا أَنَّ مُحَمَّدًا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، اعْتَمَدَ فِيمَا أَجَابَ بِهِ الْمَوْضِعَ الَّذِي تَجْرِي فِيهِ الْمُعَامَلَةُ، فَقَالَ: - إنْ كَانَا جَمِيعًا فِي مَوْضِعٍ لَا يَجْرِي فِيهِ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ يَجُوزُ هَذِهِ الْمُعَامَلَةُ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا فِي مَوْضِعٍ يَجْرِي فِيهِ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ لَا يَجُوزُ هَذِهِ الْمُعَامَلَةُ،.\nوَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - «فَإِنَّ نَوْفَلَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ لَمَّا قُتِلَ فِي الْخَنْدَقِ سَأَلَ الْمُشْرِكُونَ الْمُسْلِمِينَ جِيفَتَهُ بِمَالٍ يُعْطُونَهُ الْمُسْلِمِينَ فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ - ﵌ -، عَنْ ذَلِكَ وَكَرِهَهُ» . وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «إنَّهُ خَبِيثُ الدِّيَةِ خَبِيثُ الْجِيفَةِ، فَخَلَّى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ»، وَإِنَّمَا كُرِهَ هَذَا عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ - ﵀ -؛ لِأَنَّ مَوْضِعَ الْخَنْدَقِ كَانَ فِي مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَلَى مَا قَالَ مَشَايِخُنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى: إنَّهُ إنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ رَأَى فِيهِ كَبْتًا وَغَيْظًا لَهُمْ، إنْ لَمْ تَثْبُتْ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى أَنَّهُ خَلَّى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، وَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ. فَإِنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْإِهَانَةِ وَالِاسْتِخْفَافِ بِهِمْ، أَوْ لِئَلَّا يُنْسَبَ إلَى الْمُسْلِمِينَ مَا لَا يَلِيقُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، فَقَدْ كَانَ - ﵇ - يَقُولُ: «بُعِثْت لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ» وَذَكَرَ حَدِيثَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ","vol":"1","page":1413},{"text":"أَنَّهُ «اشْتَرَى يَوْمَ خَيْبَرَ تِبْرًا بِذَهَبٍ، فَقَالَ - ﵌ - إنَّ هَذَا لَا يَصْلُحُ فَرَدَّهُ»، وَبِظَاهِرِهِ يَسْتَدِلُّ سُفْيَانُ فَيَقُولُ: إنَّمَا أَمَرَهُ بِالرَّدِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: إنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَاهُ فِي عَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -، وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ مَنْ يَكْرَهَ هَذَا إنَّمَا يَكْرَهُهُ لِلْمُسْتَأْمَنِ، وَالْمُسْلِمُونَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ مَا كَانُوا فِي أَمَانٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَسَعْدٌ يَوْمَ خَيْبَرَ مَا كَانَ فِي أَمَانٍ مِنْ الْيَهُودِ، وَلَكِنْ كَانَ مُحَارِبًا لَهُمْ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ إنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْمُعَامَلَةِ كَانَتْ فِي مَنْعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.","vol":"1","page":1414},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>[بَابُ مَنْ يُكْرَهُ قَتْلُهُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ النِّسَاءِ وَغَيْرِهِمْ]</span>\n٢٧٤١ - قَالَ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْتَلَ النِّسَاءُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَلَا الصِّبْيَانُ وَلَا الْمَجَانِينُ وَلَا الشَّيْخُ الْفَانِي لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] وَهَؤُلَاءِ لَا يُقَاتِلُونَ، «وَحِينَ اسْتَعْظَمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، قَتْلَ النِّسَاءِ أَشَارَ إلَى هَذَا بِقَوْلِهِ: هَاهْ، مَا كَانَتْ هَذِهِ تُقَاتِلُ، أَدْرِكْ خَالِدًا وَقُلْ لَهُ، لَا تَقْتُلَنَّ ذُرِّيَّةً وَلَا عَسِيفًا» وَلِأَنَّ الْكُفْرَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَعْظَمِ الْجِنَايَاتِ فَهُوَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ رَبِّهِ، جَلَّ وَعَلَا، وَجَزَاءُ مِثْلِ هَذِهِ الْجِنَايَةِ يُؤَخَّرُ إلَى دَارِ الْجَزَاءِ، فَأَمَّا مَا عُجِّلَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ مَشْرُوعٌ لِمَنْفَعَةٍ تَعُودُ إلَى الْعِبَادِ، وَذَلِكَ دَفْعُ فِتْنَةِ الْقِتَالِ، وَيَنْعَدِمُ ذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ لَا يُقَاتِلُ، بَلْ مَنْفَعَةُ الْمُسْلِمِينَ فِي إبْقَائِهِمْ لِيَكُونُوا أَرِقَّاءَ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ قَاتَلَ وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِ؛ لِأَنَّهُمْ بَاشَرُوا السَّبَبَ الَّذِي بِهِ وَجَبَ قِتَالُهُمْ، وَإِذَا كَانَ يُبَاحُ قَتْلُ مَنْ لَهُ بِنْيَةٌ","vol":"1","page":1415},{"text":"صَالِحَةٌ لِلْمُحَارَبَةِ يُتَوَهَّمُ الْقِتَالُ مِنْهُ، فَلَأَنْ يُبَاحَ قَتْلُ مَنْ وُجِدَ مِنْهُ حَقِيقَةُ الْقِتَالِ كَانَ أَوْلَى.\n٢٧٤٢ - وَإِنْ قَتَلَ أَحَدٌ مِنْهُمْ إنْسَانًا ثُمَّ أَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ فَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْتُلُوهُ.\nلِأَنَّ قَتْلَهُ إنَّمَا أُبِيحَ لِدَفْعِ قِتَالِهِ، وَقَدْ انْدَفَعَ حِينَ وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِ. وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ مَا كَانَ مُخَاطَبًا فَلَا يَكُونُ فِعْلُهُ جِنَايَةً يَسْتَوْجِبُ بِهِ الْعُقُوبَةَ جَزَاءً عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الْبَهِيمَةِ، فَإِنَّهَا إذَا صَالَتْ عَلَى إنْسَانٍ يُبَاحُ قَتْلُهَا دَفْعًا، ثُمَّ إذَا أَخَذَتْ وَانْدَفَعَ قَصْدُهَا لَمْ يَحِلَّ قَتْلُهَا.\n- وَأَمَّا الْمَرْأَةُ وَالشَّيْخُ الْفَانِي فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِمَا بَعْدَ مَا أَخَذَا؛ لِأَنَّهُمَا مُخَاطَبَانِ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَسْتَوْجِبَ الْعُقُوبَةَ جَزَاءً عَلَى فِعْلِهِمَا. وَقَدْ تَحَقَّقَ الْفِعْلُ الْمُوجِبُ لِعُقُوبَةِ الْقَتْلِ مِنْهُمَا.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُمَا يُقْتَلَانِ قِصَاصًا؟ فَكَذَلِكَ يُقْتَلَانِ جَزَاءً عَلَى فِعْلِهِمَا.\n- وَمَنْ قَتَلَ أَحَدًا مِنْ هَؤُلَاءِ قَبْلَ وُجُودِ الْقِتَالِ مِنْهُ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَلَا دِيَةَ. لِأَنَّ وُجُوبَهُمَا بِاعْتِبَارِ الْعِصْمَةِ وَالتَّقَوُّمِ فِي الْمَحَلِّ، وَذَلِكَ بِالدَّيْنِ أَوْ بِالدَّارِ، وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَإِنَّمَا حَرُمَ قَتْلُهُمْ لِتَوْفِيرِ الْمَنْفَعَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، أَوْ لِانْعِدَامِ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْقَتْلِ، وَهِيَ الْمُحَارَبَةُ، لَا لِوُجُودِ عَاصِمٍ أَوْ مُقَوِّمٍ فِي نَفْسِهِ، فَلِهَذَا لَا يَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ الْكَفَّارَةُ وَالدِّيَةُ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -","vol":"1","page":1416},{"text":"فِي حَدِيثٍ بِقَوْلِهِ: «هُمْ مِنْهُمْ» يَعْنِي أَنَّ ذَرَارِيَّ الْمُشْرِكِينَ مِنْهُمْ، فِي أَنَّهُ لَا عِصْمَةَ لَهُمْ وَلَا قِيمَةَ لِذِمَّتِهِمْ. قَالَ: «وَالْعَسِيفُ الَّذِي نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، عَنْ قَتْلِهِ الْأَجِيرُ»، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْحَرَّاثِ، يَعْنِي مَنْ لَا يَكُونُ مِنْ هِمَّتِهِ الْقِتَالُ وَإِنَّمَا هِمَّتُهُ مِنْ الْقِتَالِ اكْتِسَابُ الْمَالِ فَقَطْ، بِإِجَارَةِ النَّفْسِ بِخِدْمَةِ الْغَيْرِ، أَوْ الِاشْتِغَالِ بِالْحِرَاثَةِ، فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ لِانْعِدَامِ الْقِتَالِ مِنْهُ، وَاَلَّذِي رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﵌ - قَالَ: اُقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكِينَ وَاسْتَحْيُوا شَرْخَهُمْ»، فَالْمُرَادُ بِالشُّيُوخِ الْبَالِغُونَ وَبِالشَّرْخِ الصِّبْيَانُ، وَالْمُرَادُ بِالِاسْتِحْيَاءِ الِاسْتِرْقَاقُ.\nقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩] فَأَمَّا الشَّيْخُ الْفَانِي الَّذِي لَا يَكُونُ مِنْهُ الْقِتَالُ، وَلَا يُعِينُ الْمُقَاتِلِينَ بِالرَّأْيِ، وَلَا يُرْجَى لَهُ نَسْلٌ فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ، وَبَيَانُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أَنَّ النَّبِيَّ - ﵌ -، نَهَى أَنْ يَقْتُلَ الْمَرْأَةَ وَالصَّبِيَّ وَالشَّيْخَ الْكَبِيرَ فَإِنْ أَعَانَتْ الْمَرْأَةُ الْمُقَاتِلِينَ فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهَا. هَكَذَا نُقِلَ عَنْ الْحَسَنِ، وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - عَلَى امْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ فَأَنْكَرَ قَتْلَهَا، وَقَالَ: مَنْ قَتَلَهَا؟ فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرْدَفْتهَا خَلْفِي فَأَرَادَتْ قَتْلِي فَقَتَلْتهَا، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، فَدُفِنَتْ» .\n- وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ تُعْلِنُ شَتْمَ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -، فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهَا، لِحَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ - وَقَالَ: إنِّي سَمِعْت امْرَأَةً مِنْ يَهُودَ وَهِيَ تَشْتُمُك، وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ","vol":"1","page":1417},{"text":"اللَّهِ إنَّهَا لَمُحْسِنَةٌ إلَيَّ فَقَتَلْتهَا فَأَهْدَرَ النَّبِيُّ - ﵌ -، دَمَهَا» . وَاسْتَدَلَّ «بِحَدِيثِ عُمَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ فَإِنَّهُ لَمَّا سَمِعَ عَصْمَاءَ بِنْتَ مَرْوَانَ تُؤْذِي النَّبِيَّ - ﵌ - وَتَعِيبُ الْإِسْلَامَ، وَتُحَرِّضُ عَلَى قِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ - وَتَذْكُرُ فِي ذَلِكَ شِعْرًا، وَهُوَ هَذَا:\nبِاسْتِ بَنِي مَالِكٍ وَالنَّبِيتِ ... وَعَوْفٍ وَبِاسْتِ بَنِي الْخَزْرَجِ\nأَطَعْتُمْ أَتَاوَى مِنْ غَيْرِكُمْ ... فَلَا مِنْ مُرَادٍ وَلَا مَذْحِجِ\nتَرْجُونَهُ بَعْدَ قَتْلِ الرُّءُوسِ ... كَمَا يُرْتَجَى مَرَقُ الْمُنْضَجِ\nأَلَا أَنِفٌ يَبْتَغِي عِزَّةً ... فَيَقْطَعُ مِنْ أَمَلِ الْمُرْتَجِي\n- وَذَلِكَ بَعْدَ مَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - إلَى بَدْرٍ قَالَ: اللَّهُمَّ إنَّ لَك عَلَيَّ نَذْرًا إنْ رَدَدْت رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ -، إلَى الْمَدِينَةِ لَأَقْتُلَنَّهَا. . . الْحَدِيثَ إلَى أَنْ قَتَلَهَا لَيْلًا ثُمَّ أَصْبَحَ وَصَلَّى الصُّبْحَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -","vol":"1","page":1418},{"text":"فَلَمَّا نَظَرَ إلَيْهِ قَالَ: أَقَتَلْتَ ابْنَةَ مَرْوَانَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَهَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -: لَا يَنْتَطِحُ فِيهَا عَنْزَانِ ثُمَّ، الْتَفَتَ إلَى مَنْ حَوْلَهُ فَقَالَ: إذَا أَحْبَبْتُمْ أَنْ تَنْظُرُوا إلَى رَجُلٍ نَصَرَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَانْظُرُوا إلَى عُمَيْرٍ. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: اُنْظُرُوا إلَى هَذَا الْأَعْمَى الَّذِي أَسْرَى فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -: لَا تَقُلْ الْأَعْمَى، وَلَكِنَّهُ الْبَصِيرُ» الْحَدِيثَ.\nوَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ «زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ حِينَ قَتَلَ أُمَّ قِرْفَةَ، وَهِيَ كَانَتْ مِمَّنْ تُحَرِّضُ عَلَى قِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّهَا جَهَّزَتْ ثَلَاثِينَ رَاكِبًا مِنْ وَلَدِهَا، ثُمَّ قَالَتْ: سِيرُوا حَتَّى تَدْخُلُوا الْمَدِينَةَ فَتَقْتُلُوا مُحَمَّدًا، فَبَلَعَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ، - ﵌ -، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَذِقْهَا ثُكْلَهُمْ، فَقَتَلَهَا زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ وَبَعَثَ بِدِرْعِهَا إلَى النَّبِيِّ - ﵌ -، فَنُصِبَ بَيْنَ رُمْحَيْنِ بِالْمَدِينَةِ» .\nوَرُوِيَ أَنَّهُ قَتَلَهَا قَيْسُ بْنُ الْمُسَحَّرِ أَسْوَأَ قِتْلَةٍ عَلَّقَ فِي رِجْلَيْهَا حَبْلَيْنِ ثُمَّ رَبَطَهَا بِبَعِيرَيْنِ فَأَرْسَلَهُمَا فَشَقَّاهَا شَقًّا حَتَّى تَقُولَ الْعَرَبُ عَلَى سَبِيلِ الْمَثَلِ فِي ذَلِكَ: لَوْ كُنْت أَعَزَّ مِنْ أُمِّ قِرْفَةَ.","vol":"1","page":1419},{"text":"«وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، يَوْمَ الْفَتْحِ بِقَتْلِ هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ لِمَا كَانَتْ تَفْعَلُ مِنْ التَّحْرِيضِ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى أَسْلَمَتْ، وَاسْتَثْنَى مِمَّنْ آمَنَهُمْ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ قَيْسًا وَابْنَ خَطَلٍ وَأَمَرَ بِقَتْلِهِمَا» . لِأَنَّهُمَا كَانَا يُغَنِّيَانِ بِهِجَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -. - «وَأَمَرَ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ بِقَتْلِ كَالسَّلْجَمِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ قَتَلَتْ خَلَّادَ بْنَ سُوَيْدٍ أَمَرَهَا بِذَلِكَ زَوْجُهَا حَتَّى لَا يَتْرُكَ بَعْدَهُ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ بُنَانَةُ تَسْأَلُنِي شَيْئًا، وَهِيَ تَضْحَكُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ وَتَقُولُ: يُقْتَلُ سَرَاةُ بَنِي قُرَيْظَةَ إلَى أَنْ نَوَّهَ إنْسَانٌ بِاسْمِهَا، فَقَالَتْ: أَنَا، وَاَللَّهِ أُقْتَلُ، وَهِيَ تَضْحَكُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -: وَيْحِك إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ - لَا يَقْتُلُ النِّسَاءَ، قَالَتْ: نَعَمْ وَإِنَّمَا قَتَلْت زَوْجِي حِينَ أَمَرَنِي فَدَلَّيْت الرَّحَى عَلَى خَلَّادِ بْنِ سُوَيْدٍ فَقَتَلْته، ثُمَّ أُخْرِجَتْ فَقُتِلَتْ»\n٢٧٤٩ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: «لَمَّا اطْمَأَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، بِخَيْبَرَ أَهْدَتْ إلَيْهِ","vol":"1","page":1420},{"text":"زَيْنَبُ بِنْتُ أَخِ مَرْحَبٍ شَاةً مَصْلِيَّةً فَأَكَلَ مِنْهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - وَأَخَذَ الذِّرَاعَ وَقَالَ: إنَّ هَذِهِ الذِّرَاعَ لَتُخْبِرُنِي أَنَّهَا مَسْمُومَةٌ ثُمَّ دَعَا زَيْنَبَ وَقَالَ: مَا حَمَلَك عَلَى مَا صَنَعْت؟ فَقَالَتْ: نِلْت مِنْ قَوْمِي مَا نِلْت، قَتَلْت أَبِي وَعَمِّي وَزَوْجِي فَقُلْت إنْ كَانَ نَبِيًّا فَسَتُخْبِرُهُ الشَّاةُ بِمَا صَنَعْت، وَإِنْ كَانَ مَلِكًا اسْتَرَحْنَا مِنْهُ فَمَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ مِمَّا أَكَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ - وَعَفَا عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -» .\n٢٧٥٠ - أَهْلُ الْمَغَازِي يَخْتَلِقُونَ فِيهِ، فَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَات أَنَّ النَّبِيَّ - ﵌ -، قَتَلَهَا، وَأَظْهَرُ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ عَفَا عَنْهَا، كَمَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ - ﵀ - وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا كَانَ بَعْدَ الصُّلْحِ، وَبَعْدَ مَا اطْمَأَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، بِخَيْبَرَ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْهَا نَقْضًا لِلْعَهْدِ وَلَا مُحَارَبَةً مَعَ الْمُسْلِمِينَ. فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَاذَا لَمْ يَقْتُلْهَا قِصَاصًا بِبِشْرِ بْنِ الْبَرَاءِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى وُجُوبَ الْقِصَاصِ بِالْقَتْلِ بِالسُّمِّ؟\nقُلْنَا: لِأَنَّ مَنْ يُوجِبُ الْقِصَاصَ أَوْ الدِّيَةَ فِي ذَلِكَ إنَّمَا يُوجِبُهُ عِنْدَ الِاتِّحَادِ، فَإِذَا تَنَاوَلَهُ بِنَفْسِهِ فَلَيْسَ عَلَى مَنْ نَاوَلَهُ دِيَةُ وَلَا قِصَاصٌ، وَبِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ أَكَلَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، فَلِهَذَا لَمْ يُوجِبْ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، قِصَاصًا وَلَا دِيَةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":1421},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>[بَابُ الِاسْتِعَانَةِ بِأَهْلِ الشِّرْكِ وَاسْتِعَانَةِ الْمُشْرِكِينَ بِالْمُسْلِمِينَ]</span>\n٢٧٥١ - وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَسْتَعِينَ الْمُسْلِمُونَ بِأَهْلِ الشِّرْكِ عَلَى أَهْلِ الشِّرْكِ إذَا كَانَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ هُوَ الظَّاهِرُ عَلَيْهِمْ. «لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ -، اسْتَعَانَ بِيَهُودِ بَنِي قَيْنُقَاعَ عَلَى بَنِي قُرَيْظَةَ»، «وَلِأَنَّ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ كَانُوا خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ - رُكْبَانًا وَمُشَاةً إلَى خَيْبَرَ، يَنْظُرُونَ لِمَنْ يَكُونُ الدَّبَرَةُ فَيُصِيبُونَ مِنْ الْغَنَائِمِ، حَتَّى خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ فِي إثْرِ الْعَسْكَرِ، كُلَّمَا مَرَّ بِتُرْسٍ سَاقِطٍ، أَوْ رُمْحٍ أَوْ مَتَاعٍ مِنْ مَتَاعِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -، حَمَلَهُ حَتَّى أَوْقَرَ جَمَلَهُ» «وَخَرَجَ صَفْوَانُ، وَهُوَ مُشْرِكٌ، وَمَعَهُ، امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا النَّبِيُّ - ﵌ -، حَتَّى شَهِدَ مَعَ النَّبِيِّ - ﵌ -، حُنَيْنًا وَالطَّائِفَ، وَهُوَ مُشْرِكٌ»، وَإِنَّمَا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا كَانَا فِي أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمُوجِبُ لِلْفُرْقَةِ تَبَايُنُ الدَّارَيْنِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالِاسْتِعَانَةِ بِهِمْ، وَمَا ذَلِكَ إلَّا نَظِيرُ الِاسْتِعَانَةِ بِالْكِلَابِ، عَلَى قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - بِقَوْلِهِ: «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِأَقْوَامٍ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ»، وَاَلَّذِي رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﵌ -، يَوْمَ أُحُدٍ رَأَى كَتِيبَةً حَسْنَاءَ","vol":"1","page":1422},{"text":"قَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَقِيلَ: يَهُودُ بَنِي فُلَانٍ، حُلَفَاءُ ابْنِ أُبَيٍّ فَقَالَ: إنَّا لَا نَسْتَعِينُ بِمَنْ لَيْسَ عَلَى دِينِنَا» تَأْوِيلُهُ أَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ، وَكَانُوا يُقَاتِلُونَ تَحْتَ رَايَةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -، وَعِنْدَنَا إذَا كَانُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ الِاسْتِعَانَةُ بِهِمْ.\n- وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي سَبَبِ رُجُوعِ ابْنِ أُبَيٍّ يَوْمَ أُحُدٍ، فَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ، - ﵌ -، لَمَّا لَمْ يَأْخُذْ بِرَأْيِهِ حِينَ أَشَارَ إلَيْهِ بِأَلَّا يَخْرُجَ مِنْ الْمَدِينَةِ غَاظَهُ ذَلِكَ، فَانْصَرَفَ وَقَالَ: أَطَاعَ الصِّبْيَانَ، وَخَالَفَنِي فِيمَا نَصَحْت لَهُ.\n٢٧٥٣ - وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﵌ -، رَدَّهُ حِينَ عَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ فَيُقَاتِلَ مَعَهُ، فَقَالَ: لَا، إنَّا لَا نَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ»، وَإِنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَعَهُ سَبْعُمِائَةٍ مِنْ يَهُودِ بَنِي قَيْنُقَاعَ مِنْ حُلَفَائِهِ، فَخَشِيَ أَنْ يَكُونُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ إنْ أَحَسُّوا بِهِمْ زَلَّةَ قَدَمٍ، فَلِهَذَا رَدَّهُمْ. وَعِنْدَنَا إذَا رَأَى الْإِمَامُ الصَّوَابَ فِي أَلَّا يَسْتَعِينَ بِالْمُشْرِكِينَ لِخَوْفِ الْفِتْنَةِ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُمْ.\n٢٧٥٤ - ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ الزُّبَيْرِ، - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، حِينَ كَانَ عِنْدَ النَّجَاشِيِّ فَنَزَلَ بِهِ عَدُوُّهُ فَأَبْلَى يَوْمَئِذٍ مَعَ النَّجَاشِيِّ بَلَاءً حَسَنًا. فَكَانَ لِلزُّبَيْرِ عِنْدَ النَّجَاشِيِّ بِهَا مَنْزِلَةٌ حَسَنَةٌ، فَبِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ يَسْتَدِلُّ مَنْ يُجَوِّزُ قِتَالَ الْمُسْلِمِينَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ تَحْتَ رَايَتِهِمْ، وَلَكِنْ تَأْوِيلُ هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ عِنْدَنَا:","vol":"1","page":1423},{"text":"أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّجَاشِيَّ كَانَ مُسْلِمًا يَوْمَئِذٍ، كَمَا رُوِيَ، فَلِهَذَا اسْتَحَلَّ الزُّبَيْرُ الْقِتَالَ مَعَهُ.\nوَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ مَلْجَأٌ غَيْرُهُ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -، قَالَتْ: لَمَّا اطْمَأْنَنَّا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ فَكُنَّا فِي خَيْرِ دَارٍ، عِنْدَ خَيْرِ جَارٍ، نَعْبُدُ رَبَّنَا إلَى أَنْ سَارَ إلَى النَّجَاشِيِّ عَدُوٌّ لَهُ، فَمَا نَزَلَ بِنَا قَطُّ أَمْرٌ عَظِيمٌ مِنْهُ، قُلْنَا: إنْ ظَهَرَ عَلَى النَّجَاشِيِّ لَمْ يَعْرِفْ مِنْ حَقِّنَا مَا كَانَ النَّجَاشِيُّ يَعْرِفُ، فَأَخْلَصْنَا الدُّعَاءَ إلَى أَنْ يُمَكِّنَ اللَّهُ النَّجَاشِيَّ، ثُمَّ قُلْنَا: مَنْ رَجُلٌ يَعْلَمُ لَنَا عِلْمَ الْقَوْمِ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ: أَنَا فَنَفَخَ قِرْبَةً ثُمَّ رَكِبَهَا حَتَّى عَبَرَ النَّهْرَ، وَالْتَقَى الْقَوْمَ، وَحَضَرَ الزُّبَيْرُ مَعَهُمْ، وَجَعَلْنَا نُخْلِصُ الدُّعَاءَ إلَى أَنْ طَلَعَ الزُّبَيْرُ فِي النِّيلِ يُلِيحُ بِثَوْبِهِ، أَلَا أَبْشِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَظْهَرَ النَّجَاشِيَّ، وَمَكَّنَ لَهُ فِي الْأَرْضِ، وَأَهْلَك عَدُوَّهُ، قَالَتْ: فَأَقَمْنَا عِنْدَ خَيْرِ جَارٍ. فَبِهَذَا الْحَدِيثِ تَبَيَّنَ صِحَّةُ التَّأْوِيلِ الَّذِي قُلْنَا.) وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":1424},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>[بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ الدِّيبَاجِ وَالْحَرِيرِ]</span>\n٢٧٥٥ - قَالَ: وَكَرِهَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ الدِّيبَاجَ وَالْحَرِيرَ الْمُصْمَتَ فِي الْحَرْبِ وَلَمْ يَرَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، بِذَلِكَ بَأْسًا فِي الْحَرْبِ، وَقَدْ بَيَّنَّا الْمَسْأَلَةَ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ، وَرَوَى حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﵌ -، قَالَ: «لَا بَأْسَ بِلُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ فِي الْحَرْبِ» فَبِظَاهِرِهِ أَخَذَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: تَأْوِيلُهُ الْمُلْحَمُ وَهُوَ مَا يَكُونُ سَدَاهُ غَيْرَ حَرِيرٍ وَلُحْمَتُهُ حَرِيرٌ، وَهَذَا لَا بَأْسَ بِلُبْسِهِ فِي الْحَرْبِ، وَإِنْ كَانَ يُكْرَهُ لُبْسُهُ فِي غَيْرِ الْحَرْبِ، فَأَمَّا مَا يَكُونُ سَدَاهُ حَرِيرًا وَلُحْمَتُهُ غَيْرَ حَرِيرٍ فَلَا بَأْسَ بِلُبْسِهِ فِي الْحَرْبِ وَغَيْرِ الْحَرْبِ، وَعَلَيْهِ أَيْضًا يُحْمَلُ حَدِيثُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ يَلْمُقُ الدِّيبَاجَ يَلْبَسُهُ دَارَ الْحَرْبِ، فَأَمَّا إذَا كَانَ حَرِيرًا مُصْمَتًا فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ، عَلَى مَا رُوِيَ «أَنَّ","vol":"1","page":1425},{"text":"الْوَلِيدَ بْنَ أَبِي هِشَامٍ كَتَبَ إلَى ابْنِ مُحَيْرِيزٍ يَسْأَلُهُ عَنْ يَلَامِقِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ فِي الْحَرْبِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ أَنْ كُنْ أَشَدَّ مَا كُنْت فِي الْحَرْبِ كَرَاهِيَةً لِمَا نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، عِنْدَ التَّعَرُّضِ لِلشَّهَادَةِ» .","vol":"1","page":1426},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>[بَابُ الْمُكْرَهِ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ وَأَكْلِ الْخِنْزِيرِ]</span>\nِ وَذَكَرَ حَدِيثَ عَطَاءٍ فِي الرَّجُلِ يُكْرَهُ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ أَوْ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ قَالَ: إنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى يُقْتَلَ أَصَابَ خَيْرًا، وَإِنْ أَكَلَ وَشَرِبَ فَهُوَ فِي عُذْرٍ، وَلَسْنَا نَأْخُذُ بِهَذَا، بَلْ نَقُولُ: لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَدَعَ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ عِنْدَ خَوْفِ الْقَتْلِ، وَهُوَ قَوْلُ مَسْرُوقٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: مَنْ اُضْطُرَّ فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ، فَمَاتَ دَخَلَ النَّارَ، وَأَبُو يُوسُفَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، أَخَذَ بِقَوْلِ عَطَاءٍ، وَجَعَلَ ذَلِكَ قِيَاسَ الْإِكْرَاهِ عَلَى الشِّرْكِ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَلَكِنَّا نَقُولُ: إنَّ الْحُرْمَةَ تَنْكَشِفُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَثْنَى مَوْضِعَ الضَّرُورَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إلَّا مَا اُضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] . وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ التَّحْرِيمِ إبَاحَةٌ، وَبَعْدَمَا انْكَشَفَتْ الْحُرْمَةُ اُلْتُحِقَ هَذَا بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، فَإِذَا امْتَنَعَ عَنْ تَنَاوُلِهِ حَتَّى يُقْتَلَ كَانَ آثِمًا، بِخِلَافِ الْكُفْرِ فَإِنَّ الْحُرْمَةَ لَا تَنْكَشِفُ، وَلَكِنْ يُرَخَّصُ لَهُ فِي إجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ عَلَى اللِّسَانِ مَعَ طُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ بِالْإِيمَانِ، فَهُوَ بِالِامْتِنَاعِ يَكُونُ مُتَمَسِّكًا","vol":"1","page":1427},{"text":"بِالْعَزِيمَةِ، وَفِي الْإِجْرَاءِ يَكُونُ مُرَخَّصًا بِالرُّخْصَةِ، وَالتَّمَسُّكُ بِالْعَزِيمَةِ أَفْضَلُ، إلَّا أَنَّ فِي الْكِتَابِ لَمْ يُطْلِقْ الْجَوَابَ فِي تَأْثِيمِهِ، وَلَكِنْ قَالَ: خِفْت أَنْ يَأْثَمَ. لِأَنَّ هَذَا الْمُكْرَهَ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْمُبْتَلَى بِالْمَخْمَصَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَإِنَّ هُنَاكَ لَا صُنْعَ لِأَحَدٍ مِنْ الْعِبَادِ فِيمَا حَلَّ، مِنْ الْعُذْرِ وَهَا هُنَا خَوْفُ الْهَلَاكِ إنَّمَا حَصَلَ بِصُنْعِ الْعِبَادِ، وَفِيمَا يَكُونُ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَسْتَوِي مَا فِيهِ صُنْعُ الْعِبَادِ بِمَا لَا صُنْعَ لِلْعِبَادِ فِيهِ، ثُمَّ فِي الِامْتِنَاعِ بَعْدَ إكْرَاهِ الْمُشْرِكِينَ إظْهَارٌ لِلصَّلَابَةِ فِي الدِّينِ، وَمَا فِيهِ مُغَايَظَةُ الْمُشْرِكِينَ، وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي صَاحِبِ الْمَخْمَصَةِ، فَلِهَذَا صَحَّ الْجَوَابُ هَا هُنَا، بِقَوْلِهِ: خِفْت أَنْ يَأْثَمَ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":1428},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>[بَابُ مَنْ يُكْرَهُ قَتْلُهُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَمَنْ لَا يُكْرَهُ]</span>\nُ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ إنَّمَا يُقْتَلُ مِنْهُمْ مَنْ يُقَاتِلُ دُونَ مَنْ لَا يُقَاتِلُ، فَذَكَرَ فِي جُمْلَةِ مَنْ لَا يُقَاتِلُ أَصْحَابَ الصَّوَامِعِ وَالسَّيَّاحِينَ فِي الْجِبَالِ، الَّذِينَ لَا يُخَالِطُونَ النَّاسَ.\n٢٧٥٨ - وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، قَالَ: سَأَلْت أَبَا حَنِيفَةَ عَنْ قَتْلِ أَصْحَابِ الصَّوَامِعِ وَالرُّهْبَانِ، فَرَأَى قَتْلَهُمْ حَسَنًا، لِأَنَّهُمْ فَرَغُوا أَنْفُسَهُمْ لِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ فَيَفْتَتِنُ النَّاسُ بِهِمْ، فَيَدْخُلُونَ تَحْتَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢] وَتَأْوِيلُ تِلْكَ الرِّوَايَةِ فِيمَا إذَا كَانُوا يُخَالِطُونَ النَّاسَ، إمَّا خُرُوجًا إلَيْهِمْ أَوْ إذْنًا لَهُمْ فِي الدُّخُولِ عَلَيْهِمْ، وَكَانُوا يَحُثُّونَهُمْ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَالصَّبْرِ عَلَى دِينِهِمْ، فَأَمَّا إذَا كَانُوا فِي دَارٍ أَوْ كَنِيسَةٍ قَدْ طَيَّنُوا عَلَيْهِمْ الْبَابَ، وَتَرَهَّبُوا فِيهِ فَإِنَّهُمْ لَا يُقْتَلُونَ لِوُقُوعِ الْأَمْنِ مِنْ جَانِبِهِمْ، فَإِنَّهُمْ لَا يُقَاتِلُونَ بِنَفْسٍ أَوْ مَالٍ وَلَا رَأْيٍ، وَلَا يُقْتَلُ مِنْهُمْ الْأَعْمَى، وَالْمُقْعَدُ، وَلَا يَابِسُ الشِّقِّ، وَلَا مَقْطُوعُ الْيَدِ وَالرِّجْلِ مِنْ خِلَافٍ وَلَا مَقْطُوعُ الْيَدِ الْيُمْنَى خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ الْأَمْنُ مِنْ قِتَالِهِمْ، وَمُرَادُهُ مِنْ هَذَا إذَا كَانُوا لَا يُقَاتِلُونَ بِمَالٍ وَلَا بِرَأْيٍ.","vol":"1","page":1429},{"text":"- وَقَدْ بَيَّنَّا نَظِيرَهُ فِي الشَّيْخِ الْفَانِي إذَا كَانَ ذَا رَأْيٍ فِي الْحَرْبِ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ دُونَ أَقْطَعَ الْيَدِ الْيُسْرَى أَوْ أَقْطَعَ أَحَدِ الرِّجْلَيْنِ فَهُوَ مِمَّنْ يُقَاتِلُ، لِأَنَّ مُبَاشَرَةَ الْقِتَالِ فِي الْغَالِبِ تَكُونُ بِالْيَدِ الْيُمْنَى. فَأَمَّا إذَا كَانَتْ صَحِيحَةً مِنْهُ فَهُوَ عَلَى وَجْهٍ يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ، كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُقَاتِلَةِ فَيُقْتَلُ.\n- وَالْأَخْرَسُ وَالْأَصَمُّ وَاَلَّذِي يُجَنُّ وَيُفِيقُ فِي حَالِ إفَاقَتِهِ يُقْتَلُ. لِأَنَّهُ مِمَّنْ يُقَاتِلُ، وَلَهُ بِنْيَةٌ صَالِحَةٌ لِلْقِتَالِ، وَاعْتِقَادُهُ يَحْمِلُهُ عَلَى الْقِتَالِ فَيُقْتَلُ دَفْعًا لِشَرِّهِ.\n\n- وَمَنْ قَتَلَ أَحَدًا مِنْهُمْ مِمَّنْ لَا يُقَاتِلُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ سِوَى الِاسْتِغْفَارِ. لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْصُومٍ وَإِنْ وَقَعَ الْيَأْسُ مِنْ قِتَالِهِ.\n- وَالْقِسِّيسُونَ وَالشَّمَامِسَةُ وَالسَّيَّاحُونَ الَّذِينَ يُخَالِطُونَ النَّاسَ فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِمْ. لِأَنَّهُمْ مِنْ جُمْلَةِ الْمُقَاتِلَةِ، إمَّا بِرَأْيِهِمْ أَوْ بِنَفْسِهِمْ إنْ تَمَكَّنُوا مِنْ ذَلِكَ فَيَجُوزُ قَتْلُهُمْ وَإِنْ لَمْ يَرَ مِنْهُمْ الْقِتَالَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ حَقِيقَةَ مُبَاشَرَةِ الْقِتَالِ مِمَّا لَا يَطَّلِعُ","vol":"1","page":1430},{"text":"عَلَيْهِ كُلُّ أَحَدٍ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَمَكَانٍ، فَالْبِنْيَةُ الصَّالِحَةُ لِذَلِكَ مَعَ السَّبَبِ الْحَامِلِ عَلَيْهِ يُقَامُ مَقَامَهُ، مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ يَمْنَعُهُ مِنْهُ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ إنْ كَانَتْ بِهِمْ قُوَّةٌ عَلَى أَسْرِهِمْ أَنْ يَدْعُوا الصِّبْيَانَ وَالنِّسَاءَ حَتَّى يُخْرِجُوهُمْ إلَى دَارِنَا، لِمَا فِيهِ مِنْ الْكَبْتِ وَالْغَيْظِ لِلْمُشْرِكِينَ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُمْ يَصِيرُونَ خَوَلًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ قَطْعِ مَنْفَعَةِ الْمُشْرِكِينَ عَنْهُمْ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ النَّبِيُّ - ﵌ -، فِي قَوْلِهِ: «وَاسْتَحْيُوا شَرْخَهُمْ» .\nفَأَمَّا الشَّيْخُ الْفَانِي الَّذِي لَا يُرْجَى لَهُ نَسْلٌ وَلَا مَنْفَعَةَ عِنْدَهُ، سِوَى أَنْ يُفَادَى فَإِنْ شَاءُوا أَخَذُوهُ وَأَسَرُوهُ، وَإِنْ شَاءُوا تَرَكُوهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِأَسْرِهِ لَيْسَ إلَّا تَحْصِيلُ الْمَالِ بِالْمُفَادَاةِ، وَهُمْ بِالْخِيَارِ فِيمَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْهُ مِنْ الْأَمْوَالِ، إنْ شَاءُوا أَخَذُوهُ، وَإِنْ شَاءُوا تَرَكُوهُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ دَفْعُ فِتْنَةِ الْكُفْرِ، فَأَمَّا اكْتِسَابُ الْمَالِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ شَرْعًا، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتْرُكُوا الْمَعْتُوهَ إذَا قَدَرُوا عَلَى إخْرَاجِهِ؛ لِأَنَّهُ يُرْجَى إقَامَتُهُ، وَلِأَنَّهُ يُولَدُ لَهُ وَفِي تَرْكِهِ عَوْنٌ لِلْمُشْرِكِينَ، كَمَا فِي تَرْكِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَلَا يَتَعَرَّضُ لِلَّذِينَ لَا يُخَالِطُونَ النَّاسَ مِنْ الْمُتَرَهِّبِينَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرْجَى لِمِثْلِهِمْ نَسْلٌ، حَتَّى يَكُونَ فِي ذَلِكَ عَوْنٌ لِلْمُشْرِكِينَ، وَذَوُو الْآفَاتِ الَّذِينَ لَا يَقْتُلُونَ يُؤْسَرُونَ وَيُخْرَجُونَ إلَى دِيَارِنَا؛ لِأَنَّ فِي تَرْكِهِمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ قُوَّةً لِلْمُشْرِكِينَ، فَإِنَّهُمْ يُصِيبُونَ النِّسَاءَ فَيُلَقِّحُونَ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُتْرَكُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ إذَا ظَفِرُوا بِهِمْ فَكُلُّ مَنْ جَازَ قَتْلُهُ مِنْهُمْ فَلَا إشْكَالَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَسْرُهُ وَإِخْرَاجُهُ. - ثُمَّ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ لِلْإِمَامِ فِيهِمْ رَأْيٌ إنْ شَاءَ اسْتَرَقَّهُمْ،","vol":"1","page":1431},{"text":"وَإِنْ شَاءَ قَتَلَهُمْ وَكُلُّ مَنْ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ إذَا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى إخْرَاجِهِ بِأَنْ كَانُوا جَرِيدَةَ خَيْلٍ، فَلْيَدَعُوهُ وَلَا يَعْرِضُوا لَهُ. لِأَنَّ قَتْلَهُ مُحَرَّمٌ شَرْعًا لَا لِمَنْفَعَةِ أَسْرِهِ وَاسْتِرْقَاقِهِ، فَبِالْعَجْزِ عَنْ الْأَسْرِ لَا يَصِيرُ الْقَتْلُ الَّذِي هُوَ مُحَرَّمٌ مُبَاحًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَمَا يَقْدِرُونَ عَلَى إخْرَاجِهِ مِنْ الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُمْ تَرْكُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ إخْرَاجِهِ، لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَتَقَوَّى بِهِ الْمُشْرِكُونَ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ بَنِي آدَمَ.\n- فَأَمَّا الْبَقَرُ وَالْغَنَمُ وَالْمَتَاعُ فَإِنْ شَاءُوا أَخْرَجُوهُ وَإِنْ شَاءُوا تَرَكُوهُ. لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يُتَقَوَّى بِهِ عَلَى الْقِتَالِ عَادَةً.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الْكُرَاعَ وَالسِّلَاحَ يُكْرَهُ لِلْمُسْلِمِينَ حَمْلُهَا إلَيْهِمْ لِلتِّجَارَةِ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَمْوَالِ.\n- وَإِنَّ الْمُسْتَأْمَنَ فِي دَارِنَا إذَا اكْتَسَبَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ يُمْنَعُ مِنْ إدْخَالِهِ دَارَ الْحَرْبِ مَعَ نَفْسِهِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَمْوَالِ فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا الْخِيَارُ لَهُمْ فِي الْمَالِ فَكَذَلِكَ فِي الْعَجُوزِ الْكَبِيرَةِ، الَّتِي لَا يُرْجَى لَهَا وَلَدٌ؛ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ فِيهَا سِوَى الْفِدَاءِ بِالْمَالِ، وَلِهَذَا جَازَ لِلْمُسْلِمِينَ إذَا أَسَرُوهَا، أَوْ شَيْخًا فَانِيًا أَنْ يُفَادُوهُمَا بِمَالٍ؛ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ لِلْمُسْلِمِينَ عِنْدَهُمَا وَلَا مَضَرَّةَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي كَوْنِهِمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَكُلُّ مَنْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ مِنْ ذَوِي الْآفَاتِ وَغَيْرِهِمْ إذَا بَاشَرَ الْقِتَالَ، أَوْ حَرَّضَ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ كَانَ مِمَّنْ يُطَاعَ","vol":"1","page":1432},{"text":"فِيهِمْ فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِ كَسْرَ شَوْكَتِهِمْ وَتَفَرُّقَ جَمْعِهِمْ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ، حَتَّى أَنَّ مَلِكَ الْقَوْمِ لَوْ كَانَ صَغِيرًا أَوْ امْرَأَةً أَوْ شَيْخًا فَانِيًا، فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْكَبْتِ وَالْغَيْظِ لَهُمْ، وَفِيهِ تَفْرِيقُ مَنَعَتِهِمْ، وَلَوْ أَنَّ رَاهِبًا أَوْ سَيَّاحًا دَلَّ الْمُشْرِكِينَ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ، فَعَلِمَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ، فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِ؛ لِأَنَّهُ أَعَانَ الْمُشْرِكِينَ بِمَا صَنَعَ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ شَيْخٍ لَهُ رَأْيٌ فِي الْقِتَالِ، فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِ مِثْلِهِ، عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ قُتِلَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا؛ لِأَنَّهُ كَانَ ذَا رَأْيٍ فِي الْحَرْبِ.\n\n- وَإِذَا لَقِيَ الْمُسْلِمُ أَبَاهُ الْمُشْرِكَ فِي الْقِتَالِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] . وَلَيْسَ مِنْ الْمُصَاحَبَةِ بِالْمَعْرُوفِ الْقَصْدُ إلَى قَتْلِهِ، «وَإِنَّ حَنْظَلَةَ بْنَ أَبِي عَامِرٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ اسْتَأْذَنَا رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ -، فِي قَتْلِ أَبَوَيْهِمَا فَنَهَاهُمَا، وَقَدْ كَانَ أَبُو عَامِرٍ مُشْرِكًا مُحَارِبًا لِرَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -، وَابْنُ أُبَيٍّ مُنَافِقًا بَيِّنَ النِّفَاقِ»، قَدْ شَهِدَ اللَّهُ تَعَالَى بِكُفْرِهِ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلِابْنِ الْقَصْدُ إلَى قَتْلِ أَبِيهِ الْمُشْرِكِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْأَبَ كَانَ سَبَبًا لِإِيجَادِهِ فَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَكْتَسِبَ سَبَبَ إعْدَامِهِ وَكَانَ مُنْعِمًا عَلَيْهِ فِي التَّرْبِيَةِ، فَيُكْرَهُ لَهُ إظْهَارُ كُفْرَانِ النِّعْمَةِ بِالْقَصْدِ إلَى قَتْلِهِ.\n٢٧٦٧ - وَبَيَانُ هَذَا فِيمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ الْخَلِيلِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه","vol":"1","page":1433},{"text":"حِينَ قَالَ لَهُ أَبُوهُ: ﴿لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦] ﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧] فَأَمَّا إذَا هَمَّ الْأَبُ بِقَتْلِ ابْنِهِ، وَصَارَ بِحَيْثُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ دَفْعِهِ عَنْ نَفْسِهِ، إلَّا بِقَتْلِهِ، فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِ. لِأَنَّهُ فِي هَذَا الْوَجْهِ لَا يَقْصِدُ كُفْرَانَ النِّعْمَةِ، وَإِنَّمَا يَقْصِدُ إحْيَاءَ نَفْسِهِ بِسَبَبِ دَفْعِ الْهَلَاكِ عَنْهَا، وَذَلِكَ مَأْمُورٌ بِهِ. وَقَدْ بَيَّنَّا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ الْفَرْقَ بَيْنَ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ ذَوِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ، وَالْفَرْقَ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ فِي ذَلِكَ وَبَيْنَ أَهْلِ الْبَغْيِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.\n\n- وَلَوْ ظَفِرَ الْمُسْلِمُونَ بِالسَّبْيِ وَالْمُعْتَقِ الَّذِي كَانَ يُقَاتِلُ مَعَهُمْ، وَقَدْ قَتَلَ بَعْضَهُمْ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقْتُلُوهُمَا بَعْدَ الْأَسْرِ. لِأَنَّهُ قَدْ انْدَفَعَ قِتَالُهُمَا بِالْأَسْرِ.\n- فَإِنْ كَانُوا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى إخْرَاجِهِمَا وَهُمْ يَخَافُونَ إنْ خَلَّوْا سَبِيلَهُمَا أَنْ يَعُودَا إلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ الْأَمْنُ عَنْ قِتَالِهِمْ.","vol":"1","page":1434},{"text":"- وَهُمَا فِي ذَلِكَ كَالْجَمَلِ الصَّئُولِ إذَا أَخَذَهُ رَجُلٌ فَمَنَعَهُ مِنْ الصِّيَالِ، وَهُوَ يَخَافُ إنْ خَلَّى سَبِيلَهُ أَنْ يَعُودَ لِمِثْلِ ذَلِكَ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلَهُ وَيَغْرَمَهُ لِصَاحِبِهِ)، كَمَا فِي حَالِ صِيَالِهِ، وَهَذَا، لِأَنَّ مَا يُتَوَهَّمُ مِنْهُ قَدْ ظَهَرَ أَثَرُهُ فِيمَا مَضَى، فَيَتَأَيَّدُ هَذَا الظَّنُّ بِذَلِكَ الظَّاهِرِ، وَيُجْعَلُ كَالْقَائِمِ فِي الْحَالِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُرَاهِقَ لَوْ كَانَ مَلِكَ الْقَوْمِ فَظَفِرُوا بِهِ وَعَجَزُوا عَنْ إخْرَاجِهِ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِقَتْلِهِ.\nلِأَنَّ فِي تَرْكِهِ خَوْفَ الْهَلَاكِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، بِاعْتِبَارِ غَالِبِ الرَّأْيِ، وَفِيمَا لَا يُمْكِنْ الْوُقُوفُ عَلَى حَقِيقَتِهِ يُبْنَى الْحُكْمُ عَلَى غَالِبِ الرَّأْيِ.\n- فَإِنْ كَانُوا يَأْمَنُونَهُمَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَكِنْ لَا يَأْمَنُونَهُمَا إنْ دَخَلَتْ سَرِيَّةٌ غَيْرُهُمْ أَنْ يُقَاتِلَا بِهِمْ أَوْ يَقْتُلَا بَعْضَهُمْ خَلَّوْا سَبِيلَهُمَا. لِأَنَّهُمْ آمَنُوا جَانِبَهُمَا، وَدُخُولُ سَرِيَّةٍ أُخْرَى بَعْدَهُمْ مَوْهُومٌ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ مِنْ هَذَا الْجَانِبِ، أَوْ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ، فَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقْدَمُوا عَلَى قَتْلٍ حَرَامٍ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَوْهُومِ.\n\n- وَلَوْ أَنَّ رَاهِبًا نَزَلَ مِنْ صَوْمَعَتِهِ إلَى بَعْضِ مَدَائِنِهِمْ فَأَصَابَهُ الْمُسْلِمُونَ فِي الطَّرِيقِ، أَوْ فِي الْمَدِينَةِ، فَقَالُوا: إنَّمَا خَرَجْت هَارِبًا مِنْكُمْ خَوْفًا عَلَى نَفْسِي فَلَهُمْ أَلَّا يُصَدِّقُوهُ وَيَقْتُلُوهُ.","vol":"1","page":1435},{"text":"لِأَنَّهُمْ وَجَدُوهُ فِي مَوْضِعِ الِاخْتِلَاطِ بِالْمُقَاتَلَةِ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا لَا يُقْتَلُ مَنْ لَا يُخَالِطُ النَّاسَ فَمَنْ ظَهَرَ مِنْهُمْ خِلَافَ ذَلِكَ فِيهِمْ، فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِ، وَهُوَ فِيمَا يَدَّعِي مِنْ الْعُذْرِ لِنَفْسِهِ مِنْهُمْ فَلَا يُصَدَّقُ.\n- وَإِنْ وَقَعَ فِي قَلْبِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ صَادِقٌ فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُمْ أَلَّا يَقْتُلُوهُ، وَلَكِنْ يَأْخُذُونَهُ أَسِيرًا. لِأَنَّ غَالِبَ الرَّأْيِ بِمَنْزِلَةِ الْيَقِينِ فِيمَا بُنِيَ أَمْرُهُ عَلَى الِاحْتِيَاطِ، وَالْقَتْلُ مَبْنِيٌّ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ إذَا وَقَعَ فِيهِ الْغَلَطُ لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ، وَالْمَقْصُودُ يَحْصُلُ بِأَسْرِهِ.\n\n- وَمَنْ وَجَدُوهُ فِي كَنِيسَةٍ أَوْ دَيْرٍ، لَمْ يُطَيِّنْ الْبَابَ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِ. لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ النَّاسَ إذَا كَانُوا يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ وَيَصْدُرُونَ عَنْ رَأْيِهِمْ فَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْكُفْرِ، وَفِي قَتْلِهِمْ كَسْرُ شَوْكَةِ الْمُشْرِكِينَ.\n٢٧٧٥ - وَلَوْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَتَوْا رَاهِبًا فِي صَوْمَعَتِهِ فَسَأَلُوهُ عَنْ الطَّرِيقِ، أَوْ عَنْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَيْنَ هُمْ؟ فَقَالَ: إنِّي أَعْرِفُ ذَلِكَ، وَلَكِنِّي لَا أُخْبِرُكُمْ لِأَنِّي لَا أُخْبِرُ عَنْكُمْ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ؛ لِأَنَّهُ أَظْهَرَ بِعِبَارَتِهِ مَا لِأَجْلِهِ وَجَبَ تَرْكُ التَّعَرُّضِ لَهُ، وَهُوَ انْقِطَاعُهُ بِالْكُلِّيَّةِ عَنْ الْمُخَالَطَةِ مَعَ النَّاسِ، وَالنَّظَرِ فِي أُمُورِهِمْ، وَالْمَيْلِ إلَى اكْتِسَابِ مَوَدَّتِهِمْ أَوْ عَدَاوَتِهِمْ، فَإِنْ دَلَّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ فَوَجَدُوهُ قَدْ خَانَهُمْ، وَاسْتَبَانَ ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِ وَأَسْرِهِ.","vol":"1","page":1436},{"text":"وَلِأَنَّهُ بِهَذِهِ الْخِيَانَةِ أَظْهَرَ الْمَيْلَ إلَى الْمُشْرِكِينَ، وَأَظْهَرَ الْعَدَاوَةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ حَيْثُ دَلَّهُمْ عَلَى مَا فِيهِ هَلَاكُهُمْ بَعْدَ مَا طَلَبُوا مِنْهُ الدَّلَالَةَ عَلَى الطَّرِيقِ الَّذِي يَكُونُ السُّلُوكُ فِيهِ سَبَبًا لِنَجَاتِهِمْ.\n\n- وَإِنْ رَأَى الْمُسْلِمُونَ رَاهِبًا فِي صَوْمَعَتِهِ حَبَشِيًّا، وَالْقَوْمُ رُومٌ، فَاسْتَنْكَرُوهُ فَلْيَسْأَلُوهُ عَنْ أَمْرِهِ؛ لِأَنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ حَالُهُ، فَطَرِيقُ إزَالَةِ الِاشْتِبَاهِ السُّؤَالُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] ثُمَّ فَائِدَةُ السُّؤَالِ قَبُولُ الْبَيَانِ مِنْ الْمَسْئُولِ عَنْهُ إذَا لَمْ يَظْهَرْ فِي كَلَامِهِ تُهْمَةٌ وَخِيَانَةٌ.\n٢٧٧٧ - فَإِنْ قَالَ: أَنَا رَجُلٌ مِنْ نَصَارَى الْجَيْشِ تَرَهَّبْت هَا هُنَا صَدَّقُوهُ، بِقَوْلِهِ، وَلَمْ يَعْرِضُوا لَهُ. لِأَنَّ مَا أَخْبَرَهُمْ بِهِ مُحْتَمَلٌ.\n- وَإِنْ قَالَ: كُنْت عَبْدًا لِرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَكُنْت نَصْرَانِيًّا، فَتَرَهَّبْت هَا هُنَا، أَخَذُوهُ فَرَدُّوهُ عَلَى مَوْلَاهُ. لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِأَنَّهُ عَبْدٌ آبِقٌ، وَمَنْ تَمَكَّنَ مِنْ رَدِّ الْآبِقِ عَلَى مَوْلَاهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ.\n- وَإِنْ قَالَ: أَسَرَنِي أَهْلُ الْحَرْبِ فَأَعْتَقُونِي فَتَرَهَّبْت فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ، وَلَكِنَّهُ يُؤْخَذُ فَيُرَدُّ عَلَى مَوْلَاهُ، لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِالرِّقِّ","vol":"1","page":1437},{"text":"وَالْمِلْكِ لِمَوْلَاهُ، ثُمَّ ادَّعَى مَا يُزِيلُهُ، فَلَا يُصَدَّقُ فِيهِ إلَّا لِحُجَّةٍ، كَالْعَبْدِ يَدَّعِي الْعِتْقَ عَلَى مَوْلَاهُ.\n٢٧٨٠ - وَإِنْ قَالَ: كُنْت عَبْدًا مُسْلِمًا فَتَنَصَّرْت وَتَرَهَّبْت فَقَدْ أَقَرَّ بِالرِّدَّةِ، فَيُعْرَضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ، فَإِنْ أَبَى قُتِلَ، وَإِنْ أَسْلَمَ رُدَّ عَلَى مَوْلَاهُ.\n\nوَإِذَا اقْتَتَلَ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ فَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ، وَوَجَدَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَوْمًا جَرْحَى، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُجْهِزُوا عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَ يُعْلَمُ أَنَّهُمْ لَا يَعِيشُونَ مَعَ تِلْكَ الْجِرَاحَاتِ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ مُقَاتِلَةٌ وَإِنَّمَا أَعْجَزَهُمْ إثْخَانُ الْجِرَاحَاتِ عَنْ مُبَاشَرَةِ الْقِتَالِ، فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِمْ كَالْمَأْسُورِينَ، الْمَرْبُوطِينَ فِي أَيْدِينَا، وَإِنْ شَاءُوا تَرَكُوهُمْ حَتَّى يَذُوقُوا الْمَوْتَ، كُلُّ ذَلِكَ وَاسِعٌ. لِأَنَّ فِي كُلِّ جَانِبٍ لِلْمُسْلِمِينَ نَوْعَ شِفَاءِ الصُّدُورِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ «مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، فَإِنَّهُ بَارَزَ مَرْحَبًا يَوْمَ خَيْبَرَ فَضَرَبَهُ فَقَطَعَ رِجْلَيْهِ، فَقَالَ مَرْحَبٌ. أَجْهِزْ عَلَيَّ يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ: لَا، حَتَّى تَذُوقَ مِنْ الْمَوْتِ مِثْلَ مَا ذَاقَ أَخِي مَحْمُودٌ، ثُمَّ مَرَّ بِهِ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فَأَجْهَزَ عَلَيْهِ، وَأَخَذَ سَلَبَهُ فَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، سَلَبَهُ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ»، وَلَوْ كَانَ فِي حَيَاةِ مَرْحَبٍ طَمَعٌ لَمَا قَالَ لَهُ مُحَمَّدٌ: لَا، حَتَّى تَذُوقَ مِنْ الْمَوْتِ مِثْلَ مَا ذَاقَ أَخِي مَحْمُودٌ، وَمَا أَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، سَلَبَهُ دُونَ عَلِيٍّ،","vol":"1","page":1438},{"text":"- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَقَدْ أَجْهَزَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَهُوَ بِهَذِهِ الْحَالَةِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، ذَلِكَ فَامْتَنَعَ مُحَمَّدٌ مِنْ الْإِجْهَازِ عَلَيْهِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، أَيْضًا، فَعَرَفْنَا أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ وَاسِعٌ. تَوْضِيحُهُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَسْرِهِ وَقِسْمَتِهِ فِي جُمْلَةِ مَنْ يَقْسِمُ مَا لَمْ يَمُتْ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْأَسِيرِ، وَلِلْإِمَامِ رَأْيٌ فِي قَتْلِ الْأَسِيرِ وَتَرْكِهِ فَهَذَا مِثْلُهُ.\n\n- وَلَوْ وَجَدُوا مَرِيضًا فِي حِصْنٍ مِنْ حُصُونِهِمْ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلُوهُ. لِأَنَّ الْمَرَضَ يُعْجِزُهُ عَنْ الْقِتَالِ، وَلَا يُخْرِجُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ، وَلِأَنَّ الْمَرَضَ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ، فَلَا يَقَعُ بِهِ الْيَأْسُ عَنْ قِتَالِهِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ. - إلَّا أَنْ يُحِيطَ الْعِلْمُ بِأَنَّهُ لَا يَعِيشُ مَعَ هَذَا الْمَرَضِ، أَوْ يَكُونَ عَلَيْهِ أَكْبَرُ الرَّأْيِ فَحِينَئِذٍ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْتُلُوهُ. لِأَنَّهُ وَقَعَ الْيَأْسُ عَنْ قِتَالِهِ فَحَالُهُ الْآنَ كَحَالِ الشَّيْخِ الْفَانِي.\n\n- وَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْعَدْلِ يُقَاتِلُونَ أَهْلَ الْبَغْيِ فَظَفِرُوا مِنْهُمْ بِجَرْحَى فَإِنْ كَانَ الْقَوْمُ فِيهِ لَا يُلْجِئُونَ إلَيْهَا فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُجْهَزَ عَلَى جَرِيحِهِمْ. لِأَنَّ الْجَرِيحَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَالْأَسِيرِ، وَيُقْتَلَ أَسِيرُهُمْ وَيُتْبَعَ مُدْبِرُهُمْ إذَا بَقِيَتْ لَهُمْ فِيهِ، فَكَذَلِكَ يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهِمْ.","vol":"1","page":1439},{"text":"- إلَّا أَنْ يَكُونَ الْجَرِيحُ مِمَّنْ لَا يُطْمَعُ لَهُ فِي الْحَيَاةِ فَحِينَئِذٍ يُكْرَهُ قَتْلُهُ. لِأَنَّهُ وَقَعَ الْيَأْسُ عَنْ قِتَالِهِ، فَإِنَّهُ مِمَّنْ لَا يُخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يَلْجَأَ إلَى فِئَةٍ، فَيُعِينَ عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ أَبَدًا، فَيَكُونُ الْحَالُ فِي حَقِّهِ كَالْحَالِ فِيمَا إذَا انْهَزَمُوا وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ فِئَةٌ يَلْجَئُونَ إلَيْهَا، وَهُنَاكَ لَا يُقْتَلُ أَسِيرُهُمْ وَلَا يُتْبَعُ مُنْهَزِمَهُمْ فَكَذَلِكَ لَا يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهِمْ، وَالْمَعْنَى فِي الْفَرْقِ بَيْنَ أَهْلِ الْبَغْيِ وَأَهْلِ الْحَرْبِ فِي هَذَا أَنَّ السَّبَبَ الدَّاعِي إلَى الْمُحَارَبَةِ قَائِمٌ فِي حَقِّ أَهْلِ الْبَغْيِ، لَا يُوجَدُ مِثْلُ ذَلِكَ الِاعْتِقَادِ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَإِنَّمَا يَحْمِلُهُمْ عَلَى الْقِتَالِ التَّقَوِّي بِالْفِئَةِ وَالْمَنَعَةِ، فَإِذَا زَالَ ذَلِكَ لَمْ يَحِلَّ قَتْلُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ.\n\n- وَإِنْ وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ مَعْتُوهًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَا يَعْرِفُ قِتَالًا، وَلَا يَدْرِي مَا يَصْنَعُ بِهِ، وَلَكِنْ فِي يَدِهِ سَيْفٌ يَضْرِبُ بِهِ مَنْ دَنَا إلَيْهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَإِنِّي أُحِبُّ لِلْمُسْلِمِينَ أَلَّا يَقْتُلُوهُ، وَلَكِنْ يَأْخُذُونَهُ أَخْذًا لِيَمْنَعُوهُ مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّهُ لَيْسَ بِهِ قَصْدٌ إلَى الْقِتَالِ، وَإِنَّمَا يُبَاحُ قَتْلُ مَنْ يَكُونُ بِهِ الْقَصْدُ إلَى الْقِتَالِ، أَوْ يَكُونُ مِمَّنْ يَدْعُوهُ دِينُهُ إلَى ذَلِكَ، وَهَذَا إذَا كَانَ بِحَيْثُ يَضْرِبُ مَنْ يَدْنُو مِنْهُ مِنْ الْمُسْلِمِ وَالْمُشْرِكِ، فَعَرَفْنَا أَنَّ دِينَهُ لَا يَدْعُوهُ إلَى ذَلِكَ، فَيَكُونُ حَالُهُ الْآنَ كَحَالِ الْبَهِيمَةِ، وَالْبَهِيمَةُ إذَا لَمْ تَقْصِدْ أَحَدًا، وَلَكِنَّهَا تَضْرِبُ كُلَّ","vol":"1","page":1440},{"text":"مَنْ دَنَا مِنْهَا لَمْ يَحِلَّ قَتْلُهَا، إلَّا أَنْ تَحْمِلَ عَلَى الْمُسْلِمِ وَتَضْطَرَّهُ إلَى ذَلِكَ فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِقَتْلِهَا، فَهُوَ الْحُكْمُ فِي حَقِّ هَذَا الْمَعْتُوهِ أَيْضًا. - إلَّا أَنَّ هُنَاكَ يَغْرَمُ قَاتِلُهَا قِيمَتَهَا لِلْمُسْلِمِ لِبَقَاءِ الْمَالِيَّةِ وَالتَّقَوُّمِ فِيهَا حَقًّا لِلْمُسْلِمِ وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي الْمَعْتُوهِ الْحَرْبِيِّ.\n\n- وَلَوْ ظَفِرُوا بِرَجُلٍ مَعَهُ سَيْفٌ يُقَاتِلُ بِهِ فَلَمَّا أَحَسَّ بِالْمُسْلِمِينَ تَجَانَنْ، وَرَأَى الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ مَجْنُونٌ فَإِنَّ هَذَا عَلَى مَا يَقَعُ فِي قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّهُ لَمَّا انْقَطَعَ عَنْهُمْ سَائِرُ الْأَدِلَّةِ الَّتِي يَقِفُونَ بِهَا عَلَى حَالِهِ وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى أَكْبَرِ الرَّأْيِ، بِمَنْزِلَةِ التَّحَرِّي فِي أَمْرِ الْقِبْلَةِ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْأَدِلَّةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ أَكْبَرَ الرَّأْيِ فِيمَا لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى حَقِيقَتِهِ بِمَنْزِلَةِ الْحَقِيقَةِ.\n- فَإِنْ وَقَعَ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ مَجْنُونٌ فَأَسَرُوهُ ثُمَّ اسْتَبَانَ لَهُمْ أَنَّهُ صَحِيحٌ فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِ) .\nلِأَنَّ أَسْرَهُمْ إيَّاهُ لَيْسَ بِأَمَانٍ لَهُ مِنْهُمْ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ صَحِيحًا حِينَ أَسَرُوهُ كَانَ لَهُمْ رَأْيٌ فِي قَتْلِهِ، فَكَذَلِكَ إذَا أَسَرُوهُ فِي حَالِ اشْتِبَاهِ أَمْرِهِ.\nوَلَوْ أَخَذُوا غُلَامًا مُرَاهِقًا وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ بَالِغٌ أَوْ غَيْرُ بَالِغٍ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَجْعَلُونَ الْعَلَامَةَ فِي ذَلِكَ نَبَاتَ الْعَانَةِ اسْتِدْلَالًا بِحَدِيثِ بَنِي قُرَيْظَةَ وَالْمَذْهَبُ","vol":"1","page":1441},{"text":"عِنْدَنَا أَنَّ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ تَحْكِيمُهُ لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْتُلُوهُ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ تَمَّتْ لَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، أَوْ احْتَلَمَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَاعْتُبِرَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ مِنْ حَالِهِ دُونَ غَالِبِ الرَّأْيِ.\nلِأَنَّ صِغَرَهُ مَعْلُومٌ بِيَقِينٍ، وَالْيَقِينُ لَا يَزُولُ إلَّا بِيَقِينٍ مِثْلِهِ، فَأَمَّا جُنُونُ الَّذِي تَجَانَنَ قَبْلَ أَخْذِهِ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا بِيَقِينٍ، فَلِهَذَا اُعْتُبِرَ فِيهِ أَكْبَرُ الرَّأْيِ.\n- وَإِنْ أَخَذُوهُ وَهُوَ غَيْرُ بَالِغٍ، ثُمَّ طَالَ مُكْثُهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ حَتَّى بَلَغَ فَصَارَ رَجُلًا، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَقْتُلُوهُ. لِأَنَّهُمْ أَخَذُوهُ وَهُوَ مِمَّنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَتْلُ، فَمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ جُمْلَةِ الْمُقَاتِلَةِ فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ؛ لِأَنَّهُمْ أَخَذُوهُ وَهُوَ صَبِيٌّ، وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ.\nوَبَعْدَ مَا بَلَغَ فَهُوَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ عَبِيدِهِمْ، فَلَا يَكُونُ مُقَاتِلًا مَعَهُمْ، بِخِلَافِ الَّذِي تَجَانَنَ إذَا أُخِذَ فَاسْتَبَانَ أَنَّهُ صَحِيحٌ.\nلِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ مُقَاتِلًا قَبْلَ أَنْ يَأْخُذُوا بِهِ، احْتَالَ بِتِلْكَ الْحِيلَةِ لِيَنْجُوَ مِنْ الْقَتْلِ، حَتَّى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعْتُوهًا وَبَرَأَ فِي أَيْدِيهِمْ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَقْتُلُوهُ لِلْمَعْنَى الَّذِي أَشَرْنَا إلَيْهِ فِي الصَّبِيِّ، وَإِنْ قَتَلَ هَذَا الصَّبِيُّ الَّذِي بَلَغَ أَوْ بَرِئَ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَتَلَهُ الْإِمَامُ بِهِ قِصَاصًا.\nلِأَنَّهُ صَارَ مُخَاطَبًا بِمَنْزِلَةِ غَيْرِهِ مِنْ عَبِيدِ الْمُسْلِمِينَ","vol":"1","page":1442},{"text":"- وَإِنْ كَانَ قَاتَلَ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَبُرْئِهِ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ ثُمَّ أُخِذَ فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ أَحَدًا؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُقَاتِلَةِ حِينَ كَانَ مُمْتَنِعًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ قَاتَلَ بَعْدَ مَا بَلَغَ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ وَلَكِنْ لَمْ يَقْتُلْ أَحَدًا فَإِنَّهُ يُضْرَبُ ضَرْبًا وَجِيعًا وَلَا يُقْتَلُ، بِمَنْزِلَةِ غَيْرِهِ مِنْ عَبِيدِ الْمُسْلِمِينَ إذَا هَمَّ بِقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَقْتُلْ أَحَدًا مِنْهُمْ، وَكَذَلِكَ لَوْ فَعَلَ هَذَا بَعْضُ الْمَأْسُورِينَ مِنْ ذَوِي الْآفَاتِ. لِأَنَّهُ حِينَ أُدْخِلَ دَارَ الْإِسْلَامِ وَهُوَ مِمَّنْ لَا يُقَاتِلُ فَحَالُهُ فِيمَا يَصْنَعُ كَحَالِ الْمُسْتَأْمَنِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ يُقَاتِلُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَقْتُلْ أَحَدًا.\n\n- وَإِنْ ظَفِرَ الْمُسْلِمُونَ بِقَوْمٍ مِنْ الْحَرَّاثِينَ فَسَبْيُهُمْ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ قَتْلِهِمْ. لِأَنَّهُمْ فِي الْقَصْدِ إلَى الْقِتَالِ بِمَنْزِلَةِ النِّسَاءِ، فَإِنَّهُمْ لَا يُقَاتِلُونَ وَلَا يَهْتَمُّونَ لِذَلِكَ وَفِي سَبْيِهِمْ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَشْتَغِلُوا بِإِقَامَةِ عَمَلِ الْحِرَاثَةِ لِلْمُسْلِمِينَ - وَلَكِنْ مَعَ هَذَا إنْ قَتَلُوهُمْ فَلَا بَأْسَ بِهِ.\nلِأَنَّهُمْ لَهُمْ بِنْيَةٌ صَالِحَةٌ لِلْمُحَارَبَةِ، وَالْحِرَاثَةُ لَيْسَتْ بِلَا ذِمَّةٍ، وَقَدْ يَتَحَوَّلُ الْمَرْءُ عَنْ الْحِرَاثَةِ إلَى الْمُقَاتَلَةِ، بِخِلَافِ صِفَةِ الْأُنُوثَةِ.\n\n- وَإِنْ أَصَابُوا قَوْمًا سُكَارَى فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِمْ فِي حَالِ سُكْرِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا ذَاهِبَةً عُقُولُهُمْ بِسَبَبِ السُّكْرِ.","vol":"1","page":1443},{"text":"لِأَنَّ السَّكْرَانَ فِي الْحُكْمِ كَالصَّاحِي، بِدَلِيلِ سَائِرِ تَصَرُّفَاتِهِ، وَهُوَ بِسُكْرِهِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُحَارِبًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِ.\n\n- وَإِذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُونَ مَدِينَةً مِنْ مَدَائِنِ الْمُشْرِكِينَ عَنْوَةً فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلُوا مَنْ لَقُوا مِنْ رِجَالِهِمْ. لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْمُقَاتَلَةِ مِنْهُمْ، فَمَنْ وَجَدُوهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُقَاتِلٌ، وَإِنَّمَا يُبْنَى الْحُكْمُ عَلَى الظَّاهِرِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ. - إلَّا أَنْ يَرَوْا رَجُلًا عَلَيْهِ سِيمَاءُ الْمُسْلِمِينَ أَوْ سِيمَاءُ أَهْلِ الذِّمَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ فَحِينَئِذٍ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَثَبَّتُوا فِي أَمْرِهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ حَالُهُ. لِأَنَّ تَحْكِيمَ السِّيمَاءِ أَصْلٌ فِيمَا لَا يُوقَفُ عَلَى حَقِيقَتِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح: ٢٩] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] . الْآيَةَ، وَمَتَى وَقَعَ الْغَلَطُ فِي الْقَتْلِ لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ، وَلَيْسَ فِي تَأْخِيرِهِ إلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ الْأَمْرَ تَفْوِيتُ شَيْءٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَلِهَذَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَتَثَبَّتُوا فِي أَمْرِهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ حَالُهُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ السِّيمَاءَ فِي كَوْنِهِ مُحْتَمِلًا لَا يَكُونُ دُونَ خَبَرِ الْفَاسِقِ، وَقَدْ أُمِرْنَا بِالتَّثَبُّتِ هُنَاكَ، فَهَا هُنَا أَوْلَى.","vol":"1","page":1444},{"text":"- وَلَوْ لَقُوا فِي صَفِّ الْمُشْرِكِينَ قَوْمًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَعَهُمْ الْأَسْلِحَةُ فَلَا يَدْرُونَ أَمُكْرَهُونَ عَلَى ذَلِكَ أَمْ غَيْرُ مُكْرَهِينَ، فَإِنِّي أُحِبُّ لَهُمْ أَلَا يُعَجِّلُوا فِي قِتَالِهِمْ حَتَّى يَسْأَلُوهُمْ إنْ قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا فَلْيُكَفُّوا عَنْهُمْ حَتَّى يَرَوْهُمْ يُقَاتِلُونَ أَحَدًا مِنْهُمْ، فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِقِتَالِهِمْ وَقَتْلِهِمْ. لِأَنَّ مُوَافَقَتَهُمْ فِي الدِّينِ تَمْنَعُهُمْ مِنْ مُحَارَبَةِ الْمُسْلِمِينَ وَهَذَا مِنْهُمْ مَعْلُومٌ لِلْمُسْلِمِينَ. - فَمَا لَمْ يَتَبَيَّنْ، خِلَافُهُ لَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَقْتُلُوهُمْ، وَبِمُجَرَّدِ وُقُوفِهِمْ فِي صَفِّ الْمُشْرِكِينَ لَا يَتَبَيَّنُ خِلَافُ ذَلِكَ. لِأَنَّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ، وَقَدْ يَكُونُ عَنْ إكْرَاهٍ، وَقَدْ يَكُونُ عَنْ طَوْعٍ، فَالْكَفُّ عَنْ قِتَالِهِمْ أَحْسَنُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ مِنْهُمْ الْقِتَالَ، فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِقِتَالِهِمْ، لِأَنَّ مُبَاشَرَةَ الْقِتَالِ فِي مَنْعَةِ الْمُشْرِكِينَ مُبِيحٌ لِدَمِهِمْ وَإِنْ كَانُوا مُسْلِمِينَ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ أَهْلَ الْبَغْيِ يُقَاتِلُونَ دَفْعًا لِقِتَالِهِمْ وَإِنْ كَانُوا مُسْلِمِينَ، فَبَعْدَ مَا ظَهَرَ هَذَا السَّبَبُ لَا يُمْنَعُ قَتْلُهُمْ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّهُمْ مُكْرَهُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَالْمُكْرَهُ عَلَى الْقَتْلِ يُبَاحُ لِلْمَقْصُودِ بِالْقَتْلِ أَنْ يَقْتُلَهُ إذَا هَمَّ بِقَتْلِهِ.\n- وَلَوْ كَانُوا سَلُّوا السُّيُوفَ، وَالْمُسْلِمُونَ قَلِيلٌ، يَخَافُونَ إنْ تَرَكُوهُمْ حَتَّى يَحْمِلُوا عَلَيْهِمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَنْ يَقْتُلُوهُمْ، وَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمْ غَيْرُ مُكْرَهِينَ فَلَا بَأْسَ بِقِتَالِهِمْ، فَحَالُهُمْ الْآنَ كَحَالِ مَنْ دَخَلَ عَلَى غَيْرِهِ لَيْلًا شَاهِرًا سَيْفَهُ،","vol":"1","page":1445},{"text":"وَاشْتَبَهَ عَلَى صَاحِبِ الدَّارِ حَالُهُ. وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ - ﵁ - حِينَ قَاتَلَ أَهْلَ الْبَصْرَةِ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا تَبْدَءُوهُمْ بِالْقِتَالِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ، وَمَقْصُودُهُ مِنْ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ ظُهُورَ الْقِتَالِ مِنْ بَعْضِهِمْ كَظُهُورِهِ مِنْ جَمَاعَتِهِمْ فِي حُكْمِ إبَاحَةِ قِتَالِهِمْ، وَلَوْ قَتَلَ مُسْلِمٌ رَجُلًا مِنْهُمْ، بَعْدَ مَا ظَهَرَ مِنْهُمْ الْقِتَالُ، ثُمَّ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ أَخْرَجُوهُ مُكْرَهًا، فَلَا دِيَةَ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَلَا كَفَّارَةَ. لِأَنَّهُ قَتَلَ شَخْصًا كَانَ قَتْلُهُ حَلَالًا مَعَ الْعِلْمِ بِحَالِهِ، وَإِرَاقَةُ الدَّمِ الْمُبَاحِ لَا تُوجِبُ دِيَةً وَلَا كَفَّارَةً.\n- وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ عَلَيْهِ السِّلَاحُ، وَهُوَ فِي صَفِّ الْمُشْرِكِينَ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُقَاتِلْ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّ مَنْ كَانَ مُسْتَعِدًّا لِلْقِتَالِ فِي صَفِّ الْمُشْرِكِينَ فَهُوَ مُبَاحُ الدَّمِ وَإِنْ كَانَ يُسْتَحَبُّ التَّبَيُّنُ فِي أَمْرِهِ عِنْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ ذَلِكَ.\n\n- وَلَوْ أَحْرَقُوا سَفِينَةً مِنْ سَفَائِنِ الْمُشْرِكِينَ أَوْ أَغْرَقُوهَا، وَفِيهَا نَاسٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ دِيَةٌ وَلَا كَفَّارَةٌ. لِأَنَّهُمْ بَاشَرُوا فِعْلًا، هُوَ حَلَالٌ لَهُمْ شَرْعًا، مَعَ الْعِلْمِ بِحَقِيقَةِ الْأَمْرِ.","vol":"1","page":1446},{"text":"- وَكَذَلِكَ لَوْ تَتَرَّسُوا بِأَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ فَأَصَابَهُمْ الْمُسْلِمُونَ بِالرَّمْيِ إلَّا أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ لَهُمْ أَلَّا يَقْصِدُوا الْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ قَدَرُوا عَلَى التَّحَرُّزِ عَنْ إصَابَةِ الْمُسْلِمِينَ فِعْلًا كَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَحَرَّزُوا عَنْ ذَلِكَ، وَإِذَا عَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ كَانَ عَلَيْهِمْ التَّحَرُّزُ بِالْقَصْدِ وَالنِّيَّةِ، لِأَنَّ ذَلِكَ فِي وُسْعِهِمْ. - وَلَوْ وَجَبَ الْكَفُّ عَنْهُمْ بِهَذَا لَمْ يُتَوَصَّلْ إلَى الظُّهُورِ عَلَيْهِمْ. لِأَنَّ كُلَّ أَهْلِ حِصْنٍ مِنْهُمْ أَوْ أَهْلِ سَفِينَةٍ يَخَافُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ يَجْعَلُونَ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَسِيرًا مِنْ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ، فَيَتَعَذَّرُ عَلَيْهِمْ لِأَجْلِ ذَلِكَ قِتَالُهُمْ وَهَذَا لَا يَجُوزُ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَهُمْ فِي السَّفِينَةِ نِسَاؤُهُمْ وَصِبْيَانُهُمْ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ تُحْرَقَ أَوْ تُغْرَقَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَحِلُّ الْقَصْدُ إلَى قَتْلِ نِسَائِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَهُوَ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":1447},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>[بَابُ مَنْ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَغْزُو وَمَنْ لَا يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ]</span>\nَ قَالَ: الْمَدِينُ إذَا أَرَادَ الْغَزْوَ، وَصَاحِبُ الدَّيْنِ غَائِبٌ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ وَفَاءٌ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَغْزُوَ وَيُوصِيَ إلَى رَجُلٍ لِيَقْضِيَ دَيْنَهُ مِنْ تَرِكَتِهِ إنْ حَدَثَ بِهِ حَدَثٌ. لِأَنَّ حَقَّ صَاحِبِ الدَّيْنِ فِي جِنْسِ دَيْنِهِ مِنْ مَالِ الْمَدِينِ، لَا فِي نَفْسِ الْمَدِينِ، وَبِهَذَا الْخُرُوجِ لَا يَفُوتُ شَيْءٌ مِنْ حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ مَتَى رَجَعَ أَخَذَ دَيْنَهُ مِنْ الْمَأْمُورِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَأْخُذُهُ مِنْ الْمَدْيُونِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ لَفْظَةَ الْإِيصَاءِ؛ لِأَنَّ الْخَارِجَ لِلْغَزْوِ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ، وَيَتَعَرَّضُ لِلشَّهَادَةِ بِخُرُوجِهِ فِي هَذَا الْوَجْهِ.\n- ثُمَّ الْمَالُ، وَإِنْ كَانَ مِلْكًا لِلْمَدِينِ فِي الْحَقِيقَةِ، فَهُوَ فِي الْحُكْمِ كَالْمَمْلُوكِ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ، فَلِهَذَا تَجِبُ الزَّكَاةُ بِاعْتِبَارِهِ عَلَى صَاحِبِ الدَّيْنِ دُونَ الْمَدْيُونِ، فَيَكُونُ الْمَدْيُونُ فِي مَعْنَى الْمُودَعِ، وَمَنْ فِي يَدِهِ وَدَائِعُ لِلنَّاسِ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُوصِيَ بِهَا مَنْ يَدْفَعُهَا إلَى أَهْلِهَا وَيَغْزُوَ، فَكَذَلِكَ الدَّيْنُ.\nأَرَأَيْت لَوْ اسْتَقْرَضَ مَالًا، وَمَا كَانَ فِي يَدِهِ غَيْرُ ذَلِكَ حَتَّى بَدَا لَهُ أَنْ يَغْزُوَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُوصِيَ إلَى غَيْرِهِ أَنْ يَرُدَّهُ إلَى صَاحِبِهِ إذَا حَضَرَ فَيَغْزُوَ، فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ أَنْ","vol":"1","page":1448},{"text":"يَخْرُجَ لِسَفَرِ التِّجَارَةِ وَالْحَجِّ مَعَ قِيَامِ الدَّيْنِ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي سَفَرِهِ تَفْوِيتُ حَقِّ رَبِّ الدَّيْنِ، فَكَذَلِكَ لَهُ أَنْ يَغْزُوَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ وَفَاءٌ بِالدَّيْنِ فَالْأَوْلَى لَهُ أَنْ يُقِيمَ فَيَتَمَحَّلَ لِقَضَاءِ دَيْنِهِ. لِأَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ، وَالْغَزْوُ، إذَا لَمْ يَكُنْ النَّفِيرُ عَامًّا غَيْرَ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ، فَالْأَوْلَى لَهُ أَنْ يَشْتَغِلَ بِاكْتِسَابِ سَبَبِ الْإِسْقَاطِ فِيمَا هُوَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ، وَهَذَا لِلْأَصْلِ الْمَعْرُوفِ أَنَّ عِنْدَ اجْتِمَاعِ الْحُقُوقِ يُبْدَأُ بِالْأَهَمِّ.\n- وَقَضَاءُ الدَّيْنِ أَهَمُّ مِنْ الْغَزْوِ، عَلَى مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «أَنَّهُ مُرْتَهَنٌ بِدَيْنِهِ فِي قَبْرِهِ مَا لَمْ يُقْضَ عَنْهُ» . «وَقَالَ لِعَلِيٍّ - ﵁ - حِينَ تَبَرَّعَ بِقَضَاءِ دَيْنٍ عَنْ مَيِّتٍ: الْآنَ بَرَّدْت عَلَيْهِ جِلْدَتَهُ»، فَإِنْ غَزَا بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ لَهُ، بِمَنْزِلَةِ مَنْ خَرَجَ لِلْحَجِّ وَلَمْ يَدَعْ لِعِيَالِهِ مَا يَكْفِيهِمْ فَإِنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ لَهُ، بَلْ أَوْلَى. لِأَنَّ نَفَقَةَ عِيَالِهِ تَجِبُ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَقَضَاءُ الدَّيْنِ وَاجِبٌ فِي الْحَالِ. وَإِذَا أَذِنَ لَهُ صَاحِبُ الدَّيْنِ فِي الْغَزْوِ وَلَمْ يُبَرِّئْهُ مِنْ الْمَالِ، فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ أَيْضًا أَنْ يَتَمَحَّلَ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ. لِأَنَّ بِإِذْنِهِ لَهُ فِي الْخُرُوجِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ، فَالْأَوْلَى لَهُ أَنْ يَنْظُرَ لِنَفْسِهِ وَيَبْدَأَ بِمَا هُوَ الْأَوْجَبُ.","vol":"1","page":1449},{"text":"- وَإِنْ غَزَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَأْسٌ. لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الْخُرُوجِ كَانَ لِحَقِّ صَاحِبِ الدَّيْنِ، وَقَدْ رَضِيَ بِسُقُوطِ حَقِّهِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ، كَالْعَبْدِ يَأْذَنُ لَهُ مَوْلَاهُ فِي الْجُمُعَةِ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ لِأَدَائِهَا.\n- وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا، وَهُوَ يَعْلَمُ بِطَرِيقِ الظَّاهِرِ أَنَّهُ يَرْجِعُ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الدَّيْنُ، فَالْأَفْضَلُ لَهُ أَنْ يَتَمَحَّلَ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ، وَإِنْ خَرَجَ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ. لِأَنَّهُ لَيْسَ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ حَقٌّ فِي مَنْعِهِ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُبْتَنَى عَلَى تَوْجِيهِ الْمُطَالَبَةِ لَهُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ مَعَ بَقَاءِ الْأَجَلِ فَهُوَ وَالْمَأْذُونُ فِي الْخُرُوجِ سَوَاءٌ.\n- وَاسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَقَامَ أَفْضَلُ لَهُ بِمَا قَالَهُ النَّبِيُّ - ﵌ -، «فِي الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إنَّهُ كَفَّارَةٌ ثُمَّ قَالَ: إلَّا الدَّيْنَ فَإِنَّهُ مَأْخُوذٌ بِهِ، كَمَا قَالَ جَبْرَائِيلُ - ﵇ -»، وَإِنْ كَانَ أَحَالَ غَرِيمَهُ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ فَإِنْ كَانَ لِلْمُحِيلِ عَلَى الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ مِثْلُ ذَلِكَ الْمَالِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَغْزُوَ. لِأَنَّ ذِمَّتَهُ بَرِئَتْ بِالْحَوَالَةِ عَنْ حَقِّ الْمُحْتَالِ، وَلَيْسَ لِلْمُحْتَالِ عَلَيْهِ إذَا أَدَّى حَقَّ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ. - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُحِيلِ عَلَى الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ مَالٌ فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ أَلَّا يَخْرُجَ.","vol":"1","page":1450},{"text":"لِأَنَّهُ وَإِنْ بَرِئَ مِنْ دَيْنِ الْمُحْتَالِ فَذِمَّتُهُ مَشْغُولَةٌ بِحَقِّ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ إذَا أَدَّى ثَبَتَ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ.\n- فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي الْخُرُوجِ الْمُحْتَالُ عَلَيْهِ دُونَ الْمُحْتَالِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ. لِأَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ حَقِّ الْمُحْتَالِ، وَإِنَّمَا بَقِيَ الشُّغْلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ وَيُعْتَبَرُ إذْنُهُ فِي حَقِّهِ.\n- وَإِنْ كَانَ لَمْ يَحِلَّ غَرِيمُهُ وَلَكِنْ ضَمِنَ عَنْهُ لِغَرِيمِهِ رَجُلٌ الْمَالَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ عَلَى إبْرَاءِ غَرِيمِهِ الْمَدْيُونِ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَغْزُوَ وَلَا يَسْتَأْمِرَ وَاحِدًا مِنْهُمَا. لِأَنَّهُ قَدْ بَرِئَ مِنْ حَقِّ الطَّالِبِ بِالْإِبْرَاءِ وَلَا رُجُوعَ لِلضَّامِنِ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ حِينَ ضَمِنَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ.\n- وَلَوْ كَانَ كَفَلَ عَنْهُ بِالدَّيْنِ كَفِيلٌ بِأَمْرِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ حَتَّى يَسْتَأْمِرَ الْأَصِيلَ وَالْكَفِيلَ جَمِيعًا. لِأَنَّهُ مَطْلُوبٌ مِنْ جِهَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَإِنَّ الْأَصِيلَ يُطَالِبُهُ بِالدَّيْنِ، وَالْكَفِيلَ يُطَالِبُهُ بِأَنْ يُخَلِّصَهُ مِمَّا أَدْخَلَهُ فِيهِ مِنْ الضَّمَانِ.\n- وَإِنْ كَانَتْ الْكَفَالَةُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْمِرَ الطَّالِبَ، لِبَقَاءِ حَقِّهِ فِي الْمُطَالَبَةِ بِالدَّيْنِ قَبْلَهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْمِرَ الْكَفِيلَ.","vol":"1","page":1451},{"text":"لِأَنَّهُ لَا رُجُوعَ لِلْكَفِيلِ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ هَا هُنَا.\n- وَكَذَلِكَ الْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ فِي أَمْرٍ بَاطِلٍ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى قَبْلَهُ، فَإِنْ كَفَلَ بِنَفْسِهِ بِأَمْرِهِ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَغْزُوَ إلَّا بِأَمْرِ الْكَفِيلِ. لِأَنَّهُ مَطْلُوبٌ مِنْ جِهَتِهِ بِالْخُصُومَةِ مَعَهُ لِيُخَلِّصَهُ مِمَّا أَدْخَلَهُ فِيهِ.\n- وَإِنْ كَانَ كَفَلَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ وَلَا يَسْتَأْمِرَهُ. لِأَنَّهُ غَيْرُ مَطْلُوبٍ مِنْ جِهَتِهِ بِشَيْءٍ.\n\n- وَإِنْ كَانَ الْمَدْيُونُ مُفْلِسًا، وَهُوَ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَتَحَمَّلَ لِدَيْنِهِ إلَّا بِالْخُرُوجِ فِي التِّجَارَاتِ مَعَ الْغُزَاةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ وَلَا يَسْتَأْمِرَ صَاحِبَهُ. لِأَنَّ مَقْصُودَهُ هَا هُنَا التَّحَمُّلُ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ، وَهُوَ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ.\n- وَإِنْ قَالَ: أَخْرُجُ لِلْقِتَالِ لَعَلِّي أُصِيبُ مَا أَقْضِي بِهِ دَيْنِي مِنْ النَّفْلِ أَوْ السِّهَامِ لَمْ يُعْجِبْنِي أَنْ يَخْرُجَ إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِ الدَّيْنِ. لِأَنَّ فِي الْقِتَالِ تَعْرِيضًا لِنَفْسِهِ، وَلَيْسَ فِي الْخُرُوجِ لِلتِّجَارَةِ مَعْنَى تَعْرِيضِ النَّفْسِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ مَنَعَهُ صَاحِبُ الدَّيْنِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ، وَإِنْ لَمْ يَشْعُرْ هُوَ بِذَلِكَ، فَالْأَوْلَى أَلَّا يَخْرُجَ إذَا كَانَ","vol":"1","page":1452},{"text":"يُمْكِنُهُ التَّحَمُّلُ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ بِطَرِيقٍ آخَرَ، وَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ، لِمَا رُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ -، يَسْأَلُهُ صَدَاقَ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ، فَقَالَ لَهُ: إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُرْسِلَ أَبَا قَتَادَةَ عَلَى سَرِيَّةٍ فَاخْرُجْ مَعَهُ، لَعَلَّ اللَّهَ يُغْنِمُك صَدَاقَ امْرَأَتِك، فَخَرَجَ مَعَهُ إلَى حَيٍّ مِنْ بَنِي غَطَفَانَ، فَغَنِمُوا. غَنَائِمَ وَأَصَابَ الرَّجُلُ مَا جَمَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ إلَيْهِ امْرَأَتَهُ»، وَلَمْ يَأْمُرْهُ فِي اسْتِئْمَارِهَا فِي الْخُرُوجِ، فَعَرَفْنَا أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ، فَإِنْ كَانَ النَّفِيرُ عَامًّا فَلَا بَأْسَ لِلْمَدِينِ. أَنْ يَخْرُجَ، سَوَاءٌ كَانَ عِنْدَهُ وَفَاءٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ أَذِنَ لَهُ صَاحِبُ الدَّيْنِ فِي ذَلِكَ أَوْ مَنَعَهُ.\nلِأَنَّ الْخُرُوجَ هَا هُنَا فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَهُوَ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ التَّأْخِيرَ، وَقَضَاءُ الدَّيْنِ يَحْتَمِلُ التَّأْخِيرَ، وَالضَّرَرُ فِي تَرْكِ الْخُرُوجِ أَعْظَمُ مِنْ الضَّرَرِ فِي الِامْتِنَاعِ مِنْ قَضَاءِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الضَّرَرَ يَرْجِعُ إلَى كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ. فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِدَفْعِ أَعْظَمِ الضَّرَرَيْنِ، وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ حَقُّ الْمَنْعِ هَا هُنَا، فَلَا يَكُونُ عَلَى الْمَدِينِ اسْتِئْمَارُهُ أَيْضًا.\n- فَإِذَا انْتَهَى إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي اُسْتُنْفِرَ إلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فَإِنْ كَانَ يُخَافُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَلْيُقَاتِلْ، وَإِنْ كَانَ أَمْرًا لَا يُخَافُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْهُ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَاتِلَ إلَّا بِإِذْنِ غَرِيمِهِ) . لِأَنَّ فِي الْقِتَالِ تَعْرِيضًا لِنَفْسِهِ، وَلَيْسَ لَهُ وَفَاءٌ بِالدَّيْنِ، فَكَانَ فِي اشْتِغَالِهِ بِهِ تَعْرِيضُ حَقِّ صَاحِبِ الدَّيْنِ عَلَى الْهَلَاكِ، فَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِهِ.\n\n- وَإِنْ كَانَ الْغَرِيمُ مَكْتُوبَ الِاسْمِ فِي الدِّيوَانِ، فَأَمَرَهُ","vol":"1","page":1453},{"text":"قَائِدُهُ بِالْخُرُوجِ إلَى الْغَزْوِ فَلْيُعْلِمْ الْقَائِدَ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ حَتَّى يَعْلَمَ ذَلِكَ الْإِمَامُ، ثُمَّ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَلَّا يُخْرِجَهُ إذَا كَانَ بِحَيْثُ يَكْفِي ذَلِكَ الْمُهِمَّ غَيْرُهُ، وَإِنْ أَبَى إلَّا الْخُرُوجَ فَلْيُطِعْ الْإِمَامَ. لِأَنَّ طَاعَتَهُ فِي مِثْلِ هَذَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ، وَبَعْدَ مَا أَعْلَمَهُ عُذْرَهُ إذَا لَمْ يَعْذِرْهُ وَأَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ فَلَا شَيْءَ أَفْضَلُ لَهُ مِنْ طَاعَتِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى اسْتِئْذَانِ الْإِمَامِ وَلَكِنَّهُ يَخَافُ أَنْ يَحْلِفَ لِلتَّمَحُّلِ أَنَّهُ يَذْهَبُ عَطَاؤُهُ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِ الدَّيْنِ.\nلِأَنَّ خُرُوجَهُ هَذَا مِنْ التَّمَحُّلِ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ. - فَإِنَّ تَمَحُّلَ الْجُنْدِيِّ وَمَعِيشَتَهُ يَكُونُ بِهَذَا، فَإِذَا انْقَطَعَ ذَلِكَ عَنْهُ كَانَ أَبْعَدَ لَهُ مِنْ قَضَاءِ دَيْنِهِ.\n\n- وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْغَازِي دَيْنٌ وَكَانَ لَهُ وَالِدَانِ حَيَّانِ أَوْ أَحَدُهُمَا فَنَهَيَاهُ عَنْ الْغَزْوِ فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ أَلَّا يَغْزُوَ إلَّا بِإِذْنِهِمَا لِمَا رُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ - فَقَالَ: أَتَيْتُك لِأُجَاهِدَ مَعَك، وَتَرَكْت أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ، فَقَالَ: اذْهَبْ فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتهمَا» . وَقَالَ آخَرُ: «أَرَدْت الْجِهَادَ مَعَك وَإِنَّ أُمِّيَ كَرِهَتْ ذَلِكَ، فَقَالَ: الْزَمْ أُمَّك فَإِنَّ الْجَنَّةَ عِنْدَ رِجْلَيْهَا» . وَقَدْ بَيَّنَّا جِنْسَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ فِيمَا سَبَقَ.","vol":"1","page":1454},{"text":"- وَعِنْدَ النَّفِيرِ الْعَامِّ لَا بَأْسَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ وَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ أَبَوَاهُ. لِأَنَّهُ بِالْخُرُوجِ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْهُمَا.\n- وَإِذَا لَمْ يَكُنْ النَّفِيرُ عَامًّا، وَأَمَرَهُ الْإِمَامُ بِالْخُرُوجِ فَلْيُخْبِرْهُ خَبَرَ أَبَوَيْهِ فَإِنْ أَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ مَعَ ذَلِكَ، فَلْيُطِعْهُ. قَالَ: لِأَنَّ الْإِمَامَ أَوْجَبُ عَلَيْهِ حَقًّا فِي مِثْلِ هَذَا مِنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ يَعْنِي أَنَّ مَنْ كَانَ مَكْتُوبَ الِاسْمِ فِي الدِّيوَانِ فَعَلَيْهِ طَاعَةُ الْإِمَامِ فِي الْخُرُوجِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَكُونُ عَلَى الْمَمْلُوكِ لِسَيِّدِهِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ يُجْبِرُهُ عَلَى الْخُرُوجِ شَاءَ أَوْ أَبَى وَأَنَّهُ يَتْبَعُهُ فِي السَّفَرِ وَالْإِقَامَةِ، كَالْعَبْدِ مَعَ مَوْلَاهُ، فَكَمَا أَنَّ عَلَى الْعَبْدِ طَاعَةُ مَوْلَاهُ فِي الْخُرُوجِ، وَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ أَبَوَاهُ فَكَذَلِكَ الْجُنْدِيُّ فِي طَاعَةِ الْإِمَامِ.\n\n- وَالْعَبْدُ لَا يَغْزُو بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ إذَا لَمْ يَكُنْ النَّفِيرُ عَامًّا. لِأَنَّ خِدْمَةَ الْمَوْلَى وَطَاعَتَهُ فَرْضٌ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ. - وَعِنْدَ النَّفِيرِ الْعَامِّ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ. لِأَنَّهُ يَدْفَعُ بِخُرُوجِهِ عَنْ نَفْسِهِ، وَعَنْ مَوْلَاهُ وَعَنْ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ.","vol":"1","page":1455},{"text":"- وَلَيْسَ لِمَوْلَاهُ أَنْ يَمْنَعَهُ عِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ مِنْ الْخُرُوجِ، وَلَا مِنْ الْقِتَالِ وَلَا يَكُونَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْمِرَهُ أَيْضًا، وَالْمُكَاتَبُ فِي الْخُرُوجِ لِلْغَزْوِ كَالْعَبْدِ. لِأَنَّ هَذَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْفَكِّ الثَّابِتِ بِالْكِتَابَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَقْصُورٌ عَلَى مَا فِيهِ اكْتِسَابُ الْمَالِ.\n\n- وَالْحُرَّةُ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ إلَى الْغَزْوِ مَعَ الْمَحْرَمِ، فَتُدَاوِيَ الْجَرْحَى، وَتَقُومَ عَلَى الْمَرْضَى، وَلَا تَخْرُجَ بِغَيْرِ إذْنِ مَحْرَمٍ، عَجُوزًا كَانَتْ أَوْ شَابَّةً، إذَا كَانَ خُرُوجُ الْمُسْلِمِينَ إلَى مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا، لِقَوْلِهِ - ﵌ -: «لَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا إلَّا وَمَعَهَا زَوْجُهَا، أَوْ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهَا»، وَإِنْ كَانَ خُرُوجُهُمْ إلَى أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ تَخْرُجَ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ، وَلَكِنْ إنْ كَانَ لَهَا زَوْجٌ فَإِنَّهَا لَا تَخْرُجُ إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا، إلَّا إذَا كَانَ النَّفِيرُ عَامًّا وَكَانَ فِي خُرُوجِهَا قُوَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَلِيَ الْقِتَالَ إذَا كَانَ هُنَاكَ مِنْ الرِّجَالِ مَنْ يَكْفِيهَا، لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ، وَلَا يَأْمَنُ أَنْ يَنْكَشِفَ شَيْءٌ مِنْهَا فِي حَالِ تَشَاغُلِهَا بِالْقِتَالِ، وَلِأَنَّ فِي قِتَالِهَا نَوْعَ شُبْهَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ يَقُولُونَ: انْتَهَى ضَعْفُ حَالِهِمْ إلَى أَنْ احْتَاجُوا إلَى الِاسْتِعَانَةِ بِالنِّسَاءِ فِي الْقِتَالِ، وَعِنْدَ الْحَاجَةِ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، لِمَا رُوِيَ «أَنَّ نُسَيْبَةَ بِنْتَ كَعْبٍ قَاتَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ","vol":"1","page":1456},{"text":"انْهَزَمَ النَّاسُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -، فَقَالَ: لَمَقَامُ نُسَيْبَةَ الْيَوْمَ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ مَقَامِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ»، فَقَدْ نَوَّهَ بِذِكْرِهَا وَمَدَحَهَا عَلَى مُبَاشَرَةِ الْقِتَالِ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْحَاجَةِ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَإِنْ نَهَى الْإِمَامُ النَّاسَ عَنْ الْغَزْوِ وَالْخُرُوجِ لِلْقِتَالِ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَعْصُوهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ النَّفِيرُ عَامًّا. لِأَنَّ طَاعَةَ الْأَمِيرِ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ ارْتِكَابُ الْمَعْصِيَةِ وَاجِبٌ، كَطَاعَةِ السَّيِّدِ عَلَى عَبْدِهِ فَكَمَا أَنَّ هُنَاكَ بَعْدَ نَهْيِ الْمَوْلَى لَا يَخْرُجُ إلَّا إذَا كَانَ النَّفِيرُ عَامًّا فَكَذَلِكَ هَا هُنَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":1457},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>[بَابُ مَا يُكْرَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَمَا لَا يُكْرَهُ]</span>\nُ قَالَ: وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُجَرَّسَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَعَلَى حُصُونِ الْمُسْلِمِينَ بِالْأَجْرَاسِ. لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَقْوَى بِهِ الْمُسْلِمُونَ وَيُذْهِبَ عَنْهُمْ النَّوْمَ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ كَرَاهِيَةَ الْجَرَسِ فِي اسْتِعْمَالِهِ عَلَى سَبِيلِ اللَّهْوِ، أَوْ عَلَى مَا يَتَضَرَّرُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ مِنْ دَلَالَةِ الْمُشْرِكِينَ أَوْ اللُّصُوصِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِصَوْتِهِ، فَإِذَا انْعَدَمَ ذَلِكَ الْمَعْنَى لَمْ يَكُنْ بِاسْتِعْمَالِهِ بَأْسٌ، عَمَلًا بِقَوْلِهِ - ﵌ -: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَكَذَلِكَ لَا بَأْسَ بِالْأَجْرَاسِ الَّتِي تُجْعَلُ عَلَى الْخَيْلِ مَعَ التَّجَافِيفِ فِي الْقِتَالِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَرْهِيبَ الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ مِنْ مُكَايَدَةِ الْحَرْبِ.\n\n- وَكَذَلِكَ لَا بَأْسَ بِالطُّبُولِ الَّتِي يُضْرَبُ بِهَا فِي الْحَرْبِ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ. لِأَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ بِلَهْوٍ، وَإِنَّمَا الْمَكْرُوهُ طُبُولُ اللَّهْوِ، بِمَنْزِلَةِ الدُّفُوفِ لَا بَأْسَ بِضَرْبِهَا فِي إعْلَانِ النِّكَاحِ، وَإِنْ كُرِهَ ذَلِكَ لِلَّهْوِ.","vol":"1","page":1458},{"text":"- وَلَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَضْرِبُوا فِي حَرْبِهِمْ لِجَمْعِ النَّاسِ بِنَاقُوسٍ [وَلَا شَبُّور] لِأَنَّ هَذَا مِنْ صَنِيعِ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ، وَقَدْ نُهِينَا عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ نَسْتَعْمِلَ مَا يَسْتَعْمِلُهُ الْمُشْرِكُونَ، مَعَ إمْكَانِ تَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ بِغَيْرِهِ.\n\n- وَالصَّلَاةُ فِي حُصُونِ الْمُسْلِمِينَ وَمَدَائِنِهِمْ أَفْضَلُ مِنْ الْحَرَسِ إذَا كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَقُومُ بِأَمْرِ الْحَرَسِ؛ لِأَنَّهَا أَجْمَعُ فِي مَعْنَى الْعِبَادَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يَكْفِي الْحَرَسَ فَالْحَرَسُ أَفْضَلُ، وَلِأَنَّ الْحَرَسَ إنَّمَا يَكُونُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ خَاصَّةً، وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الصَّلَاةِ النَّافِلَةِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، فَهُوَ نَظِيرُ الصَّلَاةِ مَعَ الطَّوَافِ بِمَكَّةَ، فَإِنَّ الطَّوَافَ لِلْغُرَبَاءِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ لِهَذَا الْمَعْنَى.\nوَإِنْ أَمْكَنَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَرَسِ وَالصَّلَاةِ فَلْيَجْمَعْ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْعِبَادَتَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ أَدَاءِ إحْدَاهُمَا، وَالْإِعْرَاضَ عَنْ الْأُخْرَى كَالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالِاعْتِكَافِ، وَبَيْنَ الطَّوَافِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ.\n- فَإِنْ صَلَّى إلَى الْقِبْلَةِ شَغَلَهُ ذَلِكَ عَنْ الْحَرَسِ فَأَرَادَ أَنْ يَحْرُسَ وَيُصَلِّي بِغَيْرِ الْقِبْلَةِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. لِأَنَّ الصَّلَاةَ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ مَعَ الْعِلْمِ لَا تَجُوزُ إلَّا عِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ، وَلَا تَتَحَقَّقُ الضَّرُورَةُ هَا هُنَا؛ لِأَنَّ الْحَرَسَ لَيْسَ بِمُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ عَيْنًا.","vol":"1","page":1459},{"text":"- وَإِنْ كَانَ يَنْحَرِفُ عَنْ الْقِبْلَةِ قَلِيلًا، إلَّا أَنَّهُ لَا يُصَلِّي نَحْوَ الْمَشْرِقِ وَلَا نَحْوَ الْمَغْرِبِ وَلَا نَحْوَ دُبُرِ الْقِبْلَةِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهٍ لَوْ صَلَّى الْفَرِيضَةَ كَذَلِكَ مُتَعَمِّدًا لَزِمَهُ الْإِعَادَةُ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ تَطَوُّعًا. لِأَنَّ الْمَكْتُوبَةَ وَالنَّافِلَةَ فِي وُجُوبِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فِيهِمَا سَوَاءٌ.\n- وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهٍ لَوْ فَعَلَهُ فِي الْمَكْتُوبَةِ مُتَعَمِّدًا لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ بِأَنْ كَانَ لَا يَصْرِفُ وَجْهَهُ عَنْ الْقِبْلَةِ فَلَا بَأْسَ بِهَذَا، لِمَا فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ التَّقَرُّبِ بِالصَّلَاةِ وَالْحَرَسِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْأَفْضَلُ لَهُ أَلَّا يُطَوِّلَ الْأَرْكَانَ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَحْرُسَ، وَهَكَذَا يَحْرُسُ عَلَى رَأْسِ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ خَافَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ تَفْرِيطٌ فِي الْحَرَسِ وَإِنْ أَخَفَّ الصَّلَاةَ فَلْيَدَعْ الصَّلَاةَ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى الْقِبْلَةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَجْمَعُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ إذَا كَانَ يَأْمَنُ التَّفْرِيطَ فِي أَحَدِهِمَا.\n\n- وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُقَلِّدَ الْخَيْلَ فِي أَعْنَاقِهَا فِي الْحَرْبِ وَغَيْرِ الْحَرْبِ. لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ صُنْعِ الْمُبَارِزِينَ وَغَيْرِهِمْ وَمِمَّنْ يَرْكَبُ الْخَيْلَ، «وَمَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ»، وَلَكِنْ لَا يُعْجِبُنَا أَنْ يُقَلِّدُوهَا بِالْأَوْتَارِ، لِمَا جَاءَ فِي","vol":"1","page":1460},{"text":"الْحَدِيثِ: «قَلِّدُوا الْخَيْلَ وَلَا تُقَلِّدُوهَا بِالْأَوْتَارِ» .\nوَقِيلَ فِي تَأْوِيلِ النَّهْيِ، إنَّهَا رُبَّمَا خُنِقَتْ فَقُتِلَتْ، فَلِهَذَا يُكْرَهُ تَقْلِيدُ الْخَيْلِ بِهَا.\n\nقَالَ: - وَيُكْرَهُ لُبْسُ الْحَرِيرِ الرَّقِيقِ فِي الْحَرْبِ وَغَيْرِ الْحَرْبِ.\nلِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُدْفَعُ بِهِ السِّلَاحُ، وَإِنَّمَا يُلْبَسُ لِلتَّنَعُّمِ.\n٢٨٣٧ - فَأَمَّا الثَّخِينُ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الْحَرْبِ فَقَدْ بَيَّنَّا الْخِلَافَ فِيهِ.\n٢٨٣٨ - وَيُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ فِي تِجْفَافِ فَرَسِ الْغَازِي تِمْثَالُ حَيَوَانٍ، وَكَذَلِكَ فِي سَرْجِهِ وَتُرْسِهِ، وَمَا يَلْبَسُهُ مِنْ الثِّيَابِ، وَإِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ تِمْثَالُ الْأَشْجَارِ فَلَا بَأْسَ بِهِ.\nلِمَا رُوِيَ أَنَّهُ «أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -، تُرْسٌ فِيهِ تِمْثَالُ طَائِرٍ، فَأَصْبَحَ وَقَدْ مَحَا ذَلِكَ التِّمْثَالَ»، قِيلَ، فَعَلَ ذَلِكَ الْمَلَكُ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -، فَدَلَّ أَنَّ اسْتِعْمَالَ مِثْلِهِ مَكْرُوهٌ، وَإِنَّمَا يُرَخَّصُ فِي التَّمَاثِيلِ فِي الْبِسَاطِ وَالْوِسَادَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُنَامُ وَيُجْلَسُ عَلَيْهِ، لِحَدِيثِ «جَبْرَائِيلَ - ﵇ -، حَيْثُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -: إمَّا أَنْ تُقْطَعَ رُءُوسُهَا أَوْ تُتَّخَذَ وَسَائِدَ فَتُوطَأَ» . وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ تَعْظِيمُ الصُّورَةِ وَالتَّشَبُّهُ بِمَنْ يَعْبُدُهَا، بِخِلَافِ مَا يُنْصَبُ أَوْ يُلْبَسُ أَوْ يُنْظَرُ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ مَعْنَى تَعْظِيمِ الصُّورَةِ وَالتَّشَبُّهِ بِمَنْ يَعْبُدُهَا، فَكَانَ مَكْرُوهًا، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْبُشْتِيُّ الْكَبِيرَ مِنْ الْوَسَائِدِ الَّذِي يُنْصَبُ أَمَامَ الْبَيْتِ إذَا كَانَ عَلَيْهِ تِمْثَالُ حَيَوَانٍ فَذَلِكَ","vol":"1","page":1461},{"text":"مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُنْصَبُ وَلَا يُوطَأُ، وَكَذَلِكَ السُّتُورُ وَالْأُزُرُ إذَا كَانَ فِيهَا تِمْثَالُ حَيَوَانٍ فَإِنَّ اسْتِعْمَالَ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ.\n- وَكَذَلِكَ يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ فِي آنِيَةِ الْبَيْتِ تَمَاثِيلُ. لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِمَّا يُبْسَطُ وَيُجْلَسُ عَلَيْهِ.\n\n- قَالَ: وَلَا بَأْسَ بِلُبْسِ الْجَوْشَنِ أَوْ الْبَيْضَةِ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ فِي الْحَرْبِ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فَهُوَ مَكْرُوهٌ. وَالِاخْتِلَافُ فِيهِ كَالِاخْتِلَافِ فِي لُبْسِ الدِّيبَاجِ فِي الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﵌ -، جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِهِ: «هَذَانِ حَرَامَانِ لِذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌّ لِإِنَاثِهَا» . وَبِهَذَا يَقَعُ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ لُبْسِ الْمُصَوَّرِ مِنْ الثِّيَابِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ عَامٌّ فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَعَرَفْنَا أَنْ لَا رُخْصَةَ فِيهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ، وَالْحَرِيرُ وَالذَّهَبُ لَمَّا رَخَّصَ فِيهِمَا لِلنِّسَاءِ لِمَنْفَعَةِ الزِّينَةِ، فَعَرَفْنَا أَنَّ فِيهِمَا رُخْصَةً لِأَجْلِ الْمَنْفَعَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ.\n\n- قَالَ: وَلَا بَأْسَ بِلُبْسِ الثَّوْبِ فِي غَيْرِ الْحَرْبِ إذَا كَانَ أَزْرَارُهُ دِيبَاجًا أَوْ ذَهَبًا.\nلِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْحَرِيرِ رُخْصَةٌ فِي الْإِصْبَعِ وَالْإِصْبَعَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ.","vol":"1","page":1462},{"text":"- وَكَذَلِكَ الذَّهَبُ فِي الْأَزْرَارِ وَالْكِفَافِ، وَيُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَخَتَّمَ بِخَاتَمِ الذَّهَبِ وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَلْبَسَ خَاتَمَ فِضَّةٍ فِي فَصِّهِ مِسْمَارُ ذَهَبٍ. لِأَنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ فِي حُكْمِ التَّبِيعِ الْمُسْتَهْلَكِ كَالْأَزْرَارِ، فَكَذَلِكَ الْكِفَافُ وَالْأَزْرَارُ فِي الثَّوْبِ.\n\n- وَإِنْ تَحَقَّقَتْ، الْحَاجَةُ لَهُ إلَى اسْتِعْمَالِ السِّلَاحِ الَّذِي فِيهِ تِمْثَالٌ فَلَا بَأْسَ بِاسْتِعْمَالِهِ. لِأَنَّ مَوَاضِعَ الضَّرُورَةِ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ الْحُرْمَةِ، كَمَا فِي تَنَاوُلِ الْمَيْتَةِ. وَإِنْ كَانَ التِّمْثَالُ مَقْطُوعَ الرَّأْسِ أَوْ مَمْحُوَّ الْوَجْهِ فَهُوَ لَيْسَ بِتِمْثَالٍ. لِأَنَّ الْمَكْرُوهَ هُوَ تِمْثَالُ الْحَيَوَانِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ بِدُونِ الرَّأْسِ.\n\n- وَيُكْرَهُ أَنْ يُجْعَلَ عَلَى الْكَعْبَةِ ثَوْبٌ فِيهِ تِمْثَالٌ ذِي رُوحٍ. لِأَنَّ اتِّخَاذَ التِّمْثَالِ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ مَكْرُوهٌ، فَفِي الْكَعْبَةِ أَوْلَى.\n- وَإِنْ طُيِّنَتْ رُءُوسُ التَّمَاثِيلِ بِالطِّينِ حَتَّى مَحَاهَا الطِّينُ فَلَمْ تَسْتَبِنْ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ. لِأَنَّهَا الْآنَ لَيْسَتْ بِتَمَاثِيلَ.","vol":"1","page":1463},{"text":"وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ التَّمَاثِيلُ فِي بَيْتٍ فَأُذْهِبَتْ وُجُوهُهَا بِالطِّينِ أَوْ الْجِصِّ فَإِنَّ الْكَرَاهَةَ تَزُولُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ شَاءَ صَاحِبُهَا نَزَعَ الطِّينَ. لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى تَعْظِيمِ الصُّورَةِ، وَالتَّشَبُّهِ بِمَنْ يَعْبُدُهَا، وَذَلِكَ يَزُولُ بِهِ. - وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى السِّلَاحِ فَجَعَلَ عَلَى وُجُوهِهَا الْغِرَاءَ، أَوْ كَانَ عَلَى الثِّيَابِ فَضَرَبَ عَلَيْهَا الْخُيُوطَ حَتَّى مَحَاهَا، أَوْ خَاطَ عَلَى وَجْهِهَا خِرْقَةً. فَإِنَّ الْكَرَاهَةَ تَزُولُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ.\n\n- وَكَذَلِكَ يُكْرَهُ تَمَاثِيلُ ذِي الرُّوحِ فِي الرَّايَاتِ وَالْأَلْوِيَةِ. لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُنْصَبُ نُصُبًا. - وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَجْعَلَ فِيهَا تَمَاثِيلَ شَجَرٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْمَكْرُوهَ تَمَاثِيلُ ذِي الرُّوحِ، عَلَى مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «أَنَّهُ يُكَلَّفُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَنْفُخَ فِيهِ الرُّوحَ وَهُوَ لَيْسَ بِنَافِخٍ» .\n\n- وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَسْتُرَ حِيطَانَ الْبَيْتِ بِاللُّبُودِ وَنَحْوِهَا لِلْبَرْدِ، أَوْ بِالْخَيْشِ لِلْحَرِّ، إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا تَمَاثِيلُ.","vol":"1","page":1464},{"text":"لِأَنَّ هَذَيْنِ لِلْمَنْفَعَةِ لَا لِلزِّينَةِ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا يَكُونُ عَلَى قَصْدِ الزِّينَةِ. - عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أَمَرَ بِنَزْعِ ذَلِكَ، وَلَمَّا رَآهُ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فِي بَيْتٍ قَالَ: أَمَحْمُومٌ بَيْتُكُمْ هَذَا، أَوْ تَحَوَّلَتْ الْكَعْبَةُ فِي كِنْدَةَ؟ فَعَرَفْنَا أَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَشْبِيهِ سَائِرِ الْبُيُوتِ بِالْكَعْبَةِ.\nثُمَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، لَا بَأْسَ بِبَسْطِ الْحَرِيرِ لِلْجُلُوسِ وَالنَّوْمِ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَا بَأْسَ بِالتَّوَسُّدِ بِالْحَرِيرِ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ اللُّبْسُ فِي ذَلِكَ، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - ﵀ - التَّوَسُّدُ بِالْحَرِيرِ وَالْجُلُوسُ عَلَيْهِ مَكْرُوهٌ كَلُبْسِهِ؛ وَذَلِكَ مَنْقُولٌ عَنْ عُبَيْدَة السَّلْمَانِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ\n\n- وَلَا خِلَافَ أَنَّ الدِّثَارَ إذَا كَانَ مِنْ الْحَرِيرِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ. وَاسْتَدَلَّ مُحَمَّدٌ - ﵀ - بِحَدِيثِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ أُدْنِيَتْ إلَيْهِ بِالْمَدَائِنِ بَغْلَةُ الدِّهْقَانِ لِيَرْكَبَهَا، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى قَرْبُوسِ السَّرْجِ، فَزَلَّتْ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: دِيبَاجٌ. فَكَرِهَ أَنْ يَرْكَبَهَا. قَالَ: وَلَوْ كَانَ هَذَا لَا بَأْسَ بِهِ أَنْ يَقْعُدَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ بِالْقُعُودِ عَلَى سَرِيرِ الذَّهَبِ بَأْسٌ.\nلِأَنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا ثَابِتَةٌ فِي الْأَثَرِ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَكْرُوهًا بِالِاتِّفَاقِ فَهَذَا مِثْلُهُ، فَكَيْفَ يُرَخَّصُ فِي سَرِيرِ الذَّهَبِ أَنْ يَجْلِسَ، وَلَا رُخْصَةَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ فِي اسْتِعْمَالِهَا.","vol":"1","page":1465},{"text":"- وَإِنْ كَانَ فِي خَاتَمِهِ فَصٌّ فِيهِ صُورَةٌ ذِي رُوحٍ فَلَا بَأْسَ بِلُبْسِهِ. لِأَنَّ هَذَا يَصْغُرُ عَنْ الْبَصَرِ، وَلَا يُرَى عِنْدَ النَّظَرِ إلَيْهِ مِنْ بَعِيدٍ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا يُرَى مِنْ بَعِيدٍ، ثُمَّ مَعْنَى التَّعْظِيمِ وَالتَّشْبِيهِ بِمَنْ يَعْبُدُ الصُّورَةَ لَا يَحْصُلُ فِي اسْتِعْمَالِهِ هَذَا، وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ - ﵁ - كَانَ عَلَى فَصِّ خَاتَمِهِ كُرْكِيَّانِ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى. وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، كَانَ فِي خَاتَمِهِ صُورَةُ أَسَدٍ رَابِضٍ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَحْمِلَ الرَّجُلُ فِي حَالِ الصَّلَاةِ دَرَاهِمَ الْعَجَمِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا تِمْثَالُ الْمَلِكِ عَلَى سَرِيرِهِ، وَعَلَيْهِ تَاجٌ.\n\n- وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَكُونَ فِي بَيْتِ الرَّجُلِ سَرِيرٌ مِنْ ذَهَبٍ لَا يَقْعُدُ عَلَيْهِ وَأَوَانِي مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ لَا يَشْرَبُ فِيهَا، وَلَا يَأْكُلُ، وَلَكِنَّهَا مَوْضُوعَةٌ يَتَجَمَّلُ بِهَا، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَنَفِيَّةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، قَدْ كَانَ ذَلِكَ فِي بَيْتِهِ فَلَمَّا قِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ قَالَ: هَذِهِ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ تَزَوَّجْتهَا فَجَاءَتْ بِهِ. وَمَا ذُكِرَ بَعْدَ هَذَا إلَى آخِرِ الْبَابِ وَقَدْ اسْتَقْصَيْنَا شَرْحَهُ فِي كِتَابِ الْكَسْبِ مَوْصُولًا بِشَرْحِ الْمُخْتَصَرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":1466},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>[بَابُ قَطْعِ الْمَاءِ عَنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَتَحْرِيقِ حُصُونِهِمْ وَنَصْبِ الْمَجَانِيقِ عَلَيْهَا]</span>\n٢٨٥٥ - قَالَ: وَلَا بَأْسَ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُحَرِّقُوا حُصُونَ الْمُشْرِكِينَ بِالنَّارِ أَوْ يُغْرِقُوهَا بِالْمَاءِ وَأَنْ يَنْصِبُوا عَلَيْهَا الْمَجَانِيقَ، وَأَنْ يَقْطَعُوا عَنْهُمْ الْمَاءَ، وَأَنْ يَجْعَلُوا فِي مَائِهِمْ الدَّمَ وَالْعَذِرَةَ وَالسُّمَّ حَتَّى يُفْسِدُوهُ عَلَيْهِمْ.\nلِأَنَّا أُمِرْنَا بِقَهْرِهِمْ وَكَسْرِ شَوْكَتِهِمْ؛ وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَدْبِيرِ الْحُرُوبِ مِمَّا يَحْصُلُ بِهِ كَسْرُ شَوْكَتِهِمْ، فَكَانَ رَاجِعًا إلَى الِامْتِثَالِ، لَا إلَى خِلَافِ الْمَأْمُورِ، ثُمَّ فِي هَذَا كُلِّهِ نَيْلٌ مِنْ الْعَدُوِّ، وَهُوَ سَبَبُ اكْتِسَابِ الثَّوَابِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠] . وَلَا يَمْتَنِعُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مَا يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ مِنْ أَسْرَى، أَوْ مُسْتَأْمَنِينَ، صِغَارًا أَوْ كِبَارًا أَوْ نِسَاءً أَوْ رِجَالًا وَإِنْ عَلِمْنَا ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ إصَابَتِهِمْ مَعَ امْتِثَالِ الْأَمْرِ بِقَهْرِ الْمُشْرِكِينَ، وَمَا لَا يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ.","vol":"1","page":1467},{"text":"٢٨٥٦ - وَإِنْ هَلَكَ بَعْضُ مَنْ ذَكَرْنَا بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ.\nلِأَنَّ فِعْلَهُمْ مُبَاحٌ مَطْلُوبٌ أَوْ مَأْمُورٌ بِهِ وَمَا لَا يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ فِي حَقِّهِمْ، فَلَا يَلْزَمُ بِهِ تَبَعَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ.\n٢٨٥٧ - وَأَصْلُ هَذَا فِيمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -، سُئِلَ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، يَبِيتُونَ فَيُقْتَلُ فِيهِمْ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، فَقَالَ: هُمْ مِنْهُمْ» «وَعَهِدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -، إلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - ﵁ - أَنْ يُغِيرَ عَلَى أُبْنَى صَبَاحًا ثُمَّ يُحَرِّقَ» .\n«وَأَشَارَ سَلْمَانُ - ﵁ - إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -، أَنْ يَنْصِبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى حِصْنِ الطَّائِفِ فَنَصَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -» وَأَمَرَ عُمَرُ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ - ﵄ -، وَهُوَ مُحَاصِرٌ أَهْلَ تُسْتَرَ أَنْ يَنْصِبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَيْهَا، فَنَصَبَهَا أَبُو مُوسَى، وَنَصَبَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى إسْكَنْدَرِيَّةَ حِينَ حَاصَرَهَا «وَقَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، الْمَاءَ عَنْ أَهْلِ حِصْنٍ مِنْ حُصُونِ النَّطَاةِ بِخَيْبَرَ حِينَ أُخْبِرَ أَنَّ لَهُمْ ذُيُولًا تَحْتَ الْأَرْضِ يَشْرَبُونَ مِنْهَا عَادِيَةً فَقَطَعَهَا عَنْهُمْ حَتَّى عَطِشُوا فَخَرَجُوا","vol":"1","page":1468},{"text":"وَقَاتَلُوا حَتَّى ظَفِرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِهِمْ» وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ - ﵁ - قَالَ: رَكِبْنَا الْبَحْرَ زَمَنَ مُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَلَقِينَا الْعَدُوَّ فَرَمَيْنَاهُمْ بِالْمُحَرِّقَاتِ.\nفَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ كُلِّهِ مَا دَامُوا مُمْتَنِعِينَ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ الْإِحْرَاقُ بِالنَّارِ بَعْدَ الْأَخْذِ لِلْأَسِيرِ، عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -، «أَنَّ النَّبِيَّ - ﵌ -، بَعَثَ السَّرِيَّةَ وَقَالَ لَهُمْ: إنْ قَدَرْتُمْ عَلَى فُلَانٍ فَأَحْرِقُوهُ بِالنَّارِ وَكَانَ نَخَسَ بِزَيْنَبِ - ﵂ - ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ - حَتَّى أَزْلَقَتْ، ثُمَّ قَالَ: إنْ قَدَرْتُمْ عَلَيْهِ فَاقْتُلُوهُ وَلَا تُحَرِّقُوهُ فَإِنَّمَا يُعَذِّبُ اللَّهُ تَعَالَى بِالنَّارِ» .\n«وَلَمَّا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ - ﵁ - إلَى الْيَمَنِ قَالَ لَهُ: اُنْظُرْ فُلَانًا، فَإِنْ أَمْكَنَك اللَّهُ مِنْهُ فَأَحْرِقْهُ بِالنَّارِ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ: إنِّي قُلْت لَك ذَلِكَ وَأَنَا غَضْبَانُ. فَإِنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُعَذِّبَ بِعَذَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَكِنْ إنْ أَمْكَنَك اللَّهُ مِنْهُ فَاقْتُلْهُ» .\nفَعَرَفْنَا أَنَّهُ يُكْرَهُ إحْرَاقُ الْمُشْرِكِينَ بِالنَّارِ بَعْدَ مَا يُقْدَرُ عَلَيْهِمْ، فَأَمَّا مَعَ كَوْنِهِ مُمْتَنِعًا فَلَا بَأْسَ بِهِ. قَالَ.\n٢٨٥٨ - وَلَا بَأْسَ بِالتَّكَنِّي عِنْدَ الْحَرْبِ وَالِانْتِمَاءِ وَإِنْشَادِ","vol":"1","page":1469},{"text":"الشِّعْرِ، مَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ غَضَبٌ مِنْ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ، بِأَنْ يَهْجُوَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، أَوْ يَفْخَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُحَرِّضُ عَلَى الْقِتَالِ، وَيَزِيدُ فِي نَشَاطِ الْمُبَارِزِينَ، فَلَا بَأْسَ بِهِ بِشَرْطِ أَلَّا يُؤْذِيَ أَحَدًا، فَإِنْ أَذَى الْمُسْلِمَ لَا رُخْصَةَ فِيهِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ - ﵌ -، يَوْمَ الْخَنْدَقِ كَانُوا يَحْفِرُونَ وَيَرْتَجِزُونَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، لَا يَغْضَبُ الْيَوْمَ أَحَدٌ مِنْ شَيْءٍ يَرْتَجِزُ بِهِ رَجُلٌ لَا يُرِيدُ بِهِ بَأْسًا، مَا لَمْ يَكُنْ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أَوْ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ فَإِنَّهُمَا يَجِدَانِ مِنْ ذَلِكَ قَوْلًا كَثِيرًا، وَنَهَاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، أَنْ يَقُولَا شَيْئًا فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، يُبَاشِرُ الْحَفْرَ بِنَفْسِهِ حَتَّى بَاشَرَ بِهِ النَّاسُ وَهُوَ يَقُولُ:\nاللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إلَّا خَيْرُ الْآخِرَةِ ... فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ\nوَكَانَ يَحْمِلُ مَكَاتِيلَ التُّرَابِ يَوْمَئِذٍ وَهُوَ يَقُولُ:\nالنَّطْرُونِيُّ الْجِمَالُ لَا جِمَالُ خَيْبَرَ ... هَذِهِ أَبَرَّ رَبُّنَا وَأَطْهَرَ\n» فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِمِثْلِهِ مِمَّا يَزِيدُ فِي نَشَاطِ الْمُجَاهِدِينَ:","vol":"1","page":1470},{"text":"وَلَوْ رَمَى رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ رَجُلًا وَاقِفًا فِي صَفِّ الْمُشْرِكِينَ، وَهُوَ مُسْلِمٌ قَدْ جَاءَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ مُكْرَهًا، وَالرَّامِي لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مُسْلِمٌ، أَوْ يَعْلَمُ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْهُ بِالرَّمْيَةِ، أَوْ تَعَمَّدَهُ وَهُوَ لَا يَدْرِي أَنَّهُ مُسْلِمٌ، فَهَذَا كُلُّهُ سَوَاءٌ، وَلَيْسَ عَلَى الرَّامِي فِيهِ دِيَةٌ وَلَا كَفَّارَةٌ) .\nلِأَنَّهُ قَدْ حَلَّ لَهُ الرَّمْيُ إلَى صَفِّ الْمُشْرِكِينَ مُطْلَقًا، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مُوجِبًا عَلَيْهِ تَبَعَةً.\n٢٨٦٠ - إلَّا أَنْ يَعْلَمَ مُسْلِمًا بِعَيْنِهِ قَدْ جَاءَ بِهِ الْعَدُوُّ مُكْرَهًا فَتَعَمَّدَهُ بِالرَّمْيِ، وَهُوَ يَعْلَمُ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُهُ الْقَوَدُ فِي الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ عَمَدٌ مَحْضٌ، وَالْعَمْدُ مُوجِبٌ لِلْقَوَدِ، وَهَذَا قِيَاسٌ يُؤَيِّدُهُ النَّصُّ، وَهُوَ قَوْلُهُ - ﵇ - «الْعَمْدُ قَوَدٌ» .\n٢٨٦١ - وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا قَوَدَ عَلَيْهِ.\nلِأَنَّهُ فِي صَفِّ الْمُشْرِكِينَ، وَالرَّمْيُ إلَى صَفِّهِمْ مُبَاحٌ، فَكَوْنُهُ فِي مَوْضِعِ إبَاحَةِ الْقَتْلِ يَصِيرُ بِهِ شُبْهَةٌ فِي إسْقَاطِ الْقَوَدِ؛ لِأَنَّهُ عُقُوبَةٌ تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ.\n٢٨٦٢ - وَلَكِنْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ.\nلِأَنَّ الدِّيَةَ تَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ، وَقَدْ أَتْلَفَ نَفْسًا مُتَقَوِّمَةً.\n٢٨٦٣ - وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.\nلِأَنَّ فِعْلَهُ عَمْدٌ.","vol":"1","page":1471},{"text":"وَإِنْ انْقَطَعَ وَتَرُ الرَّامِي فَرَجَعَ السَّهْمُ عَلَى رَجُلٍ مُسْلِمٍ فِي صَفِّ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ مَالَتْ الرَّمْيَةُ فَأَصَابَتْ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلْقِتَالِ، فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَالْكَفَّارَةُ.\nلِأَنَّهُ قَتَلَهُ خَطَأً، وَفِي الْخَطَأِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ بِالنَّصِّ. ثُمَّ بَيَّنَ أَنْوَاعَ الْخَطَأِ.\n٢٨٦٥ - فَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَتَعَمَّدَهُ بِالرَّمْيَةِ حِينَ رَآهُ فِي صَفِّ الْمُشْرِكِينَ، وَهُوَ يَظُنُّهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَإِذَا هُوَ مُسْلِمٌ، وَهَذَا عَمْدٌ فِي الْحَقِيقَةِ.\nلِأَنَّهُ قَصَدَ شَخْصًا بِعَيْنِهِ وَأَصَابَهُ، فَأَمَّا ظَنُّهُ فَلَيْسَ بِمُتَّصِلٍ بِفِعْلِهِ، وَلَكِنَّهُ خَطَأٌ شَرْعًا عَرَفْنَاهُ بِالسُّنَّةِ، وَهُوَ مَا رُوِيَ «أَنَّ سُيُوفَ الْمُسْلِمِينَ اخْتَلَفَتْ عَلَى الْيَمَانِ أَبِي حُذَيْفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَقَتَلُوهُ، فَجَعَلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، الدِّيَةَ فَتَرَكَ ذَلِكَ لَهُمْ حُذَيْفَةُ» .\n٢٨٦٦ - فَلَوْ رَمَوْا أَهْلَ الْحِصْنِ بِالْمَنْجَنِيقِ فَأَصَابُوا مُسْلِمًا فِي الْحِصْنِ تَاجِرًا أَوْ أَسِيرًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ أَعْلَمَهُمْ الْمُسْلِمُ أَنَّهُ فِيهِمْ.\nلِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الرَّمْيَ مُبَاحٌ لَهُمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ.\n٢٨٦٧ - وَكَذَلِكَ لَوْ دَخَّنُوا عَلَى مَطْمُورَةٍ وَفِيهَا مُسْلِمٌ مَعَ الْمُشْرِكِينَ فَمَاتَ الْمُسْلِمُ فِيمَنْ مَاتَ فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِمْ. لِأَنَّ التَّدْخِينَ مُبَاحٌ لَهُمْ.","vol":"1","page":1472},{"text":"إلَّا أَنَّهُمْ لَوْ قَدَرُوا عَلَى قَتْلِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ فِيهَا بِغَيْرِ تَدْخِينٍ فَالْأَوْلَى أَنَّهُمْ لَا يُدَخِّنُونَ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِالتَّدْخِينِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.\nلِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَعَمَّدُوا بِذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ، إنَّمَا أَرَادُوا بِهِ الْمُشْرِكِينَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ فِعْلًا مُبَاحًا لَهُمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ، بِخِلَافِ فِعْلِ الْخَاطِئِ فَإِنَّهُ مُبَاحٌ، بِشَرْطِ أَنْ يُتَحَرَّزَ عَنْ إصَابَةِ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ فِي الْجُمْلَةِ.\n٢٨٦٩ - وَلَوْ رَجَعَ حَجَرُ الْمَنْجَنِيقِ عَلَى قَوْمٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ فَقَتَلَهُمْ فَفِيهِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ.\n؛ لِأَنَّهُ خَطَأٌ يُمْكِنُ التَّحَرُّرُ عَنْهُ فِي الْجُمْلَةِ.\n٢٨٧٠ - وَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى الَّذِينَ يَمُدُّونَ الْحِبَالَ دُونَ الَّذِينَ يُمْسِكُونَ الْمَنْجَنِيقَ، وَاَلَّذِي يُمْسِكُ الْحَجَرَ وَيُسَدِّدُهُ لَهُمْ.\nلِأَنَّ الرُّمَاةَ هُمْ الَّذِينَ يَمُدُّونَ الْحِبَالَ، فَإِنْ مَضَى الْحَجَرُ يَكُونُ بِقُوَّتِهِمْ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ مَضَى، لَا بِفِعْلِ الْمُسَدِّدِ لِلْحَجَرِ، وَفِعْلُ الَّذِي يَمْسِكُ الْمَنْجَنِيقَ.\n٢٨٧١ - وَإِنْ وَقَعَ الْحَجَرُ عَلَى الَّذِينَ رَمَوْا بِهَا فَقَتَلَ رَجُلًا مِنْهُمْ فَعَلَيْهِمْ الدِّيَةُ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ، يُرْفَعُ عَنْهُمْ حِصَّةٌ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى إذَا كَانُوا عِشْرِينَ رَجُلًا فَعَلَيْهِمْ الدِّيَةُ إلَّا نِصْفَ عُشْرِهَا.\nلِأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسَهُ مَعَهُمْ فَبِحِصَّتِهِ يَسْقُطُ، وَهُوَ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ، بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ جَرَحَ نَفْسَهُ وَجَرَحَهُ قَوْمٌ.","vol":"1","page":1473},{"text":"وَعَلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ كَفَّارَةٌ كَامِلَةٌ.\nلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ جَزَاءُ الْفِعْلِ وَلِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الْوَصْفَ بِالتَّجَزِّي بِخِلَافِ الدِّيَةِ ثُمَّ بَيَّنَ:\n٢٨٧٣ - أَنَّهُمْ إذَا تَتَرَّسُوا بِأَطْفَالٍ لِلْمُسْلِمِ فَلَا بَأْسَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَرْمِيَ إلَيْهِمْ وَإِنْ أَصَابَ الطِّفْلَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ.\nلِأَنَّهُ لَا يَتَعَمَّدُ بِالرَّمْيِ الْمُسْلِمَ، وَإِنَّمَا يَتَعَمَّدُ بِهِ الْعَدُوَّ.\n٢٨٧٤ - وَلَوْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَغْرَمُونَ فِي هَذِهِ الدِّيَاتِ، أَوْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ فِيهَا الْكَفَّارَاتُ مَا أَقْدَمُوا عَلَى الْقِتَالِ فِي هَذَا، فَكَيْفَ يُقَاتِلُ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ فِيمَا أَصَابَ الْكَفَّارَةُ، فَإِنْ لَمْ يُؤَدِّهَا كَانَ عَاصِيًا، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى مُذْنِبًا مَأْخُوذًا بِذَنْبِهِ، إلَّا أَنْ يَعْفُوَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَفِي هَذَا تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ الْمُخْطِئَ يَكُونُ آثِمًا، بِخِلَافِ مَا يَقُولُهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إنَّهُ لَا إثْمَ عَلَى الْمُخْطِئِ اسْتِدْلَالًا بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى ﴿: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥] . فَإِنَّا نَقُولُ فِي التَّنْصِيصِ عَلَى إيجَابِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْمُخْطِئِ بَيَانٌ ظَاهِرٌ عَلَى أَنَّهُ فِي فِعْلِهِ آثِمٌ وَالْمُرَادُ بِالنَّصِّ الْآخَرِ رَفْعُ الْجُنَاحِ عَنْهُ بَعْدَ التَّكْفِيرِ، وَمَا شُرِعَتْ الْكَفَّارَةُ إلَّا سَتَّارَةً لِلذَّنْبِ، وَهَذَا لِأَنَّ التَّحَرُّزَ عَنْ الْخَطَأِ فِي الْجُمْلَةِ مُمْكِنٌ،","vol":"1","page":1474},{"text":"وَكُلُّ هَذَا التَّقْرِيرِ مِنَّا لِبَيَانِ أَنَّ الْفِعْلَ مَتَى كَانَ مُبَاحًا مُطْلَقًا لَا يَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا مُوجِبًا لِلدِّيَةِ وَلَا الْكَفَّارَةِ.\n٢٨٧٥ - وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَجْعَلَ السُّمَّ فِي السِّلَاحِ. لِأَنَّ السِّلَاحَ الْمَسْمُومَ يَكُونُ أَعْمَلَ فِي نُفُوسِهِمْ وَأَقْتَلَ لَهُمْ إذَا وَقَعَ بِهِمْ، فَكَانَ هَذَا مِنْ مُكَايَدَةِ الْحَرْبِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَا يَرْجِعُ إلَى مُكَايَدَةِ الْحَرْبِ فَلَا بَأْسَ بِهِ لِلْمُسْلِمِ.\n٢٨٧٦ - وَكَذَلِكَ الْأَسِنَّةُ يَجْعَلُ فِي رُءُوسِهَا الْمُشَاقَةُ عَلَيْهَا النَّفْطُ، وَفِيهَا النِّيرَانُ، لِيَطْعَنَ بِهِ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يَحْتَرِقُوا، فَإِنَّ هَذَا مِنْ مُكَايَدَةِ الْحَرْبِ فَلَا بَأْسَ بِهِ.\nثُمَّ ذَكَرَ قَطْعَ الْأَشْجَارِ وَتَخْرِيبَ الْأَبْنِيَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ وَاَلَّذِي زَادَ هَا هُنَا.\n٢٨٧٧ - أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ كُلَّهُ فِيمَا يَمُرُّونَ بِهِ مِنْ الطَّرِيقِ، وَإِنْ كَانُوا لَا يُحَاصِرُونَ أَحَدًا إلَّا فِي خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ طَرِيقًا مَعْرُوفًا، يَمُرُّ بِهِ الْغُزَاةُ كُلَّ سَنَةٍ، فَحِينَئِذٍ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُغَوِّرُوا مَا كَانَ فِيهِ مِنْ الْمِيَاهِ، وَلَا يَقْطَعُوا مَا كَانَ فِيهِ مِنْ الشَّجَرِ الْمُثْمِرِ) .\nلِأَنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ إلَى ذَلِكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ، فَلَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ أَضَرَّ ذَلِكَ بِهِمْ أَوْ بِغَيْرِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، مِمَّنْ يَمُرُّ بَعْدَهُمْ فِي هَذَا الطَّرِيقِ غَازِيًا، فَلِلتَّحَرُّزِ عَنْ","vol":"1","page":1475},{"text":"هَذَا الضَّرَرِ يُكْرَهُ لَهُمْ ذَلِكَ، فَأَمَّا مَا سِوَاهُ مِمَّا فِيهِ كَبْتٌ وَغَيْظٌ لِلْمُشْرِكِينَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ.\n٢٨٧٨ - وَإِذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْمَلَ لَهُمْ السِّلَاحَ وَلَا التَّجَافِيفَ، وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَتَقَوَّوْنَ بِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي الْحَرْبِ.\nلِأَنَّ حَمْلَ ذَلِكَ إلَيْهِمْ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ مَكْرُوهٌ لِلْمُسْلِمِينَ أَشَدَّ الْكَرَاهَةِ، فَكَذَلِكَ عَمَلُ ذَلِكَ لَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ.\n٢٨٧٩ - وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْمُسْتَأْمَنُ وَالْأَسِيرُ.\nلِأَنَّهُمَا مُخَاطَبَانِ بِكَسْرِ شَوْكَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَمَمْنُوعَانِ مِمَّا فِيهِ تَقْوِيَةُ الْمُشْرِكِينَ عَلَى مُحَارَبَةِ الْمُسْلِمِينَ.\n٢٨٨٠ - فَإِنْ أَكْرَهُوهُمَا عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِحَبْسٍ أَوْ قَيْدٍ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ.\nلِأَنَّهُمَا لَا يَخَافَانِ التَّلَفَ عَلَى أَنْفُسِهِمَا، وَالضَّرُورَةُ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ بِالتَّهْدِيدِ بِمَا فِيهِ خَوْفُ الْهَلَاكِ.\n٢٨٨١ - وَإِنْ هَدَّدُوهُمَا بِالْقَتْلِ أَوْ الضَّرْبِ الَّذِي يُخَافُ مِنْهُ التَّلَفُ عَلَى النَّفْسِ، أَوْ عَلَى عُضْوٍ مِنْ الْأَعْضَاءِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَفْعَلَا.","vol":"1","page":1476},{"text":"لِأَنَّ الضَّرُورَةَ قَدْ تَحَقَّقَتْ، وَعِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ يَسَعُ لِلْمُسْلِمِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا، وَهُوَ إجْرَاءُ كَلِمَةِ الشِّرْكِ عَلَى اللِّسَانِ، فَلَأَنْ يَسَعَ لَهُ عَمَلُ السِّلَاحِ لَهُمْ كَانَ أَوْلَى.\n٢٨٨٢ - وَإِنْ أَبَى أَنْ يَفْعَلَ حَتَّى يُقْتَلَ كَانَ ذَلِكَ أَفْضَلَ لَهُ.\nلِأَنَّهُ أَظْهَرَ بِفِعْلِهِ الصَّلَابَةَ فِي الدِّينِ، وَمُبَاشَرَةَ مَا فِيهِ غَيْظٌ لِلْمُشْرِكِينَ وَالتَّحَرُّزُ عَنْ اكْتِسَابِ مَا فِيهِ إدْخَالُ الْوَهَنِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أَعْظَمَ لِثَوَابِهِ، كَمَا إذَا تَحَرَّزَ عَنْ إجْرَاءِ كَلِمَةِ الشِّرْكِ عَلَى اللِّسَانِ حَتَّى يُقْتَلَ.\n٢٨٨٣ - وَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُ مُسْتَأْمَنًا فِيهِمْ فَكَانَ إذَا عَمِلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَمْنَعُوهُ مِنْ إخْرَاجِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يُجْبِرُوهُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُمْ ذَلِكَ بِثَمَنٍ وَلَا غَيْرِ ثَمَنٍ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَصْنَعَ ذَلِكَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ يُخْرِجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.\nلِأَنَّهُ لَيْسَ فِي صَنِيعِهِ هَذَا تَقْوِيَةُ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَأَمَّا إذَا خَافَ أَنْ يَأْخُذُوا ذَلِكَ مِنْهُ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُدْخِلَ ذَلِكَ مَعَ نَفْسِهِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ لِيَتَّجِرَ فِيهِ، وَيَحِلُّ لَهُ إدْخَالُ ذَلِكَ مَعَ نَفْسِهِ لِيَنْتَفِعَ بِهِ إذَا عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَأْخُذُونَهُ مِنْهُ، فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ.\n٢٨٨٤ - وَلَوْ أَصَابَ الْمُسْتَأْمَنُ مَعْدِنَ حَدِيدٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ، وَيَسْتَخْرِجَ مِنْهُ الْحَدِيدَ، إذَا كَانَ ذَلِكَ يُؤْخَذُ مِنْهُ بِثَمَنٍ أَوْ بِغَيْرِ ثَمَنٍ.","vol":"1","page":1477},{"text":"لِأَنَّ الْحَدِيدَ أَصْلُ السِّلَاحِ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي عَمَلِ السِّلَاحِ.\n٢٨٨٥ - وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَسْتَخْرِجَهُ، ثُمَّ يُخْرِجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانَ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْبَعْضُ دُونَ الْبَعْضِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَسْتَخْرِجَهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بِالْمُسْلِمِينَ إلَى ذَلِكَ ضَرُورَةٌ، أَوْ يَكُونَ فِي إخْرَاجِ مَا يَخْرُجُ رِفْقًا بَيِّنًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَهُوَ إنَّمَا يَقْصِدُ بِفِعْلِهِ تَوْفِيرَ النَّفْعَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، دُونَ الْإِضْرَارِ بِهِمْ، وَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ\n\nوَلَوْ أَصَابُوا دَوَابَّ فَعَجَزُوا عَنْ إخْرَاجِهَا فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَذْبَحُوهَا ثُمَّ يُحَرِّقُوهَا بِالنَّارِ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَعْقِرُوا شَيْئًا مِنْهَا عَقْرًا، وَهُمْ يَقْدِرُونَ عَلَى ذَبْحِهَا مِنْ بَقَرَةٍ وَلَا رَمَكَةٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ.\nلِأَنَّ ذَلِكَ مُثْلَةٌ، وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، عَنْ ذَلِكَ وَلَوْ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ.\n٢٨٨٦ - إلَّا أَنْ يُعْجِزَهُمْ الثَّوْرُ أَوْ الرَّمَكَةُ فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَعْقِرُوهَا بِالرَّمْيِ.\nلِأَنَّهُ تَحَقَّقَ عَجْزُهُمْ عَنْ ذَبْحِهَا، وَفِي تَرْكِهَا مَنْفَعَةٌ لِلْمُشْرِكَيْنِ، فَلِهَذَا لَا بَأْسَ بِأَنْ يَعْقِرُوهَا.","vol":"1","page":1478},{"text":"وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ أَنَّ جَعْفَرًا، الطَّيَّارَ - ﵁ - يَوْمَ مُؤْتَةَ لَمَّا أَيِسَ مِنْ نَفْسِهِ تَرَجَّلَ وَعَقَرَ جَوَادَهُ، وَجَعَلَ يُقَاتِلُ حَتَّى قُتِلَ، فَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَرَجَّلَ فَيُقَاتِلَ وَيَسْتَقْتِلَ.\nلِأَنَّهُ بِهَذَا الصَّنِيعِ يَرَى الْمُشْرِكُونَ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ الْفِرَارَ مِنْهُمْ بِحَالٍ، وَفِي هَذَا كَسْرُ شَوْكَتِهِمْ، وَهُوَ مِنْ مُكَايَدَةِ الْحَرْبِ، قَدْ فَعَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -.\nمِنْهُمْ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ حَمِيُّ الدُّبْرِ - ﵁ - حَيْثُ اسْتَقْبَلَ يَوْمَ الرَّجِيعِ يَوْمَ بَنِي لِحْيَانَ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ حَمِيَّ الدُّبْرِ لِأَنَّهُ لَمَّا أَيْقَنَ أَنَّهُمْ قَاتَلُوهُ قَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي حَمَيْت دِينَك بِجَهْدِي فَاحْمِ لَحْمِي، فَلَمَّا قُتِلَ أَرْسَلَ اللَّهُ الدُّبْرَ حَتَّى حَمَتْ لَحْمَهُ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يَقْرَبَ مِنْهُ لِيَجُزَّ رَأْسَهُ، فَقَالُوا: اصْبِرُوا حَتَّى يَدْخُلَ اللَّيْلُ، فَإِنَّ الدُّبْرَ تَذْهَبُ بِاللَّيْلِ، فَلَمَّا دَخَلَ اللَّيْلُ طَلَبُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَسُمِّيَ حَمِيَّ الدُّبْرِ لِهَذَا.\nوَالْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو السَّاعِدِيُّ - ﵁ - اسْتَقْبَلَ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ حَتَّى قُتِلَ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَرَجَّلَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَقْتِلَ لِيُقْتَلَ أَوْ لِيَظْفَرَ بِهِمْ، وَأَنْ يَكْسِرَ جَفْنَ سَيْفِهِ، وَأَنْ يَذْبَحَ فَرَسَهُ إنْ أَمْكَنَهُ ذَبْحُهُ فَلَا بَأْسَ بِعَقْرِهِ ثُمَّ يَمْضِي حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يَظْفَرَ.","vol":"1","page":1479},{"text":"لِأَنَّ فِي هَذَا كُلِّهِ تَحْقِيقُ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ مَا أَشَارَ اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] الْآيَةَ.\n٢٨٨٨ - وَلَوْ حَاصَرَ الْمُسْلِمُونَ أَهْلَ حِصْنٍ، وَهُوَ عَلَى طَرِيقِهِمْ الْمَعْرُوفِ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْطَعُوا أَشْجَارَهُمْ، وَيُغَوِّرُوا مِيَاهَهُمْ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُمْ إذَا لَمْ يَكُونُوا مُحَاصِرِينَ أَحَدًا فَالْأَوْلَى لَهُمْ أَلَّا يَفْعَلُوا ذَلِكَ فِي الطَّرِيقِ الْمَعْرُوفَةِ.\nلِكَيْلَا يَتَضَرَّرَ بِهِ أَمْثَالُهُمْ أَوْ هُمْ بَعْدَ هَذَا، فَأَمَّا إذَا كَانُوا مُحَاصِرِينَ لِلْعَدُوِّ فَهَذَا الصَّنِيعُ يَكْسِرُ شَوْكَتَهُمْ، وَيَحْمِلُهُمْ عَلَى أَنْ يُعْطُوا بِأَيْدِيهِمْ، وَالْمَنْفَعَةُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي هَذَا أَكْثَرُ مِمَّا يُخَافُ مِنْ الضَّرَرِ فِي وَقْتٍ آخَرَ، فَلِهَذَا لَا بَأْسَ لَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ.\n\nوَلَوْ أَخَذَ أَهْلُ الْحَرْبِ أَسِيرًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَهُمْ مُحَاصِرُونَ حِصْنًا مِنْ حُصُونِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالُوا لَهُ: دُلَّنَا عَلَى مَوْضِعٍ نَفْتَحُ مِنْهُ هَذَا الْحِصْنَ، وَهُوَ يَعْرِفُ ذَلِكَ، فَلَيْسَ يَحِلُّ أَنْ يَفْعَلَ هَذَا، لِمَا فِيهِ مِنْ إعَانَةِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ هَدَّدُوهُ بِالْقَتْلِ عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ يُفْتَحُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَظَفِرُوا بِالْحِصْنِ فَقَتَلُوا الْمُقَاتِلَةَ وَسَبَوْا الذُّرِّيَّةَ فَلَيْسَ يَسْعَهُ أَنْ يَدُلَّهُمْ.\nلِأَنَّ فِي فِعْلِهِ ذَلِكَ هَلَاكَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَجْعَلَ رُوحَ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وِقَايَةً لِرُوحِهِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الْمُكْرَهَ عَلَى الْقَتْلِ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ الْمَقْصُودَ بِالْقَتْلِ، وَإِنْ","vol":"1","page":1480},{"text":"كَانَ ذَلِكَ شَخْصًا وَاحِدًا، فَلَأَنْ لَا يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ وَفِيهِ هَلَاكُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ كَانَ أَوْلَى.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ جَاءُوا فِي طَلَبِ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُرِيدُونَ قَتْلَهُ فَقَالُوا: دُلَّنَا عَلَيْهِ، وَإِلَّا قَتَلْنَاك، وَأَكْبَرُ الرَّأْي مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ إنْ دَلَّهُمْ عَلَيْهِ قَتَلُوهُ، فَإِنَّهُ لَا يَسَعُهُ أَنْ يَدُلَّهُمْ عَلَيْهِ قَالَ:\n٢٨٨٩ - لِأَنَّ فِي هَذَا مَظْلِمَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَظْلِمَ مُسْلِمًا فِي بَدَنِهِ بِمَا يُهْلِكُهُ، وَإِنْ كَانَ يَخَافُ التَّلَفَ عَلَى نَفْسِهِ وَلَكِنْ إنْ عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَقْتُلُونَهُ وَلَكِنَّهُمْ يَأْسِرُونَهُ فَيَتَخَدَّمُونَهُ أَوْ يَأْخُذُونَ مَالًا مَعَهُ، فَحِينَئِذٍ هُوَ فِي سَعَةٍ مِنْ أَنْ يَدُلَّهُمْ عَلَيْهِ إذَا خَافَ الْقَتْلَ عَلَى نَفْسِهِ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَكْرَهُوهُ عَلَى إتْلَافِ مَالِ مُسْلِمٍ، وَإِنْ أَبَى أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ حَتَّى يُقْتَلَ فَذَلِكَ أَعْظَمُ لِأَجْرِهِ؛ لِأَنَّهُ تَحَرَّزَ عَمَّا فِيهِ مَظْلِمَةُ الْمُسْلِمِ، وَأَظْهَرَ الصَّلَابَةَ فِي الدِّينِ، وَمَا يَغِيظُ الْمُشْرِكِينَ، وَذَلِكَ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ.\n٢٨٩٠ - وَلَوْ أَنَّ الْمُكْرَهَ عَلَى الدَّلَالَةِ عَلَى طَرِيقِ الْحِصْنِ كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْهُ أَنَّهُ إنْ دَلَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ الطَّرِيقِ يَكُونُ فِيهِ نَوْعُ وَهَنٍ بِشَوْكَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَكِنْ الْمُسْلِمِينَ يَنْتَصِفُونَ مِنْهُمْ، وَيُقَاتِلُونَهُمْ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَدُلَّهُمْ إذَا خَافَ التَّلَفَ عَلَى نَفْسِهِ.\nلِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذِهِ الدَّلَالَةِ هَلَاكُ الْمُسْلِمِينَ، إنَّمَا فِيهِ زِيَادَةُ شُغْلٍ أَوْ هَمٍّ","vol":"1","page":1481},{"text":"يَلْحَقُهُمْ بِسَبَبِ دَلَالَتِهِ، فَيَكُونُ هُوَ فِي سَعَةٍ مِنْ أَنْ يَفْعَلَهُ عِنْدَ خَوْفِ الْهَلَاكِ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالُوا لَهُ: دُلَّنَا عَلَى سِلَاحٍ نُقَاتِلُ بِهِ الْمُسْلِمِينَ وَإِلَّا قَتَلْنَاك، فَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ ظَفِرُوا بِالْمُسْلِمِينَ، فَلَيْسَ يَسَعُهُ أَنْ يَدُلَّهُمْ، وَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْهُ أَنَّهُمْ يَتَقَوَّوْنَ بِهَذَا السِّلَاحِ، وَلَكِنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ يَنْتَصِفُونَ مِنْهُمْ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَدُلَّهُمْ إذَا خَافَ الْقَتْلَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ الْمُثْلَةَ. وَإِنْ كَانَ لَوْ صَبَرَ حَتَّى يُقْتَلَ كَانَ أَفْضَلَ لَهُ.\n٢٨٩١ - وَإِنْ قِيلَ لَهُ: لَنَقْتُلَنَّك أَوْ لَتَسْجُدَنَّ لِلْمَلِكِ إذَا رَأَيْته، فَإِنْ سَجَدَ كَانَ فِي سَعَةٍ، وَإِنْ أَبَى حَتَّى يُقْتَلَ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِهِ.\nلِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَسْجُدَ إلَّا لِلَّهِ تَعَالَى، فَإِذَا أَمَرُوهُ بِالسُّجُودِ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ لَهُ كَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَمَرُوهُ بِإِجْرَاءِ كَلِمَةِ الشِّرْكِ عَلَى اللِّسَانِ، أَوْ السُّجُودِ لِلصَّلِيبِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُرَخَّصُ لَهُ فِيهِ، عِنْدَ خَوْفِ الْهَلَاكِ، وَإِنْ كَانَ لَوْ امْتَنَعَ مِنْهُ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ الصَّلَابَةِ فِي الدِّينِ، فَإِنْ أَمَرُوهُ بِالسُّجُودِ لَهُ عَلَى وَجْهِ التَّحِيَّةِ، لَا عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ، فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَفْعَلَ وَلَا يُعَرِّضَ نَفْسَهُ لِلْقَتْلِ.\nلِأَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ السُّجُودِ قَدْ كَانَ مُبَاحًا فِي شَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَنَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠] . فَيَكُونُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَمَرُوهُ بِشُرْبِ الْخَمْرِ.\nوَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هُنَاكَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَ إذَا خَافَ الْهَلَاكَ عَلَى نَفْسِهِ، فَهَذَا مِثْلُهُ.","vol":"1","page":1482},{"text":"٢٨٩٢ - وَإِنْ كَانَ الْحِصْنُ الَّذِي أَكْرَهُوهُ عَلَى الدَّلَالَةِ عَلَى طَرِيقِ فَتْحِهِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلَّا النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، وَكَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ عِنْدَهُ أَنَّهُمْ يُسْبَوْنَ وَيُسْتَرَقُّونَ لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يَدُلَّهُمْ أَيْضًا.\nلِأَنَّ هَذَا مِنْ الْمَظَالِمِ، وَالسَّبْيُ وَالِاسْتِرْقَاقُ إتْلَافٌ حُكْمِيٌّ، فَيَكُونُ نَظِيرَ الْقَتْلِ الَّذِي هُوَ إتْلَافٌ حَقِيقَةً.\n٢٨٩٣ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْحِصْنُ إلَّا الْأَمْوَالَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَدُلَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ إذَا خَافَ التَّلَفَ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَكْرَهُوهُ عَلَى إتْلَافِ الْمَالِ، وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَسَعُهُ الْإِقْدَامُ عَلَى مَا طُلِبَ مِنْهُ بِالْإِكْرَاهِ، إنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ إذَا حَضَرُوهُ لِيَفْعَلُوا بِهِ مَا هَدَّدُوهُ بِهِ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يُحْضِرُوهُ لِذَلِكَ فَلَيْسَ يَسَعُهُ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُ آمِنٌ فِي الْحَالِ، وَالرُّخْصَةُ فِي الْإِقْدَامِ عَلَى مَا لَا يَحِلُّ بِسَبَبِ الْإِكْرَاهِ عِنْدَ تَحَقُّقِ خَوْفِ الْهَلَاكِ.\n٢٨٩٤ - ثُمَّ أَكْبَرُ الرَّأْيِ فِيمَا لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الْحَقِيقَةِ، وَمَا يَصِيرُ مَعْلُومًا لِلْمُكْرَهِ بِأَكْبَرِ الرَّأْيِ مِمَّا يَخَافُ الْهَلَاكَ عَلَى نَفْسِهِ، فَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَيَقِّنِ بِهِ سَوَاءٌ هَدَّدُوهُ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يُهَدِّدُوهُ، حَتَّى إذَا رَآهُمْ يَقْتُلُونَ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ الْأُسَرَاءِ فِي مِثْلِ هَذَا وَقَدْ كَانُوا تَقَدَّمُوا إلَيْهِ فِيهِ فَإِنَّهُ يَسَعُهُ الْإِقْدَامُ، وَإِنْ لَمْ يُهَدِّدُوهُ بِالْقَتْلِ نَصًّا.","vol":"1","page":1483},{"text":"لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ لَهُ بِأَكْبَرِ الرَّأْيِ، وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ.\n٢٨٩٥ - قَالَ: وَلَا بَأْسَ بِالْقَوْسِ الْفَارِسِيَّةِ أَنْ يَتَعَلَّمَ بِهَا الرَّجُلُ الرَّمْيَ.\nلِأَنَّ فِي ذَلِكَ كَسْرُ شَوْكَةِ الْعَدُوِّ وَإِدْخَالُ الْوَهَنِ عَلَيْهِمْ، وَالْمُسْلِمُ مَنْدُوبٌ إلَى كُلِّ مَا يَكُونُ فِيهِ نِكَايَةٌ فِي الْعَدُوِّ.\n٢٨٩٦ - وَكَذَلِكَ الْحُسْبَانُ يَتَعَلَّمُهُ الرَّجُلُ لِيَرْمِيَ بِهِ الْعَدُوَّ.\nوَإِنَّمَا أَوْرَدَ هَذَا؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ مَنْ كَرِهَ الرَّمْيَ بِالْقَوْسِ الْفَارِسِيَّةِ، وَرَوَوْا فِي ذَلِكَ حَدِيثًا، وَلَكِنَّهُ شَاذٌّ فِيمَا تَعُمُّهُ الْبَلْوَى وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] . وَمِنْ الْقُوَّةِ الرَّمْيُ بِالْقَوْسِ الْفَارِسِيَّةِ. فَإِنْ قَالَ: إنَّمَا يُكْرَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهَا مِنْ أَمْرِ الْعَجَمِ، يَنْبَغِي لِلْغَازِي أَنْ يَسْتَعْمِلَ فِي الْقِتَالِ مَا هُوَ مِنْ أَمْرِ الْعَرَبِ. قُلْنَا: فَالْمَنْجَنِيقُ مِنْ أَمْرِ الْعَجَمِ، وَقَدْ نَصَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - عَلَى الطَّائِفِ حِينَ أَشَارَ عَلَيْهِ بِهِ سَلْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَاِتِّخَاذُ الْخَنْدَقِ مِنْ أَمْرِ الْعَجَمِ، وَقَدْ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - بِإِشَارَةِ سَلْمَانَ - ﵁ - فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا يَكُونُ مِنْ مُكَايَدَةِ الْحَرْبِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَمْرِ الْعَجَمِ مِمَّا لَا يَعْرِفُهُ أَوْ كَانُوا يَعْرِفُونَهُ.\n٢٨٩٧ - وَمَنْ قَتَلَ شَهِيدًا وَعَلَيْهِ الْحَرِيرُ أَوْ الدِّيبَاجُ قَدْ كَانَ","vol":"1","page":1484},{"text":"لَبِسَهُ لِلْقِتَالِ، عَلَى قَوْلِ مَنْ يُرَخِّصُ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُنْزَعَ ذَلِكَ عَنْهُ، وَلَا يُتْرَكَ شَيْءٌ مِنْهُ فِي كَفَنِهِ.\nلِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الشَّهِيدَ يُدْفَنُ فِي ثِيَابِهِ، وَلَكِنْ يُنْزَعُ السِّلَاحُ، وَهَذَا إنَّمَا لَبِسَهُ لِيَكُونَ سِلَاحًا لَهُ، فَإِنَّهُ لَا رُخْصَةَ فِي لُبْسِهِ إلَّا عَلَى وَجْهِ السِّلَاحِ، فَكَمَا يُنْزَعُ عَنْهُ السِّلَاحُ بَعْدَ مَا يَسْتَشْهِدُ فَكَذَلِكَ يُنْزَعُ عَنْهُ الْحَرِيرُ وَالدِّيبَاجُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.","vol":"1","page":1485},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>[بَابُ مَا يَحِلُّ فِي دَارِ الْحَرْبِ مِمَّا لَا يَجُوزُ مِثْلُهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ]</span>\n٢٨٩٨ - قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ لِلْمُسْتَأْمَنِ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَنْ يَأْخُذَ مَالَهُمْ بِأَيِّ وَجْهِ يَقْدِرُ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ يَتَحَرَّزَ عَنْ الْغَدْرِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُدَلِّسَ لَهُمْ الْعَيْبَ فِيمَا يَبِيعُهُ مِنْهُمْ، مِمَّا يَجُوزُ مِثْلُهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ لَا يَجُوزُ.\nلِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْغُرُورِ.\nوَلَا بَأْسَ لِلْأَسِيرِ وَالْمُسْلِمِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَنْ يُدَلِّسَ لَهُمْ الْعَيْبَ فِيمَا يَبِيعُهُ مِنْهُمْ.\nلِأَنَّ لَهُمَا أَنْ يَأْخُذَا أَمْوَالَهُمْ بِغَيْرِ طِيبَةِ أَنْفُسِهِمْ.\n٢٨٩٩ - وَلَوْ أَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ فِيهِمْ بَاعَهُمْ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ إلَى سَنَةٍ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى دَارِنَا ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِمْ أَوْ خَرَجَ مِنْ عَامِهِ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِمْ فَأَخَذَ الدَّرَاهِمَ بَعْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ.\nلِأَنَّ حَالَهُمَا بَعْدَ الرُّجُوعِ كَحَالِهِمَا عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْمُعَامَلَةِ.\n٢٩٠٠ - وَلَوْ اخْتَصَمَا فِي ذَلِكَ فِي دَارِنَا لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا بِشَيْءٍ.\nلِأَنَّ أَصْلَ الْمُعَامَلَةِ لَمْ يَكُنْ فِي دَارِنَا.","vol":"1","page":1486},{"text":"وَاَلَّذِي خَرَجَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ لَمْ يَلْتَزِمْ حُكْمَ الْإِسْلَامِ مُطْلَقًا، فَإِنْ كَانَ أَسْلَمَ أَوْ صَارَ ذِمَّةً ثُمَّ اخْتَصَمَا أَبْطَلَ الْقَاضِي ذَلِكَ الْبَيْعَ، وَأَمَرَ بِرَدِّ رَأْسِ الْمَالِ عَلَى مَنْ أَعْطَاهُ.\nلِأَنَّ إسْلَامَهُ الطَّارِئَ بَعْدَ الْعَقْدِ قَبْلَ الْقَبْضِ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْقَبْضِ بِحُكْمِ الْعَقْدِ كَالْمُقَارِنِ لِلْعَقْدِ، بِمَنْزِلَةِ الذِّمِّيِّ يَبِيعُ الْخَمْرَ لِلذِّمِّيِّ فِي دَارِنَا ثُمَّ يُسَلِّمُ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ. أَوْ الْمُسْلِمُ يَبِيعُ الْمُسْلِمَ عَصِيرًا فَيَتَخَمَّرُ قَبْلَ الْقَبْضِ.\nوَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] فَهُوَ تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ مَا لَمْ يُقْبَضْ يَجِبُ تَرْكُهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ.\n٢٩٠٢ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْمُسْلِمُ مَا شَرَطَ لَهُ الْحَرْبِيُّ.\nلِأَنَّ الْبُقْعَةَ صَارَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ قَبْلَ الْقَبْضِ بِحُكْمِ عَقْدِ الرِّبَا، فَيُجْعَلُ هَذَا وَمَا لَوْ كَانَتْ دَارُ الْإِسْلَامِ عِنْدَ الْعَقْدِ سَوَاءً بِخِلَافِ خُرُوجِهَا إلَى دَارِنَا فَإِنَّ هُنَاكَ لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ الْإِسْلَامِ فِي تِلْكَ الْمُعَامَلَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْقَاضِيَ يَسْمَعُ الْخُصُومَةَ فِيهَا فَيَأْمُرُهُ بِالرَّدِّ فِيمَا لَمْ يَتِمَّ الْقَبْضُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ.\nوَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﵌ -، قَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: أَلَا إنَّ كُلَّ رِبًا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا يُوضَعُ هُوَ رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ» . وَإِنَّمَا بَدَأَ بِعَمِّهِ لِيُتَبَيَّنَ أَنَّ أَوَامِرَهُ لَيْسَتْ عَلَى نَهْجِ أَوَامِرِ الْمُلُوكِ، فَإِنَّهُمْ فِي مِثْلِ هَذَا يَتْرُكُونَ الْأَقَارِبَ وَيُخَاطِبُونَ الْأَجَانِبَ،","vol":"1","page":1487},{"text":"وَهُوَ بَدَأَ بِمَنْ هُوَ أَقْرَبُ إلَيْهِ، وَهُوَ عَمُّهُ، فَمَنَعَهُ مِنْ قَبْضِ مَا لَمْ يَقْبِضْهُ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَا قَبَضَهُ بِشَيْءٍ.\n٢٩٠٣ - وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي وَقْتِ إسْلَامِ الْعَبَّاسِ - ﵁ -، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ أَسْلَمَ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ.\nوَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُخِذَ أَسِيرًا يَوْمَ بَدْرٍ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ -، فِي الرُّجُوعِ إلَى مَكَّةَ فَأَذِنَ لَهُ، فَكَانَ يُرْبِي بِمَكَّةَ إلَى زَمَنِ الْفَتْحِ. وَقَدْ نَزَلَتْ حُرْمَةُ الرِّبَا قَبْلَ ذَلِكَ.\nأَلَا تَرَى «أَنَّ النَّبِيَّ - ﵌ -، قَالَ لِلسَّعِيدَيْنِ يَوْمَ خَيْبَرَ: أَرْبَيْتُمَا فَرُدَّا» .\nوقَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠] . نَزَلَتْ فِي وَقْعَةِ أُحُدٍ، وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ بِسَنَتَيْنِ ثُمَّ لَمْ يُبْطِلْ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، يَوْمَ الْفَتْحِ شَيْئًا مِنْ مُعَامَلَاتِهِ، إلَّا مَا لَمْ يَتِمَّ بِالْقَبْضِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ يَجُوزُ عَقْدُ الرِّبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَإِنَّ الْبُقْعَةَ إذَا صَارَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ بِحُكْمِ ذَلِكَ الْعَقْدِ.\n٢٩٠٤ - وَلَوْ كَانَ الْمُسْلِمُ بَاعَ الْحَرْبِيَّ خَمْرًا وَسَلَّمَهَا إلَيْهِ، وَقَبَضَ الثَّمَنَ، ثُمَّ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ فَالثَّمَنُ سَالِمٌ لِلْمُسْلِمِ.","vol":"1","page":1488},{"text":"لِأَنَّ حُكْمَ الْإِسْلَامِ ثَبَتَ فِي مُعَامَلَاتِهِمْ بَعْدَ مَا قَبَضَ الْحَرَامَ وَانْتَهَى حُكْمُ الْعَقْدِ فِيهِ.\n٢٩٠٥ - وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ قَبْضِ الْخَمْرِ وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِ رَدُّ الثَّمَنِ.\nلِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَرُدُّ وَالْحَرَامُ غَيْرُ مَقْبُوضٍ.\n٢٩٠٦ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ قَبَضَ الْخَمْرَ وَلَمْ يَقْبِضْ الْمُسْلِمُ الثَّمَنَ حَتَّى أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ فَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُطَالِبَهُ بِالثَّمَنِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ الذِّمِّيُّ مِنْ ذِمِّيٍّ خَمْرًا وَسَلَّمَهَا إلَيْهِ وَلَمْ يَقْبِضْ الثَّمَنَ حَتَّى أَسْلَمَ.\nلِأَنَّ الْعَقْدَ هُنَاكَ كَانَ صَحِيحًا بَيْنَهُمَا، فَكَانَ الثَّمَنُ دَيْنًا مُسْتَحَقًّا لِلْمُسْلِمِ بِحُكْمِ الْعَقْدِ، وَالْإِسْلَامُ لَا يَمْنَعُ مِنْ قَبْضِهِ؛ وَهَا هُنَا أَصْلُ الْعَقْدِ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا، فَإِنَّمَا كَانَ هَذَا مِنْ الْمُسْلِمِ أَخْذًا لِمُبَاحٍ مِنْ مَالِهِمْ بِطِيبِ أَنْفُسِهِمْ، وَقَدْ انْعَدَمَ ذَلِكَ حِينَ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِشَيْءٍ.\n٢٩٢٠٧ - وَلَوْ كَانَ قَبَضَ الثَّمَنَ وَأَعْطَى بَعْضَ الْخَمْرِ ثُمَّ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ فَبِحِصَّةِ الْمَقْبُوضِ مِنْ الْخَمْرِ يُسَلَّمُ لَهُ مِنْ الثَّمَنِ، رَدُّ حِصَّةِ مَا لَمْ يَقْبِضْ مِنْ الْخَمْرِ اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ. فَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ أَسْلَمَ إلَى الْحَرْبِيِّ أَلْفَ دِرْهَمٍ فِي مِائَةِ دِينَارٍ إلَى سَنَةٍ، فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ قَبَضَ النِّصْفَ ثُمَّ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ، فَبِحِصَّةِ","vol":"1","page":1489},{"text":"الْمَقْبُوضِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ يَكُونُ سَالِمًا لَهُ، وَعَلَيْهِ رَدُّ مَا بَقِيَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ.\nلِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ قَبْضُ مَا بَقِيَ بِحُكْمِ هَذَا الْعَقْدِ الْفَاسِدِ، فَعَلَيْهِ رَدُّ حِصَّتِهِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ انْقَطَعَ الْمُسْلِمُ فِيهِ مِنْ أَيْدِي النَّاسِ.\n٢٩٠٨ - وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْمُعَامَلَةُ بَيْنَ مُسْلِمَيْنِ فِي دَارِ الْحَرْبِ مُسْتَأْمَنَيْنِ أَوْ أَسِيرَيْنِ كَانَ بَاطِلًا مَرْدُودًا.\nلِأَنَّهُمَا يَلْتَزِمَانِ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ فِي كُلِّ مَكَان.\n٢٩٠٩ - فَإِنْ جَرَى بَيْنَ اللَّذَيْنِ أَسْلَمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ.\nعِنْدَ مُحَمَّدٍ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵁ -: هَذَا وَمَا يَجْرِي بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ سَوَاءٌ، إلَّا فِي حُكْمِ الْكَرَاهَةِ؛ لِأَنَّ عِصْمَةَ الْمَالِ بِنَفْسِ الْإِسْلَامِ تَثْبُتُ فِي حَقِّ الْآثَارِ فَأَمَّا فِي الْأَحْكَامِ يُعْتَبَرُ الْإِحْرَازُ بِالدَّارِ وَلَمْ يُوجَدْ.\n٢٩١٠ - وَلَوْ أَنَّ مُسْتَأْمَنَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فِي دَارِنَا بَاشَرَا هَذِهِ الْمُعَامَلَةَ ثُمَّ اخْتَصَمَا إلَى الْقَاضِي فَإِنَّهُ يُبْطِلُ ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الْمُعَامَلَاتِ فِي دَارِنَا، وَالْقَاضِي يُبْطِلُ عُقُودَ الرِّبَا الَّتِي تَجْرِي بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ إذَا اخْتَصَمُوا إلَيْهِ فِيهَا، فَكَذَلِكَ يُبْطِلُ عُقُودَ الْمُسْتَأْمَنِينَ، إلَّا أَنَّهُ يُجِيزُ مَا يَكُونُ بَيْنَهُمْ مِنْ بَيْعِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ.\nلِأَنَّ ذَلِكَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فِي حَقِّهِمْ. وَالْمُسْتَأْمَنُونَ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ.","vol":"1","page":1490},{"text":"وَلَوْ كَانَ الْمُسْلِمُ فِي مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَكَلَّمَهُ الْحَرْبِيُّ مِنْ حِصْنِهِ، وَعَامَلَهُ بِهَذِهِ الْمُعَامَلَاتِ الْفَاسِدَةِ فِيمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ.\nلِأَنَّ مُرَاعَاةَ جَانِبِ مَنْ هُوَ فِي مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ مُفْسِدٌ لِهَذَا الْعَقْدِ، وَالْعَقْدُ إذَا فَسَدَ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ فَذَلِكَ يَكْفِي لِإِفْسَادِهِ.\n٢٩١٢ - وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ كَثِيرًا مِنْ مَشَايِخِنَا يَقُولُونَ بِالْجَوَازِ هَا هُنَا، لِأَنَّ مَالَ الْحَرْبِيِّ مُبَاحٌ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ، هَهُنَا، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ دَخَلَ إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ، إلَّا أَنَّ مُحَمَّدًا - ﵀ - اعْتَبَرَ الْمَكَانَ، وَجَعَلَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ خَرَجَ الْحَرْبِيُّ بِأَمَانٍ إلَى عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ عَامَلَ الْمُسْلِمَ بِذَلِكَ، فَكَمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ هَذِهِ الْمُعَامَلَةُ إذَا كَانَا فِي مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا فِي مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ الْمَشَايِخُ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ حِينَ خَرَجَ بِأَمَانٍ إلَيْنَا فَقَدْ صَارَ مَالُهُ لَهُ مَعْصُومًا مُحْتَرَمًا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِي مَنَعَتِهِ فَإِنَّهُ لَا حُرْمَةَ لِمَالِهِ هُنَاكَ.\n٢٩١٣ - وَلَوْ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَسَرُوا أَمَةً مُسْلِمَةً فَأَحْرَزُوهَا، ثُمَّ قَدَرَ هَذَا الْمُسْتَأْمَنُ مِنْهُمْ عَلَى أَنْ يَسْرِقَهَا فَيُخْرِجَهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ.","vol":"1","page":1491},{"text":"لِأَنَّهُمْ مَلَكُوهَا بِالْإِحْرَازِ حَتَّى لَوْ أَسْلَمُوا أَوْ صَارُوا ذِمَّةً كَانَتْ مَمْلُوكَةً فَهُوَ فِي هَذِهِ السَّرِقَةِ يَغْدِرُ بِهِمْ، الْغَدْرُ حَرَامٌ.\n٢٩١٤ - وَلَوْ رَغِبُوا فِي بَيْعِهَا مِنْهُ بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ مَيْتَةٍ جَازَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُهَا مِنْهُمْ بِطِيبِ أَنْفُسِهِمْ، فَلَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ مَعْنَى الْغَدْرِ.\nوَإِنَّمَا أَوْرَدَ هَذَا الْفَصْلَ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ عَلَى أَبِي يُوسُفَ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ فَإِنَّهُ إنْ جَوَّزَ هَذَا لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ أَنْ يَقُولَ بِالْجَوَازِ أَيْضًا فِيمَا سَبَقَ مِنْ الْعُقُودِ، فَإِنْ قَالَ: لَا أُجَوِّزُ هَذَا وَأَكْرَهُهُ لِلْمُسْلِمِ فَهُوَ بَعِيدٌ مِنْ الْقَوْلِ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ مُسْلِمَةً فِي يَدِ حَرْبِيٍّ، يُوَاقِعُهَا حَرَامًا، مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ أَنْ يَفْدِيَهَا بِخَمْرٍ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهِ.\n٢٩١٥ - وَبَعْدَ مَا يَشْتَرِيهَا بِخَمْرٍ إذَا أَخْرَجَهَا كَانَتْ مَمْلُوكَةً لَهُ، حَتَّى يُنَفِّذَ عِتْقَهُ فِيهَا، وَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا أَخَذَهَا مِنْهُ بِقِيمَتِهَا إنْ شَاءَ.\nلِأَنَّهُ تَمَلَّكَهَا بِطِيبِ أَنْفُسِهِمْ، لَا بِجِهَةِ الْبَيْعِ، فَيَكُونُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ وَهَبُوهَا لَهُ فَأَخْرَجَهَا.\n٢٩١٦ - وَبِهَذَا تَبَيَّنَ الْفَرْقُ بَيْنَ مَا يَجْرِي فِي دَارِ الْحَرْبِ وَبَيْنَ مَا يَجْرِي فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ الْحَرْبِيَّ لَوْ خَرَجَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ، وَمَعَهُ تِلْكَ الْجَارِيَةُ، فَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِ فِي دَارِنَا أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ بِخَمْرٍ.","vol":"1","page":1492},{"text":"٢٩١٧ - وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ ثُمَّ رَفَعَ إلَى الْقَاضِي أَبْطَلَ ذَلِكَ الْبَيْعَ، وَرَدَّ الْجَارِيَةَ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ ثُمَّ أَجْبَرَهُ عَلَى بَيْعِهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ.\nلِأَنَّهَا مُسْلِمَةٌ، فَلَا يَتْرُكُهَا فِي مِلْكِ الْكَافِرِ، وَلَا يَتْرُكُهُ يَعُودُ بِهَا إلَى دَارِ الْحَرْبِ كَمَا لَوْ أَسْلَمَتْ أَمَتُهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.\n٢٩١٨ - وَلَوْ أَنَّ عَسْكَرًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَهُمْ مَنَعَةٌ دَخَلُوا دَارَ الْإِسْلَامِ ثُمَّ اسْتَأْمَنَ إلَيْهِمْ مُسْلِمٌ وَعَامَلَهُمْ بِهَذِهِ الْمُعَامَلَةِ الَّتِي لَا تَجُوزُ فِيمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.\nلِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ جَازَ لَهُ ذَلِكَ فِي دَارِهِمْ مَوْجُودٌ فِي مَنَعَتِهِمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ أَنَّ أَمْوَالَهُمْ مُبَاحَةُ الْأَخْذِ لِلْمُسْلِمِ، وَعَلَيْهِ التَّحَرُّزُ عَنْ غَدْرِ الْأَمَانِ، فَهُوَ بِهَذِهِ الْمُعَامَلَةِ يَكْتَسِبُ سَبَبَ التَّحَرُّزِ عَنْ الْغَدْرِ، وَبِهَذَا الْقَدْرِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْأَصَحَّ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْمَشَايِخُ؛ لِأَنَّ مَوْضِعَ نُزُولِهِمْ هَا هُنَا لَمْ يَأْخُذْ حُكْمَ دَارِ الْحَرْبِ، وَمَعَ ذَلِكَ جَازَ لِلْمُسْلِمِ هَذِهِ الْمُعَامَلَةُ لِبَقَاءِ الْإِبَاحَةِ فِي مَالِهِمْ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْحَرْبِيُّ فِي مَنَعَتِهِ، وَالْمُسْلِمُ الَّذِي عَامَلَهُ بِهِ فِي مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ.\n٢٩١٩ - وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ دَارٍ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ وَادَعُوا أَهْلَ الْإِسْلَامِ فَدَخَلَ إلَيْهِمْ مُسْلِمٌ وَبَايَعَهُمْ الدِّرْهَمَ بِدِرْهَمَيْنِ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ.\nلِأَنَّ بِالْمُوَادَعَةِ لَمْ تَصِرْ دَارُهُمْ دَارَ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَخْذُ","vol":"1","page":1493},{"text":"مَالِهِمْ بِغَيْرِ طِيبِ أَنْفُسِهِمْ، لِمَا فِيهِ مِنْ غَدْرِ الْمُوَادَعَةِ، فَإِذَا اسْتَرْضَاهُمْ بِهَذِهِ الْمُعَامَلَةِ فَقَدْ انْعَدَمَ مَعْنَى الْغَدْرِ وَلِهَذَا طَابَ لَهُ مَا أَخَذَ.\n٢٩٢٠ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُوَادِعِينَ دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ بِتِلْكَ الْمُوَادَعَةِ كَانَ آمِنًا بِهَا، ثُمَّ إنْ عَامَلَ مُسْلِمًا بِهَذِهِ الْمُعَامَلَةِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُبْطِلُهَا.\nلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنِ فِي دَارِنَا، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَا لَا يَجُوزُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ فِي دَارِنَا لَا يَجُوزُ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْمُسْتَأْمَنِ أَيْضًا.\n٢٩٢١ - وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا دَخَلَ إلَى هَؤُلَاءِ الْمُوَادِعِينَ، أَوْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ وَبَايَعَهُمْ مَتَاعًا إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، ثُمَّ صَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ يُعَجِّلُوا لَهُ وَيَضَعَ عَنْهُمْ الْبَعْضَ. فَذَلِكَ جَائِزٌ.\nلِأَنَّ حُرْمَةَ هَذَا التَّصَرُّفِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لِمَعْنَى الرِّبَا، مِنْ حَيْثُ إنَّ فِيهِ مُبَادَلَةً لِأَصْلِ الدَّرَاهِمِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الرِّبَا يَجُوزُ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَتَجُوزُ هَذِهِ الْمُعَامَلَةُ، وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ «بَنِي النَّضِيرِ حِينَ أَجْلَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، وَقَالُوا: إنَّ لَنَا دُيُونًا عَلَى النَّاسِ لَمْ تَحِلَّ بَعْدُ، فَقَالَ: ضَعُوا وَتَعَجَّلُوا» . وَإِنَّمَا جَوَّزَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ حَرْبٍ، فَعَرَفْنَا أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْمُعَامَلَةِ تَجُوزُ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ، وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِنَا.\n٢٩٢٢ - فَإِنْ اصْطَلَحُوا عَلَى هَذَا، وَلَمْ يَقْبِضْ مِنْهُمْ مَا عَجَّلُوا لَهُ حَتَّى أَسْلَمَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ، أَوْ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ، فَقَدْ بَطَلَ هَذَا التَّصَرُّفُ، وَكَانَ الْمَالُ كُلُّهُ عَلَيْهِ إلَى أَجَلِهِ لِمَا بَيَّنَّا.","vol":"1","page":1494},{"text":"لِأَنَّ مَا اعْتَرَضَ مِنْ الْإِسْلَامِ قَبْلَ تَمَامِ الْمَقْصُودِ بِالْعَقْدِ يُجْعَلُ كَالْمُقْرَنِ بِحَالَةِ الْعَقْدِ.\n٢٩٢٣ - وَإِنْ كَانَ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَحُطَّ النِّصْفَ، عَلَى أَنْ يَجْعَلَ لَهُ النِّصْفَ، ثُمَّ أَعْطَاهُ الْحَرْبِيُّ ثُلُثَ مَالِهِ وَبَقِيَ السُّدُسُ ثُمَّ أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ فَقَدْ بَطَلَ الصُّلْحُ كُلُّهُ، وَعَلَى الْمُسْلِمِ رَدُّ مَا قَبَضَ فَيَكُونُ جَمِيعُ مَا لَهُ عَلَى الْحَرْبِيِّ إلَى أَجَلِهِ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ مِنْ بَيْعِ الْخَمْرِ.\nلِأَنَّ ذَاكَ مُبَادَلَةٌ ابْتِدَاءً مِنْ الْجَانِبَيْنِ، فَيَنْتَهِي حُكْمُهُ فِي مِقْدَارِ مَا وُجِدَ فِيهِ التَّقَابُضُ، وَهَذَا الصُّلْحُ لَيْسَ بِمُبَادَلَةٍ فِي الْحَقِيقَةِ وَلَكِنَّهُ يُعَجِّلُ لَهُ نِصْفَ الْمَالِ عَلَى أَنْ يَحُطَّ عَنْهُ النِّصْفَ فَلَا يَتِمُّ الصُّلْحُ حَتَّى يُوجَدَ كَمَالُ الشَّرْطِ، وَهُوَ قَبْضُ النِّصْفِ الْبَاقِي بِكَمَالِهِ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ حَتَّى أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ بَطَلَ الصُّلْحُ كُلُّهُ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْلِمَيْنِ لَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ مَالٌ فَاصْطَلَحَا عَلَى أَنْ يَحُطَّ عَنْهُ صَاحِبُ الْمَالِ نِصْفَ الْمَالِ عَلَى أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ مَا بَقِيَ مِنْهُ الْيَوْمَ، ثُمَّ عَجَّلَ لَهُ الْيَوْمَ بَعْضَ مَا بَقِيَ دُونَ الْبَعْضِ حَتَّى مَضَى الْيَوْمُ بَطَلَ الصُّلْحُ كُلُّهُ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِجَمِيعِ حَقِّهِ.\nلِأَنَّ إبْرَاءَهُ إيَّاهُ عَنْ الْبَعْضِ كَانَ بِشَرْطِ تَعْجِيلِ مَا بَقِيَ مِنْهُ فِي الْيَوْمِ، فَإِذَا لَمْ يَتِمَّ الشَّرْطُ بَطَلَ الْإِبْرَاءُ، وَكَانَ جَمِيعُ مَا لَهُ عَلَيْهِ بِحَالِهِ، فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":1495},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>[بَابُ مَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ الْأَسِيرِ فِي أَيْدِي أَهْلِ الْحَرْبِ أَنْ يُجِيبَهُمْ إلَيْهِ]</span>\n٢٩٢٤ - وَإِذَا قُرِّبَ الْأَسِيرُ لِلْقَتْلِ فَقِيلَ لَهُ مُدَّ عُنُقَك فَمَدَّ عُنُقَهُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.\nلِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَدِّ الْعُنُقِ إعَانَةٌ مِنْهُ لَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا إذْنٌ مِنْهُ لَهُمْ فِي قَتْلِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقْتُلُونَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَدَّ عُنُقَهُ أَوْ لَمْ يَمُدَّهُ وَرُبَّمَا يَكُونُ امْتِثَالُ أَمْرِهِمْ سَبَبًا لِعَطْفِ قُلُوبِهِمْ عَلَيْهِ، حَتَّى يَحْمِلَهُمْ ذَلِكَ عَلَى تَرْكِ قَتْلِهِ، أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ أَرْوَحَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ قَتَلُوهُ قِتْلَةً أَخْبَثَ مِنْ قَتْلِهِمْ إيَّاهُ إذَا مَدَّ عُنُقَهُ، فَلِهَذِهِ الْوُجُوهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَمُدَّ عُنُقَهُ وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ لَا يَتْرُكُونَ قَتْلَهُ.\n٢٩٢٥ - وَإِنْ لَمْ يَمُدَّ عُنُقَهُ لَمْ يَزِيدُوا عَلَى أَنْ يَمُدُّوا عُنُقَهُ ثُمَّ يَقْتُلُونَهُ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَمُدَّ لَهُمْ عُنُقَهُ.\nلِأَنَّ ذَلِكَ فِي صُورَةِ الْإِذْنِ لَهُمْ فِي قَتْلِهِ، وَلَا رُخْصَةَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ، فَلَا يَسَعُهُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ إلَّا عِنْدَ غَرَضٍ صَحِيحٍ لَهُ فِيهِ، وَهُوَ إذَا كَانَ يَطْمَعُ فِي عَطْفِ قُلُوبِهِمْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، أَوْ كَانَ يَخَافُ أَنْ يَقْتُلُوهُ قِتْلَةً هِيَ أَخْبَثُ مِنْهَا إذَا مَدَّ عُنُقَهُ، فَحِينَئِذٍ إنْ شَاءَ مَدَّ عُنُقَهُ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَمُدَّ عُنُقَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُرَخَّصٌ لَهُ فِيهِ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ شَاءَ تَرَخَّصَ بِالرُّخْصَةِ، وَإِنْ شَاءَ تَمَسَّكَ بِالْعَزِيمَةِ","vol":"1","page":1496},{"text":"٢٩٢٦ - وَعَلَى هَذَا لَوْ أَرَادُوا قَطْعَ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ، فَنَاوَلَهُمْ ذَلِكَ الْعُضْوَ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَسَعُهُ إنْ كَانَ يَفْعَلُهُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي ذَلِكَ غَرَضٌ صَحِيحٌ لَمْ يَسَعْهُ ذَلِكَ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ قَالُوا لَهُ: الْبَسْ ثِيَابَك حَتَّى نَقْتُلَك، فَلَبِسَ ثِيَابَهُ يَطْلُبُ بِهَا السِّتْرَ لَمْ يَكُنْ بِهِ مُعِينًا عَلَى نَفْسِهِ.\nلِأَنَّ لُبْسَ الثِّيَابِ لَيْسَ مِنْ الْقَتْلِ فِي شَيْءٍ، وَلَهُ غَرَضٌ صَحِيحٌ فِيمَا صَنَعَ، وَهُوَ أَلَّا تَنْكَشِفَ عَوْرَتَهُ إذَا قَتَلُوهُ.\n٢٩٢٧ - قَالَ بَلَغَنَا أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ حِينَ أَبَى أَنْ يُبَايِعَ أُلْبِسَ ثِيَابَ شَعْرٍ فَلَبِسَهُ فَلَمَّا ضُرِبَ وَلَمْ يُقْتَلْ قَالَ: أَمَّا إنِّي لَوْ ظَنَنْت أَنَّهُمْ لَا يُرِيدُونَ قَتْلِي مَا لَبِسْته.\nفَقَدْ لَبِسَهُ بِأَمْرِهِمْ حِينَ ظَنَّ أَنَّهُ يُقْتَلُ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي اللُّبْسِ إعَانَةٌ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ.\n٢٩٢٨ - وَكَذَلِكَ لَوْ انْتَهَوْا إلَيْهِ، وَهُوَ فِي بَيْتٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّخَلُّصِ مِنْهُمْ، فَقَالُوا: اُخْرُجْ إلَيْنَا حَتَّى نَضْرِبَ عُنُقَك، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ إذَا كَانَ لَهُ فِي ذَلِكَ غَرَضٌ صَحِيحٌ، وَهُوَ أَنَّهُ يَخَافُ إنْ لَمْ يَفْعَلْ أَنْ يُمَثِّلُوا بِهِ.\nوَهَذَا؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ إلَيْهِمْ لَيْسَ فِيهِ مِنْ اسْتِهْلَاكِ النَّفْسِ شَيْءٌ وَإِنَّمَا يَخْرُجُ فِرَارًا عَنْ الْمُثْلَةِ، وَذَلِكَ لَا بَأْسَ بِهِ.","vol":"1","page":1497},{"text":"وَكَذَلِكَ لَوْ أَرَادُوا صَلْبَهُ فَأَمَرُوهُ أَنْ يَصْعَدَ الْخَشَبَةَ فَصَعِدَهَا.\nلِأَنَّ لَهُ فِي ذَلِكَ غَرَضًا صَحِيحًا، وَهُوَ دَفْعُ أَلَمِ الضَّرَبَاتِ الْمُتَوَالِيَاتِ عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ دَفْعُ مَا يَخَافُهُ مِنْ الْمُثْلَةِ بِهِ، أَوْ أَنْ يَقْتُلُوهُ قِتْلَةً هِيَ أَخْبَثُ مِنْ الصَّلْبِ.\n٢٩٣٠ - وَلَكِنْ هَذَا إذَا كَانَتْ الْخَشَبَةُ بِحَيْثُ لَا يَخَافُ التَّلَفَ مِنْ صُعُودِهَا، فَأَمَّا إذَا كَانَ يَخَافُ التَّلَفَ مِنْ ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَصْعَدَهَا.\nلِأَنَّهُ يَصِيرُ قَاتِلًا نَفْسَهُ بِالصُّعُودِ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْخَشَبَةِ، وَلَا رُخْصَةَ لَهُ فِي قَتْلِ نَفْسِهِ بِحَالٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] .\n٢٩٣١ - وَلَوْ أَوْقَدُوا نَارًا فَقَالُوا لَهُ: اطْرَحْ نَفْسَك فِيهَا، وَرُبَّمَا نَجَا مِنْهَا، وَرُبَّمَا لَمْ يَنْجُ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُ يَصِيرُ قَاتِلًا نَفْسَهُ بِالدُّخُولِ فِيهَا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ، وَلَا أَنْ يُعِينَ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ، فَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ جِهَةُ الِامْتِنَاعِ حَتَّى يَصِيرَ مَقْتُولًا بِفِعْلِهِمْ إنْ قَتَلُوهُ.\n٢٩٣٢ - إلَّا أَنْ يَكُونُوا هَدَّدُوهُ بِنَوْعٍ مِنْ الْقَتْلِ هُوَ أَعْظَمُ مِنْ طَرْحِ نَفْسِهِ فِي النَّارِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ هُوَ فِي سَعَةٍ أَنْ يَطْرَحَ نَفْسَهُ فِيهَا.","vol":"1","page":1498},{"text":"لِأَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، وَهُوَ الْفِرَارُ عَنْ أَلَمِ السِّيَاطِ الْمُتَوَالِيَةِ، أَوْ عَنْ الْمُثْلَةِ فَيُرَخَّصُ لَهُ فِي ذَلِكَ.\n٢٩٣٣ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَمَرُوهُ بِأَنْ يُغْرِقَ نَفْسَهُ فِي مَاءِ فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ.\n\nوَلَوْ قُدِّمَ لِيُضْرَبَ عُنُقُهُ فَضَرَبُوهُ بِسَيْفٍ سُوءٍ فَقَالَ لَهُمْ: خُذُوا سَيْفِي هَذَا فَاقْتُلُونِي بِهِ لَمْ يَسَعْهُ ذَلِكَ، وَهُوَ آثِمٌ فِي مَقَالَتِهِ.\nلِأَنَّهُ كَمَا لَا يَحِلُّ لَهُ قَتْلُ نَفْسِهِ بِحَالٍ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْمُرَ بِقَتْلِ نَفْسِهِ، وَلِأَنَّهُ أَمْرَهُ إيَّاهُ بِالْقَتْلِ أَمْرٌ بِالْمَعْصِيَةِ وَلَا رُخْصَةَ لَهُ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْصِيَةِ.\n٢٩٣٤ - وَلَكِنْ لَوْ لَمْ يَقُلْ اُقْتُلُونِي بِهِ وَلَكِنْ قَالَ: سَيْفِي أَجْوَدُ مِنْ هَذَا السَّيْفِ وَأَمْضَى فِيمَا تُرِيدُونَ، وَيُرِيدُ بِذَلِكَ الِاسْتِرَاحَةَ رَجَوْت أَنْ يَكُونَ فِي سَعَةٍ.\nلِأَنَّهُ مَا أَمَرَهُمْ بِقَتْلِ نَفْسِهِ نَصًّا، وَلَهُ فِيمَا قَالَ غَرَضٌ صَحِيحٌ، وَهُوَ الِاسْتِرَاحَةُ مِمَّا يَلْحَقُهُ إذَا أَبْطَأَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ، وَمَعَ هَذَا لَمْ يُطْلِقْ الْجَوَابَ فِيهِ بَلْ عَلَّقَهُ بِالرَّجَاءِ.\nلِأَنَّ فِي مُنَاوَلَةِ السِّلَاحِ إيَّاهُمْ نَوْعَ إعَانَةٍ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ مِنْ مَدِّ الْعُنُقِ وَلُبْسِ الثِّيَابِ وَصُعُودِ الْخَشَبَةِ.\n٢٩٣٥ - وَعَلَى هَذَا لَوْ أَرَادُوا شَقَّ بَطْنِهِ فَقَالَ: لَا تَفْعَلُوا، وَلَكِنْ اضْرِبُوا عُنُقِي لَمْ يَسَعْهُ هَذَا.\nلِأَنَّهُ تَصْرِيحٌ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْصِيَةِ.","vol":"1","page":1499},{"text":"٢٩٣٦ - وَلَكِنْ لَوْ لَمْ يَقُلْ: اضْرِبُوا، وَلَكِنْ قَالَ: اتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تَشُقُّوا بَطْنِي، فَإِنَّ هَذَا لَا يَنْبَغِي؛ لِأَنَّ ضَرْبَ الْعُنُقِ أَوْحَى وَأَجْمَلُ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ.\nلِأَنَّهُ صَرَّحَ هَا هُنَا بِالنَّهْيِ عَنْ الْمَعْصِيَةِ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِالْأَمْرِ بِضَرْبِ الْعُنُقِ. إنَّمَا أَخْبَرَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ مِمَّا هَمُّوا بِهِ، فَلِهَذَا كَانَ فِي سَعَةٍ مِنْ ذَلِكَ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ تَرَكُوهُ كَانَ هُوَ آثِمًا فِي قَوْلِهِ: اضْرِبُوا عُنُقِي؛ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّصْرِيحِ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْصِيَةِ، وَلَمْ يَكُنْ هُوَ آثِمًا فِي قَوْلِهِ: ضَرْبُ الْعُنُقِ أَوْحَى وَأَجْمَلُ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: ضَرْبُ الْعُنُقِ أَوْحَى وَأَجْمَلُ، وَلَكِنْ اتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تَصْنَعُوا بِي شَيْئًا مِنْ هَذَا. فَضَرَبُوا عُنُقَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إثْمٌ فِي مَقَالَتِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.\n٢٩٣٧ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ غَيْرَ الْمَقْصُودِ بِالْقَتْلِ مِنْ الْأُسَرَاءِ هُوَ الَّذِي قَالَ ذَلِكَ فَإِنْ قَالَ: اتَّقُوا اللَّهَ، وَلَا تُمَثِّلُوا بِهِ. فَإِنَّ ضَرْبَ الْعُنُقِ يَأْتِي عَلَى مَا تُرِيدُونَ رَجَوْت أَلَا يَكُونَ آثِمًا، وَلَوْ قَالَ: اضْرِبُوا عُنُقَهُ كَانَ آثِمًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْقَتْلِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّهُ لَا رُخْصَةَ فِي التَّصْرِيحِ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْصِيَةِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَلَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: لَا تَفْعَلُوا ذَلِكَ بِهِ يَوْمَكُمْ هَذَا، وَلَكِنْ افْعَلُوهُ غَدًا","vol":"1","page":1500},{"text":"كَانَ آثِمًا فِي قَوْلِهِ: افْعَلُوهُ غَدًا، أَطَاعُوهُ فِي ذَلِكَ أَوْ عَصَوْهُ، وَلَوْ قَالَ: أَخِّرُوهُ إلَى الْغَدِ لَمْ يَكُنْ آثِمًا فِي ذَلِكَ.\n٢٩٣٨ - وَلَوْ أَرَادُوا ضَرْبَ بَطْنِ الْأَسِيرِ بِالسَّيْفِ فَقَالَ: اتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تَضْرِبُوا مَوْضِعَ الطَّعَامِ، وَلَكِنْ اضْرِبُوا الْعُنُقَ، كَانَ آثِمًا فِي قَوْلِهِ: اضْرِبُوا الْعُنُقَ. وَلَوْ قَالَ: الْقَتْلُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الطَّعَامِ أَجْمَلُ لَمْ يَكُنْ آثِمًا. وَلَوْ قَالَ لِلضَّارِبِ: ارْفَعْ يَدَك عَنْ مَوْضِعِ الطَّعَامِ أَوْ سَفِّلْ بِيَدِك عَنْ مَوْضِعِ الطَّعَامِ خِفْت أَنْ يَكُونَ آثِمًا، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: لَا تَضْرِبْ مَوْضِعَ الطَّعَامِ.\nلِأَنَّ صِيغَةَ ذَلِكَ الْكَلَامِ نَهْيٌ عَنْ الْمَعْصِيَةِ، وَصِيغَةَ هَذَا الْكَلَامِ أَمْرٌ بِمَا هُوَ مَعْصِيَةٌ؛ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ سَفِّلْ يَدَك أَوْ ارْفَعْ يَدَك اضْرِبْهُ أَسْفَلَ مِنْ الطَّعَامِ أَوْ فَوْقَ الطَّعَامِ، وَلَا رُخْصَةَ لَهُ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْصِيَةِ صُورَةً وَلَا مَعْنًى، وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ نَوْعُ تَخْفِيفٍ عَنْ الْمُسْلِمِ، وَكَانَ مَقْصُودُ الْمُتَكَلِّمِ ذَلِكَ التَّخْفِيفَ فَبِهَذِهِ الْفُصُولِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يُرَاعِيَ عِبَارَتَهُ كَمَا يُرَاعِي مَعْنَى كَلَامِهِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ أَنَّ الْعَبَّاسَ - ﵁ -، لَمَّا سُئِلَ فَقِيلَ: أَنْتَ أَكْبَرُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -، أَمْ رَسُولُ اللَّهِ، - ﵌ - أَكْبَرُ مِنْك؟ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، أَكْبَرُ مِنِّي وَأَنَا أَسَنُّ مِنْهُ. وَحُكِيَ أَنَّ هَارُونَ رَأَى فِي مَنَامِهِ أَنَّ أَسْنَانَهُ السُّفْلَى قَدْ سَقَطَتْ فَسَأَلَ بَعْضَ الْمُعَبِّرِينَ فَقَالَ: يَمُوتُ أَقَارِبُك فَكَرِهَ ذَلِكَ، وَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِ، وَدَعَا مُعَبِّرًا آخَرَ وَسَأَلَهُ فَقَالَ: عُمْرُك يَكُونُ أَطْوَلُ مِنْ عُمْرِ أَقَارِبِك فَأَحْسَنَ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ الصِّلَةَ. وَهُمَا فِي الْمَعْنَى سَوَاءٌ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يُرَاعِيَ عِبَارَتَهُ.","vol":"1","page":1501},{"text":"وَإِذَا أُسِرَ الْأَسِيرُ وَابْنُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَأَرَادُوا قَتْلَهُمَا فَقَالَ الْأَبُ: قَدِّمُوا ابْنِي بَيْنَ يَدَيَّ حَتَّى أَحْتَسِبَهُ فَهُوَ آثِمٌ، فِي مَقَالَتِهِ، فَعَلُوا ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَفْعَلُوا.\nلِأَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى.\nوَلَوْ قَالَ: إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَحْتَسِبَ ابْنِي فَلَا تَقْتُلُونِي قَبْلَهُ، رَجَوْت أَلَّا يَأْثَمَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِالْأَمْرِ بِقَتْلِهِ وَلَا بِقَتْلِ ابْنِهِ.\n٢٩٤٠ - وَلَوْ كَانَ الِابْنُ هُوَ الْقَائِلُ، اُقْتُلُونِي قَبْلَ قَتْلِ أَبِي كَانَ آثِمًا، وَلَوْ قَالَ: لَا تَقْتُلُوا أَبِي قَبْلِي فَإِنِّي أَخَافُ أَنِّي أَجْزَعُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي هَذَا إثْمٌ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَرَادُوا ضَرْبَهُ أَوْ ضَرْبَ ابْنِهِ بِالسَّيْفِ فَقَالَ: اشْحَذُوا سَيْفَكُمْ لَمْ يَكُنْ آثِمًا بِذَلِكَ. وَلَوْ قَالَ: اشْحَذُوهُ ثُمَّ اُقْتُلُونِي بِهِ كَانَ آثِمًا.\nلِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّحْذِ لَيْسَ فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْمَعْصِيَةِ شَيْءٌ، لَوْلَا مَا أَرَادُوا مِنْ مَعْنَى الْمَعْصِيَةِ، وَهُوَ قَتْلُ الْمُسْلِمِ، وَذَلِكَ فِي قَصْدِهِمْ لَا فِي لَفْظِهِ، فَأَمَّا فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ اُقْتُلُونِي تَصْرِيحٌ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْصِيَةِ، وَذَلِكَ لَا رُخْصَةَ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":1502},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>[بَابُ الْأَسِيرِ الْمُسْلِمِ مَا يَسَعُهُ أَنْ يَفْعَلَهُ لَهُمْ إذَا أَكْرَهُوهُ وَمَا لَا يَسَعُهُ]</span>\n٢٩٤١ - وَلَوْ قَالُوا لِأَسِيرٍ مُسْلِمٍ: اُقْتُلْ لَنَا هَذَا الْأَسِيرَ الْمُسْلِمَ، أَوْ لَنَقْتُلَنَّك لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يَقْتُلَهُ لِمَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ: «لَيْسَ فِي الْقَتْلِ تَقِيَّةٌ» .\nوَلِأَنَّهُمْ أَمَرُوهُ بِالْمَعْصِيَةِ، وَلَا طَاعَةَ لِلْمَخْلُوقِ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ، وَهُوَ بِالْإِقْدَامِ عَلَى الْقَتْلِ يَجْعَلُ رُوحَ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ فِي الْحُرْمَةِ وِقَايَةً لِرُوحِهِ، وَيَقْدَمُ عَلَى مَا هُوَ مِنْ مَظَالِمِ الْعِبَادِ، وَلَا رُخْصَةَ فِي ذَلِكَ.\n٢٩٤٢ - وَإِنْ قَالُوا اشْحَذْ لَنَا هَذَا السَّيْفَ حَتَّى نَقْتُلَ بِهِ هَذَا الرَّجُلَ الْمُسْلِمَ، أَوْ لَمْ يَذْكُرُوا هَذِهِ الزِّيَادَةَ، فَإِنْ كَانَ لَا يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْمَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُمْ إنَّمَا يَأْمُرُونَ بِهِ لِيَتَقَوَّوْا بِهِ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا رُخْصَةَ لَهُ فِي إعَانَتِهِمْ عَلَى ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يُهَدِّدُوهُ بِالْقَتْلِ إنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَفْعَلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيمَا أَمَرُوهُ بِهِ مَظْلِمَةٌ لِلْمُسْلِمِ، وَفِيهِ دَفْعُ شَرِّ الْقَتْلِ عَنْ نَفْسِهِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَفْعَلْ لَهُمْ ذَلِكَ تَمَكَّنُوا مِنْ قَتْلِ الْأَسِيرِ بِغَيْرِ السَّيْفِ.","vol":"1","page":1503},{"text":"وَكَذَلِكَ لَوْ قَالُوا اُنْجُرْ لَنَا هَذِهِ الْخَشَبَةَ حَتَّى نُصَلِّبَ عَلَيْهَا هَذَا الْمُسْلِمَ أَوْ لَنَقْتُلَنَّكَ يَسَعُهُ ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُ لَيْسَ فِيمَا أَمَرُوهُ بِهِ قَتْلُ الْمُسْلِمِ، فَإِنَّهُمْ يَتَمَكَّنُونَ مِنْ قَتْلِهِ بِوَجْهٍ آخَرَ.\n٢٩٤٣ - إلَّا أَنَّهُ مَعَ هَذَا إنْ امْتَنَعَ حَتَّى يُقْتَلَ كَانَ مَأْجُورًا، لِمَا فِي امْتِنَاعِهِ مِنْ الْكَبْتِ وَالْغَيْظِ لَهُمْ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالُوا: أَمْسِكْ رَأْسَهُ حَتَّى نَضْرِبَ عُنُقَهُ وَإِلَّا قَتَلْنَاك كَانَ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فِي سَعَةٍ مِنْ ذَلِكَ.\nلِأَنَّ إمْسَاكَ الرَّأْسِ لَيْسَ مِنْ قَتْلِ الْمُسْلِمِ فِي شَيْءٍ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ الْجَوَابَ بِالِاسْتِثْنَاءِ هَا هُنَا؛ لِأَنَّ فِي فِعْلِهِ تَعَرُّضًا لِلْمُسْلِمِ، بِخِلَافِ شَحْذِ السَّيْفِ وَنَجْرِ الْخَشَبَةِ فَلَيْسَ هُنَاكَ فِي فِعْلِهِ تَعَرُّضٌ لِلْمُسْلِمِ.\n٢٩٤٤ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَمَرُوهُ بِرَبْطِ يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ.\nلِأَنَّهُ لَيْسَ فِي فِعْلِهِ تَلَفُ نَفْسِهِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ عَلَى الْمَرْبُوطِ مِنْهُ لَوْ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ بِشَيْءٍ آخَرَ، وَلَا يَكُونُ أَمْرُهُمْ بِهَذَا أَعْظَمَ مِنْ أَمْرِهِمْ بِالْكُفْرِ، وَذَلِكَ يَسَعُهُ فِي الْإِكْرَاهِ، وَإِنْ كَانَ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ أَفْضَلَ، فَهَذَا مِثْلُهُ.\n٢٩٤٥ - وَلَوْ كَانَتْ يَدُ الَّذِي يَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ضَعِيفَةً فَقِيلَ لَهُ: أَمْسِكْ بِيَدِك عَلَى يَدَيْهِ، حَتَّى نَضْرِبَهُ وَإِلَّا قَتَلْنَاك، لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يَفْعَلَ هَذَا.","vol":"1","page":1504},{"text":"لِأَنَّ فِيهِ إعَانَةً عَلَى الْقَتْلِ بِعَيْنِهِ، وَلَا رُخْصَةَ فِي الْإِعَانَةِ عَلَى قَتْلِ الْمُسْلِمِ.\nقَالَ النَّبِيُّ - ﵌ -: «مَنْ أَعَانَ فِي دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَكْتُوبًا عَلَى عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى» .\n٢٩٤٦ - وَلَوْ قَالُوا: دُلَّنَا عَلَى سَيْفٍ نَقْتُلْهُ بِهِ وَإِلَّا قَتَلْنَاك لَمْ يَكُنْ آثِمًا فِي الدَّلَالَةِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.\nلِأَنَّ فِعْلَهُ لَيْسَ بِقَتْلٍ، وَهُوَ لَوْ لَمْ يَدُلَّهُمْ قَدَرُوا عَلَى قَتْلِهِ. بِحَجَرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالِاسْتِثْنَاءِ؛ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ عَلَى الْقَتْلِ بِمَنْزِلَةِ مُبَاشَرَةِ الْقَتْلِ مِنْ وَجْهٍ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا دَلَّ عَلَى قَتْلِ صَيْدٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْجَزَاءِ مَا عَلَى الْقَاتِلِ؟\n٢٩٤٧ - وَإِنْ لَمْ يَدُلَّهُمْ حَتَّى يُقْتَلَ كَانَ مَأْجُورًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.\nلِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ مِنْ فِعْلٍ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْقَتْلِ مِنْ وَجْهٍ.\n٢٩٤٨ - وَعَلَى هَذَا لَوْ طَلَبُوا السَّيْفَ مِنْهُ لِيُقَاتِلُوا بِهِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ كَانَ مَأْجُورًا، وَإِنْ أَعْطَاهُمْ حِينَ هَدَّدُوهُ بِالْقَتْلِ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ قَالُوا إنْ أَعْطَيْتنَا سَيْفَك خَلَّيْنَا سَبِيلَ هَذَا الْأَسِيرِ الْمُسْلِمِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ، لِمَا فِيهِ مِنْ نَجَاةِ مُسْلِمٍ آخَرَ، فَإِذَا كَانَ فِيهِ نَجَاتُهُ كَانَ أَوْلَى","vol":"1","page":1505},{"text":"قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يَرُدُّونَ عَلَيْهِمْ أَسْرَاهُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْهُمْ أُسَرَاءَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي مُفَادَاةِ الْأَسِيرِ بِالْأَسِيرِ كَلَامٌ نَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ جَائِزٌ، ثُمَّ رَدُّ الْأَسِيرِ عَلَيْهِمْ أَمَرُّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ دَفْعِ السِّلَاحِ إلَيْهِمْ، فَإِذَا كَانَ يَجُوزُ رَدُّ الْأَسِيرِ عَلَيْهِمْ لِاسْتِنْقَاذِ الْمُسْلِمِ، فَدَفَعَ السِّلَاحَ إلَيْهِمْ بِهَذَا يَكُونُ أَجْوَزَ.\n٢٩٥٠ - وَلَوْ هَرَبَ مِنْهُمْ أَسِيرٌ فَقَالُوا لِأَسِيرٍ آخَرَ يَعْرِفُ مَكَانَهُ: دُلَّنَا عَلَيْهِ لِنَقْتُلَهُ وَإِلَّا قَتَلْنَاك، لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يَدُلَّهُمْ عَلَيْهِ.\nلِأَنَّ الدَّلَالَةَ الْمُمْكِنَةَ مِنْ الْقَتْلِ بِمَنْزِلَةِ مُبَاشَرَةِ الْقَتْلِ مِنْ وَجْهٍ، كَمَا فِي حَقِّ الصَّيْدِ. ثُمَّ فِي هَذَا ظُلْمُ الْأَسِيرِ الْهَارِبِ.\nلِأَنَّهُمْ لَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْهُ إلَّا بِدَلَالَتِهِ فَهُوَ بِهَذِهِ الدَّلَالَةِ يُمَكِّنُهُمْ مِنْ قَتْلِهِ. وَلَا رُخْصَةَ فِي ظُلْمِ الْمُسْلِمِ بِهَذَا الطَّرِيقِ.\n\nوَلَوْ كَانُوا حَاصَرُوا حِصْنًا لِلْمُسْلِمِينَ فَقَالُوا لِأَسِيرٍ فِي أَيْدِيهِمْ دُلَّنَا عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُؤْتَى مِنْ قِبَلِهِ الْحِصْنُ، أَوْ عَلَى مَدْخَلِ الْمَاءِ الَّذِي يَشْرَبُونَ مِنْهُ، أَوْ لَنَقْتُلَنَّك، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ إنْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ ظَفِرُوا بِالْحِصْنِ، وَقَتَلُوا مَنْ فِيهِ، أَوْ كَانَ عَلَى ذَلِكَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ. فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَدُلَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ) .\nلِأَنَّهُمْ يُمَكِّنُهُمْ بِهَذِهِ الدَّلَالَةِ مِنْ قَتْلِ الْمُسْلِمِينَ، وَاسْتِرْقَاقِ ذَرَارِيِّهِمْ، وَارْتِكَابِ الْحَرَامِ مِنْ نِسَائِهِمْ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قِيلَ لَهُ لَنَقْتُلَنَّك أَوْ لِتُمَكِّنَنَا مِنْ فُلَانَةَ نَزْنِي بِهَا، وَهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهَا إلَّا بِدَلَالَتِهِ، أَنَّهُ لَا يَسَعُهُ أَنْ يَدُلَّ عَلَيْهَا فَكَذَلِكَ فِيمَا سَبَقَ.\nوَأَكْبَرُ الرَّأْيِ كَالْيَقِينِ فِيمَا لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ حَقِيقَتِهِ.","vol":"1","page":1506},{"text":"وَلَوْ أَخَذُوا أَسِيرًا فَقَالُوا: إنَّا نُرِيدُ أَنْ نَنْصِبَهُ فَنَرْمِيَهُ فَدُلَّنَا عَلَى قَوْسٍ وَنِشَابٍ نَرْمِيهِ بِهَا حَتَّى نَقْتُلَهُ، أَوْ لَنَقْتُلَنَّك، فَدَلَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَهَذَا لَهُ وَاسِعٌ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.\nلِأَنَّهُ فِي أَيْدِيهِمْ وَهُمْ يَتَمَكَّنُونَ مِنْ قَتْلِهِ بِطَرِيقٍ آخَرَ، فَلَا يَكُونُ هُوَ بِدَلَالَتِهِ مُمَكِّنًا إيَّاهُمْ مِنْ قَتْلِهِ.\n٢٩٥٢ - إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَسِيرُ فِي مَوْضِعٍ لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ سِوَى النُّشَّابِ، فَحِينَئِذٍ لَا يَسَعُهُ أَنْ يَدُلَّهُمْ عَلَى الْقَوْسِ وَالنُّشَّابِ.\nلِأَنَّهُ يُمَكِّنُهُمْ مِنْ قَتْلِهِ بِدَلَالَتِهِ. وَأُوَضِّحُ هَذِهِ الْمَسَائِلَ بِالدَّلَالَةِ عَلَى قَتْلِ الصَّيْدِ فَإِنَّ مَنْ رَأَى صَيْدًا فِي مَوْضِعٍ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَدَلَّهُ مُحْرِمٌ عَلَى الطَّرِيقِ إلَيْهِ حَتَّى ذَهَبَ فَقَتَلَهُ كَانَ عَلَى الدَّالِ الْجَزَاءُ.\n٢٩٥٣ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَرْمِيَهُ بِنُشَّابَةٍ وَلَيْسَ مَعَهُ ذَلِكَ فَدَلَّهُ مُحْرِمٌ عَلَى قَوْسٍ وَنُشَّابٍ، أَوْ دَفَعَهُ إلَيْهِ فَرَمَاهُ فَقَتَلَهُ بِهِ، كَانَ عَلَى الْمُحْرِمِ الْجَزَاءُ. وَلَوْ أَرَادَ قَتْلَ صَيْدٍ فَقَالَ الْمُحْرِمُ نَاوِلْنِي حَرْبَتِي، بَعْدَ مَا رَكِبَ فَرَسَهُ فَنَاوَلَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمُحْرِمِ شَيْءٌ.\nلِأَنَّهُ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ قَتْلِ الصَّيْدِ بِدُونِ هَذِهِ الْمُنَاوَلَةِ، وَلَكِنَّهُ آثِمٌ فِيمَا صَنَعَ؛ لِأَنَّ فِي فِعْلِهِ صُورَةَ الْإِعَانَةِ عَلَى قَتْلِ الصَّيْدِ، وَلَا رُخْصَةَ لِلْمُحْرِمِ فِي ذَلِكَ.","vol":"1","page":1507},{"text":"وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَعَارَ مِنْ مُحْرِمٍ سِكِّينًا فَذَبَحَ الصَّيْدَ بِهِ.\nلِأَنَّ الصَّيْدَ فِي يَدِهِ، وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ ذَبْحِهِ بِدُونِ هَذَا السِّكِّينِ، وَلَكِنَّهُ آثِمٌ فِي صُنْعِهِ، لِوُجُودِ صُورَةِ الْإِعَانَةِ مِنْهُ عَلَى قَتْلِ الصَّيْدِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.","vol":"1","page":1508},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>[بَابُ مَا يَسَعُ الرَّجُلُ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ إذَا أَهْوَى إلَى الْهَلَاك]</span>\n١٥١ - بَابُ مَا يَسَعُ الرَّجُلُ الْمُسْلِم أَنْ يَفْعَلَ أَيَّهمَا شَاءَ\n٢٩٥٥ - وَإِذَا أَحْرَقَ الْمُشْرِكُونَ سَفِينَةً مِنْ سَفَائِنِ الْمُسْلِمِينَ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - ﵄ - مَنْ فِي السَّفِينَةِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ صَبَرَ عَلَى النَّارِ حَتَّى يَحْتَرِقَ، وَإِنْ شَاءَ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ حَتَّى يَغْرَقَ.\nلِأَنَّهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ هَلَاكِهِ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَلَهُ غَرَضٌ فِي كُلِّ وَجْهٍ، وَالنَّارُ يَكُونُ أَسْرَعَ لِهَلَاكِهِ، وَلَكِنْ فِيهِ زِيَادَةُ الْأَلَمِ مِنْ حَيْثُ تَفْرِيقِ الْأَعْضَاءِ، وَالْمَاءُ أَبْطَأُ لِهَلَاكِهِ وَلَكِنْ فِيهِ زِيَادَةُ الْغَمِّ وَطَبَائِعُ النَّاسِ فِي هَذَا مُخْتَلِفَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُ أَلَمَ الْجَرْحِ وَسُرْعَةَ الِاسْتِرَاحَةِ عَلَى غَمِّ الْمَاءِ وَبُطْءِ الْهَلَاكِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُ غَمَّ الْمَاءِ عَلَى أَلَمِ الْجِرَاحَةِ، فَلَهُ أَنْ يَمِيلَ إلَى أَيِّ الْجَانِبَيْنِ شَاءَ.\n٢٩٥٦ - وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ هَذَا عَلَى وُجُوهٍ؛ إنْ كَانَ يَطْمَعُ فِي النَّجَاةِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَيَخَافُ الْهَلَاكَ فَلَهُ الْخِيَارُ.\nلِأَنَّهُ إنْ صَبَرَ فَإِنَّمَا يَقْصِدُ بِهِ تَحْصِيلَ النَّجَاةِ الَّتِي يَطْمَعُ فِيهَا، وَكَذَلِكَ إنْ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ، فَإِنَّمَا يَقْصِدُ تَحْصِيلَ النَّجَاةِ بِفِعْلِهِ، فَلَهُ ذَلِكَ.","vol":"1","page":1509},{"text":"٢٩٥٧ - وَإِنْ كَانَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ الْهَلَاكِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ يَرْجُو النَّجَاةَ فِي الْوَجْهِ الْآخَرِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَصْنَعَ مَا يَرْجُو فِيهِ النَّجَاةَ.\nلِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِدَفْعِ سَبَبِ الْهَلَاكِ عَنْ نَفْسِهِ بِحَسَبِ الْوُسْعِ مَنْهِيٌّ عَنْ قَتْلِ نَفْسِهِ.\n٢٩٥٨ - وَإِنْ كَانَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ الْهَلَاكِ فِيهِمَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَصْبِرَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُلْقِيَ نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ.\nلِأَنَّهُ إنْ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ صَارَ هَالِكًا بِفِعْلِ نَفْسِهِ، وَإِنْ صَبَرَ صَارَ هَالِكًا بِفِعْلِ غَيْرِهِ، وَلَأَنْ يَهْلَكَ بِفِعْلِ غَيْرِهِ أَوْلَى مِنْ أَنْ يَهْلَكَ بِفِعْلِ نَفْسِهِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ ظَالِمًا لَوْ قَالَ لِإِنْسَانٍ: لَتَقْتُلَن نَفْسَك أَوْ لَأَقْتُلَنَّكَ لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ، لِهَذَا الْمَعْنَى.\nوَأَبُو حَنِيفَةَ - ﵁ -، يَقُولُ: الِاسْتِدَامَةُ فِيمَا يُسْتَدَامُ كَالْإِنْشَاءِ، فَالْمُقَامُ فِي مَكَانِهِ حَتَّى تَنْتَهِيَ إلَيْهِ النَّارُ مِنْ فِعْلِهِ كَمَا أَنَّ إلْقَاءَ نَفْسِهِ فِي الْمَاءِ مِنْ فِعْلِهِ، وَلَيْسَ هَذَا نَظِيرُ مَسْأَلَةِ الْإِكْرَاهِ؛ لِأَنَّ تَيَقُّنَهُ فِيمَا هَدَّدَهُ بِهِ الْمُكْرِهُ لَيْسَ كَتَيَقُّنِهِ فِيمَا يَفْعَلُ بِنَفْسِهِ، فَقَدْ يُهَدِّدُ الْمُكْرِهُ ثُمَّ لَا يُحَقِّقُ، وَهَا هُنَا تَيَقُّنُهُ فِي الْهَلَاكِ فِي الْجَانِبَيْنِ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ.\n٢٩٥٩ - وَاسْتَشْهَدَ مُحَمَّدٌ - ﵀ - بِرَجُلٍ يَدْخُلُ فِي بَيْتٍ إلَى جَانِبِهِ بَيْتٌ، فَوَقَعَ الْحَرِيقُ فِي الْبَيْتَيْنِ، وَهُوَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ الْهَلَاكِ إنْ ثَبَتَ فِي الْبَيْتِ الَّذِي هُوَ فِيهِ أَوْ وَثَبَ إلَى الْبَيْتِ","vol":"1","page":1510},{"text":"الْآخَرِ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الثَّبَاتُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَحَوَّلَ إلَى الْبَيْتِ الْآخَرِ.\nفَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ: الْخِلَافُ فِي الْفَصْلَيْنِ وَاحِدٌ، وَمِنْ عَادَةِ مُحَمَّدٍ - ﵀ - الِاسْتِشْهَادُ بِالْمُخْتَلِفِ عَلَى الْمُخْتَلِفِ لِإِيضَاحِ الْكَلَامِ، فَالْأَصَحُّ أَنَّ هَذَا قَوْلُهُمْ جَمِيعًا، وَالْفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ - ﵁ -، أَنَّ جِهَةَ الْهَلَاكِ هَا هُنَا وَاحِدَةٌ فِي الْبَيْتَيْنِ، وَلَا غَرَضَ لَهُ فِي التَّحَوُّلِ مِنْ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْمَرْءِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إذَا كَانَ مُفِيدًا لَهُ فَائِدَةً، فَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ السَّفِينَةِ فَجِهَةُ الْهَلَاكِ مُخْتَلِفَةٌ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمَاءَ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ النَّارِ، وَفِي إثْبَاتِ الْخِيَارِ لَهُ فَائِدَةٌ فَأَثْبَتْنَاهُ.\n٢٩٦٠ - وَلَوْ أَنَّ مُشْرِكًا طَعَنَ مُسْلِمًا بِرُمْحٍ فَأَنْفَذَهُ فَأَرَادَ أَنْ يَمْشِيَ فِي الرُّمْحِ إلَيْهِ لِيَضْرِبَهُ بِالسَّيْفِ فَإِنْ كَانَ يَخَافُ الْهَلَاكَ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَيَرْجُو النَّجَاةَ إنْ خَرَجَ مِنْ الرُّمْحِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ.\nلِأَنَّ الْمَشْيَ إلَيْهِ فِي الرُّمْحِ إعَانَةٌ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ، وَالْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ الدَّفْعُ عَنْ نَفْسِهِ بِجَهْدِهِ أَوَّلًا، ثُمَّ النَّيْلُ مِنْ عَدُوِّهِ.\n٢٩٦١ - وَإِنْ اسْتَوَى الْجَانِبَانِ عِنْدَهُ فِي التَّيَقُّنِ بِالْهَلَاكِ فِيهِمَا، أَوْ رَجَاءِ النَّجَاةِ فِيهِمَا، مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يَزِيدُ فِي جِرَاحَتِهِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَمْشِيَ إلَيْهِ فِي الرُّمْحِ حَتَّى يَضْرِبَهُ بِالسَّيْفِ، وَإِنْ شَاءَ خَرَجَ مِنْ الرُّمْحِ.","vol":"1","page":1511},{"text":"لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الرُّمْحِ مِنْ أَيِّ الْجَانِبَيْنِ شَاءَ، وَفَرَّقَ مُحَمَّدٌ - ﵀ - بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا سَبَقَ.\n٢٩٦٢ - وَقَالَ: لَيْسَ هُنَاكَ فِي إلْقَاءِ نَفْسِهِ مَعْنَى النَّيْلِ مِنْ الْعَدُوِّ، وَهَا هُنَا فِي الْمَشْيِ إلَيْهِ فِي الرُّمْحِ مَعْنَى النَّيْلِ مِنْ الْعَدُوِّ وَالظَّفَرِ بِهِ، وَهَذَا الْقَصْدُ يُبِيحُ لَهُ الْإِقْدَامَ، وَهَذَا كُلُّهُ إنَّمَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ فِيهِ بِغَالِبِ الرَّأْيِ.\nلِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ إلَى الْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَةِ الْأَمْرِ فِيهِ، وَغَالِبُ الرَّأْيِ كَالْيَقِينِ فِي مِثْلِهِ.\n٢٩٦٣ - وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا حَمَلَ عَلَى أَلْفِ رَجُلٍ وَحْدَهُ فَإِنْ كَانَ يَطْمَعُ أَنْ يَظْفَرَ بِهِمْ أَوْ يَنْكَأَ فِيهِمْ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.\nلِأَنَّهُ يَقْصِدُ بِفِعْلِهِ النَّيْلَ مِنْ الْعَدُوِّ.\n٢٩٦٤ - وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -، غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَصْحَابِ يَوْمَ أُحُدٍ وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، وَبَشَّرَ بَعْضَهُمْ بِالشَّهَادَةِ حِينَ اسْتَأْذَنَهُ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَطْمَعْ فِي نِكَايَةٍ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ هَذَا الصَّنِيعُ.\nلِأَنَّهُ يُتْلِفُ نَفْسَهُ مِنْ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا نِكَايَةٍ فِيهِ لِلْمُشْرِكِينَ.","vol":"1","page":1512},{"text":"٢٩٦٥ - وَفِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ يَسَعُهُ الْإِقْدَامُ، وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الْقَوْمَ يَقْتُلُونَهُ وَأَنَّهُ لَا يَتَفَرَّقُ جَمْعُهُمْ بِسَبَبِهِ؛ لِأَنَّ الْقَوْمَ هُنَاكَ مُسْلِمُونَ مُعْتَقِدُونَ لِمَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنَّ فِعْلَهُ يَنْكِي فِي قُلُوبِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا لَا يُظْهِرُونَ ذَلِكَ، وَهَا هُنَا الْقَوْمُ كُفَّارٌ لَا يَعْتَقِدُونَ حَقِيقَةَ الْإِسْلَامِ وَفِعْلُهُ لَا يَنْكِي فِي بَاطِنِهِمْ، فَيُشْتَرَطُ النِّكَايَةُ ظَاهِرًا لِإِبَاحَةِ الْإِقْدَامِ.\n٢٩٦٦ - وَإِنْ كَانَ لَا يَطْمَعُ فِي نِكَايَةٍ وَلَكِنَّهُ يُجْزِئُ بِذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُظْهِرَ بِفِعْلِهِ النِّكَايَةَ فِي الْعَدُوِّ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.\nلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى طَمَعٍ مِنْ النِّكَايَةِ بِفِعْلِهِ جَازَ لَهُ الْإِقْدَامُ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ يَطْمَعُ فِي النِّكَايَةِ فِيهِمْ بِفِعْلِ غَيْرِهِ.\nوَكَذَلِكَ إنْ كَانَ فِي إرْهَابِ الْعَدُوِّ وَإِدْخَالِ الْوَهَنِ عَلَيْهِمْ بِفِعْلِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا أَفْضَلُ وُجُوهِ النِّكَايَةِ، وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَكُلُّ وَاحِدٍ يَبْذُلُ نَفْسَهُ لِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ.\n٢٩٦٧ - وَلَوْ أَنَّ رَاكِبَ السَّفِينَةِ حِينَ انْتَهَى النَّارُ إلَيْهِ فَوَجَدَ مَسَّهَا وَحَرَارَتِهَا لَمْ يَجِدْ مَحِيصًا إلَّا أَنْ يَرْمِيَ بِنَفْسِهِ فِي الْمَاءِ، فَرَمَى بِنَفْسِهِ، كَانَ إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي سَعَةٍ.","vol":"1","page":1513},{"text":"لِأَنَّ هَذَا الْآنَ مَدْفُوعٌ مِنْ إلْقَاءِ النَّارِ فِي السَّفِينَةِ، وَالْأَوَّلُ يَكُونُ مُلْقِيًا نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ لَا مَدْفُوعَ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ مَدْفُوعًا قَبْلَ أَنْ يَتَّصِلَ بِهِ فِعْلُ الدَّافِعِ، وَهُنَاكَ مَا اتَّصَلَ بِهِ فِعْلُ الدَّافِعِ، وَهَا هُنَا قَدْ اتَّصَلَ بِهِ فِعْلُهُ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أُوقِدَتْ لَهُ نَارٌ وَقِيلَ لَهُ: لَنَضْرِبَنَّك بِالسِّيَاطِ حَتَّى نَقْتُلَك أَوْ تُلْقِيَ نَفْسَك فِي النَّارِ حَتَّى تَحْتَرِقَ لَمْ يَسَعْهُ إلْقَاءُ نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانُوا ضَرَبُوهُ بِالسِّيَاطِ فَبَلَغَ مِنْ جَزَعِهِ وَاضْطِرَابِهِ أَنْ يَسْقُطَ فِي النَّارِ رَجَوْت أَنْ يَكُونَ فِي سَعَةٍ.\nلِأَنَّهُ مَدْفُوعُ الضَّارِبِ هَا هُنَا، وَلِأَنَّ أَلَمَ السَّوْطِ قَدْ أَصَابَهُ، وَمَا أَصَابَهُ أَلَمُ النَّارِ بَعْدُ، فَهُوَ إنَّمَا يَفِرُّ مِنْ أَلَمٍ قَدْ أَصَابَهُ، فَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ فِي سَعَةٍ.\n٢٩٦٨ - وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ - ﵁ - قَالَ: \" لَفِتْنَةُ السَّوْطِ أَشَدُّ مِنْ فِتْنَةِ السَّيْفِ، إنَّ الرَّجُلَ لَيُضْرَبُ بِالسَّوْطِ حَتَّى يَرْكَبَ الْخَشَبَةَ.\nيَعْنِي إذَا أُرِيدَ صَلْبُهُ عَلَيْهَا، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":1514},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>[بَابُ قِتَالِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَهْلَ الشِّرْكِ مَعَ أَهْلِ الشِّرْكِ]</span>\n٢٩٦٩ - قَالَ: لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُقَاتِلُوا أَهْلَ الشِّرْكِ مَعَ أَهْلِ الشِّرْكِ.\nلِأَنَّ الْفِئَتَيْنِ حِزْبُ الشَّيْطَانِ، وَحِزْبُ الشَّيْطَانِ هُمْ الْخَاسِرُونَ، فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَنْضَمَّ إلَى إحْدَى الْفِئَتَيْنِ فَيَكْثُرُ سَوَادُهُمْ وَيُقَاتِلُ دَفْعًا عَنْهُمْ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ حُكْمَ الشِّرْكِ هُوَ الظَّاهِرُ، وَالْمُسْلِمُ إنَّمَا يُقَاتِلُ لِنُصْرَةِ أَهْلِ الْحَقِّ، لَا لِإِظْهَارِ حُكْمِ الشِّرْكِ. وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَاتِلَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ أَحَدًا مِنْ الْخَوَارِجِ، مَعَ قَوْمٍ آخَرِينَ مِنْ الْخَوَارِجِ، إذَا كَانَ حُكْمُ الْخَوَارِجِ هُوَ الظَّاهِرُ.\nلِأَنَّ إبَاحَةَ الْقِتَالِ مَعَ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إنْ رَجَعُوا إلَى أَمْرِ اللَّهِ وَلَا يَحْصُلُ هَذَا الْمَقْصُودُ بِهَذَا الْقِتَالِ إذَا كَانَ حُكْمُ الْخَوَارِجِ هُوَ الظَّاهِرُ.\n٢٩٧٠ - وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُقَاتِلُ الْمُسْلِمُونَ، مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ مَعَ الْخَوَارِجِ، الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ.\nلِأَنَّهُمْ يُقَاتِلُونَ الْآنَ لِدَفْعِ فِتْنَةِ الْكُفْرِ، وَإِظْهَارِ الْإِسْلَامِ، فَهَذَا قِتَالٌ عَلَى الْوَجْهِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَهُوَ إعْلَاءُ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، فَالْقِتَالُ هُنَاكَ لِإِظْهَارِ مَا هُوَ مَائِلٌ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ، وَهَا هُنَا لِإِثْبَاتِ أَصْلِ الطَّرِيقِ.\n٢٩٧١ - ثُمَّ إنَّمَا يُبَاحُ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَقْضُ عَهْدٍ مِنْهُمْ،","vol":"1","page":1515},{"text":"فَأَمَّا إذَا آمَنُوا قَوْمًا ثُمَّ غَدَرُوا بِهِمْ فَإِنَّهُ لَا يَسَعُ الْقِتَالُ مَعَهُمْ لِأَهْلِ الْعَدْلِ؛ لِأَنَّ الْوَفَاءَ بِالْأَمَانِ وَاجِبٌ، فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، يَكْتُبُ فِي كُلِّ عَهْدٍ وَفَاءً لَا غَدْرَ فِيهِ. وَإِذَا كَانَ الْمَنْعُ لِأَهْلِ الْعَدْلِ يَخْتَصُّ بِذَلِكَ الْمَحِلِّ حَتَّى يَجُوزَ أَنْ يُقَاتِلَ مَعَهُمْ قَوْمًا آخَرِينَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مِمَّنْ لَمْ يُؤْمِنُوهُمْ.\nلِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْقِتَالِ مَعْنَى الْغَدْرِ، بَلْ فِيهِ إظْهَارُ الْإِسْلَامِ.\n٢٩٧٢ - وَلَوْ قَالَ أَهْلُ الْحَرْبِ لِأُسَرَاءَ فِيهِمْ قَاتِلُوا مَعَنَا عَدُوَّنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَهُمْ لَا يَخَافُونَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ إنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ مَعَهُمْ.\nلِأَنَّ فِي هَذَا الْقِتَالِ إظْهَارَ الشِّرْكِ، وَالْمُقَاتِلُ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ فَلَا رُخْصَةَ فِي ذَلِكَ إلَّا عَلَى قَصْدِ إعْزَازِ الدِّينِ، أَوْ الدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ. فَإِذَا كَانُوا يَخَافُونَ أُولَئِكَ الْآخَرِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُقَاتِلُوهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ يَدْفَعُونَ الْآنَ شَرَّ الْقَتْلِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ.\nفَإِنَّهُمْ يَأْمَنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي أَيْدِيهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَلَا يَأْمَنُونَ الْآخَرِينَ إنْ وَقَعُوا فِي أَيْدِيهِمْ، فَحَلَّ لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا دَفْعًا عَنْ أَنْفُسِهِمْ.\n٢٩٧٣ - وَإِنْ قَالُوا: قَاتِلُوا مَعَنَا عَدُوَّنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَإِلَّا قَتَلْنَاكُمْ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُقَاتِلُوا دَفْعًا لَهُمْ.\nلِأَنَّهُمْ يَدْفَعُونَ الْآنَ أَشَرَّ الْقَتْلِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ.","vol":"1","page":1516},{"text":"وَقَتْلُ أُولَئِكَ الْمُشْرِكِينَ لَهُمْ حَلَالٌ، وَلَا بَأْسَ بِالْإِقْدَامِ عَلَى مَا هُوَ حَلَالٌ، عِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ بِسَبَبِ الْإِكْرَاهِ، وَرُبَّمَا يَجِبُ ذَلِكَ كَمَا فِي تَنَاوُلِ الْمَيْتَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ.\n٢٩٧٤ - وَإِنْ قَالُوا لَهُمْ قَاتِلُوا مَعَنَا الْمُسْلِمِينَ وَإِلَّا قَتَلْنَاكُمْ لَمْ يَسَعْهُمْ الْقِتَالُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ.\nلِأَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِعَيْنِهِ. فَلَا يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ التَّهْدِيدِ بِالْقَتْلِ، كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ: اُقْتُلْ هَذَا الْمُسْلِمَ وَإِلَّا قَتَلْتُك.\n٢٩٧٥ - فَإِنْ هَدَّدُوهُمْ يَقِفُوا مَعَهُمْ فِي صَفِّهِمْ وَلَا يُقَاتِلُوا الْمُسْلِمِينَ رَجَوْت أَنْ يَكُونُوا فِي سَعَةٍ.\nلِأَنَّهُمْ الْآنَ لَا يَصْنَعُونَ بِالْمُسْلِمِينَ شَيْئًا، فَهَذَا لَيْسَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَظَالِمِ.\n٢٩٧٦ - وَأَكْبَرُ مَا فِيهِ أَنْ يَلْحَقَ الْمُسْلِمِينَ هَمٌّ لِكَثْرَةِ سَوَادِ الْمُشْرِكِينَ فِي أَعْيُنِهِمْ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى إتْلَافِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ بِوَعِيدٍ مُتْلِفٍ، فَإِنْ كَانُوا لَا يَخَافُونَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَقِفُوا مَعَهُمْ فِي صَفٍّ، وَإِنْ أَمَرُوهُمْ بِذَلِكَ.\nلِأَنَّ فِيهِ إرْهَابَ الْمُسْلِمِينَ وَإِلْقَاءَ الرُّعْبِ وَالْفَشَلِ فِيهِمْ، وَبِدُونِ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ لَا يَسَعُ الْمُسْلِمَ الْإِقْدَامُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ.","vol":"1","page":1517},{"text":"وَلَوْ قَالُوا لِلْأُسَرَاءِ: قَاتِلُوا مَعَنَا عَدُوَّنَا مِنْ أَهْلِ حَرْبٍ آخَرِينَ، عَلَى أَنْ نُخَلِّيَ سَبِيلَكُمْ إذَا انْقَضَتْ حَرْبُنَا لَوْ وَقَعَ فِي قُلُوبِهِمْ أَنَّهُمْ صَادِقُونَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُقَاتِلُوا مَعَهُمْ.\nلِأَنَّهُمْ يَدْفَعُونَ بِهَذَا الْأَسْرِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَلَا يَكُونُ هَذَا دُونَ مَا إذَا كَانُوا يَخَافُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنْ أُولَئِكَ الْمُشْرِكِينَ، فَكَمَا يَسَعُهُمْ الْإِقْدَامُ هُنَاكَ، فَكَذَلِكَ يَسَعُهُمْ هَا هُنَا.\nفَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَسَعُهُمْ هَذَا وَفِيهِ قُوَّةٌ لَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ؟ لِأَنَّهُمْ إذَا ظَفِرُوا بِعَدُوِّهِمْ فَآمَنُوا جَانِبَهُمْ أَقْبَلُوا عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ. وَرُبَّمَا يَأْخُذُونَ مِنْهُمْ الْكُرَاعَ وَالسِّلَاحَ فَيَتَقَوَّوْنَ بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ.\nقُلْنَا: ذَلِكَ مَوْهُومٌ، وَمَا يَحْصُلُ لَهُمْ الْآنَ مِنْ النَّجَاةِ عَنْ أَسْرِ الْمُشْرِكِينَ بِهَذَا الْقِتَالِ مَعْلُومٌ، فَيَتَرَجَّحُ هَذَا الْجَانِبُ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ طَلَبُوا مِنْ إمَامِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُفَادِيَهُمْ بِأَعْدَادِهِمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَوْ بِالْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ جَازَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ لِتُخَلِّصَهُمْ بِهِ مِنْ الْأَسْرِ وَإِنْ كَانُوا يَتَقَوَّوْنَ، بِمَا يَأْخُذُونَ، عَلَى الْمُسْلِمِينَ.\n٢٩٧٨ - وَلَوْ قَالُوا أَعِينُونَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِقِتَالٍ أَوْ بِتَكْثِيرِ سَوَادٍ عَلَى أَنْ نُخَلِّيَ سَبِيلَكُمْ لَمْ يَحِلَّ لَهُمْ هَذَا.\nلِأَنَّهُ لَا رُخْصَةَ لَهُمْ فِي قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ بِحَالٍ. وَلَا فِي إلْقَاءِ الرُّعْبِ فِي قُلُوبِهِمْ، مَا لَمْ تَتَحَقَّقْ الضَّرُورَةُ بِخَوْفِ الْهَلَاكِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ هَا هُنَا.\n٢٩٧٩ - وَلَوْ قَالُوا: قَاتِلُوا مَعَنَا عَدُوَّنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ عَلَى أَنْ نُخَلِّيَكُمْ فِي بِلَادِنَا وَلَا نَدَعَكُمْ تَرْجِعُونَ إلَى أَهْلَيْكُمْ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا مَعَهُمْ.","vol":"1","page":1518},{"text":"لِأَنَّهُمْ إنْ كَانُوا آمَنِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا يَخَافُونَ مِنْ جَانِبِهِمْ تَلَفَ نَفْسٍ أَوْ عُضْوٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونُوا مَحْبُوسِينَ فِي بِلَادِهِمْ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونُوا فِي سُجُونِهِمْ؛ لِأَنَّ فِي الْوَجْهَيْنِ يَلْحَقُهُمْ هَمٌّ بِالِانْقِطَاعِ عَنْ أَهَالِيِهِمْ، وَعَنْ إخْوَانِهِمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا لِإِظْهَارِ حُكْمِ الشِّرْكِ، بِدُونِ مَنْفَعَةٍ ظَاهِرَةٍ لَهُمْ فِي ذَلِكَ.\n٢٩٨٠ - وَإِنْ كَانُوا فِي ضُرٍّ وَبَلَاءٍ، يَخَافُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ الْهَلَاكَ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُقَاتِلُوا مَعَهُمْ الْمُشْرِكِينَ، إذَا قَالُوا نَخْرُجُكُمْ مِنْ ذَلِكَ.\nلِأَنَّ لَهُمْ فِي هَذَا الْقِتَالِ غَرَضًا صَحِيحًا، وَهُوَ دَفْعُ الْبَلَاءِ وَالضُّرِّ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ.\n٢٩٨١ - وَلَوْ أَنَّهُمْ خَلَّوْا سَبِيلَهُمْ لِيَرْجِعُوا إلَى دَارِ الْمُسْلِمِينَ، فَظَفِرُوا بِمَالٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْخُذُوهَا سِرًّا مِنْهُمْ، فَيُخْرِجُوهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.\nلِأَنَّهُمْ أُسَرَاءُ فِي أَيْدِيهِمْ مَا لَمْ يَخْرُجُوا، وَإِنَّ خَلَّوْا سَبِيلَهُمْ فَلَيْسَ فِي أَخْذِ أَمْوَالِهِمْ وَقَتْلِ نُفُوسِهِمْ إنْ تَمَكَّنُوا مِنْ ذَلِكَ غَدْرٌ بِأَمَانٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَإِنَّمَا هُوَ إصَابَةٌ مِنْ الْحَلَالِ، فَحَالُهُمْ فِي ذَلِكَ كَحَالِ الْمُتَلَصِّصِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ. حَتَّى إذَا أَخْرَجُوا ذَلِكَ فَإِنْ كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ خُمِّسَ وَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا تَمَّ إحْرَازُهُمْ لِذَلِكَ بِالْإِخْرَاجِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.","vol":"1","page":1519},{"text":"٢٩٨٢ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ هَذَا الْمَالُ أَصَابُوهُ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ الَّذِينَ قَاتَلُوا مَعَهُمْ، وَخَفِيَ عَلَى الَّذِينَ كَانُوا أُسَرَاءَ فِي أَيْدِيهِمْ أَنْ يَأْخُذُوا ذَلِكَ مِنْهُمْ فَيَسْتَوِي إنْ كَانَ مَا أَصَابُوهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ.\nلِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ كَانَ لِلْمُشْرِكَيْنِ، وَلَمْ يَتِمَّ إحْرَازُ الْمُسْلِمِينَ لَهَا إلَّا بَعْدَ الْإِخْرَاجِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.\n٢٩٨٣ - فَإِنْ كَانُوا قَدْ قَالُوا لَهُمْ: تُقَاتِلُونَ مَعَنَا عَدُوَّنَا عَلَى أَنْ تُسَلِّمُوا الْغَنَائِمَ كُلَّهَا لَنَا، وَلَا تَأْخُذُوا مِنْهَا شَيْئًا، عَلَى أَنْ نُخَلِّي سَبِيلَكُمْ، فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ.\nلِأَنَّ أَكْبَرَ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ بِهَذَا الشَّرْطِ يَلْتَحِقُ الْمُصَابُ بِأَمْوَالِهِمْ.\nوَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْخُذُوا أَمْوَالَهُمْ إذَا تَمَكَّنُوا مِنْ ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُ لَا أَمَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَإِنَّمَا يُمْتَنَعُ أَخْذُ الْمَالِ الْمُبَاحِ إذَا كَانَ فِيهِ غَدْرُ الْأَمَانِ.\n٢٩٨٤ - وَإِنْ كَانُوا قَالُوا لَهُمْ: نُخَلِّي سَبِيلَكُمْ إلَى بِلَادِكُمْ، عَلَى أَلَّا تَأْخُذُوا مِنْ أَمْوَالِنَا شَيْئًا، فَأَجَابُوهُمْ إلَى ذَلِكَ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ شَيْئًا.\nلِأَنَّهُمْ شَرَطُوا تَرْكَ التَّعَرُّضِ لَهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ. «وَالْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ»","vol":"1","page":1520},{"text":"كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - فَإِنْ قِيلَ: فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى شَرَطُوا ذَلِكَ لَهُمْ أَيْضًا، ثُمَّ قُلْتُمْ: يَسَعُهُمْ إخْفَاءُ مَا أَخَذُوا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ الْآخَرِينَ حَتَّى يَخْرُجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.\nقُلْنَا: هُنَاكَ إنَّمَا شَرَطُوا عَلَيْهِمْ أَنْ يُسَلِّمُوا غَنَائِمَهُمْ، وَإِنَّمَا غَنَائِمُهُمْ مَا كَانُوا هُمْ الَّذِينَ أَخَذُوهُ مِنْ الْعَدُوِّ، فَأَمَّا مَا أَخَذَهُ الْأُسَرَاءُ مِنْ الْعَدُوِّ فَلَيْسَ مِنْ غَنَائِمِ الَّذِينَ قَاتَلُوهُمْ مَعَهُمْ.\nلِأَنَّ ثُبُوتَ الشَّرِكَةِ فِي الْغَنَائِمِ مِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَذَلِكَ لَا يَثْبُتُ فِي مَنَعَةِ أَهْلِ الشِّرْكِ، وَإِنَّمَا الثَّابِتُ فِي مَنَعَتِهِمْ أَنَّ مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ.\nفَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذِهِ الْإِخْفَاءِ مُخَالَفَةُ شَرْطٍ مُفْصِحٍ لَهُ، ثُمَّ تَبَيَّنَّ أَنَّ مُخَالَفَةَ الشَّرْطِ الْمُفْصِحِ بِهِ لَا يَصِحُّ لَهُمْ.\n٢٩٨٥ - وَإِنْ كَانُوا أُسَرَاءَ فِي أَيْدِيهِمْ فَقَالَ: لَوْ كَانُوا فِي سِجْنٍ مِنْ سُجُونِهِمْ فَقَالُوا: نُؤْمِنُكُمْ عَلَى أَنْ نُخْرِجَكُمْ فَتَكُونُوا فِي بِلَادِنَا عَلَى أَلَّا نَدَعَكُمْ تَرْجِعُونَ إلَى بِلَادِكُمْ، وَلَا تَقْتُلُوا مِنَّا أَحَدًا، وَلَا تَأْخُذُوا مِنَّا مَالًا، سِرًّا وَلَا عَلَانِيَةً، فَرَضِيَ الْأُسَرَاءُ بِذَلِكَ، فَيَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَفُوا بِهَذَا الشَّرْطِ.\nلِأَنَّهُمْ فِيمَا الْتَزَمُوا بِالشَّرْطِ نَصًّا بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنِينَ فِيهِمْ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُمْ آمَنُوا بِقَبُولِ ذَلِكَ مِنْ الْقَتْلِ وَالْحَبْسِ وَالْعَذَابِ.\nفَإِنْ وَجَدُوا بَعْدَ هَذَا عَبْدًا أَصَابُوهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَسَعْ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَالُهُمْ لَوْ أَسْلَمُوا عَلَيْهِ كَانَ لَهُمْ.","vol":"1","page":1521},{"text":"٢٩٨٦ - وَلَوْ وَجَدُوا حُرَّةً مَأْسُورَةً أَوْ مُدَبَّرَةً لَمْ أَرَ بَأْسًا أَنْ يَأْخُذُوهَا فَيَخْرُجُوهَا.\nلِأَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ لَمْ يَمْلِكُوهَا، وَإِنَّمَا شَرَطُوا عَلَيْهِمْ تَرْكَ التَّعَرُّضِ لَهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ.\n٢٩٨٧ - وَلَوْ وَجَدُوا كُرَاعًا أَوْ سِلَاحًا أَخَذُوهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. لَمْ يَسَعْهُمْ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.\nلِأَنَّ هَذَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ.\n٢٩٨٨ - وَلَوْ قَالُوا لِلْأُسَرَاءِ: اُخْرُجُوا إلَى بِلَادِكُمْ، فَأَنْتُمْ آمِنُونَ، وَلَمْ يَقُلْ لَهُمْ الْأُسَرَاءُ شَيْئًا، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُقَاتِلَهُمْ الْأُسَرَاءُ بَعْدَ هَذَا الْقَوْلِ، وَيَأْخُذُوا أَمْوَالَهُمْ.\nلِأَنَّ الْأُسَرَاءَ مَا الْتَزَمُوا لَهُمْ شَيْئًا بِالشَّرْطِ، وَاشْتِرَاطُ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَيْهِمْ لَا يُلْزِمُهُمْ شَيْئًا مِمَّا لَمْ يَلْتَزِمُوهُ.\n٢٩٨٩ - وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا جَاءَهُمْ قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِيَدْخُلُوا دَارَ الْحَرْبِ فَقَالَ لَهُمْ أَهْلُ الْحَرْبِ: اُدْخُلُوا، وَأَنْتُمْ آمِنُونَ، فَدَخَلُوا وَلَمْ يَشْتَرِطُوا لَهُمْ شَيْئًا.\nلِأَنَّ هُنَاكَ مَجِيئُهُمْ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِئْمَانِ بِمَنْزِلَةِ التَّصْرِيحِ بِالِاشْتِرَاطِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَّا يَغْدِرُوا بِهِمْ، وَلَا يُوجَدُ هَذَا الْمَعْنَى فِي حَقِّ الْأُسَرَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَقْهُورِينَ فِي أَيْدِيهِمْ لَا مُسْتَأْمَنِينَ.","vol":"1","page":1522},{"text":"وَلَوْ قَالَ أَهْلُ الْحَرْبِ لِلْأُسَرَاءِ فِيهِمْ: قَاتِلُوا مَعَنَا عَدُوَّنَا عَلَى أَنْ نُخَلِّيَ سَبِيلَكُمْ لِتَرْجِعُوا إلَى بِلَادِكُمْ، وَعَلَى أَنَّ مَا أَصَبْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ لَكُمْ، وَمَا أَصَبْنَا نَحْنُ مِنْ شَيْءٍ لَمْ تَعْرِضُوا فِيهِ لَنَا، ثُمَّ تَمَكَّنَ الْأُسَرَاءُ مِنْ أَخْذِ مَا أَصَابَهُ أَهْلُ الْحَرْبِ سِرًّا فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوهُ.\nلِأَنَّهُمْ شَرَطُوا لَهُمْ ذَلِكَ، وَالْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ وَاجِبٌ.\n٢٩٩١ - فَإِنْ سَلَّمَ أَهْلُ الْحَرْبِ لِلْأُسَرَاءِ مَا أَصَابُوهُ، فَأَخْرَجُوهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ إلَى عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَهُوَ لَهُمْ خَاصَّةً لَا خُمْسَ فِيهِ، وَالْفَارِسُ وَالرَّاجِلُ فِيهِ سَوَاءٌ.\nلِأَنَّهُمْ أَصَابُوهُ وَحُكْمُ الشِّرْكِ هُوَ الظَّاهِرُ عَلَيْهِمْ، فَتَمَّ إحْرَازُهُمْ لَهُ فِي دَارِ الشِّرْكِ، حِينَ سَلَّمَ لَهُمْ الْعَدُوُّ ذَلِكَ. وَلِأَنَّ مَا أَصَابُوا فِي مَنَعَةِ أَهْلِ الشِّرْكِ فَهُوَ مِنْ وَجْهٍ كَانَ أَهْلُ الشِّرْكِ هُمْ الَّذِينَ أَصَابُوهُ ثُمَّ سَلَّمُوهُ لَهُمْ بِطِيبَةِ أَنْفُسِهِمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَالٍ وَهَبُوهُ لَهُمْ.\n٢٩٩٢ - وَلَا يَكُون لِذَلِكَ الْمَالِ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ.\nلِأَنَّهُ صَارَ لَهُمْ قَبْلَ أَنْ يُخْرِجُوهُ إلَى مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ.\n- وَلَوْ كَانَ الْمُصِيبُ بَعْضَهُمْ كَانَ ذَلِكَ لِمَنْ أَصَابَهُ خَاصَّةً.\nلِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِلْإِحْرَازِ بِمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ هَا هُنَا، وَغَيْرُ الْمُصِيبِ فِي هَذَا","vol":"1","page":1523},{"text":"بِالْإِحْرَازِ وَسَبَبُ تَمَامِ الْحَقِّ الْإِصَابَةُ مَعَ تَسْلِيمِ الْمُشْرِكِينَ ذَلِكَ لِلْمُصِيبِ، وَلَا شَرِكَةَ لِلْآخَرِينَ فِي هَذَا السَّبَبِ.\n٢٩٩٣ - وَلَوْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ شَرَطُوا أَنَّ مَا أَصَابَهُ إنْسَانٌ مِنْ الْأُسَرَاءِ فَهُوَ بَيْنَ جَمِيعِ الْأُسَرَاءِ، وَرَضِيَ الْأُسَرَاءُ بِذَلِكَ، فَهَذَا الْمُصَابُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ، وَإِنْ أَصَابَهُ بَعْضُهُمْ.\nلِأَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ إنَّمَا سَلَّمُوهُ لِجَمَاعَتِهِمْ، فَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَالٍ وَهَبُوهُ لَهُمْ جَمِيعًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَقَبَضَهُ بَعْضُهُمْ بِرِضَاءِ الْجَمَاعَةِ مِنْهُمْ.\n٢٩٩٤ - وَلَوْ كَانُوا شَرَطُوا عَلَيْهِمْ أَنَّ مَا أَصَبْنَا نَحْنُ وَأَنْتُمْ فَلَكُمْ نِصْفُهُ، وَلَنَا نِصْفُهُ، وَاقْتَسَمُوا مَا أَصَابُوهُ نِصْفَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ الْأُسَرَاءُ إلَى دَارِنَا فَجَمِيعُ مَا أَصَابُوهُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ، وَلَا خُمْسَ فِيهِ.\nلِأَنَّهُمْ تَمَكَّنُوا مِنْ إخْرَاجِهِ بِتَسْلِيمِ الْمُشْرِكِينَ لَهُمْ، وَإِنَّمَا الْغَنِيمَةُ اسْمٌ لِمَالٍ مَأْخُوذٍ عَلَى وَجْهِ الْقَهْرِ، وَذَلِكَ يَنْتَفِي إذَا سَلَّمَ الْمُشْرِكُونَ لَهُمْ ذَلِكَ.\n٢٩٩٥ - فَأَمَّا مَا أَخْرَجَتْهُ الْأُسَرَاءُ هُنَا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسِ أَهْلِ الْحَرْبِ، مِمَّا لَوْ ظَهَرَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَرْبِ أَخَذُوهُ مِنْهُمْ. فَإِنَّ ذَلِكَ يُخَمَّسُ وَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.\nلِأَنَّ هَذَا مُصَابٌ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ، وَلَمْ يَتِمَّ سَبَبُ حَقِّهِمْ فِيهِ قَبْلَ الْإِحْرَازِ بِمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ.","vol":"1","page":1524},{"text":"إلَّا فِي خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ مَا أَخَذَ الْأُسَرَاءُ بِغَيْرِ طِيبِ أَنْفُسِ أَهْلِ الْحَرْبِ، مِمَّا غَدَرُوا فِيهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُخَمَّسُ.\nلِأَنَّ الْأَخْذَ لَمْ يَكُنْ حَلَالًا لَهُمْ، وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِرَدِّهِ عَلَى سَبِيلِ الْفَتْوَى، بِمَنْزِلَةِ مَا أَخَذَهُ الْمُسْتَأْمَنُونَ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهِ التَّلَصُّصِ.\n٢٩٩٧ - وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ أَرْسَلُوا الْأُسَرَاءَ خَاصَّةً أَنْ يُقَاتِلُوا أَهْلَ الْحَرْبِ آخَرِينَ، وَجَعَلُوا الْأَمِيرَ مِنْ الْأُسَرَاءِ، وَجَعَلُوا لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِحُكْمِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَسَلَّمُوا لَهُمْ الْغَنَائِمَ يُخْرِجُونَهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَلَا بَأْسَ بِالْقِتَالِ عَلَى هَذَا إذَا خَافُوهُمْ أَوْ لَمْ يَخَافُوا.\nلِأَنَّهُمْ يُقَاتِلُونَ وَحُكْمُ الْإِسْلَامِ هُوَ الظَّاهِرُ عَلَيْهِمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ جِهَادًا مِنْهُمْ.\n٢٩٩٨ - ثُمَّ يُخَمَّسُ مَا أَصَابُوا إذَا أَخْرَجُوهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَيُقَسَّمُ الْبَاقِي بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.\nلِأَنَّ الْمُصَابَ لَمَّا أَخَذَ حُكْمَ الْغَنِيمَةِ هَا هُنَا، فَتَأَكَّدَ الْحَقُّ فِيهِ، يَكُونُ بِالْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مُوَادِعِينَ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ لَوْ طَلَبَ إلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَدْخُلُوا بِلَادَهُمْ جُنْدًا لَيُغِيرُوا عَلَى أَهْلِ حَرْبٍ آخَرِينَ فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُخَمَّسُ مَا أَصَابُوا، ثُمَّ يُقَسَّمُ الْبَاقِيَ بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.","vol":"1","page":1525},{"text":"٢٩٩٩ - وَلَوْ كَانَ أَهْلُ الْحَرْبِ الَّذِينَ بَعَثُوا الْأُسَرَاءَ لِقِتَالِ عَدُوِّهِمْ شَرَطُوا أَنَّ الْمُصَابَ لَهُمْ دُونَ الْأُسَرَاءِ أَوْ نِصْفَ الْمُصَابِ لَهُمْ وَالْأُسَرَاءُ لَا يَخَافُونَهُمْ إنْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا عَلَى هَذَا الشَّرْطِ.\nلِأَنَّ فِيهِ إعَانَتَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ أَصَابُوا كُرَاعًا أَوْ سِلَاحًا أَخَذُوا مِنْهُمْ الْمَشْرُوطَ فَتَقْوَوْا بِهِ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ.\nإلَّا أَنْ يَكُونُوا شَرَطُوا لَهُمْ أَنْ يَتْرُكُوهُمْ فَيَخْرُجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ إذَا فَعَلُوا ذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَفْعَلُوا.\nلِأَنَّ هَذَا فِي الْمَعْنَى بِمَنْزِلَةِ مُفَادَاتِهِمْ أَنْفُسَهُمْ بِمَا يُعْطُونَهُمْ مِنْ السَّبْيِ وَالْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ.\n٢٣٠٠ - ثُمَّ إذَا خَرَجُوا بِالْبَقِيَّةِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ خُمِّسَ ذَلِكَ، وَقُسِّمَ بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.\nلِأَنَّهُمْ أَصَابُوهُ وَحُكْمُ الْإِسْلَامِ هُوَ الظَّاهِرُ فِيهِمْ، وَبِالْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ يَتَأَكَّدُ حَقُّهُمْ فِيهِ، لَا بِتَسْلِيمِ الْمُشْرِكِينَ لَهُمْ، ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ مَا كَانُوا مَعَهُمْ حِينَ أَصَابُوا ذَلِكَ، وَكَانَتْ مَنَعَتُهُمْ حِينَ أَصَابُوا مَنَعَةَ الْمُسْلِمِينَ.\n٣٠٠١ - وَلَوْ كَانُوا شَرَطُوا لِلْأُسَرَاءِ الْكُرَاعَ وَالسِّلَاحَ وَالسَّبْيَ، وَلَهُمْ مَا سِوَى ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ بِقِتَالِ الْأُسَرَاءِ عَلَى هَذَا بَأْسٌ","vol":"1","page":1526},{"text":"أَيْضًا، بِمَنْزِلَةِ مُفَادَاتِهِمْ أَنْفُسَهُمْ بِالْمَالِ، فَإِنْ كَانُوا قَالُوا لَهُمْ: ذَلِكَ لَكُمْ عَلَى أَلَّا تُخْرِجُوهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَا تَخْرُجُوا أَنْتُمْ أَيْضًا، فَحِينَئِذٍ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا عَلَى هَذَا، إلَّا عِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ بِأَنْ يَخَافُوهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ.\nلِأَنَّ فِي هَذَا الْقِتَالِ تَحْصِيلَ مَنْفَعَةِ الْمَالِ لِلْمُشْرِكِينَ، وَلَيْسَ بِمُقَابِلَتِهِ مَعْنَى الْخَلَاصِ لِلْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَسَعُ الْقِتَالُ عَلَى هَذَا إلَّا عِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ.","vol":"1","page":1527},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>[بَابُ مَا لَا يَكُونُ لِأَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ إحْدَاثِ الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ وَبَيْعِ الْخُمُورِ]</span>\nِ ٣٠٠٢ - ذُكِرَ عَنْ تَوْبَةَ بْنِ نَمِرً الْحَضْرَمِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - ﵌ - قَالَ: «لَا خِصَاءَ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا كَنِيسَةَ» . وَفِيهِ لُغَتَانِ خِصَاءَ وَإِخْصَاءَ وَالْحَدِيثُ مَرْوِيٌّ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ اللَّفْظَيْنِ، وَفِي تَفْسِيرِهِ قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُمَا النَّهْيُ عَنْ إخْصَاءِ بَنِي آدَمَ، بِصِيغَةِ النَّفْيِ. وَهُوَ أَبْلَغُ مَا يَكُونُ مِنْ النَّهْيِ، وَذَلِكَ حَرَامٌ بِالنَّصِّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] .\nقِيلَ: هُوَ إخْصَاءُ بَنِي آدَمَ، وَإِنَّمَا يَأْمُرُ الشَّيْطَانُ بِمَا هُوَ مِنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، ثُمَّ هُوَ مُثْلَةٌ. وَقَدْ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، عَنْ الْمُثْلَةِ وَلَوْ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ» .\nوَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ التَّبَتُّلُ، وَهُوَ أَنْ يُحَرِّمَ الرَّجُلُ غَشَيَانَ النِّسَاءِ، فَيَجْعَلُ نَفْسَهُ بِمَنْزِلَةِ الرُّهْبَانِ الَّذِينَ يُحَرِّمُونَ النِّسَاءَ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - عَنْ ذَلِكَ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ","vol":"1","page":1528},{"text":"مَعَ أَصْحَابِهِ حِينَ هَمُّوا بِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْكَنِيسَةِ إحْدَاثُ الْكَنَائِسِ فِي أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ.\nوَقَدْ فَسَّرَ ذَلِكَ ابْنُ سِمَاعَةَ فِي نَوَادِرِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ - ﵀ - حِينَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -.\n٣٠٠٣ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، قَالَ: أَمْنَعُ أَهْلَ الذِّمَّةِ مِنْ إحْدَاثِ شَيْءٍ مِنْ الْكَنَائِسِ فِي الْبِلَادِ الْمَفْتُوحَةِ مِنْ خُرَاسَانَ وَغَيْرِهَا، وَلَا أَهْدِمُ شَيْئًا مِمَّا وَجَدْته قَدِيمًا فِي أَيْدِيهِمْ، مَا لَمْ أَعْلَمُ أَنَّهُمْ أَحْدَثُوا ذَلِكَ بَعْدَ مَا صَارَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ مِصْرًا مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ.\nلِأَنَّ تَغْيِيرَ مَا وُجِدَ قَدِيمًا لَا يَجُوزُ إلَّا بِدَلِيلٍ مُوجِبٍ لِذَلِكَ، وَتَمْكِينُهُمْ مِنْ إحْدَاثِ ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ صَارَ مُعَدًّا لِإِقَامَةِ أَعْلَامِ الْإِسْلَامِ فِيهِ، كَتَمْكِينِ الْمُسْلِمِ مِنْ الثَّبَاتِ عَلَى الشِّرْكِ بَعْدَ الرِّدَّةِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ.\n٣٠٠٤ - فَإِنْ طَلَبَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَنْ يَصِيرُوا ذِمَّةً لِلْمُسْلِمِينَ، يُجْرَى عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ، عَلَى أَنْ يُؤَدُّوا عَنْ رِقَابِهِمْ وَأَرَاضِيهمْ شَيْئًا مَعْلُومًا، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُجِيبَهُمْ إلَى ذَلِكَ.\nلِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ يَنْتَهِي بِهِ الْقِتَالُ كَالْإِسْلَامِ، فَكَمَا أَنَّهُمْ لَوْ طَلَبُوا عَرْضَ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِمْ يَجِبُ إجَابَتُهُمْ إلَى ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ إذَا طَلَبُوا عَقْدَ الذِّمَّةِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُمْ يَلْتَزِمُونَ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ بِهَذَا الطَّرِيقِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمُعَامَلَاتِ، ثُمَّ رُبَّمَا","vol":"1","page":1529},{"text":"يَرَوْنَ مَحَاسِنَ الشَّرِيعَةِ وَيُسْلِمُونَ، فَكَانَ هَذَا فِي مَعْنَى الدُّعَاءِ إلَى الدِّينِ بِأَرْفَقِ الطَّرِيقِينَ.\n٣٠٠٥ - وَقَدْ أَجَابَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - أَهْلَ نَجْرَانَ إلَى هَذَا حِينَ طَلَبُوا مِنْهُ، فَصَالَحَهُمْ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ فِي سَنَةٍ أَوْ عَلَى أَلْفٍ وَمِائَتِي حُلَّةٍ.\nفَإِنْ صُولِحُوا عَلَى هَذَا وَأَرَاضِيهِمْ مِثْلُ أَرْضِ الشَّامِ مَدَائِنُ وَقُرًى فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَأْخُذُوا شَيْئًا مِنْ دُورِهِمْ وَأَرَاضِيهِمْ، وَلَا أَنْ يَنْزِلُوا عَلَيْهِمْ مَنَازِلَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ عَهْدٍ وَصُلْحٍ، وَقَدْ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -، يَوْمَ خَيْبَرَ لَا أُحِلُّ لَكُمْ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِ الْمُعَاهَدِينَ. وَلِأَنَّهُمْ قَبِلُوا الذِّمَّةَ لِتَكُونَ أَمْوَالُهُمْ وَحُقُوقُهُمْ كَأَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَحُقُوقِهِمْ.\n٣٠٠٦ - فَإِنْ أَرَادَ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا مِصْرًا فِي الْمَوَاتِ مِنْ تِلْكَ الْأَرَاضِيِ الَّتِي لَا يَمْلِكُهَا أَحَدٌ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.\nلِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا تَعَرُّضٌ لِشَيْءٍ مِنْ أَمْلَاكِهِمْ، وَقَدْ صَارَتْ دِيَارُهُمْ مِنْ جُمْلَةِ دِيَارِ الْإِسْلَامِ، بِظُهُورِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فِيهَا. فَالرَّأْيُ إلَى الْإِمَامِ فِي الْمَوَاتِ مِنْ الْأَرَاضِيِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.\n٣٠٠٧ - قَالَ - ﵌ -: «أَلَا إنَّ عَادِيَ الْأَرْضِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ هِيَ لَكُمْ مِنِّي» .","vol":"1","page":1530},{"text":"فَإِنْ كَانَ قُرْبَ ذَلِكَ الْمِصْرِ الَّذِي اتَّخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ فِي الْمَوَاتِ مِنْ الْأَرَاضِيِ قُرًى لِأَهْلِ الذَّمَّةِ فَعَظُمَ الْمِصْرُ حَتَّى جَاوَزَ تِلْكَ الْقُرَى، فَقَدْ صَارَتْ مِنْ جُمْلَةِ الْمِصْرِ، لِإِحَاطَةِ الْمِصْرِ بِجَوَانِبِهَا، فَإِنْ كَانَ لَهُمْ فِي تِلْكَ الْقُرَى كَنَائِسُ أَوْ بِيَعٌ أَوْ بُيُوتُ نِيرَانٍ تُرِكَتْ عَلَى حَالِهَا.\nلِأَنَّهُمْ أَهْلُ صُلْحٍ، قَدْ اسْتَحَقُّوا بِهِ تَرْكَ التَّعَرُّضِ لَهُمْ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ، بِصَيْرُورَةِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِصْرًا.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّعَرُّضُ لَهُمْ فِي أَخْذِ شَيْءٍ مِنْ أَمْلَاكِهِمْ وَإِزْعَاجِهِمْ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ؛ لِأَنَّهُمْ اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ بِعَقْدِ الصُّلْحِ.\n٣٠٠٩ - وَلَكِنْ إنْ أَرَادُوا إحْدَاثَ بِيعَةٍ أَوْ كَنِيسَةٍ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مِنْ جُمْلَةِ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ يَصِحُّ فِيهِ الْجُمَعُ وَالْأَعْيَادُ وَتُقَامُ فِيهِ الْحُدُودُ وَفِي تَمْكِينِهِمْ مِنْ إحْدَاثِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ إدْخَالُ الْوَهَنِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، أَوْ تَمْكِينُهُمْ مِنْ الْمُعَارَضَةِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ صُورَةً، وَهَذَا مُرَادُ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -، بِقَوْلِهِ: وَلَا كَنِيسَةَ.\nيُوضِحُهُ أَنَّ مَا كَانَتْ لَهُمْ مِنْ الْكَنَائِسِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ قَدْ تَأَكَّدَ حَقُّهُمْ فِيهَا بِالتَّقْرِيرِ، بَعْدَ مَا صَارَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ دَارَ الْإِسْلَامِ، فَلَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ بِمَا أُحْدِثَ","vol":"1","page":1531},{"text":"مِنْ الْحَالِ، وَهُوَ تَصْيِيرُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِصْرًا لِلْمُسْلِمِينَ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَرَادُوا الْإِحْدَاثَ وَهُوَ نَظِيرُ حُكْمٍ فِي حَادِثَةٍ أَمْضَاهُ الْقَاضِي بِاجْتِهَادٍ، ثُمَّ تَحَوَّلَ رَأْيُهُ، فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ يَبْنِي مِثْلَ تِلْكَ الْحَادِثَةِ فِي الْمُسْتَقْبِلِ عَلَى مَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ الرَّأْيِ فِيهِ.\n٣٠١٠ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانُوا يَبِيعُونَ الْخُمُورَ وَالْخَنَازِيرَ عَلَانِيَةً فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَإِنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ، بَعْدَ مَا صَارَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ مِصْرًا.\nلِأَنَّ هَذَا تَصَرُّفٌ يُنْشِئُونَهُ وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ يُمْنَعُونَ مِنْ إظْهَارِ بَيْعِ الْخُمُورِ وَالْخَنَازِيرِ فِي أَمْصَار الْمُسْلِمِينَ، وَمِنْ إدْخَالِ ذَلِكَ فِي الْأَمْصَارِ عَلَى وَجْهِ الشُّهْرَةِ وَالظُّهُورِ.\nهَكَذَا نُقِلَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ - ﵄ -: وَلِأَنَّ هَذَا فِسْقٌ، وَفِي إظْهَارِ الْفِسْقِ فِي أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ اسْتِخْفَافٌ بِالدِّينِ، وَمَا صَالَحْنَاهُمْ عَلَى أَنْ يَسْتَخِفُّوا بِالْمُسْلِمِينَ.\n٣٠١١ - وَكَذَلِكَ إنْ حَضَرَ لَهُمْ عِيدٌ يُخْرِجُونَ فِيهِ صَلِيبَهُمْ فَلْيَفْعَلُوا ذَلِكَ فِي كَنَائِسِهِمْ الْقَدِيمَةِ، فَأَمَّا أَنْ يُخْرِجُوا ذَلِكَ مِنْ الْكَنَائِسِ حَتَّى يُظْهِرُوهُ فِي الْمِصْرِ فَلَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ، لِمَا فِيهِ مِنْ الِاسْتِخْفَافِ بِالْمُسْلِمِينَ، وَلَكِنْ لِيُخْرِجُوهُ خَفِيًّا مِنْ كَنَائِسِهِمْ حَتَّى إذَا أَخْرَجُوهُ مِنْ الْمِصْرِ إلَى غَيْرِ الْمِصْرِ فَلْيَصْنَعُوا مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبُّوا، يَعْنِي إذَا جَاوَزُوا أَفَنِيَّةَ الْمِصْرِ.","vol":"1","page":1532},{"text":"لِأَنَّ فِنَاءَ الْمِصْرِ كَجَوْفِهِ فِي حُكْمِ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ فِيهِ، عَلَى مَا ذُكِرَ فِي نَوَادِرِ أَبِي سُلَيْمَانَ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَخَرَجَ مَعَ النَّاسِ إلَى بَعْضِ أَفْنِيَةِ الْمِصْرِ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ بِهِمْ، وَهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْ إظْهَارِ ذَلِكَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُظْهِرُ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ مِثْلَ ذَلِكَ، لَكَيْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى صُورَةِ الْمُعَارَضَةِ، فَعَرَفْنَا أَنَّ فِنَاءَ الْمِصْرِ فِي هَذَا كَجَوْفِ الْمِصْرِ.\n٣٠١٢ - وَكَذَلِكَ ضَرْبَ النَّاقُوسِ لَمْ يُمْنَعُوا مِنْهُ إذَا كَانُوا يَضْرِبُونَهُ فِي جَوْفِ كَنَائِسِهِمْ الْقَدِيمَةِ، فَإِنْ أَرَادُوا الضَّرْبَ بِهَا خَارِجًا فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُتْرَكُوا لِيَفْعَلُوا ذَلِكَ، لِمَا فِيهِ مِنْ مُعَارَضَةِ أَذَانِ الْمُسْلِمِينَ فِي الصُّورَةِ، فَأَمَّا كُلُّ قَرْيَةٍ أَوْ مَوْضِعٍ لَيْسَ بِمِصْرٍ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُمْ لَا يُمْنَعُونَ مِنْ إحْدَاثِ جَمِيعِ ذَلِكَ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ فِيهَا عَدَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ نُزُولٌ.\nلِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَوْضِعِ إعْلَامِ الدِّينِ مِنْ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ وَالْأَعْيَادِ فِيهِ وَكَثِيرٌ مِنْ أَئِمَّةِ بَلْخِي رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى قَالُوا: إنَّمَا أَجَابُوا بِهَذَا هَا هُنَا وَفِي الْمَبْسُوطِ بُنِيَ عَلَى حَالِ قُرَاهُمْ بِالْكُوفَةِ، فَإِنَّ عَامَّةَ مَنْ يَسْكُنُهَا أَهْلُ الذِّمَّةِ وَالرَّوَافِضُ فَأَمَّا فِي دِيَارِنَا فَهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْقُرَى، كَمَا يُمْنَعُونَ مِنْهُ فِي الْأَمْصَارِ؛ لِأَنَّهَا مَوْضِعُ جَمَاعَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَجُلُوسِ الْوَاعِظِينَ وَالْمُدَرِّسِينَ بِمَنْزِلَةِ الْأَمْصَارِ، وَاسْتَدَلُّوا بِلَفْظٍ ذَكَرَهُ هُنَا فَقَالَ.\n٣٠١٣ - فَأَمَّا الْمِصْرُ الَّذِي الْغَالِبُ عَلَيْهِ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِثْلُ الْحِيرَةِ وَغَيْرِهَا لَيْسَتْ فِيهَا جُمُعَةٌ وَلَا حُدُودٌ تُقَامُ، فَإِنَّهُمْ لَا يُمْنَعُونَ مِنْ إحْدَاثِ ذَلِكَ فِيهَا.","vol":"1","page":1533},{"text":"وَمَشَايِخُ دِيَارِنَا يَقُولُونَ: لَا يُمْنَعُونَ مِنْ إحْدَاثِ ذَلِكَ فِي الْقُرَى عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَاسْتَدَلُّوا بِلَفْظٍ ذَكَرَهُ هَا هُنَا فَقَالَ: الْقُرَى الَّتِي أَهْلُهَا مُسْلِمُونَ إلَّا أَنَّهَا لَيْسَتْ بِأَمْصَارٍ، فِيهَا جُمَعٌ وَحُدُودٌ، إذَا اشْتَرَى قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِيهَا مَنَازِلَ وَاِتَّخَذُوا فِيهَا الْكَنَائِسَ وَالْبِيَعَ، وَأَعْلَنُوا فِيهَا بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ لَمْ يُمْنَعُوا مِنْ ذَلِكَ.\nلِأَنَّ الْمَنْعَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مَوْضِعُ إقَامَةِ مَعَالِمِ الدِّينِ فِيهِ مِنْ الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ وَتَنْفِيذِ الْأَحْكَامِ، وَفِي مِثْلِ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَنْفِيذَ الْأَحْكَامِ يَخْتَصُّ بِالْأَمْصَارِ دُونَ الْقُرَى، وَهَكَذَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي أَدَبِ الْقَاضِي بِخِلَافِ مَا ذَكَرَ الْخَصَّافُ أَنَّ الْقُرَى فِي ذَلِكَ كَالْأَمْصَارِ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ.\n٣٠١٤ - فَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْ إحْدَاثِ ذَلِكَ فِي الْمِصْرِ، وَمَا يَكُونُ مِنْ فِنَاءِ الْمِصْرِ، وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْقُرَى الَّتِي يَكُونُ أَكْثَرُ السُّكَّانِ بِهَا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَأَمَّا فِي الْقُرَى الَّتِي يَسْكُنُهَا الْمُسْلِمُونَ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْمَشَايِخِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.\n٣٠١٥ - وَلَوْ شَرَطَ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ فِي أَصْلِ الصُّلْحِ أَنْ يُقَاسِمُوهُمْ مَنَازِلَهُمْ فِي مَدَائِنِهِمْ وَأَمْصَارِهِمْ فَذَلِكَ جَائِزٌ.\nلِأَنَّ اشْتِرَاطَ هَذَا الْمِلْكِ عَلَيْهِمْ كَاشْتِرَاطِ مَالٍ آخَرَ، فَيَجُوزُ إذَا كَانَ مَعْلُومًا.\n٣٠١٦ - فَإِنْ نَزَلَ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ فِي مُدَايَنهمْ وَقُرَاهُمْ، وَفِيهَا الْكَنَائِسُ وَبَيْعُ الْخُمُورِ وَالْخَنَازِيرِ عَلَانِيَةً، وَتَزْوِيجُ الْمَحَارِمِ،","vol":"1","page":1534},{"text":"فَكُلُّ مَوْضِعٍ صَارَ مِصْرًا لِلْمُسْلِمِينَ تُجْمَعُ فِيهِ الْجُمَعُ، وَتُقَامُ فِيهِ الْحُدُودُ، فَإِنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْ إحْدَاثِ الْكَنَائِسِ فِيهِ وَإِظْهَارِ شَيْءٍ مِمَّا كَانُوا يُظْهِرُونَهُ قَبْلَ ذَلِكَ.\nلِأَنَّ هَذَا الْمَوْضِعَ قَدْ صَارَ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ، بِمَا أَحْدَثُوا مِنْ السُّكْنَى فِيهِ بَعْدَ الصُّلْحِ، فَهُوَ فِي الْحُكْمِ نَظِيرُ مَا تَقَدَّمَ، مِمَّا جَعَلُوهُ مِصْرًا بَعْدَ أَنْ كَانَ مِنْ قُرَى أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَكُلُّ حُكْمٍ ذَكَرْنَاهُ هُنَاكَ فَهُوَ الْحُكْمُ هَا هُنَا.\n٣٠١٧ - فَإِنْ انْهَدَمَتْ كَنِيسَةٌ مِنْ كَنَائِسِهِمْ الْقَدِيمَةِ فَلَهُمْ أَنْ يَبْنُوهَا كَمَا كَانَتْ.\nلِأَنَّ حَقَّهُمْ فِي هَذِهِ الْبُقْعَةِ قَدْ كَانَ مُقَرَّرًا لِمَا كَانُوا أَعَدُّوهُ لَهُ فَلَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ بِانْهِدَامِ الْبِنَاءِ، فَإِذَا بَنَوْهُ كَمَا كَانَ فَالْبِنَاءُ الثَّانِي مِثْلُ الْأَوَّلِ.\n٣٠١٨ - وَإِنْ قَالُوا: نُحَوِّلُهُ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ الْمِصْرِ، فَلَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ.\nلِأَنَّ الْمَوْضِعَ الْآخَرَ قَدْ صَارَ مُعَدًّا لِإِظْهَارِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فِيهِ، فَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْ أَنْ يَجْعَلُوهُ مُعَدًّا بَعْدَ ذَلِكَ لِإِظْهَارِ حُكْمِ الشِّرْكِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ بِعِوَضٍ يَجْعَلُونَهُ لِلْمُسْلِمِينَ، بِمَنْزِلَةِ الْمُرْتَدِّ إذَا طَلَبَ أَنْ يُمَكَّنَ مِنْ الثَّبَاتِ عَلَى الرِّدَّةِ بِمَالٍ يُعْطَى لِلْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ لَا يُجَابُ إلَى ذَلِكَ بِحَالٍ.\nأَرَأَيْت لَوْ أَرَادُوا أَنْ يُحَوِّلُوهُ إلَى مَوْضِعٍ كَانَ مَسْجِدًا لِلْمُسْلِمِينَ فِي وَقْتٍ","vol":"1","page":1535},{"text":"مِنْ الْأَوْقَاتِ عَلَى أَنْ يَبْنُوا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِلْمُسْلِمِينَ مَسْجِدًا أَجْوَدَ مِمَّا كَانَ مِنْهُ وَأَوْسَعَ، أَكَانَ يَحِلُّ إجَابَتُهُمْ إلَى ذَلِكَ،؟ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ.\n٣٠١٩ - وَلَوْ ظَهَرَ الْإِمَامُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَعَلَى أَرْضِهِمْ، فَرَأَى أَنْ يَجْعَلَهُمْ ذِمَّةً كَمَا فَعَلَهُ عُمَرُ - ﵁ - بِأَهْلِ سَوَادِ الْكُوفَةِ فَهُوَ جَائِزٌ مُسْتَقِيمٌ لِأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا شَاوَرَ الصَّحَابَةَ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -، وَحَاجَّهُمْ بِدَلَالَةِ النَّصِّ مِنْ الْكِتَابِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] حَتَّى أَجْمَعُوا عَلَى قَوْلِهِ إلَّا نَفَرًا يَسِيرًا مِنْهُمْ خَالَفُوهُ وَلَمْ يُحْمَدُوا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى دَعَا عَلَيْهِمْ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ: اكْفِنِي بِلَالًا وَأَصْحَابَهُ \" فَمَا حَالَ الْحَوْلُ وَمِنْهُمْ عَيْنٌ تَطْرِفُ، ثُمَّ لَا يُمْنَعُونَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ بِنَاءِ بِيعَةٍ: أَوْ كَنِيسَةٍ وَلَا مِنْ إظْهَارِ بَيْعِ الْخُمُورِ وَالْخَنَازِيرِ فِي قُرَاهُمْ وَأَمْصَارِهِمْ.\nلِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِأَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا الْحُدُودُ وَالْجُمَعُ.\nوَقَدْ قَرَّرْنَا هَذَا فِي الْأَرَاضِيِ الَّتِي وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ يَظْفَرَ بِهِمْ، فَكَذَلِكَ فِي هَذِهِ الْأَرَاضِيِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَوَاضِعَ إقَامَةِ أَعْلَامِ الدِّينِ وَالْإِسْلَامِ، مِنْ الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ وَالْحُدُودِ.\n٣٠٢٠ - فَإِنْ مَصَّرَ الْإِمَامُ فِي أَرَاضِيِهِمْ مِصْرًا لِلْمُسْلِمِينَ كَمَا مَصَّرَ عُمَرُ - ﵁ - الْبَصْرَةَ وَالْكُوفَةَ فَاشْتَرَى بِهَا أَهْلُ الذِّمَّةِ دُورًا وَسَكَنُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُمْنَعُوا مِنْ ذَلِكَ.","vol":"1","page":1536},{"text":"لِأَنَّا إنَّمَا قَبِلْنَا مِنْهُمْ عَقْدَ الذِّمَّةِ لِيَقِفُوا عَلَى مَحَاسِنِ الدِّينِ، فَعَسَى أَنْ يُؤْمِنُوا وَاخْتِلَاطُهُمْ بِالْمُسْلِمِينَ فِي السُّكْنَى مَعَهُمْ يُحَقِّقُ هَذَا الْمَعْنَى.\nقَالَ - ﵁ -: وَكَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ - ﵀ - يَقُولُ: هَذَا إذَا قَلُّوا وَكَانَ بِحَيْثُ لَا يَتَعَطَّلُ بَعْضُ جَمَاعَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَتَقَلَّلُ الْجَمَاعَةُ بِسُكْنَاهُمْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَأَمَّا إذَا كَثُرُوا عَلَى وَجْهٍ يُؤَدِّي إلَى تَعْطِيلِ بَعْضِ الْجَمَاعَاتِ أَوْ تَقْلِيلِهَا مُنِعُوا مِنْ ذَلِكَ، وَأُمِرُوا بِأَنْ يَسْكُنُوا نَاحِيَةً لَيْسَ فِيهَا لِلْمُسْلِمِينَ جَمَاعَةٌ، وَهَذَا مَحْفُوظٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَيْهِ.\n٣٠٢١ - فَإِنْ اشْتَرَوْا دُورًا لِلسُّكْنَى فَأَرَادُوا أَنْ يَتَّخِذُوا دَارًا مِنْهَا كَنِيسَةً أَوْ بِيعَةً أَوْ بَيْتَ نَارٍ يَجْتَمِعُونَ فِيهَا لِصَلَاتِهِمْ مُنِعُوا مِنْ ذَلِكَ.\nلِمَا فِي إحْدَاثِ ذَلِكَ مِنْ صُورَةِ الْمُعَارَضَةِ لِلْمُسْلِمِينَ فِي بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ لِلْجَمَاعَاتِ وَفِيهِ ازْدِرَاءٌ بِالدِّينِ وَاسْتِخْفَافٌ بِالْمُسْلِمِينَ.\n٣٠٢٢ - وَكَذَلِكَ يُمْنَعُونَ مِنْ إظْهَارِ بَيْعِ الْخُمُورِ وَالْخَنَازِيرِ وَنِكَاحِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ فِي هَذَا الْمِصْرِ.\nلِأَنَّ فِي هَذَا الْإِظْهَارِ مَعْنَى الِاسْتِخْفَافِ بِالْمُسْلِمِينَ، وَمَقْصُودُهُمْ يَحْصُلُ بِدُونِ الْإِظْهَارِ.\n٣٠٢٣ - وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُؤَاجِرَهُمْ بَيْتًا لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ صُورَةِ الْإِعَانَةِ إلَى مَا يَرْجِعُ إلَى","vol":"1","page":1537},{"text":"الِاسْتِخْفَافِ بِالْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ آجَرَهُمْ فَأَظْهَرُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِي تِلْكَ الدَّارِ مَنَعَهُمْ صَاحِبُ الْبَيْتِ وَغَيْرُهُ مِنْ ذَلِكَ، عَلَى سَبِيلِ النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ كَغَيْرِهِ، وَلَا يَفْسَخُ عَقْدَ الْإِجَارَةِ بِهَذَا، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَجَّرَ بَيْتَهُ مِنْ مُسْلِمٍ فَكَانَ يَجْمَعُ النَّاسَ فِيهِ عَلَى الشَّرَابِ أَوْ يَبِيعُ الْمُسْكِرَ فِيهِ فَإِنَّهُ يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَلَا تُفْسَخُ الْإِجَارَةُ لِأَجَلِهِ.\nلِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ هَذَا لَيْسَ لِمَعْنًى يَتَّصِلُ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ.\n٣٠٢٤ - وَإِنْ اتَّخَذَ فِيهِ مُصَلًّى لِنَفْسِهِ خَاصَّةً لَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ.\nلِأَنَّ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ السُّكْنَى، وَقَدْ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ بِالْإِجَارَةِ، وَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِمَّا فِيهِ صُورَةُ الْمُعَارَضَةِ لِلْمُسْلِمِينَ فِي إظْهَارِ أَعْلَامِ الدِّينِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَبْنِيَهُ كَنِيسَةً يَجْتَمِعُونَ فِيهَا لِصَلَاتِهِمْ.\n٣٠٢٥ - فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ هَذَا الْبَيْتَ صَوْمَعَةً يَتَخَلَّى فِيهَا أَصْحَابُ الصَّوَامِعِ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ فِي أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ.\nلِأَنَّ هَذَا شَيْءٌ يُشْتَهَرُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ اتِّخَاذِ الْكَنِيسَةِ لِجَمَاعَتِهِمْ.\n٣٠٢٦ - فَإِنْ صَارَتْ بَلْدَةً مِنْ هَذِهِ الْبِلَادِ مِصْرًا مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ يُجْمَعُ فِيهِ الْجُمَعُ، وَيُقَامُ فِيهِ الْحُدُودُ، وَلَهُمْ فِيهِ","vol":"1","page":1538},{"text":"كَنِيسَةٌ قَدِيمَةٌ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَمْنَعُهُمْ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهَا، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَمْصَارِ الَّتِي صَالَحَ عَلَيْهَا أَهْلَهَا قَبْلَ أَنْ يَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ هُنَاكَ تُتْرَكُ لَهُمْ الْكَنَائِسُ الْقَدِيمَةُ وَيُمْنَعُونَ مِنْ إحْدَاثِ الْكَنَائِسِ بَعْدَ مَا صَارَتْ مِصْرًا مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَا هُنَا يُمْنَعُونَ مِنْ إحْدَاثِ الْكَنَائِسِ، وَلَا يَتْرُكُ لَهُمْ الْكَنَائِسَ الْقَدِيمَةَ أَيْضًا، إذَا وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمْ.\nلِأَنَّ الْإِمَامَ لَوْ قَسَّمَهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ لَمْ يَتْرُكْ فِيهَا شَيْئًا مِنْ الْكَنَائِسِ، فَكَذَلِكَ إذَا جَعَلَهُمْ ذِمَّةً، وَكَانَ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِ إظْهَارِ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ فِي هَذَا الْمِصْرِ قَدْ تَقَرَّرَ حِينَ فُتِحَ عَنْوَةً وَيَثْبُتُ حَقُّ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ، فَبَعْدَ ذَلِكَ؛ الرَّأْيُ إلَى الْإِمَامِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ لَا فِي إبْطَالِ حَقِّهِمْ، وَفِي الْأَوَّلِ مَا تَقَرَّرَ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ فِي تِلْكَ الْأَرَاضِيِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا أَثْبَتَ الْإِمَامُ ذَلِكَ بِالصُّلْحِ، فَيَقْتَصِرُ عَلَى مَا تَنَاوَلَهُ عَقْدُ الصُّلْحِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ هَا هُنَا يَضَعُ الْجِزْيَةَ عَلَى جَمَاعَتِهِمْ وَالْخَرَاجُ عَلَى أَرَاضِيِهِمْ، وَهُنَاكَ لَا يُلْزِمُهُمْ مِنْ الْمَالِ عَنْ نُفُوسِهِمْ وَأَرَاضِيِهِمْ إلَّا مِقْدَارَ مَا وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَيْهِ.\nتَوْضِيحُهُ أَنَّ هُنَاكَ بِالصُّلْحِ تَقَرَّرَ حَقُّهُمْ الَّذِي كَانَ ثَابِتًا قَبْلَهُ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ حَقُّ الْمُسْلِمِينَ بِنَاءً عَلَى حَقِّهِمْ الْمُتَقَرَّرِ، فَيَصِيرُ الْحَقُّ الثَّابِتُ فِيهَا لِلْمُسْلِمِينَ مَانِعًا لَهُمْ مِنْ إحْدَاثِ الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ، وَلَا يَصِيرُ مُوجِبًا لِلِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِمْ","vol":"1","page":1539},{"text":"فِيمَا تَقَرَّرَ حَقُّهُمْ فِيهِ، وَهَا هُنَا اعْتَرَضَ حَقُّهُمْ عَلَى الْحَقِّ الثَّابِتِ فِيهَا لِلْمُسْلِمِينَ بِاعْتِبَارِ رَأْيٍ رَآهُ الْإِمَامُ فِي الْمَنِّ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ الرَّأْيُ مُقَيَّدٌ بِالنَّظَرِ، وَفِيمَا لَا نَظَرَ فِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ يُعْتَبَرُ تَقَدُّمُ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ.\nوَكَانَ هَذَا نَظِيرُ الْمُسْتَأْمَنِ فِي دَارِنَا يُمَكَّنُ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ جَعَلَهُمْ الْإِمَامُ ذِمَّةً لَا يُمَكَّنُونَ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ بِحَالٍ لِلْمَعْنَى الَّذِي أَشَرْنَا إلَيْهِ.\n٣٠٢٧ - إلَّا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَهْدِمَ أَبْنِيَةَ الْكَنَائِسِ الْقَدِيمَةِ لَهُمْ، وَلَكِنْ يَمْنَعُهُمْ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهَا، وَيَأْمُرُهُمْ بِأَنْ يَجْعَلُوهَا مَسَاكِنَ يَسْكُنُونَهَا.\nلِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لَهُمْ، وَلَمَّا جَعَلَهُمْ ذِمَّةً فَقَدْ أَظْهَرَ الْحُرْمَةَ وَالْعِصْمَةَ لِأَمْلَاكِهِمْ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِالتَّخْرِيبِ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنْ يَمْنَعُهُمْ مِنْ أَنْ يَجْتَمِعُوا فِيهَا لِتَعَبُّدِهِمْ، لِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ الشِّرْكِ فِي مَوْضِعٍ ثَبَتَ حَقُّ الْمُسْلِمِينَ فِي إظْهَارِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فِيهِ.\n٣٠٢٨ - فَإِنْ عَطَّلَ الْمُسْلِمُونَ هَذَا الْمِصْرَ حَتَّى تَرَكُوا إقَامَةَ الْحُدُودِ وَالْجُمَعِ فِيهَا، فَلِأَهْلِ الذِّمَّةِ أَنْ يَتَّخِذُوا فِيهَا مَا أَرَادُوا مِنْ الْكَنَائِسِ، وَأَنْ يُظْهِرُوا بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ فِيهَا.\nلِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى قَدْ ارْتَفَعَ.","vol":"1","page":1540},{"text":"أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُمْنَعُونَ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَجْعَلَهَا الْإِمَامُ مِصْرًا لِلْمُسْلِمِينَ، يُقِيمُ فِيهَا الْجُمَعَ وَالْأَعْيَادَ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ مَا تَرَكَ ذَلِكَ) .\nلِأَنَّ الْمَانِعَ صُورَةُ الْمُعَارَضَةِ.\n٣٠٢٩ - قَالَ: وَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُتْرَكَ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ كَنِيسَةً وَلَا بِيعَةً وَلَا بَيْتَ نَارٍ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى، وَكَذَلِكَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَظْهَرَ فِيهَا بَيْعُ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ بِحَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ.\nلِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ يُبْنَى عَلَى سُكْنَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فِيهَا، وَهُمْ لَا يُمَكَّنُونَ مِنْ اسْتِدَامَةِ السُّكْنَى فِي أَرْضِ الْعَرَبِ، كَرَامَةً لِرَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -، فَإِنَّهُ مَوْضِعُ وِلَادَتِهِ وَمَنْشَئِهِ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - بِقَوْلِهِ: «لَا يَجْتَمِعُ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ دِينَانِ» .\nوَقَالَ: «لَئِنْ بَقِيت لَأُخْرِجَنَّ بَنِي نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» . ثُمَّ أَجَلَاهُمْ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، إلَى الشَّامِ، وَقَدْ كَانَ لَهُمْ عَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -، وَكَذَلِكَ أَجْلَى يَهُودَ خَيْبَرَ وَيَهُودَ وَادِي الْقُرَى وَغَيْرَهُمْ مِمَّنْ كَانَ يَسْكُنُ أَرْضَ الْعَرَبِ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، حَتَّى لَحِقَ بَعْضُهُمْ بِالشَّامِ وَبَعْضُهُمْ بِالْعِرَاقِ. فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْ اسْتِدَامَةِ السُّكْنَى لِحُرْمَةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ - وَالْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ فِي الْمَنْعِ مِنْ تِلْكَ الْكَنَائِسِ وَإِظْهَارِ بَيْعِ الْخُمُورِ وَالْخَنَازِيرِ فِيهَا أَظْهَرُ.\n٣٠٣٠ - وَإِذَا دَخَلَهَا مُشْرِكٌ تَاجِرًا عَلَى أَنْ يَتْجُرَ وَيَرْجِعَ","vol":"1","page":1541},{"text":"إلَى بِلَادِهِ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِنْ أَنْ يُطِيلَ فِيهَا الْمُكْثَ حَتَّى يَتَّخِذَ فِيهَا مَسْكَنًا.\nلِأَنَّ حَالَهُمْ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ مَعَ الْتِزَامِ الْجِزْيَةِ كَحَالِهِمْ فِي الْمُقَامِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ الْتِزَامِ الْجِزْيَةِ، وَهُنَاكَ لَا يُمْنَعُونَ مِنْ التِّجَارَةِ وَإِنَّمَا يُمْنَعُونَ مِنْ إطَالَةِ الْمُقَامِ، فَكَذَلِكَ حَالُهُمْ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ حَتَّى إذَا أَرَادَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَنْ يَنْزِلَ أَرْضَ الْعَرَبِ، مِثْلَ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالطَّائِفِ وَالرَّبَذَةِ وَوَادِي الْقُرَى، فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ.\nلِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ أَرْضَ الْعَرَبِ مِنْ عُذَيْبٍ إلَى مَكَّةَ طُولًا وَمِنْ عَدَنَ أَبَيْنَ إلَى أَقْصَى حُجْرَ بِالْيَمَنِ بِمُهْرَةَ عَرْضًا.\n٣٠٣١ - وَكُلُّ مِصْرٍ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ يُجْمَعُ فِيهَا الْجُمَعُ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ وَلَا كَافِرٍ أَنْ يُدْخِلَ فِيهَا خَمْرًا وَلَا خِنْزِيرًا ظَاهِرًا، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ مُسْلِمٌ وَقَالَ: إنَّمَا مَرَرْت مُجْتَازًا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُخَلِّلَ الْخَمْرَ أَوْ قَالَ: لَيْسَ هَذَا لِي، فَإِنْ كَانَ رَجُلًا دَيِّنًا لَا يُتَّهَمُ عَلَى ذَلِكَ خُلِّيَ سَبِيلُهُ.\nلِأَنَّ ظَاهِرَ حَالِهِ يَشْهَدُ عَلَى صِدْقِهِ فِي خَبَرِهِ، وَالْبِنَاءُ عَلَى الظَّاهِرِ وَاجِبٌ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ، خُصُوصًا فِيمَا لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى حَقِيقَةِ الْحَالِ.\n٣٠٣٢ - وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُتَّهَمُ بِتَنَاوُلِ ذَلِكَ أُهْرِيقَتْ خَمْرُهُ وَذُبِحَ خِنْزِيرُهُ وَأُحْرِقَ بِالنَّارِ.","vol":"1","page":1542},{"text":"لِأَنَّ ظَاهِرَ حَالِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَصْدَهُ كَانَ ارْتِكَابَ الْحَرَامِ، وَفِعْلُهُ الَّذِي ظَهَرَ عَلَى قَصْدِ ارْتِكَابِ الْحَرَامِ حَرَامٌ، فَيَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ. وَإِنْ رَأَى أَنْ يُؤَدِّبَهُ بِأَسْوَاطٍ وَيَحْبِسَهُ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ فَعَلَ.\nلِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَوْجِبَ التَّعْزِيرِ بِارْتِكَابِ مَا لَا يَحِلُّ، وَهُوَ إظْهَارُ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ فِي مِصْرِ الْمُسْلِمِينَ.\n٣٠٣٣ - وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِلْإِنَاءِ بِالْكَسْرِ وَالتَّمْزِيقِ؛ لِأَنَّ هَذَا مَالٌ مُتَقَوِّمٌ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْسِدَهُ عَلَى مَالِكِهِ إذْ التَّعْزِيرُ بِإِيلَامٍ فِي الْبَدَنِ لَا بِإِفْسَادٍ فِي الْمَالِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي بَابِ إحْرَاقِ رَحْلِ الْغَالِّ.\n٣٠٣٤ - وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ إنْسَانٌ ضَمِنَ قِيمَةَ مَا أَفْسَدَهُ.\nلِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالًا مُتَقَوِّمًا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِوَجْهٍ حَلَالٍ.\n٣٠٣٥ - إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ رَأْيِ الْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ عُقُوبَةً لِمَا صَنَعَ صَاحِبُهُ. فَحِينَئِذٍ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا صَنَعَ، وَلَا عَلَى مَنْ أَمَرَهُ بِهِ.","vol":"1","page":1543},{"text":"لِأَنَّ هَذَا مِنْهُ حُكْمٌ فِي مَوْضِعِ الِاجْتِهَادِ، وَقَدْ بَيَّنَّا اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي إحْرَاقِ رَحْلِ الْغَالِّ، وَحُكْمُ الْإِمَامِ فِي الْمُجْتَهِدَاتِ نَافِذٌ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ: تَأْوِيلُ هَذَا فِي إنَاءٍ يُشْرَبُ فِيهِ الْخَمْرُ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِطَرِيقٍ آخَرَ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يَجُوزُ إفْسَادُهُ، عَلَى مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﵌ - أَمَرَ بِكَسْرِ الدِّنَانِ وَشَقِّ الزِّقَاقِ» . وَالْأَصَحُّ هُوَ الْأَوَّلُ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ كَانَ الْإِمَامُ وَغَيْرُ الْإِمَامِ فِي هَذَا سَوَاءً، كَمَا فِي إرَاقَةِ الْخَمْرِ وَإِنَّمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، بِذَلِكَ تَحْقِيقًا لِلزَّجْرِ عَنْ الْعَادَةِ الْمَأْلُوفَةِ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا إنْ رَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَأْمُرَ بِهِ عَلَى تَحْقِيقِ مَعْنَى الزَّجْرِ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ حُكْمًا نَافِذًا.\n٣٠٣٦ - فَإِنْ أَخَذَ الزِّقَّ وَالدَّابَّةَ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا ذَلِكَ الشَّرَابُ فَبَاعَ ذَلِكَ كُلَّهُ فَبَيْعُهُ بَاطِلٌ.\nلِأَنَّهُ بَاعَ مَالَ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ وَالْإِمَامُ فِي هَذَا كَغَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ فِي أَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ فِي بَيْعِ الْمَالِ عَلَى مَالِكِهِ مِنْ غَيْرِ حَقٍّ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ.\n٣٠٣٧ - وَإِنْ كَانَ الَّذِي أَدْخَلَهُ ذِمِّيًّا فَإِنْ كَانَ جَاهِلًا يُرَدُّ عَلَيْهِ مَتَاعُهُ وَتَقَدَّمَ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ فَأَخْبَرَهُ بِأَنَّهُ إنْ عَادَ أَدَّبَهُ.\nلِأَنَّ هَذَا مِمَّا قَدْ يُشْتَبَهُ عَلَيْهِمْ، وَالْجَهْلُ فِي مِثْلِهِ عُذْرٌ مَانِعٌ مِنْ التَّأْدِيبِ.\n٣٠٣٨ - فَإِنْ عَادَ بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ إلَيْهِ أَوْ كَانَ عَالِمًا فِي","vol":"1","page":1544},{"text":"الِابْتِدَاءِ أَنَّ هَذَا لَا يَنْبَغِي لَهُ لَمْ يَنْبَغِ لِلْإِمَامِ أَنْ يُرِيقَ خَمْرَهُ وَلَا يَذْبَحَ خِنْزِيرَهُ.\nلِأَنَّ ذَلِكَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فِي حَقِّهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ التَّأْدِيبَ لَيْسَ بِإِتْلَافِ الْمَالِ وَلَكِنَّهُ يُؤَدِّبُهُ عَلَى ذَلِكَ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ.\n٣٠٣٩ - وَإِنْ أَتْلَفَ إنْسَانٌ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَلَيْهِ ضَمِنَ قِيمَتَهُ إلَّا أَنْ يَرَى الْإِمَامُ أَنْ يُفْعَلَ ذَلِكَ بِهِ عَلَى وَجْهِ الْعُقُوبَةِ.\nوَالْحَاصِلُ أَنَّ حَقَّهُمْ فِي الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ هَا هُنَا كَحَقِّ الْمُسْلِمِينَ فِي الْأَوَانِي، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَالٌ مُتَقَوِّمٌ لِصَاحِبِهِ كَمَا بَيَّنَّا.\n٣٠٤٠ - وَلَوْ مَرَّ ذِمِّيٌّ بِخَمْرٍ لَهُ فِي سَفِينَةِ فِي مِثْلِ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ فَمَرَّ بِهَا فِي وَسَطِ بَغْدَادَ أَوْ وَاسِطَ أَوْ الْمَدَائِنِ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا الطَّرِيقَ الْأَعْظَمَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْمَمَرِّ فِيهِ.\nيَعْنِي أَنَّ مَا لَا يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ، وَلِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْهُ فِي مَوْضِعٍ يُقَالُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْلَامِ الْإِسْلَامِ - كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى الِاسْتِخْفَافِ بِالْمُسْلِمِينَ وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي وَسَطِ الدِّجْلَةِ.\n٣٠٤١ - إلَّا أَنَّهُ لَا يُتْرَكُ أَنْ يُرَدَّ بِهَا إلَى شَيْءٍ مِنْ قُرَى هَذِهِ الْأَمْصَارِ ظَاهِرًا، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الِاسْتِخْفَافِ بِالْمُسْلِمِينَ،","vol":"1","page":1545},{"text":"وَهَذَا غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي وَسَطِ دِجْلَةَ بِمَنْزِلَةِ الْأَسْوَاقِ وَالطُّرُقِ الَّتِي فِيهَا مَجْمَعُ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَالْحُكْمُ فِي تَأْدِيبِهِ كَمَا بَيَّنَّا، وَكَذَلِكَ لَوْ أَرَادُوا الْمَمَرَّ بِذَلِكَ فِي طَرِيقِ الْأَمْصَارِ وَلَا مَمَرَّ لَهُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمْ يُمْنَعُوا مِنْهُ.\nلِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ.\n٣٠٤٢ - فَإِنْ كَانَ لَهُمْ طَرِيقٌ يَأْخُذُونَ فِيهِ غَيْرُ الْأَمْصَارِ مُنِعُوا مِنْ ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ لَهُمْ الْآنَ إلَى ذَلِكَ.\n٣٠٤٣ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ طَرِيقٌ سِوَى ذَلِكَ فَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَبْعَثَ مَعَهُمْ أَمِينًا حَتَّى يُخْرِجَهُمْ مِنْ الْمِصْرِ، نَظَرًا مِنْهُ لَهُمْ حَتَّى لَا يَتَعَرَّضَ لَهُمْ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَنَظَرًا مِنْهُ لِلْمُسْلِمِينَ حَتَّى لَا يَخْلُوَ حَالُهُمْ فِي مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ مَعْنَى الذُّلِّ، أَوْ حَتَّى لَا يُدْخِلُوا ذَلِكَ. بَعْضَ مَسَاكِنِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْمُتَّهَمِينَ بِشُرْبِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.\n٣٠٤٤ - وَكُلُّ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى أَهْلِ الذِّمَّةِ أَظْهَرُوا شَيْئًا مِنْ الْفِسْقِ مِمَّا لَمْ يُصَالَحُوا عَلَيْهِ، مِثْلَ الزِّنَا وَإِتْيَانِ الْفَوَاحِشِ، فَإِنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ.","vol":"1","page":1546},{"text":"لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِدِيَانَةٍ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُ فِسْقٌ فِي الدِّيَانَةِ، فَإِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ الْحُرْمَةَ فِي ذَلِكَ كَمَا يَعْتَقِدُهُ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ. ثُمَّ الْمُسْلِمُونَ يُمْنَعُونَ مِنْ كُلِّهِ فِي الْقُرَى وَالْأَمْصَارِ فَكَذَلِكَ أَهْلُ الذِّمَّةِ.\n٣٠٤٥ - وَالْأَصْلُ فِيهِ عَقْدُ الرِّبَا، فَقَدْ صَحَّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ -، كَتَبَ إلَى أَهْلِ نَجْرَانَ بِأَنْ تَدَعُوا الرِّبَا أَوْ تَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ»، وَكَانَ ذَلِكَ لِهَذَا الْمَعْنَى أَنَّهُ فِسْقٌ مِنْهُمْ فِي الدِّيَانَةِ، فَقَدْ ثَبَتَ بِالنَّصِّ حُرْمَةُ ذَلِكَ فِي دِينِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَخْذِهِمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦١] . وَعَلَى هَذَا إظْهَارُ بَيْعِ الْمَزَامِيرِ وَالطُّبُولِ لِلَّهْوِ، وَإِظْهَارُ الْغِنَاءِ، فَإِنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا يُمْنَعُ مِنْهُ الْمُسْلِمُ، وَمَنْ كَسَّرَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَضْمَنْهُ إلَّا كَمَا يَضْمَنُهُ إذَا كَسَّرَهُ لِلْمُسْلِمِ.\nلِأَنَّ هَذَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ عَقْدُ الذِّمَّةِ فِي التَّقْرِيرِ عَلَيْهِ، إذْ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُمْ كَانُوا مُقِرِّينَ عَلَيْهِ فِي دِينِهِمْ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ ذَلِكَ فِي الْخُمُورِ وَالْخَنَازِيرِ وَنِكَاحِ الْمَحَارِمِ وَعِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَا يُتَعَرَّضُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ خَاصَّةً، فَأَمَّا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَحَالُهُمْ كَحَالِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَنْعِ مِنْ ارْتِكَابِ الْفَوَاحِشِ.\n٣٠٤٦ - وَلَوْ طَلَبَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ الصُّلْحَ عَلَى شَرْطِ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ إنْ اتَّخَذُوا مِصْرًا فِي أَرْضِهِمْ لَمْ يَمْنَعُوهُمْ مِنْ أَنْ يُحْدِثُوا","vol":"1","page":1547},{"text":"فِيهِ بِيعَةً أَوْ كَنِيسَةً، وَإِنْ يُظْهِرُوا فِيهِ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُصَالِحُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ.\nلِأَنَّ هَذَا فِي مَعْنَى إعْطَاءِ الدَّنِيَّةِ فِي الدِّينِ، وَالْتِزَامِ مَا يَرْجِعُ إلَى الِاسْتِخْفَافِ بِالْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَجُوزُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ إلَّا عِنْدَ تَحَقُّقِ الْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ.\n٣٠٤٧ - فَإِنْ أَعْطَاهُمْ الْإِمَامُ عَلَى هَذَا عَهْدًا فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفِيَ بِهَذَا الشَّرْطِ، لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الشَّرْعِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ بَاطِلٌ» .\nوَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ - صَالَحَ أَهْلَ مَكَّةَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ مَنْ جَاءَ مِنْهُمْ مُسْلِمًا»، ثُمَّ نَسَخَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الشَّرْطَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] .\nفَصَارَ هَذَا أَصْلًا أَنَّ الصُّلْحَ مَتَى وَقَعَ عَلَى شُرُوطٍ مِنْهَا الْجَائِزُ الَّذِي يُمْكِنُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَمِنْهَا الْفَاسِدُ الَّذِي لَا يُمْكِنُ الْوَفَاءُ بِهِ: فَإِنَّ الْإِمَامَ يَنْظُرُ إلَى الْجَائِزِ فَيُجِيزُهُ، وَإِلَى الْفَاسِدِ فَيُبْطِلُهُ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ شَرَطُوا فِي الصُّلْحِ إظْهَارَ الزِّنَا وَاسْتِئْجَارَ الزَّوَانِي عَلَانِيَةً لَا يَجُوزُ الْوَفَاءُ لَهُمْ بِهَذَا الشَّرْطِ، بَلْ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى مَنْ يَثْبُتُ عَلَيْهِ الزِّنَا مِنْهُمْ، فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ.\n٣٠٤٨ - وَلَوْ أَنَّ الَّذِينَ صَالَحُوا عَلَى أَرَاضِيِهِمْ أَحْدَثُوا","vol":"1","page":1548},{"text":"كَنَائِسَ فِي قُرَاهُمْ وَأَمْصَارِهِمْ بَعْدَ مَا صَارُوا ذِمَّةً ثُمَّ صَارَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ مِصْرًا مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ يُجْمَعُ فِيهَا الْجُمْعُ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَهْدِمُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُمْ أَحْدَثُوهُ وَمَا كَانُوا مَمْنُوعِينَ مِنْ إحْدَاثِهِ يَوْمَئِذٍ، فَكَانَ ذَلِكَ وَكَنَائِسُهُمْ الْقَدِيمَةُ الَّتِي وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَيْهَا سَوَاءً، فَيُتْرَكُ ذَلِكَ لَهُمْ.\n٣٠٤٩ - وَيُمْنَعُونَ مِنْ إحْدَاثِ الْكَنَائِسِ بَعْدَ مَا صَارَ مِصْرًا مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ.\nفَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يُمْنَعُونَ مِنْ إظْهَارِ بَيْعِ الْخُمُورِ وَالْخَنَازِيرِ فِي هَذَا الْمِصْرِ وَلَا يَمْنَعُونَ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْكَنِيسَةِ الْقَدِيمَةِ. قُلْنَا: لِأَنَّ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ إنْشَاءُ تَصَرُّفٍ مِنْهُمْ بَعْدَ مَا صَارَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ دَارَ الْإِسْلَامِ فَأَمَّا اسْتِدَامَةُ الْكَنِيسَةِ عَلَى مَا كَانَتْ فَلَيْسَ بِإِنْشَاءِ التَّصَرُّفِ، وَصَلَاتُهُمْ فِيهَا وَإِنْ كَانَ إنْشَاءُ التَّصَرُّفِ فَبِعَقْدِ الذِّمَّةِ قَدْ اسْتَحَقُّوا تَرْكَ التَّعَرُّضِ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، فَكَأَنَّ صَلَاتَهُمْ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ شُرْبِهِمْ الْخَمْرَ وَأَكْلِهِمْ الْخَنَازِيرَ.\n٣٠٥٠ - وَلَوْ أَنَّ مِصْرًا مِنْ أَمْصَارِ أَهْلِ الذِّمَّةِ صَارَ مِصْرًا لِلْمُسْلِمِينَ يُجْمَعُ فِيهَا الْجُمَعُ فَمُنِعُوا مِنْ إحْدَاثِ كَنِيسَةٍ فِيهِ ثُمَّ تَحَوَّلَ الْمُسْلِمُونَ عَنْهُ فَلَمْ يَبْقَ فِيهِ مِنْهُمْ إلَّا نَفَرٌ يَسِيرٌ","vol":"1","page":1549},{"text":"فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ يَعُودُ الْحُكْمُ فِيهِ عَلَى مَا كَانَ فِي الِابْتِدَاءِ، لَا يُمْنَعُونَ مِنْ إحْدَاثِ الْكَنَائِسِ فِيهِ، فَإِنْ بَنَوْا فِيهَا الْكَنَائِسَ ثُمَّ بَدَا لِلْمُسْلِمِينَ فَرَجَعُوا إلَى ذَلِكَ الْمِصْرِ لَمْ يَهْدِمُوا شَيْئًا مِمَّا أَحْدَثُوا مِنْ الْكَنَائِسِ قَبْلَ عَوْدِ الْمُسْلِمِينَ إلَيْهِمْ.\nلِأَنَّهُمْ حِينَ بَنَوْا مَا كَانُوا مَمْنُوعِينَ مِنْهُ فَكَانَ هَذَا وَمَا بَنَوْهُ قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَ الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ مِصْرًا لَهُمْ سَوَاءً. وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ أُخِذَ عَنْوَةً فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهَا كَمَا يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْكَنَائِسِ الْقَدِيمَةِ.\n٣٠٥١ - فَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ كَنِيسَةٌ قَدِيمَةٌ فِي مِصْرٍ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ فَأَرَادَ الْمُسْلِمُونَ مَنْعَهُمْ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهَا فَقَالُوا: نَحْنُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ صَالَحْنَا عَلَى بِلَادِنَا، وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: بَلْ أَخَذْنَا بِلَادَكُمْ عَنْوَةً ثُمَّ جُعِلْتُمْ ذِمَّةً، وَهُوَ أَمْرٌ قَدْ تَطَاوَلَ فَلَمْ يُدْرَ كَيْفَ كَانَ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ، هَلْ يَجِدُ فِيهِ أَثَرًا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ؟ وَيَسْأَلُ أَصْحَابَ الْأَخْبَارِ كَيْفَ كَانَ أَصْلُ هَذِهِ الْأَرْضِ؟ فَإِنْ وَجَدَ فِيهِ أَثَرًا عَمِلَ بِهِ.\nلِأَنَّ نَقْلَ الثِّقَاتِ الْأَخْبَارَ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهَا. وَلِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ بِالشَّهَادَةِ الْقَاطِعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِمَّنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ الْوَقْتَ وَمَا جَرَى الرَّسْمُ بِالْإِشْهَادِ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي مِثْلِ هَذَا، فَيُكْتَفَى فِيهِ بِمَا يُوجَدُ مِنْ","vol":"1","page":1550},{"text":"الْحُجَّةِ فِي أَيْدِي الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّ الْوُسْعَ مُعْتَبَرٌ فِي الْحُجَجِ، وَلِهَذَا يُكْتَفَى بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ. وَلِأَنَّ هَذَا مِنْ أَمْرِ الدِّينِ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ حُجَّةٌ، لِلْعَمَلِ بِهِ فِي بَابِ الدَّيْنِ.\n٣٠٥٢ - فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي يَدِ الْفُقَهَاءِ أَثَرٌ فِي ذَلِكَ أَوْ كَانَتْ الْآثَارُ فِيهِ مُخْتَلِفَةً، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَجْعَلُهَا أَرْضَ صُلْحٍ، وَيَجْعَلُ الْقَوْلُ فِيهَا قَوْلَ أَهْلِهَا.\nلِأَنَّهَا فِي أَيْدِيهِمْ، فَهُمْ مُتَمَسِّكُونَ فِيهَا بِالْأَصْلِ، وَالْمُسْلِمُونَ يُرِيدُونَ الِاعْتِرَاضَ عَلَيْهِمْ بِالْمَنْعِ وَالْهَدْمِ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلَ الَّذِينَ يَتَمَسَّكُونَ بِالْأَصْلِ مَعَ أَيْمَانِهِمْ، كَيْفَ وَقَدْ تَأَكَّدَ قَوْلُهُمْ بِمَا ظَهَرَ مِنْ الصُّلْحِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فِي الْحَالِ، فَإِنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الِاشْتِبَاهَ مَتَى تَمَكَّنَ فِيمَا مَضَى يَجِبُ الْمَصِيرُ إلَى تَحْكِيمِ الْحَالِ، كَمَا فِي جَرَيَانِ الْمَاءِ فِي اسْتِئْجَارِ الرَّحَى.\nتَوْضِيحُهُ: أَنَّا تَيَقَّنَّا بِثُبُوتِ حَقِّهِمْ فِيهَا فِي الْأَصْلِ وَوَقَعَ الشَّكُّ وَالتَّعَارُضُ فِي الْأَدِلَّةِ الْمُثْبِتَةِ لِحَقِّ الْمُسْلِمِينَ فِيهَا، وَالْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ.\n٣٠٥٣ - وَعَلَى هَذَا لَوْ جَاءَ أَثَرُ أَنَّهُمْ أَهْلُ صُلْحٍ وَأَثَرُ أَنَّهُمْ أُخِذُوا عَنْوَةً فَإِنَّ الْقَوْلَ فِيهِ قَوْلُهُمْ أَيْضًا.\nلِتَعَارُضِ الْآثَارِ.","vol":"1","page":1551},{"text":"وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا شَهِدَ شُهُودٌ، عَلَى شَهَادَةِ شُهُودٍ، أَنَّهُمْ صَالَحُوا وَشَهِدَ شُهُودٌ عَلَى أَنَّهُمْ أُخِذُوا عَنْوَةً فَإِنَّهُ يَعْمَل بِشَهَادَةِ الْفَرِيقِ الثَّانِي.\nلِأَنَّ الشَّهَادَةَ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ فَيُرَجَّحُ بِالْإِثْبَاتِ، وَاَلَّذِينَ شَهِدُوا أَنَّهُمْ صَالَحُوا يَبْقَوْنَ عَلَى مَا كَانَ وَلَا يُثْبِتُونَ شَيْئًا حَادِثًا، وَالْفَرِيقُ الثَّانِي يُثْبِتُونَ ذَلِكَ.\nفَأَمَّا الْأَثَرُ فَلَيْسَ بِشَهَادَةٍ قَاطِعَةٍ، وَالْعَمَلُ بِهَا فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ وَفِي الْإِبْقَاءِ وَالْإِحْدَاثِ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلِتَحَقُّقِ الْمُعَارَضَةِ يُصَارُ إلَى التَّمَسُّكِ بِالْأَصْلِ.\nوَأَشَارَ إلَى مَعْنًى آخَرَ فِي الْكِتَابِ، فَقَالَ:\n٣٠٥٥ - لَمَّا جُعِلَ الْقَوْلُ قَوْلُهُمْ قَبْلَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ كَانَ الْمُحْتَاجُ إلَى الْبَيِّنَةِ هُمْ الْمُسْلِمُونَ دُونَ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَتُقْبَلُ بَيِّنَتُهُمْ عَلَى ذَلِكَ، بِمَنْزِلَةِ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ مَعَ ذِي الْيَدِ فِي دَعْوَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ.\nفَإِنْ قِيلَ: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَرَجَّحَ بَيِّنَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ، لِمَا فِيهَا مِنْ تَقْرِيرِ حُرِّيَّةِ الْأَصْلِ وَنَفْيِ سَبَبِ حَقِّ الِاسْتِرْقَاقِ بِمَنْزِلَةِ مَجْهُولِ الْحَالِ إذَا ثَبَتَ حُرِّيَّتُهُ بِالْبَيِّنَةِ فِي مُعَارَضَةِ بَيِّنَةِ مُدَّعِي الرِّقِّ عَلَيْهِ.\nقُلْنَا: هَذَا مَعْنًى لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ هَا هُنَا، فَاَلَّذِينَ أُخِذُوا عَنْوَةً إذَا مَنَّ الْإِمَامُ عَلَيْهِمْ كَانُوا أَحْرَارَ الْأَصْلِ بِمَنْزِلَةِ الَّذِينَ صَالَحُوا عَلَى أَرَاضِيِهِمْ وَرِقَابِهِمْ، فَبَيْنَ الْكُلِّ اتِّفَاقٌ عَلَى أَنَّهُمْ","vol":"1","page":1552},{"text":"أَحْرَارٌ لَمْ يُمْلَكُوا قَطُّ، وَإِنَّمَا الدَّعْوَى فِيمَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ الْكَنَائِسِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الدَّعْوَى بَيْنَ الْخَارِجِ وَذِي الْيَدِ فِي مِلْكِ مَا فِي يَدِهِ.\n٣٠٥٦ - وَلَوْ جَاءَ أَثَرُ أَنَّهُمْ أُخِذُوا عَنْوَةً وَجَاءَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى شَهَادَةِ أَنَّهُمْ صُولِحُوا كَانَتْ الشَّهَادَةُ أَحَقَّ أَنْ يُؤْخَذَ بِهَا.\nلِأَنَّهَا حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ فَلَا يُقَابِلُهَا رِوَايَةُ الْأَثَرِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحَجَّةٍ فِي مَوْضِعِ الْمُنَازَعَةِ وَالْخُصُومَةِ.\n٣٠٥٧ - وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ شُهُودُ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.\nلِأَنَّ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَا تَكُونُ حُجَّةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ.\n٣٠٥٨ - وَلَوْ جَاءَ أَثَرُ أَنَّهُمْ صَالَحُوا - وَجَاءَتْ الشَّهَادَةُ أَنَّهُمْ أُخِذُوا عَنْوَةً فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِالشَّهَادَةِ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ شَهَادَةُ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ.\nلِأَنَّهَا تَقُومُ عَلَيْهِمْ الْآنَ بِاسْتِحْقَاقِ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَشَهَادَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.","vol":"1","page":1553},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>[بَابُ مَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَفْعَلُوهُ بِالْعَدُوِّ وَمَا لَا يَحِلُّ]</span>\n٣٠٥٩ - قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِتَحْرِيقِ حُصُونِهِمْ وَتَغْرِيقِهَا مَا دَامُوا مُمْتَنِعِينَ فِيهَا، سَوَاءٌ كَانَ فِيهَا قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أُسَرَاءَ أَوْ مُسْتَأْمَنِينَ أَوْ لَمْ يَكُونُوا، وَالْأَوْلَى لَهُمْ إذَا كَانُوا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ الظَّفَرِ بِهِمْ بِوَجْهٍ آخَرَ أَلَّا يُقْدِمُوا عَلَى التَّغْرِيقِ وَالتَّحْرِيقِ.\nلِأَنَّ فِي ذَلِكَ إتْلَافَ مَنْ فِيهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ إنْ كَانُوا وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا، فَفِي ذَلِكَ إتْلَافُ أَطْفَالِهِمْ وَنِسَائِهِمْ، وَذَلِكَ حَرَامٌ شَرْعًا، فَلَا يَجُوزُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ إلَّا عِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ، وَالضَّرُورَةُ فِيهِ أَلَا يَكُونَ لَهُمْ طَرِيقٌ آخَرُ يَتَمَكَّنُونَ مِنْ الظَّفَرِ بِهِمْ بِذَلِكَ الطَّرِيقِ، أَوْ يَلْحَقُهُمْ فِي الطَّرِيقِ الْآخَرِ حَرَجٌ عَظِيمٌ وَمَئُونَةٌ شَدِيدَةٌ، فَحِينَئِذٍ لِدَفْعِ هَذِهِ الْمَئُونَةِ يُبَاحُ لَهُمْ التَّحْرِيقُ، وَمِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ الْإِبَاحَةِ مُطْلَقًا مَعَ الْعِلْمِ بِالْحَالِ أَلَّا يَلْزَمَهُمْ دِيَةٌ وَلَا كَفَّارَةٌ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ قَتْلِ مَحْظُورٍ وَهَذَا قِتَالٌ مَأْمُورٌ بِهِ فَلَا يَكُونُ مُوجِبًا دِيَةً وَلَا كَفَّارَةً.\n٣٠٦٠ - وَالسَّفِينَةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بِمَنْزِلَةِ الْحِصْنِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا، وَكَذَلِكَ إنْ تَتَرَّسُوا بِأَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِنْهُمْ وَفِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقْصِدُوا بِفِعْلِهِمْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ الْمُقَاتِلِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ.","vol":"1","page":1554},{"text":"لِأَنَّهُمْ لَوْ قَدَرُوا عَلَى التَّحَرُّزِ عَنْ إصَابَةِ الْأَطْفَالِ فِعْلًا كَانَ عَلَيْهِمْ التَّحَرُّزُ عَنْ ذَلِكَ، فَإِذَا عَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ وَقَدَرُوا عَلَى التَّحَرُّزِ قَصْدًا كَانَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] . وَقَدْ بَيَّنَّا مَا سَبَقَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ مِنْ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْفِعْلِ بِأَنْ يَتَحَقَّقَ صِفَةُ الْخَطَأِ.\n٣٠٦١ - فَإِنْ اخْتَلَفَ الرَّامِي وَوَلِيُّ الْمَقْتُولِ بِالرَّمْيَةِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ الْوَلِيُّ: أَقَصَدْته بَعْدَ مَا عَلِمْت أَنَّهُ مُكْرَهٌ مِنْ جِهَتِهِمْ فِي الْوُقُوفِ فِي الصَّفِّ، وَقَالَ الرَّامِي: إنَّمَا تَعَمَّدْت الْمُشْرِكِينَ بِالرَّمْيِ، فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الرَّامِي مَعَ يَمِينِهِ.\nلِأَنَّ الرَّمْيَ إلَى صَفِّ الْمُشْرِكِينَ مُبَاحٌ لَهُ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُوجِبٍ الضَّمَانَ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ، فَيَجِبُ التَّمَسُّكُ بِذَلِكَ الْأَصْلِ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ بِخِلَافِهِ.\n٣٠٦٢ - ثُمَّ الْوَلِيُّ يَدَّعِي عَلَى الرَّامِي سَبَبَ وُجُوبِ الضَّمَانِ، وَهُوَ تَعَمُّدُهُ إيَّاهُ بِالرَّمْيِ مَعَ الْعِلْمِ بِالْحَالِ، وَهُوَ مُنْكِرٌ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ.\nوَلِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لِلرَّامِي، وَالْمُسْلِمُ لَا يَتَعَمَّدُ الرَّمْيَ إلَى الْمُسْلِمِ.\n٣٠٦٣ - وَمُطْلَقُ فِعْل الْمُسْلِمِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَحِلُّ شَرْعًا.\nلِأَنَّ دِينَهُ وَعَقْلَهُ يَحْمِلُهُ عَلَى ذَلِكَ وَيَمْنَعُهُ عَنْ ارْتِكَابِ مَا لَا يَحِلُّ، فَلِهَذَا جَعَلْنَا الْقَوْلَ قَوْلَ الرَّامِي فِي ذَلِكَ.","vol":"1","page":1555},{"text":"إلَّا أَنَّهُ يَحْلِفُهُ لِأَنَّ الْوَلِيَّ يَدَّعِي عَلَيْهِ مَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ أَلْزَمَهُ فَإِذَا أَنْكَرَ اسْتَحْلَفَ لِرَجَاءِ نُكُولِهِ.\n٣٠٦٥ - فَإِذَا سَبَى الْمُسْلِمُونَ الْمَرْأَةَ مَعَ وَلَدِهَا الصَّغِيرِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى حَمْلِهَا فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَقْتُلُوهُمَا.\nلِأَنَّ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَان حَرَامٌ بِالنَّصِّ.\n٣٠٦٦ - وَلَكِنْ يَتْرُكُونَهُمَا فِي مَضْيَعَةٍ.\nلِأَنَّ فِي تَرْكِهِمَا فِي مَضْيَعَةٍ امْتِنَاعٌ مِنْ الْإِحْسَانِ إلَيْهِمَا بِالنَّقْلِ إلَى مَوْضِعِ الْأَمْنِ، وَالِامْتِنَاعُ مِنْ الْإِحْسَانِ لَا يَكُونُ إسَاءَةً.\n٣٠٦٧ - وَإِذَا كَانَ مَعَهُمَا أَبُ الصَّبِيِّ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلُوهُ.\nلِأَنَّهُ أَسِيرٌ مُبَاحُ الدَّمِ.\n٣٠٦٨ - وَلَوْ اُمْتُنِعَ قَتْلُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ ضَيَاعِهِمَا لَامْتُنِعَ قِتَالُ الْمُشْرِكِينَ أَصْلًا.\nلِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي الْحَرْبِ إلَّا وَفِيهِ تَوَهُّمُ ضَيَاعِ عِيَالِهِ.\n٣٠٦٩ - فَإِنْ قَدَرُوا عَلَى أَنْ يَحْمِلُوا الْمَرْأَةَ دُونَ الصَّبِيِّ وَعَلِمُوا أَنَّ الصَّبِيَّ يَمُوتُ إذَا فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا، أَوْ كَانَ ذَلِكَ أَكْبَرَ ظَنِّهِمْ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ.","vol":"1","page":1556},{"text":"لِأَنَّهُمْ لَوْ تَرَكُوهُمَا كَانَ فِيهِ ضَيَاعُ الصَّبِيِّ أَيْضًا. وَلِأَنَّ تَضْيِيعَ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ فَهُوَ خَيْرٌ مِنْ تَضْيِيعِهِمَا، وَلِأَنَّهُمْ يَحْمِلُونَ الْمَرْأَةَ دُونَ الصَّبِيِّ يَقْصِدُونَ مَنْفَعَةَ أَنْفُسِهِمْ فِي اسْتِرْقَاقِهَا، وَذَلِكَ حَقٌّ مُسْتَحَقٌّ لِلْمُسْلِمِينَ.\n٣٠٧٠ - وَلَا بَأْسَ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا بِسَبَبِ حَقٍّ مُسْتَحَقٍّ، إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُمْ أَلَّا يَرْمُوا بِالصَّبِيِّ عَنْ خُيُولِهِمْ رَمْيًا، وَلَكِنْ يَضَعُونَهُ عَلَى الْأَرْضِ وَضْعًا.\nلِأَنَّهُمْ إذَا رَمَوْا بِهِ كَانَ هَالِكًا بِفِعْلِهِمْ، وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْقَتْلِ مِنْهُمْ لَهُ، وَإِذَا وَضَعُوهُ لَمْ يَكُونُوا قَاتِلِينَ لَهُ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ وَجَدَ لَقِيطًا فَرَفَعَهُ ثُمَّ وَضَعَهُ فِي مَكَانِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ، وَلَوْ رَمَى فَتَلِفَ كَانَ ضَامِنًا بَدَلَ نَفْسِهِ، فَبِهَذَا تَبَيَّنَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَضْعِ وَالتَّرْكِ فِي مَوْضِعٍ يُعْلَمُ أَنَّهُ يُهْلَكُ فِيهِ.\n٣٠٧١ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانُوا يَقْدِرُونَ عَلَى حَمْلِ الصَّبِيِّ وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى حَمْلِ أُمِّهِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَحْمِلُوهُ وَيَتْرُكُوهَا، إذَا كَانُوا يَطْمَعُونَ فِي إخْرَاجِهِ صَحِيحًا، بِأَنْ كَانُوا يَقْدِرُونَ عَلَى غِذَاءٍ يُغَذُّونَهُ بِهِ إذَا فَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُمِّهِ، فَإِنْ كَانُوا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ وَلَكِنَّهُمْ يَتَيَقَّنُونَ بِأَنَّهُ يَمُوتُ فِي أَيْدِيهِمْ إذَا حَمَلُوهُ دُونَ أُمِّهِ فَالْأَوْلَى أَنْ يَتْرُكُوهُ مَعَ أُمِّهِ.\nلِأَنَّ هَذَا تَفْرِيقٌ غَيْرُ مُفِيدٍ. وَلِأَنَّهُمْ إذَا تَرَكُوهُ مَعَ أُمِّهِ لَا يَكُونُ هَلَاكُ","vol":"1","page":1557},{"text":"الْوَلَدِ مُضَافًا إلَى فِعْلِهِمْ تَسْبِيبًا وَلَا مُبَاشَرَةً وَإِذَا حَمَلُوهُ دُونَ أُمِّهِ كَانَ هَلَاكُ الْوَلَدِ مُضَافًا إلَى فِعْلِهِمْ تَسْبِيبًا مِنْ حَيْثُ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يَتَغَذَّى بِهِ مِنْ لَبَنِ أُمِّهِ.\n٣٠٧٢ - وَإِنْ كَانُوا يَقْدِرُونَ عَلَى حَمْلِ أَحَدِهِمَا أَيُّهُمَا شَاءُوا فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْمِلُوا مَا يَكُونُ مَنْفَعَتُهُمْ فِيهِ أَكْثَرَ.\nلِأَنَّ بِاعْتِبَارِ الْمَنْفَعَةِ يُبَاحُ أَصْلُ الْحَمْلِ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، فَبِزِيَادَةِ الْمَعْنَى فِي الْمَنْفَعَةِ يَقَعُ التَّرْجِيحُ أَيْضًا.\n٣٠٧٣ - وَإِنْ كَانَتْ الْمَنْفَعَةُ وَاحِدَةً فَإِنْ لَمْ يَطْمَعُوا فِي أَنْ يَعِيشَ الصَّبِيُّ إذَا فُصِلَ مِنْ أُمِّهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْمِلُوا الْأُمَّ دُونَ الصَّبِيِّ.\nلِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ فِي حَمْلِ الصَّبِيِّ الْآنَ.\n٣٠٧٤ - وَإِنْ كَانُوا طَمِعُوا أَنْ يَعِيشَ الصَّبِيُّ مَعَهُمْ بِمَا يُغَذُّونَهُ بِهِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ الصَّبِيُّ وَيَتْرُكُوا الْأُمَّ.\nلِأَنَّ خَوْفَ الضَّيَاعِ وَالْعَجْزِ عَنْ الْإِحْسَانِ لِنَفْسِهِ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ أَظْهَرُ. وَلِأَنَّ الْأُمَّ كَافِرَةٌ مُخَاطَبَةٌ، فَالِامْتِنَاعُ مِنْ الْإِحْسَانِ إلَيْهَا عِنْدَ إصْرَارِهَا عَلَى الْكُفْرِ يَكُونُ أَوْلَى مِنْ الِامْتِنَاعِ مِنْ الْإِحْسَانِ إلَى الرَّضِيعِ.","vol":"1","page":1558},{"text":"٣٠٧٥ - وَإِنْ قَدَرُوا عَلَى حَمْلِهِمَا فَلَسْت أُحِبُّ لَهُمْ أَنْ يَتْرُكُوا وَاحِدًا مِنْهُمَا لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ إيصَالِ الْمَنْفَعَةِ إلَى الْمُسْلِمِينَ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ ذَلِكَ، لِمَا فِيهِ مِنْ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا.\nوَقَالَ - ﵌ -: «مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .\nوَلِأَنَّهُمْ نَقَلُوهُمَا إلَى هَذَا الْمَكَانِ وَفِي تَرْكِ أَحَدِهِمَا فِي هَذَا الْمَكَانِ تَضْيِيعٌ لَهُ فَلَا يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ حَمْلِهِمَا.\n٣٠٧٦ - وَبِهِ فَارَقَ مَا لَوْ وَجَدُوهُمَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَإِنَّ هُنَاكَ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْخُذُوا أَحَدَهُمَا أَيُّهُمَا شَاءُوا.\nلِأَنَّهُمْ مَا نَقَلُوهُمَا إلَى هَذَا الْمَوْضِعِ، وَلَهُمْ أَنْ يَتْرُكُوهُمَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى حَمْلِهِمَا، فَيَكُونُ لَهُمْ أَيْضًا أَنْ يَتْرُكُوا أَحَدَهُمَا وَيَأْخُذُوا الْآخَرَ، لِأَنَّهُ تَفْرِيقٌ بِحَقٍّ.\n٣٠٧٧ - وَهَذَا إذَا طَمِعُوا أَنْ يَعِيشَ الصَّبِيُّ فِي أَيْدِيهِمْ بِمَا يُغَذُّونَهُ بِهِ إذَا أَخَذُوهُ، فَإِذَا لَمْ يَطْمَعُوا فِي ذَلِكَ فَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ إلَّا أَنْ يَأْخُذُوهُمَا إنْ قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ أَوْ يَتْرُكُوهُمَا.\nلِأَنَّ فِي أَخْذِ الصَّبِيِّ وَحْدَهُ تَفْرِيقٌ غَيْرُ مُفِيدٍ.\n٣٠٧٨ - وَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَحَدِهِمَا فَلْيَأْخُذُوا الْأُمَّ.\nلِأَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةً لَهُمْ.","vol":"1","page":1559},{"text":"وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْخُذُوهَا وَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْهُمْ أَنَّ الصَّبِيَّ يَمُوتُ.\nلِأَنَّهُمْ بِأَخْذِ الْأُمِّ يَقْصِدُونَ تَحْصِيلَ الْمَنْفَعَةِ لَهُمْ، وَأَخْذُهَا لَيْسَ بِقَتْلٍ مِنْهُمْ لِلصَّبِيِّ بِعَيْنِهِ.\n٣٠٨٠ - وَكَذَلِكَ لَوْ وَجَدُوا مَعَ الصَّبِيِّ أَبَاهُ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلُوهُ أَوْ يَأْسِرُوهُ، وَإِنْ كَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ الصَّبِيَّ يَمُوتُ بَعْدَهُ.\nلِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِتَعَرُّضٍ مِنْهُمْ لِلصَّبِيِّ بِشَيْءٍ.\n٣٠٨١ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مَعَ الصَّبِيِّ وَالِدَاهُ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُوضَعَ الصَّبِيُّ نَاحِيَةً وَيُؤْخَذُ أَبَوَاهُ فَيُؤْسَرَانِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِتَحْرِيقِ حُصُونِهِمْ وَتَغْرِيقِهَا وَإِنْ كَانَ فِيهِ هَلَاكُ الْأَطْفَالِ فَلَأَنْ يَجُوزَ قَتْلُ الْمُشْرِكِ وَأَسْرُهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ هَلَاكُ الصَّغِيرِ كَانَ أَوْلَى، إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُمْ أَلَا يَرْمُوا بِالصَّبِيِّ وَلَكِنَّهُمْ يَضَعُونَهُ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْأَرْضِ إنْ تَمَكَّنُوا مِنْ ذَلِكَ.\nفَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنُوا بِأَنْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ فِي أَثَرِهِمْ فَخَافُوا أَنْ يَنْزِلُوا، فَيَضَعُوهُ عَلَى الْأَرْضِ، أَنْ يَلْحَقَهُمْ الْمُشْرِكُونَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَرْمُوا بِهِ عَنْ خُيُولِهِمْ وَلَا يَتَعَمَّدُوا قَتْلَهُ.\nلِأَنَّ أَمْرَ أَنْفُسِهِمْ أَهَمُّ، وَالتَّحَرُّزُ عَنْ وُقُوعِهِمْ فِي أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، فَكَانَ حَالُهُمْ الْآنَ فِيمَا اُبْتُلُوا بِهِ، كَحَالِ تَتَرُّسِ الْمُشْرِكِينَ بِالْأَطْفَالِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هُنَاكَ لَا بَأْسَ بِالرَّمْيِ إلَيْهِمْ","vol":"1","page":1560},{"text":"بِشَرْطِ أَلَا يَتَعَمَّدُوا قَتْلَ الصَّبِيَّانِ، فَهَا هُنَا أَيْضًا لَا بَأْسَ بِرَمْيِ الصَّبِيَّانِ عَنْ دَوَابِّهِمْ إذَا عَجَزُوا عَنْ حَمْلِهِمْ وَعَنْ وَضْعِهِمْ عَلَى الْأَرْضِ.\n٣٠٨٢ - فَإِنْ قَتَلَهُمْ رَمْيُهُمْ لَهُمْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْكَفَّارَةِ وَلَا إثْمَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.\nلِأَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ وَلَكِنَّهُ قُيِّدَ بِالِاسْتِثْنَاءِ هَا هُنَا وَهَذَا لَيْسَ فِي مَعْنَى التَّتَرُّسِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَهُنَاكَ لَمْ يَتَّصِلْ مِنْهُمْ فِعْلٌ بِالْأَطْفَالِ قَبْلَ أَنْ تَتَرَّسَ بِهِمْ الْمُشْرِكُونَ، وَفِي هَذَا الْمَوْضِعِ قَدْ اتَّصَلَ مِنْهُمْ فِعْلٌ بِالْأَطْفَالِ قَبْلَ أَنْ يُبْتَلَوْا بِرَمْيِهِمْ، وَهُوَ حَمْلُهُمْ وَنَقْلُهُمْ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ فَلِهَذَا قُيِّدَ الْجَوَابُ بِالِاسْتِثْنَاءِ.\n٣٠٨٣ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانُوا فِي سَفِينَةٍ وَمَعَهُمْ فِيهَا أَطْفَالٌ مِنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ فَانْتَهَوْا إلَى مَكَان مِنْ الْبَحْرِ أَكْبَرُ الظَّنِّ مِنْهُمْ إنْ لَمْ يَطْرَحُوهُمْ فِي الْمَاءِ غَرِقَتْ السَّفِينَةُ وَمَنْ فِيهَا فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَطْرَحُوهُمْ وَلَا يَتَعَمَّدُوا بِذَلِكَ قَتْلَهُمْ.\nلِأَنَّهُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِمْ هَذَا الْوَجْهُ لِنَجَاتِهِمْ مِمَّا اُبْتُلُوا بِهِ، فَكَانُوا فِي سَعَةٍ مِنْ الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ.\n٣٠٨٤ - وَلَوْ كَانَ مَعَهُمْ أَطْفَالُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْفَصْلَيْنِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَطْرَحُوهُمْ وَلَا أَنْ يَرْمُوا بِهِمْ.\nلِأَنَّ حُرْمَةَ أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ كَحُرْمَةِ الْكِبَارِ مِنْهُمْ.","vol":"1","page":1561},{"text":"وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَقِيَ رُوحَهُ بِرُوحِ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ فِي الْحُرْمَةِ، كَمَا لَوْ أُكْرِهَ بِوَعِيدِ الْقَتْلِ عَلَى أَنْ يَقْتُلَ مُسْلِمًا. وَلِأَنَّهُمْ يَتَعَجَّلُونَ فِي هَذَا قَتْلَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَلَا رُخْصَةَ فِي ذَلِكَ لِمَنْ يَخَافُ الْهَلَاكَ عَلَى نَفْسِهِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اُبْتُلِيَ بِمَخْمَصَةٍ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَتَنَاوَلَ أَحَدًا مِنْ أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ لِدَفْعِ الْهَلَاكِ عَنْ نَفْسِهِ.\n٣٠٨٥ - وَلَوْ كَانَ مَعَهُمْ فِي سَفِينَةٍ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مُسْتَأْمَنِينَ فَهُمْ فِي ذَلِكَ كَالْمُسْلِمِينَ لَا يَسَعُهُمْ أَنْ يَطْرَحُوهُمْ فِي الْمَاءِ وَإِنْ خَافُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ.\nلِأَنَّهُمْ آمِنُونَ فِيهِمْ بِسَبَبِ الذِّمَّةِ أَوْ الْأَمَانِ، فَكَانُوا كَالْآمِنِينَ بِسَبَبِ الْإِيمَانِ.\n٣٠٨٦ - وَحَقِيقَةُ الْمَعْنَى: فِي الْفَرْقِ بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَبَيْنَ أَطْفَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ أَنَّهُمْ مُنِعُوا مِنْ قَتْلِ هَؤُلَاءِ لِوُجُودِ عَاصِمٍ مِنْهُمْ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَا يَسْتَرِقُّونَهُمْ كَمَا لَا يَقْتُلُونَهُمْ، وَفِي حَقِّ الْأَطْفَالِ الْمَنْعُ مِنْ الْقَتْلِ لَيْسَ بِعَاصِمٍ فِيهِ بَلْ لِانْعِدَامِ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْقَتْلِ وَهِيَ الْمُحَارَبَةُ، وَلِهَذَا جَازَ اسْتِرْقَاقُهُمْ، مَعَ أَنَّ فِي الِاسْتِرْقَاقِ إتْلَافًا مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ، فَلِضَعْفِ حَالِهِمْ قُلْنَا.\nعِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ يُرَخَّصُ لَهُ فِي أَنْ يَجْعَلَهُمْ وِقَايَةً لِنَفْسِهِ.","vol":"1","page":1562},{"text":"وَعَلَى هَذَا لَوْ هَدَّدَ مَلِكُهُمْ أَسِيرًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِأَنْ يَقْتُلَ صَبِيًّا مِنْهُمْ أَوْ امْرَأَةً وَقَالَ: إنْ لَمْ تَقْتُلْهُ قَتَلْنَاك كَانَ فِي سَعَةٍ مِنْ أَنْ يَقْتُلَهُ.\nوَفِي سَعَةِ مِنْ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْهُ حَتَّى يَقْتُلَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَا يَثْبُتُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ التَّرَخُّصِ لَهُ إذَا أُكْرِهَ عَلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ.\n٣٠٨٧ - وَلَوْ أَنَّ جَرِيدَةَ خَيْلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَصَابُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ أَطْفَالًا مِنْ أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ فَحَمَلُوهُمْ عَلَى خُيُولِهِمْ، ثُمَّ لَحِقَهُمْ الْعَدُوُّ فَإِنَّهُ لَا يَسَعُهُمْ أَنْ يَرْمُوا بِالْأَطْفَالِ، وَلَكِنْ إمَّا أَنْ يَمُوتُوا عَنْ آخِرِهِمْ أَوْ يَنْقَلِبُوا هُمْ وَالْأَطْفَالُ لِلْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمْ فِي الْحُرْمَةِ وَالْعِصْمَةِ وَهَذِهِ الْمُسَاوَاةُ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ بَعْدَ مَا أَخَذُوهُمْ وَالْتَزَمُوا حَمْلَهُمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانُوا لَمْ يَأْخُذُوهُمْ بَعْدُ وَخَافُوا أَنْ يَأْخُذُوهُمْ أَنْ يَعْجَزُوا عَنْ حَمْلِهِمْ وَأَنْ يُدْرِكَهُمْ الْمُشْرِكُونَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَتْرُكُوهُمْ.\nلِأَنَّ فِي هَذَا مِنْهُمْ تَرْكَ الْإِحْسَانِ إلَى الْأَطْفَالِ لَا الْإِسَاءَةِ إلَيْهِمْ. وَلِأَنَّهُمْ يَمْتَنِعُونَ مِنْ الْتِزَامِ مَا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْوَفَاءِ بِهِ إذَا الْتَزَمُوهُ، فَإِنْ قَاتَلُوا عَنْهُمْ حَتَّى يُقْتَلُوا أَوْ يَظْفَرُوا بِالْعَدُوِّ فَيُخْرِجُوهُمْ فَذَلِكَ أَفْضَلُ.","vol":"1","page":1563},{"text":"لِأَنَّ الدَّفْعَ عَنْ أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ عَزِيمَةٌ، وَتَرْكُ ذَلِكَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ رُخْصَةٌ، وَالتَّمَسُّكُ بِالْعَزِيمَةِ خَيْرٌ مِنْ التَّرَخُّصِ بِالرُّخْصَةِ.\n٣٠٨٨ - وَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ يُقَوَّوْنَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يَأْخُذُوا مِنْهُمْ الْأَطْفَالَ لَمْ يَسَعْهُمْ تَرْكُهُمْ.\nلِأَنَّ الدَّفْعَ عَنْ أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ هُوَ الْعَزِيمَةُ، وَعِنْدَ النَّفِيرِ الْعَامِّ يُفْرَضُ الْخُرُوجَ لِلْقِتَالِ عَلَى كُلِّ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ عَيْنًا لِلدَّفْعِ عَنْ أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَكَذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.\nوَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا يَطْمَعُونَ فِي أَنْ يَنْجُوا مَعَ أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ إذَا قَاتَلُوا لَمْ يَسَعْهُمْ إلَّا ذَلِكَ، وَإِنْ كَانُوا لَا يَطْمَعُونَ فِي ذَلِكَ فَحِينَئِذٍ يُرَخَّصُ لَهُمْ فِي الْبِدَايَةِ بِأَنْفُسِهِمْ فِي اكْتِسَابِ سَبَبِ النَّجَاةِ، عَمَلًا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ - ﵌ -: «ابْدَأْ بِنَفْسِك ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ» . وَعَلَى هَذَا لَوْ اُبْتُلُوا بِهَذِهِ الْحَادِثَةِ فِي أَطْفَالٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ حَمَلُوهُمْ بِدُونِ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ حَتَّى أَخْرَجُوهُمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَام ثُمَّ أَدْرَكَهُمْ الْمُشْرِكُونَ.\nلِأَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَطْفَالَ صَارُوا مُسْلِمِينَ بِاعْتِبَارِ دَارِ الْإِسْلَامِ، حِينَ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ فِيهَا أَحَدٌ مِنْ آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ يُصَلَّى عَلَيْهِ فَكَانُوا بِمَنْزِلَةِ أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ.\n٣٠٨٩ - وَلَوْ كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمْ إنْ رَمَوْا بِهِمْ لَمْ يَهْلَكُوا، وَلَكِنَّ الْمُشْرِكِينَ يَأْخُذُونَهُمْ فَيَرُدُّونَهُمْ إلَى بِلَادِهِمْ،","vol":"1","page":1564},{"text":"فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَطْرَحُوهُمْ، إذَا لَمْ يَكُنْ بِهِمْ قُوَّةٌ عَلَى أُولَئِكَ الْمُشْرِكِينَ.\nلِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا هَلَاكٌ وَلَا قَتْلٌ لِلْأَطْفَالِ، وَإِنَّمَا الْمَمْنُوعُ مِنْهُ أَنْ يَجْعَلَ رُوحَ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ فِي الْحُرْمَةِ وِقَايَةً لِرُوحِهِ.\n٣٠٩٠ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَعَهُمْ أَطْفَالُ الْمُسْلِمِينَ أَوْ نِسَاءٌ مُسْلِمَاتٌ فَخَافُوا إنْ لَمْ يَطْرَحُوهُمْ أَنْ يَلْحَقَهُمْ الْمُشْرِكُونَ فَيَقْتُلُوهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ قُوَّةٌ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَطْرَحُوهُمْ إذَا عَلِمُوا أَنَّ الْمُشْرِكِينَ يَأْخُذُونَهُمْ وَلَا يَقْتُلُونَهُمْ.\nلِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا قَتْلٌ وَلَا هَلَاكٌ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ حَاصَرُوا حِصْنًا مِنْ حُصُونِ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ النِّسَاءُ وَالْأَطْفَالُ وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ كَانُوا فِي سَعَةٍ مِنْ أَنْ يُخَلُّوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْحِصْنِ.\nلِأَنَّهُ لَيْسَ فِي فِعْلِهِمْ إتْلَافُ النِّسَاءِ وَالْأَطْفَالِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.\n٣٠٩١ - وَإِنْ كَانُوا يَقْدِرُونَ عَلَى قِتَالِهِمْ، أَوْ كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ عَلَى أَنَّهُمْ يَنْتَصِفُونَ مِنْهُمْ، فَلَيْسَ يَسَعُهُمْ أَنْ يَدَعُوهُمْ.\nلِأَنَّ أَكْبَرَ الرَّأْيِ فِيمَا لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى حَقِيقَتِهِ كَالْيَقِينِ، وَالدَّفْعُ عَنْ ذَرَارِيِّ الْمُسْلِمِينَ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ عِنْدَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ.","vol":"1","page":1565},{"text":"٣٠٩٢ - وَلَوْ كَانُوا فِي سَفِينَةٍ فَخَافُوا إنْ لَمْ يَرْمُوا بِالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ فِي الْمَاءِ أَنْ يَأْخُذَ الْمُشْرِكُونَ مَنْ فِي السَّفِينَةِ لَمْ يَحِلَّ لَهُمْ أَنْ يَرْمُوا بِهِمْ فِي الْمَاءِ.\nلِأَنَّ أَكْبَرَ الرَّأْيِ فِي الْمَاءِ أَنَّهُ مُهْلِكٌ، فَكَانَ فِي هَذَا إتْلَافُ الذَّرَارِيِّ، وَلَا رُخْصَةَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ لِتَحْصِيلِ النَّجَاةِ لِأَنْفُسِهِمْ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. فَالرَّمْيُ بِهِمْ عَنْ الْخُيُولِ هُنَاكَ غَيْرُ مُتْلِفٍ لَهُمْ غَالِبًا، حَتَّى أَنَّ فِي السَّفِينَةِ إذَا كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْهُمْ عِنْدَ الرَّمْيِ بِالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ أَنَّهُمْ لَا يَهْلَكُونَ وَلَكِنْ يَأْخُذُهُمْ الْمُشْرِكُونَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، إذَا كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْهُمْ أَنْ يَهْلَكُوا جَمِيعًا إنْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ\n٣٠٩٣ - وَلَوْ أَخَذَتْ السَّرِيَّةُ أَطْفَالًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَعَجَزُوا عَنْ حَمْلِهِمْ وَمَرُّوا بِحِصْنٍ مِنْ حُصُونِهِمْ فَسَأَلُوهُمْ أَنْ يَدْفَعُوهُمْ إلَيْهِمْ حَتَّى يَقُومُوا بِتَرْبِيَتِهِمْ فَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُمْ يَضَعُونَهُمْ وَضْعًا، فَإِنْ شَاءَ أُولَئِكَ نَزَلُوا فَأَخَذُوهُمْ وَإِنْ شَاءُوا تَرَكُوهُمْ.\nلِأَنَّ الدَّفْعَ إلَيْهِمْ لِلتَّرْبِيَةِ مِنْ بَابِ الْإِحْسَانِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ، إنَّمَا عَلَيْهِمْ الِامْتِنَاعُ مِنْ الْإِسَاءَةِ، وَوَضْعُهُمْ إيَّاهُمْ عَلَى الْأَرْضِ لَيْسَ مِنْ الْإِسَاءَةِ فِي شَيْءٍ، فَلِهَذَا كَانَ الرَّأْيُ إلَيْهِمْ إنْ شَاءُوا وَضَعُوهُمْ عَلَى الْأَرْضِ وَإِنْ شَاءُوا أَسْلَمُوهُمْ إلَيْهِمْ. وَمَا بَعْدَ هَذَا إلَى آخِرِ الْبَابِ فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ شَرْحِهِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":1566},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>[بَابُ مَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُدْخِلُوهُ دَارَ الْحَرْبِ مِنْ التِّجَارَاتِ]</span>\n٣٠٩٤ - وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُدَخِّلُوا دَارَ الْحَرْبِ شَيْئًا مِمَّا فِيهِ مَنْفَعَةُ أَهْلِ الْحَرْبِ لِأَنَّ ذَلِكَ يُقَوِّيهِمْ عَلَى عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى.\n٣٠٩٥ - فَإِنْ أَدْخَلُوا ذَلِكَ دَارَهُمْ لَمْ يُمْنَعُوا مَا خَلَا الْكُرَاعَ وَالسِّلَاحَ، وَنَعْنِي بِالْكُرَاعِ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ وَالْإِبِلَ وَالدَّوَابَّ الَّتِي يُحْمَلُ عَلَيْهَا الْمَتَاعُ، وَنَعْنِي بِالسِّلَاحِ مَا يَكُونُ مُعَدًّا لِلْقِتَالِ بِهِ، وَمَا يَكُونُ مِنْ جِنْسِ الْحَدِيدِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُقَوِّيهِمْ عَلَى قِتَالِهِمْ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ أُمِرْنَا بِدَفْعِ قِتَالِهِمْ، فَمِنْ ضَرُورَةِ ذَلِكَ كَرَاهَةُ الِاشْتِغَالِ بِمَا يُقَوِّيهِمْ عَلَى الْقِتَالِ، وَمَا سَمَّيْنَا مِنْ الدَّوَابِّ يَحْمِلُ مَتَاعَهُمْ وَيُقَوِّيهِمْ عَلَى الْحَرْبِ، وَالْفِيلَةُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا يُقَاتَلُ بِهَا وَيُقَاتَلُ عَلَيْهَا وَتَحْمِلُ أَثْقَالَهُمْ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ.","vol":"1","page":1567},{"text":"لِأَنَّ الصَّغِيرَ يَكْبُرُ فَيَحْمِلُ وَيُقَاتَلُ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ الدَّوَابِّ لَا يَصْلُحُ لِذَلِكَ وَلَا يُلَقَّحُ أَيْضًا وَإِنَّمَا يَشْتَرُونَهُ لِلْأَكْلِ خَاصَّةً فَلَا بَأْسَ بِإِدْخَالِهِ بِلَادَهُمْ، بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الْأَطْعِمَةِ\n٣٠٩٦ - وَالسَّبْيُ مِنْ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ وَالصِّبْيَانِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلَ شَيْءٌ مِنْهُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إنْ كَانَ صَغِيرًا طِفْلًا أَوْ شَيْخًا فَانِيًا سَوَاءٌ كَانَتْ عِنْدَهُمْ مَنَعَةٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ. لِأَنَّهُمْ صَارُوا مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلُوا دَارَ الْحَرْبِ لِيُبَاعُوا مِنْهُمْ بَعْدَ مَا صَارُوا مِنْ أَهْلِ دَارِنَا.\n٣٠٩٧ - وَأَجْنَاسُ السِّلَاحِ مَا صَغُرَ مِنْهُ وَمَا كَبُرَ حَتَّى الْإِبْرَةَ، وَالْمِسَلَّةَ فِي كَرَاهَةِ الْحَمْلِ إلَيْهِمْ سَوَاءٌ لِأَنَّ التَّقَوِّيَ بِهِمْ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ يَحْصُلُ وَالْحَدِيدُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَصْلُ مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ الْأَسْلِحَةُ.\n٣٠٩٨ - وَالْحَرِيرُ وَالدِّيبَاجُ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ يُصْنَعُ مِنْهُ الرَّايَاتُ.\n٣٠٩٩ - وَالسِّلَاحُ وَالْقَزُّ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مَعْمُولٍ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ يُتَّخَذُ مِنْهُ الخفتانات.","vol":"1","page":1568},{"text":"٣١٠٠ - فَإِنْ كَانَ خَزًّا مِنْ إبْرَيْسَمٍ أَوْ ثِيَابًا رِقَاقًا مِنْ الْقَزِّ فَلَا بَأْسَ بِإِدْخَالِهَا إلَيْهِمْ. لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُتَقَوَّى بِهِ عَلَى الْقِتَالِ، وَإِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي اللُّبْسِ، فَهُوَ نَظِيرُ مَا يُسْتَعْمَلُ لِلْأَكْلِ.\n٣١٠١ - وَالْجِعَابُ وَجُفُونُ السُّيُوفِ وَغُلُفُهَا يُكْرَهُ حَمْلُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ هَذَا يُسْتَعْمَلُ لِلتَّقَوِّي بِهِ عَلَى الْقِتَالِ\nوَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا لَيْسَ بِسِلَاحٍ بِعَيْنِهِ فَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُرَادَ لِغَيْرِ السِّلَاحِ، وَقَدْ يُرَادُ لِلسِّلَاحِ، فَلَا بَأْسَ بِإِدْخَالِهِ إلَيْهِمْ. لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْغَالِبِ وَالنَّادِرُ لَا يَظْهَرُ فِي مُقَابَلَةِ الْغَالِبِ.\n٣١٠٢ - فَإِنْ أَدْخَلَ ذَلِكَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَعُلِمَ بِهِ أُدِّبَ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ. لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ مَا هُوَ حَرَامٌ وَقُصِدَ بِهِ الْإِضْرَارُ بِالْمُسْلِمِينَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ جَاهِلًا فَيُعْذَرُ لِجَهْلِهِ، وَيُعْلَمُ ذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا حُكْمٌ خَفِيٌّ يَشْتَبِهُ عَلَى أَكْثَرِ النَّاسِ، فَالسَّبِيلُ فِيهِ الْإِنْذَارُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ قَدَّمْت إلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ [ق: ٢٨]","vol":"1","page":1569},{"text":"٣١٠٣ - فَإِنْ عَادَ فَحِينَئِذٍ يُؤَدَّبُ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ\n\nوَلَا بَأْسَ بِإِدْخَالِ الْقُطْنِ وَالثِّيَابِ إلَيْهِمْ\nلِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهِ الِاسْتِعْمَالُ لِلُّبْسِ لَا لِلْقِتَالِ.\n٣١٠٤ - فَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ عِنْدَهُمْ أَنَّهُمْ يُقَاتِلُونَ بالخفتانات الْمَحْشُوَّةِ بِالْقُطْنِ لَمْ يَحِلَّ إدْخَالُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَيْهِمْ\n\nوَلَا بَأْسَ بِإِدْخَالِ الصُّفْرِ وَالشَّبَهِ وَالرَّصَاصِ إلَيْهِمْ\nلِأَنَّ هَذَا لَا يُسْتَعْمَلُ لِلسِّلَاحِ فِي الْغَالِبِ.\n٣١٠٥ - فَإِنْ كَانُوا يَجْعَلُونَ عَظْمَ سِلَاحِهِمْ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَحِلَّ إدْخَالُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَيْهِمْ.\nلِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ عَادَةً كُلُّ قَوْمٍ فِيمَا يَبْتَنِي عَلَيْهِ مِمَّا يُكْرَهُ أَوْ لَا يُكْرَهُ.\n٣١٠٦ - وَالْقَنَا وَالنُّشَّابِ مِنْ الْقَصَبِ الْغَيْرِ الْمَعْمُولِ لَا يَحِلُّ إدْخَالُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَيْهِمْ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِ أَنْ يُتَّخَذَ مِنْهُ السِّلَاحُ.\n٣١٠٧ - وَلَا يَحِلُّ إدْخَالُ النُّسُورِ، الْحَيِّ وَالْمَذْبُوحِ مِنْهَا وَأَجْنِحَتِهَا إلَيْهِمْ\nلِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ الرِّيشَ النُّشَّابُ وَالنَّبْلُ.","vol":"1","page":1570},{"text":"وَكَذَلِكَ الْعِقْبَانُ إذَا كَانَ يُجْعَلُ مِنْ رِيشِهَا ذَلِكَ أَيْضًا وَإِنْ كَانَتْ إنَّمَا يَدْخُلُ لِلصَّيْدِ فَلَا بَأْسَ بِإِدْخَالِهَا، بِمَنْزِلَةِ الْغَنَمِ الَّتِي يُحْمَلُ إلَيْهِمْ لِلْأَكْلِ. لِأَنَّهُ إنَّمَا يُصْطَادُ بِهَا مَا يُؤْكَلُ.\n٣١٠٩ - وَالْحُكْمُ فِي الْبُزَاةِ وَالصُّقُورِ كَذَلِكَ.\n٣١١٠ - وَالتَّاجِرُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ عَلَى فَرَسٍ، وَمَعَهُ سِلَاحٌ وَهُوَ لَا يُرِيدُ بَيْعَهُ مِنْهُمْ، لَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّ الْمُسَافِرَ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَسْتَصْحِبَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ، فَلَا يَكُونُ مَمْنُوعًا عَنْهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، كَمَا لَا يَكُونُ مَمْنُوعًا عَنْهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.\n٣١١١ - وَلَكِنْ هَذَا إنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنْ أَهْلَ الْحَرْبِ لَا يَتَعَرَّضُونَ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الدَّوَابِّ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا الْبَزَّ وَغَيْرَهُ مِمَّا يُرِيدُ التِّجَارَةَ فِيهِ وَلَكِنْ إنْ اُتُّهِمَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ يُسْتَحْلَفُ بِاَللَّهِ مَا يُدْخِلُهُ لِلْبَيْعِ، وَلَا يَبِيعُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، حَتَّى يُخْرِجَهُ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ، فَإِنْ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ انْتَفَتْ هَذِهِ التُّهْمَةُ بِيَمِينِهِ فَتُرِكَ لِيُدْخِلَهُ دَارَ الْحَرْبِ","vol":"1","page":1571},{"text":"وَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ لَمْ يُتْرَكْ لِيُدْخِلَ دَارَ الْحَرْبِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إذَا أَرَادَ حَمْلَ الْأَمْتِعَةِ إلَيْهِمْ فِي الْبَحْرِ فِي السُّفُنِ\nلِأَنَّ السَّفِينَةَ مَرْكَبٌ يَتَقَوَّوْنَ بِهَا عَلَى حَمْلِ الْأَثْقَالِ، وَقَدْ يَسْتَعْمِلُونَهَا لِلْقِتَالِ، فَيُسْتَحْلَفُ بِاَللَّهِ مَا يُرِيدُ بَيْعَهَا وَلَا يَبِيعُهَا حَتَّى يُخْرِجُهَا إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ\n٣١١٢ - وَإِنْ أَدْخَلَ مَعَهُ غُلَامًا أَوْ غُلَامَيْنِ لِخِدْمَتِهِ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ، فَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ مَا يُرِيدُ التِّجَارَةَ فِيهِ، فَإِنْ اُتُّهِمَ اُسْتُحْلِفَ، فَأَمَّا الذِّمِّيُّ إذَا أَرَادَ الدُّخُولَ إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ أَنْ يُدْخِلَ فَرَسًا مَعَهُ أَوْ بِرْذَوْنًا أَوْ سِلَاحًا.\nلِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ يُدْخِلُ ذَلِكَ إلَيْهِمْ لِلْبَيْعِ فِيهِمْ، بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ فَإِنَّ دِينَهُ هُنَاكَ يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ، وَهَا هُنَا دِينُهُ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِعَدَاوَتِهِمْ مَأْمُونًا عَلَى ذَلِكَ، فَحَالُهُ حِينَئِذٍ كَحَالِ الْمُسْلِمِ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ بِتِجَارَتِهِ عَلَى الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَالْعَجَلَةِ وَالسُّفُنِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ هَذَا لَا يَحْمِلُهُ إلَيْهِمْ لِتَقْوِيَتِهِمْ بِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَلْ لِحَاجَتِهِ، وَكَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْإِدْخَالِ يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْإِخْرَاجِ لِمَا يَأْتِي بِهِ مِنْ السِّلَعِ.\n٣١١٣ - بِخِلَافِ السِّلَاحِ وَالْفَرَسِ فَالظَّاهِرُ هُنَاكَ أَنَّهُ يُدْخِلُهُ لِلتِّجَارَةِ لَا لِلْحَاجَةِ. لِأَنَّهُ يَسْتَغْنِي فِي تَحْصِيلِ حَاجَتِهِ عَنْ ذَلِكَ، وَيُسْتَحْلَفُ أَيْضًا عَلَى مَا يُدْخِلُهُ إلَيْهِمْ مِنْ الْبِغَالِ وَالسُّفُنِ وَالرَّقِيقِ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ بِهِمْ الْبَيْعَ، وَلَا يَبِيعُهُمْ حَتَّى يُخْرِجُهُمْ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ","vol":"1","page":1572},{"text":"لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْأَخْذُ بِالِاحْتِيَاطِ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى أَقْصَى الْوُجُوهِ الَّذِي يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ.\n٣١١٤ - وَالْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَنُ فِي دَارِنَا إذَا أَرَادَ الرُّجُوعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الدَّارِ وَإِنَّمَا يَأْتِيهِمْ لِيُقِيمَ فِيهِمْ فَيَكُونُ مُحَارِبًا لِلْمُسْلِمِينَ كَغَيْرِهِ، فَهُوَ يَتَقَوَّى بِمَا يُدْخِلُهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَلِهَذَا مُنِعَ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ.\n٣١١٥ - إلَّا أَنْ يَكُونَ مُكَارِيًا سُفُنًا أَوْ دَوَابَّ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ، فَحِينَئِذٍ حَالُّ الْمُكَارِي فِي إدْخَالِ ذَلِكَ دَارَ الْحَرْبِ لِمَنْفَعَةِ الْحَرْبِيِّ كَحَالِهِ فِي إدْخَالِ ذَلِكَ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ قَصَدَ تَحْصِيلَ الْكِرَاءِ لِنَفْسِهِ، وَأَنَّهُ يَرْجِعُ بِمَا يَدْخُلُ بِهِ فَلِهَذَا لَا يُمْنَعُ مِنْهُ. وَإِذَا كَانَ أَهْلُ الْحَرْبِ إذَا دَخَلَ عَلَيْهِمْ التَّاجِرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَدَعُوهُ يَخْرُجُ بِهِ وَلَكِنَّهُمْ يُعْطُونَهُ ثَمَنَهُ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ مِنْ إدْخَالِ الْخَيْلِ وَالسِّلَاحِ وَالرَّقِيقِ إلَيْهِمْ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ إدْخَالِ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَالثَّوْرِ وَالْبَعِيرِ إلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ فَقَدْ لَا يَتَقَوَّى عَلَى الْمَشْيِ وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَحْمِلَ الْأَمْتِعَةَ عَلَى عَاتِقِهِ، وَحَالُ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ مُسْتَثْنًى مِنْ الْحَظْرِ وَلَا تَتَحَقَّقُ مِثْلُ هَذِهِ الضَّرُورَةِ فِي الْخَيْلِ وَالسِّلَاحِ","vol":"1","page":1573},{"text":"لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِدُونِهِ، وَإِنَّمَا يَنْتَفِي بِهِ مَعْنَى التَّجَمُّلِ وَالتَّرَفُّهِ أَوْ زِيَادَةِ الِاحْتِيَاطِ.\n٣١١٦ - ثُمَّ يُمْنَعُ مِنْ إدْخَالِ دَوَابَّ يَحْمِلُ عَلَيْهَا أَمْتِعَةَ التِّجَارَةِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ الضَّرُورَةُ أَيْضًا، إنَّمَا تَتَحَقَّق الضَّرُورَةُ فِي دَابَّتِهِ الَّتِي يَرْكَبُهَا خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ يَضِيعُ إنْ لَمْ يَرْكَبْ، فَأَمَّا أَمْتِعَةُ التِّجَارَةِ فَهُوَ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَنْ يَحْمِلَ مِنْهَا عَلَى دَابَّتِهِ مَعَ نَفْسِهِ مَا لَا حَمْلَ لَهُ وَلَا مُؤْنَةَ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْإِذْنِ لَهُ فِي الدُّخُولِ إلَيْهِمْ مَا يُخْرِجُهُ لِيَنْتَفِعَ الْمُسْلِمُونَ لَا مَا يُدْخِلُهُ مِمَّا يَنْتَفِعُ بِهِ أَهْلُ الْحَرْبِ.\n٣١١٧ - وَكَذَلِكَ لَا يُمْنَعُ مِنْ إدْخَالِ سَفِينَةٍ وَاحِدَةٍ يَرْكَبُهَا يَكُونُ فِيهَا مَتَاعُهُ. لِأَنَّ ذَلِكَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ.\n٣١١٨ - فَإِنْ أَرَادَ إدْخَالَ أُخْرَى مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّهُ لَا تَتَحَقَّقُ الضَّرُورَةُ فِيهَا، وَهَذَا كُلُّهُ اسْتِحْسَانٌ. وَفِي الْقِيَاسِ يُمْنَعُ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ لِمَا فِيهَا مِنْ قُوَّةِ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ.\n٣١١٩ - وَلَا رُخْصَةَ فِيهِ شَرْعًا، وَلَا يُمْكِنُ مِنْ أَنْ يُدْخِلَ إلَيْهِمْ خَادِمًا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا","vol":"1","page":1574},{"text":"لِأَنَّ الضَّرُورَةَ لَا تَتَحَقَّقُ فِيهِ، وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ مَعْنَى التَّجَمُّلِ وَالتَّرَفُّهِ؛ وَلِأَنَّ الْمَنْعَ فِي حَقِّ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ أَظْهَرُ مِنْ الْمَنْعِ فِي الْفَرَسِ وَالسِّلَاحِ.\n٣١٢٠ - وَلَوْ دَخَلَ الْحَرْبِيُّ إلَيْنَا بِأَمَانٍ وَمَعَهُ كُرَاعٌ أَوْ سِلَاحٌ وَرَقِيقٌ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ بِمَا جَاءَ بِهِ؛ لِأَنَّا أَعْطَيْنَاهُ الْأَمَانَ عَلَى نَفْسِهِ وَمَا مَعَهُ، فَكَمَا لَا يُمْنَعُ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ لِلْوَفَاءِ بِالْأَمَانِ فَكَذَلِكَ لَا يُمْنَعُ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ بِمَا جَاءَ بِهِ، فَإِنَّ آلَةَ الْقِتَالِ لَا تَكُونُ أَقْوَى مِنْ الْمُقَاتِلِ. فَإِنْ بَاعَ ذَلِكَ كُلَّهُ بِدَرَاهِمَ ثُمَّ اشْتَرَى بِهَا كُرَاعًا أَوْ سِلَاحًا أَوْ رَقِيقًا مِثْلَ مَا كَانَ لَهُ أَوْ أَفْضَلَ مِمَّا كَانَ لَهُ، أَوْ اشْتَرَى مِمَّا كَانَ لَهُ، فَإِنَّهُ لَا يُتْرَكُ لِيُدْخِلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ دَارَ الْحَرْبِ وَلَكِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ. لِأَنَّهُ مَا اسْتَحَقَّ بِالْأَمَانِ إدْخَالَ هَذِهِ الْعَيْنِ مَعَ نَفْسِهِ دَارَ الْحَرْبِ، وَمَا كَانَ لَهُ مِنْ الْحَقِّ فِي الْعَيْنِ الْأَوَّلِ فَقَدْ سَقَطَ حِينَ أَخْرَجَهُ مِنْ مِلْكِهِ، بَيْعًا بِالدَّرَاهِمِ فَكَانَ هَذَا.\n٣١٢١ - وَمَا لَوْ أَدْخَلَ الدَّرَاهِمَ دَارَنَا وَاشْتَرَى بِهَا هَذِهِ الْأَشْيَاءَ سَوَاءٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا مِمَّا بَاعَهُ بِعَيْنِهِ أَوْ اسْتَقَالَ الْمُشْتَرِي الْبَيْعَ فِيهِ فَأَقَالَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ رَدَّهُ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ بِخِيَارِ رُؤْيَةٍ أَوْ بِخِيَارِ اشْتِرَاطِ الْمُشْتَرِي لِنَفْسِهِ.","vol":"1","page":1575},{"text":"لِأَنَّ خُرُوجَهُ مِنْ مِلْكِ الْحَرْبِيِّ قَدْ تَمَّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَصَارَ مِلْكًا لِلْمُسْلِمِ، وَصَارَ الْمُسْلِمُ أَحَقُّ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ فَيَسْقُطُ حَقُّ الْحَرْبِيِّ فِي إعَادَتِهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَالْتَحَقَ بِمَا كَانَ مَمْلُوكًا لِلْمُسْلِمِ مِنْ الْأَصْلِ فَبَاعَهُ مِنْ الْحَرْبِيِّ.\n٣١٢٢ - وَإِنْ كَانَ الْحَرْبِيُّ يَشْتَرِطُ الْخِيَارَ لِنَفْسِهِ ثُمَّ نَقَضَ الْبَيْعَ بِحُكْمِ خِيَارِهِ فَلَهُ أَنْ يَعُودَ بِهِ إلَى دَارِهِ لِأَنَّهُ مَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ بِالْبَيْعِ إذَا شَرَطَ الْخِيَارَ فِيهِ لِنَفْسِهِ، بَلْ هُوَ أَحَقُّ بِإِمْسَاكِهِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ، فَيَبْقَى بِاعْتِبَارِ حَقِّ الْإِعَادَةِ الَّذِي كَانَ ثَابِتًا لَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ ٣١٢٣ - وَلَوْ كَانَ بَاعَهُ بَيْعًا فَاسِدًا ثُمَّ نَقَضَ الْبَيْعَ قَبْلَ الْقَبْضِ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ. لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مِلْكِهِ لِمُجَرَّدِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ.\n٣١٢٤ - وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَبَضَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَيْعًا يَمْلِكُ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ بِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ حَتَّى أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ يَنْفُذُ عِتْقُهُ فِيهِ لَمْ يَتْرُكْ الْحَرْبِيَّ لِيَرْجِعَ بِهِ دَارَ الْحَرْبِ. لِأَنَّ الْمُسْلِمَ قَدْ مَلَكَهُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ مُسْقِطٌ لَحِقَهُ فِي إعَادَتِهِ إلَى دَارِهِ.\n٣١٢٥ - وَإِنْ كَانَ بَيْعًا لَا يَمْلِكُ بِهِ بَعْدَ الْقَبْضِ كَالْبَيْعِ بِالدَّمِ وَالْمَيْتَةِ فَلَهُ أَنْ يُعِيدَهُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ لِبَقَاءِ حَقِّهِ فِيهِ بِبَقَاءِ مِلْكِهِ","vol":"1","page":1576},{"text":"وَلَوْ اسْتَبْدَلَ الْحَرْبِيُّ بِسَيْفِهِ فَرَسًا فَإِنْ أَدْخَلَهُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْجِنْسِ أَنَّهُ مَتَى اسْتَبْدَلَ بِسِلَاحِهِ سِلَاحًا مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ الْجِنْسِ لَمْ يُمَكَّنْ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَلَكِنْ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مَا حَصَّلَهُ لِنَفْسِهِ خَيْرًا مِمَّا أَخْرَجَهُ مِنْ مِلْكِهِ أَوْ شَرًّا مِنْهُ. لِأَنَّ هَذَا الْجِنْسَ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ فِيهِ بِعَقْدِ الْأَمَانِ حَقُّ الْإِعَادَةِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَيُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ. وَلِأَنَّهُ قَدْ يَكُون مِنْ الْجِنْسِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مَعَ نَفْسِهِ فِي دَارِهِمْ كَثِيرًا وَيَعِزُّ فِيهِمْ الْجِنْسُ الْآخَرُ وَلَا يُوجَدُ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُحَصِّلَ ذَلِكَ لَهُمْ لِيَتَقَوَّوْا بِهِ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ.\n٣١٢٦ - فَإِنْ كَانَ مَا اسْتَبْدَلَ بِهِ مِنْ جِنْسِ مَا أَدْخَلَهُ فَإِنْ كَانَ مِثْلَ مَا أَدْخَلَهُ أَوْ شَرًّا مِمَّا أَدْخَلَهُ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ إلَى دَارِهِ، وَإِنْ كَانَ خَيْرًا مِمَّا أَدْخَلَهُ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ بِالْأَمَانِ إعَادَةَ هَذَا الْجِنْسِ مَعَ نَفْسِهِ إلَى دَارِهِ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الْعَيْنُ إذَا كَانَ مُفِيدًا، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مُفِيدًا كَانَ الْمُعْتَبَرُ فِيهِ الْجِنْسُ وَفِيمَا يَتَبَقَّى مِنْ هَذَا الْجِنْسِ عَيْنُ مَا جَاءَ بِهِ أَوْ مِثْلِهِ سَوَاءٌ وَكَذَلِكَ فِي الضَّرَرِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَأَمَّا إذَا كَانَ خَيْرًا مِنْهَا فَهُوَ يُرِيدُ بِهَذَا زِيَادَةَ الْإِضْرَارِ لِلْمُسْلِمِينَ فَهُوَ مَمْنُوعٌ عَنْ ذَلِكَ. فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَثْبُتَ حَقُّ الْمَنْعِ بِاعْتِبَارِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَهِيَ لَا تَنْفَصِلُ عَنْ الْأَصْلِ، فَثَبَتَ الْمَنْعُ فِي الْكُلِّ، بِمَنْزِلَةِ الْمَوْهُوبِ إذَا ازْدَادَ زِيَادَةً","vol":"1","page":1577},{"text":"مُتَّصِلَةً فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ الْوَاهِبُ فِي الْأَصْلِ كَمَا لَا يَرْجِعُ فِي الزِّيَادَةِ، فَإِذَا صَارَ مَمْنُوعًا مِنْ الرُّجُوعِ بِهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ كَانَ مُجْبَرًا عَلَى بَيْعِهِ.\n٣١٢٧ - وَإِنْ اسْتَبْدَلَ بِهَا مِثْلَهُ ثُمَّ تَقَايَلَا الْبَيْعَ فَلَهُ أَنْ يَعُودَ بِمَا رَجَعَ إلَيْهِ إلَى دَارِهِ. لِأَنَّهُ سِلَاحُهُ بِعَيْنِهِ، وَلِأَنَّهُ مِثْلُ الْأَوَّلِ الَّذِي أَخْرَجَهُ بِالْإِقَالَةِ مِنْ مِلْكِهِ.\n٣١٢٨ - وَإِنْ اسْتَبْدَلَ بِهِ خَيْرًا مِنْهُ أَوْ شَرًّا مِنْهُ ثُمَّ تَقَايَلَا الْبَيْعَ فِيهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُ إلَى دَارِهِ فِي الْوَجْهَيْنِ، أَمَّا إذَا كَانَ اسْتَبْدَلَ خَيْرًا مِنْهُ فَلِأَنَّ الْإِقَالَةَ كَالْبَيْعِ الْمُبْتَدَأِ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ. فَيُجْعَلُ فِي حَقِّ الشَّرْع كَأَنَّهُ اشْتَرَى هَذَا السِّلَاحَ ابْتِدَاءً. وَهَذَا لِأَنَّهُ قَدْ سَقَطَ حَقُّهُ بِالتَّصَرُّفِ الْأَوَّلِ، وَصَارَ مَمْنُوعًا مِنْ إدْخَالِ مَا حَصَلَ لَهُ دَارَ الْحَرْبِ، فَلَا يَعُودُ حَقُّهُ بِالْإِقَالَةِ.\n٣١٢٩ - وَإِنْ كَانَ مَا اسْتَبْدَلَ بِهِ شَرًّا مِنْهُ فَهَذِهِ الْإِقَالَةُ فِي حَقِّ الشَّرْعِ كَالْبَيْعِ الْمُبْتَدَأِ، وَقَدْ اسْتَبْدَلَ فِي هَذِهِ الْإِقَالَةِ بِسِلَاحِهِ الرَّدِيءِ سِلَاحًا جَيِّدًا، فَلَا يُمَكَّنُ مِنْ إدْخَالِهِ دَارَ الْحَرْبِ، وَحُكْمُ الِاسْتِبْدَالِ بِالْكُرَاعِ مِثْلُ حُكْمِ الِاسْتِبْدَال بِالْأَسْلِحَةِ فِي مُرَاعَاةِ الْجِنْسِ وَالِاخْتِلَافِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا\n\nفَأَمَّا إذَا","vol":"1","page":1578},{"text":"اسْتَبْدَلَ بِحِمَارِهِ أَتَانًا أَوْ بِفَرَسِهِ الذَّكَرِ فَرَسًا أُنْثَى مُنِعَ مِنْ إدْخَالِهِ دَارَ الْحَرْبِ، وَإِنْ كَانَ دُونَ مَا أَدْخَلَهُ فِي الْقِيمَةِ. لِأَنَّ فِي هَذَا مَنْفَعَةَ النَّسْلِ، وَلَيْسَ فِي الَّذِي أَعْطَاهُ مَنْفَعَةُ النَّسْلِ، وَرُبَّمَا يَكُونُ مَقْصُودُهُ مِنْ هَذَا الِاسْتِبْدَالِ تَحْصِيلَ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ لَهُمْ فَمُنِعَ مِنْهُ كَمَا يُمْنَعُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ.\n٣١٣٠ - وَإِنْ اسْتَبْدَلَ بِبَغْلِهِ الذَّكَرِ بَغْلَةً أُنْثَى مِثْلَهُ أَوْ دُونَهُ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ إدْخَالِهِ دَارَ الْحَرْبِ. لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُلَقَّحُ، وَلَيْسَ فِيهِ مَعْنَى النَّسْلِ أَصْلًا.\n٣١٣١ - وَإِنْ اسْتَبْدَلَ بماذيانه فَحْلًا مُنِعَ مِنْ إدْخَالِهِ دَارَ الْحَرْبِ. لِأَنَّ مَا أَخَذَهُ مِمَّا تُلَقَّحُ وَذَلِكَ مَعْدُومٌ فِيمَا أَعْطَى\n٣١٣٢ - وَإِنْ اسْتَبْدَلَ بِفَرَسِهِ بِرْذَوْنًا أَوْ بِبِرْذَوْنِهِ فَرَسًا مُنِعَ مِنْ إدْخَالِهِ دَارَ الْحَرْبِ. لِأَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَوْعَ مَنْفَعَةٍ لَيْسَتْ فِي الْآخَرِ، فَإِنَّ الْبِرْذَوْنَ أَلْيَنُ عِطْفًا وَأَصْبَرُ عَلَى الْقِتَالِ، وَالْفَرَسُ أَقْوَى فِي حَالَةِ الطَّلَبِ وَالْهَرَبِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَا قَصَدَ بِهَذَا الِاسْتِبْدَالِ تَحْصِيلَ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ حَاصِلَةً لَهُمْ.","vol":"1","page":1579},{"text":"وَإِنْ اسْتَبْدَلَ بِفَرَسِهِ الْأُنْثَى فَرَسًا أُنْثَى دُونَهَا فِي الْجَرْيِ وَلَكِنَّهَا أَثْبَتُ مِنْهَا وَأَرْجَى لِلنَّسْلِ مُنِعَ مِنْ أَنْ يُدْخِلَهَا دَارَهُمْ. لِأَنَّ فِيمَا أَخَذَ نَوْعُ مَنْفَعَةٍ لَيْسَتْ فِيمَا أَعْطَى، فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ بَعْدَ الِاسْتِبْدَالِ هُوَ مُجْبَرٌ عَلَى بَيْعِ مَا أَخَذَهُ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ مِثْلُ مَا أَعْطَى فِي جَمِيعِ وُجُوهِ الِانْتِفَاعِ أَوْ دُونَهُ، فَإِنَّ الِاحْتِيَاطَ فِي هَذَا الْبَابِ وَاجِبٌ، وَتَمَامُ الِاحْتِيَاطِ فِيمَا قُلْنَا.\n٣١٣٤ - فَأَمَّا فِي الرَّقِيقِ فَسَوَاءٌ اسْتَبْدَلَهُمْ بِجِنْسٍ آخَرَ، أَوْ بِجِنْسِ مَا هُوَ عِنْدَهُ مِمَّا هُوَ مِثْلُ مَا عِنْدُهُ، أَوْ دُونَهُ أَوْ أَفْضَلُ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ إدْخَالِهِ دَارَ الْحَرْبِ وَيُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ. لِأَنَّ مَا أَخَذَهُ مِنْ الرَّقِيقِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا، وَالْمُسْتَأْمَنُ مَمْنُوعٌ مِنْ اسْتِدَامَةِ الْمِلْكِ فِيمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا عَلَى كُلِّ حَالٍّ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ مِنْ الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ، وَكَوْنُهُ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا مَعْنًى يَخْتَصُّ بِهِ بَنُو آدَمَ دُونَ الْجَمَادَاتِ وَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ، فَلِهَذَا بَيَّنَّا الْجَوَابَ هُنَاكَ عَلَى اعْتِبَارِ زِيَادَةِ الْمَنْفَعَةِ فِي الْمَبِيعِ.\n٣١٣٥ - وَلَوْ أَنَّ مُسْتَأْمَنَيْنِ مِنْ الرُّومِ دَخَلَا دَارَنَا بِأَمَانِ، وَمَعَ أَحَدِهِمَا رَقِيقٌ وَمَعَ الْآخَرِ سِلَاحٌ، فَتَبَادَلَا الرَّقِيقَ بِالسِّلَاحِ، أَوْ بَاعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَتَاعَهُ مِنْ صَاحِبِهِ بِدَرَاهِمَ لَمْ يُمْنَعْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ أَنْ يَدْخُلَ دَارَ الْحَرْبِ بِمَا حَصَّلَ لِنَفْسِهِ. لِأَنَّ الْمُشْتَرِي فِيمَا حَصَلَ لَهُ بِهَذَا التَّصَرُّفِ قَامَ مَقَامَ الْبَائِعِ، وَقَدْ كَانَ الْبَائِعُ مُمَكَّنًا مِنْ إعَادَتِهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَيَتَمَكَّنُ الْمُشْتَرِي أَيْضًا مِنْهُ.","vol":"1","page":1580},{"text":"٣١٣٦ - وَإِنْ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ مَتَاعَهُ هُوَ وَمُسْلِمٌ أَوْ مُعَاهَدٌ لَمْ يَكُنْ لِلْحَرْبِيِّ أَنْ يُدْخِلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ دَارَ الْحَرْبِ. لِأَنَّ شَرِيكَهُ فِيهِ مُسْلِمٌ وَلَا يُمْكِنُهُ إدْخَالُ حِصَّتِهِ دَارَ الْحَرْبِ حَتَّى يُدْخِلَ حِصَّةَ الْمُسْلِمِ، وَقَدْ امْتَنَعَ إدْخَالُ حِصَّةِ الْمُسْلِمِ مِنْ ذَلِكَ دَارَ الْحَرْبِ، فَمِنْ ضَرُورَتِهِ أَنْ يَمْتَنِعَ الْإِدْخَالُ فِي حِصَّةِ الْحَرْبِيِّ أَيْضًا، فَيُجْبَرُ عَلَى بَيْعِ نَصِيبِهِ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ، إلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مِمَّا يُقَسَّمُ مِنْ سِهَامٍ أَوْ نُشَّابٍ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ لِلْحَرْبِيِّ أَنْ يُطَالِبَ شَرِيكَهُ بِالْقِسْمَةِ، وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ يُدْخِل نَصِيبَهُ دَارَ الْحَرْبِ، إمَّا لِأَنَّ الْقِسْمَةَ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا يَخُصُّ الْحَرْبِيَّ هُوَ الَّذِي يَمْلِكُهُ بِالْعَقْدِ فَيَدْخُلُ دَارَ الْحَرْبِ كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ وَحْدَهُ أَوْ فِي هَذِهِ الْقِسْمَةِ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ، فَكَأَنَّ الْمُسْلِمَ سَلَّمَ لَهُ نِصْفَ مَا يَمْلِكُ بِمِثْلِهِ مِمَّا أَخَذَهُ مِنْ نَصِيبِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنْ مِثْلَ هَذَا الِاسْتِبْدَالِ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ إدْخَالِ مَا صَارَ لَهُ دَارَ الْحَرْبِ.\n٣١٣٧ - وَإِنْ لَمْ تَسْتَقِمْ الْقِسْمَةُ بَيْنَهُمَا حَتَّى زَادَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ دَرَاهِمَ فَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُ هُوَ الَّذِي أَعْطَى الْحَرْبِيَّ دَرَاهِمَ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ مَا صَارَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ دَارَ الْحَرْبِ. لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ يَصِيرُ بَائِعًا بَعْضَ نَصِيبِهِ مِنْ شَرِيكِهِ بِالدَّرَاهِمِ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ إدْخَالِ مَا بَقِيَ فِي مِلْكِهِ دَارَ الْحَرْبِ.","vol":"1","page":1581},{"text":"٣١٣٨ - وَإِنْ كَانَ الْحَرْبِيُّ هُوَ الَّذِي أَعْطَى الدَّرَاهِمَ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّهُ صَارَ مُشْتَرِيًا بَعْضَ مَا صَارَ لِلْمُسْلِمِ بِمَا أَعْطَاهُ مِنْ الدَّرَاهِمِ؛ وَلِأَنَّ الْحَرْبِيَّ إذَا أَعْطَى الدَّرَاهِمَ فَقَدْ أَخَذَ مِنْ السِّلَاحِ خَيْرًا مِمَّا كَانَ لَهُ فِي مِلْكِهِ بِالشِّرَاءِ، فَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ اسْتِبْدَالِهِ مَعَ الْمُسْلِمِ سِلَاحَهُ بِسِلَاحٍ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، وَإِذَا كَانَ أَخَذَ الدَّرَاهِمَ فَقَدْ أَخَذَ بِهَذَا الِاسْتِبْدَالِ سِلَاحًا هُوَ شَرٌّ مِنْ سِلَاحِهِ، مَعَ اتِّفَاقِ الْجِنْسِ، فَلَا يُمْنَعُ مِنْ أَنْ يُدْخِلَ ذَلِكَ دَارِهِ. وَالْكُرَاعُ إذَا كَانَ مِمَّا يُقَسَّمُ بِمَنْزِلَةِ السِّهَامِ وَالنُّشَّابِ. لِأَنَّهُ يَجْرِي فِيهَا قِسْمَةُ الْجُزْءِ.\n٣١٣٩ - وَلَوْ كَانَ اشْتَرَى الْحَرْبِيُّ مَعَ الْمُسْلِمِ مِنْ الْحَرْبِيِّ رَقِيقًا ثُمَّ اقْتَسَمَا فَلَيْسَ لِلْحَرْبِيِّ أَنْ يُدْخِلَ مَا أَصَابَهُ دَارَ الْحَرْبِ هَا هُنَا فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا. أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فَلِأَنَّ الرَّقِيقَ لَا يُقَسَّمُ قِسْمَةً وَاحِدَةً، وَعَلَى قَوْلِهِمَا وَإِنْ كَانَ يُقَسَّمُ قِسْمَةً وَاحِدَةً فَقَبْلَ الْقِسْمَةِ صَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ذِمِّيًّا بِاعْتِبَارِ مِلْكِ الْمُسْلِمِ أَوْ الْمُعَاهِدِ فِي نِصْفِهِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْحَرْبِيَّ لَا يُمَكَّنُ مِنْ إدْخَالِ أَحَدٍ مِمَّنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا دَارَ الْحَرْبِ.\n٣١٤٠ - قَالَ: وَلَوْ أَنْ حَرْبِيًّا مِنْ الرُّومِ دَخَلَ إلَيْنَا بِكُرَاعٍ","vol":"1","page":1582},{"text":"أَوْ سِلَاحٍ أَوْ رَقِيقٍ فَأَرَادَ أَنْ يُدْخِلَ ذَلِكَ أَرْضَ التُّرْكِ أَوْ الدَّيْلَمِ أَوْ غَيْرِهِمْ مِنْ أَعْدَاءِ الْمُسْلِمِينَ لِيَبِيعَهُ مِنْهُمْ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّهُ فِيمَا يُدْخِلُ دَارَهُمْ مِنْ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ يُرِيدُ إدْخَالَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ دَارَهُمْ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ ذَلِكَ وَالْحَرْبِيُّ كَذَلِكَ.\n٣١٤١ - وَهَذَا لِأَنَّهُ بِعَقْدِ الْأَمَانِ اسْتَحَقَّ التَّمَكُّنَ مِنْ إعَادَةِ ذَلِكَ إلَى دَارِهِ إنْ شَاءَ، فَفِي هَذَا الْحُكْمِ الْوَاحِدِ هُوَ يُفَارِقُ الْمُسْلِمَ وَالْمُعَاهِدَ. فَأَمَّا فِي إدْخَالِ ذَلِكَ دَارًا أُخْرَى فَلَيْسَ مِمَّا اسْتَحَقَّهُ بِعَقْدِ الْأَمَانِ، فَيَكُونُ هُوَ فِي ذَلِكَ كَالْمُسْلِمِ أَوْ الْمُعَاهِدِ.\nوَلِأَنَّهُ إذَا أَدْخَلَ ذَلِكَ دَارًا أُخْرَى فَإِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يُحَدِّثَ لَهُمْ بِذَلِكَ قُوَّةً عَلَى قِتَالِنَا، فَيُمْنَعُ مِنْهُ، وَيَنْعَدِمُ هَذَا الْمَعْنَى فِيمَا إذَا عَادَ بِهِ إلَى دَارِهِ.\n٣١٤٢ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَرَادَ أَنْ يُدْخِلَ ذَلِكَ إلَى دَارِ حَرْبِهِمْ مُوَادِعِينَ لِلْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّهُمْ فِي حُكْمِ الْمُحَارَبِينَ وَإِنْ تَرَكُوا الْقِتَالَ بِسَبَبِ الْمُوَادَعَةِ إلَى مُدَّةٍ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ مُسْلِمٌ إدْخَالَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَيْهِمْ مُنِعَ.\n٣١٤٣ - وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُدْخِلَ ذَلِكَ أَرْضًا أَهْلُهَا ذِمَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ.","vol":"1","page":1583},{"text":"لِأَنَّ تِلْكَ الْأَرْضَ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْتَأْمَنُ فِي دَارِنَا لَا يُمْنَعُ مِنْ أَنْ يَتَّجِرَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ؛ فِي أَيْ نَوَاحِيهَا شَاءَ.\n٣١٤٤ - وَلَوْ كَانَ أَحَدُ الْمُسْتَأْمَنِينَ فِينَا مِنْ الرُّومِ وَالْآخَرُ مِنْ التَّرْكِ، وَمَعَ أَحَدِهِمَا رَقِيقٌ وَمَعَ الْآخَرِ كُرَاعٌ أَوْ سِلَاحٌ، فَتَبَادَلَا أَوْ اشْتَرَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَتَاعَ صَاحِبِهِ بِدَرَاهِمَ لَمْ يُتْرَكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لِيَخْرُجَ بِمَا اشْتَرَى إلَى دَارِهِ. لِأَنَّ كُلَّ مُشْتَرٍ قَامَ مَقَامَ بَائِعِهِ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنْ كُلَّ وَاحِدٍ مَمْنُوعٌ مِنْ إدْخَالِ ذَلِكَ فِي الدَّارِ الَّتِي مِنْهَا الْمُشْتَرِي، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَا مِنْ أَهْلِ دَارٍ وَاحِدَةٍ، وَهَذَا لِأَنَّ قَصْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِهَذَا التَّصَرُّفِ أَنْ يُقَوِّيَ أَهْلَ دَارِهِ عَلَيْنَا بِمَا يُدْخِلُهُ فِيهِمْ مِنْ سِلَاحٍ هُوَ خِلَافُ جِنْسِ مَا خَرَجَ بِهِ، وَفِي هَذَا الْمَعْنَى لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ مُبَادَلَتُهُ مِنْ أَهْلِ دَارٍ وَاحِدَةٍ وَهَذَا لِأَنَّ قَصْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ الْمُسْلِمِ أَوْ الْمُسْتَأْمَنِ غَيْرَ أَهْلِ دَارِهِ.\n٣١٤٥ - وَإِنْ كَانَا تَبَادَلَا كُرَاعًا بِكُرَاعٍ مِنْ صَنْعَةِ مِثْلِهِ أَوْ سِلَاحًا بِسِلَاحٍ مِنْ صَنْعَةِ مِثْلِهِ فَلِكُلِّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَنْ يُدْخِلَ مَا أَخَذَ دَارِهِ. لِأَنَّ هَذِهِ الْمُبَادَلَةَ لَوْ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُسْلِمٍ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ إدْخَالِ مَا حُصِّلَ لَهُ دَارِهِ.","vol":"1","page":1584},{"text":"فَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مَعَ مُسْتَأْمَنٍ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَفْضَلُ مِنْ الْآخَرَ فَلِلَّذِي أَخَذَ أَخَسَّهُمَا أَنْ يَدْخُلَ بِاَلَّذِي أَخَذَ دَارَ الْحَرْبِ وَلَيْسَ لِلَّذِي أَخَذَ أَفْضَلَهُمَا ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْمُبَادَلَةُ بَيْنَ الْمُسْتَأْمَنِ وَالْمُسْلِمِ، وَكَذَلِكَ فِي حُكْمِ الرَّدِّ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَخِيَارِ الشَّرْطِ وَالْعَيْبِ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْمُبَادَلَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُسْلِمٍ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا، بِخِلَافِ مَا إذَا تَبَادَلَا رَقِيقًا بِرَقِيقٍ وَهُمَا سَوَاءٌ أَوْ أَحَدُهُمَا أَفْضَلُ مِنْ الْآخَرِ، فَإِنَّ هُنَاكَ لَا تُجْعَلُ الْمُبَادَلَةُ بَيْنَهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْمُبَادَلَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْمُسْتَأْمَنِ وَالْمُعَاهِدِ. لِأَنَّ هُنَاكَ مَا يَخْرُجُ مِنْ مِلْكِ الْمُسْلِمِ أَوْ الْمُعَاهَدِ كَانَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا وَمَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ يَصِيرُ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا، وَهَا هُنَا مَا يَخْرُجُ مِنْ مِلْكِ أَحَدِهِمَا إلَى مِلْكِ الْآخَرِ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا، فَقُلْنَا: عِنْدَ تَحَقُّقِ الْمُسَاوَاةِ لَا يُمْنَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ أَنْ يَدْخُلَ دَارِهِ مَا صَارَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَفْضَلُ مِنْ الْآخَرَ لَمْ يُمْنَعْ الَّذِي أَخَذَ أَخَسَّهُمَا مِنْ أَنْ يَخْرُجَ بِهِ إلَى دَارِهِ، وَمُنِعَ الَّذِي أَخَذَ أَفْضَلَهُمَا مِنْ ذَلِكَ لِأَجْلِ الزِّيَادَةِ الْمُتَمَكِّنَةِ فِيمَا صَارَ لَهُ.\n٣١٤٧ - وَلَوْ كَانَا تَبَادَلَا عَبْدًا بِأَمَةٍ لَمْ يَكُنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُدْخِلَ مَا أَخَذَ دَارِهِ.","vol":"1","page":1585},{"text":"لِأَنَّ اخْتِلَافَ الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ فِي بَنِي آدَمَ اخْتِلَافُ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَلِهَذَا لَوْ اشْتَرَى شَخْصًا عَلَى أَنَّهُ عَبْدٌ فَإِذَا هِيَ أَمَةٌ كَانَ الْبَيْعُ بَاطِلًا، وَلِأَنَّ فِي كُلِّ نَوْعٍ مِنْهُمَا نَوْعُ مَنْفَعَةٍ غَيْرُ مَنْفَعَةِ صَاحِبِهِ، فَالْجَارِيَةُ تُطْلَبُ لِلنَّسْلِ وَالْغُلَامُ يُطْلَبُ لِلْقِتَالِ، فَلِهَذَا مُنِعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ أَنْ يَدْخُلَ دَارِهِ مَا حَصَلَ لَهُ بِهَذَا التَّصَرُّفِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.","vol":"1","page":1586},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>[بَابٌ فِدَاءِ الْأَسْرَى]</span>\n١٥٦ - بَابٌ مِنْ الْفِدَاءِ\n٣١٤٨ - قَالَ وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُفَادِيَ أَسُرَاءُ الْمُسْلِمِينَ بِأُسَرَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.\nوَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ أَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَعَنْهُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ قَالَ: وَلَا تَجُوزُ مُفَادَاةُ الْأَسِيرِ بِالْأَسِيرِ، وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ تَخْلِيصَ أُسَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ وَاجِبٌ، وَلَا يُتَوَصَّلُ إلَى ذَلِكَ إلَّا بِطَرِيقِ الْمُفَادَاةِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا أَكْبَرُ مِنْ تَرْكِ الْقَتْلِ لِأُسَرَاءِ الْمُشْرِكِينَ، وَذَلِكَ جَائِزٌ لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَرِقَّهُمْ، وَالْمَنْفَعَةُ فِي تَخْلِيصِ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَيْدِيهِمْ أَظْهَرُ، وَأَيَّدَ مَا قُلْنَا حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ - ﵄ -، «أَنَّ النَّبِيَّ - ﵌ - فَادَى رَجُلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِرَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ»\nوَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وَفِي الْمُفَادَاةِ تَرْكُ الْقَتْلِ الَّذِي هُوَ فَرْضٌ، وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الْفَرْضِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ إقَامَتِهِ بِحَالِ.\nتَوْضِيحِهِ: أَنَّ الْأُسَرَاءَ صَارُوا مَقْهُورِينَ فِي أَيْدِينَا، فَكَانُوا مِنْ أَهْلِ دَارِنَا،","vol":"1","page":1587},{"text":"فَتَكُونُ الْمُفَادَاةُ لَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمُفَادَاةِ لِأَهْلِ الذَّمَّةِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ إذَا لَمْ يَرْضَ بِهِ أَهْلُ الذِّمَّةِ، وَلَيْسَ فِي الِامْتِنَاعِ مِنْ هَذِهِ الْمُفَادَاةِ أَكْثَرُ مِنْ الْخَوْفِ عَلَى أُسَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَلِأَجْلِهِ لَا يَجُوزُ تَرْكُ قَتْلِ الْمُشْرِكِينَ وَلَا يَجُوزُ إعَادَتُهُمْ لِيَصِيرُوا حَرْبًا لَنَا.\nأَلَا تَرَى: أَنَّهُ يُفْرَضُ الْجِهَادُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِيُتَوَصَّلُوا بِهِ إلَى قَتْلِ الْمُشْرِكِينَ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَعْنَى الْخَوْفِ عَلَى نُفُوسِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ\n\nفَإِنْ أَسْلَمَ الْأُسَرَاءُ قَبْلَ أَنْ يُفَادِيَ بِهِمْ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمُفَادَاةُ بِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ. لِأَنَّهُمْ صَارُوا كَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَلَا يَجُوزُ تَعْرِيضُهُمْ لِلْفِتْنَةِ بِطَرِيقِ الْمُفَادَاةِ.\n٣١٤٩ - وَكَذَلِكَ الصِّبْيَانُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ إذَا سُبُوا وَكَانَ مَعَهُمْ الْآبَاءُ وَالْأُمَّهَاتُ لِأَنَّهُمْ تَبَعٌ لِلْأَبَوَيْنِ فَلَا يَصِيرُونَ مُسْلِمِينَ وَإِنْ حَصَلُوا فِي دَارِنَا\n٣١٥٠ - فَأَمَّا إذَا سُبِيَ الصَّبِيُّ وَحْدَهُ وَأُخْرِجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمُفَادَاةُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ. لِأَنَّهُ صَارَ مَحْكُومًا لَهُ بِالْإِسْلَامِ تَبَعًا لِلدَّارِ.\n٣١٥١ - وَكَذَلِكَ إنْ قُسِّمَتْ الْغَنِيمَةُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَوَقَعَ فِي سَهْمِ رَجُلٍ أَوْ بِيعَتْ الْغَنَائِمُ فَقَدْ صَارَ الصَّبِيُّ مَحْكُومًا لَهُ بِالْإِسْلَامِ تَبَعًا لِمَنْ تَعَيَّنَ مِلْكُهُ فِيهِ بِالْقِسْمَةِ أَوْ الشِّرَاءِ فِي دَارِ","vol":"1","page":1588},{"text":"الْحَرْبِ حَتَّى إذَا مَاتَ يُصَلَّى عَلَيْهِ. وَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّهُ إذَا كَانَ بَالِغًا تَجُوزُ الْمُفَادَاةُ بِهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ.\nوَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حُكْمَ صَيْرُورَتِهِ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا قَدْ اسْتَقَرَّ بِالْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ حِينَ تَعَيَّنَ الْمِلْكُ فِيهِ لِلْمُسْلِمِ، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الذِّمِّيِّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَجُوزُ الْمُفَادَاةُ بِهِ، وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ جَوَّزْنَا الْمُفَادَاةَ بِهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ مَوْجُودٌ بَعْدَهُمَا، وَهُوَ وُجُوبُ تَخْلِيصِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ بِالْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ يَتَعَيَّنُ مَعْنَى الْمَالِيَّةِ فِيهِمْ، وَذَلِكَ عَلَامَةُ النُّقْصَانِ لَا الزِّيَادَةِ.\n\nأَلَا تَرَى: أَنَّ مُفَادَاةَ أُسَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِالْمَالِ جَائِزٌ، فَتُعَيَّنُ صِفَةُ الْمَالِيَّةِ فِي هَؤُلَاءِ بِالْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ، وَلَا يَمْتَنِعُ جَوَازُ الْمُفَادَاةِ.\nوَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ - ﵄ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﵌ - افْتَدَى يَوْمَ الْمُرَيْسِيعِ سَبْيَ بَنِي الْمُصْطَلِقِ بَعْدَ مَا جَرَتْ فِيهِمْ السُّهْمَانُ، فَأَمَّا مُفَادَاةُ الْأُسَرَاءِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِالْمَالِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي قَوْلِ عُلَمَائِنَا، رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى.\nلِأَنَّ قَتْلَ الْمُشْرِكِينَ إلَى أَنْ يُسْلِمُوا بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ فَرْضٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] .\n٣١٥٢ - وَفِي الْمُفَادَاةِ بِالْمَالِ تَرْكُ هَذِهِ الْفَرِيضَةِ لِلطَّمَعِ فِي عَرَضِ الدُّنْيَا، وَذَلِكَ لَا يَحِلُّ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ","vol":"1","page":1589},{"text":"أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] الْآيَةَ.\nنَزَلَتْ الْآيَةُ يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ رَغِبَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - فِي رَأْيِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، حِينَ أَشَارَ عَلَيْهِ بِالْمُفَادَاةِ بِالْمَالِ، وَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، يَتَأَسَّفُ عَلَى ذَلِكَ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّهُ أُسِرَ فِي عَهْدِهِ أَسِيرٌ مِنْ الرُّومِ فَطَلَبُوا الْمُفَادَاةَ بِهِ فَقَالَ: اُقْتُلُوهُ، فَلَقَتْلُ رَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ أُحِبُّ إلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا، وَفِي رِوَايَةٍ: لَا تَفَادَوْا بِهِ وَإِنْ أُعْطِيتُمْ بِهِ مُدَّيْنِ مِنْ ذَهَبٍ، وَلِأَنَّا أُمِرْنَا بِالْجِهَادِ لِإِعْزَازِ الدِّينِ، وَفِي مُفَادَاةِ الْأَسِيرِ بِالْمَالِ إظْهَارٌ مِنَّا لِلْمُشْرِكَيْنِ أَنَّا نُقَاتِلُهُمْ لِتَحْصِيلِ الْمَالِ.\nفَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] فَقَدْ بَيَّنَّا أَنْ ذَلِكَ قَدْ انْتَسَخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] وقَوْله تَعَالَى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: ٦٨] تَفْسِيرُهَا لَوْلَا أَنِّي كُنْت أَحْلَلْت لَكُمْ الْغَنَائِمَ ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨] بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩] . وَلَئِنْ كَانَ الْمُرَادُ تَجْوِيزُ الْمُفَادَاةِ","vol":"1","page":1590},{"text":"فَقَدْ انْتَسَخَ ذَلِكَ بِنُزُولِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] لِأَنَّ سُورَةَ بَرَاءَةٌ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَتْ، وَهُوَ تَأْوِيلُ مَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - مِنْ الْمُفَادَاةِ يَوْمِ بَدْرٍ فِي النُّفُوسِ بِالنُّفُوسِ، عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، عَلَى مَا رَوَاهُ الْأَعْرَجُ «أَنْ سَعْدَ بْنَ النُّعْمَانِ خَرَجَ مُعْتَمِرًا مِنْ الْبَقِيعِ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، وَمَعَهُ زَوْجَتُهُ؛ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَهُوَ لَا يَخْشَى الَّذِي كَانَ، فَحَبَسَهُ أَبُو سُفْيَانَ بِمَكَّةَ وَقَالَ: لَا أُرْسِلُهُ حَتَّى يُرْسِلَ مُحَمَّدٌ - ﵌ - ابْنِي عَمْرَو بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَكَانَ أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَمَشَى الْخَزْرَجُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ - وَكَلَّمُوهُ فِي ذَلِكَ فَأَرْسَلَهُ فَفَدَوْا بِهِ سَعْدَ بْنَ النُّعْمَانِ» وَكَذَلِكَ فَدَى الْأُسَارَى يَوْمَئِذٍ بِالْمَالِ، عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ الْفِدَاءَ يَوْمَئِذٍ كَانَ أَرْبَعَةَ آلَافٍ إلَى ثَلَاثَةِ آلَافٌ إلَى أَلْفَيْنِ بِأَلْفٍ عَلَى قَوْمٍ لَا مَالَ لَهُمْ مَنَّ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، وَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -، «لَمَّا قَدِمَتْ قُرَيْشٌ فِي فِدَاءِ أُسَرَائِهَا؛ بَعَثَتْ زَيْنَبُ ابْنَةُ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -، بِفِدَاءِ زَوْجِهَا أَبِي الْعَاصِ، فَكَانَ فِيمَا بَعَثَتْ بِهِ قِلَادَةٌ كَانَتْ خَدِيجَةُ - ﵂ - أَدْخَلَتْهَا بِهَا عَلَى زَوْجِهَا، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -","vol":"1","page":1591},{"text":"الْقِلَادَةَ عَرَفَهَا وَرَقَّ لَهَا ثُمَّ قَالَ: إنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا وَتَرُدُّوا إلَيْهَا مَتَاعَهَا فَعَلْتُمْ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ» .\n٣١٥٣ - وَصَحَّ أَنْ الْعَبَّاسَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فَدَى نَفْسَهُ يَوْمَئِذٍ بِمَالٍ، وَفِيهِ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنْ الْأَسْرَى﴾ [الأنفال: ٧٠] الْآيَةُ وَأَشَارَ مُحَمَّدٌ - ﵀ - إلَى تَأْوِيلٍ آخَرَ فَقَالَ: قَدْ كَانُوا يَوْمَئِذٍ مُحْتَاجِينَ إلَى الْمَالِ حَاجَةً عَظِيمَةً، لِأَجْلِ الِاسْتِعْدَادِ لِلْقِتَالِ، وَعِنْدَ الضَّرُورَةِ لَا بَأْسَ بِالْمُفَادَاةِ بِالْمَالِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ أَيْضًا مَا يُرْوَى «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ - لَمَّا سَبَى الذَّرَارِيَّ وَالنِّسَاءَ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ بَعَثَ بِنِصْفِ السَّبْيِ مَعَ سَعْدِ بْنِ زَيْدٍ إلَى نَجْدٍ، فَبَاعَهُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِالسِّلَاحِ وَالْحَيَوَانِ، وَبِالنِّصْفِ الْبَاقِي مَعَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ إلَى الشَّامِ لِيَشْتَرِيَ بِهِمْ السِّلَاحَ وَالْكُرَاعَ»، وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِحَاجَتِهِمْ كَانَتْ إلَى السِّلَاحِ يَوْمَئِذٍ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عِنْدَنَا بِأَنَّ الْمُفَادَاةَ بِالْمَالِ لَا يَجُوزُ الْيَوْمَ بِحَالٍ، وَإِنَّ مَا يُرْوَى فِي هَذَا الْبَابِ حُكْمُهُ قَدْ انْتَسَخَ، وَذَكَرَ تَأْوِيلَ الْمُفَادَاةِ فِي سَبْيِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ فَقَالَ: إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ - ﵌ - ظَهْرَ عَلَى دَارِهِمْ فَافْتَدَى بِهِمْ لِئَلَّا يَجْرِيَ عَلَيْهِمْ الرِّقُّ.\nقَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ - ﵌ - تَزَوَّجَ جُوَيْرِيَةَ","vol":"1","page":1592},{"text":"بَعْدَ مَا اُفْتُدِيَتْ؛ لِأَنَّ الْقَوْمَ أَسْلَمُوا: وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - وَإِنَّمَا الْمَكْرُوهُ عِنْدَنَا مُفَادَاةُ الْمُشْرِكِينَ بِالْمَالِ لِيُرَدُّوا إلَى دَارِ الْحَرْبِ، فَيَكُونُوا عَوْنًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ.\n٣١٥٤ - وَذُكِرَ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ قَالَ: لَيْسَ يُفْدَى الْعَبْدُ وَالذِّمِّيُّ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَبِهِ نَأْخُذُ، فَإِنَّ الْعَبْدَ كَانَ مَمْلُوكًا لِمَوْلَاهُ وَقَدْ صَارَ بِالْإِحْرَازِ مِلْكًا لَهُمْ، فَإِنَّمَا مَوْلَاهُ هُوَ الَّذِي يَفْدِيهِ بِمَالِهِ لِيُعِيدَهُ إلَى مِلْكِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لِمَوْلَاهُ مَالٌ فَحِينَئِذٍ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْدِيَهُ بِمَالِ بَيْتِ الْمَالِ، ثُمَّ لَا سَبِيلَ لِمَوْلَاهُ عَلَيْهِ، بَلْ يَكُونُ مِنْ عَبِيدِ بَيْتِ الْمَالِ، إلَّا أَنْ يُعْطِيَ مَوْلَاهُ ذَلِكَ الْفِدَاءَ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اشْتَرَاهُ مُسْلِمٌ مِنْهُمْ وَأَخْرَجَهُ، فَأَمَّا الذِّمِّيُّ فَلَا نَصِيبَ لَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِيُفْدَى مِنْهُ، وَإِنَّمَا مَالُ بَيْتِ الْمَالِ مُعَدٌّ لِنَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّمَا يُفْدَى أُسَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ بِمَالِ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ طَلَبُوا فِي مُفَادَاةِ الْأَسِيرِ بِالْأَسِيرِ أَنْ نُعْطِيَهُمْ بَعْضَ الصِّبْيَانِ الَّذِينَ أَسَرْنَاهُمْ خَاصَّةً دُونَ مَنْ أَسَرْنَاهُمْ مَعَهُمْ مِنْ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ تَفْرِيقٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَالِدَيْهِ. لِأَنَّ هَذَا التَّفْرِيقَ بِحَقِّ وَحُرْمَةِ الْمُسْلِمِ الَّذِي وَجَبَ تَخْلِيصُهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَعْظَمُ مِنْ حُرْمَةِ الصَّبِيِّ، فَلِهَذَا جَوَّزْنَا الْمُفَادَاةَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مُحَمَّدٍ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.","vol":"1","page":1593},{"text":"٣١٥٥ - وَاسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ «سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هَوَازِنَ فَنَفَّلَنِي جَارِيَةً فَلَمَّا قَدِمْت عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ - قَالَ: هَبْهَا لِي، فَوَهَبْتهَا لَهُ، فَفَادَى بِهَا أُسَارَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا بِمَكَّةَ»، وَالْمِلْكُ فِي النَّفْلِ قَدْ تَعَيَّنَ لِلْمُنْفَلِ لَهُ، ثُمَّ جَوَّزَ الْمُفَادَاةَ بِهِ.\n\nقَالَ: وَإِذَا جَاءَ رَسُولُ مَلِكِهِمْ يَطْلُبُ الْمُفَادَاةَ بِالْأُسَارَى، وَالْمُسْلِمُونَ بَعْدُ فِي دَارِ الْحَرْبِ قَدْ جَعَلُوا الْأُسَارَى فِي مَكَان حَصِينٍ وَأَخَذُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ عَهْدًا بِأَنْ يُؤَمِّنُوهُمْ عَلَى مَا يَأْتُونَ بِهِ مِنْ الْأَسَارَى حَتَّى يَفْرُغُوا مِنْ أَمْرِ الْفِدَاءِ، وَإِنْ لَمْ يُتَّفَقْ رَجَعُوا بِمَنْ مَعَهُمْ مِنْ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَفُوا لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَأَنْ يُفَادُوهُمْ كَمَا شَرَطُوا لَهُمْ مَالًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ إلَّا أَنَّهُ إنْ لَمْ يُتَّفَقْ بَيْنَهُمْ التَّرَاضِي عَلَى الْمُفَادَاةِ وَأَرَادُوا الِانْصِرَافَ بِأُسَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَلِلْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ قُوَّةٌ، فَإِنَّهُ لَا يَسَعُهُمْ أَنْ يَدَعُوهُمْ حَتَّى يَرُدُّوا الْأُسَرَاءَ إلَى بِلَادِهِمْ، لِأَنَّ حَبْسَ أُسَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ ظُلْمٌ مِنْهُمْ، وَلَا يَحِلُّ إعْطَاءُ الْعَهْدِ عَلَى التَّقْرِيرِ عَلَى الظُّلْمِ، فَيَحِقُّ عَلَيْهِمْ تَرْكُ الْوَفَاءِ بِهَذَا الشَّرْطِ، وَنَزْعُ الْأُسَرَاءِ مِنْ أَيْدِيهمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لَهُمْ بِشَيْءٍ سِوَى ذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ -","vol":"1","page":1594},{"text":"قَدْ شَرَطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَنْ يُرَدَّ عَلَيْهِمْ مَنْ جَاءَ مِنْهُمْ مُسْلِمًا» وَوَفَّى بِذَلِكَ الشَّرْطِ فَإِنَّهُ رَدَّ أَبَا جَنْدَلِ بْنَ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو عَلَى أَبِيهِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَرَدَّ أَبَا بَصِيرٍ عَلَى مَنْ جَاءَ فِي طَلَبِهِ حَتَّى فَعَلَ مَا فَعَلَ. قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَكِنَّ هَذَا حُكْمٌ قَدْ انْتَسَخَ بِالْكِتَابِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] الْآيَةَ. وَكَانَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﵌ - يَوْمَئِذٍ خَاصَّةً، وَقَدْ عَلِمَ وَجْهَ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ بِطَرِيقِ الْوَحْيِ، فَقَالَ: «لَا يَسْأَلُونَنِي الْيَوْمَ شَيْئًا إلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إيَّاهُ»، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ نَرُدَّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مُسْلِمًا أَوْ أَنْ نَتْرُكَ أَخْذَ الْمُسْلِمِ مِنْ أَيْدِيهِمْ إذَا قَدَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ بِحَالِ، فَإِنْ أَرَادُوا أَخْذَهُمْ فَعَرَضَ لَهُمْ الْمُشْرِكُونَ فِي ذَلِكَ، فَلْيَنْبِذُوا إلَيْهِمْ ثُمَّ لِيُقَاتِلُوهُمْ أَشَدَّ الْقِتَالِ، دُونَ أُسَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَسْتَنْقِذُوهُمْ.\nوَإِنْ كَانُوا شَرَطُوا عَلَيْنَا أَنْ نَأْتِيَهُمْ بِعِدَّةٍ مِنْ الْعُلُوجِ قَدْ سَمَّوْهُمْ فَلَمْ نَأْتِهِمْ بِهِمْ أَوْ أَتَيْنَاهُمْ ثُمَّ كَانَ تَرْكُ الْمُفَادَاةِ مِنْ قِبَلِنَا أَوْ قِبَلِهِمْ فَالْجَوَابُ سَوَاءٌ، أَلَّا يَكُونَ بِالْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ قُوَّةٌ فَحِينَئِذٍ يَكُونُونَ فِي سَعَةِ مِنْ تَرْكِ قِتَالِهِمْ. لِأَنَّ عَلَيْهِمْ حِفْظُ قُوَّةِ أَنْفُسِهِمْ أَوَّلًا ثُمَّ الْعُلُوَّ وَالْغَلَبَةَ إنْ تَمَكَّنُوا مِنْهُ.","vol":"1","page":1595},{"text":"٣١٥٦ - وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ أُسَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ مَعَهُمْ بِأَنْ لَمْ يُعَايِنْهُمْ وَلَمْ يُقِرُّوا بِذَلِكَ، إلَّا أَنَّا نَظُنُّ بِذَلِكَ ظَنًّا، فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُنْتَقَضَ الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا حَلَّ ذَلِكَ لِاسْتِرْدَادِ الْأُسَرَاءِ مِنْهُمْ.\n٣١٥٧ - وَإِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَعْلُومًا فَبِنَقْضِ الْعَهْدِ لَا يَحْصُلُ هَذَا الْمَقْصُودُ\n\nوَإِنْ اسْتَأْمَنَ إلَيْنَا مَمَالِيكُهُمْ، وَنَحْنُ فِي الْمُفَادَاةِ.\nلَمْ يُنْقَضْ الْعَهْدُ أَيْضًا وَيُرَدُّ عَلَيْهِمْ مَمَالِيكُهُمْ.\nلِأَنَّا آمَنَّاهُمْ عَلَى مَا جَاءُوا بِهِ مِنْ الْأَمْوَالِ، فَلَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَعَرَّضَ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ.\n٣١٥٨ - فَإِنْ أَسْلَمَ الْمَمَالِيكُ لَمْ نَرُدَّهُمْ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَلَكِنَّا نَبِيعُهُمْ وَنُعْطِيهِمْ أَثْمَانَهُمْ، بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ يُسَلِّمُ عَبْدَهُ، وَلَكِنْ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ مَا جَاءَ الْمَمَالِيكُ بِهِ مِنْ أَسْلِحَتِهِمْ وَدَوَابِّهِمْ، فَإِنْ قَالَ الْمَمَالِيكُ نَكُونُ ذِمَّةً لَكُمْ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى ذَلِكَ وَنَرُدُّهُمْ عَلَيْهِمْ مَعَ دَوَابِّهِمْ وَأَسْلِحَتِهِمْ.\nلِأَنَّهُمْ مَمَالِيكُ مَنْ لَهُمْ أَمَانٌ مِنَّا، وَهُمْ تَبَعٌ لِلْمَالِكِ، فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ قَبُولُ الذِّمَّةِ وَلَا يَصِيرُ بِهِ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا","vol":"1","page":1596},{"text":"وَإِنْ كَانَ الَّذِينَ أَتَوْنَا بَعْضَ أَحْرَارِهِمْ) أَخَذُوا مِنْهُمْ الْكُرَاعَ وَالسِّلَاحَ وَالْمَالَ ثُمَّ دَخَلُوا إلَيْنَا بِأَمَانٍ لَمْ نَتَعَرَّضْ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِمَّا جَاءُوا بِهِ. لِأَنَّ الْأَمَانَ كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ فِيمَا بَيْنَهُمْ أَمَانٌ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، فَمَا أَخَذُوا بِهِ مِنْ الْمَالِ قَدْ صَارَ مِلْكًا لَهُمْ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ نَتَعَرَّضَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ سَوَاءٌ أَسْلَمُوا أَوْ صَارُوا ذِمَّةً أَوْ دَخَلُوا إلَيْنَا بِأَمَانٍ.\n٣١٦٠ - وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مُوَادَعَةٌ، فَأَخَذَ بَعْضُهُمْ مَالَ بَعْضٍ ثُمَّ جَاءَ بِهِ إلَى دَارِنَا مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ مُسْتَأْمَنًا. لَمْ نَتَعَرَّضْ لَهُمْ بِأَخْذِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مِنْ أَيْدِيهِمْ.\n٣١٦١ - وَلَوْ أَنَّ أُسَرَاءَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ جَاءُوا بِهِمْ لِلْمُفَادَاةِ هَرَبُوا إلَيْنَا قَبْلَ أَنْ يَقَعَ الْفِدَاءُ فَقَالُوا: رُدُّوهُمْ إلَيْنَا لِلْعَهْدِ لَمْ نَرُدَّهُمْ. لِأَنَّا مَا أَعْطَيْنَاهُمْ الْعَهْدَ عَلَى حَبْسِ أُسَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ ذَلِكَ ظُلْمٌ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا أَعْطَيْنَاهُمْ الْعَهْدَ عَلَى نُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَمَا كَانُوا يَمْلِكُونَ الْأُسَرَاءَ.\n٣١٦٢ - ثُمَّ لَيْسَ عَلَيْنَا أَنْ نَفِيَ لَهُمْ بِالْفِدَاءِ.","vol":"1","page":1597},{"text":"لِأَنَّا إنَّمَا شَرَطْنَا لَهُمْ رَدَّ أُسَرَائِهِمْ بِالْمُفَادَاةِ، وَقَدْ وَقَعَ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْ ذَلِكَ، وَإِنْ تَمَّ التَّرَاضِي عَلَى الْمُفَادَاةِ بِعُلُوجٍ بِأَعْيَانِهِمْ ثُمَّ هَرَبَ أُسَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُوَفَّى لَهُمْ بِمَا صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ لِيَطْمَئِنُّوا إلَى الْمُسْلِمِينَ فِي مِثْلِهِ بَعْدَ الْيَوْمِ وَلَا يَنْسُبُوهُمْ لِلْغَدْرِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ تَمَامَ الْمُفَادَاةِ بِالْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ فَإِذَا وَقَعَ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْ ذَلِكَ قَبْلَ تَمَامِ الْمُفَادَاةِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْنَا رَدُّ شَيْءٍ عَلَيْهِمْ، بِسَبَبِ تِلْكَ الْمُرَاوَضَةِ مِنْ عُلُوجِ الْمُشْرِكِينَ وَالْأَمْوَالِ.\n٣١٦٣ - وَلَوْ أَنَّ الْأُسَرَاءَ هَرَبُوا مِنْهُمْ إلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَأْتُونَا بَعْدَ مَا وَقَعَ الصُّلْحُ أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُمْ شَيْئًا، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانُوا هَرَبُوا إلَيْنَا فَالْأَفْضَلُ هُنَاكَ أَنْ نُعْطِيَهُمْ مَا شَرَطْنَاهُمْ لِأَنَّهُمْ إذَا خَرَجُوا إلَيْنَا فَنَحْنُ مَنَعْنَاهُمْ، فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ يُشْبِهُ هَذَا مَا لَوْ كَانُوا هُمْ الَّذِينَ أَعْطَوْهُمْ إلَيْنَا، فَأَمَّا إذَا خَرَجُوا إلَيْنَا مِنْ جَانِبٍ آخَرَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَهُمْ لَيْسُوا فِي أَيْدِينَا فَلَا يَلْزَمُنَا أَنْ نَفِيَ لَهُمْ بِالْفِدَاءِ الَّذِي شَرَطْنَا إذَا كَانُوا لَا يَرَوْنَ عَلَيْنَا بِهِ شَيْئًا حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ مَاتَ الْأُسَرَاءُ فِي أَيْدِيهمْ فَكَذَلِكَ إنْ هَرَبَ الْأُسَرَاءُ أَوْ كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ فَامْتَنَعُوا بِأَنْفُسِهِمْ.\nلِأَنَّا لَا نَمْنَعُهُمْ الْآنَ مِنْهُمْ لِنَفِيَ لَهُمْ بِمَا شَرَطْنَا.\n٣١٦٤ - وَإِذَا هَرَبُوا إلَيْنَا وَلَا مَنَعَةَ لَهُمْ فَنَحْنُ الْمَانِعُونَ لِلْأُسَرَاءِ مِنْهُمْ.","vol":"1","page":1598},{"text":"أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْلَا مَكَانُنَا أُخِذُوا، فَلِهَذَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَفِيَ بِمَا شَرَطْنَا لَهُمْ\n٣١٦٥ - وَإِنْ أَرَادُوا رَدَّ الْأُسَرَاءَ فَقَاتَلَهُمْ الْأُسَرَاءُ وَاسْتَغَاثُوا بِالْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَخْذُلُوهُمْ، لِمَا بَيَّنَّا أَنْ حَبْسَهُمْ لِلْأُسَرَاءِ ظُلْمٌ وَمَا أَعْطَيْنَاهُمْ الْعَهْدَ عَلَى الظُّلْمِ، فَلَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَذَرُوا الْمُشْرِكِينَ يَقْتُلُونَ إخْوَانَهُمْ، وَلَا يَمْنَعُوهُمْ مِنْ ذَلِكَ، إذَا كَانُوا يُقِرُّونَ عَلَى الْمَنْعِ. وَكَذَلِكَ لَا بَأْسَ لِلْأُسَرَاءِ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَنْقَلِبُوا مِنْهُمْ، إنْ آمَنُوهُمْ أَوْ لَمْ يُؤْمِنُوهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ ظَالِمُونَ فِي حَبْسِهِمْ.\n٣١٦٦ - وَلَوْ كَانَ الَّذِينَ فِي أَيْدِيهِمْ عَبِيدًا وَإِمَاءً مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَّا أَنَّهُمْ كَانُوا أَحْرَزُوهُمْ فِي دَارِهِمْ فَإِنَّا نَفِي بِالْمُفَادَاةِ الَّتِي شَرَطْنَا فَإِنْ لَمْ يَتَّفِقْ ذَلِكَ نَأْخُذُهُمْ مِنْهُمْ بِالْقَهْرِ. لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ فَلَا يَحِلُّ تَرْكُهُمْ فِي دَارِ الْمُشْرِكِينَ، وَلَكِنَّا نَبِيعُهُمْ وَنُعْطِيهِمْ أَثْمَانَهُمْ.\nلِأَنَّهُمْ مَمَالِيكُهُمْ لَوْ أَسْلَمُوا كَأَمْوَالِهِمْ، وَقَدْ أَعْطَيْنَاهُمْ الْأَمَانَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ.\n٣١٦٧ - فَإِنْ قَاتَلَهُمْ الْعَبِيدُ فَأَرَادَ الْمُشْرِكُونَ قَتْلَهُمْ قَاتَلْنَاهُمْ مَعَ الْعَبِيدِ حَتَّى نَسْتَنْقِذَهُمْ.","vol":"1","page":1599},{"text":"لِأَنَّهُمْ إخْوَانُنَا فِي الدِّينِ فَيَجِبُ اسْتِنْقَاذُهُمْ مِنْ قَهْرِ الْمُشْرِكِينَ.\n٣١٦٨ - إلَّا أَنَّ الْمُشْرِكِينَ إنْ كَانُوا فِي مَأْمَنِهِمْ فَقَدْ تَمَّ نَبْذُ الْأَمَانِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، ثُمَّ أَخَذْنَا مِنْهُمْ الْعَبِيدَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَا نُعْطِيهِمْ شَيْئًا بِمُقَابَلَتِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا فِي غَيْرِ مَأْمَنِهِمْ بِعْنَاهُمْ وَأَعْطَيْنَاهُمْ أَثْمَانَهُمْ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْأَمَانِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ بَاقٍ مَا لَمْ يَصِلُوا إلَى مَأْمَنِهِمْ، وَمِنْ لَا يَمْلِكُ أَهْلَ الْحَرْبِ مِنْ مُدَبَّرٍ أَوْ أُمِّ وَلَدٍ أَوْ مُكَاتَبٍ أَوْ ذِمِّيٍّ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرُنَا مِنْ الْفُصُول.\n\nوَلَوْ كَانَ أَسِيرًا فِي بَعْضِ حُصُونِهِمْ إذَا أَرَادَ أَنْ يَشُدَّ عَلَى بَعْضِهِمْ فَيَقْتُلُهُ فَإِنْ كَانَ يَطْمَعُ فِي قَتْلِهِ أَوْ فِي نِكَايَةٍ فِيهِمْ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَطْمَعُ فِي ذَلِكَ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ.\nلِأَنَّهُ يُلْقِي بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُمْ يَقْتُلُونَهُ بَعْدَ هَذَا وَيُمَثِّلُونَ بِهِ.\n٣١٦٩ - وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْحُكْمَ فِي حَقِّ مَنْ هُوَ فِي الصَّيْفِ يُقَاتِلُ، وَأَنَّهُ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ؛ مِنْهُمْ الْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ وَمِنْهُمْ حَمِيُّ الدَّبْرِ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ","vol":"1","page":1600},{"text":"يَوْمَ الرَّجِيعِ، يَوْمَ بَنِي لِحْيَانَ، فَإِذَا كَانَ يَجُوزُ هَذَا لِلْمُقَاتِلِ إذَا كَانَ يُنْكِرُ فِعْلَهُ فِيهِمْ فَلَأَنْ يَجُوزَ لِلْأَسِيرِ كَانَ أَوْلَى\n\nوَلَوْ خَلَّوْا سَبِيلَ الْأَسِيرِ وَأَعْطَوْهُ الْأَمَانَ عَلَى أَنْ يَكُونَ فِي بِلَادِهِمْ فَلَا بَأْسَ لِلْأَسِيرِ أَنْ يَغْتَالَهُمْ وَيَقْتُلَ مَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ سِرًّا أَوْ يَأْخُذَ مَا شَاءَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ؛ لِأَنَّهُ مَا أَعْطَاهُمْ الْأَمَانَ وَإِنَّمَا هُمْ أَعْطَوْهُ الْأَمَانَ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ أَنْ يَفْعَلَ بِهِمْ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِمْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَعْطَاهُمْ الْأَمَانَ، فَحِينَئِذٍ يَنْبَغِي لَنَا أَلَّا نَتَعَرَّضَ لَهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ غَدْرًا مِنْهُ، وَالْغَدْرُ حَرَامٌ.\n٣١٧٠ - وَلَكِنَّهُ إنْ قَدَرَ عَلَى أَنْ يَخْرُجَ سِرًّا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ، وَإِنْ كَانَ أَعْطَاهُمْ الْأَمَانَ مِنْ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ. لِأَنَّ حَبْسَهُمْ إيَّاهُ فِي دَارِهِمْ ظُلْمٌ مِنْهُمْ لَهُ، فَلَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ الظُّلْمِ.\n٣١٧١ - فَإِنْ مَنَعَهُ إنْسَانٌ مِنْ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُقَاتِلَهُ وَيَقْتُلَهُ. لِأَنَّهُ ظَالِمٌ لَهُ فِي هَذَا الْمَنْعِ.","vol":"1","page":1601},{"text":"وَإِنْ كَانُوا يَسْتَعْمِلُونَهُ فِي الْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَشَدَّ عَلَى بَعْضِهِمْ لِيَقْتُلَهُ، فَإِنْ كَانَ فِعْلُهُ يَنْكِي فِيهِمْ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَنْكَأُ فِيهِمْ فَالْأَوْلَى أَلَّا يَفْعَلَهُ. إلَّا أَنْ يَكُونُوا كَلَّفُوهُ مِنْ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ فَظَنَّ أَنَّ لَهُ فِيمَا يَصْنَعُ نَجَاةٌ أَوْ تَرَفُّهًا فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِطَلَبِ النَّجَاةِ.\n٣١٧٣ - وَكَذَلِكَ إنْ شَدَّ عَلَى السَّجَّانِ لِيَقْتُلَهُ، فَهُوَ عَلَى التَّقْسِيمِ الَّذِي قُلْنَا\n\nوَإِنْ أُمِرَ بِالسُّجُودِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَضَرَبَهُ الَّذِي يُمْسِكُهُ عَلَى ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلَ الْعِلْجَ وَيَأْبَى السُّجُودَ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُقْتَلُ. لِأَنَّ ضَرْبَ الْعِلْجِ وَقَتْلَهُ إنْ تَمَكَّنَ مِنْهُ يَكُونُ نِكَايَةً فِيهِمْ لَا مَحَالَةَ، وَفِي إبَائِهِ السُّجُودَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى إعْزَازُ الدَّيْنِ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَفْعَلَهُ، وَلَا يَكُونُ بِهِ مُعِينًا عَلَى نَفْسِهِ.\n٣١٧٤ - وَلَوْ قَالَ الْأَسِيرُ لَهُمْ: أَنَا أَعْلَمُ الطِّبَّ فَسَأَلُوهُ أَنْ يَسْقِيَهُمْ الدَّوَاءَ فَسَقَاهُمْ السُّمَّ فَقَتَلَهُمْ فَإِنْ سَقَى الرِّجَالَ مِنْهُمْ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ. لِأَنَّ ذَلِكَ نِكَايَةٌ فِيهِمْ، وَأَكْرَهُ لَهُ أَنْ يَسْقِيَ الصِّبْيَانَ وَالنِّسَاءَ، كَمَا أَكْرَهُ لَهُ قَتْلَهُمْ.","vol":"1","page":1602},{"text":"إلَّا أَنْ تَكُونَ امْرَأَةً مِنْهُمْ قَدْ أَضَرَّتْ بِهِ. وَقَصَدَتْ قَتْلَهُ، فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَسْقِيَهَا كَمَا لَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلَهَا إنْ تَمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ. وَلَوْ أَنَّ أَسِيرًا فِيهِمْ دَلَّى نَفْسَهُ مِنْ حِصْنٍ أَوْ سُورِ مَدِينَةٍ لِيَهْرَبَ فَسَقَطَ فَمَاتَ، فَإِنْ كَانَ عَلَى طَمَعٍ مِنْ أَنْ يَنْجُوَ حِينَ فَعَلَ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِمَا صَنَعَ. لِأَنَّ قَصْدَهُ السَّعْيُ فِي نَجَاتِهِ وَالْفِرَارُ بِدِينِهِ كَيْ لَا يُفْتَتَنَ وَالْمُجَاهِدُ فِي كُلِّ مَا يَصْنَعُ عَلَى طَمَعٍ مِنْ الظَّفَرِ وَخَوْفٍ مِنْ الْهَلَاكِ.\n٣١٧٦ - فَإِنْ كَانَ هَذَا الْفِعْلُ بِتِلْكَ الصِّفَةِ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ، وَإِنْ كَانَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ الْهَلَاكِ أَوْ كَانَ أَكْبَرَ الرَّأْيِ أَنَّهُ لَا يَنْجُو فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ هَذَا الصَّنِيعُ. لِأَنَّهُ يَقْتُلُ بِهِ نَفْسَهُ.\n٣١٧٧ - وَهُوَ نَظِيرُ مَا سَبَقَ إذَا دَلَّى نَفْسَهُ فِي قِدْرٍ مِنْ بَعْضِ الْمَطَامِيرِ لِيُقَاتِلَ الْعَدُوَّ فَإِنْ كَانَ يَطْمَعُ أَنْ يَنْكَأَ فِعْلُهُ فِيهِمْ لَمْ يَكُنْ بِمَا صَنَعَ بِهِ بَأْسٌ وَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ يُقْتَلُ وَلَا يَنْكَأُ فِعْلُهُ لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ\n٣١٧٨ - وَإِذَا أُسِرَ الْعِلْجُ أَوْ امْرَأَتُهُ وَوَلَدُهُ فَلَا يَنْبَغِي لِلْأَمِيرِ أَنْ يُفَادِيَهُمْ بِالْمَالِ لِمَا قُلْنَا.","vol":"1","page":1603},{"text":"٣١٧٩ - وَكَذَلِكَ لَا يَبِيعُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ قَبْلَ إخْرَاجِهِمْ إلَى دَارِنَا وَلَا بَعْدَهُ. لِأَنَّ هَذَا فِي مَعْنَى الْمُفَادَاةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُمْ يُفَادُونَ إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْهُمْ بِمَالٍ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ.\n٣١٨٠ - وَكَذَلِكَ إنْ وَقَعُوا فِي سَهْمِ رَجُلٍ فَلَيْسَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ أَنْ يَبِيعَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ رَدَّ الْإِمَامُ بَيْعَهُ، وَأَدَّبَهُ عَلَى مَا صَنَعَ، إنْ عَلِمَ أَنَّهُ فَعَلَهُ عَنْ بَصِيرَةٍ. لِأَنَّهُ قَصَدَ تَقْوِيَةَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.\n٣١٨١ - وَلَوْ جَاءَ مُشْرِكٌ مُسْتَأْمَنًا، وَلَهُ عَبِيدٌ مُسْلِمُونَ قَدْ أَسَرَهُمْ، وَأَحْرَزَهُمْ وَطَلَبَ أَنْ يَبِيعَ بِهَؤُلَاءِ الْحَرْبِيِّينَ فَلَا بَأْسَ لِلْأَمِيرِ أَنْ يَشْتَرِيَهُمْ بِأُولَئِكَ الْحَرْبِيِّينَ ثُمَّ يَجْعَلُهُمْ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ إنْ كَانَ لَمْ يَقْسِمْهُمْ، فَإِنْ كَانَ قَسَمَهُمْ فَلَا بَأْسَ لِمَنْ وَقَعُوا فِي سَهْمِهِ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِمْ الْعَبِيدَ الْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مُفَادَاةِ الْأَسِيرِ بِالْأَسِيرِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، إذْ الْمَقْصُودُ تَخْلِيصُ الْمُسْلِمِينَ عَنْ ذُلِّ الْكُفَّارِ.\n٣١٨٢ - وَيَسْتَوِي فِي هَذَا عَبِيدُ الْمُسْلِمِينَ وَأَحْرَارُهُمْ.\nلِأَنَّ جَوَازَ ذَلِكَ لِحُرْمَةِ الدِّينِ.","vol":"1","page":1604},{"text":"٣١٨٣ - وَإِنْ جَاءَ بِالْعَبِيدِ مَعَهُ فَإِنَّ الْأَمِيرَ لَا يَدْعُهُ يَرْجِعُ بِهِمْ، بِمَنْزِلَةِ عَبِيدِ الْكُفَّارِ أَدْخَلَهُمْ مَعَ نَفْسِهِ فَأَسْلَمُوا أَوْ اشْتَرَى فِي دَارِ الْإِسْلَامِ عَبِيدًا مُسْلِمِينَ فَإِنَّهُمْ مَمَالِيكُهُ، ثُمَّ يُجْبِرُهُ الْإِمَامُ عَلَى بَيْعِهِمْ، كَمَا يُجْبِرُ أَهْلَ الذِّمَّةِ عَلَى ذَلِكَ، فَهَذَا مِثْلُهُ. وَلَوْ كَانَ دَخَلَ هَذَا الْمُسْتَأْمَنُ مِنْ عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ دَارِ الْإِسْلَامِ وَمَعَهُ الْعَبِيدُ ثُمَّ طَلَبَ أَنْ يَبِيعَهُمْ بِأُسَرَاءِ الْمُشْرِكِينَ فَإِنَّ الْأَمِيرَ لَا يُمَكِّنُهُ مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّهُ صَارَ مُجْبَرًا عَلَى بَيْعِهِمْ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، لِمَا صَارَ مَقْهُورًا فِي أَيْدِينَا، وَالْعَبِيدُ مَعَهُ فَتَمْكِينُهُ مِنْ أَنْ يَبِيعَهُمْ بِأُسَرَاءِ الْمُشْرِكِينَ بَعْدَ هَذَا يَكُونُ فِي مَعْنَى مُفَادَةِ الْأَسِيرِ بِالْمَالِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَهُنَاكَ قَدْ جَاءَ مُسْتَأْمَنًا، وَلَيْسَ الْعَبِيدُ مَعَهُ فَلَمْ يَصِرْ هُوَ مُجْبَرًا عَلَى بَيْعِهِمْ بِالدَّرَاهِمِ فِي الْحُكْمِ.\n٣١٨٥ - تَوْضِيحُهُ أَنْ جَوَازَ الْمُفَادَاةِ بِأُسَرَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ، وَذَلِكَ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْحَاجَةِ إلَى تَخْلِيصِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَلَا ضَرُورَةَ هَا هُنَا لِإِمْكَانِ التَّخْلِيصِ بِطَرِيقٍ آخَرَ، وَهُوَ الْإِجْبَارُ عَلَى الْبَيْعِ بِالدَّرَاهِمِ. وَتَتَحَقَّقُ الضَّرُورَةُ حِينَ لَمْ يَأْتِ بِالْعَبِيدِ مَعَهُ.\n٣١٨٦ - وَلَوْ كَانَ جَاءَ لِيَدْخُلَ بِأَمَانٍ فَسَأَلَهُمْ قَبْلَ الدُّخُولِ أَنْ يَبِيعُوهُ أُسَرَاءَ سَمَّاهُمْ بِعَبِيدٍ فِي يَدِهِ مِنْ عَبِيدِ الْمُسْلِمِينَ قَدْ","vol":"1","page":1605},{"text":"سَمَّاهُمْ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُجِيبَ الْمُسْلِمُونَ إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ قَائِمَةٌ، مَا لَمْ تَصِلْ يَدُنَا إلَى عَبِيدِ الْمُسْلِمِينَ، وَبَعْدَ الْإِجَابَةِ عَلَيْهِمْ وَجَبَ أَنْ يَفُوا لَهُ بِذَلِكَ.\nلِأَنَّ الشَّرْطَ لَمَّا صَحَّ وَجَبَ الْوَفَاءُ بِهِ شَرْعًا.\n٣١٨٧ - قَالَ: وَلَوْ أَنَّ أَسِيرًا فِي أَيْدِيهِمْ أَرَادَ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ وَعِنْدَهُ أَنَّ فِعْلَهُ يَنْكَأُ فِيهِمْ وَلَكِنَّهُ يُقْتَلُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَفْعَلَ هَذَا؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِيمَنْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ فِعْلَهُ هَذَا يَضُرُّ بِغَيْرِهِ مِنْ الْأُسَرَاءِ فِي أَيْدِيهِمْ فَالْأَفْضَلُ أَلَّا يَفْعَلَ، خُصُوصًا إذَا كَانَ نِكَايَتُهُ فِيهِمْ لَا تَبْلُغُ بَعْضَ مَا يَجِبُ لِأَنَّهُ مَنْدُوبٌ إلَى النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ وَدَفْعِ شَرِّ الْعَدُوِّ عَنْهُمْ\nأَلَا تَرَى أَنَّ الْمُجَاهِدَ لِهَذَا يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ، فَإِنْ كَانَ فِعْلُهُ هَذَا يَصِيرُ سَبَبَ الْإِضْرَارِ بِالْمُسْلِمِينَ بِأَنْ يُقْتَلُوا أَوْ يُعَذَّبُوا فَالْأَفْضَلُ لَهُ أَلَّا يَفْعَلَ، وَلَوْ فَعَلَ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ. لِأَنَّ مُرَاعَاةَ جَانِبِ غَيْرِهِ لَا تَكُونُ أَوْجَبَ عَلَيْهِ مِنْ مُرَاعَاةِ حَقِّ نَفْسِهِ.\n٣١٨٨ - وَإِذَا كَانَ يَجُوزُ لَهُ هَذَا الصَّنِيعَ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ يُقْتَلُ","vol":"1","page":1606},{"text":"إذَا كَانَ فِعْلُهُ يَنْكَأُ فِيهِمْ فَلَأَنْ يَجُوزَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ يَخَافُ بِسَبَبِهِ الْإِضْرَارَ بِغَيْرِهِ مِنْ الْأُسَرَاءِ، كَانَ أَوْلَى،\n\nوَلَوْ أَنْ سَرِيَّةً دَخَلَتْ أَرْضَ الْعَدُوِّ، فَكَانُوا بِالْقُرْبِ مِنْ عَسْكَرٍ عَظِيمٍ مِنْ الْعَدُوِّ لَا يَعْلَمُونَ بِهِمْ، فَأَرَادَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِمْ كَرِهْت لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ فِي فِعْلِهِ هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ بِالْمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ عَلَى أَنْ يَنْتَصِفُوا مِنْهُمْ. بِعِلْمِهِمْ وَلَا رُخْصَةَ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِيُقْتَلُوا أَوْ يُؤْسَرُوا.\n٣١٨٩ - وَلَوْ كَانَ عَلِمُوا مَكَانَ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَعْرِضُوا لَهُمْ فَلَا بَأْسَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِمْ، إذَا كَانَ فِعْلُهُ يَنْكَأُ فِيهِمْ، إلَّا أَنَّهُ إذَا خَافَ أَنْ يُقَاتِلُوا الْمُسْلِمِينَ فَيَقْتُلُوهُمْ فَالْأَفْضَلُ لَهُ أَلَّا يَفْعَلَ ذَلِكَ نَظَرًا مِنْهُ لِلْمُسْلِمِينَ.\nأَلَا تَرَى أَنْ قَوْمًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَوْ حَاصَرَهُمْ الْمُشْرِكُونَ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ بِهِمْ طَاقَةٌ، فَدَعَوْهُمْ إلَى الصُّلْحِ وَالْأَمَانِ كَانَ أَفْضَلُ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُصَالِحُوهُمْ وَيَقْبَلُوا أَمَانَهُمْ، وَإِنْ أَبَوْا إلَّا قِتَالَهُمْ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ كَمَا فَعَلَهُ حَمِيُّ الدَّبْرِ حِينَ عَرَضُوا عَلَيْهِ الْأَمَانَ فَقَالَ: إنِّي عَاهَدْت اللَّهَ قَبْلَ هَذَا أَلَّا أَقْبَلَ أَمَانًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَمَا زَالَ يُقَاتِلُهُمْ حَتَّى قُتِلَ.","vol":"1","page":1607},{"text":"فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.\n٣١٩٠ - وَإِذَا أُسِرَتْ كِتَابِيَّةٌ فَوَقَعَتْ فِي سَهْمِ رَجُلٍ فَدَبَّرَهَا أَوْ اسْتَوْلَدَهَا، وَهِيَ عَلَى دِينِهَا بَعْدُ، ثُمَّ إنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ أَسَرُوا مِنَّا رَجُلًا فَأَبَوْا أَنْ يَقْبَلُوا مِنَّا الْفِدَاءَ إلَّا أَنْ نَفْدِيَهُ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ فَإِنْ رَضِيَ مَوْلَاهَا بِذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِالْمُفَادَاةِ بِهَا، كَرِهَتْ هِيَ ذَلِكَ أَوْ رَضِيَتْ بِهِ. لِأَنَّهَا بِهَذِهِ الْمُفَادَاةِ لَا تَخْرُجُ مِنْ مِلْكِ مَوْلَاهَا، فَقَدْ صَارَتْ بِحَيْثُ لَا يَحْتَمِلُ الِانْتِقَالَ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ لِمَا ثَبَتَ فِيهَا لِلْمُسْلِمِ مِنْ اسْتِحْقَاقِ الْوَلَاءِ.\n٣١٩١ - وَإِنَّمَا يَنْقَطِعُ عَنْ مَوْلَاهَا بِهَذِهِ الْمُفَادَاةِ خِدْمَتُهَا، فَكَأَنَّهُ جَعَلَ خِدْمَتَهَا فِدَاءَ مُسْلِمٍ وَذَلِكَ جَائِزٌ. لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِ، فَلَا يَكُونُ حُرْمَتُهَا فَوْقَ حُرْمَةِ الْمَالِ.\n٣١٩٢ - ثُمَّ يَجُوزُ مُفَادَاةُ الْأَسِيرِ لِلْمُسْلِمِ بِالْمَالِ فَبِالْخِدْمَةِ أَوْلَى وَأَجْوَزُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُخَافُ عَلَى نَفْسِهَا مِنْهُمْ، فَإِنَّهَا عَلَى دِينِهِمْ وَإِنَّمَا يَرْغَبُونَ فِي الْفِدَاءِ بِهَا لِإِكْرَامِهَا بِسَبَبِ ثَبَاتِهَا عَلَى اعْتِقَادِهَا بَيْنَنَا، وَلَا مُعْتَبَرَ لِكَرَاهَتِهَا وَرِضَائِهَا.\nلِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لَيْسَ لَهَا مِنْ أَمْرِ نَفْسِهَا شَيْءٌ.\n٣١٩٣ - فَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ مَوْلَاهَا فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْأَمِيرِ أَنْ يَفْدِيَ الْأَسِيرَ بِهَا، وَإِنْ كَانَ يَخَافُ الْقَتْلَ عَلَى الْأَسِيرِ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهَا","vol":"1","page":1608},{"text":"صَارَتْ بِحَيْثُ لَا تَحْتَمِلُ الْإِخْرَاجَ مِنْ مِلْكِ مَوْلَاهَا بِعِوَضٍ وَلَا بِغَيْرِ عِوَضٍ وَمَعَ بَقَاءِ مِلْكِ الْمَوْلَى فِيهَا لَا تَجُوزُ الْمُفَادَاةُ بِهَا بِغَيْرِ رِضَاءِ الْمَوْلَى، فَإِنْ طَلَبَ الْمَوْلَى أَنْ يُعَوَّضَ قِيمَتَهَا عَلَى غَيْرِ بَيْعٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَلَا بَأْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ. لِأَنَّهُ عَلَيْهِ أَنْ يَفْدِيَ الْأَسِيرَ الْمُسْلِمَ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُعْطِيَ الْمَالَ إلَيْهِمْ لِيَتَخَلَّصَ الْأَسِيرُ وَبَيْنَ أَنْ يُعْطِيَ إلَى مَوْلَى هَذِهِ الْجَارِيَةِ لِيَرْضَى بِأَنْ يُفَادَى الْأَسِيرُ بِهَا.\n٣١٩٤ - ثُمَّ هَذَا الْمَالُ لَا يَكُونُ عِوَضًا عَنْ مِلْكِهِ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ النَّقْلَ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ وَلَكِنَّهُ عِوَضٌ عَنْ خِدْمَتِهَا، وَلِلْمَوْلَى أَنْ يَعْتَاضَ عَنْ خِدْمَةِ الْمُدَبَّرَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ بِطَرِيقِ الْإِجَارَةِ، فَإِنْ أَخَذَهَا الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ بَعْدَ ذَلِكَ رَدُّوهَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ كَانَ قَائِمًا فِيهَا وَيَسْلَمُ لَهُ الْعِوَضُ الَّذِي كَانَ أَخَذَ. لِأَنَّهُ إنَّمَا أَخَذَ الْعِوَضَ عَنْ خِدْمَتِهَا فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَلَمْ يَعُدْ إلَيْهِ ذَلِكَ.\n٣١٩٥ - وَلَوْ أَبَى أَنْ يُعْطِيَهَا الْمُسْلِمُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ شِرَاءً كَرِهْت لَهُ ذَلِكَ. لِأَنَّهَا صَارَتْ بِحَيْثُ لَا تَحْتَمِلُ الْمَبِيعَ، لِمَا ثَبَتَ فِيهَا مِنْ حَقِّ الْعِتْقِ.","vol":"1","page":1609},{"text":"٣١٩٦ - فَإِنْ أَخَذُوهَا مِنْهُ كُرْهًا وَفَادُوا بِهَا غَرِمَ الْإِمَامُ لَهُ قِيمَتَهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَهَذَا فِي الْمُدَبَّرَةِ قَوْلُهُمْ جَمِيعًا لِبَقَاءِ الْمَالِيَّةِ فِيهَا، حَتَّى أَنَّهَا تُضْمَنُ بِالْغَصْبِ، فَكَذَلِكَ إذَا أَخَذَهَا الْإِمَامُ بِغَيْرِ رِضَا مَوْلَاهَا لِمَصْلَحَةٍ رَآهَا فِي ذَلِكَ، فَأَمَّا فِي أُمِّ الْوَلَدِ فَهَذَا قَوْلُهُمَا جَمِيعًا. وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أُمُّ الْوَلَدِ لَا تُضْمَنُ بِالْغَصْبِ، فَلَا يُعْطِيهِ الْإِمَامُ قِيمَتَهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. وَقِيلَ: بَلْ هَذَا قَوْلُهُمْ جَمِيعًا. لِأَنَّهُ إنَّمَا يُعْطِيه قِيمَتَهَا عِوَضًا عَنْ خِدْمَتِهَا لَا عَنْ رَقَبَتِهَا، كَمَا لَوْ رَضِيَ الْمَوْلَى بِأَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُ بِقِيمَتِهَا وَلَكِنْ الْأَوَّلُ أَصَحُّ، فَقَدْ ذَكَرَ بَعْدَ هَذَا أَنَّهَا لَوْ عَادَتْ إلَى أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ رَدُّوهَا عَلَيْهِ، وَأَخَذَ الْإِمَامُ مِنْهُ الْقِيمَةَ الَّتِي كَانَ أَخَذَهَا فَرَدَّهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عِوَضًا عَنْ خِدْمَتِهَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ رَدُّهَا، كَمَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، وَكَذَلِكَ قَالَ: لَا أُحِبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْهُ كُرْهًا، وَلَوْ كَانَ مَا يُعْطِيه عِوَضًا عَنْ خِدْمَتِهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَجَازَ لَهُ أَنْ يَفْعَلهُ بِغَيْرِ رِضَا الْمَوْلَى، لِمَا يَرَى فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ.\n٣١٩٧ - وَلَوْ كَانَتْ الْأَمَةُ قِنَّةً وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَلَا بَأْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُقَوِّمَهَا قِيمَةَ عَدْلٍ فَيَدْفَعُ إلَيْهِ الْقِيمَةَ وَيُفَادِي بِهِ الْمُسْلِمَ لِأَنَّ فِي امْتِنَاعِ الْمَوْلَى مِنْ الْمُفَادَاةِ بِهَا ضِرَارٌ عَظِيمٌ بِالْمُسْلِمِينَ.","vol":"1","page":1610},{"text":"٣١٩٨ - وَلِلْإِمَامِ وِلَايَةُ بَيْعِ الْمَالِ عَلَى مَالِكِهِ عِنْدَ الضَّرَرِ الْعَظِيمِ، أَمَّا عِنْدَهُمَا فَظَاهِرٌ، فَلِأَنَّهُ يَحْجُرُ عَلَى الْمَدِينِ وَيَبِيعُ عَلَيْهِ مَالَهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ صَاحِبِ الدَّيْنِ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فَإِنَّهُ يَرَى الْحَجْرَ فِيمَا يَعْظُمُ فِيهِ الضَّرَرُ بِالْمُسْلِمِينَ، وَإِذَا ثَبَتَ لِلْإِمَامِ وِلَايَةُ الْبَيْعِ عَلَيْهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَبِيعَهَا وَيَدْفَعَ إلَيْهِ ثَمَنَهَا وَبَيْنَ أَنْ يُقَوِّمَهَا وَيَدْفَعَ إلَيْهِ قِيمَتَهَا ثُمَّ يُفَادِيَ بِهَا.\n٣١٩٩ - فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ ثُمَّ وَقَعَتْ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ فَلَا سَبِيلَ لِمَوْلَاهَا عَلَيْهَا. لِأَنَّهَا خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِ مَوْلَاهَا حِينَ بَاعَهَا الْإِمَامِ عَلَيْهِ وَنَفَذَ ذَلِكَ الْبَيْعُ فِيهَا.\n٣٢٠٠ - وَلَوْ كَانَتْ الْأَمَةُ مُكَاتَبَةً لَمْ أُحِبَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُفَادِيَ بِهَا إلَّا بِرِضَاهَا وَرِضَى مَوْلَاهَا لِأَنَّ مِلْكَ الْمَوْلَى قَائِمٌ فِي رَقَبَتِهَا، وَقَدْ صَارَتْ هِيَ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا وَمَنَافِعِهَا بِسَبَبِ الْكِتَابَةِ فَيُعْتَبَرُ رِضَاهُمَا جَمِيعًا فِي الْمُفَادَاةِ بِهَا.\n٣٢٠١ - وَإِنْ أَخَذَهَا الْإِمَامُ كُرْهًا فَفَادَى بِهَا فَلَا شَيْءَ لِلْمَوْلَى عَلَى الْإِمَامِ. لِأَنَّ الْمُكَاتَبَةَ لَا تُضْمَنُ بِالْغَصْبِ فَإِنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْحُرَّةِ يَدًا وَوُجُوبُ ضَمَانِ الْغَصْبِ تَفْوِيتُ الْيَدِ.","vol":"1","page":1611},{"text":"٣٢٠٢ - ثُمَّ الْمَوْلَى مَا كَانَ لَهُ حَقٌّ فِي كَسْبِهَا وَمَنَافِعِهَا، وَبِهَذَا الْأَخْذِ مَا فَاتَ مِلْكُ الْمَوْلَى فِيهَا، فَمَتَى مَا أَخَذَهَا الْمُسْلِمُونَ رَدُّوهَا عَلَيْهِ، وَكَانَتْ مُكَاتِبَةً عَلَى حَالِهَا.\n- فَإِنْ كَانَتْ قَدْ أَدَّتْ بَدَلَ الْكِتَابَةِ فَعَتَقَتْ أَوْ كَانَ، أَعْتَقَهَا مَوْلَاهَا، فَفِي الْمُفَادَاةِ بِهَا يُعْتَبَرُ رِضَاهَا فَقَطْ. لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِلْمَوْلَى فِيهَا مِلْكٌ وَهِيَ بِالْعِتْقِ قَدْ صَارَتْ حُرَّةً ذِمِّيَّةً، لِكَوْنِهَا مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ.\n٣٢٠٤ - فَلَا يَجُوزُ الْمُفَادَاةُ بِهَا إلَّا بِرِضَاهَا، بِمَنْزِلَةِ حُرَّةٍ أَصْلِيَّةٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ حُرٍّ مِنْهُمْ إذَا طَلَبُوا مُفَادَاةَ الْأَسِيرِ بِهِ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُجِيبَهُمْ إلَى ذَلِكَ إلَّا بِرِضَاءِ الذِّمِّيِّ، فَأَمَّا الْمُسْلِمُ وَالْمُسْلِمَةُ مِنْ الْأَحْرَارِ وَالْمَمْلُوكِينَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ مُفَادَاةُ الْأَسِيرِ بِهِمْ طَابَتْ أَنْفُسُهُمْ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ تَطِبْ، وَطَابَتْ أَنْفُسُ مَوَالِيهِمْ أَوْ لَمْ تَطِبْ. لِأَنَّ خَوْفَ الْقَتْلِ عَلَى الْمُسْلِمِ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِمْ كَهُوَ عَلَى الْمُسْلِمِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُمْ، بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ فَإِنَّهُ يُوَافِقُهُمْ فِي الِاعْتِقَادِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَرْضَى بِالْمُفَادَاةِ بِهِ إلَّا إذَا كَانَ آمِنًا عَلَى نَفْسِهِ مِنْ جِهَتِهِمْ.\n٣٢٠٥ - فَإِنْ دَخَلَ حَرْبِيٌّ مِنْهُمْ إلَيْنَا بِأَمَانٍ فَطَلَبُوا مُفَادَاةَ الْأَسِيرِ بِذَلِكَ الْمُسْتَأْمَنَ، وَكَرِهَ ذَلِكَ الْمُسْتَأْمَنُ، وَقَالَ إنْ دَفَعْتُمُونِي","vol":"1","page":1612},{"text":"إلَيْهِمْ قَتَلُونِي، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَدْفَعَهُ إلَيْهِمْ، لِأَنَّهُ فِي أَمَانٍ مِنَّا فَيَكُونُ كَالذِّمِّيِّ إذَا كَرِهَ الْمُفَادَاةَ بِهِ، وَلِأَنَّا نَظْلِمُهُ فِي التَّعْرِيضِ بِقَتْلِهِ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ، وَالظُّلْمُ حَرَامٌ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ وَالذِّمِّيِّ وَالْمُسْلِمِ.\n٣٢٠٦ - وَلَكِنَّا نَقُولُ لَهُ: الْحَقْ بِبِلَادِك أَوْ حَيْثُ شِئْت مِنْ الْأَرْضِ إنْ رَضِيَ الْمُشْرِكُونَ بِهَذَا مِنَّا. لِأَنَّ لِلْإِمَامِ هَذِهِ الْوِلَايَةَ فِي حَقِّ الْمُسْتَأْمَنِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَخَافُ الْقَتْلَ عَلَى الْأَسِيرِ الْمُسْلِمِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَطَالَ الْمُقَامَ فِي دَارِنَا يَقْدَمُ إلَيْهِ فِي الْخُرُوجِ، فَعِنْدَ الْخَوْفِ عَلَى الْأَسِيرِ الْمُسْلِمِ، أَوْ عِنْدَ مُفَادَاةِ الْأَسِيرِ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ إذَا رَضُوا بِهَا أَوْلَى أَنْ تَثْبُتَ لَهُ الْوِلَايَةُ.\n٣٢٠٧ - وَإِنْ قَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ ادْفَعُوهُ إلَيْنَا، وَإِلَّا قَاتَلْنَاكُمْ وَلَيْسَ بِالْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ قُوَّةٌ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ. لِأَنَّهُ غَدْرٌ مِنَّا بِأَمَانِهِ وَذَلِكَ لَا رُخْصَةَ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالُوا: إنْ دُنِيتُمْ وَإِلَّا قَاتَلْنَاكُمْ وَلَكِنْ أَنْ يَقُولُوا لَهُ: اُخْرُجْ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ فَاذْهَبْ حَيْثُ شِئْت مِنْ أَرْضِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ قَالُوا لَهُ اُخْرُجْ إلَى كَذَا مِنْ الْمُدَّةِ وَإِلَّا دَفَعْنَاك إلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: نَعَمْ.","vol":"1","page":1613},{"text":"ثُمَّ لَمْ يَخْرُجْ فَإِنْ طَابَتْ نَفْسُهُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِمْ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ نَدْفَعَهُ، وَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ لَمْ يَنْبَغِ لَنَا أَنْ نَدْفَعَهُ إلَيْهِمْ. لِأَنَّهُ آمِنٌ فِينَا مَا لَمْ يَبْلُغْ مَأْمَنَهُ.\nفَإِنْ قِيلَ: مُقَامُهُ فِينَا إلَى مُضِيِّ الْمُدَّةِ دَلِيلُ الرِّضَاءِ بِدَفْعِهِ إلَيْهِمْ، فَيَنْبَغِي أَنْ نَجْعَلَ ذَلِكَ كَصَرِيحِ الرِّضَاءِ، كَمَا لَوْ قَالَ الْأَمِيرُ لِلْمُسْتَأْمَنِ إنْ خَرَجْت إلَى وَقْتِ كَذَا وَإِلَّا جَعَلْتُك ذِمَّةً، ثُمَّ لَمْ يَخْرُجْ فَإِنَّهُ يَجْعَلُهُ ذِمِّيًّا لِوُجُودِ دَلَالَةِ الرِّضَاءِ مِنْهُ بِهَذَا الطَّرِيقِ.\nقُلْنَا: هُوَ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّ هَذَا دَلِيلٌ مُحْتَمَلٌ فَلَا يَجُوزُ تَعْرِيضُهُ لِلْقَتْلِ بِمِثْلِ هَذَا الدَّلِيلِ، مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِالرِّضَاءِ بِرَدِّهِ عَلَيْهِمْ، فَأَمَّا صَيْرُورَتُهُ ذِمِّيًّا فَهُوَ حُكْمٌ ثَبَتَ مَعَ الشُّبْهَةِ، وَيَجُوزُ اعْتِمَادُ الدَّلِيلِ الْمُحْتَمَلِ فِي مِثْلِهِ.\n٣٢٠٩ - وَإِنْ طَلَبَ رَجُلٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ مِنْ مَلِكِهِمْ فِي بَعْضِ حُصُونِهِمْ، أَنْ يُصَالِحَهُ عَلَى أَنْ يَصِيرَ ذِمَّةً لَنَا فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ قَاتَلْنَاكُمْ وَقَتَلْنَا أُسَرَاءَكُمْ فَإِنْ كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ قُوَّةٌ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يُجِيبُهُ إلَى ذَلِكَ، وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى مَا قَالَهُ الْمُشْرِكُونَ. لِأَنَّ الذِّمَّةَ خَلْفٌ عَنْ الْإِسْلَامِ فِي الْتِزَامِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فِي الدُّنْيَا.\n٣٢١٠ - وَلَوْ رَغِبَ فِي الْإِسْلَامِ وَلَمْ يُشْكَكْ أَنَّهُ يَقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ فَكَذَلِكَ إذَا قِبَلَ عَقْدَ الذِّمَّةِ، قُلْنَا: يُقْبَلُ مِنْهُ،","vol":"1","page":1614},{"text":"وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ قُوَّةٌ وَخَافُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَلَا بَأْسَ بِأَلَّا يَقْبَلُوا ذَلِكَ مِنْهُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ يَجِبُ عَلَيْنَا نُصْرَتُهُ عِنْدَ الْخَوْفِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْعَدُوِّ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ بِهِمْ قُوَّةٌ عَلَيْهِمْ فَكَذَلِكَ إذَا طَلَبَ عَقْدَ الذِّمَّةِ وَإِنْ كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ قُوَّةٌ.\nلِأَنَّهُمْ يَخَافُونَ عَلَى قَتْلِ أُسَرَائِهِمْ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْبَلُوا ذَلِكَ مِنْهُ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَسْلَمَ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْقِيَامُ بِنُصْرَتِهِ، وَإِنْ كَانَ يُخَافُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أُسَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَتْرُكُ الْقِتَالَ مَعَهُمْ لِخَوْفِ الْقَتْلِ عَلَى أُسَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فَكَذَلِكَ لَا يَتْرُكُ الْإِجَابَةَ إلَى عَقْدِ الذِّمَّةِ لِذَلِكَ.\n٣٢١١ - فَإِنْ قَالُوا نَدْفَعُ إلَيْكُمْ أُسَرَاءَكُمْ عَلَى أَلَّا تَقْبَلُوا مِنْهُ أَنْ يَكُونَ ذِمَّةً لَكُمْ فَهَذَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَلَّا يَقْبَلَهُ مِنْهُمْ. لِأَنَّ تَخْلِيصَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ لِيَكُونُوا مُقَاتِلَةً يَذُبُّونَ عَنْ دَارِ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَكُونَ هَذَا ذِمَّةً لِلْمُسْلِمِينَ.\n٣٢١٢ - فَإِنْ أَجَابَهُمْ الْإِمَامُ إلَى ذَلِكَ فَخَلَّوْا سَبِيلَ الْأُسَرَاءِ، ثُمَّ لَمْ يَظْفَرْ الْمُشْرِكُونَ بِالْمَحْصُورِ فَسَأَلَ الْمَحْصُورُ أَنْ يَكُونَ ذِمَّةً لَنَا أَجَبْنَاهُ إلَى ذَلِكَ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الذِّمَّةَ خَلَفٌ عَنْ الْإِسْلَامِ فِي","vol":"1","page":1615},{"text":"الْتِزَام الْأَحْكَامِ بِهِ فِي الدُّنْيَا، فَإِنْ قَالَ الْمُشْرِكُونَ هَذَا مِنْكُمْ نَقْضٌ لِلْعَهْدِ الَّذِي عَاهَدْتُمُونَا عَلَيْهِ فَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَى كَلَامِهِمْ. لِأَنَّا لَا نَتَعَرَّضُ لِنُفُوسِهِمْ وَلَا لِمَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَلَكِنَّ هَذَا الْمَحْصُورَ مُمْتَنِعٌ مِنْهُمْ فَلَا يَلْزَمُنَا الِامْتِنَاعُ عَنْ قَبُولِ الذِّمَّةِ مِنْهُ بِالشَّرْطِ.\n٣٢١٣ - فَإِنْ قَالَ الْمَحْصُورُ: لَا أَكُونُ ذِمَّةً لَكُمْ، وَلَكِنْ أَمِّنُونِي حَتَّى أَخْرُجَ إلَى بِلَادِكُمْ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ بِهِ قَتَلْنَا أُسَرَاءَكُمْ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَنْظُرُ إلَى ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ مَا سَأَلَ الْمَحْصُورُ مِنْ ذَلِكَ خَيْرًا لِلْمُسْلِمِينَ أَجَابَهُ إلَى ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ لَمْ يُجِبْهُ إلَى ذَلِكَ. لِأَنَّ الْإِمَامَ نُصِّبَ نَاظِرًا، وَعَقْدُ الْأَمَانِ فِي الْأَصْلِ مَشْرُوعٌ لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَكُونُ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَلِلْإِمَامِ أَلَّا يُجِيبَهُ إلَى ذَلِكَ.\n٣٢١٤ - وَلَوْ قَالَ الْمَحْصُورُ: أُسْلِمُ وَأَنْزِلُ إلَيْكُمْ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ: إنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ قَاتَلْنَاكُمْ وَقَتَلْنَا أُسَرَاءَكُمْ فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ إجَابَةُ الْمَحْصُورِ إلَى ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ بِهِمْ عَلَيْهِمْ قُوَّةٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَأَشَارَ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا إذَا طَلَبَ أَنْ يَكُونَ ذِمَّةً لَنَا وَلَا قُوَّةَ بِنَا عَلَيْهِمْ فَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا قَالُوا: لَا فَرْقَ فِي الْحَقِيقَةِ. لِأَنَّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ إنَّمَا يَلْزَمُنَا الْقِيَامُ بِنُصْرَتِهِ","vol":"1","page":1616},{"text":"إذَا كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ عَلَى ذَلِكَ فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ ذَلِكَ. لِأَنَّ حَالَ هَذَا الْمَحْصُورِ فِيهِمْ بَعْدَ مَا أَسْلَمَ لَا يَكُونُ أَقْوَى مِنْ حَالِ أَسِيرٍ مُسْلِمٍ فِيهِمْ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْقِيَامُ بِنُصْرَةِ الْأَسِيرِ وَالْقِتَالُ لِاسْتِنْقَاذِهِ إذَا كَانَ بِنَا قُوَّةٌ عَلَى قِتَالِهِمْ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَا يَجِبُ ذَلِكَ فَهَذَا مِثْلُهُ.\nإلَّا أَنَّ إسْلَامَهُ صَحِيحٌ بِنَفْسِهِ، وَعَقْدُ الذِّمَّةِ لَا يَتِمُّ بِهِ، وَإِنَّمَا يَتِمُّ بِالْمُسْلِمِينَ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ بِهِمْ قُوَّةٌ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ لَا يَجِبُ إجَابَتُهُ إلَى ذَلِكَ، فَأَمَّا مُحَمَّدٌ - ﵀ - يُشِيرُ إلَى الْفَرْقِ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ مُفَادَاةَ الْأُسَارَى بِالْمُسْلِمِينَ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ، رَضِيَ الْمُسْلِمُونَ بِهِ أَوْ كَرِهُوا، وَالْمُفَادَاةُ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ يَجُوزُ إذَا رَضُوا بِهِ، فَكَذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ يَجُوزُ تَرْكُ الْإِجَابَةِ إلَى عَقْدِ الذِّمَّةِ إذَا لَمْ يَكُنْ بِهِمْ قُوَّةٌ عَلَى الدَّفْعِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَجُوزُ الِامْتِنَاعُ مِنْ قَبُولِ الْإِسْلَامِ مِنْهُ وَالْقِيَامِ بِنُصْرَتِهِ لِأَجْلِ ذَلِكَ.\n٣٢١٦ - وَالْعَجُوزُ الْكَبِيرَةُ الْمَأْسُورَةُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ تَجُوزُ مُفَادَاتُهَا بِالْمَالِ. لِأَنَّهُ لَا يُرْجَى لَهَا نَسْلٌ، وَلَا يُخَافُ مِنْهَا قِتَالٌ، فَلَيْسَ فِي مُفَادَاتِهَا بِالْمَالِ مَعْنَى تَقْوِيَةِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْحَالِ وَلَا فِي الثَّانِي.\n٣٢١٧ - وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ عِنْدَ حَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ إلَى الْمَالِ جَوَّزَ مُحَمَّدٌ - ﵀ - مُفَادَاةَ أُسَرَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِالْمَالِ. لِأَنَّ الْحَالَ حَالَةُ الضَّرُورَةِ.","vol":"1","page":1617},{"text":"أَلَا تَرَى أَنَّ عِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ يَجُوزُ بَيْعُ السِّلَاحِ مِنْهُمْ، فَكَذَلِكَ يَجُوزُ الْمُفَادَاةُ بِأُسَرَائِهِمْ، وَأَكْثَرُ مَشَايِخِنَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِلْحَاجَةِ إلَى الْمَالِ، فَإِنَّ فِيهِ تَرْكُ الْقَتْلِ الْمُسْتَحَقِّ حَقًّا لِلَّهِ بِالْمَالِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ كَقَتْلِ الْمُرْتَدِّ وَمَنْ عَلَيْهِ الرَّجْمُ.\nوَلِأَنَّ فِي هَذَا إظْهَارُ الْمُسْلِمِينَ لِلْمُشْرِكَيْنِ أَنَّهُمْ يُقَاتِلُونَهُمْ طَمَعًا فِي الْمَالِ.\nوَذَلِكَ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ.\n٣٢١٨ - وَإِذَا أَسَرَ الْإِمَامُ نِسَاءً وَصِبْيَانًا فَأَدْخَلَهُمْ دَارَ الْإِسْلَامِ ثُمَّ لَحِقَهُمْ آبَاؤُهُمْ وَأَبْنَاؤُهُمْ بِأَمَانٍ، فَقَالُوا: نَشْتَرِيَهُمْ مِنْكُمْ فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُبَاعُوا مِنْهُمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَلَا بَعْدَ الْقِسْمَةِ، إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ الشَّدِيدَةِ لِلْمُسْلِمِينَ إلَى الْمَالِ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ، ﵀ وَعَلَى مَا قَالَهُ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ بِحَالٍ. لِأَنَّهُ مُبَادَلَةُ السَّبْيِ بِالْمَالِ فَطَرِيقُ الْبَيْعِ فِيهِ وَطَرِيقُ الْمُفَادَاةِ سَوَاءٌ.\n٣٢١٩ - فَإِنْ قَالُوا: نَشْتَرِيهِمْ وَنُعْتِقُهُمْ وَنَتْرُكُهُمْ فِي بِلَادِكُمْ فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ. لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ إعَادَتِهِمْ إلَى دَارِ الْحَرْبِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْوِيَةِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ بِأَعْيَانِهِمْ إذَا كَثُرُوا أَوْ بِنَسْلِهِمْ وَفِي هَذَا الْفَصْلِ لَا يُوجَدُ هَذَا الْمَعْنَى.\n٣٢٢٠ - وَإِذَا كَانَ يَجُوزُ لِمَنْ وَقَعُوا فِي سَهْمِهِ أَنْ يُعْتِقَهُمْ","vol":"1","page":1618},{"text":"فَكَذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُمْ مِمَّنْ يُعْتِقُهُمْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ الْمُسْتَأْمَنِينَ\n\nوَلَوْ جَاءَ أَهْلُ الْحَرْبِ بِأُسَرَاءَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَقَالُوا: نُفَادِيهِمْ بِفُلَانٍ وَفُلَانٍ وَلَمْ يَكُنْ الَّذِينَ طَلَبُوا بِحَضْرَةِ الْأَمِيرِ وَالْمُسْلِمِينَ فَأَعْطَوْهُمْ عَهْدًا إنْ دَفَعُوا إلَيْهِمْ بِهَؤُلَاءِ الْأُسَارَى لِيَبْعَثْنَ إلَيْهِمْ بِاَلَّذِينَ طَلَبُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَاطْمَأَنُّوا إلَى الْمُسْلِمِينَ وَدَفَعُوا الْأُسَارَى إلَيْهِمْ فَالْمُسْتَحَبُّ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَفُوا بِمَا شَرَطُوا لَهُمْ إذَا دَخَلُوا دَارَ الْإِسْلَامِ. لِأَنَّهُمْ الْتَزَمُوا ذَلِكَ، وَالْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ، وَلِأَنَّهُمْ لَوْ تَرَكُوا الْوَفَاءَ بِالْمَشْرُوطِ لَمْ يَطْمَئِنُّوا إلَى الْمُسْلِمِينَ فِي مِثْلِهِ بَعْدَ هَذَا، فَرُبَّمَا يَتَضَرَّرُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ. وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ كَانُوا فِي سَعَةٍ مِنْهُ.\nلِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَخْلِيصُ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ حَصَلَ، وَحَبْسُهُمْ أُسَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ ظُلْمٌ مِنْهُمْ، فَإِنَّمَا شَرَطُوا لِأَنْفُسِهِمْ مَا شَرَطُوا بِمُقَابِلَةِ تَرْكِ الظُّلْمِ، وَذَلِكَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ اللُّزُومُ. ٣٢٢١ - وَلَكِنْ إذَا كَانَ فِي أُسَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَبِيدٌ فَبَدَا لَهُمْ فِي الْوَفَاءِ بِذَلِكَ الشَّرْطِ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَبْعَثُوا إلَيْهِمْ بِقِيَمِ الْعَبِيدِ.\nلِأَنَّهُمْ كَانُوا مُحْرِزِينَ مَالِكِينَ لَهُمْ، فَلِذَلِكَ الشَّرْطِ أَعْطَيْنَاهُمْ الْأَمَانَ فِي أَمْلَاكِهِمْ الَّذِينَ يُسَلِّمُونَهُ إلَيْنَا، وَقَدْ تَعَذَّرَ رَدُّهُمْ عَلَيْهِمْ لِإِسْلَامِ الْعَبِيدِ، فَيَجِبُ رَدُّ قِيمَتِهِمْ بِخِلَافِ الْأَحْرَارِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَمْلِكُوهُمْ بِالْأَسْرِ.","vol":"1","page":1619},{"text":"٣٢٢٢ - ثُمَّ إنْ جَاءَ مَوْلَى الْعَبِيدِ وَأَرَادَ أَخْذَهُمْ كَانَ لَهُ ذَلِكَ بِالْقِيمَةِ الَّتِي بَعَثَ بِهَا الْمُسْلِمُونَ إلَيْهِمْ، فَإِنْ أَبَى كَانُوا عَبِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّ قِيمَتَهُمْ أُدِّيَتْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَكَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ اشْتَرَوْهُمْ بِهَا لِبَيْتِ الْمَالِ.\n٣٢٢٣ - وَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ إنَّمَا افْتَدَوْا عَبْدًا أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَهُوَ حُرٌّ، حِينَ اشْتَرَوْهُ وَقَبَضُوهُ، فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقِيمَتُهُ لِلْمُشْرِكِينَ فِي بَيْتِ مَالِهِمْ. لِأَنَّ الْعَبْدَ حِينَ أَسْلَمَ فَقَدْ اسْتَحَقَّ إزَالَةَ مِلْكِ الْحَرْبِيِّ عَنْهُ.\n٣٢٢٤ - وَإِذَا تَمَّ ذَلِكَ كَانَ زَوَالًا بِالْحُرِّيَّةِ، كَمَا لَوْ خَرَجَ إلَى دَارِنَا مُرَاغَمًا، إلَّا أَنَّ تَمَامَ ذَلِكَ بِالشِّرَاءِ، وَالْقَبْضِ جَمِيعًا.\nلِأَنَّ زَوَالَ يَدِ الْحَرْبِيِّ مَا يَكُونُ بِالتَّسْلِيمِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا بَيَّنَّا فِي السِّيَرِ الصَّغِيرِ إذَا أَسْلَمَ عَبْدُ الْحَرْبِيِّ فَبَاعَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ مِنْ حَرْبِيٍّ آخَرَ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْمَأْسُورِ مِنْ دَارِنَا؛ لِأَنَّ مَا بَقِيَ فِيهِ مِنْ حَقِّ الْمَوْلَى مَرْعِيٌّ، فَلِمُرَاعَاةِ حَقِّهِ لَا يَحْكُمُ بِعِتْقِهِ، وَمِثْلُهُ لَا يُوجَدُ فِي الَّذِي أَسْلَمَ مِنْ عَبِيدِهِمْ.\n٣٢٢٥ - وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُمَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ وَالْقَبْضَ سَبَبٌ لِثُبُوتِ الْمِلْكِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْطِلًا لَلْمِلْكِ، بِخِلَافِ خُرُوجِهِ إلَيْنَا عَلَى سَبِيلِ الْمُرَاغَمَةِ.","vol":"1","page":1620},{"text":"لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِمِلْكِ نَفْسِهِ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ، وَالْمَمْلُوكُ إذْ مَلَكَ نَفْسَهُ عَلَى مَوْلَاهُ عَتَقَ، وَلِهَذَا لَوْ كَانَ خُرُوجُهُ إلَيْنَا بِأَمَانٍ لَمْ يُعْتَقْ، وَلَكِنَّهُ يُبَاعُ وَيُدْفَعُ ثَمَنُهُ إلَى مَوْلَاهُ إذَا جَاءَ يَطْلُبُهُ.\nلِأَنَّ خُرُوجَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى قَصْدِ الْمُرَاغَمَةِ، فَلَا يَتَمَلَّكُ بِهِ نَفْسَهُ عَلَى مَوْلَاهُ.\n٣٢٢٦ - فَإِنْ كَانَ الْأُسَرَاءُ الَّذِينَ كَانُوا عِنْدَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَحْرَارًا، فَأَبَى مَوَالِيهِمْ الَّذِينَ طَلَبُوهُمْ أَنْ يَبِيعُوهُمْ، فَرَأَى الْإِمَامُ أَنْ يُقَوِّمَهُمْ وَيُعْطِيَهُمْ قِيمَتَهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَيُجْبِرَهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَاجَةِ إلَى تَخْلِيصِ أُسَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَلِمَا فِي امْتِنَاعِهِمْ مِنْ الضَّرَرِ الْعَامِّ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ لِلْإِمَامِ وِلَايَةُ الْحَجَرِ عَلَى صَاحِبِ الْمَالِ فِي مِثْلِهِ.\n٣٢٢٧ - فَإِنْ كَانُوا صَارُوا مُدَبَّرِينَ أَوْ أُمَّهَاتِ أَوْلَادٍ فَأَبَى مَوَالِيهِمْ أَنْ يَفْعَلُوا، أَوْ كَانُوا. قَدْ أَسْلَمُوا فَإِنَّ الْإِمَامَ يُخْبِرُ أَهْلَ الْحَرْبِ الَّذِينَ أُخِذَ مِنْهُمْ الْأُسَرَاءُ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لِدَفْعِ أَصْحَابِكُمْ إلَيْكُمْ، فَإِنْ شِئْتُمْ دَفَعْنَا إلَيْكُمْ قِيمَتَهُمْ. لِأَنَّهُ إنَّمَا شَرَطَ لَهُمْ إعْطَاءَ عَبِيدٍ فَأَمَّا مَا كَانُوا عَبِيدَ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ تَعَذَّرَ إعْطَاؤُهُمْ فَيُعْطِيهِمْ قِيمَتَهُمْ، وَإِنَّمَا يُعْطِيهِمْ ذَلِكَ لِيَطْمَئِنُّوا إلَى الْمُسْلِمِينَ","vol":"1","page":1621},{"text":"فِي الْمُسْتَقْبِلِ، فَيَعْلَمُوا أَنَّا نَفِي بِالشَّرْطِ، وَهَذَا الْمَقْصُودُ إنَّمَا يَحْصُلُ عِنْدَ رِضَائِهِمْ، فَلِهَذَا قَدَّمَ اسْتِرْضَاءَهُمْ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ رَضُوا أَعْطَاهُمْ ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُمْ.\nلِأَنَّهُ لَوْ بَعَثَ ذَلِكَ الْمَالَ إلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرْضَوْا بِهِ كَانَ فِيهِ تَضْيِيعٌ لِذَلِكَ الْمَالِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ لَا يَحْصُلُ.\n٣٢٢٨ - وَلَوْ كَانَ مُسْلِمٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ قَهَرَ عِلْجًا فَأَخَذَهُ، فَقَالَ الْعِلْجُ صَالِحْنِي عَلَى أَنْ أُعْطِيَك مِائَةَ دِينَارٍ، فَأَفْتَدِي بِهَا نَفْسِي، عَلَى أَنْ تُخَلِّي سَبِيلِي، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ ذَلِكَ دُونَ الْأَمِيرِ.\nلِأَنَّ الْمَأْخُوذَ صَارَ أَسِيرًا وَلِلْإِمَامِ رَأْيٌ فِي الْأُسَرَاءِ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ أَنْ يَفْتَاتَ عَلَى رَأْيِ الْإِمَامِ.\n٣٢٢٩ - فَإِنْ فَعَلَ الْمُسْلِمُ ذَلِكَ بِهِ فَأَخْرَجَ لَهُ مِائَةَ دِينَارٍ كَانَتْ مَعَهُ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَأْخُذَ الدَّنَانِيرَ وَلَا يُخَلِّي سَبِيلَهُ. لِأَنَّ الدَّنَانِيرَ الَّتِي كَانَتْ مَعَهُ صَارَتْ مَأْخُوذَةً بِأَخْذِهِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفَادِيَ بَعْضَ الْغَنِيمَةِ بِالْبَعْضِ، وَلَكِنَّهُ يَأْتِي بِذَلِكَ كُلِّهِ إلَى الْأَمِيرِ.\n٣٢٣٠ - وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الدَّنَانِيرُ مَعَ الْعِلْجِ، وَلَكِنَّهُ انْتَهَى إلَى حِصْنٍ مُمْتَنِعٍ فَأَخَذَ مِنْ أَهْلِهِ مِائَةَ دِينَارٍ، بِطَرِيقِ الِاسْتِقْرَاضِ","vol":"1","page":1622},{"text":"أَوْ الْعَطِيَّةِ، فَالْأَفْضَلُ بِالْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرُدُّوا الدَّنَانِيرَ عَلَى مَنْ أَعْطَاهَا إيَّاهُ، سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ مَالِ الْعِلْجِ أَوْ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ. لِأَنَّ هَذِهِ الدَّنَانِيرَ مَا صَارَتْ مَأْخُوذَةً بِأَخْذِ الْعِلْجِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مَعَهُ، وَإِنَّمَا صَارَتْ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ بِطَرِيقِ الْأَمَانِ بِالصُّلْحِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَ الْعِلْجِ فَيَفْتَاتَ عَلَى رَأْيِ الْإِمَامِ فِي ذَلِكَ.\n٣٢٣١ - وَإِذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْمَجِيءُ بِهَا جَمِيعًا شَرْعًا كَانَ عَلَيْهِ رَدُّ الدَّنَانِيرِ وَالْمَجِيءُ بِالْعِلْجِ إلَى الْأَمِير، بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، وَهُنَاكَ أَخَذَهُمَا جَمِيعًا بِالْقَهْرِ، فَيَتَمَكَّنُ شَرْعًا مِنْ الْمَجِيءِ بِهِمَا، فَإِنْ أَخَذَ الدَّنَانِيرَ وَأَطْلَقَ الْعِلْجَ ثُمَّ جَاءَ بِهَا إلَى الْأَمِيرِ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْأَمِيرِ أَنْ يَتَقَدَّمَ بِالنَّهْيِ إلَيْهِ عَنْ مِثْلِ هَذَا الصَّنِيعِ فِي الْمُسْتَقْبِلِ، وَلَا يُعَاقِبَهُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ عَنْ جَهْلٍ مِنْهُ فَيَعْذِرُهُ عَمَلًا بِقَوْلِهِ - ﵌ -: «أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ»، وَيَأْخُذُ الدَّنَانِيرَ فَيَجْعَلُهَا فِي غَنِيمَةِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ تَوَصَّلَ إلَيْهَا بِمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَبِسَبَبٍ كَانَ أَصْلُهُ قَهْرًا.\n٣٢٣٢ - فَإِنْ ظَفِرَ عَسْكَرٌ آخَرُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ الْعِلْجِ، وَأَخْرَجُوهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ زَمَانٍ، وَقَالَ أَهْلُ الْعَسْكَرِ الْأَوَّلِ: نَحْنُ أَحَقُّ بِهِ لِأَنَّ صَاحِبَنَا كَانَ أَخَذَهُ ثُمَّ أَطْلَقَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.","vol":"1","page":1623},{"text":"لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْمَأْخُوذِ لَا يَتَأَكَّدُ قَبْلَ الْإِحْرَازِ، وَالْإِحْرَازُ فِيهِ وُجِدَ مِنْ الْعَسْكَرِ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ.\n٣٢٣٣ - وَإِنْ قَالَ الْعِلْجُ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ الثَّانِي: لَا سَبِيلَ لَكُمْ عَلَيَّ؛ لِأَنَّ صَاحِبَكُمْ فُلَانًا قَدْ أَمَّنَنِي وَأَطْلَقَنِي، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ بَلَغَ مَأْمَنَهُ، وَانْتَهَى مَا كَانَ لَهُ مِنْ الْأَمَانِ مِنْ الَّذِي كَانَ أَخَذَهُ أَوَّلًا أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَمِيرَ نَفْسَهُ لَوْ كَانَ فَادَاهُ أُسَرَاءُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَرَأَى أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِ أَوْ أَنْ يَفْدِيَهُ بِمَالٍ وَخَلَّى سَبِيلَهُ حَتَّى عَادَ إلَى مَأْمَنِهِ، ثُمَّ أَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ فَيْئًا؟\nوَهَذَا؛ لِأَنَّ الْأَمِيرَ إنَّمَا صَالَحَهُ بِالْمُفَادَاةِ عَلَى أَنْ يَكُونَ آمِنًا حَتَّى يَصِلَ إلَى مَأْمَنِهِ، لَا عَلَى أَنْ يَكُونَ آمِنًا فِي بِلَادِهِ، فَمَا لَمْ يَصِلْ إلَى بِلَادِهِ فَهُوَ فِي أَمَانٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَمَّا بَعْدَ مَا بَلَغَ مَأْمَنَهُ فَلَا أَمَانَ لَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانَ أَصَابَهُ الْمُسْلِمُونَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ مَأْمَنَهُ فَأَخَذُوهُ، فَالْأَمِيرُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَجَازَ الصُّلْحَ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ، وَخَلَّى سَبِيلَهُ، وَمَا أُحِبُّ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، لِمَا فِيهِ مِنْ مُفَادَاةِ الْأَسِيرِ بِالْمَالِ، وَإِنْ شَاءَ جَعَلَهُ فَيْئًا وَرَدَّ الدَّنَانِيرَ عَلَى أَهْلِ الْحِصْنِ، الَّذِينَ أُخِذَتْ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ مَا لَمْ يَبْلُغْ مَأْمَنَهُ فَحَالُهُ فِي مَعْنَى حَالِهِ فِي وَقْتِ الصُّلْحِ، وَلَوْ عِلْمَ الْإِمَامُ بِحَالِهِ وَقْتَ الصُّلْحِ كَانَ لَهُ الْخِيَارُ فِيهِ، كَمَا بَيَّنَّا فَهَذَا مِثْلُهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":1624},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>[بَابُ فِدَاءِ الْأُسَرَاءِ مِنْ الْأَحْرَارِ وَالْمَمْلُوكِينَ بِالْمَالِ]</span>\n٣٢٣٤ - وَإِذَا أُسِرَ الْحُرُّ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَقَالَ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ مُسْتَأْمَنٍ فِيهِمْ: افْتَدِنِي مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، أَوْ اشْتَرِنِي مِنْهُمْ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَأَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ حُرٌّ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ.\nلِأَنَّ فِعْلَ الْمَأْمُورِ بِأَمْرِهِ كَفِعْلِ الْآمِرِ بِنَفْسِهِ. وَهَذَا لِأَنَّ الْحُرَّ لَا يَمْلِكُ بِالْأَسْرِ وَلَا بِالشِّرَاءِ، وَالْمَالُ الَّذِي فَدَاهُ بِهِ الْمَأْمُورُ دَيْنٌ لَهُ عَلَى الْآمِرِ، لِأَنَّهُ أَحْيَاهُ بِمَا أَدَّى مِنْ الْمَالِ حُكْمًا، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَمَرَ مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ رَجُلًا أَنْ يُصَالِحَ أَوْلِيَاءَ الدَّمِ عَلَى مَالٍ وَيُعْطِيهِ.\n٣٢٣٥ - يُوَضِّحُهُ: أَنَّ أَمْرَهُ بِأَدَاءِ الْفِدَاءِ مُحْتَمَلٌ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ التَّصَدُّقِ بِهِ عَلَى الْأَسِيرِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ الْإِقْرَاضِ لِلْأَسِيرِ، فَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِهِ أَدْنَى الْأَمْرَيْنِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَيُجْعَلُ ذَلِكَ اسْتِقْرَاضًا مِنْ الْأَسِيرِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ مَا أَدَّى فِي فِدَائِهِ إلَى مِقْدَارِ الدِّيَةِ دُونَ الزِّيَادَةِ.","vol":"1","page":1625},{"text":"٣٢٣٦ - فَإِنْ كَانَ فِدَاهُ بِأَكْثَرَ مِنْ الدِّيَةِ فَإِنَّمَا يَرْجِعُ عَلَى الْأَسِيرِ بِقَدْرِ الدِّيَةِ دُونَ الزِّيَادَةِ، وَقِيلَ يَنْبَغِي عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ مَا أَدَّى قَلَّ ذَلِكَ أَوْ كَثُرَ.\nلِأَنَّهُ يُرَاعِي مُطْلَقَ الْأَمْرِ فِي الْوَكَالَاتِ.\n٣٢٣٧ - وَالْأَصَحُّ أَنَّ هَذَا قَوْلُهُمْ جَمِيعًا.\nلِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِتَوْكِيلٍ بِالْمُبَادَلَةِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَمِنْ حَيْثُ الصُّورَةِ، وَإِنْ كَانَ فَهُوَ تَوْكِيلٌ بِالشِّرَاءِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَقُولُ فِي التَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ لَا يُخَالِفُهُمَا أَنَّهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ تَنْفِيذٌ بِالشِّرَاءِ بِالْقِيمَةِ وَقِيمَةُ الْحُرِّ قَدْرُ دِيَتِهِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ مُطْلَقَ الْأَمْرِ أَنْ يُلْزِمَهُ بِالْفِدَاءِ مِقْدَارَ الدِّيَةِ دُونَ الزِّيَادَةِ عَلَى ذَلِكَ، فَإِذَا فَدَاهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ كَانَ هُوَ فِي الزِّيَادَةِ كَالْمُتَبَرِّعِ بِالْفِدَاءِ عَنْهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، فَإِنَّمَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقَدْرِ الدِّيَةِ دُونَ الزِّيَادَةِ.\nفَإِنْ قِيلَ: إنْ كَانَ هُوَ فِي هَذَا الْعَقْدِ مُمْتَثِلًا لِأَمْرِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ مَا فَدَاهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِأَمْرِهِ فَيَنْبَغِي أَلَّا يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ كَالْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ إذَا خَالَفَ وَاشْتَرَى بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْمَبِيعِ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ.\nقُلْنَا: هَذَا إنَّمَا يَسْتَقِيمُ لَوْ كَانَ هَذَا الْعَقْدُ مُعَاوَضَةً عَلَى سَبِيلِ الْمُبَادَلَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَالْحُرُّ الْمُسْلِمُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِذَلِكَ وَإِنَّمَا كَانَ الْآمِرُ مُسْتَقْرِضًا مِنْ الْمَأْمُورِ مِقْدَارَ دِيَتِهِ أَوْ دُونَ ذَلِكَ وَآمِرًا لَهُ أَنْ يَصْرِفَ ذَلِكَ فِي فِدَائِهِ، فَهُوَ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ يَكُونُ مُقْرِضًا إيَّاهُ، وَفِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ يَكُونُ مُتَبَرِّعًا بِهِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا أَقْرَضَهُ دُونَ مَا تَبَرَّعَ بِهِ.","vol":"1","page":1626},{"text":"٣٢٣٨ - وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ الْمَأْسُورُ قَالَ لَهُ: افْتَدِنِي مِنْهُمْ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ الْمَأْمُورُ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى زَادَ فَإِنَّمَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْأَلْفِ خَاصَّةً.\nلِأَنَّ الرُّجُوعَ بِحُكْمِ الِاسْتِقْرَاضِ، وَذَلِكَ فِي الْأَلْفِ خَاصَّةً وَهَذَا بِخِلَافِ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ بِالشِّرَاءِ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَمَلِّكِ، ثُمَّ الْمُمَلَّكُ مِنْ الْآمِرِ يَرْجِعُ بِمَا يَمْلِكُ بِهِ، وَعِنْدَ الْخِلَافِ لَا يَتَحَقَّقُ التَّمْلِيكُ مِنْهُ فِي شَيْءٍ، فَلِهَذَا لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ الثَّمَنِ.\n٣٢٣٩ - وَلَوْ كَانَ الْمَأْسُورُ قَالَ لِلْمَأْمُورِ: افْتَدِنِي مِنْهُمْ بِمَا رَأَيْت أَوْ بِمَا شِئْت أَوْ أَمْرُك جَائِزٌ فِيمَا تَفْتَدِينِي بِهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا فَدَاهُ بِهِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ.\nلِأَنَّهُ صَرَّحَ بِالتَّعْمِيمِ فِي التَّفْوِيضِ، فَكَانَ مُمْتَثِلًا أَمْرَهُ فِي جَمِيعِ مَا فَدَاهُ بِهِ قَلَّ ذَلِكَ أَوْ كَثُرَ.\n٣٢٤٠ - فَإِنْ كَانَ الْمَأْسُورُ مُكَاتَبًا فَيَأْمُرُ الْمَأْمُورَ بِأَنْ يَفْدِيَهُ بِمَالٍ، فَذَلِكَ جَائِزٌ فَيَأْخُذُ بِهِ الْمُكَاتَبَ فِي الْحَالِ.\nلِأَنَّ فِي فِدَائِهِ بِالْمَالِ إحْيَاءً لَهُ حُكْمًا.\n٣٢٤١ - وَلَهُ أَنْ يَلْتَزِمَ الْمَالَ فِي مِثْلِهِ فِي الْحَالِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا صَالَحَ عَنْ قِصَاصٍ عَلَيْهِ عَلَى مَالٍ، أَوْ أَمَرَ","vol":"1","page":1627},{"text":"غَيْرَهُ بِهِ، كَانَ مَأْخُوذًا بِهِ فِي الْحَالِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ أَحَقُّ بِكَسْبِهِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى حَاجَتِهِ وَيَكُونُ هُوَ فِي ذَلِكَ كَالْحُرِّ كَمَا فِي نَفَقَتِهِ.\n٣٢٤٢ - فَإِنْ عَجَزَ قَبْلَ أَدَاءِ الْفِدَاءِ فَرُدَّ فِي الرِّقِّ بِيعَ فِي ذَلِكَ الْفِدَاءُ، لِأَنَّهُ دَيْنٌ ظَهَرَ وُجُوبُهُ فِي حَقِّ مَوْلَاهُ، فَيُبَاعُ فِيهِ بَعْدَ الْعَجْزِ إلَّا أَنْ يَقْضِيَ الْمَوْلَى عَنْهُ الدَّيْنَ بَعْدَ الْعَجْزِ.\n٣٢٤٣ - وَقِيمَةُ الْمُكَاتَبِ فِي هَذَا الْفَصْلِ بِمَنْزِلَةِ الدِّيَةِ فِي فَصْلِ الْحُرِّ.\nلِأَنَّ بَدَلَ نَفْسِهِ قِيمَتُهُ، يَظْهَرُ ذَلِكَ بِالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ. إلَّا أَنَّ فَرْقَ مَا بَيْنَهُمَا أَنَّ مِقْدَارَ الدِّيَةِ مَعْلُومٌ بِالنَّصِّ فَلَا يَلْزَمُهُ زِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ، قَلَّتْ الزِّيَادَةُ أَوْ كَثُرَتْ، وَالْقِيمَةُ تُعْرَفُ بِالْحَزْرِ وَالظَّنِّ، فَإِنْ فَدَاهُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ بِقَدْرِ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ رَجَعَ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُ لَا يَتَيَقَّنُ بِالزِّيَادَةِ هَا هُنَا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ بِقَدْرِ مَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ.\n٣٢٤٤ - وَلَوْ كَانَ الْمُكَاتَبُ قَالَ: افْتَدِنِي مِنْهُمْ بِخَمْسِمِائَةٍ، وَقِيمَتُهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَفَدَاهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ أَوْ أَكْثَرَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمُكَاتَبِ إلَّا بِخَمْسِمِائَةٍ.\nلِأَنَّهُ اسْتَقْرَضَ مِنْهُ مَالًا مُسَمًّى، فَإِنَّمَا يَكُونُ هُوَ مُقْرِضًا فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ","vol":"1","page":1628},{"text":"فَيَكُونُ مُتَبَرِّعًا فِي الزِّيَادَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَاعْتِبَارُ الْقِيمَةِ عِنْدَ عَدَمِ التَّصْرِيحِ بِمِقْدَارِ مَا اسْتَقْرَضَ مِنْهُ، فَأَمَّا عِنْدَ التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ فَلَا مُعْتَبَرَ بِالْقِيمَةِ.\n٣٢٤٥ - وَلَوْ كَانَ قَالَ افْتَدِنِي مِنْهُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ، فَفِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، ذَلِكَ كُلُّهُ لَازِمٌ لِلْمَكَاتِبِ فِي مُكَاتَبَتِهِ، وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّمَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْعِتْقِ بِمِقْدَارِ قِيمَتِهِ فَقَطْ، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّمَا يُطَالِبُهُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَصْلٍ مَعْرُوفٍ أَنَّ الْمُكَاتَبَ وَالْمَأْذُونَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ، عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّه تَعَالَى لَا يَمْلِكَانِ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ، فَكَذَلِكَ فِي الْأَمْرِ بِالْمُفَادَاةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ، فَيَرْجِعُ الْمَأْمُورُ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ الْمُسَمَّى.\nلِأَنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَقْرِضًا مِنْهُ ذَلِكَ الْقَدْرَ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمهمَا اللَّه تَعَالَى هُوَ لَا يَمْلِكُ الْبَيْعَ بِالْمُحَابَاةِ الْفَاحِشَةِ، كَمَا لَا يَمْلِكُ الْهِبَةَ، فَيَكُونُ أَمْرُهُ فِي مِقْدَارِ قِيمَتِهِ صَحِيحًا مُعْتَبَرًا فِي حَالَةِ الرِّقِّ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْهِبَةِ أَوْ الْكَفَالَةِ مِنْهُ، وَالْمُكَاتَبُ لَا يُؤْخَذُ بِضَمَانِ الْكَفَالَةِ حَتَّى يُعْتَقَ فَهَا هُنَا لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ الْمَأْمُورُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى مِقْدَارِ قِيمَتِهِ حَتَّى يُعْتَقَ أَيْضًا. وَلَوْ","vol":"1","page":1629},{"text":"كَانَ إنَّمَا فَدَى الْحُرَّ أَوْ الْمُكَاتَبَ بِغَيْرِ أَمْرِهِمَا فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حَالِهِ كَمَا كَانَ فَلَا يَرْجِعُ الْفَادِي عَلَيْهِمَا بِشَيْءٍ.\nلِأَنَّهُمَا لَمْ يُمْلَكَا بِالْأَسْرِ وَالْفَادِي مُتَطَوِّعٌ فِي الْفِدَاءِ.\n٣٢٤٦ - وَإِنْ كَانَ الْمَأْسُورُ مُدَبَّرًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ مَأْذُونٍ أَوْ مَحْجُورٍ فَأَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَفْدِيَهُ مِنْ الْعَدُوِّ بِمَالٍ فَفَدَاهُ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ أَوْ أَكْثَرَ فَعَلَيْهِ رَدُّهُ عَلَى مَوْلَاهُ.\nلِأَنَّ الْمُدَبَّرَ وَأُمَّ الْوَلَدِ لَا يُمْلَكَانِ بِالْأَسْرِ.\n٣٢٤٧ - ثُمَّ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِمَا بِشَيْءٍ مِنْ الْفِدَاءِ حَتَّى يُعْتَقَا أَمَّا إذَا كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِمَا فَغَيْرُ مُشْكِلٍ.\nلِأَنَّهُ لَا مُعْتَبَرَ بِأَمْرِهِمَا فِي حَقِّ مَوْلَاهُمَا.\n٣٢٤٨ - وَإِنْ كَانَا مَأْذُونًا لَهُمَا فَقَدْ بَطَلَ حُكْمُ ذَلِكَ الْإِذْنِ بِالْخُرُوجِ مِنْ يَدِ مَوْلَاهُ إلَى يَدٍ أُخْرَى قَاهِرَةٍ كَمَا يَبْطُلُ بِالْإِبَاقِ.\nلِأَنَّ فِدَاءَ النَّفْسِ بِالْمَالِ بِمَنْزِلَةِ الصُّلْحِ عَنْ الْقِصَاصِ عَلَى مَالٍ، وَالْمَأْذُونُ فِي ذَلِكَ وَالْمَحْجُورُ سَوَاءٌ لَا يُؤْخَذُ بِبَدَلِ الصُّلْحِ إلَّا بَعْدَ الْعِتْقِ، فَكَذَلِكَ الْفِدَاءُ فَإِذَا أُعْتِقَ يَرْجِعُ الْفَادِي عَلَيْهِمَا بِمَا فَدَاهُمَا بِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِدَاهُمَا بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِمَا بِقَدْرِ مَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ، فَحِينَئِذٍ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِمَا بِالْفَضْلِ.\nلِأَنَّ اعْتِبَارَ أَمْرِهِمَا فِي حَقِّهِمَا كَاعْتِبَارِ أَمْرِ الْمُكَاتَبِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَتَقَدَّرُ بِالْقِيمَةِ وَهَذَا مِثْلُهُ.","vol":"1","page":1630},{"text":"وَلَوْ كَانَ الْمَوْلَى هُوَ الَّذِي أَمَرَ هَذَا الْمُسْتَأْمَنَ أَنْ يَفْدِيَهُمَا أَوْ يَشْتَرِيَهُمَا فَقَالَ: اشْتَرِهِمَا أَوْ افْتَدِهِمَا وَلَمْ يَقُلْ: لِي، فَإِنْ افْتَدَاهُمَا بِمِثْلِ الْقِيمَةِ أَوْ بِزِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ يَرْجِعُ عَلَى الْمَوْلَى بِجَمِيعِ ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُمَا بَاقِيَانِ عَلَى مِلْكِ الْمَوْلَى، وَأَمَرَ الْمَوْلَى إيَّاهُ بِأَنْ يَفْدِيَ مِلْكَهُ يَكُونُ اسْتِقْرَاضًا مِنْهُ لِلْمَالِ، بِمَنْزِلَةِ أَمْرِ الْحُرِّ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، هَذَا لِأَنَّ الْفِدَاءَ بَعْدَ الْأَسْرِ بِمَنْزِلَةِ الصُّلْحِ عَنْ الْقِصَاصِ، وَأَمْرُ الْمَوْلَى بِذَلِكَ مُعْتَبَرٌ فِي حَيَاةِ مُدَبَّرِهِ وَأُمِّ وَلَدِهِ، سَوَاءٌ أَضَافَ ذَلِكَ إلَى نَفْسِهِ أَوْ لَمْ يُضِفْ.\n٣٢٥٠ - فَإِنْ اخْتَلَفَ الْآمِرُ وَالْمَأْمُورُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْفُصُولِ الَّتِي ذَكَرْنَا فَقَالَ الْآمِرُ: أَمَرْتُك أَنْ تَفْدِيَنِي بِكَذَا، وَقَالَ الْمَأْمُورُ بَلْ أَمَرَتْنِي بِكَذَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآمِرِ مَعَ يَمِينِهِ.\nلِأَنَّ الْآمِرَ يُسْتَفَادُ مِنْ جِهَتِهِ، وَلَوْ أَنْكَرَهُ أَصْلًا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَكَذَلِكَ إذَا أَقَرَّ بِهِ فِي مِقْدَارٍ دُونَ مِقْدَارٍ.\n٣٢٥١ - وَلَوْ قَالَ الْآمِرُ قَدْ أَمَرْتُك أَنْ تَفْدِيَنِي بِمَا ذَكَرْت، وَلَكِنَّك إنَّمَا فَدَيْتنِي بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآمِرِ أَيْضًا.\nلِأَنَّهُ مُسْتَقْرِضٌ لِلْمَالِ مِنْ الْمَأْمُورِ، فَإِنَّمَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمَا فِي مِقْدَارِ مَا أَقْرَضَهُ إيَّاهُ، فَالْمُقْرِضُ يَدَّعِي الزِّيَادَةَ عَلَيْهِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُثْبِتَهُ بِالْبَيِّنَةِ، وَالْمُسْتَقْرِضُ مُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ.\n٣٢٥٢ - وَلَوْ أَنَّ مَوْلَى الْمُكَاتَبِ الْمَأْسُورِ قَالَ لِرَجُلٍ: اشْتَرِهِ لِي","vol":"1","page":1631},{"text":"أَوْ افْتَدِهِ لِي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، أَوْ قَالَ: افْتَدِهِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِي فَفَعَلَ ذَلِكَ يَرْجِعُ بِالْفِدَاءِ عَلَى الْآمِرِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى الْمُكَاتَبِ شَيْءٌ.\nلِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ الْمُكَاتَبُ بِشَيْءٍ، وَالْآمِرُ حِينَ أَضَافَ الْعَقْدَ أَوْ الْمَالَ إلَى نَفْسِهِ فَقَدْ جَعَلَ نَفْسَهُ ضَامِنًا لِذَلِكَ الْمَالِ، بِمَنْزِلَةِ الْفُضُولِيِّ فِي الْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ الْقِصَاصِ عَلَى مَالٍ بِالْإِضَافَةِ إلَى نَفْسِهِ، يُجْعَلُ ضَامِنًا لِلْمَالِ فَهَذَا مِثْلُهُ.\n٣٢٥٣ - وَإِنْ لَمْ يَقُلْ لِي وَلَكِنْ قَالَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَإِنْ كَانَ الْمَأْمُورُ خَلِيطًا لِلْآمِرِ فِي الْمُعَامَلَاتِ فَكَذَا الْآمِرُ.\nلِأَنَّ الْخُلْطَةَ الْقَائِمَةَ بَيْنَهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْإِضَافَةِ إلَى نَفْسِهِ أَوْ أَقْوَى مِنْهُ فِي حُصُولِ مَعْنَى الِاسْتِقْرَاضِ بِهِ.\n٣٢٥٤ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا خُلْطَةٌ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ فِي الْفِدَاءِ.\nلِأَنَّهُ أَشَارَ إلَيْهِ بِأَنْ يَكْتَسِبَ سَبَبَ اصْطِنَاعِ الْمَعْرُوفِ وَلَمْ يَضْمَنْ لَهُ شَيْئًا وَلَا أَشَارَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ.\n٣٢٥٥ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْمَأْسُورُ حُرًّا أَوْ حُرَّةً وَالْآمِرُ زَوْجُهَا أَوْ بَعْضُ قَرَابَتِهَا أَوْ أَجْنَبِيٌّ، فَعِنْدَ إضَافَةِ الْعَقْدِ أَوْ الْمَالِ إلَى نَفْسِهِ يَصِيرُ ضَامِنًا لِلْمَالِ، وَعِنْدَ عَدَمِ الْإِضَافَةِ إنْ كَانَ الْمَأْسُورُ","vol":"1","page":1632},{"text":"خَلِيطًا لَهُ فَكَذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَلِيطًا لَهُ فَهُوَ مُشِيرٌ عَلَيْهِ بِمَشُورَةٍ فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ.\n٣٢٥٦ - وَإِنْ كَانَ الْمَأْسُورُ صَغِيرًا فَقَالَ أَبُوهُ لِرَجُلٍ: افْتَدِهِ لِي أَوْ مِنْ مَالِي رَجَعَ الْمَأْمُورُ بِالْفِدَاءِ عَلَى هَذَا الْوَالِدِ.\nلِأَنَّهُ ضَمِنَ لَهُ ذَلِكَ.\n٣٢٥٧ - ثُمَّ لَا يَرْجِعُ بِهِ الْوَالِدُ فِي مَالِ الْوَلَدِ اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْقِيَاسِ يَرْجِعُ لِقِيَامِ وِلَايَتِهِ عَلَيْهِ، وَهَذَا نَظِيرُ الْقِيَاسِ، وَالِاسْتِحْسَانُ فِيمَا إذَا زَوَّجَ الْأَبُ ابْنَهُ امْرَأَةً وَضَمِنَ الصَّدَاقَ وَأَدَّاهُ مِنْ مَالِهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ فِيهِ عَلَى وَلَدِهِ فِي الْقِيَاسِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا يَرْجِعُ.\nلِأَنَّ الْعَادَةَ الظَّاهِرَةَ أَنَّ الْآبَاءَ بِمِثْلِ هَذَا يَتَبَرَّعُونَ، وَفِي الرُّجُوعِ لَا يَطْمَعُونَ، فَكَذَلِكَ فِي الْفِدَاءِ.\n٣٢٥٨ - فَإِنْ لَمْ يَرُدَّهُ الْوَالِدُ حَتَّى يَمُوتَ كَانَ ذَلِكَ دَيْنًا فِي تَرِكَتِهِ بِاعْتِبَارِ ضَمَانِهِ لِذَلِكَ.\nوَلَكِنْ يَرْجِعُ بِهِ الْوَرَثَةُ فِي مَالِ الْوَلَدِ عَلَى قِيَاسِ الصَّدَاقِ، إذَا ضَمِنَهُ فَمَاتَ قَبْلَ أَدَائِهِ فَأَخَذَ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَالْمَعْنَى فِيهِمَا أَنَّ هَذَا الضَّمَانَ بِطَرِيقِ الصِّلَةِ مِنْهُ لِوَلَدِهِ، وَتَمَامُ الصِّلَةِ بِالْقَبْضِ، فَإِذَا مَاتَ قَبْلَ الْأَدَاءِ لَوْ نَفَيْنَا مَعْنَى الصِّلَةِ كَانَ ذَلِكَ وَصِيَّةً، وَلَا وَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ.","vol":"1","page":1633},{"text":"٣٢٥٩ - وَإِنْ كَانَ الْوَالِدُ حِينَ أَدَّاهُ فِي حَيَاتِهِ أَشْهَدَ أَنَّهُ يُؤَدِّيهِ لِيَرْجِعَ بِهِ عَلَى ابْنِهِ فَكَذَلِكَ لَهُ فِي الصَّدَاقِ.\nوَهَذَا لِأَنَّ الْعُرْفَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ عِنْدَ عَدَمِ التَّصْرِيحِ بِخِلَافِهِ.\n٣٢٦٠ - وَإِنْ كَانَ قَالَ لِلْمَأْمُورِ: افْتَدِهِ، وَلَمْ يَقُلْ: لِي، فَإِنْ كَانَ الْمَأْمُورُ خَلِيطًا لَهُ فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ.\nلِأَنَّ الْخُلْطَةَ الْقَائِمَةَ بَيْنَهُمَا دَلِيلُ الِاسْتِقْرَاضِ بِمَنْزِلَةِ إضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى نَفْسِهِ.\n٣٢٦١ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَلِيطًا لَهُ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا لِلَّذِي فَدَى عَلَى الْغُلَامِ بِبَيْعِهِ بِهِ وَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الْأَبِ.\nلِأَنَّ أَمْرَ الْأَبِ جَائِزٌ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ فَكَذَلِكَ مُبَاشَرَةُ أَمْرِ الْمَأْسُورِ بِنَفْسِهِ لَوْ كَانَ بَالِغًا وَلَا رُجُوعَ عَلَى الْوَالِدِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُعَبِّرًا عَنْ الْوَلَدِ لَا ضَامِنًا شَيْئًا حِينَ أَطْلَقَ الْأَمْرَ بِالْفِدَاءِ، وَهُوَ نَظِيرُ النِّكَاحِ إذَا قَبِلَ الْأَبُ الْعَقْدَ عَلَى وَلَدِهِ الصَّغِيرِ، فَإِنَّ الصَّدَاقَ يَجِبُ عَلَى الْوَلَدِ دُونَ الْأَبِ فَهَذَا قِيَاسُهُ.\n٣٢٦٢ - وَلَوْ كَانَ الْمَأْسُورُ وَكَّلَ رَجُلًا بِأَنْ يَأْمُرَ الْمُسْتَأْمَنَ حَتَّى يَفْدِيَهُ مِنْ الْعَدُوِّ وَقَالَ الْوَكِيلُ لِلْمُسْتَأْمَنِ: افْتَدِهِ لِي مِنْ الْعَدُوِّ أَوْ قَالَ: مِنْ مَالِي فَفَعَلَ ذَلِكَ، كَانَ الْفِدَاءُ لِلْمَأْمُورِ عَلَى الْوَكِيلِ خَاصَّةً.\nلِأَنَّهُ بِإِضَافَةِ الْعَقْدِ أَوْ الْمَالِ إلَى نَفْسِهِ صَارَ مُلْتَزِمًا الْمَالَ لِلْمَأْسُورِ بِمَنْزِلَةِ","vol":"1","page":1634},{"text":"الْمُسْتَقْرِضِ مِنْهُ، فَيَكُونُ رُجُوعُهُ عَلَيْهِ، وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْمَأْسُورِ؛ لِأَنَّهُ مَا جَرَى بَيْنَهُمَا مُعَامَلَةٌ، وَلَكِنَّ الْوَكِيلَ هُوَ الَّذِي يَرْجِعُ عَلَى الْمَأْسُورِ.\n٣٢٦٣ - وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَقُلْ لِي، وَلَكِنَّ الْمَأْمُورَ كَانَ خَلِيطًا لِلْوَكِيلِ؛ لِأَنَّ قِيَامَ الْخُلْطَةِ بَيْنَهُمَا بِمَنْزِلَةِ إضَافَةِ الْعَقْدِ أَوْ الْمَالِ نَفْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا خُلْطَةٌ فَلَا شَيْءَ لِلْمَأْمُورِ عَلَى الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهُ مُعَبِّرٌ عَنْ الْمُوَكِّلِ بِإِضَافَةِ الْعَقْدِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: افْتَدِهِ فُلَانًا.\n٣٢٦٤ - وَالْمُعَبِّرُ لَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ الْمَالِ شَيْءٌ وَلَكِنَّ الْمَالَ لِلْمَأْمُورِ عَلَى الْمَأْسُورِ.\nلِأَنَّ عِبَارَةَ وَكِيلِهِ قَائِمَةٌ مَقَامَ عِبَارَتِهِ فَكَأَنَّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ بِنَفْسِهِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ مَتَى كَانَ عَاقِدًا بِالْإِضَافَةِ إلَى نَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ الْمَأْسُورُ عَاقِدًا مَعَ الْمَأْمُورِ، مَتَى كَانَ الْوَكِيلُ مُعَبِّرًا كَانَ الْمَأْسُورُ هُوَ الْعَاقِدُ.\n٣٢٦٥ - وَإِنَّمَا نَظِيرُهُ الْوَكِيلُ بِالْخُلْعِ مِنْ جِهَةِ الْمَرْأَةِ إذَا ضَمِنَ الْمَالَ، فَإِنَّ رُجُوعَ الزَّوْجِ يَكُونُ عَلَى الْوَكِيلِ خَاصَّةً دُونَ الْمَرْأَةِ، وَإِذَا لَمْ يَضْمَنْ الْمَالَ كَانَ رُجُوعُهُ عَلَى الْمَرْأَةِ دُونَ الْوَكِيلِ، لِلْمَعْنَى الَّذِي قُلْنَا، فَإِنْ كَانَ الْمَأْسُورُ عَبْدًا أَوْ أَمَةً فَأَمَرَ مُسْتَأْمَنًا فِيهِمْ أَنْ يَشْتَرِيَهُ أَوْ يَفْتَدِيَهُ مِنْهُمْ فَفَعَلَ ذَلِكَ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ فَهُوَ جَائِزٌ، وَهُوَ عَبْدٌ لِهَذَا الْمُشْتَرِي.\nلِأَنَّهُمْ مَلَكُوهُ بِالْأَحْرَازِ.","vol":"1","page":1635},{"text":"٣٢٦٦ - وَلَوْ اشْتَرَاهُ مِنْهُمْ هَذَا الرَّجُلُ بِدُونِ مَشُورَةِ الْمَمْلُوكِ، وَكَانَ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ فَكَذَلِكَ إذَا اشْتَرَاهُ بَعْدَ مَشُورَةِ الْمَمْلُوكِ.\nلِأَنَّ قَوْلَهُ اشْتَرِ لِي يُعَدُّ مَشُورَةً.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ هَذَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَاشْتَرَاهُ مِنْ مَوْلَاهُ كَانَ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ قَبْلَ هَذِهِ الْمَشُورَةِ وَبَعْدَهَا.\n٣٢٦٧ - فَإِذَا أَخْرَجَهُ يُخَيَّرُ مَوْلَاهُ فَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِالثَّمَنِ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ، وَإِنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي لِنَفْسِي مِنْهُمْ أَوْ افْتَدِنِي لِنَفْسِي، فَإِنْ اشْتَرَاهُ بِقِيمَتِهِ أَوْ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ يَشْتَرِيهِ لِنَفْسِهِ فَالْعَبْدُ حُرٌّ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ.\nلِأَنَّهُ قَدْ جَعَلَ الْمَأْمُورَ نَائِبًا لِنَفْسِهِ.\n٣٢٦٨ - وَلَوْ جَعَلَهُ إنْسَانٌ آخَرُ نَائِبًا لِنَفْسِهِ فِي الشِّرَاءِ كَانَ مُشْتَرِيًا لِلْمَنُوبِ عَنْهُ وَجَعَلَ الْمَنُوبَ عَنْهُ فِي حُكْمِ هَذَا الْعَقْدِ كَأَنَّهُ بَاشَرَ الْعَقْدَ بِنَفْسِهِ، فَهَا هُنَا يُجْعَلُ الْعَبْدُ فِي حُكْمِ هَذَا الْعَقْدِ كَأَنَّهُ اشْتَرَى نَفْسَهُ مِنْ مَوْلَاهُ فَيُعْتَقُ ثُمَّ لِلْمَأْمُورِ أَنْ يَرْجِعَ بِالْفِدَاءِ عَلَى الْعَبْدِ.\nلِأَنَّ شِرَاءَهُ الْعَبْدَ كَشِرَائِهِ لِأَجْنَبِيٍّ آخَرَ بِأَمْرِهِ، وَهُنَاكَ إذَا أَدَّى الثَّمَنَ مِنْ مَالِهِ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْآمِرِ فَهَا هُنَا أَيْضًا يَرْجِعُ عَلَى الْآمِرِ؛ لِأَنَّ أَمْرَهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ صَحِيحٌ، وَصَارَ هُوَ كَالْمُسْتَقْرِضِ لِذَلِكَ الْمَالِ مِنْهُ.","vol":"1","page":1636},{"text":"٣٢٦٩ - فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ مُدَبَّرًا أَوْ مُكَاتَبًا أَوْ كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، لَمْ يُعْتَقْ.\nلِأَنَّهُمْ لَمْ يَمْلِكُوهُ بِالْإِحْرَازِ بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ مَوْلَاهُ.\nأَلَا تَرَى: أَنَّ الْحَرْبِيَّ لَوْ أَعْتَقَهُ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ فِيهِ، وَلَوْ أَسْلَمَ عَلَيْهِ وَجَبَ رَدُّهُ إلَى مَوْلَاهُ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، فَسَوَاءٌ قَالَ: اشْتَرِنِي، أَوْ قَالَ: اشْتَرِنِي لِنَفْسِي إذَا أَخْرَجَهُ فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَى مَوْلَاهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ.\nلِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ مُتَبَرِّعٌ فِي فِدَاءِ مِلْكِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، فَلَا يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْهُ.\n٣٢٧٠ - وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ أَوْ الْأَمَةُ قَالَ لِلْمَأْمُورِ: اشْتَرِنِي لِنَفْسِي فَاشْتَرَاهُ وَلَمْ يُخْبِرْ أَهْلَ الْحَرْبِ أَنَّهُ يَشْتَرِيهِ لِنَفْسِهِ فَهُوَ مَمْلُوكٌ لِلَّذِي اشْتَرَاهُ.\nلِأَنَّهُ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُجْعَلَ مُشْتَرِيًا لِلْعَبْدِ حِينَ لَمْ يُخْبِرْ مَالِكَهُ بِهِ فَإِنَّ بِشِرَائِهِ لِلْعَبْدِ يَكُونُ اسْتِحْقَاقُ الْوَلَاءِ لِلْمَوْلَى يَثْبُتُ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَالنَّسَبِ، وَشِرَاؤُهُ لِنَفْسِهِ يَكُونُ تَمَلُّكًا فَإِذَا لَمْ يُخْبِرْ مَالِكَهُ فَلَمْ يُوجَدْ مِنْ الْمَالِكِ الرِّضَاءُ بِعِتْقِهِ عَلَيْهِ، وَلُزُومُ الْوَلَاءِ إيَّاهُ، وَلَا يَجُوزُ إلْزَامُ الْوَلَاءِ أَحَدًا بِغَيْرِ رِضَاهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَخْبَرَ مَوْلَاهُ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ مِمَّا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ.\n٣٢٧١ - وَلَوْ أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ يَشْتَرِيهِ لَهُ فَهُوَ مَمْلُوكٌ لِلْمُشْتَرِي.\nلِأَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ بِالشِّرَاءِ يَنْصَرِفُ إلَى الشِّرَاءِ بِالْقِيمَةِ أَوْ بِزِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ،","vol":"1","page":1637},{"text":"كَمَا لَوْ كَانَ الْآمِرُ غَيْرَهُ، فَإِذَا اشْتَرَى بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ صَارَ مُخَالِفًا لَهُ، فَكَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَكَانَ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ.\n٣٢٧٢ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمَمْلُوكُ قَالَ لَهُ: اشْتَرِنِي لِنَفْسِي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَقَالَ: بِيعُونِيهِ لِنَفْسِهِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَفَعَلُوا عَتَقَ الْعَبْدُ.\nلِأَنَّ هَذَا إعْتَاقٌ يُجْعَلُ كَمَا لَوْ كَانَ الْعَبْدُ هُوَ الَّذِي يُخَاطِبُهُمْ بِهِ، فَلَا تَقَعُ الْحَاجَةُ إلَى قَبُولِهِ ثَانِيًا، وَلَكِنَّهُ يُعْتَقُ وَوَلَاؤُهُ لِبَائِعِهِ.\n٣٢٧٣ - وَلَوْ قَالَ: بِعْنِيهِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَلَمْ يَقُلْ لِنَفْسِهِ، كَانَ مَمْلُوكًا لِلْمُشْتَرِي يَأْخُذُهُ مَوْلَاهُ بِالثَّمَنِ إنْ شَاءَ.\nلِأَنَّ الْحَرْبِيَّ لَمْ يَلْتَزِمْ وَلَاءَهُ حِينَ لَمْ يُخْبِرْهُ أَنَّهُ يَشْتَرِيهِ لَهُ.\n٣٢٧٤ - وَلَوْ قَالَ: بِعْنِيهِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ لِنَفْسِهِ، فَبَاعَهُ الْحَرْبِيُّ مِنْهُ فَلَا بُدَّ مِنْ قَبُولِهِ، وَبَعْدَ الْقَبُولِ يَكُونُ مِلْكًا لَهُ.\nلِأَنَّهُ خَالَفَ مَا أَمَرَهُ بِهِ نَصًّا فَكَأَنَّهُ اشْتَرَى بِغَيْرِ أَمْرِهِ.\n٣٢٧٥ - وَلَوْ كَانَ قَالَ لَهُ: اشْتَرِنِي لِنَفْسِي بِمَا شِئْت فَاشْتَرَاهُ وَبَيَّنَ لِأَهْلِ الْحَرْبِ أَنَّهُ يَشْتَرِيهِ لِنَفْسِهِ عَتَقَ الْعَبْدُ بِأَيِّ ثَمَنٍ اشْتَرَاهُ.\nلِأَنَّهُ فَوَّضَ الْأَمْرَ إلَى الْوَكِيلِ أَمْرًا عَامًّا فَيَكُونُ هُوَ مُمْتَثِلًا أَمْرَهُ، فَيَرْجِعُ بِمَا أَدَّى عَلَيْهِ مِنْ الْفِدَاءِ بَالِغًا مَا بَلَغَ.","vol":"1","page":1638},{"text":"فَإِنْ اخْتَلَفَا فِيمَا فَدَاهُ بِهِ فَقَالَ الْعَبْدُ: فَدَانِي بِخَمْسِمِائَةٍ وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ وَقَالَ الْمَأْمُورُ: فَدَيْته بِأَلْفَيْنِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَبْدِ مَعَ يَمِينِهِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ.\nلِأَنَّ الْمَأْمُورَ يَدَّعِي لِنَفْسِهِ زِيَادَةَ دَيْنٍ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ، وَهُوَ مُنْكِرٌ لَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ.\n٣٢٧٧ - وَعَلَى الْمُدَّعِي لِلزِّيَادَةِ الْبَيِّنَةُ.\nفَإِنْ قِيلَ: لِمَاذَا لَا يُصَارُ إلَى التَّحَالُفِ بَيْنَهُمَا، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اخْتَلَفَ الْمُوَكِّلُ وَالْوَكِيلُ فِي الثَّمَنِ؟\nقُلْنَا: أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَلِأَنَّ الْعَبْدَ قَدْ عَتَقَ، وَمَنْ أَصْلُهُ أَنَّهُ لَا يُصَارُ إلَى التَّحَالُفِ بَعْدَ تَغَيُّرِ السِّلْعَةِ وَلَكِنَّهُ تُعْتَبَرُ فِيهِ الدَّعْوَى وَالْإِنْكَارُ، وَأَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَلِأَنَّ الْمَصِيرَ إلَى التَّحَالُفِ بَعْدَ تَغَيُّرِ السِّلْعَةِ فِي مَوْضِعٍ يُمْكِنُ فِيهِ فَسْخُ الْعَقْدِ عَلَى الْقِيمَةِ، وَهَا هُنَا لَا وَجْهَ لِذَلِكَ، لِأَنَّ بِالْعِتْقِ لَا يُسَلَّمُ لِلْعَبْدِ مَالٌ مِنْ جِهَةِ الْمَأْمُورِ حَتَّى يُقَالَ: تَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْآجِرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ يَخْتَلِفَانِ فِي مِقْدَارِ الْأَجْرِ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ، وَهُنَاكَ لَا يُصَارُ إلَى التَّحَالُفِ، وَلَكِنْ يُجْعَلُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُنْكِرِ لِلزِّيَادَةِ مَعَ يَمِينِهِ.\n٣٢٧٨ - وَلَوْ لَمْ يَقُلْ الْمَأْمُورُ لِأَهْلِ الْحَرْبِ: إنِّي اشْتَرَيْته لِنَفْسِهِ كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ إذَا اشْتَرَاهُ.\nلِأَنَّ بَائِعَهُ مَا رَضِيَ بِعِتْقِهِ عَلَيْهِ وَثُبُوتُ وِلَايَتِهِ لَهُ.\n٣٢٧٩ - فَإِذَا أَخْرَجَهُ كَانَ لِلْمَأْمُورِ مِنْهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِمَا اشْتَرَاهُ بِهِ إنْ شَاءَ، فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ","vol":"1","page":1639},{"text":"يَمِينِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ اخْتَلَفَا فِي جِنْسِ الْعَقْدِ، بِأَنْ قَالَ مَوْلَاهُ: وَهَبَهُ لَك أَهْلُ الْحَرْبِ فَأَنَا آخُذُهُ بِقِيمَتِهِ وَقَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْته مِنْهُمْ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا الْفَصْلِ قَبْلَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، وَبَعْدَ ذَلِكَ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَفِيمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الشُّفْعَةِ وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - ﵀ - فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إذَا أَقَامَا الْبَيِّنَةَ.\n٣٢٨٠ - وَلَوْ كَانَ مَوْلَى الْعَبْدِ الْمَأْسُورِ قَالَ لِلْمُسْتَأْمَنِ: اشْتَرِهِ لِي مِنْهُمْ أَوْ اشْتَرِهِ مِنْ مَالِي فَإِنْ اشْتَرَاهُ بِقِيمَتِهِ فَالْعَبْدُ لِلْآمِرِ.\nلِأَنَّهُمْ مَلَكُوهُ بِالْإِحْرَازِ فَكَانَ أَمْرُ الْمُوَلَّى الْقَدِيمِ بِأَنْ يَشْتَرِيَهُ لَهُ وَأَمْرُ أَجْنَبِيٍّ آخَرَ فِي أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْعَقْدَ بِقِيمَتِهِ أَوْ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ سَوَاءً.\n٣٢٨١ - وَإِذَا اشْتَرَاهُ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ كَانَ مُخَالِفًا مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ، ثُمَّ يَكُونُ لِمَوْلَاهُ الْقَدِيمِ الْخِيَارُ.\nإنْ شَاءَ أَخَذَهُ مِنْهُ بِمَا اشْتَرَاهُ بِهِ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ.\n٣٢٨٢ - وَلَوْ كَانَ قَالَ لَهُ: اشْتَرِهِ وَلَمْ يَقُلْ: لِي وَلَا مِنْ مَالِي، فَهَذِهِ مَشُورَةٌ أَشَارَ بِهَا عَلَيْهِ، فَيَكُونُ الْمُخَاطَبُ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ، يَنْفُذُ فِيهِ تَصَرُّفَاتُهُ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اشْتَرَاهُ قَبْلَ هَذِهِ الْمَشُورَةِ،","vol":"1","page":1640},{"text":"وَهُوَ نَظِيرُ رَجُلٍ قَالَ لِغَيْرِهِ: اشْتَرِ عَبْدَ فُلَانٍ وَلَمْ يَقُلْ: لِي، وَلَا مِنْ مَالِي، فَإِنَّ ذَلِكَ مَشُورَةٌ لَا تَوْكِيلٌ.\nبِخِلَافِ قَوْلِهِ: اشْتَرِهِ لِي بِمَا شِئْت فَقَدْ فَوَّضَ الْأَمْرَ إلَيْهِ عَامًّا فَيَكُونُ مُشْتَرِيًا لَهُ بِأَيِّ ثَمَنٍ كَانَ.\n٣٢٨٣ - فَإِنْ اخْتَلَفَ الْآمِرُ وَالْمَأْمُورُ فِيمَا اشْتَرَاهُ بِهِ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ مَعَ الْمُوَكِّلِ بِمَنْزِلَةِ الْبَائِعِ مَعَ الْمُشْتَرِي فِي حُكْمِ التَّحَالُفِ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ فِي الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ يَحْلِفُ الْآمِرُ عَلَى الْعِلْمِ.\nلِأَنَّهُ اسْتِحْلَافٌ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ. وَيَبْدَأُ بِالْيَمِينِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُشْتَرِي، وَالْبِدَايَةُ بِيَمِينِ الْمُشْتَرِي فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - ﵀ - الْآخَرِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ.\n٣٢٨٤ - فَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ. فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمَأْمُورِ.\nلِأَنَّهُ يَثْبُتُ الزِّيَادُ بِبَيِّنَةٍ.\n٣٢٨٥ - وَإِنْ كَانَ الْآمِرُ أَعْتَقَهُ قَبْلَ اخْتِلَافِهِمَا فَهُوَ حُرٌّ.\nلِأَنَّهُ أَعْتَقَ مِلْكَهُ ثُمَّ إذَا اخْتَلَفَا بَعْدَ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآمِرِ، فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - ﵀ - يَتَحَالَفَانِ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِهِمَا فِي الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي، يَخْتَلِفَانِ فِي الثَّمَنِ بَعْدَ تُغَيِّرْ السِّلْعَةِ، عَلَى وَجْهٍ لَا يَحْتَمِلُ الْعَقْدُ الْفَسْخَ فِيهِ.","vol":"1","page":1641},{"text":"وَلَوْ كَانَ الْمَأْسُورُ حُرًّا أَوْ مُكَاتَبًا فَأَمَرَ رَجُلًا يَشْتَرِيهِمَا فَاشْتَرَاهُمَا مَعًا بِخَمْسَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ كَانَ الْفِدَاءُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا، يُقْسَمُ عَلَى الدِّيَةِ وَعَلَى قِيمَةِ الْمُكَاتَبِ.\nلِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي بَابِ الْحُرِّ فِي الْفِدَاءِ دِيَتُهُ، وَفِي الْمُكَاتَبِ قِيمَتُهُ بِدَلِيلِ مَا سَبَقَ أَنَّهُ إذَا اُشْتُرِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِذَلِكَ الْقَدْرِ أَوْ أَقَلَّ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ مَا اشْتَرَاهُ بِهِ، فَإِذَا أَضَافَ الْفِدَاءَ إلَيْهِمَا مُطْلَقًا يَتَوَزَّعُ عَلَيْهِمَا، بِاعْتِبَارِ بَدَلِ نَفْسِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِنْ كَانَ افْتَدَاهُمَا بِخَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا وَقِيمَةُ الْمُكَاتَبِ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَقَدْ فَدَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَكْثَرَ مِنْ بَدَلِ نَفْسِهِ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ، وَهُوَ لَا يَسْتَوْجِبُ الرُّجُوعَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَّا بِقَدْرِ بَدَلِ نَفْسِهِ، فَيَرْجِعُ عَلَى الْحُرِّ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَعَلَى الْمُكَاتَبِ بِقِيمَتِهِ، وَزِيَادَةٍ بِقَدْرِ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ طَرِيقَ الْقِيمَةِ بِقَدْرِ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ يَكُونُ عَفْوًا، وَإِنْ كَانَا قَالَا لَهُ: افْتَدِنَا بِمَا شِئْت فَفَدَاهُمَا بِعِشْرِينَ أَلْفًا قَسَمَ ذَلِكَ كُلَّهُ عَلَى أَحَدَ عَشَرَ سَهْمًا بِاعْتِبَارِ مِقْدَارِ الدِّيَةِ، وَقِيمَةُ الْمُكَاتَبِ إنْ كَانَتْ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَإِنْ كَانَتْ أَلْفَيْنِ، قَسَمَ ذَلِكَ كُلَّهُ أَسْدَاسًا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يَجْعَلُ كُلَّ أَلْفَيْنِ بَيْنَهُمَا، فَمَا أَصَابَ الْحُرَّ رَجَعَ الْمَأْمُورُ بِهِ عَلَيْهِ، وَمَا أَصَابَ الْمُكَاتَبَ وَهُوَ السُّدُسُ رَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ فِي حَالَةِ الْكِتَابَةِ، فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّمَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ فِي مُكَاتَبَتِهِ بِمِقْدَارِ قِيمَتِهِ وَزِيَادَةِ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّمَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ بَعْدَ الْعِتْقِ.\nلِأَنَّهُ فِي الْتِزَامِ الزِّيَادَةِ مُتَبَرِّعٌ، بِمَنْزِلَةِ الْتِزَامِهِ بِالْكَفَالَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ.","vol":"1","page":1642},{"text":"٣٢٨٧ - فَإِنْ قَالَا جَمِيعًا لِلَّذِي فَدَاهُمَا حِينَ أَخْرَجَهُمَا مَا فَدَيْتنَا بِشَيْءٍ وَلَكِنَّهُمْ وَهَبُونَا أَوْ أُخْرِجْنَا بِغَيْرِ عِلْمِهِمْ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمَا مَعَ يَمِينِهِمَا عَلَى عِلْمِهِمَا.\nلِأَنَّ الْمَأْمُورَ يَدَّعِي عَلَيْهِمَا دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِمَا لِنَفْسِهِ، بِسَبَبٍ هُمَا يُنْكِرَانِ ذَلِكَ السَّبَبَ، وَالْيَمِينُ عَلَى الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُمَا يُسْتَحْلَفَانِ عَلَى فِعْلِ الْمَأْمُورِ فَأَيُّهُمَا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ لَزِمَهُ حِصَّتُهُ مِنْ الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّ نُكُولَهُ كَإِقْرَارِهِ، وَذَلِكَ صَحِيحٌ فِي حَقِّهِ لَا فِي حَقِّ صَاحِبِهِ، فَإِنْ حَلَفَ الْحُرُّ وَنَكَلَ الْمُكَاتَبُ أَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ فَدَاهُ فَإِنَّ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - ﵀ - يَلْزَمُ الْمُكَاتَبَ حِصَّتُهُ مِنْ الْفِدَاءِ، فَإِنْ كَانَ مِقْدَارَ قِيمَتِهِ يُؤْخَذُ بِهِ فِي مُكَاتَبَتِهِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْفَضْلِ بَعْدَ الْعِتْقِ. وَفِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُقْضَى عَلَيْهِ بِحِصَّتِهِ بَالِغًا مَا بَلَغَ، فَيَكُونُ دَيْنًا عَلَيْهِ فِي حَالِ كِتَابَتِهِ إنْ صَدَّقَهُ مَوْلَاهُ فِي ذَلِكَ أَوْ كَذَّبَهُ، فَإِنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ الْمَوْلَى صَدَّقَ الْفَادِيَ بِيعَ لَهُ الْمُكَاتَبُ إلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ مَوْلَاهُ.\nلِأَنَّ ذَلِكَ دَيْنٌ ظَهَرَ وُجُوبُهُ فِي حَقِّ مَوْلَاهُ، وَإِنْ كَانَ كَذَّبَهُ فِي ذَلِكَ بَطَلَ ذَلِكَ عِنْدَ الْعَجْزِ إنْ كَانَ لَمْ يُؤَدِّ شَيْئًا مِنْهُ وَإِنْ كَانَ أَدَّى بَعْضَهُ جَازَ مَا أَدَّى وَبَطَلَ مَا بَقِيَ حَتَّى لَا يَأْخُذَ دَيْنًا كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ بِسَبَبٍ لَيْسَ مِنْ التِّجَارَةِ فِي شَيْءٍ فَلَا يُطَالَبُ بِهِ بَعْدَ الْعَجْزِ مَا لَمْ يُعْتَقْ، فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَقَرَّ الْمُكَاتَبُ بِجِنَايَةِ خَطَأٍ عَلَى نَفْسِهِ فَقُضِيَ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ، ثُمَّ عَجَزَ قَبْلَ الْأَدَاءِ، أَوْ كَانَ عَلَيْهِ قِصَاصٌ فَصَالَحَ عَنْهُ عَلَى مَالٍ ثُمَّ عَجَزَ قَبْلَ الْأَدَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ حَتَّى يَعْتِقُ فِي قَوْلِهِ.","vol":"1","page":1643},{"text":"٣٢٨٨ - وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - ﵀ - هُنَاكَ يُبَاعُ فِيمَا تَوَجَّهَتْ الْمُطَالَبَةُ بِهِ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابَةِ بَعْدَ الْعَجْزِ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا يُبَاعُ فِي الْفِدَاءِ صَدَّقَهُ الْمَوْلَى فِي ذَلِكَ أَوْ كَذَّبَهُ، وَلَوْ كَانَ مَوْلَى الْمُدَبَّرِ وَأُمُّ الْوَلَدِ أَمَرَ الْمُسْتَأْمَنَ بِفِدَائِهِمَا، ثُمَّ اخْتَلَفَ الْآمِرُ وَالْمَأْمُورُ فِيمَا فَدَاهُمَا بِهِ أَوْ فِي أَصْلِ الْفِدَاءِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآمِرِ وَعَلَى الْمَأْمُورِ الْبَيِّنَةُ.\nلِأَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ مَا مَلَكُوهُمَا بِالْإِحْرَازِ، فَحَاصِلُ الِاخْتِلَافِ فِي الدَّيْنِ الْوَاجِبِ لِلْمَأْمُورِ عَلَى الْآمِرِ إمَّا فِي أَصْلِ سَبَبِهِ أَوْ فِي مِقْدَارِهِ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُنْكِرِ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ فَهُنَالِكَ قَدْ أَحْرَزَهُ أَهْلُ الْحَرْبِ، ثُمَّ عَادَ إلَى مِلْكِ الْمَوْلَى بِالْعَقْدِ بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ الَّتِي بَاشَرَهَا الْمَأْمُورُ، فَإِذَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمَا فِي جِنْسِ ذَلِكَ الْعَقْدِ، أَوْ فِي مِقْدَارِ الْبَدَلِ وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى التَّحَالُفِ.\n٣٢٨٩ - وَلَوْ كَانَ الْمَأْسُورُ عَبْدًا فَقَالَ أَجْنَبِيٌّ لِلْمُسْتَأْمَنِ: اشْتَرِهِ لِي مِنْهُمْ أَوْ اشْتَرِهِ لِي مِنْ مَالِي فَالْعَبْدُ لِلْآمِرِ.\nلِأَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ مَلَكُوهُ فَهَذَا رَجُلٌ وَكَّلَ غَيْرَهُ بِأَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ عَبْدًا مِنْ مَوْلَاهُ، وَقَدْ اشْتَرَاهُ لَهُ، فَكَانَ مُطَالَبًا بِالثَّمَنِ مِنْ جِهَتِهِ، وَيُجْعَلُ هُوَ فِي حَقِّ الْمَوْلَى الْقَدِيمِ كَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِنَفْسِهِ حَتَّى يَأْخُذَهُ مِنْهُ بِالثَّمَنِ إنْ شَاءَ، فَإِنْ وَجَدَهُ الْمَوْلَى الْقَدِيمُ فِي يَدِ الْمَأْمُورِ كَانَ هُوَ خَصْمًا لَهُ قَبْلَ أَنْ يَحْضُرَ الْآمِرُ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ بِالثَّمَنِ قَدْ ثَبَتَ لَهُ بِعَقْدِ الْمَأْمُورِ، فَيَتَمَكَّنُ مِنْ أَخْذِهِ مِنْ مِلْكِهِ قَبْلَ حُضُورِ الْآمِرِ بِمَنْزِلَةِ الشَّفِيعِ فَإِنْ كَانَ الْأَجْنَبِيُّ قَالَ لِلْمُسْتَأْمَنِ: اشْتَرِهِ، فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذِهِ مَشُورَةٌ وَأَنَّ الْمُخَاطَبَ يَكُونُ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ، فَلِمَوْلَاهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ يَدِهِ بِالثَّمَنِ.","vol":"1","page":1644},{"text":"٣٢٩٠ - وَلَوْ قَالَ لَهُ: اشْتَرِهِ بِهَذِهِ الْأَلْفِ، وَدَفَعَهَا إلَيْهِ أَوْ لَمْ يَدْفَعْهَا فَهُوَ لِلْآمِرِ.\nلِأَنَّ إضَافَةَ الْعَقْدِ إلَى مَالِ نَفْسِهِ بِالْإِشَارَةِ كَإِضَافَتِهِ إلَى مَالِ نَفْسِهِ بِالْكِتَابَةِ بِأَنْ قَالَ: بِأَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِي، وَإِضَافَتُهُ إلَى مَالِ نَفْسِهِ بِمَنْزِلَةِ إضَافَتِهِ إلَى نَفْسِهِ، وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ كَانَ شِرَاؤُهُ لِلْآمِرِ وَأَدَّى الْقِيمَةَ - مِنْ مَالِ نَفْسِهِ فَلَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْوَكِيلِ مَعَ الْمُوَكِّلِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ مَاتَ فِي يَدِهِ قَبْلَ الْحَبْسِ أَوْ بَعْدَ الْحَبْسِ، فَحَالُهُ كَحَالِ الْوَكِيلِ، بَلْ هُوَ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ.\n٣٢٩١ - وَلَوْ كَانَ الْمَأْسُورُ عَبْدًا لِمُسْلِمٍ، وَاكْتَسَبَ عِنْدَهُمْ مَالًا ثُمَّ خَرَجَ بِمَالِهِ إلَى دَارِنَا مُرَاغِمًا لِمَوْلَاهُ، فَأَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ وَمَا مَعَهُ، ثُمَّ حَضَرَ الْمَأْسُورُ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى مَالِهِ، وَإِنَّمَا لَا يَعْتِقُ هَذَا الْعَبْدُ لِمُرَاعَاةِ حَقِّ الْمَأْسُورِ مِنْهُ، فَقَدْ كَانَ لَهُ حَقُّ إعَادَتِهِ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ مَتَى وَجَدَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ خَارِجًا مِنْ مِلْكِ الْأَسِيرِ بِخِلَافِ عَبْدِ الْحَرْبِيِّ إذَا خَرَجَ إلَيْنَا مُرَاغِمًا لِمَوْلَاهُ مُسْلِمًا فَهُنَاكَ لَا حَقَّ فِيهِ لِغَيْرِ الْحَرْبِيِّ، وَحَقُّهُ فِيهِ غَيْرُ مَرْعِيٍّ بَعْدَ مَا خَرَجَ إلَى دَارِنَا، وَهَا هُنَا فِيهِ حَقُّ الْمَأْسُورِ مِنْهُ، وَحَقُّهُ مَرْعِيٌّ، فَلِهَذَا لَا يَعْتِقُ وَلَكِنْ يَأْخُذُهُ مَوْلَاهُ بِغَيْرِ","vol":"1","page":1645},{"text":"شَيْءٍ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَخَذَهُ فِي الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَأَمَّا مَالُهُ فَلَا حَقَّ فِيهِ لِلْمَوْلَى الْقَدِيمِ.\nلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ اكْتَسَبَهُ عَلَى مِلْكِهِ وَإِنَّمَا اكْتَسَبَهُ عَلَى مِلْكِ الْحَرْبِيِّ، وَمَالُ الْحَرْبِيِّ مَتَى وُجِدَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَا أَمَانَ لَهُ فَهُوَ فَيْءٌ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵁ - كَنَفْسِ الْحَرْبِيِّ، وَأَمَّا فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - ﵀ - فَالْمَالُ لِمَنْ أَخَذَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَيُخَمَّسُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ.\nوَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ فِي الْخَمْسِ رِوَايَتَيْنِ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي نَفْسِ الْحَرْبِيِّ إذَا دَخَلَ دَارَنَا بِغَيْرِ أَمَانٍ فَأَخَذَهُ وَاحِدٌ فَكَذَلِكَ فِي مَالِهِ، وَالْبَاقِي لِلْآخِذِ يَخْتَصُّ بِهِ وَإِنْ كَانَ أَخَذَهُ الْمَوْلَى الْقَدِيمُ فَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، هَذَا وَمَا سَبَقَ سَوَاءٌ، كَذَلِكَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - الْعَبْدُ لَهُ وَلَا خَمْسَ فِيهِ.\nلِأَنَّهُ أَعَادَهُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ، وَمَالُهُ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ فِي حَقِّ الْمَالِ هُوَ كَغَيْرِهِ فِي الْأَخْذِ.\n٣٢٩٢ - وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ جَاءَ بِذَلِكَ الْمَالِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ يَتَّجِرُ بِهِ لِمَوْلَاهُ الْحَرْبِيِّ فَلَا سَبِيلَ لِلْمَوْلَى الْقَدِيمِ عَلَيْهِ.\nلِأَنَّ مِلْكَهُ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ، وَلَوْ كَانَ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَهُ بِأَمَانٍ لَمْ يَكُنْ لِلْمَوْلَى الْقَدِيمِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ، فَكَذَلِكَ إذَا خَرَجَ الْعَبْدُ.\n٣٢٩٣ - وَلَكِنَّ الْإِمَامَ يَبِيعُهُ؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ فَيَتَعَذَّرُ تَمْكِينُهُ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، لِيَسْتَدِيمَ الْحَرْبِيُّ مِلْكَهُ فِيهِ فَيَبِيعَهُ","vol":"1","page":1646},{"text":"الْإِمَامُ وَيَقِفَ ثَمَنَهُ مَعَ الْمَالِ الَّذِي فِي يَدَيْهِ لِمَوْلَاهُ الْحَرْبِيِّ لِيَجِيءَ فَيَأْخُذَهُ.\nلِأَنَّهُ حُكْمُ الْأَمَانِ قَدْ ثَبَتَ فِي هَذَا الْمَالِ لِلْحَرْبِيِّ.\n٣٢٩٤ - فَإِنْ أَرَادَ الْمَأْسُورُ مِنْهُ حِينَ بَاعَهُ الْإِمَامُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُ حَصَلَ فِي دَارِنَا، وَلَا حَقَّ لِلْمَوْلَى الْقَدِيمِ فِي أَخْذِهِ، فَلَا يَثْبُتُ حَقُّهُ بَعْدَ ذَلِكَ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَسْلَمَ مَوْلَاهُ، أَوْ صَارَ ذِمِّيًّا ثُمَّ بَاعَهُ مِنْ آخَرَ.\n٣٢٩٥ - فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ مُدَبَّرًا، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فِي الْوَجْهَيْنِ، إنْ جَاءَ مُرَاغِمًا أَوْ بِأَمَانٍ، فَهُوَ وَمَالُهُ الَّذِي اكْتَسَبَهُ كُلَّهُ مَرْدُودٌ عَلَى الْمَأْسُورِ مِنْهُ.\nلِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مِلْكِهِ بِإِحْرَازِ الْمُشْرِكِينَ، وَإِنَّمَا اكْتَسَبَ الْمَالَ وَهُوَ مَمْلُوكٌ لَهُ، وَالْكَسْبُ يُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَصْلِ، فَلِهَذَا قُلْنَا: بِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مَرْدُودٌ عَلَى مَوْلَاهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ.\n٣٢٩٦ - فَإِنْ كَانَ كَسْبُهُ مِنْ تِجَارَةٍ أَوْ هِبَةٍ وَهَبُوهُ لَهُ فَلَا خُمْسَ فِيهِ.\nلِأَنَّهُ حَصَلَ فِي يَدِهِ لَا عَلَى وَجْهِ الْقَهْرِ فَلَا يَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ.\n٣٢٩٧ - وَإِنْ كَانَ أَخَذَهُ بِغَيْرِ طِيبِ أَنْفُسِهِمْ خُمِّسَ ذَلِكَ الْمَالُ.\nلِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ.","vol":"1","page":1647},{"text":"٣٢٩٨ - وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْحُكْمَ فِي الْحُرِّ الْمَأْسُورِ إذَا خَرَجَ بِمَالٍ، فَكَذَلِكَ فِي الْمُدَبَّرِ إلَّا أَنَّ هُنَاكَ الْبَاقِيَ بَعْدَ الْخُمْسِ لِلْأَسِيرِ وَهَا هُنَا لِمَوْلَاهُ.\nلِأَنَّ الْمُدَبَّرَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْمِلْكِ.\n٣٢٩٩ - قَالَ: وَلَوْ أَنَّ أَمَةً مَأْسُورَةً وَلَدَتْ أَوْلَادًا مِنْ فُجُورٍ أَوْ زَوْجٍ حَرْبِيٍّ ثُمَّ خَرَجَتْ هِيَ وَأَوْلَادُهَا مُرَاغِمَيْنِ لِمَوْلَاهُمْ الْحَرْبِيِّ، أَوْ خَرَجَتْ هِيَ مُرَاغِمَةً، وَمَعَهَا ابْنٌ لَهَا صَغِيرٌ، فَأَخَذَهَا الْمُسْلِمُونَ، فَهِيَ فَيْءٌ وَأَوْلَادُهَا، فَإِنْ أَصَابَهَا مَوْلَاهَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهَا وَأَخَذَ أَوْلَادَهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، أَوْ بَعْدَ الْقِسْمَةِ بِقِيمَتِهِمْ يَوْمَ وَقَعُوا فِي سَهْمِ الَّذِينَ صَارُوا لَهُ.\nلِأَنَّ وَلَدَهَا جُزْءٌ مِنْهَا، وَالْحَقُّ الَّذِي كَانَ ثَابِتًا لِلْمَوْلَى الْقَدِيمِ فِيهَا يَثْبُتُ فِي أَوْلَادِهَا بِاعْتِبَارِ الْجُزْئِيَّةِ، ثُمَّ قِيَامُ حَقِّهِ فِيهِمْ يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْحُرِّيَّةِ لَهُمْ بِالْخُرُوجِ عَلَى وَجْهِ الْمُرَاغَمَةِ، بِخِلَافِ الْكَسْبِ فَهُوَ غَيْرُ مُتَوَلِّدٍ مِنْ عَيْنِهَا، فَلَا يَثْبُتُ فِيهِ حَقُّ الْمَوْلَى الْقَدِيمِ، بَلْ هُوَ مَالُ الْحَرْبِيِّ فَيَكُونُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ.\n٣٣٠٠ - وَلَوْ كَانَتْ هِيَ دَخَلَتْ وَأَوْلَادُهَا بِأَمَانٍ فَلَا سَبِيلَ لِلْمَوْلَى الْقَدِيمِ عَلَيْهَا وَلَا عَلَى أَوْلَادِهَا صِغَارًا كَانُوا أَوْ كِبَارًا وَلَكِنْ يَبِيعُهُمْ الْإِمَامُ.","vol":"1","page":1648},{"text":"لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ بِإِسْلَامِهَا فَيَبِيعُهُمْ، وَيَقِفُ ثَمَنَهُمْ حَتَّى يَقْدَمَ الْحَرْبِيُّ فَيَأْخُذَهَا بِاعْتِبَارِ الْأَمَانِ.\n٣٣٠١ - وَلَوْ كَانَتْ مُدَبَّرَةً لِلْمَوْلَى الْقَدِيمِ رُدُّوا جَمِيعًا عَلَيْهِ.\nلِأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ بِالْأَسْرِ، وَأَوْلَادُهَا بِمَنْزِلَتِهَا، لَا يَمْلِكُهُمْ الْحَرْبِيُّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ وَلَدَ الْمُدَبَّرَةِ مُدَبَّرٌ فَلِهَذَا رُدُّوا عَلَى الْمَوْلَى، سَوَاءٌ خَرَجُوا مُرَاغِمِينَ أَوْ غَيْرَ مُرَاغِمِينَ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَالْمُسَدِّدُ.","vol":"1","page":1649},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>[بَابُ الْمُفَادَاةِ بِالْأُسَرَاءِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْأَمْوَالِ]</span>\n٣٣٠٢ - قَالَ: وَإِذَا رَغِبَ أَهْلُ الْحَرْبِ فِي مُفَادَاةِ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ بِالْمَالِ فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُفَادُوهُمْ بِالْأُسَرَاءِ، وَلَا بِالْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ.\nلِأَنَّ مَنْفَعَتَهُمْ فِي دَفْعِ الْمَالِ إلَيْهِمْ دُونَ مَنْفَعَتِهِمْ فِي رَدِّ الْمُقَاتِلَةِ أَوْ دَفْعِ آلَةِ الْقِتَالِ إلَيْهِمْ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ حَمْلَ الْأَمْوَالِ إلَيْهِمْ لِلتِّجَارَةِ جَائِزٌ، وَحَمْلَ السَّبْيِ وَالْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ إلَيْهِمْ لِلتِّجَارَةِ حَرَامٌ.\n٣٣٠٣ - وَإِنْ كَرِهُوا الْمُفَادَاةَ بِالْمَالِ وَرَغِبُوا فِيهِ بِالْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ فَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُفَادُوهُمْ بِالْأُسَرَاءِ.\nلِأَنَّ حُكْمَ دَفْعِ الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ إلَيْهِمْ أَهْوَنُ مِنْ حُكْمِ رَدِّ الْمُقَاتِلَةِ عَلَيْهِمْ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجِبُ قَتْلُ الْمُقَاتِلَةِ مِنْهُمْ إذَا تَمَكَّنَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَجِبُ إتْلَافُ الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ عَلَيْهِمْ.\n٣٣٠٤ - فَإِنْ كَرِهُوا ذَلِكَ أَيْضًا فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ الْمُفَادَاةُ بِالْأُسَرَاءِ. وَلَوْ رَغِبُوا فِي الْمُفَادَاةِ بِمَالٍ عَظِيمٍ فِيهِ إجْحَافٌ","vol":"1","page":1650},{"text":"بِالْمُسْلِمِينَ فِي بَيْتِ مَالِهِمْ فَإِنَّهُ يَجُوزُ مُفَادَاتُهُمْ بِالْأُسَرَاءِ دُونَ الْمَالِ.\nلِأَنَّ هَذِهِ حَالَةُ الضَّرُورَةِ، وَعِنْدَ الضَّرُورَةِ تَجُوزُ مُفَادَاةُ الْأُسَرَاءِ مِنْهُمْ بِالْمَالِ عَلَى رِوَايَةِ الْكِتَابِ، وَفِيهِ تَحْصِيلُ مَنْفَعَةِ الْمَالِ لِلْمُسْلِمِينَ، فَلَأَنْ يَجُوزَ مُفَادَاةُ الْأُسَرَاءِ بِالْأُسَرَاءِ لِإِبْقَاءِ الْمَالِ الَّذِي يَحْتَاجُ الْمُسْلِمُونَ إلَيْهِ فِي أَيْدِيهِمْ كَانَ أَوْلَى\n٣٣٠٥ - وَلَوْ أَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ اسْتَأْمَنُوا إلَى عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ لِلْفِدَاءِ فَقَالُوا: آمِنُونَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَأَمْوَالِنَا وَمَا جِئْنَا بِهِ مِنْ الْأُسَرَاءِ، فَفَعَلَ الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ، ثُمَّ لَمْ يَتَّفِقْ الصُّلْحُ وَالْمُفَادَاةُ فَأَرَادُوا الرُّجُوعَ، فَإِنَّهُمْ لَا يُمَكَّنُونَ مِنْ أَنْ يَرْجِعُوا إلَى دَارِهِمْ بِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْحُكْمَ فِيمَا إذَا اسْتَأْمَنُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَكَذَلِكَ إذَا اسْتَأْمَنُوا إلَى الْعَسْكَرِ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَكِنْ يُؤْخَذُ الْأَحْرَارُ وَالْحَرَائِرُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْهُمْ مَجَّانًا شَاءُوا أَوْ أَبَوْا.\nلِأَنَّهُمْ ظَالِمُونَ فِي حَبْسِ الْأَحْرَارِ.\n٣٣٠٦ - وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ لَمْ يَمْلِكُوهُ بِالْأَسْرِ وَالْإِحْرَازِ فَأَمَّا مَنْ مَلَكُوهُ مِنْ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ فَإِنَّا نَأْخُذُهُمْ مِنْهُمْ وَنُعْطِيهِمْ قِيمَتَهُمْ.\nلِأَنَّهُمْ مَلَكُوهُمْ بِالْإِحْرَازِ، وَقَدْ أَعْطَيْنَاهُمْ الْأَمَانَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ، فَلِلْوَفَاءِ بِالْأَمَانِ يُعْطَوْنَ قِيمَتَهُمْ بَعْدَ الْأَخْذِ مِنْهُمْ، لِتَعَذُّرِ تَرْكِهِمْ حَتَّى يَرْجِعُوا بِالْمُسْلِمِينَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَيَسْتَخِفُّوا بِهِمْ.","vol":"1","page":1651},{"text":"٣٣٠٧ - ثُمَّ إذَا أَخْرَجَهُمْ الْعَسْكَرُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنْ شَاءَ مَوَالِيهِمْ أَخَذُوهُمْ بِتِلْكَ الْقِيمَةِ.\nلِأَنَّ سَلَامَتَهُمْ لِلْجَيْشِ كَانَ بِمَا أَدَّوْا مِنْ الْقِيمَةِ.\n٣٣٠٨ - بِخِلَافِ مَا لَوْ أَخَذُوهُمْ قَهْرًا بِغَيْرِ أَمَانٍ، فَإِنَّ هُنَاكَ لِلْمَوَالِي حَقُّ الْأَخْذِ مَجَّانًا، قَبْلَ الْقِسْمَةِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَأْمَنُوا إلَى دَارِنَا وَمَعَهُمْ الْعَبِيدُ فَأُجْبِرُوا عَلَى بَيْعِهِمْ فَبَاعُوهُمْ ثُمَّ حَضَرَ الْمَوَالِي.\nلِأَنَّ هُنَاكَ حَصَّلُوا فِي دَارِنَا وَلَيْسَ لِلْمَوَالِي حَقُّ الْأَخْذِ فِيهِمْ، فَبِالِانْتِقَالِ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ لَا يَثْبُتُ لَهُمْ حَقُّ الْأَخْذِ، وَهَا هُنَا مَا حَصَّلُوا فِي دَارِنَا إلَّا وَحَقُّ الْأَخْذِ لِلْمَوَالِي ثَابِتٌ، فَكَانَ هَذَا وَمَا لَوْ دَخَلَ مُسْلِمٌ إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ فَاشْتَرَاهُمْ وَأَخْرَجَهُمْ سَوَاءٌ.\n٣٣٠٩ - وَإِنْ خَرَجُوا إلَى الْعَسْكَرِ وَلَيْسَ مَعَهُمْ الْأُسَرَاءُ وَقَدْ كَانُوا خَبَّئُوهُمْ فِي مَوْضِعٍ إلَّا أَنَّهُمْ حَيْثُ لَا يَكُونُونَ مُمْتَنِعِينَ مِنَّا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ، يُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْعَبِيدُ وَالْإِمَاءُ وَيُعْطَوْنَ قِيمَتَهُمْ.\nلِأَنَّهُمْ مَا لَمْ يَصِلُوا إلَى مَأْمَنِهِمْ فَهُمْ فِي أَمَانِنَا، وَذَلِكَ يَمْنَعُ أَخْذَ مِلْكِهِمْ مِنْهُمْ مَجَّانًا.","vol":"1","page":1652},{"text":"٣٣١٠ - وَإِنْ كَانُوا خَبَّئُوهُمْ فِي مَأْمَنِهِمْ وَمَنَعَتِهِمْ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَبَعَثْنَا سَرِيَّةً فَأَصَابَتْهُمْ فَلَا سَبِيلَ لِأَهْلِ الْحَرْبِ عَلَيْهِمْ فِي طَلَبِ الْعَيْنِ وَلَا الْقِيمَةِ.\nلِأَنَّهُمْ لَمَّا وَصَلُوا إلَى مَأْمَنِهِمْ فَقَدْ انْتَهَى حُكْمُ الْأَمَانِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ ثُمَّ أَصَبْنَا مَا أَصَبْنَا مِنْ قَوْمٍ هُمْ حَرْبٌ لَنَا فَكَانَ هَذَا وَمَا قَبْلَ مَجِيئِهِمْ بِأَمَانٍ فِي الْحُكْمِ سَوَاءٌ.\n٣٣١١ - وَإِذَا خَرَجَتْ الْعَبِيدُ وَالْإِمَاءُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ أَخَذَهُمْ الْمَوَالِي قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ بِالْقِيمَةِ إنْ أَحَبُّوا. وَإِنْ وَقَعَ الصُّلْحُ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ عَلَى الْمُفَادَاةِ بِالْمَالِ ثُمَّ أَصَابَهُمْ سَرِيَّةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي خَبَّئُوهُمْ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ بِالْقُرْبِ مِنْ عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ حَيْثُ لَا يَكُونُ لَهُمْ فِيهِ مَنَعَةٌ فَعَلَى الْأَمِيرِ أَنْ يَفِيَ لَهُمْ بِالصُّلْحِ، وَيُعْطِيَهُمْ الْمَالَ، وَإِنْ كَانُوا أَصَابُوهُمْ فِي مَنَعَتِهِمْ فَقَدْ انْتَقَضَ الصُّلْحُ، وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُعْطُوهُمْ شَيْئًا مِنْ الْمَالِ.\nلِأَنَّ حُكْمَ الْأَمَانِ لَمْ يَتَنَاوَلْ مَا فِي مَنَعَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَقَدْ تَنَاوَلَ مَا فِي مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَحَالُهُمْ إذَا كَانُوا بِالْقُرْبِ مِنْ الْعَسْكَرِ كَحَالِهِمْ إذَا كَانُوا مَعَهُمْ فِي أَيْدِيهِمْ، وَحَالُهُمْ إذَا كَانُوا فِي مَنَعَتِهِمْ كَحَالِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَسْتَأْمِنُوا، فَإِذَا حَصَلَ مَقْصُودُ الْمُسْلِمِينَ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ الْمُبَاحِ قُلْنَا: لَيْسَ عَلَيْهِمْ أَدَاءُ شَيْءٍ مِنْ","vol":"1","page":1653},{"text":"الْمَالِ؛ لِأَنَّهُمْ مَا سَلَّمُوا لَنَا بِحُكْمِ الصُّلْحِ شَيْئًا، وَلَكِنْ تَحَقَّقَ عَجْزُهُمْ عَنْ ذَلِكَ فَيُنْتَقَضُ الصُّلْحُ.\n٣٣١٢ - وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ الَّذِينَ أَخَذُوهُمْ فِي غَيْرِ مَنَعَةِ كَانُوا مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ الَّذِينَ جَاءُوا لِلْمُفَادَاةِ، أَوْ لَمْ يَكُونُوا وَقَالَ أَهْلُ الْحَرْبِ: نَحْنُ جِئْنَا بِهِمْ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ فِي ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُمْ يَدَّعُونَ أَمْرًا خِلَافَ الظَّاهِرِ، وَيَدَّعُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وُجُوبَ تَسْلِيمِ الْمَالِ إلَيْهِمْ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ إلَّا بِحُجَّةٍ.\n٣٣١٣ - فَإِنْ أَقَامُوا الْبَيِّنَةَ شَاهِدَيْنِ مُسْلِمَيْنِ، أَوْ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ عَلَى ذَلِكَ، وَجَبَ تَسْلِيمُ الْمَالِ إلَيْهِمْ، لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ، وَإِنْ كَانَ الشَّاهِدَانِ مِنْ الْأُسَرَاءِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا.\nلِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ.\n٣٣١٤ - وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا بِذَلِكَ وَلَكِنْ قَالَ بَعْضُ الْأُسَرَاءِ: كُنَّا مَعَهُمْ، وَهُمْ جَاءُوا بِنَا، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ فَفِي الْقِيَاسِ لَا شَيْءَ لِأَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ الْفِدَاءِ.\nلِأَنَّ الَّذِينَ أَقَرُّوا مِنْ الْأُسَرَاءِ يَلْتَزِمُونَ بِإِقْرَارِهِمْ الْأَمِيرَ وَالْمُسْلِمِينَ تَسْلِيمَ الْمَالِ إلَيْهِمْ، وَإِقْرَارُ الْمَرْءِ لَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ.\n٣٣١٥ - وَفِي الِاسْتِحْسَانِ إقْرَارُ مَنْ أَقَرَّ مِنْهُمْ جَائِزٌ عَلَى نَفْسِهِ","vol":"1","page":1654},{"text":"وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَيَدْفَعُ لَهُمْ حِصَّةَ الْمُقِرِّينَ مِمَّا وَقَعَ عَلَيْهِ الصُّلْحُ مِنْ الْمَالِ اعْتِبَارًا لِإِقْرَارِ بَعْضِهِمْ بِإِقْرَارِهِمْ جَمِيعًا بِذَلِكَ.\nوَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي هَذَا الْإِقْرَارِ، فَقَدْ خَرَجُوا مِنْ الْأَسْرِ سَوَاءٌ جَاءُوا مَعَهُمْ أَوْ جَاءُوا دُونَهُمْ، ثُمَّ هُمْ يُقِرُّونَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي أَيْدِيهِمْ، وَالْإِقْرَارُ بِالْيَدِ بِمَنْزِلَةِ الْإِقْرَارِ بِالرِّقِّ، ثُمَّ إقْرَارُ مَجْهُولِ الْحَالِ بِالرِّقِّ عَلَى نَفْسِهِ صَحِيحٌ، فَكَذَلِكَ إقْرَارُ مَجْهُولِ الْحَالِ فِي حَقِّ الْيَدِ بِالْيَدِ عَلَى نَفْسِهِ لِغَيْرِهِ يَكُونُ صَحِيحًا.\n٣٣١٦ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ فِيهِمْ صِغَارٌ يُعَبِّرُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَلَيْسَ مَعَهُمْ آبَاؤُهُمْ فَإِنَّ إقْرَارَ هَؤُلَاءِ بِالرِّقِّ عَلَى أَنْفُسِهِمْ يَصِحُّ، فَكَذَلِكَ بِالْيَدِ، فَأَمَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ أَبَوَاهُ فَهُوَ غَيْرُ مُصَدَّقٍ إلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ أَبَوَاهُ.\nلِأَنَّهُ فِي يَدِ أَبَوَيْهِ إذَا كَانَا مَعَهُ، وَلَا قَوْلَ لَهُ فِي الْإِقْرَارِ بِالْيَدِ عَلَى نَفْسِهِ لِلْمُسْتَأْمَنِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ.\n٣٣١٧ - وَإِنْ أَقَرَّ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ هُمْ جَاءُوا بِهِمْ، وَشَهِدَ شَاهِدَانِ مِنْ الرِّجَالِ أَنَّهُمْ لَمْ يَجِيئُوا بِهِمْ، وَإِنَّمَا جَاءَ بِهِمْ جَمِيعًا قَوْمٌ آخَرُونَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَالشَّهَادَةُ أَوْلَى بِالْعَمَلِ بِهَا.\nلِأَنَّهَا حُجَّةٌ حُكْمِيَّةٌ مُتَعَدِّيَةٌ إلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَحُجَّةُ الْإِقْرَارِ لَا تَعْدُو الْمُقِرَّ، وَلِأَنَّهُ وَجَبَ الْقَضَاءُ بِالشَّهَادَةِ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُقِرِّينَ، وَإِذَا قَضَى بِذَلِكَ فَقَدْ صَارَ الْمُقِرُّ مُكَذَّبًا فِي إقْرَارِهِ حُكْمًا، وَبَعْدَ مَا صَارَ مُكَذَّبًا لَا يُعْتَبَرُ إقْرَارُهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، فَكَيْفَ يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ وُجُوبِ تَسْلِيمِ فِدَائِهِ عَلَى غَيْرِهِ.","vol":"1","page":1655},{"text":"وَلَوْ جَاءَ بِهِمْ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ سِوَى الَّذِينَ صَالَحُوا عَلَى الْفِدَاءِ فَلَمَّا أَصَابَهُمْ الْمُسْلِمُونَ قَالُوا: قَدْ كُنَّا مَعَ أَصْحَابِ الْفِدَاءِ، وَهُمْ حَلَّفُونَا لِحِفْظِهِمْ لَمْ يَصَدَّقُوا عَلَى ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُمْ يَدَّعُونَ أَمْرًا خِلَافَ مَا يَشْهَدُ بِهِ الظَّاهِرُ، يُرِيدُونَ أَنْ يُلْزِمُوا الْمُسْلِمِينَ تَسْلِيمَ الْفِدَاءِ إلَيْهِمْ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ إلَّا بِحُجَّةٍ، وَلِلْمُسْلِمِينَ مَا أَصَابُوا مِنْهُمْ بِغَيْرِ فِدَاءٍ.\n٣٣١٨ - وَلَوْ بَعَثَ أَهْلُ الْحَرْبِ إلَى الْمُسْلِمِينَ إنَّا نُرِيدُ أَنْ نُفَادِيَكُمْ بِنَاسٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؛ الرِّجَالُ بِالرِّجَالِ وَالنِّسَاءُ بِالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانُ بِالصِّبْيَانِ، فَرَضِيَ الْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ، ثُمَّ جَاءُوا بِالْأُسَرَاءِ مِمَّنْ لَمْ يَمْلِكُوهُمْ فَأَرَادَ الْأَمِيرُ أَنْ يَأْخُذَهُمْ وَلَا يُعْطِيهِمْ فِدَاءَهُمْ فَهَذَا وَاسِعٌ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ.\nلِأَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ لَمْ يَمْلِكُوهُمْ، وَهُمْ ظَالِمُونَ فِي حَبْسِهِمْ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ إعْطَاءَ الْأَمَانِ عَلَى التَّقْرِيرِ عَلَى الظُّلْمِ لَا يَجُوزُ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ أَسْلَمُوا أَوْ صَارُوا ذِمَّةً أَخَذُوا مِنْهُمْ شَاءُوا أَوْ أَبَوْا فَكَذَلِكَ إذَا اسْتَأْمَنُوا عَلَيْهِمْ.\nلِأَنَّ مُرَاعَاةَ الْأَمَانِ لَا تَكُونُ أَوْجَبَ مِنْ مُرَاعَاةِ حُرْمَةِ الْإِسْلَامِ أَوْ عَقْدِ الذِّمَّةِ.\n٣٣١٩ - وَإِنْ كَانُوا فَادُوهُمْ بِمَالٍ فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُمْ الْوَفَاءُ بِمَا عَامَلُوهُمْ عَلَيْهِ، لِئَلَّا يُنْسَبُوا إلَى الْغَدْرِ وَلِيَطْمَئِنُّوا إلَيْهِمْ فِي مِثْلِ هَذَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ، بِخِلَافِ الْأُسَارَى أَوْ الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ إذَا وَقَعَتْ الْمُفَادَاةُ بِهَا.","vol":"1","page":1656},{"text":"لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ مِنْ رَدِّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَاجِبٌ شَرْعًا وَلِلِاسْتِحْبَابِ لَا يَجُوزُ تَرْكُ الْوَاجِبِ، فَأَمَّا الِامْتِنَاعُ مِنْ دَفْعِ الْمَالِ إلَيْهِمْ فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ شَرْعًا، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ يَجُوزُ دَفْعُ هَذَا الْمَالِ إلَيْهِمْ فَلِاسْتِحْبَابِ الْوَفَاءِ بِمَا وَقَعَ الصُّلْحُ بِهِ عَلَيْهِ قُلْنَا يَنْبَغِي أَنْ يُدْفَعَ الْمَالُ إلَيْهِمْ.\n٣٣٢٠ - غَيْرَ أَنَّ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ وَالرُّءُوسِ إنْ رَأَى الْإِمَامُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ فِيهِ مَا شَرَطَهُ لَهُمْ فَعَلَ ذَلِكَ، كَرَاهَةَ أَنْ يُنْسَبُوا إلَى الْغَدْرِ أَوْ يَحْذَرُوا الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي مِثْلِهِ عِنْدَ حَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ إلَيْهِ، فَإِنْ قِيلَ: فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَفِيَ الْإِمَامُ لَهُمْ بِمَا صَالَحَهُمْ مِنْ السِّلَاحِ وَغَيْرِهِ حَتَّى يَطْمَئِنُّوا إلَيْهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.\nقُلْنَا: هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ فَإِنَّهُمْ وَإِنْ لَمْ يَطْمَئِنُّوا إلَيْهِ فَذَلِكَ لَا يَضُرُّ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا.\nلِأَنَّ أَشَدَّ مَا بِحَضْرَتِهِمْ أَلَّا يَأْتُوا بِالْمُسْلِمِينَ بَعْدَ هَذَا حَتَّى يَأْخُذُوا فِدَاءَهُمْ، وَبِهَذَا الْمَوْهُومِ لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ رَدُّ الْمُقَاتِلَةِ أَوْ آلَةِ الْقِتَالِ عَلَيْهِمْ لِيَتَقَوَّوْا بِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.\n٣٣٢١ - وَلَوْ كَانُوا جَاءُوا بِعَبِيدٍ وَإِمَاءٍ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَأْخُذُ الْعَبِيدَ وَالْإِمَاءَ مِنْهُمْ إذَا ظَفِرَ بِهِمْ لِحُرْمَةِ الْإِسْلَامِ، وَلَا يُعْطِيهِمْ الْفِدَاءَ مِنْ الْأُسَرَاءِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَلَا مِنْ الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ وَلَكِنَّهُ يَنْظُرُ إلَى قِيمَةِ مَا كَانَ شَرَطَهُ لَهُمْ فَيُعْطِيهِمْ ذَلِكَ، وَهَذَا مُسْتَحَبٌّ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ وَاجِبٌ فِي هَذَا الْفَصْلِ.","vol":"1","page":1657},{"text":"لِأَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ قَدْ مَلَكُوهُمْ حَتَّى لَوْ أَسْلَمُوا أَوْ صَارُوا ذِمَّةً كَانَ سَالِمًا لَهُمْ، فَلَا يَكُونُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْخُذَهُمْ مِنْهُمْ مَجَّانًا بِخِلَافِ الْأَوَّلِ.\n٣٣٢٢ - فَإِنْ كَانُوا فَادُوهُمْ بِالْمَالِ سُلِّمَ الْمَالُ إلَيْهِمْ، وَلَيْسَ لِلْمَوَالِي عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ.\nلِأَنَّهُمْ حَصَلُوا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَا حَقَّ لِلْمَوَالِي فِي أَخْذِهِمْ، فَلَا يَثْبُتُ حَقُّهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ.\n٣٣٢٣ - وَإِنْ لَمْ يَظْفَرْ الْمُسْلِمُونَ بِأُسَرَائِهِمْ مِنْ الْأَحْرَارِ حَتَّى فَادُوهُمْ بِأَعْدَادِهِمْ مِنْ أُسَرَاءِ الْمُشْرِكِينَ فَأَخَذَ الْمُشْرِكُونَ أُسَرَاءَهُمْ وَأَعْطَوْا الْمُسْلِمِينَ أُسَرَاءَهُمْ فَلَا سَبِيلَ عَلَى أُسَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا فَدَوْا بِهِ، وَلَكِنَّهُمْ أَحْرَارٌ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ أُمَّهَاتُ أَوْلَادٍ أَوْ مُدَبَّرُونَ رَدُّوا إلَى مَوَالِيهِمْ بِغَيْرِ شَيْءٍ، إلَّا أَنْ يَكُونُوا هُمْ أَمَرُوا بِالْمُفَادَاةِ بِذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يَرْجِعُ عَلَيْهِمْ بِقِيمَةِ الْأُسَرَاءِ الَّذِينَ فَادُوهُمْ بِهِمْ، وَبِقِيمَةِ الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ.\nلِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ حَقًّا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ أَعْطَوْهُ فِي الْفِدَاءِ لِمَنْفَعَةٍ رَجَعَتْ إلَى الْمَأْسُورِينَ.\n٣٣٢٤ - فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ أَمْرِ الْمَوَالِي مِنْ الْمَمْلُوكِينَ مِنْهُمْ فَهُمْ مُتَبَرِّعُونَ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ بِأَمْرِ الْمَوَالِي يَثْبُتُ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَيْهِمْ.","vol":"1","page":1658},{"text":"لِأَنَّهُمْ الْتَزَمُوا ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ حِينَ أَمَرُوهُمْ بِالْمُفَادَاةِ بِهِمْ.\n٣٣٢٥ - وَإِنْ كَانُوا عَبِيدًا وَكَانَتْ الْمُفَادَاةُ بِغَيْرِ أَمْرِ الْمَوَالِي فَلَا سَبِيلَ لِلْمَوَالِي عَلَيْهِمْ.\nلِأَنَّ الْأَمِيرَ صَارَ كَالْمُشْتَرِي لَهُمْ مِنْ الَّذِينَ جَاءُوا بِهِمْ بِمَا فَادَاهُمْ بِهِ.\n٣٣٢٦ - وَإِنْ كَانَ بِأَمْرِ الْمَوَالِي رَجَعَ عَلَيْهِمْ بِقِيمَةِ ذَلِكَ شَاءُوا أَوْ أَبَوْا.\nلِأَنَّهُ صَارَ كَالنَّائِبِ عَنْهُمْ فِي شِرَائِهِمْ بِمَا فَادَاهُمْ بِهِ، ثُمَّ زَادَ فِي التَّفْرِيعِ فَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مِنْ الْمُكَاتَبِ، وَغَيْرِهِ مِنْ الْمَأْسُورِينَ إذَا فَادَاهُ الْأَمِيرُ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْحُكْمَ فِيمَا إذَا فَادَاهُ الْمُسْتَأْمَنُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَكَذَلِكَ إذَا فَادَاهُ إمَامُ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.\n٣٣٢٧ - فَإِنْ كَانَ فِي الْأُسَرَاءِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَلَيْسَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُفَادِيَهُ مِنْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ.\nلِأَنَّهُ مَالُ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّمَا يُفَادِي بِهِ الْأُسَرَاءَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ دُونَ أَهْلِ الذِّمَّةِ.\n٣٣٢٨ - إلَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا مُقَاتِلًا لَهُ جَزَاءً وَغِنَاءً، أَوْ كَانَ دَلِيلًا فِي أَرْضِ الْمُشْرِكِينَ، يَدُلُّ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ فَرَأَى الْإِمَامُ أَنْ يُفَادِيَهُ مِنْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.","vol":"1","page":1659},{"text":"لِأَنَّ فِي تَخْلِيصِهِ مَنْفَعَةً لِلْمُسْلِمِينَ، وَمَالُ بَيْتِ الْمَالِ مُعَدٌّ لِذَلِكَ.\n٣٣٢٩ - وَكَذَلِكَ إنْ رَأَى أَنْ يُفَادِيَهُ بِأَسِيرٍ قَدْ وَقَعَ فِي سَهْمِ رَجُلٍ وَيُعَوِّضُهُ قِيمَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ. لِأَنَّ هَذَا مِنْهُ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ\n٣٣٣٠ - وَإِنْ كَانَ الْأَسِيرُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ مُفَادَاتُهُ بِمَالٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ إجْحَافٌ بِالْمُسْلِمِينَ فَأَمَّا عِنْدَ الْإِجْحَافِ بِهِمْ لَا يَجِبُ ذَلِكَ.\nأَرَأَيْت لَوْ طَلَبُوا مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ فِي فِدَاءِ أَسِيرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَكَانَ يَجِبُ ذَلِكَ عَلَى الْإِمَامِ؟ هَذَا مِمَّا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ، فَإِنْ طَلَبُوا فِدَاءَهُ بِأَسِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ قَدْ وَقَعَ فِي سَهْمِ رَجُلٍ، وَكَرِهَ ذَلِكَ الرَّجُلُ دَفْعَهُ فِي الْفِدَاءِ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَأْخُذُ مِنْهُ شَاءَ أَوْ أَبَى وَيُعَوِّضُهُ قِيمَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.\nلِأَنَّ تَخْلِيصَ الْمُسْلِمِ مِنْ الْأَسْرِ فَرْضٌ عَلَيْهِ وَعَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بِحَسَبِ الْقُدْرَةِ وَالْإِمْكَانِ فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْهُ نَابَ الْأَمِيرُ مَقَامَهُ وَعَوَّضَهُ قِيمَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اسْتَحَقَّ سَهْمَهُ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - ﵀ - فِي جَوَازِ الْمُفَادَاةِ بِالْأُسَرَاءِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ.\n٣٣٣١ - وَلَوْ قَالَ أَهْلُ الْحَرْبِ نُعْطِيكُمْ أَسِيرًا بِأَسِيرَيْنِ أَوْ بِثَلَاثَةٍ مِنْ أُسَرَائِنَا فَإِنَّ الْإِمَامَ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ رَأَى الْمَنْفَعَةَ","vol":"1","page":1660},{"text":"ظَاهِرَةً لِلْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ بِأَنْ كَانَ مُبَارِزًا لَهُ جَزَاءً وَغِنَاءً فَلْيَفْعَلْ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ وَلَكِنْ فِيهِ بَعْضُ جُرْأَتِهِمْ وَتَحَكُّمِهِمْ عَلَيْنَا لَمْ يُجِبْهُمْ إلَى ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُ نُصِبَ نَاظِرًا فَلَا يَدْعُ النَّظَرُ لِلْمُسْلِمِينَ فِيمَا يَفْعَلُهُ لَهُمْ بِحَالٍ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ طَلَبُوا بِأَسِيرٍ وَاحِدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِائَةً مِنْ أُسَرَائِهِمْ - لَمْ يُجِبْهُمْ إلَى ذَلِكَ. فَهَذَا مِثْلُهُ.\n٣٣٣٢ - وَلَوْ كَانَ أَخُو مَلِكِهِمْ أَوْ ابْنُهُ أَسِيرًا فِي أَيْدِينَا وَقَدْ أَسْلَمَ فَقَالُوا: نُعْطِيكُمْ أَسِيرَكُمْ الْمُسْلِمَ عَلَى أَنْ تَرُدُّوا عَلَيْنَا أَخَا الْمَلِكِ لَمْ يَسَعْنَا أَنْ نَرُدَّهُ عَلَيْهِمْ.\nلِأَنَّهُ مُسْلِمٌ، وَمُفَادَاةُ الْمُسْلِمِ بِالْمُسْلِمِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْمُفَادَاةِ تَخْلِيصُ الْمُسْلِمِ مِمَّا يُخَافُ عَلَيْهِ مِنْ فِتْنَتِهِمْ.\n٣٣٣٣ - فَإِنْ طَابَتْ نَفْسُهُ بِذَلِكَ فَقَالَ: رُدُّونِي عَلَيْهِمْ وَخُذُوا أَسِيرَكُمْ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ مَأْمُونًا عَلَى إسْلَامِهِ بِأَنْ حَسُنَ إسْلَامُهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِرِضَاهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَفْعَلْهُ وَإِنْ رَضِيَ بِهِ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَأْمُونًا عَلَى ذَلِكَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا رَضِيَ بِهِ لِيَرْجِعَ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ تَمْكِينُهُ مِنْ ذَلِكَ بِحَالٍ.\n٣٣٣٤ - أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ ارْتَدَّ فِينَا فَقَالُوا لَنَا: خُذُوا","vol":"1","page":1661},{"text":"أَسِيرَكُمْ وَأَعْطُونَا ذَلِكَ الْمُرْتَدَّ لَمْ يَسَعْنَا أَنْ نَفْعَلَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّا نَعْرِضُ الْإِسْلَامَ عَلَى الْمُرْتَدِّ فَإِنْ أَسْلَمَ وَإِلَّا قَتَلْنَاهُ، فَكَذَلِكَ إذَا خِيفَ عَلَيْهِ الرِّدَّةُ بَعْدَ الْمُفَادَاةِ بِهِ، فَأَمَّا إذَا كَانَ لَا يُخَافُ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَإِنَّمَا لَا يُفَادَى بِهِ قَبْلَ رِضَاهُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيضِهِ لِلْقَتْلِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَرْضَى بِذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ آمِنًا عَلَى نَفْسِهِ، فَكَانَ حَالُهُ الْآنَ كَحَالِ الْمُفَادَاةِ بِالذِّمِّيِّ أَوْ بِالْمُسْتَأْمَنِ مِنْهُمْ فِي دَارِنَا إذَا رَضِيَ بِهِ.\nوَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فَهَذَا مِثْلُهُ.\n٣٣٣٥ - وَلَوْ جَاءَ مُسْتَأْمَنٌ مِنْهُمْ بِعَشَرَةٍ مِنْ أُسَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنْ يُفَادِيَ بِهِمْ غَيْرَهُ، وَقَدْ سَمَّاهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ فَوَجَدَهُمْ قَدْ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا ثُمَّ رَجَعَ فَأَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ بِالْأُسَرَاءِ الَّذِينَ أَخْرَجَهُمْ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ كَانُوا أَحْرَارًا أَخْلَى الْأَمِيرُ سَبِيلَهُمْ، وَقَالَ لَهُ: الْحَقْ بِبِلَادِك فَلَا شَيْءَ لَك.\nلِأَنَّهُ مَا كَانَ يَمْلِكُهُمْ.\n٣٣٣٦ - وَإِنْ كَانُوا عَبِيدًا أَوْ إمَاءً أَجْبَرَهُ عَلَى بَيْعِهِمْ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ جَاءَ بِعَبِيدٍ مَعَهُ بِأَمَانٍ فَأَسْلَمُوا فِي دَارِنَا، وَإِنْ كَانَ شَرَطَ عَلَيْنَا فِي الْأَمَانِ أَنْ يَشْتَرِيَ أُولَئِكَ النَّفَرَ وَنُسَلِّمَهُمْ لَهُ، فَأَبَى مَوَالِيهِمْ الْبَيْعَ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْأَمِيرِ أَنْ يَفِيَ لَهُمْ بِالشَّرْطِ إذَا أَخَذَ","vol":"1","page":1662},{"text":"الْأَحْرَارَ مِنْهُمْ، فَيُعْطِيهِمْ قِيمَةَ الَّذِينَ شَرَطَهُمْ لَهُ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ، وَإِنْ بَاعَهُمْ مَوَالِيهِمْ فَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَيْضًا أَلَّا يَدَعَهُ يَرْجِعُ بِأَحَدٍ مِنْهُمْ إلَى دَارِ الْحَرْبِ إنْ كَانُوا أَسْلَمُوا.\nوَهَذَا وَمَا لَوْ جَاءَ بِعَبِيدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي الْحُكْمِ سَوَاءٌ.\n٣٣٣٧ - وَإِذَا تَوَادَعَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ وَأَهْلُ الْحَرْبِ عَلَى أَنْ يَتَهَادَنُوا سَنَةً حَتَّى يَنْظُرُوا فِي أُمُورِهِمْ وَأَرَادَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ أَنْ يُعْطُوهُمْ رَهْنًا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَنْ غَدَرَ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ فَدِمَاءُ الرَّهْنِ لِلْآخَرَيْنِ حَلَالٌ، فَلَا بَأْسَ بِإِعْطَاءِ الرَّهْنِ عَلَى هَذَا، إذَا رَضِيَ بِذَلِكَ الرَّهْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.\nلِأَنَّهُ يُؤْمَنُ عَلَى الرَّهْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الرُّجُوعِ عَنْ الْإِسْلَامِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ لَا يَرْضَوْنَ بِذَلِكَ إذَا كَانُوا يَخَافُونَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ يَجُوزُ الْمُفَادَاةُ بِالْمُسْلِمِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ فَلَأَنْ يَجُوزَ تَسْلِيمُهُ إلَيْهِمْ رَهْنًا وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ أَوْلَى.\n٣٣٣٨ - وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُكْرِهَ الْإِمَامُ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْمُشْرِكِينَ شَوْكَةٌ شَدِيدَةٌ وَيَخَافُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنْهُمْ فَعِنْدَ ذَلِكَ لَا بَأْسَ بِإِكْرَاهِ الرَّهْنِ عَلَى ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي الِامْتِنَاعِ مِنْ هَذَا الصُّلْحِ خَوْفُ الْهَلَاكِ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ دَفْعُ هَذَا الْخَوْفِ عَنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَثْبُتُ لِلْإِمَامِ هَذِهِ الْوِلَايَةُ،","vol":"1","page":1663},{"text":"وَإِنْ كَانَ يَخَافُ فِيهِ عَلَى خَاصٍّ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ الرَّهْنُ لِلْأَصْلِ الْمَعْرُوفِ وَهُوَ أَنَّ مَنْ اُبْتُلِيَ بِبَلِيَّتَيْنِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَخْتَارَ أَهْوَنَهُمَا فَإِنْ أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ صَاحِبِهِ رَهْنًا فَغَدَرَ الْمُشْرِكُونَ وَقَتَلُوا الرَّهْنَ الَّذِي فِي أَيْدِيهِمْ، فَلَيْسَ يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَقْتُلُوا مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ الرَّهْنِ وَلَا أَنْ يَسْتَرِقُّوهُمْ.\nلِأَنَّهُمْ كَانُوا آمِنِينَ عِنْدَنَا، فَلَا يَبْطُلُ حُكْمُ أَمَانِهِمْ بِغَدْرِ الْمُشْرِكِينَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] .\n٣٣٣٩ - وَلَكِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا يَدَعُونَهُمْ يَرْجِعُونَ إلَى بِلَادِهِمْ وَيَجْعَلُونَهُمْ ذِمَّةً؛ لِأَنَّهُمْ رَضُوا بِالْمُقَامِ فِي دَارِنَا إلَى أَنْ يُرَدَّ عَلَيْنَا رَهْنُنَا وَقَدْ تَعَذَّرَ فَكَانُوا مُحْتَبِسِينَ فِي دَارِنَا عَلَى التَّأْبِيدِ بِرِضَاهُمْ وَالْكَافِرُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْمُقَامِ فِي دَارِنَا عَلَى التَّأْبِيدِ مُصِرًّا عَلَى كُفْرِهِ إلَّا بِالْجِزْيَةِ. قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَحَكَى أَنَّ الدوانيقي كَانَ جَرَى هَذَا الشَّرْطَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، ثُمَّ إنَّهُمْ غَدَرُوا فَقَتَلُوا رَهْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَجَمَعَ عُلَمَاءَ عَصْرِهِ وَسَأَلَهُمْ عَمَّا يُصْنَعُ بِرَهْنِهِمْ؟ فَقَالُوا لَهُ: لَكَ أَنْ تَقْتُلَهُمْ لِمَكَانِ الشَّرْطِ الَّذِي شَرَطُوا، وَفِيهِمْ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - سَاكِتٌ، فَقَالَ لَهُ: مَا لَك لَا تَتَكَلَّمُ؟ فَقَالَ: إنْ قَالُوا لَك هَذَا عَنْ رَأْيٍ فَقَدْ أَخْطَئُوا وَإِنْ قَالُوا بِنَاءً عَلَى هَوَاك فَقَدْ غَشُّوك فَلَيْسَ لَك أَنْ تَتَعَرَّضَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ بِالْقَتْلِ","vol":"1","page":1664},{"text":"وَلَا بِالسَّبْيِ. فَقَالَ: وَلَمْ وَقَدْ شَرَطُوا ذَلِكَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُمْ قَدْ شَرَطُوا عَلَيْك مَا لَا يَحِلُّ، وَشَرَطْت عَلَيْهِمْ مَا لَا يَحِلُّ فِي الشَّرْعِ، وَكُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] فَأَغْلَظَ الْقَوْلَ عَلَيْهِ وَقَالَ: مَا دَعَوْتُك لَهُمْ قَطُّ إلَّا جِئْتنِي بِمَا أَكْرَهُ، قُومُوا مِنْ عِنْدِي، فَخَرَجُوا ثُمَّ جَمَعَهُمْ مِنْ الْغَدِ وَقَالَ: تَبَيَّنَ لِي أَنَّ الصَّوَابَ مَا قُلْت فَمَاذَا نَصْنَعُ بِهِمْ؟ قَالَ: سَلْ الْعُلَمَاءَ. فَسَأَلَهُمْ فَقَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا بِذَلِكَ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: تُوضَعُ عَلَيْهِمْ الْجِزْيَةُ. قَالَ لِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُمْ احْتَسَبُوا عِنْدَك بِرِضَاهُمْ إلَى رَدِّ الرَّهْنِ، وَقَدْ فَاتَ ذَلِكَ، فَاسْتُحْسِنَ قَوْلُهُ وَأُثْنِيَ عَلَيْهِ وَرَدَّهُ بِجَمِيلٍ.\nفَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَ هَذَا الشَّرْطُ مِمَّا لَا يَحِلُّ فَلِمَاذَا قَالَ: لَا بَأْسَ بِإِعْطَاءِ الرَّهْنِ عَلَى هَذَا؟ قُلْنَا لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ احْتَاجُوا إلَيْهِ، وَلَيْسَ فِي مُجَرَّدِ الشَّرْطِ فَوَاتُ شَيْءٍ، وَلَا إثْبَاتُ شَيْءٍ لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ، بِخِلَافِ قَتْلِ الرَّهْنِ بِذَلِكَ الشَّرْطِ.\n٣٣٤٠ - وَلَوْ أَنَّهُمْ حِينَ أَعْطَوْا الرَّهْنَ وَأَخَذُوا الرَّهْنَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَدَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنْ يَأْخُذُوا مِنْهُمْ رَهْنَهُمْ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْخُذُوهُمْ.\nلِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُمْ ظَالِمُونَ فِي حَبْسِ رَهْنِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَجُوزُ إعْطَاءُ الْأَمَانِ عَلَى التَّقْرِيرِ عَلَى الظُّلْمِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ إزَالَتِهِ.\n٣٣٤١ - ثُمَّ لَا يُرَدُّ رَهْنُهُمْ حَتَّى يَأْمَنُوا مِمَّا كَانُوا يَخَافُونَ، فَإِذَا أَمِنُوا ذَلِكَ رَدُّوا عَلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ، وَلَا يَكُونُ هَذَا غَدْرًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ سَبَقَ نَظِيرُ هَذَا فِيمَا إذَا خَافَ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ مِنْ","vol":"1","page":1665},{"text":"الْمُسْتَأْمَنِينَ فِي الْمُعَسْكَرِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُمْ مَعَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ شَاءُوا أَوْ أَبَوْا حَتَّى يَأْمَنَ مِمَّا كَانَ يَخَافُ ثُمَّ يَرُدُّهُمْ إلَى دَارِهِمْ فَهَذَا قِيَاسُهُ.\nلِأَنَّ رَهْنَهُمْ فِي أَمَانٍ مِنَّا.\n٣٣٤٢ - وَإِنْ أَبَى الَّذِينَ فِي أَيْدِيهِمْ الرَّهْنُ أَنْ يُعْطُوا الرَّهْنَ إلَى الْمُسْلِمِينَ إلَّا بِقِتَالٍ فَلَا بَأْسَ بِقِتَالِهِمْ وَقَتْلِهِمْ عَلَى ذَلِكَ.\nلِأَنَّ الَّذِينَ فِي أَيْدِيهِمْ قَوْمٌ مِنْ أَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يُدْخِلُوهُمْ بِلَادَهُمْ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَا يَسَعُ الْمُسْلِمِينَ إلَّا أَنْ يُقَاتِلُوا لِتَخْلِيصِهِمْ مِنْ أَيْدِي الظَّالِمِينَ، إذَا قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ.\n٣٣٤٣ - وَإِنْ كَانُوا قَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: لَا نُقَاتِلُكُمْ أَبَدًا، وَلَكِنْ لَا نُعْطِيكُمْ الرَّهْنَ حَتَّى تَرُدُّوا رَهْنَنَا فَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَخَافُونَهُمْ فِي الْأَمْرِ الَّذِي وَادَعُوهُمْ مِنْ أَجْلِهِ فَلَهُمْ أَلَّا يُعْطُوهُمْ رَهْنَهُمْ، وَلَكِنْ يَبْدَءُونَهُمْ بِالْقِتَالِ لِأَخْذِ رَهْنِ الْمُسْلِمِينَ إذَا قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ آمَنُوا فَلْيَرُدُّوا إلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ.\nلِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ بِهِمْ إلَى حَبْسِ الرَّهْنِ الْآنَ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَهُنَاكَ بِهِمْ حَاجَةٌ إلَى حَبْسِ الرَّهْنِ لِإِزَالَةِ الْخَوْفِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَرُدُّوا عَلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ، وَلَكِنْ يُقَاتِلُونَهُمْ لِاسْتِنْقَاذِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَيْدِيهِمْ.\n٣٣٤٤ - وَإِنْ كَانَ الَّذِينَ أَخَذُوا الرَّهْنَ قَدْ انْتَهَوْا بِالرَّهْنِ إلَى","vol":"1","page":1666},{"text":"مَنَعَتِهِمْ وَقَدْ وَادَعَهُمْ الْمُسْلِمُونَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَ وُصُولِهِمْ إلَى مَنَعَتِهِمْ.\nلِأَنَّ هُنَاكَ إنَّمَا يُقَاتِلُونَهُمْ لِيَسْتَرِدُّوا الرَّهْنَ لَا لِنَقْضِ الْمُوَادَعَةِ، وَبَعْدَ مَا وَصَلُوا إلَى مَنَعَتِهِمْ الْقِتَالُ لَا يَكُونُ عَلَى الرَّهْنِ بَلْ عَلَى نَقْضِ الْمُوَادَعَةِ، وَقَدْ صَحَّتْ الْمُوَادَعَةُ فَذَلِكَ يَمْنَعُنَا مِنْ قِتَالِهِمْ حَتَّى نَنْبِذَ إلَيْهِمْ.\n٣٣٤٥ - قَالَ: وَلَوْ جَاءُوا بِأُسَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ لِلْمُفَادَاةِ فَنَادَوْا بِالْفِدَاءِ فِي مَوْضِعٍ هُمْ فِيهِ مُمْتَنِعُونَ، ثُمَّ رَجَعُوا بِهِمْ حِينَ لَمْ يَتَّفِقْ لَهُمْ الْمُفَادَاةُ فَتَبِعَهُمْ الْمُسْلِمُونَ وَأَخَذُوهُمْ مِنْهُمْ وَأَسَرُوهُمْ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ كُلِّهِ.\nلِأَنَّهُ مَا كَانَ لَهُمْ مِنَّا أَمَانٌ قَطُّ.\n٣٣٤٦ - ثُمَّ إنْ كَانَ فِيهِمْ عَبْدٌ وَأَمَةٌ أَخَذَهُ مَوْلَاهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ.\nلِأَنَّهُمْ أَصَابُوهُمْ بِطَرِيقِ الِاغْتِنَامِ.\n٣٣٤٧ - وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَأْمَنُوا إلَيْنَا ثُمَّ انْصَرَفُوا بِهِمْ حِينَ لَمْ يَتَّفِقْ لَهُمْ الْمُفَادَاةُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هُنَاكَ إذَا أُخِذَ مِنْهُمْ الْعَبِيدُ وَالْإِمَاءُ قَبْلَ أَنْ يَصِلُوا إلَى مَنَعَتِهِمْ أَعْطَوْهُمْ قِيمَتَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي أَمَانٍ مِنَّا، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ نُقَاتِلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ.","vol":"1","page":1667},{"text":"لِأَنَّ اسْتِنْقَاذَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَيْدِيهِمْ وَاجِبٌ، فَإِذَا أَبَوْا ذَلِكَ جَازَ قِتَالُهُمْ، وَإِنْ أَتَى عَلَى أَنْفُسِهِمْ.\nأَلَا تَرَى أَنَّ مُسْتَأْمَنًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَوْ أَسْلَمَ عَبْدُهُ فَامْتَنَعَ مِنْ بَيْعِهِ وَأَرَادَ إدْخَالَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ جَازَ قِتَالُهُ عَلَى ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ مَا الْتَزَمَهُ، فَإِنَّ هَذَا الْحُكْمَ مِنْ جُمْلَةِ مَا يَلْتَزِمُهُ الْمُسْتَأْمَنُ بِعَقْدِ الْأَمَانِ، وَمَا لَمْ يَبْلُغْ مَأْمَنَهُ فَهُوَ فِي أَمَانٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْ الِانْقِيَادِ لِلْحُكْمِ الَّذِي الْتَزَمَهُ جَازَ قِتَالُهُ عَلَى ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":1668},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>[بَابُ الْمُفَادَاةِ بِالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنْ السَّبْيِ وَغَيْرِ ذَلِكَ]</span>\n٣٣٤٨ - قَالَ: وَلَا بَأْسَ لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ أَنْ يُفَادِيَ الْأُسَرَاءَ بِالْأُسَرَاءِ إذَا طَلَب ذَلِكَ أَهْلُ الْحَرْبِ وَطَابَتْ أَنْفُسُ السَّرِيَّةِ بِذَلِكَ، الرِّجَالُ مِنْ الْأُسَارَى وَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ مَا لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِمْ.\nلِأَنَّهُ فُوِّضَ إلَيْهِ تَدْبِيرُ الْحَرْبِ، وَتَوْفِيرُ الْمَنْفَعَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَالْمُفَادَاةُ بِالْأُسَارَى فِي دَارِ الْحَرْبِ مِنْ تَدْبِيرِ الْحَرْبِ، وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَأْخُذُونَهُمْ بِالْمُفَادَاةِ أَعْظَمُ غِنَاءً بِالْمُسْلِمِينَ مِمَّا يُعْطُونَ، إلَّا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ رِضَاءُ أَهْلِ السَّرِيَّةِ فِي ذَلِكَ لِثُبُوتِ حَقِّهِمْ فِي الْمَأْسُورِينَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَرْضِيَهُمْ فِي الْمُفَادَاةِ لِمَا فِيهَا مِنْ إسْقَاطِ حَقِّهِمْ عَمَّا ثَبَتَ حَقُّهُمْ فِيهِ.\n٣٣٤٩ - وَكَذَلِكَ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مَا لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِ الْأُسَارَى، حَتَّى إنَّ الصِّبْيَانَ مِنْ السَّبْيِ إذَا كَانَ مَعَهُمْ الْآبَاءُ وَالْأُمَّهَاتُ لَا يُحْكَمُ لَهُمْ بِالْإِسْلَامِ حَتَّى يَصِفُوا الْإِسْلَامَ بِأَنْفُسِهِمْ فَتَجُوزُ الْمُفَادَاةُ بِهِمْ.\n٣٣٥٠ - وَكَذَلِكَ إنْ مَاتَتْ آبَاؤُهُمْ وَأُمَّهَاتُهُمْ فِي دَارِنَا.\nلِأَنَّ مَعْنَى التَّبَعِيَّةِ بِالْمَوْتِ لَا يَنْقَطِعُ فِي حُكْمِ الدِّينِ.","vol":"1","page":1669},{"text":"أَلَا تَرَى أَنَّ أَوْلَادَ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَا يُحْكَمُ لَهُمْ بِالْإِسْلَامِ وَإِنْ مَاتَ آبَاؤُهُمْ وَأُمَّهَاتُهُمْ فِي دَارِنَا. وَهُمْ صِغَارٌ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ آبَاؤُهُمْ وَأُمَّهَاتُهُمْ مَعَهُمْ فَطَلَبَ الْمُشْرِكُونَ الْمُفَادَاةَ بِالصِّبْيَانِ خَاصَّةً فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ تَفْرِيقٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ آبَائِهِمْ.\nلِأَنَّ هَذَا التَّفْرِيقَ بِحَقٍّ، وَتَخْلِيصُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أُسَرَاءِ الْمُشْرِكِينَ أَفْضَلُ وَأَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ تَرْكِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الصِّبْيَانِ وَالْآبَاءِ.\n٣٣٥١ - وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ مُفَادَاةُ صِبْيَانِهِمْ بِالْمَالِ، كَمَا لَا يَجُوزُ مُفَادَاةُ الْبَالِغِينَ مِنْهُمْ.\nلِأَنَّ الصَّغِيرَ يَكْبُرُ فَيَكُونُ مِنْهُ الْقِتَالُ وَيَكُونُ لَهُ النَّسْلُ بِخِلَافِ الشَّيْخِ وَالشَّيْخَةِ اللَّذَيْنِ لَا يُرْجَى لَهُمَا نَسْلٌ.\nلِأَنَّهُ لَيْسَ فِي رَدِّهِمَا عَلَى الْمُشْرِكِينَ مِنْ مَعْنَى التَّقَوِّي عَلَى الْقِتَالِ بِشَيْءٍ وَفِي الصِّغَارِ يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ الْمَعْنَى.\n٣٣٥٢ - وَلَوْ أَبَى أَهْلُ السَّرِيَّةِ أَوْ الْعَسْكَرُ الْمُفَادَاةَ بِالْأُسَارَى فَلَيْسَ لِأَمِيرِهِمْ أَنْ يُفَادِيَ بِهِمْ. إلَّا أَنْ يُعَوِّضَهُمْ مِنْ ذَلِكَ، مَا خَلَا خَصْلَةً وَاحِدَةً، الرِّجَالُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ الَّذِينَ أَسَرَهُمْ الْمُسْلِمُونَ لَا بَأْسَ بِالْمُفَادَاةِ بِهِمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِهِ أَهْلُ الْعَسْكَرِيَّةِ وَالسَّرِيَّةِ.\nلِأَنَّ لِأَمِيرِهِمْ أَنْ يَقْتُلَ الرِّجَالَ مِنْ الْأُسَرَاءِ، وَفِي الْقَتْلِ إبْطَالُ حَقِّ أَهْلِ الْعَسْكَرِ مِنْهُمْ، مِنْ غَيْرِ مَنْفَعَةِ تَخْلِيصِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَلَأَنْ يَجُوزَ الْمُفَادَاةُ، وَفِيهِ مَنْفَعَةُ التَّخْلِيصِ كَانَ أَوْلَى، بِخِلَافِ السَّبْيِ مِنْ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ،","vol":"1","page":1670},{"text":"وَالْأَمْوَالِ مِنْ الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُبْطِلُ حَقَّ الْغَانِمِينَ مِنْهُمْ إلَّا بِعِوَضٍ، فَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُفَادِيَ الْأُسَرَاءَ بِهِمْ إلَّا بِطِيبِ أَنْفُسِ الْغَانِمِينَ أَوْ بِعِوَضٍ إنْ أَبَوْا ذَلِكَ، وَذَلِكَ الْعِوَضُ يَكُونُ مِنْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ، وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُفَادِيَ بِالرِّجَالِ أَيْضًا إلَّا بِرِضَاءِ مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ.\nلِأَنَّهُ حِينَ قَسَمَهُمْ فَقَدْ حُرِّمَ عَلَيْهِ قَتْلُهُمْ، فَكَانَ حَالُهُمْ بَعْدَ الْقِسْمَةِ كَحَالِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ.\n٣٣٥٣ - فَإِنْ أَبَى مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ الرِّجَالُ الْمُفَادَاةَ بِهِمْ وَأَبَى الْمُشْرِكُونَ أَنْ يَرُدُّوا أُسَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ إلَّا بِأُولَئِكَ، فَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَشْتَرِيَهُمْ بِمَالِ بَيْتِ الْمَالِ مِنْ مَوَالِيهِمْ ثُمَّ يُفَادِيَ بِهِمْ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَبِيعُوهُ قَوَّمَهُمْ قِيمَةَ عَدْلٍ، ثُمَّ أَخَذَهُمْ بِتِلْكَ الْقِيمَةِ شَاءَ مَوَالِيهِمْ أَوْ أَبَوْا.\nلِأَنَّ الْمُفَادَاةَ بِهِمْ تَسْتَحِقُّ بِعِوَضٍ عَلَى الْمَوَالِي، يُعْطِيهِمْ الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِذَا أَبَوْا نَابَ الْإِمَامُ مَنَابَهُمْ فِي ذَلِكَ، كَالذِّمِّيِّ إذَا أَسْلَمَ عَبْدُهُ فَأَبَى أَنْ يَبِيعَهُ نَابَ الْإِمَامُ مَنَابَهُ فِي ذَلِكَ، لِامْتِنَاعِهِ مِمَّا هُوَ مُسْتَحَقٌّ.\n٣٣٥٤ - وَكَذَلِكَ لَوْ طَلَبَ الْمُشْرِكُونَ الْمُفَادَاةَ بِعَبِيدٍ كُفَّارٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِقَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَسْتَرْضِيهِمْ فِي ذَلِكَ.\nلِأَنَّ الْمُفَادَاةَ بِأَحْرَارِ أَهْلِ الذِّمَّةِ يَجُوزُ بِرِضَائِهِمْ، فَعَبِيدُهُمْ عِنْدَ رِضَاءِ الْمَوْلَى أَجْوَزُ.\n٣٣٥٥ - وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ رِضَاءُ الْعَبِيدِ.","vol":"1","page":1671},{"text":"لِأَنَّهُمْ مَمَالِيكُ، وَلَا قَوْلَ لِلْمَمْلُوكِ فِي نَقْلِهِ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ فِي الرِّضَاءِ وَالسَّخَطِ.\n٣٣٥٦ - وَإِنْ لَمْ يَرْضَ الْمَوَالِي بِذَلِكَ اشْتَرَاهُمْ مِنْهُمْ بِمَالِ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَبِيعُوهُمْ قَوَّمَهُمْ قِيمَةَ عَدْلٍ.\nلِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ لَهُ هَذِهِ الْوِلَايَةُ فِي أَمْلَاكِ الْمُسْلِمِينَ لِتَخْلِيصِ أُسَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِهِ مِنْ ذُلِّ الْمُشْرِكِينَ فَلَأَنْ يَثْبُتَ لَهُ هَذِهِ الْوِلَايَةُ فِي مِلْكِ أَهْلِ الذِّمَّةِ كَانَ أَوْلَى.\n٣٣٥٧ - وَلَوْ أَنَّ أَمِيرَ الْعَسْكَرِ فَادَى الْأُسَارَى بِقَوْمٍ أَحْرَارٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ الْبَيْعِ وَالْقِسْمَةِ فَقَالَ أَهْلُ الْعَسْكَرِ: نَحْنُ نَأْخُذُ قِيمَتَهُمْ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِمْ.\nلِأَنَّهُمْ فُودُوا بِغَيْرِ أَمْرِهِمْ، وَلَوْ فُودُوا بِمِلْكٍ خَاصٍّ لِلْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ أَمْرِهِمْ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ مِنْ عِوَضِ ذَلِكَ، فَإِذَا فُودُوا بِمَا هُوَ مِنْ الْغَنِيمَةِ كَانَ أَوْلَى.\nفَإِنْ كَانُوا سَأَلُوا الْإِمَامَ أَنْ يُفَادِيهِمْ بِهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ دَيْنًا لِلْغُزَاةِ عَلَيْهِمْ فَهُوَ عَلَى مَا شَرَطُوا، وَكَانَ عَلَيْهِمْ قِيمَةُ مَا فُودُوا بِهِ عَلَى أَنْ يُؤْخَذَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَيُجْعَلُ فِي الْغَنِيمَةِ يُقْسَمُ وَيُخَمَّسُ مَا بَقِيَ بَيْنَ مَنْ أَصَابَهُ.\nلِأَنَّ حُكْمَ الْبَدَلِ حُكْمُ الْمُبْدَلِ.\n٣٣٥٨ - وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الْأَحْرَارِ مِنْ أُسَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَبِيدٌ أَوْ إمَاءٌ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَإِنَّ مَا يَأْخُذُهُ الْأَمِيرُ مِنْ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ يَجْعَلُهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اشْتَرَاهُمْ بِمَا أَعْطَى مِنْ الْأُسَرَاءِ، ثُمَّ يَكُونُ لِمَوَالِيهِمْ الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذُوهُمْ بِقِيمَةِ","vol":"1","page":1672},{"text":"الْأُسَرَاءِ الَّذِينَ فَدَاهُمْ الْإِمَامُ بِهِمْ، ثُمَّ يُجْعَلُ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَبَيْنَ أَنْ يَتْرُكُوهُمْ، وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ قِيمَةُ أُسَرَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِثْلَ قِيمَةِ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ مِمَّا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ أَوْ لَا يُتَغَابَنُ.\nلِأَنَّهُ قَدْ كَانَ لَهُ وِلَايَةُ قَتْلِ أُسَرَاءِ الْمُشْرِكِينَ، وَفِيهِ إبْطَالُ حَقِّ الْغَانِمِينَ عَنْهُمْ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَلَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَهُ بِعِوَضٍ، وَهُوَ أَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِمْ، كَانَ أَوْلَى.\n٣٣٥٩ - وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْمُفَادَاةُ بِالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ فَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ مُتَسَاوِيَةً أَوْ كَانَ التَّفَاوُتُ يَسِيرًا، فَلَا بَأْسَ بِهِ لِلْأَمِيرِ مِنْ غَيْرِ رِضَى أَهْلِ الْعَسْكَرِ، بِمَنْزِلَةِ بَيْعِهِ الْغَنَائِمَ، وَإِذَا كَانَ مَا يُعْطَى أَكْثَرَ قِيمَةً مِمَّا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ رِضَاءِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يَزِيدَهُمْ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ بِقَدْرِ مَا يَفِي مِنْ قِيمَةِ أُسَرَائِهِمْ اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ، ثُمَّ يَجْمَعُ ذَلِكَ فَيَرْفَعُ الْخُمُسَ مِنْهُ، وَيَقْسِمُ الْأَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسَ بَيْنَ مَنْ أَصَابَهُ، وَفِكَاكُ كُلِّ أَسِيرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْأَرْضِ الَّتِي يُقَاتِلُ مِنْ وَرَائِهَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ خَرَاجِهَا فَيَفْدِي بِهِ الْأَسِيرَ الْمُسْلِمَ الَّذِي يُقَاتِلُ عَنْهَا.\nلِأَنَّ التَّمَكُّنَ مِنْ أَخْذِ الْخَرَاجِ بِاعْتِبَارِ الْحِمَايَةِ، وَذَلِكَ بِالْمُقَاتِلَةِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ عَنْ تِلْكَ الْأَرْضِ، فَإِذَا وَقَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى مُفَادَاتِهِمْ كَانَ ذَلِكَ الْخَرَاجُ مُتَعَيِّنًا لِمُفَادَاتِهِمْ، لِيَكُونَ الْغُرْمُ بِمُقَابَلَةِ الْغُنْمِ.","vol":"1","page":1673},{"text":"٣٣٦٠ - فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا خَرَاجٌ فَذَلِكَ فِي خَرَاجِ غَيْرِهَا مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ.\nلِأَنَّهُ إذَا قَاتَلَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ يُقَاتِلُ عَنْهَا كُلِّهَا، لِأَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ يَقْصِدُونَ الِاسْتِيلَاءَ عَلَى جَمِيعِ أَرْضِ الْإِسْلَامِ لَوْ قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ، فَاَلَّذِينَ يُقَاتِلُونَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَدْفَعُونَهُمْ عَنْ جَمِيعِ أَرْضِ الْإِسْلَامِ. ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى اعْتِبَارِ رِضَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُفَادَاةِ بِقِصَّةِ سَبْيِ هَوَازِنَ، فَقَدْ رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، يَوْمَئِذٍ سِتَّةَ آلَافٍ مِنْ سَبْيِ هَوَازِنَ حِينَ أَسْلَمُوا، وَالْقِصَّةُ فِي ذَلِكَ «أَنَّ وَفْدَهُمْ الَّذِينَ جَاءُوا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ فِي هَذِهِ الْحَظَائِرِ بَعْضُ عَمَّاتِك وَخَالَاتِك، وَلَوْ كُنَّا مَنَحْنَا لِلنُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ مُلُوكِ الْعَرَبِ لَكَانَ يُرَاعِي ذَلِكَ لَنَا، وَأَنْتَ أَبَرُّ النَّاسِ وَأَوْصَلُهُمْ»، وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ - كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِيهِمْ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ رَقَّ لَهُمْ وَقَالَ: «وَإِذَا صَلَّيْنَا الظُّهْرَ فَقُومُوا وَأَعِيدُوا مَقَالَتَكُمْ هَذِهِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -: قَدْ كُنْت مُنْتَظِرًا لَكُمْ فَأَبْطَأْتُمْ الْمَجِيءَ حَتَّى جَرَى فِي السَّبْيِ سِهَامُ الْمُسْلِمِينَ، فَأَمَّا مَا كَانَتْ لِي وَلِقُرَيْشٍ فَقَدْ سَلَّمْتُ لَكُمْ، فَلَمَّا سَمِعَ الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ قَالَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ: وَقَدْ سَلَّمْنَا مَا كَانَ لَنَا أَيْضًا. فَقَالَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ: أَمَّا أَنَا وَبَنُو فَزَارَةَ فَلَا. وَقَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: أَمَّا أَنَا وَبَنُو تَمِيمٍ فَلَا فَلَمَّا اخْتَلَفُوا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -: هَؤُلَاءِ قَوْمٌ قَدْ جَاءُوا مُسْلِمِينَ فَرُدُّوا عَلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، وَمَنْ أَبَى ذَلِكَ فَلَهُ عَلَيْنَا مَكَانَ كُلِّ رَأْسٍ سِتَّةُ قَلَائِصَ نُعْطِيهِ مِنْ أَوَّلِ غَنِيمَةٍ نُصِيبُهَا» .\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ طَلَبَ رِضَاءَهُمْ وَمَنْ أَبَى الْتَزَمَ لَهُ عِوَضًا حَتَّى رَدَّهُمْ عَلَى قَوْمِهِمْ، فَصَارَ هَذَا أَصْلًا فِي الْحُكْمِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ فِي الْبَابِ وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":1674},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>[بَابُ الْمُوَادَعَةِ]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١٦٠)\n١٦٠ - بَابُ الْمُوَادَعَةِ ٣٣٦١ - قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - ﵁ -: لَا يَنْبَغِي مُوَادَعَةُ أَهْلِ الشِّرْكِ إذَا كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ قُوَّةٌ. لِأَنَّ فِيهِ تَرْكَ الْقِتَالِ الْمَأْمُورِ بِهِ، أَوْ تَأْخِيرَهُ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَنْبَغِي لِلْأَمِيرِ أَنْ يَفْعَلَهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] .\n٣٣٦٢ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالْمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ عَلَيْهِمْ فَلَا بَأْسَ بِالْمُوَادَعَةِ. لِأَنَّ الْمُوَادَعَةَ خَيْرٌ لِلْمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَقَدْ قَالَ ﷿: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦١] وَلِأَنَّ هَذَا مِنْ تَدْبِيرِ الْقِتَالِ، فَإِنَّ عَلَى الْمُقَاتِلِ أَنْ يَحْفَظَ قُوَّةَ نَفْسِهِ أَوَّلًا، ثُمَّ يَطْلُبَ الْعُلُوَّ وَالْغَلَبَةَ إذَا تَمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ الصَّغِيرَ يَمُصُّ اللَّبَنَ مَا لَمْ تَنْبُتْ أَسْنَانُهُ، ثُمَّ يَمْضُغُ اللَّحْمَ بَعْدَ نَبَاتِ الْأَسْنَانَ، فَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ النَّظَرَ فِي الْمُوَادَعَةِ عِنْدَ ضَعْفِ حَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي الِامْتِنَاعِ مِنْهَا وَالِاشْتِغَالِ بِالْقِتَالِ عِنْدَ قُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ.","vol":"1","page":1689},{"text":"وَاسْتَدَلَّ عَلَى جَوَازِ الْمُوَادَعَةِ بِمُبَاشَرَةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - ذَلِكَ وَالْمُسْلِمِينَ بَعْدَهُ إلَى يَوْمِنَا هَذَا. - فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ: «لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، الْمَدِينَةَ وَادَعَتْهُ يَهُودُهَا كُلُّهَا، وَكَتَبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا كِتَابًا، وَأَلْحَقَ كُلَّ قَوْمٍ بِحُلَفَائِهِمْ، وَكَانَ فِيمَا شَرَطَ عَلَيْهِمْ أَلَّا يُظَاهِرُوا عَلَيْهِ عَدُوًّا، ثُمَّ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ بَغَتْ يَهُودُ، وَقَطَعَتْ مَا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ - مِنْ الْعَهْدِ، فَأَرْسَلَ إلَيْهِمْ فَجَمَعَهُمْ وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا، فَوَاَللَّهِ إنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ» . وَفِي رِوَايَةٍ «أَسْلِمُوا قَبْلَ أَنْ يُوقِعَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَكُمْ مِثْلَ وَقْعَةِ قُرَيْشٍ بِبَدْرٍ» . فَصَارَ هَذَا أَصْلًا بِجَوَازِ الْمُوَادَعَةِ عِنْدِ ضَعْفِ حَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْإِقْدَامِ عَلَى الْمُقَاتَلَةِ عِنْدَ قُوَّتِهِمْ. فَإِذَا وَادَعَهُمْ وَأَخَذَ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ جُعْلًا فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يُوَادِعَهُمْ بِغَيْرِ شَيْءٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُمْ فَالْمُوَادَعَةُ بِمَالٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُمْ أَجْوَزُ، وَذَلِكَ الْمَالُ بِمَنْزِلَةِ الْخَرَاجِ لَا يُخَمَّسُ، وَلَكِنْ يَضَعُهُ مَوْضِعَ الْخَرَاجِ؛ لِأَنَّهُ مَالُ أَهْلِ الْحَرْبِ، حَصَلَ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ لَا بِإِيجَافِ الْخَيْلِ","vol":"1","page":1690},{"text":"وَالرِّكَابِ فَلَا يَكُونُ مِنْ الْغَنِيمَةِ فِي شَيْءٍ كَمَا أَشَارَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَا أَوَجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦] الْآيَةَ.\n\nوَلَا بَأْسَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِمُوَادَعَةِ الْمُرْتَدِّينَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى دَارِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا قُوَّةَ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى قِتَالِهِمْ، فَكَانَتْ الْمُوَادَعَةُ خَيْرًا لَهُمْ، وَلَكِنْ يُكْرَهُ أَخْذُ الْجُعْلِ مِنْهُمْ عَلَى الْمُوَادَعَةِ بِخِلَافِ أَهْلِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُوَادَعَةِ مِنْ الْمَالِ بِمَنْزِلَةِ الْخَرَاجِ، وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْخَرَاجِ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ فَكَذَلِكَ بِالْمُوَادَعَةِ بِخِلَافِ أَهْلِ الْحَرْبِ.\n٣٦٦٤ - وَإِنْ أَخَذَ الْإِمَامُ ذَلِكَ مِنْهُمْ لَمْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِمْ. لِأَنَّهُ لَا أَمَانَ لَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي نُفُوسِهِمْ وَلَا فِي أَمْوَالِهِمْ، وَبَعْدَ مَا غَلَبُوا عَلَى دَارِهِمْ، فَقَدْ صَارَتْ دَارُهُمْ دَارَ الْحَرْبِ حَتَّى إذَا وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمْ يَكُونُ مَالُهُمْ غَنِيمَةً لِلْمُسْلِمِينَ.\n٣٣٦٥ - فَكَذَلِكَ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ بِالْمُوَادَعَةِ يَكُونُ سَالِمًا لِلْمُسْلِمِينَ، لَا يُرَدُّ عَلَيْهِمْ وَإِنْ أَسْلَمُوا\n\nوَكَذَلِكَ لَا بَأْسَ بِمُوَادَعَةِ أَهْلِ الْبَغْيِ لِمَا بَيَّنَّا، وَالْحَاجَةُ إلَى الْمُوَادَعَةِ فِي هَذَا الْفَصْلِ أَظْهَرُ. لِأَنَّهُمْ رُبَّمَا يَتَأَمَّلُونَ فَيَتُوبُونَ وَيَرْجِعُونَ.","vol":"1","page":1691},{"text":"وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ جُعْلٌ؛ لِأَنَّهُمْ قَوْمٌ مُسْلِمُونَ، لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْخَرَاجِ مِنْ رُءُوسِهِمْ، وَالْمَالُ الْمَأْخُوذُ بِالْمُوَادَعَةِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَإِنْ أَخَذُوهُ رَدُّوهُ عَلَيْهِمْ إذَا وَضَعَتْ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا؛ لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ لَوْ أُصِيبَ مِنْهُمْ مَالٌ بِالْقِتَالِ وَجَبَ رَدُّهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ مَا وَضَعَتْ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا، فَكَذَلِكَ إذَا أُصِيبَ مِنْهُمْ مَالٌ بِالْمُوَادَعَةِ.\n٣٣٦٦ - وَإِذَا خَافَ الْمُسْلِمُونَ الْمُشْرِكِينَ فَطَلَبُوا مُوَادَعَتَهُمْ فَأَبَى الْمُشْرِكُونَ أَنْ يُوَادِعُوهُمْ حَتَّى يُعْطِيَهُمْ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ مَالًا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ عِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ. لِأَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَفْعَلُوا وَلَيْسَ بِهِمْ قُوَّةُ دَفْعِ الْمُشْرِكِينَ ظَهَرُوا عَلَى النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ جَمِيعًا، فَهُمْ بِهَذِهِ الْمُوَادَعَةِ يَجْعَلُونَ أَمْوَالَهُمْ دُونَ أَنْفُسِهِمْ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ: «اجْعَلْ مَالَك دُونَ نَفْسِك وَنَفْسَك دُونَ دِينِك» . وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ - ﵁ - كَانَ يُدَارِي رَجُلًا فَقِيلَ لَهُ: إنَّك مُنَافِقٌ. فَقَالَ: لَا، وَلَكِنِّي أَشْتَرِي دِينِي بَعْضَهُ بِبَعْضٍ مَخَافَةَ أَنْ يَذْهَبَ كُلُّهُ. فَفِي هَذَا بَيَانٌ أَنَّهُ لَيْسَ بِالْمَهَانَةِ.\n٣٣٦٧ - وَلَا بَأْسَ بِدَفْعِ بَعْضِ الْمَالِ عَلَى سَبِيلِ الدَّفْعِ عَنْ الْبَعْضِ إذَا خَافَ ذَهَابَ الْكُلِّ، فَأَمَّا إذَا كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمُوَادَعَةُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.","vol":"1","page":1692},{"text":"لِأَنَّ فِيهَا الْتِزَامُ الرِّيبَةِ، وَالْتِزَامُ الذُّلِّ، وَلَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ وَقَدْ أَعَزَّهُ اللَّهُ تَعَالَى. ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِقِصَّةِ الْأَحْزَابِ.\n٣٣٦٨ - فَإِنَّهُ «حُصِرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، وَأَصْحَابُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، يَوْمَئِذٍ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حَتَّى خَلَصَ إلَى كُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ الْكَرْبُ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -: اللَّهُمَّ إنِّي أَنْشُدُك عَهْدَك وَوَعْدَك، اللَّهُمَّ إنَّك إنْ تَشَأْ لَا تُعْبَدُ وَبَلَغَ مِنْ حَالِهِمْ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ. وَتَظُنُّونَ بِاَللَّهِ الظَّنُونَا﴾ [الأحزاب: ١٠] ثُمَّ أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - إلَى عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ»، فِي رِوَايَةٍ «أَرَأَيْتَ لَوْ جَعَلْتُ لَك ثُلُثَ ثِمَارِ الْأَنْصَارِ أَتَرْجِعُ بِمَنْ مَعَك مِنْ غَطَفَانَ وَتَخْذُلُ بَيْنَ الْأَحْزَابِ؟ فَقَالَ: إنْ جَعَلْتَ لِي الشَّطْرَ فَعَلْتُ»\n٣٣٦٩ - وَفِي رِوَايَةٍ «أَرْسَلَ عُيَيْنَةُ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - تُعْطِينَا ثَمَرَ الْمَدِينَةِ هَذِهِ السَّنَةَ وَنَرْجِعُ عَنْك وَنُخَلِّي بَيْنَك وَبَيْنَ قَوْمِك فَتُقَاتِلُهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -: لَا. قَالَ: فَنِصْفُ الثَّمَرِ: فَقَالَ: نَعَمْ. ثُمَّ أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - إلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ","vol":"1","page":1693},{"text":"وَهُمَا سَيِّدَا الْحَيَّيْنِ فَاسْتَشَارَهُمَا وَقَدْ حَضَرَ عُيَيْنَةُ وَقَالَ: اُكْتُبْ بَيْنَنَا كِتَابًا. فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - بِصَحِيفَةٍ وَدَوَاةٍ لِيَكْتُبَ بَيْنَهُمْ، فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُوحِيَ إلَيْك فِي هَذَا؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنِّي رَأَيْتُ الْعَرَبَ قَدْ رَمَتْكُمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، فَقُلْت: أَرُدُّهُمْ عَنْكُمْ. فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاَللَّهِ إنَّهُمْ كَانُوا لَيَأْكُلُونَ الْعِلْهِزَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ الْجَهْدِ، وَمَا طَمِعُوا مِنَّا قَطُّ أَنْ يَأْخُذُوا ثَمَرَةً إلَّا بُشْرَى، أَوْ قِرًى فَحِينَ أَيَّدَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِك وَأَكْرَمَنَا وَهَدَانَا بِك نُعْطَى الدَّنِيَّةَ؟، لَا نُعْطِيهِمْ إلَّا السَّيْفَ. فَشَقَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - الصَّحِيفَةَ وَقَالَ: اذْهَبُوا، لَا نُعْطِيكُمْ إلَّا السَّيْفَ. وَأَقْبَلَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ، وَعُيَيْنَةُ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﵌ - مَادًّا رِجْلَيْهِ. فَقَالَ: يَا عُيَيْنَةُ الهجرس، اقْبِضْ رِجْلَيْك، أَتَمُدُّ رِجْلَيْك بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -، وَاَللَّهِ لَوْلَا رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - لَأُنْفِذَنَّ خُصْيَتَيْك بِالرُّمْحِ، مَتَى طَمِعْت هَذَا مِنَّا؟» فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ أَنَّ عِنْدَ الضَّعْفِ لَا بَأْسَ بِهَذِهِ الْمُوَادَعَةِ، فَقَدْ رَغِبَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ،","vol":"1","page":1694},{"text":"- ﵌ -، حِينَ أَحَسَّ بِالْمُسْلِمِينَ ضَعْفًا، وَعِنْدَ الْقُوَّةِ لَا تَجُوزُ هَذِهِ الْمُوَادَعَةُ، فَإِنَّهُ لَمَّا قَالَتْ الْأَنْصَارُ مَا قَالَتْ عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - مِنْهُمْ الْقُوَّةَ فَشَقَّ الصَّحِيفَةَ. وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ فِيهَا مَعْنَى الِاسْتِذْلَالِ، وَلِأَجْلِهِ كَرِهَتْ الْأَنْصَارُ دَفْعَ بَعْضِ الثِّمَارِ، وَالِاسْتِذْلَالُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَرْضَى بِهِ الْمُسْلِمُونَ إلَّا عِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ\n٣٣٧٠ - قَالَ: وَإِذَا وَادَعَ الْإِمَامُ أَهْلَ الْحَرْبِ فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الدَّارِ فَقَطَعَ الطَّرِيقَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَأَخَافَ السَّبِيلَ فَأَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ فَلَيْسَ هَذَا بِنَقْضٍ مِنْهُ لِلْعَهْدِ. لِأَنَّ أَهْلَ تِلْكَ الدَّارِ فِي أَمَانٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِتِلْكَ الْمُوَادَعَةِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ مَنْ دَخَلَ مِنْهُمْ دَارَ الْإِسْلَامِ بِتِلْكَ الْمُوَادَعَةِ كَانَ آمِنًا لَا نَعْرِضُ لَهُ. فَالْمُسْتَأْمَنُ فِي دَارِنَا بِمِثْلِ هَذَا الصَّنِيعِ لَا يَكُونُ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ، كَمَا لَا يَكُونُ بِهِ الذِّمِّيُّ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ، وَكَمَا لَا يَكُونُ الْمُسْلِمُ بِهِ نَاقِضًا لِأَمَانِهِ، وَهَذَا لَا مَنْعَةَ لَهُ فَلَا يَكُونُ مُجَاهِرًا بِمَا يَصْنَعُ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ نَقْضُ الْعَهْدِ عِنْدَ الْمُجَاهَرَةِ بِالْقِتَالِ.\n٣٣٧١ - وَكَذَلِكَ الْعَدَدُ مِنْهُمْ إذَا فَعَلُوا ذَلِكَ وَلَمْ يَكُونُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ فَهَذَا وَالْوَاحِدُ سَوَاءٌ.","vol":"1","page":1695},{"text":"لِأَنَّ هَؤُلَاءِ غَيْرُ مُمْتَنِعِينَ، وَأَصْحَابُهُمْ بِصُنْعِ هَؤُلَاءِ غَيْرُ رَاضِينَ.\n٣٣٧٢ - فَإِنْ كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ فَعَلُوا ذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ عَلَانِيَةً بِغَيْرِ أَمْرٍ مِنْ مَلِكِهِمْ وَأَهْلِ مَمْلَكَتِهِ فَهَؤُلَاءِ نَاقِضُونَ لِلْعَهْدِ. لِأَنَّهُ لَيْسَ فَائِدَةُ الْعَهْدِ إلَّا تَرْكُ الْقِتَالِ، فَإِذَا جَاهَرُوا بِالْقِتَالِ مُتَقَرِّرَيْنِ بِمَنْعَتِهِمْ كَانُوا نَاقِضِينَ بِمُبَاشَرَتِهِمْ ضِدَّ مَا هُوَ مُوجِبٌ لِلْمُوَادَعَةِ.\n٣٣٧٣ - فَأَمَّا الْمَلِكُ وَأَهْلُ مَمْلَكَتِهِ فَهُمْ عَلَى مُوَادَعَتِهِمْ. لِأَنَّهُمْ مَا بَاشَرُوا سَبَبَ نَقْضِهَا وَلَا رَضُوا بِصَنِيعِ هَؤُلَاءِ فَلَا يُؤْخَذُونَ بِذَنْبِ غَيْرِهِمْ.\n٣٣٧٤ - وَإِنْ كَانُوا خَرَجُوا بِإِذْنِ مَلِيكِهِمْ فَقَدْ نَقَضُوا جَمِيعًا الْعَهْدَ، فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِمْ وَسَبْيِهِمْ حَيْثُمَا وُجِدُوا. لِأَنَّ فِعْلَهُمْ بِإِذْنِ الْمَلِكِ كَفِعْلِ الْمَلِكِ بِنَفْسِهِ. وَأَهْلُ الْمَمْلَكَةِ تَبَعُ الْمَلِكِ فِي الْمُوَادَعَةِ وَالْمُقَاتَلَةِ لِانْقِيَادِهِمْ لَهُ وَرِضَاهُمْ بِكَوْنِهِ رَأْسَهُمْ. فَإِذَا صَارَ هُوَ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ صَارَ أَهْلُ الْمَمْلَكَةِ نَاقِضِينَ لِلْعَهْدِ تَبَعًا لَهُ، سَوَاءٌ عَلِمُوا بِمَا صَنَعَ مَلِكُهُمْ، أَوْ لَمْ يَعْلَمُوا، إلَّا رَجُلٌ خَرَجَ إلَى دَارِنَا قَبْلَ إذْنِ مَلِكِهِمْ فِي الَّذِي أَذِنَ فِيهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ قَدْ حَصَلَ آمِنًا فِينَا فَيَبْقَى آمِنًا مَا لَمْ يَعُدْ إلَى مَنْعَتِهِ.\n٣٣٧٥ - وَإِنْ كَانَتْ الْجَمَاعَةُ الَّتِي خَرَجَتْ إلَى الْقِتَالِ خَرَجَتْ بِعِلْمِ مَلِكِهِمْ فَلَمْ يَنْهَهُمْ وَلَمْ يُخْبِرْ الْمُسْلِمِينَ بِأَمْرِهِمْ فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ.","vol":"1","page":1696},{"text":"لِأَنَّهُمْ حَشَمُهُ يَنْقَادُونَ لَهُ، وَالسَّفِيهُ إذَا لَمْ يُنْهَ مَأْمُورٌ، وَلِأَنَّهُ كَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْمُوَادَعَةِ مَنْعُهُمْ إنْ قَدِرَ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ إخْبَارُ الْمُسْلِمِينَ بِأَمْرِهِمْ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ، فَإِذَا تَرَكَ مَا هُوَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ بِتِلْكَ الْمُوَادَعَةِ كَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ أَمْرِهِ إيَّاهُمْ بِالْقِتَالِ.\n٣٣٧٦ - قَالَ: وَلَوْ بَدَا لِلْإِمَامِ بَعْدَ الْمُوَادَعَةِ أَنَّ الْقِتَالَ خَيْرٌ فَبَعَثَ إلَى مَلِكِهِمْ يَنْبِذُ إلَيْهِ فَقَدْ صَارَ ذَلِكَ نَقْضًا. لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْإِمَامِ فِي الْحِرْزِ عَنْ الْغَدْرِ فَوْقَ مَا أَتَى بِهِ مِنْ النَّبْذِ إلَى مَلِكِهِمْ وَإِخْبَارِهِ بِأَنَّهُ قَاصِدٌ إلَى قِتَالِهِمْ.\n٣٣٧٧ - وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ وَلَا عَلَى أَطْرَافِ مَمْلَكَتِهِمْ حَتَّى يَمْضِيَ مِنْ الْوَقْتِ مِقْدَارُ مَا يَبْعَثُ الْمَلِكُ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مَنْ يُنْذِرُهُمْ؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ مَلِكَهُمْ بَعْدَ مَا وَصَلَ الْخَبَرُ إلَيْهِ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إيصَالِ ذَلِكَ إلَى أَطْرَافِ مَمْلَكَتِهِ إلَّا بِمُدَّةٍ فَلَا يَتِمُّ النَّبْذُ فِي حَقِّهِمْ حَتَّى تَمْضِيَ تِلْكَ الْمُدَّةُ، وَبَعْدَ الْمُضِيِّ لَا بَأْسَ بِالْإِغَارَةِ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ الْخَبَرَ أَتَاهُمْ. لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إعْلَامُهُمْ. وَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ إعْلَامُ مَلِكِهِمْ، ثُمَّ عَلَى مَلِكِهِمْ إعْلَامُ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ هُوَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا أَتَوْا مِنْ قِبَلِ مَلِكِهِمْ لَا مِنْ قِبَلِ الْمُسْلِمِينَ.\n٣٣٧٨ - وَلَكِنْ إنْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ يَقِينًا أَنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَأْتِهِمْ خَبَرٌ فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُمْ أَلَّا يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ حَتَّى يُعْلِمُوهُمْ.","vol":"1","page":1697},{"text":"لِأَنَّ هَذَا شَبِيهٌ بِالْخَدِيعَةِ، وَكَمَا يَحِقُّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ التَّحَرُّزِ عَنْ الْخَدِيعَةِ يَحِقُّ عَلَيْهِمْ التَّحَرُّزُ عَمَّا يُشْبِهُ الْخَدِيعَةَ.\n٣٣٧٩ - وَهَذَا بِخِلَافِ مَا سَبَقَ مِمَّا يَكُونُ فِيهِ النَّقْضُ مِنْ قِبَلِهِمْ، إمَّا بِجُنْدٍ أَرْسَلُوهُمْ لِقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ بِرَسُولٍ أَرْسَلُوهُ إلَى إمَامِ الْمُسْلِمِينَ يَنْبِذُونَ إلَيْهِ، فَإِنَّ هُنَاكَ لَا بَأْسَ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُغِيرُوا عَلَى أَطْرَافِهِمْ وَإِنْ عَلِمُوا أَنَّ الْخَبَرَ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِمْ. لِأَنَّ هُنَاكَ النَّقْضُ جَاءَ مِنْ قِبَلِهِمْ وَكَانُوا أَعْلَمَ بِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَقَدْ كَانَ عَلَى مَلِكِهِمْ أَلَّا يَفْعَلَ ذَلِكَ حَتَّى يُخْبِرَ بِهِ أَطْرَافَ مَمْلَكَتِهِ، يَقُولُ.\n٣٣٨٠ - فَإِنْ أَحَاطَ الْعِلْمُ لِأَهْلِ نَاحِيَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِأَنَّ ذَلِكَ الْخَبَرَ لَمْ يَصِلْ إلَى أَهْلِ نَاحِيَتِهِمْ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ. وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْسَانِ فَأَمَّا الْحُكْمُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْإِغَارَةِ عَلَيْهِمْ. لِأَنَّهُ قَدْ تَمَّ نَقْضُ الْعَهْدِ بِمَا صَنَعَهُ مَلِكُهُمْ وَلَا يُعْتَبَرُ الْوَقْتُ هَا هُنَا.\n٣٣٨١ - بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ النَّقْضُ مِنْ قِبَلِ إمَامِ الْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّهُ هُنَاكَ الْإِعْلَامُ عَلَى إمَامِ الْمُسْلِمِينَ فَيَجِبُ الْإِمْهَالُ بِقَدْرِ مَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْإِعْلَامُ.","vol":"1","page":1698},{"text":"وَإِذَا كَانَ النَّقْضُ مِنْ قِبَلِهِمْ فَالْإِعْلَامُ عَلَيْهِمْ لَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ حَالُ الْمَلِكِ فِي الْوَجْهَيْنِ. لِأَنَّ الدَّارَ إنَّمَا تَكُونُ دَارَ حَرْبٍ وَدَارَ ذِمَّةٍ وَدَارَ أَمَانٍ بِالْمَنَعَةِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِسُلْطَانِهَا الَّذِي يَحْكُمُ فِيهِمْ، فَإِذَا كَانَ السُّلْطَانُ حَرْبِيًّا كَانَتْ الدَّارُ دَارَ حَرْبٍ يَحِلُّ سَبْيُ مَنْ فِيهَا إلَّا مَنْ عُرِفَ بِالْإِسْلَامِ، أَوْ الذِّمَّةِ.\n٣٣٨٣ - وَلَوْ كَانَ خَرَجَ إلَيْنَا رَجُلٌ مِنْ دَارِ غَيْرِ الْمُوَادِعِينَ إلَى دَارِ الْمُوَادِعِينَ بِأَمَانٍ ثُمَّ خَرَجَ إلَيْنَا بِغَيْرِ أَمَانٍ لَمْ يَكُنْ لَنَا عَلَيْهِ سَبِيلٌ. لِأَنَّهُ لَمَّا حَصَلَ آمِنًا فِي دَارِ الْمُوَادَعَةِ فَقَدْ الْتَحَقَ بِأَهْلِهَا، وَمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْمُوَادَعَةِ يَكُونُ آمِنًا فِينَا، وَإِنْ خَرَجَ بِغَيْرِ اسْتِئْمَانٍ جَدِيدٍ، فَكَذَلِكَ مَنْ الْتَحَقَ بِهِمْ.\n٣٣٨٤ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ أَهْلُ دَارِهِ مُوَادِعِينَ لِأَهْلِ دَارِ مُوَادِعِينَا. لِأَنَّ تِلْكَ الْمُوَادَعَةَ بَيْنَهُمْ بِمَنْزِلَةِ إعْطَاءِ الْأَمَانِ مِنْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّا لَوْ دَخَلْنَا دَارَ مُوَادِعِينَا فَوَجَدْنَا فِيهِمْ هَذَا الرَّجُلَ لَمْ يَكُنْ لَنَا عَلَيْهِ سَبِيلٌ فَإِذَا كَانَ هُوَ آمِنًا فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ آمِنًا بِخُرُوجِهِ إلَى دَارِنَا.\n٣٣٨٥ - وَلَوْ كَانَ خَرَجَ مِنْ دَارِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ","vol":"1","page":1699},{"text":"يَدْخُلَ دَارَ مُوَادِعِينَا بِالْمُوَادَعَةِ الَّتِي بَيْنَ أَهْلِ دَارِهِ وَبَيْنَ مُوَادِعِينَا كَانَ فَيْئًا لَنَا. لِأَنَّهُ لَا مُوَادَعَةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَهْلِ دَارِهِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّا لَوْ وَجَدْنَاهُ فِي دَارِهِ كَانَ فَيْئًا لَنَا وَأَنَّ لَنَا أَنْ نُغِيرَ عَلَى أَهْلِ دَارِهِمْ وَنَأْسِرَهُمْ، فَكَذَلِكَ إذَا خَرَجَ هُوَ إلَيْنَا كَانَ فَيْئًا لَنَا وَلَمْ تَنْفَعْهُ الْمُوَادَعَةُ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِ دَارِ مُوَادِعِينَا.\n٣٣٨٦ - وَلَوْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ مُوَادِعِينَا دَارَ الَّذِينَ وَادْعُوهُمْ بِتِلْكَ الْمُوَادَعَةِ فَقَاتَلْنَا أَهْلَ تِلْكَ الدَّارِ فَظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا مِنْ أَهْلِ دَارِ مُوَادِعِيكُمْ دَخَلْت إلَى هَؤُلَاءِ لِمُوَادَعَةٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِحُجَّةٍ. لِأَنَّا وَجَدْنَاهُ فِي مَوْضِعِ الْإِبَاحَةِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيمَا يَدَّعِي مِنْ الْحُرْمَةِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَحِينَئِذٍ يُقْبَلُ بِالْبَيِّنَةِ وَكَانَ هُوَ آمِنًا؛ لِأَنَّ دَعْوَاهُ الْمُوَادَعَةَ كَدَعْوَاهُ عَقْدَ الذِّمَّةِ.\n٣٣٨٧ - وَلَوْ قَالَ: كُنْت ذِمِّيًّا دَخَلْت إلَى هَذِهِ الدَّارِ لِلتِّجَارَةِ فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَحِلَّ أَسْرُهُ وَقَتْلُهُ.\n٣٣٨٨ - وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ دَارِ مُوَادِعِينَا أَسَرَهُمْ أَهْلُ دَارٍ أُخْرَى فَأَدْخَلُوهُمْ دَارَهُمْ، أَوْ أَخْرَجُوهُمْ عَلَى أَهْلِ دَارِهِمْ فَحَارَبُوهُمْ","vol":"1","page":1700},{"text":"وَأُلْحِقُوا بِأَهْلِ دَارٍ أُخْرَى ثُمَّ ظَهْرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَهْلِ تِلْكَ الدَّارِ كَانُوا فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّهُمْ صَارُوا مِنْ أَهْلِ دَارٍ أُخْرَى حِينَ الْتَحَقُوا بِهِمْ مُنَابِذِينَ أَهْلَ دَارِهِمْ مُحَارِبِينَ لَهُمْ فَلَا يَبْقَى بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ حُكْمُ الْمُوَادَعَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ ثَابِتًا لَهُمْ بِاعْتِبَارِ دَارِهِمْ.\n٣٣٨٩ - وَكَذَلِكَ الْأُسَرَاءُ فَقَدْ صَارُوا مَقْهُورِينَ فِي يَدِ أَهْلِ دَارٍ أُخْرَى لَا يَمْلِكُونَ مِنْ أَمْرِهِمْ شَيْئًا وَكَانَ حُكْمُهُمْ حُكْمُ الدَّارِ الْأُخْرَى بِخِلَافِ مَا لَوْ دَخَلُوا إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ. لِأَنَّ الْمُسْتَأْمَنِينَ لَا يَصِيرُونَ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ الَّتِي دَخَلُوهَا [بِأَمَانٍ] .\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ إذَا دَخَلُوا إلَيْنَا مُسْتَأْمَنِينَ كَانُوا مِنْ أَهْلِ دَارِهِمْ عَلَى حَالِهِمْ بِخِلَافِ مَا إذَا أَسَرْنَاهُمْ فَأَدْخَلْنَاهُمْ دَارَنَا، أَوْ خَرَجُوا إلَيْنَا مُنَابِذِينَ لِأَهْلِ دَارِهِمْ عَلَى أَنْ يَكُونُوا ذِمَّةً لَنَا.\n٣٣٩٠ - وَلَوْ كَانَتْ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْمُوَادَعَةِ تَزَوَّجَتْ فِي أُولَئِكَ الْآخَرِينَ فَنَقَلُوهَا إلَيْهِمْ وَوَلَدَتْ أَوْلَادًا ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تِلْكَ الدَّارِ فَهِيَ وَأَوْلَادُهَا فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ.\nلِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَابِعَةٌ لِزَوْجِهَا وَزَوْجُهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْمُوَادَعَةِ.","vol":"1","page":1701},{"text":"أَلَا تَرَى) أَنَّ الْمُسْتَأْمَنَةَ لَوْ تَزَوَّجَتْ فِينَا مُسْلِمًا، أَوْ ذِمِّيًّا أَنَّهَا تَصِيرُ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا.\n٣٣٩١ - وَلَوْ كَانَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْمُوَادَعَةِ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الدَّارِ الْأُخْرَى فَوَلَدَتْ أَوْلَادًا بِغَيْرِ أَمَانٍ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَيْهَا وَلَا عَلَى أَوْلَادِهَا سَبِيلٌ. لِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْمُوَادَعَةِ تَبَعًا لِزَوْجِهَا.\n٣٣٩٢ - وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ إحْدَى الدَّارَيْنِ جَارِيَةً مِنْ أَهْلِ الدَّارِ الْأُخْرَى فَوَلَدَتْ أَوْلَادًا ثُمَّ خَرَجَتْ وَأَوْلَادُهَا بِغَيْرِ أَمَانٍ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَيْهَا وَلَا عَلَى أَوْلَادِهَا سَبِيلٌ. لِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ أَهْلِ الْمُوَادَعَةِ تَبَعًا لِزَوْجِهَا.\n٣٣٩٣ - وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ إحْدَى الدَّارَيْنِ جَارِيَةً مِنْ أَهْلِ الدَّارِ الْأُخْرَى فَهَذِهِ وَالْمَنْكُوحَةُ سَوَاءٌ. لِأَنَّ تَبَعِيَّةَ الْأَمَةِ لِمَوْلَاهَا كَتَبَعِيَّةِ الْحُرَّةِ لِزَوْجِهَا، أَوْ أَقْوَى مِنْهُ\n٣٣٩٤ - وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ دَارِ الْمُوَادَعَةِ غَلَبُوا عَلَى الدَّارِ الْأُخْرَى فَصَارُوا عَبِيدًا لَهُمْ، أَوْ جَعَلُوهُمْ ذِمَّةً لَهُمْ، يُؤَدُّونَ إلَيْهِمْ الْخَرَاجَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لَهُمْ، أَمَّا إذَا صَارُوا عَبِيدًا لَهُمْ فَلِأَنَّ الْأَمَانَ بِسَبَبِ الْمُوَادَعَةِ ثَبَتَ لِلْأَمْلَاكِ كَمَا يَثْبُتُ","vol":"1","page":1702},{"text":"لِلْمَالِكِ. وَأَمَّا إذَا صَارُوا ذِمَّةً لَهُمْ فَلِأَنَّهُمْ صَارُوا مِنْ أَهْلِ دَارِهِمْ مَقْهُورِينَ تَحْتَ أَيْدِيهمْ، بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ دَارَ الذِّمَّةِ تَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْمُوَادَعَةِ لَا سَبِيلَ لَنَا عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ الَّذِينَ لَا مُوَادَعَةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ هُمْ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى بِلَادِ الْمُوَادِعِينَ فَلَا بَأْسَ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُغِيرُوا عَلَى الدَّارَيْنِ جَمِيعًا. لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمَقْهُورِينَ فِي الدَّارَيْنِ لِلْقَاهِرِينَ. وَلَا مُوَادَعَةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَاهِرِينَ. وَهَذَا لِلْأَصْلِ الَّذِي بَيَّنَّا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي حُكْمِ الدَّارِ هُوَ السُّلْطَانُ فِي ظُهُورِ الْحُكْمِ، فَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ حُكْمَ الْمُوَادِعِينَ فَبِظُهُورِهِمْ عَلَى الدَّارِ الْأُخْرَى كَانَتْ الدَّارُ دَارَ الْمُوَادَعَةِ، وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ حُكْمَ سُلْطَانٍ آخَرَ فِي الدَّارِ الْأُخْرَى فَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الدَّارَيْنِ حُكْمُ الْمُوَادَعَةِ.\n٣٣٩٥ - قَالَ: وَإِذَا حَاصَرَ الْمُسْلِمُونَ أَهْلَ حِصْنٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَأَخَذُوا مِنْهُمْ مَالًا عَلَى أَنْ يَنْصَرِفُوا عَنْهُمْ فَهَذَا الْمَالُ فَيْءٌ وَفِيهِ الْخُمْسُ. لِأَنَّهُ مُصَابٌ عَلَى طَرِيقِ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ.\n٣٣٦٩ - بِخِلَافِ مَا إذَا أَرْسَلُوا إلَى إمَامِ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ الْجَيْشُ بِسَاحَتِهِمْ فَوَادَعُوهُ مُدَّةً عَلَى مَالٍ يُعْطُونَهُ.","vol":"1","page":1703},{"text":"لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَالَ غَيْرُ الْمُصَابِ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ، وَلَكِنْ بَذَلُوهُ عَلَى سَبِيلِ الرِّضَاءِ فَأَخَذَهُ إمَامُ الْمُسْلِمِينَ لِإِعْزَازِ الدِّينِ وَذُلِّ الْمُشْرِكِينَ، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْخَرَاجِ وَالْجِزْيَةِ لَا يَجِبُ فِيهِ الْخُمُسُ.\n٣٣٩٧ - وَاَلَّذِينَ نَقَضُوا الْعَهْدَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ إذَا وَادَعُوا الْمُسْلِمِينَ بِمَالٍ يُعْطُونَهُ فَلَا بَأْسَ بِأَخْذِ ذَلِكَ الْمَالِ مِنْهُمْ. لِأَنَّهُمْ بِنَقْضِ الْعَهْدِ صَارُوا كَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ.\n٣٣٩٨ - بِخِلَافِ الْمُرْتَدِّينَ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ أَخْذُ الْجُعَلِ مِنْهُمْ عَلَى الْمُوَادَعَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا. وَهَذَا لِأَنَّ قَتْلَ الْمُرْتَدِّ مُسْتَحَقٌّ حَدًّا فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ بِمَالٍ يُؤْخَذُ مِنْهُ وَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ بِخِلَافِ قَتْلِ الَّذِينَ نَقَضُوا الْعَهْدَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ هَؤُلَاءِ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا ذِمَّةً يُؤَدُّونَ الْخَرَاجَ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ جَازَ إجَابَتُهُمْ إلَى ذَلِكَ، وَأَخْذُ الْخَرَاجِ مِنْهُمْ، وَلَا يَجُوزُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمُرْتَدِّينَ، فَكَذَلِكَ أَخْذُ الْمَالِ بِطَرِيقِ الْمُوَادَعَةِ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ.\n٣٣٩٩ - وَإِنْ صَالِحَ الْإِمَامُ الْمُرْتَدِّينَ عَلَى أَنْ يُعْطُوهُ مِنْ رِجَالِهِمْ كُلَّ سَنَةٍ مِائَةَ رَأْسٍ فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ. لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذِهِ الْمُوَادَعَةِ أَخْذُ مَالٍ مِنْهُمْ، فَإِنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يُسْتَرَقُّ بِحَالٍ، وَلَكِنْ يُعْرَضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ فَإِنْ أَسْلَمَ وَإِلَّا قُتِلَ، فَهَذَا إظْهَارُ دَلِيلٍ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى إقَامَةِ حُكْمِ الشَّرْعِ فِيهِمْ وَذَلِكَ مُسْتَقِيمٌ.","vol":"1","page":1704},{"text":"وَإِنْ صَالَحُوهُ عَلَى أَنْ يُؤَدُّوا إلَيْهِ كُلَّ سَنَةٍ مِائَةَ رَأْسٍ مِنْ نِسَائِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ فَلَا بَأْسَ بِهَذَا أَيْضًا. لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي نِسَائِهِمْ الْإِجْبَارُ عَلَى الْإِسْلَامِ كَمَا أَنَّ الْحُكْمَ فِي رِجَالِهِمْ الْقَتْلُ إنْ لَمْ يُسْلِمُوا، فَبِهَذَا الصُّلْحِ يُتَوَصَّلُ إلَى إقَامَةِ حُكْمِ الشَّرْعِ فِيهِمْ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الصُّلْحِ اشْتِرَاطُ الْمَالِ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرُّءُوسَ الَّتِي نَأْخُذهُمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ غَيْرُ مُعَيَّنِينَ، وَبِالْمُوَادَعَةِ صَارُوا آمِنِينَ فَلَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ أَحَدٍ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ.\n٣٤٠١ - وَلَكِنَّا نُجْبِرُ مَنْ أَخَذْنَا مِنْهُمْ بِحُكْمِ الشَّرْطِ عَلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَسْلَمُوا كَانُوا أَحْرَارًا، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا صَالِحُوهُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ كُلَّ سَنَةِ عَلَى مِائَةِ رَأْسٍ بِأَعْيَانِهِمْ فَإِنَّ هَذَا مَكْرُوهٌ.\nلِأَنَّ الْأَمَانَ لَا يَتَنَاوَلُ هَؤُلَاءِ الْمُعَيَّنِينَ.\n٣٤٠٢ - فَإِذَا أُخِذُوا كَانُوا عَبِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ وَالذَّرَارِيَّ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ يُسْتَرَقُّونَ بَعْدَ مَا صَارُوا مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ، فَاشْتِرَاطُ هَؤُلَاءِ عَلَيْهِمْ فِي الْمُوَادَعَةِ كَاشْتِرَاطِ مَالٍ آخَرَ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ، وَلَكِنْ إنْ أُخِذَ لَمْ يُرَدَّ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ فَيْئًا فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ إنْ أُخِذُوا كَانُوا مَمَالِيكَ لِلْمُسْلِمِينَ يُجْبَرُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ.","vol":"1","page":1705},{"text":"وَإِنْ كَانَ الصُّلْحُ عَلَى مِائَةِ رَأْسٍ مِنْ رِجَالِهِمْ الْمُرْتَدِّينَ بِأَعْيَانِهِمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ لَمْ يُكْرَهُ ذَلِكَ. لِأَنَّهُ لَا رِقَّ عَلَى رِجَالِهِمْ الْمُرْتَدِّينَ بِحَالٍ، وَلَيْسَ فِي هَذَا اشْتِرَاطُ خَرَاجٍ عَلَيْهِمْ فِي الْمُوَادَعَةِ، سَوَاءٌ كَانُوا بِأَعْيَانِهِمْ أَوْ بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمْ.\n٣٤٠٤ - وَلَوْ أَنَّ الْإِمَامَ قَاتَلَ قَوْمًا مِنْ الْعَرَبِ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ فَطَلَبُوا إلَيْهِ الْمُوَادَعَةَ فَحَالُ هَؤُلَاءِ فِي حُكْمِ الْمُوَادَعَةِ كَحَالِ الْمُرْتَدِّينَ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا. لِأَنَّهُمْ لَا يُسْتَرَقُّونَ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا السَّيْفُ، أَوْ الْإِسْلَامُ، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْمُرْتَدِّينَ.\n٣٤٠٥ - إلَّا فِي خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ إذَا قَالُوا أَمِّنُونَا عَلَى أَنْ نُعْطِيَكُمْ مِائَةَ رَأْسٍ مِنْ رِجَالِنَا فِي كُلِّ سَنَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُؤَمِّنَهُمْ عَلَى هَذَا، بِخِلَافِ الْمُرْتَدِّينَ فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَأْخُذْ مِائَةَ رَأْسٍ مِنْ رِجَالِهِمْ مِنْ الْعَرَبِ وَلَكِنْ يَأْخُذُ مِائَةَ رَأْسٍ مِنْ أَرِقَّائِهِمْ فَيَضَعُهَا مَوْضِعَ الْخَرَاجِ. وَبِهِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ فِي هَذَا اشْتِرَاطُ الْمَالِ عَلَيْهِمْ فِي الْمُوَادَعَةِ فَكَانَ مَكْرُوهًا، وَفِي الْمُرْتَدِّينَ لَا يَتَعَيَّنُ الْمِائَةُ الرَّأْسِ مِنْ رِجَالِ عَبِيدِهِمْ فَلَا يَكُونُ فِيهِ اشْتِرَاطُ الْمَالِ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْعَبِيدَ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ يُقْتَلُونَ كَأَحْرَارِهِمْ إنْ لَمْ يُسْلِمُوا، فَلَا فَائِدَةَ فِي تَعْيِينِ مِائَةِ رَأْسٍ مِنْ عَبِيدِهِمْ، وَعَبِيدِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ لَيْسُوا كَأَحْرَارِهِمْ فِي اسْتِحْقَاقِ الْقَتْلِ، فَإِنَّا إذَا ظَهْرنَا عَلَى عَبِيدِهِمْ لَا نَقْتُلهُمْ","vol":"1","page":1706},{"text":"فَكَانَ فِي تَعْيِينِ مِائَةِ رَأْسٍ مِنْ الْعَبِيدِ فَائِدَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَمُقْتَضَى هَذَا الشَّرْطِ تَمَلُّكُ الْمُسَمَّى عَلَى وَجْهٍ يُسْتَدَامُ الْمِلْكُ فِيهِمْ، وَعَبِيدُهُمْ مَحَلُّ ذَلِكَ دُونَ أَحْرَارِهِمْ.\nوَفِي الْكِتَابِ أَشَارَ فِي الْفَرْقِ إلَى حَرْفٍ آخَرَ قَدْ طَوَّلَهُ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْمُرْتَدَّ رَاجِعٌ عَنْ الْإِسْلَامِ بَعْدَ مَا أَقَرَّ بِهِ فَكَانَ قَتْلُهُ مُسْتَحَقًّا حَدًّا.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ دَخَلَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ أَوْ رَسُولًا، أَوْ غَيْرَ رَسُولٍ لَمْ نَدَعْهُ يَرْجِعُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَلَكِنْ نَعْرِضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ فَإِنْ أَسْلَمَ وَإِلَّا قُتِلَ، بِمَنْزِلَةِ مَنْ اسْتَحَقَّ قَتْلَهُ قِصَاصًا إذَا لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ دَخَلَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ، فَأَمَّا عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَصْلُ الْإِسْلَامِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ مَنْ دَخَلَ مِنْهُمْ إلَيْنَا بِأَمَانٍ رَسُولًا أَوْ غَيْرَ رَسُولٍ مَكَّنَّاهُ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِهِ، فَقَدْ «كَانُوا يَأْتُونَ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ - بِأَمَانٍ فَيُؤَمِّنُهُمْ وَيَفِي لَهُمْ بِالْأَمَانِ»، فَعَرَفْنَا أَنَّ قَتْلَهُمْ غَيْرَ مُسْتَحَقٍّ حَدًّا.\nوَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْحُكْمَ فِي النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ الْجَبْرُ عَلَى الْإِسْلَامِ إذَا اُسْتُرِقُّوا، وَأَنَّ مِنْ تَهَوَّدَ مِنْهُمْ، أَوْ تَنَصَّرَ لَمْ يَحِلَّ لِلْمُسْلِمِينَ أَكْلُ ذَبِيحَتِهِ وَلَا وَطْءُ النِّسَاءِ مِنْهُمْ بَعْدَ الِاسْتِرْقَاقِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، بِخِلَافِ الْعَرَبِ، وَالْحُكْمُ فِي مُشْرِكِي الْعَرَبِ أَنَّ نِسَاءَهُمْ وَصِبْيَانَهُمْ يَكُونُونَ فَيْئًا وَلَا يُجْبَرُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ إذَا اُسْتُرِقُّوا، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُ تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُمْ وَيَحِلُّ وَطْءُ نِسَائِهِمْ بِالْمِلْكِ بَعْدَ الِاسْتِرْقَاقِ فَبِهَذَا تَبَيَّنَّ أَنَّ قَتْلَهُمْ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ حَدًّا.\n٣٤٠٦ - فَإِذَا وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى مِائَةِ رَأْسٍ مِنْ رِجَالِهِمْ كُلَّ سَنَةٍ قُلْنَا يَنْصَرِفُ ذَلِكَ إلَى مَنْ يَكُونُ مَحَلًّا لِلتَّمَلُّكِ بَعْدَ الْأَمَانِ","vol":"1","page":1707},{"text":"وَذَلِكَ عَبِيدُهُمْ دُونَ أَحْرَارِهِمْ، يُقَرِّرُ هَذَا أَنَّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَوْ أَخَذْنَا مِائَةَ رَأْسٍ مِنْ أَحْرَارِهِمْ لَا يُمْكِنُ أَنْ نَقْتُلَهُمْ. لِأَنَّ الْأَمَانَ قَدْ تَنَاوَلَهُمْ، وَبَعْدَ الْأَمَانِ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُمْ بِخِلَافِ الْمُرْتَدِّينَ فَإِنَّ هُنَاكَ لَا يُمْنَعُ قَتْلُهُمْ بِسَبَبِ الْأَمَانِ، فَلِهَذَا نَأْخُذُ الْمِائَةَ الرَّأْسِ مِنْ أَحْرَارِهِمْ ثُمَّ نَعْرِضُ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامَ فَإِنْ أَسْلَمُوا وَإِلَّا نَقْتُلُهُمْ.\n٣٤٠٧ - وَالْحُكْمُ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ الْعَرَبِ كَالْحُكْمِ فِي سَائِرِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ غَيْرِ الْعَرَبِ لَا بَأْسَ بِأَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُمْ عَلَى الْمُوَادَعَةِ خَرَاجٌ.\nلِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَوْ طَلَبُوا أَنْ يَكُونُوا ذِمَّةً لَنَا جَازَ إجَابَتُهُمْ إلَى ذَلِكَ، وَفِيهِمْ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] . «وَصَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - أَهْلَ نَجْرَانَ، وَهُمْ نَصَارَى مِنْ الْعَرَبِ، عَلَى أَلْفٍ وَمِائَتَيْ حُلَّةٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ.» وَأَرَادَ عُمَرُ - ﵁ - وَضْعَ الْجِزْيَةِ عَلَى بَنِي تَغْلِبَ وَهُمْ مِنْ الْعَرَبِ ثُمَّ صَالَحَهُمْ عَلَى الصَّدَقَةِ الْمُضَاعَفَةِ فَقَالَ: هَذِهِ جِزْيَةٌ فَسَمُّوهَا مَا شِئْتُمْ. فَإِذَا تَبَيَّنَّ بِهَذِهِ النُّصُوصِ جَوَازُ أَخْذِ الْخَرَاجِ مِنْهُمْ جَوَّزْنَا أَخْذَ الْمَالِ مِنْهُمْ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَادَعَةِ أَيْضًا بِالْقِيَاسِ عَلَى الْخَرَاجِ. وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ الْحَسَنِ قَالَ: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - أَنْ نُقَاتِلَ الْعَرَبَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَلَا نَقْبَلُ مِنْهُمْ غَيْرَهُ وَأَمَرَ أَنْ يُقَاتَلَ أَهْلُ الْكِتَابِ عَلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَبَوْا فَالْجِزْيَةُ.»\n٣٤٠٨ - فَإِنْ وَادَعَ هَؤُلَاءِ عَلَى مِائَةِ رَأْسٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ فَهُوَ","vol":"1","page":1708},{"text":"جَائِزٌ، ثُمَّ إنَّمَا يَأْخُذُ الْمِائَةَ الرَّأْسَ مِنْ أَرِقَّائِهِمْ لَا مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ. لِأَنَّ الْأَمَانَ قَدْ تَنَاوَلَهُمْ فَلَا يُمَكِّنُهُ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مِنْهُمْ.\n٣٤٠٩ - وَإِنْ أَخَذَهُ كَانَ عَلَيْهِ رَدُّهُ، وَإِنْ أَعْطَوْهُ قِيمَةَ الرُّءُوسِ مِنْ دَرَاهِمَ، أَوْ دَنَانِيرَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي اشْتِرَاطِ الرَّأْسِ مُطْلَقًا فِي مُبَادَلَةِ مَالٍ بِمَا لَيْسَ بِمَالٍ.\n٣٤١٠ - وَإِنْ عَزَلُوا فِي كُلِّ سَنَةٍ مِائَةَ رَأْسٍ مِنْ نِسَائِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ وَقَالُوا: آمِنُونَا عَلَى هَؤُلَاءِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.؛ لِأَنَّ الْأَمَانَ لَمْ يَتَنَاوَلْهُمْ وَاسْتِرْقَاقُهُمْ جَائِزٌ.\n٣٤١١ - وَكُلُّ مُوَادَعَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمُوَادَعَاتِ لَمْ يَأْخُذْ الْإِمَامُ فِيهَا جُعْلًا فَلَهُ أَنْ يَنْقُضَهَا مَتَى شَاءَ إذَا رَأَى الْحَظَّ لِلْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ وَلَكِنْ لَا يُقَاتِلُهُمْ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ وَإِمْهَالٍ حَتَّى يَصِلَ الْخَبَرُ إلَى أَطْرَافِهِمْ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الْغَدْرِ. وَإِنْ كَانَتْ الْمُوَادَعَةُ عَلَى جُعْلٍ فَلَهُ أَنْ يَنْقُضَهَا مَتَى شَاءَ أَيْضًا. وَلَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ بِحِصَّةِ مَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ مِنْ الْجُعْلِ. حَتَّى لَوْ وَادَعَهُمْ ثَلَاثَ سِنِينَ عَلَى ثَلَاثَةِ آلَافِ دِينَارٍ وَقَبَضَهَا كُلّهَا ثُمَّ أَرَادَ نَقْضَ الْمُوَادَعَةِ بِمَدِّ سَنَةٍ فَعَلَيْهِ رَدُّ ثُلُثَيْ الْمَالِ.","vol":"1","page":1709},{"text":"أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ بَدَا لَهُ عَقِبَ الْمُوَادَعَةِ فِي النَّقْضِ لَزِمَهُ رَدُّ جَمِيعِ الْمَالِ، فَكَذَلِكَ إذَا بَدَا لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ مُضِيِّ بَعْضِ الْمُدَّةِ. وَإِنْ مَضَتْ الْمُدَّةُ فَقَدْ انْتَهَتْ الْمُوَادَعَةُ وَحَلَّ قِتَالُهُمْ بِغَيْرِ نَبْذِ الْأَمَانِ، إلَّا أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ فِي دَارِنَا بِتِلْكَ الْمُوَادَعَةِ فَهُوَ آمِنٌ، وَإِنْ مَضَتْ الْمُدَّةُ حَتَّى يَعُودَ إلَى مَأْمَنِهِ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ آمِنًا فِي دَارِنَا فَمَا لَمْ يَبْلُغْ مَأْمَنَهُ لَا يَرْتَفِعُ حُكْمُ ذَلِكَ الْأَمَانِ وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":1710},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>[بَابُ الْمُوَادَعَةِ مِمَّا يُصَالِحُ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ الْمُشْرِكِينَ]</span>\n١٦١ - بَابُ الْمُوَادَعَةِ مِمَّا يُصَالِحُ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ الْمُشْرِكِينَ فَيَسَعُهُمْ قِتَالُهُمْ بَعْدَهُ، أَوْ لَا يَسَعُ ٣٤١٢ - قَالَ - ﵁ -: وَلَوْ أَنَّ جُنْدًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ حَاصَرُوا بَعْضَ مَدَائِنِ الْمُسْلِمِينَ فَخَافَهُمْ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ وَقَالُوا لَهُمْ: نُعْطِيكُمْ عَشْرَةَ آلَافِ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تَنْصَرِفُوا عَنَّا إلَى بِلَادِكُمْ فَرَضَوْا بِهِ وَقَبَضُوا الْجُعْلَ، ثُمَّ إنَّ الْمُسْلِمِينَ رَأَوْا مِنْهُمْ عَوْرَةً قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفُوا عَنْهُمْ وَبَعْدَ مَا انْصَرَفُوا قَبْلَ أَنْ يَنْتَهُوا إلَى بِلَادِهِمْ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُغِيرَ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ أَغَرَّ مَا كَانُوا، فَيَقْتُلُونَ وَيَسْبُونَ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ. لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ مَا آمَنُوهُمْ وَإِنَّمَا فَدَوْا أَنْفُسَهُمْ وَذَرَارِيَّهُمْ بِالْمَالِ عَلَى أَنْ يَنْصَرِفُوا عَنْهُمْ، فَكَانُوا ظَالِمِينَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْإِحَاطَةِ بِهِمْ وَأَخْذِ مَالِهِمْ، فَلَهُمْ أَنْ يَنْتَصِفُوا مِنْهُمْ إذَا قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَمَنْ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] . وَقَالَ تَعَالَى ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا","vol":"1","page":1711},{"text":"وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩] . ثُمَّ النَّبْذُ إلَيْهِمْ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الْغَدْرِ، وَذَلِكَ إذَا أَخَذَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ مَالًا، لَا إذَا أَعْطَوْهُمْ مَالًا رِشْوَةً عَلَى أَنْ يَنْصَرِفُوا عَنْهُمْ.\n٣٤١٣ - وَلَوْ كَانُوا قَالُوا لَهُمْ: نُصَالِحُكُمْ عَلَى أَنْ نُعْطِيَكُمْ عَشْرَةَ آلَافِ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تَنْصَرِفُوا عَنَّا إلَى بِلَادِكُمْ، أَوْ قَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ صَالِحُونَا عَلَى أَنْ تُعْطُونَا عَشْرَةَ آلَافِ دِينَارٍ عَلَى أَنْ نَنْصَرِفَ عَنْكُمْ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ حَتَّى يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ، أَوْ يَرْجِعَ الْقَوْمُ إلَى بِلَادِهِمْ لِلصُّلْحِ وَالْمُوَادَعَةِ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، فَإِنَّ قِتَالَهُمْ بَعْدَهَا مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ يَكُونُ غَدْرًا لِلْأَمَانِ، وَذَلِكَ حَرَامٌ.\nوَالْمُصَالَحَةُ عَلَى مِيزَانِ الْمُفَاعَلَةِ، فَيَتَنَاوَلُ الْجَانِبَيْنِ، سَوَاءٌ قَالَ ذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ، أَوْ الْمُشْرِكُونَ.\n٣٤١٤ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ لِلْآخَرِ نُسَالِمُكُمْ، أَوْ نُتَارِكُكُمْ، أَوْ نُوَادِعُكُمْ، أَوْ تُؤَمِّنُونَنَا وَنُؤَمِّنُكُمْ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُمْ لَوْ ذَكَرُوا شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ يَشْتَرِطُهُ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى صَاحِبِهِ لَمْ يَحِلَّ قِتَالُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ وَمِنْ غَيْرِ نَبْذٍ فَكَذَلِكَ عِنْدَ اشْتِرَاطِهِ إذَا أَعْطَوْهُمْ مَالًا عَلَى ذَلِكَ وَعِنْدَ الْمُصَالَحَةِ وَالْمُوَادَعَةِ إنَّمَا لَا يَحِلُّ قِتَالُهُمْ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ إلَى أَنْ يَبْلُغُوا مَأْمَنَهُمْ فَإِذَا بَلَغُوا مَأْمَنَهُمْ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.","vol":"1","page":1712},{"text":"لِأَنَّ الْمُوَادَعَةَ كَانَتْ عَلَى الِانْصِرَافِ عَنْهُمْ مُطْلَقًا، وَانْصِرَافُهُمْ عَنْ الْمُسْلِمِينَ إنَّمَا يَكُونُ بِوُصُولِهِمْ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَمَأْمَنِهِمْ عَادَةً، وَفِي الْعَادَةِ إنَّمَا يَنْصَرِفُونَ إلَى مَأْمَنِهِمْ وَالْمُطْلَقُ مِنْ الْكَلَامِ يَتَقَيَّدُ بِدَلَالَةِ الْعُرْفِ.\n٣٤١٥ - وَإِنْ قَالُوا نُعْطِيكُمْ كَذَا عَلَى أَلَّا تُقَاتِلُونَا حَتَّى تَنْصَرِفُوا عَنَّا فَهَذَا وَذِكْرُ الْمُصَالَحَةِ وَالْمُوَادَعَةِ سَوَاءٌ. لِأَنَّ الْمُقَاتَلَةَ تَكُونُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَفِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ اشْتِرَاطُ تَرْكِ الْقِتَالِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَذَلِكَ يُوجِبُ الْمُوَادَعَةَ، وَالتَّصْرِيحُ بِمُوجَبِ الْعَقْدِ كَالتَّصْرِيحِ بِلَفْظِ الْعَقْدِ.\n٣٤١٦ - وَإِنْ قَالُوا نُعْطِيكُمْ كَذَا عَلَى أَلَّا تَقْتُلُوا مِنَّا أَحَدًا حَتَّى تَنْصَرِفُوا فَلَا بَأْسَ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالُوا عَلَى أَنْ تَكُفُّوا عَنَّا شَهْرًا.\nلِأَنَّ فِي هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ، الْمُسْلِمِينَ مَا شَرَطُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لِأَهْلِ الْحَرْبِ أَمَانًا صَرِيحًا وَلَا دَلَالَةً.\n٣٤١٧ - وَلَوْ قَالُوا نُصَالِحُكُمْ، أَوْ نُوَادِعُكُمْ عَلَى أَنْ نُعْطِيَكُمْ كَذَا عَلَى أَنْ تَكُفُّوا عَنَّا شَهْرًا فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ، أَوْ يَمْضِيَ الْوَقْتُ. لِأَنَّهُمْ شَرَطُوا لَهُمْ الْأَمَانَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي الْمُدَّةِ بِذِكْرِ لَفْظِ الْمُصَالَحَةِ وَالْمُوَادَعَةِ وَلَكِنَّ الْمُوَادَعَةَ تَحْتَمِلُ التَّوْقِيتَ؛ لِأَنَّ مُوجِبَهَا حُرْمَةُ الْقِتَالِ، وَالْحُرُمَاتُ تَحْتَمِلُ التَّوْقِيتَ فَمَا لَمْ يَمْضِ الشَّهْرُ لَا يَنْتَهِي الْأَمَانُ.","vol":"1","page":1713},{"text":"ثُمَّ إنْ كَانَ هَذَا فِي غُرَّةِ الْهِلَالِ فَالْمُعْتَبَرُ شَهْرٌ بِالْهِلَالِ، نَقَصَ، أَوْ لَمْ يَنْقُصْ، وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِ الشَّهْرِ فَهَذَا عَلَى ثَلَاثِينَ يَوْمًا. لِأَنَّ الْأَهِلَّةَ فِي الشُّهُورِ أَصْلٌ، وَالْأَيَّامُ بَدَلٌ عَنْهُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا» وَالْمَصِيرُ إلَى الْبَدَلِ عِنْدَ فَوَاتِ الْأَصْلِ لَا مَعَ قِيَامِهِ.\n٣٤١٩ - وَإِنْ كَانُوا صَالَحُوهُمْ عَلَى سَنَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عِنْدَ غُرَّةِ الْهِلَالِ فَهُوَ عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ.﴾ [التوبة: ٣٦]\nوَإِنْ كَانَ [ذَلِكَ] فِي بَعْضِ الشَّهْرِ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا بِالْأَهِلَّةِ وَشَهْرٌ بِالْأَيَّامِ فَيُنْظَرُ إلَى مَا بَقِيَ مِنْ أَيَّامِ هَذَا الشَّهْرِ ثُمَّ يُحْسَبُ مِنْ الشَّهْرِ الثَّالِثِ عَشَرَ تَمَامُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا بِهَذِهِ الْأَيَّامِ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵁ - يَعْتَبِرُ الشُّهُورَ كُلَّهَا بِالْأَيَّامِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْخِلَافَ فِي الْعِدَّةِ وَمُدَّةِ الْإِجَارَةِ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ، فَهُمَا يَقُولَانِ إنَّمَا يُصَارُ إلَى الْبَدَلِ عِنْدَ تَحَقُّقِ فَوَاتِ الْأَصْلِ وَذَلِكَ شَهْرٌ وَاحِدٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ - ﵁ - يَقُولُ: لَا يَدْخُلُ الشَّهْرُ الثَّانِي مَا لَمْ يَتِمَّ الشَّهْرُ الْأَوَّلُ، فَيَكُونُ دُخُولُ الشَّهْرِ الثَّانِي فِي وَسَطِ الشَّهْرِ كَدُخُولِ الشَّهْرِ الْأَوَّلِ، وَهَكَذَا كُلُّ شَهْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ.","vol":"1","page":1714},{"text":"وَلَوْ قَالَ لَهُمْ نُعْطِيكُمْ كُرَاعَنَا وَسِلَاحَنَا عَلَى أَنْ تُعْطُونَا أَلْفَ دِينَارٍ وَتَنْصَرِفُوا عَنَّا فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُقَاتِلَهُمْ الْمُسْلِمُونَ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ. لِأَنَّ مَا ذَكَرُوا بِمَنْزِلَةِ بَيْعٍ جَرَى بَيْنَهُمَا. وَالْبَيْعُ لَا يَكُونُ دَلِيلَ أَمَانٍ بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ ثُمَّ سَأَلُوهُمْ أَنْ يَنْصَرِفُوا عَنْهُمْ. وَلَيْسَ فِي هَذَا اشْتِرَاطُ أَمَانٍ لَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ.\n٣٤٢١ - وَإِنْ كَانُوا قَالُوا نُصَالِحُكُمْ، أَوْ نُتَارِكُكُمْ، أَوْ نُسَالِمُكُمْ عَلَى أَنْ نُعْطِيَكُمْ الْكُرَاعَ وَالسِّلَاحَ عَلَى أَنْ تُعْطُونَا أَلْفَ دِينَارٍ وَتَنْصَرِفُوا عَنَّا فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ، أَوْ يُبَلِّغُوهُمْ مَأْمَنَهُمْ. لِوُجُودِ لَفْظٍ هُوَ دَلِيلُ الْأَمَانِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَبِانْضِمَامِ الْبَيْعِ إلَى الْمُصَالَحَةِ لَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُ الْمُصَالَحَةِ.\n٣٤٢٢ - فَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ وَهُمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ بَعْدُ فَلَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ. لِأَنَّهُمْ قَدْ أَخَذُوا مِنْهُمْ مَالًا، وَالْمُصَالَحَةُ إذَا كَانَ فِيهَا أَخْذُ مَالٍ فَالنَّبْذُ فِيهَا لَا يَتِمُّ بِدُونِ رَدِّ الْمَالِ إلَيْهِمْ. وَلَكِنَّ السَّبِيلَ أَنْ يَعْرِضُوا عَلَيْهِمْ بِأَنْ يَرُدُّوا مَا أَخَذُوا مِنْ السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ، وَيَرُدُّ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ مَا لَهُمْ ثُمَّ يُقَاتِلُونَهُمْ، فَإِنْ رَضُوا بِذَلِكَ تَرَادُّوا ثُمَّ قَدْ تَمَّ النَّبْذُ فَلَا بَأْسَ بِقِتَالِهِمْ، وَإِنْ أَبِي الْمُشْرِكُونَ أَنْ يَرُدُّوا مَا أَخَذُوا فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ ثُمَّ يُقَاتِلُوهُمْ وَلَا يَرُدُّونَ عَلَيْهِمْ مَا أَخَذُوا.","vol":"1","page":1715},{"text":"لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ حِينَ امْتَنَعُوا مِنْ رَدِّ الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ فَقَدْ رَضُوا بِأَنْ يَكُونَ الْمَالُ الْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ بِمُقَابَلَتِهَا فَتَبْقَى الْمُصَالَحَةُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ مُتَعَرِّيَةً عَنْ الْبَدَلِ، وَالْقِتَالُ فِيهِ يَحِلُّ بَعْدَ النَّبْذِ مِنْ غَيْرِ رَدِّ شَيْءٍ.\n٣٤٢٣ - وَلَوْ صَالَحُوهُمْ عَلَى أَنْ يُعْطُوهُمْ الْكُرَاعَ وَالسِّلَاحَ عَلَى أَنْ يَنْصَرِفُوا عَنْهُمْ فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَبَلَغُوا مَأْمَنَهُمْ، ثُمَّ دَخَلَتْ سَرِيَّةٌ دَارَ الْحَرْبِ وَأَصَابُوا ذَلِكَ الْكُرَاعَ وَالسِّلَاحَ فَلَيْسَ لِأَصْحَابِهِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ سَوَاءٌ وَجَدُوهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، أَوْ بَعْدَهَا. لِأَنَّهُمْ أَعْطَوْهُمْ ذَلِكَ بِطِيبِ أَنْفُسِهِمْ فِي حَالِ مَا كَانُوا مُمْتَنِعِينَ مِنْهُمْ، وَحَقُّ الْأَخْذِ لِلْمَالِكِ الْقَدِيمِ فِيمَا يَجِدُهُ فِي الْغَنِيمَةِ إنَّمَا يَثْبُتُ فِيمَا أَخْذَ مِنْهُ قَهَرَا لَا فِيمَا أَعْطَاهُ بِطِيبِ نَفْسِهِ طَوْعًا؛ لِأَنَّ مَا أُخِذَ مِنْهُ قَهَرَا قَدْ صَارَ هُوَ فِيهِ مَظْلُومًا. وَعَلَى الْغُزَاةِ الْقِيَامُ بِنُصْرَتِهِ، وَدَفْعُ الظُّلْمِ عَنْهُ بِإِعَادَتِهِ إلَى يَدِهِ. فَأَمَّا مَا أَعْطَاهُ بِطِيبِ نَفْسِهِ فَهُوَ لَيْسَ بِمُسَاوٍ لِمَا أُخِذَ مِنْهُ قَهْرًا، وَحَقُّ الْأَخْذِ بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِهِ حُكْمٌ ثَبَتَ بِالنَّصِّ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ، فَلَا يَلْتَحِقُ بِهِ مَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.\nأَلَا تَرَى - أَنَّهُمْ لَوْ أَعْطَوْا فِي فِدَاءِ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ بَعْضَ أَمْتِعَتِهِمْ ثُمَّ وَجَدُوا ذَلِكَ فِي الْغَنِيمَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَلَيْهِ سَبِيلٌ؛ لِأَنَّهُمْ أَعْطَوْهُ بِطِيبِ أَنْفُسِهِمْ. وَبِهَذَا يَتَّضِحُ الْجَوَابُ عَنْ الْإِشْكَالِ الَّذِي يُقَالُ إنَّ سَبَبَ وُصُولِ هَذَا الْمَالِ إلَى أَيْدِيهمْ كَانَ ظُلْمًا مِنْهُمْ. وَهُوَ مُحَاصَرَةُ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ هَذَا كَالْمَأْخُوذِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِيلَاءِ قَهْرًا؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَعْنَى فِي فِدَاءِ الْأُسَارَى مَوْجُودٌ فَقَدْ كَانُوا ظَالِمِينَ فِي حَبْسِ أَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى فَادَاهُمْ الْمُسْلِمُونَ بِمَالٍ.","vol":"1","page":1716},{"text":"وَلَوْ كَانُوا لَمْ يَدْخُلُوا بِالْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ دَارَ الْحَرْبِ حَتَّى ظَفِرَ بِهِمْ أَهْلُ السَّرِيَّةِ فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ. لِأَنَّ بِنَفْسِ الْأَخْذِ صَارَ الْمَأْخُوذُ مَمْلُوكًا لَهُمْ إذَا الْمُلَّاكُ أَعْطَوْا بِطِيبِ أَنْفُسِهِمْ، وَمِثْلُ هَذَا السَّبَبِ يَتِمُّ بِالْقَبْضِ كَالتَّمَلُّكِ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَخَذُوهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِيلَاءِ، فَإِنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَهُ قَبْلَ الْإِحْرَازِ بِدَارِهِمْ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ هُنَاكَ هُوَ الْقَهْرُ وَذَلِكَ لَا يَتِمُّ مَا لَمْ يُحْرِزُوهُ بِدَارِهِمْ.\nثُمَّ يَكُونُ هَذَا فَيْئًا لِأَهْلِ السَّرِيَّةِ يُخَمَّسُ. لِأَنَّ أَهْلَ الشِّرْكِ أَهْلُ مَنَعَةٍ فِي دَارِنَا فَلَا أَمَانَ لَهُمْ مِنَّا. وَإِذَا وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمْ كَانَ لِمَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ فِي أَيْدِينَا.\n٣٤٢٤ - وَلَوْ كَانُوا صَالَحُوا رَجُلًا حَرْبِيًّا، أَوْ قَوْمًا غَيْرَ مُمْتَنِعِينَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ عَلَى أَنْ يُعْطُوهُمْ مَتَاعًا فِي فِدَاءِ الْأُسَارَى مِنْ أَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ أَغَارَ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ، وَقَدْ دَخَلُوا دَارَنَا بِغَيْرِ أَمَانٍ فَأَخَذُوهُمْ أَرِقَّاءَ - وَمَا مَعَهُمْ، فَإِنَّ الْمَتَاعَ مَرْدُودٌ عَلَى صَاحِبِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمُشْرِكُونَ أَهْلُ مَنَعَةٍ. لِأَنَّ حُكْمَ قَبْضَتِهِمْ إنَّمَا يَتِمُّ بِاعْتِبَارِ مَنَعَتْهُمْ، وَذَلِكَ بِالْوُصُولِ إلَى دَارِهِمْ، أَوْ بِأَنْ يَكُونُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ فِي أَنْفُسِهِمْ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ لَمْ يَتِمَّ قَبْضُهُمْ، بَلْ كَانَ الْمَالُ بَاقِيًا عَلَى مِلْكِ الدَّافِعِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا دَفَعَهُ فِي فِدَاءِ أَسِيرٍ حُرٍّ، وَالْأَسِيرُ الْحُرُّ لَا يَمْلِكُ بِحَالٍ، فَلَمْ يَكُنْ الْعَقْدُ مُبَادَلَةً حَقِيقِيَّةً حَتَّى يَثْبُتَ الْمِلْكُ بِنَفْسِ","vol":"1","page":1717},{"text":"الْعَقْدِ، أَوْ بِأَدْنَى الْقَبْضِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِحْرَازِ لِيَتِمَّ الْقَبْضُ مُوجِبًا لِلْمِلْكِ لَهُ فِي الْمَقْبُوضِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ صَاحِبَ ذَلِكَ الْمَتَاعِ لَوْ تَمَكَّنَ مِنْ أَخْذِهِ مِنْهُمْ بَعْدَ مَا خَلَّوْا سَبِيلَ الْأَسِيرِ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ؛ لِأَنَّهُمْ أَخَذُوهُ بِسَبَبٍ هُوَ ظُلْمٌ، وَهُوَ حَبْسُ الْأَسِيرِ الْحُرِّ فَكَذَلِكَ إذَا أَخَذَهُ غَيْرُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُ [عَلَيْهِ] .\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُمْ لَوْ أَسْلَمُوا قَبْلَ أَنْ يَرْجِعُوا إلَى دَارِهِمْ أُمِرُوا بِرَدِّ ذَلِكَ إلَى أَهْلِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ فَإِنَّهُمْ بَعْدَ الْإِسْلَامِ لَا يُؤْمَرُونَ بِرَدِّهِ، فَكَذَلِكَ إذَا وَصَلَ إلَى يَدِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْفَصْلَيْنِ.\n٣٤٢٥ - وَلَوْ كَانُوا أَخَذُوا الْمَالَ بِطَرِيقِ الِاسْتِيلَاءِ، كَانَ عَلَيْهِمْ الرَّدُّ إذَا أَسْلَمُوا قَبْلَ الْإِحْرَازِ بِدَارِهِمْ سَوَاءٌ كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ، أَوْ لَمْ يَكُونُوا. فَكَذَلِكَ إذَا وَصَلَ إلَى يَدِ الْمُسْلِمِينَ كَانَ عَلَيْهِمْ الرَّدُّ فِي الْوَجْهَيْنِ، فَكَانَ الْمَعْنَى فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا إذَا كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ أَوْ لَمْ يَكُونُوا فِيمَا أَخَذُوا بِطَرِيقِ الصُّلْحِ فِي فِدَاءِ الْأُسَارَى أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ فَحُكْمُ الْمُسْلِمِينَ لَا يَجْرِي فِي عَسْكَرِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُلْزَمِينَ لِذَلِكَ طَوْعًا، وَوِلَايَةُ الْإِلْزَامِ مُنْقَطِعَةٌ بِاعْتِبَارِ مَنَعَتْهُمْ، فَلَا يُؤْثَرُ مَعْنَى الظُّلْمِ فِي مَنْعِ ثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُمْ بِالْقَبْضِ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ فَحُكْمُ الْإِسْلَامِ جَارٍ عَلَيْهِمْ بِثُبُوتِ وِلَايَةِ الْإِلْزَامِ بِالْقَهْرِ، فَلَا يَصِيرُ","vol":"1","page":1718},{"text":"مَمْلُوكًا لَهُمْ بِالْقَبْضِ إذَا كَانُوا ظَالِمِينَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ أَعْطَى بِطِيبِ نَفْسِهِ بِمَنْزِلَةِ الرِّشْوَةِ وَالْمَالِ الَّذِي يُعْطَى بَعْضَ الظَّلَمَةِ عَلَى وَجْهِ الْمُصَانَعَةِ.\nوَاَلَّذِي يُوضِحُ هَذَا أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ فَدَخَلَ مُسْلِمٌ عَسْكَرَهُمْ، وَبَاعَهُمْ الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ كَانَ جَائِزًا. وَلَوْ لَمْ يَكُونُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، فَبِهَذَا الْفَصْلِ تَبَيَّنَ مَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ مَعْنَى الْفَرْقِ.\n٣٤٢٦ - وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْمَنَعَةِ مِنْهُمْ أَخَذُوا قَوْمًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَقَالُوا لَهُمْ: لَنَقْتُلَنَّكُمْ، أَوْ تُعْطُونَا أَمْوَالَكُمْ، أَوْ تَدُلُّونَا عَلَيْهَا فَفَعَلُوا ذَلِكَ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْمُشْرِكُونَ، أَوْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَاسْتَنْقَذُوا تِلْكَ الْأَمْوَالَ مِنْ أَيْدِيهمْ رَدُّوهَا عَلَى أَهْلِهَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ. لِأَنَّهُمْ أَخَذُوا الْمَالَ هَا هُنَا قَهْرًا، فَإِنَّهُمْ حِينَ أَخَذُوا الْمُلَّاكَ وَقَهَرُوهُمْ فَقَدْ صَارُوا آخِذِينَ بِغَيْرِ شَيْءٍ لِمَا مَعَهُمْ مِنْ الْمَالِ، وَفِي مِثْلِ هَذَا السَّبَبِ لَا يَمْلِكُونَ مَالَ الْمُسْلِمِ قَبْلَ الْإِحْرَازِ بِدَارِهِمْ، فَلِهَذَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ رَدُّهُ إذَا أَسْلَمُوا، وَوَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ رَدُّهُ إذَا أَصَابُوهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَبَعْدَهَا، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، فَهُنَاكَ صَاحِبُ الْمَالِ أَعْطَى الْمَالَ بِطِيبِ نَفْسِهِ فِي حَالِ مَا كَانَ مُمْتَنِعًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَيَصِيرُ مَمْلُوكًا لَهُمْ بِالْقَبْضِ إذَا كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةِ، لَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ\n٣٤٢٧ - وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ الَّذِينَ أَحَاطَ بِهِمْ الْمُشْرِكُونَ قَالُوا لَهُمْ: نَخْرُجُ عَنْكُمْ بِنِسَائِنَا وَذَرَارِيِّنَا وَنُسَلِّمُ لَكُمْ الْمَدِينَةَ وَمَا فِيهَا، فَخَرَجُوا عَلَى هَذَا، أَوْ لَمْ يَخْرُجُوا، أَوْ خَرَجَ بَعْضُهُمْ","vol":"1","page":1719},{"text":"ثُمَّ رَأَوْا عَوْرَةً لِلْمُشْرِكَيْنِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ وَيُقَاتِلُوهُمْ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ.\nلِأَنَّهُمْ لَمْ يُؤَمِّنُوهُمْ، وَإِنَّمَا أَخْبَرُوهُمْ أَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ وَيُسَلِّمُونَ الْمَدِينَةَ إلَيْهِمْ، وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَمَانٍ بَيْنَهُمْ، بَلْ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَحْقِيقِ الْقَهْرِ، فَكَانَ لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ إذَا تَمَكَّنُوا مِنْ ذَلِكَ.\n٣٤٢٨ - وَلَوْ قَالُوا نُصَالِحُكُمْ عَلَى أَنْ نَخْرُجَ عَنْكُمْ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ. لِأَنَّ لَفْظَ الْمُصَالَحَةِ دَلِيلُ اشْتِرَاطِ الْأَمَانِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ عَلَى الشَّرْطِ الَّذِي وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ الْقِتَالَ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ.\n٣٤٢٩ - فَإِنْ خَرَجَ الْمُسْلِمُونَ عَنْهُمْ بِذَرَارِيِّهِمْ، فَلَمَّا صَارُوا عَلَى بَابِ الْمَدِينَةِ رَأَوْا مِنْ الْمُشْرِكِينَ عَوْرَةً فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ. لِأَنَّ الْمَقْصُودَ خُرُوجُهُمْ بِذَرَارِيِّهِمْ إلَى مَوْضِعٍ يَأْمَنُونَ فِيهِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِغَيْرِ صُلْحٍ. وَهَذَا يَعْرِفُهُ كُلُّ وَاحِدٍ إذَا رَجَعَ إلَى عُرْفِ النَّاسِ، وَبِمُجَرَّدِ الْخُرُوجِ إلَى بَابِ الْمَدِينَةِ لَا يَتِمُّ هَذَا الْمَقْصُودُ فَلَا يَنْتَهِي حُكْمُ الْأَمَانِ.\n٣٤٣٠ - وَكَذَلِكَ إذَا كَانُوا بِالْقُرْبِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِحَيْثُ يَخَافُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ لَوْلَا الصُّلْحُ فَأَمَّا إذَا وَصَلُوا إلَى مَوْضِعٍ لَا يَخَافُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ إلَّا بِالرُّجُوعِ إلَيْهِمْ وَالصَّيْرُورَةِ","vol":"1","page":1720},{"text":"نَحْوِهِمْ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَرْجِعَ الْمُسْلِمُونَ إلَيْهِمْ وَيُقَاتِلُوهُمْ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ. لِأَنَّ الْأَمَانَ الثَّابِتَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ بِذَلِكَ الصُّلْحِ قَدْ انْتَهَى بِوُصُولِ الْمُسْلِمِينَ إلَى مَوْضِعٍ يَأْمَنُونَ فِيهِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِذَلِكَ الصُّلْحِ أَنْ يَتَمَيَّزَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ الْآخَرَ، وَقَدْ حَصَلَ التَّمَيُّزُ حَقِيقَةً وَحُكْمُهَا بِهَذَا الْقَدْرِ.\n٣٤٣١ - وَلَوْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ فَأَحْدَقَ بِهِمْ الْمُشْرِكُونَ ثُمَّ اصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ لَهُمْ الْمُسْلِمُونَ مَا فِي الْعَسْكَرِ عَلَى أَنْ يَرْجِعَ الْمُسْلِمُونَ عَنْهُمْ، أَوْ يَرْتَحِلُوا فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ حَتَّى يَدْخُلُوا دَارَ الْإِسْلَامِ.؛ لِأَنَّ الِارْتِحَالَ إنَّمَا يَتِمُّ بِالْخُرُوجِ مِنْ دَارِهِمْ، وَبِوُصُولِ الْمُسْلِمِينَ إلَى مَأْمَنِهِمْ، وَمَأْمَنُهُمْ دَارُ الْإِسْلَامِ، وَفِي الْأَوَّلِ أَهْلُ الْحَرْبِ كَانُوا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَارْتِحَالُ الْمُسْلِمِينَ عَنْهُمْ إنَّمَا يَتِمُّ بِوُصُولِهِمْ إلَى مَوْضِعٍ يَأْمَنُ فِيهِ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ [عَنْ الْآخَرَ] فَكَانَ قَوْلُهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ عَلَى أَنْ تَرْجِعُوا عَنَّا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِمْ حَتَّى تَرْجِعُوا عَنَّا إلَى بِلَادِكُمْ - لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ بِالْعُرْفِ كَالْمَشْرُوطِ بِالنَّصِّ.\n٣٤٣٢ - وَلَوْ كَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ الْمَحْصُورُونَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ صَالَحُوا الْمُشْرِكِينَ عَلَى أَنْ يَخْرُجُوا عَنْهُمْ بِنِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ إلَى مَوْضِعِ كَذَا فَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقْتُلُوهُمْ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ حَتَّى يَبْلُغُوا ذَلِكَ الْمَكَانَ.","vol":"1","page":1721},{"text":"لِأَنَّ الشَّرْطَ هَكَذَا جَرَى بَيْنَهُمْ وَالشَّرْطُ أَمْلَكُ.\n٣٤٣٣ - فَإِنْ خَرَجُوا عَنْهُمْ إلَى مَوْضِعٍ يَأْمَنُ فِيهِ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ثُمَّ أَقَامَ [الْمُسْلِمُونَ فِي تِلْكَ الْمَوَاضِعِ] قَدْرَ الْمَسِيرِ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانُوا شَرَطُوا لَهُمْ ثُمَّ أَرَادُوا أَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ نَبْذٍ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ. لِأَنَّ مَقْصُودَهُمْ لَيْسَ عَيْنُ ذَلِكَ الْمَكَانَ، وَلَكِنَّ الْأَمَانَ لَهُمْ مِنْ جِهَتِهِمْ فِي مُدَّةِ السَّيْرِ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُبْتَنَى الْحُكْمُ عَلَى الْمَقْصُودِ لَا عَلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ مَا يَكُونُ مُفِيدًا دُونَ مَا لَا يَكُونُ مُفِيدًا. فَقَدْ ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ قَدْرُ الْمَسِيرِ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَقَطْ.\n٣٤٣٤ - قَالَ الشَّيْخُ - ﵀ -: وَالْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مِنْ الْمُدَّةِ مِقْدَارُ الْمَسِيرِ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَمِقْدَارُ الِانْصِرَافِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ الَّذِي هُمْ فِيهِ. لِأَنَّ مَقْصُودَ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ ذِكْرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فِي شَرْطِ الْأَمَانِ أَلَّا يَتَمَكَّنُوا مِنْ الرُّجُوعِ إلَيْهِمْ، بَعْدَ الْوُصُولِ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إلَّا بِمُدَّةٍ مَدِيدَةٍ، وَهَذَا الْمَقْصُودُ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِمَا ذَكَرْنَاهُ. فَإِنْ قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ شَرَطُوا الْخُرُوجَ عَنْهُمْ إلَى الْكُوفَةِ فَأَتَوْا الْبَصْرَةَ، أَوْ مَكَّةَ، أَوْ الشَّامَ، وَذَلِكَ أَبْعَدُ مِنْ الْكُوفَةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا إلَيْهِمْ فَيُقَاتِلُوهُمْ بِغَيْرِ نَبْذٍ.","vol":"1","page":1722},{"text":"وَفِي هَذَا أَشَارَ إلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لَهُمْ فِي اعْتِبَارِ عَيْنِ الْمَكَانِ الْمُسَمَّى. وَإِنَّمَا فَائِدَتُهُمْ فِي اعْتِبَارِ الْمُدَّةِ، (أَلَا تَرَى) أَنَّهُمْ لَوْ صَالَحُوهُمْ عَلَى أَنْ يَخْرُجُوا عَنْهُمْ عَلَى أَلَّا يُقَاتِلُوهُمْ شَهْرًا أَوْ عَلَى [أَنْ يَذْهَبُوا] فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ شَهْرًا فَلَمَّا كَانُوا عَلَى مَسِيرَةِ أَيَّامٍ أَقَامُوا فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ شَهْرًا، ثُمَّ أَغَارُوا عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ، لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَلَكِنَّ هَذَا كُلَّهُ بَعْدَ أَنْ يَصِلُوا إلَى مَوْضِعٍ يَأْمَنُ فِيهِ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ الْآخَرَ، فَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَحَالُهُمْ كَحَالِ مَا لَوْ كَانُوا فِي الْمَدِينَةِ لَمْ يَخْرُجُوا عَنْهُمْ بَعْدُ، وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ كَرِهْنَا فِيهِ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ، فَكَذَلِكَ يُكْرَهُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ.\nلِأَنَّهُمْ فِي أَمَانٍ مِنْ جِهَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِالصُّلْحِ الَّذِي جَرَى بَيْنَهُمْ، وَأَمَانُ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ نَافِذٌ فِي حَقِّ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ ذِمَّتِهِمْ. قَالَ - ﵌ -: «وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ» وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ جَازَ لِأَهْلِ الْمَدِينَة أَنْ يَكُرُّوا عَلَيْهِمْ فَيُقَاتِلُوهُمْ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ فَكَذَلِكَ جَائِزٌ بِغَيْرِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمُرَجِّعُ وَالْمَآبُ.","vol":"1","page":1723},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>[بَابٌ مِنْ فِدَاءِ الْمُشْرِكِينَ فِي الْمُوَادَعَةِ وَمَا يَكُونُ مُحْرَزًا بِغَصْبِ الْمُشْرِكِينَ وَمَا لَا يَكُونُ]</span>\n١٦٢ - بَابٌ مِنْ فِدَاءِ الْمُشْرِكِينَ فِي الْمُوَادَعَةِ وَمَا يَكُونُ مُحْرَزًا بِغَصْبِ الْمُشْرِكِينَ وَمَا لَا يَكُونُ ٣٤٣٥ - وَإِذَا وَادَعَ الْمُسْلِمُونَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى أَنْ يُؤَدُّوا إلَى الْمُسْلِمِينَ مِائَةَ رَأْسٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ، عَلَى أَنْ يَكُونُوا آمِنِينَ فِي دَارِهِمْ لَا يُجْرِي الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ أَحْكَامَهُمْ، وَلَا يُغِيرُونَ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ الْمُوَادَعَةُ عَلَى هَذَا إلَّا لِخَوْفٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ. لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْمُوَادَعَةِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ، وَهُوَ الدُّعَاءُ إلَى الدِّينِ بِأَرْفَقِ الطَّرِيقَيْنِ، وَالْتِزَامُ أَهْلِ الْحَرْبِ بَعْضَ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا لَا يَحْصُلُ إذَا شَرَطُوا أَنْ يَكُونُوا مُتَقَرِّرِينَ فِي دَارِهِمْ، لَا يَجْرِي الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ أَحْكَامَهُمْ، فَلَا يَجُوزُ الْإِجَابَةُ إلَى ذَلِكَ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ.\n٣٤٣٦ - وَعِنْدَ ذَلِكَ الْمِائَةُ الرَّأْسِ عَلَيْهِمْ مِنْ أَوْسَاطِ الرُّءُوسِ فِي كُلِّ سَنَةٍ، إنْ أَتَوْا بِالرُّءُوسِ أَوْ بِالْقِيمَةِ وَجَبَ قَبُولُهَا مِنْهُمْ، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي اشْتِرَاطِ الرَّأْسِ مُطْلَقًا فِي مُبَادَلَةِ","vol":"1","page":1724},{"text":"مَالٍ بِمَا لَيْسَ بِمَالٍ، وَإِنْ أَعْطَوْا بِالرُّءُوسِ الَّتِي وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ حِنْطَةً، أَوْ كُرَاعًا، أَوْ سِلَاحًا، أَوْ بُرًّا كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ أَلَّا يَقْبَلُوا ذَلِكَ مِنْهُمْ. لِأَنَّ قَبُولَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ يَكُونُ بِطَرِيقِ الْمُبَايَعَةِ وَهُوَ يَعْتَمِدُ الرِّضَاءَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ بِخِلَافِ الْقِيمَةِ دَرَاهِمَ، أَوْ دَنَانِيرَ، فَإِنَّ الْقِيمَةَ تَقُومُ مَقَامَ الرُّءُوسِ بِاعْتِبَارِ الْمَالِيَّةِ، وَهِيَ الْمُسْتَحَقَّةُ بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ.\n٣٤٣٧ - وَلَا يَكُونُ امْتِنَاعُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَخْذِ جِنْسٍ آخَرَ مِنْهُمْ نَقْضًا لِمَا كَانَ بَيْنَهُمْ مِنْ الْمُوَادَعَةِ. لِأَنَّهُمْ امْتَنَعُوا مِنْ مُبَاشَرَةِ عَقْدِ الشِّرَاءِ وَهُوَ عَقْدٌ آخَرُ سِوَى الْمُوَادَعَةِ فَلَا يَبْطُلُ ذَلِكَ بِالْمُوَادَعَةِ أَصْلًا.\n٣٤٣٨ - قَالَ وَالرُّءُوسُ الْأَوْسَاطُ مِنْ رَقِيقِ أُولَئِكَ الْحَرْبِيِّينَ، لَيْسَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُعْطُوا الرُّءُوسَ مِنْ غَيْرِ رَقِيقِهِمْ.؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ التَّسْمِيَةِ يَنْصَرِفُ إلَى مَا هُوَ الْمَعْرُوفُ بِالْعُرْفِ، وَالْعُرْفُ الظَّاهِرُ أَنَّهُمْ إنَّمَا يَلْتَزِمُونَ تَسْلِيمَ الرُّءُوسِ مِنْ رَقِيقِهِمْ، إلَّا أَنْ يُسَمِّيَ الْمُسْلِمُونَ شَيْئًا آخَرَ مَعْرُوفًا، فَإِنَّ الْعُرْفَ يَسْقُطُ اعْتِبَارُهُ عِنْدَ وُجُودِ التَّسْمِيَةِ بِخِلَافِهِ.\n٣٤٣٩ - فَإِنْ أَتَوْهُمْ بِمِائَةِ رَأْسٍ مِنْ أَبْنَائِهِمْ أَوْ نِسَائِهِمْ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَأْخُذُوا ذَلِكَ مِنْهُمْ. لِأَنَّ الْأَمَانَ قَدْ تَنَاوَلَهُمْ فَصَارُوا بِهِ مَعْصُومِينَ عَنْ الِاسْتِرْقَاقِ.","vol":"1","page":1725},{"text":"أَلَا تَرَى) أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ لَوْ بَاعَ مِنْ مُسْلِمٍ ابْنَهُ بَعْدَ هَذَا الْأَمَانِ لَمْ يَجُزْ هَذَا الْبَيْعُ، وَلَمْ يَمْلِكْهُ الْمُسْلِمُ، لِأَجْلِ الْأَمَانِ، فَكَذَلِكَ فِي الْمُوَادَعَةِ لَا يَجُوزُ أَخْذُهُمْ بَعْدَ مَا تَنَاوَلَهُمْ الْأَمَانُ، وَلَكِنْ لَوْ كَانَ الْمَلِكُ قَاهِرًا لَهُمْ وَهُمْ جَمِيعًا مُقِرُّونَ لَهُ بِالْمُلْكِ يَبِيعُ وَيَهَبُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ، فَأَعْطَى الْمَلِكُ مِنْهُمْ مِائَةَ رَأْسٍ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَوْمَ مُقِرُّونَ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ، وَبِهَذَا الْإِقْرَارِ صَارُوا عَبِيدًا لَهُ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِيهِمْ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ، فَلِذَلِكَ يَجُوزُ أَخْذُهُمْ مِنْهُ فِي الرُّءُوسِ الْمَشْرُوطَةِ عَلَيْهِمْ فِي الْمُوَادَعَةِ.\n٣٤٤٠ - وَلَوْ لَمْ يَكُونُوا لَهُ مُقِرِّينَ بِالْعُبُودِيَّةِ فَجَاءَ بِمِائَةِ رَأْسٍ وَقَالَ: هُمْ عَبِيدِي فَخُذُوهُمْ، وَقَالَ الْقَوْمُ: بَلْ نَحْنُ أَحْرَارٌ، فَإِنْ كَانَتْ الْمِائَةُ رَأْسٍ مَقْهُورِينَ بِحَشَمِ الْمَلِكِ فِي أَيْدِيهِمْ حِينَ أَتَوْنَا بِهِمْ فَلَا بَأْسَ بِأَخْذِهِمْ. لِأَنَّهُمْ إنْ كَانُوا عَبِيدًا لَهُمْ فَأَخْذُهُمْ حَلَالٌ لَنَا، وَإِنْ كَانُوا أَحْرَارًا فَقَدْ صَارَ قَاهِرًا لَهُمْ بِقُوَّةِ السَّلْطَنَةِ وَقُوَّةِ الْحَشَمِ، فَكَانُوا عَبِيدًا لَهُ أَيْضًا، وَهَذَا لِأَنَّ مَلِكَهُمْ إذَا كَانَ هُوَ الَّذِي يَفْعَلُ بِهِمْ هَذَا وَهَذَا عِنْدَهُمْ جَائِزٌ فِي حُكْمِهِمْ أَنَّ مَنْ قَهَرَ إنْسَانًا فَاسْتَعْبَدَهُ كَانَ عَبْدًا لَهُ أَجَزْنَا عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ مَا أَجَازُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ شَرَطُوا فِي أَصْلِ الْمُوَادَعَةِ أَنَّ أَحْكَامَنَا لَا تَجْرِي عَلَيْهِمْ، وَبِهَذَا الشَّرْطِ كَانَ الْجَارِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامَ الشِّرْكِ، فَيَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ مَا أَجَازُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَبِهَذَا الطَّرِيقِ قَالَ أَيْضًا:\n٣٤٤١ - وَإِنْ عَلِمْنَا أَنَّ الْمِائَةَ الرَّأْسِ مِنْ أَحْرَارِهِمْ قَهَرُوهُمْ فِي بِلَادِهِمْ وَاسْتَعْبَدُوهُمْ، ثُمَّ جَاءُونَا بِهِمْ مَقْهُورِينَ، فَلَا بَأْسَ","vol":"1","page":1726},{"text":"بِأَخْذِهِمْ لِمَا قَرَّرْنَا، وَلَوْ كَانُوا دَخَلُوا جَمِيعًا دَارَنَا بِغَيْرِ أَمَانٍ إلَّا بِتِلْكَ الْمُوَادَعَةِ كَانُوا آمِنِينَ بِهَا فِي دَارِهِمْ فَكَذَلِكَ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.\n٣٤٤٢ - فَإِنْ قَهَرُوا مِنْهُمْ مِائَةَ رَأْسٍ بَعْدَ مَا خَرَجُوا إلَيْنَا لَمْ يَسَعْنَا أَنْ نَأْخُذَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّا نَمْنَعُهُمْ مِنْ قَهْرِهِمْ.\nلِأَنَّ حُكْمَ الْإِسْلَامِ ظَاهِرٌ فِي دَارِنَا، وَمِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ أَلَّا يُسْتَرَقَّ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِينَ أَحَدٌ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَهْرَ ظُلْمٌ مِنْ الْقَاهِرِينَ لِلْمَقْهُورِينَ، وَعَلَيْنَا دَفْعُ الظُّلْمِ عَنْ الْمُسْتَأْمَنِينَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي نَدْفَعُ بِهِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُمْ بَعْدَ هَذَا الْقَهْرِ وَالِاسْتِعْبَادِ فِي دَارِنَا لَوْ أَسْلَمُوا أَمَرْنَاهُمْ بِتَخْلِيَةِ سَبِيلِ الْمَقْهُورِينَ، وَلَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ فِي دَارِهِمْ ثُمَّ أَسْلَمُوا كَانُوا عَبِيدًا لَهُمْ، وَمَنْعَةُ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي هَذَا الْحُكْمِ بِمَنْزِلَةِ دَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى وُجُوبِ دَفْعِ الظُّلْمِ مَوْجُودٌ فِي الْفَصْلَيْنِ. وَاسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ طَاوُسٍ قَالَ فِي كِتَابِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - ﵁ -: مَنْ اسْتَخْمَرَ قَوْمًا أَوَّلُهُمْ أَحْرَارٌ، أَوْ جِيرَانٌ مُسْتَضْعَفُونَ فَإِنْ كَانَ قَصَرَهُمْ فِي بَيْتِهِ حَتَّى يَدْخُلَ الْإِسْلَامُ بَيْتَهُ فَهُمْ لَهُ عَبِيدٌ، وَمَنْ كَانَ مُهْمِلًا يُعْطِي الْخَرَاجَ فَهُوَ عَتِيقٌ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ اسْتَخْمَرَ اسْتَعْبَدَ، فَبِهَذَا تَبَيَّنَّ أَنَّهُ إذَا تَمَّ قَهْرُهُ إيَّاهُمْ قَبْلَ ظُهُورِ حُكْمِ الْإِسْلَامِ فِي دَارِهِمْ فَهُمْ عَبِيدُهُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ فَهُمْ أَحْرَارٌ، فَإِنْ كَانَ الْمُوَادِعُونَ خَرَجُوا إلَيْنَا وَمَعَهُمْ مِائَةُ رَأْسٍ لَا يَدْرِي أَمَقْهُورُونَ هُمْ أَمْ غَيْرُ","vol":"1","page":1727},{"text":"مَقْهُورِينَ، وَقَالُوا: هَؤُلَاءِ عَبِيدُنَا جِئْنَاكُمْ بِهِمْ لِتَأْخُذُوهُمْ فِي الْفِدَاءِ، وَقَالَ الْقَوْمُ: كَذَبُوا نَحْنُ أَحْرَارٌ مِثْلُهُمْ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمِائَةِ الرَّأْسِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْخِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَحُكْمِ الْمُسْلِمِينَ، وَمِنْ حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ مَنْ لَا نَدْرِي كَيْفَ كَانَتْ حَالُهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي دَعْوَى الْحُرِّيَّةِ لِنَفْسِهِ حَتَّى يَقُومَ عَلَيْهِ حُجَّةُ الرِّقِّ.\n٣٤٤٣ - فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُمْ عَبِيدٌ لَهُمْ قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ، سَوَاءٌ كَانَ الشُّهُودُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، أَوْ أَهْلِ الْحَرْبِ. لِأَنَّهَا تَقُومُ عَلَيْهِمْ بِالرِّقِّ، وَهُمْ أَهْلُ الْحَرْبِ، وَشَهَادَةُ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ حُجَّةٌ. إذَا كَانُوا عُدُولًا فِي دِينِهِمْ.\n٣٤٤٤ - وَإِنْ قَالَ الَّذِينَ جَاءُوا بِهِمْ: كَانُوا أَحْرَارًا وَلَكِنَّا قَهَرْنَاهُمْ بِإِذْنِ مَلِكِنَا فِي دَارِنَا حَتَّى صَارُوا عَبِيدًا لَنَا، وَقَالَ الْقَوْمُ: مَا قَهَرْنَاهُمْ وَلَا عَرَضُوا لَنَا عِنْدَكُمْ فَالْقَوْلُ أَيْضًا قَوْلُهُمْ. لِأَنَّ قَهْرَهُمْ إيَّاهُمْ حَادِثٌ، فَيُحَالُ بِحُدُوثِهِ عَلَى أَقْرَبَ الْأَوْقَاتِ، وَلِأَنَّهُمْ يَدَّعُونَ عَلَيْهِمْ سَبَبَ الرِّقِّ وَهُمْ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ، وَدَعْوَى السَّبَبِ كَدَعْوَى الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالسَّبَبِ؛ لِأَنَّ الْأَسْبَابَ تُرَادُ لِأَحْكَامِهَا لَا لِأَعْيَانِهَا، فَلَا يُقْضَى بِرِقِّهِمْ حَتَّى تَقُومَ الْحُجَّةُ لِلْمُدَّعِي كَمَا فِي الْفَصْل الْأَوَّلِ.\n٣٤٤٥ - وَهَذَا كُلُّهُ بِخِلَافِ مَا إذَا ادَّعَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ دَيْنًا، أَوْ عَقْدًا جَرَى بَيْنَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ","vol":"1","page":1728},{"text":"فَإِنَّا لَا نَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَا لَمْ يُسْلِمُوا، أَوْ يَصِيرُوا ذِمَّةً.\nلِأَنَّ هُنَاكَ الْمُنَازَعَةُ بَيْنَهُمْ فِي مُعَامَلَةٍ جَرَتْ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ حُكْمُنَا جَارِيًا عَلَيْهِمْ، فَلَا يَسْمَعُ الْقَاضِي الْخُصُومَةَ فِي ذَلِكَ مَا لَمْ يَلْتَزِمُوا أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ، بِأَنْ يُسْلِمَ الْخَصْمَانِ، أَوْ يَصِيرَا ذِمَّةً، فَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا، أَوْ صَارَ ذِمَّةً لَمْ تُسْمَعْ فِيهِ الْخُصُومَةُ أَيْضًا، أَمَّا عَلَى الَّذِي لَمْ يُسْلِم فَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُلْتَزِمٍ حُكْمَ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا عَلَى الَّذِي أَسْلَمَ فَلِوُجُوبِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ، وَقَضِيَّةُ التَّسْوِيَةِ أَلَّا يَقْضِيَ عَلَيْهِ لِخَصْمِهِ فِي حَالٍ لَا يَقْضِي لَهُ خَصْمُهُ، فَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الرِّقِّ فَالْمُنَازَعَةُ فِي سَبَبٍ بَاشَرُوهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ قَهْرُ الَّذِينَ جَاءُوا بِهِمْ، وَفِي مِثْلِهِ الْقَاضِي يَسْمَعُ الْخُصُومَةَ بَيْنَهُمْ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ بَعْضَهُمْ لَوْ أَقَرَّ عِنْدَ الْبَعْضِ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا لَهُ فِي دَارِ الشِّرْكِ ثُمَّ أَبَى أَنْ يَنْقَادَ لَهُ أَجْبَرْنَاهُ عَلَى الِانْقِيَادِ لَهُ كَمَا يَنْقَادُ الْعَبْدُ لِمَوْلَاهُ؛ لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ عَبْدٌ لَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَبِمِثْلِهِ لَوْ أَقَرَّ أَحَدُهُمْ لِصَاحِبِهِ بِدَيْنٍ كَانَ عَلَيْهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ أَبَى أَنْ يَقْضِيَهُ لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ بِشَيْءٍ حَتَّى يُسْلِمَ الْخَصْمَانِ، أَوْ يَصِيرَا ذِمَّةً. فَبِهَذَا يَتَّضِحُ الْفَرْقُ.\n٣٤٤٦ - وَلَوْ قَبِلْنَا قَوْلَ الَّذِينَ يَدَّعُونَ الرِّقَّ عَلَى الْمِائَةِ الرَّأْسِ فِي دَارِنَا أَدَّى إلَى تَضَادِّ الْأَحْكَامِ، فَإِنَّ الْمِائَةَ الرَّأْسِ لَوْ ادَّعَوْا عَلَى أُولَئِكَ الْقَوْمِ بَلْ أَنْتُمْ عَبِيدٌ لَنَا فَلَيْسَ الرُّجُوعُ إلَى قَوْلِ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ بِأُولَى مِنْ الرُّجُوعِ إلَى قَوْلِ الْفَرِيقِ الْآخَرَ، فَلَوْ قَالَ الْقَوْمُ هَذِهِ الْمِائَةُ الرَّأْسِ عَبِيدٌ لَنَا وَقَالَتْ الْمِائَةُ الرَّأْسِ","vol":"1","page":1729},{"text":"بَلْ نَحْنُ أَحْرَارٌ وَلً نَرْضَى أَنْ تَأْخُذُونَا فِي الْفِدَاءِ لَمْ يَسَعْنَا أَنْ نَأْخُذهُمْ. لِأَنَّهُمْ صَارُوا فِي دَارِنَا آمِنِينَ، وَالْحُرُّ الْآمِنُ فِي دَارِنَا لَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ بِحَالٍ، رَضِيَ بِذَلِكَ، أَوْ لَمْ يَرْضَ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِهِمْ لَوْ قَالُوا هُمْ أَحْرَارٌ مِثْلُنَا، وَلَكِنْ خُذُوهُمْ فَهُمْ رَاضُونَ بِذَلِكَ لَمْ يَسَعْنَا أَخْذُهُمْ لِهَذَا الْمَعْنَى، فَكَذَلِكَ فِي الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُمْ فِي حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ أَحْرَارٌ فِي الْوَجْهَيْنِ، فَلَا يَصِيرُونَ مَمَالِيكَ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى الرِّقِّ عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ.\n٣٤٤٧ - فَإِنْ قَالُوا حِينَ رَأَوْا الْمُسْلِمِينَ لَا يَأْخُذُونَهُمْ: نَحْنُ عَبِيدُهُمْ كَمَا قَالُوا، وَقَدْ كَذَبْنَا فِي ادِّعَائِنَا الْحُرِّيَّةَ يَسَعُ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَأْخُذُوهُمْ. لِأَنَّهُمْ أَقَرُّوا بَعْدَ مَا أَنْكَرُوا دَعْوَى الَّذِينَ ادَّعَوْا عَلَيْهِمْ الرِّقَّ، وَالْإِقْرَارُ بَعْدَ الْإِنْكَارِ صَحِيحٌ، بِمَنْزِلَةِ مَجْهُولِ الْحَالِ - إذَا ادَّعَى إنْسَانٌ أَنَّهُ عَبْدٌ لَهُ فَكَذَّبَهُ ثُمَّ صَدَّقَهُ كَانَ عَبْدًا لَهُ.\n٣٤٤٨ - وَإِنْ قَالَ الَّذِينَ جَاءُوا بِهِمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ هُمْ أَحْرَارٌ فَخُذُوهُمْ، فَهُمْ رَاضُونَ بِذَلِكَ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا يَأْخُذُونَهُمْ قَالُوا: هُمْ عَبِيدٌ لَنَا، وَصَدَّقَهُمْ الْمِائَةُ الرَّأْسِ فَلَيْسَ يَسَعُ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَأْخُذُوهُمْ.","vol":"1","page":1730},{"text":"لِأَنَّ حُرِّيَّتَهُمْ قَدْ تَأَكَّدَتْ فِي دَارِنَا بِتَصَادُقِهِمْ عَلَيْنَا أَوَّلًا، وَلِأَنَّهُمْ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ إنْ كَانُوا عَبِيدًا لَهُمْ فَقَدْ كَانُوا عَتَقُوا بِقَوْلِهِمْ الْأَوَّلِ إنَّهُمْ أَحْرَارٌ، وَإِنْ كَانُوا أَحْرَارًا فَأَبْعَدُ.\n٣٤٤٩ - وَإِنْ قَالُوا بَعْدَ قَوْلِهِمْ هُمْ أَحْرَارٌ: كَذَبْنَا، هُمْ عَبِيدٌ لِلْمَلِكِ بَعَثَهُمْ مَعَنَا لِنَدْفَعَهُمْ إلَيْكُمْ، وَصَدَّقَهُمْ بِذَلِكَ الْمِائَةُ الرَّأْسِ وَسِعَ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَأْخُذُوهُمْ بِحَقِّهِمْ. لِأَنَّهُمْ أَقَرُّوا بِالرِّقِّ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لِغَيْرِ مَنْ أَقَرَّ بَحْرِيَّتِهِمْ، وَحُرِّيَّةُ مَجْهُولِ الْحَالِ بِإِقْرَارِ الْمُقِرِّ إنَّمَا تَثْبُتُ فِي حَقِّهِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ حُجَّةَ الْإِقْرَارِ لَا تَعْدُو الْمُقِرَّ فَثَبَتَ الرِّقُّ عَلَيْهِمْ بِإِقْرَارِهِمْ بِهِ لِلْمَلِكِ، فَلِهَذَا جَازَ أَخْذُهُمْ فِي الْفِدَاءِ.\n٣٤٥٠ - فَإِنْ صَالَحُوهُمْ فِي الْمُوَادَعَةِ عَلَى مِائَةِ رَأْسٍ. وَلَمْ يُسَمُّوا ذُكُورًا وَلَا إنَاثًا، وَجَبَ الْقَبُولُ مِنْهُمْ إنْ جَاءُوا بِذُكُورٍ، أَوْ إنَاثٍ، أَوْ مُخْتَلَطِينَ، لِإِطْلَاقِ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الْإِيجَابِ، فَإِنَّ تَقْيِيدَ الْمُطْلَقِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِدَلِيلٍ. وَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِي تَسْمِيَةِ الرَّأْسِ مَا يُنَبِّئُ عَنْ وَصْفٍ لِيَتَوَجَّهَ الْمُطَالَبَةُ عَلَيْهِمْ بِالْأَدَاءِ بِذَلِكَ الْوَصْفِ، وَهُوَ نَظِيرُ الرَّقَبَةِ فِي الْكَفَّارَاتِ، فَإِنَّ التَّكْفِيرَ يَحْصُلُ بِتَحْرِيرِ رَقَبَةٍ ذَكَرًا، أَوْ أُنْثَى لِهَذَا الْمَعْنَى.\n٣٤٥١ - وَإِنْ جَاءُوا بِصِغَارٍ فَإِنْ كَانُوا صِغَارًا قَدْ اسْتَغْنَوْا عَنْ الْأُمَّهَاتِ فَاحْتَاجُوا إلَى الْأَبِ كَانَ مَقْبُولًا مِنْهُمْ، وَإِنْ جَاءُوا بِمَرَاضِعَ، أَوْ فُطُمٍ لَمْ يُقْبَلُ مِنْهُمْ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الِاسْمِ مَا يُنْبِئُ عَنْ صِفَةِ الْبُلُوغِ، فَيَسْتَوِي فِيهِ الْبَالِغُ وَغَيْرُ الْبَالِغِ،","vol":"1","page":1731},{"text":"إلَّا أَنَّ الْمَقْصُودَ بِاشْتِرَاطِ الرُّءُوسِ عَلَيْهِمْ مَنْ يَكُونُ صَالِحًا لِلِاسْتِخْدَامِ، فَإِذَا كَانَ بِحَيْثُ لَا يَأْكُلُ وَحْدَهُ، وَلَا يَلْبَسُ وَحْدَهُ، وَلَا يَتَوَضَّأُ وَحْدَهُ، فَمَا هُوَ الْمَقْصُودُ لَا يَحْصُلُ وَلَا يَتِمُّ بِهِمْ. لِأَنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ إلَى مَنْ يَخْدُمُهُمْ، وَلَا يَقُومُونَ فِي الْحَالِ بِخِدْمَةِ غَيْرِهِمْ.\n٣٤٥٢ - وَأَمَّا إذَا اسْتَغْنَوْا عَنْ الْأُمَّهَاتِ فَالْمَقْصُودُ، وَهُوَ الِاسْتِخْدَامُ، يَحْصُلُ بِهِمْ، وَكَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْمَالِيَّةُ، فَإِنَّ انْتِقَاضَ الْمَالِيَّةِ بِسَبَبِ الصِّغَرِ إنَّمَا يَكُونُ قَبْلَ اسْتِغْنَاءِ الصَّغِيرِ عَنْ الْأُمِّ، فَأَمَّا بَعْدَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ ذَلِكَ فَالْمَالِيَّةُ لَا تَنْقُصُ بِالصِّغَرِ عَادَةً، فَإِذَا جَاءُوا بِهَذَا النَّوْعِ مِنْ أَوْسَاطِ رَقِيقِهِمْ وَجَبَ الْقَبُولُ مِنْهُمْ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ الْقَبُولِ لِمَكَانِ أُمَّهَاتِهِمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ. لِأَنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الصِّغَارِ وَالْأُمَّهَاتِ هَا هُنَا لَيْسَ مِنْ جِهَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ.\n٣٤٥٣ - وَهُوَ نَظِيرُ مُسْتَأْمَنٍ فِي دَارِنَا لَهُ جَارِيَةٌ وَلَهَا ابْنٌ صَغِيرٌ فَبَاعَ الْأُمَّ دُونَ الِابْنِ، أَوْ الِابْنَ دُونَ الْأُمِّ، مِنْ الْمُسْلِمِينَ جَازَ الشِّرَاءُ مِنْهُمْ.\nلِأَنَّ الْحَرْبِيَّ هُوَ الَّذِي يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا دُونَ الْمُسْلِمُ، وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِ أَحَدُهُمَا مِنْهُ رَجَعَ بِهِمَا إلَى دَارِ الْحَرْبِ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ عَوْنٌ لِلْمُشْرِكَيْنِ، إمَّا بِهِمَا، أَوْ بِنَسْلِهِمَا، وَمُرَاعَاةُ هَذَا الْجَانِبِ أَوْلَى مِنْ مُرَاعَاةِ جَانِبِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْأُمِّ وَالْوَلَدِ الصَّغِيرِ، فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ.","vol":"1","page":1732},{"text":"قَالَ وَإِذَا شَرَطُوا فِي الْمُوَادَعَةِ أَنْ يُعْطُوهُمْ مِائَةَ رَأْسٍ مِنْ رَقِيقِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ عِنْدَهُمْ فَجَاءُوا؟ بِرَقِيقِهِمْ، أَوْ بِقِيمَةِ مِائَةِ رَأْسٍ مِنْ رَقِيقِ الْمُسْلِمِينَ فَلِلْمُسْلِمِينَ أَلَّا يَقْبَلُوا ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَلَا يَكُونُ هَذَا الْإِبَاءُ نَقْضًا مِنْهُمْ لِلْعَهْدِ. لِأَنَّ الشُّفْعَةَ الْمَشْرُوطَةَ لِلْمُسْلِمِينَ لَا تَتِمُّ بِمَا جَاءُوا لَهُ، فَإِنَّهُمْ شَرَطُوا ذَلِكَ لِتَخْلِيصِ رَقِيقِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ ذُلِّهِمْ، وَبِمَا جَاءُوا بِهِ مِنْ الْقِيمَةِ، أَوْ مِنْ رَقِيقِهِمْ لَا يَحْصُلُ هَذَا الْمَقْصُودُ.\n٣٤٥٥ - وَإِنْ كَانُوا رَهَنُوا عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ رَهْنًا بِذَلِكَ فَهُمْ فِي سَعَةٍ مِنْ أَلَّا يَدْفَعُوا إلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ حَتَّى يَأْتُوا بِمَا شَرَطُوا، بِمَنْزِلَةِ مَا لَهُ شَرَطُوا الْجِيَادَ ثُمَّ جَاءُوا بِالزُّيُوفِ، فَفِي هَذَا اللَّفْظِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ حُكْمَ الْجِنْسِ يَثْبُتُ فِي الرَّهْنِ بِالرُّءُوسِ. وَهَذَا لِأَنَّ الرُّءُوسَ تَثْبُتُ فِي الْمُوَادَعَةِ بِاعْتِبَارِ الْمَالِيَّةِ دَيْنًا، وَالرَّهْنُ بِمِثْلِهِ صَحِيحٌ وَإِنْ كَانُوا بَالِغِينَ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مِثْلَهُ جَائِزٌ فِيمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْحَرْبِ فِي الْأَحْرَارِ فَفِي الْمَمَالِيكِ أَوْلَى.\n٣٤٥٦ - فَإِنْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُمْ مِائَةُ رَأْسٍ مِنْ رَقِيقِ الْمُسْلِمِينَ فَحِينَئِذٍ يَقْبَلُونَ مِنْهُمْ قِيمَةَ مِائَةِ رَأْسٍ مِنْ رَقِيقِ الْمُسْلِمِينَ أَوْسَاطٍ مِنْهُمْ. لِأَنَّ الْعَجْزَ عَنْ تَسْلِيمِ الْمُسَمَّى قَدْ تَحَقَّقَ مَعَ بَقَاءِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلتَّسْلِيمِ فَيَجِبُ تَسْلِيمُ الْقِيمَةِ.","vol":"1","page":1733},{"text":"قَالَ: وَلَوْ كَانُوا اشْتَرَطُوا فِي الصُّلْحِ مِائَةَ قَوْسٍ، أَوْ مِائَةَ دِرْعٍ حَدِيدٍ، أَوْ مِائَةَ سَيْفٍ فَهَذَا وَاشْتِرَاطُ مِائَةِ رَأْسٍ سَوَاءٌ فِي أَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُمْ مَا جَاءُوا بِهِ مِنْ غَيْرِ الْمُسَمَّى، أَوْ قِيمَتِهِ. وَكَذَلِكَ إنْ شَرَطُوا ذَلِكَ مِنْ كُرَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَسِلَاحِهِمْ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، فَإِنَّ هُنَاكَ إذَا شَرَطُوا ذَلِكَ مِنْ رَقِيقِ الْمُسْلِمِينَ لَمْ تُقْبَلْ الْقِيمَةُ. لِأَنَّ رَقِيقَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَفِي اشْتِرَاطِهِمْ مَنْفَعَةُ تَخْلِيصِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَهَذَا الْمَقْصُودُ لَا يَحْصُل بِالْقِيمَةِ، فَأَمَّا الْكُرَاعُ وَالسِّلَاحُ فَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ، سَوَاءٌ شَرَطُوهُ مُطْلَقًا، أَوْ مِمَّا كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ الْحَرْبِيَّ لَوْ دَخَلَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ وَمَعَهُ كُرَاعٌ وَسِلَاحٌ وَقَدْ كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ فَأَحْرَزُوهُ لَمْ يَكُنْ مَمْنُوعًا مِنْ رَدِّهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ. وَلَوْ كَانَ مَعَهُ عَبْدٌ مَأْسُورٌ مِنْ مُسْلِمٍ، أَوْ مُعَاهَدٍ قَدْ أَحْرَزُوهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ وَأُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهِ. فَبِهِ يَتَّضِحُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ.\n٣٤٥٨ - وَلَوْ كَانُوا شَرَطُوا فِي الْمُوَادَعَةِ مِائَةَ ثَوْبٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ، أَوْ مِائَةَ دَابَّةٍ كَانَتْ الْمُوَادَعَةُ فَاسِدَةً. لِأَنَّ الثِّيَابَ أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَالدَّوَابُّ كَذَلِكَ، فَالِاسْمُ حَقِيقَةً يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَا يَدِبُّ عَلَى الْأَرْضِ؛ وَحُكْمًا يَتَنَاوَلُ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ، وَمَعَ جَهَالَةِ الْجِنْسِ لَا يَصِحُّ التَّسْمِيَةُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْعُقُودِ، بِخِلَافِ تَسْمِيَةِ الرَّأْسِ، فَالْجِنْسُ هُنَاكَ مَعْلُومٌ، فَإِنَّمَا بَقِيَتْ الْجَهَالَةُ فِي الصِّفَةِ، وَهِيَ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ التَّسْمِيَةِ فِيمَا بُنِيَ أَمْرُهُ عَلَى التَّوَسُّعِ، كَالنِّكَاحِ وَأَخَوَاتِهِ فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ حَتَّى يُوَادِعُوهُمْ عَلَى أَمْرٍ بَيِّنٍ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ حَتَّى مَضَتْ السَّنَةُ","vol":"1","page":1734},{"text":"وَوَجَبَ الْفِدَاءُ كَانَ ذَلِكَ إلَى الْمُشْرِكِينَ، يُعْطُونَهُمْ مِنْ أَيِّ صِنْفٍ شَاءُوا وَسَطًا مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ عَلَيْهِمْ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ فِي بَيَانِ الْجِنْسِ الْوَاجِبِ قَوْلَهُمْ، كَمَنْ أَقَرَّ لِإِنْسَانٍ بِثَوْبٍ، كَانَ بَيَانُ الْجِنْسِ فِيهِ إلَى الْمُقِرِّ.\nوَلَوْ أَوْصَى لِإِنْسَانٍ بِثَوْبٍ كَانَ بَيَانُ الْجِنْسِ فِيهِ إلَى الْوَارِثِ الْقَائِمِ مَقَامَ الْمُورِثِ، وَهَذَا لِأَنَّ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ يَتَعَيَّنُ مَنْفَعَةُ الْمُسْلِمِينَ فِي الرُّجُوعِ إلَى بَيَانِهِمْ فِي الْجِنْسِ، إذْ لَوْ لَمْ يُرْجَعْ إلَى ذَلِكَ وَاعْتَبَرْنَا الْجَهَالَةَ لَمْ يَسْلَمْ لِلْمُسْلِمِينَ شَيْءٌ، وَبِهِ فَارَقَ النِّكَاحَ، فَإِنَّ هُنَاكَ، وَإِنْ دَخَلَ بِهَا الزَّوْجُ، لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ فِي بَيَانِ جِنْسِ الثَّوْبِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ قَدْ وَجَبَ مَا هُوَ الْبَدَلُ الْأَصْلِيُّ الْمَمْلُوكُ بِالنِّكَاحِ وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ فَانْدَفَعَ الضَّرَرُ عَنْهَا بِهِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى الرُّجُوعِ إلَى بَيَانِ الزَّوْجِ.\n٣٤٥٩ - وَلَوْ كَانَتْ الْمُوَادَعَةُ عَلَى مِائَةِ رَأْسٍ فَأَقَرَّ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ أَحْرَارِهِمْ أَنَّهُمْ عَبِيدُ الْمَلِكِ، فَبَعَثَ بِهِمْ الْمَلِكُ إلَى الْمُسْلِمِينَ لِحَقِّهِمْ، وَقَدْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُمْ أَحْرَارُ الْأَصْلِ، فَإِنْ كَانُوا أَقَرُّوا بِذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَمْ يُلْتَفَت إلَى إقْرَارِهِمْ.؛ لِأَنَّهُمْ حَصَلُوا آمِنِينَ فِي دَارِنَا، وَقَدْ تَأَكَّدَتْ حُرِّيَّتُهُمْ الْمَعْلُومَةُ بِذَلِكَ، فَلَا يَبْطُلُ ذَلِكَ بِإِقْرَارِهِمْ بِالرِّقِّ.\nبِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُعْرَفْ حَالُهُمْ فَإِنَّ هُنَاكَ بِدُخُولِهِمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لَا تَتَأَكَّدُ حُرِّيَّتُهُمْ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مَعْلُومَةً.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ مَجْهُولَ الْحَالِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ إذَا أَقَرَّ بِالرِّقِّ عَلَى نَفْسِهِ كَانَ ذَلِكَ مَقْبُولًا مِنْهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مَعْلُومَ الْحُرِّيَّةِ فِي الْأَصْلِ فَأَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالرِّقِّ.","vol":"1","page":1735},{"text":"٣٤٦٠ - وَإِنْ كَانُوا أَقَرُّوا بِهَذَا فِي دَارِ الْحَرْبِ طَوْعًا فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي حُكْمِ الْمُشْرِكِينَ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ مِنْهُمْ بِالرِّقِّ لِإِنْسَانٍ فَهُوَ عَبْدٌ لَهُ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانُوا عَبِيدًا يَقْبَلُهُمْ فِي الْفِدَاءِ. لِأَنَّ حُرِّيَّتَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَيْسَتْ بِحُرِّيَّةٍ قَوِيَّةٍ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهَا تَنْتَقِضُ بِالِاسْتِرْقَاقِ، إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ مُوَادَعَةٌ، وَبَعْد الْمُوَادَعَةِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ لَا مُوَادَعَةَ فِيمَا بَيْنَهُمْ لِلْبَعْضِ مَعَ الْبَعْضِ، فَالْمُقَرُّ لَهُ يَتِمُّ اسْتِرْقَاقُهُ لِلْمُقِرِّينَ بِالرِّقِّ إذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ حُكْمِهِمْ، فَصَارُوا عَبِيدًا لَهُ وَلَا يَتِمُّ اسْتِرْقَاقُهُ لَهُمْ إذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ حُكْمِهِمْ، كَمَا لَا يَتِمُّ ذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ اسْتِرْقَاقُ الْحُرِّ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُمْ لَوْ أَسْلَمُوا بَعْدَ هَذَا الْإِقْرَارِ فَإِنْ كَانَ مِنْ حُكْمِهِمْ الِاسْتِرْقَاقُ بِسَبَبِ الْإِقْرَارِ كَانُوا عَبِيدًا لِلْمُقَرِّ لَهُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ حُكْمِهِمْ كَانُوا أَحْرَارًا عَلَى مَا عُلِمَ مِنْ أَصْلِهِمْ.\nوَأُوَضِّحُ هَذَا بِقَوْمِ مَنْ حَكَمَ مَلِكُهُمْ أَنَّ السَّارِقَ يُجْعَلُ عَبْدًا لِلْمَسْرُوقِ مِنْهُ فَحَكَمَ بِذَلِكَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ أَسْلَمُوا فَإِنَّهُ يَكُونَ السَّارِقُ عَبْدًا عَلَى مَا جَرَى الْحُكْمُ بِهِ سَوَاءٌ كَانُوا مُوَادِعِينَ لَنَا حِينَ حَكَمَ بِذَلِكَ، أَوْ لَمْ يَكُونُوا؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْإِسْلَامِ كَانَ لَا يَجْرِي فِي دِيَارِهِمْ بِالْمُوَادَعَةِ كَمَا شَرَطُوا ذَلِكَ، وَالْإِقْرَارُ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ يَلْزَمُ كَقَضَاءِ الْقَاضِي، وَإِذَا كَانَ هَذَا الْحُكْمُ يَثْبُتُ بِقَضَاءِ قَاضِيهِمْ فَكَذَلِكَ يَثْبُتُ بِإِقْرَارِ الْمُقِرِّ عَلَى نَفْسِهِ بِالرِّقِّ.","vol":"1","page":1736},{"text":"وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَتْ الْمُوَادَعَةُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَهْلِ الدَّارَيْنِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ كُلُّ دَارٍ لَهَا مِلْكٌ عَلَى حِدَةٍ، ثُمَّ أَغَارَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضِ، فَجَاءَنَا كُلُّ فَرِيقٍ بِمِائَةِ رَأْسٍ مِمَّنْ أَسَرُوهُمْ مِنْ الْفَرِيقِ الْآخَرَ، فَإِنَّا نَأْخُذُ ذَلِكَ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَا مُوَادَعَةَ فِيمَا بَيْنَ الدَّارَيْنِ، وَإِنَّمَا الْمُوَادَعَةُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، وَهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ الْمُوَادَعَةِ يَمْلِكُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالْأَسْرِ، حَتَّى لَوْ أَسْلَمُوا، أَوْ صَارُوا ذِمَّةً كَانَ ذَلِكَ سَالِمًا لَهُمْ، وَلَوْ أَرَادُوا بَيْعَهُمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ جَازَ الشِّرَاءُ مِنْهُمْ، فَكَذَلِكَ يَجُوزُ أَخْذُهُمْ فِي الْفِدَاءِ.\n٣٤٦٢ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانُوا أَهْلَ دَارٍ وَاحِدَةٍ وَفِي حُكْمِهِمْ أَنَّ مَنْ قَهَرَ صَاحِبَهُ كَانَ عَبْدًا لَهُ عَلَى مَا هُوَ الْمَعْرُوفُ بَيْنَ الدَّيْلَمِ، فَإِنَّهُمْ أَهْلُ دَارٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ يُغِيرُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ. وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا مُوَادَعَةَ فِيمَا بَيْنَهُمْ لِلْبَعْضِ مَعَ الْبَعْضِ فَالْقَاهِرُ يَمْلِكُ الْمَقْهُورَ، إذَا تَمَّ قَهْرُهُ بِاعْتِبَارِ حُكْمِ مَلِكِهِمْ، وَيَصِيرُ الْمَقْهُورُ عَبْدًا لَهُ. وَعَلَى هَذَا لَوْ غَصَبَ بَعْضُهُمْ مَالًا ثُمَّ أَسْلَمُوا وَاخْتَصَمُوا فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَنْظُرُ فِي حُكْمِهِمْ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ مِنْ حُكْمِهِمْ أَنَّ الْغَاصِبَ يَمْلِكُ الْمَغْصُوبَ بِالْغَصْبِ لَمْ يَأْمُرْ الْغَاصِبَ بِرَدِّ شَيْءٍ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ حُكْمِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَأْمُرُوهُ بِالرَّدِّ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا بِهِ، أَوْ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَمْ يُخَاصِمْهُ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَأْمُرهُ بِالرَّدِّ.؛ لِأَنَّ الْمُبَاحَ يُمْلَكُ بِالْإِحْرَازِ، وَإِحْرَازُ الْغَاصِبِ بِاعْتِبَارِ يَدِهِ يَتِمُّ إذَا كَانَ مِنْ حُكْمِ","vol":"1","page":1737},{"text":"مَلِكِهِمْ أَنَّ الْغَصْبَ مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ، وَلَا يَتِمُّ إحْرَازُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ حُكْمِ مَلِكِهِمْ، لِتَمَكُّنِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ مِنْ أَنْ يُخَاصِمَهُ إلَى مَلِكِهِمْ لِيَسْتَرِدَّهُ مِنْهُ، وَالْإِسْلَامُ بَعْدَ تَمَامِ الْإِحْرَازِ يُقَرِّرُ الْمِلْكَ، وَقَبْلَ ثُبُوتِ الْمِلْكِ لِوُجُودِ سَبَبِهِ، لَا يُوجِبُ الْمِلْكَ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُمْ لَوْ أَخَذُوا مَالًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ أَسْلَمُوا قَبْلَ الْإِحْرَازِ بِدَارِهِمْ أُمِرُوا بِرَدِّهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَسْلَمُوا بَعْدَ الْإِحْرَازِ بِدَارِهِمْ. وَلَوْ كَانَ اسْتَهْلَكَهُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا ثُمَّ أَسْلَمُوا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ضَمَانٌ فِي الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ بِاعْتِبَارِ الْعِصْمَةِ، وَالتَّقَوُّمِ فِي الْمَحَلِّ، وَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فَأَمَّا وُجُوبُ رَدِّ الْعَيْنِ لَا يَسْتَدْعِي الْعِصْمَةَ وَالتَّقَوُّمَ فِي الْمَحَلِّ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ مُسْلِمًا لَوْ غَصَبَ مِنْ مُسْلِمٍ خَمْرًا أُمِرَ بِرَدِّهَا عَلَيْهِ إذَا كَانَتْ قَائِمَةً بِعَيْنِهَا وَلَوْ كَانَ اسْتَهْلَكَهَا لَمْ يَضْمَنْ لَهُ شَيْئًا مِنْ مِثْلٍ، أَوْ قِيمَةٍ.\n٥٤٦٣ - فَإِنْ كَانَ الْقَوْمُ لَا مُوَادَعَةَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَخَرَجَ الْغَاصِبُ بِالْمَغْصُوبِ إلَى دَارِنَا وَهُوَ مُسْلِمٌ، أَوْ ذِمِّيٌّ، ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهُ مُسْلِمًا، أَوْ ذِمِّيًّا، أَوْ مُسْتَأْمَنًا فَخَاصَمَهُ فِي ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ سَبِيلٌ فِي الْوَجْهَيْنِ.\nلِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ حُكْمِ مَلِكِهِمْ أَنَّ الْغَصْبَ سَبَبُ الْمِلْكِ فَمِنْ حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ إحْرَازَ مَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ الَّذِينَ لَا مُوَادَعَةَ لَهُمْ بِدَارِ الْإِسْلَامِ سَبَبٌ تَامٌّ لِلْمِلْكِ.\n٣٤٦٤ - وَإِنْ كَانَ الْقَوْمُ فِي مُوَادَعَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمَسْأَلَةُ","vol":"1","page":1738},{"text":"بِحَالِهَا، فَإِنْ كَانَا خَرَجَا إلَيْنَا بِتِلْكَ الْمُوَادَعَةِ، أَوْ خَرَجَ أَحَدُهُمَا بِتِلْكَ الْمُوَادَعَةِ، وَخَرَجَ الْآخَرُ مُسْلِمًا، أَوْ ذِمِّيًّا، لَمْ يَحْكُمْ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا بِشَيْءٍ. لِأَنَّهُمَا لَمْ يَلْتَزِمَا حُكْمَ الْإِسْلَامِ وَهَذِهِ مُعَامَلَةٌ كَانَتْ جَرَتْ بَيْنَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُعَامَلَةِ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ.\n٣٤٦٥ - وَإِنْ خَرَجَا مُسْلِمِينَ فَحِينَئِذٍ يَأْمُرُ الْغَاصِبَ بِالرَّدِّ. لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ حُكْمِ مَلِكِهِمْ أَنَّ الْغَصْبَ مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ فَلَمْ يَتِمَّ إحْرَازُهُ عِنْدَ الْأَخْذِ.\n٣٤٦٦ - وَكَذَلِكَ لَا يَتِمُّ إحْرَازُهُ حِينَ أَخْرَجَهُ إلَى دَارِنَا. لِأَنَّهُ أَخْرَجَ مَالَ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ مُوَادِعِينَا وَذَلِكَ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْمِلْكِ فَلِهَذَا أَمَرَهُ بِالرَّدِّ. قَالَ: بَلَغْنَا أَنَّ «أُنَاسًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ اسْتَعَارُوا عَوَارِي مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَلَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - مَكَّةَ هَمُّوا أَلَّا يَرُدُّوا عَلَيْهِمْ تِلْكَ الْعَوَارِيَّ فَخَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - النَّاسَ وَقَالَ: الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ وَالْمَنِيحَةُ مَرْدُودَةٌ وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ» . فَصَارَ هَذَا أَصْلًا فِيمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَتِمَّ إحْرَازُهُ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ ذَلِكَ الْمَوْضُوعُ دَارَ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِرَدِّهِ بَعْدَ مَا صَارَ ذَلِكَ الْمَوْضُوعُ دَارَ الْإِسْلَامِ.\n٣٤٦٧ - وَلَوْ أَنَّ الْمَغْصُوبَ مِنْهُ خَاصَمَ الْغَاصِبَ إلَى مَلِكِهِمْ فَزَعَمَ الْغَاصِبُ أَنَّ الْعَيْنَ لَهُ وَأَنَّهُ لَمْ يَغْصِبْهُ إيَّاهُ فَأَقَرَّهَا مَلِكُهُمْ","vol":"1","page":1739},{"text":"فِي يَدِهِ وَكَلَّفَ الْمُدَّعِيَ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ فَلَمْ يَأْتِ بِبَيِّنَةٍ حَتَّى أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ، أَوْ صَارُوا ذِمَّةً يُسَلِّمُ لِلْغَاصِبِ مَا كَانَ غَصَبَهُ مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّ إحْرَازَهُ قَدْ تَمَّ بِتَقْرِيرِ مَلِكِهِمْ لِيَدِهِ فِي تِلْكَ الْعَيْنِ فَلَا يَبْقَى لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ سَبِيلٌ إلَى الْعَيْنِ، مَا لَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ، وَلَا نَدْرِي أَيَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ لَا يَقْدِرُ، وَبَعْدَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ يَعْدِلُ شُهُودُهُ، أَوْ لَا يَعْدِلُونَ.\n٣٤٦٨ - فَإِنْ قَالَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ بَعْدَ مَا أَسْلَمُوا أَنَا أُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى حَقِّي مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ. لِأَنَّهُ لَمَّا تَمَّ إحْرَازُ الْغَاصِبِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَمِلْكُهُ تَقَرَّرَ بِالْإِسْلَامِ.\n٣٤٦٩ - وَهَذَا لِفِقْهٍ وَهُوَ أَنَّ مَنْعَ مَلِكِهِمْ الْمَغْصُوبَ مِنْهُ مَنْ أَخْذِ مَتَاعِهِ مِنْ يَدِ الْغَاصِبِ بِمَنْزِلَةِ أَخْذِهِ مِنْهُ قَهْرًا وَدَفْعِهِ إلَى الْغَاصِبِ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يُشْكِلْ أَنَّهُ يَتِمُّ إحْرَازُ الْغَاصِبِ لَهُ. لِأَنَّهُ إذَا كَانَ يَتِمُّ إحْرَازُهُ بِاعْتِبَارِ حُكْمِ مَلِكِهِمْ فَلَأَنْ يَتِمَّ بِقُوَّتِهِ حِينَ أَخَذَهُ فَدَفَعَهُ إلَيْهِ، أَوْ مَنَعَهُ مِنْهُ كَانَ أَوْلَى.\n٣٤٧٠ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْغَاصِبُ أَخَذَ ابْنًا صَغِيرًا لِإِنْسَانٍ مِنْهُمْ لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فَقَالَ: هُوَ عَبْدِي، وَقَالَ الْأَبُ: هُوَ ابْنِي، فَهَذَا وَفَصْلُ غَصْبِ الْمَالِ سَوَاءٌ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا.","vol":"1","page":1740},{"text":"وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ ذُو الْيَدِ يَزْعُمُ أَنَّهُ عَبْدُهُ، وَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ ابْنُهُ، وَرَأَى مَلِكُهُمْ أَنْ يُصَدِّقَ مُدَّعِي الْبُنُوَّةِ، فَأَخَذَهُ وَدَفَعَهُ إلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَ الْآخَرُ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهُ عَبْدُهُ، ثُمَّ أَسْلَمُوا أَوْ صَارُوا ذِمَّةً فَأَقَامَ الْمَوْلَى الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ عَبْدُهُ فَإِنَّ قَاضِي الْمُسْلِمِينَ يَجْعَلُهُ حُرًّا ابْنًا لِلَّذِي ادَّعَاهُ. لِأَنَّ حُكْمَ مَلِكِهِمْ قَدْ أَخْرَجَهُ مِنْ يَدِهِ وَأَبْطَلَ مِلْكَهُ فِيهِ وَجَعَلَهُ حُرًّا ابْنًا لِلْآخَرِ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أَنْ يُثْبِتَ بِالْبَيِّنَةِ مِلْكًا قَدْ أَبْطَلَهُ حُكْمُهُمْ حِينَ كَانُوا حَرْبًا لَنَا، أَوْ مُوَادِعِينَ لَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامُنَا.\n٣٤٧١ - وَعَلَى هَذَا حُكْمُ الْمِيرَاثِ، فَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ مِنْهُمْ رَجُلٌ، وَمِنْ حُكْمِ مَلِكِهِمْ تَوْرِيثُ الْبَنِينَ دُونَ الْبَنَاتِ، أَوْ الْبَنَاتِ دُونَ الْبَنِينَ، فَحَكَمَ بِذَلِكَ ثُمَّ أَسْلَمُوا، فَجَمِيعُ مَا صَنَعَ مَلِكُهُمْ فِي ذَلِكَ مَاضٍ. لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُلْتَزِمِينَ لِحُكْمِهِ، رَاضِينَ بِهِ حِينَ حَكَمَ بَيْنَهُمْ بِذَلِكَ، وَكَانَ هُوَ سُلْطَانًا غَالِبًا عَلَيْهِمْ، فَتَمَّ مَا صَنَعَهُ بَيْنَهُمْ، فَلَا يَشْتَغِلُ بِإِبْطَالِ شَيْءٍ مِنْهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ.\n٣٤٧٢ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَخَذَهُ الْبَنُونَ بِغَيْرِ حُكْمٍ مِنْ مَلِكِهِمْ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ مِنْ حُكْمِهِ، فَهَذَا وَمَا لَوْ أَخَذُوهُ بِحُكْمِهِ سَوَاءٌ. لِأَنَّهُمْ لَوْ خَاصَمُوا فِي ذَلِكَ عِنْدَهُ قَرَّرَهُ فِي أَيْدِيهِمْ، فَبِمُجَرَّدِ الْأَخْذِ يَتِمُّ إحْرَازُهُمْ لِذَلِكَ بِاعْتِبَارِ حُكْمِهِ وَقُوَّتِهِ.","vol":"1","page":1741},{"text":"وَلَوْ كَانَ الْآخِذُ اسْتَهْلَكَ الْمَأْخُوذَ مِنْ حُكْمِ مَلِكِهِمْ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَاخْتَصَمُوا عِنْدَهُ وَقَضَى بِقِيمَتِهِ لِلْمُدَّعِي، فَلَمْ يَدْفَعْهَا إلَيْهِ حَتَّى أَسْلَمَا، فَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهِ. لِأَنَّ الْقِيمَةَ دَيْنٌ فِي الذِّمَّةِ، وَلَا يَتِمُّ الْإِحْرَازُ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ، بِاعْتِبَارِ الْحُكْمِ، فَكَانَ وُجُودُ الْقَضَاءِ بِهِ وَعَدَمُهُ سَوَاءً، وَلَوْ أَسْلَمُوا بَعْدَ الِاسْتِهْلَاكِ قَبْلَ الْقَضَاءِ لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي عَلَى الْمُسْتَهْلِكِ بِشَيْءٍ، لِانْعِدَامِ الْعِصْمَةِ وَالتَّقَوُّمِ فِي الْمُسْتَهْلَكِ فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.\n٣٤٧٤ - وَإِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ الْغَاصِبُ حِينَ سَلَّمَهُ لَهُ مَلِكُهُمْ وَخَلَّى سَبِيلَهُ، ثُمَّ أَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ عَلَى حَقِّهِ، فَأَخَذَهُ بِقَضَاءِ مَلِكِهِمْ، ثُمَّ أَسْلَمُوا جَمِيعًا، كَانَ عَبْدًا لِلْمُدَّعِي، وَكَانَ عِتْقُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَاطِلًا. إمَّا لِأَنَّ إعْتَاقَ الْحَرْبِيِّ عَبْدَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ غَيْرُ نَافِذٍ إذَا كَانَ مِنْ حُكْمِ مَلِكِهِمْ أَلَّا يَمْنَعَ الْمُعْتِقَ مِنْ اسْتِرْقَاقِ الْمُعْتَقِ، أَوْ لِأَنَّهُ صَارَ مَقْهُورًا لِحُكْمِ مَلِكِهِمْ، لِكَوْنِهِ عَبْدًا لِلْمُدَّعِي، وَلَوْ كَانَ حُرَّ الْأَصْلِ فَأَخَذَهُ أَحَدٌ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ عَبْدٌ لَهُ فَقَضَى بِهِ مَلِكُهُمْ لَهُ، كَانَ عَبْدًا لَهُ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مُعْتَقًا فَقَضَى الْمَلِكُ بِأَنَّهُ عَبْدٌ لِلْمُدَّعِي وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ.\n٣٤٧٥ - وَلَوْ أَنَّ حَرْبِيًّا مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْمُوَادَعَةِ أَسَرَ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِ الْمُسْلِمِينَ وَأَحْرَزَهُ بِدَارِهِمْ، ثُمَّ غَصَبَهُ مِنْهُ غَاصِبٌ، فَقَالَ: هُوَ عَبْدِي وَأَعْتَقَهُ، ثُمَّ أَسْلَمُوا فَأَقَامَ الَّذِي أَحْرَزَهُ الْبَيِّنَةَ","vol":"1","page":1742},{"text":"عَلَى حَقِّهِ، وَمِنْ حُكْمِ مَلِكِهِمْ رَدُّهُ عَلَيْهِ فَإِنَّ عِتْقَ الَّذِي أَعْتَقَهُ بَاطِلٌ. لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ حِينَ لَمْ يَتِمَّ الْإِحْرَازُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مِنْ حُكْمِ مَلِكِهِمْ أَنْ يَمْلِكَهُ الْغَاصِبُ بِالْغَصْبِ، فَإِنَّ إعْتَاقَهُ هُنَاكَ نَافِذٌ لِتَمَامِ إحْرَازِهِ، ثُمَّ لَا يُرَدُّ رَقِيقًا بَعْدَ ذَلِكَ.\n؛ لِأَنَّ إحْرَازَهُ قَدْ تَمَّ حِينَ أَقَرَّهُ مَلِكُهُمْ فِي يَدِهِ وَمَنَعَ الْآخَرَ مِنْ أَخْذِهِ مِنْهُ.\n٣٤٧٦ - فَإِنْ جَاءَ الْآخَرُ بِالْبَيِّنَةِ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَضَى بِهِ مَلِكُهُمْ لَهُ وَدَفَعَهُ إلَيْهِ، ثُمَّ أَسْلَمُوا، أَوْ صَارُوا ذِمَّةً، فَهُوَ حُرٌّ بِالْبَيِّنَةِ. لِأَنَّهُ بَعْدَ مَا نَفَذَ الْعِتْقُ فِيهِ فَحُكْمُ مَلِكِهِمْ بِالرِّقِّ عَلَى الْمُسْلِمِ بَاطِلٌ. وَلِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ لَمَّا تَأَكَّدَتْ بِالْإِسْلَامِ لَمْ يَكُنْ بِمَحَلِّ النَّقْضِ فَلَا يَنْتَقِضُ بِحُكْمِ مَلِكِهِمْ بِرِقِّهِ بَعْدَ ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ.\n٣٤٧٧ - وَلَوْ كَانَ الْغَاصِبُ إنَّمَا أَعْتَقَ الْمَأْسُورَ قَبْلَ أَنْ يُقِرَّهُ مَلِكُهُمْ فِي يَدِهِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، ثُمَّ أَسْلَمُوا، فَالْمَأْسُورُ عَبْدٌ. لِأَنَّ إعْتَاقَهُ قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ إحْرَازُهُ كَانَ بَاطِلًا.\n٣٤٧٨ - قَالَ: وَلَوْ دَخَلَ مُسْلِمٌ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَغَصَبَهُ حَرْبِيٌّ مَالًا ثُمَّ أَسْلَمُوا، أَوْ صَارُوا ذِمَّةً، فَإِنْ كَانَ مِنْ حُكْمِ مَلِكِهِمْ أَنَّ الْغَصْبَ سَبَبُ التَّمَلُّكِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ مُسْتَأْمَنًا، أَوْ مُسْلِمًا أَوْ حَرْبِيًّا فَلَا سَبِيلَ لِلْمُسْلِمِ عَلَى مَتَاعِهِ.","vol":"1","page":1743},{"text":"لِأَنَّ إحْرَازَ الْغَاصِبِ قَدْ تَمَّ بِاعْتِبَارِ حُكْمِ مَلِكِهِمْ، وَسَلْطَنَتِهِ فِي دَارِهِمْ، فَكَانَ هَذَا وَالْمَالُ الَّذِي يَأْخُذُهُ مِنْ الْمُسْلِمِ، فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَيُحْرِزُهُ بِدَارِ الْحَرْبِ، فِي الْحُكْمِ سَوَاءً.\n٣٤٧٩ - وَإِنْ كَانَ مِنْ حُكْمِ مَلِكِهِمْ رَدُّ ذَلِكَ الْمَالِ عَلَى صَاحِبِهِ فَلَمْ يَخْتَصِمَا حَتَّى أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ رَدَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ. لِأَنَّ إحْرَازَ الْغَاصِبِ لَمْ يَتِمَّ، فَإِنَّهُ مَقْهُورٌ مَمْنُوعٌ مِمَّا صَنَعَ، لِحُكْمِ مَلِكِهِمْ، وَفِي الْأَوَّلِ هُوَ قَاهِرٌ مُقِرٌّ عَلَى مَا صَنَعَ بِحُكْمِ مَلِكِهِمْ.\n٣٤٨٠ - وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ كَيْفَ كَانَ حُكْمُهُمْ فِي ذَلِكَ فَالْمَالُ مَرْدُودٌ عَلَى الْمُسْلِمِ الْمُسْتَأْمَنِ. لِأَنَّ الْمِلْكَ لَهُ فِي الْأَصْلِ مَعْلُومٌ، وَسَبَبُ التَّمَلُّكِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْإِحْرَازُ التَّامُّ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَلِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الْغَصْبَ لَيْسَ بِمُوجِبٍ لِلْمِلْكِ بِنَفْسِهِ، فَمَا لَمْ يُعْلَمْ خِلَافُ ذَلِكَ مِنْ قَوْمٍ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ ذَلِكَ مُعْتَبَرًا بَيْنَهُمْ يَجِبُ بِنَاءُ الْحُكْمِ عَلَى الْمَعْلُومِ.\n٣٤٨١ - فَإِنْ اخْتَصَمَا إلَى مَلِكِهِمْ فَجَحَدَ الْغَاصِبُ وَقَالَ: هَذَا مِلْكِي، مَا أَخَذْته مِنْهُ، فَأَقَرَّهُ مَلِكُهُمْ فِي يَدِهِ، حَتَّى يَأْتِيَ الْمُسْلِمُ بِحُجَّةٍ، ثُمَّ أَسْلَمُوا، فَذَلِكَ سَالِمٌ لِلْغَاصِبِ. لِأَنَّ إحْرَازَهُ فِيهِ قَدْ تَمَّ بِتَقْرِيرِ مَلِكِهِمْ لِيَدِهِ فِي تِلْكَ الْعَيْنِ.\n٣٤٨٢ - وَإِنْ أَقَامَ الْمُسْلِمُ الْبَيِّنَةَ، فَأَخَذَهُ حَاكِمُهُمْ مِنْ الْغَاصِبِ، وَدَفَعَهُ إلَيْهِ، كَانَ لَهُ، وَلَا خُمْسَ فِيهِ.","vol":"1","page":1744},{"text":"لِأَنَّهُ أَعَادَهُ إلَى مِلْكِهِ بِحُكْمِهِ، وَقَدْ كَانَ السَّبَبُ لِخُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِهِ مِثْلُ هَذَا إذْ الشَّيْءُ يَنْفَسِخُ بِمَا هُوَ مِثْلُهُ. وَلِأَنَّ الْمُسْلِمَ صَارَ مُحْرِزًا لِذَلِكَ الْمَالِ حِينَ أَخَذَهُ وَتَمَّ إحْرَازُهُ بِقُوَّةِ مَلِكِهِمْ فَكَانَ مِلْكًا لَهُ، وَلِهَذَا لَا يَجِبُ الْخُمُسُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مَا يَمْلِكُهُ بِسَبَبٍ فِيهِ إعْزَازُ الدِّينِ.\n٣٤٨٣ - وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى الْمُسْلِمُ الْمُسْتَأْمَنُ عَبْدًا فِي يَدِ بَعْضِهِمْ بَاطِلًا، وَأَقَامَ بَيِّنَةً، فَأَخَذَهُ مَلِكُهُمْ مِنْ الْحَرْبِيِّ، وَدَفَعَهُ إلَيْهِ، ثُمَّ أَسْلَمَ، فَهُوَ لَهُ لِتَمَامِ إحْرَازِهِ بِحُكْمِ مَلِكِهِمْ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ.\nلِأَنَّ هَذَا غَدْرٌ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَخَذَ مَالَ بَعْضِهِمْ سِرًّا فَأَخْرَجَهُ، وَهُنَاكَ يُفْتَى بِالرَّدِّ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا غَدَرَ بِأَمَانِ نَفْسِهِ فَهَذَا مِثْلُهُ.\n٣٤٨٤ - قَالَ: وَإِنْ كَانَ أَهْلُ تِلْكَ الدَّارِ مُوَادِعِينَ لِلْمُسْلِمِينَ أَخَذَ حَاكِمُ الْمُسْلِمِينَ ذَلِكَ الْمَالَ وَرَدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ.\nلِأَنَّهُ غَدَرَ بِأَمَانِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي هَذَا الْمَوْضِعِ يَثْبُتُ وِلَايَةُ الْإِجْبَارِ عَلَى الرَّدِّ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ.\n٣٤٨٥ - وَعَلَى هَذَا لَوْ غَصَبَ مَتَاعًا مِنْ بَعْضِهِمْ فَخَاصَمَهُ إلَى الْحَاكِمِ فَجَحَدَهُ، وَقَالَ: هُوَ مِلْكِي فَأَقَرَّهُ حَاكِمُهُمْ فِي يَدِهِ حَتَّى يَأْتِيَ الْحَرْبِيُّ بِالْبَيِّنَةِ، ثُمَّ أَسْلَمُوا فَهُوَ لِلْمُسْلِمِ، وَيُفْتَى","vol":"1","page":1745},{"text":"بِرَدِّهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجْبَرَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَكُونُوا مُوَادِعِينَ، وَإِنْ كَانُوا مُوَادِعِينَ لِلْمُسْلِمِينَ أَخَذُوهُ مِنْهُ فَرَدُّوهُ عَلَى صَاحِبِهِ. لِأَنَّ مَعْنَى الْغَدْرِ مِنْهُ هَا هُنَا أَظْهَرُ مِنْهُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ جَابِرٌ بِالْغَصْبِ وَالْأَخْذِ مِنْ يَدِهِ.\n٣٤٨٦ - وَلَوْ أَنَّ حَرْبِيًّا مِنْ الْمُوَادِعِينَ، أَوْ غَيْرِ الْمُوَادِعِينَ كَاتَبَ عَبْدًا لَهُ ثُمَّ أَسْلَمُوا كَانَتْ الْكِتَابَةُ جَائِزَةً. لِأَنَّ الْكِتَابَةَ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ تَصَرُّفٌ يَعْتَمِدُ الْمُرَاضَاةَ.\n٣٤٨٧ - فَإِنْ قَهَرَهُ بَعْدَ مَا كَاتَبَهُ وَأَبْطَلَ مُكَاتَبَتَهُ ثُمَّ أَسْلَمُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ حُكْمِ مَلِكِهِمْ أَنَّ مَنْ فَعَلَ هَذَا بِمُكَاتَبِهِ بَطَلَتْ مُكَاتَبَتُهُ قَضَى قَاضِي الْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ. لِأَنَّ مِلْكَ الْيَدِ الثَّابِتِ لِلْمُكَاتَبِ بِعَقْدِ الْمُكَاتَبَةِ لَا يَكُونُ فَوْقَ حَقِيقَةِ الْحُرِّيَّةِ الَّتِي ثَبَتَتْ بِالْإِعْتَاقِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هُنَاكَ إذَا اسْتَعْبَدَهُ بَعْدَ الْإِعْتَاقِ نُظِرَ إلَى حُكْمِ مَلِكِهِمْ فِي ذَلِكَ، فَيُبْتَنَى الْحُكْمُ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ مَا أَسْلَمُوا، فَكَذَلِكَ فِي الْمُكَاتَبَةِ.\n٣٤٨٨ - وَإِنْ كَانَ حِينَ أَبْطَلَ مُكَاتَبَتَهُ، وَلَيْسَ مِنْ حُكْمِ مَلِكِهِمْ إبْطَالُ ذَلِكَ، أَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ قَاهِرًا لَهُ، فَإِنْ كَانُوا مُوَادِعِينَ لِلْمُسْلِمِينَ مَنَعَهُ الْقَاضِي مِنْهُ، وَإِنْ كَانُوا غَيْرَ مُوَادِعِينَ لِلْمُسْلِمِينَ فَهُوَ عَبْدٌ لَهُ، يَصْنَعُ بِهِ مَا أَحَبَّ.","vol":"1","page":1746},{"text":"لِأَنَّ إحْرَازَهُ إيَّاهُ بِدَارِ الْإِسْلَامِ يَتِمُّ إذَا لَمْ يَكُونُوا مُوَادِعِينَ لَنَا، وَلَا يَتِمُّ مُوجِبًا مِلْكَهُ إذَا كَانُوا مُوَادِعِينَ لَنَا.\n٣٤٨٩ - وَلَوْ كَانَ عَبْدُهُ قَدْ أَسْلَمَ ثُمَّ أَعْتَقَهُ، أَوْ كَاتَبَهُ ثُمَّ اسْتَعْبَدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ تَبْطُلْ كِتَابَتُهُ وَعِتْقُهُ بِإِبْطَالِهِ. لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ وَمِلْكُ يَدِ الْمُكَاتَبِ قَدْ تَأَكَّدَ بِإِسْلَامِهِ، فَلَا يَتَمَكَّنُ الْحَرْبِيُّ مِنْ إبْطَالِ ذَلِكَ وَلَا مَلِكُهُمْ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ حُكْمَهُ عَلَى الْمُسْلِمِ بَاطِلٌ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ الْإِبْطَالَ، وَهُوَ نَقْضُ الْحُرِّيَّةِ. وَلِأَنَّ حُكْمَهُ إنَّمَا يَنْفُذُ فِيمَا يَحْتَمِلُ النَّقْلَ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ، وَالْمُعْتَقُ وَالْمُكَاتَبُ الْمُسْلِمُ غَيْرُ مُحْتَمِلٍ لِذَلِكَ.\n٣٤٩٠ - وَلَوْ كَانَ دَبَّرَ هَذَا الْعَبْدُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ الْعَبْدُ فَتَدْبِيرُهُ بَاطِلٌ. لِأَنَّ الْمُدَبَّرَ بِالتَّدْبِيرِ لَا يَخْرُجُ مِنْ يَدِ مَوْلَاهُ، بَلْ هُوَ فِي يَدِهِ عَلَى حَالِهِ، مَقْهُورٌ فِي حُكْمِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ التَّدْبِيرِ كَمَا كَانَ قَبْلَهُ بِخِلَافِ الْإِعْتَاقِ وَالْمُكَاتَبَةِ. فَإِنَّهُمَا يُسْقِطَانِ يَدَ الْمَوْلَى عَنْ الْمَمْلُوكِ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ حُكْمِ مَلِكِهِمْ تَمَكُّنُ الْمُعْتِقِ مِنْ اسْتِعْبَادِ الْمُعْتَقِ، فَقَدْ تَمَّ خُرُوجُهُ مِنْ يَدِهِ، فَلِهَذَا إذَا أَسْلَمَ بَعْدَ الْإِعْتَاقِ، أَوْ الْكِتَابَةِ كَانَ عَلَى حَالِهِ، وَإِذَا أَسْلَمَ بَعْدَ التَّدْبِيرِ كَانَ عَبْدًا لِمَوْلَاهُ، يَبِيعُهُ وَيَصْنَعُ بِهِ مَا أَحَبَّهُ.\n٣٤٩١ - وَلَوْ كَانَ دَبَّرَهُ بَعْدَ مَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ كَانَ مُدَبَّرًا. لِأَنَّ حَقَّ الْحُرِّيَّةِ قَدْ تَأَكَّدَ بِإِسْلَامِ الْمَمْلُوكِ كَمَا دَبَّرَهُ، وَمِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ","vol":"1","page":1747},{"text":"أَنَّ الْمُدَبِّرَ لَا يَحْتَمِلُ التَّمْلِيكَ، فَبِإِثْبَاتِ الْيَدِ عَلَيْهِ بَعْدَ مَا صَحَّ التَّدْبِيرُ وَاسْتَحَقَّ بِهِ الْوَلَاءَ، قُلْنَا بِأَنَّهُ لَا يُبْطِلُ تَدْبِيرَهُ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ.\n٣٤٩٢ - إلَّا أَنَّ الْمَوْلَى إذَا صَارَ ذِمِّيًّا بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمُدَبِّرَ يُسْتَسْعَى فِي قِيمَتِهِ. لِأَنَّ إخْرَاجَهُ مِنْ مِلْكِهِ مُسْتَحَقٌّ، وَذَلِكَ بِالْبَيْعِ مُتَعَذِّرٌ، فَيُصَارُ إلَى إخْرَاجِهِ مِنْ مِلْكِهِ بِالِاسْتِسْعَاءِ.\n٣٤٩٣ - وَلَوْ كَانَ الْحَرْبِيُّ أَخْرَجَ عَبْدَهُ مَعَ نَفْسِهِ بِأَمَانٍ إلَى دَارِنَا ثُمَّ دَبَّرَهُ جَازَ تَدْبِيرُهُ. لِأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ حَيْثُ يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ الْتَزَمَ هَذَا الْحُكْمَ حِينَ خَرَجَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ فَلِهَذَا لَا يَقْدِرُ عَلَى بَيْعِهِ. وَلَوْ عَادَ بِهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ بَطَلَ تَدْبِيرُهُ. لِأَنَّ حُكْمَ ذَلِكَ الْأَمَانِ قَدْ بَطَلَ، فَصَارَ حَالُهُ وَحَالُ مَا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي دَارِ الْحَرْبِ سَوَاءً.\n٣٤٩٤ - وَهَذَا بِخِلَافِ الِاسْتِيلَادِ، فَإِنَّهُ إذَا اسْتَوْلَدَ أَمَتَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، أَوْ فِي دَارِنَا بَعْدَ مَا خَرَجَ بِأَمَانٍ فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ عَلَى كُلِّ حَالٍ. لِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ تَبَعٌ لِلنَّسَبِ وَالنَّسَبُ يَثْبُتُ فِي دَارِ الْحَرْبِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَثْبُتُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.","vol":"1","page":1748},{"text":"فَكَذَلِكَ مَا يُبْتَنَى عَلَيْهِ وَهُوَ الِاسْتِيلَادُ وَكَمَا لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ ابْنَهُ بِحَالٍ فَكَذَلِكَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ أُمَّ وَلَدِهِ بِحَالٍ بِخِلَافِ التَّدْبِيرِ عَلَى مَا قَرَّرَنَا.\nوَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":1749},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>[بَابٌ مِنْ الرَّهْنِ يَأْخُذُهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ مِنْهُمْ]</span>\n١٦٣ - بَابٌ [مِنْ] الرَّهْنِ يَأْخُذُهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ مِنْهُمْ ٣٤٩٦ - قَالَ: وَإِذَا طَلَبَ الْمُشْرِكُونَ فِي الْمُوَادَعَةِ أَنْ نُعْطِيَهُمْ رَهْنًا مِنْ رِجَالِ الْمُسْلِمِينَ، عَلَى أَنْ يُعْطُوا مِنْ رِجَالِهِمْ رَهْنًا مِثْلَ ذَلِكَ، فَهَذَا مَكْرُوهٌ، لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُجِيبُوهُمْ إلَيْهِ بِدُونِ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ. لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مَأْمُونِينَ عَلَى رِجَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُخَالَفَتَهُمْ فِي الِاعْتِقَادِ تَحْمِلُهُمْ عَلَى قَتْلِهِمْ، وَلَا زَاجِرَ مِنْ حَيْثُ الِاعْتِقَادِ يَزْجُرُهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - فِي قَوْلِهِ: «مَا خَلَا يَهُودِيٌّ بِمُسْلِمٍ إلَّا حَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ بِقَتْلِهِ» فَإِنْ اصْطَلَحُوا عَلَى ذَلِكَ لِأَمْرٍ خَافَهُ الْمُسْلِمُونَ لَمْ يَجِدُوا مِنْهُ بُدًّا، ثُمَّ ابْتَدَأَ الْمُشْرِكُونَ فَأَعْطَوْا الْمُسْلِمِينَ رَهْنَهُمْ فَلِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَمْتَنِعُوا مِنْ دَفْعِ رَهْنِهِمْ إلَيْهِمْ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ لَهُمْ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ قَدْ انْدَفَعَتْ بِوُصُولِ رَهْنِ الْمُشْرِكِينَ إلَى يَدِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُمْ غَيْرُ مَأْمُونِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا غَدْرٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَأْخُذُوا الرَّهْنَ، وَلَا يُعْطُوا الرَّهْنَ كَمَا شَرَطُوا، قُلْنَا: لَا كَذَلِكَ، وَلَكِنْ كَانَ جَوَازُ ذَلِكَ الشَّرْطِ لِمَعْنَى الضَّرُورَةِ وَقَدْ ارْتَفَعَتْ.","vol":"1","page":1750},{"text":"أَلَا تَرَى) - أَنَّ فِي أَصْلِ الْمُوَادَعَةِ إذَا زَالَ الْمَعْنَى الَّذِي أَحْوَجَ الْمُسْلِمِينَ إلَيْهَا بِأَنْ يَقْوَوْا عَلَى قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ، وَقَدْ وَادْعُوهُمْ مُدَّةً مَعْلُومَةً، فَإِنَّهُ: يَجُوزُ النَّبْذُ إلَيْهِمْ قَبْلُ مُضِيِّ تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ غَدْرًا، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ - ﵌ -: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيُكَفِّرْ يَمِينَهُ.» وَتِلْكَ الْمُوَادَعَةُ لَا تَكُونُ أَقْوَى مِنْ الْيَمِينِ.\n٣٤٩٧ - فَإِنْ قَالُوا: فَرُدُّوا عَلَيْنَا رَهْنَنَا إنْ لَمْ تُعْطُونَا رَهْنَكُمْ لَمْ نَرْدُدْهُمْ حَتَّى نَأْمَنَ مِمَّا كُنَّا نَخَافُهُ. لِأَنَّ فِي رَدِّهِمْ تَقْوِيَتَهُمْ عَلَيْنَا وَتَمْكِينَهُمْ مِنْ اسْتِئْصَالِ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ. فَإِذَا وَقَعَ الْأَمْنُ مِمَّا كُنَّا نَخَافُ فَحِينَئِذٍ نَرُدُّ عَلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ. لِأَنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنِينَ فِينَا، فَنَحْبِسُهُمْ إلَى أَنْ نَأْمَنَ مِمَّا نَخَافُهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ نُبَلِّغُهُمْ مَأْمَنَهُمْ.\n٣٤٩٨ - فَإِنْ أَسْلَمَ الرَّهْنُ فِي أَيْدِينَا ثُمَّ طَلَبَ الْمُشْرِكُونَ أَنْ يَأْخُذُوهُمْ فَلَا سَبِيلَ لَهُمْ عَلَيْهِمْ. وَالْكُفَّارُ غَيْرُ مَأْمُونِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، إلَّا أَنَّهُمْ إنْ كَانُوا عَبِيدًا لِلْمُشْرِكِينَ بَاعَهُمْ الْإِمَامُ وَدَفَعَ ثَمَنَهُمْ إلَى مَوَالِيهمْ، بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنِ فِي دَارِنَا إذَا أَسْلَمَ عَبْدُهُ، وَكَذَلِكَ إنْ أَعْطَوْا الرَّهْنَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ ثُمَّ قَدَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنْ يَأْخُذُوا مِنْهُمْ الرَّهْنَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْخُذُوهُ مِنْهُمْ.","vol":"1","page":1751},{"text":"لِأَنَّ الضَّرُورَةَ قَدْ ارْتَفَعَتْ، وَبِاعْتِبَارِهَا كَانَ لَهُمْ حَقُّ الْمَنْعِ، فَيَكُونُ لَهُمْ حَقُّ الْأَخْذِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتْرُكُوا تَخْلِيصَ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ مَقْهُورٌ فِي يَدِ الْمُشْرِكِينَ إذَا تَمَكَّنُوا مِنْهُ.\n٣٤٩٩ - فَإِنْ امْتَنَعُوا مِنْهُمْ فَلَا بَأْسَ بِقِتَالِهِمْ عَلَيْهِمْ، إذَا طَلَبَ ذَلِكَ رَهْنُ الْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّهُمْ ظَالِمُونَ فِي حَبْسِهِمْ، وَدَفْعُ الظُّلْمِ وَاجِبٌ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَلَكِنْ إنْ قَدَرُوا عَلَى أَخْذِهِمْ بِغَيْرِ قَتْلٍ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْتُلُوا أَحَدًا مِنْهُمْ لِلْمُوَادَعَةِ الَّتِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ.\n٣٥٠٠ - وَإِنْ قَالَ رَهْنُ الْمُشْرِكِينَ: نَحْنُ نَكُونُ لَكُمْ ذِمَّةً لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا نَرْجِعُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، أَجَابَهُمْ الْإِمَامُ إلَى ذَلِكَ إذَا كَانُوا أَحْرَارًا. لِأَنَّ الذِّمَّةَ خَلَفٌ عَنْ الْإِسْلَامِ فِي الْتِزَامِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ بِهِ فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ أَحَدُ مَا يَنْتَهِي بِهِ الْقِتَالُ، فَكَمَا أَنَّهُمْ لَوْ طَلَبُوا عَرْضَ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِمْ وَجَبَ إجَابَتُهُمْ إلَى ذَلِكَ، فَكَذَا لَوْ طَلَبُوا إعْطَاءَ الذِّمَّةِ، إلَّا أَنْ يَكُونُوا عَبِيدًا لِلْمُشْرِكِينَ، فَإِنَّ الْعَبْدَ تَبَعٌ لِمَوْلَاهُ، وَقَدْ صَارُوا مُسْتَأْمَنِينَ فِينَا، فَبِاعْتِبَارِ الْأَمَانِ صَارَ مِلْكُ الْمُوَالِي فِيهِمْ مُحْتَرَمًا، وَبِدُونِ إزَالَةِ الْمِلْكِ لَا يُمْكِنُ جَعْلُهُمْ ذِمَّةً لِلْمُسْلِمِينَ، فَلِهَذَا رُدُّوا إلَى مَوَالِيهمْ.\n٣٥٠١ - فَإِنْ اخْتَلَفُوا فَقَالَ الرَّهْنُ: نَحْنُ أَحْرَارٌ. وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: هُمْ عَبِيدٌ لَنَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّهْنِ.","vol":"1","page":1752},{"text":"لِقُوَّتِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ فِي أَيْدِي أَنْفُسِهِمْ فَيَكُونُ لَهُمْ قَوْلٌ فِي حُرِّيَّتِهِمْ مَا لَمْ تَقُمْ الْبَيِّنَةُ عَلَى رِقِّهِمْ، وَلَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ صَارُوا ذِمَّةً لَنَا فَمَا لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِمْ قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، لَمْ يُرَدُّوا إلَى مَوَالِيهمْ، وَإِنْ كَانُوا أَسْلَمُوا فَمَا لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِمْ بِالرِّقِّ شُهُودٌ مُسْلِمُونَ، لَمْ يُعْطِهِمْ الْإِمَامُ لَهُمْ.\n٣٥٠٢ - وَلَوْ كَانُوا شَرَطُوا فِي أَصْلِ الْمُوَادَعَةِ أَنَّهُمْ إنْ غَدَرُوا فَقَتَلُوا رَهْنَ الْمُسْلِمِينَ فَدِمَاءُ رَهْنِهِمْ لَنَا حَلَالٌ ثُمَّ قَتَلُوا هُمْ رَهْنَنَا فَإِنَّ دِمَاءَ رَهْنِهِمْ لَا تَحِلُّ لَنَا لِمَا رُوِيَ أَنَّ هَذِهِ الْحَادِثَةَ وَقَعَتْ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَأَجْمَعَ هُوَ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ عَلَى أَلَّا يَقْتُلُوا رَهْنَ الْمُشْرِكِينَ. لِأَنَّهُمْ مُسْتَأْمَنُونَ فِينَا، فَلَا تَحِلُّ دِمَاؤُهُمْ بِجِنَايَةٍ كَانَتْ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَالشَّرْطُ الَّذِي جَرَى مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الشَّرْعِ فَيَكُونُ بَاطِلًا.\n٣٥٠٣ - وَلَكِنَّ الْإِمَامَ يَجْعَلُهُمْ ذِمَّةً إنْ لَمْ يُسْلِمُوا، فَإِنْ أَسْلَمُوا فَهُمْ أَحْرَارٌ لَا سَبِيلَ لَهُمْ عَلَيْهِمْ، كَمَا لَوْ كَانُوا أَسْلَمُوا قَبْلَ أَنْ يَقْتُلَ الْمُشْرِكُونَ رَهْنَنَا. فَلَوْ أَنَّ رَهْنَهُمْ حِينَ أَسْلَمُوا قَالَ لَهُمْ الْمُشْرِكُونَ: إنْ لَمْ تَرُدُّوا عَلَيْنَا رَهْنَنَا قَتَلْنَا رَهْنَكُمْ، أَوْ جَعَلْنَاهُمْ عَبِيدًا لَنَا فَكَرِهَ الرَّهْنُ أَنْ يَرُدُّوهُمْ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَرُدَّهُمْ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُمْ يَقْتُلُونَ رَهْنَ الْمُسْلِمِينَ.","vol":"1","page":1753},{"text":"لِأَنَّ حُرْمَةَ نَفْسِ هَؤُلَاءِ كَحُرْمَةِ نَفْسِ أُولَئِكَ.\nفَإِنْ قَتَلَ أَهْلُ الْحَرْبِ رَهْنَنَا لَمْ يَكُنْ الْإِمَامُ شَرِيكًا فِي ذَلِكَ الظُّلْمِ، وَلَوْ سَلَّمَ إلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ بَعْدَ مَا أَسْلَمُوا فَقَتَلُوهُمْ كَانَ شَرِيكًا فِي الظُّلْمِ، مُعَرِّضًا لِلْمُسْلِمِينَ عَنْ قَتْلِ الْمُشْرِكِينَ إيَّاهُمْ، وَذَلِكَ لَا رُخْصَةَ فِيهِ.\n(أَلَا تَرَى) - أَنَّ رَهْنَهُمْ لَوْ مَاتُوا فِي أَيْدِينَا فَقَالُوا: إنْ لَمْ تُعْطُونَا بِعَدَدِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَتَلْنَا رَهْنَكُمْ لَمْ يَسَعْنَا أَنْ نُعْطِيَهُمْ ذَلِكَ. فَكَذَلِكَ رَهْنُهُمْ إذَا أَسْلَمُوا.\n٣٥٠٤ - وَإِنْ قَالَ رَهْنُهُمْ بَعْدَ مَا أَسْلَمُوا: ادْفَعُونَا إلَيْهِمْ وَخُذُوا رَهْنَكُمْ، فَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْ الْإِمَامِ أَنَّهُمْ يَقْتُلُونَهُمْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَدْفَعَهُمْ إلَيْهِمْ أَيْضًا. لِأَنَّ إذْنَ الْمَرْءِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي قَتْلِهِ فِي حُكْمِ الْإِبَاحَةِ، فَكَذَلِكَ فِي تَعْرِيضِهِ لِلْقَتْلِ. وَإِنْ كُنَّا لَا نَدْرِي مَا يَصْنَعُونَ بِهِمْ فَلَا بَأْسَ بِدَفْعِهِمْ إلَيْهِمْ. لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي دَفْعِهِمْ بِرِضَاهُمْ ظُلْمٌ مِنَّا إيَّاهُمْ، وَالدَّفْعُ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِهَلَاكِهِمْ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ لَا يَرْضَوْنَ بِذَلِكَ إلَّا إذَا كَانُوا آمِنِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ. وَلِأَنَّا قَدْ وَعَدْنَا لِأُولَئِكَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ نُخَلِّصَهُمْ بَرَدِ رَهْنِهِمْ عَلَيْهِمْ، فَيَتَرَجَّحُ بِذَلِكَ الْوَعْدِ جَانِبُهُمْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.\n٣٥٠٥ - وَإِنْ قَالَ رَهْنُ الْمُشْرِكِينَ: نَكُونُ ذِمَّةً لَكُمْ، فَقَالَ","vol":"1","page":1754},{"text":"الْمُشْرِكُونَ: إنْ قَبِلْتُمْ ذَلِكَ مِنْهُمْ قَتَلْنَا رَهْنَكُمْ، أَوْ جَعَلْنَاهُمْ عَبِيدًا لَنَا، فَإِنَّ الْإِمَامَ لَا يَقْبَلُ هَذَا مِنْ رَهْنِهِمْ، وَلَكِنْ يَرُدُّهُمْ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، وَيَأْخُذُ الْمُسْلِمِينَ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَسْلَمُوا؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَتِمُّ بِهِمْ، فَأَمَّا الذِّمَّةَ لَا تَتِمُّ إلَّا بِالرِّضَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا كَانَ فِيهَا إتْلَافُ الْمُسْلِمِينَ حَقِيقَةً، أَوْ حُكْمًا فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرْضَوْا بِهَا. لِأَنَّ اسْتِنْقَاذَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ وَالْوَفَاءَ لَهُمْ بِالْمَوْعُودِ خَيْرٌ لَهُمْ مِنْ أَنْ يَصِيرَ الرَّهْنُ ذِمَّةً لِلْمُسْلِمِينَ، وَالْإِمَامُ نَاظِرٌ فَيَخْتَارُ مَا فِيهِ الْخَيْرِيَّةُ لِلْمُسْلِمِينَ.\n٣٥٠٦ - وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ إذَا قَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ خَلَّى الْمُشْرِكُونَ سَبِيلَ الرَّهْنِ الَّذِي عِنْدَهُمْ فَحِينَئِذٍ يُعْطِيهِمْ الذِّمَّةَ، وَيَضَعُ عَلَيْهِمْ الْخَرَاجَ كَمَا لَوْ سَأَلُوهُ. لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إتْلَافُ الْمُسْلِمِينَ.\nوَمَا لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَجْعَلَهُمْ ذِمَّةً. لِأَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى الظَّاهِرِ وَاجِبٌ، مَا لَمْ يُعْلَمْ خِلَافُهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ لَا يُخَلُّونَ سَبِيلَ الْمُسْلِمِينَ إذَا صَارَ رَهْنُهُمْ ذِمَّةً لَنَا.\n٣٥٠٧ - فَإِنْ أَعْطَاهُمْ الذِّمَّةَ ثُمَّ طَلَبَ أَخْذَ رَهْنِ الْمُسْلِمِينَ فَأَبَوْا ذَلِكَ حَتَّى يَرُدَّ عَلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَخْفِرَ","vol":"1","page":1755},{"text":"ذِمَّتَهُ، وَيَنْقُضَ الْعَهْدَ الَّذِي عَاهَدَ عَلَيْهِ الرَّهْنَ، فِي رَدِّهِمْ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ. لِأَنَّهُمْ لَمَّا صَارُوا ذِمَّةً لَنَا فَقَدْ ثَبَتَ لِنُفُوسِهِمْ مِنْ الْحُرْمَةِ مَا لِنُفُوسِ الْمُسْلِمِينَ، فَكَانَ هَذَا وَمَا لَوْ أَسْلَمُوا سَوَاءً.\n٣٥٠٨ - فَإِنْ طَابَتْ أَنْفُسُ الرَّهْنِ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْ الْإِمَامِ أَنَّهُمْ يَقْتُلُونَهُمْ، فَحِينَئِذٍ لَا يَدْفَعُهُمْ إلَيْهِمْ عَلَى قِيَاسِ مَا ذَكَرْنَا فِيمَا إنْ أَسْلَمُوا. لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مُفَادَاةِ الْمُسْلِمِينَ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ بِرِضَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَلَا يَجُوزُ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ. (أَلَا تَرَى) - أَنَّهُ لَوْ مَاتَ رَهْنُهُمْ فَقَالُوا: لَا نَرُدُّ عَلَيْكُمْ رَهْنَكُمْ حَتَّى تُعْطُونَا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فُلَانًا وَفُلَانًا، فَإِنْ رَضُوا بِذَلِكَ جَازَ دَفْعُهُمْ إلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَوْا بِهِ لَمْ يَجُزْ دَفْعُهُمْ إلَيْهِمْ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ فِيمَنْ طَلَبُوا نِسَاءً مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ.\nلِأَنَّ حَالَ نِسَائِهِمْ كَحَالِ رِجَالِهِمْ فِي الْحُرْمَةِ بِسَبَبِ عَقَدَ الذِّمَّةِ، وَتَأْثِيرُ الرِّضَاءِ مِنْ النِّسَاءِ كَتَأْثِيرِهِ مِنْ الرِّجَالِ.\n٣٥٠٩ - وَلَوْ كَانَ فِي الَّذِينَ طَلَبُوا صِبْيَانًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَطَابَتْ بِذَلِكَ أَنْفُسُهُمْ وَأَنْفُسُ وَالِدِيهِمْ فَلَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَدْفَعَهُمْ إلَيْهِمْ.","vol":"1","page":1756},{"text":"لِأَنَّ هَذَا مَظْلَمَةٌ يُظْلَمُ بِهَا الصَّبِيُّ، وَإِذْنُهُ فِي هَذَا الْبَابِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وَرِضَاءُ أَبَوَيْهِ فِيمَا يَضُرُّ بِالصَّبِيِّ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ أَيْضًا، فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ.\nأَرَأَيْت لَوْ اسْتَعْبَدَهُ أَهْلُ الْحَرْبِ، أَلَيْسَ كَانَ الْإِمَامُ مُعِينًا لَهُمْ عَلَى اسْتِعْبَادِ حُرٍّ بِغَيْرِ حَقٍّ؟ وَهَذَا لَا رُخْصَةَ فِيهِ.\n٣٥١٠ - وَلَوْ كَانَ الرَّهْنُ الَّذِينَ أَسْلَمُوا مِنْ رَهْنِ الْمُشْرِكِينَ فِيهِمْ نِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ، وَطَابَتْ أَنْفُسُ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَآبَائِهِمْ بِرَدِّهِمْ عَلَيْهِمْ، لَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَرُدَّهُمْ، أَمَّا الصِّبْيَانُ فَلِمَا ذَكَرْنَا فِي حَقِّ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَلِأَنَّ فِي رَدِّهِنَّ تَعْرِيضَهُنَّ عَلَى الْحَرَامِ، وَلَا إذْنَ لَهُنَّ فِي ذَلِكَ، فَلَا وَجْهَ لِرَدِّهِ امْرَأَةً مُسْلِمَةً عَلَى الْمُشْرِكِينَ، يَسْتَحِلُّونَ فَرْجَهَا وَهِيَ لَا تَحِلُّ لَهُمْ بِحَالٍ، وَلَا يُوجَدُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي حَقِّ أَهْلِ الذِّمَّةِ. (أَلَا تَرَى) أَنْ الذِّمِّيَّةَ إذَا تَزَوَّجَهَا مُسْتَأْمَنٌ فِي دَارِنَا جَازَ النِّكَاحُ وَحَلَّتْ لَهُ.\nوَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ مُسْلِمَةً لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ بِحَالٍ. إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ عَجُوزًا لَا تُشْتَهَى، وَلَا يُخَافُ عَلَيْهَا أَنْ تَرْجِعَ عَنْ دِينِهَا، فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ إنْ طَابَتْ نَفْسُهَا بِالرَّدِّ، رَجَوْت أَلَّا يَكُونَ بِرَدِّهَا لِأَخْذِ رَهْنِ الْمُسْلِمِينَ بَأْسٌ، كَمَا فِي حَقِّ الرِّجَالِ، وَلَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ لَهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ.\nلِأَنَّ الْمَرْأَةَ مَمْنُوعَةٌ مِنْ الْمُسَافِرَةِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ، وَإِنْ كَانَتْ عَجُوزَةً، وَمَعَ الْمَحْرَمِ لَا بَأْسَ بِهِ إذَا كَانَتْ عَجُوزَةً لِحَاجَةٍ لَهَا، فَكَذَلِكَ هَذَا","vol":"1","page":1757},{"text":"فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالْمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَطَلَبُوا مِنَّا فِي الْمُوَادَعَةِ أَنْ نُعْطِيَهُمْ رَهْنًا فَقَالَ الرَّهْنُ لَا نَرْضَى بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مَأْمُونِينَ عَلَيْنَا، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُجْبِرَهُمْ الْإِمَامُ عَلَى ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّ الْخَوْفَ مِنْ جِهَتِهِمْ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ظَاهِرٌ، وَعَلَى هَؤُلَاءِ الرَّهْنِ إذَا دَفَعْنَاهُمْ إلَيْهِمْ لَيْسَ بِظَاهِرٍ، بَلْ الظَّاهِرُ فِي النَّاسِ الْوَفَاءُ بِالْمُوَادَعَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْإِمَامَ إذَا اُبْتُلِيَ بِبَلِيَّتَيْنِ فَإِنَّهُ يَخْتَارُ أَهْوَنَهُمَا، وَيَدْفَعُ أَعْظَمَ الضَّرَرَيْنِ بِأَهْوَنِ الضَّرَرَيْنِ.\n٣٥١٢ - فَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ عِنْدَهُ أَنَّهُمْ إذَا أَخَذُوا الرَّهْنَ قَتَلُوهُمْ فَحِينَئِذٍ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَدْفَعَهُمْ إلَيْهِمْ. لِأَنَّهُ إذَا دَفَعَهُمْ كَانَ شَرِيكًا فِي دِمَائِهِمْ، مُعِينًا عَلَى هَلَاكِهِمْ، وَإِذَا لَمْ يَدْفَعْهُمْ فَظَفِرَ الْمُشْرِكُونَ بِالْمُسْلِمِينَ لَمْ يَكُنْ الْإِمَامُ شَرِيكَهُمْ فِيمَا يَصْنَعُونَ بِالْمُسْلِمِينَ وَأَكْبَرُ الرَّأْيِ فِي هَذَا كَالْيَقِينِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ احْتَاجَ إلَى أَنْ يُرْسِلَ إلَيْهِمْ رَسُولًا فِي مُهِمٍّ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ. فَأَبَى الْمُسْلِمُونَ أَنْ يُدْخِلَ إلَيْهِمْ رَسُولًا، فَإِنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْهُ إنْ بَعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولًا قَتَلُوهُ. فَحِينَئِذٍ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَبْعَثَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَحَدًا وَلَا يُكْرِهُهُ عَلَى ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ الرَّهْنُ.\n٣٥١٣ - فَإِنْ جَرَتْ الْمُوَادَعَةُ عَلَى ثَلَاثِ سِنِينَ، ثُمَّ ظَهَرَ لِلْمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ، فَأَرَادُوا أَنْ يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ، وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: لَسْنَا نَدَعُ الْمُوَادَعَةَ وَلَا نَرُدُّ عَلَيْكُمْ رَهْنَكُمْ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ","vol":"1","page":1758},{"text":"أَلَّا يُبْطِلُوا الْمُوَادَعَةَ، لَا لِإِبَاءِ الْمُشْرِكِينَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ لِمَكَانِ الرَّهْنِ فِي يَدِ الْمُشْرِكِينَ. لِأَنَّهُمْ إنْ فَعَلُوا ذَلِكَ كَانَ هَذَا مِنْهُمْ إجْبَارًا لِلرَّهْنِ وَامْتِنَاعًا مِنْ الْوَفَاءِ بِالْمَوْعُودِ لَهُمْ وَذَلِكَ لَا يَحِلُّ، فَيَفُونَ لَهُمْ بِمَا أَعْطَوْهُمْ، حَتَّى يَسْتَنْقِذُوا الرَّهْنَ مِنْهُمْ.\n٣٥١٤ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ الْمُوَادَعَةُ مُؤَبَّدَةً، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُبْطِلُوا الْمُوَادَعَةَ، وَإِنْ قَدَرُوا عَلَى قِتَالِهِمْ، حَتَّى يَسْتَنْقِذُوا الرَّهْنَ، أَوْ يَمُوتَ الرَّهْنُ أَجْمَعُونَ، أَوْ يَرْضَوْا بِذَلِكَ فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِقِتَالِهِمْ. لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ النَّبْذِ مُرَاعَاةُ حَقِّ الرَّهْنِ. وَلِوُجُودِ إحْدَى هَذِهِ الْخِصَالِ يَزُولُ هَذَا الْمَانِعُ.\n٣٥١٥ - وَلَوْ مَضَتْ مُدَّةُ الْمُوَادَعَةِ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إنْ قَاتَلْتُمُونَا قَتَلْنَا رَهْنَكُمْ فَلَا بَأْسَ بِقِتَالِهِمْ. لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا إخْفَارٌ لِلْعَهْدِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ الرَّهْنِ، فَقَدْ انْتَهَى ذَلِكَ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ. فَلَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْنَا قِتَالُهُمْ بِسَبَبِ الْخَوْفِ عَلَى الرَّهْنِ، كَمَا لَوْ تَتَرَّسُوا بِأَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ\nلَمْ يَكُنْ بِقِتَالِهِمْ بَأْسٌ\n، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ فِي أَيْدِيهمْ أُسَرَاءُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالُوا: إنْ قَاتَلْتُمُونَا قَتَلْنَا الْأُسَارَى، فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِقِتَالِهِمْ لِهَذَا الْمَعْنَى. وَكَذَلِكَ إنْ أَرْسَلَ إلَيْهِمْ رُسُلًا لِحَاجَةٍ بِرِضَاءِ الرُّسُلِ، أَوْ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ فَحَبَسُوهُمْ. وَقَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: إنْ قَاتَلْتُمُونَا قَتَلْنَا رُسُلَكُمْ فَلَا بَأْسَ","vol":"1","page":1759},{"text":"بِقِتَالِهِمْ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إخْفَارٌ مِنْ الْإِمَامِ لِقَوْمٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، إنَّمَا فِيهِ مَظْلَمَةٌ يَظْلِمُ الْمُشْرِكُونَ بِهَا الْمُسْلِمِينَ،\nوَلِلْخَوْفِ مِنْ ذَلِكَ\nلَا يَتَعَذَّرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْقِتَالُ مَعَهُمْ.\n٣٥١٦ - وَقَالَ: وَلَوْ طَلَبَ بَعْضُ مَدَائِنِ الشِّرْكِ أَنْ يَكُونَ ذِمَّةً لَهُمْ فَكَرِهَ ذَلِكَ مَلِكُ الْمُوَادِعِينَ وَقَالَ: إنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ قَتَلْنَا رَهْنَكُمْ، أَوْ اسْتَعْبَدْنَاهُمْ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا رَدَدْنَا عَلَيْكُمْ رَهْنَكُمْ، فَإِنَّ الْإِمَامَ وَالْمُسْلِمِينَ يَنْظُرُونَ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الِامْتِنَاعُ مِنْ إعْطَاءِ الذِّمَّةِ إلَى أَنْ يَأْخُذُوا رَهْنَكُمْ خَيْرًا لِلْمُسْلِمِينَ امْتَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ قَبُولُ الذِّمَّةِ مِنْ الَّذِينَ طَلَبُوا ذَلِكَ خَيْرًا فَعَلَ ذَلِكَ الْإِمَامُ. لِأَنَّهُ نَاظِرٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَيَخْتَارُ مَا كَانَتْ الْمَنْفَعَةُ فِيهِ أَظْهَرُ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي قَبُولِ الذِّمَّةِ مِنْ هَؤُلَاءِ إخْفَارٌ فِي حَقِّ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ مِمَّا وَقَعَ عَلَيْهِ الرَّهْنُ، وَلَا كَانَ وُقُوعُهُ مَعْلُومًا عِنْدَ ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ النَّبْذِ إلَيْهِمْ قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ. وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَخْتَارَ مَا فِيهِ اسْتِنْقَاذُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ طَلَبَ أَهْلُ مَدِينَةٍ مِنْهُمْ أَنْ يَكُونُوا ذِمَّةً فَقَالَ مَلِكُ الْعَدُوِّ: إنْ أَبَيْتُمْ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ خَلَّيْت سَبِيلَ أُسَرَائِكُمْ، وَإِنْ قَبِلْتُمْ ذَلِكَ مِنْهُمْ قَتَلْت أُسَرَاءَكُمْ، فَإِنَّهُ يَخْتَارُ مَا هُوَ الْأَنْفَعُ لِلْمُسْلِمِينَ. فَإِنْ كَانَ اسْتِنْقَاذُ الْأُسَرَاءِ خَيْرًا فَعَلَ ذَلِكَ وَهُوَ أَوْلَى الْوَجْهَيْنِ، وَإِنْ كَانَ قَبُولُ الذِّمَّةِ مِنْ أُولَئِكَ خَيْرًا لِمَا يَرَى","vol":"1","page":1760},{"text":"فِيهِ مِنْ قُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ بِشَوْكَةِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ طَلَبُوا الذِّمَّةَ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَقْبَلُ الذِّمَّةَ مِنْهُمْ، وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى جَانِبِ الْأُسَرَاءِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ حَاصَرَ أَهْلَ مَدِينَةٍ عَظِيمَةٍ وَأَشْرَفَ عَلَى فَتْحِهَا فَقَالَ لَهُ مَلِكُ الْعَدُوِّ انْصَرِفُوا عَلَى أَنْ نُعْطِيَكُمْ أُسَرَاءَكُمْ الَّذِينَ فِي أَيْدِينَا، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ فَيَفْعَلُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ.\n٣٥١٧ - فَإِنْ غَدْرَ أَهْلُ الْمُوَادَعَةِ فَقَتَلُوا رَهْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي رَهْنِهِمْ صِبْيَانٌ لَيْسَ مَعَهُمْ آبَاؤُهُمْ وَلَا أُمَّهَاتُهُمْ، فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِمْ حَتَّى يَبْلُغُوا فَيَصِفُوا الْإِسْلَامَ. لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ، وَفِي دَارِ الْإِسْلَامِ، كُفَّارًا عَلَى دِينِ آبَائِهِمْ، قَبْلَ أَنْ يَغْدِرَ الْمُشْرِكُونَ بِالرَّهْنِ فَلَا يَتَحَوَّلُونَ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى يَصِفُوا الْإِسْلَامَ. وَهَذَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي غَدْرِهِمْ إلَّا أَنَّ رَهْنَهُمْ بِهِ قَدْ صَارُوا فِينَا بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَأَوْلَادُ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ آبَاؤُهُمْ وَلَا أُمَّهَاتُهُمْ، بِأَنْ كَانُوا مَاتُوا، أَوْ نَقَضُوا الْعَهْدَ لَا يُحْكَمُ لَهُمْ بِالْإِسْلَامِ مَا لَمْ يَصِفُوا الْإِسْلَامَ قَبْلَ الْبُلُوغِ، أَوْ بَعْدَهُ فَحَالُ هَؤُلَاءِ كَذَلِكَ.\n٣٥١٨ - فَإِذَا كَانَ فِي رَهْنِهِمْ مَمَالِيكُ ثُمَّ غَدَرُوا فَقَتَلُوا رَهْنَنَا فَإِنَّ الْإِمَامَ لَا يَرُدُّ عَلَيْهِمْ مَمَالِيكَهُمْ بِبَيْعِهِمْ، وَيَقِفُ الثَّمَنَ فِي بَيْتِ الْمَالِ حَتَّى يُرْضِيَ الْمُشْرِكُونَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ رَهْنِهِمْ. لِأَنَّهُمْ احْتَبَسُوا عِنْدَنَا وَلَكِنْ لَمْ تَسْقُطْ حُرْمَةُ مِلْكِ الْمُلَّاكِ فِيهِمْ لِأَجْلِ الْأَمَانِ فَالسَّبِيلُ بَيْعُهُمْ وَوَقْفُ ثَمَنِهِمْ كَمَا لَوْ أَسْلَمُوا.","vol":"1","page":1761},{"text":"فَإِنْ قَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ إنَّا قَدْ أَسَأْنَا فِي قَتْلِ رَهْنِكُمْ، فَنَحْنُ نَغْرَمُ لَكُمْ دِيَاتِهِمْ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْبَلَ الْإِمَامُ ذَلِكَ مِنْهُمْ. لِأَنَّهُ وَقَعَ الْيَأْسُ عَنْ رَدِّ الرَّهْنِ، وَرَدُّ الْقِيمَةِ عِنْدَ تَعَذُّرِ رَدِّ الْعَيْنِ كَرَدِّ الْعَيْنِ، وَقِيمَةُ النَّفْسِ الدِّيَةُ.\n٣٥٢٠ - فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ سَلَّمَ الدِّيَاتِ إلَى وَرَثَةِ الْمَقْتُولِينَ، وَرَدَّ عَلَيْهِمْ ثَمَنَ الْعَبِيدِ، وَإِنْ كَانَ الْعَبِيدُ لَمْ يُبَاعُوا وَقَالُوا: رُدُّوا عَلَيْنَا عَبِيدَنَا وَنَرُدُّ عَلَيْكُمْ دِيَاتِ رَهْنِكُمْ، فَإِنَّ الْإِمَامَ لَا يَفْعَلُ هَذَا. لِأَنَّ عَبِيدَهُمْ قَدْ احْتَبَسُوا عِنْدَنَا، فَهَذَا إنْ فَعَلَهُ يَكُونُ فِي مَعْنَى مُفَادَاةِ الْأُسَارَى مِنْهَا بِالْمَالِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَلِأَنَّهُمْ لَمْ يَرُدُّوا رَهْنَنَا بِأَعْيَانِهِمْ، فَإِذَا كَانُوا يَأْخُذُونَ رِجَالَهُمْ بِأَعْيَانِهَا وَيَرُدُّونَ عَلَيْنَا الدِّيَاتِ كَانَ فِيهِ وَهْنٌ شَدِيدٌ يَدْخُلُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.\n٣٥٢١ - وَلَا يَنْبَغِي لِإِمَامِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَحْبِسَهُمْ إلَى مِثْلِ هَذَا، فَأَمَّا بَعْدَ بَيْعِ الْعَبِيدِ لَا يُوجَدُ مِثْلُ هَذَا الْوَهْنُ فِي رَدِّ الْأَثْمَانِ عَلَيْهِمْ. لِأَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ بَدَلَ الرَّهْنِ مَالٌ وَيُرَدُّ عَلَيْهِمْ بَدَلَ رَهْنِهِمْ مِثْلُ ذَلِكَ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ رَأَى الْحَظَّ لِلْمُسْلِمِينَ فِي أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ الدِّيَاتِ.\nوَيَرُدَّ عَلَيْهِمْ عَبِيدَهُمْ فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لِمَعْنَى النَّظَرِ.","vol":"1","page":1762},{"text":"فَإِنْ كَانُوا قَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ نَدْفَعُ إلَيْكُمْ الَّذِينَ قَتَلُوا رَهْنَكُمْ لِتَحْكُمُوا فِيهِمْ بِمَا شِئْتُمْ، وَتَرُدُّوا عَلَيْنَا رَهْنَنَا، فَإِنَّ الْإِمَامَ يُرَاعِي فِي ذَلِكَ مَعْنَى النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ لَمْ يَرَ فِي ذَلِكَ حَظًّا لِلْمُسْلِمِينَ لَمْ يَقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُمْ، أَرَأَيْت لَوْ كَانَ رَهْنُنَا خَمْسِينَ رَجُلًا فَقَتَلَهُمْ إنْسَانٌ وَاحِدٌ أَكُنَّا نَأْخُذُ مِنْهُمْ ذَلِكَ الْقَاتِلَ الْوَاحِدَ وَنَرُدُّ عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ مِنْ أَحْرَارِهِمْ وَأَيُّ وَهْنٍ يَكُونُ أَشَدَّ مِنْ هَذَا؟ وَإِنْ رَأَى الْحَظَّ لِلْمُسْلِمِينَ فِي أَنْ يَقْبَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ قَبِلَهُ فَأَخَذَ الْقَاتِلِينَ وَرَدَّ عَلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ، ثُمَّ هُوَ بِالْخِيَارِ فِي الْقَاتِلِينَ، إنْ شَاءَ قَتَلَهُمْ بِهِمْ، لَا بِطَرِيقِ الْقِصَاصِ، فَإِنَّ الْحَرْبِيَّ لَا يَسْتَوْجِبُ الْقِصَاصَ بِقَتْلِ الْمُسْلِمِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلَكِنْ لِأَنَّهُمْ أُسَارَى مَقْهُورُونَ فِي أَيْدِينَا، لَا أَمَانَ لَهُمْ، وَلِلْإِمَامِ فِيهِمْ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ قَتَلَهُمْ، وَإِنْ شَاءَ جَعَلَهُمْ عَبِيدًا، فَإِذَا اخْتَارَ ذَلِكَ أَعْطَى وَارِثَ كُلِّ مَقْتُولٍ الْعَبْدَ الَّذِي قَتَلَ مُوَرِّثَهُ. لِأَنَّهُ أَخَذَهُمْ عِوَضًا عَنْ الرَّهْنِ الْمَقْتُولِينَ، وَلِذَلِكَ رَدَّ عَلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ، فَإِذَا صَارُوا مَمْلُوكِينَ كَانَ حُكْمُهُمْ حُكْمُ الدِّيَاتِ. وَلِأَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى النَّفْسِ إذَا وُجِدَ مِمَّنْ يَحْتَمِلُ التَّمَلُّكَ، وَلَمْ يَكُنْ مُوجِبًا لِلْقِصَاصِ كَانَ مُوجِبُهَا اسْتِحْقَاقُ نَفْسِ الْجَانِي بِالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مِلْكًا.","vol":"1","page":1763},{"text":"أَلَا تَرَى) أَنَّ الْعَبْدَ إذَا قَتَلَ قَتِيلًا خَطَأً فَإِنَّهُ يَجِبُ دَفْعُ نَفْسِهِ إلَى وَلِيِّ الْقَتِيلِ، إلَّا أَنْ يَخْتَارَ الْمَوْلَى الْفِدَاءَ فَهَذَا كَذَلِكَ.\n٣٥٢٣ - وَإِنْ قَالُوا لِلْإِمَامِ: إنْ شِئْت أَعْطَيْنَاك دِيَاتِ أَصْحَابِك، وَإِنْ شِئْت أَعْطَيْنَاك الَّذِينَ قَتَلُوا أَصْحَابَكُمْ، فَهَذَا إنْصَافٌ مِنْهُمْ. لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِهِمْ فَوْقَ هَذَا، فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْوَفَاءِ بِتِلْكَ الْمُوَادَعَةِ.\n٣٥٢٤ - ثُمَّ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَخْتَارَ مَا فِيهِ الْحَظُّ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ اخْتَارَ أَخْذَ الدِّيَاتِ دَفْعِهَا إلَى الْوَرَثَةِ، وَإِنْ اخْتَارَ أَخْذَ الْقَاتِلِينَ كَانَ الرَّأْيُ إلَيْهِ فِي قَتْلِهِمْ، كَمَا بَيَّنَّا. وَلَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ قَتْلُهُمْ بِعَفْوِ الْوَرَثَةِ إنْ عَفَوَا عَنْهُمْ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَقْتُلهُمْ عَلَى وَجْهِ الْقِصَاصِ، بَلْ لِأَنَّهُمْ مُحَارِبُونَ، وَالْعَفْوُ فِي قَتْلِ الْمُحَارِبِينَ غَيْرُ مُؤْثَرٍ. لِأَنَّ الْعَفْوَ إنَّمَا يُسْقِطُ مَا كَانَ مُسْتَحَقًّا لِلْعَافِي خَاصَّةً.\n٣٥٢٥ - وَإِنْ كَانَ الَّذِي قَتَلَ رَهْنَ الْمُسْلِمِينَ رِجَالًا مِنْ غَيْرِ أَهْلِ تِلْكَ الدَّارِ فَإِنْ كَانُوا دَخَلُوا إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ. لِأَنَّ مَنْ عِنْدَهُمْ بِأَمَانٍ فَهُوَ فِي أَيْدِيهمْ وَهُوَ مِمَّنْ يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ مَلِكِهِمْ فَحَالُهُمْ كَحَالِ أَهْلِ دَارِهِمْ.","vol":"1","page":1764},{"text":"أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ دَخَلَ مِنْ دَارِهِمْ إلَيْنَا لَمْ يَحْتَجْ إلَى اسْتِئْمَانٍ جَدِيدٍ، بِمَنْزِلَةِ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ دَارِهِمْ.\n٣٥٢٦ - وَإِنْ كَانُوا دَخَلُوا دَارَهُمْ مُغِيرِينَ بِغَيْرِ أَمَانٍ فَقَتَلُوا الرَّهْنَ، فَإِنْ ظَفِرَ بِهِمْ أَهْلُ دَارِ الْمُوَادَعَةِ وَدَفَعُوهُمْ إلَى الْمُسْلِمِينَ، لَيْسَ عَلَيْهِمْ غَيْرُ ذَلِكَ، وَيَأْخُذُونَ رَهْنَهُمْ. لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِهِمْ فَوْقَ هَذَا، فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْوَفَاءِ بِالْمُوَادَعَةِ.\n\nوَإِنْ كَانُوا مَاتُوا، أَوْ قُتِلُوا فِي حَرْبِهِمْ، أَوْ أَخَذَهُمْ مَلِكُ الْمُوَادِعِينَ فَقَتَلَهُمْ بِمَا فَعَلُوا بِالرَّهْنِ، أَوْ هَرَبُوا، فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرُدُّوا عَلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ.\nلِأَنَّ الْقَاتِلِينَ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ دَارِ الْمُوَادِعِينَ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ أَهْلَ دَارِ الْمُوَادَعَةِ بِجِنَايَةٍ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَكَانَ هَذَا فِي حَقِّهِمْ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ مَاتَ رَهْنُنَا فِي دَارِهِمْ فَعَلَيْنَا أَنْ نَرُدَّ عَلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ.\n٣٥٢٧ - وَلَوْ كَانَ الَّذِينَ أَصَابُوهُمْ مِنْ أَهْلِ دَارِهِمْ فَقَتَلَهُمْ مَلِكُهُمْ حِينَ قَتَلُوا الرَّهْنَ، أَوْ مَاتُوا حِينَ أَخَذَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَقْتُلَهُمْ فَلِلْإِمَامِ أَلَّا يَرُدَّ رَهْنَهُمْ حَتَّى يُعْطُوهُمْ دِيَاتِ رَهْنِ الْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّ الْجِنَايَةَ كَانَتْ مِنْهُمْ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ مَا تُمَكَّنُوا مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِقُوَّةِ مَلِكِهِمْ، فَيَكُونُ فِعْلُهُمْ ذَلِكَ كَفِعْلِ مَلِكِهِمْ بِنَفْسِهِ.\n٣٥٢٨ - وَلَوْ كَانَ هُوَ الَّذِي قَتَلَ رَهْنَ الْمُسْلِمِينَ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ أَهْلُ مَمْلَكَتِهِ، فَقَتَلُوهُ أَوْ مَاتَ، كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ أَلَّا يَرُدُّوا عَلَيْهِمْ","vol":"1","page":1765},{"text":"رَهْنَهُمْ حَتَّى يَرُدُّوا دِيَاتِ رَهْنِنَا، فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ، وَإِنْ أَخَذُوا الْمَلِكَ فَقَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ نَدْفَعُهُ إلَيْكُمْ بِمَنْ قُتِلَ مِنْ رَهْنِكُمْ وَتَرُدُّوا عَلَيْنَا رَهْنَنَا، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ رَأَى الْحَظَّ فِي أَنْ يَأْبَى ذَلِكَ حَتَّى يَأْخُذَ دِيَاتِ الرَّهْنِ فَعَلَ ذَلِكَ، وَإِنْ رَأَى الْحَظَّ فِي أَنْ يَأْخُذَ الْمَلِكَ فَيَقْتُلَهُ، أَوْ يَجْعَلَهُ عَبْدًا لِوَرَثَةِ الرَّهْنِ فَعَلَ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ الْمَلِكُ حِينَ قَتَلَ الرَّهْنَ هُوَ الَّذِي قَالَ لِإِمَامِ الْمُسْلِمِينَ أُعْطِيك دِيَاتِ أَصْحَابِك لِتَرُدَّ عَلَيَّ رَهْنِي فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْوَهْنِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى رِضَاءِ وَرَثَةِ الرَّهْنِ إنْ رَضُوا بِذَلِكَ. لِأَنَّ مُرَاعَاةَ جَانِبِ دَفْعِ الْوَهْنِ وَالذُّلِّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَوْجَبُ، وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْ حَقِّهِمْ فِي شَيْءٍ حَتَّى يَعْتَبِرَ فِيهِ رِضَاهُمْ، إلَّا أَنْ يَرَى الْإِمَامُ الْحَظَّ فِي ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَفْعَلَهُ لِتَوْفِيرِ الْمَنْفَعَةِ عَلَيْهِمْ.\n٣٥٢٩ - فَإِنْ غَدَرَ الْمُشْرِكُونَ وَقَتَلُوا رَهْنَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ قَتَلَ الْمُسْلِمُونَ رَهْنَهُمْ اعْتِمَادًا عَلَى ظَاهِرِ الشَّرْطِ، فَقَدْ أَخْطَئُوا فِي ذَلِكَ. لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُسْتَأْمَنِينَ فِينَا، وَيَنْبَغِي لِمَنْ قَتَلَهُمْ أَنْ يَغْرَمَ دِيَاتِهِمْ كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْمُسْلِمِ يَقْتُلُ الْمُسْتَأْمَنَ.\nفَإِنْ قِيلَ: قَدْ صَارُوا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ حِينَ احْتَبَسُوا فِي دَارِنَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْقِصَاصُ عَلَى مَنْ قَتَلَهُمْ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ عِنْدَنَا.","vol":"1","page":1766},{"text":"قُلْنَا): قَبْلَ أَنْ يَضَعَ الْإِمَامُ الْخَرَاجَ عَلَيْهِمْ لَا يَكُونُونَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، حَتَّى لَوْ أَرْضَى الْمُشْرِكُونَ الْمُسْلِمِينَ رَدُّوا عَلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ، وَإِنْ صَارُوا بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَقَدْ تُمْكِنُ شُبْهَةٌ فِي هَذَا الْقَتْلِ، وَهُوَ الِاعْتِمَادُ عَلَى ظَاهِرِ الشَّرْطِ وَالْمَشْرُوطِ فِي عَقْدٍ صَحِيحٍ وَذَلِكَ يَكْفِي لِإِسْقَاطِ الْقَوَدِ.\n٣٥٣٠ - ثُمَّ الدِّيَاتُ تَكُونُ مَوْقُوفَةً فِي بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ أَعْطَى الْمُشْرِكُونَ دِيَاتِ رَهْنِ الْمُسْلِمِينَ قَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ الْإِمَامُ، وَدَفَعَهَا إلَى وَرَثَةِ الْمَقْتُولِينَ، وَسَلَّمَ إلَيْهِمْ دِيَاتِ رَهْنِهِمْ. لِأَنَّ حُكْمَ الْبَدَلِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ حُكْمُ الْمُبْدَلِ، وَلَوْ رَدُّوا عَلَيْنَا رَهْنَنَا رَدَدْنَا عَلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ، فَكَذَلِكَ إذَا رَدُّوا دِيَاتِ رَهْنِنَا رَدَدْنَا عَلَيْهِمْ مِثْلَ ذَلِكَ. وَلَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْبَى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ مَالًا مِنْ الْجَانِبَيْنِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ قَتْلِ رَهْنِهِمْ فَإِنَّ لِلْإِمَامِ هُنَاكَ رَأْيًا فِي أَخْذِ الدِّيَاتِ، لِمَا فِيهِ مِنْ صُورَةِ الْوَهْنِ، بِأَنْ يَقْتُلُوا خِيَارَنَا وَأَشْرَافَنَا، ثُمَّ يَأْخُذُوا رَهْنَهُمْ وَيُعْطُونَا الدِّيَاتِ.\n٣٥٣١ - فَإِنْ قَالُوا نُعْطِيكُمْ الدِّيَاتِ، وَنُعْطِيكُمْ مَكَانَ كُلِّ مُسْلِمٍ قَتَلْنَاهُ مِنْكُمْ أَسِيرًا مُسْلِمًا فِي أَيْدِينَا، وَتَرُدُّونَ عَلَيْنَا رَهْنَنَا، فَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَقْبَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ. لِأَنَّهُمْ رَدُّوا بَدَلَ نُفُوسِ الْمَقْتُولِينَ، وَرَدُّوا مِثْلَ مَا قَتَلُوا مِنْ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ فِي وُسْعِهِمْ فَوْقَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُخَلِّي سَبِيلَ الْأُسَرَاءِ، وَيَدْفَعُ الدِّيَاتِ إلَى وَرَثَةِ الْمَقْتُولِينَ.","vol":"1","page":1767},{"text":"وَإِنْ قَالُوا لَيْسَ عِنْدَنَا أَسُرَاءُ مِنْكُمْ وَلَكِنَّا نُعْطِيكُمْ لِكُلِّ قَتِيلٍ مِنْ رَهْنِكُمْ دِيَتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَ دِيَاتٍ، وَتَرُدُّونَ رَهْنَنَا، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَرَى فِي ذَلِكَ رَأْيَهُ سَوَاءٌ رَضِيَ بِهِ وَرَثَةُ الرَّهْنِ، أَوْ لَمْ يَرْضَوْا. لِأَنَّ الْمَالَ وَإِنْ كَثُرَ لَا يَكُونُ مِثْلًا لِلْمُسْلِمِينَ فَرُبَّمَا يَكُونُ فِي هَذَا مَعْنَى التَّوْهِينِ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَلَهُ أَلَّا يَقْبَلَهُ.\n٣٥٣٣ - فَإِنْ رَأَى ذَلِكَ خَيْرًا وَقَبِلَهُ سَلَّمَ الدِّيَاتِ كُلّهَا لِوَرَثَةِ الْمَقْتُولِينَ. لِأَنَّهُ بَدَلُ نُفُوسِهِمْ بِمَنْزِلَةِ مَالٍ وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَيْهِ مِنْ الْقِصَاصِ فَإِنَّهُ سَالِمٌ لِوَرَثَةِ الْمَقْتُولِينَ قَلَّ ذَلِكَ، أَوْ كَثُرَ.\n٣٥٣٤ - وَلَوْ قَالُوا لَا نُعْطِيكُمْ الدِّيَةَ، وَلَكِنْ نُعْطِيكُمْ مَكَانَ كُلِّ مُسْلِمٍ قَتَلْنَاهُ أَسِيرًا، أَوْ أَسِيرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، فَأَبَى أَوْلِيَاءُ الرَّهْنِ الْمَقْتُولِينَ أَنْ يَقْبَلُوا ذَلِكَ لَمْ يَلْتَفِت الْإِمَامُ إلَى إبَائِهِمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إلَى مَعْنَى الْخَيْرِيَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ رَأَى النَّظَرَ فِي قَبُولِ ذَلِكَ أَخَذَ الْأُسَارَى فَخَلَّى سَبِيلَهُمْ، وَرَدَّ عَلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ، وَعَوَّضَ وَرَثَةَ الرَّهْنِ الْمَقْتُولِينَ دِيَاتِهِمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. لِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَفْدِيَ الْأُسَارَى مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِذَا تَوَصَّلَ إلَى تَخْلِيصِ","vol":"1","page":1768},{"text":"الْأُسَارَى الْمُسْلِمِينَ بِاعْتِبَارِ دَمِ الْمَقْتُولِينَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ إلَى وَرَثَتِهِمْ عِوَضَ ذَلِكَ، وَهُوَ دِيَاتُ الْمَقْتُولِينَ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ فَادَى الْأُسَارَى بِعَبِيدٍ مِنْهُمْ بَعْدَ مَا قَسَّمَهُمْ بَيْنَ الْغَانِمِينَ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ، فَإِنَّهُ يُعَوِّضُ الْمُلَّاكَ قِيمَتَهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.\n٣٥٣٥ - وَإِنْ طَابَتْ أَنْفُسُ وَرَثَةِ الرَّهْنِ بِهَذَا وَسَأَلُوا الْإِمَامَ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُمْ أُسَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ مَكَانَ الرَّهْنِ الْمَقْتُولِينَ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، ثُمَّ طَلَبَ وَرَثَةُ الرَّهْنِ دِيَاتِ رَهْنِهِمْ لَمْ يُعْطِهِمْ شَيْئًا. لِأَنَّهُمْ تَطَوَّعُوا بِحَقِّهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَكَأَنَّهُمْ تَبَرَّعُوا بِمُفَادَاةِ الْأُسَارَى بِمَالِهِمْ فَلَا يَسْتَوْجِبُونَ الرُّجُوعَ عَلَى أَحَدٍ بِشَيْءٍ.\n٣٥٣٦ - وَإِنْ لَمْ يَسْتَأْمِرْهُمْ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَبِلَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مَا أَعْطَوْهُ وَرَدَّ عَلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعَوِّضَ وَرَثَةَ الرَّهْنِ الْمَقْتُولِينَ دِيَاتِهِمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. لِأَنَّ حَقَّهُمْ إنَّمَا يَسْقُطُ إذَا رَضُوا بِذَلِكَ وَتَطَوَّعُوا بِحَقِّهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَتَحَقَّقُ إذَا لَمْ يَعْلَمُوا بِهِ.\n٣٥٣٧ - وَإِنْ لَمْ يُعْطِ الْمُشْرِكُونَ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا بَعْدَ قَتْلِ رَهْنِهِمْ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُعَذِّبَ رَهْنَهُمْ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ، كَمَا لَا يَقْتُلهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ مُسْتَأْمَنُونَ فِينَا، وَلَكِنَّهُ يُخَلِّي","vol":"1","page":1769},{"text":"عَنْهُمْ فِي مَوْضِعٍ مِنْ دَارِنَا، لَا يَقْدِرُونَ فِيهِ عَلَى الرُّجُوعِ إلَى بِلَادِهِمْ. لِأَنَّهُمْ احْتَبَسُوا فِي دَارِنَا حِينَ احْتَبَسُوا رَهْنَنَا عِنْدَهُمْ.\n٣٥٣٨ - فَإِنْ أَسْلَمُوا فَهُمْ أَحْرَارٌ، وَإِنْ أَبَوْا جَعَلَهُمْ الْإِمَامُ ذِمَّةً لِمَا بَيَّنَّا، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُؤَجِّلَ أَهْلَ الْحَرْبِ فِي أَمْرِهِمْ سَنَةً، فَإِنْ أَرْضَوْنَا وَإِلَّا جَعَلْنَاهُمْ ذِمَّةً، وَوَضَعْنَا عَلَيْهِمْ الْخَرَاجَ، فَإِذَا مَضَتْ السَّنَةُ أَخَذْنَا مِنْهُمْ الْخَرَاجَ. لِأَنَّ إرْضَاءَ الْمُشْرِكِينَ الْمُسْلِمِينَ بِبَعْضِ الْوُجُوهِ الَّذِي ذَكَرْنَا مَوْهُومٌ، وَبَعْدَ الْإِرْضَاءِ يَجِبُ رَدُّ رَهْنِهِمْ عَلَيْهِمْ، فَلِهَذَا يَتَأَنَّى الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ، وَالْحَوْلُ حَسَنٌ لِإِبْلَاءِ الْعُذْرِ كَمَا فِي أَجَلِ الْعِتْقِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ نَظِيرُ الْمُسْتَأْمَنِ إذَا أَطَالَ الْمُقَامَ فِي دَارِنَا، فَلِأَنَّ الْإِمَامَ يَتَقَدَّمُ إلَيْهِ وَيَقُولُ إنْ أَقَمْت سَنَةً مِنْ يَوْمِك هَذَا جَعَلْتُك ذِمَّةً، ثُمَّ إنْ خَرَجَ قَبْلَ مُضِيِّ السَّنَةِ تَرَكَهُ، وَإِنْ مَضَتْ السَّنَةُ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ أَخَذَ مِنْهُ الْخَرَاجَ، وَلَمْ يُمَكِّنْهُ مِنْ الرُّجُوعِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ حَالُ الرَّهْنِ.\n٣٥٣٩ - فَإِنْ قَالُوا بَعْدَ مُضِيِّ السَّنَةِ نَحْنُ نُرْضِيكُمْ بِإِعْطَاءِ الْأُسَارَى وَالدِّيَاتِ، فَرُدُّوا عَلَيْنَا رَهْنَنَا، فَإِنَّ الْإِمَامَ لَا يَرُدُّهُمْ بِالدِّيَاتِ بَعْدَ مَا صَارُوا ذِمَّةً لَنَا، وَبَعْدَ إعْطَاءِ الْأُسَارَى إنْ كَرِهَ الرَّهْنُ ذَلِكَ لَمْ يَرُدَّهُمْ، وَإِنْ طَابَتْ نُفُوسُهُمْ بِذَلِكَ رَدَّهُمْ عَلَى قِيَاسِ مَا ذَكَرْنَا فِي مُفَادَاةِ الْأُسَرَاءِ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ. لِأَنَّ هَؤُلَاءِ صَارُوا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ.","vol":"1","page":1770},{"text":"وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ أَسَرَ الْإِمَامُ الْقَوْمَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَقَسَّمَهُمْ، ثُمَّ إنَّ مَوَالِيهِمْ أَعْتَقَهُمْ فَصَارُوا ذِمَّةً لِلْمُسْلِمِينَ يُؤَدُّونَ الْخَرَاجَ، ثُمَّ طَلَبَ الْمُشْرِكُونَ أَنْ يُفَادُونَا بِأُسَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِهِمْ، فَإِنَّ الْإِمَامَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ بِغَيْرِ طِيبَةِ نَفْسِ الْمُعْتَقِينَ، فَإِنْ طَابَتْ نُفُوسُهُمْ بِذَلِكَ فَعَلُوهُ، فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ، وَلَوْ قَالُوا: نُعْطِيكُمْ الدِّيَاتِ، وَنُعْطِيكُمْ مَنْ قَتَلَ الرَّهْنَ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ بَعْدَ مَا جَعَلَهُمْ ذِمَّةً.\nلِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مُفَادَاةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِالْمَالِ، وَأَهْلُ الْحَرْبِ مِنْهُمْ، وَذَلِكَ لَا رُخْصَةَ فِيهِ، إنَّمَا الَّذِي يُرَخَّصُ فِيهِ إعَادَةُ الذِّمِّيِّ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، لِيَكُونَ حَرْبًا لِلْمُسْلِمِينَ إذَا كَانَ فِيهِ تَخْلِيصُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَسْرِ الْمُشْرِكِينَ فَقَطْ.\n٣٥٤١ - فَلَوْ أَعْطَى الْمُسْلِمُونَ الْمُشْرِكِينَ رَهْنًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَأَعْطَاهُمْ الْمُشْرِكُونَ رَهْنًا مِنْ جَوَاهِرَ، أَوْ ثِيَابٍ، ثُمَّ غَدَرُوا فَقَتَلُوا الرَّهْنَ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَجْعَلُ رَهْنَهُمْ مَوْقُوفًا فِي بَيْتِ الْمَالِ، لَا يُعْطَى وَرَثَةَ الرَّهْنِ الْمَقْتُولِينَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّ حَقَّهُمْ مَقْصُورٌ عَلَى بَدَلِ نُفُوسِ الْمَقْتُولِينَ. وَهَذَا لَيْسَ مِنْ بَدَلِ نُفُوسِهِمْ فِي شَيْءٍ، وَلَكِنَّهُ مَالُ أَهْلِ الْحَرْبِ قَدْ يَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُ الْإِمَامِ فِي دِيَارِنَا، فَيَجْعَلُهُ الْإِمَامُ مَوْقُوفًا فِي بَيْتِ الْمَالِ.\n٣٥٤٢ - وَإِنْ خَافَ الْفَسَادَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ بَاعَهُ، وَوَقَفَ ثَمَنَهُ","vol":"1","page":1771},{"text":"فِي بَيْتِ الْمَالِ،\n\nفَإِنْ قَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ نُعْطِيكُمْ الدِّيَاتِ وَتَرُدُّوا عَلَيْنَا رَهْنَنَا، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَتْ الدِّيَاتُ مِثْلَ الرَّهْنِ أَوْ أَكْثَرَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ مِنْهُمْ. لِأَنَّ الْكُلَّ مَالٌ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْمُمَاثَلَةُ فِي صِفَةِ الْمَالِيَّةِ، لِيَنْعَدِمَ بِهِ مَعْنَى الرَّهْنِ، ثُمَّ يَدْفَعُ الدِّيَاتِ إلَى وَرَثَةِ الرَّهْنِ. وَإِنْ كَانَتْ الدِّيَاتُ دُونَ رَهْنِهِمْ فِي الْمَالِيَّةِ مَنَعَهُمْ الْإِمَامُ ذَلِكَ أَشَدَّ الْمَنْعِ. لِأَنَّ مَعْنَى الرَّهْنِ يَتَحَقَّقُ هَا هُنَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مِنْ جِهَةِ قَتْلِهِمْ الرَّهْنَ، وَالْآخَرُ: مِنْ جِهَةِ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ مِنْ الْمَالِ أَكْثَرَ مِمَّا يُعْطُونَ.\n٣٥٤٣ - وَإِنْ قَالُوا: إنَّ الرَّهْنَ قُتِلُوا بِغَيْرِ رِضَاءٍ مِنَّا، فَنَحْنُ نُعْطِيكُمْ الْقَاتِلِينَ وَدِيَاتِ الْمَقْتُولِينَ، وَتَرُدُّوا عَلَيْنَا رَهْنَنَا، أَوْ قَالُوا: اخْتَرْ إنْ شِئْت الْقَاتِلِينَ نَدْفَعُهُمْ إلَيْك، وَإِنْ شِئْت الدِّيَاتِ، فَإِنْ عَلِمْنَا أَنَّهُمْ صَدَقُوا فِيمَا قَالُوا إنَّهُمْ قُتِلُوا بِغَيْرِ رِضَاءٍ مِنْ جَمَاعَتِهِمْ فَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْبَى هَذَا عَلَيْهِمْ. لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِهِمْ فَوْقَ مَا عَرَضُوهُ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ يَخْتَارُ أَفْضَلَهُمَا لِلْمُسْلِمِينَ، فَيَأْخُذُهُ وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ.\n٣٥٤٤ - وَإِنْ كَانَ قُتِلَ بِرِضَاءٍ مِنْ جَمَاعَتِهِمْ فَلِلْإِمَامِ أَلَّا يَقْبَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، بِاعْتِبَارِ أَنَّ رِضَاءَ الْجَمَاعَةِ بِذَلِكَ كَمُبَاشَرَتِهِمْ،","vol":"1","page":1772},{"text":"وَفِي قَبُولِ ذَلِكَ مِنْهُمْ مَعْنَى الْوَهْنِ، وَلَوْ أَنَّهُمْ قَتَلُوا رَهْنَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَسْلَمُوا وَصَارُوا ذِمَّةً، فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ غُرْمٌ فِي ذَلِكَ. لِأَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ وَهُمْ مُحَارِبُونَ، فَكَانَ هَذَا وَمَا لَوْ قَتَلُوا الْمُسْلِمِينَ فِي الْقِتَالِ ثُمَّ أَسْلَمُوا [، أَوْ صَارُوا ذِمَّةً] سَوَاءً، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ كَانَ مَمْلُوكًا مُحْتَرَمًا لَهُمْ فِي أَيْدِينَا.\n٣٥٤٥ - فَإِذَا أَسْلَمُوا وَجَبَ رَدُّهُ عَلَيْهِمْ عَمَلًا بِقَوْلِهِ - ﵊ -: «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى مَالٍ فَهُوَ لَهُ» . وَحَالُهُمْ الْآنَ كَحَالِ الْخَوَارِجِ إذَا قَاتَلَهُمْ أَهْلُ الْعَدْلِ، وَأَصَابَ كُلُّ فَرِيقٍ مَالًا مِنْ الْفَرِيقِ الْآخَرَ، ثُمَّ اسْتَهْلَكَ الْخَوَارِجُ أَمْوَالَ أَهْلِ الْعَدْلِ، فَإِنَّ أَهْلَ الْعَدْلِ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَسْتَهْلِكُوا شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ يَقِفُونَ ذَلِكَ إلَى أَنْ يَتُوبَ الْخَوَارِجُ، فَإِذَا تَابُوا يَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ، وَلَمْ يَغْرَمُوا شَيْئًا مِمَّا اسْتَهْلَكُوا، وَلَوْ لَمْ يُسْلِمْ أَهْلُ الدَّارِ بَعْدَ قَتْلِ الرَّهْنِ، وَلَكِنْ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَهْلِ تِلْكَ الدَّارِ وَقَتَلُوا مَنْ فِيهَا، أَوْ سَبَوْهُمْ، كَانَ رَهْنُهُمْ مِنْ الْأَمْوَالِ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ ظَهَرُوا عَلَى تِلْكَ الدَّارِ. لِأَنَّهُ قَدْ سَقَطَتْ حُرْمَةُ نُفُوسِ الْمُلَّاكِ بِوُقُوعِ الظُّهُورِ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا عَيْنُ مَالٍ لَهُمْ بِمَنْزِلَةِ مَا فِي أَيْدِيهمْ، فَيَكُونُ فَيْئًا لِلْغَانِمِينَ.\n٣٥٤٦ - وَإِنْ اسْتَهْلَكَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ رَهْنَهُمْ فَإِنَّ الْإِمَامَ","vol":"1","page":1773},{"text":"يُضَمِّنُهُ مِثْلَهُ، لِبَقَاءِ حُكْمِ الْأَمَانِ فِي ذَلِكَ الْمَالِ فِي يَدِ الْإِمَامِ، ثُمَّ حُكْمُ الْمِثْلِ الْمَأْخُوذِ فِي (يَد الْإِمَام) هُوَ حُكْمُ الْأَصْلِ؛ وَلَا يُشْبِهُ هَذَا فِي هَذَا الْوَجْهِ مَا أَصَابَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَمْوَالِ الْخَوَارِجِ، فَإِنَّ مَنْ اسْتَهْلَكَ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا، فَإِنَّهُ لَا أَمَانَ لِلْخَوَارِجِ فِي ذَلِكَ مِنَّا، وَوُجُوبُ الضَّمَانِ بِاعْتِبَارِ الْأَمَانِ. فَأَمَّا وُجُوبُ رَدِّ الْعَيْنِ بِاعْتِبَارِ بَقَائِهِ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهِ فَلِهَذَا قُلْنَا يُرَدُّ عَلَيْهِمْ مَا كَانَ قَائِمًا، وَلَا يَضْمَنُ الْمُسْتَهْلِكُ لَهُمْ شَيْئًا مِمَّا اسْتَهْلَكَهُ، بِخِلَافِ رَهْنِ أَهْلِ الْحَرْبِ فِي أَيْدِينَا، فَإِنَّ حُكْمَ الْأَمَانِ ثَابِتٌ فِي ذَلِكَ الْمَالِ، فَيَغْرَمُ الْمُسْتَهْلِكُ قِيمَتَهُ، وَيَجِبُ رَدُّهُ عَلَيْهِمْ إنْ أَسْلَمُوا.\n٣٥٤٧ - وَإِذَا أَخَذُوا الرَّهْنَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فِي الْمُوَادَعَةِ وَاشْتَرَطُوا فِيهَا أَنَّ مَنْ غَدْرَ مِنْهُمْ فَدِمَاءُ رَهْنِهِمْ حَلَالٌ، ثُمَّ قَطَعَ الْمُشْرِكُونَ أَيْدِي رَهْنِنَا، أَوْ فَقَئُوا أَعْيُنَهُمْ، ثُمَّ قَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: خُذُوا رَهْنَكُمْ فَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَأَعْطَوْنَا رَهْنَنَا، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الْحَظُّ فِي أَخْذِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ تَوْهِينٌ بِشَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَبْرَأهُمْ الرَّهْنُ مِمَّا صَنَعُوا بِهِمْ، وَقَالُوا: خُذُونَا مِنْهُمْ، فَعَلَ الْإِمَامُ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَوْهِينٌ لِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَأْخُذْ ذَلِكَ مِنْهُمْ.","vol":"1","page":1774},{"text":"لِأَنَّهُ نُصِّبَ نَاظِرًا وَقَدْ سَلَّمَ إلَيْهِمْ قَوْمًا أَصِحَّاءَ فَلَهُ أَلَّا يَأْخُذَ مِنْهُمْ قَوْمًا عُمْيَانًا مَقْطُوعِينَ وَيُعْطِيَهُمْ رَهْنَهُمْ أَصِحَّاءَ.\n٣٥٤٨ - وَإِنْ قَالَ الرَّهْنُ: الْحَقُّ حَقُّنَا وَنَحْنُ نَرْضَى بِذَلِكَ، فَخُذُونَا مِنْهُمْ، فَإِنَّا لَا نَأْمَنُ الْبَلَاءَ عَلَى أَنْفُسِنَا، لَمْ يَلْتَفِت الْإِمَامُ إلَى مَقَالَتِهِمْ. لِأَنَّ فِي هَذَا تَوْهِينًا لِلدِّينِ، وَخَدِيعَةً مِنْ الْمُشْرِكِينَ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ [وَازْدِرَاءً لَهُمْ]، وَالضَّرَرُ فِي ذَلِكَ إلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَتْرُكُ الْإِمَامُ مُرَاعَاةَ هَذَا الْجَانِبِ بِقَوْلِ الرَّهْنِ.\n(أَرَأَيْت) لَوْ كَانَ الرَّهْنُ بِآخِرِ الرَّمَقِ مُقَطَّعِي الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ، فَقَالُوا: خُذُونَا مِنْهُمْ أَكَانَ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَهُمْ رَهْنَهُمْ أَصِحَّاءَ سَالِمِينَ وَيَأْخُذَ الْمُسْلِمِينَ بِآخِرِ رَمَقٍ لِمَا صَنَعُوا بِهِمْ؟ هَذَا مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ بِهِ أَحَدٌ.\nلِأَنَّهُ رِضَاءٌ بِالدَّنِيَّةِ فِي الدِّينِ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى مِنْ أَنْ نُعْطَى الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا فَإِنَّ الذَّلِيلَ يُعْطَى مَا سُئِلَ، وَلَوْ جَازَ هَذَا لَجَازَ أَنْ يُقَالَ: إذَا قَتَلُوا رَهْنَنَا ثُمَّ قَالَ وَرَثَتُهُمْ: قَدْ عَفَوْنَا عَنْهُمْ فَرَدُّوا عَلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ، أَنْ يَرُدُّوهُمْ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ وَرَثَةَ الْمَقْتُولِينَ يَقُومُونَ مَقَامَهُمْ، هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَلَا يُنْظَرُ إلَى قَوْلِ الرَّهْنِ، وَلَا إلَى قَوْلِ وَرَثَتِهِ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُ إلَى تَوْهِينِ الدِّينِ، وَجُرْأَةِ الْمُشْرِكِينَ.\nفَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيمَا سَأَلُوا تَوْهِينٌ لَلدِّينِ أَجَابَهُمْ الْإِمَامُ إلَى ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَوْهِينُ الدِّينِ وَجُرْأَةُ الْمُشْرِكِينَ عَلَيْهِمْ لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُمْ.","vol":"1","page":1775},{"text":"أَلَا تَرَى) أَنَّ رَهْنَنَا لَوْ كَانُوا مِائَةً، فَقَتَلُوهُمْ كُلَّهُمْ إلَّا رَجُلًا وَاحِدًا، فَقَالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ: خُذُونِي مِنْهُمْ، وَرُدُّوا عَلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ، فَإِنَّهُمْ قَاتِلِيَّ إنْ لَمْ تَفْعَلُوا، لَمْ يَلْتَفِتْ الْإِمَامُ إلَى قَوْلِهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مَعْنَى تَوْهِينِ الدِّينِ كَمَا بَيَّنَّا.\n٣٥٤٩ - فَإِنْ كَانُوا حِينَ فَقَئُوا أَعْيُنَ الرَّهْنِ قَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: نَرُدُّ عَلَيْكُمْ رَهْنَكُمْ وَنُعْطِيكُمْ الدِّيَةَ فِيمَا صَنَعْنَا بِرَهْنِكُمْ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْبَلَ الْإِمَامُ مِنْهُمْ هَذَا. لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَوْهِينُ الدِّين، فَإِنَّهُمْ يَرُدُّونَ الرَّهْنَ وَيَرُدُّونَ عِوَضَ مَا أَتْلَفُوا مِنْهُمْ، وَلَيْسَ فِي وُسْعِهِمْ فَوْقَ ذَلِكَ.\n٣٥٥٠ - وَلَوْ قَتَلُوا بَعْضَ رَهْنِنَا وَبَقِيَ الْبَعْضُ كَانَ لِلْإِمَامِ أَلَّا يَرُدَّ عَلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ، حَتَّى يَرُدُّوا عَلَيْنَا الْأَحْيَاءَ، وَيُخَيَّرُونَ فِي الْقَتْلَى بَيْنَ الدِّيَاتِ وَبَيْنَ دَفْعِ الْقَاتِلِينَ إلَيْهِ؛ اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ. وَلَوْ أَنَّهُمْ ضَرَبُوا رَهْنَنَا، أَوْ شَجُّوهُمْ فَبَرِئُوا عَلَى وَجْهٍ لَمْ يَبْقَ أَثَرُهُ فَقَالُوا لِلْإِمَامِ: أَخْرِجْنَا مِنْ أَيْدِيهمْ وَادْفَعْ إلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ فَلَا بَأْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ. لِأَنَّ الْمَظْلُومَ قَدْ رَضِيَ بِتَرْكِ الْمُطَالَبَةِ لِحَقِّهِ، وَلَيْسَ فِي أَخْذِهِمْ وَرَدِّ الرَّهْنِ عَلَيْهِمْ مَعْنَى تَوْهِينِ الدِّينِ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُجِيبَهُمْ الْإِمَامُ إلَى ذَلِكَ.\n٣٥٥١ - وَكَذَلِكَ إنْ مَاتَ الرَّهْنُ فِي أَيْدِيهمْ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ، بَعْدَ مَا بَرَّءُوا ذِمَّتَهُ فَقَالَ وَرَثَةُ الرَّهْنِ قَدْ تَرَكْنَاهُ لَهُمْ، فَرُدُّوا عَلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ.","vol":"1","page":1776},{"text":"لِأَنَّ الْوَرَثَةَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ يَقُومُونَ مَقَامَهُ فِيمَا هُوَ مِنْ حَقِّهِ.\n٣٥٥٢ - قَالَ: فَإِذَا أَعْطَوْا الرَّهْنَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فِي الْمُوَادَعَةِ، وَلَمْ يُعْطُوا مَعَ رَهْنِ الْمُشْرِكِينَ نَفَقَةً لَهُمْ، فَنَفَقَتُهُمْ مَا دَامُوا رَهْنًا مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا مِنْ أَعْجِبْ الْمَسَائِلِ فَإِنَّ نَفَقَةَ الْمَرْهُونِ تَكُونُ عَلَى الرَّاهِنِ دُونَ الْمُرْتَهِنِ، فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي وُجِدَ فِيهِ الرَّهْنُ بِصُورَتِهِ وَمَعْنَاهُ وَحُكْمِهِ، فَكَيْفَ تَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فِي مَوْضِعٍ وُجِدَ فِيهِ الرَّهْنُ صُورَةً، فَكَيْفَ يَجِبُ نَفَقَةُ أَهْلِ الْحَرْبِ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُمْ أَهْلُ حَرْبٍ فِي أَيْدِينَا، بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنِينَ وَلَكِنَّا نَقُولُ: إنَّ إقَامَتَهُمْ فِينَا لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْإِجَابَةُ إلَى هَذِهِ الْمُوَادَعَةِ إلَّا إذَا كَانَ فِيهَا مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَلِهَذَا تَجِبُ نَفَقَتُهُمْ فِي مَالِ الْمُسْلِمِينَ، بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَعَارِ فِي يَد الْمُسْتَعِيرِ، لَمَّا كَانَتْ الْمَنْفَعَةُ لَهُ فِيهِ كَانَ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الرَّهْنِ الَّذِي هُوَ حَقِيقَةٌ، فَالْمَنْفَعَةُ هُنَاكَ لِلرَّاهِنِ، مِنْ حَيْثُ إنَّ دَيْنَهُ يَصِيرُ مَقْضِيًّا بِهَلَاكِ الرَّهْنِ، فَإِنْ قَتَلُوا رَهْنَ الْمُسْلِمِينَ يَلْتَزِمُ الْإِمَامُ رَهْنَهُمْ إلَى سَنَةٍ، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَيْضًا. لِأَنَّهُ مَا لَمْ تَمْضِ السَّنَةُ فَالْحُكْمُ الَّذِي كَانَ ثَابِتًا فِيهِمْ بِأَمَانٍ بَاقٍ.","vol":"1","page":1777},{"text":"فَإِنْ مَضَتْ السَّنَةُ وَلَمْ يُرْضُونَا جَعَلَهُمْ ذِمَّةٌ، وَلَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ شَيْئًا. لِأَنَّهُ مَا لَمْ تَمْضِ السَّنَةُ حَالُهُمْ كَحَالِ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ.\n٣٥٥٣ - وَلَوْ لَمْ يَقْتُلُوا رَهْنَنَا، وَقَدْ كَانَتْ الْمُوَادَعَةُ مُؤَقَّتَةً، فَانْقَضَتْ الْمُدَّةُ وَطَلَبَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ رَدَّ الرَّهْنِ فَأَبَوْا، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَقُولُ لِرَهْنِهِمْ: لَا أَرُدُّكُمْ إلَى بِلَادِكُمْ حَتَّى يَرُدَّ أَصْحَابُكُمْ إلَيَّ رَهْنِي، وَقَدْ أَجَّلْتُكُمْ فِي ذَلِكَ حَوْلًا، فَاكْتُبُوا لَهُمْ فَإِنْ رَدُّوا رَهْنِي، وَإِلَّا جَعَلْتُكُمْ ذِمَّةً، وَيَكْتُبُ إلَيْهِمْ بِنَفْسِهِ أَيْضًا تَحْقِيقًا لِإِبْلَاءِ الْعُذْرِ، فَإِنْ لَمْ يَرُدُّوا الرَّهْنَ حَتَّى مَضَى الْحَوْلُ جَعَلَهُمْ ذِمَّةً، ثُمَّ إنْ عَرَضُوا رَدَّ الرَّهْنِ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ رَهْنَهُمْ إلَّا بِرِضَاهُمْ. وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا، وَالْفِقْهُ فِي هَذَا الْإِنْذَارِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَتْرُكَ الْمُشْرِكَ فِي دَارِنَا مُدَّةً مَدِيدَةً، لِيَصْنَعَ مَا يَصْنَعُ مِنْ غَيْرِ ذُلِّ الْخَرَاجِ فَكَانَ التَّقْدِيمُ إلَيْهِمْ وَالتَّأْجِيلُ بِحَوْلٍ لِهَذَا الْمَعْنَى.\n٣٥٥٤ - وَإِنْ أَعْطَى الْمُسْلِمُونَ الْمُشْرِكِينَ رَهْنًا مِنْ الرِّجَالِ الْأَحْرَارِ، وَأَخَذُوا مِنْهُمْ رَهْنًا مِنْ جَوْهَرٍ، أَوْ لُؤْلُؤٍ، أَوْ عَبِيدٍ، فَاشْتَرَطُوا عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ إنْ غَدَرُوا فَمَا أَخَذَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ مِنْ مَالٍ فَهُوَ لِلْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ غَدَرُوا، فَإِنَّ الْمَالَ لَا يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَكِنْ","vol":"1","page":1778},{"text":"يَكُونُ مَوْقُوفًا فِي بَيْتِ الْمَالِ لَهُمْ، إلَى أَنْ يُسْلِمُوا، أَوْ يُرْضُونَا فِي رَهْنِنَا بِمَا نَرْضَى بِهِ.؛ لِأَنَّ هَذَا شَرْطٌ بَاطِلٌ قَدْ ثَبَتَ بُطْلَانُهُ بِالنَّصِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ - ﵌ -: «لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ» . فَإِنَّ تَفْسِيرَ هَذَا اللَّفْظِ عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ أَنْ يَقُولَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ: إنْ جِئْتُك بِمَالِك إلَى وَقْتِ كَذَا وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَك بِمَالِك. فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَكُونُ عِوَضًا عَنْ مَالٍ فَفِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَكُونُ عِوَضًا عَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ أَصْلًا أَحْرَى أَلَّا يَجُوزَ، وَهَذَا لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْلِيقِ سَبَبِ الْمِلْكِ بِالْخَطَرِ، وَأَسْبَابُ مِلْكِ الْأَعْيَانِ لَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالْخَطَرِ، فَإِذَا تَبَيَّنَّ بُطْلَانُ هَذَا الشَّرْطِ كَانَ ذِكْرُهُ وَالسُّكُوتُ عَنْهُ سَوَاءً، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":1779},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>[بَابُ الشُّرُوطِ فِي الْمُوَادَعَةِ وَغَيْرِهَا]</span>\n٣٥٥٥ - قَالَ: وَإِذَا تَوَادَعَ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ سِنِينَ مَعْلُومَةً فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَكْتُبُوا بِذَلِكَ كِتَابًا؛ لِأَنَّ هَذَا عَقْدٌ يَمْتَدُّ، وَالْكِتَابُ فِي مِثْلِهِ مَأْمُورٌ بِهِ شَرْعًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَأَدْنَى دَرَجَاتِ مُوجِبِ الْأَمْرِ النَّدْبُ، كَيْفَ وَقَدْ قَالَ فِي آخِرِ الْآيَةِ: ﴿إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ، فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ [البقرة: ٢٨٢] .\nفَفِي هَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَا يَكُونُ مُمْتَدًّا يَكُونُ الْجُنَاحُ فِي تَرْكِ الْكِتَابِ فِيهِ.\n٣٥٥٦ - ثُمَّ الْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -، «فَإِنَّهُ صَالَحَ أَهْلَ مَكَّةَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى أَنْ وَضَعَ الْحَرْبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ عَشْرَ سِنِينَ، وَأَمَرَ بِأَنْ يُكْتَبَ بِذَلِكَ نُسْخَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا تَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -، وَالْأُخْرَى عِنْدَ أَهْلِ مَكَّةَ، وَكَانَ عَلِيٌّ - ﵁ - هُوَ الَّذِي","vol":"1","page":1780},{"text":"يَكْتُبُ، فَلَمَّا كَتَبَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو: لَا نَدْرِي مَا الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ؟ اُكْتُبْ: بِاسْمِك اللَّهُمَّ، ثُمَّ كَتَبَ: هَذَا مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو: لَوْ عَرَفْنَاك رَسُولَ اللَّهِ مَا قَاتَلْنَاك، أَوَ تَرْغَبُ عَنْ اسْمِ أَبِيك؟ اُكْتُبْ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أَنْ يَمْحُوَ مَا كَتَبَ، فَأَبَى عَلِيٌّ ذَلِكَ حَتَّى مَحَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، بِيَدِهِ. وَقَالَ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، اُكْتُبْ: هَذَا مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ، وَأَمْلَى عَلَيْهِ الْكِتَابَ إلَى آخِرِهِ، وَأَمَرَهُ بِأَنْ يَكْتُبَ بِذَلِكَ نُسْخَتَيْنِ» فَصَارَ هَذَا أَصْلًا فِي هَذَا الْبَابِ.\nوَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ يَحْتَاجُ إلَى نُسْخَةٍ تَكُونُ فِي يَدِهِ، حَتَّى إذَا نَازَعَهُ الْفَرِيقُ الْآخَرُ فِي شَرْطٍ رَجَعَ إلَى مَا فِي يَدِهِ، وَاحْتَجَّ بِهِ عَلَى الْفَرِيقِ الْآخَرِ، ثُمَّ الْمَقْصُودُ بِهِ التَّوَثُّقُ وَالِاحْتِيَاطُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكْتُبَ عَلَى أَحْوَطِ الْوُجُوهِ، وَيَتَحَرَّزُ فِيهِ مِنْ طَعْنِ كُلِّ طَاعِنٍ، إلَيْهِ وَقَعَتْ الْإِشَارَةُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا عَلَّمَهُ اللَّهُ يَكُونُ صَوَابًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكْتُبَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ فِيهِ طَعْنٌ، ثُمَّ بَدَأَ الْكِتَابَ فَقَالَ: هَذَا مَا تَوَادَعَ عَلَيْهِ الْخَلِيفَةُ فُلَانٌ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، وَفُلَانٌ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ، وَأَبُو زَيْدٍ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ: فِي شُرُوطٍ الِاخْتِيَارُ عِنْدِي","vol":"1","page":1781},{"text":"أَنْ يَكْتُبَ هَذَا كِتَابٌ فِيهِ ذِكْرُ مَا تَوَادَعَ عَلَيْهِ لِيَكُونَ صَادِقًا حَقِيقَةً فَإِنَّ هَذَا إشَارَةٌ إلَى الْبَيَاضِ، وَالْبَيَاضُ لَا يَكُونُ مَا تَوَادَعَ عَلَيْهِ، بَلْ يَكُونُ فِيهِ ذِكْرُ مَا تَوَادَعَ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ مَا اخْتَارَهُ مُحَمَّدٌ - ﵀ - مُوَافِقٌ لِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -، فِي هَذَا الْبَابِ كَمَا رَوَيْنَا، وَكَذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْبَابِ، فَإِنَّهُ حِينَ «أَمَرَ بِكِتَابٍ فِي شِرَاءِ عَبْدٍ كَانَ صِفَتُهُ: هَذَا مَا اشْتَرَى مُحَمَّدٌ، رَسُولُ اللَّهِ، مِنْ الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدِ بْنِ هَوْذَةَ»، وَإِشَارَةُ الْكِتَابِ تَدُلُّ عَلَى هَذَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٥٣] . وَالْمُرَادُ الْوَعْدُ لِلْأَبْرَارِ وَالْوَعِيدُ لِلْفُجَّارِ، ثُمَّ لَمْ يَقُلْ هَذَا كِتَابٌ فِيهِ ذِكْرُ مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ.\n٣٥٥٧ - ثُمَّ قَالَ: تَوَادَعُوا كَذَا وَكَذَا سَنَةً، أَوَّلُهَا شَهْرُ كَذَا مِنْ سَنَةِ كَذَا، وَآخِرُهَا شَهْرُ كَذَا مِنْ سَنَةِ كَذَا.\nوَإِنَّمَا يَبْدَأُ بِذِكْرِ التَّارِيخِ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الْعَقْدِ الَّذِي يَجْرِي حُرْمَةُ الْقِتَالِ فِي مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ تِلْكَ الْمُدَّةِ وَآخِرُهَا مُوجِبًا مَعْلُومًا وَذَلِكَ بِبَيَانِ التَّارِيخِ.\nوَإِنَّمَا اخْتَارَ لَفْظَ الْمُوَادَعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُسَالَمَةَ وَلَا مُصَالَحَةَ حَقِيقَةً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَإِنَّمَا يَكُونُ بَيْنَهُمْ الْمُعَاهَدَةُ كَمَا قَالَ اللَّهُ ﷾.\n﴿إلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١] وَالْمُوَادَعَةُ هِيَ الْمُعَاهَدَةُ ثُمَّ ذَكَرَ مَا بِالْفَرِيقَيْنِ حَاجَةٌ إلَى ذِكْرِهِ فِي الْكِتَابِ إلَى أَنْ قَالَ\n٣٥٥٨ - وَجَعَلَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ لِصَاحِبِهِ بِالْوَفَاءِ بِجَمِيعِ","vol":"1","page":1782},{"text":"مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ عَهْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَمِيثَاقَهُ وَذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ وَذِمَّةَ الْمَسِيحِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَهَذَا اللَّفْظُ يَذْكُرُهُ فِي كُلِّ كِتَابٍ فِي هَذَا الْبَابِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا بَنَى عَلَيْهِ عَلَى مَا كَانَ حَالُ الْخَلِيفَةِ فِي وَقْتِهِ، وَإِنَّمَا كَانُوا يُقَاتِلُونَ الرُّومَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَأَعْظَمُ الْأَلْفَاظِ فِي بَابِ الْتِزَامِ الْعَهْدِ عِنْدَهُمْ هَذَا، فَلِهَذَا ذَكَرَهُ.\nفَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ جَوَّزَ كِتَابَةَ هَذَا اللَّفْظِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -: «وَإِنْ أَرَادُوكُمْ أَنْ تُعْطُوهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ فَلَا تُعْطُوهُمْ، وَلَكِنْ أَعْطَوْهُمْ ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ آبَائِكُمْ، فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ آبَائِكُمْ كَانَ أَهْوَنَ» .\nقُلْنَا. لَيْسَ مُرَادُ مُحَمَّدٍ - ﵀ - مِنْ اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ إعْطَاءَ ذِمَّةِ اللَّهِ وَذِمَّةِ الرَّسُولِ، فَذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ، وَلَكِنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا اللَّفْظِ تَأْكِيدُ الْمُوَادَعَةِ بِالْقَسَمِ بِعِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ قَالَ: «وَأَشَدُّ مَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عَهْدٍ، أَوْ ذِمَّةٍ، أَوْ مِيثَاقٍ» .\nفَالْمُرَادُ مِمَّا وَقَعَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا","vol":"1","page":1783},{"text":"الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ١٨٧] . وَفِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٨١] . وَالْمُرَادُ الْإِلْزَامُ عَلَى أَبْلَغِ الْوُجُوهِ، فَهَذَا مِثْلُهُ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ هَذَا بَيَانَ وُجُوهِ الْغَدْرِ، فَجَمِيعُ هَذِهِ الْأَيْمَانِ عَلَيْهِ، اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا رَاعٍ كَفِيلٌ، وَالذِّمَّةُ مِنْهُ بَرِيئَةٌ فَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ مُرَادَهُ مِمَّا سَبَقَ ذِكْرُ الْقَسَمِ.\nتَمَّ خَتَمَ الْكِتَابَ بِذِكْرِ التَّارِيخِ، وَقَدْ بَيَّنَ التَّارِيخَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ وَذَلِكَ كَافٍ، إلَّا أَنَّهُ أَعَادَهُ فِي آخِرِ الْكِتَابِ لِلتَّأْكِيدِ، فَلَيْسَ الْمَقْصُودُ إلَّا حُرْمَةُ الْقِتَالِ فِي مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، وَابْتِدَاؤُهَا مِنْ وَقْتِ تَمَامِ الْكِتَابِ وَالْإِشْهَادِ، فَلَوْ اكْتَفَى بِمَا ذَكَرَهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ رُبَّمَا يَدَّعِي أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ مُضِيَّ مُدَّةٍ بَيْنَ أَوَّلِ الْكِتَابِ وَآخِرِهِ يُعَارِضُ. وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ، فَلِهَذَا خَتَمَ الْكِتَابَ بِذِكْرِ التَّارِيخِ أَيْضًا، وَالْأَصْلُ فِي التَّارِيخِ مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، كَتَبَ إلَى عُمَّالِهِ، إذَا كَتَبْتُمْ إلَيَّ فَاذْكُرُوا التَّارِيخَ فِي الْكِتَابِ. ثُمَّ جَمَعَ الصَّحَابَةَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - وَشَاوَرَهُمْ فِي ابْتِدَاءِ مُدَّةِ التَّارِيخِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُجْعَلُ التَّارِيخُ مِنْ وَقْتِ مَوْلِدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -، فَكَأَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ بَعْضِ التَّشَبُّهِ بِالنَّصَارَى. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُجْعَلُ التَّارِيخُ مِنْ حِينِ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، فَكَأَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْمُصِيبَةِ لِلْمُسْلِمِينَ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -: «إنَّكُمْ لَنْ تُصَابُوا بِمِثْلِي» . فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ جَعَلُوا التَّارِيخَ مِنْ وَقْتِ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -، فَإِنَّ ظُهُورَ أَعْلَامِ الدِّينِ كَالْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ وَأَمْنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ إنَّمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَجَعَلُوا التَّارِيخَ مِنْ وَقْتِ الْهِجْرَةِ لِهَذَا.","vol":"1","page":1784},{"text":"فَإِنْ أَرَادَ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يُوَادِعُوهُمْ عَلَى أَلَّا يَرُدُّوا عَلَيْهِمْ مَنْ خَرَجَ مُسْلِمًا، كَتَبَ الْكَاتِبُ ذَلِكَ ذِكْرِ الْكَفِّ عَنْ الْقِتَالِ، وَعَلَى أَنَّ مَنْ خَرَجَ مِنْ أَهْلِ مَمْلَكَةِ فُلَانٍ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مِنْ رَجُلٍ، أَوْ امْرَأَةٍ مُسْلِمًا، أَوْ مُعَاهِدًا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْخَلِيفَةِ وَلَا عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ رَدُّهُ عَلَى فُلَانٍ.\nوَهَذَا حُكْمٌ ثَابِتٌ شَرْعًا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، وَلَكِنَّ الْقَوْمَ يُنْكِرُونَ هَذَا الْحُكْمَ، فَبِدُونِ هَذَا الشَّرْطِ يَعُدُّونَهُ غَدْرًا بِنَاءً عَلَى اعْتِقَادِهِمْ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكْتُبَ الْكِتَابَ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ حُجَّةً عَلَى الْخَصْمَيْنِ، وَلَا يَطْعَنُ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ الطَّاعِنِينَ.\nوَبَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الشَّرْطِ إنْ خَرَجَتْ امْرَأَةٌ ذَاتُ زَوْجٍ فَأَرَادَ زَوْجُهَا رَدَّهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَهَذَا مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إلَى الْكُفَّارِ، لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] .\nإلَّا أَنَّ الرَّدَّ كَانَ مَشْرُوطًا فِي الصُّلْحِ، الَّذِي جَرَى عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَلَمَّا انْتَسَخَ ذَلِكَ الْحُكْمُ بِنُزُولِ الْآيَةِ، أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِرَدِّ مَا أَعْطَاهَا الزَّوْجُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠] لِلْوَفَاءِ بِذَلِكَ الشَّرْطِ، فَأَمَّا الْمَشْرُوطُ الْآنَ لَا يُرَدُّ فَلَا يَجِبُ أَيْضًا رَدُّ شَيْءٍ مِمَّا آتَاهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا مَشْرُوطًا أَيْضًا لَا يَجِبُ رَدُّ شَيْءٍ،","vol":"1","page":1785},{"text":"لِأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ قَدْ انْتَسَخَ بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ.\n٣٥٦٠ - وَإِنْ خَرَجَ مِنْهُمْ عَبْدٌ مُسْلِمٌ، أَوْ أَمَةٌ مُسْلِمَةٌ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّ الْمُوَادِعِينَ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنِينَ يَجِبُ مُرَاعَاةُ حُرْمَةِ مَالِهِمْ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَوْ اسْتَوْلَوْا عَلَى أَمْوَالِهِمْ لَا يَمْلِكُونَهَا، فَكَذَلِكَ الْمُرَاغَمُ مِنْهُمْ لَا يَعْتِقُ، وَلَكِنْ يُبَاعُ وَيُدْفَعُ ثَمَنُهُ إلَى مَوْلَاهُ، بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنِ فِي دَارِنَا إنْ أَسْلَمَ عَبْدُهُ.\nوَقَالَ: عَلَى أَنَّ مَنْ خَرَجَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ مِنْ أَهْلِ ذِمَّتِهِمْ، إلَى فُلَانٍ الْمَلِكِ تَارِكًا لِدِينِ الْإِسْلَامِ، أَوْ لِذِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَعَلَى فُلَانٍ وَأَهْلِ مَمْلَكَتِهِ رَدُّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى يَرُدَّهُ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَهَذَا شَرْطٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُتْرَكَ ذِكْرُهُ فِي الْكِتَابِ.\n؛ لِأَنَّهُ إذَا أُخْرِجَ إلَيْنَا مِنْهُمْ مُسْلِمٌ، أَوْ ذِمِّيٌّ لَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَرُدَّهُ عَلَيْهِمْ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ يُطَالِبُونَنَا بِالْمُنَاصَفَةِ، وَيَقُولُونَ: كَمَا لَا تَرُدُّونَ أَنْتُمْ فَنَحْنُ لَا نَرُدُّ، وَبَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الشَّرْطِ تَنْقَطِعُ هَذِهِ الْمُحَاجَّةُ.\n٣٥٦١ - فَإِذَا امْتَنَعُوا مِنْ الرَّدِّ كَانَ ذَلِكَ نَقْضًا مِنْهُمْ لِلْعَهْدِ، وَيَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ الْقِتَالُ مَعَهُمْ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ.\n\nثُمَّ ذَكَرَ وَثِيقَةَ الْمُوَادَعَةِ بِعِوَضٍ وَهُوَ عَلَى قِيَاسِ مَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا زَادَ فِيهَا ذِكْرَ الْبَدَلِ، وَالْحَاصِلُ فِيهِ\n٣٥٦٢ - أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعْلِمَ الْبَدَلَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَبْقَى فِيهِ مُنَازَعَةٌ فِي الثَّانِي، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكْتُبَ عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَ فُلَانٌ الْمَلِكُ","vol":"1","page":1786},{"text":"وَأَهْلُ مَمْلَكَتِهِ إلَى فُلَانٍ الْخَلِيفَةِ، فِي كُلِّ سَنَةٍ، خَرَاجًا مَعْلُومًا كَذَا وَكَذَا دِينَارًا شَامِيَّةً ثِقَالًا، وَكَذَا وَكَذَا رَأْسًا جِيَادًا وَمِنْ النِّسَاءِ الْبَوَالِغِ كَذَا، وَمِنْ الرِّجَالِ كَذَا، وَمِنْ الْوَصَائِفِ اللَّاتِي لَمْ يَبْلُغْنَ كَذَا، وَمِنْ الْوُصَفَاءِ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا كَذَا، عَلَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ أَرِقَّائِهِمْ دُونَ أَحْرَارِهِمْ، وَعَلَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ ثِيَابِ البزيون فِي كُلِّ سَنَةٍ كَذَا ثَوْبًا جِيَادًا جُدُدًا طُولُ كُلِّ ثَوْبٍ مِنْهَا كَذَا ذِرَاعًا، وَعَرْضُ كُلِّ ثَوْبٍ كَذَا، وَمِنْهَا كَذَا ثَوْبًا أَحْمَرَ، وَمِنْهَا كَذَا أَبْيَضَ، وَمِنْهَا كَذَا أَصْفَرَ - وَعَلَى أَنْ يُؤَدُّوا فِي كُلِّ سَنَةٍ كَذَا؟ بِرْذَوْنًا جِيَادًا فَرِهَةً؛ مِنْ الْجِذَاعِ كَذَا وَمِنْ الشَّبَابِ كَذَا - وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمَالَ إنَّمَا يَلْتَزِمُونَهُ هَا هُنَا عِوَضًا عَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ، وَمِثْلُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّوَسُّعِ، فَلِهَذَا اكْتَفَى فِيهِ بِبَيَانِ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ، وَمِنْ الْأَوْصَافِ مَا يُمْكِنُ إعْلَامه مِنْ غَيْر حَرْج.\n٣٥٦٣ - فَإِنْ كَانَ الْمَالُ مُؤَجَّلًا مُنَجَّمًا فَيَنْبَغِي أَنْ يُبَيِّنَ فِي الْكِتَابِ عَدَدَ النُّجُومِ وَمُدَّةَ الْأَجَلِ، عَلَى مَا هُوَ الرَّسْمُ فِي بَابِ الْمُدَايَنَاتِ.\nثُمَّ بَيَّنَ وَثِيقَةَ الْمُوَادَعَةِ لِلرُّسُلِ إذَا أَرَادُوا أَنْ يَدْخُلُوا دَارَ الْإِسْلَامِ، وَالْحَاصِلُ فِيهِ","vol":"1","page":1787},{"text":"أَنَّ الرُّسُلَ آمِنُونَ وَإِنْ لَمْ يَسْتَأْمِنُوا.\nبَيَانُهُ فِيمَا رُوِيَ أَنَّ «رَسُولَ قَوْمٍ تَكَلَّمَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -، بِمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ فَقَالَ: لَوْلَا أَنَّك رَسُولٌ لَأَمَرْت بِقَتْلِك» . وَمَا زَالَ الرُّسُلُ آمَنِينَ حَتَّى يُبَلِّغُوا الرِّسَالَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ.\nلِأَنَّ مَا هُوَ مَقْصُودُ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ الصُّلْحِ وَالْقِتَالِ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالرُّسُلِ، وَمَا لَمْ يَكُونُوا آمَنِينَ لَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ أَدَاءِ الرِّسَالَةِ عَلَى وَجْهِهَا، فَكَانُوا آمَنِينَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ\n٣٥٦٤ - وَلَكِنْ إنْ شَرَطَ لَهُمْ ذَلِكَ وَكَتَبَ بِهِ وَثِيقَةً فَهُوَ أَحْوَطُ، فَإِنْ كَانَ مَعَ الرُّسُلِ أُسَرَاءُ جَاءُوا بِهِمْ لِلْمُفَادَاةِ فَشَرَطُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرُدُّوهُمْ إنْ لَمْ تَتَّفِقْ الْمُفَادَاةُ، فَهَذَا مِمَّا لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُصَالِحُوهُمْ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَكْتُبُوا بِهِ وَثِيقَةً.\nلِأَنَّهُمْ ظَالِمُونَ فِي حَبْسِ أَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا وَجْهَ لِرَدِّهِمْ إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ بَعْدَ تَمَكُّنِنَا مِنْ الِانْتِزَاعِ مِنْ أَيْدِيهِمْ.\n٣٥٦٥ - وَمَا يَتَعَذَّرُ الْوَفَاءُ بِهِ شَرْعًا لَا يَجُوزُ إعْطَاءُ الْعَهْدِ عَلَيْهِ، فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلْيَنْقُضُوا هَذَا الْعَهْدَ، وَلْيَأْخُذُوا مِنْهُمْ الْأُسَرَاءَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، سَوَاءٌ احْتَاجُوا إلَى قِتَالٍ عَلَى ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَحْتَاجُوا.\nلِأَنَّ هَذَا شَرْطٌ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الشَّرْعِ، وَقَدْ قَالَ - ﵌ -: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» . وَقَالَ: «رُدُّوا الْجَهَالَاتِ إلَى السُّنَّةِ» إلَّا أَنَّ الْأُسَرَاءَ إنْ كَانُوا عَبِيدًا فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَبِيعُوهُمْ، وَيَرُدُّوا عَلَيْهِمْ أَثْمَانَهُمْ","vol":"1","page":1788},{"text":"لِأَنَّهُمْ مَلَكُوهُمْ بِالْإِحْرَازِ وَقَدْ اسْتَفَادُوا الْأَمَانَ بِهَذَا الشَّرْطِ فِي مَالِيَّتِهِمْ، فَيَجِبُ مُرَاعَاتُهُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَذَلِكَ فِي رَدِّ الْمَالِيَّةِ عَلَيْهِمْ، بِطَرِيقِ الْبَيْعِ لَمَّا تَعَذَّرَ رَدُّ الْعَيْنِ عَلَيْهِمْ\n٣٥٦٦ - فَإِنْ وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: أَنَا رَسُولُ الْمَلِكِ دَخَلْت بِغَيْرِ أَمَانٍ، فَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالرِّسَالَةِ، أَوْ أَخْرَجَ كِتَابَ الْمَلِكِ مَعَهُ إلَى الْخَلِيفَةِ فَهُوَ آمِنٌ؛ لِأَنَّ مَا لَا يُمْكِنُ مِنْ الْوُقُوفِ فِيهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ يَجِبُ الْعَمَلُ فِيهِ بِغَالِبِ الرَّأْيِ.\nوَاَلَّذِي يَسْبِقُ إلَى وَهْمِ كُلِّ وَاحِدٍ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَنَّهُ رَسُولٌ، وَتَحْكِيمُ الْعَلَامَةِ فِي مِثْلِ هَذَا أَصْلٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة: ٤٦] .\nوَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣] فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ رَسُولٌ فَهُوَ فَيْءٌ.\nوَقَدْ بَيَّنَّا الْخِلَافَ فِي الْحَرْبِيِّ إذَا دَخَلَ دَارَنَا بِغَيْرِ أَمَانٍ، فَهَذَا قَدْ ثَبَتَ فِيهِ حَقُّ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ حَقُّ الْأَخْذِ، وَهُوَ بِمَا يَدَّعِي يُرِيدُ إبْطَالَ الْحَقِّ الثَّابِتِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ.\n٣٥٦٧ - فَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالرِّسَالَةِ فَمَرَّ عَلَى عَاشِرِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ مِنْهُ الْعُشْرَ بِمَنْزِلَةِ النَّفِيرِ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِينَ","vol":"1","page":1789},{"text":"وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَخْذَ مِنْهُمْ بِطَرِيقِ الْمُجَازَاةِ، عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ - ﵁ - لَمَّا أَمَرَ الْعُشَارَ بِأَخْذِ رُبْعِ الْعُشْرِ مِنْ تُجَّارِ الْمُسْلِمِينَ وَنِصْفِ الْعُشْرِ مِنْ تُجَّارِ أَهْلِ الذِّمَّةِ قَالَ: كَمْ يَأْخُذُ أَهْلُ الْحَرْبِ مِنْ تُجَّارِنَا قَالُوا: الْعُشْرَ، قَالَ: فَخُذُوا مِنْهُمْ الْعُشْرَ.\n٣٥٦٨ - وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ كَمْ يَأْخُذُونَ مِنْ تُجَّارِنَا فَنَحْنُ نَأْخُذُ مِنْهُمْ الْعُشْرَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْمَنِينَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَكَمَا أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ ضِعْفُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَكَذَلِكَ يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِ ضِعْفُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ\n٣٥٦٩ - فَإِنْ كَانُوا لَا يَأْخُذُونَ مِنْ تُجَّارِنَا شَيْئًا لَمْ نَأْخُذْ مِنْ تُجَّارِهِمْ أَيْضًا شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِطَرِيقِ الْمُجَازَاةِ.\n٣٥٧٠ - فَإِنْ شَرَطُوا فِي أَمَانِ الرُّسُلِ أَلَّا يَأْخُذَ عَاشِرُ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ شَيْئًا، فَإِنْ كَانُوا يُعَامِلُونَ رُسُلَنَا بِمِثْلِ هَذَا فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَشْتَرِطُوا لَهُمْ هَذَا وَيُوفُوا بِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا شَرْطٌ مُوَافِقٌ لِحُكْمِ الشَّرْعِ فَيَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ.\n٣٥٧١ - وَإِنْ كَانُوا يَشْتَرِطُونَ لِرُسُلِنَا مِثْلَ هَذَا ثُمَّ لَا يُوفُونَ بِهِ فَيَنْبَغِي لَنَا أَلَّا نَقْبَلَ هَذَا الشَّرْطَ لِرُسُلِهِمْ، فَإِنْ قَبِلْنَاهُ فَيَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَفِيَ لَهُمْ بِذَلِكَ","vol":"1","page":1790},{"text":"لِأَنَّهُ لَا رُخْصَةَ فِي غَدْرِ الْأَمَانِ وَمَا يَفْعَلُونَهُ بِرُسُلِنَا بَعْدَ الشَّرْطِ غَدْرٌ مِنْهُمْ، وَبِغَدْرِهِمْ لَا يُبَاحُ لَنَا أَنْ نَغْدِرَ بِهِمْ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَتَلُوا رَهْنَنَا، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَنَا أَنْ نَقْتُلَ رَهْنَهُمْ، وَقَدْ قَرَّرَنَا هَذَا.\n٣٥٧٢ - فَإِنْ حَاصَرَ الْمُسْلِمُونَ أَهْلَ حِصْنٍ، فَطَلَبُوا الْأَمَانَ، عَلَى أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ الثُّلُثُ مِمَّا فِي الْحِصْنِ، وَلَهُمْ الثُّلُثَانِ سِوَى بَنِي آدَمَ فَهَذَا جَائِزٌ؛ لِأَنَّ إعْطَاءَ الْأَمَانِ عَلَى بَدَلٍ مُسَمًّى مَعْلُومٍ جَائِزٌ، فَكَذَلِكَ عَلَى جُزْءٍ شَائِعٍ مِنْ مَالٍ مَعْلُومٍ، بِبَيَانِ مَحَلِّهِ، وَهُوَ مَا فِي الْحِصْنِ وَمَا يُحْرَزُ\n٣٥٧٣ -، فَإِذَا فَتَحُوا الْحِصْنَ عَلَى ذَلِكَ صَارَ الثُّلُثُ مِمَّا فِيهِ مُشَاعًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُقَسِّمَ مَا فِي الْحِصْنِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَهُمْ، فَيُجَزِّئُ ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ.\nوَالْحَاصِلُ فِيهِ أَنَّ الْقِسْمَةَ تُبْتَنَى عَلَى التَّسْوِيَةِ، قَالَ - ﵌ -: «خَيْرُ أُمَرَاءِ السَّرَايَا زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، أَقْسَمُهُ بِالسَّوِيَّةِ وَأَعْدَلُهُ فِي الرَّعِيَّةِ» . فَيُعْتَبَرُ فِيهَا الْمُعَادَلَةُ فِي الْمَنْفَعَةِ وَالْمَالِيَّةِ، فَإِنْ أَمْكَنَ تَحْصِيلُ ذَلِكَ بِقِسْمَةِ الْعَيْنِ فَهُوَ الْأَصْلُ فِيهَا، فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ بِأَنْ كَانَ شَيْئًا لَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ، إمَّا لِقِلَّتِهِ أَوْ لِاخْتِلَافِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَوَّمَ قِيمَةَ عَدْلٍ، ثُمَّ يَقُولَ الْإِمَامُ لِأَهْلِ الْحِصْنِ: إنْ شِئْتُمْ فَخُذُوهُ وَأَعْطَوْنَا ثُلُثَ قِيمَتِهِ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ، وَإِنْ شِئْتُمْ أَخَذْنَا ذَلِكَ وَأَعْطَيْنَاكُمْ ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ،","vol":"1","page":1791},{"text":"وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ أَنَّ «عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ كَانَ يَخْرُصُ النَّخِيلَ بِخَيْبَرَ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -، ثُمَّ كَانَ يَقُولُ لِلْيَهُودِ: إنْ شِئْتُمْ أَخَذْتُمْ وَلَنَا عِنْدَكُمْ الشَّطْرُ، وَإِنْ شِئْتُمْ أَخَذْنَا وَلَكُمْ عِنْدَنَا الشَّطْرُ، فَقَالُوا: بِهَذَا قَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، أَيْ بِالْعَدْلِ. فَعَرَفْنَا أَنَّ الْقِسْمَةَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ قِسْمَةٌ بِالْعَدْلِ، ثُمَّ بَعْدَ قِسْمَةِ الْعَيْنِ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُسْهِمَ عَلَى الْأَجْزَاءِ، هَكَذَا كَانَ يَفْعَلُهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - فِي قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ» . وَكَانَ إذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَصَارَ هَذَا أَصْلًا أَنَّ فِي كُلِّ مَا يَجُوزُ فِعْلُهُ بِغَيْرِ إقْرَاعٍ فَالْأَوْلَى لِلْإِمَامِ أَنْ يُقْرِعَ تَطْيِيبًا لِلْقُلُوبِ، وَنَفْيًا لِتُهْمَةِ الْمَيْلِ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنْ اعْتَبَرَ الْمُعَادَلَةَ بَيْنَ الْأَعْيَانِ بِالتَّقْوِيمِ فَذَلِكَ حَسَنٌ أَيْضًا.\nوَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْ جَانِبٍ بِرْذَوْنًا وَمِنْ جَانِبٍ لُؤْلُؤَةً فَيَجْعَلَ مَعَ الْبِرْذَوْنِ مِنْ الْمَتَاعِ مَا يُسَاوِي اللُّؤْلُؤَةَ، أَوْ مَعَ اللُّؤْلُؤَةِ مِنْ الْمَتَاعِ مَا يُسَاوِي الْبِرْذَوْنَ، إنْ كَانَ أَفْضَلَ، فَيَسْتَوِي الْأَجْزَاءُ الثَّلَاثَةُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.\nثُمَّ يُقْرِعُ بَيْنَهُمَا، فَالْجُزْءُ الَّذِي يَخْرُجُ بِالْقُرْعَةِ لِلْمُسْلِمِينَ يَأْخُذُهُ وَيُسَلِّمُ لَهُمْ مَا بَقِيَ، وَإِنْ شَرَطَ لِأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى الْآخَرِ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ بِقَدْرِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْمُعَادَلَةَ","vol":"1","page":1792},{"text":"فَذَلِكَ جَائِزٌ بِتَرَاضِي الْفَرِيقَيْنِ.\nفَأَمَّا بِدُونِ التَّرَاضِي لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، إلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ قِسْمَةِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ فِي هَذِهِ الْقِسْمَةِ مَعْنَى الْبَيْعِ، وَالتَّرَاضِي مُعْتَبَرٌ فِي الْبَيْعِ.\n٣٥٧٤ - وَإِنْ كَانُوا شَرَطُوا فِي الصُّلْحِ لِلْمُسْلِمِينَ ثُلُثَ مَا فِي الْحِصْنِ، لَمْ يَدْخُلْ فِي ذَلِكَ الْمَنَازِلِ وَالدُّورِ؛ لِأَنَّ مَا فِي الْحِصْنِ غَيْرُ الْحِصْنِ، وَالْمَنَازِلُ وَالدُّورُ مِنْ الْحِصْنِ لَا مِمَّا فِي الْحِصْنِ\n٣٥٧٥ - ثُمَّ لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُصَالِحُوهُمْ مِمَّا فِي الْحِصْنِ عَلَى الثُّلُثِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ مِمَّا فِي الْحِصْنِ أَنْفُسَهُمْ وَذَرَارِيِّهِمْ، وَقَدْ يَتَنَاوَلُهُمْ الْأَمَانُ، فَلَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَمَلَّكَ مِنْ رِقَابِهِمْ الثُّلُثَ بَعْدَ مَا تَنَاوَلَهُمْ الْأَمَانُ؛ وَلِأَنَّ صِفَةَ الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ لَا تَجْتَمِعُ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ، لِمَا بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ مِنْ التَّضَادِّ.\n٣٥٧٦ - وَلَكِنْ إنْ أَرَادُوا الصُّلْحَ عَلَى ثُلُثِ السَّبْيِ مِمَّا فِي الْحِصْنِ، فَلْيُصَالَحُوا عَلَى ذَلِكَ مَقْسُومًا، وَذَلِكَ بِأَنْ يُعْزَلَ الثُّلُثُ مِنْهُمْ قَبْلَ الْأَمَانِ، ثُمَّ يَقُولُوا نُصَالِحُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ، وَعَلَى ثُلُثِ مَا فِي الْحِصْنِ، سِوَى السَّبْيِ فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ. لِأَنَّ الْأَمَانَ لَا يَتَنَاوَلُ السَّبْيَ لِمَا جَعَلُوا بَدَلًا فِي الصُّلْحِ.\n٣٥٧٧ - وَإِنْ صُولِحُوا عَلَى ثُلُثِ مَا فِي الْحِصْنِ مِنْ أَرِقَّائِهِمْ","vol":"1","page":1793},{"text":"دُونَ أَحْرَارهمْ فَهُوَ جَائِزٌ، بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الْأَمْوَالِ سِوَى السَّبْيِ وَإِنْ صُولِحُوا عَلَى مِائَةِ رَأْسٍ مِنْهُمْ فَإِنْ كَانُوا يُعْطُونَ الْمِائَةَ الرَّأْسِ مِنْ أَرِقَّائِهِمْ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانُوا يُعْطُونَ ذَلِكَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ فَهَذَا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُمْ صَارُوا آمَنِينَ بِالصُّلْحِ، وَبِالْأَمَانِ تَتَأَكَّدُ حُرِّيَّتُهُمْ عَلَى وَجْهٍ لَا يَحْتَمِلُ الْإِبْطَالَ، وَلَا وَجْهَ لِتَمَلُّكِهِمْ بَعْدَ هَذَا بِالْأَخْذِ عَلَى وَجْهِ بَدَلِ الصُّلْحِ.\n٣٥٧٨ - فَإِنْ وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى الثُّلُثِ مِنْ السَّبْيِ، وَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ الْحِصْنَ عَلَى ذَلِكَ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْهُمْ شَيْئًا لِأَنَّ الْأَمَانَ يَتَنَاوَلُ بَعْضَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَالْأَمَانُ لَا يَحْتَمِلُ الْوَصْفَ بِالتَّجَزِّي فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ، فَإِذَا ثَبَتَ فِي الْبَعْضِ ثَبَتَ فِي الْكُلِّ.\n٣٥٧٩ - فَلَمَّا تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ الْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَخْرُجُوا عَنْهُمْ حَتَّى يَعُودُوا إلَى مَنْعَتِهِمْ فِي حِصْنِهِمْ، ثُمَّ يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ صَارُوا فِي أَمَانٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَجُوزُ قَتْلُهُمْ وَلَا اسْتِرْقَاقُهُمْ قَبْلَ النَّبْذِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ النَّبْذُ إلَّا بَعْدَ إعَادَتِهِمْ إلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ الْعِزِّ وَالْمَنْعَةِ، وَكُلُّ هَذَا لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الْغَدْرِ.\n٣٥٨٠ - وَإِنْ وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى ثُلُثِ مَا فِي الْحِصْنِ مِنْ السَّبْيِ","vol":"1","page":1794},{"text":"وَغَيْرِهِ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ، فَإِنْ رَضِيَ الْمُسْلِمُونَ بِأَلَّا يَعْرِضُوا لِلسَّبْيِ، وَيَأْخُذُوا الثُّلُثَ مِنْ سَائِرِ الْأَمْوَالِ فَذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ تَجْمَعُ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا وَمَا لَا يَصْلُحُ، وَالْحُكْمُ فِي مِثْلِهِ ثُبُوتُ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا دُونَ مَا لَا يَصْلُحُ\n٣٥٨١ - فَإِنْ قَالُوا لَا نَرْضَى بِهَذَا فَلَهُمْ ذَلِكَ، وَلَكِنْ لَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَرُدُّوا شَيْئًا مِمَّا فِي الْحِصْنِ مِنْ مَالٍ أَوْ سَبْيٍ، بَلْ يَخْرُجُوا عَنْهُمْ حَتَّى يَعُودُوا إلَى مَنْعَتِهِمْ، كَمَا كَانُوا ثُمَّ يُنْبَذُ إلَيْهِمْ، وَإِنْ قَالُوا نَأْخُذُ الثُّلُثَ سِوَى السَّبْيِ، ثُمَّ نَنْبِذُ إلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا أَخَذُوا الْمَالَ تَقَرَّرَ بِهِ أَمَانُهُمْ، فَلَا يَجُوزُ النَّبْذُ إلَيْهِمْ بِدُونِ رَدِّ الْمَالِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظَائِرُهُ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ كَيْفَ يَكْتُبُ الْوَثِيقَةَ فِي ذَلِكَ.\nفَالْحَاصِلُ أَنَّ الْوَثِيقَةَ إنَّمَا تُكْتَبُ لِلِاحْتِيَاطِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكْتُبَ عَلَى أَحْوَطِ الْوُجُوهِ، وَهِيَ حِكَايَةُ مَا جَرَى، فَيَنْبَغِي لِلْكَاتِبِ أَنْ يَكْتُبَ وَيُبَيِّنَ مَا جَرَى بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى أَبْلَغِ الْوُجُوهِ، وَبَعْدَ هَذَا الصُّلْحِ إنَّمَا يُسَلِّمُ لَهُمْ حِصَّتَهُمْ مِنْ الْأَمْوَالِ الَّتِي هِيَ فِي الْحِصْنِ، لَمْ يُحْرِزْهَا الْمُسْلِمُونَ بِالْعَسْكَرِ، فَأَمَّا مَا أَحْرَزُوهُ قَبْلَ هَذَا فَهُوَ سَالِمٌ لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ جُمْلَةِ مَا فِي الْحِصْنِ حِينَ وَقَعَ الصُّلْحُ.\n٣٥٨٢ - وَإِنْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ فِي شَيْءٍ مِنْ الرَّقِيقِ فَقَالَ أَهْلُ الْحِصْنِ: هَؤُلَاءِ أَحْرَارٌ مِنْ نِسَائِنَا","vol":"1","page":1795},{"text":"وَذَرَارِيّنَا، قَدْ تَنَاوَلَهُمْ الِاسْتِثْنَاءُ، وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: هَؤُلَاءِ مِنْ أَرِقَّائِكُمْ فَلَنَا مِنْهُمْ الثُّلُثُ، فَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الْمُشْرِكِينَ؛ لِأَنَّهُمْ يَتَمَسَّكُونَ بِالْأَصْلِ، وَالْأَصْلُ فِي النَّاسِ الْحُرِّيَّةُ، وَلِأَنَّ الْيَدَ لَهُمْ فِيمَا فِي حِصْنِهِمْ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ أَعْرَفُ بِحَالِ مَا فِي الْحِصْنِ\n٣٥٨٣ - فَإِنْ أَقَامَ الْمُسْلِمُونَ بَيِّنَةً عَلَى رِقِّ أُولَئِكَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَالثَّابِتُ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِاتِّفَاقِ الْخُصُومِ، وَهَذِهِ الْبَيِّنَةُ تَقُومُ عَلَيْهِمْ، فَلِهَذَا قُبِلَ شَهَادَةُ أَهْلِ الْحَرْبِ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ شَهِدَ الشُّهُودُ بِأَنَّهُمْ أَرِقَّاءُ لِهَذَا الرَّجُلِ بِعَيْنِهِ، فَقَالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ: لَيْسُوا بِأَرِقَّائِي وَلَكِنَّهُمْ أَحْرَارٌ فَقَدْ عَتَقُوا بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الثُّلُثَيْنِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَمْلُوكٌ لَهُ بِزَعْمِ الْمُسْلِمِينَ فَيَنْفُذُ إقْرَارُهُ فِيهِمْ بِالْحُرِّيَّةِ.\n٣٥٨٤ - ثُمَّ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا سِعَايَةَ عَلَيْهِمْ أَيْضًا لِأَنَّ الثُّلُثَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَيْءٌ غَيْرُ مُحْرَزٍ بِدَارِ الْإِسْلَامِ، وَالْغَنِيمَةُ قَبْلَ الْإِحْرَازِ لَا تُضْمَنُ بِالِاسْتِهْلَاكِ كَائِنًا مَنْ كَانَ الْمُسْتَهْلِكُ لَهَا\n٣٥٨٥ -. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ: هُمْ أَرِقَّائِي وَقَدْ أَعْتَقْتهمْ إلَّا أَنَّ لِلْمُسْلِمِينَ الْخِيَارَ إنْ شَاءُوا رَضُوا بِأَخْذِ الثُّلُثِ","vol":"1","page":1796},{"text":"مِمَّا سِوَى هَؤُلَاءِ وَإِتْمَامِ الصُّلْحِ، وَإِنْ شَاءُوا أَبَوْا ذَلِكَ، وَخَرَجُوا عَنْهُمْ، ثُمَّ يَنْبِذُونَ إلَيْهِمْ.\nلِأَنَّهُمْ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُمْ جَمِيعُ الْمَشْرُوطِ.\n٣٥٨٦ - فَإِنْ أَرَادُوا الرَّدَّ فَقَالَ أَهْلُ الْحِصْنِ: نَحْنُ نُعْطِيكُمْ قِيمَةَ ذَلِكَ الثُّلُثِ، فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَفُوا لَهُمْ بِصُلْحِهِمْ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ خَلْفٌ عَنْ الْعَيْنِ، وَتَسْلِيمُهَا عِنْدَ تَعَذُّرِ رَدِّ الْعَيْنِ كَتَسْلِيمِ الْعَيْنِ عِنْدَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ.\n٣٥٨٧ - وَمَا يَخُصُّ الْمُسْلِمِينَ مِنْ رَقِيقِ أَهْلِ الْحِصْنِ مِنْ الرِّجَالِ إذَا أَرَادَ الْأَمِيرُ قَتْلَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْأُسَرَاءِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُمْ؛ لِأَنَّ أُولَئِكَ لَمْ يَجْرِ فِيهِمْ الْقِسْمَةُ، وَهَؤُلَاءِ قَدْ جَرَى فِيهِمْ الْقِسْمَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْحِصْنِ.\nوَلِأَنَّهُمْ إنَّمَا يَأْخُذُونَ هَؤُلَاءِ بِطَرِيقِ الصُّلْحِ، فَبِنَفْسِ الْوُصُولِ إلَى الْمُسْلِمِينَ يَسْتَفِيدُونَ الْأَمْنَ مِنْ الْقَتْلِ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ بَاعَ الْإِمَامُ السَّبْيَ فِي دَارِ الْحَرْبِ.\n٣٥٨٨ - وَإِنْ طَلَبَ أَهْلُ الْحِصْنِ الصُّلْحَ عَلَى شَيْءٍ مَعْلُومٍ، عَلَى أَنْ يُخَلِّيَهُمْ مِنْ الْحِصْنِ حَتَّى يَبْلُغُوا مَأْمَنَهُمْ فَذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَ هَذَا بِهِمْ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ، فَمَعَ الْعِوَضِ أَوْلَى، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ كَيْفَ يَكْتُبُ وَثِيقَةَ هَذِهِ الْمُوَادَعَةِ، وَهُوَ قِيَاسُ","vol":"1","page":1797},{"text":"مَا سَبَقَ، إنَّمَا يَحْتَاجُ فِي هَذِهِ الْوَثِيقَةِ إلَى كِتَابَةِ هَذَا الشَّرْطِ خَاصَّةً، وَكَذَلِكَ فِي كُلِّ وَثِيقَةٍ فِيهَا مَقْصُودٌ، فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ ذَلِكَ الْمَقْصُودِ قَالَ: وَيَنْبَغِي لِلْكَاتِبِ أَنْ يَكْتُبَ ابْتِدَاءً عَلَى أَشَدِّ مَا يَكُونُ مِنْ الْأَشْيَاءِ، يَعْنِي عَلَى أَحْوَطِ الْوُجُوهِ، فَإِنْ كَرِهَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا أَلْقَوْهُ مِنْ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ إلْقَاءَ مَا يُرِيدُونَ إلْقَاءَهُ أَهْوَنُ عَلَيْهِمْ مِنْ زِيَادَةِ مَا يُرِيدُونَ زِيَادَتَهُ، وَلَعَلَّ أَهْلَ الْحَرْبِ لَا يَقْبَلُونَ إلَّا الْأَشَدَّ، فَلِهَذَا يَكْتُبُ فِي الِابْتِدَاءِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَإِنْ قَبِلُوا الْيَسِيرَ مِنْهُ أَلْقَى الْمُسْلِمُونَ مِنْهُ مَا أَحَبُّوا.\nقَالَ: وَأَكْرَهُ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُعْطُوا الْمُشْرِكِينَ ذِمَّةَ اللَّهِ تَعَالَى وَذِمَّةَ رَسُولِهِ، لِلْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ -، قَالَ: «فَإِنْ أَرَادُوكُمْ أَنْ تُعْطُوهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ فَلَا تُعْطُوهُمْ ذَلِكَ، وَلَكِنْ أَعْطَوْهُمْ ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ آبَائِكُمْ، فَإِنَّكُمْ إنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ آبَائِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ تَعَالَى، وَذِمَّةَ رَسُولِهِ»، إلَّا أَنَّ بِآخِرِ الْحَدِيثِ تَبَيَّنَ أَنَّ النَّهْيَ لَيْسَ لِحُرْمَةِ هَذَا الشَّرْطِ شَرْعًا، بَلْ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِمْ الْوَفَاءُ بِهِ، فَكَأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ النَّهْيِ عَنْ الْيَمِينِ عَلَى أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤]، وَذَلِكَ لَيْسَ بِحَرَامٍ، بَلْ النَّهْيُ لِتَوَهُّمِ الْخُلْفِ.\n٣٥٨٩ -","vol":"1","page":1798},{"text":"فَإِذَا أَبَى الْمُشْرِكُونَ أَنْ يَرْضَوْا إلَّا أَنْ يُعْطِيَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ تَعَالَى وَذِمَّةَ رَسُولِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْطِيَهُمْ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاجَةِ، ثُمَّ يَفِيَ لَهُمْ بِذَلِكَ، وَإِنْ دَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَى النَّقْضِ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ أَيْضًا، بِمَنْزِلَةِ الْيَمِينِ، عَلَى مَا قَالَ - ﵌ -: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» .\n٣٥٩٠ - وَإِنْ قَالَ أَهْلُ الْحِصْنِ: تُؤَمِّنُونَ مِنَّا كَذَا وَكَذَا إنْسَانًا، بِمَا لَهُمْ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَمْتِعَةِ، يَخْتَارُهُمْ الْبِطْرِيقُ فَذَلِكَ جَائِزٌ لِأَنَّ عَقْدَ الْأَمَانِ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّوَسُّعِ، وَفِيمَا يُبْنَى عَلَى الضِّيقِ يَجُوزُ شَرْطُ الْخِيَارِ لِإِنْسَانٍ بِعَيْنِهِ بِاعْتِبَارِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ، كَالْبَيْعِ فَفِيمَا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّوَسُّعِ أَوْلَى، ثُمَّ بَيَّنَ وَثِيقَةَ هَذِهِ الْمُوَادَعَةِ كَيْفَ تُكْتَبُ فَقَالَ فِيمَا بَيَّنَ.\n٣٥٩١ - عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ فُلَانٍ الْبِطْرِيقِ، فَإِنْ اتَّهَمَهُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ اسْتَحْلَفُوهُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الَّذِي يَعْلَمُ مِنْ السِّرِّ مَا يَعْلَمُ مِنْ الْعَلَانِيَةِ، يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ، الَّذِي أَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى - ﵇ -، وَجَعَلَهُ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَجَعَلَهُ وَأُمَّهُ آيَةً لِلْعَالَمَيْنِ.","vol":"1","page":1799},{"text":"أَنَّ الْأَمْرَ عَلَى مَا قَالَ، وَأَنَّهُ لَمْ يَزْدَدْ شَيْئًا، وَلَمْ يَأْخُذْ لِنَفْسِهِ شَيْئًا سِوَى الْمَشْرُوطِ؛ أَمَّا الِاسْتِحْلَافُ فَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِيمَا يُعَيِّنُ، وَالْمُتَّهَمُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَمِينًا شَرْعًا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ الْيَمِينِ، فَكَذَلِكَ إذَا صَارَ أَمِينًا شَرْعًا، ثُمَّ الْمَقْصُودُ بِالِاسْتِحْلَافِ النُّكُولُ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ هَذَا الْمَقْصُودُ إذَا غَلَّظَ عَلَيْهِ الْيَمِينَ وَلَا وَجْهَ لِلتَّغْلِيظِ بِالِاسْتِحْلَافِ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَنْبَغِي أَنْ يُغَلِّظَ فِي الِاسْتِحْلَافِ بِاَللَّهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ، وَيَكْتُبَ ذَلِكَ فِي الْوَثِيقَةِ، حَتَّى لَا يُنْسَبَ الْمُسْلِمُونَ إلَى الْغَدْرِ، إذَا عَرَضُوا عَلَيْهِ الْيَمِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.\nفَإِنْ فَتَحُوا الْحِصْنَ عَلَى هَذَا ثُمَّ قَالَ الْبِطْرِيقُ: أَنَا لَا أَخْتَارُ أَحَدًا مِنْهُمْ، أَوْ لَا أُوثِرَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي ذَلِكَ، أَوْ مَاتَ الْبِطْرِيقُ، أَوْ هَرَبَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَخْرُجُوا عَنْهُمْ ثُمَّ يَنْبِذُوا إلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الْأَمَانَ تَنَاوَلَ بَعْضَهُمْ بِيَقِينٍ، وَلَا يُعْرَفُونَ بِأَعْيَانِهِمْ، وَالْأَصْلُ أَنَّهُ مَتَى اخْتَلَطَ الْمُسْتَأْمَنُ بِغَيْرِ الْمُسْتَأْمِنِ لَمْ يَحِلَّ التَّعَرُّضُ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ، لِاجْتِمَاعِ مَعْنَى الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَعِنْدَ الِاجْتِمَاعِ يَغْلِبُ الْحَظْرُ\n٣٥٩٢ -. وَإِنْ حَضَرَ الْبِطْرِيقُ فَإِنْ اخْتَارَ مِنْ الْمَتَاعِ شَيْئًا كَثِيرًا فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، إنْ اتَّهَمَهُ الْمُسْلِمُونَ، وَصِفَةُ الْيَمِينِ كَمَا شُرِطَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ - ﵌ - «الشَّرْطُ","vol":"1","page":1800},{"text":"أَمْلَكُ» .\nثُمَّ إنْ وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ تَنَاوَلَهُمْ الْأَمَانُ مِمَّنْ يُعَيِّنُهُمْ الْبِطْرِيقُ مَعَ أَمْوَالِهِمْ فَالْمَالُ اسْمٌ لِكُلِّ مُتَمَوِّلٍ مُبْتَذَلٍ يُتَمَلَّكُ، وَذَلِكَ مَا يُدَّخَرُ لِوَقْتِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ الْمَالَ الْمُعَيَّنَ وَهَذَا يَكُونُ عَلَى جِنْسِ النُّقُودِ، الْمَضْرُوبُ وَالْمَصُوغُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، إلَّا مَا يَكُونُ مُمَوَّهًا بِالذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ، فَإِنَّ التَّمْوِيهَ لَوْنُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لَا عَيْنُهُمَا، وَهُوَ مُسْتَهْلَكٌ لَا يَتَخَلَّصُ، وَلِهَذَا لَا يَثْبُتُ بِاعْتِبَارِهِ حُكْمَ الرِّبَا، وَلَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ.\nوَكَذَلِكَ إنْ شَرَطُوا الْمَالَ الصَّامِتَ فَهُوَ وَاشْتِرَاطُ الْمَالِ الْعَيْنِ سَوَاءٌ.\nوَهَذَا بِخِلَافِ حُكْمِ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَةِ فَاسْمُ الْمَالِ عِنْدَ ذِكْرِ الصَّدَقَةِ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا مَالَ الزَّكَاةِ، يَعْنِي إذَا قَالَ: مَالِي صَدَقَةٌ، وَذَلِكَ اسْتِحْسَانٌ أَخَذْنَا بِهِ لِلتَّنْصِيصِ عَلَى إيجَابِ الصَّدَقَةِ وَلَا يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي الْأَمَانِ فَيُؤْخَذُ فِيهِ بِالْقِيَاسِ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيَّةِ بِثُلُثِ الْمَالِ، فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مُتَمَوِّلٍ صِفَتُهُ مَا ذَكَرْنَا.\n٣٥٩٣ - قَالَ: وَإِنْ كَانُوا اشْتَرَطُوا الْمَتَاعَ، وَالْمَتَاعُ مَا يُسْتَمْتَعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ مِنْ الثِّيَابِ وَالْأَوَانِي، فَلِهَذَا لَا يَدْخُلُ فِي الْمَتَاعِ الْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ","vol":"1","page":1801},{"text":"لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ بِهِ يَكُونُ بَعْدَ اسْتِهْلَاكِ الْعَيْنِ، فَلَا يَكُونُ الْمَتَاعُ إلَّا أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَالسَّرِيرُ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مِنْ جُمْلَةِ الْمَتَاعِ لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا فَأَمَّا الْجَوَاهِرُ وَاللَّآلِئُ فَلَيْسَ بِمَتَاعٍ؛ لِأَنَّ هَذَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الْحُلِيِّ، وَالْحُلِيُّ غَيْرُ الْمَتَاعِ.\nوَكَذَلِكَ مَا يَكُونُ مِنْ الْأَسْلِحَةِ فَهُوَ مِنْ الْمَتَاعِ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَمْتَعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ، وَلَيْسَ لَهُ اسْمٌ أَخَصُّ مِنْ اسْمِ الْمَتَاعِ، فَإِنَّ اسْمَ السِّلَاحِ لَيْسَ بِاسْمِ الْعَيْنِ، وَلَكِنَّ التَّسْمِيَةَ بِهِ بِاعْتِبَارِ صِفَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَالْخَاتَمُ لَيْسَ مِنْ الْمَتَاعِ.\nلِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْحُلِيِّ، فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ خَاتَمُ الْفِضَّةِ لَيْسَ مِنْ الْحُلِيِّ؟ قُلْنَا: مُرَادُهُ فِي حُكْمِ الِاسْتِعْمَالِ أَنَّهُ يَحِلُّ لِلذُّكُورِ لُبْسُهُ، فَأَمَّا فِي الْحَقِيقَةِ يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الْحُلِيِّ، كَمَا يَتَنَاوَلُ خَاتَمَ الذَّهَبِ، وَاسْمُ الْحُلِيِّ اسْمُ الْعَيْنِ، وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ اسْمِ الْمَتَاعِ، وَكُلُّ مَا تَنَاوَلَهُ هَذَا الِاسْمُ يَكُون دَاخِلًا فِي اسْمِ الْمَتَاعِ.\n٣٥٩٤ - وَإِنْ كَانُوا شَرَطُوا السِّلَاحَ فَالسِّلَاحُ كُلُّ مَا يُقَاتَلُ بِهِ؛ السَّيْفُ وَالْبَيْضَةُ وَالدِّرْعُ وَالتُّرْسُ وَالْقَوْسُ وَالنُّشَّابُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، مِمَّا يَكُونُ الْغَالِبُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمَالَ السِّلَاحِ، فَأَمَّا السِّكِّينُ فَهُوَ مِنْ الْمَتَاعِ لَا مِنْ السِّلَاحِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُسْتَمْتَعُ بِهِ فِي الْحَوَائِجِ سِوَى الْقِتَالِ","vol":"1","page":1802},{"text":"فَأَمَّا الْخَنْجَرُ وَالنَّيْزَكُ فَهُوَ مِنْ السِّلَاحِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ غَالِبًا إلَّا فِي الْقِتَالِ\n٣٥٩٥ -. وَالْجِبَابُ وَالْأَقْبِيَةُ الْمَحْشُوَّةُ وَأَقْبِيَةُ اللُّبُودِ مِنْ الْمَتَاعِ لَا مِنْ السِّلَاحِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهٍ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي الْحَرْبِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مِنْ السِّلَاحِ بِمَنْزِلَةِ الخفتانات.\nوَكَذَلِكَ أَقْبِيَةُ الدِّيبَاجِ وَالْحَرِيرِ مِنْ الْمَتَاعِ لَا مِنْ السِّلَاحِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَا يُلْبَسُ إلَّا فِي الْحَرْبِ وَالْأَعْلَامُ وَالطَّرَّادَاتُ وَالْجَوَاشِنِ مِنْ السِّلَاحِ.\nوَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ عُرْفُ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فِيمَا يُطْلِقُونَ عَلَيْهِ مِنْ الِاسْمِ، أَصْلُهُ مَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: إنَّ صَاحِبًا لَنَا أَوْجَبَ بَدَنَةً، أَفَتُجْزِئُهُ الْبَقَرَةُ؟ فَقَالَ: مِمَّ صَاحِبُكُمْ؟ فَقَالَ: مِنْ بَنِي رَبَاحٍ. فَقَالَ: وَمَتَى اقْتَنَتْ بَنُو رَبَاحٍ الْبَقَرَةَ؟ إنَّمَا وَهِمَ صَاحِبُكُمْ، الْإِبِلَ.\n٣٥٩٦ - فَإِنْ اشْتَرَطُوا الْكُرَاعَ مَعَ السِّلَاحِ فَالْكُرَاعُ اسْمُ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ، فَأَمَّا الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ فَلَيْسَ مِنْ الْكُرَاعِ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ لَهَا الْأَنْعَامُ.\nوَقَالَ ﷿: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ﴾ [النحل: ٥] . وَالْفِقْهُ فِيهِ أَنَّ الْكُرَاعَ مَا يَكُونُ لِمَنْفَعَةِ الرُّكُوبِ خَاصَّةً، وَذَلِكَ الْخَيْلُ وَالْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ","vol":"1","page":1803},{"text":"قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] . فَأَمَّا الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ فَقَدْ تَكُونُ لِلرُّكُوبِ وَالْحَمْلِ عَلَيْهَا وَقَدْ تَكُونُ لِلْأَكْلِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥]\n٣٥٩٧ - فَإِنْ اشْتَرَطُوا السِّلَاحَ وَالْخَيْلَ فَاسْمُ الْخَيْلِ يَتَنَاوَلُ الْعِرَابَ وَالْبَرَاذِينَ وَالْإِنَاثَ وَالذُّكُورَ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] .\nوَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ يُسْهَمُ لِلْعِرَابِ وَالْبَرَاذِينِ فِي الْغَنِيمَةِ دُونَ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ، اسْتِدْلَالًا بِهَذِهِ الْآيَةِ.\n\nوَإِنْ اشْتَرَطُوا الْمَاشِيَةَ لَمْ يَدْخُلْ فِي ذَلِكَ الْخَيْلُ وَالْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ. لِأَنَّ اسْمَ الْمَاشِيَةِ غَيْرُ اسْمِ الْكُرَاعِ، فَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ اسْمُ الْمَاشِيَةِ مَا لَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الْكُرَاعِ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، لِأَنَّهَا تُسَامُ غَالِبًا، وَأَصْحَابُ السَّوَائِمِ يُقَالُ لَهُمْ أَصْحَابُ الْمَوَاشِي.\n٣٥٩٨ - وَإِنْ اشْتَرَطُوا السِّلَاحَ فَكَانَ فِي بَعْضِ السِّلَاحِ فِضَّةٌ أَوْ ذَهَبٌ أَوْ جَوْهَرٌ فَذَلِكَ تَبَعٌ لِلسِّلَاحِ، فَالتَّبَعُ يُسْتَحَقُّ بِاسْتِحْقَاقِ الْأَصْلِ فَأَمَّا السُّرُوجُ وَاللُّجُمُ فَهِيَ مِنْ الْمَتَاعِ لَا مِنْ السِّلَاحِ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَمْتَعُ بِهَا مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ فِي غَيْرِ الْحَرْبِ عَادَةً، وَكَذَلِكَ الْأَكُفُّ وَالْجِلَالُ، وَأَمَّا التَّجَافِيفُ فَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَسْلِحَةِ لَا تُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي حَالَةِ الْحَرْبِ\n٣٥٩٩ -","vol":"1","page":1804},{"text":"وَلَوْ صَالَحُوا عَلَى أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ الصَّفْرَاءُ وَالْبَيْضَاءُ وَالْحَلْقَةُ فَاسْمُ الصَّفْرَاءِ وَالْبَيْضَاءِ يَتَنَاوَلُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، التِّبْرُ وَالْمَصُوغُ وَالْمَضْرُوبُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، بِمَنْزِلَةِ اسْمِ الْمَالِ الْعَيْنِ وَالصَّامِتِ، فَإِنْ كَانَ مَصُوغًا قَدْ رُكِّبَ فِيهِ جَوْهَرٌ فَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِينَ ذَلِكَ الْجَوْهَرُ؛ لِأَنَّ اسْمَ الصَّفْرَاءِ وَالْبَيْضَاءِ لَا يَتَنَاوَلُهُ، وَاسْتِحْقَاقُهُمْ بِاعْتِبَارِ هَذَا الِاسْمِ\n٣٦٠٠ - وَإِنْ كَانَ قَدَحًا مُضَبَّبًا بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَلِلْمُسْلِمِينَ مَا فِيهِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الصَّفْرَاءِ وَالْبَيْضَاءِ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَصْلُ الْقَدَحِ\n٣٦٠١ - فَإِنْ كَانَ نَزْعُ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ بِالْقَدَحِ نُزِعَ، وَإِنْ كَانَ يَضُرُّ بِالْقَدَحِ فَالْخِيَارُ لَهُمْ إنْ شَاءُوا رَضُوا بِالنَّزْعِ، وَإِنْ شَاءُوا أَعْطَوْا الْمُسْلِمِينَ قِيمَةَ الذَّهَبِ مَصُوغًا مِنْ الدَّرَاهِمِ، وَقِيمَةَ الْفِضَّةِ مَصُوغَةً مِنْ الدَّنَانِيرِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ لَهُمْ.\n٣٦٠٢ - وَخِيَارُ التَّمَلُّكِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى دَفْعِ الضَّرَرِ يَثْبُتُ لِصَاحِبِ الْأَصْلِ، إلَّا أَنَّ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى التَّقْوِيمِ يُقَوَّمُ بِخِلَافِ الْجِنْسِ.","vol":"1","page":1805},{"text":"لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لِلصَّنْعَةِ وَالْجَوْدَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِالْجِنْسِ.\nفَأَمَّا الْحَلْقَةُ فَهِيَ اسْمٌ لِلسِّلَاحِ.\nوَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ -، «صَالَحَ بَنِي النَّضِيرِ عَلَى أَنْ يُجْلِيَهُمْ، وَلَهُمْ مَا حَمَلَتْ الْإِبِلُ سِوَى الْحَلْقَةِ»، ثُمَّ أَخَذَ الْأَسْلِحَةَ مِنْهُمْ بِهَذَا الِاسْتِثْنَاءِ\n٣٦٠٣ - وَإِنْ صَالَحُوا عَلَى أَنْ يَتْرُكَ لَهُمْ الْمُسْلِمُونَ مَتَاعَ بُيُوتِهِمْ فَهَذَا عَلَى الْفِرَاشِ وَالْوَسَائِدِ وَالسُّتُورِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا يُبْتَذَلُ فِي الْبُيُوتِ مِنْ الْأَمْتِعَةِ، فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ ثِيَابٍ غَيْرِ مُقَطَّعَةٍ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَتَاعَ الْبَيْتِ اسْمٌ خَاصٌّ لِمَا هُوَ مُبْتَذَلٌ فِي الْبُيُوتِ اسْتِعْمَالًا، وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي الثِّيَابِ، الَّتِي هِيَ غَيْرُ مُقَطَّعَةٍ، وَمَلْبُوسُ بَنِي آدَمَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ لَيْسَ مِنْ مَتَاعِ الْبَيْتِ فِي شَيْءٍ\n٣٦٠٤ - وَإِنْ كَانَ الصُّلْحُ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ الثِّيَابُ فَذَلِكَ اسْمٌ لِمَلْبُوسِ بَنِي آدَمَ، مِمَّا يَكُونُ مِنْ الْكَتَّانِ وَالْقُطْنِ وَالصُّوفِ وَالْقَزِّ وَالْحَرِيرِ (أَلَا تَرَى) أَنَّ بَائِعَ هَذَا كُلِّهِ يُسَمَّى ثَوَّابًا.\n٣٦٠٥ - فَأَمَّا السُّتُورُ وَالْأَنْمَاطُ وَالْحِجَالُ فَهُوَ مِنْ مَتَاعِ الْبَيْتِ دُونَ الثِّيَابِ","vol":"1","page":1806},{"text":"لِأَنَّهَا لَا يَلْبَسُهَا النَّاسُ عَادَةً، وَإِنَّمَا يَسْتَمْتِعُونَ بِهَا فِي الْبُيُوتِ قَالَ: وَالْبَزُّ وَالثِّيَابُ الْمُتَّخَذَةُ مِنْ الْكَتَّانِ وَالْقُطْنِ خَاصَّةً.\nوَهَذَا بِنَاءً عَلَى عَادَتِهِمْ بِالْكُوفَةِ، فَإِنَّ الْبَزَّازَ فِيهِمْ مَنْ يَبِيعُ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ خَاصَّةً فَأَمَّا بَائِعُ الْخَزِّ والمرعزي وَالصُّوفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى بَزَّازًا، فَأَمَّا فِي دِيَارِنَا فَاسْمُ الْبَزِّ يَتَنَاوَلُ الثِّيَابَ الْمُتَّخَذَةَ مِنْ الْإِبْرَيْسَمِ، لِأَنَّ بَائِعَ ذَلِكَ يُسَمَّى بَزَّازًا فِينَا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ بِلَادٍ الْبَزُّ عِنْدَهُمْ الصُّوفُ أَوْ غَيْرُهُ فَيَكُونُ الصُّلْحُ عَلَى مَا هُوَ عِنْدَهُمْ.\nوَهَذَا الْأَصْلُ الَّذِي قُلْنَا إنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مَا يَتَعَارَفُهُ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ\n٣٦٠٦ - فَإِنْ شَرَطَ الْمَحْصُورُونَ فِي الْمُوَادَعَةِ الْأَمَانَ لِلْمُقَاتِلَةِ مِنْهُمْ، لَمْ يَسْلَمْ لَهُمْ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلَا مِنْ ذَرَارِيِّهِمْ وَلَا مِنْ نِسَائِهِمْ؛ لِأَنَّ الْمَحْصُورَ مَقْهُورٌ، فَمَقْصُودُهُ مِنْ هَذَا الشَّرْطِ تَحْصِيلُ النَّجَاةِ لِنَفْسِهِ، وَفِي مِثْلِهِ لَا يَتْبَعُهُ شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ إلَّا ثِيَابُ بَدَنِهِ، وَالطَّعَامُ الَّذِي يَأْكُلُهُ فِي الْحَالِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُسَلَّمُ لَهُ اسْتِحْسَانًا، لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ النَّجَاةُ لَهُ إلَّا بِهَذَا\n٣٦٠٧ - ثُمَّ الْمُقَاتِلَةُ كُلُّ مَنْ بَلَغَ مَبْلَغَ الرِّجَالِ، وَالْبُلُوغُ قَدْ يَكُونُ بِالْعَلَامَةِ كَالِاحْتِلَامِ وَالْإِحْبَالِ وَقَدْ يَكُونُ بِالسِّنِّ، وَفِيهِ خِلَافٌ مَعْرُوفٌ، فَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رِحْمهمَا اللَّه تَعَالَى","vol":"1","page":1807},{"text":"التَّقْدِيرُ فِيهِ بِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - ﵄ -، عَلَى مَا رَوَاهُ فِي الْكِتَابِ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ\n٣٦٠٨ - فَإِذَا عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَحْتَلِمْ، وَهُوَ ابْنُ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَهُوَ مِنْ الذُّرِّيَّةِ دُونَ الْمُقَاتِلَةِ، قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ، وَكَذَلِكَ النِّسَاءُ. لِأَنَّ الْمُقَاتِلَةَ مَنْ لَهُ بِنْيَةٌ صَالِحَةٌ لِلْقِتَالِ، إذَا أَرَادَ الْقِتَالَ، وَلَيْسَ لِلنِّسَاءِ وَالصِّغَارِ بِنْيَةٌ صَالِحَةٌ لِلْقِتَالِ، فَلَا يَكُونُونَ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ، وَإِنْ بَاشَرُوا قِتَالًا، بِخِلَافِ الْعَادَةِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ مَنْ لَا يُقَاتِلُ مِنْ الرِّجَالِ الْبَالِغِينَ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُقَاتِلَةِ، بِاعْتِبَارِ أَنَّ لَهُ بِنْيَةً صَالِحَةً لِلْقِتَالِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُبَاشِرُ الْقِتَالَ لِمَعْنًى\n٣٦٠٩ - وَذَوَوْا الْأَعْذَارِ مِنْ الْعُمْيَانِ وَالزَّمْنَى وَمَقْطُوعِي الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ إنْ كَانُوا يُبَاشِرُونَ الْقِتَالَ فَهُمْ مِنْ جُمْلَةِ الْمُقَاتِلَةِ، وَإِنْ كَانُوا لَا يُبَاشِرُونَ ذَلِكَ فَلَيْسُوا مِنْ الْمُقَاتِلَةِ؛ لِأَنَّهُ كَانَتْ لَهُمْ بِنْيَةٌ صَالِحَةٌ لِلْقِتَالِ، وَإِنَّمَا خَرَجُوا عَنْ ذَلِكَ بِحُلُولِ الْآفَةِ فَإِنْ لَمْ تُعْجِزْهُمْ الْآفَةُ عَنْ الْقِتَالِ كَانُوا مُقَاتِلَةً بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ.\nوَالْمَرِيضُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُقَاتِلَةِ؛ لِأَنَّ لَهُ بِنْيَةً صَالِحَةً لِلْقِتَالِ، وَمَا حَلَّ عَارِضٌ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ، فَلَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُقَاتِلُ فِي الْحَالِ، بِخِلَافِ الْعُمْيَانِ، فَإِنَّ مَا حَلَّ بِهِمْ لَيْسَ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ، فَإِذَا أَعْجَزَهُمْ عَنْ الْقِتَالِ خَرَجُوا مِنْ أَنْ يَكُونُوا مِنْ جُمْلَةِ الْمُقَاتِلَةِ.\n٣٦١٠ -","vol":"1","page":1808},{"text":"وَمَنْ كَانَ فِي الْحِصْنِ مِنْ الرِّجَالِ الزَّارِعِينَ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوا قَطُّ فَهُمْ مِنْ جُمْلَةِ الْمُقَاتِلَةِ؛ لِأَنَّ لَهُمْ بِنْيَةً صَالِحَةً لِلْقِتَالِ، فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ ذَكَرْتُمْ قَبْلَ هَذَا أَنَّ هَؤُلَاءِ بِمَنْزِلَةِ الْعُسَفَاءِ لَا يُقْتَلُونَ. قُلْنَا: قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هُنَاكَ لَا يُسْتَحَبُّ قَتْلُهُمْ، إذَا كَانَ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَهُمُّهُمْ أَمْرُ الْحَرْبِ أَصْلًا وَلَكِنْ مَعَ هَذَا يَجُوزُ قَتْلُهُمْ، لِكَوْنِهِمْ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ، وَتَأْوِيلُ هَذَا فِي قَوْمٍ مِنْ الزَّارِعِينَ يُكَثِّرُونَ سَوَادَ الْمُقَاتِلِينَ وَلِهَذَا كَانُوا مَعَهُمْ فِي الْحِصْنِ فَلِهَذَا جَعَلَهُمْ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ\n٣٦١١ - وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ الَّذِي لَا يُطِيقُ الْقِتَالَ وَلَا رَأْيَ لَهُ فِي الْحَرْبِ فَهُوَ لَيْسَ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ بِمَنْزِلَةِ الْأَعْمَى وَالْمُقْعَدِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ رَأْسَ الْحِصْنَ وَيَصْدُرُونَ عَنْ رَأْيِهِ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُقَاتِلَةِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُبَاشِرُ الْقِتَالَ، وَلِهَذَا جَازَ قَتْلُهُ إذَا أُسِرَ فَيَتَنَاوَلُهُ الْأَمَانُ أَيْضًا.\n\nوَأَمَّا الْعَبِيدُ فَفِي الْقِيَاسِ هُمْ لَيْسُوا مِنْ الْمُقَاتِلَةِ، وَهُمْ فَيْءٌ أَجْمَعُونَ إذَا وَقَعَ الْأَمَانُ لِلْمُقَاتِلَةِ لِأَنَّهُ لَا يُمْلَكُ مَا بِهِ يَكُونُ الْقِتَالُ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ:\n٣٦١٢ - إنْ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ يُقَاتِلُ مَعَ مَوْلَاهُ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُقَاتِلَةِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُقَاتِلُ مَعَ مَوْلَاهُ فَهُوَ لَيْسَ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ، فَكَانَ فَيْئًا وَهُوَ دَلِيلٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فِي","vol":"1","page":1809},{"text":"الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَأْذُونِ فِي الْقِتَالِ وَغَيْرِ الْمَأْذُونِ فِي صِحَّةِ الْأَمَانِ مِنْهُ، إلَّا أَنَّ مُحَمَّدًا يَقُولُ: صِحَّةُ الْأَمَانِ لَا يَعْتَمِدُ كَوْنُهُ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ، فَإِنَّ أَمَانَ الْمَرْأَةِ صَحِيحٌ، وَكَذَلِكَ أَمَانُ ذَوِي الْآفَاتِ صَحِيحٌ، وَلَيْسُوا مِنْ جُمْلَةِ الْمُقَاتِلَةِ، وَلَكِنَّ وَجْهَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمَمْلُوكَ لَهُ بِنْيَةٌ صَالِحَةٌ لِلْقِتَالِ، إلَّا أَنَّهُ وَقَعَتْ الْحَيْلُولَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِتَالِ بِاعْتِبَارِ الْمِلْكِ الثَّابِتِ فِيهِ لِغَيْرِهِ، فَتَنْعَدِمُ هَذِهِ الْحَيْلُولَةُ بِوُجُودِ الْإِذْنِ لَهُ فِي الْقِتَالِ حُكْمًا، فَقُلْنَا: إذَا كَانَ يُقَاتِلُ مَعَ مَوْلَاهُ فَهُوَ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ بِاعْتِبَارِ الْبِنْيَةِ الصَّالِحَةِ لِلْقِتَالِ، وَإِذَا كَانَ مِمَّنْ لَا يُقَاتِلُ مَعَ مَوْلَاهُ فَهُوَ لَيْسَ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ بِاعْتِبَارِ الْحَيْلُولَةِ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي يَمْلِكُ الْعَبِيدَ قَدْ جَعَلَهُمْ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِلْقِتَالِ فَهُمْ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ قَاتَلُوا أَوْ لَمْ يُقَاتِلُوا. قَالَ: (أَلَا تَرَى) أَنَّ عَامَّةَ عَجَمِ أَهْلِ خُرَاسَانَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ عَبِيدٌ لِمُلُوكِهِمْ يَبِيعُونَهُمْ وَيَحْكُمُونَ فِيهِمْ مَا شَاءُوا، وَبِهِمْ يُقَاتِلُونَ الْعَدُوَّ، فَمَنْ كَانَ مِنْ الْعَبِيدِ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَة فَهُوَ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ، قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ\n٣٦١٣ - وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ فِي بَعْضِ مَنْ فِي الْحِصْنِ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: هُمْ أَحْرَارٌ، وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: هُمْ عَبِيدٌ كَانُوا فِي خِدْمَةِ الْمَوَالِي، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْرِكِينَ لِتَمَسُّكِهِمْ بِالْأَصْلِ فَإِنْ قِيلَ: حَاجَتُهُمْ إلَى إثْبَاتِ الْأَمَانِ لَهُمْ وَالتَّمَسُّكِ بِالْأَصْلِ يَصْلُحُ حُجَّةً لِإِبْقَاءِ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ، لَا لِإِثْبَاتِ","vol":"1","page":1810},{"text":"اسْتِحْقَاقَ مَا لَمْ يُعْرَفْ. قُلْنَا: التَّمَسُّكُ بِالْأَصْلِ لَا يُثْبِتُ الْأَمَانَ لَهُمْ، وَإِنَّمَا يُثْبِتُ كَوْنَهُمْ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ، ثُمَّ ثُبُوتُ الْأَمَانِ لِلْمُقَاتِلَةِ بِالنَّصِّ لَا بِالظَّاهِرِ، وَإِنْ اتَّفَقَ الْقَوْمُ أَنَّهُمْ عَبِيدٌ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: كَانُوا يُقَاتِلُونَ مَعَنَا، وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: كَانُوا عَبِيدًا فِي خِدْمَةِ الْمُوَالَى، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ فَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِاتِّفَاقِهِمْ مَا يُوجِبُ الْحَيْلُولَةَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقِتَالِ، وَهُوَ الرِّقُّ، فَالظَّاهِرُ بَعْدَ ذَلِكَ إنَّمَا يَشْهَدُ لِلْمُسْلِمِينَ فَهُمْ فَيْءٌ، إلَّا أَنْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ عَلَى مَا قَالَ الْمُشْرِكُونَ.\nوَلَا يُقْبَلُ فِي ذَلِكَ إلَّا شَهَادَةُ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهَا تَقُومُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ\n٣٦١٤ - وَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْحِصْنِ الْغَالِبُ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ عَبِيدٌ لِلْمَلِكِ، وَهُمْ الَّذِينَ يَلُونَ الْقِتَالَ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَفِي الْقِيَاسِ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلِمِينَ، وَهُمْ فَيْءٌ لِمَا ذَكَرْنَا وَفِي الِاسْتِحْسَانِ هُمْ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ فَيَأْمَنُونَ حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ لِلْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمْ كَانُوا خَدَمًا لِمَوَالِيهِمْ وَيُقْبَلُ فِي ذَلِكَ شَهَادَةُ أَهْلِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّهَا تَقُومُ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ فِي هَذَا، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُمْ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ، وَالْبِنَاءُ عَلَى الظَّاهِرِ وَاجِبٌ فِيمَا لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ فِيهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، فَأَمَّا كُلُّ بَلَدٍ مِثْلِ","vol":"1","page":1811},{"text":"الرُّومِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّا يَكُونُ الْغَالِبُ فِيهِ أَنَّ الْأَحْرَارَ هُمْ الْمُقَاتِلَةُ، فَعَبِيدُهُمْ لَيْسُوا مِنْ الْمُقَاتِلَةِ حَتَّى يُعْلَمَ مِنْهُمْ الْقِتَالُ، لِلْبِنَاءِ عَلَى الظَّاهِرِ فِي كُلِّ فَصْلٍ\n٣٦١٥ - وَإِنْ وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى الْأَمَانِ لِلْمُقَاتِلَةِ وَذَرَارِيِّهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، ثُمَّ قَالَتْ الْمُقَاتِلَةُ لِجَيِّدِ الْمَتَاعِ وَخِيَارِ السَّبْيِ: هَذَا مَتَاعُنَا وَهَؤُلَاءِ ذَرَارِيّنَا، فَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُمْ مَعَ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا مِنْ جِهَتِهِمْ، وَيَتَعَذَّرُ عَلَيْهِمْ إثْبَاتُ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَيَجِبُ قَبُولُ قَوْلِهِمْ فِي ذَلِكَ، بِمَنْزِلَةِ مَا يُخْبِرُ بِهِ الْمَرْءُ عَنْ نَفْسِهِ مِمَّا يَكُونُ فِي بَاطِنِهِ، وَفِي أَمَانِ الْمُقَاتِلَةِ يَدْخُلُ الْجَرْحَى، وَإِنْ أَصَابَتْهُمْ الْجِرَاحَةُ فِي هَذَا الْقِتَالِ كَيْفَمَا كَانَتْ الْجِرَاحَاتُ، وَإِنْ كَانَتْ الْجِرَاحَاتُ إنَّمَا أَصَابَتْهُمْ قَبْلَ هَذَا فَإِنْ كَانَتْ تَحْتَمِلُ الْبُرْءَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ أَيْضًا، بِمَنْزِلَةِ الْمَرِيضِ الْمُشْرِفِ عَلَى الْهَلَاكِ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَحْتَمِلُ الْبُرْءَ مِنْ ذَلِكَ نَحْوَ قَطْعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ فَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا مِنْ الْمُقَاتِلَةِ، وَهُمْ فَيْءٌ، إلَّا أَنْ يَكُونُوا أَصْحَابَ رَأْيٍ يَصْدُرُ أَهْلُ الْحِصْنِ عَنْ رَأْيِهِمْ فِي الْقِتَالِ، فَلِهَذَا أَحْضَرُوهُمْ لِلْبَأْسِ، فَيَكُونُونَ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ حِينَئِذٍ\n٣٦١٦ - وَإِنْ قَالَ أَهْلُ الْحِصْنِ: آمِنُونَا عَلَى أَنْ نَخْتَارَ مِنْ السَّبْيِ كَذَا وَكَذَا رَأْسًا، فَإِذَا لَيْسَ فِي الْحِصْنِ سِوَى ذَلِكَ الْعَدَدِ فَهُمْ آمِنُونَ، سَوَاءٌ قَالُوا فِي الصُّلْحِ: وَلَكُمْ مَا بَقِيَ، أَوْ لَمْ يَقُولُوا؛ لِأَنَّ الْأَمَانَ لَهُمْ بِالتَّنْصِيصِ عَلَى الْعَدَدِ، فَكَانَ حَالُهُمْ كَحَالِ أَصْحَابِ الْفَرَائِضِ مَعَ الْعَصَبَاتِ، فَإِذَا لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ بَعْدَ حَقِّ أَصْحَابِ الْفَرَائِضِ فَلَا شَيْءَ","vol":"1","page":1812},{"text":"لِلْعَصَبَاتِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُمْ إذَا اشْتَرَطُوا الْأَمَانَ لِأَهْلِ بُيُوتِهِمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا فِي أَبْوَابِ الْأَمَانِ إلَّا أَنَّهُ قَالَ:\n٣٦١٧ - هَا هُنَا أَهْلُ بَيْتِ الرَّجُلِ مَنْ يَعُولُهُ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ فِي بَيْتِهِ، مِمَّنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ، وَمِمَّنْ لَا قَرَابَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ.\nوَفِيمَا سَبَقَ قَالَ: أَهْلُ بَيْتِهِ قَرَابَتُهُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ الَّذِينَ يُنَاسِبُونَهُ إلَى أَقْصَى أَبٍ يُعْرَفُونَ بِهِ.\nوَقَدْ ذَكَرْنَا هَا هُنَا أَيْضًا هَذَا التَّفْسِيرَ، فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْبَيْتِ الْمَذْكُورِ بَيْتَ السُّكْنَى فَكُلُّ مَنْ يَعُولُهُ فِي بَيْتِهِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ بَيْتَ النَّسَبِ فَكُلُّ مَنْ يُنَاسِبُهُ إلَى أَقْصَى أَبٍ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ مُرَادُهُ بِذَلِكَ دَخَلَ الْفَرِيقَانِ فِي الْأَمَانِ، لِأَنَّ بَابَ الْأَمَانِ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّوَسُّعِ، وَكُلُّ مَنْ تَرَدَّدَ حَالُهُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ آمِنًا أَوْ لَا يَكُونَ فَهُوَ آمِنٌ، لِتَغْلِيبِ الْحَظْرِ عَلَى الْإِبَاحَةِ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ عَلَى مَا عُرِفَ\n٣٦١٨ - وَإِنْ وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى الرِّجَالِ وَأَهْلَيْهِمْ) فَأَهْلُ الرَّجُلِ مَنْ يَعُولُهُ فِي بَيْتِهِ، وَهُوَ اسْتِحْسَانٌ، وَفِي الْقِيَاسِ أَهْلُهُ زَوْجَتُهُ خَاصَّةً، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا إلَّا أَنَّ فِي اسْمِ الْأَهْلِ لَا يَدْخُلُ غَيْرُ عِيَالِهِ بِخِلَافِ اسْمِ أَهْلِ الْبَيْتِ ثُمَّ بَيَّنَ مُفَادَاةَ الْأَسِيرِ بِالْأَسِيرِ وَطَرِيقَ كَتْبِهِ الْوَثِيقَةَ فِي ذَلِكَ\n٣٦١٩ -","vol":"1","page":1813},{"text":"وَإِذَا وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُمْ الْمُسْلِمُونَ مِائَةَ رَأْسٍ، وَيُعْطِيَ الْمُشْرِكُونَ الْمُسْلِمِينَ مِائَةَ رَأْسٍ أَيْضًا، فَإِنْ نَظَرَ الْمُسْلِمُونَ إلَى مَا فِي أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ مِنْ الْأُسَرَاءِ فَإِذَا هُمْ لَا يُتِمُّونَ مِائَةَ رَأْسٍ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَنْقُضُوا الصُّلْحَ، وَلَكِنَّهُمْ يُعْطُونَهُمْ مِنْ الْأُسَرَاءِ بِعَدَدِ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، قَلُّوا أَوْ كَثُرُوا؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ هَكَذَا جَرَى، وَالْبَعْضُ مُعْتَبَرٌ بِالْكُلِّ، وَلَا يُسْتَحَبُّ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَدَعُوا أَسِيرًا وَاحِدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَا يُفَادُونَهُ، وَإِنْ لَمْ يَجِدُوا غَيْرَهُ\n٣٦٢٠ - فَإِنْ خَبَّأَ الْمُشْرِكُونَ أَقْوِيَاءَ الْأُسَرَاءِ، وَأَظْهَرُوا الْمَشْيَخَةَ، وَأَهْلَ الزَّمَانَةِ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَمْتَنِعُوا مِنْ الْمُفَادَاةِ بِهِمْ.\nلِأَنَّ حُرْمَةَ هَؤُلَاءِ كَحُرْمَةِ الْأَقْوِيَاءِ، إذَا ظَهَرُوا، وَالْمُفَادَاةُ بِهِمْ لِحُرْمَةِ الْمُسْلِمِينَ.\n٣٦٢١ - إلَّا أَنْ يَرْجُوَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُمْ إذَا أَبَوْا عَلَيْهِمْ أَنْ يُفَادُوا الْمَشْيَخَةَ أَظْهَرُوا مَا كَتَمُوا مِنْ أُسَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَمْتَنِعُوا مِنْ الْمُفَادَاةِ بِمَا أَظْهَرُوا لِمَعْنَى النَّظَرِ، وَإِنْ أَبَوْا إظْهَارَ ذَلِكَ فَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُفَادِيَ مَا أَظْهَرُوا إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ تَوْهِينٌ بَيِّنٌ لِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ وَجُرْأَةٌ عَلَيْهِمْ فَحِينَئِذٍ لِلْإِمَامِ أَلَّا يُفَادِيهِمْ\nلِدَفْعِ الْمَذَلَّةِ\nعَنْ الْمُسْلِمِينَ","vol":"1","page":1814},{"text":"أَلَا تَرَى - أَنَّهُمْ لَوْ قَالُوا لَا نَفَادِي رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَا بِمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ الْوَاحِدُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا مِنْ مِائَةِ رَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَلَكِنْ لِدَفْعِ التَّوْهِينِ كَانَ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ\n٣٦٢٢ - فَإِنْ طَلَبَ الرُّسُلُ الْأَمَانَ لِأَنْفُسِهِمْ عَلَى أَهْلَيْهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ عَلَى أَنْ يُمَكِّنُونَا مِنْ الْحِصْنِ فَأَمَّنَّاهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَإِذَا هُمْ لَا أَهْلَ لَهُمْ وَلَا مَالَ، فَهُمْ آمِنُونَ خَاصَّةً دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ؛ لِأَنَّ إعْطَاءَ الْأَمَانِ يَكُونُ لِلْمَوْجُودِ دُونَ الْمَعْدُومِ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ فِي الْحِصْنِ شَيْءٌ لَهُمْ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَهْلِينَ فَالْأَمَانُ فِي أَنْفُسِهِمْ صَادَفَ الْمَوْجُودَ، وَفِيمَا سِوَى ذَلِكَ صَادَفَ الْمَعْدُومَ،\n٣٦٢٣ - وَإِنْ ادَّعَوْا جَمِيعَ مَا فِي الْحِصْنِ مِنْ الْأَمْوَالِ أَنَّهَا لَهُمْ وَحَلَفُوا عَلَى ذَلِكَ فَالْقَوْلُ لَهُمْ؛ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا مِنْ جِهَتِهِمْ،\n٣٦٢٤ - وَإِنْ أُمِّنُوا عَلَى ذَرَارِيِّهِمْ. قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا سَبَقَ أَنَّ اسْمَ الذُّرِّيَّةِ يَتَنَاوَلُ الْأَوْلَادَ وَأَوْلَادَ الْأَوْلَادِ، وَأَوْلَادُ الْبَنِينَ وَأَوْلَادُ الْبَنَاتِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ.\nأَلَا تَرَى - أَنَّ اللَّه تَعَالَى سَمَّى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا، مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ - ﵇ - وَاسْمُ النِّسَاءِ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا الْأَزْوَاجَ خَاصَّةً. قَالَ","vol":"1","page":1815},{"text":"اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] وَالْمُرَادُ الْأَزْوَاجُ خَاصَّةً\n٣٦٢٥ - وَالنَّسْلُ بِمَنْزِلَةِ الذُّرِّيَّةِ، فَأَمَّا اسْمُ الْأَوْلَادِ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا أَوْلَادَ الصُّلْبِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -؛ لِأَنَّ الِاسْمَ لَهُمْ حَقِيقَةٌ، وَلِأَوْلَادِ الْأَوْلَادِ مَجَازٌ، فَإِذَا صَارَتْ الْحَقِيقَةُ مُرَادًا [لَمْ يُطْلَقْ عَلَى الْمَجَازِ]، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِبَعْضِ مَنْ صَالَحَ وَلَدٌ لِصُلْبِهِ فَوَلَدُ بَنِيهِ يَدْخُلُونَ الْآنَ؛ لِأَنَّهُمْ أَوْلَادُهُ مَجَازًا، وَيَجِبُ الْعَمَلُ بِالْمَجَازِ إذَا تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِالْحَقِيقَةِ.\nفَأَمَّا وَلَدُ الْبَنَاتِ فَلَيْسُوا مِنْ وَلَدِهِ وَفِي هَذَا الْفَصْلِ رِوَايَتَانِ أَيْضًا، قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي أَبْوَابِ الْأَمَانِ وَاسْمُ الْبَنِينَ فِي الْأَمَانِ يَتَنَاوَلُ الْمُخْتَلَطِينَ.\nفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: وَفِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا الذُّكُورَ خَاصَّةً وَإِنَّمَا أَرَادَ الْقِيَاسَ عَلَى الْوَصِيَّةِ لِبَنِي فُلَانٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي أَبْوَابِ الْأَمَانِ أَنَّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَقَوْلِ مُحَمَّدٍ - ﵀ - فِي الْأَمَانِ اسْتِحْسَانًا، لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّوَسُّعِ، وَلَيْسَ فِي إدْخَالِ الْأُنْثَى مَعَ الذَّكَرِ فِيهِ بَخْسٌ لِحَقِّ الذَّكَرِ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ","vol":"1","page":1816},{"text":"وَفِي اسْمِ الْوَلَدِ يَدْخُلُ الْبَنُونَ وَالْبَنَاتُ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِكُلِّ مَنْ يُنْسَبُ إلَيْهِ بِالْوِلَادَةِ.\n٣٦٢٦ - وَإِذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُونَ أَرْضَ الْحَرْبِ بِغَيْرِ أَمَانٍ فَمَرُّوا بِكَنِيسَةٍ مِنْ كَنَائِسِهِمْ فَلَا بَأْسَ بِتَخْرِيبِهَا وَتَحْرِيقِهَا وَقَضَاءِ الْحَاجَةِ فِيهَا، وَكَذَلِكَ وَطْءُ الْجَوَارِي فِيهَا؛ لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ غَيْرِهِ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ، بَلْ هُوَ أَهْوَنُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْمَسَاكِنِ لِكَثْرَةِ مَا يُعْصَى اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهَذَا الْفَرْقَ بَيْنَ الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ وَبُيُوتِ النِّيرَانِ، وَبَيْنَ الْمَسَاجِدِ، فَإِنَّ الْمَسْجِدَ مُصَلًّى لِلْمُسْلِمِينَ، مَبْنِيٌّ لِإِقَامَةِ الطَّاعَاتِ فِيهِ، فَكَانَ مُحْرَزًا مِنْ حَقِّ الْعِبَادِ خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨] . بِمَنْزِلَةِ الْكَعْبَةِ، فَلِهَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلَ جُنُبٌ فِيهِ أَوْ يَطَأَ الرَّجُلُ فِيهِ امْرَأَتَهُ، أَوْ يَقْضِيَ فِيهِ حَاجَتَهُ مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ، فَأَمَّا هَذِهِ الْمَوَاضِعُ فَهِيَ مُعَدَّةٌ لِعِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهَا، فَكَانَ حُكْمُهَا وَحُكْمُ مَسَاكِنِهِمْ سَوَاءً\n٣٦٢٧ - فَإِنْ طَلَبَ حَرْبِيٌّ الْأَمَانَ لِأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَنَفْسِهِ عَلَى أَنْ يَدُلَّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَهْلِ قَرْيَةٍ فِيهَا أَهْلُهُ وَوَلَدُهُ فَذَلِكَ جَائِزٌ وَبَيَّنَ فِي الْكِتَابِ وَثِيقَةَ هَذِهِ الْمُوَادَعَةِ ثُمَّ قَالَ:\n٣٦٢٨ - فَإِذَا دَلَّهُمْ عَلَى قَرْيَةٍ فِيهَا سَبْيٌ قَلِيلٌ أَوْ كَثِيرٌ فَقَدْ","vol":"1","page":1817},{"text":"وَفَّى بِمَا قَالَ فَهُوَ آمِنٌ، لِأَنَّهُ أَتَى بِالْمَشْرُوطِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْقَرْيَةِ غَيْرُ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ فَهُوَ فَيْءٌ، وَأَهْلُهُ وَوَلَدُهُ لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَ بِالْعَقْدِ الدَّلَالَةَ عَلَى قَرْيَةٍ فِيهَا سَبْيٌ، وَأَهْلُهُ وَوَلَدُهُ فِيهِمْ، وَإِنَّمَا عَلَّقَ الْمُسْلِمُونَ الْأَمَانَ بِذَلِكَ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الدَّلَالَةُ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ لَمْ يُسْتَفَدْ الْأَمَانُ.\nوَكَذَلِكَ إنْ كَانَ فِيهِمْ وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ لِأَنَّ الشَّرْطَ أَنْ يَكُونَ فِي الْقَرْيَةِ سَبْيٌ سِوَى أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ، وَالسَّبْيُ اسْمُ جَمْعٍ، وَأَدْنَى الْجَمْعِ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ ثَلَاثَةٌ\n٣٦٢٩ - وَإِنْ قَالَ: قَدْ كَانَ فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ سَبْيٌ فَذَهَبُوا فَلَا أَمَانَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْأَمَانَ إنَّمَا عُلِّقَ بِدَلَالَتِهِ عَلَى قَرْيَةٍ فِيهَا سَبْيٌ، وَهَذِهِ قَرْيَةٌ لَا سَبْيَ فِيهَا الْآنَ؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ أَنْ يَتَمَكَّنَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَخْذِ السَّبْيِ بِدَلَالَتِهِ، وَبِاَلَّذِينَ كَانُوا فِيهَا فَذَهَبُوا قَبْلَ دَلَالَتِهِ لَا يَحْصُلُ هَذَا الْمَقْصُودُ\n٣٦٣٠ - وَإِنْ كَانُوا أَمَّنُوهُ حِينَ دَخَلَ الْعَسْكَرَ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: تُؤَمِّنُونِي عَلَى نَفْسِي وَأَهْلِي وَوَلَدِي عَلَى أَنْ أَدُلَّكُمْ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ، فَإِنْ لَمْ أُوَفِّ فَلَا أَمَانَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، ثُمَّ دَلَّهُمْ عَلَى قَرْيَةٍ لَيْسَ فِيهَا غَيْرُ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ، فَأَهْلُهُ وَوَلَدُهُ فَيْءٌ وَهُوَ آمِنٌ؛ لِأَنَّ أَمَانَهُ كَانَ ثَابِتًا قَبْلَ هَذَا الشَّرْطِ، فَأَمَّا أَمَانُ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ فَإِنَّمَا عَلَّقَهُ الْمُسْلِمُونَ بِدَلَالَتِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ، فَلَا أَمَانَ لَهُمْ، وَبَقِيَ أَمَانُهُ عَلَى مَا كَانَ مِنْ قَبْلُ، لِأَنَّهُ بَعْدَ مَا ثَبَتَ الْأَمَانُ لَهُ فَمَا لَمْ يَبْلُغْ مَأْمَنَهُ كَانَ آمِنًا، وَبِقَوْلِهِ فَلَا أَمَانَ","vol":"1","page":1818},{"text":"بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ لَا يُوجَدُ تَبْلِيغُهُ إلَى مَأْمَنِهِ، فَلَا يَبْطُلُ ذَلِكَ الْأَمَانُ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ هُنَاكَ الْأَمَانَ لَهُ مُعَلَّقٌ بِشَرْطِ الدَّلَالَةِ عَلَى قَرْيَةٍ فِيهَا سَبْيٌ، كَمَا لِأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ، فَإِذَا لَمْ يَدُلَّ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ آمِنًا\n٣٦٣١ - فَإِنْ كَانَ سَمَّى لِلْمُسْلِمِينَ عَدَدًا مِنْ السَّبْيِ يَدُلُّهُمْ عَلَى ذَلِكَ، عَلَى أَنْ يُؤَمِّنُوهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِنْ وَفَّى بِذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا أَمَانَ لَهُ، ثُمَّ إنْ دَلَّهُمْ عَلَى أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الْعَدَدِ فَهُوَ فَيْءٌ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ الَّذِي عَلَّقَ بِهِ أَمَانَهُ لَمْ يُوجَدْ\n٣٦٣٢ - وَفِي الْقِيَاسِ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَقْتُلُوهُ كَمَا قَبْلَ هَذَا الِاسْتِئْمَانِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَقْتُلُوهُ لِأَنَّهُ وَفَّى لَهُمْ بِبَعْضِ الْمَشْرُوطِ، وَلَوْ وَفَّى بِجَمِيعِ الْمَشْرُوطِ كَانَ آمِنًا مِنْ الْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ جَمِيعًا، فَوَفَاؤُهُ بِبَعْضِ الْمَشْرُوطِ يُورِثُ شُبْهَةً، وَالْقَتْلُ يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، وَهَذَا لِأَنَّ فِيمَا شُرِطَ عَلَيْهِ مَعْنَى الْعِوَضِ، بِاعْتِبَارِ الْمَنْفَعَةِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَمَعْنَى الشَّرْطِ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ، فَإِنْ اعْتَبَرْنَا مَعْنَى الشَّرْطِ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَقْتُلُوهُ، لِأَنَّ الشَّرْطَ يُقَابِلُ الْمَشْرُوطَ جُمْلَةً، وَإِنْ اعْتَبَرْنَا مَعْنَى الْعِوَضِ كَانَ هُوَ آمِنًا، فَفِيمَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ رَجَّحْنَا مَعْنَى الْعِوَضِ وَهُوَ الْقَتْلُ، وَفِيمَا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ رَجَّحْنَا اعْتِبَارَ مَعْنَى الشَّرْطِ فَجَازَ اسْتِرْقَاقُهُ. ثُمَّ بَيَّنَ الْوَثِيقَةَ فِي الْمُوَادَعَةِ الْمَشْرُوطَةِ فِيهَا الرَّهْنُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، أَوْ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، وَقَدْ اسْتَقْصَيْنَا بَيَانَ هَذِهِ الْفُصُولِ فِيمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":1819},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>[بَابٌ مِنْ نِكَاحِ أَهْلِ الْحَرْبِ مِمَّا لَا يَجُوزُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ]</span>\nِ ٣٦٣٣ - وَإِذَا أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ وَعِنْدَهُ أُخْتَانِ فَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَهُمَا فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ فَنِكَاحُهُمَا بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَهُمَا فِي عُقْدَتَيْنِ فَنِكَاحُ الْأُولَى مِنْهُمَا صَحِيحٌ، وَنِكَاحُ الثَّانِيَةِ بَاطِلٌ إذَا أَسْلَمَتَا مَعَهُ، فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَهُوَ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ وَقَتَادَةَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - سَوَاءٌ تَزَوَّجَهُمَا فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ فِي عُقْدَتَيْنِ فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ فَيَخْتَارُ أَيَّهمَا شَاءَ، وَيُفَارِقُ الْأُخْرَى\n٣٦٣٤ - وَلَوْ كَانَ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ ذِمِّيًّا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ أَسْلَمَ وَأَسْلَمَتَا مَعَهُ فَالْجَوَابُ كَمَا هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -؛ لِأَنَّ الذِّمِّيَّ مُلْتَزِمٌ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ، فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمُعَامَلَاتِ، وَحُرْمَةُ الْجَمْعِ مِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يَقَعْ أَصْلُ نِكَاحِهِمَا صَحِيحًا، إذَا كَانَ الْمُبَاشِرُ مُلْتَزِمًا لِحُكْمِ الْإِسْلَامِ، فَأَمَّا أَهْلُ الْحَرْبِ فَهُمْ غَيْرُ مُلْتَزِمِينَ حُكْمَ الْإِسْلَامِ","vol":"1","page":1820},{"text":"وَكَانَ أَصْلُ النِّكَاحِ مِنْهُمَا صَحِيحًا، بِاعْتِبَارِ قُصُورِ الْخِطَابِ بِتَحْرِيمِ الْجَمْعِ عَنْهُمْ، فَإِذَا اعْتَرَضَتْ الْحُرْمَةُ فِي الْبَعْضِ بَعْدَ صِحَّةِ النِّكَاحِ وَجَبَ التَّخْيِيرُ لَا التَّفْرِيقُ، بِمَنْزِلَةِ الْمُسْلِمِ يُطَلِّقُ إحْدَى نِسَائِهِ الْأَرْبَعِ ثَلَاثًا بِغَيْرِ عَيْنِهَا، وَعَلَى هَذَا قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -\n٣٦٣٥ -\nإذَا تَزَوَّجَ الذِّمِّيُّ امْرَأَةً بِغَيْرِ صَدَاقٍ ثُمَّ أَسْلَمَا فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا بِخِلَافِ الْحَرْبِيِّ وَقَدْ قَرَّرَ هَذَا الْكَلَامَ فِي الْكِتَابِ فَقَالَ:\n٣٦٣٦ - اخْتِصَاصُ الِابْتِغَاءِ بِالْمَالِ مِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ ثَابِتٌ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -، بِمَنْزِلَةِ حُرْمَةِ مَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ فَإِنَّهُ مِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ ثَابِتٌ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -، ثُمَّ لَا يَثْبُتُ أَحَدُ الْحُكْمَيْنِ فِي حَقِّ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ الْآخَرُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، قَالَا: وُجُوبُ الِاعْتِرَاضِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ بِسَبَبِ الْجَمْعِ، فَالْجَمْعُ حَصَلَ لَهُمَا جَمِيعًا، وَالِاسْتِدَامَةُ عَلَى مَا يُسْتَدَامُ كَالْإِنْشَاءِ، فَيُجْعَلُ فِي الْحُكْمِ كَأَنَّ الْعَقْدَ إنَّمَا وُجِدَ مِنْهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَهُمَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ بَطَلَ نِكَاحُهُمَا، وَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَهُمَا فِي عُقْدَتَيْنِ بَطَلَ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى الْأَرْبَعِ.\nأَلَا تَرَى - أَنَّ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ أَثْبَتْنَا الْجِزْيَةَ بِهَذَا الطَّرِيقِ، وَكَمَا أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ غَيْرُ مُلْتَزِمِينَ لِحُرْمَةِ الْجَمْعِ فَأَهْلُ الذِّمَّةِ غَيْرُ مُلْتَزِمِينَ لِذَلِكَ، وَلِهَذَا","vol":"1","page":1821},{"text":"لَا يَتَعَرَّضُ الْإِمَامُ لَهُمْ، إذَا فَعَلُوا ذَلِكَ قَبْلَ الْمُرَافَعَةِ إلَيْهِ؛ فَلِهَذَا سَوَّى أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَأَهْلِ الْحَرْبِ فِي النِّكَاحِ بِغَيْرِ صَدَاقٍ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ مُحَمَّدٌ، رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ، لِإِثْبَاتِ مَذْهَبِهِ بِآثَارٍ ذَكَرَهَا فِي الْكِتَابِ بِالْإِسْنَادِ.\n(فَمِنْهَا) حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، أَنَّ «غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ الثَّقَفِيَّ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﵌ -: اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا» . فَلَمَّا كَانَ زَمَنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ - طَلَّقَ نِسَاءَهُ وَقَسَّمَ مَالَهُ بَيْنَ بَنِيهِ، فَدَعَاهُ عُمَرُ - ﵁ - فَقَالَ: طَلَّقْت نِسَاءَك وَقَسَّمْت مَالَك بَيْنَ بِنَيْكِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: إنِّي لَأَرَى الشَّيْطَانَ فِيمَا يَسْتَرِقُ مِنْ السَّمْعِ سَمِعَ لِمَوْتِك فَقَذَفَهُ فِي نَفْسِك، فَلَعَلَّك أَلَّا تَمْكُثَ إلَّا قَلِيلًا. وَاَيْمُ اللَّهِ تَعَالَى إنْ لَمْ تُرَاجِعْ نِسَاءَك وَتَرْجِعْ فِي مَالِك، ثُمَّ مِتَّ لَأُوَرِّثَهُنَّ مِنْ مَالِك ثُمَّ لَأَمَرْتُ بِقَبْرِك أَنْ يُرْجَمَ كَمَا يُرْجَمُ قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ.\nقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أَظُنُّهُ فَعَلَ هَذَا فِي مَرَضِهِ.\n(وَرَوَى) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ أَبَا مَسْعُودِ بْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ الثَّقَفِيَّ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ ثَمَانِ نِسْوَةٍ، فَتَخَيَّرَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا. قَالَ مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي وَهْبٍ الْجَيَشَانِيِّ أَنَّ «الضَّحَّاكَ بْنَ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيَّ يَرْوِي عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَسْلَمْت وَعِنْدِي أُخْتَانِ، فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، أَنْ أُفَارِقَ إحْدَاهُمَا» قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَفَيْرُوزُ الدَّيْلَمِيُّ كَانَ مِنْ أَهْلِ فَارِسَ الَّذِينَ كَانُوا بِصَنْعَاءَ أَسْلَمَ فَحَسُنَ إسْلَامُهُ","vol":"1","page":1822},{"text":"٣٦٣٧ - قَالَ: الشَّيْخُ وَتَأْوِيلُ هَذِهِ الْآثَارِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَصْلَ هَذِهِ الْأَنْكِحَةِ كَانَتْ قَبْلَ نُزُولِ تَحْرِيمِ الْجَمْعِ، وَمِثْلُهُ لَا يُوجَدُ فِي زَمَانِنَا.\nوَالثَّانِي: أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: اخْتَرْ إحْدَاهُمَا أَوْ اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا بِتَجْدِيدِ الْعَقْدِ عَلَيْهِنَّ، لَا لِلْإِمْسَاكِ لِحُكْمِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْعَقْدِ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، قَائِلٌ بِهَذَا.\n\nثُمَّ ذَكَرَ إسْلَامَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَالْحَاصِلُ فِيهِ أَنَّهُ إنْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ وَالْمَرْأَةُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَهِيَ امْرَأَتُهُ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ بَيْنَهُمَا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ جَائِزٌ، فَالْبَقَاءُ أَجْوَزُ\n٣٦٣٨ - فَإِنْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ هِيَ الَّتِي أَسْلَمَتْ، فَإِنَّهُ يَتَوَقَّفُ وُقُوعُ الْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا عَلَى انْقِضَاءِ ثَلَاثِ حِيَضٍ؛ لِأَنَّ بَعْدَ صِحَّةِ النِّكَاحِ لَا بُدَّ مِنْ تَقْرِيرِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْفُرْقَةِ، وَإِسْلَامُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمَا لَا يَصْلُحُ لِذَلِكَ، فَهُوَ سَبَبٌ لِتَقْرِيرِ الْمِلْكِ، وَكُفْرُ مَنْ أَصَرَّ مِنْهُمَا كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ هَذَا أَوَّلًا، وَلَا أَثَرَ لَهُ فِي الْفُرْقَةِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ اسْتِدَامَةُ النِّكَاحِ بَيْنَهُمَا، فَقُلْنَا: بِأَنَّهُ يَتَوَقَّفُ وُقُوعُ الْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا عَلَى انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْعِدَّةِ، لِأَنَّ لِانْقِضَاءِ مُدَّةِ الْعِدَّةِ تَأْثِيرًا فِي الْفُرْقَةِ بَعْدَ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ، وَلَوْ كَانَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَكَانَ يُعْرَضُ الْإِسْلَامُ عَلَى الْمُصِرِّ مِنْهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ","vol":"1","page":1823},{"text":"وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا إنْ أَبِي الْإِسْلَامَ، فَإِذَا تَعَذَّرَ عَرْضُ الْإِسْلَامِ بِسَبَبِ انْقِطَاعِ وِلَايَةِ الْإِمَامِ عَنْهَا أَقَمْنَا ثَلَاثَ حَيْضَاتٍ مَقَامَ ثَلَاثِ عُرْضَاتٍ فِي ذَلِكَ\n٣٦٣٩ -، فَإِنْ خَرَجَ الَّذِي أَسْلَمَ مِنْهُمَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ انْقِضَاءِ ثَلَاثِ حِيَضٍ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَعِنْدَ أَهْلِ الْعِرَاقِ تَقَعُ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا بِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا؛ لِأَنَّ مَنْ فِي دَارِ الْحَرْبِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فِي حَقِّ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ كَالْمَيِّتِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]\n٣٦٤٠ - وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي رَدِّ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -، ابْنَتَهُ زَيْنَبَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -، عَلَى أَبِي الْعَاصِ، فَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ - ﵌ - رَدَّهَا عَلَيْهِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ، وَرَوَى عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ أَنَّهُ رَدَّهَا عَلَيْهِ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ كَانَ الرَّدُّ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ فَهُوَ حُجَّةٌ لَنَا، وَإِنْ كَانَ الرَّدُّ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ فَتَأْوِيلُهُ مَا قَالَهُ الزُّهْرِيُّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْفَرَائِضِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ سُورَةِ بَرَاءَةٌ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] .\nوَفِيمَا ذَكَرَ هَؤُلَاءِ بَيَانُ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مَنْسُوخٌ بِنُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ","vol":"1","page":1824},{"text":"وَأَنَّهُ لَا عِصْمَةَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بَعْدَ تَبَايُنِ الدَّارَيْنِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، وَاَلَّذِي يَقُولُهُ الزُّهْرِيُّ: إنَّ نِسَاءً مِنْ قُرَيْشٍ أَسْلَمْنَ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَهَرَبَ أَزْوَاجُهُنَّ ثُمَّ رَجَعُوا إلَى الْإِسْلَامِ، فَأَقَرَّهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، عِنْدَ أَزْوَاجِهِنَّ بِذَلِكَ النِّكَاحِ، عَلَى مَا يُرْوَى مِنْ حَدِيثِ أُمِّ حَكِيمٍ امْرَأَةِ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ، وَحَدِيثِ امْرَأَةِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، فَهَؤُلَاءِ قَوْمٌ قَدْ هَرَبُوا إلَى السَّاحِلِ، وَهِيَ مِنْ حُدُودِ مَكَّةَ، قَدْ صَارَتْ مَفْتُوحَةً بِفَتْحِ مَكَّةَ، فَلَمْ يُوجَدْ تَبَايُنُ الدَّارَيْنِ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ أَزْوَاجِهِنَّ وَاَلَّذِي يُرْوَى أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَسْلَمَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ فِي مُعَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -، وَزَوْجَتُهُ هِنْدُ مُشْرِكَةٌ بِمَكَّةَ، ثُمَّ أَسْلَمَتْ فَرَدَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ، فَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ أَنَّهُ مَتَى حَسُنَ إسْلَامُ أَبِي سُفْيَانَ؟ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ أَنَّهُ لَمْ يَحْسُنْ إسْلَامُهُ يَوْمَئِذٍ وَإِنَّمَا أَجَازَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، بِشَفَاعَةِ عَمِّهِ الْعَبَّاسِ - ﵁ -.\nأَلَا تَرَى - إلَى مَا رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ لِلْعَبَّاسِ - ﵁ -: إنَّ ابْنَ أَخِيك أَصْبَحَ فِي مُلْكٍ عَظِيمٍ، فَقَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ بِمُلْكٍ وَإِنَّمَا هُوَ نُبُوَّةٌ قَالَ: أَوَ ذَاكَ؟ وَمِثْلُ هَذَا لَا يَكُونُ كَلَامَ مَنْ حَسُنَ إسْلَامُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ - ﵄ -\n٣٦٤١ - أَنَّ «أُمَيْمَةَ بِنْتَ بِشْرٍ فَرَّتْ إلَى النَّبِيِّ - ﵌ -، وَهِيَ مُسْلِمَةٌ وَزَوْجُهَا كَافِرٌ مُقِيمٌ بِأَرْضِ الْكُفْرِ،","vol":"1","page":1825},{"text":"فَلَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا زَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - سُهَيْلَ بْنَ حُنَيْفٍ ثُمَّ قَدِمَ زَوْجُهَا بَعْدَ ذَلِكَ مُسْلِمًا فَلَمْ يَرُدَّهَا إلَيْهِ» وَفِي هَذَا دَلِيلُ أَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ بَيْنَهُمَا بِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ، وَبِهِ يَسْتَدِلُّ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى وُجُوبِ الْعِدَّةِ عَلَى الْمُهَاجِرَةِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا يَرَى عَلَى الْمُهَاجِرَةِ الْعِدَّةَ، وَجَعَلَهَا فِي ذَلِكَ كَالْمَسْبِيَّةِ، لِأَنَّ وُقُوعَ الْفُرْقَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ كَانَ بِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ حُكْمًا، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهَا اعْتَدَّتْ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -.\n\nوَذُكِرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ٣٦٤٢ - قَالَ إذَا لَحِقَتْ الْمَرْأَةُ بِأَرْضِ الْحَرْب فَلَا تَعْتَدَّ بِهَا فِي نِسَائِك وَبِهِ نَأْخُذُ فَنَقُولُ: إذَا لَحِقَتْ مُرْتَدَّةٌ عَنْ الْإِسْلَامِ، أَوْ كَانَتْ ذِمِّيَّةً فَلَحِقَتْ نَاقِضَةً لِلْعَهْدِ، فَقَدْ بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا لِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، حِينَ صَارَتْ حَرْبِيَّةً، وَلَكِنْ لَا عِدَّةَ لَهَا هَا هُنَا؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ مِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَالْحَرْبِيَّةُ لَا تُخَاطَبُ بِذَلِكَ، بِخِلَافِ الْمُهَاجِرَةِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ - وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، هُمَا سَوَاءٌ فِي حُكْمِ الْعِدَّةِ، إلَّا أَنَّ الْمُهَاجِرَةَ إذَا كَانَتْ حَامِلًا فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ مَا لَمْ تَضَعْ حَمْلَهَا، لَا لِوُجُوبِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا، وَلَكِنْ لِأَنَّ فِي بَطْنِهَا وَلَدًا ثَابِتَ النَّسَبِ، بِمَنْزِلَةِ أُمِّ الْوَلَدِ إذَا حَبِلَتْ مِنْ مَوْلَاهَا فَقَدْ رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهَا:","vol":"1","page":1826},{"text":"٣٦٤٣ - إنْ تَزَوَّجَتْ جَازَ النِّكَاحُ وَلَكِنْ لَا يَقْرَبُهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا، لَكَيْ لَا يَكُونَ سَاقِيًا مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ بِمَنْزِلَةِ الْمَسْبِيَّةِ إذَا كَانَتْ حَامِلًا فَتَزَوَّجَهَا مَوْلَاهَا.\n٣٦٤٤ - وَإِذَا تَزَوَّجَ الْحَرْبِيُّ فِي دَارِ الْحَرْبِ امْرَأَةً وَابْنَتَهَا فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ عُقْدَتَيْنِ ثُمَّ أَسْلَمُوا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ وَاحِدَةً مِنْهُمَا، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، إنْ كَانَ تَزَوَّجَهُمَا فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ فَنِكَاحُهُمَا فَاسِدٌ، وَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَهُمَا فِي عُقْدَتَيْنِ فَنِكَاحُ الثَّانِيَةِ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الِاعْتِرَاضِ لِمَعْنَى الْجَمْعِ هَا هُنَا بِمَنْزِلَةِ نِكَاحِ الْأُخْتَيْنِ، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - ﵀ - نِكَاحُ الِابْنَةِ صَحِيحٌ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَنِكَاحُ الْأُمِّ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ بِسَبَبِ الْجَمْعِ لَا تَثْبُتُ فِي حَقِّهِمْ عِنْدَهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، كَمَا فِي حَقِّ الْأُخْتَيْنِ، فَكَانَ نِكَاحُ الْبِنْتِ صَحِيحًا تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ\n٣٦٤٥ - وَبِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ الصَّحِيحِ عَلَى الِابْنَةِ تَحْرُمُ الْأُمُّ، وَبِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَى الْأُمِّ لَا تَحْرُمُ الِابْنَةُ، فَلِهَذَا صَحَّ نِكَاحُ الْبِنْتِ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَبَطَلَ نِكَاحُ الْأُمِّ وَهَذَا لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ نَظِيرُ حُرْمَةِ الرَّضَاعِ وَالنَّسَبِ، وَذَلِكَ يَثْبُتُ فِي دَارِ الْحَرْبِ عِنْدَ تَقَرُّرِ سَبَبِهِ، كَمَا يَثْبُتُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَهَذَا مِثْلُهُ\n٣٦٤٦ -، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهِمَا فَنِكَاحُهُمَا بَاطِلٌ عَلَى كُلِّ حَالٍّ بِالِاتِّفَاقِ","vol":"1","page":1827},{"text":"لِأَنَّ الدُّخُولَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا يُحَرِّمُ الْأُخْرَى، بِسَبَبِ الْمُصَاهَرَةِ عَلَى التَّأْبِيدِ\n٣٦٤٧ - وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِإِحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى فَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ كَانَ دَخَلَ بِالْأُمِّ بَعْدَ مَا تَزَوَّجَ الِابْنَةَ، فَنِكَاحُهُمَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ الصَّحِيحَ عَلَى الِابْنَةِ يُوجِبُ حُرْمَةَ الْأُمِّ، وَالدُّخُولَ بِالْأُمِّ يُوجِبُ حُرْمَةَ الْبِنْتِ\n٣٦٤٨ -، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالْأُمِّ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَ الِابْنَةَ فَنِكَاحُ الْأُمِّ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الدُّخُولَ بِهَا يُوجِبُ حُرْمَةَ الِابْنَةِ، ثُمَّ الْعَقْدُ عَلَى الِابْنَةِ بَعْدَ ذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَالْعَقْدُ الْفَاسِدُ عَلَى الِابْنَةِ لَا يُوجِبُ حُرْمَةَ الْأُمِّ\n٣٦٤٩ -، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالِابْنَةِ فَنِكَاحُهَا صَحِيحٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّ الْأُمِّ إلَّا مُجَرَّدُ الْعَقْدِ، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ حُرْمَةَ الِابْنَةِ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ كَانَ تَزَوَّجَهُمَا فِي عُقْدَةٍ فَنِكَاحُهُمَا بَاطِلٌ، ثُمَّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الَّتِي دَخَلَ بِهَا، أُمًّا كَانَتْ أَوْ بِنْتًا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْأُخْرَى لِأَنَّ الدُّخُولَ بِمَنْ دَخَلَ بِهَا مُحَرِّمٌ لِلْأُخْرَى أُمًّا كَانَتْ أَوْ ابْنَةً.\n٣٦٥٠ - وَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَهُمَا فِي عُقْدَتَيْنِ فَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَ الِابْنَةَ أَوَّلًا وَدَخَلَ بِهَا فَنِكَاحُهَا صَحِيحٌ وَنِكَاحُ الْأُمِّ بَاطِلٌ، لِأَجْلِ الْمُصَاهَرَةِ، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالْأُمِّ فَنِكَاحُهُمَا بَاطِلٌ، لِأَنَّ","vol":"1","page":1828},{"text":"الْعَقْدَ عَلَى الِابْنَةِ كَانَ صَحِيحًا، وَذَلِكَ يُوجِبُ حُرْمَةَ الْأُمِّ، وَقَدْ دَخَلَ بِالْأُمِّ، وَذَلِكَ يُوجِبُ حُرْمَةَ الِابْنَةِ. وَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَ الْأُمَّ أَوَّلًا فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَنِكَاحُهَا صَحِيحٌ، وَإِنْ دَخَلَ بِالِابْنَةِ بَطَلَ نِكَاحُهُمَا جَمِيعًا، لِأَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الِابْنَةِ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا لِمَعْنَى الْجَمْعِ، وَالدُّخُولُ بِالِابْنَةِ مُبْطِلٌ نِكَاحَ الْأُمِّ، ثُمَّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الِابْنَةَ دُونَ الْأُمِّ؛ لِأَنَّ الْمَوْجُودَ مِنْهُ فِي حَقِّ الْأُمِّ مُجَرَّدُ الْعَقْدِ، وَالْعَقْدُ عَلَى الْأُمِّ لَا يُوجِبُ حُرْمَةَ الِابْنَةِ، فَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا\n٣٦٥١ - قَالَ وَلَوْ تَزَوَّجَ الْحَرْبِيُّ أَمَةً وَحُرَّةً ثُمَّ أَسْلَمُوا جَازَ نِكَاحُهُمَا فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - ﵀ -؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَمَةِ وَالْحُرَّةِ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا فِي حَقِّهِمَا عِنْدَهُ، وَبَعْدَ الْإِسْلَامِ الْحَالُ حَالُ اسْتِدَامَةِ النِّكَاحِ، وَاسْتِدَامَةُ النِّكَاحِ عَلَى الْأَمَةِ وَالْحُرَّةِ مِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يُذْكَرْ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْهُ فِي هَذَا الْفَصْلِ وَقِيلَ: الْجَوَابُ هَكَذَا عَلَى قَوْلِهِ، لِأَنَّ حُكْمَ الْخِطَابِ إنَّمَا يَثْبُتُ فِي حَقِّهِمْ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَقِيلَ: بَلْ عِنْدَهُ يَبْطُلُ نِكَاحُ الْأَمَةِ، وَيُجْعَلُ كَالْمُجَدِّدِ لِلْعَقْدِ عَلَيْهِمَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ، كَمَا فِي حَقِّ الْأُخْتَيْنِ.\n٣٦٥٢ - قَالَ: وَإِذَا تَزَوَّجَ الْحَرْبِيُّ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ فِي عُقْدَةٍ أَوْ عُقْدَتَيْنِ، ثُمَّ سُبِيَ وَسُبِينَ مَعَهُ، فَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَخْتَارُ اثْنَتَيْنِ مِنْهُنَّ","vol":"1","page":1829},{"text":"لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى الثِّنْتَيْنِ فِي حَقِّ الْعَبْدِ بِمَنْزِلَةِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْأَرْبَعِ فِي حَقِّ الْحُرِّ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، يَبْطُلُ نِكَاحُهُنَّ جَمِيعًا هَا هُنَا، أَمَا إنَّهُ إنْ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ فَهُوَ غَيْرُ مُشْكِلٍ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ يَتَزَوَّجُ خَمْسَ نِسْوَةٍ فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ يُسْلِمُ وَيُسْلِمْنَ مَعَهُ، وَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عُقَدٍ مُتَفَرِّقَةٍ فَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا الْفَصْلِ وَبَيْنَ مَا إذَا أَسْلَمَ وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ أَنَّ هُنَاكَ نِكَاحَ مَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ مَا وَقَعَ صَحِيحًا بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ، فَإِذَا وَجَبَ الِاعْتِرَاضُ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ، يَتَعَيَّنُ الْفَسَادُ مَا لَمْ يَقَعْ صَحِيحًا بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَهَا هُنَا نِكَاحُ الْأَرْبَعِ وَقَعَ صَحِيحًا بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّهُ كَانَ حُرًّا حِينَ تَزَوَّجَهُنَّ فَلَمْ يَكُنْ الْبَعْضُ بِإِفْسَادِ نِكَاحِهَا بِأَوْلَى مِنْ الْبَعْضِ، فَلِهَذَا فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ\n٣٦٥٣ - وَلَوْ تَزَوَّجَ حَرْبِيٌّ رَضِيعَتَيْنِ ثُمَّ أَرْضَعَتْهُمَا امْرَأَةٌ ثُمَّ أَسْلَمُوا فَهَذَا وَمَا لَوْ كَانَتَا أُخْتَيْنِ حِينَ تَزَوَّجَهُمَا سَوَاءٌ، عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي بَيَّنَّا؛ لِأَنَّهُمَا صَارَتَا أُخْتَيْنِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ بِالرَّضَاعِ\n٣٦٥٤ - وَإِنْ كَانَتْ إنَّمَا أَرْضَعَتْهُمَا بَعْدَ مَا أَسْلَمُوا فَقَدْ فَسَدَ نِكَاحُهُمَا جَمِيعًا.\nوَبِهِ اسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، عَلَى مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، إلَّا أَنَّ مُحَمَّدًا يَقُولُ: لَمَّا أَسْلَمُوا قَبْلَ الْإِرْضَاعِ فَحَالُهُمْ وَحَالُ مَا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ حِينَ تَزَوَّجَهُمَا سَوَاءٌ، وَالْمُسْلِمُ إذَا تَزَوَّجَ رَضِيعَتَيْنِ ثُمَّ أَرْضَعَتْهُمَا امْرَأَةٌ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا، لِأَنَّ الْمُفْسِدَ وَهِيَ الْأُخْتِيَّةُ وُجِدَ فِيهِمَا جَمِيعًا بِخِلَافِ مَا سَبَقَ\n٣٦٥٥ -","vol":"1","page":1830},{"text":"وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ، وَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، ثُمَّ أَرْضَعَتْهُمَا امْرَأَةٌ وَلَوْ كَانَ تَزَوَّجَ الْحَرْبِيُّ كَبِيرَةً وَرَضِيعَةً، وَلِلْكَبِيرَةِ لَبَنٌ فَأَرْضَعَتْ الصَّغِيرَةَ ثُمَّ أَسْلَمُوا فَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - نِكَاحُهُمَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ صَارَ جَامِعًا بَيْنَهُمَا بَعْدَ مَا صَارَتَا أُمًّا وَابْنَةً، فَكَأَنَّهُ تَزَوَّجَهُمَا ابْتِدَاءً بَعْدَ الْإِرْضَاعِ، وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - ﵀ - نِكَاحُ الِابْنَةِ جَائِزٌ، لِأَنَّهُ وُجِدَ الْعَقْدُ الصَّحِيحُ عَلَى الِابْنَةِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ حُرْمَةَ الْأُمِّ، وَمُجَرَّدُ الْعَقْدِ عَلَى الْأُمِّ لَا يُوجِبُ حُرْمَةَ الْبِنْتِ.\n٣٦٥٦ - وَلَوْ كَانَ الْإِرْضَاعُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ بَطَلَ نِكَاحُهُمَا بِالِاتِّفَاقِ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ تَزَوَّجَهُمَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ ثُمَّ أَرْضَعَتْ الْكَبِيرَةُ الصَّغِيرَةَ فَقَدْ فَسَدَ نِكَاحُهُمَا؛ لِأَنَّ الْمُخَاطَبَ بِحُرْمَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُمِّ وَالْبِنْتِ الزَّوْجُ\n٣٦٥٧ - وَلَوْ كَانَتْ الْكَبِيرَةُ أَسْلَمَتْ وَحْدَهَا ثُمَّ أَرْضَعَتْ الصَّغِيرَةَ فَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - ﵀ - يَفْسُدُ نِكَاحُهَا، وَيَجُوزُ نِكَاحُ الْبِنْتِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ حَرْبِيٌّ حِينَ أَرْضَعَتْهَا، فَكَانَ هَذَا وَمَا لَوْ أَرْضَعَتْهَا قَبْلَ إسْلَامِهَا سَوَاءً\n٣٦٥٨ - وَلَوْ كَانَ الَّذِي أَسْلَمَ أَبُو الصَّغِيرَةِ ثُمَّ أَرْضَعَتْ الْكَبِيرَةُ الصَّغِيرَةَ) فَقَدْ فَسَدَ نِكَاحُهُمَا جَمِيعًا","vol":"1","page":1831},{"text":"أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، لَا إشْكَالَ، وَأَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ - ﵀ - فَلِأَنَّ الِابْنَةَ صَارَتْ مُسْلِمَةً بِإِسْلَامِ الْأَبِ، فَلَا يَجُوزُ نِكَاحُهَا مَعَ أُمِّهَا بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ، فَبَطَلَ نِكَاحُهَا لِهَذَا الْمَعْنَى، وَقَدْ بَطَلَ نِكَاحُ الْأُمِّ بِسَبَبِ الْعَقْدِ عَلَى الِابْنَةِ، فَلِهَذَا قَالَ: يَفْسُدُ نِكَاحُهُمَا جَمِيعًا.\nوَأَوْضَحَ هَذَا بِمَا لَوْ تَزَوَّجَ رَضِيعَةً ثُمَّ طَلَّقَهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَ كَبِيرَةً فَأَرْضَعَتْ الصَّغِيرَةَ، فَإِنَّ الْكَبِيرَةَ تَحْرُمُ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الصَّغِيرَةَ صَارَتْ ابْنَةً لَهَا، وَقَدْ كَانَتْ فِي نِكَاحِهِ فِي وَقْتٍ بِعَقْدٍ صَحِيحٍ، وَمُجَرَّدُ الْعَقْدِ عَلَى الِابْنَةِ يُوجِبُ حُرْمَةً مُؤَبَّدَةً فِي حَقِّ الْأُمِّ\n٣٦٥٩ - وَلَوْ أَنَّ زَوْجَيْنِ مُسْتَأْمَنَيْنِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَأَسْلَمَ الزَّوْجُ وَهِيَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَأَرَادَتْ الرُّجُوعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَكُنْ لَهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ بَعْدَ إسْلَامِ الزَّوْجِ النِّكَاحُ مُسْتَدَامٌ بَيْنَهُمَا، فَهِيَ مُسْتَأْمَنَةٌ تَحْتَ مُسْلِمٍ فَتَصِيرُ ذِمِّيَّةً لِأَنَّ الْمَرْأَةَ فِي الْمَقَامِ تَابِعَةٌ لِزَوْجِهَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ تَزَوَّجَتْ بِمُسْلِمٍ ابْتِدَاءً\n٣٦٦٠ - وَكَذَلِكَ إذَا صَارَ الزَّوْجُ ذِمِّيًّا؛ لِأَنَّ الذِّمِّيَّ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا كَالْمُسْلِمِ.\n٣٦٦١ - إنْ جَحَدَتْ أَنْ تَكُونَ امْرَأَتَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا، وَعَلَى الزَّوْجِ الْبَيِّنَةُ، وَلَا يُقْبَلُ عَلَيْهَا بِالنِّكَاحِ شَهَادَةُ أَهْلِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ فِي زَعْمِ الزَّوْجِ وَالشُّهُودِ أَنَّهَا ذِمِّيَّةٌ، وَشَهَادَةُ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى الذِّمِّيِّ لَا تَكُونُ حُجَّةً\n٣٦٦٢ -، وَلَوْ كَانَتْ أَنْكَرَتْ النِّكَاحَ، قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ الزَّوْجُ","vol":"1","page":1832},{"text":"أَوْ يَصِيرَ ذِمِّيًّا، لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي عَلَيْهِمَا بِشَيْءٍ، وَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمَا مُسْتَأْمَنَانِ فَلَا يَقْضِي الْقَاضِي بَيْنَ الْمُسْتَأْمَنِينَ بِحُقُوقِ مُعَامَلَةٍ جَرَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَلْتَزِمَا حُكْمَ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ إنَّمَا يَزْعُمُ أَنَّ النِّكَاحَ بَيْنَهُمَا كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَلِهَذَا لَا يَقْضِي بَيْنَهُمَا بِاعْتِبَارِ زَعْمِهِ\n٣٦٦٣ -، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ الْمَرْأَةُ كِتَابِيَّةً فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَعْرِضُ عَلَيْهَا الْإِسْلَامَ، فَإِنْ أَسْلَمَتْ وَإِلَّا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّهُمَا تَحْتَ وِلَايَتِهِ الْآنَ، فَيُمْكِنُ مِنْ عَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَى الَّذِي يَأْبَى مِنْهُمَا، وَبِنَاءُ التَّفْرِيقِ عَلَيْهِ ثُمَّ يَكُونُ لَهَا أَنْ تَرْجِعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ هَا هُنَا بَعْدَ إسْلَامِ الزَّوْجِ، فَإِنَّ ابْتِدَاءَ الْعَقْدِ بَيْنَهُمَا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ لَا يَجُوزُ فَلَا تَصِيرُ ذِمِّيَّةً، إلَّا أَنَّ الْعِدَّةَ تَلْزَمُهَا لِحَقِّ الزَّوْجِ الْمُسْلِمِ فَلَا تَتَمَكَّنُ مِنْ الْخُرُوجِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، لِأَنِّي لَا أَدْرِي لَعَلَّهَا حَامِلٌ وَوَلَدُهَا مُسْلِمٌ بِإِسْلَامِ أَبِيهِ، فَلِهَذَا لَا تَتَمَكَّنُ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ\n٣٦٦٤ - وَلَوْ لَمْ يُسْلِمْ زَوْجُهَا، وَلَكِنَّهُ صَارَ ذِمِّيًّا، فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَرْجِعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ بَيْنَهُمَا مُسْتَقِرٌّ هَا هُنَا، فَتَصِيرُ ذِمِّيَّةً تَبَعًا لِزَوْجِهَا\n٣٦٦٥ - وَلَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ هِيَ الَّتِي أَسْلَمَتْ فَإِنَّهُ يَعْرِضُ","vol":"1","page":1833},{"text":"الْإِسْلَامَ عَلَى الزَّوْجِ، وَيُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا إذَا أَبَى، وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ فِي الْمُقَامِ لَا يَتْبَعُ امْرَأَتَهُ.\n٣٦٦٦ - قَالَ: وَلَوْ ذَهَبَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ عَرْضِ الْقَاضِي عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ فَقَدْ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا بِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، وَهَذِهِ فُرْقَةٌ بِغَيْرِ طَلَاقٍ، وَالْمُرْتَدُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ يَعْتَمِدُ الْمِلَّةَ وَلَا مِلَّةَ لِلْمُرْتَدِّ، وَقَدْ قَرَّرَنَا هَذَا فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى فَصْلِ الْمُهَاجِرَةِ وَقَالَ:\n٣٦٦٧ - إذَا طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، وَهُوَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فَلِأَنَّهُ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، وَأَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَلِأَنَّهُ حَرْبِيٌّ، وَلَا عِصْمَةَ بَيْنَ الْحَرْبِيِّ وَالْمُسْلِمِ، وَفِي الْحُكْمِ بِوُقُوعِ طَلَاقِهِ عَلَيْهَا إثْبَاتُ مَعْنَى الْعِصْمَةِ بَيْنَهُمَا، وَلِهَذَا قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:\n٣٦٦٨ - وَلَوْ كَانَ أَسْلَمَ ثُمَّ طَلَّقَهَا وَقَعَ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا فِي عِدَّتِهِ، وَيَجُوزُ الْحُكْمُ بِالْعِصْمَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَقَاسَ هَذَا بِالْمُرْتَدِّ اللَّاحِقِ بِدَارِ الْحَرْبِ إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَتْ فِي عِدَّةٍ مِنْهُ، وَلَوْ رَجَعَ مُسْلِمًا، أَوْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ طَلَّقَهَا وَقَعَ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا فِي عِدَّتِهِ\n٣٦٦٩ -","vol":"1","page":1834},{"text":"وَلَوْ كَانَ الْحَرْبِيُّ دَخَلَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ، ثُمَّ طَلَّقَ الْمُهَاجِرَةَ الَّتِي تَعْتَدُّ مِنْهُ لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ حَرْبِيٌّ بَعْدُ فَكَانَ حَالُهُ وَحَالُ مَا لَوْ كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ صُورَةً سَوَاءً، أَلَا تَرَى أَنَّ امْرَأَةً حُرَّةً لَوْ كَانَتْ تَحْتَ عَبْدٍ فَاشْتَرَتْهُ بَعْدَ مَا دَخَلَ بِهَا فَقَدْ فَسَدَ النِّكَاحُ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، وَإِنْ طَلَّقَهَا وَهُوَ عَبْدٌ لَهَا لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ لَا عِصْمَةَ بِسَبَبِ النِّكَاحِ بَيْنَ الْمَمْلُوكِ وَبَيْنَ الْمَالِكَةِ\n٣٦٧٠ - وَإِنْ أَعْتَقَتْهُ أَوْ بَاعَتْهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا وَقَعَ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا فِي عِدَّتِهِ -\nوَلَوْ كَانَتْ الْمُهَاجِرَةُ حَامِلًا فَلِزَوْجِهَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ بِزَوْجٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ فِي بَطْنِهَا وَلَدًا ثَابِتَ النَّسَبِ، فَكَانَ حَالُهَا كَحَالِ أُمِّ الْوَلَدِ إذَا حَبِلَتْ مِنْ مَوْلَاهَا، وَهُنَاكَ لِلْمَوْلَى أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا وَلَكِنْ لَا يَطَؤُهَا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا كَيْ لَا يَصِيرَ جَامِعًا مَاءَهُ فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ، فَهَذَا مِثْلُهُ وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمَسْبِيَّةِ\n٣٦٧٢ - وَلَوْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ وَخَرَجَ إلَيْنَا وَتَرَكَ زَوْجَتَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَقَدْ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا بِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ، وَلَكِنْ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ بِزَوْجٍ آخَرَ إذَا كَانَتْ حَامِلًا، وَهَذِهِ لَا عِدَّةَ","vol":"1","page":1835},{"text":"عَلَيْهَا، وَلَكِنْ فِي بَطْنِهَا وَلَدٌ ثَابِتُ النَّسَبِ، إلَّا أَنَّ نَسَبَ وَلَدِهَا لَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ إلَّا أَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ؛ لِأَنَّهَا بَانَتْ إلَى عِدَّةِ تَبَايُنِ الدَّارَيْنِ، فَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الْحُكْمِ\n٣٦٧٣ - وَلَوْ أَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا بِمُضِيِّ ثَلَاثِ حِيَضٍ، فَهَذَا فِي حُكْمِ الْعِدَّةِ، وَمَا لَوْ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا بِخُرُوجِهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ قَدْ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا وَهِيَ حُرَّةٌ مُسْلِمَةٌ مُخَاطَبَةٌ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ\n٣٦٧٤ - قَالَ: حَرْبِيَّةٌ أَسْلَمَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ خَرَجَتْ وَخَرَجَ زَوْجُهَا مَعَهَا بِأَمَانٍ فَهِيَ امْرَأَتُهُ حَتَّى تَحِيضَ ثَلَاثَ حِيَضٍ، أَوْ يَعْرِضَ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ الْإِسْلَامَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَجْهٍ كَالذِّمِّيِّ، فَإِنَّ السُّلْطَانَ يَتَمَكَّنُ مِنْ عَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ حَرْبِيٌّ، حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، فَلِكَوْنِهِ حَرْبِيًّا قُلْنَا: الْفُرْقَةُ تَقَعُ بَيْنَهُمَا بِمُضِيِّ ثَلَاثِ حِيَضٍ، وَلِكَوْنِهِ بِمَنْزِلَةِ الذِّمِّيِّ مِنْ وَجْهٍ، قُلْنَا: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بَعْدَ إبَاءِ الْإِسْلَامِ، وَبِأَيِّ الْوَجْهَيْنِ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا فَعَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ\n٣٦٧٥ - وَلَوْ طَلَّقَهَا فِي الْعِدَّةِ وَقَعَ عَلَيْهَا طَلَاقُهُ؛ لِأَنَّهُ مَعَهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ كَالذِّمِّيِّ مِنْ وَجْهٍ","vol":"1","page":1836},{"text":"أَلَا تَرَى - أَنَّهُ لَوْ خَلَعَهَا قَبْلَ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا السُّلْطَانُ، ثُمَّ طَلَّقَهَا فِي الْعِدَّةِ ثَلَاثًا، أَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْخُلْعِ ثَلَاثًا، وَقَعَ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا، فَكَذَلِكَ بَعْدَ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ تِلْكَ فُرْقَةٌ بِطَلَاقٍ\n٣٦٧٦ -، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ خَرَجَتْ وَحْدَهَا، ثُمَّ خَرَجَ الزَّوْجُ بَعْدَهَا، مُسْتَأْمَنًا فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ هُنَاكَ قَدْ بَقِيَ الزَّوْجُ فِي دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ خُرُوجِهَا فَانْقَطَعَتْ الْعِصْمَةُ بِهِ بَيْنَهُمَا، وَصَارَ بِحَالٍ يَقَعُ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا، فَمَا لَمْ يَصِرْ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ، وَهَا هُنَا حِينَ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ كَانَ هُوَ مَعَهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يَكُنْ فِي حَالَةٍ مِنْ الْحَالَاتِ بِحَالٍ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا، فَلِهَذَا قُلْنَا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ يَقَعُ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.","vol":"1","page":1837},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>[بَابُ تَزْوِيجِ الْأَسِيرِ وَالْمُسْتَأْمَنِ فِي دَارِ الْحَرْبِ]</span>\nِ ٣٦٧٧ - قَالَ - ﵀ -: وَيُكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَزَوَّجَ فِي دَارِ الْحَرْبِ كِتَابِيَّةً مِنْهُمْ؛ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً، هَكَذَا نُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَبْقَى لَهُ نَسْلٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَفِيهِ تَعْرِيضُ وَلَدِهِ لِلرِّقِّ، فَإِنَّهَا لَوْ سُبِيَتْ، وَهِيَ حُبْلَى مِنْهُ، صَارَ مَا فِي بَطْنِهَا رَقِيقًا، وَرُبَّمَا يَتَخَلَّقُ أَوْلَادُهُ بِأَخْلَاقِ الْكُفَّارِ، إلَّا أَنَّ هَذِهِ الْكَرَاهَةَ لَيْسَتْ لِمَعْنًى فِي عَيْنِ النِّكَاحِ فِي مَحَلِّهِ أَوْ شَرْطِهِ فَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ النِّكَاحِ بَعْدَ أَنْ كَانَ بِشُهُودٍ مُسْلِمِينَ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - ﵀ - وَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، يَسْتَوِي إنْ كَانَ الشُّهُودُ مُسْلِمِينَ أَوْ كُفَّارًا وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ.\nفَإِنْ كَانَ يَخْشَى الْعَنَتَ عَلَى نَفْسِهِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَزَوَّجَهَا؛ لِأَنَّ التَّحَرُّزَ عَنْ الزِّنَا فَرْضٌ، وَلَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلَّا بِالنِّكَاحِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ لَهُ إلَّا أَنْ يَخْشَى الْعَنَتَ عَلَى نَفْسِهِ، فَهَذَا مِثْلُهُ.\n٣٦٧٨ - وَلَوْ أَسَرُوا حُرَّةً مُسْلِمَةً أَوْ ذِمِّيَّةً فَلَا بَأْسَ لِهَذَا الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَإِنْ لَمْ يَخَفْ الْعَنَتَ عَلَى نَفْسِهِ","vol":"1","page":1838},{"text":"لِأَنَّهَا حُرَّةٌ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا، وَلَمْ يَمْلِكُوهَا بِالِاسْتِرْقَاقِ، فَيَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِرِضَاهَا فِي دَارِهِمْ، كَمَا يَجُوزُ فِي دَارِنَا\n٣٦٧٩ - فَإِنْ كَانَتْ أَمَةً لَهُ فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ لَهُ، وَإِلَّا أَنْ يَخْشَى الْعَنَتَ عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُمْ بِالْإِحْرَازِ مَلَكُوهَا، حَتَّى لَوْ أَسْلَمُوا كَانَتْ أَمَةً لَهُمْ، فَوَلَدُهُ مِنْهَا يَكُونُ عَبْدًا لَهُمْ، وَفَرْقٌ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا إذَا تَزَوَّجَ فِيهِمْ بِغَيْرِ شُهُودٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ يَخْشَى الْعَنَتَ عَلَى نَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَجِدْ شُهُودًا مُسْلِمِينَ، عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ هُنَاكَ لِانْعِدَامِ شَرْطِ الْجَوَازِ، وَهُوَ الشُّهُودُ وَذَلِكَ مَنْعٌ لِمَعْنًى فِي عَيْنِ النِّكَاحِ، أَوْ لِمَعْنًى فِي الْمَحَلِّ، بِأَنْ كَانَ لَا يَجِدُ إلَّا مَجُوسِيَّةً أَوْ وَثَنِيَّةً، وَهُنَاكَ لَا يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُهَا سَوَاءٌ كَانَ يُخْشَى عَلَيْهِ الْعَنَتُ أَوْ لَا يُخْشَى، فَأَمَّا هَا هُنَا الْمَنْعُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيضِ وَلَدِهِ لِلرِّقِّ، وَهُوَ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِالنِّكَاحِ شَرْطًا وَلَا مَحَلًّا، فَإِذَا ظَهَرَ مَا هُوَ الْأُولَى بِالِاعْتِبَارِ مِنْهُ قُلْنَا يَجُوزُ النِّكَاحُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ\n٣٦٨٠ - وَإِنْ كَانُوا أَسَرُوا مُكَاتَبَةً أَوْ مُدَبَّرَةً أَوْ أُمَّ وَلَدٍ ثُمَّ زَوَّجُوهَا مِنْ هَذَا الْمُسْلِمِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَمْلِكُوهَا بِالْإِحْرَازِ، وَلَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ، وَوَلِيُّ الْمُكَاتَبَةِ مَوْلَاهَا\n٣٦٨١ - فَإِذَا أَذِنَ لَهَا مَوْلَاهَا فِي التَّزَوُّجِ بِكِتَابٍ كَتَبَهُ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَزَوَّجَهَا؛ لِأَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِ، وَالْكِتَابُ مِمَّنْ نَأَى كَالْخِطَابِ مِمَّنْ دَنَا","vol":"1","page":1839},{"text":"٣٦٨٢ - فَإِنْ دَخَلَ مَوْلَاهَا دَارَهُمْ بِأَمَانٍ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَطَأَ مُدَبَّرَتَهُ وَأُمَّ وَلَدِهِ إذَا خَلَا بِهَا، وَلَمْ يَكُنْ الْحَرْبِيُّ وَطِئَهَا؛ لِأَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِ\n٣٦٨٣ - فَإِنْ وَطِئَهَا الْحَرْبِيُّ فَلَيْسَ لِمَوْلَاهَا أَنْ يَطَأَهَا بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهِ اجْتِمَاعُ رَجُلَيْنِ عَلَى امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، إلَّا أَنْ يَتْرُكَ الْحَرْبِيُّ وَطْأَهَا فَحِينَئِذٍ لِلْمَوْلَى أَنْ يَطَأَهَا إذَا اسْتَبْرَأَ رَحِمُهَا، فَأَمَّا الْمُكَاتَبَةُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَطَأهَا، كَمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ الْأَسْرِ؛ لِأَنَّهَا بِالْكِتَابَةِ صَارَتْ كَالْخَارِجَةِ عَنْ مِلْكِهِ.\nوَكَذَلِكَ لَوْ زَوَّجَهَا إيَّاهُ الْحَرْبِيَّ؛ لِأَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِ حَقِيقَةً، فَلَا يَثْبُتُ النِّكَاحُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا\n٣٦٨٤ - بِخِلَافِ الْمُدَبَّرَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ فَهُنَاكَ إذَا زَوَّجَهَا الْحَرْبِيَّ مِنْهُ جَازَ لَهُ وَطْؤُهَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَطَؤُهَا بِالْمِلْكِ لَا بِالنِّكَاحِ، أَلَا تَرَى أَنَّ قَبْلَ التَّزَوُّجِ كَانَ وَطْؤُهَا حَلَالًا لَهُ\n٣٦٨٥ - وَلَوْ أَسَرُوا امْرَأَتَهُ وَهِيَ حُرَّةٌ أَوْ أَمَةٌ، ثُمَّ دَخَلَ إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَطَأَهَا لِبَقَاءِ النِّكَاحِ بَيْنَهُمَا فَإِنْ قِيلَ: هَذَا فِي الْحُرَّةِ صَحِيحٌ وَأَمَّا فِي الْأَمَةِ فَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهَا صَارَتْ مَمْلُوكَةً لَهُمْ، حَتَّى لَوْ أَسْلَمُوا كَانَتْ لَهُمْ، وَالْمَمْلُوكَةُ تَبَعٌ لِمَوْلَاهُ فَقَدْ صَارَتْ بِهَذَا الطَّرِيقِ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ، وَتَبَايُنُ الدَّارَيْنِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا مُوجِبٌ لِلْفُرْقَةِ","vol":"1","page":1840},{"text":"بَيْنَهُمَا، قُلْنَا: لَا كَذَلِكَ، فَإِنَّهَا كَانَتْ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا لِكَوْنِهَا مُسْلِمَةً أَوْ ذِمِّيَّةً، وَذَلِكَ لَا يُنْتَقَضُ بِتَمَلُّكِهِمْ إيَّاهَا بِالْإِحْرَازِ، كَمَا لَا يُنْتَقَضُ بِتَمَلُّكِهِمْ إيَّاهَا بِالشِّرَاءِ وَالْإِدْخَالِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَكَمَا لَا يَفْسُدُ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا هُنَاكَ، لَا يَفْسُدُ هَا هُنَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَوْلَاهَا الْحَرْبِيُّ قَدْ وَطِئَهَا، فَحِينَئِذٍ لَا يَحِلُّ لِلزَّوْجِ أَنْ يَطَأَهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا بِحَيْضَةٍ\n٣٦٨٦ - وَإِنْ كَانَتْ حُرَّةً فَوَطِئَهَا الْحَرْبِيُّ لَمْ يَكُنْ لِزَوْجِهَا أَنْ يَطَأَهَا حَتَّى تَعْتَدَّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ مِنْ الْحَرْبِيِّ فِي مَعْنَى الْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ، فَالتَّأْوِيلُ الْبَاطِلُ مِنْهُمْ مُعْتَبَرٌ بِالتَّأْوِيلِ الصَّحِيحِ فِي الْحُكْمِ\n٣٦٨٧ - وَعَلَى هَذَا لَوْ وَطِئَهَا الْحَرْبِيُّ، ثُمَّ جَاءَتْ بِوَلَدٍ، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ مُنْذُ وَطِئَهَا الْحَرْبِيُّ فَإِنَّ نَسَبَ الْوَلَدِ يَثْبُتُ مِنْ الزَّوْجِ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُ الْوَلَدِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهَا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ بِوَطْءِ الْحَرْبِيِّ إيَّاهَا، فَيُجْعَلُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ بِأَنْ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً بَائِنَةً\n٣٦٨٨ - وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْبِيَّةُ أَمَةً لِمُسْلِمٍ، ثُمَّ دَخَلَ مَوْلَاهَا إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا لِأَنَّهُمْ مَلَكُوهَا بِالْإِحْرَازِ فَيَكُونُ هُوَ وَاطِئًا مِلْكَ غَيْرِهِ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَذَلِكَ لَا رُخْصَةَ فِيهِ بِحَالٍ","vol":"1","page":1841},{"text":"٣٦٨٩ - بِخِلَافِ أُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرَةِ، فَإِنْ زَوَّجَهَا الْحَرْبِيُّ مِنْهُ جَازَ النِّكَاحُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَكْرُوهًا لِلْمُسْلِمِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ زَوَّجَهُ أَمَةً أُخْرَى لَهُ مُسْلِمَةً أَوْ كِتَابِيَّةً\n٣٦٩٠ - وَلَوْ أَنَّ حَرْبِيًّا فِي دَارِ الْحَرْبِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ تَزَوَّجَ أَمَةً مِنْ إمَائِهِمْ فَوَلَدَتْ لَهُ أَوْلَادًا ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الذَّرَارِيّ، فَالصِّغَارُ مِنْ أَوْلَادِهِ أَحْرَارٌ مُسْلِمُونَ بِإِسْلَامِ أَبِيهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَمْلُوكِينَ لِمَوْلَى الْأُمِّ، وَقَدْ قُتِلَ أَوْ هَرَبَ حِينَ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الدَّارِ، فَصَارُوا مُحْرِزِينَ أَنْفُسَهُمْ بِمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمَمْلُوكُ الْمُسْلِمُ لِلْحَرْبِيِّ إذَا أَحْرَزَ نَفْسَهُ بِمَنَعَةِ الْجَيْشِ كَانَ حُرًّا كَالْمُرَاغَمِ\n٣٦٩١ - وَأَمَّا الْكِبَارُ مِنْ أَوْلَادِهِ فَمُرْتَدُّونَ؛ لِأَنَّهُمْ وَصَفُوا الْكُفْرَ بَعْدَ الْبُلُوغِ\n٣٦٩٢ - وَقَدْ كَانُوا مُسْلِمِينَ بِإِسْلَامِ الْأَبِ، فَصَارُوا مُرْتَدِّينَ أَرِقَّاءَ لِمَنْ أَحَرَزَهُمْ، رِجَالَهُمْ أَوْ نِسَاءَهُمْ، لِأَنَّ مَعَ رِدَّتِهِمْ لَا يَتَحَقَّقُ إحْرَازُ أَنْفُسِهِمْ عَلَى الْمَوَالِي فَلَا يُعْتَقُونَ، وَيُجْبَرُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَلَا يُقْتَلُونَ؛ لِأَنَّهُ مَا وُجِدَ مِنْهُمْ الْإِسْلَامَ بَعْدَ كَمَالِ حَالِهِمْ بِالْبُلُوغِ، وَمَنْ ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الْإِسْلَامِ تَبَعًا لِلْأَبَوَيْنِ لَا يُقْتَلُ إذَا بَلَغَ مُرْتَدًّا لِمَعْنَى الشُّبْهَةِ، وَأَمَّا أُمُّهُمْ فَهِيَ فَيْءٌ لِمَنْ أَخَذَهَا، وَإِنْ كَانَ فِي بَطْنِهَا وَلَدٌ فَهُوَ رَقِيقٌ مَعَهَا؛ لِأَنَّ مَا فِي الْبَطْنِ جُزْءٌ مِنْ","vol":"1","page":1842},{"text":"أَجْزَائِهَا، فَيَكُونُ رَقِيقًا تَبَعًا لَهَا، وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا تَبَعًا لِأَبِيهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُ إحْرَازُ نَفْسِهِ مَا دَامَ مَخْفِيًّا فِي بَطْنِهَا\n٣٦٩٣ - وَلَوْ كَانَ تَزَوَّجَ حُرَّةً مِنْهُمْ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ، إلَّا فِي فَصْلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنَّ الْكِبَارَ مِنْ أَوْلَادِهِ هَا هُنَا أَحْرَارٌ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُمْ انْفَصَلُوا مِنْ حُرَّةٍ فَكَانُوا أَحْرَارًا بِحُرِّيَّتِهَا، وَلَكِنَّهُمْ مُرْتَدُّونَ\n٣٦٩٤ - فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ رَجُلًا فَهُوَ لَا يَصِيرُ رَقِيقًا بِالسَّبْيِ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ امْرَأَةً فَقَدْ صَارَتْ أَمَةً بِالسَّبْيِ، وَتُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْمُرْتَدَّاتِ، وَلَا يَكُونُ تَزَوَّجُ الْمُسْلِمِ إيَّاهَا أَمَانًا لَهَا؛ لِأَنَّهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَوْ آمَنَهَا نَصًّا لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ، فَكَذَلِكَ بِالدَّلَالَةِ.\n٣٦٩٥ - وَلَيْسَ لِلْأَوْلَادِ أَنْ يُوَالُوا أَحَدًا، وَلَا يَعْقِلُ عَنْهُمْ بَيْتُ الْمَالِ إنْ لَمْ يُوَالُوا أَحَدًا. لِأَنَّ لَهُمْ عَشِيرَةً، وَهُمْ قَوْمُ أَبِيهِمْ، فَيَعْقِلُونَ عَنْهُمْ وَيَرِثُونَهُمْ، وَمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَالِيَ أَحَدًا\n٣٦٩٦ - وَلَوْ كَانُوا سَبَوْا مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ حُرَّةً مُسْلِمَةً أَوْ ذِمِّيَّةً ثُمَّ زَوَّجُوهَا مِنْ هَذَا الْحَرْبِيِّ. فَهَذَا وَمَا سَبَقَ سَوَاءٌ، إلَّا فِي خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ، لَا تَكُونُ هِيَ وَلَا مَا فِي بَطْنِهَا فَيْئًا","vol":"1","page":1843},{"text":"لِأَنَّهَا حُرَّةٌ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا، فَلَا تُمْلَكُ بِالسَّبْيِ. وَالْأُولَى حُرَّةٌ حَرْبِيَّةٌ فَمُلِكَتْ بِالسَّبْيِ\n٣٦٩٧ - وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً مُسْلِمَةً أَوْ ذِمِّيَّةً مُسْلِمَةً، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَأَوْلَادُهَا أَرِقَّاءُ هَا هُنَا، لَا يُعْتَقُونَ بِالسَّبْيِ، الصِّغَارُ وَالْكِبَارُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُسْلِمِ الْمَأْسُورِ مِنْهُ قَائِمٌ فِيهِمْ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْعِتْقِ لَهُمْ بِطَرِيقِ الْمُرَاغَمَةِ، فَقُلْنَا: إنْ وَجَدَهُمْ الْمَأْسُورُ مِنْهُ أَخَذَهُمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدَهُمْ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُمْ بِالْقِيمَةِ\n٣٦٩٨ - فَإِنْ كَانَ الْمَأْسُورُ مِنْهُ ذِمِّيًّا أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهِمْ بَعْدَ مَا يَأْخُذُوهُمْ؛ لِأَنَّ الصِّغَارَ مِنْهُمْ مُسْلِمُونَ بِإِسْلَامِ أَبِيهِمْ، وَالذِّمِّيُّ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ إذَا حَصَلَ فِي مِلْكِهِ، وَالْكِبَارُ مِنْهُمْ مُرْتَدُّونَ، وَلِلْمُرْتَدِّ حُكْمُ الْإِسْلَامِ فِي هَذَا الْفَصْلِ، لِكَوْنِهِ مُجْبَرًا عَلَى الْعَوْدِ إلَى الْإِسْلَامِ.\n٣٦٩٩ - وَلَوْ كَانَتْ الْأَمَةُ الْمَأْسُورَةُ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَتَزَوَّجْهَا الْمُسْلِمُ، وَلَكِنْ مَوْلَاهَا الْحَرْبِيَّ وَطِئَهَا فَوَلَدَتْ لَهُ أَوْلَادًا، ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الدَّارِ فَهِيَ حُرَّةٌ، لَا سَبِيلَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا مُسْلِمَةٌ أَوْ ذِمِّيَّةٌ، وَقَدْ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لِلْحَرْبِيِّ، فَإِذَا سَقَطَ حَقُّ الْحَرْبِيِّ عَنْهَا كَانَتْ حُرَّةً.\n٣٧٠٠ - وَأَوْلَادُهَا أَحْرَارٌ بِمَنْزِلَتِهَا إنْ كَانَتْ مُسْلِمَةً أَوْ ذِمِّيَّةً.","vol":"1","page":1844},{"text":"لِأَنَّهُمْ صَارُوا مُحْرِزِينَ أَنْفُسَهُمْ بِمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ.\nوَلَهُمْ أَنْ يُوَالُوا مَنْ أَحَبُّوا؛ لِأَنَّ أَبَاهُمْ لَا وَلَاءَ لَهُ وَلَا عَشِيرَةَ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ.\n٣٧٠١ - فَإِنْ كَبِرُوا كُفَّارًا مُحَارَبِينَ لِلْمُسْلِمِينَ قُلْنَا: إنْ كَانَتْ أُمُّهُمْ مُسْلِمَةً فَهُمْ مُرْتَدُّونَ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُسْلِمِينَ تَبَعًا لَهَا، فَإِذَا بَلَغُوا مُرْتَدِّينَ أُجْبِرُوا عَلَى الْإِسْلَامِ، وَكَانُوا أَحْرَارًا، وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُمْ ذِمِّيَّةً فَهُمْ فَيْءٌ أَجْمَعُونَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ تَبَعًا لَهَا، وَقَدْ صَارُوا نَاقِضِينَ لِلْعَهْدِ حِينَ حَارَبُوا الْمُسْلِمِينَ.\n٣٧٠٢ - فَإِنْ قَالَ الْمَأْسُورُ مِنْهُ: أَنَا أَحَقُّ بِالْأَمَةِ لِأَنَّهَا أُسِرَتْ مِنْ يَدَيَّ وَمِلْكِي لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ كَانَ مَلَكَهَا، حَتَّى لَوْ أَسْلَمَ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ، وَقَدْ اسْتَوْلَدَهَا [فَلَا يَبْقَى لِلْمَالِكِ الْقَدِيم فِيهَا حَقّ الْأَخْذ بِحَالٍ]، (أَلَا تَرَى) أَنَّ الْحَرْبِيَّ لَوْ كَانَ أَعْتَقَهَا نَفَذَ عِتْقُهُ فِيهَا، فَكَذَلِكَ إذَا اسْتَوْلَدَهَا.\n٣٧٠٣ - وَلَوْ كَانَ مَوْلَاهَا الْقَدِيمُ إنَّمَا زَوَّجَهَا مِنْ الْحَرْبِيِّ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَالْأَمَةُ وَأَوْلَادُهَا لِلْمَأْسُورِ مِنْهُ هَا هُنَا","vol":"1","page":1845},{"text":"لِأَنَّهَا إنَّمَا وَلَدَتْ مِنْ زَوْجٍ لَا تَصِيرُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ، وَقِيَامُ حَقِّ الْمَأْسُورِ مِنْهُ فِيهَا وَفِي أَوْلَادِهَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْعِتْقِ لَهُمْ بِطَرِيقِ الْمُرَاغَمَةِ، وَالْإِحْرَازِ بِمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَبَعْدَهَا بِالْقِيمَةِ، وَمَنْ كَبُرَ مِنْ أَوْلَادِهَا فَكَانَ عَلَى دَيْنِ أَبِيهِ\n٣٧٠٤ - فَإِنْ كَانَتْ هِيَ مُسْلِمَةً فَهِيَ مُجْبَرَةٌ عَلَى الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا تَبَعًا لَهَا\n٣٧٠٥ - فَإِذَا بَلَغَ كَافِرًا كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمُرْتَدِّ، وَإِنْ كَانَتْ ذِمِّيَّةً لَمْ يُجْبَرْ هَذَا الْوَلَدُ عَلَى الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ مَوْلُودٌ بَيْنَ كَافِرَيْنِ فِي دَارِ الْحَرْبِ\n٣٧٠٦ - وَلَوْ كَانَتْ الْمَأْسُورَةُ حُرَّةً وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَهِيَ وَأَوْلَادُهَا أَحْرَارٌ لَا سَبِيلَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا حُرَّةٌ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا، وَالْأَوْلَادُ يَتْبَعُونَ الْأُمَّ فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ، وَقَدْ عَرَفْت الْجَوَابَ أَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ خَيْرَ الْأَبَوَيْنِ دِينًا فِي حُكْمِ النِّكَاحِ وَالذَّبِيحَةِ، حَتَّى إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كَانَ الْوَلَدُ مِثْلَهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ مُسْلِمًا كَانَ الْوَلَدُ مُسْلِمًا تَبَعًا لَهُ\n٣٧٠٧ - وَمَنْ بَلَغَ مِنْهُمْ كَافِرًا فَالْحُكْمُ فِيهِ مَا هُوَ الْحُكْمُ فِيمَا سَبَقَ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ مُسْلِمَةً أَوْ ذِمِّيَّةً.\nوَالْفَرْقُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي حُكْمِ الِاسْتِرْقَاقِ كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْمُرْتَدِّينَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":1846},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>[بَابُ إثْبَاتِ النَّسَبِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ السَّبَايَا]</span>\n٣٧٠٨ - قَالَ - ﵀ -: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ سَبَوْا مُسْلِمَةً حُرَّةً أَوْ مَمْلُوكَةً أَوْ ذِمِّيَّةً حُرَّةً أَوْ مَمْلُوكَةً فَاشْتَرَاهَا مِنْ السَّابِي رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَاسْتَوْلَدَهَا ثُمَّ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ، أَوْ صَارُوا ذِمَّةً، فَإِنْ كَانَتْ مُسْلِمَةً أَوْ ذِمِّيَّةً حُرَّةً فِي الْأَصْلِ فَهِيَ حُرَّةٌ عَلَى حَالِهَا؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ الْمُتَأَكِّدَةَ فِي دَارِنَا لَا نَاقِضَ لَهَا، وَأَوْلَادُهَا أَحْرَارٌ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لَهَا.\nوَالنَّسَبُ ثَابِتٌ مِنْ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ وَطِئَهَا عَلَى وَجْهِ الْمِلْكِ بِشُبْهَةٍ، فَتَأْوِيلُهُمْ الْبَاطِلُ بِمَنْزِلَةِ التَّأْوِيلِ الصَّحِيحِ فِي الْحُكْمِ وَلَا صَدَاقَ عَلَيْهِ لَهَا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْفَى بِالْوَطْءِ فِي حُكْمِ جُزْءٍ مِنْهَا، وَقَدْ كَانَ حَرْبِيًّا حِينَ اسْتَوْفَى ذَلِكَ الْجُزْءَ، فَكَمَا لَا يَغْرَمُ شَيْئًا إذَا اسْتَهْلَكَهَا لَا يَغْرَمُ بِوَطْئِهِ إيَّاهَا شَيْئًا أَيْضًا.\nوَإِنْ كَانَتْ مُدَبَّرَةً أَوْ أُمَّ وَلَدٍ فِي الْأَصْلِ فَهِيَ مَرْدُودَةٌ عَلَى مَوْلَاهَا؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَمْلِكُوهَا بِالْإِحْرَازِ.","vol":"1","page":1847},{"text":"وَأَوْلَادُهَا أَحْرَارٌ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُسْلِمِينَ تَبَعًا لَهَا إنْ كَانَتْ مُسْلِمَةً، وَذِمِّيَّيْنِ تَبَعًا لَهَا إنْ كَانَتْ ذِمِّيَّةً، وَلِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ وَلَدِ الْمَغْرُورِ عَلَى مَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ اسْتَوْلَدَهَا بِتَأْوِيلِ الْمِلْكِ، وَوَلَدُ الْمَغْرُورِ حُرٌّ ثَابِتُ النَّسَبِ مِنْ أَبِيهِ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْأَبِ مِنْ قِيمَةِ الْأَوْلَادِ هَا هُنَا شَيْءٌ، لِلطَّرِيقِ الَّذِي قُلْنَا فِي الْعُقْرِ، فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، فَهَذَا لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ كَانَ مُحَارَبًا حِينَ اسْتَوْلَدَهَا، وَذَلِكَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الضَّمَانِ عَلَيْهِ بِاسْتِهْلَاكِ جُزْءٍ مِنْهَا، فَكَذَلِكَ إذَا صَارَ مُسْتَهْلِكًا لِلْوَلَدِ بِحُكْمِ الْغُرُورِ.\nفَإِنْ قِيلَ: الْمَغْرُورُ إنَّمَا يَضْمَنُ قِيمَةَ الْوَلَدِ وَقْتَ الْخُصُومَةِ، وَعِنْدَ الْخُصُومَةِ الْقَوْمُ مُسْلِمُونَ أَوْ أَهْلُ الذِّمَّةِ. قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَكِنْ إنَّمَا يَضْمَنُ وَقْتَ الْخُصُومَةِ بِسَبَبِ الِاسْتِيلَادِ الْمُتَقَدِّمِ، وَذَلِكَ السَّبَبُ تَحَقَّقَ مِنْهُ حِينَ كَانَ حَرْبِيًّا. غَيْرُ مُوجِبٍ لِلضَّمَانِ عَلَيْهِ، فَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ أَسْلَمُوا\n٣٧٠٩ - وَإِنْ كَانَتْ مُكَاتَبَةً فَالْجَوَابُ فِيهَا وَفِي أَوْلَادِهَا أَنَّهَا تُرَدُّ مُكَاتَبَةً عَلَى حَالِهَا؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَةَ لَا تُمْلَكُ بِالْأَسْرِ، وَأَوْلَادُهَا أَحْرَارٌ بِحُكْمِ الْغُرُورِ، وَلَيْسَ عَلَى الْأَبِ مِنْ الْعُقْرِ وَلَا مِنْ قِيمَةِ الْأَوْلَادِ شَيْءٌ لِمَا قُلْنَا، وَلِمَعْنًى آخَرَ وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ غَرِمَ قِيمَةَ الْوَلَدِ هَا هُنَا إنَّمَا يَغْرَمُ لَهَا، وَهِيَ إنَّمَا تَسْعَى لِتَحْصِيلِ الْحُرِّيَّةِ لِنَفْسِهَا وَأَوْلَادِهَا فَفِي هَذَا تَحْصِيلُ بَعْضِ مَقْصُودِهَا\n٣٧٠٧ - وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَهِيَ أُمُّ الْوَلَدِ لِمَنْ اسْتَوْلَدَهَا، وَأَوْلَادُهَا أَحْرَارٌ","vol":"1","page":1848},{"text":"لِأَنَّهُمْ مَلَكُوهَا بِالْإِحْرَازِ، وَقَدْ مَلَكَهَا الْمُشْتَرِي مِنْهُمْ بِالشِّرَاءِ، فَصَحَّ اسْتِيلَادُهُ، ثُمَّ تَقَرَّرَ مِلْكُهُ فِيهَا بِالْإِسْلَامِ، فَكَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ.\n٣٧١٠ - وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَوْلَدُ ذِمَّةً لِلْمُسْلِمِينَ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ، إلَّا أَنَّهَا تَخْرُجُ إلَى الْعِتْقِ بِالسِّعَايَةِ؛ لِأَنَّهَا مُسْلِمَةٌ، وَالْمُسْلِمَةُ لَا تُتْرَكُ فِي مِلْكِ الذِّمِّيِّ، وَقَدْ تَعَذَّرَ إخْرَاجُهَا مِنْ مِلْكِهِ بِالْبَيْعِ لِأَجْلِ الِاسْتِيلَادِ، فَيَجِبُ إخْرَاجُهَا مِنْ مِلْكِهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِسْعَاءِ فِي قِيمَتِهَا وَالْحُكْمُ فِي الْمُرْتَدِّينَ إذَا غَلَبُوا عَلَى دَارِهِمْ، وَفِي أَهْلِ الذِّمَّةِ إذَا نَقَضُوا الْعَهْدَ وَغَلَبُوا عَلَى دَارِهِمْ، بِمَنْزِلَةِ الْحُكْمِ فِي أَهْلِ الْحَرْبِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا.\n٣٧١١ - وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي أَهْلِ الْبَغْيِ، إذَا كَانُوا سَبَوْا مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْفُصُولِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا لِأَنَّ التَّأْوِيلَ الْفَاسِدَ فِي حَقِّ أَهْلِ الْبَغْيِ إذَا انْضَمَّ إلَى الْمَنَعَةِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ التَّأْوِيلِ الصَّحِيحِ فِي الْحُكْمِ\n٣٧١٢ - وَالْأَصْل فِيهِ حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ قَالَ: وَقَعَتْ الْفِتْنَةُ وَأَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -، كَانُوا مُتَوَافِرِينَ، فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا قَوَدَ فِي دَمٍ اُسْتُحِلَّ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ، وَلَا حَدَّ فِي فَرْجٍ اُسْتُحِلَّ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ، وَلَا ضَمَانَ فِي مَالٍ اُسْتُحِلَّ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ، إلَّا أَنْ يُوجَدَ الشَّيْءُ بِعَيْنِهِ فَيُرَدُّ عَلَى أَهْلِهِ، وَلِهَذَا قُلْنَا هَا هُنَا: إذَا كَانَتْ الْمَسْبِيَّةُ أَمَةً وَجَبَ رَدُّهَا عَلَى مَوْلَاهَا إذَا تَابَ أَهْلُ الْبَغْيِ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ،","vol":"1","page":1849},{"text":"لِأَنَّهُمْ مَا مَلَكُوهَا وَلَمْ تَصِرْ هِيَ أُمَّ وَلَدٍ لِمَنْ اسْتَوْلَدَهَا، وَأَهْلُ الْحَرْبِ مَلَكُوهَا بِالْإِحْرَازِ فَصَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لِمَنْ اسْتَوْلَدَهَا\n٣٧١٣ - وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ لُصُوصِ الْمُسْلِمِينَ غَيْرِ الْمُتَأَوِّلِينَ أَخَذُوا النِّسَاءَ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَنَقُولُ: لَا حُكْمَ لِلْمَنَعَةِ إذَا تَجَرَّدَتْ عَنْ التَّأْوِيلِ، كَمَا لَا حُكْمَ لِلتَّأْوِيلِ إذَا تَجَرَّدَ عَنْ الْمَنَعَةِ، فَالْوَاطِئُ بِهَذَا الطَّرِيقِ يَكُونُ زَانِيًا، مُسْتَوْجِبًا لِلْحُدُودِ، وَلَا يَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدِ مِنْهُ أَصْلًا، بِظَاهِرِ قَوْلِهِ - ﵌ -، «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» . ثُمَّ الْوَلَدُ يَكُونُ تَبَعًا لِلْأُمِّ عَلَى صِفَةِ أُمِّهِ مَمْلُوكًا لِمَنْ هُوَ مَالِكٌ لِلْأُمِّ، بِخِلَافِ جَمِيعِ مَا سَبَقَ.\nوَأَوْضَحَ هَذَا الْفَرْقَ بِالِاسْتِهْلَاكِ قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ اسْتَهْلَكُوا الْأَمْوَالَ هَا هُنَا كَانُوا ضَامِنِينَ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ، وَقَدْ ذُكِرَ بَعْدَ هَذَا بَابٌ قَدْ اسْتَقْصَيْنَا شَرْحَهُ مِمَّا أَمْلَيْنَاهُ مِنْ شَرْحِ الزِّيَادَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":1850},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>[بَابُ الْحُدُودِ فِي دَارِ الْحَرْب]</span>\nقَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْمَبْسُوطِ:\n٣٧١٤ - أَنْ الْمُسْلِمَ إذَا ارْتَكَبَ شَيْئًا مِنْ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِلْعُقُوبَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ بِهِ مُسْتَوْجِبًا لِلْعُقُوبَةِ، لِانْعِدَامِ الْمُسْتَوْفِي فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ تَحْتَ وِلَايَةِ الْإِمَامِ حِينَ بَاشَرَ ذَلِكَ، وَلَوْ ارْتَكَبَ ذَلِكَ فِي الْعَسْكَرِ فَلَيْسَ لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدَّ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَوَّضْ إلَيْهِ إقَامَةُ الْحُدُودِ، وَإِنَّمَا فُوِّضَ إلَيْهِ تَدْبِيرُ الْحَرْبِ\n٣٧١٥ - إلَّا أَنْ يَكُونَ الْخَلِيفَةُ غَزَا بِنَفْسِهِ، أَوْ أَمِيرَ الْعِرَاقِ، فَحِينَئِذٍ لَهُ أَنْ يُقِيمَ الْحَدَّ فِي عَسْكَرِهِ، كَمَا يُقِيمُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَاسْتُدِلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَامُ الْحَدُّ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِحَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ - فَإِنَّهُ كَتَبَ إلَى عُمَّالِهِ أَلَا يَجْلِدَنَّ أَمِيرُ الْجَيْشِ وَلَا سَرِيَّةٍ أَحَدًا حَتَّى يَخْرُجَ إلَى الدَّرْبِ قَافِلًا، لِئَلَّا يَلْحَقَهُ حَمِيَّةُ الشَّيْطَانِ فَيَلْتَحِقُ بِالْكُفَّارِ.\n٣٧١٦ - وَهَكَذَا نُقِلَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى أَنْ تُقَامَ الْحُدُودُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ","vol":"1","page":1851},{"text":"مَخَافَةَ أَنْ تَلْحَقَهُمْ الْحَمِيَّةُ فَيَلْحَقُوا بِالْكُفَّارِ، فَإِنْ تَابُوا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَإِلَّا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ وَرَائِهِمْ\n٣٧١٧ - ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ الْكِلَابِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ - قَالَ: «إذَا هَرَبَ الرَّجُلُ، وَقَدْ قَتَلَ أَوْ زَنَى أَوْ سَرَقَ، إلَى الْعَدُوِّ ثُمَّ أَخَذَ أَمَانًا عَلَى نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ يُقَامُ عَلَيْهِ مَا فَرَّ مِنْهُ وَإِذَا قَتَلَ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ أَوْ زَنَى أَوْ سَرَقَ ثُمَّ أَخَذَ أَمَانًا لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا أَحْدَثَ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ» فَهُوَ الْأَصْلُ لِعُلَمَائِنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - فِي اعْتِبَارِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُرْتَكَبُ فِيهَا السَّبَبُ الْمُوجِبُ لِلْحَدِّ وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ فِي دَارِنَا إذَا ارْتَكَبَ شَيْئًا مِنْ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِلْعُقُوبَةِ فَإِنَّهُ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ إلَّا مَا فِيهِ حَقُّ الْعِبَادِ مِنْ قِصَاصٍ، أَوْ حَدِّ قَذْفٍ، وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ - ﵀ - فِي ذَلِكَ مَعْرُوفٌ أَنَّهُ يُقَامُ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَيْهِ إلَّا حَدُّ الْخَمْرِ كَمَا فِي حَقِّ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":1852},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>[بَابُ مَا يَجِبُ مِنْ النُّصْرَةِ لِلْمُسْتَأْمَنَيْنِ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ]</span>\nِ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:\n٣٧١٨ - الْأَصْلُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى إمَامِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَنْصُرَ الْمُسْتَأْمَنِينَ مَا دَامُوا فِي دَارِنَا، وَأَنْ يُنْصِفَهُمْ مِمَّنْ يَظْلِمُهُمْ، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ فِي حَقِّ أَهْلِ الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ تَحْتَ وِلَايَتِهِ، مَا دَامُوا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَكَانَ حُكْمُهُمْ كَحُكْمِ أَهْلِ الذِّمَّةِ\n٣٧١٩ - إلَّا أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الذِّمِّيِّ بِقَتْلِ الْمُسْتَأْمَنِ، وَلَا عَلَى الْمُسْلِم لِانْعِدَامِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمَا فِي حَقِّ صِفَةِ الْحَقْنِ وَعَلَيْهِ يُبْتَنَى حُكْمُ الْقِصَاصِ، فَأَمَّا الْمُسْتَأْمَنُ إذَا قَتَلَ مُسْتَأْمَنًا فِي دَارِنَا فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَيَسْتَوْفِيهِ وَارِثُ الْمَقْتُولِ إذَا كَانَ مَعَهُ، وَكَذَلِكَ إذَا قَطَعَ طَرَفَهُ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ لِوُجُودِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمَا فِي صِفَةِ الْحَقْنِ.\nفَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ بَقِيَ فِي دَمِ الْمُسْتَأْمَنِ شُبْهَةُ الْإِبَاحَةِ، لِأَنَّهُ مُحَارِبٌ مُمَكَّنٌ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَذَلِكَ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِ بِقَتْلِهِ عَلَى كُلِّ","vol":"1","page":1853},{"text":"حَالٍ. قُلْنَا: لَا كَذَلِكَ، فَإِنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ إنَّمَا تَظْهَرُ فِي حَقِّ مَنْ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ، لَا فِي حَقِّ مَنْ لَا يَعْتَقِدُهُ، وَكَمَا أَنَّ مَعْنَى الْمُحَارَبَةِ مُبِيحٌ فَنَفْسُ الْكُفْرِ مُهْدِرٌ، بِدَلِيلِ أَنَّ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَا يَضْمَنُ قَاتِلُهُمْ شَيْئًا مِنْ كَفَّارَةٍ، وَلَا دِيَةٍ لِوُجُودِ الْمُهْدِرِ\n٣٧٢٠ - ثُمَّ الذِّمِّيُّ إذَا قَتَلَ ذِمِّيًّا يَلْزَمُهُ الْقِصَاصُ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ كَوْنَ كُفْرِهِ مُهْدِرًا، فَلَمْ يُورِثْ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي حَقِّهِ، فَكَذَلِكَ مَعْنَى الْمُحَارَبَةِ فِيمَا بَيْنَ الْمُسْتَأْمَنِينَ لَا يُورِثُ شُبْهَةً، وَلَكِنْ لِتَحَقُّقِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمَا فِي صِفَةِ الْحَقْنِ يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى بَعْضِهِمْ بِقَتْلِ الْبَعْضِ، سَوَاءٌ كَانُوا مِنْ أَهْلِ دَارٍ وَاحِدَةٍ أَوْ مِنْ أَهْلِ دَارَيْنِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْقِصَاصِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ عَلَى إمَامِ الْمُسْلِمِينَ نُصْرَتَهُمْ مَا دَامُوا فِي دَارِنَا، وَفِي هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ دَارٍ وَاحِدَةٍ أَوْ مِنْ أَهْلِ دَارَيْنِ\n٣٧٢١ - وَلَوْ كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ دَخَلُوا إلَيْنَا بِأَمَانٍ لِيَجْتَازُوا إلَى أَرْضٍ أُخْرَى فَيُقَاتِلُوا أَهْلَهَا، ثُمَّ أَغَارَ عَلَيْهِمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَهْلُ حَرْبٍ آخَرِينَ فَأَسَرُوهُمْ فَلَيْسَ عَلَيْنَا نُصْرَتُهُمْ، وَإِنْ قَدَرْنَا عَلَى ذَلِكَ بِخِلَافِ أَهْلِ الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ صَارُوا مِنَّا دَارًا، وَقَدْ الْتَزَمُوا حُكْمَ الْإِسْلَامِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمُعَامَلَاتِ\n٣٧٢٢ - فَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ نُصْرَتُهُمْ، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ نُصْرَةُ الْمُسْلِمِينَ، فَأَمَّا الْمُسْتَأْمَنُونَ فَهُمْ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ، إلَّا أَنَّهُمْ لِلْحَالِ فِي دَارِنَا بِأَمَانٍ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْنَا نُصْرَتُهُمْ","vol":"1","page":1854},{"text":"وَدَفْعُ ظُلْمِ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا عَنْهُمْ، وَاَلَّذِينَ ظَلَمُوهُمْ هُنَاكَ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ دَارِنَا وَلَا تَحْتَ وِلَايَتِنَا، فَلَا يَجِبُ عَلَيْنَا دَفْعُ ظُلْمِهِمْ عَنْهُمْ وَهَذَا لِأَنَّ لِدَارِ الْإِسْلَامِ دَارًا مُعَادِيَةً وَهِيَ دَارُ الْحَرْبِ، فَمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ إنَّمَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْمُقَامِ فِيهَا بِدَفْعِ ظُلْمِ أَهْلِ دَارِ الْمُعَادِيَةِ عَنْهُ، فَأَمَّا مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا فَهُوَ إنَّمَا دَخَلَ دَارَنَا مُجْتَازًا أَوْ لِيَقْضِيَ حَاجَتَهُ، ثُمَّ لِيَعُودَ إلَى دَارِهِ، فَفِي تَحْصِيلِ هَذَا الْمَقْصُودِ لَا حَاجَةَ إلَى دَفْعِ ظُلْمِ أَهْلِ دَارِ الْمُعَادِيَةِ عَنْهُ، وَإِنَّمَا تَتَحَقَّقُ الْحَاجَةُ إلَى دَفْعِ ظُلْمِ مَنْ فِي دَارِنَا عَنْهُ، وَمَا يَثْبُتُ مِنْ الْحُكْمِ بِاعْتِبَارِ الْحَاجَةِ فَثُبُوتُهُ بِحَسْبِ الْحَاجَةِ.\n٣٧٢٣ - وَالدَّلِيلُ عَلَى الْفَرْقِ أَنَّ الَّذِينَ ظَهَرُوا عَلَى الْمُسْتَأْمَنِينَ فَأَحْرَزُوهُمْ بِدَارِهِمْ لَوْ أَسْلَمُوا كَانُوا عَبِيدًا لَهُمْ وَاَلَّذِينَ ظَهَرُوا عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ وَأَحْرَزُوهُمْ لَوْ أَسْلَمُوا كَانُوا أَحْرَارًا، وَكَذَلِكَ لَوْ ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ مِمَّا أَخَذُوا مِنْ الْمُسْتَأْمَنِينَ فَيَكُونُ لَنَا تَمَلُّكُهُمْ عَلَيْهِمْ بِالْإِحْرَازِ، وَلَا يُمْلِكُ أَهْلُ الذِّمَّةِ عَلَيْهِمْ بِالْإِحْرَازِ بَلْ يَكُونُونَ أَحْرَارًا نَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ بِالْقِيمَةِ.\nفَعَرَفْنَا أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ فِي وُجُوبِ الْقِيَامِ بِنُصْرَتِهِمْ كَالْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِ الْمُسْتَأْمَنِينَ\n٣٧٢٤ - وَاَلَّذِي يُقَرِّرُ مَا قُلْنَا أَنَّ الَّذِينَ ظَهَرُوا عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ","vol":"1","page":1855},{"text":"لَوْ مَرُّوا بِأَهْلِ مَنَعَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَقُومُوا بِاسْتِنْقَاذِ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ أَيْدِيهِمْ، لَا يَسْعَهُمْ إلَّا ذَلِكَ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ كَانُوا إنَّمَا ظَهَرُوا عَلَى الْمُسْتَأْمَنِينَ فِي دَارِنَا ثُمَّ مَرُّوا بِهِمْ عَلَى قَوْمٍ مُمْتَنِعِينَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ الْقِيَامُ بِاسْتِنْقَاذِهِمْ مِنْ أَيْدِيهِمْ\n٣٧٢٥ - وَلَوْ كَانُوا فِي أَمَانٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَنْقُضُوا الْعَهْدَ لِاسْتِنْقَاذِ الْمُسْتَأْمَنِينَ مِنْ أَيْدِيهِمْ، بِخِلَافِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَهُنَاكَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْقُضُوا الْعَهْدَ وَيُقَاتِلُوا عَنْ ذَرَارِيِّ أَهْلِ الذِّمَّةِ، كَمَا يُقَاتِلُونَ عَنْ ذَرَارِيِّ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا حَالُ الْمُسْتَأْمَنِينَ فِي دَارِنَا كَحَالِ الْمُوَادِعِينَ\n٣٧٢٦ - وَلَوْ أَنَّ الْإِمَامَ وَادَعَ أَهْلَ بَلْدَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، بِمَالٍ أَوْ بِغَيْرِ مَالٍ، ثُمَّ قَصَدَهُمْ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ بِظُلْمٍ فَعَلَى الْإِمَامِ دَفْعُ ذَلِكَ عَنْهُمْ. وَلَوْ أَغَارَ عَلَيْهِمْ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَمْ يَكُنْ عَلَى إمَامِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَدْفَعَ ظُلْمَهُمْ عَنْهُمْ فَبِهِ يَتَّضِحُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُوَادَعِينَ وَبَيْنَ الْمُسْتَأْمَنِينَ فِي دَارِنَا فِي فَصْلٍ وَهُوَ أَنَّهُ:\n٣٧٢٧ - لَوْ قَتَلَ رَجُلٌ مِنْ الْمُوَادَعِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ فِي دَارِ","vol":"1","page":1856},{"text":"الْمُوَادَعَةِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَلَوْ قَتَلَ الْمُسْتَأْمَنُ مُسْتَأْمَنًا فِي دَارِنَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ لِأَنَّ أَهْلَ دَارِ الْمُوَادَعَةِ مَا لَزِمُوا شَيْئًا مِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُمْ وَادَعُونَا عَلَى أَلَّا تُجْرَى عَلَيْهِمْ أَحْكَامُنَا، فَكَانَتْ دَارُهُمْ دَارَ حَرْبٍ عَلَى حَالِهَا، وَالْقَتْلُ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَيْسَ بِمُوجِبٍ لِلْقِصَاصِ، فَأَمَّا الْمُسْتَأْمَنُونَ فَهُمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَحُكْمُ الْإِسْلَامِ يَجْرِي عَلَيْهِمْ مَا دَامُوا فِي دَارِنَا فِيمَا فِيهِ حَقُّ الْعِبَادِ، وَالْقِصَاصُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ\n٣٧٢٨ - قَالَ: وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَهُمْ مَنَعَةٌ دَخَلُوا دَارَنَا بِأَمَانٍ فَشَرَطُوا عَلَيْنَا أَنْ نَمْنَعَهُمْ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلَ الذِّمَّةِ فَعَلَيْنَا الْوَفَاءُ لَهُمْ بِهَذَا الشَّرْطِ، حَتَّى إذَا أَغَارَ عَلَيْهِمْ أَهْلُ الْحَرْبِ فَعَلَيْنَا الْقِيَامُ بِدَفْعِ الظُّلْمِ عَنْهُمْ لِقَوْلِهِ - ﵌ -: «الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» وَهَذَا؛ لِأَنَّ الِالْتِزَامَ بِسَبَبِ الْأَمَانِ الْتِزَامٌ بِالشَّرْطِ، فَيُنْظَرُ إلَى الشَّرْطِ كَيْفَ كَانَ\n٣٧٢٩ - وَكَذَلِكَ لَوْ وَادَعُونَا عَلَى مَالٍ مَعْلُومٍ بِهَذَا الشَّرْطِ فَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَفِيَ لَهُمْ بِالْمَشْرُوطِ عَلَيْهِمْ إنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَالِ الْمَشْرُوطِ عَلَيْهِمْ.","vol":"1","page":1857},{"text":"لِأَنَّهُمْ الْتَزَمُوا ذَلِكَ بِمُقَابَلَةِ الْحِمَايَةِ، فَإِذَا عَجَزَ عَنْ حِمَايَتِهِمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ شَيْئًا مِنْ الْمَالِ، كَمَا لَا يَأْخُذُ مِنْ أَرْبَابِ الْمَوَاشِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ الزَّكَاةَ، وَلَا يَأْخُذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ الْجِزْيَةَ وَالْخَرَاجَ، إذَا كَانَ عَاجِزًا عَنْ حِمَايَتِهِمْ بِأَنْ غَلَبَ عَلَيْهِمْ أَهْلُ الْبَغْيِ\n٣٧٣٠ - وَلَوْ كَانَ الْمُسْتَأْمَنُونَ فِي دَارِنَا قَوْمًا لَا مَنَعَةَ لَهُمْ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَدْفَعَ عَنْهُمْ مِنْ الظُّلْمِ مَا يَدْفَعُهُ عَنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، حَتَّى إذَا ظَهَرَ أَهْلُ الْحَرْبِ عَلَيْهِمْ ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ رَدُّوهُمْ أَحْرَارًا، وَإِنْ كَانُوا أَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ فَوَجَدُوا ذَلِكَ فِي الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ يَأْخُذُونَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ بِالْقِيمَةِ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ فِي مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْحُرِّيَّةُ الْمُتَأَكِّدَةُ بِمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ لَا تُنْتَقَضُ بِالْقَهْرِ\n٣٧٣١ - وَكَذَلِكَ الْمَالُ الْمَأْخُوذُ مِنْ مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ لَا يُبْطِلُ حَقَّ الْمَالِكِ الْقَدِيمِ عَنْهُ، وَفِي الْأَوَّلِ هُمْ كَانُوا مُمْتَنِعِينَ بِمَنَعَتِهِمْ لَا بِمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُمْ أَهْلُ حَرْبٍ، وَإِنْ كَانُوا فِي أَمَانٍ مِنَّا فَلَمْ تَكُنْ حُرِّيَّتُهُمْ مُتَأَكِّدَةً بِمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَلِهَذَا كَانَ الْحُكْمُ فِيهِمْ مَا بَيَّنَّا","vol":"1","page":1858},{"text":"٣٧٣٢ - وَلَوْ أَنَّ الَّذِينَ ظَهَرُوا عَلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فِي هَذَا الْفَصْلِ مَرُّوا بِهِمْ عَلَى مَنَعَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَانَ عَلَيْهِمْ الْقِيَامُ بِنُصْرَتِهِمْ وَتَخْلِيصُهُمْ مِنْ أَيْدِيهِمْ، كَمَا فِي حَقِّ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":1859},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>[بَابُ دُخُولِ الْإِمَامِ دَارَ الْحَرْبِ مَعَ الْعَسْكَرِ]</span>\nِ إذَا دَخَلَ مَعَهُ عَسْكَرٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ ٣٧٣٣ - وَلَوْ أَنَّ الْإِمَامَ دَخَلَ دَارِ الْحَرْبِ مَعَ الْعَسْكَرِ فَدَخَلَ مَعَهُ عَسْكَرٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَهُ مَنْعَةٌ بِأَمَانٍ، فَإِنْ كَانُوا دَخَلُوا بِغَيْرِ أَمْرِ الْإِمَامِ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ قَوْمٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَلَيْسَ عَلَى الْإِمَامِ وَلَا عَلَيْهِمْ نُصْرَتُهُمْ، إلَّا أَنْ يَشَاءُوا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ بِالْأَمَانِ الْمُطْلَقِ الْتَزَمُوا تَرْكِ التَّعَرُّضِ لَهُمْ، وَمَا الْتَزَمُوا الدَّفْعَ عَنْهُمْ\n٣٧٣٤ - وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ أَمَرَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوا لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْقِتَالِ مَعَهُمْ أَوْ التِّجَارَةِ أَوْ لِمُدَاوَاةِ الْجَرْحَى فَعَلَيْهِمْ نُصْرَتُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ حِينَ أَمَرَهُمْ بِالدُّخُولِ لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ الْتَزَمَ حِفْظَهُمْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَحْفَظُ الْمُسْلِمِينَ، وَعَلَيْهِ الْقِيَامُ بِنُصْرَةِ الْمُسْلِمِينَ إذَا قَصَدَهُمْ الْعَدُوُّ وَعَلَى هَذَا قَالَ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ إذَا أَخَذَهُمْ أَهْلُ الْحَرْبِ فَأَحْرَزُوهُمْ ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ كَانُوا فَيْئًا وَفِي الْفَصْلِ الثَّانِي كَانُوا أَحْرَارًا عَلَى حَالِهِمْ.","vol":"1","page":1860},{"text":"٣٧٣٥ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَحْرَزُوا مَتَاعَهُمْ ثُمَّ وَقَعَ فِي الْغَنِيمَةِ لَمْ يُرَدَّ عَلَيْهِمْ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، وَيُرَدُّ عَلَيْهِمْ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي، قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ فَإِنْ أَسْلَمَ أَهْلُ الْحَرْبِ الَّذِينَ أَسَرُوهُمْ كَانُوا عَبِيدًا لَهُمْ فِي الْفَصْلَيْنِ.\nوَهَذَا مُشْكِلٌ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَوْ ظَهَرُوا عَلَيْهِمْ كَانُوا أَحْرَارًا كَمَا بَيَّنَّا، فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي إذَا أَسْلَمَ الَّذِينَ أَخَذُوهُمْ أَنْ يَكُونُوا أَحْرَارًا أَيْضًا، كَمَا لَوْ أَسَرُوا الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَهْلَ الذِّمَّةِ ثُمَّ أَسْلَمُوا، وَلَكِنَّ الْجَوَابَ أَنْ نَقُولَ: هَذَا حُكْمٌ ثَبَتَ بِاعْتِبَارِ الْتِزَامِ الْإِمَامِ، فَإِنَّمَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَفِي حَقِّ مَنْ كَانَ تَحْتَ وِلَايَتِهِ حِينَ الْتَزَمَ، وَاَلَّذِينَ أَسْلَمُوا مَا كَانُوا تَحْتَ وِلَايَتِهِ يَوْمَئِذٍ، وَقَدْ مَلَكُوهُمْ بِالْإِحْرَازِ فَإِذَا أَسْلَمُوا كَانُوا عَبِيدًا لَهُمْ، لِقَوْلِهِ - ﵌ -: «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى مَالٍ فَهُوَ لَهُ»\n٣٧٣٦ - وَإِنْ لَمْ يَأْمُرْهُمْ الْإِمَامُ بِالدُّخُولِ وَلَكِنَّهُمْ سَأَلُوهُ أَنْ يَدْخُلُوا لِيَتَّجِرُوا مَعَ الْعَسْكَرِ فَحَالُهُمْ كَحَالِ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُمْ دَخَلُوا لِمَنْفَعَةِ أَنْفُسِهِمْ، وَالْإِمَامُ بِمُجَرَّدِ الْإِذْنِ لَا يَكُونُ مُلْتَزِمًا نُصْرَتَهُمْ، كَمَا لَا يَكُونُ مُلْتَزِمًا ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الْأَمَانِ\n٣٧٣٧ - وَاَلَّذِي دَخَلَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَعَلَيْهِ أَلَّا يَغْدِرَ بِهِمْ، وَأَلَّا يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ الْوَفَاءَ لَهُمْ بِحَسَبِ مَا يَفُونَ لَهُ، بِخِلَافِ الْأَسِيرِ فِيهِمْ ثُمَّ كَمَا لَا يَجُوزُ لِلْمُسْتَأْمَنِ أَنْ يَقْتُلَهُمْ أَوْ يَأْخُذَ مَالُهُمْ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْمُرَ الْأَسِيرَ بِذَلِكَ.","vol":"1","page":1861},{"text":"لِأَنَّ فِعْلَ الْمَأْمُورِ مِنْ وَجْهٍ كَأَنَّهُ فِعْلُ الْآمِرِ.\n٣٧٣٨ - وَإِنْ كَانَ (هَذَا) الْمُسْتَأْمَنُ مُفْتِيًا فَاسْتَفْتَاهُ الْأَسِيرُ أَيَحِلُّ لِي أَنْ أَقْتُلَهُمْ وَآخُذَ مَالَهُمْ؟ فَلَهُ أَنْ يُفْتِيَهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي الْإِفْتَاءِ بَيَانَ حُكْمِ الشَّرْعِ، وَلَيْسَ فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْأَمْرِ شَيْءٌ، وَهُوَ بِعَقْدِ الْأَمَانِ مَا الْتَزَمَ الِامْتِنَاعَ مِنْ بَيَانِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ أَلَا تَرَى - أَنَّ الْمُحْرِمَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ الصَّيْدَ، وَلَا أَنْ يَأْمُرَ بِهِ الْحَلَالَ ثُمَّ لَوْ كَانَ مُفْتِيًا فَاسْتَفْتَاهُ حَلَالٌ أَيَحِلُّ لِي قَتْلُ الصَّيْدِ مُطْلَقًا؟ كَانَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَهُ بِذَلِكَ. فَعَرَفْنَا أَنَّ الْإِفْتَاءَ لَيْسَ بِأَمْرٍ.\n٣٧٣٩ - وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَادَعُوا الْمُسْلِمِينَ بِخَرَاجٍ مَعْلُومٍ كُلَّ سَنَةٍ، عَلَى أَلَّا يُجْرِيَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ أَحْكَامَهُمْ، وَعَلَى أَنْ يَمْنَعُوهُمْ مِنْ عَدُوِّهِمْ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَسَبَوْا نِسَاءَهُمْ وَذَرَارِيِّهِمْ، ثُمَّ اسْتَنْقَذَهُمْ الْمُسْلِمُونَ بَعْد ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الِاسْتِنْقَاذُ فِي سِنِي الْمُوَادَعَةِ رَدُّوهُمْ أَحْرَارًا كَمَا كَانُوا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ انْقِضَاءِ سِنِي الْمُوَادَعَةِ كَانُوا فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُمْ الْتَزَمُوا نُصْرَتَهُمْ فِي سِنِي الْمُوَادَعَةِ لَا بَعْدَهَا، وَعَلَيْهِمْ الْوَفَاءُ بِمَا الْتَزَمُوا خَاصَّةً\n٣٧٤٠ - وَعَلَى هَذَا لَوْ وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ ثُمَّ وَقَعَتْ","vol":"1","page":1862},{"text":"فِي الْغَنِيمَةِ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ انْقِضَاءِ سِنِي الْمُوَادَعَةِ لَمْ يَجِبْ رَدُّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَ فِي سِنِي الْمُوَادَعَةِ فَإِنْ وَجَدُوهَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذُوهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدُوهَا بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذُوهَا بِالْقِيمَةِ إنْ أَحَبُّوا، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي أَمْوَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلَوْ أَسْلَمَ أَهْلُ الْحَرْبِ فِي سِنِي الْمُوَادَعَةِ أَوْ بَعْدَهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ رَدُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَلَا مِنْ ذَرَارِيِّهِمْ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْتِزَامِ الْأَمَانِ بِالْمُوَادَعَةِ لَمْ يَثْبُتُ فِي حَقِّهِمْ، إذَا لَمْ يَكُونُوا تَحْتَ وِلَايَتِهِ يَوْمئِذٍ - ثُمَّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ ذَكَرْنَا لَوْ أَنَّ الْعَدُوَّ قَاتَلَهُمْ فِي سِنِي الْمُوَادَعَةِ وَعَجَزَ الْإِمَامُ عَنْ نُصْرَتِهِمْ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ الْخَرَاجِ الْمَشْرُوطِ، وَلَوْ كَانَ أَخَذَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ مَا أَعْطَوْهُ، إلَّا إنْ اسْتَنْقَذَ ذَلِكَ مِنْ أَيْدِيهمْ فِي سِنِي الْمُوَادَعَةِ، فَأَمَّا إذَا أَسْلَمَ الَّذِينَ قَهَرُوهُمْ فَعَلَى الْإِمَامِ رَدُّ مَا أَخَذَ مِنْهُمْ أَيْضًا، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ إنَّمَا أَخَذَ الْخَرَاجَ عَلَى النُّصْرَةِ، فَإِذَا عَجَزَ عَنْ النُّصْرَةِ حِسًّا أَوْ حُكْمًا كَانَ عَلَيْهِ رَدُّ مَا أَخَذَ مِنْهُمْ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":1863},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>[بَابُ الْوَقْتِ الَّذِي يَتَمَكَّنُ الْمُسْتَأْمَنُ فِيهِ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى أَهْلِهِ]</span>\nبَابُ بَيَانِ الْوَقْتِ الَّذِي يَتَمَكَّنُ الْمُسْتَأْمَنُ فِيهِ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى أَهْلِهِ وَالْوَقْتِ الَّذِي لَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنْ الرُّجُوعِ ٣٧٤٢ - قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمَرْأَةَ تَابِعَةٌ لِلزَّوْجِ فِي الْمُقَامِ، وَالزَّوْجَ لَا يَكُونُ تَابِعًا لِامْرَأَتِهِ، فَإِذَا تَزَوَّجَتْ الْمُسْتَأْمَنَةُ فِي دَارِنَا مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا صَارَتْ ذِمِّيَّةً، لَا تَتَمَكَّنُ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، بِخِلَافِ الْمُسْتَأْمَنِ إذَا تَزَوَّجَ ذِمِّيَّةً وَعَلَى هَذَا لَوْ دَخَلَ رَجُلٌ مَعَ امْرَأَتِهِ إلَيْنَا بِأَمَانٍ ثُمَّ صَارَ الزَّوْجُ ذِمِّيًّا فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَرْجِعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَمَ وَهِيَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ بَيْنَهُمَا مُسْتَقِرٌّ بَعْدَ إسْلَامِهِ\n٣٧٤٣ - بِخِلَافِ مَا إذَا أَسْلَمَ وَهِيَ مَجُوسِيَّةٌ فَالنِّكَاحُ هَا هُنَا غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ بَيْنَهُمَا، فَأَمَّا إذَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ عَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهَا أَوْ بَعْدَ مُضِيِّ ثَلَاثِ حِيَضٍ كَانَ لَهَا أَنْ تَرْجِعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَبِوُقُوعِ الْفُرْقَةِ هَا هُنَا بِمُضِيِّ ثَلَاثِ حِيَضٍ تَبَيَّنَ أَنَّهَا لَمْ تَصِرْ ذِمِّيَّةً","vol":"1","page":1864},{"text":"لِأَنَّهَا لَوْ صَارَتْ ذِمِّيَّةً لَمْ تَقَعْ الْفُرْقَةُ بِإِبَاءِ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ قَضَاءِ الْقَاضِي كَمَا لَوْ كَانَا ذِمِّيَّيْنِ فِي الِابْتِدَاءِ.\n٣٧٤٤ - وَعَلَى هَذَا لَوْ تَزَوَّجَ مُسْتَأْمَنٌ مُسْتَأْمَنَةً فِي دَارِنَا ثُمَّ صَارَ الرَّجُلُ ذِمِّيًّا كَانَتْ ذِمِّيَّةً مِثْلَهُ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ الَّذِي بَاشَرَاهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يَكُونُ دُونَ نِكَاحٍ بَاشَرَاهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَكَذَلِكَ لَوْ دَخَلَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ إلَيْنَا بِأَمَانٍ ثُمَّ تَبِعَهُ صَاحِبُهُ بِأَمَانٍ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ بَيْنَهُمَا قَائِمٌ، فَلَمْ تَتَبَايَنْ بِهِمَا الدَّارُ حُكْمًا\n٣٧٤٥ - وَإِنْ دَخَلَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ صَاحِبِهِ بِأَمَانٍ فَهَذَا وَمَا لَوْ دَخَلَا مَعًا فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّفْرِيعِ سَوَاءٌ، فَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ هِيَ الَّتِي أَسْلَمَتْ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْفُصُولِ فَلِلزَّوْجِ أَنْ يَرْجِعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، إلَّا أَنَّهَا إنْ طَالَبَتْهُ بِالصَّدَاقِ فَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَهَا أَنْ تَمْنَعَهُ مِنْ الرُّجُوعِ حَتَّى يُوَفِّيَهَا مَهْرَهَا، وَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَيْسَ لَهَا ذَلِكَ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَصْلٍ مَعْرُوفٍ أَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ لَا يُطَالَبُ بِمُوجِبِ الْمُعَامَلَةِ الْمَوْجُودَةِ مِنْهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَهُوَ مُطَالَبٌ بِمُوجِبِ الْمُعَامَلَةِ الْمَوْجُودَةِ مِنْهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَوُجُوبُ الصَّدَاقِ بِعَقْدِ النِّكَاحِ، فَإِذَا كَانَ","vol":"1","page":1865},{"text":"أَصْلُ الْعَقْدِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَالِبَهُ بِمُوجِبِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَأْمَنٌ عَلَى حَالِهِ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُ الْعَقْدِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَانَ لَهَا أَنْ تُطَالِبَهُ بِمُوجِبِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَتَحْبِسَهُ لِأَجْلِهِ\n٣٧٤٦ - وَلَوْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ، وَهِيَ كِتَابِيَّةٌ، ثُمَّ أَنْكَرَتْ أَصْلَ النِّكَاحِ بَيْنَهُمَا، فَأَقَامَ الزَّوْجُ بَيِّنَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى أَصْلِ النِّكَاحِ، أَوْ عَلَى إقْرَارِهَا بِهِ، فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَلْتَفِتْ الْقَاضِي إلَى هَذِهِ الْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّهَا مُسْتَأْمَنَةٌ فِي الظَّاهِرِ، فَإِنَّهَا مُنْكِرَةٌ لِلنِّكَاحِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ، وَبِاعْتِبَارِ النِّكَاحِ تَصِيرُ ذِمِّيَّةً، فَهَذِهِ بَيِّنَةٌ تَقُومُ عَلَى مُسْتَأْمَنَةٍ، لِمُعَامَلَةٍ كَانَتْ بِهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَالْقَاضِي لَا يَقْبَلُ الْبَيِّنَةَ فِي ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَإِنْ قِيلَ: الشُّهُودُ يَشْهَدُونَ عَلَيْهَا أَنَّهَا قَدْ صَارَتْ ذِمِّيَّةً لِكَوْنِهَا تَحْتَ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقْبَلَ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ لِإِثْبَاتِ هَذَا الْحُكْمِ، قُلْنَا: هَذَا الْحُكْمُ إنَّمَا يَثْبُتُ ضِمْنًا بِثُبُوتِ الْحُكْمِ الْمَشْهُودِ بِهِ، وَهَذِهِ الْبَيِّنَةُ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ لِلْقَضَاءِ بِمَا هُوَ الْأَصْلُ، وَمَا يَثْبُتُ ضِمْنًا لِلشَّيْءِ فَثُبُوتُهُ بِثُبُوتِ الْأَصْلِ، وَهُوَ نَظِيرُ الْمُشْتَرِي لِلْجَارِيَةِ إذَا ادَّعَى عَلَى الْبَائِعِ أَنَّهَا مَنْكُوحَةُ فُلَانٍ الْغَائِبِ، وَأَرَادَ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ لِيَقْضِيَ الْقَاضِي عَلَيْهِ بِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ لَمْ يَسْمَعْ الْقَاضِي مِنْهُ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ، قَبْلَ حُضُورِ الزَّوْجِ لِهَذَا الْمَعْنَى","vol":"1","page":1866},{"text":"٣٧٤٧ -. وَإِنْ أَقَامَ الزَّوْجُ عَلَيْهَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا أَقَرَّتْ بِالنِّكَاحِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ قَبِلَ الْقَاضِي بَيِّنَتَهُ، وَمَنَعَهَا مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَقَرَّتْ بِهِ بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ بِإِقْرَارٍ كَانَ مِنْهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ قِيلَ: كَانَ يَنْبَغِي أَلَّا يَقْبَلَ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ أَيْضًا لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُلْزِمَ هُوَ الْعَقْدُ لَا الْإِقْرَارُ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ ادَّعَى مُسْلِمٌ عَلَيْهَا دَيْنًا بِسَبَبِ مُعَامَلَةٍ كَانَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهَا أَقَرَّتْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ بِالْمُعَامَلَةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْبَلُ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ. قُلْنَا: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ، فَإِنَّ النِّكَاحَ مُسْتَدَامٌ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَمِنْ الْأَحْكَامِ مَا يَتَعَلَّقُ بِاسْتِدَامَتِهِ كَالنَّفَقَةِ، فَإِنَّهَا تَجِبُ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَإِقْرَارُهَا بِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ يُجْعَلُ بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَاءِ الْمُعَامَلَةِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ. بِخِلَافِ الْمُدَايِنَةِ.\nأَلَا تَرَى - أَنَّهَا لَوْ تَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ آخَرِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَأَقَامَ الزَّوْجُ الْأَوَّلُ الْبَيِّنَةَ عَلَى إقْرَارِهَا بِالنِّكَاحِ لَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِالزَّوْجِ الثَّانِي، أَلَم يَكُنْ الْقَاضِي يُفَرِّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الثَّانِي؟ أَرَأَيْت لَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ هِيَ الَّتِي خَاصَمَتْ فِي النَّفَقَةِ أَوْ زَعَمَتْ أَنَّهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَأَقَامَتْ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ أَمَا كَانَ الْقَاضِي يَقْبَلُ مِنْهَا هَذِهِ الْبَيِّنَةَ؟ هَذَا كُلُّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْقَوْلِ بِهِ لِلْفِقْهِ الَّذِي بَيَّنَّا\n٣٧٤٨ - وَإِذَا أَطَالَ الْمُسْتَأْمَنُ الْمُقَامِ فِي دَارِنَا يَتَقَدَّمُ إلَيْهِ الْإِمَامُ فِي الْخُرُوجِ، وَيُوَقِّتُ لَهُ فِي ذَلِكَ وَقْتًا، وَلَا يُرْهِقُهُ عَلَى وَجْهٍ يُؤَدِّي إلَى الْإِضْرَارِ بِهِ","vol":"1","page":1867},{"text":"لِأَنَّهُ نَاظِرٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، فَكَمَا يَمْنَعُهُ مِنْ إطَالَةِ الْمُقَامِ بِغَيْرِ خَرَاجٍ نَظَرًا مِنْهُ لِلْمُسْلِمِينَ، لَمْ يُرْهِقْهُ فِي التَّوْقِيتِ نَظَرًا مِنْهُ لِلْمُسْتَأْمَنِ\n٣٧٤٩ - فَإِنْ اشْتَرَى أَرْضًا مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ أَوْ مِنْ أَرْضِ الْعُشْرِ فَزَرْعهَا فَوَجَبَ عَلَيْهِ فِيهَا خَرَاجٌ أَوْ عُشْرٌ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْهُ - وَأَخَذَ مِنْهُ خَرَاجَ رَأْسِهِ أَيْضًا وَإِنَّمَا تُبْنَى هَذِهِ الْفُصُولُ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَإِنَّ عِنْدَهُ إذَا اشْتَرَى الْكَافِرُ أَرْضًا عُشْرِيَّةً بَقِيَتْ عُشْرِيَّةً عَلَى حَالِهَا، ثُمَّ ظَنَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ إنَّمَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا بِاعْتِبَارِ مَا بَاشَرَ مِنْ الصُّنْعِ، وَهُوَ شِرَاءُ الْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ، فَإِنَّهُ دَلَالَةُ الرِّضَاءِ بِالْتِزَامِ الْخَرَاجِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ هَذَا الْحُكْمَ فِي الْإِرْثِ وَالشِّرَاءِ سَوَاءٌ، وَفِي الْمِيرَاثِ يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ بِغَيْرِ صُنْعِهِ شَاءَ أَوْ أَبَى، وَلَكِنْ إنَّمَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ خَرَاجُ أَرْضِهِ بِأَنْ زَرَعَهَا أَوْ تَمَكَّنَ مِنْ الزِّرَاعَةِ حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ شِرَاءِ الْأَرْضِ، قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهَا، وَكَانَ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ خَرَاجَ الرَّأْسِ فِي حُكْمِ التَّبَعِ لِخَرَاجِ الْأَرْضِ، فَإِنَّ وِلَايَةَ الْمَنِّ لِلْإِمَامِ بَعْدَ فَتْحِ الْبَلْدَةِ عَنْوَةً بِاعْتِبَارِ مَنْفَعَةِ خَرَاجِ الْأَرْضِ، لَا بِاعْتِبَارِ مَنْفَعَةِ خَرَاجِ الرَّأْسِ، لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَدَامٍ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْ الذِّمِّيِّ بِمَوْتِهِ وَإِسْلَامِهِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْأَصْلَ خَرَاجُ الْأَرْضِ، وَثُبُوتُ التَّبَعِ بِثُبُوتِ الْأَصْلِ، فَإِذَا لَزِمَهُ خَرَاجُ الْأَرْضِ لَزِمَهُ خَرَاجُ الرَّأْسِ تَبَعًا، فَإِنْ اسْتَأْجَرَهَا وَأَقَامَ حَتَّى زَرَعَهَا فَأَخَذَ مِنْهُ الْخَرَاجَ كَانَ ذِمِّيًّا أَيْضًا، وَهَذَا غَلَطٌ بَيِّنٌ، فَإِنَّ الْخَرَاجَ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى الْآجِرِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ خَرَاجَ الْمُقَاسَمَةِ، وَذَلِكَ جُزْءٌ مِنْ الْخَرَاجِ، بِمَنْزِلَةِ الْعُشْرِ فَيَكُونُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَالْعُشْرِ، فَأَمَّا خَرَاجُ الْوَظِيفَةِ فَدَرَاهِمُ فِي ذِمَّةِ الْآجِرِ، تَجِبُ بِاعْتِبَارِ تَمَكُّنِهِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالْأَرْضِ.","vol":"1","page":1868},{"text":"قَالَ: وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا عُشْرِيَّةً فَأَقَامَ حَتَّى زَرَعَهَا وَهَذَا مُسْتَقِيمٌ هَا هُنَا، فَإِنَّ الْعُشْرَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَالْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ كُلّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مَئُونَةُ الْأَرْضِ النَّامِيَةِ، فَكَمَا أَنَّ بِوُجُوبِ الْخَرَاجِ عَلَيْهِ يَصِيرُ ذِمِّيًّا فَكَذَلِكَ بِوُجُوبِ الْعُشْرِ عَلَيْهِ قُلْنَا يَصِير ذِمِّيًّا\n٣٧٥٠ - وَلَوْ دَخَلَ حَرْبِيٌّ إلَيْنَا بِأَمَانٍ وَمَعَهُ رَقِيقٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَأَسْلَمُوا أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهِمْ، وَلَمْ يُتْرَكْ يَخْرُجُ بِهِمْ؛ لِأَنَّ حَالَهُمْ فِي هَذَا لَا يَكُونُ فَوْقَ حَالِ الذِّمِّيِّ، وَلَا يَصِيرُ هُوَ ذِمِّيًّا بِإِسْلَامِهِمْ، لِأَنَّ الْمَالِكَ لَا يَكُونُ تَبَعًا لِلْمَمْلُوكِ فِي الْمَقَامِ، كَمَا لَا يَكُونُ الزَّوْجُ تَبَعًا لِامْرَأَتِهِ.\nفَإِنْ قَالُوا نَصِيرُ ذِمَّةً لِلْمُسْلِمِينَ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى ذَلِكَ وَهَذَا بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ فَإِنَّ لَهَا أَنْ تَصِيرَ ذِمَّةً لِلْمُسْلِمِينَ بِدُونِ الزَّوْجِ، وَفِي الْمَوْضِعَيْنِ لَا يَحْصُلُ لِلْمُسْلِمِينَ مَنْفَعَةُ الْخَرَاجِ، إذْ لَا جِزْيَةَ عَلَى الْمَرْأَةِ كَمَا لَا جِزْيَةَ عَلَى الْعَبْدِ، وَلَكِنَّ الْفَرْقَ أَنَّ الْمَرْأَةَ حُرَّةٌ تَسْتَبِدُّ بِمُبَاشَرَةِ الْعُقُودِ، فَتَصِحُّ مِنْهَا مُبَاشَرَةُ عَقْدِ الذِّمَّةِ، فَأَمَّا الْعَبْدُ مَمْلُوكٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ مُبَاشَرَةُ عَقْدِ الذِّمَّةِ، لِأَنَّهُ يَعْتَمِدُ الْمُرَاضَاةَ قَالَ\n٣٧٥١ - وَلَوْ دَخَلَ حَرْبِيٌّ مَعَ امْرَأَتِهِ دَارَنَا بِأَمَانٍ، وَمَعَهُمَا أَوْلَادٌ صِغَارٌ وَكِبَارٌ، فَأَسْلَمَ أَحَدُهُمَا، فَالصِّغَارُ مِنْ الْأَوْلَادِ صَارُوا مُسْلِمِينَ تَبَعًا لِلَّذِي أَسْلَمَ مِنْهُمَا، وَأَمَّا الْكِبَارُ مِنْهُمْ لَا يَكُونُونَ مُسْلِمِينَ، وَلَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا إلَى دَارِ الْحَرْبِ ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إنَاثًا","vol":"1","page":1869},{"text":"لِأَنَّ مَعْنَى التَّبَعِيَّةِ يَنْتَهِي بِالْبُلُوغِ عَنْ عَقْلٍ، وَلَا يَكُونُ لِلْوَالِدَيْنِ مَنْعُهُمْ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، كَمَا لَا يَكُونُ لَهُمَا مَنْعُ سَائِرِ الْقَرَابَاتِ مِنْ ذَلِكَ\n٣٧٥٢ - وَلَوْ صَارَ أَحَدُهُمَا ذِمِّيًّا كَانَ الصِّغَارُ مِنْ الْأَوْلَادِ تَبَعًا لَهُ لِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ فِيهِ الْتِزَامُ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمُعَامَلَاتِ وَالصَّغِيرُ فِي مِثْلِ هَذَا تَبَعُ خَيْرِ الْوَالِدَيْنِ (أَلَا تَرَى) أَنَّهُمَا لَوْ كَانَا مَجُوسِيَّيْنِ فَتَنَصَّرَ أَحَدُهُمَا كَانَ الصَّغِيرُ نَصْرَانِيًّا، يُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ تَبَعًا لَهُ، فَكَذَلِكَ إذَا قَبِلَ أَحَدُهُمَا الذِّمَّةَ كَانَ الصَّغِيرُ ذِمِّيًّا تَبَعًا لَهُ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْمَرْأَةُ هِيَ الَّتِي قَبِلَتْ الذِّمَّةَ أَوْ الرَّجُلُ (أَلَا تَرَى) أَنَّهُمَا لَوْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ فَارْتَدَّ الزَّوْجُ وَلَحِقَ بِالصَّغِيرِ دَارَ الْحَرْبِ، ثُمَّ سُبِيَ لَمْ يَكُنْ فَيْئًا، وَجُعِلَ حُرًّا مِنْ أَهْلِ دَارِنَا بِاعْتِبَارِ حَالِ أُمِّهِ، فَهَذَا قِيَاسُهُ\n-\n٣٧٥٣ - وَلَوْ أَنَّ غُلَامًا صَغِيرًا خَرَجَ بِهِ أَخُوهُ أَوْ عَمُّهُ بِأَمَانٍ ثُمَّ أَسْلَمَ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَوْ صَارَ ذِمِّيًّا فَالْغُلَامُ لَا يَكُونُ تَبَعًا لَهُ فِي ذَلِكَ، وَلَكِنْ يُسْتَأْنَى بِهِ حَتَّى يَبْلُغَ فَإِنْ شَاءَ رَجَعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ وَإِنْ شَاءَ الْتَزَمَ عَقْدَ الذِّمَّةِ فِينَا؛ لِأَنَّ الذِّمَّةَ خَلَفٌ عَنْ الْإِسْلَامِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمُعَامَلَاتِ، وَالصَّغِيرُ لَا يَتْبَعُ أَخَاهُ فِي الْإِسْلَامِ، فَكَذَلِكَ فِي حُكْمِ الذِّمَّةِ، وَإِنَّمَا أَدْخَلَهُ مِنْ أَدْخَلَهُ بِأَمَانٍ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ صَيْرُورَتَهُ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا حَتَّى يُحْكَمَ لَهُ بِالْإِسْلَامِ تَبَعًا لِلدَّارِ، بِخِلَافِ الصَّغِيرِ إذَا سُبِيَ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدُ أَبَوَيْهِ","vol":"1","page":1870},{"text":"٣٧٥٤ - وَلَوْ كَانَ الَّذِي أَخْرَجَهُ قَالَ: آمِنُونِي عَلَى أَنْ أَصِيرَ ذِمَّةً لَكُمْ أَنَا وَهَذَا الْغُلَامُ، فَآمَنُوهُ عَلَى ذَلِكَ صَارَا ذِمِّيَّيْنِ؛ لِأَنَّ لِمَنْ أَخْرَجَهُ وِلَايَةُ حِفْظِهِ، فَكَانَ لَهُ وِلَايَةُ عَقْدِ الذِّمَّةِ عَلَيْهِ أَيْضًا لِمَا فِيهِ مِنْ مَحْضِ الْمَنْفَعَةِ لِلصَّغِيرِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَبُولِ الْهِبَةِ وَالْقَبْضِ فِي ذَلِكَ\n٣٧٥٥ -، وَلَوْ أَنَّ جَدَّ الصَّبِيِّ أَبٌ أَبِيهِ أَدْخَلَهُ إلَيْنَا بِأَمَانٍ ثُمَّ أَسْلَمَ أَوْ صَارَ ذِمِّيًّا فَالْجَوَابُ كَذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ أَبُ الصَّغِيرِ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا وَهَذَا بِنَاءً عَلَى مَا ذُكِرَ فِي ظَاهِرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ أَنَّ الصَّغِيرَ لَا يَصِيرُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ جَدِّهِ، فَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، يَصِيرُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ جَدِّهِ، كَمَا يَصِيرُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ الْأَبِ، وَإِنَّمَا يُفَارِقُ الْجَدُّ الْأَبَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فِي أَرْبَعَةِ أَحْكَامٍ، حُكْمِ الْإِسْلَامِ - وَحُكْمِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَحُكْمِ الْوَصِيَّةِ لِأَقْرِبَاءِ فُلَانٍ وَحُكْمِ جَرِّ الْوَلَاءِ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ الْجَدُّ كَالْأَبِ فِي الْفُصُولِ كُلِّهَا، وَالصَّحِيحُ مَا ذُكِرَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، فَإِنَّ الصَّغِيرَ لَوْ صَارَ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ الْجَدِّ الْأَدْنَى لَصَارَ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ الْجَدِّ الْأَعْلَى، فَيُؤَدِّي إلَى الْقَوْلِ بِلُزُومِ حُكْمِ الرِّدَّةِ لِكُلِّ كَافِرٍ، لِأَنَّهُمْ أَوْلَادُ آدَمَ وَنُوحٍ - ﵉ -.\n٣٧٥٦ - فَإِنْ خَرَجَ بِالصَّغِيرِ أَحَدُ أَبَوَيْهِ مُسْتَأْمَنًا بَعْدَ إسْلَامِ الْجَدِّ، أَوْ خَرَجَ بِهِ أَخُوهُ، كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ، وَلَيْسَ لِلْجَدِّ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِلْجَدِّ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ الْمُخَالَفَةِ فِي الدِّينِ، فَكَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَلِلْأَخِ أَنْ يَرُدَّهُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ كَمَا جَاءَ بِهِ","vol":"1","page":1871},{"text":"٣٧٥٧ - وَلَوْ جَاءَ أَخُوهُ لِيَأْخُذَهُ فَيَرُدَّهُ، وَأَبُوهُ حَيٌّ، لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ سَبِيلٌ، وَمُرَادُهُ إذَا كَانَ الْأَبُ حَيًّا مُسْتَأْمَنًا فِي دَارِنَا، لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِلْأَخِ مَعَ قِيَامِ الْأَبِ.\n٣٧٥٨ - وَكَذَلِكَ لَوْ خَرَجَ عَمُّهُ لِيَأْخُذَهُ وَأَخُوهُ حَيٌّ، فَالْعَمُّ فِي حُكْمِ الْوِلَايَةِ كَالْأَجْنَبِيِّ مَعَ الْأَخِ، وَلَوْ خَرَجَتْ أُمُّهُ لِتَأْخُذَهُ، وَأَبُوهُ حَيٌّ أَوْ قَدْ مَاتَ، وَلَهُ أَخٌ، فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ صَغِيرًا لَمْ يَسْتَغْنِ عَنْ أُمِّهِ كَانَ لَهَا أَنْ تَأْخُذَهُ؛ لِأَنَّهَا أَحَقُّ بِالْحَضَانَةِ مَا لَمْ يَسْتَغْنِ عَنْهَا، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِأَنْ تَرُدَّهُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ\n٣٧٥٩ - فَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً فَمَا لَمْ تَحِضْ كَانَتْ الْأُمُّ أَحَقَّ بِحَضَانَتِهَا، فَلَهَا أَنْ تَرُدَّهَا، وَإِنْ كَانَ الْغُلَامُ قَدْ اسْتَغْنَى فَلَيْسَ لِأُمِّهِ أَنْ تَأْخُذَهُ، وَالْأَخُ أَحَقُّ بِهِ إذَا كَانَ الْأَبُ مَيِّتًا؛ لِأَنَّ مُدَّةَ الْحَضَانَةِ تَنْتَهِي فِي حَقِّ الْغُلَامِ إذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ وَحْدَهُ\n٣٧٦٠ - وَكَذَلِكَ إنْ حَاضَتْ الْجَارِيَةُ فَلَيْسَ لِلْأُمِّ أَنْ تَرْجِعَ بِهَا، وَلَكِنْ الرَّأْيُ إلَيْهَا إنْ شَاءَتْ رَجَعَتْ وَإِنْ شَاءَتْ صَارَتْ ذِمِّيَّةً، فَإِنْ كَانَتْ الْأُمُّ قَدْ تَزَوَّجَتْ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَرْجِعَ بِالصَّغِيرِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَقَّ كَانَ لَهَا بِنَاءً عَلَى حَقِّ الْحَضَانَةِ وَلَيْسَ لَهَا ذَلِكَ بَعْدَمَا تَزَوَّجَتْ","vol":"1","page":1872},{"text":"٣٧٦١ - وَإِنْ أَسْلَمَتْ الْأُمُّ أَوْ صَارَتْ ذِمِّيَّةً فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ أَقْرِبَاءِ الصَّغِيرِ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْمَرْأَةُ ذَاتَ زَوْجٍ أَوْ لَمْ تَكُنْ؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَ صَارَ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا تَبَعًا لَهَا، فَبِوُجُودِ الزَّوْجِ لَهَا لَا يَنْقَطِعُ مَعْنَى التَّبَعِيَّةِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا قَالَ إذَا سُبُوا جَمِيعًا ثُمَّ أَسْلَمَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ فَإِنَّ الصَّبِيَّ يَصِيرُ مُسْلِمًا تَبَعًا لَهُ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي أَسْلَمَ مِنْهُمَا مَمْلُوكًا لَيْسَ لَهُ مِنْ أَمْرِ الصَّغِيرِ شَيْءٌ فَكَذَلِكَ، إذَا كَانَتْ الْأُمُّ ذَاتَ زَوْجٍ\n٣٧٦٢ - وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ دَخَلُوا إلَيْنَا بِأَمَانٍ، ثُمَّ أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا إلَى دَارِ حَرْبٍ أُخْرَى لِيَكُونُوا مَعَهُمْ، يُقَاتِلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ، فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُمَكِّنُوهُمْ مِنْ ذَلِكَ. لِأَنَّهُمْ بِالْأَمَانِ الْتَزَمُوا تَرْكَ التَّعَرُّضِ لَهُمْ وَتَمْكِينَهُمْ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِهِمْ، فَفِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ كَانَ لَهُمْ حَقُّ الْمَنْعِ مِمَّا يُؤَدِّي إلَى الْإِضْرَارِ بِالْمُسْلِمِينَ (أَلَا تَرَى) أَنَّهُمْ لَوْ جَاءُوا بِأَسْلِحَةٍ مِنْ دَارِهِمْ فَأَرَادُوا إدْخَالَ ذَلِكَ دَارَ حَرْبٍ أُخْرَى لِلْبَيْعِ فِيهَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يُمْنَعُوا مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانُوا لَا يُمْنَعُونَ مِنْ الرُّجُوعِ بِهِمْ إلَى دَارِهِمْ، فَكَذَلِكَ حَالُ الْمُقَاتِلَةِ؛ لِأَنَّ آلَةَ الْقِتَالِ فِي مَعْنَى الضَّرَرِ دُونَ الْمُقَاتِلِ، وَكَانَ الْمَعْنَى فِيهِ وَهُوَ أَنَّ بَعْضَ الْأَسْلِحَةِ قَدْ يَكْثُرُ وُجُودُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَيَعِزُّ وُجُودُهُ فِي دَارِ حَرْبٍ أُخْرَى","vol":"1","page":1873},{"text":"فَإِذَا حُمِلَ مِنْ دَارٍ إلَى دَارٍ حَتَّى صَارَ مَوْجُودًا فِي الدَّارَيْنِ يَقْوَى الْفَرِيقَانِ بِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَفِيهِ مِنْ الضَّرَرِ مَا لَا يَخْفَى، بِخِلَافِ مَا إذَا رَجَعُوا بِهِ إلَى دَارِهِمْ\n٣٧٦٣ - وَإِنْ كَانَ الدَّاخِلُ وَاحِدًا أَوْ اثْنَيْنِ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ حَرْبٍ أُخْرَى لِلتِّجَارَةِ مَعَهُمْ؛ لِأَنَّ بِهَذَا الْقَدْرِ لَا تَزْدَادُ قُوَّةُ أَهْلِ هَذِهِ الدَّارِ عَلَى قِتَالِنَا، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانُوا أَهْل مَنْعَةٍ\n٣٧٦٤ - وَلَوْ أَسْلَمَ الْمُسْتَأْمَنُ فِي دَارِنَا وَلَهُ أَوْلَادٌ صِغَارٌ فِي دَارِ حَرْبٍ لَمْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ بِإِسْلَامِهِ، لِانْقِطَاعِ الْعِصْمَةِ بِتَبَايُنِ الدَّارِ، فَإِنْ دَخَلَ بِهِمْ عَمُّهُمْ بِأَمَانٍ صَارُوا مُسْلِمِينَ، لِأَنَّهُمْ حَصَلُوا فِي دَارِنَا بِأَمَانٍ، وَلَهُمْ أَبٌ مُسْلِمٌ فِينَا، فَكَانَ هَذَا وَمَا لَوْ أَسْلَمَ وَهُمْ مَعَهُ سَوَاءً، وَلَيْسَ لِلَّذِي خَرَجَ بِهِمْ أَنْ يَرُدَّهُمْ إلَى دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ مَا صَارُوا مُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُمْ صَارُوا مِنْ أَهْلِ دَارِنَا، وَلَمْ يَبْقَ لِلَّذِي أَخْرَجَهُمْ عَلَيْهِمْ وِلَايَةٌ\n٣٧٦٥ - وَلَوْ كَانَ وَالِدُهُمْ الَّذِي أَسْلَمَ مَاتَ ثُمَّ خَرَجَ الْعَمُّ بِهِمْ لِزِيَارَةِ قَبْرِهِ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُمْ إلَى دَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ الْأَبَ إذَا كَانَ مَيِّتًا حِين خَرَجَ بِهِمْ فَحُكْمُ الْإِسْلَامِ لَا يَلْزَمُهُمْ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لَهُ، فَإِنْ قِيلَ:","vol":"1","page":1874},{"text":"أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ مَاتَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ فِي دَارِنَا ثُمَّ إنَّ الْآخَرَ لَحِقَ بِالصَّغِيرِ دَارَ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا فَسُبِيَ لَمْ يَكُنْ فَيْئًا، وَجُعِلَ مُسْلِمًا مِنْ أَهْلِ دَارِنَا تَبَعًا لِلْأَبِ الْمَيِّتِ فِي دَارِنَا، فَلِمَاذَا لَا يُجْعَلُ كَذَلِكَ هَا هُنَا؟ قُلْنَا: لِأَنَّ الصَّغِيرَ كَانَ مَحْكُومًا لَهُ بِالْإِسْلَامِ هُنَاكَ تَبَعًا لَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ، فَيَبْقَى ذَلِكَ الْحُكْمُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَهَا هُنَا مَا كَانَ مَحْكُومًا بِإِسْلَامِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ تَبَعًا لَهُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ حُكْمُ الْإِسْلَامِ ابْتِدَاءً بَعْدَ مَوْتِهِ تَبَعًا لَهُ، لِأَنَّ الشَّيْءَ إنَّمَا يُقَدَّرُ حُكْمًا إذَا كَانَ يُتَصَوَّرُ حَقِيقَةً، فَأَمَّا إذَا كَانَ لَا يُتَصَوَّرُ حَقِيقَةً فَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُهُ حُكْمًا\n٣٧٦٦ - وَلَوْ كَانَ الَّذِي أَخْرَجَهُمْ رَجُلًا لَا قَرَابَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فَأَخْرَجَهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ عَبِيدُهُ قَاهِرًا لَهُمْ وَصَارَ ذِمَّةً لَنَا، فَإِنْ كَانَ أَبُوهُمْ حَيًّا مُسْلِمًا عِنْدَنَا أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهِمْ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَالِكًا لَهُمْ بِالْإِحْرَازِ، وَلَكِنَّهُمْ صَارُوا مُسْلِمِينَ تَبَعًا لِأَبِيهِمْ، فَيُجْبَرُ الذِّمِّيُّ عَلَى بَيْعِهِمْ\n٣٧٦٧ - وَإِنْ كَانَ الْأَبُ مَيِّتًا حِينَ أَخْرَجَهُمْ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى بَيْعِهِمْ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ خَرَجَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ إلَّا أَنَّ فِي هَذَا الْفَصْلِ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِمْ إلَى دَارِ الْحَرْبِ إنْ شَاءَ، وَعَلَى هَذَا لَوْ صَارَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ ذِمِّيًّا فِينَا وَالصَّغِيرُ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَكُنْ ذِمِّيًّا تَبَعًا لَهُ، كَمَا لَا يَكُونُ مُسْلِمًا تَبَعًا لَهُ، فَإِنْ خَرَجَ بِالصَّغِيرِ عَمُّهُ لِزِيَارَةِ أَبِيهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ إذَا كَانَ الْأَبُ حَيًّا","vol":"1","page":1875},{"text":"لِأَنَّ الصَّغِيرَ صَارَ ذِمِّيًّا تَبَعًا لَهُ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ مَعَهُ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَجُوسِيًّا فَصَارَ كِتَابِيًّا ثُمَّ خَرَجَ الْعَمُّ، بِالصَّغِيرِ كَانَ الصَّغِيرُ كِتَابِيًّا تَبَعًا لِأَبِيهِ، فَكَذَلِكَ يَصِيرُ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا تَبَعًا لِأَبِيهِ هَكَذَا ذَكَرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ قَالَ: لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ وَلَيْسَ لِلْأَبِ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَعْنَى التَّبَعِيَّةِ يَكُونُ فِي حُكْمِ الدِّينِ، فَأَمَّا فِي حُكْمِ الْمُقَامِ فِي الدَّارِ يُعْتَبَرُ قِيَامُ وِلَايَتِهِ عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ الصَّغِيرُ مَعَهُ حِينَ صَارَ ذِمِّيًّا فَقَدْ كَانَتْ وِلَايَتُهُ قَائِمَةً، فَصَارَ الصَّغِيرُ ذِمِّيًّا تَبَعًا لَهُ، فَأَمَّا إذَا كَانَ الصَّغِيرُ فِي دَارِ الْحَرْبِ حِينَ صَارَ هُوَ ذِمِّيًّا فَقَدْ كَانَ هُوَ مِنْهُ كَالْأَجْنَبِيِّ فِي حُكْمِ الْوِلَايَةِ، فَبَعْدَ ذَلِكَ لَا يَصِيرُ الصَّبِيُّ ذِمِّيًّا تَبَعًا لَهُ، لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْأُمَّ لَوْ أَسْلَمَتْ ثُمَّ خَرَجَ الْأَبُ بِالصَّغِيرِ إلَيْهَا صَارَ مُسْلِمًا تَبَعًا لَهَا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَلَوْ صَارَتْ الْأُمُّ ذِمِّيَّةً ثُمَّ خَرَجَ الْأَبُ بِالصَّغِيرِ بِأَمَانٍ كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَكَانَ الْمَعْنَى فِيهِ مَا بَيَّنَّا مِنْ اعْتِبَارِ مَعْنَى الْوِلَايَةِ فِي التَّبَعِيَّةِ فِي الدَّارِ دُونَ الدَّيْنِ\n٣٧٦٨ - قَالَ: وَلَوْ خَرَجَ الْأَبَوَانِ إلَيْنَا ذِمِّيَّيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ الْعَمُّ بِالصَّغِيرِ لِزِيَارَةِ الْأَبَوَيْنِ، فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ؛ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِلْأَبَوَيْنِ عَلَيْهِ هَا هُنَا، حِينَ صَارُوا ذِمِّيَّيْنِ، فَكَانَا فِي حَقِّهِ كَسَائِرِ الْأَجَانِبِ.\nوَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الصَّغِيرُ مِمَّنْ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ، فَدَخَلَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ لِزِيَارَةِ أَبَوَيْهِ الذِّمِّيَّيْنِ، كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى دَارِ","vol":"1","page":1876},{"text":"الْحَرْبِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا، فَإِنَّ هُنَاكَ يَصِيرُ مُسْلِمًا تَبَعًا لِلْمُسْلِمِ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الَّذِي يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فِي حُكْمِ التَّبَعِيَّةِ فِي الْإِسْلَامِ كَاَلَّذِي لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ خَطَأُ مَنْ يَقُولُ مِنْ أَصْحَابِنَا: إنَّ الَّذِي يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ لَا يَصِيرُ مُسْلِمًا تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ، فَقَدْ نَصَّ هَا هُنَا عَلَى أَنَّهُ يَصِيرُ مُسْلِمًا وَيُمْنَعُ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ\n٣٧٦٩ - وَلَوْ كَانَ هَذَا الْغُلَامُ إنَّمَا اسْتَأْمَنَ لِيَلْحَقَ بِأَبَوَيْهِ وَهُمَا ذِمِّيَّانِ كَانَ ذِمِّيًّا؛ لِأَنَّ فِي كَلَامِهِ دَلَالَةً عَلَى الرِّضَاءِ مِنْهُ بِأَنْ يَكُونَ مِثْلَ أَبَوَيْهِ، وَهُمَا ذِمِّيَّانِ فَكَانَ هَذَا وَاسْتِئْمَانُهُ لِيَكُونَ ذِمِّيًّا سَوَاءً، وَهَذَا إذَا كَانَ عَالِمًا بِحَالِهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُمَا صَارَا ذِمِّيَّيْنِ لَمْ يَكُنْ ذِمِّيًّا، لِأَنَّ دَلَالَةَ الرِّضَاءِ مِنْهُ لَا تَتَحَقَّقُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِصَيْرُورَتِهِمَا ذِمِّيَّيْنِ\n٣٧٧٠ - قَالَ: وَلَوْ أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَهُ أَوْلَادٌ صِغَارٌ كَانُوا مُسْلِمِينَ بِإِسْلَامِهِ، فَإِنْ خَرَجَ إلَيْنَا وَخَلَّفَهُمْ كَانُوا مُسْلِمِينَ عَلَى حَالِهِمْ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ يَكُونُ بَاقِيًا، مَا لَمْ يُوجَدْ الدَّلِيلُ الْمُزِيلُ، فَإِنَّ الْبَقَاءَ لَا يَسْتَدْعِي دَلِيلًا مُبْقِيًا، إنَّمَا إثْبَاتُ الشَّيْءِ ابْتِدَاءً يَسْتَدْعِي دَلِيلًا مُثْبِتًا\n٣٧٧١ - وَلَوْ لَمْ يُسْلِمْ وَلَكِنَّهُ بَعَثَ إلَى الْإِمَامِ إنِّي ذِمَّةٌ لَكُمْ، أُقِيمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَبَعَثَ بِالْخَرَاجِ كُلَّ سَنَةٍ، فَذَلِكَ جَائِزٌ،","vol":"1","page":1877},{"text":"وَوَلَدُهُ الصَّغِيرُ يَكُونُ ذِمِّيًّا بِمَنْزِلَتِهِ لِقِيَامِ وِلَايَتِهِ عَلَيْهِ حِينَ صَارَ ذِمِّيًّا، فَإِنْ خَرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَخَلَّفَ وَلَدَهُ ثُمَّ اسْتَأْمَنَ عَلَيْهِمْ مُسْتَأْمَنًا فَأَخْرَجَهُمْ قَاهِرًا لَهُمْ أَوْ غَيْرَ قَاهِرٍ، فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهِمْ فَكَانَ الْأَبُ أَحَقَّ بِهِمْ؛ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ بَقَاءَ الشَّيْءِ لَا يَسْتَدْعِي دَلِيلًا مُبْقِيًا، وَقَدْ كَانَ الْوَلَدُ ذِمِّيًّا فَلَا يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ ذِمِّيًّا إلَّا بِنَقْضِ الْعَهْدِ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ مِنْهُ، وَالذِّمِّيُّ لَا يُمْلَكُ بِالْقَهْرِ، فَلِهَذَا كَانَ الْأَبُ أَحَقَّ بِوَلَدِهِ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا\n٣٧٧٢ -، وَلَوْ أَنَّ الْأَبَ حِينَ أَسْلَمَ فِينَا رَجَعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَكَانَ مَعَ الصِّغَارِ مِنْ أَوْلَادِهِ حَتَّى ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الدَّارِ كَانُوا مُسْلِمِينَ، لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ، وَكَذَلِكَ إنْ صَارَ ذِمِّيًّا ثُمَّ رَجَعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا حَصَلَ مَعَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَانَ حَالُهُ كَحَالِ مَا لَوْ كَانَ مَعَهُمْ حِينَ أَسْلَمَ أَوْ صَارَ ذِمِّيًّا، فَإِنَّ الِاسْتِدَامَةَ فِيمَا يُسْتَدَامُ كَالْإِنْشَاءِ\n٣٧٧٣ - قَالَ: وَإِنْ وَادَعَ الْمُسْلِمُونَ أَهْلَ تِلْكَ الدَّارِ فَدَخَلَ إلَيْهِمْ لِيَأْخُذَ أَوْلَادَهُ فَمَنَعُوهُ لَمْ يَكُنِ الْأَوْلَادُ مُعَاهَدِينَ وَلَا ذِمَّةً بِأَبِيهِمْ فِي هَذَا الْفَصْلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ عَلَيْهِمْ وِلَايَةٌ بِهَذَا الدُّخُولِ، فَإِنَّ الْمُوَادَعِينَ لَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ حَالُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَلَدِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ ثُبُوتَ وِلَايَتِهِ","vol":"1","page":1878},{"text":"عَلَيْهِمْ، فَكَانَ هَذَا وَمَا لَوْ لَمْ يَدْخُلْ إلَيْهِمْ سَوَاءً، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَحُولُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، وَهَذَا لِأَنَّ دَارَ الْحَرْبِ لَيْسَ بِدَارِ أَحْكَامٍ، فَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ تَمَكُّنُهُ مِنْ أَخْذِهِمْ، حِسًّا، وَذَلِكَ يُوجَدُ إذَا لَمْ يَحُولُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، وَيَنْعَدِمُ إذَا حَالُوا، وَهَا هُنَا قَدْ حَالُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَوْلَادِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":1879},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>[بَابُ مُعَامَلَةِ الْمُسْلِمِ الْمُسْتَأْمَنِ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ فِي دَارِ الْحَرْبِ]</span>\nِ ٣٧٧٤ - وَلَوْ أَنَّ مُسْتَأْمَنًا فِي دَارِ الْحَرْبِ اشْتَرَى مِنْ حَرْبِيٍّ عَبْدًا بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ، وَتَقَابَضَا، ثُمَّ أَسْلَمُوا أَوْ صَارُوا ذِمَّةً، ثُمَّ وَجَدَ الْمُشْتَرِي بِالْعَبْدِ عَيْبًا فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَسْمَعُ الْخُصُومَةَ فِي ذَلِكَ فِي الرَّدِّ، وَلَا فِي الرُّجُوعِ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ، بَعْدَ تَعَذُّرِ الرَّدِّ سَوَاءٌ كَانَ الْمُشْتَرِي هُوَ الْمُسْلِمُ أَوْ الْحَرْبِيُّ؛ لِأَنَّ هَذِهِ خِيَانَةٌ وَتَدْلِيسٌ كَانَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَالْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ\n٣٧٧٥ - إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُسْلِمُ هُوَ الَّذِي بَاعَ فَإِنَّهُ يُفْتَى فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنْ يَطْلُبَ رِضَاءَ خَصْمِهِ، وَإِنْ كَانَ الْحَرْبِيُّ هُوَ الَّذِي بَاعَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ ذَلِكَ - وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ أَخَذَ أَحَدُهُمَا مَالًا مِنْ صَاحِبِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ فَاسْتَهْلَكَهُ أَوْ لَمْ يَسْتَهْلِكْهُ، أَوْ أَوْدَعَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ مَالًا فَأَنْفَقَهُ، وَهُنَاكَ إنْ كَانَ بِجِنَايَةٍ فَإِنَّهُ يُفْتَى بِطَلَبِ رِضَاءِ الْخَصْمِ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ غَدَرَ بِأَمَانِ نَفْسِهِ خَاصَّةً","vol":"1","page":1880},{"text":"٣٧٧٦ - وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مِنْ الْحَرْبِيِّ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُلْتَزِمًا حُكْمَ الْإِسْلَامِ، حِينَ اكْتَسَبَ سَبَبَ هَذِهِ الْجِنَايَةِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ تَبَايَعَا عَبْدًا بِجَارِيَةٍ وَتَقَابَضَا، ثُمَّ أَقَامَ أَحَدُ الْمَمْلُوكِينَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ حُرٌّ مُسْلِمٌ بَعْدَ إسْلَامِ الْحَرْبِيِّ، أَوْ اسْتَحَقَّهُ مُسْلِمٌ لِإِقَامَتِهِ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ مُدَبَّرُهُ أَوْ مُكَاتَبُهُ، فَإِنَّ الْآخَرَ لَا يُجْبَرُ عَلَى رَدِّ الْمَمْلُوكِ الَّذِي قَبَضَهُ، وَلَكِنْ إنْ كَانَ الْآخَرُ هُوَ الْمُسْلِمُ فِي الْأَصْلِ يُفْتَى بِالرَّدِّ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْحَرْبِيُّ فَلَيْسَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَرُدَّهُ الْمُسْلِمُ بَعْدَمَا أُفْتِيَ بِهِ وَلَكِنَّهُ أَرَادَ بَيْعَهُ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَشْتَرُوا ذَلِكَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ خَبِيثٌ لَهُ، بِمَنْزِلَةِ الْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا إذَا أَرَادَ بَيْعَ الْمُشْتَرَى بَعْدَ الْقَبْضِ، يُكْرَهُ شِرَاؤُهُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ مَالِكًا يَنْفُذُ فِيهِ بَيْعُهُ وَعِتْقُهُ، لِأَنَّهُ مِلْكٌ حَصَلَ لَهُ بِسَبَبٍ حَرَامٍ شَرْعًا\n٣٧٧٧ - وَلَوْ كَانَ الَّذِي عَامَلَهُمْ بِهَذَا مُسْلِمًا؛ كَانَ أَسِيرًا فِيهِمْ أَوْ كَانَ أَسْلَمَ فِيهِمْ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا يُؤْمَرُ بِالرَّدِّ بِطَرِيقِ الْفَتْوَى؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ أَمَانٌ خَاصٌّ وَلَا عَامٌّ حَتَّى يَكُونَ هَذَا غَدْرًا مِنْهُ\n٣٧٧٨ - وَلَوْ كَانَتْ الْمُبَايَعَةُ بَيْنَ مُسْتَأْمَنٍ فِيهِمْ وَحَرْبِيٍّ مِنْهُمْ، بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِأَحَدِهِمَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةِ الْخِيَارِ، فَلِمَنْ لَهُ الْخِيَارُ أَنْ يَنْقُضَ الْبَيْعَ، وَيَرُدَّ مَا أَخَذَ وَيَأْخُذَ مَا أَعْطَى","vol":"1","page":1881},{"text":"لِأَنَّ حَالَهُمَا بَعْدَ إسْلَامِهِ كَحَالِهِمَا قَبْلَهُ، وَمَنْ لَهُ الْخِيَارُ يَنْفَرِدُ بِالْفَسْخِ، كَمَا يَنْفَرِدُ بِالْإِجَارَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْتَاجَ فِيهِ إلَى قَضَاءٍ أَوْ رِضَاءٍ، فَكَمَا أَنَّ إجَارَتَهُ بَعْدَ إسْلَامِهِ يُجْعَلُ كَإِجَارَتِهِ قَبْلَ إسْلَامِهِ، فَكَذَلِكَ فَسْخُهُ.\nوَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي مِنْهُمَا خِيَارُ رُؤْيَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَنْفَرِدُ بِالْفَسْخِ بِحُكْمِ هَذَا الْخِيَارِ، مِنْ غَيْرِ رِضَاءٍ أَوْ قَضَاءٍ وَكَذَلِكَ لَوْ وَجَدَ بِالْمُشْتَرَى عَيْبًا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ؛ لِأَنَّ قَبْلَ الْقَبْضِ الْمُشْتَرِي يَنْفَرِدُ بِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ وَلَا رِضَاءٍ، لِانْعِدَامِ تَمَامِ الصَّفْقَةِ\n٣٧٧٩ - ثُمَّ بَعْدَ فَسْخِ الْبَيْعِ قَدْ بَقِيَ مِلْكُ أَحَدِهِمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ، وَقَدْ كَانَ سَلَّمَهُ إلَيْهِ طَوْعًا، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَوْدَعَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ مَالًا ثُمَّ أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ الْوَدِيعَةُ قَائِمَةٌ بِعَيْنِهَا، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ فَإِنَّ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ الْقَبْضِ لَا يَكُونُ إلَّا بِرِضَاءٍ أَوْ قَضَاءٍ، لِتَمَامِ الصَّفْقَةِ بِالْقَبْضِ، وَالْقَاضِي لَا يَقْضِي بِشَيْءٍ هَا هُنَا بَيْنَهُمَا، لِأَنَّ الْخِيَانَةَ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَهُمَا بِمَنْزِلَةِ مَالٍ اسْتَهْلَكَهُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ قَبْلَ إسْلَامِ الْحَرْبِيِّ\n٣٧٨٠ - وَلَوْ لَمْ يُسْلِمْ الْحَرْبِيُّ وَلَكِنْ خَرَجَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ، ثُمَّ اخْتَصَمَا فِيمَا جَرَى بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْضِي بَيْنَهُمَا بِشَيْءٍ مِنْ نَقْضِ بَيْعٍ وَلَا غَيْرِهِ","vol":"1","page":1882},{"text":"لِأَنَّ هَذِهِ مُعَامَلَةٌ جَرَتْ بَيْنَهُمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَالْحَرْبِيُّ مَا الْتَزَمَ حُكْمَ الْإِسْلَامِ مُطْلَقًا حِينَ دَخَلَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ، وَفِي مِثْلِهِ الْقَاضِي لَا يَسْمَعُ الْخُصُومَةَ بِخِلَافِ مَا إذَا أَسْلَمَ أَوْ صَارَ ذِمِّيًّا؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ فِي الْمُعَامَلَاتِ مُطْلَقًا\n٣٧٨١ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْمُعَامَلَةُ بَيْنَ الْحَرْبِيَّيْنِ، ثُمَّ دَخَلَا إلَيْنَا بِأَمَانٍ، فَخَاصَمَ فِيهِ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، لَمْ يَسْمَعْ الْقَاضِي خُصُومَتَهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَسْلَمَا أَوْ صَارَا ذِمَّةً، وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ أَقْرَضَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ مَالًا أَوْ دَابَّةً ثُمَّ خَرَجَا إلَيْنَا بِأَمَانٍ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَسْمَعُ الْخُصُومَةَ بَيْنَهُمَا، فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا إذَا أَسْلَمَا أَوْ صَارَا ذِمَّةً، إلَّا أَنَّ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْوُجُوهِ إذَا لَمْ يَسْمَعْ الْقَاضِي الْخُصُومَةَ فِيمَا كَانَ مُسْتَهْلَكًا بَعْدَ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ كَانَتْ الْمُعَامَلَةُ بَيْنَ حَرْبِيَّيْنِ لَا يُفْتَى الْخَائِنُ مِنْهُمَا بِطَلَبِ رِضَاءِ الْخَصْمِ أَيْضًا، فَإِنْ كَانَتْ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَحَرْبِيٍّ أُفْتِيَ الْمُسْلِمُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ بِأَنْ يُرْضِيَ خَصْمَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجْبَرَ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ غَدَرَ بِأَمَانِ نَفْسِهِ\n٣٧٨٢ - قَالَ: وَلَوْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَعَامَلَ","vol":"1","page":1883},{"text":"أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَهَذَا وَمَا لَوْ كَانَتْ الْمُعَامَلَةُ بَيْنَهُمَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ عَلَى السَّوَاءِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ مُلْتَزِمٌ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ حَيْثُمَا يَكُونُ، وَمَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَالٌ مَعْصُومٌ مُتَقَوِّمٌ فِي حَقِّ صَاحِبِهِ، لِبَقَاءِ الْإِحْرَازِ فِيهِ حُكْمًا، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ، فَلِهَذَا كَانَ حَالُهُمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ كَحَالِهِمَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فِي كُلِّ مُعَامَلَةٍ تَجْرِي بَيْنَهُمَا، إلَّا فِي خِصَالٍ ثَلَاثٍ؛ إنْ قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ عَمْدًا لَمْ يَجِبْ عَلَى الْقَاتِلِ قِصَاصٌ، لِقِيَامِ الشُّبْهَةِ بِكَوْنِهِمَا فِي دَارِ الْإِبَاحَةِ، وَلِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ عَادَةً، وَالْقَاتِلُ لَيْسَ فِي يَدِ الْإِمَامِ لِنُعِينَهُ عَلَى اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ، فَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ وَلَكِنْ تَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ\n٣٧٨٣ - وَكَذَلِكَ إنْ قَتَلَهُ خَطَأً لِأَنَّ التَّعَاقُلَ بِاعْتِبَارِ التَّنَاصُرِ، وَلَا تَنَاصُرَ بَيْنَ مَنْ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَبَيْنَ مَنْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَلِهَذَا لَا يَكُونُ عَلَى عَاقِلَتِهِ مِنْ الدِّيَةِ شَيْءٌ، وَكَذَلِكَ إنْ ارْتَكَبَ أَحَدُهُمَا شَيْئًا مُوجِبًا لِلْحَدِّ لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهِ مُلْتَزِمًا الْحَدَّ، فَأَمَّا فِيمَا سِوَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ حَالُ الْمُسْتَأْمَنِ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَحَالِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَفِي الْأَسِيرَيْنِ كَذَلِكَ الْجَوَابُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى الْقَاتِلِ هَا هُنَا، وَحَالُ الْأَسِيرَيْنِ عِنْدَهُ كَحَالِ حَرْبِيَّيْنِ أَسْلَمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ\n٣٧٨٤ -","vol":"1","page":1884},{"text":"وَعَلَى هَذَا لَوْ اسْتَهْلَكَ أَحَدُهُمَا مَالَ صَاحِبِهِ فَفِي اللَّذَيْنِ أَسْلَمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا ضَمَانَ عَلَى الْمُسْتَهْلِكِ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ كَانَ آثِمًا فِي الِاسْتِهْلَاكِ، وَفِي الْمُسْتَأْمَنِ هُوَ ضَامِنٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَفِي الْأَسِيرَيْنِ خِلَاف كَمَا بَيَّنَّا وَهَذَا لِأَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ بِالْإِحْرَازِ وَالتَّقَوُّمِ، وَذَلِكَ يَكُونُ بِالدَّارِ لَا بِالدِّينِ، فَالْعِصْمَةُ بِسَبَبِ الدِّينِ إنَّمَا تَثْبُتُ فِي حَقِّ مَنْ يَعْتَقِدُ لَا فِي حَقِّ مَنْ لَا يَعْتَقِدُ، وَتَمَامُ الْإِحْرَازِ يَكُونُ بِمَا يَظْهَرُ حِسًّا فِي حَقِّ مَنْ يَعْتَقِدُ وَفِي حَقِّ مَنْ لَا يَعْتَقِدُ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِالدَّارِ، فَلِهَذَا كَانَ الْحُكْمُ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا\n٣٧٨٥ - قَالَ: وَلَوْ غَصَبَ أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ مَالًا، وَلَمْ يَسْتَهْلِكْهُ حَتَّى خَرَجَا إلَيْنَا، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي عَلَى الْغَاصِبِ بِرَدِّ الْمَغْصُوبِ، سَوَاءٌ كَانَا مُسْتَأْمَنَيْنِ أَوْ أَسِيرَيْنِ أَوْ رَجُلَيْنِ أَسْلَمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ فِي يَدِ الْآخَرِ، وَقَدْ قَالَ - ﵌ -: «مَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ»؛ وَلِأَنَّ الْغَاصِبَ مِنْهُمَا إنَّمَا أَخَذَ مَالَ صَاحِبِهِ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ، وَمَالُ الْمُسْلِمِ لَا يَكُونُ غَنِيمَةً لِلْمُسْلِمِ، وَهُوَ نَظِيرُ أَهْلِ الْعَدْلِ مَعَ أَهْلِ الْبَغْيِ إذَا اقْتَتَلُوا، ثُمَّ أَخَذَ أَحَدُهُمَا مَالَ صَاحِبِهِ، فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الرَّدِّ بَعْدَ مَا وَضَعَتْ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا، إذَا كَانَ الْمَالُ قَائِمًا بِعَيْنِهِ، وَإِذَا كَانَ مُسْتَهْلَكًا لَمْ يَكُنْ الْمُسْتَهْلِكُ ضَامِنًا لَهُ لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا، فَهَذَا مِثْلُهُ\n٣٧٨٦ -، وَهُوَ بِخِلَافِ الْمُسْتَأْمَنِ فِيهِمْ، إذَا غَصَبَ مَالًا مِنْ حَرْبِيٍّ ثُمَّ أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ، وَوَجَدَ مَالَهُ قَائِمًا بِعَيْنِهِ فِي يَدِ الْمُسْلِمِ،","vol":"1","page":1885},{"text":"فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يُجْبِرَهُ عَلَى الرَّدِّ فِي الْحُكْمِ، وَلَكِنْ يُفْتِيهِ بِذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ تَعَالَى وَرُدَّ مَا أَخَذْت؛ لِأَنَّ مَالَ الْحَرْبِيِّ هُنَاكَ مَحَلُّ التَّمَلُّكِ بِالْقَهْرِ حِينَ أَخَذَهُ الْمُسْلِمُ، لَكِنْ كَانَ عَلَيْهِ التَّحَرُّزُ عَنْ الْغَدْرِ لِلْأَمَانِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، فَإِنَّمَا غَدَرَ بِأَمَانِ نَفْسِهِ خَاصَّةً، فَلِهَذَا يَأْمُرُهُ بِالرَّدِّ عَلَى سَبِيلِ الْفَتْوَى، وَلَا يَجْبُرُهُ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ\n٣٧٨٧ - وَلَوْ أَنَّ حَرْبِيًّا أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ بَاعَ مِنْ مُسْلِمٍ مُسْتَأْمَنٍ عَبْدًا أَوْ اشْتَرَى مِنْهُ عَبْدًا بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ وَتَقَابَضَا، ثُمَّ خَرَجَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ وَجَدَ الْمُشْتَرِي بِالْمُشْتَرَى عَيْبًا، أَوْ اُسْتُحِقَّ مِنْ يَدِهِ بِجِزْيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي عَلَى صَاحِبِهِ بِرَدِّ الثَّمَنِ إنْ كَانَ قَائِمًا بِعَيْنِهِ فِي يَدِهِ، وَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ لَمْ يُضَمِّنْهُ شَيْئًا فِي الْحُكْمِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَا تَبَايَعَا عَرَضًا بِعَرَضٍ فَاسْتُحِقَّ أَحَدُهُمَا وَالْعَرَضُ الْآخَرُ قَائِمٌ بِعَيْنِهِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي بِرَدِّهِ، وَلَوْ كَانَ مُسْتَهْلَكًا لَمْ يُضَمِّنْ الْمُسْتَهْلِكَ شَيْئًا؛ لِأَنَّ هَذِهِ جِنَايَةٌ مَرَّتْ بَيْنَهُمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَقَدْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ يَوْمَئِذٍ\n٣٧٨٨ - إلَّا أَنَّ الَّذِي أَسْلَمَ مِنْهُمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ كَانَ مَالُهُ مَعْصُومًا فِي الْآثَامِ دُونَ الْأَحْكَامِ، فَقُلْنَا: فِيمَا إذَا كَانَ قَائِمًا بِعَيْنِهِ، الْقَاضِي يَقْضِي بِالرَّدِّ، وَفِيمَا كَانَ مُسْتَهْلَكًا لَا يَقْضِي","vol":"1","page":1886},{"text":"بِشَيْءٍ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ تَبَايَعَا بَعْدَ مَا أَسْلَمَا، قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ هَذَا الْحُكْمُ فِي حَقِّ الَّذِي أَسْلَمَ مِنْهُمَا ثَبَتَ فِي حَقِّ الْآخَرِ أَيْضًا، لِوُجُوبِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ شَرْعًا\n٣٧٨٩ - قَالَ: وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا مُسْتَأْمَنًا فِيهِمْ اشْتَرَى مَمْلُوكًا مِنْهُمْ بِقِيمَتِهِ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ بِجَهَالَةِ الثَّمَنِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْمُبَايَعَةُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ فِيهِمْ إنَّمَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أَخْذِ مَالِهِمْ بِطِيبِ أَنْفُسِهِمْ، وَعَلَيْهِ يَبْنِي أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، حُكْمَ عَقْدِ الرِّبَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَرْبِيِّ.\nوَأَمَّا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَالْمُعَامَلَةُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَدَارِ الْإِسْلَامِ سَوَاءٌ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّهُ مُلْتَزِمٌ حُكْمَ الْإِسْلَامِ حَيْثُمَا يَكُونُ،\n٣٧٩٠ - فَإِنْ قَبَضَ الْمُشْتَرِي الْعَبْدَ وَأَعْطَى الْقِيمَةَ، ثُمَّ خَرَجَ الْحَرْبِيُّ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا، فَأَرَادَ أَحَدُهُمَا نَقْضَ الْبَيْعِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَسْمَعُ الْخُصُومَةَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا تَقَابَضَا بِالتَّرَاضِي عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ وَالتَّمَلُّكِ، فَتَمَّ الْمِلْكُ فِي الْبَيْعِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِطَرِيقِ التَّعَاطِي، وَإِنْ كَانَ أَصْلُ الْبَيْعِ فَاسِدًا\n٣٧٩١ -، وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي مِنْهُمَا قَبَضَ الْمَمْلُوكَ، وَلَمْ يَدْفَعْ الْقِيمَةَ حَتَّى أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي بِرَدِّ الْمَمْلُوكِ عَلَى الْبَائِعِ","vol":"1","page":1887},{"text":"لِأَنَّ الْمُعَامَلَةَ مَا انْتَهَتْ هَا هُنَا بِالتَّقَابُضِ، وَالْمُشْتَرِي إنَّمَا أَخَذَ الْعَبْدَ عَلَى أَنْ يُعْطِيَ صَاحِبَهُ ثَمَنَهُ، وَهُوَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ لِلْجَهَالَةِ الْمُتَفَاحِشَةِ فِي الْقِيمَةِ، فَكَانَ عَلَيْهِ رَدُّ مَا أَخَذَ مِنْهُ.\n٣٧٩٢ - وَلَوْ دَخَلَ الْحَرْبِيُّ إلَيْنَا بِأَمَانٍ لَمْ يَسْمَعْ الْقَاضِي الْخُصُومَةَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْمُعَامَلَةِ كَانَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَالْمُسْتَأْمَنُ مَا الْتَزَمَ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ مُطْلَقًا\n٣٧٩٣ - بِخِلَافِ مَا إذَا أَسْلَمَ أَوْ صَارَ ذِمَّةً، وَعَلَى هَذَا لَوْ تَبَايَعَا عَبْدًا بِأَرْطَالٍ مِنْ خَمْرٍ وَتَقَابَضَا، ثُمَّ أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَنْقُضُ شَيْئًا مِنْ بَيْعِهِمَا؛ لِانْتِهَاءِ الْمُعَامَلَةِ بِالتَّقَابُضِ، وَتَمَامُ الْمِلْكِ فِي الْعَبْدِ الْمُشْتَرَى لِلْمُشْتَرِي بِالْقَبْضِ\n٣٧٩٤ - وَإِنْ قَبَضَ الْمُشْتَرِي الْعَبْدَ، وَلَمْ يُعْطِ صَاحِبَهُ الْخَمْرَ حَتَّى أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَنْقُضُ الْبَيْعَ، وَيَرُدُّ الْعَبْدَ إلَى الْبَائِعِ؛ لِقِيَامِ حُكْمِ الْمُعَامَلَةِ بَيْنَهُمَا، وَعَجْزِ الْمُشْتَرِي عَنْ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ بَعْدَ إسْلَامِ الْحَرْبِيِّ مِنْهُمَا، وَالْإِجَارَةُ قِيَاسُ الْبَيْعِ فِي ذَلِكَ حَتَّى إذَا اسْتَأْجَرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ شَهْرًا لِعَمَلٍ مَعْلُومٍ بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ أَوْ بِخَمْرٍ، فَإِنْ عَمِلَ لَهُ ذَلِكَ ثُمَّ أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ قَبْلَ إيفَاءِ الْأَجْرِ فَعَلَى الْمُسْتَأْجِرِ أَجْرَ الْمِثْلِ لِلْعَامِلِ فِيمَا عَمِلَهُ لَهُ، وَإِنْ كَانَا تَقَابَضَا","vol":"1","page":1888},{"text":"لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ شَيْءٌ، لِلْفِقْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا، فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرَى هَلَكَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي أَوْ اسْتَهْلَكَهُ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ، فَعَلَى الْمُشْتَرِي قِيمَةُ الْمُشْتَرَى لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ ثَمَنًا، وَلَمْ يَكُنْ أَخْذُهُ بِطَرِيقِ الْغَصْبِ وَالْخِيَانَةِ، فَلِهَذَا كَانَ الْمَقْبُوضُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ عِنْدَ تَعَذُّرِ رَدِّ الْعَيْنِ، بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَاهُ بِمَيْتَةٍ أَوْ دَمٍ، وَقَبَضَ الْمُشْتَرِي وَلَمْ يُعْطِهِ مَا شَرَطَ لَهُ حَتَّى أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ، فَإِنَّ الْمُشْتَرَى يُسَلِّمُ لِلْقَابِضِ مِنْهُمَا، وَلَا يَلْزَمُهُ رَدُّ شَيْءٍ مِنْ عَيْنِهِ وَلَا قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ بَيْعًا بَيْنَهُمَا، فَالْبَيْعُ يَسْتَدْعِي الْمَالِيَّةَ فِي الْبَدَلَيْنِ، وَالْمَيْتَةُ لَيْسَ فِيهَا شُبْهَةُ الْمَالِيَّةِ، وَإِنَّمَا مَلَّكَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ مَالًا بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَكَانَ هَذَا وَالْمَوْهُوبُ سَوَاءً فِي الْحُكْمِ\n٣٧٩٥ - وَلَوْ كَانَتْ الْمُبَايَعَةُ بَيْنَ مُسْلِمٍ مُسْتَأْمَنٍ فِيهِمْ وَبَيْنَ رَجُلٍ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَنْقُضُ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ، وَيَكُونُ حَالُهُمَا فِي ذَلِكَ كَحَالِ الْمُسْتَأْمَنِينَ وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِيمَا يَجِبُ فِيهِ ضَمَانُ الْقِيمَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حَالُهُمَا كَحَالِ مَا لَوْ جَرَتْ الْمُعَامَلَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ، بِمَنْزِلَةِ عَقْدِ الرِّبَا إذَا جَرَى بَيْنَ هَذَيْنِ، فَإِنَّ الْحُكْمَ فِيهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵁ - كَالْحُكْمِ فِيمَا إذَا جَرَى بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ","vol":"1","page":1889},{"text":"٣٧٩٦ - وَلَوْ جَرَتْ هَذِهِ الْمُعَامَلَةُ بَيْنَ الْحَرْبِيَّيْنِ ثُمَّ أَسْلَمَا أَوْ صَارَا ذِمَّةً كَانَ الْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِيمَا إذَا جَرَى بَيْنَ مُسْلِمٍ وَحَرْبِيٍّ؛ لِأَنَّهُمَا مَا كَانَا مُلْتَزِمَيْنِ حُكْمَ الْإِسْلَامِ، حِينَ جَرَتْ الْمُعَامَلَةُ بَيْنَهُمَا\n٣٧٩٧ - قَالَ: وَلَوْ دَخَلَ عَسْكَرٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ دَارَ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ دَخَلَ إلَيْهِمْ مُسْلِمٌ بِأَمَانٍ، فَعَامَلَهُمْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، كَانَ هَذَا وَمَا لَوْ كَانَ مُسْتَأْمَنًا فِي دَارِ الْحَرْبِ حِينَ عَامَلَهُمْ سَوَاءً؛ لِأَنَّ الْعَسْكَرَ إذَا كَانُوا أَهْلَ مَنْعَةٍ فَحُكْمُ الْإِسْلَامِ لَا يَجْرِي فِي مُعَسْكَرِهِمْ، كَمَا لَا يَجْرِي فِي دَارِ الْحَرْبِ. وَبِنَاءُ هَذِهِ الْأَجْوِبَةِ عَلَى الْحُكْمِ فِيمَا إذَا كَانَ [الْحُكْمُ] حُكْمَ الْكُفْرِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي جَرَتْ الْمُعَامَلَةُ فِيهِ. وَإِذَا كَانَ الْحُكْمُ حُكْمَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ مِنْ الْمُعَامَلَةِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إلَّا مَا يَجُوزُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ عَسْكَرَ الْمُسْلِمِينَ لَوْ دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ ثُمَّ جَرَتْ هَذِهِ الْمُعَامَلَةُ فِي الْمُعَسْكَرِ فَإِنَّ حُكْمَهَا وَحُكْمَ مَا لَوْ جَرَتْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ سَوَاءٌ (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلًا فِي الْمُعَسْكَرِ عَمْدًا وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَتَلَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ جَرَيَانُ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَإِذَا ظَهَرَ هَذَا فِي حُكْمِ الْقَتْلِ، فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ الْمُعَامَلَاتِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":1890},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>[بَابُ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ نُصْرَتُهُمْ]</span>\n١٧٣ - بَابُ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ نُصْرَتُهُمْ، وَمَا لَا يَكُونُ فَيْئًا إذَا أُخِذَ مِنْ دَارِنَا، أَوْ مِنْ غَيْرِهَا\n٣٧٩٨ - وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، لَا مَنَعَةَ لَهُمْ، دَخَلُوا إلَيْنَا بِأَمَانٍ، فَأَغَارَ أَهْلُ دَارِ حَرْبٍ أُخْرَى عَلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَأَصَابُوا أُولَئِكَ الْمُسْتَأْمَنِينَ فَأَحْرَزُوهُمْ بِدَارِهِمْ، وَاسْتَبْعَدُوهُمْ، ثُمَّ ظَفَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ، فَعَلَيْهِمْ تَخْلِيَةُ سَبِيلِ الْمُسْتَأْمَنِينَ؛ لِأَنَّهُمْ سُبُوا مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ كَانُوا فِي حُكْمِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ حِينَ سُبُوا، وَالْحُرِّيَّةُ لَا تَبْطُلُ بِمِثْلِ هَذَا السَّبْيِ.\n٣٧٩٩ - ثُمَّ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمُسْتَأْمَنِينَ فِينَا إذَا لَمْ يَكُونُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ فَحَالُهُمْ كَحَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي وُجُوبِ نُصْرَتِهِمْ عَلَى أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ، وَدَفْعِ الظُّلْمِ عَنْهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ تَحْتَ وِلَايَتِهِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ كَانَ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ وَالْمُسْلِمِينَ اتِّبَاعُهُمْ لِاسْتِنْقَاذِهِمْ مِنْ أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَهَرُوهُمْ، مَا لَمْ يَدْخُلُوا حُصُونَهُمْ وَمَدَائِنَهُمْ، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ إذَا وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَوْ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَيْضًا وُجُوبُ تَخْلِيَةِ سَبِيلِهِمْ إذَا أَصَبْنَاهُمْ، فَهَلْ رَأَيْت قَوْمًا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ نُصْرَتُهُمْ، وَإِذَا أَخَذُوهُمْ كَانُوا فَيْئًا لَهُمْ هَذَا مِمَّا لَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهِ.","vol":"1","page":1891},{"text":"وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُسْتَأْمَنِينَ كَانُوا مِنْ أَهْلِ دَارِ الْمُوَادَعَةِ دَخَلُوا إلَيْنَا بِتِلْكَ الْمُوَادَعَةِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْمُوَادَعَةَ تُوجِبُ الْأَمَانَ لَهُمْ فِي دَارِنَا، فَكَانُوا بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنِينَ فِي وُجُوبِ نُصْرَتِهِمْ.\n٣٨٠٠ - وَعَلَى هَذَا لَوْ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ الَّذِينَ أَسَرُوهُمْ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِأَنْ يُخَلُّوا سَبِيلَهُمْ، فَيَكُونُوا أَحْرَارًا عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُسْبَوْا، سَوَاءٌ كَانَتْ مُدَّةُ الْمُوَادَعَةِ قَائِمَةً أَوْ قَدْ انْقَضَتْ؛ لِأَنَّهُمْ حِينَ كَانُوا فِي دَارِنَا بِأَمَانٍ وَلَا مَنَعَةَ لَهُمْ فَحَالُهُمْ كَحَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي وُجُوبِ نُصْرَتِهِمْ، وَأَهْلُ الْحَرْبِ لَا يَمْلِكُونَهُمْ بِالسَّبْيِ لِتَأَكُّدِ حُرِّيَّتِهِمْ بِدَارِ الْإِسْلَامِ.\nفَإِذَا أَسْلَمُوا كَانَ عَلَيْهِمْ تَخْلِيَةُ سَبِيلِهِمْ.\nوَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يُسْلِمُوا، وَلَكِنْ دَخَلَ إلَيْهِمْ مُسْلِمٌ بِأَمَانٍ، فَاشْتَرَاهُمْ بِمَالٍ أَوْ فَدَاهُمْ، كَانَ هَذَا وَمَا لَوْ فَدَى الْحُرُّ الْمُسْلِمُ أَوْ الذِّمِّيُّ الْأَسِيرَ بِمَالِهِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا سَوَاءً، وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ الَّذِينَ أَسَرُوهُمْ خَرَجُوا إلَيْنَا بِأَمَانٍ، وَمَعَهُمْ بَعْضُ هَؤُلَاءِ الْأُسَرَاءِ، فَإِنَّهُمْ يُؤْخَذُونَ مِنْهُ مَجَّانًا؛ لِأَنَّهُ ظَالِمٌ فِي حَبْسِهِمْ، وَحَالُهُمْ فِي ذَلِكَ كَحَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ؛ إذْ لَا يَجُوزُ إعْطَاءُ الْأَمَانِ عَلَى التَّقْرِيرِ عَلَى الظُّلْمِ، بِحَبْسِ الْحُرِّ الْمَأْسُورِ.\n٣٨٠١ - وَلَوْ كَانَ فِي الْمُسْتَأْمَنِينَ الْمَأْسُورِينَ عَبْدٌ مَمْلُوكٌ","vol":"1","page":1892},{"text":"وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، لَمْ يُجْبَرْ الْمُسْتَأْمَنُ الَّذِي أَسَرَهُ عَلَى بَيْعِهِ، إذَا دَخَلَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ، وَهُوَ مَعَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْعَبْدُ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُهُ بِالْإِحْرَازِ فِي الْفُصُولِ كُلِّهَا.\n٣٨٠٢ - إلَّا أَنَّ الْمُسْلِمَ وَالذِّمِّيَّ لَا يُقَرُّ فِي مِلْكِ الْحَرْبِيِّ، فَكَانَ مُجْبَرًا عَلَى بَيْعِهِ لِذَلِكَ، فَأَمَّا إذَا كَانَ الْعَبْدُ حَرْبِيًّا فَالْحَرْبِيُّ يُقَرُّ فِي مِلْكِ الْحَرْبِيِّ، وَقَدْ تَمَّ مِلْكُهُ بِالْإِحْرَازِ؛ فَلِهَذَا لَا يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ.\nتَوْضِيحُهُ: أَنَّهُ إنَّمَا يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ لِيَعُودَ كَمَا كَانَ، وَهَا هُنَا كَانَ حَرْبِيًّا قَبْلَ أَنْ يُؤْسَرَ، وَلَوْ أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ بَاعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَلَا يَعُودُ حَرْبِيًّا كَمَا كَانَ، فَهَذَا لَا يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ.\n٣٨٠٣ - قَالَ: وَلَوْ أَنَّ الْمُوَادَعِينَ لَمْ يَخْرُجُوا إلَيْنَا حَتَّى أَغَارَ عَلَيْهِمْ أَهْلُ دَارِ حَرْبٍ أُخْرَى فِي دَارِهِمْ فَأَسَرُوا مَعَهُمْ أَسِيرًا ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ فَاسْتَنْقَذُوهُمْ مِنْ أَيْدِيهِمْ، كَانُوا عَبِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُمْ مَا كَانُوا أَصَابُوهُمْ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ دَارَ الْمُوَادَعِينَ دَارُ الْحَرْبِ، لَا يَجْرِي فِيهَا حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ.\nوَإِنَّمَا كَانَتْ الْمُوَادَعَةُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ فِيمَا بَيْنَهُمْ مُوَادَعَةٌ، فَتَمَّ إحْرَازُ الْقَاهِرِينَ لَهُمْ، ثُمَّ وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمْ، فَكَانُوا مَمَالِيكَ لِلْمُسْلِمِينَ ثُمَّ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ فِي دَارِنَا بِأَمَانٍ فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ أَهْلُ حَرْبٍ آخَرُونَ وَأَحْرَزُوهُمْ، كَانُوا مَمَالِيكَ لَهُمْ، فَإِذَا كَانُوا فِي دَارِ","vol":"1","page":1893},{"text":"الْمُوَادَعَةِ وَمَنَعَةِ أَنْفُسِهِمْ حِينَ وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمْ أَوْلَى، وَهَذَا لِأَنَّا إنَّمَا الْتَزَمْنَا لِلْمُوَادَعِينَ تَرْكَ التَّعَرُّضِ لَهُمْ، لَا أَنْ نَنْصُرَهُمْ مِنْ عَدُوِّهِمْ.\nوَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا دَخَلَ بَعْضُهُمْ دَارَنَا بِحُكْمِ الْمُوَادَعَةِ.\nلِأَنَّ الدَّاخِلِينَ لَمَّا لَمْ يَكُونُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ فَقَدْ الْتَزَمْنَا نُصْرَتَهُمْ بِالْأَمَانِ الثَّابِتِ لَهُمْ فِي دَارِنَا حُكْمًا.\n٣٨٠٤ - وَلَوْ كَانَ الَّذِينَ أَغَارُوا عَلَى الْمُوَادَعِينَ قَوْمًا مِنْ الْخَوَارِجِ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ أَهْلُ الْعَدْلِ، رَدُّوهُمْ إلَى مَأْمَنِهِمْ أَحْرَارًا لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ.\nأَمَّا إذَا أَغَارُوا عَلَيْهِمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ غَيْرُ مُشْكِلٍ، وَأَمَّا إذَا أَغَارُوا عَلَيْهِمْ فِي دَارِ الْمُوَادَعَةِ فَلِأَنَّا قَدْ الْتَزَمْنَا لَهُمْ بِالْمُوَادَعَةِ تَرْكَ التَّعَرُّضِ وَأَلَّا يَظْلِمَهُمْ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَالْخَوَارِجُ مِنْهُمْ، فَكَانَ عَلَى إمَامِ أَهْلِ الْعَدْلِ دَفْعُ ظُلْمِهِمْ عَنْ الْمُوَادَعِينَ إذَا تَمَكَّنَ مِنْهُمْ، كَمَا عَلَيْهِ دَفْعُ ظُلْمِ أَهْلِ الْعَدْلِ عَنْهُمْ، إذَا تَمَكَّنَ مِنْهُمْ، بِخِلَافِ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَى إمَامِ الْمُسْلِمِينَ دَفْعُ ظُلْمِ أَهْلِ الْحَرْبِ عَنْهُمْ بِسَبَبِ الْمُوَادَعَةِ، لِأَنَّهُ مَا الْتَزَمَ ذَلِكَ لَهُمْ.\nوَاَلَّذِي يُوَضِّحُ الْفَرْقَ أَنَّ أَمَانَ الْخَوَارِجِ يَثْبُتُ فِي حَقِّ أَهْلِ الْعَدْلِ، فَكَذَلِكَ أَمَانُ أَهْلِ الْعَدْلِ يَثْبُتُ فِي حَقِّ الْخَوَارِجِ، عَمَلًا «بِقَوْلِهِ - ﵌ -: يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ» .\nوَإِذَا ظَهَرَ حُكْمُ أَمَانِهِمْ فِي حَقِّ الْخَوَارِجِ لَمْ يَمْلِكُوهُمْ بِالْأَسْرِ فَلِهَذَا وَجَبَ رَدَّهُمْ أَحْرَارًا كَمَا كَانُوا.\n٣٨٠٥ -","vol":"1","page":1894},{"text":"قَالَ: وَلَوْ أَنَّ حَرْبِيًّا دَخَلَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ، وَمَعَهُ عَبْدٌ لَهُ فَأَسَرَ عَبْدَهُ أَهْلُ حَرْبٍ آخَرُونَ وَأَحْرَزُوهُ، ثُمَّ وَقَعَ الْعَبْدُ فِي الْغَنِيمَةِ، وَمَوْلَاهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، أَوْ قَدْ رَجَعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، فَإِنْ حَضَرَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ حَضَرَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِالْقِيمَةِ إنْ شَاءَ.\nلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ حَالُهُ كَحَالِ الذِّمِّيِّ مَا دَامَ مُسْتَأْمَنًا فِينَا فِي نَفْسِهِ إذَا صَارَ مَقْهُورًا، فَكَذَلِكَ فِي مَالِهِ إذَا وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ حُكْمَ الْأَمَانِ يَعُمُّ الْمَالَ وَالنَّفْسَ، ثُمَّ إنَّمَا يَنْتَهِي حُكْمُ الْأَمَانِ بِرُجُوعِهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَفِيمَا يَرُدُّهُ مَعَ نَفْسِهِ، فَأَمَّا فِيمَا لَمْ يَرُدَّهُ فَحُكْمُ الْأَمَانِ قَائِمٌ كَأَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ إلَى دَارِ الْحَرْبِ؛ فَلِهَذَا كَانَ الْحُكْمُ فِيهِ مَا بَيَّنَّا، وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ الْعَبْدُ دَخَلَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ وَلَمْ يَكُنْ مَوْلَاهُ مَعَهُ.\nلِأَنَّ حُكْمَ الْأَمَانِ ثَابِتٌ فِيهِ مَا لَمْ يَرْجِعْ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، فَإِنَّا قَدْ الْتَزَمْنَا تَبْلِيغَهُ مَأْمَنَهُ، وَقَدْ انْعَدَمَ ذَلِكَ حِينَ أَحْرَزَهُ أَهْلُ حَرْبٍ آخَرُونَ؛ وَلِهَذَا إذَا وَقَعَ فِي الْغَنِيمَةِ وَجَبَ رَدُّهُ عَلَى مَوْلَاهُ، قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ بِالْقِيمَةِ.\n٣٨٠٦ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْعَبْدُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْمُوَادَعِينَ دَخَلَ إلَيْنَا بِتِلْكَ الْمُوَادَعَةِ وَحْدَهُ، أَوْ مَعَ مَوْلَاهُ، ثُمَّ أَسَرَهُ أَهْلُ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ آمِنًا فِينَا بِتِلْكَ الْمُوَادَعَةِ، فَهُوَ فِي الْحُكْمِ كَالْمُسْتَأْمَنِ فِينَا.","vol":"1","page":1895},{"text":"٣٨٠٧ - وَكَذَلِكَ لَوْ دَخَلَ مُسْلِمٌ دَارَ الْقَاهِرِينَ - بِأَمَانٍ فَاشْتَرَاهُ مِنْهُمْ كَانَ لِمَوْلَاهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالثَّمَنِ إنْ شَاءَ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْفُصُولِ.\nلِأَنَّهُ الْآنَ بِمَنْزِلَةِ عَبْدِ الْمُسْلِمِ أَوْ الذِّمِّيِّ، وَقَدْ أُصِيبَ مِنْ دَارِنَا، وَإِنَّمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي الْحَرْفِ الَّذِي قُلْنَا: أَنَّ الْأَسِيرَ إذَا دَخَلَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ وَهُوَ مَعَهُ لَمْ يَكُنْ مُجْبَرًا عَلَى بَيْعِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ بِأَمَانٍ فَأَمَّا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَالْحُكْمُ سَوَاءٌ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .","vol":"1","page":1896},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>[بَابُ مَوَارِيثِ الْقَتْلَى إذَا لَمْ يُدْرَ أَيُّهُمْ قُتِلَ أَوَّلًا]</span>\n٣٨٠٨ - وَإِذَا قُتِلَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ذَوِي الْقَرَابَةِ وَلَا يُعْلَمُ أَيُّهُمْ قُتِلَ أَوَّلًا فَإِنَّهُ لَا يَرِثُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَلَكِنَّ مِيرَاثَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِوَرَثَتِهِ الْأَحْيَاءِ؛ لِأَنَّ كُلَّ أَمْرَيْنِ حَدَثَا، وَلَا يُعْرَفُ التَّارِيخُ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّهُ يُجْعَلُ كَأَنَّهُمَا حَدَثَا مَعًا لِفِقْهٍ، وَهُوَ أَنَّهُ يُحَالُ بِالْحَادِثِ عَلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ، فَإِنَّ التَّارِيخَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِحُجَّةٍ، ثُمَّ شَرْطُ التَّوْرِيثِ بَقَاءُ الْوَارِثِ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِ الْمُورَثِ، فَمَا لَمْ يُعْلَمْ هَذَا الشَّرْطُ يَقِينًا لِإِنْسَانٍ بِعَيْنِهِ لَا يُجْعَلُ وَارِثًا.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْمَفْقُودَ لَا يَرِثُ أَحَدًا مِنْ أَقَارِبِهِ مَا لَمْ يُعْلَمْ حَيَاتُهُ بِعَيْنِهِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوَرَّثِ.\n٣٨٠٩ - وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، قَالَ: أَمَرَنِي أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، بِتَوْرِيثِ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، فَوَرَّثْت الْأَحْيَاءَ الْأَمْوَاتَ وَلَمْ أُوَرِّثْ الْأَمْوَاتَ بَعْضَهُمْ بَعْضًا. قَالَ: وَأَمَرَنِي عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِتَوْرِيثِ أَهْلِ طَاعُونِ عَمَوَاسَ، كَانَتْ الْقَبِيلَةُ تَمُوتُ بِأَسْرِهَا فَوَرَّثْتُ الْأَحْيَاءَ الْأَمْوَاتَ وَلَمْ أُوَرِّثْ","vol":"1","page":1897},{"text":"الْأَمْوَاتَ بَعْضَهُمْ بَعْضًا، قَالَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ: وَأَنَا وَرَّثْت أَهْلَ الْحَرَّةَ، فَوَرَّثْتُ الْأَحْيَاءَ الْأَمْوَاتَ وَلَمْ أُوَرِّثْ الْأَمْوَاتَ بَعْضَهُمْ بَعْضًا.\nوَذَكَرَ آثَارًا فِي الْكِتَابِ بِالْإِسْنَادِ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، لِإِثْبَاتِ الْأَصْلِ الَّذِي قُلْنَا. قَالَ:\n٣٨١٠ - وَكُلُّ نَسَبٍ ادَّعَاهُ السَّبْيُ إذَا تَصَادَقُوا عَلَيْهِ وَلَمْ يُعْرَفْ إلَّا بِقَوْلِهِمْ فَإِنَّهُمْ لَا يَتَوَارَثُونَ بِذَلِكَ مَا خَلَا الْأُبُوَّةَ وَالْبُنُوَّةَ، إلَّا أَنْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ النَّسَبِ، فَحِينَئِذٍ يَجْرِي التَّوَارُثُ.\nوَهَذَا بِنَاءً عَلَى مَا عَرَفْنَاهُ فِي الدَّعْوَى أَنَّ إقْرَارَ الرَّجُلِ يَصِحُّ بِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: بِالْأَبِ، وَالِابْنِ، وَالزَّوْجَةِ، وَالْمَوْلَى، وَإِقْرَارُ الْمَرْأَةِ يَصِحُّ بِثَلَاثَةِ نَفَرٍ: بِالْأَبِ، وَالزَّوْجِ، وَالْمَوْلَى، وَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهَا بِالِابْنِ، لِأَنَّهَا تَحْمِلُ نَسَبَهُ عَلَى غَيْرِهَا، وَهُوَ صَاحِبُ الْفِرَاشِ، فَأَمَّا الْإِقْرَارُ بِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْقَرَابَاتِ لَا يَصِحُّ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لِأَنَّ الْمُقِرَّ إنَّمَا يَحْمِلُ النَّسَبَ عَلَى غَيْرِهِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً سُبِيَتْ، وَمَعَهَا صَبِيٌّ حَامِلَتَهُ، وَكَانَتْ تَقُولُ: ابْنِي، فَأُعْتِقَا وَكَبِرَ الْغُلَامُ فَمَاتَ وَتَرَكَ مَالًا، فَقِيلَ لَهَا: خُذِي مِيرَاثَك فَتَحَرَّجَتْ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَتْ: لَمْ يَكُنْ ابْنِي إنَّمَا كَانَ ابْنُ دِهْقَانِ الْقَرْيَةِ، وَكُنْت ظِئْرًا لَهُ، فَكُتِبَ فِي ذَلِكَ إلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فَكَتَبَ رَضِي اللَّهُ تَعَالَى أَلَّا يُوَرَّثَ الْحَمِيلُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، فَصَارَ هَذَا أَصْلًا فِيمَا قُلْنَا لِأَنَّ الْحَمِيلَ مَحْمُولُ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ،","vol":"1","page":1898},{"text":"فَعِيلٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ أَوْ حَامِلٌ نَسَبَهُ عَلَى غَيْرِهِ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ.\n٣٨١١ - وَإِذَا مَاتَ الرَّجُلُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَقُسِّمَ مِيرَاثُهُ عَلَى غَيْرِ قِسْمَةِ مِيرَاثِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، بِأَنْ أُعْطِيَ الذُّكُورُ مِنْ الْأَوْلَادِ دُونَ الْإِنَاثِ، أَوْ الْوَلَدُ دُونَ الْأَبَوَيْنِ، أَوْ دُونَ الزَّوْجَةِ، ثُمَّ أَسْلَمُوا بَعْدَ تَمَامِ الْقِسْمَةِ، فَالْقِسْمَةُ مَاضِيَةٌ عَلَى مَا صَنَعُوا، وَلَوْ لَمْ يَقْسِمُوا حَتَّى أَسْلَمُوا فَإِنَّمَا يُقَسَّمُ الْمِيرَاثُ بَيْنَهُمْ عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُمْ بِالْإِسْلَامِ يَلْتَزِمُونَ أَحْكَامَ الْمُسْلِمِينَ، فَذَلِكَ يَلْزَمُهُمْ فِي تَصَرُّفٍ يُبَاشِرُونَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ دُونَ مَا بَاشَرُوهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ؛ بِمَنْزِلَةِ الْمُعَامَلَةِ بِالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ النَّبِيَّ - ﵌ -، قَالَ: «أَيُّمَا مِيرَاثٍ اُقْتُسِمَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ عَلَى قِسْمَةِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَا أَدْرَكَ الْإِسْلَامَ، فَهُوَ عَلَى قِسْمَةِ الْإِسْلَامِ» . يَعْنِي مَا أَدْرَكَ الْإِسْلَامَ بِأَنْ أَسْلَمَ الْمُسْتَحِقُّونَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ.\n٣٨١٢ - وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا اقْتَسَمَ أَهْلُ الذِّمَّةِ مَوَارِيثَهُمْ عَلَى غَيْرِ قِسْمَةِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ اخْتَصَمُوا فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يُبْطِلُ قِسْمَتَهُمْ، وَيُقَسِّمُ الْمِيرَاثَ بَيْنَهُمْ عَلَى قِسْمَةِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ قَدْ الْتَزَمُوا أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمُعَامَلَاتِ، فَكَانَ حُكْمُهُمْ كَحُكْمِ الْمُسْلِمِينَ إلَّا مَا صَارَ مُسْتَثْنًى، لِمَكَانِ عَقْدِ الذِّمَّةِ كَالتَّصَرُّفِ فِي","vol":"1","page":1899},{"text":"الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَنِكَاحِ الْمَحَارِمِ، فَأَمَّا أَهْلُ الْحَرْبِ مَا كَانُوا مُلْتَزِمِينَ لِحُكْمِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا، فَلِهَذَا كَانَ الْحُكْمُ فِيهِمْ عَلَى مَا بَيَّنَّا.\n٣٨١٣ - وَلَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ الْحَرْبِ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ وَإِنْ دَخَلُوا إلَيْنَا بِأَمَانٍ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ دَارَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَإِنَّ الْمُسْتَأْمَنَ فِيهَا مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ، وَتَبَايُنُ الدَّارِ تَأْثِيرُهُ فِي قَطْعِ الْعِصْمَةِ وَالْوِلَايَةِ فَوْقَ تَأْثِيرِ تَبَايُنِ الدِّينِ، فَكَمَا لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ فَكَذَلِكَ لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ الدَّارَيْنِ.\nوَعَلَى هَذَا أَهْلُ الْحَرْبِ فَإِنَّهُمْ لَا يَتَوَارَثُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، إذَا كَانُوا أَهْلَ دُورٍ مُخْتَلِفَةٍ؛ لِأَنَّ حُكْمَ اخْتِلَافِ الدَّارِ فِيهِمْ بِاخْتِلَافِ الْمَنَعَةِ، فَإِنَّ دَارَهُمْ لَيْسَتْ بِدَارِ أَحْكَامٍ حَتَّى يَجْمَعَهُمْ حُكْمٌ بِخِلَافِ دَارِ الْإِسْلَامِ.\nفَأَمَّا إذَا صَارُوا أَهْلَ الذِّمَّةِ فَإِنَّهُمْ يَتَوَارَثُونَ بِالْقَرَابَةِ؛ لِأَنَّهُمْ صَارُوا مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ وَهُمْ أَهْلُ ذِمَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنَّ الْكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ؛ فَلِهَذَا جَرَى التَّوَارُثُ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":1900},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>[بَابُ الْأَسِيرِ وَالْمَفْقُودِ وَمَا يُصْنَعُ بِمَالِهِمَا]</span>\n٣٨١٤ - قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ - ﵁ - اعْلَمْ بِأَنَّ أَكْثَرَ مَشَاكِلِ هَذَا الْبَابِ قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ فِي كِتَابِ الْمَفْقُودِ، وَإِنَّمَا نَذْكُرُهَا هُنَا مَا لَمْ نُبَيِّنْهُ ثَمَّةَ فَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ امْرَأَةَ الْأَسِيرِ إذَا ثَبَتَ عِنْدَهَا ارْتِدَادُ زَوْجِهَا إلَى دِينِ الْكُفْرِ اعْتَدَّتْ بِثَلَاثِ حِيَضٍ وَتَزَوَّجَتْ.\nوَإِذَا ثَبَتَ عِنْدَهَا مَوْتُهُ اعْتَدَّتْ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ، وَلَهَا الْمِيرَاثُ فِي الْوَجْهَيْنِ.\nلِأَنَّ بَعْدَ مَا أُسِرَ وَفُقِدَ كَحَالِهِ إذَا كَانَ مَعَهَا إلَى أَنْ ارْتَدَّ أَوْ مَاتَ، فَإِنَّ الْأَسْرَ لَا يُؤَثِّرُ فِي قَطْعِ عِصْمَةِ النِّكَاحِ، إلَّا أَنَّ مَوْتَ الزَّوْجِ يَثْبُتُ عِنْدَهَا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ إذَا كَانَ عَدْلًا، فَأَمَّا رِدَّةُ الزَّوْجِ لَا تَثْبُتُ عِنْدَهَا إلَّا بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ، رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، عَلَى رِوَايَةِ هَذَا الْكِتَابِ، وَعَلَى رِوَايَةِ كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ سِوَى بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ، وَقَالَ: يَثْبُتُ ذَلِكَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ إذَا كَانَ عَدْلًا، لِأَنَّهُ يُخْبِرُهَا بِأَمْرٍ دِينِيٍّ فَإِنَّ حِلَّ التَّزَوُّجِ وَحُرْمَتَهُ أَمْرٌ دِينِيٌّ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ رِدَّةَ الْمَرْأَةِ عِنْدَ الزَّوْجِ تَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لِهَذَا الْمَعْنَى، فَأَمَّا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ نُفَرِّقُ فَنَقُولُ: إنَّ رِدَّةَ الرَّجُلِ يَتَعَلَّقُ بِهَا اسْتِحْقَاقُ الْقَتْلِ، فَكَانَ","vol":"1","page":1901},{"text":"حُكْمُهُ أَغْلَظَ مِنْ حُكْمِ رِدَّةِ الْمَرْأَةِ، فَلِهَذَا لَا تَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، إلَّا أَنَّهَا تَثْبُتُ الْآنَ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَبِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ.\nلِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْقَضَاءُ بِقِسْمَةِ الْمِيرَاثِ، وَذَلِكَ يَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ؛ فَلِهَذَا أَثْبَتْنَا بِحَجَّةٍ فِيهَا شُبْهَةٌ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُمْ لَوْ شَهِدُوا بِهِ عِنْدَ الْقَاضِي قَضَى بِقِسْمَةِ مَالِهِ بَيْنَ وَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ، فَكَذَلِكَ إذَا شَهِدُوا بِهِ عِنْدَهَا، قُلْنَا: يَكُونُ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا،\n٣٨١٥ - فَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ ذَلِكَ مُسْلِمًا وَقَالَ: قَدْ كَذَبَتْ عَلَيَّ الْبَيِّنَةَ لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ إسْلَامِهِ ابْتِدَاءً، فَلَا تَرُدُّ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ إلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ، سَوَاءٌ تَزَوَّجَتْ أَوْ لَمْ تَتَزَوَّجْ، وَلَوْ شَهِدَ هَذَانِ الشَّاهِدَانِ بِرِدَّتِهِ عِنْدَ قَوْمٍ، ثُمَّ غَابَا أَوْ مَاتَا، فَلَيْسَ يَسَعُ أُولَئِكَ الْقَوْمُ أَنْ يَشْهَدُوا عَلَى رِدَّتِهِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُشْهِدَاهُمْ عَلَى شَهَادَتِهِمَا، فَإِنْ أَشْهَدَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَحِينَئِذٍ يَسَعُهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا عَلَى شَهَادَتِهِمَا، كَمَا فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ.\nفَأَمَّا إذَا أَخْبَرَ بِمَوْتِهِ مُسْلِمٌ عَدْلٌ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يَسَعُهَا أَنْ تَعْتَدَّ وَتَتَزَوَّجَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ حَقٌّ يُطْلَبُ الرَّجُلُ بِهِ، بِخِلَافِ الرِّدَّةِ إلَّا أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ إنَّمَا يُعْتَمَدُ إذَا قَالَ عَايَنْتُهُ مَيِّتًا، أَوْ شَهِدْتُ جِنَازَتَهُ.\n٣٨١٦ - فَأَمَّا إذَا قَالَ: أَخْبَرَنِي بِهِ مُخْبِرٌ، فَإِنَّهُ لَا يُعْتَمَدُ عَلَى ذَلِكَ.\nفَأَمَّا إذَا أَخْبَرَ قَوْمًا عَنْ مُعَايَنَةٍ يَسَعُهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا","vol":"1","page":1902},{"text":"عَلَى مَوْتِهِ عِنْدَ الْقَاضِي، إلَّا أَنَّهُمْ إذَا بَيَّنُوا لِلْقَاضِي أَنَّهُمْ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ وَاحِدٍ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْضِي بِشَهَادَتِهِمْ، كَمَا لَوْ جَاءَ ذَلِكَ الْمُخْبِرُ فَأَخْبَرَ الْقَاضِيَ بِهِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْمِلْكِ بِاعْتِبَارِ الْيَدِ يَجُوزُ، وَلَكِنْ إذَا أَخْبَرَ الْقَاضِيَ أَنَّهُ يَشْهَدُ بِالْمِلْكِ لَهُ لِأَنَّهُ رَآهُ فِي يَدِهِ لَمْ يَعْتَمِدْ الْقَاضِي شَهَادَتَهُ، وَاَلَّذِي يُخْبِرُ عَنْ مَوْتِهِ مُعَايَنَةً إنَّمَا يُعْتَمَدُ خَبَرُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَّهَمًا فِي ذَلِكَ الْخَبَرِ، فَأَمَّا إذَا كَانَ مُتَّهَمًا بِأَنْ كَانَ أَحَدَ وَرَثَتِهِ أَوْ مُوصَى لَهُ بِمَالٍ، فَإِنَّهُ لَا يُعْتَمَدُ خَبَرُهُ، فَإِنَّهُ يَجُرُّ بِذَلِكَ إلَى نَفْسِهِ مَغْنَمًا، فَيَكُونُ مُتَّهَمًا فِي خَبَرِهِ كَالْفَاسِقِ.\nثُمَّ الْقَاضِي يَقْضِي لِامْرَأَةِ الْأَسِيرِ وَالْمَفْقُودِ بِالنَّفَقَةِ فِي مَالِهِ إذَا كَانَ النِّكَاحُ مَعْلُومًا لَهُ بَيْنَهُمَا، سَوَاءٌ كَانَتْ مُسْلِمَةً أَوْ كِتَابِيَّةً.\nوَكَذَلِكَ يَقْضِي بِنَفَقَةِ الْأَبَوَيْنِ وَالْوَلَدِ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ النَّفَقَةِ بِالنِّكَاحِ لَا يَعْتَمِدُ الْمُوَافَقَةَ فِي الدِّينِ، فَإِنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ الْوِلَادُ بِالنَّصِّ.\nفَإِنْ اسْتَوْفُوا النَّفَقَةَ زَمَانًا، ثُمَّ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى قَتْلِ الْأَسِيرِ أَوْ الْمَفْقُودِ قَبْلَ النَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ الْإِمَامَ - يُضَمِّنُهُمْ مَا أَخَذُوا.","vol":"1","page":1903},{"text":"لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ أَخَذُوا ذَلِكَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْسِبَ ذَلِكَ مِنْ مِيرَاثِهِمْ؛ إذْ لَا يَجْرِي التَّوَارُثُ مَعَ اخْتِلَافِ الْمِلَّةِ فَلِهَذَا ضَمَّنَهُمْ ذَلِكَ.\nفَكَذَلِكَ إنْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى رِدَّةِ الْأَسِيرِ فِي دَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ النَّفَقَةِ.\nلِأَنَّ ذَلِكَ كَمَوْتِهِ فِي حُكْمِ اسْتِحْقَاقِ النَّفَقَةِ.\n٣٨١٧ - فَإِنْ قَالَتْ الزَّوْجَةُ حَاسِبُونِي بِمَا أَخَذْتُ مِنْ نَفَقَتِي لِعِدَّتِي لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهَا؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَسْتَوْجِبُ نَفَقَةَ الْعِدَّةِ عَلَى الْمُرْتَدِّ مَا دَامَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَأَمَّا بَعْدَ اللَّحَاقِ بِدَارِ الْحَرْبِ فَلَا.\nبِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا، فَإِنَّهَا لَا تَسْتَوْجِبُ النَّفَقَةَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ لُحُوقَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا كَمَوْتِهِ.\n٣٨١٨ - وَإِذَا كَانَ لِلْأَسِيرِ مَالُ وَدِيعَةٍ فِي يَدِ إنْسَانٍ هُوَ مُقِرٌّ بِهِ، وَمَالُ دَيْنٍ عَلَى إنْسَانٍ هُوَ مُقِرٌّ بِهِ، فَإِنَّمَا يَفْرِضُ الْقَاضِي النَّفَقَةَ لِزَوْجَتِهِ وَأَوْلَادِهِ وَوَالِدَيْهِ فِي الْوَدِيعَةِ دُونَ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْوَدِيعَةَ أَمَانَةٌ، إنْ قَالَ مَنْ فِي يَدِهِ: ضَاعَتْ، صَدَقَ، وَالدَّيْنُ مَضْمُونٌ فِي ذِمَّةِ الْغَرِيمِ، فَكَانَ النَّظَرُ لِلْأَسِيرِ فِي أَنْ يَجْعَلَ النَّفَقَةَ فِي الْوَدِيعَةِ وَيَشْهَدَ عَلَى إقْرَارِ الْمَدِينِ حَتَّى يَأْمَنَ فَوَاتَ الدَّيْنِ بِجُحُودِهِ.","vol":"1","page":1904},{"text":"٣٨١٩ - وَإِنْ رَأَى أَنْ يَأْخُذَ الْوَدِيعَةَ مِنْ يَدِ مَنْ فِي يَدِهِ، وَأَنْ يَضَعَهَا عَلَى يَدَيْ نَفْسِهِ وَيَأْمُرَ بِالْإِنْفَاقِ مِنْ الدَّيْنِ الْغَرِيمَ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ نَاظِرٌ لِكُلِّ مَنْ عَجَزَ عَنْ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ.\nثُمَّ لَا يُصَدَّقُ الْمَدِينُ، فِيمَا يَدَّعِي أَنَّهُ أَنْفَقَ مِنْ الدَّيْنِ، إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْمُودَعِ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ فِيمَا يَدَّعِي أَنَّهُ أَنْفَقَ مِنْ الْوَدِيعَةِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْمَدِينَ إنَّمَا يُنْفِقُ مِنْ مِلْكِ نَفْسِهِ، عَلَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَضْمُونًا لَهُ فِي ذِمَّةِ صَاحِبِ الدَّيْنِ، ثُمَّ يَصِيرَ قِصَاصًا، وَهُوَ لَا يُصَدَّقُ فِيمَا يَدَّعِي مِنْ الدَّيْنِ لِنَفْسِهِ فِي ذِمَّةِ غَيْرِهِ إلَّا بِحُجَّةٍ، فَأَمَّا الْمُودَعُ أَمِينٌ يُنْفِقُ مِنْ مِلْكِ الْغَيْرِ بِأَمْرِهِ أَوْ بِأَمْرِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ وَهُوَ الْقَاضِي، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَمِينِ مَعَ الْيَمِينِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْمَدِينَ لَوْ ادَّعَى قَضَاءَ الدَّيْنِ لَمْ يَصَدَّقْ إلَّا بِحُجَّةٍ، وَالْمُودَعُ إذَا ادَّعَى رَدَّ الْوَدِيعَةِ كَانَ مُصَدَّقًا مَعَ الْيَمِينِ.\n٣٨٢٠ - فَإِنْ جَاءَ الْأَسِيرُ بَعْدَ مَا أَنْفَقَ الْغَرِيمُ أَوْ الْمُودَعُ بِأَمْرِ الْقَاضِي فَجَحَدَ نِكَاحَ الْمَرْأَةِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةٌ، وَحَلَفَ الْأَسِيرُ مَا هِيَ لَهُ بِامْرَأَةٍ، عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى الِاسْتِحْلَافَ.","vol":"1","page":1905},{"text":"فِي بَابِ النِّكَاحِ، فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْغَرِيمِ وَالْمُودَعِ بِمَا لَهُ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْأَمْرِ لِلْقَاضِي بِالْإِنْفَاقِ كَانَ بِسَبَبِ النِّكَاحِ، نَظَرًا مِنْهُ لِلْغَائِبِ، وَلَمْ يُثْبِتْ النِّكَاحَ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ أَنْفَقَ مِلْكَهُ عَلَى غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرٍ صَحِيحٍ شَرْعًا، فَصَارَ ضَامِنًا لَهُ ذَلِكَ، وَيَرْجِعُ بِمَا يَضْمَنُ عَلَى مَنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ أَخْذَ الْمَالِ مِنْهُ لِنَفْسِهِ، فَكَانَ ضَامِنًا لِلْمَأْخُوذِ؛ فَإِنْ كَانَ الْمُنْفِقُ مُعْسِرًا فَأَرَادَ الْأَسِيرُ تَضْمِينَ الْمَرْأَةِ مَالَهُ فَلَهُ ذَلِكَ فِي الْوَدِيعَةِ دُونَ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهَا أَخَذَتْ عَيْنَ مَالِهِ مِنْ الْمُودَعِ، وَأَنْفَقَتْ عَلَى نَفْسِهَا، فَكَانَتْ ضَامِنَةً لَهُ، وَإِنَّمَا أَخَذَتْ مِنْ الْمَدِينِ مَالَ الْمَدِينِ.\n٣٨٢١ - فَأَمَّا دَيْنُ الْأَسِيرِ فِي ذِمَّةِ الْمَدِينِ فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى تَضْمِينِ الْمَرْأَةِ، وَإِنَّمَا يُطَالَبُ الْغَرِيمُ بِمَا لَهُ، وَفِي الْوَدِيعَةِ إذَا اخْتَارَ الْأَسِيرُ تَضْمِينَهَا ثُمَّ أَرَادَ الرُّجُوعَ عَنْ ذَلِكَ وَتَضْمِينَ الْمُودَعِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا فِي حَقِّهِ كَالْغَاصِبِ مَعَ غَاصِبِ الْغَاصِبِ، فَبَعْدَ مَا اخْتَارَ تَضْمِينَ أَحَدِهِمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ ذَلِكَ، وَيَضْمَنَ الْآخَرَ؛ لِأَنَّ اخْتِيَارَهُ تَضْمِينَ أَحَدِهِمَا يَكُونُ إبْرَاءً مِنْهُ لِلْآخَرِ.\n٣٨٢٢ - وَلَوْ كَانَ الْأَسِيرُ لَمْ يَجْحَدْ نِكَاحَ الْمَرْأَةِ وَلَكِنَّهُ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ كَانَ أَعْطَاهَا النَّفَقَةَ لِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ قَبْلَ أَنْ يُؤْسَرَ،","vol":"1","page":1906},{"text":"أَوْ كَانَ طَلَّقَهَا وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا قَبْلَ أَنْ يُؤْسَرَ، فَلَا ضَمَانَ لَهُ عَلَى الْغَرِيمِ وَالْمُودَعِ فِيمَا أَنْفَقَا بِأَمْرِ الْقَاضِي، وَلَكِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْمَرْأَةِ بِمَا أَخَذَتْ.\nلِأَنَّ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ وُجُوبَ الضَّمَانِ عَلَيْهِمَا كَانَ بِاعْتِبَارِ إقْرَارِهِمَا بِأَصْلِ النِّكَاحِ، فَإِنَّهُمَا لَوْ أَنْكَرَا ذَلِكَ لَمْ يَأْمُرْهُمَا الْقَاضِي بِإِنْفَاقِ شَيْءٍ عَلَيْهَا، وَقَدْ ظَهَرَ الْآنَ أَنَّهُمَا كَذَبَا فِيمَا أَقَرَّا بِهِ عَلَى الْأَسِيرِ، فَلِهَذَا ضَمِنَ. وَهَا هُنَا لَمْ يَظْهَرْ كَذِبُهُمَا فِيمَا أَقَرَّا بِهِ مِنْ أَصْلِ النِّكَاحِ.\nوَإِنَّمَا أَثْبَتَ الزَّوْجُ عَارِضًا مُسْقِطًا لِلنَّفَقَةِ عَنْهُ، وَهُوَ نَظِيرُ الشَّاهِدَيْنِ بِالْقَتْلِ خَطَأً إذَا قَضَى الْقَاضِي بِالدِّيَةِ بِشَهَادَتِهِمَا، وَاسْتَوْفَى، ثُمَّ جَاءَ الْمَشْهُودُ بِقَتْلِهِ حَيًّا كَانَا ضَامِنَيْنِ لِلْمَالِ، وَبِمِثْلِهِ لَوْ أَقَامَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ كَانَ الْمَجْرُوحُ عَفَا عَنْ الْجِرَاحَةِ، وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا قَبْلَ مَوْتِهِ، لَمْ يَكُنْ عَلَى الشُّهُودِ ضَمَانٌ فِي ذَلِكَ فَهَذَا قِيَاسُهُ.\n٣٨٢٣ - فَإِنْ كَانَ الْغَرِيمُ أَوْ الْمُسْتَوْدَعُ قَالَ: إنِّي قَدْ شَهِدْت نِكَاحَهَا حِينَ تَزَوَّجَهَا، وَلَسْت أَدْرِي أَطَلَّقَهَا أَوْ لَمْ يُطَلِّقْهَا فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَأْمُرُهُ بِالْإِنْفَاقِ؛ لِأَنَّ مَا عُرِفَ بِثُبُوتِهِ فَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ حَتَّى يُوجَدَ الدَّلِيلُ الْمُزِيلُ.\n٣٨٢٤ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ هِيَ امْرَأَتُهُ لِلْحَالِ، فَإِنْ أَقَامَ الْأَسِيرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ كَانَ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يُؤْسَرَ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَلَا ضَمَانَ لَهُ عَلَى الْغَرِيمِ وَالْمُسْتَوْدَعُ فِي الْفَصْلَيْنِ، وَلَيْسَ لَهُ","vol":"1","page":1907},{"text":"أَنْ يَحْتَجَّ عَلَيْهِمَا فِي الْفَصْلِ الثَّانِي، فَيَقُولُ إنَّهُمَا قَدْ كَذَبَا فِي إقْرَارِهِمَا أَنَّهَا زَوْجَتُهُ لِلْحَالِ، فَأَنَا أُضَمِّنُهُمَا بِهَذَا الْإِقْرَارِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ هَذَا غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ، فَإِنَّهُ بَعْدَ مَا أَقَرَّ بِأَصْلِ النِّكَاحِ سَوَاءٌ هِيَ امْرَأَتُهُ فِي الْحَالِ أَوْ قَالَ: لَا أَدْرِي مَا حَالُهَا الْآنَ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَأْمُرُهُ بِالْإِنْفَاقِ، وَمَا لَا يَكُونُ مُحْتَاجًا إلَيْهِ فَالشَّهَادَةُ بِهِ وُجُودًا وَعَدَمًا بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَدْ كَانَا فِي أَصْلِ الْإِقْرَارِ بِالنِّكَاحِ صَادِقَيْنِ؛ فَلِهَذَا لَمْ يَضْمَنَا شَيْئًا، وَهَذَا نَظِيرُ رَجُلٍ مَاتَ فَادَّعَتْ امْرَأَةٌ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ، وَأَقَامَتْ الْبَيِّنَةَ، فَوَرَّثَهَا الْقَاضِي مِيرَاثَ النِّسَاءِ، ثُمَّ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّ الزَّوْجَ كَانَ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فِي صِحَّتِهِ، فَلَيْسَ لِلْوَرَثَةِ تَضْمِينُ الشُّهُودِ شَيْئًا سَوَاءٌ شَهِدُوا عَلَى أَصْلِ النِّكَاحِ أَوْ شَهِدُوا عَلَى أَنَّهَا امْرَأَتُهُ يَوْمَ مَاتَ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ شَهَادَتُهُمَا بِأَصْلِ النِّكَاحِ، وَقَدْ كَانَا صَادِقَيْنِ فِي تِلْكَ الشَّهَادَةِ.\n٣٨٢٥ - وَبِمِثْلِهِ لَوْ أَسْلَمَ حَرْبِيٌّ وَوَالَى رَجُلًا ثُمَّ مَاتَ، فَشَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ مَوْلَاهُ وَوَارِثُهُ، لَا يَعْلَمُونَ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ، وَقَضَى الْقَاضِي لَهُ بِالْمِيرَاثِ، ثُمَّ أَقَامَ رَجُلٌ آخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ كَانَ نَاقَضَ الْأَوَّلَ الْوَلَاءَ وَوَالَى هَذَا الثَّانِي، وَعَاقَدَهُ ثُمَّ مَاتَ، وَهُوَ مَوْلَاهُ وَوَارِثُهُ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَجْعَلُ الْمِيرَاثَ لِلثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ، وَيَكُونُ لِلثَّانِي الْخِيَارُ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الشَّاهِدِينَ الْأَوَّلِينَ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْقَابِضَ لِلْمَالِ.","vol":"1","page":1908},{"text":"لِأَنَّهُمَا لَوْ شَهِدَا عَلَى أَصْلِ الْوَلَاءِ لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بِالْمِيرَاثِ لِلْأَوَّلِ، مَا لَمْ يَشْهَدْ عَلَى أَنَّهُ مَوْلَاهُ وَوَارِثُهُ يَوْمَ مَاتَ، وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُمَا كَذَبَا فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ فَكَانَا ضَامِنَيْنِ، وَهَذَا هُوَ الْحَرْفُ الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ الْفُصُولُ أَنَّهُ مَتَى ظَهَرَ كَذِبُ الشَّاهِدِ فِيمَا كَانَ الِاسْتِحْقَاقُ بِهِ بِعَيْنِهِ كَانَ ضَامِنًا لِلْمَشْهُودِ بِهِ، وَإِذَا لَمْ يَظْهَرْ كَذِبُهُ فِيمَا كَانَ الِاسْتِحْقَاقُ بِهِ بِعَيْنِهِ لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .","vol":"1","page":1909},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>[بَابُ مِيرَاثِ الْقَاتِلِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَأَهْلِ الْإِسْلَامِ]</span>\n٣٨٢٦ - وَإِذَا الْتَقَى الصَّفَّانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ فَرَمَى مُشْرِكٌ أَخَاهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَأَصَابَهُ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْمُشْرِكُ، ثُمَّ مَاتَ الْمُسْلِمُ وَلَا وَارِثَ لِلْمَقْتُولِ غَيْرُ أَخِيهِ فَمِيرَاثُهُ لِأَخِيهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمُسْلِمُ هُوَ الَّذِي رَمَى الْمُشْرِكَ ثُمَّ أَسْلَمَ الْمَجْرُوحُ ثُمَّ مَاتَ.\nأَمَّا فِي هَذَا الْفَصْلِ فَلِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِحَقٍّ، وَالْقَتْلُ بِحَقٍّ لَا يُوجِبُ حِرْمَانَ الْمِيرَاثِ، كَمَا لَوْ قَتَلَ مُورَثَهُ قِصَاصًا أَوْ رَجْمًا، وَأَمَّا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ فَلِأَنَّهُ قَتَلَهُ، وَهُوَ مُحَارِبٌ لَهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ التَّأْوِيلَ الْبَاطِلَ مُلْحَقٌ بِالتَّأْوِيلِ الصَّحِيحِ فِي الْحُكْمِ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لَهُ فِي الْإِثْمِ.\nأَلَا تَرَى - أَنَّ الْكَافِرَ لَا يَسْتَوْجِبُ قِصَاصًا وَلَا دِيَةً بِقَتْلِ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ، كَمَا لَا يَسْتَوْجِبُ الْمُسْلِمُ ذَلِكَ.\nوَعَلَى هَذَا أَهْلُ الْبَغْيِ مَعَ أَهْلِ الْعَدْلِ، فَإِنَّ الْعَادِلَ إذَا قَتَلَ مُورَثَهُ الْبَاغِيَ لَمْ يُحْرَمْ الْمِيرَاثَ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ قَتْلَهُ بِحَقٍّ، وَالْبَاغِي إذَا قَتَلَ مُورَثَهُ الْعَادِلَ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، لِأَنَّ التَّأْوِيلَ الْفَاسِدَ إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ الْمَنَعَةُ كَانَ مُلْحَقًا بِالتَّأْوِيلِ الصَّحِيحِ، إلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ:","vol":"1","page":1910},{"text":"هَا هُنَا: لَا يَرِثُهُ بِخِلَافِ الْكَافِرِ؛ لِأَنَّ الْبَاغِيَ مُسْلِمٌ مُخَاطَبٌ بِأَحْكَامِ الْإِسْلَامِ، فَكَانَ قَتْلُهُ الْعَادِلَ قَتْلًا مَحْظُورًا، وَحِرْمَانُ الْمِيرَاثِ جَزَاءُ الْقَتْلِ الْمَحْظُورِ، فَأَمَّا الْكَافِرُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِأَحْكَامِ الشَّرْعِ، فَلَا يَتَعَلَّقُ حِرْمَانُ الْمِيرَاثِ بِقَتْلِهِ.\n٣٨٢٧ - لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ، وَلَكِنْ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، أَصَحُّ، فَإِنَّ الْقَتْلَ الْمَوْجُودَ مِنْ الْبَاغِي كَالْمَوْجُودِ مِنْ الْكَافِرِ، فِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِهِ قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ، لِوُجُودِ التَّأْوِيلِ وَالْمَنَعَةِ، فَكَذَلِكَ فِي حُكْمِ الْمِيرَاثِ بَلْ أَوْلَى، لِأَنَّ حُكْمَ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ ثَابِتٌ بِنَصٍّ يُتْلَى، وَحِرْمَانُ الْمِيرَاثِ بِالْقَتْلِ ثَابِتٌ بِخَبَرٍ يُرْوَى، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَا يَثْبُتُ بِنَصِّ التَّنْزِيلِ فَهُوَ أَوْلَى.\n٣٨٢٨ - وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَسْلَمَ الْأَبُ وَالِابْنُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّ الْقَاتِلَ لَا يَرِثُ مِنْ الْمَقْتُولِ شَيْئًا، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ الْقَتْلِ قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ، وَكَذَلِكَ فِي الْأَسِيرَيْنِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَ وُجُوبِ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ هُنَاكَ لَيْسَ بِتَأْوِيلٍ تَأَوَّلَهُ الْقَاتِلُ بَلْ لِانْعِدَامِ الْإِحْرَازِ الَّذِي هُوَ مُقَوِّمٌ لِلدَّمِ، وَبِهِ لَا يَخْرُجُ الْقَتْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَحْظُورًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَأَمَّا هَا هُنَا امْتِنَاعُ وُجُوبِ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ لِاعْتِبَارِ تَأْوِيلٍ تَأَوَّلَهُ الْقَاتِلُ، وَلَمَّا جُعِلَ ذَلِكَ التَّأْوِيلُ بِمَنْزِلَةِ التَّأْوِيلِ الصَّحِيحِ فِي حُكْمِ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ فَكَذَلِكَ فِي حُكْمِ حِرْمَانِ الْمِيرَاثِ.\n٣٨٢٩ -","vol":"1","page":1911},{"text":"وَلَوْ أَنْ قَوْمًا مِنْ اللُّصُوصِ أَوْ مِنْ أَهْلِ الْمَعْصِيَةِ اقْتَتَلُوا مَعَ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ فَإِنْ قَتَلَ الْعَادِلُ مُورَثَهُ مِنْ اللُّصُوصِ فَإِنَّهُ يَرِثُهُ، لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِحَقٍّ، وَإِنْ قَتَلَ اللِّصُّ مُورَثَهُ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ لَمْ يَرِثْهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَتْلَ مَحْظُورٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، حَتَّى يَتَعَلَّقَ بِهِ الْقِصَاصُ - إذَا كَانَ عَمْدًا، وَالدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ إذَا كَانَ خَطَأً\n٣٨٣٠ - وَلَوْ كَانَ الْفَرِيقَانِ مِنْ اللُّصُوصِ فَقَصَدَ كُلُّ فَرِيقٍ قَتْلَ الْفَرِيقِ الْآخَرِ لَمْ يَرِثْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ إذَا قَتَلَهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَتْلَ مَحْظُورٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ حَتَّى يَتَعَلَّقَ بِهِ الْقِصَاصُ إذَا كَانَ عَمْدًا، وَالْكَفَّارَةُ إذَا كَانَ خَطَأً.\nوَالْحَاصِلُ أَنَّ الْكَفَّارَةَ وَحِرْمَانَ الْمِيرَاثِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَزَاءُ الْقَتْلِ الْمَحْظُورِ، فَيَثْبُتُ أَحَدُهُمَا بِثُبُوتِ الْآخَرِ، وَفِي الْأَسِيرِينَ اللَّذَيْنِ أَسْلَمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ الْقَتْلُ مُوجِبٌ الْكَفَّارَةَ إذَا كَانَ خَطَأً، فَيَكُونُ مُوجِبًا حِرْمَانَ الْمِيرَاثِ أَيْضًا.\nوَأَمَّا الْقَتْلُ الْمَوْجُودُ مِنْ الْبَاغِي لَا يُوجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ، فَلَا يُوجِبُ حِرْمَانَ الْمِيرَاثِ أَيْضًا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .","vol":"1","page":1912},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>[بَابُ الْمُرْتَدِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَمَعَهُ وَلَدُهُ]</span>\n٣٨٣١ - قَالَ: وَإِذَا ارْتَدَّ الْأَبُ - مَعَ بَعْضِ أَوْلَادِهِ وَلَحِقَا بِدَارِ الْحَرْبِ فَرُفِعَ مِيرَاثُ الْمُرْتَدِّ إلَى الْإِمَامِ، فَإِنَّهُ يُقَسِّمُ مِيرَاثَهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا شَيْءَ مِنْ مِيرَاثِهِ لِلَّذِي ارْتَدَّ مِنْ أَوْلَادِهِ لِأَنَّ الْإِرْثَ طَرِيقُهُ الْوِلَايَةُ، وَالْمُرْتَدُّ لَا يَلِي أَحَدًا، فَلَا يَرِثُ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا، وَهَذَا لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا مِلَّةَ لَهُ، وَفِي الْمِيرَاثِ يُعْتَبَرُ الْمِلَّةُ؛ وَلِهَذَا لَا يَجْرِي التَّوَارُثُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْمِلَّةِ، فَلِهَذَا لَا يَرِثُ الْمُرْتَدُّ أَحَدًا شَيْئًا.\n٣٨٣٢ - وَيُورَثُ عَنْهُ مَا اكْتَسَبَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ حِينَ كَانَ مُسْلِمًا؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ حِينَ قَضَى بِلَحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ فَقَدْ قَضَى بِمَوْتِهِ، لِأَنَّ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ فِي حَقِّ مَنْ هُوَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَالْمَيِّتِ، وَإِنَّمَا يَسْتَنِدُ حُكْمُ مَوْتِهِ إلَى وَقْتِ رِدَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ بِالرِّدَّةِ يَصِيرُ هَالِكًا حُكْمًا؛ فَلِهَذَا يَرِثُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ وَرَثَتِهِ مَا اكْتَسَبَهُ فِي حَالِ الْإِسْلَامِ.\nوَمَا اكْتَسَبَهُ بَعْدَ الرِّدَّةِ قَبْلَ أَنْ يَلْتَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَكَذَلِكَ [الْجَوَابُ فِيهِ، فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - ﵀ - تَعَالَى، وَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: هُوَ فَيْءٌ.","vol":"1","page":1913},{"text":"لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إسْنَادُ التَّوْرِيثِ فِيهِ إلَى وَقْتِ إسْلَامِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِي مِلْكِهِ يَوْمَئِذٍ.\n٣٨٣٣ - فَلَوْ قَضَى بِهِ لِوَارِثِهِ كَانَ تَوْرِيثُ الْمُسْلِمِ مِنْ الْكَافِرِ.\nفَأَمَّا مَا اكْتَسَبَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَهُوَ لِابْنِهِ الَّذِي ارْتَدَّ وَلَحِقَ مَعَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ إذَا مَاتَ مُرْتَدًّا.\nلِأَنَّهُ اكْتَسَبَ ذَلِكَ الْمَالَ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ، وَأَهْلُ الْحَرْبِ يَتَوَارَثُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ دُونَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ.\n٣٨٣٤ - فَإِنْ لَحِقَ مَعَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ أَحَدٌ مِنْ أَوْلَادِهِ مُسْلِمًا فَإِنَّهُ يَرِثُهُ مِنْ كَسْبِ إسْلَامِهِ، وَلَا يَرِثُهُ شَيْئًا مِمَّا اكْتَسَبَهُ بَعْدَ الرِّدَّةِ؛ لِأَنَّ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَحَالِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَالْمُسْلِمُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ حَيْثُمَا يَكُونُ.\n٣٨٣٥ - وَعَلَى هَذَا لَوْ نَقَضَ الذِّمِّيُّ الْعَهْدَ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ مَعَ بَعْضِ أَوْلَادِهِ، فَإِنَّ الذِّمِّيَّ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا، إذَا نَقَضَ الْعَهْدَ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ مَعَ بَعْضِ أَوْلَادِهِ صَارَ حَرْبِيًّا، فَكَانَ الْجَوَابُ فِيهِ وَفِي الْمُسْلِمِ الَّذِي ارْتَدَّ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الدَّارَيْنِ يَقْطَعُ التَّوْرِيثَ كَاخْتِلَافِ الدِّينَيْنِ.\n٣٨٣٦ - قَالَ: وَلَوْ لَحِقَ الْمُرْتَدُّ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَلَهُ هَا هُنَا امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ، وَأَوْلَادُهُ بَعْضُهُمْ مُسْلِمٌ وَبَعْضُهُمْ ذِمِّيٌّ وَبَعْضُهُمْ","vol":"1","page":1914},{"text":"مُرْتَدٌّ، فَلَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّةُ امْرَأَتِهِ وَأَسْلَمَ أَوْلَادُهُ الْكِبَارُ، وَمَاتَ بَعْضُ أَوْلَادِهِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي بِمِيرَاثِهِ لِامْرَأَتِهِ الْمُسْلِمَةِ، الَّتِي انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، وَلِوَلَدِهِ الَّذِينَ كَانُوا مُسْلِمِينَ يَوْمَ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ. وَأَمَّا مَنْ أَسْلَمَ مِنْ وَلَدِهِ بَعْدَ لَحَاقِهِ فَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ مِيرَاثِهِ.\nوَهَذَا بِنَاءً عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي السِّيَرِ الصَّغِيرِ أَنَّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يُعْتَبَرُ مَنْ كَانَ وَارِثًا لَهُ يَوْمَ لَحَاقِهِ. وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - يُعْتَبَرُ مَنْ كَانَ وَارِثًا لَهُ يَوْمَ رِدَّتِهِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ التَّوْرِيثِ يَسْتَنِدُ إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ، حَتَّى يَتَحَقَّقَ تَوْرِيثُ الْمُسْلِمِ مِنْ الْمُسْلِمِ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يُعْتَبَرُ مَنْ كَانَ وَارِثًا لَهُ يَوْمَ قَضَى الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِيرُ مَحْكُومًا بِمَوْتِهِ عِنْدَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ، وَالتَّوْرِيثُ يَكُونُ مِنْ الْمَيْتِ، وَلَكِنَّ الْأَصَحَّ مَا ذَكَرْنَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، فَإِنَّ أَصْلَ السَّبَبِ يَنْعَقِدُ بِرِدَّتِهِ، وَلَكِنَّ تَمَامَهُ يَكُونُ بِلَحَاقِهِ، وَالْمَوْجُودُ بَعْدَ انْعِقَادِ أَصْلِ السَّبَبِ قَبْلَ تَمَامِهِ يُجْعَلُ كَالْمَوْجُودِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ السَّبَبِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ الزِّيَادَةَ الْمُنْفَصِلَةَ فِي الْمَبِيعِ بَعْدَ الْعَقْدِ قَبْلَ الْقَبْضِ تُجْعَلُ كَالْمَوْجُودِ فِي وَقْتِ الْعَقْدِ فِي حُكْمِ انْقِسَامِ الثَّمَنِ، فَهَذَا مِثْلُهُ فَأَمَّا مَا يَكُونُ حَادِثًا بَعْدَ تَمَامِ السَّبَبِ بِاللِّحَاقِ وَقَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِهِ لَا يُجْعَلُ كَالْمَوْجُودِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ السَّبَبِ، وَهُوَ نَظِيرُ الْمُكَاتَبِ يَمُوتُ عَنْ مَالٍ كَثِيرٍ، ثُمَّ يُسْلِمُ ابْنٌ لَهُ كَافِرٌ، أَوْ يُعْتَقُ ابْنٌ لَهُ كَانَ عَبْدًا، أَوْ يَمُوتُ ابْنٌ لَهُ، ثُمَّ يُؤَدِّي بَدَلَ كِتَابَتِهِ، فَإِنَّ مَا يَفْضُلُ مِنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ يَكُونُ مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْإِرْثِ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَلَا مِيرَاثَ لِمَنْ كَانَ عَبْدًا أَوْ كَافِرًا يَوْمَئِذٍ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي","vol":"1","page":1915},{"text":"بِعِتْقِهِ كَانَ عِنْدَ أَدَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي التَّوْرِيثِ إلَى وَقْتِ تَمَامِ السَّبَبِ لَا إلَى وَقْتِ الْقَضَاءِ، فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ الْمُرْتَدِّ.\n٣٨٣٧ - وَإِنْ لَمْ يَلْتَحِقْ الْمُرْتَدُّ بِدَارِ الْحَرْبِ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّةُ امْرَأَتِهِ بِثَلَاثِ حِيَضٍ، ثُمَّ لَحِقَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ قُتِلَ، فَلَا مِيرَاثَ لَهَا؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ وَقْتُ لَحَاقِهِ وَلَا سَبَبَ بَيْنَهُمَا عِنْدَ ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَقَدْ كَانَتْ هُنَاكَ فِي عِدَّتِهِ حِينَ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ.\nوَهُوَ بِالرِّدَّةِ صَارَ فِي حُكْمِ الْفَارِّ؛ لِأَنَّهُ تَمَّ مِنْهُ اكْتِسَابُ سَبَبِ الْفُرْقَةِ، وَهُوَ مُشْرِفٌ عَلَى الْهَلَاكِ، وَالْعِدَّةُ فِي حَقِّ امْرَأَةِ الْفَارِّ قَائِمَةٌ مَقَامَ أَصْلِ النِّكَاحِ فِي حُكْمِ التَّوْرِيثِ.\n٣٨٣٨ - قَالَ: وَإِنْ ارْتَدَّا مَعًا، ثُمَّ أَسْلَمَ الزَّوْجُ بَعْدَ ذَلِكَ، بَانَتْ الْمَرْأَةُ مِنْهُ بِغَيْرِ طَلَاقٍ وَلَا يَتَوَارَثَانِ؛ لِأَنَّهُ يُحَالُ بِالْفُرْقَةِ عَلَى إصْرَارِهَا عَلَى الْكُفْرِ بَعْدَ إسْلَامِ الزَّوْجِ، وَهِيَ لَيْسَتْ بِمُشْرِفَةٍ عَلَى الْهَلَاكِ حَتَّى يَرِثَ الزَّوْجُ مِنْهَا بِسَبَبِ الْقَرَابَةِ، وَهِيَ لَا تَرِثُهُ إنْ مَاتَ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ كَانَتْ مِنْ قِبَلِهَا.\nوَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ هِيَ الَّتِي أَسْلَمَتْ فَالْفُرْقَةُ تَكُونُ بِغَيْرِ طَلَاقٍ أَيْضًا. إلَّا فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.\nوَهِيَ تَرِثُهُ إذَا مَاتَ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا.","vol":"1","page":1916},{"text":"لِأَنَّ إصْرَارَهُ عَلَى الرِّدَّةِ بَعْدَ إسْلَامِهَا كَإِنْشَاءِ الرِّدَّةِ مِنْهُ.\n٣٨٣٩ - قَالَ: وَإِنْ ارْتَدَّا مَعًا وَلَحِقَا بِابْنٍ صَغِيرٍ لَهُمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَكَانَتْ الْمَرْأَةُ حَامِلًا فَوَضَعَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَمِيرَاثُهُمَا لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ وَرَثَتِهِمَا، وَلَا يَرِثُ هَذَانِ الصَّغِيرَانِ مِنْهُمَا شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ حُكِمَ لَهُمَا بِالرِّدَّةِ تَبَعًا لِلْأَبَوَيْنِ حِينَ كَانَا مَعَهُمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُمَا يُسْبَيَانِ وَيَكُونَانِ فَيْئًا، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يَرِثُ أَحَدًا.\n٣٨٨٣ - وَاسْتُدِلَّ عَلَى جَوَازِ سَبْيِهِمَا بِمَا رُوِيَ أَنَّ بَنِي نَاجِيَةَ لَمَّا ارْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَامِ سَبَى عَلِيُّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، ذُرِّيَّتَهُمْ، ثُمَّ بَاعَهُمْ مِنْ مَصْقَلَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ.\nقَالَ: وَلَوْ اكْتَسَبَا فِي دَارِ الْحَرْبِ مَالًا ثُمَّ مَاتَا وَأَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ فَمِيرَاثُهُمَا لِهَذَيْنِ الْوَالِدَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا صَارَا حَرْبِيَّيْنِ حُكْمًا، وَالْحَرْبِيُّ يَرِثُ الْحَرْبِيَّ.\n٣٨٤٠ - وَلَوْ لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِمَا حَتَّى أَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ، وَرَجَعَتْ بِوَلَدِهَا الصَّغِيرِ، إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، أَوْ كَانَتْ حَامِلًا فَوَضَعَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، ثُمَّ رُفِعَ الْأَمْرُ إلَى الْقَاضِي، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَجْعَلُ مِيرَاثَ الْمُرْتَدِّ لِوَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَجْعَلُ لِامْرَأَتِهِ وَلَا لِهَذَيْنِ الْوَلَدَيْنِ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا.","vol":"1","page":1917},{"text":"لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ وَقْتُ لَحَاقِهِ، وَالْمَرْأَةُ كَانَتْ مُرْتَدَّةً عِنْدَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ مَا فِي بَطْنِهَا فَإِنَّهُ تَبَعٌ لَهَا، وَالصَّغِيرُ الَّذِي لَحِقَا بِهِ دَارَ الْحَرْبِ كَانَ فِي حُكْمِ الْمُرْتَدِّ أَيْضًا، فَلِهَذَا لَا يَرِثُونَهُ شَيْئًا مِمَّا اكْتَسَبَهُ فِي حَالَةِ الْإِسْلَامِ.\n٣٨٤١ - وَلَوْ لَحِقَ الْمُرْتَدُّ بِدَارِ الْحَرْبِ وَامْرَأَتُهُ حُبْلَى فِي دَارِنَا مُسْلِمَةٌ، فَإِنْ جَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ مُنْذُ ارْتَدَّ الْأَبُ يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ، فَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ وَرَثَتِهِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ قَدْ انْقَطَعَ بَيْنَهُمَا بِالرِّدَّةِ فَهُوَ كَمَا لَوْ انْقَطَعَ بِالطَّلَاقِ الْبَائِنِ، وَفِي مِثْلِهِ إنَّمَا يَسْتَنِدُ الْعُلُوقُ إلَى أَبْعَدِ أَوْقَاتِ الْإِمْكَانِ، فَلِهَذَا يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهُ، فَيَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ الْوَرَثَةِ أَيْضًا.\n٣٨٤٢ - وَإِنْ كَانَتْ ارْتَدَّتْ بَعْدَ رِدَّةِ الزَّوْجِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَإِنَّ نَسَبَ الْوَلَدِ يَثْبُتُ إذَا جَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ، وَيَرِثُهُ هَذَا الْوَلَدُ دُونَ الْمَرْأَةِ.\nلِأَنَّهَا ارْتَدَّتْ قَبْلَ لَحَاقِهِ، وَقَدْ وُجِدَ اللَّحَاقُ مِنْهُ وَهِيَ مُرْتَدَّةٌ، فَلَا تَرِثُهُ شَيْئًا.\nوَأَمَّا الْوَلَدُ فَهُوَ مَحْكُومٌ لَهُ بِالْإِسْلَامِ تَبَعًا لِلدَّارِ بَعْدَ ارْتِدَادِ الْأَبَوَيْنِ؛ فَلِهَذَا كَانَ هُوَ مِنْ وَرَثَتِهِ.\n٣٨٤٣ - وَإِنْ كَانَتْ إنَّمَا ارْتَدَّتْ بَعْدَ مَا لَحِقَ الزَّوْجُ بِدَارِ الْحَرْبِ فَهِيَ مِنْ وَرَثَتِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ رِدَّتَهَا بَعْدَ لَحَاقِ الزَّوْجِ بِمَنْزِلَةِ مَوْتِهَا، وَذَلِكَ لَا يُسْقِطُ مِيرَاثَهَا عَنْهُ.\n٣٨٤٤ - قَالَ: وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا تَحْتَهُ امْرَأَةٌ نَصْرَانِيَّةٌ ارْتَدَّ","vol":"1","page":1918},{"text":"فَبَانَتْ الْمَرْأَةُ مِنْهُ ثُمَّ جَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ رِدَّتِهِ، فَنَسَبُهُ يَثْبُتُ مِنْهُ، وَيَكُونُ هُوَ وَارِثًا لَهُ دُونَ أُمِّهِ؛ لِأَنَّهَا بَانَتْ بِرِدَّتِهِ، فَإِنَّمَا يَسْتَنِدُ الْعُلُوقُ إلَى أَبْعَدِ الْأَوْقَاتِ، وَظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ مَحْكُومًا بِإِسْلَامِهِ قَبْلَ رِدَّةِ أَبِيهِ، فَيَبْقَى مُسْلِمًا مَا دَامَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.\nوَالْأُمُّ نَصْرَانِيَّةٌ فَهِيَ لَا تَرِثُ الْمُرْتَدَّ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ فِي حُكْمِ الْمِيرَاثِ عَنْهُ كَالْمُسْلِمِ.\n٣٨٤٥ - وَلَوْ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ نَصْرَانِيَّةٌ فَاسْتَوْلَدَهَا بَعْدَ الرِّدَّةِ لَمْ يَرِثْ هَذَا الْوَلَدُ شَيْئًا مِنْهُ؛ لِأَنَّهَا نَصْرَانِيَّةٌ عَلِقَتْ بِهِ فِي حَالِ رِدَّةِ الْأَبِ، فَلَمْ يَكُنْ مَحْكُومًا بِالْإِسْلَامِ حَتَّى يَبْلُغَ، فَيَصِفَ الْإِسْلَامَ، وَالْكَافِرُ لَا يَرِثُ مِنْ الْمُرْتَدِّ شَيْئًا.\n٣٨٤٦ - قَالَ: وَإِذَا ارْتَدَّ الزَّوْجَانِ مَعًا ثُمَّ جَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ ارْتَدَّا فَهَذَا الْوَلَدُ مِنْ جُمْلَةِ وَرَثَةِ الْمُرْتَدِّ؛ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا أَنَّ الْعُلُوقَ حَصَلَ قَبْلَ رِدَّتِهِمَا، فَيَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الْإِسْلَامِ بِذَلِكَ.\n٣٨٤٧ - وَلَوْ جَاءَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا لَمْ يَكُنْ وَارِثًا؛ لِأَنَّ الْعُلُوقَ حَصَلَ هَا هُنَا بَعْدَ رِدَّتِهِمَا، فَلَا يَكُونُ الْوَلَدُ مَحْكُومًا لَهُ بِالْإِسْلَامِ، حَتَّى إذَا مَاتَ فِي صِغَرِهِ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا جُعِلَ الْوَقْتُ هَا هُنَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ لِقِيَامِ النِّكَاحِ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّهُ إنَّمَا يُسْنَدُ الْعُلُوقُ إلَى أَبْعَدِ الْأَوْقَاتِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَلَا حَاجَةَ إذَا كَانَ النِّكَاحُ قَائِمًا بَيْنَهُمَا.","vol":"1","page":1919},{"text":"٣٨٤٨ - وَإِنْ مَاتَ هَذَا الصَّغِيرُ عَنْ مَالٍ فَلَا مِيرَاثَ لِأَبَوَيْهِ مِنْهُ، لِأَنَّهُمَا مُرْتَدَّانِ، وَالْمُرْتَدُّ لَا يَرِثُ أَحَدًا، وَلَكِنَّ مِيرَاثَهُ لِإِخْوَتِهِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ الْأَبَوَيْنِ حِينَ لَمْ يَرِثَاهُ كَانَا كَمَيِّتَيْنِ\n٣٨٤٩ - وَلَوْ هَلَكَ أَحَدُ أَخَوَيْهِ الْمُسْلِمَيْنِ عَنْ مَالٍ فَلَيْسَ لِلْأَبَوَيْنِ وَلَا لِلصَّغِيرِ مِنْ مِيرَاثِهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِرِدَّتِهِ إذَا جَاءَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ بَعْدَ رِدَّةِ الْأَبَوَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَهُوَ مُسْلِمٌ يَرِثُ أَخَاهُ مَعَ إخْوَتِهِ الْمُسْلِمِينَ\n٣٨٥٠ - قَالَ: وَلَوْ لَحِقَ الْأَبَوَانِ بِدَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ وَلَدَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ ارْتَدَّا، ثُمَّ مَاتَ الصَّغِيرُ عَنْ مَالٍ، ثُمَّ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ فَمِيرَاثُهُ لِلْأَبَوَيْنِ الْمُرْتَدَّيْنِ دُونَ إخْوَتِهِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ الْوَلَدَ كَانَ حَرْبِيًّا هُنَا.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهَا لَوْ وَلَدَتْهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ لَحِقَا بِدَارِ الْحَرْبِ كَانَ حَرْبِيًّا مُرْتَدًّا مِثْلَهُمَا، فَإِذَا وَلَدَتْهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ حَرْبِيًّا، وَأَهْلُ الْحَرْبِ يَتَوَارَثُونَ إذَا كَانُوا أَهْلَ دَارٍ وَاحِدَةٍ.\nوَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ الْأَبَوَانِ عَنْ كَسْبٍ اكْتَسَبَاهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ، فَذَلِكَ مِيرَاثٌ لِلْمَوْلُودِ فِي دَارِ الْحَرْبِ دُونَ إخْوَتِهِ الْمُسْلِمِينَ.","vol":"1","page":1920},{"text":"(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَى ذَلِكَ الْمَالِ كَانَ فَيْئًا، وَكُلُّ مَالٍ فِيهِ عُرْضَةُ أَنْ يَكُونَ فَيْئًا فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ فِيهِ عُرْضَةُ كَوْنِهِ مِيرَاثًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ مِيرَاثًا لِأَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ أَوْلَادِهِ وَأَبَوَيْهِ إذَا كَانُوا مِنْ أَهْلِ دَارٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ دَارٍ أُخْرَى فَلَا شَيْءَ لَهُمَا مِنْ ذَلِكَ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ اخْتِلَافَ الدَّارَيْنِ فِيمَا بَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ يَمْنَعُ التَّوْرِيثَ، بِمَنْزِلَةِ اخْتِلَافِ الدِّينَيْنِ.\n٣٨٥١ - وَعَلَى هَذَا لَوْ ارْتَدَّ أَهْلُ دَارٍ، وَأَظْهَرُوا أَحْكَامَ الشِّرْكِ فِي دَارِهِمْ، حَتَّى صَارَتْ دَارَ حَرْبٍ، ثُمَّ مَاتَ بَعْضُهُمْ عَنْ مَالٍ كَثِيرٍ، فَمِيرَاثُهُ لِوَرَثَتِهِ الَّذِينَ هُمْ فِي مِثْلِ حَالِهِ.\nلِأَنَّهُ كَانَ حَرْبِيًّا إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ هَذِهِ الدَّارِ إذَا صَارَتْ دَارَ حَرْبٍ وَبَيْنَ دَارٍ هِيَ فِي الْأَصْلِ دَارُ حَرْبٍ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَى هَذَا الْمَالِ كَانَ فَيْئًا، فَلِهَذَا كَانَ مِيرَاثًا لِأَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ وَرَثَتِهِ دُونَ الْمُسْلِمِينَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ.","vol":"1","page":1921},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>[بَابُ مَا يُوقَفُ مِنْ أَمْرِ الْمُرْتَدِّينَ وَمَا لَا يُوقَفُ مِنْ ذَلِكَ]</span>\n٣٨٥٢ - قَالَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: قَدْ بَيَّنَّا فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ تَصَرُّفَاتِ الْمُرْتَدِّ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: مِنْهَا مَا هُوَ نَافِذٌ بِالِاتِّفَاقِ كَالِاسْتِيلَادِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ كَالنِّكَاحِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مَوْقُوفٌ بِالِاتِّفَاقِ كَالْمُفَاوَضَةِ، وَمِنْهَا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْعِتْقِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، يُقَالُ: يَكُونُ مَوْقُوفًا لِتَوَقُّفِ نَفْسِهِ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - يَكُونُ نَافِذًا، إلَّا أَنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَنْفُذُ كَمَا يَنْفُذُ مِنْ الصَّحِيحِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، كَمَا يَنْفُذُ مِنْ الْمَرِيضِ، حَتَّى يُعْتَبَرَ بِرِعَايَتِهِ مِنْ الثُّلُثِ، وَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ لِوَارِثِهِ، كَمَا لَا يَصِحُّ ذَلِكَ مِنْ الْمَرِيضِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ امْرَأَتَهُ تَرِثُهُ بِحُكْمِ الْفِرَارِ إذَا مَاتَ، وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ، وَالتَّوْرِيثُ بِحُكْمِ الْفِرَارِ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ الْمَرِيضِ.\nوَأَمَّا الْمُرْتَدَّةُ يَنْفُذُ تَصَرُّفَاتُهَا فِي مَالِهَا بِالِاتِّفَاقِ، كَمَا يَنْفُذُ مِنْ الصَّحِيحَةِ.","vol":"1","page":1922},{"text":"لِأَنَّهُ مَا تُوقَفُ نَفْسُهَا بِالرِّدَّةِ فَإِنَّهَا لَا تُقْبَلُ كَالْحَرْبِيَّةِ بِخِلَافِ الرَّجُلِ.\n٣٨٥٣ - وَإِنْ كَانَ لَوْ قَتَلَهَا قَاتِلٌ لَمْ يُغَرَّمْ شَيْئًا، حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْحَرْبِيَّةِ فِي ذَلِكَ، وَلِهَذَا لَوْ قَاتَلَتْ مَعَ الْمُسْلِمِينَ قُتِلَتْ\n٣٨٥٤ - وَلَوْ لَحِقَ الْمُرْتَدُّ بِدَارِ الْحَرْبِ، فَلَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ، حَتَّى أَعْتَقَ عَبِيدَهُ الَّذِينَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، أَوْ بَاعَهُمْ مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ كَانَ مَعَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ رَجَعَ تَائِبًا قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ بِمِيرَاثِهِ، وَلَحَاقِهِ، فَمَالُهُ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ كُلُّهُ وَجَمِيعُ مَا صَنَعَ فِيهِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ بِاللَّحَاقِ بِدَارِ الْحَرْبِ زَالَ مِلْكُهُ، وَإِنَّمَا تَوَقَّفَ عَلَى قَضَاءِ الْقَاضِي دُخُولُ الْمَالِ فِي مِلْكِ وَرَثَتِهِ، فَتَصَرُّفُهُ فِي الْمَالِ بَعْدَ اللَّحَاقِ صَادَفَ مَالًا غَيْرَ مَمْلُوكٍ لَهُ فَلَا يَنْفُذُ، وَإِنْ عَادَ إلَى مِلْكِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، كَالْبَائِعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي، إذَا تَصَرَّفَ فِي الْمَبِيعِ ثُمَّ عَادَ إلَى مِلْكِهِ لِفَسْخِ الْمُشْتَرِي الْبَيْعَ لَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ.\n٣٨٥٥ - وَلَوْ أَقَرَّ الْمُرْتَدُّ اللَّاحِقُ بِدَارِ الْحَرْبِ فِي عَبْدٍ خَلَّفَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ حُرُّ الْأَصْلِ، أَوْ أَنَّهُ عَبْدٌ لِفُلَانٍ غَصَبْته مِنْهُ، فَذَلِكَ جَائِزٌ إذَا عَادَ مُسْلِمًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِنْشَاءِ تَصَرُّفٍ مِنْهُ، بَلْ هُوَ إقْرَارٌ، وَالْإِقْرَارُ لَازِمٌ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ، لِكَوْنِهِ مُخَاطَبًا، سَوَاءٌ صَادَفَ مَا يَمْلِكُهُ أَوْ مَا لَا يَمْلِكُهُ، إذَا مَلَكَهُ بَعْدَ ذَلِكَ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِحُرِّيَّةِ عَبْدِ الْغَيْرِ، أَوْ بِكَوْنِهِ مَمْلُوكًا لِفُلَانٍ، ثُمَّ","vol":"1","page":1923},{"text":"اشْتَرَاهُ مِنْ ذِي الْيَدِ بَعْدَ ذَلِكَ الْإِقْرَارِ، وَجَعَلَ ذَلِكَ كَالْمُجَدَّدِ لَهُ بَعْدَ الشِّرَاءِ فَهَذَا مِثْلُهُ.\n٣٨٥٦ - وَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ حَتَّى قَضَى الْقَاضِي بِإِلْحَاقِهِ وَجَعَلَ الْمَالَ لِوَرَثَتِهِ، ثُمَّ جَاءَ تَائِبًا فَإِنَّهُ يُعَادُ إلَيْهِ مَا كَانَ قَائِمًا بِعَيْنِهِ مِنْ مَالِهِ فِي يَدِ وَرَثَتِهِ، فَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ بَاعَ هَذَا الْعَبْدَ الَّذِي أَقَرَّ الْمُرْتَدُّ بِحُرِّيَّتِهِ كَانَ بَيْعُهُ فِيهِ نَافِذًا لِمُصَادَفَتِهِ مِلْكَهُ، وَلَكِنَّهُ مَتَى عَادَ إلَى مِلْكِ الْمُرْتَدِّ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ أُنْفِذَ إقْرَارُهُ السَّابِقُ فِيهِ عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّهُ كَالْمُجَدِّدِ لِذَلِكَ الْإِقْرَارِ، وَلَوْ كَانَ الْقَاضِي قَضَى بِلَحَاقِهِ وَقَسَّمَ مَالَهُ أَوْ لَمْ يُقَسِّمْ حَتَّى جَاءَ مُسْلِمًا ثُمَّ أَعْتَقَ بَعْضُ عَبِيدِهِ قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي يُرَدُّ الْمَالُ عَلَيْهِ، كَانَ عِتْقُهُ بَاطِلًا؛ لِأَنَّ بِقَضَاءِ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ صَارَ الْمَالُ مِلْكًا لِوَرَثَتِهِ فَلَا يَعُودُ إلَى مِلْكِهِ إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي لَهُ بِذَلِكَ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْوَارِثَ لَوْ أَعْتَقَ هَذَا الْعَبْدَ بَعْدَ رُجُوعِ الْمُرْتَدِّ قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِرَدِّ الْمَالِ عَلَيْهِ نَفَذَ عِتْقُهُ، وَلَمْ يَكُنْ ضَامِنًا لِلْمُرْتَدِّ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَعْتَقَهُ قَبْلَ رُجُوعِ الْمُرْتَدِّ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْوَارِثِ، وَبِهَذَا الْفَصْلِ يُسْتَدَلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ عِتْقُ الْمُرْتَدِّ فِيهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ بِحَيْثُ يُعْتَقُ كُلُّهُ بِإِعْتَاقِ الْوَارِثِ إيَّاهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَقَ بِإِعْتَاقِ الْمُرْتَدِّ إيَّاهُ، فَإِنَّ الْعِتْقَ يَسْتَدْعِي حَقِيقَةَ الْمِلْكِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ الْوَاحِدُ فِي الْوَقْتِ الْوَاحِدِ كُلِّهِ مَمْلُوكًا لِزَيْدٍ وَكُلُّهُ مَمْلُوكًا لِعَمْرٍو.","vol":"1","page":1924},{"text":"٣٨٥٧ - وَلَوْ كَانَ الْوَارِثُ أَعْتَقَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي بِلَحَاقِ الْمُرْتَدِّ ثُمَّ قَضَى الْقَاضِي بِذَلِكَ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُ الْوَارِثِ؛ لِأَنَّهُ سَبَقَ مِلْكَهُ. وَكَذَلِكَ إذَا أَعْتَقَهُ الْمُرْتَدُّ بَعْدَ رُجُوعِهِ قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي لَهُ بِذَلِكَ قُلْنَا: لَا يَنْفُذُ عِتْقُهُ؛ لِأَنَّهُ سَبَقَ عِتْقُهُ.\n\nوَلَوْ بَعَثَ الْمُرْتَدُّ اللَّاحِقُ بِدَارِ الْحَرْبِ وَكِيلًا لِيَبِيعَ عَبْدًا لَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ يُعْتِقَهُ، فَفَعَلَ الْوَكِيلُ ذَلِكَ، ثُمَّ رُفِعَ إلَى الْقَاضِي، فَإِنَّهُ يُبْطِلُ جَمِيعَ مَا صَنَعَهُ الْوَكِيلُ، وَيَقْضِي بِهِ مِيرَاثًا لِوَرَثَةِ الْمُرْتَدِّ.\nلِأَنَّهُ بَعْدَ اللَّحَاقِ لَا يَمْلِكُ إنْشَاءَ هَذَا التَّصَرُّفِ، فَلَا يَمْلِكُ التَّوْكِيلَ أَيْضًا.\nوَلِأَنَّ وَكِيلَهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ فِي التَّصَرُّفِ، وَهُوَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَوْ تَصَرَّفَ هُوَ بِنَفْسِهِ بَطَلَ تَصَرُّفَهُ، سَوَاءٌ قَضَى الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ أَوْ رَجَعَ مُسْلِمًا قَبْلَ قَضَائِهِ، فَكَذَلِكَ إذَا بَاشَرَ وَكِيلُهُ كَانَ بَاطِلًا، سَوَاءٌ قَضَى الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ، أَوْ رَجَعَ مُسْلِمًا قَبْلَ قَضَائِهِ.\n٣٨٥٨ - وَلَوْ كَانَ وَكَّلَهُ بِذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ أَوْ بَعْدَ مَا ارْتَدَّ قَبْلَ أَنْ يَلْحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا،","vol":"1","page":1925},{"text":"فَإِنْ قَضَى الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ جُعِلَ ذَلِكَ الْعَبْدُ مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْضِ بِلَحَاقِهِ حَتَّى رَجَعَ مُسْلِمًا فَجَمِيعُ مَا صَنَعَ الْوَكِيلُ مِنْ ذَلِكَ جَائِزٌ.\nفِي رِوَايَةِ هَذَا الْكِتَابِ، وَفِي رِوَايَةِ كِتَابِ الْوَكَالَةِ يَقُولُ: الْوَكَالَةُ تَبْطُلُ بِرِدَّةِ الْمُوَكِّلِ وَلَحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَوْتِهِ، وَمَوْتُ الْمُوَكِّلِ مُبْطِلٌ لِلْوَكَالَةِ. وَلِأَنَّهُ حِينَ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَقَدْ صَارَ بِحَالٍ لَا يَصِحُّ مِنْهُ إنْشَاءُ التَّوْكِيلِ بِهَذَا التَّصَرُّفِ، فَلَا يَبْقَى الْوَكِيلُ عَلَى وَكَالَتِهِ أَيْضًا.\nوَوَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي لَحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ إلَّا زَوَالُ مِلْكِهِ عَنْ الْعَبْدِ، وَبَعْدَ صِحَّةِ الْوِكَالَةِ لَا يَبْطُلُ بِزَوَالِ مِلْكِهِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ وَكَّلَ بِعِتْقِ عَبْدِهِ أَوْ بَيْعِهِ، ثُمَّ وَهَبَهُ لِإِنْسَانٍ وَسَلَّمَ، ثُمَّ رَجَعَ فِي الْهِبَةِ، كَانَ الْوَكِيلُ عَلَى وِكَالَتِهِ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا قُلْنَا: لَا تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ، وَإِنْ زَالَ مِلْكُهُ بِاللَّحَاقِ بِدَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّهُ زَالَ زَوَالًا مَوْقُوفًا، فَيَعُودُ إلَيْهِ إذَا جَاءَ مُسْلِمًا قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ، وَقَدْ دَخَلَ فِي مِلْكِ الْوَارِثِ إذَا قَضَى الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ، فَيَتَوَقَّفُ تَصَرُّفُ الْوَكِيلِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَيْضًا لِتَوَقُّفِ مِلْكِهِ\n٣٨٥٩ - فَإِنْ قَضَى بِالْمِيرَاثِ لِلْوَرَثَةِ فَقَدْ تَمَّ زَوَالُ الْمِلْكِ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ تَصَرُّفَ الْوَكِيلِ لَمْ يُلَاقِ مِلْكَ الْمُوَكِّلِ، فَكَانَ بَاطِلًا، وَإِنْ عَادَ قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي تَقَرَّرَ مِلْكُهُ، وَنَفَذَ تَصَرُّفُ الْوَكِيلِ لَهُ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا تَصَرَّفَ الْمُوَكِّلُ بِنَفْسِهِ بَعْدَ اللَّحَاقِ بِدَارِ","vol":"1","page":1926},{"text":"الْحَرْبِ، فَهُنَاكَ إنَّمَا لَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ لِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا بَيْنَ الْمُتَصَرِّفِ وَالْمُتَصَرَّفِ فِيهِ، وَهَذَا غَيْرُ مَوْجُودٍ فِيمَا إذَا تَصَرَّفَ الْوَكِيلُ، وَهُوَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مَعَ الْعَبْدِ، وَإِنْ قَضَى الْقَاضِي بِهِ لِلْوَارِثِ ثُمَّ جَاءَ الْمُرْتَدُّ مُسْلِمًا، وَذَلِكَ الْعَبْدُ قَائِمٌ فِي يَدِ وَارِثِهِ، فَرَدَّهُ الْقَاضِي عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ أَعْتَقَهُ أَوْ دَبَّرَهُ نَفَذَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ أَوْ كَاتَبَهُ لَمْ يَنْفُذْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عَادَ إلَيْهِ عَلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ، وَبِاعْتِبَارِ مِلْكِهِ يَنْفُذُ الْعِتْقُ وَالتَّدْبِيرُ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ رَجَعَ قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ نَفَذَ الْعِتْقُ وَالتَّدْبِيرُ، فِيمَا صَارَ مُسْتَحَقَّا مِنْ الْعِتْقِ، وَالتَّدْبِيرُ لَا يَحْتَمِلُ الِانْتِقَاضَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَضَاءُ الْقَاضِي بِهِ لِلْوَارِثِ لَا يَكُونُ مُبْطِلًا لِذَلِكَ التَّصَرُّفِ بَعْدَ ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْكِتَابَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ النَّقْضَ، فَيَكُونُ قَضَاءُ الْقَاضِي بِالْمِلْكِ لِلْوَارِثِ مُبْطِلًا لِهَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ، وَهِيَ بَعْدَ مَا بَطَلَتْ لَا تَعُودُ إلَّا بِالتَّجْدِيدِ.\nوَهَذَا لِأَنَّ بِالْعِتْقِ وَالتَّدْبِيرِ يَسْتَحِقُّ الْوَلَاءَ، فَيَكُونُ فِي مَعْنَى إنْهَاءِ الْمِلْكِ لَا إبْطَالِهِ، وَإِذَا عَادَ أَصْلُ مِلْكِهِ فِي الْقَائِمِ بَعْدَ رُجُوعِهِ مُسْلِمًا بِقَضَاءِ الْقَاضِي يَعُودُ مَا يُنْهِيهِ، فَأَمَّا الْبَيْعُ وَالْهِبَةُ قَاطِعٌ لِلْمِلْكِ فَعَوْدُ الْمِلْكِ إلَيْهِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي لَا يَتَضَمَّنُ عَوْدَ مَا هُوَ قَاطِعٌ لِلْمِلْكِ، بَعْدَ مَا بَطَلَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي بِهِ لِلْوَارِثِ.\n٣٨٦٠ - وَلَوْ كَانَ الْوَارِثُ أَخْرَجَهُ مِنْ مِلْكِهِ حِينَ قَضَى الْقَاضِي لَهُ بِهِ، ثُمَّ جَاءَ الْمُرْتَدُّ مُسْلِمًا فَاشْتَرَى ذَلِكَ الْعَبْدَ مِمَّنْ فِي يَدِهِ، فَإِنَّهُ يَنْفُذُ عِتْقُ الْوَكِيلِ وَالتَّدْبِيرُ الَّذِي كَانَ فِعْلُهُ بَعْدَ لَحَاقِهِ،","vol":"1","page":1927},{"text":"وَهَذَا مُشْكِلٌ، فَإِنَّ هَا هُنَا لَمْ يَعُدْ إلَيْهِ ذَلِكَ الْمِلْكُ الَّذِي وُجِدَ فِيهِ التَّدْبِيرُ وَالْعِتْقُ، وَإِنَّمَا هَذَا مِلْكٌ حَادِثٌ لَهُ بِسَبَبٍ أَحْدَثَهُ، فَيَنْبَغِي أَلَا يَنْفُذَ ذَلِكَ الْعِتْقُ وَالتَّدْبِيرُ، وَلَكِنَّهُ قَالَ هَذَا، وَإِنْ كَانَ مِلْكًا حَادِثًا مِنْ وَجْهٍ فَهُوَ مِنْ وَجْهٍ كَأَنَّهُ ذَلِكَ الْمِلْكُ، وَمَا يُعْطَى يُجْعَلُ بِمَنْزِلَةِ الْفِدَاءِ لِذَلِكَ الْمِلْكِ، كَمَوْلَى الْعَبْدِ الْمَأْسُورِ إذَا أَخَذَهُ بِالثَّمَنِ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي جُعِلَ مُعِيدًا لَهُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ، وَمَا أَدَّى يُجْعَلُ فِي حُكْمِ الْفِدَاءِ، فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ هَذَا وَمَا لَوْ كَانَ فِي يَدِ وَارِثِهِ فَرَدَّهُ الْقَاضِي عَلَيْهِ سَوَاءً؛ وَلِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ كَانَ يَثْبُتُ بِالْعِتْقِ وَالتَّدْبِيرِ، وَذَلِكَ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ فَيَظْهَرُ عِنْدَ ظُهُورِ مِلْكِهِ فِي الْمَحَلِّ، لِقِيَامِ الِاسْتِحْقَاقِ، كَمَنْ أَقَرَّ بِحُرِّيَّةِ عَبْدِ إنْسَانٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فِيمَا إذَا أَعْتَقَهُ الْمُرْتَدُّ بِنَفْسِهِ أَوْ دَبَّرَهُ، ثُمَّ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَقَضَى الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ، فَإِنَّهُ يَقْضِي بِهِ مِيرَاثًا لِلْوَارِثِ، ثُمَّ إذَا جَاءَ الْمُرْتَدُّ مُسْلِمًا بَعْدَ ذَلِكَ فَرَجَعَ الْعَبْدُ إلَى مِلْكِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، إمَّا مِنْ يَدِ الْوَارِثِ بِالرَّدِّ عَلَيْهِ، أَوْ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي مِنْهُ بِشِرَاءٍ مُسْتَقْبَلٍ، فَإِنَّهُ يَنْفُذُ ذَلِكَ الْعِتْقُ وَالتَّدْبِيرُ كَذَلِكَ هَا هُنَا. .\n٣٨٦١ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَاتَبَ الْوَارِثُ عَبْدًا لِلْمُرْتَدِّ بَعْدَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ، ثُمَّ جَاءَ الْمُرْتَدُّ مُسْلِمًا، فَإِنَّ ذَلِكَ الْعَبْدَ يُعَادُ إلَيْهِ مُكَاتَبًا، وَيُجْعَلُ فِي الْحُكْمِ كَأَنَّ الْوَارِثَ كَانَ كَاتَبَهُ بِأَمْرِهِ، فَيَكُونُ مُكَاتِبًا لِلَّذِي جَاءَ مُسْلِمًا، وَعَادَ الْمَمْلُوكَ إلَيْهِ يُجْعَلُ فِي الْحُكْمِ كَأَنَّ الزَّوَالَ لَمْ يَكُنْ مِنْ يَدِهِ أَصْلًا.\n٣٨٦٢ -","vol":"1","page":1928},{"text":"قَالَ: وَلَوْ لَحِقَ الْمُرْتَدُّ بِدَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ وَكَّلَ مُسْلِمًا بِأَنْ يَأْتِيَ رَقِيقَهُ الَّذِينَ خَلَّفَهُمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَيُعْتِقَهُمْ أَوْ تُعَوِّدُ، فَلَمْ يَفْعَلْ الْوَكِيلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ حَتَّى رَجَعَ الْمُرْتَدُّ مُسْلِمًا، ثُمَّ فَعَلَ الْوَكِيلُ ذَلِكَ فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ أَصْلَ التَّوْكِيلِ هَا هُنَا كَانَ بَاطِلًا مِنْهُ، فَإِنَّهُ وَكَّلَهُ فِي حَالٍ كَانَ لَا يَمْلِكُ مُبَاشَرَةَ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِنَفْسِهِ أَصْلًا، وَبَعْدَ مَا تَعَيَّنَ جِهَةَ الْبُطْلَانِ فِي الْوَكَالَةِ لَا تَنْقَلِبُ صَحِيحَةً أَبَدًا.\n٣٨٦٣ - وَلَوْ كَانَ وَكَّلَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، قَبْلَ الرِّدَّةِ أَوْ بَعْدَهَا، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، نَفَذَ تَصَرُّفُ الْوَكِيلِ فِيهِمْ؛ لِأَنَّ أَصْلَ التَّوْكِيلِ كَانَ صَحِيحًا، وَلَمْ يَبْطُلْ بِمُجَرَّدِ لَحَاقِ الْمُوَكِّلِ بِدَارِ الْحَرْبِ، فَإِذَا عَادَ مُسْلِمًا قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي صَارَ كَأَنَّ اللَّحَاقَ لَمْ يَكُنْ أَصْلًا.\n٣٨٦٤ - وَلَوْ كَانَ قَضَى الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ وَقَسَّمَ مِيرَاثَهُ، ثُمَّ جَاءَ مُسْلِمًا، فَإِنْ تَصَرَّفَ الْوَكِيلُ فِي رَقِيقِهِ قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِرَدِّهِمْ عَلَى الْمُرْتَدِّ كَانَ تَصَرُّفُهُ بَاطِلًا، وَإِنْ تَصَرَّفَ فِيهِمْ بَعْدَ مَا قَضَى الْقَاضِي بِرَدِّهِمْ عَلَى الْمُرْتَدِّ كَانَ تَصَرُّفُهُ نَافِذًا؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ بَعْدَ صِحَّتِهَا لَا تَبْطُلُ بِزَوَالِ الْمِلْكِ، إلَّا أَنَّ الْمِلْكَ إنَّمَا يَعُودُ إلَيْهِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي بِالرَّدِّ عَلَيْهِ فَإِذَا سَبَقَ تَصَرُّفُ الْوَكِيلِ قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِهِ لَمْ يَنْفُذْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَادِفْ مَحِلَّهُ.","vol":"1","page":1929},{"text":"(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْمُوَكِّلَ لَوْ بَاشَرَهُ بِنَفْسِهِ لَمْ يَنْفُذْ وَإِذَا تَصَرَّفَ بَعْدَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِالرَّدِّ عَلَيْهِ فَقَدْ صَادَفَ تَصَرُّفُهُ مَحِلَّهُ، فَكَانَ نَافِذًا. وَهُوَ نَظِيرُ رَجُلٍ وَكَّلَ رَجُلًا يَبِيعُ عَبْدَهُ أَوْ يُعْتِقُهُ، ثُمَّ بَاعَهُ الْمُوَكِّلُ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ رَدَّهُ الْمُشْتَرِي بِخِيَارِ شَرْطٍ أَوْ رُؤْيَةٍ أَوْ عَيْبٍ، قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ بِقَضَاءِ الْقَاضِي، ثُمَّ تَصَرَّفَ الْوَكِيلُ فِيهِ نَفَذَ تَصَرُّفُهُ لِبَقَاءِ الْوَكَالَةِ بَعْدَ زَوَالِ الْمِلْكِ، وَرُجُوعِ الْعَبْدِ إلَى الْمُوَكِّلِ عَلَى الْمِلْكِ الْأَوَّلِ.\nبِخِلَافِ مَا إذَا رَجَعَ إلَيْهِ بِشِرَاءٍ جَدِيدٍ مُسْتَقْبَلٍ، فَإِنَّ هَذَا مِلْكٌ حَادِثٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.\nوَهَذَا لِأَنَّهُ إنَّمَا وَكَّلَهُ بِالتَّصَرُّفِ فِي الْمِلْكِ الَّذِي كَانَ مَوْجُودًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَلَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ فِي مِلْكٍ حَدَثَ بَعْدَهُ.\n٣٨٦٥ - وَلَوْ كَانَ الْوَكِيلُ تَصَرَّفَ فِيهِ بَعْدَ مَا بَاعَهُ الْمُوَكِّلُ قَبْلَ أَنْ يَرُدَّهُ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ بِخِيَارِهِ لَمْ يَنْفُذْ تَصَرُّفُهُ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ وَهُوَ خَارِجٌ عَنْ مِلْكِ الْمُوَكِّل.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ أَعْتَقَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَتَقَ مِنْ جِهَتِهِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَنْفِيذُ عِتْقِ وَكِيلِ الْبَائِعِ فِي حَالٍ لَوْ أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْعِتْقِ مِنْ جِهَتِهِ؟\n٣٨٦٦ - قَالَ: وَلَوْ أَنَّ الْمُرْتَدَّ كَانَ وَكَّلَ بِعِتْقِهِ وَكِيلًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، فَأَعْتَقَهُ الْوَكِيلُ، ثُمَّ رَجَعَ الْمُرْتَدُّ مُسْلِمًا، فَجَمِيعُ مَا صَنَعَ الْوَكِيلُ مِنْ ذَلِكَ جَائِزٌ.","vol":"1","page":1930},{"text":"لِأَنَّ اللَّحَاقَ بِدَارِ الْحَرْبِ إذَا لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ قَضَاءُ الْقَاضِي فِي حُكْمِ الْغَيْبَةِ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ نُفُوذَ تَصَرُّفِ الْوَكِيلِ فِيهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ بَيْعِ الْمُوَكِّلِ الْعَبْدَ بِنَفْسِهِ فَإِنَّ هُنَاكَ، بَعْدَ الْبَيْعِ، صَارَ الْعَبْدُ بِحَالٍ يَنْفُذُ الْعِتْقُ فِيهِ مِنْ جِهَةِ غَيْرِ الْمُوَكِّلِ، فَلَا يَنْفُذُ عِتْقُ وَكِيلِ الْبَائِعِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فِيهِ، وَأَمَّا هَا هُنَا بِمُجَرَّدِ اللَّحَاقِ قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي، مَا صَارَ الْعَبْدُ بِحَالٍ يَنْفُذُ فِيهِ عِتْقُ غَيْرِهِ، فَإِنَّ الْوَارِثَ لَوْ أَعْتَقَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَنْفُذُ عِتْقُهُ؛ فَلِهَذَا نَفَذَ عِتْقُ وَكِيلِ الْمُرْتَدِّ فِيهِ إذَا رَجَعَ الْمُرْتَدُّ مُسْلِمًا، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ، فَقَدْ صَارَ هُنَاكَ بِحَالٍ يَنْفُذُ الْعِتْقُ مِنْ الْوَارِثِ فِيهِ فَلَا يَنْفُذُ الْعِتْقُ مِنْ وَكِيلِ الْمُرْتَدِّ فِيهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.\n٣٨٦٧ - قَالَ: وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا أَوْ مُرْتَدًّا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَذِنَ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ، ثُمَّ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا، فَتَصَرَّفَ الْعَبْدُ، فَإِنَّ تَصَرُّفَهُ مَوْقُوفٌ فَإِنْ لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ حَتَّى رَجَعَ مُسْلِمًا كَانَ التَّصَرُّفُ نَافِذًا، وَكَانَ الْعَبْدُ مَأْذُونًا عَلَى حَالِهِ، وَإِنْ قَضَى الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ بَطَلَ تَصَرُّفُ الْعَبْدِ، وَخَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَأْذُونًا؛ لِأَنَّ بِلُحُوقِهِ زَالَ مِلْكُهُ زَوَالًا مَوْقُوفًا، وَالْإِذْنُ بِالتِّجَارَةِ يَتَوَقَّفُ بِحَالِ قِيَامِ مِلْكِهِ، فَإِذَا تَوَقَّفَ زَوَالُهُ عَنْ مِلْكِهِ يَتَوَقَّفُ الْإِذْنُ لِلْعَبْدِ أَيْضًا، وَتَوَقُّفُ تَصَرُّفِ الْعَبْدِ لِتَوَقُّفِ حُكْمِ الْإِذْنِ فَإِذَا عَادَ مُسْلِمًا قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي فَقَدْ تَقَرَّرَ مِلْكُهُ عَلَى مَا كَانَ، فَيَنْفُذُ تَصَرُّفُ الْمَأْذُونِ وَيَكُونُ مَأْذُونًا عَلَى حَالِهِ، وَإِذَا قَضَى الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ فَقَدْ تَقَرَّرَ حُكْمُ زَوَالِ مِلْكِهِ، فَيَتَقَرَّرُ حُكْمُ الْحَجْرِ عَلَيْهِ أَيْضًا، ثُمَّ إذَا عَادَ مُسْلِمًا، وَعَادَ الْعَبْدُ إلَى مِلْكِهِ، لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا، إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ إذْنًا","vol":"1","page":1931},{"text":"مُسْتَقْبَلًا لِأَنَّ هَذَا تَصَرُّفٌ مُحْتَمِلٌ لِلنَّقْضِ، فَيُنْتَقَضُ بِقَضَاءِ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ، لَا يَعُودُ إلَّا بِالتَّجْدِيدِ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَ هَذَا إيضَاحًا لِمَا سَبَقَ مِنْ الْوِكَالَةِ.\n٣٨٦٨ - وَعَلَيْهِ رَتَّبَ فَصْلَ الْمُضَارَبَةِ أَيْضًا، أَنَّهُ إذَا تَصَرَّفَ الْمُضَارِبُ بَعْدَ لَحَاقِ رَبِّ الْمَالِ، ثُمَّ رَجَعَ مُسْلِمًا، قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ، نَفَذَ التَّصَرُّفُ عَلَى الْمُضَارَبَةِ، وَكَانَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ وَإِنْ قَضَى الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ لَمْ يَنْفُذْ شَيْءٌ مِنْ تَصَرُّفِهِ عَلَى الْمُضَارَبَةِ، وَكَانَ مُتَصَرِّفًا لِنَفْسِهِ، لَهُ الرِّبْحُ وَعَلَيْهِ الْوَضِيعَةُ، وَيَكُونُ ضَامِنًا لِرَأْسِ الْمَالِ، ثُمَّ إذَا جَاءَ الْمُرْتَدُّ مُسْلِمًا بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَتَغَيَّرُ هَذَا الْحُكْمُ لِمَجِيئِهِ؛ لِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ بَطَلَتْ بِقَضَاءِ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ كَمَا بَيَّنَّا.\n٣٨٦٩ - وَلَوْ لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ حَتَّى عَادَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مُرْتَدًّا عَلَى حَالِهِ فَقَدْ صَارَ فِي الْحُكْمِ كَأَنَّ اللُّحُوقَ بِدَارِ الْحَرْبِ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ أَصْلًا، وَقَبْلَ لَحَاقِهِ إذَا تَصَرَّفَ الْمُضَارِبُ نَفَذَ عَلَى الْمُضَارَبَةِ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - ﵀ -.\nوَكَانَ مَوْقُوفًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، بِنَاءً عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي بَيَّنَّا فِي تَصَرُّفَاتِ الْمُرْتَدِّ بِنَفْسِهِ بَعْدَ الرِّدَّةِ قَبْلَ لَحَاقِهِ.\n٣٨٧٠ - وَإِنْ كَانَ الْقَاضِي قَضَى بِلَحَاقِهِ، ثُمَّ رَجَعَ مُرْتَدًّا، فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى مَالِهِ.","vol":"1","page":1932},{"text":"لِأَنَّهُ صَارَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي كَالْمَيِّتِ حُكْمًا.\nوَسَبَبُ ذَلِكَ رِدَّتُهُ، فَمَا بَقِيَ هَذَا السَّبَبُ يَبْقَى هُوَ مَيِّتًا حُكْمًا، وَإِنْ رَجَعَ إلَى دَارِنَا، وَلِهَذَا كَانَ الْمَالُ لِوَرَثَتِهِ عَلَى حَالِهِ لَا سَبِيلَ لِلْمُرْتَدِّ عَلَيْهِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ رَجَعَ مُسْلِمًا كَانَ الْمَالُ لِلْوَارِثِ إلَى أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي بِرَدِّهِ عَلَيْهِ، فَإِذَا رَجَعَ مُرْتَدًّا أَوْلَى أَنْ يَكُونَ الْمَالُ بَاقِيًا عَلَى مِلْكِ الْوَارِثِ، وَلَا يَقْضِي الْقَاضِي بِرَدِّهِ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ يَعْرِضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ، فَإِنْ أَبَى قَتَلَهُ، وَإِنْ قَالَ: رُدَّ عَلَيَّ مَالِي، وَاجْعَلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ أَجَلًا حَتَّى أَنْظُرَ فِي أَمْرِي، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُؤَجِّلُهُ فِي الْإِسْلَامِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا يَزِيدُهُ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِيمَا سَبَقَ، وَرَوَيْنَا فِيهِ حَدِيثَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حَيْثُ قَالَ: هَلَّا طَيَّنْتُمْ عَلَيْهِ الْبَابَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَأَعْطَيْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا فَلَعَلَّهُ يُرَاجِعُ الْحَقَّ، وَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ مَالَهُ مَا لَمْ يُسْلِمْ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ هَالِكٌ بِقَضَاءِ الْقَاضِي، وَحَيَاتُهُ حُكْمًا تَكُونُ بِإِسْلَامِهِ، فَمَا لَمْ يُظْهِرْ ذَلِكَ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ، وَالتَّأْجِيلُ عِنْدَنَا مُسْتَحَبٌّ، وَلَيْسَ بِلَازِمٍ حَتَّى إنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْتُلَهُ فِي الْحَالِ، وَلَا يُؤَجِّلَهُ إنْ أَبَى أَنْ يُسْلِمَ، بِخِلَافِ مَا يَقُولُهُ بَعْضُ النَّاسِ: إنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَجِّلَهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِيمَا سَبَقَ.\n٣٨٧١ - وَلَوْ لَحِقَتْ الْمُرْتَدَّةُ بِدَارِ الْحَرْبِ فَقَضَى الْقَاضِي بِمِيرَاثِهَا لِوَرَثَتِهَا، ثُمَّ جَاءَتْ مُرْتَدَّةً بِأَمَانٍ، وَطَلَبَتْ مَالَهَا لَمْ يُرَدَّ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ هَالِكَةً بِقَضَاءِ الْقَاضِي، فَمَا لَمْ يَظْهَرْ فِيهَا سَبَبُ الْحَيَاةِ حُكْمًا لَا يُرَدُّ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ. .\n٣٨٧٢ -","vol":"1","page":1933},{"text":"وَلَوْ جَاءَتْ مُرْتَدَّةً قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِلَحَاقِهَا، فَإِنْ جَاءَتْ بِغَيْرِ أَمَانٍ كَانَتْ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهَا بِاللَّحَاقِ بِدَارِ الْحَرْبِ صَارَتْ حَرْبِيَّةً، وَالْحَرْبِيَّةُ إذَا دَخَلَتْ دَارَنَا بِغَيْرِ أَمَانٍ كَانَتْ فَيْئًا.\nوَقُسِّمَتْ مِيرَاثًا بَيْنَ وَرَثَتِهَا؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ هَالِكَةً حُكْمًا حِينَ جُعِلَتْ فَيْئًا.\nفَالرِّقِّيَّةُ تَلَفٌ وَالْحُرِّيَّةُ حَيَاةٌ؛ لِأَنَّهَا بِالرِّقِّ خَرَجَتْ مِنْ أَنْ تَكُونَ أَهْلًا لِمَالِكِيَّةِ الْمَالِ، فَلِهَذَا كَانَ الْمَالُ لِوَرَثَتِهَا.\n٣٨٧٣ - وَإِنْ جَاءَتْ بِأَمَانٍ صَنَعَتْ فِي مَالِهَا مَا أَحَبَّتْ، وَحُبِسَتْ وَأُجْبِرَتْ عَلَى الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهَا إذَا رَجَعَتْ قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِأَمَانٍ فَصَارَ اللَّحَاقُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، وَقَبْلَ لَحَاقِهَا بِدَارِ الْحَرْبِ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهَا فِي مَالِهَا، فَكَذَلِكَ بَعْدَ مَا رَجَعَتْ، إلَّا أَنَّ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ إنَّمَا كَانَتْ لَا تُسْتَرَقُّ قَبْلَ اللَّحَاقِ؛ لِكَوْنِهَا مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ لَيْسَتْ بِدَارِ الِاسْتِرْقَاقِ، فَإِذَا لَحِقَتْ صَارَتْ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ فَقُلْنَا: بِأَنَّهَا تُسْتَرَقُّ إذَا دَخَلَتْ دَارَنَا بِغَيْرِ أَمَانٍ، وَإِذَا دَخَلَتْ بِأَمَانٍ فَإِعْطَاء الْأَمَانِ يَمْنَعُ اسْتِرْقَاقَهَا، فَقَدْ عَادَتْ بِهِ، كَمَا كَانَتْ قَبْلَ اللَّحَاقِ.\n٣٨٧٤ - وَإِذَا قَالَ الْمُسْلِمُ لِعَبْدِهِ: إذَا جَاءَ يَوْمُ النَّحْرِ فَأَنْتَ حُرٌّ، وَقَالَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا ارْتَدَّ، ثُمَّ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَلَمْ يَقْضِ","vol":"1","page":1934},{"text":"بِمِيرَاثِهِ لِلْوَارِثِ حَتَّى جَاءَ يَوْمُ النَّحْرِ فَإِنَّ حُكْمَ الْعِتْقِ يَكُونُ مَوْقُوفًا؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَنْفُذُ بِدُونِ قِيَامِ الْمِلْكِ فِي الْمَحِلِّ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ زَوَالَ مِلْكِهِ قَدْ تَوَقَّفَ بِلَحَاقِهِ، فَكَذَلِكَ يَتَوَقَّفُ حُكْمُ الْعِتْقِ\n٣٨٧٥ - فَإِنْ جَاءَ مُسْلِمًا قَبْلَ الْقَضَاءِ بِلَحَاقِهِ نَفَذَ ذَلِكَ الْعِتْقُ، وَإِنْ كَانَ الْقَاضِي قَضَى بِلَحَاقِهِ قَبْلَ مَجِيءِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ، ثُمَّ جَاءَ يَوْمُ النَّحْرِ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ مَا قَضَى الْقَاضِي بِرَدِّ الْعَبْدِ عَلَيْهِ عَتَقَ مِنْ جِهَتِهِ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ كَانَ صَحِيحًا، وَقَدْ وُجِدَ.\nفَالْعَبْدُ فِي مِلْكِ الْوَارِثِ ثُمَّ عَادَ الْمُرْتَدُّ مُسْلِمًا لَمْ يَنْفُذْ ذَلِكَ الْعِتْقُ، وَإِنْ رَدَّ الْقَاضِي الْعَبْدَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ كَالْمُنْجَزِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَوْ نَجَزَ اعْتَاقَهُ بَعْدَ مَا قَضَى الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ كَانَ الْعِتْقُ بَاطِلًا عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَهَذَا مِثْلُهُ.\n٣٨٧٦ - وَلَوْ رَجَعَ الْمُرْتَدُّ مُسْلِمًا قَبْلَ مَجِيءِ يَوْمِ النَّحْرِ، ثُمَّ جَاءَ يَوْمُ النَّحْرِ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ مَا قَضَى الْقَاضِي بِرَدِّ الْعَبْدِ عَلَيْهِ عَتَقَ مِنْ جِهَتِهِ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ كَانَ صَحِيحًا، وَقَدْ وُجِدَ الشَّرْطُ وَهُوَ مَمْلُوكٌ لَهُ.","vol":"1","page":1935},{"text":"٣٨٧٧ - فَإِنْ جَاءَ يَوْمُ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي بِرَدِّ الْعَبْدِ عَلَيْهِ لَمْ يُعْتَقْ الْعَبْدُ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ الشَّرْطُ وَالْعَبْدُ لَيْسَ فِي مِلْكِهِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ لَا يَعُودُ إلَيْهِ إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي، فَلِهَذَا لَا يَنْفُذُ ذَلِكَ الْعِتْقُ.\n٣٨٧٨ - فَلَوْ جَاءَ يَوْمُ النَّحْرِ بَعْدَ لَحَاقِهِ قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِهِ، ثُمَّ قَضَى الْقَاضِي بِهِ لِوَارِثِهِ، فَإِنَّهُ يَنْفُذُ تَصَرُّفُ الْوَارِثِ فِيهِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ يُقَرَّرُ زَوَالُ مِلْكِهِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي مِنْ وَقْتِ اللَّحَاقِ.\nوَإِنَّمَا وُجِدَ الشَّرْطُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلِهَذَا لَا يُعْتَقُ مِنْ جِهَتِهِ، وَكَانَ مَمْلُوكًا لِلْوَارِثِ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ\n٣٨٧٩ - فَإِنْ لَمْ يَتَصَرَّفْ فِيهِ حَتَّى رَجَعَ الْمُرْتَدُّ مُسْلِمًا، وَرَدَّ عَلَيْهِ الْعَبْدَ، فَإِنَّهُ يُعْتَقُ مِنْ جِهَتِهِ لِأَنَّ الشَّرْطَ وُجِدَ فِي حَالِّ تَوَقُّفِ مِلْكِهِ، فَإِنَّ تَمَامَ زَوَالِ مِلْكِهِ يَكُونُ بِقَضَاءِ الْقَاضِي فَثَبَتَ بِهِ اسْتِحْقَاقُ الْعِتْقِ فِي مِلْكِهِ إذَا رَجَعَ إلَيْهِ، وَقَدْ رَجَعَ إلَيْهِ عَلَى ذَلِكَ الْمِلْكِ.\nوَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ كَاتَبَهُ؛ لِأَنَّهُ رَجَعَ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ بَعْدَ كِتَابَةِ الْوَارِثِ، فَيَنْفُذُ ذَلِكَ الْعِتْقُ وَيَسْقُطُ بَدَلُ الْكِتَابَةِ، لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهَا. .\n٣٨٨٠ -","vol":"1","page":1936},{"text":"وَلَوْ كَانَ قَالَ لِأَمَتِهِ إذَا جَاءَ يَوْمُ النَّحْرِ فَأَنْتِ حُرَّةٌ، ثُمَّ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا، فَقَضَى الْقَاضِي بِهَا لِلْوَارِثِ فَأَعْتَقَهَا الْوَارِثُ، ثُمَّ لَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدَّةً، فَسُبِيَتْ كَانَتْ فَيْئًا، وَأُجْبِرَتْ عَلَى الْإِسْلَامِ، بِمَنْزِلَةِ الْحُرَّةِ الْأَصْلِيَّةِ إذَا ارْتَدَّتْ وَلَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ؛ فَإِنْ أَسْلَمَتْ ثُمَّ جَاءَ الْمُرْتَدُّ مُسْلِمًا فَاشْتَرَاهَا ثُمَّ جَاءَ يَوْمُ النَّحْرِ وَهِيَ فِي مِلْكِهِ، لَمْ تُعْتَقْ، بِخِلَافِ جَمِيعِ مَا سَبَقَ؛ لِأَنَّ هَذَا الْعِتْقَ كَانَ مُنْهِيًا لِمِلْكِهِ، وَقَدْ بَطَلَ ذَلِكَ الْمِلْكُ أَصْلًا حَتَّى يَنْفُذَ الْعِتْقُ مِنْ الْوَارِثِ فِيهَا، فَكَانَ هَذَا مِلْكًا حَادِثًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهَذِهِ زفرية، وَأَصْلُهَا فِيمَا إذَا قَالَ لِأَمَتِهِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ حُرَّةٌ ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَارْتَدَّتْ بِدَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ سُبِيَتْ فَمَلَكَهَا، وَدَخَلَتْ الدَّارَ لَا تَعْتِقُ إلَّا عَلَى قَوْلِ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":1937},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>[بَابُ الْمُرْتَدِّينَ كَيْفَ يَحْكُمُ فِيهِمْ]</span>\n٣٨٨١ -. قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: الْمُرْتَدُّ يُقْتَلُ إنْ لَمْ يُسْلِمْ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا، لِقَوْلِهِ - ﵌ -: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» .\nوَهُوَ يَعُمُّ الْأَحْرَارَ وَالْعَبِيدَ، وَلِمَوْلَى الْعَبْدِ أَنْ يَقْتُلَهُ بِنَفْسِهِ إنْ شَاءَ، فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - بِعَبْدٍ لَهُ تَنَصَّرَ، وَلِأَنَّهُ بِالرِّدَّةِ صَارَ كَالْحَرْبِيِّ فِي حُكْمِ الْقَتْلِ، وَلِكُلِّ مُسْلِمٍ قَتْلُ الْحَرْبِيِّ الَّذِي لَا أَمَانَ لَهُ، إلَّا أَنَّ الْأَفْضَلَ لَهُ أَنْ يَرْفَعَهُ إلَى الْإِمَامِ لِيَكُونَ هُوَ الَّذِي يَقْتُلُهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْحَدِّ.\nوَاسْتِيفَاءُ الْحُدُودِ إلَى الْإِمَامِ.\n٣٨٨٢ - وَالْمُرْتَدَّةُ لَا تُقْتَلُ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً، وَلَكِنَّهَا تُحْبَسُ وَتُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ إنْ كَانَتْ حُرَّةً، وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً وَأَهْلُهَا يَحْتَاجُونَ إلَى خِدْمَتِهَا دُفِعَتْ إلَيْهِمْ يَسْتَخْدِمُونَهَا وَيُجْبِرُونَهَا عَلَى الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ حَبْسَهَا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقُّ الْمَوْلَى فِي خِدْمَتِهَا يُقَدَّمُ عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَبْسِهَا.\n٣٨٨٣ -","vol":"1","page":1938},{"text":"وَإِنْ اُسْتُتِيبَ الْمُرْتَدُّ فَتَابَ، ثُمَّ ارْتَدَّ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ مِرَارًا، قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ أَبَدًا، وَهُوَ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَكَانَ عَلِيٌّ وَعُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - يَقُولَانِ: يُسْتَتَابُ ثَلَاثًا، فَإِنْ عَادَ يُقْتَلُ، لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٣٧] الْآيَةَ، وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مُسْتَهْزِئٌ غَيْرُ تَائِبٍ، وَلَكِنَّا نَسْتَدِلُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] .\nثُمَّ تَوْبَتُهُ بَعْدَ الثَّلَاثِ تُعْرَفُ بِمَا يُعْرَفُ بِهِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى ضَمِيرِهِ، وَإِنَّمَا يُعَبِّرُ عَمَّا فِي قَلْبِهِ لِسَانُهُ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيمَا اسْتَدَلُّوا بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٣٧] . وَإِذَا تَابَ فَقَدْ ازْدَادَ إيمَانًا لَا كُفْرًا، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ يُقْتَلُ غِيلَةً وَلَا يُسْتَتَابُ إذَا تَكَرَّرَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مُسْتَهْزِئٌ، وَبِنَاءُ الْحُكْمِ عَلَى الظَّاهِرِ جَائِزٌ فِيمَا لَا يُوقَفُ عَلَى حَقِيقَتِهِ.\n٣٨٨٤ - قَالَ: وَامْرَأَةُ الْمُرْتَدِّ تَعْتَدُّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ، سَوَاءٌ قُتِلَ بَعْدَ الرِّدَّةِ أَوْ لَمْ يُقْتَلْ، إلَّا عَلَى قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ","vol":"1","page":1939},{"text":"- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَإِنَّهُ يَقُولُ: إذَا قُتِلَ فَعِدَّتُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ وَهَذَا لَيْسَ بِقَوِيٍّ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ بِالرِّدَّةِ، ثُمَّ لَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُ تِلْكَ الْفُرْقَةِ بِالْقَتْلِ بَعْدَ الرِّدَّةِ، فَلَا تَتَغَيَّرُ الْعِدَّةُ أَيْضًا، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَبَانَ امْرَأَتَهُ فِي صِحَّتِهِ ثُمَّ مَاتَ أَوْ قُتِلَ.\n٣٨٨٥ - وَلَوْ أَصَابَ مَالًا أَوْ قَذَفَ إنْسَانًا قَبْلَ الرِّدَّةِ أَوْ بَعْدَهَا، ثُمَّ لَحِقَ بِالدَّارِ، ثُمَّ جَاءَ تَائِبًا، أُخِذَ بِجَمِيعِ مَا صَنَعَ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَصَابَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّهُ بِاللَّحَاقِ صَارَ حَرْبِيًّا، وَالْحَرْبِيُّ إذَا أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ يَكُنْ مُؤَاخَذًا بِهِ، وَالْأَوَّلُ أَصَابَهُ فِي حَالِ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ مُخَاطَبٌ عَلَى حَالِهِ، فَيَتَقَرَّرُ مُوجِبُهُ فِي ذِمَّتِهِ، إلَّا أَنَّ بِلَحَاقِهِ يَتَعَذَّرُ إقَامَتُهُ؛ لِأَنَّ يَدَ الْإِمَامِ لَا تَصِلُ إلَيْهِ، فَإِذَا وَصَلَتْ الْيَدُ إلَيْهِ كَانَ مُؤَاخَذًا بِجَمِيعِ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .","vol":"1","page":1940},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>[بَابٌ مَنْ ارْتَدَّ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ نَقَضَ الْعَهْدَ مِنْ الْمُعَاهِدِينَ]</span>\n٣٨٨٦ - قَالَ: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ بَلْدَةٍ ارْتَدُّوا حَتَّى صَارَتْ دَارُهُمْ دَارَ حَرْبٍ، ثُمَّ وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ رِجَالُهُمْ وَيُسْبَى نِسَاؤُهُمْ وَذَرَارِيُّهُمْ، كَمَا فَعَلَهُ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِبَنِي حَنِيفَةَ حِينَ ارْتَدُّوا.\nفَإِنْ قَالَتْ النِّسَاءُ حِينَ ظَفِرَ الْمُسْلِمُونَ بِهِنَّ: مَا ارْتَدَدْنَا قَطُّ، وَإِنَّا لَمُسْلِمَاتٌ عَلَى دِينِنَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُنَّ، لِتَمَسُّكِهِنَّ بِمَا هُوَ الْأَصْلُ وَهُوَ الْإِسْلَامُ، وَلَا يُسْبَيْنَ، وَأَوْلَادُهُنَّ الصِّغَارُ بِمَنْزِلَتِهِنَّ؛ لِأَنَّ الْأُمَّ إذَا بَقِيَتْ مُسْلِمَةً فَالصَّغِيرُ يَكُونُ تَبَعًا لَهَا.\nإلَّا أَنْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ بِالرِّدَّةِ، وَلَا يُقْبَلُ فِي ذَلِكَ شَهَادَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّ الشُّهُودَ يَزْعُمُونَ أَنَّهَا مُرْتَدَّةٌ، وَالْمُرْتَدُّ كَالْمُسْلِمِ فِي أَلَّا تَكُونَ شَهَادَةُ الذِّمِّيِّ عَلَيْهِ حُجَّةً\n٣٨٨٧ - وَشَهَادَةُ مَنْ لَهُ فِي الْغَنِيمَةِ نَصِيبٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِنَّ بِذَلِكَ لَا تُقْبَلُ قِيَاسًا؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ لِلشَّاهِدِ، وَتُقْبَلُ اسْتِحْسَانًا","vol":"1","page":1941},{"text":"لِأَنَّ الشَّرِكَةَ عَامَّةٌ، وَهِيَ لَا تَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظَائِرُهُ\n٣٨٨٨ - وَلَوْ قُلْنَ كُنَّا قَدْ ارْتَدَدْنَا، وَلَكِنْ أَسْلَمْنَا قَبْلَ أَنْ تَظْفَرُوا بِنَا، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُنَّ؛ لِأَنَّهُنَّ الْآنَ يَدَّعِينَ إسْلَامًا حَادِثًا فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُنَّ فِي ذَلِكَ إلَّا بِحُجَّةٍ، بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ إذَا وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمْ، فَزَعَمُوا أَنَّهُمْ أَسْلَمُوا قَبْلَ أَنْ يَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمْ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمْ فِي ذَلِكَ، وَجُعِلَ كَأَنَّهُمْ لِلْحَالِ أَسْلَمُوا، فَكَذَلِكَ فِي الْمُرْتَدَّاتِ.\nوَعَلَى هَذَا لَوْ نَقَضَ أَهْلُ الذِّمَّةِ الْعَهْدَ كَانَ الْجَوَابُ فِيهِمْ كَالْجَوَابِ فِي الْمُرْتَدِّينَ، إلَّا أَنَّ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَيْهِنَّ بِنَقْضِ الْعَهْدِ هَا هُنَا مَقْبُولَةٌ؛ لِأَنَّهُنَّ ذِمِّيَّاتٌ وَاسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِمَا رُوِيَ أَنَّ عَلْقَمَةَ بْنَ عُلَاثَةَ ارْتَدَّ فِي زَمَنِ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فَلَمَّا أُخِذَتْ امْرَأَتُهُ قَالَتْ: إنْ كَانَ عَلْقَمَةُ ارْتَدَّ فَإِنِّي لَمْ أَكْفُرْ بِاَللَّهِ فَخَلَّى سَبِيلَهَا وَسَبِيلَ وَلَدِهَا، ثُمَّ هَذَا إذَا عُلِمَ أَنَّ النِّسَاءَ فِي الْأَصْلِ كُنَّ مُسْلِمَاتٍ، فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ فَهُنَّ فَيْءٌ، وَأَوْلَادَهُنَّ.\nلِأَنَّهُنَّ وُجِدْنَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَمَنْ وُجِدَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَهُوَ حَرْبِيٌّ، مَا لَمْ يُعْلَمْ لَهُ أَصْلُ الْإِسْلَامِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِنَّ سِيمَاءُ الْمُسْلِمَاتِ، فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ تَحْكِيمَ السِّيمَاءِ أَصْلٌ فِي بَابِ الْإِسْلَامِ، فَإِذَا وَقَعَ فِي قَلْبِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُنَّ صَادِقَاتٌ وَجَبَ تَخْلِيَةُ سَبِيلِهِنَّ وَسَبِيلِ أَوْلَادِهِنَّ.\n٣٨٨٩ - فَإِنْ كَانَ فِي حِجْرِ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ صَبِيٌّ، وَقَدْ قُتِلَ زَوْجُهَا، أَوْ لَا يُعْلَمُ هَلْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ أَمْ لَا، فَقَالَتْ: هَذَا ابْنِي صُدِّقَتْ فِي إسْلَامِ الْوَلَدِ، وَأَنَّهُ لَا يَكُونُ فَيْئًا؛ لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ دِينِيٌّ فَخَبَرُ الْوَاحِدِ فِي مِثْلِهِ مَقْبُولٌ؛ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً","vol":"1","page":1942},{"text":"٣٨٩٠ - وَلَكِنْ لَا يَتَوَارَثَانِ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ، وَهُوَ الْحَمِيلُ الَّذِي كَتَبَ فِيهِ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، إلَى شُرَيْحٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، أَنْ لَا يُوَرَّثَ الْحَمِيلُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَلَكِنْ يُجْعَلُ مُسْلِمًا لِكَوْنِهِ فِي يَدِ مُسْلِمٍ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ.\n٣٨٩١ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَتْ: هُوَ ابْنُ امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ أَوَدَعَتْنِيهِ، وَإِنْ قَالَتْ: هُوَ ابْنُ امْرَأَةٍ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الدَّارِ أَوَدَعَتْنِيهِ وَمَاتَتْ، وَهِيَ حُرَّةٌ مُسْلِمَةٌ، لَمْ تُصَدَّقْ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ أَصْلُ الْإِسْلَامِ لِتِلْكَ الْمَرْأَةِ، فَلَا يَكُونُ هَذَا مِنْهَا إخْبَارًا بِإِسْلَامِ الْوَلَدِ وَحُرِّيَّتِهِ، وَلَكِنَّهُ يَكُونُ فَيْئًا لِكَوْنِهِ مَوْجُودًا فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ بَنَى مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، مَسَائِلَ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي بَيَّنَّا.\n٣٨٩٢ - أَنَّ مَنْ وُجِدَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ إذَا زَعَمَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَلَا يُتَعَرَّضُ لَهُ، وَمَنْ وُجِدَ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ إلَّا بِحُجَّةٍ لِأَنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ دَارُ أَمْنٍ، فَمَنْ وُجِدَ فِيهَا يَكُونُ آمِنًا بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ، فَيَكُونُ مَقْبُولَ الْقَوْلِ بِشَهَادَةِ الظَّاهِرِ لَهُ، وَدَارُ الْحَرْبِ دَارُ سَبْيٍ وَاسْتِرْقَاقٍ فَمَنْ وُجِدَ فِيهَا يَكُونُ فَيْئًا، إلَّا أَنْ يُثْبِتَ سَبَبَ الْأَمْنِ وَالْعِصْمَةِ لِنَفْسِهِ بِالْبَيِّنَةِ\n٣٨٩٣ - وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الدَّارِ نَقَضُوا الْعَهْدَ وَحَارَبُوا، فَلَمَّا ظَهَرَ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ قَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: مَا نَقَضْنَا الْعَهْدَ فِيمَنْ","vol":"1","page":1943},{"text":"نَقَضَ، فَإِنْ كَانَ أَصْلُ الْعَهْدِ مَعْلُومًا لَهُمْ قَبْلَ النَّقْضِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ؛ لِأَنَّ مَا عُرِفَ ثُبُوتُهُ فَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ حَتَّى يُعْلَمَ مَا يُزِيلُهُ.\n٣٨٩٤ - فَإِنْ شَهِدَ قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، بِأَنَّهُمْ قَاتَلُوا الْمُسْلِمِينَ، فَقَدْ ثَبَتَ بِالْحُجَّةِ سَبَبُ نَقْضِهِمْ الْعَهْدَ، فَإِنْ قَالُوا: أَكْرَهُونَا عَلَى ذَلِكَ لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ يَدَّعُونَ مَعْنًى خَفِيًّا لِيُغَيِّرُوا بِهِ حُكْمَ مَا ظَهَرَ بِحُجَّةٍ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ فِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُقِيمُوا عَلَيْهِ بَيِّنَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ.\n٣٨٩٥ - فَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهُمْ قَالُوا: لَنَقْتُلَنَّكُمْ أَوْ لَتُقَاتِلُونَ مَعَنَا كَانُوا أَحْرَارًا لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ، فَيَخْرُجُ قِتَالُهُمْ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ دَلِيلَ الرِّضَاءِ بِنَقْضِ الْعَهْدِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَحِلُّ لَهُمْ مَا صَنَعُوا بِإِكْرَاهٍ.\n٣٨٩٦ - وَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهُمْ كَانُوا قَالُوا: هَذَا لَهُمْ فِي دَارِهِمْ لَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا يَقْدِرُونَ فِي دَارِ الْحَرْبِ عَلَى أَنْ يَنْصَرِفُوا عَنْهُمْ إلَى الْمُسْلِمِينَ، فَالْإِكْرَاهُ لَا يَثْبُتُ بِمِثْلِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا بِذَهَابِ الْإِكْرَاهِ عَنْهُمْ","vol":"1","page":1944},{"text":"٣٨٩٧ - وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا أَصْلَ الذِّمَّةِ لِلَّذِينَ قَالُوا هَذِهِ الْمَقَالَةَ كَانُوا فَيْئًا، إلَّا أَنْ يُقِيمُوا بَيِّنَةً عَلَى أَصْلِ الذِّمَّةِ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ وُجِدُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ.\n٣٨٩٨ - وَإِنْ رَآهُمْ الْمُسْلِمُونَ فِي صَفِّ الْمُشْرِكِينَ، وَمَعَهُمْ السُّيُوفُ قَدْ شَهَرُوهَا، إلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يُقَاتِلُوا أَحَدًا، فَقَالُوا: أَكْرَهُونَا عَلَى ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ؛ لِأَنَّ مَا ظَهَرَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ لَا يَكُونُ نَقْضًا لِلْعَهْدِ، فَإِنَّ مِثْلَهُ لَوْ ظَهَرَ مِنْ الْمُسْلِمِ لَا يَكُونُ نَقْضًا لِإِيمَانِهِ، فَكَذَلِكَ إذَا ظَهَرَ مِنْ الْمُعَاهِدِ.\n٣٨٩٩ - وَإِنْ قَالَ قَدْ كُنْتُ نَقَضْتُ الْعَهْدَ مَعَهُمْ، وَلَكِنْ كُنْتُ رَجَعْتُ عَنْ ذَلِكَ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِحُجَّةٍ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِزَوَالِ مَا عُرِفَ مِنْ أَصْلِ الذِّمَّةِ لَهُ، ثُمَّ ادَّعَى أَمْرًا حَادِثًا لَا يُعْرَفُ سَبَبُهُ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا بِحُجَّةٍ.\n٣٩٠٠ - وَلَوْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ رَأَوْا رَجُلًا مِنْ النَّصَارَى فِي دَارِ الْإِسْلَامِ يَتَّجِرُ وَلَا يَعْرِفُونَ، ثُمَّ فَتَحُوا مَدِينَةً مِنْ دَارِ الْحَرْبِ فَوَجَدُوهُ فِيهَا، فَقَالَ أَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، أُسِرَ فِي أَهْلِ الْحَرْبِ، أَوْ كُنْتُ تَاجِرًا فِيهِمْ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُمْ عَرَفُوهُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ","vol":"1","page":1945},{"text":"(أَلَا تَرَى) أَنَّهُمْ حِينَ رَأَوْهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَوْ أَرَادُوا التَّعَرُّضَ لَهُ فَقَالَ: أَنَا ذِمِّيٌّ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ فَكَذَلِكَ إذَا وَجَدُوهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُمْ: أَنَا ذِمِّيٌّ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذُوهُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهُمْ بَعْدَمَا أَخَذُوهُ. وَعَلَى هَذَا لَوْ لَمْ يَكُونُوا رَأَوْهُ قَبْلَ هَذَا، إلَّا أَنَّهُ شَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ ذِمِّيٌّ. لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ.\n٣٩٠١ - وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ مُسْلِمٌ فِي جَمِيعِ هَذَا، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ سِيمَاءُ الْمُسْلِمِينَ فَلَا إشْكَالَ فِي أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ سِيمَاءُ أَهْلِ الْكُفْرِ فَقَالَ: أَكْرَهُونِي حَتَّى تَزَيَّيْتُ بِهَذَا الزِّيِّ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ عُلِمَ أَصْلُ الْإِسْلَامِ لَهُ أَوْ الذِّمَّةِ، بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ لَا يَرْتَفِعُ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الزِّيِّ لِأَنَّ مَا قَالَهُ مُحْتَمَلٌ يَشْهَدُ لَهُ الظَّاهِرُ، فَإِنَّ مَنْ بَقِيَ بَيْنَ قَوْمٍ يُخَالِفُونَهُ فِي الطَّرِيقِ قَدْ يَتَزَيَّا بِزِيِّهِمْ تُقْيَةً؛ فَلِهَذَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ\n٣٩٠٢ - وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ صَالَحُوا وَصَارُوا ذِمَّةً وَقَعَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَعَلَى نِسَائِهِمْ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ تَبَعٌ لِلرِّجَالِ، وَلِأَنَّهُمْ إنَّمَا يَقْبَلُونَ الذِّمَّةَ لِيَسْكُنُوا فِي مَسَاكِنِهِمْ وَسُكْنَاهُمْ إنَّمَا تَكُونُ بِالنِّسَاءِ وَالذَّرَارِيِّ","vol":"1","page":1946},{"text":"فَإِنْ قَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ إنَّا نَأْخُذُ الْعَهْدَ لِأَنْفُسِنَا دُونَ نِسَائِنَا، كَانَ نِسَاؤُهُمْ فَيْئًا إلَّا مَنْ دَخَلَ مِنْهُنَّ فِي الْعَهْدِ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ إذَا لَمْ يُوجَدُ التَّصْرِيحُ بِخِلَافِهِ، فَلِهَذَا يُسْتَرَقُّ النِّسَاءُ.\nوَأَمَّا الصِّغَارُ مِنْ الْأَوْلَادِ فَهُمْ تَبَعٌ لِلْآبَاءِ الَّذِينَ أَخَذُوا الْعَهْدَ، وَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ.\n٣٩٠٣ - وَلَوْ دَخَلَ حَرْبِيٌّ دَارَنَا بِأَمَانٍ، ثُمَّ غَلَبَ أَهْلُ الشِّرْكِ عَلَى تِلْكَ الدَّارِ حَتَّى صَارَتْ دَارَ حَرْبٍ، ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ، فَوَجَدُوا ذَلِكَ فِيهِمْ، فَإِنْ كَانَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى هَذِهِ الدَّارِ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ الَّتِي كَانَ الْمُسْتَأْمَنُ مِنْهَا فَهُوَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ الْأَمَانَ قَدْ اُنْتُقِضَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، حِينَ حَصَلَ هُوَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَأَهْلُهَا يُوَافِقُونَ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ كَانَ رَجَعَ إلَى دَارِهِ لَكَانَ يَنْتَهِي بِهِ الْأَمَانُ، وَقَدْ صَارَ هَذَا الْمَوْضِعُ فِي حُكْمِ دَارِهِ حِينَ غَلَبَ عَلَيْهِ أَهْلُ الشِّرْكِ\n٣٩٠٤ - وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ دَارِنَا بِأَنْ كَانَ الْمُسْتَأْمَنُ مِنْ أَهْلِ الرُّومِ، وَاَلَّذِينَ ظَهَرُوا عَلَى هَذِهِ الدَّارِ قَوْمٌ مِنْ التُّرْكِ، فَإِنْ كَانُوا أَسَرُوهُ وَمَنَعُوهُ مِنْ الْخُرُوجِ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى حَالِهِ، حَتَّى إذَا ظَفَرَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ كَانَ حُرًّا؛ لِأَنَّهُ مَا وَصَلَ إلَى مَأْمَنِهِ، وَإِنَّمَا يَنْتَهِي الْأَمَانُ بِهَذَا، وَلِأَنَّهُ أَسِيرٌ فِيهِمْ، فَكَأَنَّهُمْ أَسَرُوهُ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ وَأَحْرَزُوهُ بِدَارِهِمْ","vol":"1","page":1947},{"text":"٣٩٠٥ - فَإِنْ كَانَ الَّذِينَ غَلَبُوا لَمْ يَمْنَعُوهُ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَأَقَامَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ اخْتِيَارًا، فَهَذَا نَقْضٌ مِنْهُ لِلْعَهْدِ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِالْمُقَامِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَالرَّاضِي بِالْمُقَامِ فِي دَارِ الْحَرْبِ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ لَا يَكُونُ فِي أَمَانٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، إذَا كَانُوا أَمَّنُوهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ فِيهِمْ وَاشْتَرَى الْمَسْكَنَ ثُمَّ وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِ كَانَ فَيْئًا، كَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الدَّارِ.\n٣٩٠٦ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ مُسْتَأْمَنًا مِنْ الرُّومِ فِي دَارِنَا بَدَا لَهُ فَخَرَجَ إلَى التُّرْكِ بِأَمَانٍ أَوْ بِغَيْرِ أَمَانٍ، كَانَ مُبْطِلًا لِلْأَمَانِ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ إلَّا أَنَّ فِي هَذَا الْفَصْلِ إنْ أَسَرُوهُ أَوْ لَمْ يَأْسِرُوهُ فَالْجَوَابُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ إلَيْهِمْ بِاخْتِيَارِهِ.\n٣٩٠٧ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الرُّومِ سَأَلَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَدْخُلَ إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ فَيَتَّجِرَ، ثُمَّ يَخْرُجَ إلَى التُّرْكِ، فَيَأْتِيَ بِالْأَمْتِعَةِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَيَتَّجِرُ فِيهَا، فَأَعْطَوْهُ الْأَمَانَ عَلَى ذَلِكَ، فَهُوَ آمِنٌ مَا لَمْ يَدْخُلْ بِلَادَ التُّرْكِ، فَإِذَا دَخَلَهَا فَلَا أَمَانَ لَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، مَا لَمْ يَرْجِعْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إنَّمَا أَعْطَوْهُ الْأَمَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَا فِي دَارِ التُّرْكِ، إلَّا أَنْ يَكُونُوا قَالُوا لَهُ: أَنْتَ آمِنٌ إذَا دَخَلْت دَارَ الْإِسْلَامِ إلَى أَنْ تَعُودَ إلَيْهَا وَتَرْجِعَ إلَى دَارِك، فَحِينَئِذٍ هَذَا تَصْرِيحٌ بِإِعْطَاءِ الْأَمَانِ لَهُ فِي دَارِ التُّرْكِ","vol":"1","page":1948},{"text":"٣٩٠٨ - ثُمَّ إنْ نَبَذَ إلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَهُوَ فِي دَارِ التُّرْكِ فَنَبْذُهُمْ بَاطِلٌ، وَهُوَ آمِنٌ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى بِلَادِهِ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا نَبَذُوا إلَيْهِ فِي دَارٍ هُوَ مُسْتَأْمَنٌ فِيهَا، فَكَانَ هَذَا وَنَبْذُهُمْ إلَيْهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ سَوَاءً، وَقَدْ عُرِفَ أَنَّ النَّبْذَ لَا يَصِحُّ إلَّا بَعْدَ تَبْلِيغِ الْمُسْتَأْمَنِ مَأْمَنَهُ وَإِعَادَتِهِ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ.\nوَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. .","vol":"1","page":1949},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>[بَابٌ أَسْرُ الْعَبْدِ وَغَيْرِهِ ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى مَوْلَاهُ أَوْ لَا يَرْجِعُ]</span>\n٣٩٠٩ - قَالَ: الْعَبْدُ الْمَأْسُورُ إذَا مَاتَ مَوْلَاهُ، ثُمَّ وَقَعَ فِي الْغَنِيمَةِ فَحَضَرَ وَرَثَتُهُ بَعْدَمَا وَقَعَ فِي الْغَنِيمَةِ، فَإِنْ وَجَدُوهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذُوهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدُوهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذُوهُ بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُمْ قَائِمُونَ مَقَامَ مُورَثِهِمْ، وَهَذَا الْأَخْذُ إعَادَةٌ إلَى قَدِيمِ الْمِلْكِ بِطَرِيقِ الْفِدَاءِ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْفِدَاءِ لِلْعَبْدِ الْجَانِي مِنْ الْجِنَايَةِ، وَالْوَرَثَةُ يَقُومُونَ فِي ذَلِكَ مَقَامَ الْمُورَثِ.\n٣٩١٠ - وَهَذَا بِخِلَافِ الشُّفْعَةِ، فَإِنَّ الشَّفِيعَ إذَا مَاتَ لَمْ يَكُنْ لِوَرَثَتِهِ حَقُّ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ، وَلَا يَقُومُونَ فِي ذَلِكَ مَقَامَهُ لِأَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ بِاعْتِبَارِ الْجِوَارِ، وَاَلَّذِي كَانَ لِلْمُورَثِ مِنْ الْجِوَارِ قَدْ زَالَ بِمَوْتِهِ، وَجِوَارُ الْوَارِثِ حَادِثٌ، فَلَا يَكُونُ لَهُ حَقُّ الْأَخْذِ. فَأَمَّا هَا هُنَا حَقُّ الْأَخْذِ بِاعْتِبَارِ الْمِلْكِ الْقَدِيمِ، وَلَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ بِمَوْتِ الْمُورَثِ، وَالْوَرَثَةُ يَخْلُفُونَهُ فِي ذَلِكَ الْمِلْكِ، لَوْ كَانَ قَائِمًا، فَكَذَلِكَ فِي حَقٍّ ثَابِتٍ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ الْمِلْكِ.\n٣٩١١ - وَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَلَيْسَ لَهُمْ إلَّا أَنْ يَأْخُذُوا جَمِيعًا أَوْ يَدَعُوا","vol":"1","page":1950},{"text":"لِأَنَّهُمْ بِالْأَخْذِ يُعِيدُونَهُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِ الْمَيِّتِ، حَتَّى إذَا ظَهَرَ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِيعَ فِيهِ، وَهُوَ فِي حَيَاتِهِ، لَوْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ الْبَعْضَ دُونَ الْبَعْضِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ الْوَرَثَةُ بَعْدَ مَوْتِهِ.\n٣٩١٢ - وَإِنْ أَبَى بَعْضُهُمْ أَنْ يَفْدِيَهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَحْنُ نَفْدِيهِ بِالْقِيمَةِ، فَلَهُمْ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُمْ يَكُونُونَ مُتَطَوِّعِينَ فِي الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَعُودُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِ الْمَيِّتِ، فَيَكُونُ مِيرَاثًا بَيْنَ وَرَثَتِهِ، وَهُمْ تَبَرَّعُوا بِالْفِدَاءِ فِي نَصِيبِ مَنْ أَبَى مِنْهُمْ، إذْ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُلْزِمُوهُمْ دَيْنًا شَاءُوا أَوْ أَبَوْا، فَكَانَ هَذَا نَظِيرَ الْفِدَاءِ مِنْ الْجِنَايَةِ.\n٣٩١٣ - وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ فِيهِمْ مُوصًى لَهُ بِالثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ شَرِيكُ الْوَرَثَةِ فِي التَّرِكَةِ بِمَالِهِ مِنْ الْوَصِيَّةِ، فَهَذَا كَأَحَدِ الْوَرَثَةِ فِي حُكْمِ الْفِدَاءِ.\n٣٩١٤ - وَمَنْ حَضَرَ مِنْ مُوصٍ أَوْ وَارِثٍ أَوْ مُوصًى لَهُ، فَأَرَادَ أَنْ يَفْدِيَهُ، فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ غَابَ عَامَّةُ الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ الْحَاضِرَ خَصْمٌ عَنْ الْمَيِّتِ، وَإِنَّمَا يُعِيدُهُ بِالْأَخْذِ إلَى قَدِيمِ مِلْكِ الْمَيِّتِ، وَالْحَاضِرُ خَصْمٌ فِي ذَلِكَ عَنْ الْمَيِّتِ، كَمَا فِي الْفِدَاءِ مِنْ الْجِنَايَةِ.\n٣٩١٥ - وَإِنْ حَضَرَ الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ خَاصَّةً فَجَحَدَ الَّذِي وَقَعَ الْعَبْدُ فِي سَهْمِهِ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ لِلْمَيِّتِ، فَأَقَامَ الْمُوصَى لَهُ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ، وَكَانَ خَصْمًا لَهُ","vol":"1","page":1951},{"text":"لِأَنَّهُ شَرِيكُ الْوَرَثَةِ فِي التَّرِكَةِ فَيَكُونُ خَصْمًا عَنْ الْمَيِّتِ كَأَحَدِهِمْ.\n٣٩١٦ - وَإِذَا فَدَاهُ بِجَمِيعِ الْقِيمَةِ وَأَخَذَهُ أَعْطَاهُ الْقَاضِي الثُّلُثَ مِنْ الْعَبْدِ، وَجَعَلَ الثُّلُثَيْنِ مَحْبُوسًا لِلْوَرَثَةِ إلَى أَنْ يَحْضُرُوا فَيَأْخُذُوا، فَإِنْ حَضَرُوا وَجَحَدُوا وَصِيَّةَ الْمُوصَى لَهُ لَمْ يَلْتَفِتْ الْقَاضِي إلَى جُحُودِهِمْ.\nلِأَنَّ الَّذِي وَقَعَ الْعَبْدُ فِي سَهْمِهِ كَانَ خَصْمًا لِلْمُوصَى لَهُ عَنْ الْوَرَثَةِ فِي إثْبَاتِ الْوَصِيَّةِ عَلَيْهِ، فَهُوَ وَمَا لَوْ أَثْبَتَهُ عَلَى الْوَرَثَةِ سَوَاءٌ.\n٣٩١٧ - وَلَوْ كَانَ الَّذِي حَضَرَ غَرِيمًا مِنْ غُرَمَاءِ الْمَيِّتِ لَمْ يَكُنْ خَصْمًا لِمَنْ وَقَعَ الْعَبْدُ فِي سَهْمِهِ.\nلِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ دَيْنِهِ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ.\n٣٩١٨ - وَمَنْ وَقَعَ الْعَبْدُ فِي سَهْمِهِ لَيْسَ بِخَصْمٍ فِي ذَلِكَ عَنْ الْمَيِّتِ. فَأَمَّا الْمُوصَى لَهُ يُثْبِتُ حَقَّ الْأَخْذِ لِنَفْسِهِ فِي الْعَبْدِ الَّذِي وَقَعَ فِي يَدِهِ، بِمَنْزِلَةِ الْوَارِثِ، فَلِهَذَا كَانَ خَصْمًا لَهُ. وَإِنْ أَقَرَّ الَّذِي وَقَعَ الْعَبْدُ فِي سَهْمِهِ أَنَّهُ غَرِيمُ الْمَيِّتِ لَمْ يَأْمُرْهُ الْقَاضِي بِدَفْعِ الْعَبْدِ إلَيْهِ بِقِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ بِإِقْرَارِهِ لَا يَثْبُتُ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ\n٣٩١٩ - وَلَكِنْ إنْ حَضَرَ وَارِثٌ أَوْ وَصِيٌّ فَأَبَى أَنْ يَفْدِيَ، فَأَرَادَ الْغَرِيمُ أَنْ يَفْدِيَهُ جَعَلَ الْقَاضِي الْوَارِثَ أَوْ الْوَصِيَّ خَصْمًا لِلْغَرِيمِ، حَتَّى يَثْبُتَ الدَّيْنُ عَلَيْهِ.","vol":"1","page":1952},{"text":"لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْمَيِّتِ فِي إثْبَاتِ الدَّيْنِ بِالْبَيِّنَةِ، ثُمَّ كَانَ لِلْغَرِيمِ أَنْ يَفْدِيَهُ حَتَّى يُبَاعَ لَهُ فِي الدَّيْنُ.\n٣٩٢٠ - وَإِنْ كَانَ الْوَصِيُّ حِينَ حَضَرَ أَقَرَّ لَهُ بِالدَّيْنِ لَمْ يَنْتَفِعْ الْغَرِيمُ بِذَلِكَ، وَقِيلَ لَهُ: هَاتِ بَيِّنَةً عَلَى دَيْنِك، وَلَا يَخْرُجُ الْوَصِيُّ مِنْ خُصُومَتِهِ بِإِقْرَارِهِ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْمَيِّتِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى النَّظَرِ وَالْإِقْرَارُ بِالدَّيْنِ عَلَيْهِ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ، فَهُوَ كَالْأَجْنَبِيِّ فِي ذَلِكَ، فَإِذَا بَطَلَ إقْرَارُهُ بِالدَّيْنِ صَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ أَصْلًا.\n٣٩٢١ - فَإِنْ كَانَ الْمُقِرُّ بِالدَّيْنِ أَحَدَ الْوَرَثَةِ كَانَ لِلْغَرِيمِ أَنْ يَفْدِيَهُ بِقِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ قَدْ ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ فِي نَصِيبِهِ.\n٣٩٢٢ - ثُمَّ إذَا أَخَذَ الْعَبْدَ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَعْزِلُ نَصِيبَ سَائِرِ الْوَرَثَةِ حَتَّى يَقْدَمُوا فَيُقِرُّوا أَوْ يُنْكِرُوا، وَيَبِيعُ حِصَّةَ الْوَارِثِ الْمُقِرِّ لِلْغَرِيمِ فِي دَيْنِهِ لِأَنَّ إقْرَارَهُ حُجَّةٌ فِي حَقِّهِ، وَالدَّيْنُ الثَّابِتُ بِإِقْرَارِهِ فِي حِصَّتِهِ كَالثَّابِتِ بِالْبَيِّنَةِ.\n٣٩٢٣ - فَإِنْ حَضَرَ الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ فَأَقَرَّ بِالدَّيْنِ، وَوَقَعَ الْعَبْد فِي سَهْمِهِ لِوَصِيَّتِهِ فَلَهُ أَنْ يَفْدِيَهُ بِالْقِيمَةِ. لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْإِقْرَارِ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ كَالثَّابِتِ بِالْبَيِّنَةِ","vol":"1","page":1953},{"text":"٣٩٢٤ - فَإِنْ حَضَرَ الْوَرَثَةُ فَجَحَدُوا وَصِيَّتَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ، وَيُقَالُ لِلْوَرَثَةِ: أَدُّوا لِلْمُوصَى لَهُ ثُلُثَ الْفِدَاءِ وَخُذُوا الْعَبْدَ؛ لِأَنَّهُ فِي مِقْدَارِ الثُّلُثِ إنَّمَا أَدَّى الْفِدَاءَ عَلَى أَنْ يَفْدِيَ مِلْكَهُ فَلَا يَكُونُ مُتَطَوِّعًا فِي ذَلِكَ، فَأَمَّا فِي الثُّلُثَيْنِ إنَّمَا أَدَّى الْفِدَاءَ عَلَى أَنَّهُ يَفْدِي مِلْكَ الْوَرَثَةِ، فَكَانَ مُتَطَوِّعًا فِي ذَلِكَ.\n٣٩٢٥ - وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى الْوَصِيَّةَ بِالْعَبْدِ لَهُ.\nوَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَإِنَّ الْوَرَثَةُ يَأْخُذُونَ الْعَبْدَ هُنَاكَ إذَا أَعْطَوْهُ جَمِيعَ الْفِدَاءِ إنْ أَحَبُّوا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ فِي الْكُلِّ هَا هُنَا يَفْدِي مِلْكَ نَفْسِهِ، فَالْعَبْدُ كُلُّهُ لَهُ وَصِيَّةٌ بِزَعْمِهِ إذَا كَانَ يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ، فَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ مُتَطَوِّعًا فِي شَيْءٍ مِنْ الْفِدَاءِ.\n٣٩٢٦ - وَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ أَوْ الْمُوصَى لَهُ إنَّمَا حَضَرَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَثْبُتُ الِاسْتِحْقَاقُ عَلَيْهِمْ إلَّا بِحُجَّةٍ\n٣٩٢٧ - ثُمَّ إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، فَعَادَ إلَى قَدِيمِ مِلْكِ الْمُورَثِ، وَكَانَا مِيرَاثًا عَنْهُ. وَلَوْ وَقَعَ الْعَبْدُ فِي سَهْمِ رَجُلٍ فِي مَرَضِ الْمَأْسُورِ مِنْهُ فَسَلَّمَهُ لَهُ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا، سَوَاءٌ كَانَ مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ وَارِثَ الْمَيِّتِ أَوْ أَجْنَبِيًّا، وَسَوَاءٌ كَانَ فِيهِ مُحَابَاةٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَكَذَلِكَ إنْ سَلَّمَهُ لِلْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ، فَإِنَّ الْمُحَابَاةَ لَا تَظْهَرُ فِي هَذَا الْفَصْلِ","vol":"1","page":1954},{"text":"لِأَنَّهُ بِهَذَا التَّسْلِيمِ لَا يُمْلِكُهُ شَيْئًا، إنَّمَا يُبْطِلُ حَقًّا لَيْسَ بِمَالٍ، وَلَا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ بِالْمَالِ بِحَالٍ، فَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ تَسْلِيمِ الشُّفْعَةِ، وَتَسْلِيمُ الْمَرِيضِ شُفْعَتَهُ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ يَكُونُ صَحِيحًا عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَهَذَا مِثْلُهُ.\nوَكَذَلِكَ لَوْ سَاوَمَهُ بِالْعَبْدِ بَيْعًا مُسْتَقْبَلًا\nلِأَنَّ هَذَا دَلِيلُ التَّسْلِيمِ مِنْهُ فَيَكُونُ كَالتَّصْرِيحِ بِالتَّسْلِيمِ، كَمَا فِي الشُّفْعَةِ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قُلْتُمْ إنَّ الْأَخْذَ بِالْقِيمَةِ بِمَنْزِلَةِ الْفِدَاءِ مِنْ الْجِنَايَةِ، فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَلَا يَصِحَّ ذَلِكَ مِنْ الْمَرِيضِ فِي حَقِّ وَارِثِهِ، فَلَا تَسْلَمُ لَهُ الْمُحَابَاةُ الَّتِي تَكُونُ بِاعْتِبَارِهِ.\nقُلْنَا: هَذَا إذَا كَانَ بِتَصَرُّفِهِ يُمْلِكُ الْوَارِثَ مَالًا، وَهُوَ هَا هُنَا لَيْسَ يُمْلِكُ الْوَارِثَ شَيْئًا، فَقَدْ مَلَكَ الْوَارِثُ الْعَبْدَ بِالشِّرَاءِ، أَوْ بِوُقُوعِهِ فِي سَهْمِهِ، فَلِهَذَا صَحَّ تَسْلِيمُهُ فِي حَقِّ الْوَارِثِ، وَهُوَ نَظِيرُ الْإِبْرَاءِ عَنْ الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ، وَالْعَفْوِ عَنْ دَمِ الْعَبْدِ، فَإِنَّ ذَلِكَ صَحِيحٌ مِنْ الْمَرِيضِ مَعَ وَارِثِهِ، كَمَا يَصِحُّ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ، وَاَلَّذِي يُوَضِّحُ مَا قُلْنَا أَنَّ مَنْ وَقَعَ الْعَبْدُ فِي سَهْمِهِ يَتَمَكَّنُ مِنْ إسْقَاطِ حَقِّ الْأَخْذِ بِالْإِعْتَاقِ وَالتَّدْبِيرِ، فَلَا يَصِيرُ بِهِ ضَامِنًا شَيْئًا، فَتَبَيَّنَ بِهِ أَنَّ هَذَا الْحَقَّ ضَعِيفٌ، وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يَسْقُطَ الْحَقُّ بِتَصَرُّفِ مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ وَبَيْنَ أَنْ يَسْقُطَ بِإِسْقَاطِ الْمَرِيضِ\n٣٩٢٨ - وَلَوْ مَاتَ الْمَأْسُورُ مِنْهُ وَلَا وَارِثَ لَهُ فَمِيرَاثُهُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْإِمَامُ نَائِبٌ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ عُرِفَ حَالُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ لِبَيْتِ الْمَالِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ عَرَفَهُ بَعْد الْقِسْمَةِ فَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ لِبَيْتِ الْمَالِ بِقِيمَتِهِ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ.\nوَإِنْ وَجَدَهُ فِي يَدِ رَجُلٍ اشْتَرَاهُ مِنْ الْعَدُوِّ بِخَمْسِمِائَةٍ، وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ، فَالْأَوْلَى","vol":"1","page":1955},{"text":"لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالثَّمَنِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَظِّ لِلْمُسْلِمِينَ.\nفَأَمَّا إذَا وَجَدَهُ فِي يَدِ مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ فَحَقُّ الْأَخْذِ إنَّمَا يَكُونُ بِقِيمَتِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ فِي الْمَالِيَّةِ دُونَ الْعَيْنِ، فَلَا يَسْتَقِلُّ بِأَخْذِهِ، إلَّا أَنْ يَرَى أَنَّ فِيهِ حَظًّا لِلْمُسْلِمِينَ.\n٣٩٢٩ - وَلَوْ أَنَّ الْمَأْسُورَ مِنْهُ وَجَدَهُ فِي يَدِ رَجُلٍ اشْتَرَاهُ مِنْ الْعَدُوِّ، فَلَمْ يَطْلُبْهُ حَتَّى مَضَى زَمَانٌ، ثُمَّ جَاءَ يَطْلُبُ أَخْذَهُ بِالثَّمَنِ، فَلَهُ ذَلِكَ، بِخِلَافِ الشُّفْعَةِ فَإِنَّ الشَّفِيعَ إذَا لَمْ يَطْلُبْ بَعْدَمَا عَلِمَ بِالْبَيْعِ تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ؛ لِأَنَّ سُكُوتَ الشَّفِيعِ إنَّمَا جُعِلَ تَسْلِيمًا دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ الْمُشْتَرِي، فَإِنَّ الشَّفِيعَ يَتَمَكَّنُ مِنْ نَقْضِ تَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي بِالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ، فَلَوْ لَمْ يَجْعَلَ سُكُوتَهُ تَسْلِيمًا تَعَطَّلَ مِلْكُ الْمُشْتَرِي، وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ التَّصَرُّفُ فِيهِ؛ فَلِهَذَا جَعَلْنَاهُ تَسْلِيمًا، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجَدُ هَا هُنَا، فَإِنَّ الْمَأْسُورَ مِنْهُ يَأْخُذُهُ مِمَّنْ يَجِدُهُ فِي يَدِهِ، وَلَا يَنْقُضُ شَيْئًا مِنْ التَّصَرُّفَاتِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ الْقِسْمَةَ لِيَأْخُذَهُ مَجَّانًا، فَلَا حَاجَةَ هَا هُنَا إلَى أَنْ يَجْعَلَ سُكُوتَهُ تَسْلِيمًا.\n٣٩٣٠ - وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ الْمَأْسُورُ لِصَبِيٍّ صَغِيرٍ، لَهُ أَبٌ أَوْ وَصِيٌّ، فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ مِنْهُ بِخَمْسِمِائَةٍ، وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ، فَسَلَّمَ الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ حَقَّ الصَّبِيِّ فِي ذَلِكَ، جَازَ التَّسْلِيمُ.","vol":"1","page":1956},{"text":"فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَلَمْ يَجُزْ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، عَلَى قِيَاسِ الشُّفْعَةِ، فَإِنَّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ جَمِيعًا بِهَذَا التَّسْلِيمِ لَا يُخْرِجُ مِنْ مِلْكِ الصَّبِيِّ شَيْئًا، وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ اشْتَرَاهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَقِيمَتُهُ خَمْسُمِائَةٍ فَأَرَادَ الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ لِلصَّبِيِّ بِالثَّمَنِ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا ذَلِكَ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْغَبْنِ الشَّدِيدِ عَلَى الصَّبِيِّ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اشْتَرَى لَهُ عَبْدًا يُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ.\nإلَّا أَنَّ هُنَاكَ يَكُونُ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ، وَهَا هُنَا لَا يَكُونُ آخِذًا لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَالِكٍ لِلْأَخْذِ لِنَفْسِهِ هَا هُنَا بِغَيْرِ رِضَا الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ، فَإِنَّهُ بِالْأَخْذِ يُعِيدُهُ إلَى قَدِيمِ الْمِلْكِ لَهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ الْمِلْكُ فِي الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِلصَّبِيِّ، فَلِهَذَا لَا يُجْعَلُ آخِذًا لِنَفْسِهِ.\n٣٩٣١ - وَإِنْ ظَهَرَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ أُرَاضِي الْمُسْلِمِينَ فَصَارَتْ دَارَ شِرْكٍ، ثُمَّ غَلَبَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهَا فَمَنْ حَضَرَ مِنْ أَصْحَابِهَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَمَنْ حَضَرَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهَا بِقِيمَتِهَا إنْ أَحَبَّ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ مَالُ الْمُسْلِمِ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ فَإِنْ بَنَاهَا مَنْ وَقَعَتْ فِي سَهْمِهِ، ثُمَّ حَضَرَ الْمَالِكُ الْقَدِيمُ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا.","vol":"1","page":1957},{"text":"لِأَنَّ الْبِنَاءَ اسْتِهْلَاكٌ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَ الْبِنَاءَ، لِيَأْخُذَ، كَمَا لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَنْقُضَ سَائِرَ التَّصَرُّفَاتِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ.\nوَإِنَّمَا هَذَا نَظِيرُ مَوْهُوبٍ لَهُ يَبْنِي فِي الْأَرْضِ الْمَوْهُوبَةِ، ثُمَّ يُرِيدُ الْوَاهِبُ الرُّجُوعَ فِيهَا، فَهُنَاكَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ اسْتِهْلَاكٌ فَهَذَا مِثْلُهُ.\n٣٩٣٢ - وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي مُشْتَرِي الْأَرْضِ بِشِرَاءٍ فَاسِدٍ، إذَا بَنَاهَا، فَلَيْسَ لِلْبَائِعِ حَقُّ الِاسْتِرْدَادِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ حَقَّ الْبَائِعِ أَوْجَبُ مِنْ حَقِّ الْمَالِكِ الْقَدِيمِ هَا هُنَا، فَإِنْ لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي لَهُ بِالْأَخْذِ لِأَجْلِ الْبِنَاءِ، ثُمَّ هَدَمَ الْبَانِي بِنَاءَهُ حَتَّى عَادَ كَمَا كَانَ فَلِلْمَالِكِ الْقَدِيمِ أَنْ يَأْخُذَهَا بِالْفِدَاءِ هَا هُنَا.\nلِأَنَّ الْمَانِعَ كَانَ هُوَ الْبِنَاءَ، وَقَدْ زَالَ الْمَانِعُ فَيَتَمَكَّنُ مِنْ الْأَخْذِ، بِمَنْزِلَةِ الْوَاهِبِ يُرِيدُ الرُّجُوعَ فِيهَا بَعْدَمَا رَفَعَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْبِنَاءَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ إنَّمَا بَنَى فِيهَا أَهْلُ الْحَرْبِ حِينَ أَحْرَزُوهَا؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ الْقَدِيمَ إنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الْأَخْذِ فِيمَا كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ، وَهَذَا الْبِنَاءُ لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا لَهُ قَطُّ، فَلَا يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ أَخْذِ الْبِنَاءِ، وَيَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ أَخْذُ الْأَرْضِ بِدُونِ الْبِنَاءِ، فَإِنْ هَدَمَ مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ الْبِنَاءَ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْأَرْضَ بِقِيمَتِهَا لِزَوَالِ الْمَانِعِ.\n٣٩٣٣ - وَلَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ مَبْنِيَّةً حِينَ أَخَذَهَا الْمُشْرِكُونَ فَوَقَعَتْ فِي سَهْمِ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانَ لِمَالِكِهَا الْأَوَّلِ أَنْ يَأْخُذَهَا بِقِيمَتِهَا مَبْنِيَّةً يَوْمَ وَقَعَتْ فِي سَهْمِهِ","vol":"1","page":1958},{"text":"لِأَنَّهَا كَانَتْ لَهُ فِي الْأَصْلِ بِبِنَائِهَا، فَلَهُ أَنْ يُعِيدَهَا بِالْأَخْذِ إلَى مِلْكِهِ كَمَا كَانَتْ.\nفَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهَا حَتَّى جَعَلَهَا مِمَّنْ وَقَعَتْ فِي سَهْمِهِ مَسْجِدًا لِلْمُسْلِمِينَ فَصَلَّوْا فِيهَا، وَلَمْ يَزِدْ فِيهَا بُنْيَانًا، أَوْ كَانَتْ أَرْضًا فَجَعَلَهَا صَدَقَةً مَوْقُوفَةً لِلْمَسَاكِينِ، أَوْ جَعَلَهَا مَقْبَرَةً، أَوْ جَعَلَهَا خَانًا لِلْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهَا الْأَوَّلُ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا؛ لِأَنَّهَا تَحَرَّزَتْ عَنْ مِلْكِ الْعِبَادِ بِمَا أَحْدَثَ فِيهَا مِنْ التَّصَرُّفِ، فَكَانَ هَذَا قِيَاسَ الْعَبْدِ إذَا أَعْتَقَهُ مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمَالِكَ الْقَدِيمَ يَأْخُذُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُضَ التَّصَرُّفَ، وَبِدُونِ نَقْضِ التَّصَرُّفِ هَا هُنَا لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أَخْذِهَا بِالْقِيمَةِ، فَإِنَّهَا لَمْ تَصِرْ فِي مِلْكِ أَحَدٍ حَتَّى يَأْخُذَهَا مِنْهُ بِالْقِيمَةِ، وَبِهِ فَارَقَ الشُّفْعَةَ، فَإِنَّ الشَّفِيعَ يَتَمَكَّنُ مِنْ نَقْضِ تَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي، فَإِذَا نَقَضَ تَصَرُّفَهُ رَجَعَتْ إلَى مِلْكِهِ، كَمَا كَانَتْ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْهُ، فَإِنْ خَرِبَ مَا حَوْلَ الْمَسْجِدِ وَانْتَقَلَ عَنْهُ أَهْلُهُ فَقَدْ رَجَعَ إلَى مِلْكِ صَاحِبِهِ، عَلَى أَصْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِأَنَّهُ يَزُولُ الْمَانِعُ، فَكَانَ لِلْمَالِكِ الْأَوَّلِ أَنْ يَأْخُذَهَا بِالْقِيمَةِ.\n٣٩٣٤ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمَأْسُورُ فَرَسًا فَجَعَلَهَا مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ حَبِيسًا، ثُمَّ حَضَرَ مَالِكُهُ الْأَوَّلُ فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْوَقْفُ فِي الْعَقَارِ وَالْمَنْقُولِ فِيمَا فِيهِ الْعَادَةُ. فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْوَقْفُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ اللُّزُومُ وَلَا يُخْرِجُ الْعَيْنَ مِنْ مِلْكِ صَاحِبِهِ، فَكَانَ لِلْمَالِكِ الْأَوَّلِ أَنْ يَأْخُذَهُ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ خَاصَّةً","vol":"1","page":1959},{"text":"فَإِنَّ ذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِهِ اللُّزُومُ فَيُمْنَعُ الْمَالِكُ الْأَوَّلُ مِنْ الْأَخْذِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ نَقْضِ التَّصَرُّفِ، وَلِهَذَا لَا يَنْقُضُ الْقِسْمَةَ وَلَا بَيْعَ مَنْ وَقَعَتْ فِي سَهْمِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ مَنْفَعَةٌ لِتَفَاوُتٍ يَكُونُ بَيْنَ الثَّمَنِ وَالْقِيمَةِ، إلَّا أَنَّ بَعْدَ الْبَيْعِ مِنْ غَيْرِهِ هُوَ مُحْتَمِلٌ لِلنَّقْلِ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ، فَكَانَ حَقُّهُ فِي الْأَخْذِ بَاقِيًا، وَبَعْدَ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي بَيَّنَّا لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلتَّمَلُّكِ بِعِوَضٍ وَلَا بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ إلَّا أَنْ يَعُودَ مَحَلًّا لِلْمِلْكِ، وَالتَّمَلُّكُ بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ إذَا كَاتَبَهُ مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ، فَلَيْسَ لِمَالِكِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ، فَإِنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ كَانَ لِمَالِكِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِقِيمَتِهِ لِزَوَالِ الْمَانِعِ.\nوَكَذَلِكَ لَوْ جَعَلَهُ مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ رَهْنًا عِنْدَ إنْسَانٍ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ فَلَيْسَ لِلْمَالِكِ الْأَوَّلِ أَنْ يَأْخُذَهُ حَتَّى يَفْتَكَّهُ الرَّاهِنُ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِالْمَرْهُونِ حَقٌّ لَازِمٌ لِلْمُرْتَهِنِ، فَإِنْ افْتَكَّهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ بِالْقِيمَةِ لِزَوَالِ الْمَانِعِ.\n٣٩٣٥ - وَإِنْ قَالَ الْمَالِكُ الْأَوَّلُ: أَنَا أُؤَدِّي الدَّيْنَ وَآخُذُهُ بِالْقِيمَةِ، أُجْبِرَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ عَلَى ذَلِكَ، لِوُصُولِ كَمَالِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ إلَيْهِ، وَيَكُونُ مُتَطَوِّعًا فِي أَدَاءِ الدَّيْنِ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الرَّاهِنِ بِشَيْءٍ مِنْهُ.","vol":"1","page":1960},{"text":"لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُجْبَرًا عَلَى أَدَائِهِ وَلَا مُحْتَاجًا إلَيْهِ، فَقَدْ كَانَ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَنْ يَصْبِرَ إلَى أَنْ يَفْتَكَّهُ الرَّاهِنُ ثُمَّ يَأْخُذَهُ.\n٣٩٣٦ - فَلَوْ آجَرَهُ مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ مِنْ رَجُلٍ مُدَّةً مَعْلُومَةً وَقَبَضَ الْأَجْرَ، ثُمَّ حَضَرَ الْمَالِكُ الْأَوَّلُ، فَلَهُ أَنْ يَنْقُضَ الْإِجَارَةَ، وَيَأْخُذَهُ بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ تُنْقَضُ بِالْأَعْذَارِ، وَثُبُوتُ حَقِّ الْمَالِكِ الْأَوَّلِ فِي الْأَخْذِ عُذْرٌ يُنْقَضُ بِهِ الْإِجَارَةُ، وَإِنْ كَانَ لَا يُنْقَضُ بِهِ سَائِرُ التَّصَرُّفَاتِ، فَإِنَّ ثُبُوتَ حَقِّ الْمُشْتَرِي فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ يَكُونُ عُذْرًا فِي نَقْضِ الْإِجَارَةِ دُونَ سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ، بِمَنْزِلَةِ حَقِّ الْبَائِعِ فِي الِاسْتِرْدَادِ بِفَسَادِ الْبَيْعِ يَكُونُ عُذْرًا فِي نَقْضِ الْإِجَارَةِ، دُونَ سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ.\n٣٩٣٧ - وَلَوْ كَانَ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الظُّهُورُ نَاقَةً لِمُسْلِمٍ فَجَعَلَهَا مَنْ وَقَعْت فِي سَهْمِهِ بَدَنَةً، وَقَلَّدَهَا وَأَشْعَرَهَا أَوْ جَعَلَهَا أُضْحِيَّةً، ثُمَّ حَضَرَ الْمَالِكُ الْأَوَّلُ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ مَنْ وَقَعَتْ فِي سَهْمِهِ لَمْ يَزُلْ بِهَذَا التَّصَرُّفِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ بَاعَهَا جَازَ بَيْعُهُ فِيهَا، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْوَقْفِ وَالْحَبْسِ، فَقَدْ زَالَ مِلْكُهُ هُنَاكَ، وَبِهَذَا تَبَيَّنَّ خَطَأُ مَنْ يُجَوِّزُ الِاسْتِبْدَالَ بِالْوَقْفِ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْأُضْحِيَّةِ وَالْبَدَنَةِ، فَإِذَا أَخَذَهَا بِالْقِيمَةِ اشْتَرَى الَّذِي وَقَعَتْ فِي سَهْمِهِ بَدَنَةً فَجَعَلَهَا مَكَانَ الْأُولَى؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ فِي حَقِّهِ عِوَضٌ عَمَّا أُوجِبَ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - وَحُكْمُ الْعِوَضِ حُكْمُ الْمُعَوَّضِ فِي الْوَقْفِ بِخِلَافِهِ.\n٣٩٣٨ -","vol":"1","page":1961},{"text":"وَلَوْ كَانَ الْمَأْسُورُ عَبْدًا فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ بِأَكْثَرَ، فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَوْصَى بِهِ لِرَجُلٍ، كَانَ لِلْمَالِكِ الْأَوَّلِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ الْمُوصَى لَهُ بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَبَرُّعٌ بِالْعَيْنِ بَعْدَ الْوَفَاءِ، فَيَكُونُ قِيَاسُ مَا لَوْ تَبَرَّعَ بِهِ فِي حَيَاتِهِ بِالْهِبَةِ مِنْهُ، وَهُنَاكَ الْمَالِكُ الْأَوَّلُ يَأْخُذُهُ مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ بِالْقِيمَةِ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.\n٣٩٣٩ - وَلَوْ لَمْ يُوصِ بِهِ الْآخِذُ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ الْوَارِثِ بِالثَّمَنِ، الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ الْمُورَثُ؛ لِأَنَّ الْوِرَاثَةَ خِلَافَةٌ، وَالْمِلْكُ الثَّابِتُ لِلْوَارِثِ هُوَ الْمِلْكُ الَّذِي كَانَ لِلْمُورَثِ، وَلِهَذَا يُرَدُّ بِالْعَيْبِ عَلَى بَائِعِ مُورَثِهِ، وَيَصِيرُ مَغْرُورًا فِيمَا اشْتَرَاهُ مُورَثُهُ، ثُمَّ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ الْمُورَثِ بِالثَّمَنِ، فَكَذَلِكَ مِنْ الْوَارِثِ، فَأَمَّا الْمُوصَى لَهُ فَإِنَّمَا يَتَمَلَّكُ الْعَيْنَ بِسَبَبٍ جَدِيدٍ، وَلِهَذَا لَا يُرَدُّ عَلَى بَائِعِ الْمُوصِي بِالْعَيْبِ، وَلَا يَصِيرُ مَغْرُورًا فِيمَا اشْتَرَاهُ الْمُوصِي.\nقَالَ: وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ لَمْ يُوصِ بِرَقَبَتِهِ لِأَحَدٍ وَلَكِنَّهُ أَوْصَى بِخِدْمَتِهِ أَوْ بِغَلَّتِهِ لِرَجُلٍ فَلَيْسَ لِلْمَالِكِ الْأَوَّلِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالثَّمَنِ وَلَا بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ لِلْمُوصَى لَهُ فِيهِ حَقًّا لَازِمًا، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ الْوَارِثُ بَيْعَهُ وَلَا إبْطَالَ حَقِّهِ، فَهُوَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْأَخْذِ مِنْ الْوَارِثِ لِقِيَامِ الْحَقِّ لِلْمُوصَى لَهُ فِيهِ.\nوَلَا مِنْ الْمُوصَى لَهُ","vol":"1","page":1962},{"text":"لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْعَيْنَ، وَحَقُّ الْأَخْذِ بِالْبَدَلِ إنَّمَا يَكُونُ مِمَّنْ يَمْلِكُ الْعَيْنَ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَالْمُوصَى لَهُ هُنَاكَ مَالِكٌ لِلْعَيْنِ فَلِذَا أَمْكَنَهُ الْأَخْذُ بِالْقِيمَةِ.\nفَإِنْ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ بِالْغَلَّةِ أَوْ الْخِدْمَةِ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ الْوَارِثِ بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُوصَى لَهُ قَدْ بَطَل بِالْمَوْتِ، وَزَالَ الْمَانِعُ مِنْ الْأَخْذِ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ.\n٣٩٤٠ - وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ الْمَأْسُورُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ رَجُلَيْنِ، فَحَضَرَ أَحَدُهُمَا وَغَابَ الْآخَرُ، كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ نِصْفَهُ مِمَّنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ بِاعْتِبَارِ الْمِلْكِ الْقَدِيمِ، وَقَدْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَالِكًا لِلنِّصْفِ، وَاعْتِبَارُ الْكُلِّ بِالْجُزْءِ اعْتِبَارٌ صَحِيحٌ.\nفَإِنْ حَضَرَا فَقَالَ أَحَدُهُمَا: آخُذُ وَقَالَ الْآخَرُ: أُسَلِّمُ، فَلِلَّذِي أَرَادَ الْأَخْذَ أَنْ يَأْخُذَ نِصْفَهُ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَأْيًا فِي نَصِيبِهِ، فَكَمَا لَا يَمْلِكُ الَّذِي يُرِيدُ الْأَخْذَ إبْطَالَ خِيَارِ شَرِيكِهِ، لَا يَمْلِكُ الَّذِي يُسَلِّمُ إبْطَالَ خِيَارِ شَرِيكِهِ.\nوَلَيْسَ لِلَّذِي وَقَعَ فِي سَهْمِهِ أَنْ يَقُولَ: إنَّكُمْ تُفْسِدُونَ عَلَيَّ الْعَبْدَ وَتُلْحِقُونَ بِي ضَرَرَ تَبْعِيضِ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمَالِكِ الْأَوَّلِ مُقَدَّمٌ عَلَى وُجُوبِ دَفْعِ الضَّرَرِ عَمَّنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ، وَلِهَذَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أَخْذِهِ مِنْهُ شَاءَ أَوْ أَبَى.","vol":"1","page":1963},{"text":"وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمَأْسُورُ مِنْهُ وَاحِدًا وَمَاتَ عَنْ ابْنَيْنِ، فَإِنَّ هُنَاكَ لَا يَمْلِكُ أَحَدُهُمَا أَخْذَ النِّصْفِ بِغَيْرِ رِضَا مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْمِلْكِ هُنَاكَ لِلْمُورَثِ، وَالْوَرَثَةُ يَقُومُونَ مَقَامَهُ، وَهُوَ فِي حَالِ حَيَاتِهِ كَانَ لَا يَمْلِكُ أَخْذَ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ، وَلَكِنْ إمَّا أَنْ يَأْخُذَ الْكُلَّ أَوْ يُسَلِّمَ الْكُلَّ، فَكَذَلِكَ الْوَرَثَةُ بَعْدَ مَوْتِهِ.\nفَإِنْ قِيلَ: فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي إذَا سَلَّمَ أَحَدُ الْوَارِثِينَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَسْلِيمًا مِنْهُمَا، كَمَا لَوْ كَانَ الْمُورَثُ حَيًّا فَسَلَّمَ النِّصْفَ وَسَكَتَ عَنْ النِّصْفِ الثَّانِي.\nقُلْنَا: لَا فَرْقَ، فَهُنَاكَ لَوْ قَالَ الْمُورَثُ: أُسَلِّمُ النِّصْفَ عَلَى أَنْ آخُذَ النِّصْفَ بِنِصْفِ الْقِيمَةِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَسْلِيمًا مِنْهُ، كَمَا لَا يَكُونُ تَسْلِيمُ أَحَدِ الْوَارِثَيْنِ هَا هُنَا تَسْلِيمًا فِي حَقِّ الْآخَرَ، إلَّا أَنَّ هُنَاكَ الْمُورَثَ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ التَّسْلِيمِ فِي الْكُلِّ، فَيُجْعَلُ تَسْلِيمُهُ الْبَعْضَ مُطْلَقًا كَتَسْلِيمِ الْكُلِّ، كَمَا فِي الشُّفْعَةِ، وَهَا هُنَا أَحَدُ الْوَارِثَيْنِ لَا يَمْلِكُ التَّسْلِيمَ فِي حَقِّ صَاحِبِهِ، فَيَكُونُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ تَسْلِيمِ الْمُورَثِ النِّصْفَ، بِشَرْطِ أَنْ يَأْخُذَ النِّصْفَ الْبَاقِيَ.\n٣٩٤١ - وَلَوْ غَلَبَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى دَارِهِمْ، ثُمَّ وَقَعَتْ فِي سَهْمِ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَهَدَمَ بَعْضَ بِنَائِهَا، ثُمَّ حَضَرَ صَاحِبُهَا الَّذِي كَانَتْ لَهُ، فَأَرَادَ أَخْذَهَا، فَإِنَّهُ يَأْخُذُهَا وَيَأْخُذُ الْبَعْضَ إنْ كَانَ قَائِمًا بِعَيْنِهِ بِقِيمَتِهَا يَوْمَ وَقَعَتْ فِي سَهْمِهِ.\nلِأَنَّ الْبَعْضَ كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ كَالْأَصْلِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ حَضَرَ قَبْلَ أَنْ يَنْقُضَ مَنْ وَقَعَتْ فِي سَهْمِهِ الْبِنَاءَ كَانَ لَهُ","vol":"1","page":1964},{"text":"أَنْ يَأْخُذَ الْأَصْلَ وَالْبِنَاءَ جَمِيعًا، فَهَذَا مِثْلُهُ، وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ الْقِيمَةِ بِهَدْمِ مَنْ وَقَعَتْ فِي سَهْمِهِ؛ لِأَنَّ مَا يُعْطِيهِ مِنْ الْقِيمَةِ فِدَاءٌ لِمِلْكِهِ، وَالْفِدَاءُ يَكُونُ بِمُقَابَلَةِ الْأَصْلِ، فَلَا يَسْقُطُ مِنْهُ شَيْءٌ بِنُقْصَانٍ يَتَمَكَّنُ فِيهِ بِفِعْلٍ مُكْتَسَبٍ، أَوْ لَا بِفِعْلٍ مُكْتَسَبٍ.\n٣٩٤٢ - وَكَذَا لَوْ اسْتَهْلَكَ مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ الْبَعْضَ لَمْ يُنْتَقَضْ شَيْءٌ، مِنْ الْفِدَاءِ عَنْ الْمَالِكِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الشُّفْعَةِ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا هَدَمَ الْبِنَاءَ ثُمَّ حَضَرَ الشَّفِيعُ فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى النَّقْضِ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُ الْأَرْضَ بِحِصَّتِهَا مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ يَخْتَصُّ بِالْعَقَارِ دُونَ الْمَنْقُولِ، وَالنَّقْضُ مَنْقُولٌ.\nثُمَّ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ بِمَنْزِلَةِ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ يَتَمَلَّكُ الْمَأْخُوذَ بِالثَّمَنِ ابْتِدَاءً، وَالْبِنَاءُ بِمَنْزِلَةِ الْوَصْفِ، فَإِذَا فَاتَ بِصُنْعٍ مُكْتَسَبٍ يَسْقُطُ حِصَّتُهُ مِنْ الثَّمَنِ عَنْ الشَّفِيعِ، فَأَمَّا الْمَالِكُ الْأَوَّلُ هَا هُنَا بِالْأَخْذِ يُعِيدُهُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ بِالْفِدَاءِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْفِدَاءَ يُقَابِلُ الْأَصْلَ دُونَ الْوَصْفِ.\nوَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ مَكَانَ الدَّارِ أَرْضٌ فِيهَا نَخْلٌ قَائِمٌ، ثُمَّ حَضَرَ الْمَالِكُ الْأَوَّلُ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْكُلَّ بِقِيمَةِ الْأَرْضِ وَالنَّخْلِ يَوْمَ وَقَعَتْ فِي سَهْمِ الرَّجُلِ، فَإِنْ كَانَ مَنْ وَقَعَتْ فِي سَهْمِهِ قَدْ","vol":"1","page":1965},{"text":"أَكَلَ الثَّمَرَ أَوْ بَاعَهُ، أَوْ قَلَعَ النَّخْلَ أَوْ بَاعَهُ، عَلَى أَنْ يَقْلَعَ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ؛ لِأَنَّ مَا يُعْطِيهِ مِنْ قِيمَةِ الْأَرْضِ وَالنَّخْلِ فِدَاءٌ بِمُقَابَلَةِ الْأَصْلِ، فَلَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْهُ بِفَوَاتِ الْوَصْفِ وَالْبَيْعِ، وَلَكِنَّهُ يَأْخُذُ النَّخْلَ وَالثَّمَرَ مِنْ الْمُشْتَرِي إذَا كَانَ قَائِمًا بِعَيْنِهِ فِي يَدِهِ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ إنْ شَاءَ، بِخِلَافِ الشَّفِيعِ، فَالشُّفْعَةُ تَخْتَصُّ بِالْعَقَارِ دُونَ الْمَنْقُولِ، وَلِلشَّفِيعِ وِلَايَةُ نَقْضِ تَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي مَا بَقِيَ حَقُّهُ، فَلِهَذَا قُلْنَا: إذَا حَضَرَ قَبْلَ أَنْ يَقْلَعَ الْمُشْتَرِي النَّخْلَ كَانَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَ الْبَيْعَ، وَيَأْخُذَ الْكُلَّ مِنْ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ بِالثَّمَنِ إنْ شَاءَ.\n٣٩٤٣ - قَالَ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى عَبْدًا فَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى أَسَرَهُ الْعَدُوُّ، ثُمَّ وَقَعَ فِي سَهْمِ مُسْلِمٍ، فَحَضَرَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي، فَالْبَائِعُ أَحَقُّ بِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْقِيمَةِ إنْ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ الْأَسْرِ كَانَتْ الْيَدُ لَهُ.\nوَكَانَ هُوَ أَحَقَّ بِحَبْسِهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ. وَهَذَا لِأَنَّ الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ فِي ضَمَانِ مِلْكِ الْبَائِعِ وَلِهَذَا لَوْ هَلَكَ كَانَ هَالِكًا عَلَى مِلْكِهِ، فَإِذَا أَخَذَهُ بِالْقِيمَةِ قُلْنَا؛ هُوَ لَا يَكُونُ مُتَبَرِّعًا فِيمَا أَدَّى مِنْ الْقِيمَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَتَوَصَّلُ إلَى إحْيَاءِ حَقِّهِ إلَّا بِذَلِكَ، فَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ مِنْهُ أَوْ بِالْقِيمَةِ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ","vol":"1","page":1966},{"text":"لِأَنَّهُ لَزِمَهُ زِيَادَةٌ فِي الثَّمَنِ لَمْ يَرْضَ بِالْتِزَامِهَا. فَإِنْ أَبَى الْبَائِعُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْقِيمَةِ فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْقِيمَةِ إنْ شَاءَ؛ لِأَنَّ الْأَسْرَ كَانَ عَلَى مِلْكِهِ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يُعِيدَهُ بِالْأَخْذِ إلَى مِلْكِهِ كَمَا كَانَ ثُمَّ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ الثَّمَنَ إلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ قَدْ سَلِمَ لَهُ.\nفَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ: أَنَا آخُذُ الْعَبْدَ مِنْهُ حَتَّى يُؤَدِّيَ الثَّمَنَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَسْقَطَ حَقَّهُ فِي الْحَبْسِ، حِينَ أَبَى أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْقِيمَةِ فِي الِابْتِدَاءِ، فَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ سَلَّمَ الْمَبِيعَ إلَى الْمُشْتَرِي ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ لِيَحْبِسَهُ بِالثَّمَنِ.\n٣٩٤٤ - وَلَوْ مَاتَ الْمَأْسُورُ مِنْهُ الْعَبْدُ وَتَرَكَ ابْنًا صَغِيرًا، وَأَوْصَى إلَى رَجُلٍ، ثُمَّ وَقَعَ الْعَبْدُ فِي الْغَنِيمَةِ، فَإِنْ وَجَدَهُ الْوَصِيُّ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ لِلصَّبِيِّ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ يَأْخُذُهُ بِالْقِيمَةِ إنْ شَاءَ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْوَارِثَ هَا هُنَا بِالْأَخْذِ يَقُومُ مَقَامَ الْمُورَثِ، وَأَنَّ هَذَا الْحَقَّ لَا يَسْقُطُ بِمَوْتِ الْمُورِثِ بِخِلَافِ الشُّفْعَةِ، ثُمَّ الْوَصِيُّ قَائِمٌ مَقَامَ أَبِ الصَّبِيِّ إنْ كَانَ قَائِمًا، فَإِنْ أَخَذَهُ بِالْقِيمَةِ، وَلَيْسَ لِلْمَيِّتِ مَالٌ، وَلِلصَّبِيِّ مَالٌ وَرِثَهُ مِنْ أُمِّهِ، فَالْقِيمَةُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ عَلَيْهِ فَيُؤَدَّى فِي مَالِهِ، وَلَا يَكُونُ عَلَى الْوَصِيِّ فِي ذَلِكَ عُهْدَةٌ كَمَا لَا يَكُونُ عَلَى الْوَكِيلِ بِالْأَخْذِ مِنْ جِهَةِ الْمَالِكِ الْقَدِيمِ فِي هَذَا عُهْدَةٌ؛ لِأَنَّ هَذَا","vol":"1","page":1967},{"text":"بِمَنْزِلَةِ الْفِدَاءِ مِنْ الْجِنَايَةِ، وَهُنَاكَ يَكُونُ الْوَكِيلُ نَائِبًا مَحْضًا، فَلَا يَلْزَمُهُ الْعُهْدَةُ، فَهَذَا مِثْلُهُ.\nبِخِلَافِ الشُّفْعَةِ، فَالْوَصِيُّ أَوْ الْوَكِيلُ إذَا أَخَذَا بِالشُّفْعَةِ يَلْزَمُهُمَا الْعُهْدَةُ، وَتَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمَا الْمُطَالَبَةُ بِالثَّمَنِ ثُمَّ يَرْجِعَانِ بِهِ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ تَمَلُّكٌ بِطَرِيقِ الشِّرَاءِ ابْتِدَاءً فِي حَقِّ الشَّفِيعِ.\n٣٩٤٥ - فَإِنْ كَانَ الْوَصِيُّ ضَمِنَ الْقِيمَةَ لِلَّذِي وَقَعَ فِي سَهْمِهِ كَانَ مُطَالَبًا بِهِ بِحُكْمِ الضَّمَانِ، وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ، لِقِيَامِ وِلَايَتِهِ عَلَيْهِ فِي إلْزَامِ الدَّيْنِ إيَّاهُ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِالْأَخْذِ إذَا ضَمِنَ الْقِيمَةَ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُتَطَوِّعًا فِي ذَلِكَ، لَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ إلْزَامِ الدَّيْنِ لِغَيْرِ مَنْ تَنَاوَلَهُ الْأَمْرُ، فَكَيْفَ يَلْزَمُهُ دَيْنٌ لِنَفْسِهِ.\nإلَّا أَنْ يَكُونَ أَمَرَهُ بِالضَّمَانِ فَحِينَئِذٍ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْأَمْرِ، فَإِنْ فَدَى الْوَصِيُّ الْعَبْدَ لِلصَّبِيِّ بِالْقِيمَةِ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ، ثُمَّ أَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ عَلَى دَيْنٍ لَهُ عَلَى الْمَيِّتِ مُحِيطٍ بِمَالِيَّةِ الْعَبْدِ، فَإِنَّهُ يُبَاعُ لَهُ الْعَبْدُ فِي دَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ إعَادَةٌ إلَى قَدِيمِ مِلْكِ الْمُورَثِ، وَحَقُّ الْغَرِيمِ فِيهِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الْوَارِثِ","vol":"1","page":1968},{"text":"ثُمَّ يَكُونُ الْوَصِيُّ مُتَطَوِّعًا فِي الْفِدَاءِ، يَغْرَمُ لِلصَّبِيِّ مَا أَدَّاهُ مِنْ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَّ أَنَّهُ مَا أَخَذَهُ لِلصَّبِيِّ هَا هُنَا. فَإِنَّ اسْتِغْرَاقَ التَّرِكَةِ بِالدَّيْنِ يَمْنَعُ مِلْكَ الْوَارِثِ، فَلِهَذَا كَانَ ضَامِنًا لِلصَّبِيِّ مَا أَدَّى مِنْ مَالِهِ، وَصَارَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الدَّيْنِ ظَاهِرًا، فَأَخَذَهُ الْوَصِيُّ وَأَدَّى الْفِدَاءَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، وَهُنَاكَ هُوَ مُتَطَوِّعٌ فِي الْفِدَاءِ، وَيُبَاعُ الْعَبْدُ لِلْغَرِيمِ بِدَيْنِهِ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.\nوَشَبَّهَ هَذَا بِمَا لَوْ جَنَى الْعَبْدُ جِنَايَةً فَفَدَاهُ الْوَصِيُّ مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ، بِأَنْ رَأَى فِيهِ النَّظَرَ لَهُ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ، وَالْمَعْنَى يَجْمَعُ الْفَصْلَيْنِ، فَالْحُكْمُ فِيهَا سَوَاءٌ كَمَا بَيَّنَّا.\nثُمَّ لَا يَكُونُ الْوَصِيُّ بِالتَّطَوُّعِ فِي الْفِدَاءِ نَظِيرَ أَجْنَبِيٍّ آخَرَ، فَهُنَاكَ لِمَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ أَنْ يَأْبَى ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَهَا هُنَا لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُوصِي، وَهُوَ قَدْ كَانَ مُجْبَرًا عَلَى التَّسْلِيمِ إلَى الْمُوصِي بِقِيمَتِهِ، فَكَذَلِكَ إلَى وَصِيِّهِ بَعْدَ مَوْتِهِ.\n٣٩٤٦ - وَإِنْ لَمْ يَفْدِ الْوَصِيُّ الْعَبْدَ لِلصَّبِيِّ حَتَّى رَفَعَ ذَلِكَ إلَى الْقَاضِي فَأَمَرَهُ الْقَاضِي أَنْ يَفْدِيَهُ، أَوْ كَانَ الْقَاضِي هُوَ الَّذِي فَدَاهُ، أَوْ أَمِينٌ مِنْ أُمَنَائِهِ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ ظَهَرَ الدَّيْنُ فَالْغُرَمَاءُ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءُوا أَدَّوْا الْقِيمَةَ إلَى الصَّبِيِّ، ثُمَّ يُبَاعُ الْعَبْدُ لَهُمْ فِي دَيْنِهِمْ، فَإِنْ أَبَوْا ذَلِكَ رَدَّ الْعَبْدَ إلَى مَنْ وَقَعَ الْعَبْدُ فِي سَهْمِهِ، وَأَخَذَ مِنْهُ الْقِيمَةَ فَيُرَدُّ عَلَى الصَّبِيِّ","vol":"1","page":1969},{"text":"لِأَنَّ الْمُؤَدِّيَ لِلْفِدَاءِ هَا هُنَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ مُتَطَوِّعًا مِنْ قِبَلِ أَنَّ هَذَا حُكْمٌ حَكَمَ بِهِ الْقَاضِي لِلصَّغِيرِ، فَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ إلَّا بِاعْتِبَارِ النَّظَرِ لَهُ، وَحُكْمُهُ يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَدِّي لِلْفِدَاءِ مُتَطَوِّعًا فِيهِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ\n٣٩٤٧ - فَلَوْ كَانَ الْوَصِيُّ أَخَذَهُ بِالْقِيمَةِ لِلصَّبِيِّ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي، ثُمَّ ظَهَرَ دَيْنٌ يَكُونُ مِثْلَ نِصْفِ قِيمَةِ الْعَبْدِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ يُبَاعُ فَيَسْتَوْفِي الْغَرِيمُ دَيْنَهُ، وَمَا فَضَلَ مِنْ الثَّمَنِ فَهُوَ لِلصَّبِيِّ، إرْثٌ لَهُ مِنْ أَبِيهِ، أَوْ يَكُونُ الْوَصِيُّ مُتَطَوِّعًا فِيمَا أَعْطَى مِنْ الْقِيمَةِ.\nلِأَنَّ تَصَرُّفَهُ هَذَا لَيْسَ فِيهِ نَظَرٌ لِلصَّبِيِّ، فَإِنَّهُ يَفْدِي جَمِيعَ الْعَبْدِ بِقِيمَتِهِ، وَلَا يُسَلِّمُ لِلصَّبِيِّ مِنْهُ إلَّا النِّصْفَ، وَإِذَا لَمْ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ عَلَى الصَّبِيِّ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَعْنَى كَانَ مُتَطَوِّعًا فِي الْفِدَاءِ.\n٣٩٤٨ - فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي أَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقُولُ لِلْغُرَمَاءِ إنْ شِئْتُمْ فَالْتَزِمُوا مِنْ الْفِدَاءِ بِقَدْرِ حِصَصِكُمْ، حَتَّى أَبِيعَ الْعَبْدَ فِي دَيْنِكُمْ وَإِلَّا رَدَدْت عَلَى مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّ هُنَاكَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ مُتَطَوِّعًا فِي الْفِدَاءِ، فَإِنْ فَدَى بِأَمْرِ الْقَاضِي، وَذَلِكَ حُكْمٌ مِنْهُ، فَإِنَّمَا يَنْفُذُ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ بِشَرْطِ النَّظَرِ لَهُ، فَإِنْ قَالَ الْغُرَمَاءُ: لَا نَفْدِي، فَالْعَبْدُ مَرْدُودٌ عَلَى مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ، إلَّا أَنْ يَرَى الْقَاضِي النَّظَرَ لِلصَّبِيِّ فِي أَنْ يَجْعَلَ الْفِدَاءَ مِنْ قِبَلِهِ، بِأَنْ كَانَ حَدَثَ فِي الْعَبْدِ زِيَادَةٌ فِي بَدَنِهِ أَوْ قِيمَتِهِ بَعْدَمَا وَقَعَ فِي سَهْمِ الرَّجُلِ، فَحِينَئِذٍ يَجْعَلُ الْفِدَاءَ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ لِتَوْفِيرِ الْمَنْفَعَةِ عَلَيْهِ.\n٣٩٤٩ -","vol":"1","page":1970},{"text":"وَإِنْ كَانَ الَّذِي فَدَى بِهِ الْقَاضِي الْعَبْدَ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ، وَالدَّيْنُ يُحِيطُ بِتَرِكَتِهِ، فَقَالَتْ الْغُرَمَاءُ: لَا نَرْضَى أَنْ نَفْدِيَ الْعَبْدَ بِذَلِكَ، وَلَكِنَّا نَأْخُذُ الْفِدَاءَ قَضَاءً مِنْ دَيْنِنَا، كَانَ لَهُمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي التَّرِكَةِ لَهُمْ خَاصَّةً، وَإِنَّمَا أَمْضَى الْحُكْمَ عَلَى مُرَادِهِمْ، سَوَاءٌ كَانَ فِيمَا اخْتَارُوا مَنْفَعَةٌ لَهُمْ أَوْ ضَرَرٌ عَلَيْهِمْ.\nوَلَيْسَ لِلْوَارِثِ أَنْ يَفْدِيَ الْعَبْدَ هَا هُنَا؛ لِأَنَّ اسْتِغْرَاقَ التَّرِكَةِ بِالدَّيْنِ يَمْنَعُ مِلْكَ الْوَارِثِ.\n٣٩٥٠ - قَالَ: وَلَوْ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَسَرُوا الْعَبْدَ مِمَّنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ، ثُمَّ وَقَعَ فِي سَهْمِ مُسْلِمٍ، فَحَضَرَ مَوْلَاهُ الْأَوَّلُ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ؛ لِأَنَّ الْأَسْرَ الثَّانِيَ لَمْ يَكُنْ عَلَى مِلْكِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ عَلَى مِلْكِ مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ، فَيَكُونُ حَقُّ الْأَخْذِ لِلْمَأْسُورِ مِنْهُ خَاصَّةً، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ حَقُّ الْأَوَّلِ فِي مِلْكِ الْمَأْسُورِ مِنْهُ فِيمَا إذَا لَمْ يَفْدِ ذَلِكَ الْمِلْكُ يَأْخُذُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَبَعْدَهُ بِالْقِيمَةِ، وَلَا سَبِيلَ لِلْمَوْلَى الْأَوَّلِ عَلَى أَخْذِهِ.\n٣٩٥١ - وَإِذَا أَخَذَهُ الْمَأْسُورُ مِنْهُ بِالْقِيمَةِ كَانَ لِلْمَوْلَى الْأَوَّلِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِقِيمَتَيْنِ إنْ شَاءَ؛ لِأَنَّ الْمَأْسُورَ مِنْهُ بِمَا أَدَّى مِنْ الْقِيمَةِ أَحْيَا مِلْكَهُ، وَكَانَ مُحْتَاجًا إلَى ذَلِكَ","vol":"1","page":1971},{"text":"فَلَا يَكُونُ مُتَبَرِّعًا فِيهِ، فَلِهَذَا يَأْخُذُهُ الْمَالِكُ الْأَوَّلُ بِالْقِيمَةِ الْأُولَى، وَبِمَا أَدَّاهُ الْآنَ إنْ شَاءَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَكَانَ الَّذِي وَقَعَ فِي سَهْمِهِ مُشْتَرٍ اشْتَرَاهُ مِنْ الْعَدُوِّ، ثُمَّ أُسِرَ مِنْهُ ثَانِيًا، فَهُوَ نَظِيرُ الْأَوَّلِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا، لَا يَكُونُ لِلْمَوْلَى الْأَوَّلِ أَنْ يَأْخُذَهُ مَا لَمْ يَأْخُذْهُ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ بِالثَّمَنِ الثَّانِي مِمَّنْ اشْتَرَاهُ مِنْ الْعَدُوِّ، وَبَعْدَ ذَلِكَ يَأْخُذُ بِالثَّمَنِ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ يَدَعُ.\n٣٩٥٢ - فَإِنْ طَلَبَ الْمَالِكُ الْقَدِيمُ أَخْذَهُ مِمَّنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ بِالْقِيمَةِ، أَوْ مِنْ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، فَقَضَى لَهُ الْقَاضِي بِذَلِكَ، أَوْ سَلَّمَهُ لَهُ بِدُونِ الْقَضَاءِ، ثُمَّ قَالَ: لَا أُعْطِيهِ حَتَّى تُعْطِيَنِي مَا وَجَبَ لِي عَلَيْهِ فَذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ حَيٌّ فِيهِ بِمَا لَزِمَهُ مِنْ الْفِدَاءِ لَهُ، فَيَكُونُ مَحْبُوسًا عِنْدَهُ حَتَّى يُؤَدِّيَ ذَلِكَ الْفِدَاءَ، وَلَا يَكُونُ هَذَا دُونَ رَدِّ الْآبِقِ، وَهُوَ يَسْتَوْجِبُ الْحَبْسَ بِالْجُعْلِ الْوَاجِبِ لَهُ، فَهَاهُنَا أَوْلَى.\n٣٩٥٣ - فَإِنْ بَاعَهُ الْمَالِكُ الْأَوَّلُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ مِنْ إنْسَانٍ آخَرَ فَبَيْعُهُ بَاطِلٌ، أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ أَدَّى الْوَاجِبَ عَلَيْهِ فَلِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ تَسْلِيمِهِ، وَإِنْ كَانَ أَدَّى الْوَاجِبَ عَلَيْهِ فَلِأَنَّ الْمَبِيعَ مَضْمُونٌ فِي يَدِهِ مَنْ فِي يَدِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي يُوجِبُ لَهُ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ هَلَكَ لَزِمَهُ رَدُّ ذَلِكَ الْفِدَاءِ، وَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمَبِيعِ فِي يَدِ الْبَائِعِ، أَوْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ فَسْخِ الْبَيْعِ، بِحُكْمِ الْإِقَالَةِ أَوْ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ أَوْ بِقَضَاءِ الْقَاضِي، وَهَذَا أَقْرَبُ الْأَشْيَاءِ، فَقَدْ ذَكَرْنَا هَا هُنَا أَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ مِمَّنْ فِي يَدِهِ يَجُوزُ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَبِيعِ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ فَسْخِ الْبَيْعِ،","vol":"1","page":1972},{"text":"فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ بِالثَّمَنِ هُنَاكَ فِي يَدِهِ بَعْدَمَا عَادَ إلَى أَصْلِ مِلْكِ الْبَائِعِ، كَمَا أَنَّ هَا هُنَا هُوَ مَضْمُونٌ بِالْفِدَاءِ بَعْدَمَا عَادَ إلَى قَدِيمِ مِلْكِ الْمَأْسُورِ مِنْهُ، ثُمَّ هُنَاكَ يَجُوزُ بَيْعُهُ مِمَّنْ فِي يَدِهِ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْ غَيْرِهِ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا؛ وَلِهَذَا لَوْ وَجَدَ الْمَأْسُورُ مِنْهُ عَيْبًا حَادِثًا كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ قَبْلَ قَبْضِهِ بِقَضَاءٍ أَوْ بِغَيْرِ قَضَاءٍ، وَبَعْدَ قَبْضِهِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي، بِمَنْزِلَةِ الْبَائِعِ الْأَوَّلِ إذَا وَجَدَ بِهِ عَيْبًا حَادِثًا بَعْدَمَا انْفَسَخَ الْبَيْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُشْتَرِي بِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي.\n٣٩٥٤ - وَلَوْ أَنَّ الْمَأْسُورَ مِنْهُ أَخَذَهُ بِالْفِدَاءِ وَلَمْ يَكُنْ رَآهُ قَبْلَ ذَلِكَ قَطُّ فَلَمَّا رَآهُ لَمْ يَرْضَ بِهِ. لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ؛ لِأَنَّهُ بِالْأَخْذِ يُعِيدُهُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ، وَخِيَارُ الرُّؤْيَةِ يَخْتَصُّ بِالشِّرَاءِ الْمُبْتَدَأِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ بِهِ تَغَيُّرٌ عَنْ الْحَالِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ فِي يَدِهِ، وَإِنْ كَانَ تَغَيَّرَ إلَى نُقْصَانٍ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا رَضِيَ بِالْفِدَاءِ لِيُعِيدَهُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ كَمَا كَانَ، وَبَعْدَ التَّغَيُّرِ يَتَمَكَّنُ الْخَلَلُ فِي مَقْصُودِهِ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ لِهَذَا.\n٣٩٥٥ - وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ الْمَأْسُورُ يُسَاوِي أَلْفَ دِرْهَمٍ فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَأَخْرَجَهُ وَقَدْ مَاتَ الْمَأْسُورُ مِنْهُ، وَتَرَكَ ابْنًا صَغِيرًا وَعَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ خَمْسُمِائَةٍ، فَحَضَرَ الْغُرَمَاءُ وَالْوَصِيُّ، فَأَبَى الْغُرَمَاءُ أَنْ يَفْدُوهُ، فَلِلْوَصِيِّ أَنْ يَفْدِيَهُ بِالْمِائَةِ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ.\nلِأَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةً ظَاهِرَةً لَهُ، فَإِنَّهُ يَبِيعُهُ بِالْأَلْفِ، وَيَقْضِي دَيْنَ الْمَيِّتِ بِخَمْسِمِائَةٍ، فَيَبْقَى لِلصَّغِيرِ خَمْسُمِائَةٍ بِالْمِائَةِ الَّتِي أَعْطَاهَا الْوَصِيُّ، وَفِي الْمَوْضِعِ.","vol":"1","page":1973},{"text":"الَّذِي يَتَحَقَّقُ النَّظَرُ فِيهِ لِلصَّبِيِّ لَا يَكُونُ الْوَصِيُّ مُتَطَوِّعًا فِي الْفِدَاءِ، وَهُوَ قِيَاسُ الْفِدَاءِ مِنْ الْجِنَايَةِ.\nفَإِنْ نَقَصَ سِعْرُ الْعَبْدِ بَعْدَمَا أَخَذَهُ الْوَصِيُّ حَتَّى صَارَ يُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ، فَإِنَّهُ يُبَاعُ الْعَبْدُ لِلْغُرَمَاءِ، وَلَيْسَ عَلَى الْوَصِيِّ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ مَعْنَى النَّظَرِ لِلصَّبِيِّ كَانَ ظَاهِرًا يَوْمَئِذٍ فَنَفَذَ تَصَرُّفُهُ لِلصَّبِيِّ، ثُمَّ لَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ بِمَا حَدَثَ مِنْ نُقْصَانِ السِّعْرِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ مَاتَ الْعَبْدُ بَعْدَمَا أَخَذَهُ الْوَصِيُّ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْوَصِيِّ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، فَهَذَا مِثْلُهُ.\n٣٩٥٦ - وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الْغَرِيمِ أَخٌ لِلصَّبِيِّ غَائِبٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْوَصِيُّ حَتَّى فَدَاهُ بِالْمِائَةِ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ، ثُمَّ حَضَرَ الْغَائِبُ، فَإِنْ كَانَ الْوَصِيُّ فَدَاهُ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ فِي نِصْفِ الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّهُ فِي النِّصْفِ أَحْيَا مِلْكَ الْغَائِبِ بِمِلْكِ الصَّغِيرِ، وَكَانَ مُتَطَوِّعًا فِيهِ.\nبِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَهُنَاكَ أَحْيَا مِلْكَ الصَّغِيرِ فِي جَمِيعِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ إذَا لَمْ يَكُنْ مُحِيطًا، فَالتَّرِكَةُ كُلُّهَا تَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْوَارِثِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنْ لِلْوَارِثِ أَنْ يَسْتَخْلِصَ التَّرِكَةَ لِنَفْسِهِ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ، وَلَيْسَ لِأَحَدِ الْوَارِثَيْنِ أَنْ يَسْتَخْلِصَ الْمِلْكَ لِنَفْسِهِ بِأَدَاءِ نَصِيبِ الشَّرِيكِ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ","vol":"1","page":1974},{"text":"٣٩٥٧ - وَإِنْ كَانَ الْوَصِيُّ فَدَاهُ بِأَمْرِ الْقَاضِي، [فَإِنَّ الْقَاضِيَ] يَقُولُ لِلْغَائِبِ: إنْ شِئْت فَادْفَعْ نِصْفَ الْفِدَاءِ وَيَكُونُ الْعَبْدُ بَيْنَك وَبَيْنَ الصَّغِيرِ نِصْفَيْنِ، وَإِلَّا رَدَدْنَاهُ عَلَى الْمُشْتَرِي مِنْ الْعَدُوِّ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّ لَا يَكُونُ مُتَطَوِّعًا فِيمَا يُؤَدِّي مِنْ الْفِدَاءِ بِأَمْرِ الْقَاضِي، وَهَذَا التَّصَرُّفُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ حَظٌّ لِلصَّبِيِّ فَذَلِكَ لَا يَفُوتُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ إذَا كَبِرَ كَانَ لَهُ أَنْ يَفْدِيَهُ بِالْمِائَةِ إنْ شَاءَ، فَيَكُونُ مُتَطَوِّعًا فِي نِصْفِ الْفِدَاءِ عَنْ أَخِيهِ.\n٣٩٥٨ - قَالَ: وَلَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مِنْ الْعَدُوِّ اشْتَرَاهُ بِمِائَتِي دِرْهَمٍ، وَعَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ تِسْعُمِائَةٍ، فَلَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَأْخُذَهُ لِلصَّبِيِّ بِالْمِائَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى لِلصَّبِيِّ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ إلَّا مِائَةُ دِرْهَمٍ، وَفِيهِ مِنْ الْخُسْرَانِ عَلَى الصَّبِيِّ مَا لَا يَخْفَى.\n٣٩٥٩ - فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ الْوَصِيُّ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ فِي الْفِدَاءِ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا نَظَرَ لِلصَّبِيِّ فِي هَذَا التَّصَرُّفِ، فَإِنْ بِيعَ الْعَبْدُ بِضِعْفِ ثَمَنِهِ كَانَ مَا بَقِيَ مِنْ الثَّمَنِ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ لِلصَّبِيِّ، وَكَانَ الْوَصِيُّ مُتَطَوِّعًا فِي الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ وَقْتُ الْأَخْذِ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الْأَخْذُ بِصِفَةِ النَّظَرِ لَهُ يَوْمَئِذٍ، فَلَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُهُ بِمَا يَحْدُثُ مِنْ الزِّيَادَةِ بَعْدَ ذَلِكَ.\n٣٩٦٠ - وَإِنْ كَانَ الْوَصِيُّ فَدَاهُ بِأَمْرِ الْقَاضِي، بِأَنْ لَمْ يَكُنْ","vol":"1","page":1975},{"text":"الدَّيْنُ مَعْلُومًا لِلْقَاضِي حِينَ أَمَرَ بِهِ، فَالْوَصِيُّ هَا هُنَا غَيْرُ مُتَطَوِّعٍ فِي الْفِدَاءِ، وَلَكِنَّ الْقَاضِيَ يُخَيِّرُ الْغَرِيمَ، فَإِنْ شَاءَ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْفِدَاءِ بِقَدْرِ دَيْنِهِ، وَذَلِكَ تِسْعَةُ أَعْشَارِ الْفِدَاءِ، وَإِلَّا رَدَّ الْعَبْدَ عَلَى الْمَأْخُوذِ مِنْهُ، فَإِنْ رَضِيَ الْغَرِيمُ بِذَلِكَ يُسَلِّمُ الثَّمَنَ لِلْمُشْتَرِي، وَبِيعَ الْعَبْدُ، فَأَخَذَ الْغَرِيمُ دَيْنَهُ، وَكَانَ مَا بَقِيَ مِنْ الثَّمَنِ لِلصَّغِيرِ\n٣٩٦١ - فَإِنْ نَقَصَ الْعَبْدُ فِي بَدَنٍ أَوْ سِعْرٍ، فَلَمْ يُبَعْ إلَّا بِقَدْرِ الدَّيْنِ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ، لَمْ يَرْجِعْ الصَّبِيُّ عَلَى الْغَرِيمِ بِشَيْءٍ مِنْ حِصَّتِهِ مِنْ الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ وَقْتُ الْأَخْذِ، ثُمَّ لَا يَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ بِمَا ظَهَرَ مِنْ الزِّيَادَةِ أَوْ النُّقْصَانِ بَعْدَ ذَلِكَ.\nبِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ مَاتَ الْعَبْدُ بَعْدَ الْفِدَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِشَيْءٍ.\nوَشَبَّهَ هَذَا بِمَا لَوْ شَجَّ عَبْدٌ مِنْ التَّرِكَةِ رَجُلًا مُوضِحَةً وَفِيهَا دَيْنٌ، فَحُكْمُ الْفِدَاءِ مِنْ الْجِنَايَةِ كَحُكْمِ فِدَاءِ الْمَأْسُورِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .","vol":"1","page":1976},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>[بَابٌ أَسْرُ عَبْدِ الْمُرْتَدِّ قَبْلَ الرِّدَّةِ وَبَعْدَهَا]</span>\n٣٩٦٢ - قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إذَا أَسَرَ الْمُشْرِكُونَ عَبْدًا لِرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَأَحْرَزُوهُ بِدَارِهِمْ ثُمَّ إنَّ مَوْلَاهُ ارْتَدَّ، وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ عَنْ الْإِسْلَامِ، وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، فَأَخَذَ الْمُسْلِمُونَ الْعَبْدَ الْمَأْسُورَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَهُوَ فَيْءٌ لِمَنْ أَصَابَهُ.\nقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ لِحَاقَ الْمُرْتَدِّ بِدَارِ الْحَرْبِ إذَا لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ قَضَاءُ الْقَاضِي فِي حُكْمِ الْغَيْبَةِ، وَإِذَا اتَّصَلَ بِهِ قَضَاءُ [الْقَاضِي] بِحُكْمِ الْغَيْبَةِ، فَهُوَ كَالْمَوْتِ، فَكَمَا أَنَّ بَعْدَ مَوْتِ الْمَأْسُورِ مِنْهُ وَرَثَتُهُ يَخْلُفُونَهُ فِي أَخْذِ الْعَبْدِ الْمَأْسُورِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ بِالْقِيمَةِ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ، وَيَسْتَوِي فِيهِ إنْ أَسَرَ الْمُشْرِكُونَ الْعَبْدَ قَبْلَ رِدَّتِهِ أَوْ بَعْدَ رِدَّتِهِ، قَبْلَ لَحَاقِهِ أَوْ بَعْدَ لَحَاقِهِ، قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي بِهِ.\n٣٩٦٣ - وَلَوْ رَجَعَ الْمُرْتَدُّ مُسْلِمًا قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ، ثُمَّ وَقَعَ عَبْدُهُ فِي الْغَنِيمَةِ، فَإِنْ وَجَدَهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِالْقِيمَةِ، بِمَنْزِلَةِ","vol":"1","page":1977},{"text":"الْغَائِبِ إذَا رَجَعَ. وَإِنْ رَجَعَ الْمُرْتَدُّ مُرْتَدًّا عَلَى حَالِهِ، ثُمَّ لَمْ يُسْلِمْ حَتَّى أَسَرَ الْعَدُوُّ عَبْدَهُ، وَوَقَعَ فِي الْغَنِيمَةِ، فَفِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَإِنْ وَجَدَهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْقِيمَةِ، حَتَّى يُنْظَرَ أَيُسْلِمُ أَمْ يُقْتَلُ، فَإِنْ أَسْلَمَ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ، وَإِنْ قُتِلَ كَانَ لِوَرَثَتِهِ أَنْ يَأْخُذُوهُ بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ يَتَوَقَّفُ تَصَرُّفَاتُ الْمُرْتَدِّ، إلَّا أَنَّهُ يُصَحِّحُ قَبُولَهُ الْهِبَةَ، وَالْأَخْذُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، لِأَنَّهُ يُعِيدُهُ إلَى مِلْكِهِ مَجَّانًا، وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْقِيمَةِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَيْضًا، فَإِنَّهُ يَقُولُ بِنُفُوذِ تَصَرُّفَاتِهِ بَعْدَ الرِّدَّةِ بِعِوَضٍ وَبِغَيْرِ عِوَضٍ، وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ حَتَّى قُتِلَ، فَلِوَرَثَتِهِ أَنْ يَأْخُذُوهُ لِقِيَامِهِمْ مَقَامَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ.\n٣٩٦٤ - فَإِنْ رَجَعَ الْمُرْتَدُّ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مُرْتَدًّا، بَعْدَمَا قَضَى الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ، فَلَمْ يُسْلِمْ حَتَّى وَقَعَ عَبْدُهُ الْمَأْسُورُ فِي الْغَنِيمَةِ، فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَيِّتٌ فِي قَضَاءِ الْقَاضِي، مَا لَمْ يُسْلِمْ فَيَكُونُ حَقُّ الْأَخْذِ لِوَرَثَتِهِ لَا لَهُ، حَتَّى إذَا وَجَدُوهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذُوهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَبَعْدَهَا بِالْقِيمَةِ إنْ أَحَبُّوا، فَإِنْ أَدَّوْا الْقِيمَةَ مِنْ مَالٍ وَرِثُوهُ مِنْ الْمُرْتَدِّ، ثُمَّ أَسْلَمَ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا بَقِيَ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ الْمِيرَاثِ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْعَبْدَ أَيْضًا وَيُعْطِيَهُمْ الْقِيمَةَ الَّتِي غَرِمُوا فِيهِ","vol":"1","page":1978},{"text":"لِأَنَّهُمْ أَعَادُوهُ بِالْأَخْذِ إلَى مِلْكِهِ الْأَوَّلِ.\nوَلَكِنَّهُمْ مَا كَانُوا مُتَبَرِّعِينَ فِيمَا أَدَّوْا مِنْ الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ قَصَدُوا بِهِ اسْتِخْلَاصَ الْمِلْكِ لِأَنْفُسِهِمْ.\n٣٩٦٥ - فَإِنْ قَالَ: إنَّمَا أَعْطَوْا الْقِيمَةَ مِنْ مَالِي، فَأَنَا لَا أُعْطِيهِمْ ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا أَعْطَوْهُ مُسْتَهْلَكٌ، وَحَقُّهُ لَا يَعُودُ فِي الْمُسْتَهْلَكِ، فَكَانَ إعْطَاءُ ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ أَوْ مِنْ مَالٍ آخَرَ لَهُمْ سَوَاءً.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى الْعَبْدَ مِنْ الْعَدُوِّ بَعْضُ الْوَرَثَةِ، وَأَدَّى الثَّمَنَ مِنْ مَالِ وَرِثَهُ مِنْ الْمُرْتَدِّ، ثُمَّ جَاءَ الْمُرْتَدُّ بَعْدَ ذَلِكَ مُسْلِمًا، فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ الْعَبْدَ بِغَيْرِ شَيْءٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ يَأْخُذُهُ بِالثَّمَنِ إنْ شَاءَ أَوْ يَدَعُ.\n٣٩٦٦ - وَلَوْ سَلَّمَ الْوَرَثَةُ الْعَبْدَ لِمَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ، ثُمَّ جَاءَ الْمُرْتَدُّ بَعْدَ ذَلِكَ مُسْلِمًا فَأَرَادَ الْأَخْذَ بِالْقِيمَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَرَثَةَ صَارُوا كَالْمُسْتَهْلِكِينَ لِهَذَا الْحَقِّ بِالتَّسْلِيمِ، وَفِي الْمُسْتَهْلَكِ لَا يَعُودُ حَقُّ الْمُرْتَدِّ. وَلِأَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ إلَى الْوَرَثَةِ عَلَى الْمِيرَاثِ مِنْ الْمُرْتَدِّ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْوَرَثَةَ لَوْ اشْتَرَوْهُ مِنْ الَّذِي وَقَعَ فِي سَهْمِهِ، ثُمَّ جَاءَ الْمُرْتَدُّ مُسْلِمًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَخَذُوهُ بِمِلْكٍ مُسْتَقْبَلٍ، وَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلَ التَّسْلِيمِ مِنْهُمْ، فَعِنْدَ التَّصْرِيحِ أَوْلَى.\n٣٩٦٧ - وَلَوْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَخَذُوا الْمُرْتَدَّ وَعَبْدَهُ الْمَأْسُورَ جَمِيعًا، قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ فَأَسْلَمَ الْمَوْلَى، فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الْعَبْدِ.","vol":"1","page":1979},{"text":"لِأَنَّهُ حِينَ وَقَعَ فِي الْغَنِيمَةِ كَانَ هُوَ حَرْبِيًّا مَأْسُورًا، فَلَا يَثْبُتُ لَهُ الْأَخْذُ فِي غَنَائِمِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَثْبُتُ لِوَرَثَتِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَمْ يَقْضِ بِلَحَاقِهِ بَعْدُ فَيَنْفُذُ ذَلِكَ.\nوَإِنْ أَسْلَمَ الْمَوْلَى لَا يَثْبُتُ لَهُ الْحَقُّ فِيهِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ لَحِقَ بِعَبْدٍ لَهُ إلَى دَارِ الشِّرْكِ مُرْتَدًّا مِثْلَهُ فَأُسِرَا جَمِيعًا كَانَ الْعَبْدُ فَيْئًا، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمَوْلَى عَلَيْهِ سَبِيلٌ، فَهَذَا أَوْلَى مِنْ ذَلِكَ، فَقَدْ كَانَ تَمَلُّكُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ هُنَا وَالْمَأْسُورُ قَبْلَ لَحَاقِهِ مَا كَانَ يَمْلِكُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَإِنْ أَرَادَ الْوَرَثَةُ أَخْذَهُ، وَلَمْ يَجِئْ الْمُرْتَدُّ مُسْلِمًا حَتَّى أُخِذَ أَسِيرًا، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي بِلَحَاقِهِ كَمَا كَانَ يَقْضِي مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْسَرَ؛ لِأَنَّ بِالْأَسْرِ لَا يَخْرُجُ هُوَ مِنْ أَنْ يَكُونَ حَرْبِيًّا، وَإِنَّمَا يُجْعَلُ كَالْمَيِّتِ عِنْدَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ حَرْبِيًّا.\n٣٩٦٨ - فَإِذَا قَضَى الْقَاضِي لَهُمْ بِمِيرَاثِهِ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا الْعَبْدَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَبَعْدَهَا بِالْقِيمَةِ، وَإِنْ جَاءَ الْمُرْتَدُّ مُسْلِمًا قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِمِيرَاثِهِ أَوْ بِعَبْدِهِ، فَلَيْسَ لَهُ وَلَا لِوَرَثَتِهِ عَلَى أَخْذِ الْعَبْدِ سَبِيلٌ هَا هُنَا.\nأَمَّا لَهُ فَلِأَنَّهُ كَانَ حَرْبِيًّا حِينَ وَقَعَ الْعَبْدُ فِي الْغَنِيمَةِ، وَأَمَّا لِوَرَثَتِهِ فَلِأَنَّهُمْ إنْ أَخَذُوهُ أَعَادُوهُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ، فَكَانَ هُوَ أَحَقَّ بِهِ مِنْهُمْ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ هَا هُنَا.\nبِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَأْتِ هُوَ مُسْلِمًا، فَإِنَّ الْوَرَثَةَ هُنَاكَ.","vol":"1","page":1980},{"text":"يَأْخُذُونَهُ لِأَنْفُسِهِمْ، وَهُمْ مِنْ أَهْلِ أَنْ يَثْبُتَ لَهُمْ الْحَقُّ فِي الْغَنِيمَةِ، وَلَوْ كَانُوا أَخَذُوهُ قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ الْمُرْتَدُّ مُسْلِمًا، ثُمَّ جَاءَ هُوَ مُسْلِمًا كَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَعَادُوهُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ، فَهَذَا مِمَّا هُوَ قَائِمٌ مِنْ تَرِكَتِهِ فِي أَيْدِيهِمْ.\nإلَّا أَنَّهُ يُعْطِيهِمْ مَا غَرِمُوا فِيهِ مِنْ الْغَنِيمَةِ؛ لِأَنَّهُمْ مَا كَانُوا مُتَبَرِّعِينَ فِيمَا أَدَّوْا. .\n٣٩٦٩ - وَإِنْ كَانَ الْمُرْتَدُّ جَاءَ مُسْلِمًا قَبْلَ وُقُوعِ الْعَبْدِ فِي الْغَنِيمَةِ، ثُمَّ وَقَعَ فِي الْغَنِيمَةِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَبَعْدَهَا بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ حِينَ وَقَعَ فِي الْقِسْمَةِ كَانَ هُوَ مِنْ أَهْلِ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ الْحَقُّ فِيهَا، فَيُمَكَّنُ مِنْ إعَادَتِهِ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ بِالْأَخْذِ.\n٣٩٧٠ - وَلَوْ أَخَذَ الْمَوْلَى مَعَ الْعَبْدِ فَحَبَسَهُ الْإِمَامُ حَتَّى يَنْظُرَ فِي أَمْرِهِ، فَجَاءَ وَرَثَتُهُ يَطْلُبُونَ الْعَبْدَ، فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ قَضَى بِلَحَاقِهِ فَلَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوهُ؛ لِأَنَّهُ مَيِّتٌ بِقَضَاءِ الْقَاضِي مَا لَمْ يُسْلِمْ.\nفَإِنْ أَخَذُوهُ وَبَاعُوهُ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ أَوْ جَاءَ مُسْلِمًا بَعْدَ هَذَا التَّصَرُّفِ، لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي","vol":"1","page":1981},{"text":"لِأَنَّهُمْ صَارُوا مُسْتَهْلِكِينَ بِالْبَيْعِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ حَقَّ الْمُرْتَدِّ لَا يَعُودُ فِي الْمُسْتَهْلَكِ.\n٣٩٧١ - وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الْمُرْتَدِّ مُرْتَدَّةٌ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، لَا سَبِيلَ لَهَا عَلَى مَالِهَا وَلَا عَلَى عَبْدِهَا الْمَأْسُورِ، إنْ كَانَ أُسِرَ مَعَهَا أَوْ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا؛ لِأَنَّهَا حِينَ أُسِرَتْ فَقَدْ صَارَتْ فَيْئًا، وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَوْتِهَا فِي حُكْمِ الْمِلْكِ، أَسْلَمَتْ أَوْ لَمْ تُسْلِمْ، فَكَانَ حَقُّ الْأَخْذِ لِوَرَثَتِهَا.\nفَإِنْ جَاءَتْ مُسْلِمَةً، وَلَمْ تُؤْسَرْ، فَحَالُهَا كَحَالِ الْمُرْتَدِّ فِي جَمِيعِ مَا بَيَّنَّا؛ لِأَنَّهَا بَقِيَتْ حُرَّةً، كَمَا أَنَّ الْمُرْتَدَّ يَبْقَى حُرًّا، سَوَاءٌ جَاءَ مُسْلِمًا أَوْ أَسِيرًا فَأَسْلَمَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":1982},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-184>[بَابٌ شُفْعَةُ الْمُرْتَدِّ]</span>\n٣٩٧٢ - وَإِذَا بِيعَتْ دَارٌ بِجَنْبِ دَارِ الْمُرْتَدِّ، أَوْ كَانَ الْبَيْعُ قَبْلَ رِدَّتِهِ، ثُمَّ ارْتَدَّ فَلَمْ يَعْلَمْ بِالْبَيْعِ حَتَّى لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ جَاءَ مُسْلِمًا قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ، فَعَلِمَ الْبَيْعَ، وَطَلَبَ الشُّفْعَةَ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا؛ لِأَنَّ اللَّحَاقَ إذَا لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ الْقَضَاءُ بِمَنْزِلَةِ الْغَيْبَةِ، وَالْغَائِبُ عَلَى شُفْعَتِهِ إذَا حَضَرَ، وَإِنْ قَضَى الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ فَلَا شُفْعَةَ لِوَرَثَتِهِ؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ لَا تُورَثُ.\nوَإِنَّمَا كَانَ الْبَيْعُ قَبْلَ وُجُوبِ الْحَقِّ لِوَرَثَتِهِ، وَلَا شُفْعَةَ لِلْمُرْتَدِّ إذَا جَاءَ مُسْلِمًا.\nلِأَنَّ الْقَاضِيَ حِينَ قَضَى بِلَحَاقِهِ فَقَدْ جَعَلَ دَارِهِ مِلْكًا لِوَرَثَتِهِ وَذَلِكَ يُزِيلُ جَوَازَهُ فَتَبْطُلُ بِهِ شُفْعَتُهُ.\n٣٩٧٣ - قَالَ: وَلَوْ كَانَ الْمُرْتَدُّ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ أَنْ تُبَاعُ الدَّارُ الَّتِي لَهُ فِيهَا الشُّفْعَةُ، ثُمَّ كَانَ الْبَيْعُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَجَاءَ الْمُرْتَدُّ مُسْلِمًا قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ أَوْ بَعْدَهُ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ؛ لِأَنَّ الدَّارَ بِيعَتْ وَهُوَ حَرْبِيٌّ لَا أَمَانَ لَهُ، وَلَا شُفْعَةَ لِلْحَرْبِيِّ فِيمَا يُبَاعُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ","vol":"1","page":1983},{"text":"أَلَا تَرَى) أَنَّهُ بَعْدَ اللَّحَاقِ لَوْ بَاعَ دَارِهِ الَّتِي بِهَا يَطْلُبُ الشُّفْعَةَ أَوْ وَكَّلَ بِبَيْعِهَا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، فَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ صَارَ حَرْبِيًّا وَأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْمِلْكِ.\nفَإِنْ طَلَبَ وَرَثَتُهُ أَنْ يَأْخُذُوا بِالشُّفْعَةِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي لَهُمْ بِمِيرَاثِهِ، وَيَقْضِي لَهُمْ بِالشُّفْعَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ عِنْدَ قَضَاءِ الْقَاضِي يَثْبُتُ الْمِلْكُ لَهُمْ مُسْتَنِدًا إلَى وَقْتِ لَحَاقِ الْمُرْتَدِّ بِدَارِ الْحَرْبِ، فَظَهَرَ أَنَّ بَيْعَ الدَّارِ كَانَ بَعْدَمَا وَجَبَ الْحَقُّ لَهُمْ، فَكَانَ لَهُمْ الشُّفْعَةُ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فِيمَنْ اشْتَرَى دَارًا بِشَرْطِ الْخِيَارِ، ثُمَّ بِيعَتْ دَارٌ بِجَنْبِ دَارِهِ، ثُمَّ أَسْقَطَ خِيَارَهُ وَعَلِمَ بِالْبَيْعِ فَطَلَبَ الشُّفْعَةَ، كَانَ لَهُ ذَلِكَ.\nفَإِنْ قِيلَ: هُنَاكَ الْمُشْتَرِي كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الْمُشْتَرَى، وَهَا هُنَا الْوَرَثَةُ مَا كَانُوا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِ الْمُرْتَدِّ قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ، قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَكِنَّ اسْتِحْقَاقَ الشُّفْعَةِ بِاعْتِبَارِ الْمِلْكِ لَا بِاعْتِبَارِ التَّمَكُّنِ مِنْ التَّصَرُّفِ، وَفِي الْمَوْضِعَيْنِ الْمِلْكُ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا لِمَنْ يَطْلُبُ الشُّفْعَةَ وَقْتَ الْبَيْعِ، وَلَكِنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ كَانَ تَامًّا، وَحَقُّ الْغَيْرِ كَانَ مُنْقَطِعًا، ثُمَّ هُنَاكَ اسْتِحْقَاقُ الشُّفْعَةِ بِهَا إذَا تَمَّ الْمِلْكُ لَهُ فِيهَا، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَوْ مَاتَ عَنْ وَفَاءٍ، وَلَهُ وَرَثَةٌ أَحْرَارٌ، ثُمَّ بِيعَتْ دَارٌ إلَى جَنْبِ دَارِهِ، فَلَمْ يَعْلَمُوا بِالْبَيْعِ حَتَّى أُدِّيَتْ الْمُكَاتَبَةُ، ثُمَّ عَلِمُوا بِهِ كَانَ لَهُمْ الشُّفْعَةُ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ عِنْدَ الْبَيْعِ.\n٣٩٧٤ - وَإِذَا بِيعَتْ دَارٌ بِجَنْبِ دَارِ الْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ فِي دَارِنَا فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِالشُّفْعَةِ.","vol":"1","page":1984},{"text":"لِأَنَّهُ مَا دَامَ فِي دَارِنَا بِأَمَانٍ فَهُوَ فِي الْمُعَامَلَاتِ كَالذِّمِّيِّ.\nفَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْبَيْعِ حَتَّى رَجَعَ إلَى دَارِهِ، ثُمَّ عَادَ مُسْتَأْمَنًا فَلَا شُفْعَةَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ فَقَدْ صَارَ كَحَرْبِيٍّ لَمْ يَدْخُلْ فِي دَارِنَا حَتَّى الْآنَ، وَلَا شُفْعَةَ لِلْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ابْتِدَاءً وَلَا بَقَاءَ، وَكَذَلِكَ لَوْ بِيعَتْ الدَّارُ بَعْدَمَا رَجَعَ هُوَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ لِهَذَا الْمَعْنَى.\n٣٩٧٥ - قَالَ: وَلَوْ بِيعَتْ دَارٌ بِجَنْبِ دَارِ الْمُرْتَدِّ قَبْلَ لَحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَطَلَبَ أَخْذَهَا بِالشُّفْعَةِ، فَلَهُ ذَلِكَ.\nفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، لَا شُفْعَةَ لَهُ حَتَّى يُسْلِمَ، بِخِلَافِ الْمُرْتَدَّةِ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى تَصَرُّفَاتِ الْمُرْتَدِّ كَمَا بَيَّنَّا.\n٣٩٧٦ - وَلَوْ عَلِمَ بِالْبَيْعِ فِي حَالِ رِدَّتِهِ فَلَمْ يُسْلِمْ، وَلَمْ يَطْلُبْ عِنْدَ ذَلِكَ الشُّفْعَةَ، بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ، لِتَرْكِ الطَّلَبِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ بِأَنْ يُسْلِمَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":1985},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>[بَابٌ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ فِي دَارِ الْحَرْبِ]</span>\n٣٩٧٧ - وَإِذَا ارْتَدَّ الزَّوْجَانِ وَلَحِقَا بِدَارِ الْحَرْبِ فَحَبِلَتْ مِنْهُ هُنَاكَ وَوَلَدَتْ ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْوَلَدِ صَغِيرًا فَإِنَّهُ فَيْءٌ وَيُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ أَصْلُ الْإِسْلَامِ لِأَبَوَيْهِ، وَالْوَلَدُ تَابِعٌ لِأَبَوَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ أَصْلُ الْإِسْلَامِ بِنَفْسِهِ كَانَ مُجْبَرًا عَلَى الْإِسْلَامِ إذَا سُبِيَ، فَهَذَا مِثْلُهُ فَإِنْ وُلِدَ لِوَلَدِهِمَا وَلَدٌ ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وَلَدِ الْوَلَدِ كَانَ فَيْئًا، وَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْإِسْلَامِ إنَّمَا كَانَ لِجَدِّهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ النَّافِلَةَ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ الْجَدِّ؛ فَلِهَذَا لَا يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَيَكُونُ حُكْمُهُ كَحُكْمِ سَائِرِ الْكُفَّارِ.\n٣٩٧٨ - قَالَ: وَإِذَا لَحِقَ الْمُرْتَدُّ بِمَالِهِ، ثُمَّ ظَهَرْنَا عَلَى ذَلِكَ الْمَالِ، فَهُوَ فَيْءٌ وَلَا يَكُونُ لِلْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا مَالُ حَرْبِيٍّ، وَحَقُّ الْوَرَثَةِ إنَّمَا يَثْبُتُ فِي الْمَالِ الَّذِي خَلَفَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا مَا لَحِقَ بِهِ مَعَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا يَثْبُتُ فِيهِ حَقُّ الْوَرَثَةِ","vol":"1","page":1986},{"text":"٣٩٧٩ - وَإِنْ كَانَ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ رَجَعَ فَأَخَذَ مَالًا مِنْ مَالِهِ وَأَدْخَلَهُ دَارَ الْحَرْبِ، ثُمَّ ظَهَرْنَا عَلَى ذَلِكَ الْمَالِ، رَدَدْنَاهُ إلَى الْوَرَثَةِ كَمَا يُرَدُّ عَلَى غَيْرِهِمْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.\nوَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إنْ رَجَعَ قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ فَلَا سَبِيلَ لِلْوَرَثَةِ عَلَى هَذَا الْمَالِ، وَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ كَانَ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يَأْخُذُوهُ إذَا وَجَدُوهُ فِي الْغَنِيمَةِ، قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَبَعْدَهَا بِالْقِيمَةِ. وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمَا فِي الْحَقِيقَةِ، وَلَكِنْ أَطْلَقَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْجَوَابَ وَقَسَّمَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.\nفَإِنْ كَانَ عَوْدُهُ قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ فَاللَّحَاقُ الْأَوَّلُ فِي حُكْمِ الْغَيْبَةِ، وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ اللَّحَاقُ الثَّانِي، وَالْمَالُ فِيهِ مَعَهُ، وَكَأَنَّهُ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ بِمَا لَهُ.\nوَأَمَّا إذَا قَضَى الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ فَقَدْ صَارَ الْمَالُ مِيرَاثًا لِلْوَرَثَةِ، وَهُوَ حَرْبِيٌّ خَرَجَ، فَاسْتَوْلَى عَلَى مَالِ الْوَرَثَةِ وَأَحْرَزَهُ، وَلَوْ اسْتَوْلَى غَيْرُهُ عَلَى هَذَا الْمَالِ، ثُمَّ وَقَعَ فِي الْغَنِيمَةِ، كَانَ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَبَعْدَهَا بِالْقِيمَةِ فَهَذَا مِثْلُهُ وَالْمُكَاتَبُ الْمُرْتَدُّ اللَّاحِقُ بِدَارِ الْحَرْبِ إذَا اكْتَسَبَ مَالًا ثُمَّ أُخِذَ مَعَ مَالِهِ فَقُتِلَ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي كِتَابَتَهُ، وَمَا بَقِيَ مِيرَاثٌ لِوَرَثَتِهِ بِخِلَافِ الْحَدِّ؛ لِأَنَّهُ فِي كَسْبِ الْمُكَاتَبِ حَقٌّ لِمَوْلَاهُ، وَبَعْدَ لَحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ الْكِتَابَةُ بَاقِيَةٌ، فَإِذَا كَانَ الْمَوْتُ الْحَقِيقِيُّ لَا يُبْطِلُ الْكِتَابَةَ فَالْمَوْتُ الْحُكْمِيُّ أَوْلَى، وَقِيَامُ حَقِّ الْمَوْلَى فِي كَسْبِهِ يَمْنَعُ كَوْنَهُ فَيْئًا؛ فَلِهَذَا كَانَ مَا اكْتَسَبَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَفِي دَارِ الْحَرْبِ سَوَاءً.\nفَأَمَّا الْحَرْبِيُّ فَقَدْ صَارَ حَرْبِيًّا حِينَ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَلَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا يَكْتَسِبُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِذَا وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِ كَانَ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ\n٣٩٨٠ -","vol":"1","page":1987},{"text":"وَلَوْ أَسْلَمَ عَبْدُ الْحَرْبِيِّ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ إنْ رَجَعَ إلَيْنَا مُرَاغَمًا، أَوْ أَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ أَسِيرًا فَهُوَ حُرٌّ، لِإِحْرَازِهِ نَفْسَهُ.\nوَإِنْ خَرَجَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ فِي تِجَارَةٍ لِمَوْلَاهُ لَمْ يُعْتَقْ؛ لِأَنَّهُ مَا قَصَدَ إحْرَازَ نَفْسِهِ عَنْ مَوْلَاهُ، وَلَكِنَّهُ لَا يُتْرَكُ يَرْجِعُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ لِإِسْلَامِهِ، بَلْ يَبِيعُهُ الْإِمَامُ، وَيَقِفُ ثَمَنَهُ حَتَّى يَجِيءَ مَوْلَاهُ فَيَأْخُذَهُ\n٣٩٨١ - وَلَوْ لَمْ يُسْلِمْ الْعَبْدُ، وَلَكِنْ خَرَجَ مُرَاغَمًا لِمَوْلَاهُ لِيَكُونَ ذِمَّةً لَنَا، كَانَ حُرًّا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُحْرِزًا لِنَفْسِهِ عَنْ مَوْلَاهُ بِهَذَا الطَّرِيقِ، وَالذِّمَّةُ بِمَنْزِلَةِ الْإِسْلَامِ فِي حُصُولِ الْإِحْرَازِ بِهَا.\nوَإِنْ خَرَجَ بِأَمَانٍ كَانَ عَبْدًا لِمَوْلَاهُ، لَا يَقْبَلُ مِنْهُ الذِّمَّةَ، وَلَكِنْ يُؤْمَرُ بِالرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ لِلْوَفَاءِ بِالْأَمَانِ.\n٣٩٨٢ - وَبَعْدَمَا قَضَى الْقَاضِي بِلَحَاقِ الْمُرْتَدِّ يَعْتِقُ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ وَمُدَبَّرَهُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ، وَالْمُؤَجَّلُ مِنْ الدُّيُونِ عَلَيْهِ يَصِيرُ حَالًّا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَوْتِهِ فَمَا يَثْبُتُ مِنْ الْحُكْمِ إذَا مَاتَ حَقِيقَةً يَثْبُتُ هَا هُنَا.\n٣٩٨٣ - وَإِذَا لَحِقَ الْمُرْتَدُّ بِدَارِ الْحَرْبِ وَمَعَهُ عَبْدٌ مُسْلِمٌ أَوْ أَمَةٌ","vol":"1","page":1988},{"text":"مُسْلِمَةٌ فَطَاوَعَاهُ فِي الْخُرُوجِ، أَوْ أَجْبَرَهُمَا لَمْ يُعْتَقْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، فَكَانَا مَمْلُوكَيْنِ لَهُ.\nوَقِيلَ: هَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ - ﵀ - فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، يَنْبَغِي أَنْ يَحْكُمَ بِحُرِّيَّتِهِمَا بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنِ فِي دَارِنَا إذَا اشْتَرَى عَبْدًا مُسْلِمًا وَأَدْخَلَهُ دَارَ الْحَرْبِ، لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ بِاللَّحَاقِ صَارَ حَرْبِيًّا لَا أَمَانَ لَهُ.\nوَقِيلَ: بَلْ هَذَا قَوْلُهُمْ جَمِيعًا، وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا يُفَرِّقُ وَيَقُولُ: هُنَاكَ الْمُسْتَأْمَنُ كَانَ مُجْبَرًا عَلَى إزَالَةِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ عَنْ مِلْكِهِ، وَلَكِنْ كَانَتْ الْإِزَالَةُ بِالْبَيْعِ لِحُرْمَةِ الْأَمَانِ، فَإِذَا زَالَ ذَلِكَ بِلَحَاقِهِ تَمَّ الزَّوَالُ الَّذِي كَانَ مُسْتَحَقًّا.\nفَأَمَّا هَذَا الْمُرْتَدُّ لَمْ يَكُنْ مُجْبَرًا عَلَى إزَالَةِ هَذَا الْعَبْدِ عَنْ مِلْكِهِ قَبْلَ أَنْ يُلْحِقَ بِهِ دَارَ الْحَرْبِ، فَلَا يَزُولُ مِلْكُهُ أَيْضًا إنْ أَدْخَلَهُ دَارَ الْحَرْبِ، لِأَنَّهُ صَارَ حَرْبِيًّا وَلَهُ عَبْدٌ مُسْلِمٌ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْحَرْبِيِّ إذَا أَسْلَمَ عَبْدُهُ.\nفَإِنْ أُخِذَ الْمُرْتَدُّ وَمَمْلُوكُهُ مَعَهُ مُسْلِمٌ فَالْمَمْلُوكُ حُرٌّ؛ لِأَنَّ إحْرَازَهُ نَفْسَهُ سَبَقَ إحْرَازَ الْمُسْلِمِينَ لَهُ، كَوْنُ يَدِهِ فِي نَفْسِهِ أَقْوَى.\n٣٩٨٤ - وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الْمُرْتَدِّ الْمُرْتَدَّةُ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِي الرَّقِيقِ.\nوَإِنَّمَا الْفَرْقُ فِي نَفْسِهَا فَالْمُرْتَدَّةُ تَكُونُ فَيْئًا بِخِلَافِ الْمُرْتَدِّ.\nوَلَوْ دَعَا الْمُرْتَدُّ مَمْلُوكَهُ إلَى الرِّدَّةِ فَأَجَابَهُ إلَيْهَا، ثُمَّ وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمَا، فَالْمَمْلُوكُ فَيْءٌ.\nلِأَنَّهُ صَارَ مُحْرِزًا نَفْسَهُ هَا هُنَا، فَإِنَّهُ حَرْبِيٌّ، وَلَكِنَّهُ إنْ كَانَ عَبْدًا يُقْتَلُ إنْ أَبَى الْإِسْلَامَ، وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً لَمْ تُقْتَلْ، وَلَكِنَّهَا تُحْبَسُ وَتُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ بِمَنْزِلَةِ الْحُرَّةِ الْمُرْتَدَّةِ. .\n٣٩٨٥ -","vol":"1","page":1989},{"text":"وَلَوْ لَحِقَ الْمُرْتَدُّ بِأُمِّ وَلَدِهِ أَوْ مُدَبَّرَتِهِ أَوْ مُكَاتَبَةٍ لَهُ مُسْلِمَةٍ، كَرْهًا أَوْ مُطَاوَعَةً، ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ فَهُنَّ حَرَائِرُ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ جَرَى فِيهِنَّ الْعِتْقُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْأَمَةَ الَّتِي لَمْ يَجْرِ فِيهَا الْعِتْقُ إذَا وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَانَتْ حُرَّةً، فَاَلَّتِي جَرَى فِيهَا الْعِتْقُ أَوْلَى.\nوَإِنْ كَانَ حِينَ أَدْخَلَهُنَّ دَعَاهُنَّ إلَى دِينِهِ فَارْتَدَدْنَ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَهُنَّ فَيْءٌ، وَمَا جَرَى فِيهِنَّ مِنْ الْعَتَاقِ لَا يُبْطِلُ عَنْهُنَّ الْفَيْءَ؛ لِأَنَّ حَالَهُمْ الْآنَ لَا يَكُونُ أَعْلَى مِنْ حَالِ الْحُرَّةِ الْمُرْتَدَّةِ، وَالْحُرَّةُ الْمُرْتَدَّةُ تُسْبَى.\n٣٩٨٦ - وَلَوْ كَانَ لَحِقَ مَعَهُ مُدَبَّرٌ أَوْ مُكَاتَبٌ فَارْتَدَّا مَعَهُ، أَوْ بَعْدَ مَا أَدْخَلَهُمَا ثُمَّ سُبِيَا مَعَهُ، فَإِنَّ الْمَوْلَى يَعْرِضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ، فَإِنْ أَبَى قُتِلَ وَعَتَقَ مُدَبَّرُهُ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ كَانَ مُعَلَّقًا بِمَوْتِهِ، وَقَدْ وُجِدَ.\nوَعِتْقُ مُكَاتَبِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمَوْلَى قَدْ سَقَطَ عَنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ حِينَ قُتِلَ.\nوَلَمْ يَصِرْ ذَلِكَ فَيْئًا لِلْغَانِمَيْنِ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ فِي الذِّمَّةِ، وَالدَّيْنُ لَا يَكُونُ فَيْئًا، فَيَسْقُطُ عَنْ الْمُكَاتَبِ أَصْلًا، وَبَرَاءَتُهُ عَنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ تُوجِبُ عِتْقَهُ.","vol":"1","page":1990},{"text":"وَإِنْ أَسْلَمَ الْمَوْلَى كَانَ حُرًّا، وَيُعْرَضُ عَلَى الْمُكَاتَبِ وَالْمُدَبَّرِ الْإِسْلَامُ، فَإِنْ أَبَيَا قُتِلَا، وَإِنْ أَسْلَمَا فَهُمَا عَلَى حَالِهِمَا لِمَوْلَاهُمَا؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ وَالْمُكَاتَبَةَ فِي الْمَنْعِ مِنْ التَّمَلُّكِ بِالِاسْتِرْقَاقِ كَالْحُرِّيَّةِ، ثُمَّ الْحُرُّ الْمُرْتَدُّ لَا يُمْلَكُ بِالسَّبْيِ، فَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ وَالْمُدَبَّرُ.\n٣٩٨٨ - وَإِنْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ عَلَى حَالِهِمَا فَهُمَا حُرَّانِ حِينَ وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمَا، أَسْلَمَ الْمَوْلَى أَوْ قُتِلَ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ الْقِنَّ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ يُعْتَقُ، فَالْمُدَبَّرُ وَالْمُكَاتَبُ أَوْلَى.\n٣٩٨٩ - وَلَوْ لَحِقَتْ الْمُرْتَدَّةُ بِمُدَبَّرٍ أَوْ مُكَاتَبٍ لَهَا، وَهُمَا مُسْلِمَانِ فَالْمَوْلَاةُ فَيْءٌ إنْ أَسْلَمَتْ أَوْ لَمْ تُسْلِمُ، وَهُمَا حُرَّانِ؛ لِأَنَّهُمَا أَحْرَزَا أَنْفُسَهُمَا عَنْهَا.\n٣٩٩٠ - وَلَوْ كَانَا ارْتَدَّا مَعَهَا فَهُمَا حُرَّانِ أَيْضًا، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ فِي الْمُرْتَدَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَاةَ هُنَا قَدْ صَارَتْ أَمَةً بِالسَّبْيِ، فَكَأَنَّهَا مَاتَتْ، وَالْمُرْتَدُّ لَمْ يَصِرْ عَبْدًا بِالسَّبْيِ فَيَكُونُ عَبِيدُهُ عَلَى حَالِهِمْ، وَوِزَانُ الْمُرْتَدَّةِ الْمُرْتَدُّ إذَا قُتِلَ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُمَا يُعْتَقَانِ هُنَاكَ.\n٣٩٩١ - وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ بَلْدَةٍ ارْتَدُّوا وَصَارَتْ دَارَهُمْ دَارَ حَرْبٍ، ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ فَأَسْلَمُوا، فَالرِّجَالُ أَحْرَارٌ وَالنِّسَاءُ مِنْ","vol":"1","page":1991},{"text":"الْحَرَائِرِ أَوْ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَالْمُكَاتِبَاتُ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، أَمَّا مَنْ حُكِمَ بِحُرِّيَّتِهَا فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْحُرَّةِ الْأَصْلِيَّةِ، فَتَكُونُ فَيْئًا بِالسَّبْيِ بَعْدَ الرِّدَّةِ، وَأَمَّا الْمَمَالِيكُ الرِّجَالُ الْمُرْتَدُّونَ فَهُمْ عَلَى حَالِهِمْ مُدَبَّرُونَ وَمُكَاتَبُونَ؛ لِأَنَّهُمْ مِمَّنْ لَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ السَّبْيُ بِخِلَافِ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ.\nوَإِنْ كَانَ الرَّقِيقُ لَمْ يَرْتَدُّوا فَهُمْ أَحْرَارٌ كُلُّهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ صَارُوا مُحْرِزِينَ أَنْفُسَهُمْ عَلَى مَوَالِيهِمْ.\nفَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ عَبْدًا أَوْ أَمَةً لَمْ يَجْرِ فِيهِ عَتَاقٌ فَلَهُ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ.\nوَقَدْ ثَبَتَ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّ الْمُرَاغَمَ لَا يَكُونُ عَلَيْهِ وَلَاءٌ لِأَحَدٍ فَأَمَّا الْمُدَبَّرُونَ وَأُمَّهَاتُ الْأَوْلَادِ فَوَلَاؤُهُمْ لِمَوَالِيهِمْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَرَى فِيهِمْ عَتَاقُهُ، وَكَانُوا مُسْتَحَقِّينَ لِلْوَلَاءِ بِذَلِكَ، وَالْوَلَاءُ كَالنَّسَبِ لَا يَحْتَمِلُ الْإِبْطَالَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ.\nيُوَضِّحُهُ: أَنَّ الْمُرْتَدِّينَ بِمَنْزِلَةِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يَجْرِي عَلَى رِجَالِهِمْ السَّبْيُ، وَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا السَّيْفُ أَوْ الْإِسْلَامُ، وَهَذَا الْحُكْمُ ثَبَتَ فِي حَقِّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْمُدَبَّرَاتِ وَأُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَالْمُكَاتَبُ كَمُشْرِكِي الْعَرَبِ. .\n٣٩٩٢ -","vol":"1","page":1992},{"text":"وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ الْمُرْتَدِّينَ أَوْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ سَبَوْا جَوَارِيَ مُسْلِمَاتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَاقْتَسَمُوهُنَّ، ثُمَّ اسْتَوْلَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَارِيَةً أَوْ دَبَّرَهَا أَوْ كَاتَبَهَا ثُمَّ أَسْلَمُوا كُنَّ إمَاءً لَهُنَّ عَلَى حَالِهِنَّ لِأَنَّهُمْ مَلَكُوهُنَّ بِالْإِحْرَازِ فَالْجَوَارِي كُلُّهُنَّ حَرَائِرُ؛ لِأَنَّهُنَّ أَحْرَزْنَ أَنْفُسَهُنَّ عَلَى مَوَالِيهِنَّ، وَقَدْ كَانَ الْمُوَالِي أَهْلَ الْحَرْبِ فَتَمْلِكُ أَنْفُسَهُنَّ بِالْإِحْرَازِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِنَّ حَقٌّ لِلْمَأْسُورِ مِنْهُ بَعْدَ التَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ وَالْكِتَابَةِ مِنْ الْمَوَالِي، فَيَتِمُّ إحْرَازُهُنَّ لِأَنْفُسِهِنَّ.\nوَكَذَلِكَ لَوْ كَانُوا مُدَبَّرِينَ أَوْ مُكَاتَبِينَ لِنِسَاءٍ مُرْتَدَّاتٍ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَيَاتِ صِرْنَ فَيْئًا، وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَوْتِهِنَّ.\n٣٩٩٣ - وَلَوْ كَانَ الرَّقِيقُ ارْتَدُّوا، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَمَنْ كَانَ مِنْهُنَّ أَمَةً لِرَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ فَهِيَ فَيْءٌ وَتُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ عَبْدًا فَإِنْ كَانَ لِامْرَأَةِ مُرْتَدَّةٍ أَوْ مُشْرِكَةٍ عَرَبِيَّةٍ فَهُمْ أَحْرَارٌ يُعْرَضُ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامُ فَإِنْ أَسْلَمُوا وَإِلَّا قُتِلُوا؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ مَنْفِيٌّ عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ.\nوَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ عَبْدًا لِرَجُلٍ مُرْتَدٍّ عُرِضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ بَعْدَ مَا يُقْتَلُ مَوْلَاهُ فَإِنْ أَسْلَمَ فَهُوَ حُرٌّ، وَإِنْ أَبَى قُتِلَ، فَإِنْ أَسْلَمَ الْمَوْلَى وَالْعَبْدُ أَيْضًا وَهُوَ مُدَبَّرٌ أَوْ مُكَاتَبٌ فَهُوَ مَمْلُوكٌ لِمَوْلَاهُ عَلَى حَالِهِ، وَحَالُهُمْ الْآنَ كَحَالِ الَّذِينَ ارْتَدُّوا مَعَ الْمَوَالِي فِي جَمِيعِ مَا بَيَّنَّا. .\n٣٩٩٤ -","vol":"1","page":1993},{"text":"وَلَوْ اشْتَرَى الْمُرْتَدُّ أَمَةً حَرْبِيَّةً فَاسْتَوْلَدَهَا، ثُمَّ وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهَا فَهِيَ تَكُونُ فَيْئًا؛ لِأَنَّ مَا جَرَى فِيهَا مِنْ الْعَتَاقَةِ لَا يَقْوَى إذَا كَانَتْ حَرْبِيَّةً، وَلَا يَكُونُ حَالُهَا أَقْوَى مِنْ حَالِ حُرِّيَّةٍ أَصْلِيَّةٍ، وَالْحُرَّةُ الْأَصْلِيَّةُ تُسْتَرَقُّ إذَا كَانَتْ حَرْبِيَّةً، فَأُمُّ الْوَلَدِ أَوْلَى.\nفَإِنْ أَسْلَمَتْ قَبْلَ ظُهُورِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ فَهِيَ حُرَّةٌ حِينَ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مُحْرِزَةً نَفْسَهَا عَلَى مَوْلَاهَا.\n٣٩٩٥ - وَلَوْ تَزَوَّجَ مُسْلِمٌ أَسِيرٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَمَةً حَرْبِيَّةً وَوَلَدَ ابْنًا فَهُوَ مُسْلِمٌ عَبْدٌ لِمَوْلَى الْأَمَةِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ خَيْرَ الْأَبَوَيْنِ دِينًا، وَيَتْبَعُ الْأُمَّ فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ.\nفَإِنْ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ فَالِابْنُ عَبْدٌ لِمَوْلَاهُ عَلَى حَالِهِ. لِأَنَّهُ كَانَ مَالِكًا لَهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَالْإِسْلَامُ سَبَبٌ لِتَقْرِيرِ مِلْكِهِ.\n٣٩٩٦ - وَإِنْ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الدَّارِ فَالِابْنُ حُرٌّ مِنْ عَشِيرَةِ أَبِيهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُحْرِزًا نَفْسَهُ عَلَى مَوْلَاهُ بِمَنْعِهِ الْمُسْلِمِينَ فَكَانَ حُرًّا.","vol":"1","page":1994},{"text":"ثُمَّ إنْ كَانَ الْأَبُ عَرَبِيًّا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَالِيَ أَحَدًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَرَبِيًّا فَلَهُ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ أَحَبَّ. وَلَوْ كَانَ أَبُوهُ حَرْبِيًّا فَأَسَرَهُ الْمُسْلِمُونَ وَأَعْتَقَهُ مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ فَإِنَّ وَلَاءَهُ يَتَحَوَّلُ عَنْهُ.\nوَهَذَا بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الْوَلَاءِ أَنَّ وَلَاءَ الْعَتَاقَةِ أَقْوَى مِنْ وَلَاءِ الْمُوَالَاةِ، وَأَنَّ الْأَبَ يَجُرُّ وَلَاءَ الْوَلَدِ إذَا أُعْتِقَ إلَى مَوَالِيهِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْوَلَدِ وَلَاءُ عَتَاقَةٍ مَقْصُودَةٍ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاغَمَ لَا يَكُونُ عَلَيْهِ وَلَاءٌ «بِحَدِيثِ عَبِيدِ أَهْلِ الطَّائِفِ فَإِنَّهُمْ حِينَ خَرَجُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ. - ﵌ -، مُسْلِمِينَ فَأَعْتَقَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، ثُمَّ جَاءَ مَوَالِيهِمْ فَطَلَبُوا رَدَّهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -: أُولَئِكَ عُتَقَاءُ اللَّهِ تَعَالَى» . وَهَذَا تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّهُ لَا وَلَاءَ عَلَيْهِمْ لِأَحَدٍ، وَاَلَّذِي رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﵌ -، رَدَّ وَلَاءَهُمْ إلَى مَوَالِيهِمْ. فَالْمُرَادُ وَلَاءُ الْمَوْلَاةِ لَهُمْ أَنْ يُوَالُوا مَنْ أَحَبُّوا وَيَكُونُ وَلَاؤُهُمْ لِمَوَالِيهِمْ الَّذِينَ وَالُوهُمْ.\n٣٩٩٧ - وَإِذَا أَسْلَمَ عَبْدُ الْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ بَاعَهُ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ أَوْ حَرْبِيٍّ وَسَلَّمَهُ، فَهُوَ حُرٌّ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.\nوَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي السِّيَرِ الصَّغِيرِ، إلَّا أَنَّ هُنَاكَ أَبْهَمَ الْجَوَابَ وَهَا هُنَا فَسَّرَ، فَقَالَ: بِمُجَرَّدِ الْبَيْعِ لَا يُعْتَقُ، وَلَكِنْ إذَا قَبَضَهُ الْمُشْتَرِي فَحِينَئِذٍ يُعْتَقُ وَهُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ خُرُوجُهُ مِنْ يَدِهِ لِيُعْتَقَ، وَإِنَّمَا يَتِمُّ ذَلِكَ بِالتَّسْلِيمِ","vol":"1","page":1995},{"text":"لَا بِالْعَقْدِ فَإِنَّ الْعَقْدَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ حُكْمِيٌّ، وَدَارُ الْحَرْبِ لَيْسَتْ بِدَارِ أَحْكَامٍ كَدَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ هُنَا أَشَارَ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا وَبَيْنَ مَا إذَا كَانَ حَرْبِيًّا فَقَالَ: الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا فَإِذَا أَصَابَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ فِي يَدِ مَنْ هُوَ أَهْلُ دَارِنَا فَكَأَنَّهُ خَرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَيَكُونُ حُرًّا، بِمَنْزِلَةِ الْمُرَاغَمِ، وَإِذَا كَانَ الْمُشْتَرِي حَرْبِيًّا فَلَوْ لَمْ يَصِرْ فِي يَدِ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَا يُعْتَقُ.\nوَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ السِّيَرِ الصَّغِيرِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ مَتَى زَالَ عَنْ مِلْكِ مَوْلَاهُ الْحَرْبِيِّ يَزُولُ إلَى الْحُرِّيَّةِ، وَقَدْ تَمَّ زَوَالُهُ عَنْ مِلْكِهِ بِالْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ فِي الْفَصْلَيْنِ، وَالْأَصَحُّ مَا ذُكِرَ هَا هُنَا؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا كَانَ حَرْبِيًّا فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبَائِعِ، وَقَدْ كَانَ هُوَ مَمْلُوكًا فِي مِلْكِ الْبَائِعِ فَكَذَلِكَ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي.\n٣٩٩٨ - وَلَوْ لَحِقَ الْمُرْتَدُّ بِعَبْدٍ ذِمِّيٍّ لَهُ طَائِعًا أَوْ كَارِهًا فَوَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمَا فَالْعَبْدُ حُرٌّ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ لِلذِّمِّيِّ مِنْ الْحُرْمَةِ مَا لِلْمُسْلِمِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُسْلِمًا عَتَقَ بِإِحْرَازِهِ نَفْسَهُ فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ ذِمِّيًّا.\nوَإِنْ نَقَضَ مَعَ مَوْلَاهُ الْعَهْدَ كَانَ هُوَ فَيْئًا؛ لِأَنَّهُ صَارَ حَرْبِيًّا؛ لِأَنَّهُ لَا أَمَانَ لَهُ فِي مِلْكِ الْحَرْبِيِّ، فَإِذَا وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِ كَانَ فَيْئًا.\n٣٩٩٩ - فَإِنْ كَانَ مَكَانَ الْعَبْدِ مُدَبَّرٌ أَوْ مُكَاتَبٌ أَوْ أُمُّ وَلَدٍ","vol":"1","page":1996},{"text":"فَإِنْ لَمْ يَنْقُضُوا الْعَهْدَ حَتَّى وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمْ فَهَؤُلَاءِ أَحْرَارٌ فَإِنْ نَقَضُوا الْعَهْدَ فَهُمْ فَيْءٌ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا نَقَضُوا الْعَهْدَ صَارُوا كَأَهْلِ الْحَرْبِ.\nوَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا ارْتَدُّوا مَعَ الْمَوَالِي لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ لَوْ كَانَ حُرًّا لَا يَكُونُ فَيْئًا، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مُدَبَّرًا أَوْ مُكَاتَبًا، وَالنَّاقِضُ لِلْعَهْدِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَوْ كَانَ فَيْئًا إذَا وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِ بَعْدَ اللَّحَاقِ بِدَارِ الْحَرْبِ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مُدَبَّرًا أَوْ مُكَاتَبًا.\n٤٠٠٠ - وَلَوْ أَنَّ مُدَبَّرًا أَوْ مُكَاتَبًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ لِمُسْلِمٍ أَبَقَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا أَوْ مُسْلِمًا فَاسْتَعْبَدُوهُ، ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ فَهُمْ رَقِيقٌ لِمَوْلَاهُمْ عَلَى حَالِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِعُرْضَةٍ لِلتَّمَلُّكِ بِسَائِرِ الْأَسْبَابِ، فَكَذَلِكَ بِالْقَهْرِ وَإِذَا لَمْ يَمْلِكْهُمْ الْمُسْلِمُونَ أَيْضًا، فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ رَجُلًا يُعْرَضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ، فَإِنْ أَسْلَمَ دُفِعَ إلَى مَوْلَاهُ وَإِلَّا قُتِلَ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ أُنْثَى أَجْبَرُوهُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَلَمْ تُقْتَلْ. وَإِنْ كَانَ الْآبِقُ عَبْدًا فَفِيهِ خِلَافٌ مَعْرُوفٌ.\n٤٠٠١ - وَإِذَا ارْتَدَّ الْمُسْلِمُ وَارْتَدَّ مَعَهُ عَبْدٌ لَهُ فَلَحِقَا جَمِيعًا بِدَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ أَعْتَقَ الْمُرْتَدُّ عَبْدَهُ هَذَا أَوْ دَبَّرَهُ أَوْ كَاتَبَهُ أَوْ كَاتَبَ أُمَّهُ فَاسْتَوْلَدَهَا، ثُمَّ وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمْ، فَالْمَمْلُوكُ فَيْءٌ لِمَنْ أَخَذَهُ؛ لِأَنَّهُمَا صَارَا حَرْبِيَّيْنِ، وَإِعْتَاقُ الْحَرْبِيِّ عَبْدَهُ الْحَرْبِيَّ بَاطِلٌ إذَا لَمْ يُخْرِجْهُ","vol":"1","page":1997},{"text":"مِنْ يَدِهِ، فَكَذَلِكَ التَّدْبِيرُ وَالْكِتَابَةُ وَالِاسْتِيلَادُ فِيهِ لَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلْعِتْقِ، وَلَا يُخْرِجُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ عُرْضَةً لِلتَّمَلُّكِ بِالْقَهْرِ.\n٤٠٠٢ - وَلَوْ كَانَ أَهْلُ الْحَرْبِ أَسَرُوا عَبْدًا فَأَحْرَزُوهُ، فَصَارَ لِرَجُلٍ مِنْهُمْ فَأَعْتَقَهُ أَوْ دَبَّرَهُ أَوْ كَاتَبَهُ، ثُمَّ وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ مَوْلَاهُ، كَانَ حُرًّا لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ عَلَى حَالِهِ بَعْدَ الْأَسْرِ، وَقَدْ صَارَ مُحْرِزًا نَفْسَهُ بِمَنْعِهِ الْمُسْلِمِينَ فَكَانَ حُرًّا.\n٤٠٠٣ - وَإِنْ لَمْ يَقَعْ الظُّهُورُ عَلَيْهِ حَتَّى ارْتَدَّ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ بَعْدَمَا أَمْضَى فِيهِ مَوْلَاهُ مَا أَمْضَاهُ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ؛ لِأَنَّ إعْتَاقَ الْحَرْبِيِّ وَتَدْبِيرَهُ فِي عَبْدِهِ الْمُسْلِمِ صَحِيحٌ، فَإِنَّ الْمُسْلِمَ لَيْسَ بِمَحَلِّ الِاسْتِرْقَاقِ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ بِخِلَافِ الْحَرْبِيِّ، فَكَانَ مَا جَرَى فِيهِ مِنْ الْعَتَاقِ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَفِي دَارِ الْإِسْلَامِ سَوَاءً فِي مَنْعِ جَرَيَانِ السَّبْيِ عَلَيْهِ، وَإِذَا لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ سَبْيٌ كَانَ حُرًّا لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ إنْ سُبِيَ مَعَهُ مَوْلَاهُ أَوْ لَمْ يُسْبَ، فَكَأَنَّهُ خَرَجَ مُرَاغِمًا لِمَوْلَاهُ فَكَانَ حُرًّا.\n٤٠٠٤ - وَلَوْ كَانَ إنَّمَا أَمْضَى فِيهِ الْمَوْلَى مَا أَمْضَاهُ بَعْدَ ارْتِدَادِ الْعَبْدِ فَجَمِيعُ مَا أَمْضَى فِيهِ بَاطِلٌ، وَهُوَ فَيْءٌ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ","vol":"1","page":1998},{"text":"لِأَنَّهُ بِالرِّدَّةِ صَارَ حَرْبِيًّا، وَإِعْتَاقُ الْحَرْبِيِّ عَبْدَهُ الْحَرْبِيَّ بَاطِلٌ.\nوَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنَّمَا لَا يُسْتَرَقُّ مِنْ رِجَالِ الْمُرْتَدِّينَ مَنْ لَهُ حُرِّيَّةُ الْأَصْلِ فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ حُرَّ الْأَصْلِ فَهُوَ مَحَلٌّ لِلتَّمَلُّكِ بِالْقَهْرِ؛ لِأَنَّ حُرِّيَّتَهُ لَمْ تَتَأَكَّدْ بِالْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا لَا يُنْقَضُ بِالِاسْتِرْقَاقِ الْحُرِّيَّةُ الْمُتَأَكِّدَةُ بِالْإِسْلَامِ أَوْ بِدَارِ الْإِسْلَامِ.\n٤٠٠٥ - وَلَوْ كَانَ عَبِيدُ الْمُرْتَدِّينَ قَهَرُوا مَوَالِيَهُمْ وَاسْتَعْبَدُوهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمْ فَهُمْ أَحْرَارٌ كُلُّهُمْ، أَمَّا الْمَوَالِي فَلِأَنَّهُمْ كَانُوا أَحْرَارَ الْأَصْلِ، وَلَوْ سَبَاهُمْ غَيْرُ عَبِيدِهِمْ فَكَذَلِكَ إذَا أَسَرَهُمْ عَبِيدُهُمْ، وَأَمَّا الْعَبِيدُ فَلِأَنَّهُمْ حِينَ قَهَرُوا مَوَالِيَهُمْ وَغَلَبُوا عَلَى الدَّارِ صَارُوا أَحْرَارًا بِمَنْزِلَةِ الْمُرَاغِمِينَ لِمَوَالِيهِمْ، وَهَذَا بِخِلَافِ أَهْلِ الْحَرْبِ إذَا قَهَرَهُمْ عَبِيدُهُمْ وَغَلَبُوا عَلَى دَارِهِمْ. لِأَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ عُرْضَةُ التَّمَلُّكِ بِالْقَهْرِ إذَا أَسَرَهُمْ غَيْرُ عَبِيدِهِمْ، فَكَذَلِكَ إذَا أَسَرَهُمْ عَبِيدُهُمْ كَانُوا أَرِقَّاءَ لَهُمْ، وَكَانَ الْعَبِيدُ أَحْرَارًا لِقَهْرِهِمْ مَوَالِيَهُمْ وَإِحْرَازِهِمْ أَنْفُسَهُمْ عَلَيْهِمْ.\n٤٠٠٦ - قَالَ: وَلَوْ أَسْلَمَ عَبْدُ الْحَرْبِيِّ ثُمَّ ارْتَدَّ وَكَانَ أَسْرُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ مُسْلِمٌ، ثُمَّ ارْتَدَّ فَأَعْتَقَهُ فَإِنَّ عِتْقَهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ بِالرِّدَّةِ صَارَ حَرْبِيًّا","vol":"1","page":1999},{"text":"فَإِنْ خَلَّى سَبِيلَهُ حِينَ أَعْتَقَهُ صَارَ بِمَعْزِلٍ عَنْ مَوْلَاهُ، وَمَوْلَاهُ غَيْرُ قَاهِرٍ لَهُ فَهُوَ حُرٌّ الْآنَ؛ لِأَنَّهُ تَمَّ خُرُوجُهُ مِنْ مَوْلَاهُ، وَإِنَّمَا كَانَ لَا يَحْكُمُ بِعِتْقِهِ إذَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ يَدِهِ لِكَوْنِهِ مُعْتَقًا لَهُ بِلِسَانِهِ مُسْتَرَقًّا بِيَدِهِ، وَقَدْ زَالَ هَذَا الْمَعْنَى.\nفَإِنْ وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمَا فَالْمَوْلَى فَيْءٌ لِمَنْ أَخَذَهُ؛ لِأَنَّهُ حَرْبِيٌّ مَحَلٌّ لِلتَّمَلُّكِ بِالْقَهْرِ.\nوَأَمَّا الْعَبْدُ فَهُوَ حُرٌّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَفَذَ الْعِتْقُ فِيهِ وَهُوَ مُرْتَدٌّ، وَلِلْمُرْتَدِّ حُكْمُ الْمُسْلِمِ فِي أَنَّهُ لَا يُتَمَلَّكُ بِالْقَهْرِ، فَإِنْ أَسْلَمَ كَانَ حُرًّا، وَإِنْ أَبَى قُتِلَ.\n٤٠٠٧ - وَلَوْ لَمْ يُخْرِجْهُ الْمَوْلَى مِنْ يَدِهِ حِينَ أَعْتَقَهُ، ثُمَّ وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمَا فَالْمَوْلَى فَيْءٌ كَمَا بَيَّنَّا، وَأَمَّا الْعَبْدُ فَإِنْ كَانَ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَهُوَ فَيْءٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ حُرِّيَّتَهُ لَمْ تَثْبُتْ حِينَ لَمْ يُخْرِجْهُ الْمَوْلَى مِنْ يَدِهِ، وَيَعْرِضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ فَإِنْ أَسْلَمَ وَإِلَّا قُتِلَ.\n٤٠٠٨ - وَإِنْ كَانَ مَأْسُورًا مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنْ وَجَدَهُ مَوْلَاهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدَهُ بَعْدَهَا أَخَذَهُ بِقِيمَتِهِ إنْ أَحَبَّ؛ لِأَنَّ إعْتَاقَ الْحَرْبِيِّ إيَّاهُ بَعْدَ رِدَّتِهِ كَانَ بَاطِلًا حِينَ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ يَدِهِ.\n٤٠٠٩ -","vol":"1","page":2000},{"text":"قَالَ: وَإِنْ أَعْتَقَ الْحَرْبِيُّ عَبْدَهُ الْحَرْبِيَّ وَخَلَّى سَبِيلَهُ، ثُمَّ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ، فَهُوَ حُرٌّ؛ لِأَنَّهُ تَمَّ خُرُوجُهُ مِنْ يَدِهِ فَصَارَ حُرًّا ثُمَّ يَتَأَكَّدُ حُرِّيَّتُهُ بِإِسْلَامِهِ\n٤٠١٠ - وَإِنْ قَهَرَهُ مَوْلَاهُ بَعْدَ الْعِتْقِ فَخَاصَمَهُ الْعَبْدُ إلَى مَلِكِهِمْ فَحُكِمَ بِعِتْقِهِ وَمَنَعَ مَوْلَاهُ مِنْهُ فَهُوَ حُرٌّ أَيْضًا، وَإِنْ حُكِمَ بِرِقِّهِ، وَرَأَى الْعِتْقَ بَاطِلًا فَهُوَ عَبْدٌ لِمَوْلَاهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا حُكِمَ مِلْكُهُمْ بِعِتْقِهِ فَقَدْ صَارَ الْعَبْدُ مُحْرِزًا نَفْسَهُ عَلَى مَوْلَاهُ بِقُوَّةِ مِلْكِهِمْ فَيَتَأَكَّدُ بِهِ عِتْقُهُ.\n٤٠١١ - وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَهُمْ عَبِيدٌ مُسْلِمُونَ فَارْتَدُّوا، ثُمَّ هَرَبُوا مِنْهُمْ إلَى دَارِ حَرْبٍ أُخْرَى، فَكَانُوا فِيهَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِمْ مَوَالِيهِمْ فَهُمْ أَحْرَارٌ؛ لِأَنَّهُمْ صَارُوا كَالْمُرَاغِمِينَ، فَإِنَّهُ كَمَا يَتِمُّ إحْرَازُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ بِدَارِ الْإِسْلَامِ يَتِمُّ إحْرَازُهُ نَفْسَهُ بِدَارِ حَرْبٍ أُخْرَى، عَلَى مَا بَيَّنَّا أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ أَهْلُ دُورٍ بِاخْتِلَافِ الْمَنَعَاتِ لَهُمْ.\n٤٠١٢ - فَإِذَا ظَهَرَ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ كَانُوا أَحْرَارًا، يُعْرَضُ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامُ فَإِنْ أَسْلَمُوا وَإِلَّا قُتِلُوا؛ لِأَنَّ قَبْلَ هَذَا الْأَسْرِ كَانُوا أَحْرَارًا، وَالرِّجَالُ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ الْأَحْرَارِ لَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ سَبْيٌ بِقَهْرِ الْمُسْلِمِينَ إيَّاهُمْ.","vol":"1","page":2001},{"text":"٤٠١٣ - وَلَوْ لَمْ يَخْرُجُوا إلَى دَارٍ أُخْرَى وَلَكِنْ سَبَاهُمْ أَهْلُ تِلْكَ الدَّارِ وَأَحْرَزُوهُمْ ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ كَانُوا فَيْئًا؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَمَالِيكَ قَبْلَ ظُهُورِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، فَكَذَلِكَ بَعْدَهُ، وَهَذَا لِأَنَّهُمْ أَهْلُ حَرْبٍ فَلَا يَكُونُونَ مُحْرِزِينَ أَنْفُسَهُمْ بِمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ.\n٤٠١٤ - وَلَوْ أَعْتَقَ الْمُسْلِمُ الْمُسْتَأْمَنُ فِيهِمْ عَبْدًا حَرْبِيًّا فَهُوَ حُرُّ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَكُونُ مُسْتَرِقًّا لِمُعْتَقِهِ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَمَا لَا يَنْفُذُ الْعِتْقُ مِنْ الْحَرْبِيِّ فِي عَبْدِهِ الْحَرْبِيِّ لَا يَنْفُذُ مِنْ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَبِرُ جَانِبَ الْمُعْتَقِ، وَيَقُولُ: هُوَ عُرْضَةٌ لِلتَّمَلُّكِ بِالْقَهْرِ فِي الْوَجْهَيْنِ فَلَا يَنْفُذُ فِيهِ الْعِتْقُ.\n٤٠١٥ - وَإِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ قُلْنَا: إنْ كَانَ الْعَبْدُ حَرْبِيَّ الْأَصْلِ فَهُوَ فَيْءٌ لِمَنْ أَخَذَهُ، كَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَالْوَلَاءُ الثَّابِتُ لِلْمُسْلِمِ عَلَيْهِ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ فِيهِ لِلسَّابِي؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ كَالنَّسَبِ، وَثُبُوتُ النَّسَبِ مِنْ الْمُسْلِمِ لَا يَمْنَعُ تَمَلُّكَ الْحَرْبِيِّ بِالْقَهْرِ فَالْوَلَاءُ أَوْلَى.\nوَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ مُرْتَدًّا فِي الْأَصْلِ فَهُوَ حُرٌّ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ بَعْدَمَا نَفَذَ فِيهِ الْعِتْقُ لَا يَحْتَمِلُ التَّمَلُّكَ بِالْقَهْرِ.\nوَإِنْ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ فَوَلَاؤُهُ لِمَوْلَاهُ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ كَانَ نَافِذًا فِيهِ عِنْدَهُ، وَالْوَلَاءُ","vol":"1","page":2002},{"text":"لِمَنْ أَعْتَقَ ثُمَّ يَتَأَكَّدُ حُكْمُ ذَلِكَ الْوَلَاءِ بِإِسْلَامِهِمْ، فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُوَالِيَ أَحَدًا.\nوَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَانَ عِتْقُ مَوْلَاهُ إيَّاهُ بَاطِلًا.\nفَإِنَّمَا أَعْتَقَ حِينَ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ فَلَهُ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ أَحَبَّ.\nوَهَذَا مُشْكِلٌ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَنْفُذْ فِيهِ الْعِتْقُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِمَوْلَاهُ عَلَى حَالِهِ، وَإِنْ نَفَذَ فِيهِ الْعِتْقُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ وَلَاؤُهُ لِمَوْلَاهُ، وَقَدْ ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، أَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - فِي ثُبُوتِ الْوَلَاءِ بِهَذَا الْعِتْقِ، لَا فِي أَصْلِ نُفُوذِ الْعِتْقِ وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي كِتَابِ الْعَتَاقِ\n٤٠١٦ - فَأَمَّا الْحَرْبِيُّ إذَا أَعْتَقَ عَبْدَهُ الْحَرْبِيَّ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَذَلِكَ لَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلْوَلَاءِ لَهُ، وَلَهُ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ شَاءَ إذَا أَسْلَمَ. خِلَافًا لِمَا قَالَهُ أَبُو يُوسُفَ - ﵀ - فَإِنَّهُ يَجْعَلُ الْوَلَاءَ كَالنَّسَبِ، وَإِذَا كَانَ النَّسَبُ يَثْبُتُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَكَذَلِكَ الْوَلَاءُ. وَهُمَا يَقُولَانِ الْوَلَاءُ بِالْعِتْقِ مِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَأَحْكَامُ الْإِسْلَامِ لَا تَجْرِي فِي دَارِ الْحَرْبِ.\nفَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَلِلنَّاسِ مَوَالٍ أَعْتَقُوهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانُوا مَوَالِيَ لَهُمْ فِي الْإِسْلَامِ.\nقُلْنَا: أُولَئِكَ عَتَقُوا قَبْلَ تَبَايُنِ الدَّارِ، وَقَبْلَ أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ حُكْمٌ غَيْرُ حُكْمِ الْكَافِرِينَ، فَأَمَّا الْآنَ فَقَدْ تَفَرَّقَتْ الدَّارُ، وَصَارَ لِأَهْلِ كُلِّ دَارٍ حُكْمٌ عَلَى حِدَةٍ، فَمَا كَانَ مِنْ حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ الْوَلَاءُ بِالْعِتْقِ، لَا يَثْبُتُ فِيمَا بَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ.\n٤٠١٧ - قَالَ: وَلَوْ كَانَ لِلْمُسْلِمِ فِي دَارِ الْحَرْبِ مُدَبَّرَةٌ أَوْ أُمُّ وَلَدٍ حَرْبِيَّةٌ فَظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمَا لَمْ تَكُنْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا فَيْئًا؛ لِأَنَّ الرِّقَّ فِيهَا بَاقٍ لِلْمُسْلِمِينَ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ أَعْتَقَهُمَا فَإِنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِيهِمَا رِقٌّ لِمُسْلِمٍ بَعْدَ الْإِعْتَاقِ، وَكَانُوا فَيْئًا بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الْحَرَائِرِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ.","vol":"1","page":2003},{"text":"قَالَ: وَلَوْ مَاتَ مُسْلِمٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلَهُ مَمَالِيكُ مُرْتَدُّونَ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ، فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ مُدَبَّرًا فَهُوَ حُرٌّ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَتَقَ بِمَوْتِ الْمَوْلَى، وَالْمُدَبَّرُ بَعْدَمَا عَتَقَ لَا يَمْلِكُهُ الْمُسْلِمُونَ بِالْقَهْرِ.\nوَأَمَّا الْمُدَبَّرَةُ وَأُمُّ الْوَلَدِ فَهُمَا فَيْءٌ؛ لِأَنَّهُمَا عَتَقَتَا بِمَوْتِهِ أَيْضًا، فَكَانَ حَالُهُمَا كَحَالِ الْحُرَّةِ الْمُرْتَدَّةِ.\n٤٠١٩ - قَالَ: وَإِذَا لَحِقَ الْمُرْتَدُّ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَمَعَهُ عَبْدٌ لَهُ مُسْلِمٌ، ثُمَّ رَجَعَ الْعَبْدُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مُرَاغِمًا لِمَوْلَاهُ، فَهُوَ حُرٌّ؛ لِأَنَّ حَقَّ وَرَثَتِهِ لَمْ يَثْبُتْ فِي هَذَا الْعَبْدِ، وَقَدْ صَارَ الْمَوْلَى حَرْبِيًّا.\nوَعِنْدَ الْحَرْبِيِّ إذَا خَرَجَ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا مُرَاغِمًا لِمَوْلَاهُ كَانَ حُرًّا.\nفَإِنْ خَرَجَ يَتَلَصَّصُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ؛ لِأَنَّهُ مَرَاغِمُ لِمَوْلَاهُ غَيْرُ مُحَارَبٍ لِلْمُسْلِمِينَ [جَهْرًا]\n٤٠٢٠ - وَإِنْ كَانَ خَرَجَ لِيُقَاتِلَ الْمُسْلِمِينَ فَظَهَرُوا عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا فَهُوَ حُرٌّ؛ لِأَنَّهُ مَرَاغِمُ لِمَوْلَاهُ.\nوَلَوْ كَانَ ذِمِّيًّا فَهُوَ فَيْءٌ لِمَنْ أَخَذَهُ","vol":"1","page":2004},{"text":"لِأَنَّ قِتَالَهُ الْمُسْلِمِينَ نَقْضٌ مِنْهُ لِلْعَهْدِ، وَقَدْ كَانَ عَتَقَ بِالْمُرَاغَمَةِ فَهُوَ حَرْبِيٌّ، فَيَكُونُ فَيْئًا لِمَنْ أَخَذَهُ.\nوَإِنْ لَمْ يَظْفَرْ بِهِمَا حَتَّى رَجَعَا إلَى مَوْلَاهُمَا ثُمَّ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ كَانَا عَبْدَيْنِ لِمَوْلَاهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا مَا كَانَا مُرَاغِمَيْنِ لَهُ حِينَ عَادَا إلَيْهِ.\n٤٠٢١ - وَإِنْ خَرَجَا بِأَمَانٍ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُمَا لَا يُتْرَكَانِ لِيَرْجِعَا إلَى مَوْلَاهُمَا، وَلَكِنَّهُمَا يُبَاعَانِ فَيَتَوَقَّفُ أَثْمَانُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا مَا خَرَجَا مُرَاغِمَيْنِ لَهُ، وَلِأَجْلِ الْأَمَانِ يَجِبُ مُرَاعَاةُ حُرْمَةِ مَالِيَّةِ الْحَرْبِيِّ فِيهِمَا.\n٤٠٢٢ - وَإِذَا خَرَجَ الْعَبْدُ الْحَرْبِيُّ بِأَمَانٍ مُرَاغِمًا لِمَوْلَاهُ فَقَدْ عَتَقَ بِالْمُرَاغَمَةِ، وَهُوَ ذِمَّةٌ لَنَا [لِأَنَّهُ] قَصَدَ إحْرَازَ نَفْسِهِ بِدَارِنَا، وَذَلِكَ دَلِيلُ رِضَاهُ بِأَنْ يَكُونَ ذِمَّةً لَنَا، وَإِنْ خَرَجَ لِصًّا أَوْ مُقَاتِلًا فَظَفِرْنَا بِهِ فَهُوَ فَيْءٌ لِمَنْ أَخَذَهُ؛ لِأَنَّهُ حَرْبِيٌّ لَا أَمَانَ لَهُ، فَإِذَا حَصَلَ فِي دَارِنَا فَهُوَ فَيْءٌ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُوَ فَيْءٌ لِمَنْ أَخَذَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":2005},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>[بَابٌ مَا تَجُوزُ عَلَيْهِ الشَّهَادَةُ بِالرِّدَّةِ وَمَا لَا تَجُوزُ]</span>\n- قَالَ - ﵁ -: قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يُقْسَمُ مَالُ الْأَسِيرِ وَلَا تَتَزَوَّجُ امْرَأَتُهُ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ بَيَانُ خَبَرِهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَفْقُودِ. .\n٤٠٢٤ - وَإِذَا كَانَ لَا يُوقَفُ عَلَى أَثَرِهِ فَإِنْ جَاءَ وَرَثَتُهُ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهُ ارْتَدَّ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِي ذَلِكَ إلَّا شَهَادَةُ عَدْلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ إسْلَامَهُ كَانَ مَعْلُومًا، وَشَهَادَةُ غَيْرِ الْمُسْلِمِ لَا تَكُونُ حُجَّةً عَلَى الْمُسْلِمِ بِمَا هُوَ دُونَ الرِّدَّةِ، فَبِالرِّدَّةِ أَوْلَى. ٤٠٢٥ قَالَ: فَإِذَا شَهِدَ بِذَلِكَ مُسْلِمَانِ قَضَى الْقَاضِي بِوُقُوعِ الْفُرْقَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، وَقَسَّمَ مَالَهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ. لِأَنَّهُ كَالْمَيِّتِ حُكْمًا عِنْدَ قَضَاءِ الْقَاضِي. ٤٠٢٦ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ ثُمَّ جَاءَ الرَّجُلُ مُسْلِمًا فَأَنْكَرَ مَا شَهِدَ بِهِ عَلَيْهِ الشَّاهِدَانِ مِنْ الرِّدَّةِ لَمْ يُبْطِلْ الْقَاضِي قَضَاءَهُ بِإِنْكَارِهِ؛ لِأَنَّهُ قَضَى بِالْحُجَّةِ عَلَى مَنْ هُوَ خَصْمٌ","vol":"1","page":2006},{"text":"وَلَكِنَّهُ يَجْعَلُ إنْكَارَهُ هَذَا إسْلَامًا مُسْتَقْبَلًا مِنْهُ، فَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ وَلَا مَالَهُ إلَّا مَا كَانَ قَائِمًا بِعَيْنِهِ فِي يَدِ وَارِثِهِ، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْمُرْتَدِّ الْمَعْرُوفِ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَكَانَ الْمُسْلِمِ ذِمِّيٌّ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ بِنَقْضِ الْعَهْدِ، إلَّا أَنَّ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ هَا هُنَا مَقْبُولَةٌ؛ لِأَنَّهَا تَقُومُ عَلَى الذِّمِّيِّ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ.\nوَإِنْ سَمِعَ الْقَاضِي الشَّهَادَةَ بِرِدَّةِ الْأَسِيرِ فَلَمْ يَقْضِ بِهَا حَتَّى جَاءَ مُسْلِمًا وَجَحَدَ أَنْ يَكُونَ ارْتَدَّ فَإِنَّهُ يَكُونُ مَالُهُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مَا لَمْ يَتَّصِلْ قَضَاءُ الْقَاضِي بِلَحَاقِ الْمُرْتَدِّ بِدَارِ الْحَرْبِ لَا يَصِيرُ الْمَالُ لِوَرَثَتِهِ. ٤٠٢٨ فَإِذَا جَاءَ مُسْلِمًا كَانَ الْمَالُ عَلَى حَالِهِ إنْ كَانَ ارْتَدَّ أَوْ لَمْ يَرْتَدَّ، وَيَسْأَلُ عَنْ الشَّاهِدَيْنِ فَإِنْ عُدِّلَا أَبَانَ مِنْهُ امْرَأَتَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ يَثْبُتُ بِنَفْسِ الرِّدَّةِ وَلَا يَحْكُمُ بِعِتْقِ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ بِنَفْسِ الرِّدَّةِ بَلْ بِالْمَوْتِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ لِلرِّدَّةِ حُكْمُ الْمَوْتِ إذَا اتَّصَلَ بِهَا قَضَاءُ الْقَاضِي.\nفَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا قَضَى الْقَاضِي بِالْفُرْقَةِ هَا هُنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ فَقَدْ قَضَى بِرِدَّتِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ عِتْقَ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ.\nقُلْنَا: لَا كَذَلِكَ، فَالْمُرْتَدُّ وَإِنْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ لَا يُعْتَقُ أُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِ مَا لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ، وَهَا هُنَا الْقَاضِي لَا يَقْضِي إلَّا بِالْقَدْرِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ.","vol":"1","page":2007},{"text":"وَهُوَ مَا يَقَعُ بِهِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ عِتْقَ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ. .\n٤٠٢٩ - فَأَمَّا الذِّمِّيُّ إذَا شَهِدَ عَلَيْهِ الشُّهُودُ بِنَقْضِ الْعَهْدِ فَرَجَعَ بِغَيْرِ اسْتِئْمَانٍ جَدِيدٍ، وَقَالَ: لَمْ أَنْقُضْ الْعَهْدَ، فَإِنْ ظَهَرَتْ عَدَالَةُ الشُّهُودِ عِنْدَ الْقَاضِي جَعَلَهُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُ تَبِينُ امْرَأَتُهُ بِهَذِهِ الْحُجَّةِ لَا مَحَالَةَ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ نَقْضِهِ الْعَهْدَ وَتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، فَكَانَ هَذَا مِنْهُ نَقْضًا لِلْعَهْدِ لَا مَحَالَةَ، ثُمَّ هُوَ حَرْبِيٌّ فِي دَارِنَا لَا أَمَانَ لَهُ فَيَكُونُ فَيْئًا وَمَا لَهُ لِوَرَثَتِهِ. ٤٠٣٠ وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِأَمَانٍ مُسْتَقْبَلٍ فَالْقَاضِي يَقْضِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ لِثُبُوتِ نَقْضِ الْعَهْدِ بِالْحُجَّةِ عِنْدَهُ، وَلَكِنْ يَرُدُّ مَالَهُ عَلَيْهِ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ نَقْضُ الْعَهْدِ مِنْهُ مَعْلُومًا، ثُمَّ عَادَ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُقَسِّمَ الْقَاضِي مِيرَاثَهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ، وَلَا يَحْكُمُ هَا هُنَا بِعِتْقِ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ وَمُدَبَّرِيهِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ بِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ بِدُونِ الْمَوْتِ، بِخِلَافِ الْفُرْقَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ. .\n٤٠٣١ - قَالَ: وَلَوْ شَهِدَ مُسْلِمَانِ عَلَى الْأَسِيرِ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْضِي بِشَهَادَتِهِمَا؛ لِأَنَّهُ غَائِبٌ وَلَا يَقْضِي عَلَى الْغَائِبِ بِالْبَيِّنَةِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، كَمَا لَا يَقْضِي عَلَيْهِ بِالْمَالِ.","vol":"1","page":2008},{"text":"وَلَكِنْ يَسَعُ لِلْمَرْأَةِ فِيمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ تَعْتَدَّ فَتَتَزَوَّجَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ حُجَّةٌ يَقْضِي الْقَاضِي بِهَا بِالْفُرْقَةِ، لَوْ كَانَ الْخَصْمُ حَاضِرًا، فَيَجُوزُ لَهَا أَنْ تَعْتَدَّ بِهَذِهِ الْحُجَّةِ فَتَتَزَوَّجَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا. ٤٠٣٢ فَإِنْ تَزَوَّجَتْ ثُمَّ قَدِمَ الْأَسِيرُ فَأَنْكَرَ الطَّلَاقَ، فَإِنْ أَعَادَتْ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ أَنْفَذَ الْقَاضِي عَلَيْهِ الطَّلَاقَ، وَأَجَازَ نِكَاحَهَا وَإِلَّا رَدَّهَا عَلَى الْأَسِيرِ، وَفَرَّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الثَّانِي لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْقَضَاءِ بِالْفُرْقَةِ بِتِلْكَ الْبَيِّنَةِ قَبْلَ الْإِعَادَةِ، فَإِنَّهَا قَامَتْ عَلَى غَيْرِ خَصْمٍ.\nقَالَ: وَلَوْ شَهِدَ الشَّاهِدَانِ بِأَنَّهُ مَاتَ أَوْ قُتِلَ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ قَامَتْ عَلَى خَصْمٍ، فَالْوَرَثَةُ خَصْمٌ هَا هُنَا، كَمَا فِي فَصْلِ الرِّدَّةِ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ. ٤٠٣٣ وَإِنْ شَهِدَ عَدْلٌ وَاحِدٌ بِمَوْتِهِ لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِ، وَلَكِنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَعْتَدَّ وَتَتَزَوَّجَ ثُمَّ ذَكَرَ فُصُولًا فِيمَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الشَّهَادَةُ بِالتَّسَامُعِ مَعَ الْمَوْتِ وَالنَّسَبِ وَالنِّكَاحِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذِهِ الْفُصُولِ. .\n٤٠٣٤ - قَالَ: وَلَوْ شَهِدَ عَلَى الْأَسِيرِ وَاحِدٌ أَنَّهُ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ، نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْهَا، فَلَيْسَ لِامْرَأَتِهِ أَنْ تَعْتَدَّ وَتَتَزَوَّجَ عَلَى رِوَايَةِ هَذَا الْكِتَابِ","vol":"1","page":2009},{"text":"بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَ الرِّوَايَتَيْنِ. ٤٠٣٥ وَإِنْ شَهِدَ أَنَّهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِي الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ النِّكَاحِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ فَكَذَلِكَ مَا يُزِيلُهُ.\nوَفِي الِاسْتِحْسَانِ هَذَا وَشَهَادَتُهُ بِالْمَوْتِ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ شَهِدَ بِحِلِّ التَّزَوُّجِ لَهَا، وَذَلِكَ خَبَرٌ دِينِيٌّ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ حُجَّةٌ فِي أَمْرِ الدِّينِ، مَا لَمْ يَحْضُرْ خَصْمٌ يَجْحَدُهُ، بِخِلَافِ الرِّدَّةِ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، لِأَنَّ ذَلِكَ خَبَرٌ مُسْتَنْكَرٌ.\nفَأَمَّا الْإِخْبَارُ بِالطَّلَاقِ لَيْسَ بِخَبَرٍ مُسْتَنْكَرٍ، وَلِأَنَّ رِدَّةَ الرَّجُلِ يَتَعَلَّقُ بِهَا اسْتِحْقَاقُ الْقَتْلِ فَلَا يَكُونُ خَبَرُ الْوَاحِدِ حُجَّةً فِيهَا، بِخِلَافِ الطَّلَاقِ.\nوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، فَقَدْ ذَكَرَ أَنَّهُ إذَا شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ عَلَيْهِ بِالرِّدَّةِ، أَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى شَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي بِهِ إلَّا فِي حُكْمِ اسْتِحْلَالِ الْقَتْلِ خَاصَّةً، وَكَمَا أَنَّ بِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ لَا يَثْبُتُ الْقَتْلُ فَكَذَلِكَ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَبِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرَّجُلِ. .\n٤٠٣٦ - وَكَذَلِكَ إنْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ عَلَى الذِّمِّيِّ بِنَقْضِ الْعَهْدِ وَهُوَ يَجْحَدُ أَنْ يَكُونَ نَقَضَهُ فَإِنَّ الْإِمَامَ لَا يَقْتُلُهُ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ، وَلَكِنَّهُ يَجْعَلُهُ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ فِيمَا سِوَى الْقَتْلِ مِنْ الْأَحْكَامِ، حَتَّى يَجْعَلَهُ فَيْئًا؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الرِّجَالِ مَعَ النِّسَاءِ حُجَّةٌ فِيمَا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ، لَا فِيمَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ كَمَا لَوْ شَهِدُوا بِالسَّرِقَةِ. .\n٤٠٣٧ - وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ عَلَى نَصْرَانِيٍّ أَنَّهُ أَسْلَمَ","vol":"1","page":2010},{"text":"ثُمَّ ارْتَدَّ، وَهُوَ يَجْحَدُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَلَكِنْ لَا يُقْتَلُ بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ لِتَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ فِي الْحُجَّةِ.\nقَالَ: وَلَوْ شَهِدَ ذِمِّيَّانِ عَلَى ذِمِّيٍّ أَنَّهُ أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ لَمْ تَقْبَلْ هَذِهِ الشَّهَادَةُ أَصْلًا؛ لِأَنَّ فِي زَعْمِ الشَّاهِدَيْنِ أَنَّهُ مُرْتَدٌّ، وَالْمُرْتَدُّ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْلِمِ فِي أَنَّ شَهَادَةَ غَيْرِ الْمُسْلِمَيْنِ عَلَيْهِ لَا تَكُونُ حُجَّةً، وَإِذَا كَانَ فِي زَعْمِ الشَّاهِدَيْنِ أَنَّهُ لَا شَهَادَةَ لَهُمَا عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ الْقَضَاءُ بِشَهَادَتِهِمَا أَصْلًا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .","vol":"1","page":2011},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>[بَابٌ الْمُرْتَدُّ يُصِيبُ الْحَدَّ وَغَيْرَهُ]</span>\n١٨٦ - بَابٌ الْمُرْتَدُّ يُصِيبُ الْحَدَّ وَغَيْرَهُ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ - ﵁ -: ٤٠٣٨ الْأَصْلُ أَنَّ مَا لَا يُنَافِي الْكُفْرَ وُجُوبُهُ ابْتِدَاءً لَا يُنَافِي بَقَاءَهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَمَا يُنَافِي الْكُفْرَ وُجُوبُهُ ابْتِدَاءً مِنْ الْعُقُوبَاتِ يُنَافِي بَقَاءَهُ؛ لِأَنَّ الْعُقُوبَاتِ تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، وَأَقْوَى الشُّبْهَةِ الْمُنَافِي، فَكَمَا أَنَّ اقْتِرَانَهُ بِالسَّبَبِ الْمُوجِبِ يُنَافِي وُجُوبَهُ فَاعْتِرَاضُهُ بَعْدَ الْوُجُوبِ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ يُنَافِي نَحْوَ هَذَا وَبَعْدَ انْعِدَامِ التَّمَكُّنِ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ لَا يَبْقَى وَاجِبًا، إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ: إذَا أَصَابَ الْمُسْلِمُ مَالًا أَوْ شَيْئًا يَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ أَوْ حَدًّا أَقَرَّ بِهِ ثُمَّ ارْتَدَّ أَوْ أَصَابَهُ، وَهُوَ مُرْتَدٌّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَحَارَبَ الْمُسْلِمِينَ زَمَانًا، ثُمَّ جَاءَ تَائِبًا فَهُوَ مَأْخُوذٌ بِذَلِكَ كُلِّهِ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ مُحَارِبًا لِلْمُسْلِمِينَ لَا يُنَافِي وُجُوبَ هَذِهِ الْحُقُوقِ عَلَيْهِ، بِاكْتِسَابِ أَسْبَابِهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ إذَا أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَانَ مُسْتَوْجِبًا هَذِهِ الْحُقُوقَ لِمَا فِيهَا مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ، فَكَذَلِكَ الْمُرْتَدُّ إذَا أَصَابَ ذَلِكَ ٤٠٣٩ وَلَوْ أَصَابَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا ثُمَّ أَسْلَمَ فَذَلِكَ كُلُّهُ مَوْضُوعٌ عَنْهُ","vol":"1","page":2012},{"text":"لِأَنَّهُ أَصَابَهُ وَهُوَ حَرْبِيٌّ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَالْحَرْبِيُّ بَعْدَ الْإِسْلَامِ لَا يُؤَاخَذُ بِمَا كَانَ أَصَابَهُ حَالَ كَوْنِهِ مُحَارِبًا لِلْمُسْلِمِينَ، عَمَلًا بِقَوْلِهِ - ﵌ -: \" الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ \"، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ التَّأْوِيلَ الْبَاطِلَ فِي حَقِّ أَهْلِ الْحَرْبِ يُلْحَقُ بِالتَّأْوِيلِ الصَّحِيحِ فِي الْأَحْكَامِ، فَكَمَا أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَسْتَوْجِبُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِمَا يُصِيبُهُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَكَذَلِكَ الْحَرْبِيُّ لَا يَسْتَوْجِبُ ذَلِكَ، وَالْمُرْتَدُّ بَعْدَ اللَّحَاقِ حَرْبِيٌّ. .\n٤٠٤٠ - وَمَا أَصَابَ الْمُسْلِمُ مِنْ حَدٍّ لِلَّهِ فِي زِنًا أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ قَطْعِ طَرِيقٍ ثُمَّ ارْتَدَّ أَوْ أَصَابَهُ بَعْدَ الرِّدَّةِ ثُمَّ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ جَاءَ تَائِبًا فَذَلِكَ كُلُّهُ مَوْضُوعٌ عَنْهُ لِأَنَّ كَوْنَهُ حَرْبِيًّا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْحُدُودِ الَّتِي هِيَ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ بِارْتِكَابِ سَبَبِهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، كَمَا فِي حَقِّ الْمُسْتَأْمَنِ فَيَمْنَعُ الْبَقَاءَ إذَا اعْتَرَضَ أَيْضًا، إلَّا أَنَّهُ يَضْمَنُ الْمَالَ فِي السَّرِقَةِ. ٤٠٤١ وَإِنْ أَصَابَ دَمًا فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَحَالُهُ فِي ذَلِكَ كَحَالِ الْمُسْتَأْمَنِ لِأَنَّ مَا كَانَ فِيهِ حَقُّ الْعِبَادِ فَهُوَ مَأْخُوذٌ بِهِ. ٤٠٤٢\nوَمَا أَصَابَ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ مِنْ الْقَتْلِ خَطَأً فَفِيهِ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ إنْ أَصَابَهُ قَبْلَ الرِّدَّةِ، وَفِي مَالِهِ إنْ أَصَابَهُ بَعْدَ الرِّدَّةِ لِأَنَّ التَّعَاقُلَ بِاعْتِبَارِ التَّنَاصُرِ، وَأَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَا يَنْصُرُ الْمُرْتَدَّ.\nفَإِنْ الْتَزَمَ الْمُسْلِمُ حَدَّ الْخَمْرِ وَالسُّكْرِ، ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ قَبْلَ اللَّحَاقِ بِدَارِ الْحَرْبِ، فَإِنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ بِذَلِكَ.","vol":"1","page":2013},{"text":"لِأَنَّ الْكُفْرَ يَمْنَعُ وُجُوبَ هَذَا الْحَدِّ ابْتِدَاءً، وَلِهَذَا لَا يَجِبُ عَلَى الذِّمِّيِّ وَالْمُسْتَأْمَنِ، فَكَذَلِكَ اعْتِرَاضُهُ بَعْدَ وُجُوبِهِ يَمْنَعُ الْبَقَاءَ، وَكَذَلِكَ إنْ أَصَابَهُ وَهُوَ مُرْتَدٌّ مَحْبُوسٌ فِي يَدِ الْإِمَامِ، ثُمَّ تَابَ فَإِنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ بِحَدِّ الْخَمْرِ وَالسُّكْرِ لِأَنَّهُ أَصَابَهُ وَهُوَ كَافِرٌ، وَهَذَا لِأَنَّ الْكَافِرَ يَعْتَقِدُ إبَاحَةَ الْخَمْرِ، وَالْحُدُودُ شُرِعَتْ زَوَاجِرَ عَنْ ارْتِكَابِ أَسْبَابِهَا، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُرْتَكِبُ مُعْتَقِدًا حُرْمَةَ السَّبَبِ، حَتَّى تُشْرَعَ الزَّوَاجِرُ فِي حَقِّهِ. وَهُوَ مَأْخُوذٌ بِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِاعْتِقَادِهِ حُرْمَةِ سَبَبِهِ وَتَمَكُّنِ الْإِمَامِ مِنْ إقَامَتِهِ لِكَوْنِهِ فِي يَدِهِ. ٤٠٤٣ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ الْإِمَامِ حِينَ أَصَابَهُ ثُمَّ أَسْلَمَ قَبْلَ اللَّحَاقِ بِدَارِ الْحَرْبِ فَذَلِكَ مَوْضُوعٌ عَنْهُ أَيْضًا لِأَنَّهُ أَصَابَهُ وَهُوَ مُحَارِبٌ.\nوَهَذَا لِأَنَّهُ بِنَفْسِ الرِّدَّةِ يَعْتَقِدُ مُحَارَبَةَ الْمُسْلِمِينَ إذَا تَمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ، إلَّا أَنَّهُ مَا دَامَ مَحْبُوسًا عِنْدَ الْإِمَامِ لَا يَتَهَيَّأُ لَهُ الْمُحَارَبَةُ فَلَا يُجْعَلُ حَرْبِيًّا، فَأَمَّا إذَا كَانَ بِالْبُعْدِ مِنْ الْإِمَامِ بِحَيْثُ لَا تَصِلُ يَدُهُ إلَيْهِ فَالْمُحَارَبَةُ تَتَهَيَّأُ لَهُ وَهُوَ مُعْتَقِدٌ لِذَلِكَ، فَكَانَ مُحَارِبًا حُكْمًا كَاللَّاحِقِ بِدَارِ الْحَرْبِ.\n٤٠٤٤ - فَإِنْ الْتَزَمَ قِصَاصًا أَوْ حَدَّ قَذْفٍ ثُمَّ ارْتَدَّ، وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: أُصَالِحُكُمْ عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونِي عَلَى مَا أُصِيبُ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُؤَمِّنَهُ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا شَرْطٌ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الشَّرْعِ، قَالَ - ﵌ -: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ بَاطِلٌ» وَلِأَنَّ فِيمَا لَزِمَهُ حَقُّ الْعِبَادِ، فَالْقِصَاصُ مَحْضُ حَقِّ الْوَلِيِّ لَيْسَ لِغَيْرِهِ وِلَايَةُ الْإِسْقَاطِ فِيهِ، وَفِي حَدِّ الْقَذْفِ حَقُّ الْمَقْذُوفِ.","vol":"1","page":2014},{"text":"وَإِذَا كَانَ هُوَ لَا يَمْلِكُ إسْقَاطَهُ عَنْهُ فَكَيْفَ يَمْلِكُ غَيْرُهُ ذَلِكَ، فَظَهَرَ أَنَّ مَنْ يُؤَمِّنُهُ عَلَى هَذَا فَهُوَ مُلْتَزِمٌ مَا لَا يُمْكِنُ الْوَفَاءُ بِهِ ٤٠٤٥ فَإِنْ آمَنَهُ الْإِمَامُ عَلَى هَذَا فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يَفِيَ لَهُ بِهِ، لِقَوْلِهِ ﵌: «رُدُّوا الْجَهَالَاتِ إلَى السُّنَّةِ» . وَقَدْ كَانَ هَذَا جَهْلًا مِنْهُ حَيْثُ شَرَطَ أَنْ يَتْرُكَ لَهُ مَا هُوَ مِنْ مَظَالِمِ الْعِبَادِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهِ مَا لَزِمَهُ إذَا طَلَبَهُ الْخَصْمُ وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى هَذَا الشَّرْطِ.\nفَإِنْ قَالَ: إنْ لَمْ تَفُوا لِي بِمَا آمَنْتُمُونِي عَلَيْهِ فَرُدُّونِي إلَى مَأْمَنِي، لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ مُرْتَدٌّ تَمَكَّنَ مِنْهُ الْإِمَامُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنْ أَنْ يَعُودَ حَرْبًا لِلْمُسْلِمِينَ بِحَالٍ. ٤٠٤٦ وَإِنْ دَعَا إلَى هَذَا الصُّلْحِ، وَعَلِمَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ إلَيْهِمْ إلَّا بِالْإِجَابَةِ إلَى ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُعَامِلُوهُ عَلَى أَمْرٍ لَا يَكْذِبُونَ فِيهِ، وَهُوَ يَرَى أَنَّهُمْ قَدْ أَعْطَوْهُ مَا أَرَادَ. يَعْنِي يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَعْمِلُوا مَعَارِيضَ الْكَلَامِ، فَإِنَّ فِي الْمَعَارِيضِ مَنْدُوحَةً عَنْ الْكَذِبِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ فِي حَقِّ الْمُحَارَبِينَ. قَالَ - ﵌ -: «الْحَرْبُ خُدْعَةٌ» . وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ - اسْتَعْمَلَ ذَلِكَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بِقَوْلِهِ، فَلَعَلَّنَا أَمَرْنَاهُمْ بِذَلِكَ، وَهَذَا لِأَنَّ الْكَذِبَ لَا رُخْصَةَ فِيهِ، فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَعَمَّدَ الْكَذِبَ بِحَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ","vol":"1","page":2015},{"text":"فَإِنْ أَبَى إلَّا أَنْ يُعْطُوهُ ذَلِكَ نَصًّا أَعْطَوْهُ ذَلِكَ، وَزَادُوا فِي الصُّلْحِ كَلِمَةً تَنْقُضُ الصُّلْحَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَفْطِنُ الْمُرْتَدُّ بِهَا فَيَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بِهَذَا الطَّرِيقِ وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «أَنَّ وَفْدَ ثَقِيفٍ لَمَّا جَاءُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ - قَالُوا: نُؤْمِنُ بِشَرْطِ أَلَا نَنْحَنِيَ؛ أَيْ لَا نَرْكَعَ وَلَا نَسْجُدَ، فَصَالَحَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - عَلَى ذَلِكَ، وَكَتَبَ فِي آخِرِ كِتَابِ الصُّلْحِ عَلَى أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِالصَّلَاةِ» وَرَأَى هَذِهِ الْكَلِمَةَ نَاقِضَةً لِلْكَلَامِ الْأَوَّلِ. ٤٠٤٨ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى هَذَا أَيْضًا وَأَعْطَوْهُ الصُّلْحَ عَلَى مَا أَرَادَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَفُوا بِذَلِكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ شَرْعًا، وَمَا تَقَدَّمَ مِنْهُمْ مِنْ الشَّرْطِ كَانَ حَرَامًا أَيْضًا، وَارْتِكَابُ حَرَامٍ لَا يَطْرُقُ إلَى ارْتِكَابِ حَرَامٍ آخَرَ شَرْعًا.\n٤٠٤٩ - وَكَذَلِكَ لَوْ طَلَبَ قَوْمٌ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ أَنْ يُؤَمِّنُوهُمْ عَلَى أَنْ يَكُونُوا ذِمَّةً يُؤَدُّونَ الْخَرَاجَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤَمِّنُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ قَتْلَ الْمُرْتَدِّ مُسْتَحِقٌّ حَدًّا، وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ إقَامَةِ الْحَدِّ وَلَا تَأْخِيرُهُ بِمَالٍ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ عَقْدِ الذِّمَّةِ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ لَيْسَ هُوَ الْمَالُ، بَلْ الْتِزَامُ الْحَرْبِيِّ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ، فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمُعَامَلَاتِ، وَأَحْكَامُ الْإِسْلَامِ لَازِمَةٌ عَلَى الْمُرْتَدِّ فَلَا يَكُونُ فِي إعْطَاءِ الْأَمَانِ لَهُ غَرَضٌ سِوَى إظْهَارِ الرَّغْبَةِ فِي الْمَالِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ","vol":"1","page":2016},{"text":"فَإِنْ أَعْطَوْهُمْ ذَلِكَ حَتَّى خَرَجُوا إلَيْنَا عُرِضَ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامُ فَإِنْ أَبَوْا قُتِلُوا، وَلَا يَجُوزُ رَدُّهُمْ إلَى مَأْمَنِهِمْ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ مُسْتَحَقٌّ عَيْنًا عَلَى الْمُرْتَدِّ إنْ لَمْ يُسْلِمْ، قَالَ - ﵌ -: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» .\n٤٠٥١ - وَإِنْ طَلَبُوا الْمُوَادَعَةَ فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا الْفَصْلِ، أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُوَادِعَهُمْ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، بِأَنْ كَانَ لَا يَقْوَى عَلَى قِتَالِهِمْ، وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا نَأْخُذُ مِنْهُمْ جَعْلًا عَلَى الْمُوَادَعَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُشْبِهُ الْخَرَاجَ.\nفَإِنْ أَخَذَهُ مِنْهُمْ جَعَلَ ذَلِكَ فِي بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ مَالُ الْمُرْتَدِّ وَكُلُّ مَالِ الْمُرْتَدِّينَ هُوَ فَارِغٌ عَنْ حَقِّ وَرَثَتِهِ فَيُصِيبُهُ بَيْتُ الْمَالِ. ٤٠٥٢ وَهَذَا بِخِلَافِ الْخَوَارِجِ، فَإِنَّهُ إذَا أَخَذَ مِنْهُمْ عَلَى الْمُوَادَعَةِ مَالًا جَعَلَ ذَلِكَ الْمَالَ مَحْبُوسًا عِنْدَهُ، حَتَّى يَتُوبُوا ثُمَّ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ.","vol":"1","page":2017},{"text":"لِأَنَّ مَالَ الْخَوَارِجِ لَا يَكُونُ غَنِيمَةً لِأَهْلِ الْعَدْلِ بِحَالٍ، بِخِلَافِ أَمْوَالِ الْمُرْتَدِّينَ بَعْدَ مَا صَارُوا مُحَارَبِينَ.\nوَعَلَى هَذَا الْمُسْتَأْمَنِ فِي دَارِنَا إذَا الْتَزَمَ ذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ وَسَأَلَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُؤَمِّنُوهُ عَلَى أَنْ يُسْلِمَ فَلَا يَأْخُذُهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ مَظَالِمِ الْعِبَادِ، فَالْمُسْتَأْمَنُ فِيهِ وَالْمُرْتَدُّ سَوَاءٌ. .\n٤٠٥٣ - وَلَوْ أَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ أَسِيرًا بَعْدَ مَا عَادَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَقَدْ بَطَلَ عَنْهُ كُلُّ شَيْءٍ أَصَابَهُ إلَّا الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ رَقِيقًا، وَالرِّقُّ يُنَافِي وُجُوبَ الْقِصَاصِ فِي الطَّرَفِ ابْتِدَاءً فَيُنَافِي الْبَقَاءَ أَيْضًا، بِخِلَافِ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ فَالرِّقُّ لَا يُنَافِي وُجُوبَهُ ابْتِدَاءً. ٤٠٥٤ وَأَمَّا مَا كَانَ أَصَابَ مِنْ مَالِ فَالدَّيْنُ لَا يَجِبُ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ إلَّا شَاغِلًا لِمَالِيَّةِ رَقَبَتِهِ، فَلَا يَبْقَى إلَّا بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَلَا وَجْهَ لِشَغْلِ مَالِيَّةِ رَقَبَتِهِ بِهَذَا الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ حَادِثٌ لِلسَّابِي بَعْدَ اكْتِسَابِ سَبَبِ وُجُوبِ الدَّيْنِ، فَلِهَذَا يَسْقُطُ عَنْهُ ٤٠٥٥ وَكَذَلِكَ الْخَوَارِجُ إذَا أَصَابُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ مَنْعَةٌ، ثُمَّ صَارُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ، فَسَأَلُوا الصُّلْحَ عَلَى أَلَّا يُؤَاخَذُوا بِشَيْءٍ مِمَّا أَصَابُوا، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَالِحَهُمْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ","vol":"1","page":2018},{"text":"ذَلِكَ، إلَّا أَنَّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَا أَصَابُوا مِنْ حَدِّ الْخَمْرِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْحُدُودِ فَذَلِكَ مَوْضُوعٌ عَنْهُمْ بَعْدَ مَا صَارُوا مُحَارَبِينَ، إذَا تَابُوا، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُصَالِحَهُمْ الْإِمَامُ عَلَى أَنْ يَضَعَ ذَلِكَ عَنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ مُوَافِقٌ لِحُكْمِ الشَّرْعِ.\nوَكَذَلِكَ مَا أَصَابُوهُ بَعْدَ مَا ظَهَرَ لَهُمْ الْمَنْعَةُ، فَذَلِكَ مَوْضُوعٌ عَنْهُمْ إذَا تَابُوا إلَّا أَنَّهُمْ يُطَالَبُونَ بِرَدِّ مَا كَانَ قَائِمًا بِعَيْنِهِ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ الْأَمْوَالِ، فَإِنْ طَلَبُوا الصُّلْحَ عَلَى أَنْ يَتْرُكَ ذَلِكَ لَهُمْ فَلَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُصَالِحَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَوْ فَعَلَ لَمْ يَفِ لَهُمْ بِهَذَا الشَّرْطِ، وَأَمَرَهُمْ بِرَدِّ مَا وَجَدُوهُ قَائِمًا بِعَيْنِهِ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ مَالِ مُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهِدٍ، وَإِنَّمَا لَا يُؤَاخِذُهُمْ بِالْحُدُودِ الَّتِي هِيَ لِلَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ تَقَادُمَ الْعَهْدِ يَمْنَعُ إقَامَةَ هَذِهِ الْحُدُودِ، عَلَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِقَوْلِهِ: \" أَيُّمَا قَوْمٍ شَهِدُوا عَلَى حَدٍّ لَمْ يَشْهَدُوا عِنْدَ حَضْرَتِهِ فَإِنَّمَا شَهِدُوا عَنْ ضَغَنٍ، وَمِنْ أَبْيَنِ أَسْبَابِ التَّطَاوُلِ خُرُوجُهُ مِنْ حُكْمِ أَهْلِ الْعَدْلِ. .\n٤٠٥٦ - وَلَوْ كَانَ الْمُرْتَدُّ إذَا أَصَابَ شَيْئًا مِمَّا فِيهِ مَظَالِمُ الْعِبَادِ فِي حِصْنٍ مِنْ حُصُونِ أَهْلِ الْحَرْبِ فَطَلَبَ الْأَمَانَ عَلَى أَنْ يُتْرَكَ ذَلِكَ لَهُ لِيَفْتَحَ الْحِصْنَ لِلْمُسْلِمِينَ، فَهَذَا وَمَا سَبَقَ سَوَاءٌ","vol":"1","page":2019},{"text":"لِأَنَّهُ لَا رَأْيَ لِلْإِمَامِ فِي إسْقَاطِ مَا هُوَ مِنْ مَظَالِمِ الْعِبَادِ، وَيَسْتَوِي فِيهِ حَالَةَ الْحَاجَةِ وَغَيْرَهَا. ٤٠٥٧ إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ اسْتَهْلَكَ مَالًا وَلَمْ يُصِبْ دَمًا فَرَأَى الْإِمَامُ النَّظَرَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي أَنْ يُعْطِيَهُ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِإِعْطَاءِ الْأَمَانِ لَهُ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ يُؤَدِّي ذَلِكَ الْمَالَ إلَى صَاحِبِ الْحَقِّ مِنْ غَنِيمَةِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ لِلْإِمَامِ وِلَايَةَ التَّخْصِيصِ بِشَيْءٍ مِنْ الْغَنِيمَةِ لِمَنْ يَفْتَحُ الْحِصْنَ لِلْمُسْلِمِ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِالْمُرْتَدِّ إذَا وَعَدَ أَنْ يُسْلِمَ أَوْ يَفْتَحَ الْحِصْنَ لِلْمُسْلِمِينَ.\nبِخِلَافِ الْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ، فَإِنَّ الْإِمَامَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إيفَاءِ ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ مَظَالِمِ الْمُسْلِمِينَ لِصَاحِبِ الْحَقِّ، فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ الْأَمَانَ عَلَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. .","vol":"1","page":2020},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>[بَابٌ مَا يُصَدَّقُ فِيهِ الرَّجُلُ مِنْ الرِّدَّةِ فَلَا تَبِينُ مِنْهُ امْرَأَتُهُ وَمَا لَا يُصَدَّقُ]</span>\n٤٠٥٩ - قَالَ: وَإِذَا رَجَعَ الْأَسِيرُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَخَاصَمَتْهُ زَوْجَتُهُ إلَى الْقَاضِي وَقَالَتْ: إنَّهُ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ فَبِنْت مِنْهُ، وَقَالَ الْأَسِيرُ: أَكْرَهَنِي مَلِكُهُمْ وَقَالَ: لَأَقْتُلَنَّكَ أَوْ لَتَكْفُرَنَّ فَفَعَلْت ذَلِكَ مُكْرَهًا فَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الْمَرْأَةِ وَلَا يُصَدَّقُ الْأَسِيرُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلْفُرْقَةِ وَهُوَ إجْرَاءُ كَلِمَةِ الشِّرْكِ عَلَى اللِّسَانِ قَدْ ثَبَتَ بِتَصَادُقِهِمَا عَلَيْهِ، ثُمَّ الْأَسِيرُ يَدَّعِي سَبَبًا خَفِيًّا لِيُغَيِّرَ بِهِ حُكْمَ السَّبَبِ الظَّاهِرِ فَلَا يُصَدَّقُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِحُجَّةٍ.\n(يُوَضِّحُهُ) أَنَّهُ أَضَافَ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلْفُرْقَةِ إلَى حَالَةٍ غَيْرِ مَعْهُودَةٍ، وَهُوَ الْإِكْرَاهُ، وَفِي مِثْلِهِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا بِحُجَّةٍ.\n٤٠٦٠ - كَمَا لَوْ قَالَ: كُنْت طَلَّقْتهَا ثَلَاثًا وَأَنَا مَجْنُونٌ، وَهُوَ لَمْ يَعْرِفْ جُنُونَهُ فِي وَقْتٍ قَطُّ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِحُجَّةٍ.","vol":"1","page":2021},{"text":"فَإِنْ شَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّ الْمَلِكَ قَالَ لَهُ: لَأَقْتُلَنَّكَ أَوْ لَتَكْفُرَنَّ، وَلَا يُدْرَى أَكَفَرَ عِنْدَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَكْفُرْ وَقَالَ الْأَسِيرُ: فَإِنِّي إنَّمَا أَجْرَيْت كَلِمَةَ الْكُفْرِ عِنْدَ ذَلِكَ لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَسِيرِ؛ لِأَنَّ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ صَارَتْ تِلْكَ الْحَالَةُ مَعْهُودَةً، وَمَتَى أَضَافَ الزَّوْجُ سَبَبَ الْفُرْقَةِ إلَى حَالَةٍ مَعْهُودَةٍ تَمْنَعُ وُقُوعَ الْفُرْقَةِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ كَمَا لَوْ قَالَ: طَلَّقْتهَا ثَلَاثًا وَأَنَا صَبِيٌّ، وَهَذَا لِأَنَّ الْحَالَةَ إذَا كَانَتْ مَعْهُودَةً فَالظَّاهِرُ يَشْهَدُ لَهُ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ مُنْكِرٌ لِلْفُرْقَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ الظَّاهِرُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْحَالَةُ مَعْهُودَةً فَهُوَ مُدَّعٍ لِلْمَانِعِ، وَذَلِكَ حَادِثٌ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا بِحُجَّةٍ.\nوَكَذَلِكَ إنْ كَانَ خَاصَمَهُ فِي ذَلِكَ غَيْرُ امْرَأَتِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْحُرْمَةَ حَقُّ الشَّرْعِ، فَلِكُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِيهِ عَلَى وَجْهِ الْحِسْبَةِ. .\n٤٠٦١ - قَالَ: وَلَوْ ادَّعَتْ امْرَأَةٌ عَلَى زَوْجِهَا أَنَّهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، وَقَالَ الزَّوْجُ: أَصَابَنِي بِرْسَامٌ أَوْ وَجَعٌ أَذْهَبَ عَقْلِي أَوْ جُنُونٌ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنِّي فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّ ذَلِكَ أَصَابَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا، وَإِنْ عَرَفَ أَنَّ ذَلِكَ أَصَابَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، فَإِنْ شَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّهُمْ رَأَوْهُ مَجْنُونًا مَرَّةً، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ أَيْضًا لِأَنَّ الْجُنُونَ لَهُ صَارَ مَعْهُودًا بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ، وَمَتَى كَانَتْ الْإِضَافَةُ إلَى حَالَةٍ مَعْهُودَةٍ تُنَافِي الْفُرْقَةَ كَانَ مَقْبُولَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ مَعَ يَمِينِهِ.","vol":"1","page":2022},{"text":"وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: طَلَّقْتهَا وَأَنَا نَائِمٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ هَا هُنَا؛ لِأَنَّ حَالَ النَّوْمِ حَالٌ مَعْهُودٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ، كَحَالَةِ الصِّغَرِ فَإِضَافَتُهُ إلَى تِلْكَ الْحَالَةِ تَكُونُ إنْكَارًا مَعْنًى.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ قَالَ: كُنْت طَلَّقْتهَا قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ أَوْ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَهَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ إنْكَارًا لِلطَّلَاقِ، فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ.\n٤٠٦٢ - وَلَوْ قَالَ: شَرِبْت حَتَّى سَكِرْت فَذَهَبَ عَقْلِي، فَطَلَّقْتهَا، أَوْ ارْتَدَدْت عَنْ الْإِسْلَامِ، فَفِي بَابِ الطَّلَاقِ هِيَ بَائِنٌ مِنْهُ صَدَّقَتْهُ فِي ذَلِكَ أَوْ كَذَّبَتْهُ؛ لِأَنَّ السُّكْرَ لَا يَمْنَعُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ، فَالْحَالَةُ الَّتِي أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَيْهَا غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْفُرْقَةِ، بِخِلَافِ النَّوْمِ، وَهَذَا لِأَنَّ السَّكْرَانَ عَقْلُهُ مَعَهُ إلَّا أَنَّهُ يَغْلِبُ عَلَيْهِ السُّرُورُ، فَيَمْنَعُهُ مِنْ اسْتِعْمَالِ عَقْلِهِ، وَذَلِكَ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا، بِخِلَافِ مَا إذَا شَرِبَ الْبَنْجَ حَتَّى ذَهَبَ عَقْلُهُ فَإِنَّ ذَلِكَ يُزِيلُ عَقْلَهُ، بِخِلَافِ النَّائِمِ، فَإِنَّهُ فِي حَالِ نَوْمِهِ فِي حُكْمِ مَنْ لَا يَعْقِلُ شَرْعًا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - فِي قَوْلِهِ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ» الْحَدِيثُ وَحَالُ السَّكْرَانِ كَحَالِ ابْنِ السَّبِيلِ الْمُنْقَطِعِ عَنْ مَالِهِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي مَالِهِ، وَإِنْ كَانَتْ يَدُهُ لَا تَصِلُ إلَيْهِ، بِخِلَافِ مَنْ هَلَكَ مَالُهُ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، بِأَنْ غَصَبَهُ غَاصِبٌ وَجَحَدَهُ.","vol":"1","page":2023},{"text":"فَأَمَّا فِي الرِّدَّةِ فَإِنْ عُرِفَ مِنْهُ السُّكْرُ فِي وَقْتٍ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ السُّكْرَ يَمْنَعُ وُقُوعَ الْفُرْقَةِ بِالرِّدَّةِ، وَالسَّكْرَانُ الَّذِي يَهْذِي قَلَّمَا يَنْجُو مِنْ ذَلِكَ، وَحُكْمُ الرِّدَّةِ يَبْتَنِي عَلَى الِاعْتِقَادِ، فَالسَّكْرَانُ لَا يَكُونُ مُعْتَقِدًا لِمَا يَقُولُ، فَمَتَى أَضَافَ إلَى حَالَةٍ غَيْرِ مَعْهُودَةٍ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، وَمَتَى أَضَافَ إلَى حَالَةٍ مَعْهُودَةٍ كَانَ مَقْبُولَ الْقَوْلِ فِيهِ، وَلَا يُنْظَرُ إلَى تَصْدِيقِ الْمَرْأَةِ وَتَكْذِيبِهَا فِي ذَلِكَ، لِأَنَّ هَذِهِ الْحُرْمَةَ مَحْضُ حَقِّ الشَّرْعِ.\n٤٠٦٣ - وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِلْقَاضِي: إنِّي سَمِعْت زَوْجِي يَقُولُ: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وَقَالَ الزَّوْجُ إنَّمَا قُلْت ذَلِكَ حِكَايَةً عَمَّنْ يَقُولُ هَذَا فَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ إلَّا بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ بَانَتْ مِنْهُ امْرَأَتُهُ؛ لِأَنَّ مَا فِي الضَّمِيرِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا لِحُكْمِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ، فَإِنَّ مَا فِي ضَمِيرِهِ دُونَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ، وَالشَّيْءُ لَا يَنْسَخُهُ إلَّا مَا هُوَ مِثْلُهُ أَوْ فَوْقَهُ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَنَوَى الِاسْتِثْنَاءَ بِقَلْبِهِ كَانَ الطَّلَاقُ وَاقِعًا لِهَذَا الْمَعْنَى، وَيَسْتَوِي إنْ صَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ فِيمَا قَالَ أَوْ كَذَّبَتْهُ. ٤٠٦٤ وَلَوْ قَالَ: إنِّي وَصَلْت كَلَامِي فَقُلْت: النَّصَارَى يَقُولُونَ: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ أَوْ قُلْتُ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ قَوْلُ النَّصَارَى، وَلَمْ تَسْمَعْ الْمَرْأَةُ إلَّا بَعْضَ كَلَامِي، وَقَالَتْ الْمَرْأَةُ: كَذِبٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ","vol":"1","page":2024},{"text":"لِأَنَّ الزَّوْجَ هَا هُنَا مَا أَقَرَّ بِالسَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْفُرْقَةِ، فَإِنَّ عَيْنَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ لَا تَكُونُ مُوجِبَةً لِلْفُرْقَةِ، فَيَكُونُ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ مُنْكِرًا لِمَا تَدَّعِيهِ مِنْ السَّبَبِ الْمُوجِبِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ قَالَ: كُنْت قُلْت لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَكَذَّبَتْهُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ، فَهُنَاكَ الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ لِلْمَعْنَى الَّذِي بَيَّنَّا فَهَذَا مِثْلُهُ. ٤٠٦٥ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: قَدْ أَظْهَرْت قَوْلِي الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وَأَخْفَيْت مَا سِوَى ذَلِكَ، إلَّا أَنِّي تَكَلَّمْت بِهِ مَوْصُولًا بِكَلَامِي، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ، إلَّا إنْ شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ سَمِعُوهُ قَالَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وَلَمْ يَقُلْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ الْقَاضِي يَبِينُ مِنْهُ امْرَأَتَهُ، وَلَا يُصَدَّقُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ.؛ لِأَنَّ الشُّهُودَ أَثْبَتُوا السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلْفُرْقَةِ، وَقَوْلُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ فِيمَا يُبْطِلُ شَهَادَةَ الشُّهُودِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَهُنَاكَ السَّبَبُ لِلْفُرْقَةِ إنَّمَا ظَهَرَ بِقَوْلِهِ، وَقَدْ ظَهَرَ مَوْصُولًا بِكَلَامِهِ مَا يُنَافِي وُقُوعَ الْفُرْقَةِ، فَلِهَذَا جَعَلْنَا الْقَوْلَ قَوْلَهُ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْف يُقْبَلُ قَوْلُ الشُّهُودِ إنَّهُ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ، وَهَذِهِ شَهَادَةٌ مِنْهُمْ عَلَى النَّفْيِ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى النَّفْيِ لَا تُقْبَلُ، قُلْنَا: لِأَنَّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ لَيْسَ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ بَلْ بِمَا سَبَقَ مِمَّا هُوَ إثْبَاتٌ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ شَهَادَةِ الشُّهُودِ عَلَى أَنَّ هَذَا أَخُ الْمَيِّتِ وَوَارِثُهُ، لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ.\n(يُوَضِّحُهُ) أَنَّ قَوْلَهُمْ: لَمْ يَقُلْ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ فِيهِ إثْبَاتُ أَنَّ مَا يَدَّعِي مِنْ الزِّيَادَةِ فِي ضَمِيرِهِ لَا فِي كَلَامِهِ، فَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ نَاسِخًا لِمُوجِبِ كَلَامِهِ، وَلِأَنَّهُمْ فِي شَهَادَتِهِمْ أَثْبَتُوا سُكُوتَهُ بِقَوْلِهِمْ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا غَيْرَ هَذَا، وَالسُّكُوتُ لَهُ أَمْرٌ","vol":"1","page":2025},{"text":"مُثْبَتٌ مُعَايَنٌ، حَتَّى لَوْ قَالَ الشُّهُودُ: لَا نَدْرِي أَقَالَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَقُلْ إلَّا أَنَّا لَمْ نَسْمَعْ مِنْهُ غَيْرَ قَوْلِهِ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ؛ لِأَنَّ هَا هُنَا الشُّهُودَ مَا أَثْبَتُوا أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي ضَمِيرِهِ لَا فِي كَلَامِهِ، وَإِنَّمَا قَالُوا: لَمْ نَسْمَعْ، وَكَمَا لَمْ يَسْمَعُوا ذَلِكَ مِنْهُ فَالْقَاضِي لَمْ يَسْمَعْ أَيْضًا، وَهُمْ نَسَبُوا أَنْفُسَهُمْ إلَى الْغَفْلَةِ وَعَدَمِ السَّمَاعِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ. وَعَلَى هَذَا لَوْ ادَّعَى التَّكَلُّمَ بِالِاسْتِثْنَاءِ فِي الْخُلْعِ أَوْ التَّكَلُّمِ بِالشَّرْطِ أَوْ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الطَّلَاقِ مَوْصُولًا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، فَإِنْ شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَيْهِ بِخُلْعٍ أَوْ طَلَاقٍ بِغَيْرِ ذِكْرِ الِاسْتِثْنَاءِ نَحْوَ إنْ شَهِدُوا وَقَالُوا خَالَعَ أَوْ طَلَّقَ بِغَيْرِ ذِكْرِ الِاسْتِثْنَاءِ أَوْ طَلَّقَ وَلَمْ يَسْتَثْنِ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ. ٤٠٦٦ وَإِنْ قَالَ الشُّهُودُ لَمْ نَسْمَعْ مِنْهُ غَيْرَ كَلِمَةِ الطَّلَاقِ أَوْ الْخُلْعِ فَالْقَاضِي لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا، وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُ مَا يَكُونُ دَلِيلَ صِحَّةِ الْخُلْعِ مِنْ قَبْضِ الْبَدَلِ أَوْ سَبَبٍ آخَرَ، فَحِينَئِذٍ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ.\nوَإِنَّمَا تُبْتَنَى هَذِهِ الْفُصُولُ كُلُّهَا عَلَى الْحَرْفِ الَّذِي بَيَّنَّا.\nقَالَ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا عَرَفَ أَنَّهُ جُنَّ مَرَّةً فَقَالَتْ امْرَأَتُهُ: إنَّهُ ارْتَدَّ الْبَارِحَةَ أَوْ طَلَّقَنِي ثَلَاثًا، فَقَالَ الرَّجُلُ عَاوَدَنِي الْجُنُونَ الْبَارِحَةَ فَقُلْت ذَلِكَ، وَأَنَا مَجْنُونٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْجُنُونَ إذَا وُجِدَ مَرَّةً فَهُوَ لَازِمٌ أَبَدًا، وَلِهَذَا كَانَ عَيْبًا لَازِمًا إذَا وُجِدَ مَرَّةً فِي حَالَةِ الصِّغَرِ أَوْ الْكِبْرِ، وَمَنْ تَأَمَّلَ فِي حَمَالِيقِ عَيْنَيْ الَّذِي جُنَّ مَرَّةً تَبَيَّنَ لَهُ بَقَاءُ أَثَرِ الْجُنُونِ فِيهِ، فَهُوَ بِهَذِهِ الدَّعْوَى إنَّمَا يُضِيفُ كَلَامَهُ إلَى حَالَةٍ مَعْهُودَةٍ.","vol":"1","page":2026},{"text":"وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ بِالْجُنُونِ قَطُّ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ. لِمَا قُلْنَا، فَإِنْ لَمْ يُفَرِّقْ الْقَاضِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ حَتَّى جُنَّ ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: قَدْ كُنْت هَكَذَا قَبْلَ الْيَوْمِ لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى ذَلِكَ، وَبَانَتْ مِنْهُ امْرَأَتُهُ؛ لِأَنَّ الْجُنُونَ مِمَّا يَحْدُثُ فَحُدُوثُهُ لَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا فِيمَا مَضَى، فَأَمَّا بَعْدَ مَا عُلِمَ وُجُودُهُ فَهُوَ لَا يَزُولُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ فَلِهَذَا قَبِلْنَا قَوْلَهُ هُنَاكَ وَلَمْ نَقْبَلْهُ هَا هُنَا، وَكَذَلِكَ النَّوْمُ. .\n٤٠٦٨ - وَلَوْ ادَّعَتْ أَنَّهُ طَلَّقَهَا وَقْتَ الْعَصْرِ ثَلَاثًا، فَقَالَ الزَّوْجُ: كُنْت نَائِمًا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ.؛ لِأَنَّ النَّوْمَ يَعْتَرِي الْمَرْءَ عَادَةً فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَهُوَ مَا يَذْهَبُ وَيَعُودُ كَالْجُنُونِ فَيَكُونُ بِهِ مُضِيفًا إلَى حَالَةٍ مَعْهُودَةٍ. .\n٤٠٦٩ - وَلَوْ عُلِمَ أَنَّهُ سَكِرَ مُنْذُ شَهْرٍ حَتَّى ذَهَبَ عَقْلُهُ فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ: إنَّهُ ارْتَدَّ الْبَارِحَةَ، وَقَالَ الزَّوْجُ: قَدْ سَكِرْت الْبَارِحَةَ كَمَا سَكِرْت مُنْذُ شَهْرٍ فَارْتَدَدْت، وَأَنَا لَا أَعْقِلُ، فَإِنَّهَا تَبِينُ مِنْهُ، وَلَا يُصَدَّقُ عَلَى مَا قَالَ؛ لِأَنَّ السُّكْرَ لَا يَعُودُ بَعْدَ زَوَالِ سَبَبِهِ إلَّا بِاكْتِسَابِ سَبَبٍ جَدِيدٍ لِذَلِكَ، وَاكْتِسَابُ ذَلِكَ السَّبَبِ مِنْهُ الْبَارِحَةَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا بِحُجَّةٍ. ٤٠٧٠ وَعَلَى هَذَا لَوْ عَلِمَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَكْرَهُوهُ عَلَى الْكُفْرِ","vol":"1","page":2027},{"text":"فَكَفَرَ مَرَّةً، ثُمَّ ادَّعَتْ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَصَدَّقَهَا بِالْكُفْرِ الثَّانِي، وَذَكَرَ أَنَّهُمْ أَكْرَهُوهُ ثَانِيًا لَا يُقْبَلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي سَبَبًا مُتَجَدِّدًا غَيْرَ مَعْلُومٍ.\nوَكَذَلِكَ لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ مُبَرْسَمًا مُنْذُ سَنَةٍ، ثُمَّ قَالَ: أَصَابَنِي ذَلِكَ مَرَّةً أُخْرَى، أَوْ عَلِمَ أَنَّهُ شَرِبَ الْبَنْجَ مُنْذُ سَنَةٍ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ شَرِبْته الْبَارِحَةَ فَذَهَبَ عَقْلِي لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِحُجَّةٍ؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ مِمَّا لَا يَعُودُ إلَّا بِاكْتِسَابِ سَبَبٍ مُسْتَقِلٍّ، بِخِلَافِ الْجُنُونِ، وَلِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ مِمَّا يَزُولُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ وَعَلَى وَجْهٍ لَا يَعُودُ قَطُّ، بِخِلَافِ الْجُنُونِ وَالنَّوْمِ، فَبِهَذَا الْحَرْفِ تَبَيَّنَ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْفُصُولِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":2028},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>[بَابُ الْكَفَالَةِ بِالْمُسْتَأْمَنِ وَالْأَسِيرِ فِي دَارِ الْحَرْبِ]</span>\n٤٠٧١ - قَالَ: وَإِذَا خَلَّوْا سَبِيلَ الْأَسِيرِ فِي دَارِ الْحَرْبِ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُمْ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ عَلَى أَلَّا يَخْرُجَ مِنْ بِلَادِهِمْ، فَكَفَلَ بِهِ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ أَوْ حَرْبِيٌّ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْخُرُوجِ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُخْفِرَ الْمُسْلِمَ أَوْ الذِّمِّيَّ وَلَهُ أَنْ يُخْفِرَ الْحَرْبِيَّ فَيَخْرُجَ؛ لِأَنَّهُمْ يَقْتُلُونَ الْكَفِيلَ أَوْ يُعَذِّبُونَهُ إذَا خَرَجَ هُوَ، وَقَدْ كَانَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ الْحَرْبِيَّ وَيَأْخُذَ مَالَهُ فَيَخْرُجَ، فَيَكُونَ لَهُ أَنْ يُعَرِّضَهُ لِلْقَتْلِ أَيْضًا بِالْخُرُوجِ، وَمَا كَانَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ الْمُسْلِمَ وَالذِّمِّيَّ لِيَنْجُوَ بِنَفْسِهِ، فَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُعَرِّضَهُمَا لِلْقَتْلِ بِخُرُوجِهِ.\n٤٠٧٢ - وَإِنْ كَانَ الْأَسِيرُ مُسْتَأْمَنًا فِيهِمْ فَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ الْخُرُوجِ، حَتَّى أَعْطَاهُ كَفِيلًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُخْفِرَ كَفِيلَهُ حَرْبِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَ حَرْبِيٍّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُسْتَأْمَنِ أَنْ يَقْتُلَ الْحَرْبِيَّ وَيَأْخُذَ مَالَهُ فَيَخْرُجَ، فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُعَرِّضَهُ لِلْقَتْلِ أَيْضًا، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا أَمَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْأَسِيرِ، وَقَدْ ثَبَتَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْتَأْمَنِ الْأَمَانُ، فَإِنَّهُمْ آمَنُوهُ وَهُوَ قَدْ الْتَزَمَ لَهُمْ أَلَّا يَخُونَهُمْ،","vol":"1","page":2029},{"text":"فَكَانُوا فِي أَمَانٍ مِنْهُ أَيْضًا، وَلَكِنَّ هَذَا الْأَمَانَ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ خَاصَّةً؛ فَلِهَذَا لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُخْفِرَ كَفِيلَهُ. .\n٤٠٧٣ - وَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُ مَظْلُومًا فِيهِمْ فَكَفَلَ بِهِ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ أَوْ حَرْبِيٌّ عَلَى أَنْ يُحْضِرَهُ يَوْمَ كَذَا لِيَقْتُلُوهُ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُخْفِرَ كَفِيلَهُ وَيَخْرُجُ، سَوَاءٌ كَانَ أَمَرَهُ بِالْكَفَالَةِ أَوْ لَمْ يَأْمُرْهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ فِي الْحُضُورِ يَكُونُ مُعِينًا عَلَى نَفْسِهِ مُلْقِيًا بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ، وَلَا رُخْصَةَ فِي ذَلِكَ. ٤٠٧٤ وَإِذَا خَرَجَ هُوَ فَقَتَلُوا كَفِيلَهُ لَمْ يَكُنْ هُوَ مُعِينًا عَلَى قَتْلِهِ فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى يُحْضِرَهُ الْكَفِيلُ فَيَقْتُلُوهُ كَانَ مُعِينًا عَلَى نَفْسِهِ، فَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ وَأَكْثَرُ مَا فِيهِ أَنَّهُ قَدْ تَحَقَّقَ خَوْفُ الْهَلَاكِ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَالْمُسْلِمُ فِي هَذَا مَأْمُورٌ بِأَنْ يَبْدَأَ بِدَفْعِ سَبَبِ الْهَلَاكِ عَنْ نَفْسِهِ. .\n٤٠٧٥ - وَلَوْ قَالُوا: أَعْطِنَا كَفِيلًا بِنَفْسِك حَتَّى نَحْضُرَك يَوْمَ كَذَا فَنَأْخُذَ مِنْك الْمَالَ، أَوْ حَبَسْنَاك أَوْ قَيَّدْنَاك، فَأَعْطَاهُمْ كَفِيلًا مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا عَلَى هَذَا الشَّرْطِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْفِرَ كَفِيلَهُ هَا هُنَا","vol":"1","page":2030},{"text":"لِأَنَّهُ أَدْخَلَهُ فِي هَذِهِ الْعُهْدَةِ وَالْتَزَمَ لَهُ الْوَفَاءَ حِينَ أَمَرَهُ بِالْكَفَالَةِ عَنْهُ، وَالْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ فَهُنَاكَ إنَّمَا يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْذَنَ فِيهِ بِحَالٍ، وَأَنْ يُبَاشِرَ اخْتِيَارًا بِنَفْسِهِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعِينَهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِتَرْكِ الْخُرُوجِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ، وَهَا هُنَا إنَّمَا يَخَافُ مَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْذَنَ فِيهِ مِنْ نَفْسِهِ، وَأَنْ يُبَاشِرَهُ، مِنْ بَذْلِ مَالٍ أَوْ رِضَاءٍ بِالْحَبْسِ أَوْ بِالْقَيْدِ؛ فَلِهَذَا لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَغْدِرَ بِكَفِيلِهِ. .\n٤٠٧٦ - وَعَلَى هَذَا لَوْ أَنَّ مُسْلِمَةً فِيهِمْ أَعْطَتْ كَفِيلًا مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا عَلَى أَنْ يَحْضُرَهَا غَدًا لِيَفْجُرَ بِهَا رَجُلٌ مِنْهُمْ أَوْ يَتَزَوَّجَهَا، وَهِيَ ذَاتُ زَوْجٍ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ تُخْفِرَ كَفِيلَهَا؛ لِأَنَّ مَا تَخَافُ مِنْهُ أَمْرٌ لَا يَجُوزُ أَنْ تَأْذَنَ فِيهِ بِحَالٍ، فَكَانَ هَذَا وَالْقَتْلُ سَوَاءً\n٤٠٧٧ - وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ذَاتَ زَوْجٍ فَأَرَادُوهَا عَلَى أَنْ يَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ مِنْهُمْ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مُسْلِمًا فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُخْفِرَ كَفِيلَهَا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ كَافِرًا فَلَهَا أَنْ تُخْفِرَ كَفِيلَهَا؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ إذَا كَانَ مُسْلِمًا فَهَذَا الْعَقْدُ مِمَّا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُبَاشِرَهُ، وَأَنْ تَأْذَنَ فِيهِ، وَإِذَا كَانَ الزَّوْجُ كَافِرًا فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُبَاشِرَهُ، وَلَا أَنْ تَرْضَى بِهِ بِحَالٍ.\n٤٠٧٨ - وَلَوْ أَرَادُوا مِنْهُ أَنْ يَكْفُرَ بِاَللَّهِ أَوْ يَقْتُلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ عَلَى أَنْ يُوَافِيَ بِهِ غَدًا فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُخْفِرَ كَفِيلَهُ هَا هُنَا","vol":"1","page":2031},{"text":"لِأَنَّ حُرْمَةَ الْكُفْرِ حُرْمَةٌ بَاتَّةٌ مُصْمَتَةٌ لَا تَنْكَشِفُ بِحَالٍ، فَهَذَا مِمَّا لَا يَحِلُّ أَنْ يَأْذَنَ فِيهِ مِنْ نَفْسِهِ وَيَرْضَى بِهِ، بِمَنْزِلَةِ الْقَتْلِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ قِيلَ لَهُ لَتَكْفُرَنَّ بِاَللَّهِ أَوْ لَنَقْتُلَنَّ هَذَا الرَّجُلَ لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يَكْفُرَ بِاَللَّهِ إذَا خَافَ الْقَتْلَ عَلَى غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يَسَعُهُ إجْرَاءُ كَلِمَةِ الْكُفْرِ مَعَ طُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ بِالْإِيمَانِ إذَا خَافَ الْقَتْلَ عَلَى نَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ هَا هُنَا إنَّمَا يَخَافُ الْقَتْلَ عَلَى غَيْرِهِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَهْرُبَ مِنْ الشِّرْكِ وَيَدَعَ كَفِيلَهُ. .\n٤٠٧٩ - وَلَوْ قَالُوا: اُقْتُلْ هَذَا الْمُسْلِمَ أَوْ الْمُعَاهِدَ أَوْ لَنَقْتُلَنَّكَ فَأَعْطَاهُمْ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ عَلَى أَنْ يُحْضِرَهُ غَدًا لِيَفْعَلَ بِهِ ذَلِكَ كَانَ لَهُ أَنْ يُخْفِرَ كَفِيلَهُ فَهَذَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى قَتْلِ الْمُسْلِمِ لَا يَحِلُّ لَهُ أَصْلًا، سَوَاءٌ كَانَ يَخَافُ الْهَلَاكَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ. .\n\n- وَلَوْ قَالَ لِلْأَسِيرِ نُخَلِّي سَبِيلَك عَلَى أَنْ تُؤَمِّنَنَا فَلَا تَغْتَالَ أَحَدًا مِنَّا، وَلَا تَأْخُذَ لِأَحَدٍ مِنَّا مَالًا، وَلَا تَخْرُجَ مِنْ بِلَادِنَا فَحَلَفَ لَهُمْ عَلَى هَذَا، وَخَلَّوْا سَبِيلَهُ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ، وَيُكَفِّرُ يَمِينَهُ لِقَوْلِهِ - ﵌ -: «فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ يَمِينَهُ» . إلَّا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَغْتَالَهُمْ فَيَقْتُلَ أَحَدًا مِنْهُمْ، أَوْ يَأْخُذَ لَهُ مَالًا؛ لِأَنَّهُ حِينَ أَعْطَاهُمْ الْعَهْدَ عَلَى هَذَا فَقَدْ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنِ فِيهِمْ، وَقَدْ بَيَّنَّا","vol":"1","page":2032},{"text":"أَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَغْتَالَ أَحَدًا مِنْهُمْ، وَلَا أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلَكِنْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ دَارِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمِهِمْ وَرِضَائِهِمْ، فَكَذَلِكَ الْأَسِيرُ إذَا أَعْطَاهُمْ الْعَهْدَ عَلَى هَذَا. .\n٤٠٨١ - فَإِنْ أَعْطَى الْأَسِيرُ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا كَفِيلًا بِنَفْسِهِ عَلَى أَلَّا يَخْرُجَ، ثُمَّ طَاوَعَهُ الْكَفِيلُ فَخَرَجَا جَمِيعًا فَلَا بَأْسَ بِهَذَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ مَمْنُوعًا مِنْ الْخُرُوجِ لِحَقِّ الْكَفِيلِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُلْتَزِمٍ لِأَهْلِ الْحَرْبِ شَيْئًا، فَإِذَا سَاعَدَهُ الْكَفِيلُ عَلَى الْخُرُوجِ فَقَدْ زَالَ الْمَانِعُ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْف يَلْزَمُهُ مُرَاعَاةُ حَقِّ الْكَفِيلِ، وَقَدْ كَانَ أَهْلُ الْحَرْبِ ظَالِمِينَ فِي حَبْسِهِ، وَلِلْمَظْلُومِ أَنْ يَدْفَعَ الظُّلْمَ عَنْ نَفْسِهِ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ.\nقُلْنَا: نَعَمْ، وَلَكِنْ لَيْسَ لِلْمَظْلُومِ أَنْ يَظْلِمَ غَيْرَهُ، فَإِذَا أَخْفَرَ كَفِيلَهُ كَانَ ظَالِمًا، فَإِنَّهُ اعْتَمَدَ فِي الْكَفَالَةِ أَمْرَهُ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ مُسْلِمًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَوْ قَصَدَهُ ظَالِمٌ بِظُلْمٍ فَأَعْطَاهُ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يُخْفِرَ كَفِيلَهُ، وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مَظْلُومٌ، فَهَذَا مِثْلُهُ. .\n٤٠٨٢ - وَلَوْ قَالُوا لَهُ نُخَلِّي سَبِيلَك وَنُؤَمِّنُك وَتُؤَمِّنُنَا عَلَى أَلَّا تَخْرُجَ مِنْ بِلَادِنَا، فَأَعْطَاهُمْ ذَلِكَ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْخُرُوجِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنِ فِيهِمْ الْآنَ.\nوَلَكِنْ لَوْ أَعْطَاهُمْ كَفِيلًا حَرْبِيًّا بِنَفْسِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُخْفِرَ كَفِيلِهِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ","vol":"1","page":2033},{"text":"لِأَنَّهُ هَا هُنَا لَا يَسَعُهُ أَنْ يَقْتُلَ أَحَدًا مِنْهُمْ، وَيَأْخُذَ مَالَهُ فَلَا يَسَعُهُ إخْفَارُ كَفِيلِهِ أَيْضًا.\nوَإِنْ سَاعَدَهُ الْكَفِيلُ عَلَى الْخُرُوجِ مَعَهُ فَلَا بَأْسَ بِالْخُرُوجِ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ حَقُّهُ لَا حَقُّ أَهْلِ الْحَرْبِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُعْطِهِ كَفِيلًا كَانَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ.\nفَإِنْ خَرَجَ الْكَفِيلُ مَعَهُ بِأَمَانٍ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: ارْجِعْ مَعِي إلَى دَارِ الْحَرْبِ، فَلَيْسَ عَلَى الْأَسِيرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حُكْمَ ذَلِكَ الْأَمَانِ قَدْ انْتَهَى بِخُرُوجِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَكَذَلِكَ حُكْمُ الْكَفَالَةِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ هَذَا الْحَرْبِيَّ لَوْ رَجَعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ كَانَ خَارِجًا مِنْ أَمَانِ الْأَسِيرِ وَحَلَّ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَرْشُوَ الْأَسِيرُ الْمُسْلِمُ بَعْضَ أَهْلِ الْحَرْبِ لِيَتْرُكَهُ حَتَّى يَخْرُجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ مَالَهُ وِقَايَةً لِنَفْسِهِ، وَبِهِ أَمَرَ قَالَ - ﵌ - لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ: \" اجْعَلْ مَالَك دُونَ نَفْسِك، وَنَفْسَك دُونَ دِينِك \". وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فَإِنَّهُ حُبِسَ بِالْحَبَشَةِ فَرَشَاهُمْ دِينَارَيْنِ حَتَّى خَلَّوْا سَبِيلَهُ. فَعَرْفنَا أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ جُمْلَةِ السُّحْتِ فِي حَقِّ الْمُعْطِي، وَإِنْ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ السُّحْتِ فِي حَقِّ الْآكِلِ، وَأَنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ تَحْتَ قَوْلِهِ - ﵌ -: «الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي فِي النَّارِ» . إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمُعْطِي إذَا قَصَدَ بِهِ الظُّلْمَ، أَوْ إلْحَاقَ الضَّرَرِ بِغَيْرِهِ. فَأَمَّا إذَا قَصَدَ دَفْعَ الظُّلْمِ عَنْ نَفْسِهِ،","vol":"1","page":2034},{"text":"أَوْ تَحْصِيلَ مَنْفَعَةٍ لِنَفْسِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْتَحِقَ الضَّرَرُ بِغَيْرِهِ، فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ إذَا قَصَدَهُ ظَالِمٌ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُعْطِيَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ إلَيْهِ، لِيَدْفَعَ الظُّلْمَ عَنْ نَفْسِهِ. قَالَ: بَلَغَنَا عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: مَا وَجَدْنَا فِي زَمَنِ الْحَجَّاجِ شَيْئًا خَيْرًا مِنْ رِشًى.\nوَفِي وَصْفِهِ ذَلِكَ بِالْخَيْرِيَّةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا إثْمَ عَلَى الْمُعْطِي فِي الْإِعْطَاءِ، وَإِنْ كَانَ الْآخِذُ آثِمًا فِي أَخْذِهِ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":2035},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>[بَابٌ مَا يُبْتَلَى بِهِ الْأَسِيرُ فِي دَارِ الْحَرْبِ]</span>\n٤٠٨٣ - إذَا اسْتَحْلَفَ مَلِكُهُمْ الْأَسِيرَ بِالْأَيْمَانِ الْمُغَلَّظَةِ أَلَّا يَخْرُجَ إلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ فَحَلَفَ عَلَى ذَلِكَ فَالْيَمِينُ لَازِمَةٌ لِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ، وَإِنْ كَانَ مَقْهُورًا فِي أَيْدِيهِمْ، فَالْإِكْرَاهُ لَا يَمْنَعُ لُزُومَ الْيَمِينِ.\nوَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ أَخَذُوهُ وَحَلَّفُوهُ أَلَّا يَنْصُرَ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ -، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -، فَقَالَ: فِ لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَنَحْنُ نَسْتَعِينُ اللَّهَ تَعَالَى عَلَيْهِمْ.» .\n٤٠٨٤ - فَإِنْ كَانَ حَلَفَ أَلَّا يَخْرُجَ إلَّا بِإِذْنِ الْمَلِكِ، ثُمَّ خَرَجَ بِإِذْنِهِ لَمْ يَحْنَثْ. لِأَنَّ هَذَا الْخُرُوجَ بِالصِّفَةِ الْمُسْتَثْنَاةِ.\nوَإِنْ خَرَجَ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَهُوَ حَانِثٌ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَلِكُ قَدْ مَاتَ.\nفَإِنَّ فِي لَفْظِهِ مَا يُوجِبُ تَوْقِيتَ الْيَمِينِ بِحَيَاتِهِ.\nوَكَذَلِكَ إنْ عُزِلَ ذَلِكَ الْمَلِكُ.\nفَإِنَّ اعْتِبَارَ إذْنِهِ حَالَ قِيَامِ سَلْطَنَتِهِ، فَتَوْقِيتُ الْيَمِينِ بِهِ، إلَّا فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَأَصْلُهُ فِي الْمَدِينِ إذَا حَلَفَ أَلَّا يَخْرُجَ مِنْ الْبَلْدَةِ","vol":"1","page":2036},{"text":"إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِ الدَّيْنِ، أَوْ الْمَرْأَةُ إذَا حَلَفَتْ أَلَّا تَخْرُجَ إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا، فَإِنَّهُ يَتَوَقَّتُ الْيَمِينُ بِحَالِ قِيَامِ الدَّيْنِ، وَحَالِ قِيَامِ النِّكَاحِ، إلَّا فِي رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.\nوَكَذَلِكَ إنْ أُعِيدَ عَلَى مُلْكِهِ بَعْدَ مَا عُزِلَ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ قَدْ بَطَلَتْ حِينَ عُزِلَ ذَلِكَ الْمَلِكُ، وَهِيَ بَعْدَ مَا بَطَلَتْ لَا تَعُودُ إلَّا بِالتَّجْدِيدِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِجَارِيَتِهِ عَبْدِي حُرٌّ إنْ خَرَجْت مِنْ هَذِهِ الدَّارِ إلَّا بِإِذْنِي فَبَاعَهَا ثُمَّ اشْتَرَاهَا ثُمَّ خَرَجَتْ، أَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ فَأَبَانَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ثُمَّ خَرَجَتْ لَمْ يَحْنَثْ لِمَا قُلْنَا. .\n٤٠٨٥ - وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَّفَ السُّلْطَانُ رَجُلًا لِتَرْفَعَن إلَيَّ كُلَّ دَاعِرٍ تَعْرِفُهُ فِي مَحَلَّتِك فَعُزِلَ ثُمَّ أُعِيدَ عَلَى حَالِهِ، فَعَلِمَ بِدَاعِرٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَرْفَعَهُ وَلَوْ كَانَ عَلِمَ بِهِ قَبْلَ عَزْلِهِ فَلَمْ يَرْفَعْهُ إلَيْهِ حَتَّى عَزَلَهُ كَانَ حَانِثًا فِي يَمِينِهِ، وَلَا يَنْفَعُهُ أَنْ يَرْفَعَهُ إلَيْهِ بَعْدَ الْعَزْلِ، أَوْ بَعْدَ الْإِعَادَةِ إلَى السَّلْطَنَةِ\nوَهَذِهِ فُصُولٌ ذَكَرْنَاهَا فِي شَرْحِ الزِّيَادَاتِ. .\n٤٠٨٧ - وَإِنْ كَانَ حَلَفَ الْأَسِيرُ لَهُمْ أَلَّا يَخْرُجَ إلَّا بِإِذْنِ","vol":"1","page":2037},{"text":"مَلِكِهِمْ وَلَمْ يَصْمُدْ بِمَلِكٍ بِعَيْنِهِ فَعُزِلَ ذَلِكَ الْمَلِكُ وَوُلِّيَ غَيْرُهُ ثُمَّ خَرَجَ الْأَسِيرُ كَانَ حَانِثًا؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ إنَّمَا وَقَعَتْ هَا هُنَا عَلَى اسْتِئْذَانِ أَيِّ مَلِكٍ وَلَّوْهُ أَمْرَهُمْ.\nفَإِنْ مَاتَ مَلِكُهُمْ أَوْ عُزِلَ، وَلَمْ يُوَلُّوا غَيْرَهُ حَتَّى خَرَجَ الْأَسِيرُ، فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَلِكَ عَلَيْهِمْ الْآنَ، وَهُوَ بِيَمِينِهِ إنَّمَا اسْتَلْزَمَ اسْتِئْذَانَ الْمَلِكِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ مَلِكٌ لَا يَكُونُ هُوَ بِالْخُرُوجِ مُرْتَكِبًا مَحْظُورَ الْيَمِينِ، فَلَا يَحْنَثُ بِهَذَا الطَّرِيقِ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ انْتَهَى بِعَزْلِ الْأَوَّلِ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى وَلَّوْا غَيْرَهُ، ثُمَّ خَرَجَ بِغَيْرِ إذْنِهِ كَانَ حَانِثًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ ارْتَكَبَ مَحْظُورَ الْيَمِينِ. .\n٤٠٨٨ - قَالَ وَلَوْ حَلَفَ أَلَّا يَخْرُجَ إلَّا بِإِذْنِ الْمَلِكِ، وَلَا نِيَّةَ لَهُ، فَيَمِينُهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَلِكِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي كَلَامِهِ هَا هُنَا، وَهُوَ الْمَعْهُودُ، فَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ يَمِينُهُ الْمَلِكَ الْمَعْهُودَ خَاصَّةً، وَصَارَ تَعَيُّنُهُ بِهَذَا الطَّرِيقِ كَتَعْيِينِهِ بِالْإِشَارَةِ إلَيْهِ. .\n٤٠٨٩ - قَالَ: وَإِذَا أَحْرَمَ الْيَسِيرُ فِي أَيْدِيهِمْ وَهُوَ يَرْجُو أَنْ يَبْلُغَ الْمُسْلِمِينَ ذَلِكَ وَيَفْدُونَهُ فَلَمْ يَفْعَلْ الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ، وَمَنَعَهُ الْعَدُوُّ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُحْصَرِ.؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْمُضِيُّ لِأَدَاءِ النُّسُكِ بَعْدَ صِحَّةِ إحْرَامِهِ، فَكَانَ مُحْصَرًا وَقَدْ بَيَّنَّا حُكْمَ الْمُحْصَرِ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ وَذَكَرَ هُنَا","vol":"1","page":2038},{"text":"أَنَّهُ إذَا كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى هَدْيٍ يَبْعَثُهُ لِيَتَحَلَّلَ بِهِ، فَإِنَّ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ كَانَ يَقُولُ يَتَحَلَّلُ بِصَوْمِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ، بِالْقِيَاسِ عَلَى هَدْيٍ الْمُتْعَةِ. وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ كَانُوا يَقُولُونَ يَتَحَلَّلُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، فَأَمَّا الْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يَتَحَلَّلُ إلَّا بِالْهَدْيِ لِأَنَّ حُكْمَ الْمُحْصَرِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْقُرْآنِ، وَهُوَ التَّحَلُّلُ بِالْهَدْيِ خَاصَّةً، وَكَوْنُ الصَّوْمِ بَدَلًا عَنْ الْهَدْيِ فِي الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ هُنَا.\nوَلَا يُقَاسُ الْمَنْصُوصُ عَلَى الْمَنْصُوصِ عِنْدَنَا، إنَّمَا يُقَاسُ عَلَى التَّنْزِيلِ، وَأَمَّا التَّنْزِيلُ لَا يُقَاسُ بِعَيْنِهِ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، لِأَنَّ الْحُكْمَ الْمَعْلُومَ بِالتَّنْزِيلِ مَقْطُوعٌ بِهِ، وَمَا ثَبَتَ بِالرَّأْيِ لَا يَكُونُ مَقْطُوعًا بِهِ، وَقَدْ اسْتَقْصَيْنَا هَذَا فِيمَا أَمْلَيْنَاهُ فِي (تَمْهِيدِ الْفُصُولِ فِي الْأُصُولِ) . وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":2039},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>[بَابٌ الْعَيْنُ يُصِيبُهُ الْمُسْلِمُونَ]</span>\n١٩٠ - بَابٌ الْعَيْنُ يُصِيبُهُ الْمُسْلِمُونَ قَالَ: وَإِذَا وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ رَجُلًا مِمَّنْ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ عَيْنًا لِلْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ يَكْتُبُ إلَيْهِمْ بِعَوْرَاتِهِمْ فَأَقَرَّ بِذَلِكَ طَوْعًا فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ، وَلَكِنَّ الْإِمَامَ يُوجِعُهُ عُقُوبَةً وَقَدْ أَشَارَ فِي مَوْضِعَيْنِ فِي كَلَامِهِ إلَى أَنَّ مِثْلَهُ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا حَقِيقَةً، فَإِنَّهُ قَالَ مِمَّنْ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ، وَقَالَ: يَوْجَعُ عُقُوبَةً وَلَمْ يَقُلْ: يُعَزَّرُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ يُسْتَعْمَلُ لَفْظُ التَّعْزِيرِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.\nوَإِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ هَذَا اللَّفْظُ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: لَا يُقْتَلُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ مَا بِهِ حَكَمْنَا بِإِسْلَامِهِ، فَلَا نُخْرِجُهُ مِنْ الْإِسْلَامِ فِي الظَّاهِرِ مَا لَمْ يَتْرُكْ مَا بِهِ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى مَا صَنَعَ الطَّمَعُ، لَا خُبْثُ الِاعْتِقَادِ، وَهَذَا أَحْسَنُ الْوَجْهَيْنِ، وَبِهِ أُمِرْنَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] . وَقَالَ - ﵌ -: «لَا تَطْلُبَنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ فِي أَخِيك سُوءًا وَأَنْتَ تَجِدُ لَهَا فِي الْخَيْرِ مَحْمَلًا» .\nوَاسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ «حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ فَإِنَّهُ كَتَبَ إلَى قُرَيْشٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ -، يَغْزُوكُمْ فَخُذُوا حِذْرَكُمْ. . . الْحَدِيثَ إلَى أَنْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -: مَهْلًا يَا عُمَرُ فَلَعَلَّ اللَّهَ قَدْ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْت لَكُمْ» .\nفَلَوْ كَانَ بِهَذَا كَافِرًا","vol":"1","page":2040},{"text":"مُسْتَوْجِبًا لِلْقَتْلِ مَا تَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، بَدْرِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَ بَدْرِيٍّ.\nوَكَذَلِكَ لَوْ لَزِمَهُ الْقَتْلُ بِهَذَا حَدًّا مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - إقَامَتَهُ عَلَيْهِ.\nوَفِيهِ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١] .\nفَقَدْ سَمَّاهُ مُؤْمِنًا، وَعَلَيْهِ دَلَّ قِصَّةُ أَبِي لُبَابَةَ حِينَ اسْتَشَارَهُ بَنُو قُرَيْظَةَ فَأَمَرَّ أُصْبُعَهُ عَلَى حَلْقِهِ يُخْبِرُهُمْ أَنَّهُمْ لَوْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ - قَتَلَهُمْ. وَفِيهِ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [الأنفال: ٢٧] .\n\n- وَكَذَلِكَ لَوْ فَعَلَ هَذَا ذِمِّيٌّ فَإِنَّهُ يَوْجَعُ عُقُوبَةً وَيُسْتَوْدَعُ السَّجْنَ، وَلَا يَكُونُ هَذَا نَقْضًا مِنْهُ لِلْعَهْدِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ مُسْلِمٌ لَمْ يَكُنْ بِهِ نَاقِضًا أَمَانَةً، فَإِذَا فَعَلَهُ ذِمِّيٌّ لَا يَكُونُ نَاقِضًا أَمَانَةً أَيْضًا.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ الطَّرِيقَ فَقَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ لَمْ يَكُنْ بِهِ نَاقِضًا لِعَهْدِهِ، وَإِنْ كَانَ قَطَعَ الطَّرِيقَ مُحَارَبَةً مَعَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِالنَّصِّ فَهَذَا أَوْلَى.\nوَكَذَلِكَ لَوْ فَعَلَهُ مُسْتَأْمَنٌ فِينَا فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ نَاقِضًا لِأَمَانَةٍ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَطَعَ الطَّرِيقَ.\nإلَّا أَنَّهُ يُوجَعُ عُقُوبَةً فِي جَمِيعِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ، وَقَصَدَ بِفِعْلِهِ إلْحَاقَ الضَّرَرِ بِالْمُسْلِمِينَ. .","vol":"1","page":2041},{"text":"- فَإِنْ كَانَ حِينَ طَلَبَ الْأَمَانَ قَالَ لَهُ الْمُسْلِمُونَ: قَدْ آمَنَّاك إنْ لَمْ تَكُنْ عَيْنًا لِلْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، أَوْ آمَنَّاك عَلَى أَنَّك إنْ أَخْبَرْت أَهْلَ الْحَرْبِ بِعَوْرَةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا أَمَانَ لَك، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِ؛ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ يَكُونُ مَعْدُومًا قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ، فَقَدْ عَلَّقَ أَمَانَهُ هَا هُنَا بِشَرْطِ أَلَّا يَكُونَ عَيْنًا، فَإِذَا ظَهَرَ أَنَّهُ عَيْنٌ كَانَ حَرْبِيًّا لَا أَمَانَ لَهُ فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِ.\n- وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَصْلُبَهُ حَتَّى يَعْتَبِرَ بِهِ غَيْرُهُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.\nوَإِنْ رَأَى أَنْ يَجْعَلَهُ فَيْئًا فَلَا بَأْسَ بِهِ أَيْضًا، كَغَيْرِهِ مِنْ الْأُسَرَاءِ إلَّا أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَقْتُلَهُ هَا هُنَا، لِيَعْتَبِرَ بِهِ غَيْرُهُ.\nفَإِنْ كَانَ مَكَانَ الرَّجُلِ امْرَأَةٌ فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا قَصَدَتْ إلْحَاقَ الضَّرَرِ بِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا بَأْسَ بِقَتْلِ الْحَرْبِيَّةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَمَا إذَا قَاتَلَتْ، إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ صَلْبُهَا؛ لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ أَوْلَى.\n- وَإِنْ وَجَدُوا غُلَامًا لَمْ يَبْلُغْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَإِنَّهُ يُجْعَلُ فَيْئًا وَلَا يُقْتَلُ","vol":"1","page":2042},{"text":"لِأَنَّهُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ فَلَا يَكُونُ فِعْلُهُ خِيَانَةً يَسْتَوْجِبُ الْقَتْلَ بِهَا، بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ، وَهُوَ نَظِيرُ الصَّبِيِّ إذَا قَاتَلَ فَأَخَذَ أَسِيرًا لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ إذَا قَاتَلَتْ فَأَخَذَتْ أَسِيرًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُهَا.\nوَالشَّيْخُ الَّذِي لَا قِتَالَ عِنْدَهُ وَلَكِنَّهُ صَحِيحُ الْعَقْلِ بِمَنْزِلَةِ الْمَرْأَةِ فِي ذَلِكَ؛ لِكَوْنِهِ مُخَاطَبًا. .\n\n- وَإِنْ جَحَدَ الْمُسْتَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ فَعَلَ ذَلِكَ وَقَالَ: الْكِتَابُ الَّذِي وَجَدُوهُ مَعَهُ إنَّمَا وَجَدْته فِي الطَّرِيقِ وَأَخَذْته فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَقْتُلُوهُ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ؛ لِأَنَّهُ آمِنٌ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ، فَمَا لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ مَا يَنْفِي أَمَانَهُ كَانَ حَرَامَ الْقَتْلِ.\nفَإِنْ هَدَّدُوهُ بِقَيْدٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ حَبْسٍ حَتَّى أَقَرَّ بِأَنَّهُ عَيْنٌ، فَإِقْرَارُهُ هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ، وَإِقْرَارُ الْمُكْرَهِ بَاطِلٌ، سَوَاءٌ كَانَ الْإِكْرَاهُ بِالْحَبْسِ أَوْ الْقَتْلِ وَلَا يَظْهَرُ كَوْنُهُ عَيْنًا إلَّا بِأَنْ يُقِرَّ بِهِ عَنْ طَوْعٍ، أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ بِذَلِكَ، وَيُقْبَلُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ شَهَادَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَأَهْلِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّهُ حَرْبِيٌّ فِينَا، وَإِنْ كَانَ مُسْتَأْمَنًا، وَشَهَادَةُ أَهْلِ الْحَرْبِ حُجَّةٌ عَلَى الْحَرْبِيِّ.","vol":"1","page":2043},{"text":"- وَإِنْ وَجَدَ الْإِمَامُ مَعَ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ أَوْ مُسْتَأْمَنٍ كِتَابًا فِيهِ خَطُّهُ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ، إلَى مَلِكِ أَهْلِ الْحَرْبِ يُخْبِرُ فِيهِ بِعَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَحْبِسُهُ وَلَا يَضْرِبُهُ بِهَذَا الْقَدْرِ لِأَنَّ الْكِتَابَ مُحْتَمَلٌ فَلَعَلَّهُ مُفْتَعَلٌ، وَالْخَطُّ يُشْبِهُ الْخَطَّ، فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَضْرِبَهُ بِمِثْلِ هَذَا الْمُحْتَمَلِ، وَلَكِنْ يَحْبِسُهُ نَظَرًا لِلْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ أَمْرُهُ، فَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ خَلَّى سَبِيلَهُ وَرَدَّ الْمُسْتَأْمَنَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَلَمْ يَدَعْهُ لِيُقِيمَ بَعْدَ هَذَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ يَوْمًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الرِّيبَةَ فِي أَمْرِهِ قَدْ تَمَكَّنَتْ، وَتَطْهِيرُ دَارِ الْإِسْلَامِ عَنْ مِثْلِهِ مِنْ بَابِ إمَاطَةِ الْأَذَى فَهُوَ أَوْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":2044},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>[بَابُ مَا يَخْتَلِفُ فِيهِ أَهْلُ الْحَرْبِ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْ الشَّهَادَاتِ وَالْوَصَايَا]</span>\n- قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ شَهَادَةَ أَهْلِ الْحَرْبِ الْمُسْتَأْمَنِينَ فِي دَارِنَا، بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، مَقْبُولَةٌ إذَا كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا تُقْبَلُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْمَنَعَةِ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ تَبَايُنُ الدَّارَيْنِ لَا اخْتِلَافُ النِّحْلَةِ، وَتَبَايُنُ الدَّارَيْنِ فِيهِمْ بِاخْتِلَافِ الْمَنَعَةِ.\nوَعَلَى هَذَا حُكْمُ التَّوَارُثِ بَيْنَهُمْ، وَحَالُ أَهْلِ الذِّمَّةِ مَعَ الْمُسْتَأْمَنِينَ كَحَالِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ أَهْلِ الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا بِخِلَافِ الْمُسْتَأْمَنِينَ؛ وَلِهَذَا لَا يُتْرَكُ الْمَمْلُوكُ الذِّمِّيُّ فِي مِلْكِ الْمُسْتَأْمَنِ مُدَّةَ مَقَامِهِ فِينَا، وَلَكِنْ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ، كَمَا لَا يُتْرَكُ الْمُسْلِمُ فِي مِلْكِ الذِّمِّيِّ.\n\n- وَوَصِيَّةُ الْمُسْتَأْمَنِ بِجَمِيعِ مَالِهِ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ تَكُونُ صَحِيحَةً، وَلَيْسَ لِوَارِثِهِ فِيهَا حَقُّ الرَّدِّ لِأَنَّ حُرْمَةَ مَالِهِ لِحَقِّهِ لَا لِحَقِّ وَارِثِهِ الَّذِي فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلِأَنَّ بُطْلَانَ الْوَصِيَّةِ","vol":"1","page":2045},{"text":"فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ عِنْدَ عَدَمِ إجَازَةِ الْوَرَثَةِ مِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْتَأْمَنُ غَيْرُ مُلْتَزِمٍ لِذَلِكَ، وَلِهَذَا يَثْبُتُ هَذَا الْحُكْمُ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ، لِأَنَّهُ مُلْتَزِمٌ حُكْمَ الْإِسْلَامِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمُعَامَلَاتِ. .\n\n- وَوَصِيَّةُ الذِّمِّيِّ لِلْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ بِالثُّلُثِ تَكُونُ صَحِيحَةً بِمَنْزِلَةِ وَصِيَّةِ الْمُسْلِمِ لِلذِّمِّيِّ، وَوَصِيَّةُ الْمُسْلِمِ أَوْ الذِّمِّيِّ لِحَرْبِيٍّ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا تَكُونُ صَحِيحَةً، وَإِنْ أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ، إلَّا أَنْ يَشَاءُوا أَنْ يَهَبُوا لَهُ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، فَيَجُوزُ ذَلِكَ إذَا قَبَضَ؛ لِأَنَّ مَنْ فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي حَقِّ مَنْ هُوَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَالْمَيِّتِ. .\n\n- فَإِنْ كَانَ وَارِثُ الْمُسْتَأْمَنِ مَعَهُ بِأَمَانٍ فِينَا لَمْ تَجُزْ وَصِيَّتُهُ، فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، إلَّا بِإِجَازَةِ الْوَارِثِ لِأَنَّ حَقَّ وَارِثِهِ هَا هُنَا مُرَاعًى بِسَبَبِ الْأَمَانِ كَحَقِّهِ.\nفَإِنْ حَضَرَ لَهُ وَارِثٌ آخَرُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ شَارَكَ الَّذِي كَانَ حَاضِرًا فِي مِيرَاثِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُوصَى لَهُ إلَّا الثُّلُثُ؛ لِأَنَّ وَصِيَّتَهُ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ قَدْ بَطَلَتْ لِعَدَمِ إجَازَةِ الْوَرَثَةِ، فَيَبْقَى ذَلِكَ مَوْرُوثًا عَنْهُ بَيْنَ جَمِيعِ وَرَثَتِهِ.\nوَيَسْتَوِي إنْ كَانَ الْحَاضِرُ مَعَهُ زَوْجَتُهُ أَوْ ابْنُهُ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ أَنْ يَقْضِيَ بِمِيرَاثِهِمَا فِي الزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ قَضَاؤُهُ بِمِيرَاثِ بَعْضِ الْوَرَثَةِ فِي مَالٍ يَكُونُ إبْطَالًا لِلْوَصِيَّةِ فِي ذَلِكَ الْمَالِ. .","vol":"1","page":2046},{"text":"- وَلَوْ أَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ فِينَا أَوْصَى بِجَمِيعِ مَالِهِ لِحَرْبِيٍّ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ جَاءَ الْمُوصَى لَهُ وَابْنُ الْمَيِّتِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي بِالْمَالِ لِلْمُوصَى لَهُ لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لِوَارِثِهِ الَّذِي فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَإِنَّمَا كَانَ الْمَالُ مُحْتَرَمًا لِحَقِّ الْمَيِّتِ، فَيَكُونُ مَصْرُوفًا إلَى مَنْ وَضَعَهُ الْمَيِّتُ فِيهِ.\n- وَلَوْ كَانَ الْمُوصَى لَهُ مِنْ أَهْلِ دَارٍ غَيْرِ دَارِهِ فَالْوَصِيَّةُ لَهُ بَاطِلَةٌ، لِتَبَايُنِ الدَّارِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، بِمَنْزِلَةِ الذِّمِّيِّ يُوصِي لِحَرْبِيٍّ فِي دَارِ الْحَرْبِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمُوصَى لَهُ فِي دَارِنَا بِأَمَانٍ؛ لِأَنَّ تَبَايُنَ الدَّارِ هَا هُنَا غَيْرُ مَوْجُودٍ صُورَةً وَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا حُكْمًا وَبِخِلَافِ مَا إذَا أَوْصَى لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ هُوَ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ أَوْ أَسِيرٍ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ لَمْ يُوجَدْ تَبَايُنُ الدَّارِ حُكْمًا، فَالْمُسْلِمُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ حَيْثُمَا يَكُونُ.\nوَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى لِحَرْبِيٍّ قَدْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ حَيْثُمَا يَكُونُ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ زَوْجَتَهُ لَوْ خَرَجَتْ مُسْلِمَةً بَعْدَ إسْلَامِهِ لَمْ تَبِنْ مِنْهُ بِخِلَافِ مَا إذَا خَرَجَتْ قَبْلَ إسْلَامِهِ. .","vol":"1","page":2047},{"text":"- وَلَوْ كَانَ أَوْصَى لَهُ وَهُوَ حَرْبِيٌّ ثُمَّ أَسْلَمَ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي أَوْ بَعْدَهُ فَوَصِيَّتُهُ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّهَا وَقَعَتْ لِإِنْسَانٍ بِعَيْنِهِ، فَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ حَالُهُ يَوْمَ أَوْصَى لَهُ، وَقَدْ كَانَ مَيِّتًا عِنْدَ ذَلِكَ حُكْمًا، فَبَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ لَهُ، وَالْوَصِيَّةُ الْبَاطِلَةُ لَا تَنْقَلِبُ صَحِيحَةً بِإِسْلَامِهِ.\nوَكَذَلِكَ إنْ أَجَازَتْ الْوَرَثَةُ وَصِيَّتَهُ؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ إنَّمَا تَلْحَقُ الْمَوْقُوفَ لَا الْبَاطِلَ.\nوَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ أَوْصَيْت لِفُلَانٍ ابْنِ أَخِي فُلَانٍ؛ لِأَنَّهُ حِينَ سَمَّاهُ بِعَيْنِهِ فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إلَيْهِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ أَوْصَيْت لِابْنِ أَخِي بِكَذَا وَلَمْ يُسَمِّ الِابْنَ بِعَيْنِهِ فَأَسْلَمَ الِابْنُ قَبْلَ مَوْتِ عَمِّهِ فَالْوَصِيَّةُ لَهُ جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُصْمَدْ لِشَخْصٍ بِعَيْنِهِ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِمَنْ هُوَ مَوْجُودٌ عِنْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، اعْتِبَارًا لِلْمُوصَى لَهُ بِالْمُوصَى بِهِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِأَخِيهِ ابْنٌ ثُمَّ وُلِدَ لَهُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصَى اسْتَحَقَّ ذَلِكَ الِابْنُ الْوَصِيَّةَ بِهَذَا الطَّرِيقِ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ كَافِرًا فَأَسْلَمَ. .\n\n- قَالَ: وَلَوْ وَهَبَ الْمُسْتَأْمَنُ فِي مَرَضِهِ مَالَهُ كُلَّهُ لِابْنِهِ الَّذِي هُوَ مَعَهُ، وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ، ثُمَّ جَاءَ ابْنٌ آخَرُ لَهُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ، وَأَرَادَ نَقْضَ الْهِبَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ","vol":"1","page":2048},{"text":"لِأَنَّهُ مَا كَانَ لِهَذَا الِابْنِ الَّذِي جَاءَ حُرْمَةٌ عِنْدَ مَوْتِ أَبِيهِ، فَالْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ إنَّمَا لَا تَجُوزُ لِحَقِّ سَائِرِ الْوَرَثَةِ، فَإِذَا انْعَدَمَ ذَلِكَ الْحَقُّ عِنْدَ مَوْتِ الْمُوصَى تَمَّتْ الْوَصِيَّةُ لَهُ، وَلَيْسَ لِمَنْ يَحْضُرُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُبْطِلَهُ.\n- وَإِنْ كَانَ مَجِيءُ هَذَا الِابْنِ قَبْلَ مَوْتِ وَالِدِهِ فَلَهُ أَنْ يُبْطِلَ هِبَتَهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُدَّعِي الْحَقِّ عِنْدَ مَوْتِ أَبِيهِ فَكَانَ تَصَرُّفُ الْأَبِ إيثَارًا لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ عَلَى الْبَعْضِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ.\nثُمَّ إنْ جَاءَ ابْنٌ آخَرُ لَهُ بَعْدَ هَذَا شَارَكَهُمَا فِي الْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ حِينَ بَطَلَتْ صَارَ الْمَالُ مِيرَاثًا عَنْ الْمَيِّتِ.\n- وَلَوْ كَانَ الِابْنُ الَّذِي جَاءَ قَبْلَ مَوْتِ أَبِيهِ أَجَازَ الْهِبَةَ لِأَخِيهِ بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ، قَبْلَ مَجِيءِ الْآخَرِ أَوْ بَعْدَهُ، جَازَتْ الْهِبَةُ فِي نَصِيبِهِ؛ لِأَنَّهُ حِينَ مَاتَ الْأَبُ قَبْلَ إجَازَتِهِ فَقَدْ صَارَ الْمَالُ مِيرَاثًا بَيْنَ الْبَنِينَ الثَّلَاثَةِ، أَثْلَاثًا، ثُمَّ إنَّمَا تَعْمَلُ إجَازَةُ الْمُجِيزِ فِي نَصِيبِهِ لَا فِي نَصِيبِ غَيْرِهِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَخَذَ الِابْنُ الْحَاضِرُ الْمِيرَاثَ فَاسْتَهْلَكَهُ بِهِبَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ جَاءَ الِابْنُ الْآخَرُ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَهُ مِنْ الْمِيرَاثِ.\n\n- وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ لِلْمُسْتَأْمَنِ هَا هُنَا ابْنَانِ فَأَوْصَى لَهُمَا بِجَمِيعِ الْمَالِ، أَوْ وَهَبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ الْمَالِ مَقْسُومًا.","vol":"1","page":2049},{"text":"وَقَبَضَهُ، ثُمَّ أَجَازَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ، ثُمَّ جَاءَ ابْنٌ آخَرُ\nفَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِيرَاثَهُ مِنْ النَّصِيبَيْنِ؛ لِأَنَّ الثُّلُثَ مِنْ الْمَالِ صَارَ مِيرَاثًا لَهُ بِمَوْتِ الْمُوصِي قَبْلَ إجَازَةِ الِابْنَيْنِ فَلَا يَبْطُلُ ذَلِكَ إلَّا بِإِجَازَتِهِمَا. .\n\n- وَلَوْ كَانَ مَعَهُ ابْنٌ وَاحِدٌ فَأَوْصَى لَهُ بِجَمِيعِ مَالِهِ، وَأَجَازَ الِابْنُ الْوَصِيَّةَ لِنَفْسِهِ، بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ، ثُمَّ جَاءَ ابْنٌ آخَرُ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ نِصْفَ الْمَالِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ وَهَبَ لَهُ وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ قَدْ مَلَكَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ بِالْقَبْضِ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلِابْنِ الْآخَرِ حَقٌّ مَرْعِيٌّ عِنْدَ ذَلِكَ، فَلَا يَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُ الْإِرْثِ عِنْدَ مَوْتِهِ.\nفَأَمَّا الْوَصِيَّةُ إنَّمَا تَجِبُ بِالْمَوْتِ كَالْمِيرَاثِ، وَبِاعْتِبَارِ الْمُقَارَنَةِ لَا يَنْتَفِي الْإِرْثُ لِابْنٍ آخَرَ؛ فَلِهَذَا كَانَ لَهُ نِصْفُ الْمِيرَاثِ، وَلَا تَعْمَلُ إجَازَةُ الْمُجِيزِ فِي حَقِّهِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ الِابْنَ الْمُوصَى لَهُ لَوْ أَخَذَ الْمَالَ بِطَرِيقِ الْمِيرَاثِ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ كَانَ لِلِابْنِ الْآخَرِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ نِصْفَهُ، فَكَذَلِكَ إذَا أَخَذَ بِطَرِيقِ الْوَصِيَّةِ.\n\n- وَلَوْ أَنَّ حَرْبِيًّا فِي دَارِ الْحَرْبِ حَضَرَهُ الْمَوْتُ فَوَهَبَ مَالَهُ لِمُسَلِّمٍ فِيهِمْ بِأَمَانٍ وَسَلَّمَهُ، فَأَبَى وَارِثُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ أَنْ يُجِيزَ لَهُ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، كَانَ الْمُسْتَأْمَنُ فِي سِعَةٍ مِنْ مَنْعِ جَمِيعِ الْمَالِ مِنْهُ إنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ مَلَّكَهُ بِطِيبَةِ نَفْسِهِ، وَبَعْدَ تَمَامِ الْمِلْكِ مِنْهُ لَا يَثْبُتُ فِيهِ حَقُّ وَرَثَتِهِ، وَلَا حَقُّ غُرَمَائِهِ، بَعْدَ مَوْتِهِ وَإِنْ أَسْلَمُوا.","vol":"1","page":2050},{"text":"٤١١١ - وَإِنْ كَانَ الْحَرْبِيُّ أَوْصَى لَهُ بِمَالِهِ كُلِّهِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَإِنْ كَانَ مِنْ حُكْمِ أَهْلِ الْحَرْبِ أَنَّ الْمُوصَى لَهُ أَحَقُّ بِالْمُوصَى بِهِ طَابَ لَهُ ذَلِكَ كُلِّهِ؛ لِأَنَّ الْوَرَثَةَ وَالْغُرَمَاءَ مُلْتَزِمُونَ أَحْكَامَ أَهْلِ الْحَرْبِ.\nوَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ حُكْمِهِمْ لَمْ يَطِبْ لَهُ إلَّا الثُّلُثُ بَعْدَ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ فِيهِمْ بِأَمَانٍ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَالَهُمْ أَوْ مَالًا لَهُمْ فِيهِ حَقٌّ إلَّا بِطِيبَةِ أَنْفُسِهِمْ.\n\n- وَلَوْ أَنَّ مُسْتَأْمَنًا فِينَا وَهَبَ مَالَهُ لِرَجُلٍ، أَوْ أَوْصَى لَهُ بِهِ، وَلَا وَارِثَ لَهُ، ثُمَّ جَاءَ قَوْمٌ بَعْدَ مَوْتِهِ وَأَثْبَتُوا دَيْنًا عَلَى الْمَيِّتِ أَدَانُوهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَبْدَأُ بِحَقِّ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّ مَنْ فِي يَدِهِ الْمَالُ خَصْمٌ عَنْ الْمَيِّتِ، فَإِثْبَاتُ الدَّيْنِ عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ كَإِثْبَاتِهِ عَلَى الْمَيِّتِ، وَمِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ الْبِدَايَةُ بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْهِبَةِ فِي الْمَرَضِ وَالْوَصِيَّةِ.\nفَإِنْ جَاءَ ابْنُهُ بَعْدَ هَذَا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَقَالَ: أُعْطَى مِيرَاثَ أَبِي مِنْ الْبَاقِي لَمْ يَلْتَفِتْ الْقَاضِي إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقٌّ مَرْعِيٌّ عِنْدَ مَوْتِ أَبِيهِ، فَلَا تَبْطُلُ الْهِبَةُ وَالْوَصِيَّةُ لِأَجْلِهِ","vol":"1","page":2051},{"text":"٤١١٣ - وَعَلَى هَذَا لَوْ جَاءَ الْغُرَمَاءُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ فَأَثْبَتُوا عَلَيْهِ دَيْنًا أَدَانُوهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي لَهُمْ بِشَيْءٍ، وَإِنْ كَانُوا مُسْلِمِينَ أَوْ أَهْلَ ذِمَّةٍ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ جَاءُوا فِي حَيَاتِهِ وَأَقَامُوا الْبَيِّنَةَ لَمْ يَقْضِ لَهُمْ بِشَيْءٍ، فَإِنَّ الْمُسْتَأْمَنَ غَيْرُ مُطَالَبٍ بِمُوجِبِ مُعَامَلَةٍ كَانَتْ مَعَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَكَذَلِكَ إذَا جَاءُوا بَعْدَ مَوْتِهِ.\n- قَالَ: وَلَوْ لَمْ يَكُنْ أَوْصَى بِمَالِهِ لِأَحَدٍ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، بَدَأَ بِالدَّيْنِ الَّذِي اسْتَدَانَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ بِالدَّيْنِ الَّذِي اسْتَدَانَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ مَا اسْتَدَانَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَقْوَى، فَإِنَّهُ مَطْلُوبٌ بِهِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَبَعْدَهُ، وَمَا اسْتَدَانَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَضْعَفُ، فَإِنَّهُ كَانَ لَا يُطَالَبُ بِهِ مَا لَمْ يُسْلِمْ، وَعِنْدَ اجْتِمَاعِ الْحَقَّيْنِ يَبْدَأُ بِأَقْوَاهُمَا.\nثُمَّ هَا هُنَا يُقْضَى مِنْ تَرِكَتِهِ مَا اسْتَدَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ مَا يَفْضُلُ مِنْ غُرَمَاءِ دَارِ الْإِسْلَامِ مَوْقُوفٌ عَلَى حَقِّ وَرَثَتِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَهُوَ مُطَالَبٌ بِمَا اسْتَدَانَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي حَقِّهِمْ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَالْفَضْلُ هُنَاكَ مُسْتَحَقٌّ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ لِلْمُوصَى لَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَذَلِكَ الدَّيْنُ لَيْسَ بِمَطْلُوبٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. .\n\n- وَإِنْ مَاتَ الْمُسْتَأْمَنُ فِينَا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ مَوْقُوفٌ فِي يَدِ مَنْ فِي يَدِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ أَحَدٍ جَعَلَهُ الْإِمَامُ مَوْقُوفًا فِي بَيْتِ","vol":"1","page":2052},{"text":"الْمَالِ حَتَّى يَحْضُرَ وَارِثُهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَبْعَثَ بِهِ إلَيْهِ، وَلَكِنْ كُلُّ مَنْ يَأْتِي مِنْ وَرَثَتِهِ يُعْطِيهِ حِصَّتَهُ، وَيَقِفُ الْفَضْلُ حَتَّى يَأْتِيَ مُسْتَحِقُّهُ، فَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ قَسَّمَ الْإِمَامُ ذَلِكَ لِلْمَسَاكِينِ، ثُمَّ إنْ جَاءَ وَارِثٌ لَهُ أَعْطَاهُ ذَلِكَ مِنْ الصَّدَقَاتِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْأَمَانِ بَقِيَ فِي مَالِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَيَفْعَلُ فِيهِ مَا يَفْعَلُهُ فِي مَالِ ذِمِّيٍّ يَمُوتُ وَلَا وَارِثَ لَهُ. .\n\n- وَلَوْ جَرَحَ الْمُسْتَأْمَنُ رَجُلًا عَمْدًا أَوْ خَطَأً، فَعَفَا لَهُ عَنْ الْجِرَاحَةِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا، ثُمَّ جَاءَ وَارِثُهُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الْقَاتِلِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِي الْبَابِ أَنَّهُ مُوصٍ لِقَاتِلِهِ بِالدِّيَةِ، وَالْوَصِيَّةُ لِلْقَاتِلِ كَالْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَا نَفَذَ مِنْ ذَلِكَ فِي مَرَضِهِ لَا يَبْطُلُ لِحَقِّ الْوَارِثِ الَّذِي فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَكَذَلِكَ هَذَا.\n- وَلَوْ كَانَ الْوَارِثُ قَدِمَ فِي حَيَاتِهِ لَمْ تَجُزْ الْوَصِيَّةُ لِقَاتِلِهِ إنْ كَانَ أَوْصَى لَهُ، وَإِنْ كَانَ عَفَا عَنْ دَمِ الْعَمْدِ وَكَانَ الْوَاجِبُ الْقِصَاصَ بِأَنْ كَانَ الْقَاتِلُ مُسْتَأْمَنًا مِثْلَهُ جَازَ الْعَفْوُ؛ لِأَنَّ إسْقَاطَ الْقَوَدِ لَيْسَ مِنْ الْوَصِيَّةِ فِي شَيْءٍ.\nوَإِنْ كَانَ خَطَأً جَازَ مِنْ الثُّلُثِ.","vol":"1","page":2053},{"text":"لِأَنَّ وَصِيَّتَهُ بِالدِّيَةِ لِلْعَاقِلَةِ لَا لِلْقَاتِلِ.\n٤١١٨ - وَلَوْ كَانَ أَوْصَى لِقَاتِلِهِ بِنِصْفِ مَالِهِ، وَلِابْنِهِ الَّذِي قَدِمَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِنِصْفِ مَالِهِ، فَأَجَازَ الِابْنُ لِلْقَاتِلِ، ثُمَّ قَدِمَ ابْنٌ آخَرُ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِيرَاثَهُ مِنْ الْوَصِيَّتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْقَاتِلِ مَا كَانَتْ صَحِيحَةً قَبْلَ الْإِجَازَةِ كَالْوَصِيَّةِ لِلْوَرَثَةِ، فَصَارَ الِابْنُ الْآخَرُ مُسْتَحِقًّا نَصِيبَهُ مِنْ الْمِيرَاثِ كُلِّهِ، ثُمَّ إنَّمَا تَعْمَلُ إجَازَةُ أَحَدِ الِابْنَيْنِ فِي نَصِيبِهِ لَا فِي نَصِيبِ أَخِيهِ.\n\n- وَلَوْ كَانَ وَهَبَ لِقَاتِلِهِ فِي مَرَضِهِ وَلَا وَارِثَ لَهُ هَا هُنَا جَازَتْ الْهِبَةُ فِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّ وَارِثَهُ كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَحَقُّهُ غَيْرُ مَرْعِيٍّ.\n- وَلَوْ كَانَ مَعَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ذُو قَرَابَةٍ لَهُ، مَحْجُوبٌ مِمَّنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَقَالَ هَذَا الْقَرِيبُ: إنْ جَعَلْتُمْ الَّذِي فِي دَارِ الْحَرْبِ كَالْمَيِّتِ فَأَنَا أَوْلَى بِمَالِهِ آخُذُهُ بِطَرِيقِ الْمِيرَاثِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّا إنْ أَبْطَلْنَا الْوَصِيَّةَ وَالْهِبَةَ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ نَجْعَلَهُ مِيرَاثًا عَنْهُ، وَإِذَا صَارَ مِيرَاثًا كَانَ الْأَقْرَبُ الَّذِي جَاءَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ أَوْلَى بِهِ كَمَا لَوْ لَمْ تُوجَدْ الْهِبَةُ وَالْوَصِيَّةُ أَصْلًا، فَبِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَالِ يَكُونُ هَذَا إبْطَالَ هِبَتِهِ لِحَقِّ وَارِثِهِ الَّذِي فِي دَارِ الْحَرْبِ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ.","vol":"1","page":2054},{"text":"مِنْ حَاشِيَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إلَى مَسْأَلَةٍ فِي بَابِ مَتَى يَصِيرُ الْحَرْبِيُّ ذِمِّيًّا لَيْسَ مِنْ إمْلَاءِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ - ﵀ - بَلْ مِنْ نُسْخَةِ الْقَاضِي مَحْمُودٍ الْأُوزْجَنْدِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَصُورَةُ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ: لَوْ أَنَّ حَرْبِيًّا مُسْتَأْمَنًا اشْتَرَى أَرْضًا خَرَاجِيَّةً فَجَاءَ مُسْتَحِقٌّ فَاسْتَحَقَّهَا. يُحْتَمَلُ أَنَّ شَمْسَ الْأَئِمَّةِ مَا أَمْلَاهُ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ جُزْءٌ مِنْ الرِّوَايَةِ وَأَمْلَاهُ وَلَكِنْ وَقَعَ مِنْ يَدِ مَنْ نَقَلَ كُتُبَهُ إلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَالْأَئِمَّةُ مِنْ بَعْدِهِ شَرَحُوا مَا يَرْوِيهِ فَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ هَا هُنَا مِنْ شَرْحِ قَاضِي الْقُضَاةِ مَحْمُودٍ الْأُوزْجَنْدِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ. .\n\n- قَالَ: وَلَوْ أَنَّ حَرْبِيًّا فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْصَى بِوَصِيَّةٍ لِمُسْلِمٍ، ثُمَّ مَاتَ الْحَرْبِيُّ ثُمَّ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ قَبْلَ أَنْ يُقَسَّمَ الْمِيرَاثُ، فَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُ الْمُوصَى لَهُ يَوْمَ الْوَصِيَّةِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ لِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ بَيْنَهُمَا، وَتَبَايُنُ الدَّارَيْنِ يَمْنَعُ الْوَصِيَّةَ، كَمَا لَوْ أَوْصَى الْمُسْلِمُ لِحَرْبِيٍّ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِوَصِيَّتِهِ لَمْ يَجُزْ، فَإِنْ أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ بَعْدَ مَا أَسْلَمُوا فَهِيَ بَاطِلَةٌ، إلَّا أَنْ يَدْفَعُوهَا إلَيْهِ وَيُسَلِّمُوهَا، فَكَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الْهِبَةِ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ خَرَجَتْ بَاطِلَةً، وَالْبَاطِلُ لَا يَلْحَقُهُ الْإِجَازَةُ.","vol":"1","page":2055},{"text":"- وَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُ يَوْمَ أَوْصَى لَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ، وَلَمْ يُقَسِّمُوا الْمِيرَاثَ، فَإِنِّي أُنَفِّذُ الْوَصِيَّةَ لَهُ مِنْ الثُّلُثِ، وَأُقَسِّمُ مَا بَقِيَ بَيْنَ وَرَثَتِهِ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى، أَمَّا الْوَصِيَّةُ فَجَائِزَةٌ لِأَنَّهُمَا كَانَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَهِيَ دَارٌ وَاحِدَةٌ، فَجَازَتْ الْوَصِيَّةُ كَالْمُسْلِمِ إذَا أَوْصَى لِحَرْبِيٍّ مُسْتَأْمَنٍ بِوَصِيَّةٍ جَازَتْ الْوَصِيَّةُ، ثُمَّ الْوَصِيَّةُ تَنْفُذُ مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّ الدَّارَ صَارَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ يَجْرِي فِيهَا حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ، فَيَجْرِي فِي هَذَا الْمَالِ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ جَوَازُ الْوَصِيَّةِ مِنْ الثُّلُثِ\nوَإِنْ كَانُوا اقْتَسَمُوا الْمِيرَاثَ وَقَبَضُوهُ فَأَبْطَلُوا الْوَصِيَّةَ، ثُمَّ أَسْلَمُوا، بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّهُ جَرَى فِي هَذَا الْمَالِ حُكْمُهُمْ فَلَا نَتَعَرَّضُ لِمَا مَضَى فِيهِ مِنْ حُكْمِهِمْ.\n(أَلَا تَرَى) لَوْ أَنَّهُمْ اقْتَسَمُوا الْمَوَارِيثَ عَلَى خِلَافِ قِسْمَةِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَسْلَمُوا، لَا يَتَعَرَّضُ لِتِلْكَ الْقِسْمَةِ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":2056},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>[بَابٌ مَا يُصَدَّقُ فِيهِ الْأَسِيرُ أَنَّهُ ذِمِّيٌّ وَمَا لَا يُصَدَّقُ فِيهِ]</span>\n١٩٢ - بَابٌ مَا يُصَدَّقُ فِيهِ الْأَسِيرُ أَنَّهُ ذِمِّيٌّ وَمَا لَا يُصَدَّقُ فِيهِ وَهَذَا الْبَابُ بِهَذَا النَّظْمِ قَدْ مَرَّ فِي الزِّيَادَاتِ، وَقَدْ مَرَّتْ مَسَائِلُهُ فِيمَا مَضَى مِنْ هَذَا الْكِتَابِ، فَلَا نُعِيدُ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. .","vol":"1","page":2057},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>[بَابٌ مَا يُصَدَّقُ فِيهِ الرَّجُلُ إذَا أَقَرَّ أَنَّهُ اسْتَهْلَكَ مِنْ مَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ]</span>\n١٩٣ - بَابٌ مَا يُصَدَّقُ فِيهِ الرَّجُلُ إذَا أَقَرَّ أَنَّهُ اسْتَهْلَكَ مِنْ مَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ، أَوْ مَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ\n٤١٢٣ - وَإِذَا أَسْلَمَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَوْ صَارَ ذِمَّةً، أَوْ دَخَلَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: قَطَعْت يَدَك وَأَنْتَ حَرْبِيٌّ فِي دَارِ الْحَرْبِ، أَوْ قَالَ: أَخَذْت مِنْك هَذِهِ الْأَلْفَ وَأَنْتَ حَرْبِيٌّ فَهُوَ لِي. أَوْ قَالَ أَخَذْت مِنْك أَلْفَ دِرْهَمٍ وَاسْتَهْلَكْتهَا، أَوْ قَالَ سَبَيْت ابْنَك هَذَا فِي دَارِ الْحَرْبِ.\nوَقَالَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ: بَلْ فَعَلْت ذَلِكَ كُلَّهُ بِي بَعْدَ مَا أَسْلَمْت، فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ فِي ذَلِكَ، وَلَا يُصَدَّقُ الْمُقِرُّ فَيُضَمِّنُهُ الْمُقَرُّ لَهُ دِيَةَ الْيَدِ وَيَأْخُذُ ابْنَهُ وَالْأَلْفَ الْقَائِمَةَ بِعَيْنِهَا.\nوَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ وَلَا يَضْمَنُ شَيْئًا، وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْمَالَ إذَا كَانَ قَائِمًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَقَرِّ لَهُ يَأْخُذُهُ مِنْ يَدِهِ، وَلَا يُصَدَّقُ فِي الْأَلْفِ الْقَائِمَةِ بِعَيْنِهَا","vol":"1","page":2058},{"text":"لِأَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهَا كَانَتْ لَهُ، ثُمَّ يَدَّعِي التَّمَلُّكَ عَلَيْهِ فَلَا يُصَدَّقُ.\nوَأَمَّا فِي الْمُسْتَهْلَكِ فَإِنَّمَا قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّهُ يَصْدُقُ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ إقْرَارَهُ إلَى حَالَةٍ مَعْهُودَةٍ بِنَفْيِ وُجُوبِ الضَّمَانِ، فَكَانَ مُنْكَرًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ فِي الْحَقِيقَةِ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فَلَا يُلْزِمُهُ بِشَيْءٍ. كَمَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ طَلَّقْتهَا وَأَنَا صَبِيٌّ أَوْ نَائِمٌ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ وَيَكُونُ إنْكَارًا لِلطَّلَاقِ.\nوَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى قَالَا إذَا أَقَرَّ بِالْجِنَايَةِ ثُمَّ ادَّعَى سُقُوطَ حُكْمِهِ بِالْمِلْكِ فَلَا يُصَدَّقُ، كَمَا إذَا قَالَ أَخَذْت مِنْك أَلْفَ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لِي عَلَيْك أَلْفُ دِرْهَمٍ وَأَنْكَرَ الْآخَرُ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْأَلْفُ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِالْجِنَايَةِ وَهُوَ الْأَخْذُ ثُمَّ ادَّعَى سُقُوطَ حُكْمِهِ بِالْمِلْكِ فَلَا يُصَدَّقُ، كَذَلِكَ هَا هُنَا. وَلِهَذَا الْبَابِ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ مَذْكُورَةٌ فِي الزِّيَادَاتِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. .","vol":"1","page":2059},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>[بَابٌ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ وَيَكُونُ مُحْرِزًا لَهُ]</span>\nرَوَى مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِإِسْنَادِهِ\n٤١٢٤ - عَنْ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ مُعَاذٍ: مَنْ اسْتَخْمَرَ يَعْنِي مَنْ اسْتَعْبَدَ قَوْمًا أَوَّلُهُمْ أَحْرَارٌ أَوْ جِيرَانٌ مُسْتَضْعَفُونَ فَإِنْ كَانَ قَهَرَهُمْ فِي بَيْتِهِ حَتَّى يَدْخُلَ الْإِسْلَامُ فِي بَيْتِهِ فَهُمْ لَهُ عَبِيدٌ وَمَنْ كَانَ مُهْمِلًا يُعْطِي الْخَرَاجَ فَهُوَ عَتِيقٌ اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ اسْتَخْمَرَ مَعْنَاهُ اسْتَعْبَدَ كَمَا فَسَّرَهُ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ نَظِيرُ تَفْسِيرٍ ذَكَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ - ﵀ - فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ لِأَبِي عُبَيْدٍ، وَهِيَ لُغَةً الْيَمَنُ، هَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ: يَقُولُ الرَّجُلُ الْآخَرُ: أَخَمَرَنِي كَذَا، أَيْ مَلَّكَنِي إيَّاهُ وَأَعْطَنِيهِ هِبَةً. ثُمَّ الْأَمْرُ عَلَى مَا هُوَ فِي كِتَابِ مُعَاذٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَصَرَهُمْ فِي بَيْتِهِ وَقَهَرَهُمْ فَقَدْ مَلَكَهُمْ وَصَارُوا رَقِيقًا لَهُ، فَإِذَا أَسْلَمَ فَقَدْ أَسْلَمَ عَلَى مِلْكِ نَفْسِهِ فَيُسَلَّمُ لَهُ لِقَوْلِهِ - ﵌ -: «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى مَالٍ فَهُوَ لَهُ» فَأَمَّا إذَا كَانَ مُهْمَلًا يُؤَدِّي الْخَرَاجَ فَهُوَ عَتِيقٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْمِلْكُ إلَّا أَنَّ الِاسْتِيلَاءَ بِحَقِّ السَّلْطَنَةِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ إلَّا الِانْقِيَادُ وَالطَّاعَةُ، وَنَفْسُ الطَّاعَةِ لَا تَدُلُّ عَلَى الرِّقِّ، فَإِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ مُطِيعٍ سُلْطَانُهُ تَحْتَ وِلَايَتِهِ، وَلَمْ يَكُونُوا هُمْ عَبِيدًا لَهُ فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.","vol":"1","page":2060},{"text":"٤١٢٥ - وَكَذَلِكَ أَهْلُ الرُّخَّجِ وَزَابُلِسْتَانَ، وَدُونَهُمَا، قَهَرَهُمْ التُّرْكُ فَاسْتَعْبَدُوهُمْ وَصَارُوا مَمْلُوكِينَ لَهُمْ، يَبِيعُونَ مِنْهُمْ مَنْ شَاءُوا، فَإِذَا أَسْلَمَ أَهْلُ التُّرْكِ وَأَسْلَمَ أَهْلُ الْبَلَدِ مَعَهُمْ فَهُمْ عَبِيدٌ لَهُمْ يَصْنَعُونَ بِهِمْ مَا شَاءُوا لِمَا قُلْنَا. وَالرُّخَّجُ اسْمُ مَوْضِعٍ يَقُولُ فِيهِ قَائِلُهُمْ:\nوَالرُّخَّجِيُّونَ لَا يُوفُونَ مَا وَعَدُوا ... وَالرُّخَّجِيَّاتُ يُنْجِزْنَ الْمَوَاعِيدَا\nوَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":2061},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>[بَابُ الْحَرْبِيِّ يَدْخُلُ إلَيْنَا بِأَمَانٍ فَيُقِيمُ فِي دَارٍ الْإِسْلَامِ ثُمَّ يُتْرَكُ لَا يُؤَدِّي الْخَرَاجَ]</span>\n- قَالَ مُحَمَّدٌ: - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ السُّلَمِيِّ قَالَ: سَبَى نَاسٌ مِنْ أَشْرَافِ الرُّومِ فَخَرَجَ مَعَهُمْ نَاسٌ مِنْ قَرَابَاتِهِمْ بِأَمَانٍ، فَلَمَّا وَقَعُوا بِالشَّامِ تَفَرَّقُوا مَعَ قَرَابَاتِهِمْ، فَمَكَثُوا عَلَى ذَلِكَ لَا يُؤَدُّونَ الْخَرَاجَ، فَكُتِبَ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا، فِيهِمْ. فَكَتَبَ أَنْ أَخْبِرُوهُمْ فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ يُقِيمُوا مَعَ أَهْلِ ذِمَّتِنَا بِمِثْلِ مَا يُعْطِي مِثْلُهُمْ مِنْ الْخَرَاجِ فَذَلِكَ لَهُمْ، وَإِنْ أَبَوْا فَسَيِّرُوهُمْ إلَى بِلَادِهِمْ بِأَمَانٍ.\nاعْلَمْ أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا، وَهُوَ أَنَّ الْحَرْبِيَّ إذَا طَالَ مَقَامُهُ فِي دَارِنَا فَإِنَّ الْإِمَامَ يَقُولُ لَهُ، إنْ أَقَمْت سَنَةً بَعْدَ يَوْمِك هَذَا أَخَذْت مِنْك الْخَرَاجَ، فَإِنْ أَقَامَ","vol":"1","page":2062},{"text":"مِنْ حِينِ تَقُومُ إلَيْهِ جُعِلَ ذِمَّةً وَمُنِعَ مِنْ الْخُرُوجِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْخَرَاجُ، فَإِنْ خَرَجَ قَبْلَ ذَلِكَ لَا يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ وَإِنَّمَا قُدِّرَ ذَلِكَ بِسَنَةٍ؛ لِأَنَّ فِيمَا دُونَ السَّنَةِ لَا يَجِبُ جَمِيعُ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ، وَإِذَا تَمَّتْ السَّنَةُ يَلْزَمُهُ كُلُّ خِطَابٍ فَصَارَ مَا دُونَ السَّنَةِ قَلِيلًا، وَالسَّنَةُ كَثِيرٌ، فَإِذَا مَكَثَ سَنَةً فَقَدْ طَالَ مُقَامُهُ فِي دَارِنَا، فَصَارَ مِنْ أَهْلِهَا ذِمِّيًّا، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْخَرَاجُ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":2063},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>[بَابٌ الْعَقَارُ يُمْلَكُ فِي دَارِ الْحَرْبِ]</span>\nقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: ٤١٢٧ - إذَا دَخَلَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَاكْتَسَبَ مَالًا وَاشْتَرَى وَبَاعَ، فَمَلَكَ خَيْلًا وَسِلَاحًا وَدُورًا وَغَيْرَ ذَلِكَ، ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تِلْكَ الدَّارِ، فَلَهُ جَمِيعُ مَا اكْتَسَبَ مِنْ ذَلِكَ إلَّا الْعَقَارَ مِنْ الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ، أَمَّا مَا سِوَى الْعَقَارِ لَا يَكُونُ فَيْئًا؛ لِأَنَّ مَا سِوَى الْعَقَارِ مِنْ مَنْقُولٍ هُوَ فِي يَدِهِ، وَيَدُهُ غَيْرُ مَغْنُومٍ، فَمَا فِي يَدِهِ كَذَلِكَ، وَأَمَّا الْعَقَارُ فَهُوَ تَحْتَ يَدِ مَلِكِهِمْ، وَمَلِكُهُمْ مَغْنُومٌ، فَمَا فِي يَدِهِ مَغْنُومٌ.\nوَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فِي الرَّجُلِ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلَهُ عَقَارٌ، فَظَفِرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الدَّارِ أَنَّ عَقَارَهُ لَا يَكُونُ فَيْئًا فَعَلَى قِيَاسِ تِلْكَ الرِّوَايَةِ عَقَارُ هَذَا الْمُسْلِمِ الْمُسْتَأْمَنِ لَا يَكُونُ فَيْئًا، كَمَا لَا يَكُونُ مَنْقُولُهُ فَيْئًا.\nوَرَوَى مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْكِتَابِ\n\n- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ الْوَضِينِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ ابْنِ هِشَامٍ، عَنْ","vol":"1","page":2064},{"text":"سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -: «مَنْ مَنَحَهُ الْمُشْرِكُونَ أَرْضًا فَلَا أَرْضَ لَهُ» .\nوَرُوِيَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى «مَنْ مَنَحَهُ الْمُشْرِكُونَ دَارًا فَلَا دَارَ لَهُ» .\nوَلَمْ يُرِدْ بِهَذَا أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ بِالْمِنْحَةِ، وَلَكِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ لَا يَدُومُ مِلْكُهُ فِيهَا، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ إذَا ظَهَرُوا عَلَيْهَا تَصِيرُ لَهُمْ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":2065},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>[بَابٌ مَا يَكُونُ لِلْمَلِكِ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ وَمَنْ يَكُونُ لَهُ رَقِيقًا مِنْ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ]</span>\nقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -: ٤١٢٩ إذَا غَلَبَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى قَوْمٍ آخَرِينَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَاِتَّخَذُوهُمْ عَبِيدًا وَإِمَاءً لِلْمَلِكِ، ثُمَّ إنَّ الْمَلِكَ وَأَهْلَ أَرْضِهِ أَسْلَمُوا، فَمَنْ كَانَ مِنْ جُنْدِهِ الَّذِينَ غَلَبَهُمْ وَقَاتَلَ مَعَهُمْ فَهُمْ أَحْرَارٌ لَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَيْسُوا فِي قَهْرِ الْمَلِكِ، إنَّمَا هُمْ فِي طَاعَةِ الْمَلِكِ، وَالْمُطِيعُ لِلْمَلِكِ لَا يَكُونُ عَبْدًا لَهُ، كَالْمُسْلِمِ الْمُطِيعِ لِسُلْطَانِهِ لَا يَكُونُ رَقِيقًا لَهُ، فَهَؤُلَاءِ أَحْرَارٌ قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَبَقُوا عَلَى الْحُرِّيَّةِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ.\nوَأَمَّا الَّذِينَ غَلَبُوا فَاِتَّخَذَهُمْ الْمَلِكُ عَبِيدًا فَهُمْ عَبِيدٌ لَهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَبَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُمْ صَارُوا فِي قَهْرِ الْمَلِكِ، فَالْمَقْهُورُ مِنْهُمْ يَكُونُ عَبْدًا، فَهَؤُلَاءِ عَبِيدٌ لِلْمَلِكِ، فَإِذَا أَسْلَمَ فَقَدْ أَسْلَمَ عَلَى عَبِيدِ نَفْسِهِ، فَيَكُونُونَ لَهُ لِلْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَا.","vol":"1","page":2066},{"text":"٤١٣٠ - فَإِنْ حَضَرَ الْمَلِكَ الْمَوْتُ فَوَرِثَ ذَلِكَ بَعْضُ وَرَثَتِهِ دُونَ بَعْضٍ، وَسَلَّمَ ذَلِكَ إلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ صَنَعَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ أَوْ يَصِيرَ ذِمَّةً، ثُمَّ أَسْلَمَ وَلَدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، جَعَلَ الْأَمْرَ عَلَى مَا صَنَعَهُ الْمَلِكُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ حِينَ صَنَعَ كَانَ الْحُكْمُ لَهُ، وَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ حُكْمٌ، فَلَا يَتَعَرَّضُ لِحُكْمِهِ، بَلْ يَمْضِي.\n- وَإِنْ كَانَ صَنَعَ بَعْدَ مَا أَسْلَمَ أَوْ صَارَ ذِمَّةً لَمْ يَجُزْ مَا صَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَ جَمِيعُ مَالِهِ مِيرَاثًا بَيْنَ وَرَثَتِهِ، عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ صَنَعَ ذَلِكَ وَحُكْمُ الْإِسْلَامِ جَارٍ عَلَيْهِ، فَلَا يَجُوزُ مِنْهُ إلَّا مَا يُوَافِقُ حُكْمَ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا جَوْرٌ فِي حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ فَيَنْقُضُ حُكْمَهُ.\n\n- وَإِنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ وَلَهُ أَوْلَادٌ، فَقَسَّمَ مِلْكَهُ بَيْنَهُمْ، فَجَعَلَ لِكُلِّ ابْنٍ نَاحِيَةً مِنْ مِلْكِهِ، وَأَرْضِهِ مَعْلُومَةٌ مِلْكُهُ عَلَيْهَا، وَجَعَلَ مَا فِيهَا مِنْ عَبِيدِهِ وَإِمَائِهِ لَهُ خَاصَّةً، وَسَلَّمَ ذَلِكَ لَهُ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ فَجَمِيعُ مَا صَنَعَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا صَنَعَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا أَسْلَمَ أَوْ صَارَ ذِمَّةً فَمَا صَنَعَ بَاطِلٌ، وَجَمِيعُ الْإِمَاءِ وَالْعَبِيدِ رَقِيقٌ، مِيرَاثٌ بَيْنَ وَرَثَتِهِ.","vol":"1","page":2067},{"text":"لِأَنَّ هَذَا إيثَارُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ بِعَيْنٍ مِنْ أَعْيَانِ مَالِهِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ فِي حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ. وَقَوْلُهُ: إنَّ جَمِيعَ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ مِيرَاثٌ بَيْنَ وَرَثَتِهِ إخْبَارٌ مِنْهُ بِأَنَّ الْمَرِيضَ مَتَى أَعْطَى عَيْنًا لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ حَقَّهُ مِنْ الْمِيرَاثِ، أَوْ أَوْصَى بِأَنْ يَدْفَعَ ذَلِكَ إلَيْهِ بِحَقِّهِ مِنْ الْمِيرَاثِ، أَنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ لَا يَجُوزُ أَلْبَتَّةَ، فَإِنَّهُ قَالَ: فَجَمِيعُ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ مِيرَاثٌ بَيْنَ وَرَثَتِهِ.\n- وَإِنْ جَعَلَ كُلَّهُ لِابْنٍ وَاحِدٍ مِنْ بَنِيهِ دُونَ مَنْ سِوَاهُ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُوَادِعٌ، فَوَثَبَ لَهُ ابْنٌ آخَرُ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلَى أَخِيهِ فَقَتَلَهُ، وَظَهَرَ عَلَى مَا فِي يَدِهِ، أَوْ لَمْ يَقْتُلْهُ وَلَكِنْ نَفَاهُ إلَى أَرْضِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ أَسْلَمُوا جَمِيعًا جَازَ لِلِابْنِ الْقَاهِرِ مَا صَنَعَ، وَكَانُوا جَمِيعًا عَبِيدًا لَهُ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ الْقَهْرَ فِي دَارِ الْحَرْبِ سَبَبُ مِلْكِ الْحَرْبِيِّ، وَالِابْنُ الْقَاهِرُ مَلَكَ عَبِيدَ أَخِيهِ الْمَقْهُورِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، فَبَقُوا عَلَى مِلْكِهِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانَ الِابْنُ الْقَاهِرُ صَنَعَ ذَلِكَ وَهُمَا مُسْلِمَانِ رَدَّ ذَلِكَ كُلَّهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَمْلِكُ مَالَ مُسْلِمٍ آخَرَ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ، فَكَيْفَ يَمْلِكُ مَالُ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ.\n- وَإِنْ كَانَ الِابْنُ الْقَاهِرُ مُحَارِبًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَالِابْنُ الْمَقْهُورُ مُسْلِمًا، فَجَمِيعُ مَا صَنَعَ مِنْ ذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ إنْ أَسْلَمَ أَوْ صَارَ ذِمَّةً","vol":"1","page":2068},{"text":"لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ يَمْلِكُ مَالَ الْمُسْلِمِ الْأَجْنَبِيِّ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ، فَكَذَلِكَ مَالُ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ فِي دَارِ الْحَرْبِ.\n- فَإِنْ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أُولَئِكَ الْعَبِيدِ فَإِنْ وَجَدَهُمْ الِابْنُ الْمَقْهُورُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُمْ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدَهُمْ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُمْ بِالْقِيمَةِ كَمَا لَوْ قَهَرَهُمْ أَجْنَبِيٌّ وَأَخَذَهُمْ ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ.\nقَالَ: وَإِنْ دَخَلَ تَاجِرٌ مِنْ تُجَّارِ الْمُسْلِمِينَ إلَى هَذَا الِابْنِ الْقَاهِرِ فَاشْتَرَى رَقِيقًا مِنْ أُولَئِكَ الْعَبِيدِ - فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِابْنَ الْقَاهِرَ مَلَكَهُمْ وَالْتَحَقُوا بِسَائِرِ أَمْلَاكِهِ، فَحَلَّ لَهُ الشِّرَاءُ مِنْهُ.\n- فَإِنْ أَخْرَجَهُمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَالِابْنُ الْمَقْهُورُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَهُمْ بِالثَّمَنِ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُمْ، وَإِنْ كَانَ الِابْنُ الْقَاهِرُ صَنَعَ ذَلِكَ وَهُوَ مُسْلِمٌ، وَأَخُوهُ الْمَقْهُورُ مُسْلِمٌ أَيْضًا لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَشْتَرُوا مِنْهُ مِنْ أُولَئِكَ الرَّقِيقِ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الِابْنَ الْقَاهِرَ لَمْ يَمْلِكْهُمْ بِالْقَهْرِ، فَهَذَا غَصْبٌ فِي يَدِهِ وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْتَرِيَ الْمَالَ الْمَغْصُوبَ مِنْ الْغَاصِبِ.\nفَإِنْ اشْتَرَاهُ وَأَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ رُدَّ إلَى الِابْنِ الْمَقْهُورِ بِغَيْرِ ثَمَنٍ وَلَا قِيمَةٍ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ فَيُرَدُّ إلَيْهِ.","vol":"1","page":2069},{"text":"٤١٣٧ - فَإِنْ كَانَ الِابْنُ الْقَاهِرُ مُسْلِمًا يَوْمَ فَعَلَ هَذَا بِأَخِيهِ، وَأَخُوهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ فَنَفَاهُ عَنْ الدَّارِ، وَلَمْ يُحْدِثَ فِي الرَّقِيقِ شَيْئًا، ثُمَّ إنَّ الِابْنَ الْقَاهِرَ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَقَاتَلَ الْمُسْلِمِينَ، وَغَلَبَ عَلَى الرَّقِيقِ، وَأَجْرَى حُكْمَ الشِّرْكِ فِي دَارِهِ، ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تِلْكَ الدَّارِ، وَأَخَذَ مِنْ ذَلِكَ السَّبْيِ شَيْئًا فَإِنْ وَجَدَهُ الِابْنُ الْمَقْهُورُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ارْتَدَّ صَارَ حَرْبِيًّا، وَالدَّارُ صَارَتْ دَارَ حَرْبٍ، فَصَارَ هَذَا مَالَ مُسْلِمٍ فِي يَدِ حَرْبِيٍّ مُحْرِزًا بِدَارِ الْحَرْبِ فَيَمْلِكُهُ، فَإِذَا ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ وَقَسَّمُوهُ صَارَ غَنِيمَةً لِلْمُسْلِمِينَ، فَيَأْخُذُهُ مَالِكُهُ بِالْقِيمَةِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .","vol":"1","page":2070},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>[بَابٌ التَّفْرِيقُ بَيْنَ السَّبْيِ]</span>\nقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: ٤١٣٨ - إذَا سُبِيَ السَّبْيُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَكَانُوا كِبَارًا كُلُّهُمْ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمْ فِي الْبَيْعِ وَالْقِسْمَةِ، وَإِنْ كَانُوا إخْوَةً أَوْ وَلَدًا وَأُمُّهُمْ أَوْ وَلَدًا وَآبَاؤُهُمْ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ يَأْبَى كَرَاهِيَةَ التَّفْرِيقِ بَيْنَ ذِي الرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ؛ لِأَنَّهُ مَنَعَ الْمَالِكَ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهِ، وَإِنَّمَا عُرِفَتْ الْكَرَاهَةُ بِالشَّرْعِ، وَالشَّرْعُ إنَّمَا جَاءَ بِكَرَاهَةِ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا إذَا كَانَا صَغِيرَيْنِ، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا كَبِيرًا وَالْآخَرُ صَغِيرًا، فَأَمَّا إذَا كَانَا كَبِيرَيْنِ فَلَا شَرْعَ فِيهِ فَبَقِيَ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ.\nوَكَانَ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّهُمَا إذَا كَانَا صَغِيرَيْنِ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَأْنَسُ بِصَاحِبِهِ وَيَأْلَفُ مَعَهُ، فَإِذَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا أَخَذَهُ خَشْيَةَ الْوَحْشَةِ بِالْوَحْدَةِ وَقَلْبُ الصَّغِيرِ لَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ، فَيُؤَدِّي إلَى هَلَاكِهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَعْدُومٌ فِيمَا إذَا كَانَا كَبِيرَيْنِ.","vol":"1","page":2071},{"text":"٤١٣٩ - فَأَمَّا إذَا كَانَتْ وَالِدَةٌ وَوَلَدٌ صَغِيرٌ أَوْ أَخَوَانِ صَغِيرَانِ، أَوْ كَبِيرٌ وَصَغِيرٌ، أَوْ غُلَامٌ لَمْ يُدْرِكْ وَعَمَّتُهُ أَوْ خَالَتُهُ صَغِيرَةٌ مِثْلُهُ أَوْ كَبِيرَةٌ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمْ فِي قِسْمَةٍ وَلَا بَيْعٍ لِمَا رَوَى مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فِي الْكِتَابِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ حُيَيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَعَافِرِيِّ وَهُوَ أَبُو قَبِيلٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجِيلِيُّ قَالَ: كُنَّا مَعَ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي غُزَاةٍ فَقَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ -، يَقُولُ: «مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْوَالِدِ وَوَلَدِهِ فَرَّقَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَرُوِيَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -، أَنَّهُ أُتِيَ بِسَبْيٍ فَقَامَ فَنَظَرَ إلَى امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ تَبْكِي، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ فَقَالَتْ: ابْنِي بِيعَ فِي بَنِي عَبْسٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - لِأَبِي أُسَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ: فَرَّقْت بَيْنَهُمَا فَلْتَرْجِعَنَّ وَلْتَأْتِيَنَّ بِهِ، فَرَجَعَ فَأَتَى بِهِ» .\nوَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ كَتَبَ أَلَّا يُفَرَّقَ بَيْنَ الْأَخَوَيْنِ، وَبَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا، يَعْنِي إذَا كَانَا صَغِيرَيْنِ، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا صَغِيرًا وَالْآخَرُ كَبِيرًا.\n- وَإِذَا كَانَا غَيْرَ ذِي الرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ مِثْلُ بَنِي الْعَمِّ أَوْ بَنِي الْخَال، وَهُمَا صَغِيرَانِ، أَوْ أَحَدُهُمَا كَبِيرٌ وَالْآخَرُ صَغِيرٌ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْبَيْعِ وَالْقِسْمَةِ.؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْقَرَابَةَ لَا عِبْرَةَ بِهَا فِي الْأَحْكَامِ، بِدَلِيلِ جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي النِّكَاحِ، وَجَوَازِ الْمُنَاكَحَةِ بَيْنَهُمَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا ذَكَرًا وَالْآخَرُ أُنْثَى، وَوُجُوبُ","vol":"1","page":2072},{"text":"الْقَطْعِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِسَرِقَةِ مَالِ صَاحِبِهِ، فَنَزَلَ مَنْزِلَةَ الْأَجَانِبِ، وَلَا بَأْسَ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَ الْأَجَانِبِ، قَالَ:\n\n- وَالْمَرْأَةُ وَزَوْجُهَا إذَا سُبِيَا جَمِيعًا مَعًا فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْبَيْعِ وَالْقِسْمَةِ صَغِيرَيْنِ كَانَا أَوْ كَبِيرَيْنِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ يَأْبَى كَرَاهِيَةَ التَّفْرِيقِ لِمَا قُلْنَا، إلَّا أَنَّا كَرِهْنَا التَّفْرِيقَ بِالشَّرْعِ، وَالشَّرْعُ جَارٍ بِكَرَاهِيَةِ التَّفْرِيقِ عِنْدَ الْوَصْلَةِ بِالنَّسَبِ لَا بِالسَّبَبِ. فَبَقِيَتْ الْوَصْلَةُ بِالسَّبَبِ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنْ أَبَى الْخَيْرِ قَالَ: كُنَّا فِي الْمَغَازِي لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا، وَنُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَزَوْجِهَا.\nفَإِنْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا كَانَتْ امْرَأَتُهُ حَيْثُ مَا كَانَتْ لَا تَبِينُ مِنْهُ بِبَيْعٍ وَلَا قِسْمَةٍ؛ لِأَنَّهُمَا سُبِيَا مَعًا فَلَمْ تَتَبَايَنْ بِهِمَا الدَّارُ، فَبَقِيَ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا فَلَا يُبْطِلُهُ الْبَيْعُ وَالْقِسْمَةُ. .\n\n- وَإِذَا مَاتَ الزَّوْجُ عَنْ امْرَأَتِهِ الْحُرَّةِ وَلَهَا ابْنَةٌ صَغِيرَةٌ وَعَمٌّ، كَانَتْ الْأُمُّ أَحَقَّ بِابْنَتِهَا مَا لَمْ تَبْلُغْ، فَإِذَا بَلَغَتْ كَانَ عَمُّهَا أَحَقَّ بِهَا؛ لِأَنَّ الْعَمَّ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ، وَالْأَبُ أَحَقُّ بِهَا مِنْ أُمِّهَا إذَا بَلَغَتْ، فَكَذَلِكَ الْعَمُّ.\nوَلَكِنْ لَا تُمْنَعُ الْأُمُّ مِنْ زِيَارَةِ ابْنَتِهَا؛ لِأَنَّ الزِّيَارَةَ لِصِلَةِ الرَّحِمِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ وَاجِبَةٌ، وَاخْتَلَفُوا فِي: كَمْ مُدَّةً تَزُورُ؟ قَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: تَزُورُ فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً. وَقَالَ مُحَمَّدٌ - ﵀ -: تَزُورُ فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ.\nوَهَكَذَا إذَا زُفَّتْ الْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا، وَلَهَا أَبَوَانِ، فَإِنَّ لِزَوْجِهَا أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ زِيَارَةِ أَبَوَيْهَا، وَلَكِنْ أَبَوَاهَا يَزُورَانِهَا،","vol":"1","page":2073},{"text":"ثُمَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَزُورَانِهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ وَفِيمَا زَادَ عَلَى هَذَا كَانَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَمْنَعَهَا، ثُمَّ إذَا زَارَاهَا فَإِنَّمَا يَزُورَانِهَا بِحَضْرَةِ الزَّوْجِ، وَلَا يَزُورَانِهَا فِي غَيْبَتِهِ، حَتَّى لَا يُمْكِنَهَا التَّخْلِيطُ فِي بَالِهَا، فَيُؤَدِّي إلَى الْفِتْنَةِ وَالْعَدَاوَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .","vol":"1","page":2074},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-200>[بَابٌ مَا يُكْرَهُ فِيهِ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الرَّقِيقِ فِي الْبَيْعِ]</span>\n١٩٩ - بَابٌ مَا يُكْرَهُ فِيهِ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الرَّقِيقِ فِي الْبَيْعِ قَدْ مَرَّ هَذَا الْبَابُ فِي الزِّيَادَاتِ عَلَى هَذَا النَّظْمِ وَالتَّرْتِيبِ فَلَا نُعِيدُهُ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":2075},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>[بَابٌ الْوَصِيَّةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمَالُ يُعْطَى]</span>\nقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -\n٤١٤٣ - إذَا قَالَ الرَّجُلُ فِي مَرَضِهِ: ثُلُثُ مَالِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ تُوُفِّيَ فَهَذَا جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَى بِأَنْ يُصْرَفَ ثُلُثُهُ إلَى جِهَةِ الْقُرْبَةِ وَالطَّاعَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ طَاعَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ - أَنَّهُ قَالَ «مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» يَعْنِي مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي طَاعَةِ اللَّهِ.\n(أَلَا تَرَى) إلَى مَا رُوِيَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى «مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الْإِسْلَامِ» يَعْنِي فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَثَبَتَ أَنَّهُ جَعَلَ ثُلُثَ مَالِهِ فِي جِهَةِ الطَّاعَةِ وَالْقُرْبَةِ وَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمُوصَى لَهُ مَعْلُومًا، قَالَ: وَيُعْطِي ثُلُثَهُ لِلْفُقَرَاءِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَعْنِي يُعْطِي أَهْلَ الْحَاجَةِ مِمَّنْ يَغْزُو.\nلِأَنَّ كُلَّ خَيْرٍ وَطَاعَةٍ، وَإِنْ كَانَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَكِنْ مُطْلَقُهُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْغَزْوِ وَالْجِهَادِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٠] . وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْجِهَادُ فَكَانَ","vol":"1","page":2076},{"text":"قَصْدُ الْمَيِّتِ مِنْ هَذَا أَنْ يُصْرَفَ ثُلُثُهُ إلَى جِهَةِ الْغَزْوِ، فَيُصْرَفُ إلَى مَا نَوَاهُ وَقَصَدَهُ، وَيَكُونُ مَا يُعْطُونَ مِنْ ذَلِكَ لَهُمْ، حَتَّى إنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، بَعْدَ مَا دَفَعَ إلَيْهِ، كَانَ ذَلِكَ مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ، إنْ شَاءُوا خَرَجُوا وَإِنْ شَاءُوا لَمْ يَخْرُجُوا؛ لِأَنَّ هَذَا جَعَلَ ثُلُثَ مَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ، وَالصَّدَقَةُ تَمْلِيكٌ مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] . إلَى أَنْ قَالَ: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] .\nوَتِلْكَ الصَّدَقَةُ شَرْطُ صِحَّتِهَا التَّمْلِيكُ، فَكَذَلِكَ الثُّلُثُ إذَا جُعِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَتْ صَدَقَةَ تَمْلِيكٍ، وَالصَّدَقَةُ تُمْلَكُ بِالْقَبْضِ، فَإِذَا قَبَضَ صَارَ لَهُ، فَإِذَا مَاتَ مِيرَاثًا عَنْهُ، ثُمَّ الْوَرَثَةُ إنْ شَاءُوا خَرَجُوا وَإِنْ شَاءُوا لَمْ يَخْرُجُوا.\nلِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ التَّصَدُّقُ بِذَلِكَ الْمَالِ عَلَى مَنْ يَمْلِكُ صَارَ مَعْنَى الصَّرْفِ إلَى الْغَزْوِ كَالْمَشُورَةِ مِنْ الْمَيِّتِ كَرَجُلٍ يُعْطِي مَالَهُ فِي حَيَاتِهِ إلَى رَجُلٍ وَيَقُولُ: هُوَ لَك تَحُجُّ بِهِ أَوْ تَغْزُو بِهِ، كَانَ ذَلِكَ مَشُورَةً مِنْهُ. .\n\n- وَكَذَلِكَ إذَا أَعْطَاهُ دَارًا وَقَالَ: هِيَ لَك تَسْكُنُهَا، كَانَ قَوْلُهُ تَسْكُنُهَا مَشُورَةً مِنْهُ، وَلَهُ أَنْ يَصْرِفَ الْمَالَ إلَى غَيْرِ مَا أَمَرَ الْمُعْطِي، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا لِمَا تَمَلَّكَهُ بِالْقَبْضِ صَارَ لَهُ، وَلِوَارِثِهِ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى مَا شَاءَ، وَإِنْ كَانَ يُعْطِي مِنْهَا","vol":"1","page":2077},{"text":"رَجُلًا فَقِيرًا شَيْئًا، فَقَضَى بِبَعْضِهِ دَيْنًا، وَتَرَكَ بَعْضَهُ نَفَقَةً لِعِيَالِهِ، وَخَرَجَ بِبَعْضِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَا بَأْسَ بِهَذَا؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ مِنْ أَمْرِ الْغَزْوِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَخْرُجَ غَازِيًا إلَّا بِأَنْ يَخْلُفَ لِعِيَالِهِ نَفَقَتَهُ، وَيَقْضِيَ غَرِيمَهُ دَيْنًا، وَيَخْرُجَ بِبَعْضِهِ لِيَكُونَ لَهُ نَفَقَةً فِي الطَّرِيقِ، فَهَذَا هُوَ الْغَزْوُ الْمَعْرُوفُ فَلَا يَكُونُ بِهِ بَأْسٌ.\nوَإِنْ أَعْطَاهَا حَاجًّا مُنْقَطِعًا عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْحَاجِّ الْمُنْقَطِعِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ طَاعَةُ اللَّهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَدْخُلُ تَحْتَ هَذَا اللَّفْظِ كُلُّ خَيْرٍ وَطَاعَةٍ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: رَجُلٌ أَوْصَى إلَيَّ بِوَصِيَّةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَجْعَلُهَا فِي الْحَجِّ؟ قَالَ: الْحَجُّ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ.\nوَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا جَعَلَ سَيْفًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَعْطَاهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بَعْضَ الْحَاجِّ، وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يُعْطِيَ الْمُحْتَاجَ الَّذِي يَخْرُجُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ سَبِيلَ اللَّهِ إذَا أُطْلِقَ يُرَادُ بِهِ الْغَزْوُ وَالْجِهَادُ دُونَ غَيْرِهِ، فَكَانَ صَرْفُهُ إلَيْهِ أَوْلَى، وَنَظِيرُهُ مَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا. رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِفُقَرَاءِ مَكَّةَ، يَجُوزُ أَنْ يُصْرَفَ ثُلُثُهُ إلَى غَيْرِ فُقَرَاءِ مَكَّةَ، وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ صَرْفُهُ إلَى فُقَرَاءِ مَكَّةَ.\n\n- وَذُكِرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يُعْطِي الرَّجُلَ الشَّيْءَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ: إذَا بَلَغَ رَأْسَ مَغْزَاةٍ فَهُوَ لَهُ. فَالْمَغْزَاةُ أَرَادَ بِهِ الثَّغْرَ الَّذِي يَكُونُ بِقُرْبٍ مِنْ","vol":"1","page":2078},{"text":"أَرْضِ الْعَدُوِّ فَقَدْ شَرَطَ أَنَّهُ إذَا بَلَغَ الثَّغْرَ يَصِيرُ مِلْكًا لَهُ.\nوَعِنْدَنَا هُوَ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ رَأْسَ الْمَغْزَاةِ، لِمَا قُلْنَا: إنَّ هَذِهِ صَدَقَةُ تَمْلِيكٍ، وَصَدَقَةُ التَّمْلِيكِ تُمْلَكُ بِالْقَبْضِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الشَّرْطُ مِنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَيْسَ لِوُقُوعِ الْمِلْكِ فِيهِ لِلْغَازِي وَلَكِنْ كَانَ لِلْمَنْعِ مِنْ الصَّرْفِ إلَى حَوَائِجِهِ، فَإِنَّهُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الثَّغْرَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى حَوَائِجِهِ، أَوْ يُخْلِفَهُ لِعِيَالِهِ، فَإِذَا بَلَغَ الثَّغْرَ لَا يُمْكِنُهُ الصَّرْفُ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْجِهَادِ، فَإِنَّمَا شُرِطَ هَذَا الشَّرْطُ لِيَكُونَ مَانِعًا لَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْجِهَادِ\n\n- وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ جَعَلَ فَرَسًا لَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَضَاعَ الْفَرَسُ عِنْدَ صَاحِبِهِ، فَأَرَادَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -: «لَا تَرْجِعْ فِي صَدَقَتِك، فَإِنَّ مَثَلَ الَّذِي يَرْجِعُ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ»، مَعْنَى قَوْلِهِ ضَاعَ الْفَرَسُ عِنْدَ صَاحِبِهِ أَيْ بَاعَهُ صَاحِبُهُ أَوْ أَخْرَجَهُ مِنْ مِلْكِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، وَقَوْلُهُ: جَعَلَ فَرَسًا لَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، لَمْ يُرِدْ بِهِ أَنَّهُ جَعَلَ فَرَسَهُ حَبِيسًا، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ تَصَدَّقَ بِفَرَسِهِ عَلَى رَجُلٍ لِيَغْزُوَ بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إذْ جَعَلَهُ حَبِيسًا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، ثُمَّ قَوْلُهُ:","vol":"1","page":2079},{"text":"فَأَرَادَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -: «لَا تَرْجِعْ فِي صَدَقَتِك» هَذَا دَلِيلٌ لِبَعْضِ النَّاسِ، فَإِنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أَنَّ مَنْ تَصَدَّقَ بِفَرَسٍ عَلَى رَجُلٍ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، حَتَّى قَالَ: يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ، وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِأَضْعَافِ قِيمَتِهِ، وَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﵌ - نَهَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ ذَلِكَ، وَجَعَلَ شِرَاءَهُ رُجُوعًا فِي الصَّدَقَةِ، وَالرُّجُوعُ فِي الصَّدَقَةِ حَرَامٌ.\nوَعِنْدَنَا لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ اسْتِبْدَالٌ وَلَيْسَ بِرُجُوعٍ، وَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ نَهَى لِمَكَانِ الْمُحَابَاةِ أَيْ إذَا عَلِمَ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُتَصَدِّقَ هُوَ الَّذِي يَشْتَرِيهِ فَرُبَّمَا يُحَابِيهِ فِي الثَّمَنِ، فَيَصِيرُ قَدْرُ الْمُحَابَاةِ يُشْبِهُ الرُّجُوعَ فِي الصَّدَقَةِ، فَيُكْرَهُ ذَلِكَ، وَأَمَّا إذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُحَابِي الْمُتَصَدِّقَ لِمَكَانِ الصَّدَقَةِ، لَا يَكُونُ رُجُوعًا فِي الصَّدَقَةِ، وَلَا يُشْبِهُ الرُّجُوعَ فَلَا يُكْرَهُ.\n- وَعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهُذَيْلِ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إذَا حَمَلَ عَلَى بَعِيرٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ عَلَى شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ: إذَا جَاوَزْت وَادِيَ الْقُرَى أَوْ نَحْوَهَا مِنْ طَرِيقِ مِصْرَ فَاصْنَعْ بِهِ مَا بَدَا لَك فَقَالَ بَعْضُهُمْ:","vol":"1","page":2080},{"text":"هَذَا مِنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - تَمْلِيكٌ مُؤَقَّتٌ، أَيْ إذَا بَلَغْت وَادِيَ الْقُرَى وَجَاوَزْته فَهُوَ مِلْكٌ لَك، كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِآخَرَ: إذَا جَاءَ غَدٌ فَهَذِهِ الدَّارُ صَدَقَةٌ لَك.\nوَإِذَا كَانَ تَمْلِيكًا بَعْدَ مُجَاوَزَةِ الْوَادِي لَا يَمْلِكُهُ فِي الْحَالِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - تَمْلِيكًا فِي الْحَالِ، إلَّا أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ مِنْهُ لِلْمَنْعِ عَنْ الصَّرْفِ إلَى حَوَائِجِهِ، وَالتَّرْغِيبِ فِي الْخُرُوجِ بِهِ إلَى الْغَزْوِ، فَيَكُونُ لِهَذَا الشَّرْطِ حُكْمُ الْمَشُورَةِ.\nوَرُوِيَ أَيْضًا فِي الْكِتَابِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، إذَا بَلَغْت وَادِيَ الْقُرَى فَشَأْنُك، وَعَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ الْجَرْمِيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ فِي رَجُلٍ قَالَ: ثُلُثُ مَالِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قَالَ عَطَاءٌ: طَاعَةُ اللَّهِ كُلُّهَا سَبِيلُهُ.\nوَلَكِنْ لَوْ كَانَ سُمِّيَ غَزْوًا كَانَ كَمَا قَالَ.\nقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أَحَبُّ إلَيْنَا أَنْ يُعْطِيَ أَهْلَ الْحَاجَةِ مِمَّنْ يَغْزُو بِهِ سَبِيلَ اللَّهِ وَلَا يُعْطِيَ الْغَنِيَّ مِنْهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: \" ثُلْثَيْ مَالِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ عِبَارَةٌ عَنْ التَّصَدُّقِ، فَيَكُونُ مَوْضِعُهُ الْفُقَرَاءَ كَمَا هُوَ السَّبِيلُ فِي سَائِرِ الصَّدَقَاتِ. .\n\n- وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سَوْدَةَ أَنَّ أَخَوَيْنِ مِنْ الْقَارَّةِ مِنْ كِنَانَةَ تُوُفِّيَ أَحَدُهُمَا وَأَوْصَى بِدَنَانِيرَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَمْ يَتَهَيَّأْ لِأَخِيهِ الْغَزْوُ مِنْ عَامِهِ فَحَجَّ بِهِ، فَلَقِيَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ. - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -","vol":"1","page":2081},{"text":"فَذَكَر ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: أَنْفِقْهَا عَلَى نَفْسِك، فَإِنَّك لَنْ تُنْفِقَ عَلَى نَفْسِك دِرْهَمًا إلَّا كُتِبَ بِكَذَا وَكَذَا.\nقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: هَذَا إذَا كَانَ أَخُوهُ مُحْتَاجًا، وَلَيْسَ بِوَارِثٍ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يُنْفِقَهَا عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ كَفَقِيرٍ أَجْنَبِيٍّ عَنْهُ.\nفَأَمَّا إذَا كَانَ غَنِيًّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُنْفِقَهَا عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ، وَالصَّدَقَةُ مَحَلُّهَا الْفُقَرَاءُ دُونَ الْأَغْنِيَاءِ.\nوَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ وَارِثًا فَلَا يُنْفِقُهَا عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ وَقَدْ قَالَ - ﵌ -: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» . وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. .","vol":"1","page":2082},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-202>[بَابٌ الْحَبِيسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ]</span>\nقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:\n٤١٤٩ - لَا بَأْسَ بِأَنْ يَحْبِسَ الرَّجُلُ فَرَسَهُ وَسِلَاحَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقُولَ: ذَلِكَ حَبِيسٌ عَلَى مَنْ غَزَا، وَيَدْفَعَهُ إلَى رَجُلٍ يَقُومُ بِذَلِكَ، وَيُعْطِيهِ مَنْ احْتَاجَ إلَيْهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْقُرْبِ، وَمِنْ وُقُوفِ السَّلَفِ مِنْ الصَّحَابَةِ نَحْوَ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ﵃ -. وَمِنْ التَّابِعِينَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَعَامِرٌ الشَّعْبِيُّ (رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ حَبَسُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) .\nثُمَّ هَذَا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يُشْكِلُ، فَإِنَّ عِنْدَهُ وَقْفَ الْمَنْقُولِ جَائِزٌ، سَوَاءٌ جَرَى الْعُرْفُ فِيهِ أَوْ لَمْ يَجْرِ، كَوَقْفِ غَيْرِ الْمَنْقُولِ، وَكَذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَقْفَ الْمَنْقُولِ بَاطِلٌ إلَّا مَا جَرَى الْعُرْفُ فِيهِ، وَهُوَ قَدْ جَرَى الْعُرْفُ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَالتَّابِعِينَ، بِحَبْسِ السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ، فَيَجُوزُ عِنْدَهُ حَبْسُ","vol":"1","page":2083},{"text":"الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ لَا يَجُوزُ. وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، الْحَبْسُ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَإِنَّ مِلْكَهُ لَا يَزُولُ بِالْحَبْسِ، حَتَّى إنَّ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ إنْ شَاءَ، وَإِنْ مَاتَ يُورَثُ عَنْهُ فَيَكُونُ الْحَبْسُ عَلَى مَعْنَى الْعَارِيَّةِ، وَإِبَاحَةِ الِانْتِفَاعِ كَسَائِرِ الْوُقُوفِ عَلَى مَذْهَبِهِ.\nثُمَّ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَصِيرُ حَبْسًا إلَّا بِالتَّسْلِيمِ، وَهُوَ إلَى قَيِّمٍ؛ إلَى مُتَوَلِّي الْغُزَاةِ أَوْ بِنَصْبِ وَاحِدٍ يَقُومُ بِهِ، فَيُسَلِّمُهُ إلَى رَجُلٍ يُرِيدُ الْغَزْوَ، فَيَدْفَعُهُ إلَيْهِ أَوْ إلَى قَيِّمِ الْأَوْقَافِ فَيُزِيلُ يَدَهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ التَّسْلِيمَ شَرْطٌ فِي الْوُقُوفِ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَوْقَافِ.\nوَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - ﵀ - التَّسْلِيمُ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الْوَقْفِ، وَلَكِنْ الْإِشْهَادُ يَكْفِي، فَكَذَلِكَ التَّسْلِيمُ فِي الْحَبْسِ لَيْسَ بِشَرْطٍ.\nثُمَّ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي صِحَّتِهِ كَانَ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ؛ لِأَنَّ تَبَرُّعَاتِ الصَّحِيحِ تُعْتَبَرُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي مَرَضِهِ أَوْ أَوْصَى بَعْدَ مَوْتِهِ كَانَ ذَلِكَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ كَسَائِرِ تَبَرُّعَاتِهِ؛ لِأَنَّ التَّبَرُّعَ فِي الْمَرَضِ وَصِيَّةٌ وَالْوَصِيَّةُ تُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ. .","vol":"1","page":2084},{"text":"قَالَ مُحَمَّدٌ - ﵀ -: ٤١٥٠ - وَإِذَا جَعَلَ الرَّجُلُ حَبِيسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَسِمَهُ حَبِيسًا لِفُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ حَتَّى إنْ ضَلَّ أَوْ سَرَقَهُ سَارِقٌ رُدَّ عَلَى صَاحِبِهِ، وَرُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ -، كَانَ يَسِمُ إبِلَ الصَّدَقَاتِ بِيَدِهِ» .\nوَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ وَسَمَ بِيَدِهِ، حَتَّى رُوِيَ أَنَّهُ حَبَسَ ثَلَاثِينَ أَلْفَ بَعِيرٍ وَثَلَاثَمِائَةِ فَرَسٍ مَوْسُومًا فِي أَفْخَاذِهِنَّ حَبِيسٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - ﵀ - أَنَّهُ حُمِلَ الْخَيْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ عِنْدِهِ، وَقَدْ وُسِمَتْ فِي أَفْخَاذِهِنَّ عُدَّةُ اللَّهِ؛ وَلِأَنَّ السِّمَةَ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا إيلَامُ الْحَيَوَانِ فَفِيهَا مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ عَلَيْهَا سِمَةٌ لَا يَقْصِدُ أَحَدٌ غَصْبَهَا، وَلَا يَرْغَبُ فِي سَرِقَتِهَا.\n- وَلَوْ ضَلَّتْ عُرِفَتْ بِالسِّمَةِ، فَتُرَدُّ عَلَى صَاحِبِهَا، وَلَا بَأْسَ بِإِيلَامِ الْحَيَوَانِ لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، خُصُوصًا إذَا كَانَ أَمْرًا مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هَذَا عَلَى قَوْلِهِمَا، لِأَنَّ عِنْدَهُمَا الْإِشْعَارَ فِي بَابِ الْمَنَاسِكِ لَا يُكْرَهُ فَكَذَلِكَ السِّمَةُ - وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْإِشْعَارُ يُكْرَهُ، فَكَذَلِكَ السِّمَةُ مَكْرُوهَةٌ؛ لِأَنَّهَا مِثْلُهُ.\nثُمَّ السِّمَةُ وَإِنْ كَانَتْ فِي مَوْضِعٍ تَتَمَرَّغُ بِهَا الدَّابَّةُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ","vol":"1","page":2085},{"text":"لِأَنَّ قَصْدَ صَاحِبِهَا بِالسِّمَةِ هُوَ الْمَعْرِفَةُ لَا التَّهَاوُنُ بِاسْمِ اللَّهِ - تَعَالَى، فَلَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ، وَهَذَا يُبَيِّنُ لَك الْجَوَابَ فِي مَسْأَلَةٍ أُخْرَى وَهُوَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا كَانَ لَهُ خَاتَمٌ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى، فَإِنَّ جَوَابَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ الْخَلَاءَ، وَالْخَاتَمُ فِي أُصْبُعِهِ أَوْ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ مَعَهُ، بَلْ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْزِعَهُ مِنْ أُصْبُعِهِ تَعْظِيمًا لِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى.\nوَفِيمَا ذُكِرَ هَا هُنَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ أَنْ يَدْخُلَ الْخَلَاءَ، أَوْ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ، وَهُوَ مُتَخَتِّمٌ بِذَلِكَ الْخَاتَمِ، وَلَكِنَّ جَوَابَ الْعُلَمَاءِ مَا بَيَّنَّاهُ.\n- عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بِالْبَدَلِ بِالْحَبِيسِ مِنْ عِلَّةٍ بَأْسًا، وَيَكْرَهُهُ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ. وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بِالْبَدَلِ بِالْحَبِيسِ بَأْسًا، وَيَكْرَهُهُ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ إذَا مَرِضَ، فَأَمَّا إذَا كَانَ بِغَيْرِ عِلَّةٍ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ اسْتِبْدَالُهُ؛ لِأَنَّ الَّذِي حَبَسَهُ رَضِيَ بِحَبْسِهِ لَا بِاسْتِبْدَالِهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ بِعِلَّةٍ فَإِنْ كَانَتْ الْعِلَّةُ مِمَّا يُتَوَهَّمُ زَوَالُهَا نَحْوُ الْمَرَضِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يُبَدِّلَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ الْحَبْسَ عِنْدَهُ لَازِمٌ حَتَّى كَانَ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَبِيعَهُ، فَلَمَّا كَانَ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَبِيعَهُ وَالرُّجُوعُ فِيهِ، فَكَذَلِكَ الِاسْتِبْدَالُ.\nوَأَمَّا عِنْدَهُمَا الْحَبْسُ لَازِمٌ، وَلَوْ شَاءَ صَاحِبُهُ أَنْ يَبِيعَهُ بَعْدَ مَا مَرِضَ لَا يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ لِغَيْرِهِ.","vol":"1","page":2086},{"text":"- وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ مَكْحُولٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَبِيعُوا شَيْئًا مِنْ حَبِيسِ الدَّوَابِّ وَلَا تَسْتَبْدِلُوهَا.\nفَلَا يَجُوزُ اسْتِبْدَالُهَا إلَّا إذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ بِحَيْثُ لَا يُتَوَهَّمُ زَوَالُهَا، بِأَنْ صَارَ بِحَالٍ لَا يُسْتَطَاعُ الْقِتَالُ عَلَيْهِ، أَوْ كَبِرَ، فَهَذَا لَا بَأْسَ بِأَنْ يُبَاعَ وَيُشْتَرَى بِثَمَنِهِ حَبِيسًا مَكَانَهُ إنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ يُغْزَى بِذَلِكَ الثَّمَنِ عَنْ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ صَاحِبِهِ هُوَ الْقِتَالُ عَلَيْهِ، وَإِذَا صَارَ بِحَالٍ لَا يُسْتَطَاعُ الْقِتَالُ عَلَيْهِ لَوْ لَمْ تَجُزْ الْمُبَادَلَةُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَدَّى إلَى تَفْوِيتِ غَرَضِ صَاحِبِهِ، فَلَا يَكُونُ بِالْمُبَادَلَةِ بَأْسٌ.\nوَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، أَنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ بِاسْتِبْدَالِ الْوَقْفِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى وَلَدَيْهِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فَلَمَّا خَرَجَ إلَى صِفِّينَ قَالَ: إنْ نَأْتِ بِهِمْ الدَّارَ بِيعُوهُ وَاقْسِمُوا ثَمَنَهُ بَيْنَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ شَرْطُ الْبَيْعِ فِي أَصْلِ الْوَقْفِ ثُمَّ أَمَرَ بِالْبَيْعِ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":2087},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>[بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالْمَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْحَبْسِ فِي الْحَيَاةِ وَالصِّحَّةِ]</span>\n٤١٥٤ - قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إذَا أَوْصَى الرَّجُلُ فَقَالَ: ثُلُثُ مَالِي وَصِيَّةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ مَاتَ فَثُلُثُ مَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، كَمَا أَوْصَى؛ لِأَنَّهُ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ - تَعَالَى -، وَالْوَصِيَّةُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ جَائِزَةٌ، وَيُعْطَى الثُّلُثُ أَهْلَ الْحَاجَةِ.\nلِأَنَّ الْمَالَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَكُونُ صَدَقَةً، وَالصَّدَقَةُ مَصْرِفُهَا الْفُقَرَاءُ وَأَهْلُ الْحَاجَةِ.\n٤١٥٥ - ثُمَّ يُعْطَى أَهْلُ الْحَاجَةِ مِمَّنْ يَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِمَا قُلْنَا: إنَّ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُرَادُ بِهِ الْجِهَادُ، فَيُصْرَفُ إلَى أَهْلِ الْحَاجَةِ مِنْ الْغُزَاةِ وَالْمُجَاهِدِينَ، وَيُعْطَى كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَا يُقَوِّيهِ؛ لِأَنَّ التَّصَدُّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ إذَا وَجَبَ فَإِنَّهُ لَا يُنْقِصُ مِنْ قُوتِ الْيَوْمِ؛ لِأَنَّ الْغَنَاءَ لَا يَقَعُ بِدُونِهِ، وَلِهَذَا يَجِبُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ أَنْ يُطْعِمَ كُلَّ مِسْكِينٍ مِقْدَارَ قُوتِ يَوْمِهِ، وَذَلِكَ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ الْحِنْطَةِ. فَإِنْ أَحَبُّوا زَادُوهُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَحِلٌّ يَنْصَرِفُ الْجَمِيعُ إلَيْهِ، فَيَكُونُ مَحِلًّا لِصَرْفِ الزِّيَادَةِ.","vol":"1","page":2088},{"text":"أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِلْفُقَرَاءِ فَصُرِفَ الْكُلُّ إلَى فَقِيرٍ وَاحِدٍ جَازَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يُصْرَفَ إلَى الِاثْنَيْنِ. وَلَوْ دَفَعَ زَكَاةَ الْمَالِ كُلِّهِ إلَى فَقِيرٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَهُ، فَثَبَتَ أَنَّ الْوَاحِدَ مَحَلٌّ لِصَرْفِ الْكُلِّ إلَيْهِ، فَكَانَ مَحَلًّا لِصَرْفِ الزِّيَادَةِ إلَيْهِ، فَإِنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الْقُوتِ يَكُونُ مَا يَأْخُذُ لَهُ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَمْلِيكٌ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - جَعَلَ الصَّدَقَةَ الْمَفْرُوضَةَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَتِلْكَ الصَّدَقَةُ شَرْطُ صِحَّتِهَا التَّمْلِيكُ، كَذَلِكَ هَا هُنَا، وَالصَّدَقَةُ تُمْلَكُ بِالْقَبْضِ، فَإِذَا قَبَضَ صَارَتْ لَهُ. فَإِنْ خَلَّفَ لِنَفَقَةِ أَهْلِهِ مِنْ تِلْكَ الدَّرَاهِمِ جَازَ، وَإِنْ قَضَى بِهَا حَوَائِجَهُ جَازَ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ.\nلَكِنْ الْأَفْضَلُ أَنْ يَخْرُجَ بِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، تَحْصِيلًا لِمُرَادِ الْمَيِّتِ، فَإِنْ خَرَجَ بِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ رَجَعَ وَفِي يَدِهِ مِنْ الْمَالِ شَيْءٌ فَهُوَ لَهُ.\nلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَخْرُجْ بِهِ إلَى الْجِهَادِ كَانَ لَهُ، فَإِذَا رَجَعَ وَبَقِيَ فَضْلٌ بَعْدَ رُجُوعِهِ كَانَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ فَضْلٌ عَنْ مِلْكِهِ، وَإِنْ مَاتَ يُورَثُ عَنْهُ.\n٤١٥٦ - قَالَ: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْطَى مِنْهُ غَنِيًّا يَغْزُو بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ","vol":"1","page":2089},{"text":"لِمَا قُلْنَا: إنَّ الثُّلُثَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَدَقَةٌ، وَصَرْفُ الصَّدَقَةِ مَحَلُّهَا الْفُقَرَاءُ دُونَ الْأَغْنِيَاءِ، دَلِيلُهُ الزَّكَاةُ وَسَائِرُ الصَّدَقَاتِ. قَالَ:\n٤١٥٧ - وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ إذَا جَعَلَ فِي حَيَاتِهِ وَصِحَّتِهِ مَالَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ وَيُمْسِكَ مَا يَقُوتُهُ، فَإِذَا أَفَادَ مَالًا تَصَدَّقَ بِمِثْلِ مَا كَانَ أَمْسَكَ. وَذَكَرَ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ: إذَا قَالَ الرَّجُلُ: مَالِي فِي الْمَسَاكِينِ صَدَقَةٌ، يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِمَالِ الزَّكَاةِ مِنْ السَّوَائِمِ، وَمَالِ التِّجَارَةِ، وَلَا يَنْصَرِفُ إلَى مَا سِوَاهُ مِنْ رَقِيقِهِ وَعَقَارِهِ.\nفَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: مَا ذَكَرَ هَا هُنَا جَوَابَ الْقِيَاسِ، وَمَا ذَكَرَ فِي الْهِبَةِ جَوَابُ الِاسْتِحْسَانِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: اخْتِلَافُ الْجَوَابِ لِاخْتِلَافِ الْمَوْضُوعِ، فَمَوْضُوعُ مَسْأَلَةِ الْهِبَةِ أَنَّهُ قَالَ: مَالِي صَدَقَةٌ فِي الْمَسَاكِينِ، فَالصَّدَقَةُ كَانَتْ فِي لَفْظِهِ نَصًّا، وَذِكْرُ الْمَالِ عِنْدَ إيجَابِ الصَّدَقَةِ يُرَادُ بِهِ مَالُ الزَّكَاةِ وَقَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] . وَالْمُرَادُ مِنْهُ مَالُ الزَّكَاةِ.\nوَمَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ هَا هُنَا أَنَّهُ قَالَ: مَالِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَيْسَ فِي لَفْظِهِ ذِكْرُ الصَّدَقَةِ نَصًّا، وَلَيْسَ لِهَذَا الْإِيجَابِ أَصْلٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى - لِيُعْتَبَرَ بِهِ، فَيُصْرَفُ إلَى كُلِّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَالِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بِأَنَّ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ اخْتِلَافًا فِي الرِّوَايَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ أَضَافَ الْإِيجَابَ إلَى مَالِهِ، فَيَنْصَرِفُ إلَى كُلِّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَالِ، وَاسْمُ الْمَالِ يَقَعُ عَلَى غَيْرِ مَالِ الزَّكَاةِ مِنْ الرَّقِيقِ وَالْعَقَارِ، قَالَ - ﵌ -: «مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ» . ثُمَّ انْصَرَفَ ذَلِكَ إلَى أَنْوَاعِ مَالِ الْمَيِّتِ.","vol":"1","page":2090},{"text":"وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَوَصَيْت بِثُلُثِ مَالِي لِفُلَانٍ أَوْ لِلْمَسَاكِينٍ كَانَ لَهُ الثُّلُثُ مِنْ كُلِّ مَالٍ، فَإِذَا كَانَ اسْمُ الْمَالِ يَقَعُ عَلَيْهِ تَنَاوَلَهُ الْإِيجَابُ فَيَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِجَمِيعِ مَالِهِ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ كِتَابِ الْهِبَةِ وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْإِيجَابَ إيجَابُ الصَّدَقَةِ بِمَالِهِ، فَيُعْتَبَرُ بِإِيجَابِ اللَّهِ - تَعَالَى - لِلصَّدَقَةِ فِي مَالِ عِبَادِهِ، وَذَلِكَ يَنْصَرِفُ إلَى مَالِ الزَّكَاةِ فَكَذَلِكَ هَا هُنَا (انْصَرَفَ إلَى مَالِ الزَّكَاةِ) ثُمَّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ يُمْسِكُ مَا يَقُوتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُمْسِكْ قُوتَهُ لَاحْتَاجَ إلَى السُّؤَالِ.\nوَلَيْسَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُعَرِّضَ نَفْسَهُ لِلسُّؤَالِ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ يَحِلُّ لَهُ التَّنَاوُلُ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ؛ فَلَأَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ كَانَ أَوْلَى. فَإِذَا أَفَادَ مَالًا مِثْلَ مَا كَانَ أَمْسَكَ تَصَدَّقَ بِذَلِكَ الْقَدْرِ.\nلِأَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ صَارَ مَالَ الْفُقَرَاءِ. وَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ الصَّرْفَ إلَيْهِمْ، فَإِذَا أَتْلَفَهُ صَارَ دَيْنًا عَلَيْهِ، فَيَجِبُ قَضَاؤُهُ. ثُمَّ الْمَشَايِخُ قَالُوا فِي قَدْرِ قُوتِهِ الَّذِي يُمْسِكُ.\n٤١٥٨ - فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ زَارِعًا يُمْسِكُ قُوتَ سَنَةٍ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ يَدَهُ لَا تَصِلُ إلَى مَا يَقُوتُهُ إلَّا بَعْدَ سَنَةٍ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ تَاجِرًا يُمْسِكُ قُوتَ شَهْرٍ؛ لِأَنَّ التَّاجِرَ يَأْكُلُ مِنْ رِبْحِهِ، وَلَا يَرْبَحُ فِي كُلِّ يَوْمٍ، وَلَكِنْ فِي الْغَالِبِ لَا يَمْضِي شَهْرٌ إلَّا وَيَرْبَحُ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ مُعَامِلًا يُمْسِكُ قُوتَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي يَوْمٍ وَقَدْ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي يَوْمٍ. وَلَكِنْ فِي الظَّاهِرِ لَا يَمْضِي أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إلَّا وَيُسْتَعْمَلُ.","vol":"1","page":2091},{"text":"وَلَوْ قَالَ جَمِيعُ مَا أَمْلِكُ فِي الْمَسَاكِينِ صَدَقَةٌ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةٍ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَا كَانَ يَمْلِكُ مِنْ مَالِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ يَنْصَرِفُ إلَى مَالِ الزَّكَاةِ.\nوَقَدْ مَرَّ الْوَجْهُ فِي رِوَايَةِ كِتَابِ الْهِبَةِ. ثُمَّ يُعْطِي مَالَهُ الْمُحْتَاجِينَ مِمَّنْ يَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِمَا قُلْنَا، وَإِنْ أَعْطَاهُ الْمَسَاكِينَ مِمَّنْ لَا يَغْزُو أَجْزَأَهُ ذَلِكَ.\nلِأَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْمَسَاكِينِ الَّذِينَ لَا يَغْزُونَ طَاعَةٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ كُلَّ طَاعَةٍ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ. ٤١٥٩ -\nوَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُنَفِّذَ كَانَ مِيرَاثًا عَنْهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُنَفِّذُوا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا إلَّا أَنْ يَشَاءُوا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ الْمَنْذُورَةَ لَا تَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ الصَّدَقَةِ الْمَفْرُوضَةِ، وَلَوْ مَاتَ وَعَلَيْهِ زَكَاةٌ تَسْقُطُ بِمَوْتِهِ، وَلَا تَصِيرُ دَيْنًا فِي التَّرِكَةِ فَهَذَا أَوْلَى، وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَصِيرُ مِلْكًا لِلْفُقَرَاءِ إلَّا بِالْقَبْضِ، فَمَا لَمْ يُقْبَضْ وَيُنَفَّذْ فَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ الْمَيِّتِ، فَتَصِيرُ مِيرَاثًا عَنْهُ، ثُمَّ الْوَرَثَةُ مَلَكُوا الْمَالَ إرْثًا فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ التَّنْفِيذُ مِنْ مَالِهِمْ.\n٤١٦٠ - قَالَ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ فَقَالَ: اُغْزُوا عَنِّي غَزْوَةً، أَوْ قَالَ: اُغْزُوا عَنِّي بِثُلُثِ مَالِي، فَإِذَا قَالَ: اُغْزُوا عَنِّي غَزْوَةً وَأَعْطَى رَجُلًا نَفَقَةَ غَزْوَةٍ يَغْزُو بِهَا لَا يَمْلِكُ الَّذِي يَغْزُو بِهَا ذَلِكَ الْمَالَ.","vol":"1","page":2092},{"text":"لِأَنَّهُ قَالَ: اُغْزُوا عَنِّي، وَالْغَزْوُ عَنْهُ إنَّمَا يَكُونُ إذَا غَزَا بِمَالِهِ، فَيُنْفِقُ مَالَهُ فِي الْغَزْوِ، وَلِيَصِلَ إلَيْهِ ثَوَابُ النَّفَقَةِ فِي الْغَزْوِ، فَلَوْ مَلَكَ الْغَازِي ذَلِكَ الْمَالَ لَكَانَ الْغَزْوُ عَنْ الْغَازِي لَا عَنْ الْآمِرِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ إذَا قَالَ: أَحِجُّوا عَنِّي رَجُلًا حَجَّةً مِنْ مَالِي، فَأَعْطَى رَجُلًا نَفَقَةَ الْحَجِّ، فَإِنَّ الْحَاجَّ لَا يَمْلِكُ تِلْكَ النَّفَقَةَ، وَلَكِنْ يَمْلِكُ الْإِنْفَاقَ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ لَا غَيْرُ، حَتَّى يَقَعَ الْحَجُّ عَنْ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.\nوَلَكِنْ يُعْطَى أَدْنَى مَا يَكُونُ مِنْ نَفَقَةِ الْغَزْوِ فَيَغْزُو عَنْهُ.\n؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ مُتَيَقَّنٌ وَالزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ مِلْكُ الْوَرَثَةِ فَلَا يَغْزُو مِنْ مَالِ الْوَرَثَةِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ فِي الْوَصِيَّةِ بِالْحَجِّ يُعْطَى الْحَاجُّ أَدْنَى مَا يَكُونُ مِنْ نَفَقَةِ الْحَجِّ (كَذَا هَذَا يُعْطَى أَدْنَى مَا يَكُونُ مِنْ نَفَقَةِ الْغَزْوِ)، وَلَا يُنْفِقُ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ النَّفَقَةِ عَلَى أَهْلِهِ، وَلَا يُنْفِقُهَا إلَّا عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ النَّفَقَةَ لِيَصْرِفَهَا إلَى حَيْثُ شَاءَ. وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِالْإِنْفَاقِ فِي الْغَزْوِ عَنْهُ، فَلَا يُنْفِقُهَا فِي غَيْرِ مَا أُمِرَ، كَالْحَاجِّ عَنْ الْغَيْرِ لَا يُنْفِقُ الْمَالَ إلَّا عَلَى نَفْسِهِ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا. قَالَ: وَلَهُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ رَاجِعًا. (أَلَا تَرَى) أَنَّ الْحَاجَّ عَنْ الْغَيْرِ يُنْفِقُ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.","vol":"1","page":2093},{"text":"فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ مِنْ النَّفَقَةِ رَدَّهُ عَلَى الْوَرَثَةِ.\n؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ الْمَالَ بِالْقَبْضِ، إنَّمَا كَانَ لَهُ حَقُّ الصَّرْفِ إلَى نَفَقَةِ الْغَزْوِ، وَقَدْ انْقَضَى أَمْرُ الْغَزْوِ فَهَذَا فَضْلُ مَالِ الْمَيِّتِ فَيَرُدُّهُ إلَى وَرَثَتِهِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْحَاجَّ عَنْ الْغَيْرِ يَرُدُّ فَضْلَ النَّفَقَةِ إلَى وَرَثَةِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا إلَّا أَنْ يُسَلِّمَ لَهُ الْوَرَثَةُ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ لَهُ.\n٤١٦١ - وَإِنْ قَالَ اُغْزُوا عَنِّي بِثُلُثِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أُعْطِيَ ثُلُثُهُ مَنْ يَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يُعْطَوْنَ نَفَقَاتِهِمْ وَيُشْتَرَى لَهُمْ الْخَيْلُ.\nلِأَنَّهُ أَوْصَى بِجَمِيعِ ثُلُثِهِ فِي نَفَقَةِ الْغَزْوِ، فَيُصْرَفُ جَمِيعُ ذَلِكَ إلَيْهِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ أَوْصَى بِغَزْوَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَا يُعْطِي إلَّا نَفَقَةَ غَزْوَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيَشْتَرِي لَهُمْ الْخَيْلَ؛ لِأَنَّ أَمْرَ الْمَغْزُوِّ يَلْتَئِمُ بِالْخَيْلِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ فِي الْوَصِيَّةِ بِالْحَجِّ بِثُلُثِ مَالِهِ يَشْتَرِي لِلْحَاجِّ بَعِيرًا يَرْكَبُهُ كَمَا أَنَّ سَفَرَ الْحَجِّ يُقْطَعُ بِالْبَعِيرِ فَكَذَلِكَ هَا هُنَا. ثُمَّ يُعْطَوْنَ الثُّلُثَ كُلَّهُ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ لِيَغْزُوا عَنْهُ.\nلِأَنَّ ذَلِكَ أَسْرَعُ لِتَنْفِيذِ وَصِيَّتِهِ وَتَحْصِيلِ مُرَادِهِ، وَهَذَا وَالْحَجُّ سَوَاءٌ. فَإِذَا رَجَعُوا رَدُّوا مَا فِي أَيْدِيهِمْ، حَتَّى يَبْعَثَ إلَى قَوْمٍ آخَرِينَ، حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْ الثُّلُثِ شَيْءٌ، لِمَا قُلْنَا: إنَّ سَبِيلَ هَذَا الثُّلُثِ أَنْ يَنْفُذَ فِي أَمْرِ الْغَزْوِ، فَيُصْرَفُ الْبَاقِي إلَيْهِ حَتَّى يَفْنَى كُلُّهُ فِي أَمْرِ الْغَزْوِ.\nفَإِنْ لَمْ تَبْقَ نَفَقَةٌ وَبَقِيَتْ الْخَيْلُ بِيعَتْ، حَتَّى يُعْطِيَ أَثْمَانَهَا قَوْمًا يَغْزُونَ بِهَا.","vol":"1","page":2094},{"text":"لِأَنَّ تِلْكَ الْخَيْلَ اُشْتُرِيَتْ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ، فَتُصْرَفُ أَثْمَانُهَا إلَى حَيْثُ يُصْرَفُ الثُّلُثُ، فَإِنْ بَقِيَ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ نَفَقَاتِهِمْ شَيْءٌ رُدَّ حَتَّى يَغْزُوَ بِمَا بَقِيَ.\nقَالَ: وَيَنْبَغِي لِلرَّجُلِ الَّذِي يُوصَى إلَيْهِ أَنْ يَغْزُوَ عَنْهُ غَزْوَةً مِنْ مَنْزِلِ الرَّجُلِ الْمُوصِي؛ لِأَنَّهُ لَوْ غَزَا بِنَفْسِهِ غَزَا مِنْ مَنْزِلِهِ، فَكَذَلِكَ غَيْرُهُ إذَا غَزَا عَنْهُ يَغْزُو مِنْ مَنْزِلِهِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ فِي بَابِ الْحَجِّ يَحُجُّ مِنْ مَنْزِلِهِ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا، فَإِنْ بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ شَيْءٌ لَا يَبْلُغُ نَفَقَةَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْ مَنْزِلِ الْمُوصِي دَفَعَ ذَلِكَ الْوَصِيُّ إلَى رَجُلٍ يَغْزُو عَنْهُ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ النَّفَقَةَ، كَمَا فِي الْوَصِيَّةِ بِالْحَجِّ سَوَاءٌ.\n٤١٦٢ - قَالَ: وَإِنْ أَوْصَى بِثُلُثِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْوَصِيِّ أَنْ يُعْطِيَ أَحَدًا مِنْ الْوَرَثَةِ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ صَارَتْ وَصِيَّةً لَهُ، وَالْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ لَا تَجُوزُ.\nفَإِنْ كَانَتْ الْوَرَثَةُ كُلُّهُمْ كِبَارًا فَأَجَازُوا لِلْوَصِيِّ أَنْ يُعْطِيَهُ الْمُحْتَاجِينَ مِنْ الْوَرَثَةِ فَفَعَلَ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ إنَّمَا لَا تَجُوزُ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ، فَإِذَا أَجَازُوا فَقَدْ أَبْطَلُوا حَقَّ أَنْفُسِهِمْ فَتَجُوزُ الْوَصِيَّةُ.\n٤١٦٣ - وَإِنْ كَانَ الْوَصِيُّ مُحْتَاجًا فَأَخَذَ لِنَفْسِهِ بَعْضَ الثُّلُثِ لِيَغْزُوَ بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، إذَا لَمْ يَكُنْ وَارِثًا.","vol":"1","page":2095},{"text":"لِأَنَّ قَوْلَ الْمُوصِي أَوْصَيْت بِثُلُثِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَيْسَ فِيهِ أَمْرٌ بِتَمْلِيكِ الْغَيْرِ فَهُوَ كَقَوْلِهِ ضَعْهُ حَيْثُ شِئْت، وَلَوْ قَالَ لَهُ: (ضَعْهُ حَيْثُ شِئْت) كَانَ لَهُ أَنْ يَضَعَهُ فِي نَفْسِهِ وَفِي غَيْرِهِ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا، وَإِنْ كَرِهَتْ الْوَرَثَةُ ذَلِكَ فَذَلِكَ لَا يَضُرُّ؛ لِأَنَّ الرَّأْيَ وَالتَّدْبِيرَ إلَى الْوَصِيِّ لَا إلَى الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُمْ مِنْ الثُّلُثِ، فَلَا يُعْتَبَرُ رِضَاهُمْ وَكَرَاهَتُهُمْ، كَمَا إذَا كَانَ الْآخِذُ أَجْنَبِيًّا.\nوَكَذَلِكَ إنْ أَعْطَى ابْنَهُ أَوْ أَبَاهُ أَوْ مُكَاتَبَهُ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَرَفَهُ إلَى نَفْسِهِ جَازَ، فَكَذَلِكَ إذَا صَرَفَهُ إلَى هَؤُلَاءِ أَوْلَى أَنْ يَجُوزَ. وَإِنْ أَعْطَى عَبْدَهُ فَإِنْ كَانَ الْمَوْلَى مُحْتَاجًا جَازَ، وَإِنْ أَعْطَاهُ وَهُوَ غَنِيٌّ لَمْ يَجُزْ وَضَمِنَ الْمَالَ.\n؛ لِأَنَّ الصَّرْفَ إلَى عَبْدِهِ كَالصَّرْفِ إلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَقَعُ لَهُ لَا لِلْعَبْدِ، وَلَوْ صَرَفَهُ إلَى نَفْسِهِ وَهُوَ فَقِيرٌ جَازَ، وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا لَمْ يَجُزْ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.\nوَإِنْ أَعْطَاهُ غَنِيًّا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ غَنِيٌّ سَأَلَهُ فَأَعْطَاهُ أَجْزَأَهُ.\n؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَعْطَاهُ زَكَاةَ مَالِهِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ غَنِيٌّ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - ﵀ - لَا يَجُوزُ فَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ فَإِنْ قِيلَ: الْوَصِيُّ إنَّمَا يُعْطِي عَنْ أَمْرِ الْمَيِّتِ، وَالْمَيِّتُ إنَّمَا أَمَرَهُ بِالْوَضْعِ فِي الْفُقَرَاءِ، فَمَتَى وَضَعَهُ فِي غَيْرِهِمْ صَارَ وَاضِعًا بِغَيْرِ أَمْرِهِ، فَيَنْبَغِي أَلَّا يَجُوزَ عَنْ الْمَيِّتِ.\nوَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ مَعْنَ بْنَ يَزِيدَ السُّلَمِيَّ إنَّمَا أَخَذَ الصَّدَقَةَ مِنْ وَكِيلِ أَبِيهِ وَكَانَ أَبُوهُ عَنَى غَيْرَهُ حَيْثُ قَالَ: إيَّاكَ مَا أَرَدْت بِهَا. وَمَعَ ذَلِكَ أَجَازَ لَهُ","vol":"1","page":2096},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -، حَيْثُ قَالَ: «يَا يَزِيدُ لَك مَا نَوَيْت»، فَثَبَتَ أَنَّ الْوَكِيلَ وَصَاحِبَ الْمَالِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ.\n٤١٦٤ - وَلَوْ أَوْصَى الْمَيِّتُ أَنْ يَغْزُوَ لِي غَزْوَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَرَادَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَغْزُو عَنْهُ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُجِيزَ ذَلِكَ لَهُ الْوَرَثَةُ. لِأَنَّ الْوَارِثَ وَإِنْ كَانَ لَا يَمْلِكُ الْعَيْنَ يَحْصُلُ لَهُ فِيهَا مَنْفَعَةٌ، وَالْوَارِثُ مَحْجُورُ النَّفْعِ عَنْ مُوَرِّثِهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، فَإِنْ أَجَازَ لَهُ الْوَرَثَةُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَغْزُو عَنْهُ، وَهُمْ كِبَارٌ بَعْدَ وَفَاةِ الْمُوصِي، يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَغْزُوَ.\nوَيَرُدَّ مَا بَقِيَ مِنْ النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ كَانَ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ حَقٌّ بَعْدَ الْإِجَازَةِ، فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَغْزُوَ وَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ غَنِيًّا.\n٤١٦٥ - بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: ثُلُثِي وَصِيَّةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا يُعْطَى الْوَارِثُ إنْ كَانَ غَنِيًّا، وَإِنْ أَجَازَهُ الْوَرَثَةُ كُلُّهُمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَالَ إنَّمَا يُدْفَعُ إلَيْهِ بَعْدَ الْإِجَازَةِ عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ، وَالصَّدَقَةُ مَحَلُّهَا الْفُقَرَاءُ دُونَ الْأَغْنِيَاءِ، فَلَا يَصِيرُ الْغَنِيُّ مَحَلًّا لَهَا بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، فَأَمَّا هَا هُنَا الْمَالُ لَيْسَ يُدْفَعُ إلَيْهِ عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ، وَإِنَّمَا يُدْفَعُ إلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ، وَمَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ يَسْتَوِي فِيهِ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ. دَلِيلُهُ السِّقَايَةُ الْمَوْقُوفَةُ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلْغَنِيِّ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، كَمَا يَجُوزُ لِلْفَقِيرِ.","vol":"1","page":2097},{"text":"أَلَا تَرَى) أَنَّ فِي هَذَا الْفَصْلِ مَا فَضَلَ مِنْ النَّفَقَةِ يُرَدُّ إلَى الْوَرَثَةِ، فَكَانَ دَلِيلًا عَلَى مَا قُلْنَا.\n٤١٦٦ - فَإِنْ غَزَا بِهَا الْوَارِثُ قَبْلَ أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ ثُمَّ عَلِمْت الْوَرَثَةُ بَعْدَ مَا غَزَا وَرَجَعَ، فَأَجَازُوا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، وَكَانَ ضَامِنًا لِمَا أَنْفَقَ حَتَّى يَغْزُوَ عَنْهُ غَزْوَةً أُخْرَى.\nلِأَنَّ الْإِجَازَةَ تُرَدُّ عَلَى الْمَوْقُوفِ، وَالْغَزْوَةُ قَدْ نَفَذَتْ عَنْ الْوَارِثِ وَلَمْ تَتَوَقَّفْ، فَلَا تُرَدُّ عَلَيْهَا الْإِجَازَةُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ صَغِيرًا فِيهِمْ لَمْ تَجُزْ غَزْوَتُهُ؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ قَدْ عُدِمَتْ مِنْهُ. فَإِنْ كَبُرَ فَأَجَازَ لَمْ تَجُزْ أَيْضًا.\nلِمَا قُلْنَا إنَّ الْغَزْوَةَ لَمْ تَتَوَقَّفْ، فَلَا تُرَدُّ عَلَيْهَا الْإِجَازَةُ. وَكَذَلِكَ إنْ أَوْصَى بِمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْطَى أَحَدٌ مِنْ الْوَرَثَةِ حَتَّى يُجِيزُوا كُلُّهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أُعْطَى الْمَالَ كَانَ وَصِيَّةً لِلْوَارِثِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ إلَّا بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ.\n٤١٦٧ - وَلَوْ أَوْصَى بِأَنْ يَغْزُوَ عَنْهُ غَزْوَةً فَغَزَا عَنْهُ الْوَصِيُّ وَلَيْسَ بِوَارِثٍ جَازَ ذَلِكَ، وَيَرُدُّ فَضْلَ النَّفَقَةِ.\n؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي لَفْظِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى إخْرَاجِ الْوَصِيِّ مِنْ الْوَصِيَّةِ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى نَفْسِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ ضَعْهُ حَيْثُ شِئْت.","vol":"1","page":2098},{"text":"قَالَ: فَإِنْ أَوْصَى أَنْ يُغْزَى عَنْهُ غَزْوَةً فَأَغِزُّوا رَجُلًا يُرَابِطُ عَنْهُ، وَلَا يَدْخُلُ أَرْضَ الْعَدُوِّ فَذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الرِّبَاطَ مِنْ الْغَزْوِ فَصَارَ كَأَنَّهُ أَغْزَى رَجُلًا دَخَلَ أَرْضَ الْعَدُوِّ. فَإِنْ قَالَتْ الْوَرَثَةُ: يُرَابِطُ يَوْمًا وَاحِدًا، وَقَالَ الْوَصِيُّ: يُرَابِطُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُجِيزُ مِنْ ذَلِكَ أَدْنَى الرِّبَاطِ، وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ.\nلِأَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ أَقَلُّ الرِّبَاطِ؛ لِأَنَّ مَا يَبْقَى بَعْدَ رُجُوعِهِ مَعَ الْغَازِي يُصْرَفُ لِلْوَرَثَةِ إرْثًا بَيْنَهُمْ، فَلَا يُقْطَعُ حَقُّهُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْ التَّرِكَةِ إلَّا بِيَقِينٍ، وَأَدْنَى الرِّبَاطِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ الْمَقَادِيرِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي الشَّرِيعَةِ، كَمَا فِي مُدَّةِ السَّفَرِ وَمُدَّةِ الْخِيَارِ.\nوَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُسَمَّى مُرَابِطًا بِرِبَاطِ سَاعَةٍ أَوْ سَاعَتَيْنِ، وَيُسَمَّى مُرَابِطًا إذَا رَابَطَ أَيَّامًا، فَيَجِبُ أَنْ يُرَابِطَ عَنْ الْمَيِّتِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْأَيَّامِ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَيَجِبُ رِبَاطُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، (لِهَذَا الْمَعْنَى)؛ لِأَنَّ الْآثَارَ قَدْ اخْتَلَفَتْ فِي الرِّبَاطِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ - ﵌ - قَالَ: «مَنْ رَابَطَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَ كَصِيَامِ الْعُمُرِ وَقِيَامِهِ» .\nأَوْ قَالَ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ، «وَمَنْ رَابَطَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا كَانَ لَهُ كَذَا وَكَذَا، وَمَنْ رَابَطَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَانَ لَهُ كَذَا»، فَإِذَا اخْتَلَفَ الْوَارِثُ وَالْوَصِيُّ يُؤْخَذُ بِأَوْسَطِ الْأَعْدَادِ، وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مِنْ الْأَكْثَرِ، وَأَكْثَرُ مِنْ الْأَقَلِّ، فَيُقْضَى بِهِ، لِقَوْلِهِ - ﵌ -: «خَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا» .","vol":"1","page":2099},{"text":"وَإِنْ كَانَ الَّذِي أَوْصَى بِهَا مَنْزِلُهُ فِي الثَّغْرِ الَّذِي يُرَابِطُ فِيهِ، فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ إذَا غَزَا عَنْهُ رَجُلٌ يُرَابِطُ فِي الثَّغْرِ، وَلَا يَدْخُلُ أَرْضَ الْعَدُوِّ جَازَ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا يَجُوزُ حَتَّى يُغْزِيَ عَنْهُ رَجُلًا يَدْخُلُ أَرْضَ الْعَدُوِّ، وَجْهُ الْقِيَاسِ فِيهِ مَا قُلْنَا: إنَّ الرِّبَاطَ مِنْ الْغَزْوِ، فَوَجَبَ أَنْ يَجُوزَ إذَا غَزَا رَجُلٌ يُرَابِطُ وَلَا يَدْخُلُ أَرْضَ الْعَدُوِّ، دَلِيلُهُ مَا إذَا كَانَ مَنْزِلُ الْمُوصِي فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الرِّبَاطِ. وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى بِأَنْ يُغْزَى عَنْهُ غَزْوَةٌ فَكَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَأْتُوا بِمَا يَسْتَحِقُّ اسْمَ الْغَزْوِ، وَالرَّجُلُ مَتَى رَابَطَ فِي مِصْرِ نَفْسِهِ وَفِي مَوْضِعِهِ لَمْ يُسَمَّ غَازِيًا عِنْدَ النَّاسِ.\nوَإِنَّمَا يُسَمَّى إذَا دَخَلَ أَرْضَ الْعَدُوِّ، فَمَا لَمْ يَغْزُ عَنْهُ رَجُلٌ يَدْخُلُ أَرْضَ الْعَدُوِّ لَا يَثْبُتُ اسْمُ الْغَزْوِ عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ فَأَمَّا إذَا سَافَرَ إلَى مِصْرٍ وَرَابَطَ فِيهِ يُسَمَّى غَازِيًا عِنْدَ النَّاسِ، فَإِذَا غَزَا عَنْهُ رَجُلٌ خَرَجَ إلَى الرِّبَاطِ فَقَدْ اسْتَحَقَّ اسْمَ الْغَزْوِ فَيَكْفِي ذَلِكَ. وَلِأَنَّ الْمُوصِيَ إذَا لَمْ يَكُنْ مَنْزِلُهُ فِي مَوْضِعِ الرِّبَاطِ (وَهُوَ فِي مِصْرٍ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ) فَإِنَّهُ يَتَخَيَّرُ عَلَى الرِّبَاطِ وَعَلَى الدُّخُولِ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ وَفِي مُجَاهَدَةِ الْكُفَّارِ، فَانْصَرَفَتْ وَصِيَّتُهُ إلَى النَّوْعَيْنِ مِنْ الْغَزْوِ عَلَى الرِّبَاطِ وَالْجِهَادِ فَمَتَى رَابَطَ عَنْهُ جَازَ، وَمَتَى دَخَلَ أَرْضَ الْعَدُوِّ وَجَاهَدَ جَازَ.\nفَأَمَّا إذَا كَانَ مَنْزِلُهُ فِي مَوْضِعِ الرِّبَاطِ فَإِنَّ تَحَسُّرَهُ عَلَى مَا فَاتَهُ مِنْ الْجِهَادِ أَكْثَرُ مِنْ تَحَسُّرِهِ عَلَى مَا يَفُوتُهُ مِنْ الرِّبَاطِ، فَتَعَيَّنَ الْجِهَادُ لِوَصِيَّتِهِ دُونَ الرِّبَاطِ، فَمَا لَمْ يُجَاهِدْ فِيهِ لَا يَجُوزُ.\n٤١٦٩ - نَظِيرُهُ أَنَّ الطَّوَافَ لِلْآفَاقِيِّ بِمَكَّةَ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ تَحَسُّرَهُ عَلَى مَا يَفُوتُهُ مِنْ الطَّوَافِ أَكْثَرُ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ أَدَاءُ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ مَكَّةَ، وَلَا يُمْكِنُهُ الطَّوَافُ إلَّا بِمَكَّةَ،","vol":"1","page":2100},{"text":"فَكَانَ أَكْبَرُ هَمَّهُ هُوَ الطَّوَافُ، فَاشْتِغَالُهُ بِهِ أَوْلَى، فَإِنَّ الْمَكِّيَّ قَلَّمَا يَتَحَسَّرُ عَلَى مَا يَفُوتُهُ مِنْ الطَّوَافِ؛ فَإِنَّ الطَّوَافَ لَهُ مُمْكِنٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَالصَّلَاةُ لَهَا رِفْعَةٌ عَظِيمَةٌ، فَكَانَتْ الصَّلَاةُ لَهُ أَفْضَلَ كَذَلِكَ هَا هُنَا.\n٤١٧٠ - وَلَوْ كَانَ أَوْصَى بِثُلُثِهِ أَنْ يَغْزُوَ عَنْهُ فَرَأَى الْوَصِيُّ أَنْ يَدْفَعَ إلَى مَنْ يُرَابِطُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً أَوْ أَكْثَرَ، أَوْ إلَى مَنْ يَغْزُو إلَى دَارِ الْحَرْبِ، فَذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَنَا عَلَى مَا رَأَى الْوَصِيُّ وَإِنْ أَبَى ذَلِكَ الْوَرَثَةُ.\n؛ لِأَنَّ مَصْرِفَ هَذَا كُلِّهِ إلَى الْغَزْوِ، وَلَا يَرْجِعُ إلَى الْوَرَثَةِ مِنْهُ شَيْءٌ، (فَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ رَأْيٌ وَلَا تَدْبِيرٌ، وَكَانَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَرَى، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: اُغْزُ عَنِّي غَزْوَةً، فَإِنَّ الثُّلُثَ كُلَّهُ لَا يُصْرَفُ إلَى الْجِهَادِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ فَضْلَ النَّفَقَةِ يُرَدُّ إلَى الْوَرَثَةِ، فَكَانَ لَهُمْ رَأْيٌ وَتَدْبِيرٌ حَتَّى لَا يُقْطَعَ حَقُّهُمْ فِي الْمِيرَاثِ.\n٤١٧١ - وَإِذَا أَوْصَى الرَّجُلُ بِثُلُثِ مَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَضَعُهُ حَيْثُ أَحَبَّ، فَذَلِكَ إلَى الْوَصِيِّ، فَإِنْ جَعَلَهُ الْوَصِيُّ لِنَفْسِهِ وَهُوَ مُحْتَاجٌ، أَوْ لِابْنِهِ أَوْ لِغَيْرِهِمْ، جَازَ مَا صَنَعَ مِنْ ذَلِكَ.\n؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَوْ لَمْ يَقُلْ يَضَعُهُ حَيْثُ أَحَبَّ كَانَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَجْعَلَهُ لِنَفْسِهِ وَلِابْنِهِ، فَإِذَا قَالَ يَضَعُهُ حَيْثُ أَحَبَّ، وَقَدْ فَوَّضَ إلَيْهِ الرَّأْيَ عَلَى الْعُمُومِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ ذَلِكَ.\n٤١٧٢ - وَإِنْ جَعَلَهُ الْوَصِيُّ لِرَجُلٍ غَنِيٍّ، وَهُوَ يَعْرِفُ، لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ.","vol":"1","page":2101},{"text":"لِمَا قُلْنَا إنَّ الْمَالَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَكُونُ صَدَقَةً، وَمَحَلُّ الصَّدَقَةِ الْفَقِيرُ دُونَ الْغَنِيِّ، وَقِيلَ لِلْوَصِيِّ ضَعْهُ فِيمَنْ أَحْبَبْت مِنْ الْفُقَرَاءِ. لِأَنَّ الدَّفْعَ لَمْ يَصِحَّ، فَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْ، وَلَوْ لَمْ يَدْفَعْ يَصْرِفُهُ إلَى مَنْ شَاءَ مِنْ الْفُقَرَاءِ، كَذَلِكَ هَا هُنَا.\nفَإِنْ قَالَتْ الْوَرَثَةُ قَدْ جَعَلَهُ الْمُوصِي فِي الْأَغْنِيَاءِ فَبَطَلَتْ، فَنَأْخُذُ الثُّلُثَ مِيرَاثًا، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ حِينَ وَضَعَهُ فِي الْأَغْنِيَاءِ، وَبِالْخِلَافِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْوِصَايَةِ. وَلَا خَرَجَ الْمَالُ عَنْ الْوَصِيَّةِ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَضَعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْفُقَرَاءِ.\n٤١٧٣ - وَلَوْ جَعَلَهُ الْوَصِيُّ لِبَعْضِ الْوَرَثَةِ، وَهُمْ أَغْنِيَاءُ، لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ لِمَنْ شَاءَ مِنْ الْفُقَرَاءِ، (إلَّا أَنَّ الْوَصِيَّ لَوْ وَضَعَ فِيهِ وَهُوَ أَجْنَبِيٌّ لَمْ يَجُزْ) .\n؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ غَنِيًّا أَجْنَبِيًّا لَا يَجُوزُ، فَإِذَا كَانَ وَارِثًا غَنِيًّا أَوْلَى أَلَّا يَجُوزَ.\n٤١٧٤ - وَلَوْ أَنَّ الْوَصِيَّ جَعَلَهُ لِبَعْضِ الْوَرَثَةِ، وَهُمْ فُقَرَاءُ، لِيَغْزُوا بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قِيلَ لِلْوَرَثَةِ أَتُجِيزُونَ مَا صَنَعَ الْوَصِيُّ فَإِنْ أَجَازُوهُ جَازَ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ إذَا كَانَ فَقِيرًا فَهُوَ مَحَلُّ الصَّدَقَةِ، إلَّا أَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يُجْعَلْ لَهُ لِكَوْنِهِ وَصِيَّةً، وَالْوَصِيَّةُ تَجُوزُ لِلْوَارِثِ بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، وَإِنْ لَمْ يُجِيزُوهُ رَجَعَ إلَى الْمِيرَاثِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَجْعَلَهُ لِغَيْرِ الْوَرَثَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْفَصْلِ","vol":"1","page":2102},{"text":"الْأَوَّلِ إذَا جَعَلَهُ الْمُوصِي لِغَنِيٍّ كَانَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِلْفَقِيرِ.\nوَوَجْهُ الْفَرْقِ فِي ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ الْمَيِّتِ ثُلُثِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَقْتَضِي الْوَضْعَ فِي أَهْلِ الْحَاجَةِ، فَهُوَ فِي الْوَضْعِ فِي الْأَغْنِيَاءِ غَيْرُ مَأْمُورٍ، وَفِي الْوَضْعِ فِي الْفُقَرَاءِ مَأْمُورٌ، فَمَتَى وَضَعَهُ فِي غَنِيٍّ فَإِنَّمَا وَضَعَهُ بِغَيْرِ أَمْرِ الْمَيِّتِ، فَصَارَ مُخَالِفًا وَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَضَعْ، فَلَهُ أَنْ يَضَعَهُ فِيمَنْ أُمِرَ بِالْوَضْعِ فِيهِ، فَأَمَّا إذَا وَضَعَهُ فِي وَارِثٍ فَقِيرٍ فَقَدْ وَضَعَهُ فِي مَحَلِّهِ، فَلَمْ يَصِرْ مُخَالِفًا؛ لِأَمْرِ الْمَيِّتِ، فَصَارَ دَفْعُهُ وَوَضْعُ الْمَيِّتِ فِيهِ سَوَاءً، وَالْمَيِّتُ لَوْ وَضَعَهُ فِيهِ كَانَتْ وَصِيَّةً لِلْوَارِثِ، وَالْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ إذَا لَمْ يُجِزْهَا الْوَرَثَةُ تَصِيرُ مِيرَاثًا، كَذَلِكَ هَا هُنَا.\n٤١٧٥ - وَإِذَا أَوْصَى الْمَيِّتُ أَنْ يُجْعَلُ فَرَسُهُ حَبِيسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ سِلَاحُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ يُجْعَلَ مُصْحَفُهُ حَبِيسًا يُقْرَأُ فِيهِ الْقُرْآنُ، أَوْ دَارٌ يَسْكُنُهَا الْغُزَاةُ، أَوْ يُؤَاجَرُ، فَيَكُونُ أَجْرُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ أَرْضٌ تُزْرَعُ فَتَكُونُ غَلَّتُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ أَوْصَى أَنْ يُجْعَلَ عَبْدُهُ وَقْفًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ يَخْدُمُ الْغُزَاةَ أَوْ يُؤَاجَرَ فَتُقْسَمُ غَلَّتُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَتَقَرَّبُ بِهِ الْعَبْدُ إلَى رَبِّهِ، وَكَذَا حَبْسُ الْفَأْسِ وَالْقَدُومِ وَالْمَزَادِ والطنجير وَالشَّفْرَةِ فَهَذَا كُلُّهُ جَائِزٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - ﵀ - مِنْ الثُّلُثِ.\nوَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - ﵀ - مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ دَارًا أَوْ عَقَارًا فَحَبْسٌ جَائِزٌ، وَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ مَنْقُولًا فَلَا يَجُوزُ حَبْسُهُ، إلَّا الْكُرَاعَ وَالسِّلَاحَ","vol":"1","page":2103},{"text":"وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: الْحَبْسُ بَاطِلٌ فِي الْمَنْقُولِ وَغَيْرِ الْمَنْقُولِ إلَّا الْغَلَّةَ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ، نَحْوَ إنْ أَوْصَى بِغَلَّةِ عَبْدٍ أَوْ دَارٍ أَوْ أَرْضٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ، وَتُعْطَى الْغَلَّةُ لِلْفُقَرَاءِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.\nأَمَّا مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنَّهُ يُجِيزُ الْوَقْفَ فِي الْحَيَاةِ وَبَعْدَ الْمَمَاتِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْقُرْبَةِ. وَكَذَلِكَ الْحَبْسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ جَائِزٌ. لِأَنَّ مَعْنَى الْقُرْبَةِ مَوْجُودٌ فِيهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنْ حَفْصَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّهَا سَبَّلَتْ مُصْحَفًا لَهَا.\nوَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَلِأَنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَهُ أَنَّ وَقْفَ الْمَنْقُولِ بَاطِلٌ فَكَذَلِكَ حَبْسُ الْمَنْقُولِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَاطِلٌ، وَكَانَ يَقُولُ: الْقِيَاسُ أَلَّا يَجُوزَ وَقْفُ الْأَرَاضِي لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْطِيلِ الْمِلْكِ وَلَا تَمْلِيكَ مِنْ أَحَدٍ، إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ عَطَّلَ مِلْكَنَا عَنْ الْمَسَاجِدِ لِقُرْبَةٍ تَعَلَّقَتْ بِهَا، عَائِدٍ نَفْعُهَا إلَيْنَا مِنْ حَيْثُ الثَّوَابُ، فَجَوَّزْنَا فِي مِثْلِهِ فِي وَقْفِ الْأَرَاضِي؛ لِأَنَّهَا مِنْ جِنْسِ الْمَسَاجِدِ، فَإِنَّهَا تَبْقَى وَعَائِدُ نَفْعِهَا، كَالْمَسَاجِدِ، فَأَمَّا الْأَمْوَالُ الْمَنْقُولَةُ مَا وَجَدْنَا فِيهَا قُرْبَةً أَوْجَبَهَا اللَّهُ - تَعَالَى - إلَّا قُرْبَةً تَقَعُ بِتَمْلِيكِ الْفَقِيرِ، فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ إيجَابُ الْقُرْبَةِ مِنْ الْعَبْدِ إلَّا عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ إذْ إيجَابُ الْعَبْدِ (مِنْ الْقُرَبِ) مُعْتَبَرٌ بِإِيجَابِ اللَّهِ - تَعَالَى -.\nفَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَإِنَّهُ كَانَ لَا يُجِيزُ الْوَقْفَ وَالْحَبْسَ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ، فَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ إذَا أَوْصَى بَعْدَ مَوْتِهِ إلَّا مَا كَانَ لَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرِيعَةِ، وَالْوَصِيَّةُ بِالْغَلَّةِ لَهَا أَصْلٌ فِي الشَّرِيعَةِ، فَإِنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِأَنْ يُصْرَفَ غَلَّةُ بُسْتَانِهِ عَلَى","vol":"1","page":2104},{"text":"الْفَقِيرِ فَذَلِكَ جَائِزٌ، لِمَا يَقَعُ فِيهِ مِنْ التَّمْلِيكِ، فَكَذَلِكَ حَبْسُ الْأَرَاضِي وَالْعَبْدِ وَالدَّارِ لِتَكُونَ غَلَّتُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ؛ لِأَنَّ الْغَلَّةَ يُتَصَدَّقُ بِهَا عَلَى أَهْلِ الْحَاجَةِ مِمَّنْ يَغْزُو، فَتَصِيرُ مِلْكًا لِمَنْ يَأْخُذُهَا، يَصْنَعُ بِهَا مَا شَاءَ.\nفَأَمَّا مَا لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى تَمْلِيكِ الشَّيْءِ وَلَكِنْ فِيهِ انْتِفَاعٌ بِالْعَيْنِ، نَحْوَ سُكْنَى الدَّارِ وَرُكُوبِ الْفَرَسِ وَقِرَاءَةِ الْمُصْحَفِ وَلُبْسِ السِّلَاحِ وَخِدْمَةِ الْعَبِيدِ، لَا أَصْلَ فِي جَوَازِهِ فِي الشَّرْعِ إذَا وَقَعَ؛ لِأَقْوَامٍ مَجْهُولِينَ، فَإِنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِخِدْمَةِ عَبِيدِهِ لِقَوْمٍ بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمْ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَإِذَا كَانُوا مَعْلُومِينَ جَازَ، وَهَا هُنَا وَقَعَ الْحَبْسُ؛ لِأَقْوَامٍ مَجْهُولِينَ فَلَا يَجُوزُ، وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَمْلِيكُ الْعَيْنِ لَمْ يَكُنْ صَدَقَةً.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ، فَلَا يَجُوزُ إذَا وَقَعَ لِقَوْمٍ بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمْ. وَمَنْ أَخَذَ الْفَرَسَ الْحَبِيسَ لِيَرْكَبَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِ حَتَّى يَرُدَّهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُنْتَفِعُ بِهِ، وَالنَّفَقَةُ عَلَى مَنْ يَحْصُلُ لَهُ الْمَنْفَعَةُ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْعَبْدَ الْمُوصِي بِخِدْمَتِهِ نَفَقَتُهُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ مَا دَامَ يَخْدُمُهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُنْتَفِعُ بِهِ، وَلَوْ اسْتَعَارَ فَرَسَهُ مِنْهُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ كَانَتْ نَفَقَتُهُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، فَكَذَلِكَ الْغَازِي نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ.","vol":"1","page":2105},{"text":"وَكَذَلِكَ السِّلَاحُ يَكُونُ وَقْفًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ الثُّلُثِ، فَمَنْ أَخَذَهُ كَانَ عَلَيْهِ حِفْظُهُ وَإِصْلَاحُهُ حَتَّى يَرُدَّهُ؛ لِمَا قُلْنَا إنَّهُ هُوَ الْمُنْتَفِعُ بِهِ مَا لَمْ يَرُدَّهُ، فَإِذَا أَخَذَهُ غَيْرُهُ كَانَتْ النَّفَقَةُ عَلَى الثَّانِي.\n٤١٧٦ - فَإِنْ رَكِبَ الْوَصِيُّ الْفَرَسَ وَتَسَلَّحَ بِالسِّلَاحِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، إذَا كَانَ الْوَصِيُّ غَيْرَ وَارِثٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْمُوصِي مَا يُوجِبُ خُرُوجَ هَذَا الْوَصِيِّ عَنْ الْوَصِيَّةِ، فَصَارَ هَذَا وَقَوْلُهُ ضَعْ فَرَسِي وَسِلَاحِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَيْثُ شِئْت سَوَاءً.\nوَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْطِيَهُ وَارِثًا لِلْمَيِّتِ إلَّا أَنْ يَرْضَى جَمِيعُ الْوَرَثَةِ وَهُمْ كِبَارٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ وَصِيَّةً بِالْمَنْفَعَةِ لِلْوَارِثِ، وَالْوَصِيَّةُ بِالْمَنْفَعَةِ لِلْوَارِثِ لَا تَجُوزُ إلَّا بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ.\n٤١٧٧ - فَإِنْ أَعْطَاهُ الْوَصِيُّ بَعْضَ الْوَرَثَةِ بِغَيْرِ رِضَى بَقِيَّتِهِمْ فَنَفَقَ الْفَرَسُ تَحْتَهُ كَانَ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يُضَمِّنُوا قِيمَةَ الْفَرَسِ إنْ شَاءُوا الْوَصِيَّ الَّذِي أَعْطَى، وَإِنْ شَاءُوا الْوَارِثَ الَّذِي يَرْكَبُ.\n؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّ مُتَعَدٍّ فِي الدَّفْعِ، وَالْوَارِثَ مُتَعَدٍّ فِي الْقَبْضِ، فَيَضْمَنُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِتَعَدِّيهِ، كَمَا قُلْنَا فِي الْغَاصِبِ وَغَاصِبِ الْغَاصِبِ وَالْمُسْتَعِيرِ مِنْ الْغَاصِبِ.\nفَأَيَّهُمَا ضَمَّنُوهُ الْقِيمَةَ أَمَرَ الْقَاضِي فَاشْتَرَى بِالْقِيمَةِ فَرَسًا آخَرَ، فَجُعِلَ حَبِيسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ","vol":"1","page":2106},{"text":"لِأَنَّ هَذَا بَدَلٌ عَنْ الْفَرَسِ، فَيُصْرَفُ إلَى فَرَسٍ آخَرَ لِيَقُومَ مَقَامَهُ، حَتَّى لَا تَنْقَطِعَ الصَّدَقَةُ عَنْ الْوَاقِفِ.\nفَإِنْ ضَمِنَ الْوَارِثُ الْقِيمَةَ فَأَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ بِهَا عَلَى الْوَصِيِّ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.\n؛ لِأَنَّ الْفَرَسَ نَفَقَ بِفِعْلِهِ وَجِنَايَتِهِ، فَلَا يَرْجِعُ بِمَا ضَمِنَ عَلَى غَيْرِهِ، كَغَاصِبِ الْغَاصِبِ وَالْمُسْتَعِيرِ مِنْ الْغَاصِبِ إذَا ضَمِنَ لَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ. وَإِنْ ضَمِنَ الْوَصِيُّ فَأَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ بِالْقِيمَةِ عَلَى الْوَارِثِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُ بِالضَّمَانِ مَلَكَ، فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ كَمَا قُلْنَا فِي الْغَاصِبِ إذَا ضَمِنَ وَرَجَعَ بِهِ عَلَى غَاصِبِ الْغَاصِبِ. فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَا يَكُونُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِ إذَا وَهَبَ الْغَصْبَ لِرَجُلٍ فَأَتْلَفَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ ثُمَّ ضَمِنَ الْغَاصِبُ، فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ بِشَيْءٍ، فَلِمَ يَرْجِعْ هُنَا؟ قُلْنَا: إذَا غَصَبَ الْغَاصِبُ أَوْ أَعَارَ فَقَدْ قَصَدَ أَنْ تَكُونَ الصِّلَةُ مِنْهُ لَا مِنْ غَيْرِهِ، فَإِذَا مَلَكَ الْمَالَ بِالضَّمَانِ فَقَدْ تَمَّتْ الصِّلَةُ مِنْهُ، فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، وَأَمَّا هَا هُنَا إنَّمَا أَعَارَهُ لِيَكُونَ صِلَةً مِنْ الْمَيِّتِ لَا مِنْهُ، وَبِالضَّمَانِ لَمْ تَتِمَّ تِلْكَ الصِّلَةُ، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَبَضَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ وَبِغَيْرِ إذْنِهِ، فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ. وَنَظِيرُهُ رَجُلٌ أَكْرَهَ رَجُلًا عَلَى أَنْ يَهَبَ مَالَ رَجُلٍ لِآخَرَ فَوَهَبَ، ثُمَّ إنَّ الْمُكْرَهَ ضَمِنَ لِصَاحِبِ الْمَالِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِالْمَالِ الْمَوْهُوبِ عَلَى الْمُوهَبِ لَهُ، لِمَا قُلْنَا: إنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِأَنْ تَكُونَ الصِّلَةُ مِنْهُ، إنَّمَا قَصَدَ بِأَنْ تَكُونَ الصِّلَةُ مِنْ صَاحِبِ الْمَالِ، فَإِذَا مَلَكَهُ رَجَعَ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.","vol":"1","page":2107},{"text":"قَالَ: وَإِذَا أَوْصَى بِعَبْدٍ لَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - تَعَالَى - مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ، يُدَاوِي الْجَرْحَى وَكَانَ طَبِيبًا، أَوْ يَسْقِي الْمَاءَ لِلْغُزَاةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ يُؤَاجَرُ فَيَصْرِفُ غَلَّتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَهَذَا كُلُّهُ جَائِزٌ.\nعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِمَا قُلْنَا إنَّ هَذَا مِنْ الْقُرَبِ. فَأَمَّا الْغَلَّةُ فَيُعْطَاهَا الْغُزَاةُ؛ لِأَنَّ الْغَلَّةَ صَدَقَةُ تَمْلِيكٍ، وَمَحَلُّ الصَّدَقَةِ الْفَقِيرُ دُونَ الْغَنِيِّ. وَأَمَّا الْمَاءُ فَيَسْقِي الْغُزَاةَ، مَنْ اسْتَسْقَاهُ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ، وَكَذَلِكَ يَخْدُمُ الْغُزَاةَ، مَنْ اسْتَخْدَمَهُ مِنْ غَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِصَدَقَةِ تَمْلِيكٍ بَلْ هِيَ إبَاحَةُ انْتِفَاعٍ، وَمَا كَانَ طَرِيقُهُ الْإِبَاحَةَ يَسْتَوِي فِيهِ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ، كَالْمَاءِ الْمَوْضُوعِ عَلَى الطَّرِيقِ، فَإِنَّهُ يُبَاحُ شُرْبُهُ لِلْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ جَمِيعًا. وَكَذَلِكَ الْغَنِيُّ لَهُ أَنْ يَسْتَقِيَ الْمَاءَ مِنْ نَهْرِ الْغَيْرِ، وَمِنْ حَوْضِ الْغَيْرِ، كَالْفَقِيرِ سَوَاءٌ، وَأَفْضَلُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لِأَهْلِ الْحَاجَةِ؛ لِأَنَّ الْغَنِيَّ يَقَعُ لَهُ الْكِفَايَةُ بِدُونِ ذَلِكَ، بِأَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ عَبْدًا فَيَخْدُمَهُ، وَالْفَقِيرُ لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ، فَكَانَ الْمُحْتَاجُ أَوْلَى بِالْخِدْمَةِ لَهُ.\n٤١٧٩ - وَإِنْ جَعَلَ الْمَيِّتُ الْكُرَاعَ أَوْ السِّلَاحَ أَوْ غَيْرَهُ مِمَّا وَصَفْت لَك حَبِيسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ - تَعَالَى - فِي حَيَاتِهِ وَصِحَّتِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ، وَإِذَا مَاتَ كَانَ مِيرَاثًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.\nلِأَنَّ الْوَقْفَ عِنْدَهُ بَاطِلٌ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُوصًى بِهِ، وَالْمُوصَى بِهِ هُوَ الْغَلَّةُ، وَقَدْ عُدِمَ هَا هُنَا فَبَطَلَ. وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يُجِيزُ وَقْفَ الْمَنْقُولِ إلَّا فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ، وَالْحَبِيسُ هُنَاكَ كُرَاعٌ وَسِلَاحٌ فَجَازَ عِنْدَهُمَا، إلَّا أَنَّ","vol":"1","page":2108},{"text":"عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْإِخْرَاجُ مِنْ يَدِهِ شَرْطٌ بِأَنْ يَدْفَعَهُ إلَى غَيْرِهِ، لِيَكُونَ هُوَ الْقَيِّمُ عَلَيْهِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَلَكِنْ الْإِشْهَادُ يَكْفِي، فَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: إنَّ الْقَيِّمَ إنَّمَا يَقْبِضُهُ بِأَمْرِهِ، فَكَانَ يَدُ الْقَيِّمِ كَيَدِ الْوَاقِفِ، فَإِذَا كَانَتْ يَدُهُ كَيَدِهِ فَلَا فَائِدَةَ فِي التَّسْلِيمِ إلَيْهِ، وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ جَعَلَ دَارِهِ مَسْجِدًا فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ مَسْجِدًا إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لِلنَّاسِ بِالدُّخُولِ وَالصَّلَاةِ فِيهِ، فَإِذَا أَذِنَ لَهُمْ بِالصَّلَاةِ فِيهِ يَصِيرُ مَسْجِدًا.\nوَلَا يُقَالُ: إنَّهُمْ يُصَلُّونَ بِإِذْنِهِ، فَيُجْعَلُ كَصَلَاتِهِ بِنَفْسِهِ بَلْ لَمْ يُجْعَلْ هَكَذَا فَكَذَلِكَ هَا هُنَا؛ وَلِأَنَّ الْأَمْوَالَ لَا تَبْقَى مَحْفُوظَةً إلَّا بِأَيْدِي الْعِبَادِ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ يَدٍ مُسْتَحِقَّةٍ لِتَخَلُّفِ الْأُولَى، فَتَبْقَى فِي يَدِهِ مَحْفُوظَةً كَمَا جُعِلَتْ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ صَارَتْ، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَنْتَفِعَ بِذَلِكَ كُلِّهِ الْقَيِّمُ وَوَلَدُهُ وَوَالِدُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَ هَذَا فِي مَرَضِهِ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ لِلْقَيِّمِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ، فَإِذَا فَعَلَ فِي حَيَاتِهِ وَصِحَّتِهِ أَوْلَى. وَكَذَلِكَ لِوَارِثِهِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ إذَا سَلَّمَ لَهُمْ ذَلِكَ الْقَيِّمُ الَّذِي وَلَّاهُ؛ لِأَنَّ مَا حَبَسَهُ فِي حَيَاتِهِ وَصِحَّتِهِ لَمْ يَكُنْ وَصِيَّةً.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ، وَيُبْدَأُ بِهِ قَبْلَ الدَّيْنِ، وَلَوْ أَرَادَ إبْطَالَهُ فِي حَيَاتِهِ لَمْ يَنْفُذْ، وَمَا لَمْ يَكُنْ وَصِيَّةً فَالْوَرَثَةُ وَغَيْرُهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ.\n٤١٨٠ - وَإِنْ مَاتَ الْقَيِّمُ فِي حَيَاةِ الَّذِي حَبَسَ ذَلِكَ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ فَالْأَمْرُ فِيهِ إلَى مَنْ وَلَّاهُ الْقَيِّمُ.\nذَلِكَ لِأَنَّهُ هُوَ الْقَيِّمُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، فَالْقَائِمُ مَقَامَهُ يَكُونُ هُوَ الْقَيِّمُ بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَالْوَصِيُّ إذَا مَاتَ وَأَوْصَى إلَى رَجُلٍ فَإِنَّ الْوَصِيَّ الثَّانِيَ يَكُونُ هُوَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ،","vol":"1","page":2109},{"text":"فَكَذَلِكَ هَا هُنَا وَهَذَا بِخِلَافِ الْقَاضِي؛ إذَا فَوَّضَ الْقَضَاءَ إلَى غَيْرِهِ ثُمَّ مَاتَ فَإِنَّ الثَّانِيَ لَا يَكُونُ قَاضِيًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِمَامَ الَّذِي وَلَّى الْقَاضِيَ الْأَوَّلَ كَانَ لَهُ وِلَايَةٌ بَعْدَ تَوْلِيَةِ الْقَضَاءِ، وَلَمْ يَخْرُجْ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَعْزِلَهُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ وَيُوَلِّيَ غَيْرَهُ، فَلَمَّا كَانَتْ وِلَايَتُهُ بَاقِيَةً لَمْ يَجُزْ تَوْلِيَةُ الْقَاضِي غَيْرَهُ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ، فَأَمَّا هَا هُنَا لَيْسَ لِلَّذِي حَبَسَ وِلَايَةٌ بَعْدَ مَا أُخْرِجَ مِنْ يَدِهِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَعْزِلَهُ وَيَسْتَبْدِلَ غَيْرَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ فَلَمَّا كَانَتْ الْوِلَايَةُ لِلْقَيِّمِ دُونَ الَّذِي حَبَسَ كَانَ لَهُ التَّفْوِيضُ إلَى غَيْرِهِ.\n٤١٨١ - فَإِنْ مَاتَ مِنْ غَيْرِ تَوْلِيَةٍ مِنْهُ لِأَحَدٍ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَجْعَلُ الْقَيِّمَ فِي ذَلِكَ مَنْ أَحَبَّ وَلَيْسَ لِلَّذِي حَبَسَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ.\nهَكَذَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ. وَذَكَرَ الْخَصَّافُ فِي كِتَابِهِ وَهِلَالٌ أَيْضًا فِي كِتَابِهِ أَنَّ الَّذِي حَبَسَهُ لَهُ أَنْ يُوَلِّيَ غَيْرَهُ، فَوَجْهُ تِلْكَ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْقَيِّمَ لَوْ وَلَّى غَيْرَهُ ثُمَّ مَاتَ جَازَتْ تَوْلِيَتُهُ، وَإِنَّمَا وَلَّاهُ لِوِلَايَةٍ مُسْتَفَادَةٍ مِنْ جِهَةِ الَّذِي حَبَسَ، فَلَمَّا جَازَ لِغَيْرِهِ أَنْ يُوَلِّيَ غَيْرَهُ بِوِلَايَةٍ فَلَأَنْ يَجُوزَ لِلَّذِي حَبَسَ أَنْ يُوَلِّيَ غَيْرَهُ بِوِلَايَةِ نَفْسِهِ كَانَ أَوْلَى، وَالْوَجْهُ لِمَا ذَكَرْنَا هَا هُنَا، وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا حَبَسَهُ وَسَلَّمَهُ إلَى الْقَيِّمِ فَقَدْ أَخْرَجَ الْحَبِيسَ عَنْ مِلْكِهِ وَيَدِهِ، وَصَارَ هُوَ وَسَائِرُ الْأَجَانِبِ فِيهِ سَوَاءً.\nوَكَمَا أَنَّ التَّدْبِيرَ لَيْسَ إلَى سَائِرِ الْأَجَانِبِ فَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ التَّدْبِيرُ إلَيْهِ.\n٤١٨٢ - وَإِنْ جَعَلَهُ حَبِيسًا وَاشْتَرَطَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ هُوَ الْقَيِّمُ فِيهِ فَهَذَا بَاطِلٌ فِي الْحُكْمِ","vol":"1","page":2110},{"text":"لِأَنَّهُ لَمَّا شَرَطَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْقَيِّمُ فِي ذَلِكَ فَلَمْ يُوجَدْ الْإِخْرَاجُ مِنْ يَدِهِ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الْحَبْسِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُوَ الْإِخْرَاجُ مِنْ يَدِهِ وَالتَّسْلِيمُ إلَى غَيْرِهِ.\n٤١٨٣ - وَإِنْ دَفَعَ ذَلِكَ إلَى قَيِّمٍ يَقُومُ بِهِ وَاشْتَرَطَ أَنَّهُ إنْ مَاتَ قَبْلَ الَّذِي حَبَسَ ذَلِكَ كَانَ الْأَمْرُ إلَى الَّذِي حَبَسَ ذَلِكَ، يَجْعَلُ فِيهِ مَنْ أَحَبَّ جَازَ مَا اشْتَرَطَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَخْرَجَ عَنْ يَدِهِ بِهَذَا الشَّرْطِ، فَيُرَاعَى شَرْطُهُ، كَمَا لَوْ شَرَطَ شَرْطًا آخَرَ؛ لِأَنَّ شُرُوطَ الْوَاقِفِ تُرَاعَى.\nثُمَّ هَذَا الشَّرْطُ لَا يَمْنَعُ جَوَازَهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَخْرَجَهُ مِنْ يَدِهِ فَقَدْ تَمَّ الْوَقْفُ وَالْحَبْسُ، فَصَارَ هُوَ كَوَاحِدٍ مِنْ النَّاسِ، فَكَانَ الْعَوْدُ إلَى يَدِهِ كَالْعَوْدِ إلَى يَدِ غَيْرِهِ لَا يُبْطِلُ الْحَبْسَ، فَالْعَوْدُ إلَى يَدِهِ مِثْلُهُ.\nوَكَذَلِكَ إذَا شَرَطَ قَيِّمًا بَعْدَ قَيِّمٍ فَذَلِكَ إلَيْهِ، وَلَيْسَ لِلْقَيِّمِ الْأَوَّلِ أَنْ يَجْعَلَهَا إلَى غَيْرِ مَا شَرَطَ الَّذِي حَبَسَهَا؛ لِأَنَّ شَرْطَهُ كَمَا رُوعِيَ فِي حَقِّ الْقَيِّمِ الْأَوَّلِ فَكَذَلِكَ يُرَاعَى فِي حَقِّ الْقَيِّمِ الثَّانِي، وَقَدْ وُجِدَ مِنْ وُقُوفِ السَّلَفِ هَكَذَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الشَّرْطِ جَائِزٌ فِي وِلَايَةِ السَّلْطَنَةِ وَالْإِمَارَةِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ - أَنَّهُ بَعَثَ سَرِيَّةً وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قُتِلَ فَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَإِنْ قُتِلَ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ»، وَكَانَ كَمَا قَالَ.\nوَحُكِيَ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَوْصَى أَنْ يَكُونَ الْخَلِيفَةُ بَعْدَهُ ابْنَ عَمِّهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَكَرِهَتْ ذَلِكَ إخْوَتُهُ؛ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَمَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ:","vol":"1","page":2111},{"text":"ثُمَّ بَعْدَهُ فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ ثُمَّ أَنْتَ يَا هِشَامُ، ثُمَّ قَالَ: أَرَضِيت يَا أَصْلَعَ. فَلَمَّا جَازَ مِثْلُ هَذَا الشَّرْطِ فِي وِلَايَةِ السَّلْطَنَةِ، فَلَأَنْ يَجُوزَ فِي هَذِهِ الْوِلَايَةِ أَوْلَى.\n٤١٨٤ - وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ إلَى رَجُلٍ مَالًا فَقَالَ خُذْ هَذَا الْمَالَ فَجَاهِدْ بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ قَالَ اُغْزُ بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَخَذَهُ الرَّجُلُ فَاشْتَرَى بِهِ مَتَاعًا وَكُرَاعًا وَسِلَاحًا ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا، فَقَالَ الَّذِي أَعْطَى الْمَالَ إنْ كَانَ حَيًّا أَوْ وَرَثَتُهُ إنْ كَانَ مَيِّتًا: إنَّمَا أَعْطَاهُ الْمَالَ قَرْضًا لِيُجَاهِدَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، وَقَالَ الْمُعْطَى أَوْ وَرَثَتُهُ إنَّمَا أَعْطَاهُ إيَّاهُ عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - تَعَالَى -، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُعْطَى فِي ذَلِكَ أَوْ وَرَثَتُهُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ فَجَاهِدْ بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إضَافَةُ الْجِهَادِ إلَى فِعْلِ الْمُعْطِي لَا إلَى الْمَالِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِأَمْرٍ بِأَنْ يَأْتِيَ فِعْلَ الْجِهَادِ، وَإِذَا كَانَ الْجِهَادُ مُضَافًا إلَى فِعْلِهِ لَا إلَى الْمَالِ لَمْ يَصِرْ دَافِعًا لِلْمَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِيَصِيرَ صَدَقَةً، فَبَقِيَ قَوْلُهُ: خُذْ هَذَا الْمَالَ مُجَرَّدًا، وَهُوَ كَلَامٌ يَحْتَمِلُ الْقَرْضَ وَيَحْتَمِلُ الصَّدَقَةَ.\nفَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَبَرُّعٌ وَالْقَرْضُ أَقَلُّ التَّبَرُّعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ الْبَدَلَ، وَالصِّلَةُ لَا تُوجِبُ الْبَدَلَ فَحُمِلَ عَلَى الْأَقَلِّ؛ لِأَنَّ الْأَقَلَّ تَعَيَّنَ، وَهَذَا كَرَجُلٍ زَوَّجَ ابْنَتَهُ وَسَلَّمَهَا إلَى الزَّوْجِ مَعَ جِهَازِهَا، ثُمَّ مَاتَتْ الِابْنَةُ، فَقَالَ الزَّوْجُ: كَانَ الْمَالُ صِلَةً لَهَا فَلِي مِنْهُ الْمِيرَاثُ، وَقَالَ الْأَبُ: لَا بَلْ كُنْتُ أَعَرْتهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَبِ لِمَا أَنَّ الْعَارِيَّةَ تَبَرُّعٌ وَالْهِبَةَ تَبَرُّعٌ، وَالْعَارِيَّةُ أَقَلُّهُمَا فَحُمِلَ عَلَى الْأَقَلِّ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.\nفَإِنْ كَانَ الْمُعْطِي حَيًّا حَلَفَ أَلْبَتَّةَ بِاَللَّهِ مَا أَعْطَاهُ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْقَرْضِ ثُمَّ أَخَذَ مَالَهُ","vol":"1","page":2112},{"text":"لِأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ فَيَحْلِفُ عَلَى الْبَتَاتِ. وَحَلَفَتْ الْوَرَثَةُ عَلَى عِلْمِهِمْ مَا يَعْلَمُونَ أَنَّ صَاحِبَهُمْ أَعْطَاهُ إيَّاهُ عَلَى وَجْهِ الصِّلَةِ ثُمَّ يَأْخُذُونَ الْمَالَ.\n؛ لِأَنَّهُمْ حَلَفُوا عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ يَحْلِفُ عَلَى الْعِلْمِ.\n٤١٨٥ - وَإِنْ تَصَادَقَا الْمُعْطِي وَالْمُعْطَى لَهُ أَنَّ الْمُعْطِيَ أَعْطَاهُ إيَّاهُ وَلَمْ يَنْوِ قَرْضًا وَلَا غَيْرَهُ فَالْمَالُ قَرْضٌ، وَلَا يَكُونُ صِلَةً لِمَا قُلْنَا: إنَّهُ أَقَلُّ التَّبَرُّعَيْنِ، وَكَانَ عَلَى الْأَقَلِّ حَتَّى يَثْبُتَ الْأَكْثَرُ، وَهَذَا فَصْلٌ يَنْبَغِي أَنْ يُحْفَظَ فَإِنَّهُ لَا رِوَايَةَ لَهُ إلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَاسْتَدَلَّ فِي الْكِتَابِ.\nفَقَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ أَعْطَى رَجُلًا مَالًا فَقَالَ: حُجَّ بِهِ أَوْ أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِك مَعَ عِيَالِك كَانَ ذَلِكَ قَرْضًا، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهِ الصِّلَةَ، كَذَلِكَ هَا هُنَا، وَلَوْ قَالَ لَهُ: خُذْ هَذَا الْمَالَ فَهُوَ لَك فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَاتَ الَّذِي أَخَذَهُ قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ شَيْئًا، فَهُوَ لَهُ وَهُوَ مِيرَاثٌ لِوَرَثَتِهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ هُوَ لَك تَمْلِيكٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّ اللَّامَ لِلْمِلْكِ، كَمَا إذَا قَالَ دَارِي لَك تَسْكُنُهَا كَانَ تَمْلِيكًا لِلرَّقَبَةِ، وَقَوْلُهُ: فِي سَبِيلِ اللَّهِ عِبَارَةٌ عَنْ الصَّدَقَةِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: خُذْ هَذَا الْمَالَ فَهُوَ لَك صَدَقَةٌ وَلَا يَكُونُ قَرْضًا.\nوَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: خُذْ هَذَا الْمَالَ فِي الْغَزْوِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ قَالَ فِي الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَ الْمَالُ صَدَقَةً","vol":"1","page":2113},{"text":"لِأَنَّهُ أَضَافَ الْجِهَادَ أَوْ الْغَزْوَ إلَى الْمَالِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ فِي هَذَا الْوَجْهِ فَهَذَا رَجُلٌ جَعَلَ مَالَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَكَانَ صَدَقَةً؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِالْأَخْذِ لِلَّهِ، وَالْمَالُ الْمَأْخُوذُ لِلَّهِ لَا يَكُونُ إلَّا صَدَقَةً عَلَى عِبَادِهِ.\n٤١٨٦ - وَلَوْ كَانَ قَالَ: خُذْ هَذَا الْمَالَ فَاغْزُ بِهِ عَنِّي فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ رُدَّ ذَلِكَ الْمَالُ عَلَى الْمُعْطِي، أَوْ عَلَى وَرَثَتِهِ.\n؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِالْغَزْوِ عَنْهُ، وَالْغَزْو عَنْهُ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ أَنْ تَكُونَ النَّفَقَةُ مِنْ مَالِهِ، وَيَكُونَ الْغَازِي نَائِبًا عَنْهُ فِي الْإِنْفَاقِ، فَبَقِيَ الْمَالُ عَلَى مِلْكِهِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ انْقَطَعَ أَمْرُهُ فَيُرَدُّ الْمَالُ إلَى وَرَثَتِهِ. فَإِنْ اشْتَرَى بِذَلِكَ الْمَالِ سِلَاحًا أَوْ كُرَاعًا ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَخَذَ جَمِيعَ مَا اشْتَرَى؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِأَمْرِهِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْغَزْوِ أَمْرٌ بِشِرَاءِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْغَزْوِ، وَالشِّرَاءُ وَقَعَ لِلْآمِرِ فَيَكُونُ لَهُ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ غَزَا وَفَضَلَ مِنْ ذَلِكَ فَضْلٌ رُدَّ إلَيْهِ فَدَلَّ أَنَّ الشِّرَاءَ وَقَعَ لَهُ.\n٤١٨٧ - وَلَوْ اشْتَرَى بِهِ مَتَاعًا أَوْ سِلَاحًا ثُمَّ بَدَا لِلْمُعْطِي أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ وَيَدْفَعَهُ إلَى غَيْرِهِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ مَلَكَهُ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ وَيُعْطِيَهُ غَيْرَهُ.","vol":"1","page":2114},{"text":"٤١٨٨ - فَإِنْ قَالَ الْمُعْطِي: رُدَّ عَلَيَّ مَالِي وَلَك مَا اشْتَرَيْت، فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا مَا اشْتَرَى؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرَى وَكِيلٌ لَهُ فِي الشِّرَاءِ، فَالْمُشْتَرِي وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ.\n٤١٨٩ - وَلَوْ قَالَ الْمُعْطِي أُعْطِيك مَالَك وَلِي مَا اشْتَرَيْت الْوَصِيَّةُ بِالْمَالِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ لَهُ بِالشِّرَاءِ وَالْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ لَا يَحْبِسُ مَا اشْتَرَى عَنْ الْمُوَكِّلِ.\nوَلَوْ قَالَ لَهُ خُذْ هَذَا الْمَالَ فَجَاهِدْ بِهِ أَوْ اُغْزُ بِهِ، فَاشْتَرَى بِهِ الْمُعْطِي مَتَاعًا أَوْ سِلَاحًا أَوْ كُرَاعًا لِيَغْزُوَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُ الْمَالِ: إنَّمَا أَعْطَيْتُك لِتَغْزُوَ عَنِّي فَرُدَّ عَلَيَّ الْمَتَاعَ، وَقَالَ الْمُعْطَى: أَعْطَيْته لِنَفْسِي صِلَةً أَوْ قَرْضًا فَلَا سَبِيلَ لَك عَلَى الْمَتَاعِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمَتَاعَ وَالسِّلَاحَ وَالْكُرَاعَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: فَجَاهِدْ بِهِ يَحْتَمِلُ مَعْنَى الْجِهَادِ عَنْ الْمُعْطَى، وَيُحْتَمَلُ الْجِهَادُ عَنْ الْمُعْطِي، وَهُوَ الْمُجْمَلُ فَكَانَ الْبَيَانُ إلَيْهِ.\nوَلِأَنَّ مَا ادَّعَاهُ الْمُعْطِي لَا يُوجِبُ زَوَالَ الْمَالِ عَنْ مِلْكِهِ، وَمَا ادَّعَاهُ الْمُعْطَى يُوجِبُ زَوَالَهُ عَنْ مِلْكِهِ إلَى بَدَلٍ أَوْ إلَى غَيْرِ بَدَلٍ، فَهُوَ يَدَّعِي أَكْبَرَ الْأَمْرَيْنِ فَلَا يُصَدَّقُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.\n٤١٩٠ - وَإِذَا حَبَسَ الرَّجُلُ فَرَسَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَدَفَعَهُ إلَى رَجُلٍ حَبِيسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ جَائِزٌ لَوْ قَالَ: إنْ اسْتَغْنَيْت","vol":"1","page":2115},{"text":"أَوْ حَضَرَتْك الْوَفَاةُ فَادْفَعْهُ إلَى غَيْرِك حَبِيسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْمُحْبِسَ هَكَذَا شَرَطَ وَشَرْطُهُ مُعْتَبَرٌ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْوَاقِفَ إذَا جَعَلَ وَقْفًا عَلَى قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ عَلَى أَنَّهُمْ إنْ اسْتَغْنَوْا عَنْهُ فَيُصْرَفُ إلَى الْفُقَرَاءِ جَازَ مِنْ الْوَاقِفِ هَذَا الشَّرْطُ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا،\n٤١٩١ - فَإِنْ مَاتَ صَاحِبُ الْفَرَسِ الَّذِي جَعَلَهُ حَبِيسًا لَمْ يَكُنْ مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ، وَكَانَ حَبِيسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ الزَّوَالَ قَدْ تَمَّ فَلَا يَصِيرُ مِيرَاثًا.\n٤١٩٢ - فَإِنْ مَاتَ الَّذِي أَعْطَاهُ إيَّاهُ صَارَ حَبِيسًا عَلَى مَنْ أَعْطَاهُ الْمَيِّتُ، أَوْ عَلَى مَنْ أَوْصَى لَهُ بِهِ حَبِيسًا، لَيْسَ لِصَاحِبِهِ الَّذِي حُبِسَ عَلَيْهِ سَبِيلٌ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ قَدْ وُجِدَ.\n٤١٩٣ - فَإِنْ اسْتَغْنَى الَّذِي جَعَلَهُ صَاحِبُهُ حَبِيسًا فِي يَدِهِ، أَوْ تَرَكَ الْجِهَادَ فَرَجَعَ إلَى أَهْلِهِ لَزِمَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى غَيْرِهِ يَكُونُ حَبِيسًا، لِلشَّرْطِ الَّذِي وُجِدَ مِنْ الْمُحْبِسِ، فَإِنْ دَفَعَهُ إلَى غَيْرِهِ ثُمَّ بَدَا لِلْأَوَّلِ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْجِهَادِ فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ الْحَبِيسَ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ","vol":"1","page":2116},{"text":"لِأَنَّ الْأَوَّلَ إنَّمَا كَانَ أَوْلَى بِهِ مِنْ الثَّانِي؛ لِثُبُوتِ يَدِهِ عَلَيْهِ، وَلَمَّا سَلَّمَهُ إلَى الثَّانِي فَقَدْ زَالَتْ يَدُهُ وَصَارَ الْيَدُ لِلثَّانِي، فَكَانَ هُوَ أَوْلَى بِإِمْسَاكِهِ مِنْ الْأَوَّلِ.\n٤١٩٤ - فَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْفَرَسِ شَرَطَ لِلْأَوَّلِ أَنَّهُ إنْ جَعَلَهُ لِغَيْرِهِ ثُمَّ احْتَاجَ إلَيْهِ أَوْ رَجَعَ إلَى الْغَزْوِ كَانَ أَحَقَّ بِهِ. (كَانَ هَذَا الشَّرْطُ جَائِزًا)؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْفَرَسِ هَكَذَا شَرَطَ فَيُرَاعَى شَرْطُهُ كَمَا فِي الْوَقْفِ إذَا جَعَلَهُ عَلَى أَوْلَادِ فُلَانٍ، فَإِنْ اسْتَغْنَوْا فَهُوَ لِفُلَانٍ فَإِنْ احْتَاجَ الْأَوْلَادُ دَخَلُوا فِي الْوَقْفِ ثَانِيًا جَازَ، وَكَانَ عَلَى الشَّرْطِ الَّذِي شَرَطَهُ، كَذَلِكَ هَا هُنَا.\n٤١٩٥ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا حَبَسَ فَرَسًا أَوْ أَرْضًا أَوْ جَعَلَهَا وَقْفًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ عِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ هِيَ مَرْدُودَةٌ عَلَى صَاحِبِهَا الَّذِي حَبَسَهَا، أَوْ عَلَى وَرَثَتِهِ إنْ هَلَكَ أَوْ جَعَلَ حَبِيسًا عَلَى قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ، عَلَى أَنَّهُمْ إنْ هَلَكُوا رَجَعَ الْحَبِيسُ عَلَى الَّذِي حَبَسَهَا، كَانَ هَذَا حَبْسًا بَاطِلًا، لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ إنْ شَاءَ، وَإِنْ مَاتَ كَانَ ذَلِكَ مِيرَاثًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَبِّدْ الْحَبْسَ.\nوَالْمَذْهَبُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ التَّأْبِيدَ شَرْطٌ لِجَوَازِ الْوَقْفِ، وَإِنَّمَا كَانَ التَّأْبِيدُ مِنْ شَرْطِهِ؛ لِأَنَّهُ صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ، فَيُعْتَبَرُ بِالصَّدَقَةِ الْمَمْلُوكَةِ، وَالصَّدَقَةُ الْمَمْلُوكَةُ لَا يَجُوزُ تَوْقِيتُهَا، فَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ الْمَوْقُوفَةُ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - ﵀ - يَجُوزُ الْوَقْفُ مُؤَقَّتًا وَمُؤَبَّدًا؛ لِأَنَّ فِي هَذَا تَمْلِيكَ الْمَنَافِعِ، وَقَدْ جَازَ مُؤَبَّدًا، فَلَأَنْ يَجُوزَ مُؤَقَّتًا أَوْلَى.","vol":"1","page":2117},{"text":"أَلَا تَرَى) أَنَّ الْإِجَارَةَ تَجُوزُ مُؤَقَّتَةً وَلَا تَجُوزُ مُؤَبَّدَةً، ثُمَّ التَّأْبِيدُ لَمَّا لَمْ يُبْطِلْ الْوَقْفَ، فَالتَّوْقِيتُ أَوْلَى أَلَّا يُبْطِلَهَا.\n٤١٩٦ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا حَبَسَ فَرَسًا لَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَبَدًا، وَدَفَعَهُ إلَى رَجُلٍ حَبَسَهُ عَلَيْهِ، عَلَى أَنَّهُ إنْ مَاتَ وَاسْتَغْنَى عَنْهُ دَفَعَهُ إلَى غَيْرِهِ، لَا يَرْجِعُ إلَى صَاحِبِهِ وَلَا إلَى وَرَثَتِهِ، فَهَذَا جَائِزٌ مُسْتَقِيمٌ؛ لِأَنَّهُ أَبَّدَهُ، وَالْحَبْسُ مُؤَبَّدًا جَائِزٌ.\n٤١٩٧ - فَإِذَا أَخَذَ صَاحِبُ الْحَبِيسِ الْفَرَسَ فَلَمْ يَغْزُ سَنَتَهُ تِلْكَ فَدَفَعَهُ إلَى غَيْرِهِ يَغْزُو عَلَيْهِ أَعَارَهُ إيَّاهُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ اسْتَغْنَى حَيْثُ لَمْ يَغْزُ تِلْكَ السَّنَةَ، فَلَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى غَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَ مَنَافِعَ الْفَرَسِ فِي بَابِ الْغَزْوِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَيْسَ لِصَاحِبِ الْفَرَسِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ الْفَرَسَ مَا دَامَ هُوَ حَيًّا يَغْزُو، فَلَهُ أَنْ يُمَلِّكَ تِلْكَ الْمَنَافِعَ غَيْرَهُ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْمُحْبَسَ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ أَقَلَّ حَالًا مِنْ الْمُسْتَعِيرِ، وَالْمُسْتَعِيرُ لِلدَّابَّةِ إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ رُكُوبَ نَفْسِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يُعِيرَ غَيْرَهُ، فَهَا هُنَا أَوْلَى.\nوَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُؤَاجِرَهُ لِأَنَّ مَقْصُودَ صَاحِبِ الْفَرَسِ حُصُولُ الثَّوَابِ لَهُ، وَإِذَا غَزَا الثَّانِي بِبَدَلٍ لَا يَحْصُلُ لِلْمُحْبِسِ ثَوَابٌ فِي الْأَجْرِ؛ وَلِأَنَّهُ مَلَكَ مَنَافِعَ هَذَا الْفَرَسِ بِغَيْرِ بَدَلٍ، فَلَا يَقْدِرُ أَنْ يُمَلِّكَ غَيْرَهُ بِبَدَلٍ.","vol":"1","page":2118},{"text":"أَلَا تَرَى) أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ يَمْلِكُ أَنْ يُعِيرَ وَلَا يَمْلِكُ الْإِجَارَةَ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.\n٤١٩٨ - فَإِنْ دَفَعَهُ إلَى غَيْرِهِ يَغْزُو عَلَيْهِ بِأَجْرٍ فَرَكِبَهُ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ، فَعَطِبَ فِي يَدِهِ مِنْ رُكُوبِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَرَفَعَ ذَلِكَ إلَى الْقَاضِي، فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ أَيَّهُمَا شَاءَ، إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُؤَاجِرَ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُسْتَأْجِرَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَعَدٍّ فِي الْفَرَسِ، فَإِنْ ضَمَّنَ الْمُؤَاجِرَ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ بِالضَّمَانِ مَلَكَهُ مِنْ الِابْتِدَاءِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ آجَرَ فَرَسَ نَفْسِهِ، وَمَنْ آجَرَ فَرَسَ نَفْسِهِ فَعَطِبَ فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ لَمْ يَضْمَنْ الْمُسْتَأْجِرِ، كَذَلِكَ هَا هُنَا.\n٤١٩٩ - وَإِنْ ضَمِنَ الْمُسْتَأْجِرُ الْقِيمَةَ رَجَعَ الْمُسْتَأْجِرُ بِالْقِيمَةِ عَلَى الْمُؤَاجِرِ. لِأَنَّهُ مَغْرُورٌ مِنْ جِهَتِهِ، وَالْمَغْرُورُ يَرْجِعُ عَلَى الْغَارِّ بِمَا غَرَّهُ. ثُمَّ يَشْتَرِي الْقَاضِي بِالْقِيمَةِ فَرَسًا آخَرَ فَيَجْعَلُهُ حَبِيسًا عَلَى الَّذِي كَانَ آجَرَهُ.\n؛ لِأَنَّ الْفَرَسَ الثَّانِيَ قَائِمٌ مَقَامَ الْأَوَّلِ، وَالْفَرَسُ الْأَوَّلُ لَوْ كَانَ حَيًّا كَانَ حَبِيسًا عَلَى الَّذِي آجَرَهُ، فَكَذَلِكَ الثَّانِي يَكُونُ حَبِيسًا عَلَيْهِ. وَيَتَقَدَّمُ إلَيْهِ فِيهِ أَلَّا يُؤَاجِرَهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَاطَى مَا لَا يَحِلُّ.","vol":"1","page":2119},{"text":"فَلِلْقَاضِي أَنْ يَنْصَحَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَتَكُونُ الْأُجْرَةُ لِلْمُؤَاجِرِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْعَاقِدُ، وَالْأَجْرُ يَكُونُ لِلْعَاقِدِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَا يَكُونُ أَشْقَى حَالًا مِنْ الْغَاصِبِ، وَالْغَاصِبُ لَوْ آجَرَ الْمَغْصُوبَ وَسَلَّمَ كَانَ الْأَجْرُ لِلْغَاصِبِ، كَذَا هَا هُنَا. وَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَأْكُلَهُ الْمُؤَاجِرُ وَلَكِنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَفَادَهُ مِنْ كَسْبٍ خَبِيثٍ، فَسَبِيلُهُ التَّصَدُّقُ بِهِ، كَمَا فِي الْغَاصِبِ.\n٤٢٠٠ - وَلَوْ قَتَلَ الْفَرَسَ غَيْرُ الَّذِي حُبِسَ عَلَيْهِ، أَوْ رَكِبَهُ غَيْرُهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَعَطِبَ تَحْتَهُ، كَانَ ضَامِنًا بِقِيمَتِهِ، يَأْخُذُهَا الَّذِي حُبِسَ عَلَيْهِ فَيَشْتَرِي بِهَا فَرَسًا آخَرَ، فَيَكُونُ حَبِيسًا فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ الَّذِي حُبِسَ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ أَقَلَّ حَالًا مِنْ الْمُودِعِ، وَلَوْ كَانَتْ وَدِيعَةٌ فِي يَدِهِ فَقَتَلَهُ غَيْرُهُ كَانَ لِلْمُودِعِ حَقُّ الْخُصُومَةِ وَأَخْذُ الْقِيمَةِ، كَذَا هَا هُنَا.\n٤٢٠١ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَرَسٌ حَبِيسٌ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ دَفَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْفَرَسَ الَّذِي فِي يَدِهِ إلَى صَاحِبِهِ، عَلَى أَنْ يَغْزُوَ عَلَيْهِ، عَلَى أَنْ يُعْطِيَ الْآخَرَ فَرَسَهُ، كَانَ هَذَا شَرْطًا فَاسِدًا (لَا يَنْبَغِي لَهُمَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا لَمَّا شَرَطَا ذَلِكَ شَرْطًا بَيْنَهُمَا صَارَتْ مُبَادَلَةَ الْمَنَافِعِ بِالْمَنَافِعِ، وَمُبَادَلَةُ الْمَنَافِعِ بِالْمَنَافِعِ إجَارَةٌ فَاسِدَةٌ) كَبَيْعِ السُّكْنَى بِالسُّكْنَى.","vol":"1","page":2120},{"text":"٤٢٠٢ - وَلَيْسَ لِلَّذِي حُبِسَ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَاجِرَهُ إجَارَةً جَائِزَةً وَلَا فَاسِدَةً، فَإِنْ عَطِبَ أَحَدُهُمَا ضَمِنَ الْقِيمَةَ فَكَانَ الْأَمْرُ فِيهِ كَمَا وَصَفْنَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَعَدٍّ.\n٤٢٠٣ - وَإِنْ سَلِمَا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَجْرُ مِثْلِ الْفَرَسِ الَّذِي أَعْطَاهُ صَاحِبُهُ.\n؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ فَاسِدَةٌ، وَفِي الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ يَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ، وَيَتَصَدَّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْأَجْرِ وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ.\n٤٢٠٤ - وَلَوْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَفَعَ فَرَسَهُ إلَى صَاحِبِهِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ اشْتَرَطَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، فَغَزَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْفَرَسِ الَّذِي أَعْطَاهُ صَاحِبُهُ فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ.\nلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجُرْ بَيْنَهُمَا شَرْطٌ لَمْ يَصِرْ مُبَادَلَةُ الْمَنْفَعَةِ بِالْمَنْفَعَةِ لِتَصِيرَ إجَارَةً، وَلَكِنَّهُ يُجْعَلُ مَحْضَ إعَارَةٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ لِلَّذِي حُبِسَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيرَهُ لِيَغْزُوَ بِهِ.\n٤٢٠٥ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا جَعَلَ خَيْلًا لَهُ حَبِيسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدَفَعَهَا إلَى وَكِيلٍ لَهُ يَكُونُ هُوَ الَّذِي يُوَزِّعُهَا بَيْنَ الْغُزَاةِ إذَا غَزَوْا، وَلَمْ يَشْتَرِطْ رَدَّهَا إلَيْهِ، فَهَذَا جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ الْإِزَالَةَ مِنْ يَدِهِ إلَى يَدِ قَيِّمِ الْحَبْسِ فَيَجُوزُ، كَمَا لَوْ وَقَفَ أَرْضًا أَوْ دَارًا وَأَخْرَجَهَا إلَى قَيِّمٍ جَازَ ذَلِكَ، لِمَا أَنَّ التَّسْلِيمَ قَدْ وُجِدَ، وَلِهَذَا قَالَ","vol":"1","page":2121},{"text":"أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إنَّ التَّسْلِيمَ لَيْسَ بِشَرْطٍ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ وَكِيلُهُ وَيَتَصَرَّفُ فِيهِ بِأَمْرِهِ، كَمَا شَرَطَ هُوَ، فَكَانَتْ يَدُهُ كَيَدِهِ فَلَا فَائِدَةَ فِي التَّسْلِيمِ.\nوَالْجَوَابُ عَنْهُ مَا قُلْنَا. وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُوَزِّعَهَا بَيْنَ الْغُزَاةِ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ؛ لِأَنَّ هَذَا إبَاحَةٌ وَلَيْسَ بِتَمْلِيكٍ، وَكُلُّ قُرْبَةٍ كَانَتْ عَلَى سَبِيلِ الْإِبَاحَةِ اسْتَوَى فِيهَا الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ كَالسِّقَايَةِ. وَكَذَلِكَ لَوْ جَعَلَ خَانًا لِنُزُولِ النَّاسِ فِيهِ، أَوْ مَقْبَرَةً يُقْبَرُ فِيهَا مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ (فَإِنَّهُ يَسْكُنَ خَانَهُ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ، وَيُقْبَرُ فِي مَقْبَرَتِهِ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ) .\n٤٢٠٦ - فَإِنْ دَفَعَ الْوَكِيلُ إلَى رَجُلٍ فَرَسًا فَقَالَ: ارْكَبْهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَعْطَاهُ لِيَنْتَفِعَ بِهِ فِي هَذَا الْغَزْوِ ثُمَّ يَرُدُّهُ عَلَى الْوَكِيلِ، فَهُوَ مُسْتَعِيرٌ، وَالْمُسْتَعِيرُ إذَا شَرَطَ رُكُوبَ نَفْسِهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُرْكِبَ غَيْرَهُ، كَذَلِكَ هَا هُنَا.\n٤٢٠٧ - وَإِنْ أَعْطَاهُ إيَّاهُ فَقَالَ: خُذْهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَرْكَبُهُ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ غَيْرَهُ مِمَّنْ يَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ.\n؛ لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ وَقَعَتْ مُطْلَقَةً فَكَانَ لَهُ أَنْ يَرْكَبَهُ بِنَفْسِهِ، وَأَنْ يُرْكِبَ غَيْرَهُ، كَمَا فِي عَارِيَّةِ الدَّابَّةِ إذَا وَقَعَتْ مُطْلَقَةً.","vol":"1","page":2122},{"text":"وَلَوْ أَعْطَى رَجُلًا فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَعْطَى الْآخَرَ فَرَسًا لَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ الرَّجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ: أُعْطِيك فَرَسِي لِتَغْزُوَ عَلَيْهِ، عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي فَرَسَك أَغْزُو عَلَيْهِ، فَأَخَذَاهُمَا فَغَزَوَا عَلَيْهِمَا، فَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ بَاطِلًا. وَإِنْ عَطِبَ الْفَرَسَانِ يَضْمَنَانِ، إلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ اسْتِحْسَانًا، وَلَا يَضْمَنَانِ شَيْئًا.\nفَوَجْهُ الْقِيَاسِ لَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا لَمَّا شَرَطَا ذَلِكَ الشَّرْطَ فِيمَا بَيْنَهُمَا صَارَتْ مُبَادَلَةَ الْمَنْفَعَةِ بِالْمَنْفَعَةِ فَتَصِيرُ فِي حُكْمِ الْإِجَارَةِ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمُحْبِسُ رَجُلَيْنِ.\nوَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّهُ اُعْتُبِرَ حَالُ الَّذِي حَبَسَ فَلَا يَكُونُ إجَارَةً؛ لِأَنَّهُ رَجُلٌ وَاحِدٌ، فَكَانَتْ الْأَفْرَاسُ كُلُّهَا مِلْكًا لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ حَالُهُ لِزَوَالِ الْأَفْرَاسِ عَنْ مِلْكِهِ، وَاعْتُبِرَ حَالُ الْقَيِّمِ فِيهَا كَانَ هُوَ أَيْضًا وَاحِدًا، فَلَا يَقَعُ فِيهِ مَعْنَى الْإِجَارَةِ إذْ الرَّجُلُ لَا يُؤَاجِرُ بَعْضَ أَفْرَاسِهِ بِبَعْضٍ، فَأَمَّا إذَا كَانَ الْفَرَسَانِ لِرَجُلَيْنِ فَقَدْ وُجِدَتْ صُورَةُ الْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَ الْفَرَسَيْنِ لِمَالِكَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَكَانَ لَهُ حُكْمُ الْإِجَارَةِ فَلَمْ يَجُزْ.\n٤٢٠٩ - قَالَ: وَلَوْ أَنَّهُمَا آجَرَا الْفَرَسَيْنِ بِدَرَاهِمَ، فَآجَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ فَرَسَهُ بِدَرَاهِمَ يَغْزُو عَلَيْهِ، كَانَا ضَامِنَيْنِ (لِأَنَّ هَذِهِ الْإِجَارَةَ بِأَدَاءِ دَرَاهِمَ مِنْ مَالِهِمَا وَلَيْسَتْ بِمَالِ صَاحِبِ الْفَرَسَيْنِ، فَقَدْ وَقَعَتْ إجَارَةُ مِلْكِ الْغَيْرِ (بِمِلْكِ الْغَيْرِ، فَوُجِدَ مَعْنَى الْإِجَارَةِ فِيهِ) .","vol":"1","page":2123},{"text":"٤٢١٠ - وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ الْأَوَّلِ الَّذِي دُفِعَتْ إلَيْهِ الْخَيْلُ أَنْ يُؤَاجِرَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْخُيُولِ لِلْغَزْوِ، وَإِنْ آجَرَهَا كَانَ ضَامِنًا، لِمَا قُلْنَا: إنَّ الْإِجَارَةَ تُبْطِلُ مَعْنَى الثَّوَابِ، وَاَلَّذِي حَبَسَ قَصَدَ بِهِ الثَّوَابَ، فَإِنْ احْتَاجَتْ إلَى نَفَقَةٍ فَرَأَى أَنْ يُؤَاجِرَهَا لِبَعْضِ مَنَافِعِ النَّاسِ غَيْرِ الْجِهَادِ بِمِقْدَارِ نَفَقَتِهَا حَتَّى يَدْفَعَهَا إلَى مَنْ يَغْزُو عَلَيْهَا، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.\n؛ لِأَنَّ الْحَالَ حَالُ الضَّرُورَةِ، وَمَنْفَعَةُ الْأُجْرَةِ تَرْجِعُ إلَى الدَّابَّةِ، فَكَانَ هَذَا أَرْفَقَ بِالدَّابَّةِ، فَيَجُوزُ وَهَذَا كَمَا ذَكَرَ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ: إذَا جَعَلَ الرَّجُلُ خَانًا وَقْفًا لِمَارَّةِ الطَّرِيقِ، فَاحْتَاجَ إلَى الْمَرَمَّةِ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْقَيِّمِ أَنْ يُؤَاجِرَ مَنَازِلَ الْخَانِ بِمِقْدَارِ مَا يَحْتَاجُ إلَى الْمَرَمَّةِ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا\n٤٢١١ -، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْمُرَ الْقَاضِي الْوَكِيلَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ وَلِيُّ كُلِّ مَالٍ أُعِدَّ لِلْمُسْلِمِينَ، كَمَا هُوَ وَلِيُّ كُلِّ غَائِبٍ.\nوَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَفْعَلَ هَذَا الْوَكِيلُ أَيْضًا بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يُصْلِحُ الدَّابَّةَ، وَقَدْ وُجِدَ الرِّضَاءُ مِنْ الْمَالِكِ دَلَالَةً فِي كُلِّ مَا يُصْلِحُ الدَّابَّةَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى حَبِيسًا إلَّا بَعْدَ السَّعْيِ فِي إصْلَاحِهِ.\n٤٢١٢ - فَإِنْ كَانَ الَّذِي حَبَسَهَا شَرَطَ لَهُ حِينَ وَكَّلَهُ بِهَا وَدَفَعَهَا إلَيْهِ، أَنْ يُؤَاجِرَهَا فِي نَفَقَتِهَا، فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَأَحْرَى أَنْ يُجَوِّزَ إجَازَةَ الْوَكِيلِ","vol":"1","page":2124},{"text":"لِأَنَّهُ وُجِدَ مِنْهُ صَرِيحُ الْأَمْرِ بِالْإِجَارَةِ، وَالصَّرِيحُ أَقْوَى مِنْ الدَّلَالَةِ.\nوَإِنْ شَاءَ آجَرَهَا بِنَفَقَتِهَا، وَلَا يَسْتَأْمِرُ فِي ذَلِكَ الْقَاضِيَ لِمَا قُلْنَا: إنَّهُ مَأْذُونٌ مِنْ جِهَةِ الَّذِي حَبَسَ دَلَالَةً، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِئْمَارِ الْقَاضِي.\n٤٢١٣ - وَإِذَا أَعْطَى الرَّجُلُ فَرَسًا يُجْعَلُ حَبِيسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنْ اسْتَغْنَى أَوْ مَاتَ دَفَعَهُ إلَى غَيْرِهِ حَتَّى يَكُونَ حَبِيسًا أَبَدًا، فَلَيْسَ لِصَاحِبِ الْحَبِيسِ أَنْ يَرْكَبَهُ فِي حَوَائِجِهِ فِي الْمِصْرِ فِي الْقِيَاسِ. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَهُ أَنْ يَرْكَبَهُ فِي حَوَائِجِهِ فِي الْمِصْرِ، وَمَا حَوْلَ الْمِصْرِ مِنْ شُهُودِ الْجِنَازَةِ وَالتَّشْيِيعِ وَنَحْوِهِ.\nفَوَجْهُ الْقِيَاسِ فِيهِ وَهُوَ أَنَّ الْمَالِكَ أَذِنَ لَهُ بِالرُّكُوبِ فِي الْحُرُوبِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الرُّكُوبِ فِي حَوَائِجِهِ [فَوَجَبَ أَلَّا يَجُوزَ لَهُ الرُّكُوبُ فِي حَوَائِجِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ] كَمَا لَوْ رَكِبَهُ وَأَرَادَ بِهِ سَفَرًا، وَكَمَا لَوْ أَعَارَ فَرَسَهُ لِيَرْكَبَهُ فِي طَرِيقٍ، كَذَلِكَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْكَبَهُ فِي طَرِيقٍ آخَرَ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.\nوَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ الرُّكُوبِ يَنْفَعُ الْفَرَسَ وَلَا يَضُرُّهُ؛ لِأَنَّ رُبَّ فَرَسٍ إذَا رُبِطَ فِي الْمَرْبِطِ وَلَا يُرْكَبُ عَلَيْهِ يُصِيبُهُ مَرَضٌ وَيُفْسِدُ سَيْرَهُ، وَفِي رُكُوبِهِ فِي الْأَحَايِينِ مَنْفَعَةٌ لَهُ وَرِيَاضَةٌ، وَالْمَالِكُ كَانَ كَالرَّاضِي فِي كُلِّ مَا يَرْجِعُ نَفْعُهُ إلَى الْفَرَسِ.\nوَلِأَنَّا لَوْ قُلْنَا: بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ قَلِيلُ الرُّكُوبِ فِي غَيْرِ الْغَزْوِ أَدَّى إلَى مَنْعِ النَّاسِ عَنْ قَبُولِ هَذِهِ الْأَفْرَاسِ، إذْ لَا يَرْغَبُونَ إلَيْهَا مَتَى عَلِمُوا أَنَّ النَّفَقَةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِمْ وَقَلِيلُ الرُّكُوبِ وَكَثِيرُهُ فِي غَيْرِ الْغَزْوِ حَرَامٌ عَلَيْهِمْ.","vol":"1","page":2125},{"text":"وَمَا أَدَّى إلَى الضِّيقِ وَالْحَرَجِ وَتَنْفِيرِ النَّاسِ عَنْهُ كَانَ حُكْمُهُ سَاقِطًا. وَلِأَنَّ الْمَالِكَ لَمَّا حَبَسَهُ عَلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ الَّذِي حَبَسَهُ عَلَيْهِ لَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ قَلِيلِ الرُّكُوبِ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ الْغَزْوِ، يَكُونُ كَالرَّاضِي بِرُكُوبِهِ ذَلِكَ الْقَدْرَ فِي غَيْرِ الْغَزْوِ، وَكَانَ سَبِيلُهُ سَبِيلَ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ وَلَا يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ بِالشَّيْءِ الْكَثِيرِ.\nوَإِنْ كَانَ الْمِلْكُ لَيْسَ بِثَابِتٍ لَهُ لِمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلتُّجَّارِ مِنْ ذَلِكَ، فَصَارَ كَالْمَأْذُونِ مِنْ جِهَةِ الْمَوْلَى دَلَالَةً، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْإِذْنُ إفْصَاحًا وَصَرِيحًا، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا. وَلَا يَرْكَبُهُ خَارِجًا مِنْ الْمِصْرِ عَلَى مَسِيرَةِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ.\nوَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا فِي حَدِّ الْكَثْرَةِ؛ لِأَنَّ لَهُ بُدًّا مِنْ ذَلِكَ الرُّكُوبِ، وَالْقَلِيلُ هُوَ الْمُسْتَحْسَنُ دُونَ الْكَثِيرِ.\n٤٢١٤ - فَإِنْ رَكِبَهُ لِيَسْقِيَهُ أَوْ لِيَشْتَرِيَ لَهُ عَلَفًا أَوْ حَمَلَ عَلَيْهِ عَلَفًا لَهُ، أَوْ بَعْضَ الْمَنَافِعِ لِلْفَرَسِ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ فِي الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ.\nلِأَنَّ مَنْفَعَةَ هَذَا الرُّكُوبِ تَرْجِعُ إلَى الدَّابَّةِ، فَلَا يَكُونُ بِهِ بَأْسٌ فِي الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ.\n٤٢١٥ - وَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ اشْتَرَى فَرَسًا فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَرَكِبَهُ لِيَسْقِيَهُ أَوْ لِيَحْمِلَ طَعَامَهُ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنْ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ","vol":"1","page":2126},{"text":"لِمَا أَنَّ ذَلِكَ الرُّكُوبَ لِمَنْفَعَةِ الدَّابَّةِ فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ الْبِرِّ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا، إلَّا أَنَّهُ جَعَلَ مَسْأَلَةَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ عَلَى الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ، وَقَدْ جَعَلَ الْجَوَابَ هَا هُنَا جَوَابًا وَاحِدًا فِي الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ جَمِيعًا.\n٤٢١٦ - وَإِنْ كَانَ يَرْكَبُهُ لِيُرْعِبَ بِهِ الْعَدُوَّ فِي الْمِصْرِ أَوْ خَارِجَ الْمِصْرِ أَوْ كَانَ يَرَى أَنَّ لَهُمْ عُيُونًا فِي الثَّغْرِ فَرَكِبَهُ لِذَلِكَ فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الرُّكُوبَ مِنْ الْجِهَادِ.\n٤٢١٧ - وَكَذَلِكَ السَّيْفُ يُجْعَلُ حَبِيسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنْ كَانَ تَقَلُّدُهُ إيَّاهُ يُفْسِدُ السَّيْفَ أَوْ يَضُرُّ بِهِ أَوْ بِحَمَائِلِهِ فَلَا يَلْبَسُهُ؛ لِأَنَّ لُبْسَهُ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ لَيْسَ مِنْ الْجِهَادِ فِي شَيْءٍ. وَإِنْ كَانَ لُبْسُهُ لَا يَضُرُّهُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.\n؛ لِأَنَّهُ قَلِيلُ مَنْفَعَةٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ. كَمَا قُلْنَا فِي رُكُوبِ الْفَرَسِ إذَا كَانَ قَلِيلًا.\n٤٢١٨ - وَإِنْ كَانَ يَلْبَسُهُ لِيُرْهِبَ بِهِ الْعَدُوَّ، أَوْ كَانَ لَهُمْ عُيُونٌ فِينَا تَرَى، فَتَقَلَّدَ السَّيْفَ، وَلَبِسَ السِّلَاحُ لِيُرْهِبَ بِهِ الْعَدُوَّ فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ إرْهَابَ الْعَدُوِّ مِنْ أَمْرِ الْجِهَادِ، وَاسْتِعْمَالُهُ فِي أَمْرِ الْجِهَادِ لَا بَأْسَ بِهِ.\nوَإِنْ جَعَلَ نَبْلًا وَقَوْسًا حَبِيسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَمْ يُعْجِبْنِي أَنْ","vol":"1","page":2127},{"text":"يَرْمِيَ صَاحِبُهَا بِالنَّبْلِ وَالْقَوْسِ بَيْنَ الْغَرَضَيْنِ، وَإِنْ كَانَ يَتَعَلَّمُ بِذَلِكَ الرَّمْيِ وَهُوَ مِمَّا يَتَقَوَّى بِهِ الْعَدُوُّ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يُفْسِدُ النَّبْلَ وَالْقَوْسَ، وَالرَّمْيُ بَيْنَ الْغَرَضَيْنِ لَيْسَ مِنْ الْجِهَادِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ إفْسَادُهُ فِي غَيْرِ أَمْرِ الْجِهَادِ.\nبِخِلَافِ مَا إذَا رَكِبَ الْفَرَسَ الْحَبِيسَ فِي حَوَائِجِهِ فِي الْمِصْرِ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الرُّكُوبَ مِمَّا لَا يُفْسِدُهُ بَلْ يُصْلِحُهُ، حَتَّى إذَا كَانَ رُكُوبُهُ يُفْسِدُهُ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ رَكِبَهُ لِتَعَلُّمِ الْفُرُوسِيَّةِ، أَوْ رَكِبَهُ يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ فِي حَوَائِجِهِ.\n٤٢١٩ - وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ فَرَسٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَسَمِعَ الرَّجُلُ بِعَلَفٍ رَخِيصٍ يُبَاعُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْمِصْرِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ فِي الْمِصْرِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ فِي بَعْضِ قُرَاهُ فَلَا بَأْسَ بِهَذَا.\nلِأَنَّ هَذَا مِنْ مَنَافِعِ الدَّابَّةِ، وَلَوْ رَكِبَهُ فِي حَاجَتِهِ فِي الْمِصْرِ لَا بَأْسَ بِهِ، فَمَا ظَنُّك إذَا كَانَ رُكُوبُهُ لِمَنْفَعَةِ الدَّابَّةِ. وَإِنْ كَانَ مَوْضِعًا بَعِيدًا يُسَافِرُ عَلَيْهِ لَمْ يُعْجِبْنِي أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمُسَافَرَةَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فَلَا تَجُوزُ.","vol":"1","page":2128},{"text":"أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ جَازَ مِثْلُ هَذَا لَجَازَ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ بَعْضَ الْكُوَرِ الَّتِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ مِصْرِهِ عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَأَكْثَرُ، وَهَذَا أَقْبَحُ.\n٤٢٢٠ - وَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَقْدِرُونَ فِيهِ عَلَى الْعَلَفِ إلَّا مِنْ مَسِيرَةِ أَيَّامٍ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَرْكَبَهُ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِيَحْمِلَ عَلَيْهِ عَلَفَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا مَوْضِعُ الضَّرُورَةِ وَالضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ.\nوَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَرْكَبَهُ أَيْضًا رَاجِعًا مَعَ الْعَلَفِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ لَهُ أَنْ يَرْكَبَهُ ذَاهِبًا لِمَا أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى حِفْظِ الدَّابَّةِ فَلَأَنْ يَجُوزَ لَهُ أَنْ يَرْكَبَهُ رَاجِعًا أَيْضًا مَعَ الْعَلَفِ، فَهُوَ يَحْتَاجُ إلَى حِفْظِ الدَّابَّةِ وَالْحَمْلُ أَوْلَى. وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحَمِّلَهُ مِنْ الْعَلَفِ مَا لَا يُطِيقُ إذَا رَكِبَ عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا اسْتِهْلَاكٌ لِلدَّابَّةِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي دَابَّةِ نَفْسِهِ، فَفِي دَابَّةِ الْحَبِيسِ أَوْلَى.\n٤٢٢١ - وَإِذَا أَعْطَى الرَّجُلُ سَيْفًا حَبِيسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَعَلَى السَّيْفِ حِلْيَةٌ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْرِضَ لِلْحِلْيَةِ؛ لِأَنَّ الْحِلْيَةَ تَبَعٌ لِلسَّيْفِ، وَالسَّيْفُ حَبِيسٌ غَيْرُ مَمْلُوكٍ، فَالْحِلْيَةُ مِثْلُهُ،","vol":"1","page":2129},{"text":"فَلَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ، وَلَكِنْ يَسْتَعْمِلُهُ فِي أَمْرِ الْجِهَادِ بِحِلْيَتِهِ، كَمَا أَذِنَ لَهُ.\n٤٢٢٢ - فَإِنْ احْتَاجَ السَّيْفُ إلَى مَرَمَّةٍ، فَإِنَّ مَرَمَّتَهُ عَلَيْهِ وَلَا يَعْرِضُ لِحِلْيَتِهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُنْتَفِعُ بِهِ، فَكَانَتْ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ كَمَا قُلْنَا فِي الْمُسْتَعِيرِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْفَرَسَ لَوْ كَانَ حَبِيسًا فِي يَدِهِ وَاحْتَاجَ إلَى النَّفَقَةِ كَانَتْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَعْرِضُ لِلْفَرَسِ بِإِجَارَتِهِ، كَذَلِكَ هَا هُنَا، فَمَرَمَّةُ السَّيْفِ عَلَيْهِ، وَلَا يَتَعَرَّضُ لِلْحِلْيَةِ.\n٤٢٢٣ - فَإِنْ كَانَ السَّيْفُ إنَّمَا أَعْطَاهُ وَكِيلًا لَهُ يَدْفَعُهُ إلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ يَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ يَرُدُّهُ عَلَى الْوَكِيلِ فَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَيْضًا أَنْ يَعْرِضَ لِحِلْيَتِهِ بِصَدَقَةٍ وَلَا بِغَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ فَوَّضَ إلَيْهِ الدَّفْعَ إلَى مَنْ يَغْزُو، وَلَمْ يُفَوِّضْ إلَيْهِ التَّصَدُّقَ، فَلَا يَتَعَدَّى أَمْرَ مُوَكِّلِهِ.\n٤٢٢٤ - فَإِنْ احْتَاجَ السَّيْفُ إلَى مَرَمَّةٍ فِي إصْلَاحِهِ، وَإِصْلَاحِ جَفْنِهِ، فَرَأَى الْوَكِيلُ أَنْ يُصْلِحَهُ مِنْ حِلْيَتِهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، فَيَأْخُذُ مِنْ حِلْيَتِهِ بِقَدْرِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْمَرَمَّةِ فَيُرَمِّمُهُ بِذَلِكَ، وَيَدَعُ مَا بَقِيَ حَتَّى يَحْتَاجَ إلَى مَرَمَّةٍ أُخْرَى؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ السَّيْفِ لَيْسَتْ لِلْوَكِيلِ لِيَكُونَ إصْلَاحُهُ مِنْ مَالِهِ،","vol":"1","page":2130},{"text":"فَيَكُونُ إصْلَاحُهُ مِنْ السَّيْفِ كَالْفَرَسِ إذَا احْتَاجَ إلَى نَفَقَةٍ فَإِنَّهُ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ مَنَافِعِهِ بِأَنْ يُؤَاجِرَهُ فَيَصْرِفَ غَلَّتَهُ إلَى نَفَقَتِهِ.\nوَكَذَلِكَ الْأَرَاضِي الْمَوْقُوفَةُ مَرَمَّتُهَا فِي غَلَّتِهَا، وَلَيْسَ هُنَاكَ غَلَّةٌ سِوَى الْحِلْيَةِ فَيُصْلِحُهُ مِنْ الْحِلْيَةِ.\n٤٢٢٥ - فَإِنْ كَانَ إذَا نَزَعَ بَعْضَ الْحِلْيَةِ اُنْتُزِعَتْ كُلُّهَا وَأَجْرَى لِلْمَرَمَّةِ بَعْضَهَا رَمَّمَ السَّيْفَ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ثُمَّ لِيُمْسِكْ الْفَضْلَ عِنْدَهُ، وَلَمْ يَتَصَدَّقْ بِهِ حَتَّى إذَا احْتَاجَ إلَى مَرَمَّةٍ فَيَرُمُّهُ بِهَا.\nلِأَنَّ الْحِلْيَةَ مَا جُعِلَتْ لِلصَّدَقَةِ وَإِنَّمَا جُعِلَتْ فِي الْغَزْوِ فَلَا تُصْرَفُ إلَّا فِي أَمْرِ الْغَزْوِ.\n٤٢٢٦ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا جَعَلَ فَرَسًا لَهُ حَبِيسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدَفَعَهُ إلَى وَكِيلٍ لَهُ يَدْفَعُهُ إلَى بَعْضِ مَنْ يَخْرُجُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَحَطِمَ الْفَرَسُ أَوْ أَصَابَهُ عَيْبٌ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَغْزُوَ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ يَصْلُحُ لِلرُّكُوبِ فِي الْمِصْرِ أَوْ لِلْعَجَلَةِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَبِيعَهُ الْوَكِيلُ، وَيَشْتَرِيَ بِثَمَنِهِ فَرَسًا آخَرَ يَغْزُوَ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَبِعْهُ لَهَلَكَ الْفَرَسُ، فَانْقَطَعَتْ صَدَقَةُ الَّذِي حَبَسَ فَكَانَ لَهُ اسْتِبْدَالُهُ لِيُبْقِيَ صَدَقَتَهُ.\nوَأَمْرُ الْوَكِيلِ فِي ذَلِكَ جَائِزٌ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ فَوَّضَ إلَيْهِ السَّعْيَ فِي إصْلَاحِهِ، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيِّ فِي ذَلِكَ","vol":"1","page":2131},{"text":"٤٢٢٧ - فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ الَّذِي يَبِيعُ بِهِ لَا يَبْلُغُ ثَمَنَ فَرَسٍ يَغْزُو عَلَيْهِ [فِي سَبِيلِ اللَّهِ] فَإِنْ كَانَ يَطْمَعُ أَنْ يُصَابَ فَرَسُ وَقْفٍ حَتَّى يُصَابَ فَرَسٌ يُغْزَى عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ إدَامَةُ هَذِهِ الصَّدَقَةِ بِشِرَاءِ فَرَسٍ آخَرَ فَيُوقَفُ وَلَا يُعَطَّلُ.\n٤٢٢٨ - وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصَابُ بِهِ فَرَسٌ بِأَنْ قَلَّ ذَلِكَ جِدًّا رَدَّ الْفَرَسَ عَلَى صَاحِبِهِ الَّذِي كَانَ حَبَسَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَا يَتَصَدَّقُ بِذَلِكَ عَلَى الْمَسَاكِينِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ حَبِيسًا لِيُغْزَى عَلَيْهِ لَا لِلتَّمْلِيكِ وَالصَّدَقَةِ.\n٤٢٢٩ - وَإِذَا صَارَ بِحَالٍ لَا يُغْزَى عَلَيْهِ عَادَ إلَى مِلْكِ الَّذِي حَبَسَ كَالْعَوَارِيِّ، وَهَذَا عَلَى قِيَاسِ مَا قَالَ بِهِ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي رَجُلٍ جَعَلَ فِي أَرْضِهِ مَسْجِدًا وَصَلَّى فِيهِ النَّاسُ، ثُمَّ ضَرَبَ مَا حَوْلَهُ وَاُتُّخِذَتْ مَزَارِعُ، وَضُرِبَ الْمَسْجِدُ، فَإِنْ كَانَ يَطْمَعُ أَنْ يَعُودَ إلَيْهِ أَهْلُهُ وَيُصَلُّوا فِيهِ، فَإِنَّهُ لَا يَعُودُ مِلْكًا لِصَاحِبِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَطْمَعُ فِي ذَلِكَ عَادَ مِلْكًا، عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَلِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ وَيَبِيعَهُ، أَوْ يَجْعَلَهُ مَزْرَعَةً، وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا فَلِوَرَثَتِهِ ذَلِكَ؛ لِمَا أَنَّهُ جَعَلَهُ لِلصَّلَاةِ لَا لِلصَّدَقَةِ، فَإِذَا صَارَ بِحَالٍ لَا يُصَلَّى فِيهِ لَا يُتَصَدَّقُ بِهِ، وَلَكِنْ يَعُودُ مِلْكًا، فَكَذَلِكَ أَمْرُ الْفَرَسِ.\nوَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يُرَدُّ الْفَرَسُ إلَى صَاحِبِهِ، وَلَكِنْ يَتَصَدَّقُ بِهِ، كَمَا لَا يَعُودُ الْمَسْجِدُ مِلْكًا إذَا كَانَ لَا يُصَلَّى فِيهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":2132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>[بَابُ الْعُشُورِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ]</span>\n٢٠٣ - بَابُ الْعُشُورِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ ٤٢٣٠ - رَوَى مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي صَخْرَةَ الْمُحَارِبِيِّ عَنْ زِيَادِ بْنِ جَرِيرٍ قَالَ: بَعَثَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مُصَدِّقًا إلَى عَيْنِ التَّمْرِ، وَأَمَرَهُ بِأَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمُصَلِّينَ، يَعْنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ، مِنْ أَمْوَالِهِمْ رُبْعَ الْعُشْرِ، وَمِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ إذَا اخْتَلَفُوا بِهَا لِلتِّجَارَةِ نِصْفَ الْعُشْرِ، وَمِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ الْعُشْرَ.\nاعْلَمْ أَنَّا اتَّبَعْنَا الْأَثَرَ فِي هَذَا فَقُلْنَا يَأْخُذُ الْعَاشِرُ مِنْ الْمُسْلِمِ الَّذِي مَرَّ عَلَيْهِ رُبْعُ الْعُشْرِ، وَمِنْ الذِّمِّيِّ نِصْفَ الْعُشْرِ، وَمِنْ الْحَرْبِيِّ الْعُشْرَ؛ لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هَكَذَا أَمَرَ عَاشِرَهُ بِأَخْذِ الْعُشْرِ، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَشْهَدٍ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَحَلَّ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ.\nيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ بَعَثَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - ﵁ - مُصَدِّقًا فِي الْعُشُورِ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ تُقَلِّدُنِي الْمَكْسَ مِنْ عَمَلِك، «فَقَالَ لَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: قَدْ قَلَّدْتُك مَا قَلَّدَنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - قَلَّدَنِي أُمُورَ الْعُشُورِ، أَمَرَنِي","vol":"1","page":2133},{"text":"أَنْ آخُذَ مِنْ الْمُسْلِمِ رُبْعَ الْعُشْرِ، وَمِنْ الذِّمِّيِّ نِصْفَ الْعُشْرِ، وَمِنْ الْحَرْبِيِّ الْعُشْرَ كُلَّهُ» .\nفَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -، فَعَلَيْنَا اتِّبَاعُهُ.\n٤٢٣١ - وَاعْلَمْ أَنَّ الْعَاشِرَ هُوَ الَّذِي أَقَامَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، عَلَى الدَّرْبِ الَّذِي كَانَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ مَنْ يَمُرُّ عَلَيْهِ بِمَالِهِ وَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ وَجَعَلَ نَفَقَتَهُ مِنْهُ، فَإِنَّمَا سَمَّاهُ عَاشِرًا؛ لِأَنَّ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ مَدَارُهُ عَلَى الْعُشْرِ، وَإِنَّمَا أَثْبَتَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حَقَّ الْأَخْذِ لِلْعَاشِرِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَالَ فِي حِمَايَةِ الْإِمَامِ وَرِعَايَتِهِ؛ لِأَنَّ أَمْنَ الطَّرِيقِ بِالْإِمَامِ، فَصَارَ هَذَا الْمَالُ آمِنًا بِرِعَايَةِ الْإِمَامِ وَحِمَايَتِهِ، فَأَثْبَتَ حَقَّ الْأَخْذِ لِلْإِمَامِ كَالسَّوَائِمِ الَّتِي تَكُونُ فِي الْمَفَاوِزِ، كَانَ أَخَذَ زَكَاتهَا إلَى الْإِمَامِ، لِمَا أَنَّهَا فِي حِمَايَةِ الْإِمَامِ وَرِعَايَتِهِ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.\nوَإِنَّمَا أَمَرَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِأَخْذِ رُبْعِ الْعُشْرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْهُمْ زَكَاةٌ عَلَى مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -: «لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ» وَالزَّكَاةُ لِمَا تَبَيَّنَ رُبْعُ الْعُشْرِ. فَأَمَّا الذِّمِّيُّ فَإِنَّمَا أُمِرَ بِأَخْذِ نِصْفِ الْعُشْرِ مِنْهُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا حَقٌّ يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِ وَيُؤْخَذُ مِنْ الْكَافِرِ، فَوَجَبَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ ضِعْفُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِ.\nكَمَا فِي النَّصْرَانِيِّ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ، فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ الصَّدَقَةُ الْمُضَاعَفَةُ وَأَمَّا الْحَرْبِيُّ فَإِنَّمَا أُمِرَ بِأَخْذِ الْعُشْرِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ مِنَّا الْعُشْرَ، فَأَمَرَ بِأَخْذِ الْعُشْرِ مِنْهُمْ إذْ الْأَمْرُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْكُفَّارِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُجَازَاةِ، حَتَّى أَنَّهُمْ إنْ كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنَّا الْخُمْسَ أَخَذْنَا مِنْهُمْ الْخُمْسَ، وَإِنْ كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنَّا نِصْفَ","vol":"1","page":2134},{"text":"الْعُشْرِ أَخَذْنَا مِنْهُمْ نِصْفَ الْعُشْرِ وَإِنْ كَانُوا لَا يَأْخُذُونَ مِنَّا شَيْئًا فَنَحْنُ لَا نَأْخُذُ مِنْهُمْ شَيْئًا.\nالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ أَنَّ عَاشِرَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَتَبَ إلَى عُمَرَ - ﵁ - كَمْ نَأْخُذُ مِنْ تُجَّارِ أَهْلِ الْحَرْبِ؟ فَقَالَ: كَمْ يَأْخُذُونَ مِنَّا؟ فَقَالَ: هُمْ يَأْخُذُونَ مِنَّا الْعُشْرَ، فَقَالَ: خُذْ مِنْهُمْ الْعُشْرَ، فَقَدْ جَعَلَ الْأَمْرَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ مَبْنِيًّا عَلَى الْمُجَازَاةِ، وَإِنْ كُنَّا لَا نَعْلَمُ كَمْ يَأْخُذُونَ مِنَّا، أَوْ لَا نَعْلَمُ أَيَأْخُذُونَ مِنَّا أَوْ لَا يَأْخُذُونَ، أَخَذْنَا مِنْهُمْ الْعُشْرَ أَيْضًا.\nفَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: لِعَشَّارِهِ خُذُوا مِنْهُمْ مَا يَأْخُذُونَ مِنَّا فَإِنْ أَعْيَاكُمْ ذَلِكَ فَخُذُوا مِنْهُمْ الْعُشْرَ.\nوَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّ الْحَرْبِيَّ يَنْزِلُ مِنْ الذِّمِّيِّ مَنْزِلَةَ الذِّمِّيِّ مِنْ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْحَرْبِيِّ عَلَيْهِ لَا تُقْبَلُ عَلَيْهِ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الذِّمِّيِّ عَلَى الْحَرْبِيِّ، كَمَا أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الذِّمِّيِّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الذِّمِّيِّ، ثُمَّ الذِّمِّيُّ يُؤْخَذُ مِنْهُ ضِعْفُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِ، فَكَذَلِكَ الْحَرْبِيُّ يُؤْخَذُ مِنْهُ ضِعْفُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الذِّمِّيِّ، وَيُؤْخَذُ مِنْ الذِّمِّيِّ نِصْفُ الْعُشْرِ فَيُؤْخَذُ مِنْ الْحَرْبِيِّ ضِعْفُ ذَلِكَ وَهُوَ الْعُشْرُ.\nقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:\n٤٢٣٢ - عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْت أَنَسَ بْنَ سِيرِينَ يَقُولُ: أَرَادَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنْ يَسْتَعْمِلَنِي عَلَى الْأُبُلَّةِ فَقُلْت: تُقَلِّدُنِي عَلَى الْمَكْسِ مِنْ عَمَلِك؟ فَقَالَ: أَمَا تَرْضَى مِنْ أَمْرِ النَّاسِ مَا أَمَرَنِي بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، مِنْ أُمُورِ النَّاسِ فَقَالَ: اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فَأَمَرَنِي أَنْ","vol":"1","page":2135},{"text":"آخُذَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا، وَمِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا، وَمِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ كُلِّ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ دِرْهَمًا.\nاعْلَمْ بِأَنَّ الْمَكْسَ هُوَ فِعْلُ الْعَاشِرِ، وَالْمَكَّاسُ هُوَ الْعَاشِرُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ مَكَّاسًا؛ لِأَنَّهُ يَنْقُصُ أَمْوَالَ النَّاسِ بِأَخْذِ الْعُشُورَ مِنْهُمْ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْمُمَاكَسَةِ.\nوَالْمَكَّاسُ لَا يَأْخُذُ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَبْلُغَ الْمَالُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ. ٤٢٣٣ مَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ عَلَى الْمُسْلِمِ. - أَمَّا الْمُسْلِمُ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ مِنْ أَقَلَّ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْهُ زَكَاةٌ عَلَى مَا قُلْنَا وَلَا زَكَاةَ فِي أَقَلَّ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ.\nوَأَمَّا الذِّمِّيُّ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْهُ كَانَ بِاسْمِ الزَّكَاةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ زَكَاةً فِي الْحَقِيقَةِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِنْ شَرْطِهِ النِّصَابُ.\n(دَلِيلُهُ) أَخْذُ الصَّدَقَةِ مِنْ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ فَإِنَّهُ لَا يُؤْخَذُ الصَّدَقَةُ مِنْ مَالِهِمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ النِّصَابُ كَامِلًا، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.\n٤٢٣٤ - وَأَمَّا الْحَرْبِيُّ فَإِنَّمَا لَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ مِنْ أَقَلَّ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَأْخُذُونَ مِنْ تُجَّارِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْقَلِيلِ، فَكَذَلِكَ لَا نَأْخُذُ مِنْهُمْ حَتَّى أَنَّهُمْ إنْ كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْ تُجَّارِنَا مِنْ قَلِيلِ الْمَالِ وَكَثِيرِهِ فَكَذَلِكَ نَأْخُذُ مِنْهُمْ مِنْ قَلِيلِ الْمَالِ وَكَثِيرِهِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":2136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-205>[بَابُ الْجِزْيَةِ]</span>\n٢٠٤ - بَابُ الْجِزْيَةِ ٤٢٣٥ - عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ - قَالَ: إذَا أَسْلَمَ الرَّجُلُ وَأَقَامَ بِأَرْضِهِ فَعَلَيْهِ الْخَرَاجُ، وَإِذَا لَمْ يَقُمْ فَلَيْسَ عَلَيْهِ خَرَاجٌ.\n(اعْلَمْ) بِأَنَّهُ إنْ كَانَ أَرَادَ بِهَذَا الْخَرَاجِ خَرَاجَ الرَّأْسِ فَلَسْنَا نَقُولُ بِهِ، بَلْ الْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّ الْكَافِرَ إذَا أَسْلَمَ، وَهُوَ مِنْ دَارِ الْمُوَادَعَةِ، فَإِنَّ خَرَاجَ الرَّأْسِ يَسْقُطُ عَنْهُ، سَوَاءٌ أَقَامَ بِأَرْضِهِ أَوْ هَاجَرَ إلَيْنَا.\nوَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: بِأَنَّ الْخَرَاجَ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ وَإِنْ أَسْلَمَ، مَا لَمْ يُهَاجِرْ إلَيْنَا، وَإِنْ كَانَ أَرَادَ بِهِ خَرَاجَ الْأَرْضِ فَقَدْ قُلْنَا بِهِ، فَإِنَّهُ إذَا أَسْلَمَ فَأَمْسَكَ أَرْضَهُ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي عَنْهَا الْخَرَاجَ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا الْعُشْرُ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ الْعُشْرُ إذَا أَسْلَمَ أَهْلُ بَلَدِهِ طَوْعًا، وَعِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ يُؤَدِّي الْعُشْرَ وَلَا يُؤَدِّي الْخَرَاجَ.\nوَإِنْ خَرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَتَرَكَ أَرْضَهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، - ﵁ - قَالَ: لَمْ تُفْتَحْ قَرْيَةٌ بِالْمَغْرِبِ عَلَى صُلْحٍ إلَّا ثَلَاثَ قُرًى، الْإِسْكَنْدَرِيَّة وكفرطيس وَفِلَسْطِينَ. وسلطاس، وَكَانَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الثَّلَاثِ قُرًى أُخِذَ مَالُهُ وَخُلِّيَ سَبِيلُهُ، وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ قُرًى خُلِّيَ سَبِيلُهُ وَمَالُهُ لَهُ.","vol":"1","page":2137},{"text":"اعْلَمْ) بِأَنَّا لَا نَأْخُذُ بِهَذَا الْحَدِيثِ بَلْ نَقُولُ: كُلُّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ مَالُهُ، وَيُتْرَكُ فِي أَرْضِهِ يُؤَدِّي عَنْهَا الْخَرَاجَ، سَوَاءٌ أُخِذَتْ الْقَرْيَةُ عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا، فَإِذَا دِهْقَانَةُ نَهْرِ الْمَلِكِ أَسْلَمَتْ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَكَتَبَ فِي ذَلِكَ سَعْدٌ وَعَمَّارٌ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: أَنْ ادْفَعْ إلَيْهَا أَرْضَهَا فَتُؤَدِّي عَنْهَا الْخَرَاجَ، وَسَوَادُ الْكُوفَةِ إنَّمَا أُخِذَ عَنْوَةً نَهْر الْمُلْك وَغَيْرُهُ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":2138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>[بَابُ عُشُورِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَالْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ]</span>\n٢٠٥ - بَابُ عُشُورِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَالْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ ٤٢٣٦ - قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: إذَا مَرَّ الْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَنُ عَلَى عَاشِرِ الْمُسْلِمِينَ بِمَالٍ يَبْلُغُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَصَاعِدًا أَوْ بِشَيْءٍ قِيمَتُهُ ذَلِكَ أَخَذَ مِنْهُ عُشْرَ مَا مَرَّ بِهِ، لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْأَثَرِ فَإِنْ قَالَ: عَلَيَّ دَيْنٌ أَوْ قَالَ: لَيْسَ هَذَا الْمَالُ لِي لَمْ يُصَدَّقْ وَأَخَذَ مِنْهُ الْعُشْرَ. لِأَنَّ الْأَمْرَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ عَلَى الْمُجَازَاةِ، وَهُمْ لَا يُصَدِّقُونَ تُجَّارَنَا فِي مِثْلِ هَذَا فَنَحْنُ لَا نُصَدِّقُ تُجَّارَهُمْ.\n٤٢٣٧ - بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ إذَا مَرَّ عَلَى الْعَاشِرِ بِمَالٍ وَقَالَ: لَيْسَ لِي، أَوْ قَالَ عَلَيَّ دَيْنٌ، لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ شَيْءٌ. لِأَنَّ الْأَمْرَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ لَيْسَ عَلَى الْمُجَازَاةِ وَلَكِنَّهُ عَلَى حُكْمِ الشَّرْعِ وَالْإِسْلَامِ، وَمِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ أَنَّ الْمُسْلِمَ يُصَدَّقُ لِمَا أَنَّهُ يُنْكِرُ وُجُوبَ الْحَقِّ فِي مَالِهِ فَكَذَلِكَ الذِّمِّيُّ يُصَدَّقُ.\nوَكَذَلِكَ إذَا مَرَّ بِهِ مُكَاتَبٌ أَوْ عَبْدٌ بِمَالٍ أَخَذَ مِنْهُ الْعُشْرَ. لِأَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ مِنْ عَبِيدِنَا وَمُكَاتَبِينَا، فَنَحْنُ نَأْخُذُ مِنْ عَبِيدِهِمْ وَمُكَاتَبِيهِمْ","vol":"1","page":2139},{"text":"٤٢٣٨ - فَإِنْ كَانُوا لَا يَأْخُذُونَ مِنْ عَبِيدِنَا وَمُكَاتَبِينَا فَلَا نَأْخُذُ أَيْضًا مِنْ عَبِيدِهِمْ وَمُكَاتَبِيهِمْ.\nوَإِنْ كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْ عَبِيدِنَا أَوْ مُكَاتَبِينَا نَأْخُذُ مِنْهُمْ أَيْضًا. لِأَنَّهُ إنَّمَا يُؤْخَذُ لِحِفْظِ الطَّرِيقِ، وَالْمُكَاتَبُ يَحْتَاجُ إلَى حِفْظِ الطَّرِيقِ كَالْحُرِّ سَوَاءٌ؛ وَلِأَنَّ الْمَوْلَى قَدْ رَضِيَ بِأَخْذِ الْعُشْرِ مِنْ عَبْدِهِ حَيْثُ بَعَثَهُ إلَيْنَا لِلتِّجَارَةِ.\n٤٢٣٩ - وَإِذَا مَرَّ الْحَرْبِيُّ عَلَى الْعَاشِرِ بِرَقِيقٍ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ أَحْرَارٌ، أَوْ مَرَّ بِجَوَارٍ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ أُمَّهَاتُ أَوْلَادِي، صُدِّقَ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ الْعُشْرُ. لِأَنَّهُ إنْ كَانَ صَادِقًا فَهُمْ أَحْرَارٌ وَلَا عُشْرَ فِي الْأَحْرَارِ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَقَدْ صَارُوا أَحْرَارًا بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ إذَا أَعْتَقَ عَبْدًا كَافِرًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ يُعْتَقُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَارِ قَهْرٍ.\n٤٢٤٠ - وَإِنْ مَرَّ الْحَرْبِيُّ بِمَالِ التِّجَارَةِ وَقَالَ: لَا أُرِيدُ بِهِ التِّجَارَةَ، أَوْ قَالَ: هُوَ مَالُ صَبِيٍّ فَإِنَّ الْعَاشِرَ يُعَشِّرُهُ. لِأَنَّهُمْ لَا يُصَدِّقُونَنَا فِي ذَلِكَ فَنَحْنُ لَا نُصَدِّقُهُمْ بِذَلِكَ.\n٤٢٤١ - وَإِنْ كَانُوا هُمْ لَا يَأْخُذُونَ مِنْ مِثْلِ هَذَا الْمَالِ فَلَا تَأْخُذُ مِنْهُمْ أَيْضًا، وَإِنْ كُنَّا لَا نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ أَوْ لَا يَأْخُذُونَ أَخَذْنَا مِنْهُمْ؛","vol":"1","page":2140},{"text":"لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْأَخْذُ؛ لِأَنَّ النِّصَابَ كَامِلٌ.\n٤٢٤٢ - وَإِذَا دَخَلَ الْحَرْبِيُّ دَارَ الْإِسْلَامِ بِأَمَانِ تَاجِرٍ فَعَشَرَهُ عَاشِرُ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ مَرَّ عَلَى عَاشِرٍ آخَرَ لِلْمُسْلِمِينَ لَمْ يَعْشِرْهُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ حَتَّى تَمْضِيَ، فَإِذَا مَضَتْ تِلْكَ السَّنَةُ عَشَرَهُ مَرَّةً أُخْرَى؛ لِأَنَّهُ مَا دَامَ يَتَرَدَّدُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَحُكْمُ ذَلِكَ الْأَمَانِ بَاقٍ، وَلَمْ يَنْتَهِ حُكْمُ ذَلِكَ الْخُرُوجِ، فَصَارَ كَالذِّمِّيِّ يَتَرَدَّدُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَالذِّمِّيُّ لَا يَعْشِرُهُ الْعَاشِرُ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَإِنْ مَرَّ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ مِرَارًا، فَكَذَلِكَ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ مِنْ الْحَرْبِيِّ.\nيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الرُّومِ مَرَّ عَلَى عَاشِرِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَمَعَهُ فَرَسٌ قِيمَتُهُ عِشْرُونَ أَلْفًا فَطَلَبَ مِنْهُ الْعَاشِرُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفًا فَأَبَى، فَلَمْ يَأْخُذْ الْفَرَسَ، وَأَخَذَ الْعُشْرَ ثُمَّ مَرَّ عَلَيْهِ رَاجِعًا فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ الْعُشْرَ ثَانِيًا فَأَبَى، فَجَاءَ مُتَظَلِّمًا إلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فَوَجَدَهُ فِي الْمَسْجِدِ فَلَمْ يَدْخُلْ الْمَسْجِدَ وَوَقَفَ عَلَى بَابِهِ، وَقَالَ هُوَ الشَّيْخُ النَّصْرَانِيُّ، وَأَضَافَهُ إلَى نَفْسِهِ فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَأَتَى الشَّيْخُ الْحَنِيفِيُّ فَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، كُفِيت. فَظَنَّ النَّصْرَانِيُّ أَنَّهُ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَى كَلَامِهِ، فَرَجَعَ كَالْآيِسِ، فَلَمَّا أَتَى الْعَاشِرَ سَبَقَهُ كِتَابُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَلَّا يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا فَأَخْبَرَهُ الْعَاشِرُ بِالْكِتَابِ، وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا، فَتَعَجَّبَ النَّصْرَانِيُّ مِنْ عَدْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَأَسْلَمَ.\n٤٢٤٣ - وَلَوْ مَرَّ عَلَى عَاشِرِ الْمُسْلِمِينَ فَعَشَرَهُ، ثُمَّ دَخَلَ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ مِنْ الْغَدِ دَارَ الْحَرْبِ، ثُمَّ رَجَعَ بِمَالِهِ ذَلِكَ مُسْتَأْمَنًا عَشَرَهُ الْعَاشِرُ مَرَّةً أُخْرَى.","vol":"1","page":2141},{"text":"لِأَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ فَقَدْ انْقَطَعَ حُكْمُ ذَلِكَ الْأَمَانِ، وَانْتَهَى حُكْمُ ذَلِكَ الْخُرُوجِ، فَإِنَّمَا دَخَلَ بِأَمَانٍ جَدِيدٍ فَصَارَ كَأَنَّهُ دَخَلَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، أَوْ نَزَلَ مَنْزِلَهُ حَرْبِيٌّ آخَرُ، فَلِهَذَا يَعْشِرُهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ.\n٤٢٤٤ - فَإِنْ كَانَ أُولَئِكَ الْحَرْبِيُّونَ الَّذِينَ اسْتَأْمَنُوا لَا يَعْشِرُونَ الْمُسْلِمِينَ إذَا دَخَلُوا إلَيْهِمْ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فِي السَّنَةِ، وَإِنْ دَخَلَ وَخَرَجَ مِرَارًا، لَمْ يَعْشِرُوا إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً. لَمَّا قُلْنَا إنَّ الْأَمْرَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ عَلَى الْمُجَازَاةِ وَالْمُكَافَأَةِ.\n٤٢٤٥ - وَإِنْ خَرَجَ الْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَنُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ وَمَعَهُ خَمْرٌ أَوْ خَنَازِيرُ عَشَرَ الْخَمْرَ وَلَمْ يَعْشِرْ الْخَنَازِيرَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُعْطِيَ عُشْرَ الْخَمْرِ دَرَاهِمَ يُقَوَّمُ قِيمَتُهُ ثُمَّ يُعْطِيهِ قِيمَةَ الْعُشْرِ دَرَاهِمَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ دَرَاهِمُ أَمَرَهُ أَنْ يَبِيعَ مِنْ الْخَمْرِ مَا يُعْطِيهِ قِيمَةَ الْعُشْرِ دَرَاهِمَ، وَهَذَا عِنْدَنَا، وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا يَعْشِرُ الْخَمْرَ وَلَا الْخَنَازِيرَ.\nوَذَهَبَ فِي ذَلِكَ إلَى أَنَّ الْخَمْرَ لَيْسَ بِمَالٍ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ، وَالْعَاشِرُ مُسْلِمٌ فَصَارَ كَأَنَّهُ مَرَّ عَلَيْهِ بِمَا لَيْسَ بِمَالٍ، وَكَمَا إذَا مَرَّ بِخِنْزِيرٍ وَنَزَلَ الذِّمِّيُّ فِي ذَلِكَ مَنْزِلَةَ مُسْلِمٍ مَرَّ عَلَى الْعَاشِرِ تَجَمَّدَ؛ وَلِأَنَّ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ يَجْرِيَانِ مَجْرًى وَاحِدًا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ، ثُمَّ أَجْمَعْنَا أَنَّهُ لَا يَعْشِرُ الْخِنْزِيرَ فَكَذَلِكَ لَا يَعْشِرُ الْخَمْرَ، وَالْحُجَّةُ لَنَا فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. جَمَعَ عُمَّالَهُ بِالْمَوْسِمِ وَقَالَ لَهُمْ:","vol":"1","page":2142},{"text":"مَاذَا تَأْخُذُونَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِمَّا يَمُرُّونَ بِهِ عَلَيْكُمْ مِنْ الْخَمْرِ؟ فَقَالُوا نِصْفَ الْعُشْرِ. ٤٥٥٥ - فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا، وَخُذُوا نِصْفَ الْعُشْرِ مِنْ أَثْمَانِهَا.\nوَلِأَنَّ الْخَمْرَ أَقْرَبُ إلَى الْمَالِيَّةِ مِنْ الْخِنْزِيرِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَالًا لَنَا فِي الِابْتِدَاءِ حِينَ كَانَ عَصِيرًا، وَيَصِيرُ مَالًا فِي الِانْتِهَاءِ بِأَنْ يَصِيرَ خَلًّا. وَأَمَّا الْخِنْزِيرُ فَلَمْ يَكُنْ مَالًا لَنَا فِي الِابْتِدَاءِ، وَلَا يَصِيرُ مَالًا فِي الِانْتِهَاءِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ حُرْمَةُ الْخَمْرِ أَخَفَّ، فَجَازَ أَنْ يُؤْخَذَ الْعُشْرُ مِنْ الْخَمْرِ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ الْخِنْزِيرِ. وَلِأَنَّ الْعَاشِرَ إنَّمَا يَأْخُذُ قِيمَةَ الْخَمْرِ، وَالْمُسْلِمُونَ يَعْرِفُونَ قِيمَةَ الْخَمْرِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُمْسِكُهَا؛ الصَّالِحُ مِنْهُمْ وَالطَّالِحُ، فَأَمَّا الصَّالِحُ فَيُمْسِكُهَا لِلتَّخْلِيلِ، وَأَمَّا الطَّالِحُ لِلشُّرْبِ، فَإِنْ كَانَ يَعْرِفُ الْمُسْلِمُونَ قِيمَتَهَا فَيُؤْخَذُ عُشْرُ قِيمَتِهَا لِقَوْلِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَمَّا الْخِنْزِيرُ لَا يُمْسِكُهُ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَعْرِفُ الْمُسْلِمُونَ قِيمَتَهَا، وَإِنَّمَا يَعْرِفُ الْكُفَّارُ، وَقَوْلُ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ غَيْرُ مَقْبُولٍ، فَلَا يُؤْخَذُ بِقَوْلِهِمْ، وَلِأَنَّ الْخَمْرَ مِثْلِيٌّ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ مِثْلُهُ إلَّا أَنَّ الْمُسْلِمَ مَمْنُوعٌ عَنْ تَمَلُّكِ الْخَمْرِ، فَإِذَا أَخَذَ الْقِيمَةَ فَقَدْ أَعْرَضَ عَنْ الْخَمْرِ، فَيَجُوزُ.\nوَأَمَّا الْخِنْزِيرُ لَيْسَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، فَمِثْلُهُ قِيمَتُهُ، فَإِذَا أَخَذَ الْقِيمَةَ صَارَ كَأَنَّهُ أَخَذَ الْعَيْنَ، وَالْمُسْلِمُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَ الْخِنْزِيرَ وَلَا بَدَلَهُ؛ وَلِأَنَّ الْخَمْرَ مَالٌ فِيمَا بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَلِلْإِمَامِ فِيهَا حِمَايَةٌ مُعْتَبَرَةٌ؛ لِأَنَّ لِلْمُسْلِمِ عَلَيْهَا يَدًا مُعْتَبَرَةً، فَصَارَتْ فِي يَدِ الْإِمَامِ وَحِمَايَتِهِ، فَأَشْبَهَتْ سَائِرَ الْأَمْوَالِ، فَأَمَّا الْخِنْزِيرُ فَلَيْسَ لِلْإِمَامِ فِيهِ حِمَايَةٌ مُعْتَبَرَةٌ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَثْبُتُ لَهُ يَدٌ مُعْتَبَرَةٌ عَلَى الْخِنْزِيرِ","vol":"1","page":2143},{"text":"(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْخِنْزِيرَ لَا تُورَثُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِ عَلَيْهِ يَدٌ مُعْتَبَرَةٌ لَمْ يَثْبُتْ لِلْإِمَامِ عَلَيْهِ يَدٌ مُعْتَبَرَةٌ، وَلَا يَصِيرُ فِي حِمَايَتِهِ، فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْعُشْرُ بِغَيْرِ حِمَايَةٍ، وَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْحَرْبِ لَا يَعْشِرُونَ أَهْلَ ذِمَّتِنَا إذَا دَخَلُوا عَلَيْهِمْ بِالْخَمْرِ وَالْخَنَازِيرِ لَمْ نَعْشِرْهُمْ فِيمَا أَدْخَلُوا مِنْ ذَلِكَ.\nلِأَنَّ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ لَيْسَ بِمَالٍ؛ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ إلَّا لِأَهْلِ الذَّمَّةِ، فَإِذَا لَمْ يَعْشِرُوا أَهْلَ ذِمَّتِنَا مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ عَفَوْا عَمَّنْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مِنْ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْمَالِ، فَنَعْفُوا عَنْهُمْ أَيْضًا عُشْرَ هَذَا النَّوْعِ، إذْ عُشْرُهُمْ عُشْرُ مُجَازَاةٍ.\n٤٢٤٦ - فَإِنْ كَانُوا لَا يَعْشِرُونَ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا دَخَلُوا بِهِ مِنْ مَالٍ، وَيَعْشِرُونَ أَهْلَ الذِّمَّةِ، عَشَرْنَاهُمْ كَمَا يَعْشِرُونَ أَهْلَ الذِّمَّةِ، وَإِنْ كَانَ يَعْشِرُونَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَعْشِرُونَ أَهْلَ الذِّمَّةِ عَشَرْنَاهُمْ أَيْضًا.\nلِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْفُوا عَنْ مَالٍ دُونَ مَالٍ، فَإِنَّ كُلَّ مَالٍ يَمُرُّ الْوَاحِدُ مِنَّا بِهِ عَلَى عَاشِرِهِمْ فَإِنَّهُمْ يَعْشِرُونَ ذَلِكَ الْمَالَ مَتَى مَرَّ بِهِ أَهْلُ دِينِنَا عَلَى عَاشِرِهِمْ، إلَّا أَنَّهُمْ عَفَوْا عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ دَارِ السَّلَامِ دُونَ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى، وَهُمْ طَائِفَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ أُخْرَى حَتَّى لَا نَعْشِرَهُمْ مِثْلَ مَا وَجَدُوا مِنَّا فَعَشَرْنَاهُمْ جَمِيعًا، حَتَّى إذَا وَجَدْنَا مِنْهُمْ طَائِفَتَيْنِ، وَوَجَدُوا مِنَّا طَائِفَتَيْنِ، فَعَشَرُوا إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ دُونَ الْأُخْرَى عَشَرْنَا أَيْضًا تِلْكَ الطَّائِفَةَ مِنْهُمْ دُونَ الْأُخْرَى، نَحْوَ إنْ عَشَرُوا رِجَالَنَا وَلَمْ يَعْشِرُوا نِسَاءَنَا، فَكَذَلِكَ نَحْنُ نَعْشِرُ رِجَالَهُمْ وَلَا نَعْشِرُ نِسَاءَهُمْ.","vol":"1","page":2144},{"text":"وَكُلُّ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْحَرْبِيِّ مِنْ الْعُشْرِ فَإِنَّهُ يُوضَعُ مَوْضِعَ الْخَرَاجِ لِلْمُقَاتِلَةِ دُونَ مَوْضِعِ الصَّدَقَاتِ. وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّ الصَّدَقَةَ طُهْرَةٌ لِصَاحِبِهَا، وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الطُّهْرَةِ، فَيُوضَعُ عُشْرُهُ مَوْضِعَ مَالِ الصَّدَقَةِ.\n\nقَالَ: ٤٢٤٨ - وَإِذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ وَمَعَهُ مَالٌ يَتَّجِرُ بِهِ أَوْ لَيْسَ مَعَهُ مَالٌ، فَاتَّجَرَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَأَصَابَ مَالًا، فَحَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَمَرَّ عَلَى عَاشِرِ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَأْخُذْ الْعَاشِرُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْعَاشِرَ إنَّمَا يَجْبِي صَدَقَةَ مَالٍ كَانَ فِي حِمَايَةِ الْإِمَامِ وَرِعَايَتِهِ، حَتَّى تَكُونَ الْجِبَايَةُ بِإِزَاءِ الْحِمَايَةِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ يَعْشِرُ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ الَّتِي يَمُرُّ بِهَا عَلَى الْعَاشِرِ لِحَاجَتِهَا إلَى الْحِفْظِ وَالْحِمَايَةِ، وَلَا يَعْشِرُهَا مَنْ اتَّجَرَ فِي مِصْرِهِ لِاسْتِغْنَائِهَا عَنْ حِفْظِهِ، وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ حِمَايَةٌ وَلَا رِعَايَةٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَلَا يَعْشِرُ الْأَمْوَالَ الَّتِي لَا حِمَايَةَ وَلَا رِعَايَةَ لَهُ فِيهَا.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي عَسْكَرِ أَهْلِ الْبَغْيِ فَحَالَ الْحَوْلُ عَلَى مَالِهِ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى عَسْكَرِ أَهْلِ الْعَدْلِ، فَإِنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ بِزَكَاةِ مَا مَضَى؛ لِمَا أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْمَالُ فِي حِمَايَةِ الْإِمَامِ وَلَا رِعَايَتِهِ فَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ، فَكَذَلِكَ هَهُنَا؛ وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى -، فَفِي مَوْضِعٍ لَا يَجْرِي فِيهِ حُكْمُ إمَامِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَأْخُذُ الْإِمَامُ بِذَلِكَ كَمَا لَا يَأْخُذُ بِسَائِرِ حُقُوقِ اللَّهِ - تَعَالَى - الَّتِي لَزِمَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، نَحْوَ","vol":"1","page":2145},{"text":"حَدِّ الزِّنَا وَحَدِّ السَّرِقَةِ وَحَدِّ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَحَدِّ الشُّرْبِ، إلَّا أَنَّ الْمُسْلِمَ يُؤْمَرُ بِأَنْ يُؤَدِّيَ زَكَاةَ مَالِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ، وَلَا يُجْبَرُ، وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ فَهُوَ آثِمٌ؛ لِأَنَّهُ حَالَ الْحَوْلُ عَلَى مَالِ مُسْلِمٍ، فَيَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَمَتَى وَجَبَ يُؤْمَرُ بِالْأَدَاءِ، كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَكَالْبَاغِي إذَا خَرَجَ إلَى أَهْلِ الْعَدْلِ، فَإِنَّهُ يُفْتِي بِأَنْ يُزَكِّيَ مَالَهُ فِيمَا مَضَى فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.\n٤٢٤٩ - وَمَا عَرَفْت مِنْ الْجَوَابِ فِي الْمُسْتَأْمَنِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَهُوَ جَوَابُك فِي الْأَسِيرِ إذَا اتَّجَرَ فَأَصَابَ مَالًا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَحَالَ الْحَوْلُ عَلَى مَالِهِ، ثُمَّ مَرَّ عَلَى عَاشِرِ الْمُسْلِمِينَ. فَإِنَّهُ لَا يَعْشِرُ، وَلَكِنَّهُ يُفْتَى بِأَنْ يُؤَدِّيَ زَكَاةَ مَالِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ.\n٤٢٥٠ - وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ الَّذِي أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَحَالَ الْحَوْلُ عَلَى مَالِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ أَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.\nفَإِنَّ الْعَاشِرَ لَا يَعْشِرُهُ إلَّا أَنَّهُ إنْ عَلِمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَنَّ عَلَيْهِ زَكَاةَ مَالِهِ، وَحَالَ الْحَوْلُ عَلَى مَالِهِ بَعْدَ الْعِلْمِ، لَزِمَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ زَكَاةَ مَالِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ عَلَيْهِ زَكَاةً فِي مَالِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَدَاءُ شَيْءٍ مِنْ الزَّكَاةِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ بَعْدَ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ مِنْ الشَّرَائِعِ وَالشَّرَائِعُ لَا تَلْزَمُ إلَّا بَعْدَ السَّمَاعِ، وَلَمْ يَبْلُغْ الْخِطَابُ سَمْعَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.\n٤٢٥١ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَسْلَمَ وَلَهُ مَالٌ كَثِيرٌ","vol":"1","page":2146},{"text":"مِنْ أَمْوَالِ التِّجَارَةِ، وَمَالِ السَّائِمَةِ، فَعَلِمَ أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي الْمَالِ، فَمَكَثَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، ثُمَّ خَرَجَ بِمَالِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَحَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ، وَهُوَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ مَرَّ عَلَى الْعَاشِرِ، فَإِنَّ الْعَاشِرَ يَعْشِرُ مَالَهُ، وَالْمُصَدِّقُ يَأْخُذُ صَدَقَةَ سَوَائِمِهِ؛ لِأَنَّ الْحَوْلَ انْعَقَدَ عَلَى مَالِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالْأَدَاءِ، وَيَصِيرُ آثِمًا إذَا لَمْ يُؤَدِّ فَحَسَبِ الْوُجُوبِ قَدْ وُجِدَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَالْوُجُوبُ وُجِدَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَالْعِبْرَةُ بِحَالِ الْوُجُوبِ، وَفِي حَالِ الْوُجُوبِ الْمَالُ فِي حِمَايَةِ الْإِمَامِ وَرِعَايَتِهِ فِي مَوْضِعٍ يَجْرِي حُكْمُ إمَامِ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ، فَيَأْخُذُ مِنْهُ الْعُشْرَ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْحَوْلَ إذَا انْعَقَدَ عَلَى النِّصَابِ ثُمَّ انْتَقَصَ، ثُمَّ تَمَّ فِي آخِرِ الْحَوْلِ فَإِنَّهُ تَجِبُ الزَّكَاةُ، وَاعْتُبِرَ فِيهِ حَالُ تَمَامِ الْحَوْلِ، الَّتِي هِيَ حَالُ الْوُجُوبِ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ النُّقْصَانُ الَّذِي كَانَ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ، فَكَذَلِكَ لَا يُعْتَبَرُ كَيْنُونَةُ الْمَالِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ وَيُعْتَبَرُ حَالُ تَمَامِ الْحَوْلِ.\n\nوَهَكَذَا الْجَوَابُ فِي الْأَسِيرِ أَوْ الْمُسْتَأْمَنِ إذَا خَرَجَ بِمَالِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَتَمَّ الْحَوْلُ عَلَيْهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ زَكَاةُ ذَلِكَ الْحَوْلِ.\n٤٢٥٢ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا مَرَّ عَلَى عَاشِرِ الْمُسْلِمِينَ بِمَالِهِ مِنْ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ بِهِ أَرْضَ الْحَرْبِ","vol":"1","page":2147},{"text":"لِلتِّجَارَةِ، فَقَالَ لِلْعَاشِرِ: إنَّمَا أَصَبْته مُنْذُ أَشْهُرٍ، وَلَمْ يَحُلْ عَلَيْهِ الْحَوْلُ صَدَّقَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ عُشْرًا؛ لِأَنَّهُ أَنْكَرَ وُجُوبَ الْحَقِّ فِي مَالِهِ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ.\n٤٢٥٣ - فَإِنْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ فَاشْتَرَى بِهِ وَبَاعَ حَتَّى تَمَّ الْحَوْلُ عَلَى مِلْكِهِ، وَهُوَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ خَرَجَ بِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَمَرَّ بِهِ عَلَى الْعَاشِرِ، فَإِنَّهُ لَا يَأْخُذُ مِنْهُ الْعُشْرَ لِمَا مَضَى؛ لِأَنَّ الْحَوْلَ حَالَ وَالْمَالُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَوَقْتُ الْوُجُوبِ وَقْتُ تَمَامِ الْحَوْلِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْمَالُ وَقْتَ الْوُجُوبِ فِي مَوْضِعٍ يَجْرِي فِيهِ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ لَا يَأْخُذُهُ الْإِمَامُ.\n٤٢٥٤ - وَإِنْ كَانَ أَقَامَ فِي دَارِ الْحَرْبِ تَمَامَ الْحَوْلِ مُنْذُ مِلْكِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ إلَّا يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَتَمَّ الْحَوْلُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ مَرَّ بِهِ عَلَى الْعَاشِرِ عَشَرَهُ؛ لِأَنَّ الْمَالَ وَقْتَ وُجُوبِ الْحَقِّ فِي حِمَايَةِ الْإِمَامِ، وَفِي مَوْضِعٍ يَجْرِي فِيهِ حُكْمُ إمَامِ الْمُسْلِمِينَ فَكَانَ لَهُ حَقُّ الْأَخْذِ.\n٤٢٥٥ - وَلَوْ أَنَّ حَرْبِيًّا مُسْتَأْمَنًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ مُسْلِمًا مَرَّ عَلَى عَاشِرٍ بِمَالٍ فَكَتَمَهُ إيَّاهُ، وَقَدْ حَالَ الْحَوْلُ الْأَوَّلُ، ثُمَّ مَرَّ بِهِ عَلَى الْعَاشِرِ أَيْضًا فَكَتَمَهُ إيَّاهُ، وَقَدْ حَالَ الْحَوْلُ الثَّانِي، ثُمَّ مَرَّ بِهِ","vol":"1","page":2148},{"text":"عَلَى الْعَاشِرِ بَعْدَمَا حَالَ الْحَوْلُ الثَّالِثُ فَعَلِمَ بِهِ الْعَاشِرُ، وَعَلِمَ بِمَا كَانَ صَنَعَ فِي تِلْكَ الْأَحْوَالِ، فَإِنَّ الْعَاشِرَ يَعْشِرُ الْأَمْوَالَ فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ حَقُّ الْأَخْذِ لِلْعَاشِرِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ فِي الْمَالِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَالْحَقُّ مَتَى ثَبَتَ لَا يَبْطُلُ بِالتَّأْخِيرِ وَلَا بِالْكِتْمَانِ.\n٤٢٥٦ - فَإِنْ كَانَ الْحَرْبِيُّ يَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ، قَبْلَ أَنْ يَعْشِرَهُ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْعَاشِرِ أَنْ يَعْشِرَهُ إلَّا بِهَذِهِ الْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ لِهَذَا الْحَوْلِ الثَّالِثِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ فَقَدْ بَطَلَتْ عَنْهُ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ، وَارْتَفَعَ ذَلِكَ الْأَمَانُ، وَصَارَ كَحَرْبِيٍّ آخَرَ حِينَ خَرَجَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْعَاشِرَ لَوْ عَشَرَهُ ثُمَّ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ وَمَرَّ عَلَى الْعَاشِرِ فَإِنَّهُ يَعْشِرُهُ ثَانِيًا، فَكَمَا أَبْطَلَ دُخُولُهُ دَارَ الْحَرْبِ الْعُشْرَ الَّذِي كَانَ لَهُ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، وَصَارَ فِي الْحُكْمِ كَحَرْبِيٍّ آخَرَ خَرَجَ، فَكَذَلِكَ يَبْطُلُ دُخُولُهُ دَارَ الْحَرْبِ مَا كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ عِنْدَهُ، وَيَصِيرُ كَحَرْبِيٍّ آخَرَ خَرَجَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ.\n٤٢٥٧ - وَلَوْ أَنَّ الْحَرْبِيَّ وَالْمُسْتَأْمَنَ وَالْمُسْلِمَ وَالذِّمِّيَّ مَكَثُوا يَتَّجِرُونَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ لَا يَمُرُّونَ عَلَى عَاشِرِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ مَرُّوا عَلَى عَاشِرِ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ الْحَوْلِ الثَّالِثِ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْشِرُوا مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ، وَأَخْبَرَ الْمُسْلِمُ أَنَّهُ لَمْ يُؤَدِّ زَكَاةَ مَالِهِ","vol":"1","page":2149},{"text":"مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ، فَإِنَّ الْعَاشِرَ يَأْخُذُ مِنْهُ زَكَاةَ هَذَا الْحَوْلِ الثَّالِثِ، وَلَا يَأْخُذُ مِنْهُ زَكَاةَ الْحَوْلَيْنِ الْمَاضِيَيْنِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَاشِرَ إنَّمَا يَعْشِرُ الْمَالَ الَّذِي فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، إذَا كَانَ فِي حِمَايَتِهِ [فِي الْحَوْلِ الثَّالِثِ لَا فِي الْحَوْلَيْنِ الْمَاضِيَيْنِ فَلِهَذَا لَا يَأْخُذُ لِمَا مَضَى مِنْ الْحَوْلَيْنِ بِخِلَافِ مَا إذَا حَالَ الْحَوْلُ وَالْمَالُ فِي دَارِ الْحَرْبِ] وَوَقْتُ الْأَخْذِ بَاقٍ مَا لَمْ يَجِبْ الْحَقُّ فِي الْمَالِ ثَانِيًا، فَقَدْ مَضَى وَقْتُ أَخْذِ الْوَاجِبِ الْأَوَّلِ وَجَاءَ وَقْتُ أَخْذِ الْوَاجِبِ الثَّانِي، فَمَتَى مَرَّ عَلَيْهِ بَعْدَ مَا حَالَ الْحَوْلُ الْأَوَّلُ قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ الْحَوْلُ الثَّانِي فَوَقْتُ الْأَخْذِ بَاقٍ فَعَشَرَهُ، وَمَتَى تَمَّ الْحَوْلُ وَالْمَالُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّ الْعَاشِرَ لَا يَعْشِرُ هَذَا الْمَالَ، وَإِنْ مَرَّ بِهِ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ الْحَوْلُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْحَوْلَ حَالَ هُنَاكَ وَالْمَالُ فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ يَجْرِي فِيهِ حُكْمُ إمَامِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ حَقُّ الْأَخْذِ أَبَدًا، وَأَمَّا الْمَالُ الَّذِي فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ فِي مَوْضِعٍ يَجْرِي فِيهِ حُكْمُ الْإِمَامِ، فَلَهُ حَقُّ أَنْ يَعْشِرَهُ مَتَى مَرَّ بِهِ صَاحِبُهُ، قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ وَقْتُ الْوُجُوبِ لِلْحَوْلِ الثَّانِي.\n٤٢٥٨ - فَأَمَّا السَّائِمَةُ مِنْ الصَّدَقَاتِ فَلَيْسَ عَلَى الْحَرْبِيِّ وَلَا عَلَى الذِّمِّيِّ فِيهَا صَدَقَةٌ","vol":"1","page":2150},{"text":"لِأَنَّ الصَّدَقَةَ عِبَادَةٌ فَلَا تَجِبُ عَلَى الْكَافِرِ.\n\nفَأَمَّا سَائِمَةُ الْمُسْلِمِ إذَا لَمْ يَأْخُذْ صَدَقَتَهَا سِنِينَ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ أُخِذَتْ مِنْهُ زَكَاتُهَا لِلسِّنِينَ الْمَاضِيَةِ؛ لِأَنَّ أَخْذَهَا إلَى السُّلْطَانِ (لِمَا كَانَ فِيهَا مِنْ الْحِمَايَةِ)، فَيَأْخُذُ زَكَاةَ مَا مَضَى.\nوَهَذَا بِخِلَافِ الْعَاشِرِ فَإِنَّهُ لَا يَأْخُذُ الْعُشْرَ - إلَّا لِلْحَوْلِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ الْعَاشِرَ إنَّمَا يَأْخُذُ مِنْ الْمَالِ الَّذِي يَمُرُّ بِهِ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ وَالْمُرُورُ عَلَيْهِ بِالْمَالِ لَمْ يُؤْخَذْ إلَّا فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ فَلَا يَأْخُذُ إلَّا لِلسَّنَةِ الثَّالِثَةِ وَأَمَّا الْمُصَدِّقُ لَيْسَ يَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ لِحَقِّ الْمُرُورِ عَلَيْهِ بَلْ فِي سَائِمَةِ كُلِّ إنْسَانٍ فَيَأْخُذُ مِنْهَا الصَّدَقَةَ فَإِنَّمَا يَأْخُذُ الصَّدَقَةَ بِاعْتِبَارِ حَوَلَانِ الْحَوْلِ عَلَى السَّائِمَةِ وَقَدْ حَالَ عَلَى السَّائِمَةِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ فَيَأْخُذُ صَدَقَةَ كُلِّ حَوْلٍ.\n٤٢٥٩ - فَإِنْ قَالَ الْمُسْلِمُ صَاحِبُ السَّائِمَةِ قَدْ أَدَّيْت صَدَقَتَهَا إلَى الْمَسَاكِينِ لِهَذِهِ السِّنِينَ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ الصَّدَقَةُ لِثَلَاثِ سِنِينَ.\nوَهَذَا عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَأْخُذُ وَاحْتَجَّ، وَقَالَ: إنَّ الصَّدَقَةَ حَقُّ الْفُقَرَاءِ فَلَمَّا دَفَعَهَا إلَى الْفُقَرَاءِ فَقَدْ أَوْصَلَ الْحَقَّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ فَيَبْدَأُ كَمَا لَوْ دَفَعَ زَكَاةَ التِّجَارَةِ إلَى الْفُقَرَاءِ.","vol":"1","page":2151},{"text":"إلَّا أَنَّا نَقُولُ إنَّ حَقَّ الْأَخْذِ إلَى الْمُصَدِّقِ فَلَا يَبْرَأُ بِالدَّفْعِ إلَى الْفُقَرَاءِ كَالْغَرِيمِ إذَا دَفَعَ الدَّيْنَ لَا يَبْرَأُ لِمَا أَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ لِلْوَصِيِّ كَذَا هُنَا.\n٤٢٦٠ - فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ لَمْ يَبْعَثْ إلَيْهِمْ مُصَدِّقًا فِي تِلْكَ السِّنِينَ بِأَنْ شُغِلَ عَنْ ذَلِكَ لِحَرْبٍ أَوْ غَيْرِهَا فَأَدَّوْهَا لِمَا مَضَى، وَقَالُوا: قَدْ أَدَّيْنَاهَا حَيْثُ لَمْ يَبْعَثْ إلَيْنَا مُصَدِّقًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ، وَلَا صَدَقَةَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ إذَا لَمْ يَبْعَثْ إلَيْهِمْ مُصَدِّقًا فِي تِلْكَ السِّنِينَ، فَلَمْ يُوجَدْ الطَّلَبُ مِنْ الْإِمَامِ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ الدَّفْعُ إلَى الْإِمَامِ، فَإِذَا أَدَّى بِنَفْسِهِ يَبْرَأُ كَزَكَاةِ الْمَالِ إذَا أَدَّاهَا الْمَالِكُ.\n\nقَالَ: ٤٢٦١ - وَالْحَرْبِيُّ وَالْمُسْتَأْمَنُ وَالذِّمِّيُّ وَالْمُسْلِمُ إذَا مَرُّوا بِعَاشِرٍ مِنْ عَشَّارِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالُوا: قَدْ عَشَرَنَا عَاشِرٌ غَيْرُك فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَجَاءُوا بِالْبَرَاءَةِ، وَحَلَفُوا لَهُ عَلَى ذَلِكَ إنْ اتَّهَمَهُمْ فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ شَيْئًا. لِأَنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - أَمَانَةٌ عِنْدَ الْمَالِكِ، وَالْأَمِينُ مَتَى أَخْبَرَ بِأَدَاءِ الْأَمَانَةِ صُدِّقَ، ثُمَّ هَذَا فِي الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ قَالَا عَلَيْنَا دَيْنٌ يُصَدَّقَانِ.","vol":"1","page":2152},{"text":"٤٢٦٢ - وَأَمَّا الْحَرْبِيُّ لَوْ قَالَ عَلَيَّ دَيْنٌ لَا يُصَدَّقُ، وَإِذَا قَالَ عَشَرَنِي عَاشِرٌ غَيْرُك صُدِّقَ. لِأَنَّهُ تَأَيَّدَ قَوْلُهُ هَا هُنَا بِالْبَرَاءَةِ، فَجَازَ أَنْ يُصَدَّقَ فَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الدَّيْنِ لَمْ يَنْضَمَّ إلَى قَوْلِهِمْ مَا يُصَدِّقُهُ فَجَازَ أَلَّا يُصَدَّقَ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، حَيْثُ أَتَاهُ ذَلِكَ الشَّيْخُ النَّصْرَانِيُّ، وَقَالَ: إنَّ عُمَّالَك عَشَرُونِي فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ، قَالَ: فَكَتَبَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إلَى عُمَّالِهِ لَا تَعْشِرُوا فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً، أَلَيْسَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَدْ صَدَّقَهُ فِي ذَلِكَ حَيْثُ كَتَبَ إلَى عُمَّالِهِ أَلَّا تَعْشِرُوا إلَّا مَرَّةً.\n٤٢٦٣ - وَإِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ الْمُسْلِمِ أَوْ الذِّمِّيِّ مَالٌ لِلتِّجَارَةِ فَحَالَ عَلَيْهِ حَوْلٌ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ أَدْخَلَهُ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ، فَاتَّجَرَ فِيهِ حَوْلًا آخَرَ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، فَمَرَّ بِهِ عَلَى عَاشِرِ الْمُسْلِمِينَ، لَمْ يَعْشِرْهُ لِلسَّنَةِ الْأُولَى وَلَا لِلسَّنَةِ الثَّانِيَةِ. أَمَّا السَّنَةُ الْأُولَى؛ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَمُرَّ عَلَيْهِ بِمَالِهِ فِي وَقْتِ الْأَخْذِ، فَلَا يَأْخُذُ، وَأَمَّا السَّنَةُ الثَّانِيَةُ: فَلِأَنَّ الْحَوْلَ قَدْ حَالَ عَلَى الْمَالِ وَالْمَالُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْعَاشِرَ لَا يَعْشِرُ الْمَالَ الَّذِي قَدْ حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ فِي دَارِ الْحَرْبِ.\n٤٢٦٤ - فَإِنْ مَرَّ بِهِ بَعْدَ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ عَلَى الْعَاشِرِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَكَتَمَهُ الْمَالَ، ثُمَّ أَدْخَلَهُ دَارَ الْحَرْبِ فَمَكَثَ حَوْلًا فِي دَارِ الْحَرْبِ،","vol":"1","page":2153},{"text":"ثُمَّ أَخْرَجَهُ، فَمَرَّ بِهِ عَلَى عَاشِرٍ وَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُ فَإِنَّهُ يَعْشِرُ لِلْحَوْلِ الْأَوَّلِ وَلَا يَعْشِرُ لِلْحَوْلِ الثَّانِي.\nأَمَّا مَا يَعْشِرُهُ لِلسَّنَةِ الْأُولَى - فَلِأَنَّهُ قَدْ مَرَّ بَعْدَ وُجُوبِ الْحَقِّ. (بِالتَّأْخِيرِ) وَوُجُوبُ الْحَقِّ لَا يَفُوتُ بِالتَّأْخِيرِ، وَأَمَّا الْحَوْلُ الثَّانِي حَالَ، وَالْمَالُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا يَعْشِرُهُ، وَكَذَلِكَ سَائِمَةُ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ إذَا أَدْخَلَهَا دَارَ الْحَرْبِ بَعْدَ مَا حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ.\n(أَمَّا لِلْحَوْلِ الْأَوَّلِ فَلِأَنَّهُ قَدْ مَرَّ بَعْدَ وُجُوبِ الْحَقِّ فِي الْمَالِ وَوَقْتُ الْأَخْذِ بَاقٍ فَثَبَتَ لَهُ حَقُّ الْأَخْذِ فَلَا يَسْقُطُ ذَلِكَ الْحَقُّ بِالتَّأْخِيرِ) وَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهَا فَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ الْآخَرُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ أَخْرَجَهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ الْمُصَدِّقَ يُصَدِّقُهَا لِلسَّنَةِ الْأُولَى. لِأَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ يَثْبُتُ لِلْمُصَدِّقِ بِاعْتِبَارِ حَوَلَانِ الْحَوْلِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، لَا بِحَقِّ الْمُرُورِ عَلَيْهِ فَقَدْ حَالَ الْحَوْلُ الْأَوَّلُ عَلَى الْمَالِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَثَبَتَ لَهُ حَقُّ أَخْذِ صَدَقَةِ تِلْكَ السَّنَةِ. وَلَا يَأْخُذُ لِلسَّنَةِ الثَّانِيَةِ شَيْئًا. لِأَنَّهُ حَالَ الْحَوْلُ، وَالْمَالُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا يَجِبُ لَهُ حَقُّ الْأَخْذِ.","vol":"1","page":2154},{"text":"وَلَوْ أَنَّ حَرْبِيًّا مُسْتَأْمَنًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ حَالَ الْحَوْلُ عَلَى مَالِهِ أَوْ حَوْلَانِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَمَرَّ بِعَاشِرِ الْمُسْلِمِينَ وَمَعَهُ مَالٌ فَكَتَمَهُ ذَلِكَ ثُمَّ إنَّ الْعَاشِرَ ظَفِرَ بِهِ وَأَخْرَجَهُ فَإِنَّهُ يَعْشِرُهُ لِمَا مَضَى، فَإِنْ لَمْ يَظْفَرْ بِهِ الْعَاشِرُ حَتَّى دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ، ثُمَّ خَرَجَ، فَأَخْبَرَهُ وَمَعَهُ مَالُهُ ذَلِكَ بَطَلَ كُلُّ عُشْرٍ كَانَ وَجَبَ عَلَيْهِ لِمَا مَضَى مِنْ السِّنِينَ، وَعَشَرَهُ لِخُرُوجِهِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، هَذِهِ الْمَرَّةَ، وَأَبْطَلَ عَنْهُ مَا مَضَى. لِأَنَّهُ حِينَ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ بَطَلَتْ عَنْهُ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ، وَحَقُّ الْأَخْذِ لِلْإِمَامِ بِالْحُكْمِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ حُكْمٌ لَمْ يَكُنْ لِلْإِمَامِ حَقُّ الْأَخْذِ.\n٤٢٦٦ - وَلَوْ كَانَ وَجَبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَدْخُلْ دَارَ الْحَرْبِ الَّتِي هُوَ مِنْ أَهْلِهَا، وَلَكِنَّهُ دَخَلَ دَارَ حَرْبٍ أُخْرَى مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ لِيَتَّجِرَ فِيهَا، فَإِنْ كَانَ اسْتَأْمَنَ الْمُسْلِمِينَ حِينَ دَخَلَ أَرْضَ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُمْ دُخُولَ تِلْكَ الْأَرْضِ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ مَا كَانَ وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ الْعُشُورِ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ دَارًا لَا يَجْرِي فِيهَا حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ، فَصَارَ كَمَا لَوْ دَخَلَ دَارَ نَفْسِهِ ثُمَّ خَرَجَ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ بَطَلَ عَنْهُ مَا وَجَبَ مِنْ الْعُشُورِ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.","vol":"1","page":2155},{"text":"وَلَوْ كَانَ اسْتَأْمَنَ الْمُسْلِمِينَ لِيَنْفُذَ إلَى تِلْكَ الدَّارِ، وَيَرْجِعَ إلَيْهِمْ فَآمَنُوهُ عَلَى ذَلِكَ، فَهَذَا أَيْضًا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ، وَيَبْطُلُ عَنْهُ كُلُّ عُشْرٍ وَجَبَ عَلَيْهِ، وَهَكَذَا لَوْ اسْتَأْمَنَ عَلَى أَنْ يَنْفُذَ إلَى تِلْكَ الدَّارِ، وَيَكُونَ آمِنًا فِيهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ يَخْرُجُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ آمِنًا حَتَّى يَرْجِعَ إلَى دَارِهِ فَآمَنُوهُ عَلَى ذَلِكَ، فَدَخَلَ إلَيْهِمْ بَعْدَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْعُشُورُ، ثُمَّ خَرَجَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْشِرُ لِمَا مَضَى وَيَعْشِرُهُ الْمُسْلِمُونَ إذَا خَرَجَ مِنْ تِلْكَ الدَّارِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. لِأَنَّ حُكْمَ الْمُسْلِمِينَ غَيْرُ جَارٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ، الَّتِي خَرَجَ الْمُسْتَأْمَنُ إلَيْهَا.\n٤٢٦٨ - وَإِنْ كَانَ هُوَ آمِنًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَخُرُوجُهُ إلَى مَوْضِعٍ لَا يَجْرِي فِيهِ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ يُبْطِلُ اعْتِبَارَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَيُبْطِلُ أَيْضًا اعْتِبَارَ مَا أُخِذَ مِنْهُ، حَتَّى وَلَوْ عَشَرَهُ الْمُسْلِمُونَ حِينَ خَرَجَ مِنْ دَارِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَمَكَثَ أَيَّامًا، ثُمَّ دَخَلَ تِلْكَ الدَّارَ الْأُخْرَى، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا، وَبَيْنَ ذَلِكَ أَيَّامٌ عَشَرَهُ الْعَاشِرُ مَرَّةً أُخْرَى. لِأَنَّهُ حِينَ دَخَلَ تِلْكَ الدَّارَ خَرَجَ مِنْ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ.\n٤٢٦٩ - فَإِذَا رَجَعَ أَخَذَ مِنْهُ الْعُشْرَ، وَصَارَ سَبِيلُهُ سَبِيلَ دَارِ الْمُوَادَعَةِ، إذَا خَرَجَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بِتِلْكَ الْمُوَادَعَةِ، فَيَعْشِرُهُ الْعَاشِرُ ثُمَّ خَرَجَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بِتِلْكَ الْمُوَادَعَةِ فَإِنَّ الْعَاشِرَ يَعْشِرُ مَالَهُ ثَانِيًا.","vol":"1","page":2156},{"text":"لِمَا أَنَّهُ لَمَّا عَادَ إلَى دَارِهِ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ كَانَ هُوَ آمِنًا فِي تِلْكَ الدَّارِ، فَأَبْطَلَ اعْتِبَارَ مَا أَخَذَ مِنْهُ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.\n٤٢٧٠ - وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ وَادَعُوا الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنْ يُؤَدُّوا إلَى الْمُسْلِمِينَ كُلَّ سَنَةٍ خَرَاجًا مَعْلُومًا عَلَى أَلَّا يُجْرِيَ الْمُسْلِمُونَ أَحْكَامَهُمْ، وَلَا يَكُونُوا ذِمَّةً لَهُمْ، ثُمَّ إنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ خَرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بِأَمْوَالٍ كَثِيرَةٍ عَلَى تِلْكَ الْمُوَادَعَةِ فَهُوَ آمِنٌ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ عُشْرُ مَا مَرَّ بِهِ كَامِلًا. لِأَنَّهُ حَرْبِيٌّ عَلَى حَالِهِ، إلَّا أَنَّهُ آمِنٌ، وَلَمْ يَصِرْ ذِمِّيًّا؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْمُسْلِمِينَ غَيْرُ جَارٍ عَلَيْهِمْ، فَصَارَ كَمَا لَوْ خَرَجَ مِنْ غَيْرِ دَارِ الْمُوَادَعَةِ بِأَمَانٍ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْعُشْرُ.\n٤٢٧١ - وَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ عُشُورٌ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ دَخَلَ دَارَ الْمُوَادَعَةِ ثُمَّ خَرَجَ فَإِنَّهُ لَا يَعْشِرُهُ الْعَاشِرُ لِمَا مَضَى. لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ وَالدَّارَ الَّتِي لَا مُوَادَعَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ سَوَاءٌ، وَدُخُولُ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ دَارَ الْمُوَادَعَةِ بِمَنْزِلَةِ دُخُولِهِمَا دَارَ الْحَرْبِ لَيْسَ بَيْنَ أَهْلِهَا وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مُوَادَعَةٌ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَصِرْ دَارُ الْإِسْلَامِ بِتِلْكَ الْمُوَادَعَةِ؛ لِعَدَمِ جَرَيَانِ حُكْمِ الْإِسْلَامِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":2157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>[بَابٌ مِنْ الْخُمُسِ فِي الْمَعْدِنِ وَالرِّكَازِ يُصَابُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَدَارِ الْمُوَادَعَةِ]</span>\n٢٠٦ - بَابٌ مِنْ الْخُمُسِ فِي الْمَعْدِنِ وَالرِّكَازِ يُصَابُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَدَارِ الْمُوَادَعَةِ وَمَا يَلْحَقُ الذِّمِّيَّ مِنْ ذَلِكَ [وَالْعَبْدَ] وَالْمُسْتَأْمَنَ قَالَ مُحَمَّدٌ - ﵀ -:\n٤٢٧٢ - إذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ وَأَصَابَ رِكَازًا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ جَوْهَرٍ فَإِنْ كَانَ أَصَابَهُ فِي دَارِ إنْسَانٍ مِنْهُمْ يَرُدُّهُ إلَيْهِ وَلَا يَغْدِرُ بِهِ. لِأَنَّ هَذَا مَالُ صَاحِبِ الدَّارِ، فَلَوْ لَمْ يَرُدَّهُ كَانَ خِيَانَةً مِنْهُ وَغَدْرًا، وَهُوَ قَدْ ضَمِنَ أَلَّا يَخُونَهُمْ وَلَا يَغْدِرَ بِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ.\n٤٢٧٣ - وَإِنْ كَانَ أَصَابَهُ فِي صَحْرَاءَ، أَوْ فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ بِمِلْكٍ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ فَهُوَ لَهُ، بِمَنْزِلَةِ الصَّيْدِ الَّذِي يَصْطَادُهُ الْمُسْتَأْمَنُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَذَلِكَ الصَّيْدُ يَكُونُ لَهُ فَكَذَلِكَ هَذَا الرِّكَازُ يَكُونُ لَهُ، وَلَا خُمُسَ فِيهِ إذَا أَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. لِأَنَّهُ لَمْ يُصِبْهُ عَلَى وَجْهِ إعْزَازِ الدِّينِ وَإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ - ﷿ -، وَلَا بِإِيجَافِ","vol":"1","page":2158},{"text":"الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَلَصِّصِ، وَالْمَالُ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْمُتَلَصِّصُ لَا خُمُسَ فِيهِ فَكَذَلِكَ هَا هُنَا. وَلَا عُشْرَ فِيهِ إنْ مَرَّ بِهِ عَلَى عَاشِرِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ هَذَا مَالٌ أَصَابَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ الْإِمَامِ رِعَايَةٌ وَلَا حِمَايَةٌ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ فَلَا يَعْشِرُهُ.\n٤٢٧٠٤ - أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ لَوْ أَدْخَلَ دَارَ الْحَرْبِ مَالًا لَهُ ثُمَّ أَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ مَا حَالَ الْحَوْلُ عَلَيْهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ لَا يَعْشِرُ ذَلِكَ الْمَالَ، فَالْمَالُ الَّذِي أَصَابَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَأَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْلَى أَلَّا يَعْشِرَهُ.\n\nوَهَكَذَا الْجَوَابُ إذَا أَصَابَ الْمُسْتَأْمَنُ مَعْدِنَ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ حَدِيدٍ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ، أَوْ أَصَابَ عَنْبَرًا أَوْ لُؤْلُؤًا فِي الْبَحْرِ فَهُوَ لَهُ. لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمِلْكٍ لِأَحَدٍ، فَصَارَ كَالرِّكَازِ الَّذِي وَجَدَهُ فِي الصَّحْرَاءِ، وَلَا خُمُسَ فِيهِ وَلَا عُشْرَ إذَا أَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.\n٤٢٧٥ - فَإِنْ وَجَدَ الْمَعْدِنَ فِي مِلْكِ إنْسَانٍ مِنْهُمْ فَلْيَرُدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ، وَالرَّجُلُ الَّذِي يُسْلِمُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَالْأَسِيرُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، إلَّا فِي خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ مَا أَصَابَ الْأَسِيرُ وَالرَّجُلُ الْمُسْلِمُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فِي دَارِ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَهُوَ لَهُ أَيْضًا، وَلَا خُمُسَ فِيهِ وَلَا عُشْرَ.","vol":"1","page":2159},{"text":"لِأَنَّهُ لَا أَمَانَ لَهُمْ، وَلَوْ قَدَرَ عَلَى قَتْلِهِمْ وَأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَإِذَا أَصَابَ رِكَازًا أَوْلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ.\n٤٢٧٦ - وَكَذَلِكَ مَا أَصَابَا مِنْ لُقَطَةٍ فَهِيَ لَهُمَا وَلَا خُمُسَ وَلَا عُشْرَ فِيهَا إذَا خَرَجَا عَلَى الْعَاشِرِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ هَذَا مَالُ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَلَوْ وَجَدَا مَالًا فِي دَارِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَانَ لَهُمَا وَلَا خُمُسَ فِيهِ وَلَا عُشْرَ، فَاللُّقَطَةُ أَوْلَى أَنْ تَكُونَ لَهُمَا.\n٤٢٧٧ - فَأَمَّا الْمُسْتَأْمَنُ فَمَا وَجَدَ مِنْ لُقَطَةٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعَرِّفَهَا كَمَا يُعَرِّفُ اللُّقَطَةَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ أَمْوَالِهِمْ، كَمَا لَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ مَالِ الْمُسْلِمِينَ.\n٤٢٧٨ - فَإِنْ عَرَّفَهَا حَوْلًا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا يَتَصَدَّقُ بِهَا، كَمَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ إذَا عَرَّفَهَا حَوْلًا وَلَمْ يَجِئْ صَاحِبُهَا يَتَصَدَّقُ بِهَا، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَى فُقَرَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَرَفَهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ إلَى فُقَرَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ يَجُوزُ، فَكَذَا فِي دَارِ الْحَرْبِ. فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُمْ فَفُقَرَاءُ أَهْلِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ هَذَا مَالٌ وَجَدَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَيَجُوزُ الصَّرْفُ إلَى فُقَرَاءِ أَهْلِ الْحَرْبِ.","vol":"1","page":2160},{"text":"بِخِلَافِ اللُّقَطَةِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهَا لَا تُصْرَفُ إلَى فُقَرَاءِ أَهْلِ الْحَرْبِ. لِأَنَّ تِلْكَ اللُّقَطَةَ مَالُ الْمُسْلِمِ فَلَا تُصْرَفُ إلَى الْفُقَرَاءِ وَاَلَّذِينَ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ. وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فَأَكَلَهَا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ. لِأَنَّ الْمُسْلِمَ الْمُلْتَقِطَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ إذَا كَانَ مُحْتَاجًا فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهَا، فَهَا هُنَا أَوْلَى. فَإِنْ كَانَ غَنِيًّا عِنْدَنَا لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَنَاوَلَ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ - يَحِلُّ لَهُ.\n٤٢٧٩ - فَإِنْ أَكَلَهَا أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهَا فَإِنْ عَرَّفَهَا فَإِنِّي أُحِبُّ لَهُ أَنْ يَغْرَمَهَا لَهُ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْإِسْلَامِ إنْ اخْتَصَمَا إلَى إمَامِ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ مَا أَسْلَمَ صَاحِبُهَا. لِأَنَّهُ اسْتَهْلَكَهَا فِي أَرْضِ الْحَرْبِ، وَلَوْ غَصَبَهَا فَأَخْفَرَ الذِّمَّةَ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ فِي الْحُكْمِ. وَلَكِنَّ الْمُسْتَحَبَّ لَهُ أَنْ يَضْمَنَ لَهُ. فَكَذَلِكَ إذَا اسْتَهْلَكَ اللُّقَطَةَ لَا يَضْمَنُ فِي الْحُكْمِ، وَلَكِنَّ الْمُسْتَحَبَّ لَهُ أَنْ يَغْرَمَهَا لَهُ.\n٤٢٨٠ - وَإِذَا دَخَلَ الْحَرْبِيُّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ فَأَصَابَ","vol":"1","page":2161},{"text":"رِكَازًا أَوْ مَعْدِنًا فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا أَوْ حَدِيدًا فَإِنَّ إمَامَ الْمُسْلِمِينَ يَأْخُذُهُ مِنْهُ كُلَّهُ، وَلَا يَكُونُ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ. لِأَنَّ هَذَا غَنِيمَةٌ، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ أَوْجَفُوا عَلَيْهَا الْخَيْلَ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْمُسْلِمَ لَوْ كَانَ هُوَ الَّذِي أَصَابَ يُخَمَّسُ وَالْبَاقِي لَهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ غَنِيمَةً لَكَانَ لَا خُمُسَ فِيهِ، وَالْحَرْبِيُّ لَا حَقَّ لَهُ فِي غَنَائِمِ الْمُسْلِمِينَ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْحَرْبِيَّ الْمُسْتَأْمَنَ لَوْ خَرَجَ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ مَعَ عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ وَقَاتَلَ الْمُشْرِكِينَ فَأَصَابُوا غَنَائِمَ، فَإِنَّهُ لَا يُعْطَى لَهُ شَيْءٌ مِنْ الْغَنِيمَةِ، فَكَذَلِكَ لَا حَقِّ لَهُ فِي هَذِهِ الْغَنِيمَةِ.\n٤٢٨١ - فَإِنْ كَانَ الْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَنُ اسْتَأْذَنَ إمَامَ الْمُسْلِمِينَ فِي طَلَبِ ذَلِكَ وَالْعَمَلِ فِيهِ حَتَّى يَسْتَخْرِجَهُ فَأَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَعَمِلَ فَأَصَابَ شَيْئًا خُمِّسَ مَا أَصَابَ وَكَانَ مَا بَقِيَ لِلْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ. لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ الْمُسْتَأْمَنَ لَوْ قَاتَلَ الْمُشْرِكِينَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ صَارَ لَهُ فِي الْغَنِيمَةِ نَصِيبٌ حَتَّى أَنَّهُ يَرْضَخُ لَهُ كَمَا يَرْضَخُ لِلذِّمِّيِّ، فَكَذَلِكَ إذَا عَالَجَ الْمَعَادِنَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ يَصِيرُ لَهُ فِيهَا نَصِيبٌ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْخُمُسُ وَالْبَاقِي لَهُ.\n٤٢٨٢ - وَلَوْ أَنَّ الْحَرْبِيَّ الْمُسْتَأْمَنَ أَصَابَ مِنْ بَحْرِ الْمُسْلِمِينَ لُؤْلُؤًا كَثِيرًا أَوْ عَنْبَرًا أَوْ أَصَابَ مَعْدِنَ جَوْهَرٍ، أَوْ فَيْرُوزَجَا فَأَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا كَثِيرًا، وَذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ فَهُوَ لَهُ وَلَا خُمُسَ فِيهِ.","vol":"1","page":2162},{"text":"أَمَّا اللُّؤْلُؤُ وَالْعَنْبَرُ فَلِأَنَّهُ يُسْتَخْرَجُ مِنْ الْبَحْرِ، وَمَا فِي الْبَحْرِ لَا يَكُونُ غَنِيمَةً، إنَّمَا الْغَنِيمَةُ مَا يَكُونُ فِي الْبِرِّ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْمُسْلِمَ لَوْ أَصَابَ ذَلِكَ لَا خُمُسَ فِيهِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ غَنِيمَةً كَانَ بِمَنْزِلَةِ السَّمَكِ وَالصَّيْدِ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -؛ لِأَنَّهُ لَا خُمُسَ فِي اللُّؤْلُؤِ وَالْعَنْبَرِ، وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ - لَوْ أَصَابَهُ الْمُسْلِمُ يُخَمَّسُ فَكَانَ فِي حُكْمِ الْغَنِيمَةِ فَيُؤْخَذُ كُلُّهُ مِنْ الْحَرْبِيِّ، وَأَمَّا الْفَيْرُوزَجُ فَجُزْءٌ مِنْ الْأَرْضِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَا يَنْطَبِعُ بِالنَّارِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْحَجَرِ، وَلَا خُمُسَ فِي الْحَجَرِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ خُمُسٌ لَا يَكُونُ غَنِيمَةً، فَيَكُونُ كُلُّهُ لِلْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ كَالصَّيْدِ الَّذِي يُصِيبُهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.\n\nوَمَا أَصَابَ الذِّمِّيُّ مِنْ رِكَازٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ، أَوْ مَعْدِنٍ وَهُوَ فِيهَا بِأَمَانٍ، أَوْ أَسِيرٍ، فَهُوَ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْلِمِ. لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا، فَكَانَ حُكْمُهُ فِي ذَلِكَ وَحُكْمُ الْمُسْلِمِ سَوَاءً.\n٤٢٨٣ - وَمَا أَصَابَ الذِّمِّيُّ مِنْ رِكَازٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، أَوْ مَعْدِنِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ رَصَاصٍ أَوْ زِئْبَقٍ، فَهُوَ وَالْمُسْلِمُ فِيهِ سَوَاءٌ، يُخَمَّسُ مَا أَصَابَ وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لَهُ سَوَاءٌ كَانَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ. لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا وَيَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُنَا فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْلِمِ.","vol":"1","page":2163},{"text":"رَوَى مُحَمَّدٌ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ - حَدِيثًا فِي الْعَنْبَرِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْعَنْبَرِ هَلْ فِيهِ خُمُسٌ؟ فَقَالَ إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ دَسَرَهُ الْبَحْرُ.\n\nوَمَا وَجَدَ الْعَبْدُ مِنْ رِكَازٍ أَوْ مَعْدِنٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ خُمِّسَ، وَكَانَ مَا بَقِيَ لِمَوْلَى الْعَبْدِ. لِأَنَّهُ غَنِيمَةٌ، وَالْعَبْدُ مِنْ أَهْلِ اسْتِحْقَاقِ الْغَنِيمَةِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ أَعَانَ الْمُسْلِمِينَ فِي قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ يَرْضَخُ لَهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ، فَلَمَّا كَانَ هُوَ أَهْلًا لِاسْتِحْقَاقِ تِلْكَ الْغَنِيمَةِ فَكَذَلِكَ اسْتَحَقَّ هَذِهِ الْغَنِيمَةَ، فَيُخَمِّسُ وَالْبَاقِي يَكُونُ لِمَوْلَى الْعَبْدِ. لِأَنَّ مَالَ الْعَبْدِ يَكُونُ لِمَوْلَاهُ.\n\nوَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ إذَا أَصَابَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُخَمَّسُ، وَالْبَاقِي يَكُونُ لَهُ دُونَ مَوْلَاهُ. لِأَنَّ هَذِهِ مِنْ كَسْبِهِ، وَالْمُكَاتَبُ أَحَقُّ بِكَسْبِهِ مِنْ مَوْلَاهُ.\n\nوَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ إذَا أَصَابَ ذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ يُخَمَّسُ، وَالْبَاقِي يَكُونُ لَهُ. لِأَنَّهُ يَرْضَخُ لَهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ إذَا قَاتَلَ، فَكَذَلِكَ مَا اسْتَخْرَجَ مِنْ الْمَعْدِنِ يَكُونُ لَهُ بَعْدَ الْخُمُسِ.","vol":"1","page":2164},{"text":"وَإِذَا كَانَتْ دَارٌ مِنْ دُورِ أَهْلِ الْحَرْبِ قَدْ وَادَعَ الْمُسْلِمُونَ أَهْلَهَا عَلَى أَنْ يُؤَدُّوا إلَى الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا مَعْلُومًا فِي كُلِّ سَنَةٍ، عَلَى أَلَّا يُجْرِيَ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ أَحْكَامَهُمْ فَهَذِهِ دَارُ الْحَرْبِ. لِأَنَّ الدَّارَ إنَّمَا تَصِيرُ دَارَ الْإِسْلَامِ بِإِجْرَاءِ حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ فِيهَا، وَحُكْمُ الْمُسْلِمِينَ غَيْرُ جَارٍ، فَكَانَتْ هَذِهِ دَارَ حَرْبٍ.\n٤٢٨٥ - فَمَنْ دَخَلَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ هَذِهِ الدَّارَ بِتِلْكَ الْمُوَادَعَةِ، فَأَصَابَ رِكَازًا، فَإِنْ وَجَدَهُ فِي الصَّحْرَاءِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ كُلُّهُ، وَإِنْ وَجَدَهُ فِي دَارِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رَدَّهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ طَلَبُوا أَنْ يَكُونَ ذِمَّةً لَهُمْ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُهُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنْهُمْ فِي السَّنَةِ خَرَاجًا مَعْلُومًا، وَلَمْ يَكُنْ الْمُسْلِمُونَ ظَهَرُوا عَلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ فَهَذِهِ دَارُ الْإِسْلَامِ. لِأَنَّ أَحْكَامَ الْمُسْلِمِينَ جَرَتْ فِيهَا، فَمَا أُصِيبَ فِيهَا مِنْ رِكَازٍ أَوْ مَعْدِنِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَإِنَّهُ يُخَمَّسُ، وَالْبَاقِي لِلَّذِي أَصَابَهُ كَمَا إذَا أُصِيبَ ذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.\n٤٢٨٦ - فَإِنْ وَجَدَهُ فِي مِلْكِ إنْسَانٍ مِنْهُمْ فَإِنَّهُ يُخَمَّسُ، وَالْبَاقِي لِصَاحِبِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْبَاقِي لِلْوَاجِدِ، كَمَا لَوْ وَجَدَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فِي مِلْكِ وَاحِدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: إنَّ هَذَا مَالٌ مُبَاحٌ فَيَكُونُ لِمَنْ","vol":"1","page":2165},{"text":"سَبَقَتْ يَدُهُ إلَيْهِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - يَقُولَانِ: صَاحِبُ الْخُطَّةِ مَلَكَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ بِالْإِحْرَازِ فَيَمْلِكُ ظَاهِرَ الْأَرْضِ وَبَاطِنَهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا أُصِيبَ فِي قَرْيَةٍ يُؤَدِّي عَنْهَا قَوْمٌ الْخَرَاجَ فَهُوَ لَهُمْ، وَإِنْ كَانَ أُصِيبَ فِي قَرْيَةٍ لَا يُؤَدِّي عَنْهَا أَحَدٌ الْخَرَاجَ فَهُوَ لِمَنْ أَصَابَهُ، وَفِيهِ الْخُمُسُ.\nوَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ - فِي قُبْرُسَ، وَهِيَ جَزِيرَةٌ مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ، أَهْلُهَا نَصَارَى يُؤَدُّونَ إلَى الْعَرَبِ شَيْئًا، وَإِلَى الرُّومِ شَيْئًا، كُلَّ سَنَةٍ، وَهُمْ صُلْحٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَصُلْحٌ لِلرُّومِ، إلَّا أَنَّ أَحْكَامَ الْمُسْلِمِينَ لَا تَجْرِي عَلَيْهِمْ.\n٤٢٨٧ - لَوْ أَصَابَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِيهَا رِكَازًا أَوْ مَعْدِنًا فَإِنْ كَانَ أَصَابَهُ فِي مِلْكِ إنْسَانٍ يَرُدُّهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَصَابَهُ فِي صَحْرَاءَ فَهُوَ لَهُ وَلَا خُمُسَ فِيهِ. لِأَنَّ هَذِهِ دَارُ حَرْبٍ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْمُسْلِمِينَ فِيهَا غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْجَوَابَ عَلَى هَذَا إذَا أُصِيبَ ذَلِكَ فِي دَارِ حَرْبٍ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.\n٤٢٨٨ - وَلَوْ أَنَّ عَسْكَرًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ مَنَعَةٌ وَعِزَّةٌ دَخَلُوا أَرْضَ الْحَرْبِ فَأَقَامُوا فِيهَا حِينًا حَتَّى زَرَعَ مِنْهُمْ نَاسٌ زُرُوعًا فَأَدْرَكَتْ زُرُوعُهُمْ، فَحَصَدُوهَا وَأَخْرَجُوهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ الَّذِي بَذَرُوهُ مِنْ بَذْرٍ لَهُمْ أَدْخَلُوهُ مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ، فَذَلِكَ الزَّرْعُ كُلُّهُ لَهُمْ.","vol":"1","page":2166},{"text":"لِأَنَّ هَذِهِ نَمَاءُ مِلْكِهِمْ (وَنَمَاءُ الْمِلْكِ لِمَالِكِهِ) حَتَّى يُسْتَحَقَّ بِحَقٍّ وَلَا خُمُسَ فِيهِ. لِأَنَّهُ لَيْسَ بِغَنِيمَةٍ. وَلَا عُشْرَ فِيهِ وَلَا خَرَاجَ. لِأَنَّ الْعُشْرَ وَالْخَرَاجَ إنَّمَا يَجِبُ فِي أَرَاضِي الْمُسْلِمِينَ، وَهَذِهِ أَرَاضِي أَهْلِ الْحَرْبِ، وَأَرَاضِي أَهْلِ الْحَرْبِ لَيْسَتْ بِعُشْرِيَّةٍ وَلَا خَرَاجِيَّةٍ.\n٤٢٨٩ - وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ الَّذِي بُذِرَ فِي الْأَرْضِ مِنْ حِنْطَةٍ، أَصْلُهَا مِنْ أَرْضِ الْعَدُوِّ، فَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ حَصْدَهُ وَدِرَاسَهُ، وَأَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ مِقْدَارُ الْبَذْرِ الَّذِي كَانَ مِنْ طَعَامِهِ هَذَا، فَيُجْعَلُ فِي الْغَنِيمَةِ، وَالْبَاقِي يَكُونُ لَهُ وَلَا يَكُونُ الْكُلُّ غَنِيمَةً، وَإِنْ خَرَجَ مِنْ بَذْرِ الْغَنِيمَةِ. لِأَنَّ هَذَا الرَّجُلَ لَا يَكُونُ أَشْقَى حَالًا مِنْ الْغَاصِبِ، وَمَنْ غَصَبَ بَذْرَ إنْسَانٍ فَبَذَرَهُ فِي أَرْضِ نَفْسِهِ، فَخَرَجَ زَرْعٌ كَثِيرٌ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ مِقْدَارَ الْبَذْرِ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ، وَالْبَاقِي يَكُونُ لِلْغَاصِبِ، فَهَا هُنَا أَوْلَى.\nفَإِنْ قِيلَ: لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ مِقْدَارُ الْبَذْرِ وَهَذَا الرَّجُلُ قَدْ اسْتَهْلَكَ طَعَامَ الْغَنِيمَةِ [وَمَنْ اسْتَهْلَكَ طَعَامَ الْغَنِيمَةِ] فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ قُلْنَا: بَذْرُ الطَّعَامِ فِي الْأَرْضِ هَذَا لَيْسَ بِاسْتِهْلَاكٍ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ بَذْرٌ يَتَطَلَّبُ مِنْهُ النَّمَاءُ.","vol":"1","page":2167},{"text":"أَلَا تَرَى) أَنَّ الْأَبَ وَالْوَصِيَّ يَمْلِكَانِ بَذْرَ طَعَامِ الصَّبِيِّ فِي الْأَرْضِ، وَلَوْ كَانَ اسْتِهْلَاكًا لَكَانَا لَا يَمْلِكَانِ ذَلِكَ.\nوَهُوَ قِيَاسُ الخلنج إذَا أَصَابَهُ وَاحِدٌ مِنْ الْغَانِمِينَ فَجَعَلَهُ قِصَاعًا فِي دَارِ الْحَرْبِ وَأَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ يُقَوَّمُ الخلنج مَعْمُولًا وَغَيْرَ مَعْمُولٍ، فَمَا كَانَ مِنْ قِيمَتِهِ غَيْرَ مَعْمُولٍ يُطْرَحُ فِي الْغَنِيمَةِ، وَالْبَاقِي يَكُونُ لَهُ، وَكَذَلِكَ إذَا أَصَابَ جِلْدَ سَمُّورٍ فَدَبَغَهُ يُقَوَّمُ مَدْبُوغًا وَغَيْرَ مَدْبُوغٍ، فَمَا كَانَ مِنْ قِيمَتِهِ غَيْرَ مَدْبُوغٍ يُطْرَحُ فِي الْغَنِيمَةِ، وَالْبَاقِي يَكُونُ لَهُ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.\n\nقَالَ: ٤٢٩٠ - وَإِنْ أَصَابَ الذِّمِّيُّ أَوْ الْعَبْدُ أَوْ الْمُكَاتَبُ أَوْ الصَّبِيُّ أَوْ الْمَرْأَةُ مَعْدِنًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ رِكَازًا خُمِّسَ مَا أَصَابَ، وَكَانَتْ الْبَقِيَّةُ لِمَنْ أَصَابَهُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ. لِأَنَّ هَؤُلَاءِ يَثْبُتُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ حَقٌّ وَإِنْ أَصَابُوهَا بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ، فَإِنَّهُمْ لَوْ غَزَوْا مَعَ عَسْكَرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ رَضَخَ لَهُمْ مِنْ الْغَنِيمَةِ، فَكَذَلِكَ ثَبَتَ لَهُمْ حَقٌّ فِيمَا أَصَابُوا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.\nفَإِنْ قِيلَ: هَؤُلَاءِ يَرْضَخُ لَهُمْ الْغَنِيمَةَ وَلَا يَضْرِبُ لَهُمْ بِسَهْمٍ مُقَدَّرٍ فَهَلَّا يَرْضَخُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ فِيمَا أَصَابُوا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مِنْ الرِّكَازِ وَالْمَعْدِنِ دُونَ مَا يُعْطِي الْبَالِغَ؟ قِيلَ لَهُ: لَمَّا وَجَبَ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ الرَّضْخُ فَقَدْ وَجَبَ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ حَقٌّ","vol":"1","page":2168},{"text":"وَنَصِيبٌ، وَالْحُقُوقُ فِي الْغَنِيمَةِ مُتَفَاوِتَةٌ، فَكُلُّ شَيْءٍ قَدَّرَهُ الْإِمَامُ صَارَ كَاَلَّذِي ظَهَرَ تَقْدِيرُهُ بِالشَّرِيعَةِ، وَتَفَاوُتُ الْمَقَادِيرِ مِنْ حَيْثُ الشَّرِيعَةُ فِي الْغَنِيمَةِ لَا يَمْنَعُ اسْتِحْقَاقَ جَمِيعِ مَنْ أَصَابَ مِنْ الرِّكَازِ وَالْمَعْدِنِ.\n٤٢٩١ - أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَسْتَوِي فِيهِ الرَّاجِلُ وَالْفَارِسُ فِي إصَابَةِ الْمَعْدِنِ، وَإِنْ كَانَتْ حُقُوقُهَا مُتَفَاوِتَةً فِي الْغَنِيمَةِ، فَكَذَلِكَ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ يَسْتَوِيَانِ فِي إصَابَةِ الرِّكَازِ وَالْمَعْدِنِ؛ وَلِأَنَّ الَّذِي يَجِدُ الْمَعْدِنَ يَنْفَرِدُ بِاسْتِخْرَاجِهِ، فَهُوَ كَقَوْمٍ مُمْتَنِعِينَ مِنْ بَعْضِ هَؤُلَاءِ الْأَصْنَافِ لَوْ غَزَوْا فَأَصَابُوا غَنَائِمَ وَأَخْرَجُوهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَهَذِهِ الْغَنِيمَةُ تُقْسَمُ بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْخَيْلِ وَالرَّجَّالَةِ بَعْدَ الْخُمُسِ، كَمَا يُفْعَلُ ذَلِكَ لِلْمُقَاتِلَةِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَاَلَّذِي يَسْتَخْرِجُ الْمَعْدِنَ وَالرِّكَازَ مِثْلُهُ.\n\nقَالَ: وَلَوْ أَنَّ الْحَرْبِيَّ الْمُسْتَأْمَنَ اسْتَأْذَنَ الْإِمَامَ فِي طَلَبِ الْكُنُوزِ وَالْمَعَادِنِ فَأَذِنَ لَهُ الْإِمَامُ، عَلَى أَنَّ لِلْمُسْلِمِينَ مِمَّا يُصِيبُ النِّصْفَ، وَلَهُ النِّصْفَ، فَعَمِلَ عَلَى هَذَا فَأَصَابَ رِكَازًا أَوْ مَعْدِنًا فَإِنَّ الْإِمَامَ يَأْخُذُ نِصْفَ مَا أَصَابَ وَالْحَرْبِيُّ نِصْفُهُ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ الْمُسْتَأْمَنَ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ مِنْ الرِّكَازِ الَّذِي أَصَابَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مَا اسْتَحَقَّهُ بِشَرْطِ إذْنِ الْإِمَامِ، فَإِنَّهُ لَوْ أَصَابَهُ بَعْدَ إذْنِ الْإِمَامِ أَخَذَ مِنْهُ، وَإِذَا كَانَ اسْتِحْقَاقُهُ بِالشَّرْطِ فَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ مَا شَرَطَ لَهُ الْإِمَامُ، وَالْإِمَامُ شَرَطَ لَهُ النِّصْفَ فَلَا يَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ.\nثُمَّ الْإِمَامُ يَأْخُذُ خُمُسَ جَمِيعِ مَا أَصَابَ الْحَرْبِيُّ مِنْ هَذَا","vol":"1","page":2169},{"text":"النِّصْفِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْ الْحَرْبِيِّ فَيَجْعَلُهُ لِلْفُقَرَاءِ وَيَجْعَلُ النِّصْفَ لِلْمُقَاتِلَةِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ إذْنَ الْإِمَامِ يُصَيِّرُ مَا أَصَابَهُ الْحَرْبِيُّ غَنِيمَةً يَجِبُ فِيهَا الْخُمُسُ، فَقَدْ أَوْجَبَ لَهُ إذْنُهُ حَقًّا فِي جَمِيعِ الْمُصَابِ بَعْدَ الْخُمُسِ، وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَصْرِفَ ذَلِكَ عَنْهُمْ إلَى غَيْرِهِمْ أَبَدًا، فَيَجْعَلُ خُمُسَ النِّصْفَيْنِ لِلْفُقَرَاءِ وَيَجْعَلُ الْبَاقِي لِلْمُقَاتِلَةِ.\n\nوَقَالَ:\n٤٢٩٢ - وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا أَوْ عَبْدًا أَوْ مُكَاتَبًا أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ صَبِيًّا طَلَبَ الْكُنُوزَ وَالْمَعَادِنَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ فَأَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ عَلَى أَنَّ لَهُ النِّصْفَ وَلِلْمُسْلِمِينَ النِّصْفَ، فَأَصَابَ كَنْزًا أَوْ أَمْوَالًا مِنْ الْمَعَادِنِ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَأْخُذُ مِنْهُ الْخُمُسَ وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِمَنْ أَصَابَهُ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ مَا يَسْتَحِقُّ مِنْ الرِّكَازِ وَالْمَعْدِنِ [وَالْكُنُوزِ وَغَيْرِ ذَلِكَ] فَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّهُ بِالْإِصَابَةِ لَا بِالشَّرْطِ فَإِنَّهُ لَوْ أَصَابَهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ كَانَ لَهُ وَإِذًا يَكُونُ الِاسْتِحْقَاقُ بِالشَّرْطِ لَا يُعْتَبَرُ الشَّرْطُ مِنْ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا يَقْتَضِيهِ الشَّرْعُ، فَإِنَّ الْقِيَاسَ أَنْ يَكُونَ كُلَّهُ لِلْوَاجِدِ؛ لِأَنَّ هَذَا مَالٌ مُبَاحٌ فَيَكُونُ لِمَنْ أَصَابَهُ، إلَّا أَنَّا أَوْجَبْنَا الْخُمُسَ بِالشَّرْعِ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ لَا شَرْعَ فِيهِ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ.\n٤٢٩٣ - بِخِلَافِ الْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ إذَا أَصَابَهُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ.","vol":"1","page":2170},{"text":"لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ بِشَرْطِ الْإِمَامِ عَلَى مَا قُلْنَا، فَلَا يَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنْ الْمَشْرُوطِ، وَاسْتَدَلَّ فِي الْكِتَابِ بِفَصْلٍ وَقَالَ: (أَلَا تَرَى) لَوْ أَنَّ الْإِمَامَ أَرْسَلَ جُنْدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ وَشَرَطَ لَهُمْ النِّصْفَ مِمَّا أَصَابُوا وَالنِّصْفَ الْآخَرَ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَأَصَابُوا غَنَائِمَ خُمِّسَ مَا أَصَابُوا، وَالْبَاقِي كُلُّهُ لَهُمْ، وَكَانَ شَرْطُ الْإِمَامِ بَاطِلًا. لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُمْ لَا بِشَرْطِ الْإِمَامِ، وَشَرْطُ الْإِمَامِ شَرْطٌ لَا يَقْتَضِيهِ الشَّرْعُ؛ لِمَا أَنَّهُ يَجْعَلُ الْغَنِيمَةَ لِمَنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ قِتَالٌ فَنُفِيَ شَرْطُهُ.\n٤٢٩٤ - وَبِمِثْلِهِ لَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ دَخَلُوا دَارَ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ عَلَى أَنْ يَجْتَازُوا مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ إلَى دَارِ حَرْبٍ أُخْرَى لَمْ يَكُونُوا يَظْفَرُونَ بِقِتَالِهِمْ إلَّا بِالْمَمَرِّ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ، لَوْ كَانُوا يَظْفَرُونَ بِهِ، فَأَحَبُّوا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِيَكُونَ أَرْعَبَ لِلْعَدُوِّ، فَأَذِنَ لَهُمْ الْإِمَامُ عَلَى أَنَّ لِلْمُسْلِمِينَ النِّصْفَ مِمَّا أَصَابُوا، وَلَهُمْ النِّصْفُ، فَأَصَابُوا غَنَائِمَ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَأْخُذُ النِّصْفَ وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لَهُمْ. لِمَا أَنَّهُمْ مَتَى خَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ [سَرِيَّةً] فَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّونَ مَا يَسْتَحِقُّونَ بِالشَّرْطِ، فَكَانَ شَرْطُ الْإِمَامِ مُعْتَبَرًا، فَلَا يَسْتَحِقُّونَ أَكْثَرَ مِمَّا اشْتَرَطَ لَهُمْ فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.","vol":"1","page":2171},{"text":"وَلَوْ أَنَّ حَرْبِيًّا مُسْتَأْمَنًا مِنْ الرُّومِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَجَدَ حَرْبِيًّا تُرْكِيًّا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ دَخَلَ بِغَيْرِ أَمَانٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْهُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا. أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَلِأَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ دَارَنَا صَارَ فَيْئًا لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى لَوْ أَخَذَهُ مِنْهُ مُسْلِمٌ لَا يُسْلَمُ لَهُ وَلَكِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ فَيُوضَعُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَالْحَرْبِيُّ إذَا أَخَذَهُ أَوْلَى أَلَّا يُسَلَّمَ لَهُ، وَأَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ - فَلِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَهُ مُسْلِمٌ كَانَ غَنِيمَةً فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي تُوجِبُ فِيهِ الْخُمُسَ، وَلَمَّا كَانَ غَنِيمَةً عِنْدَ أَخْذِ الْمُسْلِمِ فَكَذَلِكَ يَكُونُ غَنِيمَةً عِنْدَ أَخْذِ الْحَرْبِيِّ، وَلَا حَقَّ لِلْحَرْبِيِّ فِي الْغَنِيمَةِ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ كُلُّهُ، وَصَارَ هَذَا وَالرِّكَازُ الَّذِي وَجَدَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ سَوَاءً.\n٤٢٩٦ - وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ أَذِنَ لَهُ فِي طَلَبِ ذَلِكَ فَوَجَدَ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ أَهْلِ دَارِهِ، أَوْ مِنْ غَيْرِهَا دَخَلُوا بِغَيْرِ أَمَانٍ. فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ. لِأَنَّهُ بِالدُّخُولِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ صَارَ حَقًّا لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَيُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ إذَا أَخَذَهُ مِنْ الْحَرْبِيِّ وَأَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ - يُخَمَّسُ مَا أَصَابَ مِنْهُمْ وَالْبَاقِي يَكُونُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ غَنِيمَةٌ، وَالْحَرْبِيُّ يَثْبُتُ لَهُ الْحَقُّ فِي الْغَنِيمَةِ","vol":"1","page":2172},{"text":"إذَا كَانَ الْأَخْذُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ، وَهَذَا كَالرِّكَازُ الْمَعْدِنُ إذَا أَصَابَهُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ يُخَمَّسُ وَالْبَاقِي لَهُ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.\n٤٢٩٧ - وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا حُرًّا أَوْ عَبْدًا أَوْ مُكَاتَبًا أَوْ امْرَأَةً أَذِنَ لَهُ الْإِمَامُ فِي طَلَبِ الْكُنُوزِ وَالْمَعَادِنِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَا أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ لَا خُمُسَ فِيهِ، فَأَصَابَ مَالًا كَثِيرًا مِنْ الْمَعَادِنِ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُسْلِمَ ذَلِكَ لَهُ إنْ كَانَ مُوسِرًا. لِأَنَّ مَا يُصَابُ مِنْ الرِّكَازِ وَالْمَعْدِنِ هُوَ غَنِيمَةٌ، وَالْخُمُسُ حَقُّ الْفُقَرَاءِ فِي الْغَنِيمَةِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُبْطِلَ حَقَّ الْفُقَرَاءِ.\n٤٢٩٨ - فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَصَابَهُ مُحْتَاجًا عَلَيْهِ دَيْنٌ كَثِيرٌ، لَا يَصِيرُ غَنِيًّا بِالْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ، فَرَأَى الْإِمَامُ أَنْ يُسْلِمَ ذَلِكَ الْخُمُسَ لَهُ جَازَ. لِأَنَّ الْخُمُسَ حَقٌّ لِلْفُقَرَاءِ، وَهَذَا الَّذِي أَصَابَهُ فَقِيرٌ، فَقَدْ صَرَفَ الْحَقَّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ فَيَجُوزُ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي أَصَابَ الرِّكَازَ: إنْ وَجَدْتهَا فِي أَرْضٍ خَرِبَةٍ فَالْخُمُسُ لَنَا وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لَك، ثُمَّ قَالَ وَسَنُتَمِّمُهَا لَك. وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ رَآهُ أَهْلًا لِلصَّدَقَةِ.\n٤٢٩٩ - فَإِنْ قَالَ مِثْلَ هَذَا لِحَرْبِيٍّ مُسْتَأْمَنٍ أَوْ لِذِمِّيٍّ، وَأَذِنَ لَهُ فِي مِثْلِ مَا أَذِنَ لِلْمُسْلِمِينَ، فَأَصَابَ كَنْزًا أَوْ مَعْدِنًا، خُمِّسَ","vol":"1","page":2173},{"text":"مَا أَصَابَ، وَكَانَ مَا بَقِيَ لِلْحَرْبِيِّ أَوْ الذِّمِّيِّ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَ الْخُمُسَ لِلْكَافِرِ غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا مُعْدِمًا. لِأَنَّ الْخُمُسَ حَقٌّ أَوْجَبَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - بِنَصِّ الْقُرْآنِ لِلْفُقَرَاءِ، فَلَا يَجُوزُ صَرْفُهُ إلَى الْكُفَّارِ كَالزَّكَاةِ.\n٤٣٠٠ - وَلَوْ أَنَّ الْإِمَامَ أَرْسَلَ جُنْدًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ الْمُسْتَأْمَنِينَ أَوْ الْمُوَادَعِينَ يُقَاتِلُونَ لَهُ مَعَ أَهْلِ حَرْبٍ آخَرِينَ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا مِنْ أُمَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِمْ بِحُكْمِ الْمُسْلِمِينَ، فَدَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ فَأَصَابُوا غَنَائِمَ، فَإِنَّهُ يُخَمَّسُ مَا أَصَابُوا، وَمَا بَقِيَ فَهُوَ بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ، لِلْفَارِسِ مِنْهُمْ مَا لِلْفَارِسِ وَلِلرَّاجِلِ مِنْهُمْ مَا لِلرَّاجِلِ. لِأَنَّ حُكْمَ الْمُسْلِمِينَ هُوَ الظَّاهِرُ فِيهِمْ، وَالْمَأْخُوذُ مِنْهُ يَكُونُ عَلَى وَجْهِ إعْزَازِ الدِّينِ، وَعَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ فَيَكُونُ غَنِيمَةً، وَأَهْلُ الذِّمَّةِ هُمْ الْمَقْصُودُونَ فِيهِ، لَيْسُوا بِتَبَعٍ لِلْمُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ غَنِيمَةً بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْخَيْلِ وَالرَّجَّالَةِ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ لَوْ دَخَلُوا بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَالْمُسْتَأْمَنُونَ إذَا أَذِنَ لَهُمْ الْإِمَامُ صَارُوا بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ.\n٤٣٠١ - فَإِنْ دَخَلَ مَعَهُمْ قَوْمٌ مُسْلِمُونَ يُقَاتِلُونَ مَعَهُمْ فَقَالَ","vol":"1","page":2174},{"text":"الْمُسْلِمُونَ نَرْضَخُ لِأَهْلِ الذَّمَّةِ وَالْحَرْبِيِّينَ وَلَا نُسْهِمُ لَهُمْ، وَنَحْنُ نَأْخُذُ السِّهَامَ، نُظِرَ فِي الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ بِأَنْ كَانُوا وَحْدَهُمْ يَسْتَغْنُونَ عَنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، إلَّا أَنَّ كَيْنُونَتَهُمْ مَعَهُمْ أَفْضَلُ، فَإِنَّ السَّهْمَ لِلْمُسْلِمِينَ وَيَرْضَخُ لِأَهْلِ الذَّمَّةِ وَالْحَرْبِيِّينَ. لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إذَا كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ تَبَعٌ لَهُمْ فَلَيْسَ لَهُمْ إلَّا الرَّضْخُ.\n٤٣٠٢ - وَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ إلَّا بِمَنْ مَعَهُمْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَأَهْلُ الذِّمَّةِ وَالْحَرْبِيُّونَ شُرَكَاءُ فِي الْغَنِيمَةِ، يَقْسِمُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى سِهَامِ الْخَيْلِ وَالرَّجَّالَةِ. لِأَنَّ الْمَالَ لَمْ يَصِرْ غَنِيمَةً بِالْمُسْلِمِينَ، إنَّمَا صَارَ غَنِيمَةً بِأَهْلِ الذِّمَّةِ، لَوْلَا هُمْ لَكَانَ الْمُسْلِمُونَ مُتَلَصِّصِينَ غَيْرَ غُزَاةٍ، فَإِذَا صَارَ الْمَالُ غَنِيمَةً بِأَهْلِ الذِّمَّةِ سَاوَوْا الْمُسْلِمِينَ.\n٤٣٠٣ - وَإِنْ أَصَابُوا الْغَنِيمَةَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَالْمُسْلِمُونَ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ، وَلَمْ تُقْسَمْ الْغَنَائِمُ، وَلَمْ تَخْرُجْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ حَتَّى لَحِقَهُمْ جُنْدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، مَدُّوا لَهُمْ، فَصَارَ الْمُسْلِمُونَ بِجُمْلَتِهِمْ أَهْلَ مَنَعَةٍ، كَانَتْ السِّهَامُ لِلْمُسْلِمِينَ وَيَرْضَخُ؛ لِأَهْلِ الذَّمَّةِ. لِأَنَّ الْمَدَدَ إذَا لَحِقُوهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ صَارُوا كَأَنَّهُمْ دَخَلُوا مَعَهُمْ.","vol":"1","page":2175},{"text":"أَلَا تَرَى) أَنَّهُمْ يُشَارِكُونَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَلَوْ دَخَلُوا مَعَهُمْ وَهُمْ أَهْلُ مَنَعَةٍ يَرْضَخُ؛ لِأَهْلِ الذَّمَّةِ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.\n٤٣٠٤ - وَإِنْ كَانَ أَهْلُ الذِّمَّةِ إذَا انْفَرَدُوا لَا مَنَعَةَ لَهُمْ وَالْمُسْلِمُونَ إذَا انْفَرَدُوا لَا مَنَعَةَ لَهُمْ فَإِذَا اجْتَمَعُوا كَانَتْ لَهُمْ مَنَعَةٌ فَاجْتَمَعُوا فَأَصَابُوا غَنَائِمَ فَإِنَّهُ يُسْهِمُ؛ لِأَهْلِ الذَّمَّةِ كَمَا يُسْهِمُ لِلْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّ الْمَالَ إنَّمَا صَارَ غَنِيمَةً بِهِمْ جَمِيعًا، لَيْسَ لِأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ فَضْلٌ عَلَى الْآخَرِ، فَاسْتَوَوْا جَمِيعًا فِي الْغَنِيمَةِ.\n٤٣٠٥ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ لِكُلِّ فَرِيقٍ مَنَعَةٌ، كَانَتْ الْغَنِيمَةُ بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْخَيْلِ وَالرَّجَّالَةِ. لِأَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ فَضْلٌ عَلَى الْآخَرِ فَلَمْ يَكُنْ بَعْضُهُمْ تَبَعًا لِلْبَعْضِ فَاسْتَوَوْا فِي الْغَنِيمَةِ.\n٤٣٠٦ - وَهَكَذَا الْجَوَابُ فِي السَّرِيَّةِ إذَا كَانُوا كُلُّهُمْ عَبِيدًا أَوْ مُكَاتَبِينَ دَخَلُوا بِإِذْنِ الْإِمَامِ فَأَصَابُوا غَنَائِمَ، فَإِنَّ الْغَنِيمَةَ بَيْنَهُمْ عَلَى سِهَامِ الْخَيْلِ وَالرَّجَّالَةِ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ أَحْرَارٌ فَهُوَ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي قُلْنَا. لِأَنَّ الْعَبِيدَ أَهْلُ رَضْخٍ فَلَا يُسْهِمُ لَهُمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ مَنَعَةٌ، فَيُسَاوُوا الْأَحْرَارَ فِي الْغَنِيمَةِ.\n٤٣٠٧ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَوْ رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً أَوْ مَنْ لَا مَنَعَةَ لَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ،","vol":"1","page":2176},{"text":"فَأَصَابُوا غَنَائِمَ، فَأَخْرَجُوهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، كَانَ ذَلِكَ لَهُمْ وَلَا خُمُسَ فِيهِ. لِأَنَّهُمْ مُتَلَصِّصُونَ، وَالْمُصَابُ عَلَى وَجْهِ التَّلَصُّصِ لَا يَكُونُ غَنِيمَةً، وَلَا يَجِبُ فِيهِ الْخُمُسُ.\n٤٣٠٨ - وَإِنْ دَخَلُوا بِإِذْنِ الْإِمَامِ خُمِّسَ مَا أَصَابُوا. لِأَنَّ الْإِمَامَ لَا يَمْنَعُهُمْ إلَّا لِمَصْلَحَةٍ فِيهَا إعْزَازُ الدِّينِ فَنَزَلُوا مَنْزِلَةَ سَرِيَّةٍ وَجَّهَهُمْ الْإِمَامُ، فَكَانَ الْمُصَابُ عَلَى وَجْهِ إعْزَازِ الدِّينِ، فَيَكُونُ غَنِيمَةً، وَفِي الْغَنِيمَةِ الْخُمُسُ.\n٤٣٠٩ - فَإِنْ قَالَ لَهُمْ الْإِمَامُ أَذِنْت لَكُمْ عَلَى أَنَّ لَكُمْ النِّصْفَ مِمَّا تُصِيبُونَ، وَلِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ النِّصْفَ، فَرَضُوا بِذَلِكَ، فَأَصَابُوا غَنَائِمَ لَمْ يَكُنْ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَالَ، وَلَكِنْ يُخَمَّسُ مَا أَصَابُوا وَالْبَاقِي لَهُمْ. لِأَنَّ إذْنَ الْإِمَامِ جَعَلَهُمْ أَهْلَ مَنَعَةٍ، وَجَعَلَ الْمُصَابَ غَنِيمَةً، وَلَوْ كَانُوا أَهْلَ مَنَعَةٍ شَرَطَ عَلَيْهِمْ الْإِمَامُ هَذَا الشَّرْطَ لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ. لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا يَقْتَضِيهِ الشَّرْعُ فَكَذَلِكَ هَا هُنَا لَا يَصِحُّ هَذَا الشَّرْطُ، فَإِذَا بَطَلَ الشَّرْطُ كَانَ فِيهِ الْخُمُسُ، وَالْبَاقِي لِلْغَانِمِينَ كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْغَنَائِمِ.\n٤٣١٠ - فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ قَالَ لَهُمْ لَكُمْ مَا أَصَبْتُمْ كُلُّهُ،","vol":"1","page":2177},{"text":"فَأَجْهَزُوا فَخَرَجُوا وَغَنِمُوا، كَانَ مَا أَصَابُوا كُلُّهُ لَهُمْ وَلَا خُمُسَ فِيهِ. لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِهَذَا الْإِذْنِ، فَإِنَّهُ لَوْلَا الْإِذْنُ لَكَانَ الْكُلُّ لَهُمْ، قُلْنَا هَذَا الْإِذْنُ فَصَارَ كَأَنَّهُمْ دَخَلُوا بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ، وَلَوْ دَخَلُوا بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ لَمْ يُخَمَّسْ مَا أَصَابُوا، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.\n\nقَالَ: ٤٣١١ - وَلَوْ أَنَّ الْإِمَامَ قَالَ لِسَرِيَّةٍ أَرْسَلَهَا مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ وَقَالَ لَهُمْ: مَا أَصَابَ إنْسَانٌ مِنْكُمْ مِنْ رِكَازٍ أَوْ مَعْدِنٍ فَأَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، فَأَصَابَ رَجُلٌ مِنْهُمْ رِكَازًا فَهُوَ لَهُ وَلَا خُمُسَ فِيهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ لَهُمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ: مَنْ أَصَابَ رِكَازًا أَوْ مَعْدِنًا فَهُوَ لَهُ وَلَا خُمُسَ فِيهِ، فَأَصَابَ رَجُلٌ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ خُمِّسَ مَا أَصَابَ وَالْبَاقِي لَهُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا هُوَ أَنَّ الرِّكَازَ إذَا كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَالْمُسْلِمُونَ لَمْ يُوجِفُوا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَصِرْ غَنِيمَةً بَعْدُ، وَلَا يَثْبُتُ فِيهِ الْخُمُسُ الَّذِي هُوَ حَقُّ الْفُقَرَاءِ، فَهَذَا تَنْفِيلٌ مِنْ الْإِمَامِ قَبْلَ إحْرَازِ الْغَنِيمَةِ، فَيَجُوزُ، وَأَمَّا الرِّكَازُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَقَدْ أَوْجَفَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، وَصَارَ غَنِيمَةً، وَوَجَبَ فِيهِ الْخُمُسُ لِلْفُقَرَاءِ، فَلَمْ يَكُنْ هَذَا تَنْفِيلًا مِنْ الْإِمَامِ، بَلْ هُوَ إبْطَالُ الْخُمُسِ الَّذِي هُوَ حَقُّ الْفُقَرَاءِ فَلَا يَجُوزُ هَذَا الشَّرْطُ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":2178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-208>[بَابُ مَنْ لَهُ مِنْ الْأُمَرَاءِ أَنْ يَقْبَلَ وَأَنْ يَقْسِمَ وَأَنْ يَجْعَلَ الْأَرْضَ أَرْضَ خَرَاجٍ]</span>\n٢٠٧ - بَابُ مَنْ لَهُ مِنْ الْأُمَرَاءِ أَنْ يَقْبَلَ وَأَنْ يَقْسِمَ وَأَنْ يَجْعَلَ الْأَرْضَ أَرْضَ خَرَاجٍ وَأَنْ يَقْبَلَ الْخَرَاجَ\nقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ -: ٤٣١٢ - إذَا بَعَثَ الْخَلِيفَةُ أَمِيرًا عَلَى جُنْدٍ مِنْ الْجُنُودِ فَدَعَا قَوْمًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ إلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمُوا فَهُمْ أَحْرَارٌ، لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ، وَمَالُهُمْ وَأَرْضُهُمْ وَرَقِيقُهُمْ لَهُمْ، وَتَكُونُ أَرْضُهُمْ أَرْضَ عُشْرٍ كَأَرْضِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ. لِأَنَّ التَّأْمِيرَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ فِعْلُ الْأَمِيرِ كَفِعْلِ الْمَأْمُورِ، وَالْمُؤَمِّرُ وَهُوَ الْخَلِيفَةُ إذَا دَعَاهُمْ فَأَسْلَمُوا فَهُمْ أَحْرَارٌ، وَأَرْضُهُمْ أَرْضُ عُشْرٍ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا، وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّ الْأَرْضَ إنَّمَا تَصِيرُ خَرَاجِيَّةٍ إذَا فُتِحَتْ عَنْوَةً وَثَبَتَ فِيهَا حَقُّ الْمُقَاتَلَةِ - ثُمَّ لَمْ تُقْسَمْ بَيْنَهُمْ وَتُرِكَتْ عَلَى أَرْبَابِهَا وَقُطِعَ حَقُّ الْمُقَاتَلَةِ عَنْهَا، فَتُجْعَلُ خَرَاجِيَّةً، لِيَكُونَ الْخَرَاجُ لِلْمُقَاتَلَةِ وَلِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَعْدُومٌ فِيمَا إذَا سَلَّمَ أَهْلُهَا طَوْعًا، فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهَا حَقُّ الْمُقَاتِلَةِ، فَلَا يَثْبُتُ لَهُمْ حَقٌّ فِي أَرْضِهَا فَجُعِلَتْ عُشْرِيَّةً غَيْرَ خَرَاجِيَّةٍ.\n٤٣١٣ - وَإِنْ أَبَوْا أَنْ يُسْلِمُوا فَعَرَضَ عَلَيْهِمْ الْأَمِيرُ أَنْ يَصِيرُوا","vol":"1","page":2179},{"text":"ذِمَّةً فَفَعَلُوا، فَإِنَّهُمْ يَكُونُونَ ذِمَّةً، فَإِنْ كَانَ الْخَلِيفَةُ لَمْ يَأْمُرْهُ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ. لِأَنَّ الْخَلِيفَةَ لَمَّا فَوَّضَ إلَيْهِ أَمْرَ الْحَرْبِ صَارَ مُفَوِّضًا إلَيْهِ مَا كَانَ مِنْ أَسْبَابِهِ وَتَوَابِعِهِ، وَمَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وَالذِّمَّةُ مِنْ تَوَابِعِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّهُ كَمَا يُحَارَبُ الْمُشْرِكُونَ لِيُسْلِمُوا فَكَذَلِكَ يَجِبُ مُقَاتَلَتُهُمْ لِيَقْبَلُوا الذِّمَّةَ. قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩] . . . إلَى أَنْ قَالَ ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] . وَكَمَا قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] وَرَوَيْنَا «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ - كَانَ إذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَوْصَى صَاحِبَهُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَكَانَ يَأْمُرُهُمْ بِالدُّعَاءِ إلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَبَوْا فَإِلَى قَبُولِ الذِّمَّةِ»، فَكَانَ الدُّعَاءُ إلَى الذِّمَّةِ مِنْ تَوَابِعِ الْحَرْبِ فَيَصِيرُ مُفَوَّضًا إلَى الْأَمِيرِ.\n٤٣١٤ - وَكَذَلِكَ لَوْ بَعَثَ أَمِيرُ الْجُنْدِ قَائِدًا مِنْ قُوَّادِهِ فَدَعَاهُمْ إلَى مِثْلِ هَذَا فَأَجَابُوهُ كَانَ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْأَمِيرِ الْأَعْظَمِ. لِأَنَّ الْأَمِيرَ أَقَامَ قَائِدَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي أَمْرِ الْحَرْبِ، وَهَذَا مِنْ تَوَابِعِ الْحَرْبِ، وَلَوْ دَعَاهُمْ الْأَمِيرُ إلَى الذِّمَّةِ فَقَبِلُوا الذِّمَّةَ جَازَ، فَكَذَلِكَ إذَا دَعَاهُمْ الْقَائِدُ يَجُوزُ.\n٤٣١٥ - فَإِنْ صَالَحَهُمْ الْأَمِيرُ عَلَى صُلْحٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ مِنْ رِقَابِهِمْ وَأَرَاضِيِهِمْ فَذَلِكَ جَائِزٌ. لِأَنَّ هَذَا نَوْعٌ مِنْ إعْطَاءِ الذِّمَّةِ، وَقَبُولِ الْجِزْيَةِ؛ لِأَنَّ إعْطَاءَ الذِّمَّةِ عَلَى نَوْعَيْنِ إمَّا أَنْ يُصَالِحَهُمْ الْأَمِيرُ عَلَى إعْطَاءِ الْجِزْيَةِ الْمُقَدَّرَةِ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى","vol":"1","page":2180},{"text":"الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ، أَوْ يَكُونَ الصُّلْحُ وَاقِعًا عَلَى مَالٍ مُجْمَلٍ مُقَدَّرٍ، يُؤَدُّونَ كُلَّ سَنَةٍ، فَبَعْضُ ذَلِكَ الْمَالِ عَلَى رِقَابِهِمْ، وَبَعْضُهُ فِي أَرْضِهِمْ كَمَا «صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - أَهْلَ نَجْرَانَ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ كُلَّ سَنَةٍ يُؤَدُّونَهَا إلَيْهِ»، وَكَمَا فَعَلَ بِأَهْلِ طيئ وَشَرْجٍ.\n٤٣١٦ - وَإِنْ كَانَ الْخَلِيفَةُ نَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لَهُ مَا صَنَعَ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ الْخَلِيفَةُ هُوَ الَّذِي يَقْطَعُ ذَلِكَ. لِأَنَّا إنَّمَا جَعَلْنَاهُ مَأْذُونًا بِالصُّلْحِ وَالْإِقْطَاعِ عَلَى وَجْهِ الدَّلَالَةِ، فَإِذَا جَاءَ النَّهْيُ مُفْصِحًا بِهِ كَانَ الْحُكْمُ لِلْأَفْصَحِ لَا لِلدَّلَالَةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْخَلِيفَةُ هُوَ الَّذِي يَقْطَعُ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ.\nفَإِنْ رَضَوْا بِمَا صَنَعَ الْخَلِيفَةُ وَإِلَّا أُبْلِغُوا مَأْمَنَهُمْ إنْ أَبَى الْخَلِيفَةُ أَنْ يُجِيزَ مَا رَضَوْا بِهِ مِنْ مُقَاطَعَةِ الْأَمِيرِ. لِأَنَّ مُقَاطَعَةَ الْأَمِيرِ وَإِنْ لَمْ تَجُزْ فَتِلْكَ الْمُقَاطَعَةُ تَضَمَّنَتْ أَمَانًا لَهُمْ، فَإِذَا لَمْ يَرْضَوْا بِمُقَاطَعَةِ الْخَلِيفَةِ كَانَ إخْفَارًا لِلذِّمَّةِ وَنَقْضًا لِلْعَهْدِ.\n٤٣١٧ - فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يُسْلِمُوا أَوْ يَصِيرُوا ذِمَّةً قَاتَلَهُمْ الْمُسْلِمُونَ، فَإِنْ قَاتَلُوهُمْ وَظَفِرُوا عَلَيْهِمْ وَعَلَى أَرْضِهِمْ وَمَا فِيهَا، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ أَنْ يَعْرِضَ لِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْغَنِيمَةِ أَوْ غَيْرِهَا حَتَّى يَسْتَطْلِعَ فِي ذَلِكَ رَأْيَ الْخَلِيفَةِ، فَإِنْ شَاءَ الْخَلِيفَةُ قَسَمَ ذَلِكَ كُلَّهُ فَأَخَذَ الْخُمُسَ لِلْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ، وَجَعَلَ الْأَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسِ لِلْغَانِمِينَ، وَإِنْ شَاءَ مَنَّ عَلَيْهِمْ وَجَعَلَهُمْ أَحْرَارًا يُؤَدُّونَ الْجِزْيَةَ عَنْ رِقَابِهِمْ، وَالْخَرَاجَ عَنْ أَرَاضِيِهِمْ.","vol":"1","page":2181},{"text":"لِأَنَّ الْأَمِيرَ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى جُنْدِهِ، وَلَيْسَ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي الْغَنِيمَةِ أَوْ الْمَنِّ حَقٌّ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ إنْ قَسَمَهَا بَيْنَهُمْ صَارَتْ الْأَرْضُ عُشْرِيَّةً، وَالْعُشْرُ حَقُّ الْفُقَرَاءِ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، وَإِنْ مَنَّ عَلَيْهِمْ صَارَتْ الْأَرْضُ خَرَاجِيَّةً، وَالْخَرَاجُ لِلْمُقَاتِلَةِ وَلِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَثَبَتَ أَنَّ الْقِسْمَةَ أَوْ الْمَنَّ تَصَرُّفٌ عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَكَانَ الَّذِي يَلِي ذَلِكَ هُوَ الْخَلِيفَةُ دُونَ الْأَمِيرِ.\n٤٣١٨ - وَكَذَلِكَ لَيْسَ لِمَنْ دُونَ الْخَلِيفَةِ مِنْ الْأُمَرَاءِ بَعْدَمَا يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَقْتُلَ مُقَاتِلَتَهُمْ إذَا كَانَ غَلَبَهُمْ وَأَسَرَهُمْ وَظَهَرَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ نَوْعٌ مِنْ الْمَنِّ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ حَقِّ الْغَانِمِينَ.\n٤٣١٩ - وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمُنَّ قَبْلَ اسْتِطْلَاعِ رَأْيِ الْخَلِيفَةِ، فَكَذَلِكَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ إذْ يَكُونُ الْقَتْلُ مُعْتَبَرًا بِالْقِسْمَةِ، وَلَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ الْقِسْمَةِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ وِلَايَةُ الْقَتْلِ، وَهَذَا إذَا كَانَ الْأَمِيرُ لَا يَخَافُهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَأَمَّا إذَا كَانَ يَخَافُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ جَانِبِهِمْ، أَوْ يَخَافُ أَنْ يَأْتِيَهُ جُنْدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَيَكُونُ الْأُسَرَاءُ عَوْنًا عَلَيْهِمْ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلَ رِجَالَهُمْ بِغَيْرِ إذْنِ الْخَلِيفَةِ. لِأَنَّهُ إذَا كَانَ يَخَافُهُمْ فَقَتَلَهُمْ مِنْ الْمُحَارَبَةِ، فَكَانَ قَتْلُهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَفِي الْحَرْبِ سَوَاءً، وَنَظِيرُهُ مَا قُلْنَا إذَا أَسَرَ أَهْلُ الْعَدْلِ أُسَرَاءَ مِنْ الْخَوَارِجِ،","vol":"1","page":2182},{"text":"فَإِنَّهُ لَا يَقْتُلُهُمْ أَهْلُ الْعَدْلِ إذَا أَمِنُوا جَانِبَهُمْ، فَإِذَا لَمْ يَأْمَنُوهُمْ وَخَافُوا أَنْ يَنْحَازُوا إلَى فِئَةِ قَوْمٍ فَإِنَّهُ يُذَفِّفُ عَلَى جَرِيحِهِمْ، وَيَقْتُلُ أُسَرَاءَهُمْ فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.\n٤٣٢٠ - وَلَوْ أَنَّ الْخَلِيفَةَ وَجَّهَ رَجُلًا عَلَى جُنْدٍ إلَى الْمُشْرِكِينَ فَظَهَرَ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْأَمْوَالِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلَمْ يَظْهَرْ عَلَى الدَّارِ فَأَخْرَجَهُمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْسِمَهُمْ فَيُخْرِجُ الْخُمُسَ لِلْفُقَرَاءِ، وَيَقْسِمُ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ وَلَا يَنْتَظِرُ فِي ذَلِكَ إذْنَ الْخَلِيفَةِ. لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَظْهَرْ عَلَى الدَّارِ فَلَيْسَ لِلْخَلِيفَةِ حَقُّ الْمَنِّ، بِأَنْ يَرُدَّ الْمَالَ عَلَى أَرْبَابِهِ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَعْزِلَ الْخُمُسَ، وَيَقْسِمَ الْأَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسِ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، فَلَيْسَ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ إلَّا حَقُّ الْمُقَاتِلَةِ وَحَقُّ أَصْحَابِ الْخُمُسِ تَبَعٌ لِحَقِّ الْمُقَاتِلَةِ.\n٤٣٢١ - فَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى الْجُنْدِ كَانَ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى أَصْحَابِ الْخُمُسِ فَتَصَرُّفُ هَذَا الْأَمِيرِ لَيْسَ يَقَعُ إلَّا عَلَى مَنْ لَهُ الْوِلَايَةُ عَلَيْهِ، فَجَازَ أَنْ يَشْتَغِلَ بِذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا إذَا ظَهَرَ الْأَمِيرُ عَلَى الدَّارِ. لِأَنَّ الْخَلِيفَةَ لَهُ حَقُّ الْمَنِّ، وَذَلِكَ حَقٌّ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَتَصَرُّفُ هَذَا الْأَمِيرِ يَتَعَدَّى إلَى جُنْدِهِ وَإِلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ لَهُ الِاشْتِغَالُ بِذَلِكَ. فَإِنْ نَهَاهُ عَنْ الْقِسْمَةِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْسِمَ.","vol":"1","page":2183},{"text":"لِأَنَّ الْإِذْنَ ثَبَتَ لَهُ دَلَالَةً، وَقَدْ جَاءَ النَّهْيُ عَنْهُ إفْصَاحًا، وَلَا قِوَامَ لِلدَّلَالَةِ مَعَ النَّصِّ.\n٤٣٢٢ - وَلَوْ كَانَ الْخَلِيفَةُ بَعَثَ عَلَى الْجُنْدِ أَمِيرًا وَعَلَى الْمَقَاسِمِ غَيْرَهُ كَانَتْ الْمَقَاسِمُ إلَى الَّذِي بُعِثَ عَلَى الْمَقَاسِمِ دُونَ الْأَمِيرِ. إلَّا أَنَّهُ لَوْ نَهَاهُ عَنْ الْقِسْمَةِ عَمِلَ نَهْيُهُ، فَإِذَا فَوَّضَ أَمْرَ الْقِسْمَةِ إلَى غَيْرِهِ عَمِلَ تَفْوِيضُهُ؛ وَهَذَا لِأَنَّ أَمْرَ الْقِسْمَةِ يَحْتَاجُ إلَى الْحِفْظِ، وَالْأَمَانَةِ، وَأَمْرُ الْجِهَادِ يَحْتَاجُ إلَى الْجُرْأَةِ وَالشَّجَاعَةِ، فَلَهُ أَنْ يُفَرِّقَ الْوِلَايَةَ فَيَجْعَلُ أَمْرَ الْقِسْمَةِ إلَى أَحْسَنِهِمْ وَأَحْفَظِهِمْ لِلْمَغْنَمِ، وَأَمْرَ الْجِهَادِ إلَى أَجْرَئِهِمْ وَأَشْجَعِهِمْ.\n٤٣٣٣ - إلَّا أَنْ يُشْرِكَهُ الْخَلِيفَةُ فِي ذَلِكَ فَحِينَئِذٍ الْقِسْمَةُ إلَيْهِمَا جَمِيعًا. لِأَنَّهُ خَصَّ الْأَمِيرَ بِأَمْرِ الْحَرْبِ، وَعَمَّهُمَا فِي أَمْرِ الْقِسْمَةِ، فَيُرَاعَى تَفْوِيضُهُ الْخَلِيفَةَ فِي كُلِّ شَيْءٍ.\nوَمَنْ كَانَ إلَيْهِ الْقِسْمَةُ فَرَأَى أَنْ يَبِيعَ قَبْلَ أَنْ يَقْسِمَ فَبَيْعُهُ جَائِزٌ. لِأَنَّهُ رُبَّمَا لَا يَتَهَيَّأُ قِسْمَةُ الْعَيْنِ؛ لِتَعَذُّرِ التَّعْدِيلِ بَيْنَ الْأَنْصِبَاءِ، فَتَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَى بَيْعِهَا وَقِسْمَةِ أَثْمَانِهَا فَصَارَ الْبَيْعُ مِنْ تَوَابِعِ الْقِسْمَةِ، فَكُلُّ مَنْ فَوَّضَ إلَيْهِ الْقِسْمَةَ عَلَى الْإِطْلَاقِ صَارَ الْبَيْعُ الَّذِي هُوَ تَبَعُ الْقِسْمَةِ مُفَوَّضًا إلَيْهِ، كَمَا أَنَّهُ إذَا فَوَّضَ إلَيْهِ أَمْرَ الْحَرْبِ عَلَى الْإِجْمَالِ صَارَ أَسْبَابُهُ وَتَوَابِعُهُ مُفَوَّضًا إلَيْهِ.\n٤٣٢٤ - وَإِنْ كَانَ أَمْرُ الْقِسْمَةِ إلَى الْأَمِيرِ فَرَأَى أَنْ يَقْتُلَ","vol":"1","page":2184},{"text":"الْمُقَاتِلَةَ وَلَا يَقْسِمَهُمْ، وَكَانَ يَرَى ذَلِكَ خَيْرًا لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَبَعْدَ مَا يُخْرِجُهُمْ. لِأَنَّهُ لَمَّا مَلَكَ التَّصَرُّفَ مِنْ حَيْثُ الْبَيْعُ وَالْقِسْمَةُ فَكَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْقَتْلُ أَيْضًا، مَا لَمْ يَأْتِ بِهِمْ الْخَلِيفَةُ. لِأَنَّهُ إذَا أَتَى بِهِمْ الْخَلِيفَةُ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ الْإِمْرَةِ؛ لِأَنَّ إمَارَتَهُ مُؤَقَّتَةٌ مَا دَامَ مُفَارِقًا عَنْ الْخَلِيفَةِ، فَإِذَا اتَّصَلَ بِالْخَلِيفَةِ فَقَدْ انْتَهَتْ إمَارَتُهُ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَهَذَا كَأَمِيرِ الْجُنْدِ إذَا بَعَثَ سَرِيَّةً فِي دَارِ الْحَرْبِ فَكَانَ؛ لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي السَّرِيَّةِ مَا دَامَ مُفَارِقًا لِأَمِيرِ الْجُنْدِ، فَإِذَا عَادَ وَاتَّصَلَ بِالْجُنْدِ لَمْ يَبْقَ لَهُ تَصَرُّفٌ فِي أَمْرِ السَّرِيَّةِ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا.\n٤٣٢٥ - وَكَذَلِكَ الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ يَمْلِكُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ مَا دَامَ الْمُشْتَرَى فِي يَدِهِ، فَإِذَا سَلَّمَهُ إلَى الْمُوَكِّلِ لَمْ يَبْقَ لَهُ حَقُّ الرَّدِّ، لِمَا أَنَّ وَكَالَتَهُ قَدْ انْتَهَتْ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.\nوَإِنْ كَانَ الَّذِي إلَيْهِ الْمَقَاسِمُ غَيْرَ أَمِيرِ الْجُنْدِ فَلَيْسَ لِلَّذِي إلَيْهِ الْمَقَاسِمُ أَنْ يَقْتُلَ الْمُقَاتِلَةَ. لِأَنَّهُ فُوِّضَ إلَيْهِ أَمْرُ الْمَقَاسِمِ، وَلَمْ يُفَوَّضْ إلَيْهِ أَمْرُ الْقِتَالِ، وَالْقَتْلُ مِنْ الْقِتَالِ فَلَا يَمْلِكُهُ صَاحِبُ الْمَقَاسِمِ.\n٤٣٢٦ - فَلَوْ كَانَتْ الْمَقَاسِمُ إلَى غَيْرِ أَمِيرِ الْجُنْدِ فَأَصَابَ الْمُسْلِمُونَ غَنَائِمَ فِيهَا نَاسٌ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ، فَأَرَادَ الْأَمِيرُ قَتْلَهُمْ، فَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ فِي الْقِتَالِ عَلَى حَالِهِمْ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلَهُمْ الْأَمِيرُ","vol":"1","page":2185},{"text":"؛ لِأَنَّ قَتْلَ الْأُسَرَاءِ فِي تِلْكَ الْحَالِ مِنْ الْقِتَالِ وَقَدْ فُوِّضَ إلَيْهِ أَمْرُ الْقِتَالِ، وَإِنْ انْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ وَبَقِيَتْ الْأُسَرَاءُ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَخَافُونَهُمْ أَوْ يَخَافُ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ الْعَدُوُّ فَيَكُونُ الْأُسَرَاءُ مَعَهُمْ فَلَهُ أَنْ يَقْتُلَهُمْ. لِأَنَّ الْحَرْبَ مَا دَامَ بَاقِيًا يُجْعَلُ كَأَنَّ الْقِتَالَ بَاقٍ. وَلَهُ أَنْ يَقْتُلَهُمْ فِي حَالَةِ الْمُقَاتَلَةِ فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.\n٤٣٢٧ - وَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ لَا يَخَافُونَهُمْ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْأَمِيرِ أَنْ يَقْتُلَهُمْ. لِأَنَّهُمْ قَدْ صَارُوا فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَثَبَتَ حَقُّ الْقِسْمَةِ لِصَاحِبِ الْمَقَاسِمِ، فَلَيْسَ لِلْأَمِيرِ قَتْلُهُمْ. وَإِنْ قَتَلَهُمْ الْأَمِيرُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ حَرْبٍ لَا أَمَانَ لَهُمْ، وَلَوْ قَتَلَهُمْ غَيْرُ الْأَمِيرِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَالْأَمِيرُ أَوْلَى أَنْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ مُسِيءٌ فِي ذَلِكَ. لِأَنَّهُ قَتَلَ، وَالْقَتْلُ غَيْرُ حَلَالٍ لَهُ.\n٤٣٢٨ - وَإِنْ كَانَ إلَيْهِ الْقِسْمَةُ فَلَهُ أَنْ يَقْتُلَهُمْ. لِأَنَّهُ لَيْسَ لِغَيْرِهِ فِيهِمْ تَدْبِيرٌ مِنْ أَمْرِ الْقِسْمَةِ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ كَمَا يَكُونُ لِلْخَلِيفَةِ.","vol":"1","page":2186},{"text":"يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ أُتِيَ بِأُسَرَاءَ فَعَفَا عَنْهُمْ إلَّا وَاحِدًا أُخْبِرَ أَنَّهُ أَثْخَنَ فِي الْمُسْلِمِينَ فَقَتَلَهُ.\n\nقَالَ: ٤٣٢٩ - وَلَوْ أَنَّ وَالِيًا عَلَى ثَغْرٍ مِنْ الثُّغُورِ وَجَّهَ سَرِيَّةً إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَأَصَابُوا غَنَائِمَ فِيهَا مُقَاتِلَةٌ، فَأَخْرَجُوهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَلَيْسَ لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ مِنْ الْقِسْمَةِ شَيْءٌ بَعْدَ مَا يَخْرُجُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. لِأَنَّ إمَارَتَهُ كَانَتْ مُؤَقَّتَةً، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُفَارِقًا عَنْ الْأَمِيرِ، فَإِذَا اتَّصَلَ بِأَمِيرِ الثَّغْرِ فَقَدْ انْتَهَتْ إمَارَتُهُ، فَلَا يَتَصَرَّفُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَذَا كَأَمِيرِ الْجُنْدِ الَّذِي بَعَثَهُ الْخَلِيفَةُ عَلَى الْجُنْدِ، إذَا انْتَهَى إلَى الْخَلِيفَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ أَمْرِ الْقِسْمَةِ شَيْءٌ بَعْدَ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا، ثُمَّ أَمِيرُ الثَّغْرِ إنْ شَاءَ قَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ وَقَسَمَ الْبَاقِي، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ الْقَتْلَ، وَقَسَمَ الْكُلَّ.\n٤٣٣٠ - وَإِنْ كَانَ أَمِيرَ الثَّغْرِ لَمْ يَنْهَ صَاحِبَ السَّرِيَّةِ حِينَ أَرْسَلَهُ إلَى دَارِ الشِّرْكِ عَنْ الْقِسْمَةِ، فَرَأَى أَنْ يَقْسِمَ مَا أَصَابَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَقَسَمَهُ وَعَزَلَ الْخُمُسَ فَذَلِكَ جَائِزٌ. لِأَنَّهُ وَالٍ مَا دَامَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلَيْسَ لِغَيْرِ السَّرِيَّةِ فِيمَا أَصَابُوا حَقٌّ، فَجَازَ لَهُ الْقِسْمَةُ.\n٤٣٣١ - وَإِنْ رَأَى أَنْ يَقْتُلَ الْمُقَاتِلَةَ قَبْلَ أَنْ يُخْرِجَهُمْ فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِمْ. لِأَنَّ الْقِسْمَةَ إلَيْهِ فَكَانَ الْقَتْلُ إلَيْهِ.","vol":"1","page":2187},{"text":"فَإِنْ نَهَاهُ أَمِيرُ الثَّغْرِ عَنْ الْقِسْمَةِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْسِمَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ أَحَدًا. لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ مِنْ جِهَةِ الْوَالِي فَلَا يَتَعَدَّى أَمْرَهُ، إلَّا أَنْ يَخَافَ الْأُسَرَاءَ، فَحِينَئِذٍ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُمْ، كَمَا يَقْتُلُهُمْ فِي حَالَةِ الْمُحَارَبَةِ.\n٤٣٣٢ - وَلَوْ أَنَّ جُنْدًا دَخَلَ أَرْضَ الْحَرْبِ عَلَيْهِمْ أَمِيرٌ مِنْ قِبَلِ الْخَلِيفَةِ، فَوَجَّهَ السَّرَايَا حِينَ دَخَلَ أَرْضَ الْحَرْبِ، وَلَمْ يُنَفِّلْهُمْ شَيْئًا، فَأَصَابَتْ السَّرَايَا غَنَائِمَ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أُمَرَاءِ السَّرَايَا أَنْ يَقْسِمُوا شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْغَنَائِمِ حَتَّى يَأْتُوا بِهَا إلَى الْعَسْكَرِ. لِأَنَّ الْعَسْكَرَ رِدْءٌ لِلسَّرِيَّةِ، فَلَهُمْ شَرِكَتُهُمْ فِيمَا يُصِيبُونَ، وَأَمِيرُ السَّرِيَّةِ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى السَّرِيَّةِ، وَلَيْسَ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى الْجُنْدِ، فَلَوْ جَازَ قِسْمَةُ أَمِيرِ السَّرِيَّةِ كَانَ فِيهِ إبْطَالُ حَقِّ الْعَسْكَرِ مِنْ غَيْرِ وِلَايَةٍ لَهُ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، بِخِلَافِ السَّرِيَّةِ الَّتِي تَدْخُلُ أَرْضَ الْإِسْلَامِ إذَا أَصَابُوا غَنَائِمَ فَقَسْمُ أَمِيرِ السَّرِيَّةِ مَا أَصَابُوا بَيْنَ السَّرِيَّةِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ لَا شَرِكَةَ لِغَيْرِ السَّرِيَّةِ فِيمَا أَصَابُوا، فَتَصَرُّفُ الْأَمِيرِ لَا يَعْدُو السَّرِيَّةَ إلَى غَيْرِهِمْ، وَلَهُ وِلَايَةٌ عَلَى السَّرِيَّةِ فَجَازَتْ قِسْمَتُهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ.\n٤٣٣٣ - فَإِنْ كَانَ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ أَمَرَ أَمِيرَ السَّرِيَّةِ أَنْ يَبِيعَ مَا أَصَابُوا وَيَقْسِمَ بَيْنَ السَّرِيَّةِ مَا أَصَابُوا فَفَعَلَ ذَلِكَ جَازَ، وَلَمْ يَكُنْ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ إذَا قَسَمُوا فِيهِ نَصِيبٌ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا أَمَرَهُ بِالْقِسْمَةِ فَقَدْ جَعَلَ مَا أَصَابُوا لِلسَّرِيَّةِ خَاصَّةً، وَقَطَعَ حَقَّ الْعَسْكَرِ عَمَّا أَصَابُوا، ثُمَّ هَذَا مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ جُعْلًا فَإِنَّهُ فَصْلٌ يَسَعُ فِيهِ","vol":"1","page":2188},{"text":"اجْتِهَادُ الرَّأْيِ.\nفَإِنَّ ظَاهِرَ قَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ، يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُصَابُ لِلسَّرِيَّةِ خَاصَّةً، فَالْأَمِيرُ حَيْثُ أَمَرَ بِالْقِسْمَةِ فَإِنَّمَا أَمَرَ مُتَأَوِّلًا لِهَذَا الْحَدِيثِ. وَأَمْرُ الْأَمِيرِ مَتَى صَادَفَ فَصْلًا مُجْتَهَدًا فِيهِ نَفَذَ أَمْرُهُ، وَإِنْ قَطَعَ حَقَّ الْعَسْكَرِ عَمَّا أَصَابُوا إذْ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَيْهِمْ، فَجَازَ قِسْمَةُ أَمِيرِ السَّرِيَّةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ.\n٤٣٣٤ - وَلَوْ أَنَّ أَمِيرَ الْعَسْكَرِ بَعَثَ سَرَايَا وَنَفَلَهُمْ أَنْفَالًا فَقَالَ لِسَرِيَّةٍ مِنْهُمْ: مَنْ أَصَابَ رَأْسًا فَهُوَ لَهُ، وَقَالَ لِسَرِيَّةٍ أُخْرَى: لَكُمْ الرُّبُعُ بَعْدَ الْخُمُسِ مِمَّا أَصَبْتُمْ، وَقَالَ لِسَرِيَّةٍ أُخْرَى: مَنْ أَصَابَ مِنْكُمْ رَأْسًا فَلَهُ نِصْفُهُ فَخَرَجُوا فَأَصَابُوا غَنَائِمَ فِيهَا مُقَاتِلَةٌ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ أَنْ يَقْتُلَ مِنْهُمْ أَحَدًا. لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيمَا أَصَابُوا نَفْلٌ، لَمْ يَكُنْ لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ أَنْ يَقْتُلَ أَحَدًا مِنْ الْمُقَاتِلَةِ، فَإِذَا كَانَ فِيهِ نَفْلٌ أَوْلَى أَلَّا يَقْتُلَ أَحَدًا مِنْهُمْ.\n٤٣٣٥ - فَإِذَا انْتَهَوْا بِهِمْ إلَى الْمُعَسْكَرِ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِأَمِيرِ الْعَسْكَرِ أَنْ يَقْتُلَ مِنْهُمْ أَحَدًا. لِأَنَّهُ بِنَفْسِ الْإِصَابَةِ قَدْ ثَبَتَ فِيهِ النَّفَلُ لِأَصْحَابِ النَّفْلِ، وَالنَّفَلُ حَقٌّ خَاصٌّ لِأَهْلِهِ، لَا يُشَارِكُهُمْ فِيهِ غَيْرُهُمْ، فَصَارَ النَّفَلُ كَحَقِّ الْغَانِمِينَ فِي الْغَنِيمَةِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ، وَلَيْسَ لِلْأَمِيرِ أَنْ يَقْتُلَ أَحَدًا مِنْ الْمُقَاتِلَةِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا لَا يَقْتُلُ أَحَدًا مِنْهُمْ لِحَقِّ النَّفْلِ.","vol":"1","page":2189},{"text":"٤٣٣٦ - إلَّا أَنْ يَخَافَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، أَوْ نَظَرَ الْجُنْدَ قَدْ أَقْبَلَ يُرِيدُهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَيَخَافُ أَنَّهُ إنْ أَتَاهُ ذَلِكَ الْجُنْدُ كَانَ الْأُسَرَاءُ عَوْنًا عَلَيْهِ فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِمْ. لِأَنَّ فِي هَذَا مَصْلَحَةً وَنَظَرًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَكَانَتْ هَذِهِ الْحَالَةُ وَحَالَةُ الْمُحَارَبَةِ سَوَاءً.\n٤٣٣٧ - وَلَوْ أَنَّ جُنْدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ وَعَلَيْهِمْ أَمِيرٌ مِنْ قِبَلِ الْخَلِيفَةِ، فَدَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ، وَخَلَّفُوا مَدَائِنَ كَثِيرَةً مِنْ مَدَائِنِ الْمُشْرِكِينَ، فَنَزَلُوا عَلَى مَدِينَةٍ مِنْ مَدَائِنِهِمْ فَدَعَاهُمْ الْمُسْلِمُونَ إلَى الْإِسْلَامِ فَأَجَابُوهُمْ إلَيْهِ، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ يَقْبَلُونَ ذَلِكَ مِنْهُمْ إذَا أَسْلَمُوا. لِأَنَّ الْقِتَالَ إنَّمَا شُرِعَ لِقَبُولِ الْإِسْلَامِ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] فَإِذَا أَسْلَمُوا يَجِبُ الْقَبُولُ مِنْهُمْ، ثُمَّ الْأَمِيرُ يَدَعُهُمْ فِي أَرْضِهِمْ، وَيَسْتَعْمِلُ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَحْكُمُ بِحُكْمِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ الْمَدِينَةَ صَارَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَمِيرٍ بَيْنَهُمْ يُجْرِي فِيهِمْ حُكْمَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ كَانَ الْقَوْمُ إذَا انْصَرَفَ عَنْهُمْ ذَلِكَ الْجُنْدُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَنْ يَمْتَنِعُوا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَأَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ الْأَمِيرَ يَدَعُهُمْ وَمَا اخْتَارُوا","vol":"1","page":2190},{"text":"لِأَنْفُسِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَسَاءُوا فِي الِاخْتِيَارِ فَيَتْرُكُهُمْ وَسُوءَ اخْتِيَارِهِمْ وَلَا يُجْبَرُونَ عَلَى التَّحْوِيلِ. لِأَنَّهُمْ أَحْرَارٌ مُسْلِمُونَ فِي مَدِينَةِ الْإِسْلَامِ فَلَا يُجْبَرُونَ عَلَى التَّحْوِيلِ.\nوَلَا يَدَعُ عِنْدَهُمْ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَخَافَةً عَلَيْهِ أَلَّا تَطِيبَ نَفْسُهُ. لِأَنَّ فِيهِ تَعْرِيضًا عَلَى التَّلَفِ، وَلَا يَجُوزُ تَعْرِيضُهُ عَلَى التَّلَفِ إلَّا بِرِضَاهُ.\n٤٣٣٨ - فَإِنْ أَبَوْا الْإِسْلَامَ فَدَعَاهُمْ الْمُسْلِمُونَ إلَى إعْطَاءِ الْجِزْيَةِ فَأَجَابُوا إلَى ذَلِكَ وَأَبَوْا التَّحَوُّلَ مِنْ دَارِهِمْ، وَقَالُوا: أَعْطُونَا الْعَهْدَ عَلَى أَنْ نَكُونَ فِي مَوْضِعِنَا لَا نَبْرَحُ، فَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ إذَا أَقَامُوا مَعَهُمْ يَقْوُونَ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ، وَكَانُوا مُمْتَنِعِينَ مِنْهُمْ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَجْعَلَهُمْ الْأَمِيرُ ذِمَّةً وَيَجْعَلَ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَحْكُمُ بِحُكْمِ الْمُسْلِمِينَ وَيَجْعَلُ مَعَ الْأَمِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَقْوَى عَلَى الْمُقَامِ مَعَهُمْ فِي دَارِهِمْ. لِأَنَّ قَبُولَ الْفُرْقَةِ وَاجِبٌ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] . وَهَذِهِ ذِمَّةٌ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْأَمِيرَ يُجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمَ الْمُسْلِمِينَ، وَبِإِجْرَاءِ الْحُكْمِ عَلَيْهِمْ يَصِيرُونَ ذِمَّةً، وَمَدِينَتُهُمْ تَصِيرُ مَدِينَةَ الْإِسْلَامِ، فَيُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُمْ.","vol":"1","page":2191},{"text":"٤٣٣٩ - وَإِنْ كَانَ هَذَا الْمَوْضِعُ لَمْ يَقْوَ مَنْ تُرِكَ فِيهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ، وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَنْ يَحْكُمُوا فِيهَا بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ، لَمْ يَسَعْ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُجِيبُوهُمْ إلَى هَذَا وَلَكِنَّهُمْ يَجْعَلُونَهُمْ ذِمَّةً إذَا خَرَجُوا بِعِيَالَتِهِمْ إلَى أَرْضِ الْإِسْلَامِ. لِأَنَّ دَارَ الشِّرْكِ إنَّمَا تَصِيرُ دَارَ الْإِسْلَامِ بِإِجْرَاءِ حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ فِيهَا، وَأَهْلُ الشِّرْكِ إنَّمَا يَصِيرُونَ أَهْلَ الذِّمَّةِ بِإِجْرَاءِ حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ عَجَزَ الْأَمِيرُ عَنْ إجْرَاءِ حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، فَكَانُوا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِمَنْزِلَةِ الْمُوَادِعِينَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَأَهْلُ الْحَرْبِ مَتَى طَلَبُوا مُوَادَعَتَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مُوَادَعَتُهُمْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهَا خَيْرٌ لِلْمُسْلِمِينَ ظَاهِرًا، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا لَا يَجِبُ قَبُولُ هَذِهِ الذِّمَّةِ مِنْهُمْ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَسْلَمُوا؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ مِنْ الْإِمَامِ، فَإِذَا أَسْلَمُوا صَارُوا مُسْلِمِينَ، فَلَا يَتَعَرَّضُ لَهُمْ الْأَمِيرُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَلَكِنْ يَخْلُفُ فِيهِمْ رَجُلًا يُجْرِي فِيهِمْ حُكْمَ الْمُسْلِمِينَ، إنْ قَدَرُوا وَإِلَّا يَتْرُكُهُمْ عَلَى ذَلِكَ، «وَقَدْ أَسْلَمَ أَهْلُ نَجْرَانَ وَأَهْلُ الْيَمَامَةِ وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -، قَوْمٌ كَثِيرٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَتَرَكَهُمْ عَلَى ذَلِكَ» .\n٤٣٤٠ - فَإِنْ أَجَابُوا إلَى التَّحَوُّلِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَأْبَوْا عَلَيْهِمْ وَإِنْ عَلِمُوا أَنَّهُمْ يَظْفَرُونَ بِهِمْ. لِأَنَّهُمْ فِي الْحَالِ مُمْتَنِعُونَ، فَلَمْ يَصِيرُوا فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ فَيَجِبُ قَبُولُ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَالْكَفُّ عَنْهُمْ.","vol":"1","page":2192},{"text":"فَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ تَرَكُوا فِيهَا قَوْمًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَوَوْا عَلَى الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ إذَا أَعَانَهُمْ أَهْلُ الذِّمَّةِ فَقَالَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ نَكُونُ ذِمَّةً لَكُمْ وَتَخْلُفُونَ قَوْمًا نُقَاتِلُ مَعَهُمْ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْأَمِيرِ أَنْ يَفْعَلَ هَذَا؛ لِوَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ فِي هَذَا تَعْرِيضًا لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى الْهَلَاكِ إذْ أَهْلُ الذِّمَّةِ كُفَّارٌ فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَغْدِرُوا بِهِمْ، وَيَقْتُلُوهُمْ؛ وَلِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إذَا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى إجْرَاءِ حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ إلَّا بِرِضَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ كَانَ أَهْلُ الذِّمَّةِ هُمْ الَّذِينَ يُجْرُونَ أَحْكَامَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ لَا يُجْرِيهَا إلَّا الْمُسْلِمُونَ.\n٤٣٤١ - فَإِنْ طَلَبَ أَهْلُ الرِّدَّةِ الْمُوَادَعَةَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَنْظُرُوا فِي أَمْرِهِمْ فَلَا بَأْسَ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُوَادِعُوهُمْ؛ لِحَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَإِنَّهُ قَالَ: هَلَّا حَبَسْتُمُوهُ فِي بَيْتٍ وَطَيَّنْتُمْ عَلَيْهِ بَابًا، وَاسْتَتَبْتُمُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. فَإِنْ ثَبَتَ فِي الْوَاحِدِ ثَبَتَ فِي الْجَمَاعَةِ.\n٤٣٤٢ - وَأَهْلُ الْبَغْيِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِثْلُ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ إذَا طَلَبُوا إلَى الْمُسْلِمِينَ الْمُوَادَعَةَ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ حَتَّى يَنْظُرُوا فِي أَمْرِهِمْ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُوَادِعَهُمْ أَهْلُ الْعَدْلِ. لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ فَهُمْ أَوْلَى بِالْمُوَادَعَةِ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ. وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْعَدْلِ أَنْ يَأْخُذُوا عَلَى ذَلِكَ خَرَاجًا.","vol":"1","page":2193},{"text":"لِأَنَّ الْخَرَاجَ يُشْبِهُ الْجِزْيَةَ وَهُمْ مُسْلِمُونَ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ خَرَاجٌ.\n٤٣٤٣ - فَإِنْ أَخَذُوا مِنْهُمْ الْخَرَاجَ يُوقَفُ ذَلِكَ حَتَّى إذَا تَابُوا رُدَّ عَلَيْهِمْ. لِأَنَّ مَالَ أَهْلِ الْبَغْيِ لَا يُغْنَمُ فَيُرَدُّ عَلَيْهِمْ. (أَلَا تَرَى) أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - رَدَّ عَلَى أَهْلِ الْبَغْيِ مَالَهُمْ حَتَّى يَلَغَهُ الْكَلْبُ - فَإِنْ قُتِلُوا رُدَّ إلَى وَرَثَتِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفُوا كَانَ بِمَنْزِلَةِ اللُّقَطَةِ فِي يَدِ إمَامِ الْمُسْلِمِينَ. ٤٣٤٤ -\nفَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ أَهْلُ الْبَغْيِ، وَلَمْ يَتُوبُوا، حَتَّى اسْتَهْلَكَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بَعْضَ تِلْكَ الْأَمْوَالِ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْهُمْ الْمُسْلِمُونَ فَهُوَ ضَامِنٌ.\nلِأَنَّ أَهْلَ الْبَغْيِ مُوَادِعُونَ فَمَالُهُمْ فِي أَمَانٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. .\n٤٣٤٥ - وَلَوْ كَانَ الْكُفَّارُ مُوَادِعِينَ فَأَتْلَفَ وَاحِدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَالَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ضَمِنَ، فَهَاهُنَا أَوْلَى أَنْ يَضْمَنَ، وَلَوْ لَمْ يَكُونُوا مُوَادِعِينَ فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَإِنَّهُ إذَا وَضَعَتْ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا يُرَدُّ عَلَيْهِمْ فَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ مُسْتَهْلِكٌ وَهُمْ عَلَى حَرْبِهِمْ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَتْلَفَ نَفْسَهُ لَا يَضْمَنُ، فَكَذَلِكَ إذَا أَتْلَفَ مَالَهُ لَا يَضْمَنُ.\n٤٣٤٦ - فَإِنْ لَمْ يَسْتَهْلِكْهُ حَتَّى وَضَعَتْ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا فَتَفَرَّقُوا ثُمَّ تَابُوا ثُمَّ اسْتَهْلَكَهُ ضَمِنَ لِلْمَالِكِ أَوْ لِلْوَرَثَةِ.","vol":"1","page":2194},{"text":"لِأَنَّهُ مَالُ مُسْلِمٍ غَيْرِ مُحَارِبٍ فِي حَالَةِ الِاسْتِهْلَاكِ فَيَضْمَنُ بِالِاسْتِهْلَاكِ كَمَا فِي سَائِرِ أَحْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .\n٤٣٤٧ - وَلَوْ أَنَّ أَمِيرَ الْجُنْدِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ افْتَتَحُوا حِصْنًا مِنْ حُصُونِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ الْحِصْنِ مَطْمُورَةٌ فِيهَا قَوْمٌ يُقَاتِلُونَ، فَأَسْلَمُوا، فَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ قَاهِرِينَ لَهُمْ فَهُمْ فَيْءٌ بَيْنَ مَنْ أَصَابَهُمْ، يُخَمَّسُونَ وَمَا بَقِيَ فَهُوَ فَيْءٌ لِمَنْ أَصَابَهُمْ. لِأَنَّهُمْ إذَا كَانُوا غَيْرَ مُمْتَنِعِينَ مَقْهُورِينَ فَقَدْ صَارُوا فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ إسْلَامِهِمْ، فَإِسْلَامُهُمْ لَا يُبْطِلُ حَقَّ الْمُسْلِمِينَ.\nفَلَا يُقْتَلُونَ. لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ، وَالْإِسْلَامُ يُحْرِزُهُمْ عَنْ الْقَتْلِ، وَلَا يُحْرِزُهُمْ عَنْ الِاسْتِرْقَاقِ.\n٤٣٤٨ - فَإِنْ كَانُوا مُمْتَنِعِينَ فِي الْمَطْمُورَةِ وَلَا يُوصَلُ إلَيْهِمْ إلَّا بِالْقِتَالِ، وَأَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمْ سَيَظْفَرُونَ بِهِمْ، فَأَسْلَمُوا فَهُمْ أَحْرَارٌ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ. لِأَنَّهُمْ إذَا كَانُوا مُمْتَنِعِينَ فَلَمْ يَصِيرُوا فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ، فَهَؤُلَاءِ أَسْلَمُوا قَبْلَ ثُبُوتِ أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، فَكَانُوا أَحْرَارًا؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُسْتَرَقُّ.\n٤٣٤٩ - وَصَارَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الْحِصْنِ حُوصِرُوا فَأَسْلَمُوا وَهُمْ مَحْصُورُونَ فَهُمْ أَحْرَارٌ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.","vol":"1","page":2195},{"text":"وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْمَطْمُورَةِ إذَا دَعَوْا الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَكُونُوا ذِمَّةً لَهُمْ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ إلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ كَانُوا غَيْرَ مُمْتَنِعِينَ، وَسِعَ الْمُسْلِمِينَ أَلَّا يُعْطُوهُمْ ذِمَّةً. لِأَنَّهُمْ صَارُوا فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ، وَجَرَى عَلَيْهِمْ السَّبْيُ، وَمَنْ طَلَبَ الذِّمَّةَ بَعْدَ مَا جَرَى عَلَيْهِ السَّبْيُ فَإِنَّهُ لَا يُجَابُ إلَى ذَلِكَ.\n٤٣٥٠ - وَلَكِنَّ الْمُسْلِمِينَ إنْ شَاءُوا أَنْ يَجْعَلُوهُمْ فَيْئًا وَإِنْ شَاءُوا قَتَلُوا الْمُقَاتِلَةَ وَسَبَوْا الذَّرَارِيَّ وَإِنْ كَانُوا مُمْتَنِعِينَ وَيَرَى الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُمْ سَيَظْفَرُونَ بِهِمْ لَا يَنْبَغِي لِأَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَمْنَعَهُمْ عَنْ ذَلِكَ بَلْ يَجْعَلُهُمْ أَحْرَارًا ذِمَّةً. لِأَنَّهُمْ لَوْ سَأَلُوا الذِّمَّةَ قَبْلَ الِاسْتِغْنَامِ لَمْ يُمْنَعُوا، لَمَّا أَنَّ الذِّمَّةَ خَلَفٌ عَنْ الْإِسْلَامِ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا.\n\nقَالَ: ٤٣٥١ - وَإِنْ حَاصَرَ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ أَهْلَ مَدِينَةٍ مِنْ مَدَائِنِ الْعَدُوِّ فَقَالَ بَعْضُهُمْ نُسْلِمُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ نَصِيرُ ذِمَّةً وَلَا نَبْرَحُ مَنَازِلَنَا، فَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَقْوُونَ عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا مَعَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَقْوَى عَلَى قِتَالِ مَنْ يَحْضُرُ بِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَيَحْكُمُ فِيهِمْ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ، فَعَلَ ذَلِكَ الْأَمِيرُ.","vol":"1","page":2196},{"text":"لِأَنَّ إجْرَاءَ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِهِمْ مُمْكِنٌ، وَالدَّارُ تَصِيرُ دَارَ الْمُسْلِمِينَ بِإِجْرَاءِ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَجْعَلُهَا الْإِمَامُ دَارَ إسْلَامٍ وَيَجْعَلُ الْقَوْمَ أَهْلَ ذِمَّةٍ.\n٤٣٥٢ - فَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ لَا يَقْوُونَ عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا فِي دَارِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يُقَاتِلُ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ لَمْ يُجِيبُوا الذِّمِّيِّينَ إلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَخْرُجُوا عَنْ تِلْكَ الدَّارِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. لِمَا قُلْنَا: إنَّ هَذَا لَيْسَ بِذِمَّةٍ مِنْهُمْ إنَّمَا هَذَا طَلَبُ الْمُوَادَعَةِ وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُوَادِعُوهُمْ.\n٤٣٥٣ - وَأَمَّا الَّذِينَ أَسْلَمُوا مَعَهُمْ فَهُمْ أَحْرَارٌ وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ الْمُقَامِ بِبِلَادِهِمْ. لِأَنَّ الْحُرَّ الْمُسْلِمَ لَا يُجْبَرُ عَلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِ إلَى دَارِ غَيْرِهِ.\n٤٣٥٤ - فَإِنْ قَالَ الْمُسْلِمُونَ دَعُوا مَعَنَا قَوْمًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَكُونُونَ قُوَّةً لَنَا عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ مَنْ يُتْرَكُ مَعَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ يَقْوُونَ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ فِعْلَ ذَلِكَ. لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَجْعَلَهُ دَارَ الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ.","vol":"1","page":2197},{"text":"٤٣٥٥ - وَإِنْ كَانَ مَنْ يُتْرَكُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَا يَقْوُونَ إلَّا بِمَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَإِنْ خَافَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ الَّذِينَ أَسْلَمُوا مِنْهُمْ أَنْ يَرْتَدُّوا فَيَقْتُلُوا الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُخَلِّفَ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّ فِيهِ إتْلَافَ عِدَّةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ - وَإِنْ عَلِمَ حَقِيقَةَ إسْلَامِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَأَنَّهُمْ مُنَاصِرُونَ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ لَمْ أَرَ بَأْسًا أَنْ يَجْعَلَ مَعَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَقْوَى بِهِمْ وَيَقْوُونَ بِهِ، وَيُؤَمِّرُ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا يَحْكُمُ بِحُكْمِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي تِلْكَ الْمَدِينَةِ؛ لِمَا قُلْنَا إنَّ الْإِمَامَ مَتَى أَمْكَنَهُ أَنْ يَجْعَلَ الْمَدِينَةَ دَارًا لِلْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَعَلَ، وَقَدْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْبَلَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَنْ يَكُونَ ذِمَّةً مِمَّنْ يَقُومُ بِبِلَادِهِ. لِأَنَّ الْمَدِينَةَ صَارَتْ دَارًا لِلْإِسْلَامِ، وَمَنْ سَأَلَ الذِّمَّةَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَحُكْمَ الْمُسْلِمِينَ وَجَبَتْ إجَابَتُهُ إلَيْهِ.\n٤٣٥٦ - وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ فِي جَمِيعِ مَا سَأَلُوا أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُمْ أَنْ يَكُونُوا ذِمَّةً فَإِنْ طَابَتْ أَنْفُسُهُمْ بِالْخُرُوجِ مَعَهُمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَرَأَى قِتَالَهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوا أَوْ يَظْفَرُوا بِهِمْ فَقَاتَلَهُمْ وَظَفِرَ بِهِمْ فَخَمَّسَهُمْ، وَقَسَمَ مَا بَقِيَ مِنْهُمْ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ جَازَ ذَلِكَ. لِأَنَّهُ قَاتَلَهُمْ وَهُمْ أَهْلُ حَرْبٍ لَا أَمَانَ لَهُمْ. وَلَكِنَّ الْأَمِيرَ أَخْطَأَ حِينَ لَمْ يَقْبَلْ الذِّمَّةَ.","vol":"1","page":2198},{"text":"لِأَنَّ قَبُولَ الذِّمَّةِ وَاجِبٌ فَقَدْ تَرَكَ مَا هُوَ الْوَاجِبُ فَيَكُونُ مُخْطِئًا فِي ذَلِكَ.\n٤٣٥٧ - وَإِذَا دَعَوْا إلَى أَنْ يُسْلِمُوا فَهَذَا لَا يُحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْبَى عَلَيْهِمْ. لِأَنَّ الْقِتَالَ شُرِعَ؛ لِأَجْلِ الْإِسْلَامِ، فَلَا مَعْنَى لِرَدِّ الْإِسْلَامِ وَالْقِتَالُ شُرِعَ لِأَجْلِهِ. فَإِنْ أَبَاهُ عَلَيْهِمْ فَأَسْلَمُوا ثُمَّ قَاتَلُوا وَظَفِرَ عَلَيْهِمْ خَلَّى سَبِيلَهُمْ وَسُلِّمَتْ لَهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَبَطَلَ مَا كَانَ حُكِمَ فِيهِمْ مِنْ سَبْيٍ أَوْ قِسْمَةٍ. لِأَنَّهُمْ لَمَّا أَسْلَمُوا صَحَّ إسْلَامُهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ فَقَدْ قَاتَلُوهُمْ وَهُمْ مُسْلِمُونَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَالْمُسْلِمُ لَا يُسْتَرَقُّ وَلَا يُسْتَغْنَمُ مَالُهُ، فَيَضْمَنُونَ مَا أَتْلَفُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَمَا أَرَاقُوا مِنْ دِمَائِهِمْ.\n٤٣٥٨ - وَإِنْ كَانُوا دَعَوْا إلَى أَنْ يُسْلِمُوا وَيَكُفَّ عَنْهُمْ فَأَبَى الْأَمِيرُ أَنْ يُجِيبَهُمْ إلَى ذَلِكَ فَقَاتَلَهُمْ وَلَمْ يُسْلِمُوا فَأَصَابَهُمْ فَقَدْ أَخْطَأَ فِيمَا صَنَعَ؛ لِمَا قُلْنَا أَنَّهُمْ لَوْ طَلَبُوا الذِّمَّةَ وَجَبَ الْكَفُّ عَنْهُمْ، فَإِذَا طَلَبُوا الْإِسْلَامَ أَوْلَى أَنْ يَكُفَّ عَنْهُمْ، وَمَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ فَدَمُهُ مَوْضُوعٌ وَمَا اُسْتُهْلِكَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَلَا ضَمَانَ فِيهِ. لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَصَابُوا ذَلِكَ مِنْهُمْ وَهُمْ كُفَّارٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ إلَّا إرَادَةُ الْإِسْلَامِ وَبِالْإِرَادَةِ لَا يَصِيرُ مُسْلِمًا، فَدَمُ الْكَافِرِ وَضَمَانُ مَالِهِ مَوْضُوعٌ.\n٤٣٥٩ - وَأَمَّا مَا بَقِيَ مِنْهُمْ وَمِنْ أَمْوَالِهِمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا رَدَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إلَيْهِمْ، وَكَانُوا أَحْرَارًا لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ.","vol":"1","page":2199},{"text":"لِأَنَّهُمْ لَمَّا سَأَلُوا أَنْ يُسْلِمُوا وَيَكُفَّ عَنْهُمْ فَقَدْ حَرَّمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مُقَاتَلَتَهُمْ وَأَسْرَهُمْ، فَلَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ أَسْرَهُمْ لَمْ يَمْلِكُوهُمْ بِالْأَسْرِ، فَبَقُوا أَحْرَارًا لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ.\n٤٣٦٠ - بِخِلَافِ مَا إذَا طَلَبُوا الذِّمَّةَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَقَاتَلَهُمْ الْإِمَامُ وَظَهَرَ عَلَيْهِمْ وَقَسَمَهُمْ فَإِنَّهُمْ لَا يُرَدُّونَ أَحْرَارًا تُوضَعُ عَلَيْهِمْ الْجِزْيَةُ. لِأَنَّ هُنَاكَ سَأَلُوا الْبَقَاءَ عَلَى الْكُفْرِ، وَالْكُفْرُ سَبَبٌ لِإِبَاحَةِ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ فِي الْأَصْلِ، فَالْإِمَامُ إنَّمَا سَبَاهُمْ وَمَنَعَهُمْ الذِّمَّةَ فِي مَوْضِعٍ يَسَعُ فِيهِ اجْتِهَادُ الرَّأْيِ، فَيَنْفُذُ حُكْمُهُ، وَجَازَ سَبْيُهُ، فَلَا يُرَدُّ، فَأَمَّا هَا هُنَا سَأَلُوا مِنْ الْإِمَامِ الْكَفَّ عَنْهُمْ لِيُسْلِمُوا وَالْإِسْلَامُ عَاصِمٌ فَحُرْمَةُ السَّبْيِ هَا هُنَا أَقْوَى وَآكَدُ فَلَا يَسَعُ فِيهِ اجْتِهَادُ الرَّأْيِ. فَإِذَا أَسْلَمُوا فَقَدْ ظَهَرَ خَطَأُ الْإِمَامِ بِيَقِينٍ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَمْنَعَ عَنْ خَطَئِهِ وَيَرُدَّهُمْ أَحْرَارًا، يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْقَصْدَ إلَى الْإِسْلَامِ مُعْتَبَرٌ بِحَقِيقَةِ الْإِسْلَامِ، وَالْمُسْلِمُ حَقِيقَةً إنْ حَارَبَ الْمُسْلِمَ لَا يُسْبَى، فَكَذَلِكَ إذَا قَصَدَ الْإِسْلَامَ.\nوَأَمَّا الْقَصْدُ إلَى الذِّمَّةِ مُعْتَبَرٌ بِحَقِيقَةِ الذِّمَّةِ، وَالذِّمِّيُّ حَقِيقَةً إذْ حَارَبَهُ الْمُسْلِمُ فِي فِئَةٍ مُمْتَنِعَةٍ يُسْبَى وَيُسْتَرَقُّ، فَكَذَلِكَ إذَا اُعْتُبِرَ الْقَصْدُ بِالْحَقِيقَةِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.","vol":"1","page":2200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>[بَابُ مَا يُصَدَّقُ فِيهِ الْمُسْلِمُ عَلَى إسْلَامِ الْكَافِرِ]</span>\n٢٠٨ - بَابُ مَا يُصَدَّقُ فِيهِ الْمُسْلِمُ عَلَى إسْلَامِ الْكَافِرِ قَالَ مُحَمَّدٌ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ:\n٤٣٦١ - إذَا سَبَى الْمُسْلِمُونَ سَبْيًا مِنْ الرُّومِ فَشَهِدَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حُرًّا وَعَبْدًا وَمَحْدُودًا فِي قَذْفٍ أَوْ امْرَأَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ حُرَّةً أَوْ أَمَةً بَعْدَ أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ رَضِيَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ هَذَا الْأَسِيرَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ وَوَصَفَ الشَّاهِدُ إسْلَامَهُ صَلَّى عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَاسْتَغْفَرُوا لَهُ.\nلِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ أَمْرٌ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، وَقَوْلُ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ فِي أُمُورِ الدِّينِ مَقْبُولٌ، كَمَا يُقْبَلُ فِي الْأَخْبَارِ عَنْ طَهَارَةِ الْمَاءِ وَنَجَاسَتِهِ، وَكَمَا يُقْبَلُ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ وَكَمَا يُقْبَلُ فِي رِوَايَةِ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -.\n٤٣٦٢ - يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ ذِي لَقْوَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ - «اسْتَغْفَرَ لِلنَّجَاشِيِّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ حِينَ أَتَاهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَأَخْبَرَهُ بِأَنَّهُ قَدْ صَدَّقَ بِهِ» .\nثُمَّ قَالَ فِي الْكِتَابِ:","vol":"1","page":2201},{"text":"٤٣٦٣ - وَوَصَفَ الشَّاهِدُ إسْلَامَهُ قَالَ: هَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ، إنْ كَانَ الشَّاهِدُ فَقِيهًا لَا يُسْتَفْسَرُ، بَلْ يَجْرِي عَلَى إبْهَامِهِ أَنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الشَّاهِدُ جَاهِلًا فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَفْسَرَ، فَإِنْ فَسَّرَ الشَّاهِدُ وَوَصَفَ إسْلَامَهُ عَلَى الْمِقْدَارِ الْمَفْرُوضِ جَازَتْ شَهَادَتُهُ.\n\nوَلَوْ كَانَ حَيًّا فَشَهِدَ لَهُ شَاهِدٌ أَنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يُؤْسَرَ لَمْ يَكُنْ حُرًّا بِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ حَتَّى يَشْهَدَ مُسْلِمَانِ مِمَّنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا فِي الْحُقُوقِ، وَذَكَرَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ.\n٤٣٦٤ - أَنَّ الْإِمَامَ إذَا فَتَحَ حِصْنًا فَشَهِدَ رَجُلٌ مُسْلِمٌ عَدْلٌ لِوَاحِدٍ أَنَّهُ كَانَ حَرْبِيًّا فَأَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يُؤْسَرَ قَالَ: إنْ شَهِدَ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ أَوْ يُبَاعَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ شَهِدَ بَعْدَ مَا قَسَمَ أَوْ بِيعَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ.\nفَقَدْ قَسَمَ الْجَوَابَ ثَمَّةَ وَأَطْلَقَ الْجَوَابَ هَا هُنَا، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: مَا ذَكَرَ هَا هُنَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ شَهِدَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَمَّا إذَا أُشْهِدَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَوْ قَبْلَ الْبَيْعِ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، فَإِذَا حُمِلَ عَلَى هَذَا صَارَتْ الْمَسْأَلَتَانِ عَلَى رِوَايَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالثَّانِيَةُ تَكُونُ تَفْسِيرًا لِلْأُولَى، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الْأَعْمَشُ يَقُولُ فِي الْمَسْأَلَةِ اخْتِلَافُ رِوَايَتَيْنِ فِي هَذَا الْبَابِ، إذَا شَهِدَ وَاحِدٌ عَلَى أَنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَفِي الْبَابِ الثَّانِي إذَا شَهِدَ وَاحِدٌ تُقْبَلُ، فَالْوَجْهُ لِمَا ذَكَرَ هَا هُنَا وَهُوَ أَنَّهُ بِالْأَسْرِ ثَبَتَ فِيهِ حَقُّ الْغَانِمِينَ، وَفِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ إبْطَالُ","vol":"1","page":2202},{"text":"حَقِّ الْغَانِمِينَ، فَلَا يَبْطُلُ إلَّا بِالشَّهَادَةِ الَّتِي تَبْطُلُ بِهَا الْحُقُوقُ فِي الْأَحْكَامِ، كَمَا أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بَعْدَ الْبَيْعِ وَالْقِسْمَةِ وَلَمْ يَبْطُلْ بِهِ مِلْكُ الْمُشْتَرِي، وَلَا الَّذِي وَقَعَ فِي سَهْمِهِ، وَهَذَا كَمَا يُقَالُ فِي الشَّهَادَةِ الْقَائِمَةِ عَلَى اسْتِهْلَالِ الصَّبِيِّ إنَّهَا مَقْبُولَةٌ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ عَلَى الصَّبِيِّ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا، غَيْرُ مَقْبُولَةٍ فِي حَقِّ التَّوْرِيثِ، عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَكَذَلِكَ هَا هُنَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْوَاحِدِ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَلَا يُقْبَلُ فِي إبْطَالِ الْأَسْرِ، وَالْوَجْهُ لِلرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنَّهُ، وَإِنْ ثَبَتَ فِيهِ حَقُّ الْمُسْلِمِينَ بِالْأَسْرِ فَإِنَّهُ لَيْسَ يَحِقُّ لِرَجُلٍ خَاصٍّ، بَلْ الْحَقُّ فِيهِ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَهُوَ بِشَهَادَتِهِ لَيْسَ يُبْطِلُ حَقًّا خَاصًّا لِرَجُلٍ مُعَيَّنٍ، فَجُعِلَ بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، فَيُقْبَلُ إذْ حُرْمَةُ الِاسْتِرْقَاقِ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْقِسْمَةِ لِأَنَّهُ يُبْطِلُ مِلْكًا خَالِصًا لِرَجُلٍ مُعَيَّنٍ، فَلَا يُقْبَلُ فِي ذَلِكَ إلَّا مَا يُقْبَلُ فِي الْأَحْكَامِ مِنْ شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَلِأَنَّ قَوْلَ هَذَا الرَّجُلِ لَا يَكُونُ أَقَلَّ حَالًا مِنْ السِّيمَاءِ، وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ سِيمَاءُ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ لَا يُجْعَلُ فَيْئًا فَبِقَوْلِ الْمُسْلِمِ الْعَدْلِ أَوْلَى، فَأَمَّا الْفَاسِقُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي مِثْلِ هَذَا وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَا يُسْتَغْفَرُ لَهُ بِشَهَادَتِهِ، لِأَنَّ الْفَاسِقَ يَتَبَيَّنُ فِي نَبَئِهِ - وَإِنْ كَانَ فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، وَهَذَا فَصْلٌ يَنْبَغِي أَنْ يُحْفَظَ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ الطَّحْطَاوِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ أَنَّ الْوَاحِدَ إذَا شَهِدَ رُؤْيَةَ هِلَالِ رَمَضَانَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ، وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا، لِأَنَّ لَهُ حَظًّا مِنْ هَذِهِ الشَّهَادَةِ، فَلَا يَكُونُ مُتَّهَمًا فَيُقْبَلُ.\nوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَسْلَمَ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ وَلَا يَعْلَمُ أَنَّ عَلَيْهِ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ فَأَخْبَرَهُ مُسْلِمٌ أَنَّ عَلَيْك الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ وَإِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ فَاسِقًا، وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":2203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-210>[بَابُ مَا يُصَدَّقُ فِيهِ الْمُسْلِمُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَمَا لَا يُصَدَّقُ فِيهِ]</span>\n٢٠٩ - بَابُ مَا يُصَدَّقُ فِيهِ الْمُسْلِمُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَمَا لَا يُصَدَّقُ فِيهِ ٤٣٦٥ - قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَإِذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ أَوْ كَانَ فِيهِمْ أَسِيرًا أَوْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَقَدْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَوَجَدَهُ الْمُسْلِمُونَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَمَعَهُ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ عَبِيدِي وَإِمَائِي اشْتَرَيْتهمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهِ فَإِنْ صَدَّقَهُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ بِمَا قَالَ فَهُمْ رَقِيقُهُ كَمَا قَالَ.\nوَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَمَانَ بِالْإِيمَانِ أَعْلَى حَالًا مِنْ الْأَمَانِ بِالِاسْتِئْمَانِ.\n٤٣٦٦ - وَلَوْ أَنَّ وَاحِدًا مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ آمَنَهُ الْإِمَامُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ ثُمَّ فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ الْحِصْنَ فَقَالَ الَّذِي أُومِنَ هَؤُلَاءِ عَبِيدِي وَإِمَائِي، وَصَدَّقُوهُ بِذَلِكَ كَانَ آمِنًا بِجَمِيعِ مَا قَالَ، فَهَا هُنَا أَوْلَى، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُمْ لَمَّا صَدَّقُوهُ فَقَدْ ظَهَرَ لَهُ الْيَدُ فِيهِمْ، لِأَنَّ أَقْصَى مَا يَظْهَرُ مِنْ ثُبُوتِ الْيَدِ عَلَى الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ أَنْ يَكُونَ بِحَضْرَتِهِ، يَخْدُمَانِهِ وَيُقِرَّانِ لَهُ بِالْيَدِ، وَقَدْ وَجَدَ هَذِهِ الصِّفَةَ هَا هُنَا فَصَارُوا","vol":"1","page":2204},{"text":"فِي يَدِهِ، وَالْيَدُ تَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ، فَكَانُوا مِلْكًا لَهُ وَمِلْكُ الْمُسْلِمِ لَا يُسْبَى وَلَا يُسْتَغْنَمُ.\n٤٣٦٧ - وَإِنْ كَذَّبُوهُ بِمَا قَالَ فَهُمْ فَيْءٌ أَجْمَعُونَ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا جَحَدُوا دَعْوَاهُ لَمْ يَصِيرُوا فِي يَدِهِ فَقَدْ ادَّعَى شَيْئًا لَا دَلِيلَ لَهُ عَلَيْهِ مِنْ يَدٍ أَوْ غَيْرِهَا فَلَمْ يُصَدَّقْ، وَإِذَا لَمْ يُصَدَّقْ فَهَؤُلَاءِ أَحْرَارٌ حَرْبِيُّونَ، وَلَا أَمَانَ لَهُمْ فَيُسْبَوْنَ، وَلَا شَيْءَ لِهَذَا الْمُسْتَأْمَنِ أَوْ الْمُسْلِمِ مَعَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ يُخَمِّسُونَ وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِلْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ أَصَابُوا ذَلِكَ عَلَى سِهَامِ الْغَنِيمَةِ.\nلِأَنَّ هَذَا الْمُسْتَأْمَنَ أَوْ الْمُسْلِمَ لَمْ يَدْخُلْ مَعَ الْمُسْلِمِينَ دَارَ الْحَرْبِ لِلْغَزْوِ، وَإِنَّمَا هُوَ لَاحِقٌ بِهِمْ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَسِيرَ أَوْ الْمُسْتَأْمَنَ إذَا لَحِقَ بِالْجُنْدِ فَإِنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيمَا كَانُوا أَصَابُوا مِنْ الْغَنَائِمِ مِنْ قَبْلُ، إلَّا أَنْ يَلْقَوْا قِتَالًا فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ شَرِيكَهُمْ فِيمَا أَصَابُوا فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.\n٤٣٦٨ - وَإِنْ صَدَّقَهُ بَعْضُهُمْ وَكَذَّبَهُ بَعْضُهُمْ فَاَلَّذِينَ صَدَّقُوهُ عَبِيدٌ لَهُ وَأَمَّا الَّذِينَ كَذَّبُوهُ فَهُمْ فَيْءٌ.\nلِأَنَّ الْبَعْضَ مُعْتَبَرٌ بِالْكُلِّ وَالْكُلُّ لَوْ صَدَّقُوهُ كَانُوا عَبِيدًا لَهُ، وَلَوْ كَذَّبُوهُ جَمِيعًا كَانُوا فَيْئًا كُلُّهُمْ فَإِذَا وَجَدَ التَّصْدِيقَ مِنْ الْبَعْضِ وَالتَّكْذِيبَ مِنْ الْبَعْضِ رَدَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ إلَى أَصْلِهِ.\n٤٣٦٩ - وَكَذَلِكَ مَا وَجَدَ فِي يَدِهِ مِنْ مَالٍ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ ثِيَابٍ أَوْ بَقَرٍ فَقَالَ: هَذَا لِي اتَّجَرْت فِي هَذِهِ الْبِلَادِ، فَأَصَبْته فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُهُ وَهُوَ لَهُ.","vol":"1","page":2205},{"text":"لَمَّا قُلْنَا: إنَّ الْيَدَ دَلِيلٌ عَلَى الْمِلْكِ فِي الْحَرْبِيِّ الَّذِي أُومِنَ عَلَى مَالِهِ فَهَذَا أَوْلَى، فَلَأَنْ يَكُونَ لِلْمُسْلِمِ دَلِيلًا عَلَى مِلْكِهِ أَوْلَى.\n٤٣٧٠ - وَلَوْ وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَسِيرًا مُسْلِمًا أَوْ مُسْلِمًا مُسْتَأْمَنًا أَوْ مُسْلِمًا قَدْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَقَدْ وُجِدَ مَعَهُ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَسَبْيٌ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَذَلِكَ لَيْسَ فِي يَدِهِ أَوْ لَا يَدْرِي أَفِي يَدِهِ ذَلِكَ أَمْ لَا فَادَّعَى أَنَّهُ لَهُ وَصَدَّقَهُ بِذَلِكَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَا وَذَلِكَ جَمِيعًا فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ أَصَابُوهُ.\nلِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا وَجَدُوهُمْ فَقَدْ صَارُوا فَيْئًا لَهُمْ فِي الظَّاهِرِ فَلَا يُصَدَّقُ الْمُدَّعِي عَلَى مَا ادَّعَى بِغَيْرِ دَلِيلٍ.\n٤٣٧١ - فَإِذَا كَانُوا عَنْهُ غَائِبِينَ لَيْسُوا فِي يَدِهِ أَوْ لَمْ يَدْرِ أَنَّهُمْ فِي يَدِهِ أَوْ لَا وَلَمْ يُوجَدْ دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ فَلَمْ يُصَدَّقْ فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَهُ أَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فِي يَدِهِ يَوْمَ افْتَتَحَ الْحِصْنَ، أَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ الْمَنْزِلَ الَّذِي وَجَدَ ذَلِكَ فِيهِ مَنْزِلُهُ، قُبِلَتْ شَهَادَةُ شُهُودِهِ فِي ذَلِكَ وَرُدَّ ذَلِكَ كُلُّهُ إلَيْهِ.\nلِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ وَلَوْ كَانَ الْمَالُ فِي يَدِهِ مُعَايَنَةً أَوْ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فِي يَدِهِ مُعَايَنَةً وَصَدَّقُوهُ بِذَلِكَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَلَمْ يَصِرْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَيْئًا، فَكَذَلِكَ إذَا أَثْبَتَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ، ثُمَّ هَذَا الْجَوَابُ يَسْتَقِيمُ فِي الْمُسْتَأْمَنِ","vol":"1","page":2206},{"text":"وَالْأَسِيرِ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ، فَأَمَّا فِي الَّذِي أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنْ شَهِدُوا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي يَدِهِ يَوْمَ فَتْحِ الْحِصْنِ فَكَذَلِكَ يَسْتَقِيمُ الْجَوَابُ، عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ أَنَّهُ يَرُدُّ الْمَالَ إلَيْهِ فَأَمَّا إذَا شَهِدُوا أَنَّهُ لَهُ فَإِنَّ الْجَوَابَ الَّذِي ذَكَرَ أَنَّهُ يَرُدُّ إلَيْهِ مُسْتَقِيمٌ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا يَسْتَقِيمُ هَذَا الْجَوَابُ وَيَكُونُ فَيْئًا؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ مِلْكًا لَهُ وَهُوَ فِي يَدِ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَوْ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّهُ فِي يَدِ الْمُسْلِمِ يَكُونُ فَيْئًا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ فَيْئًا فَيَكُونُ كَمَالِ الْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ وَهَا هُنَا لَمْ نَعْرِفْ أَنَّهُ فِي يَدِ هَذَا الْمُسْلِمِ وَإِنْ عُرِفَ أَنَّهُ مِلْكُهُ بِالْبَيِّنَةِ فَيَكُونُ فَيْئًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - ﵀ - لَا يَكُونُ فَيْئًا.\n٤٣٧٢ - فَإِنْ شَهِدُوا أَنَّ هَؤُلَاءِ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ كَانُوا فِي يَدِهِ حِينَ افْتَتَحَ الْحِصْنَ أَوْ فِي مَنْزِلِهِ، وَلَمْ يَشْهَدُوا أَنَّهُمْ عَبِيدُهُ وَإِمَاؤُهُ وَهُمْ يُنْكِرُونَ أَنْ يَكُونُوا عَبِيدًا لَهُ وَإِمَاءَهُ، وَقَالُوا: كُنَّا أَحْرَارًا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ وَكَانُوا فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ.\nلِأَنَّهُمْ لَمْ يُثْبِتُوا لِلْمُدَّعِي إلَّا مُجَرَّدَ الْيَدِ، وَالْيَدُ فِي بَنِي آدَمَ لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَمْلُوكٌ، وَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى الْمِلْكِ لِذِي الْيَدِ بَعْدَ مَا ثَبَتَ كَوْنُهُ مَمْلُوكًا فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إذَا كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ صَبِيٌّ صَغِيرٌ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ رَجُلٌ بَالِغٌ، فَزَعَمَ ذُو الْيَدِ أَنَّهُ عَبْدُهُ وَقَالَ الصَّبِيُّ: لَا بَلْ أَنَا حُرُّ الْأَصْلِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الصَّبِيِّ أَنَّهُ حُرٌّ، وَلَوْ أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ عَبْدٌ وَلَكِنَّهُ قَالَ: أَنَا عَبْدُ فُلَانٍ لِرَجُلٍ آخَرَ غَيْرِ ذِي الْيَدِ، وَفُلَانٌ يَدَّعِي، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الَّذِي الْعَبْدُ فِي يَدِهِ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ عَقِبَيْهِ كُلَّ شَيْءٍ رَأَيْته فِي يَدِ غَيْرِك، وَسِعَك أَنْ تَشْهَدَ بِالْمِلْكِ لَهُ، مَا خَلَا الْعَبْدَ","vol":"1","page":2207},{"text":"وَالْأَمَةَ، فَإِذَا لَمْ تَدُلَّ الْيَدُ عَلَى الْمِلْكِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُمْ إنَّا أَحْرَارٌ، وَصَارُوا فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ، قَالَ:\n٤٣٧٣ - وَلَا يُقْبَلُ فِي هَذَا إلَّا شَهَادَةُ الْعُدُولِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.\nلِأَنَّ هَذِهِ الشَّهَادَةَ تُبْطِلُ حَقَّ الِاسْتِغْنَامِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يُقْبَلُ عَلَى إبْطَالِ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ إلَّا شَهَادَةُ الْمُسْلِمِينَ.\n٤٣٧٤ - وَكَذَلِكَ الذِّمِّيُّ يُوجَدُ فِي دَارِ الْحَرْبِ مُسْتَأْمَنًا أَوْ أَسِيرًا فَيَدَّعِي مِثْلَ مَا يَدَّعِي الْمُسْلِمُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْلِمِ فِي جَمِيعِ مَا وَصَفْت لَك، مَا صَدَّقَ فِيهِ الْمُسْلِمَ صَدَّقَ فِيهِ الذِّمِّيَّ وَمَا لَا فَلَا.\nلِأَنَّ مَالَ الذِّمِّيِّ مَعْصُومٌ عَنْ الِاسْتِغْنَامِ كَمَالِ الْمُسْلِمِ، فَيَسْتَوِي الْجَوَابُ فِي الذِّمِّيِّ وَالْمُسْلِمِ جَمِيعًا.\n٤٣٧٥ - وَلَوْ أَنَّ الْمُسْلِمَ أَوْ الذِّمِّيَّ وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ مَعَهُ امْرَأَةً فِي دَارِ الْحَرْبِ فَسَأَلُوهُ عَنْهَا فَقَالَ: هَذِهِ امْرَأَتِي تَزَوَّجْتهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَصَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ فَهِيَ امْرَأَتُهُ؛ لِأَنَّهُمَا تَصَادَقَا عَلَى النِّكَاحِ وَالنِّكَاحُ يَثْبُتُ بِالتَّصَادُقِ، وَالْمَرْأَةُ فَيْءٌ صَدَّقَتْهُ عَلَى النِّكَاحِ أَوْ كَذَّبَتْهُ.\nلِأَنَّ تَزْوِيجَهُ لَوْ كَانَ ظَاهِرًا عِيَانًا لَمْ يُخَلِّصْهَا مِنْ السَّبْيِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ ظَاهِرًا أَوْلَى.\nقَالَ: وَلَا يَكُونُ تَزْوِيجُهُ إيَّاهَا أَمَانًا لَهَا؛","vol":"1","page":2208},{"text":"لِأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلَوْ أَفْصَحَ لَهَا بِالْأَمَانِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَجُزْ أَمَانُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، كَذَا هَا هُنَا لَا تَصِيرُ بِالتَّزْوِيجِ آمِنَةً فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ أَوْلَى.\n٤٣٧٦ - فَإِنْ كَانَ مَعَهَا أَوْلَادٌ صِغَارٌ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ أَوْلَادِي مِنْهَا وَصَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ بِذَلِكَ، فَالْأَوْلَادُ أَحْرَارٌ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ كَانَ الْأَبُ مُسْلِمًا فَهُمْ مُسْلِمُونَ بِإِسْلَامِهِ وَإِنْ كَانَ الْأَبُ ذِمِّيًّا فَهُمْ ذِمِّيُّونَ بِذِمَّتِهِ.\nلِأَنَّ الْأَوْلَادَ فِي يَدِهَا فَلَمَّا صَدَّقَتْهُ عَلَى دَعْوَاهُ فَقَدْ صَارَتْ هِيَ وَالْأَوْلَادُ الَّذِينَ فِي يَدِهَا فِي يَدِ الزَّوْجِ، وَإِذَا أَثْبَتَ الْيَدَ لِلزَّوْجِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِيمَا فِي يَدِهِ فَيَكُونُ حُرًّا، لِأَنَّهُ وَلَدَ بَيْنَ أَبَوَيْنِ حُرَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْأَبَ حُرٌّ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ، وَالْمَرْأَةَ وَإِنْ كَانَتْ حَرْبِيَّةً فَهِيَ حُرَّةٌ إلَى أَنْ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهَا، وَإِذَا وَلَدَتْ حُرَّةً كَانَ هَذَا الْوَلَدُ حُرًّا مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا تَبَعًا لِأَبِيهِ وَالْحُرُّ الْمُسْلِمُ أَوْ الذِّمِّيُّ لَا يُسْتَرَقُّ.\n٤٣٧٧ - وَإِنْ كَانَتْ حُبْلَى فَهِيَ وَمَا فِي بَطْنِهَا فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ أَصَابُوهَا.\nلِأَنَّ الْوَلَدَ مَا دَامَ فِي بَطْنِهَا فَهُوَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهَا، وَبَعْضٌ مِنْ أَبْعَاضِهَا يُفْصَلُ عَنْهَا بِالْمِقْرَاضِ ثُمَّ هِيَ إذَا صَارَتْ فَيْئًا فَالْوَلَدُ الَّذِي هُوَ بَعْضُهَا يَصِيرُ فَيْئًا تَبَعًا لَهَا.\nفَإِذَا وُلِدَ فَإِنْ كَانَ أَبُوهُ مُسْلِمًا كَانَ مُسْلِمًا؛","vol":"1","page":2209},{"text":"لِأَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ خَيْرَ الْأَبَوَيْنِ دِينًا، لِأَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يُنَافِي الرِّقَّ وَالسَّبْيَ فَيَكُونُ عَبْدًا لِمَنْ أَصَابَهُ.\nوَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا فَهُوَ ذِمِّيٌّ أَيْضًا. وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مَعْرُوفَةً أَنَّهَا فِي يَدِ الْمُسْلِمِ أَوْ الذِّمِّيِّ أَوْ وَجَدَهَا الْمُسْلِمُونَ أَمَةً وَمَعَهَا أَوْلَادُهَا صِغَارٌ فَقَالَ الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ: هِيَ امْرَأَتِي وَهَؤُلَاءِ وَلَدِي وَكَذَّبَتْهُمَا بِمَا قَالَا، وَقَالَتْ: هَؤُلَاءِ وَلَدِي وَلَسْت لِهَذَا الْمُدَّعِي بِزَوْجَةٍ وَلَا هَؤُلَاءِ أَوْلَادٌ لَهُ\nفَإِنَّ النِّكَاحَ لَا يَثْبُتُ لِتَكْذِيبِهَا.\n٤٣٧٨ - ثُمَّ الْقِيَاسُ أَنَّ الْأَوْلَادَ فَيْءٌ مَعَهَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ الْأَوْلَادُ أَوْلَادُ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ أَحْرَارٌ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ وَالْمَرْأَةُ فَيْءٌ.\nفَوَجْهُ الْقِيَاسِ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَوْلَادَ فِي حِجْرِهَا وَفِي يَدِهَا وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا لَمْ يَثْبُتْ لِلْمُسْلِمِ عَلَيْهَا يَدٌ فَلَا يَثْبُتُ لَهُ يَدٌ عَلَى الْأَوْلَادِ الَّذِينَ فِي يَدِهَا، فَقَدْ ادَّعَى الْأَوْلَادَ وَلَيْسَ لَهُ عَلَيْهِمْ يَدٌ فَلَا يُصَدَّقُ، وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّهُ عَرَفَ كَوْنَ الْمَرْأَةِ فِي يَدِهِ وَكَوْنَهَا فِي يَدِهِ يُوجِبُ كَوْنَ الْأَوْلَادِ فِي يَدِهِ.\n٤٣٧٩ - وَإِذَا صَارُوا فِي يَدِهِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي حُرِّيَّةِ الْأَوْلَادِ وَالنَّسَبِ، فَكَانَ تَكْذِيبُهَا بِمَنْزِلَةِ تَصْدِيقِهَا إذْ أَمْرُ الْحُرِّيَّةِ أَوْسَعُ وَأَسْهَلُ.","vol":"1","page":2210},{"text":"أَلَا تَرَى) أَنَّ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ إذَا كَانَ فِي يَدِهِ صَبِيٌّ صَغِيرٌ فَقَالَ هَذَا لَقِيطٌ الْتَقَطْته قُبِلَ قَوْلُهُ وَكَانَ حُرًّا، وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ تَحْرِيرَهُ وَإِعْتَاقَهُ وَمَا ذَلِكَ إلَّا لِسَعَةِ أَمْرِ الْحُرِّيَّةِ.\n٤٣٨٠ - وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهَا أُمُّ وَلَدِهِ، وَأَنَّ هَؤُلَاءِ وَلَدُهُ مِنْهَا، وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ أَنَّهَا فِي يَدِ الْمُسْلِمِ وَأَنْكَرَتْ ذَلِكَ فَإِنَّهَا فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ.\nلِمَا قُلْنَا: إنَّ الْيَدَ فِيهَا غَيْرُ دَالَّةٍ عَلَى الرِّقِّ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى أَنَّهَا أَمَتُهُ وَأَنْكَرَتْ هِيَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا أَنَّهَا حُرَّةٌ فَكَانَتْ فَيْئًا.\n٤٣٨١ - وَكَذَلِكَ إذَا أَنْكَرَتْ أُمُومِيَّةَ الْوَلَدِ فَالْأَوْلَادُ أَوْلَادُهُ أَحْرَارٌ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ فِي الِاسْتِحْسَانِ.\nلِمَا قُلْنَا: إنَّهُ عُرِفَ لَهُ يَدٌ فِيهَا فَكَانَ يُثْبِتُ بِذَلِكَ يَدَهُ عَلَى الْأَوْلَادِ الَّذِينَ فِي يَدِهَا فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِيهَا.\n٤٣٨٢ - وَإِنْ صَدَّقَتْهُ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ لَهُ فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُسْلِمِ وَلَا تَكُونُ فَيْئًا وَالْأَوْلَادُ أَحْرَارٌ.\nلِأَنَّهُ لَوْ ادَّعَى بَعْدَ ظُهُورِ يَدِهِ فِيهَا أَنَّهَا أَمَتُهُ وَصَدَّقَتْهُ فِي ذَلِكَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ وَلَمْ تَكُنْ فَيْئًا فَلَأَنْ يُصَدَّقَ عَلَى أَنَّهَا أُمُّ وَلَدِهِ أَوْلَى.","vol":"1","page":2211},{"text":"٤٣٨٣ - فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي يَدِ الْمُسْلِمِ أَوْ الذِّمِّيِّ أَوْ لَا يَدْرِي أَكَانَتْ فِي يَدِهِ أَوْ لَمْ تَكُنْ، فَقَالَ: هَذِهِ زَوْجَتِي أَوْ أُمُّ وَلَدِي وَهَذِهِ الْوَلَدُ الَّذِينَ فِي يَدِهَا وَلَدِي فَإِنْ أَقَرَّتْ بِذَلِكَ كَانُوا وَلَدَهُ، وَثَبَتَ نَسَبُ الْوَلَدِ وَكَانُوا أَحْرَارًا لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ.\nلِأَنَّ الْأَوْلَادَ يَحْتَاجُونَ إلَى ثُبُوتِ نَسَبٍ، وَيَثْبُتُ النَّسَبُ بِتَصْدِيقِ ذِي الْيَدِ وَإِذَا ثَبَتَ النَّسَبُ فَهُمْ ذِمِّيُّونَ أَوْ مُسْلِمُونَ فَلَا يُسْتَرَقُّونَ.\nوَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَإِنْ ادَّعَى النِّكَاحَ كَانَتْ فَيْئًا.\nلِأَنَّ النِّكَاحَ الظَّاهِرَ لَا يَمْنَعُ السَّبْيَ وَالِاسْتِرْقَاقَ فَهَا هُنَا أَوْلَى أَلَّا يَمْنَعَ.\n٤٣٨٤ - وَإِنْ أَقَرَّتْ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ لَهُ كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ لَا سَبِيلَ عَلَيْهَا فِي الِاسْتِحْسَانِ.\nلِأَنَّ أُمُومِيَّةَ الْوَلَدِ تَثْبُتُ تَبَعًا لِلنَّسَبِ وَالنَّسَبُ قَدْ ثَبَتَ فَثَبَتَتْ أُمُومِيَّةُ الْوَلَدِ تَبَعًا لَهُ وَأُمُّ الْوَلَدِ لَا تُسْبَى.\nوَإِنْ كَذَّبَتْهُ بِمَا قَالَ كَانَتْ الْمَرْأَةُ وَوَلَدُهَا فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ وَلَا يُصَدَّقُ عَلَى مَا ادَّعَى مِنْ ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُ ادَّعَى وَلَيْسَ لَهُ فِيهَا وَفِي أَوْلَادِهَا يَدٌ ظَاهِرَةٌ وَذُو الْيَدِ كَذَّبَهُ فِي ذَلِكَ فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ كَمَا لَا تُقْبَلُ مَتَى وَقَعَتْ الدَّعْوَى بِهَذِهِ الصِّفَةِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.\n٤٣٨٥ - إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا ادَّعَى مِنْ ذَلِكَ فَالْأَوْلَادُ أَحْرَارٌ وَكَانَتْ الْجَارِيَةُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَتَكُونُ الزَّوْجَةُ فَيْئًا.","vol":"1","page":2212},{"text":"لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ.\n٤٣٨٦ - فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي يَدِهِ أَوْ فِي مَنْزِلِهِ يَوْمَ ظَهَرَ عَلَيْهِ كَانَ الْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِيمَا إذَا عَرَفَ أَنَّهَا فِي يَدِهِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ سَوَاءٌ، فَإِنْ صَدَّقَتْهُ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَالْأَوْلَادُ ثَابِتُو النَّسَبِ مِنْهُ أَحْرَارٌ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ، وَأَمَّا الزَّوْجَةُ تَكُونُ فَيْئًا وَإِنْ كَذَّبَتْهُ فَالْأَوْلَادُ أَحْرَارٌ وَهِيَ فَيْءٌ لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ.\nلِأَنَّ الرِّقَّ لَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الْيَدِ مَعَ الْإِنْكَارِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.\n\nوَقَالَ: ٤٣٨٧ - وَإِذَا وُجِدَ فِي يَدِ الْمُسْلِمِ الَّذِي وَصَفْت لَك رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ فَقَالَ: هَذَا عَبْدِي أَوْ أَمَتِي جِئْت بِهِمْ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ وَصَدَّقْته بِذَلِكَ الْعَبْدِ أَوْ الْأَمَةِ، فَهُوَ مُصَدَّقٌ عَلَى مَا قَالَ مِنْ ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: اشْتَرَيْتهمْ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَصَدَّقُوهُ فِي ذَلِكَ صُدِّقَ فَلَأَنْ يُصَدَّقَ هَا هُنَا أَوْلَى.\nوَكَذَلِكَ الذِّمِّيُّ يُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُ يُسَاوِي الْمُسْلِمَ فِي عِصْمَةِ مَالِهِ فَكَذَلِكَ يُسَاوِيهِ فِي حُكْمِهِ.\n٤٣٨٨ - فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا امْرَأَةٌ كَبِيرَةٌ فَقَالَ: هَذِهِ امْرَأَتِي جِئْت بِهَا مَعِي مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ وَصَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ بِذَلِكَ فَهُوَ مُصَدَّقٌ فِي ذَلِكَ وَلَا سَبِيلَ عَلَيْهَا.\nلِأَنَّ إقْرَارَ الرَّجُلِ جَائِزٌ بِأَرْبَعٍ، بِالْمَرْأَةِ وَالْأَبِ وَالِابْنِ وَمَوْلَى الْعَتَاقَةِ، فَعَمِلَ","vol":"1","page":2213},{"text":"إقْرَارَهُ بِأَنَّهَا امْرَأَتِي وَيَثْبُتُ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا بِتَصَادُقِهِمَا وَإِذَا ثَبَتَ النِّكَاحُ بَقِيَتْ عَلَى الْحُرِّيَّةِ ضِمْنًا تَبَعًا لَهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ مَعْرُوفَةً بِأَنَّهَا امْرَأَتُهُ.\n٤٣٨٩ - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَعَ أَحَدِهِمَا امْرَأَةٌ كَبِيرَةٌ فَقَالَ: هَذِهِ ابْنَتِي أَوْ أُخْتِي أَوْ أُمِّي أَوْ عَمَّتِي أَوْ ذَاتُ رَحِمٍ مُحَرَّمٍ مِنِّي، وَصَدَّقَتْهُ بِذَلِكَ، فَهِيَ حُرَّةٌ لَا سَبِيلَ عَلَيْهَا أَمَّا إذَا قَالَ: هَذِهِ ابْنَتِي فَلِأَنَّ النَّسَبَ قَدْ يَثْبُتُ فَصَارَتْ كَالِابْنَةِ الْمَعْرُوفَةِ وَأَمَّا فِي ذَوَاتِ الرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ فَالْقَرَابَةُ الَّتِي تُدَّعَى لَا تَثْبُتُ لَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَكَذَلِكَ لَا تَثْبُتُ إذَا كَانَتْ الدَّعْوَى فِي دَارِ الْحَرْبِ، إلَّا أَنَّهُ إنَّمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِنَّ.\nلِأَنَّ الْحَرْبِيَّ لَوْ اسْتَأْمَنَ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ فَخَرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ: هَذِهِ أَخَوَاتِي وَعَمَّاتِي وَخَالَاتِي قُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِنَّ، وَصِرْنَ آمِنَاتٍ تَبَعًا لَهُ، لِمَا أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُنَّ لَا يَخْرُجْنَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ إلَّا بِمَحْرَمٍ.\n٤٣٩٠ - وَكَذَلِكَ يُقْبَلُ قَوْلُ الذِّمِّيِّ وَالْمُسْلِمِ فِيهِنَّ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَيُجْعَلْنَ تَبَعًا لَهُ فِي الْخُرُوجِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.\nلِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُنَّ لَا يَخْرُجْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ.\n٤٣٩١ - فَإِذَا كَانَ مَعَ أَحَدِهِمَا رَجُلٌ كَبِيرٌ فَقَالَ: هَذَا ابْنِي أَوْ شَيْخٌ، فَقَالَ: هَذَا أَبِي فَصَدَّقَهُ الرَّجُلُ بِذَلِكَ فَهُوَ حُرٌّ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ.\nلِأَنَّ الْأُبُوَّةَ وَالْبُنُوَّةَ تَثْبُتُ بِتَصَادُقِهِمَا لِمَا قُلْنَا: إنَّ إقْرَارَ الرَّجُلِ بِالِابْنِ وَالْأَبِ","vol":"1","page":2214},{"text":"جَائِزٌ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَكَذَلِكَ جَائِزٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَإِذَا ثَبَتَ النَّسَبُ ثَبَتَتْ الْحُرِّيَّةُ تَبَعًا لَهُ فَلَا يُسْتَرَقُّ لِمَا مَرَّ.\n٤٣٩٢ - فَإِنْ قَالَ: هَذَا أَخِي أَوْ عَمِّي أَوْ خَالِي أَوْ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ دَخَلَ مَعِي، أَوْ كَانَتْ مَعَهُ امْرَأَةٌ فَقَالَ: هَذِهِ امْرَأَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ دَخَلَتْ مَعِي فَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا صُدِّقَ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ، إذَا صَدَّقَهُ بِذَلِكَ الَّذِي مَعَهُ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ الَّذِي يَقُولُ: هَذَا لِلْمُسْلِمِينَ ذِمِّيًّا لَمْ يُصَدَّقْ.\nلِأَنَّ الذِّمِّيَّ الْمُسْتَأْمَنَ لَوْ خَرَجَ بِرِجَالٍ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ إخْوَانِي وَأَعْمَامِي لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، وَلَمْ يَكُونُوا تَبَعًا لَهُ فِي الْأَمَانِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُ الذِّمِّيِّ لَا يُقْبَلُ فِيهِمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَا يَكُونُونَ تَبَعًا لَهُ.\n٤٣٩٣ - وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، وَلَا شَهَادَةَ لِأَهْلِ الذَّمَّةِ فِي أُمُورِ دِينِنَا.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ أَخْبَرَ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ لَمْ يُقْبَلْ خَبَرُهُ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا، فَأَمَّا قَوْلُ الْمُسْلِمِ: إنَّهُ عَمِّي، أَوْ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ دَخَلَ مَعِي شَهَادَةً مِنْهُ فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، وَقَوْلُ الْوَاحِدِ فِي أُمُورِ الدِّينِ مَقْبُولٌ.\n٤٣٩٤ - فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ الَّذِي مَعَ الذِّمِّيِّ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ وَعَلَيْهِ سِيمَاءُ الْمُسْلِمِينَ فِي لِبَاسِهِ وَهَيْئَتِهِ صُدِّقَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ وَلَمْ يَكُنْ فَيْئًا.","vol":"1","page":2215},{"text":"لِأَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُ الرَّجُلِ أَنَّهُ مُسْلِمٌ إذَا كَانَ عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْإِسْلَامِ، وَوَقَعَ فِي الْقَلْبِ أَنَّهُ مُسْلِمٌ، فَإِذَا كَانَ مَعَ السِّيمَاءِ قَوْلُ الذِّمِّيِّ أَوْلَى أَنْ يُصَدَّقَ.\n٤٣٩٥ - وَإِنْ كَانَ الَّذِي مَعَ الذِّمِّيِّ لَمْ يَدَّعِ أَنَّهُ مُسْلِمٌ وَلَكِنْ ادَّعَى أَنَّهُ ذِمَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَصَدَّقَهُ الذِّمِّيُّ بِمَا قَالَ لَمْ يُصَدَّقْ الذِّمِّيُّ.\nلِمَا قُلْنَا: إنَّ قَوْلَ الذِّمِّيِّ فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ لَا يُقْبَلُ وَإِنْ كَانَ عَدْلًا.\n٤٣٩٦ - إلَّا أَنْ يَكُونَ لِأَهْلِ الذَّمَّةِ زِيٌّ وَلِبَاسٌ غَيْرُ زِيِّ أَهْلِ الْحَرْبِ وَلِبَاسِهِمْ، وَأَنَّهُمْ يُعْرَفُونَ بِهِ أَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى مَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَرْبِ مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ وَالظَّنِّ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ خَلَّى سَبِيلَهُ وَلَمْ يُجْعَلْ فَيْئًا.\nلِمَا قُلْنَا: إنَّ هَذَا أَمْرٌ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ.\n٤٣٩٧ - وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ إذَا كَانَ عَدْلًا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ فِيهَا.\nلِأَنَّ هَذَا مِنْ أُمُورِ الدِّينِ وَمَا هُوَ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ فَقَوْلُ الْعَبْدِ فِيهِ مَقْبُولٌ كَمَا يُقْبَلُ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ وَفِي رِوَايَةِ الْأَخْبَارِ.\n٤٣٩٨ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا مُسْلِمًا عَدْلًا شَهِدَ لِبَعْضِهِمْ أَنَّهُ كَانَ حَرْبِيًّا فَأَسْلَمَ، وَادَّعَى الْحَرْبِيُّ ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سِيمَاءُ الْمُسْلِمِينَ، صُدِّقَ الْمُسْلِمُ عَلَى ذَلِكَ، وَخَلَّى سَبِيلَ الْأَسِيرِ إذَا لَمْ يَجْرِ فِيهِ قِسْمَةٌ وَلَا بَيْعٌ، فَأَمَّا إذَا جَرَى فِيهِ قِسْمَةٌ أَوْ بَيْعٌ لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى ذَلِكَ.","vol":"1","page":2216},{"text":"لِأَنَّ قَبْلَ الْقِسْمَةِ هِيَ شَهَادَةٌ عَلَى أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ فِيهِ إبْطَالُ مِلْكِ الْمُسْلِمِ فَلَا يَبْطُلُ مِلْكُهُ إلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ.\n\nقَالَ: ٤٣٩٩ - وَكُلُّ شَيْءٍ صُدِّقَ فِيهِ الْمُسْلِمُ الْمَعْرُوفُ أَوْ الذِّمِّيُّ الْمَعْرُوفُ فَالرَّجُلُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ سِيمَاءُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُعْرَفُ أَنَّهُ مُسْلِمٌ، يُصَدَّقُ فِيهِ؛ يَعْنِي فِيمَا فِي يَدِهِ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالرَّقِيقِ.\nلِأَنَّهُ إذَا حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ بِالسِّيمَاءِ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْلِمِ الْمَعْرُوفِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ إذَا مَاتَ، وَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ سَبْيٌ كَالْمُسْلِمِ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا يُجْعَلُ كَالْمُسْلِمِ الْمَعْرُوفِ، وَكُلُّ شَيْءٍ صُدِّقَ فِيهِ الذِّمِّيُّ الْمَعْرُوفُ فَالْمُسْلِمُ الْمَعْرُوفُ مُصَدَّقٌ فِيهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ؛ لِأَنَّ الذِّمِّيَّ الْعَدْلَ لَا يَكُونُ أَعْلَى حَالًا مِنْ الْمُسْلِمِ الَّذِي لَيْسَ بِعَدْلٍ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ الذِّمِّيَّ الْعَدْلَ لَوْ أَخْبَرَ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، كَمَا لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْفَاسِقِ ثُمَّ لِمَا صُدِّقَ فِيهِ الذِّمِّيُّ الْعَدْلُ فَلَأَنْ يُصَدَّقَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَيْسَ بِعَدْلٍ أَوْلَى.\n٤٤٠٠ - وَكُلُّ شَيْءٍ مِمَّا وَصَفْت لَك لَا يُصَدَّقُ فِيهِ الْمُسْلِمُ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَدْلًا، فَإِنَّ الذِّمِّيَّ لَا يُصَدَّقُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ عَدْلًا، حَتَّى لَوْ شَهِدَ الْفَاسِقُ أَنَّ هَذَا الْحَرْبِيَّ أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يُؤْسَرَ لَمْ يُصَدَّقْ فِيهِ، فَالذِّمِّيُّ وَإِنْ كَانَ عَدْلًا لَا يُصَدَّقُ فِيهِ.\nلِأَنَّ الْمُسْلِمَ الْفَاسِقَ أَعْلَى حَالًا مِنْ الذِّمِّيِّ الْعَدْلِ، فَلَمَّا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ فَلَأَنْ لَا يُقْبَلَ قَوْلُ الذِّمِّيِّ أَوْلَى.","vol":"1","page":2217},{"text":"وَإِذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ أَوْ كَانَ أَسِيرًا فِيهِمْ أَوْ أَسْلَمَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى بَعْضِ تِلْكَ الْحُصُونِ، وَفِي يَدِهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ، فَقَالَ: هَؤُلَاءِ بَنِيَّ وَبَنَاتِي وَعَمَّاتِي وَخَالَاتِي، وَقَالَ: إنِّي وَجَدْتهمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلَمْ يُسْلِمُوا فَهُمْ فَيْءٌ، وَلَا يَكُونُ ضَمُّهُ إيَّاهُمْ إلَيْهِ أَمَانًا لَهُمْ.\nلِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَيْسُوا بِتَبَعٍ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ فَلَمْ يَصِيرُوا مُسْلِمِينَ بِإِسْلَامِهِ، فَبَقُوا كَأَهْلِ الْحَرْبِ لَا أَمَانَ لَهُمْ وَلَوْ ثَبَتَ لَهُمْ الْأَمَانُ ثَبَتَ بِالضَّمِّ إلَى نَفْسِهِ وَلَوْ صَرَّحَ لَهُمْ بِالْأَمَانِ لَا يَجُوزُ أَمَانُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَالضَّمُّ إلَى نَفْسِهِ أَوْلَى أَلَّا يُوجِبَ لَهُمْ أَمَانًا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ.\n٤٤٠١ - فَأَمَّا وَلَدُهُ الصَّغِيرُ فَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا فَهُوَ مُسْلِمٌ مِثْلُهُ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ سَبْيٌ، وَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا فَهُوَ ذِمِّيٌّ مِثْلُهُ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ سَبْيٌ.\nلِأَنَّهُ بِالضَّمِّ إلَى نَفْسِهِ صَارَ تَبَعًا لَهُ، وَبِالتَّبَعِيَّةِ ثَبَتَ الْإِسْلَامُ، وَالذِّمَّةُ فَلَا يُسْبَوْنَ، فَإِنْ قَالَ الْمُسْلِمُ: وَجَدْتهمْ أُسَرَاءَ فِي أَيْدِي أَهْلِ الْحَرْبِ وَهُمْ مُسْلِمُونَ، وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ سِيمَاءُ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُ عَدْلًا حُرًّا أَوْ عَبْدًا فَهُوَ مُصَدَّقٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ كَانَ ذِمِّيًّا عَدْلًا لَمْ يُصَدَّقَا عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: جِئْت بِهِمْ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ، سَوَاءٌ كَانَ فَاسِقًا أَوْ ذِمِّيًّا.","vol":"1","page":2218},{"text":"وَالْفَرْقُ) بَيْنَهُمَا أَنَّهُ لَمَّا قَالَ: وَجَدْتهمْ أُسَرَاءَ فِي أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ فَقَدْ أَقَرَّ أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ جَعَلُوهُمْ تَبَعًا لِأَنْفُسِهِمْ عَبِيدًا، وَهَذَا مِنْهُ شَهَادَةٌ لَهُمْ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ شَهِدَ أَنَّهُمْ كَانُوا حَرْبِيِّينَ وَأَسْلَمُوا قَبْلَ أَنْ يُؤْسَرُوا، وَهِيَ شَهَادَةٌ عَلَى أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ فَتُقْبَلُ، إذَا كَانَ عَدْلًا، وَلَا تُقْبَلُ إذَا كَانَ فَاسِقًا أَوْ ذِمِّيًّا، وَهَذَا الْمَعْنَى مَعْدُومٌ فِيمَا إذَا قَالَ: جِئْت بِهِمْ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ، فَيُصَدَّقُ فِيهِ عَدْلًا كَانَ أَوْ فَاسِقًا، ذِمِّيًّا كَانَ أَوْ مُسْلِمًا، لِلْمَعْنَى الَّذِي بَيَّنَّا، وَأَمَّا أَوْلَادُهُ الصِّغَارُ فَلَا يَكُونُونَ فَيْئًا؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ الصَّغِيرَ صَارَ فِي يَدِهِ تَبَعًا فَيَصِيرُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِهِ، أَوْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ سِيمَاءُ الْمُسْلِمِينَ فَيَكُونُونَ أَحْرَارًا بِحُكْمِ السِّيمَاءِ، لَا بِقَوْلِ الْفَاسِقِ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ.\n٤٤٠٢ - وَلَوْ أَخَذَهُمْ الْمُسْلِمُونَ وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ سِيمَاءُ يُعْرَفُونَ بِهَا مِنْ لِبَاسٍ وَلَا خِضَابٍ وَلَا قِرَاءَةِ قُرْآنٍ فَشَهِدَ لَهُمْ بِمَا ادَّعَوْا مِنْ ذَلِكَ أَهْلُ الْحَرْبِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُمْ، أَوْ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، أَوْ قَوْمٌ مُسْتَأْمَنُونَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ أَهْلُ الْحَرْبِ إلَى إمَامِ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُقْبَلْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَكَانُوا فَيْئًا.\nلِأَنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ مِنْهُمْ عَلَى أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، وَفِيهِ إبْطَالُ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ، وَكُلُّ ذَلِكَ شَهَادَةٌ مَرْدُودَةٌ.\n٤٤٠٣ - فَإِنْ جَاءَ مِنْ ذَلِكَ أَمْرٌ مَشْهُودٌ مَعْرُوفٌ يَشْهَدُ عَلَيْهِ الْعَوَامُّ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَيَقَعُ فِي قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ حَقٌّ فَالْقَوْمُ أَحْرَارٌ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ.","vol":"1","page":2219},{"text":"لِأَنَّ الْإِشْهَادَ بِخَبَرِ الْعَوَامّ يُوجِبُ مِنْ الْعِلْمِ أَكْثَرَ مِمَّا تُوجِبُهُ السِّيمَاءُ وَالْعَلَامَةُ.\nلِأَنَّ الْعَوَامَّ مِنْهُمْ لَا يَتَوَاطَئُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَالسِّيمَاءُ قَدْ تَخْتَلِفُ، ثُمَّ بِالسِّيمَاءِ يَحْكُمُ بِكَوْنِهِمْ مُسْلِمِينَ فَبِالشُّهْرَةِ أَوْلَى.\nأَلَا تَرَى أَنَّ مُسْلِمًا غَرِيبًا لَوْ نَزَلَ فِي قَوْمٍ مُسْلِمِينَ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ لَمْ يَسَعْ لِأَحَدٍ مِنْ الْقَوْمِ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى نَسَبِهِ بِقَوْلِهِ فَإِنْ كَانَ مَعَارِفُهُ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَأَخْبَرُوا بِذَلِكَ أَهْلَ مَحَلَّتِهِ حَتَّى صَارَ مَعْرُوفًا مَشْهُورًا وَوَقَعَ فِي قُلُوبِ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ أَنَّهُ صَادِقٌ وَسِعَ لِأَهْلِ الْمَحَلَّةِ أَنْ يَشْهَدُوا عَلَى نَسَبِهِ لِاشْتِهَارٍ وَقَعَ بِخَبَرِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَكَذَلِكَ الْإِسْلَامُ إذَا اُشْتُهِرَ بِقَوْلِهِمْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ.\n٤٤٠٤ - وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَسَرَهُمْ الْمُسْلِمُونَ وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ سِيمَاءُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَلَا أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَادَّعَوْا أَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ، أَوْ أَهْلُ ذِمَّةٍ، فَلَمْ يُصَدَّقُوا بِذَلِكَ، وَلَمْ يَدَّعُوا ذَلِكَ حَتَّى أَخْرَجَهُمْ الْإِمَامُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَمْ يَقْسِمْهُمْ وَلَمْ يَبِعْهُمْ حَتَّى شَهِدَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَدْلٌ عَلَى بَعْضِهِمْ أَنَّهُ مُسْلِمٌ، أَوْ أَنَّهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ صُدِّقَ بِشَهَادَتِهِ وَخُلِّيَ سَبِيلُهُ، وَشَهَادَتُهُ بِذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ فِي دَارِ الْحَرْبِ سَوَاءٌ.\nلِأَنَّ نَفْسَ الْإِخْرَاجِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يَجْعَلُهُ مِلْكًا لِرَجُلٍ خَاصٍّ فَلَمْ يَتَأَكَّدْ ذَلِكَ الْحَقُّ الثَّابِتُ الْعَامُّ، فَالشَّهَادَةُ وَقَعَتْ عَلَى إسْلَامِهِ وَالْحَقُّ فِيهِ لِلْجَمَاعَةِ، فَتُقْبَلُ كَمَا تُقْبَلُ إذَا وَقَعَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ.","vol":"1","page":2220},{"text":"٤٤٠٥ - فَإِنْ بَاعَهُمْ أَوْ قَسَمَهُمْ ثُمَّ إنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ شَهِدَ لِبَعْضِهِمْ أَنَّهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ.\nلِأَنَّهُ صَارَ مِلْكًا خَاصًّا لِرَجُلٍ مِنْهُمْ فَلَا يَبْطُلُ مِلْكُهُ إلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ اخْتِلَافَ الرِّوَايَتَيْنِ.\n٤٤٠٦ - وَإِذَا شَهِدُوا بَعْدَ الْبَيْعِ أَوْ بَعْدَ الْقِسْمَةِ يَبْطُلُ الْبَيْعُ وَالْقِسْمَةُ.\nلِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّ الْبَيْعَ وَالْقِسْمَةَ جَرَى فِيهِ وَهُوَ حُرٌّ فَكَانَ بَاطِلًا.\n٤٤٠٧ - فَإِنْ تَفَرَّقَ الْمُسْلِمُونَ عُوِّضَ ذَلِكَ الَّذِي وَقَعَ فِي سَهْمِهِ قِيمَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَعُوِّضَ الْمُشْتَرِي مِثْلَ الثَّمَنِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.\nلِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ نَصِيبَهُ وَلَا يُقْبَلُ فِي هَذَا شَهَادَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَإِنْ كَانَ الَّذِي اشْتَرَاهُ ذِمِّيًّا.\nلِأَنَّ هَذِهِ الشَّهَادَةَ وَقَعَتْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهَا لَوْ قُبِلَتْ يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي بَيْتِ مَالِهِمْ بِالثَّمَنِ.\n٤٤٠٨ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَادَّعَى أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ آمَنَهُ وَهُوَ فِي الْحِصْنِ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ فَسُئِلَ ذَلِكَ الْمُسْلِمُ عَمَّا ادَّعَى مِنْ الْأَمَانِ فَأَقَرَّ أَنَّهُ آمَنَهُ لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَشْهَدَ رَجُلَانِ مُسْلِمَانِ غَيْرُ الَّذِي آمَنَهُ عَلَى الْأَمَانِ.","vol":"1","page":2221},{"text":"لِأَنَّ الَّذِي آمَنَهُ يَشْهَدُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ وَهُوَ الْعَقْدُ الَّذِي عَقَدَهُ، فَقَوْلُهُ مَرْدُودٌ وَيَبْقَى بَعْدَ مُجَرَّدِ دَعْوَى الْحَرْبِيِّ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ فَلَا يُصَدَّقُ.\n٤٤٠٩ - وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا شَهِدَ مُسْلِمٌ أَنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يُؤْسَرَ فَإِنَّ شَهَادَتَهُ تُقْبَلُ وَيُخَلَّى سَبِيلُهُ، وَهَا هُنَا إذَا شَهِدَ رَجُلٌ مُسْلِمٌ عَدْلٌ غَيْرُ الَّذِي آمَنَهُ عَلَى الْأَمَانِ فَإِنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ حَتَّى يَشْهَدَ رَجُلَانِ عَدْلَانِ.\nوَوَجْهُ الْفَرْقِ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّ الْأَمَانَ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ حَرْبِيًّا، فَإِنَّ الْحَرْبِيَّ وَإِنْ أُومِنَ فَهُوَ حَرْبِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، إلَّا أَنَّهُ اعْتَرَضَ عَارِضٌ يَمْنَعُ حُكْمَ هَذَا السَّبَبِ وَيُبْطِلُهُ فَلَا يُبْطِلُ حُكْمَ السَّبَبِ إلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ، فَأَمَّا الْإِسْلَامُ يُخْرِجُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَلَمَّا ادَّعَى أَنَّهُ مُسْلِمٌ فَقَدْ أَنْكَرَ سَبَبَ قِيَامِ الرِّقِّ فِيهِ وَكَوْنَهُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ فَشَهَادَةُ الْمُسْلِمِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ شَهَادَةٌ عَلَى أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ فَيُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ الْوَاحِدِ.\n٤٤١٠ - فَإِنْ شَهِدَ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ وَهُمْ عَبِيدٌ أَوْ مَحْدُودُونَ فِي قَذْفٍ وَهُمْ عُدُولٌ غَيْرُ فُسَّاقٍ أُمْضِيَتْ شَهَادَتُهُمْ.\nلِأَنَّ الْجَمَاعَةَ الْكَثِيرَةَ لَا يُتَوَهَّمُ فِيهِمْ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، لِأَنَّهُمْ لَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى ذَلِكَ لَفَشَا سِرُّهُمْ، فَقَوْلُ الْجَمَاعَةِ يُوجِبُ الْعِلْمَ فِي قُلُوبِ النَّاسِ فَيُحْكَمُ بِهِ كَمَا يُحْكَمُ بِالسِّيمَاءِ الَّتِي تُوجِبُ الْعِلْمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ.\n٤٤١١ - فَإِذَا قُسِمَ أَوْ بِيعَ فَإِذَا وَجَبَ فِيهِ مِلْكٌ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهَدٍ لَمْ تُقْبَلْ إلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ مُسْلِمِينَ عَدْلَيْنِ.","vol":"1","page":2222},{"text":"لِمَا مَرَّ.\n٤٤١٢ - وَإِذَا وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَيْسَ عَلَيْهِ سِيمَاءُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا سِيمَاءُ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَقَالَ: أَنَا رَجُلٌ ذِمِّيٌّ، وَشَهِدَ لَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ عَدْلٌ، أَنَّهُ مُسْلِمٌ كَانَ الرَّجُلُ الْمَأْخُوذُ فَيْئًا وَلَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا وَلَا ذِمِّيًّا.\nلِأَنَّ مَا ادَّعَاهُ الْمَأْخُوذُ لَمْ يَشْهَدْ بِهِ الشَّاهِدُ، وَاَلَّذِي شَهِدَ بِهِ الشَّاهِدُ فَقَدْ كَذَّبَهُ فِيهِ الْمَأْخُوذُ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَا الْإِسْلَامُ وَلَا الذِّمَّةُ فَبَقِيَ حَرْبِيًّا يُسْتَرَقُّ.\n٤٤١٣ - وَلَوْ شَهِدَ لَهُ الْمُسْلِمُ الْعَدْلُ أَنَّهُ ذِمِّيٌّ، وَقَالَ الْمَأْخُوذُ: أَنَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ وَلَسْت كَمَا قَالَ الشَّاهِدُ، فَالْقِيَاسُ فِي هَذَا أَنَّهُ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَكِنْ فِي الِاسْتِحْسَانِ أَجْعَلُهُ مُسْلِمًا وَلَا أَسْبِيهِ.\nفَوَجْهُ الْقِيَاسِ فِيهِ أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي السَّبَبِ، فَمَا ادَّعَاهُ الْمَأْخُوذُ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ الشَّاهِدُ، فَلَمْ يَثْبُتْ وَمَا شَهِدَ لَهُ بِهِ الشَّاهِدُ لَمْ يَدَّعِهِ الْمَأْخُوذُ، فَلَمْ يَثْبُتْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَيَكُونُ فَيْئًا دَلِيلُهُ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ، وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّ التَّوْفِيقَ مُمْكِنٌ بَيْنَ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ، لِأَنَّ الذِّمِّيَّ قَدْ يُسْلِمُ بَعْدَ الذِّمَّةِ، فَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ كَانَ ذِمِّيًّا كَمَا شَهِدَ بِهِ الشَّاهِدُ، ثُمَّ أَسْلَمَ فِي الْحَالِ، فَلَمَّا كَانَ التَّوْفِيقُ مُمْكِنًا يُوَفِّقُ، فَأَمَّا فِي الْفَصْلِ الثَّانِي التَّوْفِيقُ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لِأَنَّ بَعْدَ الْإِسْلَامِ لَا يَكُونُ ذِمَّةً فَاعْتُبِرَ التَّكَاذُبُ فِي السَّبَبِ، وَلِأَنَّ فِي الْإِسْلَامِ ذِمَّةً وَزِيَادَةً لِأَنَّ الذِّمَّةَ هِيَ الْعَهْدُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -: «مَنْ أَخْفَرَ ذِمَّةَ مُسْلِمٍ كَانَ عَلَيْهِ كَذَا وَكَذَا» غَيْرَ أَنَّ الْإِسْلَامَ أَعْلَى الذِّمَّتَيْنِ، فَإِنَّ شَاهِدَهُ قَدْ شَهِدَ بِبَعْضِ مَا ادَّعَاهُ الْمُدَّعِي.\nوَالشَّاهِدُ إذَا شَهِدَ بِبَعْضِ مَا ادَّعَاهُ الْمُدَّعِي تُقْبَلُ","vol":"1","page":2223},{"text":"شَهَادَتُهُ، بِمِقْدَارِ مَا شَهِدَ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا ثَبَتَ بِشَهَادَتِهِ الذِّمَّةُ، فَبَعْدَ ذَلِكَ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ بَعْدَ ثُبُوتِ الذِّمَّةِ، إذْ الذِّمِّيُّ قَدْ يُسْلِمُ بَعْدَ الذِّمَّةِ، فَلِهَذَا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ اسْتِحْسَانًا.\n٤٤١٤ - وَلَوْ قَالَ: أَنَا ذِمِّيٌّ، وَلَسْت بِمُسْلِمٍ، فَشَهِدَ شَاهِدَانِ عَدْلَانِ مُسْلِمَانِ أَنَّهُ مُسْلِمٌ جَعَلْته مُسْلِمًا.\nلِأَنَّهُ يَثْبُتُ الْإِسْلَامُ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ، فَجُحُودُهُ بَعْدَ مَا ثَبَتَ الْإِسْلَامُ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ رِدَّةٌ مِنْهُ فَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا ثُمَّ ارْتَدَّ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ فَيُقَاسُ بِسَائِرِ الْمُرْتَدِّينَ، فَإِنْ أَسْلَمَ فَهُوَ حُرٌّ وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ إلَى الْإِسْلَامِ قُتِلَ.\n\nقَالَ: ٤٤١٥ -\nوَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أُخِذَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَمَعَهُ بَقَرٌ وَغَنَمٌ وَرَمَكٌ يَسُوقُهَا قَوْمٌ، فَقَالَ: هَذَا كُلُّهُ لِي، وَهَؤُلَاءِ أُجَرَائِي قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ دَخَلُوا مَعِي مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ وَصَدَّقُوهُ بِمَا قَالَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ وَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ.\nلِأَنَّ هَذِهِ السَّائِمَةَ فِي أَيْدِي الْقَوْمِ، وَالْقَوْمُ لَمَّا صَدَّقُوهُ فَقَدْ أَقَرُّوا أَنَّهُمْ فِي يَدِ هَذَا الْمُسْلِمِ، وَأَنَّ مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ السَّائِمَةِ فِي يَدِهِ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُسْلِمَ الْمُسْتَأْمَنَ إذَا ادَّعَى أَنَّ مَا فِي يَدِهِ لَهُ صُدِّقَ فِي ذَلِكَ.\n٤٤١٦ - وَإِنْ كَذَّبَهُ الَّذِينَ ذَلِكَ فِي أَيْدِيهِمْ فَقَالُوا: نَحْنُ ذِمَّةٌ كَمَا قَالَ وَجَمِيعُ مَا فِي أَيْدِينَا لَنَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ وَهُمْ ذِمَّةٌ.","vol":"1","page":2224},{"text":"وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ قَدْ شَهِدَ لَهُمْ بِالذِّمَّةِ، فَتَثْبُتُ الذِّمَّةُ بِشَهَادَتِهِ وَإِنْ أُثْبِتَتْ الذِّمَّةُ وَقَدْ أَنْكَرُوا الْإِجَازَةَ لَمْ يَصِرْ مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ السَّائِمَةِ فِي يَدِ الْمُسْلِمِ، فَتَكُونُ السَّائِمَةُ لَهُمْ.\n٤٤١٧ - وَلَوْ قَالَ الْمُسْلِمُ الْمَعْرُوفُ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَسُوقُونَ السَّائِمَةَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ اسْتَأْجَرْتهمْ لِيَسُوقُوهَا وَهِيَ كُلُّهَا لِي وَصَدَّقَهُ بِذَلِكَ الَّذِينَ مَعَهُمْ، وَلَا يُعْرَفُ أَنَّ ذَلِكَ فِي يَدِهِ إلَّا بِقَوْلِهِمْ فَجَمِيعُ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ فَيْءٌ، وَلَا يُصَدَّقُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.\nلِأَنَّ الْأُجَرَاءَ لَا يَصِيرُونَ آمَنِينَ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ، لِأَنَّ الْأَمَانَ لَا يَثْبُتُ لَهُمْ وَلَوْ صُرِّحَ لَهُمْ بِالْأَمَانِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَبِعَقْدِ الْإِجَارَةِ أَوْلَى، لَا يَثْبُتُ لَهُمْ الْأَمَانُ، فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ لَهُمْ الْأَمَانُ صَارُوا فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَالسَّائِمَةُ الَّتِي فِي أَيْدِيهِمْ تَصِيرُ فَيْئًا مَعَهُمْ.\n٤٤١٨ - فَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي يَدَيْهِ فَدَفَعَهُ إلَيْهِمْ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ فَهُوَ لَهُ.\nلِأَنَّهُ إذَا عَرَفَ ذَلِكَ كَانَتْ يَدُهُمْ يَدَ هَذَا الْمُسْلِمِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ فِي يَدِ هَذَا الْمُسْلِمِ، وَالْمُسْلِمُ لَا يَغْنَمُ مَا فِي يَدِهِ أَيْضًا.\n٤٤١٩ - وَاَلَّذِينَ يَسُوقُونَ ذَلِكَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُمْ أُجَرَاءُ لَهُ.","vol":"1","page":2225},{"text":"لِأَنَّ عَقْدَ الْإِجَارَةِ يَتَضَمَّنُ لَهُمْ الْأَمَانَ، وَالْأَمَانُ لَا يَثْبُتُ لَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ\nفَإِنْ أَخْرَجَهُمْ الْمُسْلِمُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ صَارُوا آمِنِينَ.\nلِأَنَّ صَرِيحَ الْأَمَانِ يَصِحُّ مِنْ الْمُسْلِمِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَكَذَلِكَ يَثْبُتُ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":2226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>[بَابُ الدُّعَاءِ إلَى الْإِسْلَامِ]</span>\n٢١٠ - بَابُ الدُّعَاءِ إلَى الْإِسْلَامِ [لَمْ يُذْكَرْ هَذَا الْبَابُ فِي عَامَّةِ النُّسَخِ] قَالَ مُحَمَّدٌ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ:\n٤٤٢٠ - وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ بَلَغَهُمْ الْإِسْلَامُ وَلَمْ يَدْرُوا كَيْفَ هُوَ فَغَزَاهُمْ الْمُسْلِمُونَ فَدُعُوا إلَى أَنْ يُسْلِمُوا فَأَبَى الْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُجِيبَهُمْ إلَى ذَلِكَ حَتَّى قَاتَلَهُمْ وَظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامَ، فَإِذْ أَسْلَمُوا خَلَّى سَبِيلَهُمْ وَسَلَّمَ لَهُمْ أَمْوَالَهُمْ وَذَرَارِيَّهُمْ وَأَرَاضِيَهُمْ.\nلِأَنَّ الْقِتَالَ شُرِعَ لِأَجْلِ الْإِسْلَامِ، عَلَى مَا قَالَ - ﵌ -: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» وَهَؤُلَاءِ لَمَّا سَأَلُوهُ الْإِسْلَامَ فَقَدْ رَغِبُوا فِيهِ، فَكَانَ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَصِفَ لَهُمْ الْإِسْلَامَ قَبْلَ الْمُقَاتَلَةِ حَتَّى يُسْلِمُوا فَإِذَا قَاتَلَهُمْ وَلَمْ يَصِفْ لَهُمْ الْإِسْلَامَ فَقَدْ أَخْطَأَ فِيهِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ خَطَئِهِ فَيَعْرِضُ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامَ بَعْدَ الظُّهُورِ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ أَسْلَمُوا صَارُوا كَأَنَّهُمْ أَسْلَمُوا قَبْلَ الظُّهُورِ عَلَيْهِمْ فَبَقُوا أَحْرَارًا كَمَا كَانُوا.\n٤٤٢١ - وَإِنْ أَبَوْا أَنْ يُسْلِمُوا جُعِلُوا ذِمَّةً.","vol":"1","page":2227},{"text":"لِأَنَّهُمْ وَقَعُوا فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ آمِنِينَ، لِأَنَّ قِتَالَهُمْ حَرَامٌ عَلَى الْإِمَامِ، لَمَّا دُعُوا إلَى الْإِسْلَامِ فَلَا يُجْعَلُونَ فَيْئًا وَلَكِنْ يُجْعَلُونَ ذِمَّةً.\n٤٤٢٢ - فَإِنْ أَخْطَأَ الْإِمَامُ فَسَبَاهُمْ وَخَمَّسَهُمْ وَقَسَمَهُمْ أَوْ لَمْ يَفْعَلْ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ خَطَئِهِ فَيَعْرِضُ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامَ.\nلِمَا قُلْنَا: إنَّهُ أَخْطَأَ حَيْثُ سَبَاهُمْ وَهُمْ رَاغِبُونَ فِي الْإِسْلَامِ، وَالْخَطَأُ لَا يُسْتَدَامُ وَلَكِنَّهُ يَرْجِعُ عَنْهُ.\n٤٤٢٣ - فَإِنْ أَسْلَمُوا خَلَّى سَبِيلَهُمْ، وَأَبْطَلَ الْقِسْمَةَ فِيهِمْ، وَرَدَّ عَلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ، وَإِنْ أَبَوْا الْإِسْلَامَ جَازَتْ قِسْمَتُهُمْ، وَلَا يَجْعَلُهُمْ ذِمَّةً بَعْدَ ذَلِكَ.\nلِأَنَّ الْأَمَانَ لَمْ يَثْبُتْ لَهُمْ صَرِيحًا، لِيَمْنَعَهُمْ الْأَمَانُ مِنْ الْقِسْمَةِ، إنَّمَا يَثْبُتُ الْأَمَانُ حُكْمًا بِطَلَبِهِمْ الْإِسْلَامَ، وَلَمَّا أَبَوْا الْإِسْلَامَ فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ طَلَبَهُمْ لَمْ يَكُنْ طَلَبَ رَغْبَةٍ فِي الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا كَانَ طَلَبُهُمْ دَفْعَ الْقِتَالِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، فَنَزَلُوا مَنْزِلَةَ قَوْمٍ لَمْ تَبْلُغْهُمْ الدَّعْوَةُ، غَزَاهُمْ الْمُسْلِمُونَ وَلَمْ يَطْلُبُوا مِنَّا الْإِسْلَامَ، فَيَعْرِضُ الْإِسْلَامُ عَلَيْهِمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَهُمْ أَحْرَارٌ، وَإِنْ أَبَوْا الْإِسْلَامَ جُعِلُوا ذِمَّةً، فَإِنْ قَسَمَهُمْ الْإِمَامُ جَازَتْ قِسْمَةُ الْإِمَامِ، لَمَّا أَنَّ الْمَوْضِعَ مَوْضِعُ الِاجْتِهَادِ، فَإِنَّهُمْ أَهْلُ حَرْبٍ لَيْسَ لَهُمْ صَرِيحُ الْأَمَانِ فَنَفَذَ حُكْمُ الْإِمَامِ لِلِاجْتِهَادِ فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.\n٤٤٢٤ - فَإِنْ جَهِلَ الْإِمَامُ فَقَتَلَ مُقَاتَلَتَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ.","vol":"1","page":2228},{"text":"لِأَنَّ قَتْلَهُمْ وَهُمْ أَهْلُ حَرْبٍ لَا أَمَانَ لَهُمْ، فَلَا يَكُونُ فِي قَتْلِهِمْ شَيْءٌ، كَمَا لَوْ أَسَرَ الْمُسْلِمُونَ قَوْمًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَأَرَادَ الْإِمَامُ قَتْلَهُمْ فَقَالُوا: نَحْنُ نُسْلِمُ لَمْ يَكُنْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُمْ، حَتَّى يَعْرِضَ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامَ، فَإِنْ قَتَلَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي قَتْلِهِمْ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ أَسَاءَ فِيمَا صَنَعَ فَكَذَلِكَ هَا هُنَا.\n٤٤٢٥ - وَلَوْ قَتَلَهُمْ بَعْدَ مَا أَسْلَمُوا فَإِنْ كَانَ قَتَلَهُمْ بَعْدَ مَا أَخْرَجَهُمْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ضَمِنَ قِيمَتَهُمْ، فَيَكُونُونَ فَيْئًا لِمَنْ أَصَابَهُمْ.\nلِأَنَّهُ يَقُومُ بِالْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ.\nإلَّا أَنَّهُ يَسْقُطُ الْقِصَاصُ لِأَجْلِ الشُّبْهَةِ.\nلِأَنَّهُ قَتَلَ عَنْ رَأْيٍ وَاجْتِهَادٍ، وَلَمْ يَقْتُلْ جُزَافًا.\n٤٤٢٦ - فَإِنْ قَتَلَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَمَانُ قَتْلِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ.\nلِأَنَّ التَّقَوُّمَ بِالْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يُوجَدْ.\n٤٤٢٧ - وَلَوْ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ حَاصَرَهُمْ الْمُسْلِمُونَ دَعَوْا إلَى الْإِسْلَامِ فَأَجَابَهُمْ الْإِمَامُ إلَى ذَلِكَ فَقَالُوا: أَنْظِرُونَا يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً فَذَلِكَ إلَى الْإِمَامِ إنْ شَاءَ أَنْظَرَهُمْ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُنْظِرْهُمْ.","vol":"1","page":2229},{"text":"لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ لَوْ اسْتَنْظَرَ الْإِمَامَ أَنْظَرَهُ الْإِمَامُ إنْ شَاءَ فَهَا هُنَا أَوْلَى.\n٤٤٢٨ - فَإِنْ لَمْ يُنْظِرْهُمْ حَتَّى قَاتَلَهُمْ فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ وَسَبَاهُمْ وَخَمْسهمْ وَقَسَمَهُمْ فَذَلِكَ لَهُ جَائِزٌ.\nلِأَنَّ الْإِمَامَ لَمَّا أَجَابَهُمْ إلَى أَنْ يَصِفَ لَهُمْ الْإِيمَانَ فَقَدْ فَعَلَ مَا عَلَيْهِ، فَلَمَّا اُسْتُمْهِلُوا بَعْدَ إجَابَةِ الْإِمَامِ لَهُمْ بِالتَّفْرِيطِ جَاءَ مَنْ قِبَلَهُمْ، فَلَا يَمْنَعُ الْإِمَامُ تَفْرِيطَهُمْ مِنْ مُقَاتَلَتِهِمْ، فَجَازَ لِلْإِمَامِ قِتَالُهُمْ فَإِذَا ظَهَرَ عَلَيْهِمْ جَازَ لَهُمْ قِسْمَتُهُمْ.\nلِأَنَّهُمْ وَقَعُوا فِي أَيْدِينَا وَقِتَالُهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ حَلَالٌ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُمْ حُكْمُ الْأَمَانِ فَحَلَّ لَهُ الْقِسْمَةُ بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُمْ طَلَبُوا مِنَّا مَا بِهِ حَقْنُ دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ فِي الْحَالِ مِنْ غَيْرِ اسْتِمْهَالٍ فَإِذَا لَمْ يُجِبْهُمْ الْإِمَامُ إلَى ذَلِكَ فَالنَّقْصُ جَاءَ مِنْ قِبَلِ الْإِمَامِ، فَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَرْجِعَ عَمَّا قَضَى وَيَرُدَّهُمْ أَحْرَارًا إنْ أَسْلَمُوا وَإِلَّا جَعَلَهُمْ ذِمَّةً.\n٤٤٢٩ - فَإِنْ كَانَ الْقَوْمُ قَدْ عُرِضَ ذَلِكَ الْأَمْرُ عَلَيْهِمْ، وَعَرَفُوا إلَى مَا يَدْعُونَ، فَلَمَّا أَتَاهُمْ الْمُسْلِمُونَ وَحَاصَرُوهُمْ قَالُوا لَهُمْ: نَحْنُ نُسْلِمُ فَاعْرِضُوا عَلَيْنَا الْإِسْلَامَ حَتَّى نُجِيبَكُمْ إلَيْهِ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُمْ رُبَّمَا يُسْلِمُونَ فَيَكْفِيهِ مُؤْنَةُ الْقِتَالِ.","vol":"1","page":2230},{"text":"فَإِنْ أَبَى الْمُسْلِمُونَ وَأَمِيرُهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ وَقَاتَلُوهُمْ وَأَسَرُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا فَهَذَا جَائِزٌ لَهُمْ.\nلِأَنَّهُمْ قَدْ عَرَّفُوا الْإِمَامَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَهُمْ أَنْ يُسْلِمُوا فِي الْحَالِ قَبْلَ الْعَرْضِ عَلَيْهِمْ.\n- فَإِذَا لَمْ يُسْلِمُوا فَالتَّقْصِيرُ جَاءَ مِنْ قِبَلِهِمْ، فَلَمْ يُحَرَّمْ قَتْلُهُمْ وَسَبْيُهُمْ، لِتَقْصِيرٍ مِنْ جِهَتِهِمْ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ.\nلِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا الْإِسْلَامَ مِنْ قَبْلُ، [وَلَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يُسْلِمُوا مِنْ غَيْرِ عَرْضٍ] فَالتَّقْصِيرُ وُجِدَ مِنْ جِهَةِ الْمُسْلِمِينَ فَلِهَذَا حُرِّمَ قَتْلُهُمْ وَسَبْيُهُمْ.\n٤٤٣٢ - وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا فِي قَاصِيَةٍ مِنْ الْأَرْضِ لَمْ يَبْلُغْهُمْ الْإِسْلَامُ، وَلَمْ يُدْعَوْا إلَيْهِ أَتَاهُمْ الْمُسْلِمُونَ لَمْ يَسَعْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَدْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ.\nلِمَا رَوَيْنَا فِي الْحَدِيثِ أَنَّ «النَّبِيَّ - ﵌ - كَانَ إذَا بَعَثَ سَرِيَّةً قَالَ لَهُمْ: إذَا حَاصَرْتُمْ حِصْنًا أَوْ مَدِينَةً فَادْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ»، وَلِأَنَّهُمْ لَا يَدْرُونَ لِمَاذَا يُقَاتَلُونَ، وَلَوْ عَلِمُوا أَنَّهُمْ يُقَاتَلُونَ لِأَجْلِ الْإِسْلَامِ رُبَّمَا يَنْقَادُونَ لِلْإِسْلَامِ، وَلَا يَحْتَاجُ الْمُسْلِمُونَ إلَى الْقِتَالِ.\n٤٤٣٣ - فَإِنْ قَاتَلَ الْمُسْلِمُونَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَمْ تَبْلُغْهُمْ الدَّعْوَةُ قَبْلَ أَنْ يَدْعُوهُمْ فَظَهَرُوا عَلَيْهِمْ فَقَدْ أَخْطَأَ الْمُسْلِمُونَ فِي ذَلِكَ،","vol":"1","page":2231},{"text":"لِمَا قُلْنَا: إنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِمْ الدُّعَاءُ إلَى الْإِسْلَامِ فَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامَ فَإِنْ أَسْلَمُوا خَلَّى سَبِيلَهُمْ.\nلِأَنَّهُمْ غَيْرُ رَاغِبِينَ عَنْ الْإِسْلَامِ فَصَارُوا كَأَنَّهُمْ وَقَعُوا فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ مَا أَسْلَمُوا، فَيَجِبُ تَخْلِيَةُ سَبِيلِهِمْ وَرَدُّ أَمْوَالِهِمْ وَأَرَاضِيِهِمْ.\n٤٤٣٤ - فَإِنْ أَبَوْا الْإِسْلَامَ جَعَلَهُمْ ذِمَّةً يُؤَدُّونَ الْخَرَاجَ، وَلَمْ يَرُدَّهُمْ حَرْبًا بَعْدَ مَا ظَفِرَ بِهِمْ.\nلِمَا قُلْنَا: إنَّ الْإِمَامَ قَاتَلَهُمْ، وَالْقِتَالُ حَرَامٌ عَلَيْهِمْ، فَصَارُوا فِي عِصْمَةٍ وَأَمَانٍ فَلَا يُغْنَمُونَ.\n٤٤٣٥ - فَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ قِسْمَتَهُمْ أَوْ قَتْلَ مُقَاتِلَتِهِمْ فَفَعَلَ ذَلِكَ. ثُمَّ رُفِعَ ذَلِكَ إلَى حَاكِمٍ آخَرَ يَرَى مَا صَنَعَ بَاطِلًا\nأَجَازَ مَا صَنَعَ مِنْ ذَلِكَ.\nلِأَنَّ الْإِمَامَ حَكَمَ فِيهِمْ بِالْقِسْمَةِ فِي مَوْضِعِ الِاجْتِهَادِ، وَلِأَنَّهُمْ أَهْلُ الْحَرْبِ وَكَوْنُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ سَبَبٌ يَحِلُّ لِحِلِّ قِتَالِهِمْ وَسَبْيِهِمْ إلَّا بِعَارِضٍ، وَذَلِكَ الْعَارِضُ هُوَ الِاسْتِخْبَارُ وَالِاسْتِفْهَامُ، وَهَذَا الْعَارِضُ مَعْدُومٌ، فَقَدْ اُسْتُحِلَّ قِتَالُهُمْ، وَسَبَبُ الِاسْتِحْلَالِ قَائِمٌ، فَكَانَ هَذَا مَوْضِعَ الِاجْتِهَادِ فَيَنْفُذُ حُكْمُهُ فَلَا يُنْقَضُ بَعْدَ ذَلِكَ.\n٤٤٣٦ - ثُمَّ لَا يَجِبُ ضَمَانُ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَضْمَنُ دِيَاتِ الْقَتْلَى قَبْلَ الدَّعْوَةِ.","vol":"1","page":2232},{"text":"لِأَنَّهُمْ مُتَمَسِّكُونَ بِدِينِ نَبِيٍّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - فَيَضْمَنُ الدِّيَةَ، إلَّا أَنَّا نَقُولُ: بِأَنَّهُمْ اعْتَقَدُوا دِينًا بَاطِلًا، وَاعْتِقَادُ الدِّينِ الْبَاطِلِ كُفْرٌ، فَكَانَ كَافِرًا فَلَا يَجِبُ بِقَتْلِهِ شَيْءٌ، ثُمَّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ مِثْلُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مِثْلُ دِيَةِ الْكِتَابِيِّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجِبُ مِثْلُ دِيَةِ الْمَجُوسِ، لِأَنَّهُ أَقَلُّ الدِّيَاتِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَصَارَ الْحَرْبِيُّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ صِنْفٌ لَمْ تَبْلُغْهُمْ الدَّعْوَةُ، وَلَمْ يُسْلِمُوا؛ أَيْ لَمْ يَعْلَمُوا حَتَّى يُجِيبُوا، فَهَؤُلَاءِ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُبَلِّغَهُمْ الدَّعْوَةَ فَإِنْ قَتَلَهُمْ وَسَبَاهُمْ قَبْلَ الدَّعْوَةِ وَرَأَى ذَلِكَ صَوَابًا فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُرَدُّ، وَإِنْ أَسْلَمُوا، وَقَوْمٌ لَمْ تَبْلُغْهُمْ الدَّعْوَةُ، أَوْ بَلَغَتْهُمْ الدَّعْوَةُ وَلَمْ يَعْرِفُوا مَا تَفْسِيرُهُ، فَسَأَلُوا الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُخْبِرُوهُمْ بِدِينِهِمْ فَيُتَابِعُوهُمْ عَلَيْهِ فَهَؤُلَاءِ لَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُمْ وَيَأْسِرَهُمْ حَتَّى يُفْهِمَهُمْ، فَإِنْ أَسَرَهُمْ ثُمَّ عَرَضَ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمُوا فَإِنَّهُ يَرُدُّ تِلْكَ الْقِسْمَةَ، وَقَوْمٌ قَدْ دُعُوا إلَى الْإِسْلَامِ غَيْرَ مَرَّةٍ وَعَلِمُوا مَا يُدْعَوْنَ إلَيْهِ، فَسَأَلُوا الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يُجِيبُوهُمْ، فَالْأَفْضَلُ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَدْعُوهُمْ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ حَتَّى قَاتَلُوهُمْ وَأَسَرُوهُمْ جَازَ ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُرَدُّونَ أَحْرَارًا بَعْدَ ذَلِكَ، لِأَنَّ التَّفْرِيطَ مِنْ جِهَتِهِمْ وَإِنْ أَسْلَمُوا.\n٤٤٣٧ - قَالَ: وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغْهُمْ الْإِسْلَامُ وَلَا الدَّعْوَةُ أَتَوْا الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِهِمْ يُقَاتِلُهُمْ الْمُسْلِمُونَ بِغَيْرِ دَعْوَةٍ لِيَدْفَعُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ وَسَبَوْا وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، فَهَذَا جَائِزٌ يُخَمَّسُ ذَلِكَ وَيُقْسَمُ مَا بَقِيَ بَيْنَ مَنْ أَصَابَهُ.","vol":"1","page":2233},{"text":"لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَوْ شَهَرَ سَيْفًا عَلَى مُسْلِمٍ حَلَّ لِلْمَشْهُورِ عَلَيْهِ سَيْفُهُ قَتْلُهُ لِلدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ، فَهَا هُنَا أَوْلَى، وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَوْ اشْتَغَلُوا بِالدَّعْوَةِ إلَى الْإِسْلَامِ فَرُبَّمَا يَأْتِي السَّبْيُ وَالْقَتْلُ عَلَى حَرَمِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَلَا يَجِبُ الدُّعَاءُ.\n٤٤٣٨ - بِخِلَافِ مَا إذَا كَانُوا يَغْزُونَ فِي بِلَادِهِمْ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَدْعُوهُمْ.\nلِأَنَّهُمْ لَا يُقَاتِلُونَ دَفْعًا وَإِنَّمَا يُقَاتِلُونَ لِأَجْلِ الْإِسْلَامِ، فَلَا بُدَّ مِنْ الدُّعَاءِ إلَى الْإِسْلَامِ.\n\nوَلَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ لَمْ تَبْلُغْهُمْ دَعْوَةُ الْإِسْلَامِ، إلَّا أَنَّهُمْ قَدْ سَمِعُوا بِالْإِسْلَامِ وَلَمْ يَدْرُوا مَا هُوَ، فَأَغَارَ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ فَظَفِرُوا عَلَيْهِمْ، فَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامَ فَإِنْ أَسْلَمُوا خَلَّى سَبِيلَهُمْ.\nلِأَنَّهُمْ وَقَعُوا فِي أَيْدِينَا بِغَيْرِ قِتَالٍ وَلَا مُحَارَبَةٍ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ إبَاءُ الْإِسْلَامِ أَيْضًا.\n٤٤٣٩ - فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يُسْلِمُوا حُبِسُوا فِي السِّجْنِ إلَى أَنْ يُسْلِمُوا وَلَا يُقْتَلُونَ.\nلِأَنَّهُ لَا وَجْهَ بِأَنْ يُضْرَبَ عَلَيْهِمْ الْجِزْيَةُ لِقَوْلِهِ - ﵌ -: «لَا يَجْتَمِعُ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ» .\nوَلَا وَجْهَ إلَى أَنْ يُقْتَلُوا؛ لِأَنَّهُمْ وَقَعُوا فِي أَيْدِينَا لَا عَلَى وَجْهِ الْمُحَارَبَةِ فَكَانُوا بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنِينَ فَلَمْ يَبْقَ وَجْهٌ إلَّا الْحَبْسُ.","vol":"1","page":2234},{"text":"فَإِنْ مَاتُوا عَلَى الْكُفْرِ لَمْ يَجْرِ عَلَى ذَرَارِيِّهِمْ سَبْيٌ وَصَارَتْ أَمْوَالُهُمْ مَوَارِيثَ لِوَرَثَتِهِمْ.\nلِأَنَّهُمْ فِي حُكْمِ الْمُسْتَأْمَنِينَ وَأَمْوَالُ الْمُسْتَأْمَنِينَ وَذَرَارِيُّهُمْ لَا تُسْتَغْنَمُ.\n٤٤٤١ - فَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ حِينَ أَبَوْا الْإِسْلَامَ أَنْ يَقْتُلَ الْمُقَاتِلَةَ وَيَسْبِيَ الذُّرِّيَّةَ وَيَقْسِمَ الْأَرَضِينَ وَالْأَمْوَالَ فَفَعَلَ جَازَ مَا صَنَعَ مِنْ ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُمْ وَقَعُوا فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ أَهْلُ حَرْبٍ وَلَا أَمَانَ لَهُمْ قَصْدًا، فَكَانَ هَذَا مَوْضِعَ اجْتِهَادٍ فِي قَتْلِ مُقَاتِلَتِهِمْ وَسَبْيِ ذَرَارِيِّهِمْ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَنْ رَأْيٍ وَاجْتِهَادٍ جَازَ.\n٤٤٤٢ - وَكَذَلِكَ قَوْمٌ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ لَحِقُوا بِنِسَاءٍ مُرْتَدَّاتٍ فَوُلِدَ لَهُمْ أَوْلَادٌ، ثُمَّ مَاتَ الْمُرْتَدُّونَ وَبَقِيَ أَوْلَادُهُمْ عَلَى دِينِهِمْ، لَا يَعْرِفُونَ الْإِسْلَامَ، لَمْ يَسَعْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَدْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ.\nلِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُمْ إبَاءُ الْإِسْلَامِ.\n٤٤٤٣ - فَإِنْ قَاتَلُوهُمْ بِغَيْرِ دَعْوَةٍ وَظَهَرُوا عَلَيْهِمْ عُرِضَ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامُ فَإِنْ أَسْلَمُوا سُلِّمَتْ لَهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَذَرَارِيُّهُمْ.\nلِأَنَّهُمْ غَيْرُ رَاغِبِينَ عَنْ الْإِسْلَامِ، فَصَارُوا كَمَا لَوْ أَسْلَمُوا قَبْلَ السَّبْيِ وَالْأَخْذِ.\n٤٤٤٤ - فَإِنْ أَبَوْا حُبِسُوا لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِجَعْلِهِمْ ذِمَّةً.","vol":"1","page":2235},{"text":"لِأَنَّهُمْ مُرْتَدُّونَ وَالْمُرْتَدُّ لَا يُضْرَبُ عَلَيْهِمْ الْجِزْيَةُ.\nوَلَا يُقْتَلُونَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَصِفُوا الْإِسْلَامَ بِأَنْفُسِهِمْ.\nفَلَا يُقْتَلُونَ عَلَى رِدَّتِهِمْ.\n٤٤٤٥ - وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ قَتْلَهُمْ وَسَبْيَ ذَرَارِيِّهِمْ وَقِسْمَةَ مَا لَهُمْ فَفَعَلَ ذَلِكَ جَازَ.\nلِأَنَّ الْمَوْضِعَ مَوْضِعُ الِاجْتِهَادِ عَلَى مَا قُلْنَا: إنَّهُمْ أَهْلُ الْحَرْبِ وَلَا أَمَانَ لَهُمْ صَرِيحًا.\n٤٤٤٦ - وَكَذَلِكَ قَوْمٌ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ دَعَاهُمْ الْمُسْلِمُونَ إلَى الْإِسْلَامِ فَأَبَوْا أَنْ يُجِيبُوا إلَيْهِ.\nفَقَاتَلُوهُمْ وَحَصَرُوهُمْ، فَقَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: نَنْزِلُ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالُوا لَهُمْ: انْزِلُوا، فَنَزَلُوا، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ يَعْرِضُونَ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامَ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ لِمَا قُلْنَا، وَإِنْ أَبَوْا أَنْ يُسْلِمُوا أُجْبِرُوا عَلَى الْإِسْلَامِ وَحُبِسُوا حَتَّى يُسْلِمُوا.\nلِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِلْقَتْلِ لِأَنَّهُمْ خَرَجُوا عَلَى أَمَانٍ وَلَا وَجْهَ لِضَرْبِ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ.\nلِأَنَّهُمْ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ.\nوَلَا وَجْهَ لِرَدِّهِمْ إلَى حِصْنِهِمْ.\nلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُتْرَكُوا لِيَعُودُوا إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَيَكُونُوا حَرْبًا لَنَا فَلَمْ يَبْقَ وَجْهٌ إلَّا الْحَبْسُ.","vol":"1","page":2236},{"text":"فَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَرِثَ مَالَهُ وَرَثَتُهُ.\nلِأَنَّهُمْ فِي حُكْمِ الْمُسْتَأْمَنِينَ.\n٤٤٤٧ - وَإِنْ رَأَى إمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَقْبَلَ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ الْجِزْيَةَ جَازَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ هَذَا خَطَأً.\nلِأَنَّ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ مَدْخَلًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩] إلَى أَنْ قَالَ ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] وَلَيْسَ فِيهِ تَخْصِيصٌ وَلِأَنَّ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ أَهْلُ دِينٍ وَاحِدٍ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ آرَاؤُهُمْ وَنِحَلُهُمْ.\n٤٤٤٨ - وَكَذَلِكَ أَوْلَادُ الْمُرْتَدِّينَ إنْ رَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَجْعَلَهُمْ ذِمَّةً جَازَ ذَلِكَ.\nلِأَنَّ الْمَوْضِعَ مَوْضِعُ الِاجْتِهَادِ.\n٤٤٤٩ - وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ الْإِمَامَ رَأَى سَبْيَ مُشْرِكِي الْعَرَبِ فَخَمَّسَهُمْ وَقَسَمَهُمْ جَازَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ لِوَالٍ آخَرَ أَنْ يُبْطِلَ مَا وَضَعَ.\nلِأَنَّ هَذَا مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ فَإِنَّهُمْ أَهْلُ حَرْبٍ، وَلِأَنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَنْ يَجُوزَ اسْتِرْقَاقُ مُشْرِكِي الْعَرَبِ.\n٤٤٥٠ - وَكَذَلِكَ إنْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَرَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَخْمِسهُمْ وَيَقْسِمَهُمْ فَفَعَلَ جَازَ ذَلِكَ.\nوَلَيْسَ لِوَالٍ آخَرَ أَنْ يُبْطِلَهُ لِمَا قُلْنَا: إنَّ هَذَا مِمَّا يَسَعُ فِيهِ اجْتِهَادُ الرَّأْيِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.","vol":"1","page":2237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>[بَابٌ مَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ نُصْرَتُهُ وَبِمَنْ يَبْدَءُونَ]</span>\n٢١١ - بَابٌ مَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ نُصْرَتُهُ وَبِمَنْ يَبْدَءُونَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ:\n٤٤٥١ - إذَا دَخَلَ الْعَسْكَرُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَرْضَ الْحَرْبِ فَأُخْبِرُوا أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَدْ أَتَوْا بَعْضَ أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ بَعْضَ ثُغُورِهِمْ، فَإِنْ خَافَ الْعَسْكَرُ عَلَى أَهْلِ الثَّغْرِ أَلَّا يُطِيقُوا الْعَدُوَّ الَّذِي أَتَاهُمْ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْفِرُوا إلَيْهِمْ وَيَدْعُوا غَزْوَهُمْ.\nلِأَنَّهُمْ إذَا خَافُوا عَلَى أَهْلِ الثَّغْرِ فَإِنَّهُ يُفْرَضُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَنْفِرَ إلَيْهِمْ وَيَنْصُرَهُمْ، وَدُخُولُهُمْ دَارَ الْحَرْبِ لِلْعَدُوِّ نَافِلَةٌ لَهُمْ أَوْ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، وَفَرْضُ الْعَيْنِ لَا يُتْرَكُ بِالنَّافِلَةِ، أَوْ بِمَا هُوَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، وَلِأَنَّهُمْ لَوْ نَفَرُوا إلَى أَهْلِ الثَّغْرِ يَحْصُلُ فِيهِ شَيْئَانِ اثْنَانِ: قِتَالُ الْمُشْرِكِينَ، وَنَجَاةُ الْمُسْلِمِينَ.\nوَلَوْ مَضَوْا عَلَى غَزْوِهِمْ لَا يَحْصُلُ فِيهِ إلَّا قِتَالُ الْمُشْرِكِينَ، فَكَانَ الِاشْتِغَالُ بِمَا يَحْصُلُ فِيهِ نَجَاةُ الْمُسْلِمِينَ مَعَ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ أَوْلَى.\n٤٤٥٢ - وَإِنْ كَانُوا لَا يَخَافُونَ عَلَى أَهْلِ الثَّغْرِ، أَوْ كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْهُمْ أَنَّ الْقَوْمَ يَنْتَصِفُونَ مِنْهُمْ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَمْضُوا عَلَى غَزْوِهِمْ وَيَدَعُوهُمْ.","vol":"1","page":2238},{"text":"لِأَنَّهُ مَا مِنْ عَسْكَرٍ يَخْرُجُونَ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ إلَّا وَيَتَوَهَّمُ أَنَّ الْعَدُوَّ يَمِيلُونَ إلَى بَعْضِ ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَعَ هَذَا لَا يُمْنَعُونَ عَنْ الْخُرُوجِ، فَكَذَلِكَ لَا يَمِيلُونَ عَنْ الْمُضِيِّ فِيهِ إذْ لَوْ لَمْ يَمْضُوا لِهَذَا الْمَعْنَى يُؤَدِّي إلَى تَرْكِ الْجِهَادِ أَصْلًا، وَلِأَنَّهُمْ لَوْ مَضَوْا فِي وَجْهِهِمْ تَحْصُلُ النِّكَايَةُ عَلَى الْعَدُوِّ مِنْ وَجْهَيْنِ، فَإِنَّ أَهْلَ الثُّغُورِ رُبَّمَا يَظْفَرُونَ بِمَنْ أَتَاهُمْ، وَالْعَسْكَرُ كَذَلِكَ بِاَلَّذِينَ قَصَدُوهُمْ، وَكُلَّمَا كَانَتْ النِّكَايَةُ بِالْعَدُوِّ أَكْثَرَ كَانَ ذَلِكَ أَحْسَنَ.\n٤٤٥٣ - وَإِنْ كَانُوا يَخَافُونَ عَلَى أَهْلِ الثَّغْرِ إنْ لَمْ يُعِنْهُمْ الْمُسْلِمُونَ وَكَانَ قُرْبُهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إنْ أَعَانُوهُمْ يَنْتَصِفُونَ مِنْ الْعَدُوِّ أَوْ كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْهُمْ أَنَّ أُولَئِكَ الْمُسْلِمِينَ يَقْصِدُونَهُمْ، كَانُوا فِي سَعَةٍ مِنْ الْمُضِيِّ إلَى غَزْوِهِمْ.\nلِمَا قُلْنَا: إنَّ فِيهِ النِّكَايَةَ بِهِمْ مِنْ وَجْهَيْنِ.\n٤٤٥٤ - وَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْهُمْ أَنَّ أُولَئِكَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَنْصُرُونَهُمْ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَرْجِعُوا عَنْ غَزْوِهِمْ.\nلِمَا قُلْنَا.\nوَإِنَّمَا يُعْمَلُ بِأَكْبَرِ الرَّأْيِ هَا هُنَا، لِأَنَّ الْقَلْبَ حَكَمَ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ يُوجِبُ الْعَمَلَ بِالظَّاهِرِ، وَالدَّلِيلُ الظَّاهِرُ مَعْدُومٌ هَا هُنَا فَكَانَ الْقَلْبُ حَكَمًا فِيهِ.\n٤٤٥٥ - وَلَوْ أَنَّ عَسْكَرَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ دَخَلُوا أَرْضَ الْحَرْبِ","vol":"1","page":2239},{"text":"مُتَفَرِّقِينَ كُلُّ عَسْكَرٍ مِنْ نَاحِيهِ فَبَلَغَ أَحَدُ الْعَسْكَرَيْنِ أَنَّ الْعَدُوَّ تَفَرَّقُوا فِرْقَتَيْنِ، فَأَتَى فَرِيقٌ مِنْهُمْ ثَغْرًا مِنْ ثُغُورِ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْهُ أَوْ غَيْرِهِ، وَأَتَى فَرِيقٌ مِنْهُمْ الْعَسْكَرَ الْآخَرَ لِلَّذِينَ دَخَلُوا مَعَهُمْ، وَخَافُوا عَلَى الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا إنْ لَمْ يُعِينُوهُمْ، فَإِنَّهُ يُنْظَرُ إنْ كَانَ هَذَا الْعَسْكَرُ بِحَالِ لَوْ تَفَرَّقُوا فِرْقَتَيْنِ فَتَذْهَبُ فِرْقَةٌ إلَى الْعَسْكَرِ الْآخَرِ وَفِرْقَةٌ إلَى الثَّغْرِ، فَظَنُّوا أَنَّهُمْ يَنْتَصِفُونَ مِنْ عَدُوِّهِمْ تَفَرَّقُوا فِرْقَتَيْنِ، فَيَأْتِي كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ حَتَّى يُعِينُوهُمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ.\nلِأَنَّ فِيهِ النِّكَايَةَ لِكُلِّ عَدُوٍّ، وَالنَّجَاةَ لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَكَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ.\n٤٤٥٦ - وَإِنْ كَانُوا لَوْ تَفَرَّقُوا فَرِيقَيْنِ لَمْ يُغْنُوا شَيْئًا فِيمَا يَظُنُّونَ، فَإِنَّهُمْ لَا يَتَفَرَّقُونَ وَلَكِنْ يَأْتُونَ أَهْلَ الْعَسْكَرِ الَّذِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَيُعِينُوهُمْ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الثَّغْرِ.\nلِأَنَّ الْخَوْفَ عَلَيْهِمْ أَشَدُّ وَهُمْ مِنْ الْمَدَدِ أَبْعَدُ، فَإِنَّ أَهْلَ الثَّغْرِ رُبَّمَا يُعِينُهُمْ الْمُسْلِمُونَ أَوْ يَنْحَازُونَ إلَى الْمُسْلِمِينَ، وَالْعَسْكَرُ الَّذِينَ أَتَاهُمْ الْعَدُوُّ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يُعِينُهُمْ الْمُسْلِمُونَ وَلَا يَجِدُونَ مَلْجَأً يَنْحَازُونَ إلَيْهِ، فَكَانَ الْعَسْكَرُ الْآخَرُ أَوْلَى بِالْإِعَانَةِ لَهُمْ مِنْ أَهْلِ الثَّغْرِ.\n٤٤٥٧ - وَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ الَّذِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَنَّهُمْ لَا يَنْتَصِفُونَ مِنْ عَدُوِّهِمْ أَتَوْا أَهْلَ الثَّغْرِ وَتَرَكُوهُمْ.","vol":"1","page":2240},{"text":"لِأَنَّ أَهْلَ الْعَسْكَرِ لَا يَحْتَاجُونَ إلَى إعَانَتِهِمْ، وَأَهْلَ الثَّغْرِ يَحْتَاجُونَ إلَى الْإِعَانَةِ وَالنُّصْرَةِ فَالْمِيلُ إلَيْهِمْ أَوْلَى.\n٤٤٥٨ - وَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْعَسْكَرِ أَنَّ الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا لَا يَنْتَصِفُونَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، إلَّا أَنَّ أَهْلَ الْعَسْكَرِ الْآخَرِ إلَى أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ أَقْرَبُ، وَالْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ يُعِينُونَهُمْ أَقْرَبُ إلَيْهِمْ، وَأَهْلُ الثَّغْرِ أَبْعَدُ مِنْ أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ، وَجَبَ عَلَى أَهْلِ هَذَا الْعَسْكَرِ أَنْ يُعِينُوا أَهْلَ الثَّغْرِ.\nلِأَنَّ الْخَوْفَ عَلَى أَهْلِ الثَّغْرِ أَشَدُّ، وَالْمَدَدَ مِنْهُمْ أَبْعَدُ فَإِعَانَتُهُمْ أَوْجَبُ عَلَيْهِمْ.\n٤٤٥٩ - وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ أَنْ قَدْ اسْتَوَيَا فِي الْفَرِيقَيْنِ يَعْنِي: الْخَوْفُ عَلَيْهِمَا وَالرَّجَاءُ لَهُمَا عَلَى السَّوَاءِ، فَالْوَاجِبُ عَلَى أَهْلِ هَذَا الْعَسْكَرِ أَنْ يُعِينُوا أَقْرَبَ الْفَرِيقَيْنِ مِنْهُمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ.\nلِأَنَّ عَدُوَّهُمْ أَقْرَبُ الْعَدُوَّيْنِ مِنْ هَذَا الْعَسْكَرِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِقِتَالِ الْأَقْرَبِ مِنْ الْعَدُوِّ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣]، وَلِأَنَّهُمْ لَوْ أَتَوْا أَقْرَبَ الْفَرِيقَيْنِ رُبَّمَا يَهْزِمُونَ ذَلِكَ الْعَدُوَّ، ثُمَّ يَذْهَبُونَ إلَى الْفَرِيقِ الْآخَرِ فَيَنْصُرُونَهُمْ فَيَكُونُ فِيهِ النِّكَايَةُ بِالْعَدُوَّيْنِ جَمِيعًا.\n٤٤٦٠ - وَإِنْ كَانَ الْأَبْعَدُونَ الْخَوْفُ عَلَيْهِمْ أَشَدُّ كَانُوا أَوْلَى","vol":"1","page":2241},{"text":"بِالنُّصْرَةِ مِنْ الْأَقْرَبِينَ، وَإِنْ كَانُوا فِي الْقُرْبِ مِنْهُمْ عَلَى السَّوَاءِ، وَالْخَوْفُ عَلَيْهِمْ سَوَاءٌ، أَتَوْا أَهْلَ الثَّغْرِ.\nلِأَنَّ الضَّرَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي هَلَاكِ أَهْلِ الثَّغْرِ أَكْثَرُ فَكَانَ الذَّبُّ عَنْ حَرَمِ الْمُسْلِمِينَ وَمَا فِيهِ إعْزَازٌ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ أَوْلَى.\n٤٤٦١ - وَلَوْ أَنَّ عَسَاكِرَ ثَلَاثَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ دَخَلُوا أَرْضَ الْعَدُوِّ، وَدَخَلَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ نَاحِيَةً مِنْ النَّوَاحِي، فَأَتَى الْعَدُوُّ عَسْكَرَيْنِ مِنْ تِلْكَ الْعَسَاكِرِ، وَتَرَكُوا الْعَسْكَرَ الثَّالِثَ، فَأُخْبِرَ الْعَسْكَرُ الثَّالِثُ بِكَثْرَةِ الْعَدُوِّ، فَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْعَسْكَرِ الثَّالِثِ أَنَّ أَهْلَ الْعَسْكَرَيْنِ يَنْتَصِفُونَ مِنْ الْعَدُوِّ مَضَوْا عَلَى غَزْوِهِمْ.\nلِأَنَّ الْعَسْكَرَيْنِ الْآخَرَيْنِ لَا يَحْتَاجَانِ إلَى إعَانَتِهِمَا.\n٤٤٦٢ - وَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْهُمْ أَنَّ أَحَدَ الْفَرِيقَيْنِ يَنْتَصِفُ، وَالْآخَرَ لَا يَنْتَصِفُ أَتَوْا الْفَرِيقَ الْآخَرَ الَّذِي لَا يَنْتَصِفُ.\nلِمَا قُلْنَا: إنَّ فِيهِ نِكَايَةً لِلْعَدُوِّ وَنَجَاةَ الْمُسْلِمِينَ.\n٤٤٦٣ - وَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ مِنْهُمْ أَنَّ الْفَرِيقَيْنِ لَا يَنْتَصِفُونَ مِمَّنْ أَتَاهُمْ، وَإِنْ تَفَرَّقُوا لَمْ يُغْنُوا شَيْئًا، فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْعَسْكَرَيْنِ أَقْرَبَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ أَتَوْا الْعَسْكَرَ الْآخَرَ وَتَرَكُوهُمْ.","vol":"1","page":2242},{"text":"لِمَا قُلْنَا: إنَّ الْخَوْفَ عَلَيْهِمْ أَكْبَرُ.\n٤٤٦٤ - وَإِذَا كَانَ حَالُ الْعَسْكَرَيْنِ حَالًا وَاحِدَةً أَتَوْا أَقْرَبَ الْعَسْكَرَيْنِ مِنْهُمْ وَإِنْ كَانَ الْعَسْكَرُ الْآخَرُ يَهْلَكُ.\nلِأَنَّ عَدُوَّ ذَلِكَ الْعَسْكَرِ أَقْرَبُ مِنْهُمْ.\n٤٤٦٥ - فَإِنْ كَانَ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ قَلِيلًا وَالْآخَرُونَ كَثِيرًا بُدِئَ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ وَلَمْ يُنْظَرْ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ.\nلِأَنَّ حَقَّ الْأَقْرَبِ أَوْجَبُ.\n٤٤٦٦ - إلَّا إنْ كَانَ هَذَا يَضُرُّ بِالْمُسْلِمِينَ إضْرَارًا شَدِيدًا وَيَخَافُونَ أَنْ يَهْلَكَ الْمُسْلِمُونَ بِهِ وَيَذِلُّونَ، فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ هَكَذَا أَتَوْا الْكَثِيرَ.\nلِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي هَذَا أَكْثَرُ وَأَعَمُّ.\n٤٤٦٧ - وَإِنْ كَانَ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ أَكْثَرَ وَالْأَبْعَدُونَ أَقَلَّ لَا يَكُونُ الْأَبْعَدُ أَوْلَى بِالنُّصْرَةِ وَلَكِنَّ الْأَقْرَبِينَ أَوْلَى.\nلِأَنَّ رُبَّ قَلِيلٍ يَنْتَصِفُونَ مِنْ كَثِيرٍ، وَرُبَّ كَثِيرٍ لَا يَنْتَصِفُونَ مِنْ قَلِيلٍ فَحَقُّ النُّصْرَةِ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ، إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْقُرْبِ وَالْبُعْدِ.\nوَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":2243},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-213>[بَابٌ مَتَى يَصِيرُ الْحَرْبِيُّ ذِمِّيًّا]</span>\n٢١٢ - بَابٌ: مَتَى يَصِيرُ الْحَرْبِيُّ ذِمِّيًّا؟ قَالَ مُحَمَّدٌ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ:\n٤٤٦٨ - إذَا دَخَلَ الْحَرْبِيُّ دَارَ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ فَاشْتَرَى أَرْضَ خَرَاجٍ فَوُضِعَ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ فِيهَا كَانَ ذِمِّيًّا.\nاعْلَمْ بِأَنَّ الْحَرْبِيَّ الْمُسْتَأْمَنَ إذَا اشْتَرَى فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَرْضَ عُشْرٍ أَوْ خَرَاجٍ فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا حَتَّى يَزْرَعَهَا، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ عُشْرٌ أَوْ خَرَاجٌ.\nوَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ يَصِيرُ ذِمِّيًّا وَذَهَبُوا فِي ذَلِكَ إلَى أَنَّ شِرَاءَ الْأَرْضِ لِلْقَرَارِ فَصَارَ بِالشِّرَاءِ رَاضِيًا بِالْمُقَامِ فِي دَارِنَا فَصَارَ ذِمِّيًّا.\nإلَّا أَنَّا نَقُولُ: لَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا، لِأَنَّ الشِّرَاءَ قَدْ يَكُونُ لِلتِّجَارَةِ، وَقَدْ يَكُونُ لِلزِّرَاعَةِ، فَلَا يَصِيرُ رَاضِيًا بِالْمُقَامِ فِي دَارِنَا مَا لَمْ يَزْرَعْ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْخَرَاجُ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ ذِمِّيَّةً فِي دَارِنَا لَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا، وَالتَّزَوُّجُ لِلْقَرَارِ، فَلَأَنْ يَكُونَ ذِمِّيًّا بِشِرَاءِ الْأَرْضِ كَانَ أَوْلَى، فَإِذَا أُخِذَ مِنْهُ خَرَاجُ أَرْضٍ صَارَ ذِمِّيًّا يُوضَعُ عَلَيْهِ خَرَاجُ رَأْسِهِ وَلَمْ يُتْرَكْ أَنْ يَخْرُجَ إلَى دَارِهِ.\nلِأَنَّ خَرَاجَ الْأَرْضِ لَا يَجِبُ إلَّا عَلَى مَنْ هُوَ أَهْلُ دَارِ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّهُ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ، وَحُكْمُ الْمُسْلِمِينَ لَا يَجْرِي إلَّا عَلَى مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِ","vol":"1","page":2244},{"text":"الْإِسْلَامِ، فَلَمَّا وُضِعَ عَلَى هَذَا الْمُسْتَأْمَنِ خَرَاجٌ، فِي أَرْضِهِ يَصِيرُ مَنْ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَإِذَا صَارَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ كَانَ ذِمِّيًّا.\nوَلِأَنَّ الْخَرَاجَ فِي الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ إنَّمَا يُوضَعُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ اُسْتُؤْنِفَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ.\n٤٤٦٩ - أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْلِمَ مَتَى اتَّخَذَ دَارِهِ مَزْرَعَةً وَجَبَ عَلَيْهِ فِيهَا الْعُشْرُ، وَالذِّمِّيُّ لَوْ اتَّخَذَ دَارِهِ بُسْتَانًا يَجِبُ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ، فَلَمَّا وُضِعَ عَلَى هَذَا الْمُسْتَأْمَنِ خَرَاجُ أَرْضِهِ فَقَدْ وُضِعَ عَلَيْهِ مَا يُوضَعُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ، فَصَارَ بِذَلِكَ ذِمِّيًّا.\nثُمَّ قَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ: إذَا وُضِعَ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ كَانَ ذِمِّيًّا.\nقَالَ بَعْضُهُمْ: إذَا نُبِّهَ، عَلَى ذَلِكَ، وَبُيِّنَ لَهُ أَنَّا نَأْخُذُ مِنْك خَرَاجَ أَرْضِك إنْ لَمْ تَبِعْهَا، وَلَمْ تَرْجِعْ إلَى بِلَادِك.\nلِأَنَّهُ لَا يُجْعَلُ ذِمِّيًّا إلَّا بِرِضَاءٍ مِنْهُ، فَإِذَا لَمْ يُزِلْ الْأَرْضَ عَنْ مِلْكِهِ بَعْدَ مَا بُيِّنَ لَهُ صَارَ ذَلِكَ دَلِيلَ الرِّضَاءِ مِنْهُ بِكَوْنِهِ ذِمِّيًّا. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: مَعْنَى إذَا وُضِعَ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ كَانَ ذِمِّيًّا، إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ حِينَئِذٍ يَصِيرُ ذِمِّيًّا، لِأَنَّ كَوْنَهُ ذِمِّيًّا إنَّمَا يَتَفَرَّعُ عَنْ خَرَاجِ أَرْضِهِ، فَمَا لَمْ يَجِبْ الْحَقُّ فِي أَرْضٍ لَمْ يَتَفَرَّعْ عَنْ صَيْرُورَتِهِ ذِمِّيًّا.\n٤٤٧٠ - وَلَوْ أَنَّ حَرْبِيًّا دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ فَاشْتَرَى أَرْضًا","vol":"1","page":2245},{"text":"مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ فَبَاعَهَا قَبْلَ أَنْ يَجِبَ خَرَاجُهَا لَمْ يَكُنْ بِشِرَاءِ الْأَرْضِ ذِمِّيًّا.\nلِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا مِنْ أَهْلِ دَارِنَا بِوُجُوبِ الْخَرَاجِ عَلَيْهِ، وَالْخَرَاجُ لَمْ يَجِبْ بَعْدُ فَلَا يَصِيرُ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ ذِمِّيًّا.\n٤٤٧١ - وَلَوْ أَنَّ حَرْبِيًّا دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ فَاسْتَأْجَرَ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ فَزَرَعَهَا فَخَرَاجُ الْأَرْضِ عَلَى صَاحِبِهَا، وَلَيْسَ عَلَى الزَّارِعِ مِنْ الْخَرَاج شَيْءٌ.\n٤٤٧٢ - لِأَنَّ الْخَرَاجَ يَجِبُ بِإِزَاءِ الْمَنْفَعَةِ، وَالْمَنْفَعَةُ فِي الْحَقِيقَةِ حَصَلَتْ لِرَبِّ الْأَرْضِ، لِأَنَّ الْبَدَلَ حَصَلَ لَهُ فَكَانَ الْخَرَاجُ عَلَيْهِ.\nفَإِنْ زَرَعَهَا الْحَرْبِيُّ وَأَدَّى أَجْرَهَا إلَى الَّذِي اسْتَأْجَرَهَا مِنْهُ وَأَخَذَ الْخَرَاجَ مِنْ صَاحِبِهَا لَمْ يَكُنْ الْحَرْبِيُّ ذِمِّيًّا بِالزِّرَاعَةِ.\nلِأَنَّهُ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ الْخَرَاجُ، وَلَكِنَّ الْإِمَامَ لَا يَدَعُهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ حَتَّى يَزْرَعَ، لِأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالزِّرَاعَةِ مُكْثٌ وَمُقَامٌ فِي دَارِنَا، وَالْحَرْبِيُّ يُمْتَنَعُ أَنْ يُطِيلَ","vol":"1","page":2246},{"text":"السَّفَرَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَكِنَّهُ إذَا قَضَى حَاجَتَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ نَأْمُرُهُ بِالرَّجْعَةِ إلَى بِلَادِهِ فَإِنْ أَطَالَ الْمُكْثَ بِهَا، وَالْإِمَامُ لَا يَعْلَمُ، ثُمَّ عِلْمَ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَيْهِ، وَيُخْبِرَهُ أَنَّهُ إنْ أَقَامَ سَنَةً مِنْ يَوْمِ يَقْدَمُ إلَيْهِ أَخَذَ مِنْهُ الْخَرَاجَ فَإِنْ رَجَعَ قَبْلَ تَمَامِ السَّنَةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَقَامَ حَتَّى تَمَّتْ السَّنَةُ أَخَذَ الْإِمَامُ مِنْهُ خَرَاجَ رَأْسِهِ، وَجَعَلَهُ ذِمِّيًّا، وَلَا يَدَعُهُ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى بِلَادِهِ، وَقَدْ تَمَّ الْكَلَامُ فِيهِ مِنْ قَبْلُ.\n٤٤٧٣ - وَلَوْ أَنَّ حَرْبِيًّا مُسْتَأْمَنًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ اسْتَأْجَرَ مِنْ رَجُلٍ أَرْضًا - خَرَاجُهَا مُقَاسَمَةُ نِصْفِ مَا يَخْرُجُ - فَزَرَعَهَا الْحَرْبِيُّ بِبَذْرِهِ.\nفَإِنَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - خَرَاجَ الْأَرْضِ يَجِبُ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ.\nوَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا يَجِبُ عَلَى الْمَزَارِعِ فِي الْخَارِجِ.\nلِأَنَّ خَرَاجَ الْمُقَاسَمَةِ بِمَنْزِلَةِ الْعُشْرِ، وَمَنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ عُشْرٍ وَزَرَعَهَا فَإِنَّ الْعُشْرَ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا يَجِبُ عَلَى الزُّرَّاعِ فِي الْخَارِجِ.\n٤٤٧٤ - فَإِنْ أَخَذَ الْإِمَامُ خَرَاجَهَا مِمَّا أَخْرَجَتْ، وَحَكَمَ بِذَلِكَ عَلَيْهِ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ رَأْيِهِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ ذِمِّيًّا بِالِاتِّفَاقِ.\nأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا فَلَا إشْكَالَ، فَإِنَّ الْخَرَاجَ عِنْدَهُمَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، وَالْحَرْبِيُّ هُوَ الْمُسْتَأْجِرُ، فَقَدْ جَرَى عَلَيْهِ حُكْمٌ مِنْ","vol":"1","page":2247},{"text":"أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ حِينَ أَخَذَ الْإِمَامُ مِنْهُ الْخَرَاجَ، فَصَارَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا فَيَصِيرُ ذِمِّيًّا.\nوَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فَلِأَنَّ الْخَرَاجَ وَإِنْ كَانَ يَجِبُ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ، وَلَكِنْ لَمَّا حَكَمَ بِهِ الْإِمَامُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَأَخَذَ مِنْ الْخَارِجِ، فَقَدْ قَضَى فِي مَوْضِعٍ مُجْتَهَدٍ فِيهِ فَنَفَذَ قَضَاؤُهُ وَصَارَ الْحَقُّ عَلَيْهِ فَصَارَ ذِمِّيًّا بِالِاتِّفَاقِ.\n٤٤٧٥ - وَلَوْ اشْتَرَى الْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَنُ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ وَخَرَاجُهَا مُقَاسَمَةُ النِّصْفِ مِمَّا يَخْرُجُ أَوْ الثُّلُثِ، فَآجَرَهَا مِنْ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ لِيَزْرَعَهَا بِبَذْرِهِ، فَأَخْرَجَتْ طَعَامًا، فَأَخَذَ الْإِمَامُ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ نِصْفَ مَا أَخْرَجَتْ، وَرَأَى الْإِمَامُ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْمَزَارِعِ فِيمَا أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ فَإِنَّ الْحَرْبِيَّ لَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا.\nلِأَنَّ الْخَرَاجَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فِي أَرْضِهِ إنَّمَا أَخَذَهُ مِنْ غَيْرِهِ.\n٤٤٧٦ - وَإِنَّمَا يُنْظَرُ فِي هَذَا إلَى مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَقُّ لَا إلَى مِلْكِ الْأَرْضِ.\nلِأَنَّ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَقُّ وَأُخِذَ مِنْهُ هُوَ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ الْحُكْمُ، فَيَصِيرُ بِالْحُكْمِ ذِمِّيًّا، سَوَاءٌ كَانَ هُوَ الْمَالِكُ لِلْأَرْضِ أَوْ غَيْرُهُ.\n٤٤٧٧ - وَلَوْ كَانَ الَّذِي اسْتَأْجَرَهَا مِنْهُ حَرْبِيًّا مُسْتَأْمَنًا صَارَ الْمُسْتَأْجِرُ ذِمِّيًّا.\nلِأَنَّهُ جَرَى عَلَيْهِ الْحُكْمُ فِي زَرْعِهِ.\n٤٤٧٨ - وَلَوْ لَمْ يُؤَاجِرْهَا الْحَرْبِيُّ، وَلَكِنَّهُ أَعَارَهَا عَارِيَّةً، فَإِنْ","vol":"1","page":2248},{"text":"كَانَ الْخَرَاجُ خَرَاجَ مُقَاسَمَةٍ، كَانَ الْخَرَاجُ فِي الزَّرْعِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا.\n٤٤٧٩ - وَلَوْ غَصَبَهَا إيَّاهُ غَاصِبٌ فَزَرَعَهَا، وَخَرَاجُهَا الْمُقَاسَمَةُ، فَأَخْرَجَتْ زَرْعًا كَثِيرًا، فَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ لَمْ تَنْقُصْ شَيْئًا، فَالْخَرَاجُ يُؤْخَذُ مِنْ الْخَارِجِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا.\nلِأَنَّ خَرَاجَ الْمُقَاسَمَةِ بِمَنْزِلَةِ الْعُشْرِ، وَالْعُشْرُ عَلَى الْغَاصِبِ لِأَنَّ الْمَنَعَةَ حَصَلَتْ لَهُ فَكَذَلِكَ الْخَرَاجُ عَلَيْهِ [وَلَا يَصِيرُ صَاحِبُهَا الْمُسْتَأْمَنُ ذِمِّيًّا لِأَنَّ الْحَقَّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فِي أَرْضِهِ إنَّمَا وَجَبَ عَلَى غَيْرِهِ] .\n٤٤٨٠ - وَإِنْ كَانَتْ الزِّرَاعَةُ نَقَصَتْ الْأَرْضَ.\nفَإِنَّ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ.\n٤٤٨١ - الْخَرَاجُ يُؤْخَذُ مِنْ الْخَارِجِ، وَالنُّقْصَانُ لِرَبِّ الْأَرْضِ، وَالْأُجْرَةُ فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ غَصَبَهَا كَانَ الْخَرَاجُ فِي الْخَارِجِ وَالنُّقْصَانُ لِرَبِّ الْأَرْضِ.\nوَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - نُقْصَانُ الْأَرْضِ بِمَنْزِلَةِ الْأُجْرَةِ لِلْأَرْضِ، عَلَى مَا يُذْكَرُ فِيمَا إذَا كَانَ الْخَرَاجُ خَرَاجَ وَظِيفَةٍ، فَيَكُونُ الْخَرَاجُ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ، فَيَصِيرُ صَاحِبُهَا الْمُسْتَأْمَنُ ذِمِّيًّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ لَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا.","vol":"1","page":2249},{"text":"وَإِنْ كَانَ خَرَاجُهَا دَرَاهِمَ فَاغْتَصَبَهَا مُغْتَصِبٌ فَزَرَعَهَا فَلَمْ يُنْقِصْهَا الزَّرْعُ شَيْئًا فَخَرَاجُهَا عَلَى الْغَاصِبِ.\nلِأَنَّ الْحَرْبِيَّ لَمْ يَسْتَفِدْ مَنْفَعَةً مِنْ الزِّرَاعَةِ، وَلَمْ يَرْضَ أَيْضًا بِتَعْطِيلِ مَنَافِعِ الْأَرْضِ فَإِنَّ الْأَرْضَ أُخِذَتْ مِنْهُ غَصْبًا فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ.\n٤٤٨٣ - كَمَا لَا يَجِبُ إذَا غَرِقَتْ الْأَرْضُ بِالْمَاءِ وَعَجَزَ عَنْ زِرَاعَتِهَا، ثُمَّ إذَا أُخِذَ الْغَاصِبُ بِخَرَاجِهَا لَمْ يَصِرْ صَاحِبُهَا الْمُسْتَأْمَنُ ذِمِّيًّا، وَإِنْ أَخَذَ خَرَاجَ أَرْضِهِ.\nلِأَنَّهُ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ إنَّمَا أُخِذَ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَصِيرُ بِهِ ذِمِّيًّا.\n٤٤٨٤ - فَإِنْ كَانَ الزَّارِعُ نَقَصَهَا شَيْئًا يُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَ النُّقْصَانُ مِثْلَ الْخَرَاجِ أَوْ أَكْثَرَ فَإِنَّ الْمُسْتَأْمَنَ يَأْخُذُ ذَلِكَ النُّقْصَانَ، وَيُؤَدِّي مِنْهُ الْخَرَاجَ وَيَكُونُ الْفَضْلُ لَهُ إنْ كَانَ.\nلِأَنَّهُ وَصَلَ إلَيْهِ النَّفْعُ مِنْ جِهَةِ الزِّرَاعَةِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ زَرَعَهَا بِنَفْسِهِ أَوْ آجَرَهَا مِنْ غَيْرِهِ.\nوَيَصِيرُ صَاحِبُهَا الْمُسْتَأْمَنُ ذِمِّيًّا.\nلِأَنَّ خَرَاجَ أَرْضِهِ أُخِذَ مِنْهُ.\n٤٤٨٥ - وَإِنْ كَانَ النُّقْصَانُ أَقَلَّ مِنْ الْخَرَاجِ كَانَ قَدْرَ النُّقْصَانِ مِنْ الْخَرَاجِ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ وَفَضْلُ الْخَرَاجِ عَلَى الْغَاصِبِ.","vol":"1","page":2250},{"text":"لِأَنَّ الْخَرَاجَ إنَّمَا يَجِبُ عَلَى الْمُغْتَصَبِ مِنْهُ حُكْمًا بِمَا يَرْجِعُ إلَيْهِ مِنْ النَّفْعِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِ شَيْءٌ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ الْخَرَاجِ، وَحِينَ رَجَعَ إلَيْهِ مِثْلُ الْخَرَاجِ أَوْ أَكْثَرُ أُخِذَ مِنْهُ الْخَرَاجُ كُلُّهُ، فَإِذَا رَجَعَ إلَيْهِ مِنْ النَّفْعِ مِثْلُ بَعْضِ الْخَارِجِ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِهِ، وَكَانَ الْفَضْلُ عَلَى الْغَاصِبِ.\nوَذَكَرَ أَبُو يُوسُفَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي الْمُزَارَعَةِ الْكَبِيرَةِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يُؤْخَذُ الْخَرَاجُ كُلُّهُ مِنْ الْمُغْتَصَبِ مِنْهُ، قَلَّ النُّقْصَانُ أَوْ كَثُرَ.\nوَذَكَرَ فِي الْمُزَارَعَةِ الصَّغِيرَةِ الْجَوَابَ أَنَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْخَرَاجُ كُلُّهُ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ، لِأَنَّهُ أُخِذَ مِنْ مَنَافِعِ أَرْضِهِ بَدَلًا، فَصَارَ كَأَنَّهُ آجَرَ أَرْضَهُ بِمَا أُخِذَ، وَلَوْ آجَرَ أَرْضَهُ كَانَ الْخَرَاجُ عَلَيْهِ، وَفِي الْأَجْرِ بِالْخَرَاجِ أَوْ لَمْ يَفِ فَكَذَلِكَ مَا هَاهُنَا.\n٤٤٨٦ - ثُمَّ إذَا أُخِذَ جَمِيعُ الْخَرَاجِ مِنْ الْحَرْبِيِّ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَوْ بَعْضُهُ يَصِيرُ ذِمِّيًّا.\nلِأَنَّهُ جَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ بِأَخْذِ بَعْضِهِ كَمَا يَجْرِي عَلَيْهِ بِأَخْذِ كُلِّهِ.\n٤٤٨٧ - وَلَوْ زَرَعَهَا الْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَنُ أَوْ الْغَاصِبُ أَوْ الْمُسْتَأْجِرُ أَوْ الْمُسْتَعِيرُ فَأَصَابَ زَرْعَهَا آفَةٌ فَاصْطَلَمَتْهُ مِنْ غَرَقٍ أَوْ غَيْرِهِ، لَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ خَرَاجُ تِلْكَ السَّنَةِ، وَلَمْ يَصِرْ الْمُسْتَأْمَنُ صَاحِبُ الْأَرْضِ ذِمِّيًّا.\nلِأَنَّهُ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ الْخَرَاجُ فَلَمْ يَصِرْ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا فَلَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا.","vol":"1","page":2251},{"text":"وَإِذَا اشْتَرَى الْمُسْتَأْمَنُ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ فَزَرَعَهَا أَوْ مَكَثَتْ فِي يَدِهِ سَنَةً أَوْ أَقَلَّ فَوَجَبَ فِيهَا الْخَرَاجُ، فَقَدْ صَارَ الْمُسْتَأْمَنُ ذِمِّيًّا حِينَ وَجَبَ فِي أَرْضِهِ الْخَرَاجُ، وَهُوَ لَزِمَهُ وَأُخِذَ.\nلِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِيرُ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا بِحُكْمِ الْإِمَامِ عَلَيْهِ، وَالْحُكْمُ بِالْأَخْذِ فِيمَا لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ لَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا.\n٤٤٨٩ - ثُمَّ إذَا أُخِذَ مِنْهُ الْخَرَاجُ يُؤْخَذُ مِنْهُ خَرَاجُ رَأْسِهِ بَعْدَ سَنَةٍ مُسْتَقْبِلَةٍ مِنْ يَوْمِ أُخِذَ مِنْهُ الْخَرَاجُ، وَلَا يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ فِي خَرَاجِ رَأْسِهِ لِمَا مَضَى مِنْ الشُّهُورِ وَالْأَرْضُ فِي يَدِهِ.\nوَهَذَا بِخِلَافِ التَّقْدِيمِ إلَيْهِ لَوْ أَطَالَ الْمُكْثَ بِأَرْضِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ لَهُ الْإِمَامُ: ارْجِعْ إلَى بِلَادِك، فَإِنَّك إنْ أَقَمْتَ سَنَةً بَعْدَ يَوْمِك هَذَا أَخَذْتُ مِنْك الْخَرَاجَ فَأَقَامَ سَنَةً صَارَ ذِمِّيًّا، وَأُخِذَ مِنْهُ الْخَرَاجُ فِي تَمَامِ تِلْكَ السَّنَةِ.\nوَوَجْهُ الْفَرْقِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّ فِي فَصْلِ التَّقَدُّمِ إنَّمَا يَأْخُذُ الْإِمَامُ مِنْهُ خَرَاجَ رَأْسِهِ مِنْ جِهَةِ الشَّرْطِ فَإِذَا شَرَطَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ الْخَرَاجَ إنْ لَمْ يَرْجِعْ إلَى سَنَةٍ أَخَذَ مِنْهُ كَمَا شَرَطَ، وَيَصِيرُ مَا شَرَطَ عَلَيْهِ كَمَا صَالَحَهُ الْإِمَامُ عَلَيْهِ عَلَى مُقَامِهِ فِي دَارِنَا فِي تِلْكَ السَّنَةِ، وَلِلْإِمَامِ ذَلِكَ مِنْهُ لَهُ فِي الِابْتِدَاءِ أَلَّا يُؤْمِنَّهُ وَأَلَّا يَدَعَهُ يَخْرُجُ إلَى الْإِسْلَامِ إلَّا بِمَالٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُ.\nفَلِهَذَا يَأْخُذُ مِنْهُ الْخَرَاجَ عِنْدَ تَمَامِ السَّنَةِ، وَأَمَّا صَيْرُورَتُهُ ذِمِّيًّا مِنْ جِهَةِ خَرَاجِ أَرْضِهِ لَا مِنْ جِهَةِ الشَّرْطِ وَلَكِنْ يَثْبُتُ حُكْمًا.\nوَلَوْ لَمْ يَجِبْ فِي أَرْضِهِ لَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا فَإِنَّمَا يَأْخُذُ مِنْهُ خَرَاجَ رَأْسِهِ إذَا مَضَتْ سَنَةٌ","vol":"1","page":2252},{"text":"مِنْ يَوْمِ يَصِيرُ ذِمِّيًّا، يَأْخُذُ مِنْهُ الْخَرَاجَ فَمَا لَمْ يَمْضِ سَنَةٌ كَامِلَةٌ عَلَى ذِمَّتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَأْخُذُ مِنْهُ الْخَرَاجَ.\n٤٤٩٠ - وَلَوْ قَالَ لَهُ الْإِمَامُ: إنْ أَقَمْتَ سَنَةً بَعْدَ يَوْمِك هَذَا أَخَذْتُ مِنْك مِائَةَ دِرْهَمٍ، ثُمَّ جَعَلْتُكَ بَعْدَ ذَلِكَ ذِمِّيًّا، آخُذُ مِنْك فِي رَأْسِ كُلِّ سَنَةٍ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا فَإِنْ أَقَامَ سَنَةً بَعْدَ التَّقَدُّمِ إلَيْهِ أُخِذَ مِنْهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ.\nلِمَا قُلْنَا: إنَّ مَا يَأْخُذُ مِنْهُ الْإِمَامُ فِي التَّقَدُّمِ إلَيْهِ إنَّمَا يَأْخُذُ مِنْ جِهَةِ الشَّرْطِ، وَالصُّلْحُ هَكَذَا جَرَى فِيمَا بَيْنَهُمَا وَهُوَ رَاضٍ بِهِ حِينَ أَقَامَ سَنَةً بَعْدَ الصُّلْحِ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ بِحُكْمِ الصُّلْحِ، وَيَصِيرُ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ عِنْدَ تَمَامِ الصُّلْحِ أُجْرَةً لِسُكْنَاهُ فِي دَارِنَا فِي تِلْكَ السَّنَةِ.\n٤٤٩١ - وَنَظِيرُ ذَلِكَ رَجُلٌ أَجَّرَ دَارًا لَهُ شَهْرًا فَقَالَ لَهُ قَبْلَ مُضِيِّ الشَّهْرِ: لَا تُقِمْ فِي دَارِي مِنْ الشَّهْرِ [الدَّاخِلِ شَيْئًا] وَأَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ أَقَامَ الشَّهْرَ الدَّاخِلَ فَأَجَّرَ الدَّارَ عَلَيْهِ عِشْرُونَ دِرْهَمًا، لِمَا أَنَّ الْأُجْرَةَ تَجِبُ بِالشُّرُوطِ [وَالْمَشْرُوطُ لِلشَّرْطِ الدَّاخِلِ عِشْرُونَ دِرْهَمًا] وَقَدْ رَضِيَ بِهَذَا الْمَشْرُوطِ حَيْثُ أَقَامَ فِيهَا فِي الشَّهْرِ الدَّاخِلِ، فَكَانَ الْحُكْمُ كَمَا شَرَطَ.","vol":"1","page":2253},{"text":"فَكَذَلِكَ خَرَاجُ الرَّأْسِ فِي التَّقْدِيمِ إلَيْهِ يَجِبُ بِالشَّرْطِ.\nوَقَدْ رَضِيَ بِالْمَشْرُوطِ حَيْثُ أَقَامَ سَنَةً فَكَانَ الْحُكْمُ كَمَا شَرَطَ.\n\nوَقَدْ انْتَزَعَ أَصْحَابُنَا مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَسْأَلَةً أُخْرَى، قَالُوا جَمِيعًا: لَوْ أَنَّ رَجُلًا غَصَبَ دَارًا مِنْ رَجُلٍ فَأَرَادَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ تَخْوِيفَ الْغَاصِبِ حَتَّى يَرُدَّ إلَيْهِ الدَّارَ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِرَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ إلَى الْغَاصِبِ فَيُشْهِدُهُمَا عَلَى الْغَاصِبِ فَيَقُولُ لَهُ: إنْ رَدَدْت الدَّارَ إلَيَّ وَإِلَّا أَخَذْتُ مِنْك كُلَّ شَهْرٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ مَثَلًا، فَإِنَّ الْإِشْهَادَ صَحِيحٌ.\nوَإِنْ أَقَامَ الْغَاصِبُ بَعْدَ هَذَا التَّقَدُّمِ إلَيْهِ فَالْمَغْصُوبُ مِنْهُ يَسْتَوْجِبُ هَذَا الْأَجْرَ الْمُسَمَّى عَلَى الْغَاصِبِ.\n٤٤٩٣ - وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ حِينَ تَقَدَّمَ إلَيْهِ قَالَ لَهُ: إنْ أَقَمْتَ سَنَةً بَعْدَ يَوْمِك هَذَا كُنْت ذِمِّيًّا، وَآخُذُ مِنْك الْخَرَاجَ بَعْدَ سَنَةٍ أُخْرَى مُسْتَقْبِلَةٍ، فَأَقَامَ تِلْكَ السَّنَةَ، كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ إلَيْهِ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ خَرَاجٌ حَتَّى تَمْضِيَ سَنَةٌ بَعْدَ هَذِهِ السَّنَةِ الْأُولَى.\nلِأَنَّ الشَّرْطَ هَكَذَا جَرَى مِنْ الْإِمَامِ فَيَكُونُ الْحُكْمُ لِمَا شَرَطَ وَالْمُتَقَدِّمُ الْمَعْرُوفُ هَذَا.\n٤٤٩٤ - وَلَوْ أَنَّ حَرْبِيًّا مُسْتَأْمَنًا اشْتَرَى فِينَا أَرْضًا خَرَاجِيَّةً فَجَاءَ مُسْتَحِقٌّ وَاسْتَحَقَّهَا لِنَفْسِهِ وَأَدَّى خَرَاجَهَا سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ ثُمَّ وَجَدَ الْقَاضِي الشُّهُودَ عَبِيدًا وَرَدَّ الْأَرْضَ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ لَمْ يَكُنْ هُوَ ذِمِّيًّا.","vol":"1","page":2254},{"text":"لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِيرُ الْمُسْتَأْمَنُ ذِمِّيًّا إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ، لَا بِمُجَرَّدِ شِرَاءِ الْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ، وَهَا هُنَا قَدْ كَانَ هُوَ مَمْنُوعًا مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهَذِهِ الْأَرْضِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْخَرَاجُ، لِأَنَّ وُجُوبَ الْخَرَاجِ بِاعْتِبَارِ التَّمَكُّنِ مِنْ الِانْتِفَاعِ.\n٤٤٩٥ - وَكَذَلِكَ لَوْ غَصَبَهَا مِنْهُ سُلْطَانٌ لَا يُقَاوِمُهُ الْمُسْتَأْمَنُ، وَلَوْ غَصَبَهَا مَنْ يَتَمَكَّنُ الْمُسْتَأْمَنُ مِنْ إثْبَاتِ حَقِّهِ عَلَيْهِ بِالْحُجَّةِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَإِنْ كَانَ الْغَاصِبُ زَرَعَهَا فَالْمُسْتَأْمَنُ لَا يَكُونُ ذِمِّيًّا أَيْضًا.\nلِأَنَّ الْخَرَاجَ عَلَى الْغَاصِبِ إذَا زَرَعَهَا بِاعْتِبَارِ انْتِفَاعِهِ بِالْأَرْضِ فَلَا يَكُونُ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ شَيْءٌ مِنْ خَرَاجِهَا.\n٤٤٩٦ - وَإِنْ كَانَ الْغَاصِبُ لَمْ يَزْرَعْهَا فَقَدْ صَارَ الْمُسْتَأْمَنُ ذِمِّيًّا.\nلِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ خَرَاجُهَا، فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ اسْتِرْدَادِهَا وَالِانْتِفَاعِ بِهَا، وَإِذَا لَزِمَهُ خَرَاجُهَا كَانَ ذِمِّيًّا، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ غَرَّقَهَا مَاءً وَقَدْ كَانَ الْمُسْتَأْمَنُ مُتَمَكِّنًا مِنْ أَنْ يَحْتَالَ بِذَلِكَ.\nبِمُسَنَّاةٍ، فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى مَضَتْ السَّنَةُ، فَعَلَيْهِ خَرَاجُهَا، وَكَانَ ذِمِّيًّا لِلْمَعْنَى الَّذِي قُلْنَا.\n٤٤٩٧ - وَهَذَا إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ فِي الْأَرْضِ نُقْصَانٌ بِزِرَاعَةِ الْغَاصِبِ، فَإِنْ كَانَتْ الزِّرَاعَةُ نَقَصَتْهَا كَانَ الْمُسْتَأْمَنُ ذِمِّيًّا.\nلِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ النُّقْصَانُ لِلْمُسْتَأْمَنِ، وَحُكْمُ الْخَرَاجِ أَنَّهُ إنْ كَانَ النُّقْصَانُ أَكْثَرَ فَالْخَرَاجُ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ، وَإِنْ كَانَ النُّقْصَانُ أَقَلَّ فَعَلَى الْغَاصِبِ الْخَرَاجُ دُونَ","vol":"1","page":2255},{"text":"النُّقْصَانِ، عَلَى أَنْ يَكُونَ مِقْدَارُ النُّقْصَانِ مِنْ ذَلِكَ الْخَرَاجِ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ، وَالْفَضْلُ عَلَى الْغَاصِبِ، فَفِي الْوَجْهَيْنِ قَدْ لَزِمَ الْمُسْتَأْمَنَ بَعْضُ الْخَرَاجِ وَبِهِ يَصِيرُ الْمُسْتَأْمَنُ ذِمِّيًّا.\n٤٤٩٨ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا سَقَى فِي هَذِهِ الْأَرْضِينَ مَاءً فَغَرَّقَهَا حَتَّى لَمْ يَسْتَطِعْ الْحَرْبِيُّ زِرَاعَتَهَا، وَنَقَصَ الْمَاءُ الْأَرْضَ، كَانَ لِلْحَرْبِيِّ أَنْ يَضْمَنَ الَّذِي سَقَى الْمَاءَ النُّقْصَانُ الْمُتَمَكِّنُ بِفِعْلِهِ، وَلَا يَكُونُ الْحَرْبِيُّ ذِمِّيًّا هَا هُنَا.\nلِأَنَّهُ لَا خَرَاجَ فِي هَذِهِ الْأَرَاضِي لِأَحَدٍ هَا هُنَا فَمَا كَانَ أَحَدٌ يَتَمَكَّنُ مِنْ الزِّرَاعَةِ فِيهَا.\n٤٤٩٩ - وَعَلَى هَذَا لَوْ لَمْ يَزْرَعْ الْغَاصِبُ الْأَرْضَ أَيْضًا حَتَّى رَدَّهَا بَعْدَ مُضِيِّ السَّنَةِ لَمْ يَكُنْ الْحَرْبِيُّ ذِمِّيًّا.\nلِأَنَّهُ لَمْ يَلْزَمْهُ خَرَاجُهَا.\n٤٥٠٠ - وَلَوْ كَانَ الْغَاصِبُ حَرْبِيًّا مِثْلَ صَاحِبِ الْأَرْضِ فَزَرَعَهَا وَنَقَصَتْهَا الزِّرَاعَةُ فَالْغَاصِبُ ضَامِنٌ لِنُقْصَانِ الْأَرْضِ.\nثُمَّ إنْ كَانَ الْخَرَاجُ مِثْلَ النُّقْصَانِ أَوْ أَقَلَّ فَصَاحِبُ الْأَرْضِ يَصِيرُ ذِمِّيًّا دُونَ الزَّارِعِ.\nلِأَنَّ الْخَرَاجَ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ هَا هُنَا.","vol":"1","page":2256},{"text":"وَإِنْ كَانَ النُّقْصَانُ أَقَلَّ مِنْ الْخَرَاجِ فَقَدْ صَارَا ذِمِّيَّيْنِ.\nلِأَنَّ بِقَدْرِ النُّقْصَانِ مِنْ الْخَرَاجِ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ، وَالْفَضْلُ عَلَى الزَّارِعِ فَقَدْ وَجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْضُ الْخَرَاجِ.\n٤٥٠٢ - وَلَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ لَمْ تَنْقُصْهَا الزِّرَاعَةُ فَالْغَاصِبُ يَصِيرُ ذِمِّيًّا دُونَ صَاحِبِ الْأَرْضِ.\nلِأَنَّ الْخَرَاجَ هَا هُنَا عَلَى الْغَاصِبِ كُلِّهِ.\n٤٥٠٣ - وَلَوْ عَطَّلَهَا الْغَاصِبُ فَلَمْ يَزْرَعْهَا فَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْأَرْضِ يَتَمَكَّنُ مِنْ اسْتِرْدَادِهَا بِالْحُجَّةِ فَلَمْ يَفْعَلْ كَانَ الْخَرَاجُ عَلَيْهِ وَصَارَ ذِمِّيًّا، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ فَلَا خَرَاجَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَهُمَا حَرْبِيَّانِ [فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -] عَلَى حَالِهِمَا\n\nوَلَوْ كَانَ الْمُسْتَأْمَنُ اشْتَرَى أَرْضًا عُشْرِيَّةً فَقَدْ صَارَتْ خَرَاجِيَّةً فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.\nوَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْعُشْرُ مُضَاعَفًا.\nوَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ هِيَ عُشْرِيَّةٌ عَلَى حَالِهَا.\n٤٥٠٤ - فَإِذَا زَرَعَهَا أَوْ تَمَكَّنَ مِنْ زِرَاعَتِهَا كَانَ ذِمِّيًّا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.","vol":"1","page":2257},{"text":"لِأَنَّهُ لَزِمَهُ الْخَرَاجُ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ زَرَعَهَا كَانَ ذِمِّيًّا لِأَنَّ الْعُشْرَ مُؤْنَةُ الْأَرْضِ النَّامِيَةِ كَالْخَرَاجِ وَلَكِنْ لَا يَجِبُ إلَّا بِحُصُولِ الْخَارِجِ حَقِيقَةً، وَمَا لَمْ يَلْزَمْهُ يَجِبُ فِي الْأَرَاضِيِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا.\n٤٥٠٥ - وَإِنْ بَاعَهَا الْحَرْبِيُّ قَبْلَ أَنْ يَجِبَ فِيهَا الْخَرَاجُ كَانَتْ أَرْضَ خَرَاجٍ لَا تَتَحَوَّلُ عَنْ ذَلِكَ.\nهَكَذَا ذَكَرَ هَا هُنَا. وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: كَانَ عَلَى الْمُشْتَرِي الْعُشْرُ دُونَ الْخَرَاجِ.\nفَالْوَجْهُ لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ أَنَّ مِلْكَ الْكَافِرِ هُوَ الَّذِي يَجْعَلُ الْأَرْضَ خَرَاجِيَّةً، وَحِينَ اشْتَرَاهَا فَقَدْ مَلَكَهَا، فَصَارَتْ خَرَاجِيَّةً بِمِلْكِهِ إيَّاهَا، فَقَدْ بَاعَهَا وَهِيَ خَرَاجِيَّةٌ، وَالْمُسْلِمُ مَتَى اشْتَرَى مِنْ كَافِرٍ أَرْضًا خَرَاجِيَّةً بَقِيَتْ خَرَاجِيَّةً.\nوَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا بَاعَهَا قَبْلَ وُجُوبِ الْخَرَاجِ فِيهَا فَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْ الْأَرْضِ حَقٌّ غَيْرُ الْعُشْرِ فَدَامَتْ عُشْرِيَّةً كَمَا كَانَتْ.\n٤٥٠٦ - وَلَا يُعْتَبَرُ مَا اعْتَرَضَ فِيهَا مِنْ مِلْكِ الْكَافِرِ، وَالْحَرْبِيُّ، لَا يَكُونُ ذِمِّيًّا.\nلِأَنَّ الْأَرْضَ، وَإِنْ صَارَتْ خَرَاجِيَّةً، فَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْ صَاحِبِهَا الْخَرَاجُ فَلَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ حُكْمُ الْمُسْلِمِ فَلَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ حَرْبِيٍّ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَكَّلَ مُسْلِمًا أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ أَرْضًا فِي أَرْضِ الْعُشْرِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَاشْتَرَاهَا صَارَتْ خَرَاجِيَّةً فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَلَمْ يَصِرْ صَاحِبُهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ ذِمِّيًّا، وَإِنْ صَارَتْ الْأَرْضُ خَرَاجِيَّةً لِمَا أَنَّهُ لَمْ يَجْرِ عَلَى صَاحِبِهَا حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ كَذَلِكَ هَا هُنَا.\n٤٥٠٧ - وَلَوْ أَنَّ هَذَا الْمُسْتَأْمَنَ اشْتَرَى أَرْضًا عُشْرِيَّةً آجَرَهَا","vol":"1","page":2258},{"text":"فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - صَارَتْ الْأَرْضُ خَرَاجِيَّةً، وَالْخَرَاجُ يَجِبُ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ فَيَصِيرُ بِهِ ذِمِّيًّا.\nوَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: الْعُشْرُ فِي الْخَارِجِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، فَلَا يَصِيرُ صَاحِبُ الْأَرْضِ ذِمِّيًّا، وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ حَرْبِيًّا فَالْمُسْتَأْجِرُ عِنْدَهُ يَصِيرُ ذِمِّيًّا.\nلِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ عُشْرُهَا.\nثُمَّ فَرَّقَ مُحَمَّدٌ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُشْرِ الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ فِي الْخَارِجِ مِنْ أَرْضِهِ وَبَيْنَ الْعُشْرِ الَّذِي يَأْخُذُهُ الْعَاشِرُ مِنْ الْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ، فَقَالَ: بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ الْعُشْرِ لَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا، وَإِذَا أُخِذَ الْعُشْرُ مِنْ أَرْضِهِ يَصِيرُ ذِمِّيًّا.\nوَوَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَهُوَ أَنَّ الْحَرْبِيَّ إذَا مَرَّ عَلَى الْعَاشِرِ فَإِنَّ الْعَاشِرَ يَأْخُذُ مِنْهُ عُشْرَ مَا مَرَّ بِهِ، وَيَأْخُذُ مِنْ الذِّمِّيِّ نِصْفَ الْعُشْرِ، وَمِنْ الْمُسْلِمِ رُبْعَ الْعُشْرِ، فَإِذَا لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ مِثْلُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِ لَمْ يَصِرْ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ.\nأَلَا تَرَى أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ مِرَارًا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ مَتَى عَادَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ إلَى دَارِهِ ثُمَّ رَجَعَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِذَا لَمْ يَصِرْ بِمَنْزِلَةِ مَنْ هُوَ أَهْلُ دَارِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَصِرْ ذِمِّيًّا، وَأَمَّا هَاهُنَا يُؤْخَذُ مِنْ طَعَامِهِ مِنْ الْعُشْرِ مِثْلُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ طَعَامِ الْمُسْلِمِ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، كَمَا لَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، فَيُنَزَّلُ بِأَخْذِ هَذَا الْعُشْرِ مَنْزِلَةَ الَّذِي هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا فَيَصِيرُ ذِمِّيًّا.\nيُوَضِّحُهُ أَنَّ ذَلِكَ الْعُشْرَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْحَرْبِيِّ بِطَرِيقِ الْمُجَازَاةِ، وَلِهَذَا لَوْ لَمْ يَأْخُذُوا مِنْ تُجَّارِنَا شَيْئًا لَا نَأْخُذُ مِنْ تُجَّارِهِمْ شَيْئًا.\nوَهَذَا الْعُشْرُ مَأْخُوذٌ بِطَرِيقِ مُؤْنَةِ الْأَرْضِ النَّامِيَةِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَكَانَ كَالْخَرَاجِ.","vol":"1","page":2259},{"text":"وَلَوْ أَعَارَهَا حَرْبِيًّا مِثْلَهُ كَانَ الْعُشْرُ فِي الزَّرْعِ، وَصَارَ الْحَرْبِيُّ الْمُسْتَعِيرُ بِهِ ذِمِّيًّا فِي قَوْلِهِمْ.\nلِأَنَّ الْحَقَّ أُخِذَ مِنْ طَعَامِهِ.\n٤٥٠٩ - وَلَوْ أَنَّ حَرْبِيًّا مُسْتَأْمَنًا اسْتَأْجَرَ أَرْضًا عُشْرِيَّةً مِنْ مُسْلِمٍ فَزَرَعَهَا فَإِنَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عُشْرَ مَا أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ عَلَى الْمُسْلِمِ وَلَا يَصِيرُ الْمُسْتَأْجِرُ ذِمِّيًّا.\nلِأَنَّ الْعُشْرَ لَمْ يَجِبْ فِي طَعَامِهِ.\nوَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: الْعُشْرُ يَجِبُ فِي الْخَارِجِ فَيَصِيرُ الْمُسْتَأْجِرُ ذِمِّيًّا لِأَنَّ الْحَقَّ وَجَبَ فِي طَعَامِهِ.\nوَفِي الْعَارِيَّةِ: الْعُشْرُ فِي الطَّعَامِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا، فَيَصِيرُ الْمُسْتَعِيرُ ذِمِّيًّا.\nوَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي خَرَاجِ الْمُقَاسَمَةِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا.\nلِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الْخَارِجِ كَالْعُشْرِ.\nوَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.","vol":"1","page":2260},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>[بَابٌ مَا يَكُونُ الرَّجُلُ بِهِ مُسْلِمًا يَدْرَأُ عَنْهُ الْقَتْلَ وَالسَّبْيَ]</span>\n٤٥١٠ - قَدْ ثَبَتَ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْكَافِرَ مَتَى أَظْهَرَ بِخِلَافِ مَا كَانَ يَعْتَقِدُهُ فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ النَّبِيِّ - ﵌ -: «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» وَقَدْ كَانَ يُقَاتِلُ عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ وَهُمْ كَانُوا لَا يَقُولُونَ ذَلِكَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إنَّهُمْ كَانُوا إذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] فَجَعَلَ ذَلِكَ عَلَامَةَ إيمَانِهِمْ حِينَ دَعَا الْيَهُودَ بِالْمَدِينَةِ إلَى الْإِسْلَامِ جَعَلَ عَلَامَةَ إيمَانِهِمْ الْإِقْرَارَ بِرِسَالَتِهِ حَتَّى قَالَ لِلْيَهُودِيِّ الَّذِي دَخَلَ عَلَيْهِ يَعُودُهُ: اشْهَدْ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَلَمَّا شَهِدَ وَمَاتَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعْتَقَ بِي نَسَمَةً مِنْ النَّارِ.\nلِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُقِرُّونَ بِرِسَالَتِهِ فَجَعَلَ ذَلِكَ عَلَامَةَ إيمَانِهِمْ.\n٤٥١١ - إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ: إذَا حَمَلَ مُسْلِمٌ عَلَى مُشْرِكٍ لِيَقْتُلَهُ فَلَمَّا أَرْهَقَهُ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَإِنْ كَانَ الْكَافِرُ مِنْ قَوْمٍ لَا يَقُولُونَ هَذَا فَعَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَكُفَّ عَنْهُ.","vol":"1","page":2261},{"text":"لِأَنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ مَا هُوَ دَلِيلُ إيمَانِهِ.\n٤٥١٢ - فَإِنْ أَخَذَهُ وَجَاءَ بِهِ إلَى الْإِمَامِ فَهُوَ حُرٌّ مُسْلِمٌ إنْ كَانَ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ قَبْلَ أَنْ يَقْهَرَهُ الْمُسْلِمُ، وَإِنْ قَالَ بَعْدَ مَا قَهَرَهُ فَهُوَ فَيْءٌ.\nلِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْصِمُهُ مِنْ الْقَتْلِ، لَا مِنْ الِاسْتِرْقَاقِ بَعْدَ الْقَهْرِ.\nفَإِنْ قَالَ: مَا أَرَدْت الْإِسْلَامَ بِمَا قُلْتُ إنَّمَا أَرَدْت الدُّخُولَ فِي الْيَهُودِيَّةِ أَوْ أَرَدْت التَّعَوُّذَ لِئَلَّا يَقْتُلَنِي لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ.\nلِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ إجَابَتَهُ إلَى مَا طَلَبَ مِنْهُ، وَالْمُسْلِمُ إنَّمَا طَلَبَ مِنْهُ الْإِسْلَامَ لَا الدُّخُولَ فِي الْيَهُودِيَّةِ، وَقَوْلُهُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَلِيلٌ عَلَى إسْلَامِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ يُقِرُّ بِالْإِسْلَامِ كُلِّهِ فَيَلْزَمُهُ حُكْمُ الْإِسْلَامِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ صَلَّى فِي الْجَمَاعَةِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى إسْلَامِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إسْلَامًا، بِعَيْنِهِ فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْ الْإِسْلَامِ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ مُرْتَدًّا فَيُقْتَلُ.\nقَالَ فِي الْكِتَابِ\n٤٥١٣ - وَمَنْ أَنْكَرَ شَيْئًا مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ فَقَدْ أَبْطَلَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ.\nمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَصِيرُ مُرْتَدًّا فَيُقْتَلُ إنْ لَمْ يُسْلِمْ، وَبِهَذَا اللَّفْظِ تَبَيَّنَ خَطَأُ مَنْ يَقُولُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا: إنَّ مَنْ أَنْكَرَ شَيْئًا مِنْ الشَّرَائِعِ فَهُوَ كَافِرٌ فِيمَا أَنْكَرَهُ مُسْلِمٌ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ ابْتَنَى فِي تَصْنِيفٍ لَهُ حَالَ مَانِعِي الزَّكَاةِ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلرِّوَايَةِ نَزْعٌ إلَى قَوْلِ أَهْلِ الضَّلَالَةِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ:","vol":"1","page":2262},{"text":"إنَّ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةَ خَارِجٌ مِنْ الْإِيمَانِ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْكُفْرِ فَلَهُ مَنْزِلَةٌ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ فَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ.\n٤٥١٤ - وَلَوْ كَانَ حِينَ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ كَفَّ عَنْهُ فَأَفْلَتَ وَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ عَادَ يُقَاتِلُ فَحَمَلَ عَلَيْهِ الرَّجُلُ فَلَمَّا رَهِقَهُ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَإِنْ كَانَتْ لَهُ فِئَةٌ يَلْجَأُ إلَيْهَا فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلَهُ.\nلِأَنَّهُ الْآنَ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْلِمِ الْبَاغِي الْمُقَاتِلِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فِي فِئَةٍ، وَمِثْلُهُ يُقْتَلُ وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا.\n٤٥١٥ - وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ بِأَنْ كَانَ تَفَرَّقَ جَمْعُهُمْ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ.\nوَكَذَلِكَ إنْ كَانَ أَسَرَهُ فَإِنْ كَانَتْ الْفِئَةُ عَلَى حَالِهَا فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِ، وَإِنْ تَفَرَّقَتْ الْفِئَةُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ، وَلَكِنْ يُؤَدِّبُهُ لِمَا صَنَعَ.\nوَاسْتَدَلَّ بِمَا رُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَمَلَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَخَلَّى سَبِيلَهُ، ثُمَّ عَادَ فَقَاتَلَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا كَرَّ عَلَيْهِ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ مِرَارًا فَقَتَلَهُ فِي آخِرِ مَرَّةٍ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﵌ -: فَكَيْفَ لَك بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ اسْمَ هَذَا الرَّجُلِ» .\nوَفِي الْمَغَازِي ذَكَرَ «أَنَّهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ - قَالَ لَهُ: أَقَتَلْتَ رَجُلًا قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؟ فَقَالَ: إنَّمَا قَالَ تَعَوُّذًا، قَالَ: فَهَلَّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ؟ فَقَالَ: لَوْ شَقَقْتُ عَنْ قَلْبِهِ مَا رَأَيْتُ","vol":"1","page":2263},{"text":"أَبَيْنَ لِي. يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَإِنَّمَا كَانَ يُعَبِّرُ عَمَّا فِي قَلْبِهِ لِسَانُهُ»، وَإِنَّمَا نَضَعُ هَذَا مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ - عَلَى أَنَّهُ مَا كَانَ يَلْجَأُ إلَى فِئَةٍ فِي آخِرِ مَرَّةٍ فَلِهَذَا عَاتَبَهُ عَلَى قَتْلِهِ.\n٤٥١٦ - وَلَوْ كَانَ حِينَ خَلَّى سَبِيلَهُ فَعَادَ إلَى صَفِّ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: إنِّي بَرِيءٌ عَنْ دِينِكُمْ، وَأَنَا عَلَى دِينِي الْأَوَّلِ، ثُمَّ حَمَلَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُ مَرَّةً أُخْرَى، فَقَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ.\nلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُرْتَدِّ لِمَا سَبَقَ مِنْهُ وَالْمُرْتَدُّ كَالْحَرْبِيِّ.\nفَإِذَا قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ يَجِبُ الْكَفُّ عَنْهُ.\nإلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَتْ لَهُ فِئَةٌ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبَاغِي فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِ لِهَذَا.\nوَكَذَلِكَ إنْ كَانَ قَتَلَ قَوْمًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ الْأَوَّلِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ الثَّانِي.\nلِأَنَّهُ حِينَ ارْتَدَّ وَهُوَ فِي صَفِّ الْمُشْرِكِينَ كَانَ حَرْبِيًّا.\nوَالْحَرْبِيُّ لَا يَسْتَوْجِبُ الْقِصَاصَ بِقَتْلِهِ الْمُسْلِمَ.\n٤٥١٧ - وَلَوْ كَانَ الرَّجُلُ مِمَّنْ يَقُولُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلَهُ وَإِنْ تَكَلَّمَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ.\nلِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِدَلِيلِ الْإِسْلَامِ فِي حَقِّهِ، فَإِنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَهُوَ مِنْ قَوْمٍ لَا يَقُولُونَ ذَلِكَ فَهَذَا الْآنَ دَلِيلُ إسْلَامِهِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَكُفَّ عَنْهُ وَهُوَ فِي التَّفْرِيعِ نَظِيرُ مَا بَيَّنَّا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ.","vol":"1","page":2264},{"text":"وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ حِينَ رَهِقَهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ أَوْ قَالَ: قَدْ دَخَلْت فِي دَيْنِ الْإِسْلَامِ، أَوْ قَالَ: قَدْ دَخَلْت فِي دَيْنِ مُحَمَّدٍ - ﵌ -، فَهَذَا كُلُّهُ دَلِيلُ الْإِسْلَامِ، حَتَّى لَوْ مَاتَ بَعْدَ مَا قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ فَإِنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُسْتَغْفَرُ لَهُ.\nوَهَذَا لِأَنَّ مَا ظَهَرَ مِنْهُ فَوْقَ السِّيمَاءِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ بِمُجَرَّدِ سِيمَاءِ الْمُسْلِمِينَ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ، فِي حَقِّ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَهَذَا أَوْلَى.\n٤٥١٩ - قَالَ: وَأَمَّا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى الْيَوْمَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ الْمُسْلِمِينَ إذَا قَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا بِهَذَا.\nلِأَنَّهُمْ جَمِيعًا يَقُولُونَ هَذَا لَيْسَ مِنْ نَصْرَانِيٍّ وَلَا يَهُودِيٍّ عِنْدَنَا نَسْأَلُهُ إلَّا قَالَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ، فَإِذَا اسْتَفْسَرْته قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ لَا إلَى بَنِي إسْرَائِيل. وَيَسْتَدِلُّونَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢] .\nوَالْمُرَادُ بِالْأُمِّيِّينَ غَيْرُ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَعَرَفْنَا أَنَّ هَذَا لَا يَكُونُ دَلِيلَ إسْلَامِهِ حَتَّى يُضَمَّ إلَيْهِ التَّبَرِّي فَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا قَالَ: فَأَبْرَأُ مِنْ النَّصْرَانِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ يَهُودِيًّا قَالَ: وَأَبْرَأُ مِنْ الْيَهُودِيَّةِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مُسْلِمًا لِإِظْهَارِ مَا هُوَ مُخَالِفٌ لِاعْتِقَادِهِ.\n٤٥٢٠ - وَإِنْ قَالَ النَّصْرَانِيُّ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَبْرَأُ مِنْ النَّصْرَانِيَّةِ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا بِهَذَا اللَّفْظِ.","vol":"1","page":2265},{"text":"لِأَنَّ كَلَامَهُ مُحْتَمِلٌ فَلَعَلَّهُ دَخَلَ فِي الْيَهُودِيَّةِ بِهَذَا، فَإِنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ قَوْلُ الْيَهُودِ بِعَيْنِهِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَيَبْرَءُونَ مِنْ النَّصْرَانِيَّةِ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ لَيْسَتْ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ، وَقَالَتْ النَّصَارَى لَيْسَتْ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣] .\nفَإِنْ قَالَ: مَعَ هَذَا: وَأَدْخُلُ فِي الْإِسْلَامِ؛ فَقَدْ انْقَطَعَ مِنْهُ الِاحْتِمَالُ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ دَلِيلَ الْإِسْلَامِ.\nوَلَوْ قَالَ: أَنَا مُسْلِمٌ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا بِهَذَا اللَّفْظِ.\nلِأَنَّ كُلَّ فَرِيقٍ يَدَّعِي ذَلِكَ لِنَفْسِهِ، فَالْمُسْلِمُ هُوَ الْمُسْتَسْلِمُ لِلْحَقِّ، وَكُلُّ ذِي دِينٍ يَدَّعِي أَنَّهُ مُنْقَادٌ لِلْحَقِّ، وَأَنَّ الْحَقَّ مَا هُوَ عَلَيْهِ.\nقَالَ - ﵁ -: وَكَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ عَبْد الْعَزِيز الْحَلْوَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: إلَّا الْمَجُوسَ فِي دِيَارِنَا، فَإِنَّ مَنْ يَقُولُ مِنْهُمْ: أَنَا مُسْلِمٌ يَصِيرُ مُسْلِمًا، لِأَنَّهُمْ يَأْبَوْنَ هَذِهِ الصِّفَةَ لِأَنْفُسِهِمْ، وَيَسُبُّونَ أَوْلَادَهُمْ وَيَقُولُونَ: يَا مُسْلِمَانِ.\n٤٥٢١ - قَالَ: وَلَوْ كَانَ هَذَا مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِمَّنْ يَقُولُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَلَمَّا رَهِقَهُ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَهُوَ مُسْلِمٌ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ.\n- لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلْأَمْرَيْنِ فَبِأَيِّهِمَا شَهِدَ كَانَ دَلِيلَ إسْلَامِهِ.\nوَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَنَّهُ مُسْلِمٌ، فَإِنَّ عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ لَا يَدَّعُونَ هَذَا الْوَصْفَ لِأَنْفُسِهِمْ، بَلْ يَتَبَرَّءُونَ مِنْهُ عَلَى قَصْدِ الْمُعَايَرَةِ لِلْمُسْلِمِينَ وَقَدْ عُلِمَ ذَلِكَ مِنْ حَالِ أَهْلِ مَكَّةَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -، فَلِهَذَا كَانَ دَلِيلُ الْإِسْلَامِ مِنْهُ.","vol":"1","page":2266},{"text":"٤٥٢٢ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَنَا عَلَى دِينِ مُحَمَّدٍ، أَوْ عَلَى الْحَنِيفِيَّةِ، أَوْ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُؤْخَذَ فِيهِ بِالدَّلِيلِ لِتَعَذُّرِ الْوُقُوفِ حَقِيقَةً مَا فِي قَلْبِهِ.\nوَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":2267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-215>[بَابٌ مِنْ إسْلَامِ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ الْمَأْسُورَيْنِ]</span>\n٢١٤ - بَابٌ: مِنْ إسْلَامِ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ الْمَأْسُورَيْنِ قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -:\n٤٥٢٣ - قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الصَّبِيَّ يَتْبَعُ خَيْرَ الْأَبَوَيْنِ دِينًا فَإِذَا سُبِيَ وَمَعَهُ أَحَدُ أَبَوَيْهِ لَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِالْإِسْلَامِ حَتَّى يَصِفَ الْإِسْلَامَ بِنَفْسِهِ أَوْ يُسْلِمَ مَنْ مَعَهُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ.\nوَإِنْ سُبِيَ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ أَيْضًا حَتَّى يَخْرُجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَيَصِيرُ مُسْلِمًا تَبَعًا لِلدَّارِ، أَوْ يُقَسِّمَ الْإِمَامُ الْغَنَائِمَ، أَوْ يَبِيعَهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَيَصِيرُ مُسْلِمًا حِينَئِذٍ، أَمَّا إذَا كَانَ مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ، أَوْ اشْتَرَاهُ مُسْلِمٌ فَلَا إشْكَالَ فِيهِ.\nلِأَنَّ تَأْثِيرَ التَّبَعِيَّةِ لِلْمَالِكِ فَوْقَ تَأْثِيرِ التَّبَعِيَّةِ لِلدَّارِ.\nوَأَمَّا إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي ذِمِّيًّا، أَوْ كَانَ أَعْطَاهُ الذِّمِّيُّ بِطَرِيقِ الرَّضْخِ مِنْ الْغَنِيمَةِ، فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِي أَنَّهُ يَكُونُ مَحْكُومًا بِإِسْلَامِهِ حَتَّى إذَا مَاتَ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُجْبَرُ الذِّمِّيُّ عَلَى بَيْعِهِ.\nلِأَنَّهُ صَارَ مُحْرَزًا بِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَالذِّمِّيُّ إنَّمَا يَمْلِكُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِإِحْرَازِ الْمُسْلِمِينَ إيَّاهُ، فَصَارَ تَمَامُ الْإِحْرَازِ بِالْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ، نَظِيرَ تَمَامِ الْإِحْرَازِ بِالْإِخْرَاجِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.","vol":"1","page":2268},{"text":"وَلَوْ سُبِيَ مَعَهُ أَبَوَاهُ فَمَاتَا ثُمَّ أُخْرِجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدُ أَبَوَيْهِ فَهُوَ مُسْلِمٌ.\nلِأَنَّ أَبَوَيْهِ حِينَ مَاتَا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَقَدْ خَرَجَ هُوَ مِنْ أَنْ يَكُونَ تَبَعًا لَهُمَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ بَقِيَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَإِنَّمَا حُصِّلَ هُوَ وَحْدَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، بِخِلَافِ مَا إذَا خَرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، أَوْ قُسِّمَ أَوْ بِيعَ، ثُمَّ مَاتَ مَنْ مَعَهُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ، فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ حَتَّى يَصِفَ الْإِسْلَامَ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ أَوَانَ الْحُكْمِ بِإِسْلَامِهِ وَقْتَ الْإِحْرَازِ، فَوُجُودُ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ مَعَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَنَعَ الْحُكْمَ بِإِسْلَامِهِ، ثُمَّ بِمَوْتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَتَغَيَّرُ هَذَا الْحُكْمُ، بِمَنْزِلَةِ وَلَدِ الذِّمِّيِّ إذَا مَاتَ أَبَوَاهُ وَبَقِيَ وَحْدَهُ صَغِيرًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ.\n٤٥٢٥ - قَالَ: وَلَوْ أَنَّ ذِمِّيًّا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ مُتَلَصِّصًا فَأَخْرَجَ صَغِيرًا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ مُسْلِمٌ يُجْبَرُ الذِّمِّيُّ عَلَى بَيْعِهِ.\nلِأَنَّهُ إنَّمَا مَلَكَهُ بِالْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ، فَيَكُونُ مَحْكُومًا بِإِسْلَامِهِ بِمَنْزِلَةِ الْمُنْفَلِ.\nفَإِنَّ الْأَمِيرَ لَوْ قَالَ فِي دَارِ الْحَرْبِ: مَنْ أَصَابَ رَأْسًا فَهُوَ لَهُ، فَأَصَابَ الذِّمِّيُّ صَغِيرًا لَيْسَ مَعَهُ أَحَدُ أَبَوَيْهِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُسْلِمًا لِأَنَّهُ إنَّمَا مَلَكَهُ بِاعْتِبَارِ مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا صَارَ مُحْرَزًا بِذَلِكَ.\nبِخِلَافِ مَا إذَا دَخَلَ الذِّمِّيُّ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ وَاشْتَرَى صَغِيرًا مِنْ مَمَالِيكِهِمْ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا وَإِنْ قَبَضَهُ الذِّمِّيُّ.\nلِأَنَّهُ يَمْلِكُهُمْ بِالنَّقْدِ هَا هُنَا لَا بِاعْتِبَارِ مَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ.\n٤٥٢٦ - فَإِنْ أَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا أَيْضًا.","vol":"1","page":2269},{"text":"لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ مُحْرَزًا لَهُ بِمَنَعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا بِحُكْمِهِمْ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي مُسْلِمًا فَدَخَلَ إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ أَوْ كَانَ أَسِيرًا فِيهِمْ، أَوْ كَانَ رَجُلًا أَسْلَمَ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُ إذَا أَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَحْدَهُ كَانَ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِهِ - وَتَبَعِيَّةِ الْمَالِكِ إنَّمَا تَظْهَرُ فِي هَذَا الْفَصْلِ، فَإِذَا كَانَ الْمَالِكُ مُسْلِمًا كَانَ الْمَمْلُوكُ مِثْلَهُ تَبَعًا لَهُ، وَإِذَا كَانَ الْمَالِكُ ذِمِّيًّا كَانَ الْمَمْلُوكُ مِثْلَهُ تَبَعًا لَهُ.\n٤٥٢٧ - فَإِذَا خَرَجَ مَعَهُ أَبَوَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا، عَبْدًا لِمَوْلَاهُ أَوْ حُرًّا مُعَاهِدًا، فَالصَّبِيُّ عَلَى دِينِ أَبِيهِ.\nلِأَنَّهُ مَا حُصِّلَ فِي دَارِنَا إلَّا مَعَ أَبٍ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا، وَتَبَعِيَّةُ الْأَبَوَيْنِ فِي الدِّينِ هِيَ الْأَصْلُ فَلَا تَظْهَرُ تَبَعِيَّةُ الْمَالِكِ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ تَبَعِيَّةِ الْأَبَوَيْنِ.\n٤٥٢٨ - فَإِنْ كَانَ خَرَجَ مَعَهُ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ بِأَمَانٍ فَالصَّبِيُّ مُسْلِمٌ.\nلِأَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ، وَإِنْ كَانَ فِي دَارِنَا صُورَةٌ، فَلَا يُعْتَدُّ بِخُرُوجِهِ مَعَهُ، وَالصَّغِيرُ هُوَ الْمُخْتَصُّ، بِأَنَّهُ صَارَ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ فَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِلْمَالِكِ.\n٤٥٢٩ - فَإِنْ بَدَا لِلْمُسْتَأْمَنِ فَصَارَ ذِمِّيًّا بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ الصَّبِيُّ مُسْلِمًا.\nلِأَنَّهُ صَارَ مَحْكُومًا بِإِسْلَامِهِ، كَمَا إذَا أَخْرَجَهُ الْمَالِكُ الْمُسْلِمُ، فَلَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أُسِرَ وَأُخْرِجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ أُسِرَ أَبَوَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ.\nفَإِنْ كَانَ الذِّمِّيُّ الَّذِي اشْتَرَاهُ فَأَخْرُجَهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالصَّبِيُّ","vol":"1","page":2270},{"text":"كَانَ مِنْ الْمَجُوسِ أَوْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ وَيَحِلُّ وَطْؤُهَا إنْ كَانَتْ جَارِيَةً.\nبِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ كِتَابِيًّا وَالْآخَرُ مَجُوسِيًّا.\nوَهَذَا لِأَنَّ تَبَعِيَّةَ الْمَالِكِ بِمَنْزِلَةِ تَبَعِيَّةِ الْأَبَوَيْنِ وَكَمَا أَنَّهُ إذَا كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ كِتَابِيًّا كَانَ هُوَ تَبَعًا لَهُ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مَالِكُهُ الَّذِي أَخْرَجَهُ كِتَابِيًّا.\n٤٥٣٠ - وَإِنْ كَانَ الصَّغِيرُ فِي الْأَصْلِ كِتَابِيًّا وَاَلَّذِي أَخْرَجَهُ مَجُوسِيٌّ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ.\nلِأَنَّهُ قَدْ جَرَى الْحُكْمُ بِكَوْنِهِ كِتَابِيًّا بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ، فَلَا يَتَحَوَّلُ عَنْ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ تَبَعِيَّةِ الْمَالِكِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُسْلِمًا مَمْلُوكًا فَاشْتَرَاهُ الْمَجُوسِيُّ لَمْ يَخْرُجْ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، فَكَذَلِكَ إذْ كَانَ كِتَابِيًّا.\n٤٥٣١ - فَإِنْ كَانَ لِقَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مَمَالِيكُ فَأَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ جَمِيعًا غَيْرَ مَمَالِيكِهِمْ، فَمَنْ كَانَ صَغِيرًا مِنْ مَمَالِيكِهِمْ فَهُوَ مُسْلِمٌ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدُ أَبَوَيْهِ كَافِرًا لِحُصُولِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلِكَوْنِ مَوْلَاهُ مُسْلِمًا، وَأَحَدُ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ يَكْفِي لِلْحُكْمِ بِإِسْلَامِهِ، فَإِنْ صَارُوا ذِمَّةً فَرَقِيقُهُمْ كُفَّارٌ عَلَى دِينِهِمْ؛ الصِّغَارُ وَالْكِبَارُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ.\nلِأَنَّ مَمَالِيكَهُمْ كُفَّارٌ، قَدْ صَالَحُوا الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا صَارَتْ دَارُهُمْ دَارَ الْإِسْلَامِ بِطَرِيقِ الصُّلْحِ لَا بِإِسْلَامِ أَهْلِهَا، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ الْحُكْمَ بِإِسْلَامِ الْمَمْلُوكِ بِمَنْزِلَةِ الذِّمِّيِّ يَشْتَرِي صَغِيرًا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَيُخْرِجُهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.","vol":"1","page":2271},{"text":"٤٥٣٢ - وَكَذَلِكَ لَوْ دَخَلَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ وَمَعَهُ عَبْدٌ صَغِيرٌ فَهُوَ عَلَى دِينِهِ يَرُدُّهُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ إنْ شَاءَ.\nلِأَنَّهُ حُصِّلَ فِي دَارِنَا بِطَرِيقِ الْمُرَاضَاةِ، فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ مَوْلَاهُ، وَمَوْلَاهُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ.\n٤٥٣٣ - فَإِنْ أَسْلَمَ مَوْلَاهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، أَوْ بَاعَهُ مِنْ مُسْلِمٍ، أَوْ مَاتَ مَوْلَاهُ فَبَاعَهُ الْإِمَامُ، فَأَوْقَفَ ثَمَنَهُ لِوَرَثَتِهِ.\nفَهُوَ كَافِرٌ عَلَى دِينِ أَبَوَيْهِ.\nلِأَنَّهُ حُصِّلَ فِي دَارِنَا كَافِرًا بِأَمَانٍ، فَلَا يَصِيرُ مُسْلِمًا بَعْدَ ذَلِكَ مَا لَمْ يَصِفْ الْإِسْلَامَ.\nبِمَنْزِلَةِ الذِّمِّيِّ يَمُوتُ فِي دَارِنَا، وَلَهُ وَلَدٌ صَغِيرٌ، فَإِنْ سُبِيَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ وَأَسْلَمَ كَانَ الصَّغِيرُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِهِ.\nلِأَنَّ إسْلَامَ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ فِي حَقِّهِ كَإِسْلَامِهِ بِنَفْسِهِ، إذَا كَانَ يَعْقِلُ، فَلِهَذَا حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ بِذَلِكَ.\n٤٥٣٤ - فَإِنْ سُبِيَ الصَّغِيرُ مَعَ أَبِيهِ ثُمَّ أُخْرِجَ الصَّغِيرُ قَبْلَ أَبِيهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ.\nلِأَنَّهُ أُخْرِجَ إلَى دَارِنَا وَأَبُوهُ فِي يَدِ الْمُسْلِمِ وَفِي مَنَعَتِهِمْ، فَكَوْنُهُ فِي يَدِ الْمُسْلِمِ كَكَوْنِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مَعَهُ، فَيَكُونُ الصَّبِيُّ تَبَعًا لَهُ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ فِي حَقِّ الْمُرَاغَمِ وَالْمُهَاجَرَةِ جُعِلَ مَنَعَةُ الْجَيْشِ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَمَنَعَةِ الدَّارِ، فَكَذَلِكَ فِي حُكْمِ التَّبَعِيَّةِ.","vol":"1","page":2272},{"text":"٤٥٣٥ - فَإِنْ قُتِلَ أَبُوهُ (أَوْ هَرَبَ قَبْلَ الْإِخْرَاجِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ) لَمْ يَكُنْ الصَّبِيُّ مُسْلِمًا أَيْضًا.\nلِأَنَّهُ حُصِّلَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَافِرًا، فَلَا يَتَحَوَّلُ مُسْلِمًا بَعْدَ ذَلِكَ، مَا لَمْ يَصِفْ الْإِسْلَامَ، أَوْ يُسْلِمْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ فَيَكُونُ مُسْلِمًا تَبَعًا لَهُ.\n٤٥٣٦ - فَإِنْ أَسْلَمَ الْمُسْتَأْمَنُ فِي دَارِنَا، وَوَلَدُهُ الصَّغِيرُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ أَسَرَهُ الْمُسْلِمُونَ فَأَخْرَجُوهُ أَوْ لَمْ يُخْرِجُوهُ كَانَ الصَّبِيُّ مُسْلِمًا تَبَعًا لِأَبِيهِ الْمُسْلِمِ عِنْدَنَا.\nأَمَّا إذَا كَانَ الْأَبُ مَعَ الْعَسْكَرِ فَغَيْرُ مُشْكِلٍ.\nوَأَمَّا إذَا كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَنَعَةَ الْجَيْشِ كَمَنَعَةِ الدَّارِ فِي حُكْمِ التَّبَعِيَّةِ، فَكَانَ حُصُولُ الصَّغِيرِ فِي مَنَعَةِ الْجَيْشِ كَحُصُولِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.\nوَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْأَبُ فِي دَارِ حَرْبٍ أُخْرَى دَخَلَهَا تَاجِرًا.\nلِأَنَّ الْمُسْلِمَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ حَيْثُمَا يَكُونُ، فَيَصِيرُ الصَّبِيُّ مُسْلِمًا تَبَعًا لَهُ، وَإِنْ كَانَ هُوَ فِي دَارِ الْحَرْبِ صُورَةً.\n٤٥٣٧ - وَلَوْ مَاتَ أَبُوهُ مُسْلِمًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ أُسِرَ الصَّبِيُّ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا مَا دَامَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، حَتَّى يُقَسَّمَ أَوْ يُبَاعَ أَوْ يُخْرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.","vol":"1","page":2273},{"text":"لِأَنَّ الْأَبَ مَيِّتٌ فِي دَارِنَا، وَتَبَعِيَّةُ الْمَيِّتِ لَا تُعْتَبَرُ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ وَإِنْ كَانَ مُعْتَبَرًا فِي الْبَقَاءِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْأُمَّ لَوْ سُبِيَتْ مَعَهُ لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ، فَكَذَلِكَ إذَا سُبِيَ وَحْدَهُ.\nقُلْنَا: لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ مَا دَامَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَإِنْ سُبِيَتْ الْأُمُّ مَعَهُ وَالْأَبُ حُرٌّ مُسْلِمٌ فِينَا كَانَ الصَّغِيرُ مُسْلِمًا تَبَعًا لِأَبِيهِ.\n٤٥٣٨ - وَلَوْ دَخَلَ الْحَرْبِيُّ إلَيْنَا بِأَمَانٍ ثُمَّ صَارَ ذِمِّيًّا، أَوْ سَبَاهُ الْمُسْلِمُونَ كَافِرًا فَأَعْتَقُوهُ، وَهُوَ كَافِرٌ عَلَى حَالِهِ، أَوْ لَمْ يُعْتِقُوهُ ثُمَّ سَبَوْا وَلَدَهُ الصَّغِيرَ فَأَخْرَجُوهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا.\nلِأَنَّ أَبَاهُ كَافِرٌ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَالصَّغِيرُ مَا حُصِّلَ فِي دَارِنَا إلَّا وَمَعَهُ أَبٌ كَافِرٌ، يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ تَبَعًا لَهُ فِي الدِّينِ.\n٤٥٣٩ - فَإِنْ مَاتَ الْأَبُ كَافِرًا قَبْلَ أَنْ يُسْبَى الصَّغِيرُ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، كَانَ مُسْلِمًا إذَا خَرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.\nلِأَنَّ الْأَبَ الْمَيِّتَ لَمَّا لَمْ يُعْتَبَرْ فِي الْحُكْمِ بِإِسْلَامِهِ ابْتِدَاءً، تَبَعًا لَهُ، فَلَأَنْ لَا يُعْتَبَرَ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْحُكْمِ بِإِسْلَامِهِ إذَا خَرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ كَانَ أَوْلَى.\n٤٥٤٠ - قَالَ: وَلَوْ أَنَّ عَسْكَرًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَهُمْ مَنَعَةٌ دَخَلُوا دَارَ الْإِسْلَامِ، وَمَعَهُمْ صِبْيَانٌ لَهُمْ، فَظَفِرَ بِهِمْ الْمُسْلِمُونَ وَأَسَرُوا صِبْيَانَهُمْ فَهُمْ مُسْلِمُونَ، كَمَا أُخِذُوا إذَا لَمْ يُؤْسَرْ مَعَهُمْ آبَاؤُهُمْ وَلَا أُمَّهَاتُهُمْ.\nلِأَنَّ بِنَفْسِ الْأَخْذِ صَارُوا مُحْرَزِينَ بِدَارِ الْإِسْلَامِ.","vol":"1","page":2274},{"text":"فَإِنْ أُسِرَ الْآبَاءُ وَالْأُمَّهَاتُ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَاعَةٍ كَانَ الْأَوْلَادُ مُسْلِمِينَ.\nلِأَنَّهُ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِمْ، كَمَا أُخِذُوا قَبْلَ الْآبَاءِ، فَلَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ الْحُكْمُ بِسَبْيِ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ بَعْدَ ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ هَذِهِ الْحَادِثَةُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَهُنَاكَ بِنَفْسِ الْأَخْذِ لَمْ يَصِرْ الصَّغِيرُ مُسْلِمًا قَبْلَ الْإِخْرَاجِ، فَإِذَا أُسِرَ أَبُوهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ أَوْ أَكْثَرَ فَأُخْرِجَا مَعًا كَانَ هَذَا وَمَا لَوْ أُسِرَا مَعًا سَوَاءً.\n٤٥٤٢ - فَأَمَّا إذَا كَانَ الْقِتَالُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنْ أُسِرَا مَعًا أَوْ أُسِرَ الْأَبُ ثُمَّ الصَّغِيرُ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ.\nلِأَنَّهُ مَا ثَبَتَتْ يَدُنَا عَلَيْهِ إلَّا مَعَ أَبٍ كَافِرٍ، فَإِذَا أُسِرَ الصَّبِيُّ أَوَّلًا فَقَدْ صَارَ مَحْكُومًا بِإِسْلَامِهِ، ثُمَّ لَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ الْحُكْمُ، وَإِنْ أُسِرَ الْأَبُ بَعْدَهُ بِسَاعَةٍ.\n\nوَكَذَلِكَ لَوْ دَخَلَ الصَّبِيُّ وَحْدَهُ دَارَنَا بِغَيْرِ أَمَانٍ فَأَخَذَهُ مُسْلِمٌ فَهُوَ مُسْلِمٌ حِينَ أُخِذَ.\nفَأَمَّا عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَهُوَ فَيْءٌ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ هُوَ فَيْءٌ لِلْآخِذِ وَلَا يَكُونُ حُرًّا بِإِسْلَامِهِ، لِأَنَّهُ إنَّمَا صَارَ مُسْلِمًا بَعْدَ مَا أُخِذَ، وَإِنَّمَا يَتَأَكَّدُ بِالْإِسْلَامِ حُرِّيَّةُ مَنْ كَانَ مُسْلِمًا قَبْلَ أَنْ يُؤْسَرَ، فَأَمَّا مَنْ يَصِيرُ مُسْلِمًا بَعْدَ الْأَسْرِ فَإِنَّهُ يَكُونُ قِنًّا.\nوَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":2275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>[بَابُ الِاسْتِبْرَاءِ]</span>\n٤٥٤٣ - قَدْ بَيَّنَّا فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ سَبْيَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ مُوجِبٌ لِلْفُرْقَةِ، لَا لَعَيْنِهِ بَلْ لِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَلِهَذَا لَمْ تَقَعْ الْفُرْقَةُ إذَا سُبِيَا مَعًا، فَنَقُولُ: إذَا سُبِيَتْ الْمَرْأَةُ وَأُخْرِجَتْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَلِمَنْ وَقَعَتْ فِي سَهْمِهِ أَنْ يَطَأَهَا بَعْدَ مَا يَسْتَبْرِئُهَا بِحَيْضَةٍ إنْ لَمْ تَكُنْ حَامِلًا، وَبِوَضْعِ الْحَمْلِ إنْ كَانَتْ حَامِلًا.\nوَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ بِآثَارٍ رَوَاهَا بِالْإِسْنَادِ.\n٤٥٤٤ - فَإِنْ حَاضَتْ الْمَسْبِيَّةُ فِي دَارِ الْحَرْبِ حَيْضَةً أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا ثُمَّ سُبِيَ زَوْجُهَا فَأُخْرِجَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَهُمَا عَلَى تَزَوُّجِهِمَا لِانْعِدَامِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْفُرْقَةِ، وَهُوَ تَبَايُنُ الدَّارَيْنِ، وَإِنْ أُخْرِجَتْ وَحْدَهَا فَوَقَعَتْ فِي سَهْمِ رَجُلٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْتَزِئَ بِتِلْكَ الْحَيْضَةِ مِنْ الِاسْتِبْرَاءِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ حَاضَتْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ حَيْضَةً","vol":"1","page":2276},{"text":"قَبْلَ الْقِسْمَةِ، أَوْ بَعْدَ الْقِسْمَةِ بَيْنَ الْعُرَفَاءِ، قَبْلَ الْقِسْمَةِ بَيْنَ الْأَشْخَاصِ.\nلِأَنَّهَا وُجِدَتْ قَبْلَ وُقُوعِ الْمِلْكِ فِي الْمَحِلِّ لِمَنْ وَقَعَتْ فِي سَهْمِهِ.\nوَكَذَلِكَ لَوْ وَقَعَتْ فِي سَهْمِ رَجُلٍ فَلَمْ يَقْبِضْهَا حَتَّى حَاضَتْ حَيْضَةً.\nلِأَنَّ الْمِلْكَ لِلْغَازِي فِي الْغَنِيمَةِ، إنَّمَا يَثْبُتُ بِطَرِيقِ الصِّلَةِ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الْمِلْكِ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالْقَبْضِ، وَإِنْ ثَبَتَ لَهُ مِلْكُ الْعَيْنِ بِالْقِسْمَةِ، فَمِلْكُ التَّصَرُّفِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالْقَبْضِ، وَالْوَطْءُ تَصَرُّفٌ، وَإِنَّمَا يَجْتَزِئُ بِالْحَيْضَةِ مِنْ الِاسْتِبْرَاءِ بَعْدَ مِلْكِ الْوَطْءِ وَلِهَذَا قُلْنَا: إذَا حَاضَتْ الْمَبِيعَةُ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَجْتَزِئَ بِتِلْكَ الْحَيْضَةِ مِنْ الِاسْتِبْرَاءِ.\n٤٥٤٥ - فَإِنْ كَانَتْ الْمَسْبِيَّةُ حَامِلًا فَوَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ مَا قَبَضَهَا وَوَقَعَتْ فِي سَهْمِهِ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَطَأَهَا بَعْدَ مَا طَهُرَتْ مِنْ نِفَاسِهَا وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُقَبِّلَهَا وَيَسْتَمْتِعَ بِهَا بِمَا فَوْقَ الْإِزَارِ فِي مُدَّةِ نِفَاسِهَا.\nوَلَوْ كَانَتْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا قَبْلَ الْقَبْضِ ثُمَّ قَبَضَهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِهَا فَوْقَ الْإِزَارِ فِي مُدَّةِ النِّفَاسِ وَلَا بَعْدَهَا، حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً مُسْتَقْبَلَةً.\nلِأَنَّهَا صَارَتْ مُسْتَبْرَأَةً بِوَضْعِ الْحَمْلِ بَعْدَ الْقَبْضِ، فَحُرْمَةُ الْغَشَيَانِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي مُدَّةِ النِّفَاسِ لِمَعْنَى الْأَذَى، فَكَانَ حَالُهَا كَحَالِ الْمَنْكُوحَةِ إذَا كَانَتْ حَائِضًا فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا، فَأَمَّا إذَا وَضَعَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ ثُمَّ قَبَضَهَا فَعَلَيْهِ أَنْ","vol":"1","page":2277},{"text":"يَسْتَبْرِئَهَا بِحَيْضَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ، وَهِيَ فِي مُدَّةِ النِّفَاسِ هَا هُنَا غَيْرُ مُسْتَبْرَأَةٍ فِي يَدِهِ، وَفِي مُدَّةِ الِاسْتِبْرَاءِ كَمَا يَحْرُمُ الْغَشَيَانُ يَحْرُمُ اللَّمْسُ وَالتَّقْبِيلُ بِشَهْوَةٍ.\n٤٥٤٦ - فَإِنْ أَسْلَمَتْ الْمَسْبِيَّةُ قَبْلَ الْإِخْرَاجِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَزَوْجُهَا كَافِرٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ.\nلِأَنَّهَا مُحْرَزَةٌ بِمَنَعَةِ الْجَيْشِ وَالْإِحْرَازُ بِمَنَعَةِ الْجَيْشِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمَةِ كَالْإِحْرَازِ بِمَنَعَةِ الدَّارِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْمُهَاجِرَةَ إذَا أَحْرَزَتْ نَفْسَهَا بِمَنَعَةِ الْجَيْشِ بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا فَكَذَلِكَ الْمَسْبِيَّةُ.\nثُمَّ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا هَا هُنَا بِالِاتِّفَاقِ.\nوَقَدْ بَيَّنَّا الْخِلَافَ فِي الْمُهَاجَرَةِ.\n٤٥٤٧ - فَإِنْ قَسَّمَ الْإِمَامُ الْغَنَائِمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَوَقَعَتْ فِي سَهْمِ رَجُلٍ، أَوْ بَاعَهَا وَسَلَّمَهَا إلَى الْمُشْتَرِي، فَاسْتَبْرَأَهَا بِحَيْضَةٍ كَانَ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا بَعْدَ ذَلِكَ.\nلِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزَّوْجِ النِّكَاحُ وَلَا حَقُّهُ، فَكَانَ حَالُهَا كَحَالِ مَا لَوْ لَمْ تَكُنْ ذَاتَ زَوْجٍ حِينَ سُبِيَتْ سَوَاءٌ، وَبِالْقِسْمَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ الْبَيْعِ يَتَغَيَّرُ الْمِلْكُ، كَمَا يَتَغَيَّرُ الْمِلْكُ بِالْقِسْمَةِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ لَحِقَهُمْ مَدَدٌ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَرِكَةٌ مَعَ الْجَيْشِ فِي الْمُصَابِ وَلَا فِي الثَّمَنِ، إنْ كَانَ الْإِمَامُ بَاعَ الْغَنَائِمَ.\n٤٥٤٨ - وَلَوْ أَنَّ الْإِمَامَ نَفَلَ قَوْمًا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَقَالَ: مَنْ","vol":"1","page":2278},{"text":"أَصَابَ جَارِيَةً فَهِيَ لَهُ، فَأَصَابَ رَجُلٌ مِنْهُمْ جَارِيَةً وَاسْتَبْرَأَهَا بِحَيْضَةٍ وَهُوَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَيْسَ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا حَتَّى يُخْرِجَهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ. لَهُ أَنْ يَطَأَهَا.\nلِأَنَّهُ اخْتَصَّ بِمِلْكِهَا عَلَى وَجْهٍ لَا شَرِكَةَ لِأَحَدٍ فِيهَا، فَكَانَتْ هَذِهِ وَاَلَّتِي اشْتَرَاهَا أَوْ وَقَعَتْ فِي سَهْمِهِ بِالْقِسْمَةِ سَوَاءً. وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَا: الْمِلْكُ فِي الْمُنْفَلِ إنَّمَا يَثْبُتُ لِلْمُنْفَلِ لَهُ بِالْأَخْذِ فَلَا يَتِمُّ هَذَا الْمِلْكُ قَبْلَ الْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ، بِمَنْزِلَةِ الْمِلْكِ الَّذِي يَثْبُتُ لِلْمُتَلَصِّصِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، بِخِلَافِ الْمِلْكِ الَّذِي يَثْبُتُ بِالْقِسْمَةِ وَالشِّرَاءِ.\n٤٥٤٩ - (وَاَلَّذِي يُوَضِّحُ الْفَرْقَ) أَنَّ بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ لَا يَبْقَى لَهُمْ حَقُّ التَّنَاوُلِ مِنْ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَبَعْدَ التَّنْفِيلِ يَبْقَى ذَلِكَ الْحَقُّ.\nفَإِنْ أُسِرَ زَوْجُهَا بَعْدَ مَا أَخَذَهَا الْمُنْفَلُ لَهُ، فَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا.\nقِيلَ: هَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللَّهُ عَلَيْهِ. فَأَمَّا عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵁ - يَنْبَغِي أَلَّا يَنْقَطِعَ النِّكَاحُ هَا هُنَا بِمُجَرَّدِ الْأَخْذِ قَبْلَ الْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ.\nوَالْأَصَحُّ أَنَّهُ قَوْلُهُمْ جَمِيعًا، فَإِنَّ أَصْلَ الْمِلْكِ، يَثْبُتُ لِلْمُنْفَلِ لَهُ بِالْأَخْذِ وَإِنْ كَانَ","vol":"1","page":2279},{"text":"لَا يَتَأَكَّدُ قَبْلَ الْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ وَبِثُبُوتِ أَصْلِ الْمِلْكِ لِلْمُسْلِمِ فِيهَا يَصِيرُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ، فَتَقَعُ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهَا حِينَ صَارَتْ لِلْمُنْفَلِ لَهُ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أُخْرِجَتْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَكَذَا إنْ اسْتَبْرَأَهَا الْمُنْفَلُ لَهُ بِحَيْضَةٍ ثُمَّ أَخْرَجَهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ كَانَ لَهُ أَنْ يَجْتَزِئَ بِتِلْكَ الْحَيْضَةِ مِنْ الِاسْتِبْرَاءِ، بِخِلَافِ الْمُتَلَصِّصِ. وَهَذَا لِأَنَّ الْمِلْكَ لِلْمُتَلَصِّصِ لَا يَثْبُتُ قَبْلَ الْإِحْرَازِ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ إذَا لَحِقَهُ مَدَدٌ شَارَكُوهُ فِي الْمُصَابِ، وَالْمِلْكُ لِلْمُنْفَلِ لَهُ يَثْبُتُ بِالْإِصَابَةِ، حَتَّى لَا يُشْرِكَهُ الْمَدَدُ فِي ذَلِكَ.\nوَهَذَا لِأَنَّ التَّنْفِيلَ مِنْ الْإِمَامِ فِي مَعْنَى الْقِسْمَةِ، وَلَكِنَّهَا قِسْمَةٌ قَبْلَ الْإِصَابَةِ جَعَلَهَا الْإِمَامُ فِي مَعْنَى الْوُقُوفِ عَلَى الْإِصَابَةِ، فَبِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْقِسْمَةِ أَثْبَتْنَا هَذَا الْحُكْمَ فِي الْمُنْفَلِ، وَفَرَّقْنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُتَلَصِّصِ، وَبِاعْتِبَارِ أَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ هُوَ الْأَخْذُ. احْتَاطَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْوَطْءِ فَقَالَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا حَتَّى يُخْرِجَهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَكَمْ مِنْ حُكْمٍ مُتَرَدِّدٍ بَيْنَ أَصْلَيْنِ مُتَوَفِّرٍ حَظُّهُ عَلَيْهِمَا.\nوَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":2280},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>[بَابٌ مَا يُبَاعُ مِنْ السَّبْيِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ]</span>\n٤٥٥٠ - وَإِذَا سَبَى الْمُسْلِمُونَ السَّبْيَ فَاقْتَسَمُوهُ وَأَخْرَجُوهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الرَّقِيقِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ.\nلِأَنَّهُمْ مُشْرِكُونَ، وَإِنْ صَارُوا مِنْ أَهْلِ دَارِنَا بِالْإِحْرَازِ فَكَانُوا بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْعَبْدِ الذِّمِّيِّ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ.\nإلَّا فِي فَصْلٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ إنْ سُبِيَ صَغِيرًا لَيْسَ مَعَهُ وَاحِدٌ مِنْ أَبَوَيْهِ فَهَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُبَاعَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ.\nلِأَنَّهُ صَارَ مُسْلِمًا بِالْإِخْرَاجِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، أَوْ الْقِسْمَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْإِحْرَازَ فِيهِ يَتِمُّ بِالْقِسْمَةِ، كَمَا يَتِمُّ بِالْإِخْرَاجِ، وَلِهَذَا لَوْ مَاتَ يُصَلَّى عَلَيْهِ.\n٤٥٥١ - وَلَوْ كَانَتْ كِتَابِيَّةً فَاشْتَرَاهَا مَنْ وَقَعَتْ فِي سَهْمِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا، وَإِذَا ظَهَرَ أَنَّهَا مَحْكُومَةٌ بِإِسْلَامِهَا، قُلْنَا: لَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَإِنْ كَانَ لَوْ بَاعَهَا نَفَذَ الْبَيْعُ فَإِنْ كَانَ سُبِيَ مَعَهَا أَحَدُ أَبَوَيْهَا فَلَا بَأْسَ بِبَيْعِهَا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ.\nلِأَنَّهُ لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهَا هَا هُنَا.","vol":"1","page":2281},{"text":"وَيَسْتَوِي إنْ وَقَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي سَهْمِ رَجُلٍ أَوْ وَقَعَا فِي سَهْمِ رَجُلٍ وَاحِدٍ.\nلِأَنَّ الصَّغِيرَةَ مَا حُصِّلَتْ فِي دَارِنَا إلَّا وَمَعَهَا أَبٌ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا وَذَلِكَ يَمْنَعُ الْحُكْمَ بِإِسْلَامِهَا.\n٤٥٥٢ - وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُبَاعَ شَيْءٌ مِنْ السَّبْيِ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.\nلِأَنَّهُ صَارَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا، وَالْمُسْتَأْمَنُ فِي دَارِنَا يُمْنَعُ مِنْ شِرَاءِ مَمْلُوكٍ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا، وَيُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ إذَا اشْتَرَاهُ، لِلْأَصْلِ الَّذِي بَيَّنَّا أَنَّ الذِّمِّيَّ فِي حَقِّ الْمُسْتَأْمَنِ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْلِمِ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ فِي حَقِّ أَحْكَامِ الدُّنْيَا.\n٤٥٥٣ - فَإِنْ اشْتَرَى الْمُسْتَأْمَنُ أَمَةً ذِمِّيَّةً فَدَبَّرَهَا أَوْ اسْتَوْلَدَهَا نَفَذَ ذَلِكَ مِنْهُ، لِمُصَادِفَتِهِ مِلْكَهُ، وَلَكِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ وَطْئِهَا وَاسْتِخْدَامِهَا، وَتَخْرُجُ إلَى الْحُرِّيَّةِ عَنْ مِلْكِهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِسْعَاءِ فِي قِيمَتِهَا.\nوَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْحُكْمَ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ إذَا دَبَّرَ أَمَتَهُ الْمُسْلِمَةَ أَوْ اسْتَوْلَدَهَا فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمُسْتَأْمَنِ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ بِأَمَتِهِ الذِّمِّيَّةِ.\n٤٥٥٤ - وَإِذَا سُبِيَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَعَ أَوْلَادِهَا فَوَقَعُوا فِي سَهْمِ رَجُلٍ ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْضُ وَلَدِهَا، وَهُوَ صَغِيرٌ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُمْ مِنْ كَافِرٍ.\nلِأَنَّهُ إنْ بَاعَهُمْ جَمِيعًا فَقَدْ بَاعَ الْمَمْلُوكَ الْمُسْلِمَ مِنْ الْكَافِرِ، وَذَلِكَ لَا يَحِلُّ،","vol":"1","page":2282},{"text":"وَإِنْ بَاعَ بَعْضَهُمْ، فَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا الصَّغِيرِ، بَعْدَ مَا اجْتَمَعَا فِي مِلْكِهِ وَذَلِكَ لَا يَحِلُّ.\n٤٥٥٥ - وَلَوْ أَنَّ ذِمِّيًّا أَوْ حَرْبِيًّا مُسْتَأْمَنًا اشْتَرَى أَمَةً مُرْتَدَّةً جَازَ الشِّرَاءُ وَأُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهَا صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً.\nلِأَنَّ الْمُرْتَدَّةَ تُجْبَرُ عَلَى الْعَوْدِ إلَى الْإِسْلَامِ فَكَانَ حُكْمُهَا حُكْمَ الْمُسْلِمَةِ وَلَا يَتْرُكُ الْأَمَةُ الْمُسْلِمَةُ فِي مِلْكِ الْكُفَّارِ صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً، فَكَذَلِكَ الْمُرْتَدَّةُ.\nقَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ ارْتَدَّتْ إلَى الْيَهُودِيَّةِ أَوْ النَّصْرَانِيَّةِ لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهَا وَلَا يَجُوزُ مُنَاكَحَتُهَا.\nوَمَعْنَى هَذَا الِاسْتِشْهَادِ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُجْعَلْ حَالُهَا كَحَالِ يَهُودِيَّةِ الْأَصْلِ عَرَفْنَا أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ مَا اعْتَقَدَتْ فِي حَقِّهَا، فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْأَحْكَامِ، لِكَوْنِهَا مُجْبَرَةً عَلَى تَرْكِ ذَلِكَ وَالرُّجُوعِ إلَى الْإِسْلَامِ فَلِهَذَا كَانَتْ كَالْمُسْلِمَةِ فِي أَنَّهُ يُجْبَرُ الْكَافِرُ عَلَى بَيْعِهَا مِنْ الْمُسْلِمِ.\n٤٥٥٦ - وَإِذَا سُبِيَتْ الْمَرْأَةُ مَعَ أَوْلَادِهَا الصِّغَارِ فَأَسْلَمَ بَعْضُ أَوْلَادِهَا ثُمَّ بَاعَهُمْ مِنْ كَافِرٍ جَازَ الْبَيْعُ، وَأُجْبِرَ الَّذِي اشْتَرَاهُمْ عَلَى بَيْعِهِمْ جَمِيعًا إنْ كَانَ حَرْبِيًّا.\nلِأَنَّ بَعْضَهُمْ مُسْلِمٌ وَبَعْضَهُمْ ذِمِّيٌّ، وَالْمُسْتَأْمَنُ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِ الْفَرِيقَيْنِ وَكَانَ مَمْنُوعًا مِنْ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمْ فِي الْبَيْعِ، حَتَّى كَانَ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِمْ جَمِيعًا.\nفَأَمَّا الذِّمِّيُّ إنَّمَا يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِ الْمُسْلِمِ مِنْهُمْ خَاصَّةً.","vol":"1","page":2283},{"text":"لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ اسْتِدَامَةِ الْمِلْكِ فِي الْمَمْلُوكِ الذِّمِّيِّ وَهُوَ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِالِامْتِنَاعِ مِنْ التَّفْرِيقِ فِي الْبَيْعِ.\n٤٥٥٧ - وَلَوْ كَانَ مُخَاطَبًا لَكَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ هَا هُنَا الْمُسْلِمَ مِنْهُمْ وَحْدَهُ، لِأَنَّ هَذَا تَفْرِيقٌ لِحِقٍّ، فَقَدْ صَارَ إزَالَةُ الْمُسْلِمِ عَنْ مِلْكِهِ مُسْتَحَقًّا خَاصَّةً، وَالتَّفْرِيقُ مَتَى كَانَ لِحَقٍّ لَمْ يَكُنْ مَمْنُوعًا عَنْهُ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْوَلَدَ مَعَ الْوَالِدَةِ إذَا اجْتَمَعَا فِي مِلْكِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ، ثُمَّ لَحِقَ أَحَدُهُمَا دَيْنٌ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُبَاعَ فِيهِ دُونَ الْآخَرِ، وَلَوْ جَنَى أَحَدُهُمَا جِنَايَةً فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَدْفَعَ بِالْجِنَايَةِ وَحْدَهُ، فَعَرَفْنَا أَنَّ التَّفْرِيقَ إذَا كَانَ لِحَقٍّ لَمْ يَكُنْ مَمْنُوعًا عَنْهُ.\n٤٥٥٨ - ثُمَّ ذَكَرَ فِي فُرُوعِ إسْلَامِ الصَّبِيِّ فَقَالَ: إنْ وَصَفَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِغُلَامٍ كَافِرٍ الْإِسْلَامَ فَقَالَ الْغُلَامُ: أَنَا عَلَى هَذَا، فَإِنْ عَلِمْنَا يَقِينًا أَنَّهُ قَدْ فَهِمَ مَا قِيلَ لَهُ فَهُوَ مُسْلِمٌ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ أَنَّهُ قَدْ فَهِمَ ذَلِكَ، وَإِنْ عَلِمْنَا يَقِينًا أَنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ ذَلِكَ أَوْ كَانَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ أَنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا، وَلَكِنْ يُقَالُ لَهُ: صِفْ الْإِسْلَامَ، فَإِذَا وَصَفَهُ فَهُوَ مُسْلِمٌ وَمَا ذُكِرَ، هَا هُنَا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِ الْمَشَايِخِ.\n\nإنَّ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً أَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً فَاسْتَوْصَفَهَا الْإِسْلَامَ وَلَمْ تَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ وَوَصَفَ هُوَ الْإِسْلَامَ بَيْنَ يَدَيْهَا، فَقَالَتْ:","vol":"1","page":2284},{"text":"أَنَا عَلَى هَذَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا، إذَا عَلِمَ أَنَّهَا فَهِمَتْ مَا قَالَ لَهَا.\nلِأَنَّ الْحَيَاءَ قَدْ يَمْنَعُهَا مِنْ الْبَيَانِ، وَإِنْ كَانَتْ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ تَصِفَ الْإِسْلَامَ وَتَعْتَقِدَ ذَلِكَ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَصِفَ هُوَ بَيْنَ يَدَيْهَا إذَا قَالَتْ: أَنَا عَلَى هَذَا، وَبَيْنَ أَنْ تَكُونَ هِيَ الَّتِي وَصَفَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي الْحُكْمِ بِإِسْلَامِهَا.\nوَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.","vol":"1","page":2285},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>[بَابٌ خُرُوجُ الْعَبْدِ بِأَمَانٍ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَخُرُوجُهُ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا]</span>\n٢١٧ - بَابٌ: خُرُوجُ الْعَبْدِ بِأَمَانٍ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَخُرُوجُهُ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -:\n٤٥٥٩ - أَيُّمَا عَبْدٍ خَرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا مُرَاغَمًا لِمَوْلَاهُ فَهُوَ حُرٌّ وَيُوَالِي مَنْ شَاءَ.\nلِأَنَّهُ صَارَ مُحْرِزًا نَفْسَهُ عَلَى مَوْلَاهُ، وَلَوْ أَحْرَزَ مَالًا مِنْ مَالِ مَوْلَاهُ بِدَارِ الْإِسْلَامِ مَلَكَهُ فَإِذَا أَحْرَزَ نَفْسَهُ كَانَ مَالِكًا لِنَفْسِهِ أَيْضًا، وَلَا يَبْقَى لِلْإِنْسَانِ الْمِلْكُ عَلَى نَفْسِهِ فَيُعْتَقُ لِهَذَا.\nوَتَبَيَّنَ بِهَذَا الْفَصْلِ أَنَّهُ لَمْ يُعْتَقْ عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْوَلَاءُ عَلَى الْمُعْتَقِ لِمَنْ يَكُونُ عِتْقُهُ عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ فَلِهَذَا لَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ الْوَلَاءُ هَا هُنَا لِأَحَدٍ.\nثُمَّ يَكُونُ حَالُهُ فِي الْمِيرَاثِ وَالْجِنَايَةِ كَحَالِ حَرْبِيٍّ جَاءَ مُسْلِمًا.\n٤٥٦٠ - وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ عِكْرِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: «كَانَ الْعَبْدُ إذَا جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ - وَلَيْسَ مَعَهُ سَيِّدُهُ عَتَقَ» وَبِحَدِيثِ طَاوُسٍ قَالَ: «كَانَ فِي كِتَابِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أَيُّمَا عَبْدٍ نَزَعَ إلَى الْمُسْلِمِينَ، أَرَاهُ قَالَ: مُسْلِمًا، فَهُوَ حُرٌّ. وَأَيُّمَا عَبْدٍ خَرَجَ إلَى مِخْلَافِ عَشِيرَتِهِ فَإِنَّ عُشْرَهُ وَصَدَقَتَهُ فِي عَشِيرَتِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ أَيُّمَا عَبْدٍ خَرَجَ","vol":"1","page":2286},{"text":"إلَى غَيْرِ مِخْلَافِ عَشِيرَتِهِ فَعُشْرُهُ وَصَدَقَتُهُ إلَى مِخْلَافِ عَشِيرَتِهِ» .\nفَالْمِخْلَافُ مُحَلَّةٌ مِنْ رُسْتَاقَ يَشْتَمِلُ عَلَى عَدَدٍ مِنْ الْقُرَى وَغَيْرِهِ وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ عَبْدًا أَسْلَمَ فَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - خَشِيَ أَهْلُهُ أَنْ يَتَّبِعَ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ -، فَأَخَذُوهُ وَقَيَّدُوهُ، فَبَعَثَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ - وَقَالَ: إنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ إسْلَامِي فَاشْتَرِنِي أَوْ خَلِّصْنِي، فَبَعَثَ إلَيْهِ سَبْعَةَ نَفَرٍ عَلَى بَعِيرٍ، وَقَالَ: خُذُوهُ، وَلَعَلَّكُمْ تَجِدُونَ فِي الدَّارِ مَنْ يُعِينُكُمْ عَلَيْهِ» .\nوَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِقَوْمٍ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَدْخُلُوا دَارَ الْحَرْبِ بِغَيْرِ أَمَانٍ لِمِثْلِ هَذَا الْمَقْصُودِ، وَإِنَّ هَذَا لَا يَكُونُ مِنْهُمْ إلْقَاءُ النَّفْسِ فِي التَّهْلُكَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ التَّيَقُّنِ بِالْهَلَاكِ فِي مَوْضِعٍ لَا يَنْكِي فِعْلُهُمْ فِي الْعَدُوِّ، فَأَمَّا إذَا كَانَ فِعْلُهُمْ يَنْكِي فِي الْعَدُوِّ فَلَا بَأْسَ بِمِثْلِ هَذَا الصُّنْعِ.\n٤٥٦١ - «وَذُكِرَ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ عَبْدٌ أَسْوَدُ فِي غَنَمٍ لِسَيِّدِهِ فَلَمَّا رَأَى أَهْلَ خَيْبَرَ يَتَحَصَّنُونَ سَأَلَهُمْ، فَقَالُوا: نُقَاتِلُ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَوَقَعَتْ تِلْكَ الْكَلِمَةُ فِي نَفْسِهِ، وَأَقْبَلَ بِغَنَمِهِ حَتَّى جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ - فَقَالَ: مَا تَقُولُ وَمَا تَدْعُو إلَيْهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -: أَدْعُو إلَى","vol":"1","page":2287},{"text":"الْإِسْلَامِ أَنْ تَشْهَدَ أَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَأَلَّا تَعْبُدَ إلَّا اللَّهَ، قَالَ: فَمَاذَا لِي إنْ شَهِدْت بِهَذَا فَقَالَ: لَك الْجَنَّةُ إنْ مِتَّ عَلَى ذَلِكَ، فَأَسْلَمَ الْعَبْدُ مَكَانَهُ» . الْحَدِيثَ إلَى آخِرِهِ.\nوَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ لِبَيَانِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُسْلِمَ الْعَبْدُ بَعْدَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُعَسْكَرَ وَبَيْنَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُعَسْكَرَ مُسْلِمًا، فِي أَنَّهُ يُحْكَمُ بِحُرِّيَّتِهِ فِي الْوَجْهَيْنِ.\nثُمَّ اسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ «الْعَبِيدِ الَّذِينَ نَزَلُوا مِنْ حِصْنِ الطَّائِفِ، فَأَسْلَمُوا، فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ فِيهِمْ: أُولَئِكَ عُتَقَاءُ اللَّهِ» .\n٤٥٦٢ - وَأَوْرَدَ حَدِيثَ عِكْرِمَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﵌ - كَانَ يَقُولُ: «إذَا خَرَجَ الرَّجُلُ قَبْلَ مَالِهِ ثُمَّ تَبِعَهُ مَالُهُ فَهُوَ لَهُ، وَإِذَا خَرَجَ مَالُهُ قَبْلَهُ فَهُوَ حُرٌّ» .\nوَبِهَذَا نَأْخُذُ.\nفَالْمُرَادُ بِالْمَالِ الْعَبْدُ هَا هُنَا، فَإِذَا خَرَجَ الْعَبْدُ أَوَّلًا مُرَاغَمًا لِمَوْلَاهُ كَانَ حُرًّا، وَإِنْ خَرَجَ مَوْلَاهُ بَعْدَهُ، وَإِنْ خَرَجَ الْمَوْلَى أَوَّلًا ثُمَّ جَاءَ الْعَبْدُ، فَإِنَّمَا جَاءَ مُظْهِرًا لَمُوَافَقَةِ سَيِّدِهِ، مُحْرِزًا لِنَفْسِهِ لَا عَلَيْهِ فَكَانَ مَمْلُوكًا لَهُ.\nوَاَللَّهُ أَعْلَمُ.","vol":"1","page":2288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-219>[بَابٌ الْعَبْدُ يَعْتِقُ بِالْإِسْلَامِ أَوْ لَا يَعْتِقُ]</span>\nقَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -:\n٤٥٦٣ - قَدْ بَيَّنَّا فِي السِّيَرِ الصَّغِيرِ الْخِلَافَ فِي الْمُسْتَأْمَنِ يَشْتَرِي عَبْدًا مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا، ثُمَّ يُدْخِلُهُ دَارَ الْحَرْبِ وَالْفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا إذَا أَسْلَمَ عَبْدُ الْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ، يَقُولُ: فَإِنْ أَسْلَمَ الْعَبْدُ وَخَرَجَ غَيْرَ مُرَاغَمٍ لِمَوْلَاهُ، وَمَعَهُ مَالٌ لِمَوْلَاهُ، أَوْ لَا مَالَ مَعَهُ، فَهُوَ عَبْدٌ لِمَوْلَاهُ عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّهُ مَا قَصَدَ إحْرَازَ نَفْسِهِ عَلَى مَوْلَاهُ هَا هُنَا فَلَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ، وَلَكِنَّ الْإِمَامَ يَبِيعُهُ وَيَقِفُ ثَمَنَهُ، وَمَا فِي يَدِهِ مِنْ مَالٍ لِمَوْلَاهُ حَتَّى يَجِيءَ مَوْلَاهُ فَيَأْخُذُهُ.\nلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَوْلَى حَاضِرًا كَانَ مُجْبَرًا عَلَى بَيْعِهِ، فَالْمَمْلُوكُ الْمُسْلِمُ لَا يُتْرَكُ فِي يَدِ الْكَافِرِ، فَإِذَا كَانَ هُوَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَمَنْ فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي حُكْمِ الْمَيِّتِ، كَانَ لِلْإِمَامِ وِلَايَةُ بَيْعِهِ عَلَيْهِ.\n٤٥٦٤ - ثُمَّ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَا مَعَهُ مِنْ الْمَالِ فَيْئًا.","vol":"1","page":2289},{"text":"لِأَنَّهُ مَا اسْتَأْمَنَ هُوَ وَلَا مَوْلَاهُ فِي ذَلِكَ الْمَالِ، وَمَالُ الْحَرْبِيِّ إذَا حُصِّلَ فِي دَارِنَا بِغَيْرِ أَمَانٍ يَكُونُ فَيْئًا، وَلَكِنَّهُ قَالَ: إذَا أَخْرَجَهُ هَذَا الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ عَلَى قَصْدِ الْعَمَلِ بِهِ لِمَوْلَاهُ فَكَأَنَّهُ أَعْطَاهُ الْأَمَانَ فِي ذَلِكَ الْمَالِ، بَعْدَ مَا حُصِّلَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَأَمَانُهُ بَعْدَ مَا حُصِّلَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَأَمَانِ غَيْرِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَلِهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ حِفْظُ ذَلِكَ الْمَالِ لِمَوْلَاهُ.\n٤٥٦٥ - وَإِذَا أَسْلَمَ الْمَوْلَى أَوَّلًا وَخَرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ تَبِعَهُ عَبْدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا فَهُوَ عَبْدٌ لَهُ.\nلِأَنَّهُ حِينَ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَقَدْ صَارَ مُحْرِزًا لِمَالِهِ مِنْ وَجْهٍ.\n(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الدَّارِ كَانَ هُوَ أَحَقَّ بِمَالِهِ، فَخُرُوجُ الْعَبْدِ بَعْدَ ذَلِكَ يَكُونُ إتْمَامًا لِذَلِكَ الْإِحْرَازِ، فَلِهَذَا كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ عَلَى حَالِهِ سَوَاءً خَرَجَ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا.\n٤٥٦٦ - وَلَوْ كَانَ الْمَوْلَى أَسْلَمَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ أَسْلَمَ عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَخَرَجَ مُسْلِمًا، فَإِنْ كَانَ خَرَجَ يُرِيدُ مَوْلَاهُ فَهُوَ عَبْدٌ لَهُ.\nلِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ قَصَدَ إحْرَازَ نَفْسِهِ لَهُ لَا عَلَيْهِ.\n٤٥٦٧ - وَإِنْ خَرَجَ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا عَلَى أَنْ يَكُونَ حُرًّا، وَلَا يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِمَوْلَاهُ فَهُوَ حُرٌّ.\nلِأَنَّ الَّذِي أَسْلَمَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يَكُونُ مُحْرِزًا لِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ، الَّذِي كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ.","vol":"1","page":2290},{"text":"أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الدَّارِ كَانَ جَمِيعُ مَالِهِ فَيْئًا وَكَانَ حَالُهُ الْآنَ كَحَالِ الْمُرَاغَمِ الَّذِي يَخْرُجُ بِمَالِ مَوْلَاهُ.\nوَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هُنَاكَ هُوَ مُحْرِزُ نَفْسِهِ، وَمَا مَعَهُ مِنْ الْمَالِ عَلَى مَوْلَاهُ.\n٤٥٦٨ - فَإِنْ اخْتَلَفَا بَعْدَ خُرُوجِهِ فَقَالَ الْعَبْدُ: خَرَجْتُ مُرَاغَمًا لِمَوْلَايَ، وَقَالَ الْمَوْلَى: إنَّمَا خَرَجَ إلَيَّ بِنَفْسِهِ وَمَا لَهُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَوْلَى.\nلِأَنَّهُ مُتَمَسِّكٌ بِالْأَصْلِ وَهُوَ الْمِلْكُ الثَّابِتُ لَهُ فِي نَفْسِهِ، وَفِيمَا مَعَهُ مِنْ الْمَالِ.\nوَلِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهُ فَالْعَبْدُ الْمُسْلِمُ لَا يَكُونُ مُرَاغَمًا لِمَوْلَاهُ الْمُسْلِمِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ ذَلِكَ مِنْهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ الظَّاهِرُ.\n٤٥٦٩ - وَلَوْ أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ خَرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَخَلَفَ ثِقَلَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ أَهْلُ الْحَرْبِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى صَارَتْ تِلْكَ الْأَشْيَاءُ بِيَدِهِ فَأَخْرَجَهَا مَعَهُ، فَجَمِيعُ ذَلِكَ لَهُ لَا خُمُسَ فِيهِ، سَوَاءً كَانَ خُرُوجُهُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ.\nلِأَنَّ الْمَالَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ مَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ أَهْلُ الْحَرْبِ.\nفَيَكُونُ هُوَ مُسْتَدِيمًا مِلْكَهُ، فَحَالُهُ كَحَالِ مَنْ أَسْلَمَ وَخَرَجَ بِمَالِهِ.\nفَإِنَّ الْخُمُسَ إنَّمَا يَجِبُ فِيمَا يَثْبُتُ فِيهِ الْمِلْكُ ابْتِدَاءً بِالْإِحْرَازِ بِالدَّارِ، لِمَنْ كَانَ خَارِجًا بِإِذْنِ الْإِمَامِ، لِأَنَّ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْغَنِيمَةِ فِيهِ، فَأَمَّا مَا اسْتَدَامَ مِلْكُهُ فِيهِ وَأَكَّدَهُ بِالْإِحْرَازِ لَا يَكُونُ فِي مَعْنَى الْغَنِيمَةِ فَلَا يَجِبُ فِيهِ الْخُمُسُ.","vol":"1","page":2291},{"text":"٤٥٧٠ - فَإِنْ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الدَّارِ قَبْلَ خُرُوجِهِ، فَالصِّغَارُ مِنْ أَوْلَادِهِ أَحْرَارٌ مُسْلِمُونَ، وَالْمَالُ لَهُ لَا سَبِيلَ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ، إلَّا الْعَقَارَ خَاصَّةً.\nلِأَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ إلَى مَالِهِ صَارَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الدَّارِ.\nوَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْحُكْمَ فِي هَذَا الْفَصْلِ.\n٤٥٧١ - وَلَوْ أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ بَعْدَ مَا دَخَلَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى مَالِهِ وَوَلَدِهِ فَأَخْرَجَهُمْ مَعَهُ، فَإِنْ كَانَ دَخَلَ إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ فَوَلَدُهُ حُرٌّ مُسْلِمٌ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ.\nلِأَنَّهُ لَمَّا حُصِّلَ فِي دَارِ الْحَرْبِ مُسْلِمًا كَانَ وَلَدُهُ الصَّغِيرُ مُسْلِمًا تَبَعًا لَهُ، وَمَا خَرَجَ بِهِ مِنْ مَالٍ فَهُوَ لَهُ، وَهَذَا غَيْرُ مُشْكِلٍ، فَالْمُسْتَأْمَنُ فِيهِمْ إذَا تَمَلَّكَ مَالًا عَلَيْهِمْ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ وَخَرَجَ بِهِ.\nكَانَ لَهُ خَاصَّةً، فَهَذَا الَّذِي قَرَّرَ مِلْكَهُ فِي مَالِهِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَالَهُ خَاصَّةً.\nوَأَوْلَادُهُ الْكِبَارُ وَزَوْجَتُهُ فِي أَمَانِهِ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ.\nلِأَنَّهُمْ حِينَ خَرَجُوا مَعَهُ فَقَدْ صَارَ مُعْطِيًا الْأَمَانَ لَهُمْ، وَهُوَ فِي حُكْمِ الْمُجَدِّدِ لِذَلِكَ الْأَمَانِ لَهُمْ، بَعْدَ مَا حُصِّلَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَكَانُوا آمَنِينَ.\n٤٥٧٢ - وَإِنْ كَانَ دَخَلَ إلَيْهِمْ بِغَيْرِ أَمَانٍ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ، إنْ كَانَ دُخُولُهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ.\nلِأَنَّهُ لَا يَكُونُ دُونَ الْمُتَلَصِّصِ، فَمَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ مَالٍ يَكُونُ لَهُ لَا خُمُسَ فِيهِ","vol":"1","page":2292},{"text":"٤٥٧٣ - وَإِنْ كَانَ دَخَلَهُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِيمَا أَخَذَ مِنْ مَالِهِ فَأَخْرَجَهُ.\nلِأَنَّهُ قَرَّرَ مِلْكَهُ فِي ذَلِكَ الْمَالِ، وَمَا يَمْلِكُهُ ابْتِدَاءً بِهَذَا الْإِخْرَاجِ، فَلَمْ يَكُنْ فِي حُكْمِ الْغَنِيمَةِ.\nفَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ مِنْ مَالٍ أَخَذَهُ مِنْهُمْ فَفِيهِ الْخُمُسُ.\nلِأَنَّهُ يَمْلِكُ هَذَا الْمَالَ ابْتِدَاءً بِالْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ كَانَ دُخُولُهُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ فَلِهَذَا كَانَ لِهَذَا الْمَالِ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ.\nثُمَّ اسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ «الْحَجَّاجِ بْنِ عِلَاطٍ السُّلَمِيِّ فَإِنَّهُ أَسْلَمَ بِخَيْبَرَ، وَكَانَتْ لَهُ أَمْوَالٌ بِمَكَّةَ، فَاسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ - أَنْ يَأْتِيَ مَكَّةَ حَتَّى يَأْخُذَ مَالَهُ، فَأَذِنَ لَهُ فَأَتَى مَكَّةَ وَأَخَذَ مَالَهُ، وَلَحِقَ بِرَسُولِ اللَّهِ - ﵌ -» فَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ - خَمَّسَ مَالَهُ وَلَا عَرَضَ لَهُ بِشَيْءٍ.\nوَتَمَامُ هَذِهِ الْقِصَّةِ ذَكَرَهَا الْوَاقِدِيُّ فِي الْمَغَازِي، قَالَ: إنَّهُ حِينَ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ - الرُّجُوعَ إلَى مَكَّةَ أَذِنَ لَهُ وَكَانَ أَهْلُ مَكَّةَ قَدْ بَلَغَهُمْ خَبَرُ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ - ﵌ - إلَى خَيْبَرَ، وَكَانُوا يَنْتَظِرُونَ مَا حُوِّلَ إلَيْهِ الْأَمْرُ، وَقَدْ كَانَتْ الْأَخْبَارُ قَدْ انْقَطَعَتْ عَنْهُمْ فَخَرَجُوا يَوْمًا مِنْ مَكَّةَ عَلَى رَجَاءِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ مَنْ يَسْأَلُونَهُ الْخَبَرَ، فَأَتَاهُمْ الْحَجَّاجُ فَقَالُوا لَهُ: مَا الْخَبَرُ؟ فَقَالَ: عِنْدِي مَا يَسُرُّكُمْ وَلَكِنْ لَا أُخْبِرُكُمْ حَتَّى تَضْمَنُوا لِي مَا أَطْلُبُهُ","vol":"1","page":2293},{"text":"مِنْكُمْ، فَقَالُوا لَهُ: قَدْ ضَمَنَّا لَك ذَلِكَ.\nقَالَ: اعْلَمُوا أَنَّهُ لَمْ يُحْسِنْ أَحَدٌ مِنْ الْعَرَبِ قِتَالَ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ غَيْرَ أَهْلِ خَيْبَرَ، فَقَدْ ظَهَرُوا عَلَيْهِ وَقَتَلُوا أَصْحَابَهُ وَأَسَرُوهُ.\nوَقَدْ تَرَكْتُهُمْ عَلَى عَزْمِ أَنْ يَقْدَمُوا بِهِ عَلَيْكُمْ لِتَقْتُلُوهُ، فَأَعِينُونِي حَتَّى أَجْمَعَ مَالِي فَلَعَلِّي أَشْتَرِي بَعْضَ غَنَائِمِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ مِنْهُمْ، فَأَرْبَحُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالُوا: نَفْعَلُ ذَلِكَ، وَاشْتَغَلُوا بِهِ عَنْ آخِرِهِمْ، فَانْتَهَى الْخَبَرُ إلَى الْعَبَّاسِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فَبَعَثَ غُلَامَهُ إلَى الْحَجَّاجِ وَقَالَ: إنَّ الْعَبَّاسَ يُقْرِئُك السَّلَامَ، وَيَقُولُ اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَا تَقُولُهُ حَقًّا، فَقَالَ: قُلْ، لِلْعَبَّاسِ: يَنْتَظِرُنِي فِي خَلْوَةٍ حَتَّى آتِيَهُ، ثُمَّ جَاءَ إلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ سِرًّا بِالْأَمْرِ عَلَى وَجْهِهِ، وَقَالَ: قَدْ ظَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - عَلَى خَيْبَرَ.\nوَأَنَا أَسْلَمْتُ، وَمَا فَارَقْتُ إلَّا بَعْدَ مَا جَرَتْ السِّهَامُ فِي غَنَائِمِ خَيْبَرَ وَإِنَّمَا فَارَقْته عَرُوسًا مُتَزَوِّجًا بِابْنَةِ حَيِّ بْنِ أَخْطَبَ لَكِنْ اُسْتُرْ عَلَيَّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَضَمِنَ لَهُ ذَلِكَ الْعَبَّاسُ حَتَّى جَمَعَ الْحَجَّاجُ مَالَهُ وَخَرَجَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، فَجَاءَ الْعَبَّاسُ إلَى بَيْتِ زَوْجَتِهِ وَقَالَ: أَيْنَ الْحَجَّاجُ؟ فَقَالَتْ: ذَهَبَ لِيَشْتَرِيَ غَنَائِمَ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: كَلًّا إنَّهُ أَسْلَمَ وَفَرَّ بِمَالِهِ وَلَسْتِ لَهُ بِزَوْجَةٍ إلَّا أَنْ تَتْبَعِي أَثَرَهُ، فَقَالَتْ: أَشْهَدُ أَنَّ الْحَقَّ مَا تَقُولُ فَإِنَّهُ مَا خَلَفَ عِنْدِي دِرْهَمًا مِنْ مَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ الْعَبَّاسُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَقَدْ لَبِسَ مِطْرَفَ خَزٍّ، فَجَعَلَ يَتَبَخَّرُ وَقُرَيْشٌ جُلُوسٌ يَتَدَبَّرُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ كَيْفَ يَقْتُلُونَ مُحَمَّدًا - ﵌ -، إذَا قَدِمَ أَهْلُ خَيْبَرَ بِهِ عَلَيْهِمْ. فَقَامَ أَبُو سُفْيَانَ إلَى الْعَبَّاسِ وَقَالَ: تَجَلَّدْ لِلْمُصِيبَةِ الْحَادِثَةِ؟ قَالَ: كَلًّا وَأَخْبَرَهُ بِالْأَمْرِ عَلَى وَجْهِهِ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَنْتَ عِنْدِي أَصْدَقُ مِنْ الْحَجَّاجِ، ثُمَّ بَعَثُوا إلَى زَوْجَتِهِ فَظَهَرَ لَهُمْ الْأَمْرُ عَلَى وَجْهِهِ، وَمَا انْكَسَرُوا بِشَيْءٍ مِثْلَ انْكِسَارِهِمْ يَوْمَئِذٍ.\nثُمَّ قَدْ تَبَيَّنَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ الْحَجَّاجَ مَا دَخَلَ إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ، وَإِنَّمَا دَخَلَ إلَيْهِمْ عَلَى أَنَّهُ مِنْهُمْ، كَمَا كَانَ وَهَذَا لَا يَكُونُ اسْتِئْمَانًا، وَمَعَ ذَلِكَ قَدْ سَلَّمَ","vol":"1","page":2294},{"text":"رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ - مَالَهُ.\nفَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا خُمُسَ فِي مَالٍ يُخْرِجُهُ صَاحِبُهُ بِهَذَا الطَّرِيق، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ إلَيْهِمْ بِغَيْرِ أَمَانٍ بِإِذْنِ الْإِمَامِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ. تَمَّ بِحَمْدِ اللَّهِ","vol":"1","page":2295}]}