{"ً":{"ٌ":549,"ٍ":"تفسير العثيمين: الأنعام","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/FP152060/152060.pdf"]},"ّ":"الكتاب: تفسير القرآن الكريم «سورة الأنعام»\nالمؤلف: محمد بن صالح العثيمين\nالناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م\nعدد الصفحات: ٢٧٣\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":57,"ٕ":3,"ٖ":1780758665,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"الكلام على البسملة","level":1,"page":1},{"title":"«الله» علم على الله - ﷿ - وهو أصل لجميع الأسماء","level":2,"page":4},{"title":"حكم البداءة ب «بسم الله» في أثناء السورة","level":2,"page":4},{"title":"قوله: (الرحمن)","level":2,"page":5},{"title":"معنى (الرحمن): أي ذو الرحمة الواسعة","level":3,"page":5},{"title":"قوله: (الرحيم)","level":2,"page":5},{"title":"تقسيم الرحمة إلى قسمين","level":2,"page":5},{"title":"قوله: ﴿الحمد لله﴾","level":1,"page":6},{"title":"معنى (أل) في قوله: والحكمة واللام في قوله: ﴿لله﴾","level":2,"page":6},{"title":"معنى ﴿الحمد﴾","level":2,"page":6},{"title":"الصحيح في معنى ﴿الحمد﴾","level":2,"page":7},{"title":"كل حمد مدح وليس كل مدح حمد","level":2,"page":8},{"title":"قول البعض (قال الحق) بدل (قال: الله) أو (قال: ربنا)","level":2,"page":9},{"title":"لفظ الجلالة (الله) مشتق وليس جامد","level":2,"page":10},{"title":"قوله: ﴿الذي خلق السماوت والأرض﴾","level":1,"page":10},{"title":"تعريف الخلق لغة","level":2,"page":10},{"title":"إعراب ﴿السماوت﴾","level":2,"page":11},{"title":"الأدلة على تعدد الأرض","level":2,"page":11},{"title":"معنى (جعل)، ولماذا نجد جعل بدلا من خلق؟","level":2,"page":12},{"title":"قوله: ﴿ثم الذين كفروا بربهم يعدلون (١)﴾","level":1,"page":13},{"title":"معنى الآية إجمالا","level":2,"page":13},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":13},{"title":"الله يحمد نفسه عند الأمور العظيمة","level":2,"page":14},{"title":"فائدة في ذكر السماوات جمع والأرض مفردة","level":2,"page":15},{"title":"من ملك ظاهر الأرض ملك أسفلها","level":2,"page":15},{"title":"فائدة: في الفرق في اختلاف التعبير بين خلق وجعل","level":2,"page":15},{"title":"سبب جمع الظلمات وإفراد النور","level":2,"page":16},{"title":"الفرق بين عقل التصرف وعقل الإدراك","level":2,"page":17},{"title":"الفرق بين الربوبية العامة والخاصة","level":2,"page":18},{"title":"تفسير قوله تعالى: ﴿هو الذي خلقكم من طين﴾","level":1,"page":18},{"title":"حكم الوقف على قوله: ﴿ثم قضى أجلا﴾","level":2,"page":18},{"title":"معنى ﴿تمترون﴾","level":2,"page":19},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":19},{"title":"الجمع بين قوله: ﴿خلقكم من طين﴾ وقوله: ﴿خلق من ماء دافق﴾","level":2,"page":19},{"title":"الجمع بين قوله: ﴿من صلصال﴾ وقوله: ﴿من تراب﴾","level":2,"page":20},{"title":"استحالة وقوع التناقض بين دليلين قطعيين","level":2,"page":20},{"title":"من مات مقتولا فقد مات بأجله","level":2,"page":21},{"title":"علم الساعة لا يعلمه إلا الله","level":2,"page":21},{"title":"قول الله تعالى: ﴿وهو الله في السماوات﴾","level":2,"page":22},{"title":"جميع أسماء الله مشتقة","level":2,"page":22},{"title":"معنى قوله: ﴿في السماوات﴾","level":2,"page":22},{"title":"معنى قوله: ﴿وفي الأرض﴾","level":2,"page":23},{"title":"القول الثاني في معنى الآية وأن فيها وقف ﴿في السماوات﴾","level":2,"page":23},{"title":"الرد على استدلال بعض المبتدعة بالآية على أن الله موجود في كل مكان","level":2,"page":24},{"title":"حكم قول: (الله موجود في كل الوجود)","level":2,"page":25},{"title":"الرد على قول من قال: (إذا قلتم: إن الله مستو على العرش فأين الله قبل ذلك؟)","level":2,"page":25},{"title":"معنى قوله: ﴿يعلم سركم﴾","level":2,"page":26},{"title":"الأسرار نوعان","level":2,"page":26},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":26},{"title":"تفسير قوله تعالى: ﴿وما تأتيهم من آية﴾","level":1,"page":27},{"title":"إعراب منه في قوله: ﴿من آية﴾","level":2,"page":28},{"title":"معنى: ﴿آية﴾","level":2,"page":28},{"title":"معنى: ﴿إلا كانوا عنها معرضين (٤)﴾","level":2,"page":28},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":29},{"title":"آية إنشقاق القمر","level":2,"page":29},{"title":"الواجب على المؤمن أن يرد كل قول يخالف الكتاب والسنة","level":2,"page":29},{"title":"لماذا لم يهلك الله قريشأ لما أوتوا آية انشقاق القمر؟","level":2,"page":30},{"title":"الفرق بين من يطلب أية عامة ومن يطلب آية خاصة","level":2,"page":30},{"title":"حكمة الله ورحمته في الإيتاء بالآيات الدالة على رسله","level":2,"page":31},{"title":"ربوبية الله تعالى عامة وخاصة","level":2,"page":31},{"title":"خطر الإعراض عن الآيات","level":2,"page":31},{"title":"تفسير قوله تعالى: ﴿فقد كذبوا فقد كذبوا بالحق لما جاءهم﴾","level":1,"page":32},{"title":"معنى (قد) في قوله: ﴿فقد كذبوا﴾","level":2,"page":32},{"title":"و﴿لما﴾ لها معنيان","level":2,"page":33},{"title":"استعمالات ﴿لما﴾","level":2,"page":33},{"title":"إعراب ﴿لما﴾","level":2,"page":34},{"title":"المراد في قوله: ﴿فسوف يأتيهم أنباء﴾","level":2,"page":34},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":34},{"title":"التكذيب بالحق بعد مجيئه أشد منه قبل مجيئه","level":2,"page":34},{"title":"التفصيل في إقامة الحجة على من لم يعرف الحق","level":2,"page":35},{"title":"تفسير قوله تعالى: ﴿ألم يروا كم أهلكنا﴾","level":1,"page":36},{"title":"نوع الاستفهام إذا دخل على النفي","level":2,"page":36},{"title":"المراد بالقرن","level":2,"page":37},{"title":"أنواع الالتفات وفائدته","level":2,"page":37},{"title":"نوع الباء في قوله: ﴿بذنوبهم﴾","level":2,"page":38},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":38},{"title":"الاستدلال بالأعلى على الأدني","level":2,"page":38},{"title":"المراد بالهلاك في قوله: ﴿فأهلكناهم﴾","level":2,"page":39},{"title":"تفسير قوله تعالى: ﴿ولو نزلنا عليك كتابا﴾","level":1,"page":39},{"title":"استشكال وجوابه","level":2,"page":40},{"title":"فائدة الإظهار في موضع الإضمار في قول: ﴿لقال الذين كفروا﴾","level":2,"page":40},{"title":"حكم (إن)","level":2,"page":40},{"title":"اللغة العربية معانيها أكثر من ألفاظها","level":2,"page":41},{"title":"تعريف السحر لغة واصطلاحا","level":2,"page":41},{"title":"(بان) و(أبان) يأتيان بمعنى واحد","level":2,"page":42},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":42},{"title":"فائدة ذكر القرطاس دون غيره","level":2,"page":42},{"title":"تنبيه الشيخ - ﵀ - على أهمية الوقف عند قراءة القرآن","level":2,"page":43},{"title":"استفادة الشيخ - ﵀ - من شيخه عبد الرحمن السعدي في قراءته للقرآن في صلاة التراويح","level":2,"page":43},{"title":"مراعاة الوقف في القراءة السريعة","level":2,"page":44},{"title":"فائدة الإظهار في موضع الإضمار","level":2,"page":45},{"title":"مكابرة المشركين للنبي ﷺ بصرفهم الحق إلى الباطل","level":2,"page":45},{"title":"تأكيد المعقول بالمحسوس","level":2,"page":46},{"title":"هل للسحر تأثير؟","level":2,"page":46},{"title":"حكم من يدعي أنه يستطيع أن يخبر بمكان السحر","level":2,"page":46},{"title":"تفسير قوله تعالى: ﴿وقالوا لولا أنزل عليه ملك﴾","level":1,"page":47},{"title":"طلب المشركين الآيات من باب التعنت والتحدي والإعجاز","level":2,"page":47},{"title":"الفرق بين طلب آية بعينها وطلب آية عامة","level":2,"page":48},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":48},{"title":"حكمة الله تعالى في إرسال الرسل من البشر","level":2,"page":49},{"title":"حسن محاجة القرآن الكريم","level":2,"page":50},{"title":"تفسير قول الله تعالى: ﴿ولقد استهزئ برسل من قبلك﴾","level":1,"page":50},{"title":"مؤكدات هذه الجملة","level":2,"page":50},{"title":"قاعدة: النكرة في سياق الإثبات لا تدل على العموم إلا إذا قام الدليل على العموم","level":2,"page":50},{"title":"فائدة التعبير بالجزاء بالفعل","level":2,"page":51},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":51},{"title":"سؤال في السبب بتوكيد الجملة بأنواع المؤكدات مع أن خبر الله صدق","level":2,"page":51},{"title":"تسلية الله - ﷿ - نبيه - ﷺ - بذکر استهزاء الأمم السابقة برسلها","level":2,"page":52},{"title":"السخرية والاستهزاء بالرسل موجب للعقاب","level":2,"page":53},{"title":"حكم من استهزأ بالرسل وهل تقبل توبته؟","level":2,"page":53},{"title":"هل يرتفع القتل بعد توبته؟","level":2,"page":53},{"title":"المعاصي سبب للعقوبة","level":2,"page":55},{"title":"تفسير قول الله تعالى: ﴿قل سيروا في الأرض﴾","level":1,"page":55},{"title":"فائدة في قوله: ﴿في﴾","level":2,"page":55},{"title":"السير هنا يشمل القلب والقدم","level":2,"page":55},{"title":"الفرق بين الدخول للاعتبار والدخول للنزهة والإعجاب","level":2,"page":56},{"title":"إعراب ﴿كيف كان﴾","level":2,"page":56},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":57},{"title":"فضل الاعتبار بمن انتقم الله منهم وبمن أثابهم","level":2,"page":57},{"title":"الكفر يحصل إما بالتكذيب وإما بالاستكبار","level":2,"page":58},{"title":"تفسير قول الله تعالى: ﴿قل من ما في السماوات والأرض﴾","level":1,"page":58},{"title":"الجواب من الرسول ﷺ بأمر الله","level":2,"page":58},{"title":"معنى کتب","level":2,"page":58},{"title":"نفس الله هي ذاته وليست صفة","level":2,"page":59},{"title":"أين رحمة الله في وجود البلاء والبؤس؟","level":2,"page":59},{"title":"تفسير قول الله تعالى: ﴿ليجمعكم إلى يوم القيامة﴾","level":1,"page":61},{"title":"مؤكدات الجملة","level":2,"page":61},{"title":"السبب في التسمية بيوم القيامة والأدلة على ذلك","level":2,"page":61},{"title":"معنى النفي في قوله: ﴿لا ريب﴾","level":2,"page":62},{"title":"إعراب وتقدير قوله: ﴿والذين خسروا أنفسهم﴾","level":2,"page":62},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":63},{"title":"استعمالات (من) و(ما)","level":2,"page":63},{"title":"جواز إجابة السائل نفسه","level":2,"page":64},{"title":"كيف يكون الشيء لازما على الله","level":2,"page":65},{"title":"لله أن يعبر عن نفسه بالنفس وشواهد ذلك كثيرة في القرآن الكريم","level":2,"page":65},{"title":"تأكيد الشيء إذا دعت الحاجة إليه","level":2,"page":66},{"title":"يوم القيامة واقع عقلا وشرعا","level":2,"page":67},{"title":"صحة عبارة (لولا البعث لبطلت الحياة)","level":2,"page":67},{"title":"من الفصاحة أن يذكر السبب بعد المسبب","level":2,"page":68},{"title":"تفسير قول الله تعالى: ﴿له ما سكن﴾","level":1,"page":68},{"title":"الاستغناء بذكر أحد الضدين عن الآخر","level":2,"page":68},{"title":"استعمال اللفظ لأكثر من معنى","level":2,"page":69},{"title":"أقسام السمع التي وصف الله بها نفسه","level":2,"page":69},{"title":"أنواع سمع الصوت وأمثلته","level":2,"page":69},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":70},{"title":"تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر","level":2,"page":70},{"title":"أفعال العباد مخلوقة","level":2,"page":70},{"title":"تفسير قول الله تعالى: ﴿قل أغير الله أتخذ وليا﴾","level":1,"page":71},{"title":"نوع الاستفهام","level":2,"page":71},{"title":"ما من طاعم؟طعم إلا والله الذي أطعمه","level":2,"page":71},{"title":"قوله: ﴿قل إني أمرت﴾","level":1,"page":72},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":73},{"title":"ولاية الله ولاية مبنية على الحمد","level":2,"page":73},{"title":"الله خالق السماوات والأرض على غير مثال سابق","level":2,"page":73},{"title":"النبي - ﷺ - محتاج إلى الإسلام","level":2,"page":74},{"title":"صحة النهي عما لا يمكن أن يقع","level":2,"page":75},{"title":"الحكمة في ذلك","level":2,"page":75},{"title":"هل يجوز أن نقول لمن فعل شركا: (أنت مشرك)","level":2,"page":75},{"title":"تفسير قول الله تعالى: ﴿قل إني أخاف إن عصيت ربي﴾","level":1,"page":76},{"title":"القراءات الواردة في قوله: (لإني)","level":2,"page":76},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":76},{"title":"المعاصي أنواع","level":2,"page":76},{"title":"سؤال: إذا تاب الإنسان من ذنب فيه جناية على غيره فهل يسقط حق الغير أم لا؟","level":2,"page":76},{"title":"قوله: ﴿من يصرف عنه﴾","level":1,"page":77},{"title":"القراءات الواردة في قوله: ﴿يصرف﴾","level":2,"page":77},{"title":"(ال) في قوله: ﴿الفوز﴾ لبيان الحقيقة","level":2,"page":77},{"title":"(أبان) تصح أن تكون لازمة ومتعدية","level":2,"page":78},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":78},{"title":"الرحمة من الصفات الذاتية والفعلية","level":2,"page":78},{"title":"هل رحمة الله حقيقية أو أنها عبارة عن الثواب أو إرادة الثواب","level":2,"page":78},{"title":"الرد على من تأول الرحمة","level":2,"page":78},{"title":"تفسير قول الله تعالى: ﴿وإن يمسسك الله﴾","level":1,"page":79},{"title":"النكرة في سياق الشرط تفيد العموم","level":2,"page":79},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":80},{"title":"الفرق بين القوة والقدرة","level":2,"page":81},{"title":"الكلام عليهما من حيث العموم والكمال","level":2,"page":81},{"title":"تفسير قول الله تعالى: ﴿هو القاهر فوق عباده﴾","level":1,"page":82},{"title":"فوقية الله فوقية مكانة ومكان","level":2,"page":82},{"title":"أقسام العبودية","level":2,"page":83},{"title":"﴿الحكيم﴾ مشتقة من الأحكام والحكمة","level":2,"page":84},{"title":"أنواع الحكم","level":2,"page":84},{"title":"الفرق بين الحكم الكوني والشرعي","level":2,"page":84},{"title":"أنواع الحكمة","level":2,"page":85},{"title":"الحكمة من الزكاة","level":2,"page":86},{"title":"معنى الخبير","level":2,"page":86},{"title":"هل يلزم من الخبير أن يكون عليما","level":2,"page":87},{"title":"فائدة اقتران الاسمين (الحكيم والخبير)","level":2,"page":87},{"title":"جميع أوامر الله ونواهيه حكمة ولا حاجة أن نعرف العلة","level":2,"page":87},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":88},{"title":"قاعدة في أسماء الله","level":2,"page":88},{"title":"الفرق التي خالفت أهل السنة والجماعة في علو الله","level":2,"page":89},{"title":"الأدلة على علو الله","level":2,"page":90},{"title":"ما تضمنه اسم ﴿الحكيم﴾ من صفات","level":2,"page":92},{"title":"الفائدة المسلكية والمنهجية لاسم ﴿الخبير﴾","level":2,"page":93},{"title":"حكم السؤال عن الحكمة","level":2,"page":93},{"title":"تفسير قول الله تعالى: ﴿قل أي شيء أكبر شهادة﴾","level":1,"page":94},{"title":"سبب نزول الآية","level":2,"page":95},{"title":"أوجه إعراب هذه الآية","level":2,"page":95},{"title":"شهادة الله للرسول - ﷺ - بصدقه","level":2,"page":96},{"title":"تعريف الوحي لغة واصطلاحا","level":2,"page":97},{"title":"تعريف القرآن","level":2,"page":97},{"title":"لا تقوم الحجة بالقرآن إلا على من بلغه وفهمه","level":2,"page":98},{"title":"الإنكار على المشركين في شهادتهم أن مع الله آلهة أخرى","level":2,"page":98},{"title":"البراءة في كل من يشرك بالله","level":2,"page":99},{"title":"هل الرسول ﷺ بريء من عيسى؟","level":2,"page":99},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":100},{"title":"هل يطلق على الله - ﷿ - اسم (الشيء)؟","level":2,"page":100},{"title":"هل يجوز أن نطلق على القرآن أنه شيء","level":2,"page":100},{"title":"شهادة الله أكبر شهادة","level":2,"page":101},{"title":"هل يطلق الشاهد على الحاكم؟","level":2,"page":102},{"title":"صور تعظيم القرآن الكريم","level":2,"page":103},{"title":"حكم من بلغه القرآن وهو لا يعرف العربية","level":2,"page":104},{"title":"من بلغه القرآن وهو يعرف العربية ولكنه عاش في أحضان أئمة الضلال","level":2,"page":104},{"title":"الجواب على مسألة العذر","level":2,"page":105},{"title":"حكم اتباع أهل الضلال من العوام","level":2,"page":106},{"title":"متى تقوم الحجة على اليهود والنصارى","level":2,"page":106},{"title":"كيفية معاملة من يفعل الأفعال الشركية","level":2,"page":107},{"title":"حكم من طعن في شيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ محمد بن عبد الوهاب","level":2,"page":107},{"title":"حكم قول يا أبا الأفراج","level":2,"page":108},{"title":"وجوب التبرؤ من كل ما يعبد من دون الله","level":2,"page":108},{"title":"وجوب البراءة مما عليه المشركون","level":2,"page":108},{"title":"الفرق بين المداهنة والمداراة","level":2,"page":109},{"title":"تفسير قول الله تعالى: ﴿الذين اتيناهم الكتاب﴾","level":1,"page":109},{"title":"المراد من قوله: ﴿يعرفونه﴾","level":2,"page":110},{"title":"سبب تخصيص الأبناء دون البنات","level":2,"page":110},{"title":"معنى قوله: ﴿الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون﴾","level":2,"page":110},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":110},{"title":"کلام الله أقوى شاهد","level":2,"page":111},{"title":"ما نقله الشيخ محمد رشيد رضا - ﵀ - في تفسيره","level":2,"page":111},{"title":"تفسير قول الله تعالى: ﴿ومن أظلم ممن أفترى﴾","level":1,"page":112},{"title":"نوع الاستفهام ومعناه","level":2,"page":112},{"title":"أعظم الكذب","level":2,"page":112},{"title":"مطابقة هذه الآية لمشركي قريش","level":2,"page":113},{"title":"حكم الكذب على الله في مدلول الأدلة","level":2,"page":114},{"title":"الإظهار في موضع الاضمار في قوله: ﴿إنه﴾","level":2,"page":114},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":114},{"title":"المعاصي بعضها أشد من بعض","level":2,"page":114},{"title":"هل للمعاصي والظلم أثر حسي؟","level":2,"page":115},{"title":"ضابط المناصرة","level":2,"page":115},{"title":"هل تهنئة الكفار باحتلال بلاد المسلمين من نواقض الإسلام؟","level":2,"page":115},{"title":"هل يعاقب الذين يصنعون آلات اللهو بمثل ما يفعل بالمصورين","level":2,"page":115},{"title":"قاعدة في الافتراء","level":2,"page":116},{"title":"الكفر الأكبر والكفر الأصغر","level":2,"page":116},{"title":"الجمع إذا أضيف أفاد العموم","level":2,"page":117},{"title":"فائدة متفرعة مما سبق","level":2,"page":117},{"title":"فائدة نفيسة في الجمع بين هذه الآية وغيرها من النصوص","level":2,"page":118},{"title":"عدم فلاح الظالم وربطه بالواقع","level":2,"page":119},{"title":"أنواع الفلاح","level":2,"page":119},{"title":"كيف يمحق الله الكافرين وهم منتصرون؟","level":2,"page":120},{"title":"النصيحة لولاة الأمور","level":2,"page":121},{"title":"تفسير قول الله تعالى: ﴿يوم نحشرهم جميعا﴾","level":1,"page":122},{"title":"التقدير في قوله: ﴿يوم نحشرهم﴾","level":2,"page":122},{"title":"نوع الاستفهام في قوله: ﴿أين شركاؤكم﴾","level":2,"page":122},{"title":"معنى الفتنة في قوله: ﴿فتنتهم﴾","level":2,"page":123},{"title":"إشكال وجوابه","level":2,"page":123},{"title":"القراءات في هذه الآية","level":2,"page":124},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":124},{"title":"قول الله تعالى يكون بالحروف المسموعة المعقولة","level":2,"page":125},{"title":"الجمع بين قوله: ﴿الله ربنا ما كنا مشركين﴾ وبين قوله: ﴿يوميذ يود﴾","level":2,"page":127},{"title":"يستحيل أن يكون هناك تناقض في القرآن","level":2,"page":127},{"title":"إشارة الشيخ - ﵀ - لكتاب (دفع إيهام الاضطراب) للشيخ الشنقيطي","level":2,"page":127},{"title":"تفسير قول الله تعالى: ﴿ومنهم من يستمع إليك﴾","level":1,"page":128},{"title":"(من) التبعيضية و(من) الموصولة","level":2,"page":128},{"title":"تقدير المضاف قوله: ﴿أن يفقهوه﴾","level":2,"page":128},{"title":"تعريف الفقه لغة","level":2,"page":129},{"title":"المراد من قوله: ﴿وفي آذانهم وقرا﴾","level":2,"page":129},{"title":"الفرق بين حتى الغائبة والابتدائية","level":2,"page":129},{"title":"تعريف الجدل","level":2,"page":130},{"title":"استعمالات (إن)","level":2,"page":130},{"title":"تعريف الأساطير","level":2,"page":131},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":131},{"title":"ليس كل مستمع بمنتفع","level":2,"page":131},{"title":"الواجب عند الاستماع التأمل والتفكر","level":2,"page":131},{"title":"سبب حجب الحق عن القلب","level":2,"page":132},{"title":"أنواع الآيات","level":2,"page":132},{"title":"الله يرسل الآيات تأييد للرسل وتخويف لمخالفيهم","level":2,"page":133},{"title":"لا يجوز للإنسان أن يدخل في مجادلة إلا بنية صالحة وعلم يدفع به الشبهة","level":2,"page":134},{"title":"حكم تعلم الجدل من أجل نصرة الحق","level":2,"page":134},{"title":"الجواب على من قال أنه لا حاجة لمراجعة جدل المتكلمين لأن زمنهم انقضى","level":2,"page":134},{"title":"الكتب التي ينصح بها لمطالعة كلام المتكلمين","level":2,"page":135},{"title":"الجواب على حديث النبي ﷺ فيهم: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة»","level":2,"page":135},{"title":"المجادلة بالباطل إما أن يلجا للمكابرة أو إلى التهديد","level":2,"page":136},{"title":"حكم من جادل بالباطل لإدحاض الحق","level":2,"page":136},{"title":"فائدة الإظهار في موضع الإضمار","level":2,"page":137},{"title":"تفسير قول الله تعالى: ﴿وهم ينهون عنه﴾","level":1,"page":137},{"title":"غلط من ظن أن هذه الآية نزلت في أبي طالب","level":2,"page":137},{"title":"المراد بالهلاك","level":2,"page":138},{"title":"الكفار المجادلين لا يشعرون بأنهم على ضلال","level":2,"page":138},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":139},{"title":"كل من حاول إبطال الحق فإنما يجني على نفسه","level":2,"page":139},{"title":"التحذير من سلوك سبل الهلاك","level":2,"page":139},{"title":"كيف يعرف الإنسان أنه على صواب","level":2,"page":139},{"title":"تفسير قول الله تعالى: ﴿ولو ترى إذ وقفوا﴾","level":1,"page":140},{"title":"إذا دار الكلام بين التقدير وعدمه","level":2,"page":141},{"title":"التمني يكون في المحال والصعب","level":2,"page":141},{"title":"القراءة الواردة في قوله: ﴿ولا نكذب﴾","level":2,"page":142},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":142},{"title":"جواز حذف المعلوم لغة","level":2,"page":143},{"title":"تفسير قول الله تعالى: ﴿بل بدا لهم﴾","level":1,"page":143},{"title":"من المراد من قوله: ﴿بدا لهم﴾؟","level":2,"page":143},{"title":"إشكال وجوابه","level":2,"page":144},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":144},{"title":"تعلق علم الله تعالى بالمستحيل","level":2,"page":145},{"title":"هل يمكن أن يستحيل الشيء لذاته ويعلمه الله؟","level":2,"page":146},{"title":"تأكيد الخبر إذا دعت الحاجة اليه","level":2,"page":146},{"title":"تفسير قول الله تعالى: ﴿قالوا إن هي﴾","level":1,"page":146},{"title":"لماذا سميت الدنيا دنيا؟","level":2,"page":147},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":148},{"title":"تفسير قول الله تعالى: ﴿لو ترى إذ وقفوا على ربهم﴾","level":1,"page":149},{"title":"فائدة في زيادة الحروف","level":2,"page":149},{"title":"مراتب اليقين","level":2,"page":150},{"title":"سبب حذف جواب (لو)","level":2,"page":150},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":151},{"title":"أقسام الناس في إثبات الأسباب","level":2,"page":151},{"title":"تفسير قول الله تعالى: ﴿قد خسر الذين كذبوا﴾","level":1,"page":152},{"title":"أنواع الخبر","level":2,"page":153},{"title":"الخسار المطلق للكافرين","level":2,"page":153},{"title":"المراد بالساعة","level":2,"page":154},{"title":"الياء في قوله: ﴿ياحسرتنا﴾","level":2,"page":154},{"title":"الفائدة في تعبير الجزاء بالعمل","level":2,"page":155},{"title":"أحوال القيامة لا تقاس بأحوال الدنيا","level":2,"page":155},{"title":"حمل الأوزار حقيقة","level":2,"page":156},{"title":"التقدير في قوله: ﴿ألا ساء ما يزرون﴾","level":2,"page":156},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":156},{"title":"الاستدلال بهذه الآية على النظر إلى الله - ﷿ -","level":2,"page":157},{"title":"الأدلة على إثبات النظر من الكتاب والسنة والإجماع","level":2,"page":157},{"title":"حكم إثبات الجهة الله تعالى","level":2,"page":159},{"title":"الفرق بين الذكاء والعقل","level":2,"page":159},{"title":"إجراء النصوص على ظاهرها","level":2,"page":161},{"title":"الأعمال محل الثناء والقدح","level":2,"page":161},{"title":"هل ثبت القدح والثناء في العامل","level":2,"page":161},{"title":"تنبيه هام في مسألة التعيين والتعميم","level":2,"page":161},{"title":"تفسير قول الله تعالى: ﴿وما الحياة الدنيا﴾","level":1,"page":162},{"title":"أقوى طرق الحصر","level":2,"page":162},{"title":"وجه وصف ﴿وما الحياة الدنيا﴾ بالدنيا","level":2,"page":162},{"title":"معنى اللعب واللهو","level":2,"page":163},{"title":"القراءة الواردة في قوله: ﴿وللدار الآخرة﴾","level":2,"page":163},{"title":"المراحل التي يمر بها الإنسان","level":2,"page":163},{"title":"الوجه البلاغي في قوله: ﴿خير﴾","level":2,"page":164},{"title":"تعريف التقوى","level":2,"page":164},{"title":"المراد بالعقل في قوله: ﴿تعقلون (١٥١)﴾","level":2,"page":164},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":165},{"title":"تفضيل الآخرة على الدنيا","level":2,"page":166},{"title":"تفسير قول الله تعالى: ﴿قد نعلم إنه ليحزنك﴾","level":1,"page":167},{"title":"دخول ﴿قد﴾ على الفعل","level":2,"page":167},{"title":"کسر همزة (إن) وفتحها","level":2,"page":167},{"title":"نراجع علها فتحت","level":2,"page":167},{"title":"القراءة الواردة في قوله: ﴿ليحزنك﴾","level":2,"page":168},{"title":"المراد بقوله: ﴿يقولون﴾","level":2,"page":168},{"title":"الفائدة في تقديم قوله: ﴿بآيات الله﴾","level":2,"page":169},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":169},{"title":"علم الله تعالى بما في القلوب","level":2,"page":170},{"title":"أحكام الدنيا تجري على الظاهر","level":2,"page":171},{"title":"الردة لها أصلان الجحود والاستكبار","level":2,"page":171},{"title":"حكم في فضل الصلاة وقال: أفعلها احتياطا","level":2,"page":172},{"title":"تفسير قول الله تعالى: ﴿ولقد كذبت رسل﴾","level":1,"page":172},{"title":"الرسل أوذوا بالقول والفعل","level":2,"page":173},{"title":"نصر الله لنبيه - ﷺ - نصر عاجل وآجل","level":2,"page":174},{"title":"معنى: ﴿ولا مبدل لكلمات الله﴾","level":2,"page":174},{"title":"المؤكدات في قوله: ﴿ولقد جاءك من نبأ المرسلين﴾","level":2,"page":175},{"title":"معنى الآية","level":2,"page":175},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":175},{"title":"الحكمة من إرسال الرسل مع تكذيبهم","level":2,"page":175},{"title":"وجه قوله: ﴿متى نصر الله﴾","level":2,"page":176},{"title":"الفرج يأتي مع الشدة","level":2,"page":177},{"title":"لا يطلبن النصر إلا من الله","level":2,"page":177},{"title":"لا تبديل لكلمات الله الكونية والشرعية","level":2,"page":178},{"title":"الجواب على نسخ في القرآن","level":2,"page":179},{"title":"المصدر المؤكد ينفي احتمال المجاز","level":2,"page":179},{"title":"اعتقاد أن الله يتكلم بكلام مسموع","level":2,"page":179},{"title":"أبرز من خالف أهل السنة","level":2,"page":179},{"title":"هل كل ما خلقه الله يكون بكلمة (كن)؟","level":2,"page":180},{"title":"مراعاة الفواصل في القرآن الكريم","level":2,"page":181},{"title":"تفسير قول الله تعالى: ﴿وإن كان كبر عليك﴾","level":1,"page":182},{"title":"تداخل الجملة الشرطية مع جملة شرطية أخرى","level":2,"page":182},{"title":"تفسير قول الله تعالى: ﴿ولو شاء الله لجمعهم على الهدى﴾","level":1,"page":184},{"title":"تقدير الشيء مطابقة للموجود أولى من تقديره على شيء غير مطابق","level":2,"page":184},{"title":"أنواع الجمل","level":2,"page":185},{"title":"استشكال وجوابه","level":2,"page":185},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":185},{"title":"النظر للمقصد بعين القدر والشرع","level":2,"page":186},{"title":"لا بد لكل نبي من آية","level":2,"page":187},{"title":"مراتب القدر","level":2,"page":187},{"title":"حكمة الله في جعل الناس صنفين","level":2,"page":188},{"title":"الرد على من احتج بالقدر","level":2,"page":188},{"title":"تفسير قول الله تعالى: ﴿إنما يستجيب الذين يسمعون﴾","level":1,"page":190},{"title":"الفرق بين سماع الإدراك وسماع القبول والانقياد","level":2,"page":190},{"title":"المراد من قوله: ﴿والموتى﴾","level":2,"page":190},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":191},{"title":"قاعدة: في التقليد بالوصف بالوصف","level":2,"page":191},{"title":"الفرق بين البعث والإحياء","level":2,"page":192},{"title":"فائدة التقديم في هذه الآية","level":2,"page":192},{"title":"تفسير قول الله تعالى: ﴿وقالوا لولا نزل عليه آية﴾","level":1,"page":193},{"title":"سنة الله في إنزال الآيات","level":2,"page":193},{"title":"خطأ من سمى الآيات بالمعجزات","level":2,"page":194},{"title":"قدرة الله على إنزال الآيات إذا شاء","level":2,"page":194},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":195},{"title":"آيات النبي - ﷺ - مشاهدة ومعلومة لكفار قريش","level":2,"page":195},{"title":"کمال علم الله وقدرته","level":2,"page":196},{"title":"تنطع المتكلمين في بحوثهم أمثلة على ذلك","level":2,"page":196},{"title":"مثال للعابد والعالم","level":2,"page":197},{"title":"أفعال الله مقرونة بمشيئته","level":2,"page":197},{"title":"تفسير قوله تعالى: (وما من دابة في الأرض)","level":1,"page":198},{"title":"المراد بالدابة","level":2,"page":198},{"title":"هل السيارات والطائرات تسمى دواب","level":2,"page":198},{"title":"فائدة التعبير بقوله: ﴿بجناحيه﴾","level":2,"page":199},{"title":"تنوع الأمم واختلافها في الأحجام والألوان واللغات","level":2,"page":199},{"title":"كل واحدة من الأمم لا تفهم لغة الأمم الأخرى","level":2,"page":199},{"title":"ذكاء النمل","level":2,"page":200},{"title":"حكم أخذ الحب من النمل","level":2,"page":200},{"title":"إذا أخذت الهرة لحما من أحد هل يجوز أخذه منها؟","level":2,"page":200},{"title":"حكم أخذ نصف الحب الذي أخرجه النمل","level":2,"page":201},{"title":"قراءة القرآن على النمل","level":2,"page":201},{"title":"حكم قتل النمل الذي في البيت؟","level":2,"page":201},{"title":"المراد بالكتاب اللوح المحفوظ","level":2,"page":202},{"title":"وجوب الإيمان بما أخبر الله به سواء أدركه العقل أم لم يدركه","level":2,"page":202},{"title":"دعاء: (اللهم لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه) حديث منكر، ولا يجوز الدعاء به","level":2,"page":202},{"title":"هل الإنسان مسير أم مخير؟","level":2,"page":203},{"title":"قوله: ﴿من﴾ زائدا إعرابا، أما معنى فلا","level":2,"page":203},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":204},{"title":"خطأ من يفهم أن بني آدم هم أفضل المخلوقات","level":2,"page":204},{"title":"خطأ يرد على كثير من السنة الخطباء","level":2,"page":205},{"title":"تفسير قوله تعالى: ﴿والذين كذبوا باياتنا﴾","level":1,"page":206},{"title":"انسداد أبواب العلم والمعرفة على من كذب بآيات الله","level":2,"page":206},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":207},{"title":"الذين يحرفون الآيات هل يدخلون في هذه الآية","level":2,"page":207},{"title":"جميع أفعال الله وأحكامه مقرونة بالحكمة","level":2,"page":208},{"title":"هل الحكمة معلومة للخلق؟","level":2,"page":208},{"title":"هل للناس حجة على الله إذا أضله الله؟","level":2,"page":208},{"title":"تفسير قول الله تعالى: ﴿قل أرأيتكم إن أتاكم﴾","level":1,"page":209},{"title":"معنى قوله: ﴿أرأيتكم﴾ وإعرابها","level":2,"page":210},{"title":"حال مشركي العرب خير من حال بعض الطوائف المبتدعة","level":2,"page":210},{"title":"قوله: ﴿بل إياه تدعون﴾","level":1,"page":210},{"title":"الفرق بين النسيان المثبت والمنفي لله - ﷿ -","level":2,"page":211},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":211},{"title":"استجابة الله لدعوة المظلوم والمضطر ولو كان كافرا","level":2,"page":211},{"title":"هل اللجوء إلى الله فطرة أم شرعي عقلي؟","level":2,"page":212},{"title":"تفسير قول الله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا إلى أمم﴾","level":1,"page":213},{"title":"المؤكدات الواردة في قوله: ﴿ولقد﴾","level":2,"page":213},{"title":"﴿أمم﴾ لها أربع معان","level":2,"page":213},{"title":"أنواع الإيجاز عند البلاغين","level":2,"page":214},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":215},{"title":"لا تقوم الحجة بالبلاغ حتى يفهمها المرسل إليه","level":2,"page":215},{"title":"الحكمة من ابتلاء الله الناس","level":2,"page":216},{"title":"هل لنا معرفة الحكمة؟","level":2,"page":217},{"title":"تعبير الفقهاء بقولهم أنه (تعبدي)","level":2,"page":217},{"title":"من العبارات الفاسدة قولهم: (أن الله منزه عن الأعراض والأبعاض والأغراض)","level":2,"page":218},{"title":"من الناس من لا تزيده البأساء والضراء إلا قسوة في القلب","level":2,"page":219},{"title":"أهمية ملاحظة الإنسان لقلبه","level":2,"page":220},{"title":"دواء قسوة القلب","level":2,"page":220},{"title":"تجويع النفس هل يلين القلب؟","level":2,"page":221},{"title":"الحذر من الاستدراج","level":2,"page":222},{"title":"الفرح المذموم والفرح المحمود","level":2,"page":223},{"title":"تفسير قوله تعالى: ﴿فقطع دابر القوم﴾","level":1,"page":223},{"title":"كل إنسان كافر فهو ظالم","level":2,"page":224},{"title":"الأدب مع الله في الألفاظ","level":2,"page":224},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":224},{"title":"تمام عدل الله ورحمته في أخذ الظالم","level":2,"page":224},{"title":"تفسير قول الله تعالى: ﴿قل أرأيتم﴾","level":1,"page":225},{"title":"الآية ليست مجرد علامة","level":2,"page":225},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":225},{"title":"حكم الذين يطلبون الرقية","level":2,"page":226},{"title":"رحمة الله بتنوع الآيات","level":2,"page":226},{"title":"تفسير قول الله تعالى: ﴿قل أرأيتكم إن أتاكم﴾","level":1,"page":227},{"title":"إذا كان الاستفهام بمعنى النفي صار أشد","level":2,"page":227},{"title":"أقسام الظلم","level":2,"page":227},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":228},{"title":"المعاصي بريد الكفر","level":2,"page":228},{"title":"أهمية ملازمة التوبة","level":2,"page":229},{"title":"تفسير قول الله تعالى: ﴿وما نرسل المرسلين﴾","level":1,"page":229},{"title":"الأرجح في تعريف الرسل والأنبياء","level":2,"page":229},{"title":"تعريف البشارة","level":2,"page":230},{"title":"الفائدة من حصر وظيفة الرسل في البشارة والإنذار","level":2,"page":231},{"title":"شروط إصلاح العمل","level":2,"page":231},{"title":"حكم الحلف بغير الله","level":2,"page":232},{"title":"حكم الحلف بالمصحف","level":2,"page":232},{"title":"قوله: ﴿والذين كذبوا﴾","level":1,"page":233},{"title":"القسم الثاني من الذين أرسل الله إليهم رسل","level":2,"page":233},{"title":"حكم إنكار عذاب القبر","level":2,"page":233},{"title":"من فوائد الآيتين الكريمتين","level":2,"page":234},{"title":"حكمة إرسال الرسل","level":2,"page":234},{"title":"البشارة والإنذار في دعوة الرسل","level":2,"page":234},{"title":"حكمة الله في انقسام الناس إلى مؤمن وكافر","level":2,"page":234},{"title":"هل يحصل خوف للمؤمنين من أعدائهم؟","level":2,"page":235},{"title":"الجواب على من قال الأعمال شرط في كمال الإيمان أو شرط في أصل الإيمان","level":2,"page":236},{"title":"لا نكفر أحدة إلا بدليل","level":2,"page":237},{"title":"آيات الله تنقسم قسمين","level":2,"page":237},{"title":"الخلق لا يصلحون إلا بالشريعة الإسلامية","level":2,"page":237},{"title":"التكذيب بالآيات الشرعية والكونية","level":2,"page":238},{"title":"إثبات الأسباب","level":2,"page":239},{"title":"نصيحة في تدبر الأسباب في القرآن","level":2,"page":239},{"title":"انقسام الناس في الأسباب","level":2,"page":239},{"title":"المراد بالفسق","level":2,"page":240},{"title":"حكم الحاكم بغير ما أنزل الله","level":2,"page":241},{"title":"حديث: «إن الله لو عذب أهل سمواته\"","level":2,"page":242},{"title":"تفسير قول الله تعالى: ﴿قل لا أقول لكم﴾","level":1,"page":242},{"title":"أهمية الخطاب في قوله: ﴿قل﴾","level":2,"page":242},{"title":"أنواع الغيب","level":2,"page":243},{"title":"استعمالات (إن)","level":2,"page":244},{"title":"الألفاظ يتعين معناها بالسياق","level":2,"page":244},{"title":"تعريف (الوحي)","level":2,"page":245},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":246},{"title":"ما أخبر به النبي ﷺ من الغيب فهو بوحي الله","level":2,"page":247},{"title":"حكم الاستعانة بالجن لمعرفة الأشياء البعيدة","level":2,"page":248},{"title":"الشرائع توقيفية","level":2,"page":249},{"title":"الرد على من قسم البدعة","level":2,"page":250},{"title":"الجواب على قول عمر ﵁","level":2,"page":250},{"title":"الجواب على جمع المصحف وتبويب الأحاديث وبناء المدارس","level":2,"page":251},{"title":"حكم المحاريب في المساجد","level":2,"page":252},{"title":"الجواب على من استدل بالمصالح في البدع","level":2,"page":253},{"title":"المراد بالمحراب في قوله: ﴿كلما دخل عليها زكريا المحراب﴾","level":2,"page":254},{"title":"تعريف المحراب","level":2,"page":254},{"title":"حكم كتابة (الله) و(محمد) فوق المحراب","level":2,"page":254},{"title":"تنبيه في الإجابة على بعض الفتوى","level":2,"page":255},{"title":"التفكر في آيات الله الكونية والشرعية","level":2,"page":256},{"title":"الخطأ في تكيف الشريعة حسب الواقع","level":2,"page":256},{"title":"تفسير قول الله تعالى: ﴿وأنذر به الذين يخافون﴾","level":1,"page":257},{"title":"قوله: ﴿لعلهم﴾","level":1,"page":258},{"title":"تعريف التقوى","level":2,"page":258},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":258},{"title":"أنواع الشفاعة","level":2,"page":259},{"title":"تفسير قوله تعالى: ﴿ولا تطرد الذين يدعون﴾","level":1,"page":260},{"title":"إعرابها","level":2,"page":260},{"title":"ما وجه كون العابد داعيا؟","level":2,"page":261},{"title":"الحكمة في كون (الباء) تأتي بمعنى (في)","level":2,"page":261},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":262},{"title":"المراد (بالوجه)","level":2,"page":262},{"title":"الرد على من أول الوجه","level":2,"page":262},{"title":"هل في قوله: ﴿يريدون وجهه﴾ دلالة على رؤية الله - ﷿ -","level":2,"page":263},{"title":"تنبيه على ما جاء عند الزمخشري","level":2,"page":264},{"title":"تفسير قوله تعالى: ﴿وكذلك فتنا﴾","level":1,"page":265},{"title":"مناسبة الآية لما قبلها","level":2,"page":265},{"title":"تكلف بعض المؤلفين في التناسب بين الآيات","level":2,"page":265},{"title":"اسم التفضيل في (أعلم) أكمل من عالم","level":2,"page":266},{"title":"استشكال وجوابه","level":2,"page":267},{"title":"من فوائد الآية الكريمة","level":2,"page":267},{"title":"تنفير أعداء الله، المؤمنين بأوصاف باطلة","level":2,"page":267},{"title":"نهاية تفسير سورة الأنعام عند الآية (٥٣)","level":2,"page":268}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,20":16,"1,21":17,"1,22":18,"1,23":19,"1,24":20,"1,25":21,"1,26":22,"1,27":23,"1,28":24,"1,29":25,"1,30":26,"1,31":27,"1,32":28,"1,33":29,"1,34":30,"1,35":31,"1,36":32,"1,37":33,"1,38":34,"1,39":35,"1,40":36,"1,41":37,"1,42":38,"1,43":39,"1,44":40,"1,45":41,"1,46":42,"1,47":43,"1,48":44,"1,49":45,"1,50":46,"1,51":47,"1,52":48,"1,53":49,"1,54":50,"1,55":51,"1,56":52,"1,57":53,"1,58":54,"1,59":55,"1,60":56,"1,61":57,"1,62":58,"1,63":59,"1,64":60,"1,65":61,"1,66":62,"1,67":63,"1,68":64,"1,69":65,"1,70":66,"1,71":67,"1,72":68,"1,73":69,"1,74":70,"1,75":71,"1,76":72,"1,77":73,"1,78":74,"1,79":75,"1,80":76,"1,81":77,"1,82":78,"1,83":79,"1,84":80,"1,85":81,"1,86":82,"1,87":83,"1,88":84,"1,89":85,"1,90":86,"1,91":87,"1,92":88,"1,93":89,"1,94":90,"1,95":91,"1,96":92,"1,97":93,"1,98":94,"1,99":95,"1,100":96,"1,101":97,"1,102":98,"1,103":99,"1,104":100,"1,105":101,"1,106":102,"1,107":103,"1,108":104,"1,109":105,"1,110":106,"1,111":107,"1,112":108,"1,113":109,"1,114":110,"1,115":111,"1,116":112,"1,117":113,"1,118":114,"1,119":115,"1,120":116,"1,121":117,"1,122":118,"1,123":119,"1,124":120,"1,125":121,"1,126":122,"1,127":123,"1,128":124,"1,129":125,"1,130":126,"1,131":127,"1,132":128,"1,133":129,"1,134":130,"1,135":131,"1,136":132,"1,137":133,"1,138":134,"1,139":135,"1,140":136,"1,141":137,"1,142":138,"1,143":139,"1,144":140,"1,145":141,"1,146":142,"1,147":143,"1,148":144,"1,149":145,"1,150":146,"1,151":147,"1,152":148,"1,153":149,"1,154":150,"1,155":151,"1,156":152,"1,157":153,"1,158":154,"1,159":155,"1,160":156,"1,161":157,"1,162":158,"1,163":159,"1,164":160,"1,165":161,"1,166":162,"1,167":163,"1,168":164,"1,169":165,"1,170":166,"1,171":167,"1,172":168,"1,173":169,"1,174":170,"1,175":171,"1,176":172,"1,177":173,"1,178":174,"1,179":175,"1,180":176,"1,181":177,"1,182":178,"1,183":179,"1,184":180,"1,185":181,"1,186":182,"1,187":183,"1,188":184,"1,189":185,"1,190":186,"1,191":187,"1,192":188,"1,193":189,"1,194":190,"1,195":191,"1,196":192,"1,197":193,"1,198":194,"1,199":195,"1,200":196,"1,201":197,"1,202":198,"1,203":199,"1,204":200,"1,205":201,"1,206":202,"1,207":203,"1,208":204,"1,209":205,"1,210":206,"1,211":207,"1,212":208,"1,213":209,"1,214":210,"1,215":211,"1,216":212,"1,217":213,"1,218":214,"1,219":215,"1,220":216,"1,221":217,"1,222":218,"1,223":219,"1,224":220,"1,225":221,"1,226":222,"1,227":223,"1,228":224,"1,229":225,"1,230":226,"1,231":227,"1,232":228,"1,233":229,"1,234":230,"1,235":231,"1,236":232,"1,237":233,"1,238":234,"1,239":235,"1,240":236,"1,241":237,"1,242":238,"1,243":239,"1,244":240,"1,245":241,"1,246":242,"1,247":243,"1,248":244,"1,249":245,"1,250":246,"1,251":247,"1,252":248,"1,253":249,"1,254":250,"1,255":251,"1,256":252,"1,257":253,"1,258":254,"1,259":255,"1,260":256,"1,261":257,"1,262":258,"1,263":259,"1,264":260,"1,265":261,"1,266":262,"1,267":263,"1,268":264,"1,269":265,"1,270":266,"1,271":267,"1,272":268,"1,273":269},"ٜ":{"1":[5,273]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273"],"ٞ":{"1":[1],"4":[2,3],"5":[4,5,6,7],"6":[8,9,10],"7":[11],"8":[12],"9":[13],"10":[14,15,16],"11":[17,18],"12":[19],"13":[20,21,22],"14":[23],"15":[24,25,26],"16":[27],"17":[28],"18":[29,30,31],"19":[32,33,34],"20":[35,36],"21":[37,38],"22":[39,40,41],"23":[42,43],"24":[44],"25":[45,46],"26":[47,48,49],"27":[50],"28":[51,52,53],"29":[54,55,56],"30":[57,58],"31":[59,60,61],"32":[62,63],"33":[64,65],"34":[66,67,68,69],"35":[70],"36":[71,72],"37":[73,74],"38":[75,76,77],"39":[78,79],"40":[80,81,82],"41":[83,84],"42":[85,86,87],"43":[88,89],"44":[90],"45":[91,92],"46":[93,94,95],"47":[96,97],"48":[98,99],"49":[100],"50":[101,102,103,104],"51":[105,106,107],"52":[108],"53":[109,110,111],"55":[112,113,114,115],"56":[116,117],"57":[118,119],"58":[120,121,122,123],"59":[124,125],"61":[126,127,128],"62":[129,130],"63":[131,132],"64":[133],"65":[134,135],"66":[136],"67":[137,138],"68":[139,140,141],"69":[142,143,144],"70":[145,146,147],"71":[148,149,150],"72":[151],"73":[152,153,154],"74":[155],"75":[156,157,158],"76":[159,160,161,162,163],"77":[164,165,166],"78":[167,168,169,170,171],"79":[172,173],"80":[174],"81":[175,176],"82":[177,178],"83":[179],"84":[180,181,182],"85":[183],"86":[184,185],"87":[186,187,188],"88":[189,190],"89":[191],"90":[192],"92":[193],"93":[194,195],"94":[196],"95":[197,198],"96":[199],"97":[200,201],"98":[202,203],"99":[204,205],"100":[206,207,208],"101":[209],"102":[210],"103":[211],"104":[212,213],"105":[214],"106":[215,216],"107":[217,218],"108":[219,220,221],"109":[222,223],"110":[224,225,226,227],"111":[228,229],"112":[230,231,232],"113":[233],"114":[234,235,236,237],"115":[238,239,240,241],"116":[242,243],"117":[244,245],"118":[246],"119":[247,248],"120":[249],"121":[250],"122":[251,252,253],"123":[254,255],"124":[256,257],"125":[258],"127":[259,260,261],"128":[262,263,264],"129":[265,266,267],"130":[268,269],"131":[270,271,272,273],"132":[274,275],"133":[276],"134":[277,278,279],"135":[280,281],"136":[282,283],"137":[284,285,286],"138":[287,288],"139":[289,290,291,292],"140":[293],"141":[294,295],"142":[296,297],"143":[298,299,300],"144":[301,302],"145":[303],"146":[304,305,306],"147":[307],"148":[308],"149":[309,310],"150":[311,312],"151":[313,314],"152":[315],"153":[316,317],"154":[318,319],"155":[320,321],"156":[322,323,324],"157":[325,326],"159":[327,328],"161":[329,330,331,332],"162":[333,334,335],"163":[336,337,338],"164":[339,340,341],"165":[342],"166":[343],"167":[344,345,346,347],"168":[348,349],"169":[350,351],"170":[352],"171":[353,354],"172":[355,356],"173":[357],"174":[358,359],"175":[360,361,362,363],"176":[364],"177":[365,366],"178":[367],"179":[368,369,370,371],"180":[372],"181":[373],"182":[374,375],"184":[376,377],"185":[378,379,380],"186":[381],"187":[382,383],"188":[384,385],"190":[386,387,388],"191":[389,390],"192":[391,392],"193":[393,394],"194":[395,396],"195":[397,398],"196":[399,400],"197":[401,402],"198":[403,404,405],"199":[406,407,408],"200":[409,410,411],"201":[412,413,414],"202":[415,416,417],"203":[418,419],"204":[420,421],"205":[422],"206":[423,424],"207":[425,426],"208":[427,428,429],"209":[430],"210":[431,432,433],"211":[434,435,436],"212":[437],"213":[438,439,440],"214":[441],"215":[442,443],"216":[444],"217":[445,446],"218":[447],"219":[448],"220":[449,450],"221":[451],"222":[452],"223":[453,454],"224":[455,456,457,458],"225":[459,460,461],"226":[462,463],"227":[464,465,466],"228":[467,468],"229":[469,470,471],"230":[472],"231":[473,474],"232":[475,476],"233":[477,478,479],"234":[480,481,482,483],"235":[484],"236":[485],"237":[486,487,488],"238":[489],"239":[490,491,492],"240":[493],"241":[494],"242":[495,496,497],"243":[498],"244":[499,500],"245":[501],"246":[502],"247":[503],"248":[504],"249":[505],"250":[506,507],"251":[508],"252":[509],"253":[510],"254":[511,512,513],"255":[514],"256":[515,516],"257":[517],"258":[518,519,520],"259":[521],"260":[522,523],"261":[524,525],"262":[526,527,528],"263":[529],"264":[530],"265":[531,532,533],"266":[534],"267":[535,536,537],"268":[538]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\nالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\n* قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٥)﴾ [الأنعام: ١ - ٥].\nقال الله - ﷿ -: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ [الفاتحة: ١]. تقدم<span data-type=\"title\" id=toc-1> الكلام على البسملة </span>كثيرًا، فهي (^١) آية من آيات الله - ﷿ -، تبتدأ بها كل سورة ما عدا سورة براءة فإنها لم تبتدأ بالبسملة؛ لأن أيَّ آية تنزل كان النبي - ﷺ - يبين موضعها، لكن في سورة براءة لم يذكر البسملة، فأبقاها الصحابة - ﵃ - بدون بسملة، ثم أشكل عليهم هل هي مستقلة، أو من الأنفال؟ فوضعوا بينهما حاجزًا بدون بسملة.\n_________\n(^١) انظر: تفسير سورة الفاتحة لفضيلة شيخنا المؤلف رحمه الله تعالى.","vol":"1","page":5},{"text":"وأما من قال من العوام: إن الجن اختطفوها، فهذا لا أصل له إطلاقًا، ولا يجوز اعتقاده، ولهذا يقول بعض العوام - ورأيته في بعض المصاحف -: أعوذ بالله من النار، ومن غضب الجبار، ومن كيد الأشرار، بدل البسملة، وهذا حرام لا يجوز، نقول هكذا كتبها الصحابة - ﵃ -، وهم أسوتنا وقدوتنا.\nوهي بعض آية من سورة النمل؛ لأن الله تعالى ذكرها على سبيل الحكاية. لكن إذا جعلناها آية فهل هي مستقلة، أو تابعة لما بعدها؟ هي مستقلة لا تابعة لما بعدها فلا تُعَدُّ من آياتها.\nواختلف الناس في البسملة في سورة الفاتحة هل هي مستقلة، أو من آيات الفاتحة؟\nوالصواب أنها مستقلة؛ لدلالة السُّنَّة القولية والفعلية على ذلك. أما القولية ففي الحديث القدسي أن الله - ﵎ - قال: \"قَسَمْتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال: الحَمْدُ للهِ ربِّ العالمين، قالَ اللهُ: حَمِدَنِي عبدي\" (^١)، وذكر الحديث، ولم يذكر البسملة.\nوأما السُّنَةُ الفعلية، فإن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - كان لا يجهر بالبسملة، هذا هو الثابت عنه (^٢)، وتركه الجهر بالبسملة في الصلاة الجهرية يدل على أنها ليست من الفاتحة، وإلا لجهر بها كما يجهر في بقية آياتها.\n_________\n(^١) رواه مسلم، كتاب الصلاة، باب: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة ... (٣٩٥).\n(^٢) قال أنس - ﵁ -: صليت مع رسول الله - ﷺ -، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. رواه مسلم، كتاب الصلاة، باب: حجة من قال لا يجهر بالبسملة (٣٩٩).","vol":"1","page":6},{"text":"بقي أن يقال: البسملة مبدوءة بحرف الجر، والمعروف أن حروف الجر لا بد لها من عامل يسمي المتعلق، فأين متعلقها؟\nالجواب: متعلقها محذوف ويُقَدَّرُ بعدها؛ أما كونه محذوفًا فلأنه غير موجود، فلا بد أن يكون محذوفًا مقدرًا، وأما كونه يقدر بعدها فلوجهين:\nالوجه الأول: التَيَمُّن بالبداءة بـ \"بسم الله\".\nوالوجه الثاني: إفادة الحصر، كأنك تقول مثلًا: \"لا أَقرأُ إلا ببسم الله\".\nإذًا فيقدر متأخرًا للوجهين اللذين ذكرناهما.\nوكيف نُقَدِّرَهُ، هل نُقَدِّرُهُ اسمًا، أو فعلًا، وهل نقدره عامًّا، أو خاصًّا؟ هذه أربع احتمالات.\nهل نقدره فعلًا أو اسمًا؟\nنقول نقدره فعلًا؛ لأن الفعل هو الأصل في العمل، ولذلك لا تجد اسمًا يعمل عمل الفعل إلا بشروط، وإذا كان هو الأصل كان تقديره أولي من تقدير الاسم.\nوهل نقدره عامًّا أو خاصًّا؟\nنقول: نقدره خاصًّا؛ لأن الخاص أدل على المقصود من العام، فالآن نضرب أمثلة إذا قَدَّرْنَا \"بسم الله ابتدائي\" هذا مخالف للأَوْلَي من وجهين:\nالأول: أنَّا قَدَّرْنَاهُ اسمًا، والثاني: قدرناه عامًّا.\nفإذا قلت: \"بسم الله أبتدئ\"، فهو مخالف من وجه واحد وهو تقديره عامًّا.\nوإذا قلت: \"بسم الله قراءتي\"، فهو مخالف من وجه واحد وهو أنك قدرته اسمًا.","vol":"1","page":7},{"text":"وإذا قلت: \"بسم الله أقرأ\"، فهذا أحسن التقديرات؛ لأنه فعل، ومتأخر، وخاص فهو أدل، والدليل أنك تقدر الخاص الحديث \"من لم يذبح فليذبح بسم الله\" (^١). هذا يدل على أنك تقدر الفعل الخاص المناسب.\nفعند الوضوء التقدير: \"بسم الله أتوضأ\"، وعند القراءة التقدير: \"بسم الله أقرأ\"، وعند الكتابة التقدير \"بسم الله أكتب\".\nواسم الله، \"اسم\" مفرد مضاف إلى الله ﷿، فيقتضي البداءة بكل اسم من أسماء الله، فأنت إذا قلت: بسم الله؛ كأنما قلت: بكل اسم من أسماء الله.\nو\"الله\" كلمةٌ عظيمةٌ جدًا، عَلَمٌ على الله جل وعلا لا يسمي به غيره، لا في الجاهلية، ولا في الإسلام، وهو أصلٌ لجميع الأسماء، ولهذا لا تأتي الأسماء إلا بعده تابعة له؛ لأنه الأصلُ.\nفإن قال قائل: ما<span data-type=\"title\" id=toc-3> حكم البداءة بـ \"بسم الله\" في أثناء السورة</span>؟\nالجواب: ذكر بعض أهل العلم أن البداءة ببسم الله في أثناء السورة سُنَّة، يعني مستحبة، والصواب: أنها ليست مستحبة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النحل: ٩٨]، فمثلًا إذا قلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، فقد زدت، إنما تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فقط.\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الجمعة، باب: كلام الإمام والناس في خطبة العيد إذا سئل (٩٨٥)، ومسلم كتاب الأضاحي، باب وقتها (١٩٦٠).","vol":"1","page":8},{"text":"فإذا قال: أليس هذا فعلًا، وينبغي أن أبدأ كل فعل بالبسملة؟ قلنا: إذا قلت هذا فقل: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فالصحيح أنَه لا يستحب البداءة بها، ولذا ينبه على الطلاب في المدارس لئلا يتخذوها سُنَّة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>قوله: (الرحمن)</span> مشتق من الرحمة، ولكنه على صيغة فعلان، وهذه الصيغة تدل على السعة والامتلاء، فيكون معناه: أنه ذو رحمة واسعة، ولهذا فسرها بعضهم: بأن الرحمن ذو الرحمة العامة، ولكن الصواب: أنه ذو الرحمة الواسعة، يرحم من شاء ﷿، فهي أدل على الوصف منها على الفعل.\nو<span data-type=\"title\" id=toc-6>قوله: (الرحيم)</span> صيغة مبالغة من الرحمة أيضًا، لكنها أدل على الفعل منها على الوصف، فسبقتِ (الرحمن)؛ لأنها وصف، وأتت (الرحيم)؛ لأنها فعل، فهو رحمن يرحم - ﷿ -، وقد ذكر الله - ﵎ -: أنه رحيمٌ بالمؤمنين، والمراد الرحمة الخاصة.\nوقسم العلماء - رحمهم الله تعالى - الرحمة إلى قسمين: عامة وخاصة.\nفأما الرحمة العامة: فهي الشاملة لجميع الخلق، المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والصغير والكبير، والبهيم والعاقل، فكل الخلق تحت رحمة الله - ﷿ -، لا يشذ أحد عن هذه الرحمة العامة.\nوأما الرحمة الخاصة: فهي التي تختص بالمؤمنين.\nوالفرق بينهما أن الرحمة الخاصة تتصل برحمة الآخرة، فيكون لله ﷿ على المؤمنين رحمة في الدنيا ورحمة في الآخرة، أما الرحمة العامة فلا أثر لها إلا في الدنيا، ولذلك","vol":"1","page":9},{"text":"نقول: الكفار في الآخرة يعاملون بالعدل لا يعاملون بالرحمة، أيضًا البهائم وغير العاقل يعاملون بالعدل؛ لأن الله يقضي بين البهائم، ثم يأمرهن أن يكنّ ترابًا فيكنّ ترابًا ولا نعيم.\nوذِكْرُ هذين الاسمين الكريمين عند البسملة التي تتقدم فِعْلَ العبد وقوله إشارةٌ إلى أن الله إذا لم يرحمك فلن تستفيد من هذا الفعل، ولا من هذا القول، ولهذا قال النبي - ﷺ -: \"لن يدخل أحد الجنة بعمله\"، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: \"ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته\" (^١).\n* * *\n\n* قال الله - ﷿ -: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١].\nقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ (أل) هنا للاستغراق، أي: جميع الحمد من كل وجه ثابت لله - ﷿ -، و(اللام) في قوله: (لله): إما للاختصاص، وإما للاستحقاق، ولا تنافي بين المعنيين، وعلى هذا فتكون للاستحقاق والاختصاص؛ لأن (أل) في<span data-type=\"title\" id=toc-8> قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾</span> للعموم، ولا أحد يستحق الحمد على العموم إلا الله - ﷿ -.\nولكن ما هو الحمد؟\nكثير من الناس يفسرون الحمد بالثناء على الله بالجميل الاختياري، ولكن هذا ليس بصحيح؛ لأن الثناء هو تكرار\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب المرضي، باب: تمني المريض الموت (٥٦٧٣)، ومسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب: لن يدخل أحد الجنة بعمله بل برحمة الله (٢٨١٦).","vol":"1","page":10},{"text":"الحمد، والدليل على هذا قوله: - ﵎ - في الحديث القدسي: \"إذا قال العبد ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢]، قال الله: حَمِدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ [الفاتحة: ٣] قال: أثني عليَّ (^١)، وهذا يدل على أن الثناء هو تكرار الوصف الكامل، والاشتقاق يدل عليه؛ لأن الثناء: من الثني، وهو إعادة الشيء، أو رد الشيء بعضه إلى بعض.\nوأما قولهم: \"على الجميل الاختياري\" فهو بالنسبة لله - ﷿ - غير صحيح؛ لأن الله يحمد على ما يفعله - ﷿ -، وهو يختار ما يشاء، ويحمد على كمال صفاته اللازمة التي لا تتعدي إلى أحد، فهو محمود على كمال حياته، ومحمود على كمال قيوميته، الأول: وصف لازم، والثاني: وصف متعدٍ ولازم أيضًا.\nفالصواب: أن حمد الله يكون على أفعاله التي يختارها، وعلى صفاته الكاملة اللازمة له، فهو - جل وعلا - مستحق بأن يحمد، والحمد الكامل مختص به.\n\nفبماذا نُعرِّف الحمد؟\nنقول: (الحمدُ وصفُ المحمود بالكمال - اللازم والمتعدي - حبًا وتعظيمًا)؛ فقد تصف شخصًا ما بالكمال لا محبة له لكن رجاء لما سيجازيك به، وقد تحبه وقد تمدحه لا على سبيل المحبة والتعظيم ولكن خوفًا من شره، وكذلك قد يمدح الرجل سلطانًا، أو وزيرًا أو ما أشبه ذلك لا محبة له ولا تعظيمًا، لكن يرجو نواله، أو يخاف منه.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (ص ٦).","vol":"1","page":11},{"text":"أما الحمد فلا بد أن يُقيَّد بأنه على وجه المحبة والتعظيم، فإن لم يكن على وجه المحبة والتعظيم فهو مدح.\nوانظر إلى عمق اللغة العربية كيف فَرَّقَتْ بين (حَمِدَ، ومَدَحَ) مع تساويهما في الحروف نوعًا وعددًا، الحروف ثلاثة، هذا العدد، والنوع نفس الحروف (حاء، ميم، دال)، لكن اختلف الترتيب في الحروف \"حَمِدَ\" \"ومَدَحَ\"، ولاختلافهما في الترتيب اختلف معناهما، والنسبة بينهما الخصوص والعموم ف<span data-type=\"title\" id=toc-12>كلُّ حمدٍ مدحٌ، وليسَ كلُّ مدحٍ حمدً</span>ا؛ لأن الحمد - كما تقدم - لا بد أن يكون على وجه المحبة، والتعظيم، والمدحُ بخلاف ذلك.\nوقد ذكر ابن القيم - ﵀ - الفروق بينهما في كتابه \"بدائع الفوائد\"، وهذا الكتاب حَثَّنَا عليه شيخُنا عبد الرحمن السعدي - رحمه الله تعالى - حين الطلب، وقال: إنه كتاب عظيم. وهو كذلك؛ يشبهه من بعض الوجوه كتابَ \"صيدِ الخاطر\" لابن الجوزي، لكن من حيث العمق والمعنى والفائدة لا سواء، ولا مقارنة، فهو - ﵀ - بيَّن بيانًا واضحًا الفروق بين الحمد والمدح، وبحث هذا المبحث حتى أنضجه طبخًا، وقال: إن شيخنا - يعني: ابن تيمية - ﵀ - كان إذا بحث في مثل هذه الأمور أتي بالعجب العجاب (^١) ولكنه كما قيل:\nتَأَلَّقَ البَرْقُ نَجْدِيًّا فَقُلْتُ لَهُ ... إِلَيْكَ عَنِّي فَإنِّي عَنْكَ مَشْغُولُ\nلأن شيخ الإسلام ليس عنده التفرغ لكي يتكلم في مثل هذه الأمور، فهو يتكلم بما هو أعظم. وقد جمع أحدُ الطلاب - وهو أخونا: فريد بن عبد العزيز الزامل - المباحثَ النحويةَ التي تكلم\n_________\n(^١) بدائع الفوائد (١/ ١١٦)، طبعة مكتبة نزار مصطفى الباز.","vol":"1","page":12},{"text":"عليها شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -، وهذا طيب، جمعها في رسالة لكنها لم تُطْبَعْ بَعْدُ.\nوقد تقدم لنا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه \"اقتضاء الصراط المستقيم\" على مثل هذا النوع لما تكلم على قوله تعالى: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩]. بحث - رحمه الله تعالى - بحثًا لا تجده في أي كتاب.\nوالخلاصة أن \"الحمد\" هو وصف المحمود بالكمال على وجه المحبة والتعظيم (لله) وتقدم أن اللام للاستحقاق والاختصاص، أي: لا أحد يستحق الحمد كله من كل وجه إلا الله - ﷿ -، وهذا الحمد المذكور خاص بالله - ﷿ - فهو - جل وعلا - مستحق لأن يُحمد، فالحمد الكامل مختص به.\nأما (الله) فهو عَلَمٌ على الله - ﷿ -، والتعبير بها أحسن من التعبير بغيرها، بعض الناس الآن يعبر فيقول: قال الحق كذا وكذا، هذا صحيح، فإن الله هو الحق المبين، لكن اجعل عبارتك على عبارة السلف، فهم يقولون: قال الله، أو يقولون: قال ربنا، أما (قال الحق) فهذه يأتي بها الإنسان لأجل أن يفتح الأذهان، حيث إن الإنسان السامع يقول: مَن هذا الحق؟ لكن نقول: (قال الله) التي بُنيت عليها الألوهية والعبادة أحسن، لكن لا بأس أن تقول: قال ربنا، أو قال ربكم، كما كان الرسول ﵊ يقول لأصحابه أحيانًا: \"أتدرون ماذا قال ربكم؟ \" (^١).\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الأذان، باب: يستقبل الإمام الناس إذا سلم (٨٤٦)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب: بيان كفر من قال: مطرنا بالنوء (٧١).","vol":"1","page":13},{"text":"(الله) مشتقة من الألوهية، وأَلِه، بمعني: تعبد وليست بمعنى تحيّر كما زعمه بعضهم؛ لأن الإنسان إذا قال: الله، لا يجد تحيرًا بل يجد ربًّا معروفًا - ﷿ -، لا حيرة فيه، يقولون: أصلها الإله، لكن حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال، وقالوا: إن نظيرها (الناس)، وأصلها: الأُناس، وكلمة (خير) أصلها: أخير، و(شر) أصلها: أشر.\nوهل هو مشتق أو جامد؟ الصواب أنه مشتق، وأنه لا يوجد اسم من أسماء الله، ولا من أسماء الرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، ولا من أسماء القرآن، يكون جامدًا أبدًا؛ لأن الجامد معناه: أنه لا معني له إلا الدلالة على المعين فقط؛ لأن العَلَمَ كما قال ابن مالك - ﵀ -:\nاسمٌ يُعَيِّنُ المُسَمَّى مُطْلَقًا ... عَلَمُهُ كَجَعْفَرٍ وخِرْنَقا (^١)\nفلو قلنا: إن أسماء الله، أو أسماء الرسول، أو أسماء الكتاب العزيز جامدة فمعني ذلك: أنها لا تدل إلا على تعيين المسمي فقط، ولكن نقول هي مشتقة، تدل على تعيين المسمى، وعلى المعنى الذي اشتقت منه، \"فالله\" مشتق من الإله أو الألوهية، وهي التعبد لله - ﷿ -.\nقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (الذي): وصف للفظ الجلالة.\nوقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، أي: أوجدها على تقدير محكم؛ لأن الخلق في اللغة أصله: هو التقدير، كما قال الشاعر:\n_________\n(^١) البيت رقم (٧٢) من الألفية.","vol":"1","page":14},{"text":"ولأنتَ تَفْري ما خلقتَ وَبَعْـ ... ـعْضُ الناسِ يخلقُ ثم لا يَفْري (^١)\n(يفري)، يعني: يفعل، (تفري ما خلقت): يعني: ما قدرته ولا يمنعك أحد، فالخلق هو الإيجاد على وجه التقدير المحكم.\nوقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (السماوات) مفعول (خَلَق)، ولا مانع من أن نقول: إنها مفعول، خلافًا لمن قال: إنها لا تصح أن تكون مفعولًا؛ لأن المفعول لا بد أن يرد الفعل عليه وهو موجود، وخَلْقُ السماوات والأرض ورد عليها قبل أن تخلق، ولكن نقول هذا تكلف، والصواب الذي عليه أكثر المعربين أن (السماوات): مفعول به.\nوهي من سما يسمو إذا علا، وقد بَيَّن الله تعالى: أنها سبع، وأنها طباق، وأنها شداد، وأنها مبنية بأَيْدٍ، أي: بقوة\nوقوله: ﴿وَالْأَرْضَ﴾ معطوفة على السماوات، وهي لفظ مفرد لكنه لا يمنع التعدد إذا ثبت أنها متعددة، ولينتبه لهذا القيد فلو لم يثبت أنها متعددة لقلنا إنها واحدة، هذا مقتضى اللفظ، لكن نقول: إن المراد بها الجنس، وحينئذ لا ينافي التعدد، وهي متعددة بدلالة ظاهر القرآن وصريح السُّنَّة.\nأما ظاهر القرآن فقد قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، أي: في العدد، ولا يمكن أن يقول قائل: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ في الكيفية والصفة؛ لأن الفرق بين السماء والأرض واضح، فيتعين أن يكون المراد العدد، وهو كذلك.\nأما السُّنَّة فصريحة قال النبي - ﷺ -: \"من اقتطع شبرًا من\n_________\n(^١) البيت لزهير بن أبي سلمي في ديوانه (ص ٨٢).","vol":"1","page":15},{"text":"الأرض ظلمًا طَوَّقَهُ الله إياه يوم القيامة من سبع أراضين\" (^١)، فصار المراد بالأرض الجنس، فلا ينافي التعدد.\nقوله: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ (جعل)، بمعنى: خلق؛ ولكن إذا كانت بمعنى خلق فما هي الحكمة بأن عُبِّر عن الخلق بالجعل، قيل: إن الحكمة هي التفنن في العبارة، يعني: تغيير اللفظ مع اتحاد المعنى، وأحيانًا يكون هذا من البلاغة، وقيل: إن الحكمة من ذلك أن النور لا يمكن أن يقوم إلا بغيره مثل نور الشمس فهو لا يمكن أن يتبين إلا إذا كان هناك جسم قابل له، ولذلك ما بيننا وبين الشمس ظلمة ليس هناك نور؛ لأن النور لا يمكن أن يظهر أثره إلا أن يكون مُقَابَلًا بجسم، ونجد الآن الفرق بين أن تقابل الشمس جسمًا قابلًا للحرارة وجسمًا غير قابل، أو تقابل جسمًا قابلًا لنصاعة البياض وجسمًا غير قابل؛ لأن النور لا يمكن أن يكون قائمًا بنفسه، ولا يتبين إلا إذا كان منعكسًا على جسم، فهذه هي الحكمة من قوله: ﴿وَجَعَلَ﴾.\nوحكمة أخرى أن الظلمات والنور تكون حسية ومعنوية فظلمة الليل حسية، وظلمة الجهل معنوية، كذلك النور، فنور النهار حسي، ونور العلم والإيمان معنوي، ومن نور العلم والإيمان استنارة القلب بكلام الله - ﷿ -، وكلام الله تعالى غير مخلوق، مع أن القرآن يسمى نورًا كما قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤)﴾ [النساء: ١٧٤]، فلذلك عبر الله - ﷿ - بالجعل؛ لأنه يتعلق بالمخلوق وغير المخلوق.\n_________\n(^١) رواه مسلم، كتاب المساقاة، باب: تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها (١٦١٠).","vol":"1","page":16},{"text":"قوله: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (ثم) حرف عطف يفيد العطف والتراخي، وإن شئت فقل: يفيد الترتيب والتراخي، فيكون معني الآية: (ثم مع ظهور الآيات، ومع ظهور هذا الأمر وهو خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور مع هذا الذين كفروا بربهم يعدلون)، ولا شك أن كفر الكافرين مع ظهور الآيات أشد في اللوم والتوبيخ ممن ليسوا كذلك.\nوقوله: ﴿كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾:\nهل الجار والمجرور (بربهم) متعلق بـ (كفروا)، أو متعلق بـ (يعدلون)؟ يحتمل التركيب أن يكون قوله: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾، أي: يعدلون به غيره. ويحتمل أن يكون قوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ منفصل عن قوله: ﴿بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾، ويكون الذين كفروا يعدلون بربهم، أي: يجعلون غير الله معادلًا لله ﵎، والأولي أن يكون متعلقًا بـ ﴿يَعْدِلُونَ﴾؛ لأن هذا هو المعنى المطابق، أما الذين كفروا فمعروف أن المراد كفروا بربهم، وإنما قُدِّمَ على عامله مراعاة لفواصل الآيات؛ لأن الفواصل إذا جاءت متناسقة فإن ذلك يكون ألذ للسمع، وأقبل للنفس، وأتي بـ (ثم) الدالة على التراخي، يعني: أنهم بعد أن تأملوا ونظروا وعلموا كفروا - والعياذ بالله - وعدلوا به غيره، فجعلوا له أندادًا.\n\nمن فوائد الآيات الكريمة:\nالفائدة الأولى: ثناء الله على نفسه بل حَمْدُ الله تعالى نفسه أَنْ خلق السماوات والأرض، وهذا حمد عند ابتداء الخلق، أي: خلق السماوات والأرض وهناك حمد آخر عند انتهاء الحمد كما","vol":"1","page":17},{"text":"في آخر سورة الزمر، حيث قال الله - ﵎ -: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾ [الزمر: ٧٥]. (قيل): أي: قاله كل العالم (الحمد لله رب العالمين).\nوحمِدَ نفسه - ﵎ - على كبريائه وعظمته وتنزهه من كل عيب ونقص فقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ [الإسراء: ١١١].\nوحَمِدَ نفسه - ﵎ - على إنزال القرآن الكريم فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ [الكهف: ١، ٢].\nفالله تعالى يحمد نفسه عند الأمور العظيمة؛ لأن هذه الأمور العظيمة توجب للعبد المتأمل أن يحمد الله - ﷿ - على كمال صفاته وعلى كمال إفضاله وإنعامه.\n\nالفائدة الثانية: أن خالق السماوات والأرض هو الله - ﷿ - لقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، ولا أحد ادعي أنه يخلق السماوات والأرض، حتى المشركون لو سئلوا من خلق السماوات والأرض؟ لقالوا: الله.\n\nالفائدة الثالثة: أن السماوات مخلوقة وليست أزلية لقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، فيكون في ذلك رد على الفلاسفة الذين قالوا بِقِدَم هذا العالم وأنه أزلي، فإن قولهم هذا مردود بالكتاب والسُّنَّة، وإجماع المسلمين.\n\nالفائدة الرابعة: أن السماوات جمع؛ لأنها جمعت، وعددها سبع سموات بنص القرآن الكريم.","vol":"1","page":18},{"text":"الفائدة الخامسة: التفريق بين ذكر السماوات والأرض، حيث تذكر السماوات جمعًا والأرض مفردة وذلك؛ لأن السماوات أعظم من الأرض بكثير لا من جهة ارتفاعها ولا سعتها، وكلّ ما في السماوات، فهو أعظم مما في الأرض قال الله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨)﴾ [النازعات: ٢٧، ٢٨]، إلى آخر الآيات.\n\nالفائدة السادسة: أنه قد يُعبر بالمفرد ويراد به الجنس فيعم ما كان زائدًا على المفرد لقوله: ﴿وَالْأَرْضَ﴾.\n\nالفائدة السابعة: أن من مَلَكَ ظاهر الأرض فقد مَلَكَ أسفلها، حتى لا يقال: إنه ليس لك إلا أرض واحدة فلا تملك الأرض إلى تخومها، وقد قرر هذا العلماء - ﵏ - فقالوا: إن مالك الأرض يملكها إلى الأرض السابعة، وعلي هذا دل الحديث: أن النبي - ﷺ - قال: \"من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أراضين\" (^١).\n\nالفائدة الثامنة: التعبير المُختلِف بين خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور.\nفإن لقائل أن يقول: لماذا اختلف التعبير، هل هو مجرد اختلاف لفظ أو هناك فرق؟\nلننظر (جعل) تأتي بمعنى خلق. ويدل لهذا قول الله - ﵎ -: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١]، وقال تعالى في آية أخرى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]،\n_________\n(^١) سبق تخريجه في (ص ١٥).","vol":"1","page":19},{"text":"فدل ذلك على أن (خَلَق) و(جَعَلَ) معناهما واحد، وعلى هذا فيكون التفريق هنا لمجرد اختلاف اللفظ فقط.\nوقيل: بينهما فرق، فالخلق إنشاء لذات المخلوق وأصله، والظلمات وصف للمخلوق، وكذلك النور، ولهذا لا تجد للنور جسمًا يشاهد أبدًا، انظر إلى النور لا يظهر إلا على سطح، أما في الفضاء فلا يظهر النور وما نشاهده أحيانًا من السهم الأبيض إذا ضربنا بشيء له قوة نفوذ في الضوء ليس هذا نورًا، لكنه انعكاس لذرات صغيرة في الفضاء. فلما كان النور والظلمة ليسا شيئًا محسوسًا وإنما يظهران في غيرهما، عبَّر عنها بكلمة (جعل)، وهذا لا شك أنه أبلغ من أن نقول: إنه ليس بينهما فرق، وإنما اختلف اللفظ فقط.\n\nالفائدة التاسعة: ما يحصل من جمع الظلمات وإفراد النور، بعضهم قال: إن النور أفرد؛ لأنه شيء واحد، فالنور نور، والظلمات جمعت؛ لأنها تختلف باختلاف الجرم الذي حصلت به الظلمة، فمثلًا لو كان معك زجاجة مشمعة، وجعلتها بين اللمبة وبين الأرض صار هناك ظلمة لكنها خفيفة، وإذا جعلت شيئًا ثخينًا صار ظلمة سوداء بيِّنة، فلذلك جمعت الظلمات من أجل أن الظلمة تختلف بحسب الجسم الذي أوجدها، أو الذي وجدت به.\nوبعضهم قال؛ لأن الظلمات هي الأصل والنور طارئ عليها، والظلمات معروف أنها تختلف، فمثلًا الظلمات في وقتٍ تكون السماء فيه ملبدة بالغيوم، ليس كما إذا كانت السماء صحوًا، والظلمات في قاع البحر ليست كالظلمات في سطح البحر، وهلم جرا هذا إذا قلنا أن المراد بالظلمات والنور ما كان","vol":"1","page":20},{"text":"حسيًا منهما، أما إذا قلنا - وهو الصحيح - إنه يشمل الظلمات الحسية والمعنوية، وكذلك النور الحسي، والمعنوي فالأمر ظاهر؛ لأن شُعَبَ الكفر كثيرة، والإيمانَ شيء واحد، وفروعه مجرد فروع، وإلا فإن أصله ثابت وصراط الله تعالى واحد، والطرق الأخرى متعددة، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣].\n\nالفائدة العاشرة: سفه الكفار، وأنهم لا عقول لهم، وجهه أنه بعد ظهور هذه الآيات العظيمة، عدلوا بالله - ﷿ -، وجعلوا له عديلًا وندًا، وهذا يدل على سفههم وإن كانوا أذكياء، ويؤيد هذا قول الله - ﵎ -: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]، وبأن الله تعالى دائمًا ينعي على الكفار فقدهم العقل؛ كقوله تعالى: ﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ والآيات في هذا كثيرة، وهذا هو الحق أن الكفار ليسوا عقلاء، والمراد بنفي العقل هنا نفي عقل التصرف، لا عقل الإدراك فهم عقلاء من جهة الإدراك، ولهذا تلزمهم الطاعات ويلزمهم الإسلام، لكنهم ليسوا عقلاء من حيث التصرف، بل هم سفهاء، وما أحسن ما قال شيخ الإسلام - ﵀ - عن المتكلمين قال: إنهم أوتوا فهومًا، ولم يؤتوا علومًا، وأوتوا ذكاء، ولم يؤتوا زكاء (^١) فهم عندهم فَهم لكن ليس عندهم علم، يعني: بالشريعة، وعندهم إدراك لكِن ليس عندهم عقل.\n\nالفائدة الحادية عشرة: أن ربوبية الله تعالى عامة للمؤمن\n_________\n(^١) الفتوي الحموية الكبرى (ص ٥٥٦) طبعة دار الأصمعي، ومجموع الفتاوى (١٢٣/ ٧١) طبعة مجمع الملك فهد.","vol":"1","page":21},{"text":"والكافر لقوله: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾، فجعل ﷾ نفسه ربًا لهؤلاء ولا إشكال في ذلك، فهذه هي الربوبية العامة، وهناك ربوبية خاصة بالمؤمنين تقتضي الكلاءة والعناية والحفظ والتربية، وقد اجتمع النوعان في قول سحرة فرعون: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾ [الأعراف: ١٢١، ١٢٢]، فالأولي عامة، والثانية خاصة.\n* * *\n\n* قال الله - ﷿ -: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢)﴾ [الأنعام: ٢].\nلما ذكر خلق السماوات والأرض ثنّى بخلقنا نحن فقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾، والطين هو: التراب المبلول بالماء، أو المخلوط بالماء، وهو معروف؛ وذلك بخلق أصلنا وهو آدم، أما الإنسان فقد خُلِق من ماء مهين، من النطفة، لكن اَدم خُلِق من طين.\nقوله: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾، أي: قدّر أجلًا انقضى وانتهى.\nقوله: ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾، أي: معلوم عند الله، وهنا الأفضل أن نقف على قوله ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ ولا نصل؛ لأن الوصل قد يُشْعِرُ بالتناقض، وَجْهُه: أن الأول منصوب (أجلًا)، والثاني مرفوع (وأجلٌ)، والحكم أيضًا مختلف، كما يتبين إن شاء الله في الفوائد.\nوقوله: ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾، أي: عند الله وهو قيام الساعة، فإن هذا مما يختص الله به - ﷿ - قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦٣] وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾","vol":"1","page":22},{"text":"[الأعراف: ١٨٧] هذا علمه عند الله، لا أحد يعلمه، ولا أحد يعلم عن انقضائه، أما الأجل الأول فنحن نعرف انقضاءه إذا وجدنا الرجل أنشأه الله ثم أماته، فقد قضى الله أجله، لكن الأجل المسمى المعلوم عند الله - ﷿ -، فهذا يختص الله بعلمه.\nقوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾، أي: بعد أن عرفتم أنكم خلقتم من طين وأن الآجال تنقضي بعلم منكم، وأجل آخر غير معلوم، بعد هذا ﴿تَمْتَرُونَ﴾، والامتراء: هو الشك، أي: تشكون في البعث، فانظر كيف ذكر الله - ﷿ - في الآية الأولى شرك هؤلاء الكفار بربهم، ثم ذكر نوعًا آخر وهو الكفر باليوم الآخر؛ لأن الشك بما يجب فيه اليقين كفر.\n\nمن فوائد الآيات الكريمة:\nالفائدة الأولى: أن بني آدم حادثون بعد أن لم يكونوا؛ لقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾. وقد قال الله - ﵎ -: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١)﴾ [الإنسان: ١]. (هل): بمعنى: (قد)، فمَنْ عُمْرُه عشرون سنة هو قبل إحدى وعشرين سنة لم يكن شيئًا مذكورًا، فأوجده الله، ففيه دليل على حدوث بني آدم وأنهم مخلوقون من العدم.\n\nالفائدة الثانية: الإشارة إلى أصل بني آدم وأنهم من الطين، والطين من الأرض، وقد قال الله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾ [طه: ٥٥].\nفإن قال قائل: ما الجمع بين قوله تعالى في هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾ قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦)﴾ [الطارق: ٥، ٦]؟","vol":"1","page":23},{"text":"الجواب: الطين باعتبار الأصل، والماء الدافق باعتبار الفرع المتولد من الأصل.\nلو قال قائل: ما الجمع بين هذه الآية وبين قول الله - ﵎ -: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ﴾ [الحجر: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [فاطر: ١١]؟\nفالجمع بينهما أن أصل بني آدم تراب صُبَّ عليه الماء فصار طينًا، ثم بقي زمنًا، أي: مدة طويلة حتى صار صلصالًا؛ لأنه صار أسود، وإذا صنع منه الشيء صار صلصالًا له صوت، أي: إذا ضربته بإصبعك صار له صوت فلا خلاف، ولا تناقض.\nواعلم أنه لا يمكن أن يقع التناقض بين دليلين قطعيين أبدًا؛ لأنه لو وجد التعارض بينهما لم يكونا قطعيين؛ لأن القطعي، يعني: أن غيره لا يمكن، فلا يمكن التعارض بين دليلين قطعيين أبدًا لا في القرآن، ولا في السُّنَّة، ولا فيما بين القرآن والسُّنَّة، ولا بين الأدلة العقلية وَالنقلية؛ لأنه لو تصورنا هذا فأحدهما قطعًا غير صحيح، إذ إن الدليلين القطعيين لا تكون النسبة بينهما التناقض، فالنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، لا بد من وجود أحدهما، ولا يمكن أن يجتمعا جميعًا ولا أن يرتفعا جميعًا، فإذا ترائي لك التعارض بين دليلين قطعيين فاعلم أن الخطأ من فهمك، وأنه يمكن الجمع بينهما، وإلا لا يكون أحدهما قطعيًا، فيكون الحكم للقطعي، أما إذا كانا ظنيين فيمكن التعارض، وحينئذ ينظر للترجيح، فإذا كان في القرآن ما ظاهره التعارض على وجه قطعي فاعلم أن هذا لا يمكن أبدًا، فإما أن تكون الدلالة غير قطعية، وإما أن يكون الحكم منسوخًا، أما أن يبقي الحكم والدلالة قطعية في الآيتين مثلًا فإن ذلك لا يمكن.","vol":"1","page":24},{"text":"الفائدة الثالثة: أن الحكم لله - ﷿ - وحده لقوله: ﴿قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾، ولا أحد يغيّر في هذه الآجال.\n\nالفائدة الرابعة: أن<span data-type=\"title\" id=toc-37> من مات مقتولًا فقد مات بأجله </span>الذي قدره الله له؛ لأن الله قضاه ولا يقال: الولا أنه قتل لم يمت) هذا مستحيل؛ لأن الله قضى أن يموت بالقتل، فهو مقتول بأجل.\nلو قال قائل: لولا أن هذا الرجل قتل مثلًا الساعة الثانية عشرة من النهار لأمكن أن يتغدي الساعة الواحدة فنقول: لا يمكن أبدًا؛ لأن الله قضى هذا فلا بد أن يكون، فكل ميت ميت بأجله المقدر له، لا يتقدم ولا يتأخر، لكن السبب قد يتقدم وقد يتأخر بحسب نظر الإنسان، كما أن طول العمر بصلة الرحم أيضًا مقضيٌّ (^١)، لا يمكن أن نقول لو كان هذا عاقًّا لمات قبل أن يموت إذا كان واصلًا؛ لأننا نقول: إن الله قدر أن يكون واصلًا وأن يتأخر عمره، قضي الله أجلًا ولا يمكن أن يتأخر.\n\nالفائدة الخامسة: أن الأجل المعلوم الذي هو الساعة عند الله لا أحد يصل إلى العلم به، وهذا أمر متفق عليه بين المسلمين، حتى إن جبريلَ سألَ النبي - ﷺوجبريل أفضل الملائكة، ومحمد أفضل البشر- عن الساعة فقال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل (^٢)، فإذا كان هذان الرسولان الكريمان لا يعلمان متي الساعة، فَمَنْ دُونَهما من باب أولى.\n_________\n(^١) لقول النبي - ﷺ -: \"من أحب أن يُبسَط له في رزقه ونسيئًا له في أثره فليصل رحمه\"، أخرجه البخاري: كتاب الأدب، باب: من بُسطَ له في الرزق بصلة الرحم، رقم (٥٩٨٦)، ومسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب: صلة الرحم وتحريها قطيعتها، رقم (٢٥٥٧).\n(^٢) رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب: سؤال جبريل النبي - ﷺ - (٥٠)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب: بيان الإيمان والإسلام والإحسان (٨).","vol":"1","page":25},{"text":"الفائدة السادسة: النداء بالبلاهة والغفلة لأولئك القوم الذين عرفوا أصلهم ومنشأهم ثم يمترون، ويشكون في الأجل المسمى عند الله وهو يوم القيامة، ففي سورة الجاثية احتج الذين ينكرون البعث وقالوا: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥)﴾ [الجاثية: ٢٥]، فماذا نقول في هذه الدعوى؟ نقول غير صحيحة؛ لأن الذين أخبروا بالقيامة لم يقولوا: يبعثون الآن، ولكن هذا من باب التشبية الذي يقصد به إضلال الخلق.\n* * *\n\n* قال الله - ﷿ -: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣)﴾ [الأنعام: ٣].\nقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ﴾ (الله) عَلَمٌ على الرب - ﷿ -، لا يكون لغيره، وهذا متفق عليه بين المسلمين، وهو علم مشتق من الألوهية، وأصله الإله، واعلم أن<span data-type=\"title\" id=toc-40> جميع أسماء الله مشتقة </span>كما هو ظاهر، فليس هناك اسم، جامد لله - ﷿ - أبدًا.\nوقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ متعلقة بالاسم؛ لأننا قلنا: إن هذا الاسم مشتق، والمشتق يجوز التعلق به كما قال ناظم قواعد الإعراب:\nلا بُدَّ للجارِّ من التَّعَلُّقِ ... بفعلٍ أو معناهُ نحو مُرْتَقِي\nإذًا ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ متعلقة بلفظ الجلالة؛ لأنه مشتق، والمشتق يجوز تعلق الجار والمجرور به، لكن ما معنى قوله تعالى: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ المعنى: أنه على السماوات، وليس المراد أنه فيها وهي محيطة به؛ لأن هذا مستحيل، والله تعالى أكبر من كل شيء، أو نقول: إن المراد المعنى ليس الذات، بمعنى أنه مألوه في السماوات، يتأله إليه أهل السماء.","vol":"1","page":26},{"text":"وقوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ﴾ الواو حرف عطف، والأرض معطوفة على السماوات، فيكون المعنى: الله في السماوات وفي الأرض، أي: مألوه في السماوات وفي الأرض، فتكبي ن هذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، وعلى هذا التفسير لا إشكال فيها.\nوذهب بعضهم إلى أن الآية فيها وقف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، وهذا على جَعْل لفظ الجلالة (الله) علمًا على الذات دون المتعبد لله، يعني: أن الله في السماوات كقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] ثم استأنف فقال: ﴿وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾، فتكون (في الأرض) متعلقة بما بعدها، أي: بقوله: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾.\nأما على الوجه الأول، فيكون معني الآية ظاهرًا، أن الله مألوه في السماوات ومألوه في الأرض، كما أنه خالق السماوات والأرض، يراد بذلك إثبات الألوهية في السماوات والأرض، كما ثبتت الربوبية، بمعنى: أن مَن في السماوات يتألهه ومن في الأرض يتألهه، نظيرها قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾؛ لأن الخلق من مقتضيات الربوبية، وهذا لا إشكال فيه.\nأما على القول الثاني: فيكون المعنى: أن الله ذاته في السماوات لا من يألهه فتكون المناسبة أنه ليس كونه في السماوات مع بُعْدِهَا الشاسع بمانع عن علمه بكم وأنتم في الأرض، فهو في السماوات ومع ذلك في الأرض يعلم سركم وجهركم.","vol":"1","page":27},{"text":"إذًا المعنى الثاني ليس فيه ذكر للألوهية لكن فيه ذكر للإحاطة، أي: إحاطة الله - ﷿ - بنا وإن كان في السماوات وهذا يفسره قول الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة: ١] فقد وقع التحاور في الأرض، والله تعالى في السماء فتكون هذه الآية كالتفسير لقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾.\nولو قال قائل: بعض المبتدعة يقولون: إن الله موجود في كل مكان، ويستدلون بمثل هذه الآية وبقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، وبقوله - ﷺ -: \"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد\" (^١)، فكيف نرد عليهم؟\nالجواب: نرد عليهم بكل سهولة. نقول: أنتم الآن اتبعتم\nالمتشابه - يعني: أن في الآيات احتمالًا لِما قالوا - وتركتم الآيات المحكمات في أن الله تعالى بائن، فوق خلقه فأنتم من القسم الثاني الذين في قلوبهم زيغ، الذين يتبعون ما تشابه منه.\nلكن لو قيل: ما تقولون في قوله تعالى في هذه الآية: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ نقول: هي مثل قول الإنسان: فلان أمير في مكة والمدينة، يعني: إمرته ثابتة في مكة والمدينة، وليس المعنى أنه هو نفسه في مكة والمدينة؛ لأن هذا مستحيل. إذًا ألوهية الله في السماوات وفي الأرض، وليس هو في السماوات ولا في الأرض.\nأما المعية فنقول: إنها لا تتنافي مع العلو حتى في\n_________\n(^١) رواه مسلم، كتاب الصلاة، باب: ما يقال في الركوع والسجود (٤٨٢).","vol":"1","page":28},{"text":"المخلوقات لا تتنافي مع العلو ففي اللغة العربية يقولون: ما زلنا نسير والقمر معنا، أو ما زلنا نسير والقطب معنا، وهو كلام سائغ رائج، فيكون معنى كون الله معنا: أنه مطلع علينا وإن كان بعيدًا، فإن كان يمكن اجتماع العلو والمعية في حق المخلوق، فاجتماعها في حق الخالق من باب أولى.\nولو قال قائل: ما حكم عبارة المبتدعة التي تقول: الله موجود في كل الوجود؟\nالجواب: حرام؛ أولًا لأن قولهم: (الله موجود في كل الوجود) لا يستقيم إلا إذا أرادوا بالوجود أصل المعنى، أي: أرادوا اسم المفعول فيكون الله موجودًا في كل مكان، وهذا مذهب الحلولية تمامًا.\nولو قال قائل: الصوفية يقولون: إن قلتم إن الله مستوٍ على العرش، فأين الله قبل ذلك؟\nالجواب: الصحابة سألوا الرسول - ﷺ - فقال: \"كان في عماء\" (^١)، أي: في عمي، والعمي الغيم الخفيف، أو السحاب الخفيف في السماء.\nوهؤلاء كلهم الذي يحملهم على هذا هو أنهم ظنوا أن الرب - ﷿ - تحيط به المخلوقات، وأنه مثل الإنسان، لكن لو قدروا الله حق قدره، وعلموا أن الرب - ﷿ - أكبر من كل شيء، ولا يمكن لأحد أن يتصوره، وهنا قال ابن عباس\n_________\n(^١) رواه الترمذي في سننه، كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة هود (٣١٠٩)، وقال \"حسن صحيح\"؛ وابن ماجه في: المقدمة، باب: فيما أنكرت الجهمية (١٨٢)، والإمام أحمد في مسنده (١٥٧٥٥).","vol":"1","page":29},{"text":"- ﵄ - عبارة طيبة قال: \"تفكروا في آلاء الله، ولا تتفكروا في ذات الله\" (^١).\nوقوله: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾، أي: ما تسرون، و<span data-type=\"title\" id=toc-48>الإسرار: نوعان:</span> إسرار في النفس، واسرار مع الغير، فمثلًا إذا حدّث الإنسان نفسه بشيء في نفسه، هذا إسرار مع النفس، وإذا حدث غيره سرًّا لا يسمعه من بجانبه، فهذا إسرار مع الغير، ولهذا نسمِّي القراءة في الظهر والعصر - مثلًا - سرِّية مع أن الإنسان ينطق ويسمع نفسه، ونسمي ما حَدَّث الإنسان به نفسه سرًّا.\nإذن: فالسر يشمل المعنيين جميعًا ليعلم ما نسره في نفوسنا ولا نظهره لأحد، وما نخبر به الغير على وجه خفي لا يسمعه الآخرون.\nوقوله: ﴿وَجَهْرَكُمْ﴾، أي: ما تجهرون به وتعلنونه.\nقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾، يعني: يعلم كسبكم من خير وشر، ودين ودنيا، وعلم وغيره كل ما يكسب فالله عالم به جل وعلا لا يخفى عليه، نسأل الله أن يعاملنا بعفوه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالفائدة الأولى: أن ألوهية الله ثابتة في السماوات والأرض، يألهه من في السماوات ومن في الأرض؛ لقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾.\n\nالفائدة الثانية: أن الله - ﵎ - يعلم السر والجهر،\n_________\n(^١) أخرجه أبو الشيخ (١/ ٢٤١)، رقم (٢٢)، والطبراني في الأوسط (٦٤٥٦)، واللالكائي في السنة (١/ ١١٩)، رقم (١ - ٢).","vol":"1","page":30},{"text":"يعلم ما يسر به الإنسان وما يجهر به، والإسرار تارة يكون إسرارًا في النفس، وتارة يكون إسرارًا مع الغير بصفة خاصة، والجهر هو الإعلان الذي لا يخفي.\n\nالفائدة الثالثة: عموم علم الله - ﵎ -؛ لأن قوله: ﴿سِرَّكُمْ﴾ يشمل كل أحد، وقد قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨)﴾ [طه: ٩٨] والآيات في هذا المعنى كثيرة.\n\nالفائدة الرابعة: ما يترتب على إيماننا بأن الله يعلم السر والجهر، فإيماننا بهذا يقتضي ألا نخالف أمر الله - ﷿ -، بترك واجب، أو فعل معصية؛ لأننا نعلم أن الله تعالى يعلمنا، ولو لم يثمر العلم هذه الثمرة الجليلة لكان علمنا لا فائدة منه، وليُنتبه لهذه المسألة؛ لأن كثيرًا من الناس لا يعتني بالفوائد المسلكية المترتبة على الإيمان بأسماء الله وصفاته، وهذا أمر لا بد منه، هذه هي الثمرة، فإذا علمت أن الله يعلم سرك وجهرك استحييت منه، فلم تترك ما وجب، ولم تفعل ما يحرم.\n\nالفائدتان الخامسة والسادسة: علم الله - ﵎ - بما نكسب؛ أي: بما نكسبه من الأعمال، سواء كان كسبًا دنيويًا، أو كسبًا أخرويًا فإن الله تعالى يعلمه ولا يخفى عليه، ويترتب على هذه الفائدة، ألا نكسب شيئًا حَرَّمه الله علينا.\n* * *\n\n* قال الله - ﷿ -: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤)﴾ [الأنعام: ٤]\nقوله: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ﴾ (ما): نافية.","vol":"1","page":31},{"text":"وقوله: ﴿مِنْ آيَةٍ﴾ (من): زائدة إعرابًا وليست زائدة معنى؛ لأن لها معنى وهو توكيد النفي، فإنها تُحوِّل النفي الذي يحتمل العموم والخصوص إلى كونه للعموم، فهي تحوّل الجملة المنفية إلى نص في العموم، مثل (لا) النافية للجنس، فإنها نص في العموم؟\nفإن أردنا إعرابها قلنا: (مِن): حرف جر زائد إعرابًا، و(آية) فاعل (تأتي) مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الحرف الزائد، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩] فإن (من): زائدة إعرابًا، و(بشير): فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.\nوقوله: ﴿مِنْ آيَةٍ﴾ (الآية): هي في الأصل العلامة، لكنها هنا أخص من العلامة، لكونها نصًا في الدلالة، فالعلامة قد تكون أقل من ذلك، ولكن الآية نصّ في أنها علامة على ما جاءت من أجله، وآيات الله - ﷿ - تنقسم إلى قسمين: كونية وشرعية كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الفوائد.\nقوله: ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ (من): هنا لبيان الجنس، لقوله: ﴿مِنْ آيَةٍ﴾؛ لأن الآية قد تكون من عند الله، وقد تكون من عند غيره.\nوقوله: ﴿رَبِّهِمْ﴾، أي: خالقهم ومالكهم ومدبرهم؛ لأن الربوبية تشمل هذه المعاني الثلاثة.\nقوله: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ ﴿إلَّا﴾ هذه إثبات للنفي، يعني: ما تأتيهم إلا كانوا عنها معرضين، أي: معرضين عن","vol":"1","page":32},{"text":"تدبرها، وعما تدل عليه، فكأنهم لم يروا الآيات وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧].\nفإن قيل: وهل هم معرضون عنها بوجوههم أو بقلوبهم؟\nالجواب: بالجميع فيشمل هذا وهذا، فإذا قيل له: تعالَ انظر آية الله، أعرض ولم ينظر، وقد يري ولكن يعرض عن التأمل بالقلب؛ لأنه - والعياذ بالله - محجوب عن الخير، فلا يحب أن يصل إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>من فوائد الاية الكريمة:</span>\nالفائدة الأولى: بيان عُتو هؤلاء المكذبين، ووجه ذلك أنه لا تأتيهم أي آية إلا كانوا عنها معرضين، وقد طلبت قريش من النبي - ﷺ - آية فأراهم انشقاق القمر، أشار إلى القمر فانفلق فرقتين وشاهده الناس (^١)، وقد أشار الله إليه في قوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ [القمر: ١] وهو انشقاق حسي، والمراد بالقمر القمر المشاهد المعروف.\nوقد أنكر الفلاسفة وعلماء الفلك أن القمر انشق، وقالوا: لا يمكن؛ لأن الأجرام السماوية لا يمكن فيها التفكك، فهل نقبل قولهم ونرد الأحاديث الصحيحة المشهورة المستفيضة أو نرد قولهم؟\nنقول:<span data-type=\"title\" id=toc-56> الواجب على المؤمن أن يرد كل قول يخالف الكتاب والسُّنَّة </span>مهما كان قائله، - سبحان الله - كيف نقول يستحيل أن\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب المناقب، باب: سؤال المشركين أن يريهم النبي - ﷺ - آية (٣٦٣٧)، ومسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب: انشقاق القمر (٢٨٠٠).","vol":"1","page":33},{"text":"تتغير الأجرام السماوية، والذي يغيرها هو الله - ﷿ - وهو خالقها، فالله - ﷿ - يفعل ما يشاء! فهو انشقاق حسي للقمر المعلوم الحسي، وليس كما قال علماء الفلك وحرفوا من أجله الكتاب والسُّنَّة، وقالوا: إن أخبار الانشقاق أخبار أحادية تحتمل التأويل أو الرد، وأما تحريفهم القرآن فقالوا معنى انشق القمر، أي: بان نور النبوة، وهذا غلط وليس بصحيح.\nفإن قال قائل: قريش رأت هذه الآية والله - ﷾ - قضي بأن من أوتوا الآية التي يطلبونها ولم يؤمنوا أهلكهم فكيف لم يهلك الله قريشًا؟\nالجواب: أن الذين يُهلَكون هم الذين يطلبون آية معينة فإذا أوتوا بها وكفروا بها أهلكهم الله؛ لأنهم بذلك يكونون مُتَحدِّين لله - ﷿ -، وأما من يطلب آية عامة وتُعيَّن من قبل الله - ﷿ - فهؤلاء لا يهلكون.\nويحتمل وجهًا آخر أن هذا العموم يجوز أن يخصص فيكون الله - ﷾ - لم يهلكهم؛ لأن الأمر كما قال النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - لما جاءه ملك الجبال يقول له: إن شئت أطبقت الأخشبين عليهم - وهما الجبلان العظيمان المحيطان بمكة - ولكن النبي - ﷺ - قال: \"لا، أستأني بهم؛ فلعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئًا\" (^١) ويكون عدم إهلاك قريش لما يعلمه - جل وعلا - من أن هؤلاء سيكون من أصلابهم المخلصون لله المجاهدون في سبيل الله، وقد وقع هذا بلا شك.\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة (٣٢٣١)، ومسلم، باب: ما لقي النبيُّ - ﷺ - من أذى المشركين والمنافقين (١٧٩٥).","vol":"1","page":34},{"text":"الفائدة الثانية: أن الله ﷾ حكيم رحيم، وذلك لكونه يأتي بالآيات للخلق، فإن هذا من الحكمة الواضحة؛ لأنه ليس من المعقول أن يأتي رجل، ويقول للناس إنه رسول ويستبيح دماء من لم يؤمن به وأموالهم وذرياتهم ونساءهم، يعني: بدون أن يكون هناك آية تدل على صدقه، ولهذا قال النبي - ﷺ -: \"ما من نبي - بعثه الله - إلا آتاه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر\" (^١) هذا من جهة الحكمة.\nأما من جهة الرحمة: فإن الله رحم الخلق بكونه إذا أرسل إليهم الرسل آتاهم الآيات الدالة على صدق هؤلاء الرسل، ولو شاء لأرسلهم بدون آيات، ثم من كذب أخذه، لكن تأبي حكمته ورحمته أن يرسل رسلًا بلا آية.\n\nالفائدة الثالثة: إثبات ربوبية الله تعالى للكفار؛ لقوله: ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ وهذه هي الربوبية العامة، فربوبية الله - ﷿ - تنقسم إلى: عامة وخاصة، فربوبيته لأوليائه خاصة، ولأعدائه وأوليائه جميعًا عامةٌ، بإزاء ذلك تنقسم العبودية إلى: عامة وخاصة، فالعامة كقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم: ٩٣] والخاصة مثل قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢] وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] والأمثلة كثيرة.\n\nالفائدة الرابعة:<span data-type=\"title\" id=toc-61> خطر الإعراض عن الآيات</span>، وأنه يخشى\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب: كيف نزل الوحي وأول ما نزل (٤٩٨١)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب: وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد - ﷺ - (١٥٢).","vol":"1","page":35},{"text":"على من أعرض عن الآيات ألَّا يهتدي لها؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ ومما يدل على ذلك قول الله - ﵎ -: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ هنا للتعليل، أي: في قوله: ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠].\nوهذه مسألة خطيرة في الواقع، يجب على طالب العلم أن يجعلها نصب عينيه، إذا كان يمشي في طريق معين، وجاءت النصوص دالة على خلافه، فإن بعض الناس قد يتلكأ ويحاول أن يحرّف النصوص التي تخالف طريقه، وهذا خطر عظيم؛ بل الواجب على المؤمن أن يستسلم للنصوص من حين أن تأتيه، كما كان الصحابة - ﵃ - يفعلون هذا، فبمجرد ما يأمر الرسول - ﵊ - بشيء يفعلونه، وبمجرد ما ينهي عن شيء يتركونه، فكون الإنسان يتلكأ أول ما يأتيه الحق خطر عظيم، والآية واضحة في سورة الأنعام، قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾، وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩)﴾ [المائدة: ٤٩].\n* * *\n\n* قال الله - ﷿ -: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٥)﴾ [الأنعام: ٥].\nقوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ كَذبُوأ (الفاء) عاطفة و(قد) تفيد التحقيق في الفعل الماضي وهو الأغلب، والأغلب في الفعل المضارع أنها تفيد التقليل؛ كقولهم قد يجود البخيل، وقد يصدق الكاذب،","vol":"1","page":36},{"text":"لكنها قد تأتي للتوكيد مع المضارع، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨]. و(قد) هنا للتوكيد بلا شك، لكنها تفيد الاستمرار، أي: قد يعلم هذا في الحاضر والمستقبل.\nو(قد) في ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ للتحقيق.\nقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾، أي: ما جاءت به الرسل - عليهم الصلاة والسلام - كله حق؛ لأنه من عند الله، والحق: هو الشيء الثابت، إن كان خبرًا فبوقوعه، وإن كان حكمًا فبثبوته، وضده الباطل؛ ففي الأخبار الباطل فيها الكذب، وفي الأحكام الباطل فيها ما خالف الشريعة، فالحق ما جاءت به الرسل من أخبار صادقة وأحكام عادلة\nقوله: ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ (لمّا) بمعنى: حين، أي: حين جاءهم، واعلم أن ﴿لَمَّا﴾ لها معانٍ.\nفتأتي بمعنى (حين) فتكون ظرفية كما في الآية.\nوتأتي (شرطية) فتشارك (إنْ) في الشرط، مثل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦)﴾ [يونس: ٧٦].\nوتأتي بمعنى: (إلا) كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤)﴾ [الطارق: ٤]، يعني: إلا عليها حافظ.\nوتأتي (نافية) تجزم الفعل المضارع كما في قول الله تعالى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص: ٨].\nوتأتي بمعنى: (لم) لكنها تفيد قرب مدخولها فـ (لم) للنفي المطلق أما، (لما) فإنها للنفي، لكنها تفيد قرب مدخولها، تقول مثلا: فلان لم يقم، هذا نفي مطلق، وتقول لمّا يقم فلان، هذا نفي يعني إلى الآن ما قام، لكنه سيقوم عن قرب.","vol":"1","page":37},{"text":"وقوله: ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ (لما) نعربها ظرفًا بمعنى (حين)، وفي هذه الحال تكون مبنية؛ لأنها حرف وليست مشابهة للحرف؛ لأن أصل البناء كما تقدم هو مشابهة الاسم للحرف، لكن هذه نفسها حرف فتكون ظرفًا لكنها مبنية على السكون في محل نصب بمعنى حين.\nقوله: ﴿فَسَوْفَ﴾ (الفاء): عاطفة، ويحتمل أن تكون للسببية أيضًا، أي: سوف يأتيهم المَخْبَر الذي أُخْبِروا به، والأنباء أتتهم من قبل، فيكون المراد سوف يأتيهم عقوبة الأنباء التي كانوا يستهزئون بها.\nقوله: ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أي: يتخذونهم هزوًا ولعبًا وضحكًا، وكما نعلم جميعًا أن الكفار يتخذون الدين هزوًا، كما أنهم يتخذون أهل الدين هزوًا أيضًا. قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: ٦٥]، وقال - ﷿ -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١)﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣١]، فقوله: ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يشمل استهزاءهم بالدين، واستهزاءهم. بالرسل، وبأتباعهم، بل وبالله - ﷿ -، وسيجدون هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالفائدة الأولى: أن هؤلاء - مع تواتر الآيات عليهم - كذبوا بالحق، ولم يستجيبوا له، والتكذيب بالحق بعد مجيئه أشد من التكذيب به قبل أن يأتي، بحيث يسمع الإنسان عنه ولكنه لم يتأكد، فإن هذا الذي أتاه الحق وكذب به يكون تكذيبه أعظم.","vol":"1","page":38},{"text":"الفائدة الثانية: أن هذا الحكم لمن قامت عليه الحجة بمجيء الحق إليه، وأما من لم يعرف الحق فإنه على قسمين: تارة يدين بدين الحق لكنَّه لا يعرفه، فيصلي ويزكي ويصوم ويحج لكن يستغيث بالأموات، هذا نقول إننا نحكم بإسلامه إذا لم تقم عليه الحجة.\nوتارة يدين بدين الباطل ولا ينتسب لدين الحق: فهو لا يدين بدين الإسلام أصلًا ولم تبلغه الحجة، ولم يدرِ أنه على ضلال، لكنه يدين بدين غير الإسلام فهذا نعامله بأنه كافر، ولهذا لو مات أحد الآن لم تبلغه الدعوة من غير المسلمين فإننا لا نصلي عليه ولا نترحم عليه؛ لأنه يدين بدين غير الإسلام، أما في الآخرة فإن أمره إلى الله - ﷿ -.\nولو كان مسلمًا يدين بدين الإسلام ويقول: أشهد أنَّ لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة لكنه يأتي شركًا أكبر لا يدري أنه شرك أكبر فهذا نُعامله معاملة المسلم، نغسله ونكفنه ونصلي عليه وندفنه معنا ما دام لم تقم عليه الحجة.\n\nالفائدة الثالثة: الإشارة إلى أن هؤلاء سوف يمهلون، ولا يأتيهم العذاب لقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.\n\nالفائدة الرابعة: أن هؤلاء كذبوا بالحق بعد أن جاءهم، فيكون تكذيبهم أشد قبحًا وأعظم إثمًا، وذلك لقيام الحجة عليهم.\n\nالفائدة الخامسة: تهديد هؤلاء بالعذاب لقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.\n\nالفائدة السادسة: أن تكذيب هؤلاء مَقْرُونٌ بالاستهزاء لقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. إذ إنهم يسخرون كيف","vol":"1","page":39},{"text":"نُبْعَثُ وقد كنا عظامًا ورفاتًا؟ ويقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ [ص: ٥]\n\nالفائدة السابعة: أن هؤلاء الكفار عندهم عناد - والعياذ بالله - وذلك أنهم قرنوا كفرهم بالاستهزاء، فلم يسلم الشرع ولا من جاء بالشرع من استهزائهم.\n* * *\n\n* قال الله - ﷿ -: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٦)﴾ [الأنعام: ٦].\nقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ الاستفهام هنا داخل على النفي (ألم)، وإذا دخلت الهمزة على النفي صار معناه للتقرير، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤] يعني: قد علم من خلق؛ وكما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ [الشرح: ١]، يعني: قد شرحنا لك صدرك، فإذا أتي حرف النفي بعد همزة الاستفهام فهو للتقرير.\nوقوله: ﴿يَرَوْا﴾ يحتمل أن يراد بالرؤية هنا: الرؤية العلمية أو الرؤية البصرية، فالبلاد التي مروا بها مدمرةً رؤيتها بصرية كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ﴾، [الصافات: ١٣٧، ١٣٨] والبلاد التي لم يروها ولم يمروا بها تكون رؤيتها علمية يتناقلها أهل الأخبار.\nوقوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾، أي: أتلفنا و(كم) هنا للتكثير يعني أممًا أهلكناهم من قبلهم.","vol":"1","page":40},{"text":"وقوله: ﴿مِّن قَرْنٍ﴾ (القرن) بعضهم حدده بمائة سنة، أو أربعين سنة، وبعضهم حدده فقال:<span data-type=\"title\" id=toc-73> المراد بالقرن </span>القوم الذين يهلكون، مثلًا. في خلال سبعين سنة ربما يهلك هؤلاء الموجودون ويخلفهم غيرهم، وعللوا ذلك بقول النبي - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم -: \"خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم\" (^١) قرنه: هم الصحابة هلكوا في حدود المائة.\nقوله: ﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الضمير يعود على القرن باعتباره جنسًا، أي: مكنَّا هؤلاء القرون في الأرض.\nقوله: ﴿مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾، يعني: جعلنا لهم ما يتمكنون به ويثبتون به ما لم نمكن لكم، والسابقون أشد قوة من اللاحقين وأكثر أموالًا وأولادًا، وعمروا الأرض أكثر مما عمروها.\nوقوله: ﴿مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ فيه التفات من الغَيبة إلى الخطاب وهو الحضور، والالتفات يكون من الغيبة إلى الحضور، ومن الحضور إلى الغيبة، ومن الإظهار إلى الإضمار، المهم أَنَّ له أنواعًا، وفائدته تنبيه السامع أو القارئ على ما سيأتي من بعد، وجه ذلك أن الكلام إذا كان على وتيرة واحدة انساب الإنسان معه، لكن إذا اختلف توقف ونظر ما الذي طرأ؟ فيكون هذا الالتفات منبهًا للقارئ والسامع، وهو من أساليب اللغة العربية، والقرآن نزل باللغة العربية.\nقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا﴾. المراد بالسماء هنا\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الشهادات، باب: لا يشهد على جور إذا أُشهد (٢٦٥٢)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب: فضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم ثم الذين يلونهم. (٢٥٣٣).","vol":"1","page":41},{"text":"المطر، وعُبِّر عنه بالسماء؛ لأنه ينزل من السماء، وقوله: ﴿مِدْرَارًا﴾ حال من السماء، أي: حال كونه مدرارًا يدر عليهم كلما احتاجت أرضهم إلى الماء نزل.\nقوله: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾ (الأنهار) يحتمل أنها أنهار الثلوج التي تتسرب من قمم الجبال، ويحتمل أنها الأودية التي تكون من المطر، وسواء هذا أو هذا لا شك أن الأرض ستكون خصبة وستأكل منها أنعامهم وأنفسهم.\nقوله: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾، أي: أتلفناهم ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ والباء هنا للسببية، أي: بسبب ذنوبهم، والذنوب بمعنى المعاصي.\nقوله: ﴿وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾، أي: خلقنا من جديد، من بعدهم قومًا آخرين، وهل القوم الآخرون عصوا أو أطاعوا؟ منهم من عصي، ومنهم من إطاع، ولكن الله قال: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (٤٤)﴾ [المؤمنون: ٤٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالفائدة الأولى: تهديد المكذبين لرسول الله - ﷺ - أن يصيبهم ما أصاب الأمم السابقة، وجه ذلك أن الله قرر أنهم قد رأوا الأمم التي أهلكت من قبل.\n\nالفائدة الثانية:<span data-type=\"title\" id=toc-77> الاستدلال بالأعلى على الأدنى</span>، وجه ذلك أنهم لما كانوا أقوى من هؤلاء، فقد أرسل الله عليهم السماء مدرارًا، وجعل الأنهار تجري من تحتهم، ومع ذلك أهلكهم فمن دونهم من باب أولى.","vol":"1","page":42},{"text":"الفائدة الثالثة: بيان عظمة الله - ﷾ - وغَيْرَتِه، حيث أهلك أولئك القوم مع ما عندهم من القوة والنَعْمَةِ.\n\nالفائدة الرابعة: أن ما يحصل من النعم، واندفاع النقم، فإنه من الله - ﷿ - لقوله: ﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾.\n\nالفائدة الخامسة: إثبات الأسباب لقوله: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾.\n\nالفائدة السادسة: أن الذنوب من أسباب الهلاك لكن هل المراد الهلاك الحسي بمعنى أن يموت الناس، أو يفقدوا الأموال، أو ما أشبه ذلك، أو يشمل الهلاك الحسي والمعنوي الذي هو موت القلوب؟ لظاهر أنه كلاهما، يعني: يشمل هذا وهذا؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة: ٤٩] فجعل توليهم من أسباب الذنوب.\n\nالفائدة السابعة: تمام قدرة الله - ﵎ - وسلطانه، حيث يهلك أقوامًا وينشئ آخرين؛ لأن الأمر أمره - ﷿ -، والملك ملكه، والسلطان سلطانه، فهو - ﷾ - يفعل ما يشاء من إهلاك وإنشاء.\n* * *\n\n* قال الله -﷿-: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾ [الأنعام: ٧].\nقال تعالى مبينًا عتو هؤلاء المكذبين لرسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، وقوله: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ﴾ الخطاب للنبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - و(لو) هنا شرطية بدليل وجود فعل الشرط وجوابه، فعل الشرط ﴿نَزَّلْنَا﴾ وجواب الشرط ﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.","vol":"1","page":43},{"text":"وقوله: ﴿كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ﴾، يعني: كتابًا عاديًا يدركه الناس.\nقوله: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾، يعني: لم يتخيلوه من بُعْدٍ بل هو بين أيديهم يلمسونه نازلًا من السماء إلى الرسول - ﷺ -.\nفإذا قال قائل: وهل هناك لمس بغير اليد حتى يقول الله - ﷿ - ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾؟\nفالجواب إن شئت فقل: نعم؛ لأن الإنسان يمس بقدمه، ويمس بلسانه، ويمس بكل أجزاء جلده؛ وإن شئت فقل إن اللمس يكون باليد لكن ذكرت اليدُ هنا من باب التوكيد؛ كقوله - ﵎ -: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]، ومعلوم أن الطائر لا يطير إلا بجناح.\nقوله: ﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ هذا جواب الشرط، وفي قوله: ﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إظهار في موضع الإضمار لم يقل لقالوا: إشارة إلى فائدتين فائدة متعدية وفائدة لازمة، الفائدة اللازمة هي الحكم عليهم بالكفر، والمتعدية هي أن من قال قولهم فهو كافر.\nوقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿إِنْ﴾ هنا نافية؛ بدليل قوله: ﴿إلَّا﴾ فـ (إِنْ) إذا أتت بعدها (إلا) فهي للنفي، وقد تكون للنفي وإن لم تَأتِ بعدها إلا.\nو(إنْ) تأتي نافية كما في هذه الآية، وتأتي شرطية مثل قوله تعالى ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ [الزمر: ٧] وتأتي مخففة من الثقيلة؛ كقوله: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣] أصلها إنَّ هذين لساحران، وتأتي زائدة كما في قول الشاعر:","vol":"1","page":44},{"text":"بني غُدَانَةَ ما إنْ أنتمُ ذَهبٌ ... لا صريفٌ، ولكن أنتم الخزفُ (^١)\nوالتقدير (ما أنتمُ ذهبٌ) لكنها جاءت زائدة، وهذا ليس بغريب، وهو مما يدل على أن اللغة العربية واسعة، خلافًا لمن قال: إنها ضيقة؛ لأن معانيها أكثر من ألفاظها، نقول كون الحرف الواحد أو الكلمة الواحدة تأتي بمعانٍ متعددة هذا يدل على مرونة اللغة العربية، لا على قلة مواردها، ولا شك أنه إذا كانت اللغة مرنة كان ذلك أوسع للمتخاطبين بها وأيسر عليهم.\nوقوله: ﴿إِنْ هَذَا﴾ المشار إليه الكتاب في القرطاس.\nوقوله: ﴿إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (السحر): كل شيء خفيِّ يسمى سِحْرًا، مأخوذٌ من السَحَر الذي هو آخر الليل، والغالب أن آخر الليل يكون خفيًا، الناس لا يخرجون من بيوتهم، فيكون هناك خفاء في الأمور التي تحدث، لكنه في الاصطلاح: هو عبارة عن عُقد ورقي وأدوية تصدر من الساحر بواسطة الشياطين، كما قال الله - ﵎ - في سورة البقرة: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، يعني: ويعلمونهم ما أنزل على الملكين ببابل ﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾، هذان اسمان لملكين ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، ولذلك كثيرًا ما يكون السحر مرتبطًا بالجن، حتى إن الجني يتكلم ويقول: إني لا أستطيع أن أخرج لأني مسحور، لكن إذا أراد الله - ﷿ - عُثِرَ على السحر وَأُتْلِفَ، ثم برئ المريض.\n_________\n(^١) البيت غير معروفٍ قائلهُ، وهو في شواهد شرح الكافية الشافية (١/ ٤٣١)، وخزانة الأدب (٤/ ١١٩)، ومغني اللبيب (ص ٣٨).","vol":"1","page":45},{"text":"وقوله: ﴿مُبِينٌ﴾ بمعنى بيّن ظاهر، وذلك؛ لأن <span data-type=\"title\" id=toc-85>(بان) و(أبان) يأتيان بمعنى واحد </span>تقول: (بأن الصبحُ) و(أبان الصبح) أبان رباعي وبان ثلاثي، (بأن) يقال: بيِّن، و(أبان) يقال: مبين على أن أبان يأتي متعديًا لا بمعنى بأن مثل أن تقول: أبان الحقّ، وأبان الأمرَ لي، بمعنى أظهره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالفائدة الأولى: بيان عناد المكذبين للرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، وجه ذلك: أن الله ذكر أنه لو نُزِّل عليه كتاب في قرطاس ولمسوه بأيديهم لقالوا هذا سحر وليس بصحيح، وجه هذا الاستنتاج - مع أنه قد لا يكون من اللائق أن نقول استنتاج فنقول وجه ذكر الله ذلك عنهم -؛ أنه أتاهم من الآيات ما يؤمن على مثله البشر ومع ذلك ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢)﴾ [القمر: ٢] فعلم الله من حالهم أنهم لو وصلت بهم الحال إلى هذا وأنزل إليهم كتابًا في قرطاس كما عهدوه ولمسوه بأيديهم قالوا: هذا سحر مبين.\n\nالفائدة الثانية: الإشارة إلى أن الكتاب إذا كان في قرطاس فهو أبين وأظهر، وإلا يمكن أن يكتب على غير القرطاس في لوح من خشب، أو في لوح من عظام، أو في لوح من أحجار، أو في لوح من جريد النخل، كما كان في أول الأمر، لكن القرطاس أثبت وألين وأسهل.\n\nالفائدة الثالثة: أن هؤلاء المكذبين لن يؤمنوا ولو جاءتهم كل آية؛ لأن من أعظم الآيات أن ينزل الكتاب يشاهدونه بقرطاس ويلمسونه ثم ينكرونه، ويفسر هذا قول الله - ﵎ -: ﴿إِنَّ","vol":"1","page":46},{"text":"الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧] وقوله تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]، وقال - ﷿ -: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ [القمر: ٤ - ٦]، وهنا تقف على قوله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ [القمر: ٦] ولا تصل؛ لأنك لو وصلت فسد المعنى فصار ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾، متى؟ ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر: ٦] هذه واحدة، وفي الآية التي بعدها ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ [القمر: ٩] قف ولا تصل؛ لأنك لو وصلت ﴿وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ [القمر: ٩] صار قوله: ﴿وَازْدُجِرَ﴾ من قولهم، وليس كذلك لكن ﴿وَازْدُجِرَ﴾ معطوفة على قالوا، أي: قالوا مجنون وازدجروه.\nومثل هذه الأشياء في الواقع يجب أن ينتبه لها الإنسان؛ لأن القرآن الكريم ليس كالكلام الذي نكتبه نحن أو نقوله، نحن نحاول أن يكون الكلام على نسق واحد، لكن في القرآن - سبحان الله وهو من إعجازه - أنك تري أحيانًا الكلمة ليس بينها وبين الأخرى صلة من أجل أن ينتبه المخاطب أو القارئ ويتأمل ويتفكر، وهذه نقطة لا يحس بها كثير من الناس، تجده يقرأ قراءة مرسلة ولا ينتبه للمواقف، ونحن تعلمنا هذا من شيخنا عبد الرحمن بن ناصر السعدي - ﵀ - كان يقوم بنا في رمضان التراويح والقيام، ويقف المواقف اللائقة فتتعجب كيف هذا؟ وكنا قبل ذلك نقرأ القرآن مرسلًا ولا نلتفت للمعنى، حتى إن قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ [الماعون: ٤، ٥] تقف على ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾","vol":"1","page":47},{"text":"لأن الله جعلها موقفًا فإذا قلت: سبحان الله، كيف نقف على قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ قال الشاعر الملحد:\nما قالَ رَبُّكَ ويلٌ للأُلى سَكِرُوا ... بَلْ قالَ رَبُّكَ: وَيْلٌ للمُصَلِّينا\nنقول قال ذلك لأنه ملحد لم يقرأ الآية الثانية، فالوقف على قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤] فيه فائدة، قد لا تظهر لبعض الناس؛ لأنه إذا سمع القارئ يقرأ ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ووقف تجده يشوش كيف يكون الويل للمصلين؟ ثم تأتي الآية التي بعدها ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ [الماعون: ٥]، فتكون كأنها الغيث نزل على أرض يابسة، وهذا هو السر في أن الأَوْلَى إذا أمكن أن تقف على كل آية ولو تعلق ما بعدها بها.\nلو قال قائل: قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥]، هل نقف على قوله تعالى: ﴿وَأَطَعْنَا﴾؟\nالجواب: نعم تقف على قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾؛ لأنك لو قلت: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ﴾ صرت سامعًا مطيعًا غفران الله، وليس كذلك.\nلو قال قائل: في أثناء قراءة القرآن أو قراءة الحزب بسرعة من غير تأمل وتدبر هل يراعي الإنسان هذه الوقوف؟\nالجواب: نعم ينبغي أن يراعي هذا ويقف حتى وإن كان مُدْرجًا.\n\nالفائدتان الرابعة والخامسة: أنه ينبغي الإظهار في موضع الإضمار إذا دعت الحاجة، لقوله: ﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وهذا يقع كثيرًا في القرآن في آيات متعددة، مثل قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ","vol":"1","page":48},{"text":"لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨]، لم يقل (عدو له) مع أن الآية فيها مناسبة أخرى وهي مراعاة فواصل الآيات.\nويتفرع على هذه الفائدة أن هؤلاء كفار؛ لقوله: ﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، وكان مقتضى السياق أن يقول: (لقالوا) لكنه أظهر في موضع الإضمار، والإظهار في موضع الإضمار له فوائد منها:\n١ - الحكم على مرجع الضمير بما يقتضيه الوصف الظاهر، والوصف الظاهر في هذه الآية ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ومرجع الضمير لو كان ضميرًا أولئك المكذبون.\n٢ - القياس، بمعنى أن كل من قال قولهم فهو كافر؛ لأنه لو قال: (لقالوا) لم نستفد أن من قال مثل قولهم يكون كافرًا بالنص، فإذا كان هذا الوصف ظاهرًا قسنا عليه كل ما ماثله، أو كل مَنْ اتصف بهذا الوصف.\n\nالفائدة السادسة: مكابرة أولئك المشركين الذين يكذبون النبي - ﷺ - بصرفهم الحق إلى باطل، الحق أنه قرآن من عند الله وهم يصرفونه إلى السحر، وهذا السحر هل هو في بلاغة القرآن، وفصاحة القرآن، وبيان القرآن، أو في كونه أتي بكتاب نزل من السماء فموّه على أبصارهم؟ الظاهر أنه يشمل الأمرين، يقولون هذا ليس بحقيقة، أي: سحرتنا يا محمد، أو يقولون إنه لِبيانه وفصاحته سَحرهم، وأيًا كان فالجاحد - والعياذ بالله - يتشبث بكل شيء.\n\nالفائدة السابعة: علم الله - ﵎ - بما سيكون لو كان؛ لأنه عَلِمَ ماذا سيكون قول هؤلاء لو نُزِّل عليهم الكتاب في قرطاس.","vol":"1","page":49},{"text":"الفائدة الثامنة: تأكيد المعلوم بالمحسوس، وإن شئت فقل:<span data-type=\"title\" id=toc-93> تأكيد المعقول بالمحسوس</span>، لقوله: ﴿فِي قِرْطَاسٍ﴾ وقوله: ﴿فَلَمَسُوهُ﴾؛ لأن هذا تأكيد بشيء محسوس ينظر إليه أنه في قرطاس ويُلْمَسُ باليد.\n\nالفائدة التاسعة: أن للسحر تأثيرًا، وهل التأثير يكون بقلب الحقائق أو بالتخييل على الحواس؟\nالجواب: الثاني، وإلا فإنه لا يقلب الحقائق، فالعصي والحبال التي ألقاها سحرة فرعون لم تنقلب حيات، ولكن خيل للرائين أنها حيات، وإلا فهي على حقيقتها عصي وحبال.\nوبهذا نجمع بين قول من قال: إنه لا يؤثر، وقول من قال: إنه يؤثر، فيقال: أما تأثيره بقلب الحقائق فهذا لا يمكن؛ لأنه لا يقدر على ذلك إلا الله - ﷿ -، وأما تأثيره بالتخييل فإنه يمكن؛ لأن التخييل في الواقع مرض في الإدراك، والمرض قد ينتج من السحر؛ لأن السحرة أحيانًا يسحرون الإنسان حتى يكون مريضًا، أو يختل ذهنه، أو ما أشبه ذلك.\nلو قال قائل: ما<span data-type=\"title\" id=toc-95> حكم مَنْ يدعي أنه يستطيع أن يخبر بمكان السحر</span>؟\nقلنا: هذا يسمى نقض السحر بالسحر، وقد نقل شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - ﵀ - في كتاب \"التوحيد\" عن سعيد بن المسيب - ﵀ - أنه قال: \"لا بأس به، وقال: إنما يريدون به الإصلاح، وأما ما ينفع فلم ينهَ عنه\"، ولعله أخذه من قوله تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، ومن قوله ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢].","vol":"1","page":50},{"text":"ونحن لا نفتي به؛ لأنه يخشى أولًا من دجل السحرة، وثانيًا من تكاثرهم وخيانتهم وخداعهم، فيقول أحدهم للآخر: اسحر فلانًا وأنا أنقضه، ويأكلون أموال الناس بالباطل، ثالثًا: لا ينقض الساحر السحر إلا بتعلم السحر، ولذلك لا ينبغي فتح الباب للناس في هذه المسألة العظيمة (^١).\n* * *\n\n* قال الله - ﷿ -: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩)﴾ [الأنعام: ٨، ٩].\nقوله: ﴿قَالُوا﴾، أي: المكذبون للنبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -. وقوله: ﴿لَوْلَا﴾، أي: هلَّا. وقوله: ﴿مَلَكٌ﴾ والملك واحد من الملائكة. وإنما طلبوا ذلك ليكون ذلك مصدقًا له، وهذا الاقتراح اقتراح تعنت، وإلا فقد جاء النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - بآيات واضحة، ولا أعظم من أنهم لما طلبوا آية أراهم انشقاق القمر، حيث انشق القمر نصفين وشاهدوه، وهذا تغيير في الأفلاك، فهي من أكبر الآيات، لكن قولهم هذا من باب التعنت والتحدي والإعجاز.\nقوله: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾، أي: لقضي شأن هؤلاء وذلك بإهلاكهم.\nوقوله: ﴿لَا يُنْظَرُونَ﴾، أي: ثم لا يمهلون، بل يعاجلون بالعقوبة - والعياذ بالله -.\n_________\n(^١) القول المفيد شرح كتاب التوحيد، باب: ما جاء في النشرة لفضيلة شيخنا المؤلف - ﵀ -.","vol":"1","page":51},{"text":"يعني: لو أنزلنا ملكًا لانتهى الأمر بنزول العقاب بهم؛ لأن الأمم السابقة إذا اقترحت آية معينة، ثم أعطوا الآية المعينة التي طلبوها، ثم لم يؤمنوا أخذوا بالعقاب بدون إمهال، ولم تؤخذ قريش بآية انشقاق القمر؛ لأنها لم تطلب هذه الآية المعينة، بل قالوا: يا محمد أرنا آية فأراهم انشقاق القمر، هكذا قال أهل العلم، أما إذا اقترح المكذبون للرسل آية معينة، ثم جاءت ولم يؤمنوا نزل بهم العذاب.\nقوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا﴾، يعني: لو جعلنا الرسول ملكًا ﴿لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ حتى لو فرض أننا جعلناه ملكًا فلا بد أن نجعله بشرًا؛ لأنه لا يتلاءم المَلَكُ مع البشر، ولهذا قال الله - ﵎ - في سورة الإسراء: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)﴾ [الإسراء: ٩٥] لكن ليس في الأرض إلا بشر، ولا يمكن أن يرسل إليهم ملائكة؛ لأن ذلك لا يناسب.\nوقوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾، وحينئذٍ يبقى الإشكال ولهذا قال: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾، أي: خلطنا عليهم الأمر، كما خلطوه على أنفسهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالفائدة الأولى: تعنت المكذبين للرسل، وطلبهم آيات، مع أن الآيات كانت موجودة، لكنهم متعنتون.\n\nالفائدة الثانية: أن المكذبين للنبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - يؤمنون بالملائكة لقوله: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾.","vol":"1","page":52},{"text":"الفائدة الثالثة: أن المكذبين للنبي - ﷺ - يعلمون أن الملائكة فى السماء، وأنها مقرهم ومسكنهم، والدليل ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾.\n\nالفائدة الرابعة: أن المَلَك آية من آيات الله - ﷿ - إذا نزل مساعدًا للبشر؛ لأنهم أقروا بأنه آية تدل على صدق النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -.\n\nالفائدة الخامسة: أن الله - ﷾ - يرد على المعاندين بمثل ما عاندوا به، ويحذرهم من اقتراح الآيات لقوله: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾.\n\nالفائدة السادسة: أن المكذبين للرسل إذا اقترحوا آية معينة ولم يؤمنوا عجلت لهم العقوبة.\n\nالفائدة السابعة: أن الله تعالى لو أراد أن ينزل ملكًا لم ينزل ملكًا بصورته الملكية، بل يجعله رجلًا من أجل تناسب الرسل والمرسل إليهم.\n\nالفائدة الثامنة: حكمة الله - ﵎ - في إرسال الرسل من البشر، من أجل الركون إليهم وقبولهم، بل إن الله ﵎ يجعل الرسل من أوساط الأقوام وأشرافهم وأفاضلهم حتى يحتموا بهم، ولا يضر أن يجعل الله - ﵎ - للرسل من يحميهم من أقوامهم ويدل لذلك قول قوم شعيب له: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ [هود: ٩١] مما يدل على أن الإنسان إذا كان من القوم صار له شأن كبير وهيبة، ويدل لعكس هذا قول لوط - ﵇ -: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠]، يعني: إلى قوم يكونون عمادًا لي.","vol":"1","page":53},{"text":"الفائدة التاسعة: حسن المحاجة في القرآن الكريم وهو أنه لو جاء الأمر على اقتراح هؤلاء لم يكن على ما اقترحوه، أي: لم يكن ملكًا لعدم المناسبة بين الرسول والمرسل إليهم، فإذا كان رجلًا عاد اللبس والاقتراح الذي اقترحوه، لقوله: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾.\n* * *\n\n* قال الله - ﷿ -: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾ [الأنعام: ١٠].\nقوله: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (اللام) هنا موطئة للقسم ومؤكدة له، و(قد) للتحقيق وهذا يرد في القرآن كثيرًا، وعلى هذا فالجملة تكون مؤكدة بثلاثة مؤكدات: قسم مقدر، والثاني (اللام)، والثالث (قد).\nوقوله: ﴿اسْتُهْزِئَ﴾، أي: سُخِر، بدليل قوله: ﴿فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ﴾، أي: سخروا به، وقالوا: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦] وقال تعالى أيضًا ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨)﴾ [هود: ٣٨].\nوقوله: ﴿بِرُسُلٍ﴾ نكرة في سياق الإثبات لا تدل على العموم، أي: لا تدل على أن جميع الرسل سُخِر بهم، واعلم أن النكرة في سياق الإثبات لا تدل على العموم إلا إذا قام الدليل على هذا العموم، مثل قول الله - ﵎ -: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥)﴾ [الانفطار: ٥] وقوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)﴾ [التكوير: ١٤] فهنا (نفس) نكرة في سياق الإثبات، لكنها للعموم إذ معنى الآية: (علمت كل نفس).","vol":"1","page":54},{"text":"وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾، أي: في الزمن.\nقوله: ﴿فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ﴾، أي: نزل بهم عقوبة ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أو جزاء ما كانوا به يستهزئون، وإنما عبر الله تعالى عن الجزاء بالفعل للإشارة إلى سببه من وجه، وليعلم أن الجزاء بقدر العمل من وجه آخر، فالعقوبة سببها العمل الذي استحق به العامل أن يعاقب، فأطلق العقوبة على نفس العمل الذي هو السبب، ثانيًا: إذا كان الإنسان يجازى بنفس العمل فهذا يعني أن الجزاء والعقوبة بقدر عمله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالفائدة الأولى: توكيد الجملة بأنواع المؤكدات.\nفإذا قال قائل: أليس خبر الله تعالى صدقًا سواء اقترن بالقسم وأدوات التوكيد أو لا؟\nفالجواب: بلى، لكن يذكر التأكيد لأسباب، منها:\nأولًا: أن القرآن الكريم جاء باللسان العربي، واللسان العربي، يحسن فيه التأكيد إذا اقتضت الحال ذلك، وإلا فمن المعلوم أن الله إذا أخبر بخبر - وإن لم يؤكد - فهو حق وصدق، كما نشاهد الشمسَ، لكن القرآن بلسان عربي مبين.\nثانيًا: تأكيد الله له بالقسم يدل على أهميته، وأنه من الأمور التي لا بد أن يقبلها الإنسان ويصدق بها.\nثالثًا: أنه قد يراد به دفع إنكار من أنكر مدلول الخبر، ككون الله - ﷿ - يؤكد قيام الساعة بالمؤكدات الكثيرة لرد إنكار المكذبين.\n\nالفائدة الثانية: أنه ليس بغريب أن يستهزئ المشركون","vol":"1","page":55},{"text":"بالنبي - ﷺ -؛ لأن هذا قد سبق من الأمم السابقة، واستهزاء المكذبين للرسول بأنواع متعددة منها قولهم: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)﴾ [الزخرف: ٣١] كأنهم يقولون: محمد لا يستحق هذا، وكما في قولهم: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦] والاستفهام هنا للتحقير، يعني: مَنْ هذا الرجل الذي يذكر آلهتكم بالسوء؟ ليس بشيء وليس له قيمة، ومنها وصفهم إياه بأنه مجنون مخرف وما أشبه ذلك.\n\nالفائدة الثالثة: عناية الله - ﵎ - بنبيه - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، حيث ينزل عليه من القرآن ما يسليه به، وجهه أن ذكر استهزاء الأمم السابقة برسلها تسلية لرسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -؛ لأن كونه يعلم بأن الأمم السابقة كَذّبت رسلها يهون عليه الأمر، فإن الإنسان يتسلى بالمصائب إذا أصابت غيره وتهون عليه مصيبته، وقد أشار الله إلى هذا في قوله: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)﴾ [الزخرف: ٣٩] مع أنه لو كان في الدنيا واشترك الناس في العذاب لهان عليهم ونفعهم وحملهم على الصبر، لكن في القيامة لا ينفع.\n\nالفائدة الرابعة: تهديد المكذبين للنبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - لقوله: ﴿فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾، يعني: فاحذروا أيها المكذبون لمحمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، المستهزؤون به.\n\nالفائدة الخامسة: الإشارة إلى أنه لا رسول بعد محمد - ﷺ -، ولكن قد لا تؤخذ هذه الفائدة من هذه الآية؛ لأن قوله تعالى:","vol":"1","page":56},{"text":"﴿بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ هذا تسلية للرسول - ﷺ - بما مضى، ولا يمنع لو كان ممكنًا أن يوجد رسل آخرون بعد الرسول - ﷺ -، فليس فيها دليل على هذا.\n\nالفائدة السادسة: أن<span data-type=\"title\" id=toc-109> السخرية والاستهزاء بالرسل موجب للعقاب</span>، لقوله: ﴿فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.\nفإن قيل: هل هذا العقابُ عقابٌ على كفر أو على فسوق؟\nفالجواب: أنه عقاب على كفر، فكل من سخر بالرسل، أو استهزأ بهم فهو كافر، ولا إشكال في ذلك.\nولكن هل تقبل توبته؟\nالجواب: نعم، تقبل توبته؛ لعموم قول الله ﵎: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣].\nوكذلك هناك دليل عقلي، وهو أن سب النبي - ﷺ - إنما كان كفرًا لنبوته لا لشخصيته، والنبوة والعمل بالشريعة التي جاءت بها من حقوق الله في الواقع، وحقوق الله تقبل فيها التوبة بالاتفاق، فالصحيح أن من سخر بالنبي أو استهزأ به فإنه إذا تاب إلى الله توبة نصوحًا ارتفع عنه وصف الردة، وصار مسلمًا، وارتفع عنه القتل.\nفإن قيل: إذا سب الرسولَ ثم تاب وقبلنا توبته، هل يرتفع عنه القتل أو لا؟\nفالجواب: أن في هذا خلافًا، فمن العلماء من قال: إنها تقبل توبته؛ وذلك؛ لأن سب الرسول - ﷺ - ليس سبًّا شخصيًا، وإنما السبُّ مُنْصَبٌّ على النبوة والرسالة، والنبوة والرسالة من حق الله فلا يقتل ما دام قبلنا توبته، واختار شيخ الإسلام ابن","vol":"1","page":57},{"text":"تيمية - ﵀ - أنها تقبل توبته، ولكنه يُقتل حدًا، وعلل ذلك بأن سب النبي ﵊ لا شك أنه عدوان على شخصه وعلى رسالته، فاعتبارها عدوانًا على رسالته نقول: تقبل التوبة منه، وأما باعتبارها عدوانًا على شخصه فلا بد أن نثأر لنبينا - ﷺ -، ونأخذ بالثأر ونقتله، فيتحتم قتل سابّ الرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وإن قبلنا توبته.\nفإن قيل: ما الفائدة إذا قلنا (تقبل توبته) ويقتل؟\nقلنا: الفائدة أنه يقتل مسلمًا، يُغَسَّل ويكفن، ويصلى عليه، ويرثه أقاربه المسلمون، ويبقى على حكم الإسلام، بخلاف ما إذا قلنا إنه مرتد فلا يثبت له هذا الحكم.\nفإن قال قائل: أليس قد وجد من سب النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - في حياته، وتاب وقبل النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - توبته؟\nفالجواب: بلى.\nأولًا؛ لأن الحق له فإذا عفى عنه فله الحق.\nثانيًا: أن رفع القتل عنه ترغيبًا له في التوبة.\nثالثًا: أنه إذا تاب فسيكون من أصحاب النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، وقد قال النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - حين استأذن في قتل المنافقين: \"لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه\" (^١).\nأما بعد موته - ﵊ - فكل هذه العلل\n_________\n(^١) رواه البخاري كتاب المناقب، باب: ما ينهى من دعوة الجاهلية (٣٥١٨)، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب: نصر الأخ ظالمًا، أو مظلومًا (٢٥٨٤).","vol":"1","page":58},{"text":"منتفية، فيجب على أمته أن يقتلوا من سبّه - ﵊ -.\n\nالفائدتان السابعة والثامنة: أن<span data-type=\"title\" id=toc-112> المعاصي سببٌ للعقوبة </span>لقوله: ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، وأن العقوبة بقدر العمل ولذلك عُبِّر به عنها، وهذا من عدل الله - ﷿ -، أما المثوبة فالحسنةُ بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.\n* * *\n\n* قال الله - ﷿ -: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾ [الأنعام: ١١].\nقوله: ﴿قُلْ﴾ الخطاب للنبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -.\nقوله: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (في) بمعنى (على)، وإنما أتت (في) بمعنى (على) لبيان أنه ينبغي أن يكون السير عميقًا، كأنما يسيرون في أجواف الأرض.\nوهل السير هنا بالقلوب، أو بالأقدام؟\nالجواب: يحتمل هذا وهذا، فالسير بالقلوب بأن يتأمل الإنسان ما جرى للأمم السابقة بما صح من تاريخهم، وأصح تاريخ للأمم السابقة ما جاء في القرآن، أو صحت به السُّنَّة، أو يكون المعنى سيروا في الأرض بأقدامكم، بأن ينظروا آثار المكذبين المهْلَكين كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨] فصار السيرُ هنا يشمل السيرَ بالقلب، والسيرَ بالقدم لأجل الاعتبار.\nفإن قال قائل: قولكم: (إن السير يشمل السير بالقدم لينظر","vol":"1","page":59},{"text":"بالبصر) يشكل عليه أن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - نهى عن دخول ديار المكذبين أو المهلَكِين؟\nفالجواب: أنه ﵊ لم ينه عنها مطلقًا، بل نهى أن ندخل فرحين بطرين معجبين بالآثار، وما أشبه ذلك، أما أن ندخل معتبرين باكين خائفين فلا، ولهذا قال: \"لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين\" (^١)، فهناك فرق بين من يدخل هذه الديار ليعتبر ويخاف ويبكي، وآخر يدخلها للبطر والأشر والنزهة والإعجاب بالآثار، فالأول محمود، والثاني مذموم، وبذلك يزول الإشكال.\nقوله: ﴿ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿انْظُرُوا﴾ بأبصاركم أو ببصائركم؟ إذا قلنا السير بالقلب فالمراد انظروا بالبصائر، وإذا قلنا بالقدم فالمراد بالبصر وينبني على ما سبق.\nوقوله: ﴿كَيْفَ﴾ خبر ﴿كَانَ﴾ مقدم، ويتعين أن يكون مقدمًا؛ لأنه اسم استفهام، واسم الاستفهام له صدر الكلام؛ لأنه المقصودُ بالجملة، وإذا كان المقصودُ بالجملة كان حقه أن يقدم، ولهذا إذا قلت: أين زيد؟ تعين أن تكون (أين) خبرًا مقدمًا، ولا يجوز أن تقول: زيد أين، (فكيف) في محل نصب خبر (كان) مقدمًا ﴿عَاقِبَةُ﴾ اسمها مؤخر، باعتبار تقديم الخبر وإلا فهو في مكانه.\nوقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾، فماذا كانت؟ كانت\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الصلاة، باب: الصلاة في مواضع الخسف والعذاب (٤٣٣)، ومسلم، كتاب الزهد والرقاق، باب: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم ... (٢٩٨٠).","vol":"1","page":60},{"text":"أسوأ عاقبة - والعياذ بالله - دمرهم الله - ﷿ -، وجعلهم مثلًا للآخرين يعتبرون به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالفائدتان الأولى والثانية: الأمر بالسير في الأرض للاعتبار، سواء كان بالبصائر أو بالأبصار، لقوله: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، ويتفرع على هذه الفائدة أنه ينبغي أن نقرأ تاريخ الأمم السابقة، وأفضل نقرؤه منه هو القرآن وصحيح السُّنَّة؛ لأن من الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة عن الأمم السابقة ما لا يحصيه إلا الله - ﷿ -، والعبرة بالصحيح، وما أكثر الأحاديث التي فيها الأخبار عن الأمم السابقة.\n\nالفائدة الثالثة: فضل الاعتبار، وأنه أمر مطلوب لقوله: ﴿انْظُرُوا﴾ وسواء كان الاعتبار بمن انتقم الله منهم أو بمن أثابهم، فإن كان بمن انتقم الله منهم فالإنسان يحذر، هان كان ممن أثابهم فالإنسان يرغب، وفي هذه الآية الاعتبار بمن انتقم الله منه.\n\nالفائدة الرابعة: أن الآثار تدل على المؤثر، وهذا أمر معلومٌ بالحس والواقع، وقد سئل أعرابي: بم عرفت ربك؟ قال: \"الأثر يدل على المسير\"، يعني: على السير، \"والبعرة تدل على البعير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، أفلا تدل على الصانع الخبير؟ \" (^١) الجواب: بلى والله تدل على الخلاق الخبير، السميع البصير.\n_________\n(^١) من خطبة لقس بن ساعدة، انظر: جواهر الأدب لأحمد الهاشمي (٢/ ١٩)، والبيان والتبيين للجاحظ (١/ ١٦٣).","vol":"1","page":61},{"text":"الفائدة الخامسة: عقوبة المكذب، والتكذيب أحد شقّي ما يحصل به الكفر؛ لأن الكفر يحصل بأمرين، إما التكذيب وإما الاستكبار، مع أن التكذيب فرع عن الاستكبار؛ لأنه ما كذب إلا أنه يرى أنه فوق المرسل.\n* * *\n\n* قال الله - ﷿ -: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢)﴾ [الأنعام: ١٢].\nقوله: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ اسأل هؤلاء المكذبين المنكرين لتوحيد الألوهية: لمن ما في السماوات والأرض ألزيد أو لعمرو، أو لفلان أو لفلان؟ ثم أمر نبيه - ﷺ - أن يجيب عن هذا السؤال بنفسه فقال: ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾، وهنا نقول هل الجواب من الله أو من الرسول؟\nالجواب: من الرسول بأمر الله، وعلى هذا يكون الجواب جواب الله - ﷿ -؛ لأن الله أمر رسوله أن يقول هذا.\nقوله: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (كتب) بمعنى أوجب؛ لأن الكتابة بمعنى الإيجاب، قال الله - ﷿ -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] كُتِبَ بمعنى فُرض وأوجب وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، أي: فريضة مؤقتة.\nوقوله: ﴿عَلَى نَفْسِهِ﴾، أي: على ذاته، ونفس الله هي ذاته","vol":"1","page":62},{"text":"وليست صفة بل هي الذات قال الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] وليس المعنى يحذركم صفة هي نفسه، بل المعنى يحذركم الله إياه، أي: ذات الله، فمعنى يحذركم نفسه، أي: يحذركم الله من عقابه؛ لأنه جل وعلا أمرنا أن نعلم علمًا مهمًا فقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ [المائدة: ٩٨] فأمرنا أن نعلم هذا العلم المهم الذي فيه الترغيب والترهيب. الترهيب والتحذير في قوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، والترغيب في قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فأمرنا ﷾ أن نعلم عن أفعاله وصفاته ترهيبًا وترغيبًا، وهنا قال ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]؛ لأن المقام مقام تهديد وعقوبة ولأنه يخاطب المشركين المكذبين.\nوقوله: ﴿الرَّحْمَةَ﴾، يعني: أن يرحم عباده - ﷿ -، ففرض هذا على نفسه، ولهذا جاء في الحديث الصحيح القدسي: \"إن رحمتي سبقت غضبي\" (^١)، وهذه الرحمة فرضها الله تعالى على نفسه، ولسنا نحن الذين فرضناها عليه.\nفإن قال قائل: إننا نجد من الناس من أصابه البؤس والبلاء، وفقد المال، وفقد الأولاد، وهو في غاية البؤس، أين الرحمة؟\nفالجواب: كل ما أصاب الإنسان من شيء من بلاء وهو مؤمن فإنه رحمة؛ لأنه إذا صبر أثيب ثواب الصابرين، وإذا\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب التوحيد، باب: وكان عرشه على الماء وهو رب العرش العظيم (٧٤٢٢)، ومسلم كتاب التوبة، باب: في سعة رحمة الله، وأنها سبقت غضبه (٢٧٥١).","vol":"1","page":63},{"text":"احتسب أثيب ثواب الشاكرين، فهو خير له، وكم من أناس لو أنهم رزقوا صحة ومالًا وأولادًا لبطروا، وأفسدهم الغنى وكم من أناس بالعكس، فكل شيء يصيب المؤمن - والحمد لله - فهو رحمة وكفارة، حتى لو أن الإنسان فزع من شيء قابله كتب له بذلك أجر، فاللهم لك الحمد - حتى جاء في الحديث لو أن الإنسان فقد شيئًا في جيبه، ثم فزع وخاف أن يكون قد ضاع منه فله أجر (^١)، انظر إلى هذا الحد من الرحمة ولله الحمد والشكر.\nوما أحسن قول رابعة العدوية: إن حلاوة أجرها أنستني مرارة صبرها (^٢)، والآلام والبؤس والتعب والهم والغم في الدنيا كلها تزول، إما أن تزول إلى ضدها، وإما أن تصل بصاحبها إلى الهلاك، لكن الأجر باقٍ.\nفإذا قال قائل: ماذا عن الكافر؟\nفالجواب أن نقول: إن الكافر هو الذي فوت الرحمة على نفسه، مع أن لله عليه رحمة بما يسره له من الأكل والشرب والنكاح والمسكن وما أشبه ذلك.\n* * *\n_________\n(^١) سألت عائشة - ﵂ - النبي - ﷺ - عن قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]، فقال: \"يا عائشة! ذلك مثابة اللهِ العبدَ بما يصيبه من الحمى والكِبَر، والبضاعة يضعها في كمه فيفقدها فيفزع لها فيجدها في كمه، حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه، كما يخرج التبر الأحمر من الكير\"، أخرجه أحمد برقم (٢٥٣٠٧)، والترمذي: كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة البقرة، رقم (٢٩٩١)، وقال: حسن غريب.\n(^٢) ذكره في مدارج السالكين (٢/ ١٦٧).","vol":"1","page":64},{"text":"* قال الله - ﷿ -: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢].\nصدق الله ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ هذه أيضًا جملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات، القسم المقدر، واللام الواقعة في جواب القسم، ونون التوكيد، والتقدير: والله ليجمعنكم، الخطاب للخلق، أي: ليجمعنكم أيها الناس كلكم، كما قال - ﷿ -: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)﴾ [الواقعة: ٤٩، ٥٠] فَنُجمع مع آبائنا، وأجدادنا، وأجداد أجدادنا، إلى آدم - ﵇ - كلنا نجمع، وكذلك ذرياتنا الأولون والآخرون مجموعون كلهم إلى يوم القيامة، ولما أورد المكذبون بالبعث قولهم: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية: ٢٥] قيل لهم: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الجاثية: ٢٦]، فأنتم ما قيل لكم الآن تبعثون حتى تحتجوا وتقولوا (هاتوا آبائنا)، بل قيل لكم: إنكم مجموعون ليوم القيامة لا ريب فيه.\nوقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ هو اليوم الآخر وسمي بهذا لأمور ثلاثة، هذا الذي علمناه - والله أعلم - إذا كان وراء ذلك شيء.\nالأول: قيام الناس من قبورهم لرب العالمين، وهذا القيام قيام عظيم، فكل العالم بصيحة واحدة يُحضَرون، لا يتخلف أحد فهو قيام عظيم جدًا جدًا، حتى الذي أكلته السباع وأحرقته النار، وأغرقه الماء لا بد أن يخرج.\nالثاني؛ لأنه يقام فيه العدل، فيقتص حتى للشاة الجلحاء من الشاة القرناء.","vol":"1","page":65},{"text":"الثالث: أنه تقام فيه الأشهاد الذين يشهدون، هذه الأمة تشهد على الأمم السابقة، والرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - يكون شهيدًا على هذه الأمة.\nفلهذه الأمور الثلاثة سمي يوم القيامة، فإذا قيل ما هو الدليل؟\nقلنا: أما الأول فدليله قول الله - ﷿ -: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين: ٦]، وأما الثاني: فقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، أي: لليوم الذي يقام فيه العدل، وأما الثالث فقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١].\nقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ هذا نفي يراد به تأكيد الإثبات السابق في قوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾، أي: جمعًا مؤكدًا لا ريب فيه، والنفي هنا ليس نفيًا محضًا، بل لبيان كمال إثبات أنه أمر لا ريب فيه، وعلى هذا التقرير يكون النفي على بابه، وقيل إن النفي بمعنى النهي أي: لا ترتابوا فيه، والأول أبلغ؛ لأنه إذا قيل ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ فإذا ارتاب إنسان فلخلل في عقله؛ لأن ما نُفِي فيه الريب مطلقًا لا يمكن أن يرتاب فيه عاقل، فجعلها للنفي على بابها أبلغ وأولى.\nقوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، والخبر قد يكون محذوفًا، والتقدير: الذين خسروا أنفسهم خاسرون، كما قال - ﷿ -: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ١٥] فيكون المعنى الذين خسروا أنفسهم هم الخاسرون حقًا.","vol":"1","page":66},{"text":"قوله: ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ توكيد، أو بيان للسبب الذي كان به الخسران، ويحتمل أن تكون جملة ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ خبر المبتدأ، وقرنت بالفاء؛ لأن ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول، وهو مفيد للعموم، والاسم الموصول يشبه الشرط في عمومه، فجاز اقتران الفاء بخبره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالفائدة الأولى: أن جميع مَن في السماوات والأرض لله - ﷿ -، والدليل: قوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾.\nفإن قال قائل: كيف أخذتم العموم مع أن (مَنْ) للعاقل، و(ما) لغير العاقل؟\nفالجواب: أن هذين الاسمين يتناوبان، بمعنى أن أحدهما يقع مكان الآخر، والدليل قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [الجمعة: ١]، وفي آية أخرى ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ وهذا يدل على أن (مَن) و(ما) يتناوبان، وإن كان الأكثر استعمالًا أن (ما) لغير العاقل، و(مَنْ) للعاقل؛ وعليه فنقول: (مَنْ) هنا تشمل العاقل وغير العاقل، أو نقول: (من) للعاقل لكن عبر بـ (ما)؛ لأنه إذا كان الله تعالى يملك العاقل وهو مختار مريد فغيره من باب أولى.\nالفائدة الثانية: إثبات السماوات والأرض، وهذا متكرر كثيرًا، ومعلوم أن السماواتِ سبعٌ والأراضين سبع.\n\nالفائدة الثالثة: أننا متى آمنا بهذا وأن من في السماوات والأرض لله، فإننا لن نلجأ إلا إلى الله، ولن نخاف إلا من الله - ﷿ -؛ لأنه مالكُ مَنْ في السماوات والأرض،","vol":"1","page":67},{"text":"وليتنا نتوكل على الله حق توكله، فلو توكلنا على الله حق توكله لكان الأمر كما قال النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: \"لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا خماصًا وتروح بطانًا\" (^١) (تغدوا خماصًا)، أي: تطير في أول النهار وهي جائعة، وترجع في آخر النهار وهي ممتلئة البطون - سبحان الله -، وهذا شيء مشاهد، تجد الطيور في أول الصباح تطير في الجو، وقد أعطاها الله تعالى قوة النظر من رحمة الله - ﷿ -، تنظر للحَبِّ وهي في جو السماء، فتنزل عليه، وتنظر للحبة الصغيرة التي لا يدركها الإنسان إلا بمشقة، تنظرها بسهولة، تجد أنها تأخذ الحبة الصغيرة جدًا في وسط القطيفة المفروشة من بين الخمل الذي فيها، لكن الله - ﷿ - أعطاها قوة بصر حتى تعيش، المهم أنك متى علمت أن من في السماوات والأرض لله فعلى من تتوكل؟ على الله - ﷿ -: وممن تخاف؟ من الله - ﷿ -. ومن ترجو؟ الله - ﷿ -.\n\nالفائدة الرابعة:<span data-type=\"title\" id=toc-133> جواز إجابة السائل نفسه </span>إذا كان الأمر واضحًا لقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾ مع أن الله أمره أن يسأل ثم أمره أن يجيب، فإذا كان الأمر واضحًا لا نزاع فيه فأجب أنت؛ لأن المسؤول قد يمنعه من الإجابة استكباره وكبرياؤه.\n\nالفائدة الخامسة: أن لله تعالى أن يكتب على نفسه ما شاء لقوله: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾.\nفإذا قال قائل: كيف يكون الشيء لازمًا على الله؟\n_________\n(^١) رواه الترمذي، كتاب الزهد، باب: في التوكل على الله (٢٣٤٤)، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب التوكل واليقين (٤١٦٤)، والإمام أحمد في مسنده (٢٠٥).","vol":"1","page":68},{"text":"فالجواب: أن الله ألزم نفسه به، وله أن يفعل ما شاء، نحن لا نلزم الله بشيء وليس لنا على الله حق إلا ما أوجبه على نفسه، لكن الله له أن يلزم نفسه بشيء، فكتابة الله على نفسه الرحمة لا تنافي كماله، بل هي من كماله - ﷿ -.\nقال ابن القيم - ﵀ - في النونية:\nما للعبادِ عليهِ حَقٌّ واجبُ ... هو أوجَبَ الأجرَ العظيمَ الشانِ\nإنْ عُذِّبوا فبعدلِه أو نُعْمِّوا ... فبفضلهِ والفَضْلُ للمَنَّانِ\nقوله: \"هو أوجب\": أي: هو سبحانه أوجب على نفسه، وليس نحن.\nقوله: \"فبعدله\"؛ لأن الذنب ذنبهم.\n\nالفائدة السادسة: أن الله يعبر عن نفسه بالنفس لقوله: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾، ولها نظائر قال الله - ﷿ -: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] وقال عيسى - ﵊ - ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]، وليست نفس الله كنفس الإنسان؛ فالإنسان له نفس، قال الله - ﷿ -: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وهنا ﴿يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾، يعني: الروح التي في البدن وليست الجسم؛ لأنه عند موت الجسم لا يقبض الجسم في الأرض، بل يتولاه أهل الأرض، بل الذي يُقبض هو الروح، فالإنسان له نفس وهي الروح، ويعبر عن ذاته بالنفس فيقول: كلمتك بنفسي، وتقول: جاء الرجل نفسه، أما الله - ﷿ - فليس له نفس مستقلة عن الذات بل نفسه هي ذاته - ﷿ -.","vol":"1","page":69},{"text":"الفائدة السابعة: إثبات البعث لقوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾.\n\nالفائدة الثامنة: تأكيد الشيء بالقسم وغيره من المؤكدات إذا دعت الحاجة إليه، وذلك في مواطن، منها إذا كان المخاطب منكرًا، فهنا يجب أن يؤكد الكلام حسب البلاغة، ومنها إذا كان الأمر بعيدًا يستغرب فإنه يؤكد - لكن ليس كالأول، فالأول يؤكد وجوبًا - بل توكيده أحسن من عدمه، ونقول استحسانًا كلما دعت الحاجة إلى توكيد الكلام أكد، ولا يعد هذا تطويلًا ولا إخلالًا بالبلاغة.\n\nالفائدة التاسعة: حكمة الله - ﷿ - في جمع الأولين والآخرين، حتى يكون هذا اليوم يومًا مشهودًا كما قال - ﷿ -: ﴿يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] يشهده الأولون والآخرون، نحن نشهد هابيل وقابيل، ونشهد آخر واحد من هذه الأمة، كل العالم مشهود بل كل شيء مشهود، الجن والبهائم والوحوش، قال الله - ﷿ -: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ في الأرض ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ فوق الأرض ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨] كل شيء، لو تصور الإنسان هذا اليوم لرأى مشهدًا عظيمًا عظيمًا، لا يستطيع أن يدركه الآن، لكننا نفهم معناه ولا ندرك حقيقته؛ لأن حقيقته أبلغ مما نتصوره، اللهم اجعله علينا يسيرًا.\n\nالفائدة العاشرة: تسمية يوم البعث بيوم القيامة، للوجوه التي تقدمت في التفسير.\n\nالفائدة الحادية عشرة: أنه لا ريب في هذا اليوم، شرعًا","vol":"1","page":70},{"text":"وعقلًا، شرعًا؛ لأن الله أخبر به وأكده وضرب له الأمثال، وعقلًا؛ لأنه ليس من المعقول أن الله تعالى يوجد هذه الخليقة، ويأمرها وينهاها، ويرسل إليها الرسل، وتستباح الأنفس والأموال والذرية في القتال في سبيل الله، ثم تكون النتيجة أن الأرض تبلعهم فقط، هذا ينافي الحكمة، فالعقل يوجب أن يكون هناك بعث، حتى وإن لم يكن نص، فكيف والنصوص كثيرة، ومن رحمة الله - ﷿ - وله الحمد والفضل والمنة - أنه يكثر من إثبات يوم القيامة ويضرب له الأمثال؛ لأن الإيمان باليوم الآخر هو الذي يحمل الإنسان حقيقة على الإيمان؛ إذ لولا اعتقاد المؤمن أنه سيبعث ويجازى (إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر) ما عمل أبدًا، ولصارت الأمة موطنًا للسلب والنهب والأخذ والعدوان.\nلو قال قائل: عبارة: (لولا البعث لبطلت الحياة) هل هي صحيحة أم لا؟\nفالجواب: العبارة صحيحة، فلولا البعث لبطلت أهمية الحياة؛ لأن الحياة في الواقع ليست حياة كاملة، فليس من الأهمية في شيء أن الإنسان يُعمَّر ما يُعمَّر ثم يفنى إلى غير شيء، والذي ينكر البعث فإنه ينكر أن يكون للدنيا فائدة، لنفرض أن الإنسان فعل كل شيء وصار عنده إنتاجات واختراعات ماذا ينتفع إذا لم يكن له آخرة يجازى عليها؟ لو قيل: ستدر عليه الأموال، نقول: والأموال ما مآلها؟ مآلها بيت الخلاء، الآن أشد عموم الانتفاع هو الأكل والشرب، أين يذهب؟ إلى الأماكن القذرة هذه نهاية المال، ولهذا فإن إنكار البعث بقطع النظر عن كونه كفرًا وضلالًا يعتبر سفهًا.","vol":"1","page":71},{"text":"الفائدة الثانية عشرة: أن هؤلاء المكذبين خسروا أنفسهم، يعني: كأن لم يوجدوا على الأرض؛ لأنهم لم يستفيدوا من حياتهم، ولذلك لمّا لم يستفيدوا من حياة الدنيا لم يستفيدوا من حياة الآخرة، فكانوا مخلدين في نار جهنم والعياذ بالله.\n\nالفائدة الثالثة عشرة: أنه<span data-type=\"title\" id=toc-139> من الفصاحة أن يذكر السبب بعد المسبَّب</span>، هذا إذا جعلنا جملة: ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ خبرًا، لقوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ وجه ذلك: أن سبب خسرانهم هو عدم الإيمان، فأُخر السبب وقدم المسبّب، أما إذا جعلناها جملة مستقلة فلا تتأتى هذه الفائدة؛ لأنها على الترتيب.\n* * *\n\n* قال الله - ﷿ -: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣)﴾ [الأنعام: ١٣].\nقوله: ﴿وَلَهُ﴾ الضمير يعود على الله - ﷿ -.\nقوله: ﴿سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ يصح أن تكون من السكنى، ويصح أن تكون من السكون الذي هو ضد الحركة، فإن كانت من السكون، بقي أن يقال: وأين المتحرك؟؛ لأن الأشياء إما ساكن وإما متحرك، وهنا قال: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ﴾ والجواب عن هذا الإشكال أن يقال: إن هذا من باب<span data-type=\"title\" id=toc-141> الاستغناء بذكر أحد الضدين عن الآخر</span>، ونظيره قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١] السرابيل تقي الحر والبرد، لكن ذكر الحر والبأس؛ لأن اللباسين متفقان، هذا يلبس عند حرارة الجو، والثاني يلبس عند حرارة القتال، فاستغنى بذكر الحر عن ذكر البرد.","vol":"1","page":72},{"text":"أما إذا جعلناها من السكنى فالمعنى أن له كل شيء؛ لأن كل المخلوقات ساكنة في مقارّها.\nفإن قيل: وإذا كان اللفظ صالحًا لهذا وهذا، فهل نستعمله في المعنيين؟\nفالجواب: نعم، بشرط ألا يقع بينهما منافاة، فإن وقع بينهما منافاة أخذ بما يرجحه الدليل، تأمل قوله: ﴿فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ تجد أنه عام في الزمان، وقوله: في الآية التي قبلها: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ عام في المكان، فذكر الله - ﵎ - عموم المكان وعموم الزمن.\nقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ذكر السميع لكل صوت، والعليم بكل حال، و<span data-type=\"title\" id=toc-143>أقسام السمع التي وصف الله بها نفسه </span>قسمان: سمع إجابة وسمع صوت:\nسَمْعِ الإجابة: في مثل قول الله - ﵎ -: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩]، وهذا يشمل سمع الإجابة وسمع الصوت، ومنه قول المصلي: \"سمع الله لمن حمده\".\nوسمع الصوت: أقسام، وإن شئت قل \"أنواع\"؛ لأننا ذكرنا أنَّ الأول أقسامًا:\nالنوع الأول: المقصود به التأييد والنصر، والثاني المراد به التهديد، والثالث المراد به الإحاطة.\nمثال الذي يقصد له التأييد: قول الله - ﵎ - لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦].\nومثال الذي يقصد به التهديد: قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى﴾ [الزخرف: ٨٠].","vol":"1","page":73},{"text":"ومثال الذي يراد به الإحاطة: قول الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)﴾ [المجادلة: ١].\nفقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ المراد بالسمع هنا سمع الإجابة وسمع الصوت، إذًا يراد بها المعنيان، وكذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩] يشمل سمع الصوت والإجابة؛ لأنه يسمعه ثم يجيبه، وأيضًا قول الله - ﵎ -: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١)﴾ [الأنفال: ٢١] هذا نص صريح؛ لأن قوله: ﴿سَمِعْنَا﴾، يعني: إدراك الصوت وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾، أي: لا يستجيبون، وإلا فهم يسمعون بآذانهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالفائدة الأولى: اختصاص الله ﵎ بملك كل شيء، وجه الاختصاص تقديم الخبر ﴿وَلَهُ﴾؛ لأن<span data-type=\"title\" id=toc-146> تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر</span>، ولهذا قلنا إن قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] توحيد خالص بمعنى: لا نعبد إلا إياك، وكذلك نقول: في إياك نستعين.\n\nالفائدة الثانية: أن السكون والحركة بيد الله - ﷿ -؛ لأن مالك مَنْ يسكن ويتحرك مالك للحركة والسكون، فيكون في هذا دليل على أن<span data-type=\"title\" id=toc-147> أفعال العباد مخلوقة </span>لله تعالى، وهذا هو مذهب السلف وأهل السُّنَّة، وهو وسط بين مذهبي الجبرية والقدرية.\n\nالفائدة الثالثة: إثبات هذين الاسمين (السميع والعليم)، وإثبات ما تضمناه من صفة، صفة السمع في السميع، والعلم في العليم.\n* * *","vol":"1","page":74},{"text":"* قال الله - ﷿ -: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤)﴾ [الأنعام: ١٤].\nأمر الله - ﷿ - نبيه - ﷺ - أن يقول معلنًا: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ أستنصر به، ويتولى أمري، وأتولى شرعه، والاستفهام هنا للنفي.\nقوله: ﴿أَتَّخِذُ﴾ فعل ينصب مفعولين، المفعول الأول ﴿أَغَيْرَ﴾ مقدّمًا، والثاني: ﴿وَلِيًّا﴾، ولو أردنا أن نرتب حسب العمل لكانت الآية (قل أتخذُ غيرَ الله وليًا).\nوقوله: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، أي: خالقهما على غير مثال سبق، والسماوات والأرض تقدم الكلام عليهما مرارًا.\nقوله: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾، فالله - ﷿ - هو الذي يُطعِم، ما من طاعم يُطْعَمُ إلا والله الذي أطعمه، بأن يسر له الطعام، ولولا ذلك ما وصل إليه الطعامُ قال الله - ﷿ - مبينًا هذا ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤)﴾ [الواقعة: ٦٣، ٦٤].\nالجواب: بل أنت يا ربنا.\n﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧)﴾ [الواقعة: ٦٥ - ٦٧]، ولو جعله الله حطامًا ما طعمناه، ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩)﴾ [الواقعة: ٦٨، ٦٩] والجواب: بل أنت يا ربنا هذا الطعام وهذا الشراب، الزرع وهو طعام، والماء وهو الشراب، ثم ما يصلح به الطعام والشراب وهو الطبخ والطهي","vol":"1","page":75},{"text":"الذي يكون بالنار ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢)﴾ [الواقعة: ٧١، ٧٢]، إذًا الذي يطعم هو الله - ﷿ -، ثم لو شاء الله تعالى ما طعمنا، حتى مع وجود الطعام لو أراد الله لم يخلق لنا أفواهًا ولا أمعاء ولا معدات، فلا نطعم إذًا.\nقوله: ﴿يُطْعِمُ﴾، أي: يُوجِد الطعامَ من مأكول ومشروب، وما يصلح به الطعام والشراب، وكذلك يُوجِد الآلات في بني آدم التي تقبل الطعام وتنتفع به، ذكر بعض أهل العلم ﵏: أنه لا يصل إليك الطعام إلا بعد أن يعمل به أكثر من ثلاثمائة شخص؛ لأنك تبدأ من الحرث والسقي، وتصريف الماء والشراء والطحن والعجن وغير ذلك، تجد مراحل كثيرة لا يصل إليك الطعام إلا بعد أن يتجاوز هذه المراحل.\nوقوله: ﴿وَلَا يُطْعَمُ﴾ إذًا غيره محتاج إليه، وهو لا يحتاج لأحد، فهو لا يُطعم لغناه عن كل أحد، ثم هو - جل وعلا - لا يَطْعم؛ لأنه أحد صمد، ولو طعم لكان محتاجًا لطعام، وهذا مستحيل على الله - ﷿ -.\n* * *\n\n* قال الله - ﷿ -: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤].\nقوله: ﴿قُلْ﴾ إعلان آخر.\nوقوله: ﴿إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾، فالأمر الأول لتحقيق توحيد الربوبية، والثاني لتحقيق توحيد العبادة","vol":"1","page":76},{"text":"﴿قُلْ﴾، أي: للناس معلنًا ﴿إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ من هذه الأمة، لا من جميع الأمم، ومعنى ﴿أَسْلَمَ﴾ أي: استسلم لله ظاهرًا وباطنًا؛ لأن الإسلام يطلق على هذا، وإذا كان الإسلام بهذا المعنى دخل فيه الإيمان.\nقوله: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ﴾ معطوفة على ﴿قُلْ﴾، يعني: قل هذا ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، بل أخلص العبادة والإسلام لله - ﷿ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالفائدة الأولى: أمر النبي - ﷺ - أن يعلن أنه لن يتخذ وليًا من دون الله - ﷿ -، وهذا واجب عليه؛ لأنه رسول وإمام مقتدىً به، فلا بد أن يعلن تحقيق الربوبية.\n\nالفائدة الثانية: أن لا يلجأ العبد إلَّا إلى الله - ﷾ -؛ لأن الله هو الولي، ثم ولاية الله - ﷿ - ولاية مبنية على الحمد، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨].\n\nالفائدة الثالثة: أن الله وحده خالق السماوات والأرض على غير مثال، يعني: أنه ﷾ لم يخلق سماوات وأراضين قبلُ ثم أعادها مرة أخرى، بل هي على ما هي عليه.\n\nالفائدة الرابعة: تمام قدرة الله - ﵎ - حيث فطر السماوات والأرض، وبقيت السماوات والأرض على حسب ما أراد الله - ﵎ -. قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ... ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٨، ٣٩] لم تختلف.\n\nالفائدتان الخامسة والسادسة: أن الله - ﵎ - هو","vol":"1","page":77},{"text":"المُطعِم لا مطعم سواه، وينبني على هذه الفائدة ألا نسأل الإطعام إلا من الله - ﵎ -، ولو أننا - ونستغفر الله ونتوب إليه - تمسكنا بهذا مع التوكل على الله والاستعانة به لكان رزقنا مضمونًا، لقول الله - ﵎ -: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣] لكن غلبت علينا الأمور المادية الحسية، فصار الإنسان - مع الأسف - يعتمد على الأسباب أكثر مما يعتمد على المسبِّب - ﷿ - وفي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: \"لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا\"، أي: تذهب في أول النهار جائعة \"وتروح بطانًا ترجع في آخر النهار\" (^١).\n\nالفائدة السابعة: أن الله لا يطعمه أحد؛ لعدم حاجته إلى الطعام، وعدم حاجته إلى غيره؛ لأنه لا يحتاج للطعام، وأيضًا لأنه لا يحتاج إلى غيره، فهو غني عن كل من سواه وكل من سواه مفتقر إليه.\n\nالفائدة الثامنة: وجوب إعلان النبي - ﷺ - عن نفسه أنه أول من أسلم؛ لقوله: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾، يعني: من هذه الأمة وهذا الذي وقع.\n\nالفائدة التاسعة: أن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - محتاج إلى الإسلام، وليس له حق في الربوبية، كما صرح بذلك - ﵊ - حيث دعا عشيرته الأقربين، وجعل يناديهم بأسمائهم، يا فلان بن فلان إلى أن وصل إلى بنته فقال: \"يا فاطمة\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (ص ٦٧).","vol":"1","page":78},{"text":"بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئًا\" (^١).\n\nالفائدة العاشرة:<span data-type=\"title\" id=toc-156> صحة النهي عما لا يمكن أن يقع </span>لقوله: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، فشرك النبي - ﷺ - لا يمكن أن يقع شرعًا، ومع ذلك نُهي عنه.\nإذا قال قائل: ما هي الحكمة مع أنه لا يمكن أن يقع؟\nقلنا: الحكمة فيما نعلم من وجهين:\nالوجه الأول: دعوته إلى الثبات على الإخلاص، وإن كان الشرك لا يقع منه، حتى لا يشرك في المستقبل.\nوالثاني: طمأنة أمته إذا نهوا عن الشرك، بأن ذلك ليس بمستنكر، وليس فيه بأس؛ لأن الله أمر إمامهم - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ألا يكون من المشركين.\nوهل يؤخذ من هذا أنه يجوز أن نقول للشخص: (أنت مشرك) إذا فعل ما يكون شركًا؟\nقلنا: يمكن أن نقول هذا، وذلك على حسب ما تقتضيه الحال، إن كنا نظن أننا إذا قلنا: (أنت مشرك) أخذته الحمية الجاهلية فاستكبر واستنكف؛ فإننا لا نخاطبه بهذا الأسلوب، وإن كنا نعلم أنه ممن يتقي الله، وأننا إذا قلنا: (هذا شرك فإن فعلت فأنت مشرك، وإن قلت فأنت مشرك) أخذه خوفُ الله - ﷿ - فأبعد عن ذلك إبعادًا كاملًا، فإننا لا بأس أن نقول له ذلك.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه البخاري: كتاب الوصايا، باب: هل يدخل النساء والولد في الأقارب، رقم (٢٧٥٣)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب في قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾، رقم (٢٠٦).","vol":"1","page":79},{"text":"* قال الله - ﷿ -: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦)﴾ [الأنعام: ١٥، ١٦].\nقوله: ﴿قُلْ﴾، أي: لهؤلاء وغيرهم معلنًا هذا الإعلان المهم (إنك إن عصيت الله فإنك ستعذب).\nوفي قوله: ﴿إِنِّي﴾ قراءتان (إنِّي) و(إنْ) وهما سبعيتان. ﴿عَذَابَ﴾ مفعول.\nقوله: ﴿أَخَافُ﴾، يعني: إني أخاف عذاب يوم عظيم إن عصيت ربي، واليوم العظيم هو يوم القيامة كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١].\n\nمن فوائد الآيتين الكريمتين:\nالفائدة الأولى: أنه يجب على النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - أن يعلن الجزاء يوم القيامة وأنه يخافه إن عصى ربه.\n\nالفائدة الثانية: أن المعصية سبب للعذاب، والمعاصى على نوعين معاصٍ لا يغفرها الله وهي الشرك، ومعاصٍ تدخل تحت مشيئة الله وهي الكبائر، وهناك معاصٍ أخرى تكفرها الأعمال الصالحة وهي الصغائر، هذا فيما يتعلق بينك وبين الله - ﷿ -، أما حقوق الآدميين فلا بد من إيصال احقهم إليهم، إما باستحلال منهم في الدنيا، وإما بأعمال صالحة تؤخذ من أعمال هذا الظالم.\nفإن قيل: إذا تاب الإنسان من ذنب فيه جناية على غيره فهل يسقط حق الغير أم لا؟\nفالجواب: ظاهر النصوص أنه يسقط إذا كان غير مال،","vol":"1","page":80},{"text":"كالذي يزني بامرأة كرهًا ثم يتوب، فإن الله يتوب عليه ويُرْضِي التي أكرهت على الزنا.\n* * *\n\n* قال الله ﷿ -: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦)﴾ [الأنعام: ١٦].\nقوله: ﴿يُصْرَفْ﴾ فيها قراءتان (من يَصْرِفُ)، و﴿مَنْ يُصْرَفْ﴾ ﴿عَنْهُ﴾ يعني: العذاب.\n﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾، أي: ﵀ - ﷿ - والضمير في قوله: ﴿رَحِمَهُ﴾ يعود على الله - ﷿ -.\nوقد يقول قائل: كيف نعرف أنه عاد إلى الله - ﷿ -؟\nفيقال؛ لأنه تقدم ذكره في قوله: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>قوله: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ﴾</span> هذا العذاب ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾، أي: ربي.\nقوله: ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ المشار إليه الصرف المفهوم من قوله: ﴿مَنْ يُصْرَفْ﴾، واسم الإشارة في محل رفع مبتدأ وقوله: ﴿الْفَوْزُ﴾ خبر المبتدأ، و﴿الْمُبِينُ﴾ صفة للفوز.\nفي هذه الآية دليل على أن الفوز الحقيقي هو الذي يحصل بصرفِ اللهِ العذابَ عن الإنسان يوم القيامة؛ لأن <span data-type=\"title\" id=toc-166>(أل) في قوله: ﴿الْفَوْزُ﴾ لبيان الحقيقة </span>الذي هو الفوز الأعظم؛ لأن غير هذا الفوز فوز زائل، حتى من وُفِّق في الدنيا فإن فوزه ناقص، إلا أن يكون فوزه في الدنيا سببًا للأعمال الصالحة التي يفوز بها في الآخرة.","vol":"1","page":81},{"text":"﴿الْمُبِينُ﴾، أي: البين وهو اسم فاعل من (أبان)، وأبان يصح أن تكون لازمة ويصح أن تكون متعدية، فإذا قلت: أبان المعلمُ للطالب معنى الكتاب فهذه متعدية، وإذا قلت: أبان الصبحُ، بمعنى انجلى فهذه لازمة، فالمبين هنا بمعنى بيِّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالفائدة الأولى: فوز من يصرف عنه العذاب يوم القيامة.\n\nالفائدة الثانية: إثبات الرحمة لله - ﷿ - بلفظ الفعل لقوله: ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ ورحمة الله - ﵎ - من الصفات الذاتية الفعلية، فباعتبار المرحوم تكون فعلية، وباعتبار كونها وصفًا ثابتًا لله تكون من الصفات الذاتية، والرحمة يكون بها حصول المطلوب والنجاة من المرهوب.\nفإذا قال قائل: هل رحمة الله حقيقية، أم أنها عبارة عن الثواب، أو إرادة الثواب؟\nفالجواب: هي حقيقية، ولكنها ليست كرحمة المخلوق التي يكون فيها نوع من الضعف، ولكنها رحمة الخالق الذي هو فوق عباده - ﷿ -.\nوقد أنكر قوم الرحمة، وقالوا: إن الله لا يوصف برحمة حيقية؛ لأنها تدل على الرقة واللين، وهذا لا يليق بالله - ﷿ -، فإذا قلنا لهم: فسروها لنا، قالوا: الرحمة هنا عبارة عن آثار الرحمة، وهي إما الإرادة وإما الثواب، والفضل الذي حصل برحمة الله، فإذا قيل لهم: ما الذي حملكم على صرف الكلام عن ظاهره؟ قالوا؛ لأن الرحمة على الوجه الذي ذكرنا تدل على الضعف، هذا منتهى تقريرهم.","vol":"1","page":82},{"text":"فنقول لهم: هذه الثمرة من تقريركم جوابها لدينا سهل جدًا، وهو أن نقول: هذه الرحمة التي ادعيتم أنها تدل على الضعف إنما هي رحمة المخلوق، أما رحمة الخالق فإنها لا تدل على هذا بوجه من الوجوه، بل تدل على كمال فضله وكرمه - ﷿ -، ثم إن لنا أن ننازعكم في دعواكم أن اللين والرقة يدلان على الضعف، فكم من ذي سلطان قوي يستطيع أن يبطش برعيته كما يشاء، ويكون رحيمًا لمن يستحق الرحمة، فنمنع أولًا الدعوى، ثم لو سلمنا جدلًا بأن الرحمة تدل على اللين والرقة فهذه رحمة المخلوق.\n\nالفائدة الثالثة: أن الفوز الحقيقي البيِّن الظاهر هو الفوز بالنجاة من العذاب يوم القيامة - نسأل الله أن يرزقنا ذلكْ -.\n* * *\n\n* قال الله - ﷿ -: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ [الأنعام: ١٧].\nقال الله - ﷿ - مسليًا رسوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ومثبتًا له ومقويًا عزيمته: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ﴾، والضر هنا يشمل الضر في البدن والعقل والمال وكل ما يكون به الضرر على الإنسان، وكلمة ﴿بِضُرٍّ﴾ نكرة في سياق الشرط، و<span data-type=\"title\" id=toc-173>النكرة في سياق الشرط تفيد العموم</span>، فأيُّ ضرٍّ يمسسك الله به يعني يصيبك ﴿فَلَا كَاشِفَ﴾، أي: لا مزيل له إلا الله - ﷿ - ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾ الخير هنا المراد به ضد الضرر، من الصحة والعقل والمال والأهل والأمن وشرح الصدر وغير ذلك، ﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قادر على أن يزيل الضرر","vol":"1","page":83},{"text":"الذي أصابك إلى خير، وفي الآية الأخرى ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٧]- ﷿ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالفائدة الأولى: أنه ينبغي للإنسان أن يعلق رجاءه بالله - ﷿ -؛ لأنه إذا علم مضمون هذه الآية فسوف يعتمد في أموره كلها على الله - ﷿ -.\n\nالفائدة الثانية: تقوية النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - في الدعوة إلى الله، وأنه مهما حاول هؤلاء أن يصيبوه بضرر فإنهم لا يملكون ذلك إذا لم يكن الله أراده.\n\nالفائدة الثالثة: الحث على الصبر؛ لأنك إذا علمت أن الذي أصابك بالضر هو الله فلا بد أن تصبر؛ لأنك عبده، يفعل بك ما شاء، فتصبر على ما يصيبك من الضرر.\n\nالفائدة الرابعة: قوة رجاء العبد بالله - ﷿ - إذا أصابه الضرر أن يزول عنه الضرر، وجه ذلك قوله: ﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وكم من أضرار حدثت للإنسان حتى أوصلت إلى اليأس والقنوط فكشفها الله - ﷿ -، وكم من إنسان أصيب بمرض حتى وصل إلى حافة القبر ثم شفاه الله - ﷿ -، وكم من إنسان أصيب بالفقر حتى وصل إلى أن لا يجد قوت يومه فأغناه الله - ﷿ -، وكم من إنسان كان وحيدًا فرزقه الله، وهلم جرَّا؛ لأن الله على كل شيء قدير.\n\nالفائدة الخامسة: تمام سلطان الله - ﷿ -، وأنه - ﷾ - هو المتصرف كما يشاء بعباده لقوله: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾.","vol":"1","page":84},{"text":"الفائدة السادسة: عموم قدرة الله تعالى لقوله: ﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، ويقابل القدرةَ العجزُ، وهنا صفتان متشابهتان أو متقاربتان، القوة والقدرة، والفرق بينهما يحصل بالتعريف، فالقدرة: التمكن من الفعل بلا عجز، والقوة: التمكن من الفعل بلا ضعف، والدليل قول الله - ﵎ - في القدرة: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤]، والدليل في القوة قول الله ﵎: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم: ٥٤].\nلكن أيهما أعم؟\nنقول: أما القوة فهي أعم؛ لأنها تكون في ذي الشعور وغيره، يعني في ذي الإرادة وغيره، فتقول: فلان قوي وتقول: الحديد قوي، وأما القدرة فإنها لا تكون إلا من ذي الإرادة، إذ لا يصح أن تقول: الباب قادر؛ لأنه ليس له إرادة.\nوأيهما أكمل؟\nالقوة أكمل؛ لأنه يلزم من وجود القوة القدرة ولا عكس، ونضرب مثلًا لهذا برجل قيل له: (احمل هذا الحجر) فحمله لكن بمشقة، فبماذا نصف هذا الرجل؟ نصفه بأنه قادر غير قوي، وإنسان آخر قلنا له: (احمل هذا الحجر) فأقبل ليحمله فعجز فنقول: هذا عاجز غير قادر، ورجل ثالث قلنا له: احمل هذا الحجر فأخذه وكأنه ريشة، فهذا قوي، وهو قادر من باب أولى.\nفكل شيء حتى وإن بعد في ذهنك فالله قادر عليه، لقوله تعالى: ﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، ولهذا نبه الله تعالى زكريا حين","vol":"1","page":85},{"text":"قال: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨)﴾ [مريم: ٨] قال الله له: ﴿كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٩]، فالذي خلقك من قبل ولم تكن شيئًا قادر على أن يخلق لك ولدًا، وهذا قياس أولوية واضح، أو على الأقل قياس مثلي واضح، فالقادر على العدم قادر على الإيجاد، والقادر على الإيجاد قادر على العدم.\nإذًا يا أخي لا تستكثر أن تسأل الله - ﵎ - شيئًا لا تكون فيه معتديًا في الدعاء، ولو كان في نظرك بعيدًا؛ لأن الله - تعالى - على كل شيء قدير.\n* * *\n\n* قال الله - ﷿ -: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾ [الأنعام: ١٨].\nقوله: ﴿هُوَ﴾ الضمير يعود على الله - ﷿ -، ومرجعه ما سبق من الآيات.\nوقوله: ﴿الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ القهر: هو الغلبة مع السلطان يعني السُّلطة؛ لأن الغالب المطلق قد لا يكون له سلطة، لكن قهر الله - ﷿ - غلبة مع سلطة تامة.\nوقوله: ﴿فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ هل المراد فوقية المكانة، أو فوقية المكان، أو هما جميعًا؟ المراد هما جميعًا، فوقية المكان، وفوقية المكانة، وعليه فيكون المعنى: هو القاهر فوق عباده من حيث المعنى لا يمكن أن تغلبه قوة، ومن حيث المكان فالله - جل وعلا - فوق كل شيء.","vol":"1","page":86},{"text":"وقوله: ﴿عِبَادِهِ﴾ جمع عبد، والمراد بالعبودية هنا العبودية العامة التي تشمل المؤمن والكافر؛ لأن العبودية ثلاثة أقسام: عامة، وخاصة، وأخص.\n\nالعبودية العامة: هي أن جميع المخلوقات لكونها ذليلة أمام الله - ﷿ -، فهي عابدة له، قال الله - ﷿ -: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم: ٩٣].\n\nوالعبودية الخاصة: هي عبودية المؤمنين، كما في قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣].\n\nوالعبودية الأخص: هي عبودية الرسل، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣]، والمراد بها في قوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ العبودية العامة، أي: عبودية القدر، فكلٌّ خاضع لله - ﷿ -، لو كان من أقسى عباد الله فهو عبد لله، ففرعون عبدُ لله بالمعنى العام، وموسى عبدُ لله بالمعنى العام والخاص، واعلم أن الخاصة تدخل في العامة، بمعنى أنهم عباد لله العبودية القدرية والعبودية الشرعية، فالعبودية الشرعية خاصة، والعبودية الكونية عامة.\nقوله: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ تصح أن تكون بمعنى مُحكِم، والشاهد على مجيء (فعيل) بمعنى (مُفعِل) قول الشاعر (^١):\nأمِنْ ريحانَة الداعي السميعُ ... يؤرقني وأصحابي هجوعُ\n_________\n(^١) هو عمرو بن معديكرب، ديوانه، طبعة بغداد، (ص ١٣٦).","vol":"1","page":87},{"text":"السميع، أي: المُسْمِع ليس المعنى السامع؛ لأنه داعٍ والشواهد على ذلك كثيرة وحكيم أيضًا تكون بمعنى حاكم، إذًا هي مشتقة من الحِكمة ومن الحكم، والدليل على أنها من الحكم قول الله ﵎: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠] وأما الدليل على أنها مشتقة من الحكمة فقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ [التين: ٨] والجواب بلى؛ إذًا الحكيم مشتقة من الإحكام والحكم، فإذا كانت مشتقة من الإحكام أو الحكمة فهي بمعنى محكِم، وإذا كانت من الحكم فهي بمعنى حاكم، والله - ﵎ - موصوف بهذا وهذا.\nثم اعلم أن الحكم كوني وشرعي، فمن الكوني قول الله تعالى عن أخي يوسف: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف: ٨٠]، أي: يقدر لي، هذا حكم قدري.\nوأما الشرعي فكما في قول الله - ﵎ - في سورة الممتحنة ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠]، أي: شرعه.\nفإن قال قائل: ما الفرق بينهما؟\nقلنا: الفرق بينهما من وجهين:\nالأول: أنه إذا حكم الله تعالى بشيء حكمًا قدريًا فلا بد أن يقع، فإذا حكم - ﷾ - بالخوف فلا بد أن يقع الخوف، وإذا حكم بالجدب فلا بد أن يقع الجدب، وإذا حكم بالرخاء فلا بد أن يقع رخاء، وهلم جرَّا.\nأما الحكم الشرعي فإذا حكم بشيء فقد ينفذ وقد لا ينفذ،","vol":"1","page":88},{"text":"فإذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ [البقرة: ١٧٣]، فهل نقول: إن هذه الآية تدل على أنه لا يمكن أن يأكل الميتة أحد؟\nالجواب: لا، بل قد يأكل وقد لا يأكل.\nالفرق الثاني: أن الحكم الشرعي سواء كان إيجابًا أو تحريمًا لا يكون إلا فيما يرضي الله - ﷿ -، إذ لا يمكن أن يأمر الله تعالى عباده بما يكره، ولا أن ينهاهم عما يحبه، أما الحكم الكوني فيكون فيما يحبه ويرضاه، وفيما يكرهه ويسخطه.\nوالحكمة أيضًا نوعان:\nالأولى: حكمة صورية؛ وهي أن يكون الشيء على هذه الصورة المعينة.\nوالثانية: حكمة غائية؛ وهي أن يكون هذا الشيء لغاية محمودة، فإذا تأملت المخلوقات كلها وجدت أنها في غاية الحكمة، شمس وقمر ونجوم ورياح وأمطار، كلها لحكمة، وإذا نظرت الغاية منها وجدتها غاية حميدة مطابقة للحكمة.\nكذلك أيضًا الشرع، فإذا تأملت الشرائع وجدت كون هذا الشيء على صورة معينة حكمة، وكونه لغاية حميدة حكمة، في الزكاة.\nمثلًا نجد الزروع ما سقي بمؤنة فيه نصف العشر، وما سقي بلا مؤنة فيه العشر، لماذا اختلف؟\nلأن الواقع يقتضي ذلك، فما سقي بمؤنة فقد تعب عليه صاحبه وأنفق مالًا كثيرًا في استخراج الماء، أما ما سُقي بلا مؤنة لم يكن على صاحبه مشقة ذلك.","vol":"1","page":89},{"text":"كذلك إذا تأملت الحكمة في الزكاة أيضًا، وجدت أن المال القليل لا تجب فيه الزكاة؛ لأنه لا يحتمل المواساة، بخلافِ الكثير، ووجدت ما يشق إخراج الزكاة عنه لا تجب فيه الزكاة؛ كالثياب والمراكب والبيوت وما أشبهها، الآن عرفنا أن الزكاة على الصورة المعينة حكمة.\nفإن قيل: ما<span data-type=\"title\" id=toc-184> الحكمة من الزكاة</span>؟\nقلنا: اقرأ قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَةِرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] هذا أفضل شيء، تطهرهم من الذنوب؛ لأن الصدقة تطفئ الخطيئة، ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾، أي: تزكي أخلاقهم ودينهم؛ لأنه يبذل ما يحب فيما يحبه الله - ﷿ -، ولا يمكن أن يبذل الإنسانُ محبوبًا له إلا لما هو أحب، كذلك تزكي أخلاقهم بالكرم والسخاء والرخاء.\nوقد ذكر ابن القيم - ﵀ - أن من أسباب انشراح الصدر الصدقةَ والبذلَ، وهذا معنى خفي كلما كان الإنسان أشد بذلًا للمال كان أوسع صدرًا، لا سيما إذا كان يؤمن بأنه يقربه إلى الله - ﷿ -، وأنه يكفر سيئاته، وما أشبه ذلك.\nفالخلاصة أن الحكم كوني وشرعي، والإحكام صوري وغائي، وأيضًا الحكمة تكون في المشروعات وفي المخلوقات.\nوقوله: ﴿الْخَبِيرُ﴾، يعني: ذا الخبرة، قال أهل العلم: الخبرة هي العلم ببواطن الأمور، مشتقة من خبير الزرع الذي يدفن في الأرض ويكون خفيًا، ولهذا جاء في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - نهى عن المخابرة (^١)، يعني:\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب المساقاة، باب: الرجل يكون له ممر أو شرب في=","vol":"1","page":90},{"text":"المزارعة التي تشتمل على الغرر، حتى إن الله تعالى قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦] الذي يحدث به الإنسان نفسه يعلمه الله - ﷿ - قبل أن يحدث به لسانه، وقبل أن يعلم به إخوانه.\nوهل نقول إذا كان خبيرًا لزم أن يكون عليمًا؟\nنعم يلزم أن يكون عليمًا، وقرن الله تعالى هنا بين الحكيم والخبير؛ ليعلم الناسُ أن حكمة الله - ﷿ - عن خبرة وعلم ببواطن الأمور، وعلى هذا فقد تكون الحكمة خفيةً على كثير من الناس؛ لأنه لا يدرك الحكمة إلا من كان خبيرًا، ففي قرن هذين الاسمين فائدةٌ وهي أن الخبرة قد تكون خفية لا يعلمها إلا الله - ﷿ -.\nومن ثَمَّ قلنا: إن جميع أوامر الشرع ونواهيه حكمة، ولا حاجة أن نعرف العلة؛ لأننا نعلم أن الله حكيم، وأنه ما شرعه إلا لحكمة، وما موقفنا من الأوامر والنواهي إلا أن نقول: (سمعنا وأطعنا)، فإن تيسر لنا معرفة الحكمة فهذا منّة من الله - ﷿ -، ومساعدة ومعونة من الله، حتى يطمئن القلب ويقوى الإيمان، وإن لم تتبين فالمؤمن يكفيه أن هذا حكم الله - ﷿ -، ولذلك ربما تكون العبادة التي تخفى حكمتها أبلغ في التعبد؛ لأن الشيء إذا علمت علته قد يكون عقلك يأمرك به، لكن إذا كنت لا تعرف العلة فإن تذلُّلَك لله به وعبادتك إياه أبلغ في التذلل.\nمثال ذلك: رمي الجمرات، وهي حصى تأخذها من\n_________\n= حائط ... (٢٣٨١)، ومسلم، كتاب البيوع، باب: النهي عن المحاقلة والمزابنة وعن المخابرة (١٥٣٦).","vol":"1","page":91},{"text":"الأرض وترمي بها في مكان معين، الإنسان قد يعلم العلة وقد لا يعلم، أكبر علة فيها أنها ذِكر الله - ﷿ - كما جاء في الحديث: \"إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله\" (^١)، فهذا كمال التعبد، إنسان عاقل مؤمن فاهم ذكي يأخذ حجرات، حصيات ويرميها في مكان معين، هذا لولا أنه مشروع لقيل إنه عبث، لكنه في وقته ومكانه مشروع؛ لأن فيه كمالَ التعبد والتذلل لله، وأن المؤمن يقول: (سمعنا وأطعنا)، مع أن فيه ذكرًا لله بالقلب، وهو كمال التذلل والتعبد، وفيه ذكر الله باللسان؛ لأنه يشرع مع كل حصاة ترميها أن تقول: (الله أكبر).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالفائدة الأولى: إثبات اسم (القاهر) لله - ﷿ -؛ لأنه قال: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ﴾ وجاء بصيغة أخرى: ﴿الْقَهَّارِ﴾ كما قال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]، فيستفاد من إثبات الاسم إثبات الصفة وهي القهر؛ لأن أسماء الله كلها دالة على معنى واحد أو أكثر؛ لأنها أسماء وأوصاف؛ فهي باعتبار تعيين الذات أسماء، وباعتبار دلالتها على المعنى أوصاف، ولهذا نقول: أسماء الله - ﷿ - ليست كأسماء بني آدم، فإن بني آدم قد يُسمى الإنسان باسمٍ، وهو من أبعد الناس عن وصفه، بخلاف أسماء الله - ﷿ -.\n_________\n(^١) رواه الترمذي، كتاب الحج، باب: ما جاء كيف تُرمى الجمار (٩٠٢)، وأبو داود، كتاب المناسك، باب: في الرمل (١٨٨٨)، والإمام أحمد في مسنده (٢٣٨٣٠).","vol":"1","page":92},{"text":"الفائدة الثانية: إثبات الفوقية لله - ﷿ - لقوله: ﴿فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ وتقدم أنها فوقية مكان، وفوقية مكانة، أما فوقية المكانة فما أحدُ من المسلمين يتنازع فيها، وهي الفوقية المعنوية، أما فوقية المكان فقد تنازع المسلمون فيها على طرفين ووسط.\nالطرف الأول: يقول إنه - ﷾ - في كل مكان في السماء وفي الأرض وفي الأسواق وفي المساجد وفي المدارس وفي كل مكان، ولا يخفى ما يلزم على هذا القول الباطل من اللوازم الفاسدة، كمخالفة النصوص ومخالفة الفِطَر، ومخالفة العقول، ووصف الله تعالى بما لا يليق بجلاله وعظمته.\nولو قال قائل: من يقول إن الله في كل مكان هل نعتبره مسلمًا؟ فالجواب: هم ينتسبون للإسلام، ولذلك يعدون من الفرق الإسلامية، وبعض العلماء - ﵏ - أخرج الجهمية من الفرق الإسلامية.\nوالطرف الثاني: على العكس مما قاله الطرف الأول، فقالوا: لا يجوز أبدًا أن نثبت أن الله في مكان، لا فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال، ومعلوم أن هذا القول؛ يعني العدم.\nولهذا قال محمود بن سُبَكْتَكِين - ﵀ -، وهو من أقوى الأمراء والسلاطين في المشرق، لمحمد بن فورك لما سأله عن علو الله فقال: إننا لا نقول: فوق ولا تحت إلى آخره، قال: فرِّق لي بين هذا الرب الذي تصفه وبين العدم (^١) وصدق - ﵀ -.\n_________\n(^١) ذكرها ابن تيمية في درء التعارض (٦/ ٢٥٣)، والذهبي في السير (١٧/ ٤٨٦).","vol":"1","page":93},{"text":"والوسط هو الذي هدى الله إليه سلف الأمة وأئمة الأمة وأهل السُّنَّة، أن الله تعالى في مكان فوق كل شيء، وليس معنى ذلك أنه في مكان يحيط به، كما لو كنا في مسجد تحيط بنا جدران المسجد، بل هو فوق كل شيء؛ لأن ما فوق المخلوقات عدم، ليس فوقها شيء حتى نقول: (إن الله قد أحاط به شيء من مخلوقاته)، فهو فضاء عدمي، والله تعالى فوق كل شيء.\nوقد دل على فوقية المكان الكتابُ والسُّنَّة\nفقال ﷾: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦)﴾ [الملك: ١٦]، وقال ﷾: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥].\nومن السُّنَّة أن النبي - ﷺ - لما سأل الجارية أين الله؟ قالت: في السماء، فأقرها، وقال: \"أعتقها فإنها مؤمنة\" (^١).\nومن السُّنَّة الفعلية أن النبي - ﷺ - في حجة الوداع كان يقول: \"اللهم اشهد\" ويرفع إصبعه إلى السماء، ثم ينكتها إلى الناس يردها إليهم (^٢).\nوأما الدليل العقلي على علو الله - ﷿ -: أن العلو صفة كمال، والله تعالى موصوف بصفات الكمال، فلزم أن يكون عاليًا ولأن ضد العلو السفل؛ لأنهما متقابلان، فإذا انعدم علوه لزم ثبوت سفوله، وهذا مستحيل على الله - ﷿ -.\nوأما من الفطرة: فإن الإنسان كلما دعا يجد من نفسه\n_________\n(^١) رواه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته (٥٣٧).\n(^٢) رواه مسلم، كتاب الحج، باب: حجة النبي - ﷺ - (١٢١٨).","vol":"1","page":94},{"text":"ضرورة بطلب العلو، وما قال: (يا الله) إلا ويجد قلبه يرتفع إلى السماء بدون أي دراسة، وبدون أي تعليم، فهو دليل فطري حتى قيل: إن البهائم تقر بذلك، وفي الحديث الضعيف أن سليمان بن داود - عليهما الصلاة والسلام - خرج مرة يستسقي - أي: يطلب نزول المطر - فوجد نملة مستلقية على ظهرها، رافعة قوائمها إلى السماء، تقول: اللهم إنَّا خلق من خلقك فلا تمنع عنا رزقك، فقال: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم (^١)، هذا الأثر ضعيف لكن لا نستبعد أن البهائم العجماء تعترف بعلو الله - ﷿ -.\nوقد أخبرني أحد الطلاب أنه رأى ناقة من شدة الولادة ترفع رأسها إلى السماء، يقول كانت مضطجعة على جنبها وبين الحين والآخر ترفع رأسها إلى السماء، وهذا لا يُستبعد أنها رفعت رأسها إلى ربها - ﷿ -، وأخبرني طالب آخر أنه في سفر رأى حشرة كالجرادة تقف؛ كالإنسان على رجليها وتمد يدها وترفع رأسها إلى السماء، وكذلك من الحشرات نوع إذا آذاه أحد وقف على رجليه ورفع يديه، لكن بعض الطلاب يقول: إنه يرفع يديه ليبرز سلاحه؛ لأن يديه فيها شوك.\nفتبين أن الأدلة كلها من الكتاب والسُّنَّة والعقل والفطرة وكذلك هناك إجماع على هذا، وكل هذه الأدلة متفقة على علو الله - ﵎ - علوَّ مكانٍ ليس فيه أي نقصر، وأما تدجيل المنكرين على كتاب الله وسُنَّة رسوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - بأنه يلزم من ذلك أن يكون جسمًا، فنقول: إذا لزم هذا\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٣/ ٩٥)، والطبراني في الدعاء (٩٦٧، ٩٦٨)، والحاكم في المستدرك (١/ ٣٢٥).","vol":"1","page":95},{"text":"من كتاب الله وسُنَّة رسوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - فليكن ولا يضرنا إذا لزم، ولا شك أن الله - ﷾ - له ذاتٌ مُخالِفةٌ لذوات المخلوقات من كل وجه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، حتى في الوجود والحدوث مخالفة، فإن الله لم يزل ولا يزال موجودًا بخلاف غيره من المخلوقات، ولكن إياك أن تتصور هذه الذات العلية؛ لأنك لا تستطيع أن تتصورها بصورة مطابقة إطلاقًا، كما قال - ﷿ -: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]\n\nالفائدة الثالثة: إثبات العبودية لجميع الخلق؛ لقوله: ﴿فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ وهذه هي العبودية الكونية، فكل الخلق عباد الله - ﷿ -، يفعل فيهم ما يشاء ولا يمكن لأي أحد برًا أو فاجرًا مؤمنًا أو كافرًا أن يستعصي على ربه - ﷿ - من هذه الناحية.\n\nالفائدة الرابعة: إثبات اسمي الله (الحكيم والخبير) وما تضمناه من صفة، فالذي تضمنه الحكيم صفتان الإحكام والحكم، وإن شئت فقل: الحِكْمة والحُكْم، وقد سبق في التفسير أن الحكمة هي وضع الأشياء في مواضعها اللائقة بها، وقال بعضهم: (إن الشرع ما أمر بأمر فقال العقل: ليته لم يأمر به، ولا نهى عن شيء فقال العقل: ليته لم ينه عنه)؛ لأن أوامر الشرع ونواهيه مطابقة تمامًا للحكمة، كذلك الأمور الكونية كلها مطابقة للحكمة كما سبق في التفسير.\nوأيضًا بالنسبة للحُكْم فحكم الله نوعان: شرعي وقدري، وإن شئت قل كوني،، وهى أيضًا موافقة للحكمة، وتقدم أيضًا أن الحكمة","vol":"1","page":96},{"text":"نوعان: حكمة غايةٍ وحكمةُ صورةٍ، فالغاية أن كل ما قضاه الله كونًا أو شرعه فإنه على وفق الحكمة، والغاية منه حكمة أيضًا.\n\nالفائدة الخامسة: إثبات وصف الخبرة لله - ﷿ -، وهي العلم ببواطن الأمور، ويترتب على إيماننا بهذا أن نستسلم لحكم الله الشرعي، كما أننا مستسلمون لحكمه القدري، وأن لا نكلف أنفسنا بالاطلاع على الحكمة فيما لا تدركه عقولنا، بل نؤمن ونسلم، وكذلك يقال في الأحكام القدرية: (نؤمن بالله ونسلم لقضائه) إذًا يستلزم من جهة المنهج والمسلك أن الإنسان يرضى بالحكم الشرعي، فلا يقول: (ليته لم يحرّم، أو ليته لم يوجب)، وكذلك يستسلم للقَدَر.\nومن الفوائد المسلكية والمنهجية أنك تلتزم بأحكام الله الشرعية؛ لأن الحكم له، والحكمة فيما شرع، فلا مناص لك عن أحكام الله الشرعية.\nفإن قيل: وهل هذا يمنع من أن نسأل عن الحكمة؟\nقلنا: لا يمنع، لكن بشرط أن نستسلم تمامًا قبل معرفة الحكمة، أما ألا نستسلم إلا إذا عرفنا الحكمة فهذا غلط عظيم.\nوبالنسبة لقوله تعالى: ﴿الْخَبِيرُ﴾ متى علمت\nأن الله - ﷾ - خبير بكل شيء يقع منك، فإنك سوف تخاف من مخالفة الله - ﷿ -، وسوف ترغب بالقيام بأمره لأنك تعلم أنك لم تعمل عملًا إلا علم الله بك، وهذه نتيجة مهمة جدًا، من يترك الزنا مثلًا في مكان لا يطّلع عليه إلا الله وبدون معارضة من المرأة والنفس تدعو لذلك لا يترك هذا في مثل هذه الحال إلا مؤمن يعلم أن الله يراقبه.","vol":"1","page":97},{"text":"وتأمل في قصة يوسف - ﵇ -، دعته سيدته إلى نفسها في مكان خالٍ، ولا يمكن الوصول إليه؛ لأنها غلقت الأبواب، وهي امرأة العزيز، ستكون على جانب كبير من الجمال أو التجمل، ولمّا همت به وهمّ بها رأى برهان الله - ﷿ - أي: ما في قلبه من الإيمان - لأن الرؤية قد تكون بصريةً وقد تكون علمية، أما قولهم إنه تمثل له أبوه، أو ما أشبه ذلك فليس بصحيح، وإنما انصرف عنها وتركها خوفًا من الله - ﵎ - وقال الله في ذلك: ﴿كَذَلِكَ﴾، أي: كان الأمر كذلك ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤].\nوتأمل قول النبي - ﷺ - في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم القيامة، منهم: \"رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله\" (^١)، فالمهم أنك متى آمنت بعلم الله - ﷿ - بجميع أحوالك، وبما في قلبك فإنك لن تخالفه فتعصيه، كيف تخالف الله - ﷿ - وتعصيه وهو يعلم؟ هذا لا يقع إلا ممن أزاغ الله قلبه، نسأل الله العافية.\n* * *\n\n* قال الله - ﷿ -: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩)﴾ [الأنعام: ١٩].\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الحدود، باب: فضل من ترك الفواحش (٦٨٠٦). ومسلم، كتاب الأذان، باب: من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد (٦٦٠).","vol":"1","page":98},{"text":"قيل: إن هذه الآية لها سبب، وهو أن المشركين قالوا للنبي - ﷺ -: من يشهد لك بأنك حق، اليهود والنصارى أنكروا، فمن يشهد لك؟ فأنزل الله هذه الآية، وسواء كان هذا هو السبب أو لم يكن فلا شك أن الشيطان يلقي في قلوب المشركين، ويقول: ماذا عند محمد من الآيات؟ وماذا عنده من الشهادة؟ فقال الله - ﷿ -: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ المعنى: قل يا محمد لهؤلاء المكذبين أي شيء أكبر شهادة فإن أجابوا خصموا، وإن لم يجيبوا فأجب أنت، ولهذا أمر الله نبيه أن يجيب قبل أن يجيب هؤلاء، لئلا يكابروا ويعاندوا فقال: ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ والمتبادر إلى الذهن أن قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ جوابًا لهم لو قالوا: من الشاهد؟ لكن الرسول - ﷺ - يسألهم يقول: ﴿أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ ربما يكابرون ويقولون: لا شاهد لك، فقال: ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾.\nنُعرب هذه الآية:\nلأن فيها أوجهًا:\n﴿قُلِ اللَّهُ﴾ الإعراب الأول: أن يكون الاسم الكريم مبتدأ، والخبر محذوف، والتقدير (قل الله أكبر شهادة)، وعلى هذا التقدير يكون قوله: ﴿شَهِيدٌ﴾ خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير هو شهيد بيني وبينكم ليكون مطابقًا لقوله: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾.\nالوجه الثاني: أن يكون الاسم الكريم خبرًا لمبتدأ محذوف تقديره هو الله، وعلى هذا التقدير يكون قوله: ﴿شَهِيدٌ﴾ يجوز فيها وجهان:\nالوجط الأول: أن تكون خبرًا ثانيًا للمبتدأ المحذوف، ويكون التقدير (هو الله شهيدٌ).","vol":"1","page":99},{"text":"الوجه الثاني: أن تكون (شهيد) خبر لمبتدأ محذوف، يعني: (هو الله هو شهيد بيني وبينكم)، هذه الأوجه في الإعراب يتوقف عليها الوقوف فتقف على كلمة ﴿قُلِ اللَّهُ﴾.\nهناك وجه آخر منفصل عن هذه الوجوه، أن يكون الاسم الكريم مبتدأ خبره (شهيد)، وإذا كان الله شهيدًا بينه وبين أعدائه فمن أكبر من الله، لا أحد أكبر، كل هذه الأوجه مهما تنوعت لا يعدو أن يكون المعنى: (الله أكبر شهادة من كل شيء)، ولا شك في هذا.\nفإن قيل: وبماذا شهد الله للرسول - ﵊ -؟ قلنا: شهد الله للرسول - ﷺ - بصدقه باللفظ وبالفعل.\nأما باللفظ: فقال الله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦] وقال - ﷿ -: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ [المنافقون: ١]، فهذه شهادة قولية من الله على أن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - حق.\nوأما الفعل: فإن الآيات التي يظهرها الله على يده النبي - ﷺ - هي شهادة فعلية من الله والتمكين له في الأرض، وتمكينه من أن يضرب الأعناق، ويسبي الأموال والذرية، وتمكينه من أن يتلو القرآن على الناس، ويقول هذا كلام الله، وقد قال اللّ - ﷿ -: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤)﴾ [الحاقة: ٤٤] بعضها ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾ [الحاقة: ٤٥، ٤٦]، فشهادة الله الفعلية كثيرة بأنه حق.","vol":"1","page":100},{"text":"قوله: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ﴾ ﴿وَأُوحِيَ﴾ أبهم الفاعل؛ لأنه معلوم، فالموحي هو الله - ﷿ -.\nوالوحي في اللغة العربية: هو الإعلام بسرعة وخفاء، أي: أن تُعلم صاحبك بسرعة فتعطيه كلمات يفهمها بسرعة وخفاء، لئلا يطلع عليها أحد، فأصل الوحي السر.\nلكنه في الاصطلاح: هو عبارة عن تكليم الله - ﷿ - بواسطة أو بغير واسطة، لأحد من عباده بشريعة يبلغها الناس، وسُمي بذلك؛ لأن الوحي خفي، تارة يكون في روع الرسول - ﷺ -، وتارة يكون بتكليم الله للرسول من وراء حجاب، وتارة يكون بإرسال رسول يرسله الله - ﷿ - فيوحي بإذنه ما يشاء.\nوقوله: ﴿الْقُرْآنُ﴾ مصدر؛ كالغفران والشكران، وهل هذا المصدر بمعنى اسم المفعول، أو بمعنى اسم الفاعل؟ فالمصدر قد يأتي بمعنى اسم الفاعل، ويأتي بمعنى اسم المفعول، تقول: هذا عدل رِضَى، أي: عادل راضٍ، وفي الحديث \"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد\" (^١)، أي: مردود.\nوكلمة (القرآن) هنا مصدر يشمل المعنيين، فهو بمعنى اسم فاعل، أي: قارئ؛ لأنه جامعٌ آياته وكلماته وما يحتاج الناس إليه، وبمعنى مفعول، أي: مقروء، وكلا الوصفين ثابت للقرآن الكريم.\nقوله: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾ (اللام) هنا متعلقة بـ ﴿أُوحِيَ﴾، أي:\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الصلح، باب: إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود (٢٦٩٧)، ومسلم، كتاب الأقضية، باب: نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور (١٧١٨).","vol":"1","page":101},{"text":"أوحي إليَّ لأكون منذرًا لكم، وهذه هي الحكمة من الوحي، أنَّ الله - ﷾ - يوحي للرسول - ﷺ - لينذر به، وإذا أورث الله - ﵎ - رجلًا هذا الوحي فإنما أورثه الله لينذر به، ويقول الحق، كما سيأتي إن شاء الله في الفوائد.\nقوله: ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ (مَنْ) اسم موصول معطوف على الكاف في قوله: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ﴾، يعني: وأُنْذِر من بلغ، والفاعل يعود على القرآن، والمعنى فمن بلغه القرآن فكأنما خاطبه النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - إلى يوم القيامة؛ لأنه قال: (لأنذركم أيها المخاطبون ومن بلغ) فمن بلغه القرآن بأي واسطة فقد أنذر، ولكن من بلغه القرآن بغير اللغة العربية، ولم يفهم منه شيئًا فلا تقوم عليه الحجة، ومن بلغه باللغة العربية وهو لا يفهمها فإنها لا تقوم عليه الحجة، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)﴾ [الزخرف: ٣]، جعلناه يعني: صيرناه باللغة العربية.\nقوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى﴾ هذا الاستفهام للإنكار، وهو استفهام داخل على جملة مؤكدة بـ (إنَّ) و(اللام)، فهي كقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ [يوسف: ٩٠]، فالهمزة داخلة على جملة مؤكدة ب (إنَّ) و(اللام).\nوقوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى﴾ يؤكد أنهم شهدوا أن مع الله آلهة أخرى، وينكر عليهم هذه الشهادة؛ لأن هذه أكذب شهادة، ولقد قال هؤلاء: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ [ص: ٥، ٦]، أي: الأشراف","vol":"1","page":102},{"text":"﴿أَنِ امْشُوا﴾ دعوا هذه الدعوة لا تغرنكم ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧)﴾ [ص: ٦، ٧].\nقوله: ﴿قُلْ لَا أَشْهَدُ﴾، يعني: إن شهدتم فأنا بريء منكم، لا أشهد أن مع الله آلهة أخرى، ﴿قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، كرر الأمر بالقول لأهمية الموضوع، فأمر أولًا بنفي شهادتهم، ثم أمر ثانيًا بإثبات شهادته أن الله إله واحد.\nقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿بَرِيءٌ﴾ البراءة بمعنى الخلو، ومنه أبرأ الرجل غريمه، أي: أخلاه من الدين الذي عليه، فمعنى ﴿بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾، أي: أني خلي مما تشركون فأنبذه، ولا أقرُّ به.\nوقوله: ﴿مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ يعم كل ما يشركون به.\nفإن قال قائل: هل هو بريء من عيسى؟\nفالجواب: إن عيسى - ﵇ - لا يتبرأ منه الرسولُ - ﵊ -، وبناءً على هذا فإما أن نجعل (ما) مصدرية، ويكون المعنى بريء من شرككم، وإما أن نجعلها موصولة ويستثنى من ذلك من يُعبَد من دون الله وهو صالح من الأنبياء والملائكة وغيرهم، وهذا نظير قول الله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠)﴾ [الأنبياء: ٩٨ - ١٠٠].\nلما نزلت هذه الآية احتج المشركون على النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، وقالوا: إذًا عيسى من أهل النار؛ لأنه","vol":"1","page":103},{"text":"يُعبد من دون الله، فأنزل الله تعالى ردًا لهذه الشبهة قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء: ١٠١]، فيكون عيسى - ﵇ - مستثنى من هذا العموم، وكذلك نقول في هذه الآية، فصار المخرج أحد أمرين، إما أن نجعل (ما) مصدرية فيكون المعنى بريء من شرككم، أو نجعلها موصولة ويستثنى من ذلك من جُعل شريكًا. مع الله وهو لا يرضى بذلك، من الأنبياء والملائكة والصالحين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالفائدة الأولى: إطلاق اسم (الشيء) على الله لقوله: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾؛ لأن اسم الاستفهام إذا أضيف إلى كلمة، صارت هذه الكلمة صادقة على جواب الاستفهام، وهنا جواب الاستفهام ﴿اللَّهُ﴾، فيكون الله تعالى شيئًا، يعني يصدق أن نسميه شيئًا، وقد قال البخاري - ﵀ -: (وسمى الله نفسه شيئًا) (^١)، ولكن يجب أن نعلم أنه يخبر بكلمة شيء عن الله، ولكن لا يسمى به، دليلُ هذا أن الله تعالى له الأسماء الحسنى، وكلمة (شيء) لا تدل على هذا المعنى.\nلو قال قائل:<span data-type=\"title\" id=toc-208> هل يجوز أن نطلق على القرآن أنه شيء</span>؟\nفالجواب: نعم هو (شيء) بلا شك، قالت الجهمية: إذا أطلقتم على القرآن بأنه شيء فقد أقررتم بأنه مخلوق؛ لأن الله ﵎ قال: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] وجوابنا على هذا أن نقول: القرآن كلامُ الله - ﷿ -، وكلام الله هو\n_________\n(^١) ذكره في كتاب التوحيد، باب قل: (أي شيء أكبر شهادة قل الله).","vol":"1","page":104},{"text":"وصفه، ووصف الخالق غير مخلوق؛ لأن الوصف تابع للذات، فكما أن الذات غير مخلوقة فكذلك الوصف، ثم لا يمنع أن يكون المراد بقوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] أن يكون المرادُ بهذا العمومِ الخصوصَ، أي: خالق كل شيء من المخلوقات، والعموم قد يراد به الخصوص كما في قول الله تعالى عن ريح عاد: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥]، ومعلوم أنها لم تدمر السماء ولا الأرض بل ولا المساكن، كما قال - ﷿ -: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥].\n\nالفائدة الثانية: أن<span data-type=\"title\" id=toc-209> شهادةَ اللهِ أكبرُ شهادةٍ</span>، ونعم واللهِ إن شهادة الله أكبر شهادة؛ لأنها مبنية على علم ويقين وعدل، والخلل في الشهادة أن تكون مبنية على ظن أو على جهل أو على جور؛ لأن الشاهد إما أن يبني شهادته على أشياء ظنية، أو يشهد عن جهل تام، أو يشهد على جور، كل هذا يخل بالشهادة، وشهادة الله - ﷿ - منزهة عن هذا، صادرة عن علم يقيني، وعن عدل لا يمكن أن يجور في الشهادة - جل وعلا -.\nومما يدل لذلك القرآن، قال الله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦)﴾ [النساء: ١٦٦] يكفي شهادة الله، وقال الله - ﷿ -: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤)﴾ [الحاقة: ٤٤]. انظر قوله: ﴿بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ ﴿بَعْضَ﴾ هذه مضافة لأقاويل، يعني: قولًا من أقاويل كثيرة، فمثلًا لو أوحينا إليه ألفَ قولٍ فَتَقَوَّلَ قولًا واحدًا ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾ [الحاقة: ٤٥، ٤٦]، وهل قُطِعَ من الرسول - ﷺ - الوتين؟","vol":"1","page":105},{"text":"الجواب: لا، بل بقي حيًا إلى الأجل المحتوم له، ونصره الله، فدل هذا على أنه - ﷺ - حق، وشهادة الله كما سبق في التفسير أنها نوعان: قولية وفعلية، فالقولية كما تقدم في قوله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾، والفعلية نصره إياه وتمكينه إياه.\n\nالفائدة الثالثة: أن الله - ﵎ - حاكم بين النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وخصومه لقوله: ﴿شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾.\nفإن قال قائل: و<span data-type=\"title\" id=toc-210>هل يطلق الشاهد على الحاكم</span>؟\nفالجواب: نعم واقرأ قول الله - ﷿ - في سورة يوسف: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧)﴾ [يوسف: ٢٦، ٢٧]، فقوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ﴾، يعني: حكم حاكم؛ لأنه لم يشهد إذ إنه يقول: ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ الآية. ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ ...﴾ الآية.\nثم نقول: الحاكم في الواقع شاهد من وجوه ثلاثة:\nالوجه الأول: أنه يشهد بأن الحكم كذا وكذا.\nالوجه الثاني: أنه يشهد على المحكوم عليه بأن الحق عليه.\nالوجه الثالث: أنه يشهد للمحكوم له بأن الحق له.\nفالحكم متضمن الشهادة بلا شك، فيصح أن يطلق على الحاكم أنه شاهد.\n\nالفائدة الرابعة: أن هذا القرآن موحى إلى الرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - كله، ليس فيه ولا كلمة ولا حرف غير","vol":"1","page":106},{"text":"موحى إليه، وأبهم الفاعل؛ لأنه معلوم؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - أُمِرَ أن يقول: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ: ٥٠].\n\nالفائدة الخامسة: عظمة هذا القرآن؛ حيث أوحي من الله إلى رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ولا شك في هذا - وآثار تعظيمه وعظمته كثيرة.\nمنها: أنه لا يقرأه جنب حتى يغتسل.\nومنها: أنه لا يمسه المحدث حتى يتوضأ.\nومنها: أنه لا يجوز أن تُدْخَلَ به الأماكن القذرة.\nومنها: أنه لا تجوز إهانته بأن يوضع بين القدمين مثلًا.\nومنها: أنه لا يسافر به إلى أرض العدو إذا كان يخشى عليه من الإهانة.\nومنها: أنه لا يجوز بيع المصحف على قول بعض العلماء، وعللوا ذلك بأنه ابتذال له، حتى قال ابن عمر - ﵄ -: \"وددت أن الأيدي تقطع في بيع المصاحف\" (^١)؛ لأن الواجب على من استغنى عنه أن يبذله لغيره.\nفالمهم أن تعظيم القرآن واجب وله صور، ذكرنا منها ما شاء الله.\n\nالفائدة السادسة: أن القرآن الكريم كافٍ في الإنذار؛ لقوله: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾، فمن لم يتعظ بالقرآن فلا وعظه الله، قال الله\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الكبرى (٦/ ١٦)، وسعيد بن منصور (٢/ ٣٨٥)، وأبو داود في المصاحف (١/ ٣٦٨)، وابن أبي شيبة (٤/ ٢٨٧).","vol":"1","page":107},{"text":"تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ [يونس: ٥٧].\n\nالفائدة السابعة: أن من بلغه القرآنُ فقد قامت عليه الحجة؛ لقوله: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾، ولكن هل من بلغه القرآن وهو لا يعرف اللغة العربية هل يقال: إنه قامت عليه حجة؟\nالجواب: لا، والدليل قول الله - ﵎ -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤].\n\nالفائدة الثامنة: أنه يجب على علماء المسلمين أن يبلغوا القرآن كلَّ أحد؛ لأنهم ورثة الأنبياء، ولكن من لم يكن لسانه عربيًا فإنه يُبلَّغ معنى القرآن بلسانه، ثم يُعطى القرآن فيقرؤه باللفظ العربي، ولهذا نرى بعض الذين لا ينطقون العربية يقرؤون القرآن بالعربية وهم لا يعرفون معناه، وهذا من آيات الله، أن الله تعالى يسر القرآن لهم حتى صاروا ينطقون به بالعربية مع أنك لو أعطيتهم قطعة من سطرين فقط ما استطاعوا أن يقرؤوها، لكن هذا من آيات الله، وربما نقول: إنه داخل في قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ١٧].\nعندنا أيضًا مسألة أخرى إذا بلغ القرآن قومًا يعرفون اللغة العربية ولكنَّهم عاشوا في أحضان أئمة الضلال ولا يدرون شيئًا، إذ إن أئمة الضلال عندهم هم المبلغون عن الله ورسوله، فهل هؤلاء معذورون، أو غير معذورين؟.\nوالذي أرى أنهم معذورون، ولكن عليهم إذا نُبِّهوا للحق أن يبحثوا عنه فإن أصروا مع التنبيه، وقالوا: (إنا وجدنا آباءنا على أمة) فهم كفار، وهذا هو الذي تجتمع به الأدلة عندي أنهم إن","vol":"1","page":108},{"text":"بقوا على جهلهم، ولم ينبهوا للحق فهم معذورون وإلا فهم غير معذورين، وهذا فيمن يدين بدين الإسلام.\nوأما من عَرَف أنه على غير الإسلام يتبع أئمته أئمة الضلال، وهو يعرف أنه غير مسلم؛ كالنصارى مثلًا واليهود، فهؤلاء كفرهم ظاهر، حتى هم بأنفسهم يعرفون أنهم من أمة الكفر، ولا ينتسبون إلى الإسلام.\nولو قال قائل: مسألة العذر مشكلة جدًا، وأنتم ذكرتم أنه يجب على صاحب البدعة الكفرية أن يبحث إذا بلغته الحجة، فهذا المبتدع إذا أخبره أحد من أهل السُّنَّة سيقول: هذا سني كافر، كيف آخذ من كافر فهو لن يقبل منا صرفًا ولا عدلًا، فكيف نأمره بأن يبحث؟\nالجواب: إذا بلغه الحق من القرآن والسنة، فإن الحق فيهما واضح والحمد لله، فإن قال: (الحق على خلاف ما أنت عليه أيها السني) قلت له: بيني وبينك كتاب الله - ﷿ -.\nفإن قال المبتدع: ألم تقرأ قول الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ [يونس: ٦٢].\nقلت: بلى أقرؤها لكن هذه الآية بالنسبة لهم ليس لك أنت.\nفإن قال: لنا فَهْمُنا ولكم فهمكم، وفهمنا هو الصواب.\nقلنا: معنى هذا أن هؤلاء مكابرون، مَنْ يفهم من قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ أن هذا يعني: جواز عبادتهم، والله تعالى ملأ القرآن بالنهي عن عبادة غيره.","vol":"1","page":109},{"text":"فإن قلت: كيف نحكم على هذا المبتدع أن الحجة بلغته حقًا أو لا؟\nقلنا: المبتدع إذا كابر بعد ما أريناه الآيات فالسيف أمامه ونحكم بكفره في الدنيا ونقتله، وإن كان ما يقوله حقًا من أنه لم تبلغه الدعوة إلا مشوشة فأمره إلى الله - ﷿ - لا يجوز أن تقرن أحكام الدنيا بأحكام الآخرة، أحكام الدنيا لها حال وأحكام الآخرة لها حال؛ هذا الرجل الذي قتله أسامة بن زيد يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فمن أحكام الدنيا أن نرفع عنه القتل مع أنه ربما يكون قد قالها تعوذًا ولا ندري، وعلى كل حال فلا شك أن المسألة عويصة، لكن الذي تبيَّن لي هو ما قررته.\nلو قال قائل: ما<span data-type=\"title\" id=toc-215> حكم أتباع أهل الضلال من العوام</span>، هل يعذرون بالجهل؟\nفالجواب: هذا يختلف فيه الحكم، فإذا كان هؤلاء الأتباع لم يُذكر لهم الرسول - ﵊ -، ولم يعلموا أنه جاء رسول للخلق، وقادتهم كتموا عنهم هذا فهم معذورون، لكن إذا علموا فلا بد أن يتبعوا.\nوليُعلم أن هناك فرقًا بين اليهود والنصارى وغيرهم، فغيرهم لا بد أن تبلغه الحجة ويفهمها، وأما اليهود والنصارى فبمجرد سماع الرسول - ﵊ - تقوم عليهم الحجة، ولهذا قال الرسول - ﵊ -: \"والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولا","vol":"1","page":110},{"text":"يؤمن بما جئت به إلا كان من أصحاب النار\" (^١)، ووجه ذلك أن اليهود والنصارى كتبهم مصرحة بوصف الرسول - ﷺ -، فما بقي عليهم إلا أن يسمعوا بخروجه، فإذا سمعوا بخروجه قامت عليهم الحجة.\nولو قال قائل: الذين يأتون الأفعال الشركية هل نتعامل معهم معاملة المسلمين؟\nفالجواب: هؤلاء يتوقف فيهم، وإذا قدمت جنائزهم فالمصلي يستثني يقول: (اللهم اغفر له إن كان مؤمنًا).\nلو قال قائل: بعض العوام الذين اتبعوا أئمة الضلال هؤلاء قد طعنوا في مشايخ الحق أمثال: شيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ محمد بن عبد الوهاب، فكيف نبلغ لهم تفسير كتاب الله؟\nفالجواب: نقول: دعونا من فلان وفلان، القرآن بيننا والسُّنَّة بيننا، وكما قال الله - ﷿ - يخاطب فرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢]، نقول لهؤلاء: كل من يُدعى من دون الله فلن يستجيب لأحد، ودعاؤه ضلال، قال الله - ﷿ -: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف: ٥]، فإن لم يذعنوا صاروا مكابرين، وهذا جهل عظيم ولا عجب، فالكفار كان الواحد منهم يصنع الصنم بيده ثم يعبده، رغم أنه أعلى منه، ثم الغريب أن بعضهم يصنعه من التمر العبيط، ثم إذا جاع أكله، ثم خرج من دبره قذرًا نسأل الله السلامة.\n_________\n(^١) رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب: وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد - ﷺ - (١٥٣).","vol":"1","page":111},{"text":"لو قال قائل: ما حكم قول العوام في بعض أشعارهم يا أبا الأفراج؟\nفالجواب: هذه مشكلة؛ لأننا لو أخذنا بظاهرها فقد جعلوا الإله أبًا، لكني أعلم أنهم يريدون بمعنى يا أبا الأفراج، أي: (يا صاحب الأفراج) فنقول: قولوا: يا صاحب الأفراج وأحسن من هذا أن تقولوا: يا مفرج الكُربات.\n\nالفائدة التاسعة: الإنكار الشديد على من يشهدون أن مع الله آلهة أخرى؛ لقوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ﴾، فالاستفهام للإنكار، وتأمل كيف أتت الجملة التي دخلها الاستفهام مؤكدة بـ (إنَّ) و(اللام)، حتى لا ينكروا، يعني: أؤكد أؤكد أنكم تشهدون أن مع الله آلهة أخرى وأنكر عليكم.\n\nالفائدة العاشرة: سفه أولئك المشركين الذين يشهدون أن مع الله آلهة أخرى، ولو سئلوا عنها: أتخلق شيئًا؟ لقالوا: لا، وهذا من سفههم، أن يعبدوا من لا يخلق.\n\nالفائدة الحادية عشرة: وجوب التبرؤ من أهل الباطل وما هم عليه، لقوله: ﴿قُلْ لَا أَشْهَدُ﴾، يعني: أؤكد أنكم تشهدون، ولكني أنا لا أشهد، وهذا واجب أن يتبرأ الإنسان من كل ما يعبد من دون الله، فإن لم يشهد ببطلان الآلهة سوى الله - ﷿ - فإنه لم يخلص ولم يوحد؛ إذ إن التوحيد مبني على النفي والإثبات.\n\nالفائدة الثانية عشرة:<span data-type=\"title\" id=toc-221> وجوب البراءة مما عليه المشركون</span>؛ لقوله: ﴿وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾، فيجب أن يتبرأ الإنسان مما يشرك به هؤلاء من المعبودات، أو من عملهم الشركي، ولا تجوز","vol":"1","page":112},{"text":"المداهنة في هذا، ولا تجوز الموافقة، بل تجب البراءة، والعجب أن بعض الناس يداهن هولاء الكفار ويقول: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، يعني: فنحن مؤمنون بعيسى، يقولون ذلك أمام النصارى، وأمام اليهود يقولون: نحن مؤمنون بموسى والمسألة ليست هي الإيمان بموسى وبعيسى، نحن نؤمن بهذا، إنما المسألة هي الكفر بمحمد - ﵊ -، هؤلاء كافرون بمحمد - ﷺ -، فهم غير مؤمنين لا بموسى ولا عيسى، وقد سبق أن من كذَّب رسولًا واحدًا فقد كذب جميع الرسل، واستدللنا لذلك بقول الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ [الشعراء: ١٠٥]، وبقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ [النساء: ١٥٠، ١٥١].\nلكن لو قال قائل: ما<span data-type=\"title\" id=toc-222> الفرق بين المداهنة والمداراة</span>؟\nفالجواب: المداهنة: أن الإنسان يُبقي لصاحبه على ما هو عليه ولا يتكلم معه، والمداراة: أنه يريد أن ينقله مما هو عليه لكن بتلطف.\n* * *\n\n* قال الله - ﷿ -: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠)﴾ [الأنعام: ٢٠].\nقوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ مبتدأ وخبر ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ و﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ خبر.","vol":"1","page":113},{"text":"وقوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ هم اليهود والنصارى؛ لأنهم آخر أمة كان عندها أصل كتابها، فهم الذين أوتوا الكتاب.\nوقوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ يحتمل أن يكون المعنى يعرفون هذا الكتاب، ويحتمل أن يكون المراد يعرفون النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، والثاني أقرب، ويؤيده قوله: ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾، فإن الأبناء بشر، والنبي - ﷺ - من البشر، يعني: أن الذين أوتوا الكتاب وهم اليهود والنصارى يعرفون النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - كما يعرف الرجل ابنه، وخص الأبناء؛ لأن تعلق الرجل بالأبناء أكثر من تعلقه بالبنات، فتكون معرفته للأبناء أكثر من معرفته للبنات، هذا وجه، ووجه آخر أن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ذَكَرٌ، فهو من الأبناء.\nقوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ يحتمل أن تكون خبرًا لمبتدأ محذوف، والتقدير: هم الذين خسروا أنفسهم، ويحتمل أن تكون ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، وخبره جملة ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، والفاء دخلت على جملة الخبر، لمشابهة المبتدأ الشرط في العموم؛ لأن الاسم الموصول يشبه الشرط في العموم، ويكون تقدير الكلام بدون الفاء، الذين خسروا أنفسهم هم لا يؤمنون، ومؤدى الاحتمالين واحد، والمعنى أن الذين خسروا أنفسهم هم الذين لا يؤمنون، أي: الذين اختاروا الخسارة هم الذين لا يؤمنون، ومنهم الذين آتاهم الله الكتاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالفائدة الأولى: أن الحجة قائمة على اليهود والنصارى في صحة بعثة النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - لقوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾.","vol":"1","page":114},{"text":"فإن قيل: هذا كلام الله - ﷿ - فهل له من دليل؟\nقلنا: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله أن يُطلب الدليل على صدق خبر الله، خبر الله - ﵎ - هو الدليل، ومدلوله هو المدلول، ولا حاجة أن نقول: هل هناك شاهد يدل على أن الذين أوتوا الكتاب يعرفون محمدًا كما يعرفون أبناءهم؟ لأن كلام الله أقوى شاهد.\nولكن مع ذلك لا مانع أن نقيم الحجة عليهم من كتبهم فقد قال الله تعالى في سورة الأعراف عن النبي - ﷺ - إنهم: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، ومكتوبًا وصفه ﵊: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] يعرفون هذا تمامًا، وقد نقل الشيخ محمد رشيد رضا - ﵀ - في تفسيره النصوص من الإنجيل على هذا القول، بل على إقامة الحجة عليهم وأن هذا مكتوب عندهم في كتبهم.\n\nالفائدة الثانية: أنه ينبغي أن يضرب المثل بأقرب مطابق للممثَّل لقوله: ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾؛ لأن هذا أقرب إلى التصور وإلى الصدق.\n\nالفائدة الثالثة: المِنَّةُ والتوبيخ على اليهود والنصارى، أما المنة فهي أن الله آتاهم الكتاب، وبيَّن لهم وصف النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - الذي سيرسل للناس كافة، وهذه نعمة، أن يبيِّن الله للعبد طريق الهدى، والتوبيخ أنهم كانوا كافرين به مع وضوح الدليل، فتكون الآية جامعة بين بيان المنة عليهم من الله، وتوبيخهم على الكفر بمحمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -.","vol":"1","page":115},{"text":"الفائدة الرابعة: أن من لم يؤمن فقد خسر نفسه لقوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، وهل خسر أهله؟ نعم، قال الله - ﷿ -: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ١٥]، وخسروا أيضًا أعمارهم، مضت في غير فائدة؛ لأن شخصًا مآله نار جهنم والعياذ بالله بعد أن عمِّر في الدنيا ما عمّر، قد خسر وقته وزمنه كما قال الله - ﷿ -: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧].\n* * *\n\n* قال الله - ﷿ -: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١)﴾ [الأنعام: ٢١].\nقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ (مَنْ) اسم استفهام، والمراد به النفي، أي: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبًا، والنفي إذا جاء بصيغة الاستفهام صار أبلغ؛ لأنه يكون مُشْرَبًا معنى التحدي، كأن المتكلم يقول: بيِّن لي إن كنت صادقًا أحدًا أظلم ممن افترى على الله كذبًا.\nوالظلم في الأصل النقص، كما قال الله - ﷿ -: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣]، أي: لم تنقص، لكنَّه تعدى إلى نقص الإنسان فيما يجب عليه من فعل الأوامر وترك النواهي فإنه نَقَصَ حق نفسه بذلك.\nقوله: ﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾، بمعنى: اختلق على الله الكذب؛ لأن الكذب على الله - ﷿ -<span data-type=\"title\" id=toc-232> أعظم الكذب</span>؛ فمن قال: (إن لله ولدًا) هذا افترى على الله الكذب، أو قال: (إن لله شريكًا) هذا افترى على الله الكذب، أو قال: (إن هذا الكون لم","vol":"1","page":116},{"text":"يخلقه الله) افترى على الله كذبًا، أو قال: (خلقته الطبيعة)، أو ما أشبه ذلك.\nقوله: ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ هذان صنفان الأول كذب على الله، والثاني كذب بآيات الله، لا أحد أظلم ممن جمع بينهما ويليه الكذب على الرسول - ﷺ -، كما قال - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: \"إنَّ كذبًا عليَّ ليس كَكذِبٍ على أحدكم\" (^١) بل هو أعظم.\nويلي ذلك الكذب على علماء الشريعة، فإذا كَذَبَ عليهم بأنهم أفتوا في كذا، فهذا كذب؛ لأنه كذب على الشرع إذ إن علماء الشريعة هم الذين يبلغون الشريعة، فإذا كذب عليهم فقد كذب على الشرع.\nوقوله: ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾، أي: كذب بالآيات الدالة على أن الله - ﷿ - حق كذب بالآيات الكونية والآيات الشرعية، والتكذيب بالآيات الكونية أن ينفي كون الله - ﷿ - خلقها، أو ينفي أن الله - تعالى - انفرد بخلقها، والشرعية أن ينفي إرسال الرسل بما جاءت به من الوحي. و﴿أَوْ﴾ هنا للتنويع، يعني: افترى أو كذب، وإن جمع بين الأمرين صار أشد، وإذا طبقنا هذه الآية على واقع المشركين من قريش، نجد أنها منطبقة عليهم تمامًا، فقد افتروا على الله الكذب بأن أشركوا معه ما لم ينزل به سلطانًا، وافتروا على الله الكذب، فقالوا: (هذا حلال وهذا حرام)، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب: ما يكره من النياحة على الميت (١٢٩١)، ومسلم في: المقدمة، باب: تغليظ الكذب على رسول الله - ﷺ - (٤).","vol":"1","page":117},{"text":"لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ [الأنعام: ١٣٩]، وهم أيضًا كذّبوا بآيات الله، فكذبوا بالآيات الشرعية التي جاءت على لسان محمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، أما الآيات الكونية فهم لم يكذبوا بها.\nلو قال قائل: ما<span data-type=\"title\" id=toc-234> حكم الكذب على الله في مدلول الأدلة </span>لكن بدون قصد؟\nفالجواب: إذا قال بتفسير الآية ننظر هل هو على قاعدة شرعية، هل هذا ما تقتضيه اللغة، أو ما تقتضيه الشريعة؟ فهو إذا أخطأ بعد بذل الجهد، فهو مغفور له، أما إذا عاند وقال: (المراد بكذا، كذا كذا) فلا عذر له، وأنت إذا أخبرت بمعنى آية، فقد شهدت على الله أنه أراد هذا.\nقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ هذا الحكم على من افترى على الله كذبًا، أو كذب بآياته، ولكن لم يقل: (إنهم) بل أظهر في موضع الإضمار للعموم، ليعمهم وغيرهم. و(الفلاح) هو النجاح وحصول المطلوب فالظالم لن ينجح ولن يفلح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالفائدة الأولى: أن الظلم يختلف، بعضه أشد من بعض؛ لأن المعاصي تختلف بعضها أعظم من بعض، فهناك كبائر، وهناك صغائر، والكبائر نفسها تختلف، فهناك أكبر من الكبائر، وما دونها، والصغائر كذلك تختلف، فمن أين نعرف أن الذنوب أو الأعمال المحرمة تختلف؟ لاختلاف الظلم؛ لأن كل فعل محرم، أو ترك واجب ظلم، وإذا كان يتفاوت لزم من ذلك تفاوت الأعمال.","vol":"1","page":118},{"text":"ولو قال قائل:<span data-type=\"title\" id=toc-238> هل للمعاصي والظلم أثر حسي</span>؟\nفالجواب: نعم والصحابة - ﵃ - لما عصوا الله في غزوة أحد وفي غزوة حنين عوقبوا، وهذا من حكمة الله - ﷿ - أن هؤلاء الجند الذين هم أشرف جند على وجه الأرض منذ خلق الله آدم حصلت لهم الهزيمة بمعصية واحدة فكيف بالمعاصي التي ملأت الأجواء.\nثانيًا: حصلت لهم الهزيمة بافتخارهم بعددهم وكثرتهم وهم أشرف جند على وجه الأرض منذ خلق آدم إلى قيام الساعة، فهذه موعظة لنا إذا كنا نريد الانتصار على أعدائنا فلا يجوز أبدًا أن ننغمس في المعاصي وبعضنا منغمس في الإلحاد والكفر والعياذ بالله وموالاة الكفار ومناصرتهم، فكيف يكون لنا نصر؟ فهذا في الواقع من حكمة الله - ﷿ - أنهما مثلان عظيمان تحصل بهما العبرة لآخر هذه الأمة.\nولو قيل: ما<span data-type=\"title\" id=toc-239> ضابطُ المناصرةِ</span>، وهل تهنئة الكفار باحتلال بلاد المسلمين تعدّ من نواقض الإسلام؟\nفالجواب: المناصرة أن يناصرهم على الكفر، وأما تهنئة الكفار باحتلال بلاد المسلمين، فإنه حرام ولا يجوز، وأما مسألة النواقض فإنها تحتاج إلى تحرير، ولا يكفيها تعليق موجز، لكن لا شك أن الذي يهنيء الكفار باحتلال بلاد المسلمين أنه على خطر عظيم، نسأل الله العافية.\nلو قال قائل: أهل المعاصي الذين يصنعون آلات اللهو وغيرها هل يعاقبون بمثل ما يُفعل بالمصورين؟\nفالجواب: لا نقدر أن نقول هذا، لكن كل مَنْ أساء بواسطة هذه الآلات فلهم نصيبهم من إثمه.","vol":"1","page":119},{"text":"الفائدة الثانية: التحذير من أن يفتري الإنسان على الله الكذب؛ لأنه بيّن أنه في المرتبة العليا من الظلم، ومن الافتراء على الله كذبًا أن يكذب الإنسان على ربه - ﷿ - في مدلول آياته، فيقول: (أراد الله بكذا، كذا وكذا)، هذا كذب على الله، ومن ذلك أن يفتري على الله كذبًا في أحكامه فيقول: (هذا حلال وهذا حرام) كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦].\nوعلى هذا فمن قال: المراد بقوله: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] استولى على العرش، فإنه يدخل في الآية لا شك؛ لأنه افترى على الله كذبًا، ومن قال: (إن هذا الشيء حرام) وهو حلال، فقد افترى على الله كذبًا، ومن قال: (هذا حلال وهو حرام فقد افترى على الله كذبًا.\nفالقاعدة إذًا في الافتراء على الله كذبًا أن يحرف آياته إلى معانٍ لا يريدها الله - ﷿ -، أو يقول بأحكام لم يحكم الله بها، ومن ذلك التكفير، فإذا قال: (هذا كفر) وليس بكفر، فقد افترى على الله كذبًا؛ لأن التكفير حكم شرعي يستدل عليه بالكتاب والسُّنَّة، وليس التكفير إلى الناس، من شاء كَفَّر ومن شاء لم يكفر، بل التكفير إلى الله ورسوله، فمن كفره الله ورسوله وجب علينا أن نكفره، ومن نفى الله ورسوله الكفر عنه، وجب علينا أن ننفي عنه الكفر.\nفإن قال قائل: هناك إطلاقات في بعض الأحكام بالكفر، يعني: يطلق عليها الكفر، فكيف نعرف أنه كفر أكبر، أو أصغر؟\nنعرف ذلك بقواعد الشريعة العامة، وينزّل الحكم بالكفر","vol":"1","page":120},{"text":"على هذه القواعد وبذلك يتبين أنه أكبر أو أصغر، ولما كان تكفير ولاة الأمور من أشد الأشياء خطرًا منع النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - من الخروج عليهم إلا أن نرى كفرًا بواحًا ظاهرًا بيِّنًا عندنا فيه من الله برهان (^١).\n\nالفائدة الثالثة: عِظَمُ ظلم من كذب بآيات الله؛ لأنه دخل في الطبقة العليا من الظلم؛ لقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾، فلا يحكم بظلمه، أو بكونه في المرتبة العليا إلا إذا تبينت له الآيات لقوله: ﴿كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٥٧]، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]، فإذا بَيَّنَ لهم ما يتقون حكم بضلالهم - ﷾ -، وإلَّا فهم في عذر.\n\nالفائدة الرابعة والخامسة: وجوب التصديق بكل آيات الله الكونية والشرعية، وجه ذلك أن (آيات) مضافة، والجمع إذا أضيف يفيد العموم.\n\nويتفرع على هذه الفائدة: أن من آمن ببعض وكفر ببعض فقد كفر بالجميع، فلا يعد مؤمنًا؛ لأنه يوجد بعض الناس يؤمن ويصدق بما يرى عقله أنه حق، ويكذب بما يرى أنه ليس بحق، أو يؤمن بما يرى أنه مناسب، ويكفر بضد ذلك وهؤلاء بيّن الله حكمهم فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري: كتاب الفتن، باب قول النبي - ﷺ -: سترون، رقم (٧٠٥٦)، ومسلم: كتاب الإمارة، باب: وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، رقم (١٧٠٩).","vol":"1","page":121},{"text":"لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ [النساء: ١٥٠، ١٥١]، وقال تعالى منكرًا على بني إسرائيل: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥]، وبَيَّن الله - ﷿ - أن من كفر برسول واحد فهو كافر بالجميع، فقال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ [الشعراء: ١٠٥] مع أن قوم نوح هم أول من أرسل إليهم رسول فليُنتبه لهذا، فلا يمكن لإنسان أن يُجزِّئ الشريعة فيؤمن ببعضها ويكفر ببعضها؛ لأننا نعلم أن مثل هذا متبع لهواه فقط.\n\nالفائدة السادسة: نفي الفلاح عن الظالم، أي: لا يمكن أن يحصل له مقصوده، بل بالعكس.\nفإن قال قائل: ما الجمع بين هذه الآية الكريمة وبين نصوص أخرى يرد فيها مثل هذه العبارة في ذنب آخر غير هذا، وتدل أيضًا على أن هذا الفعل أظلم شيء.\nمثل قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤]، وقوله في هذه الآية: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾، وقول النبي - ﷺ - فيما يرويه عن ربه في الحديث القدسي: \"ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي\" (^١) في المصورين فكيف نجمع بين هذه النصوص؟\nفالجواب من أحد وجهين: إما أن نقول: اشتركت هذه الأشياء في المرتبة العليا من الظلم فكلها في مقام الأظلمية، وإما أن يقال: إن الأظلمية أظلمية نسبية، فمثلًا في هذه الآية ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾، المعنى: أن الذين يفترون على الله الكذب أظلم من الذين يفترون على غيرهم الكذب، فلو افترى\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب اللباس، باب: نقض الصور (٥٩٥٣).","vol":"1","page":122},{"text":"مثلًا على زيدٍ، وعلى فلانٍ وعلى فلانة هذا حرام لا شك، لكن أظلم شيء أن يفتري على الله - ﷿ -.\nوأيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤] هذه أظلمية نسبية يعني: أي إنسان يمنع الناس من حقٍ لهم هذا ظلم، لكن أظلم شيء منع حقهم في المساجد.\nيعني: مثلًا قد تمنع هذا الرجل أن يدخل المدرسة لكن هل هذا أشد أو منعه من دخول المسجد؟ الثاني: طبعًا منعه من دخول المسجد أشد، قد تمنعه من دخول السوق هذا ظلم، لكن أيما أظلم هذا أو من منع حق الإنسان في مساجد الله؟ الثاني.\nوفي مسألة التصوير \"من أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي\"، أي: الذين يقلدون غيرهم في التصوير إذا كان على وجه الظلم، فمن أظلم ممن ذهب يخلق كخلق الله، لا أحد.\n\nالفائدة السابعة: بشرى للمظلومين لما تقدم من أن الظالم لا يفلح، فيبشر المجاهدون بالنصر، وبأن مآل من جاهدهم الخذلان، ويبشر من ظُلم بأخذ ماله أو جحد ماله، وما أشبه ذلك بأن هذا الظالم لن يفلح.\nلكن لو قال قائل: ما الجمع بين هذه الآية والواقع؛ لأننا نرى أن الظالم قد يفلح؟\nقلنا: الجمع بينها وبين الواقع، أن يقال الفلاح نوعان: فلاح مطلق، وهذا لا يمكن للظالم أبدًا، ودليل هذا قول النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: \"إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته\" (^١)، وتلا قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب: قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا =","vol":"1","page":123},{"text":"الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود: ١٠٢]، فلا بد أن يعثر الظالم، ولا بد أن يخسر، طالت الدنيا أم قصرت فمن كان ظالمًا بمبدأ من المبادئ فلا بد أن ينخذل هذا المبدأ حتى بعد موته، وإذا كان خاصًا فإنه، وإن لم يحصل له ذلك في الدنيا حسب ما نرى فهو في الآخرة، وربما يكون في قلب الظالم أشياء لا ندري عنها يبتلى بها من ضيق الصدر وكراهة الحق وما أشبه ذلك.\nأما الفلاح المقيد بمعنى أن يفلح في زمن معين، أو مكان معين، أو قضية معينة فهذا يمكن أن يقع، ولا يخالف الآية؛ لأن الله تعالى قد يعطي الظالم فلاحًا حتى يغتر بهذا الفلاح فيتمادى في طغيانه، ثم يقصم الله ظهره، وقد أشار الله تعالى إلى هذا في سورة آل عمران قال تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١)﴾ [آل عمران: ١٤١] يمحص المؤمنين بكفارات الذنوب على ما حصل من هزيمة، ويمحصهم ألا يعودوا إلى المعصية مرة ثانية.\nولكن<span data-type=\"title\" id=toc-249> كيف يمحق الله الكافرين وهم منتصرون</span>؟\nالجواب؛ لأن الكافر إذا انتصر تجرأ وافتخر واعتز، فالظالم قد يفلح، ولكن فلاحًا مقيدًا لحكمة، أو حِكَم لا نعلمها نحن ولكن يعلمها الله - ﷿ -، وموقفنا إذا سُلط الظالم علينا أن نصبر، وألا نيأس، وأن ننتظر الفرج من فاطر الأرض والسماوات، فإن الصبر مفتاح الفرج، كما قال النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: \"واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفَرَج\n_________\n= أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ (٤٦٨٦)، ورواه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب: تحريم الظلم (٢٥٨٣).","vol":"1","page":124},{"text":"مع الكرب وأن مع العسر يسرًا\" (^١)، اللهم اجعلنا من المفلحين المتقين المحسنين.\nلو قال قائل: بعض الناس خاصة من غير طلبة العلم، هم ملتزمون ويريدون إظهار غيرتهم على الإسلام، يتكلمون في ولاة الأمر ويتمنون زوالهم، وما أشبه ذلك من الأمور التي تخالف الأدلة، وتخالف مقتضى العقل، فما هو الموقف السليم لطلبة العلم؟\nفالجواب: الواجب على طالب العلم أن يبيِّن ما يقتضيه الدليل مع السمع والطاعة لولاة الأمور إلا إذا أمروا بمعصية، وكذا يبين ما تقتضيه الأدلة من وجوب الكف عن مساوئهم، ومن أراد النصيحة فطريقها مفتوح.\nلكن لو قيل: أنا إذا منعتهم تعودوا على الجبن، وعلى الذل. فالجواب: لا بأس، عز النفس واجب لكن عز النفس لا بد أن يكون على مقتضى الشريعة حتى يكون متزنًا وإلا لكان هذا يريد عزة النفس، وهذا يريد عزة النفس، وهذا يريد عزة النفس، وتكون فوضى عارمة يترتب منها فساد عظيم، فإذا واجه الإنسان أناسًا على هذه الحال فالواجب النصيحة وأن تُضرب الأمثال لهؤلاء بما حصل من البلاء وإراقة الدماء وانتهاب الأموال فيمن سلك هذا المسلك منهم.\n\nالفائدة الثامنة: التحذير من الظلم، وأن عاقبته الخسارة والدمار لقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾، أعاذنا الله من الظلم.\n* * *\n_________\n(^١) رواه الإمام أحمد في مسنده (٢٨٠٠).","vol":"1","page":125},{"text":"* قال الله - ﷿ -: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنعام: ٢٢ - ٢٤].\nقوله: ﴿وَيَوْمَ﴾ ظرف، والمعروف أن الظرف والجار والمجرور لا بد لهما من متعلق، كما قال ناظم القواعد (^١):\nلا بُدَّ للجارِّ مِنَ التَّعَلُّقِ ... بفعلٍ أو معناهُ نحوَ مُرْتَقِي\nواستثنِ كُلَّ زائدٍ لهُ عَمَلْ ... كَالبَا ومِنْ والكَافِ أيضًا ولَعَلْ\nفمتعلق (يوم) محذوف والتقدير: (اذكر يوم نحشرهم)، أي: اذكر لهم ويجوز أن نقول: اذكر في نفسك حتى تتسلى بهذه الذكرى، ويهون عليك أمرهم.\nوقوله: ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾، أي: نجمعهم جميعًا لا يفلت منهم أحد.\nقوله: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ نقول: ﴿لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾، أي: بالله - ﷿ - في الدنيا ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ﴾ الاستفهام هنا للتوبيخ والتبكيت، وإلا فمن المعلوم أنهم لن يأتوا بهم، لكن توبيخًا لهم وتبكيتًا لهم وتنديمًا لهم أنهم لن ينتفعوا بهم.\nقوله: ﴿شُرَكَاؤُكُمُ﴾، أي: ما أشركتم بهم في الله - ﷿ -، ونعلم أن المشركين كانوا أنواعًا وأصنافًا، منهم من يشرك مع الله حجرًا، أو شجرًا، أو قمرًا، أو نجمًا المهم فهم مختلفون،\n_________\n(^١) انظر: \"شرح نظم الجمل\" لفضيلة الشيخ العلامة عبد الرحمن السعدي.","vol":"1","page":126},{"text":"فيقال: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾، أي: تزعمون أنهم آلهة، والإله ينفع من تألهه، فأين هو الجواب؟ بيّنه الله - ﷿ - فقال: ﴿ثُمَّ﴾، أي: بعد هذا السؤال: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ الفتنة هنا بمعنى: الحجة ﴿فِتْنَتُهُمْ﴾، أي: حجتهم ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ أقسموا بالله أنهم لم يكونوا مشركين، وهل هم صادقون في هذا القسم؟\nالجواب: لا، ولهذا قال: ﴿انْظُرْ﴾ أيها المخاطب ﴿كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾، والمراد هنا نظر الاعتبار.\nوهنا إشكال: كيف يقول: ﴿كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾، والأمر لم يأت بعد، فإن هذا يكون يوم القيامة؟\nوالجواب: أن هذا على حكاية الحال، والله - ﷿ - دائمًا يحكي الأشياء المستقبلة حتى يتصورها الإنسان وكأنها واقعة، وإنما يكون ذلك؛ لأن الشيء المستقبل المحقق يكون؛ كالواقع تمامًا، ولهذا قال الله - ﷿ -: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] مع أنه ما أتى، بدليل قوله: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، فيكون التعبير بالماضي على حكاية الحال حتى يتصور الإنسان وكأن الشيء بين يديه، ﴿كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ في قولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.\nقوله: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (ضَلَّ)، بمعنى: ضاع فلم يجدوه؛ كالرجل الذي ضاع له المال فلم يجده، هؤلاء ضاعت عنهم الآلهة فلم يجدوها.\nوقوله: ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾، أي: ما كانوا يفترونه من دعواهم","vol":"1","page":127},{"text":"أن هذه آلهة مع الله، فإن هذا من أعظم الافتراء، كما سبق قبل آيتين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>القراءات في هذه الآية </span>القراءة الأولى: (ثم لم يكن فتنتهم إلا أن قالوا)، والقراءة الثانية: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ الخلاف في الفعل، وفي اسم كان وفي خبر كان، الفعل ﴿تَكُنْ﴾ بالتاء؛ و(يكن) بالياء؛ فاسم كان على قراءة الياء مذكر، وهو قوله: ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾؛ والمعنى: لم يكن فتنتهم إلا قولهم، وأيضًا في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا﴾ قراءة أخرى \"والله ربَّنا\"، يعني: والله يا ربنا ما كنا مشركين وهذا الاختلاف في القراءات لا يضر؛ لأنه فيما سبق في العهد الأول كانوا لا يحركون الحروف ولا يعجمونها، يعني: لا يجعلون نقطة ولا نقطتين لا فوق ولا تحت، فتكون القراءتان في الرسم واحدة إنما تختلف في النطق، وفي الإعجام والإعراب بعد أن أعجم القرآن وأعرب.\n\nمن فوائد الآيات الكريمة:\nالفائدة الأولى: تسلية النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، حيث ذُكِرَ له مآل المكذبين له.\n\nالفائدة الثانية: التحذير من الشرك؛ لأن المشرك سوف يوبخ في يوم لا يستطيع الخلاص فيه.\n\nالفائدة الثالثة: إثبات يوم القيامة يوم الحشر.\n\nالفائدة الرابعة: أن الحشر عام شامل لا يشذ عنه أحد لا مؤمن ولا كافر، ولا بر ولا فاجر، حيث أكده الله - ﷿ - بقوله: ﴿جَمِيعًا﴾.\n\nالفائدة الخامسة: إثبات القول لله؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ","vol":"1","page":128},{"text":"نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ﴾، قد ينازع منازع ولقول: إن القائل هم الملائكة، وأضاف الله قولهم إلى نفسه؛ لأنهم رسله، القائلون بأمره، فهو كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾ [القيامة: ١٨] مع أن القارئ جبريل؟\nنقول: هذا وارد بلا شك، أي: أنه يحتمل أن يكون الذي يقول لهؤلاء المشركين: ملائكة، وأضاف الله ذلك إليه؛ لأنهم يقولون بأمره، ولكن ظاهر القرآن أن القائل هو الله - ﷿ -، فإذا كان هذا هو ظاهر القرآن فليس لنا مندوحة عنه؛ لأن الله سوف يحاسبنا يوم القيامة، فيقول: كلامي ﴿ثُمَّ نَقُولُ﴾، فكيف يُصرف بأنَّ المراد به الملائكة بلا دليل، فالواجب الأخذ بظاهر القرآن ما لم يوجد دليل، فإذا وجد دليل ينقل الكلام عن ظاهره فعلى العين والرأس.\nفإن قال قائل: أيقول بالحروف المسموعة المعقولة، أو بحروف أخرى؟\nفالجواب: لا شك أنه يقول بحروف مسموعة معقولة.\nفإن قال قائل: وهل يشبه صوته صوت المخلوقين؟\nفالجواب: لا؛ لأن الله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].\nولأن الله - ﷿ - إذا تكلم بالوحي أخذت السماوات منه رجفة، وصعق الملائكة، ومثل هذا لا يقع في كلام الآدميين أبدًا، ولا في كلام المخلوقين عمومًا.\n\nالفائدة السادسة: توبيخ أولئك المشركين، حيث يقال لهم في هذا المجمع العظيم: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ﴾.","vol":"1","page":129},{"text":"الفائدة السابعة: أن هذه الآية تدل على أن الأصنام لا تنفع عابديها؛ لأنها لا تنصرهم في هذا الموقف، بل قد قال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] تحصبون في وسطها ﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ انظر هذه الآية فرح بها المشركون، وانتهزوا الفرصة، وقالوا: هذا محمد يقول: إن المعبودات في النار، وعيسى معبود، فيقتضي أن يكون عيسى في النار، فأنزل الله - ﷿ -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء: ١٠١].\n\nالفائدة الثامنة: أن أولئك العابدين لهذه الأصنام ليس عندهم حجة ولا برهان، وإنما هي مجرد دعوى لقوله: ﴿تَزْعُمُونَ﴾، والزعم في الغالب يكون في قول لا دليل عليه.\nالفائدتان التاسعة والعاشرة: أن أولئك القوم فتنوا بهذا الجواب واستحسنوه وظنوه مفيدًا وهو قوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.\nويتفرع على هذه الفائدة: أن الإنسان قد يفتن بالشيء، فيرى الحق باطلًا والباطل حقًا، فاسلم من هذه الفتنة وحاسب نفسك عليها، واستعذ بالله أن تكون من أهلها.\n\nالفائدة الحادية عشرة: إقرار هؤلاء المشركين بألوهية الله، وربوبية الله، أما ألوهيته في قولهم: ﴿وَاللَّهِ﴾، وربوبيته في قولهم: ﴿رَبِّنَا﴾، لكن هل ينفع هذا في ذلك الوقت؟ لا ينفع، بل لا ينفعهم لو أنهم وحّدوا حين نزل بهم الموت، كما قال - ﷿ -: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: ١٨].","vol":"1","page":130},{"text":"الفائدة الثانية عشرة: أن ما افتروه من الشريك لله - ﷿ - سوف يضل عنهم مع شدة طلبهم له، كما تضل الضالة عن صاحبها لقوله: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.\nفإن قال قائل: كيف نجمع بين قولهم في هذه الآية الكريمة: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، وبين قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾ [النساء: ٤٢]، فصرح الله في هذه الآية أنهم لا يكتمون الله حديثًا، وهنا كتموا وقالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾؟\nفالجواب أولًا: يجب أن نعلم ونؤمن ونتيقن أنه لا تناقض في القرآن أبدًا فلا يمكن أن يتناقض، بل التناقض في قصور فهم الإنسان، وقد ألف العلماء ﵏ في هذه المسألة العظيمة مؤلفات، ومنها: تأليف الشيخ محمد الشنقيطي - ﵀ - المفسر الأصولي المشهور \"دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب\"، فإن رأيت متناقضًا فالخلل من عندك، إما لقصور في الفهم، أو تقصير في الطلب، أو سوء نية تريد أن تبحث عن الأشياء التي ظاهرها التعارض لتطعن في القرآن، أو قصور في العلم وإلَّا فلا تناقض، وهنا نقول: يوم القيامة خمسون ألف سنة وللناس فيه أحوال، ففي حال ينكرون أنهم مشركون، وفي حال يقرّون إذا رأوا أن أهل التوحيد نجوا، قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، فإذا ختم على أفواههم وشهدت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يكسبون، حينئذٍ أقروا؛ لأنه لا يمكن أن ينكروا مع وجود الشهود من أنفسهم.\n* * *","vol":"1","page":131},{"text":"* قال الله - ﷿ -: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥)﴾ [الأنعام: ٢٥].\nقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ (مِنْ) هذه تبعيضية، وعلامتها أن يحل محلها بعض، أي: بعضهم الذي يستمع إليك.\nوقوله: ﴿يَسْتَمِعُ﴾ هنا جاءت بصيغة الإفراد مراعاة لِلَفظ (مَن)؛ لأن (مَن)، الموصولة يجوز أن يراعى معناها، وأن يراعى لفظها، فإذا روعي معناها جُعِل العائد عليها حسب ما يراد بالمعنى، وإذا روعي اللفظ صار مفردًا.\nوقوله: ﴿مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾، أي: من يحضر ويستمع إلى قراءتك، ولكن لا ينتفع، ولهذا قال: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾.\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَا﴾، أي: صيَّرنا.\nوقوله: ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ الأكنة جمع كنان؛ كزمام وأزمّة، وهو ما يغطي الشيء ويستره.\nوقوله: ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾، أي: إرادة أن يفقهوه، فهو على تقدير مضاف يعني: (لا نريد أن يفقهوه)، وإن شئت فقل: كراهة أن يفقهوه، وبعضهم قال: إنه على تقدير (لا) والمعنى: ألا يفقهوه، والمعنى واحد، لكن كوننا نفسرها بكراهة أن يفقهوه أولى من كوننا نفسرها بـ (لا)؛ لأننا إذا فسرناها بـ (لا) فسرنا المثبت بالمنفي وهذا بعيد، وإذا فسرناها بكراهة فهذا مطرد مثل قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، أي: كراهة أن تضلوا.","vol":"1","page":132},{"text":"وقوله: ﴿يَفْقَهُوهُ﴾ (الفقه) في اللغة: الفهم كما\nقال - ﷿ -: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]، أي: لا تفهمونه، والمعنى: أن الله جعل على قلوبهم سترًا واقيًا من فقههم له، فلا يصل معناه إلى قلوبهم.\nقوله: ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾، أي: وجعلنا في آذانهم حملًا وصممًا، بحيث لا ينتفعون بما سمعوا، ومن لا ينتفع بما سمع فهو كمن لم يسمع، فنفى الله - ﷿ - عنهم الفقه ومحله القلب، والسمع ومحله الأذن، وهذا كقوله - ﵎ -: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥)﴾ [القلم: ١٥]، يعني: لم يفهمها ولم يفقهها، وإنما يظنها أساطير، أي: حكايات، ليست ذات معنى مصلح للخلق.\nقوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا﴾ بأبصارهم، أو يروا بقلوبهم ﴿كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾، والآية هي العلامة الدالة على صدق النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - كما، قال - ﷿ - في سورة القمر: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢)﴾ [القمر: ٢]- نسأل الله الهداية - الإنسان إذا طبع على قلبه - نعوذ بالله - لا يؤمن بأي آية، تأتيه الآيات مثل الشمس، ولكن لا يؤمن؛ لأن القلب مغلق عليه لا يصل إليه الهدى، هنا نفى الله عنهم الفقه، ومحله القلب والسمع ومحله الأذن، والإيمان بالآيات ومحله القلب مع مشاهدة العين.\nقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ﴾ ﴿حَتَّى﴾ هنا للغاية، ويحتمل أن تكون للابتداء، والفرق بينهما أننا لو جعلناها للغاية صار ما قبلها مُغَيًّا بها، أي: أنهم لا ينتفعون بالآيات حتى إنهم إذا","vol":"1","page":133},{"text":"جاءوك جادلوك، ويحتمل أن تكون ابتدائية، والابتدائية هي مثل الواو الاستئنافية.\nوقوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ﴾ المجادلة هي المخاصمة، وسميت مجادلة؛ لأن كل واحد من الخصمين يجدل الحجة لتقوم على صاحبه، مأخوذة من جدل الحبل، وهو فتله حتى يشتد ويقوى، فهم يجادلون النبي - ﷺ - بما يوردون عليه من الشبهات، ولكن الله تعالى يجيب عنه.\nوقوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ﴾ الجملة في محل نصب على الحال من (الواو) في قوله: ﴿جَاءُوكَ﴾، أي: حال كونهم مجادلين لك.\nقوله: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هذا جواب ﴿إِذَا﴾ ولم تجزم؛ لأن ﴿إِذَا﴾ الشرطية ليست جازمة، تقول: (إذا قدِم زيدٌ يقدمُ عمرو) ولا تجزم، وأما قول الشاعر:\n.............................. .... وإذا تُصِبْكَ مُصِيْبَةٌ فَتَحَمَّلِ (^١)\nفهذا يعتبر شاذًا لا يحتج به.\nقوله: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ هذه النهاية ﴿إِنْ هَذَا﴾، أي: ما هذا، ويدل على ﴿إِنْ﴾ هنا نافية أنه أتى بعدها (إلا)، وإذا أتى بعدها (إلا) فهي نافية، وقد تأتى نافية بدون (إلا)، ﴿إِنْ﴾ لها أربعة معان: فقد تأتي شرطية، وتأتي نافية، وتأتي زائدة، وتأتي مخففة من الثقيلة:\nفتأتي شرطية: وهذا كثير مثال (إن) الشرطية قوله تعالى: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ [التوبة: ٥٠].\n_________\n(^١) البيت لعبد قيس بن خفاف، أو لحارثة بن بدر الغداني، انظر: شرح الأشموني (٢/ ٣٢٣)، ومعجم شواهد العربية (١/ ٣١٩)، وصدر البيت:\nاستغن ما أغناك ربك بالغنى ... ...................","vol":"1","page":134},{"text":"وتأتي نافية: مثاله قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ [المدثر: ٢٥]، أي: ما هذا إلا قول البشر.\nوتأتي مخففة من الثقيلة: مثاله قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ [القلم: ٥١].\nوتأتي زائدة: مثالها: قول الشاعر:\nبَني غُدَانةَ مَا إنْ أنتمُ ذَهَبٌ ... ولا صَريفٌ ولكنْ أنتمُ الخَزَفُ (^١)\nفـ (إنْ) في هذه الآية الكريمة نافية.\nوقوله: ﴿إِلَّا أَسَاطِيرُ﴾ أساطير جمع أسطورة، والأسطورة هي ما يتحدث الناس به في المجالس من أجل قتل الوقت، ليس لها معانٍ، وتسمى عند العامة السواليف، لكن يريد الإنسان أن يزيل عنه الملل والكسل وقطع الوقت.\nقوله: ﴿الْأَوَّلِينَ﴾، أي: السابقين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالفائدة الأولى: أنه<span data-type=\"title\" id=toc-272> ليس كل مستمع بمنتفع </span>لقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾. وانظر إلى قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [محمد: ١٦] لا يدرون ماذا قال.\n\nالفائدتان الثانية والثالثة: التحذير من الاستماع بلا انتفاع، وأن هذا دأب الكفار، ويتفرع على هذا أنه ينبغي للإنسان إذا استمع أن يتأمل ويتفكر فيما استمع، لا سيما إذا كان الكتاب والسُّنَّة حتى يعرف معناهما.\n_________\n(^١) سبق عزوه.","vol":"1","page":135},{"text":"الفائدة الرابعة: أن الفقه محله القلب؛ لقوله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾.\nفإن قال قائل: ما سبب هذه الأكنة التي تحجب الحق عن القلب؟\nفالجواب: أن سببها المعاصي، كما قال الله ﵎: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٣، ١٤]، فالمعاصي تحول بين الإنسان وبين الفقه في دين الله، ولهذا قال بعض العلماء: ينبغي لمن يُستفتى أن يستغفر الله قبل الإجابة، حتى يمحو الاستغفار ما كان على القلب من الرين، واستدل بقول الله ﵎: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦)﴾ [النساء: ١٠٥، ١٠٦]، وهذا استنباط جيد، لا سيما إذا اشتبهت عليك المسألة وحيل بينك وبين معرفة الصواب فيها، فعليك بالاستغفار والدعاء ولا تتسرع؛ لأنك تعبر عن شرع الله - ﷿ -.\n\nالفائدة الخامسة: أن عدم الانتفاع بالسماع كالصمم تمامًا؛ لقوله: ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ بل صاحب الصمم معذور، والذي لا ينتِفع بما سمع غير معذور؛ لأن صاحب الصمم لم يسمع من آفةٍ حلَّت به.\n\nالفائدة السادسة: أن هؤلاء الكفار لا ينتفعون بما سمعوا ولا ينتفعون بما شاهدوا؛ لقوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ والآيات نوعان، آيات قدرية وآيات شرعية، فمن الآيات القدرية","vol":"1","page":136},{"text":"ما يحدثه الله - ﷿ - في الكون؛ كانشقاق القمر، وهبوب الرياح التي أرسلها الله - ﷿ - على الأحزاب، وكذلك نزول المطر وامتناعه، وأشياء كثيرة لا تحصى، ثم الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب، كلها من آيات الله الكونية.\nوأما آيات الله الشرعية فهي الوحي، إذا تأملت الوحي، وأشرفه القرآن، عرفت ما فيه من الآيات العظيمة في الأخبار والأحكام، فالمؤمن ينتفع، وغير المؤمن لا ينتفع، حتى قال الله - ﷿ -: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (٤٤)﴾ [الطور: ٤٤] لا يصدقون بأنه عذاب، ومن ذلك ما يحدث في زماننا الآن من العواصف القواصف والفيضانات والزلازل هي عند قوم من الأمور الطبيعية التي لا تدل على التهديد والتخويف، وذلك من رين القلوب - نسأل الله العافية - ومن مشابهة الكفار في أنهم ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾.\n\nالفائدة السابعة: أن الله - ﷿ - يرسل الآيات تأييدًا للرسل، وتخويفًا لمخالفيهم، كما قال - ﷿ -: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٠، ٥١]، وقال - ﷿ -: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩]، فالآيات التي يرسلها الله - ﷿ - هي تأييد للرسل وتخويف لمخالفيهم، ولكن كما تقدم أن هؤلاء المخالفين - نسأل الله العافية - لا ينتفعون بالآيات فلا يؤمنون بها.\n\nالفائدة الثامنة: أن الكفار يجادلون المسلمين ويجادلون","vol":"1","page":137},{"text":"النبي - ﵊ -، ويجادلون من اتبع النبي - ﷺ -، لكن بالباطل ليدحضوا به الحق، ولكن ليبشر صاحبُ الحق الذي هو أهله أن النصر له، لقول الله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨)﴾ [الأنبياء: ١٨] لكن هذا يحتاج إلى أمرين، إلى نية صادقة، وإلى علم يدفع به شبهة المحتج، ولا يجوز للإنسان أن يدخل مع صاحب باطل يجادله وليس عنده علم؛ لأنه لو فعل لكانت الهزيمة على الحق، فلا تدخل مع شخص في مجادلة إلا وأنت تعرف كيف تصيبه مع إحسان النية، أما أن تدخل في مجادلة مع شخص ذي بيان فصيح وشُبَهٍ قوية فلا تفعل؛ لأنك إن فعلت هزمت وصارت هزيمتك هزيمة للحق الذي تجادل عنه.\n\nالفائدتان التاسعة والعاشرة: أنه ينبغي للإنسان أن يتعلم طرق الجدل؛ لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ﴾، فتعلَّم يا أخي طرق الجدل، من أجل أن تجادل بها لنصرة الحق.\nوربما يقال: يتفرع على هذا أن ما بثه بعض الناس من قولهم: إنه لا حاجة إلى أن نراجع جدل المتكلمين من الأشعرية والمعتزلة وأشباههم؛ لأن زمنهم انقضى، فإن هذا توهم واضح.\nأولًا: أن هؤلاء لم ينتهِ زمنهم، فما زالوا موجودين (معتزلة، وجهمية، وأشعرية، وخوارج، وشيعة).\nثانيًا: أن طرق الجدل مع هؤلاء تفيد الإنسان في مجادلة آخرين؛ لأنها تفتح للإنسان أبواب الجدل، ويعرف كيف يقضي على صاحبه بما يجادل به، ثم إننا بالنسبة لبلادنا هنا في المملكة العربية السعودية كنا لا نعرف عن هذه الطوائف شيئًا كثيرًا، لكن","vol":"1","page":138},{"text":"بما أننا اندمجنا مع الناس فذهبنا إليهم، وأتوا إلينا، وجد شيء من البدع وأقوال الفرق، وإلا كان الناس لا يعرفون شيئًا من هذا إلا من طالع الكتب، لذلك نقول: إن مطالعة الجدل مع المتكلمين فيه فائدة بلا شك، ولكن انتبه أن تطالع وأنت ضعيف في العلم؛ لأنك لو فعلت لضللت، لا بد أن يكون عندك حماية تحمي بها نفسك.\nلو قال قائل: ما هي<span data-type=\"title\" id=toc-280> الكتب التي ينصح بها لمطالعة كلام المتكلمين </span>والتي فيها ردود عليهم؟\nفالجواب: أنا ما رأيت أحسن من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله، لكن كلام ابن القيم - ﵀ - أسهل وأقرب إلى الفهم، ولذلك تعتبر كتب ابن القيم - ﵀ - سُلَّمًا لكتب شيخ الإسلام، وأما بقية المتكلمين فأكثر ما يكون الجدل بين الأشاعرة والمعتزلة، وهذا لا يكفي فإذا أردت العقيدة السليمة فعليك بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم - رحمهما الله تعالى - هذا أحسن ما رأيت.\nلو قال قائل: حديث النبي - ﷺ -: \"أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء، وإن كان محقًا\" (^١) هل هو على إطلاقه حتى مع أهل البدع؟\nفالجواب: ليس على إطلاقه، بل المراد المراء في غير الحق، أما المراء الذي يراد به إحقاق الحق وإبطال الباطل، فهو واجب، لكن مثلًا تَمَارَيْنا في شيء من أمور الدنيا، وأنا أعرف أن الصواب معي لكن لما رأيت صاحبي يريد أن يجادل تركته.\n_________\n(^١) رواه أبو داود، كتاب الأدب، باب: في حسن الخلق (٤٨٠٠).","vol":"1","page":139},{"text":"الفائدة الحادية عشرة: أن المجادل بالباطل يلجأ إلى المكابرة، أو إلى التهديد إذا كان له سلطة، المكابرة كما في هذه الآية ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ هذه مكابرة؛ لأن دعواهم ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ مكابرة بلا شك، وكل أحد يعرف أن القرآن الكريم ليس قول البشر، فضلًا أن يكون أساطير الأولين، ولكن هذه نهاية المجادلة والمكابرة؛ مثل ما يوجد الآن بين أهل البدع وأهل السُّنَّة تجد الواحد منهم يقول: نحن ما ثبت عندنا هذا الحديث حتى لو كان في البخاري ومسلم، أو يقول فيما يحتج به لبدعته: هذا عندنا ثابت بنقل الرواة العدول، وهذا أكثر ما يكون في الرافضة، ولهذا يقال: إن بعضهم زاد في القرآن نحو الثلث وحذف من القرآن الكريم، وهذه مكابرة، الإشكال أن المكابر لا تستطيع أن تقنعه أبدًا، لكن قد يهديه الله - ﷿ -، إذًا هؤلاء المجادلون المكابرون يقولون: إن هذا إلا أساطير الأولين وليس وحيًا.\nأما اللجوء إلى القوة فانظر إلى مجادلة فرعون وموسى حيث قال له فرعون: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] فلجأ إلى القوة والإرهاب، وتأمل قوله: ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩]، ولم يقل: لأسجننك، إشارة إلى أنه يريد أن يظهر بمظهر القوي الذي يسجن الناس وعنده مساجين، فيهدد موسى بأنه سيكون منهم.\n\nالفائدة الثانية عشرة: أن من جادل بالباطل لإدحاض الحق فهو كافر؛ لقوله: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فأظهر في موضع الإضمار، وكان مقتضى السياق أن يقول: (حتى إذا جاؤوك يجادلونك يقولون إن هذا إلا أساطير الأولين).","vol":"1","page":140},{"text":"والإظهار في موضع الإضمار من فوائده أن هذا المُظهَر إذا كان معنى من المعاني فإنه يكون شاملًا محيطًا بكل ما ينطبق عليه، فمن جادل بالباطل لإدحاض الحق فهو كافر، ثم إما أن يكون كافرًا كفرًا أصغر، أو كفرًا أكبر.\n* * *\n\n* قال الله - ﷿ - ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٢٦)﴾ [الأنعام: ٢٦].\nقوله: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ (هم) الضمير يعود على الكفار، المجادلين.\nقوله: ﴿يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾، أي: عمَّا جئت به من الوحي.\nقوله: ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾، أي: يبعدون، وقدم النهي على النأي مع أنه كان المتوقع أن يبدأ بالنأي الذي هو فعلهم بأنفسهم دون فعلهم بغيرهم، إشارة إلى شدة كراهتهم لما جاء به الرسول - ﵊ -، حتى إنهم يبدؤون بنهي الناس قبل أن يبتعدوا عنه.\nلو قال قائل: ذكر بعض المفسرين أن الآية نزلت في أبي طالب أن معنى (ينهون عنه)، أي: يدافع عنه، (وينئون عنه)، أي: أنه لا يؤمن؟\nفالجواب: هذا غلط عظيم؛ لأن الآية في سياق الذم للنهي عنه والنئي عنه، ومعلوم أن الدفاع عن النبي - ﷺ - ليس ذمًا بل هو محمود، لكنه لما وَجَدَ الصورة تشبه حال أبي طالب ظنها كذلك وهذا من تحريف القرآن، فالذم منصب على الأمرين.","vol":"1","page":141},{"text":"قوله: ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ (إن) هنا بمعنى (ما)، أي: ما يهلكون إلا أنفسهم وكما في آية أخرى ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النساء: ١١٣] فمجادلتهم ونهيهم الناس لا يضر النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - شيئًا، وإنما هو هلاك أنفسهم.\nفإن قيل: هل المراد هنا الهلاك الحسي أو المعنوي؟\nفالجواب: المراد الهلاك المعنوي؛ لأن هذا الكافر المجادل لا يموت بجداله، بل يبقى، لكنه حقيقة من الناحية المعنوية قد هلك.\nقوله: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾، أي: ما يشعر هؤلاء أنهم بهذا النهي عما جاء به الرسول - ﷺ -، والبعد عنه لا يشعرون أنهم بذلك أهلكوا أنفسهم، ولذلك تجدهم يفتخرون بما هم عليه من الكفر، حتى إن أبا سفيان قال في يوم أحد: (اعل هبل، اعل هبل)، يفتخر بالصنم الذي يعبده، ويقول: إنه علا على محمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، فقال لهم النبي - ﷺ -: \"أجيبوه\"، قالوا بماذا نجيبه؟ قال: \"قولوا الله أعلى وأجل\" (^١)، فالشاهد أن هؤلاء الكفار المجادلين لا يشعرون أنهم على ضلال - نسأل الله العافية - وهذا غاية ما يكون من الابتلاء، أن يرى الإنسان أنه على حق مع أنه على باطل، وكان من دعاء النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: \"اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبسًا علينا فنضل\" (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري: كتاب الجهاد والسير، باب: ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب، رقم (٣٠٣٩).\n(^٢) رواه البخاري، كتاب المغازي، باب: غزوة أُحد (٤٠٤٣).","vol":"1","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-289>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالفائدة الأولى: أن أعداء الإسلام ينهون عن الإسلام، ونهيهم عنه يستلزم أن يسلكوا كل طريق يبعد الناس عنه؛ لأن نهيهم عنه نهي حقيقي عن قلب، وهذا يستلزم أن يسلكوا كل طريق يبعد الناس عن شريعة الله، والأساليب في هذا مختلفة وكثيرة، فقد تكون بإيراد الشكوك، أو بالأفكار الفاسدة، أو بالأخلاق الفاسدة، أو بالتحريش بين الناس، أو ما أشبه ذلك.\n\nالفائدة الثانية: أن هؤلاء جمعوا بين الضلال والإضلال، الإضلال في قوله: ﴿يَنْهَوْنَ﴾، والضلال في قوله: (ينأون) وهذا أشد من العدوان والظلم.\n\nالفائدة الثالثة: أن كل من حاول إبطال الحق وإبعاد الناس عنه فإنما جَنى على نفسه، لقوله: ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ حتى لو برقت له الدنيا، وظهر له النصر الظاهري، فإنه في الحقيقة هالك، ومن ذلك ما تقدم من قول أبي سفيان في غزوة أحد: (اعل هبل)، وقال: (لنا العزى ولا عزى لكم)، فافتخر، وشمخ بأنفه، ولكن هذا الأمر لن يبقى، وستكون العاقبة عليه، هذا هو المتعين سواء في الدنيا، أو في الآخرة.\n\nالفائدة الرابعة: التحذير من سلوك الإنسان سبل الهلاك وهو لا يشعر، وقد بَيَّن الله تعالى ذلك في قوله: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر: ٨] فاحذر.\nولكن إذا قال قائل: ما الذي يدل الإنسان على كونه على صواب أم لا؟","vol":"1","page":143},{"text":"الجواب: أن يرجع إلى الكتاب والسُّنَّة وإلى هدي السلف الصالح ومنهجهم، فيعرف أنه على صواب أو على خطأ.\n* * *\n\n* قال الله - ﷿ -: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧)﴾ [الأنعام: ٢٧].\nقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾: (لو) شرطية، وهي حرف امتناع لامتناع والجواب محذوف، تقديره: لو ترى إذ وقفوا على النار لرأيت أمرًا فظيعًا عظيمًا جسيمًا، وإذا قلت: (لو جاء زيد لجاء عمرو) وفي مقابلها أداة الشرط (لما) كذلك إذا قلت: (لما جاء زيد جاء عمرو) فهي حرف وجود لوجود، وإذا قلت: (لولا زيد لجاء عمرو) (لولا) حرف امتناع لوجود، إذًا تقاسمت هذه الثلاث الوجود والعدم.\nوقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ الخطاب للنبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، أو لكل من يتأتى خطابه، أي: لو ترى أيها الرائي ﴿وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ وقفوا عليها، أي: أوقفتهم الملائكة؛ لأنهم هم أنفسهم لا يريدون النار، لكن يوقفون عليها اضطرارًا كما قال - ﷿ -: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣)﴾ [الطور: ١٣]، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ [الملك: ٨].\nقوله: ﴿إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ النار هي الدار التي أعدها الله - ﷿ - للكافرين، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)﴾ [آل عمران: ١٣١].\nقوله: ﴿فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ قالوا بألسنتهم أو بقلوبهم؟ الأصل أن القول باللسان بصوت وحرف.","vol":"1","page":144},{"text":"وقولهم: ﴿يَالَيْتَنَا﴾ (يا) للتنبيه، وليست حرف نداء، وإنما قلنا ذلك؛ لأن (ليت) حرف لا يصح أن ينادى، هذا هو الأسهل والأقرب، وقيل: إن (يا) حرف نداء، والمنادى محذوف، ويقدر بحسب ما يقتضيه السياق، فهنا يقدر بقول: (يا ربنا ليتنا نرد)، لكن ما قلناه أولًا أصح؛ لأنه أيسر، ولا يحتاج إلى تقدير، وإذا دار الكلام بين أن يكون فيه شيء مقدر أو لا، فإننا نأخذ بعدم التقدير؛ لأنه الأصل.\nوقوله: (ليت) للتمني، والتمني يكون في المحال وفي الصعب، أما في المحال كقول الشاعر:\nألا ليتَ الشبابَ يعودُ يومًا ... فأخبرهُ بما فعلَ المشيبُ (^١)\nأما في العسير فكقوله:\nقالت: ألا لَيْتَمَا هذا الحمامَ لنا ... إلى حَمَامَتِنا أو نِصْفَهُ فقدِ (^٢)\nوكقول الفقير: ليت لى مالًا فأتصدق منه، فهذا ليس بمحال لكنه عسير، وهنا قوله: ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ﴾ تمني محال أو تمني عسير؟ تمني محال؛ لأنه لا يمكن أن يردوا إلى الدنيا، مع أنهم لو ردوا لكان الأمر خلاف ما قالوه: ﴿وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ وهذه داخلة في ضمن التمنى، ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ كذلك فتمنوا ثلاثة أشياء:\nالأول: الرد إلى الدنيا.\nالثاني: ألا يكذبوا بآيات الله.\n_________\n(^١) البيت لأبي العتاهية، في ديوانه (ص ٤٦)، طبعة دار بيروت.\n(^٢) البيت للنابغة الذبياني، في ديوانه (ص ٢٤).","vol":"1","page":145},{"text":"الثالث: أن يكونوا من المؤمنين.\nولهذا جاءت (لا نكذبَ) بالنصب؛ لأن الواو هنا واو المعية، فالثاني مع الأول، وكذلك (نكون) جاءت بالنصب؛ لأن الواو واو المعية. فهم تمنوا هذا كله، ولكنهم كاذبون فيما قالوا، ولذلك قال الله - ﷿ -: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨].\nوفي قوله: ﴿وَلَا نُكَذِّبَ﴾ قراءتان قراءة بالرفع وقراءة بالنصب، فعلى قراءة النصب تكون الواو واو المعية، يعني: أنهم تمنوا أن يردوا ولا يكذبوا بآيات الله، وعلى قراءة الرفع تكون داخلة في قوله: ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ﴾، أي: مقول القول، والمعنى يقولون: ﴿فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾، فتكون الواو عاطفة على الجملة السابقة ﴿فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ﴾ وَلَا نُكَذِّبُ ﴿بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ والأول أبلغ، أي: قراءة النصب ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عطفًا عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-297>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالفائدة الأولى: شدة ندم الكافرين إذا وقفوا على نار جهنم، لكونهم يتمنون أمرًا لا يمكن أن يكون.\n\nالفائدة الثانية: إثبات النار، وهي الدار التي أعدها الله - ﷿ - للكافرين، وقد جاء في الكتاب والسُّنَّة من أصناف العذاب، فيها ما هو معلوم لكثير من الناس.\n\nالفائدة الثالثة: إثبات القول للناس بعد البعث، وأن الإنسان بعد البعث يقول ويفعل، كما يقول في الدنيا ويفعل.\n\nالفائدة الرابعة: إقرار هؤلاء بآيات الله - ﷿ - لقولهم: ﴿وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾.","vol":"1","page":146},{"text":"الفائدة الخامسة: إقرارهم بأنهم ليسوا مؤمنين؛ لأنهم تمنوا أن يكونوا مؤمنين، ولكنَّ هذا لا ينفع إذ قد انتهى كل شيء.\n\nالفائدة السادسة: جواز حذف المعلوم، والمعنى جوازه لغةً، وفي هذا يقول ابن مالك - ﵀ -:\nوحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ كَمَا ... تَقُولُ زيدٌ بعد مَنْ عِنْدَكُمَا (^١)\nفحذف ما يعلم جائز سواء كان المبتدأ، أو الخبر، أو الفعل، أو الفاعل، أو في كل كلام، فما هو المقدر في هذه الآية؟ المقدر: لرأيت أمرًا عظيمًا.\n* * *\n\n* قال الله - ﷿ -: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)﴾ [الأنعام: ٢٨].\nقوله: ﴿بَلْ﴾ إضراب لإبطال ما سبق من قولهم: ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: بل لن يؤمنوا ولو ردوا.\nقوله: ﴿بَدَا لَهُمْ﴾، أي: ظهر ﴿مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾، فما الذي كانوا يخفونه من قبل، هل هو تصديق الرسل بما جاءوا به، ولكن جحدوا والجحد إخفاء ما كان معلومًا؟ أو ما كانوا يخفون من قبل من الكفر الذي كانوا يكتمونه، حيث إنهم كانوا يُظهرون الإيمان ويُبطنون الكفر؟\nفعلى الأول يكون السياق في الكافرين، وعلى الثاني يكون السياق في المنافقين.\n_________\n(^١) البيت رقم (١٣٦) في الألفية.","vol":"1","page":147},{"text":"فإن قيل: هل يمكن أن نقول: إن الآية شاملة للمعنيين؟\nفالجواب: نعم؛ لأنه لا منافاة.\nلكن يشكل على كونها في المنافقين أن السورة مكية؛ لأن سورة الأنعام مكية نزلت في مكة جملة واحدة، فكيف يكون فيها إشارة للمنافقين؟\nوالجواب عن هذا الإشكال: أن لا إشكال؛ لأن الله - ﷾ - أخبر عما يكون يوم القيامة، ويوم القيامة يكون قد حصل النفاق، وأيضًا يذكر الله المنافقين في السور المكية تحسبًا لما يقع واستعدادًا لهم، قال الله - ﷿ - في سورة العنكبوت: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١)﴾، وهي مكية وعليه فلا إشكال، وتكون الآية شاملة للمعنيين، والقرآن الكريم عظيم تأتي فيه الآيات والجمل والكلمات تحتمل معانيَ متعددة، ولكن القرآن لعظمته يتسع لكل هذه المعاني، ما لم يكن بعضها منافيًا لبعض، فإن كان بعضها منافيًا لبعض طلب الترجيح.\nقوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا﴾، يعني: إلى الدنيا ﴿لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ إذًا فليس قولهم حقيقة بل هو كذب، ولهذا قال: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، فيكون المعنى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾، أي: من تكذيب الرسل ومن النفاق وإنهم لكاذبون في قولهم: ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-302>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالفائدة الأولى: أن الحقائق تظهر يوم القيامة وتبين، واقرأ قول الله - ﷿ - في سورة يس حيث قال الله - ﷿ - في","vol":"1","page":148},{"text":"آخر السورة عند ذكر نفخ الصور: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ فيقولون: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢]، أو يقال لهم: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾، فيتبين الأمر جليًا في ذلك الوقت، ولكنه لا ينفع من لم يؤمن به في حياته.\n\nالفائدة الثانية: تعلق علم الله بالمستحيل؛ لقوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾.\nفإذا قال قائل: هذا ليس بمستحيل؛ لأن الله قادر أن يعيدهم إلى الدنيا؟\nفيقال: إنه مستحيل حسب وعد الله - ﷿ -، فإن الله قد قضى أن الناس لا يرجعون إلى الدنيا، ولهذا إذا تمنى الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله أن يرجعوا إلى الدنيا فيقتلوا مرة ثانية، كما فعل عبد الله بن حرام، حين قال له الله - ﷿ -: \"تمنّ، قال: أتمنى أن أعود إلى الدنيا فأقتل فيك مرة أخرى، قال: إني قضيت أنهم إليها لا يرجعون\" (^١) وهذا قضاء كوني قدري.\nفإن قيل: هل هو مستحيلٌ حسب قدرة الله، أو حسب وعد الله؟\nفالجواب: حسب وعد الله، كالظلم بالنسبة لله - ﷿ - مستحيل حسب وعد الله - ﷿ -، لكنه قادر على أن يظلم، فهناك شيء مستحيل لذاته، وشيء مستحيل لغيره، إذًا قوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ فيه دليل على<span data-type=\"title\" id=toc-303> تعلق علم الله تعالى بالمستحيل</span>.\n_________\n(^١) رواه الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة آل عمران (٣٠١٠)، وابن ماجه في: المقدمة، باب: فيما أنكرت الجهمية (١٩٠)، والإمام أحمد في مسنده (١٤٤٦٧).","vol":"1","page":149},{"text":"فإذا قال إنسان: و<span data-type=\"title\" id=toc-304>هل يمكن أن يستحيل الشيء لذاته ويعلمه الله </span>- ﷿ -؟\nفالجواب: نعم، اقرأ قول الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وهذا مستحيل عقلًا، ولا يمكن، ومع ذلك عَلِم الله - ﷿ - أنه لو كان في السماوات والأرض آلهة سوى الله لفسدتا، إذًا عِلْم الله تعالى متعلق بالمستحيل، ومتعلق بالممكن مثل قوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ومتعلق بالواجب مثل عِلم الله ﵎ بما له من الصفات الكاملة، ولهذا نقول: أوسع الصفات في صفات الله - ﷿ - هي العلم.\n\nالفائدة الثالثة: أن الكافرين لا يستنزهون من الكذب حتى في الآخرة، وكذلك المنافقون؛ لأن الله تعالى كذبهم وقال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾.\n\nالفائدة الرابعة: تأكيد الشيء إذا دعت الحاجة إليه، إما لأهميته، وإما لكون المخاطب مترددًا فيه، أو لغير ذلك من الأسباب، فالمهم أن من الفصاحة والبلاغة أن يؤكد الخبر إذا دعت الحاجة، والتأكيد في الآية هو قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، فهو مؤكد بـ (إنَّ) و(اللام).\n* * *\n\n* قال الله - ﷿ -: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩)﴾ [الأنعام: ٢٩].\nقوله: ﴿وَقَالُوا﴾، أي: المنكرون للبعث ﴿إِنْ هِيَ﴾، أي: ما هي. ﴿إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾، يعني: لا توجد حياة أخرى هناك إلا الحياة الدنيا.","vol":"1","page":150},{"text":"ثم أكدوا هذه الجملة بقولهم: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾، وهذا إنكار صريح للبعث، مع أن البعث قد دل عليه الكتاب والسُّنَّة والعقل والإجماع، وسيأتي في الفوائد - إن شاء الله تعالى -.\nوقوله: ﴿حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ هل هي من الدنو رتبة ومنزلة، أو من الدنو وقتًا وزمنًا، أو منهما جميعًا؟\nالجواب: هي منهما جميعًا، فهي بالنسبة للآخرة قبل الآخرة فتكون دنيا، وهي بالنسبة للمرتبة أيضًا دنيا، أي: دون الآخرة، كما قال الله - ﷿ -: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ [الأعلى: ١٧]، ولهذا لا تجد في الدنيا سرورًا دائمًا أبدًا، يعني سرورًا للبدن وسرورًا للقلب، أي: نعيمًا للبدن والقلب لا يمكن دائمًا، فإما نعيم في البدن، وهو الرفاهية التي يدعو إليها الناس؛ فكثير من الناس الآن يدعون إلى الرفاهية، وأهم شيء عندهم الترفيه والرفاهية وهو نعيم البدن، لكنه يُوَلّدُ في القلب حسرة عظيمة وضيق صدر، وإما نعيم في القلب، وهذا للمؤمنين كما قال - ﷿: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]، ولكن مع ذلك لا بد للإنسان من وجود ما يُسَرُّ به وما يُساء به، فلا يمكن أن تجد في الدنيا شيئًا كاملًا من كل وجه، ولهذا انطبق الوصف تمامًا عليها، نسأل الله أن يرزقنا الزهادة فيها والرغبة في الآخرة.\nقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾، أي: بمخرجين من القبور، وليس عندهم دليل على هذا الإنكار إلا مجرد الأهواء والمكابرة، وإلا فما المانع، وقد أقام الله الدلائل العقلية والحسية والشرعية على وجوب البعث، أو على إمكانه، وأنه ليس بممتنع، لكن هم","vol":"1","page":151},{"text":"- والعياذ بالله - أنكروا هذا، ومن أجل إنكارهم له لم يعملوا للآخرة، وكان عملهم كله للدنيا، نسأل الله السلامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-308>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالفائدة الأولى: أن الكافرين ينكرون البعث؛ لأن قوله: ﴿وَقَالُوا﴾ معطوفة على ما سبق، وقد صرج الله - ﷿ - بهذا في قوله: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧].\n\nالفائدة الثانية: الإشارة إلى دنو الحياة الدنيا، وأنها ليست بتلك الحياة التي ينبغي للإنسان أن يحافظ عليها، وينسى الآخرة لقوله: ﴿الدُّنْيَا﴾، وقد جاء في الحديث \"لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء\" (^١)، وفي هذا يقول ابن القيم - رحمه الله تعالى (^٢) -:\nلو سَاوَتِ الدُّنيَا جناحَ بعوضَةٍ ... لَمْ يَسْقِ منها الرَّبُّ ذا الكُفْرَانِ\nلَكِنَّهَا واللهِ أَحْقَرُ عِنْدَهُ ... مِنْ ذَا الجَنَاحِ القَاصِرِ الطَّيَرَانِ\n\nالفائدة الثالثة: أن إنكار هؤلاء للبعث إنكار مكابرة، وجه ذلك أنه لو صَدَق ما قالوه لأصبح خلق الخلق عبثًا لا فائدة منه، أمم تحيا وتموت وتتقاتل وتتناحر، ثم لا يكون بعث يجازى فيه المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.\n_________\n(^١) رواه الترمذي، كتاب الزهد، باب: ما جاء في هوان الدنيا على الله ﷿ (٢٣٢٠).\n(^٢) البيتان (٤٩٥٤ - ٤٩٥٥) من الكافية الشافية، (٢٥٩/ ٤) طبعة دار عالم الفوائد.","vol":"1","page":152},{"text":"* قال الله - ﷿ -: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠)﴾ [الأنعام: ٣٠]\nقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ هذا موقف آخر، والخطاب في قوله: ﴿تَرَى﴾ إما للنبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، أو لكل من يتوجه إليه الخطاب.\nوقوله: ﴿إِذْ وُقِفُوا﴾، أي: حين وقفوا على ربهم.\nقد يقول قائل: كيف عبر عن المستقبل بالماضي فقال: ﴿إِذْ وُقِفُوا﴾، ولم يقل: إذ يقفون؟.\nفيقال: الشيء المحقق يعبر عنه بالماضي لتحقق وقوعه، ومنه قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]، فيكون هذا تصويرًا للحال المستقبلة؛ كأنها شيء حاضر ماضٍ.\nقوله: ﴿رَبِّهِمْ﴾، وهو الله - ﷿ -، وإنما أضاف ربوبيته إليهم مع أنهم من أراذل عباد الله إشارة إلى أنه - ﷿ - هو الخالق المالك المدبر لهم، فكان عليهم أن يقوموا بعبادته، فتكون إضافة الربوبية إليهم للإشارة إلى أن السلطان له عليهم - ﷿ -، ومع ذلك لم يؤمنوا به ولا برسله، ولا عملوا لهذا اليوم.\nقوله: ﴿قَالَ﴾ جملة استئنافية لبيان ما حصل عند الوقوف، ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقّ﴾، أي: بالصدق الثابت الذي لا مرية فيه، والمُشار إليه هو البعث الذي كانوا ينكرونه، وفي هذه الجملة حرف جر زائد وهو (الباء) في قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾، ويقول أهل العلم بالبلاغة في زيادة الحروف: إنها تدل على التوكيد، فعلى هذا تكون هذه الجملة مؤكدة بالباء الزائدة إعرابًا.","vol":"1","page":153},{"text":"قوله: ﴿قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾، فأجابوا بالجواب مع الإقسام، وكانوا قبل ذلك يقولون: لا نبعث، وهنا أقسموا على أن هذا البعث حق، ولكن لو سألنا سائل هل ينفعهم هذا الإقسام؟\nفالجواب: لا ينفعهم؛ لأن الدار الآخرة دار جزاء وليست دار عمل.\nوقوله: ﴿وَرَبِّنَا﴾ الواو هذه حرف قسم، والقسم كما سبق هو تأكيد الشيء بذكر معظم بأداة مخصوصة، وهي الواو، والباء، والتاء.\nقوله: ﴿قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾، يعني: قال الله - ﷿ - لما أقروا بأن هذا هو الحق، وتبين أن إنكارهم الأول كان كفرًا بإقرارهم.\nقوله: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ والأمر هنا للإهانة، وليس للتكريم؛ لأنه لا أحد يُكرم بالعذاب، وأطلق الذوق على العذاب لتحقق وقوعه، فإن ذوق الإنسان للشيء يعني أنه تيقنه تمامًا، فلو قلت لك مثلًا: في جيبي لك تفاحة، تُصَدِّق، فإذا رأيتها ازداد يقينك، فإذا أكلتها ازداد أكثر، ويسمى الأول علم اليقين، والثاني عين اليقين، والثالث حق اليقين.\nقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (الباء) للسببية و(ما) مصدرية، وعليه فيقدر ما بعدها بمصدر، ويكون التقدير بكونكم تكفرون، أي: تكفرون باليوم الآخر، وبمن أخبركم عن اليوم الآخر، وهم الرسل - عليهم الصلاة والسلام -، وبمن أرسلهم، لكن أين جواب (لو) في قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾؟\nالجواب محذوف، تقديره: (لرأيت أمرًا عظيمًا) وحذفه جائز، ولكن هل حذفه جائز مستوي الطرفين أو حذفه أبلغ؟","vol":"1","page":154},{"text":"الجواب: من أجل أن يذهب الذهن كلَّ مذهب؛ لأنه لو ذكر الجواب تحدد بما ذكر، لكن إذا حذف صار الإنسان يتصور هذا الشيء المحذوف شيئًا عظيمًا أكثر مما يوصف، فيكون حذفُ مثلِ هذا الشيء من باب البلاغة؛ لأنه مطابق لمقتضى الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-313>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالفائدة الأولى: إثبات ربوبية الله - ﷿ - لهؤلاء الكفار؛ لقوله: ﴿عَلَى رَبِّهِمْ﴾.\n\nالفائدة الثانية: أن لله ملائكة يأتون بالناس إليه - ﷿ -، بدليل قوله: ﴿إِذْ وُقِفُوا﴾، ولم يقل (إذ وَقَفُوْا) فهم يؤتى بهم ويقفون.\n\nالفائدة الثالثة: إثبات القول لله - ﷿ - لقوله: ﴿قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾.\n\nالفائدة الرابعة: أن قول الله بالحرف وبالصوت؛ الحرف في قوله: ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ هذه حروف، وبالصوت؛ لأنهم سمعوا وأجابوا: ﴿قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾\n\nالفائدة الخامسة: أن هذا القَسَم منهم يشعر بشدة الندم على إنكارهم الأول، فكأنهم كذبوا أنفسهم تكذيبًا مقرونًا بالقسم، ولا يخفى أن مثل هذا لا يخرج إلا من قلب متحسر، ولكن فات الأوان.\n\nالفائدة السادسة: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾، وإثبات الأسباب هو المطابق للواقع، واعلم أن الناس من أمة محمد - ﵊ - في إثبات الأسباب انقسموا ثلاثة أقسام:","vol":"1","page":155},{"text":"الأول: من أنكر الأسباب نهائيًا، وقال: إن الأشياء تأتي بمجرد الصدفة، وبمجرد أن الله خلقها.\nالثاني: من أثبت الأسباب على أنها مؤثرة بذاتها، وهؤلاء هم الماديون، الذين يعتقدون أن الكون يتفاعل بنفسه، وإن انتسبوا للأمة، مثل بعض الفلاسفة أو المتفلسفة.\nالثالث: من أثبت الأسباب لكنها تؤثر بما أودع الله فيها من القوة لا بنفسها، وهذا القول هو الوسط المتعين، ولذلك نجد أن الأشياء تتغير مسبباتها بتقدير الله - ﷿ -، فالنار التي أوقدت لإبراهيم كانت بردًا وسلامًا، مع أننا لو رجعنا إلى السبب نفسه لكانت محرقة، لكن هي لا تكون محرقة إلا بإرادة الله - ﷿ -، ونجد أن الله - ﵎ - يحدث أشياء لا نعلم أسبابها، مما يدل على أن السبب ليس هو الفاعل، ولكن الفاعل هو الله - ﷿ -، ولكنه لحكمته جعل لكل شيء سببًا.\n\nالفائدة السابعة: حذف ما كان معلومًا؛ كما سبق في الآيات السابقة.\n* قال الله - ﷿ -: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٣١)﴾ [الأنعام: ٣١].\nقوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ هذه الجملة مؤكَّدة بمؤكد واحد وهو (قد)، والحروف المؤكِّدة كثيرة، منها ما يسبق، ومنها ما يتأخر، فـ (اللام) في قولك: إن زيدًا لقائم، هذه مؤكدة","vol":"1","page":156},{"text":"لكنها متأخرة، وقد ذكرها علماء أهل البلاغة حينما تكلموا على الخبر وأقسامه، وأنه ابتدائي وطلبي وإنكاري، وتكلموا على حروف التوكيد، فمن أراد استيعابها فليرجع إليها.\nقوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ أطلق الله - ﷿ - الخسارة، ولم يقل (خسروا أنفسهم)، ولا أهليهم، ولا شيء، فيكون ذلك خسرانًا مطلقًا، وصدق الله - ﷿ -، فما أخسر الذين كذبوا بلقاء الله! لأن هؤلاء لن يعملوا للقاء الله، فيكون وجودهم في الدنيا خسرانًا لا فائدة منه، بل فيه مضرة؛ لأن وجود الإنسان في الدنيا مع كفره بالله - ﷿ - شرٌّ من كونه لم يوجد أصلًا، وشرٌّ من وجود البهائم؛ لأن البهائم توجد في الدنيا ثم تفنى، ثم تبعث يوم القيامة ولا حساب عليها، وهذا عليه حساب، ولهذا تمنى بعض الصحابة - ﵃ -، ومنهم عمر بن الخطاب أنه شجرة تعضد، أي: تقطع، وقال: \"وددت أن أخرج منها - أي: من الدنيا - كفافًا لا عليَّ ولا لي \" (^١)، هذا وهو عمر - ﵁ -، فما بالك بمن دونه؟ فكل من لم يعمر أوقاته بطاعة الله - ﷿ - ونعوذ بالله أن يجعلنا منهم - فإنه خاسر، فاته الربح.\nوقوله: ﴿كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾، أي: باللقاء معه، والله - ﷾ - يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦)﴾ [الانشقاق: ٦] لا بد أن هذا الذي أمرك، ونهاك\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب المناقب، باب: قصة البيعة والاتفاق على عثمان بن عفان (٣٧٠٠)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب: الاستخلاف وتركه (١٨٢٣).","vol":"1","page":157},{"text":"وأرسل إليك الرسل وأعطاك العقل، لا بد أن تلاقيه، فيحاسبك، والمراد أنهم كذبوا بالبعث الذي يكون فيه لقاء الله.\nقوله: ﴿حَتَّى﴾ ابتدائية، تفيد فصل ما بعدها عما قبلها. ﴿إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ﴾ هي ساعة القيامة، وقد يراد بالساعة ساعة فراقهم للدنيا؛ لأن من مات فقد قامت قيامته، وانتقل من دار العمل إلى دار الجزاء.\nوقوله: ﴿بَغْتَةً﴾، أي: من غير احتساب لها، والساعة الكبرى تكون بغتة، تأتي الناس والإنسان قد جهز حوض إبله ليسقيها فلا يتمكن (^١)، وقد رفع اللقمة إلى فمه فلا يتمكن، والرجلان قد نشرا الثوب بينهما ليبيعه أحدهما على الآخر، فلا يتمكن من إتمام العقد (^٢).\nقوله: ﴿قَالُوا﴾ جواب (إذا).\n﴿يَاحَسْرَتَنَا﴾ (يا) ليست للنداء؛ لأن الحسرة لا تُنادى، والحسرة هي الندم والتحسر على الشيء الذي فات، وعليه تكون\n_________\n(^١) قال - ﷺ -: \"ينفخ في الصور، فلا يسمعه أحد الا أصغى ليتا ورفع ليتًا، وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله، فيصعق ويصعق الناس\" والليت هو صفحة العنق، أخرجه مسلم: كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب: في خروج الدجال ومكثه في الأرض، رقم (٢٩٤٠).\n(^٢) قال - ﷺ -: \"ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعان ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه. ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقى فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أحدكم أكلته إلى فيه فلا يطعمها\"، أخرجه البخاري: كتاب الرقاق، باب (٤٠)، رقم (٦٥٠٦)، ومسلم: كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب: قرب الساعة، رقم (٢٩٥٤).","vol":"1","page":158},{"text":"(يا) للتنبيه، كأنهم قالوا: ما أعظم حسرتنا، وقيل: إن (يا) للنداء، وأن الحسرة تُخِيَّل كأنها شيء عاقل يتوجه إليه النداء، وعلى هذا القول يكون المعنى يا حسرتنا احضري، فهذا أوانك، والمعنى لا يختلف بين هذا وهذا، غاية ما هنالك التقدير، وعدم التقدير.\nقوله: ﴿عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ التفريط: هو التقصير، و(فيها) الضمير يعود على الساعة، أي: فرطنا في الاستعداد لها؛ لأنهم أضاعوا أعمارهم بما لا فائدة فيه بل بما فيه مضرة أحيانًا.\nقوله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾، يعني: يوم القيامة يحملون أوزارهم على ظهورهم، أي: جزاء أعمالهم على ظهورهم، والله تعالى يعبر دائمًا عن الجزاء بالعمل، لفائدتين:\n\nالفائدة الأولى: أن يصلح الإنسان عمله.\nوالفائدة الثانية: أن يُعْلَمَ أن الجزاء من جنس العمل؛ لأن الجزاء على العمل دائر بين أمرين لا ثالث لهما، الأول: الفضل، والثاني: العدل، ولا ظلم؛ فإن كان العمل حسناتٍ فبالفضل، وإن كان سيئاتٍ فبالعدل؛ وربما يكون بالفضل حيث يعفو الله عنهم - ﷿ -.\nوقوله: ﴿يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾، أي: يحملون جزاء الأعمال على ظهورهم حملًا حقيقيًا، فالواجب أن نحمل الآيات على ظاهرها.\nولا يقول قائل: كيف يحمل الجزاء على الظهر؟، فيوم القيامة لا يُقاس بأيام الدنيا؛ لأن الحال تختلف اختلافًا عظيمًا، فمن الجائز الممكن أن الله تعالى يخلق هذه الجزاءات حتى تكون","vol":"1","page":159},{"text":"أجسامًا تحمل على الظهور، وما المانع؟ وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]، ولا يجوز أبدًا أن نقيس أحوال الآخرة بأحوال الدنيا؛ لأنك إذا قرأت القرآن، وعلمت ما جاء في السُّنَّة من أحوال يوم القيامة تجزم أنه ليس هناك اتفاق، ولا يمكن أن يقاس بعضها على بعض.\nولو قال قائل: قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢] أليست هذه الآية صريحة في أن الذي يُحْمَل الخطايا والأوزار لا جزاء الأعمال؟\nفالجواب: يوم القيامة ليس هناك أعمال، بل لا يكون إلا الجزاء فقط.\nقوله: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ (ساء) بمعنى بِئْسَ، و(ألا) أداة استفتاح وتنبيه، وربما نقول في هذا الموضع زيادة أخرى وهي التحذير من الأعمال السيئة.\nوقوله: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ (ما) إن جعلتها اسمًا موصولًا احتجت إلى عائد، وإن جعلتها مصدرية لم تحتج إلى عائد، فما هو التقدير؛ إذا جعلناها اسمًا موصولا فالتقدير: ألا ساء ما يزرونه، وأما إذا جعلناها مصدرية فلا تحتاج إلى ضمير، ولكن تحتاج إلى سبك، أي: تحويل الفعل مصدرًا، وعليه يكون التقدير: (ألا ساء وزرهم)، ولكنَّ المعنى لا يختلف وهو أن الله تعالى ذم هذا الذي يحملونه على ظهورهم من الأوزار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-324>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالفائدة الأولى: بيان خسران الكافرين المكذبين بالبعث، وأنهم مهما ظنوا أنهم ربحوا فهم خاسرون، ولكن متى يعلمون","vol":"1","page":160},{"text":"أنهم خاسرون؟ إذا جاء الأجل، أما الآن فهم في سكرة لا يدرون، ولهذا لو انتصروا اقتصاديًا، أو عسكريًا، أو فكريًا لظنوا أنهم رابحون، ولكنهم خاسرون.\n\nالفائدة الثانية: وجوب الإيمان بلقاء الله، بدليل ثبوت الخسران لمن كذب به، ومعلوم أنه لا يحل للإنسان أن يوقع نفسه في الخسران.\nلو قال قائل: هل من لقاء الله - ﷿ - النظر إليه؟\nقلنا: استدل بعض العلماء - ﵏ - على النظر إلى الله - ﷿ - بهذه الآية، وبقوله: ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: ٦]، وقالوا: إن اللقاء لا يكون إلا مواجهة، وعلى هذا فيكون في الآية دليل على ثبوت رؤية الله - ﷿ -، وثبوت رؤية الله ثابت بالنص القرآني والنبوي، والإجماع من الصحابة - ﵃ - وأئمة الهدى من بعدهم، فمن أدلة إثبات النظر إلى الله في القرآن قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٣] فإن قال الخصم إنها على تقدير: إلى ثواب ربها ناظرة، أي: ما في الجنة من النعيم والحور العين، وكل شيء فيقال: لو أراد الله - ﷿ - أن يبيِّن أنها تنظر إلى ثواب الله، لقال ذلك، فكون الله - ﷿ - يريد ثواب الله ثم يأتي بقوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا﴾ هل هذا بيانٌ أو تعمية؟ هذا تعمية على الخلق والله - ﷿ - يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]، ويقول: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، ثم ما دليلك على أن تقحم هذه الكلمة في القرآن؟ أنت إذا أجزت هذا، أجزت لمن أراد أن يعبر عن القرآن بالمعنى أن يقول:","vol":"1","page":161},{"text":"﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢)﴾ [القيامة: ٢٢] إلى ثواب ربها ناظرة، وهذا التحريف ظاهر.\nومن السُّنَّة: قال النبي - ﷺ -: \"إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته\" (^١)، وهذا التشبيه للتحقيق، يعني: كما أنكم في أماكنكم المتباعدة ترون القمر ليلة البدر بدون انضمام بعض إلى بعض، فإنكم سترون الله - ﷿ -، ولما سأل أبو رَزين العقيلي النبي - ﷺ - قال: يا رسول الله كيف يحاسبنا الله تعالى جميعًا في يوم واحد وهو واحد؟ قال: \"ألا أدلك على شيء من آلاء الله؟ قال ما هو؟ قال: \"القمر كلكم يراه في مكانه وهو واحد، وأنتم جماعة كثيرون\" (^٢)، إذًا لحديث دليل على ثبوت رؤية الله بالعين.\nأما الإجماع فقد أجمع الصحابة والتابعون على رؤية الله - ﷾ - لكن بماذا استدل العلماء على هذا الإجماع، يعني: كيف يكون السبيل، أو الطريق إلى إثبات هذا الإجماع؟\nنقول طريقه أن يقال: إن الصحابة لمّا قرؤوا القرآن وسمعوا الأحاديث من الرسول - ﷺ -، ولم يأت عن أحد منهم أنه قال بخلاف ظاهرها فيكون هذا إجماعًا منهم إقراريًا، وليس سكوتيًا إجماعًا منهم على أنها على ظاهرها، وهذه حجة لا إشكال فيها، هات واحدًا من الخلفاء الراشدين، أو غيرهم من الصحابة يقول:\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢)﴾ ... (٧٤٣٤).\n(^٢) رواه ابن ماجه في: المقدمة، باب: فيما أنكرت الجهمية (١٨٠).","vol":"1","page":162},{"text":"(إن الرؤية ما أعد - الله لهم من الجنة والثواب وليس برؤية الله)، لا تستطيع، أئمة الهدى من بعدهم تبعوهم، فالآية التي معنا وهي قوله: ﴿كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ استدل بها بعض العلماء على ثبوت رؤية الله - ﷾ - محتجًا بأن الملاقاة لا بد أن تكون مواجهة، فإن صح هذا الاستدلال وإلا فنحن في غنى عنه، وإذا لم يصح هذا الاستدلال فالمراد بلقاء الله البعث بعد الموت؛ لأن الكافر لن يرى الله ﷾ كما قال - ﷿ -: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥].\nولو قال قائل: الذي يقول إن الله يُرى لكن لا من جهة هل يعتبر أثبت الرؤية؟\nفالجواب: لا يمكن أن يرى الشيء بدون جهة أبدًا، وهذا من غريب قولهم، والظاهر لي - بناءً على ما نعرف من ذكائهم - أنهم يريدون من قولهم: أنه لا يُرى من جهة، يريدون أنه يُرى ولكن لا تثبت الجهة، وبينهما فرق، فنحن إذا قلنا: (لا يرى من جهة) معناه: الإنكار، وإذا قلنا: (إنه يرى لا من جهة)، أي: لا تثبت الجهة؛ فليس كالأول، والذي يجب أن نقول: إن الله تعالى في جهة بلا شك، وهي جهة العلو، أليس الرسول - ﷺ - قال للجارية: \"أين الله؟ \" قالت: في السماء (^١) لكن جهة تحيط به - ﷿ -، أو جهة لا تليق به؛ كجهة السفل هذا ممنوع، وهؤلاء المتكلمون أوتوا ذكاء لكن يجب أن نعرف<span data-type=\"title\" id=toc-328> الفرق بين الذكاء والعقل</span>، فالذكاء سرعة إدراك الشيء، لكن العقل حسن\n_________\n(^١) رواه مسلم، كتاب المساجد، باب: تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته (٥٣٧).","vol":"1","page":163},{"text":"التصرف، وليس كل ذكي عاقلًا، ولا كل عاقل ذكيًا؛ فيوجد من العقلاء القائمين بأمر الله - ﷿ - على ما يرضي الله مَنْ هو بليد حتى رُويَ حديث ضعيف \"أكثر أهل الجنة من البُلْه\" (^١) يعني الأبله لكنه موضوع، وبعض العلماء جعل له وجهًا قال: إنهم بُلْه في أمور الدنيا، ولكنهم أذكياء في أمور الآخرة، لكن الحديث موضوع ولا حاجة للجهد في تفسيره.\n\nالفائدة الثالثة: أن الساعة تأتي بغتة، سواء كانت الساعة الكبرى، أو الساعة الصغرى، فالساعة الصغرى تأتي بغتة فتأتي الزلازل بغتة، وتأتي العواصف والقواصف بغتة، وقد حذر الله - ﷿ - من هذا فقال: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧)﴾ [الأعراف: ٩٧]، أي: سادرون، لا يفكرون في عذاب، فيأيتهم وهم نائمون، ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨)﴾ [الأعراف: ٩٨] لاهون، لم يفكروا أن يأتيهم العذاب فيأتيهم العذاب ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٩٩]، بما أنعم عليهم من الأمن والرغد والرخاء، فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. فصارت البغتة هنا الساعة الكبرى والصغرى.\n\nالفائدة الرابعة: شدة تحسر هؤلاء الذين كذبوا بلقاء الله،\n_________\n(^١) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (٢/ ٤١١)، رقم (١٩٨٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢/ ١٢٦)، رقم (١٣٦٨)، وقال الزين العراقي: \"صححه القرطبي في التذكرة، وليس كذلك، فقد قال ابن عدي: إنه منكر، وسبقه له ابن الجوزي، فقال: حديث لا يصح\". وقال القاري في المصنوع (٥٧)، رقم (٣٤)، \"موضوع\". وقال ابن عدي: \"حديث باطل\".","vol":"1","page":164},{"text":"وإقرارهم على أنفسهم بأنهم فرطوا، ولكن هل هذا ينفعهم؟\nالجواب: لا؛ فقد انتهى العمل، فلا ينفعهم شيء فات ولا يمكن رده، ولهذا أقروا أنهم مفرطون.\n\nالفائدة الخامسة: أن أهل الأوزار يحملون أوزارهم على ظهورهم يوم القيامة حقيقة؛ لا مجازًا؛ لأن هذا هو الواجب، أن نجري النصوص القرآنية والنبوية على ظاهرها.\nفإذا قال قائل: كيف يحملونها؟\nفالجواب: أن هذا سؤال في غير محله؛ لأن أحوال الآخرة لا تقاس بأحوال الدنيا.\n\nالفائدة السادسة: أن<span data-type=\"title\" id=toc-330> الأعمال محل الثناء والقدح</span>، لقوله: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ هذا قدح، ومحل الثناء مثل قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠]، فالأعمال محل القدح ومحل المدح.\nوإذا ثبت القدح في العمل، أو المدح فهل يستلزم القدح في العامل أو المدح له؟\nالجواب: نعم يستلزم قدحه إن أساء ومدحه إن أحسن، وهذا هو الأصل، لا سيما في أمور الدنيا، فإنه ليس لنا إلا الظاهر، أما أمور الآخرة فعند الله، ولهذا لو أننا رأينا شخصًا يسجد لصنم قلنا: كافر، مع أنه يحتمل أن يكون جاهلًا، فإن استقام ووحّد الله ارتفع عنه هذا الوصف وإلا فهو باقٍ، وليعلم أن بعض الناس توسعوا في مسألة التعيين والتعميم حتى إن بعضهم شك هل يجوز أن نقول: لمن سجد للصنم إنه كافر؟\nفالله المستعان كيف لا تقول؟! قُلْ ولا تبالِ.","vol":"1","page":165},{"text":"وأيضًا هل نقول لمن ترك الصلاة إنه كافر؟. نقول: قل ولا تبالِ، إذا لم تقل فمتى يكون كفرًا؟!! ومتى يكون شركًا؟!! نعم إذا وجد مانع من التكفير فحينئذٍ يكون لكل شيء حكم، أما الأصل فإننا نحكم على كل من فعل ما يُكفر، أو قال ما يكفر، بأنه كافر بعينه، حتى نقيم عليه الحد. فإذا ادّعى مانعًا نظرنا هل هذا صحيح، أو غير صحيح، ونحكم لكل قضية بما تقتضيه الحال.\n* قال الله - ﷿ -: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٣٢)﴾ [الأنعام: ٣٢].\nقوله: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا﴾ (ما) نافية و(الحياة) مبتدأ، وما بعد (إلا) هو الخبر، وهذا طريق من طرق الحصر بالنفي والإثبات، وهو<span data-type=\"title\" id=toc-334> أقوى طرق الحصر</span>.\nوقوله: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ الحياة الدنيا هي حياتنا هذه، ووصفت بالدنيا لوجهين: الوجه الأول: دنو زمنها، والوجه الثاني: دنو مرتبتها، أما الأول فظاهر فإن الدنيا قبل الآخرة، وأما الثاني فظاهر أيضًا لمن كان ذا عقل فإن هذه الدنيا دنية، ليس فيها خير، وغاية ما فيها أن ينعم البدن دون القلب، فأهل الدنيا محرومون من نعيم القلب؛ لقول الله ﵎: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ﴾ [النحل: ٩٧]، فالحياة الطيبة لمن جمع بين هذين الوصفين، الأول: العمل الصالح، والثاني: الإيمان.\nإذًا كما تقدم سميت دنيا لهذين الوجهين، الأول: دنو الزمن، والثاني: دنو القدر والمرتبة؛ فإنها دانية حتى إن النبي - ﷺ -","vol":"1","page":166},{"text":"قال فيما رواه الإمام أحمد عن المستورد بن شداد قال: \"لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها\" (^١) من الدنيا كلها، من أولها إلى آخرها وما فيها، وهو موضع سوط، فكيف والإنسان في الجنة ينظر إلى أقصى ملكه، كما ينظر إلى أدناه مسيرة ألفي عام، اللهم اجعلنا من أهلها يا رب العالمين.\nقوله: ﴿إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْو﴾، أي: لعب بالأبدان، ولهو بالقلوب، فكل عمل الدنيا لعب، وكل عمل الدنيا لهو، لكنه لهو بشيء عن شيء، لهو بأعمال الدنيا عن أعمال الآخرة، ولعب لأن فاعله لا يحصل على شيء، فأدنى ما يقال إنه ليس له ولا عليه في هذا العمل، مع أنه قد يكون عليه، وإذا كان لا له ولا عليه فهل هو جد أو لعب؟ لعب بلا شك.\nوإذا قال قائل: كيف يكون لعبًا، وأهل الدنيا عندهم جد وعزيمة ونشاط في أعمالهم؟\nقلنا: لكنه بالنسبة للثواب والأجر لعب لا خير فيه. قوله: ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ (اللام) هنا لام الابتداء، وتفيد التوكيد، والدار الآخرة فيها قراءتان: الأولى ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ﴾، والثانية ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ بالإضافة، والدار الآخرة هي عديلة الدنيا، وضرة الدنيا، وهي ما يكون بعد البعث، وسماها الله تعالى آخرة؛ لأنها آخر المراحل، فإن بني آدم لهم أربع مراحل.\nالمرحلة الأولى: في بطون الأمهات.\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب: فضل رباط يوم في سبيل الله (٢٨٩٢).","vol":"1","page":167},{"text":"والمرحلة الثانية: في هذه الحياة.\nوالمرحلة الثالثة: في البرزخ بين البعث والممات.\nوالمرحلة الرابعة: في البعث بعد الممات إذا قامت الساعة، ولذلك سميت آخرة.\nوقوله: ﴿خَيْرٌ﴾ من المعلوم أن سياق الكلام يقتضي أنها خيرٌ من الدنيا ولعبها ولهوها، وحذف المفضل عليه للعلم به، ومن قواعد البلاغة أن المعلوم الذي لا يحتاج إلى تكلف في تقديره حَذْفُه أولى، لما في ذلك من الاختصار، وقد يكون الأمر بالعكس، أن تقتضي البلاغة أن يبسط في القول.\nوقوله: ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، أي: يتقون الله - ﷿ -، وتقوى الله تعالى يجمعها اتخاذ وقاية من عذاب الله، بفعل الأوامر واجتناب النواهي، على علم وبصيرة، وبعضهم يتفنن في تعريفها؛ كقوله (^١):\nخَلِّ الذنوبَ صغيرهَا ... وكبيرهَا، ذاكَ التُّقَىَ\nواعملْ كمَاشٍ فوقَ أر ... ضِ الشَّوكِ يحذرُ مَا يَرَى\nلاتَحْقِرَنَّ صغيرةً ... إنَّ الجبالَ مِنَ الحَصَى\nوبعضهم يقول: \"أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله، على نور من الله، تخشى عقاب الله \"، لكن الأول أجمع وأوضح؛ لأنه يعرف به اشتقاق التقوى.\nقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ الاستفهام هنا للتوبيخ، والمعنى:\n_________\n(^١) الأبيات لابن المعتز في ديوانه (٢/ ٣٧٦) طبعة دار المعارف.","vol":"1","page":168},{"text":"اعقلوا هذه الحقيقة، واعرفوا قدر الدنيا وقدر الآخرة، والمراد بالعقل هنا عقل الرشد لا عقل التكليف؛ لأن هؤلاء يعقلون لكنها ليست عقول رشد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-342>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالفائدة الأولى: التزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة؛ وجه ذلك أنه وصف الدنيا بقوله: ﴿لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾، ووصف الآخرة بقوله: ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾.\n\nالفائدة الثانية: أن الدنيا كلها لعب ولهو، لعب في الجوارح، ولهو في القلوب.\n\nالفائدة الثالثة: أنه لا حال للدنيا سوى ذلك، وجه الدلالة الحصر في قوله: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾.\n\nالفائدة الرابعة: أن الدار الآخرة خير للمتقين من الدنيا، وعلى هذا فما يصيبهم في الدنيا من الأذى في الله - ﷿ -، أو أمراض تصيبهم، أو في فقد حبيب، أو ما أشبه ذلك، فإنه في الآخرة ينسى وكأنه لم يكن؛ لأن الدار الآخرة تمحو كل شيء سبق، وكأنه لم يكن.\n\nالفائدة الخامسة: إثبات الدار الآخرة؛ لأن إثبات وصفها يدل على وجود أصلها.\n\nالفائدة السادسة: أن الآخرة خير لهؤلاء المتصفين بالتقوى، ولغيرهم ليست خيرًا، بل هي شر، ولهذا جاء في الحديث: \"أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر\" (^١)، فهي بالنسبة للمؤمن سجن؛\n_________\n(^١) رواه مسلم، كتاب الزهد والرقائق (٢٩٥٦).","vol":"1","page":169},{"text":"لأنه لو نَسَبَ نعيم الدنيا كله إلى نعيم الآخرة لم يكن شيئًا، أما الكافر فهي جنته؛ لأنه في الدنيا كان في أهله مسرورًا، لكن في الآخرة على العكس من ذلك، ويروى عن الحافظ ابن حجر، وكان رئيس القضاة في مصر، أنه مَرَّ بيهودي زيَّات، قد تعب من أذى الزيت والحرارة وغير ذلك، وابن حجر - ﵀ - تجره الخيول، أو البغال على العربة؛ لأنه كان قاضي القضاة في مصر، فاستوقفه هذا اليهودي، وقال: كيف تكون أنت في هذه الحال، وأنا في هذه الحال، والحديث عندكم \"إن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر؟ \" فأجابه على البديهة، قال: ما المؤمن فيما فيه من النعيم بالنسبة للآخرة إلا سجن، وما البؤس، أو الشقاء الذي أنت فيه بالنسبة للآخرة إلا جنة، فعلم اليهودي الحقيقة وأسلم (^١).\nوقد ذكر الله تعالى في<span data-type=\"title\" id=toc-343> تفضيل الآخرة على الدنيا </span>ثلاث آيات.\nالآية الأولى: تتعلق بشخص معين.\nوالثانية: بمعين بوصفه.\nوالثالثة: مطلقة.\nأما الآية المقيدة بشخص معين فهي قوله تعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤)﴾ [الضحى: ٤]، وهو الرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -.\nوالمعينة بوصف هي قوله تعالى: ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، وقوله: - ﷿ -: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [النساء: ٧٧].\n_________\n(^١) ذكرها المناوي في فيض القدير (٣/ ٥٤٦)، والعجلوني في كشف الخطا (١/ ٤١١) طبعة مكتبة القدسي.","vol":"1","page":170},{"text":"والمطلقة: كما في آخر سورة سبح ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ [الأعلى: ١٦، ١٧]\n* قال الله - ﷿ -: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)﴾ [الأنعام: ٣٣].\nقوله: ﴿قَدْ﴾ للتحقيق، وقال النحويون إنها مع الماضي للتحقيق، ومع المضارع للتقليل، لكن نقول: أن هذا هو الغالب، أنِ تكون مع الماضي للتحقيق؛ كقوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ [ق: ٤]، وتكون مع المضارع للتقليل؛ كقولهم: قد يجود البخيل فقد هنا للتقليل.\nلكنها وردت في القرآن مقرونة بالمضارع مع دلالتها على التحقيق مثل قوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [النور: ٦٤]، ومثل هذه الآية ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ﴾ لكن عبر عن الماضي بالمضارع إشارة إلى أن الله - ﷿ - علم ويعلم ما يكون، فتكون دالة على الاستمرار، بخلاف (عَلِمَ) الماضي فهي دالة على شيء مضى وانتهى، لكن إذا كان الشيء مستمرًا جاءت بلفظ المضارع.\nوقوله: ﴿إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ﴾ جاءت همزة (إنَّ) مكسورة مع أنها واقعة بعد العِلْم، وإذا وقعت بعد العِلم وجب أن تكون مفتوحة الهمزة، كما في قوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧].\nفلماذا كسرت الهمزة هنا؛ ولماذا كسرت في قوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٥]؟","vol":"1","page":171},{"text":"الجواب: أنها كسرت لوجود لام التوكيد، وإذا وجدت لام التوكيد وجب كسر همزة (إنَّ) على كل حال، ولولا اللام لكان سياق الآية (قد نعلم أنه يحزنك).\nوقوله: ﴿لَيَحْزُنُكَ﴾ فيها قراءتان: \"ليُحْزِنك\" و﴿لَيَحْزُنُكَ﴾، \"ليُحْزنك\" من الرباعي من أحزنه يُحزِنهْ؛ و(ليَحْزُنُكَ) من الثلاثي حَزِنَهُ يَحزُنه، والحزن ضد السرور، وهو معنى قائم بالنفس يستلزم الانكسار والندم.\nقوله: ﴿الَّذِي يَقُولُونَ﴾ وما الذي يقولون؟ إنهم يقولون قولًا منكرًا عظيمًا، يقولون: لله البنات، يقولون: نعبد الأصنام؛ لتقربنا إلى الله - ﷿ -، يقولون للرسول ﵊: إنه ساحر، وإنه مجنون، وإنه كاهن، فكل ما يقولونه مما ينافي التوحيد والرسالة لا شك أنه يحزن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -.\nوهل هذا انتصار لنفسه، أو غضب لله - ﷿ -، أو حزن لله - ﷿ -؟\nالجواب: أنه غضب لله - ﷿ - بلا شك.\nقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ وهذا قول: عالم السر وأخفى - ﷿ - الذي يعلم ما في القلوب فإنهم ﴿لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾، أي: في قلوبهم، وأما في ألسنتهم فإنهم يقولون إنه ساحر كذاب، لكن في قلوبهم يعلمون أنه صادق، وأنه أمين، وكانوا يسمونه قبل الرسالة: الأمين، ويرضونه ويحكّمونه، ولما جاء بالحق شَرِقوا به وأنكروه - والعياذ بالله -.","vol":"1","page":172},{"text":"قوله: ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ والمراد بهم المكذبون لرسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، فهو ظلم الكفر.\nوقوله: ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿يَجْحَدُونَ﴾، وقُدِّم عليه لإفادة الحصر، ولتناسب رؤوس الآيات.\nففيها إذًا فائدتان معنوية ولفظية.\nأولًا لفائدة المعنوية: هي إفادة الحصر كأن المعنى: (ولكن الظالمين لا يجحدون إلا بآيات الله) وإلا فهم يعترفون بأشياء كثيرة إلا آيات الله فإنهم لا يعترفون بها.\nوالفائدة اللفظية: لتناسب رؤوس الآيات؛ لأن تناسب رؤوس الآيات من البلاغة بلا شك، ولهذا تأمل قول الله - ﷿ - في سورة طه ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه: ٧٠]، فقدم هارون مع أن موسى مقدم في جميع المواضع، لكن من أجل تناسب رؤوس الآيات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-351>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالفائدة الأولى: إثبات علم الله - ﷿ - بكل ما يقوله هؤلاء المكذبون؛ لقوله: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾.\n\nالفائدة الثانية: تسلية النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، وتقوية روحه المعنوية، فإن في هذه الآية من تسليته وتقوية روحه المعنوية ما هو ظاهر، وهكذا ينبغي للإنسان أن يسلي أخاه بما يقع لمثله حتى يهون عليه الأمر؛ لأن الإنسان بطبيعته إذا وجد مشاركًا هان عليه الأمر، ألم ترَ إلى قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)﴾","vol":"1","page":173},{"text":"[الزخرف: ٣٩]، وكانوا في الدنيا إذا اشتركوا في العذاب هان عليهم، لكن في الآخرة لن ينفعهم، وانظر إلى قول الخنساء (^١):\nولولا كثرةُ البَاكينَ حولي ... على إخوانهمْ لقتلتُ نفسي\nومايبكونَ مثلَ أخي ولكنْ ... أُعَزِّي النفسَ عنهُ بالتَّأَسي\nفإذا ذكر الله - ﷿ - لنبيه - ﷺ - ما يسليه ويقوي معنوياته، ويذهب عنه الحزن فإن هذا من فضل الله عليه - ﵎ -.\n\nالفائدة الثالثة: حرص النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - على هداية الخلق، وأنه يحزنه إعراض الناس عن دين الله.\n\nالفائدة الرابعة:<span data-type=\"title\" id=toc-352> علم الله تعالى بما في القلوب </span>لقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ نظير هذه الآية قوله تعالى عن آل فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا﴾ [النمل: ١٤] ﴿ظُلْمًا﴾ مفعول لأجله، عامله (جحدوا)، أي: جحدوا بذلك ظلمًا وعلوًا، وانظر إلى قول موسى وهو يجادل فرعون يقول له موسى ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢] قال: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾، ولم يكذبه فرعون في هذه المحاورة، لم يقل لا أعلم، بينما لما كان يجادل ويشرح لقومه يقول لهم: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ﴾ [القصص: ٣٨]، والظاهر لي - والله أعلم - أن فرعون لم يقل لموسى إنني لا أعلم خوفًا من نزول العقوبة العاجلة، أو خوفًا من أن ينزل كتاب يكذبه، فالرجل أقر وطريق إقراره السكوت.\n\nالفائدة الخامسة: أنه ينبغي للدعاة أن يتسلوا برسول الله - ﷺ - فيما إذا سمعوا ما يكرهون من هؤلاء المكذبين المعاندين،\n_________\n(^١) في ديوانها (ص ٧٢) طبعة دار المعرفة.","vol":"1","page":174},{"text":"فليتسلوا به ويقولوا في أنفسهم وبألسنتهم إن الله تعالى عالم بما تقولون وسيجازيكم.\n\nالفائدة السادسة: أن الجحد بآيات الله كفر ولو استيقنها الإنسان ما دام جحدها، وإن كان مؤمنًا بها في قلبه فإنه يكفر؛ لأن<span data-type=\"title\" id=toc-353> أحكام الدنيا تجري على الظاهر</span>، فنحن نكفّر من أظهر الكفر وإن كان مؤمنًا بقلبه، ونسكت عمن أظهر الإسلام، ولو كان كافرًا بقلبه؛ لأن هذه هي أحكام الدنيا التي أوجبها الله - ﷿ -، إذ إننا لا نعلم ما في قلوب الناس، ومن ثَمَّ أنكر النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - على أسامة بن زيد، حيث قتل المشرك بعد أن قال: لا إله إلا الله، واحتج أسامة بأنه قالها تعوذًا، أي: خوفًا من القتل - لا عن يقين، فقال له النبي - ﷺ -: \"أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله أفلا شققت عن قلبه\" (^١)، فأمور الدنيا على الظاهر لا على الباطن، لكن في الآخرة - نسأل الله أن يستر علينا - على الباطن كما قال - ﷿ -: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)﴾ [الطارق: ٨، ٩]، وقال - ﷿ -: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠)﴾ [العاديات: ٩، ١٠].\nوإذا قيل: هل هناك وصف آخر يكفر به الإنسان؟ فالجواب: نعم، بالاستكبار، فالردة لها أصلان فقط: الأول: الجحود. والثاني: الاستكبار. ولو عمل ولم يستكبر ظاهرًا فإنه يكفر، كما لو قال: (الصلوات الخمس غير مفروضة، لكني أفعلها تورعًا واحتياطًا) ماذا نقول له؟\n_________\n(^١) رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب: تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله (٩٦).","vol":"1","page":175},{"text":"نقول إنه كافر؛ لأنه جحد، والاستكبارُ أن يستكبر عن فعل ما تركه كفر، على أن الإنسان إذا ترك الطاعة استكبارًا حتى ولو كانت نافلة فإننا في شك من إيمانه؛ لأن جنس الاستكبار علو على الله - ﷿ - وعلى أوامره ونواهيه؛ فيخشى إذا ترك المسنون استكبارًا واستنكافًا أن يكون كافرًا، وقولنا: يخشى، يعني: أنه ليس مؤكدًا، لكن إذا صدر هذا الاستكبار عن كراهة لِما أنزل الله - ﷿ - فهو كفر، كما قال الله - ﷿ -: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩)﴾ [محمد: ٩]، ولهذا لا بد من الذل في القلب والتذلل في الجوارح، لا إذا تركه عمدًا متهاونًا به، وهناك فرق بين شخص يقول: (أنا لا أصلي الراتبة استكبارًا)، وآخر يقول: (لا أصلي الراتبة؛ لأنها لا تجب عليَّ)، الثاني لا يكفر ولا يفسق، وأما الأول فإن الإنسان يكون في شك من إيمانه.\n* قال الله - ﷿ -: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)﴾ [الأنعام: ٣٤].\nثم سلَّاه الله - ﷿ - بطريقة أخرى فقال: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾، وما أكثرهم حتى إن النبي - ﷺ - رأى في المنام أن النبي لا يتبعه إلا رجلان، أو رجل واحد، والنبي وليس معه أحد (^١)، نوح - ﵊ - بقي في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا يذكرهم بآيات الله، ويجهر لهم بالدعوة، وُيسِرُّ بها،\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الطب، باب: من لم يرق (٥٧٥٢).","vol":"1","page":176},{"text":"ولكن لم يزدهم ذلك إلا نفورًا، وهو صابر على الأذى والسخرية، وحين كان - ﵇ - يصنع السفينة، فإذا مروا به قال تعالى: ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ [هود: ٣٨]، وتأمل قوله: ﴿مَلَأٌ﴾ والملأ الأشراف، وسخرية الأشراف ليست كسخرية آحاد الناس، يعني: أشد في قمع الإنسان واستهانته.\nقوله: ﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾، ﴿فَصَبَرُوا﴾، أي: تحملوا الرسالة وأدوها على ما فيها من مصادمات وأذى. وقوله: ﴿وَأُوذُوا﴾ يحتمل أن تكون \"معطوفة على ﴿مَا كُذِّبُوا﴾، يعني: صبروا على ما كذبوا وعلى ما أوذوا، ويحتمل أن تكون معطوفة على ﴿كُذِّبُوا﴾، يعني: ولقد كذبت رسل من قبلك وأوذوا، والمعنيان لا يختلفان كثيرًا.\nفإن قيل: هل أوذوا بالقول، أو بالقول والفعل؟\nقلنا: بهما جميعًا، حتى إن بعضهم قتل، وأوذوا بالقول، وذلك بأنهم كانوا يسخرون بهم خِلقة وخُلقًا وغير ذلك، حتى إن اليهود قالوا لموسى: إنه رجل آدر، أي: كبير الخصيتين، وهذا عيب عند الناس، وكان موسى - ﵊ - لا يبدي عورته لهم، فلما كان ذات يوم خلع ثوبه ليغتسل، ووضعه على حجر، فهرب الحجر بثوبه، وجعل يسعى وراءه ويقول: \"ثوبي حجر، ثوبي حجر\"، لكن الحجر لم يقف إلا في الملأ من بني إسرائيل، حتى شاهدوا أن موسى بريء مما قيل فيه (^١)، وأظهر الله\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب: حديث الخضر مع موسى ﵉ (٣٤٠٤)، ومسلم، كتاب الفضائل، باب: من فضائل موسى ﵇ (٣٣٩).","vol":"1","page":177},{"text":"- تعالى - كذبهم علنًا؛ فموسى - ﵇ - كُذِّب وأوذي، قال الله - تعالى -: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩].\nفالمهم أن الرسل - عليهم الصلاة والسلام - أوذوا إيذاء لا يصبر عليه إلا أمثالهم، وقد قال الله لنبيه: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] بل لما ذَكَرَ أنه أنزل عليه قال ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الإنسان: ٢٣، ٢٤] لم يقل: فاشكر نعمة الله، بل قال: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ إشارة إلى أنه سيناله ما يناله من الأذى من أجل هذا الكتاب الذي نزل عليه.\nقوله: ﴿حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ ﴿حَتَّى﴾ للغاية، يعني: فكانت الغاية أن الله - ﵎ - نصرهم؛ لأن الله أخذ على نفسه أن ينصر رسله فقال - ﷿ -: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١]، وقال - ﷿ -: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١]، ولا ينافي هذا ما يحصل لبعض الأنبياء من عدم النصر، وذلك لأننا نقول: هؤلاء الذين لم ينصروا إما (ألا يكونوا أمروا بالقتال أصلًا حتى يكون النصر)، وإما أن نقول: إن النصر نوعان: نصر عاجل للنبي - ﷺ - يجده في حياته، ونصر آجل لدعوته، فيكون لها انتصار من بعده، وآجل أيضًا يكون في الآخرة.\nقوله: ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾، أي: لا أحد يستطيع أن يبدل كلمات الله - ﷿ -، لا يبدل كلمات الله إلا الله وحده، كما أنه لا مبدل لحكمه فلا مبدل لكلماته، وكلماته هي وحيه","vol":"1","page":178},{"text":"الذي أنزله على الرسل، وكذلك هي كلماته القدرية التي يكون بها النصر لأنبيائه والخذلان لأعدائه، ولا يرد على هذا ما جاء به النسخ؛ لأن مبدّل الحكم المنسوخ هو الله - ﷿ -، والآية تدل على أنه لا أحد يبدل كلمات الله، أما الله - ﵎ - فله أن يبدل كما قال - ﷿ -: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]: وقال الله - ﷿ -: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾ [النحل: ١٠١].\nقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات، وهي القسم المقدر و(اللام) و(قد)، والخطاب للنبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، أي: لقد جاءك أيها الرسول من نبأ المرسلين، أي: من النبأ الذي يأتيهم وهو الوحي، هذا المعنى هو المتبادر.\nأما المعنى الثاني: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾، أي: من قصصهم وأخبارهم وتبيَّن لك ما حصل للرسل من أتباعهم، وما حصل لأتباعهم، كما قال الله - ﷿ -: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠]، وعلى هذا فيكون للآية معنيان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-362>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالفائدة الأولى: بيان أن تكذيب الأنبياء ليس وليد عهد النبي - ﷺ -، بل هو سابق لقوله: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا﴾.\nفإن قال قائل: ما<span data-type=\"title\" id=toc-363> الحكمة من إرسال الرسل مع تكذيبهم</span>؟","vol":"1","page":179},{"text":"فالجواب: أن ذلك لإقامة الحجة عليهم، أي: على المكذبين؛ لأن هؤلاء المكذبين لو لم يأتهم رسول لقالوا: رَبَّنا لولا أرسلت إلينا رسولًا، ولو لم يأتهم رسول لكان لهم حجة، ولهذا قال الله - تعالى -: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إلى قوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].\n\nالفائدة الثانية: عتو بعض بني آدم حيث تأتيهم الآيات فيكذبون؛ لأنه ما من رسول بعثه الله إلا آتاه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، وهذا أمر لا بد منه لتقوم بها الحجة، فإذا كُذِّب الرسل مع هذه الآيات صار ذلك دليلًا على عظم عتو هؤلاء المكذبين.\n\nالفائدة الثالثة: تسلية الله لنبيه - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -؛ لأن الإنسان إذا علم أن غيره قد أصابه ما أصابه هان عليه الأمر، وقد سبق في التفسير أمثلة لذلك من القرآن، ومن كلام العرب والواقع. شاهد بهذا، لو أن الإنسان أصيب بحادث وانكسرت قدمه، ثم حُدِّث أن آخر أصيب، وانقطعت الرجل مع الفخذ، فإنه يتسلى وتهون عليه المصيبة.\n\nالفائدة الرابعة: الثناء على الرسل - عليهم الصلاة والسلام - بالصبر على ما كذبوا وعلى ما أوذوا.\nفإن قال قائل: قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] ما وجه قولهم: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾؟","vol":"1","page":180},{"text":"فالجواب: قولهم: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ لا يقولونه: استبعادًا، ولكن يقولونه: استعجالًا يستعجلون نصر الله لا استبعادًا، ولا شكًا.\n\nالفائدة الخامسة: أنه يجب علينا أن نتأسى ونتسلى أيضًا بما جرى للرسل - عليهم الصلاة والسلام - فنصبر على أذى من يقوم أمام دعوتنا؛ والعاقبة للمتقين؛ لقوله: ﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾.\n\nالفائدة السادسة: أنَّ أعداء الرسل لا يقتصرون على مجرد التكذيب بل يؤذون الرسل وأتباعهم، والأذية قد تكون جسدية، وقد تكون مالية، وقد تكون فكرية، وقد تكون عسكرية، فهي أنواع متعددة، والكافر يرى أقرب وسيلة تحصل بها الأذية للمسلم - لا شك في هذا - ولو حصل له أن يبيد الأمم الإسلامية في ليلة بين عشية وضحاها لفعل ذلك.\n\nالفائدة السابعة: أن فرج الله - ﷿ - يأتي مع شدة الكرب؛ فكلما اشتد الكرب فاعلم أنه دنا الفرج، ويؤيد هذا قوله - ﷿ -: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ [الشرح: ٥، ٦]، فجعل مقابل العسر الواحد يسرين، وقال النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: \"واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا\" (^١)، وهذا كلام الله وكلام رسوله فهو حق وصدق، لكن النفوس قد تبوء بالفشل فلا تصبر.\n\nالفائدة الثامنة: ألَّا يرجى النصر إلا من عند الله لقوله: ﴿حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾، ولم يقل: حتى نصرهم فلان أو فلان، فإذا\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (ص ١٢٢).","vol":"1","page":181},{"text":"علمنا أن النصر لا يكون إلا من عند الله، فممن نطلب النصر إلا منه الله - ﷿ -، ولهذا اختصر النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - في عريش له يوم بدر، يناشد ربه - ﵎ - النصر حتى نصره الله - والحمد لله (^١)، - فلا تطلب النصر إلا من الله، حتى في المجادلة العلمية لا تطلب النصر من فلان يوافقك، أو لا يوافقك، بل اطلب النصر من الله، وإذا كنت وصلت إلى الحق فاطلب الله أن ينصرك، أو اطلب الله أن يهديك صراطه المستقيم.\n\nالفائدة التاسعة: أنه لا مبدل لكلمات الله، أي: لا أحد يبدلها، إذا قَدَّرَ الله النصر فلا أحد يمنعه، وإذا قدر الخذلان فلا أحد يمنعه، أما الكلمات الكونية فعدم المبدل لها ظاهر؛ لأن الكلمات الكونية لا بد أن تقع، كن فيكون، فإذا قال الله تعالى: (كن) لنزول المطر نزل ولا أحد يمنعه، وإذا قال: (كن) لامتناع المطر امتنع ولا أحد ينزله، فالكلمات الكونية مفروغ منها، فلا أحد يستطيع أن يُبَدِّلَها، أما الكلمات الشرعية فمن الناس من يبدلها، لكن تبديله هذا باطل، والباطل لا وجود له شرعًا.\nولو قال قائل: وجد من بدّل الكلمات الشرعية في الأمم السابقة، وفي هذه الأمة.\nفالجواب: وهل هذا التبديل غيَّر من خصائص هذه الكلمات؟ أبدًا، فهم لا يستطيعون مهما حاولوا؛ لأنهم وإن بدلوها ظاهرًا، فما بدلوه فإنه باطل، والباطل لا حكم لوجوده.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم: كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، وإباحة الغنائم، رقم (١٧٦٣).","vol":"1","page":182},{"text":"الفائدة العاشرة: قوة عظمة الله وسلطانه - ﷿ -، حيث إنه لا مبدل لكلماته، أما غير الله فمهما بلغ من السلطان والقدرة والقوة والجنود، فإن كلماته تبدل.\nفإن قال قائل: وما تقولون في النسخ، أليس فيه تبديل؟\nقلنا: بلى، فيه تبديل، لكن مَنْ بدله؟ إنه الله - ﷿ - وكلماته الناسخة لا مبدل لها، فلا يمكن أن نلغي الناسخة؛ لأنها كلمات الله - ﷿ -، قال الله - ﷿ -: ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾.\n\nالفائدة الحادية عشرة: إثبات أن الله يتكلم، وهذا قد مُلئ منه القرآن، وقد جاءت الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] مؤكدة ذلك؛ لأن ﴿تَكْلِيمًا﴾ مصدرَ مؤكَّد، و<span data-type=\"title\" id=toc-369>المصدر المؤكد ينفي احتمال المجاز</span>.\nوهل كلمات الله - ﷿ - بحروف، أم بغير حروف، وبأصوات، أم بغير أصوات؟\nالجواب: بأصوات، فالله - ﷿ - يتكلم بصوتٍ مسموعٍ، ولا يمكن أن يكون الكلام معنىً قائمًا في النفس؛ لأن المعنى القائم في النفس لا يسمى كلامًا، بل يسمى حديثَ نفس، فالكلام ما نطق به اللسان وليس ما حل بالجنان، ولهذا إذا أراد الله - ﷿ - حديث النفس عبر عنه كما في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة: ٨].\nوقد خالف في الكلام طوائفُ - كما بيناه في شرح النونية -، من أبينها وأبرزها: مذهب المعتزلة الذين يقولون: إن كلام الله أصواتٌ مخلوقةٌ، خلق الله أصواتًا كما خلق أصوات الرعد","vol":"1","page":183},{"text":"والصواعق، فهي مخلوقة وبائنة عن الله، وإنما نسبت إلى الله تشريفًا لها، كما في قوله: (ناقة الله، وبيت الله، ومساجد الله) وما أشبه ذلك.\nالطائفة الثانية: الأشاعرة الذين يدَّعون أنهم هم الذين جادلوا المعتزلة، قالوا: إن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه لا يسمع، وليس له صوت، ولا حروف، ولكنه خلق أصواتًا وحروفًا لتعبر عما في نفسه.\nبالله! أهناك فرق بين مذهبهم ومذهب المعتزلة؟ لا فرق، كما قال بعض علمائهم: إنه لا فرق بيننا وبين مذهب المعتزلة؛ لأننا متفقون على أن ما في هذا المصحف مخلوق، لكن المعتزلة، قالوا: هو مخلوق حقيقة، وهو كلام الله حقيقة، وأولئك الأشعرية قالوا: ليس كلام الله حقيقة، فكلام الله هو القائم بنفسه، وهذا عبارة عن كلام الله، فأيهما أقرب إلى الصواب من حيث القواعد؟ المعتزلة أقرب إلى الصواب، أما أهل الحق السلف وأتباعهم من الأئمة فقالوا: إن الله - ﷿ - نفسه يتكلم بكلام مسموع بحرف مرتب، ولا يعقل الكلام إلا على هذا الوجه.\nفإذا قال قائل: هل كل ما خلقه الله قليلًا، أو كثيرًا يكون بكلمة (كن)؟\nالجواب: ظاهر النصوص أن كل ما خلقه الله يقول له: كن، ولهذا كانت كلمات الله لا نفاد لها، قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ [الكهف: ١٠٩]، ويحتمل أنه - ﷿ - قال:","vol":"1","page":184},{"text":"(كن) في أول الأمر، وصار المخاطب يقوم بما أمر به، كما قال: \"للقلم اكتب ما هو كائن\" (^١)، فكتب ما هو كائن.\n\nالفائدة الثانية عشرة: إثبات رسالة النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، كما ثبتت رسالاتُ مَن قبله لقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾.\n\nالفائدة الثالثة عشرة: تأكيد رسالة النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، وذلك بالقسم و(اللام) و(قد).\n\nالفائدة الرابعة عشرة: أن القرآن الكريم يُراعى فيه فواصل الآيات لقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾، وقال في آية أخرى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠]، ومراعاة الفواصل ظاهر في القرآن الكريم، انظر إلى سورة طه، وانظر إلى سورة القمر: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ حتى قال: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣)﴾ [القمر: ١٣] دسر: جمع دسار، وهو المسمار كل ذلك لأجل أن تتناسب السورة في فواصل الآيات، وذلك؛ لأن هذا من البلاغة، ولأن هذا مما تصغي له الأسماع، ولأن ذلك مما تطرب له القلوب، فهذه ثلاث فوائد لتناسب الآيات الكريمة.\n\nالفائدة الخامسة عشرة: أنه قد يكون فيها إشارة إلى أن محمدًا - ﷺ - خاتم الرسل لقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾، يعني: الذين أرسلوا، فإن صح أخذ هذه الفائدة من هذه الآية، وإلا فهو خاتم النبيين، وهذا أمر مجمع عليه، نص عليه القرآن\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٥/ ٣١٧)، رقم (٢٢٧٥٧)؟ والترمذي: كتاب القدر باب (١٧)، وقال: حديث غريب.","vol":"1","page":185},{"text":"الكريم في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] اللهم صلِّ وسلم عليه.\n* قال الله - ﷿ - ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥)﴾ [الأنعام: ٣٥].\nقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ لا شك أن (كان) تحتاج إلى اسم وخبر، و(كبُرَ) تحتاج إلى فاعل، فهل نقول إن اسم كان ضمير الشأن مستتر، و﴿كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ خبرها، أو نقول إن: ﴿إِعْرَاضُهُمْ﴾ تنازع فيه (كان) و(كبر)، ف (كان) يطلبه اسمًا و(كبر) يطلبه فاعلًا، يحتمل هذا وهذا، لكن الأول أوجه، والمعنى: فإن كان الشأن في هذا الأمر أنه كبر عليك إعراضهم، أي: عَظُمَ عليك إعراضهم، وذلك بما كان في نفسك من الحزن والأسى فحاول أن يهتدوا على يدك ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾، يعني: فافعل، ولكن ليس عليك إلا الصبر.\nوجملة ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ أتى بعدها جملة شرطية أخرى ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ﴾، وهذا من تداخل الجملتين الشرطيتين، فتكون الجملة الثانية في محل جزم جواب الجملة الأولى، وهذا يوجد في القرآن وفي كلام العرب، أما في القرآن كهذه الآية وكما في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦)","vol":"1","page":186},{"text":"تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧)﴾ [الواقعة: ٨٦، ٨٧]، فهذا شرط داخل شرط، ومنه في قول شاعر العرب (^١):\nإِنْ تَسْتَغِيثُوا بِنَا إِنْ تُذْعَرُوا تَجِدُوا ... مِنَّا مَعَاقِلَ عِزٍّ زَانَها كَرَمُ\nفِعْلُ الشرط الأول، ثم الثاني قَيْدٌ فيه، و(تجدوا) جواب الشرط.\nالمهم أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ جملة شرطية في ضمن جملة شرطية، الجملة الأولى: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾، والثانية: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ﴾، وجواب الجملة الثانية محذوف تقديره: (فافعل) ولن يمكنك ذلك، فإذا كان لا يمكنك فإنه لا يمكنك أن تأتي بالآيات التي اقترحوها، وإذا كان لا يمكنك فلا تحزن عليهم؛ لأن الإنسان لا يحزن إلَّا على شيء يمكنه أن يفعله ولم يفعله.\nوقوله: ﴿كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾، أي: عظم عليك وشق عليك.\nوقوله: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ﴾، أي: قدرت على أن تبتغي نفقًا في الأرض، أي: تطلب نفقًا في الأرض، والنفق هو السرداب يحفر في الأرض ويدخل الإنسان فيه ليصل إلى أعماق الأرض، ﴿أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ﴾ تبتغي سلمًا، أي: مصعدًا تصعد به إلى الجو ﴿فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾، فبيَّن الله - ﷿ - لهم النزول والارتفاع، فلا يستطيع أن ينزل إلى نفق في الأرض فيستخرج الآيات، ولا أن يصعد إلى السماء فيأتي بالآيات، والمعنى واضح.\n_________\n(^١) البيت في \"الخزانة\" (١١/ ٣٥٨) ولا يعرف قائله، وكذلك ذكره الأشموني في شرحه الألفية (٣/ ٥٩٦)، والسيوطي في الهمع (٢/ ٦٣).","vol":"1","page":187},{"text":"فإذا كان لا يمكنك هذا وَهو معلوم للجميع فإنه لا يمكنك أن تأتي بما اقترحوه من الآيات، كما قال - ﷿ - في آية أخرى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)﴾ [العنكبوت: ٥٠].\nقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ (لو) شرطية، وفعل الشرط (شاء)، وجوابه ﴿لَجَمَعَهُمْ﴾، لكن أين المفعول في (شاء)، هل نقدِّره مطابقًا للفظ الجواب، أو نقدره بمعنى آخر؟ قَدَّره بعضهم بقوله: لو شاء الله هدايتهم لجمعهم على الهدى، وقدره آخرون بقولهم: ولو شاء الله أن يجمعهم على الهدى لجمعهم على الهدى، لكن أيهما أنسب الثاني أم الأول؟\nالجواب: الثاني أنسب، وهو أن نقدر المحذوف مطابقًا للموجود، أي: ولو شاء الله أن يجمعهم على الهدى، وجَمْعُهم على الهدى أعظم من مجرد الهداية؛ لأنهم قد يهتدون ولا يجتمعون، وينبغي أن نطرد هذا في كل ما كان مشابهًا، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة: ٢٥٣] فماذا نُقدِّر؟ نُقَدِّر ولو شاء الله ألا يقتتلوا ما اقتتلوا فتقدير الشيء مطابقًا للموجود أولى من تقدير شيء غير مطابق، ولا نعلم هل أراده الله أم لا، فما بين أيدينا هو المتعين.\nإذًا ولو شاء الله أن يجمعهم على الهدى لجمعهم؛ لأن القلوب بيد الله - ﷿ - وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود: ١١٨]، أي: على دين الإسلام، وكقوله: ﴿لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٣١]؛ لأن الأمر كله بيده - ﷿ -.","vol":"1","page":188},{"text":"قوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ نهيٌ مؤكد بنون التوكيد، يعني: ينهاه الله - ﷿ - نهيًا مؤكدًا، فأنت يا محمد لست جاهلًا حتى يكبر عليك إعراضهم، وحتى تحزن لعدم إيمانهم؛ لأن ذلك من حكمة الله - ﷿ -، والجهل نوعان: جهل سفاهة، وجهل انتفاء علم، والمراد هنا هو النوع الثاني، ومثال الجهل الذي هو السفاهة قول الله - ﷿ -: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧]، أي: بسفاهة وليس المراد بالجهالة انتفاء العلم؛ لأن انتفاء العلم يرتفع به الحرج والإثم، إذًا قوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، أي: من ذوي الجهل الذين لا يعرفون سنن الله - ﷿ - في خلقه.\nفإن قال قائل: هل يلزم من هذا النهي أن يكون النبي - ﷺ - فعل فعل الجاهلين؟\nالجواب: لا، كما في قوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٧]، وقال - ﷿ -: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤)﴾ [يونس: ٩٤]، فلا يلزم من هذا الشرط أن يقع المشروط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-380>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالفائدة الأولى: أن النبي - ﷺ - قد عظم عليه إعراض المدعوين إلى الإسلام، وهل هذا انتصار لنفسه، أم رغبة في هداية عباد الله؟ الثاني بلا شك، وهذا من تمام نصحه - ﷺ - للأمة - ﵊ -.","vol":"1","page":189},{"text":"الفائدة الثانية: أن الإنسان ينبغي له ألا يهون عليه إعراض الناس، بل يكون كبيرًا في نفسه، لكن لا تعصبًا لما هو عليه، ولكن من أجل مصلحة الآخرين، فإذا رأينا مثلًا رجلًا عالمًا عابدًا كريمًا، لكنه في الأسماء والصفات على غير ما يرام، فهل يشق علينا هذا أو لا؟ لا شكَّ أنَّه يشق علينا هذا، وإذا نظرنا إليه بعين القدر رحمناه، وقلنا: سبحان الله! كيف يكون هذا الرجل الففيضل على عقيدة غير سليمة؛ نرحمه حقيقة؛ لأنه محروم، لكن إذا نظرنا إليه بعين الشرع فإننا نجادله، فإن رجع إلى الحق فهذا المطلوب، وإن لم يرجع فإننا نفعل به كما قال الشافعي - ﵀ -: \"حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في العشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسُّنَّة، وأقبل على علم الكلام\" (^١)، وكذلك لو زنا رجل وهو من علية القوم ومن أهل الخير، إذا نظرنا إليه بعين القدر رحمناه ورققنا له، كيف يصدر الزنا من هذا؟ لكن إذا نظرنا إليه بعين الشرع أقمنا عليه الحد ولا نرأف به، كما قال - ﷿ -: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾، لم يقل في قدر الله بل قال: ﴿فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النور: ٢]، ولهذا جاء في الحديث - وإن كان فيه نظر -: \"أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود\" (^٢).\n\nالفائدة الثالثة: أن الله - ﷾ - قد يبين الشيء\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي العز في شرح الطحاوية (ص ٢٠٩).\n(^٢) رواه أبو داود، كتاب الحدود، باب: في الحد يشفع فيه (٤٣٧٥)، والإمام أحمد في مسنده (٢٤٩٤٦).","vol":"1","page":190},{"text":"المستحيل بضرب مثل له، دون أن يذكره بعينه، وجهه أن الله قال: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾، يعني: فافعل، بدلًا من أن يقول: وإن كان كبر عليك إعراضهم فإنهم لن يؤمنوا، ولأن هذا هو المتوقع، لكن الله تعالى ضرب مثلًا حتى يكون مقنعًا للرسول - ﵊ - ولغيره أيضًا.\n\nالفائدة الرابعة: طلب الشواهد لصحة ما يقول الإنسان: قد يكون من الأرض، وقد يكون من السماء؛ لأن الله إنما قال له: ذلك لا لأجل أن يلجأ، ولكن من أجل أن يأتي بما يشهد له، ولهذا قال: ﴿فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾.\n\nالفائدة الخامسة: أنه<span data-type=\"title\" id=toc-382> لا بد لكل نبي من آية </span>وهذا من حكمة الله - ﷿ -، أرأيت لو جاء رجل في غير هذه الأمة، وادعى أنه رسول، وقال: أنا رسول ومنهجي كذا، وعقيدتي كذا، وعبادتي كذا، فأطيعوني بدون أي آية، هل يكون هذا من الحكمة؛ ليس من الحكمة، ومن كذّبه فهو معذور، وإلا لكان كل كاذب دجال يدير أنه نبي، وربما يدير أنه رب، فالآيات فيها نصر للرسل، ورحمة بالمرسل إليهم حتى يؤمنوا عن يقين.\n\nالفائدة السادسة: أن الهداية والضلالة بيد الله - ﷿ - لقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾.\n\nالفائدة السابعة: إثبات مرتبة من مراتب الإيمان بالقدر وهي المشيئة، وأن الله تعالى قد شاء جميع أفعال عباده، و<span data-type=\"title\" id=toc-383>مراتب القدر </span>أربعة، وهي: (العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق) مجموعة في قول الشاعر:\nعِلْمٌ كِتَابَةُ مولانا مَشِيْئَتُهُ ... وخَلْقُهُ وَهْوَ إيجادٌ وتكوينُ","vol":"1","page":191},{"text":"الفائدة الثامنة: حكمة الله - ﷿ - في جعل الناس صنفين: مؤمنين وكافرين، وهذا أمر لا بد منه؛ لأنه لولا الكفر لم يعرف فضل الإيمان، ولولا الإيمانُ لم يعرف قبح الكفر، كما أنه لولا الحلو ما عرف المر، وهذا واضح، فإن لم يكن هناك أشياء متضادة ما عرف فضل الأشياء المحمودة، ثم إنه لولا اختلاف الناس في الإيمان والكفر ما قامت راية الجهاد؛ لأنهم كلهم إما مؤمنون وإما كافرون، فمن يُجَاهِدُ؟ فلولا هذا الاختلاف ما قام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن الناس سيكونون كلهم إما على منكر وإما على معروف، لولا هذا الاختلاف ما قامت الدعوة إلى الله - ﷿ -؛ لأنهم إن كانوا مؤمنين كلهم لم يحتاجوا إلى دعوة، وإن كانوا كافرين ما دعوا، إذًا فمن الحكمة أن الله جعل الخلق صنفين.\nلكن قد يقول قائل: إذا كان أحد الناس من الصنف الآخر الكافر أفلا يكون في هذا ظلم له؟ وهذا قد يرد على النفس، ما دمنا نقول: إن الكفر بمشيئة الله، وأن الله - ﷿ - بحكمته قَسَّمَ الناس إلى قسمين، أفلا يقول الكافر إن في هذا ظلمًا لي؟\nفالجواب: لا، كما قال بعض أهل السُّنَّة وهو يجادل معتزليًا حين قال له: أرأيت إن منعني الهدى، وقضى عليَّ الردى أحسن إليَّ أم أساء؟ فقال له السني: إن منعك ما هو لك فقد أساء، وإن منعك ما هو فضله فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء (^١).\n_________\n(^١) جرى ذلك في مناظرة بين أبي إسحاق الإسفراييني، والقاضي عبد الجبار المعتزلي، وذكرها تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية (٤/ ٢٦١ - ٢٦٢)، والتفتازاني مختصرًا في شرح المقاصد (٤/ ٢٧٥)، والطبري في تاريخه (٨/ ١٢٥).","vol":"1","page":192},{"text":"ونقول - أيضًا - لا حجة للعاصي على معصيته بقدر الله تعالى؛ لأن العاصي يقدم على المعصية باختياره، من غير أن يعلم أن الله تعالى قَدَّرها عليه، إذ لا يعلم أحد بقدر الله إلا بعد وقوع مقدوره ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤]، فكيف يصح الاحتجاج بحجة لا يعلمها المحتج حين إقدامه على ما اعتذر بها عنه، وقد أبطل الله تعالى هذه الحجة بقوله: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨)﴾ [الأنعام: ١٤٨].\nونقول للعاصي المحتج بالقدر: لماذا لم تُقْدِم على الطاعة مقدرًا أن الله تعالى قد كتبها لك، فإنه لا فرق بينها وبين المعصية في الجهل بالمقدور قبل صدور الفعل منك! ولهذا لمَّا أخبر النبي - ﷺ - الصحابة \"بأن كل واحد قد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار\"، قالوا: أفلا نتكل وناع العمل؟ قال: \"لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له\" (^١).\nونقول للعاصي المحتج بالقدر: لو كنت تريد السفر إلى مكان معين وكان له طريقان أخبرك صادق عنهما، أحدهما مخوف صعب، والثاني آمن سهل، فإنك ستسلك الثاني، ولا يمكن أن تسلك الأول وتقول إنه مقدَّر على وإلَّا عدَّك الناس في قسم المجانين.\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب: قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥)﴾ (٤٩٤٥)، ومسلم، كتاب القدر، باب: كيفية خلق الآدمي في بطن أمه (٢٦٤٧).","vol":"1","page":193},{"text":"ونقول له أيضًا: إذا أُصبت بمرض جسمي فإنك تطرق باب كل طبيب لعلاجك، وتصبر على ما ينالك من ألم عملية الجراحة وعلى مداواة الداء، فلماذا لا تفعل مثل ذلك في مرض قلبك بالمعاصي؟\n* قال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)﴾ [الأنعام: ٣٦].\nقوله: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ يستجيب ويجيب معناهما واحد، والجملة فيها حصر، طريقه ﴿إِنَّمَا﴾، يعني: ما يستجيب لدعوتك يا محمد إلا الذين يسمعون، والمراد بالسماع هنا سماع الانقياد والقبول، وليس سماع الإدراك؛ لأن سماع الإدراك يدخل فيه البر والفاجر والمؤمن والكافر، ويدل على التفريق بين سماع القبول والإذعان، وسماع الإدراك قول الله - ﵎ -: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١)﴾ [الأنفال: ٢١]، أي: لا يستجيبون وينقادون.\nقوله: ﴿الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ فاعلُ ﴿يَسْتَجِيبُ﴾.\nقوله: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ هذه جملة مستأنفة لا يصح أن تعطف على ما سبق، ﴿وَالْمَوْتَى﴾ جمع ميت، وهل المراد موتى القلوب أو موتى الأجسام؛ في ذلك قولان للعلماء، بعضهم قال: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾، أي: موتى القلوب وهم الكفار يبعثهم الله فيجازيهم، وبعضهم قال: الموتى موتى الأجساد، يبعثهم الله ردًا على الذين ينكرون البعث، وإذا كانت الآية تحتمل معنيين ليس أحدهما أظهر من الآخر ولا منافاة بينهما فالقاعدة أن تحمل","vol":"1","page":194},{"text":"عليهما جميعًا، فالموتى من هؤلاء الكفار سيبعثهم الله ويجازيهم، وموتى الأجساد الذين فارقت أرواحهم أجسادهم سوف يبعثهم الله، فيكون في الآية تهديد ووعيد ورد على من ينكرون البعث.\nوقوله: ﴿يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾، أي: يخرجهم من قبورهم يوم القيامة.\nقوله: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾، يعني: ثم بعد البعث يرجعون إلى الله - ﷿ -، ويكون أمرهم إلى الله تعالى، وفي ذلك الوقت ليس هناك مخاصم ولا مجادل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-389>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالفائدة الأولى: حصر الاستجابة لدعوة الرسل بالذين يسمعون، لكن هل يسمعون سماع إدراك، أو سماع قبول وإذعان؟\nالمجواب: سماع قبول وإذعان.\n\nالفائدة الثانية: أنه كلما صار الإنسان أسمع لكلام الله ورسوله صارت استجابته أقوى، وذلك مأخوذ من القاعدة المعروفة (أنَّ ما علق على وصف فإنه يزداد قوة بحسب هذا الوصف الذي علق عليه الحكم)، مثال ذلك قوله: - ﷿ -: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]، فكلما كان أقوى كان أخير وأنفع، وكذلك الأمانة كلما كان آمن كان أخير، المهم أنَّ هذه القاعدة مفيدة في كل شيء عُلّق على وصف، فإنه يزداد قوة بحسب قوة ذلك الوصف.\n\nالفائدة الثالثة: إثبات البعث، والإيمانُ بالبعث أحد أركان الإيمان الستة، التي أخبر بها النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -","vol":"1","page":195},{"text":"جبريل حينما قال: أخبرني عن الإيمان؟ قال: \"أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره\" (^١).\n\nالفائدة الرايعة: أن هؤلاء الكفار بمنزلة الموتى، وذلك لأنهم لا ينتفعون بما يسمعون، كما أن الميت لا ينتفع بما يسمع؛ لأنه جثة، فكذلك هؤلاء الكفار.\n\nالفائدة الخامسة: تهديد أولئك الكفار الذين لا يسمعون بأن الله سيبعثهم ثم يجازيهم.\n\nالفائدة السادسة: قدرة الله - ﷿ - الكاملة، وذلك\nبالبعث، والبعث ليس كالإحياء يكون شيئًا فشيئًا، وتجد البشر وغير البشر يخرج صغيرًا ثم ينمو حتى يتكامل، أما البعث فيبعثون كلهم في لحظة واحدة، اقرأ قول الله - ﷿ -: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ [النازعات: ١٣، ١٤] وقوله: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣)﴾ [يس: ٥٣]، وقال - ﷿ -: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر: ٥٠].\n\nالفائدة السابعة: أن المرجع في النهاية إلى الله - ﷿ - لقوله: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾، وهذا الرجوع فيه حصر، طريقه تقديم المعمول في قوله: ﴿إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾، وفائدة هذا التقديم في هذه الآية لفظية ومعنوية، أما المعنوية فهي إفادة الحصر وأنه لا مرجع إلا إلى الله، وأما اللفظية فلتناسب رؤوس الآيات؛ لأن تناسب رؤوس الآيات من البلاغة، انظر إلى سورة طه آخر آياتها الألف\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب: سؤال جبريل النبي - ﷺ - (٥٠)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب: بيان الإيمان والإسلام والإحسان (٨).","vol":"1","page":196},{"text":"إلا قليلًا، ولما جاء ذكر موسى وهارون قدم هارون على موسى لتتناسب الآيات وإلا فإنه من المعلوم أن موسى أفضل من هارون.\n* قال الله - ﷿ -: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٧)﴾ [الأنعام: ٣٧].\nقوله: ﴿وَقَالُوا﴾، أي: المعاندون المكذبون للرسول المتعنتون.\nقوله: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾، وهم يريدون بذلك الآيات التي اقترحوها مثل قولهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾ [الإسراء: ٩٠ - ٩٣]، ومع ذلك يقولون ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣]، وغير ذلك من الآيات التي اقترحوها، ولكن من حكمة الله - ﷿ - أنه سد باب الاقتراح على الله - ﷿ - فإنما الآيات من عند الله - ﷾ -، فهو الذي يأتي بها، وليس باقتراح الخلق، والخلق إذا اقترحوا آية معينة، ثم أوتوا بها فلم يؤمنوا هلكوا، هذه سُنَّة الله - ﷿ -، ولا يرد على هذا أن قريشًا قالوا للنبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: أرنا آية يا محمد، فأشار إلى القمر فانشق نصفين، قال أهل العلم: إنما لم يهلكوا؛","vol":"1","page":197},{"text":"لأنهم لم يقترحوا آية معينة، ولو اقترحوا آية معينة، ثم جاءت ولم يؤمنوا لهلكوا، هكذا قرر أهل العلم - ﵏ -.\nوقوله: ﴿آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾، أي: علامة تدل على صدقه وصحة رسالته، وهنا نريد أن نبيِّن أن بعض العلماء، وما أكثرهم يعبرون عن آيات الرسل بالمعجزات، وهذا نقص عظيم؛ لأننا لو سميناها بالمعجزات لورد علينا ما يفعله السحرة، فإن السحرة يفعلون ما يُعْجِزُ البشر، لكن تسميتها آية تحدد المعنى، وهو العلامة الدالة على صدقه وصحة رسالته، ولذلك لا تجد في القرآن أن الله عبر عن آيات الرسل بالمعجزات أبدًا، إنما يعبر عنها بالآيات.\nوقوله: ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾ يعنون بذلك الله - ﷿ -، وفي هذا التعبير تكبرٌ وتعالٍ، حيث قالوا: ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾، ولم يقولوا: من الله ولا من ربنا كأنهم في شق، والرسول - ﷺ - مع الله في شق آخر.\nقوله: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾، أي: ليس بعاجز على أن ينزل آية، بل هو قادر، ولما طلب الحواريون من عيسى أن ينزل عليهم مائدة من السماء، هل قدر الله عليها؟ نعم قدر الله عليها - على قول من يقول إنها نزلت - وكذلك آيات الرسل الحسية والمعنوية كلها من عند الله، فهو قادر على أن ينزل آية، ولكنه لا يريد أن يأتي بما يطلبه هؤلاء؛ لأنه لو جاءت الآيات حسب الاقتراح لكان كل واحد يقترح ما يرى أنه آية، وقد يقترح ما يرى أنه آية وليس بآية، لذلك نقول: الآيات عند الله - ﷿ - ولهذا قال: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾، ولكنَّه لا يريد، وإذا لم يرد لم يكن.","vol":"1","page":198},{"text":"قوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، أي: لا يعلمون أن الله - ﷿ - هو الذي ينزل الآيات، وهو قادر على أن يأتي بآية وقادر على أن لا يأتي بآية، فهم جهلة ولو كان عندهم علم، لعلموا أن النبي - ﷺ - لا يمكن أن يأتي بالآيات، بل الذي يأتي بها هو الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-397>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالفائدة الأولى: تعنت هؤلاء المكذبين، حيث احتجوا بأن الله لم ينزل عليهم آية، ولكن هل هذه الدعوى حق، أو باطل؟، واللهِ إنها باطل، فآيات النبي - ﷺ - مشاهدة معلومة، ومن آياته العظيمة هذا القرآن الذي جعل كبار قريش يتسللون لواذًا في الليل ليستمعوا قراءة النبي - ﷺ -؛ لأنها سحرت ألبابهم، وأعجبتهم إعجابًا كثيرًا، لكنهم معاندون، كذلك آيات كثيرة حسية مثل ما حصل لعمه أبي طالب من البركات في أهله وماله بسبب حضانته للنبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، كذلك أيضًا صد أعدائه عنه - ﵊ - قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩)﴾ [يس: ٩]، والآيات كثيرة يعرفونها لكنهم مستكبرون.\n\nالفائدة الثانية: استكبار هؤلاء وترفعهم حيث قالوا: ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾، ولم يقولوا من ربنا، ولم يقولوا من الله، كأنهم في جانب، والرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - والله في جانب آخر.\n\nالفائدة الثالثة: انتصار الله - ﷿ - للنبي - ﷺ -، حيث إنه دافع عنه، لمّا قالوا: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ لا شك","vol":"1","page":199},{"text":"إن هذا يوجب ضغطًا على الرسول - ﵊ - فالله تعالى يجيب عنه انتصارًا له ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾.\n\nالفائدة الرابعة: إثبات قدرة الله - ﷿ - لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾، وهذه القدرة قدرة كاملة لا يلحقها شيء من العجز، لقول الله - ﵎ -: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤]، فلكمال علمه وقدرته لا يعجزه شيء؛ لأن العجز عن الشيء سببه إما الجهل وإما الضعف، فالله عليم قدير، وهذه القدرة تتعلق بكل شيء فهو على كل شيء قدير، ولا تبحث كما جث المتكلمون المتعمقون المتنطعون، هل تتعلق بالممكن والواجب والمستحيل، أم بالممكن والواجب فقط دون المستحيل؟ هذا. كلام فارغ وليس ذا معنى؛ لأن الله - ﷿ - أطلق قدرته فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠].\nتوجد عبارة لبعضهم يقولون: خص العقل ذاته فليس عليها بقادر، أعوذ بالله، كلام فارغ، يعني: أن العقل دل على أن الله لا يقدر على نفسه، وهذا يعني: تعطيل الله - ﷿ - عن كل فعل \" لأنه لا يقدرأن يفعل أي شيء فيما يتعلق بنفسه، ونحن نقول ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\nفإذا قال قائل: هل تقول إن الله يقدر أن يهلك نفسه - نسأل الله العافية -؟\nفالجواب: نقول إن الله - ﷾ - أثبت لنفسه الكمال من كل وجه، والهلاك نقص فلا يمكن، وهذا السؤال غير وارد، لكنَّ المتكلمين يوردونه حتى يصلوا إلى أن القدرة لا تتعلق بالمستحيل.","vol":"1","page":200},{"text":"يُذْكَرُ أن الشيطان يضع كرسيه على البحر، ويرسل جنوده يضلون الناس، فإذا مات العابد لم يكترث بذلك، وإذا مات العالم فإنه يفرح فرحًا عظيمًا، فقال له جنوده: لِمَ تفرح هذا الفرح بموت العالم، ولا تكترث بموت العابد؟ قال؛ لأن العالم أضر عليَّ من العابد؛ لأن العابد إذا مات لم يفقده إلا نفسه، والعالم تفقده الأمة؛ فالعالم إذا اهتدى هدى الله به أُمة والعابد في مسجده، فقال الشيطان: وإن شئتم ضربت لكم مثلًا، يقال: إنَّه أرسل إلى العابد، فقال له: يا فلان: هل يستطيع الله - ﷿ - أن يجعل السماوات والأرض كلها في بيضة؛ فقال العابد: لا، السماوات كلها في بيضة!! لسان حاله يقول: أنا لو قعدت في البيضة ما وسعتني كيف السماوات والأرض؟ لا يمكن، ثم أرسل إلى العالم وقال له: هل يقدر الله أن يجعل السماوات والأرض في بيضة؟ قال: نعم ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢]، فجاء المندوب قال: انظر، هذا العابد كفر وهو لا يعلم؛ لأنه أنكر قدرة الله - ﷿ -، وذاك، أي: العالم آمن؛ لأنه قال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢] على كل حال أنا أقصد أنَّ التعمق في هذه المسائل غلط، أثبت ما أثبته الله لنفسه، وأن الله على كل شيء قدير، وأعرض عما سوى ذلك.\n\nالفائدة الخامسة: أن أفعال الله - ﷿ - مقرونة بمشيئته، بمعنى: أَنَّ ما لم يشأ لم يكن، وإن كان قادرًا عليه لقوله: ﴿قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾، يعني: ولكنه لم يشأ.","vol":"1","page":201},{"text":"الفائدة السادسة: أن أكثر هؤلاء المنكرين المكذبين لا يعلمون حقيقة الأمر؛ لأنهم لم يتفكروا، ولو تفكروا لعلموا، لكنهم معرضون.\n* * *\n\n* قال الله - ﷿ - ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ [الأنعام: ٣٨] اقرأ - سبحان الله -.\nقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾<span data-type=\"title\" id=toc-404> المراد بالدابة </span>كل ما يدب على الأرض، بأرجل متعددة، أو أربع، أو اثنتين، أو يزحف على بطنه، أي: دابة في الأرض.\nفإن قيل: وهل السيارات والطيارات تسمى دواب؟\nفالجواب: لا، المراد ما فيه الروح.\nلكن لو قال قائل: الرسول - ﷺ - كان إذا استوى على دابته حمد الله، وكذلك نحن إذا ركبنا السيارة نقول: هذا الدعاء مع أنها ليست دابة؟\nفالجواب: هي ليست دابة، لكنها راحلة.\nقوله: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾، فذكر المخلوقات الأرضية والمخلوقات الهوائية التي تسبح في الجو، فالطيور على اختلاف أنواعها، وكذلك الدَّوَاب التي على الأرض على اختلاف أنواعها كلها أممٌ أمثالنا تختلف في أجناسها، وتختلف في ألوانها، وتختلف في قدراتها، وتختلف في أرزاقها، وتختلف في لغاتها، كما أننا نحن كذلك أمم.","vol":"1","page":202},{"text":"وقوله: ﴿طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ هذا من باب التوكيد؛ لأنه من المعروف أن الطائر لا يطير إلا بجناحيه، كما إذا قلت يمشي برجليه، أو ينظر بعينيه، أو يسمع بأذنيه، وما أشبه ذلك، وأما دعوى بعضهم أن هذا قيد تخرج به الطائرات؛ لأن الطائرات تطير لكن ليس بجناحيها، فهذا غلط؛ لأن شيئًا لم يكن معروفًا في ذلك الوقت لا يصح الاحتراز منه؛ لأنه غير واردٍ أصلًا، فالصواب أن قوله: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ من باب التوكيد، على أني أقول إن الطائرة مركبة على هيئة الطير فيها جناح يمين ويسار يمنعها من التأرجح، وفيها أيضًا هواء، والطير يطير بالهواء، وفيها أيضًا انخفاض الأجنحة عند النزول، وارتفاعها عند الطلوع، المهم أن الذي سمعناه وقرأناه ورأيناه في الصورة أن هذه الطائرات مركبة على حسب الطيور.\nقوله: ﴿أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ وهذه الأمم - سبحان الله - متنوعة متفرقة مختلفة، في الأحجام، وفي الألوان، وفي القوى، وفي كل شيء، أيضًا مختلفة في اللغات والألسن.\nفإن قيل: هل تفهم البقرة ما تصدره الهرة من الصوت؟\nفالجواب: لا تفهم، ولا العكس، لكن بقرة مع بقرة تفهم، وهرة مع هرة تفهم، وتأمل - سبحان الله - تجد أن الهرة لها أصوات مختلفة، فإذا كانت تريد الذَّكَر فلها صوت خاص، وإذا كانت تريد أن تدعو أولادها الصغار فلها صوت خاص، تجدها تدخل في المكان، ثم تموء لصغارها فماذا هم مجتمعون عليها - سبحان الله - بصوت غير العادي، كذلك غيرها مثلها، فكل واحد من هذه الأمم لا يفهم لغة الأمم الأخرى.","vol":"1","page":203},{"text":"ثم إن الله - ﷿ - أعطى كل نوع من هذه الأمم هداية يهتدي بها كيف يعيش، ويقال: إن أذكى ما يكون النمل - سبحان الله - أعطاه الله تعالى ذكاء عجيبًا، فهو من الحيوان الذي ينظر إلى المستقبل، فإذا جاء وقت الحَبّ جمع الحَبّ في جحوره وماذا يصنع؛ يأكل رأس الحبة من أجل ألا تنبت؛ لأنها لو نبتت فسدت عليه، ثم إذا جاءت الأمطار، ووصل المطر إلى الحب خرج به مهما كان ينشره لئلا يفسد ولاتقاء رائحته، فسبحان الله، وهذا شاهدناه وشاهده غيرنا.\nفإن قال قائل: إذا رأيت هذا الحَبّ الذي أخرجه النمل، هل يجوز أخذه؟\nفالجواب: يجوز أخذه عند الضرورة؛ لأن حرمة الآدمي أبلغ من حرمة النمل، ثم نقول أيضًا: يجوز إذا كان النمل يمكن أن يتغذى بغيره؛ لأن النمل في أيام الشتاء لا يخرج، بل يبقى في جحوره، وإذا لم يكن مضطرًا نظرنا، إذا كان لا يمكن أن يجلب طعامًا غيره فلا بأس أن يأخذه وإلا فيبقيه لها؛ لأني أخشى أن يكون هذا من جنس حبس الهرة التي دخلت النارَ امرأةُ بها لا هي أطعمتها، ولا أرسلتها تأكل من خشاش الأرض (^١).\nونظير ذلك أيضًا لو وجدْت مع هرةٍ لحمًا جاءت به من الجيران هل لك أن تأخذه من هذه الهرة؟\n_________\n(^١) للحديث الذي أخرجه البخاري: كتاب بدء الخلق، باب: خمس من الدواب فواسق يقتلن في الحرم، رقم (٣٣١٨)، ومسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب: تحريم تعذيب الهرة ونحوها من الحيوان، رقم (٢٦١٩).","vol":"1","page":204},{"text":"الجواب: يؤخذ منها؛ لأن الهرة الآن سرقت، فيؤخذ منها ويرد إلى صاحبه لا سيما إذا كانت دجاجة حية فأنقذها وأعطها الجيران.\nوهل يجوز أخذ نصف الحب الذي أخرجه النمل وترك نصفه؟\nالجواب: إذا أخذت النصف يجب عليك أن ترده إلى صاحبه، أي: صاحب المزرعة التي بجوار النمل؛ لأنه في الغالب يأخذ مما حوله، فخذ هذا الحب وأعطه صاحب المزرعة، وقد أخبرني بعض الطلاب من دولة مجاورة لنا أن بعض الإخوة يأتي إلى بيت النمل ويكلمه، يقول: أسألكم بالله أن تخرجوا ويعطيهم زادًا، ويقرأ بعض آيات من سورة النمل، يقول: فخرج النمل من مزرعته لكن دخل في مزرعة جاره، وأيضًا مما أخبرني به قال: إنه كان عندنا في مسجد الحي عند باب المسجد نمل كثير، وهذا المسجد في دولة فيها صوفية فجاء أحد الإخوان المستقيمين من أهل السُّنَّة، وقال للنمل: أسألكم بالله أن تخرجوا من هذا المكان قال: فجئنا في اليوم الثاني فلم نجد النمل، وكان مؤذن المسجد صوفيًا فلما رأى رحيل النمل قال لهذا الأخ: أنت ولي، وسمعنا أن بعض الإخوان كان يجلس على كرسي صغير، ثم يقرأ آيات من القرآن فيرحل النمل عن بيته - الله أكبر - وهذا يدل على أن النمل يفهم، وقصة سليمان دليل واضح على أنه يفهم.\nلو قال قائل: ما حكم النمل الذي في البيت إذا كان يسبب أذية للصغار؟\nالجواب: نقتله، ونحن جربنا القاز [الكيروسين]، فأنت إذا صببته على الجحر رحل النمل.","vol":"1","page":205},{"text":"المهم أن هذه الدواب أمم أمثالنا، ولها عجائب، وقد ذكر ابن القيم - ﵀ - في كتاب مفتاح دار السعادة العجب العجاب من هذه الأمم.\nقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ فرطنا، يعني: أهملنا، و<span data-type=\"title\" id=toc-415>المراد بالكتاب اللوح المحفوظ</span>، وليس الكتاب العزيز والسياق هو الذي يعين ذلك، ولأن الكتاب العزيز قال الله فيه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، فالمراد بالكتاب هنا اللوح المحفوظ، يعني: ما أهمل الله شيئًا إلا كتبه في اللوح المحفوظ، ولا يشكل عليك أن تقول: كيف يُكتب كل شيء حتى أصناف الدواب؟ نقول: الواجب على الإنسان أن يؤمن بما أخبر الله به سواء أدركه عقله أم لم يدركه، ولو كان الإنسان لا يؤمن إلا بما أدركه عقله لم يكن مؤمنًا حقًا، فكل ما أخبر الله به من هذا وغيره يجب علينا أن نؤمن به، ولا نعترض ولا نورد إيرادات سواء أدركناه بعقولنا أم لم ندركه، على أنه وجد الآن من صنع البشر أشياء صغيرة تحمل كلمات كثيرة جدًا، وهي من صنع البشر، هذه الأقراص التي يسمونها الليزر تحمل كثيرًا جدًا من الكلمات.\nلو قال قائل: قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ هل يؤخذ منه أن دعاء: \"اللهم لا أسألك رد القضاء، ولكن أسألك اللطف فيه\"؟\nفالجواب: لا يثبت، هذا الدعاء معروف أنه منكر، ولا يجوز الدعاء به فقولهم: \"رب لا أسألك رد القضاء، ولكن أسألك اللطف فيه\" هذا غلط، والدعاء - به يدل على أن هذا","vol":"1","page":206},{"text":"الإنسان كأنه يقول: لا أبالي، بل الواجب أن تسأل الله أن يعافيك، ولا يرد القضاء إلا الدعاء لكن هذه كلمة من صوفي، أو شبهه وسارت على الألسنة.\nفإن قيل: هل الإنسان مسير أو مخير؟\nقلنا: - سبحان الله - فهذا الذي سأل هذا السؤال مخير أو مسير؟\nمن المعلوم أن الإنسان: مخير، فهو الذي اختار أن يسأل.\nوقوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ زائدة للتوكيد، وقد مرّ بنا أنه ليس في كتاب الله تعالى شيء زائد لغير معنى أبدًا؛ لأن القرآن لفظ ومعنى، لكن قولنا (زائد)، يُراد به: الزيادة الإعرابية، يعني: زائداَ إعرابًا، أما معنىً فلا.\nقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾، يعني: ثم بعد أن تنتهي الدنيا ﴿إِلَى رَبِّهِمْ﴾ الذي خلقهم - ﷿ -، وكتبهم في اللوح المحفوظ ﴿يُحْشَرُونَ﴾، أي: يجمعون كل شيء يحشر يوم القيامة، ولا تستغرب فتقول: كيف تحشر هذه الدواب والسباع والبهائم والطيور وغيرها؟ بل الواجب عليك أن تصدق، والمسألة فوق ما يدركه العقل، كلهم يحشرون إلى الله، وكلهم يقتص للمجني عليه من الجاني، حتى الشاة التي ليست لها قرون تقتص من الشاة التي لها قرون إذا نطحتها في الدنيا، وهذا من كمال العدل، ولهذا يظهر يوم القيامة من تمام عدل الله - ﷿ - ورحمته وغضبه أيضًا ما لم يكن سابقًا، حتى يظهر تمام العدل للخلائق جميعًا.","vol":"1","page":207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-420>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالفائدة الأولى: أنه ما من حيوان يدب على الأرض، أو يطير في السماء إلا وهو مكتوب عند الله - ﷿ -.\n\nالفائدة الثانية: أن القرآن الكريم جاء بالأسلوب العربي، أي: أنه جرى على ما ينطق به العربُ في لغتهم، فإذا كان من لغة العربُ مثلًا: أن يؤكدوا الشيء بما يزيده قوة، جاء به القرآن، لذلك نجد في القرآن، الكريم كثيرًا من الإقسامات على الشيء، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١)﴾ [الطارق: ١]، وقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١)﴾ [البروج: ١] هل هذا لشك فيما أخبر الله به؟ لا؛ لأن الله تعالى صادق، سواء أقسم أم لا، لكن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، فجرى في التعبير على ما كان العرب يعبرون به.\n\nالفائدة الثالثة: أن الإنسان يجب أن يعرف قدر نفسه، فهو بالنسبة لعظمة الله - ﷿ -؛ كالنملة لقوله: ﴿أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ إذًا لا تترفَّعْ ولا تتعالَ، فما أنت إلا مثل هذه الدواب بالنسبة لعظمة الله - ﷿ -، وإن كان الله - ﷿ - قال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠]، أي: لم يُفضِّل بني آدم على كلِّ ما خلق الله، بل على كثير مما خلق الله، وما يفهمه بعض الناس من أن بني آدم هم أفضل المخلوقات فخطا؛ لأن الله - ﵎ - قال: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ لم يقل على من خلقنا، وإياك أن تأتي بالتعليل مع وجود الدليل.","vol":"1","page":208},{"text":"لو قال قائل: يَرِدُ كثيرًا على ألسنة الخطباء وفي مقدمة بعض الكتب \"والصلاة والسلام على أشرف خلق الله محمد - ﷺ - \"هل هذا جائز؟\nالجواب: هذا غلط، وإن كان بعضهم أطلق فقال (^١):\nوأفضلُ الخَلْقِ عَلى الإطلاقِ (^٢) ... نبينا فَمِلْ عن الشِّقَاقِ\nولكن يجب أن يقيد الخلق ببني آدم؛ لأن الرسول - ﷺ - قال: \"أنا سيد ولد آدم\" (^٣)، وأما ما جاء في الحديث \"خيرته من خلقه\" (^٤)، المراد خلق الآدميين.\n\nالفائدة الرابعة: أن الله - ﷿ - لم يهمل شيئًا في اللوح المحفوظ، فكل شيء كتبه لقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾، ولأن الله تعالى أمر القلم أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة.\n\nالفائدة الخامسة: أن مآل هذه المخلوقات الطائرة والزاحفة وغيرها، إلى الله - ﷿ - لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾\n* * *\n_________\n(^١) هو برهان الدين إبراهيم بن إبراهيم، صاحب جوهرة التوحيد في عقيدة الأشاعرة.\n(^٢) البيت رقم (٦٥) في التعليقات المفيدة على جوهرة التوحيد (ص ٣٠)، وفي تقريب البعيد إلى جوهرة التوحيد (ص ١١١).\n(^٣) رواه مسلم، كتاب الفضائل، باب: تفضيل نبينا - ﷺ - .. (٢٢٧٨).\n(^٤) ذكره الألباني في إرواء الغليل من حديث أم سلمة هند بنت عتبة (١٨١٤)، وقال: حديث ضعيف.","vol":"1","page":209},{"text":"* قال الله - ﷿ -: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩)﴾ [الأنعام: ٣٩].\nقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ هذه الجملة معطوفة عطفَ جمل، أي: قالوا إنها كذب ولم يصدقوا بها، جاءوا للآيات الكونية وقالوا هذه سحر، مثل فرعون حينَ رأى آيات موسى قال: هذا سحر، وكما قال الله - ﷿ - عن قريش: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾، فكذبوا بالآيات الكونية، وكذبوا كذلك بالآيات الشرعية، ووصفوا الرسل بالكذبة وبالشعراء وبالكهنة وبالمجانين وبالمسحورين وما أشبه ذلك، وهذا تكذيب بالآيات الشرعية، هؤلاء الذين كذبوا بآيات الله ﴿صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ فلهم ثلاث أحوال، ﴿صُمٌّ﴾ بآذانهم لا يسمعون الكتاب سماع انتفاع، فانسد طريق الحق عنهم من جهة السماع، ﴿وَبُكْمٌ﴾ جَمْعُ أبكم وهو الذي لا ينطق، فلا ينطقون بالحق ولكنهم ينطقون بالباطل، ﴿فِي الظُّلُمَاتِ﴾ لا يبصرون، الظلمات محيطة بهم من كل جانب؛ لأن (في) تدل على الظرفية، والظرف محيط بمظروفه، فانسدت عليهم أبواب العلم والمعرفة: السمع والبصر والنطق، - والعياذ بالله - وفي هذا قال الله - ﷿ - في سورة البقرة: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾ [البقرة: ١٨].\nقوله: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ الجملة شرطية، فعل الشرط ﴿يَشَإِ﴾، وجوابه ﴿يُضْلِلْهُ﴾، أي: من يشأ الله إضلاله يضلله؛ لأن الأمر أمره - ﷿ -، لا معقب لحكمه ولا اعتراض","vol":"1","page":210},{"text":"عليه، ولا يُسأَل عما يفعل - فنسأل الله أن يهدينا فيمن هدى - ﴿يُضْلِلْهُ﴾، فيعمى عن الحق ولا يصل إليه.\nقوله: ﴿وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، ونقدر هنا ﴿وَمَنْ يَشَأْ﴾ هدايته ﴿يَجْعَلْهُ﴾، أي: يُصيره على (صراط مستقيم)، أي: لا عوج فيه وهو الإسلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-425>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالفائدة الأولى: بيان حال الذين كذبوا بآيات الله، وأنه لا سبيل إلى هدايتهم؛ لأنهم صم لا يسمعون الحق سماع انتفاع، وكذلك هم في الظلمات، وأنهم لا ينطقون بالحق.\nولو قال قائل: الذين يحرفون الآيات هل يدخلون في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾؟\nفالجواب: التحريف بمعنى: التأويل، فإذا كان تأويل إنكار فربما يدخلون في هذه الآية، أما إذا كان تأويلًا عن اجتهاد فهم لا يدخلون في هذه الآية، وليسوا بمعاندين والتأويل يُقبل إذا كان اللفظ يحتمله، وهناك ما يرجح المعنى الآخر، لكن إذا كان لا يحتمله اللفظ فهم معاندون فيشبهون الذين جحدوا.\nوهل الذين لا يعملون بهذه الآيات يدخلون في الذين كذبوا بآيات الله؟\nالجواب: لا يدخلون؛ هؤلاء مستكبرون.\n\nالفائدتان الثانية والثالثة: أن من شاء الله هدايته اهتدى، وأن من شاء إضلاله ضل، ويتفرع على هذه الفائدة أن يلجأ الإنسان إلى ربه - ﵎ - بطلب الهداية والاستعاذة من الغواية؛ لأن الأمر بيد الله.","vol":"1","page":211},{"text":"فإن قيل: وهل هذه المشيئة مشيئة مجردة بدون حكمة، أو أنها مشيئة مقرونة بالحكمة؟\nفالجواب: أنها مشيئة مقرونة بحكمة، وهذا هو المتعين؛ لأن جميع أفعال الله - ﵎ -، وأحكامه كلها مقرونة بالحكمة، انظر في أحكام الله، قال الله - تعالى - في آية المواريث ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١]، وقال تعالى في الأمور القدرية ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ [الإنسان: ٣٠]، فلا مشيئة مجردة في أفعال الله وأحكامه، بل هي مقرونة بالحكمة.\nفإن قيل: وهل هذه الحكمة معلومة للخلق؟\nفالجواب: قد تكون معلومة، وهذا - والحمد لله - هو الأكثر، وقد تكون مجهولة لبعض الناس دون بعض، وقد تكون مجهولة لجميع الناس؛ لأنهم لا يحيطون بالله علمًا.\n\nالفائدة الرابعة: أن الصراط وهو دين الإسلام مستقيم، لا اعوجاج فيه، ولا انحراف فيه، ولا شقاء فيه، ويضاف إلى ذلك أنه لا تناقض فيه؛ لأنه لو كان فيه تناقض لم يكن مستقيمًا.\nفإن قال قائل: هل للإنسان حجة على الله إذا أضله وهدى آخرين؟\nفالجواب: لا؛ لأن الهداية فضل من الله - ﷿ -، وفضل الله يؤتيه من يشاء، والإضلال لا بد أن يكون مبنيًا على حال العبد؛ لقول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُم﴾ [الصف: ٥]، ولقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٩] فالحاصل","vol":"1","page":212},{"text":"أن الله - تعالى - يضل ويهدي من يشاء لحكمة، ولا بد أن يكون الإضلالُ من جراء فعل العبد.\n* * *\n\n* قال الله - ﷿ -: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١)﴾ [الأنعام: ٤٠ - ٤١].\nقوله: ﴿قُلْ﴾، أي: يا محمد، وإن شئت فقل: إن الخطاب عامّ لكل من يصح خطابه ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ قال العلماء: أرأيت بمعنى أَخْبِرْني وإعرابها كالتالي: الهمزة: للاستفهام، والرؤيا هنا علمية، والتاء فاعل، والكاف للخطاب توكيدًا، وليس لها محل من الإعراب، والميم علامة الجمع، وقوله: ﴿أَرَأَيْتَ﴾ تحتاج إلى مفعول أول ومفعول ثانٍ؛ لأن الرؤية هنا علمية، و(رأى) العلمية تنصب مفعولين والمفعول الأول هنا محذوف ويقدر بما يناسب المقام، والذي يناسب المقام هنا حالكم عند الشدة، والجملة الاسمية ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ في محل نصب المفعول الثاني، يعني: أخبروني إذا وقعتم في شدة أتدعون غير الله؟\nالجواب: لا، وهذا تفسير بالمعنى، أما التفسير المطابق للفظ: أعلمتم هذا فأخبروني.\nقال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان: ٣٢]، أي: إذا وقعوا في الشدة عرفوا الله، والعجب أن المشركين إذا وقعوا في الشدة دعوا الله، وأن بعض الطوائف المبتدعة في هذه الأمة إذا وقعوا في الشدة دعوا غير الله،","vol":"1","page":213},{"text":"إذا وقعوا في الشدة دعوا عبد القادر الجيلاني - ﵀ -، دعوا على بن أبي طالب، أو الحسين - ﵄ -، وما أشبه ذلك، فصار حال المشركين خيرًا من حال هؤلاء.\nوقوله: ﴿عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾ المراد أن الله قد لا يعذب هؤلاء المكذبين ويؤخر ذلك إلى قيام الساعة، يعني لا بد إما أن يصيبهم العذاب في الدنيا، وإما أن يصيبهم في يوم القيامة.\nقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، أي: إن كنتم صادقين في أن غير الله ينجيكم، ولكن إذا كانوا يدعون الله عند الشدة صاروا كاذبين في دعواهم أن هذه الآلهة تنجيهم.\n* * *\n\n* قال الله - ﷿ -: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٤١].\n<span data-type=\"title\" id=toc-433>قوله: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾</span> ﴿بَلْ﴾ للإضراب الإبطالي، إبطال أنهم يدعون غير الله و﴿إِيَّاهُ﴾ مفعول مقدم لـ ﴿تَدْعُونَ﴾، وتقديم المعمول يفيد الحصر، والمعنى: بل لا تدعون إلا الله.\nقوله: فَيَكشفُ بمعنى: يزيل كما تكشف المستور فتزيل ستره حتى يظهر ويبدو، ﴿مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ﴾، أي: ما دعوتم به إلى الله - ﷿ -، أي: يكشف الدعاء الذي أنهيتموه إلى الله - ﷿ -، ﴿إِنْ شَاءَ﴾، وإنما قال: ﴿إِنْ شَاءَ﴾ لئلا يطمع هؤلاء في كشف الكربة فإذا لم تكشف احتجوا على الله، فإذا قال: ﴿إِنْ شَاءَ﴾ صارت المسألة تحت مشيئة الله، قد يشاء الله - ﷿ - كشف هذه الكربة، وقد لا يشاء حسب ما تقتضيه حكمته - ﵎ -.","vol":"1","page":214},{"text":"قوله: ﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾، أي: تذهلون عنه لشدة ما وقع بكم فتنسون كل شيء، وقيل: إن النسيان هنا بمعنى الترك، أي: أنهم يدعون الله - ﷿ - بحضور قلب وذكر وهما متلازمان في الواقع؛ لأن الإنسان عند الدهشة ينسى معبوداته، ولأنه أيضًا عند الشدة يعتقد أن معبوده لا ينفعه فهي صالحة للأمرين، وفسرها بهذا كثيرٌ من المفسرين بأن النسيان هنا بمعنى الترك كما قال ﷿ -: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ [السجدة: ١٤]، وقال ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، والنسيان المضاف إلى الله هو الترك في مثل هذا، وأما في قوله: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢] فالمراد بالنسيان هنا أن يغيب عنه ما كان ذاكرًا له من قبل، فالنسيان المثبت لله يجب أن يكون بمعنى الترك لا بمعنى الذهول عن المعلوم، أما المنفي عن الله، فهو الذي يكون بمعنى الذهول.\n\nمن فوائد الآيتين الكريمتين:\nالفائدة الأولى: تقرير الإنسان بما لا يمكنه دفعه؛ وذلك بأن يقرر بشيء يقرّ به ولا يمكنه دفعه، وذلك في قوله: ﴿أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾؛ لأنهم في هذه الحال لا يدعون إلا الله، فإذا كان كذلك فلماذا يخلصون في الشدة ويشركون في الرخاء؟!\n\nالفائدة الثانية: أن هؤلاء المكذبين عند الضراء لا يلجئون إلا إلى الله لقوله: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾.\n\nالفائدة الثالثة: أن الله تعالى يجيب دعوة المضطر ولو كان كافرًا، بل ويعلم - ﷿ - أنه سيكفر إذا نجا؛ لأن الله ينجيهم","vol":"1","page":215},{"text":"من الكرب، وهو يعلم أنهم إذا نجوا سوف يشركون، لكن وقوعهم في الشدة تقتضي رحمة الله - ﷿ - أن يجيب دعاءهم، ومثل ذلك المظلوم، فإن الله يجيب دعوته ولو كان كافرًا، فهذان الصنفان تجاب دعوتهما: الأول المضطر، والثاني المظلوم، يجيب الله دعوتهما، أما المضطر: فلأن رحمة الله سبقت غضبه فيرحم المضطر، وجيب دعوته، وأما المظلوم: فلكمال عدل الله - ﷿ - أن يجيب المظلوم انتصارًا له على الظالم.\n\nالفائدتان الرابعة والخامسة: أنه لا يصرف السوء إلا الله - ﷿ -، ويتفرع على هذه الفائدة أنه إذا أصابك السوء فلا تلجأ إلا إلى الله - ﷿ -.\nفإن قيل: وهل هذا اللجوء فطري أم هو شرعي عقلي؟\nالظاهر أنه شرعي عقلي؛ وذلك لأن بعض الذين يصيبهم الضر لا يلجأون إلى الله؛ كالرافضة مثلًا: إذا أصابهم الضر يلجأون إلى أئمتهم على بن أبي طالب، أو الحسين - ﵄ -، أو غيرهما من أئمتهم، ونحن لا ننكر أن لأئمتهم الحقيقيين درجة عند الله - ﷿ - على حسب عملهم، لكننا ننكر أن يدعى هؤلاء من دون الله - ﷿ -.\n\nالفائدة السادسة: الحذر من ممارسة السيئات، فإن الإنسان ربما يتوب إلى الله - ﷿ -، ثم يعود، ولهذا قال: ﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿وَتَنْسَوْنَ﴾ هنا بمعنى تتركون، يعني: أن الآلهة التي كنتم تشركون بها تتركونها، وقد تقدم في التفسير أنه يحتمل أن المعنى الترك، أو الذهول لشدة ما نزل بهم.\n* * *","vol":"1","page":216},{"text":"* قال الله - ﷿ -: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام: ٤٢ - ٤٤].\nقوله: ﴿وَلَقَدْ﴾ ما أكثر ما يرد في القرآن الكريم مثل هذا التعبير قال أهل العلم: و(اللام) للقسم، يعني: أنها تمهد للقسم فيكون قبلها قسم مقدر، واللام موطئة للقسم مؤكدة له و(قد) مؤكدة أيضًا، فيكون في هذه الآية مؤكدات ثلاث.\nقوله: ﴿أَرْسَلْنَا﴾، يعني: أرسلنا رسلًا.\nقوله: ﴿إِلَى أُمَمٍ﴾ جمع أمة، والأمة في القرآن الكريم ترد على معاْنٍ متعددة، فهي ترد بمعنى الإمام، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ١٢٠]، أي: إمامًا، وترد بمعنى الوقت، مثل قول الله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]، أي: بعد زمن، وترد بمعنى الطائفة، كما في هذه الآية، أي: طائفة وشَعْب وما أشبه ذلك، وترد لمعنى رابع وهو الدين كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢]، أي: على ملة، فلها في القرآن الكريم أربعة معانٍ.\nقوله: ﴿إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾؛ لأن كل الأمم التي أرسلت إليها الرسل قبل الرسول - ﵊ -؛ لأنه خاتمهم.\nقوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ (الفاء) عاطفة، وهل هي عاطفة على إرسال الرسل بمعنى أن الرسل أرسلوا ليؤخذ هؤلاء بالبأساء والضراء؟ لا، لكن في الآية حذف تقديره: فكذبوا، أو","vol":"1","page":217},{"text":"كفروا، أو ما أشبه ذلك، وهذا يسمى إيجاز حذف؛ لأن الإيجاز عند البلاغيين نوعان:\n\nإيجاز قصر: وهو أن تكون الكلماتُ القليلةُ تحمل معانِيَ كثيرةً.\n\nوإيجاز حذف: وهو أن يكون في الكلام القليل شيء محذوف يدل عليه السياق، فهنا لا شك أن في الكلام شيئًا محذوفًا تقديره فكذبوا.\nوقوله: ﴿بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ (البأساء)، يعنى: الشدة، و(الضراء) التضرر.\nقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ (لعل) هنا (للتعليل)، أي: لأجل أن يتضرعوا إلى الله - ﷿ -، ولكن هل حصل هذا؟ يقول الله - ﷿ -: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا﴾، أي: عذابنا ﴿تَضَرَّعُوا﴾، و(لولا) هنا بمعنى: هلّا، يعني: فهلا إذ جاءهم البأس تضرعوا؟.\nالجواب: لا، ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، أي: صلبت ولم تلن، وبقوا على ما هم عليه.\nقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (زين)، بمعنى: حسّن لهم، ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، أي: من المعاصي والكفر والشرك، ولم يقتصر على تهوين الأمر في قلبه بل زينه لهم.\nوقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ (الشيطان) المراد هنا جنس الشياطين، وليس شيطانًا واحدًا معينًا، كما تقول: (الإنسان) تريد به الجنس.","vol":"1","page":218},{"text":"قوله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ (نسوا)، بمعنى: تركوا وأعرضوا عما ذكروا به.\nقوله: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾، يعني: من نعيم الدنيا، فتح الله لهم أبواب كل شيء، من الرزق والأمن والرخاء، وغير ذلك من أنواع الترف.\nقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا﴾، أي: فرح بطر ومرح، ﴿بِمَا أُوتُوا﴾، أي: بما أعطوا مما فتح الله عليهم ﴿أَخَذْنَاهُمْ﴾ بالعذاب ﴿بَغْتَةً﴾، أي: شيئًا مباغتًا لم يطرأ لهم على بال؛ لأنهم انغمسوا في الترف، ونسوا العذاب.\nقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ (إذا) فجائية، والمعنى فاجأهم الإبلاس، وهو اليأس من رحمة الله - ﷿ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-442>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالفائدتان الأولى والثانية: إقامة الحجة على الخلق بإرسال الرسل، وهذه كقوله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [النساء: ١٦٣] إلى قوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، ومن تمام الحجة في إرسال الرسل أنهم أرسلوا بلسان قومهم، أي: بلغة قومهم الذين أرسلوا إليهم، وذلك من أجل أن يفهموا الحجة، ويتفرع على هذا أنه لا تقوم الحجة بمجرد البلاغ حتى يفهمها المرسل إليهم، وإلا فلا الفائدة، إلا أنه يجب على من بلغه ولم يفهم أن يبحث، وهذه النقطة الأخيرة ربما تكون سدًا لعذرهم إذا قالوا: ما فهمنا، نقول: يجب عليكم أن تبحثوا، لكن أحيانًا يتعذر البحث لكونهم لا يجدون من يثقون به فيبقون جاهلين.","vol":"1","page":219},{"text":"الفائدة الثالثة: رحمة الله - ﵎ - بالخلق، حيث أرسل إليهم الرسل لإقامة الحجة، ولبيان المحجة، يعني: الطريق، فلولا الرسل ما عرفنا الطريق إلى الله - ﷿ -، فلولا أن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - بيّن لنا كيف نتوضأ، ما عرفنا كيف نصلي، وما عرفنا كيف نزكي، وكيف نصوم، وكيف نحج، وكيف نتعامل، فإرسال الرسل من رحمة الله - ﷿ -.\n\nالفائدة الرابعة: حذف السبب وذكر المسبب والنتيجة، ليكون ذلك أشد وقعًا وهيبة في قلوب المخاطبين؛ لقوله: ﴿أَخَذْنَاهُمْ﴾، ولم يذكر التكذيب، حتى يكون أشد وأدعى لأن يبحث الذهن لماذا أخذوا؟ فيكون أشد هيبة ووقْعًَا في قلوب المخاطبين.\n\nالفائدة الخامسة: أن الله تعالى يبتلي بالبأساء والضراء لكن لحكمة، لا لمجرد إلحاق الضرر بالخلق.\nفإن فيل: وما الحكمة؟ قلنا: بيّنها - ﷾ - في قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾، وإلا فإن الله لا يمكن أن يريد مجرد الإضرار، بل كل ما ضر الناس من تقديرات الله فالمراد به مصلحة الخلق.\n\nالفائدة السادسة: أن الأخذ قد يكون بالبأساء، وقد يكون بالضراء، أي قد يكون بالشدة التي يتأذى بها الإنسان بدون ضرر، وقد يكون بالضرر، فمثلًا: الخوف والجوع وما أشبه ذلك، هذه شدة، أما المرض المباشر للشخص فهذا ضرر، فالأخذ إما بهذا وإما بهذا.","vol":"1","page":220},{"text":"الفائدة السابعة: إثبات الحكمة في أفعال الله تعالى لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾، وثبوت الحكمة لله - ﷿ - في أفعاله وفي شرعه أمر معلوم لكل ذي عقل؛ لأن كون الأفعال والأحكام تصدر عن حكمة يدل على كمال الفاعل والمشرع.\nفإن قيل: هل كل فعل أو حكم جاء من عند الله يكون معلومًا لنا حكمته؟\nفالجواب: لا؛ لأن عقولنا أقصر من أن تحيط بحكمة الله - ﷿ -، لكن نعلم علم اليقين أن ذلك لحكمة، ولهذا لما سئلت أم المؤمنين عائشة: \"ما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة؟ \" ما ذهبت تعلل، فتقول: الصوم لا يأتي في السنة إلا مرة وقضاؤه سهل، والصلاة تأتي في اليوم والليلة خمس مرات فقضاؤها صعب، والصوم لا نظير له - في السنة - يقوم مقامه، والصلاة لها نظير، وإذا لم تصلِّ اليوم صلّت غدًا، لم تقل هذا، بل قالت: \"كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة\" (^١)، فجعلت مجرد الحكم هو الحكمة، وهكذا يجب على كل مؤمن أن يؤمن بأن جميع أفعال الله، وجميع شرائع الله كلها لحكمة، لكن قد تُعلم وقد لا تُعلم.\nوالفقهاء - ﵏ - يعبرون عن الشيء الذي لا تعلم حكمته بأنه تعبدي، بمعنى أنه ليس علينا إلا أن نتعبد به، لا أن نعلم حكمته، وأحيانًا يقولون: عن شيء أنه تعبدي، وهو معلوم الحكمة، وأحيانًا يكون قولهم صوابًا.\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الحيض، باب: وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة (٣٣٥).","vol":"1","page":221},{"text":"ومن هذه الأمة من أنكر الحكمة، وقالوا: إن الله - ﷿ - يفعل ما يشاء لمجرد المشيئة، ويحكم بما شاء لمجرد المشيئة، وهذا غلط ونقص قالوا: لأنه لو فعل لحكمة لكان ذلك لغرض، وكونه يفعل الشيء لغرض نقص، ومن عباراتهم الفاسدةِ في المعنى الحسنةِ منظرًا أو مسمعًا، (أن الله منزه عن الأعراض والأبعاض والأغراض)، أما الأعراض فمرادهم بذلك ما يعرض للفاعل من فعل، أو ترك، أو نحو ذلك، ولهذا ينكرون الاستواء على العرش، وينكرون النزول إلى السماء الدنيا، والأبعاض يقصدون بها الوجه واليدين وما أشبهها، والأغراض يريدون بها الحكمة، فيقولون: لو كانت أفعاله لحكمة وشرائعه لحكمة لكان له غرض، والله تعالى منزه عن الأغراض.\nفنقول في الرد عليهم: هل الغرض الذي تتضمنه الحكمة لمصلحة الله، أو لمصلحة الخلق؛ ولا شك أنها في مصلحة الخلق، وإلا فإن الله يقول: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧] فهذه الحكمة التي يتضمنها الفعل، أو الشرع، أو الحكم إنما هي لمصلحة الخلق، وحينئذٍ تكون كمالًا.\n\nالفائدة الثامنة: وجوب التضرع إلى الله - ﷿ -، والتضرع بمعنى اللجوء والإنابة إلى الله تعالى، والقيام بما يجب له من عقيدة أو قول أو عمل.\n\nالفائدة التاسعة: بيان شدة قسوة هؤلاء المعذبين، وذلك أنه لما جاءهم العذاب ليتضرعوا صار الأمر بالعكس، بل زاد ذلك قسوة في قلوبهم نسأل الله العافية، وكان ينبغي عليهم أن يتضرعوا","vol":"1","page":222},{"text":"إلى الله - ﷿ -، وهذا قد يقع من الإنسان، أن لا تزيده البأساء والضراء إلا قسوة في القلب وسخطًا على الله - ﷿ - والعياذ بالله، وشعورًا بما لا ينبغي، فإن بعض الناس إذا ابتلي ببلاء قال: ما هذا؟ لماذا يظلمني؟ لماذا يصيبني بما لم يصب به غيري؛ ثم يقسو قلبه والعياذ بالله.\nومن ثَمَّ وجب الصبر على من أصيب بالمصيبة، حتى لا يقسو قلبه، فيقال: أنت عبد الله والعبد خاضع لفعل السيد، والله تعالى يفعل بعبده ما يشاء، كما أنه يفعل في السماء ما يشاء، ويفعل في الأرض ما يشاء، ويفعل في الرياح ما يشاء، كذلك أنت، فأنت خلق من المخلوقات يفعل بك ما يشاء، لكن عليك الصبر عند الضراء، والشكر عند السراء، ومع ذلك - والحمد لله - الضراء التي تصيب الإنسان تكون تكفيرًا لسيئاته، وما أكثر السيئات! فأي شيء يصيبك - حتى الشوكة إذا أصابتك - فإنها تكفر السيئات، فإن احتسبت أُثْبِتَ ثواب الصابرين، فلم يفرط الله - ﵎ - بشيء فيما ينفع الخلق.\n\nالفائدة العاشرة: إثبات قسوة القلب بعد لينه، لقوله: ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، وكما في آية البقرة: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٧٤] فقسوة القلب تحدث، ولين القلب يحدث أيضًا فكلاهما حدثان، والواجب على الإنسان أن يلاحظ دائمًا قلبه أَلَيِّنٌ هو أم لا، أمخبت لله أم لا، أمخلص لله أم لا؟ فكلٌّ يستطيع أن يأتي بالأعمال الظاهرة على أحسن وجه، المنافق يمكنه أن يأتي بالصلاة على أحسن وجه، ويمكن أن يتصدق، لكن أعمالَ القلوب هي والله الصعبة، فحرِّر قلبك من رق المعاصي حتى تتحرر.","vol":"1","page":223},{"text":"فإذا قال قائل: ما<span data-type=\"title\" id=toc-450> دواء قسوة القلب</span>؟\nقلنا: هذا سؤال يرد كثيرًا من بعض المستقيمين الذين مَنَّ الله عليهم بالاستقامة، ثم يحصل لهم هزة فيقسو القلب.\nوالجواب عليه: أن من أسباب إزالة القسوة كثرة قراءة القرآن بتدبر، وأَنْ تشعر وأنت تقرأ أن هذا كلام الله - ﷿ - كلام الله خالق السماوات والأرض، لا كلام البشر، وحينئذٍ تُعَظِّمُ هذا الكلام وتنتفع به.\nومنها: كثرة ذكر الله - ﷿ -، فأَكْثِر من ذكر الله، وذكر الله - ﷿ - ليس فيه صعوبة؛ لأن الذي يتحرك هو اللسان والشفتان، قال الله - ﷿ -: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨].\nومنها: مصاحبة الأخيار، فإن مصاحبة الأخيار تكسب الإنسان خيرًا كثيرًا، وفي الحديث \"أن الجليس الصالح كحامل المسك إما أن يحذيك\" - أي: يعطيك تبرعًا - \"وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه رائحة طيبة\" (^١)، فاحرص على مصاحبة الأخيار وانتفع بهم وانفعهم؛ لأنه ليس كلُّ أحد معصومًا.\n\nومن أسباب لين القلب: رحمة الصغار، ولا سيما اليتامى، فإنها توجب رقة القلب، وجرب تجد، ولقد قال النبي - ﷺ -: \"ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء\" (^٢)، وهذا يشمل\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب: المسك (٥٥٣٤)، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب: استحباب مجالسة الصالحين، ومجانبة قرناء السوء (٢٦٢٨).\n(^٢) رواه الترمذي، كتاب البر والصلة، باب: ما جاء في رحمة الناس (١٩٢٤)، وأبو داود، كتاب الأدب، باب: في الرحمة (٤٩٤١).","vol":"1","page":224},{"text":"كل شيء حتى الحيوان يجب أن ترحمه فلا تكلف البعير أكثر مما يطيق؛ لأنه يحس ولذا إذا ضربت الناقة فإنها ترغي.\nوهناك أسباب أخرى تظهر للمتأمل في دواء قسوة القلب، أسأل الله تعالى أن يلين قلوبنا جميعًا لذكره ولطاعته إنه على كل شيء قدير.\nلو قال قائل: هل تجويع النفس وتأديبها بقلة المال يُعد من أسباب لين القلب؟\nفالجواب: واللهِ لا يظهر هذا، بل ليس من الشرع أيضًا، صحيح أن الإسراف في المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمراكب غير محمود، أما كونه يُجوّع نفسه فهذا ليس من الشريعة، بل قَلِّل الأكل، اجعل ثلثًا للطعام، وثلثًا للشراب، وثلثًا للنَفَس، لكن الإشكال أن بعض الناس يقول: لقد شرب أبو هريرة اللبن حتى لم يجد له مسلكًا (^١)، فنقول إن أبا هريرة - ﵁ - فعل هذا مرة، وهؤلاء يجعلون ذلك في كل مرة، والعامي يقول: \"الماء دقيق ينفذ\"، لو كانت المعدة مملوءة بالطعام و\"النَفَس حربة\" يشق عن نَفْسِه، وكأن هذا العامي يقول املأ البطن، والحقيقة أن ملأ البطن دائمًا يضر، والإنسان إذا خفف الطعام كان أصحٍ له، وجرب تجد، نعم في بعض الأحيان يكون الطعام طيبًا شهيًا، ولا تستطيع أن تأكل قليلًا، أو تكون أتيت إليه وأنت جائع ومن شدة الجوع تقوى النهمة وتأكل كثيرًا، لكن مرن نفسك.\nالفائدة الحادية عشرة: أنّ الشيطان يزين لبني آدم سوء العمل\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب: فضل الفقرة، رقم (٦٤٥٢).","vol":"1","page":225},{"text":"كما قال - ﷿ -: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وفي آية أخرى: ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾ [التوبة: ٣٧].\n\nالفائدة الثانية عشرة: أن الله - ﵎ - قد يسلط على العبد من هو عدو له، ولا يعد هذا ظلمًا من الله - ﷿ -، كلا؛ لأن الله قد بيَّن لنا هذا العدو وحذرنا من اتباع خطواته، فلا عذر لنا.\n\nالفائدة الثالثة عشرة: أن الرجل إذا سلط عليه الشيطان صار السيء في نظره حسنًا، وصار الحسن سيئًا لقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، ومن المعلوم أنهم يعملون بالمعاصي.\n\nالفائدة الرابعة عشرة: أن الله تعالى عجل لهم بالعقوبة لكن على وجه الاستدراج \" لقوله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾.\n\nالفائدة الخامسة عشرة: أن يحذر الإنسان عقوبة الله - ﷿ - إذا منَّ الله عليه بتيسير أمور الدنيا من مأكل ومشرب ونكاح ومركب ومسكنٍ، فلا يغتر بهذا؛ لأنه قد يكون استدراجًا، ولهذَا رُوي \"إذا رأيت الله - ﷿ - يُعطي العبدَ من الدنيا ما يحب وهو مقيم على معاصيه فإنما ذلك منه استدراج\" (^١)، وصدقوا، فلا تغتر أيها الإنسان فقد تبتلى بالنعم كما تبتلى بالنقم، وقد تكون البلوى بالنعم أشد من البلوى بالنقم.\n\nالفائدة السادسة عشرة: أن الذي بيده الرخاء والشدة هو الله - ﷿ - لقوله: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْء﴾.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد (١٦٨٦٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤/ ١٢٨)، رقم (٤٥٤٠)، وحكى المناوي في الفيض (١/ ٣٥٥)، أن العراقي حسنه.","vol":"1","page":226},{"text":"الفائدة السابعة عشرة: أنه يجب الحذر من الفرح الذي هو فرح البطر بنعم الله - ﷿ - لقوله: ﴿فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا﴾، أي: فرح بطر أما إذا فرح الإنسان بما يَسُرُّهُ من أمور الدنيا، أو من أمور الآخرة فرح سرور وانبساط بنعمة الله، فإن هذا لا بأس به، قال الله - ﷿ -: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨].\n\nالفائدة الثامنة عشرة: أن الإنسان قد يأتيه العذاب بغتة، فبيْنا هو في نعيمه وسروره في الدنيا منغمسًا في معاصي الله إذا بالعذاب يأتيه بغتة، وسواء كان هذا العذاب عامًا شاملًا أو كان خاصًا، فقد يبتلى بمرض، أو بحوادث تكسره وتحطمه أو بموت عاجل، ولهذا قال: ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾، أي: أَخْذَ بغتة، أي: مباغت والمباغت هو الشيء الذي لا يتوقعه الإنسان، فيقع من غير توقع له.\n\nالفائدة التاسعة عشرة: أن هذا الأخذ الذي توعد الله - ﷿ - به أَخْذ مدمر؛ لقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾، أي: آيسون من كل خير.\n* * *\n\n* قال الله - ﷿ -: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٥].\nقوله: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ﴾، (الفاء) عاطفة، وتدل على الترتيب والتعقيب، أي: هلكوا عن آخرهم؛ لأنه إذا قطع الدابر وهو الآخر فما سبقه من باب أولى.","vol":"1","page":227},{"text":"قوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ المراد الكفار؛ لأن<span data-type=\"title\" id=toc-455> كل إنسان كافر فهو ظالم </span>في حق نفسه، كما قال - ﷿ -: وَ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧]، وهو في حق الله معتدٍ حيث لم يقم بالواجب عليه وقد أتى قوله تعالى: (قُطِعَ) بصيغة ما لم يُسمَّ فاعله؛ لأنه معلوم وهو الله - ﷿ -، ولكنَّ اللهَ - ﵎ - في الأمور التي تسوء يأتي بها بصيغة ما لم يسمَّ فاعله، وهو كقول الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)﴾ [الجن: ١٠] الجن يؤمنون بأن مريد الشر هو الله - ﷿ - ويعرفون أن الخير والشر بيد الله - ﷿ -، وهو المدبر، لكن كرِهوا أن يضيفوا الشر إلى الله فقالوا: ﴿أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-457>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالفائدة الأولى: إثبات الأسباب لقوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ لأن هذه العقوبة مرتبة على قوم اتصفوا بالظلم، فيكون الظلم سببًا للعقوبة، وهذا من كمال الله - ﵎ - أن تكون أفعاله لحكمة، وأحكامه الشرعية لحكمة.\n\nالفائدة الثانية: أن الظلم سبب للعقوبة والهلاك؛ لأن الحكم إذا علق على وصف صار ذلك الوصف علة له يزداد الحكم قوة بقوته وينقص بنقصه.\n\nالفائدة الثالثة: أن الله محمود على قطع دابر الظالمين لقوله: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\nوهو كذلك، فهو، - ﷾ - محمود على جلب النعم وعلى دفع النقم، والظالمٍ إذا أهلكه الله فإن ذلك من تمام عدله ورحمته؛ لأنه يكون نكالًا لما بين يديه وما خلفه.\n* * *","vol":"1","page":228},{"text":"* قال الله - ﷿ -: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦)﴾ [الأنعام: ٤٦].\nقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾، أي: (قل) يا محمد أخبروني ﴿إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ﴾ بحيث لا تسمعون الكلام، ﴿وَأَبْصَارَكُمْ﴾ بحيث لا ترون الأفعال، ﴿وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾، بحيث لا يكون لديكم وعي ولا عقل، ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ سيكون جوابهم: لا أحد؛ لأنهم يقرون ويعترفون بربوبية الله - ﷿ -، وبما يترتب عليها.\nقوله: ﴿انظُرْ﴾، يعني: نظر اعتبار ونظر بصيرة ﴿كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾، أي: ننوعها، والآيات: جمع آية، وهي العلامة التي يحصل بها الطمأنينة لاشتمالها على الدليل، يعني: أن<span data-type=\"title\" id=toc-460> الآية ليست مجرد علامة</span>، بل هي العلامة التي تكون دليلًا على الشيء، فهي أخص من مطلق العلامة، والآيات كالشمس والقمر والليل والنهار والرخاء والشدة والحر والبرد وهلم جرَّا، آيات منوعة ﴿ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾، أي: ينصرفون عن الحق وعن الآيات، وتأمل قوله: ﴿ثُمَّ﴾ الدالة على التراخي، يعني: ثم بعد أن يتبيَّن لهم الأمر ويتضح هم يصدفون فلا ينتفعون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-461>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالفائدة الأولى: تحدي هؤلاء الذين أشركوا بالله في هذه المسألة اليسيرة بالنسبة لغيرها، وهي أن الله إذا أخذ سمعهم وأبصارهم وختم على قلوبهم فإنهم لن ينصرفوا إلا إلى الله - ﷿ -، وهذا تحدٍّ لهم.","vol":"1","page":229},{"text":"الفائدة الثانية: أن الإنسان إذا أصيب بسمعه، أو بصره، أو قلبه أو سائر جسده فليلجأ إلى الله - ﷿ -؛ لأنه لا أحد ينفعه.\nفإن قال قائل: إذًا لا نذهب إلى الأطباء، ولا إلى القراء، ولا نستعمل الأدوية؟\nفالجواب: لا، بل اذهب إلى الأطباء، واستعمل الأدوية، واذهب إلى القراء، ولكن الذين يَسْتَرْقُون تنقص درجتهم بالنسبة للذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فالإنسان مأمور بفعل الأسباب، بل جاء الأمر بالتداوي إلا أنَّا لا نتداوى بمحرَّم.\n\nالفائدة الثالثة: خطورة انسداد هذه الأمور الثلاثة وهي السمع بحيث لا يسمعون الآيات، والبصر لا يراها، والقلب لا يعيها، فعلى الإنسان أن يراعي هذه الأمور الثلاثة.\n\nالفائدة الرابعة: رحمة الله - ﷿ - حيث صرّف الآيات للعباد، ولو شاء لترك التصريف وجعل الناس يتخبطون خبط عشواء، لكن من نعمة الله - ﷿ - ورحمته بعباده أنه يريهم الآيات ويصرفها وينوعها لهم فإذا لم يؤمن بهذه الآية آمن بالآية الأخرى وحصل المقصود، وكم من إنسان تفوته آيات كثيرة لا يعتبر بها، ثم يصاب بآية واحدة فيعتبر، حتى إن بعض المستقيمين حكوا عن أنفسهم أنهم كانوا منزلقين في الشهوات والتلهي، فلما مات قريب لهم استقاموا، كل الآيات السابقة لم ينتفعوا بها، لكن لما مات القريب استقاموا وعرفوا أن مآلهم كمآله فعادوا إلى الله - ﷿ -.\n\nالفائدة الخامسة: التشنيع على هؤلاء الذين صُرِّفت لهم الآيات فأعرضوا، لقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ","vol":"1","page":230},{"text":"يَصْدِفُونَ﴾، أي: ينصرفون عنها ولا يعتبرون بها، فيكون فيه الحذر من تولي الإنسان بعد ظهور الآيات؛ لأنه إذا تولى بعد ظهور الآيات صار من قسم المغضوب عليهم؛ لأن الأقسام عندنا ثلاثة: (المغضوب عليهم، والضالون، وأهل الاستقامة)، فيكون من المغضوب عليهم؛ لأنه علم الحق ولكنه تمرد عليه.\n* * *\n\n* قال - ﷿ -: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧)﴾ [الأنعام: ٤٧].\nقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ﴾، يعني: أخبروني، وقد مر بنا إعراب مثلها.\n* قوله: ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّه﴾، أي: عقوبة الله ﴿بَغْتَةً﴾، كما لو أتتكم وأنتم نيام ﴿أَوْ جَهْرَةً﴾، كما لو أتتكم وأنتم أيقاظ، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨)﴾ [الأعراف: ٩٧] الأول بغتة والثاني جهرة.\nقوله: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧)﴾ ﴿هَلْ﴾، بمعنى: (ما)، والاستفهام، بمعنى: النفي والاستفهام إذا كان بمعنى النفي صار أشد من النفي المجرد؛ لأنه يتضمن النفي والتحدي، كأن المتكلم يقول: (أثبت لي هذا الشيء)، والمعنى: إذا أتاكم عذاب الله على الوجهين فهل أنتم مظلومون؟ والجواب: لا.\nوقوله: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ الجملة تقرير لأخذ العذاب وأنهم لم يؤخذوا ظلمًا، بل لعملهم السيئ، والظلم ينقسم","vol":"1","page":231},{"text":"إلى قسمين: ظلم في حق الله، وظلم في حق العباد، أما الظلم في حق الله: فدواؤه التوبة، مهما عظم حتى لو كان شركًا بالله تعالى، بل حتى لو كان سبًا لله على القول الراجح فإنه يزول بالتوبة، وأما حق الآدمي فلا يزول إلا برده إليه، أو استحلاله منه، وإلا مهما تاب الإنسان وأخلص لله وندم، فإنه لا يكفيه حتى يرد الحقوق إلى أهلها، بل إن رد المظالم إلى أهلها من شروط التوبة، والتي من شروطها أيضًا أن يقلع الإنسان عن الذنب، ولا إقلاع عن الذنب مع استمرار أخذ مال الغير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-467>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالفائدة الأولى: التحذير من نزول العذاب إما بغتة وإما جهرة، فلا يأمن الإنسان إذا كان عاصيًا أن ينزل به العذاب، لكن أيظن أن العذاب هو عقوبة الجسد فقط، فرغم أن عقوبة الجسد عذاب في حدِّ ذاتها إلا أنه هناك ما هو أكبر منها، وهو الإعراض عن دين الله - ﷿ - كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة: ٤٩].\nولهذا قال العلماء - ﵏ -: \"إن<span data-type=\"title\" id=toc-468> المعاصي بريد الكفر</span>\" (^١)، ينزلها الإنسان مرحلة مرحلة، كما ينزل البريد المسافة مرحلة مرحلة حتى يصل إلى الكفر - والعياذ بالله -، ووجه ذلك ظاهر؛ لأن المعاصي تقسي القلب، وتسود القلب، وتيبس القلب، حتى يصبح ميتًا وتحل الكارثة، ولكن الحمد لله - جعل الله لكل داء دواء، فالمعصية اتبعها بالتوبة، فإذا تبت فالتوبة تهدم ما\n_________\n(^١) قاله أبو حفص النيسابوري، ذكره البيهقي في شعب الإيمان (٩/ ٣٨٤)، رقم (٦٨٣١)، والأصبهاني في حلية الأولياء (١/ ٢٢٩).","vol":"1","page":232},{"text":"قبلها وتكون كأنك لم تذنب - ولله الحمد -، بل إن الإنسان إذا تاب إلى الله توبةً نصوحًا ربما تكون حاله بعد التوبة أكمل من حاله قبل المعصية.\nانظر إلى قول الله - ﵎ -: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾ [طه: ١٢١ - ١٢٢]، فارتفعت منزلته حين تاب من المعصية، وهذا شيء مشاهد؛ لأن الإنسان إذا بقي مستمرًا على حاله في طاعة الله بقي قلبه لا يتحرك، فصار يفعل العبادات وكأنها غريزة، وإذا أذنب خجل من الله - ﷿ -، واستحيا من الله وأخبت لله - ﵎ -، وصار يتذكر هذا الذنب في كل لحظة.\nولهذا قال ابن مسعود - ﵁ -: \"إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرَّ على أنفه فقال به هكذا (^١) - وأشار بيده فوق أنفه -.\n* * *\n\n* قال الله - ﷿ -: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩)﴾ [الأنعام: ٤٨ - ٤٩].\nقوله: ﴿وَمَا نُرْسِلُ﴾ (ما): نافية، و(إلا): أداة حصر، و(الإرسال) هو تحميل الغير إبلاغ رسالة ممن أرسله، ولهذا كان القول الراجح في المسألة أن الرسل هم مَنْ أوحي إليهم - بالشرع،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري: كتاب الدعوات، باب: التوبة، رقم (٦٣٠٨).","vol":"1","page":233},{"text":"وأمروا، بتبليغه وأما النبي فمأخوذ من النبأ، وهو الخبر، أُخبِر بالوحي ولكنه لم يكلف بتبليغه، وإنما يتعبد به هو نفسه، ومن اتبعه فعلى هدى، لكن الرسول مكلف أن يبلغ ما أرسل به، وهذا الذي عليه جمهور العلماء وهو ظاهر؛ لأن آدم نبي وليس مكملًا لشريعة من قبله، بل شريعته مستقلة، فدل هذا على أن القول بأن النبي هو من تعبد بشريعة من سبقه قول ضعيف، وأن قول الجمهور أصح.\nقوله: ﴿إِلَّا مُبَشِّرِينَ﴾ لمن اتبعهم بالخير، أي: بالجنة ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ من خالفهم بالنار، هذه وظيفتهم، والبشارة هي الإخبار بما يسر، والإنذار هو التخويف بما يسوء.\nلو قال قائل: كيف تقول إن البشارة هي الإخبار بما يسر مع أن الله تعالى جعلها إخبارًا بما يسوء كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٣٤ - ٣٥]؟\nفالجواب: أن الإنذار يؤثر في البشرة كما يؤثر التبشير وأصل تسميته تبشيرًا؛ لأنه تتأثر به البشرة فتجد الرجل يستنير وجهه وينشرح صدره، أو يقال: إن قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤)﴾ على سبيل التهكم حيث جعل الإنذار بلفظ البشارة، نظير هذا قول الله - ﷿ -: ﴿ذُقْ﴾ أمر إهانة ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] قال بعض المفسرين: إن هذا من باب التهكم به حتى يزداد غمًا إلى غمه، وقيل: المعنى أنت العزيز الكريم في الدنيا وليس لك في الآخرة إلا الإهانة.","vol":"1","page":234},{"text":"ولو قال قائل: لماذا حصر وظيفة الرسل في البشارة والإنذار؟\nفالجواب: حتى لا يدَّعي مدع أن وظيفة الرسل تتعلق بالربوبية، وأن لهم نصيبًا من تدبير الخلق، فالرسل ليس لهم إلا أن يبشروا الناس وينذروهم فقط، أما أن يهدوهم، أو يرزقوهم، أو يدفعوا عنهم السوء فليس من وظائفهم.\nقوله: ﴿فَمَنْ آمَنَ﴾ بقلبه ﴿وَأَصْلَحَ﴾ العمل ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ لكن قوله: ﴿آمَنَ﴾ هذه مطلقة لم تقيد بشيء، إلا أن النصوص الأخرى قيدت كما في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وكما قال النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - في جوابه لجبريل لما سأله عن الإيمان قال: \"أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره\" (^١).\nقوله: ﴿وَأَصْلَحَ﴾، أي: أصلح العمل وإصلاح العمل لا يتم إلا بأمرين:\nالأول: الإخلاص لله - ﷿ -، فمن أشرك مع الله في العبادة فإنه لم يُصلح العمل حتى وإن كان الشرك أصغر؛ لقول الله - ﵎ - فيِ الحديث القدسي: \"أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه\" (^٢).\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب: سؤال جبريل النبي - ﷺ - (٥٠)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب: بيان الإيمان والإسلام والإحسان (٨).\n(^٢) رواه مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب: من أشرك في عمله غير الله (٢٩٨٥)","vol":"1","page":235},{"text":"ولو قال قائل: إذا كان الإنسان يحلف بغير الله - ﷿ - معتقدًا تعظيمه فهل يكفر؟\nفالجواب: لا يكفر إلا إذا اعتقد أن له من التعظيم مثل ما لله - ﷿ - من التعظيم، أو أشد وكثير من الجهال قد يعتقدون أن رؤساءهم لهم من التعظيم أكثر من تعظيم الله جلَّ وعلا فهذا شرك أكبر، أما ما دون ذلك فليس أكبر.\nلو قال قائل: هناك كثير من الناس إذا حلفوا بالمصحف صدقوا، أما إذا قلت لأحدهم قل والله لم يصدق هؤلاء؟\nفالجواب: هذا من جهلهم؛ لأن تعظيم الحلف بالمصحف من تعظيم الله - ﷿ - إذ إن المصحف كلام الله تعالى لكن هذا من الجهل، كما أن بعضهم يحلف بالله ولا يبالي إن كان كذبًا لكن إذا قلت له: احلف بالنبي لا يحلف إلا وهو صادق.\nالثاني: المتابعة لرسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، فمن لم يتابع الرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - في العبادة فعبادته غير صحيحة، وهو غير مصلح، حتى لو خشع ورق قلبه، ودمعت عينه فإن ذلك لا ينفعه، لقول النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: \"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد\" (^١)، أي: مردود عليه والمتابعة لا تتحقق إلا إذا وافق العمل الشريعة في الأمور الستة التي سبقت وهي الموافقة، في السبب، والجنس، والقدر، والكيفية، والزمان، والمكان.\nوقوله: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾، أي: لما يُستقبل ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، أي: لما مضى، فلا يحزنون على ما مضى من الدنيا؛ لأنهم استغرقوه في طاعة الله، ولا يخافون العذاب.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (ص ٩٩).","vol":"1","page":236},{"text":"قال: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩)﴾ هذا القسم الثاني من الذين أرسل إليهم رسل، القسم الأول: الذي آمن وأصلح، والثاني: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾، أي: ردوها ولم يقبلوها، ﴿يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ﴾، أي: يصيبهم إصابة مباشرة كمس الجسم للجسم ﴿الْعَذَابُ﴾، أي: عقوبة الله - ﷿ -.\nقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾، أي: بما كانوا يخرجون عن طاعة الله و(الباء) للسببية و(ما) مصدرية، ويقدر الكلام بكونهم يفسقون.\nلو قال قائل: بعض الناس إذا خوفوا من عذاب القبر، ومن العذاب عمومًا قالوا: هل رأيت القبر، وهل رأيت عذاب القبر هل يدخلون في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾؟\nالجواب: يدخلون في الآية فهم مكذبون؛ لأن الذي لا يؤمن إلا بما يحسه فهو كافر؛ لأنه لم يؤمن بالغيب، لكن إنكار عذاب القبر على نوعين: فالذي ينكر عذاب القبر على البدن هذا لا يكفر؛ لأن بعض العلماء من علماء الملة قال به، والذي ينكر عذاب القبر مطلقًا فيقول: العذاب لا يقع لا على البدن، ولا على الروح فهذا كافر؛ لأنه مكذب لما تواتر عن النبي - ﷺ - وتلقته الأمة بالقبول فكل مصلٍّ يقول: \"أعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر\" (^١)، والقرآن الكريم أشار إلى هذا في عدة آيات.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: ما يُستعاذ منه في الصلاة، رقم (٥٨٨).","vol":"1","page":237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-480>من فوائد الآيتين الكريمتين:</span>\nالفائدة الأولى: مِنة الله - ﷿ - على عباده بإرسال الرسل، ولا بد من إرسال الرسل، يعني: أن حكمة الله - ﷿ - تقضي بإرسال الرسل؛ لأن العقل البشري لا يستقل بمعرفة ما يجب لله من الأسماء والصفات والأحكام، ولا يمكن أن يستقل بمعرفة العبادات، فالناس مضطرون غاية الضرورة إلى الرسل، قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَة﴾، أي: على دين واحد، فلما كثروا تفرقوا واختلفوا ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣].\n\nالفائدة الثانية والثالثة: أن رسالة الرسل تتضمن هذين الشيئين وهما: البشارة والإنذار، فلمن تكون البشارة، ولمن يكون الإنذار؟ تكون البشارة لمن أطاع واتبع الرسل، والإنذار بالعقوبة لمن كذب، ويتفرع على هذه الفائدة أن الرسل - عليهم الصلاة والسلام - لم يأتوا بمجرد الأحكام، أي: لمجرد أن يقولوا: (هذا حلال وهذا حرام)، بل قرنوا ذلك بالبشارة والإنذار؛ لأن البشارة تحمل الإنسان على فعل المأمور؛ لأنك لو بشرت إنسانًا بأنه سيحصل على كنز في المكان الفلاني تجده يسابق فيفعل ما يوصله إليه، والإنذار يحصل به البعد عن المعاصي، وعلى هذا تتركب دعوة الرسل.\n\nالفائدة الرابعة: أن الناس انقسموا في تقبل وقبول دعوة الرسل إلى قسمين: مؤمن ومكذب.\n\nالفائدة الخامسة: حكمة الله - ﷿ - في انقسام الناس","vol":"1","page":238},{"text":"بالنسبة إلى قبول دعوة الرسل إلى قسمين: مؤمن يعمل عملًا صالحًا، ومكذب يرتكب المعاصي، هذا من الحكمة بل ومن الرحمة؛ لأنه لو لم يكن كفرٌ لم يُعرف قدر الإسلام، ولهذا قال عمر بن الخطاب - ﵁ - فيما يروى عنه: \"إنما تنقض عرى الإسلام عروة، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية\" (^١)، فمن عرف الكفر لا يمكن أن ينقض الإسلام، ومن رحمة الله وحكمة الله أنه قسم الناس إلى قسمين؛ لأنه لولا هذا الانقسام لما حصلت فروض من الشريعة: مثل الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والامتحان والاختبار؛ لأن الناس كلهم كانوا سيصيرون على وتيرة واحدة، والإنسان لا يمكن أن يخرج عن الناس، لكن إذا انقسموا إلى مؤمن وكافر حصل الامتحان والاختبار للمؤمن والكافر، فلا تظن أن الله - ﷿ - إذا أزاغ قلوب الكافرين أن في ذلك لغوا بل هو عين الحكمة.\n\nالفائدة السادسة: أن من جمع بين هذين الوصفين الإيمان والإصلاح فليبشر أنه لا خَوفٌ عليه ولا حَزَن، لقوله: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.\nفإن قال قائل: أليس المؤمنون المصلحون ينالهم خوف من الأعداء؟\nفالجواب: بلى، ينالهم خوف من الأعداء، لكن ليس هذا الخوف المنفي في الآية؛ لأن هذا الخوف بعده أمن، ومع قوة الإيمان لا يرى المؤمن أن في هذا خوفًا، ولهذا نجد الصحابة - ﵃ - في جهادهم وقتالهم مع النبي\n_________\n(^١) ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى (١٠/ ٣٠١).","vol":"1","page":239},{"text":"- صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وبعده أيضًا هم بأنفسهم يتلقون الموت بكل رحب وسعة.\n\nالفائدة السابعة: تشجيع الإنسان على الإيمان والعمل الصالح، والحث على ذلك بذكر عاقبة هذا المؤمن المصلح.\n\nالفائدة الثامنة: أن الإيمان وحده لا يكفي، بل لا بد معه من إصلاح، لكن هل نقول: إنه بمجرد الإفساد أو مجرد ترك العمل الصالح يكون الإنسان كافرًا؟\nنقول: لا نستطيع أن نحكم على شخص بأنه كافر أو مؤمن إلا بدليل من الكتاب والسُّنَّة، فالذي يحكم بالكفر ويحكم بالإيمان هو الله - ﷿ - ورسله، ونحن ليس لنا حق أن نقول: هذا كافر وهذا مؤمن إلا بدليل من الشرع، ولذلك نعتب على أولئك الذين يرددون الأسئلة: هل الأعمال شرط في كمال الإيمان، أو شرط في أصل الإيمان، أو ما أشبه ذلك من العبارات، ونرى أن كل هذا لا حاجة إليه، وبحثهم هذا - في الحقيقة - لا أصل له، ولو أنهم سلكوا في الأحكام الشرعية ما سلكوا في أسماء الله وصفاته، وقالوا: ما ذكره الله لنفسه أثبتناه، وما نفاه عن نفسه نفيناه، فكذلك نقول هنا من كَفَّرَهُ الله كفرناه، ومن لم يكفره لا نكفره، لو سلكوا ذلك لسلموا، وما ضر الناسَ إلا مثلُ هذا التأويل؛ هذا يقول: هذا كفر مخرج من الملة، وذاك يقول: غير مخرج، حتى إن بعضهم أنكر ما ورد عن ابن عباس - ﵁ -: \"كفر دون كفر\" (^١)، وقال هذه الرواية لا\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي: كتاب الإيمان، باب: ما جاء سباب المؤمن فسوق، رقم (٢٦٣٥).","vol":"1","page":240},{"text":"تثبت، وقد حققها بعض تلاميذنا، وقال: إنها مشهورة عنه ثابتة، والعلماء كلهم ينقلونها عن ابن عباس - ﵄ - مقرين لها.\nالمهم أن لدينا أدلة كفر واضحة من القرآن والسُّنَّة، وأدلة إيمان من القرآن والسُّنَّة، وإذا دار الأمر بين أن يكون هذا الرجل كافرًا أو مؤمنًا، وهو من المسلمين، فالأصل بقاء إسلامه، ولا يحل لنا أن نكفره، فكما لا يمكننا أن نجعل الأبيض أسود أو الأسود أبيض، كذلك الأحكام الشرعية، ما لنا حق أن نكفر أحدًا إلا بدليل، ولا أن نقول: هذا مؤمن إلا بدليل، وبهذا نستريح من الخوض واللعب بآراء الناس وعقول الناس.\n\nالفائدة التاسعة: القول بالمفهوم، فمفهوم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أن من لم يكن كذلك فعليه الخوف والحزن.\n\nالفائدة العاشرة: أن التكذيب بآيات الله سبب للعقوبة لقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩)﴾، وليُعلم أن آيات الله - ﷿ - تنقسم إلى قسمين: آيات شرعية وآيات كونية، فالآيات الشرعية ما جاءت به الرسل من شرائع الله؛ لأنك لو تأملت هذه الأحكام سواء في الأمة الإسلامية، أو في الأمم السابقة لوجدتها مطابقة تمامًا للحكمة والمصلحة، وأنه لو اجتمع كل أهل الأرض على أن يأتوا بمثل ذلك ما أتوا، قال الله - ﷿ -: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠]، فلا تظن أن أي نظام، أو قانون يُصلِح من الخلق ما تصلحه الشريعة الإسلامية.","vol":"1","page":241},{"text":"ولذلك ضل أولئك القوم الذين ذهبوا إلى تحكيم القوانين الوضعية التي وضعها بشر، فهذا البشر الذي وضعها معرض للخطأ بلا شك.\nكما أنه غير محيط بجميع مصالح الخلق في جميع أقطار الدنيا، ولا بمصالحهم؟\nلأن في جميع الأزمان المقبلة؛ لأن الأمور تتغير، إذًا فلا يجوز الاعتماد على هذه القوانين، ويجب أن تؤخذ القوانين من كتاب الله وسُّنَّة رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -؛ لأن الله تعالى أعلم بالخلق حالًا ومستقبلًا، ولأنه أرحم بالخلق، ولأنه أحكم الحاكمين.\nأما الآيات القدرية - يعني: المخلوقات - الليل والنهار والشمس والقمر وإحياء الأرض بعد موتها وغير ذلك، كيف يكون التكذيب بهذا وهذا؟\nنقول: أما التكذيب بالشرائع فهو إما أن يكذب الأخبار، فيقول: هذا غير صحيح لا يدخل العقل ولا يمكن، وإما بتحريف النصوص مثل قول بعضهم: المراد بالاستواء استولى، والمراد باليد القدرة، أو القوة أو النعمة، أو ما أشبه ذلك، وهذا تحريف، وإما بالاستكبار عنها فلا يعمل بها، وأما التكذيب بآيات الله الكونية، فإما أن ينسبها لغير الله، كما يفعل السببيون الملحدون الذين ينسبون الأشياء لأسبابها المحضة ويرون أن السبب فاعل بنفسه، أو يقولون: هي من الله ومعه غيره، هذا أيضًا تكذيب بآيات الله الكونية؛ لأنه شرك، أو يقولون: هي لله وحده لكن له مُعِيْنٌ، فهذا أيضًا كفر بالآيات الكونية، فصارت","vol":"1","page":242},{"text":"الآيات الكونية هي المخلوقات كلها، والشرعية ما جاءت به الرسل من الوحي.\n\nالفائدة الحادية عشرة: أن هؤلاء المكذبين سيصيبهم العذاب مباشرة لقوله: ﴿يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ﴾، وإن أفلتوا من العذاب في الدنيا لن يفلتوا منه في الآخرة.\n\nالفائدة الثانية عشرة:<span data-type=\"title\" id=toc-490> إثبات الأسباب </span>لقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾؛ لأن (الباء) للسببية، وإثبات الأسباب دل عليه العقل والسمع ولا ينكره إلا أحمق، والقرآن مملوء من هذا، وأنا أنصح طلاب العلم أن يتدبروا القرآن، ويستنبطوا الآيات التي فيها ذكر السبب؛ لأنه قد قيل إن في القرآن أكثر من ألف دليل يدل على إثبات الأسباب، وهذا حقيقة، والقرآن نفسه سبب، قال الله تعالى ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقال ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦].\nوقد انقسم الناس في الأسباب إلى ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: جعلها مؤثرة بنفسها، وأنه متى وجد السبب لزم وجود المسبب، وهؤلاء هم الطبائعيون الذين لا يعترفون بالله - ﷿ -، ولا يخفى حكمهم أنهم كفرة.\nالقسم الثاني: أنكر تأثير الأسباب في مسبباتها، وقال: إن الأسباب مجرد علامات فقط، وأن المسبب حصل عند السبب لا بالسبب، وهؤلاء ضلوا سمعًا وعقلًا، حتى إنه لو رمى الإنسان زجاجة بحجر ثم تكسرت، لقال: الحجر لم يكسر الزجاجة؛ لأنك لو قلت هذا لكنت مشركًا - والله المستعان -، أنا لو قلت هذا لكنت موحدًا في الواقع، مثبتًا لله الحكمة - ﷾ -،","vol":"1","page":243},{"text":"لكن هؤلاء أناس ذوو عقول، أعني: عقول إدراك لا عقول رشد يقولون: الأسباب لا تؤثر بل حصل الشيء عند السبب لا بالسبب.\nالقسم الثالث: أثبتوا الأسباب لكن جعلوا تأثيرها في مسبباتها بما أودع الله فيها من القوى المؤثرة، وجعلوا الخالق أولًا وآخرًا هو الله - ﷿ -، وقالوا: لو شاء الله لم تؤثر هذه الأسباب، فمثلًا النار محرقة لا إشكال، ولما ألقي فيها إبراهيم - ﵊ - قال الله لها: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] فكانت بردًا وسلامًا، وهنا لم يؤثر أثر هذا السبب في مسببه؛ لأن الله قال: كوني بردًا وسلامًا، وهذا القول هو المتعين، ولا أقول الراجح، وما سواه فهو ضلال باطل.\n\nالفائدة الثالثة عشرة: أن الفسق يطلق على الكفر لقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾، والتكذيب بالآيات كفر، ثم قال: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾، واقرأ قول الله تعالى في تنزيل السجدة: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾ [السجدة: ١٩ - ٢٠] الفسق هنا الكفر، وقد يطلق الفسق على ما دون الكفر وهذا هو المراد من كلام الفقهاء - ﵏ -، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: ٧]، فهنا الفسوق ما دون الكفر وهو المتعين، وجه التعيين العطف على الكفر، والعطف يقتضي المغايرة.","vol":"1","page":244},{"text":"لو قال قائل: ذكرتم أن الفسق يطلق على الكفر، فهل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ والظالمون والفاسقون، من باب تغير الألفاظ فقط؟\nالجواب: بعضهم يقول في هذه المسألة: إن هذا مُنزَّل على أحوال، فمن كان حاكمًا بغير ما أنزل الله فهو كافر، ومن حكم بغير ما أنزل الله لمحبته للعدوان وظلم الناس فهذا ظالم، ومن حكم بغير ما أنزل الله لا ردًا لحكم الله ولكن لأن نفسه تهواه فهذا فاسق.\nونضرب مثلًا لهذا بثلاثة حكام: حاكم حكم بالقانون المخالف للشرع وردَّ حكم الله وقال: (لا نقبله) فهذا كافر.\nوالثاني في نفسه شيء على شخص معين، وحكم عليه دون خصمه، فهذا ظالم.\nوالثالث: حكم بغير ما أنزل الله لا ردًا لما أنزل الله ولا إرادةً لظلم، لكن تهواه نفسه بمعنى أنه لو حكم لشخص بأن له الأرض الفلانية ليس ظلمًا لكن تهواه نفسه إما لصداقته له أو لقرابته له أو لأنه قال له: الأرض ستكون بيني وبينك، فهذا فاسق.\nفتُنزل الآيات على أحوال، ومنهم من قال: إنها على حال واحدة، وأن الكافر فاسق وظالم، والأقرب عندي أنها منزلة على أحوال؛ لأننا لو قلنا: إن هذه الأوصاف لموصوف واحد صارت شبه مكررة.\n\nالفائدة الرابعة عشرة: تمام عدل الله - ﷿ - حيث إنه لم يعذب هؤلاء؛ إلا لأنهم استحقوا العذاب لفسقهم جزاء وفاقًا.","vol":"1","page":245},{"text":"فإن قال قائل: جاء في الحديث الصحيح: \"أن الله لو عذب أهل سمواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم\" (^١).\nفالجواب، لا إشكال في هذا، يعني: أنه لو وقع تعذيب أهل الأرض والسماوات لكان هذا العذاب مستحقًا عليهم، وهو غير ظالم لهم، وليس المعنى أنه لو عذبهم بدون جرم لم يكن ظالمًا؛ لأن تعذيبهم بغير ظلم قد أحاله الله - ﷿ -، ومنع منه نفسه فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾ [هود: ١١٧]، وقال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، لكن لو عذبهم لكانوا مستحقين للعذاب وبهذا يزول الإشكال في هذا الحديث.\n* * *\n\n* قال الله - ﷿ -: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠)﴾ [الأنعام: ٥٠].\nقوله: ﴿قُلْ﴾ الخطاب هنا للنبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، وهو أمر من الله إليه وهذا أمر بإبلاغ خاص، وإلا فكل القرآن قد أُمر النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - أن يبلغه، كما قال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] لكن تأتي بعض الأحكام مصدرة بـ (قل) إشارة إلى أهميتها؛ كقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]\n_________\n(^١) رواه أبو داود، كتاب السُّنَّة، باب: في القدر (٤٦٩٩)، وابن ماجه في: المقدمة، باب: في القدر (٧٧).","vol":"1","page":246},{"text":"وكقوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١]، والأمثلة على هذا كثيرة فيكون في هذا الحكم المذكور وصية خاصة بإبلاغه.\nقوله: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ الخطاب في قوله: ﴿لَكُمْ﴾ للمشركين المكذبين للنبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -.\nقوله: ﴿عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ هذا مقول القول، أي: لا أقول عندي خزائن الله، أي: خزائن رزقه فأرزقكم وأَحْرِمُ من أشاء.\nقوله: ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾، يعني: ولا أقول لكم إني أعلم الغيب، والغيب ما غاب، وهو نوعان غيب نسبي، وهذا قد يعلم فمثلًا الشارع فيه أناس أنا لا أعلمهم، والذي يشاهدهم يعلمهم هذا غيب نسبي، وغيب مطلق حقيقي، وهو ما غاب عن الناس كلهم، كالعلم بما سيحدث في المستقبل، فهذا لا يمكن أن يعلمه أحد لا الرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ولا غيره.\nوالدليل على أن النبي - ﷺ - لا يعلم الغيب النسبي ولا الحقيقي، لكن في النسبي ما شاهده عَلِمَ به، ولذلك لما انخنس منه أبو هريرة - ﵁ - وكان أبو هريرة جنبًا، قال له: \"أين كنت؟ \" (^١) فالنبي - ﷺ - لا يعلم، كذلك لما دخل بيته وطلب الطعام وأتوا إليه بتمر، وطلب اللحم قال: \"ألم أرَ البرمة على النار؟ \" (^٢) فلم يجزم بأن فيها لحمًا مع أنها عنده في البيت؛ لأنه - ﷺ - لا يعلم الغيب.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري: كتاب الغسل، باب: عرق الجنب وأن المسلم لا ينجس، رقم (٢٨٣)، ومسلم: كتاب الحيض، باب: الدليل على أن المسلم لا ينجس، رقم (٣٧١).\n(^٢) أخرجه البخاري: كتاب النكاح، باب: الحرة تحت العبد، رقم (٥٠٩٧).","vol":"1","page":247},{"text":"قوله: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ خاطبهم مخاطبة غير الأولى، يعني: كرر المخاطبة؛ لأن المقام هنا وهو نَفْي أن يكون مَلكًا أبلغ وأشد والإتيان بكاف الخطاب يدل على شدة توجيه الخطاب للمخاطب، ولهذا اقرأ في سورة الكهف قول الخضر لموسى في الآية الأولى ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢)﴾ [الكهف: ٧٢]، وفي الثانية: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥)﴾ [الكهف: ٧٥].\nقوله: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ (الملك) مفرد الملائكة، إذًا النبي - ﷺ - هو بشر من بني آدم، ثم ذكر الله تعالى وظيفته بقوله: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ (إن) بمعنى (ما) فهي نافية، و(إن) في اللغة العربية لها معانٍ حسب السياق، فتأتي نافية، وتأتي شرطية، ومثالها: إن اجتهدت نجحت، وتأتي مخففة من الثقيلة مثل: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤]، أي: إنهم كانوا، وتأتي زائدة لا معنى لها إلا بالتوكيد كقول الشاعر:\nبني غدانة ما إن أنتمُ ذهبٌ ... ولا صَريف ولكن أنتم الخَزَفُ (^١)\nالصريف الفضة، الشاهد في قوله: [ما إن أنتم ذهب] فـ (إن) زائدة، ولهذا لو قال الشاعر: (ما أنتم ذهبٌ) صحّ لكن ما الذي يعيِّن هذه المعاني؟ الذي يعينه السياق، فدل ذلك على أن<span data-type=\"title\" id=toc-500> الألفاظ يتعين معناها بالسياق</span>، وهو مما يؤيد قول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - ألا مجاز في اللغة؛ لأن الكلمة يتعين معناها بسياقها، حتى وإن استعملت بمعنى آخر في غير هذا السياق، وكذلك يعين المعنى القرينة الحالية؛ لأن السياق قرينة\n_________\n(^١) سبق عزوه.","vol":"1","page":248},{"text":"لفظية، والقرينة الحالية وهي أن يدل حال المتحدث عنهم على المعنى، مثل قول الشاعر:\nأنا ابنُ أباة الضيم من آل مالك ... وإنْ مالكٌ كَانتْ كرام المعادن (^١)\nهنا لا يمكن أن تكون (إنْ) نافية؛ لأنه كان يفتخر بقومه فيتعين أن تكون مخففة من الثقيلة.\nوقوله: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ﴾، أي: ما أتبع ﴿إِلَّا مَا يُوحَى﴾، يعني: إلا ما أوحاه الله إليَّ من العبادات والمعلومات، يعني: علم الغيب لا أعلمه فلا أتبع إلا ما أوحي إليَّ وكذلك لا أتعبد له إلا بما أوحاه إليَّ، و(الوحي): هو إعلام الله - ﵎ - لأحد أنبيائه بالشرع، وسمي بذلك من الإيحاء وهو السر والإخفاء؛ لأن الوحي يقع خفيًا، ليس كل أحد يدري عنه، ولم يبين الموحي وذلك للعلم به كما قال - ﷿ -: ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ: ٥٠]، فالموحي هو الله - ﷿ -، فهذه وظيفة النبي - ﷺ - وتلك ما لا يختص بها ولا تقع منه.\nقوله: ﴿قُلْ﴾، يعني: يا محمد بعد أن تبيَّنَ هذا ﴿هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِير﴾ (هل) بمعنى (ما) وجاءت أداة الاستفهام بمعنى النفي؛ لأنها مُشْرَبَة معنى التحدي، يعني: لا يستوي الأعمى والبصير وإن كنتم صادقين فبينوا لي.\nوقوله: ﴿الْأَعْمَى﴾ صفة مشبهة ﴿وَالْبَصِيرُ﴾ مَنْ يبصر، فبصير من البصيرة، وبصير من البصر، ومن المعلوم أنه لا أحد يقول: إن الأعمى والبصير سواء، فما المراد بالأعمى هنا، وما المراد\n_________\n(^١) البيت للطرماح بن حكيم الطائي، والبيت في ديوانه (ص ١٧٣)، وهو من شواهد شرح الكافية الشافية (١/ ٥٠٩)، وشواهد التوضيح (ص ٥١).","vol":"1","page":249},{"text":"بالبصير؟ المراد بالأعمى الكافر، كما قال تعالى ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾ [البقرة: ١٨] والمراد بالبصير المؤمن.\nقوله: ﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ الاستفهام هنا للتوبيخ، يعني: أبعد هذا تعرضون فلا تتفكرون؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-502>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالفائدة الأولى: أنه يجب على النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - أن يُعْلِنَ للأمة ما أمر الله به ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾.\n\nالفائدة الثانية: أن كل ما صُدِّر بـ ﴿قُلْ﴾ بالنسبة للرسول - ﷺ - كان ذلك دليلًا على أهميته، وأن الله تعالى أوصى نبيه أن يبلغه خاصة مما يدل على العناية به.\n\nالفائدة الثالثة: أن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - لا يملك خزائن الله - ﷿ -، أي: خزائن الرزق، ولذلك يعيش - ﷺ - الشهرين والثلاثة لا يوقد في بيته نار، ولو كان عنده خزائن الله لأدركها، مع أنه لو شاء دعا ربه أن يحقق له ما يريد، لكنه - ﷺ - خُيّر بين أن يكون عبدًا نبيًا، أو ملكًا نبيًا، فاختار أن يكون عبدًا نبيًا.\n\nالفائدة الرابعة: أنه إذا كان النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - لا يملك خزائن الله، فإنه لا يجوز أن يطلب الرزق من الرسول مباشرة؛ لأنه لو طلب الرزق من الرسول مباشرة لكان هذا شركًا وتجاوزًا لما هو - عليه - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -.","vol":"1","page":250},{"text":"أما السؤال في حياته ففيه تفاصيل ليس هذا موضع ذكرها (^١)، وقد يعطي وقد لا يعطي كما منع الأشعريين حين طلبوا رواحل يجاهدون عليها، قال: لا أجد ما أحملكم عليه.\n\nالفائدة الخامسة: أن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - لا يعلم الغيب لقوله: ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾.\nفإن قال قائل: أليس النبي - ﷺ - يحدِّث عن أشياء مستقبلة؟\nفالجواب: بلى، ولكن بوحي من الله - ﷿ -، والله ﵎ يعلم الغيب، ولهذا نقول: كل ما أخبر به النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - من أمور المستقبل فهو بوحي خاص من الله - ﷿ -، وحينئذٍ لا ينافي ما أخبر به من أمور الغيب ما ذكره الله تعالى في هذه الآية ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾؛ لأن علمه بالمستقبل بما أوحى الله إليه ليس علمًا ذاتيًا أدركه بنفسه، لكنه علم من عند الله، كما أن الإنسان يرى الرؤيا الصالحة في المنام وينتفع بها في المستقبل، و\"الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة\" (^٢).\n\nالفائدة السادسة: الرد الصريح على من قالوا: أن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - يعلم الغيب، ثم لبَّسوا وشبهوا بما أخبر به من المغيبات التي أوحى الله إليه بها فيقال: الأصل أنه لا يعلم الغيب، وإذا جاء شيء تحدث به النبي - ﷺ - عن\n_________\n(^١) انظر: \"فتاوى العقيدة\" لفضيلة شيخنا المؤلف - رحمه الله تعالى -.\n(^٢) أخرجه البخاري: كتاب التعبير، باب: الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا، رقم (٦٩٨٩)، ومسلم، كتاب الرؤيا، باب: (بدون)، رقم (٢٢٦٣).","vol":"1","page":251},{"text":"المستقبل، فإننا نعلم كما تقدم أن ذلك وحي خاص من الله - ﵎ -.\nلو قال قائل: بعض الناس يستعين بالجن فيخبر بأشياء بعيدة، فهل يكفر بهذا كفرًا أكبر؛ لأنه يدعي علم الغيب النسبي؟\nفالجواب: الذي يستعين بالجن فيخبرونه بأشياء بعيدة لا يكفر، وماذا فعل حتى يكفر؟ لكن إذا كان يتمتم وينزل رأسه فإنا نمنعه؛ لأنه شيء عارض، ولا نقول هذا شرك، والذي يراجع كلام شيخ الإسلام في الفتاوى في إيضاح الدلالة على عموم الرسالة وفي كتاب النبوات وبعض فتاويه في المجموع، عرف الموضوع وأن الجن ربما يُنتفع بهم على وجه مباح في أشياء مباحة.\n\nالفائدة السابعة: أن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - بشر كغيره، لا يعلم الغيب، وينسى كما ننسى، ويلحقه الجوع والظمأ، والبرد والحر، وكل الخصائص البشرية تلحق النبي - ﷺ -.\n\nالفائدة الثامنة: أن المَلَكَ قد يتصور بصورة إنسان لقوله: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾؛ لأنه لولا أنه يمكن تصوره بصورة إنسان ما احتيج إلى النفي، إذ إنه معلوم بدون نفي، وهذا هو الواقع، وقد جاء جبريل - ﵇ - بصورة البشر.\n\nالفائدة التاسعة: الرد على الذين قالوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ فإن الملائكة لا يمكن أن ينزلوا ليكونوا رسلًا إلى البشر، كما قال الله - ﷿ -: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩)﴾ [الأنعام: ٩].\n\nالفائدة العاشرة: كمال عبودية النبي - صلى الله عليه وعلى","vol":"1","page":252},{"text":"آله وسلم - لله - ﷿ - لقوله: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ لا يزيد ولا ينقص، حتى لو كان الذي نزل إليه على شخصه - ﵊ - فإنه لا يمكن أن يدعه، وانظر إلى قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] كلمات عظيمة، يوجهها الله - ﷿ - إلى نبيه - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، ولو كان كاتمًا شيئًا مما أوحاه الله إليه لكتم هذا؛ لأنه شيء عظيم وكذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ١].\n\nالفائدة الحادية عشرة: أن<span data-type=\"title\" id=toc-505> الشرائع توقيفية</span>، فلا يجوز لأحد أن يبتدع منها شيئًا لقوله: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾.\nولهذا قرر أهل العلم أن الأصل في العبادات المنع والحظر، وأنه لا يجوز للإنسان أن يتعبد لله تعالى بشيء إلا ما أذن الله فيه شرعًا، وهذا حق مستند إلى آيات متعددة وإلى قول النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\" (^١).\nفإن قيل: لو أن أحدًا استحسن شيئًا يتعبد لله به هل يكون حسنًا؟\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلح، باب: إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود (٢٦٩٧)، ومسلم، كتاب الأقضية، باب: نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور (١٧١٨) من حديث عائشة - ﵂ -.","vol":"1","page":253},{"text":"فالجواب: لا يكون حسنًا أبدًا، وبذلك يبطل تقسيم من قسّم البدعة إلى نوعين: ضلالة وحسنى، أو إلى خمسة أنواع، فإن هذا باطل لاشك فيه؛ لأن أعلم الخلق بشريعة الله وأفصح الخلق وأنصح الخلق محمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - قال: \"كل بدعة ضلالة\" (^١) بصيغة العموم (كل) التي هي أعم صيغ العموم، وهذا العموم المحكم لا يخرج منه شيء، ولا يرد على هذا ما ثبت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ - حين جمع الناس في رمضان على أُبي بن كعب وتميم الداري، وكان الناس بعد أن امتنع النب - ﷺ - من إقامة قيام رمضان بهم جماعة صاروا يقومون أفرادًا، أو الرجل مع آخر، أو الرجل مع اثنين وما أشبه ذلك، فيحصل التشويش، فخرج عمر ذات ليلة وهم على هذا، فأمر أبي بن كعب وتميمًا الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة ففعلًا، وقاما بالناس بإحدى عشرة ركعة، ثم خرج مرة أخرى ورآهم على هذه الحال فقال: \"نِعْمَ البدعة هذه\" (^٢)، فسماها بدعة وأثنى عليها، فاستدل بهذا الأثر جميع أهل البدع على استساغة بدعهم، ونحن نجيبهم بأمرين:\nالأمر الأول: أن عمر بن الخطاب - ﵁ - من الخلفاء الراشدين الذين بدعتهم - إن صارت بدعة - هي سُنَّة، فهل أنتم أيها الخلف المتخلف هل أنتم كعمر - ﵁ -؟ طبعًا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم: كتاب الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة، رقم (٨٦٧).\n(^٢) أخرجه البخاري: كتاب صلاة التراويح، باب: فضل من قام رمضان، رقم (٢٠١٠).","vol":"1","page":254},{"text":"لا، إذًا لو صح أنها بدعة شرعية لكان عمر ممن يُقتدى به وسُنَّته متبعة بأمر النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -.\nثانيًا: أنها بدعة نسبية باعتبار هجرها من عهد الرسول - ﵊ - إلى أن أقامها عمر، ولا يصح أن نقول: إنها بدعة لغوية؛ لأن البدعة اللغوية لا بد تكون غير مسبوقة، لكن نقول: هي بدعة نسبية باعتبار أنها هجرت من عهد الرسول - ﷺ - مارًا بعهد أبي بكر، ثم أول خلافة عمر.\nثالثًا: هذه البدعة لها أصل في السُّنَّة، وهو أن النبي - ﷺ - صلى بأصحابه في قيام رمضان ثلاث ليالٍ وتخلف في الرابعة، وقال: \"إني خشيت أن تفرض عليكم وتعجزوا عنها\" (^١)، هذه علة تأخر النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - عن إقامتها جماعة، وهل هي باقية في عهد عمر؟\nالجواب: لا؛ لأن الحكم يدور مع علته وهذه العلة في عهد عمر لا يمكن أن تكون، فبطل تشبث أهل البدع بمثل هذه الكلمة من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ -.\nفإن قال قائل: ابتدعت أشياء أقرّها المسلمون؛ كجمع القرآن على مصحف واحد، وتبويب الأحاديث، وبناء المدارس، وأشياء كثيرة، ما تقول في هذا؟\nفالجواب: هذه ليست مقصودة بذاتها، بل هي مقصودة لغيرها، فجمع الناس على مصحف واحد لئلا تتفرق الأمة، ولو\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الجمعة، باب: من قال في الخطبة بعد الثناء أما بعد (٩٢٤)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب: الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح (٧٦١).","vol":"1","page":255},{"text":"كان الناس يقرؤون في المصاحف التي في عهد النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - لتمزقت الأمة تمزقًا عظيمًا، ولقالت النصارى: إذا كان عندنا أربعة أناجيل، أو خمسة فعندكم عشرات، فلهذا كان توحيد المصحف مقصودًا لغيره وهو جمع كلمة المسلمين وعدم تنازعهم.\nكذلك أيضًا تبويب الأحاديث، أو جمعها على المسانيد هو أيضًا مقصود لغيره حتى يتيسر على المسلمين أصول السّنَّة، أرأيت لو أنها لم تبوب على الأبواب ولا على المسانيد لكان الإنسان إذا أراد مسألة أن يقرأ كل حديث ورد عن النبي - ﷺ -، ولا يخفى ما في هذا من التعب العظيم ومن تعطل الشريعة، فكان هذا مقصودًا لغيره.\nولو قال قائل: محاريب المساجد هذه بدعة لا بد أن نهدمها، ولو أن الإنسان أوصى أن يبنى له مسجد فيه محراب بطلت الوصية؛ لأن المحاريب نهى عنها الرسول - ﵊ - في قوله محذرًا: \"إياكم ومذابح النصارى\" (^١)، أو كلمة نحوها فما الجواب؟\nفالجواب فيما يلي:\nأولًا: أن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - قيد فقال: \"كمذابح النصارى\"، فإذا كان المحراب على غير الشكل النصراني فلا بأس به، هذا إن صح الحديث مع أن الحديث فيه مقال.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ٥٩)، ونحوه عند عبد الرزاق في المصنف (٢/ ٤١٣)، والبيهقي (٢/ ٤٣٩)، وانظر: السلسلة الضعيفة (٤٤٨).","vol":"1","page":256},{"text":"ثانيًا: أن نقول إذا انتفى أن تكون هذه المحاريب؛ كمحاريب النصارى بقي أن يقال: هل فيها مصلحة أو لا؟\nالجواب: فيها مصلحة، منها: أنها تغني عن صف كامل؛ فإذا كان المسجد ضيقًا، ثم دخل الإمام في المحراب أغنى عن صف كامل؛ لأن مكانه الذي يفترض أن يقوم فيه لولا المحراب صف كامل هذه واحدة.\nوثانيًا: الدلالة على القبلة، ولهذا قال العلماء ﵏: يستدل على القبلة بالمحاريب الإسلامية، وهذا أمر مشاهد فلو كانت المساجد كحجرة مغلقة ليمس فيها إلا الزوايا الأربع ما عرف الناس القبلة وهذا واضح، إذًا فيها مصلحة، فإذا كان فيها مصلحة فكيف نقول: إنها بدعة محرمة يجب هدمها.\nفإذا قال قائل: يمكن أن يستعاض عنها بالتلوين، أو بوضع بلاط يخالف بلاط المسجد؟\nقلنا: ما الذي يحوجنا إلى هذا، ونحن نقول فيها غير هذه الفائدة، وهي التوسعة للمصلين إذا ضاق المسجد.\nولو قال قائل: تعليلكم لمسألة المحراب واعتباره مصلحة قد يفتح بابًا عريضًا لأهل البدع؛ لأن أهل البدع يفعلون البدع ويقولون: فيها مصالح؛ كاجتماعهم على قراءة القرآن جماعة سيقولون: إن أحدنا لا يستطيع أن يقرأ القرآن وحده فمسألة المصالح قد تفتح بابًا عريضًا؟\nفالجواب: ينظر إذا كانت مصلحة حقيقية فلتتبع، لكن كونك تحدث عبادة ما أحدثها الرسول - ﷺ - وتتقرب بها إلى الله هذا لا يجوز، ونحن نضع المحاريب لا للقربة بها بذاتها، ولكن علامة على شيء مقصود شرعي.","vol":"1","page":257},{"text":"بقي أن بعض الناس يكتب على المحراب ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ [آل عمران: ٣٧] فيحرفون الكلم عن مواضعه، وهل هذا المحراب هو الذي دخل زكريا على مريم فيه؟ طبعًا لا، ثم إن المحراب في اللغة القديمة مكان العبادة، سواء كان محرابًا، أو حجرة، أو أي شيء، فأخطأ هؤلاء من وجهين:\nالوجه الأول: أنه ليس المراد بالمحراب في الآية محراب القبلة.\nوالوجه الثاني: أن زكريا لم يدخل على مريم في هذا المحراب.\nولكن هذا هو الجهل الفاضح، ولذلك يجب على وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد أن تتتبع المساجد التي كتب فيها هذا وتطمسه، كيف يحرف كلام الله في قبلة المسلمين؟! والحمد لله فإنه لا يلزمنا أنَّ كل ما حدث لا بد أن يكون له شاهد من القرآن.\nولو قال قائل: ما حكم كثير من المساجد التي يكون مكتوبًا فوق محرابها على اليمين (الله)، وعلى اليسار (محمد)؟\nفالجواب: هذا أصلًا بدعة، وما كان السلف يفعلون هذا، ولو فرضنا أنَّ إنسانًا لا يعرف هذه العبارة (الله) (محمد) يعرف فقط أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وكتب أمامه على خط مستوٍ (الله محمد) فإنه يفهم أنهما متساويان.\nفيجب على المسؤولين إزالة هذه الكتابة، لكن لو لم يفعلوا فلا يزيلها الأفراد، وهذه الأمور المتعلقة بالمسؤولين لا نفتي فيها، فلو أن أحدًا من العسكر مثلًا جاء يشكو من شيء مفعول","vol":"1","page":258},{"text":"على سبيل العموم لا نفتيه؛ لأنه يحدث باب شر وفتن، ولكن أقول لهذا السائل: هات كتابًا رسميًا من مسؤول يمكنه أن يغير، وإذا جاءنا بهذا الكتاب وجب على الإنسان أن يفتي بما يرى، وهذه المسألة أرجو أن ينتبه لها طلاب العلم الذين نرجو من الله أن يكون لهم مستقبل حافل بالمنافع، إذا أتاك أحد من الأفراد تحت مظلة إدارة أو وزارة، وسألك لا تُفْتِه؛ لأنك إذا أفتيته فسوف تحدث فتنة، هو نفسه قد يترك هذا الشيء الذي سألك عنه فيكون عليه علامة استفهام أو يجمع حوله أناسًا، ثم يحدثون فتنة، فالواجب أن تقول له: اطلب من المسؤول الذي فوقك أن يكتب لي كتابة رسمية، وحينئذٍ يجب أن تفتيه.\n\nالفائدة الثانية عشرة: كمال تعبد النبي - ﷺ - لله لقوله: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾.\n\nالفائدة الثالثة عشرة: إثبات وحي الله له لقوله: ﴿إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾، وأنواع الوحي مذكورة في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١].\n\nالفائدة الرابعة عشرة: أنه لا يستوي الأعمى والبصير ولا يمكن أن يستويا لقوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِي﴾، ووجهه أن الاستفهام هنا بمعنى النفي، والاستفهام بمعنى النفي مضمَّنٌ، أو مشرب معنى التحدي.\n\nالفائدة الخامسة عشرة: أنه لا يستوي الأعمى والبصير حسًّا، كما لا يستويان معنىً، فالجاهل أعمى والعالم بصير.\n\nالفائدة السادسة عشرة: الحث على التفكر لقوله: ﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾.","vol":"1","page":259},{"text":"الفائدة السابعة عشرة: ذم من لم يتفكر؛ لأن الاستفهام هنا للتوبيخ، والمراد هو التفكر في الأمور على حسب الواقع، لا يتخيل أشياء لا تَمُتُّ للواقع بصلة، ولا يتفكر في أشياء لا يمكنه الوصول إليها، فلو أراد أحد أن يتفكر في ذات الله - ﷿ - فإنه لا يجوز، هذا ممنوع؛ لأنه لا يمكن الوصول إليه، ولو أراد أن يتفكر في كيفية النزول إلى السماء الدنيا فلا يجوز؛ لأن ذلك لا يمكن الوصول إليه، والله - ﷿ - قال: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، فإذا كان البصر الذي يدرك الأشياء إدراكًا حسيًا لا يمكن أن يدرك الله - ﷿ - فالفكر من باب أولى.\nومما يطلب أن نتفكر فيه من الأمور الواقعة آيات الله - ﷿ - الكونية والشرعية:\n\nفالآيات الكونية: هي المخلوقات، وما أبدع الله فيها من الحكم والأسرار العظيمة.\n\nوالآيات الشرعية: هي الأحكام الشرعية التي شرعها الله للعباد، وجعلها صالحة لكل زمان ومكان، يعني: إذا طبقت الشريعة فهي صالحة لكل زمان ومكان.\nوهنا نشير إلى من توسَّل بهذه العبارة إلى تكييف الشريعة حسب الواقع؛ فنقول: إنَّ هذا غلط عظيم، والواجب تكييف الواقع حسب الشريعة، وإذا كُيِّفَ الواقع حسب الشريعة صلحت الأمور، أما أن نكيف الشريعة حسب الواقع ويكون لنا في كل زمان شريعة، أو في كل مكان شريعة، أو في كل أمة شريعة، فهذا يعني: أن الشريعة تبدل وتعدل وتدخلها الأهواء، وهذا شيء","vol":"1","page":260},{"text":"ممتنع، فالتفكر يكون في آيات الله - ﷿ - الكونية والشرعية، كذلك أيضًا التفكر في أسماء الله وصفاته، تفكر في الاسم، ماذا يدل عليه من الصفة، سواء كانت الدلالة دلالة تضمن، أو دلالة مطابقة، أو دلالة التزام.\n* * *\n\n° قال الله - ﷿ -: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١)﴾ [الأنعام: ٥١].\nقوله: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ﴾، أي: بالقرآن، والإنذار الإعلام بالشيء على وجه التخويف.\nقوله: ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾، يعني: يؤمنون بالبعث ويخافون من اليوم الذي يبعثون فيه كما قال - ﷿ - في الأبرار: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧].\nقوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾، أي: لا يتولاهم أحد من دون الله - ﷿ -، ولا يشفع لهم أحد من فى ون الله، فالولاية: أن يتولاهم أحد بدون شفاعة، يعني هو يقوم بكشف الضر عنهم أو جلب النفع لهم، والشفاعة: أن يتوسط لهم إلى الله - ﷿ -؛ لأن الشفاعة هي التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة.\nفشفاعة النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - لأهل الموقف أن يُقضى بينهم من دفع الضرر؛ لأن الناس يلحقهم من الغم والكرب ما لا يطيقون.\nوشفاعته لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة من جلب النفع.","vol":"1","page":261},{"text":"ومثاله في الواقع لو أن إنسانًا شفع لشخص إلى مدير من أجل أن يوظفه في عمل فهذا جلب منفعة، ولو شفع في شخص إلى مدير من أجل أن يرفع عنه التعزير سواء بالمال أو بالحبس فهذا من باب دفع الضرر، فهؤلاء الذين أمر الله أن ينذر النبي - ﷺ - بالقرآن إياهم ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾.\n<span data-type=\"title\" id=toc-518>قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ </span>يَتَّقُونَ﴾ (لعل) للتعليل، يعني: لأجل أن يتقوا، والمراد؟ يتقون الله - ﷿ -، أو يتقون اليوم الذي يحشرون فيه إلى الله، وهما متلازمان، والتقوى مأخوذة من الوقاية، وتتكرر كثيرًا في القرآن الكريم، ومعناها اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره، واجتناب نواهيه وتصديق أخباره على علم وبصيرة.\nومنهم من قال: التقوى أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله، على نور من الله، تخشى عقاب الله، وبعضهم نظم ذلك في أبيات فقال (^١):\nخلِّ الذنوب صغيرها ... وكبيرها ذاك التقى\nواعمل كماشٍ فوق أر ... ض الشوك يحذر ما يرى\nلا تحقرن صغيرة ... إن الجبال من الحصى\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-520>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالفائدتان الأولى والثانية: وجوب الإنذار بالقرآن، ويتفرع على هذا أن خير ما ينذر به هو القرآن، يعني هو أبلغ المواعظ في الإنذار، لكن كما قال الله - ﷿ -: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾ [ق: ٣٧].\n_________\n(^١) سبق عزوها (ص ١٦٨).","vol":"1","page":262},{"text":"الفائدة الثالثة: أنه لا ينتفع بالإنذار بالقرآن إلا الذين يؤمنون باليوم الآخر لقوله: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾.\n\nالفائدة الرابعة: إثبات الحشر إلى الله - ﷿ -، وهذا يكون يوم القيامة، تحشر الخلائق إلى ربها - ﷿ - ليقضي بينهم قضاء دائرًا بين العدل والفضل، العدل للكفار، والفضل للمؤمنين.\n\nالفائدة الخامسة: أنه لا أحد يمنع من الله، لقوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾.\n\nالفائدة السادسة: إثبات الشفاعة؛ لأنه لولا وجودها ما صح نفيها، والشفاعة أنواع:\n\nالنوع الأول: الشفاعة العظمى ليقضي بين الناس، وهذه خاصة بالرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، فيعتذر أولوا العزم عنها، وتستقر لرسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، ولم ينكرها أحد من طوائف الملة بل يقرون بها.\n\nالنوع الثاني: الشفاعة في أهل الكبائر من المؤمنين أن يُخرجوا من النار، وهذه ينازع فيها طائفتان من أهل الملة حسب انتسابهم، وهم الخوارج والمعتزلة؛ لأن هاتين الطائفتين يرون أن فاعل الكبيرة مخلد في النار - والعياذ بالله - وإذا كان الله قد قضى عليه أن يخلد في النار فإن الشفاعة لا تنفعه، وهناك شفاعة أخرى ليس هذا موضع ذكرها.\n\nالفائدة السابعة: إثبات العلل والأسباب، لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، وهذا أمر سبق فلا حاجة إلى الإعادة، وكل إنسان يعرف أن الأمور لها أسباب ولها علل.","vol":"1","page":263},{"text":"° قال الله - ﷿ -: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)﴾ [الأنعام: ٥٢].\nقوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ﴾ هذه الآية تحتاج إلى إعراب فـ (لا) ناهية والفعل مجزوم بها، ولكنه حرك بالكسر لالتقاء الساكنين، الإعراب الثاني ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ قوله: (شيٌ) مبتدأ لكن دخل عليه حرف الجر الزائد فعمل فيه لفظًا لا محلًا، ولهذا نعرب (من) حرف جر زائد إعرابًا، و﴿شَيْءٍ﴾ مبتدأ ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ (الفاء) للسببية، والفعل بعدها منصوب بها على رأي الكوفيين، و(أن) مضمرة بعدها على رأي البصريين.\nفإن قيل: هل هي جواب للنفي، أو للنهي؛ لأنها سبقت بنفي ونهي، فقوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ﴾ نهي وقوله: ﴿مَا عَلَيْكَ﴾ نفي؟\nفالجواب: للنفي يعني: ليس من حسابك عليهم من شيء ولا من حسابهم عليك من شيء فتطردهم، فلماذا تطردهم.\nقوله: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (الفاء) للسببية و(تَكُونَ) فعل مضارع منصوب بـ (أن) بعد فاء السببية على رأي البصريين، أو بها على رأي الكوفيين، وهي جواب لقوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ﴾، يعني: لا تطردهم فتكون من الظالمين.\nنعود إلى المعاني ﴿وَلَا تَطْرُدِ﴾ الطرد معناه الإبعاد، يعني: لا تبعدهم.\nقولى: ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ يدعون دعاء مسألة ودعاء عبادة، ودعاء المسألة أن يقولوا: يا ربنا اغفر لنا، ودعاء العبادة أن يقوموا بعبادة الله - ﷿ - من صلاة وغيرها.","vol":"1","page":264},{"text":"فإذا قال قائل:<span data-type=\"title\" id=toc-524> ما وجه كون العابد داعيًا</span>؟\nفالجواب: للدليل الأثري والنظري، أما الأثري فقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠] فجعل الله الدعاء عبادة، وأما كون العبادة دعاء فلأن العابد لو سئل لماذا تعبد الله؟ لقال: أرجو ثوابه وأخاف عقابه، إذًا فهو دعاء بلسان الحال لا بلسان المقال، على أن كثيرًا من العبادات لا يخلو من دعاء صريح.\nوقوله: ﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ (الباء) هنا بمعنى: (في)، وتأتي (الباء) بمعنى: (في) كثيرًا كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨]، يعني: (في) الليل فهل هناك من حكمة في أن تأتي (الباء) بمعنى (في)؟\nالجواب: اعلم أن القرآن الكريم لا يمكن أن يَعْدل عن الشيء المتعارف لغة إلا لسبب، والسبب هنا أن الباء التي للظرفية أشربت معنى الاستيعاب؛ لأن الباء تأتي للاستيعاب كما في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وكما في قوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] فـ (الباء) للاستيعاب، أي: أنهم قد استوعبوا الغداة والعشي بالدعاء، والغداة أول النهار، والعشي آخر النهار.\nوقوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ حال من الفاعل في ﴿يَدْعُونَ﴾ المعنى أنهم مخلصون لله، لا يريدون بذلك رياء ولا سمعة.\nقوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾، يعني: أن حسابك ليس عليهم وحسابهم ليس عليك، وإذا كان كذلك فلماذا تطردهم؟ دعهم يحضرون مجالس ينتفعون","vol":"1","page":265},{"text":"بها وينفعون بها، ليس عليك من حسابهم من شيء ولا من حسابك عليهم من شيء ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ هذا مبني على قوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾.\nوقوله: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ في هذه العبارة تلطف في مخاطبة النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، حيث لم يقل فتكون ظالمًا بل قال: ﴿مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، وهذا فيه شيء من التسلية أن هناك من هو ظالم، والظالمون كثيرون، ومعلوم أن كون الإنسان مع عَالَمٍ يشاركونه في الوصف أهون من كونه ينفرد بذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-526>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالفائدة الأولى: تحريم طرد المؤمنين الصالحين.\n\nالفائدة الثانية: الثناء على أولئك القوم الذين يحضرون جلسات النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - بما ذكر الله - ﷿ - أنهم يدعون الله بالغداة والعشي مع الإخلاص لله - ﷿ -.\n\nالفائدة الثالثة: إثبات وجه الله - ﷿ - لقوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾، والوجه صفة حقيقية لله - ﷿ -، يجب علينا أن نؤمن بذلك ولكن على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وأما من فسر ذلك بأن<span data-type=\"title\" id=toc-527> المراد بالوجه </span>الثواب فقد أخطأ؛ لأن ذلك مخالف لظاهر اللفظ ومخالف لإجماع السلف، ثم إن الله - ﷿ - قال في القرآن الكريم: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٦، ٢٧] جعله وصفًا للوجه ولا يمكن أن يقال: إن الثواب هو الموصوف بأنه ذو الجلال والإكرام.\nوتأمل هذا مع قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ","vol":"1","page":266},{"text":"وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾ [الرحمن: ٧٨] فـ (ذي) بالجر صفة لـ (رب)، ولم تكن بالرفع صفة للاسم، مع أن أسماء الله - ﷿ - لها من الجلالة والتعظيم ما لها، ولكن نسأل الله العافية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]، وسبحان الله لا أدري؛ بماذا يلاقي الإنسان ربه يوم القيامة؟ إذا كان الله تعالى قد قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] وقال: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾، وما أشبه ذلك من الآيات، ثم يقول: لا وجه لك يا رب، والمراد بوجهك الثواب، لا أدري كيف يستطيع الإنسان أن يجيب الله - ﷿ -؟\nوالمسألة ليست جدلًا دنيويًا ومغالبة دنيوية، المسألة عقيدة يجب على الإنسان أن يتهيأ للجواب عنها يوم القيامة، والإنسان قد يتخلص في الدنيا بالمجادلة والمغالبة، لكن عند الله لا ينفعه كما قال الله - ﷿ -: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [النساء: ١٠٩] نقول: أنتم إذا غلبتم في الجدل في الدنيا فلن تغلبوا الله - ﷿ - يوم القيامة، والله لا يغلبون، والمسألة خطيرة.\nوفي ظني أن هؤلاء المحرفين لمثل هذه الآيات، عند تلاوتها وتحريفها ينسون أنهم سيقابلون الله - ﷿ -، وإلا لو كانوا على ذكر ذلك، ما ذهبوا يحرفون الكلم عن مواضعه في أعظم الأشياء، إذا كانت آيات الأحكام وأحاديث الأحكام تجري على ظاهرها، وهي أحكام للعقل فيها مجال، فكيف لا تجري هذه الأخبار العظيمة على ظاهرها وهي تتعلق بالله - ﷿ -.\nلو قال قائل: هل في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ دلالة على رؤية الله - ﷿ -؟","vol":"1","page":267},{"text":"فالجواب: هذا سؤال جيد، نعم هذه الآية يصح أن نجعلها من الأدلة على إثبات الرؤية لله - ﷿ -؛ لأن أفضل شيء وأطيب شيء لأهل الجنة أن ينظروا إلى وجه الله - ﷿ -، اللهم اجعلنا ممن ينظر إليك، ولهذا يجب التنبيه من بعض المصنفين الأذكياء، فمثلًا الزمخشري صاحب الكشاف جيد في البلاغة واللغة وكل من بعده عيال عليه يأخذون من كلامه، قال في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، أي فوز أعظم من هذا؟ هذا الكلام إذا قرأته وجدته عاديًا لا تستنكر منه شيئًا، لكن هو يريد إنكار الرؤية لله - ﷿ -؛ لأن رؤية الله - ﷿ - أعظم من هذا الفوز، لكنَّه رجل ذكي قال: أي فوز أعظم من هذا؟ نقول: أعظم من هذا أن يرى الإنسان ربه - ﷿ - رؤية حقيقية.\n\nالفائدة الرابعة: أن كل إنسان لا يحاسب عن الآخر لقوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾، وهذا العموم مقيد بما إذا لم يفرط الإنسان في حق أخيه، فإن فرط جوزي على ذلك، ولهذا قال العلماء - ﵏ -: يجب على الإنسان إذا رأى نائمًا وقد ضاق الوقت عن الصلاة يجب أن يوقظه ويعلمه، مع أن النائم معذور ليس عليه إثم، لكن أنت أيها اليقظان جب أن توقظه وتعلمه، لو لم تفعل صار عليك من حسابه؛ لأنك تركت الواجب، وكذلك قال العلماء: يجب على من رأى شخصًا يريد أن يتوضأ بماء نجس أن يعلمه، ويجب على من رأى في ثوب أخيه بقعة نجسة أن ينبهه عليها، لقول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢].\n\nالفائدة الخامسة: كمال عدل الله - ﷿ -؛ لأنه خاطب نبيه بهذا الخطاب القوي من أجل قوم من أصحابه، والنبي - ﷺ -","vol":"1","page":268},{"text":"عند الله أعظم جاهًا وأعلى منزلة، لكن الله - ﷿ - حَكَمٌ عدل يقضي بالحق - ﷾ -.\n\nالفائدة السادسة: أن منع الإنسان حقه ظلم وإن لم يكن عدوانًا بضرب أو أخذ مال، لكن إذا منعه حقه فإنه ظالم، لقوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ إلى قوله: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ وهذا حق، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - \"مطل الغني ظلم\" (^١) مع أن هذا لم يأخذ من مال الفقير لكن ماطله، يعني: منع حقه، فكل من منع صاحب حق حقه فهو ظالم له، كما لو اعتدى بأخذ شيء من ماله.\n* * *\n\n° قال الله - ﷿ -: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ [الأنعام: ٥٣].\nصلة الآية بما قبلها واضحة جدًا؛ لأن الذين يأتون إلى الرسول - ﵊ - ويجلسون إليه فقراء، وأما الملأ فلا يجلسون؛ لأنهم يحتقرون هؤلاء ويقولون: أهؤلاء مَنَّ الله عليهم من بيننا.\nوذكر التناسب بين الآيات لا بأس به لكن رأيت بعض المؤلفين يتكلف في هذا كلافة عظيمة، ثم إن هذا قد لا يتأتى في بعض الأحيان كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)﴾\n_________\n(^١) رواه البخاري، كتاب الحوالات، باب: إذا أحال على ملي فليس له رد (٢٢٨٨)، ومسلم، كتاب المساقاه، باب: تحريم مطل الغني وصحة الحوالة ... (١٥٦٤).","vol":"1","page":269},{"text":"[البقرة: ٢٣٩] الآية التي بعدها ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ ما المناسبة؟! المهم أن بعض الآيات لا شك أن المناسبة قد تكون فيها واضحة وبعض الآيات لا تستطيع معرفة المناسبة مما يجعل الإنسان يستسلم استسلامًا كاملًا لترتيب الآيات، وأنها أمر توقيفي وليس عقليًا، وبعض الآيات تكون مقاربة غير واضحة.\nقوله: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾، أي: أضللنا بعضهم ببعض ﴿لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾، يعني: أن الأغنياء لا يؤمنون - فتنة - لماذا لا يؤمنون؟ يقولون: كيف يسبقنا إلى الإيمان هؤلاء؟ فنحن لن نؤمن، وهذه فتنة قد تقع من الإنسان، وذلك بأن يقول: أي شيء ابتدأه فلان أنا لا أشارك فيه، أو أي شيء عمله فلان لا أعمل فيه، ولهذا قال تعالى: ﴿لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ (اللام) هنا للعاقبة، وليست للتعليل، المعنى: فتنا بعضهم ببعض فقالوا: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾.\nالاستفهام هنا للتحقير، مثل قوله تعالى ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١)﴾ [الفرقان: ٤١]. قال الله - ﷿ - ردًا عليهم: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾، يعني: وقد علم أن هؤلاء يشكرون الله إذا أنعم الله عليهم، وأما أنتم فلا فهو يرد عليهم.\nبعضهم فسر (أعلم) بـ (عالم) وهذا خطأ، أكمل من (عالم) لأنها (أعلم) اسم تفضيل عَمِل عَمَلَ الفعل في (مَن)، فهي مفعول به، والغالب كما هو معروف أن تتعدى بـ (الباء)، أو بـ (مِن) و(أعلم) مجرورة بالفتحة؛ لأنها ممنوعة من الصرف للوصفية ووزن أفعل، وإذا قلنا: ووزن الفعل يكون أعم، والمعنى: إن ربك هو يعلم مَن يضل عن سبيله.","vol":"1","page":270},{"text":"و(عالم) ليس اسم تفضيل فلا يمنع التساوي، قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١] هل نقول: سبح اسم ربك (العالي)؟ فهم مخطئون، وكذلك قوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] يقولون: الله عالم - سبحان الله - الله يصف نفسه بالأكمل وهم يصفونه بالأدنى.\nفإذا قال: أنت إذا قلت: (أعلم) قارنت بينه وبين العالمين الآخرين وفضلته عليهم؟\nفالجواب: وأنتم إذا قلتم (عالم) وصفتموه بما يوصف به الآخرون بدون تفضيل، فانظر كيف صار تحريفهم حجة عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-536>من فوائد الآية الكريمة:</span>\nالفائدة الأولى: أن الله - ﷾ - يفتن بعض الناس ببعض فيضل بسبب الآخر، وهذا واقع، مثلًا تفتح باب مساهمة في الخير فيسبق فلان وفلان، فيقول الآخرون: شيء تدخَّل فيه فلان لا نوافق عليه ولا نريده، ولا يمكن أن يسبقنا إليه.\n\nالفائدة الثانية: إقرار الكافرين بأن الإيمان والإسلام مِنَّة من الله تعالى، لقولهم: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾.\n\nالفائدة الثالثة: أن أعداء المؤمنين يأتون بكل أسلوب للتنفير عن المؤمنين، لقولهم: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾، وهذا مشاهد في كل شيء، الرسل - عليهم الصلاة والسلام - هل ذكر أعداؤهم ما ينفر عنهم من الأوصاف؟\nالجواب: نعم، واقرأ الآية العامة الجامعة الشاملة: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣)﴾ [الذاريات: ٥٢، ٥٣]، كذلك أيضًا أعداء أهل السّنَّة والجماعة، يصفهم أهل التعطيل بأوصاف تنفر عنهم،","vol":"1","page":271},{"text":"يقولون: هذا مجسم؛ لأنه أثبت الصفات، ويقولون: هذا تجسيم حتى ينفر الناس عنه، وأهل الكلام يقولون: هؤلاء حشوية لا خير فيهم وليس عندهم فَهم، وليس عندهم معرفة بالمعاني، ولا عندهم عقول، ويسمونهم نوابت، جمع نابتة، وهي التي تنبت في الزرع من ذات الأوراق التي لا خير فيها، وكذلك فإن ألقاب السوء لأهل الخير من أهل الشر لا تزال موجودة، ولكن هل يصمد صاحب الخير أمام هذه الألقاب، أو ينهزم؟ الواجب أن يثبت ولا ينهزم؛ لأنه إذا انهزم فانهزامه ليس انهزامًا لشخصه، بل هو انهزام للحق الذي جاء به، أو الذي كان عليه.\n\nالفائدة الرابعة: تقرير علم الله - ﷿ - في قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾، فالله عالم بمن هو شاكر، وهل المعنى عالم بمن هو شاكر الآن أو بمن سيشكر، أو بالجميع؟\nالجواب: بالجميع.\nوالله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان.\n* * *\n\nوبذلك وفي الأسبوع الأخير من شهر صفر عام ١٤٢١ هـ انتهت الدروس العلمية المسجلة صوتيًا في تفسير سورة الأنعام والتي كان يعقدها فضيلة شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين في جامعه بمدينة عنيزة (^١).\nرحم الله شيخنا رحمة الأبرار، وأسكنه فسيح جناته، ومَنَّ\n_________\n(^١) انظر: مقدمة اللجنة العلمية في المجلد الأول لتفسير سورة الفاتحة والبقرة.","vol":"1","page":272},{"text":"عليه بمغفرته ورضوانه، وجزاه عما قدمه للإسلام والمسلمين خير الجزاء. وصلَّى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\n* * *","vol":"1","page":273}]}