{"ً":{"ٌ":55,"ٍ":"التباريح في صلاة التراويح","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: التباريح في صلاة التراويح\nالمؤلف: د. عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل\nالناشر: مركز النخب العلمية - مطبعة معالم الهدى للنشر والتوزيع.\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٧ هـ - ٢٠١٦ م\nعدد الصفحات: ١٥٨\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2973,"ٕ":19,"ٖ":1780758346,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":1},{"title":"المبحث الأول: مفهوم صلاة التراويح ومشروعيتها وفضلها:","level":1,"page":8},{"title":"المطلب الأول: تسمية صلاة التراويح","level":2,"page":9},{"title":"المطلب الثاني: مشروعية صلاة التراويح","level":2,"page":11},{"title":"المطلب الثالث: فضل صلاة التراويح","level":2,"page":13},{"title":"المبحث الثاني: صفة صلاة التراويح","level":1,"page":17},{"title":"المطلب الأول: عدد ركعات صلاة التراويح","level":2,"page":18},{"title":"المطلب الثاني: صفة ركعات صلاة التراويح","level":2,"page":24},{"title":"المطلب الثالث: ما يقال بين تسليمات التراويح","level":2,"page":27},{"title":"المطلب الرابع: القراءة في صلاة التراويح","level":2,"page":29},{"title":"المسألة الأولى: مَنْ أفضل القراء؟","level":3,"page":29},{"title":"المسألة الثانية: حكم القراءة من المصحف للإمام والمأموم:","level":3,"page":30},{"title":"المسألة الثالثة: حكم تكرار الآيات في التراويح:","level":3,"page":32},{"title":"لمسألة الرابعة: حكم التباكي عند قراءة القرآن:","level":3,"page":33},{"title":"المسألة الخامسة: حكم تقليد أصوات القراء:","level":3,"page":36},{"title":"المسألة السادسة: بم يقرأ في الوتر؟","level":3,"page":36},{"title":"المسألة السابعة: ماذا عن دعاء ختم القرآن في الصلاة؟","level":3,"page":37},{"title":"المطلب الخامس: القنوت في صلاة التراويح","level":2,"page":41},{"title":"المسألة الأولى: هل ثبت في قنوت الوتر شيء؟","level":3,"page":41},{"title":"المسألة الثانية: هل تُشرع المداومة على القنوت؟","level":3,"page":42},{"title":"المسألة الثالثة: ما مقدار القنوت؟","level":3,"page":44},{"title":"المسألة الرابعة: هل القنوت في الوتر قبل الركوع أو بعده؟","level":3,"page":45},{"title":"المسألة الخامسة: ما الأدعية المشروعة في القنوت؟","level":3,"page":45},{"title":"المبحث الثالث: مسائل متفرقة في صلاة التراويح","level":1,"page":48},{"title":"المطلب الأول: هل الأفضل صلاة التراويح جماعة أم فُرَادى؟","level":2,"page":49},{"title":"المطلب الثاني: حكم صلاة التراويح للنساء في المسجد","level":2,"page":52},{"title":"المطلب الثالث: ترك الإيتار مع الإمام في التراويح","level":2,"page":54},{"title":"المطلب الرابع: حكم التعقيب في ليالي رمضان","level":2,"page":58},{"title":"المطلب الخامس: حكم قول «صلاة القيام أثابكم الله»","level":2,"page":61},{"title":"المبحث الرابع: شذرات وإشارات","level":1,"page":63},{"title":"المطلب الأول: الإمامة رسالة وأمانة","level":2,"page":66},{"title":"المطلب الثاني: يُنال التوفيق بفعل أسبابه","level":2,"page":69},{"title":"المطلب الثالث: استجماع القوى الثلاث","level":2,"page":71},{"title":"المطلب الرابع: أثر الوقف الصحيح في فهم الآيات","level":2,"page":77},{"title":"المطلب الخامس: مكايد الشيطان","level":2,"page":83},{"title":"المطلب السادس: الشرك الخفي","level":2,"page":86},{"title":"المطلب السابع: ليكن لك خبيئة","level":2,"page":89},{"title":"المطلب الثامن: السِّر العجيب","level":2,"page":95},{"title":"المطلب التاسع: إياك والتكلف","level":2,"page":101},{"title":"المطلب العاشر: الداء الدفين","level":2,"page":105},{"title":"المطلب الحادي عشر: تَصَنُّع الخشوع","level":2,"page":111},{"title":"المطلب الثاني عشر: فتنة الدَّهْمَاء","level":2,"page":113},{"title":"المطلب الثالث عشر: الاعتداء في الدعاء","level":2,"page":115},{"title":"المبحث الخامس: أخطاء مشهورة، وسنن مهجورة في التراويح","level":1,"page":118},{"title":"المطلب الأول: أخطاء مشهورة في صلاة التراويح","level":2,"page":119},{"title":"المطلب الثاني: سنن مهجورة في صلاة التراويح","level":2,"page":122},{"title":"نهاية المطاف","level":1,"page":125},{"title":"الخاتمة","level":2,"page":125},{"title":"النتائج","level":2,"page":125},{"title":"فهرس المصادر والمراجع","level":1,"page":130}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,20":16,"1,21":17,"1,22":18,"1,23":19,"1,24":20,"1,25":21,"1,26":22,"1,27":23,"1,28":24,"1,29":25,"1,30":26,"1,31":27,"1,32":28,"1,33":29,"1,34":30,"1,35":31,"1,36":32,"1,37":33,"1,38":34,"1,39":35,"1,40":36,"1,41":37,"1,42":38,"1,43":39,"1,44":40,"1,45":41,"1,46":42,"1,47":43,"1,48":44,"1,49":45,"1,50":46,"1,51":47,"1,52":48,"1,53":49,"1,54":50,"1,55":51,"1,56":52,"1,57":53,"1,58":54,"1,59":55,"1,60":56,"1,61":57,"1,62":58,"1,63":59,"1,64":60,"1,65":61,"1,66":62,"1,67":63,"1,68":64,"1,69":65,"1,70":66,"1,71":67,"1,72":68,"1,73":69,"1,74":70,"1,75":71,"1,76":72,"1,77":73,"1,78":74,"1,79":75,"1,80":76,"1,81":77,"1,82":78,"1,83":79,"1,84":80,"1,85":81,"1,86":82,"1,87":83,"1,88":84,"1,89":85,"1,90":86,"1,91":87,"1,92":88,"1,93":89,"1,94":90,"1,95":91,"1,96":92,"1,97":93,"1,98":94,"1,99":95,"1,100":96,"1,101":97,"1,102":98,"1,103":99,"1,104":100,"1,105":101,"1,106":102,"1,107":103,"1,108":104,"1,109":105,"1,110":106,"1,111":107,"1,112":108,"1,113":109,"1,114":110,"1,115":111,"1,116":112,"1,117":113,"1,118":114,"1,119":115,"1,120":116,"1,121":117,"1,122":118,"1,123":119,"1,124":120,"1,125":121,"1,126":122,"1,127":123,"1,128":124,"1,129":125,"1,130":126,"1,131":127,"1,132":128,"1,133":129,"1,134":130,"1,135":131,"1,136":132,"1,137":133,"1,138":134,"1,139":135,"1,140":136,"1,141":137,"1,142":138,"1,143":139,"1,144":140,"1,145":141,"1,146":142,"1,147":143,"1,148":144,"1,149":145,"1,150":146,"1,151":147,"1,152":148,"1,153":149,"1,154":150},"ٜ":{"1":[5,154]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154"],"ٞ":{"1":[1],"8":[2],"9":[3],"11":[4],"13":[5],"17":[6],"18":[7],"24":[8],"27":[9],"29":[10,11],"30":[12],"32":[13],"33":[14],"36":[15,16],"37":[17],"41":[18,19],"42":[20],"44":[21],"45":[22,23],"48":[24],"49":[25],"52":[26],"54":[27],"58":[28],"61":[29],"63":[30],"66":[31],"69":[32],"71":[33],"77":[34],"83":[35],"86":[36],"89":[37],"95":[38],"101":[39],"105":[40],"111":[41],"113":[42],"115":[43],"118":[44],"119":[45],"122":[46],"125":[47,48,49],"130":[50]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nالحمد لله الذي أمر النَّاس أن يعبدوه مخلصين له الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إمام المتقين، وخاتم النبيين، صلى الله وسلم عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.\nأما بعد:\nفيقول الله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة:١٦].\nيجتمع على الإنسان جواذب النفس من دواعي الراحة، ونداء الفراش الوثير في صورةٍ من المجاهدة والمدافعة تنتصر فيها القلوب المؤمنة الحية التي شُغِلَت بربها، وعاشت بين خشيته والخوف من عذابه، والطمع في رضاه ورجاء رحمته.\nفهي صورةٌ مشرقةٌ وضيئةٌ لعدم الركون إلى مُتَع الحياة التي لا يراها المؤمن هدفًا من أهدافه الكبيرة، فلئن ركن الناس إلى ملذات الدنيا يغوصون فيها، يسترخون ويستمتعون وينامون ملء أجفانهم، فإن المؤمن يدفعه القلق على مصيره، وعلى حسن خاتمته، ساعيًا إلى سعادة","vol":"1","page":5},{"text":"الأبد في ظل الكرم الرباني في صورةٍ من الجزاء الرفيع الذي لا حدود لعطائه ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧].\nتعبيرٌ عجيبٌ أَخَّاذٌ يَشي بتكريم الله لهذه الثُّلَّة والصفوة الذين أراد الله أن تَقَرَّ أعينهم بنعيم الآخرة، الذي جاء بيان حقيقته على لسان النبي - ﷺ - حينما وصف الجنة بقوله: «فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» (^١).\nيا لله! كم ذا يفيض الله على عباده من العطاء! كم ذا يغمرهم بالنعيم والكرم!\nوفي صورةٍ مرهفة أخرى يرسم القرآن مشهدًا من مشاهد عبودية أولئك في الليل، فيقول سبحانه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧، ١٨]، إنهم أيقاظٌ أبدانًا وقلوبًا؛ يبيتون مناجاةً لله في جُنْحِ الليل، وتذللًا لربهم في الظلام والناس نيام، ذاقوا لذيذ القيام؛ فهجروا المنام، تبتلًا وقرآنًا ودعاءً واستغفارًا، لا يَطْعَمُون الكرى (^٢) إلا قليلًا، ولا يهجعون (^٣) إلا يسيرًا.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٤/ ٢١٧٥) رقم (٢٨٢٥) من حديث سهل بن سعد الساعدي - ﵁ -.\n(^٢) الكرى: النوم. ينظر: تهذيب اللغة (١٠/ ١٨٧)، لسان العرب (١٥/ ٢٢١).\n(^٣) الهجوع: النوم الخفيف ليلًا. ينظر: الصحاح للجوهري (٣/ ١٣٠٥)، معجم مقاييس اللغة (٦/ ٣٦).","vol":"1","page":6},{"text":"ما الذي أطار نومهم؟ إنه الأنس بالله! ولذة مناجاة الله؛ فلأجلها كابدوا الليل، فلا ينامون من الليل إلا أَقَلَّه.\nأما وقت الأسحار - الذي ينزل فيه ربنا إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر - فَهُمْ في عالمٍ من نعيم الأرواح؛ يستغفرون ربهم، ويدعونه ويسألونه، فيفيض عليهم من رحماته، ويمنحهم من سوابغ هِبَاتِهِ؛ فيجدون لتلك اللحظات من البركات في نهارهم ما لو وُزِنَت لهم بذلك الدنيا ما وَزَنَت عندهم لحظة من لحظات تلك العبادة الخاشعة.\nإن لديهم طموحًا عارمًا بغسل ثياب الذنوب؛ لتعود القلوب نقيةً زكيةً مشرقةً كإشراقة الصبح.\nوفي إطلالة قرآنيةٍ أخرى: نجد أن القرآن يرسم نماذج من القدوات الرفيعة في الانكسار بين يدي الله والبكاء والخرور سجدًا لله ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم:٥٨].\nإنهم أنبياء الله، وخيرة خلقه الذين كانوا في تلك اللحظات الروحانية يبلغون مبلغ الخرور إلى الأرض، بعيونٍ دامعةٍ وبكاءٍ وخشوعٍ في مشهد عظيم من مشاهد الصدق.\nمشهد السجود الذي يمثل ذروة الذل والتذلل للواحد القهار.","vol":"1","page":7},{"text":"عجيبٌ والله! ماذا صنع الوحي في نفوسهم؟\nعجبًا لهاتيك القلوب النقية!\nولكي لا يتطرق الوهم إلى الأذهان، فيظن ظانٌّ أن تلك الهيئة الخاشعة مخصوصةٌ بالأنبياء الكرام؛ فإن القرآن يُجَلِّي ذلك فيذكر مشاهد لأقوامٍ من المؤمنين، كانت تفيض دموعهم خشيةً لله، حين يسمعون كلام الله، فلا يستطيعون لذلك دفعًا؛ لأن ذلك يفوق قدرتهم على الاحتمال، استثارت آيات الله قلوبهم، فتساقطت تلك الدموع وتلامعت في المحَاجِرِ ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة:٨٣]، بل إن القرآن يكشف صورةً أخرى من صور التأثير في الجوارح التي تهتز حين سماع القرآن؛ فتعلوها قشعريرة لا يتمالكها السامع، فتسري آثارها في أوصال الإنسان وخبايا جسده: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزُّمَر:٢٣].\nهنا تفصح هذه الآية الكريمة عن صورةٍ دقيقةٍ عجيبةٍ لمراحل التأثر بآيات الله: قشعريرة الجلود، ثم لينها، ثم لين القلوب الذي يعقبه الخضوع الإيماني، والانكسار النفسي، وهذا الأثر الوجداني الغريب لا يمكن أن يكون لغير القرآن؛ لقوة وقع كلام الله على النفس البشرية فيرتقي بها إلى حالةٍ من الإخبات، كما جاء ذلك في","vol":"1","page":8},{"text":"قول الله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج:٥٤] (^١).\nإنها درجةٌ من أرفع درجات الإيمان التي جاءت بها آيات القرآن، والإخبات في الآية، هو: الخضوع والتَّذلُّل لله - ﷿ - مع المحبَّة له (^٢).\nولما سبق فإن من أَجَلِّ مقاصد صلاة التراويح في رمضان: صياغة القلوب صياغةً مهذبةً بالإيمان من خلال القرآن؛ ولهذا قال الإمام ابن تيمية - ﵀ -: «مِن أَجَلِّ مقصود التراويح: قراءة القرآن فيها؛ ليسمع المسلمون كلام الله» (^٣).\nليكون القرآن والصيام والصلاة خير زادٍ للمسلم في هذه الدنيا؛ لتحمُّل مشاق الحياة، وللنهوض بأعبائها؛ ولهذا جاءت دعوة السماء للنبي الكريم - ﷺ - في أول مراحل دعوته: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزَّمل: ١ - ٤].\nإنها الدعوة الربانية لصفوة البشر؛ ليتهيأ للمهمة الصعبة، ويقوم بالدور العظيم الذي ينتظره، وينهض بالعبء الثقيل الذي اصْطُفِيَ له ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.\n_________\n(^١) ينظر: الطريق إلى القرآن لإبراهيم السكران ص (١٥).\n(^٢) ينظر: مدارج السالكين (١/ ١٥٦).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢٣/ ١٢٢).","vol":"1","page":9},{"text":"كلمةٌ مجلجلةٌ رهيبةٌ تجتذب خير الورى من الفراش الدافئ؛ ليكون ذلك أعظم وقود له على متاعب الطريق، ومضايق الحياة؛ إذ إنه - ﷺ - سيحمل أمانةً عظيمةً وقولًا ثقيلًا ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزَّمل:٥].\nإن الذي يعيش لنفسه ومصالحه الذاتية، يمكن أن يعيش مستريحًا بعيدًا عن مصارع المخاض بين الزعازع (^١) والأنواء (^٢)، لكنه يعيش صغيرًا ويموت صغيرًا.\nأما من كان كبير الهمة، عظيم النفس والطموح، فهذا هو من يصنع - بإذن الله - المجد التليد.\nإنه كبيرٌ يحمل عبئًا كبيرًا، فما لهذا والنوم؟ وكيف سيجد سبيلًا للراحة؟ وإخلادًا للفراش الدافئ، والعيش الهادئ؟ ولهذا جاء الأمر الإلهي للنبي الكريم أن يقوم نصف الليل أو أكثره؛ ليتهيأ للمهمة الكبرى، وهكذا كل من حَمَلَ أمانةً، وتحمل أعباءً من أعباء الحياة الثقيلة، يحسن به ويتأكد في حقه أن يَتَزَوَّدَ لتلك المشاق بزاد الليل، ومعين القرآن.\n_________\n(^١) الزَّعَازِع: هي شدائد الدهر. ينظر: جمهرة اللغة (١/ ٢٠١)، والقاموس المحيط ص (٧٢٥).\n(^٢) الأَنْوَاء: جمع نوء، وهي ثمانية وعشرون نجمًا معروفة المطالع في أزمنة السنة كلها في الصيف والشتاء والربيع والخريف. ينظر: غريب الحديث للقاسم بن سلام (١/ ٣٢٠)، وتهذيب اللغة للأزهري (١٥/ ٣٨٥).","vol":"1","page":10},{"text":"تأمل معي أخي في هذه الأسرار الثلاثة: (الصيام - القرآن - التراويح) وما لها من أثرٍ عجيبٍ في رمضان، إنها علاقةٌ ثلاثيةٌ لها أبعادها وآثارها في تهذيب النفس البشرية؛ لتصبح نفسًا هادئةً مؤمنةً تحوطُها السكينة، ويلفّها اليقين، فيا ليتنا نجدد حياتنا في رمضان بروحٍ جديدةٍ مع الصيام، وعيشٍ كريمٍ مع القرآن، وخشوع وصفاء بين يدي ربنا في التراويح.\nيا ليتنا نعيش رمضان بمضامين جديدة توازي عظمة القرآن، وجمال التراويح.\nوفي هذه الرسالة التي بين يديك خلاصة (تباريح في صلاة التراويح)، نفع الله بها وجعلها خالصةً لوجهه الكريم.\nد. عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل\nالأستاذ المساعد بقسم السنة في كلية الشريعة بجامعة القصيم\nوإمام وخطيب جامع ابن القيم بمدينة بريدة\n٨/ ٨/١٤٣٧ هـ","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>المبحث الأول:\nمفهوم صلاة التراويح ومشروعيتها وفضلها:</span>\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: تسمية صلاة التراويح.\nالمطلب الثاني: مشروعية صلاة التراويح.\nالمطلب الثالث: فضل صلاة التراويح.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>المطلب الأول:\nتسمية صلاة التراويح</span>\nالتراويح: على وزن (تفاعيل)، وهي من صيغ منتهى الجموع، ومفردها: ترويحة، وهي: المرة الواحدة من الراحة، مشتقة من الفعل رَوَّح يروِّح ترويحًا، يُقال: رَاوحَ بين رجليه: إذا قام على إحداهما مرة، وعلى الأخرى مرة (^١).\nوأصل هذه المادة يدل على الفسحة والسعة، قال ابن فارس: «الراء والواو والحاء: أصل كبير مطرد، يدل على سَعَة وفُسحة واطِّرَاد» (^٢).\nوالتراويح في الاصطلاح، هي: صلاة القيام جماعة في ليالي رمضان بعد صلاة العشاء (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: الصحاح للجوهري (١/ ٣٧٠)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢٧٤)، لسان العرب (٢/ ٤٦٢، ٤٦٦).\n(^٢) مقاييس اللغة (٢/ ٤٥٤).\n(^٣) ينظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٢٦٨)، شرح النووي على مسلم (٦/ ٣٩).","vol":"1","page":13},{"text":"وسُمِّيت بهذا الاسم؛ لأنَّ السلف أوَّل ما اجتمعوا عليها كانوا يطيلون القيام، ويستريحون بين كل تسليمتين (^١).\nوقد روى البيهقي في السنن الكبرى بسنده عن المغيرة بن زياد الموْصِلِيِّ، عن عطاء، عن عائشة - ﵂ -، قالت: «كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - يُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي اللَّيْلِ، ثُمَّ يَتَرَوَّحُ، فَأَطَالَ حَتَّى رَحِمْتُهُ، فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ: أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟».\nقال البيهقي: «وقوله: (ثُمَّ يَتَرَوَّحُ) إنْ ثبت؛ فهو أصل في تَرَوُّح الإمام في صلاة التراويح» (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٤/ ٢٥٠)، كفاية النبيه لابن الرفعة (٣/ ٣٣١)، التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب لخليل المالكي (٢/ ٩٧).\n(^٢) السنن الكبرى (٢/ ٧٠٠) رقم (٤٢٩٤)، وقال البيهقي: «تفرد به المغيرة بن زياد، وليس بالقوي»، وهو ممن لا يحتمل تفرده.","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>المطلب الثاني:\nمشروعية صلاة التراويح</span>\nثبتت مشروعية صلاة التراويح، بالسُّنَّة، والإجماع.\nفأما السنة، فمنها:\n١) حديث عائشة ﵂: «أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - خَرَجَ ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، فَصَلَّى فِي المَسْجِدِ، فَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلاتِهِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ، فَتَحَدَّثُوا، فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ، فَصَلَّوْا مَعَهُ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ، فَتَحَدَّثُوا، فَكَثُرَ أَهْلُ المَسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، فَخَرَجَ رَسُولُ الله - ﷺ -، فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَجَزَ المَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ حَتَّى خَرَجَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، فَلَمَّا قَضَى الفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَتَشَهَّدَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ مَكَانُكُمْ، لَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ، فَتَعْجِزُوا عَنْهَا» (^١).\n٢) حديث أبي هريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ -، قال: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢/ ١١) رقم (٩٢٤)، ومسلم (١/ ٥٢٤) رقم (٧٦١).","vol":"1","page":15},{"text":"إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (^١).\nقال النووي - ﵀ -: «المراد بقيام رمضان: صلاة التراويح» (^٢).\nوأما الإجماع:\nفقد أجمعت الأمة على مشروعية صلاة التراويح، واتَّفق العلماء على استحبابها.\nقال السَّرَخْسي - ﵀ -: «الأمة أجمعت على شَرْعِيَّتها وجوازِها، ولم ينكرها أحد من أهل العلم؛ إلا الروافض، لا بارك الله فيهم» (^٣).\nوقال النووي - ﵀ -: «صلاة التراويح سُنَّة باتفاق العلماء» (^٤).\nوقال أيضًا: «اتفق العلماء على استحبابها» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١/ ١٦) رقم (٣٧)، ومسلم (١/ ٥٢٣) رقم (٧٥٩).\n(^٢) شرح النووي على مسلم (٦/ ٣٩).\n(^٣) المبسوط (٢/ ١٤٣).\n(^٤) الأذكار ص (١٨٣).\n(^٥) شرح النووي على مسلم (٦/ ٣٩).","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>المطلب الثالث:\nفضل صلاة التراويح</span>\nصلاة التراويح: هي من جملة قيام الليل، فتَشْمَلُها نصوصُ الكتاب والسنة التي وردت في بيان فضل قيام الليل، ومن هذه النصوص:\nقوله تعالى عن المتقين: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات:١٧].\nوقوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩].\nوقوله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة:١٦].\nوفي الصحيحين من طريق حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا؛ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (^١).\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ: صَلَاةُ اللَّيْلِ» (^٢).\n_________\n(^١) متفق عليه، تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.\n(^٢) صحيح مسلم (٢/ ٨٢١) رقم (١١٦٣).","vol":"1","page":17},{"text":"قال الحسن البصري - ﵀ -: «ما نعلم عملًا أشدَّ من مكابدة الليل ونفقة المال، قيل له: ما بالُ المتهجدين أحسنُ الناس وجوهًا؟ قال: لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم من نوره» (^١).\nبَكَى الْبَاكُونَ لِلرَّحْمَنِ لَيْلًا ... وَبَاتُوا دَمْعَهُمْ مَا يَسْأَمُونَا\nبِقَاعُ الْأَرْضِ مِنْ شَوقٍ إِلَيْهِمْ ... تَحِنُّ مَتَى عَلَيْهَا يَسْجُدُونَا\nوكان السلف ﵏ يجِدُون لقيام الليل لذَّة وسرورًا، يفرحون بمجيئه، ويحزنون لانقضائه.\nقال ثابت البُناني - ﵀ -: «ما شيءٌ أجدُه في قلبي ألذُّ عندي من قيام الليل» (^٢).\nوقال سفيان الثوري - ﵀ -: «إذا جاء الليل فرحت، وإذا جاء النهار حزنت» (^٣).\nوقال أبو سليمان الداراني - ﵀ -: «لَأَهْلُ الطاعة بليلهم أَلَذُّ من أهل اللهو بلهوهم، ولولا الليلُ ما أحببت البقاء في الدنيا» (^٤).\n_________\n(^١) إحياء علوم الدين (١/ ٣٥٥).\n(^٢) صفة الصفوة (٢/ ١٥٥).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (١/ ٨٥).\n(^٤) أخرجه الدينوري في المجالسة (١/ ٤٧٣)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٩/ ٢٧٥).","vol":"1","page":18},{"text":"وقال بعضهم: «مساكينُ أهل الدنيا، خرجوا منها وما ذاقوا أَطْيَبَ ما فيها، قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة الله، ومعرفته وذكره» (^١).\nوقال ابن تيمية - ﵀ -: «إنَّ في الدنيا جنةً مَنْ لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة» (^٢).\n- أيُّ أوقات القيام أفضلُ؟\nكل الليل وقت للقيام، فللمرء أن يصلي أولَ الليل أو أوسطَه أو آخرَه، فقد جاء في صحيح مسلم من طريق الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَنْ خَافَ أَنْ لا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ؛ فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ» (^٣).\nإلا أن صلاة آخر الليل أفضل؛ لما سبق، ولما رَوَى البخاري ومسلم في صحيحيهما من طريق مسروق عن عائشة - ﵂ -، قالت: «مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ الله - ﷺ - مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَأَوْسَطِهِ، وَآخِرِهِ، فَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ» (^٤).\n_________\n(^١) ينظر: مدارج السالكين (١/ ٤٥٤)، وجامع العلوم والحكم ص (١٨٩).\n(^٢) ينظر: مدارج السالكين (١/ ٤٥٤)، والوابل الصيب ص (٦٧).\n(^٣) صحيح مسلم (١/ ٥٢٠) رقم (٧٥٥).\n(^٤) صحيح البخاري (١/ ٣٣٨) رقم (٩٥١)، وصحيح مسلم (١/ ٥١٢) رقم (٧٤٥).","vol":"1","page":19},{"text":"ولحديث النزول الإلهي الثابت في الصحيحين من طريق أبي سلمة، وأبي عبد الله الأغر، عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» (^١).\nوينبغي أن يكون للمرء قسط من الليل بحسَب وُسعه، وما تيسر له، من أول الليل، أو أوسطه، أو آخره، ولو كان قليلًا، أما القيام في رمضان فذلك ما تنبعث له سوابق الهمم.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١/ ٣٨٤) رقم (١٠٩٤)، وصحيح مسلم (١/ ٥٢١) رقم (٧٥٨).","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>المبحث الثاني:\nصفة صلاة التراويح</span>\nوفيه خمسة مطالب:\nالمطلب الأول: عدد ركعات صلاة التراويح.\nالمطلب الثاني: صفة ركعات صلاة التراويح.\nالمطلب الثالث: ما يقال بين تسليمات التراويح.\nالمطلب الرابع: القراءة في صلاة التراويح.\nالمطلب الخامس: القنوت في صلاة التراويح.","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>المطلب الأول:\nعدد ركعات صلاة التراويح</span>\nالثابت في السنة من غير وجهٍ أنه - ﷺ - لم يكن يزيدُ على إحدى عشرةَ ركعةً لا في رمضانَ ولا في غيرِه، جاء في الصحيحين من طريق مالك، عن المقبري، عن أبي سلمة، عن عائشة - ﵂ -، قالت: «مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا ...» الحديثَ (^١).\nقال ابن عبد البر - ﵀ -: «وأكثر الآثار على أن صلاته كانت إحدى عشرة ركعة» (^٢).\nوكذلك الثابت عن الصحابة القيام بإحدى عشرة ركعة، كما جاء في الموطأ بسند صحيح عن محمد بن يوسفَ، عن السائب ابن يزيد - ﵁ -، قال: «أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الخطَّابِ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَتَمِيمًا الدَّارِيَّ أَنْ يَقُومَا لِلنَّاسِ بِإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً» (^٣).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١/ ٣٨٥) رقم (١٠٩٦)، وصحيح مسلم (١/ ٥٠٩) رقم (٧٣٨).\n(^٢) التمهيد (٢١/ ٦٩)، والاستذكار (٢/ ٩٨).\n(^٣) الموطأ (١/ ١١٥) رقم (٢٥١).","vol":"1","page":22},{"text":"وأما الأثر المشهور: «كَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الخطَّابِ فِي رَمَضَانَ بِثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ رَكْعَةً» (^١)، فقد رواه مالك عن يزيدَ بن رُومان، عن عمر، ويزيد لم يدرك عمر، فالسند منقطع (^٢)، وهو معارض لما صح عن عمر من أمره بإحدى عشرة ركعة في الأثر السابق.\nوجاء عند عبد الرزاق، عن داودَ بنِ قيس، عن محمدِ بنِ يوسفَ، عن السائب بن يزيد: «أَنَّ عُمَرَ - ﵁ - جَمَعَ النَّاسَ فِي رَمَضَانَ عَلَى أُبَيٍّ وَتَمِيم عَلَى إِحْدَى وَعِشْرِينَ رَكْعَةً» (^٣)، ولكن هذا الأثر غير محفوظ، والرواية الثابتة ما رواه الإمام مالك، عن محمد بن يوسف، عن السائب: «أَنَّهُ جَمَعَهُمْ بِإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً»، وأئمة الحديث يقدِّمون مالكًا على داود بن قيس، بل يقدمون مَنْ دون مالك في الحفظ على داود بن قيس.\nوالخلاصة: أن الأصح عن عمر أنه جمع الناس على أبيٍّ وتميم بإحدى عشرة ركعة، ولكن ما سبق تقريره عن النبي - ﷺ -، وعن عمر لا يعني عدمَ جوازِ الزيادة على إحدى عشرة ركعة.\nفصلاة القيام غير محصورة بعدد معين، وقد دلَّ على ذلك الكتاب، والسنة، والإجماع.\n_________\n(^١) الموطأ (١/ ١١٥) رقم (٢٥٢).\n(^٢) ينظر: نصب الراية (٢/ ٩٩).\n(^٣) مصنف عبد الرزاق (٤/ ٢٦٠) رقم (٧٧٣٠).","vol":"1","page":23},{"text":"فأما الكتاب:\nفقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزَّمل:٢٠]، أي: من غير تحديد بوقت، وعبَّر عن الصلاة بالقراءة، كما في قوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ [الإسراء:١١٠]، أي: بقراءتك (^١).\nوقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزَّمل:٢٠]، أي: فصلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل (^٢).\nوأما السُّنَّة:\nفعن سعد بن هشام بن عامر، قال: «قُلْتُ: يَا أُمَّ المؤْمِنِينَ أَنْبِئِينِي عَنْ وِتْرِ رَسُولِ الله - ﷺ -، فَقَالَتْ: كُنَّا نُعِدُّ لَهُ سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ، فَيَبْعَثُهُ اللهُ مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيَتَسَوَّكُ، وَيَتَوَضَّأُ، وَيُصَلِّي تِسْعَ رَكَعَاتٍ لَا يَجْلِسُ فِيهَا إِلَّا فِي الثَّامِنَةِ، فَيَذْكُرُ اللهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يَنْهَضُ وَلَا يُسَلِّمُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي التَّاسِعَةَ، ثُمَّ يَقْعُدُ فَيَذْكُرُ اللهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَتِلْكَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يَا بُنَيَّ، فَلَمَّا أَسَنَّ نَبِيُّ الله - ﷺ -، وَأَخَذَهُ اللَّحْمُ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ، وَصَنَعَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِثْلَ صَنِيعِهِ الْأَوَّلِ، فَتِلْكَ تِسْعٌ يَا بُنَيَّ، وَكَانَ نَبِيُّ الله - ﷺ - إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَحَبَّ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهَا» (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: تفسير ابن كثير (٨/ ٢٥٨).\n(^٢) ينظر: فتح القدير (٥/ ٣٨٦).\n(^٣) أخرجه مسلم (١/ ٥١٣) رقم (٧٤٦).","vol":"1","page":24},{"text":"وعن ابن عباس - ﵂ -، قال: «كَانَتْ صَلَاةُ النَّبِيِّ - ﷺ - ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً؛ يَعْنِي بِاللَّيْلِ» (^١).\nوعن عائشة - ﵂ -، قالت: «كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ، لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إِلَّا فِي آخِرِهَا» (^٢).\nوأما الإجماع:\nفقال ابن عبد البر - ﵀ -: «أجمع العلماء على أنه لا حَدَّ ولا شيءَ مقدرٌ في صلاة الليل ... فمَنْ شاء أطال فيها القيام وقَلَّتْ رَكَعاتُه، ومن شاء أكثرَ الركوعَ والسجودَ» (^٣).\nوقال أيضًا: «لا خلاف بين المسلمين أن صلاة الليل ليس فيها حَدٌّ محدود، وأنها نافلة وفعل خير وعمل بر؛ فمن شاء استقل، ومن شاء استكثر» (^٤).\nوقال ابن الملقن - ﵀ -: «ولا خلاف أنه ليس في ذلك حد لا يزاد عليه ولا ينقص منه، وأن صلاة الليل من الطاعات التي كلما زيدت زاد الأجر، وإنما الخلاف في فعله - ﵊ - وما اختاره لنفسه» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢/ ٥١) رقم (١١٣٨).\n(^٢) أخرجه مسلم (١/ ٥٠٨) رقم (٧٣٧).\n(^٣) الاستذكار (٥/ ٢٤٤).\n(^٤) التمهيد (٢١/ ٦٩، ٧٠).\n(^٥) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٣/ ٥٤٥).","vol":"1","page":25},{"text":"وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - في معرض حديثه عن عدد الركعات في صلاة التراويح -: «والصواب أن ذلك جميعه حسن ... فيكون تكثيرُ الركعات وتقليلها بحسَب طول القيام وقصره» (^١).\nوقال أيضًا: «قيام رمضان لم يوقت النبي - ﷺ - فيه عددًا معينًا ... وكان طائفة من السلف يقومون بأربعين ركعة، ويوترون بثلاث، وآخرون قاموا بست وثلاثين، وأوتروا بثلاث، وهذا كله سائغ فكيفما قام في رمضان من هذه الوجوه فقد أحسن.\nوالأفضل يختلف باختلاف أحوال المصلين، فإن كان فيهم احتمال لطول القيام؛ فالقيام بعشر ركعات وثلاث بعدها، كما كان النبي - ﷺ - يصلي لنفسه في رمضان وغيره، هو الأفضل، وإن كانوا لا يحتملونه؛ فالقيام بعشرين هو الأفضل، وهو الذي يعمل به أكثر المسلمين، فإنه وسط بين العشر، وبين الأربعين.\nوإن قام بأربعين وغيرها جاز ذلك، ولا يكره شيء من ذلك، وقد نص على ذلك غير واحد من الأئمة كأحمد وغيره، ومن ظن أن قيام رمضان فيه عدد موقت عن النبي - ﷺ - لا يزاد فيه ولا ينقص منه فقد أخطأ، فإذا كانت هذه السعة في نفس عدد القيام فكيف الظن بزيادة القيام لأجل دعاء القنوت أو تركه؟ كل ذلك سائغ حسن، وقد ينشط\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٣/ ١١٣).","vol":"1","page":26},{"text":"الرجل فيكون الأفضل في حقه تطويل العبادة، وقد لا ينشط فيكون الأفضل في حقه تخفيفها.\nوكانت صلاة رسول الله - ﷺ - معتدلة؛ إذا أطال القيام أطال الركوع والسجود، وإذا خفف القيام خفف الركوع والسجود، هكذا كان يفعل في المكتوبات، وقيام الليل، وصلاة الكسوف، وغير ذلك» (^١).\nومن كلام شيخ الإسلام نصل إلى هذه الخلاصة:\nأن القيام لا يُحدُّ بعدد الركعات وإنما يُحدُّ بالزمن، كما بيَّن ذلك العلامةُ الشيخ ابن جبرين - ﵀ - وقال: «ومن كلام شيخ الإسلام وغيره من الآثار يُعلم أن قيام الليل يُحدد بالزمان لا بعدد الركعات، وأن النبي - ﷺ - كان يصلي إحدى عشرة ركعة في نحو خمس ساعات، وأحيانًا يصلي الليل كله» (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٢٧٢،٢٧٣).\n(^٢) فتاوى رمضانية له ص (٧٨).","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>المطلب الثاني:\nصفة ركعات صلاة التراويح</span>\nأكمل القيام ما وافق فيه المصلي السُّنَّة كمية وكيفية:\nأما الكمية: فيراد بها العدد وهي إحدى عشرة ركعة كما سبق معنا فيما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن المقبري، عن أبي سلمة، عن عائشة - ﵂ -.\nوأما الكيفية: فإنه - ﷺ -، كان يصلي مثنى مثنى، ويطيل القيام والركوع والسجود، فقد قام - ﷺ - في ركعةٍ بسورة البقرة والنساء وآل عمران كما ثبت في صحيح مسلم عن حذيفة (^١)، وعند ابن حبان، عن عائشة - ﵂ -: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَمْكُثُ فِي سُجُودِهِ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً» (^٢).\nوقد اتَّفق الفقهاء على أنَّ المشروع في صلاة الليل مثنى مثنى، ولكنهم اختلفوا في حكم ذلك هل هو على الوجوب، أم الاستحباب؟\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١/ ٥٣٦) رقم (٧٧٢).\n(^٢) صحيح ابن حبان (٦/ ٣٤٤) رقم (٢٦١٠).","vol":"1","page":28},{"text":"فذهب مالك (^١)، والشافعي (^٢)، وأحمد (^٣)، إلى أن المشروع في صلاة الليل السلامُ من كل ركعتين؛ لما ثبت في الصحيحين من طريق مالك، عن نافع، وعبد الله بن دينار، عن ابن عمر - ﵁ - أن رجلًا سأل النبي - ﷺ - عن صلاة الليل، فقال: «صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُم الصُّبْحَ، صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى» (^٤). ومعنى (مَثْنَى مَثْنَى) أي ركعتين ركعتين.\nوأكثر أهل العلم على أنَّ هذا على سبيل الوجوب، وجاء عن أحمد فيمن قام في التراويح إلى الثالثة: «يرجع وإن قرأ ولا بد» (^٥). وفي رواية أخرى مشهورة عن الإمام أحمد: «أن القيام في هذه الحالة مكروه» (^٦).\nوذهب آخرون إلى جواز صلاة أربع ركعات بتسليم واحد، وهذا هو رأي أبي حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد (^٧)، قال أبو حنيفة: إن شئت ركعتين، وإن شئت أربعًا، وإن شئت ستًّا وثمانيًا لا تسلمُ إلا في آخرهن (^٨).\n_________\n(^١) ينظر: بداية المجتهد (١/ ١٦)، والذخيرة (٢/ ٤٠٢).\n(^٢) ينظر: مختصر المزني (١/ ٢١)، والحاوي الكبير (٢/ ٦٥٩).\n(^٣) ينظر: المغني (١/ ٧٩٦)، والإقناع (١/ ١٠٦).\n(^٤) صحيح البخاري (١/ ٣٣٧) رقم (٩٤٦)، وصحيح مسلم (١/ ٥١٦) رقم (٧٤٩).\n(^٥) ينظر: المبدع (٢/ ٢٣)، والإنصاف (٢/ ١٣١).\n(^٦) ينظر: المبدع (٢/ ٢٣).\n(^٧) ينظر: المغني (١/ ٨٢٤)، والإنصاف (٢/ ١٢١).\n(^٨) ينظر: الجامع الصغير مع شرحه النافع الكبير ص (١١٠)، بدائع الصنائع (١/ ٢٩٥).","vol":"1","page":29},{"text":"وعلى رأي أبي حنيفة يُخير الإمام بين ذلك، لكن الأفضل في مذهبه صلاة أربع بتسليم واحد؛ لما ثبت في الصحيحين من طريق أبي سلمة ابن عبد الرحمن، عن عائشة أنها قالت لأبي سلمة حين سألها عن صلاة النبي - ﷺ -: «يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاثًا» (^١).\nوهذا الحديث ظاهره الجواز، لكنه ليس صريحًا فيه.\nوحديث ابن عمر: «صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى»، ليس صريحًا في وجوب التسليم من كل ركعتين، فيُحْمَل على الاستحباب، وأنه ينبغي أن يكون هو الهديَ الغالبَ، ولكن من نسي فقام إلى الثالثة فله أن يجعلهن أربعًا ولا يلزمه الرجوع على رأي أبي حنيفة وأحمد في رواية، وهذا فيه توسعة على الناس، لا سيما أن حديث عائشة: «يُصَلِّي أَرْبَعًا ...» يحتمل ذلك، وظاهره أنه يصلي أربعًا بتسليم واحد، يفعل ذلك أحيانًا، وإن كان هديه الغالب - ﷺ - أنه يسلم من اثنتين كما يدل عليه حديث ابن عمر - ﵁ -.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١/ ٣٨٥) رقم (١٠٩٦)، وصحيح مسلم (١/ ٥٠٩) رقم (٧٣٨).","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>المطلب الثالث:\nما يقال بين تسليمات التراويح</span>\nلم يثبت عن النبي - ﷺ -، ولا عن أحد من السلف الصالح، تخصيصُ ما بين تسليمات التراويح بذكر معيَّن، ولكن إذا ذَكَر الإمام أو المأموم بين تسليمات التراويح شيئًا من ذكر الله تعالى، أو الصلاة على رسوله؛ استنادًا على عموم الأدلة في الذكر المطلق، دون تخصيص ذلك المحل بذكر معين أو هيئة محددة، فلا بأس بذلك.\nوقد سُئل ابن حجر الهيتمي - ﵀ -: هل تسن الصلاة عليه - ﷺ - بين تسليمات التراويح أو هي بدعة ينهى عنها؟\nفأجاب، بقوله: «الصلاة في هذا المحل بخصوصه لم نَرَ فيها شيئًا في السنة، ولا في كلام أصحابنا، فهي بدعة يُنهَى عنها مَنْ يأتي بها بقصد كونها سنة في هذا المحل بخصوصه دون من يأتي بها لا بهذا القصد، كأن يقصد أنها في كل وقت سنة من حيث العموم، بل جاء في أحاديث ما يؤيد الخصوص إلا أنه غير كاف في الدلالة لذلك» (^١).\n_________\n(^١) الفتاوى الفقهية الكبرى (١/ ١٨٦).","vol":"1","page":31},{"text":"وقال ابن الحاج المالكي - ﵀ -: «وينبغي له أن يتجنب ما أحدثوه من الذكر بعد كل تسليمتين من صلاة التراويح، ومن رفع أصواتهم بذلك والمشي على صوت واحد، فإن ذلك كله من البدع ... والحدث في الدين ممنوع وخير الهدي هدي محمد - ﷺ - ثم الخلفاء بعده ثم الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، ولم يُذْكَر عن أحد من السلف فعل ذلك فيسعنا ما وسعهم» (^١).\nوالمقصود أنَّه «لا أصل لذلك - فيما نعلم - من الشرع المطهر، بل هو من البدع المحدثة، فالواجب تركه، ولن يُصلِح آخرَ هذه الأمة إلا ما أَصلح أولَها، وهو اتباع الكتاب والسنة، وما سار عليه سلف الأمة، والحذر مما خالف ذلك» (^٢).\nوجاء في فتاوى اللجنة الدائمة: «الأذكار أو الصلاة على النبي - ﷺ - جماعة عقب الصلاة - فريضة أو نافلة أو بين ركعات التراويح - بدعة محدثة» (^٣).\n_________\n(^١) المدخل (٢/ ٢٩٣، ٢٩٤).\n(^٢) مجموع فتاوى ابن باز (١١/ ٣٦٩).\n(^٣) فتاوى اللجنة الدائمة (٢/ ٥٢٨، ٥٢٩)، السؤال الرابع من الفتوى رقم (٦٢٦٠).","vol":"1","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>المطلب الرابع:\nالقراءة في صلاة التراويح</span>\nفي هذا المطلب عدد من المسائل المتعلقة بالقراءة في صلاة التراويح، وهي:\n-<span data-type=\"title\" id=toc-11> المسألة الأولى: مَنْ أفضل القراء</span>؟\nالمقصود بالسؤال هل الأفضل المُجَوِّد لحروف القرآن؟\nأم صاحب الصوت الندي؟\nأم المتقن للقرآن حفظًا وحرفًا؟\nبالتأكيد ليس هؤلاء جميعًا أفضلَ القراء، وإنما أفضلُ القراء ما جاء بيانه على لسان النبي - ﷺ - كما في حديث ابن عباس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - عندما سئل عن أحسن الناس قراءة: «مَنْ إِذَا سَمِعْتَهُ يَقْرَأُ، رَأَيْتَ أَنَّهُ يَخْشَى اللهَ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٤/ ١٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٣٨٨) رقم (٢١٤٥) من طريق إسماعيل بن عمر، عن مسعر بن كدام، عن عبد الكريم المعلم، عن =","vol":"1","page":33},{"text":"فالزم الخشية أيها الإمام، وراقب ربك، وجاهد نفسك، واتق يوم العرض الأكبر ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨، ٨٩]، ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨].\nوحينما تقف بين يدي الله إمامًا بالناس، فاعلم أنَّ لحظات القيام تلك، هي لحظات الذل والانكسار، والعون من الجبَّار، فاخضع لربك، وأخلص لله في صلاتك وتلاوتك.\n-<span data-type=\"title\" id=toc-12> المسألة الثانية: حكم القراءة من المصحف للإمام والمأموم:</span>\nالأفضل للإمام أن يقرأ من حفظه؛ لأنه أدعى للخشوع، وأحفظ لهيئة الصلاة من الحركة الكثيرة، ولكن إذا احتاج إلى القراءة من المصحف لضعف حفظه فلا بأس.\nوقد ثبت عن عائشة - ﵂ -، «أَنَّهَا كَانَ يَؤُمُّهَا غُلَامُهَا ذَكْوَانُ فِي المصْحَفِ فِي رَمَضَانَ» (^١).\n_________\n= طاووس، عن ابن عباس. وقال أبو نعيم: «غريب من حديث مسعر، لم يروه عنه مرفوعًا موصولًا إلا إسماعيل».\nوالمحفوظ في هذا الحديث الإرسال كما بَيَّن ذلك الدارقطني في العلل (١٢/ ٣٨٤)، والبزار في مسنده (٣/ ٩٨)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٨٣).\n(^١) أخرجه البخاري تعليقًا (١/ ١٤٠)، وأخرجه ابن أبي داود في المصاحف ص (٤٥٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٣٥٩) من طريق ابن أبي مليكة، عن عائشة - ﵂ - =","vol":"1","page":34},{"text":"وسئل الإمام أحمد - ﵀ -: هل يؤم في المصحف في شهر رمضان؟ فقال: «ما يعجبني، إلا أن يُضطروا إلى ذلك، فليس به بأس» (^١).\nوقال أبو داود: «سمعت أحمد سُئل عن الرجل يؤم في شهر رمضان في المصحف؟ فرخص فيه» (^٢).\nوقد سئل شيخنا ابن باز - ﵀ - عن ذلك، فأجاب: «إذا دعت الحاجة إلى ذلك فلا بأس، مثل التراويح، والقيام في رمضان، لا حرج، وإذا كان الإنسان يقرأ عن ظهر قلب؛ يكون أخشع، إذا تيسر له ذلك» (^٣).\nوجاء في فتاوى اللجنة الدائمة: «القراءة بالمصحف في صلاة التراويح لا بأس بها؛ إذا كان الإمام غير حافظ، وقد ثبت ذلك عن جماعة من السلف» (^٤).\nوأما متابعة المأموم للإمام من المصحف:\nفهذا غير مشروع، إلا للحاجة، «بل لو قيل بكراهيته لكان له وجه؛ لأن ذلك يؤدي إلى حركة لا حاجة إليها، فالإنسان يتحرك\n_________\n= وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٢/ ٣٩٤) رقم (٣٨٢٥)، وابن أبي داود في المصاحف أيضًا ص (٤٥٧)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ١٥٦) من طريق القاسم بن محمد عن عائشة - ﵂ -.\n(^١) مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه (٢/ ٧٥٩).\n(^٢) مسائل الإمام أحمد ص (٩١).\n(^٣) فتاوى نور على الدرب لابن باز (٨/ ٢٤٦)، وينظر: مجموع الفتاوى له (١١/ ١١٧).\n(^٤) فتاوى اللجنة الدائمة (٦/ ٨٧)، السؤال الرابع من الفتوى رقم (١٦٣٩٦).","vol":"1","page":35},{"text":"لفتح المصحف، وإغلاقه، وحمله، وتفوته سنة وضع اليدين على الصدر، ويكون منه حركة بصرية كثيرة؛ لأن عينيه تجول في الصفحات؛ ولهذا ذهب بعض العلماء إلى بطلان صلاة الإنسان إذا قرأ من المصحف، والصحيح أن الصلاة لا تبطل، لكن لا شك أن متابعة الإمام في المصحف إذا لم يكن هناك حاجة مكروه، أما لو كان الإمام محتاجًا إلى من يتابعه لكونه ضعيف الحفظ فطلب من أحد المصلين أن يتابعه ليقرأ عليه إن أخطأ، فإن ذلك لا بأس به» (^١).\n-<span data-type=\"title\" id=toc-13> المسألة الثالثة: حكم تكرار الآيات في التراويح:</span>\nجاء عند النسائي عن أبي ذر - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: «أنه قام بآية حتى أصبح: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨]» (^٢).\nوجاء عن تميم الداري - ﵁ - أنه كرر آية حتى أصبح، وهي قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١] (^٣).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (١٤/ ٢٣٨).\n(^٢) أخرجه النسائي (٢/ ١٧٧) رقم (١٠١٠)، وابن ماجه (١/ ٤٢٩) رقم (١٣٥٠)، والحاكم (١/ ٣٦٧) رقم (٨٧٩)، وقال: «حديث صحيح، ولم يخرجاه». قال البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ١٥٩): «إسناد صحيح رجاله ثقات».\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٢٤) رقم (٨٣٧٠)، والطبراني في الكبير (٢/ ٥٠) رقم (١٢٥٠)، وجميع رجال سند الأثر ثقات إلا حصين بن عبد الرحمن، فإنه ثقة، تغير حفظه في الآخر.","vol":"1","page":36},{"text":"وجاء عن أسماء - ﵂ - أنها كررت: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٧] (^١).\nوالذي يظهر لي - والله أعلم - أنَّ هذا خاصٌّ بصلاة المرء وحده، أما في صلاة الإمام بالناس فلم أجد دليلًا يدل على مشروعية ذلك، ولم أجد ما يدل على أن النبي - ﷺ - فعل ذلك في صلاة جماعة، وقد يتأكد المنع من ذلك لمن يتطرق إليه الرياء بسبب ذلك؛ لأنَّ تَكرارَ الآيات طريق إلى التباكي والبكاء، وهذا مما ينبغي أن يدفعه الإنسان في العلانية دون السر، وهو هدي السلف كما سيتبين لنا في مسألة: هل المشروع طلب الخشوع أو دفعه؟\n- ا<span data-type=\"title\" id=toc-14>لمسألة الرابعة: حكم التباكي عند قراءة القرآن:</span>\nثبت في الصحيحين عن ابن مسعود - ﵁ - قال: «قَالَ لِي النَّبِيُّ - ﷺ -: اقْرَأْ عَلَيَّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى أَتَيْتُ إِلَى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١]، قَالَ: حَسْبُكَ الآنَ، فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٥) رقم (٦٠٣٧)، ورجال سنده ثقات، إلا عبد الوهاب ابن يحيى الزبيري، قال عنه أبو حاتم: «شيخ»، وقال ابن حجر: «مقبول». ينظر: الجرح والتعديل (٦/ ٧٢)، تقريب التهذيب ص (٣٦٨).\n(^٢) صحيح البخاري (٤/ ١٩٢٥) رقم (٤٧٦٣)، وصحيح مسلم (١/ ٥٥١) رقم (٨٠٠).","vol":"1","page":37},{"text":"وعن عبد الله بن عيسى قال: «كان في وجه عمر بن الخطاب - ﵁ - خَطَّان أسودان من البكاء» (^١).\nوقال أبو رجاء العُطارِدي: «رأيت ابن عباس وأسفلَ من عينيه مثلُ الشِّراك البالي من الدموع» (^٢).\nوالآثارُ عن الصحابة والتابعين كثيرة، لكن هذا منهم حينما يصلي المرء وحده.\nوكذلك التباكي عند قراءة القرآن هو مشروع في الخلوات، وعليه يُحمل الحديث المشهور: «ابْكُوا، فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا» (^٣)، علمًا بأن الحديث ضعيف (^٤).\nفقد جاء من حديث عبد الله بن عمرو موقوفًا عليه (^٥)، وجاء عن أنس عند أبي يعلى (^٦) بسند ضعيف؛ لأنه من رواية يزيد الرقاشي، وهو\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في الزهد ص (١٠٠) رقم (٦٣٨)، وفي فضائل الصحابة (١/ ٢٥٣)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٥١).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٢٢٤)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٠٧).\n(^٣) أخرجه بهذا اللفظ ابن ماجه (٢/ ١٤٠٣) رقم (٤١٩٦).\n(^٤) ينظر: مجمع الزوائد (١٠/ ٣٩١)، مصباح الزجاجة (١/ ١٥٧).\n(^٥) أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٦٢٢) رقم (٨٧٢٣).\n(^٦) مسند أبي يعلى (٧/ ١٦١) رقم (٤١٣٤).","vol":"1","page":38},{"text":"ضعيف عند الأئمة (^١)، وجاء عن سعد بن أبي وقاص عند ابن ماجه (^٢)، وهو ضعيف أيضًا؛ لأنه من رواية إسماعيل بن رافع، وهو ضعيف (^٣).\nوالخلاصة: أن البكاء والتباكيَ مما ينبغي إخفاؤه لا إفشاؤه، قال ابن القيم - ﵀ -: «وأما بكاؤه - ﷺ - فكان من جنس ضحكه؛ لم يكن بشهيقٍ ورفع صوتٍ» (^٤).\nومن أعظم مداخل الشيطان على القراء التباكي في صلاة التراويح دون لحظات الخلوات، فمن وجد هذا من نفسه فهو مفتون مُبتلى عليه أن يتوب عاجلًا بمداواة القلب، ومحاسبة النفس، ولزوم عبادة السر فهي دواء بإذن الله من كل داء.\nقال سفيان الثوري - ﵀ -: «البكاء عشرة أجزاء: تسعةٌ لغير الله، وواحدٌ لله، فإذا جاء الذي لله في السَّنَةِ مَرَّةً فهو كثير» (^٥).\nيا الله! كم هو دقيق وعجيب هذا الكلام من إمام كبير من أئمة السلف!\nلله درك يا سفيان!\n_________\n(^١) ينظر: الكامل في ضعفاء الرجال (٩/ ١٣٠)، تهذيب الكمال (٣٢/ ٦٦).\n(^٢) سنن ابن ماجه (٢/ ١٤٠٣) رقم (٤١٩٦).\n(^٣) تهذيب الكمال (٣/ ٨٥)، تقريب التهذيب ص (١٠٧).\n(^٤) زاد المعاد (١/ ١٧٦).\n(^٥) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٧/ ١١).","vol":"1","page":39},{"text":"تسعة أعشار البكاء لغير الله!\nاللهم عفوك وصفحك يا الله!\n-<span data-type=\"title\" id=toc-15> المسألة الخامسة: حكم تقليد أصوات القراء:</span>\nسئل عن ذلك شيخنا ابن عثيمين - ﵀ - فقال: «إذا قلَّد إمامُ المسجد شخصًا حسنَ الصوت والقراءة من أجل أن يحسن صوته وقراءته لكتاب الله - ﷿ -؛ فإن هذا أمر مشروع لذاته، ومشروع لغيره أيضًا؛ لأن فيه تنشيطًا للمصلين خلفه، وسببًا لحضور قلوبهم واستماعهم وإنصاتهم للقراءة» (^١).\n-<span data-type=\"title\" id=toc-16> المسألة السادسة: بم يقرأ في الوتر</span>؟\nيستحب لمن أوتر بثلاث أن يقرأ بعد الفاتحة في الأولى بالأعلى، وفي الثانية بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؛ لما رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، عن أبيِّ بن كعب، قال: «كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - يَقْرَأُ فِي الْوِتْرِ بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾» (^٢).\n_________\n(^١) لقاءات الباب المفتوح: (دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية).\n(^٢) مسند الإمام أحمد (٥/ ١٢٣) رقم (٢١١٧٩)، وسنن أبي داود (١/ ٤٥١) رقم (١٤٢٣)، وسنن النسائي (٣/ ٢٣٥) رقم (١٦٩٩)، والحديث إسناده صحيح، صححه ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (٥/ ٦١٥)، وغيره.","vol":"1","page":40},{"text":"وذهب مالك (^١)، والشافعي (^٢)، إلى مشروعية قراءة المعوِّذتين بعد الإخلاص؛ لما جاء عند أبي داود، والترمذي من طريق خُصيف، عن ابن جُريج، عن عائشة - ﵂ -: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وَفِي الثَّانِيَة بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وَفِي الثَّالِثَةِ بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَالمعَوِّذَتَيْنِ» (^٣).\nلكنه ضعيف لحال خصيف، ولم يثبت في قراءة المعوذتين في الوتر بعد الإخلاص شيء، وقد أنكر ثبوتَ ذلك الإمامُ أحمد، وابن معين، وغيرهما (^٤).\n-<span data-type=\"title\" id=toc-17> المسألة السابعة: ماذا عن دعاء ختم القرآن في الصلاة</span>؟\nالجواب: فيه تفصيل: فإن كان ذلك في وتر فلا إشكال فيه.\nوإن كان ذلك في شفع ففيه خلاف مشهور، والناس فيه طرفان ووسط:\nطرف شَنَّعَ على من فعلها، وعدَّها بدعة، وطرف آخر تمسك بها تمسكًا كبيرًا وكأنها عنده من السنن المؤكدة، والحق هو الوسط، بأن لا\n_________\n(^١) ينظر: رسالة ابن أبي زيد ص (١٤٠)، وشرحها: الثمر الداني (١/ ١٤١).\n(^٢) ينظر: الحاوي الكبير (٢/ ٦٧٦)، والمجموع (٤/ ١٦).\n(^٣) سنن أبي داود (١/ ٤٥١) رقم (١٤٢٤)، وجامع الترمذي (٢/ ٣٢٦) رقم (٤٦٣).\n(^٤) ينظر: العلل (٢/ ٤٨٤)، وتاريخ ابن معين ص (١٠٦)، والجرح والتعديل (٣/ ٤٠٣).","vol":"1","page":41},{"text":"يقال: إنها بدعة ولا تعد من السنن المؤكدة، بل الأمر فيها واسع، ولا تثريب على من ختم قراءته في الصلاة بالدعاء (الختمة) فقد أقره بعض أئمة السلف كالإمام أحمد - ﵀ -، وقد وقفت على نقلين عن الإمام أحمد في هذه المسألة:\nالأول: قول ابن قدامه في المغني: «(فصل في ختم القرآن): قال الفضل بن زياد: سألت أبا عبد الله - يعني الإمام أحمد - فقلت: أختم القرآن أجعله في الوتر أو التراويح؟ قال: اجعله في التراويح (^١)، حتى يكون لنا دعاء بين اثنين، قلت: كيف أصنع؟ قال: إذا فرغت من آخر القرآن، فارفع يديك قبل أن تركع، وادع بنا ونحن في الصلاة، وأطل القيام، قلت: بم أدعو؟ قال: بما شئت، قال: ففعلت بما أمرني وهو خلفي يدعو قائمًا ويرفع يديه» (^٢).\nوالثاني: قول حنبل: سمعت أحمد يقول في ختم القرآن: إذا فرغت من قراءة: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، فارفع يديك في الدعاء قبل الركوع، قلت: إلى أي شيء تذهب في هذا؟ قال: رأيت أهل مكة يفعلونه، وكان سفيان بن عيينة يفعله معهم بمكة، قال العباس ابن\n_________\n(^١) هنا الإمام أحمد أمرَ إمامَه حينما سأله: أجعل الدعاء في الوتر أو التراويح؟ بأن يجعله في التراويح، وفي هذا لفتة إلى أنه قصد ذلك واختاره، وحسبك بالإمام جلالة وإمامة في الدين وحرصًا على عدم مخالفة السنة.\n(^٢) المغني (١/ ٨٣٨).","vol":"1","page":42},{"text":"عبد العظيم: وكذلك أدركنا الناس بالبصرة وبمكة، ويروي أهل المدينة في هذا شيئًا، وذكر عن عثمان بن عفان - ﵁ - (^١).\nومما سبق نخلص إلى ما يلي:\n١) أنَّ النقل عن الإمام أحمد في ختمة التراويح جاء عنه من طريقين: طريق ابنه حنبل، وطريق الفضل بن زياد.\n٢) اختار الإمام أحمد - ﵀ - أن يكون الدعاء بختم القرآن في شفع لا في وتر.\n٣) أنه - ﵀ - أوصى إمامَه بذلك، وصلى خلفه مؤتمًّا به رافعًا يديه، وهو من الأئمة المشهورين باتباع السُّنة.\n٤) أن حجته في هذا عمل أهل مكة مع توافر أئمتها؛ كسفيان ابن عيينة الذي كان يفعلها، ولو كان هذا غير مشروع؛ لما تواردوا على ذلك.\n٥) رُوِيَ ذلك أيضًا عن أهل البصرة، وفيه رواية عن أهل المدينة.\n٦) رُوِيَ ذلك عن عثمان بن عفان - ﵁ -، ولم أقف عليه مسندًا.\n_________\n(^١) ينظر: المغني لابن قدامة (٢/ ١٢٦)، جلاء الأفهام ص (٤٠٣).","vol":"1","page":43},{"text":"وقد سئل سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز - ﵀ - عن الختمة في الصلاة فاحتج بفعل السلف لها (^١).\nوالخلاصة: أنه ينبغي ترك التعنيف على من ختم في شفع، وإن جعلها في وتر كان أسلم خروجًا من النزاع.\n_________\n(^١) ينظر: مجموع فتاوى ابن باز (١١/ ٣٣٣، ٣٥٤)، و(١٥/ ٣٢٦).","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>المطلب الخامس:\nالقنوت في صلاة التراويح</span>\nفي هذا المطلب عدد من المسائل المتعلقة بالقنوت في صلاة التراويح، وهي:\n-<span data-type=\"title\" id=toc-19> المسألة الأولى: هل ثبت في قنوت الوتر شيء</span>؟\nسُئل الإمام أحمد - ﵀ - عن القنوت في الوتر، فقال: «ليس يروى فيه عن النبي - ﷺ - شيء، ولكن كان عمر يقنت من السَّنَةِ إلى السَّنَةِ» (^١).\nوقال ابن خزيمة - ﵀ -: «ولستُ أحفظُ خبرًا ثابتًا عن النبي - ﷺ - في القنوت في الوتر» (^٢).\nوقال ابن القيم - ﵀ -: «ولم يحفظ عنه - ﷺ - أنه قنت في الوتر، إلا في حديث رواه ابن ماجه»، ثم ذكر حديث أبي بن كعب: «أنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - كَانَ يُوتِرُ فَيَقْنُتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ» (^٣)، (^٤).\n_________\n(^١) ينظر: زاد المعاد (١/ ٣٢٣)، تلخيص الحبير (٢/ ١٨).\n(^٢) صحيح ابن خزيمة (٢/ ١٥٠).\n(^٣) أخرجه النسائي (٣/ ٢٣٥) رقم (١٦٩٩)، وابن ماجه (١/ ٣٧٤) رقم (١١٨٢)، واللفظ له، والحديث ضعيف؛ لأنه من رواية مخلد بن يزيد، وهو: صدوق له أوهام.\n(^٤) زاد المعاد (١/ ٣٢٣).","vol":"1","page":45},{"text":"ثم بيَّن - ﵀ - أنَّ القنوت في الوتر محفوظٌ عن عمر، وابن مسعود (^١).\nوسُئل عطاء عن القنوت، فقال: «كان أصحاب رسول الله يفعلونه» (^٢).\nفالقنوت في الوتر إذن ثابت عن صحابة النبي - ﷺ -، ولم يثبت عنه صلوات الله وسلامه عليه.\n-<span data-type=\"title\" id=toc-20> المسألة الثانية: هل تُشرع المداومة على القنوت</span>؟\nجاء عند ابن أبي شيبة من طريق أيوب، عن نافع: «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، كَانَ لا يَقْنُت إِلا فِي النِّصْفِ مِنْ رَمَضَانَ» (^٣).\nوقال الزُّهْري - ﵀ -: «لا قُنُوتَ فِي السَّنَة كُلِّها إِلَّا فِي النِّصف الآخِرِ مِنْ رمضانَ» (^٤).\nوقال أبو داود - ﵀ -: «قلت لأحمد: القنوت في الوتر السَّنَة كلها؟ قال: إن شاء، قلت: فما تختار أنت؟ قال: أما أنا فلا أقنت إلا في النصف الباقي، إلا أن أصلي خلف إمام يقنت فأقنت معه» (^٥).\n_________\n(^١) زاد المعاد (١/ ٣٢٣).\n(^٢) صلاة الوتر لابن نصر المروزي ص (٩١)، ومختصر كتاب الوتر للمقريزي ص (١١٩).\n(^٣) مصنف ابن أبي شيبة (٢/ ٩٨) رقم (٦٩٣٢).\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٣/ ١٢١) رقم (٤٩٩٥).\n(^٥) مسائل الإمام أحمد ص (٩٥).","vol":"1","page":46},{"text":"وقيل: يُقنت في الوتر في جميع رمضان دون بقية السَّنة.\nوقيل: يُقنت في وتر السَّنة كلها.\nوالأمر في هذا واسع «إن شاء فعله، وإن شاء تركه ... فإن قنت في جميع الشهر فقد أحسن، وإن قنت في النصف الأخير فقد أحسن، وإن لم يقنت بحال فقد أحسن» (^١).\nوإن قيل بأن المشروع الفعل أحيانًا والترك أحيانًا فهو جيد.\nقال شيخنا ابن باز - ﵀ -: «القنوت سُنَّة في الوتر، وإذا تركه في بعض الأحيان فلا بأس» (^٢).\nوقال شيخنا ابن عثيمين - ﵀ -: «إذا قنت أحيانًا فهو خير، وإذا ترك أحيانًا فهو خير» (^٣).\nقال ابن سَحْمان:\nولا تَقْنُتَنْ في كلِّ وترِك يا فَتى ... فتجعلَه كالواجبِ المتأَكِّد\nوَكُنْ قانتًا حينًا وحينًا فتارِكًا ... لذلك تسعدْ بالدَّليل وتهتَد\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (٢٢/ ٢٧١).\n(^٢) مجموع فتاوى ابن باز (٣٠/ ٣٢).\n(^٣) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (١٤/ ١٧٦).","vol":"1","page":47},{"text":"ففعلٌ وتركٌ سُنَّةٌ وكلاهما ... أَتتْ عن رسولِ اللهِ إِن كنتَ مقتد\n-<span data-type=\"title\" id=toc-21> المسألة الثالثة: ما مقدار القنوت</span>؟\nمن المآخذ على بعض الأئمة في التراويح تطويل الدعاء في القنوت، وهو خلاف المشروع، والآثار في هذا تدل على أنَّ القنوت قصيرٌ لا يستغرق دقائق معدودة، ويقدر ذلك بمدة قراءة سورة الانشقاق، أو يزيد.\nقال أبو داود - ﵀ -: «سمعتُ أحمد سُئِلَ عن قول إبراهيم في القنوت: قَدْرَ إذا السماء انشقت؟ قال: هذا قليل، يُعْجِبُنِي أن يَزِيدَ» (^١).\nقال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -: «الذي ينبغي أن يُقتصَر على الكلمات الواردة ... ولا شك أن الإطالة شاقة على الناس وترهقهم، ولا سيما الضعفاء منهم، ومن الناس من يكون وراءه أعمال ولا يحب أن ينصرف قبل الإمام ويشق عليه أن يبقى مع الإمام، فنصيحتي لإخواني الأئمة أن يكونوا بين بين» (^٢).\nوقال الشيخ ابن جبرين - ﵀ -: «لا تنبغي الإطالة الزائدة التي تُوقِع المأمومين في الملل والضجر» (^٣).\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد ص (٩٦).\n(^٢) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (١٤/ ١٣٦).\n(^٣) فتاوى الشيخ ابن جبرين (٢٤/ ٤٢).","vol":"1","page":48},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-22> المسألة الرابعة: هل القنوت في الوتر قبل الركوع أو بعده</span>؟\nقيل: إنه قبل الركوع، وقيل: بعده، وسبب الاختلاف أنه لم يثبت عن النبي - ﷺ - فيه شيء، وبعضهم قاسه على قنوت النوازل، والصواب جواز الأمرين، واختار الإمام أحمد أن يكون بعد الركوع (^١).\nوقال شيخ الإسلام - ﵀ -: «أما القنوت فالناس فيه طرفان ووسط؛ منهم من لا يرى القنوت إلا قبل الركوع، ومنهم من لا يراه إلا بعده، وأما فقهاء الحديث كأحمد وغيره فيجيزون كِلَا الأمرين؛ لمجيء السنة الصحيحة بهما، وإن اختاروا القنوت بعده؛ لأنه أكثرُ وأقيس؛ فإنَّ سماع الدعاء مناسب لقول العبد: سمع الله لمن حمده» (^٢).\nوالأمر في هذا واسع والأولى أن يكون القنوت بعد الركوع عند خوف التشويش، أو وجود بعض العامة ممن ينكر القنوت قبل الركوع، ويحدث بسببهم لغط وغلط.\n-<span data-type=\"title\" id=toc-23> المسألة الخامسة: ما الأدعية المشروعة في القنوت</span>؟\nيجوز للداعي أن يدعو بما يشاء؛ شريطةَ ألَّا يتضمنَ الدعاءُ مخالفةً شرعيةً.\nقال شيخنا ابن باز - ﵀ -: «لا بأس أن يدعو الإنسان بما يتيسَّر من\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله ص (٩١)، (٩٨).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢٣/ ١٠٠).","vol":"1","page":49},{"text":"الدعوات، وإن لم تنقل؛ إذا كانت الدعوات في نفسها صحيحة» (^١).\nلكن الأفضل اختيار أدعية الكتاب والسنة؛ لأنها أدعية جامعة مثل:\n- ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]، وهذا أجمع الأدعية (^٢).\n- ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤].\n- ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٧].\n- ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨].\n- ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣].\n_________\n(^١) الجواب الصحيح في أحكام صلاة التراويح ص (٤٠).\n(^٢) قال السعدي - ﵀ - في تفسيره ص (٩٣): «الحسنة المطلوبة في الدنيا يدخل فيها كل ما يحسن وقعه عند العبد، من رزق هنيء واسع حلال، وزوجة صالحة، وولد تقر به العين، وراحة، وعلم نافع، وعمل صالح، ونحو ذلك، من المطالب المحبوبة والمباحة.\nوحسنة الآخرة، هي السلامة من العقوبات، في القبر، والموقف، والنار، وحصول رضا الله، والفوز بالنعيم المقيم، والقرب من الرب الرحيم، فصار هذا الدعاء، أجمع دعاء وأكمله، وأولاه بالإيثار، ولهذا كان النبي - ﷺ - يكثر من الدعاء به، والحث عليه».","vol":"1","page":50},{"text":"- «اللهُمَّ اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنَا فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنَا فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لَنَا فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنَا شَرَّ مَا قَضَيْتَ ...».\n- «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ».\n- «اللهُمَّ أَنْتَ الحقُّ، وَوَعْدُكَ حَقٌّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَالجنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ ...».\n- «اللهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى».\n\nوغيرها من الأدعية الثابتة في الكتاب والسُّنة.","vol":"1","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>المبحث الثالث:\nمسائل متفرقة في صلاة التراويح</span>\nوفيه خمسة مطالب:\nالمطلب الأول: هل الأفضل صلاة التراويح جماعة أم فُرَادى؟\nالمطلب الثاني: حكم صلاة التراويح للنساء في المسجد.\nالمطلب الثالث: ترك الإيتار مع الإمام في التراويح.\nالمطلب الرابع: حكم التعقيب في ليالي رمضان.\nالمطلب الخامس: حكم قول \"صلاة القيام أثابكم الله\".","vol":"1","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>المطلب الأول:\nهل الأفضل صلاة التراويح جماعة أم فُرَادى</span>؟\nالسُّنة صلاة التراويح جماعة؛ لأن النبي - ﷺ - صلاها ثلاث ليال جماعة بالمسجد، ثم تركها خشية أن تُفْرَض على المسلمين، كما في حديث عائشة - ﵂ -: «أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - خَرَجَ ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، فَصَلَّى فِي المَسْجِدِ، فَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلَاتِهِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ، فَتَحَدَّثُوا، فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ، فَصَلَّوْا مَعَهُ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ، فَتَحَدَّثُوا، فَكَثُرَ أَهْلُ المَسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، فَخَرَجَ رَسُولُ الله - ﷺ -، فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَجَزَ المَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ حَتَّى خَرَجَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، فَلَمَّا قَضَى الفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَتَشَهَّدَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ مَكَانُكُمْ، لَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ، فَتَعْجِزُوا عَنْهَا» (^١).\nقال ابن حجر - ﵀ - معلقًا على الحديث -: «وفي حديث الباب: ... نَدْبُ قيام الليل، ولا سيما في رمضان جماعة؛ لأن الخشية المذكورة أُمِنَت\n_________\n(^١) تقدم تخريجه ص (١٥).","vol":"1","page":53},{"text":"بعد النبي - ﷺ -؛ ولذلك جمعهم عمر بن الخطاب على أُبَيِّ بن كعب» (^١).\nفعمر - ﵁ - لما رأى أن النبي - ﷺ - ترك ذلك لمصلحة رآها، وقد تحققت تلك المصلحة، أعاد صلاة التراويح جماعة كما صلاها النبي - ﷺ - أول الأمر، قال عبد الرحمن بن عبدٍ القاريُّ: «خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ ابْنِ الخَطَّابِ - ﵁ -، لَيْلَةً فِي رَمَضَانَ إِلَى المَسْجِدِ، فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ، يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ، وَيُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلَاتِهِ الرَّهْطُ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي أَرَى لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلَاءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ، لَكَانَ أَمْثَلَ، ثُمَّ عَزَمَ، فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ قَارِئِهِمْ، قَالَ عُمَرُ: نِعْمَ البِدْعَةُ هَذِهِ، وَالَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنَ الَّتِي يَقُومُونَ. يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ، وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ» (^٢).\nوالمراد بقوله: (نِعْمَ البِدْعَةُ هَذِهِ) البدعة اللغوية؛ لأن عمر - ﵁ - لم يأت بما لم يُسبَق إليه، وإنما أخذه من فعل النبي - ﷺ -، وقد أقر الصحابة فعلَ عمر - ﵁ -.\nقال ابن تيمية - ﵀ -: «هذا الاجتماع العام لَمَّا لم يكن قد فُعل سَمَّاهُ بدعة؛ لأن ما فُعِل ابتداءً يسمى بدعة في اللغة، وليس ذلك بدعة شرعية؛ فإن البدعة الشرعية التي هي ضلالة، هي: ما فُعِلَ بغير دليل\n_________\n(^١) فتح الباري (٣/ ١٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣/ ٤٥) رقم (٢٠١٠).","vol":"1","page":54},{"text":"شرعي، كاستحباب ما لم يحبه الله، وإيجاب ما لم يوجبه الله، وتحريم ما لم يحرمه الله» (^١).\nوقال ابن حجر الهيتمي - ﵀ - مُعَدِّدًا الأمثلة على ما ليس ببدعة -: «وكذا ... الاجتماع على قيام شهر رمضان وأمثال ذلك، مما ثبت وجوبه أو استحبابه بدليل شرعي. وقولُ عمر - ﵁ - في التراويح: (نعمت البدعة هي)، أراد البدعة اللغوية ... وليست بدعة شرعًا، فإنَّ البدعة الشرعية ضلالة» (^٢).\nوالأفضل صلاة التراويح جماعة في المسجد، كما قال به جمهور أهل العلم، واستدلوا بفعل النبي - ﷺ -، وفعل عمر - ﵁ - من بعده، وإقرار الصحابة له، واستدلوا أيضًا: بحديث أَبِي ذَرٍّ - ﵁ - أنَّ النبي - ﷺ -، قال: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ» (^٣).\nقال أبو داود: «سمعت أحمد، وقيل له: يعجبك أن يصلي الرجل مع الناس في رمضان أو وَحْده؟ قال: يصلي مع الناس» (^٤).\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية (٨/ ٣٠٧، ٣٠٨).\n(^٢) الفتاوى الحديثية ص (٢٠٠).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٢/ ٥٠) رقم (١٣٧٥)، والترمذي (٣/ ١٦٠) رقم (٨٠٦)، والنسائي (٣/ ٨٣) رقم (١٣٦٤)، وابن ماجه (١/ ٤٢٠) رقم (١٣٢٧)، وقال الترمذي: «حسن صحيح».\n(^٤) مسائل الإمام أحمد ص (٩٠).","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>المطلب الثاني:\nحكم صلاة التراويح للنساء في المسجد</span>\nدلَّت السُّنَّة على أنَّ الأفضل للنساء الصلاة في بيوتهن، سواء كانت فريضة أو نافلة؛ فعن ابن عمر - ﵂ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ المسَاجِدَ، وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ» (^١).\nوعن أم حميد امرأة أبي حميد السَّاعِدِيِّ «أَنَّهَا جَاءَتِ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي أُحِبُّ الصَّلَاةَ مَعَكَ، قَالَ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكِ تُحِبِّينَ الصَّلَاةَ مَعِي، وَصَلَاتُكِ فِي بَيْتِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلَاتِكِ فِي حُجْرَتِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي حُجْرَتِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي دَارِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي دَارِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدِي» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١/ ١٥٥) رقم (٥٦٧)، وأحمد (٩/ ٣٤٠) رقم (٥٤٧١)، وسنده صحيح. ينظر: خلاصة الأحكام (٢/ ٦٧٨)، الاقتراح لابن دقيق العيد ص (٩١).\n(^٢) أخرجه أحمد في مسنده (٤٥/ ٣٧) رقم (٢٧٠٩٠)، وابن خزيمة في صحيحه (٣/ ٩٥) رقم (١٦٨٩)، وابن حبان في صحيحه (٥/ ٥٩٥) رقم (٢٢١٧)، والحديث إسناده حسن، وله شاهد من حديث ابن مسعود عند أبي داود وغيره، وقد جوَّد إسناده ابن حجر في فتح الباري (٢/ ٣٤٩).","vol":"1","page":56},{"text":"ولكن إذا استأذنت المرأة زوجها أو ولِيَّها للخروج إلى المسجد، فلا بأس بذلك، وأفضلية صلاتها في بيتها لا تعني عدم جواز صلاتها في المسجد، وعلى ولِيِّها أن يأذن لها.\nلما رواه سالم بن عبد الله، أنَّ عبد الله بن عمر - ﵂ -، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ المسَاجِدَ إِذَا اسْتَأْذَنَّكُمْ إِلَيْهَا»، فقال بلال بن عبد الله: والله لنمنعهن، قال: فأقبل عليه عبد الله؛ فسَبَّه سَبًّا سيِّئًا ما سمعته سبه مثله قط، وقال: أخبرك عن رسول الله - ﷺ - وتقول: والله لنمنعهن؟! (^١).\nوالخلاصة: أن صلاتها في بيتها خير وأحب إلى الله، ويجوز ذهابها إلى المسجد لصلاة التراويح، بشرط الإذن من الزوج أو الوليِّ كما في الحديث، وعدم التبرج، والتطيُّب، وهي شروط خروج المرأة من بيتها التي دلت عليها نصوص كثيرة.\nقال شيخنا ابن عثيمين - ﵀ -: «لا بأس بحضور النساء صلاة التراويح؛ إذا أمنت الفتنة، بشرط: أن يخرجن محتشمات، غير متبرجات بزينة، ولا متطيبات» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١/ ٣٢٧) رقم (٤٤٢).\n(^٢) مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (١٤/ ٢١١).","vol":"1","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>المطلب الثالث:\nترك الإيتار مع الإمام في التراويح</span>\nالأفضل للمأموم في صلاة التراويح أن يتابع الإمام حتى ينصرف من الوتر؛ لحديث أَبِي ذَرٍّ - ﵁ - أنَّ النبي - ﷺ -، قال: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ» (^١).\nوقد بَوَّبَ النسائي على الحديث: (ثواب من صلى مع الإمام حتى ينصرف) (^٢).\nقال أبو داود: «سمعت أحمد، وقيل له: يعجبك أن يصلي الرجل مع الناس في رمضان أو وَحْده؟ قال: يصلي مع الناس، وسمعته أيضًا، يقول: يعجبني أن يصلي مع الإمام ويوتر معه» (^٣).\nوقال شيخنا ابن عثيمين - ﵀ - معلقًا على الحديث -: «فينبغي أن يكون الوتر مع التراويح جماعة» (^٤).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه ص (٥٥).\n(^٢) السنن الكبرى (٢/ ١٠٨).\n(^٣) مسائل الإمام أحمد ص (٩٠).\n(^٤) الشرح الممتع (٤/ ٦٠).","vol":"1","page":58},{"text":"وقد رأينا بعض الأحبة يندفع لقصر العدد في التراويح على إحدى عشرة ركعة ولا يكملون صلاة التراويح مع الإمام، بل يفارقونه إذا اكتمل العدد عشرة، ثم يأتون بركعة الوتر بمفردهم، وهذا الفعل مخالف للسنة من عدة أوجه:\nالوجه الأول: ترك الائتمام بالإمام:\nوالنبي - ﷺ - يقول: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» (^١).\nوالحديث «يشمل كل فعل فعله الإمام ما لم يكن منهيًّا عنه، والزيادة على إحدى عشرة ليس منهيًّا عنها، وحينئذ نتابع الإمام، أما لو كانت الزيادة منهيًّا عنها مثل: أن يصلي الإمام صلاة الظهر خمسًا، فإننا لا نتابعه» (^٢).\nالوجه الثاني: فوات فضل قيام ليلة:\nوهذا بنص حديث أبي ذر السابق (^٣).\nومفهوم المخالفة من الحديث: أن من لم يصل مع الإمام حتى ينصرف لم يُكْتَب له قيام ليلة؛ لأن من صلى مع الإمام التراويح، ولم يوتر معه لم يكن قد صلى مع الإمام حتى ينصرف، فيُحْرَم من هذا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١/ ١٣٩) رقم (٦٨٨)، ومسلم (١/ ٣٠٩) رقم (٤١٢).\n(^٢) الشرح الممتع (٤/ ٦١).\n(^٣) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.","vol":"1","page":59},{"text":"الأجر العظيم، وهو أن يُكْتَب له قيام ليلة كاملة تامة (^١).\nالوجه الثالث: الاختلاف على الإمام:\nترك إكمال التراويح مع الإمام يؤدي إلى الاختلاف عليه واللغط والتشويش، والعامة يستغربون مفارقة هؤلاء للإمام، وموكب هؤلاء وهم يفارقون الإمام يشعر بالتدابر والتباعد.\nوقد حذر النبي - ﷺ - من الاختلاف على الإمام، فقال: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ» (^٢).\nوقد جاءت الشريعة الإسلامية بالأمر بالاجتماع والائتلاف، ونبذ الفرقة والشتات، والأدلة في ذلك كثيرة من الكتاب والسنة.\nفهذا ابن مسعود - ﵁ - يصلي بِمِنًى أربع ركعات خلف عثمان ابن عفان - ﵁ -، مع أنه يعتقد أن الصحيح ركعتان لا أربع، ولكنه يتابع الإمام؛ لأن الخلاف شر.\nفعن عبد الرحمن بن يزيد، قال: «صَلَّى عُثْمَانُ بِمِنًى أَرْبَعًا، فَقَالَ عَبْدُ الله: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ عُثْمَانَ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ، ثُمَّ أَتَمَّهَا، ثُمَّ تَفَرَّقَتْ بِكُمُ الطُّرُقُ؛\n_________\n(^١) ينظر: الشرح الممتع (٤/ ٦١).\n(^٢) أخرجه البخاري (١/ ١٤٥) رقم (٧٢٢)، ومسلم (١/ ٣٠٩) رقم (٤١٤) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":60},{"text":"فَلَوَدِدْتُ أَن لِي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَيْنِ مُتَقَبَّلَتَيْنِ» -قَالَ: الْأَعْمَشُ، فَحَدَّثَنِي مُعَاوِيَةَ بْنُ قُرَّةَ، عَنْ أَشْيَاخِهِ -: «أَنَّ عَبْدَ الله صَلَّى أَرْبَعًا، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: عِبْتَ عَلَى عُثْمَانَ ثُمَّ صَلَّيْتَ أَرْبَعًا، قَالَ: الْخِلَافُ شَرٌّ» (^١).\nوصلاة المرء مع إمامه جماعة، فيها من الفضائل: شهود الخير، وتكثير سواد المسلمين، ونشاط النفس، وتحفيز الآخرين.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢/ ١٩٩) رقم (١٩٦٠) بسندٍ صحيحٍ.","vol":"1","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>المطلب الرابع:\nحكم التعقيب في ليالي رمضان</span>\nلا خلاف بين الفقهاء في سُنِّية قيام ليالي رمضان واستحبابه، لكن الخلاف في التعقيب وحكمه.\nوالتَّعْقِيْبُ هو: التطوع جماعة بعد الفراغ من التراويح والوتر.\nوقد كره بعض الفقهاء أنْ يختم الإمام صلاة التراويح بالوتر، ثم يصلي بهم آخر الليل جماعة؛ وسبب الكراهة أن السنة أن يجعل المصلي آخر صلاته بالليل وترًا، وفي التعقيب لا يكون آخر صلاته وترًا.\nقال إسحاق بن راهويه - ﵀ -: «إنْ أتمَّ الإمام التراويح في أول الليل (^١) كره له أن يصلي بهم في آخره جماعة أخرى؛ لما روي عن أنس وسعيد بن جبير من كراهته، وإن لم يتم بهم في أول الليل وأخَّر تمامها إلى آخر الليل لم يكره» (^٢).\nوقال الشيخ أبابطين - ﵀ -: «ما يظنه بعض الناس من أن صلاتنا في\n_________\n(^١) أي: صلى بالناس التراويح مع الوتر.\n(^٢) ينظر: فتح الباري لابن رجب (٩/ ١٧٦).","vol":"1","page":62},{"text":"العشر هي صلاة التعقيب الذي كرهه بعض العلماء، فليس كذلك؛ لأن التعقيب هو التطوع جماعة بعد الفراغ من التراويح والوتر؛ هذه عبارة جميع الفقهاء في تعريف التعقيب؛ أنه التطوع جماعة بعد الوتر عقب التراويح، فكلامهم ظاهر في أن الصلاة جماعة قبل الوتر ليس هو التعقيب» (^١).\nوبعض الفقهاء أجاز صلاة التعقيب بلا كراهة، حتى إن أتمَّ الإمام صلاة التراويح وأوتر.\nقال ابن قدامة - ﵀ -: «فأما التعقيب، وهو أن يصلي بعد التراويح نافلة أخرى جماعة، أو يصلي التراويح في جماعة أخرى؛ فعن أحمد: أنه لا بأس به؛ لأن أنس بن مالك قال: ما يرجعون إلا لخير يرجونه، أو لشر يحذرونه. وكان لا يرى به بأسًا. ونقل محمد بن الحكم عنه الكراهة، إلا أنه قول قديم، والعمل على ما رواه الجماعة. وقال أبو بكر: الصلاة إلى نصف الليل، أو إلى آخره، لم تكره رواية واحدة، وإنما الخلاف فيما إذا رجعوا قبل النوم، والصحيح أنه لا يكره؛ لأنه خير وطاعة، فلم يكره، كما لو أخره إلى آخر الليل» (^٢).\nونُقِل عن الإمام أحمد الروايتان: الجواز، والكراهة، قال ابن رجب\n_________\n(^١) الدرر السنية (٤/ ٣٧٠).\n(^٢) المغني (٢/ ١٢٥).","vol":"1","page":63},{"text":"- ﵀ -: «اختلفت الرواية عن أحمد في التعقيب في رمضان» (^١).\nوقد رجَّح شيخنا ابن عثيمين - ﵀ - الكراهة، فقال: «القولُ الرَّاجحُ: أنَّ التَّعقيب المذكور مكروه، وهذا القول إحدى الرِّوايتين عن الإمام أحمد - ﵀ -، وأطلق الروايتين في (المقنع) و(الفروع) و(الفائق) وغيرها، أي: أنَّ الروايتين متساويتان عن الإمام أحمد، لا يُرَجَّح إحداهما على الأخرى. لكن لو أنَّ هذا التَّعقيبَ جاء بعد التَّراويح وقبل الوِتر، لكان القول بعدم الكراهة صحيحًا، وهو عمل النَّاس اليوم في العشر الأواخر من رمضان، يُصلِّي النَّاس التَّراويح في أول الليل، ثم يرجعون في آخر الليل، ويقومون يتهجَّدون» (^٢).\nوالمقصود أنه لا كراهة في الاستزادة من صلاة القيام آخر الليل لمن لم يوتر أول الليل، والخلاف فيمن أوتر أول الليل هل له أن يستزيد بعد ذلك أم لا؟\nالذي يترجح لي جواز ذلك بلا كراهة، وحديث ابن عمر مرفوعًا: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» (^٣)، يحمل على الندب والاستحباب، لا على الحتم والإيجاب، كما قال بذلك عددٌ من الفقهاء (^٤).\n_________\n(^١) المغني (٢/ ١٢٥).\n(^٢) فتح الباري (٩/ ١٧٥).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢/ ٢٥) رقم (٩٩٨)، ومسلم (١/ ٥١٧) رقم (٧٥١).\n(^٤) ينظر: الدر المختار (١/ ٣٦٩)، الفواكه الدواني (١/ ٢٠١)، المبدع (٢/ ٢٣).","vol":"1","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>المطلب الخامس:\nحكم قول «صلاة القيام أثابكم الله»</span>\nلم يَرد في السُّنَّة الأذان أو الإقامة لشيء من الصلوات، سوى الخمس المفروضة، إلا ما ورد في صلاة الكسوف، حيث ينادى لها بـ (الصلاة جامعة)؛ لما جاء من حديث عبد الله بن عمرو - ﵂ -، قال: «لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله - ﷺ - نُودِيَ: إِنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ» (^١).\nوصلاة العيدين مع عظمها لم يشرع لها أذان ولا إقامة، فعن جابر بن عبد الله - ﵂ -، قال: «شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ - ﷺ - يَوْمَ الْعِيدِ، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الخُطْبَةِ، بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ» (^٢).\nفإذا تقرر ذلك؛ عُلِمَ أنَّ قول بعضهم عند القيام لصلاة التراويح: (صلاة القيام أثابكم الله)، غير مشروع، والأصل في العبادات التوقيف، وأيضًا لم ينقل عن أحد من السلف فعله.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢/ ٣٤) رقم (١٠٤٥)، ومسلم (٢/ ٦٢٧) رقم (٩١٠).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢/ ٦٠٣) رقم (٨٨٥).","vol":"1","page":65},{"text":"قال ابن حزم - ﵀ -: «لا يُؤَذَّن ولا يُقَام لشيء من النوافل» (^١).\nوقال المرداوي - ﵀ -: «الصحيح من المذهب: أنه لا يُنَادَى على الجنازة والتراويح» (^٢).\nوجاء في فتاوى اللجنة الدائمة: «قول الناس: (صلاة القيام أثابكم الله)، وقول الإمام: (اللهم صل وسلم على سيدنا محمد) بصوت مرتفع، وقول المأمومين ذلك بعده، وقراءة سورة الإخلاص والمعوذتين بصوت مرتفع بعد صلاة الركعتين؛ كل هذا من البدع المحدثة» (^٣).\n_________\n(^١) المحلى بالآثار (٢/ ١٧٨).\n(^٢) الإنصاف (١/ ٤٢٨).\n(^٣) فتاوى اللجنة الدائمة (٢/ ٤٩٥).","vol":"1","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>المبحث الرابع:\nشذرات وإشارات</span>\nوفيه ثلاثة عشر مطلبًا:\nالمطلب الأول: الإمامة رسالة وأمانة.\nالمطلب الثاني: يُنال التوفيق بفعلِ أسبابه.\nالمطلب الثالث: استجماع القوى الثلاث.\nالمطلب الرابع: أثر الوقف الصحيح في فهم الآيات.\nالمطلب الخامس: مكايد الشيطان.\nالمطلب السادس: الشرك الخفي.\nالمطلب السابع: ليكن لك خبيئة.\nالمطلب الثامن: السِّر العجيب.\nالمطلب التاسع: إياك والتكلف.\nالمطلب العاشر: الداء الدفين.\nالمطلب الحادي عشر: تَصَنُّع الخشوع.\nالمطلب الثاني عشر: فتنة الدهماء.\nالمطلب الثالث عشر: الاعتداء في الدعاء.","vol":"1","page":67},{"text":"أيها الإمام الموفق:\nفي هذا المبحث سطور وحروف منقوشة بمداد الحب لأئمة التراويح، الذين اختارهم الله لحمل هذه الرسالة العظيمة، والمهمة الجسيمة، فمَكَّنَهُم من إقامة هذه الشعيرة، وجعلهم للناس قدوة، وشرَّفَهم بحمل كتابه بين جنبات قلوبهم؛ فأنار بصائرهم بالقرآن.\nهي مباحث في بعض أحيانها جوانب قلبيةٌ دقيقة يدركها من وفَّقَه الله لطلب صلاح قلبه واستحضار عظم الأمانة وإدراك جمال الغاية ونبل المقصود.\nوفي أحيانها الأخرى معالجةٌ لواقعٍ يكثرُ في بعض الصور ويقل في غيرها، فهي تحتاج منك - أيها الإمام الموفق - إلى وقفات وتأملات.\nجُمِعَت هذه الإشارات لتُعنى بجوانب خاصة من النفس البشرية وما يعتريها ويطرأ عليها من مداخل وخطرات قد لا ينجو منها أحد إلا بتوفيق الله ثم مجاهدة النفس وفهم خصائصها وسبر أغوارها.\nفبين يديك أخي شذرات أخاطب بها نفسي وإخوتي الأئمة الذين شرفهم الله وجعلهم لعباده قدوة يأتمون بهم في أعظم المواقف، قيامًا بين يدي خالقهم، وعلى قدر شرف المنزلة تعظم المسؤولية.\nفاجعل هذه الشذرات محلّ عنايتك، واستجمع لها فكرك، وليهنكَ مقامُ الإمامة، فيا سعادة إمام جمع أسباب التوفيق وأدرك","vol":"1","page":68},{"text":"اصطفاء الله له، وأعطى الإمامة حقها، واستنَّ بسنة إمام المرسلين - ﷺ -، فكم تستوجب هذه النعمة من شكر، فأي خير بعد أن يجمع الله للإنسان منزلة حمل القرآن، والصلاة بالمؤمنين، وأن يكون محل قدوتهم.\nزادك الله توفيقًا، وسدد خطاك، وبارك لك فيما أعطاك.","vol":"1","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>المطلب الأول:\nالإمامة رسالة وأمانة</span>\nالإمامة في الصلاة رسالة عظيمة تحمل في طياتها معانيَ كبيرة تشتمل على القدوة الخلُقِيَّة والعلمية، وتقريب كتاب الله للناس، وإسماعهم كلام ربهم، والاحتساب في نفع المسلمين وهدايتهم، ولهذا فإن إمام المسجد في أزمانٍ سالفة كان يُعد مِشْعلَ نور، ونبراسَ هداية، ومحورَ خير، يهتدي الناس بعلمه وخلقه وأدبه وحكمته.\nففي جامع الترمذي من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: «الإِمَامُ ضَامِنٌ، وَالمؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ، اللهُمَّ أَرْشِدِ الأَئِمَّةَ، وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ» (^١)، وفي هذا إشارة إلى حاجة الإمام إلى الرشد\n_________\n(^١) سنن الترمذي (١/ ٤٠٢) رقم (٢٠٧).\nوالحديث فيه أربع علل:\nالعلة الأولى: الأعمش لم يسمعه من أبي صالح:\nقال يحيى بن معين: قال سفيان الثوري: «لم يسمع الأعمش هذا الحديث من أبي صالح». تاريخ ابن معين رواية الدوري (٣/ ٤٩٧) =","vol":"1","page":70},{"text":"والفقه الذي يُعَرِّف الناسَ من خلاله أمورَ دينهم.\n«والإمامة كما أنها تعني تقدم المصلين في الصلاة فهي كذلك تعني - تبعًا لذلك - تعليمهم وإرشادهم وتَفَقُّد أحوالهم، وتوجيههم إلى أن يكونوا على المستوى اللائق في دينهم ودنياهم.\nلذا فإن من أهم الضمانات في تحقيق رسالة المسجد أن يتولى العلماء والمشايخ إمامة المساجد ثم الأمثل فالأمثل. وإذا أهمل العلماء هذا الأمر\n_________\n= وقال الإمام أحمد: «هشيم لم يسمع حديث أبي صالح (الإمام ضامن) من الأعمش». مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني ص (٣٨٩).\nالعلة الثانية: بين الأعمش وأبي صالح رجل مجهول.\nالعلة الثالثة: الاضطراب:\nسُئل الإمام أحمد عن هذا الحديث، فقال: حدث به سهيل، عن الأعمش، ورواه ابن فضيل، عن الأعمش، عن رجل؛ ما أرى لهذا الحديث أصلًا. مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني ص (٣٨٩).\nالعلة الرابعة: الإرسال.\nقال علي بن المديني: «لا يصح حديث عائشة ولا حديث أبي هريرة».\nقال الترمذي - معلقًا على كلام ابن المديني -: «وكأنه رأى أصح شيء في هذا الباب عن الحسن عن النبي - ﷺ - مرسلًا». العلل الكبير ص (٦٦).\nوبسبب هذه العلل الأربع حكم العلماء على الحديث بالضعف:\nقال الإمام أحمد: «ما أرى لهذا الحديث أصلًا». مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود ص (٣٨٩).","vol":"1","page":71},{"text":"تَصَدَّر للإمامة من يَقَلُّ فقههم وعلمهم من العوام وأشباه العوام، أو ذوي النزعات غير المرضيَّة، مما يؤدي إلى ظهور نزعات الأهواء والاجتهادات الخاطئة، ونحو ذلك» (^١).\n_________\n(^١) أثر العلماء في تحقيق رسالة المسجد ص (١٩).","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>المطلب الثاني:\nيُنال التوفيق بفعل أسبابه</span>\nمن أعظم أسباب التوفيق الإخلاص لله تعالى، فهو رُوح الأعمال الصالحة، وكل عملٌ لا إخلاص فيه كالجسد بلا روح، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]، وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣].\nوعن أبي أمامة - ﵁ -: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الأَجْرَ وَالذِّكْرَ مَا لَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: لا شَيْءَ لَهُ، فَأَعَادَهَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ، يَقُولُ لَهُ رَسُولُ الله - ﷺ -: لا شَيْءَ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللهَ لا يَقْبَلُ مِنْ الْعَمَلِ إلا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا، وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ» (^١).\nواحذر شائبة التَّطَلُّع للذكر، قال الفضيل بن عياض - ﵀ -: «من\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (٦/ ٢٥) رقم (٣١٤٠)، وحسَّن إسناده العراقي في تخريج أحاديث الإحياء ص (١٧٥٤)، وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ٨١)، وابن حجر في فتح الباري (٦/ ٢٨): إسناده جيد.","vol":"1","page":73},{"text":"أحبَّ أن يُذكَر لم يُذكَر، ومن كَرِه أن يُذكَر ذُكِر» (^١)، فاحذر هذه الشائبة، وعالج النية؛ فإنها سر العبودية، وهي من الأعمال بمنزلة الروح من الجسد، فالزم حبل الإخلاص، وتعاهد نفسك.\nقال ابن القيم - ﵀ -: «العمل بلا إخلاص ولا اقتداءٍ كمسافر يملأ جِرابَه رملًا يثقلُه، ولا ينفعُه» (^٢).\nولئن كان تَحرِّي الإخلاص واجبًا في كل شيء؛ فإن حمل النفس عليه في هذا الباب أوجب وآكد.\nومتى ما آنست من نفسك تَحقُّق الإخلاص، وخُيِّل إليك أنك مخلص، فاعلم أن إخلاصك يحتاج إلى إخلاص، وإذا ظن الإنسان هذا من نفسه فهو أبعد ما يكون عنه، وإذا لم يَرَ في نفسه شيئًا من ذلك وكان مُتَّهِمًا لنفسه فهو إلى توفيق الله أقرب.\nوقد عاش السلف وماتوا وهم يَشْكون عُسر الإخلاص، وتقلُّب النية، قال سفيان الثوري - ﵀ -: «ما عالجت شيئًا أشدَّ عليَّ من نِيَّتي، إنها تَقَلَّبُ عليَّ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٨/ ٨٨).\n(^٢) الفوائد ص (٤٩).\n(^٣) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٧/ ٦٢)، والخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي (١/ ٣١٧).","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>المطلب الثالث:\nاستجماع القوى الثلاث</span>\nينبغي لمن وُفِّق لإمامة الناس أن يستجمع قبل الشروع في الإمامة أنواع القوى المُعِينَة على كمال الصلاة، وخشوعها، وهي:\n١) قوة استحضار الوقوف بين يدي الله.\n٢) قوة الاحتساب في إسماع كلام الله وتزكية القلوب به.\n٣) قوة استدعاء ملكة التدبر لآيات القرآن.\nوفيما يلي تفصيل لهذه القوى:\n- أولًا: استحضار الوقوف بين يدي الله:\nفهذا الموقف هو أعظم المواقف وأَجلِّها وأشرفها؛ إذ يقف العبد بين يدي مولاه تاليًا لكتابه في بيت من بيوته، قد اصطف الناس من خلفه يُسْمِعُهم كلام ربهم.\nفعلى الإمام أن يستشعر هذا الموقف، ويُفْرِغ القلب، ويُخْرِج منه الالتفات إلى ما سواه من المخلوقات، والإقبال على غيره؛ فيتوجه","vol":"1","page":75},{"text":"بقلبه مستحضرًا الوقوف بين يدي العظيم الجليل الذي هو أكبر من كل شيء، وأجل من كل شيء، وأعظم من كل شيء (^١).\nيقول ابن القيم - ﵀ -: «وأما الصلاة، فشأنها في تفريح القلب وتقويته، وشرحه وابتهاجه ولذته أكبر شأن، وفيها من اتصال القلب والروح بالله، وقربه والتنعم بذكره، والابتهاج بمناجاته، والوقوف بين يديه، واستعمال جميع البدن وقواه وآلاته في عبوديته، وإعطاء كل عضو حظه منها، واشتغاله عن التعلق بالخلق وملابستهم ومحاوراتهم، وانجذاب قوى قلبه وجوارحه إلى ربه وفاطره، وراحته من عدوه حالة الصلاة، ما صارت به من أكبر الأدوية والمفرحات والأغذية التي لا تلائم إلا القلوب الصحيحة» (^٢).\n- ثانيًا: الاحتساب في إسماع كلام الله وتزكية القلوب به:\nوإذا كان المرء مأجورًا في احتسابه بالإحسان إلى عباد الله في الصدقة، وإزالة الأذى عن الطريق، والكلمة الطيبة، والابتسامة، وحمل المتاع على الدابة، ونحو ذلك مما جاءت به السنة؛ فإن أعظم الأجر الإحسان إلى عباد الله بكلام الله: إسماعًا وتدبرًا.\nفأين المحتسبون من الأئمة في أجلِّ أبواب الإحسان؟\n_________\n(^١) ينظر: شفاء العليل لابن القيم ص (٢٢٧).\n(^٢) زاد المعاد (٤/ ١٩٢).","vol":"1","page":76},{"text":"وأين المبتغون لهداية البشر بكلام رب البشر؟\nوأين الملتمسون لبركة القرآن على أنفسهم وإخوانهم وأحبابهم وجيرانهم وسائر عباد الله؟\nفينبغي للإمام أن يحتسب قراءته للقرآن لله - ﷿ -، وأن يقصد بتلك القراءة إسماع الناس كلام الله تعالى وتذكيرهم به؛ حتى يؤثر ذلكم في قلوبهم؛ فيخشون الله ويخافونه.\nيقول الله تعالى مخاطبًا نبيه الكريم: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق:٤٥]، فأمر الله - ﷿ - نبيه - ﷺ - أن يُذَكِّرَ قومَه بهذا القرآن، وهذه الآية فيها بيان لأسلوب من أساليب الدعوة، وهو التذكير بالقرآن، ومن أنواع التذكير: تلاوة القرآن على الناس جميعًا (^١).\nوهذا درس بليغ للأئمة: أن يعملوا على إحياء قلوب المصلين بسماع كلام الله؛ حتى يلتفتوا إلى هذه المواعظ الإلهية، ويتدبروها ويتعقلوها ويعملوا بها.\nوالتذكير بهذا الكتاب العظيم وظيفة العالم وطالب العلم والداعية، ويتأكد التذكير بالقرآن في حق الإمام؛ حيث شرفه الله بالإمامة والقرآن، والناس من خلفه يستمعون، ويزداد هذا التأكيد في شهر\n_________\n(^١) ينظر: التفسير القرآني للقرآن لعبد الكريم الخطيب (١٣/ ٤٩٨)، وفقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري لسعيد بن وهف القحطاني (١/ ٦٢٣).","vol":"1","page":77},{"text":"رمضان شهر القرآن، الذي هو فرصة عظيمة لقراءة كتاب الله - ﷿ - وتذكير الناس به.\n- ثالثًا: استدعاء ملكة التدبر لآيات القرآن:\nإن تدبر الآيات من أعظم مقاصد إنزال القرآن ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩].\nوشهر رمضان الذي هو شهر القرآن، كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥]، هو أَوْلى الشهور بتلاوة القرآن وتدبره وفهمه وتعقله.\nومن أَجَلِّ مقاصد القيام في شهر رمضان: تدبر الآيات القرآنية، وفهمها فهمًا صحيحًا، يؤدي إلى الخشوع والتذلل لله تعالى، والعمل بما دلت عليه هذه الآيات.\nومما يعين على تقوية ملكة التدبر لكتاب الله - ﷿ -، واستحضار معاني الآيات القرآنية، ما يلي:\nأولًا: حضور القلب عند قراءة القرآن:\nعلى الإمام وهو يقرأ في الصلاة أن يستحضر الآيات بقلبه وفكره وعقله كله، وهذا أدعى لفهم معاني الآيات والغوص في أعماق دلالاتها.\n«ومن أصغى إلى كلام الله وكلام رسوله بعقله، وتدبره بقلبه، وَجَدَ فيه من الفهم والحلاوة والبركة والمنفعة ما لا يجده في شيء من","vol":"1","page":78},{"text":"الكلام لا منظومه ولا منثوره» (^١).\nثانيًا: التلذذ بتلاوة القرآن:\nإن لآيات الله أثرًا عميقًا في النفوس؛ فينبغي أن يطلبه القارئ باذلًا وسعه مستفرغًا طاقته، مستجمعًا مواطن البلاغة القرآنية، ناظرًا إلى أثرها النفسي على روحه ووجدانه، مخاطبًا عقله وقلبه.\nإن التلذذ بالقرآن نعمة لا تعدلها - بجمالها وقدسيتها - نعمة، فأي شيءٍ أجمل وأنبل من خطاب الرحيم الرحمن عِبَاده بمعجزةٍ خالدةٍ تأخذ بالألباب وتحلق بالأرواح في آفاقٍ من الخشوع والسكينة يعيشها من يستلذ بجمال هذا الخطاب الرباني، ويبحر في أسراره وفوائده.\nيقول ابن القيم - ﵀ -: «فانظر محبة القرآن من قلبك، والتذاذك بسماعه أعظم من التذاذ أصحاب الملاهي والغناء المطرب بسماعهم، فإن من المعلوم أن من أحب محبوبًا كان كلامه وحديثه أحب شيء إليه» (^٢).\nثالثًا: أن يعرض الإمام نفسه على كتاب الله:\nما أجمل قارئ القرآن وهو يعرض نفسه على كتاب الله - ﷿ -، ويستحضر أنه هو المخاطب بهذه الآيات، فيقرأ آيات القرآن؛ ليؤدب\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٢٧٠).\n(^٢) الجواب الكافي ص (٢٣٥).","vol":"1","page":79},{"text":"به نفسه لا غيره، فيضع نفسه في الميزان: أين هو من منزلة التقوى، ومن منزلة الإيمان، ومن منزلة الخشوع؟ (^١).\nرابعًا: القراءة بترتيل وتجويد:\nينبغي أن تكون قراءة القرآن قراءة مرتَّلةً مجوَّدةً لا تحجب عن معايشة حقائق القرآن ومعانيه، بلا تنطع في المخارج وتحقيق متكلف في التجويد وتحسين الصوت على حساب التدبر لمعاني الآيات.\n«ولا يجعل هِمَّتَهُ فيما حُجِب به أكثر الناس من العلوم عن حقائق القرآن، إما بالوسوسة في خروج حروفه وترقيقها وتفخيمها، وإمالتها والنطق بالمد الطويل والقصير والمتوسط وغير ذلك؛ فإن هذا حائل للقلوب، قاطع لها عن فهم مراد الرب من كلامه، وكذلك شغل النطق بـ ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾، وضم الميم من ﴿عَلَيْهِمُ﴾ ووصلها بالواو وكسر الهاء أو ضمها ونحو ذلك. وكذلك مراعاة النغم وتحسين الصوت» (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: أخلاق أهل القرآن للآجري ص (٧٩).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٦/ ٥٠).","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>المطلب الرابع:\nأثر الوقف الصحيح في فهم الآيات</span>\nإن معرفة الوقف في تلاوة كتاب الله - ﷿ - من أنفع العلوم الْمُعِينة على فهم القارئ لكتاب الله - ﷿ -.\nوإن الوقف الصحيح على الآيات له أثره العجيب في فهم القرآن الكريم، فَبِهِ يُعرفُ المراد من كلام الله تعالى، ويتضح للقارئ المعنى الصحيح لسياقات القرآن وبدايات الجُمَل القرآنية ونهاياتها، ويسهل على من يستمع إلى القرآن أن يفهم ما تُلِيَ عليه من آياته؛ فحريٌّ بالأئمة والقُرَّاء لا سيما في صلاة التراويح أن يحرصوا عليه، ويُولُوه عناية فائقة.\nوهكذا كان صحابة رسول الله - ﷺ -:\nيقول عبد الله بن عمر - ﵂ -: «لقد عشنا برهةً من دهرنا، وأحدنا يُؤْتَى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد - ﷺ -؛ فنتعلم حلالها وحرامها، وآمرها وزاجرها، وما ينبغي أن يقف عنده منها، كما تَتَعَلَّمون أنتم اليوم القرآن، ثم لقد رأيت اليوم رجالًا يُؤْتَى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته، ما يدري ما آمره","vol":"1","page":81},{"text":"ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه، فينثره نَثْرَ الدَّقَل! (^١)» (^٢).\nقال أبو عمرو الداني: «ففي قول ابن عمر دليل على أن تعليم ذلك توقيفٌ من رسول الله - ﷺ -، وأنه إجماع من الصحابة، رضوان الله عليهم» (^٣).\nولعلي في هذه السانحة أستعرض بعض المعالم الْمُعِينة على فقه هذا العلم العظيم:\nالمعلم الأول: الوقوف على رؤوس الآيات:\nالوقوف على رؤوس الآيات من أقرب السبل لفهم معاني الآيات وتدبرها كما هو هدي النبي - ﷺ -، بَيَّنَت ذلك أم سلمة - ﵂ - حين «سُئِلَتْ عَنْ قِرَاءَةِ رَسُولِ الله - ﷺ -، فَقَالَتْ: كَانَ يُقَطِّعُ قِرَاءَتَهُ آيَةً آيَةً: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:١]، ثُمَّ يَقِفُ، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ\n_________\n(^١) الدَّقَل-بفتح الدال والقاف-: رديء التمر اليابس؛ الذي لا يكاد يلتصق ببعضه، فإذا نُثِرَ تفرق وانفردت كل تمرة عن أختها؛ فَشَبَّه قراءة القرآن السريعة بنثر الدقل. ينظر: غريب الحديث لابن قتيبة (٢/ ٢٥٤)، ولسان العرب (١١/ ٢٤٦).\n(^٢) أخرجه الطَّحَاوي في شرح مشكل الآثار (٤/ ٨٥) رقم (١٤٥٣)، وابن منده في كتاب الإيمان (١/ ٣٦٩) رقم (٢٠٧)، والحاكم في المستدرك (١/ ٩١) رقم (١٠١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ١٧١) رقم (٥٢٩٠). قال ابن منده: «هذا إسناد صحيح على رسم مسلم والجماعة إلا البخاري»، وقال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين»، وأقره الذهبي.\n(^٣) المكتفى في الوقف والابتداء له ص (٤).","vol":"1","page":82},{"text":"الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، ثُمَّ يَقِفُ، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣]، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]» (^١).\nقال ابن القيم - ﵀ -: «وهذا هو الأفضل، الوقوف على رؤوس الآيات وإن تعلقت بما بعدها، وذهب بعض القراء إلى تتبع الأغراض والمقاصد، والوقوفِ عند انتهائها، واتباعُ هدي النبي - ﷺ - وسنته أولى. وممن ذكر ذلك البيهقي في شعب الإيمان وغيره، ورَجَّح الوقوف على رؤوس الآي وإن تعلقت بما بعدها» (^٢).\nالمعلم الثاني: الاعتناء بمواضع الوقف:\nإن وقوف القارئ على مواضع الوقف في القرآن له أثره في فهم معاني الآيات؛ ولذلك اعتنى العلماء الذين أُوكِلَت إليهم مهمة طباعة المصحف الشريف، فوضعوا هذه العلامات في محلها من آيات القرآن، وهي موجودة في الصفحات الأخيرة في بعض المصاحف بعد سورة الناس، تحت عنوان: (علامات الوقف)، ومن أهم هذه العلامات ما يلي:\n(م): علامة الوقف اللازم.\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٤/ ٣٧) رقم (٤٠٠١)، والترمذي (٥/ ١٨٥) رقم (٢٩٢٧)، وأحمد في المسند (٤٤/ ٢٠٦) رقم (٢٦٥٨٢)، واللفظ له، وزيادة (ثُمَّ يَقِفُ) عند الترمذي.\n(^٢) زاد المعاد (١/ ٣٢٦).","vol":"1","page":83},{"text":"(ج): علامة الوقف الجائز.\n(صلي): علامة الوقف الجائز مع كون الوصل أولى.\n(قلي): علامة الوقف الجائز مع كون الوقف أولى.\n(لا): علامة الوقف الممنوع.\n(.٠. .٠.) علامة تعانق بحيث إذا وقف على أحد الموضعين لا يصح الوقوف على الآخر.\nفالإمام مثلًا يجب عليه أن يقف على موضع الوقف اللازم؛ لأن وقفه يتم المعنى، ولو وصل الكلام بما بعده لاختل المعنى وهكذا (^١).\nالمعلم الثالث: تجنب الوقف القبيح:\nالوقف القبيح: هو الوقف على موضع في الآية لا يُعْرَف المراد منه، ولا يكتمل به المعنى، ولا ينبغي الوقوف عليه إلا للضرورة كالسعال وضيق النفس، ونحو ذلك، وسُمِّيَ قبيحًا لقبح الوقف عليه (^٢)، وللمحاذير التالية:\n_________\n(^١) ينظر: رسم المصحف وضبطه بين التوقيف والاصطلاحات الحديثة لشعبان محمد إسماعيل ص (١٠١).\n(^٢) ينظر: إيضاح الوقف والابتداء لابن الأنباري (١/ ١٥٠)، والتحديد في الإتقان والتجويد لأبي عمرو الداني ص (١٧٧)، والعميد في علم التجويد لمحمود بن علي المصري ص (١٥٦)، وغاية المريد في علم التجويد لعطية نصر ص (٢٣٢).","vol":"1","page":84},{"text":"أ- عدم اكتمال المعنى أو تغيير المعنى بالكامل.\nب- إيهام معانٍ باطلة.\nولهذا نماذج عديدة منها:\n١ - الوقف على كلام يوهم معنًى غير صحيح:\nكوقوف القارئ على كلمة ﴿وَالْمَوْتَى﴾ في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام:٣٦]، والواجب على القارئ أن يكمل السياق ليكتمل المعنى؛ لأن وقوفه على كلمة ﴿وَالْمَوْتَى﴾ يوهم اشتراك الأموات مع الأحياء في الاستجابة والسماع، وذلك غير المعنى المراد.\n٢ - الوقف على كلمة تفيد معنىً باطلًا في حق الله سبحانه:\nكوقف الإمام على قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي﴾؛ فإنه يستلزم معنىً باطلًا في حق الله - ﷿ -، بل عليه أن يقرأ الجملة كاملة فيقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة:٢٦].\nوكمن يقف عند قوله: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ﴾، فيوهم هذا الوقف كفرًا بالله - ﷿ - لا يجوز في حقه ﵎، والواجب عليه أن يكمل الآية فيقرأ: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٢٥٨].\nولا يجوز لقارئ القرآن الوقوف على هذه المواضع إلا للضرورة،","vol":"1","page":85},{"text":"وإذا وقف عليها مضطرًا، لزمه أن يرجع فيقرأ جزءًا مما قرأه أولًا؛ حتى يلتئم المعنى، ويتضح المقصود من الكلام (^١).\n_________\n(^١) ينظر: المكتفى في الوقف والابتداء لأبي عمرو الداني ص (١٣، ١٤)، والنشر في القراءات العشر لابن الجزري (١/ ٢٢٩)، ومعجم علوم القرآن لإبراهيم الجرمي ص (٣٣٤).","vol":"1","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>المطلب الخامس:\nمكايد الشيطان</span>\nلن يتقاصر الشيطان الذي يجري منك مجرى الدم، عن قذف المكايد والحيل الماكرة في نفسك، بقاذفات تدمر صفاء القلب، وتقضي على رونقه وبهائه ونصاعته، كي يفسد عليك عملك، بل لن ينفك عنك بحال، والميدان طويل، والصراع شديد، فيأتيك بصور خفية منها:\nالصورة الأولى: حديثك عن نفسك، وثناؤك على تلاوتك وصلاتك ولو كان على سبيل الإخبار ربما كان مزلقًا من المزالق، والأمرُ في حقيقته (مدح مبطن)، فانتبه لهذه المكيدة الشيطانية، والموفق هو من يتحاشى الحديث عن النفس ما أمكن، ويستحضر دائمًا ضرورة التجرد لله، ومحاذرة التزكية للنفس: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢].\nقال ابن حزم - ﵀ -: «وإياك والامتداحَ، فإن كل من يسمعك لا يصدقك وإن كنت صادقًا، بل يجعل ما سمع منك من ذلك في أول","vol":"1","page":87},{"text":"معايبك» (^١).\n«كم رأينا مَنْ فاخَرَ بما عنده ... فكان ذلك سببًا لهلاكه، فإياك وهذا الباب الذي هو ضر محض، لا منفعة فيه أصلًا، كم شاهدنا ممن أهلكه كلامه، ولم نَرَ قط أحدًا ولا بلغنا أنه أهلكه سكوته، فلا تتكلم إلا ما بما يقربك من خالقك» (^٢).\nالصورة الثانية: من أحابيل الشيطان: سب النفس ومقتها، وقديمًا قال أهل العلم: (سب نفسه ليمدحها)، فحاذر هذا السبيل، فهذا خيط دقيق من خيوط الشيطان.\nالصورة الثالثة: المكاثرة بجموع الناس والفرح بذلك بدعوى أن اجتماع الناس على الخير خير، وهذا حق، وربما كان خيرًا للناس، وشرًا لك فيه عطبك وفساد قلبك، وقد كان السلف يخافون أن تكون هذه الجماهير من باب الاستدراج، ويكرهون ضجيج الناس وراءهم وينفرون منه أشد النفور، ويخافون أن يلقي ذلك بظلاله على صفاء العمل.\nقال أبو بكر المَرُّوذِي - ﵀ -: قلتُ لأَبي عبد الله: ما أَكثر الداعي لك! قال: «أَخافُ أَن يكون هذا استدراجًا» (^٣).\n_________\n(^١) الأخلاق والسير ص (٨٧).\n(^٢) المرجع السابق ص (٨٢).\n(^٣) مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص (٢٠١).","vol":"1","page":88},{"text":"وكان طلحة بن مصرف قارئ أهل الكوفة يقرؤون عليه القرآن، فلما رأى كثرتهم عليه كأنه كره ذلك لنفسه فمشى إلى الأعمش فقرأ عليه، فمال الناس إلى الأعمش وتركوا طلحة (^١).\nالله أكبر، ما أرفع هاتيك النفوس!\nكيف قَدَرَ على قهر نفسه بهذا التواضع الجم، وكيف تَخَلَّى عن حظوظ نفسه، واستطاع أن يلجمها بلجام العدل، وينصفها في هذا الموقف الرهيب؟\nأَلَا ما أحوجنا لمثل هذه النفوس الطاهرة، والقلوب المليئة بالصفاء، والمُتْرَعة بالنقاء!!\nهكذا كانوا وهم مَنْ هم في الجلالة والمجاهدة للنفس، فكيف بنا في عصر كثرت فيه أدواء القلوب وعللها!!\nهذه أهم صور المكايد الشيطانية التي قد نغفل عنها، وهي كثيرة ينبغي التفطن لها، عصمنا الله جميعًا من كيد الشيطان وحبائله.\n_________\n(^١) الطبقات الكبرى (٦/ ٣٠٨)، والمعارف لابن قتيبة (١/ ٥٢٩).","vol":"1","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>المطلب السادس:\nالشرك الخفي </span>(^١)\nإمامة الناس وتحسين الصوت بالقرآن والدعاء؛ مظنة إغواء الشيطان للإنسان بالمراءة إلا من عصمه الله بالمجاهدة وتعاهد القلب.\nوأهل العلم كثيرًا ما يذكرون أن عبادات السر طريق النجاة، وعبادات العلن التي يَطَّلِع عليها الناس مظنة تطرق الرياء، إلا من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى؛ ولهذا كان أولَ مَنْ تُسعَّر بهم النار يوم القيامة: القارئ المرائي، كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة (^٢).\nوالقاسم المشترك بينه وبين المنفق والمجاهد الذين هم من أول من تسعر بهم النار يوم القيامة؛ أن أعمالهم كانت في العلانية، وورود الرياء على عمل العلانية أقوى من عمل السر.\nوقد خاف النبي - ﷺ - الرياء على أمته أكثر من خوفه عليهم المسيح\n_________\n(^١) الشرك الخفي وهو الرياء من مكايد الشيطان، وأخطر مصائده للإمام، وأُفرد هنا للأهمية.\n(^٢) صحيح مسلم (٣/ ١٥١٣) رقم (١٩٠٥).","vol":"1","page":90},{"text":"الدجال، كما في حديث أبي سعيد - ﵁ - قال: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ الله - ﷺ -، وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ المسِيحَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ: أَلا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ المسِيحِ الدَّجَّالِ؟ قَالَ: قُلْنَا: بَلَى، فَقَالَ: الشِّرْكُ الخفِيُّ، أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلاتَهُ؛ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ» (^١).\nوالرياء سبب لحبوط العمل:\nقال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥].\nوالآية بعمومها تشمل الشرك الأكبر والأصغر، ورأس الشرك الأصغر الرياء، مع خفائه ودقته.\nقال ابن القيم - ﵀ -: «محبطات الأعمال ومفسداتها أكثر من أن تحصر، وليس الشأن في العمل، إنما الشأن في حفظ العمل مما يفسده ويحبطه. فالرياء وإن دق محبط للعمل، وهو أبواب كثيرة لا تحصر» (^٢).\nما الضابط في معرفة الإخلاص والسلامة من الرياء؟\nالذي يظهر - والله أعلم - أن ضابط الإخلاص للإمام: أن يستوي عند الإنسان كثرةُ الناس وقلتهم، ومدحُهم وذمهم، وأن يبتغي بصلاته وقراءته رِضَى الله لا رغبة الناس، وهذا مطلب عزيز، لا يناله\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٢/ ١٤٠٦) رقم (٤٢٠٤)، وأحمد (١٧/ ٣٣٥٤) رقم (١١٢٥٢)، وفي إسناده ضعف؛ لأن مداره على كثير بن زيد الأسلمي، وهو ضعيف.\n(^٢) الوابل الصيب ص (١١).","vol":"1","page":91},{"text":"الإمام إلا بالمجاهدة الطويلة، والإزراء بالنفس، ومشاهدة القصور والتقصير، ودوام استشعار النقص.\nومن الأمور التي يمكن أن تكون مدخلًا للرياء، ما ظهر في الأزمنة الأخيرة من تصوير وتسجيل لمقاطع تلاوات القرآن الكريم بأصواتٍ حسنةٍ خاشعةٍ، وهو أمرٌ نافعٌ لو حَصَل عَرَضًا دون تَقَصُّد الإمام وتكلفه، ودون أن تؤثر على نِيَّتِهِ وإخلاصه، أما لو تَقَصَّدَ التصوير أو التسجيل، واهتم به في صلاته ليظهر حسن صوته - وربما بكى وأبكى الناس لذلك - ففيه مدخل خَفِي على القلب قد يفقده إخلاصه، وربما تسبب لصاحبه بالعُجْب والرياء، فليتنبه لذلك.","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>المطلب السابع:\nليكن لك خبيئة</span>\nصلاة التراويح من العبادات الجماعية التي شُرِعَت لمصالحَ كثيرة تختص بالهدي التعبدي العام، لكنها لا تُغْنِي عن خبايا العبادات التي تتوافر فيها دوافع تحقيق الإخلاص لله أكثر من العبادات الجماعية.\nوالخبيئة هي عبادة السر التي تكون بين العبد وربه، في عملٍ من الأعمال الصالحة، وهذا الصنف من العبادة مقامه عظيمٌ؛ لصدق العبد وإخلاصه لله فيه، ولبعده عن الرياء ومطامع السمعة والشهرة.\nوفي حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ذكر منهم النبي - ﷺ -: «... وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا؛ حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» (^١).\nفهذه الصدقة ارتفع مقامها، وعظم أجرها؛ حتى صار صاحبها من الذين يظلهم الله في ظله يوم القيامة؛ لأنها صدقة خفية خالصة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢/ ١١١) رقم (١٤٢٣)، ومسلم (٢/ ٧١٥) رقم (١٠٣١) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":93},{"text":"لوجه الله، وانظر إلى دقة التعبير النبوي: «فَأَخْفَاهَا؛ حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» مبالغة في إسرارها وإخفائها، فعَبَّرَ بقوله: «لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ» أي: أن يده اليسرى لم تعلم بما أنفقته اليمنى لقوة إخلاصه.\nعجيبٌ أمر هذه الخبيئة التي يتمثل فيها الصدق مع الله في أرقى درجاته، وأسمى غاياته إذ لا يرجو المرء غير الله، لا يرائي أحدًا، ولا يطلب سوى الله.\nوقوله: «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا»: «يعنى صدقة التطوع؛ لأن صدقة الفرض إعلانها أفضل من إخفائها؛ لِيُقْتَدَى به في ذلك، ويُظْهِر دعائم الإسلام» (^١).\nقال الزبير بن العوام - ﵁ -: «أيكم استطاع أن يكون له خبيئة مِن عملٍ صالحٍ فليفعل» (^٢).\nوالخبيئة من أسباب نور القلب وسعادته:\nقال الشافعي - ﵀ -: «من أحب أن يفتح الله قلبه أو ينوره، فعليه بترك الكلام فيما لا يعنيه واجتناب المعاصي، ويكون له خبيئة فيما بينه\n_________\n(^١) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٨/ ٤٢٨).\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد والرقائق (١/ ٣٩٢) رقم (١١٠٩)، وابن الجعد في مسنده ص (١١٣) رقم (٦٨٢)، وأحمد بن حنبل في الزهد ص (١١٩) رقم (٧٧٨)، وأبو داود في الزهد ص (١٢٢) رقم (١١٢).","vol":"1","page":94},{"text":"وبين الله تعالى من عمل» (^١).\nوالخبيئة من أرجى ما ينجي العبد يوم تبلى السرائر:\nلأن العبد «يخلص فيها بينه وبين ربه، ويدخرها ليوم فاقته وفقره، ويخبئها بجهده، ويسترها عن خلقه، يصل إليه نفعها أحوج ما كان إليه» (^٢).\nإن الموفق «من يكون له مع الله خبيئة سر وأعمال وأحوال، فمن لم يكن له مع الله سر فليس له عند الله قدر، ومن لم يكن في زيادة فهو في نقصان، ومن كان في نقصان فهو هالك ولا يشعر» (^٣).\nوالقارئ في سير سلف الأمة تلوح له هذه العبادة في سيرة كل قدوة من أولئك الكبار.\nقال ابن رجب - ﵀ -: «قال بعضهم: كانوا يستحبون أن يكون للمرء خبيئة من عمل صالح؛ ليكون أهون عليه عند نزول الموت» (^٤).\n«كان عبد الرحمن بن أبي ليلى يصلي، فإذا دخل الداخل نام على فراشه» (^٥)، ولعل ذلك في قيام الليل حرصًا منه على إخفاء العبادة.\n_________\n(^١) نقله عنه النووي في المجموع شرح المهذب (١/ ١٣).\n(^٢) تفسير القرطبي (١٥/ ١٢٧).\n(^٣) مفيد العلوم للخوارزمي ص (١٦٩، ١٧٠).\n(^٤) مجموع رسائل ابن رجب (٣/ ١١٨).\n(^٥) أخرجه أحمد في الزهد ص (٢٩٤) رقم (٢١١١)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٤/ ٣٥١).","vol":"1","page":95},{"text":"ومن غرائب الأخبار عن عبد الله بن المبارك أنه كان يضع اللثام على وجهه عند القتال في سبيل الله (^١)، حرصًا على التخفي وعدم الظهور.\nيعلق الإمام أحمد - ﵀ -، ويقول: «ما رفع اللهُ ابنَ المبارك إلا بخَبِيئةٍ كانت له» (^٢).\nومن الذين كانت لهم خبيئة مع الله - ﷿ - وجاء ذكرهم في نصوص الكتاب والسُّنة:\nيونس - ﵇ -: قال الله تعالى عنه: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ [الصافات:١٣٩ - ١٤٦].\nفكان ليونس - ﵇ - خبيئة من عمل صالح أنجاه الله بها من بطن الحوت.\n_________\n(^١) ينظر: صفة الصفوة (٤/ ١٤١)، وسير أعلام النبلاء (٨/ ٣٨٦).\n(^٢) صفة الصفوة (٤/ ١٤٦).","vol":"1","page":96},{"text":"قال أبو العالية في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾: «كان له عمل صالح فيما خلا» (^١).\nومن أولئك: الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة:\nكما جاء عن ابن عمر - ﵂ -، عن النبي - ﷺ -: «خَرَجَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَمْشُونَ فَأَصَابَهُمُ المَطَرُ، فَدَخَلُوا فِي غَارٍ فِي جَبَلٍ، فَانْحَطَّتْ عَلَيْهِمْ صَخْرَةٌ، قَالَ: فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ادْعُوا الله بِأَفْضَلِ عَمَلٍ عَمِلْتُمُوهُ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: اللَّهُمَّ إِنِّي كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَرْعَى، ثُمَّ أَجِيءُ فَأَحْلُبُ فَأَجِيءُ بِالحِلَابِ، فَآتِي بِهِ أَبَوَيَّ فَيَشْرَبَانِ، ثُمَّ أَسْقِي الصِّبْيَةَ وَأَهْلِي وَامْرَأَتِي، فَاحْتَبَسْتُ لَيْلَةً، فَجِئْتُ فَإِذَا هُمَا نَائِمَانِ، قَالَ: فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُمَا، وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمَا، حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ عَنَّا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، قَالَ: فَفُرِجَ عَنْهُمْ ...» الحديث (^٢).\nوهكذا الثاني والثالث منهم، كان لكلٍّ منهم خبيئة.\n_________\n(^١) أخرجه الطبري في تفسيره (٢١/ ١٠٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣/ ٨٠) رقم (٢٢١٥)، ومسلم (٤/ ٢٠٩٩) رقم (٢٧٤٣).","vol":"1","page":97},{"text":"وقد جاء في بعض ألفاظ الحديث: «ادْعُوا الله بِأَفْضَلِ عَمَلٍ عَمِلْتُمُوهُ» (^١).\nوفي رواية: «انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً لله، فَادْعُوا اللهَ تَعَالَى بِهَا، لَعَلَّ اللهَ يَفْرُجُهَا عَنْكُمْ» (^٢).\nوفي رواية: «إِنَّهُ لَا يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا الله بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ» (^٣).\nوفي رواية: «إِنَّهُ وَالله يَا هَؤُلَاءِ، لَا يُنْجِيكُمْ إِلَّا الصِّدْقُ، فَليَدْعُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ صَدَقَ فِيهِ» (^٤).\nوهؤلاء الثلاثة كانت لهم خبايا بينهم وبين الله كانت سببًا لخلاصهم ونجاتهم من هذا الكرب الذي حَلَّ بهم، وهذه بركة من بركاتٍ كثيرة لعمل الخبيئة.\nوأولى الناس بالخبيئة وأحوجهم إليها من كان إمامًا وقدوة للناس.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣/ ٧٩، ٨٠) رقم (٢٢١٥).\n(^٢) صحيح البخاري (٣/ ١٠٥) رقم (٢٣٣٣)، وصحيح مسلم (٤/ ٢٠٩٩) رقم (٢٧٤٣).\n(^٣) صحيح البخاري (٣/ ٩١) رقم (٢٢٧٢).\n(^٤) صحيح البخاري (٤/ ١٧٢) رقم (٣٤٦٥).","vol":"1","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>المطلب الثامن:\nالسِّر العجيب</span>\nإنَّ التوفيق والبركة والقبول الذي ينشده القدوة الذي جعله الله محل الاهتداء، لا بد أن يكون خلفه سر عجيب، هو السِّر الذي كان يمتلكه أبو بكر الصديق - ﵁ - الذي فاق الأمة في كل شيء.\nلم يكن فقيرًا كأبي ذر أو أبي هريرة، لكنه كان أفضل منهما!!\nلم يُعَذَّبْ كثيرًا كخَبَّاب أو بلال أو سُمَيَّة أو ياسر، لكنه كانَ أفضل منهم!!\nلم يُصَبْ بدنُهُ في الغزواتِ كطلحة أو أبي عبيدة أو خالد بن الوليد، لكنه كانَ أفضلَ منهم!!\nلم يقتل شهيدًا في سبيلِ الله كحمزة بن عبد المطلب أو مصعب ابن عمير أو سعد بن معاذ، لكنه كان أفضل منهم!!\nمَنْ لِي بِمِثْلِ سَيْرِكَ الْمُدَلَّلِ ... تَمْشِي رُوَيْدًا وَتَجِي فِي الْأَوَّل\nما السر العجيب الذي صَنَعَ له هذه (العظمة) التي تتراجع عنها سوابق الهمم؟","vol":"1","page":99},{"text":"والجواب نتركه لأحد التابعين الأجلاء ليكشفَ لنا (الْمُضْمَر) ويفضي لنا بـ (السر).\nيقول: بكرُ بن عبد الله المزني: «إن أبا بكر - ﵁ - لم يفضل الناس بكثرة صلاة ولا صوم، وإنما فضلهم بشيء كان في قلبه» (^١).\nفأعمال القلوب هي التي رفعت أبا بكر، وجعلت إيمانه يزن إيمان أهل الأرض، كما قال عمر - ﵁ -: «لو وُزِنَ إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض؛ لرجح بهم» (^٢).\nإنها أعمالُ القلوب!! تلك التي بَلَغَت بأبي بكر - ﵁ - إلى حيث لا تبلغ الآمال والهمم.\nأعمال القلوب التي جعلتْ إيمانه لو وُزِنَ بإيمان أهل الأرض لرجحَ كما يقول الفاروق عمر - ﵁ -.\nلقد تعلمنا أن الإيمان: عمل قلبٍ، وقول لسانٍ، وفعل جوارح.\nلكننا اجتهدنا في صور الأعمال وعددها وقول اللسان وعمل الجوارح، وأهملنا لبها وجوهرها وهو (عمل القلب).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في فضائل الصحابة (١/ ١٤١)، وأبو داود في الزهد ص (٥٩).\n(^٢) أخرجه أحمد في فضائل الصحابة (١/ ٤١٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (١/ ١٤٣).","vol":"1","page":100},{"text":"ولكل عبادةٍ حقيقةٌ وصورةٌ:\nفصورة الصلاة: الركوع والسجود وبقية الأركان، ولبها: الخشوع والانكسار بين يدي الله.\nوصورة الصيام: الكفُّ عن المفطرات من الفجر إلى الغروب، ولبه: (التقوى)، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣].\nوصورة الحج: السعي والطواف والوقوف بعرفة ومزدلفة ورمي الجمرات، ولبه: (تعظيمُ شعائر الله)، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢].\nوصورة الدعاء: رفعُ اليدين واستقبالُ القبلة وألفاظُ المناجاة والطلبِ، ولبه: (الافتقارُ إلى الله).\nوصورة الذكر (التسبيح والتهليل والتكبير والحمد)، ولبه: (إجلال الخالق ومحبته وخوفه ورجاؤه).\nإن الشأن كل الشأن في (أعمال القلوب) قبل (أعمال الجوارح)، والرفعة وعز الدنيا والآخرة بالصدق مع الله (^١).\n_________\n(^١) ينظر: مقال لعبد الله الحويل، بموقع صيد الفوائد عن السر العجيب.","vol":"1","page":101},{"text":"إنه السِّر العجيب: الذي رفع الله به الإمام مالكًا - ﵀ -، قال بشر بن بكر: «رأيت الأوزاعي في المنام مع جماعة من العلماء في الجنة، فقلت: وأين مالك بن أنس؟ فقيل: رُفِع، فقلت: بِمَاذَا؟ قال: بصدقه» (^١).\nوقال أبو بكرٍ المَرُّوذِي - ﵀ -: سمعتُ رجلًا يقول لأبي عبد الله -الإمام أحمد - وذكر له الصدق والإخلاص، فقال أبو عبدالله: بهذا ارتفع القوم (^٢).\nوقال أبو زرعة - ﵀ -: قلت لأحمد بن حنبل: كيف تخلَّصت من سيف المعتصم وسوط الواثق؟ فقال لي: «يا أبا زرعة الصدق، لو جُعِلَ الصدق على جُرْحٍ لَبَرَأَ» (^٣).\nقال أبو محمد ابن قدامة - ﵀ -: «فأما علم المعاملة وهو علم أحوال القلب كالخوف والرجاء والرضا والصدق والإخلاص وغير ذلك، فهذا العلم ارتفع به كبار العلماء، وبتحقيقه اشتهرت أذكارهم كسفيان الثوري وأبى حنيفة ومالك والشافعي وأحمد.\n_________\n(^١) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (١/ ٧٠).\n(^٢) أورده ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (١/ ٦١)، وأخرجه ابن الجوزي بإسناده إلى الإمام أحمد في مناقب الإمام أحمد ص (٢٦٧).\n(^٣) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥/ ٣٢١)، وابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد ص (٤٧٤)، وأخرجه قوام السنة الأصبهاني في الترغيب والترهيب (٢/ ٢٩٩) رقم (١٦٢٥) وجعل السائل أبا حاتم الرازي بدل أبي زرعة.","vol":"1","page":102},{"text":"وإنما انحطَّتْ رتبة المسمَّيْن بالفقهاء والعلماء عن تلك المقامات لتشاغلهم بصورة العلم من غير أخذٍ على النفس أن تبلغ إلى حقائقه وتعمل بخفاياه.\nوأنت تجد الفقيه يتكلم في الظِّهار واللِّعان والسَّبْق والرمي، ويُفرِّع التفريعات التي تمضى الدهور فيها ولا يُحتاج إلى مسألة منها، ولا يتكلم في الإخلاص، ولا يَحذَر من الرياء، وهذا عليه فرض عين لأن في إهماله هلاكَه، والأول فرض كفاية.\nولو أنه سُئِل عن علة ترك المناقشة للنفس في الإخلاص والرياء لم يكن له جواب، ولو سئل عن علة تشاغله بمسائل اللعان والرمي لقال: هذا فرض كفاية!\nولقد صدق ولكن خَفِي عليه أن الحساب فرض كفاية أيضًا فهلا تشاغل به؟! وإنما تُبَهْرِجُ عليه النفس؛ لأن مقصودَها من الرياء والسمعة يحصل بالمناظرة لا بالحساب» (^١).\nوالمقصود أنه «ليس للعبد شيءٌ أنفعَ من صدقه ربه في جميع أموره ... ومَن صدَق اللهَ في جميع أموره صنع الله له فوق ما يصنع لغيره، وهذا الصدق معنى يلتئم من صحة الإخلاص وصدق التوكُّل،\n_________\n(^١) مختصر منهاج القاصدين ص (١٨).","vol":"1","page":103},{"text":"فأصدق الناس مَن صَحَّ إخلاصه وتوكله» (^١).\nإنه السر العجيب وإكسير الأعمال الذي يُحوِّل نحاس الأعمال ذهبًا (^٢)، يجدها المرء أوفر ما يكون حظًا يوم تُبْلَى السَّرَائِرُ، ويحصّل مَا فِي الصُّدُورِ، ولا ينجو ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٩]، و﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق:٣٣].\n_________\n(^١) الفوائد ص (١٨٦، ١٨٧).\n(^٢) ينظر: زاد المعاد (٣/ ٣٧٦).","vol":"1","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>المطلب التاسع:\nإياك والتكلف</span>\nالتكلف هو: المغالاة ومجاوزة الحد في القول والفعل، والتكلف مذموم في كل الأمور لا سيما في أمور الشرع، يقول تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص:٨٦]. وقد فسر العلماء التكلف بالتصنع، وعن عمر - ﵁ - قال: «نُهِينَا عَن التَّكَلُّفِ» (^١).\nوأئمة المساجد أولى الناس بترك التكلف، وعدم الخروج عن المشروع.\nومن التكلف المذموم: ترك جوامع الدعاء الوارد عن النبي - ﷺ - وما أكثَرَه - وتَقَصُّد غرائب الأدعية المسجوعة والمُتكَلَّفة، ويقصد بها أحيانًا إبكاء المصلين.\nومن ذلك ما يقع فيه بعض الأئمة من عبارات تُعد اعتداء في الدعاء، كقول بعضهم: (يا من لا تراه العيون، ولا يصفه الواصفون)،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦/ ٢٦٥٩) رقم (٦٨٦٣).","vol":"1","page":105},{"text":"وإن كان هذا اللفظ قد ورد عند الطبراني في الأوسط (^١)، إلا أن إسناده ضعيف، وهو مخالف لما أجمعت عليه الأمة من وصف الله - ﷿ - بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله - ﷺ -.\nوقوله: (يا من لا تراه العيون) هذا إطلاق يحتاج تقييد، فإن الله لا يُرَى في الدنيا، ولكن الرؤية في الآخرة للمؤمنين ثابتة بالكتاب، والسنة المتواترة.\nوكذلك المبالغة في الوصف حين الدعاء، كوصف حال الموت، واليوم الآخر؛ لتحريك قلوب الناس.\nفينبغي الاقتصار على الدعاء الجامع المأثور من أدعية القرآن والسنة، أو ما في معناها، مع اجتناب السجع المتكلف، فقد كان السلف ينهون عنه.\nومن التكلف: إطالة القنوت إطالة مملة، ورفع الصوت في الدعاء، حتى يصل أحيانًا إلى حد الصياح والصراخ، وقد قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥] فسمَّى الله ﷾ رفع الصوت في الدعاء اعتداء، ويقول سبحانه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:١١٠].\n_________\n(^١) المعجم الأوسط (٩/ ١٧٢) رقم (٩٤٤٨).","vol":"1","page":106},{"text":"وفي الحديث الذي رواه أبو موسى مرفوعًا: «ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلا غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا» (^١)، والإفراط في رفع الصوت بالدعاء، بالإضافة إلى مخالفته للسنة، هو مجلبةٌ للرياء، وينافي لب الصلاة من الانكسار لله والذل بين يديه.\nومن التكلف أيضًا: المبالغة في رفع الصوت بالبكاء (^٢)، وتكلف ذلك أحيانًا، والمشروع للإمام إذا تأثر بالقرآن أو بالدعاء أن يدافع البكاء، فلم يكن من هدي النبي - ﷺ - أن يبكي في الصلاة بصوت عالٍ ليبكي من خلفه، كما قد يكون من بعضهم، فيستدعون ببكائهم بكاء غيرهم، ناهيك أن بعضهم يبكون بنحيب وعويل، بل كان - ﷺ - يكتم بكاءه في صدره حتى يصبح له أزيز كأزيز المرجل (^٣)؛ أي: كغلي القدر.\nقال ابن القيم - ﵀ - عن هديه - ﷺ - في البكاء: «وأما بكاؤه - ﷺ - فكان من جنس ضحكه، لم يكن بشهيق ورفع صوت» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣/ ١٠٩١) رقم (٢٨٣٠)، ومسلم (٤/ ٢٠٧٦) رقم (٢٧٠٤).\n(^٢) والفرق بين هذه الصورة وسابقتها أن تلك في رفع الصوت بالدعاء، وهذه في رفع الصوت بالبكاء.\n(^٣) أخرجه أبو داود (١/ ٣٠٠) رقم (٩٠٤)، والنسائي (٣/ ١٣) رقم (١٢١٤)، واللفظ له، وفي رواية أبي داود: «كَأَزِيزِ الرَّحَى»، وإسناده صحيح.\n(^٤) زاد المعاد (١/ ١٧٥).","vol":"1","page":107},{"text":"ومن التكلف أيضًا: المبالغة في الترتيل مبالغة تخرج عن الحد الطبيعي، والأَوْلَى أن يكون الترتيل على السَّجِيَّة التي فطر الله الإنسان عليها، وأن يُحَسِّن القارئ صوته بالقرآن، ويتغنى به من غير مبالغة وتكلف، بل على الطبيعة؛ لأن هذا أقرب لاستمتاع أذن السامع بكلام الله، وأبعد عن الإملال للغير، والإجهاد للنفس؛ لأن المتكلف يكون ثقيلًا على نفسه، مملًّا لغيره، وكلما كان الإمام بعيدًا عن التكلف كان أقرب إلى الإخلاص وأبعد عن الرياء والسمعة.","vol":"1","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>المطلب العاشر:\nالداء الدفين</span>\nإنَّ من أشدِّ الآفات فتكًا في القلوب وإفسادًا للأعمال، آفة خفية تسري في النفوس فتؤثر في مسارها، وتفسد سيرها، إنها آفة التعالي والعجب.\nوما أجملَ قولَ ضيغم بن مالك عندما قال: «احذر نفسك على نفسك» (^١)، وكلما أرادت نفسك التعالي فذكرها بقول ربك سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة:٢٣٥].\nونظر مطرِّف بن الشِّخِّير إلى المهلَّب بن أبي صُفْرة وعليه حلة يسحبها ويمشي الخيلاء، فقال: يا أبا عبد الله، ما هذه المشية التي يبغضها الله ورسوله؟ فقال المهلب: أما تعرفني؟ قال: بلى أعرفك، أَوَّلُكَ نطفة مَذِرَة، وآخرك جيفة قَذِرَة، وحشوك فيما بين ذلك بول وعَذِرَة» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في محاسبة النفس ص (١٠٨).\n(^٢) ينظر: إحياء علوم الدين (٣/ ٣٤٠)، وصفة الصفوة (٣/ ٢٧٧).","vol":"1","page":109},{"text":"ونظم بعضهم ذلك فقال:\nعَجِبْتُ مِنْ مُعْجَبٍ بِصُورَتِه ... وَكَانَ بِالْأَمْسِ نُطْفَةً مَذِرَهْ\nوَفِي غَدٍ بَعْدَ حُسْنِ صُورَتِه ... يَصِيرُ فِي اللَّحْدِ جِيفَةً قَذِرَهْ\nوَهْوَ عَلَى تِيهِهِ وَنَخْوَتِه ... مَا بَيْنَ ثَوْبَيْهِ يَحْمِلُ الْعَذِرَهْ\nوإذا كان الله قد حباك أيها الإمام نعمة الصوت الحسن، فاشكر الله عليها بالتواضع، وكثرة حمده، وشكره، والثناء عليه، فهو من حباك الصوت الحسن، ويسر لك حفظ القرآن، وهو قادر على أن يسلبك هذه النعمة في طرفة عين.\nو«من امتُحِن بالعُجْب فليفكر في عيوبه، فإن أعجب بفضائله فليفتش ما فيه من الأخلاق الدنيئة، فإن خفيت عليه عيوبه جملة حتى يظن أنه لا عيب فيه فليعلم أن مصيبته إلى الأبد، وأنه أتم الناس نقصًا، وأعظمهم عيوبًا، وأضعفهم تمييزًا، وأول ذلك أنه ضعيف العقل جاهل، ولا عيب أشد من هذين؛ لأن العاقل هو من مَيَّز عيوب نفسه فغالَبَها وسعى في قَمْعها، والأحمق هو الذي يجهل عيوب نفسه، إما لقلة علمه وتمييزه وضعف فكرته، وإما لأنه يقدِّر أن عيوبه خصال،","vol":"1","page":110},{"text":"وهذا أشد عيب في الأرض» (^١)، فعليك باستحضار عيوبك.\nقال ابن حزم - ﵀ -: «فمن خفيت عليه عيوب نفسه فقد سقط وصار من السخف والضَّعة والرذالة والخِسَّة وضعف التمييز والعقل وقلة الفهم بحيث لا يَتخلف عنه متخلفٌ من الأرذال وبحيث ليس تحته منزلةٌ من الدناءة، فليتدارك نفسه بالبحث عن عيوبه والاشتغال بذلك عن الإعجاب بها» (^٢).\n«وإن أعجبت بعملك فتفكر في معاصيك وفي تقصيرك وفي معاشك ووجوهه، فوالله لتجدن من ذلك ما يغلب على خيرك، ويُعفِّي على حسناتك، فليطل همك حينئذ، وأبدل من العجب تنقصًا لنفسك» (^٣).\nوقد كان سلف الأمة أكثر الناس إزراءً بأنفسهم واتهامًا لها:\nقال محمد بن واسع - ﵀ -: «لو كان يوجد للذنوب ريح ما قدرتم أن تدنوا مني؛ من نَتَنِ ريحي» (^٤).\n_________\n(^١) الأخلاق والسير ص (٦٦).\n(^٢) المرجع السابق ص (٦٦).\n(^٣) المرجع السابق ص (٦٨).\n(^٤) أخرجه الدينوري في المجالسة وجواهر العلم (١/ ٤٧٥) رقم (١٥٧)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٢/ ٣٤٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ١٥٨)، واللفظ لأبي نعيم.","vol":"1","page":111},{"text":"وقال خلف بن تميم - ﵀ -: «رأيت الثوري في مكة وقد كَثَّرُوا عليه، فقال: إنا لله، أخاف أن تكون قد ضُيِّعَت الأمة؛ حيث احتاج الناس إلى مثلي!» (^١).\nقال رجل «لابن عمر: يا خير الناس ويا ابن خير الناس فقال ابن عمر: ما أنا بخير الناس، ولا ابن خير الناس، ولكني عبدٌ من عباد الله، أرجو الله تعالى وأخافه، والله لن تزالوا بالرجل حتى تهلكوه» (^٢).\nوقيل مرةً «لعمر بن عبد العزيز: جزاك الله عن الإسلام خيرًا، قال: بل جزى الله الإسلام عني خيرًا!» (^٣).\nوقال أبو جعفر محمد بن زهير: «أتيت أبا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - في شيء أسأله عنه، فأتاه رجل، فسأله عن شيء أو كلمه في شيء، فقال: له جزاك الله عن الإسلام خيرًا، فغضب أبو عبد الله وقال له: من أنا حتى يجزيني الله عن الإسلام خيرًا؟! بل جزى الله الإسلام عني خيرًا» (^٤).\n_________\n(^١) تاريخ الإسلام (٤/ ٣٨٧)، وسير أعلام النبلاء (٧/ ٢٧٥).\n(^٢) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (١/ ٣٠٧)، والبيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى ص (٣٣٤) رقم (٥٤١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣١/ ١٥٦).\n(^٣) أخرجه أحمد بن حنبل في الزهد ص (٢٤١) رقم (١٧١٦)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٥/ ٣٣١).\n(^٤) طبقات الحنابلة (١/ ٢٩٨)، ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص (٣٦٨).","vol":"1","page":112},{"text":"و«جاء قوم إلى أبي معاوية الأسود فقالوا: ادع الله لنا، فقال: اللهم ارحمني بهم، ولا تحرمهم بي» (^١).\nوقال أبو الوازع: «سمعت ابن عمر، وقال له رجل: لا نزال بخير ما أبقاك لنا الله، قال: ثكلتك أمك، وما يدريك ما يغلق عليه ابن أمك بابه؟!» (^٢).\nوقال رجلٌ لميمون بن مهران: يا أبا أيوب، ما يزال الناس بخيرٍ ما أبقاك الله لهم. فقال له ميمون: «أقبل على شأنك أيها الرجل؛ فما يزال الناس بخيرٍ ما اتقوا ربهم» (^٣).\nوقال أحمد بن حنبل: «كان سفيان الثوري إذا قيل له إنه رُئِيَ في المنام، قال: أنا أعرف بنفسي من أصحاب المنامات» (^٤).\nقال المَرُّوذِي: «أدخلت نصرانيًّا على أبي عبد الله يعالجه، فقال: يا أبا عبد الله، إني أشتهي أن أراك منذ سنين، وليس بقاؤك صلاح أهل\n_________\n(^١) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٧/ ٢٤٤).\n(^٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٤/ ١٦١)، وابن المبارك في الزهد (٢/ ١٤) وابن أبي الدنيا في محاسبة النفس ص (٨٣) رقم (٤٠)، والبيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى ص (٣٣٤) رقم (٥٤٢)\n(^٣) أخرجه محمد بن سعيد القشيري في تاريخ الرقة ص (٤٨) رقم (٣٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦١/ ٣٦٠).\n(^٤) تاريخ الإسلام (٤/ ٣٨٧)، وسير أعلام النبلاء (٦/ ٦٣٥).","vol":"1","page":113},{"text":"الإسلام وحدهم، بل هو للخلق جميعًا، وليس من أصحابنا أحد إلا وقد رضي بك.\nقال المروذي: فقلت لأبي عبد الله: إني لأرجو أن يكون يدعى لك في جميع الأمصار، فقال: يا أبا بكر، إذا عَرَفَ الرجل نفسه فما ينفعه كلام الناس!» (^١).\nغفر الله لهؤلاء القدوات، ورزقنا قلوبًا سليمة، ووقانا شر العجب والغرور والتعالي.\n_________\n(^١) مناقب الإمام أحمد ص (٢٠٣)، وتاريخ الإسلام (٥/ ١٠٢٠)، وسير أعلام النبلاء (١١/ ٢١١).","vol":"1","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>المطلب الحادي عشر:\nتَصَنُّع الخشوع</span>\nيشرع لقارئ القرآن تطلب الخشوع وجلبه، وقد وصف الله أهل العلم بذلك فقال: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء:١٠٧ - ١٠٩].\nإلا أن ذلك مما ينبغي إسراره وكتمه إذا كان ذلك في القراءة الجهرية، إلا أن يُغْلَب المرء على ذلك فهو معذور لأنه ليس بمَلْكِه.\nقال شيخنا ابن عثيمين - ﵀ - عندما سئل عمن يبكي من الأئمة بكاءً شديدًا -: «أما الشيء الذي يأتي بغير تكلف، ويكون بكاء برفق لا بِشُهاقٍ كبير، فهذا لا بأس به ... وأما المتكلف فأخشى أن يكون هذا البكاء من الرياء الذي يُعَاقَب عليه فاعله ولا يثاب عليه» (^١).\nوقد ضرب السلف أروع الأمثلة في إخفاء العَبَرات:\n_________\n(^١) اللقاء الشهري رقم (٥).","vol":"1","page":115},{"text":"- قال الحسن البصري - ﵀ -: «إن كان الرجل ليجلس المجلس، فتجيئه عَبْرَتُه فيردها، فإذا خشي أن تسبقه قام» (^١).\n- وقال أيضًا: «إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به جاره، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزَّوْرُ -الضيوف - وما يشعرون به» (^٢).\n- و«كان أبو وائل - شقيق بن سلمة - إذا صلى في بيته يَنْشَجُ نشيجًا، ولو جعلت له الدنيا على أن يفعله وأحدٌ يراه ما فعله» (^٣).\n- وقال محمد بن واسع - ﵀ -: «إن كان الرجل ليبكي عشرين سنة، ومعه امرأته لا تعلم به» (^٤).\n- وكانت لهم مواقف عجيبة في التخفي حين غلبة البكاء، فهذا أيوب السَّخْتياني غلبه البكاء مرة، فقال: «الشيخ إذا كبر مَجَّ وغلبه فُوهُ، فوضع يده على فيه، وقال: الزَّكْمَة ربما عَرَضَت» (^٥).\nرحم الله أولئك الرجال.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد في الزهد ص (٤٥٠).\n(^٢) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٥/ ٥١٤).\n(^٣) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٤/ ١٠١).\n(^٤) الحلية (٢/ ٣٤٧).\n(^٥) أخرجه أحمد في الزهد ص (٢١٣)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٦).","vol":"1","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>المطلب الثاني عشر:\nفتنة الدَّهْمَاء</span>\nيسيء الدَّهْمَاء كثيرًا إلى متبوعيهم، من أهل العلم والقراء والقدوات، حينما يفسدون قلوبهم بكيل ألفاظ المدائح والثناء، ولربما تبع ذلك إعجابٌ وتعلق مقيت بصاحب الصوت الندي، وهنا يكون الأمر كما قال بعض السلف: «فتنة للمتبوع ومَذَلَّة للتابع» (^١).\nومن النقص، وضعف العقل، إخلاد المرء إلى مدائح الناس.\n«وليس في الرذائل أشبه بالفضائل من محبة المدح» (^٢).\nومتى ما «أُعْجِبْت بمدح إخوانك لك، ففكر في ذم أعدائك إياك ... فإن استحقرت عيوبك، ففكر فيها لو ظهرت على الناس، وتمثلِ اطلاعَهم عليها، فحينئذ تخجل وتعرف قدر نقصك إن كانت لك\n_________\n(^١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٢/ ١٣)، والدارمي في سننه (١/ ٤٤٨) رقم (٥٤٠)، وابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ٣٠٢) رقم (٢٦٣١٥) من قول عمر - ﵁ -.\n(^٢) الأخلاق والسير ص (٧٠).","vol":"1","page":117},{"text":"مُسْكَة من تمييز» (^١).\nوالمنهج الشرعي في هذا الباب: سد باب المدح والتمادح؛ لما في ذلك من فتنة للمدوح.\nروى الإمام البخاري في صحيحه (باب ما يكره من التمادح)، من طريق شعبة عن خالد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه: «أَنَّ رَجُلًا ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَجُلٌ خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ - يَقُولُهُ مِرَارًا -: إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحًا لَا مَحَالَةَ، فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ كَذَا وَكَذَا، إِنْ كَانَ يُرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَحَسِيبُهُ اللهُ، وَلَا يُزَكِّي عَلَى الله أَحَدًا» (^٢).\nوروى الإمام مسلم في صحيحه (باب النهي عن المدح إذا كان فيه) من طريق شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث: «أَنَّ رَجُلًا جَعَلَ يَمْدَحُ عُثْمَانَ، فَعَمَدَ الْمِقْدَادُ فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ - وَكَانَ رَجُلًا ضَخْمًا - فَجَعَلَ يَحْثُو فِي وَجْهِهِ الحَصْبَاءَ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: إِذَا رَأَيْتُمُ المدَّاحِينَ فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ» (^٣).\n_________\n(^١) الأخلاق والسير ص (٧٠).\n(^٢) صحيح البخاري (٥/ ٢٢٥٢) رقم (٥٧١٤).\n(^٣) صحيح مسلم (٤/ ٢٢٩٧) رقم (٣٠٠٢).","vol":"1","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>المطلب الثالث عشر:\nالاعتداء في الدعاء</span>\nالاعتداء في الدعاء له صور كثيرة فصَّل فيها أهل العلم، وإليك ثلاثًا منها:\nالصورة الأولى: السجع المُتكلَّف والمبالغة في ذلك، فإن هذا من الممنوع شرعًا، قال ابن عباس في وصيته لمولاه عكرمة: «فَانْظُر السَّجْعَ مِن الدُّعَاءِ فَاجْتَنِبْهُ، فَإِنِّي عَهِدْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - وَأَصْحَابَهُ لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا ذَلِكَ» (^١)، أي: الاجتناب.\nالصورة الثانية: رفع الصوت بالدعاء رفعًا زائدًا عن الحاجة؛ لأن المشروع رفعه بمقدار ما يسمع من خلفه، فإذا زاد عن ذلك فهو من الاعتداء، قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥].\nوقد استنبط شيخ الإسلام وغيره من هذه الآية، أن رفع الصوت بالدعاء من الاعتداء (^٢)؛ لأن الله أمر بإخفائه وخفضه ثم قال: ﴿إِنَّهُ لَا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥/ ٢٣٣٤) رقم (٦٣٣٧).\n(^٢) ينظر: مجموع الفتاوى (١٥/ ١٥).","vol":"1","page":119},{"text":"يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ فكأن من لم يخفض صوته بذلك يُعد معتديًا.\nوقد جاء في الصحيحين من حديث أبي موسى - ﵁ - مرفوعًا: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّهُ مَعَكُمْ، إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ» (^١).\nالصورة الثالثة: تكثير الكلام الذي لا حاجة إليه في الدعاء، وذكر بعض الأوصاف التي تخرج الدعاء إلى الوعظ، كأن يسأل الداعي ربه الجنة ويصفها، فيقول: اللهم أسألك الجنة وقصورها وحورها وأنهارها، أو يستعيذ من النار ويصفها، فيقول: اللهم إني أعوذ بك من النار وسلاسلها وزقومها وحَيَّاتها وسعيرها.\nوجاء عن سعد بن أبي وقاص أنه سمع ابنه يقول: «اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الجنَّةَ وَنَعِيمَهَا وَبَهْجَتَهَا وَكَذَا وَكَذَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَسَلَاسِلِهَا وَأَغْلَالِهَا وَكَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: «سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ، فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ، إِنْ أُعْطِيتَ الجنَّةَ أُعْطِيتَهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الخيْرِ، وَإِنْ أُعِذْتَ مِنَ النَّارِ أُعِذْتَ مِنْهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الشَّرِّ» (^٢).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٤/ ٥٧) رقم (٢٩٩٢)، وصحيح مسلم (٤/ ٢٠٧٦) رقم (٢٧٠٤).\n(^٢) سنن أبي داود (١/ ٤٦٦) رقم (١٤٨٠)، والحديث حسنه ابن حجر في الأمالي المطلقة ص (١٨)، وفي سند الحديث اختلاف، وابن سعد في السند مبهم، قال المنذري: =","vol":"1","page":120},{"text":"وللاعتداء في الدعاء صور عديدة أكثر مما ذكرت مبثوثة في مظانها، وهو باب مهم ينبغي للإمام معرفته، ولا يسعه جهله.\n_________\n= «سعد هذا هو ابن أبي وقاص، وابنه هذا لم يسم، فإن كان عمر، فلا يحتج به». مختصر سنن أبي داود (٢/ ١٤٢).","vol":"1","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>المبحث الخامس:\nأخطاء مشهورة، وسنن مهجورة في التراويح</span>\nوفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: أخطاء مشهورة في صلاة التراويح.\nالمطلب الثاني: سنن مهجورة في صلاة التراويح.","vol":"1","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>المطلب الأول:\nأخطاء مشهورة في صلاة التراويح</span>\nالأخطاء المشهورة في صلاة التراويح كثيرة منها:\n- تقصير القراءة أو السرعة فيها على وجه الإخلال؛ لأجل تكثير سواد الحضور. وقد حدثني أحد طلاب العلم أنه عتب على إمام يخل بالقراءة والصلاة ويقصرهما تقصيرًا شديدًا، فسأله عن سبب ذلك قال: (هذه رغبة الجماهير)!\n- التأثر بالأدعية دون كتاب الله الذي جعل الله فيه أعظم الزواجر وأبلغ العظات.\n- الحرص على الختمة مع إهمال التدبر.\n- التكلف في السجع في الدعاء، وقد سبق بيان ذلك.\n- التكلف في الأدعية وترك أدعية القرآن والسنة التي هي أجمع الأدعية وأفضلها، وقد سبق بيانه أيضًا.\n- عدم تحقيق الطمأنينة في الصلاة، والعجلة في الركوع والسجود، والطمأنينة في الصلاة ركن من أركان الصلاة، لا تصح إلا بها.","vol":"1","page":123},{"text":"- إطالة القنوت إطالة زائدة تخالف السنة.\n- رفع البصر إلى السماء عند الدعاء، وقد نهى النبي - ﷺ - عن ذلك كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ رَفْعِهِمْ أَبْصَارَهُمْ عِنْدَ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ إِلَى السَّمَاءِ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ» (^١).\n- مسح الوجه بعد الدعاء في الصلاة، ولم يثبت فيه شيء لا عن النبي - ﷺ - ولا عن الصحابة - ﵃ -، قال أبو داود: «سمعت أحمد سُئل عن الرجل يمسح وجهه بيديه إذا فرغ، قال: لم أسمع به، وقال مرة: لم أسمع فيه بشيء، ورأيت أحمد لا يفعله» (^٢).\nوسئل مالك عن الرجل يمسح بكفيه وجهه عند الدعاء، فأنكر ذلك، وقال: «ما علمت» (^٣).\nوقال البيهقي في السنن الكبرى: «فأما مسح اليدين بالوجه عند الفراغ من الدعاء، فلست أحفظه عن أحد من السلف في دعاء القنوت» (^٤).\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١/ ٣٢١) رقم (٤٢٩).\n(^٢) مسائل الإمام أحمد ص (١٠٢).\n(^٣) ينظر: مختصر قيام الليل للمروزي ص (٣٢٧)، البيان والتحصيل (١٨/ ٤٩).\n(^٤) السنن الكبرى (٢/ ٣٠١).","vol":"1","page":124},{"text":"وقال في كتاب آخر: «فأما مسح اليدين بالوجه بعد الفراغ من دعاء القنوت، فإنه من المحدثات» (^١).\n- الاعتداء في الدعاء، وقد سبق بيان ذلك وذكر صوره.\n_________\n(^١) السنن الصغير (١/ ١٧٠).","vol":"1","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>المطلب الثاني:\nسنن مهجورة في صلاة التراويح</span>\nهناك سنن مهجورة في صلاة التراويح، من أهمها:\n- السؤال عند آية السؤال والاستعاذة عند آية الوعيد، لحديث حذيفة عند مسلم: «أنَّه - ﷺ - إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ» (^١).\n- افتتاح الدعاء بحمد الله والصلاة على النبي - ﷺ -، لما رواه أبو داود، والترمذي، عن فضالة بن عبيد، قال: «سَمِعَ النَّبِيُّ - ﷺ - رَجُلا يَدْعُو فِي صَلاتِهِ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: عَجِلَ هَذَا، ثُمَّ دَعَاهُ، فَقَالَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ الله وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ لْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، ثُمَّ لْيَدْعُ بَعْدُ بِمَا شَاءَ» (^٢).\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١/ ٥٣٦) رقم (٧٧٢).\n(^٢) سنن أبي داود (٢/ ٧٧) رقم (١٤٨١)، جامع الترمذي (٥/ ٥١٧) رقم (٣٤٧٧)، وقال الترمذي: «حسن صحيح».","vol":"1","page":126},{"text":"- الترويحة بين كل تسليمتين:\nمن هدي الصحابة - ﵃ - في التراويح جعل ترويحة قصيرة بعد كل أربع ركعات من صلاة التراويح، وما سميت التراويح بذلك إلا لأن السلف كانوا يأخذون ترويحة بين كل أربع ركعات، وهو أمر مشهور عن السلف الصالح، وتلقوه جيلًا عن جيل؛ لأن ذلك مما يعين على إقامة صلاة التراويح بنشاط وعزيمة.\n- قول (سبحان الملك القدوس) عقب الوتر:\nمن السُّنة أن الإمام إذا سلم من الوتر أن يقول سبحان الملك القدوس ثلاث مرات، يرفع بها صوته.\nروى عبد الرحمن بن أبزى، عن النبي - ﷺ -: «أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْوِتْرِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَقُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ، فَإِذَا سَلَّمَ قَالَ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ، سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ، سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ، وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ» (^١).\n- دعاء الله إني أعوذ برضاك من سخطك:\nينبغي للإمام أن يقول ذلك في آخر وتره؛ لما رواه علي بن أبي طالب - ﵁ -: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَقُولُ فِي آخِرِ وِتْرِهِ: اللهُمَّ\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (٣/ ٢٤٤) رقم (١٧٣٢)، وأحمد (٢٤/ ٧٢) رقم (١٥٣٥٤)، وغيرهما، وإسناده صحيح.","vol":"1","page":127},{"text":"إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَأَعُوذُ بِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٢٦٦) رقم (٩٥٧)، وإسناده قوي.","vol":"1","page":128},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>نهاية المطاف</span>\nالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:\nفهذه خاتمة تضم خلاصة معتصرة للبحث ونتائجه، يمكن إجمالها فيما يلي:\n- أنَّ أصل معنى التراويح في اللغة: السعة والفسحة، وفي الاصطلاح: صلاة القيام جماعة في ليالي رمضان بعد صلاة العشاء.\n- سُمِّيت صلاة التراويح بهذا الاسم؛ لأن المصلين يستريحون في الصلاة بين كل تسليمتين.\n- أنَّ صلاة التراويح مشروعة بالسُّنة والإجماع.\n- أنَّ صلاة التراويح من جملة قيام الليل، فتشملها النصوص الواردة في بيان فضل القيام.\n- أن الأصح عن عمر - ﵁ - أنه جمع الناس على أبيٍّ وتميم م بإحدى عشرة ركعة، ولا يعني هذا عدمَ جوازِ الزيادة على ذلك.\n- أنَّ القيام لا يُحدُّ بعدد الركعات، وإنما يُحدُّ بالزمن كما قال شيخ الإسلام - ﵀ -، واختار ذلك الشيخ ابن جبرين - ﵀ -.","vol":"1","page":129},{"text":"- أنَّ أكمل القيام ما وافق فيه المصلي السُّنَّة كميةً وكيفيةً.\n- أنَّه لم يثبت عن النبي - ﷺ -، ولا عن أحد من السلف الصالح، تخصيص ما بين تسليمات التراويح بذكر معيَّن.\n- أنَّ قراءة الإمام من المصحف عند الحاجة، لا بأس بها، وقراءته من حفظه أفضل وأكمل.\n- أنَّه يكره للمأموم أن يتابع الإمام من المصحف إلا إذا كلَّفه الإمام بذلك من أجل تصحيح قراءته إذا أخطأ.\n- أنَّ تكرار الإمام للآيات في صلاة التراويح جماعة، لم يدل عليه دليل، وما ورد عن بعض السلف في ذلك محمول على غير صلاة الجماعة.\n- أن البكاء والتباكيَ في الصلاة مما ينبغي إخفاؤه لا إفشاؤه، وما ورد عن بعض السلف في ذلك إنما كان في صلاة المرء وحده.\n- أنَّه ينبغي ترك التعنيف على من ختم في شفع، وإن جعلها في وتر كان أسلم خروجًا من النزاع.\n- الأفضل عدم المداومة على القنوت، وفعله أحيانًا، وتركه أحيانًا.\n- أنَّ تطويل الدعاء في القنوت خلاف المشروع، وفيه مشقة على المصلين.\n- الأولى أن يكون القنوت بعد الركوع، ويتأكد عند خوف مفسده بفعله قبل الركوع.","vol":"1","page":130},{"text":"- يجوز للداعي أن يدعو بما يشاء؛ شريطةَ أن لا يتضمنَ الدعاءُ مخالفةً شرعيةً.\n- الأفضل إقامة صلاة التراويح جماعة في المسجد، وهو قول جمهور أهل العلم.\n- يجوز للمرأة الذهاب إلى المسجد لصلاة التراويح، بشرط الإذن من وليها، وعدم التبرج والتطيُّب.\n- الأفضل أن يوتر المأموم مع إمامه في صلاة التراويح، حتى يُحسَب له قيام ليلة كما في الحديث الصحيح.\n- لا كراهة في الاستزادة من صلاة القيام آخر الليل لمن لم يوتر أول الليل.\n- قول البعض عند القيام لصلاة التراويح: (صلاة القيام أثابكم الله) غير مشروع.\n- إمامة الصلاة رسالة عظيمة، وليست وظيفة دنيوية.\n- من أعظم أسباب التوفيق للإمام الإخلاص لله تعالى، والتجرد التام له سبحانه.\n- من مكايد الشيطان: ثناء الإمام على نفسه ومدحها، أو سب النفس ومقتها لإظهار التواضع.\n- إمامة الناس وتحسين الصوت بالقرآن والدعاء مظنة إغواء","vol":"1","page":131},{"text":"الشيطان للإنسان بالرياء إلا من عصمه الله، فعلى الإمام مجاهدة نفسه ومدافعة هواه.\n- ليكن لك خبيئة عمل فإن ذلك من أعظم ما يعينك على الإخلاص.\n- للقرآن لذة لا تضاهيها غيرها لمن عاش مع كلام الله بقلبه وروحه.\n- إكسير الأعمال ومدار صلاح القلوب الصدق مع الله توكلًا وإخلاصًا وقصدًا.\n- أئمة المساجد أولى الناس بترك التكلف؛ لأنهم قدوة في المجتمع.\n- من أشدِّ الآفات فتكًا في قلوب القراء، التعالي والعجب، وهذا يستوجب الحذر والمجاهدة.\n- من النقص، وضعف العقل؛ إخلاد المرء إلى مدائح الناس.\n- الحذر من تصنع الخشوع والحرص على كتمه وإسراره إلا ما يغلب المرء وليس بملكه.\n- من صور الاعتداء في الدعاء: السجع المتكلف، والمبالغة في رفع الصوت بالدعاء، وتكثير الكلام الذي لا حاجة إليه في الدعاء.\n- من الأخطاء المشهورة التي يقع فيها بعض أئمة التراويح: الإخلال بالقراءة والصلاة، والتكلف في الدعاء، وإطالة القنوت.\n- من السنن المهجورة في صلاة التراويح: السؤال عند آية السؤال والاستعاذة عند آية الوعيد، وافتتاح الدعاء بحمد الله والصلاة","vol":"1","page":132},{"text":"على النبي - ﷺ -، والترويحة بين كل تسليمتين، وقول (سبحان الملك القدوس) عقب الوتر، ودعاء: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك في آخر القنوت.\n- ينبغي للإمام في دعاء الوتر أن يحرص على أدعية القرآن والسنة، فهي أفضل من غيرها؛ لأنها جامعة مباركة، فلا يُفَوِّت على نفسه ومأموميه هذا الفضل.\nأسأل الله سبحانه أن يصلح قلوبنا وأعمالنا ويجعلنا هداةً مهتدين وأن يوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.\nوصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>فهرس المصادر والمراجع</span>\n١) القرآن الكريم.\n٢) أثر العلماء في تحقيق رسالة المسجد: للدكتور ناصر بن عبد الكريم العقل، نشر: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف -السعودية، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\n٣) إحياء علوم الدين: لأبي حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (ت:٥٠٥ هـ)، نشر: دار المعرفة - بيروت.\n٤) الأخلاق والسير في مداواة النفوس: لأبي محمد علي بن أحمد ابن سعيد بن حزم الظاهري (ت:٤٥٦ هـ)، نشر: دار الآفاق الجديدة - بيروت، الطبعة الثانية، ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م.\n٥) الأذكار: لأبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت:٦٧٦ هـ)، تحقيق: عبد القادر الأرنؤوط، نشر: دار الفكر، بيروت - لبنان، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م.\n٦) الاستذكار: لأبي عمر يوسف بن عبد الله ابن عبد البر ابن عاصم النمري (ت:٤٦٣ هـ)، تحقيق: سالم محمد عطا، محمد","vol":"1","page":134},{"text":"علي معوض، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م.\n٧) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام: لسراج الدين أبي حفص عمر ابن علي المعروف بابن الملقن (ت:٨٠٤ هـ)، تحقيق: عبد العزيز المشيقح، نشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م.\n٨) الاقتراح في بيان الاصطلاح: لتقي الدين أبي الفتح محمد بن علي بن وهب، المعروف بابن دقيق العيد (ت:٧٠٢ هـ)، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت.\n٩) الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل: لأبي النجا موسى بن أحمد بن موسى بن سالم بن عيسى بن سالم الحجاوي (ت:٩٦٨ هـ)، تحقيق: عبد اللطيف محمد موسى السبكي، نشر: دار المعرفة بيروت - لبنان.\n١٠) الأمالي المطلقة: لأبي الفضل أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني (ت:٨٥٢ هـ)، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي، نشر: المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م.","vol":"1","page":135},{"text":"١١) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف: لعلاء الدين أبي الحسن علي بن سليمان المرداوي (ت:٨٨٥ هـ)، نشر: دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثانية - بدون تاريخ.\n١٢) الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف: لأبي بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر (ت:٣١٨ هـ)، تحقيق: أبي حماد صغير أحمد بن محمد حنيف، نشر: دار طيبة، الرياض - السعودية، الطبعة الأولى - ١٤٠٥ هـ، ١٩٨٥ م.\n١٣) بداية المجتهد ونهاية المقتصد: لأبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد الشهير بابن رشد الحفيد (ت:٥٩٥ هـ)، نشر: دار الحديث - القاهرة، الطبعة: بلا طبعة، ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م.\n١٤) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع: لعلاء الدين، أبي بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني (ت:٥٨٧ هـ)، نشر: دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م.\n١٥) البدر المنير: لسراج الدين أبي حفص عمر ابن علي المعروف بابن الملقن (ت:٨٠٤ هـ)، تحقيق: مصطفى أبي الغيط وآخرين، نشر: دار الهجرة، الرياض - السعودية، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م.","vol":"1","page":136},{"text":"١٦) بيان الوهم والإيهام: لعلي بن محمد بن عبد الملك، أبي الحسن ابن القطان الفاسي (ت:٦٢٨ هـ)، تحقيق: د. الحسين آيت سعيد، نشر: دار طيبة - الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.\n١٧) البيان والتحصيل: لأبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (ت:٥٢٠ هـ)، حققه: د محمد حجي وآخرون، نشر: دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية، ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م.\n١٨) تاريخ ابن معين (رواية الدارمي): لأبي زكريا يحيى بن معين ابن عون البغدادي (ت:٢٣٣ هـ)، تحقيق: د. أحمد محمد نور سيف، نشر: دار المأمون للتراث - دمشق.\n١٩) الترغيب والترهيب: لعبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله المنذري (ت:٦٥٦ هـ)، تحقيق: إبراهيم شمس الدين، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\n٢٠) تفسير القرآن العظيم: لأبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير (ت:٧٧٤ هـ)، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، نشر: دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م.\n٢١) التفسير القرآني للقرآن: لعبد الكريم يونس الخطيب، (ت:١٣٩٠ هـ)، نشر: دار الفكر العربي - القاهرة، بلا طبعة.","vol":"1","page":137},{"text":"٢٢) تقريب التهذيب: لأبي الفضل أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني (ت:٨٥٢ هـ)، تحقيق: محمد عوامة، نشر: دار الرشيد - سوريا، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م.\n٢٣) التلخيص الحبير: لأبي الفضل أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني (ت:٨٥٢ هـ)، نشر: دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ - ١٩٨٩ م.\n٢٤) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد: لأبي عمر يوسف ابن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري (ت:٤٦٣ هـ)، تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي وآخرين، نشر: وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية - المغرب، ١٣٨٧ هـ.\n٢٥) التوضيح في شرح المختصر الفرعي لابن الحاجب: لخليل ابن إسحاق بن موسى، الجندي المالكي (ت:٧٧٦ هـ)، تحقيق: د. أحمد بن عبد الكريم نجيب، نشر: مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث، الطبعة الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م.\n٢٦) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: لعبد الرحمن بن ناصر السعدي (ت:١٣٧٦ هـ)، تحقيق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، نشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م.","vol":"1","page":138},{"text":"٢٧) الثمر الداني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني: لصالح بن عبد السميع الآبي الأزهري (ت:١٣٣٥ هـ)، نشر: المكتبة الثقافية - بيروت.\n٢٨) الجامع (سنن الترمذي): لمحمد بن عيسى بن سَوْرة، أبي عيسى الترمذي (ت:٢٧٩ هـ)، تحقيق وتعليق: محمود محمد شاكر، وأحمد محمد شاكر، نشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي - مصر، الطبعة الثانية، ١٣٩٥ هـ - ١٩٧٥ م.\n٢٩) جامع البيان عن تأويل آي القرآن: لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، تحقيق: أحمد محمد شاكر، نشر مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، سنة ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م.\n٣٠) الجامع الصحيح (صحيح البخاري): لمحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري (ت:٢٥٦ هـ)، تحقيق: محمد زهير ابن ناصر الناصر، نشر: دار طوق النجاة، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ.\n٣١) الجامع الصغير: لأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني (ت:١٨٩ هـ)، مع شرحه النافع الكبير، لمحمد عبد الحي اللكنوي (ت:١٣٠٤ هـ)، نشر: عالم الكتب - بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.","vol":"1","page":139},{"text":"٣٢) جامع العلوم والحكم: لزين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (ت:٧٩٥ هـ)، تحقيق: شعيب الأرناؤوط - إبراهيم باجس، نشر: مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة: السابعة، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م.\n٣٣) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: لأبي بكر أحمد بن علي ابن ثابت الخطيب البغدادي (ت:٤٦٣ هـ)، تحقيق: د. محمود الطحان، نشر: مكتبة المعارف - الرياض.\n٣٤) الجرح والتعديل: لأبي محمد عبد الرحمن بن محمد ابن أبي حاتم الرازي (ت:٣٢٧ هـ)، نشر: طبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية - بحيدر آباد الدكن - الهند، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الأولى، ١٢٧١ هـ - ١٩٥٢ م.\n٣٥) جلاء الأفهام: لمحمد ابن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (ت:٧٥١ هـ)، تحقيق: شعيب الأرناؤوط - عبد القادر الأرناؤوط، نشر: دار العروبة - الكويت، الطبعة الثانية، ١٤٠٧ - ١٩٨٧ م.\n٣٦) الجواب الصحيح في أحكام صلاة التراويح: لعبد العزيز بن عبد الله بن باز (ت:١٤٢٠ هـ)، نشر: مؤسسة عبد العزيز بن باز الخيرية، مطبعة دار طيبة - الرياض.","vol":"1","page":140},{"text":"٣٧) الحاوي الكبير: لأبي الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب الماوردي (ت:٤٥٠ هـ)، تحقيق: الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، نشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م.\n٣٨) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: لأبي نعيم أحمد بن عبد الله ابن أحمد بن مهران الأصبهاني (ت:٤٣٠ هـ)، نشر: السعادة -بجوار محافظة مصر، ١٣٩٤ هـ - ١٩٧٤ م.\n٣٩) خلاصة الأحكام: لأبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت:٦٧٦ هـ)، حققه وخرج أحاديثه: حسين إسماعيل الجمل، الناشر: مؤسسة الرسالة، لبنان - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.\n٤٠) الدرر السنية في الأجوبة النجدية: لعلماء نجد الأعلام، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، الطبعة السادسة، ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م.\n٤١) الذخيرة: لأبي العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي (ت:٦٨٤ هـ)، تحقيق: سعيد أعراب، نشر: دار الغرب الإسلامي- بيروت، الطبعة الأولى، ١٩٩٤ م.","vol":"1","page":141},{"text":"٤٢) زاد المعاد في هدي خير العباد: لمحمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (ت:٧٥١ هـ)، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، وعبد القادر الأرنؤوط، نشر: مؤسسة الرسالة، بيروت - مكتبة المنار الإسلامية - الكويت، الطبعة السابعة والعشرون، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م.\n٤٣) الزهد والرقائق: لأبي عبد الرحمن عبد الله بن المبارك الحنظلي (ت:١٨١ هـ)، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت.\n٤٤) الزهد: لأبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيباني (ت:٢٤١ هـ)، وضع حواشيه: محمد عبد السلام شاهين، نشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م.\n٤٥) سنن ابن ماجه: لأبي عبد الله محمد بن يزيد ابن ماجه القزويني (ت:٢٧٣ هـ)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، نشر: دار إحياء الكتب العربية - فيصل عيسى البابي الحلبي.\n٤٦) سنن أبي داود: لسليمان بن الأشعث بن إسحاق أبي داود السَّجِسْتاني (ت:٢٧٥ هـ)، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، نشر: المكتبة العصرية، صيدا - بيروت.","vol":"1","page":142},{"text":"٤٧) سنن الدارمي: لعبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بَهرام ابن عبد الصمد الدارمي، (ت:٢٥٥ هـ)، تحقيق: حسين سليم أسد الداراني، نشر: دار المغني للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ - ٢٠٠٠ م.\n٤٨) السنن الكبرى: لأحمد بن الحسين بن علي البيهقي (ت:٤٥٨ هـ)، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، نشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الثالثة، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م.\n٤٩) سنن النسائي: لأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي (ت:٣٠٣ هـ)، حكم على أحاديثه وآثاره وعلَّق عليه: محمد ناصر الدين الألباني، اعتنى به: أبي عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، الطبعة الثالثة، مكتبة المعارف، الرياض، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م.\n٥٠) سير أعلام النبلاء: لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي (ت:٧٤٨ هـ)، تحقيق: مجموعة من المحققين، نشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م.\n٥١) شعب الإيمان: لأحمد بن الحسين بن علي البيهقي (ت:٤٥٨ هـ)، تحقيق: د. عبد العلي عبد الحميد حامد، نشر: مكتبة الرشد -الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣ م.","vol":"1","page":143},{"text":"٥٢) الصِّحَاح: لأبي نصر إسماعيل بن حماد الجوهري (ت:٣٩٣ هـ)، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، نشر: دار العلم للملايين - بيروت، الطبعة الرابعة، ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م.\n٥٣) صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان: لمحمد بن حبان بن أحمد ابن حبان البُستي (ت:٣٥٤ هـ)، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، نشر: مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الثانية ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م.\n٥٤) صحيح ابن خزيمة: لمحمد بن إسحاق بن خزيمة، أبي بكر السلمي، النيسابوري، تحقيق: د. محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي - بيروت، ١٣٩٠ هـ - ١٩٧٠ م.\n٥٥) صحيح مسلم: لمسلم بن الحجاج أبي الحسن القشيري (ت:٢٦١ هـ)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، نشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت.\n٥٦) صفة الصفوة: لجمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (ت:٥٩٧ هـ)، تحقيق: أحمد بن علي، نشر: دار الحديث، القاهرة، مصر، الطبعة ١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م.\n٥٧) الطريق إلى القرآن: لإبراهيم عمر السَّكران، نشر: دار قرطبة، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، ١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م.","vol":"1","page":144},{"text":"٥٨) العلل ومعرفة الرجال (رواية عبد الله بن أحمد): لأبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيباني (ت:٢٤١ هـ)، تحقيق: وصي الله بن محمد عباس، نشر: دار الخاني - الرياض، الطبعة الثانية، ١٤٢٢ هـ - ٢٠١ م.\n٥٩) الفتاوى الحديثية: لأبي العباس أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي (ت:٩٧٤ هـ)، نشر: دار الفكر، بلا طبعة، وبلا تاريخ.\n٦٠) الفتاوى الفقهية الكبرى: لأبي العباس أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي (ت:٩٧٤ هـ)، جمعها: تلميذه عبد القادر ابن أحمد بن علي الفاكهي المكي (ت:٩٨٢ هـ)، نشر: المكتبة الإسلامية.\n٦١) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: جمع وترتيب: أحمد بن عبد الرزاق الدويش، نشر: رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء - الإدارة العامة للطبع - الرياض.\n٦٢) فتاوى نور على الدرب: لعبد العزيز بن عبد الله بن باز (ت:١٤٢٠ هـ)، جمعها: الدكتور محمد بن سعد الشويعر، قدم لها: عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ.\n٦٣) فتح الباري شرح صحيح البخاري: لأبي الفضل أحمد بن علي ابن محمد بن حجر العسقلاني (ت:٨٥٢ هـ)، نشر: دار المعرفة","vol":"1","page":145},{"text":"- بيروت، ١٣٧٩ م، رقمه: محمد فؤاد عبد الباقي، أشرف على طبعه: محب الدين الخطيب، علق عليه: عبد العزيز بن باز.\n٦٤) فتح الباري شرح صحيح البخاري: لزين الدين عبد الرحمن ابن أحمد بن رجب الحنبلي (ت:٧٩٥ هـ)، تحقيق: محمود بن شعبان بن عبد المقصود، وآخرين، نشر: مكتبة الغرباء الأثرية - المدينة النبوية، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م.\n٦٥) فتح القدير: لمحمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني (ت:١٢٥٠ هـ)، نشر: دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت، الطبعة: الأولى - ١٤١٤ هـ.\n٦٦) فضائل الصحابة: لأبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني (ت:٢٤١ هـ)، تحقيق: د. وصي الله محمد عباس، نشر: مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م.\n٦٧) فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري: لسعيد بن علي بن وهف القحطاني، نشر: الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء - السعودية، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n٦٨) الفوائد: لمحمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (ت:٧٥١ هـ)، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الثانية، ١٣٩٣ هـ - ١٩٧٣ م.","vol":"1","page":146},{"text":"٦٩) الكافي في فقه الإمام أحمد: لأبي محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي (ت:٦٢٠ هـ)، نشر: دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م.\n٧٠) كتاب المصاحف: لأبي بكر بن أبي داود، عبد الله بن سليمان ابن الأشعث السجستاني (ت:٣١٦ هـ)، تحقيق: محمد ابن عبده، نشر: الفاروق الحديثة، مصر - القاهرة، الطبعة: الأولى، ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م.\n٧١) كفاية النبيه في شرح التنبيه: لنجم الدين أحمد بن محمد بن علي، المعروف بابن الرِّفْعَة (ت:٧١٠ هـ)، تحقيق: مجدي محمد سرور باسلوم، نشر: دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ٢٠٠٩ م.\n٧٢) لسان العرب: لمحمد بن مكرم بن على، أبي الفضل، جمال الدين ابن منظور (ت:٧١١ هـ)، نشر: دار صادر - بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤١٤ هـ.\n٧٣) المبدع في شرح المقنع: لإبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد ابن مفلح (ت:٨٨٤ هـ)، نشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.\n٧٤) المبسوط: لمحمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت:٤٨٣ هـ)، نشر: دار المعرفة - بيروت، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م.","vol":"1","page":147},{"text":"٧٥) متن الرسالة: لأبي محمد عبد الله بن (أبي زيد) عبد الرحمن القيرواني (ت:٣٨٦ هـ)، نشر: دار الفكر.\n٧٦) مجموع الفتاوى: لتقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني (ت:٧٢٨ هـ)، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد ابن قاسم، نشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م.\n٧٧) المجموع شرح المهذب: لأبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت:٦٧٦ هـ)، نشر دار الفكر - بيروت، ١٩٩٧ م.\n٧٨) مجموع فتاوى العلامة عبد العزيز بن باز: لعبد العزيز بن عبد الله بن باز (ت:١٤٢٠ هـ)، أشرف على جمعه وطبعه: محمد ابن سعد الشويعر.\n٧٩) مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين: لمحمد بن صالح بن محمد العثيمين (ت:١٤٢١ هـ)، جمع وترتيب: فهد بن ناصر بن إبراهيم السليمان، الناشر: دار الوطن - دار الثريا، ١٤١٣ هـ.\n٨٠) المحلى بالآثار: لأبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري (ت:٤٥٦ هـ)، نشر: دار الفكر - بيروت.","vol":"1","page":148},{"text":"٨١) مختصر المزني: لإسماعيل بن يحيى بن إسماعيل، أبي إبراهيم المزني (ت:٢٦٤ هـ)، نشر: دار المعرفة - بيروت، ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م.\n٨٢) مختصر سنن أبي داود: لعبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله، أبي محمد، زكي الدين المنذري (ت:٦٥٦ هـ)، تحقيق: أحمد محمد شاكر، ومحمد حامد الفقي، نشر: دار المعرفة، بيروت - لبنان.\n٨٣) مختصر قيام الليل للمروزي: اختصره: أحمد بن علي المقريزي، نشر: حديث أكادمي، فيصل أباد - باكستان، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م.\n٨٤) مدارج السالكين: لمحمد ابن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (ت:٧٥١ هـ)، تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي، نشر: دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م.\n٨٥) المدخل: لأبي عبد الله محمد بن محمد بن محمد الشهير بابن الحاج (ت:٧٣٧ هـ)، نشر: دار التراث، بدون طبعة.\n٨٦) مسائل أحمد بن حنبل (رواية ابنه عبد الله): لأبي عبد الله أحمد ابن محمد بن حنبل الشيباني (ت:٢٤١ هـ)، تحقيق: زهير الشاويش، نشر: المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م.","vol":"1","page":149},{"text":"٨٧) مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه: لإسحاق ابن منصور بن بهرام، أبي يعقوب المروزي، المعروف بالكوسج (ت:٢٥١ هـ)، نشر: عمادة البحث العلمي، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٢ م.\n٨٨) مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني: لأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني (ت: ٢٧٥ هـ)، تحقيق: أبي معاذ طارق ابن عوض الله بن محمد، الناشر: مكتبة ابن تيمية، مصر، الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م.\n٨٩) المستدرك على الصحيحين: لأبي عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه (ت:٤٠٥ هـ)، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١١ - ١٩٩٠ م.\n٩٠) مسند ابن أبي شيبة: لأبي بكر بن أبي شيبة، عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان (ت:٢٣٥ هـ)، تحقيق: عادل بن يوسف العزازي وأحمد بن فريد المزيدي، نشر: دار الوطن - الرياض، الطبعة: الأولى، ١٩٩٧ م.","vol":"1","page":150},{"text":"٩١) مسند أبي يعلى: لأبي يعلى أحمد بن علي بن المثُنى الموصلي (ت:٣٠٧ هـ)، تحقيق: حسين سليم أسد، نشر: دار المأمون للتراث - دمشق، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م.\n٩٢) مسند الإمام أحمد بن حنبل: لأبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني (ت:٢٤١ هـ)، تحقيق: شعيب الأرنؤوط - عادل مرشد، وآخرين، إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي، نشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م.\n٩٣) مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه: لأبي العباس شهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري (ت:٨٤٠ هـ)، تحقيق: محمد المنتقى الكشناوي، نشر: دار العربية - بيروت، الطبعة: الثانية، ١٤٠٣ هـ.\n٩٤) المصنف: لأبي بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني (ت:٢١١ هـ)، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، نشر: المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة الثانية، ١٤٠٣ هـ.\n٩٥) المعجم الأوسط: لسليمان بن أحمد بن أيوب، أبي القاسم الطبراني (ت:٣٦٠ هـ)، تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد، عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، نشر: دار الحرمين - القاهرة.","vol":"1","page":151},{"text":"٩٦) المعجم الكبير: لسليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير، أبي القاسم الطبراني (ت:٣٦٠ هـ)، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي، دار النشر: مكتبة ابن تيمية - القاهرة، الطبعة الثانية.\n٩٧) معجم مقاييس اللغة: لأبي الحسين أحمد بن فارس (ت:٣٩٥ هـ)، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، نشر: دار الفكر، ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م.\n٩٨) المغني: لأبي محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي (ت:٦٢٠ هـ)، نشر: مكتبة القاهرة، الطبعة: بدون طبعة، ١٣٨٨ هـ - ١٩٦٨ م.\n٩٩) مناقب الإمام أحمد: لجمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن علي ابن محمد الجوزي (ت:٥٩٧ هـ)، تحقيق: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، نشر: دار هجر، الطبعة الثانية، ١٤٠٩ هـ.\n١٠٠) منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية: لتقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني (ت:٧٢٨ هـ)، تحقيق: محمد رشاد سالم، نشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م.","vol":"1","page":152},{"text":"١٠١) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج: لأبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت:٦٧٦ هـ)، نشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الثانية، ١٣٩٢ هـ.\n١٠٢) الموطأ: لمالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني (ت:١٧٩ هـ)، صححه ورقمه وخرج أحاديثه وعلق عليه: محمد فؤاد عبد الباقي، نشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٥ م.\n١٠٣) نصب الراية لأحاديث الهداية: لجمال الدين أبي محمد عبد الله بن يوسف بن محمد الزيلعي (ت:٧٦٢ هـ)، تحقيق: محمد عوامة، نشر: مؤسسة الريان، بيروت - لبنان، دار القبلة، جدة - السعودية، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.\n١٠٤) النهاية في غريب الحديث والأثر: للمبارك بن محمد بن محمد ابن محمد الجزري ابن الأثير (ت:٦٠٦ هـ)، تحقيق: طاهر أحمد الزاوي - محمود محمد الطناحي، نشر: المكتبة العلمية - بيروت، ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م.\n١٠٥) نوادر الأصول في أحاديث الرسول - ﷺ -: لمحمد بن علي بن الحسن بن بشر، أبي عبد الله، الحكيم الترمذي (ت:٣٢٠ هـ)، تحقيق: عبد الرحمن عميرة، نشر: دار الجيل - بيروت.","vol":"1","page":153},{"text":"١٠٦) الوابل الصيب من الكلم الطيب: لمحمد بن أبي بكر بن أيوب شمس الدين ابن قيم الجوزية (ت:٧٥١ هـ)، تحقيق: سيد إبراهيم، نشر: دار الحديث - القاهرة، الطبعة الثالثة، ١٩٩٩ م.","vol":"1","page":154}]}