{"ً":{"ٌ":556,"ٍ":"مختصر كشف الغمة عن أدلة الحجاب في الكتاب والسنة","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/mkshfglb/mkshfglb.pdf"]},"ّ":"الكتاب: مختصر كشف الغمة عن أدلة الحجاب في الكتاب والسنة\n(بمناقشة رأي الشيخ الألباني - وجلاء الحق للأمة)\nالمؤلف: أمل محمد آل خميسة\nالطبعة: الأولى، ١٤٤٢ هـ - ٢٠٢١ م\nعدد الصفحات: ٢٩٢\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":3110,"ٕ":19,"ٖ":1780758671,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":5},{"title":"خلاصة مناقشة البحوث التي طرحت في كتابه (الرد المفحم)","level":2,"page":9},{"title":"أولا: أن المراد بقوله تعالى ﴿ياأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن﴾","level":3,"page":9},{"title":"ثانيا: أن قول ابن عباس \" تدني الجلباب إلى وجهها ولا تضرب به\"","level":3,"page":10},{"title":"ثالثا: أن مفاد آية الحجاب ﴿فاسألوهن من وراء حجاب﴾","level":3,"page":10},{"title":"رابعا: أن الحجاب (تغطية الوجه) الذي تقتضيه آية الحجاب الأولى: ﴿فاسألوهن من وراء حجاب﴾","level":3,"page":11},{"title":"خامسا: الأصل الذي اعتمد عليه أهل العلم في بيان معنى آية إدناء الجلابيب","level":3,"page":11},{"title":"سادسا: من الشواهد التي تقوي حديث ابن عباس هذا وتعضده","level":3,"page":11},{"title":"سابعا: أن الاعتجار والتقنع والتلفع بالجلابيب تعني تغطية الوجه عند مجموع أهل العلم","level":3,"page":12},{"title":"ثامنا: هناك حكمان شرعيان ذهل عنهما أكثر أهل العلم المتأخرين","level":3,"page":12},{"title":"تاسعا: للمرأة الحرة عورتان","level":3,"page":13},{"title":"عورة في النظر","level":4,"page":13},{"title":"عورة في الصلاة","level":4,"page":14},{"title":"عاشرا: أن جميع ما استشهد به الشيخ الألباني من الأحاديث والآثار؛ ليس فيها حجة على جواز كشف الوجه للنساء الحرائر","level":3,"page":14},{"title":"الحادي عشر: عن خالد بن دريك عن عائشة","level":3,"page":14},{"title":"الثاني عشر: أن المراد بقوله تعالى ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾","level":3,"page":15},{"title":"الثالث عشر: الثابت في السنة أن الأكسية التي سارعت إلى لبسها النساء عند الخروج امتثالا لآية إدناء الجلابيب","level":3,"page":15},{"title":"توطئة","level":2,"page":19},{"title":"البحث الأول: آية الجلباب ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾","level":1,"page":21},{"title":"مناقشة البحث الأول","level":2,"page":22},{"title":"إدناء الجلابيب عند اللغويين","level":3,"page":22},{"title":"تفسير قوله تعالى ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾","level":3,"page":25},{"title":"المراد بقول ابن عباس \" تدني الجلباب إلى وجهها ولا تضرب به\"","level":3,"page":31},{"title":"البحث الثاني: (الجلباب)","level":1,"page":34},{"title":"مناقشة البحث الثاني","level":2,"page":35},{"title":"تفسير قوله تعالى ﴿فاسألوهن من وراء حجاب﴾","level":3,"page":39},{"title":"المعنى اللغوي للجلباب","level":3,"page":44},{"title":"البحث الثالث: تكشف عن إحدى عينيها","level":1,"page":47},{"title":"مناقشة البحث الثالث","level":2,"page":48},{"title":"البحث الرابع: الخمار والاعتجار","level":1,"page":50},{"title":"مناقشة البحث الرابع","level":2,"page":52},{"title":"التقنع يعني تغطية الوجه","level":3,"page":53},{"title":"الاعتجار يعني تغطية الوجه","level":3,"page":56},{"title":"البحث الخامس: هل أجمع المسلمون على أن وجه المرأة عورة","level":1,"page":59},{"title":"مناقشة البحث الخامس","level":2,"page":61},{"title":"الحجاب فرض على النساء الحرائر دون الإماء","level":3,"page":62},{"title":"عورة المرأة الحرة ومدار الخلاف بين الفقهاء","level":3,"page":73},{"title":"إجماع أهل العلم على وجوب تغطية وجه المرأة","level":3,"page":80},{"title":"تتمة البحث الخامس (١) المذهب الذي نسبه الشيخ الألباني للأئمة أبو حنيفة ومالك والشافعي إنما هو في الصلاة","level":2,"page":86},{"title":"مناقشة تتمة البحث الخامس (١)","level":3,"page":88},{"title":"هل يسوغ قياس عورة النظر على عورة المرأة في الصلاة؟","level":4,"page":91},{"title":"المراد بنهي المرأة المحرمة عن النقاب، وهل المرأة المحرمة مخيرة بين السدل أو الكشف","level":4,"page":106},{"title":"هل نهي المرأة المحرمة عن النقاب ثابت عن النبي؟","level":4,"page":115},{"title":"تتمة البحث الخامس (٢) هل يسوغ الإنكار على النساء الأجانب إذا كشفن وجوههن في الطريق؟","level":2,"page":118},{"title":"مناقشة تتمة البحث الخامس (٢)","level":3,"page":119},{"title":"البحث السادس: الأحاديث التي احتج بها الشيخ الألباني","level":1,"page":122},{"title":"مناقشة البحث السادس","level":2,"page":123},{"title":"الحديث الأول (فجاءت امرأة من خثعم، فجعل الفضل ينظر إليها)","level":3,"page":123},{"title":"الحديث الثاني (فقامت امرأة من سفلة النساء سفعاء الخدين)","level":3,"page":129},{"title":"الحديث الثالث (فنظر إليها رسول الله - ﷺ - فصعد النظر إليها وصوبه)","level":3,"page":130},{"title":"الحديث الرابع (ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفن من الغلس)","level":3,"page":133},{"title":"التلفع يعني تغطية الوجه","level":4,"page":134},{"title":"الحديث الخامس (فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك)","level":3,"page":137},{"title":"الحديث السادس (فرأيتهن يهوين بأيديهن يقذفنه في ثوب بلال)","level":3,"page":141},{"title":"الحديث السابع (فلقيها أبو السنابل حين تعلت من نفاسها وقد اكتحلت)","level":3,"page":144},{"title":"الحديث الثامن (أن امرأة أتت النبي - ﷺ - تبايعه ولم تكن مختضبة)","level":3,"page":145},{"title":"الحديث التاسع (ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء)","level":3,"page":146},{"title":"الحديث العاشر (كانت امرأة تصلي خلف رسول الله - ﷺ -؛ حسناء من أحسن الناس)","level":3,"page":147},{"title":"الحديث الحادي عشر (رأى رسول الله - ﷺ - امرأة فأعجبته)","level":3,"page":148},{"title":"الحديث الثاني عشر (دخل علي رسول الله - ﷺ - وأنا آكل بشمالي)","level":3,"page":150},{"title":"الحديث الثالث عشر (وفي يدها فتخ من ذهب)","level":3,"page":152},{"title":"الآثار التي استشهد بها الشيخ الألباني ومناقشتها","level":2,"page":153},{"title":"البحث السابع؛ استدلالهم بالأحاديث الضعيفة والآثار الواهية","level":1,"page":174},{"title":"مناقشة البحث السابع","level":2,"page":175},{"title":"صحة الاحتجاج بحديث ابن عباس \" أمر الله النساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن. ويبدين عينا واحدة\"","level":3,"page":176},{"title":"مراد ابن جرير الطبري من تفسيره لإدناء الجلابيب","level":3,"page":185},{"title":"تتمة البحث السابع (١) أثر عبيدة السلماني","level":2,"page":191},{"title":"مناقشة تتمة البحث السابع (١)","level":3,"page":192},{"title":"صحة الاحتجاج بأثر عبيدة السلماني","level":4,"page":192},{"title":"تتمة البحث السابع (٢) حديث (أفعمياوان أنتما؛ ألستما تبصرانه)","level":2,"page":197},{"title":"مناقشة تتمة البحث السابع (٢)","level":3,"page":198},{"title":"نظر المرأة للرجال الأجانب","level":4,"page":199},{"title":"الأدلة التي تشهد أن الحجاب المفروض على النساء الحرائر يقتضي تغطية الوجه","level":4,"page":206},{"title":"البحث الثامن: (إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا وجهها وكفيها)","level":1,"page":216},{"title":"مناقشة البحث الثامن","level":2,"page":217},{"title":"الإشكال في حديث عائشة وأسماء","level":3,"page":219},{"title":"حديث ابن جريج عن عائشة يكشف المراد من قوله (لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى كفه ووجهه)","level":3,"page":224},{"title":"البحث التاسع: تفسير آية الزينة ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾","level":1,"page":227},{"title":"مناقشة البحث التاسع","level":2,"page":228},{"title":"هل حملت هذه الآية على ما أراد الله - ﷿ - منها","level":3,"page":229},{"title":"ماصح عن الصحابة والتابعين في تفسير هذه الآية","level":3,"page":231},{"title":"توافق المعنى الذي يحمله تأويل ابن عباس وابن مسعود للآية","level":3,"page":238},{"title":"المراد بالنهي في قوله ﴿ولا يبدين زينتهن﴾","level":3,"page":240},{"title":"الأدلة من السنة الصحيحة على لبس النساء للجلابيب السود","level":3,"page":243},{"title":"المراد بإبداء الزينة لمن سمى الله في الآية","level":3,"page":249},{"title":"القرائن في الآية التي تدل على أن من يبدى لهم ما ظهر من الزينة (إلا ما ظهر منها) هم ممن يباح لهم الدخول على المرأة والنظر إليها دون حجاب","level":3,"page":256},{"title":"تأويل المفسرين لآيتي النور والأحزاب دون ذكر لتعارض بين الآيتين","level":3,"page":269},{"title":"عورة المرأة عند النساء والمحارم","level":3,"page":273},{"title":"البحث العاشر؛ هل يجب على النساء أن يسترن وجوههن لفساد الزمان وسدا للذريعة؟","level":1,"page":278},{"title":"مناقشة البحث العاشر","level":2,"page":279},{"title":"الخاتمة للشيخ الألباني: التشدد في الدين شر لا خير فيه","level":1,"page":283},{"title":"مناقشة خاتمة الشيخ الألباني","level":2,"page":284},{"title":"خاتمة الكتاب","level":1,"page":292}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":49,"1,50":50,"1,51":51,"1,52":52,"1,53":53,"1,54":54,"1,55":55,"1,56":56,"1,57":57,"1,58":58,"1,59":59,"1,60":60,"1,61":61,"1,62":62,"1,63":63,"1,64":64,"1,65":65,"1,66":66,"1,67":67,"1,68":68,"1,69":69,"1,70":70,"1,71":71,"1,72":72,"1,73":73,"1,74":74,"1,75":75,"1,76":76,"1,77":77,"1,78":78,"1,79":79,"1,80":80,"1,81":81,"1,82":82,"1,83":83,"1,84":84,"1,85":85,"1,86":86,"1,87":87,"1,88":88,"1,89":89,"1,90":90,"1,91":91,"1,92":92,"1,93":93,"1,94":94,"1,95":95,"1,96":96,"1,97":97,"1,98":98,"1,99":99,"1,100":100,"1,101":101,"1,102":102,"1,103":103,"1,104":104,"1,105":105,"1,106":106,"1,107":107,"1,108":108,"1,109":109,"1,110":110,"1,111":111,"1,112":112,"1,113":113,"1,114":114,"1,115":115,"1,116":116,"1,117":117,"1,118":118,"1,119":119,"1,120":120,"1,121":121,"1,122":122,"1,123":123,"1,124":124,"1,125":125,"1,126":126,"1,127":127,"1,128":128,"1,129":129,"1,130":130,"1,131":131,"1,132":132,"1,133":133,"1,134":134,"1,135":135,"1,136":136,"1,137":137,"1,138":138,"1,139":139,"1,140":140,"1,141":141,"1,142":142,"1,143":143,"1,144":144,"1,145":145,"1,146":146,"1,147":147,"1,148":148,"1,149":149,"1,150":150,"1,151":151,"1,152":152,"1,153":153,"1,154":154,"1,155":155,"1,156":156,"1,157":157,"1,158":158,"1,159":159,"1,160":160,"1,161":161,"1,162":162,"1,163":163,"1,164":164,"1,165":165,"1,166":166,"1,167":167,"1,168":168,"1,169":169,"1,170":170,"1,171":171,"1,172":172,"1,173":173,"1,174":174,"1,175":175,"1,176":176,"1,177":177,"1,178":178,"1,179":179,"1,180":180,"1,181":181,"1,182":182,"1,183":183,"1,184":184,"1,185":185,"1,186":186,"1,187":187,"1,188":188,"1,189":189,"1,190":190,"1,191":191,"1,192":192,"1,193":193,"1,194":194,"1,195":195,"1,196":196,"1,197":197,"1,198":198,"1,199":199,"1,200":200,"1,201":201,"1,202":202,"1,203":203,"1,204":204,"1,205":205,"1,206":206,"1,207":207,"1,208":208,"1,209":209,"1,210":210,"1,211":211,"1,212":212,"1,213":213,"1,214":214,"1,215":215,"1,216":216,"1,217":217,"1,218":218,"1,219":219,"1,220":220,"1,221":221,"1,222":222,"1,223":223,"1,224":224,"1,225":225,"1,226":226,"1,227":227,"1,228":228,"1,229":229,"1,230":230,"1,231":231,"1,232":232,"1,233":233,"1,234":234,"1,235":235,"1,236":236,"1,237":237,"1,238":238,"1,239":239,"1,240":240,"1,241":241,"1,242":242,"1,243":243,"1,244":244,"1,245":245,"1,246":246,"1,247":247,"1,248":248,"1,249":249,"1,250":250,"1,251":251,"1,252":252,"1,253":253,"1,254":254,"1,255":255,"1,256":256,"1,257":257,"1,258":258,"1,259":259,"1,260":260,"1,261":261,"1,262":262,"1,263":263,"1,264":264,"1,265":265,"1,266":266,"1,267":267,"1,268":268,"1,269":269,"1,270":270,"1,271":271,"1,272":272,"1,273":273,"1,274":274,"1,275":275,"1,276":276,"1,277":277,"1,278":278,"1,279":279,"1,280":280,"1,281":281,"1,282":282,"1,283":283,"1,284":284,"1,285":285,"1,286":286,"1,287":287,"1,288":288,"1,289":289,"1,290":290,"1,291":291,"1,292":292},"ٜ":{"1":[1,292]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292"],"ٞ":{"5":[1],"9":[2,3],"10":[4,5],"11":[6,7,8],"12":[9,10],"13":[11,12],"14":[13,14,15],"15":[16,17],"19":[18],"21":[19],"22":[20,21],"25":[22],"31":[23],"34":[24],"35":[25],"39":[26],"44":[27],"47":[28],"48":[29],"50":[30],"52":[31],"53":[32],"56":[33],"59":[34],"61":[35],"62":[36],"73":[37],"80":[38],"86":[39],"88":[40],"91":[41],"106":[42],"115":[43],"118":[44],"119":[45],"122":[46],"123":[47,48],"129":[49],"130":[50],"133":[51],"134":[52],"137":[53],"141":[54],"144":[55],"145":[56],"146":[57],"147":[58],"148":[59],"150":[60],"152":[61],"153":[62],"174":[63],"175":[64],"176":[65],"185":[66],"191":[67],"192":[68,69],"197":[70],"198":[71],"199":[72],"206":[73],"216":[74],"217":[75],"219":[76],"224":[77],"227":[78],"228":[79],"229":[80],"231":[81],"238":[82],"240":[83],"243":[84],"249":[85],"256":[86],"269":[87],"273":[88],"278":[89],"279":[90],"283":[91],"284":[92],"292":[93]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"مختصر كشف الغمة عن أدلة الحجاب في الكتاب والسنة بمناقشة رأي الشيخ الألباني وجلاء الحق للأمة\n\nأمل محمد آل خميسة","vol":"1","page":1},{"text":"مختصر كشف الغمة عن أدلة الحجاب في الكتاب والسنة بمناقشة رأي الشيخ الألباني وجلاء الحق للأمة / أمل محمد عبدالله آل خميسة\nرقم الإيداع في مكتبة الملك فهد الوطنية ٢٩٣٠/ ١٤٤٢\nتاريخ ٢١/ ٠٤/ ١٤٤٢ هـ\nردمك ٧ - ٦٣٧٩ - ٠٣ - ٦٠٣ - ٩٧٨\n\nجميع الحقوق محفوظة للمؤلفة ولا يسمح بإعادة إصدار هذا الكتاب أو طباعته أو نقله في أي شكل أو واسطة سواءً أكانت إلكترونية أو ميكانيكية بما في ذلك التصوير بالنسخ الفوتوكوبي أو التسجيل أو التخزين والاسترجاع دون إذن خطي من المؤلفة\n\nAll Rights Reserved. No part of this book may be reproduced، stored in a retrieval system or transmitted in any form of by any means without prior permission in writing of the authors.","vol":"1","page":2},{"text":"راجع الكتاب فضيلة الشيخ\nسعد بن تركي الخثلان\nعضو هيئة كبار العلماء\nورئيس مجلس إدارة الجمعية الفقهية السعودية","vol":"1","page":3},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:\nفإن هذا مختصر لكتابي (كشف الغمة عن أدلة الحجاب في الكتاب والسنة بمناقشة رأي الشيخ الألباني وجلاء الحق للأمة) وقد راعيت فيه الاختصار مع الإبقاء للمسائل والفوائد والفرائد التي تم بسطها في الأصل في مناقشة البحوث التي حوت ما احتج به الشيخ الألباني﵀- في مسألة الحجاب في كتابيه (الرد المفحم) (^١) و(جلباب المرأة المسلمة) والتي أحدثت ضجة في المجتمعات الإسلامية بين مؤيد ومعارض، ولما كان للشيخ من مكانة علمية في الأمة الإسلامية كان ذلك داعيا إلى قبول رأيه من قبل البعض، وظهور حجته عند البعض الآخر لاستناده على بعض النصوص الصحيحة!! ولكن المتمحص في المسألة يجد أن هذه النصوص قد حُملت على غير محملها لأن هناك لَبس في المسألة وحقيقة غابت لغياب أحكامها وانقطاع أسبابها، وهي إنقطاع العبودية (ملك اليمين) فقد كان العبيد المملوكين الذين فرّق الشرع بينهم وبين الأحرار في بعض الأحكام الشرعية يمثلون جزء من المجتمع المسلم إلى أوائل القرن الماضي، ويعد وجوب الحجاب (تغطية الوجه) أحد الأحكام التي تختص بالحرية؛ فقد فرض الله\n_________\n(^١) كتاب الرد المفحم: هو جمع علي حسن عبدالحميد تلميذ الشيخ الألباني وترتيبة نشره بعد وفاة الشيخ الألباني وهو من سمّاه.","vol":"1","page":5},{"text":"الحجاب (تغطية الوجه) على المرأة الحرة عن الرجل الحر، فلم يُفرض على المرأة الحرة أن تحتجب من العبد المملوك، ولم يُفرض على المرأة المملوكة أن تغطي وجهها، وكان هذا داعيا للخلاف بين الفقهاء المتقدمين في مسألتين: جواز نظر (الأجنبي) العبد المملوك للوجه والكفين من المرأة الحرة، ومالذي يجب عند خوف الفتنة؛ أن يغض الرجل بصره أم تغطي المرأة وجهها. كان هذا مدار اختلاف الفقهاء المتقدمين في هذه المسألة وهو الذي أحدث اللبس عند المتأخرين ومنهم الشيخ الألباني الذي بنى رأيه في هذه المسألة على هذا الخلاف! أما وجوب ستر المرأة الحرة لوجهها عن الرجال الأحرار الأجانب فلا خلاف فيه بين من تقدم من أهل العلم بل الإجماع على وجوبه باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة، فقد افترض الله تغطية الوجه على جميع النساء الحرائر بقوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾\nصح عن أم سلمة ﵂ أنها قالت (لما نزلت خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من الأكسية) وفي رواية (من أكسية سود يلبسنها) (^١) وثبت عن ابن عباس - ﵁ - أنه قال في تأويلها (أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة) وصح عن عبيدة السلماني أنه لما سُئل عن تأويلها (تقنع بردائه فغطى أنفه وعينه اليسرى وأخرج عينه اليمنى وأدنى رداءه من فوق حتى جعله قريبا من حاجبه أو على الحاجب). وهذا ماجرى عليه عمل النساء المسلمات الحرائر منذ\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٤١٠١) وصححه الألباني في صحيح أبي داود ٤/ ٦١.","vol":"1","page":6},{"text":"زمن الرسالة، قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٩/ ٣٢٤): \"ولم تزل عادة النساء قديمًا وحديثًا يسترن وجوههن عن الأجانب\" اهـ. وقد استمرت النساء المسلمات في مختلف العصور وفي جميع البلاد الإسلامية على ستر وجوههن عن الرجال الأجانب، إلى أن بدأ السفور في أوائل القرن الرابع عشر الهجري إثر الاستعمار الغربي، ففي أوائل القرن الثالث عشر الهجري (أواخر القرن الثامن عشر الميلادي ومطلع القرن التاسع عشر) فوجئت الممالك الإسلامية بطوفان من الاستعمار الغربي الذي أخذ يمتد من قطر إلى قطر، وما أن انتصف القرن التاسع عشر حتى أصبحت معظم الأمم المسلمة تحت سطوة المستعمر الغربي الأوربي، وفي هذه الفترة من الضعف والانهزامية أصبحت الأمم الإسلامية تحاكي أمم الغرب في الزي واللباس وسائر المظاهر الاجتماعية، وأصبح المنهزمون يستحيون من كل ما نظر إليه أعداء الإسلام بالتحقير والتعيير - ومن ذلك الحجاب والنقاب الذي نظر إليه الغرب بعين المقت والازدراء وصوره أقبح تصوير فيما كتب ونشر- ولو كان من الأمور الثابتة في الشرع، ومن هنا بدأت الدعوة إلى السفور ونزع الحجاب؛ حيث قام هؤلاء المنهزمون بحركة ما يسمى (تحرير المرأة) التي بدأوها في أوائل القرن الرابع عشر الهجري (أواخر القرن التاسع عشر الميلادي) لحمل المرأة المسلمة على اقتفاء آثار المرأة الأوربية واتباع المناهج الاجتماعية الرائجة بين أمم الغرب، ونشط دعاة السفور والانحلال في بث أفكارهم التي استقوها من البلاد الغربية الكافرة لمحاربة الحجاب ونزعه؛ فقام الملك \"زوغو\" في ألبانيا بنزع الحجاب عن وجوه المؤمنات وفرض السفور على نساء وطنه مسايرة للدول الأوروبية، وفي بلاد الأفغان قامت","vol":"1","page":7},{"text":"\"شاه خانم\" ملكة الأفغان بخلع الحجاب بطلب من زوجها لتكون قدوة للأفغانيات، وفي بلاد المغرب بعد أن خرج الاستعمار الفرنسي ترك نخبة تكونت بفرنسا واستطاعت تلك النخبة المغتربة أن تؤكد أن تحرير المرأة المغربية هو نزعها للحجاب، وفي تركيا دعا إلى تحرير المرأة \"أحمد فارس الشدياق\" في صحيفته (الجوائب)،\nوفي العراق اتفق \"جميل الزهاوي\" وصاحبه \"الرصافي\" على الهجوم على الدين والاستهزاء بتعاليمه فكانا أول داعيين إلى السفور فيها، وفي لبنان قامت المحاربة للحجاب والداعية إلى السفور \"نظيرة زين الدين\" صاحبة أول كتاب صدر في الشام وشرارة الإفساد الذي كان عنوانه (السفور والحجاب)، وفيمصر كانت الريادة في الدعوة إلى تحرير المرأة لـ \" قاسم أمين\" الذي رحل إلى فرنسا لإكمال تعليمه فانبهر بالحياة في أوروبا فخرج بكتابيه (تحرير المرأة) و(المرأة الجديدة)؛ فكانت أول امرأة مصرية أزالت الحجاب عن وجهها \"هدى شعراوي\" في القرن الماضي، وأول امرأة كشفت وجهها في بلاد الشام وكيلة مدرسة ثانوية، وبعد أن سرت تلك الأفكار الملوثة التي نشرها متزعموا الإفساد، كان من المؤسف أن صمت المصلحون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والمجتمع بأكمله أمام تلك الأفكار، ولم يواجهها بقوة وحزم، حتى تطورت وطبقت على أرض الواقع، فالأساس الذي بني عليه هذا الانفلات من النساء في البلاد العربية والإسلامية هو التقليد لنساء الغرب. (^١)\n_________\n(^١) انظر: عودة الحجاب لمحمد إسماعيل المقدم (١/ ١٥)، هل يكذب التاريخ لعبد الله الداوود، الطبعه الثالثة ١٤٢٩، توزيع مؤسسة الجريسي.","vol":"1","page":8},{"text":"ولم يبق على جادة السلامة والاستقامة إلا بلاد الحرمين التي بقيت النساء فيها محافظة على الحشمة وستر الوجوه والبعد عن الاختلاط بالرجال، وفي الآونة الأخيرة نشط المستغربون التغريبيون المتبعون الشهوات بالسعي لأن تميل هذه البلاد ميلًا عظيمًا فتتبع النساء فيها غيرهن في الانحلال والتبرج والسفور، وواكب ذلك نشأة \"مسألة الحجاب\" والتشكيك في وجوب الحجاب وفرضيته على المرأة بسبب اللبس الذي نشأ عند بعض أهل العلم المتأخرين بسبب انقطاع العبودية (ملك اليمين) وغياب أحكامها، فنسأل الله أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه، وأن يرد نساء المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إلى التمسك بما افترض الله عليهن من الحجاب (تغطية الوجه) هو ولي ذلك والقادر عليه.\nوبعد أن تبين السبب في نشأة \" مسألة الحجاب \" كان لزاما علينا بيان ما وقع فيه الشيخ الألباني من خطأ في هذه المسألة، وذلك من خلال مناقشة البحوث التي طُرحت في كتابه (الرد المفحم) وخلاصة ما ستجده في مناقشة البحوث:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-3> أولا: أن المراد بقوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾</span> الأحزاب: ٥٩ هو أمر نساء المسلمين الحرائر بتغطية وجوههن؛ كما أجمع على ذلك أهل العلم من مفسرين ومحدثين وفقهاء لغويين. وأنه لاحجة لما ذكر الشيخ الألباني من نفي دلالة الإدناء لغة على تغطية الوجه؛ محتجا بالمعنى العام للإدناء عند أحد اللغويين؛ دون ما صرح به من هم","vol":"1","page":9},{"text":"أئمة في اللغة بأن المراد بالإدناء في الآية تغطية الوجه، وما اتفق عليه المفسرون في أكثر من أربعين كتابا في التفسير على تفسير هذه الآية بتغطية الوجه.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-4> ثانيا: أن قول ابن عباس \" تدني الجلباب إلى وجهها ولا تضرب به</span>\" لم يكن تفسير الآية إدناء الجلابيب كما ذكر الشيخ الألباني! بل لم يستشهد به مطلقا أي أحد من المفسرين في تفسير هذه الآية؛ وإنما كان لبيان كيفية تغطية وجه المرأة حال إحرامها للحج أو العمرة، فإن الثابت شرعا أنه يجب على المرأة المحرمة ستر وجهها عن الرجال الأجانب بسدل الجلباب من فوق رأسها على وجهها، وليس لها أن تشدّه على جبينها ثم ترفعه من أسفل وتعطفه على الأنف؛ فالمنهي عنه حال الإحرام هو الشد والإلصاق على الوجه بالنقاب واللثام لا تغطية الوجه.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-5> ثالثًا: أن مفاد آية الحجاب ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾</span> الأحزاب: ٥٣ والتي فسرها أئمة التفسير؛ بـ (من وراء ستر بينكم وبينهن) يقتضي تغطية الوجه لأن المراد بها منع الرجال الأحرار من الدخول على النساء الحرائر والاختلاط بهن في البيوت ونحوها: وهذا ما جرى عليه عمل أزواج النبي - ﷺ - ونساء سلف هذه الأمة.","vol":"1","page":10},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-6> رابعًا: أن الحجاب (تغطية الوجه) الذي تقتضيه آية الحجاب الأولى: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾</span> ... هو معنى الحجاب الذي تقتضيه آية الحجاب الثانية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ لما ثبت في صحيح السنّة من تسمية كل من الآيتين بـ (آية الحجاب)\n*<span data-type=\"title\" id=toc-7> خامسًا: الأصل الذي اعتمد عليه أهل العلم في بيان معنى آية إدناء الجلابيب</span>؛ ما أُثر عن ابن عباس - ﵁ - في تفسيرها قال: (أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عينا واحدة) (^١) وهذا الأثر يعد من الآثار الثابتة التي اعتمد عليها جل أهل العلم في تفسير هذه الآية. فظاهر القرآن والسنة وآثار الصحابة والتابعين تؤيده؛ فلا وجه للطعن فيه فهو ثابت عمل به الأئمة واحتجوا به.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-8> سادسًا: من الشواهد التي تقوي حديث ابن عباس هذا وتعضده</span>؛ ما أخرجه الطبري بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين قال سألت عبيدة السلماني عن قوله ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ (فتقنع بردائه فغطى أنفه وعينه اليسرى وأخرج عينه اليمنى وأدنى رداءه من فوق حتى جعله قريبا من حاجبه أو على الحاجب) (^٢) وهذا الأثر كذلك مما اعتمد عليه جل أهل التفسير في تفسير آية\n_________\n(^١) حسن إسناده أ. د. حكمت بن بشير بن ياسين في الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور (٣/ ٤٦٣).\n(^٢) صحح إسناده أ. د. حكمت بن بشير بن ياسين في الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور (٣/ ٤٦٣).","vol":"1","page":11},{"text":"إدناء الجلابيب، وعبيدة السلماني من كبار التابعين وفقهائهم ممن أخذ علمه عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود، ومخضرم ثقة ثبت.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-9> سابعًا: أن الاعتجار والتقنع والتلفع بالجلابيب تعني تغطية الوجه عند مجموع أهل العلم </span>من لغويين وفقهاء ومحدثين ومفسرين وهي من صور إدناء الجلباب التي سارعت إليها النساء عند نزول آية إدناء الجلابيب.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-10> ثامنًا: هناك حُكمان شرعيان ذهل عنهما أكثر أهل العلم المتأخرين</span>، وانطوت آثارها في التصانيف المتأخرة، ولم يشر إليها بعض المتقدمين لكونها معلومة عندهم بالضرورة:\nالأول: أن الحجاب (تغطية الوجه) إنما هو فرض على النساء الحرائر دون الإماء (الجواري المملوكات) وهذا أحدث اللبس عند المتأخرين فيما ورد في بعض الأحاديث والآثار من كشف بعض النساء لوجوههن لكونهن من الإماء؛ فاستشهدوا بها على جواز الكشف للحرائر من النساء!!\nالثاني: أن هناك فئات من الذكور الأجانب لم يفرض على النساء الحرائر الاحتجاب منهم، ولم ينههم الشرع من الدخول عليهن في البيوت ورؤيتهن دون حجاب، وهم: العبيد المملوكون، والتابعون غير أولي الإربة، ومن لم يبلغ الحلم من الأحرار، وهذا أحدث اللبس عند المتأخرين فيما ورد من إباحة نظر هؤلاء الأجانب للوجه والكفين من المرأة.","vol":"1","page":12},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-11> تاسعًا: للمرأة الحرّة عورتان:</span>\n(١)<span data-type=\"title\" id=toc-12> عورة في النظر</span>؛ وهي تختلف باختلاف الناظرين (^١)، وهم قسمان:\nالقسم الأول: من استثناهم الله في آية النور، وحدود ما تبديه المرأة لهم تنحصر في مواضع الزينة الباطنة.\nوالقسم الثاني: من لم يستثن في الآية كالمحارم من الرضاع والمصاهرة، والعبيد المملوكون للغير، والذين لم يبلغوا الحلم من الأحرار، وهؤلاء هم من وقع الخلاف بين الفقهاء في حكم نظرهم للمرأة، فمنهم من أطلق جواز نظره للوجه والكفين من المرأة، ومنهم من قيد الجواز بالحاجة وأمن الفتنة، ومنهم من منع من النظر لغير حاجة لأنه مظنة الفتنة.\nكما حصل الخلاف في حكم النظر للإماء (المملوكات اللاتي لم يفرض عليهن الحجاب) فمنهم من أوجب عليهن تغطية الوجه لأنه مظنة الفتنة، ومنهم من لم يوجب عليهن ذلك ولكن قال هو في حقهن مستحب وعلى الرجل غض البصر.\n_________\n(^١) أما الرجال الأحرار الأجانب فهم ممنوعون من النظر إليها بفرض الحجاب دونهم فلا يصح إدراجهم في أحكام النظر.","vol":"1","page":13},{"text":"هذا مدار الخلاف بين الفقهاء في مسألة النظر؛ وهو الذي بنى عليه الشيخ الألباني رأيه في مسألة تغطية الوجه كما سترى استشهاده بأقوالهم في البحوث القادمة.\n\n(٢) و<span data-type=\"title\" id=toc-13>عورة في الصلاة</span>؛ والمرأة كلها عورة في الصلاة إلا وجهها وكفيها - واختُلف في قدميها - وكون الوجه ليس بعورة في الصلاة؛ لا يعني جواز كشفه للرجال الأجانب، فليست العورة في الصلاة مرتبطة بعورة النظر لا طردا ولا عكسا.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-14> عاشرًا: أن جميع ما استشهد به الشيخ الألباني من الأحاديث والآثار؛ ليس فيها حجة على جواز كشف الوجه للنساء الحرائر</span>؛ وذلك إما لكون تلك الآثار قبل نزول الحجاب، أو لكون النساء الكاشفات من الإماء المملوكات اللاتي لم يفرض عليهن الحجاب؛ كالجارية الخثعمية، وسبيعة الأسلمية وغيرهن، أو بمن كن يشاركن في الغزو مع رسول الله - ﷺ - لمداواة الجرحى وصنع الطعام من الإماء العجائز؛ كالرّبيع بنت معوّذ، وأم عطّية، وأم سليم.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-15> الحادي عشر: عن خالد بن دريك عن عائشة </span>﵂ أن رسول الله - ﷺ - قال: (إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى كفه ووجهه). (^١) والذي تحقق أن المراد بهذا الحديث بيان حدود ما يحل للمرأة إظهاره لمن يحل لهم الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب من محارم، وعبيد مملوكين ونحوهم.\n_________\n(^١) أبو داود (٤١٠٤) وقال: هذا مرسل خالد بن دريك لم يدرك عائشة.","vol":"1","page":14},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-16> الثاني عشر: أن المراد بقوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾</span> هو ما يجوز للمرأة إظهاره لمن يحل لهم الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب ممّن لم يستثن في الآية؛ وهم: العم والخال، والمحرم بالمصاهرة (زوج البنت، وزوج الأم، وابن الزوج، وأبو الزوج) (^١) والمحرم بالرضاع، والعبيد المملوكون للغير، والعبد المملوك إذا كان من أولي الإربة، والصبية المميزون الذين لم يبلغوا الحلم، والنساء غير المسلمات؛ فهؤلاء هم المعنيون بنهي المرأة الحرة عن إبداء زينتها لهم ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ وليس الرجال الأحرار الأجانب الذين يجب عليها الاحتجاب منهم.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-17> الثالث عشر: الثابت في السنة أن الأكسية التي سارعت إلى لبسها النساء عند الخروج امتثالا لآية إدناء الجلابيب </span>هي الأكسية السود؛ كما صح عن أم سلمة ﵂ أنها قالت\" لما نزلت هذه الآية ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من أكسية سود يلبسنها\"فلا صحة لما استشهد به الشيخ الألباني من الآثار على جواز التجلبب بغير السواد؛ لأن ماورد في الآثار هو ماكانت تلبسه النساء من الأردية في البيوت أمام من أبيح لهم الدخول عليهن دون حجاب من العبيد المملوكين ونحوهم.\n_________\n(^١) كما سيأتي لاحقا أنهم ليسوا المعنيين بقوله (أو آباء بعولتهن. .. أو أبناء بعولتهن)","vol":"1","page":15},{"text":"* وختامها: فإن ديننا دين السماحة والوسطية؛ فلم يمنع المرأة من كشف ما تحتاج إليه من عينيها لرؤية الطريق، ولم يأذن لها بكشف الوجه بأكمله لأنه مظنة الفتنة، وليس في تغطيته مشقة ولا تفويت مصالح لها، وليس فيه عائق دون القيام بواجباتها.\n\nهذا مجمل ما ستجده في مناقشة البحوث التي احتج بها الشيخ الألباني في مسألة الحجاب، والتي تبين منها أن الشيخ الألباني قال قولا شذ فيه، وجانب الحق والصواب، وخالف الأدلة والبراهين، وخالف جماهير العلماء، ومع ذلك فإننا نقول بأن الشيخ معذور بل إن شاء الله مأجور؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (٦/ ٩٣): إن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة وهو من الإسلام وأهله بمكانة عليا، قد تكون منه الهفوة والزلة؛ هو فيها معذور بل مأجور، لا يجوز أن يتّبع فيها مع بقاء مكانته ومنزلته في قلوب المؤمنين.\nوقد كان من حسنات ما كتبه الشيخ الألباني في مسألة الحجاب أنه أيقض همة النائمين وأشعل الحماس للبحث، فكان دافعا للغوص في بحور من العلم لم نكن من قبل ننهل من سواحلها، فرحمك الله يا شيخ؛ ركبنا بحر مذهبنا لنبحث فوجدنا بحور المذاهب الأربعة كلها قد تطلعت لآلئها للباحثين عن الحق الذي لم يقصر الأئمة الأُول في بيانه، ولكنه جمود كل جيل على جهد من قبله حتى اندثرت\nبعض الحقائق بل وقُلب بعضها؛ إذ إن كل جيل لا ينقل ما يجده عن سابقه برمَّته؛ ولكنه يشرح ويفصِّل حسب فهمه لقول شيخه متأثرا بمتغيرات عصره، ثم يتناقل ذلك من بعدهم على أنه مُراد المصنف الأول وقول صاحب المذهب،","vol":"1","page":16},{"text":"وهو قد يكون خلافه! ولو أن المرجع في مثل هذه المسائل الخلافية هو كتاب الله وما صح عن رسوله - ﷺ - وعرض ما في هذه المصنفات عليهما واطراح ما خالفهما؛ لما اندثر الحق، ولما ظهر الجهل ببعض المسائل حتى ساد بين الناس خلاف ما أراد الله وعُمل به على أنه مراد الله وشرعه. كما قال شيخ الإسلام «والمنقول عن السلف والعلماء يحتاج إلى معرفة بثبوت لفظه ومعرفة دلالته كما يحتاج إلى ذلك المنقول عن الله ورسوله».\nفأسأل الله جل في علاه أن أكون قد وُفقت لهذا في كتابي ووافقت فيه الصواب، فجهدي جهد بشر مقصر، تجاسر وتعرض لما لا يطيق، وتطفل على مائدة الأفاضل، فلست أرى لنفسي منزلة تعد من منازلهم، ولا لذاتي منهل مورد يكون بين مناهلهم؛ وإني بالتقصير لمعترفة، ومن بحر الخطايا لمغترفة، ولكن ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ الأعراف: ١٦٤.\nفإن تجدْ عيبًا فسُدَّ الخلَلَا ... جَلَّ مَنْ لا عيبَ فيهِ وعلا\nوقد خصصت فيه اللون البنفسجي لما نقلته عن الشيخ الألباني من كتابيه \"الرد المفحم\"و\"جلباب المرأة المسلمة\"، واللون الأحمر للعناوين والنقاط المهمة، واللون الأخضر لموضع الشاهد من المنقولات التي خصصتها باللون الأسود، واللون الأزرق لتعليقاتي، وإذا توسطت تعليقاتي المنقولات جعلتها بين شرطتين - - وإن تلتها أشرت إلى انتهاء المنقول بـ (اهـ) وذلك حرصا على سهولة وسلامة فهم القارئ،","vol":"1","page":17},{"text":"وفي تخريج الأحاديث اقتصرت على ذكر الصفحة ورقم الحديث دون ذكر الكتب والأبواب خشية الإطالة، كما أنني لم أضع فهرسًا للمراجع اكتفاءً بالهوامش، فأذكر محقق الكتاب -إن وجد- وطبعته والناشر في أول موضع يرد فيه، هذا فيما رجعت فيه إلى الكتاب مباشرة، وما عدا ذلك فمرجعه البرامج التالية:\n(١) برنامج: مكتبة التفسير وعلوم القرآن، والمكتبة الألفية للسنة النبوية، ومكتبة الفقه وأصوله، الإصدار الرابع، مركز التراث للبرمجيات.\n(٢) برنامج الجامع الكبير، الإصدار الخامس، مركز التراث للبرمجيات.\n(٣) برنامج مكتبة الألباني، الإصدار الثاني.\n(٤) برنامج المكتبة الشاملة، المكتب التعاوني بالروضة.\nأسأل الله بمنّه وكرمه أن ينفع بكتابي هذا عامة المسلمين من حنفية ومالكية وشافعية وحنابلة، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\nكتبته الفقيرة إلى عفو ربها\nأمل بنت محمد ٢٢/ ٣/١٤٤٢ هـ","vol":"1","page":18},{"text":"ــ::<span data-type=\"title\" id=toc-18> توطئة::</span> ــ\nقال ابن عباس\" يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول قال\nرسول الله - ﷺ - وتقولون قال أبو بكر وعمر\" (^١) فإذا كان هذا كلام ابن عباس لمن عارضه بأبي بكر وعمر وهما هما فما ظنك بقوله لمن يعارض سنن الرسول - ﷺ - بإمامه وصاحب مذهبه الذي ينتسب إليه؟ ويجعل قوله معيارًا على الكتاب والسنة فما وافقه قبله، وما خالفه رده أو تأوله.\nوقال أحمد بن حنبل: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان والله تعالى يقول ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ النور: ٦٣ ومراد أحمد أن الفرض والحتم على المؤمن إذا بلغه كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - وعلم معنى ذلك في أي شيء كان أن يعمل به ولو خالفه من خالفه.\nقال الشافعي: أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة رسول الله - ﷺ - لم يكن له أن يدعها لقول أحد.\n_________\n(^١) أخرجه الدارمي في سننه (٤٣١) بلفظ: قال ابن عباس\" أما تخافون أن تُعذَّبوا أو يخسف بكم؛ أن تقولوا قال رسول الله وقال فلان\" ورجاله ثقات غير أن سليمان التيمي أرسله عن ابن عباس.","vol":"1","page":19},{"text":"سئل أبو حنيفة إذا قلت قولًا وكتاب الله يخالفه؟ قال: اتركوا قولي لكتاب الله، قيل: إذا كان قول الرسول يخالفه؟ قال: اتركوا قولي لخبر الرسول - ﷺ -، قيل: إذا كان قول الصحابة يخالفه؟ قال: اتركوا قولي لقول الصحابة.\nوروي البيهقي في السنن عن الشافعي أنه قال: إذا قلت قولًا وكان عن النبي - ﷺ - خلاف قولي فما يصح من حديث رسول الله - ﷺ - أولى فلا تقلدوني.\nوقال مالك: كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله - ﷺ -.\nوكلام الأئمة مثل هذا كثير، لكن المقلِّدين خالفوا ذلك وجمدوا على ما وجدوه في الكتب المذهبية، سواء كان صوابًا أم خطأ مع أن كثيرا من هذه الأقوال المنسوبة إلى الأئمة ليست أقوالًا لهم منصوصًا عليها وإنما هي تفريعات ووجوه واحتمالات وقياس على أقوالهم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبدالوهاب/٤٨٢ - ٤٨٨.","vol":"1","page":20},{"text":":: مناقشة البحوث::\n\nــ::<span data-type=\"title\" id=toc-19> البحث الأول:: ــ\nآية الجلباب: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾</span> الأحزاب: ٥٩\nقال الشيخ الألباني: يصرُّ المخالفون على أن معنى ﴿يدنين﴾: يغطِّن وجوههن، وهو خلاف معنى أصل هذه الكلمة: \"الإدناء\" لغة، وهو التقريب، وهذا هو الإمام الراغب الأصبهاني يقول في \"المفردات\": \" (دنا)، الدنو: القرب ... ويقال: دانيت بين الأمرين وأدنيت أحدهما من الآخر ... \"، ثم ذكر الآية. وبذلك فسرها ترجمان القرآن عبد الله بن عباس فيما صح عنه، فقال: \" تدني الجلباب إلى وجهها ولا تضرب به\"، كما سيأتي تخريجه. اهـ\nثم نقل الشيخ الألباني من كتب فقهاء الحنابلة ما يستشهد به على رأيه هذا فقال: وهو ما جاء في \"الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام المبجل أحمد ابن حنبل\" للشيخ علاء الدين المرداوي (١/ ٤٥٢)، قال: \"الصحيح من المذهب أن الوجه ليس من العورة\" ثم ذكر مثله في الكفين، وهو اختيار ابن قدامة المقدسي في \"المغني\" (١/ ٦٣٧) وهو الذي اعتمده وجزم به في كتابه \"العمدة\".","vol":"1","page":21},{"text":"ــ::<span data-type=\"title\" id=toc-20> مناقشة البحث الأول::</span> ــ\nأولا: قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ الأحزاب: ٥٩ أنكر الشيخ الألباني أن هذه الآية تقتضي تغطية الوجه محتجا على رأيه بالمعنى العام للإدناء عند أحد اللغويين وهو قول الراغب الأصبهاني في \"المفردات\": \"دانيت بين الأمرين وأدنيت أحدهما إلى الآخر\"! مع أن هذا القول ليس فيه نفي لدلالة هذه الآية على تغطية الوجه؛ فإن إدناء الشيء من الآخر هو تقريبه إليه؛ فإذا كان الجلباب على الرأس فوق الخمار فإلى أي شيء سيقرّب إن لم يقرّب إلى الوجه ويدنا عليه حتى يغطيه؟! ومع ذلك فإن هذا فقط ما احتج به الشيخ الألباني من أقوال أهل اللغة! فإنه قد ثبت عند من هم أئمة في اللغة بأن المراد بالإدناء في الآية تغطية الوجه:\n- قال إمام العربية (إمام الكوفة في النحو واللغة) أبو زكريا الفراء (ت ٢٠٧) في كتابه معاني القرآن (٢/ ٣٣٧): والجلباب؛ الرداء ... عن ابن عون عن ابن سيرين في قوله ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ هكذا: قال تغطّى إحدى عينيها وجبهتها والشّقّ الآخر، إلا العين.","vol":"1","page":22},{"text":"- وقال إمام العربية أبو جعفر النحاس النحوي اللغوي المفسّر (ت ٣٣٨ هـ) في كتابه إعراب القرآن (٣/ ٣٢٥): ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ أي يرخين على وجوههن منه.\n- وقال الإمام البارع العلامة أبو القاسم محمود الخوارزمي الزمخشري في تفسيره الكشاف (٣/ ٥٦٠): ومعنى (يدنين عليهن من جلابيبهن) يرخينها عليهن، ويغطين بها وجوههن وأعطافهن. يقال: إذا زل الثوب عن وجه المرأة: أدنى ثوبك على وجهك.\n- وقال نظام الدين الحسن بن محمد بن حسين القمي النيسابوري في تفسير غرائب القرآن (٥/ ٤٧٦): ومعنى (يدنين عليهن) يرخين عليهن.\nيقال للمرأة إذا زل الثوب عن وجهها أدني ثوبك على وجهك. . . فأمرن بلبس الأردية والملاحف وستر الرأس والوجوه.\n- وقال الإمام النحوي المفسر أبو حيان الأندلسي في تفسيره البحر المحيط (٧/ ٢٥٠): (يدنين عليهن) شامل لجميع أجسادهن، أو \"عليهن\" على وجههن لأن الذي كان يبدو منهن في الجاهلية هو الوجه.\nوبذلك يتبين خطأ الشيخ الألباني ومخالفته لما عليه أهل اللغة في تأويلهم لمعنى (يدنين عليهن) بـ (يغطِّين وجوههن) وأنه لا يخالف معنى أصل هذه الكلمة: \" الإدناء\" لغة.","vol":"1","page":23},{"text":"ثانيا: أن الشيخ الألباني أقرّ بأن إدناء الجلابيب يقتضي تغطية الوجه في كتابه جلباب المرأة المسلمة (ص: ١٥٢) حيث قال: (ومن هنا يظهر الضابط في نهيه - ﷺ - عن تشبه الرجال بالنساء، وعن تشبه النساء بالرجال، وأن الأصل في ذلك ليس هو راجعا إلى مجرد ما تختاره الرجال والنساء ويشتهونه ويعتادونه، فإنه لو كان كذلك؛ لكان إذا اصطلح قوم على أن يلبس الرجال الخمر التي تغطي الرأس والوجه والعنق، والجلابيب التي تسدل من فوق الرءوس حتى لا يظهر من لابسها إلا العينان! وأن تلبس النساء العمائم والأقبية المختصرة ونحو ذلك أيكون هذا سائغا! فإن هذا خلاف النص والإجماع، فإن الله تعالى قال للنساء: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ النور: ٣١ وقال: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٩).اهـ\nثالثا: أن الشيخ الألباني قد احتج على قوله بالمعنى العام للإدناء عند أحد اللغويين؛ ولم يذكر ما اتفق عليه المفسرين في أكثر من أربعين كتابا في التفسير من تفسير هذه الآية بتغطية الوجه بناء على ما ورد فيها من أحاديث وآثار، ولم يتطرق لأي قول من أقوالهم في تفسير هذه الآية!! وقد كان من الأولى في تفسير آية من القرآن الرجوع إلى\nتأويلها في كتب التفسير، ثم الاستئناس بما يوافق هذا التفسير من كتب اللغة.","vol":"1","page":24},{"text":"وسأنقل أقوال المفسرين في تفسير هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٩ ليتبين إتفاقهم على أن المراد بالإدناء في هذه الآية هو تغطية الوجه:\n* قال إمام المفسرين محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ): يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - ﷺ - يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين لا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن فكشفن شعورهن ووجوههن ولكن ليدنين عليهن من جلابيبهن لئلا يعرض لهن فاسق. (^١)\n* قال الإمام أبو بكر الجصاص الحنفي (ت ٣٧٠ هـ): في هذه الآية دلالة على أن المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيين وإظهار الستر والعفاف عند الخروج لئلا يطمع أهل الريب فيهن. (^٢)\n* قال الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي زمنين (ت ٣٩٩ هـ): يدنين عليهن من جلابيبهن والجلباب الرداء يعني يتقنعن به. (^٣)\n* قال الإمام أبو إسحاق أحمد بن محمد الثعلبي النيسابوري (ت ٤٢٧ هـ): أي يرخين أرديتهن وملاحفهن فيتقنعن بها ويغطين وجوههن ورؤوسهن. (^٤)\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٢٢/ ٤٦.\n(^٢) أحكام القرآن ٥/ ٢٤٥.\n(^٣) تفسير االقرآن العزيز لابن أبي زمنين ٣/ ٤١٢.\n(^٤) الكشف والبيان ٨/ ٦٤.","vol":"1","page":25},{"text":"* قال الإمام أبو محمد مكي بن أبي طالب القيسي القرطبي المالكي (ت ٤٣٧ هـ): أي قل لهن يرخين عليهن أرديتهن لئلا يشتبهن بالإماء في لباسهن إذا خرجن لحاجتهن فيكشفن شعورهن ووجوههن ولكن يدنين عليهن من جلابيبهن. (^١)\n* قال الإمام علي بن أحمد الواحدي أبو الحسن (ت ٤٦٨ هـ): قال المفسرون: يغطين رءوسهن ووجوهن إلا عينا واحدة. (^٢)\n* قال الإمام أبو المظفر منصور السمعاني (ت ٤٨٩ هـ): أي يشتملن بالجلابيب قال عبيدة السلماني تتغطى المرأة بجلبابها فتستر رأسها ووجهها وجميع بدنها إلا إحدى عينيها. (^٣)\n* قال الإمام الفقيه أبو الحسن عماد الدين المعروف بـ \"الكيا الهراس\" (^٤) (ت ٥٠٤ هـ): فأمرهن بتغطية وجوههن ورؤوسهن،، ولم يوجب على الإماء ذلك. (^٥)\n* قال الإمام أبو الحسين البغوي (ت ٥١٦ هـ): الجلباب وهو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار، وقال ابن عباس وأبو عبيدة أمر نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجوههن بالجلابيب إلا عينا واحدة. (^٦)\n_________\n(^١) الهداية الى بلوغ النهاية ٩/ ٥٨٦٩\n(^٢) التفسير الوسيط ٣/ ٤٨٢.\n(^٣) تفسير السمعاني ٤/ ٣٠٦.\n(^٤) إلكيا: كلمة فارسية بمعنى الكبير القدر المقدم بين الناس.\n(^٥) أحكام القرآن للكيا الهراس ٤/ ٣٥٠.\n(^٦) معالم التنزيل ٣/ ٥٤٤.","vol":"1","page":26},{"text":"* قال العلامة أبو القاسم الزمخشري الحنفي (ت ٥٣٨ هـ): يرخينها عليهن ويغطين بها وجوههن وأعطافهن. (^١)\n* قال الإمام بن عطية الأندلسي (ت ٥٤٦ هـ) والإمام أبو عبد الله القرطبي المالكي (ت ٦٧١ هـ): لما كانت عادة العربيات التبذل وكن يكشفن وجوههن كما يفعل الإماء وكان ذلك داعية إلى نظر الرجال إليهن وتشعب الفكر فيهن؛ أمر الله تعالى رسوله - ﷺ - بأمرهن بإدناء الجلابيب. (^٢)\n* قال الإمام القاضي عبد الله بن عمر البيضاوي الشافعي (ت ٦٨٥ هـ): يغطين وجوههن وأبدانهن بملاحفهن إذا برزن لحاجة. (^٣)\n* قال الإمام عبد الله بن أحمد النسفي الحنفي (ت ٧١٠ هـ): يرخينها عليهن، ويغطين بها وجوههن وأعطافهن، يقال إذا زال الثوب عن وجه المرأة أدني ثوبك على وجهك. (^٤)\n* قال شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية الحراني (ت ٧٢٨ هـ): قبل أن تنزل آية الحجاب كان النساء يخرجن بلا جلباب يرى الرجل وجهها\n_________\n(^١) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل ٣/ ٥٦٠.\n(^٢) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ٤/ ٣٩٩، الجامع لأحكام القرآن ١٤/ ٢٤٣.\n(^٣) أنوار التزيل وأسرار التأويل ٤/ ٣٨٦.\n(^٤) مدارك التنزيل وحقائق التأويل ٣/ ٣١٥.","vol":"1","page":27},{"text":"ويديها ثم أنزل الله آية الحجاب بقوله ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ ... فحجب النساء عن الرجال. (^١)\n* قال الإمام علاء الدين علي بن محمد أبو الحسن البغدادي، الشهير بالخازن (ت ٧٤١ هـ): أي يرخين ويغطين ﴿عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ قال ابن عباس: أمر نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجوههن بالجلابيب إلا عينا واحدة. (^٢)\n* قال العلامة محمد بن أحمد بن جزي الكلبي الغرناطي المالكي (ت ٧٤١ هـ): كان نساء العرب يكشفن وجوههن كما تفعل الإماء، وكان\nذلك داعيا إلى نظر الرجال لهن، فأمرهن الله بإدناء الجلابيب ليسترن بذلك وجوههن. (^٣)\n* قال الإمام النحوي المفسر أبو حيان الأندلسي (ت ٧٤٥ هـ): أمرن أن يخالفن بزيهن عن زي الإماء بلبس الأردية وستر الرؤوس والوجوه ليحتشمن ويهبن. (^٤)\n* قال أبو محمد بدر الدين المرادي المصري المالكي (ت ٧٤٩ هـ): والمعنى يغطين بها وجوههن وأبدانهن وقت خروجهن من بيوتهن لحاجة ولا يخرجن مكشوفات الوجوه والأبدان كالإماء. (^٥)\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢٢/ ١١٠.\n(^٢) لباب التأويل في معاني التنزيل ٣/ ٤٣٧.\n(^٣) التسهيل لعلوم التنزيل ٣/ ١٤٤.\n(^٤) تفسير البحر المحيط ٧/ ٢٤٠.\n(^٥) روح البيان ٧/ ١٨٦.","vol":"1","page":28},{"text":"* قال الإمام الحافظ إسماعيل بن عمر بن كثير الشافعي (ت ٧٧٤ هـ): الجلباب هو الرداء فوق الخمار ... قال ابن عباس أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن. (^١)\n* قال الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي (ت ٨٧٥ هـ): أي يرخين أرديتهن وملاحفهن فيتقنّعن بها ويغطين وجوههن ورؤوسهن. (^٢)\n* قال الإمام محمد بن عبد الرحمن الحسيني الإيجي الشافعي (ت ٩٠٥ هـ): يعني يرخينها عليهن ويغطين وجوههن وأبدانهن. (^٣)\n* تفسير الجلالين المحلي والسيوطي (ت ٩١١ هـ): أي يرخين بعضها على الوجوه إذا خرجن لحاجتهن إلا عينًا واحدة. (^٤)\n* قال الشيخ أبو السعود العمادي (ت ٩٥١ هـ): أي يغطين بها وجوههن وأبدانهن إذا برزن لداعية من الدواعي. (^٥)\n* قال الإمام إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي (ت ١١٢٧ هـ): والمعنى يغطين بها وجوههن وأبدانهن وقت خروجهن من بيوتهن لحاجة. (^٦)\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٣/ ٥١٩.\n(^٢) الجواهر الحسان في تفسير القرآن ٨/ ٦٤.\n(^٣) جامع البيان في تفسير القرآن ٣/ ٣٦٧.\n(^٤) قرة العينين على تفسير الجلالين ١/ ٥٦٠.\n(^٥) إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ٧/ ١١٥.\n(^٦) تفسير حقي ١١/ ١٣٢.","vol":"1","page":29},{"text":"* قال العلامة محمد بن علي الشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ): قال الواحدي: قال المفسرون يغطين وجوههن ورؤوسهن إلا عينا واحدة. (^١)\n* قال العلامة ومفتي بغداد أبو الفضل شهاب الدين الألوسي (ت ١٢٧٠ هـ): وإدناء ذلك عليهن أن يتقنعن فيسترن الرأس والوجه بجزء من الجلباب. (^٢)\n* قال علامة الشام محمد جمال الدين القاسمي في محاسن التأويل (ت ١٣٣٢ هـ): يرخينها عليهن ويغطين بها وجوههن وأعطافهن. (^٣)\n* قال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي (ت ١٣٧٦ هـ): هذه الآية هي التي تسمى آية الحجاب ... أي يغطين بها وجوههن وصدورهن. (^٤)\n* قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي (ت ١٣٩٣ هـ): من الأدلة القرآنية على احتجاب المرأة وسترها جميع بدنها حتى وجهها قوله تعالى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فقال غير واحد من أهل العلم أنهن يسترن بها جميع وجوههن ولا يظهر منهن شيئًا إلا عينًا واحدة تبصر بها. (^٥)\n_________\n(^١) فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير ٤/ ٣٠٤.\n(^٢) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ٢٢/ ٨٩.\n(^٣) محاسن التأويل ٨/ ١١٣.\n(^٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ١/ ٦٧٢.\n(^٥) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ٦/ ٢٤٣.","vol":"1","page":30},{"text":"* وبذلك تبين إجماع المفسرين ومنهم أئمة التفسير كالطبري والبغوي والقرطبي والبيضاوي والنسفي وابن كثير والشوكاني ومنهم أئمة في اللغة كالفراء والنحاس والزمخشري وأبي حيان ومنهم أئمة في الفقه كعماد الدين الطبري والجصاص والبيضاوي والشوكاني وغيرهم على اختلاف مذاهبهم؛ على تفسير هذا الأمر الرباني الموجه لنساء المؤمنين بتغطية الوجه.\n\nثانيًا: استشهد الشيخ الألباني بقول عبد الله بن عباس - ﵁ - \" تدني الجلباب إلى وجهها ولا تضرب به\" على أنه تفسير من ابن عباس لآية إدناء الجلابيب فقال: (وقد صح عن ابن عباس أنه قال في تفسير آية الجلابيب\" تدني الجلباب إلى وجهها، ولا تضرب به\")!! والصحيح أن قول ابن عباس هذا لم يكن تفسيرا لآية إدناء الجلابيب كما ذكر الشيخ الألباني، ولم يستشهد به مطلقا أي أحد من المفسرين في تفسير هذه الآية! بل لم يرد له ذكر في كتب التفسير البتة!! لأن هذا القول من ابن عباس إنما كان لبيان كيفية تغطية وجه المرأة حال إحرامها،\nكما أن الشيخ الألباني لم يذكر رواية هذا الأثر بتمامها كما هي عند أبي داوود: قال أبو داود في مسائله للإمام أحمد في باب: ماتلبس المرأة في إحرامها: عن ابن عباس ﵄ قال: (تدني الجلباب إلى وجهها ولا تضرب به، قال روح في حديثه: قلت وما لا تضرب به فأشار إلى كما تجلبب المرأة ثم أشار إلى ما على خدها من الجلباب فقال لا تعطفه فتضرب به على وجهها ولكن تسدله على وجهها كما هو مسدولا ولا تقلبه ولا تضرب به ولا تعطفه) (^١) وهذا\n_________\n(^١) أبو داود في (مسائله) ص /١١٠، مسند الشافعي (١/ ١١٨)، الأم (٢/ ١٤٩).","vol":"1","page":31},{"text":"يبين مراد ابن عباس؛ وهو أن تغطية المرأة لوجهها حال إحرامها تكون بسدل الجلباب من فوق رأسها على وجهها، وليس لها رفع الثوب من أسفل وضربه على الوجه (^١) للتلثم به والتبرقع، فالنهي في الإحرام متعلق بصفة التغطية وليس بالتغطية نفسها.\n\nثالثا: (١) استشهد الشيخ الألباني بما جاء في الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي (١/ ٤٥٢) قال \"الصحيح من المذهب أن الوجه ليس من العورة\" على أن مراده عورة النظر! والصحيح أن مراد المرداوي عورة المرأة في الصلاة. وهو من شرحه لمتن المقنع في فقه الإمام أحمد لابن قدامة المقدسي (ص: ٤٤): (كتاب الصلاة، باب ستر العورة: الشرط الثالث. وسترها عن النظر بما لا يصف البشرة واجب. وعورة الرجل ... والحرة كلها عورة إلا الوجه وفي الكفين روايتان ... ويستحب للرجل أن يصلي في ثوبين ...) فقال المرداوي في الإنصاف (١/ ٤٥٢ - ٤٥٣) شارحا قوله\"والحرة كلها عورة إلا الوجه\" الصحيح من المذهب أن الوجه ليس بعورة وعليه الأصحاب وحكاه القاضي إجماعا وعنه الوجه عورة أيضا ... وقال بعضهم الوجه عورة وإنما كشف في الصلاة للحاجة قال الشيخ تقي\nالدين والتحقيق أنه ليس بعورة في الصلاة وهو عورة في باب النظر إذا لم يجز النظر إليه) اهـ.\n_________\n(^١) الضرب هو الشد والإلصاق، قال ابن عبدالبر في الكافي (١/ ١٥٣): قال سعيد بن جبير (وليضربن) يعني وليشددن. وفي فتح القدير (٤/ ٢٣): مبالغة في الإلقاء الذي هو الإلصاق.","vol":"1","page":32},{"text":"أما رأيه في عورة المرأة في النظر؛ فيتبين بما ذكره في كتابه \"الإنصاف\" عن حكم النظر للأمة التي لم يُفرض عليها الحجاب (٨/ ٢٧) حيث قال: الصواب أن الجميلة تنتقب، وأنه يحرم النظر إليها كما يحرم النظر إلى الحرة الأجنبية ... فلا يجوز له النظر إلى الأجنبية قصدا وهو صحيح وهو المذهب. اهـ\n\n(٢) ومثل ذلك ما نقله الشيخ الألباني عن ابن قدامة فهو عن عورة المرأة في الصلاة، وهذا نص ما قال ابن قدامة في المغني (١/ ٦٣٧): (جميع المرأة عورة إلا وجهها وكفيها وما سوى ذلك يجب ستره في الصلاة لأن ابن عباس قال في قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ النور: ٣١ قال الوجه والكفين). وكذلك ما قاله ابن قدامة في كتابه (العمدة): (باب شروط الصلاة) وهي ستة: (أحدها) الطهارة ... (الشرط الثاني) الوقت .. (الشرط الثالث) ستر العورة بما لا يصف البشرة، وعورة الرجل والأمة ما بين السرة والركبة، والحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها، وأم الولد والمعتق بعضها كالأمة. ومن صلى في ثوب مغصوب ... اهـ\nوبذلك يتبين أن ما استشهد به الشيخ الألباني عن ابن قدامة من كتابيه المغني والعمدة فهو عن عورة المرأة في الصلاة، أما رأي ابن قدامة في عورة المرأة بالنسبة للنظر إليها فهو قوله في المغني (٧/ ٧٨): فأما نظر الرجل إلى الأجنبية من غير سبب فإنه محرم إلى جميعها في ظاهر كلام أحمد.","vol":"1","page":33},{"text":"ــ:: البحث الثاني:: ــ\nقال الشيخ الألباني: يزعم كثير من المخالفين أن (الجلباب) المأمور به في آية الأحزاب هو معنى (الحجاب) المذكور في الآية الأخرى: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ الأحزاب: ٥٣ وهذا خلط عجيب، حملهم عليه علمهم بأن الآية الأولى لا دليل فيها على أن الوجه والكفين عورة، بخلاف الأخرى، فإنها في المرأة وهي في دارها، إذ إنها لا تكون عادة متجلببة ولا مختمرة فيها، فلا تبرز للسائل، خلافًا لما يفعل بعضهن اليوم ممن لا أخلاق لهن، وقد نبَّه على هذا الفرق شيخ الإسلام ابن تيمية فقال في\" الفتاوى\" (١٥/ ٤٤٨): \" فآية الجلابيب في الأردية عند البروز من المساكن، وآية الحجاب عند المخاطبة في المساكن\" قلت: فليس في أي من الآيتين ما يدل على وجوب ستر الوجه والكفين؛ أما الأولى فلأن الجلباب هو الملاءة التي تلتحف بها المرأة فوق ثيابها- وليس على وجهها-وعلى هذا كتب اللغة قاطبة، ليس في شيء منها ذكر للوجه البتة.","vol":"1","page":34},{"text":"ــ::<span data-type=\"title\" id=toc-25> مناقشة البحث الثاني::</span> ــ\nأولا: أنكر الشيخ الألباني أن معنى الحجاب (تغطية الوجه) الذي تقتضيه آية الحجاب الأولى ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ هو معنى الحجاب الذي تقتضيه آية الحجاب الثانية ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾!! مخالفا بذلك ما أجمع عليه أهل العلم، قال ابن عبد البر في التمهيد (٨/ ٢٣٥): (كانوا يرون النساء ولا يستتر نساؤهم عن رجالهم حتى نزلت آيات الحجاب ... فأمر النساء بالحجاب ثم أمرن عند الخروج أن يدنين عليهن من جلابيبهن وهو القناع) اهـ\nفإن آية الجلابيب نزلت تتمة لآية الحجاب ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ فآية الحجاب هذه نزلت لبيان أحكام الحجاب في البيوت؛ فبينت أنه لا يجوز للرجال الأحرار الأجانب الدخول على النساء الحرائر في البيوت ومخالطتهن والجلوس معهن، بل عليهم إذا كان لهم حاجة أن يسألوهن من وراء حجاب؛ من جدار أو الستر الذي يرخى بين مصراعي الباب ونحوه.\nولما كانت النساء قد يحتجن إلى الخروج من البيوت أنزل الله تعالى في حقهن آية إدناء الجلابيب ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فأمرهن إذا خرجن أن يدنين عليهن من جلابيبهن ليسترن","vol":"1","page":35},{"text":"وجوههن وسائر أبدانهن وبهذا تم أمر الحجاب في حالتي الخروج والاستقرار في البيوت. كما قال شيخ الإسلام \"فآية الجلابيب في الأردية عند البروز من المساكن، وآية الحجاب عند المخاطبة في المساكن\"\nومما يثبت اتفاق الآيتين على معنى الحجاب (تغطية الوجه) ما ثبت في صحيح السنّة من تسمية كل من الآيتين بـ (آية الحجاب):\nأما آية الحجاب الأولى ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ فقد ثبت من حديث أنس بن مالك - ﵁ - قال: أنا أعلم الناس بهذهِ الآية آية الحجاب لما أهديت زينب بنت جحش ﵂ إلى رسول اللَّه - ﷺ - كانت معه في البيت، صنع طعاما ودعا القوم فقعدوا يتحدثون فجعل النبي - ﷺ - يخرج ثم يرجع وهم قعود يتحدثون فأنزل الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ﴾ إلى قوله تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ الأحزاب: ٥٣ فضُرب الحجاب وقام القوم. (^١)\nأما آية الحجاب الثانية ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فقد ثبت تسميتها آية الحجاب في القصة التي كانت سببا لنزولها كما جاء في الصحيحين أن عائشة ﵂ قالت (خرجت سودة بعد ما ضُرب الحجاب لحاجتها وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على\n_________\n(^١) صحيح البخاري ٤/ ١٧٩٩ (٤٥١٤).","vol":"1","page":36},{"text":"من يعرفها فرآها عمر بن الخطاب فقال يا سودة أما والله ما تخفين علينا فانظري كيف تخرجين قالت فانكفأت راجعة، ورسول الله - ﷺ - في بيتي وإنه ليتعشى وفي يده عرق، فدخلت فقالت: يا رسول الله إني خرجت لبعض حاجتي فقال لي عمر كذا وكذا، قالت: فأوحى الله إليه ثم رفع عنه، وإن العرق في يده ما وضعه فقال: إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن\" (^١) وفي رواية قالت (فرآها عمر بن الخطاب وهو في المجلس فقال عرفتك يا سودة حرصا على أن ينزل الحجاب قالت: فأنزل الله ﷿ آية الحجاب). (^٢)\nومما يؤكد أن المراد بقولها (فأنزل الله آية الحجاب) آية إدناء الجلابيب؛ أنها صرحت في الرواية الأولى أن خروج سودة هذا كان بعدما ضُرب عليهن الحجاب بقوله تعالى ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾\n١ - قول شيخ الإسلام أحمد بن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) في مجموع الفتاوى (٢٢/ ١١٠): قبل أن تنزل آية الحجاب كان النساء يخرجن بلا جلباب يرى الرجل وجهها ويديها ثم أنزل الله آية الحجاب بقوله ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ ... فحجب النساء عن الرجال.\n_________\n(^١) صحيح البخاري ٤/ ١٨٠٠ (٤٥١٧) صحيح مسلم ٤/ ١٧٠٩ (٢١٧٠).\n(^٢) صحيح البخاري ٥/ ٢٣٠٣ (٥٨٨٦).","vol":"1","page":37},{"text":"٢ - قول ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) في فتح الباري (١/ ٢٤٩): أسباب نزول الحجاب تعددت ... والمراد بآية الحجاب في بعضها قوله تعالى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ ... .\n٣ - قول بدر الدين العيني الحنفي (ت ٨٥٥ هـ) في عمدة القاري (٢/ ٢٨٣ - ٢٨٥): الحجب ثلاثة؛ الأول: الأمر بستر وجوههن يدل عليه قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ ... الثاني: هو الأمر بإرخاء الحجاب بينهن وبين الناس يدل عليه قوله تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ الثالث: هو الأمر بمنعهن من الخروج من البيوت إلا لضرورة شرعية ... وقال الداودي قوله (قد أذن أن تخرجن) دال على أنه لم يرد هنا حجاب البيوت فإن ذلك وجه آخر إنما أراد أن يستترن بالجلباب حتى لا يبدو منهن إلا العين.\nوبذلك ثبت أن كلا من الآيتين تسمى آية الحجاب، وأن إدناء الجلباب يحمل معنى الحجاب في قوله تعالى ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، وأن كلا الأمرين يقتضي تغطية وجه المرأة الحرة عن الرجال الأحرار الأجانب.","vol":"1","page":38},{"text":"ثانيًا: قال الشيخ الألباني إن مفاد آية الحجاب ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾\nلا يقتضي تغطية الوجه وأن كل ما تعنيه (أن المرأة في دارها لا تكون متجلببة ولا مختمرة فلا تبرز للسائل)! وهذا مخالف لما فسر به أئمة التفسير هذه الآية، بل ومخالف قبل ذلك لمراد الله منها! فإن الله تعالى أراد بهذا الأمر الحد من دخول الرجال الأجانب على النساء، ومنع النساء عندها من البروز لهم حتى وإن كن مستترات بالجلابيب:\n* قال إمام المفسرين محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ) في تفسيره جامع البيان (٢٢/ ٣٩): يقول وإذا سألتم أزواج رسول الله ونساء المؤمنين اللواتي لسن لكم بأزواج متاعا ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ يقول من وراء ستر بينكم وبينهن ولا تدخلوا عليهن بيوتهن\n* قال الإمام الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) في تفسيره (٢/ ٨٧٢): فخاطبوهن من وراء حجاب وكانت النساء قبل نزول هذه الآية يبرزن للرجال فلما نزلت هذه الآية ضرب عليهن الحجاب فكانت هذه آية الحجاب بينهن وبين الرجال.\n* قال القاضي ابن العربي المالكي (ت ٥٤٣ هـ) في أحكام القرآن (٣/ ٦١٦): وهذا يدل على أن الله أذن في مساءلتهن من وراء حجاب في حاجة تعرض أو مسألة يستفتى فيها والمرأة كلها عورة بدنها وصوتها فلا يجوز كشف ذلك.","vol":"1","page":39},{"text":"* قال الإمام الرازي الشافعي (ت ٦٠٤ هـ) في تفسيره مفاتح الغيب (٢٥/ ١٩٥): أمر بسدل الستر عليهن وذلك لا يكون إلا بكونهن مستورات محجوبات.\n* قال الإمام النسفي الحنفي (ت ٧١٠ هـ) في تفسيره مدارك التنزيل (٣/ ٣١٣): وكانت النساء قبل نزول هذه الآية يبرزن للرجال.\n* قال الإمام الحافظ إسماعيل بن عمر بن كثير الشافعي (ت ٧٧٤ هـ) في تفسيره (٣/ ٥٠٦): أي وكما نهيتكم عن الدخول عليهن كذلك لا تنظروا إليهن بالكلية ولو كان لأحدكم حاجة يريد تناولها منهن فلا ينظر إليهن ولا يسألهن حاجة إلا من وراء حجاب.\n* قال العلامة محمد بن علي الشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ) في فتح القدير (٤/ ٢٩٨): وفي هذا أدب لكل مؤمن وتحذير له من أن يثق بنفسه في الخلوة مع من لا تحل له والمكالمة من دون حجاب لمن تحرم عليه. اهـ\nوكما سبق من قول شيخ الإسلام (وآية الحجاب عند المخاطبة في المساكن) فلم يقيد شيخ الإسلام ولا أحد ممن سبقه؛ المخاطبة في المساكن من وراء حجاب بكونها إنما تشرع إذا كانت المرأة غير مختمرة ولا متجلببة كما قيدها الشيخ الألباني!! بل إن الثابت أن أزواج النبي - ﷺ - وغيرهن من النساء؛ كن إذا جاء من يسألهن من الرجال يكلمنه من وراء حجاب، ولم يرد أنهن كن يلبسن الجلباب ويبرزن بأشخاصهن للسائل في البيوت!! يشهد لذلك الآثار الآتية:","vol":"1","page":40},{"text":"١ - عن يوسف بن ماهك قال كان مروان على الحجاز. . . فقال عبد الرحمن بن أبي بكر - ﵁ - شيئا فقال خذوه فدخل بيت عائشة ﵂ فلم يقدروا عليه فقال مروان إن هذا الذي ... فقالت عائشة ﵂ من وراء الحجاب ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن إلا أن الله أنزل عذري. (^١)\n٢ - عن مسروق بن الأجدع أنه أتى عائشة فقال لها إن رجلًا يبعث بالهدي إلى الكعبة ويجلس في المصر فيوصي أن تقلد بدنته. . . قال فسمعت تصفيقها من وراء الحجاب وقالت لقد كنت أفتل قلائد هدي رسول الله - ﷺ -. (^٢)\n٣ - قال عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث: اجتمع ربِيعة بن الحارث والعباس بن عبد المطلب فقالا والله لو بعثنا هذين الغلامين ... ثم دخل ودخلنا عليه وهو يومئذ عند زينب بِنت جحش ... حتى أردنا أن نكلمه قال وجعلت زينب تلمع علينا من وراء الحجاب أن لا تكلماه. (^٣)\n٤ - عن أبي موسى - ﵁ - قال كنت عند النبي - ﷺ - وهو نازل بالجعرانة بين مكة والمدينة ومعه بلال. . . ثم قال اشربا منه وأفرغا على وجوهكما ونحوركما وأبشرا فأخذا القدح ففعلا ما أمرهما به رسول الله - ﷺ - فنادتهما أم سلمة من وراء الستر أفضلا لأمكما مما في إنائكما. (^٤)\n_________\n(^١) صحيح البخاري ٤/ ١٨٢٧ (٤٥٥٠).\n(^٢) صحيح البخاري ٥/ ٢١١٥ (٥٢٤٦) صحيح مسلم ٢/ ٩٥٩ (١٣٢١).\n(^٣) صحيح مسلم ٢/ ٧٥٢ (١٠٧٢).\n(^٤) صحيح مسلم ٤/ ١٩٤٣ (٢٤٩٧).","vol":"1","page":41},{"text":"٥ - عن يزيد بن بابنوس قال ذهبت أنا وصاحب لي إلى عائشة فاستأذنا عليها فألقت لنا وسادة وجذبت إليها الحجاب فقال صاحبي يا أمّ المؤمنين ما تقولين في العراك. (^١)\n٦ - عن مسروق قال بكت عائشة ﵂ وبيني وبينها حجاب فقلت يا أم المؤمنين ما يبكيك ... (^٢)\n٧ - عن شهر بن حوشب قال دخلت على أم سلمة بالمدينة وبيني وبينها حجاب فسمعتها تقول (كان أكثر دعاء النبي - ﷺ - يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) (^٣).\n- قال ابن عبد البر في الاستذكار ٦/ ١٧٠: إن نساء النبي - ﷺ - لا يكلمن إلا من وراء حجاب\n- وقال النووي في المجموع (١٦/ ٣٥١): وقد ثبت أن كثيرا من راويات الحديث وحافظاته يسمعهن الأجانب عنهن من وراء حجاب، وقد كان أبو الشعثاء جابر بن زيد يسأل عائشة من وراء حجاب.\n_________\n(^١) مسند أحمد بن حنبل ٦/ ٢١٩ (٢٥٨٨٣) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٣) رجاله ثقات. وحسنه الألباني في جلباب المرأة /١٠٩.\n(^٢) تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله من الأخبار ٢/ ٦٩٦ (١٠٠٨)، قال الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم.\n(^٣) جامع الترمذي (٣٥٢٢) المعجم الأوسط للطبراني ٣/ ٣٣ (٢٣٨١) واللفظ له، صححه الألباني في صحيح جامع الترمذي ٥/ ٥٣٨.","vol":"1","page":42},{"text":"ثالثًا: مما يؤكد أن آية إدناء الجلابيب تقتضي وجوب ستر الوجه من المرأة؛ إشراك أمهات المؤمنين مع غيرهن في هذا الأمر فقال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ ومن المجمع عليه أن الله تعالى أوجب على أزواج النبي التستر الكامل\nبما في ذلك الوجه والكفين في آية الحجاب ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ولم يستثن عضوًا من عضو، فلو كان المراد بإدناء الجلباب تغطية الرأس دون الوجه؛ لكان كلامه تعالى في آية الجلابيب عبثًا في حق أمهات المؤمنين! تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. فإذا دل هذا الأمر على وجوب ستر الوجه والكفين في حق طائفة من إحدى الثلاث طوائف التي وجه لها الأمر في هذه الآية: أزواج النبي - ﷺ - وبناته ونساء المؤمنين؛ دل ذلك على وجوبه في حق الطائفتين الأخريين.\n- قال العلامة الشنقيطي في أضواء البيان (٦/ ٢٤٤): والقرينة المذكورة هي قوله تعالى ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ ووجوب احتجاب أزواجه وسترهن وجوههن لا نزاع فيه بين المسلمين فذكر الأزواج مع البنات ونساء المؤمنين يدلّ على وجوب ستر الوجوه بإدناء الجلابيب.\nرابعًا: أنكر الشيخ الألباني دلالة آية إدناء الجلابيب على تغطية الوجه بقوله: فلأن الجلباب هو الملاءة التي تلتحف بها المرأة فوق ثيابها وليس على وجهها وعلى هذا كتب اللغة قاطبة، ليس في شيء منها ذكر للوجه البتة.","vol":"1","page":43},{"text":"والجواب عليه بالآتي:\n١) أنه سبق أن أقرَّ بهذا المعنى في كتابه جلباب المرأة المسلمة (ص: ١٥٢) في معرض كلامه عن تشبه النساء بالرجال وتشبه الرجال بالنساء حيث قال (الجلابيب التي تسدل من فوق الرؤوس حتى لا يظهر من لابسها إلا العينان).\n٢) أن كون الجلباب؛ هو الملاءة التي تلتحف بها المرأة فوق ثيابها؛ لا ينفي كون الوجه داخل فيما تستره الملاءة! لأن الالتحاف لا يشترط في معناه أن يخرج الوجه من جسد الملتحف!! كما أن تغطية الوجه فرضت بأمر زائد على لبس الجلباب ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ وهو إدناءه عليها حتى يستر وجهها كما أجمع على ذلك جل أهل العلم من لغويين ومفسرين وفقهاء ومحدثين كما أسلفنا في مناقشة البحث الأول وكما سيأتي:\n- قال العلامة الزمخشري في الكشاف (٣/ ٥٦٩): الجلباب: الرداء الذي يستر من فوق إلى أسفل. وقيل: الملحفة وكل ما يستتر به من كساء أو غيره. ومعنى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ يرخينها عليهن ويغطين بها وجوههنّ وأعطافهنّ.\n- قال الإمام الخازن في لباب التأويل (٥/ ٢٧٦): يدنين. أن يرخين ويغطين عليهن من جلابيبهن جمع جلباب وهو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار، وقيل الملحفة وكل ما يستتر به من كساء وغيره، قال ابن عباس: أمر نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجوههن بالجلابيب إلا عينا واحدة.","vol":"1","page":44},{"text":"- وقال برهان الدين أبو الحسن البقاعي في نظم الدرر (٦/ ١٣٥): ثوب واسع دون الملحفة تلبسه المرأة ... وإن كان ما يغطي الرأس فإدناؤه ستر وجهها وعنقها ... وإن كان المراد ما دون الملحفة فالمراد ستر الوجه واليدين.\n- وقال العلامة زين الدين أبو الفرج الشهير بابن رجب في فتح الباري (٢/ ١٣٨): (الجلباب): قال ابن مسعود ومجاهد وغيرهما: هو الرداء، يستر أعلاها، إلا أنه يقنعها فوق رأسها، وقد فسر عبيدة السلماني قول\nالله ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ بأنها تدنيه من فوق رأسها فلا تظهر إلا عينها.\n٣) إن عدم ذكر الوجه والكفين في كتب اللغة لا يلزم منه إخراجهما مما يستر؛ لأن كتب اللغة لم تصرح كذلك بستر القدمين ولا الشعر ولا الذراعين؛ فهل يخرج ذلك كله مما يستره الجلباب؟!! كما إن ما جاء في كتب اللغة أن الجلباب؛ (ما تتغطى به المرأة) و(تغطي به المرأة رأسها) فإن المراد به تغطية الرأس كله بما فيه الوجه كما ذكر صاحب نظم الدرر: (وإن كان ما يغطي الرأس فإدناؤه ستر وجهها وعنقها) كما إن التغطية إذا أطلقت على المرأة (امرأة متغطية) فالمراد أنها مغطية لوجهها ومن ذلك:\n- تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي (١/ ٥٧٥): الجلباب: ما تتغطى به المرأة من ثوب أو غيره.","vol":"1","page":45},{"text":"- تاج العروس للزبيدي (٢/ ١٧٥): وخصه بعضهم بالمشتمل على البدن كله ... وقال تعالى (يُدنِينَ عَلَيهِنَّ من جلابِيبِهِنَّ) وقيل: هو ما تغطّي به المرأة.\n- المصباح المنير للفيومي (١/ ١٠٤): (الجلباب) ثوب أوسع من الخمار ودون الرداء وقال ابن فارس (الجلباب) ما يغطى به من ثوب وغيره.\nكما إنه قد ثبت في كتب اللغة أن من معاني الجلباب؛ المقنعة:\n- كما في مشارق الأنوار (١/ ١٤٩): الجلباب ... قال النضر هو ثوب أقصر وأعرض من الخمار وهي المقنعة تغطي به المرأة رأسها.\n- وفي النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٢٨٣): والجلباب: الإزار والرداء. وقيل الملحفة. وقيل هو كالمقنعة تغطي به المرأة رأسها وظهرها وصدرها.\n- وفي تاج العروس (٢/ ١٧٥): الجلباب: ثوب أقصر من الخمار وأعرض منه، وهو المقنعة.\nوقد جاء التصريح في كتب اللغة أن المقانع التي تغطي بها النساء رؤوسهن؛ شامل لوجوههن:\n- كما في التكملة للصغاني (ت ٦٥٠) (٥/ ٥٢١) والقاموس المحيط (ص: ١٠٦٠) وتاج العروس للزبيدي (٣٠/ ٤٣٧): والمميلات؛ اللاتي يملن قلوب الرجال إليهن، أو يملن المقانع عن رؤوسهن لتظهر وجوههن وشعورهن.","vol":"1","page":46},{"text":"ــ:: البحث الثالث:: ــ\nقال الشيخ الألباني: ومن تناقضهم، أنهم- في الوقت الذي يوجبون على المرأة أن تستر وجهها- يجيزون لها أن تكشف عن عينها اليسرىوتسامح بعضهم فقال: بالعينين كلتيهما! بناء على بعض الآثار الواهية التي منها حديث لابن عباس.","vol":"1","page":47},{"text":"ــ::<span data-type=\"title\" id=toc-29> مناقشة البحث الثالث::</span> ــ\nأولًا: في الوقت الذي يبيح فيه الشيخ الألباني جواز كشف وجه المرأة؛ ينكر القول بجواز كشف إحدى العينين أو كلتيهما لرؤية الطريق ويعدَّ ذلك تساهُل من مخالفيه! ولا أحد ينكر أنه لا يمكن أن تعرف المرأة الشوهاء من الحسناء بمجرد الكشف عن إحدى العينين أو كلتيهما بخلاف ما لو خرجت المرأة سافرة عن وجهها بأكمله!! كما أن في إباحة كشف العينين للمرأة لرؤية الطريق إذا تعذر عليها رؤيته؛ تجلي لسماحة الدين وتيسيره على المرأة حين أباح لها ذلك للحاجة، فلا إفراط بمنعها من كشف ما يتيسر معه رؤيتها للطريق؛ ولا تفريط بإباحة سفورها عن وجهها بأكمله.\nقال الألوسي في تفسيره روح المعاني (٢٢/ ٨٨) في تفسير آية الإدناء: والإدناء التقريب يقال أدناني أي قربني وضمن معنى الإرخاء أو السدل؛ ولذا عدي بعلى، ولعل نكتة التضمين الإشارة إلى أن المطلوب تستر يتأتى معه رؤية الطريق. اهـ\nكما إن الشيخ الألباني قد أقرَّ بمشروعية ذلك في كتابه جلباب المرأة المسلمة (ص: ١٥٢) حيث قال: (الجلابيب التي تسدل من فوق الرءوس حتى لا يظهر من لابسها إلا العينان) وقال في موضع آخر منه (والحديث صريح الدلالة على أن الكفين ليسا من العورة في عرف نساء الصحابة، وكذا الوجه أو العينين على الأقل)!! اهـ","vol":"1","page":48},{"text":"ثانيا: أن هذا القول مبني على \"أصل ثابت\" وهو ما أُثر عن ابن عباس - ﵁ - في تفسير آية إدناء الجلابيب؛ قال: (أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عينا واحدة) (^١) ولا يصح قول الشيخ الألباني عن هذا الأثر أنه من (الآثار الواهية)!! وذلك لعلَّتين في إسناده لا تقدح في صحته، ولا تصل به إلى درجة القول بأنه من الآثار الواهية!! فإنه لاينزل عن رتبة الحسن، وله من الشواهد الصحيحة ما يتقوى بها ويرتقي بها من الحسن إلى الصحيح.\nولذلك فإن هذه الرواية تعد من الروايات الثابتة والمعتبرة عند المفسرين والمحدثين: قوّاها الإمام أحمد، واحتج بها البخاري في\" الجامع الصحيح\" كما احتج بها أئمة التفسير: ابن جرير في\" جامع البيان\" وابن المنذر، وابن أبي حاتم في\" تفسير القرآن\" والطبري واعتمد على هذه الرواية علامة الشام محمد جمال الدين القاسمي في تفسيره\" محاسن التأويل\" والإمام القرطبي في تفسيره\" الجامع لأحكام القرآن\" وكذلك الإمام ابن كثير في تفسيره في مواضع عديدة وغيرهم من المفسرين، فكانت قوية محتجا بها عند علماء التفسير وغيرهم، كما أن ظاهر القرآن والسنة وآثار الصحابة والتابعين تؤيدها، فلا وجه للطعن فيها، وسيأتي بيان وتفصيل لصحة الاحتجاج بهذا الأثر في مناقشة البحث السابع.\n_________\n(^١) صحح هذا الإسناد ابن حجر في فتح الباري (١٣/ ٢٧١)، والسيوطي في الإتقان (٢/ ٥)، وحسّنه حكمت بن بشير في الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور (٣/ ٤٦٤).","vol":"1","page":49},{"text":"ــ::<span data-type=\"title\" id=toc-30> البحث الرابع: الخمار والاعتجار::</span> ــ\nقوله تعالى ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ ... النور: ٣١\nقال الشيخ الألباني: الخمار: غطاء الرأس دون الوجه، وفي\" المعجم الوسيط: \" الخمار: كل ما ستر ومنه خمار المرأة، وهو ثوب تغطي به رأسها، ومنه العمامة، لأن الرجل يغطي بها رأسه، ويديرها تحت الحنك\". وعلى هذا جرى العلماء على اختلاف اختصاصاتهم من: المفسرين، والمحدثين، والفقهاء، واللغويين، وغيرهم، سلفًا وخلفًا، وقد تيسر لي الوقوف على كلمات أكثر من أربعين واحدًا منهم، وقد أجمعت كلها على ذكر الرأس دون الوجه في تعريفهم للخمار.\nثم قال الشيخ الألباني: وهنا لا بد لي من بيان خطأ وقع في شرح الحافظ لحديث عائشة في نزول آية (الخُمُر)، فقال الحافظ قول عائشة: \" فاختمرن بها\": (أي: غطين وجوههن، وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها، وترميمه من الجانب الأيسر، وهو التقنع. ففي كتب اللغة: (تقنّعت المرأة أي: لبست القناع وهو ما تغطي به المرأة رأسها)، كما في\" المعجم الوسيط\" وغيره، مثل الحافظ نفسه فقد قال في\" الفتح\" (٧/ ٢٣٥ و١٠/ ٢٧٤»: التقنع: تغطية الرأس (وبناءً على ما سبق فقوله\" وجوههن\"، يحتمل أن يكون خطأ من الناسخ، أو سبق قلم من المؤلف، أراد أن يقول: \" صدورهن\" فسبقه القلم! ويحتمل أن يكون أراد معنىً مجازيًا أي: ما يحيط بالوجه من باب المجاورة، فقد وجدت في\" الفتح\" نحوه في موضع آخر تحت حديث البراء - ﵁ -: \" أتى النبي - ﷺ - رجلٌ مقنع بالحديد \" (قوله: \" مقَنَّع\" كناية","vol":"1","page":50},{"text":"عن تغطية وجهه بآلة الحرب) فإنه يعني ما جاور الوجه، وإلا لم يستطع المشي فضلًا عن القتال.\nإذا عرفت هذا فمن قال بأن\" الاعتجار مطابق للاختمار في المعنى\" فأقول: نعم هو كذلك بالمعنى الصحيح المتقدم للاختمار وأما بمعنى تغطية الوجه عند الإطلاق فهو باطل لغة قال الإمام الفيروز آبادي في\" قاموسه\" والزبيدي في\" تاجه\" (الاعتجار: لي الثوب على الرأس منغير إدارة تحت الحنك) وفي بعض العبارات: هو\" لف العمامة دون التلحِّي\" وهذا لا ينافي ما احتجَّ به ابن حجر: (قال ابن الأثير: وفي حديث عبدالله بن عدي بن الخيار: جاء وهو معتجر بعمامته ما يرى وحشي منه إلا عينيه ورجليه. الاعتجار بالعمامة: هو أن يلفّها على رأسه ويَرُدُّ طرفها على وجهه ولا يعمل منها شيئًا تحت ذقنه) قلت: لا ينافي هذا ما تقدم عن العلماء من الشرح لـ (الاعتجار) لأن ما قاله ابن الأثير مصرح به في الحديث: \" ما يرى منه إلا عينيه\" فهو صفة كاشفة لـ (الاعتجار) وليست لازمة .. وجملة القول: إن الخمار والاعتجار عند الإطلاق إنما يعني: تغطية الرأس.","vol":"1","page":51},{"text":"ــ::<span data-type=\"title\" id=toc-31> مناقشة البحث الرابع::</span> ــ\nأولًا: نوافق الشيخ الألباني فيما ذهب إليه هنا من أن الخمار عند الإطلاق يراد به غطاء الرأس دون الوجه - وإن كان قد يستخدم في تغطية الوجه كما ذكر-ولكن ذلك ليس فيه دليل على جواز كشف الوجه! لأن تغطية الوجه لم تفرض بالأمر بضرب الخمار عليه وإنما فُرضت بالأمر بإدناء الجلباب عليه، وسيأتي لاحقا في مناقشة البحثالتاسع بيان أن الأمر بضرب الخمر أمر متعلق بفئات أبيح لهم الدخول على المرأة والنظر إليها دون حجاب.\nثانيًا: أخرج البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت (يرحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شققن مروطهن فاختمرن بها) (^١) وفي رواية (أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها) (^٢) قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٨/ ٤٩٠): قوله (فاختمرن) أي غطين وجوههن، وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها وترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر وهو التقنع. اهـ\nقال الشيخ الألباني إن قول الحافظ ابن حجر\" أي غطين وجوههن \"خطأ من الناسخ أو سبق قلم من المؤلف، أراد أن يقول: \" صدورهن\" فسبقه القلم! اهـ\n_________\n(^١) صحيح البخاري ٤/ ١٧٨٢ (٤٤٨٠).\n(^٢) صحيح البخاري ٤/ ١٧٨٣ (٤٤٨١).","vol":"1","page":52},{"text":"فيقال إن كان هناك خطأ في قول ابن حجر؛ فهو في فهم ابن حجر أن النساء شرعن في تغطية وجوههن إثر نزول النهي عن إبداء الزينة والأمر بضرب الخمر في سورة النور؛ والصحيح أن النساء شرعن بتغطية وجوههن بالجلابيب إثر نزول الأمر بإدناء الجلابيب في سورة الأحزاب كما بينّاه سابقا، أما آية النور فسيأتي في مناقشة البحث التاسع بيان ما تعنيه وأن الأمر بضرب الخمر أمر متعلق بفئات أبيح لهم الدخول على المرأة والنظر إليها دون حجاب كما سبقت الإشارة إلى ذلك، وعلى ذلك فقول ابن حجر (غطين وجوههن) ليست خطأ منالناسخ ولا سبق قلم بل إنها من قصد المؤلف يدل على ذلك قوله في موضع آخر من الفتح (٩/ ٣٢٤): (وقد قالت عائشة كما تقدم في تفسير سورة النور لما نزلت وليضربن بخمرهن على جيوبهن أخذن أزرهن من قبل الحواشي فشققنهن فاختمرن بها ولم تزل عادة النساء قديما وحديثا يسترن وجوههن عن الأجانب).\n\nثالثا: أنكر الشيخ الألباني أن<span data-type=\"title\" id=toc-32> التقنع يعني تغطية الوجه</span>؛ وقصر معناه على تغطية الرأس دون الوجه؛ مخالفا بذلك معناه عند أهل اللغة والتفسير والفقه والحديث، على أنه ليس له شاهد على ذلك إلا ما نقله من المعجم الوسيط (^١) وهو قوله: (تقنعت المرأة أي: لبست القناع وهو ما تغطي به المرأة رأسها) وهو لفظ عام، لا ينفي كون الوجه داخلا فيما يغطيه القناع من الرأس! فإطلاق الرأس إما أن يراد به أعلاه وهو موضع العمامة من الرجل والخمار\n_________\n(^١) إلا أنه أشار إلى غيره دون ذكر اسم فقال \" وغيره\".","vol":"1","page":53},{"text":"من المرأة، وإما أن يراد به الرأس كله بما فيه الوجه، وهذا المعنى هو الذي أنكره الشيخ الألباني فقصره على المعنى الأول فقط رغم ثبوت المعنى الثاني لغة وشرعا!\nومما يشهد أن التقنع يعني تغطية الوجه لغة:\n- جاء في العين للخليل الفراهيدي (١/ ١٧٠): والقناع أوسع من المقنعة وتقول ألقى فلان عن وجهه قناع الحياء.\n- وفي الأزمنة والأمكنة للأصفهاني (١/ ٢٠٠): رمى بالقناع وحسر عن وجهه.\n- وفي المحكم لابن سيده المرسي (١/ ٢٢٨): والقناع أوسع من المقنعة وقد تقنعت به وقنعت رأسها وألقى عن وجهه قناع الحياء. وفي موضع آخر منه (٦/ ٤٥٣): والنقاب: القناع على مارن الأنف.- وفي تهذيب الأسماء واللغات للنووي (٣/ ٢٨٣): والقناع والمقنعة ما تغطي به المرأة رأسها ومحاسنها.\n- وفي مختار الصحاح للرازي (١/ ٢٠): البُرْقُع للدواب ونساء الأعراب وبرقعه فتبرقع أي ألبسه البرقع فلبسه وهو القناع.\n- المعجم الوسيط (١/ ٥١): (البرقع) قناع النساء.","vol":"1","page":54},{"text":"* وهو كذلك عند المفسرين:\n- قال الزمخشري في تفسيره الكشاف (٣/ ٥٦٠) والنسفي في تفسيره (٣/ ٣١٥): \" ترخي المرأة بعض جلبابها وفضله على وجهها تتقنع به.\n- قال الألوسي في روح المعاني (٢٢/ ٨٩): وإدناء ذلك عليهن أن يتقنعن فيسترن الرأس والوجه.\n* وكذلك عند أهل الحديث:\n- قال ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ٢٧٤) والعيني في عمدة القاري (٢١/ ٣٠٨) والعظيم آبادي في عون المعبود (١١/ ٩٢) والمناوي في فيض القدير (٥/ ٢٤٠): التقنع: تغطية الرأس وأكثر الوجه.\nرابعا: نقل الشيخ الألباني قول ابن حجر في الفتح (٦/ ٢٥): (قوله مُقنَّع؛ وهو كناية عن تغطية وجهه بآلة الحرب) عند شرحه لحديث البراء - ﵁ -؛ (أتى رسول الله - ﷺ - رجل مقنع بالحديد) (^١) وتعقبه الشيخ الألباني بقوله: \"فإنه يعني ما جاور الوجه، وإلا لم يستطع المشي فضلا عن القتال\"!! لكن مما يضعف قول الشيخ الألباني هذا؛ أن القناعيغطي الوجه دون العينين، فالقناع لا يحول دون شيء من المشي أو القتال! ومما يؤكد أن ابن حجر يعني تغطية الوجه؛ أنه صرح بهذا المعنى للتقنع في أكثر من موضع.","vol":"1","page":55},{"text":"* وبذلك ثبت أن التقنع يعني تغطية الوجه، وهو إحدى الصفتين لإدناء الجلباب؛ فإن إدناء الجلباب إما أن يكون بشد الجلباب على الجبين ثم عطفه على الأنف وهو التقنع وما في معناه من النقاب والبرقع واللثام أو يكون بسدل الجلباب من فوق الرأس على الوجه.\nخامسًا: قال الشيخ الألباني: أن \" الاعتجار مطابق للاختمار \" بالمعنى المتقدم للاختمار وأما بمعنى تغطية الوجه عند الإطلاق فهو باطل لغة. اهـ\nوالصحيح أن القول بأن الاعتجار مطابق لضرب الخمار على الجيب، وأنه لا يعني تغطية الوجه؛ قول باطل من عدّة وجوه:\n١) أن الاعتجار كما في المحكم لابن سيده المرسي (١/ ٣١١): والاعتجار لبسة كالالتحاف. وفي تاج العروس (١٢/ ٥٣٤) للزبيدي: الاعتجار: (لبسة للمرأة) شبه الالتحاف. اهـ وضرب الخمار على الجيب لايمكن أن يطلق عليه التحاف! لأن الخمار كما ذكر الشيخ الألباني: (الخمار للمرأة كالعمامة للرجل) والذي يمكن أن يطلق عليه الالتحاف هو إدناء الجلباب؛ وقد قال الشيخ الألباني: (الجلباب هو الملاءة التي تلتحف بها المرأة فوق ثيابها).\n٢) أن ضرب الخمار على الجيب يستلزم إدارة الخمار وليّه تحت الحنك، وهذا ينفي أن يكون الاعتجار مطابق له؛ لأن الاعتجار كما نقله الشيخ الألباني عن الزبيدي في\" تاجه\" (٣/ ٣٨٣): ليُّ الثوب على الرأس من غير إدارة تحت الحنك.","vol":"1","page":56},{"text":"٣) أن نفي إدارة الثوب تحت الحنك يستلزم منه المرور بالوجه عند إدارته وليّه على الرأس، وهذا الذي ينبغي أن يفهم من قولهم إن الاعتجار (ليُّ الثوب على الرأس من غير إدارة تحت الحنك) كما ثبت ذلك شرعا؛ فيما صح عن جعفر بن عمرو بن أمية قال: خرجت مع عبيد الله بن عدي ... قال وعبيد الله معتجر بعمامته ما يرى وحشي إلا عينيه ورجليه\" (^١) قال الحافظ ابن حجر (٧/ ٣٦٩): معتجر أي لاف عمامته على رأسه من غير تحنيك. أهـ\nلكن الشيخ الألباني تعقبه بقوله (هذه ليست صفة لازمة للاعتجار بالعمامة)!! غير أن كتب اللغة؛ تؤكد أن هذه الصفة لازمة للاعتجار:\n- كما جاء في النهاية في غريب الأثر للجزري (٣/ ١٨٥): الاعتجار بالعمامة هو أن يلفها على رأسه ويرد طرفها على وجهه.\n- وفي المغرب في ترتيب المعرب للمطرز (٢/ ٤٣): وفي الأجناس عن محمد بن الحسن ﵀: المعتجر المنتقب بعمامته وقد غطى أنفه.\nوجاء في طلبة الطلبة في الاصطلاحات الفقهية (ص/ ٥) لنجم الدين النسفي: الاعتجار ... وقيل هو التقنع بالمنديل كما تفعله النساء بمعاجرهن.\nكما أكد ذلك الفقهاء: ففي المبسوط للسرخسي (١/ ٣١) وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢١٦): قال محمد بن الحسن: \" لا يكون الاعتجار إلا مع تنقب\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣٨٤٤).","vol":"1","page":57},{"text":"وهو أن يلف بعض العمامة على رأسه وطرفا منه يجعله شبه المعجر للنساء وهو أن يلفه حول وجهه\". وقال ابن نجيم في البحر الرائق (٢/ ٢٥): \"وقيل أن يتنقب بعمامته فيغطي أنفه كمعجر النساء\".\nوبذلك ثبت أن الاعتجار يحمل معنى تغطية الوجه، وأنه مطابق لإدناء الجلباب، يشهد لذلك ما أخرجه ابن مردويه عن عائشة ﵂ أنها قالت (رحم الله نساء الأنصار لما نزلت ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ شققن مروطهن فاعتجرن بها فصلين خلف رسول الله - ﷺ - فكأنما على رؤوسهن الغربان) كما أخرجه أبو داود عن أم سلمة قالت: (لمانزلت خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من الأكسية). وفي رواية (من أكسية سود يلبسنها) (^١).\n* فنخلص في نهاية هذا المبحث بأن التقنع والاعتجار مترادفة المعنى، وأنها تحمل معنى تغطية الوجه، وأن نساء المؤمنين امتثلن الأمر بإدناء الجلابيب بتغطية وجوههن بالتقنع والاعتجار والتلفع (^٢) بالأردية والجلابيب.\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٤١٠١) وصححه الألباني في صحيح أبي داود ٤/ ٦١.\n(^٢) لما رواه البخاري في صحيحه ١/ ٢١٠ (٥٥٣) عن عائشة ﵂ قالت\" كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله - ﷺ - صلاة الفجر متلفعات بمروطهن\" قال العيني في عمدة القاري (٥/ ٧٤): \"متلفعات أي متلحفات من التلفع وهو شد اللفاع وهو ما يغطي الوجه ويتلحف به\".","vol":"1","page":58},{"text":"ــ:: البحث الخامس:: ــ\nقال الشيخ الألباني: هل أجمع المسلمون على أن وجه المرأة عورة وأنها تمنع أن تخرج سافرة الوجه؟ .... لم ينطق بكلمة\" الإجماع\" في هذه المسألة أحد من أهل العلم فيما بلغني وأحاط به علمي، فإن الخلاف فيها قديم لا يخلو منه كتاب من الكتب المتخصصة في بحث الخلافيات، وأنقل هنا من أقوالهم في هذه المسألة، مما يدل على بطلان الإجماع:\nالأول: قال ابن حزم في كتابه\" مراتب الإجماع\" (ص ٢٩) ما نصه: \" واتفقوا على أن شعر الحرة وجسمها حاشا وجهها ويدها عورة واختلفوا في الوجه واليدين حتى أظفارهما عورة هي أم لا؟ \"\nالثاني: قال ابن هبيرة الحنبلي في\" الإفصاح\" (١/ ١١٨): \" واختلفوا في عورة المرأة الحرة وحدِّها فقال أبو حنيفة: كلها عورة إلا الوجه والكفين والقدمين. وقد روي عنه أن قدميها عورة وقال مالكوالشافعي: كلها عورة إلا وجهها وكفيها وهو قول أحمد في إحدى روايتيه والرواية الأخرى: كلها عورة إلا وجهها خاصة. وهي المشهورة واختارها الخرقي\". وفاتته رواية ثالثة وهي: أنها كلها عورة حتى ظفرها كما يأتي مع بيان رد ابن عبد البر لها قريبًا.\nالثالث: جاء في كتاب\" الفقه على المذاهب الأربعة\" تأليف لجنة من العلماء منهم الجزيري: في بحث حد عورة المرأة (١/ ١٦٧): \" أما إذا كانت بحضور رجل أجنبي أو","vol":"1","page":59},{"text":"امرأة غير مسلمة فعورتها جميع بدنها ما عدا الوجه والكفين فإنهما ليسا بعورة فيحل النظر لهما عند أمن الفتنة\".\nالرابع: قال ابن عبد البر في\" التمهيد\" (٦/ ٣٦٤) ــ وقد ذكر أن المرأة كلها عورة إلا الوجه والكفين وأنه قول الأئمة الثلاثة وأصحابهم، وقد أجمعوا على أن المرأة تكشف وجهها في الصلاة والإحرام وقال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث: كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها! ... وقول أبي بكر هذا خارج عن أقاويل أهل العلم، لإجماع العلماء على أن للمرأة أن تصلي المكتوبة ويداها ووجهها مكشوف وأجمعوا أنها لا تصلي منتقبة ولا عليها أن تلبس القفازين في الصلاة وفي هذا أوضح الدلائل على أن ذلك منها غير عورة وجائز أن ينظر إلى ذلك منها كل من نظر إليها بغير ريبة ولا مكروه، وأما النظر للشهوة فحرام تأملها من فوق ثيابها لشهوة فكيف بالنظر إلى وجهها مسفرة؟! قال الشيخ الألباني: وقد كنت نقلت عن ابن رشد: أن مذهب أكثر العلماء على وجه المرأة ليس بعورة وعن النووي مثله، وأنه مذهب الأئمة الثلاثة ورواية عن أحمد، فبعض هذه الأقوال من هؤلاء العلماء الكبار كافية لإبطال دعوى الإجماع فكيف بها مجتمعة؟!","vol":"1","page":60},{"text":"ــ::<span data-type=\"title\" id=toc-35> مناقشة البحث الخامس::</span> ــ\n- أولا: يجب أن نُذكّر هنا أن هناك حكمين شرعيين ذهل عنهما أكثر أهل العلم المتأخرين، وانطوت آثارها في التصانيف المتأخرة، ولم يشر إليها بعض المتقدمين لما هي معلومة عندهم بالضرورة؛\nالأول: أن هناك فئات من الذكور الأجانب لم يفرض على النساء الحرائر الاحتجاب منهم، ولم ينهاهم الشرع من الدخول عليهن في البيوت ورؤيتهن دون حجاب، وهم من ذكرهم الله تعالى في سورة النور في قوله - ﷿ - ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ إلى قوله ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ النور: ٣١ وقوله - ﷿ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ ... النور: ٥٨ وهم:\n١ - العبيد المملوكون. (^١)\n_________\n(^١) قال ابن قدامة المقدسي في الكافي في فقه ابن حنبل (٣/ ٦): وأما عبد المرأة فليس بمحرم لها لأنها لا تحرم عليه على التأبيد لكن يباح له النظر إلى ما يظهر منها غالبا لقوله تعالى (ما ملكت أيمانهن)، وأخرج عبد الرزاق في مصنفه ٨/ ٤١٢ (١٥٧٤٢) عن مجاهد قال كان العبيد يدخلون على أزواج النبي - ﷺ - \" وأخرج البيهقي في سننه الكبرى ٧/ ٩٥ (١٣٣٢٤) عن سليمان بن يسار عن عائشة ﵂ قال استأذنت عليها فقالت من هذا فقلت سليمان قالت كم بقي عليك من مكاتبتك قال قلت عشر أواق قالت\" أدخل فإنك عبد ما بقي عليك درهم\" صححه الألباني في إرواء الغليل ٦/ ١٨٣. والعمل على ذلك.","vol":"1","page":61},{"text":"٢ - التابعون غير أولي الإربة (^١).\n٣ - من لم يبلغ الحلم من الأحرار (^٢).\nوهذا أحدث اللبس عند الحديث عن عورة المرأة أمام هذا الأجنبي وجواز نظره للوجه والكفين منها، فأشكل ذلك على بعضهم، فحمله على جواز نظر الرجل الحر للوجه والكفين من المرأة الحرة الأجنبية عنه!!\nالثاني: أن الحجاب (تغطية الوجه) فرض على النساء الحرائر دون الإماء (الجواري المملوكات) والأصل في ذلك:\n(١) قول الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ الأحزاب: ٥٩ فأخرج الله تعالى بقوله (نساء المؤمنين) إماؤهم.\n_________\n(^١) قال القرطبي في تفسيره (١٢/ ٢٣٤): واختلف الناس في معنى قوله أو التابعين غير أولي الإربة فقيل هو الأحمق الذي لا حاجة به إلى النساء، وقيل الرجل يتبع القوم فيأكل معهم ويرتفق بهم وهو ضعيف لا يكترث للنساء ولا يشتهيهن، وقيل العنين وقيل الخصي وقيل الشيخ الكبير، وهذا الاختلاف كله متقارب المعنى ويجتمع فيمن لا فهم له ولا همة ينتبه بها إلى أمر النساء.\n(^٢) لأن الله تعالى قال (ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم) فأباح لهم الدخول والنظر، لكنه لم يبح لهم النظر للزينة الباطنة كالطفل الصغير (أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء).","vol":"1","page":62},{"text":"- قال ابن عباس - ﵁ - \" كانت الحرة تلبس لباس الأمة فأمر الله نساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها\". (^١)\n- قال قتادة أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ وقد كانت المملوكة إذا مرت تناولوها بالإيذاء فنهى الله الحرائر أن يتشبهن بالإماء. (^٢)\n- قال محمد بن كعب القرظي: فأمرهن الله أن يخالفن زي الإماء ويدنين عليهن من جلابيبهن تخمر وجهها إلا إحدى عينيها. (^٣)\n(٢) ما جاء في الصحيحين أن النبي - ﷺ - لما اصطفى لنفسه من سبي خيبر صفية بنت حيي؛ (فقال المسلمون إحدى أمهات المؤمنين أو مما ملكت يمينه؟ فقالوا إن حجبها فهي من أمهات المؤمنين وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه، فلما\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٢٢/ ٤٦ قال الألباني في الرد المفحم /١١: ضعيف السند لكن له شواهد، وكان يستشهد بآخره (وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها) دون أوّله \"كانت الحرة تلبس لباس الأمة فأمر الله نساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن).\n(^٢) تفسير الطبري ٢٢/ ٤٦ وصحح الألباني إسناده في الرد المفحم /٥١، لكنه كان يستشهد بأوله (أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب) دون آخره (وقد كانت المملوكة إذا مرت تناولوها بالإيذاء فنهى الله الحرائر أن يتشبهن بالإماء).\n(^٣) الطبقات الكبرى لابن سعد ٨/ ١٧٦ ضعف إسناده الألباني في جلباب المرأة /٩١.","vol":"1","page":63},{"text":"ارتحل وطئ لها خلفه ومد الحجاب بينها وبين الناس) (^١) وفي رواية: (وسترها رسول الله وحملها وراءه وجعل رداءه على ظهرها ووجهها ... وجعلها بمنزلة نسائه). (^٢)\n- قال ابن قدامة في المغني (٧/ ٧٩): وهذا دليل على أن عدم حجب الإماء كان مستفيضا بينهم مشهورا وأن الحجب لغيرهن كان معلوما.\n- قال شيخ الإسلام ابن تيمية تعقيبا على هذه النصوص في شرح العمدة (٤/ ٢٧١): فعلم بهذا أن ما ملكت أيمانهم لم يكونوا يحجبونهن كحجب الحرائر، وأن آية الحجاب خاصة بالحرائر دون الإماء.\n(٣) ما ورد عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه كان لا يدع في خلافته أمة تقنَّع ويقول إنما القناع للحرائر: ومن ذلك ما صح عن أبي قلابة - ﵁ - قال كان عمر بن الخطاب لا يدع في خلافته أمة تقنَّع قال: قال عمر: (إنما القناع للحرائر) (^٣).\nوكذلك ما روي بعدة طرق صححها الألباني في كتابه الجلباب/٩٩ عن أنس - ﵁ - قال: رأى عمر أمة لنا متقنعة فضربها وقال (لا تشبهي بالحرائر). (^٤)\n_________\n(^١) صحيح البخاري ٥/ ١٩٥٦ (٤٧٩٧) صحيح مسلم ٢/ ١٠٤٥ (١٣٦٥).\n(^٢) الطبقات الكبرى لابن سعد ٨/ ١٢١ وصححه الألباني في جلباب المرأة /١٠٧.\n(^٣) مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٤٢ (٦٢٤٢).\n(^٤) مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٤١ (٦٢٣٩) وصححه الألباني في إرواء الغليل ٦/ ٢٠٣.","vol":"1","page":64},{"text":"ولذلك أجمع أهل العلم من فقهاء ولغويين ومفسرين على أن الحجاب فرض على الحرائر دون الإماء:\n* فمن المفسرين كما في تفسير قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾\n- قال إمام المفسرين ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٠/ ٣٢٤): لا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن فكشفن شعورهن ووجوههن.\n- قال أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن (٥/ ٢٤٥): في هذه الآية دلالة على أن المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيين ...\nوفيها دلالة على أن الأمة ليس عليها ستر وجهها وشعرها لأن قوله تعالى ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ظاهره أنه أراد الحرائر.\n- قال ابن العربي في أحكام القرآن (٣/ ٦٢٥): فدل على أنه أراد تمييزهن على الإماء.\n- قال الكلبي في التسهيل (٣/ ١٤٤): كان نساء العرب يكشفن وجوههن كما تفعل الإماء وكان ذلك داعيا إلى نظر الرجال لهن فأمرهن الله بإدناء الجلابيب ليسترن بذلك وجوههن.","vol":"1","page":65},{"text":"* ومن الفقهاء:\n- قال أبو يوسف الحنفي في الآثار (ت ١٨٢ هـ) (١/ ٢٩): كان يكره أن يتقنعن يتشبهن بالحرائر.\n- قال السرخسي الحنفي في المبسوط (ت ٤٨٣ هـ) (١٠/ ١٥١): فأمر الله تعالى الحرائر باتخاذ الجلباب ليعرفن به من الإماء.\n- قال ابن عبدالبر المالكي في الاستذكار (ت ٤٦٣ هـ) (٨/ ٥٤١): والعلماء مجمعون على أن الله ﷿ لم يرد بما أمر به النساء من الاحتجاب؛ الإماء وإنما أراد بذلك الحرائر.\n- مغني المحتاج الشافعي (ت ٩٧٧ هـ) (٣/ ١٣١): وكانت الحرائر تعرف بالستر فخشي أنه إذا استترت الإماء حصل الأذى للحرائر فأمر الإماء بالتكشف.\n- قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (١٥/ ٣٧٢): والحجاب مختص بالحرائر دون الإماء كما كانت سنة المؤمنين في زمن النبي - ﷺ - وخلفائه إن الحرة تحتجب والأمة تبرز.\n- قال إبراهيم بن مفلح الحنبلي في المبدع (ت ٨٨٤ هـ) (١/ ٣٦١): كان عمر ينهى الإماء عن التقنع وقال إنما القناع للحرائر واشتهر ذلك ولم ينكر فكان كالإجماع.","vol":"1","page":66},{"text":"* ومن علماء اللغة:\n- في غريب الحديث لابن سلام (ت ٢٢٤ هـ) (٣/ ٣٠٥): (إن الأمة ألقت فروة رأسها من وراء الدار). . . إنما أراد بالفروة القناع، يقول ليس عليها قناع ولا حجاب.\n- وفي غريب الحديث للخطابي (ت ٣٨٨ هـ) (٢/ ١٢١): وذلك أن الحجاب إنما ضرب على الحرائر دون الإماء.\nومن ذلك قول الشاعر سبرة بن عمر الفقعس يعيّر أعداءه:\nونسوتكم في الروع باد وجوهها ... يخلن إماء والإماء حرائر\n- ثانيا: بعد أن تقرر أن الحجاب فُرض على الحرائر دون الإماء؛ فعليه فإنه سيكون هناك نساء كاشفات عن وجوههن لعدم فرض ذلك عليهن وهن الإماء: وهذا أحدث اللبس عند المتأخرين؛ فيما ورد في بعض الأحاديث والآثار من كشف بعض النساء لوجوههن لكونهن من الإماء؛ وعدم إيجاب بعض أهل العلم تغطية الوجه عليهن إذا خرجن في الطرقات لعدم فرض ذلك عليهن وإنما يوجبون على الرجل ما أمره الله به من غض البصر، فأشكل هذا على المتأخرين فحملوه على أن المراد به جواز الكشف للحرائر من النساء.\n- ثالثا: احتج الشيخ الألباني على إنكاره للتفريق بين الحرائر والإماء بالآتي:\n١) استشهد الشيخ الألباني بما نقله عن أبي حيان الأندلسي الذي يتبين بالرجوع إلى كلامه أنه أراد؛ وجوب تغطية الوجه حتى على الإماء:","vol":"1","page":67},{"text":"قال أبو حيان في تفسير البحر المحيط (٧/ ٢٤٠): \" كان دأب الجاهلية أن تخرج الحرة والأمة مكشوفتي الوجه في درع وخمار ... فأمرن أن يخالفن بزيهن عن زي الإماء بلبس الأردية والملاحف وستر الرؤوس والوجوه ... والظاهر أن قوله ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يشمل الحرائر والإماء والفتنة بالإماء أكثر لكثرة تصرفهن بخلاف الحرائر فيحتاج إخراجهن من عموم النساء إلى دليل واضح ومن في ﴿مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ للتبعيض و﴿عَلَيْهِنَّ﴾ شامل لجميع أجسادهن أو ﴿عَلَيْهِنَّ﴾ على وجوههن لأن الذي كان يبدو منهن في الجاهلية هو الوجه\".\n٢) علل الشيخ الألباني إنكاره للتفريق بين الحرائر والإماء في الحجاب؛ بأن ذلك سيكون مدعاة للافتتان بهن لأنه لم يُفرض عليهن ما يدفع عنهن الأذية! مستشهدا بقول ابن حزم الذي لم ينكر به أن يفرض الله تعالى تغطية الوجه على النساء الحرائر دون الإماء وإنما أنكر التعليل الذي عُلل به هذا الأمر، فإنكاره للتعليل وليس للمعلل! ولذلك بيّن سبب إنكاره لهذا التفسير قائلا (لأن فيه أن الله تعالى أطلق الفساق على أعراض إماء المسلمين؛ وما اختلف اثنان من أهل الإسلام في أن تحريم الزنا بالحرة كتحريمه بالأمة وأن الحد على الزاني بالحرة كالحد على الزاني بالأمة ولا فرق).\nفيقال أولا: إن الشرع قد فرق بين الحرة والأمة في الحدود والعدة فلا غرابة أن يفرق بينهما في الحجاب؛ كما قال تعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ","vol":"1","page":68},{"text":"يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ ... إلى قوله ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (^١) النساء: ٢٥\nثانيا: أن الشرع لم يبح للأمة إلا كشف الوجه الذي لا يرى فيه الشيخ الألباني غضاضة على الحرائر، وفي إنكاره لهذا في حق الإماء تناقض وإقرار بأن كشف الوجه سيكون مدعاة للافتتان بالنساء الحرائر وعدم دفع الأذية عنهن!!\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح العمدة (٤/ ٢٧٥): الفرق بين الحرة والأمة إنما هو في القناع ونحوه كما دلت عليه الآثار ولأنهن كن قبل أن ينزل الحجاب مستويات في ستر الأبدان فلما أمر الحرائر بالاحتجاب والتجلبب بقي الإماء على ما كن عليه، ولأن الأصل أن عورة الأمة كعورة الحرة كما أن عورة العبد كعورة الحر لكن لما كانت مظنة المهنة والخدمة وحرمتها تنقص عن حرمة الحرة رخص لها في إبداء ما تحتاج إلى إبدائه وقطع شبهها بالحرة وتمييز الحرة عليها. اهـ\nكما أن الله تعالى بعد أن أمر الحرائر بتغطية الوجه لدفع الأذية عنهن؛ لم يوقف الأمر على ذلك؛ بل أعقبه بما يدفع ما يمكن أن يتوهمه متوهم بأن الله تعالى قد أطلق الفساق على أعراض الإماء؛ فقال سبحانه دافعا هذه الشبهة محرما أذيتهن\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (٢/ ٣٧٨) (١٢/ ١٥٩): فعلى الأمة منهن إذا زنت؛ نصف ما على الحرة البكر إذا زنت، وحد الزاني الحر البالغ البكر، وكذلك الزانية البالغة البكر الحرة (مائة جلدة) وأما المملوكات فالواجب خمسون جلدة، لقوله تعالى: \" فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب\".","vol":"1","page":69},{"text":"متوعدا من يتعرض لهن من الفساق ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ الأحزاب: ٦٠ - ٦١ فكيف يقال بعد هذا أن الله تعالى قد أطلق الفساق على أعراض الإماء؟!\nقال ابن القيم في إعلام الموقعين (٢/ ٨٠): وأما تحريم النَّظر إلى العجوز الحرة الشوهاء القبيحة؛ وإباحته إلى الأمة البارعة الجمال، فكذب على الشارِع فأين حرم اللَّه هذا وأباح هذا ... وإنّما نشأت الشبهة أن الشارع شرع للحرائر أن يسترن وجوههن عن الأجانب وأما الإماء فلم يوجب عليهن ذلك.\n٣) أنكر الشيخ الألباني أن يكون المراد بقوله تعالى ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الحرائر منهن دون الإماء؛ قياسا على عموم قوله تعالى ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ النساء: ٤٣ وهذا قياس ضعيف! فإن العموم ظاهر في قوله تعالى (النِّسَاءَ) حيث جاءت معرفة بـ (ال) التي تفيد الاستغراق أي تشمل جميع النساء حرائر وإماء، أما قوله ... ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ... في آية الحجاب فإنها جاءت عارية من (ال) ولذلك فقياسها على ما عري مثلها أولى، كقوله ... ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ﴾ الأحزاب: ٣٠\nوقوله ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ البقرة: ٢٢٦ وقوله ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ المجادلة: ٢ وهذا كله مما علم أنه يراد به في الأسلوب القرآني زوجاتهم الحرائر دون الإماء.","vol":"1","page":70},{"text":"- قال شيخ الإسلام في شرح العمدة (٤/ ٢٧٠ - ٢٧٣): وقد مضت السنة بالفرق بين الحرة والأمة ... والأصل في ذلك إن الله سبحانه قال ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فاختص الله سبحانه بالأمر بإدناء الجلابيب أزواج النبي - ﷺ - وبناته ونساء المؤمنين ولم يذكر إماءه ولا إماء المؤمنين ولسن داخلات في نساء المؤمنين بدليل أن قوله تعالى ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ﴾ وقوله ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ وقوله ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ ... إنما عنى به الأزواج خاصة.\n- قال الجصاص في أحكام القرآن (٥/ ٢٤٥): وفيها دلالة على أن الأمة ليس عليها ستر وجهها وشعرها لأن قوله تعالى (ونساء المؤمنين) ظاهره أنه أراد الحرائر.\n- قال الألوسي في روح المعاني (٢٢/ ٨٩): والنساء مختصات بحكم العرف بالحرائر.\n٤) من العجيب إنكار الشيخ الألباني لهذا الحكم الثابت بالنصوص الصريحة والصحيحة في التفريق بين الحرائر والإماء وهو سبق أن أقرَّ به في كتابه حجاب المرأة /٧٣ فقال: (والحجاب مختص بالحرائر دون الإماء كما كانت سنة المؤمنين في زمن النبي - ﷺ - وخلفائه أن الحرة تحتجب والأمة تبرز وكان عمر - ﵁ - إذا رأى أمة مختمرة ضربها وقال: أتتشبهين بالحرائر أي لكاع) اهـ","vol":"1","page":71},{"text":"- رابعا: للمرأة الحرّة عورتان (^١):\n(١) عورة في الصلاة؛ وهي كلها عورة إلا وجهها وكفيها واختلف في قدميها، وليس هذا مجال بحثنا.\n(٢) وعورة في النظر؛ وهي تختلف باختلاف الناظرين، وهم قسمان:\nالقسم الأول: من استثناهم الله في آية النور بقوله تعالى ... ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ النور: ٣١\n\nوهم (البعولة وآباؤهم وأبناءهم، والمحارم من النسب، والنساء المسلمات وعبد المرأة إذا كان من غير أولي الإربة، والتابع إذا كان من غير أولي الإربة، والأطفال الغير مميزين) وحدود ما تبديه المرأة لهم ينحصر في مواضع الزينة كما قال الشيخ الألباني في الرد المفحم (ص/٧٤): \"فإن المراد مواضع الزينة، وهي: القرط والدملج والخلخال والقلادة، وهذا باتفاق علماء التفسير وهو المروي عن ابن مسعود\". وسيأتي في مناقشة البحث التاسع بيان ذلك مفصلا.\n_________\n(^١) العورة: كل مايستحيا منه إذا ظهر (النهاية في غريب الأثر ٣/ ٣١٩) وفي بلغة السالك (١/ ١٨٩): والعورة في الأصل الخلل في الثغر وغيره وما يتوقع منه ضرر وفساد، و(المرأة عورة) لتوقع الفساد من رؤيتها أو سماع كلامها.","vol":"1","page":72},{"text":"والقسم الثاني: من لم يستثن في الآية ممن يحل له الدخول والنظر دون حجاب ومنهم (عبد المرأة إذا كان من أولي الأربة، العبيد المملوكون للغير، الذي لم يبلغ الحلم من الأحرار- أي الصبية المميزين-) وهؤلاء وإن كان يحل لهم الدخول والنظر إلا أن المرأة لا تبدي لهم إلا الزينة الظاهرة (الوجه والكفين)\nوالأصل في ذلك قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ النور: ٣١ ــ وسيأتي بيان ذلك مستوفيا أيضا في مناقشة البحث التاسع إن شاء الله ــ وهؤلاء هم من وقع الخلاف بين الفقهاء في حكم نظرهم للمرأة، فمنهم من أطلق جواز نظره للوجه والكفين من المرأة للآية، ومنهم من قيد الجواز بالحاجة وأمن الفتنة، ومنهم من منع من النظر لغير حاجة لأنه مظنة الفتنة. وهذا هو مدار الخلاف بين الفقهاء في مسألة النظر؛ وهو الذي بنى عليه الشيخ الألباني رأيه في مسألة تغطية الوجه كما سترى استشهاده ببعض أقوالهم في هذه البحوث، أما تغطية وجه المرأة الحرة عن الرجل الحر الأجنبي فلا خلاف فيه بين الأئمة الأربعة ومن تقدم من الفقهاء وإنما نشأ الخلاف بين من تأخر من فقهاء المذاهب بناء على ما ذكرنا.\n- خامسا: مما استشهد به الشيخ الألباني من هذه الخلافات:\n١) استشهد الشيخ الألباني بقول ابن حزم في مراتب الإجماع\" (ص ٢٩) \" واتفقوا على أن شعر الحرة وجسمها حاشا وجهها ويدها عورة واختلفوا في الوجه","vol":"1","page":73},{"text":"واليدين حتى أظفارهما عورة هي أم لا؟ \" وأقرَّه شيخ الإسلام ابن تيمية في تعليقه عليه، ولم يتعقبه كما فعل في بعض المواضع الأخرى. اهـ\nوهذا القول من ابن حزم؛ كان عن عورة المرأة في الصلاة وليس عن عورة المرأة بالنسبة للرجال الأحرار الأجانب الذين يجب عليها الاحتجاب منهم؛ ولذلك أقرَّه شيخ الإسلام ابن تيمية في تعليقه عليه، ولم يتعقبه كما فعل في بعض المواضع الأخرى!! وهذا قول ابن حزم في مراتب الإجماع (١/ ٢٩): \"كتاب الصلاة\" واتفقوا أن ستر العورة فيها لمن قدر على ثوب مباح لباسه له فرض، واتفقوا على أن من لبس ثوبا طاهرا كثيفا واحدا فغطى سرته وركبته وما بينهما وطرح منه على عاتقه أن صلاته فيه تجزئه، (واتفقوا على أن شعر الحرة وجسمها حاشا وجهها ويدها عورة، واختلفوا في الوجه واليدين حتى أظفارهما أعورة هي أم لا) واتفقوا أن الأمة إن سترت في صلاتها شعرها وجميع جسدها فقد أدت صلاتها. اهـ\n٢) استشهد الشيخ الألباني بقول ابن هبيرة؛ وليس كما أشار إليه الشيخ الألباني أنه من كتابه \" الإفصاح \" الذي يعد من كتب شروح الحديث، وإنما هو من كتابه في الفقه: \"اختلاف الأئمة العلماء\" وفي معرض كلامه عن عورة المرأة في الصلاة، وإليك الموضع الذي نقل منه الشيخ الألباني قول ابن هبيرة من كتابه \"اختلاف الأئمة العلماء\" (١/ ١٠١): باب شروط صحة الصلاة ... واختلفوا في عورة المرأة الحرة وحدها. وقال أبو حنيفة: كلها عورة إلا الوجه والكفين والقدمين. وقد روي عنه أن قدميها عورة. وقال مالك والشافعي: كلها عورة إلا","vol":"1","page":74},{"text":"وجهها وكفيها. وقال أحمد في إحدى روايتيه: كلها عورة إلا وجهها وكفيها كمذهبهما، وهي اختيار الخرقي. واختلفوا في عورة الأمة ... اهـ\nأما في عورة المرأة في النظر؛ فإن ابن هبيرة يرى أن المشهور من كلام أحمد أن المرأة كلها عورة حتى ظفرها، قال إبراهيم بن محمد بن مفلح في المبدع (١/ ٣٦٢): الحرة البالغة كلها عورة حتى ظفرها، ذكر ابن هبيرة أنه المشهور، وقال القاضي وهو ظاهر كلام أحمد لقول النبي - ﷺ - المرأة عورة. اهـ\n٣) من العجيب استشهاد بعض فقهاء المذاهب الأخرى بقول الإمام أحمد:\n(ظفر المرأة عورة فإذا خرجت فلا يبين منها شيء ولا خفها فإن الخف يصف القدم وأحب إلي أن تجعل لكمها زرا عند يدها لا يبين منها شيء) (^١) على عورة المرأة في الصلاة! رغم أن قوله صريح بأنه عند الخروج من البيت، بقرينة قوله\" فإذاخرجت\"، وكما ذكر القاضي في المبدع أن مستند الإمام أحمد في ذلك قول الرسول - ﷺ - \"\nالمرأة عورة\" (^٢)، كما أُثر هذا القول عن التابعي الجليل أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث أحد الفقهاء السبعة بإسناد صحيح إليه أنه قال (كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها). (^٣)\n_________\n(^١) انظر الفروع ٥/ ١١٠، كشاف القناع ١/ ٤٦٩\n(^٢) الترمذي (١١٧٣) صحيح ابن خزيمة ٣/ ٩٣ (١٦٨٥) صحيح ابن حبان ١٢/ ٤١٣ (٥٥٩٩) وصححه الألباني في صحيح جامع الترمذي ٣/ ٤٧٦.\n(^٣) مصنف ابن أبي شيبة ٤/ ٥٣ (١٧٧١٢).","vol":"1","page":75},{"text":"ومن ذلك ما استشهد به الشيخ الألباني من قول ابن عبد البر في التمهيد عن عورة المرأة في الصلاة (٦/ ٣٦٣ - ٣٦٧): (وقد أجمعوا أنه من صلى مستور العورة فلا إعادة عليه، وإن كانت امرأة فكل ثوب يغيب ظهور قدميها ويستر جميع جسدها وشعرها فجائز لها الصلاة فيه لأنها كلها عورة إلا الوجه والكفين .. وقال أبو بكر بن عبدالرحمن بن الحارث كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها ... قول أبي بكر هذا خارج عن أقاويل أهل العلم لإجماع العلماء على أن للمرأة أن تصلي المكتوبة ويداها ووجهها مكشوف ... وقد روي نحو قول أبي بكر عن أحمد بن حنبل)!! وهذا كما هو ظاهر لأن ابن عبد البر حمل كلام أبي بكر على أنه يعني عورتها في الصلاة ولذلك أنكر عليه هذا القول. أما قول ابن عبد البر عقبه (وأجمعوا على أنها لا تصلى متنقبة ولا عليها أن تلبس قفازين في الصلاة وفي هذا أوضح الدلائل على أن ذلك منها غير عورة، وجائز أن ينظر إلى ذلك منها كل من نظر إليها بغير ريبة ولا مكروه، وأما النظر للشهوة فحرام تأملها من فوق ثيابها لشهوة فكيف بالنظر إلى وجهها مسفرة)\nفيتبين من قوله (كل من نظر إليها) أن مراده كل من جاز له الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب؛ من محارم، أو أجانب مملوكين أو أتباع، أما الرجال الأحرار الأجانب فمن المعلوم منعهم من النظر إليها، ومما يشهد لذلك؛ أن ابن عبدالبر صرّح في موضع آخر بأن الحجاب حال دون النظر للنساء لتغطيتهن لوجوههن إثر نزول آيات الحجاب: فقال في التمهيد (٨/ ٢٣٥): احتجاب النساء من الرجال لم يكن في أول الإسلام وأنهم كانوا يرون النساء ولا يستتر نساؤهم عن رجالهم ... حتى نزلت آيات الحجاب ... فأنزل الله ﷿ ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ","vol":"1","page":76},{"text":"حِجَابٍ﴾ الأحزاب: ٥٣ ... ثم نزلت ﴿يَاأَيُّهَا قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٩ فأمر النساء بالحجاب ثم أمرن عند الخروج أن يدنين عليهن من جلابيبهن وهو القناع.\n\n٤) استشهد الشيخ الألباني من كتاب الفقه على المذاهب الأربعة (١/ ١٩٨) ونسبه للجنة من العلماء؛ وهو لعبد الرحمن الجزيري (ت ١٣٦٠ هـ) فقط وليس للجنة من العلماء!! كما أن ما استشهد به منه؛ فهو عن عورة المرأة في بيتها وعند خدمتها أمام من يحل لهم الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب من الرقيق ونحوهم، قال عبد الرحمن الجزيري: ستر العورة خارج الصلاة: يجب على المكلف ستر عورته خارج الصلاة ... وحد العورة من المرأة الحرة خارج الصلاة هو ما بين السرة والركبة إذا كانت في خلوة، أو في حضرة محارمها ... أما إذا كانت بحضرة رجل أجنبي أو امرأة غير مسلمة فعورتها جميع بدنها، ما عدا الوجه والكفين، فإنهما ليسا بعورة، فيحل النظر لهما عند أمن الفتنة ... وكذلك ما يظهر من المرأة المسلمة عند الخدمة في بيتها كالعنق والذراعين، ومثل الكافرة كل امرأة فاسدة الأخلاق).اهـ\nوممّا يشهد أن مراده من يجوز له الدخول على المرأة في بيتها والنظر إليها دون حجاب من الرقيق ونحوهم الآتي:\n١ - قوله (إذا كانت بحضرة رجل أجنبي) أي بدخوله عليها، وهذا يبعد عموم الرجال الأجانب ويخص من أباح لهم الشرع الدخول من العبيد ونحوهم.","vol":"1","page":77},{"text":"٢ - قوله (أو امرأة غير مسلمة) بعد قوله (أما إذا كانت بحضرة رجل أجنبي) فقرن بين فئتين قرن الله بينهما في كتابه ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ وهذا يشهد أن مراده بالرجل الأجنبي العبد المملوك.\n٣ - قوله (وكذلك ما يظهر من المرأة المسلمة عند الخدمة في بيتها كالعنق والذراعين).\n\n٥) قال الشيخ الألباني: وقد كنت نقلت عن ابن رشد: أن مذهب أكثر العلماء على وجه المرأة ليس بعورة وعن النووي مثله، وأنه مذهب الأئمة الثلاثة ورواية عن أحمد، فبعض هذه الأقوال من هؤلاء العلماء الكبار كافية لإبطال دعوى الشيخ الإجماع فكيف بها مجتمعة؟! اهـ\nوالجواب عليه بالآتي:\n١ - قوله \" كنت نقلت عن ابن رشد: أن مذهب أكثر العلماء على وجه المرأة ليس بعورة\" فهذا مثل ما نقله أيضا عن المرداوي وابن قدامه وابن هبيرة عن عورة المرأة في الصلاة! وهذا قول ابن رشد الذي نقل منه الشيخ الألباني موضع الشاهد من كتابه بداية المجتهد (١/ ٧٦ - ٩٥): كتاب الصلاة ... الصلاة تنقسم أولا وبالجملة إلى فرض، وندب ... الباب الرابع ينقسم إلى فصلين: أحدهما: في ستر العورة والثاني: فيما يجزئ من اللباس في الصلاة ... الفصل الاول اتفق العلماء على أن ستر العورة فرض بإطلاق، واختلفوا هل هو شرط من شروط صحة الصلاة أم لا؟ وكذلك اختلفوا في حد العورة من الرجل والمرأة ... وأما","vol":"1","page":78},{"text":"المسألة الثانية: وهو حد العورة من الرجل، ... وأما المسألة الثالثة: وهي حد العورة من المرأة، فأكثر العلماء على أن بدنها كله عورة، ما خلا الوجه، والكفين. وذهب أبو حنيفة إلى أن قدمها ليست بعورة. اهـ\nومما يؤكد ذلك أن ابن رشد صرّح في موضع آخر بأن فرض الحجاب على النساء حال دون النظر إليهن: قال أبو الوليد ابن رشد القرطبي (ت ٥٩٥ هـ) في بداية المجتهد (١/ ١٨٣): وسبب الفرق أن نظر الرجال إلى النساء أغلظ من نظر النساء إلى الرجال، بدليل أن النساء حجبن عن نظر الرجال إليهن.\nكما قال ابن رشد في البيان والتحصيل (١٧/ ٤٩١): وقد قيل إنه لا يصح للمرأة أن تنظر من الرجل إلا إلى ما يصح للرجل أن ينظر منها، على فعل عائشة في احتجابها من الرجل الأعمى. أهـ\n٢ - قوله (وعن النووي مثله) صحيح أيضا مثله عن عورة المرأة في الصلاة؛ وهو قول النووي في كتابه المجموع (٣/ ١٦٧): (فرع) في مذاهب العلماء في ستر العورة في الصلاة. . . وعورة الرجل ما بين السرة والركبة. . . وأما الحرة فجميع بدنها عورة إلا الوجه والكفين. اهـ\nأما عورة النظر؛ فقال النووي في شرحه على صحيح مسلم (٤/ ٣١): وأما نظر الرجل إلى المرأة فحرام في كل شيء من بدنها. وقال في موضع آخر منه (١٧/ ١١٦): واعلم أن في حديث الإفك فوائد كثيرة ... التاسعة عشر: تغطية المرأة وجهها عن نظر الأجنبي سواء كان صالحا أو غيره. وقال في المجموع (٨/ ٧٥):","vol":"1","page":79},{"text":"قال الشافعي في الأم، والأصحاب؛ يستحب للمرأة أن تسعى في الليل لأنه أستر وأسلم لها من الفتنة، فان طافت نهارا جاز، وتسدل على وجهها ما يستره.\nوبذلك بطل احتجاج الشيخ الألباني بـ (ابن هبيرة وابن عبدالبر وابن رشد والنووي) على وجود خلاف بين الأئمة والفقهاء في عورة المرأة الحرة بالنسبة لنظر الرجال الأحرار الأجانب، مع أن الحجة بالإجماع لا بوجود الخلاف:\nقال ابن عبد البر في التمهيد (١/ ١٤٣): ولا يجوز أن يراعي الاختلاف عند طلب الحجة، لأن الاختلاف ليس منه شيء لازم دون دليل، وإنما الحجة اللازمة الإجماع لا الاختلاف، لأن الإجماع يجب الانقياد إليه لقول الله (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المومنين نوله ما تولى ونصله جهنم وسآءت مصيرا). النساء ١١٥\n- سادسا: ومما يثبت إجماع أهل العلم على وجوب تغطية الوجه على الحرائر من النساء:\n١) التصريح من بعض أهل العلم على اختلاف مذاهبهم بهذا الإجماع:\n- قال ابن عبد البر المالكي في الاستذكار (٨/ ٥٤٢): والعلماء مجمعون على أن الله ﷿ لم يرد بما أمر به النساء من الاحتجاب؛ الإماء؛ وإنما أراد بذلك الحرائر.","vol":"1","page":80},{"text":"- قال بدر الدين العيني الحنفي في عمدة القاري (٢٠/ ٢٤٥): لايجوز للمرأة أن تأذن للرجل الذي ليس بمحرم لها في الدخول عليها ويجب عليها الاحتجاب منه بالإجماع.\n- قال الإمام العلامة يوسف بن عبدالهادي المقدسي الشهير بابن المَبْرَد في مغني ذوي الأفهام /١٢٠: ويجب عليها ستر وجهها إذا برزت بالاتفاق.\n- وقال العلامة محمد بن إبراهيم الوزير اليماني في الروض الباسم (٢/ ٢٢٨): وأجمعوا على وجوب الحجاب للنّساء.\n- وقال مفتي باكستان الشيخ شفيع الحنفي في كتابه المرأة المسلمة /٢٠٢: وبالجملة فقد اتفقت مذاهب الفقهاء وجمهور الأمة على أنه لا يجوز للنساء الشواب كشف الوجوه والأكف بين الأجانب.\n٢) استمرار العمل يدل على الإجماع كما قال إمام الحرمين الجويني في الورقات في أصول الفقه: والإجماع يصح بقولهم وبفعلهم وبقول البعض وبفعل البعض وانتشار ذلك.\n- قال ابن حجر في فتح الباري (٩/ ٣٣٧): لم تزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي الوجوه، والنساء يخرجن منتقبات، فلو استووا لأمر الرجال بالتنقب، أو منعوا من الخروج.","vol":"1","page":81},{"text":"٣) أقوال علماء الإسلام التي سبق بسطها في مناقشة البحوث السابقة التي تثبت إجماعهم أن تغطية الوجه واجب وفرض على المرأة الحرة:\n- قال أبو بكر الجصاص (ت ٣٧٠ هـ): المرأة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيين.\n- قال أبو زيد القيرواني (ت ٣٧٦ هـ): ولا تخرج امرأة إلا مستترة فيما لا بد لها منه.\n- قال ابن عبد البر المالكي (ت ٤٦٣ هـ): كانوا يرون النساء ولا يستتر نساؤهم عن رجالهم حتى نزلت آيات الحجاب ... فأمر النساء بالحجاب ثم أمرن عند الخروج أن يدنين عليهن من جلابيبهن وهو القناع.\n- قال أبو الوليد سليمان الباجي (ت ٤٧٤ هـ): يجوز أن يبيح لهن كشف وجوههن أحد أمرين إما أن يكون ذلك قبل نزول الحجاب أو يكون بعده لكنهن أمِنَّ أن تدرك صورهن من شدة الغلس.\n- قال ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ): وأجمع العلماء أن المرأة تلبس المخيط كله والخمُر والخفاف ... وتسدل الثوب على وجهها سدلا خفيفًا تستتر به عن نظر الرجال.\n- قال أبو الحسن الكيا الهراس (ت ٥٠٤ هـ): فأمرهن بتغطية وجوههن ورؤوسهن.\n- قال أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥ هـ): وإن كانت أجنبية حرم النظر إليها مطلقا. وقال: لأمر الرجال أيضا بالتنقب كما أمر النساء.","vol":"1","page":82},{"text":"- قال ابن العربي المالكي (ت ٥٤٣ هـ): ستر وجهها بالبرقع فرض إلا في الحج؛ فإنها ترخي شيئا من خمارها على وجهها.\n- قال الإمام أبو الوليد ابن رشد (ت ٥٩٥ هـ): نظر الرجال إلى النساء أغلظ من نظر النساء إلى الرجال بدليل أن النساء حجبن عن نظر الرجال إليهن.\n- قال ابن القطان (ت ٦٢٨ هـ): قال القاضي أبو بكر بن الطيب: (وأما الشواب منهن فيجب إنكار اختلاطهن بالرجال في المساجد ومجمع القصاص إلا أن يكون من وراء حجاب بحيث لا يراهن الرجال) وهو صواب كما ذكر.\n- قال القرطبي (ت ٦٧١ هـ): وقد قيل: إنه يجب الستر والتقنع الآن في حق الجميع من الحرائر والاماء.\n- قال الإمام النووي (ت ٦٧٦ هـ): يستحب للمرأة أن تسعى في الليل لأنه أستر وأسلم لها ولغيرها من الفتنة، فان طافت نهارا جاز وتسدل على وجهها ما يستره.\n- قال النسفي الحنفي (ت ٧١٠ هـ) وأبو حيان الأندلسي (ت ٧٤٥ هـ) ونظام الدين الحسن القمي (ت ٧٢٨ هـ): أمرن بلبس الأردية والملاحف وستر الرؤوس والوجوه.\n- قال ابن جزي الكلبي (ت ٧٤١ هـ): فأمرهن الله بإدناء الجلابيب ليسترن بذلك وجوههن.\n- قال صدر الدين عليّ بن ابن أبي العز الحنفي (ت ٧٩٢ هـ): فإن النبي - ﷺ - لم يشرع للمرأة كشف الوجه للرجال في الإحرام ولا غيره.","vol":"1","page":83},{"text":"- وقال ابن رجب الحنبلي (ت ٧٩٥ هـ): كن قبل الحجاب يظهرن بغير جلباب، ويرى من المرأة وجهها وكفاها. ثم أمرت بستر وجهها وكفيها.\n- قال ابن الملقن الشافعي (٨٠٤ هـ): وجميعُ النسوان لم يكن يحتجبن ... إلى أن نزلت آية الحجاب فحجبن وجوههن عن عيون الناس أجمعين.\n- قال إبراهيم بن محمد بن مفلح (ت ٨٨٤ هـ): الحرة البالغة كلها عورة حتى ظفرها، ذكر ابن هبيرة أنه المشهور، وقال القاضي وهو ظاهر كلام أحمد لقول النبي - ﷺ - (المرأة عورة).\n- قال أحمد بن حجر الهيتمي (ت ٩٧٤ هـ): من تحققت نظر أجنبي لها يلزمها ستر وجهها عنه. (^١)\n- قال محمد الخطيب الشربيني (ت ٩٧٧ هـ): إلا أن تكون في مكان وهناك أجانب لا يحترزون عن النظر إليها فلا يجوز لها رفع النقاب.\n- قال الشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ): وقعت منهن التغطية لوجوههم وما يتصل بها، وفي هذه الآيات أعظم دلالة على وجوب التستر عليهن وتحريم النظر إليهن.\n- قال الجاوي في نهاية الزين (ت ١٣١٦ هـ): جميع بدنها حتى قلامة ظفرها وهي عورتها عند الرجال الأجانب فيحرم على الرجل الأجنبي النظر إلى شيء من ذلك ويجب على المرأة ستر ذلك عنه.\n_________\n(^١) تحفة المحتاج في شرح المنهاج (٧/ ١٩٣).","vol":"1","page":84},{"text":"- وقال محمد الجرداني الحنفي: وبالنسبة لنظر الأجنبي إليها؛ جميع بدنها بدون استثناء شيء منه أصلا ولو كانت عجوزًا شوهاء ... ويجب أن تستتر عنه. هذا هو المعتمد. (^١)\nوفي نهاية هذا المبحث وبعد أن تقرر لدينا إجماع أهل العلم على وجوب تغطية الوجه على المرأة الحرة من الرجل الأجنبي الحر؛ وبعد أن بينا أن مراد من قال من الفقهاء بجواز النظر إلى الوجه والكفين من المرأة؛ هو ما يباح للعبيد المملوكين النظر إليه من المرأة الحرة، وما يباح النظر إليه من الإماء، فإنه إن وجد من الفقهاء أو غيرهم من أهل العلم من يقول بجواز كشف وجه المرأة الحرة للرجال الأحرار الأجانب؛ فلا حجة في قوله امتثالًا للقاعدة الأصولية التي تقول:\n(أقوال العلماء يحتج لها بالدليل، ولا يحتج بها على الدليل)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (٢/ ٥٣٧): وليس لأحد أن يحتج بقول أحد في مسائل النزاع، إنما الحجة النص والإجماع، ودليل مستنبط من ذلك تقدر مقدماته بالأدلة الشرعية، لا بأقوال بعض العلماء فإن أقوال العلماء يحتج لها بالأدلة الشرعية، لا يحتج بها على الأدلة الشرعية.\n_________\n(^١) فتح العلام بشرح مرشد الأنام (١/ ٣٤).","vol":"1","page":85},{"text":"ــ:: تتمة البحث الخامس (١):: ــ\nأنكر الشيخ الألباني على من قال \"إن المذهب الذي نسبه الألباني لأكثر العلماء - ومنهم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في رواية عنه - إنما هو في الصلاة إذا كانت المرأة ليست بحضرة الرجال الأجانب\"! فقال الشيخ الألباني: وتأكيدًا لهذا الذي ذكرت لا يسعني هنا إلا أن أذكر مذاهب الأئمة ... فأقول: أولا: مذهب أبي حنيفة: قال الإمام محمد بن الحسن في \"الموطأ\": \" ولا ينبغي للمرأة المحرمة أن تنتقب فإن أرادت أن تغطي وجهها فلتستدل الثوب سدلًا من فوق خمارها. وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا\".\nوقال أبو جعفر الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٣٩٢): \" أبيح للناس أن ينظروا إلى ما ليس بمحرَّم عليهم من النساء إلى وجوههن وأكفهن وحرم ذلك عليهم من أزواج النبي - ﷺ - وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد\".\nثانيًا: مذهب مالك: روى عنه صاحبه عبد الرحمن بن القاسم في\" المدونة\" (٢/ ٢٢١) نحو قول الإمام محمد في المحرمة إذا أرادت أن تسدل على وجهها وزاد في البيان فقال: \" فإن كانت لا تريد سترًا فلا تسدل\". ونقله ابن عبد البر في\" التمهيد\" (١٥ - ١١١) وارتضاه.","vol":"1","page":86},{"text":"وقال بعد أن ذكر تفسير ابن عباس وابن عمر لآية: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ بالوجه والكفين (٦/ ٣٦٩): \" وعلى قول ابن عباس وابن عمر الفقهاء في هذا الباب\" قال \"هذا ما جاء في المرأة وحكمها في الاستتار في صلاتها وغير صلاتها\".\nوفي\" الموطأ\" رواية يحيى (٢/ ٩٣٥): \" سئل مالك: هل تأكل المرأة مع غير ذي محرم منها أو مع غلامها؟ فقال مالك: ليس بذلك بأس إذا كان ذلك على وجه ما يُعرفُ للمرأة أن تأكل معه من الرجال قال: وقد تأكل المرأة مع زوجها ومع غيره ممن يؤاكله\". قال الباجي في\" المنتفى شرح الموطأ\" (٧/ ٢٥٢) عقب هذا النص: \" يقضي أن نظر الرجل إلى وجه المرأة وكفيها مباح لأن ذلك يبدو منها عند مؤاكلتها\".\nثالثًا: مذهب الشافعي: قال في كتابه\" الأم\" (٢/ ١٨٥): \" المحرمة لا تخمِّر وجهها إلا أن تريد أن تستر وجهها فتجافي ... \" وقال البغوي في\" شرح السنة\" (٩/ ٢٣): \"فإن كانت أجنبية حرة فجميع بدنها عورة في حق الرجل لا يجوز له أن ينظر إلى شيء منها إلا الوجه واليدين إلى الكوعين وعليه غض البصر عن النظر إلى وجهها ويديها أيضًا عند خوف الفتنة\".\nرابعًا: مذهب أحمد: روى ابنه صالح في\" مسائله\" (١/ ٣١٠) عنه قال: \" المحرمة لا تخمِّر وجهها ولا تتنقب والسدل ليس به بأس تسدل على وجهها\". قلت: فقوله: \" ليس به بأس\" يدل على جواز السدل فبطل القول بوجوبه.","vol":"1","page":87},{"text":"ــ::<span data-type=\"title\" id=toc-40> مناقشة تتمة البحث الخامس (١)::</span> ــ\nأولا: هل الحق مع من قال \" أن المذهب الذي نسبه للأئمة إنما هو في الصلاة إذا كانت المرأة ليست بحضرة الرجال الأجانب، وأن هذا تأويل لكلام الأئمة على خلاف مرادهم \"وهل دفع الشيخ الألباني هذا القول بما هو حجة من كلام الأئمة؟!\nقال ابن نور الدين بن الخطيب الشافعي (ت ٨٢٥) في تيسير البيان لأحكام القرآن (٢/ ١٠٠١): لم يزل عمل الناس على هذا قديمًا وحديثًا في جميع الأمصار والأقطار، فيتسامحون للعجوز في كشف وجهها، ولا يتسامحون للشابة، ويرونه عورة ومنكرًا، وقد تبين لك وجه الجمع بين الآيتين، ووجه الغلط لمن أباح النظر إلى وجه المرأة لغير حاجة، والسلف والأئمة كمالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم لم يتكلموا إلا في عورة الصلاة، فقال الشافعي ومالك: ماعدا الوجه والكفين وزاد أبو حنيفة والقدمين. وما أظن أحدًا منهم يبيح للشابة أن تكشف وجهها لغير حاجة ولا يبيح للشاب أن ينظر إليها لغير حاجة.\nقال الشوكاني في السيل الجرار (٤/ ١٢٧ - ١٢٩): حكى المصنف في البحر عن الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل أنهم يجوزون النظر إلى وجه الأجنبية وهذا النقل عنهم باطل فكتبهم على اختلافها مصرحة بخلاف ذلك، فإن الرواة عنهم من أهل مذاهبهم في كتبهم المعتمدة منهم من صرح بأنهم لم يتكلموا إلا على العورة في الصلاة ولم يتكلموا على النظر، ومنهم من صرح بأنهم قائلون بالمنع من النظر ومنهم من صرح بأن القائلين بالمنع","vol":"1","page":88},{"text":"المتأخرون من أتباعهم ولا يخفاك أن الأدلة الدالة على تحريم النظر إلى وجه الأجنبية ثابتة في الكتاب والسنة. اهـ\nفهذا يبين أن الحق مع من قال بأن الخلاف المنقول عن الأئمة الأربعة إنما هو عن عورة المرأة في الصلاة، والخلاف بالتحديد في القدمين؛ هل هما عورة في الصلاة أم لا، مع اتفاقهم أن الوجه والكفين ليست بعورة منها في الصلاة.\nوإليك أقوال الائمة الأربعة التي اعتمد عليها من أجاز الكشف ونسبه إليهم:\n- قال الشافعي في كتابه الأم (١/ ٨٩): فعلمنا أن نهيه أن يصلي في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء اختيارا، وأنه يجزي الرجل والمرأة كل واحد أن يصلي متواري العورة، وعورة الرجل ما وصفت، وكل المرأة عورة إلا كفيها ووجهها، وظهر قدميها عورة.\nوقال الشافعي أيضا في مختصر المزني (١/ ١٦): وعلى المرأة إذا كانت حرة أن تستتر في صلاتها حتى لا يظهر منها شيء إلا وجهها وكفاها فإن ظهر منها شيء سوى ذلك أعادت الصلاة. اهـ\nأي أن الإمام الشافعي يرى أن ما عدا الوجه والكفين عورة في الصلاة بما في ذلك ظهور القدمين.","vol":"1","page":89},{"text":"- قال مالك في المدونة الكبرى باب صلاة الحرائر والإماء (٢/ ٥٣): إذا صلت المرأة وشعرها باد أو صدرها أو ظهور قدميها أو معصميها فلتعد الصلاة ما دامت في الوقت. اهـ\nأي أن كل ذلك منها عورة في الصلاة يجب عليها ستره، ما عدا وجهها وكفيها، وبذلك فإنه يوافق الإمام الشافعي في كون ظهور القدمين عورة في الصلاة\n- قال محمد يعقوب عن أبي حنيفة في الجامع الصغير (١/ ٨٢): في امرأة صلت وربع ساقها مكشوف تعيد وإن كان أقل من الربع لم تعد. اهـ\nأي أن ظهور قدمها عنده ليس بعورة في الصلاة.\n* قال ابن عبد البر في الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار (٢/ ٢٠١): والذي عليه فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق أن على المرأة الحرة أن تغطي جسمها كله بدرع صفيق سابغ وتخمر رأسها فإنها كلها عورة إلا وجهها وكفيها وأن عليها ستر ما عدا وجهها وكفيها واختلفوا في ظهور قدميها فقال مالك تستر قدميها في الصلاة قال مالك فإن لم تفعل أعادت ما دامت في الوقت، وقال الشافعي ما عدا وجهها وكفيها عورة فإن انكشف ذلك منها في الصلاة أعادت وقال أبو حنيفة والثوري قدم المرأة ليست بعورة إن صلت وقدمها مكشوفة لم تعد. اهـ","vol":"1","page":90},{"text":"هذا مدار اختلافهم! وهو في عورة المرأة في الصلاة، فهل يسوغ نسبة إخراج الوجه والكفين مما يجب أن يُستر أمام الرجال الأحرار الأجانب للأئمة الثلاثة؛ بناء على أقوالهم عن عورة المرأة في الصلاة؟!!\n\nثانيا:<span data-type=\"title\" id=toc-41> هل يسوغ قياس عورة النظر على عورة المرأة في الصلاة</span>؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: قد يستر المصلي في الصلاة ما يجوز إبداؤه في غير الصلاة وقد يبدي في الصلاة ما يستره عن الرجال ... الوجه واليدان والقدمان ليس لها أن تبدي ذلك للأجانب على أصح القولين، وأما ستر ذلك في الصلاة فلا يجب باتفاق المسلمين بل يجوز لها إبداؤهما في الصلاة عند جمهور العلماء ... وحينئذ فتصلي في بيتها وإن رؤي وجهها ويداها وقدماها فليست العورة في الصلاة مرتبطة بعورة النظر لا طردا ولا عكسا. (^١) اهـ\nولذلك فرَّق الفقهاء على اختلاف مذاهبهم بين عورة الصلاة وعورة النظر:\n* الفقه الحنبلي:\n- شرح العمدة (٤/ ٢٦٨): هل يسمى الوجه عورة أو لا؛ والتحقيق أنه ليس بعورة في الصلاة وهو عورة في باب النظر إذ لم يجز النظر إليه.\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى ٢٢/ ١١٣ - ١١٥.","vol":"1","page":91},{"text":"- إعلام الموقعين (٢/ ٨٠): فإن العورة عورتان؛ عورة في النظر وعورة في الصلاة فالحرة لها أن تصلي مكشوفة الوجه والكفين وليس لها أن تخرج في الأسواق ومجامع الناس كذلك.\n* الفقه الشافعي:\n- إعانة الطالبين (١/ ١١٣): واعلم أن للحرة أربع عورات: فعند الأجانب جميع البدن ... وفي الصلاة جميع بدنها ما عدا وجهها وكفيها.\n- حاشية سليمان الجمل على شرح المنهج (٢/ ٤٠٨): قوله (غير وجه وكفين) ... هذه عورتها في الصلاة ... وأما عند الرجال الأجانب فجميع البدن.\n* الفقه المالكي: - وفي الأشباه والنظائر للسيوطي (١/ ٢٤٠): المرأة في العورة لها أحوال: حالة مع الزوج ولا عورة بينهما، وحالة مع الأجانب وعورتها كل البدن حتى الوجه والكفين في الأصح، وحالة في الصلاة وعورتها كل البدن إلا الوجه والكفين.\n* الفقه الحنفي:\n- فتح العلام للشيخ صديق حسن خان (١/ ٩٧): يباح كشف وجهها في الصلاة، وأما عورتها بالنظر إلى نظر الأجنبي إليها فكلها عورة.","vol":"1","page":92},{"text":"ثالثا: أن كون وجه المرأة ليس بعورة في الصلاة؛ لا يعني جواز كشف المرأة لوجهها إذا كانت تصلي على مرأى من رجال أجانب:\n* المذهب الحنبلي:\nسبل السلام (١/ ١٣٢): والمراد كشفه عند صلاتها بحيث لا يراها أجنبي.\n* المذهب الشافعي:\nالإقناع للشربيني (١/ ١٢٤) كفاية الأخيار (١/ ٩٣) إعانة الطالبين (١/ ١١٤): ويكره أن يصلي الرجل متلثما والمرأة منتقبة، إلا أن تكون في مكان وهناك أجانب لا يحترزون عن النظر إليها فلا يجوز لها رفع النقاب.\n* المذهب المالكي:\nالتاج والإكليل (١/ ٥٠٢): قال مالك من المدونة إن صلت الحرة منتقبة لم تعد ... وتسدل على وجهها إن خشيت رؤية رجل.\n* المذهب الحنفي:\nالدر المختار (١/ ٤٠٥): قال في فصل شروط الصلاة: وستر عورته وهي للرجل ... وللحرة جميع بدنها خلا الوجه والكفين والقدمين، وتمنع من كشف الوجه بين الرجال لخوف الفتنة.","vol":"1","page":93},{"text":"تحقق لدينا مما سبق أن المأثور عن الأئمة الثلاثة؛ أبي حنيفة ومالك والشافعي إنما هو عن عورة المرأة في الصلاة، فلم يؤثر عن أحد الأئمة الأربعة قول صريح عن عورة المرأة عند الرجال الأحرار الأجانب، إلا قول الإمام أحمد (ظفر المرأة عورة فإذا خرجت فلا يبين منها شيء ...).\nرابعا: ما استشهد به الشيخ الألباني\n١) استشهد الشيخ الألباني في مذهب الإمام أبي حنيفة بقول أبي جعفر الطحاوي\" أبيح للناس أن ينظروا إلى ما ليس بمحرَّم عليهم من النساء إلى وجوههن وأكفهن وحرم ذلك عليهم من أزواج النبي - ﷺ - وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد\" وبالرجوع إلى قول الطحاوي يتبين أن ما نقله الشيخ الألباني عنه كان من (باب نظر العبد إلى شعور الحرائر) وهل لعبد المرأة أن ينظر إلى شعرها كالمحارم، أم أنه كالعبيد الملوكين للغير لا يباح له إلا النظر إلى وجهها وكفيها؟ ثم أسند الطحاوي ما وصل إليه في هذه المسألة لأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن:\nقال أبو جعفر الطحاوي (ت ٣٢١ هـ) في كتابه شرح معاني الآثار ٤/ ٣٣١ - ٣٣٤:\nباب نظر العبد إلى شعور الحرائر: عن أم سلمة أن رسول الله - ﷺ - قال (إذاكان لإحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه) قال أبو جعفر: فذهب قوم من أهل المدينة إلى أن العبد لا بأس أن ينظر إلى شعر مولاته ووجهها وإلى ما ينظر إليه ذو محرمها منها، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث ... عن عمرة بنت عبد","vol":"1","page":94},{"text":"الرحمن قالت كانت عائشة ﵂ يراها العبيد لغيرها، قال بكير عن عبد الله بن رافع لم تكن أم سلمة تحتجب من عبيد الناس.\nوخالفهم في ذلك آخرون فقالوا لا ينظر العبد من الحرة إلا إلى ما ينظر إليه منها الحر الذي لا محرم بينه وبينها - أي لا يرى منها شيء - وكان من الحجة لهم في ذلك أن قول النبي - ﷺ - يجوز أن يكون أراد بذلك حجاب أمهات المؤمنين فإنهن قد كن حجبن عن الناس جميعا إلا من كان منهم ذو رحم محرم فكان لا يجوز لأحد أن يراهن أصلا إلا من كان بينهن وبينه رحم محرم - أي لا يباح للعبيد والأتباع النظر لهن، ولا يخاطبوهن إلا من وراء حجاب - وغيرهن من النساء لسن كذلك لأنه لا بأس أن ينظر الرجل - المملوك للغير - من المرأة التي لا رحم بينه وبينها وليست عليه بمحرمة إلى وجهها وكفيها. وقد قال الله - ﷿ - ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فأبيح للناس - أي من الرقيق والأتباع والذين لم يبلغوا الحلم من الأحرار - أن ينظروا إلى ما ليس بمحرم عليهم من النساء إلى وجوههن وأكفهن وحرم ذلك عليهم من أزواج النبي - ﷺ - لما نزلت آية الحجاب ففضلن بذلك على سائر الناس ... قال عمر قلت يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر - من العبيد - فلو حجبت أمهات المؤمنين فأنزل الله ﷿ آية الحجاب ...، عن أنس بن مالك قال \"لما أنزلت آية الحجاب جئت أدخل كما أدخل؛ فقال النبي - ﷺ -: رويدا وراءك يا بني\" ... ثم رأينا العبد حرام عليه في قولهم جميعا أن ينظر إلى صدر المرأة مكشوفا أو إلى ساقيها سواء كان رقه لها أو لغيرها، فلما كان فيما ذكرنا كالأجنبي منها - أي في نظره لصدرها وساقها كالعبد المملوك لغيرها - لا","vol":"1","page":95},{"text":"كذي رحمها المحرم عليها، كان في النظر إلى شعرها أيضا كالأجنبي - العبد المملوك لغيرها - لا كذي رحمها المحرم عليها فهذا هو النظر في هذا الباب وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى وقد وافقهم في ذلك من المتقدمين الحسن والشعبي حدثنا ... عن الشعبي ويونس عن الحسن أنهما كرها أن ينظر العبد إلى شعر مولاته. اهـ\nومما يشهد أنه لايباح للمرأة أن تكشف وجهها لمطلق الرجال الأجانب في مذهب أبي حنيفة علاوة على ما سبق بسطه في البحوث السابقة:\nما جاء في البحر الرائق لابن نجيم (٣/ ٣٤٥): ولو شتمت أجنبيا كان جناية، وكذا لو كشفت وجهها لغير محرم لأنه لا يجوز النظر والكشف بلا ضرورة.\nوفي الدر المختار شرح تنوير الأبصار (٤/ ٧٧): يعزر المولى عبده، والزوج زوجته ولو صغيرة لما سيجيء. . . أو كشفت وجهها لغير محرم. اهـ\nفلو لم تكن تغطية الوجه واجبة على المرأة؛ لما كان كشفها عن وجهها جناية تستحق التعزير عليها؟!\n٢) ثم استشهد الشيخ الألباني في مذهب الإمام مالك بقول ابن عبد البر؛ الذي يتبين بالرجوع إليه أنه عن استتار المرأة في الصلاة وفي بيتها أمام من يحل له الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب:","vol":"1","page":96},{"text":"قال ابن عبد البر في التمهيد (٦/ ٣٦٣ - ٣٦٩): وقد أجمعوا أنه من صلى مستور العورة فلا إعادة عليه وإن كانت امرأة فكل ثوب يغيب ظهور قدميها ويستر جميع جسدها وشعرها فجائز لها الصلاة فيه ... والأصل في هذا الباب أن أم سلمة سئلت ماذا تصلي فيه المرأة من الثياب فقالت تصلي في الدرع والخمار السابغ الذي يغيب ظهور قدميها ... عن عائشة أن رسول الله - ﷺ - قال (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) قال أبو عمر- ابن عبد البر- اختلف العلماء في تأويل قول الله ﷿ ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فروي عن ابن عباس وابن عمر إلا ما ظهر منها \"الوجه والكفان\" ... وعلى قول ابن عباس وابن عمر الفقهاء في هذا الباب فهذا ما جاء في المرأة وحكمها في الاستتار في صلاتها وغير\nصلاتها، وأما الرجل فإن أهل العلم يستحبون أن يكون على عاتق الرجل ثوب إذا لم يكن متزرا لئلا تقع عينه على عورة نفسه. اهـ\nفالمراد بقوله (فهذا ما جاء في المرأة وحكمها في الاستتار في صلاتها وغير صلاتها) ولم يقل في حجابها، فمراده استتارها في بيتها أمام من أبيح له الدخول عليها والنظر إليها من الرقيق ونحوهم، ولم يتطرق لخروجها من بيتها واحتجابها من الرجال الأجانب!\nومما يؤكد ذلك؛ أن ابن عبد البر بيّن حكم احتجاب المرأة من الرجال الأجانب في موضع آخر وفرق بينه وبين الاستتار من المحارم فقال في التمهيد (٨/ ٢٣٥): احتجاب النساء من الرجال لم يكن في أول الإسلام وأنهم كانوا يرون النساء ولا يستتر نساؤهم عن رجالهم إلا بمثل ما كان يستتر رجالهم عن رجالهم حتى","vol":"1","page":97},{"text":"نزلت آيات الحجاب ... فأنزل الله ﷿ ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ الأحزاب: ٥٣ وأنزل الله ﷿ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ النور: ٢٧ ثم نزلت ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٩ فأمر النساء بالحجاب ثم أمرن عند الخروج أن يدنين عليهن من جلابيبهن وهو القناع، وهو عند جماعة العلماء في الحرائر دون الإماء، وفيه أيضا أن ذوي المحارم من النسب والرضاع لا يحتجب منهم ولا يستتر عنهم إلا العورات، والمرأة في ما عدا وجهها وكفيها عورة بدليل أنها لا يجوز لها كشفه في الصلاة. اهـ\nوهذا القول شاهد لما ذكرنا وما سيأتي بيانه؛ فبعد أن ذكر أن الحجاب مختص بالحرائر ويكون بالتقنع وتغطية الوجه بالجلباب؛ ذكر أن المحارم لا يحتجب منهم ولا يستر عنهم إلا العورة، والمرأة فيما عدا وجهها وكفيها عورة، أي أنه لا يجوز لها كشف ما عداهما للمحارم قياسا على ما لا يجوز لها كشفه في الصلاة.\nثم استشهد الشيخ الألباني بقول الإمام مالك لما سئل\" هل تأكل المرأة مع غير ذي محرم منها أو مع غلامها؟ فقال مالك: ليس بذلك بأس إذا كان ذلك على وجه ما يُعرفُ للمرأة أن تأكل معه من الرجال قال: وقد تأكل المرأة مع زوجها ومع غيره ممن يؤاكله\". اهـ قال الباجي في\" المنتقى شرح الموطأ\" عقب هذا النص: \" يقضي أن نظر الرجل إلى وجه المرأة وكفيها مباح لأن ذلك يبدو منها عند مؤاكلتها\"ـ","vol":"1","page":98},{"text":"والجواب عليه بالآتي:\nننقل أولا قول الإمام مالك من الموطأ (٢/ ٩٣٤) \" سئل مالك هل تأكل المرأة مع ذي محرم منها أو مع غلامها فقال مالك: ليس بذلك بأس إذا كان ذلك على وجه ما يُعرفُ للمرأة أن تأكل معه من الرجال، قال وقد تأكل المرأة مع زوجها ومع غيره ممن تؤاكله أو مع أخيها على مثل ذلك، ويكره للمرأة أن تخلو مع الرجل ليس بينه وبينها حرمة\".اهـ\nفالمراد بقول الإمام مالك هو جواز مؤاكلة المرأة لمن يحل لهم الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب كعبدها وعبد زوجها، وهذا ماذكره شرّاح الحديث؛ وما نقله فقهاء المالكية عن إمامهم؛ أن الإمام مالك أجاز مؤاكلة المرأة لغلامها أو غلام زوجها، ولم يقل أحد منهم بجواز مؤاكلة المرأة الحرة للرجل الحر الأجنبي بناء على قول الإمام مالك كما قال الشيخ الألباني!! بل إنهم لم يطلقوا لها جواز مؤاكلة غلامها بل اشترطوا أن يكون وغدا أي قبيحا، فإن كان له منظر فإنهم لم يجيزوا لها أن تؤاكله:\n- قال أبو بكر الصقلي (ت ٤٥١ هـ) في الجامع لمسائل المدونة (٢٤/ ١٦٠): وقال في الموطأ لا بأس أن تأكل المرأة مع ذي محرم منها أو مع غلامها. قال ابن الجهم: يعني العجوز المتجالة. ولا يخلو رجل مع امرأة ليس بينه وبينها محرم.","vol":"1","page":99},{"text":"- قال أبو الوليد ابن رشد القرطبي (ت ٥٢٠ هـ) في المقدمات (٣/ ٤٦٠): فصل فيما يجوز للرجل أن ينظر إليه من النساء: ولا يجوز لرجل أن يخلو بامرأة ليست منه بمحرم للنهي عن ذلك، ويجوز للرجل أن ينظر إلى المرأة\nالمتجالة؛ ولا يجوز له أن ينظر إلى الشابة ... فصل ويجوز للعبد أن يرى من سيدته ما يراه ذو المحرم منها؛ إلا أن يكون له منظرة فيكره أن يرى منها ما عدا وجهها. ولها أن تؤاكله إذا كان وغدا دنيا، يؤمن منه التلذذ بها، بخلاف الشاب الذي لا يؤمن ذلك منه.\n- قال السعدي (ت ٦١٦ هـ) في عقد الجواهر الثمينة (٣/ ١٣٠٥) والكردي (ت ٦٤٦ هـ) في جامع الأمهات (١/ ٥٦٩): ولا يحل خلوة الرجل بامرأة إذا لم يكن زوجا ولا محرما، ويحرم عليه النظر إلى شيء من بدنها إلا الوجه والكفين من المتجالة، وأما الشابة فلا ينظر إليها أصلًا إلا لضرورة لتحمل شهادة أو علاج وإرادة نكاح، ويجوز لذي المحرم أن يرى منها الوجه والكفين، وكذلك لعبدها إلا أن يكون له منظر فيكره أن يرى ما عدا وجهها، ولها أن تؤاكله إن كان وغدا يؤمن منه التلذذ بها، واستخف في عبد زوجها للمشقة عليها في استتارها منه.\nأما مانقله الشيخ الألباني عن الباجي فلو أنه أتم النقل عنه لتبين مراده:\nقال أبو الوليد سليمان الباجي (ت ٤٧٤ هـ) في المنتقى شرح الموطأ (٤/ ٣٤٧):\nقول مالك ﵀ (لا بأس أن تأكل المرأة مع ذي محرم) يريد من تأبد تحريمها عليه كالأب والابن والأخ والعم والخال لأنه ليس في مؤاكلتها له أكثر من النظر إلى وجهها وكفيها. وقوله (ومع غلامها) يريد عبدها وذلك لما قلناه من أن الأكل","vol":"1","page":100},{"text":"ليس فيه إلا النظر إلى الوجه والكفين وذلك مباح للعبد وأما نظره إلى شعرها فاختلف فيه العلماء ... وقوله (وقد تأكل المرأة مع زوجها وغيره ممن تؤاكله أو مع أخيها على مثل ذلك) يقتضي أن نظر الرجل إلى وجه المرأة وكفيها مباح؛ لأن ذلك يبدو منها عند مؤاكلتها وقد اختلف الناس في ذلك،\nوالأصل فيه قول الله ﵎ ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ... وفي ذلك دليل على أن الوجه والكفين يجوز للقربى أن يروه من المرأة. اهـ\nفقوله (يجوز للقربى) يكشف أنه لايعني الرجال الأجانب الذين تحتجب منهم المرأة؛ وإنما يريد من أبيح له الدخول عليها دون حجاب من العبيد المملوكين سواء كان العبد لها أو لزوجها أو لأخيها ممن يدخل عليهم ويؤاكلهم.\nيشهد لصحة ما ذكرنا قوله عن كشف المرأة لوجهها في موضع آخر من المنتقى (١/ ٤) عند شرحه لحديث عائشة ﵂ قالت (كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول اللَّه - ﷺ - صلاة الفجر متلفعات بمروطهنّ (^١) ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يُعرفن من الغلس (^٢» (^٣) قال الباجي: يجوز أن يبيح لهن كشف وجوههن أحد أمرين: إما أن يكون ذلك قبل نزول الحجاب، أو يكون بعده لكنهن أمِنَّ أن تُدرك صورهن من شدة الغلس فأبيح لهن كشف وجوههن.\n_________\n(^١) المرط: كساء من خز أو صوف يؤتزر به وتتلفع به المرأة (المصباح المنير ٢/ ٥٦٩).\n(^٢) الغلس: ظلمة آخر الليل (القاموس المحيط ١/ ٧٢٣)\n(^٣) صحيح البخاري ١/ ٢١٠ (٥٥٣) صحيح مسلم ١/ ٤٤٦ (٦٤٥).","vol":"1","page":101},{"text":"٣) استشهد الشيخ الألباني في مذهب الإمام الشافعي بقول البغوي في شرح السنة (٩/ ٢٣ - ٢٤): \"فإن كانت أجنبية حرة فجميع بدنها عورة في حق الرجل لا يجوز له أن ينظر إلى شيء منها إلا الوجه واليدين إلى الكوعين وعليه غض البصر عن النظر إلى وجهها ويديها أيضا عند خوف الفتنة \". اهـ.\nفيجاب عليه بأن مراده بالرجل هنا؛ من أباح له الشرع الدخول على المرأة والنظر إليها دون حجاب من العبيد والأتباع كما أسلفنا وليس مراده جواز كشف المرأة الحرة وجهها للرجال الأحرار الأجانب، ومما يؤكد ذلك؛ قول البغوي عن حكم احتجاب المرأة الحرة من الأحرار الأجانب في تفسيره معالم التنزيل (٣/ ٥٤١): ولما نزلت آية الحجاب ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ الأحزاب: ٥٣ قال الآباء والأبناء والأقارب: ونحن أيضا نكلمهن من وراء الحجاب؟ فأنزل الله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٥ أي لا إثم عليهن في ترك الاحتجاب من هؤلاء ... ﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾ أن يراكن غير هؤلاء. إلى أن قال (٣/ ٥٤٤): ثم نهى الحرائر أن يتشبهن بالإماء فقال جل ذكره ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٩ جمع الجلباب وهو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار وقال ابن عباس وأبو عبيدة أمر نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجوههن بالجلابيب إلا عينا واحدة. اهـ","vol":"1","page":102},{"text":"ولنا شاهد من قول الشافعي كما جاء في المجموع للنووي (٨/ ٧٥): قال الشافعي في الأم، والأصحاب؛ يستحب للمرأة أن تسعى في الليل لأنه أستر وأسلم لها ولغيرها من الفتنة، فإن طافت نهارا جاز، وتسدل على وجهها ما يستره. اهـ\n٤) وفي مذهب الإمام أحمد أشار الشيخ الألباني إلى ما سبق أن نقله عن ابن هبيرة وابن قدامة والمرداوي؛ والذي بينا أنه عن عورة المرأة في الصلاة، واستشهدنا من أقوالهم عن عورة النظر بما يأتي:\n(ابن هبيرة) قال إبراهيم بن محمد بن مفلح في المبدع (١/ ٣٦٢): الحرة البالغة كلها عورة حتى ظفرها، ذكر ابن هبيرة أنه المشهور، وقال القاضي وهو ظاهر كلام أحمد لقول النبي - ﷺ - المرأة عورة.\n(ابن قدامة) المغني لابن قدامة (٧/ ٧٨): فأما نظر الرجل إلى الأجنبية من غير سبب فإنه محرم إلى جميعها في ظاهر كلام أحمد.\n(المرداوي) الإنصاف للمرداوي (٨/ ٢٧ - ٢٩): فلا يجوز له النظر إلى الأجنبية قصدا وهو صحيح وهو المذهب ... واختاره الشيخ تقي الدين فقال أصح الوجهين لا يجوز كما أن الراجح في مذهب الإمام أحمد ﵀ أن النظر إلى وجه الأجنبية من غير حاجة لا يجوز.\nويكفي صريح قول الإمام أحمد كما في الفروع (٨/ ١٨٦): (ظُفُر المرأة عورة فإذا خرجت فلا يبين منها شيء ولا خُفُّها فإن الخُفَّ يصِفُ القدم وأحبُّ إلي أن تجعل لِكُمِّها زرًّا عند يدها لا يبِين منها شيء).","vol":"1","page":103},{"text":"خامسا: احتج الشيخ الألباني بما تناقلته بعض كتب الفقه: \" لأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه للبيع والشراء والكفين للأخذ والإعطاء \"وذكر ممن قال ذلك كابن قدامة والشوكاني وابن نجيم؛ وهذا القول ليس فيه حجة على جواز كشف الوجه للنساء الحرائر؛ لأن المراد به هو الحاجة للأخذ والإعطاء مع من يحل له الدخول عليهن والنظر إليهن من العبيد ونحوهم، وكذلك الحاجة لكشف وجوه الإماء لأنهن سلعة تباع وتشترى وبالناس حاجة إلى النظر إلى وجهها عند الشراء. فالمراد هو الحاجة للمعاملة مع من لم يضرب دونهم الحجاب؛ وهم العبيد المملوكون، ومن لم يؤمرن بحجاب وهن الإماء، وليس المراد معاملة المرأة الحرة مع الرجال الأحرار الأجانب الذين ضرب دونهم الحجاب ومنعوا من النظر إليها والمعاملة معها بقوله تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ... الأحزاب: ٥٣ ومما يشهد أن المراد؛ المعاملة مع هؤلاء:\nما جاء في المبسوط للسرخسي ١٠/ ١٥٨ (ت ٤٨٣ هـ): وحديث أم سلمة ﵂ (إذا كان لإحداكن مكاتب (^١) وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه) (^٢) محمول على الاحتجاب لمعنى زوال الحاجة فإن قبل ذلك تحتاج إلى المعاملة معه بالأخذ والإعطاء فتبدي وجهها وكفها له وقد زال ذلك بالأداء فلتحتجب.\nوما جاء في قواطع الأدلة في الأصول لأبي المظفر السمعاني ٢/ ٨٢ (ت ٤٨٩ هـ): فإن الجارية سلعة تباع وتشترى وبالناس حاجة إلى النظر إلى وجهها وشعرها\n_________\n(^١) (المكاتب) هو الذي تعاقد مع سيده على مبلغ من المال إذا أداه أصبح حرا.\n(^٢) سنن أبي داود ٤/ ٢١ (٣٩٢٨) جامع الترمذي ٣/ ٥٦٢ (١٢٦١) وقال حسن صحيح.","vol":"1","page":104},{"text":"عند المعاملات فأعرض الشرع عن خوف الفتنة لوقوع الحاجة، بخلاف الحرة فإن الأصل أنها عورة فالشرع حرم النظر سواء كانت شوهاء أو حسناء حسما للباب وسدا له وزيادة احتياط للأمور.\nبل إن من أهل العلم من لم يدع هذا الأمر على إطلاقه:\nقال ابن القطان في أحكام النظر/١٩٣: (حكم نظر من يريد شراء أمة يقلبها) ... مسألة؛ ليس من الضرورات احتياجها إلى أن تبيع وتبتاع أو تستصنع وقد روي عن مالك أنه قال: ولا تترك الشابة تجلس إلى الصناع، وأما المتجالة والخادم الدون فلا بأس بذلك، وهذا كله صواب من القول، فإن أكثر هذه ليست بضرورات مبيحة للتكشف، فقد تستصنع وتتصرف بالبيع والشراء وغير ذلك وهي مستترة. ولا يمنعن - الإماء - من الخروج والمشي في حاجاتهن ولو كن معتدات وإلى المساجد، وإنما يمنعن من التبرج والتكشف والتطيب للخروج والتزين، بل يخرجن وهن تفلات ولا يتوسطن في المشي الطرقات بل يلصقن بالجدران ... وقال القاضي أبو بكر بن الطيب: أما بروزهن للتهمة والنظر والتعرض للفساق فيجب إنكاره والمنع منه، وأما خروجهن للحوائج والمهمات، وعلى غير وجه التعرض للفساد، فإنه غير منكر لأنه غير مطلق لهن، وقد يخرجن لسماع الوعظ وتعلم العلم والفضيلة من صلاة أو غير ذلك ونحوه لمن أمن الافتتان بهن من العجائز وأما الشواب منهن فيجب إنكار اختلاطهن بالرجال في المساجد ومجمع القصاص إلا أن يكون من وراء حجاب بحيث لا يراهن الرجال. انتهى كلامه بنصه وهو صواب كما ذكر. اهـ","vol":"1","page":105},{"text":"سادسا: لم يجد الشيخ الألباني ما يستشهد به من أقوال الأئمة الأربعة مسندة إليهم ليحتج بها على إباحتهم كشف المرأة وجهها للرجال الأجانب؛ ولينفي أن أقوالهم المنسوبة إليهم هي عن عورة المرأة في الصلاة؛ إلا أقوالهم عن كيفية ستر المرأة لوجهها حال إحرامها لما هو معلوم من نهي المحرمة من تغطية وجهها بالشّد عليه بالبرقع والنقاب، ولا يصح الاحتجاج بهذا النهي على جواز كشف المرأة لوجهها حال إحرامها فضلا أن يحتج به على جواز كشفه حال حلِّها؛ لأنه لم يرد النهي عن تغطيتها لوجهها مطلقا، بل هي مأمورة بتغطية وجهها بسدل الثوب عليه من فوق رأسها، وإنما نُهيت عن عطف الثوب على أنفها وشدّه على وجهها للتلثم\nوالتبرقع، فالمنهي عنه هو طريقة التغطية وليس التغطية نفسها، ومما يشهد لذلك الآثار الآتية:\n١ - صح عن عائشة ﵂ أنها قالت \" تسدل المحرمة جلبابها من فوق رأسها على وجهها\" (^١). وهذه الرواية مما لم يتطرق لها الشيخ الألباني بذكر!\nوصح عنها أنها قالت \"كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه\". (^٢) وفي رواية: \"سدلنا الثوب على وجوهنا من خلفنا ولم يجئ من ها هنا يعني من قبل\n_________\n(^١) سنن سعيد بن منصور، مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود (٧٣١) صحح إسناده ابن حجر في فتح الباري ٣/ ٤٠٦.\n(^٢) مسند أحمد (٢٤٠٢١)، سنن أبي داود (١٨٣٣) صححه علي القاري في مرقاة المفاتيح ٥/ ١٨٥٢، وصححه الألباني في حجاب المرأة /٣٣ وفي مشكاة المصابيح ٢/ ٨٢٣.","vol":"1","page":106},{"text":"خديها فإذا جاوزنا نزعناه \" (^١)، وفي رواية قالت \" ولا تتبرقع ولا تَلَثَّم وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت\". (^٢)\n٢ - صح عن ابن عباس - ﵁ - قال (تدلي عليها من جلبابها ولا تضرب به) قلت وما لا تضرب به؟ فأشار إلى كما تجلبب المرأة ثم أشار إلى ما على خدها من الجلباب فقال (لا تعطفه فتضرب به على وجهها فذلك الذي يبقى عليها، ولكن تسدله على وجهها كما هو مسدولا، ولا تقلبه، ولا تضرب به، ولا تعطفه) (^٣).\n٣ - صح عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ قالت\" كنا نغطي وجوهنا من الرجال وكنا نتمشط قبل ذلك في الإحرام\" (^٤)\n٤ - صح عن فاطمة بنت المنذر أنها قالت كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات ونحن مع أسماء بنت أبي بكر الصديق. (^٥)\n٥ - صح عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق قال\" تلبس المحرمة السراويل والقفازين وتخمر وجهها كله\". (^٦)\n_________\n(^١) المنتقى لابن الجارود (٤١٨)، مسند إسحاق بن راهويه (١١٨٩) واللفظ له.\n(^٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٨٨٣٢) صححه الألباني في إرواء الغليل ٤/ ٢١٢.\n(^٣) أبو داود في مسائله / ١١٠، الشافعي في الأم ٢/ ١٤٩ واللفظ له، وصححه الألباني في الرد المفحم /١٠.\n(^٤) صحيح ابن خزيمة ٤/ ٢٠٣ (٢٦٩٠) صححه الألباني في إرواء الغليل ٤/ ٢١٢.\n(^٥) موطأ مالك ١/ ٣٢٨ (٧١٨) وصححه الألباني في إرواء الغليل ٤/ ٢١٢.\n(^٦) مصنف ابن أبي شيبة ٣/ ٤٣٤ (١٥٧٢٤) بإسناد متصل ورجاله ثقات، والقاسم هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق أحد الفقهاء السبعة.","vol":"1","page":107},{"text":"فهذه الروايات تؤكد أن المنهي عنه حال الإحرام هو الشد على الوجه بالنقاب والبرقع واللثام وليس المنهي عنه ستر الوجه مطلقا.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٢/ ١٤٩ - ١٥٠): وأما المرأة فإنها لم تنه عن شيء من اللباس لأنها مأمورة بالاستتار والاحتجاب فلا يشرع لها ضد ذلك، لكن منعت أن تنتقب ... وقد تنازع الفقهاء هل وجهها كرأس الرجل أو كيديه على قولين في مذهب أحمد وغيره فمن جعل وجهها كرأسه أمرها إذا سدلت الثوب من فوق رأسها أن تجافيه عن الوجه كما يجافى عن الرأس ما يظلل به. ومن جعله كاليدين وهو الصحيح قال هي لم تنه عن ستر الوجه وإنما نهيت عن الانتقاب.\nقال ابن حزم (ت ٤٥٦ هـ) في المحلى (٧/ ٩٢): وما نهيت المرأة عن تغطية وجهها بل هو مباح لها في الإحرام وإن نهيت عن النقاب فقط.\nقال ابن عبدالبر في التمهيد (ت ٤٦٣ هـ) (١٥/ ١٠٨): وأجمعوا أن إحرامها في وجهها دون رأسها وأنها تخمر رأسها وتستر شعرها وهي محرمة، وأجمعوا أن لها أن تسدل الثوب على وجهها من فوق رأسها سدلا خفيفا تستتر به عن نظر الرجال إليها.\nقال صدر الدين عليّ بن أبي العز الحنفي (ت ٧٩٢ هـ) في التنبيه على مشكلات الهداية (٣/ ١٠٠٦): فإن النبي لم يشرع للمرأة كشف الوجه للرجال في الإحرام ولا غيره خصوصًا عند خوف الفتنة، وإنما جاء النص بالنهي عن","vol":"1","page":108},{"text":"النقاب خاصًا، كما جاء النهي عن القفازين ... وقد تقدم أن القول بأن إحرام المرأة في وجهها إنما هو من كلام ابن عمر ... فالذي دلت عليه السنة أن وجه المرأة كبدن الرجل يحرم ستره بالمفصل على قدره كالنقاب، والبرقع .. وأما ستره بالملحفة، والخمار ونحوهما فلم تنه عنه المرأة البتة.\nقال الشوكاني في السيل الجرار (٢/ ١٨٠): وأما تغطية وجه المرأة فلما روي أن إحرام المرأة في وجهها ولكنه لم يثبت ذلك من وجه يصلح للاحتجاج ... فليس في المنع من تغطية وجه المرأة ما يتمسك به والأصل الجواز حتى يرد الدليل الدال على المنع. اهـ\nوقد أطلق بعض أهل العلم جواز تغطية وجه المحرمة بالسدل عليه وإن لم تكن بحضرة رجال أجانب؛ وقيّده البعض الآخر فقال إن لم تكن بحضرة رجال أجانب فلا تسدل، أي لا يشرع لها إدامة تغطية وجهها إلا للستر من الرجال، وهذا خلاصة ما ذهب إليه الأئمة الأربعة في أقوالهم التي استشهد بها الشيخ الألباني وقال بأنهم يخيرون بها المرأة بين الكشف أو السدل!!\n١) كما في مذهب الإمام أبي حنيفة نقل الشيخ الألباني قول محمد بن الحسن \" ولا ينبغي للمرأة المحرمة أن تنتقب فإن أرادت أن تغطي وجهها فلتسدل الثوب سدلًا من فوق خمارها\" فمراده أنها منهية عن الشد على الوجه بالنقاب، فإن أرادت تغطيته لبروزها أمام الرجال فلتغطيه بسدل الثوب عليه من فوق رأسها.","vol":"1","page":109},{"text":"٢) وقول الإمام مالك كما في المدونة الكبرى (٢/ ٤٦١): قلت له أرأيت لو أن محرما غطى وجهه أو رأسه ما قول مالك فيه؟ قال: قال مالك إن نزعه مكانه فلا شيء عليه، وإن تركه لم ينزعه مكانه حتى انتفع به افتدى. قلت: وكذلك المرأة إذا غطت وجهها؟ قال: نعم إلا أن مالكا كان يُوسع للمرأة أن تسدل رداءها من فوق رأسها على وجهها إذا أرادت سترا، فإن كانت لا تريد سترا فلا تسدل. اهـ\nفالذي ينبغي أن يفهم من قوله؛ أنه لا ينبغي للمرأة أن تغطي وجهها حال إحرامها إلا للستر من الرجال الأجانب، فإن لم تكن على مرأى من رجال أجانب فلا ينبغي لها أن تغطي وجهها، وهذا ما فهمه الشرّاح عن الإمام مالك:\nقال الباجي في المنتقى شرح الموطأ (٢/ ٢٠٠): وإنما يجوز أن يخمرن وجوههن على ما ذكرنا بأن تسدل ثوبا على وجهها تريد الستر، ولا يجوز أن تسدله لحر ولا لبرد.\nقال الزرقاني في شرحه على موطأ الإمام مالك (٢/ ٣١٤): يجوز للمرأة المحرمة ستر وجهها بقصد الستر عن أعين الناس بل يجب إن علمت أو ظنت الفتنة بها أو ينظر لها بقصد لذة، قال ابن المنذر أجمعوا على أن المرأة تلبس المخيط كله والخفاف وإن لها أن تغطي رأسها وتستر شعرها إلا وجهها فتسدل عليه الثوب سدلا خفيفا تستر به عن نظر الرجال.","vol":"1","page":110},{"text":"٣) استشهد الشيخ الألباني بقول الإمام الشافعي\" المحرمة لا تخمِّر وجهها إلا أن تريد أن تستر وجهها فتجافي ... \" اهـ\nوقول الإمام الشافعي كما في الأم (٢/ ٢١٩): وتلبس المرأة السراويل والخفين والقميص والخمار وكل ما كانت تلبسه غير محرمة إلا ثوبا فيه طيب ولا تخمر وجهها وتخمر رأسها إلا أن تريد أن تستر وجهها فتجافي الخمار ثم تسدل الثّوب على وجهها. اهـ ومراده أن المحرمة منهية عن تخمير وجهها برفع الثوب عليه من أسفل، إلا أن تكون على مرأى من رجال أجانب فلها أن تستره بسدل الثوب عليه من فوق رأسها، ومما يشهد لذلك وأنها مأمورة بالستر عن الرجال وليست مخيّرة في ذلك:\nقول الشافعي في مختصر المزني (١/ ٦٥): والمرأة في ذلك كالرجل إلا ما أمرت به من الستر ... وإحرامها في وجهها فلا تخمره، وتسدل عليه الثوب وتجافيه عنه.\nوقال النووي في المجموع (٨/ ٧٥): قال الشافعي في الأم يستحب للمرأة أن تسعى في الليل لأنه أستر لها فان طافت نهارا جاز، وتسدل على وجهها ما يستره.\n٤) استشهد بقول الإمام أحمد\" المحرمة لا تخمِّر وجهها ولا تتنقب والسدل ليس به بأس تسدل على وجهها\" قال الشيخ الألباني فقوله\" ليس به بأس\" يدل على جواز السدل. اهـ\nوقول الإمام أحمد كان جوابا منه لبيان معنى قولهم (إحرام المرأة في وجهها) كما في مسائله رواية ابنه أبي الفضل (١/ ٣١٠) قال: وسألته عمن قال إحرام المرأة","vol":"1","page":111},{"text":"في وجهها ما معناه كأنها لا تجتنب الزينة إلا في وجهها أو كيف؟ قال لا تخمر وجهها ولا تنتقب والسدل ليس به بأس تسدل على وجهها. اهـ\nومراده أن المحرمة منهية عن رفع الثوب من أسفل وشده على الوجه، أما سدل الثوب من فوق الرأس على الوجه فليس فيه شد على الوجه، وقد روي عن الإمام أحمد ما يبين أن هذا السدل واجب: كما جاء في مسائل ابن هانئ (١/ ١٥٧): سألت أبا عبد الله عن المرأة المحرمة تسدل ثوبها على وجهها؟ قال: تسدله على وجهها إذا لقيت الرفاق، فإذا جاوزت الرفاق كشفت عن وجهها. اهـ\nوبذلك تبين خطأ الشيخ الألباني فيما نسبه للأئمة من تخيير المحرمة بين تغطية الوجه أو الكشف؟! إذ لم يحمل أحد ممن سبقه أقوال الأئمة عليه!\nقال البغوي في شرح السُنَّة (٧/ ٢٤٠): فإن احتاجت إلى ستر الوجه لحر أو برد، أو منع أبصار الأجانب، سدلت ثوبا على وجهها. وممن قال: تسدل الثوب، عطاء، وهو قول مالك، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.\nقال ابن قدامة في المغني (٣/ ١٥٤): فأما إذا احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريبا منها فإنها تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها روي ذلك عن عثمان وعائشة وبه قال عطاء ومالك والثوري والشافعي وإسحاق ومحمد بن الحسن ولا نعلم فيه خلافا. اهـ\nولهذا لم يقل أحد من فقهاء المذاهب بناء على أقوال أئمتهم بأن المحرمة مخيرة بين السدل أو الكشف إذا كانت على مرأى من رجال أجانب:","vol":"1","page":112},{"text":"* مذهب الإمام أحمد:\n- شرح العمدة (٣/ ٢٦٨): فإن احتاجت إلى ستر الوجه مثل أن يمر بها الرجال وتخاف أن يروا وجهها فإنها ترسل من فوق رأسها على وجهها ثوبا.\n- كشاف القناع (٢/ ٤٤٧): فإن غطته لغير حاجة فدت، والحاجة كمرور رجال قريبا منها تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها.\n- منار السبيل (١/ ٢٣٧): فإن احتاجت لتغطيته لمرور الرجال قريبا منها سدلت الثوب من فوق رأسها لا نعلم فيه خلافا.\n* مذهب الإمام الشافعي:\n- البيان في مذهب الإمام الشافعي (٤/ ١٥٤): وإذا أحرمت المرأة .. فإنه لا يجب عليها كشف رأسها، ولكن لا يجوز لها تغطية وجهها، ولسنا نريد بذلك أنها تبرزه للناس - أي ليس المراد أنها تظهره للرجال - ... فإن أرادت المرأة أن تستر وجهها عن الناس عقدت الثوب على رأسها، وسدلته على وجهها.\n- الإقناع للماوردي (١/ ٨٩): الثالث تغطية رأس الرجل ووجه المرأة وهو حرام عليهما ولكن لا بأس أن يستظل الرجل سائرا أو نازلا، وتستر المرأة وجهها بما لا يماسه من برقع أو خمار.","vol":"1","page":113},{"text":"* مذهب الإمام أبو حنيفة:\n- التنبيه على مشكلات الهداية (٣/ ١٠٠٦): فإن النبي - ﷺ - لم يشرع للمرأة كشف الوجه للرجال في الإحرام ولا غيره، وإنما جاء النص بالنهي عن النقاب خاصًا.\n- البحر الرائق (٢/ ٣٨١): وفي فتاوي قاضيخان ودلت المسألة على أنها لا تكشف وجهها للأجانب من غير ضرورة، وهو يدل على أن هذا الإِرخاء عند الإمكان ووجود الأجانب واجب عليها.\n- حاشية ابن عابدين على الدر المختار (٢/ ٥٢٧): ودلت المسألة على أن المرأة منهية عن إظهار وجهها للأجانب بلا ضرورة ... ووفق في البحر بما حاصله أن محمل الاستحباب عند عدم الأجانب، وأما عند وجودهم فالإرخاء واجب عليها.\n* مذهب الإمام مالك:\n- عارضة الأحوذي لابن العربي (٤/ ٥٦): قوله في حديث ابن عمر (ولا تنتقب المرأة) وذلك لأن ستر وجهها بالبرقع فرض، إلا في الحج؛ فإنها ترخي شيئًا من خمارها على وجهها غير لاصق به، وتعرض عن الرجال، ويعرضون عنها.\n- إرشاد المسترشد (٢/ ٦١) باب محظورات الإحرام: وكذلك المرأة لا تغطي وجهها ولا كفيها إلا عند ملاقاة الرجال الأجانب.","vol":"1","page":114},{"text":"وبذلك ثبت أنه لم ينقل عن الأئمة الأربعة قول ينص على جواز كشف وجه المرأة الحرة للرجال الأحرار الأجانب، بل إن المنقول عنهم يدل على وجوبتغطية الوجه إذا كانت بحضرة رجال أجانب سواء كانت في الصلاة أو خارجها وسواء كانت محلّة أو محرمة، إلا أنها حال الإحرام تغطي وجهها بالسدل عليه من فوق رأسها، ولا تلثم ولا تتبرقع.\n\nسابعا:<span data-type=\"title\" id=toc-43> هل نهي المرأة المحرمة عن النقاب ثابت عن النبي </span>- ﷺ -:\n١) لم يرد نص صحيح مرفوع إلى النبي - ﷺ - على أن إحرام المرأة في وجهها:\nقال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٢٦/ ١١٢): ولم ينقل أحد من أهل العلم عن النبي - ﷺ - أنه قال (إحرام المرأة في وجهها) (^١) وإنما هذا قول بعض السلف.\nوقال ابن القيم في حاشية سنن أبي داود (٥/ ١٩٩): هذا الحديث لا أصل له ولم يروه أحد من أصحاب الكتب المعتمد عليها ولا يعرف له إسناد ولا تقوم به حجة ولا يترك له الحديث الصحيح الدال على أن وجهها كبدنها وأنه يحرم عليها فيه ما أعد للعضو كالنقاب والبرقع ونحوه لا مطلق الستر.\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى موقوفا على ابن عمر ٥/ ٤٧ (٨٨٣٠). وقال في معرفة السنن والآثار (٤/ ٧): وروي ذلك عنه مرفوعًا ورفعه ضعيف.","vol":"1","page":115},{"text":"٢) وكذلك ما روي في المنع من النقاب فإنه لم يثبت رفعه إلى النبي - ﷺ -:\nكما في سنن البيهقي الكبرى (٥/ ٤٧): قال أبو داود ورواه عبيد الله بن عمر ومالك بن أنس وأيوب عن نافع موقوفا على ابن عمر (المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين) (٨٨٢٩) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: قال أبو علي الحافظ: لا تنتقب المرأة من قول ابن عمر وقد أدرج في الحديث.\nفنهي المحرمة عن النقاب والقفاز لم يصح رفعه إلى الرسول - ﷺ - والصحيح وقفه على ابن عمر.\nويؤكد ذلك عدة أمور:\n١ - لو كان النهي عن الانتقاب من قول الرسول - ﷺ - لنصت عليه عائشة ﵂ ولكنها عبرت عنه بالبرقع فقالت فيما صح عنها مما رواه الأسود بن يزيد النخعي عن عائشة ﵂ قالت (تلبس المحرمة ما شاءت إلا البرقع والمتورد بالعصفر) (^١) وقالت في رواية البيهقي \"ولا تتبرقع ولا تلثم\".\nولذلك قال ابن المنذر (ت: ٣١٩ هـ) في الإشراف على مذاهب العلماء (٣/ ٢٢١):\nأما البرقع والنقاب - للمحرمة- فمكروه، لأن كراهية ذلك ثابتة عن سعد وابن عمر وابن عباس وعائشة\".اهـ\nفلو كان النهي نهي رسول الله - ﷺ - لكان مرجع النهي والكراهة إليه.\n_________\n(^١) قال ابن تيمية في شرح العمدة ٣/ ١٠١ رواه سعيد بن منصور بإسناد صحيح.","vol":"1","page":116},{"text":"٢ - أنه لم يرد النص على تسمية ما تغطي به النساء وجوههن؛ نقاب على عهد النبي - ﷺ - في حديث صحيح. ويؤكد ذلك ما أُثر عن محمد بن سيرين أنه قال (النقاب محدث) كما في غريب الحديث لأبي عبيد بن سلام (٤/ ٤٦٣) قال: حديث محمد بن سيرين أنه قال (النقاب محدث)، النقاب عند العرب هو الذي يبدو منه المحجر، والذي أراد محمد أن يقول إن إبداءهن المحاجر محدث؛ وإنما كان النقاب لاحقا بالعين أو أن يبدوا إحدى العينين والأخرى مستورة، عرفنا ذلك بحديث يحدثه هو عن عبيدة أنه سأله عن قوله عز وعلا ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ قال فقنع رأسه وغطى وجهه وأخرج إحدى عينيه وقال هكذا. فإذا كان النقاب لا يبدو منه إلا العينان فقط فذلك الوصوصة واسم ذلك الشيء الوصواص وهو الثوب الذي يغطى به الوجه. قال وإنما قال هذا محمد لأن الوصاوص والبراقع كانت لباس النساء ثم أحدثن النقاب بعد ذلك (^١). اهـ\nفالذي ينبغي أن تحمل عليه الآثار الواردة في نهي المرأة المحرمة عن البرقع والنقاب؛ أن المراد هو عدم تكشفها بالشد على وجهها وإبداء محاجرها أو شيء من وجهها، بل يجب عليها حال إحرامها أن تكون أكثر تسترا بإسدال الثوب من فوق رأسها على وجهها.\n_________\n(^١) جاء في فقه اللغة وسر العربية للثعالبي (ت ٤٢٩ هـ) (ص/ ١٤٢): \"عن الفراء\" إذا أدنت المرأة نقابها إلى عينيها فتلك الوصوصة. فإذا أنزلته دون ذلك إلى المحجر فهو النقاب.","vol":"1","page":117},{"text":"ــ:: تتمة البحث الخامس (٢):: ــ\nقال الشيخ الألباني: قال ابن مفلح في كتابه\" الآداب الشرعية\" (١/ ٣١٦) ما نصه: \" هل يسوغ الإنكار على النساء الأجانب إذا كشفن وجوههن في الطريق؟ ينبني (الجواب) على أن المرأة هل يجب عليها ستر وجهها أو يجب غض النظر عنها؟ وفي المسألة قولان قال القاضي عياض في حديث جرير - ﵁ - قال: سألت رسول الله - ﷺ - عن نظر الفجأة؟ فأمرني أن أصرف بصري. رواه مسلم. قال العلماء رحمهم الله تعالى: وفي هذا حجة على أنه لا يجب على المرأة أن تستر وجهها في طريقها وإنما ذلك سنة مستحبة لها ويجب على الرجل غض البصر عنها في جميع الأحوال إلا لغرض شرعي. ذكره النووي ولم يزد عليه\" في\" شرح مسلم\" وأقرَّه ثم ذكر المفلح قول ابن تيمية. . . ثم قال المفلح: \" فعلى هذا هل يشرع الإنكار؟ ينبني على الإنكار في مسائل الخلاف وقد تقدم الكلام فيه، فأما على أقوالنا وقول جماعة من الشافعية وغيرهم أن النظر إلى الأجنبية جائز من غير شهوة ولا خلوة فلا ينبغي أن يسوغ الإنكار. اهـ","vol":"1","page":118},{"text":"ــ::<span data-type=\"title\" id=toc-45> مناقشة تتمة البحث الخامس (٢)::</span> ــ\nأولا: أن ما ذكره ابن مفلح في كتابه الآداب الشرعية؛ فهو عن حكم الإنكار على من لم يجب عليهن ستر وجوههن وهن الإماء، وليس عن حكم كشف الحرائر! ولذا قال: ينبني (الجواب) على أن المرأة هل يجب عليها ستر وجهها أو يجب غض النظر عنها؟ أي: أيُّ الأمرين واجب في هذه الحال، ستر وجه الأمة أم غض البصر عنها، فذكر أن في المسألة قولان؛ فاستشهد بما نقله النووي من قول القاضي عياض في هذه المسألة، ثم زاد في البيان فاستشهد بماء جاء في المغني من منع عمر - ﵁ - الإماء تغطية وجوههن؛ وحديث المكاتب الذي فيه جواز نظر العبيد للحرائر من النساء! ولذلك أجاب ابن مفلح بأنه يرى أنه لا يسوغ الإنكار عليهن إذا كشفن وجوههن لأن الحجاب ليس واجبا عليهن في هذه الأحوال.\nوسأنقل قوله بتمامه ليتضح مراده؛ قال ابن مفلح في كتابه الآداب الشرعية (١/ ٢٩٦): هل يسوغ الإنكار على النساء الأجانب إذا كشفن وجوههن في الطريق، ينبني على أن المرأة هل يجب عليها ستر وجهها أو يجب غض البصر عنها، أو في المسألة قولان، قال القاضي عياض في حديث جرير - ﵁ - قال \"سألت رسول الله - ﷺ - عن نظر الفجاءة فأمرني أن أصرف بصري\" أخرجه مسلم قال العلماء رحمهم الله تعالى وفي هذا حجة على أنه لا يجب على المرأة أن تستر وجهها في طريقها، وإنما ذلك سنة مستحبة لها ويجب على الرجل غض البصر عنها في جميع الأحوال إلا لغرض صحيح شرعي، ذكره الشيخ محيي الدين النووي ولم يزد عليه، وقال في المغني عقيب إنكار عمر ﵁ على الأمة التستر وقوله","vol":"1","page":119},{"text":"\"إنما القناع للحرائر\" قال: ولو كان نظر ذلك محرما لما منع من ستره بل أمر به، وكذلك احتج هو وغيره على الأصحاب وغيرهم بقول النبي - ﷺ - (إذا كان لإحداكن مكاتب فملك ما يؤدي فلتحتجب منه) - ثم ذكر ابن مفلح القول الآخر - وقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية وكشف النساء وجوههن بحيث يراهن الأجانب غير جائز، ولمن اختار هذا أن يقول حديث جرير لا حجة فيه لأنه إنما فيه وقوعه ولا يلزم منه جوازه، فعلى هذا هل يشرع الإنكار؟ ينبني على الإنكار في مسائل الخلاف وقد تقدم الكلام فيه، فأما على أقوالنا وقول جماعة من الشافعية وغيرهم أن النظر إلى الأجنبية جائز من غير شهوة ولا خلوة فلا ينبغي أن يسوغ الإنكار. اهـ\nفكلام ابن مفلح عن الإنكار على من لم يجب عليهن الحجاب من الإماء، ولذلك كان جوابه أنه لايسوغ الإنكار عليهن، أما رأيه في حكم النظر إلى النساء الحرائر؛ فقال ابن مفلح في كتابه الفروع (٥/ ١٠٩ - ١١٢): وجوَّز جماعة وذكره شيخنا رواية نظر رجل من حرة ما ليس بعورة صلاة والمذْهب لا؛ نقل أبو طالب (ظفر المرأة عورة فإذا خرجت فلا يبين منها شيء ولا خفُّها فإن الخُفَّ يصف القدم وأحب إليَّ أن تجعل لكمِّها زرًّا عند يدها لا يبين منها شيء) ويجوز غير عورة صلاة من أمة ومن لا تشتهى. وذكر الشيخ ينظر من أمة ومن لا تشتهى ما يظهر غالبا، ونقل حنبل إن لم تختمر الأمة فلا بأس، وقيل الأمة والقبيحة كالحرة والجميلة. نقل المروذي: لا ينظر إلى المملوكة، كم من نظرةألقت في قلب صاحبها البلاء. ونقل ابن منصور: لا تنتقب الأمة. ونقل أيضا تنتقب الجميلة.","vol":"1","page":120},{"text":"ثانيا: أما قول القاضي عياض تعليقا على حديث نظر الفجأة \" قال العلماء: وفي هذا حجة على أنه لا يجب على المرأة أن تستر وجهها في طريقها وإنما ذلك سنة مستحبة لها ويجب على الرجل غض البصر عنها في جميع الأحوال إلا لغرض شرعي\" اهـ فمراده الإماء المملوكات، لأن الحجاب لم يفرض عليهن، فلا يجب عليهن ستر وجوههن عند ملاقاة الرجال في الطرقات، وعلى الرجل أن يغض بصره عنها سواء كانت حسناء أو شوهاء، وسواء كان نظره بشهوة أو بغير شهوة، فلا يحل له النظر إليها إلا لعذر شرعي من شهادة ونحوها، فالقاضي عياض ممن يرى منع النظر حال جواز الكشف. ولهذا نقل النووي قول القاضي عياض في هذه المسألة ولم يزد عليه.\nومما يشهد لذلك ما جاء في إكمال المعلم للقاضي عياض (٢/ ٦١٠): وقيل: فيه دليل على خروج النساء للمساجد، ومبادرة خروجهن قبل الرجال عند تمام الصلاة لئلا يزاحمن الرجال، أو ليستترن منهم، ولاغتنام ظلمة الغلس.","vol":"1","page":121},{"text":"ــ:: البحث السادس:: ــ\nقال الشيخ الألباني: قد جاءت أحاديث كثيرة في كشف النساء لوجوههن وأيديهن يبلغ مجموعها مبلغ التواتر المعنوي عند أهل العلم ... فلا أقل من ذكر بعض النماذج منها:\nالحديث الأول: حديث الخثعمية وفيه أنها كانت حسناء وضيئة وفيه: \" فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها\" ... ولذلك قال ابن بطال: \" لم يحول النبي - ﷺ - وجه الفضل حتى أدمن النظر إليها لإعجابه بها ... \"ـ","vol":"1","page":122},{"text":"ــ::<span data-type=\"title\" id=toc-47> مناقشة البحث السادس::</span> ــ\nأشار الشيخ الألباني في هذا البحث إلى بعض الأحاديث والآثار التي أستشهد بها في كتابه الجلباب محتجا بها على جواز كشف الوجه! فسنتتبعها كلها ونجيب عليها بعون الله:\n(الحديث الأول)\nعن عبد الله بن عباس ﵄، قال: كان الفضل رديف رسول الله - ﷺ -، فجاءت امرأة من خثعم، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، وجعل النبي - ﷺ -، يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا، لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم، وذلك في حجة الوداع. (^١)\nكان أول ما استشهد به الشيخ الألباني في رده المفحم هو حديث المرأة الخثعمية وهو الثاني في كتابه الجلباب/٦٢ وسنجيب عنه أولا لأن الجواب عنه هو جواب لكثير من الأحاديث والآثار التي استشهد بها الشيخ الألباني فنقول:\nأولا: لن نستطرد في نقل رد الشيخ الألباني على مخالفيه لضعف جوابهم عن هذا الحديث لأننا لا نخالفه في كونها كانت كاشفة عن وجهها وكان الفضل ينظر إليها\n_________\n(^١) صحيح البخاري ٢/ ٥٥١ (١٤٤٢) صحيح مسلم ٢/ ٩٧٣ (١٣٣٤).","vol":"1","page":123},{"text":"معجبا بحسنها، فأنكر رسول - ﷺ - عليه ذلك بأقوى درجات الإنكار، فأخذ بذقن الفضل وصرف وجهه عنها.\nولكن الحكم الشرعي الذي أباح للخثعمية كشف وجهها والذي ذهل عنه أكثر أهل العلم المتأخرين، وانطوت آثاره في التصانيف المتأخرة، ولم يشر إليه بعض المتقدمين لما هو معلوم عندهم بالضرورة؛ هو ما بيناه في مناقشة البحث الخامس؛ أن الحجاب (تغطية الوجه) إنما هو فرض على النساء الحرائر دون الإماء. وهذا هو سبب كشف المرأة الخثعمية لوجهها (أنها كانت جارية؛ أي أمة مملوكة) (^١) ولذلك لم يأمرها الرسول - ﷺ - بتغطية وجهها لعدم وجوب ذلك على الإماء، وقد يكون والدها قد أعتق عند كبر سنه فلزمته فريضة الحج ولذلك قالت (إن أبي شيخ كبير قد أدركته فريضة اللَّه في الحج). وقد جاء التصريح بأنها كانت جارية في الرواية التي أخرجها أحمد والترمذي والبيهقي:\nعن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال (وقف رسول اللَّه - ﷺ - بعرفة ... حتى جاوز الوادي فوقف وأردف الفضل، ثم أتى الجمرة فرماها، ثم أتى المنحر فقال هذا المنحر ومنى كلها منحر، واستفتته جارية شابة من خثعم؛ فقالت إن أبي شيخ كبير قد أدركته فريضة اللَّه في الحج أفيجزئ أن أحج عنه؟ قال: حجي عن أبيك، قال\n_________\n(^١) الجارية مصطلح يطلق على الأمة - المرأة المملوكة - كما في التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي (١/ ٢٤٠): والجارية السفينة سميت به لجريها في البحر ومنه قيل للأمة جارية على التشبيه لجريها مسخرة في أشغال مواليها والأصل فيها الشابة لخفتها ثم توسعوا فسموا كل أمة جارية وإن كانت عجوزا. أهـ","vol":"1","page":124},{"text":"ولوى عنق الفضل، فقال العباس: يا رسول اللَّه لم لويت عنق بن عمك؟ قال: رأيت شابا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما) (^١).\nوفي الاستذكار لابن عبد البر (٤/ ٢٩٩) ولفظه: (ثم أتى المنحر بمنى فقال هذا المنحر ومنى كلها منحر فاستقبلته جارية من خثعم شابة فقالت أبي شيخ كبير). وقد تكون المرأة أمة ولو كانت من نسبةقبلية لكونها سبيّة؛ فقد كان النبي - ﷺ - وسلم يبعث سرايا من أصحابه فيغيروا على القبائل ويسوقوا السبي إلى المدينة النساء منهم والرجال، كما في صحيح مسلم (٣/ ١٣٧٥): عن سلمة بن الأكوع قال: \" غزونا فزارة وعلينا أبو بكر، أمره رسول الله - ﷺ - علينا، فلما كان بيننا وبين الماء ساعة، أمرنا أبو بكر فعرسنا، ثم شن الغارة ... فجئت بهم أسوقهم وفيهم امرأة من بني فزارة معها ابنة لها من أحسن العرب، فسقتهم حتى أتيت بهم أبا بكر، فنفلني أبو بكر ابنتها \".\nبل وجاء النص على قبيلة خثعم كما ذكره ابن سعد في الطبقات (٢/ ١٢٣): سرية قطبة بن عامر إلى خثعم سنة تسع من مهاجر رسول الله - ﷺ - قالوا: (بعث رسول الله - ﷺ - قطبة بن عامر في عشرين رجلا إلى حي من خثعم ... فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كثر الجرحى في الفريقين جميعا. وقتل قطبة بن عامر من قتل وساقوا النعم والشاء والنساء إلى المدينة).\n_________\n(^١) مسند أحمد بن حنبل ١/ ٧٥ (٥٦٢) جامع الترمذي ٣/ ٢٣٢ (٨٨٥) وقال حسن صحيح، وصححه المقدسي في الأحاديث المختارة ٢/ ٢٤٢، وحسن إسناده الألباني في صحيح جامع الترمذي ٣/ ٢٣٢.","vol":"1","page":125},{"text":"* ومما يشهد أن المرأة الخثعمية من الإماء وليست من النساء الحرائر الآتي:\n١) أن البخاري في صحيحه مهد لهذا الحديث بثلاثة آثار في غض البصر؛ بيّن فيها المنع من النظر إلى نساء العجم، والنظر إلى ما يشتهى من الصغيرة، والنظر إلى الإماء؛ ثم ذكر الحديث دون ذكر لغض البصر عن وجوه النساء الحرائر.\nقال البخاري في صحيحه (٥/ ٢٢٩٩) معلقا: \" قال سعيد بن أبي الحسن للحسن إن نساء العجم يكشفن صدورهن ورؤوسهن قال اصرف بصرك عنهن،\nوقال الزهري في النظر إلى التي لم تحض من النساء لا يصلح النظر إلى شيء منهن ممن يشتهى النظر إليه وإن كانت صغيرة، وكره عطاء النظر إلى الجواري اللاتي يبعن بمكة إلا أن يريد أن يشتري. اهـ - ثم ساق البخاري حديث المرأة الخثعمية - وكذلك القرطبي في تفسيره حيث قال (١٢/ ٢٢٧): وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة فالعينان تزنيان وزناهما النظر ...) الحديث. وقال الزهري في النظر إلى التي لم تحض من النساء: لا يصلح النظر إلى شي منهن ممن يشتهى النظر إليهن وإن كانت صغيرة. وكره عطاء النظر إلى الجواري اللاتي يبعن بمكة إلا أن يريد أن يشتري. وفي الصحيحين عنه ﵇ أنه صرف وجه الفضل عن الخثعمية حين سألته، وطفق الفضل ينظر إليها ... فلا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تبدي زينتها إلا لمن تحل له، أو لمن هي محرمة عليه على التأبيد، فهو آمن أن يتحرك طبعه إليها لوقوع اليأس له منها.","vol":"1","page":126},{"text":"٢) أنه لم يستشهد أحد من المتقدمين بهذا الحديث على جواز الكشف للمرأة الحرة؛ وإنما كان استشهادهم به على تحريم النظر إلى الأجنبية:\n- ومن ذلك ما جاء في شرح النووي على صحيح مسلم (٩/ ٩٨): هذا الحديث فيه فوائد؛ منها جواز الإرداف على الدابة إذا كانت مطيقة، وجواز سماع صوت الأجنبية عند الحاجة في الاستفتاء والمعاملة وغير ذلك، ومنها تحريم النظر إلى الأجنبية، ومنها إزالة المنكر باليد لمن أمكنه. اهـ\n- قال ابن حجر في تلخيص الحبير (٣/ ١٥٠): وأولى منه ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس وفيه قصة المرأة الوضية الخثعمية، واستنبط منه ابن القطان جواز النظر عند أمن الفتنة من حيث إنه لم يأمرها بتغطية وجهها ولو لم يفهم العباس أن النظر جائز ما سأل ولو لم يكن ما فهمه جائزا لما أقره عليه. فائدة اختار النووي أن الأمة كالحرة في تحريم النظر إليها، لكن يعكّر عليه ما في الصحيحين في قصة صفية (فقلنا إن حجبها فهي زوجته وإن لم يحجبها فهي أم ولد) كذا اعترضه ابن الرِّفعة وتُعقِّب بأنه يدل على أن الأمة تُخالف الحرَّة فيما تبديه أكثر مما تبديه الحرة وليس فيه دلالة على جواز النظر إليها مطلقا. اهـ\n* إلا ماذكره الشيخ الألباني أن ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) استدل بحديث الخثعمية على أن \"ستر المرأة وجهها ليس فرضًا \" وبالرجوع إلى قول ابن بطال يتضح مراده؛ قال ابن بطال في شرح صحيح البخارى في شرحه لحديث المرأة الخثعمية (٩/ ١١) \"فيه أن نساء المؤمنين ليس لزوم الحجاب لهم فرضًا في كل حال كلزومه لأزواج النبي - ﷺ - ولو لزم جميع النساء فرضًا لأمر النبي الخثعمية بالاستتار\". اهـ","vol":"1","page":127},{"text":"فقوله (أن نساء المؤمنين ليس لزوم الحجاب لهم فرضًا في كل حال) يؤيد ماذكرنا من أن النساء لم يفرض عليهن الاحتجاب من الرقيق والتابعين غير أولي الإربة والذين لم يبلغو الحلم من الأحرار، وقوله (كلزومه لأزواج النبي - ﷺ -) فإن هناك فريق من أهل العلم ومنهم ابن بطال؛ يرى أن الحجاب مفروض على زوجات النبي - ﷺ - حتى عن الرقيق والأتباع فلا يحل لهم الدخول عليهن ولا إظهار شخوصهن إلا لما ملكت أيمانهن كما قال أبو جعفر النحاس (ت ٣٣٨ هـ) في معاني القرآن (٥/ ٣٧٢): \"فكان لا يحل لأحد أن يسألهن طعاما ولا غيره ولا ينظر إليهن متنقبات ولا غير متنقبات إلا من وراء حجاب وكانت عائشة إذا طافت بالبيت سترت، قال أنس كنت أدخل على أزواج النبي - ﷺ - فلما نزلت هذه الآية جئت لأدخل فقال لي النبي - ﷺ - وراءك يا بني\".اهـ\nأما قوله (ولو لزم جميع النساء فرضًا لأمر النبي الخثعمية بالاستتار) فهذا كما ذكرنا أيضا؛ فإن الحجاب لم يفرض إلا على الحرائر من النساء، أما الإماء المملوكات فلم يفرض عليهن الحجاب، ولذلك لم يأمر النبي - ﷺ - الخثعمية بالاستتار لأنها كانت أمة مملوكة.\nومما يؤكد أن ابن بطال لا يعني عدم وجوب الحجاب مطلقا؛ قوله في شرح صحيح البخارى (٢/ ٢٢٢): وذلك أن تلفعهن وتسترهن بمروطهن مانع من معرفتهن، وكان الرجال يصلون ووجوههم بادية بخلاف زى النساء وهيئاتهن.","vol":"1","page":128},{"text":"وقوله في موضع آخر منه (٤/ ٢١٧): وأجمع العلماء أن المرأة تلبس المخيط كله والخمُر والخفاف، وأن إحرامها في وجهها، وأن لها أن تغطى رأسها وتستر شعرها ... وتسدل الثوب على وجهها سدلا خفيفًا تستتر به عن نظر الرجال. اهـ\n(الحديث الثاني) الذي استشهد به الشيخ الألباني:\n* حديث جابر - ﵁ - قال\" شهدت مع رسول الله - ﷺ - صلاة يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئا على بلال ... ثم مضى حتى أتى النساء، فوعظهن، وذكّرهن، فقال: تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم، فقامت امرأة من سطة - سفلة - النساء (^١) سفعاء الخدين (أي فيهما تغير وسواد) فقالت: لم يا رسول الله؟ قال: لأنكن تكثرن الشكاة وتكفرن العشير\" (^٢) قال الألباني في جلباب المرأة /٦٠: والحديث واضح الدلالة، وإلا لما استطاع الراوي أن يصف تلك المرأة بأنها\" سفعاء الخدين\" اهـ\nفيجاب على ذلك بأن هذه المرأة كانت من الإماء المملوكات ولذلك كانت كاشفة عن وجهها، يؤيد ذلك أن جابر وصف تلك المرأة بأنها من (سفلة النساء) (^٣) كما قال ابن الأثير: أي السُّقّاط من الناس، وفي رواية (فقامت امرأة ليست من علية\n_________\n(^١) قال الألباني: هذه رواية مسلم، ولفظ رواية الآخرين: (سفلة النساء).\n(^٢) صحيح مسلم ٢/ ٦٠٣ (٨٨٥)، سنن النسائي الكبرى ١/ ٥٤٩ (١٧٨٤).\n(^٣) مسند أحمد بن حنبل ٣/ ٣١٨ (١٤٤٦٠) سنن النسائي (المجتبى) ٣/ ١٨٦ (١٥٧٥) وصححه الألباني في صحيح النسائي ٣/ ١٨٦.","vol":"1","page":129},{"text":"النساء) (^١) قال القاضي عياض في إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٢٩٤): حذاق شيوخنا زعموا أن هذا الحرف مغير فى كتاب مسلم، وأن صوابه: \" من سفلة الناس \" وكذا رواه النسائى فى سننه، وابن أبى شيبة فى مصنفه، وذكره من طريق آخر: \" فقامت امرأة ليست من علية النساء \" ويعضده قوله بعدها \" سفعاء الخدين\".اهـ ولذلك لم يستشهد بهذا الحديث أحد من أهل العلم المتقدمين على جواز كشف النساء.\n(الحديث الثالث) الذي استشهد به الشيخ الألباني:\n* حديث سهل بن سعد\" صحيح البخاري (٦/ ١٩٢): أن امرأة جاءت رسول الله - ﷺ -] وهو في المسجد [فقالت: يا رسول الله جئت لأهب لك نفسي، فنظر إليها رسول الله - ﷺ - فصعد النظر إليها وصوبه، ثم طأطأ رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئا جلست\" (^٢)\n\nأولا: نسوق الحديث بتمامه كما عند البخاري في صحيحه:\nعن سهل بن سعد أن امرأة جاءت رسول الله - ﷺ - فقالت: يا رسول الله، جئت لأهب لك نفسي، فنظر إليها رسول الله - ﷺ - فصعد النظر إليها وصوبه، ثم طأطأ رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئا جلست، فقام رجل من أصحابه،\n_________\n(^١) كما عند أحمد بن حنبل في مسنده ١/ ٣٧٦ (٣٥٦٩) والنسائي في سننه الكبرى ٥/ ٣٩٨ (٩٢٥٧) وابن حبان في صحيحه ٨/ ١١٥ (٣٣٢٣) المستدرك على الصحيحين ٢/ ٢٠٧ (٢٧٧٢) وصحح إسناده.\n(^٢) صحيح البخاري ٥/ ١٩٥٦ (٤٧٩٩) صحيح مسلم ٢/ ١٠٤٠ (١٤٢٥) وما بين الأقواس للطبراني في المعجم الكبير ٦/ ١٩٠ (٥٩٦١).","vol":"1","page":130},{"text":"فقال: أي رسول الله، إن لم تكن لك بها حاجة فزوجنيها، فقال: (هل عندك من شيء)؟ قال: لا والله يا رسول الله، قال: (اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئا) فذهب ثم رجع، فقال: لا والله يا رسول الله ما وجدت شيئا، قال: (انظر ولو خاتما من حديد) فذهب ثم رجع، فقال: لا والله يا رسول الله ولا خاتما من حديد، ولكن هذا إزاري - قال سهل: ما له رداء - فلها نصفه، فقال رسول الله - ﷺ -: (ما تصنع بإزارك؟ إن لبسته لم يكن عليها منه شيء، وإن لبسته لم يكن عليك منه شيء) فجلس الرجل حتى طال مجلسه، ثم قام، فرآه رسول الله - ﷺ - موليا فأمر به فدعي، فلما جاء قال: (ماذا معك من القرآن)؟\nقال: معي سورة كذا وسورة كذا وسورة كذا - عددها - قال: (أتقرؤهن عن ظهر قلبك)؟ قال: نعم، قال: (اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن). (^١)\nوالجواب عليه بالآتي:\n١) ليس في نظر سهل بن سعد إليها حجة: لأن سهل حينها كان غلاما لم يبلغ الحلم، كما ثبت في السير أنه كان له من العمر عند وفاة النبي - ﷺ - خمس عشرة سنة. (^٢) كما يحتمل أن هذا كان قبل نزول الحجاب، وليس في الحديث ما يبعد ذلك.\n_________\n(^١) صحيح البخاري ٥/ ١٩٥٦ (٤٧٩٩).\n(^٢) تهذيب التهذيب ٤/ ٢٢١، الإصابة ٣/ ٢٠٠.","vol":"1","page":131},{"text":"٢) على فرض أن هذا الحديث كان بعد الحجاب وأن هذه المرأة كانت كاشفة لوجهها على مرأى من الصحابة، فلا حجة فيه أيضا؛ لأن هذه المرأة كانت من الإماء، أذن لها مولاها أن تتزوج ومما يشهد لذلك:\nأن البخاري بوب لهذا الحديث في صحيحه (٥/ ١٩٥٦) باب تزويج الْمُعْسِرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ والآية هي كما قال تعالى ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ النور: ٣٢ يشهد لذلك فقر الرجل الذي تزوجها حتى إنه لم يجد حتى خاتما من حديد، بل كان لا يملك إلا إزاره الذي عليه من غير رداء. كما يشهد لذلك أيضا المهر الذي رضيه رسول الله - ﷺ - لهذه المرأة؛ (أعطها ولو خاتما من حديد) (^١). كما أن رسول الله تولى تزويجها دون الرجوع لأهلها، ولذلك لم يستشهد بهذا الحديث أحد من أهل العلم على جواز النظر للنساء؛ فضلا عن أن يستشهدوا به على جواز كشف المرأة لوجهها، بل لم يتطرق شراح الحديث ولا غيرهم ممن يستشهد بهذا الحديث إلا لنظر رسول الله - ﷺ - لها على أنه من باب نظر الرجل للمرأة يريد أن يتزوجها.\n_________\n(^١) قال ابن حجر في فتح الباري (٩/ ٢١٠): قوله تعالى (ومن لم يستطع منكم طولا) النساء: ٢٥ يدل على أن صداق الحرة لا بد وأن يكون ما يطلق عليه اسم مال له قدر، ليحصل الفرق بينه وبين مهر الأمة.","vol":"1","page":132},{"text":"(الحديث الرابع) الذي استشهد به الشيخ الألباني:\n* حديث عائشة ﵂ قالت \"كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول اللَّه - ﷺ - صلاة الفجر متلفعات بمروطهنّ (^١) ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يُعرفن من الغلس (^٢) \" (^٣) قال الشيخ الألباني: ووجه الاستدلال به هو قولها\" لا يُعرفن من الغلس\"، فإن مفهومه أنه لولا الغلس لعرفن، وإنما يعرفن عادة من وجوههن وهي مكشوفة. وقد ذكر هذا الشوكاني عن الباجي. ثم وجدت رواية صريحة في ذلك بلفظ: \"وما يعرف بعضنا وجوه بعض\". (^٤)\nوالجواب عليه بالآتي:\n١) استشهد الشيخ الألباني بقولها (لا يعرفن من الغلس) وأعرض عن قولها (متلفعات بمروطهن) الذي يعني؛ مغطيات وجوههن بما يشتملن به من الأكسية، وقد ثبت عنها في رواية أخرى أنها قالت (أن نساء المؤمنات كن يصلين الصبح مع النبي - ﷺ - ثم يرجعن متلفعات بمروطهن لا يعرفهن أحد). (^٥)\n_________\n(^١) المرط: كساء من خز أو صوف يؤتزر به وتتلفع به المرأة (المعجم الوسيط ٢/ ٨٦٤).\n(^٢) الغلس: ظلمة آخر الليل (القاموس المحيط ١/ ٧٢٣)\n(^٣) صحيح البخاري ١/ ٢١٠ (٥٥٣) صحيح مسلم ١/ ٤٤٦ (٦٤٥).\n(^٤) جلباب المرأة المسلمة /٦٥.\n(^٥) صحيح البخاري (١/ ١٧٣) صحيح مسلم (١/ ٤٤٥) واللفظ له.","vol":"1","page":133},{"text":"ومما يشهد أن<span data-type=\"title\" id=toc-52> التلفع يعني تغطية الوجه:</span>\n- قول ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) في شرح صحيح البخارى (٢/ ٢٢٢): وذلك أن تلفعهن وتسترهن بمروطهن مانع من معرفتهن، وكان الرجال يصلون ووجوههم بادية بخلاف زى النساء وهيئاتهن.\n- وقول البيضاوي (ت ٦٨٥ هـ) في تحفة الأبرار (١/ ٢٣٨) والطيبي (ت ٧٤٣ هـ) في شرحه على المشكاة (٣/ ٨٨٦) والكرماني (ت ٧٨٦ هـ) في الكواكب الدراري (٤/ ٢١٨) والعيني (ت ٨٥٥ هـ) في عمدة القاري (٥/ ٧٤): التلفع شد اللفاع وهو ما يغطي الوجه ويتلحف به.\n- وقول علي القاري (ت ١٠١٤ هـ) في مرقاة المفاتيح (٢/ ٥٣٠): (ملتفعات) أي: مستترات وجوههن وأبدانهن.\n- وقول المناوي (ت ١٠٣١ هـ) في فيض القدير (٣/ ١٧٤): (والالتفاع) وهو تغطية الرأس وأكثر الوجه.\n* وهو كذلك عند أهل اللغة:\n- قال أبو منصور الهروي (ت ٣٧٠ هـ) في الزاهر (ص: ٥٢): فالمتلفعات: النساء اللاتي قد اشتملن بجلابيبهن حتى لا يظهر منهن شيء غير عيونهن، ويقال: وقد تلفع بثوبه والتفع به إذا اشتمل به أي تغطى به.\n- قال ابن القطّاع (ت ٥١٥ هـ) في الأفعال (٣/ ١٢٧): لفع ومنه لفاع المرأة كالقناع.","vol":"1","page":134},{"text":"٢) قال الشيخ الألباني: وقد ذكر هذا الشوكاني عن الباجي. اهـ\nوبالرجوع إلى قول الباجي يتبين أنه لا يقول بجواز كشف الوجه:\nقال أبو الوليد الباجي في المنتقى شرح الموطأ (١/ ٤): وروى يحيى متلففات والأكثر على متلفعات والمعنى متقارب إلا أن التلفع يستعمل مع تغطية الرأس، والمروط أكسية مربعة سداها شعر، وقوله ما يعرفن من الغلس يحتمل أمرين؛ أحدهما لا يعرف أرجال هن أم نساء من شدة الغلس إنما يظهر إلى الرائي أشخاصهن خاصة، قال ذلك الراوي،\nويحتمل أيضا أن يريد لا يعرفن من هن من النساء من شدة الغلس وإن عرف أنهن نساء، إلا أن هذا الوجه يقتضي أنهن سافرات عن وجوههن ولو كن غير سافرات لمنع النقاب وتغطية الوجه من معرفتهن لا الغلس، إلا أنه يجوز أن يبيح لهن كشف وجوههن أحد أمرين؛ إما أن يكون ذلك قبل نزول الحجاب أو يكون بعده لكنهن أمِنَّ أن تدرك صورهن من شدة الغلس فأبيح لهن كشف وجوههن. اهـ\nوعلى فرض أنهن كن كاشفات لوجوههن لكونهن في الغلس، لا يعرف بعضهن وجوه بعض، فكيف يستشهد به على جواز كشفهن في حال يستطيع الرجال معرفتهن ورؤية وجوههن! هذا استشهاد باطل ولا شك.\n٣) أن خروجهن هذا كان على غير مرأى من الرجال كما يدل على ذلك قولها (فينصرفن نساء المؤمنين لا يعرفن من الغلس أو لا يعرفن بعضهن بعضا) (^١)\n_________\n(^١) صحيح البخاري ١/ ٣٩٦ (٨٣٤).","vol":"1","page":135},{"text":"فهذا يدل على أنهن كن كلهن نساء لا يخالطهن في انصرافهن رجال. وهذا يشهد له ما جاء في الصحيح عن أم سلمة ﵂ (أن النساء في عهد رسول الله - ﷺ - كُنَّ إذا سَلَّمن من المكتوبة قمن، وثبت رسول الله - ﷺ - ومن صلى من الرجال ما شاء الله فإذا قام رسول الله - ﷺ - قام الرجال). (^١) وفي رواية (كان يسلم فينصرف النساء فيدخلن بيوتهن من قبل أن ينصرف رسول الله - ﷺ -) (^٢) وفي رواية عن الزهري قال؛ قالت (كان رسول الله - ﷺ - إذا سلّم قام النساء حين يقضي تسليمه ويمكث هو في مقامه يسيرا قبل أن يقوم) قال نرى والله أعلم أن ذلك كان لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن أحد من الرجال. (^٣)\n٤) أما قول الشيخ الألباني ثم وجدت رواية صريحة في ذلك بلفظ: \"وما يعرف بعضنا وجوه بعض\" فبالرجوع لهذه الرواية بتمامها يتبين أن عائشة ﵂ إنما أرادت بقولها توجيه النساء إلى زيادة التستر؛ لا الدعوة إلى السفور والتكشف! فقالت منكرة على النساء ما رأت من تعرضهن للرجال: (لو رأى رسول الله - ﷺ - من النساء ما نرى لمنعهن من المساجد كما منعت بنو إسرائيل نساءها، لقد رأيتنا نصلي مع رسول الله - ﷺ - الفجر في مروطنا وننصرف وما يعرف بعضنا وجوه بعض «^٤).\n_________\n(^١) صحيح مسلم ٢/ ١١١٤ (١٤٨٠)، ٤/ ٢٢٦١ (٢٩٤٢).\n(^٢) صحيح البخاري ١/ ٢٩٠ (٨١٢).\n(^٣) صحيح البخاري ١/ ٢٩٦ (٨٣٢).\n(^٤) مسند أبي يعلى (٤٤٩٣) صحح الألباني إسناده في جلباب المرأة /٦٦ ..","vol":"1","page":136},{"text":"(الحديث الخامس) الذي استشهد به الشيخ الألباني:\n* حديث فاطمة بنت قيس: أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة، وهو غائب ... فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: (تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك) وفي رواية: فقال: (انتقلي إلى أم شريك)، وأم شريك امرأة غنية، من الأنصار عظيمة النفقة في سبيل الله، ينزل عليها الضيفان، فقلت: سأفعل، فقال: (لا تفعلي، إن أم شريك امرأة كثيرة الضيفان، فإني أكره أن يسقط عنك خمارك أو ينكشف الثوب عن ساقيك، فيرى القوم منك بعض ما تكرهين ولكن انتقلي إلى ابن عمك عبد الله بن عمرو ابن أم مكتوم ...) (^١)\nقال الشيخ الألباني: أمره - ﷺ - إياها بالانتقال إلى ابن أم مكتوم الأعمى وقال لها: \" فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك\" وجه دلالة الحديث أن النبي - ﷺ - أذن لها في أن تظهر أمام الضيفان بخمارها الذي لا يغطي الوجه لولا خشية سقوطه عنها فيرون رأسها ولذلك أمرها بالانتقال إلى ابن أم مكتوم وعلل - ﷺ - ذلك بقوله: \"فإنك إذا وضعت خمارك لم يركِ\" والخمار غطاء الرأس عند جماهير العلماء كما تقدم تحقيقه.\n_________\n(^١) صحيح مسلم ٢/ ١١١٤ (١٤٨٠)، ٤/ ٢٢٦١ (٢٩٤٢).","vol":"1","page":137},{"text":"والجواب عليه بالآتي:\nأولا: من العجيب استشهاد الشيخ الألباني بهذا الحديث على جواز كشف الوجه مع أن رسول الله - ﷺ - لم يأذن لفاطمة بالاعتداد عند رجل يبصرها! ولذلك لم يستشهد أحد من أهل العلم بهذا الحديث على جواز النظر إلى المرأة فضلا عن أن يستشهدوا به على جواز كشف وجهها!\n- فهذا النووي يقول في شرحه على صحيح مسلم (١٠/ ٩٩): قوله - ﷺ - (تضعين ثيابك عنده) وفي الرواية الأخرى (فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك) هذه الرواية مفسرة للأولى ومعناه لا تخافين من رؤية رجل إليك.\n- وقال ابن العربي في أحكام القرآن (٣/ ٣٨١): إن انتقالها من بيت أم شريك إلى بيت ابن أم مكتوم كان أولى بها من بقائها في بيت أم شريك إذ كانت في بيت أم شريك يكثر الداخل فيه والرائي لها وفي بيت ابن أم مكتوم كان لا يراها أحد.\n- وقال ابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ١٥٢ - ١٥٦): وفي هذا الحديث وجوب استتار المرأة إذا كانت ممن للعين فيها حظ عن عيون الرجال، وفي ذلك تحريم للنظر إليهن. . . أمرت فاطمة بأن تصير إلى ابن أم مكتوم الأعمى حيث لا يراها هو ولا غيره في بيته ذلك.\nثانيا: أن ما بناه الشيخ الألباني على قولها (فأني أكره أن يسقط عنك خمارك) أنه أذن لها أن تخرج بخمار يستر شعرها دون وجهها؛ فعليه ينبني على قولها (أو ينكشف الثوب عن ساقيك) أنه أذن لها تخرج لهم بثوب يستر ساقيها دون","vol":"1","page":138},{"text":"قدميها أيضا!! وهذا مما لم يقل الشيخ الألباني بجواز إظهاره من المرأة الحرة للرجال الأجانب!! وهذا يكشف أن إباحة كشف وجهها وقدميها للرجال الأجانب؛ لكونها من الإماء المملوكات، يشهد لذلك الآتي:\n١ - ما صح عن شعبة قال أخبرني أبو بكر بن أبي الجهم قال دخلت أنا وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف على فاطمة بنت قيس في ملك آل الزبير فسألناها عن المطلقة ثلاثا (^١).\n٢ - لم يصرح أحد ممن ترجم لها أنها كانت زوجة لأبي عمرو وإنما اتفقت أقوالهم عند ترجمتها (كانت عند أبي عمرو ...) وهذا يدل على أنها كانت أمة مملوكة فتزوجها.\n٣ - أنها حينما خرجت من بيت زوجها لم تعتد في بيت من أهلها وإنما حولت إلى بيت رجل غريب عنها وهو الأعمى، وما جاء في بعض الروايات أنها ابنة عم للأعمى وأنها من البطن الذي هو منه قد نفاه القاضي كما نقله عنه النووي في شرحه على صحيح مسلم (١٠/ ١٠٣): قال القاضي والمشهور خلاف هذا وليس هما من بطن واحد هي من بنى محارب بن فهر (^٢) وهو من بنى عامر بن لؤي (^٣). اهـ\n_________\n(^١) مسند الطيالسي ١/ ٢٢٨ (١٦٤٥) سنن البيهقي الكبرى ٧/ ١٨١ (١٣٨١٧) وبنحوه في التمهيد لابن عبد البر ١٩/ ١٣٩.\n(^٢) هي فاطمة بنت قيس بن خالد بن وهب بن ثعلبة بن وائل بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر الفهرية، كما في الثقات (٣/ ٣٣٦).\n(^٣) هو عبد الله بن عمرو بن شريح بن قيس بن زائدة بن الأصم من بنى عامر بن لؤي، كما في الثقات (٣/ ٢١٤).","vol":"1","page":139},{"text":"٤ - أن رسول الله - ﷺ - هو الذي تولى تزويجها دون إرجاع الأمر إلى وليها.\n٥ - أن الرجل الذي زوجها إياه رسول الله - ﷺ - من الموالي وهو أسامة بن زيد.\nثالثا: قال بعض أهل العلم أن هذا الحديث معلل الإسناد والمتن:\nقال الزيلعي الحنفي (ت ٧٤٣ هـ) في تبيين الحقائق (٣/ ٦٠): وحديث فاطمة لا يجوز الاحتجاج به لوجوه: أحدها: أن كبار الصحابة أنكروا عليها كعمر وابن مسعود وزيد بن ثابت وأسامة بن زيد وعائشة حتى قالت لفاطمة فيما رواه البخاري \"ألا تتقي الله\" (^١) وروي أنها قالت لها\n\"لا خير لك فيه\" (^٢) ومثل هذا الكلام لا يقال إلا لمن ارتكب بدعة محرمة، وفي صحيح مسلم لما حدث الشعبي عنها بهذا الحديث أخذ الأسود بن يزيد كفا من حصى وحصب به الشعبي فقال له \"ويلك أتحدث بمثل هذا الحديث\" (^٣)، وقال أبو سلمة أنكر الناس عليها فصار منكرا فلا يجوز الاحتجاج به، والثاني: لاضطرابه؛ فإنه جاء طلقها ألبتة وجاء طلقها ثلاثا، وجاء أرسل إليها بتطليقة كانت بقيت من طلاقها وجاء طلقها ألبتة وهو غائب، وجاء مات عنها وجاء حين قتل زوجها، وجاء طلقها أبو عمرو بن حفص وجاء طلقها أبو حفص بن المغيرة، فلما اضطرب سقط الاحتجاج به،\n_________\n(^١) صحيح البخاري ٥/ ٢٠٣٩ (٥٠١٦)\n(^٢) صحيح البخاري ٥/ ٢٠٤٠ (٥٠١٧)\n(^٣) صحيح مسلم ٢/ ١١١٨ (١٤٨٠)","vol":"1","page":140},{"text":"وقال كمال الدين ابن الهمام (ت ٨٦١ هـ) في فتح القدير (٤/ ٤٠٥ - ٤٠٧): شرط قبول خبر الواحد عدم طعن السلف فيه وعدم الاضطراب وعدم معارض يجب تقديمه والمتحقق في هذا الحديث ضد كل من هذه الأمور.\nفإحدى هذه العلل كافية لإسقاط الاحتجاج بهذا الحديث؛ فكيف بها مجتمعة!!\n(الحديث السادس) الذي استشهد به الشيخ الألباني:\n* حديث ابن عباس ﵁: عن ابن عباس قيل له أشهدت العيد مع النبي - ﷺ - قال نعم ولولا مكاني من الصغر ما شهدته .. فصلّى ثم خطب ثم أتى النساء ومعه بلال (فقال يا أيّها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك الآية ثم قال حين فرغ منها أنتن على ذلك قالت امرأة واحدة منهن لم يُجبه غيرها نعم) فوعظهن وذكرهن وأمرهن بالصدقة (قال فبسط بِلال ثوبه ثم قال هلُم لكن فداء أبي وأمي) فرأيتهن يهوين بِأيديهنّ يقذفنه (فيلقين الفتخ (^١) والخواتيم) في ثوب بلال ثم انطلق هو وبلال إلى بيته. (^٢) قال الشيخ الألباني: قال ابن حزم: \"فهذا ابن عباس بحضرة رسول الله - ﷺ - رأى أيديهن، فصح أن اليد من المرأة والوجه ليسا بعورة، وما عداهما ففرض ستره\".اهـ\nوالجواب عليه بالآتي؛ أولا؛ أن رؤية ابن عباس لهن ليس فيها حجة على جواز نظر الرجال الأجانب للنساء الأجنبيات فضلا عن أن يكون فيها حجة على جواز\n_________\n(^١) الفتخ: جمع فتخة وهي خواتيم تلبس في الأَيدي، وربما وضعت في أَصابع الأَرجل (لسان العرب ٣/ ٤٠).\n(^٢) صحيح البخاري ١/ ٣٣١ - ٣٣٢ (٩٣٤) (٩٣٦).","vol":"1","page":141},{"text":"الكشف وذلك لأنه ثبت في الحديث تصريح ابن عباس بصغر سِنِّه (ولولا مكاني من الصغر ما شهدته) وأما بلال فكان عبدا مملوكا لا تحتجب منه النساء، وعلى فرض أنه كان حينها حرا فليس في الحديث ما يدل على أنه رأى وجوههن ولا أنهن كن كاشفات عن وجوههن.\nقال ابن حجر في فتح الباري (٩/ ٣٤٤): والحجة منه هنا مشاهدة ابن عباس ما وقع من النساء حينئذ وكان صغيرا فلم يحتجبن منه وأما بلال فكان من ملك اليمين كذا أجاب بعض الشراح وفيه نظر لأنه كان حينئذ حرا والجواب أنه يجوز ألا يكون في تلك الحالة يشاهدهن مسفرات.\nثانيا؛ أن مراد ابن حزم قصر ما يجوز إظهاره من الأمة، وما يجوز إظهاره من الحرة أمام من يحل له النظر إليها من الرقيق؛ على الوجه والكفين فقط، كما إن استشهاد ابن حزم بهذا الحديث كان على نظر بلال لأكفهن وليس لوجوههن حيث قال (فلولا ظهور أكفهن ما أمكنهن إلقاء الفتخ) (^١) فلا حجة فيه على كشف الوجه!\nكما أن قول ابن حزم (فلولا ظهور أكفهن ما أمكنهن إلقاء الفتخ) ضعيف؛ فإنه بإمكانهن إلقاء الخواتم مع ستر أيديهن! وسياق الحديث يشهد لذلك (فرأيتهن يهوين بأيديهن يقذفنه) وفي الرواية الأخرى (فرأيتهن يهوين إلى آذانهن وحلوقهن\n_________\n(^١) المحلى ١٠/ ٣١.","vol":"1","page":142},{"text":"يدفعن إلى بلال) (^١) فهل يؤخذ منه أنهن كن كاشفات عن حلوقهن وآذانهن!! وهذا يشهد لكونهن لم يكن كاشفات عن أكفهن وأن ابن عباس إنما رأى حركة أيديهن من تحت الجلابيب، وهذا ما جاء مصرحا به في رواية أخرى عند البخاري قال فيها ابن عباس (ثم أمر بالصدقة، فجعل النساء يشرن إلى آذانهن وحلوقهن، فأمر بلالا فأتاهن). (^٢)\nثالثا: أن في الحديث ما يشهد أن النساء كن مغطيات وجوههن وذلك فيما أسقط من الحديث وهو قوله (قالت امرأة واحدة منهن لم يُجبه غيرها \"نعم\" [لا يدري حسن من هي]) (^٣) وحسن هو راوي الحديث. وفي رواية مسلم (فقالت امرأة واحدة لم يُجبه غيرها منهنَّ نعم يا نبي الله [لا يُدْرَى حينئذ من هي]) (^٤) وهذا تصريح من الراوي أن المرأة المتحدثة لا يُدرى من هي لأنها كانت مغطية وجهها فلم تُعرف.\nقال النووي في شرحه على صحيح مسلم (٦/ ١٧٢): (لا يدري حينئذ من هي) لكثرة النساء واشتمالهن ثيابهن لا يدري من هي.\nوبذلك يبطل الاحتجاج بهذا الحديث، ويضم إلى أدلة وجوب تغطية الوجه.\n_________\n(^١) صحيح البخاري ٥/ ٢٠١٠ (٤٩٥١)، قال ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ٣٣١): ومعنى الإهواء الإيماء باليد إلى الشيء ليؤخذ. وفي لسان العرب (١/ ٢٠١): أشار مثل أومأ.\n(^٢) صحيح البخاري ٦/ ٢٦٧١ (٦٨٩٤).\n(^٣) صحيح البخاري ١/ ٣٣٢ (٩٣٦).\n(^٤) صحيح مسلم ٢/ ٦٠٢ (٨٨٤).","vol":"1","page":143},{"text":"(الحديث السابع) الذي استشهد به الشيخ الألباني:\n* حديث سبيعة بنت الحارث الأسلمية: أنها كانت تحت سعد ابن خولة فتوفي عنها في حجة الوداع فوضعت حملها قبل أن تنقضي أربعة أشهر وعشر من وفاته، فلقيها أبو السنابل يعني ابن بعكك حين تعلت من نفاسها وقد اكتحلت] واختضبت وتهيأت [(^١) فقال لها: اربعي على نفسك لعلك تريدين النكاح إنها أربعة أشهر وعشر من وفاة زوجك قالت: فأتيت النبي - ﷺ - فذكرت له ما قال أبو السنابل بن بعكك، فقال لها النبي - ﷺ - \" قد حللت حين وضعت حملك \" (^٢)\nوالجواب عليه بالآتي: أولا: أن مما لا خلاف فيه أن القائلين بكشف الوجه ومنهم الشيخ الألباني يشترطون ألا يكون على الوجه شيئا من الزينة، وقد صرحت سبيعة بأنها كانت متجملة حين دخل عليها أبو السنابل! ولذلك لم يجد الشيخ الألباني بدا من القول بأنها قد تكون مغطية وجهها ماعدا عينيها! فقال في كتابه جلباب المرأة /٦٩: (والحديث صريح الدلالة على أن الكفين ليسا من العورة في عرف نساء الصحابة، وكذا الوجه أو العينين على الأقل)!!\nثانيا: أن الذي أباح لسبيعة الأسلمية كشف وجهها أنها كانت أمة مملوكة اتخذها سعد بن خولة أم ولد. (^٣) كما جاء ذلك مصرحا به في الرواية التي\n_________\n(^١) من رواية أخرى عند أحمد في مسنده ٦/ ٤٣٢ (٢٧٤٧٨) وحسن الألباني إسنادها في جلباب المرأة /٦٩.\n(^٢) مسند أحمد بن حنبل ٦/ ٤٣٢ (٢٧٤٧٥) وصحح الألباني إسناده في جلباب المرأة /٦٩.\n(^٣) أم الولد: هي الأمة التي حملت من سيدها وأتت بولد، كما في معجم لغة الفقهاء ص/٨٨.","vol":"1","page":144},{"text":"نقلها الهيثمي عن أحمد في مجمع الزوائد (٥/ ٢): عن أبي بن كعب قال: نازعني عمر بن الخطاب في المتوفى عنها وهي حامل، فقلت تزوج إذا وضعت، فقالت أم الطفيل -أم ولدي- لعُمر (قد أمر رسول الله - ﷺ - أم ولد؛ سبيعة الأسلمية أن تنكح إذا وضعت). (^١)\nوفي مسند الشافعي (١/ ٢٩٨) قال: \"أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قال في أم الولد يتوفى عنها سيدها قال تعتد بحيضة\" ثم استشهد بحديث سبيعة، ولذلك لم يعلق أحد من شراح الحديث على دخول أبو السنابل عليها ونظره إليها البتة، بل لم يستشهد أحد من أهل العلم بهذا الحديث - مع كونه مخرج في الصحيحين- على جواز النظر إلى النساء فضلا أن يستشهدوا به على جواز الكشف!\n(الحديث الثامن) الذي استشهد به الشيخ الألباني:\n* حديث عائشة ﵂\" أن امرأة أتت النبي - ﷺ - تبايعه، ولم تكن مختضبة، فلم يبايعها حتى اختضبت\" (^٢) قال الشيخ الأباني: حديث حسن أو صحيح، أخرجه أبو داود (٢/ ١٩٠) وله شواهد كثيرة أوردتها في\" الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب\". اهـ\n_________\n(^١) مسند أحمد بن حنبل ٦/ ٣٧٥ (٢٧١٥٢) قال الهيثمي رواه أحمد وإسناده حسن إلا أن بسر بن سعيد لم يدرك أبي بن كعب، قلت وفاة أبي بن كعب مختلف فيها فإن صح أنه توفي في خلافة عثمان فإن بسرا يكون بذلك قد أدركه، كما أنه روي موصولا عند أحمد ٦/ ٣٧٥ (٢٧١٥٣) عن بسر عن أم الطفيل عن أبي بن كعب.\n(^٢) مجمع الزوائد (٨٨٨٢) (٥/ ١٧٢).","vol":"1","page":145},{"text":"أولا: عزّا الشيخ الألباني هذا الحديث لأبي داود! والصحيح أنه بهذا اللفظ للبزار عن ابن عباس وليس عن عائشة! وقد ضعّفه ابن القطان فقال في أحكام النظر (١/ ٢٠٠): \"فيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف، وفيه نكارة فإن النبي - ﷺ - لم يكن تصافحه المبايعات\".اهـ أما ما أخرجه أبو داود فهو ما روته صفية بنت عصمة عن عائشة ﵂ أنها قالت (أومأت امرأة من وراء ستر بيدها كتاب إلى رسول الله - ﷺ - فقبض النبي - ﷺ - يده فقال ما أدري أيد رجل أم يد امرأة، قالت بل امرأة، قال لو كنت امرأة لغيرت أظفارك يعني بالحناء). (^٢) وهذا مع ضعف إسناده ليس فيه حجة لأن فيه أنها كانت تكلم النبي - ﷺ - من وراء حجاب.\nثانيا: قال الشيخ الألباني: \"وله شواهد كثيرة أوردتها في الثمر المستطاب (١/ ٣١١) \" وبالرجوع إلى الثمر المستطاب لا تجد إلا أسانيد هالكة لاتصلح لتقوية الحديث، لأن أسانيدها لا تخلو ممن لا يُعرف!! قال ابن القطان: وفي الباب حديثان لعائشة، وهما في غاية الضعف. اهـ\n(الحديث التاسع)\n*حديث ابن عباس: \"عن عطاء بن أبي رباح، قال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي - ﷺ - فقالت: إني أصرع وإني أتكشف، فادع الله لي، قال: (إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن\n_________\n(^١) سنن أبي داود ٤/ ٧٧ (٤١٦٦) قال ابن الملقن في البدر المنير (٦/ ١٣٩): وصفية هذه مجهولة، قال ابن القطان في أحكام النظر (ص/٦١): هذا حديث في غاية (الضعف) صفية هذه عدم. وقال ابن حجر في التلخيص الحبير (٢/ ٥١٦): قال أحمد في العلل هذا حديث منكر.","vol":"1","page":146},{"text":"شئت دعوت الله أن يعافيك) فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكشف، فادع الله لي أن لا أتكشف، فدعا لها\" (^١).\nوهذا لا حجة فيه أيضا لأن هذه المرأة السوداء كانت من الإماء ولذلك كانت كاشفة عن وجهها، قال البخاري عقب هذا الحديث: حدثنا محمد ... أخبرني عطاء: \" أنه رأى أم زفر تلك امرأة طويلة سوداء، على ستر الكعبة\" (^٢) وقال ابن حجر في الإصابة (٨/ ٢١٠): هي أم زفر الحبشية السوداء.\n(الحديث العاشر)\n* حديث ابن عباس - ﵁ - قال\" كانت امرأة تصلي خلف رسول الله - ﷺ -؛ حسناء من أحسن الناس فكان بعض القوم يتقدم حتى يكون في الصف الأول لئلا يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر، فإذا ركع نظر من تحت إبطه، فأنزل الله (ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين) (^٣).\nوالجواب عليه بالآتي؛ أولا: أن هذا الأثر معلل الإسناد والمتن، أما المتن؛ فإن في متنه نكارة شديدة كما قال ابن كثير في تفسيره (٢/ ٥٥١) والمباركفوري في تحفة الأحوذي (٨/ ٤٣٨)، أما إسناده؛ فقيل أنه روي موقوفا على أبي الجوزاء دون\n_________\n(^١) صحيح البخاري ٥/ ٢١٤٠ (٥٣٢٨) صحيح مسلم ٤/ ١٩٩٤ (٢٥٧٦).\n(^٢) صحيح البخاري ٥/ ٢١٤٠ (٥٣٢٨).\n(^٣) جامع الترمذي ٥/ ٢٩٦ (٣١٢٢) سنن النسائي ٢/ ١١٨ (٨٧٠) سنن ابن ماجه ١/ ٣٣٢ (١٠٤٦) صححه الألباني في السلسلة الصحيحة ٥/ ٦٠٨ (٢٤٧٢)، وقال الترمذي والقرطبي والزيلعي إنه مرسل.","vol":"1","page":147},{"text":"رفعه لابن عباس وليس فيه ذكر للمرأة، وقال الترمذي والقرطبي وقفه أصح، أي أنه مرسل كما قال الزيلعي فلا يصح الاحتجاج به.\n- وقال ابن كثير في تفسيره (٢/ ٥٥١): ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ الحجر: ٢٤ وقد ورد فيه حديث غريب جدا، عن ابن عباس - ﵃ - قال (كانت تصلي خلف النبي - ﷺ - امرأة حسناء. . .) وهذا الحديث فيه نكارة شديدة وقد رواه عبد الرزاق ... أنه سمع أبا الجوزاء يقول ... فالظاهر أنه من كلام أبي الجوزاء فقط، ليس فيه لابن عباس ذكر. اهـ\n- وقال الزيلعي في تخريج الكشاف (٢/ ٢١١): روي مرسلا.\nثانيا: على فرض ثبوت صحة هذا الأثر؛ فإنه يحتمل أن يكون قبل نزول الحجاب، كما يحتمل أن تكون هذه المرأة من الجواري المملوكات - الإماء - وليست من الحرائر، فلا يكون فيه حجة، ولذلك لم يستشهد أحد من أهل العلم بهذا الخبر على جواز النظر، ولا على جواز كشف وجوه النساء الحرائر!\n(الحديث الحادي عشر)\nقول ابن مسعود - ﵁ - \" رأى رسول اللَّه - ﷺ - امرأة فأعجبته فأتى سودة وهي تصنع طيبا وعندها نساء فأخلينه فقضى حاجته ثم قال أيّما رجل رأى امرأة تعجبه فليقم إلى أهله فإن معها مثل الذي معها\".","vol":"1","page":148},{"text":"والجواب عليه بالآتي: أولا: أن المراد بقوله - ﷺ - (أيما رجل رأى امرأة تعجبه) أي من الإماء اللاتي لم يفرض عليهن الحجاب، أو من نساء العجم الكاشفات لوجوههن، كما أشار إلى ذلك البخاري في صحيحه معلقا (٥/ ٢٢٩٩): قال سعيد بن أبي الحسن للحسن إن نساء العجم يكشفن\nصدورهن ورؤوسهن قال اصرف بصرك عنهن، وقال الزهري في النظر إلى التي لم تحض من النساء لا يصلح النظر إلى شيء منهن ممن يشتهى النظر إليه وإن كانت صغيرة، وكره عطاء النظر إلى الجواري اللاتي يُبَعن بمكة إلا أن يريد أن يشتري. اهـ\nثانيا: لم يخرج الحديث بهذا اللفظ إلا الدارمي عن ابن مسعود؛ وقد أخرجه مسلم في صحيحه وأبي داود والترمذي وغيرهم عن جابر بلفظ آخر؛ (عن جابر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - رأى امرأة فأتى امرأته زينب وهي تمعس (^١) منيئة (^٢) لها فقضى حاجته ثم خرج إلى أصحابه فقال: إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان فإذا أبصر أحدكم امرأة فليأت أهله فإن ذلك يرُدُّ ما في نفسه) (^٣) فقوله (إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان) بيان لما يغلب عند النظر إلى المرأة من إثارة للشهوة، ولذا لم يستشهد أحد من أهل العلم بهذا الحديث على جواز النظر إلى المرأة الحرة فضلا على أن يستشهدوا به على جواز كشف الوجه، وقد ذكر ابن القطان في أحكام\n_________\n(^١) تمعس: أي تدبغ وأصل المعس المعك والدلك (النهاية في غريب الأثر ٤/ ٣٤٢)\n(^٢) المنيئة: الجلد أول ما يدبغ (غريب الحديث لابن الجوزي ٢/ ٣٧٦)\n(^٣) مسلم (١٤٠٣) أبو داود (٢١٥١) صحيح ابن حبان (٥٥٧٢).","vol":"1","page":149},{"text":"النظر (ص/١٩٣): أن الحديث مندفع الدلالة من حيث إنه ليس فيه ذكر للإبداء، ولعل حركة النفس من رؤية الشخص مستترا.\nوقال النووي في شرح هذا الحديث (٩/ ١٧٨): قال العلماء معناه الإشارة إلى الهوى والدعاء إلى الفتنة بها لما جعله الله تعالى في نفوس الرجال من الميل إلى النساء والالتذاذ بنظرهن وما يتعلق بهن، فهي شبيهة بالشيطان في دعائه إلى الشر بوسوسته وتزيينه له، ويستنبط من هذا أنه ينبغي لها ألا تخرج بين الرجال إلا لضرورة وأنه ينبغي للرجل الغض عن ثيابها والإعراض عنها مطلقا.\n(الحديث الثاني عشر)\n*ما روي عن عبد الله بن محمد عن امرأة منهم قالت دخل علي رسول الله - ﷺ - وأنا آكل بشمالي وكنت امرأة عسراء فضرب يدي فسقطت اللقمة فقال لا تأكلي بشمالك وقد جعل الله ﵎ لك يمينا أو قال قد أطلق الله ﷿ يمينك قال فتحولت شمالي يمنيا فما أكلت بها بعد\" (^١)\nأولا: مع احتمال أن يكون هذا قبل الحجاب، أو أن هذه المرأة كانت من الإماء، إلا أن ليس فيه حجة؛ لأنه ليس فيه أنها كانت كاشفة عن وجهها!\n_________\n(^١) مسند أحمد بن حنبل ٤/ ٦٩ (١٦٦٩٠)","vol":"1","page":150},{"text":"ثانيا: في متنه نكارة؛ وهي الضرب منه - ﷺ - وقد صح عن عائشة ﵂ أنها قالت (ما ضرب رسول الله - ﷺ - شيئا قط بيده ولا امرأة ولا خادما). (^١)\nثالثا: ضعف إسناد هذا الحديث قال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة ٤/ ٢٨٦: إسناده فيه مقال. (^٢)\nوعلى هذا فإن إحدى هذه العلل تضعف الحديث وتسقط الاحتجاج به فكيف بها مجتمعه.\n_________\n(^١) صحيح مسلم ٤/ ١٨١٤ (٢٣٢٨).\n(^٢) قال الشيخ الألباني عقب الحديث: (قال الهيثمي في المجمع (٥/ ٢٦) رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد ثقات) ثم قال الشيخ الألباني (رجاله ثقات كما قال؛ رجال الشيخين؛ غير عبدالله بن محمد وهو ابن عقيل المدني فيما أظن وهو حسن الحديث) لكن قول الهيثمي عقبه أن رجاله ثقات يبعد أن يكون (ابن عقيل) لأنه ليس من الثقات! كما أن الهيثمي صرح بأنه غير ابن عقيل؛ فقال في الموضع الذي أشار إليه الشيخ الألباني في مجمع الزوائد (٥/ ٢٦): عن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن زيد عن امرأة منهم قالت دخل علي ...) فصرح بأنه عبد الله بن زيد الأنصاري، وهذا يكشف علّة في إسناده: وهي الانقطاع بين عبد الله بن زيد الأنصاري والمرأة؛ فإنه إن لم يكن معضلا كان منقطعا! علاوة على أن (عبد الله بن زيد) ليس له موثق غير ابن حبان وعليه قال الهيثمي (رجاله ثقات) قال ابن القطان في \" الوهم والإيهام \" (٣/ ٣٤٨) هو مجهول لا يعرف حاله. وذكره ابن الجارود وابن عدي في \" جملة الضعفاء\" اهـ\nوليست هذه علّة إسناده فقط فإن فيه علّة أخرى ذكرها أبو بكر بن أبي عاصم الشيباني في الآحاد والمثاني (٦/ ١٧٥) قال: حدثنا ... عن إسحاق بن عبد الله عن محمد بن عبد الله الأنصاري عن امرأة من قومه قالت دخل علي رسول الله - ﷺ - وأنا آكل بشمالي ...) قال أبو بكر بن أبي عاصم: وإسحاق هو بن عبد الله بن أبي فروة ليس بشيء ومن زعم أنه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة فقد أخطأ. اهـ ففيه أن إسحاق بن عبدالله هو ابن أبي فروة وهو متروك كما ذكر ابن حجر في التقريب (١/ ١٠٢). وعليه فمن وثق رواته كالهيثمي؛ فهو لتوهمه أن إسحاق بن عبد الله؛ هو ابن أبي طلحة.","vol":"1","page":151},{"text":"(الحديث الثالث عشر)\nوهو آخر ما استشهد به الشيخ الألباني من الأحاديث وهو حديث ثوبان - ﵁ - قال: جاءت بنت هبيرة إلى رسول الله - ﷺ - وفي يدها فتخ من ذهب (أي خواتيم ضخام) فجعل رسول الله - ﷺ - يضرب يدها، فدخلت على فاطمة بنت رسول الله - ﷺ - تشكو إليها الذي صنع بها رسول الله - ﷺ -، فانتزعت فاطمة سلسلة في عنقها من ذهب وقالت هذه أهداها إلي أبو حسن، فدخل رسول الله - ﷺ - والسلسلة في يدها فقال: يا فاطمة أيغرك أن يقول الناس ابنة رسول الله وفي يدها سلسلة من نار ثم خرج ولم يقعد، فأرسلت فاطمة بالسلسلة إلى السوق فباعتها واشترت بثمنها غلاما فأعتقته فحُدث بذلك فقال الحمد لله الذي أنجى فاطمة من النار\" (^١)\nوالجواب عليه بالآتي: أولا: مع احتمال أن يكون هذا قبل الحجاب، أو أن ابنة هبيرة هذه كانت من الإماء، إلا أن ليس فيه حجة؛ لأنه ليس فيه أنها كانت كاشفة عن وجهها! كما أن راوي الحديث عبد مملوك وهو ثوبان مولى رسول الله - ﷺ - فليس في نظره حجة على جواز نظر الأحرار الأجانب. والذي كان ينبغي أن يؤخذ من هذا الحديث كما قال بعض أهل العلم كابن حزم أن ضرب النبي - ﷺ - ليدها كان لإظهارها هذه الزينة.\n_________\n(^١) سنن النسائي (٥١٤٠) (٥١٤١).","vol":"1","page":152},{"text":"ثانيا: في متنه نكارة تبعد صحته كالذي سبق، وهي الضرب منه - ﷺ - وقد صح عن عائشة ﵂ أنها قالت (ما ضرب رسول الله - ﷺ - شيئا قط بيده ولا امرأة ولا خادما). (^١)\nثالثا: الحديث لايصح لأن إسناده منقطع؛ قال ابن الملقن في التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٢٨/ ٦٦): حديث ثوبان منقطع. وقال ابن القيم في حاشيته تهذيب سنن أبي داود (١١/ ٢٠١): قال ابن القطان: علته أن رواية يحي بن أبي كثير عن أبي سلام الرحبي منقطعة. كما قاله الذهبي أيضا في الميزان (٧/ ٢١٢).\nولهذا قال الشيخ الألباني في كتابه آداب الزفاف /١٥٣ (إسناده صحيح موصول) أي إذا ثبت اتصاله! أما إذا لم يثبت اتصال إسناده فلا يصح. وقد ثبت أن إسناده منقطع فلا يصح الحديث إذن. ولذلك لم يستشهد بهذا الحديث أحد من أهل العلم على جواز النظر فضلا أن يستشهدوا به على جواز الكشف.\nوبذلك تبين أنه لاحجة فيما استشهد به الشيخ الألباني من الأحاديث على جواز كشف وجه المرأة الحرة للرجال الأحرار الأجانب.\n* من المناسب هنا قبل الانتقال إلى مناقشة بحثه السابع؛ أن نجيب على ما استشهد به الشيخ الألباني من الآثار وذلك مما استدرك في الطبعة الجديدة من كتابه (جلباب المرأة ص ٩٦ - ١٠٣) لنستوعب الإجابة عن كل ما استشهد به الشيخ الألباني حتى لا نترك مجالا لمن شك، وليتبين الحق لمن أراد الله له قبوله.\n_________\n(^١) صحيح مسلم ٤/ ١٨١٤ (٢٣٢٨).","vol":"1","page":153},{"text":"فيُبيّن أولا القول فيها جملة؛ بأن هذه الآثار لو ثبت في شيء منها كشف وجه امرأة حرة لرجل حر أجنبي فلا يعد حجة على جواز الكشف ولا يحل العمل به؛ لأن هذه الآثار إن لم تكن مقطوعة فهي موقوفة (^١) لم يُرفع منها شيء للنبي - ﷺ - وليس لأي منها حكم الرفع، وإنما هي وقائع لا يؤخذ منها حكم شرعي ولا يلزم العمل بها على فرض صحتها، ثم يُبيّن القول فيها تفصيلا:\n(الأثر الأول)\nعن قيس بن أبي حازم قال: دخلت أنا وأبي على أبي بكر وإذا هو رجل أبيض خفيف الجسم عنده أسماء ابنت عميس تذب عنه وهي] امرأة بيضاء [موشومة اليدين كانوا وشموها في الجاهلية نحو وشم البربر فعرض عليه فرسان فرضيهما فحملني على أحدهما وحمل أبي على الآخر (^٢).\nأولا: روي هذا الأثر موقوفا على قيس وفي رواية أخرى عند الطبراني روي عن قيس عن معاوية، فساقه الشيخ الألباني على أنه غير هذا الأثر وجعله (الأثر الخامس عشر!! (عن قيس قال: قال معاوية - ﵁ - دخلت مع أبي على أبي بكر - ﵁ - فرأيت أسماء قائمة على رأسه بيضاء ورأيت أبا بكر - ﵁ - أبيض نحيفا فحملني\n_________\n(^١) الموقوف: هو ما روى عن الصحابي مقتصرا عليه، من قوله وفعله، والمقطوع: هو ما أضيف إلى تابعي موقوفا عليه، سواء كان قوله أو فعله، كما في المختصر في علم الأثر ص/ ١٣١، ١٤٥.\n(^٢) تهذيب الاثار لابن جرير ١/ ١١٤ صحح إسناده الشيخ الألباني، وما بين القوسين من رواية الطبراني في المعجم الكبير ٢٤/ ١٣١ (٣٥٩): (دخلنا على أبي بكر - ﵁ - في مرضه فرأينا امرأة بيضاء موشومة اليدين تذب عنه، وهي أسماء بنت عميس).","vol":"1","page":154},{"text":"وأبي على فرسين ثم عرضنا عليه وأجازنا) (^١) وهذا اضطراب في السند يوجب ضعف هذا الأثر.\nثانيا: أن أسماء بنت عميس الخثعمية كانت من الإماء وليست من النساء الحرائر؛ اتخذها أبو بكر أم ولد (^٢) ولذلك لم تحتجب، ومما يشهد لذلك الآتي:\n١) ما روي عن أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال (دخلت أسماء بنت عميس على حفصة زوج النبي - ﷺ - زائرة وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر، فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها، فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت: أسماء بنت عميس قال عمر: الحبشية هذه، البحرية هذه؟ قالت أسماء: نعم، قال: سبقناكم بالهجرة ... فلما جاء النبي - ﷺ - قالت: يا نبي الله إن عمر قال: كذا وكذا؟ ... قال (ليس بأحق بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم - أهل السفينة - هجرتان) قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتوني أرسالا، يسألوني عن هذا الحديث). (^٣)\n_________\n(^١) المعجم الكبير للطبراني ١/ ١٠ (٢٥) قال الألباني في جلباب المرأة: سنده جيد في الشواهد، ورجاله ثقات غير شيخ الطبراني (القاسم بن عباد الخطابي). قلت شيخ الطبراني القاسم بن عباد لا توجد له ترجمه كما قال المحقق في إرشاد القاصي والداني إلى تراجم شيوخ الطبراني (ص/٤٦٩): (مجهول). وقال محقق أنيس الساري (تخريج أحاديث فتح الباري) (٦/ ٤٤٠٠): القاسم بن عباد لم أقف له على ترجمة، وقال محقق المطالب العالية (١٥/ ٦٩٣): شيخ الطبراني لم أستطع معرفته.\n(^٢) أم الولد: هي الأمة التي حملت من سيدها وأتت بولد، كما في معجم لغة الفقهاء ص/٨٨.\n(^٣) صحيح البخاري ٥/ ١٣٧ (٤٢٣٠) (٤٢٣١) صحيح مسلم ٤/ ١٩٤٦ (٢٥٠٣).","vol":"1","page":155},{"text":"فدل بروزها لعمر - ﵁ - عند دخوله على حفصة دون الاستتار وراء حجاب، وذهابها لرسول الله - ﷺ - لسؤاله، وذكرها لدخول الرجال عليها أرسالا من أهل السفينة بما فيهم من الأحرار لسؤالها عن قول رسول الله - ﷺ - لها؛ كل ذلك يدل على أنها كانت من الإماء وليست من الحرائر اللاتي لم يعهد عنهن البروز للرجال والخروج والمشي في الطرقات، ودخول الرجال عليهن بعد نزول الحجاب. وقد كان قدوم أسماء بنت عميس من الحبشة حين افتتح خيبر وذلك في العام السابع من الهجرة أي بعد نزول الحجاب.\n٢) ثبت عن أم عطية، عن النبي - ﷺ - قالت: (كنا ننهى أن نحد (^١) على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا، ولا نكتحل ولا نتطيب ولا نلبس ثوبا مصبوغا) (^٢) قال في تيسير العلام شرح عمدة الأحكام (ص: ٦٠٨): يؤخذ من الحديث وجوب إحداد المرأة على زوجها المتوفى، أربعة أشهر وعشرًا.\nوقال ابن دقيق العيد (ت ٧٠٢ هـ) في إحكام الأحكام (٢/ ١٩٦): \"يؤخذ من هذا الحديث: أنه لا إحداد على الأمة المستولدة، لتعليق الحكم بالزوجية\". وقال ابن بطال في شرح صحيح البخاري (٧/ ٥٠٦): \"وأجمعوا أن أم الولد لا إحداد عليها إذا توفى سيدها، والحجة في ذلك أن الأحاديث إنما جاءت فى الأزواج، وأم الولد ليست بزوجة، ذكر هذا كله ابن المنذر\". وجاء في الجامع لعلوم الإمام\n_________\n(^١) الإحداد في الشرع هو ترك الطيب والزينة.\n(^٢) صحيح البخاري (١/ ٦٩).","vol":"1","page":156},{"text":"أحمد (١١/ ٥٣٤): هل على أم الولد إحداد؟ قال سفيان: \"إذا مات الرجل عن سريته، تخرج وتطيب وتُخطب\".\nوقد أخرج أحمد في مسنده (٤٥/ ٢١): عن أسماء بنت عميس قالت: لما أصيب جعفر أتانا النبي - ﷺ - فقال: \" تسلبي (^١) ثلاثا، ثم اصنعي ما شئت\". وفي رواية عنها قالت: \"دخل علي رسول الله - ﷺ - اليوم الثالث من قتل جعفر فقال: لا تحدي بعد يومك هذا \". (^٢)\nوبذلك ثبت أنها لم تكن من النساء الحرائر ولذلك لم يجب عليها الإحداد. ثم إن أبا بكر اتخذها بعد ذلك أم ولد له أيضا ولم تكن زوجة له من الحرائر ومما يثبت ذلك:\n١) ماجاء في تهذيب الكمال (١٠/ ١٥٠) وتهذيب التهذيب (٣/ ٤٣٧): كان أهل المدينة يكرهون اتخاذ أمهات الأولاد، حتى نشأ فيهم القراء: علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسالم بن عبد الله بن عمر، ففاقوا أهل المدينة علما وتقى وعبادة وورعا، فرغب الناس حينئذ في السراري.\n٢) ما جاء في صحيح مسلم (٤/ ١٧١١): أن نفرا من بني هاشم دخلوا على أسماء بنت عميس، فدخل أبو بكر الصديق، وهي تحته يومئذ، فرآهم، فكره\n_________\n(^١) تسلبي: أي البسي ثياب الحداد السود. تهذيب اللغة (١٢/ ٣٠٢) تاج العروس (٣/ ٧٢).\n(^٢) صححه الإمام أحمد، وابن الملقن في التوضيح (٢٥/ ٥٥٣) والألباني في الصحيحة (٧/ ٦٨٤).","vol":"1","page":157},{"text":"ذلك، فذكر ذلك لرسول الله - ﷺ - وقال: لم أر إلا خيرا، فقال رسول الله - ﷺ -: (إن الله قد برأها من ذلك) ثم قام رسول الله - ﷺ - على المنبر فقال: (لا يدخلن رجل، بعد يومي هذا، على مغيّبة (^١)، إلا ومعه رجل أو اثنان).\nفلما كان الحجاب حائلا دون الدخول على النساء الحرائر منهي عنه بقوله تعالى ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ وبقوله - ﷺ - (إياكم والدخول على النساء) (^٢) فالسماح لدخول جمع من الرجال يدل على أن من أُذن في الدخول عليهن هن ممن لم يفرض عليهن الحجاب من الإماء.\n٣) ما أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين (٣/ ١٧٩) والبيهقي في معرفة السنن والآثار (٥/ ٢٣١): عن أسماء بنت عميس قالت: (غسلت أنا وعلي فاطمة بنت رسول الله - ﷺ -) (^٣) ففي مشاركتها لعلي بن أبي طالب - ﵁ - في تغسيل فاطمة - ﵂ - دليل على أنها ليست ممن ضرب عليهن الحجاب من الحرائر. وهذا يسقط الاحتجاج بهذا الأثر.\n_________\n(^١) المغيّبة هي التي غاب عنها زوجها والمراد غاب زوجها عن منزلها سواء غاب عن البلد بأن سافر أو غاب عن المنزل وإن كان في البلد. كما في شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٥٥)\n(^٢) صحيح البخاري (٧/ ٣٧)\n(^٣) حسن إسناده الألباني في إرواء الغليل (٣/ ١٦٢) وقال ابن حجر في التلخيص الحبير (٢/ ٣٢٧): إسناده حسن وقد احتج بهذا الحديث أحمد وابن المنذر وفي جزمهما بذلك دليل على صحته عندهما.","vol":"1","page":158},{"text":"(الأثر الثاني)\nوهو الخامس في كتابه قدمته لتعلقه بالأثر الثاني؛ (عن أبي أسماء الرحبي أنه دخل على أبي ذر وهو بالربذة وعنده امرأة له سوداء مسغبة قال فقال ألا تنظرون إلى ما تأمرني به هذه السويداء).\nأولا: ننقل هذا الأثر بتمامه ليتبين ما أسقط من سياقه:\nعن قتادة عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي (أنه دخل على أبي ذر وهو بالربذة وعنده امرأة له سوداء مسغبة (^١) ليس عليها أثر المجاسد (^٢) ولا الخلوق (^٣) قال فقال ألا تنظرون إلى ما تأمرني به هذه السويداء). (^٤)\nوهذا يبين أنها لم تكن كاشفة لوجهها وكفيها فقط؛ بل كانت تكشف أوسع من ذلك حتى تمكن من وصفها بأنها شعثة الرأس وليس عليها أثر صفرة الطيب والزينة! وهذا مما لم يقل بجواز كشفه ولا النظر إليه الشيخ الألباني نفسه!! فإن دل ذلك على شيء؛ فإنما يدل على أنها كانت أمة مملوكة، يشهد لذلك قوله\n_________\n(^١) حلية الأولياء (١/ ١٦٤) كما عزاه الألباني لابن سعد ولم أجده عنده ولعله وهم إذ إنه أشار إلى نفس موضعه من الحلية! وقال إسناده جيد في الشواهد!\n(^٢) انظر: تهذيب الكمال للمزي ١٣/ ٣١٠، تهذيب التهذيب لابن حجر ٤/ ٤٠١.\n(^٣) وذلك أن الرجل إذا تزوج أمة مملوكة لغيره يكون ولده رقيقا تبعا لها. وفي عمدة القاري ١١/ ١٦٨: وكل أمة تلد من غير سيدها فولدها عبد.\n(^٤) مسند أحمد بن حنبل (٢١٤٥٤)، الطبقات ٤/ ٢٣٦. وصححه الألباني.","vol":"1","page":159},{"text":"(امرأة له سوداء) وما جاء في إتحاف الخيرة المهرة (٧/ ٤٣٦): عن عبد الله بن الصامت \"أنه كان مع أبي ذر - ﵁ - فخرج عطاؤه، وكان معه جارية له، فجعلت تقضي حوائجه) رواه أبو بكر بن أبي شيبة وأحمد بن حنبل بسند صحيح.\nوهذا يسقط الاحتجاج به على جواز الكشف للنساء الحرائر.\n(الأثر الثالث)\n(عن أبي السليل قال جاءت ابنة أبي ذر وعليها مجنبتا صوف سفعاء الخدين ومعها قفة لها فمثلت بين يديه وعنده أصحابه فقالت يا أبتاه زعم الحراثون والزراعون أن أفلسك هذه بهرجة فقال يا بنية ضعيها فإن أباك أصبح بحمد الله ما يملك من صفراء ولا بيضاء إلا أفلسه هذه) (^١).\nالجواب عليه بالآتي:\nأولا: إسناده ضعيف لا يحتج به لأنه منقطع، فإن أبا السليل لم يدرك أبا ذر الغفاري. (^٢)\nثانيا: على فرض صحته فإن ابنة أبي ذر هذه قد تكون صغيرة لم تحتجب بعد فلا يكون فيه حجة على جواز كشف المرأة البالغة.\n_________\n(^١) حلية الأولياء (١/ ١٦٤) كما عزاه الألباني لابن سعد ولم أجده عنده ولعله وهم إذ إنه أشار إلى نفس موضعه من الحلية! وقال إسناده جيد في الشواهد!\n(^٢) انظر: تهذيب الكمال للمزي ١٣/ ٣١٠، تهذيب التهذيب لابن حجر ٤/ ٤٠١.","vol":"1","page":160},{"text":"ثالثًا: إن ابنة أبي ذر قد تكون رقيقة تبعا لأمّها (^١) كما تبين في الأثر السابق، فلا يكون في كشفها حجة على جواز كشف النساء الحرائر.\n(الأثر الرابع)\nأخرجه ابن جرير قال حدثنا عبد الأعلى بن واصل الأسدي قال حدثنا عمرو بن طلحة القناد عن مسهر بن عبد الملك بن سلع الهمداني عن عتبة أبي معاذ البصرى عن عكرمة (عن عمران بن حصين قال كنت مع رسول الله - ﷺ - قاعدا إذ أقبلت فاطمة رحمها الله فوقفت بين يديه فنظرت إليها وقد ذهب الدم من وجهها وغلبت الصفرة من شدة الجوع قال فنظر إليها رسول الله - ﷺ - فقال أدني يا فاطمة ... فدنت حتى قامت بين يديه فرفع يده فوضعها على صدرها في موضع القلادة وفرج بين أصابعه ثم قال\" اللهم مشبع الجاعة ورافع الوضعة لا تجع فاطمة بنت محمد - ﷺ - \" قال عمران فنظرت إليها وقد غلب الدم على وجهها وذهبت الصفرة كما كانت الصفرة قد غلبت على الدم. قال عمران: فلقيتها بعد فسألتها فقالت ما جعت بعد يا عمران!)\nأولا: هذا الأثر إسناده ضعيف؛ ولذلك قال عنه الشيخ الألباني: إسناده لا بأس به في الشواهد.\n_________\n(^١) وذلك أن الرجل إذا تزوج أمة مملوكة لغيره يكون ولده رقيقا تبعا لها. وفي عمدة القاري ١١/ ١٦٨: وكل أمة تلد من غير سيدها فولدها عبد.\n(^٢) تهذيب الاثار للطبري ١/ ٢٨٦، الكنى والأسماء للدولابي (١٨٢٣) ٣/ ١٠٣٨.","vol":"1","page":161},{"text":"ثانيا: أن فاطمة ﵂ كانت حينئذ صغيرة لم تحتجب بعد يشهد لذلك قوله (فرفع يده فوضعها على صدرها في موضع القلادة) وهذا مما لم يقل أحد من أهل العلم بجواز كشفه من المرأة الحرة للرجال الأجانب، أما قوله (فلقيتها بعد فسألتها فقالت ما جعت بعد يا عمران) فهذا ليس فيه شاهد أنه رأى وجهها ولا أنها كانت كاشفة عن وجهها! كما أنه قد يكون قبل نزول الحجاب؛ أو أن عمران كان من الموالي، ولذلك لم يستشهد بهذا الأثر أحد من أهل العلم على جواز النظر؛ فضلا على أن يستشهدوا به على جواز الكشف!!\n(الأثر الخامس)\n(عن قبيصة بن جابر قال كنا نشارك المرأة في السورة من القرآن نتعلمها فانطلقت مع عجوز من بني أسد إلى ابن مسعود في بيته فرأى جبينها يبرق فقال أتحلقينه فغضبت ثم قالت التي تحلق جبينها امرأتك قال فادخلي عليها فإن كانت تفعله فهي مني بريئة فانطلقت ثم جاءت فقالت لا والله ما رأيتها تفعله فقال ابن مسعود سمعت رسول الله - ﷺ - يلعن المتنمصات والمتفلجات والمتوشمات اللائي يغيرن خلق الله تعالى) (^١).\nلم يخرج هذا الأثر بهذا اللفظ الذي فيه نظر ابن مسعود إلى جبين تلك العجوز؛ إلا الشاشي في مسنده، وقد استشهد به الشيخ الألباني دون عزوه لأحد، واكتفى بقوله: سنده حسن وهو مخرج في\" آداب الزفاف\" وبالرجوع إلى\n_________\n(^١) مسند الشاشي ٢/ ٢٥٦.","vol":"1","page":162},{"text":"كتابه آداب الزفاف تجد أنه إنما ذكر الحديث مقتصرا على قول الرسول - ﷺ - (لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله، قال فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب ...) المذكور في الرواية المشتهرة للحديث المروية في الصحاح والجوامع والمسانيد والمصنفات والتي ليس فيها ذكر لرؤية جبين هذه المرأة. ومع ذلك فكلا الروايتين لا حجة فيها على جواز كشف النساء الحرائر لأن هذه المرأة العجوز كانت من الإماء كما هو مصرح به في الحديث؛ (عجوز من بني أسد) من الحبش (يقال لها أم يعقوب) فلا يكون فيه حجة على جواز كشف النساء الحرائر.\n(الأثر السادس)\nقال الشيخ الألباني وفي\" تاريخ ابن عساكر (٦٧/ ٧٩) \" وفي قصة صلب ابن الزبير أن أمه (أسماء بنت أبي بكر) جاءت مسفرة الوجه متبسمة.\nاستشهد الشيخ الألباني بهذا الأثر دون التعليق على إسناده!! الذي يتبين بالرجوع إليه عند ابن عساكر أنه إسناد هالك لا يحتج ولا يستشهد به: أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة (مدلس له مناكير) أبو عثمان (مبهم) عن شيخ يسمى عطية (مجهول) فهو رواية مجهول عن مجهول! والراوي عن المجهولَين مدلس له مناكير. (^١)\n_________\n(^١) طبقات المدلسين ١/ ١٩ - لسان الميزان ١/ ٢٩٥ - ميزان الاعتدال ١/ ٢٩٦.","vol":"1","page":163},{"text":"ومما يبطل الاستشهاد بهذا الأثر؛ ماساقه الشيخ الألباني (ص ١٠٨) بسند صحيح عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: (كنا نغطي وجوهنا من الرجال، وكنا نمتشط قبل ذلك في الإحرام) فمن لم تكشف عن وجهها حال إحرامها فكيف تكشفه حال حلِّها!!\n(الأثر السابع)\n(عن أنس بن مالك قال دخلت على عمر بن الخطاب أمة قد كان يعرفها ببعض المهاجرين أو الأنصار وعليها جلباب متقنعة به فسألها عتقت قالت لا قال فما بال الجلباب ضعيه عن رأسك إنما الجلباب على الحرائر من نساء المؤمنين فتلكأت فقام إليها بالدرة فضرب بها رأسها حتى ألقته عن رأسها) (^١).\nأولا: استشهاد الشيخ الألباني بهذا الأثر فيه إقرار لما أنكره مسبقا من التفريق بين الحرائر والإماء في الحجاب.\nثانيا: أن هذا الأثر يعد من أدلة وجوب تغطية الوجه؛ وبيان ذلك من عدة وجوه:\n١ - أن عمر - ﵁ - ضربها حتى ألقت الجلباب عن رأسها؛ فلو كان الجلباب على رأسها فوق الخمار دون أن تكون مغطية به وجهها فما الذي سينكشف إذا ألقته عن رأسها حتى يعد هذا المنكشف منها هو الفارق بين الحرائر والإماء؟!\n_________\n(^١) مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٤١، صححه الألباني في جلباب المرأة /٩٩.","vol":"1","page":164},{"text":"٢ - أن أنس صرح بأنها كانت متقنعة بالجلباب وقد سبق أن بيّنا في مناقشة البحث الرابع أن التقنع يعني تغطية الوجه، وكان الشيخ الألباني يقول بذلك كما في كتابه حجاب المرأة، ولكنه عاد مؤخرا في كتابه الجلباب فعدل عن رأيه! فقال في كتابه الجلباب/ ١٠٣: (وجاءت المرأة متقنعة) قال في حاشيته: \"كنت قد وهمت في إيراد هذا الأثر في جملة ما يدل على جريان العمل على ستر الوجه من النساء في العهد الأول، ثم تبين لي أن الأمر على العكس من ذلك\"!\n٣ - يشهد لما ذكرنا: ما روي عن عمر - ﵁ - أنه رأى- وهو يخطب الناس- أمة خرجت من بيت حفصة تجوس الناس ملتبسة لباس الحرائر (متقنعة) فلما انصرف دخل على حفصة فقال: من المرأة التي خرجت من عندك تجوس الرجال؟ قالت تلك جارية عبد الرحمن. قال: فما يحملك أن تلبسي جارية أخيك لباس الحرائر فقد دخلت عليك ولا أراها إلا حرّة فأردت أن أعاقبها. (^١)\nفها هو عمر - ﵁ - لم يعرف جارية ابنه عبد الرحمن لما كانت متقنعة بالجلباب. فهل بعد هذا حجة على أن التقنع لا يعني تغطية الوجه، وأنه مما افترض على الحرائر دون الإماء!\n_________\n(^١) موطأ مالك ٢/ ٩٨١ (١٧٧٣) سنن البيهقي الكبرى ٢/ ٢٢٦ (٣٠٣٧) صححه البيهقي في معرفة السنن والآثار ٢/ ٩٣، وقال الذهبي في المهذب ٢/ ٦٦٦ إسناده قوي.","vol":"1","page":165},{"text":"(الأثر الثامن)\n(عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: أن أروى خاصمته في بعض داره، فقال دعوها وإياها فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول\" من أخذ شبرا من الأرض بغيرحقه طوقه في سبع أرضين يوم القيامة\" (اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها واجعل قبرها في دارها) قال فرأيتها عمياء تلتمس الجدر تقول أصابتني دعوة سعيد بن زيد فبينما هي تمشي في الدار مرت على بئر في الدار فوقعت فيها فكانت قبرها). (^١)\nوهذا الأثر ليس فيه حجة؛ إذ ليس فيه أنه رأى وجهها ولا أنها كانت كاشفة عن وجهها، وكل ما فيه أنه رآها تلتمس الجدر! وهذا لا يشترط معه أن تكون كاشفة عن وجهها ولا حتى عن عينيها لأنها عمياء لن تنتفع بكشف ذلك!! كما أن أروى هذه قد تكون من الإماء، ولذلك لم يستشهد أحد من أهل العلم بهذا الأثر على جواز النظر للمرأة ولا على جواز كشف الوجه.\n(الأثر التاسع)\n(عن عطاء بن أبي رباح يقول رأيت عائشة تفتل القلائد للغنم تساق معها هديا). (^٢)\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٦١٠).\n(^٢) التمهيد لابن عبد البر ١٧/ ٢٢١.","vol":"1","page":166},{"text":"ليس في هذا الأثر حجة على جواز كشف الوجه، لأنه ليس فيه إلا رؤية الكفين، ومع ذلك فإن من المتفق عليه عند أهل العلم أن الحجاب واجب على أمهات المؤمنين دون استثناء لوجه أو كف، وأنهن لم يكن يبرزن للرجال الذين يجب عليهن الاحتجاب منهم ولو كن مستترات بالجلابيب كما قال ابن عبد البر في الاستذكار ٦/ ١٧٠: \"إن نساء النبي - ﷺ - لا يكلمن إلا من وراء حجاب متجالات كن أو غير متجالات\" فكيف يسوغ الاستشهاد بهذا الأثر على أنها كانت كاشفة لكفيها على مرأى من رجل حر أجنبي يجب عليها الاحتجاب منه؟!! ولذلك يُبطِل الاستشهاد بهذا الأثر أمرين:\nالأول؛ قال ابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ٢٢١): ذكر عبد الرزاق ... وساق هذا الأثر الذي استشهد به الشيخ الألباني؛ ولم أجد هذا الأثر بهذا اللفظ في مصنف عبد الرزاق ولا في غيره! ولذلك قال الشيخ الألباني في حاشية جلباب المرأة ص/١٠١ (كذا في \"التمهيد\" لابن عبد البر \"١٧/ ٢٢١\") ولم يجزم بعزوه لعبدالرزاق!! ولعل ابن عبد البر أرادما روى البخاري (٧/ ١٠٢) ومسلم (٢/ ٩٥٩): عن مسروق قال: سمعت عائشة، وهي من وراء الحجاب تصفق، وتقول: (كنت أفتل قلائد هدي رسول الله - ﷺ - بيدي) (^١) فقد ذكره في كتابيه التمهيد والاستذكار، وهذا هو الثابت في الصحيحين.\n_________\n(^١) تقليد البدنة: أن يعلق في عنقها شيء ليعلم أنها هدي. وأصل القلد: الفتل، يقال قلدت الحبل، إذا فتلته. مقاييس اللغة (٥/ ١٩).","vol":"1","page":167},{"text":"فقد يكون قول عطاء من باب الإخبار بأنه رأى القلائد التي فتلت دون أن تكون وقعت منه الرؤية لها عند فتلها، فأراد الإخبار أنها كانت تفتل القلائد للهدي؛ ولم يكن مراده الإخبار بوقوع النظر منه لها عندما كانت تفتلها.\nالثاني: أن عطاء بن أبي رباح كان من الموالي (عبد مملوك) قال ابن المديني: هو مولى حبيبة بنت ميسرة بن أبي خيثم. (^١) ولذلك فليس في هذا الأثر حجة على جواز كشف الكفين للرجال الأحرار الأجانب، هذا على فرض ثبوت رؤيته لكفيها.\n(الأثر العاشر)\nعن الحميدي قال ثنا سفيان قال ثنا (عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب قال أرسلني علي بن الحسين إلى الربيع بنت معوذ بن عفراء أسألها عن وضوء رسول الله - ﷺ - وكان يتوضأ عندها فأتيتها، فأخرجت إلي إناء يكون مدا أو مدا وربع، فقالت بهذا كنت أخرج لرسول الله - ﷺ - الوضوء. . . الحديث).\n١) هذا الحديث ضعيف كما قال النووي في المجموع (١/ ٤٩٩): حديث الربيع ضعيف رواه البيهقي وغيره من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل وهو ضعيف عند أكثر أهل الحديث.\n_________\n(^١) انظر: تقريب التهذيب ١/ ٣٩١، التاريخ الكبير ٦/ ٤٦٣ وقال فيه (١/ ٤٤٦): كان عطاء بن أبي رباح أسود شديد السواد.","vol":"1","page":168},{"text":"٢) مع أنه ليس في هذا الأثر أنها كانت كاشفة أو أنه رأى وجهها؛ إلا أن ليس فيه حجة؛ لأن الربيع بنت معوذ كانت من الإماء يشهد لذلك ما روى عنها الترمذي في سننه (١١٨٥) ٣/ ٤٩١؛ وصححه الشيخ الألباني (أنها اختلعت على عهد النبي - ﷺ - فأمرها النبي - ﷺ - أو أمرت أن تعتد بحيضة) وقد ذكر البغوي في شرح السنة (٩/ ٣١٧): أم الولد قال قوم: (تعتد بحيضة) روي ذلك عن ابن عمر ... وإليه ذهب مالك، والشافعي، وأحمد.\n(الأثر الحادي عشر)\nعن عروة بن عبد الله بن قشير أنه دخل على فاطمة بنت علي بن أبي طالب (^١) قال \"فرأيت في يديها مسكا غلاظا في كل يد اثنين اثنين قال ورأيت في يدها خاتما\". (^٢) ولو أتم الشيخ الألباني هذا الأثر لتبين أنليس فيه حجة: (قال فرأيت في يديها مسكا غلاظا في كل يد اثنين اثنين قال ورأيت في يدها خاتما وفي عنقها خيطا فيه خرز). فقوله (وفي عنقها خيطا فيه خرز ...) يدل على أنها كانت حاسرة عن عنقها وهذا مما لم يقل بجواز كشفه للرجال الأجانب أحد من أهل العلم ولا الشيخ الألباني! وهذا يكشف أن رؤية عروة لفاطمة ودخوله عليها إما لصغر سنّها أو لسببٍ من رق أو رضاع، لأن مما هو مجمع عليه أن موضع القلادة من العنق من الزينة الباطنة التي لا يجوز كشفها إلا لمن سمى\n_________\n(^١) فاطمة بنت علي بن أبي طالب القرشية الهاشمية، وهي فاطمة الصغرى. أمها أم ولد. كما في تهذيب الكمال (٣٥/ ٢٦١).\n(^٢) الطبقات الكبرى ٨/ ٤٦٥، تاريخ مدينة دمشق ٧٠/ ٣٨ وصحح إسناده الألباني في جلباب المرأة /١٠٢.","vol":"1","page":169},{"text":"الله تعالى في آية النور، وبذلك يبطل الاحتجاج بهذا الأثر على جواز كشف الوجه للرجال الأجانب.\n(الأثر الثاني عشر)\n(عن عيسى بن عثمان قال كنت عند فاطمة بنت علي فجاء رجل يثني على أبيها عندها فأخذت رمادا فسفت في وجهه). (^١)\nمع ضعف إسناد هذا الأثر؛ فإن ليس فيه حجة لأنه لم يثبت فيه أن فاطمة كانت كاشفة عن وجهها!! وقد تكون فاطمة حينها صغيرة لم تبلغ، أو أن هؤلاء من الرقيق، فلا يكون فيه حجة.\n(الأثر الثالث عشر)\n(عن محمد بن يزيد الواسطي عن أبي بلج يحيى بن أبي سليم (^٢) قال رأيت سمراء بنت نهيك وكانت قد أدركت النبي - ﷺ - عليها درع غليظ وخمار غليظ بيدها سوط تؤدب الناس وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر). (^٣)\n_________\n(^١) الطبقات الكبرى ٨/ ٤٦٥ وقال الألباني في جلباب المرأة /١٠٢: إسناده جيد.\n(^٢) أبو بلج هذا هو جارية بن بلج التميمي الصغير، فهو الذي روى عن سمراء بنت نهيك كما ذكر الدارقطني في المؤتَلِف والمختَلِف (١/ ٢٢٠). فقد وهم من قال إنه يحيى بن أبي سليم، وقد ذكر جارية بن بلج التيمي ابن حجر في التقريب واللسان، والمزي في تهذيب الكمال، وأبو حاتم في الجرح والتعديل؛ دون جرح له أو تعديل إلا قول ابن حجر في لسان الميزان (٧/ ٤٥٥): شيخ ليزيد بن هارون.\n(^٣) المعجم الكبير ٢٤/ ٣١١ قال الألباني في جلباب المرأة /١٠٢: سنده جيد.","vol":"1","page":170},{"text":"قال ابن عبد البر في الاستيعاب ٤/ ١٨٦٣: سمراء بنت نهيك الأسدية أدركت رسول الله - ﷺ - وعمّرت وكانت تمر في الأسواق وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتضرب الناس على ذلك بسوط كان معها، روى عنها أبو بلج جارية بن بلج. اهـ\nوهذا يشهد أن سمراء بنت نهيك كانت من الإماء؛ لأن المشي في الأسواق كان من عادة الإماء دون الحرائر، كما أنها كانت من القواعد يشهد لذلك قول ابن عبد البر السابق (أدركت رسول الله - ﷺ - وعمّرت) وهذا سبب خروجها بلا جلباب، كما ذكر أبو بلج أنه إنما رأى عليها درعا وخمارا، ولكن الشيخ الألباني أوّل معنى الدرع هنا إلى الجلباب فقال: الدرع هنا فيما يبدو لي هو الجلباب؛ ففي كتب اللغة\" درع المرأة قميصها\" ومن معاني القميص الجلباب (^١)! لكنه لم يرد في أيّ من كتب اللغة أن من معاني الدرع الجلباب!! كما أن المتعارف عليه في عرف الصحابة أن الدرع للمرأة يطلق على الثوب الملاصق للبدن، أما ما تلبسه فوق الثياب فهو الملحفة والرداء والجلباب، كما سيأتي بيان ذلك في مناقشة البحث الثامن. وبذلك يسقط الاستشهاد بهذا الأثر على جواز كشف الوجه للنساء الحرائر.\n(الأثر الرابع عشر)\nعن أبي القاسم بن السمرقندي أنا أبو الحسين أنا عيسى أنا (البغوي نا عيسى بن سالم الشاشي نا أبو المليح عن ميمون بن مهران قال: دخلت على أم الدرداء\n_________\n(^١) جلباب المرأة، هامش / ١٩.","vol":"1","page":171},{"text":"فرأيتها مختمرة بخمار صفيق قد ضربت على حاجبها قال وكان فيه قصر فوصلته بسير قال وما دخلت عليها في ساعة صلاة إلا وجدتها مصلية). (^١)\nأولا: ميمون بن مهران كان عبدا مملوكا لها ولذلك كان يدخل عليها ويراها دون حجاب؛ ذكره ابن حبان في ثقاته وقال: \" كان مولى بنيأسد، كان مملوكا لامرأة بالكوفة\" (^٢). وهذا كاف لإبطال الاستشهاد به على جواز كشف وجه المرأة الحرة للرجال الأحرار الأجانب.\nثانيا: إسناده ضعيف لا يعرف بعض رجاله، والشيخ الألباني إنما حكم بالصحة على آخر الإسناد (البغوي: نا عيسى بن سالم الشاشي: نا أبو المليح عن ميمون) أما أوله (أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي أنا أبو الحسين أنا عيسى) فلم يتطرق له بذكر! فهل يصح أثر صح آخر إسناده دون أوله؟!\n(الأثر السادس عشر)\nعن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه قال جاءت امرأة إلى سمرة بن جندب فذكرت أن زوجها لا يصل إليها. . . قال وجاءت المرأة متقنعة ... \" (^٣)\nالصواب أن يستشهد بهذا الأثر على تغطية الوجه، لأن فيه أن المرأة جاءت متقنعة، والتقنع كما بيناه في مناقشة البحث الرابع يعني تغطية الوجه، يشهد\n_________\n(^١) تاريخ مدينة دمشق ٧٠/ ١٥٨.\n(^٢) الثقات ٥/ ٤١٧ - وانظر تذكرة الحفاظ ١/ ٩٨ - التاريخ الكبير ٧/ ٣٣٨.\n(^٣) البيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٢٢٨ وسنده حسن.","vol":"1","page":172},{"text":"لذلك أن البخاري أشار في صحيحه إلى هذا الأثر في التعاليق واصفا هذه المرأة التي جاءت متقنعة بقوله: (وأجاز سمرة بن جندب شهادة امرأة منتقبة) (^٣). وقد سبق أن استشهد الشيخ الألباني بهذا الأثر في كتابه حجاب المرأة على أنه شاهد على جريان العمل على ستر الوجه، ثم عاد وعدل عن رأيه ليستشهد به على جواز الكشف في كتابه الجلباب!! فقال بعد أن ساق هذا الأثر في هامش /١٠٣: \"كنت قد وهمت في إيراد هذا الأثر في جملة ما يدل على جريان العمل على ستر الوجه من النساء في العهد الأول، ثم تبين لي أن الأمر على العكس من ذلك ... \"!! كان هذا كل ما استشهد به الشيخ الألباني من الأحاديث والآثار التي لم يثبت في أي واحد منها دلالة على جواز كشف الوجه للنساء الحرائر، ولذلك فلا حجة للقول بجواز كشف الوجه للمرأة، بل الحجة قائمة على وجوب تغطيته كما سيأتي مزيد بيان لذلك في البحوث القادمة.\n_________\n(^١) صحيح البخاري ٢/ ٩٣٩.","vol":"1","page":173},{"text":"ــ:: البحث السابع:: ــ\nقال الشيخ الألباني: استدلالهم بالأحاديث الضعيفة والآثار الواهية وإليك بعض الأمثلة: الحديث الأول: عن ابن عباس قال: \" أمر الله النساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن ... ويبدين عينًا واحدة\" لقد بينت أن للحديث علتين فأغمضوا أعينهم عنهما وتتابعوا جميعًا على الاحتجاج به وكتموا الرواية الأخرى عن ابن عباس ونصها في تفسير آية الإدناء: \"وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها\" رواه ابن جرير وذكره تحت قوله: \" وقال آخرون: بل أمرن أن يشددن جلابيبهن على جباههن\". وقتادة فإنه قال في تفسير (الإدناء) \" \"أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يُقَنِّعن على الحواجب\". أخرجه ابن جرير (٢٢/ ٢٣) بسند صحيح عنه. فمن العجيب الغريب حقًا أن يذكر بعضهم هذا الأثر عقب حديث ابن عباس الضعيف هذا وعقب أثر عبيدة السلماني مستشهدًا به! وهو حجة عليه!","vol":"1","page":174},{"text":"ــ::<span data-type=\"title\" id=toc-64> مناقشة البحث السابع::</span> ــ\nأولا: أطلق الشيخ الألباني الحكم بالضعف على الآثار التي استشهد بها المخالفين له ولم يُعمل معها قواعد التحديث التي عمل بها مع أدلته، وإنما حكم عليها بالضعف بما لا يوجب لها الضعف! مما يوهم أن كل ما احتجوا به ضعيف واهٍ!!\nثانيا: أنكر الاستشهاد بالأثر الثابت ابن عباس في تفسير آية إدناء الجلابيب: (أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة) (^١) وذلك لعلتين في إسناده - خفة في ضبط راويين - رغم أن هذه العلل لا تسقطه من درجة الاحتجاج به! فإنه لاينزل بها عن رتبة الحسن، كما أن له شواهد صحيحة يتقوى بها، ويرتقي بها من الحسن إلى الصحيح.\nوالجواب على هاتين العلّتين بالآتي:\nالعلّة الأولى؛ علة الانقطاع بين علي وابن عباس تندفع بما قيل بأن بين علي وابن عباس؛ مجاهد، وهذا ما صرح به الشيخ الألباني نفسه فقال (وقد قيل بينهما مجاهد، فإن صح هذا في هذا الأثر فهو متصل)\n_________\n(^١) صحح هذا الإسناد ابن حجر في فتح الباري (١٣/ ٢٧١)، والسيوطي في الإتقان (٢/ ٥)، وحسّنه حكمت بن بشير في الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور (٣/ ٤٦٤).","vol":"1","page":175},{"text":"قال الإمام أبو جعفر الطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٢/ ٣٨٩): وحملنا على قبول رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وإن كان لم يلقه لأنها في الحقيقة عنه عن مجاهد وعكرمة عن ابن عباس.\nوقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (٤/ ١١٠): \"وعلي يقال لم يسمع من ابن عباس لكنه إنما أخذ التفسير عن ثقات أصحابه مجاهد وغيره وقد اعتمده البخاري وأبو حاتم وغيرهما في التفسير\". وقال في الأمالي المطلقة (١/ ٦٢): \" قالوا لم يسمع علي بن أبي طلحة من ابن عباس وإنما أخذ التفسير عن مجاهد وسعيد بن جبير عنه. قلت بعد أن عرفت الواسطة وهي معروفة بالثقة حصل الوثوق به\".اهـ.\nفهذه شهادة باتصال تفسيره إلى ابن عباس.\nأما قول الشيخ الألباني أن علي بن أبي طلحة \" قد تكلم فيه\" فهذه إشارة إلى أنه ليس بالضعيف الذي يرد حديثه؛ فقد روى عنه الثقات وخرج له مسلم، ووثقه العجلي وذكره ابن حبان في ثقاته، وعدّه الدارقطني في كتابه (ذكر أسماء التابعين ومن بعدهم ممن صحت روايته عن الثقات عند البخاري ومسلم). وقال الحافظ ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (٣/ ٥٤١): علي بن أبي طلحة ثقة. وقال الحافظ ابن حجر في الأمالي المطلقة (١/ ٦٢): وقد اعتمد البخاري في أكثر ما يجزم به معلقا عن ابن عباس في التفسير على نسخة معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة هذا.","vol":"1","page":176},{"text":"قال السيوطي في الإتقان (٢/ ٣ - ٥): عن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة خاصة فإنها من أصح الطرق عنه وعليها اعتمد البخاري في صحيحه. اهـ\nالعلّة الثانية: وهي قوله عن عبد الله بن صالح \"فيه ضعف\" وهذه إشارة إلى أنه ليس بالضعيف الذي يرد حديثه، إذ أن حديثه لا ينزل عن رتبة الحسن:\n- قال عمر الوادياشي الأندلسي في تحفة المحتاج إلى أدلة المنهاج (٢/ ٢٥٣) منكرا على ابن حزم تضعيفه له فقال: وقد روى عنه ابن معين والبخاري وقال أبو زرعة حسن الحديث.\n- قال الحافظ ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (٤/ ٦٧٨): والحديث من أجله حسن (^١)، والرجل من أهل الصدق، ولم يثبت عليه ما يسقط له حديثه، لكنه مختلف فيه.\nقال النووي في التقريب (ص/ ٣٠): إذا كان راوي الحديث متأخرًا عن درجة الحافظ الضابط، مشهورًا بالصدق والستر فروي حديثه من غير وجه قوي وارتفع من الحسن إلى الصحيح. اهـ\n_________\n(^١) الحسن كما في فتح المغيث (١/ ٩٢): الحسن لذاته: هو الحديث المتصل الإسناد برواة معروفين بالصدق، في ضبطهم قصور عن ضبط رواة الصحيح، ولا يكون معلولا ولا شاذا، ومحصله أنه هو والصحيح سواء، إلا في تفاوت الضبط.","vol":"1","page":177},{"text":"وحديث ابن عباس هذا له من الشواهد الصحيحة ما يتقوى بها، ولذلك فإن هذه الرواية تعد من الروايات الثابتة والمعتبرة عند المفسرين والمحدثين:\n- قال الإمام جلال الدين السيوطي في الإتقان في علوم القرآن (٢/ ٥): وأولى ما يرجع إليه في ذلك ما ثبت عن ابن عباس وأصحابه الآخذين عنه فإنه ورد عنهم ما يستوعب تفسير غريب القرآن بالأسانيد الثابتة الصحيحة. وها أنا أسوق هنا ما ورد من ذلك عن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة خاصة فإنها من أصح الطرق عنه وعليها اعتمد البخاري في صحيحه.\n- قال الحافظ ابن حجر في كتابه العجاب في بيان الأسباب (١/ ٢٠٣) بعد أن عدَّ الذين اعتنوا بجمع التفسير: والذين اشتهر عنهم القول في ذلك من التابعين أصحاب ابن عباس وفيهم ثقات وضعفاء؛ فمن الثقات:\n١ - مجاهد بن جبر ... ٢ - عكرمة ... ٣ - ومن طريق معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وعلي صدوق لم يلق ابن عباس لكنه إنما حمل عن ثقات أصحابه، فلذلك كان البخاري وابن أبي حاتم وغيرهما يعتمدون على هذه النسخة. اهـ\n- قال إدريس الصمدي في تحقيقه لأحكام النظر (ص/١٧٦): ورجال هذه الرواية كلهم ثقات ... وقد احتج برواية علي بن أبي طلحة هذه عن ابن عباس البخاري في \"الجامع الصحيح\" وجمال الدين القاسمي في تفسيره، والإمام","vol":"1","page":178},{"text":"القرطبي في تفسيره، وكذلك ابن كثير في تفسيره في مواضع عديدة، فكانت هذه الرواية قوية عندهم. اهـ\nثالثا: استشهد الشيخ الألباني بأثر ابن عباس (وإدناء الجلباب أن تقنّع وتشدُّ على جبينها) مع تصريحه بضعفه؛ على أنه يناقض أثر العين الواحدة لابن عباس، وأنكر على مخالفيه استشهادهم لتقوية أثر العين الواحدة بما صح عن قتادة أنه قال\" أن الله أخذ عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب\" (^١)؛ لأنه يرى أنه يناقضه!! والصحيح أن أثر ابن عباس (وإدناء الجلباب أن تقنّع وتشد على جبينها) وأثر قتادة (أن الله أخذ عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب) كلها توافق أثر ابن عباس (يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينًا واحدة)؛ ولا تناقضه، فكلها تحمل معنى تغطية الوجه وإن اختلفت كيفية التغطية، ومما يشهد لصحة ذلك ما يأتي:\n١) أن هذا ما حملها عليه أهل التفسير: كالقرطبي والشوكاني وغيرهما فقد حملوا قول ابن عباس وقتادة على تغطية الوجه برد طرف الجلباب وعطفه على الأنف بعد شدّه على الجبين - وهذا هوالتقنع - ولم يقل أحد منهم أن المراد أن تقنع الشعر وتشد الجلباب على الجبين دون تغطية للوجه!!\n_________\n(^١) الطبري في تفسيره ٢٢/ ٤٦ صحح الألباني إسناده في الرد المفحم /٥٢.","vol":"1","page":179},{"text":"- قال الإمام القرطبي في تفسيره (١٤/ ٢٤٣) والثعالبي في تفسيره (٣/ ٢٣٦): والجلباب هو الثوب الذي يستر جميع البدن، واختلف الناس في صورة إرخائه فقال ابن عباس وعبيدة السلماني ذلك أن تلويه المرأة حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة، وقال ابن عباس أيضًا وقتادة ذلك أن تلويه فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه.\n- قال العلامة محمد بن جزي الكلبي في التسهيل لعلوم التنزيل (٣/ ١٤٤): والجلابيب جمع جلباب وهو ثوب أكبر من الخمار، وقيل: هو الرداء، وصورة إدنائه عند ابن عباس أن تلويه على وجهها حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها، وقيل: أن تلويه حتى لا يظهر إلا عيناها.\n- قال أبو حيان الأندلسي في البحر المحيط (٧/ ٢٤٠) والشوكاني في فتح القدير (٤/ ٣٠٤): وقال ابن عباس وقتادة وذلك أن تلويه فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه.\n- قال الألوسي في روح المعاني (٢٢/ ٨٩): قال ابن عباس وقتادة تلوى الجلباب فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكن تستر الصدر ومعظم الوجه وفي رواية أخرى عن الحبر رواها ابن جرير؛ تغطى وجهها من فوق رأسها بالجلباب وتبدي عينا واحدة.","vol":"1","page":180},{"text":"- قال الزمخشري في تفسيره الكشاف (٣/ ٥٦٠): \"ترخي المرأة بعض جلبابها وفضله على وجهها تتقنع حتى تتميز من الأمة \".\n- وقال الألوسي في تفسيره (روح المعاني) (٢٢/ ٨٩): وإدناء ذلك عليهن أن يتقنعن فيسترن الرأس والوجه بجزء من الجلباب مع إرخاء الباقي على بقية البدن.\n- وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ٢٧٤) والعيني في عمدة القاري (٢١/ ٣٠٨) والعظيم آبادي في عون المعبود (١١/ ٩٢) كلهم اتفقت عبارتهم في تعريف التقنع بقولهم: التقنع؛ هو تغطية الرأس وأكثر الوجه برداء أو غيره.\nوبذلك تبين أن أثر ابن عباس وأثر قتادة؛ توافق أثر العين الواحدة لابن عباس وتعد من الشواهد التي يتقوى بها.\nرابعا: احتج الشيخ الألباني بإدراج الطبري لقول ابن عباس \"وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها\" تحت قوله: \"وقال آخرون: بل أمرن أن يشددن جلابيبهن على جباههن\" مستشهدا بذلك على أن الطبري يريد أن الفريق الآخر يرى أن الإدناء يكون بوضع الجلباب على الرأس وشده على الجبين دون تغطية الوجه!! وهذا تأويل مخالف لمراد الطبري من تقسيمه؛","vol":"1","page":181},{"text":"قال إمام المفسرين محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ): يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - ﷺ - يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين لا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن فيكشفن شعورهن ووجوههن ولكن ليدنين عليهن من جلابيبهن لئلا يعرض لهن فاسق إذا علم أنهن حرائر بأذى من قول. ثم اختلف أهل التأويل في صفة الإدناء الذي أمرهن الله به فقال بعضهم هو أن يغطين وجوههن ورؤوسهن فلا يبدين منهن إلا عينا واحدة ... وقال آخرون بل أمرن أن يشددن جلابيبهن على جباههن ذكر من قال ذلك ... عن\nابن عباس قال \"كانت الحرة تلبس لباس الأمة فأمر الله نساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها\"حدثنا ابن حميد عن أبي صالح \" يقنعن بالجلباب حتى تعرف الأمة من الحرة\". (^١) اهـ\nويتبين خطأ الشيخ الألباني في فهمه لمراد الطبري بالآتي:\n١ - قول الطبري: (ثم اختلف أهل التأويل في صفة الإدناء) يدل على أنهم لم يختلفوا على ما ذكره قبل ذلك، وهو قوله: (قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين لا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن فكشفن شعورهن ووجوههن) أي أنهم متفقون على أن مراد الله من هذا الأمر هو أن تغطي نساء المؤمنين وجوههن بإدناء الجلابيب عليها، ولكن اختلفوا في صفة\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان ٢٢/ ٤٥ - ٤٧.","vol":"1","page":182},{"text":"الإدناء كيف تكون لتحقيق هذه التغطية، ولذلك نجد أن من نقل من أهل العلم عن الطبري تفسير هذه الآية لا يذكر هذا الخلاف:\nكما في عون المعبود (١١/ ١٠٦): وقوله ﴿جَلَابِيبِهِنَّ﴾ جمع جلباب وهي الملاءة التي تشتمل بها المرأة أي يرخين بعضها على الوجوه إذا خرجن لحاجتهن إلا عينا واحدة كذا في الجلالين، وقال الطبري في جامع البيان الجلباب رداء فوق الخمار تستر من فوق إلى أسفل يعني يرخينها عليهن ويغطين وجوههن وأبدانهن انتهى.\n٢ - اسقط الشيخ الألباني من قول ابن عباس ما يبين الضابط في تقسيم الطبري وهو قوله (يغطين وجوههن \"من فوق رؤوسهن بالجلابيب\" ويبدين) فأسقط قوله (من فوق رؤوسهن بالجلابيب) ولذلك لم يتبين الضابط في تقسيم الطبري، وهو أن هناك فريقا قال إن تغطية الوجهتكون بسدل الجلباب على الوجه من فوق الرأس دون شدّ للجلباب حتى لا يظهر منها إلا عينا واحدة، واستشهد بقول ابن عباس وعبيدة، والفريق الآخر قال أن تغطية الوجه تكون من أسفل؛ بشد الجلباب على الجبين ثم رد طرفه من أسفل وعطفه على الأنف فيغطي بذلك الوجه عدا العينين وهو التقنع. واستشهد بقول ابن عباس \" أن تقنع وتشد على جبينها\" وبقول قتادة \" يقنعن على الحواجب \" وقول أبو صالح \"يقنعن بالجلباب\".\nهذا مفاد تقسيم الطبري؛ وهو ما فهمه أهل التفسير من قول ابن عباس وقتادة؛ قال الإمام القرطبي في تفسيره (١٤/ ٢٤٣) والمفسر النحوي أبو حيان في","vol":"1","page":183},{"text":"البحر المحيط (٧/ ٢٤٠): \"واختلف الناس في صورة إرخائه فقال ابن عباس وعبيدة السلماني ذلك أن تلويه المرأة حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها، وقال ابن عباس أيضًا وقتادة ذلك أن تلويه فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه\".\nوهو الموافق لمعنى التقنع كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ٢٧٤): التقنع؛ هو تغطية الرأس وأكثر الوجه برداء أو غيره.\n* وبذلك يتبين صحة الاحتجاج بأثر ابن عباس\" أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن ويبدين عينًا واحدة\" للأمور الآتية:\n(١) أنه أصح إسنادا: كما أسلفنا عن السيوطي في الإتقان (٢/ ٣ - ٥) قال: عن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة خاصة فإنها من أصح الطرق عنه وعليها اعتمد البخاري في صحيحه. اهـ\nوكما قال إدريس الصمدي في تحقيقه لأحكام النظر (ص/١٧٦): ورجال هذه الرواية كلهم ثقات ... وقد احتج برواية علي بن أبي طلحة هذه عن ابن عباس البخاري في \"الجامع الصحيح\" وجمال الدين القاسمي في تفسيره، والإمام القرطبي في تفسيره، وكذلك ابن كثير في تفسيره في مواضع عديدة، فكانت هذه الرواية قوية عندهم. اهـ","vol":"1","page":184},{"text":"كما أن ظاهر القرآن والسنة وآثار الصحابة والتابعين تؤيدها، فهي ثابتة عمل بها الأئمة واحتجوا بها.\n(٢) أنه الموافقة لفعل النبي - ﷺ - فإنه عندما اصطفى لنفسه صفية بنت حيي من سبي خيبر (... فلما ارتحل وطَّى لها خلفه ومدَّ الحجاب بينها وبين الناس وفي رواية (وجعل رداءه على ظهرها ووجهها) (^١). وكما في حديث عائشة ﵂ قالت (رأيت النبي - ﷺ - يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد). (^٢)\n(٣) أنه الأقرب لمعنى الإدناء لغة كما بيّناه في مناقشة البحث الأول؛ كما فسّرها بذلك أئمة التفسير ممن هم أئمة في اللغة العربية:\n- قال إمام العربية أبو جعفر النحاس النحوي اللغوي المفسّر في كتابه إعراب القرآن (٣/ ٣٢٥): ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ أي يرخين على وجوههن منه.\n- وقال الإمام البارع العلامة أبو القاسم الزمخشري في تفسيره الكشاف (٣/ ٢٧٤): \"يدنين عليهن\" يرخين عليهن، ويغطين بها وجوههن وأعطافهن. يقال: إذا زل الثوب عن وجه المرأة: أدنى ثوبك على وجهك.\n_________\n(^١) صحيح البخاري ٥/ ١٩٥٦ (٤٧٩٧) والرواية الأخرى لابن سعد ٨/ ٨٦ وقدصححها الألباني في جلباب المرأة/١٠٧.\n(^٢) صحيح البخاري ٥/ ٢٠٠٦ (٤٩٣٨) صحيح مسلم ٢/ ٦٠٨ (٨٩٢)","vol":"1","page":185},{"text":"(٤) لكثرة شواهده:\n١ - صح عن عبيدة السلماني لما سئل عن قوله ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فتقنع بردائه فغطى أنفه وعينه اليسرى وأخرج عينه اليمنى وأدنى رداءه من فوق حتى جعله قريبا من حاجبه أو على الحاجب. (^١)\n٢ - صح عن ابن عباس في صفة تغطية المحرمة وجهها (تدني الجلباب على وجهها ولا تضرب به، قلت وما لا تضرب به فأشار إلى كما تجلبب المرأة ثم أشار إلى ما على خدها من الجلباب فقال: لاتعطفه فتضرب به على وجهها فذلك الذي يبقى عليها ولكن تسدله على وجهها كما هو مسدولا ولا تقلبه ولا تضرب به ولا تعطفه). (^٢)\n٣ - عن ابن عباس \" كانت الحرة تلبس لباس الأمة فأمر الله نساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها\". (^٣)\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٢٢/ ٤٦ صححه أ. د. حكمت بن بشير بن ياسين في الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور (٣/ ٤٦٣).\n(^٢) أبو داود في مسائل الإمام أحمد /١١٠، الشافعي في مسنده ١/ ١١٨ وفي الأم ٢/ ١٤٩، واللفظ له.\n(^٣) تفسير الطبري ٢٢/ ٤٦ قال الألباني في الرد المفحم /١١: ضعيف السند لكن له شواهد.","vol":"1","page":186},{"text":"٤ - صح عن قتادة (أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب) (^١)\n٥ - عن سعيد بن جبير (يدنين عليهن من جلابيبهن؛ يسدلن عليهن من جلابيبهن وهو القناع فوق الخمار) (^٢)\n(٥) جريان العمل به من نساء سلف هذه الأمة امتثالا لهذه الآية:\n١ - عن أم سلمة ﵂ قالت (لما نزل ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من أكسية سود يلبسنها). (^٣)\n٢ - عن عائشة ﵂ قالت (رحم الله نساء الأنصار لما نزلت ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ شققن مروطهن فاعتجرن بها فصلين خلف رسول الله - ﷺ - كأنما على رؤوسهن الغربان) (^٤) وسبق أن بينا في مناقشة البحث الرابع أن الاعتجار يعني تغطية الوجه.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٢٢/ ٤٦. صحح الألباني إسناده في الرد المفحم /٥٢.\n(^٢) تفسير ابن أبي حاتم ١٠/ ٣١٥٥. عزاه الألباني في جلباب المرأة /٨٥ للدر المنثور ساكتا عليه.\n(^٣) ابن أبي حاتم في تفسيره، أبو داود (٤١٠١) وصححه الألباني في صحيح أبي داود ٤/ ٦١.\n(^٤) أخرجه ابن مردويه كما في الدر المنثور للسيوطي ٦/ ٦٦٠.","vol":"1","page":187},{"text":"٣ - عن عائشة ﵂ قالت (إن نساء المؤمنات كن يصلين الصبح مع النبي - ﷺ - ثم يرجعن متلفعات بمروطهن لا يعرفهن أحد) (^١) وسبق أن بينا في مناقشة البحث السادس أن التلفع يعني تغطية الوجه.\n٤ - عن عائشة ﵂ أنها قالت في حادثة الإفك (فخمرت وجهي عنه بجلبابي). (^٢) وصح عنها أنها قالت لما خرج رسول الله - ﷺ - ليلا ليستغفر لأهل البقيع) اختمرت وتقنعت إزاري ثم انطلقت على إثره). (^٣) وسبق أن بينا في مناقشة البحث الرابع أن التقنع يعني تغطية الوجه.\n٥ - عن عائشة ﵂ قالت (فإذا حاذوا بنا أسدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها) (^٤) وقالت (تسدل المرأة جلبابها من فوق رأسها على وجهها) (^٥).\n٦ - عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت (كنا نغطي وجوهنا من الرجال وكنا نتمشط قبل ذلك في الإحرام). (^٦)\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١/ ١٧٣) صحيح مسلم (١/ ٤٤٥) واللفظ له.\n(^٢) صحيح البخاري ٤/ ١٧٧٤ (٤٤٧٣) صحيح مسلم ٤/ ٢١٢٩ (٢٧٧٠).\n(^٣) صحيح مسلم ٢/ ٦٦٩ (٩٧٤).\n(^٤) مسند أحمد (٢٤٠٢١) سنن أبي داود (١٨٣٣) صححه علي القاري في مرقاة المفاتيح (٥/ ١٨٥٢) وصححه الألباني في حجاب المرأة /٣٣ وفي مشكاة المصابيح (٢/ ٨٢٣).\n(^٥) أخرجه سعيد بن منصور في سننه بإسناد صحيح كما في فتح الباري ٣/ ٤٠٦.\n(^٦) صحيح ابن خزيمة ٤/ ٢٠٣ (٢٦٩٠) وصححه الألباني في إرواء الغليل ٤/ ٢١٢.","vol":"1","page":188},{"text":"٧ - عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ أنها قالت (خسفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ - فسمعت رجة الناس وهم يقولون آية ... فخرجت متلفعة بقطيفة للزبير حتى دخلت على عائشة) (^١)\n٨ - عن فاطمة بنت المنذر أنها قالت (كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات) (^٢).\n٩ - وجاءت امرأة إلى سمرة بن جندب - ﵁ - فذكرت أن زوجها لا يصل إليها ... قال وجاءت المرأة متقنعة) (^٣)\n١٠ - عن زينب امرأة عبد الله قالت كانت عجوز تدخل علينا ... وكان عبد الله إذا دخل تنحنح وصوت فدخل يوما فلما سمعت صوته احتجبت منه. (^٤)\n(٦) احتجاج أهل العلم بهذه الرواية؛ فقهاء ومحدثين ومفسرين فكان ذلك إجماعا منهم على حجيتها ووجوب العمل بها.\nوبذلك ثبتت صحة حديث ابن عباس، وتبين خطأ الشيخ الألباني في تضعيفه لأثر ابن عباس، فإن أقل ما يقال في إسناده لو خلا مما ذكرنا مما يقويه ويعضده إنه حسن؛ والحديث الحسن يعمل به ويحتج به؛\n_________\n(^١) صحيح البخاري ١/ ٣٥٨ (١٠٠٥) مسند أحمد ٦/ ٣٥٤ واللفظ له، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٤٠٥: رجاله ثقات.\n(^٢) موطأ مالك ١/ ٣٢٨ (٧١٨) صححه الألباني في إرواء الغليل ٤/ ٢١٢.\n(^٣) البيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٢٢٨ حسنه الألباني في جلباب المرأة /١٠٣.\n(^٤) سنن ابن ماجه ٢/ ١١٦٦ (٣٥٣٠) صححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ٢/ ١١٦٦.","vol":"1","page":189},{"text":"كما جاء في قواعد التحديث لمحمد جمال الدين القاسمي (١/ ١٠٦): بيان كون الحسن حجة في الأحكام: قال الأئمة: الحسن كالصحيح في الاحتجاج به، وإن كان دونه في القوة، ولهذا أدرجه طائفة من نوع الصحيح ...\nوقال السخاوى في الفتح: منهم من يدرج الحسن في الصحيح لاشتراكهما في الاحتجاج، بل نقل ابن تيمية إجماعهم إلا الترمذي خاصة عليه، قال الخطابي: على الحسن مدار أكثر الحديث، لأن غالب الأحاديث لا تبلغ رتبة الصحيح، وعمل به عامة الفقهاء، وقبله أكثر العلماء. اهـ وقال السخاوي في فتح المغيث (١/ ٩٣): ونحوه قول البغوي: أكثر الأحكام ثبوتها بطريق حسن. اهـ\nفكيف وقد ثبت لحديث ابن عباس ما يقويه؛ من الشواهد، وجريان العمل عليه وقبول أهل العلم واحتجاجهم به مما يرتقي به من الحسن إلى الصحيح!\n* وبعد أن تبين صحة الاحتجاج بقول ابن عباس في تفسير آية إدناء الجلابيب؛ فلنا أن نذكر بقول أهل العلم أن \"تفسير الصحابي حجة بل هو في حكم المرفوع إلى النبي - ﷺ - \"\nكما قال الحافظ ابن حجر في النكت (٢/ ٥٣١): والحق أن ضابط ما يفسره الصحابي ﵁ إن كان مما لا مجال للاجتهاد فيه ولا منقولا عن لسان العرب فحكمه الرفع.\nوبذلك ثبت أن تغطية المرأة الحرة لوجهها واجب وفرض بناء على تفسير الحبر (ابن عباس) لآية إدناء الجلابيب.","vol":"1","page":190},{"text":"ــ:: تتمة البحث السابع (١):: ــ\nقال الشيخ الألباني: الحديث الثاني: من الضعيف الذي استدلوا به: \"سؤال ابن سيرين عبيدة السلماني عن آية (الإدناء)؟ فتقنَّع عبيدة بِملحفة وغطى رأسه كله حتى بلغ الحاجبين وغطّى وجهه وأخرج عينه اليسرى\". أخرجه السيوطي في \"الدر\". وبيان ضعفه من وجوه:\n١ - أنه مقطوع موقوف فلا حجة فيه لأن عبيدة السلماني تابعي اتفاقًا فلو أنه رفع حديثًا إلى النبي - ﷺ - لكان مرسلًا لا حجة فيه فكيف إذا كان موقوفًا عليه كهذا؟!\n٢ - أنهم اضطربوا في ضبط العين المكشوفة فيه فقيل: \"اليسرى\" وقيل: \"اليمنى\" وهو رواية الطبري وقيل: \"إحدى عينيه\" وهي رواية أخرى له. وإذا عرفت هذا فاعلم أن الاضطراب عند علماء الحديث علة في الرواية تسقطها عن مرتبة الاحتجاج بها حتى ولو كان شكليًا كهذا لأنه يدل على أن الراوي لم يضبطها ولم يحفظها.\n٣ - مخالفته لتفسير ابن عباس للآية كما تقدم بيانه.","vol":"1","page":191},{"text":"ــ::<span data-type=\"title\" id=toc-68> مناقشة تتمة البحث السابع (١)::</span> ــ\nأخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين قال سألت عبيدة عن قوله ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ ... قال فقال بثوبه فغطى رأسه ووجهه وأبرز ثوبه عن إحدى عينيه.\nوفي رواية أخرى لابن جرير: فتقنع به فغطى أنفه وعينه اليسرى وأخرج عينه اليمنى وأدنى رداءه من فوق حتى جعله قريبا من حاجبه أو على الحاجب. (^١)\nوهذا الأثر مما اعتمد عليه جل أهل التفسير في تفسير آية إدناء الجلابيب، ولكن الشيخ الألباني حكم عليه بالضعف ولم يكن محقا في ذلك لما يأتي:\nأولا: قال إنه مقطوع موقوف، والموقوف هو ما أسند إلى صحابي، والمقطوع هو ما أسند إلى تابعي، فكيف يجتمعان في الحكم على أثر واحد! وقد احتج الشيخ الألباني بأثر قتادة المقطوع \"أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يُقَنِّعن على الحواجب\" قائلا: أخرجه ابن جرير بإسناد صحيح إليه، ورمى هنا أثر عبيدة بالضعف وقد أخرجه ابن جرير بإسناد صحيح إليه!!\n\nبل إن إسناده من أصح الأسانيد، رجاله كلهم جبال في الثقة والضبط؛ ولا أظن أن هذا مما خفي على الشيخ فهو عند ابن جرير في الموضع الذي أخذ منه\n_________\n(^١) ابن جرير الطبري في تفسيره ٢٢/ ٤٦، صحح إسناده أ. د حكمت بن بشير بن ياسين في الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور ٤/ ١٤٤.","vol":"1","page":192},{"text":"الشيخ الألباني أثر قتادة وابن عباس ولكنه غفر الله له عزا هذا الأثر إلى السيوطي في الدر، ولم يعزه إلى ابن جرير الطبري!!\nعلاوة على أن قتادة من صغار التابعين لم يرَ إلا عددا من الصحابة فجُلّ رواياته عن التابعين. (^١) أما عبيدة السلماني فهو من كبار التابعين وأعلامهم (^٢)، ومخضرم ثقة ثبت، أسلم قبل وفاة النبي - ﷺ - بسنتين ولم يره، نزل المدينة في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ - وعاصر الصحابة ولم يزل بها حتى مات؛ وبذلك فهو إنما يفسر ما كان سائدًا في المجتمع الذي كان يمثله أجلة الصحابة - ﵃ - وأكابر الأمة الذين نزل بينهم القرآن وعليهم مدار هذا الدين.\nقال عنه ابن عبد البر: هو من كبار أصحاب ابن مسعود الفقهاء. (^٣) وقال الذهبي: عبيدة السلماني الكوفي الفقيه العلم، كاد أن يكون صحابيًا، أسلم زمن الفتح باليمن وأخذ العلم عن علي بن أبي طالب وابن مسعود وبرع في الفقه، وكان ثبتا في الحديث، وقال العجلي؛ عبيدة أحد أصحاب عبد الله بن مسعود الذين يقرؤون ويفتون الناس، وقال ابن سيرين: ما رأيت رجلًا أشد توقيًا من عبيدة (^٤).\n_________\n(^١) وانظر تقريب التهذيب ١/ ٧٥.\n(^٢) قال النووي في التقريب (ص/ ٣٤): اتفق علماء الطوائف على أن قول التابعي الكبير: قال رسول الله كذا أو فعله يسمى مرسلًا. اهـ وقول عبيدة تفسير للآية بما كان عليه الصحابة على عهد رسول الله ﷺ.\n(^٣) الاستيعاب ٣/ ١٠٢٣.\n(^٤) انظر: تذكرة الحفاظ ١/ ٤٠، تهذيب الكمال ١٩/ ٢٦٧، تهذيب التهذيب (٧/ ٧٨).","vol":"1","page":193},{"text":"وقد قال الإمام الذهبي في الموقظة في علم مصطلح الحديث (ص: ٣٩): فإن المرسل إذا صح إلى تابعي كبير، فهو حجة عند خلق من الفقهاء.\nقال أبو العباس أحمد بن فرح الإشبيلي (ت ٦٢٤ هـ) في الغرامية في مصطلح الحديث (ص: ١٠٦): وليعلم أن المقطوع يقع عليه الوصفان، الصحة والضعف تبعا لحال إسناده ومتنه، ولا يلزم من صحته وجوب العمل به، إذا كان مجردا عن قرينة تدل على أن له حكم الرفع.\nولما كان أثر عبيدة هذا تفسيرا للآية بما كان سائدا ومعمولا به في مجتمع أكابر الصحابة الذين نزل عليهم القرآن الكريم؛ كانت تلك قرينة توجب العمل به وتدل على أن له حكم الرفع.\nهذا علاوة على ما ذكر الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب (٧/ ٧٨) قال: قال علي بن المديني وعمرو بن علي الفلاس: أصح الأسانيد محمد بن سيرين عن عبيدة عن علي وقال العجلي: كل شيء روى محمد عن عبيدة سوى رأيه فهو عن علي بن أبي طالب وكل شيء روي عن إبراهيم عن عبيدة سوى رأيه فإنه عن عبد الله بن مسعود. (^١) اهـ\nفهذه شهادة باتصال سند هذه الرواية حيث إنها تفسير منه للآية بما كان سائدا في مجتمع الصحابة وليست مما يقال بالرأي، وعليه فإن إسنادها يعتبر أصح الأسانيد كما قال ابن المديني وعمرو الفلاس، كما ثبت أن تفسير عبيدة\n_________\n(^١) وانظر معرفة الثقات للعجلي ٢/ ١٢٤.","vol":"1","page":194},{"text":"للآية أخذه عن علي بن أبي طالب - ﵁ - وإن لم يكن عن علي فهو عن عبد الله بن مسعود وهو أعلم وأفقه هذه الأمة بالقرآن.\nثانيا: قال الشيخ الألباني (أنهم اضطربوا في ضبط العين المكشوفة وأن الاضطراب عند علماء الحديث علة في الرواية تسقطها عن مرتبة الاحتجاج بها) فيقال؛ إن الاضطراب الذي يسقط الاحتجاج بالأثر: هو ما روي على أوجه متعارضة متدافعة بحيث لا يمكن التوفيق بينها، وتكون متساوية في القوة بحيث لا يمكن ترجيح إحداها على الأخرى. (^١)\nوالروايات الواردة لأثر عبيدة ليس فيها تعارض ولا تدافع! وتفسيره للآية كان بفعل منه وليس بقول؛ ولذلك اختلف تعبير الرواة لهذا الفعل، فلا وجه للطعن فيه بالاضطراب!! فإن كشف أي العينين لا يضر، فالأمر راجع للمرأة تكشف أيهما تشاء دون توسع في إظهار ما عداهما لأن الرخصة في إبداء العين إنما شرع لرؤية الطريق فقط.\nكما قال الألوسي في روح المعاني (٢٢/ ٨٨): والإدناء التقريب يقال أدناني أي قربني وضمن معنى الإرخاء أو السدل ولذا عدي بعلى، ولعل نكتة التضمين الإشارة إلى أن المطلوب تستر يتأتى معه رؤية الطريق إذا مشين فتأمل.\n_________\n(^١) انظر: تيسير مصطلح الحديث /١٤١.","vol":"1","page":195},{"text":"ثالثا: قال الشيخ الألباني أنه مخالف لتفسير ابن عباس! وهذا قول غير صحيح؛ فإن أثر عبيدة موافق لما صح عن ابن عباس في تفسير هذه الآية (أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة) وقول سعيد بن جبير (يدنين عليهن من جلابيبهن؛ يسدلن عليهن من جلابيبهن وهو القناع فوق الخمار) بل وموافق لأثر قتادة الذي احتج به الشيخ الألباني (أن الله أخذ عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب) فأين المخالفة التي ذكر الشيخ الألباني غفر الله له؟!\nقال حكمت بن بشير بن ياسين في الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور (٣/ ٤٦٤): أخرج الطبري بسنده الحسن من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: (أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينًا واحدة) فقد صح مثله عن عبيدة السلماني. اهـ\nإذن فلا وجه للطعن في هذه الرواية وقد احتج بها أهل العلم واعتمد عليها أهل التفسير وعمل بها الأئمة.","vol":"1","page":196},{"text":"ــ:: تتمة البحث السابع للألباني (٢):: ــ\nقال الشيخ الألباني: عن أم سلمة ﵂ قالت: كنت عند رسول الله - ﷺ - وعنده ميمونة، فأقبل ابن مكتوم - وذلك بعد أن أُمرنا بالحجاب - فقال النبي - ﷺ -: \" احتجبا منه\" فقلنا: يا رسول الله! أليس أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟! فقال النبي - ﷺ -: \"أفعمياوان أنتما؟! ألستما تبصرانه؟! \" أخرجه أصحاب السنن من طريق الزهري: حدثني نبهان مولى أم سلمة عنها. وهو مخرج في \"الإرواء\" و\"الضعيفة\" وخلاصة التحقيق الوارد فيهما:\n١ - أن الحديث تفرّد به نبهان وعنه الزهري، وأن نبهان مجهول العين.\n٢ - قال الإمام أبو محمد بن قدامة المقدسي في \"المغني\" وأبو الفرج بن قدامة المقدسي في \"الشرح الكبير\" .. وكلهم من كبار علماء الحنابلة قالوا: (ويباح لامرأة نظرٌ من رجل إلى غير عورة) لقوله - ﷺ - لفاطمة بنت قيس: \"اعتدي في بيت ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك فلا يراك\" وقالت عائشة: \"كان رسول الله - ﷺ - يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد\" ولأنهن لو مُنِعنَ النظر لوجب على الرجال الحجاب كما وجب على النساء لئلا ينظرن إليهم. فأما حديث نبهان عن أم سلمة؛ قال أحمد: نبهان روى حديثين عجيبين: هذا الحديث، والآخر: \"إذا كان لإحداكن مكاتب فلتحتجب منه\"، كأنه أشار إلى ضعف حديثه.","vol":"1","page":197},{"text":"ــ:: مناقشة تتمة البحث السابع للألباني (٢):: ــ\nأولا: ثبوت هذا الحديث أو عدمه لا يعد حجة على جواز الكشف أو عدمه! لأنه مما يستشهد به في حكم نظر المرأة للرجل، ولكنا سنجيب عليه إتماما للبحث والفائدة:\nثانيا: ضعَف الشيخ الألباني هذا الحديث وأعلَه بتفرد نبهان وجهالته؛ مع أن التفرد ليس بعلة قادحة تمنع من الاحتجاج به إذا كان المتفرد ممن يحتمل تفرده، فإن في الصحيحين أحاديث عن الوحدان من الصحابة. أما جهالة نبهان فغير متفق عليها فهناك من عدله ووثقه، فليس من الإنصاف أن يرد حديثه، وقد استشهد الشيخ الألباني بآثار في أسانيدها من هو أشد جهالة من نبهان!\nكما أن الشيخ الألباني ذكر ما قيل في نبهان من الجرح دون ما ذكر فيه من التعديل فإن هناك من قبل حديثه ووثقه غير ابن حبان؛\n- كالترمذي حيث قال بعد أن ساق حديثه؛ حديث حسن صحيح.\n- والذهبي حيث قال في الكاشف: ثقة. (^١)\n- وابن الملقن حيث قال بعد أن ساق حديثه: هذا الحديث صحيح. (^٢)\n_________\n(^١) الكاشف ٢/ ٣١٦.\n(^٢) البدر المنير (٧/ ٥١٢).","vol":"1","page":198},{"text":"- والنووي حيث قال في شرحه على صحيح مسلم (١٠/ ٩٦): وهذا الحديث حديث حسن رواه أبو داود والترمذي وغيرهما قال الترمذي هو حديث حسن، ولا يلتفت إلى قدح من قدح فيه بغير حجة معتمدة.\n- والحافظ ابن حجر حيث قال فتح الباري (٩/ ٣٣٧): حديث أم سلمة الحديث المشهور أفعمياوان أنتما ... وإسناده قوي وأكثر ما علل به انفراد الزهري بالرواية عن نبهان وليست بعلة قادحة فإن من يعرفه الزهري ويصفه بأنه مكاتب أم سلمة ولم يجرحه أحد لا ترد روايته.\n- والشوكاني حيث قال في نيل الأوطار (٦/ ٢٤٧): حديث أم سلمة أخرجه أيضا النسائي وابن حبان وفي إسناده نبهان مولى أم سلمة شيخ الزهري وقد وثق، وفي الباب عن عائشة عند مالك في الموطأ أنها احتجبت من أعمى فقيل لها إنه لا ينظر إليك قالت لكني أنظر إليه. اهـ وهذا الأثر عن عائشة يعد شاهد لحديث نبهان يتقوى به، وقد ذكره ابن حجر في التلخيص الحبير أيضا كما سيأتي، ولعله مما خفي على الشيخ الألباني!\nولذلك اعتمد أهل العلم على حديث نبهان في القول بمنع نظر النساء للرجال الأجانب:\nقال الشوكاني في نيل الأوطار (٦/ ٢٤٨): وقد استدل بحديث أم سلمة هذا من قال إنه يحرم على المرأة نظر الرجل كما يحرم على الرجل نظر المرأة وهو أحد قول الشافعي وأحمد قال النووي وهو الأصح،","vol":"1","page":199},{"text":"وقال ابن عبد البر المالكي في التمهيد (١٩/ ١٥٤) والاستذكار (٦/ ١٦٩): ففي هذا الحديث دليل على أنه واجب على المرأة أن تحتجب عن الأعمى ويشهد له ظاهر قول الله تعالى ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ كما قال ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ ويشهد لذلك من طريق الغيرة أن نظرها إليه كنظره إليها.\nوقال الجاوي الحنفي في نهاية الزين (١/ ٤٧): الرجل له ثلاث عورات ... ثالثتها جميع بدنه وشعره حتى قلامة ظفره وهي عورته عند النساء الأجانب فيحرم على المرأة الأجنبية النظر إلى شيء من ذلك ... فيحرم النظر عند خوف الفتنة فقط فإن لم تكن فتنة فلا إذ لم يزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي الوجوه والنساء يخرجن متنقبات ولو كان وجوه الرجال عورة في حق النساء لأمروا بالتنقيب أو منعوا من الخروج إلا لضرورة.\nثالثا: أما ما استشهد به عن فقهاء الحنابلة؛ فإن القول بأنه لا يباح نظر المرأة للرجل؛ هو أحد قولي الإمام أحمد:\nكما جاء في عون المعبود (١١/ ١١٤): وقد استدل بحديث أم سلمة هذا من قال إنه يحرم على المرأة نظر الرجل كما يحرم على الرجل نظر المرأة وهو أحد قول الشافعي وأحمد، قال النووي وهو الأصح.","vol":"1","page":200},{"text":"قال ابن قدامة الحنبلي في المغني (٧/ ٨١): فأما نظر المرأة إلى الرجل ففيه روايتان إحداهما لها النظر إلى ما ليس بعورة؛ والأخرى لا يجوز لها النظر من الرجل إلا إلى مثل ما ينظر إليه منها، اختاره أبو بكر وهذا أحد قولي الشافعي لما روى الزهري عن نبهان عن أم سلمة، ولقوله تعالى (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن).\nوفي المبدع لابن مفلح الحنبلي (٧/ ١١): ويباح للمرأة النظر من الرجل إلى غير العورة نصره في الشرح وغيره لقول النبي - ﷺ - لفاطمة اعتدي في بيت أم مكتوم ... ولأنه لو منعن النظر لوجب على الرجال الحجاب لئلا ينظرن إليهم كما تؤمر النساء به، وعنه لا يباح لها النظر إلا إلى مثل ما ينظر إليه منها قدمه السامري وابن حمدان واختاره أبو بكر لحديث نبهان.\nرابعا: أما ما ذكره الشيخ الألباني من رد بعضهم لحديث نبهان لمخالفته لحديث فاطمة بنت قيس؛ حيث أذن لها رسول الله - ﷺ - أن تعتد عند ابن أم مكتوم الأعمى فالجواب عنه من عدة وجوه:\n١) ليس فيه أن النبي - ﷺ - أذن لفاطمة أن تنظر للرجل الأعمى كما نص على ذلك بعض أهل العلم كالنووي في شرح صحيح مسلم (١٠/ ٩٧): وأما حديث فاطمة بنت قيس مع ابن أم مكتوم فليس فيه إذن لها في النظر إليه بل فيه أنها تأمن عنده من نظر غيرها وهي مأمورة بغض بصرها فيمكنها الاحتراز عن النظر بلا مشقة.","vol":"1","page":201},{"text":"٢) أن من احتج بمخالفة حديث نبهان لحديث فاطمة بنت قيس؛ قد غفل عن موافقة حديث نبهان لكتاب الله في موضعين:\nالأول: قوله تعالى ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ فإذا كانت النساء مأمورات في هذه الآية بأن يغضضن من أبصارهن عمن يحل لهم الدخول عليهن في البيوت دون حجاب عنهم - وسيأتي بيان ذلك في مناقشة البحث التاسع - فكيف يقال بإطلاق جواز نظرهن لمن لا يحل له رؤيتهن إلا وهن محتجبات!\nالثاني: قوله تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٣ ففرض وجود الحجاب (الساتر) بين الرجل والمرأة عند المحادثة من قرب في البيوت ونحوها؛ يدل على عدم إطلاق جواز نظر المرأة للرجل، بقرينة في الآية وهي قوله ﴿وَقُلُوبِهِنَّ﴾ فالحجاب المضروب بينهما؛ هو لمنع كلا الجنسين من النظر للآخر، فزوال هذا الساتر ينفي كمال الطهارة لقلب العين الناظرة - كمن تنظر للرجال وتخالطهم بنقابها - ولذلك ينبغي أن تحذر النساء من التهاون بهتك الستار والاختلاط المباشر بالرجال في البيوت وأماكن العمل لأنه يعد تجاوزا لما حدّه الشرع ومخالفة صريحة لكتاب الله.\nقال إمام المفسرين محمد بن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان (٢٢/ ٣٩): ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ يقول من وراء ستر بينكم وبينهن ولا تدخلوا","vol":"1","page":202},{"text":"عليهن بيوتهن ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ يقول تعالى ذكره سؤالكم إياهن المتاع إذا سألتموهن ذلك من وراء حجاب أطهر لقلوبكم وقلوبهن من عوارض العين التي تعرض في صدور الرجال من أمر النساء وفي صدور النساء من أمر الرجال وأحرى من ألا يكون للشيطان عليكم وعليهن سبيل.\nخامسا: أما من احتج بمخالفة حديث نبهان لحديث عائشة ﵂ قالت (رأيت رسول الله - ﷺ - يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون) (^١)\nفالجواب عليه بعد أن يقال أن هذا الحديث يعد من أدلة وجوب تغطية الوجه، أن الاحتجاج به على إطلاق جواز نظر المرأة للرجال الأجانب لا يصح لما يأتي:\n١) أن من أذن رسول الله - ﷺ - لعائشة أن تنظر إليهم كانوا من العبيد الذين لا يحتجب منهم، يشهد لذلك قول الرسول - ﷺ - لهم \"يا بني أرفدة\" قال ابن حجر في الفتح (٢/ ٤٤٤): (قيل هو لقب للحبشة. . . وقيل المعنى يا بني الإماء) وبوّب البخاري لهذا الحديث بقوله (باب نظر المرأة إلى الحبش ونحوهم من غير ريبة) فقيّد جواز النظر بالحبشة ومن نحوهم من العبيد ولم يطلق بناء عليه جواز نظرها للرجال الأحرار الأجانب.\nوقال ابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ١٥٧): وأما الفرق بين ميمونة وأم سلمة، وبين عائشة إذ اباح لها النظر إلى الحبشة؛ فإن عائشة كانت ذلك الوقت والله أعلم غير بالغة ... مع ما في النظر إلى السودان مما تقتحمه العيون.\n_________\n(^١) صحيح البخاري ٥/ ٢٠٠٦ (٤٩٣٨) صحيح مسلم ٢/ ٦٠٩ (٨٩٢).","vol":"1","page":203},{"text":"كما قال العيني في عمدة القاري (٢٠/ ٢١٧): وأما المعارضة فلا نقول بها؛ بل نقول إن عائشة إذ ذاك كانت صغيرة فلا حرج عليها في النظر إليهم ... أو نقول إن الحبشة كانوا صبيانا ليسوا بالغين.\n٢) أن هناك فرق بين النظر لرجل من قرب وتأمله، وبين النظر من بُعد لسودان يلعبون بحرابهم كما في الحديث (وكان يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحراب) (^١) ولذلك بوّب النسائي للحديث في سننه الكبرى (١/ ٥٥٣) بقوله (نظر النساء إلى اللعب) ولم يقل إلى الرجال!\n- وقال القاضي عياض: وفيه جواز نظر النساء إلى فعل الرجال، مثل هذا، لأنه إنما يكره لهن من النظر إلى الرجال ما يكره للرجال فيهن من تحديق النظر لتأمل المحاسن، والالتذاذ بذلك، والتمتع به (^٢).\n- قال النووي في شرحه على صحيح مسلم (٦/ ١٨٤): وفيه جواز نظر النساء إلى لعب الرجال من غير نظر إلى نفس البدن وأما نظر المرأة إلى وجه الرجل الأجنبي فإن كان بشهوة فحرام بالاتفاق وان كان بغير شهوة ولا مخافة فتنة ففي جوازه وجهان لأصحابنا أصحهما تحريمه لقوله تعالى ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ ولقوله - ﷺ - لأم سلمة وأم حبيبة احتجبا عنه أي عن ابن أم مكتوم.\n_________\n(^١) صحيح البخاري ١/ ٣٢٣ (٩٠٧).\n(^٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم ٣/ ٣٠٩.","vol":"1","page":204},{"text":"- قال الشوكاني في السيل الجرار (٤/ ١٣١): وقد استدل لجواز نظر النساء إلى الرجال بما ثبت في الصحيح من أنه - ﷺ - أذن لعائشة أن تنظر إلى لعب الحبشة في المسجد ويجاب عنه بأنه لا تلازم بين النظر إلى وجوههم والنظر إلى لعبهم فإن اللعب هو الحركات الصادرة منهم من تقليب حرابهم بأيديهم وحركة أبدانهم.\nفالذي يتحقق من مجموع الأدلة أن نظر المرأة للرجل الأجنبي على قسمين:\n١) النظر العابر أو من بُعد، كرؤية المرأة للرجال في الطريق، ومنه حديث عائشة ونظرها إلى الحبش وهم يلعبون، وهذا هو الذي يظهر فيه الفرق بين الرجال والنساء في جواز النظر.\n٢) إدامة النظر للرجل من قُرب وتأمله فهذا الذي يمنع منه لأنه مظنة الفتنة، وهو الذي جاء النهي عنه في صريح القرآن ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ومنع منه النبي - ﷺ - كما في حديث نبهان، وهو المراد من قول من منع المرأة من النظر للرجل من الفقهاء.","vol":"1","page":205},{"text":"ــ::<span data-type=\"title\" id=toc-73> الأدلة التي تشهد أن الحجاب المفروض على النساء الحرائر يقتضي تغطية الوجه::</span> ــ\n(١) قول الرسول - ﷺ - \"المرأة عورة\" دون استثناء للوجه ولا لغيره، ولا خلاف في أن ستر العورة واجب. وهذا الحديث مما لم يتطرق له الشيخ الألباني بذكر في أي من كتابيه - الجلباب والرد المفحم- مع صحة إسناده!\n-عن عبد الله بن عمر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال\" المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان\" (^١) وصح عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام - وهو من التابعين ومن الفقهاء السبعة الذين انتهى إليهم العلم في المدينة أنه قال: كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها. (^٢)\nوعن عبد الله بن مسعود قال\" إنما النساء عورة، وإن المرأة لتخرج من بيتها وما بها من بأس، فيستشرفها الشيطان فيقول إنك لا تمرين بأحد إلا أعجبتيه، وأن المرأة لتلبس ثيابها، فيقال أين تريدين؟ فتقول أعود مريضا أو أشهد جنازة أو أصلي في مسجد، وما عبدت امرأة ربها مثل أن تعبده في بيتها\" (^٣) اهـ\n- قال المباركفوري في تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي (٤/ ٢٨٣): قوله (المرأة عورة) قال في مجمع البحار: جعل المرأة نفسها عورة لأنها إذا ظهرت\n_________\n(^١) الترمذي (١١٧٣) الطبراني في المعجم الأوسط ٨/ ١٠١ (٨٠٩٦) وصححه الألباني في إرواء الغليل ١/ ٣٠٣.\n(^٢) مصنف ابن أبي شيبة (١٧٧١٢).\n(^٣) المعجم الكبير للطبراني ٩/ ١٨٥ (٨٩١٤) صححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٤٨).","vol":"1","page":206},{"text":"يُستحى منها كما يُستحى من العورة إذا ظهرت. (فإذا خرجت استشرفها الشيطان) أي زينها في نظر الرجال ... والمعنى؛ أن المرأة يستقبح بروزها وظهورها فإذا خرجت أمعن النظر إليها ليغويها بغيرها ويغوي غيرها بها ليوقعهما أو أحدهما في الفتنة.\n(٢) أمر النساء بالقرار في البيوت وعدم الإذن لهن بالخروج إلا لحاجة:\nقال تعالى ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ الأحزاب: ٣٣\n- قال أبو بكر الجصاص (ت ٣٧٠ هـ) في أحكام القرآن (٥/ ٢٢٩): وفيه الدلالة على أن النساء مأمورات بلزوم البيوت منهيات عن الخروج.\n- قال القرطبي في تفسيره (١٤/ ١٧٩): والشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن والانكفاف عن الخروج منها إلا لضرورة.\n- قال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٤٨٣): أي الزمن بيوتكن فلا تخرجن لغير حاجة.\n* فلم يؤذن للنساء في الخروج على عهد رسول الله - ﷺ - إلا لقضاء الحاجة -من البراز - أو للصلاة. ثم إنه كما قال ابن حجر في الفتح (١/ ٢٥٠): خروج النساء للبراز (^١) لم يستمر، بل اتخذت الأخلية في البيوت فاستغنين عن الخروج إلا للضرورة.\n_________\n(^١) البراز: كناية عن الغائط ..","vol":"1","page":207},{"text":"* وما أوجب الله نفقتها على وليّها وأعفاها من الجمع والجماعات إلا قطعا لأسباب الخروج. بل إنه لم يرخص لهن الخروج للصلاة في المساجد إلا ليلا؛ وقتي العشاء والفجر (^١):\n- قال النبي - ﷺ - \"إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهن\" (^٢) وقال \"لا تمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد بالليل\" (^٣) وقال \"ائذنوا للنساء بالليل إلى المساجد\". (^٤)\n- قال ابن عبد البر في التمهيد (٢٣/ ٣٩٥): إنما أذن لهن مشاهدة الصلوات بالليل لا بالنهار، وقال مع ذلك وبيوتهن خير لهن.\n- قال ابن حجر (٢/ ٣٤٧): كان اختصاص الليل بذلك لكونه أستر وأخفى.\n* ومع ذلك لم يطلق لهن الإذن بالخروج ولكن قُيّد بضوابط وشروط:\n(٣) أمرهن بإدناء الجلباب على وجوههن عند الخروج وهو الأصل الذي يستند عليه في وجوب تغطية الوجه: قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ وقد أجمع المفسرون\n_________\n(^١) إلا ما شرع لهن من الخروج نهارًا لصلاة العيدين ليشهدن الخير ودعوة المسلمين كما صح ذلك عن رسول الله - ﷺ -.\n(^٢) صحيح البخاري ١/ ٢٩٥ (٨٢٧) صحيح مسلم ١/ ٣٢٧ (٤٤٢)\n(^٣) صحيح مسلم ١/ ٣٢٧ (٤٤٢)\n(^٤) صحيح البخاري ١/ ٣٠٥ (٨٥٧) صحيح مسلم ١/ ٣٢٧ (٤٤٢)","vol":"1","page":208},{"text":"وفيهم أئمة في الفقه واللغة - كما أسلفنا في مناقشة البحث الأول- على أن المراد بهذا الأمر: وجوب تغطية الوجه على الحرائر من نساء المسلمين، وعليه جرى العمل من نساء هذه الأمة كما أسلفنا.\nومن الضوابط والشروط التي قُيّد بها جواز خروج المرأة:\n(٤) أمرهن بأن يبالغن في تسترهن بإرخاء ذيول جلابيبهن لستر أقدامهن:\n- قال النبي - ﷺ - (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة) فقالت أم سلمة فكيف يصنعن النساء بذيولهن قال\" يرخين شبرا\" فقالت إذا تنكشف أقدامهن قال\" فيرخينه ذراعا لا يزدن عليه\" (^١) وفي رواية عن أم سلمة ﵂ قالت: سئل رسول الله - ﷺ - كم تجر المرأة من ذيلها؟ قال شبرا. قالت: إذا ينكشف عنها. قال: ذراع لا تزيد عليها. (^٢) قال البيهقي في سننه الكبرى (٢/ ٢٣٣): وفي هذا دليل على وجوب ستر قدميها\" (^٣)\nقال ابن حجر في الفتح (١٠/ ٢٥٩): فهمت أم سلمة الزجر عن الإسبال فسألت عن حكم النساء في ذلك لاحتياجهن إلى الإسبال من أجل ستر العورة لأن جميع قدمها عورة\".\n_________\n(^١) جامع الترمذي ٤/ ٢٢٣ (١٧٣١) سنن النسائي الكبرى ٥/ ٤٩٤ (٩٧٣٥) صححه الألباني في صحيح سنن النسائي ٨/ ٢٠٩ (٥٣٣٦).\n(^٢) سنن النسائي الكبرى (٩٧٤٢) سنن ابن ماجة (٣٥٨٠) وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي ٨/ ٢٠٩ (٥٣٣٩)\n(^٣) وذكر نحوه ابن قدامة في المغني ١/ ٣٤٩. والشوكاني في نيل الأوطار (٢/ ٥٩).","vol":"1","page":209},{"text":"ينبني على ذلك أنه من المستبعد أن يأمر الشارع الحكيم أن تبالغ المرأة في ستر قدميها أمام الرجال الأجانب ويبيح لها أن تكشف وجهها وهو أعظم فتنة من الأقدام!!\n(٥) منع اختلاطهن بالرجال في الطرقات، فمنع الاختلاط في غيرها من باب أولى:\n- عن أبي أسيد الأنصاري أنه سمع سول الله - ﷺ - وهو خارج من المسجد فاختلط الرجال مع النساء - من الإماء - في الطريق فقال رسول الله - ﷺ - \" استأخرن فليس لكن أن تحققن الطريق (^١)، عليكن بحافَّات الطريق\" فكانت المرأة تلصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به\" (^٢)\n- عن أبى هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - \" ليس للنساء وسط الطريق\" (^٣)\n- عن أم سلمة ﵂ \" أن النساء في عهد رسول الله - ﷺ - كن إذا سلَّمن من المكتوبة قُمْنَ وثبت رسول الله - ﷺ - ومن صلى من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله - ﷺ - قام الرجال\" (^٤) قال الزهري نرى والله أعلم أن ذلك كان لكي\n_________\n(^١) تحققن: أي تمشين في حاق الطريق وهو الوسط.\n(^٢) سنن أبي داود ٤/ ٣٦٩ (٥٢٧٢) حسنه الألباني في صحيح الجامع حديث رقم (٩٢٩). .\n(^٣) صحيح ابن حبان ١٢/ ٤١٥ (٥٦٠١) حسنه الألباني في صحيح الجامع حديث رقم (٥٤٢٥).\n(^٤) صحيح البخاري ١/ ٢٩٥ (٨٢٨)","vol":"1","page":210},{"text":"ينصرف النساء قبل أن يدركهن أحد من الرجال. (^١) وفي رواية قالت\" كان يسلم فينصرف النساء فيدخلن بيوتهن من قبل أن ينصرف رسول الله - ﷺ - \" (^٢)\nقال ابن حجر في فتح الباري (٢/ ٣٣٦): وفيه اجتناب مواضع التهم وكراهة مخالطة الرجال للنساء في الطرقات فضلا عن البيوت.\n* ومع تلك القيود كلها جعلت صلاتهن في بيوتهن خير لهن كما قال الرسول - ﷺ - \" لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن\" (^٣).\n* ولعدم تقيّد النساء بعد ذلك بما سبق اشتراطه لهن عند الخروج على عهد رسول الله - ﷺ -؛ كُره لهن بعد ذلك الصلاة في المساجد كما قالت عائشة ﵂: \" لو أن رسول الله - ﷺ - رأى ما أحدث النساء لمنعهن المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل\" (^٤) قال الشوكاني في نيل الأوطار (٣/ ١٦٢): تريد ما اتخذن من حسن الملابس والطيب والزينة. كماصح عن ابن مسعود كان يحصب النساء يخرجهن من المسجد يوم الجمعة ويقول \"صلين في بيوتكن\" وفي رواية \" أخرجن إلى بيوتكن خير لكن\". (^٥)\n_________\n(^١) صحيح البخاري ١/ ٢٩٦.\n(^٢) صحيح البخاري ١/ ٢٩٠ (٨١٢).\n(^٣) سنن أبي داود ١/ ١٥٥ (٥٦٧) صححه الألباني في صحيح الجامع. حديث رقم (٧٤٥٨).\n(^٤) صحيح البخاري ١/ ٢٩٦ (٨٣١) صحيح مسلم ١/ ٣٢٩ (٤٤٥).\n(^٥) مصنف ابن أبي شيبة (٧٦١٧) بإسناد صحيح، ورواه الطبراني في الكبير (٩٤٧٥) وقال الهيثمي رجاله موثقون.","vol":"1","page":211},{"text":"ولذلك كره جماعة من السلف خروج المرأة إلى العيدين:\n- قال الثوري: أكره اليوم للنساء الخروج إلى العيدين، وقال ليس للمرأة خير من بيتها وإن كانت عجوزا. (^١)\n- قال ابن المبارك: أكره اليوم للنساء الخروج في العيدين، فإن أبت المرأة إلا أن تخرج فليأذن لها زوجها أن تخرج في أطمارها ولا تتزين، فإن أبت أن تخرج كذلك فللزوج أن يمنعها من ذلك. (^٢)\n- قال ابن رجب الحنبلي في فتح الباري في شرح صحيح البخاري (٥/ ٣٠٩): قال الإمام أحمد: \" أكره خروجهن في الزمان لأنهن فتنة \" وعن أبي حنيفة رواية \" لا يخرجن إلا للعيدين خاصة \" ... ومنهم من رخص فيه للعجائز دون الشواب، وهو قول مالك والشافعي. اهـ\nفانظر رحمك الله أقوال الأئمة لوجود بعض الفتنة بها وهي خارجة تتعبد الله في المسجد فكيف يقال بجواز خروجها مطلقا لغير المساجد؟!\n* قال ابن حجر الهيثمي في الفتاوى الفقهية الكبرى (١/ ٢٠٢ - ٢٠٤): ويتضح الأمر بذكر تلك المحرمات المقترنة بالخروج: فمنها أن خروجها متبرجة أي مظهرة لزينتها منهيٌّ عنه؛ روى ابن حبان والحاكم أن رسول الله - ﷺ - قال (يكون في أمتي رجال يركبون على سرج كأشباه الرحال ينزلون على أبواب المساجد\n_________\n(^١) من التمهيد لابن عبد البر ٢٣/ ٤٠٢.\n(^٢) المصدر السابق.","vol":"1","page":212},{"text":"نساؤهم كاسيات عاريات على رؤوسهن كأسنمة البخت العجاف العنوهن فإنهن ملعونات) ... ومنها تحريم نظر الأجانب إليها ونظرها إليهم كما صححه النووي. ومنها مزاحمة الرجل في المسجد أو الطريق عند خوف الفتنة فإن ذلك حرام ... ينبغي القطع في زماننا بتحريم خروج الشابات وذوات الهيئات لكثرة الفساد. والمعنى المجوز للخروج في خير القرون قد زال وأيضا فكن لا يبدين زينتهن ويغضضن أبصارهن وكذا الرجال ومفاسد خروجهن الآن محققة ... ولا يتوقف في منعهن إلا غبي جاهل قليل البضاعة في معرفة أسرار الشريعة قد تمسك بظاهر دليل حملا على ظاهره دون فهم معناه مع إهمالهم فهم عائشة ومن نحا نحوها ومع إهمال الآيات الدالة على تحريم إظهار الزينة وعلى وجوب غض البصر فالصواب الجزم بالتحريم والفتوى به. اهـ\n(٦) نهي الرجال الأحرار عن الدخول على النساء الحرائر في البيوت؛ عن عقبة بن عامر أن رسول الله - ﷺ - قال\" إياكم والدخول على النساء\" فقال رجل من الأنصار يا رسول الله أفرأيت الحمو؟ قال\" الحمو الموت\" (^١)\n(٧) تحريم الاختلاط بهن في البيوت ورؤية أشخاصهن ولو كن مسترات بالجلابيب، وهذا هو الأصل في حجاب البيوت؛ بنهي المرأة من مخالطة الرجال الأجانب والبروز لهم وإن كانت مستترة بالجلباب إذا اقتضت الحاجة دخولهم لسؤال حاجة قال تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ\n_________\n(^١) صحيح البخاري ٥/ ٢٠٠٥ (٤٩٣٤) صحيح مسلم ٤/ ١٧١١ (٢١٧٢).","vol":"1","page":213},{"text":"حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ وهذا كما أسلفنا أمر يقتضي وجود الحجاب (الساتر) بين الرجل والمرأة عند سؤال الحاجة من قرب في البيوت ونحوها، مما يدل على عدم جواز المخالطة للمرأة وإن كانت متجلببة، وذلك يبين دقة التشريع وحكمته، إذ أوجب الساتر بين الجنسين عند سؤال الحاجة من قرب، وشرع الخروج بالجلابيب عند الاضطرار للخروج، ولا يستطيع أحد أن ينكر أن الرائي من بُعد لشخوص نساء مستترات إذا خرجن لحاجة، ليس كمن يجالس امرأة يحادثها وتحادثه من قُرب وإن كانت مستترة بالجلباب!!\nكما قال الألوسي في روح المعاني (٢٢/ ٧٢): وسؤال المتاع من وراء حجاب ﴿أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ ... فإن الرؤية سبب التعلق والفتنة.\n(٨) تحريم الخلوة بهن؛ ممن يحل له الدخول عليهن ممن لا يعد محرما لهن من العبيد ونحوهم، فتحريم ذلك على من لا يحل له مخاطبتهن إلا من وراء حجاب من باب أولى: عن ابن عباس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال \"لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم\" وقال - ﷺ -: \"لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم\". (^١)\n_________\n(^١) صحيح البخاري ٥/ ٢٠٠٥ (٤٩٣٥)، ٢/ ٦٥٨ (١٧٦٣)","vol":"1","page":214},{"text":"(٩) نهي المرأة عن أن تصف امرأة أجنبية لزوجها؛ عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ - \" لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها\". (^١)\nوهو صريح الدلالة على وجوب تغطية الوجه، إذ لو كانت النساء كاشفات الوجوه يراهن الرجال لما كان لنهي رسول الله - ﷺ - فائدة؟!\n(١٠) الأذن للخاطب بالنظر؛ مما يدل على عدم تمكنه من النظر قبل الخطبة: عن أنس - ﵁ - أن المغيرة بن شعبة أراد أن يتزوج امرأة فقال له النبي - ﷺ - (اذهب فانظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما) قال: فأتيت امرأة من الأنصار\nفخطبتها إلى أبويها وأخبرتهما بقول النبي - ﷺ - فكأنهما كرها ذلك، قال فسمعت ذلك المرأة وهي في خدرها، فقالت: إن كان رسول الله - ﷺ - أمرك أن تنظر فانظر وإلا فأنشدك، كأنها أعظمت ذلك، قال فنظرت إليها فتزوجتها. (^٢)\nويؤيد ذلك كله جريان العمل بتغطية النساء الحرائر وجوههن كما أسلفنا من أحاديث وآثار، وعليه أئمة المسلمين وعلمائهم. فثبت بذلك أن تغطية الوجه فرض افترضه الله على الحرائر من النساء.\n_________\n(^١) صحيح البخاري ٥/ ٢٠٠٧ (٤٩٤٢)\n(^٢) سنن ابن ماجه ١/ ٦٠٠ (١٨٦٦) صححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (١٨٦٦).","vol":"1","page":215},{"text":"ــ::<span data-type=\"title\" id=toc-74> البحث الثامن:: ــ\n(إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا وجهها وكفيها)</span>\nقال الشيخ الألباني: لقد تهافت القوم على نقد هذا الحديث وتضعيفه، مخالفين في ذلك من قوّاه من حفاظ الحديث ونقاده ... كما اتفقوا جميعًا على مخالفته قاعدة العلماء في تقوية الحديث بالطرق والآثار السلفية - إلى أن قال بعد أن ذكر بعض عبارات التعديل لأحد رواة الحديث وهو سعيد بن بشير- فهذه النصوص من هؤلاء الأئمة لا تدل على أن سعيدًا هذا ضعيف جدّا لا يصلح للاستشهاد به ... وتابعه عليه ثقة حافظ عند أبي داود في \"المراسيل\" بسنده الصحيح عن هشام عن قتادة: (أن رسول الله - ﷺ - قال: فذكره نحوه) وحينئذ يجرى فيه حكم الحديث المرسل إذا كان له شواهد ... ويشهد لهما الحديث الثالث عن أسماء بنت عميس ... وتقوية المرسل بالشواهد أمر معروف لدى العلماء ولو كان النوع الذي لا يحتج به، ومرسل قتادة، فإنه قد عمل به أكثر العلماء. ولقد أبان ابن تيمية عن تقوية الحديث الضعيف بالطرق، فقال (١٣/ ٣٤٧): \"والمراسيل إذا تعددت طرقها، وخلت عن المواطأة قصدًا، كانت صحيحة قطعًا وهذا الأصل نافع في الجزم بكثير من المنقولات في الحديث والتفسير والمغازي \".","vol":"1","page":216},{"text":"ــ::<span data-type=\"title\" id=toc-75> مناقشة البحث الثامن::</span> ــ\nاستشهد الشيخ الألباني في هذا المبحث بما أخرجه أبو داود عن خالد بن دريك عن عائشة ﵂ أن أسماء بنت أبي بكر ﵂ دخلت عليها وعندها النبي - ﷺ - في ثياب شامية رقاق فضرب رسول الله - ﷺ - إلى الأرض ببصره قال: (ما هذا يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى كفه ووجهه). (^١) وذكر شاهدا له أخرجه البيهقي عن أسماء بنت عميس أنها قالت: دخل رسول الله - ﷺ - على عائشة بنت أبي بكر ﵂ وعندها أختها أسماء بنت أبي بكر، وعليها ثياب شامية واسعة الأكمام، فلما نظر إليها رسول الله - ﷺ - قام فخرج، فقالت لها عائشة تنحي فقد رأى رسول الله - ﷺ - أمرا كرهه، فتنحت فدخل رسول الله - ﷺ - فسألته عائشة ﵂ لم قام؟ قال: \" أولم تري إلى هيئتها إنه ليس للمرأة المسلمة أن يبدو منها إلا هذا وهذا \". (^٢) وشاهد آخر عن قتادة أن النبي - ﷺ - قال: \"إن الجارية إذا حاضت لم يصلح أن يرى منها إلا وجهها ويداها إلى المفصل\" ثم قال: وهو مرسل صحيح يتقوى بما بعده!!\n_________\n(^١) أبو داود (٤١٠٤) وقال: هذا مرسل خالد بن دريك لم يدرك عائشة.\n(^٢) البيهقي في السنن الكبرى (١٣٢٧٥) وقال: إسناده ضعيف. قال الشيخ الألباني: حسن في الشواهد \"علّته ابن لهيعة\". وهم بعضهم فصوّب (بكميه) بدل (بكفيه) والصواب كما وردت (بكفيه) يشهد له ما ورد في أدب النساء لعبد الملك بن حبيب (ت ٢٣٨ هـ) (ص: ٢١٦) (وأمسك بكفيه حتى لم يبد من كفه إلا أصابعه).","vol":"1","page":217},{"text":"أولا: لابد أن نشير إلى ما تجلى في هذا المبحث من عدم إنصاف الشيخ الألباني غفر الله له بتضعيفه لحديث ابن عباس الذي فيه العين الواحدة وأثر عبيدة السلماني، حيث استشهد بحديث عائشة؛ رغم ضعفه لأربع علل في إسناده:\nقال ابن الملقن في البدر المنير (٦/ ٦٧٥): وهو معلول من أوجه:\nأحدها: الطعن في سعيد بن بشير لا سيما في روايته عن قتادة.\nثانيها: أن خالد بن دريك مجهول الحال. كذا قال ابن القطان.\nثالثها: أنه مرسل، خالد بن دريك لم يدرك عائشة ... وأراد به الانقطاع.\nرابعها: أنه مضطرب قال ابن عدي: لا أعلم يرويه عن قتادة غير سعيد بن بشير وقال فيه مرَّةً: عن خالد بن دريك عن أم سلمة بدل عن عائشة. قال ابن القطان في كتابه (أحكام النظر): فهذه زيادة علة الاضطراب. (^١)\nورغم هذه العلل إلا أن الشيخ الألباني لم يمتنع من الاحتجاج به وتقويته بالشواهد، في حين أنه أنكر على مخالفيه احتجاجهم بحديث ابن عباس مع أن علتي حديث ابن عباس كما بينّاها هي خفّة في ضبط راويين لا تخرجه من دائرة الحديث الحسن وله شواهد منها شاهد صحيح عن عبيدة!!\n_________\n(^١) وانظر نصب الراية للزيلعي ١/ ٢٩٩.","vol":"1","page":218},{"text":"ثانيًا: جاء في متن حديث عائشة ﵂ إشكال يحتاج إلى توضيح؛ كدخول أسماء بنت أبي بكر ﵂ على النبي - ﷺ - دون حجاب! ودخولها عليه بثياب رقاق!\n(١) أما دخول أسماء على النبي - ﷺ - دون حجاب؛ فهو يستوجب أن يكون هذا الحديث قبل نزول الحجاب، إذ لو كان بعد الحجاب لسترها الجلباب الذي ستلبسه وجوبا للآية ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ والذي صورت أم سلمة ﵂ امتثال النساء لهذا الأمر بقولها (لما نزلت هذه الآية خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من أكسية سود يلبسنها) (^١) وأكدت ذلك أسماء بنت أبي بكر ﵂ فقالت \" كنا نغطي وجوهنا من الرجال \" (^٢) وقالت (خسفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ - ... فخرجت متلفعة (^٣) بقطيفة للزبير حتى دخلت على عائشة). (^٤)\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٤١٠١) وصححه الألباني في جلباب المرأة /٨٣.\n(^٢) صحيح ابن خزيمة ٤/ ٢٠٣ (٢٦٩٠) وصححه الألباني في إرواء الغليل ٤/ ٢١٢.\n(^٣) سبق أن بينا في مناقشة البحث السادس أن التلفع يعني تغطية الوجه.\n(^٤) صحيح البخاري ١/ ٣٥٨ (١٠٠٥) مسند أحمد ٦/ ٣٥٤ والسياق له، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٤٠٥: رجاله ثقات.","vol":"1","page":219},{"text":"ولهذا حمل بعض أهل العلم هذا الحديث على فرض صحته على ما قبل الحجاب؛ كابن قدامة (ت ٦٢٠ هـ) في المغني (٧/ ١٠٢) حيث قال\" وأما حديث أسماء إن صح فيحتمل أنه كان قبل نزول الحجاب، فنحمله عليه\".\nولكن هذا يشكل عليه أن قول الرسول - ﷺ - في هذا الحديث يوافق ما أمرت به النساء بعد أمرهن بإدناء الجلابيب لتغطية وجوههن من الرجال الأجانب؛ وهو أمرن بضرب الخُمر على جيوبهن في البيوت وألّا يبدين من زينتهن إلا ما في الوجه والكفين من الزينة أمام من يحل له الدخول عليهن والنظر إليهن دون حجاب من الرقيق ونحوهم، فدل ذلك على أن هناك خطأ أو وهم من رواة هذا الحديث بأن أسماء بنت أبي بكر هي التي دخلت على عائشة بهذه الثياب الرقاق؛ والصحيح: أن عائشة هي التي كانت لابسة لهذه الثياب الرقاق - كما سيأتي في رواية ابن جريج - يؤيد ذلك أن النبي - ﷺ - قيد حديثه بمن بلغت سن المحيض كما في رواية ابن دريك (إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها) وفي رواية ابن جريج كما سيأتي (إذا عركت لم يحل لها) فدل ذلك على أن اللابسة للثياب الرقاق كانت قريبة من سن بدء المحيض، وهذا يبعد أن تكون أسماء؛ لأن أسماء ولدت قبل الهجرة بسبع وعشرين سنة، وعائشة كان لها عند الهجرة تسع سنوات تقريبا؛ فهي الأقرب لسن المحيض، وهي الأقرب أن يقع منها ذلك لصغر سنّها.\n(٢) الأمر الثاني المشكل في الحديث هو لبس الثياب الرقاق؛ فإما أن يكون وهم من الرواة فقد جاء في رواية أسماء بنت عميس (وعليها ثياب واسعة الأكمام)، أو","vol":"1","page":220},{"text":"يكون صحيحا وعليه فإنه من المستبعد أن يكون المراد بالثياب الرقاق في هذا الحديث؛ الثياب الباطنة التي تشف عن البدن؛ للأمور الآتية:\n١ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ - (صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات) (^١) قال النووي في شرحه على صحيح مسلم (١٤/ ١١٠): \"وقيل معناه تلبس ثوبا رقيقا يصف لون بدنها\". اهـ وهذا يدل على أن الرقة في الثياب (الباطنة) الملاصقة للبدن لم تلبسها النساء على عهده - ﷺ -.\n٢ - أن إطلاق لفظ (الثياب) في القرآن والحديث؛ قد يراد به الثياب الظاهرة من الخمار أو الجلباب: ومن ذلك قوله تعالى ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ النور: ٦٠ قال ابن جرير الطبري في تفسيره (١٨/ ١٦٥): (فليس عليهن حرج ولا إثم أن يضعن ثيابهن؛ يعني جلابيبهن).اهـ فسمى الله تعالى الجلابيب في هذه الآية؛ ثياب.\n- ثبت عن عائشة ﵂ أنها قالت قال رسول الله - ﷺ - (أُريتك في المنام يجئ بك الملك في سرقة من حرير فقال لي هذه امرأتك فكشفت عن وجهك الثوب فإذا أنت). (^٢) فعبر رسول الله - ﷺ - بالثوب عمّا يغطى به الوجه من خمار أوجلباب.\n_________\n(^١) صحيح مسلم ٣/ ١٦٨٠ (٢١٢٨)\n(^٢) صحيح البخاري ٥/ ١٩٦٩ (٤٨٣٢)","vol":"1","page":221},{"text":"- وورد أن النبي - ﷺ - أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها، وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها. (^١)\n- وورد أن رسول الله - ﷺ - لما اختلط رجال بالنساء في الطريق قال (استأخرن فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق، عليكن بحافات الطريق) فكانت المرأة تلتصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به. (^٢)\n- وورد عن عائشة ﵂ أنها قالت \"المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوبًا مسه ورس أو زعفران، ولا تتبرقع ولا تلثم وتسدل الثوب على وجهها\". (^٣)\n٣ - لو كان المراد بالثياب الرقاق الثوب الملاصق للبدن؛ لجاء التعبير عنه بقوله (وعليها درع رقيق) لأن المتعارف عليه في زمن النبي - ﷺ - تسمية الثوب الذي تلبسه المرأة (درع) كما هو ثابت في بعض الأحاديث والآثار:\n- كما ثبت عن عطاء قال: وكنت آتي عائشة ﵂ ... قال ورأيت عليها درعا مورَّدا. (^٤)\n- وثبت عن عبد الواحد بن أيمن عن أبيه أنه قال: \"دخلت على عائشة ﵂ وعليها درع قطر ثمنه خمسة دراهم\". (^٥)\n_________\n(^١) أبو داود (٤١٠٦) وصححه الألباني في صحيح أبي داود ٤/ ٦٢.\n(^٢) أبو داود (٥٢٧٢) صححه الألباني في مشكاة المصابيح (٢/ ٩٣٥)\n(^٣) سنن البيهقي الكبرى ٥/ ٤٧ (٨٨٣٢) وصححه الألباني في إرواء الغليل ٤/ ٢١٢.\n(^٤) صحيح البخاري ٢/ ٥٨٥ (١٥٣٩).\n(^٥) صحيح البخاري ٢/ ٩٢٦ (٢٤٨٥).","vol":"1","page":222},{"text":"- ورد عن شميسة أنها قالت (دخلت على عائشة وعليها ثياب من هذه السيد الصفاق (^١) ودرع وخمار) (^٢)\n- ورد عن عبيد الله الخولاني وكان في حجر ميمونة زوج النبي - ﷺ - أن ميمونة \" كانت تصلي في الدرع والخمار ليس عليها إزار\". (^٣)\n- وورد عن أم الحسن قالت: \"رأيت أم سلمة تصلي في درع وخمار\". (^٤)\nوعلى ذلك قد يكون المراد بالثياب الرقاق في هذا الحديث؛ هي الخمار، ولم نقل الجلباب لأن الجلباب لا يشف عن شيء من البدن لكونه يلبس فوق الثياب. ومما يشهد أن الرقيق الذي وقعت النساء في لبسه هو الخمار؛\nماورد \" أن حفصة بنت عبد الرحمن دخلت على عائشة أم المؤمنين وعلى حفصة خمار رقيق فشقته عائشة وكستها خمارا كثيفا\". (^٥)\n_________\n(^١) ثوب صفيق: متين. والمراد به هنا الرداء.\n(^٢) الطبقات الكبرى لابن سعد ٨/ ٧٠ وصحح إسناده الألباني في جلباب المرأة /١٢٩.\n(^٣) ابن أبي شيبة في مصنفه (٦١٧١) وصححه الألباني في تمام المنة / ١٦٢.\n(^٤) مصنف عبد الرزاق (٥٠٢٧) وصححه الألباني في تمام المنة /١٦٢.\n(^٥) موطأ مالك (٢/ ٩١٣)، سنن البيهقي الكبرى (٣٠٨٢). قال عبد القادر الأرنؤوط في جامع الأصول\n(١٠/ ٦٤٧) حديث حسن.","vol":"1","page":223},{"text":"٤ - إشارة النبي - ﷺ - بيده لبيان حدود ما يباح كشفه من الوجه والكفين؛ يدل على أن ما أنكره كان للتوسع بكشف ما لا يباح كشفه في أحدهما:\n١ - فإما أن يكون التوسع بإظهار ما لا يحل إظهاره مما جاور الوجه؛ كالنحر أو الشعر، بلبس خمار رقيق يشف عن ذلك، كما في رواية خالد بن دريك (وعليها ثياب شامية رقاق).\n٢ - أو أن يكون التوسع بإظهار ما لا يحل إظهاره من الذراعين، بلبس ثياب واسعة الأكمام، كما في رواية أسماء بنت عميس (وعليها ثياب شامية واسعة الأكمام).\n(٣) ومما يشهد أن عائشة ﵂ هي التي كانت لابسة لهذه الثياب الرقاق؛ مارواه ابن جرير بإسناد صحيح إلى ابن جريج عن عائشة ﵂ قالت: (دخلت علي ابنة أخي لأمي عبد الله بن الطفيل مزينة، فدخل النبي - ﷺ - فأعرض، فقالت عائشة: يا رسول الله إنها ابنة أخي وجارية، فقال: \"إذا عركت (^١) المرأة لم يحل لها أن تظهر إلا وجهها وإلا ما دون هذا\" وقبض على ذراع نفسه، فترك بين قبضته وبين الكف مثل قبضة أخرى). (^٢)\n_________\n(^١) العراك: المحيض (غريب الحديث لابن الجوزي ٢/ ٩٠).\n(^٢) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره ١٨/ ١١٩، وقال عقبه: وأشار به أبو علي.","vol":"1","page":224},{"text":"ففيه شاهد على أن التي دخلت على عائشة ليست أسماء بنت أبي بكر، وقد تكون ابنة أخيها عبد الله بن الطفيل اسمها أسماء مما أحدث اللبس عند الرواة، كما أن فيه أن عائشة هي التي كانت مظهرة من زينتها ما أنكره عليها النبي - ﷺ -، فقولها (دخلت علي ابنة أخي مزينة) أي دخلت علي حال كوني متزينة، فلما دخل النبي - ﷺ - أعرض منكرا عليها ما رأى من إظهارها لما لا يحل إظهاره، فقالت معللة ما أنكره عليها (إنها ابنة أخي وجارية).\nولما كان حديث ابن جريج هذا يوافق حديث خالد بن دريك وحديث أسماء بنت عميس في معناه وفيما كان من كلامه - ﷺ - فقال في حديث خالد بن دريك \"لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى كفه ووجهه\" وقال في حديث أسماء بنت عميس \" ليس للمرأة المسلمة أن يبدو منها إلا هذا وهذا \" وقال في حديث ابن جريج \"لم يحل لها أن تظهر إلا وجهها وإلا ما دون هذا \" فكلها وإن اختلفت ألفاظها إلا أنها متوافقة في المعنى؛ فيصلح حينئذ أن يعتضد كل منها بالآخر، ورواية ابن جريج والتي فيها إباحة إظهار جزء من الذراع (وقبض على ذراع نفسه، فترك بين قبضته وبين الكف مثل قبضة أخرى) هي الأرجح؛ لأنها أصح إسنادا.\nولها شاهد أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٨/ ١١٨) بإسناد صحيح إلى قتادة أن النبي - ﷺ - قال: \" لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تخرج من يدها إلا ها هنا وقبض على نصف الذراع\"","vol":"1","page":225},{"text":"ولأنها الموافقة للقرآن؛ فقد صح عن عائشة، وابن عباس، وأبي هريرة، والمسور بن مخرمة، وقتادة؛ في تأويل قوله ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أنها الخاتم والسوار كما سيأتي قريبا في البحث التاسع. فهذا يشهد لصحة حديث ابن جريج وأن موضع السوار من الذراع مما يلي الكف يعد من الزينة الظاهرة، وهذا مما لم يقل بجواز كشفه للرجال الأجانب الشيخ الألباني ولا غيره من أهل العلم! فهذا يؤكد أن المراد بالحديث بيان ما يحل للمرأة إظهاره لمن يحل له الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب من الرقيق ونحوهم، وليس المراد جواز إظهار ذلك لمن يجب عليها الاحتجاب منهم من الرجال الأحرار الأجانب.\nقال دروزة محمد عزت (ت ١٤٠٤ هـ) في التفسير الحديث (٢/ ٣٨٨) بعد أن ساق أثر ابن جريج وقتادة: والحديثان لم يردا في كتب الأحاديث الخمسة ولكنهما متفقان مع ما ورد فيها، ومع ما ذكره المؤولون في تأويل جملة آية سورة النور.\nفنخرج من هذا المبحث بأن حديث عائشة \" إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا\" وأشار إلى وجهه وكفيه\" ليس فيه حجة على جواز كشف وجه المرأة؛ لأن المراد به هو ما يحل للمرأة إظهاره لمن يباح لهم الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب؛ وليس ما تظهره للرجال الأحرار الأجانب الذين يجب عليها أن تحتجب منهم.","vol":"1","page":226},{"text":"ــ:: البحث التاسع:: ــ\nتفسير آية الزينة ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال الشيخ الألباني: بعد أن أثبتنا صحة هذا الحديث أريد أن أبين أنه يصلح حينئذٍ أن يكون مبينًا لقوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فالمنهي في الآية هو المنهي في الحديث، والمستثنى فيها هو المستثنى في الحديث ... ولا بد لي من سرد أسماء الصحابة المشار إليهم، مع ذكر بعض مخرجيها ومن صحح بعضها:\n١ - عائشة ﵂. عبد الرزاق، وابن أبي حاتم \"الدر المنثور\"، وابن أبي شيبة، والبيهقي، وصححه ابن حزم.\n٢ - عبد الله بن عباس ﵁. ابن أبي شيبة، والطحاوي، والبيهقي، وصححه ابن حزم أيضًا، وله عنه سبعة طرق.\n٣ - عبد الله بن عمر ﵁. ابن أبي شيبة، وصححه ابن حزم.\n٤ - أنس بن مالك ﵁. وصله ابن المنذر، وعلقه البيهقي.\n٥ - أبو هريرة ﵁. ابن عبد البر في \"التمهيد\".\n٦ - المسور بن مخرمة ﵁. ابن جرير الطبري.","vol":"1","page":227},{"text":"ــ::<span data-type=\"title\" id=toc-79> مناقشة البحث التاسع::</span> ــ\nقال تعالى ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ النور: ٣٠ - ٣١\nنوافق الشيخ الألباني فيما ذكر من أن الحديث \"إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه\" أنه يصلح حينئذٍ أن يكون مبينًا لقوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ... أي: وجهها وكفيها، فالمنهي في الآية هو المنهي في الحديث، والمستثنى فيها هو المستثنى في الحديث\"","vol":"1","page":228},{"text":"ولكن!!! هل حُملت هذه الآية ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ على ما أراد الله - ﷿ -؛ أم حيد عن مراد الله منها وحُملت أقوال المفسرين لها من الصحابة والتابعين وأئمة المفسرين على غير محملها؟ وهل المراد من قوله تعالى ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ هو ما يجوز للمرأة الحرة إظهاره أمام الرجال الأحرار الأجانب؛ حتى يكون فيه حجة على جواز كشف وجه المرأة الحرة لهم؟!! فإنه كما قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (١/ ٢٤٦): والمنقول عن السلف والعلماء يحتاج إلى معرفة بثبوت لفظه ودلالته، كما يحتاج إلى ذلك المنقول عن الله ورسوله. فقد حمل المتأخرين هذه الآية ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ على أنها تبين ما يجوز للمرأة الحرة إبداؤه أمام الرجال الأحرار الأجانب الذين يجب عليها الاحتجاب منهم، فحملوا ما نقل عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهم في تأويلها على ذلك، ولذلك انقسموا إلى فريقين؛ الفريق الذي يرى وجوب ستر وجه المرأة أخذ بقول ابن مسعود وتجاهل قول ابن عباس!! والفريق الذي يرى جواز كشفه أخذ بقول ابن عباس ولم يلتفت إلى قول ابن مسعود!! ولو حُملت هذه الآية ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ على أنها تبين ما يجوز للمرأة إظهاره لمن يحل لهم الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب ممّن لم يستثنَ في الآية؛ وأن هذا مراد ابن مسعود وابن عباس في تأويلهما لزال ما يعد خلافا بين ابن مسعود وابن عباس في تفسير هذه الآية.","vol":"1","page":229},{"text":"فإن هناك فئات من الناس يحل لهم الدخول على المرأة ورؤيتها دون حجاب لم يستثنوا في الآية وهم: العم والخال، والمحرم بالمصاهرة (زوج البنت، وزوج الأم، وابن الزوج، وأبو الزوج) (^١) والمحرم بالرضاع، والعبيد المملوكون للغير، والعبد المملوك إذا كان من أولي الإربة، والصبية المميزون الذين لم يبلغوا الحلم، والنساء غير المسلمات؛ فهؤلاء هم المعنيون بنهي المرأة الحرة عن إبداء زينتها لهم ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ... فإن الذي تحقق؛ أنه بعد أن ضُرب الحجاب في البيوت ومُنع الرجال الأحرار الأجانب من الدخول على النساء الأجنبيات الحرائر، وبقي الأِذن بالدخول عليهن ورؤيتهن للمحارم وللعبيد المملوكين من الأجانب؛ نزلت هذه الآيات من سورة النور لتبين حدود ما تظهره المرأة من الزينة أمامهم: فأمرت بالتحرز والتحفظ باتخاذ الثياب الظاهرة (من رداء أو ملحفة وهو ما يسميه العامة الآن الجلال) وبضرب الخمار على الجيب فلا تبدي إلا الوجه والكفين بما فيهما من الزينة؛ وهذا تظهره المرأة الحرة لمن يحل له الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب ممن لم يستثن في الآية، وهو أيضا ما يحل أن تظهره الأمة المملوكة لجميع الرجال الأجانب، أما من استثناهم الله في الآية ممن أبيح لهم النظر للمرأة بقوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ﴾ النور ٣١٠ ... فقد أباح الله - ﷿ - لها أن تضع الرداء ولا تضرب الخمار على جيبها أمامهم.\n_________\n(^١) كما سيأتي لاحقا أنهم ليسوا المعنيون بقوله (أو آباء بعولتهن. .. أو أبناء بعولتهن)","vol":"1","page":230},{"text":"وسنذكر من الشواهد والقرائن في الآية ومما أُثر عن الصحابة والتابعين ومن أقوال المفسرين وغيرهم من أهل العلم ما يؤكد ما ذكرنا؛ من أن هذه الآية ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ تُبين ما يجوز للمرأة إظهاره لمن يحل له الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب ممّن لم يستثن في الآية؛ وليس المراد ما تظهره المرأة الحرة للرجال الأحرار الأجانب الذين يجب عليها الاحتجاب منهم:\n- أولا: ما أثر عن الصحابة والتابعين في تفسير هذه الآية يؤكد هذا المعنى ويشهد له:\nوقد أشار الشيخ الألباني إلى من فسّر الزينة الظاهرة بالوجه والكفين؛ مكتفيا بسرد أسمائهم ومخرجي أقوالهم! وبالرجوع إلى أقوالهم في المواضع المشار إليها يتبين أنهم لم يقتصروا في تفسير الزينة الظاهرة على (الوجه والكفين) فقط بل زاد بعضهم (الخاتم والسوار) مما يشهد لما ذكرنا لأنه لم يقل أحد من أهل العلم بجواز إبدائها للرجال الأجانب ولا الشيخ الألباني نفسه! وهذه أقوالهم في تفسير قوله تعالى ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾:\n١ - عائشة ﵂:","vol":"1","page":231},{"text":"- عند الطبري في تفسيره (١٨/ ١١٩): قالت: (القلب والفتخة) والقلب: هو السوار، والفتخة: وهي خواتيم كبار. (^١) إسناده صحيح.\n- عند ابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي؛ قالت: (القلب والفتخة). (^٢) إسناده صحيح.\n- عند البيهقي في سننه الكبرى (٢/ ٢٢٦) قالت: (الوجه والكفان) إسناده ضعيف. (^٣)\n٢ - عبد الله بن عباس - ﵁ -\n- عند ابن أبي شيبة (٣/ ٥٤٦): قال (الكف ورقعة الوجه) وفي إسناده مقال.\n- عند الطحاوي قال: (الكحل والخاتم) (^٤) اسناده صحيح\n- عند البيهقي من عدة طرق قال (الكحل والخاتم) (^٥) اسناده صحيح\n_________\n(^١) النهاية في غريب الأثر (٤/ ٩٨) (٣/ ٤٠٨).\n(^٢) مصنف ابن أبي شيبة (٣/ ٥٤٦) تفسير ابن أبي حاتم (٨/ ٢٥٧٥) سنن البيهقي الكبرى (٧/ ٨٦).\n(^٣) ضعفه الشيخ الألباني في الرد المفحم/ ١٢٩.\n(^٤) شرح معاني الآثار (٤/ ٣٣٢).\n(^٥) سنن البيهقي الكبرى (٧/ ٨٥) (٢/ ٢٢٥).","vol":"1","page":232},{"text":"- عند ابن جرير الطبري (١٨/ ١١٨) قال (الوجه وكحل العين وخضاب الكف والخاتم فهذا تظهره في بيتها لمن دخل عليها). اسناده حسن.\n- عند ابن أبي حاتم (٨/ ٢٥٧٤) قال (وجهها وكفاها والخاتم) (^١).اسناده صحيح\n- عند ابن جرير الطبري (١٨/ ١١٩) قال (الخاتم والمسكة). المسكة: السوار. اسناده صحيح\n- عند ابن أبي شيبة (٣/ ٥٤٧) قال: (وجهها وكفها) وعند البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٢٥): قال (ما في الكف والوجه) وإسنادهما ضعيف. (^٢)\n٣ - عبد الله بن عمر - ﵁ -:\n- عند ابن أبي شيبة (٣/ ٥٤٦) قال: (الوجه والكفان). (^٣) وما أشبه إسناده بإسناد أثر ابن عباس في تفسير آية الإدناء الذي رماه الشيخ بالضعف!! ولذلك عزا تصحيحه لابن حزم!!\n_________\n(^١) صحح إسناده يحيى بن معين في الجزء الثاني (الفوائد) ١/ ٨٨.\n(^٢) ضعفه الشيخ الألباني في الرد المفحم /١٣٣.\n(^٣) في إسناده هشام بن الغاز: قال المزي في تهذيب الكمال (٣٠/ ٢٥٩): قال أحمد بن حنبل: صالح الحديث، وقال يحيى بن معين: ليس به بأس، قال عبد الرحمن بن إبراهيم: مستقيم الحديث. وفيه شبابة بن سوار: قال المزي في تهذيب الكمال (١٢/ ٣٤٧): قال علي بن المديني: شيخ صدوق إلا أنه كان يقول بالإرجاء، وقال محمد بن سعد: صالح الحديث، وقال أبو حاتم: صدوق يكتب حديثه ولا يحتج به، قال ابن عدي: لا بأس به.","vol":"1","page":233},{"text":"٤ - أنس بن مالك - ﵁ -:\n- عند ابن المنذر كما في الدر المنثور (٦/ ١٧٩) والبيهقي في سننه الكبرى (٢/ ٢٢٥) قال: (الكحل والخاتم) إسناده صحيح\n٥ - أبو هريرة - ﵁ -:\n- عند ابن عبد البر في التمهيد (٦/ ٣٦٨) قال: (القلب والفتخة) إسناده صحيح.\n٦ - المسور بن مخرمة - ﵁ -:\n- عند ابن جرير الطبري في تفسيره (١٨/ ١١٩) قال (القلبين والخاتم والكحل).\nوبعد أن عرضنا هذه الأقوال التي أشار إليها الشيخ الألباني دون أن ينقلها؛ ننقل أيضا ما أشار إليه من تصحيح ابن حزم لبعض هذه الأقوال دون أن ينقل قول ابن حزم أو يشير إلى الموضع الذي صححها فيه!!\nقال ابن حزم في المحلى (٣/ ٢٢١): وقد روينا عن ابن عباس في ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال (الكف والخاتم والوجه)، وعن ابن عمر (الوجه والكفان)، وعن أنس (الكف والخاتم) وكل هذا عنهم في غاية الصحة، وكذلك أيضا عن عائشة وغيرها من التابعين. اهـ","vol":"1","page":234},{"text":"فالأثر الذي صححه ابن حزم عن ابن عباس وأنس؛ فيه أن الخاتم من الزينة الظاهرة، كما أن ابن حزم أشار إلى صحة ما أثر عن عائشة؛ ولم يصح عنها إلا قولها (القلب والفتخة) وغيرها من التابعين من تلامذة ابن عباس:\n- قتادة عند الطبري (١٨/ ١١٨) قال (المسكتان والخاتم والكحل).\n- سعيد بن جبير عند الطبري (١٨/ ١١٧) قال: (الكحل والخاتم).\n- مجاهد عند الطبري (١٨/ ١١٧) قال: (الكحل والخضاب والخاتم).\nفخلاصة ما صح عن الصحابة؛ عائشة، وابن عباس، وأبي هريرة، والمسور بن مخرمة والتابعين؛ سعيد بن جبير ومجاهد وقتادة؛ أن الزينة الظاهرة هي: الكحل والخاتم والسوار. فإذا ثبت عن كبار الصحابة والتابعين أن الخاتم والسوار من الزينة الظاهرة؛ دل ذلك على أن الذين تبدى لهم الزينة الظاهرة هم ممن يباح لهم الدخول على المرأة والنظر إليها دون حجاب، لأنه من الثابت شرعا النهى عن إبداء هذه الزينة للرجال الأجانب. (^١)\n_________\n(^١) قال الشيخ الألباني في جلباب المرأة /٨٩: فثبت أن الوجه ليس بعورة يجب ستره ... لكن ينبغي تقييد هذا بما إذا لم يكن على الوجه وكذا الكفين شيء من الزينة لعموم قوله تعالى: (ولا يبدين زينتهن) وإلا وجب ستر ذلك ولا سيما في هذا العصر الذي تفنن فيه النساء بتزيين وجوههن وأيديهن بأنواع من الزينة والأصبغة مما لا يشك مسلم في تحريمه.","vol":"1","page":235},{"text":"قال إمام المفسرين ابن جرير الطبري في تفسيره (١٩/ ١٥٨):\nوأولى الأقوال في ذلك بالصواب: قول من قال: عنى بذلك: الوجه والكفان، يدخل في ذلك: الكحل، والخاتم، والسوار، والخضاب. وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالتأويل؛ لإجماع الجميع على أن على كل مصل أن يستر عورته في صلاته، وأن للمرأة أن تكشف وجهها وكفيها في صلاتها، وأن عليها أن تستر ما عدا ذلك من بدنها، إلا ما روي عن النبي - ﷺ - أنه أباح لها أن تبديه من ذراعها إلى قدر النصف. اهـ\nوقال ابن عطية (ت ٥٤٢ هـ) في المحرر الوجيز (٤/ ١٧٨) والقرطبي (ت ٦٧١ هـ) في الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ٢٢٨) والشوكاني في فتح القدير (٤/ ٢٧): أمر الله ﷾ النساء بألا يبدين زينتهن للناظرين إلا ما استثناه من الناظرين في باقي الآية حذارا من الافتتان، ثم استثنى ما يظهر من الزينة، واختلف الناس في قدر ذلك ... وقال ابن عباس وقتادة والمسور بن مخرمة: ظاهر الزينة هو الكحل والسوار والخضاب إلى نصف الذراع والقرطة والفتخ، ونحو هذا فمباح أن تبديه المرأة لكل من دخل عليها من الناس. قال القرطبي: فهذا أقوى من جانب الاحتياط، ولمراعاة فساد الناس فلا تبدي المرأة من زينتها إلا ما ظهر من وجهها وكفيها. اهـ\nفلما ثبت أن المراد بالزينة الظاهرة؛ ما تبديه المرأة لمن يحل له الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب؛ ثبت بذلك براءة ابن عباس مما نسب إليه من القول بجواز كشف الوجه.","vol":"1","page":236},{"text":"قال أ. د. حكمت بن بشير بن ياسين في الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور (٣/ ٤٦٣): أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) قال: \" والزينة الظاهرة: الوجه، وكحل العين، وخضاب الكف، والخاتم فهذه تظهر في بيتها لمن دخل من الناس عليها\" هكذا تمام كلام ابن عباس ولكن كثيرًا من العلماء ينقلون عنه الشق الأول! فما نسب إلى ابن عباس بأن المراد من قوله تعالى (إلا ما ظهر منها) الوجه والكفان، ليس مطلقًا وإنما هو مقيد في بيتها لمن دخل من الناس عليها. ومما يؤكد هذا تفسيره لقوله تعالى (يدنين عليهن من جلابيبهن) فقد أخرج الطبري بسنده الحسن عن ابن عباس قال: \" أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينًا واحدة\" فقد صح مثله عن عبيدة السلماني. وانظر الرواية التالية لابن عباس: أخرج الطبري بسنده الحسن عن ابن عباس، قال ﴿ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن﴾ إلى قوله: ﴿عورات النساء﴾ قال: الزينة التي يبدينها لهؤلاء: قرطاها وقلادتها وسوارها، فأما خلخالاها ومعضداها، ونحرها، وشعرها فإنه لا تبديه إلا لزوجها \" وفيها أن الزينة التي تبديها لهؤلاء قرطاها وقلادتها وسواراها، وأما الخلخال والنحر والشعر فلا تبديه إلا لزوجها. ومع الأسف الشديد أن مسألة جواز كشف الوجه واليدين ينسبه العلماء لابن عباس على إطلاقه، فليحرر.","vol":"1","page":237},{"text":"- ثانيا: توافق المعنى الذي يحمله تأويل ابن عباس وابن مسعود - ﵃ - لهذه الآية ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فإن الآية تضمنت معنيين مترادفين أشار ابن عباس إلى أحدهما وأشار ابن مسعود إلى الآخر، فإن الله تعالى نهى المرأة في هذه الآية عن إبداء زينتها؛ وهي كما صح عن ابن مسعود \" القرط والدملج (^١) والخلخال والقلادة\" (^٢) وذلك بلبس ما يخفي هذه الزينة من رداء أو ملحفة مما تتخذه المرأة في بيتها - وهو ما يسميه العامة الآن الجلال - وهو ما عبر عنه ابن مسعود بقوله (الثياب) فإذا أخفت المرأة هذه الزينة بلبس هذه الثياب وضربت الخمار على جيبها فلن يظهر من الزينة إلا مافي (الوجه والكفين) من الكحل والخضاب والخاتم والسوار، وإلى هذا المعنى أشار ابن عباس. فالخلاف خلاف تنوع وليس خلاف تضاد؛ فإن ابن مسعود لم يعُدّ مما سيَخفَى من الزينة تحت الثياب ما أظهره ابن عباس من الوجه والكفين، وابن عباس لم يُظهر ما أخفاه ابن مسعود تحت الثياب من القرط والدملج والخلخال والقلادة!! (^٣) وبذلك اتضح اتفاقهما في المراد من الآية وأمكن الجمع بين كل ما ورد في تأويل قوله تعالى (إلا ما ظهر منها).\n_________\n(^١) الدملج: المعضد من الحلي (النهاية في غريب الأثر ٢/ ١٣٤).\n(^٢) ابن جرير ١٨/ ١١٧، ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٧٤، والطبراني في المعجم الكبير ٩/ ٢٢٨ (٩١١٦) واللفظ له.\n(^٣) صح عن بعض التابعين الجمع بين هذين القولين (الوجه والثياب) في تفسير هذه الآية كمجاهد وعكرمة والشعبي؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه حجاب المرأة ولباسها في الصلاة (١/ ١٩): ولذلك ذهب بعض السلف إلى الجمع بين قوليهما فقال ابن جرير في تفسيره (١٨/ ٩٤): وقال آخرون عني به الوجه والثياب؛ ثم روى بإسنادين صحيحين له عن الحسن البصري أنه قال: \"الوجه والثياب\".","vol":"1","page":238},{"text":"مما يشهد لصحة تأويل ابن مسعود:\n١ - أن الرخصة بوضع الثياب للنساء القواعد في آخر سورة النور هي استثناء من هذه الآية، كما جاء ذلك عن ابن عباس قال ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فنسخ واستثنى من ذلك ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ النور ٦٠. (^١) فإذا كانت الآية الناسخة فيها استثناء النساء القواعد بالإذن لهن بوضع الثياب؛ دل ذلك على أن الآية الأولى فيها عدم الإذن بوضع الثياب، وهذا يوافق ما قال ابن مسعود.\n٢ - أخرج الطبري (٨/ ١٦٠) عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الأعراف: ٣١ ... ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ قال (الثياب). وهذه موافقة من ابن عباس لابن مسعود في تفسير الزينة بالثياب.\n٣ - أن تفسير الزينة بالوجه والكفين هو خلاف ظاهر القرآن ولغة العرب، إلا أن يكون المراد مافي الوجه والكفين من الزينة:\nقال الشنقيطي في أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (٥/ ٥١٦): الزينة في لغة العرب، هي ما تتزين به المرأة مما هو خارج عن أصل خلقتها: كالحلي ... كما أن لفظ الزينة يكثر تكرره في القرآن العظيم مرادا به الزينة الخارجة عن أصل\n_________\n(^١) سنن أبي داود ٤/ ٦٣ (٤١١١) حسن إسناده الألباني في صحيح سنن أبي داود ٤/ ٦٣. وانظر ناسخ القرآن ومنسوخه ١/ ٤٣.","vol":"1","page":239},{"text":"المزين بها، ولا يراد بها بعض أجزاء ذلك الشيء المزين بها كقوله تعالى (يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد) الأعراف ٣١ وقوله تعالى (المال والبنون زينة الحياة الدنيا) الكهف ٤٦، وقوله تعالى (فخرج على قومه في زينته) القصص ٧٩، وقوله تعالى عن قوم موسى: (ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم) طه ٨٧، فلفظ الزينة في هذه الآيات كلها يراد به ما يزين به الشيء وهو ليس من أصل خلقته، كما ترى، وكون هذا المعنى هو الغالب في لفظ الزينة في القرآن، يدل على أن لفظ الزينة في محل النزاع يراد به هذا المعنى، الذي غلبت إرادته في القرآن العظيم، وبه تعلم أن تفسير الزينة في الآية بالوجه والكفين فيه نظر. اهـ\n\n- ثالثا: ومما يشهد أن<span data-type=\"title\" id=toc-83> المراد بالنهي في قوله ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾</span> هو نهي المرأة عن وضع الثياب الظاهرة (من رداء أو ملحفة) في البيوت إلا لمن سماهم الله في الآية الأمور الآتية:\n١) ما أسلفناه من أن الرخصة بوضع الجلباب والرداء للنساء القواعد في آخر سورة النور هي استثناء م ن هذه الآية؛ فقد صح عن ابن مسعود وابن عباس أن المراد بقوله ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ الجلباب والرداء. (^١)\n_________\n(^١) تفسير الصنعاني ٣/ ٦٣، تفسير الطبري ١٨/ ١٦٦، سنن البيهقي الكبرى ٧/ ٩٣.","vol":"1","page":240},{"text":"- وفي رواية قال ابن عباس: هي المرأة لا جناح عليها أن تجلس في بيتها بدرع وخمار وتضع عنها الجلباب. (^١)\n- وقال مجاهد قال: تضع الجلباب في الدار والحجرة. (^٢)\n- وقال عطاء: هذا في بيوتهن، فإذا خرجت فلا يحل لها وضع الجلباب. (^٣)\n- وجاء في التسهيل لعلوم التنزيل (٣/ ٧٢): قال ابن مسعود إنما أبيح لهن وضع الجلباب الذي فوق الخمار والرداء، وقال بعضهم إنما ذلك في منزلها الذي يراها فيه ذوو محارمها.\n٢) الآثار التي تدل على لبسهن لهذه الثياب - الأردية - في البيوت:\n- ما ورد عن إبراهيم النخعي أنه كان يدخل مع علقمة والأسود على أزواج النبي - ﷺ - فيراهن في اللحف الحمر. وما روي عن ابن أبي مليكة قال: رأيت على أم سلمة درعا وملحفة مصبغتين بالعصفر. (^٤)\n- وما ورد عن شميسة أنها قالت (دخلت على عائشة وعليها ثياب من هذه السيد الصفاق ودرع وخمار) (^٥)\n_________\n(^١) تفسير ابن جرير الطبري ١٨/ ١٦٥، البيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٩٣ (١٣٣٠٩) وصححه الشيخ عبد العزيز الطريفي في الحجاب في الشرع والفطرة ص/ ١٢٦\n(^٢) تفسير ابن أبي حاتم ٨/.٢٦٤١\n(^٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٢/ ٣١٠\n(^٤) مصنف ابن أبي شيبة (٨/ ٣٧١).\n(^٥) الطبقات الكبرى لابن سعد ٨/ ٧٠ وصحح إسناده الألباني في جلباب المرأة /١٢٩.","vol":"1","page":241},{"text":"* وهذا مما أشكل على الشيخ الألباني فظن أن هذه الأردية التي تتخذها النساء في البيوت هي الجلابيب التي أُمرت بإدناءها عند الخروج ولذلك قال في كتابه جلباب المرأة (ص ١٢١): واعلم أنه ليس من الزينة في شيء أن يكون ثوب المرأة الذي تلتحف به ملونا واستشهد بما أخرجه ابن أبي شيبة في (المصنف) (٨/ ٣٧١ - ٣٧٢):\n١ - عن إبراهيم وهو النخعي أنه كان يدخل مع علقمة والأسود على أزواج النبي - ﷺ - فيراهن في اللحف الحمر.\n٢ - قال ابن أبي مليكة: رأيت على أم سلمة درعا وملحفة مصبغتين بالعصفر.\n٣ - عن القاسم أن عائشة كانت تلبس الثياب المعصفرة وهي محرمة.\n٤ - عن فاطمة بنت المنذر أن أسماء كانت تلبس المعصفر وهي محرمة.\n٥ - عن سعيد بن جبير: أنه رأى بعض أزواج النبي - ﷺ - تطوف بالبيت وعليها ثياب معصفرة.\nوالجواب عليه بالآتي:\nأولا: أن قوله هذا مناقض لقوله في الصفحة التي تسبقها (ص ١٢٠): والمقصود من الأمر بالجلباب إنما هو ستر زينة المرأة فلا يعقل حينئذ أن يكون الجلباب نفسه زينة وهذا كما ترى بين لا يخفى ولذلك قال الإمام الذهبي في (كتاب","vol":"1","page":242},{"text":"الكبائر) (ص ١٣١): (ومن الأفعال التي تلعن عليها المرأة إظهار الزينة والذهب واللؤلؤ تحت النقاب وتطيبها بالمسك والعنبر والطيب إذا خرجت ولبسها الصباغات والأزر الحريرية والأقبية القصار مع تطويل الثوب وتوسعة الأكمام وتطويلها وكل ذلك من التبرج الذي يمقت الله عليه ويمقت فاعله في الدنيا والآخرة).\nثانيا: أن ذلك مخالف لما جاء مصرحا به في صحيح السنة من لبس النساء للجلابيب السود امتثالا لآية الأمر بإدناء الجلابيب كما صح عن أم سلمة ﵂ أنها قالت\" لما نزلت هذه الآية ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان\" \"من أكسية سود يلبسنها\" (^١) قال الشيخ الألباني في جلباب المرأة (ص ٨٣): شبهت الأكسية في سوادها بالغربان.\nفالثابت أن الأكسية التي سارعت إلى لبسها النساء عند الخروج امتثالا لآية إدناء الجلابيب هي المرط السود:\nأخرج ابن مردويه عن عائشة ﵂ قالت (رحم الله نساء الأنصار لما نزلت ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ شققن مروطهن فاعتجرن بها فصلين خلف رسول الله - ﷺ - فكأنما على رؤوسهن الغربان) وفي رواية (ما منهن امراة إلا قامت إلى مرطها المرحل\n_________\n(^١) ابن أبي حاتم في تفسيره (١٧٧٨٤) سنن أبي داود (٤١٠١) وصححه الألباني في جلباب المرأة /٨٣.","vol":"1","page":243},{"text":"فاعتجزت به تصديقًا وإيمانًا بما أنزل الله من كتابه، فاصبحن يصلين وراء رسول الله - ﷺ - الصبح معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان). (^١)\nقال ابن قتيبة في غريب الحديث (٢/ ٤٥٤): قولها: فأصبحن على رؤوسهن الغربان. تريد: أن المروط كانت من شعر أسود فصار على الرؤوس منها مثل الغربان، ومما يوضح هذا حديث عن عائشة أن رسول الله - ﷺ - (خرج ذات غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود) (^٢)\nيشهد لذلك أيضا ما جاء في مسند أحمد (٤٢/ ٤٢٢) (٢٥٦٢٨): (عن عائشة \" أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي وعليه مرط من هذه المرحلات، وكان رسول الله - ﷺ - يصلي وعليه بعضه، وعلي بعضه\" والمرط من أكسية سود) (^٣)\nقال العيني في عمدة القاري (٤/ ٨٩): وفي (مجمع الغرائب) المروط: أكسية من شعر أسود. (^٤)\n_________\n(^١) ابن أبي حاتم في تفسيره (١٤٤٠٦) حسن إسناده علوي السقاف في تخريج أحاديث وآثار كتاب في ظلال القرآن (ص: ٣٢٣)، ابن مردويه كما في تخريج أحاديث الكشاف (٢/ ٤٣٢).\n(^٢) صحيح مسلم (٤/ ١٨٨٣).\n(^٣) إسناده صحيح على شرط مسلم. كما قال شعيب الأرنؤوط في تخريج مسند أحمد (٤١/ ٢١٢) وقال الشيخ الألباني في صحيح أبي داود (٢/ ٢١٢): إسناده حسن صحيح.\n(^٤) وقال: وقال في المحكم (٩/ ١٧٠) وقيل: هو الثوب الأخضر.\nقال ابن حجر في فتح الباري (٢/ ٥٥): وقيل لا يسمى مرطا إلا إذا كان أخضر ولا يلبسه إلا النساء وهو مردود بقوله (مرط من شعر أسود). اهـ\nلكن قد جاء في تهذيب اللغة للهروي (ت ٣٧٠ هـ) (١٣/ ٢٥): العرب تسمي الأسود أخضر. وفي جمهرة اللغة لابن دريد (ت ٣٢١ هـ) (١/ ٥٨٦): والعرب تسمي الأسود أخضر ... وقال الله ﷿: ﴿مدهامتان﴾ أي سوداوان لشدة خضرتهما يعني الجنتين.","vol":"1","page":244},{"text":"ومما يشهد لذلك أيضا ما صح عن عائشة ﵂ أنها قالت (أن نساء المؤمنات كن يصلين الصبح مع النبي - ﷺ - ثم يرجعن متلفعات بمروطهن) (^١)\nوفي تاج العروس (٢٢/ ١٥٥): اللفاع وهو الكساء الأسود. وفي معجم متن اللغة (٥/ ١٩٤): اللفاع: الملحفة أو الكساء الغليظ تتلفع به المرأة، وزاد بعضهم الأسود.\nثالثا: أن الآثار التي استشهد بها الشيخ الألباني علاوة على ما في أسانيدها من العلل؛ فإن المراد بها الملاحف والأردية التي تتخذها النساء في البيوت كما أسلفنا؛ وليست الجلابيب التي تدنيها النساء عليهن عند الخروج، وبيان ذلك بالآتي:\n١ - عن إبراهيم وهو النخعي (أنه كان يدخل مع علقمة والأسود على أزواج النبي - ﷺ - فيراهن في اللحف الحمر) (^٢) فقوله (كان يدخل .. فيراهن) دليل على أن رؤيته لهن كان بدخوله عليهن، كما أن دخوله عليهن ورؤيته لهن كان بسبب\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١/ ١٧٣) صحيح مسلم (١/ ٤٤٥) واللفظ له.\n(^٢) ضعّفه علي بن المديني كما في جامع التحصيل (١/ ١٤١) قال: إبراهيم النخعي لم يلق أحدا من أصحاب النبي - ﷺ -، قيل له فعائشة، قال هذا لم يروه غير سعيد بن أبي عروبة عن أبي معشر عن إبراهيم وهو ضعيف. اهـ","vol":"1","page":245},{"text":"صغر سنه كما في جامع التحصيل (١/ ١٤١): (قال يحيى بن معين وأبو زرعة وأبو حاتم؛ إبراهيم النخعي دخل على عائشة ﵂ وهو صغير، زاد الرازيان؛ ولم يسمع منها شيئا)، وفي التاريخ الكبير (١/ ٣٣٣) والثقات لابن حبان (٤/ ٩): عن أبي معشر أن النخعي حدثهم أنه دخل على عائشة فرأى عليها ثوبا أحمر، فقال له أيوب وكيف دخل عليها، قال كان يحج مع عمه وخاله فدخل عليها وهو غلام. اهـ\nفسؤاله عن كيفية دخوله عليها يؤكد أنه لم يكن لأحد أن يدخل عليهن ويكلمهن إلا من وراء حجاب (^١)؛ فكان دخول إبراهيم مع علقمة والأسود للسماع من عائشة ﵂ من وراء الحجاب، وإبراهيم اخترق الحجاب لصغر سنه ونظر إليها.\n٢ - عن ابن أبي مليكة قال: (رأيت على أم سلمة درعا وملحفة مصبغتين بالعصفر). أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ١٥٩) وفي إسناده علّه فإن ابن أبي مليكة لم يدرك أم سلمة كما قال القاري في مرقاة المفاتيح (٥/ ٨٤) وعلى فرض أنه أدركها؛ فسيكون دخوله عليها في صغره. ومع ذلك فليس فيه حجة،\n_________\n(^١) قال ابن عبد البر في الاستذكار ٦/ ١٧٠: إن نساء النبي - ﷺ - لا يكلمن إلا من وراء حجاب. وقال النووي في المجموع (١٦/ ٣٥١): وقد ثبت أن كثيرا من راويات الحديث وحافظاته يسمعهن الأجانب عنهن من وراء حجاب، وقد كان أبو الشعثاء جابر بن زيد يسأل عائشة من وراء حجاب.","vol":"1","page":246},{"text":"لأن رؤيته لدرعها - ثوبها- المعصفر يؤكد أن ذلك كان بدخوله عليها لأنها لو كانت خارجة لما استطاع رؤية درعها لأن الجلباب سيستره.\n٣ - عن القاسم (أن عائشة كانت تلبس الثياب المعصفرة وهي محرمة) وهذا ليس فيه حجة أيضا إذ ليس في الأثر ما يثبت خروج عائشة بهذه الثياب المعصفرة، والقاسم هو ابن أخيها محمد بن أبي بكر، فهو ممن يدخل عليها ويراها دون حجاب فلا حجة في رؤيته لثيابها.\n٤ - عن فاطمة بنت المنذر (أن أسماء كانت تلبس المعصفر وهي محرمة). وهذا أيضا ليس فيه حجة، فإن الذي رأى هذه الثياب المعصفرة هي امرأة.\n٥ - عن سعيد بن جبير: (أنه رأى بعض أزواج النبي - ﷺ - تطوف بالبيت وعليها ثياب معصفرة). وإسناده لا يصح (^١)، ولعل الشيخ الألباني وهل عن أن أزواج النبي - ﷺ - لم يكن يخرجن بالنهار ينظر إليهن الرجال حتى وإن كن مستترات بالجلابيب، بل وحتى في الحج أو العمرة لم يكن يخالطن الرجال ومن ذلك ما استشهد به في كتابه الجلباب ص ١٠٩: (أن عمر بن الخطاب أذن لأزواج النبي - ﷺ - في الحج في آخر حجة حجها وبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف قال كان عثمان ينادي ألا لا يدنو إليهن أحد ولا ينظر إليهن أحد وهن في الهوادج على الإبل فإذا نزلن أنزلهن بصدر الشعب وكان عثمان وعبد الرحمن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ١٦٠) والطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ٤٠) عن سعيد بن أبي عروبة عن أبي معشر عن سعيد بن جبير؛ وهو كالأول آفته سعيد بن أبي عروبة ضعفه ابن معين كما أنه مدلس وقد عنعن.","vol":"1","page":247},{"text":"بذنب الشعب فلم يصعد إليهن أحد) (^١) بل ولم يكنَّ يخاطن الرجال حتى في الطواف؛ فإما أن يطفن وهن راكبات في الهوادج من وراء الناس كما صح عن أم سلمة قالت: شكوت إلى رسول الله - ﷺ - أني أشتكي فقال طوفي من وراء الناس وأنت راكبة \"وفي رواية\" فقال لها رسول الله - ﷺ - إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك والناس يصلون\" (^٢)\nوإما أن يخرجن متنكرات بالليل فيطفن معتزلات عن الرجال كما صح عن عطاء قال (كانت عائشة ﵂ تطوف حجرة (^٣) من الرجال لا تخالطهم فقالت امرأة انطلقي نستلم يا أم المؤمنين قالت عنك وأبت، وكن يخرجن متنكرات بالليل فيطفن مع الرجال). (^٤)\nوبذلك فلا يصح قول الشيخ الألباني (ليس من الزينة في شيء أن يكون ثوب المرأة الذي تلتحف به ملونا بلون غير السواد) إذ ليس لقوله هذا مستند شرعي يصح الاستناد عليه، بل هو مخالف لما جاء مصرحا به في صحيح السنة من لبس النساء للجلابيب السود امتثالا لآية إدناء الجلابيب، فهذا هو الأصل والمعمول به في هذه المسألة.\n_________\n(^١) الطبقات الكبرى لابن سعد ٨/ ٢١٠ حسن الألباني إسناده في جلباب المرأة /١٠٩.\n(^٢) صحيح البخاري ٢/ ٥٨٥ (١٥٤٠)، ٢/ ٥٨٧ (١٥٤٦).\n(^٣) حجرة: أي ناحية من الناس معتزلة وقيل بمعنى محجورا بينها وبين الرجال بثوب ونحوه.\n(^٤) صحيح البخاري ٢/ ٥٨٥ (١٥٣٩).","vol":"1","page":248},{"text":"- رابعا: أن إبداء الزينة لمن سمى الله في الآية يكون بوضع هذه الثياب (الأردية) لا بوضع الخمار؛ يشهد لذلك الآتي:\n١) الآثار الواردة في تفسير هذه الآية:\n- أخرج الطبري عن ابن عباس - ﵁ - في قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ قال: والزينة التي تبديها لهؤلاء الناس قرطاها وقلادتها وسواراها فأما خلخالها ومعضدتها ونحرها وشعرها فلا تبديه إلا لزوجها. (^١) قال البيهقي في سننه الكبرى (٧/ ٩٤): وهذا هو الأفضل ألا تبدي من زينتها الباطنة شيئا لغير زوجها إلا ما يظهر منها في مهنتها.\n- وأخرج سعيد بن منصور في سننه عن مجاهد قال: لا تضع المسلمة خمارها عند مشركة لأن الله تعالى يقول ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ فليست من نسائهن. (^٢)\n- عن سعيد بن جبير في قوله ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ يعني عبد المرأة، لا يحل لها أن تضع جلبابها عند عبد زوجها. (^٣) وقال مجاهد: تضع المرأة الجلباب عند المملوك. (^٤)\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٨/ ١٢٠، تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٧٦ (١٤٤١٠)، البيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٩٤ (١٣٣١٥) وإسناده حسن كما أسلفنا.\n(^٢) من تفسير ابن كثير ٣/ ٢٨٥.\n(^٣) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٧٧ (١٤٤١٩).\n(^٤) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٧٧ (١٤٤٢٠).","vol":"1","page":249},{"text":"- عن الزهري في قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ قال: يرى الشيء من دون الخمار فأما أن تسلخه فلا. (^١)\nفخلاصة هذه الآثار أن المستثنين في الآية إنما يوضع عندهم الرداء دون الخمار؛ إذ لو كان المقصود وضع الخمار وإظهار الشعر لجاء مصرحا به ولو في بعض الروايات!! قال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٨٤): ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ الآية؛ كل هؤلاء محارم للمرأة يجوز لها أن تظهر عليهم بزينتها ولكن من غير تبرج.\n٢) الآثار التي تدل على كون الخمار من عامة لباسهن في البيوت أمام من يحل له الدخول عليهن:\n- كما ثبت عن عائشة ﵂ أنها نذرت على نفسها ألا تكلم عبد الله بن الزبير أبدًا، ثم استشفع ابن الزبير بمن يكلمها حتى كلمته وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة، وكانت تذكر نذرها بعد ذلك فتبكي حتى تبل دموعها خمارها. (^٢)\nوذلك يقتضي ملازمة الخمار لها، كما يقال في الرجل كان يذكر الشيء فيبكي حتى تبل دموعه لحيته!!\n_________\n(^١) تفسير عبد الرزاق الصنعاني ٣/ ٥٦.\n(^٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٥/ ٢٢٥٥ (٥٧٢٥).","vol":"1","page":250},{"text":"-كما ورد عن عائشة ﵂ أنها قالت: (ما زلت أضع خماري وأتفضل في ثيابي في بيتي حتى دفن عمر بن الخطاب فيه، فلم أزل متحفظة في ثيابي حتى بنيت بيني وبين القبور جدارًا فتفضلت بعد). (^١)\n- وورد عن عائشة ﵂ أنها سألت رسول الله - ﷺ - عن الحمَّام فقال: إنه سيكون بعدي حمامات ولا خير في الحمامات للنساء، فقالت: يا رسول الله فإنها تدخله بإزار، فقال: \"لا وإن دخلته بإزار ودرع وخمار وما من امرأة تنزع خمارها في غير بيت زوجها إلا كشفت الستر فيما بينها وبين ربها\". (^٢)\nقال الشيخ الألباني الحديث صحيح بلفظ: \"ثيابها\" (^٣) مكان \"خمارها\" فضعّف الحديث بهذا اللفظ وقال أنه مخالف للروايات الأخرى التي جاءت بلفظ \"ثيابها\":\nفيجاب عليه بالآتي:\n_________\n(^١) الطبقات لابن سعد ٣/ ٣٦٤ واللفظ له، مسند أحمد بن حنبل ٦/ ٢٠٢ (٢٥٧٠١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ٢٦: رجال أحمد رجال الصحيح. وصحح إسناده يحيى بن معين في الجزء الثاني من حديثه (الفوائد) ١/ ١٧٦. والشاهد منه أنه لو لم يكن دأبها لبس الخمار قبل أن يدفن عمر - ﵁ - لقالت إنه عندما دفن لبست الخمار وتحفظت، ولو لم تكن تلبسه لما أشارت إلى كثرة وضعها له، وذلك يحمل على ما كان وقت النوم أو الامتشاط ونحوه من أوقات وضع الثياب في العورات الثلاث.\n(^٢) المعجم الأوسط للطبراني ٣/ ٣٢١ (٣٢٨٦) وفي إسناده ابن لهيعة، قال الشيخ الألباني \"حديثه في المتابعات والشواهد لاينزل عن رتبة الحسن\". تشهد له الروايات التي صححها الشيخ الألباني بلفظ (ثيابها).\n(^٣) كما عند أحمد بن حنبل في مسنده ٦/ ١٧٣ (٢٥٤٤٦) سنن ابن ماجه ٢/ ١٢٣٤ (٣٧٥٠) صححه الألباني في صحيح الجامع (٢٧١٠). ورواية أخرى عند أحمد ٦/ ٣٦٢ (٢٧٠٨٦) وصححها الألباني في صحيح الترغيب حديث رقم (١٦٩).","vol":"1","page":251},{"text":"أولا: قوله أنه مخالف للروايات الأخرى لا يصح؛ لأنه مقيّد لما أُطلق فيها وليس مخالفا لها، فإن الروايات الأخرى جاء فيها لفظ (ثيابها) مطلقا قد يراد به الثياب الظاهرة وهي الجلباب والخمار وقد يراد به الثياب الباطنة، فجاءت هذه الرواية مقيدة لها بأن المراد بها؛ الثياب الظاهرة من الجلباب والخمار، فما وجه النكارة في ذلك ونصوص الشرع شاهدة على صحة ذلك.\nفإنه قد ورد في كثير من النصوص إطلاق لفظ الثياب والمراد هو الجلباب أو الخمار كما أسلفنا: ومن ذلك قوله تعالى ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ النور: ٦٠ فقد صح عن ابن مسعود وابن عباس أن المراد بقوله (الثياب): الجلباب والرداء. (^١) فسمى الله تعالى الجلابيب في هذه الآية؛ ثياب.\n- وما صح عن عائشة ﵂ أنها قالت قال رسول الله - ﷺ - (أُريتك في المنام يجئ بك الملك في سرقة من حرير فقال لي هذه امرأتك فكشفت عن وجهك الثوب فإذا أنت. . .) (^٢) فعبّر رسول الله - ﷺ - بالثوب عمّا يغطى به الوجه من خمار أو جلباب، فلا يستبعد أن يكون المراد بالثياب في هذا الحديث؛ هو الخمار.\nثانيا: أما السبب الثاني الذي لأجله ضعّف الشيخ الألباني الحديث بلفظ (خمارها)؛ فهو كما قال: مخالفته لقوله تعالى في آية النور ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ فيقال بأن الحديث بهذا اللفظ (خمارها) يوافق\n_________\n(^١) تفسير الصنعاني ٣/ ٦٣، تفسير الطبري ١٨/ ١٦٦، سنن البيهقي الكبرى ٧/ ٩٣.\n(^٢) صحيح البخاري ٥/ ١٩٦٩ (٤٨٣٢).","vol":"1","page":252},{"text":"آية النور هذه تمام الموافقة لأن هذه الآية جاءت آمرة المرأة بضرب خمارها على جيبها ناهية عن وضعه إلا لمن استثني في الآية، أما من لم يستثن في الآية ممن يحل لهم النظر فالمرأة منهية عن نزع الخمار أمامهم، ومنهم الرقيق والنساء غير المسلمات، وفي هذا الحديث جاء التحذير من دخول الحمامات التي يدخلها النساء غير المسلمات.\nقال البيهقي في معرفة السنن والآثار (١٠/ ٢٤): وروينا عن عمر بن الخطاب، أنه كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح: (أما بعد فإنه بلغني أن نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات ومعهن نساء أهل الكتاب، فامنع ذلك وحل دونه) ... قال أحمد: ... والذي يؤكده ما روي عن مجاهد أنه قال: لا تضع المسلمة خمارها عند مشركة ولا تقبلها؛ لأن الله يقول: (أو نسائهن).\n٣) ما جاء في صفة مسح المرأة لرأسها عند الوضوء مما يدل على أن الخمار كان من عامة لباسهن في البيوت:\n- ومن ذلك ما روته أم علقمة مولاه عائشة ﵂ أن عائشة كانت إذا توضأت تدخل يدها من تحت الرداء تمسح برأسها كله. (^١)\n- وما جاء عن ابن المسيب وإبراهيم النخعي وعطاء أن على المرأة أن تنزع خمارها وتمسح برأسها. (^٢)\n_________\n(^١) مالك في المدونة الكبرى ١/ ١٦، البيهقي في سننه الكبرى (٢٨٦). إسناد مالك رجاله ثقات عدا أم علقمة وقد ذكرها ابن حبان في الثقات وقال ابن حجر عنها في التقريب\" مقبولة\" وروى البخاري لها تعليقا. وقال ابن سعد في الطبقات ٨/ ٤٩٠: أم علقمة روى عنها ابنها علقمة أحاديث صالحة.\n(^٢) مصنف عبد الرزاق ١/ ١٧ (٥٠) مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٣١ (٢٥١) بأسانيد متصله ورجالها رجال الصحيح.","vol":"1","page":253},{"text":"٤) ومما يشهد لذلك أيضا ما أثر عن بعض السلف من التابعين من كراهة النظر إلى الشعر من ذوات المحارم (^١):\n- قال الزهري: لا بأس أن ينظر إلى قصة المرأة من تحت خمارها إذا كان ذا محرم فأما أن تسلخ خمارها فلا. (^٢)\n- عن ابن طاووس عن أبيه قال: ما كان أكره إليه من أن يرى عورة من ذات محرم، وكان يكره أن تسلخ خمارها عنده. (^٣)\n- عن عامر الشعبي أنه يكره أن ينظر إلى شعر كل ذات محرم. (^٤)\n٥) يؤيد ذلك أيضا ما ذهب إليه بعض الفقهاء من أن المحرم لا ينظر إلا إلى الوجه والكفين من المرأة:\n- كما في المحرر في الفقه لمجد الدين أبي البركات (٢/ ١٣): وقيل لا ينظر الخاطب والمحرم إلا الوجه والكفين.\n_________\n(^١) أما ما أخرج البخاري في صحيحه (٣٨٨٢) عن ابن عمر - ﵁ - قال: \"دخلت على حفصة ونسواتها تنطف\". أي ضفائرها تقطر ماء، فهذا يحمل على أنه قد يكون وافق خروجها من مغتسلها، أو قد يكون رأى مازاد عن الخمار من الضفائر. وكذلك ما روي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يفلون أمهاتهم، فهذا محمول على الضرورة، كما تعقبه ابن عبد البر في التمهيد (١٦/ ٢٣١) بقوله: إنه لا بأس أن ينظر الرجل إلى شعر أمه وكذلك شعور ذوات المحارم العجائز، دون الشواب ومن يخشى منه الفتنة.\n(^٢) مصنف عبد الرزاق ٧/ ٢١٢ إسناده متصل ورجاله ثقات.\n(^٣) مصنف عبد الرزاق ٧/ ٢١٢ إسناده متصل ورجاله ثقات.\n(^٤) مصنف بن أبي شيبة ٤/ ١١ إسناده متصل ورجاله رجال الصحيح.","vol":"1","page":254},{"text":"- وفي المبدع لإبراهيم بن مفلح (٧/ ٨): (وعنه لا ينظر من ذوات محارمه إلا إلى الوجه والكفين) لقول ابن عباس في قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ... .\n- وفي الإنصاف للمرداوي (٨/ ٢٠): لا ينظر من ذوات محارمه إلى غير الوجه ذكرها في الرعاية وغيرها، وعنه لا ينظر منهن إلا إلى الوجه والكفين.\n- وفي التمهيد لابن عبد البر (المالكي) (٨/ ٢٣٦): ذوي المحارم لا يحتجب منهم ولا يستتر عنهم إلا العورات والمرأة فيما عدا وجهها وكفيها عورة بدليل أنها لا يجوز لها كشفه في الصلاة.\n- وفي القوانين الفقهية لابن جزي (المالكي) (١/ ٢٩): وإن كانت ذات محرم جاز له رؤية وجهها ويديها دون سائر جسدها على الأصح.\n- وفي الفتاوى الهندية للشيخ نظام (الحنفي) (٥/ ٣٣٣): يرخص للمرأة كشف الرأس في منزلها وحدها فأولى أن يجوز لها لبس خمار رقيق يصف ما تحته عند محارمها كذا في الْقُنْية.\n- قال أبو الأعلى المودودي الحنفي في كتابه الحجاب/٢٧٣: جسم المرأة كله إلا وجهها ويديها عورة يجب أن تسترها حتى عن أدنى أقاربها في البيت، فلا يجوز لها تكشف عورتها على أحد غير زوجها سواء كان أباها أو أخاها أو ابن أخيها.","vol":"1","page":255},{"text":"- خامسا: مما يشهد أن المرد بهذه الآية (إلا ما ظهر منها) من يباح لهم الدخول والنظر دون حجاب؛ تصريح بعض المفسرين بأن هذه الآيات نزلت لتنظيم مخالطة من أُحل لهم الدخول على النساء في البيوت: كما قال أبو السعود العمادي في تفسيره (٦/ ١٦٨) والألوسيفي روح المعاني (١٨/ ١٣٣): إنه ﷿ إثر ما فصل الزواجر عن الزنا وعن رمي العفائف شرع في تفصيل الزواجر عما عسى يؤدي إلى أحدهما من مخالطة الرجال والنساء ودخولهم عليهن في أوقات الخلوات.\nيشهد لذلك سبب نزول الآية التي قبلها الذي أورده السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٧١) قال: أخرج الفريابي وابن جرير من طريق عدي بن ثابت عن رجل من الأنصار قال: قالت امرأة لرسول الله - ﷺ - (إني أكون في بيتي على الحالة التي لا أحب أن يراني عليها أحد ولد ولا والد فيأتيني الآتي فيدخل علي فكيف أصنع) ولفظ ابن جرير (وأنه لا يزال يدخل علي رجل من أهلي وأنا على تلك الحال) قال فنزلت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ اهـ\nوقد ذكر في الإتقان أن دخول سبب النزول في الحكم قطعي.\nكما يشهد لذلك أيضا الآية التي جاءت بعدها آمرة بإنكاح وإحصان من يحل لهم الدخول دون حجاب من العبيد: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ","vol":"1","page":256},{"text":"زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١) وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾\n- سادسا: من القرائن في الآية ما شرع من الاستئناس قبل الدخول في البيوت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ النور: ٢٧ واختصاص هذا الحكم في هذه الآية بمن يحل لهم الدخول في البيت دون حجاب؛ يشهد له أمور:\n(١) أن الاستئذان في هذه الآية جاء بلفظ الاستئناس ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ والاستئناس كما صح عن مجاهد - ﵁ - في قوله ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ قال: تنحنحوا وتنخموا. (^١) وقال جابر بن زيد الاستئناس: التنحنح والتجرس حتى يعرفوا أن قد جاءهم أحد. (^٢) وصح عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق كراهة أن يهجم منا على أمر يكرهه. (^٣) وفي رواية عن أبي عبيدة قال كان عبد الله إذا دخل الدار استأنس سلم ورفع صوته. (^٤)\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٨/ ١١١) من عدة طرق، تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٦٦ (١٤٣٤٦)\n(^٢) تفسير الطبري ١٨/ ١١٢.\n(^٣) تفسير الطبري (١٨/ ١١٢) وصحح إسناده ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٨١).\n(^٤) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٦٦ (١٤٣٤٣).","vol":"1","page":257},{"text":"قال أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن (٥/ ١٦٧): ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ يقتضي جواز الدخول بعد الاستئذان وإن لم يكن من صاحب البيت إذن، ولذلك قال مجاهد الاستئناس التنحنح فكأنه إنما أراد أن يعلمهم بدخوله، وهذا الحكم ثابت فيمن جرت عادته بالدخول بغير إذن.\n- وقال القرطبي في تفسيره (١٢/ ٢١٣): ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ تستعلموا أي تستعلموا من في البيت قال مجاهد (بالتنحنح) أو بأي وجه أمكن ويتأنى قدر ما يعلم أنه قد شعر به ويدخل إثر ذلك ... وهذا نص في أن الاستئناس غير الاستئذان كما قال مجاهد ومن وافقه.\n- وقول الألوسي في روح المعاني (١٨/ ١٣٥): وظاهر الآية مشروعية الاستئذان إذا أريد الدخول على المحارم.\n- سابعا: ثم جاءت قرينة أخرى في الآية التي تليها وهي قوله ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ النور: ٢٨ فالخطاب موجه لمن يحل له دخول البيت ممن اعتاد دخوله من مماليك وتابعين ونحوهم؛ فنهوا عن دخولها إذا لم يكن أهلها فيها إلا بإذن ممن يملك الإذن ﴿وَإِنْ","vol":"1","page":258},{"text":"قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ عن سعيد بن جبير: \"يعني الرجوع خير لكم من القيام والقعود على أبوابهم\" (^١).\n- ثامنا: ومن القرائن في الآية أن الأمر بغض البصر جاء فيها مبعضا بـ \"من\" التبعيضية أي الغض من البصر لا غض البصر كلّه، مما يدل أيضا على أن الأمر في هذه الآية متعلق بمن يحل لهم النظر، لأن الرجال الأحرار الأجانب أنزل الله في سورة الأحزاب منعهم من النظر بالكلّية إلى النساء الأجنبيات الحرائر بضرب الحجاب بينهم ومنعهم من الدخول عليهن في البيوت، ولحرص الشارع الحكيم على قطع أسباب الزنا أمر من أُبيح لهم الدخول والنظر الغضّ من البصر، سواء كان النظر للمحارم، أو للإماء اللاتي لم يُفرض عليهن الحجاب، أو نظر العبيد ونحوهم للوجه والكفين من النساء الحرائر:\nقال الطبري في تفسيره جامع البيان (١٨/ ١١٦): قال يغض من بصره أن ينظر إلى ما لا يحل له إذا رأى ما لا يحل له غض من بصره لا ينظر إليه ولا يستطيع أحد أن يغض بصره كله إنما قال الله (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم).\nقال القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ٢٢٢): ولم يذكر الله تعالى ما يغض البصر عنه ويحفظ الفرج غير أن ذلك معلوم بالعادة وأن المراد منه المحرم دون المحلل وفي البخاري وقال سعيد بن أبي الحسن للحسن إن نساء العجم يكشفن صدورهن ورؤوسهن قال اصرف بصرك، يقول الله تعالى\n_________\n(^١) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٦٨.","vol":"1","page":259},{"text":"﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ وقال قتادة (عما لا يحل لهم) ... ولقد كره الشعبي أن يديم الرجل النظر إلى ابنته أو أمه أو أخته وزمانه خير من زماننا هذا وحرام على الرجل أن ينظر إلى ذات محرمة نظر شهوة يرددها.\n- تاسعا: بعد أن شُرع الاستئناس وأمر بغض البصر عما يحرم عليه رؤيته، وكانت الفروج من أعظم ذلك؛ جاء الأمر بحفظها بسترها عمن لا يحل له النظر إليها، وهذه قرينة أيضًا وهي أن المراد بحفظ الفروج في هذه الآية؛ حفظها عن النظر - وإن كان حفظها عن النظر بسترها؛ يستلزم حفظها عن الزنا - يشهد لهذا ما ورد في تأويلها عن السلف:\n- قال أبو العالية كل فرج ذكر حفظه في القرآن فهو من الزنا إلا هذه ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ فإنه يعني الستر. (^١)\n- وقال جابر بن زيد كل ما في القرآن من حفظ للفرج فهو عن الزنا إلا هذا فإنه أراد به الاستتار. (^٢)\nقال الطبري في تفسيره (١٨/ ١١٦): يحفظوا فروجهم أن يراها من لا يحل له رؤيتها بلبس ما يسترها عن أبصارهم.\n_________\n(^١) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٧١ (١٤٣٧٩)، وابن جرير في تفسيره ١٨/ ١١٦.\n(^٢) من الكشاف للزمخشري ٣/ ٢٣٤، تفسير الثعالبي ٧/ ٨٦، وذكره الشنقيطي في أضواء البيان ٦/ ١٨٨.","vol":"1","page":260},{"text":"وهذا يؤكد أن هذه الآية تعني من يحل لهم الدخول دون حجاب من المحارم أو المملوكين لأنهم وإن استأنسوا قبل الدخول إلا أنه يحتمل أن يصادف دخولهم انكشاف العورة إن لم يحصل تحفظ من أهل البيت، فجاء الأمر بالحرص على الاستتار حفظا للفروج.\nولما كانت النساء هن مكمن الفتنة؛ لم يقتصر الأمر لهن بالغض من البصر وحفظ الفروج فقط كما جاء في حق الرجال، بل تعداه إلى منع كل ما من شأنه أن يكون سببًا للافتتان بهن ممن يدخل عليهن أو من قد يخلو بهن ممن أُذن له الدخول عليهن، وذلك بأمرهن بالتستر وعدم إبداء الزينة إلا ما ظهر منها بقوله\nتعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ والمراد هو النهي عن إبداء زينتهن الباطنة لمن يحل له الدخول عليهن في البيوت - من الرقيق ونحوهم - والاكتفاء بإبداء الزينة الظاهرة لهم وذلك بلبس الرداء وضرب الخمار على الجيب كما أسلفنا.\n- عاشرا: ومن القرائن كذلك قوله تعالى في آخر الآية ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ النور: ٣١ وهي النهي عن الضرب بالأرجل، فلما كان الخلخال من الزينة الباطنة التي لايجوز إبداؤها إلا للزوج كما قال ابن عباس: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ قال: الزينة التي تبديها لهؤلاء الناس قرطاها وقلادتها وسواراها، فأما خلخالها","vol":"1","page":261},{"text":"ومعضدتها ونحرها وشعرها فلا تبديه إلا لزوجها. (^١) نهى الله المرأة عن تعمد إسماع صوت هذه الزينة لمن يدخل عليها - وإن كان النهي عن ذلك عند خروجها من باب أولى - لأن تعمد إسماع صوت الخلاخل أعظم فتنة من إظهارها؛\n- قال ابن عباس في قوله ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ﴾ هو أن تقرع الخلخال بالآخر عند الرجال، أو يكون في رجليها خلاخل فتحركهن عند الرجال، فنهى الله عن ذلك لأنه من عمل الشيطان. (^٢)\n- قال سعيد بن جبير: أن المرأة كانت يكون في رجلها الخلخال فيه الجلاجل فإذا دخل عليها غريب (^٣) تحرك رجلها عمدا ليسمع صوت الخلخال. (^٤)\n- الحادي عشر: الخلاف القائم حول بعض متعلقات الآية؛ كالخلاف فيمن لم يذكر في الآية وهو ممن تحل له رؤية المرأة:\n(١) كالعم والخال؛ فقال بعضهم إنهما يجريان مجرى الوالدين، وقال الآخرون بل تحتجب منهما المرأة فليسوا من المحارم وقد ينعتانها لأبنائهما، مستشهدين بما\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٨/ ١٢٠، تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٧٦ (١٤٤١٠) حسن إسناده أ. د. حكمت بن بشير بن ياسين في الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور (٣/ ٤٦٣).\n(^٢) تفسير الطبري ١٨/ ١٢٤، تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٧٩ (١٤٤٣٣).\n(^٣) وهذا شامل لكل من لم يستثن في الآية من الرجال في حق الإماء، ولكل من يحل له الدخول على المرأة الحرة دون حجاب من الرقيق والأتباع.\n(^٤) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٨٠ (١٤٤٣٤).","vol":"1","page":262},{"text":"صح عن الشعبي وعكرمة في هذه الآية؛ قالا لم يذكر العم والخال لأنهما ينعتان لأبنائهما، وقالا: \" لا تضع خمارها عند العم والخال\". (^١)\nولكن إذا حُمل أن العم والخال ممن يحل لهم الدخول على المرأة ورؤيتها دون حجاب ولكن لا تبدي لهم إلا ما ظهر من الزينة (الوجه والكفين) بعدم وضع الخمار عندهما كما ذكر الشعبي وعكرمة؛ لكان ذلك أجمع للرأيين.\nقال ابن العربي (ت ٥٤٣ هـ) في أحكام القرآن (٣/ ٦١٩): ... قال حكم الرجل مع النساء ينقسم على ثلاثة أقسام:\nالأول: من يجوز له نكاحها؛ لم يحل له رؤية شيء منها.\nوالثاني: من لا يحل له نكاحها (ولا) لابنه كالأخ والجد والحفيد؛ جاز الوضع لجلبابها ورؤية زينتها.\nوالثالث: من لا يحل له نكاحها ويجوز لولده كالعم والخال؛ جاز رؤية وجهها وكفيها خاصة ولم يحل له رؤية زينتها. اهـ وهذا كله موافق تماما لما ذكرنا.\n(٢) المحارم بالرضاع والمصاهرة: فإنه لم يرد ذكرهم في الآية! ولو كان حكمهم في هذا الأمر كحكم المحارم بالنسب لورد ذكرهم فيها كما ورد ذكرهم في آية المحرمات في سورة النساء وهو القائل - ﷿ - (ما فرطنا في الكتاب من شيء) الأنعام ٣٨\n_________\n(^١) مصنف ابن أبي شيبة ٤/ ١٣ (١٧٢٩٣)، الطبري في تفسيره ٢٢/ ٤٢ بإسناد صحيح.","vol":"1","page":263},{"text":"- يشهد لذلك ما ورد عن أيوب السختياني بإسناد صحيح إليه قال: قلت لسعيد بن جبير أيرى الرجل رأس (ختنته) (^١) فتلا عليه ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ الآية؛ قال: لا أراها فيهم. (^٢)\nولذلك فرق بينهم بعض أهل العلم في حدود ما يباح لهم النظر إليه من المرأة:\n- قال القرطبي في تفسيره (١٢/ ٢٣٢): تختلف مراتبهم بحسب ما في نفوس البشر فلا مرية أن كشف الأب والأخ على المرأة أحوط من كشف ولد زوجها وتختلف مراتب ما يبدي لهم فيبدي للأب ما لا يجوز إبداؤه لولد الزوج.\n- قال ابن القطان في أحكام النظر /١٤٠: من ذوات المحارم من في نظر ذي محرمها إليها خلاف، كأم الزوجة ... والذي لا شك في جوازه؛ النظر منها إلى وجهها وكفيها ... والزيادة على ذلك عندي موضع توقف ... مسألة: جوز مالك أن يرى شعر امرأة ابنه، والقول بها عندي كالقول في أم امرأته.\n- قال ابن قدامة في المغني (٧/ ٧٥): وتوقف أحمد عن النظر إلى شعر أم امرأته وبنتها لأنهما غير مذكورتين في الآية.\n_________\n(^١) الختنة: أُمُّ الزوجة كما في النهاية (٢/ ١٠) والفائق في غريب الحديث (١/ ٣٥٤).\n(^٢) تفسير ابن أبي حاتم (١٤٤١٢).","vol":"1","page":264},{"text":"(٣) وكذلك حمْل المراد من قوله ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ في هذه الآية على أنه الزوج، لأنه من المعلوم أن الزوج يحل له النظر إلى جميع بدن الزوجة؛ وهذا يضعف أن يكون هو المراد في هذا الموضع الذي ذُكر فيه من يحل لهم النظر إلى بعض المواضع من جسدها دون بعض، ولما كان البعل هو الزوج والسيد في كلام العرب؛ فالصواب والله أعلم أن المراد بالبعل في هذه الآية؛ السيّد بالنسبة للأمة التي لها زوج، فإن الأمة غير المتزوجة يحل لسيدها منها ما يحل له من زوجته،\nوهذا جاء بيانه في قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦] ولكن لما كانت الأمة قد تكون ذات زوج فلا يحل لسيدها منها إلا ما يحل له من ذات المحرم؛ اندرج حكم سيدها في هذه الآية فيمن لا يحل له إلا رؤية الزينة من المرأة. (^١) ولذلك لم يؤثر عن أحد من الصحابة ولا التابعين أنه قال بأن المراد بالبعولة في هذه الآية الأزواج، بل جاء ما ينفي ذلك وهو قول ابن عباس في قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ قال \" الزينة التي تبديها لهؤلاء الناس قرطاها وقلادتها وسواراها؛ فأما خلخالها ومعضدتها ونحرها وشعرها فلا تبديه إلا لزوجها\" فهذا القول من ابن عباس شاهد على أن الزوج لم يدخل في هذه الآية. ومما يشهد لذلك أيضا أن الله تعالى لم يذكر البعولة في آية الحجاب في سورة الأحزاب ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا\n_________\n(^١) قال البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٩٤): والسيد معها إذا زوجها كذوي محارمها.","vol":"1","page":265},{"text":"مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ الأحزاب: ٥٥ لأن الخطاب فيها موجه للحرائر دون الإماء، ومما يشهد لذلك أيضا أن \"الحسن والحسين كانا لا يريان أمهات المؤمنين وكان ابن عباس يرى أن رؤيتهن لهما حل\" (^١) فإنهن لهما بمنزلة زوجات الأب، ولكن لما كان أبناء الأزواج ممن لم يستثن في الآية؛ فلا يحل لزوجات أبيهم (أمهات المؤمنين) أن يبدين لهم من زينتهن إلا ما ظهر منها؛ كرهوا الدخول عليهن، والله تعالى أعلم.\nوفيه كذلك الجواب على من أنكر على من قال إن العم والخال ينعتان لأبنائهم بأن الله قد أباح لأبي الزوج الزينة الباطنة وهو قد ينعت لأبنائه (إخوة الزوج) فإذا حُمل أن المراد هو أبو السيد بالنسبة للأمة، وأن آباء الأزواج لا يبدى لهم إلا ما ظهر من الزينة؛ كانوا كالأعمام في الحكم.\n(٤) وكذلك النساء المشركات: حيث فُسر قوله تعالى ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ بالنساء المسلمات كما قال سعيد بن جبير: \" نسائهن المسلمات، ليس المشركات من نسائهن، وليس للمرأة المسلمة أن تَكَشّف بين يدي المشركة\". (^٢)\nوقال مجاهد: لا تضع المسلمة خمارها عند مشركة ولا تقبلها؛ لأن الله تعالى يقول ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ فليست من نسائهن. (^٣)\n_________\n(^١) سنن سعيد بن منصور ١/ ٢٧٦ (٩٦٥) مصنف ابن أبي شيبة ٤/ ١٢ (١٧٢٩١).\n(^٢) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٧٧ (١٤٤١٥) (١٤٤١٦).\n(^٣) سنن سعيد بن منصور، البيهقي في معرفة السنن والآثار (١٠/ ٢٤).","vol":"1","page":266},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٢/ ١١٢): وقوله (أو نسائهن) احتراز عن النساء المشركات فلا تكون المشركة قابلة للمسلمة ولا تدخل معهن الحمام، لكن قد كن النسوة اليهوديات يدخلن على عائشة وغيرها فيرين وجهها ويديها بخلاف الرجال، فيكون هذا في الزينة الظاهرة في حق النساء الذميات وليس للذميات أن يطلعن على الزينة الباطنة.\n(٥) وكذلك الصبي المميز فلأنه لم يذكر في الآية جعله بعضهم كالبالغ وقال بعضهم إنه كذي المحرم كما جاء في الكافي في فقه ابن حنبل (٣/ ٦): ومن لا تمييز له من الأطفال لا يجب التستر منه في شيء لقوله تعالى ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ وفي المميز روايتان إحداهما هو كالبالغ لهذه الآية والثانية هو كذي المحرم لقوله تعالى ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ النور: ٥٩ ففرق بينه وبين البالغ. (^١)\nفإذا قيل إنه يحل له الدخول على النساء ورؤيتهن ولكن لا يبدين له إلا ما ظهر من الزينة (الوجه والكفين) كان ذلك أجمع للرأيين، فلا يُلحق بالمحرم والله لم يلحقه به في الآية، ولا يُلحق بالبالغ الذي فرق الله بينهما في الحكم في الآية الأخرى.\nيؤيد ذلك قول الإمام أحمد كما في المغني (٧/ ٧٧): قيل لأبي عبدالله متى تغطي المرأة رأسها من الغلام قال إذا بلغ عشر سنين.\n_________\n(^١) وانظر كشاف القناع ٥/ ١٢ والمبدع ٧/ ١٠ ومختصر الإنصاف والشرح الكبير ١/ ٦٣٩","vol":"1","page":267},{"text":"(٦) وكذلك المراد من قوله ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ فقد ثبت أن سائر العبيد لا يُحتجب منهم كما ثبت ذلك عن عائشة وأم سلمة ﵄ كما قال مجاهد: (كان العبيد يدخلون على أزواج النبي - ﷺ -) (^١) قال البيهقي (٧/ ٩٥): وروينا عن القاسم بن محمد أنه قال (إن كانت أمهات المؤمنين يكون لبعضهن المكاتب فتكشف له الحجاب ما بقي عليه درهم فإذا قضى أرخته دونه). وقال ابن حجر في فتح الباري (٥/ ٢٦٥): وفيه دليل على أن عائشة كانت ترى ترك الاحتجاب من العبد سواء كان في ملكها أو في ملك غيرها لأنه كان مكاتب ميمونة. اهـ\nفلما كان قوله ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ يدل على أن من أبيح له النظر إلى الزينة الباطنة من المرأة من العبيد؛ هو من كان في ملك المرأة من غير أولي الإربة الذين لم يظهروا على عورات النساء (^٢)؛ دل ذلك على أن غيره من العبيد لا يبدى لهم من الزينة إلا ما ظهر منها (الوجه والكفين).\n_________\n(^١) مصنف عبد الرزاق ٨/ ٤١٢ (١٥٧٤٢).\n(^٢) بعد أن ذكر من يحل لهم الدخول على المرأة من محارمها؛ ذكر النساء (أو نسائهن) ليكون فاصلا بين المحارم وبين من يشترط فيهم أن يكونوا من غير أولي الأربة فقال تعالى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ قال القرطبي في تفسيره (١٢/ ٢٣٧): \"وقد قيل إن التقدير: أو ما ملكت أيمانهن من غير أولي الإربة، أو التابعين غير أولي الإربة () \".اهـ يؤكد ذلك قرينة في الآية وهي قوله تعالى ﴿مِنَ الرِّجَالِ﴾ ... فلو لم تكن الصفة ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ عائدة على كلا النوعين (ملك اليمين والتابعين) لما كان لقوله ﴿مِنَ الرِّجَالِ﴾ فائدة، وكذلك قوله ﴿الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ عائدة على ملك اليمين يؤيد ذلك قوله ﴿الَّذِينَ﴾ للجمع بعد قوله ﴿أَوِ الطِّفْلِ﴾ بصفة الإفراد وذلك لبيان عطف ما بعدها على ما قبلها من الرجال، فلا بد أن تعود ﴿الَّذِينَ﴾ على آخرين مع الطفل ولا يكون إلا أقرب مذكور وهم ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ فيكون التقدير والله أعلم: (أو ما ملكت أيمانهن غير أولي الإربة من الرجال؛ الذين لم يظهروا على عورات النساء، أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال؛ الذين لم يظهروا على عورات النساء، أو الأطفال؛ الذين لم يظهروا على عورات النساء) إذ إنه لو لم يكن كذلك لجاء نعت الطفل مفردا (أو الطفل الذي) أو جاء المنعوت بالجمع (أو الأطفال) كما جاءت في قوله تعالى ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾.","vol":"1","page":268},{"text":"- عن سعيد بن جبير في قوله ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ ... قال: يعني عبد المرأة، لا يحل لها أن تضع جلبابها عند عبد زوجها. (^١)\n- الثاني عشر: ومما يؤيد أن المراد بمن يحل له رؤية الزينة الظاهرة (الوجه والكفين) في هذه الآية هم من يحل لهم الدخول على المرأة والنظر إليها دون حجاب من العبيد ونحوهم؛ إجماع أئمة المفسرين على تفسير آية إدناء الجلابيب بتغطية الوجه للنساء الحرائر دون ذكر للتعارض بين الآيتين، فلا يسوغ أن يُحمل تأويلهم لجواز إظهار الوجه والكفين في هذه الآية؛ ووجوب\n_________\n(^١) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٧٧ (١٤٤١٩).","vol":"1","page":269},{"text":"تغطيتهما في آية الأحزاب على نفس الفئة من الرجال! إذ لو كان كذلك لبيّنوا وجه هذا التعارض!\nوإليك بعض النماذج من أقوال المفسرين المتقدمين في تفسير هذه الآية، وأقوالهم في تفسير آية الأحزاب:\n* ابن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ) ١٨/ ١١٧: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال عني بذلك الوجه والكفان يدخل في ذلك إذا كان كذلك الكحل والخاتم والسوار والخضاب.\nثم قال في تفسير آية الحجاب في سورة الأحزاب: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ قال: لا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن فكشفن شعورهن ووجوههن، ولكن ليدنين عليهن من جلابيبهن ... فقال بعضهم هو أن يغطين وجوههن ورؤوسهن فلا يبدين منهن إلا عينا واحدة.\n* أبو بكر الجصاص (ت ٣٧٠ هـ) في أحكام القرآن ٥/ ١٧٢ - ١٧٣: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال أصحابنا المراد الوجه والكفان لأن الكحل زينة","vol":"1","page":270},{"text":"الوجه والخضاب والخاتم زينة الكف فإذ قد أباح النظر إلى زينة الوجه والكف فقد اقتضى ذلك لا محالة إباحة النظر إلى الوجه والكفين.\nثم قال في تفسير آية الحجاب في سورة الأحزاب: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ قال في هذه الآية دلالة على أن المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيين. (^١)\n* الثعلبي (ت ٤٢٧ هـ) ٧/ ٨٧ - ٨٨: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الخفيّة التي أُمرن بتغطيتها ولم يبح لهنّ كشفها في الصلاة وللأجنبيين وهي ما عدا الوجه والكفّين وظهور القدمين.\nثم قال في تفسير آيتي الحجاب في سورة الأحزاب: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ أي يرخين أرديتهن وملاحفهن فيتقنّعن بها ويغطّين وجوههن ورؤوسهن. (^٢)\n* الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) ٢/ ٧٦١: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ يعني الخلخالين والقرطين والقلائد والدمالج ونحوها مما يخفى ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ وهو الثياب والكحل والخاتم والخضاب والسوار فلا يجوز للمرأة أن تظهر إلا وجهها ويديها إلى نصف الذراع.\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٢٤٥\n(^٢) تفسير الثعلبي ٨/ ٦٤","vol":"1","page":271},{"text":"ثم قال في تفسير آية الحجاب في سورة الأحزاب: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ جمع جلباب، وهو الملاءة التي تشتمل بها المرأة، قال المفسرون: يغطين رءوسهن ووجوهن إلا عينا واحدة، فيعلم أنهن حرائر، فلا يعرض لهن بأذى. (^١)\nولذلك فإن من الخطأ أن نحمل أقوال المفسرين في تفسير الزينة الظاهرة على أن المراد بها ما تظهره المرأة الحرة لمن يجب عليها الاحتجاب منهم من الرجال الأحرار الأجانب؛ وهم قد فسروا آية إدناء الجلابيب بأنها تفيد وجوب تغطية وجه المرأة الحرة عن الرجال الأحرار الأجانب، لأن في ذلك حمل الآيتين على معنيين وحكمين متعارضين!\nوخلاصة هذا المبحث أن المراد بمن لا تُظهر المرأة الحرة زينتها لهم (إلا ما ظهر منها) المفسرة بـ (الوجه والكفين بما فيهما من الزينة كالخاتم والسوار) هم من يحل لهم الدخول على المرأة والنظر إليها دون حجاب ممن لم يستثن في الآية وهم: العبيد المملوكون للغير، والعبد المملوك والتابع إذا كان من أولي الإربة، والذين لم يبلغوا الحلم من الأحرار (الصبية المميزين) والنساء غير المسلمات، والمحارم بالمصاهرة والرضاع، والعم والخال، فهؤلاء تظهر لهم بثيابها الظاهرة (بردائها أو ملحفتها وخمارها ضاربة به على جيبها)، أما من استثني في الآية (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن ...) فهؤلاء تضع عندهم الرداء فتبرز لهم\n_________\n(^١) التفسير الوسيط ٣/ ٤٨٢.","vol":"1","page":272},{"text":"بخمارها دون أن تضرب به على جيبها، فيرون منها الزينة الباطنة (كالقرط والقلادة والطوق في النحر) هذا كل ما تعنيه الآية، وبذلك يتبين بطلان الاستدلال بقوله تعالى ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ المفسر بالوجه والكفين؛ على جواز كشف وجه المرأة الحرة للرجال الأحرار الأجانب.\n- وقبل إنهاء هذا المبحث لابد من الإجابة على هذا التساؤل:\n\nما صحة القول بأن<span data-type=\"title\" id=toc-88> عورة المرأة عند النساء والمحارم </span>من السرة إلى الركبة؟\nأنكر الشيخ الألباني على من قال بأن عورة المرأة مع المرأة ما بين السرة والركبة؛ وقال: مع أن هذا القول لا أصل له في الكتاب والسنة بل هو خلاف قوله تعالى في آية النور ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ إلى قوله ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ فإن المراد مواضع الزينة، وهي: القرط والدملج والخلخال والقلادة، وهذا باتفاق علماء التفسير وهو المروي عن ابن مسعود .. فهذا النص القرآني صريح في أن المرأة لا يجوز لها أن تبدي أمام المسلمة أكثر من هذه المواضع. اهـ\nفالقول بأن (عورة المرأة مع المرأة كعورة الرجل مع الرجل)؛ قول غير صحيح، إذ لم يدل عليه حديث صحيح ولا ضعيف. بل دلت نصوص الكتاب والسنة على خلاف ذلك؛ فإن الله تعالى في آية النور ذكر النساء بعد ذكر المحارم وقبل ذكر غير أولي الإربة من الرجال، فحكم النساء مع النساء حكم ما ذكر قبلهن وما ذكر","vol":"1","page":273},{"text":"بعدهن في الآية، وحدود الزينة التي تبدى لهم تنحصر في الوجه والكفين والقدمين بما فيها من الزينة.\nقال البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٩٤): باب ما تبدي المرأة من زينتها للمذكورين في الآية من محارمها: أخبرنا أبو زكريا ... عن ابن عباس ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ والزينة التي تبديها لهؤلاء الناس قرطاها وقلادتها وسواراها فأما خلخالها ومعضدتها ونحرها وشعرها فلا تبديه إلا لزوجها. وروينا عن مجاهد أنه قال يعني به القرطين والسالفة والساعدين والقدمين وهذا هو الأفضل ألا تبدي من زينتها الباطنة شيئا لغير زوجها إلا ما يظهر منها في مهنتها.\nولو سلمنا جدلا أن عورة المرأة مع المرأة كعورة الرجل مع الرجل (ما بين السرة والركبة) فإن هذا القول يستدل به في أحكام العورات لا في أحكام اللباس!\nقال الشيخ محمد العثيمين: يجب أن نعلم أن العورة ليست هي مقياس اللباس ... اللباس شيء والعورة شيء آخر. ولذلك يجب على المرأة أن تلبس اللباس الشرعي الذي يكون ساترًا، فقد كان لباس نساء الصحابة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من الكف إلى الكعب في بيوتهن، أي من كف اليد إلى كعب الرجل، هذا بالنسبة للمرأة المكتسية، فإن رفعت اللباس فهي من الكاسيات العاريات. أما بالنسبة للمرأة الناظرة فإنه لا يجوز لها أن تنظر عورة المرأة، يعني لا يجوز أن تنظر ما بين السرة إلى الركبة، مثل أن تقضي حاجتها فلا يجوز للمرأة","vol":"1","page":274},{"text":"أن تنظر إليها، لأنها تنظر إلى العورة، أما ما فوق السرة أو دون الركبة، إذا كانت المرأة لابسة لباس حشمة فكشفت عنه لحاجة مثل أنها رفعت ثوبها تريد أن تغسل الساق وعندها امرأة أخرى فهذا لا بأس به، أو أخرجت ثديها لترضع طفلها أمام النساء فإنه لا بأس، لكن لا يفهم من قولنا هذا كما تفهم بعض النساء الجاهلات؛ أن المعنى أن المرأة تلبس من الثياب ما يستر ما بين السرة والركبة فقط، هذا غلط عظيم على كتاب الله وعلى سنة رسول الله - ﷺ - وعلى شريعة الله وعلى سلف هذه الأمة. فالحديث يبين أن المرأة لا تنظر إلى عورة المرأة، فيخاطب الناظرة دون اللابسة، أما اللابسة فيجب أن تلبس ثيابًا ساترة كما كانت تلبس نساء الصحابة من الكف إلى الكعب. فهناك فرق بين اللباس وبين النظر. (^١) اهـ\n* ومما يشهد لذلك ما صح عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - \"صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا\" (^٢)\nقال ابن عبد البر في الاستذكار (٨/ ٣٠٧): فكل ثوب يصف ولا يستر فلا يجوز لباسه بحال إلا مع ثوب يستر ولا يصف فإن المكتسية به عارية.\n_________\n(^١) انظر مجموعة أسئلة تهم الأسرة المسلمة / ٦٠ - ٦٢، ٨٣.\n(^٢) صحيح مسلم ٣/ ١٦٨٠ (٢١٢٨)","vol":"1","page":275},{"text":"قال النووي في شرحه على صحيح مسلم (١٤/ ١١٠): وقيل معناه تستر بعض بدنها وتكشف بعضه إظهارا لجمالها، وقيل تلبس ثوبا رقيقا يصف لون بدنها.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٢/ ١٤٦): وقد فسر قوله (كاسيات عاريات) بأن تكتسي ما لا يسترها فهي كاسية وهي في الحقيقة عارية مثل من تكتسي الثوب الرقيق الذي يصف بشرتها أو الثوب الضيق الذي يبدي تقاطيع خلقها مثل عجيزتها وساعدها ونحو ذلك وإنما كسوة المرأة ما يسترها فلا يبدي جسمها ولا حجم أعضائها لكونه كثيفا واسعا.\n* ومما يشهد لذلك أيضا ما ورد عن أسامة بن زيد قال: (كساني رسول الله - ﷺ - قبطية (^١) كثيفة مما أهداها له دحية الكلبي فكسوتها امرأتي فقال: ما لك لم تلبس القبطية؟ قلت: كسوتها امرأتي فقال: مرها فلتجعل تحتها غلالة (^٢) فإني أخاف أن تصف حجم عظامها) (^٣).\nقال الألباني في جلباب المرأة /١٣١: فقد أمر - ﷺ - بأن تجعل المرأة تحت القبطية غلالة - وهي شعار يلبس تحت الثوب - ليمنع بها وصف بدنها والأمر يفيد الوجوب كما تقرر في الأصول.\n_________\n(^١) قبطيّة: ثوب من ثياب مصر رقيقة بيضاء (لسان العرب ٧/ ٣٧٣)\n(^٢) الغلالة: الثوب الذي يلبس تحت الثياب (اللسان ١٠/ ١٠٨) وقيل: بطائن تلبس تحت الدروع.\n(^٣) مسند أحمد بن حنبل ٥/ ٢٠٥ (٢١٨٣٤) حسن إسناده ضياء الدين المقدسي في الأحاديث المختارة ٤/ ١٤٩، وابن حجر في المطالب العالية (١٠/ ٣١٨) والألباني في جلباب المرأة /١٣١.","vol":"1","page":276},{"text":"* وما ثبت عن هند بنت الحارث، عن أم سلمة ﵂ قالت: استيقظ النبي - ﷺ - من الليل وهو يقول\" لا إله إلا الله، ماذا أُنزل الليلة من الفتنة؟ ماذا أُنزل من الخزائن؟ من يوقظ صواحب الحجرات؟ كم من كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة\" قال الزهري: وكانت هند لها أزرار في كميَّها بين أصابعها. (^١) قال ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ٣٠٣): لأنها كانت تخشى أن يبدو من جسدها شيء بسبب سعة كميَّها فتدخل في قوله - ﷺ - \" كاسية عارية\".\n* قال الباجي في المنتقى (٧/ ٢٢٤): (كاسيات عاريات) ذلك لمعنيين: أحدهما: الخفة فيشف عما تحته ... ويحتمل أن يريد به الثوب الرقيق الصفيق الذي لا يستر الأعضاء بل يبدو حجم.\n* قال الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية سابقا (٢/ ١٥٩): وقد صرح الفقهاء ﵏ بالمنع من لبس ما يصف اللين والخشونة والحجم، كما صرحوا بمنع المرأة من شد وسطها مطلقًا (^٢)، لأنه يبين حجم عجيزتها وتبين به مقاطع بدنها. قالوا: ولا تضم المرأة ثيابها حال قيامها لأنه يبين به تقاطيع بدنها فتشبه الحزام، وهذه الألبسة أبلغ من الحزام وضم الثياب حال القيام وأحق بالمنع منه. (^٣)\n_________\n(^١) صحيح البخاري ٥/ ٢١٩٨ (٥٥٠٦).\n(^٢) كما جاء في كشاف القناع (١/ ٢٧٧) ومطالب أولي النهى (١/ ٣٤٥): وأطلق في المبدع والتنقيح والمنتهى أنه يكره لها شد وسطها؛ ولا تضم المرأة ثيابها حال قيامها لأنه يبين فيه تقاطيع بدنها فيشبه الحزام.\n(^٣) فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، الطبعة الأولى ١٣٩٩ هـ. .","vol":"1","page":277},{"text":"ــ:: البحث العاشر:: ــ\nقال الشيخ الألباني: هل يجب على النساء أن يسترن وجوههن لفساد الزمان وسدًا للذريعة؟ هذا السؤال يطرحه اليوم الذين جاؤوا من بعد الأئمة وهو قولهم: \" بشرط أمن الفتنة\" وإلا وجب عليها سترهما، ونسب أحدهم ذلك إلى اتفاق الأئمة ﵃! ولذلك لم يعرِّج على الشرط المذكور أحد كبار أتباع أبي حنيفة من المتأخرين، وهو المجتهد محمد بن أحمد السرخسي فصرّح تبعًا لأبي حنيفة وصاحبيه والطحاوي كما تقدم بإباحة النظر إلى الأجنبيات مع أنه ذكر أن حرمة النظر لخوف الفتنة وأن الفتنة في النظر إلى وجهها أكثر منه إلى سائر أعضائها فقال في كتابه\" المبسوط\" (١٠/ ١٥٢): \"ولكنا نأخذ بقول علي وابن عباس ﵃ فقد جاءت الأخبار في الرخصة بالنظر إلى وجهها وكفيها إذا لم يكن النظر عن شهوة فإن كان يعلم أنه إن نظر اشتهى لم يحلل له النظر إلى شيء منها\".","vol":"1","page":278},{"text":"ــ::<span data-type=\"title\" id=toc-90> مناقشة البحث العاشر::</span> ــ\n(١) الإمام السرخسي ممن يقول بالفرق بين الحرائر والإماء في الحجاب: فقد قال في كتابه المبسوط في الصفحة السابقة للصفحة للتي أشار إليها الشيخ الألباني (١٠/ ١٥١): وأما النظر إلى إماء الغير والمدبرات وأمهات الأولاد والمكاتبات فهو كنظر الرجل إلى ذوات محارمه لقوله تعالى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الآية فأمر الله تعالى الحرائر باتخاذ الجلباب ليعرفن به من الإماء.\n(٢) ننقل قول الإمام السرخسي بتمامه ليتبين مراده؛ قال الإمام السرخسي في المبسوط (١٠/ ١٥٢): (ولكنا نأخذ بقول علي وبن عباس رضي الله تعالى عنهما فقد جاءت الأخبار في الرخصة بالنظر إلى وجهها وكفها ... وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه يباح النظر إلى قدمها أيضا وهكذا ذكر الطحاوي لأنها كما تبتلى بإبداء وجهها في المعاملة مع الرجال وبإبداء كفها في الأخذ والإعطاء تبتلى بإبداء قدميها إذا مشت حافية أو منتعلة وربما لا تجد الخف في كل وقت، وذكر في جامع البرامكة عن أبي يوسف أنه يباح النظر إلى ذراعيها أيضا لأنها في الخبز وغسل الثياب تبتلى بإبداء ذراعيها أيضا).اهـ\nفقد ذكر الشيخ الألباني اجتهاد السرخسي في إباحته للنظر إلى الوجه والكفين؛ ولم يذكر اجتهاده في إباحته للنظر إلى القدمين والذراعين!! وهذا يكشف أن مراد الإمام السرخسي هو ما يباح إبداؤه لمن يحل له الدخول على المرأة والنظر إليها دون حجاب من العبيد والأتباع، وليس مراده جواز كشف ذلك","vol":"1","page":279},{"text":"لمن يجب عليها الاحتجاب منهم من الرجال الأحرار الأجانب، ومما يبعد أن يكون مراده فيما سبق إطلاق جواز النظر إلى الوجه والكفين من المرأة الحرة للرجال الأحرار الأجانب: قول السرخسي في المبسوط (٢/ ٤١):\n(قال) -الإمام أبو حنيفة - (وليس على النساء خروج في العيدين وقد كان يرخص لهن في ذلك فأما اليوم فإني أكره ذلك) يعني للشواب منهن فقد أمرن بالقرار في البيوت ونهين عن الخروج لما فيه من الفتنة، فأما العجائز فيرخص لهن في الخروج إلى الجماعة لصلاةالمغرب والعشاء والفجر والعيدين، ولا يرخص لهن في الخروج لصلاة الظهر والعصر والجُمَع في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى يرخص للعجائز في حضور الصلوات لأنه ليس في خروج العجائز فتنة والناس قل ما يرغبون فيهن وقد كن يخرجن إلى الجهاد مع رسول الله يداوين المرضى ويسقين الماء ويطبخن. وأبو حنيفة قال في صلوات الليل: تخرج العجوز مستترة، وظلمة الليل تحول بينها وبين نظر الرجال إليها بخلاف صلوات النهار.\n(٣) أما قول الشيخ الألباني (هل يجب على النساء أن يسترن وجوههن لفساد الزمان وسدًا للذريعة؟) فإن من قال بذلك من الفقهاء الأعلام على اختلاف مذاهبهم وجلالة قدرهم؛ فمرادهم ستر ذلك حال جواز الكشف والنظر؛ أي ستر الإماء لوجوههن، وستر وجوه الحرائر عمن يحل له النظر إليهن من العبيد المملوكين ونحوهم خشية الفتنة وسدًا للذريعة؛ أما ستر وجه المرأة الحرة عمن يجب عليها الاحتجاب منهم من الرجال الأحرار الأجانب عنها؛ فهو","vol":"1","page":280},{"text":"واجب وفرض افترضه الله عليها بقوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ وليس الذي أوجبه عليها فساد الزمان وسد الذريعة.\n* فقهاء المذهب الحنبلي\n- المرداوي في الإنصاف (ت ٨٨٥ هـ) (٨/ ٢٦): قلت الصواب أن - الأمة- الجميلة تنتقب وأنه يحرم النظر إليها كما يحرم النظر إلى الحرة الأجنبية. اهـ\n* فقهاء المذهب الشافعي\n- غاية البيان للرملي (ت ١٠٠٤ هـ) (١/ ٢٤٧): وقضية كلام الناظم حرمة نظر الرجل الفحل - من العبيد - إلى وجه المرأة الأجنبية وكفيها عند أمن الفتنة وهو كذلك كما في المنهاج، لاتفاق المسلمين على منع النساء من الخروج سافرات الوجوه. (^١)\n- حاشية قليوبي على شرح منهاج الطالبين (ت ١٠٦٩ هـ) (٣/ ٢٠٩): قوله (لأن النظر إلخ) فيحرم عليهن الخروج سافرات الوجوه لأنه سبب للحرام.\n_________\n(^١) قال الرملي الشهير بالشافعي الصغير في نهاية المحتاج (٦/ ١٨٧): وما نقله الإمام من الاتفاق على منع النساء، أي منع الولاة لهن. اهـ والمراد به كما أسلفنا منع من لم يفرض عليهن الحجاب وهن الإماء لخوف الفتنة بهن فاتفقوا على منعهن من الخروج سافرات.","vol":"1","page":281},{"text":"* فقهاء المذهب الحنفي\n- البحر الرائق لابن نجيم (ت ٩٧٠ هـ) (٢/ ٣٨١) والدر المختار (١/ ٤٠٥): تمنع المرأة الشابة من كشف وجهها بين الرجال في زماننا للفتنة. وفي فتاوي قاضيخان: ودلت المسألة على أنها لا تكشف وجهها للأجانب من غير ضرورة.\n- مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر لعبد الرحمن الكليبولي المدعو شيخي زادة (ت ١٠٧٨ هـ) (١/ ١٢٢): وفي المنتقى تمنع الشابة عن\nكشف وجهها لئلا يؤدي إلى الفتنة، وفي زماننا المنع واجب بل فرض لغلبة الفساد.\n* فقهاء المذهب المالكي\n- مواهب الجليل للخطاب (ت ٩٥٤ هـ) (١/ ٤٩٩): واعلم أنه إن خشي من المرأة الفتنة يجب عليها ستر الوجه والكفين قاله القاضي عبد الوهاب ونقله عنه الشيخ أحمد زروق في شرح الرسالة وهو ظاهر التوضيح فهذا ما يجب عليها.\n- الفواكه الدواني للنفراوي (ت ١١٢٥ هـ) (٢/ ٢٧٧): اعلم أن المرأة إذا كان يخشى من رؤيتها الفتنة وجب عليها ستر جميع جسدها حتى وجهها وكفيها ... وأقول الذي يقتضيه الشرع وجوب سترها وجهها في هذا الزمان.","vol":"1","page":282},{"text":"ــ:: الخاتمة للشيخ الألباني:: ــ\nقال الشيخ الألباني: هذا، ولا بد لي في هذه الخاتمة من لفت النظر إلى أن التشدد في الدين شر لا خير فيه. قال - ﷺ -: \" إن الدين يسير، ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه، فسدِّدوا وقاربوا ... \" وإني لأعتقد أن مثل هذا التشديد على المرأة لا يمكن أن يخرج لنا جيلًا من النساء يستطعن أن يقمن بالواجبات الملقاة على عاتقهن في كل البلاد والأحوال مع أزواجهن وغيرهم، ممن تحوجهم الظروف أن يتعاملن معهم، كما كن في عهد النبي - ﷺ -، كالقيام على خدمة الضيوف، وإطعامهم، والخروج في الغزو، يسقين العطشى، ويداوين الجرحى، وينقلن القتلى، وربما باشرن القتال بأنفسهن عند الضرورة، فهل يمكن للنسوة أن يباشرن مثل هذه الأعمال وهن منقبات ومتقفزات؟ لا وربي، فإن ذلك مما لا يمكن إلا بالكشف عن (إلا ما ظهر منها) كما سنرى في بعض الأمثلة الشاهدة لما كان عليه النساء في عهد النبي - ﷺ - ... وعلى هذا المنهج النبوي الكريم يجب على المشايخ والدعاة أن يقوموا بتربية الناس رجالًا ونساءً، ولن يستطيعوا ذلك إلا إذا تعرفوا على السنة، والسيرة النبوية الصحيحة التي تشمل: قوله - ﷺ -، وفعله، وتقريره، وما كان عليه سلفنا الصالح مما صح عنهم، فإن فقه العالم لا يستقيم إلا بهذا كله، مستعينًا على ذلك بأقوال الأئمة المجتهدين والعلماء المحققين وإلا حاد عن الحق وسبيل المؤمنين، والله در شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حين نبَّه على هذا بقوله:\n\" والمنقول عن السلف والعلماء يحتاج إلى معرفة ثبوت لفظه ودلالته، كما يحتاج إلى ذلك المنقول عن الله ورسوله\".","vol":"1","page":283},{"text":"ــ:: مناقشة الخاتمة:: ــ\n(١) بعدما تبين خطأ الشيخ الألباني فيما ذهب إليه من جواز كشف وجه المرأة الحرة وكفيها للرجال الأحرار الأجانب، وثبت أن تغطية الوجه فرض افترضه الله عليها؛ تبين الخطأ في تسمية ذلك غلوا وتشددا!! فإن التشدد المنهي عنه هو أن يجهد العبد نفسه في الطاعات حتى يعجز وينقطع، وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة فإنه من الأمور المحمودة (^١)، فكيف إذا كان العمل بما هو فرض وواجب؟! بل إن الشيخ الألباني مع قوله بجواز الكشف؛ قال بأن تغطية الوجه هي الأفضل كقوله في الرد المفحم (ص: ١٠٩): (قد قررنا مرارا أن تغطية المرأة وجهها هو الأفضل) فكيف يوصف التمسك بالأفضل بأنه غلو وتشدد!!\n(٢) أما قوله: (الأدلة القاطعة بجريان العمل بكشف الوجه في القرون المشهود لها بالخيرية، وشهادة فضلاء الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين بجواز ذلك)\nفقد بيّنا أن ما جرى من كشف من النساء بعد نزول الحجاب كان بسبب كونهن من الإماء المملوكات اللاتي لم يفرض عليهن الحجاب، أوكشف النساء الحرائر للعبيد المملوكين الذين لم يفرض عليهن الشرع الاحتجاب منهم، إذ لم يرد في حديث صحيح ولا ضعيف أن امرأة من النساء الحرائر كشفت وجهها للرجال الأحرار الأجانب منذ أن نزل الحجاب، بل إن الذي جرى عليه العمل\n_________\n(^١) كما قال ابن حجر في الفتح ١/ ٩٤.","vol":"1","page":284},{"text":"وظاهر القرآن والسنة والإجماع يدل على وجوب تغطية وجه المرأة الحرة لوجهها من الرجال الأحرار الأجانب.\n(٣) أما قوله إن الحجاب فيه تعسير ومشقة، وأنه عائق دون قيام المرأة بواجباتها!! فيقال أليس من أمر المرأة بالقيام بواجباتها هو من أمرها بالحجاب؟! وجعل دائرة واجباتها تنحصر في بيتها؛ من رعاية شؤون بيتها وتربية أبنائها والقيام بحق زوجها (والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها) وهذا كله لم يكن الحجاب حائلا دون شيء منه، بل إن من فرض عليها الحجاب أمرها بالقرار في بيتها ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ فأعفاها من الجمع والجماعات وأوجب نفقتها على وليّها قطعا لأسباب الخروج. قال القرطبي في تفسيره (١٤/ ١٧٩): والشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن والانكفاف عن الخروج منها إلا لضرورة.\nومنذ أن فرض الله الحجاب؛ والمرأة المتحجبة تقوم بدورها في بيتها وأسرتها بل ومجتمعها أحسن القيام، فلم تتعطل حركة السير ولم تتوقف دفة القيادة! بل إن الحياة الأسرية أفضل ما تكون في الأسر المحافظة، بخلاف الأسر التي سارعت نساؤها إلى هتك الحجاب وأهملن بيوتهن وخرجن يطالبن مساواتهن بالرجال!!!\nوأما قوله بأن غطاء الوجه عائق دون القيام بما قد تضطر إليه المرأة من خدمة الضيوف وإطعامهم ... فإن الذي يحول دون المرأة وخدمة الرجال والاختلاط بهم ليس غطاء الوجه، وإنما الوقوف عند قوله تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ثم هل غاية التيسير على المرأة والسماحة والرفق","vol":"1","page":285},{"text":"بها؛ أن تكشف وجهها لتعمل خادمة للضيفان وتزاول الشاق من الأعمال؟!! فليست القضية قضية هل تستطيع المرأة مباشرة تلك الأعمال وهي منتقبة! فقد رأينا في زماننا هذا البارعات في الطب وهن من المنتقبات، بل إن أدق الأعمال وأصعبها لا يزاولها الرجال إلا باللثام (^١)، ولكن القضية هل من الضرورة خروج المرأة واختلاطها بالرجال لمزاولة تلك الأعمال؟!!\n(٤) استشهد ببعض الأمثلة كشاهد لما كان عليه النساء في عهد النبي - ﷺ -؛ ولكن استشهاده ليس فيه حجة على جواز الكشف للنساء الحرائر؛ وذلك لكون النساء الكاشفات من الإماء اللاتي لم يفرض عليهن الحجاب، أو لكون ما استشهد به كان قبل نزول الحجاب، ولذلك لم يستشهد بهذه الأمثلة ضمن أدلته التي استشهد بها مسبقا!! وإليك هذه الأمثلة والجواب عليها:\n١ - عن سهل بن سعد قال: \"لما عرَّس أبو أسيد الساعدي دعا النبي - ﷺ - وأصحابه، فما صنع لهم طعامًا ولا قدمه إليهم إلا امرأته أم أسيد ... فكانت امرأته يومئذ خادمهم، وهي العروس\" رواه البخاري ومسلم\nقال النووي في شرحه على صحيح مسلم (١٣/ ١٧٧): هذا محمول على أنه كان قبل الحجاب. اهـ\nكما أن امرأته هذه قد تكون من الإماء ولذلك كانت يومئذ خادمهم.\n_________\n(^١) كالخوذة في القتال، والكمامات للأطباء، والمهندسين في المصانع.","vol":"1","page":286},{"text":"٢ - عن أسماء بنت أبي بكر قالت: \"تزوجني الزبير وما له غير الأرض من مال ولا شيء غير فرسه ... فلقيت رسول الله - ﷺ - ومعه نفر من أصحابه، فدعاني، ثم قال: \"إخ إخ\". ليحميني خلفه، قالت: فاستحييت\". أخرجه البخاري ومسلم\nوهذا مع أن ليس فيه أنها كانت كاشفة إلا أنه محمول على ما كان قبل الحجاب ولذلك لم يستشهد به أحد من أهل العلم على جواز النظر أو الكشف، يؤكد ذلك ما أسلفنا مما روته أسماء (كنا نغطي وجوهنا من الرجال) (فخرجت متلفعة بقطيفة) ولذلك قال ابن حجر في فتح الباري (٩/ ٣٢٤): والذي يظهر أن القصة كانت قبل نزول الحجاب ومشروعيته ... ولم تزل عادة النساء قديما وحديثا يسترن وجوههن عن الأجانب.\n٣ - عن جابر: \" أن النبي - ﷺ - أتى امرأة من الأنصار، فبسطت له عند صور ورشت حوله وذبحت شاة، وصنعت له طعامًا فأكل وأكلنا معه\".\nوهذا أيضا مع أنه ليس فيه دلالة على أنها كانت كاشفة على مرأى منهم؛ إلا أنه محمول على ما قبل الحجاب، أو أنها كانت من الجواري المملوكات، ولذلك لم يستشهد به أحد من أهل العلم على جواز النظر أو الكشف.\n٤ - عن أنس قال: \" لما كان يوم أحد ... رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سُليم، وإنهما لمشمِّرتان أرى خدم سوقهما (يعني: الخلاخيل) تنفران (أي: تحملان) القِرَب على متونهما تفرغانه في أفواه القوم ... أخرجه الشيخان.\nقال ابن حجر في فتح الباري (٦/ ٧٨): وهذه كانت قبل الحجاب.","vol":"1","page":287},{"text":"فقد جاء التصريح فيه بأن هذا كان في غزوة أحد التي كانت قبل الحجاب!!\n٥ - عن الرُّبيِّع بنت معوذ قالت: \" كنا نغزو مع النبي - ﷺ -، فنسقي القوم، ونخدمهم، ونردُّ الجرحى والقتلى إلى المدينة\". أخرجه البخاري\n٦ - عن أم عطية قالت: \" غزوت مع رسول الله - ﷺ - سبع غزوات، أخلفهم في رحالهم، فأصنع لهم الطعام وأداوي الجرحى وأقوم على المرضى\" أخرجه مسلم.\nمع أنه ليس في هذين الأثرين حجة على جواز الكشف إذ أن هذا يمكن القيام به مع تغطية الوجه بالبرقع واللثام؛ إلا أن اللاتي كن يشاركن معهم في الغزو للقيام على خدمتهم؛ العجائز والمتجالات من الإماء، كأم عطيّة، والربيّع بنت معوّذ، وأم سليم، وفي هذا شاهد أن لكل جنس وظائف تختص به، فكانت وظيفة النساء في الغزو إعداد الطعام، ومداواة الجرحى، وقد روى المروزي في السنة ١/ ٤٨ (١٥١): أن الربيّع قالت \"كنا نغزو ولا نقاتل\" وقال ابن حجر في فتح الباري (٦/ ٧٨): ولم أر في شيء من ذلك التصريح بأنهن قاتلن. اهـ\nقال الإمام السرخسي في المبسوط (٢/ ٤١): وقال أبو يوسف ومحمد يرخص للعجائز في حضور الصلوات كلها لأنه ليس في خروج العجائز فتنة، وقد كن يخرجن إلى الجهاد مع رسول الله يداوين المرضى ويسقين الماء ويطبخن.\n٧ - عن أنس: \" أن أم سليم اتخذت يوم حنين خنجرًا، فرآها أبو طلحة. فقال: يا رسول الله! هذه أم سليم معها خنجر! فقال لها رسول الله: \" ما هذا الخنجر؟ \"","vol":"1","page":288},{"text":"قالت: اتخذته إن دنا أحد من المشركين بقرت به بطنه\" وفي رواية: \" كان يغزو بأم سليم ونسوة من الأنصار معه إذا غزا، فسيقين الماء ويداوين الجرحى\".\nأما اتخاذ أم سليم يوم حنين خنجرًا، فإن إخبار أبي طلحة لرسول الله - ﷺ - بذلك دال على أن حمل السلاح غير مستساغ للنساء، ولذلك سألها رسول الله - ﷺ - منكرا \" ما هذا الخنجر؟ فبينت أنها لم تتخذه للمشاركة في القتال مع الرجال. وانظر إلى رأي السرخسي الحنفي الإمام المجتهد الذي احتج الشيخ الألباني بقوله آنفا؛ ماذا يقول في حج المرأة الذي قيل إنه جهادها:\nقال الإمام السرخسي في المبسوط (٤/ ٣٣): ولا رمل عليها في الطواف بالبيت ولا بين الصفا والمروة لأن الرمل لإظهار التجلد والقوة والمرأة ليست من أهل القتال لتظهر الجلادة من نفسها ولا يؤمن أن يبدو شيء من عورتها في رملها وسعيها أو تسقط لضعف بنيتها فلهذا تمنع من ذلك وتؤمر بأن تمشي مشيا ... وكذلك لا تستلم الحجر إذا كان هناك جمع لأنها ممنوعة عن مماسة الرجال والزحمة معهم فلا تستلم الحجر إلا إذا وجدت ذلك الموضع خاليا عن الرجال.\nأما ما استشهد به الشيخ الألباني على جريان الأمر على هذا المنوال بعد وفاته - ﷺ - فكلها آثار لا تصح ولا تقوم بها حجة.\nالأول: عن مهاجر الأنصاري: \" أن أسماء بنت يزيد الأنصارية شهدت اليرموك مع الناس، فقتلت سبعة من الروم بعمود فسطاط ظلتها\".","vol":"1","page":289},{"text":"وليس في هذا ما يحتج به على جواز الكشف! علاوة على ضعف إسناده لأن مدار هذا الأثر على مهاجر الأنصاري وهو مولى (مملوك) لأسماء بنت يزيد قال عنه ابن حجر في تقريب التهذيب (١/ ٥٤٨): مقبول. وقال الشيخ الألباني عقب هذا الأثر إسناده حسن! وقد أنكر على من حسن إسناد حديث نبهان مولى أم سلمة!! ثم إنه على فرض صحة إسناد هذا الأثر؛ فإن أسماء بنت يزيد لم تحمل سلاحا ولم تشارك الرجال في القتال، وإنما دافعت عن نفسها بعمود خيمتها، ولا يمكن أن يقول أحد أن من لوازم الحجاب أن تبقى المرأة مكتوفة الأيدي لا تدافع عن نفسها عندما يحصل لها مثل ذلك!\nالثاني: عن العوام بن مزاحم عن خالد بن سيحان قال: شهدت تُستر مع أبي موسى ومعنا أربع نسوة يداوين الجرحى، فأسهم لهن\" أخرجه ابن أبي شيبة بسند يحتمل التحسين.\nوهذا إسناد لا يصح ولا تقوم به حجة؛ فيه مجاهيل؛ وهم خالد بن سيحان؛ ليس له رواية عند أصحاب السنن ولا المسانيد، والعوام بن مزاحم؛ ليس ممن عرف بحمل العلم، وعلى فرض ثبوته فليس فيه حجة على جواز الكشف لأنه كما ذكرنا قد يداوين المرضى وهن منتقبات، كما يمكن أن تكون هؤلاء النسوة من العجائز المتجالات من الإماء كما أسلفنا.\nالثالث: عن عبدالله بن قرط الأزدي قال: \" غزوت الروم مع خالد بن الوليد، فرأيت نساء خالد بن الوليد ونساء أصحابه مشمرات يحملن الماء للمهاجرين يرتجزن\". أخرجه سعيد بإسناد صحيح، وله عنده طريق آخر ضعيف معضل.","vol":"1","page":290},{"text":"وهذا أيضا ليس فيه حجة لأنه لم يذكر رؤيته لوجوههن وإنما رآهن يحملن الماء وهذا من وظيفتهن في الغزوات، علاوة على أن هؤلاء النسوة قد يكن من الإماء. هذا على فرض صحة إسناده وإلا فإنه لا يصح لأنه مرسل فيه شريح بن عبيد الحضرمي وهو كما قال عنه ابن حجر في التقريب ١/ ٢٦٥: \"كان يرسل كثيرا\" وفي التهذيب ٤/ ٢٨٨: \"أنه لم يسمع من أحد من أصحاب النبي - ﷺ - \" ولذلك قال الشيخ الألباني عقبه أن له طريق آخر ضعيف معضل ولكن هل يصح تقوية المرسل بضعيف معضل؟!\nوبذلك فلا حجة فيما استشهد به الشيخ الألباني على خروج النساء الحرائر ومشاركتهن للرجال في الأعمال، فمن أشد الخطأ في حق المرأة أن ينادى بهذه المساواة؛ فهذه خديجة بنت خويلد قبل الحجاب وقبل الإسلام لم تكن تخرج بتجارتها وإنما كانت تبحث عمّن يخرج بها من الرجال، وهذه عائشة لما خرجت للكوفة كانت مستترة في الهودج على البعير يقوده الرجال ...\nوبذلك تبين أن الشيخ الألباني ﵀ قال قولا شذ فيه وجانب الحق والصواب في هذه المسألة، وخالف الأدلة والبراهين، وخالف جماهير العلماء؛ فسقطت بذلك حجته وبطل ماذهب إليه من إباحة كشف الوجه للمرأة الحرة، وإني أختم بما ختم به الشيخ الألباني وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية: \" والمنقول عن السلف والعلماء يحتاج إلى معرفة ثبوت لفظه ودلالته، كما يحتاج إلى ذلك المنقول عن الله ورسوله\".","vol":"1","page":291},{"text":"ــ::<span data-type=\"title\" id=toc-93> خاتمة الكتاب::</span> ــ\nأسأل الله حسنها، وخلاصة ما سبق من البحوث؛ أن ستر وجه المرأة الحرة أمام الرجال الأحرار الأجانب فرض وواجب على المرأة الحرة، فرضه الله عليها بقوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ يشهد لذلك الأدلة القرآنية، والأحاديث النبوية الصحيحة، وإجماع أهل العلم؛ من الصحابة والتابعين، ومن تلاهم من المفسرين، وشراح الحديث، والفقهاء، واللغويين. فالعمل به واجب تثاب عليه المرأة، وتركه حرام تعاقب عليه، فأسأل الله أن يهدي نساء المسلمين للعمل به، وأن يحفظ العاملات به من التبرج والسفور، وأن يرينا الحق حقًّا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه، ويهدينا صراطه المستقيم، وأن\nيمن على كتابي هذا بالقبول ويجعله خالصا لوجهه الكريم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.\n\nكتبته / أمل بنت محمد\nفي غرة ربيع الأول لعام / ١٤٤٠ هـ","vol":"1","page":292}]}