{"ً":{"ٌ":56,"ٍ":"التحفة الندية شرح العقيدة الواسطية - عبد الرحمن العقل","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: التحفة الندية شرح العقيدة الواسطية\nالمؤلف: د. عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل\nالناشر: مركز النخب العلمية - القصيم - بريدة\nالطبعة: الثانية، ١٤٣٧ هـ - ٢٠١٦ م.\nعدد الصفحات: ٢٢٨\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"(التحفة الندية شرح العقيدة الواسطية) هو الكتاب الثالث ضمن سلسلة شروح المنهجية العلمية التأصيلية للتميز، التي تُعنى بشرح المتون التسعة، وهي:\n١) لامِيَّة شيخ الإسلام ابن تيمية.\n٢) حائِيَّة ابن أبي داود.\n٣) العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية.\n٤) القواعد المثلى لابن عثيمين.\n٥) كتاب التوحيد لمحمد بن عبد الوهاب.\n٦) منظومة القواعد الفقهية للسعدي.\n٧) متن الورقات في أصول الفقه للجويني.\n٨) نخبة الفكر لابن حجر.\n٩) أصول في التفسير لابن عثيمين.\nمع العناية بحفظها وإتقان شرحها ومراجعتها، والمتابعة المستمرة لطالب العلم المشارك في هذه المنهجية.","ٓ":"2.0","ٔ":2973,"ٕ":1,"ٖ":1770156204,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":1},{"title":"ترجمة موجزة لشيخ الإسلام ابن تيميَّة","level":1,"page":4},{"title":"نبذة تعريفية بالعقيدة الواسطية","level":1,"page":12},{"title":"الكلام على البسملة","level":1,"page":20},{"title":"الفرق بين الحَمْد والمَدْح","level":1,"page":22},{"title":"شروط لا إله إلا الله","level":1,"page":25},{"title":"حكم مَن شهِد أن لا إله إلا الله، ولم يشهد بأن محمدًا رسول الله","level":1,"page":28},{"title":"المراد بصلاة الملائكة على الرسول أو على أحد من المؤمنين","level":1,"page":29},{"title":"الضابط في معرفة الفرقة الناجية","level":1,"page":31},{"title":"حكم من جحد ركنا من أركان الإيمان","level":1,"page":36},{"title":"الإيمان بالله: حقيقته، وما يتعلق به من مسائل","level":1,"page":37},{"title":"من آمن بوجود الله وبربوبيته ولم يؤمن بألوهيته، هل يعد مؤمنًا","level":1,"page":37},{"title":"الإيمان بالملائكة","level":1,"page":38},{"title":"هل للملائكة أجساد، أم هي أرواح فقط؟","level":1,"page":42},{"title":"الإيمان بالكتب","level":1,"page":43},{"title":"الفرق بين الإيمان بالكتب المنزلة والكتب المحرفة","level":1,"page":44},{"title":"الإيمان بالرسل وما يتفرع عنه مسائل","level":1,"page":44},{"title":"ما الفرق بين النبي والرسول؟","level":1,"page":44},{"title":"البعث بعد الموت","level":1,"page":46},{"title":"الإيمان بالقدر خيره وشره","level":1,"page":48},{"title":"متى كتب الله المقادير؟","level":1,"page":48},{"title":"هل يُتصور خلوُّ الأرض من الكفر والنفاق؟","level":1,"page":50},{"title":"الإيمان بأسماء الله وصفاته","level":1,"page":51},{"title":"سمع الله نوعان: سمع إدراك وسمع إجابة","level":1,"page":56},{"title":"ما المراد بالإلحاد في الأسماء؟","level":1,"page":56},{"title":"ما حقيقة الإلحاد في آيات الله وكيف يكون؟","level":1,"page":57},{"title":"هل يجوز تخيل صفات الله؟","level":1,"page":59},{"title":"نِعَم الله نوعان: نعم عامة، ونعم خاصة","level":1,"page":67},{"title":"هل مرتبة الصديقية خاصة بالرجال؟","level":1,"page":68},{"title":"أقسام علو الله","level":1,"page":74},{"title":"مسألة الأخذ بالأسباب","level":1,"page":77},{"title":"ما حكم التلفظ بقول: توكلت على فلان في شراء كذا وكذا","level":1,"page":79},{"title":"حكم الله على نوعين: حكم شرعي، وحكم كوني","level":1,"page":80},{"title":"كيف يريد الله ما لا يحب؟","level":1,"page":89},{"title":"الكتابة على قسمين: كتابة شرعية، وكتابة كونية","level":1,"page":94},{"title":"هل القتلُ عمدًا كفرٌ يستوجبُ الخلودَ في النار؟","level":1,"page":97},{"title":"مراد ابن عباس بقوله: القاتل لا تُقبل له توبة","level":1,"page":97},{"title":"بماذا أجاب النُّفاة عن الآيات التي دلت على صفة المجيء؟","level":1,"page":101},{"title":"توجيه قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾","level":1,"page":102},{"title":"المراد بالوجه المضاف إلى الله تعالى في الآيات القرآنية","level":1,"page":104},{"title":"إثبات صفة اليدين لله ﷿ وتأويل أهل التعطيل لها","level":1,"page":106},{"title":"إثبات العينين لله تعالى","level":1,"page":108},{"title":"إثبات صفة السمع للع ﷿","level":1,"page":110},{"title":"الصفات على نوعين","level":1,"page":115},{"title":"المحبة على أقسام","level":1,"page":116},{"title":"استوى الله سبحانه على العرش استواءً يليقُ به","level":1,"page":120},{"title":"إثبات علو الله على خلقه","level":1,"page":124},{"title":"إثبات صفة المعية لله تعالى وبيان أنواعها","level":1,"page":126},{"title":"أقوال أئمة السلف في صفة المعية","level":1,"page":127},{"title":"إثبات صفة الكلام لله تعالى","level":1,"page":127},{"title":"أقسام الناس في صفة كلام الله ﷿","level":1,"page":127},{"title":"الفرق بين مذهب أهل السنة ومذهبِ الكُلابية والأشاعرة في صفة كلام الله","level":1,"page":129},{"title":"إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة","level":1,"page":130},{"title":"قواعد وأصول في أسماء الله وصفاته","level":1,"page":133},{"title":"إثبات صفة النزول لله ﷿ والأدلة على ذلك","level":1,"page":137},{"title":"إثباتُ صفة الفرح لله جل وعز، والكلام في هذه الصفة","level":1,"page":138},{"title":"إثبات صفةَ الضحك لله ﷿ على ما يليق بجلال الله وعظمته","level":1,"page":139},{"title":"إثبات صفة العجب لله ﷿","level":1,"page":140},{"title":"إثبات صفة القدم لله ﷿","level":1,"page":142},{"title":"إثبات صفة العلو لله تعالى","level":1,"page":145},{"title":"حكم البَصْق حال الصلاة","level":1,"page":150},{"title":"حكم البصق في المسجد","level":1,"page":150},{"title":"حكم رفع الصوت بالدعاء في قنوت التراويح","level":1,"page":153},{"title":"وسطية أهل السنة في باب الصفات بين أهل التعطيل وأهل التمثيل","level":1,"page":157},{"title":"أنهم وسط في أفعال الله تعالى بين الجبرية والقدرية","level":1,"page":157},{"title":"أنهم وسط في باب الوعيد بين المرجئة والوعيدية","level":1,"page":158},{"title":"أنهم وسط في باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية -أي (الخوارج) - والمعتزلةِ، وبين المرجئة والجهميةِ","level":1,"page":159},{"title":"المراحل التي يمر بها الإنسان","level":1,"page":167},{"title":"فتنة القبر وعذاب القبر","level":1,"page":168},{"title":"الحكمة من إخفاء عذاب القبر بالنسبة للجن والإنس","level":1,"page":169},{"title":"القيامة الصغرى والقيامة الكبرى والفرق بينهما","level":1,"page":170},{"title":"النفخة الثانية، وقيام الناس من القبور","level":1,"page":171},{"title":"نشر الدواوين، وهي: صحائف الأعمال","level":1,"page":173},{"title":"الحساب يوم القيامة على نوعين","level":1,"page":175},{"title":"هل الحوض موجود الآن، أو لا يوجد إِلَّا يوم القيامة","level":1,"page":177},{"title":"الشفاعة وأنواعها","level":1,"page":178},{"title":"مراتب الإيمان بالقدر","level":1,"page":182},{"title":"تقسيم القدر من حيث الزمان","level":1,"page":183},{"title":"الطوائف التي ضلت في القدر","level":1,"page":185},{"title":"الفرق بين أقوال القلوب وأعمالها","level":1,"page":187},{"title":"التكفير المطلق، وتكفير المعين","level":1,"page":189},{"title":"الحكم الشرعي على الفاسق","level":1,"page":191},{"title":"مذهب أهل السنة والجماعة في الصحابة ﵃","level":1,"page":191},{"title":"هل يُشهد لأحد بالجنة ممن لم يَشهد له النبي ﷺ بذلك؟","level":1,"page":192},{"title":"أفضيلة أبي بكر الصديق ﵁ على غيره من الصحابة","level":1,"page":193},{"title":"مذهب أهل السنة والجماعة: تقديم عثمانَ على عَلِيٍّ في الفضل","level":1,"page":194},{"title":"يدخل في أهل بيته أزواجُه الطاهرات المطهرات ﵅","level":1,"page":195},{"title":"مذهب أهل السنة والجماعة في كرامات الأولياء","level":1,"page":198},{"title":"الفرق بين المعجزة والكرامة والأحوال الشيطانية","level":1,"page":199},{"title":"لفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان","level":1,"page":203},{"title":"جملة من صفات أهل السنة والجماعة التي ترسم منهجهم","level":1,"page":204},{"title":"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر","level":1,"page":206},{"title":"إقامة الحج والجهاد والجمع والأعياد مع الولاة المسلمين","level":1,"page":207},{"title":"الصبر على البلاءِ والشكر عند الرخاء","level":1,"page":210},{"title":"الرضى بمر القضاء","level":1,"page":211},{"title":"أركان حسن الخلق","level":1,"page":211},{"title":"بر الوالدين والنصوص الآمرة به","level":1,"page":212},{"title":"فضل صلة الأرحام","level":1,"page":213},{"title":"من مزايا أهل السنة والجماعة","level":1,"page":214}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,9":4,"1,10":5,"1,11":6,"1,12":7,"1,13":8,"1,14":9,"1,15":10,"1,16":11,"1,17":12,"1,18":13,"1,19":14,"1,20":15,"1,21":16,"1,22":17,"1,23":18,"1,24":19,"1,25":20,"1,26":21,"1,27":22,"1,28":23,"1,29":24,"1,30":25,"1,31":26,"1,32":27,"1,33":28,"1,34":29,"1,35":30,"1,36":31,"1,37":32,"1,38":33,"1,39":34,"1,40":35,"1,41":36,"1,42":37,"1,43":38,"1,44":39,"1,45":40,"1,46":41,"1,47":42,"1,48":43,"1,49":44,"1,50":45,"1,51":46,"1,52":47,"1,53":48,"1,54":49,"1,55":50,"1,56":51,"1,57":52,"1,58":53,"1,59":54,"1,60":55,"1,61":56,"1,62":57,"1,63":58,"1,64":59,"1,65":60,"1,66":61,"1,67":62,"1,68":63,"1,69":64,"1,70":65,"1,71":66,"1,72":67,"1,73":68,"1,74":69,"1,75":70,"1,76":71,"1,77":72,"1,78":73,"1,79":74,"1,80":75,"1,81":76,"1,82":77,"1,83":78,"1,84":79,"1,85":80,"1,86":81,"1,87":82,"1,88":83,"1,89":84,"1,90":85,"1,91":86,"1,92":87,"1,93":88,"1,94":89,"1,95":90,"1,96":91,"1,97":92,"1,98":93,"1,99":94,"1,100":95,"1,101":96,"1,102":97,"1,103":98,"1,104":99,"1,105":100,"1,106":101,"1,107":102,"1,108":103,"1,109":104,"1,110":105,"1,111":106,"1,112":107,"1,113":108,"1,114":109,"1,115":110,"1,116":111,"1,117":112,"1,118":113,"1,119":114,"1,120":115,"1,121":116,"1,122":117,"1,123":118,"1,124":119,"1,125":120,"1,126":121,"1,127":122,"1,128":123,"1,129":124,"1,130":125,"1,131":126,"1,132":127,"1,133":128,"1,134":129,"1,135":130,"1,136":131,"1,137":132,"1,138":133,"1,139":134,"1,140":135,"1,141":136,"1,142":137,"1,143":138,"1,144":139,"1,145":140,"1,146":141,"1,147":142,"1,148":143,"1,149":144,"1,150":145,"1,151":146,"1,152":147,"1,153":148,"1,154":149,"1,155":150,"1,156":151,"1,157":152,"1,158":153,"1,159":154,"1,160":155,"1,161":156,"1,162":157,"1,163":158,"1,164":159,"1,165":160,"1,166":161,"1,167":162,"1,168":163,"1,169":164,"1,170":165,"1,171":166,"1,172":167,"1,173":168,"1,174":169,"1,175":170,"1,176":171,"1,177":172,"1,178":173,"1,179":174,"1,180":175,"1,181":176,"1,182":177,"1,183":178,"1,184":179,"1,185":180,"1,186":181,"1,187":182,"1,188":183,"1,189":184,"1,190":185,"1,191":186,"1,192":187,"1,193":188,"1,194":189,"1,195":190,"1,196":191,"1,197":192,"1,198":193,"1,199":194,"1,200":195,"1,201":196,"1,202":197,"1,203":198,"1,204":199,"1,205":200,"1,206":201,"1,207":202,"1,208":203,"1,209":204,"1,210":205,"1,211":206,"1,212":207,"1,213":208,"1,214":209,"1,215":210,"1,216":211,"1,217":212,"1,218":213,"1,219":214,"1,220":215,"1,221":216,"1,222":217},"ٜ":{"1":[5,222]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222"],"ٞ":{"1":[1],"4":[2],"12":[3],"20":[4],"22":[5],"25":[6],"28":[7],"29":[8],"31":[9],"36":[10],"37":[11,12],"38":[13],"42":[14],"43":[15],"44":[16,17,18],"46":[19],"48":[20,21],"50":[22],"51":[23],"56":[24,25],"57":[26],"59":[27],"67":[28],"68":[29],"74":[30],"77":[31],"79":[32],"80":[33],"89":[34],"94":[35],"97":[36,37],"101":[38],"102":[39],"104":[40],"106":[41],"108":[42],"110":[43],"115":[44],"116":[45],"120":[46],"124":[47],"126":[48],"127":[49,50,51],"129":[52],"130":[53],"133":[54],"137":[55],"138":[56],"139":[57],"140":[58],"142":[59],"145":[60],"150":[61,62],"153":[63],"157":[64,65],"158":[66],"159":[67],"167":[68],"168":[69],"169":[70],"170":[71],"171":[72],"173":[73],"175":[74],"177":[75],"178":[76],"182":[77],"183":[78],"185":[79],"187":[80],"189":[81],"191":[82,83],"192":[84],"193":[85],"194":[86],"195":[87],"198":[88],"199":[89],"203":[90],"204":[91],"206":[92],"207":[93],"210":[94],"211":[95,96],"212":[97],"213":[98],"214":[99]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nالحمد لله الذي جعل العلم النافع طريقًا موصلًا لرضاه، وصراطًا يتبعه من أراد هداه، ويحيد عنه من ضل واتبع هواه، ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص:٥٠]، ونشهد أن لا إله إلا الله؛ رفع شأن العلم وأهله حتى وصلوا من المجد إلى منتهاه، وبلغوا من العز أعلى ذراه، فمَن سلك طريقًا يبتغي فيه علمًا؛ سهَّل الله له به طريقًا إلى جنَّته وعُلاه، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله؛ الرحمة المهداة، والنعمة المُسْداة، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الهداة التقاة، ومَن سار على نهجه إلى يوم لقاه.\nأما بعد:\nفهذا هو الكتاب الثالث (^١) من المنهجية العلمية التأصيلية للتميُّز التي نرجو أن تعين طالب العلم، وتأخذ بيده إلى طريق واضح نَيِّر؛ لينشد غايته من العلم الشرعي الصحيح على ضوء الكتاب والسنة بخطوات ثابتة مدروسة.\nومنهجيةُ التميز تُرَكِّزُ على جوانبَ غايةٍ في الأهمية في مسيرة طالب العلم\n_________\n(^١) أصل هذا الكتاب دروس في شرح الواسطية ألقاها الشيخ/د. عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل بجامع العودة ببريدة عام (١٤٢٩ هـ)، فقام الطلاب بتفريغها، ثم جرى عليها قلم التعديل والتهذيب والإضافة.","vol":"1","page":5},{"text":"نحو هدفه، ومن تلك الجوانب:\n- اختيار أبرز وأهم المتون العلمية، وشرحها شرحًا مناسبًا يقرِّب العلم ويسهل إتقانه.\n- توفير كتب الشروح مع وضع خطة للمراجعة المستمرة لجميع هذه الشروح بشكل دوري.\n- رعاية طالب العلم مع متابعته في مسيرته من خلال سجل خاص بكل طالب علم.\n- المتابعة والتواصل مع الطلاب عن طريق رسائل الجوال.\n- وضع البرامج والخطط العلمية الإضافية لمن يجد لديه همةً وطموحًا وسعةً من الوقت.\n- طرح برامج علمية تتمثل في:\no  برنامج حفظ المتون أو الصحيحين.\no  برنامج المناقشة العلمية لشروح المنهجية.\no  برنامج القراءة الحرة والاطلاع على كتب الأئمة المحققين، كابن تيمية وابن القيم وغيرهما.\nوهذه البرامج الثلاثة اختيارية، ويراعى فيها المستوى العلمي ووفرة الوقت لدى طالب العلم.\n- الاهتمام بالجوانب الإيمانية والسلوكية والخُلُقِيَّة من خلال الدروس واللقاءات العلمية.","vol":"1","page":6},{"text":"- إعانة طالب العلم، وتذليل العقبات أمامه من خلال الجلسات العامة والفردية؛ لمعالجة عوائق الطلب، وأَدْواء الطريق؛ كالاضطراب في المنهج والتشتُّت في التلقي، مع تقديم المناهج العلمية المُعِينةِ على التحصيل في جميع مسارات العلم.\n- لطالب العلم الراغب في الالتحاق بالمنهجية إمكانيةُ اللَّحاق واستدراك ما فاته؛ وذلك بالتواصل مع اللجنة العلمية من خلال الجوال الخاص بالمنهجية، أو التواصل المباشر مع د. عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل، ويفضل الحضور لأجل المتابعة بشكل دوري ثابت حسب ظروف المشارك، ويمكن أن يلتحقَ بالمنهجية طالبُ العلم الذي لا يتمكن من الحضور - سواءٌ في منطقة القصيم أو خارجها أو خارج المملكة - وذلك بتوفير شروح المنهجية له، ومتابعته في قراءتها وإتقانها من خلال التواصل عن طريق جوال المنهجية أو موقع مركز النخب العلمية على الشبكة العالمية.\nأمدَّنا الله وإياكم بالعلم النافع، ووهبنا من لدنه رحمة وفضلًا.\nقسم المطبوعات بمركز النخب العلمية\nجوال: ٠٥٠٦٥٤٣٠٩٠\nجوال المنهجية: ٠٥٣٠١٢٣١٢٧\nالبريد الإلكتروني:  al_khaleefa@hotmail.com","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>ترجمة موجزة لشيخ الإسلام ابن تيميَّة</span>\nاسمه ونسبه:\nهو: أحمد بنُ عبد الحليم بنِ عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن تيمية، النميري نسبًا، الحرَّاني مولدًا، ثم الدمشقي منشأً، الحنبلي مذهبًا، المَكْني بأبي العباس، والملقب بـ «شيخ الإسلام»، وتقيِّ الدين، والمعروف بـ «ابن تيمية».\nمولده ونشأته وطلبه للعلم:\nوُلِدَ ابن تيمية ﵀ بحَرَّان يوم الاثنين ١٠ ربيع الأول سنة ٦٦١ هـ، ونشأ بها، ثم هاجر مع أسرته إلى دمشق عام ٦٦٧ هـ فرارًا من ظلم التتار.\nوقد نشأ ﵀ في أسرة علمٍ ودين وفضل، فآباؤه وأجداده وإخوانه كانوا من العلماء المعروفين.\nحفظ القرآن الكريم في صغره، وأخذ العلم عن عددٍ من العلماء، فأتقن التفسير والحديث والفقه والأصول والعربية وغيرها من العلوم في سِنٍّ مُبَكِّرة، وناظر واستدل وهو دون البلوغ، وأفتى وأَلَّفَ في سن السابعة عشرة، ودرَّس في الحادية والعشرين من عمره، بعد وفاة والده.","vol":"1","page":9},{"text":"شيوخه:\nأخذ ابن تيمية ﵀ عن أكثرَ مِن مائتي شيخ، منهم:\n١ - أبو محمد عفيف الدين عبد الرحيم بن محمد بن أحمد بن فارس العلثي ثم البغدادي (ت:٦٨٥ هـ).\n٢ - أبو إسحاق تقي الدين إبراهيم بن علي بن أحمد الصالحي الواسطي الحنبلي (ت:٦٩٢ هـ).\n٣ - شرف الدين المقدسي أحمد بن كمال الدين أحمد بن نعمة الشافعي (ت:٦٩٤ هـ).\n٤ - أبو البركات زين الدين المنجا بن عثمان بن أسعد التنوخي الدمشقي (ت:٦٩٥ هـ).\n٥ - أبو عبد الله شمس الدين محمد بن عبد القوي بن بدران المقدسي، المداوي (ت:٦٩٩ هـ).\n٦ - أبو عبد الله شمس الدين محمد بن إسماعيل بن أبى سعد الشيباني الآمدي (ت:٧٠٤ هـ).\nتلاميذه:\nأخذ عن شيخ الإسلام عددٌ كبير من العلماء، منهم:\n١ - أبو عبد الله شرف الدين محمد بن المنجا بن عثمان بن أسعد بن المنجا التنوخي، الدمشقي (ت:٧٢٤ هـ).","vol":"1","page":10},{"text":"٢ - جمال الدين يوسف بن عبد المحمود بن عبد السلام البتي الحنبلي البغدادي، المقرئ الفقيه (ت:٧٢٦ هـ).\n٣ - يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف، أبو الحجاج جمال الدين القضاعي الكلبي المزي (ت:٧٤٢ هـ).\n٤ - أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد بن عبد الهادي الصالحي الحنبلي (ت:٧٤٤ هـ).\n٥ - أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز، الذهبي التركماني، ثم الدمشقي (ت:٧٤٨ هـ).\n٦ - أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن موسى بن خليل البغدادي الأزجي البزار (ت:٧٤٩ هـ).\n٧ - أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب الدمشقي الحنبلي؛ ابن قيمِ الجَوْزية (ت:٧٥١ هـ).\n٨ - أبو العباس شرف الدين أحمد بن حسن بن عبد الله بن عمر الصالحي الدمشقي الحنبلي، المعروف بابن قاضي الجبل (ت:٧٧١ هـ).\n٩ - أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء بن كثير، البصري ثم الدمشقي الشافعي (ت:٧٧٤ هـ).\nعقيدته ومذهبه:\nشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من أئمة المنهج السلفي، الذين نشروا معتقد أهل السنة والجماعة، ودافعوا عنه، وخيرُ شاهد على ذلك كتبُه في","vol":"1","page":11},{"text":"العقيدة التي تلقَّاها العلماء سلفًا وخلفًا بالقبول.\nوأما مذهبه الفقهي فهو ينتسب إلى مذهب الحنابلة في الجملة، لكنه لم يتعصب له، بل خالفه في كثير من اختياراته، ويؤكد ذلك قولُه في مجموع الفتاوى (^١): «مع أني في عمري إلى ساعتي هذه لم أَدْعُ أحدًا قط في أصول الدين إلى مذهب حنبلي وغير حنبلي، ولا انتصرتُ لذلك، ولا أذكره في كلامي، ولا أذكر إلا ما اتفق عليه سلفُ الأمة وأئمتُها».\nمؤلفاته وآثاره العلمية:\nترك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ثروة علمية كبيرة قيمة، ضَمَّنَهَا مؤلفاتِه وآثارَه، منها ما وصل إلينا ومنها ما لم يصل، ولكن المصادر التي ترجمت له، والعلماء الذين نقلوا عنه في كتبهم احتفظوا لنا بأسماء بعضها، وفيما يلي ذكر لأهمها وأشهرها:\n١) الإخنائية، أو الرد على الإخنائي.\n٢) الاستقامة.\n٣) إقامة الدليل على إبطال التحليل.\n٤) اقتضاءُ الصراط المستقيم مخالفةَ أصحاب الجحيم.\n٥) الإيمان.\n٦) بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية.\n_________\n(^١) (٣/ ٢٢٩).","vol":"1","page":12},{"text":"٧) بيان تلبيس الجهمية.\n٨) التحفة العراقية.\n٩) التدمرية.\n١٠) التسعينية.\n١١) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح.\n١٢) الحسبة في الإسلام.\n١٣) درء تعارض العقل والنقل.\n١٤) الرد على المنطقيين.\n١٥) الرسالة العرشية.\n١٦) رفع الملام عن الأئمة الأعلام.\n١٧) شرح العقيدة الأصفهانية.\n١٨) شرح حديث النزول.\n١٩) شرح عمدة الفقه.\n٢٠) الصارم المسلول على شاتم الرسول.\n٢١) الصفدية.\n٢٢) العبودية.\n٢٣) العقيدة الواسطية.\n٢٤) الفتاوى الكبرى.","vol":"1","page":13},{"text":"٢٥) الفتاوى المصرية.\n٢٦) الفتوى الحموية الكبرى.\n٢٧) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان.\n٢٨) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة.\n٢٩) القواعد النورانية الفقهية.\n٣٠) مجموع الفتاوى.\n٣١) منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية.\n٣٢) النبوات.\n٣٣) نقد مراتب الإجماع.\n٣٤) نقض المنطق.\n٣٥) الواسطة بين الحق والخلق.\nمكانته العلمية، وثناء العلماء عليه:\nلشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مكانة عظيمة عند الناس؛ ولهذا لهِج العلماء - قديمًا وحديثًا - بالثناء عليه، وفيما يلي ذكر لبعض أقوالهم:\nقال ابن دقيق العيد (ت:٧٠٢ هـ): «لما اجتمعت بابن تيمية رأيت رجلًا العلومُ كلها بين عينيه، يأخذ منها ما يريد، ويدع ما يريد» (^١).\nوقال المِزِّي (ت:٧٤٢ هـ): «ما رأيت مثله، ولا رأى هو مثلَ نفسه، وما\n_________\n(^١) الرد الوافر ص (٥٩).","vol":"1","page":14},{"text":"رأيت أحدًا أعلم بكتاب الله وسنة رسوله ولا أتبعَ لهما منه» (^١).\nوقال الذهبي (ت:٧٤٨ هـ): «ما رأيت أحدًا أسرعَ انتزاعًا للآيات الدالة على المسألة التي يوردها منه، ولا أشدَّ استحضارًا لمتون الأحاديث وعزوِها إلى الصحيح أو المسند أو إلى السنن منه، كأن الكتاب والسنن نصب عينيه وعلى طرف لسانه، بعبارة رشيقة، وعين مفتوحة، وإفحام للمخالف» (^٢).\nوقال ابن كثير (ت:٧٧٤ هـ): «قلَّ أن سمع شيئًا إلا حفظه ... وما قُطِع في مجلس، ولا تكلم معه فاضلٌ في فن من الفنون إلا ظن أن ذلك الفن فنه، ورآه عارفًا به متقنًا له» (^٣).\nوقال أبو البقاء السبكي (ت:٨٤٢ هـ): «ما يبغض ابنَ تيمية إلا جاهل أو صاحب هوى» (^٤).\nمحنته:\nلقد نال شيخَ الإسلام ابن تيمية ﵀ صنوفٌ من الأذى، وأنواعٌ من المحن كغيره من المصلحين الذين أوذوا في ذات الله من العلماء والأئمة، وقبلهم الأنبياء والرسل، وهذه سنة جارية.\nفمنزلة شيخ الإسلام العالية، وشهرته الكبيرة؛ دفعت خصومه والناقمين\n_________\n(^١) العقود الدرية ص (٢٣).\n(^٢) ذيل تاريخ الإسلام للذهبي ص (٢١ - ٢٣).\n(^٣) البداية والنهاية (١٤/ ١٥٧).\n(^٤) الرد الوافر ص (٢٤).","vol":"1","page":15},{"text":"عليه إلى إلصاق التهم به، وتأليب الحكام عليه، حسدًا من عند أنفسهم؛ فكانت النتيجة سجنه ﵀ سبع مرَّات، كانت الأخيرة منها بقلعة دمشق لمدة عامين وثلاثة أشهر وأربعة عشر يومًا؛ بسبب فتوى له في مسألة شد الرحال إلى قبر النبي - ﷺ - زاعمين أنه ينتقص جناب الأنبياء والأولياء، وحاشاه من ذلك.\nوفاته:\nتوفي شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ليلة الاثنين ٢٠ من ذي القعدة سنة (٧٢٨ هـ) بقلعة دمشق بالقاعة التي كان محبوسًا بها (^١).\n_________\n(^١) ينظر: العقود الدرية ص (٣٨٥)، وتاريخ الإسلام (٤٩/ ٩٢)، وسير أعلام النبلاء (٢٢/ ٢٨٩)، وتاريخ ابن الوردي (٢/ ٢٧٥)، والأعلام العلية ص (١٦ - ٢٩)، والبداية والنهاية (١٤/ ١٥٦)، والرد الوافر ص (٥٩)، والبدر الطالع (١/ ٦٣)، والجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون ص (٥ - ٧٤٥).","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>نبذة تعريفية بالعقيدة الواسطية</span>\nنسبة العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام:\nلا شك في صحة نسبة العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية؛ فقد توافرت الأدلة على ثبوت نسبتها إليه، ويؤكد ذلك الحقائق التالية:\n١ - تصريح شيخ الإسلام بتأليفه لها كما في «مجموع الفتاوى» (^١)، وهذا سيد الأدلة.\n٢ - أن كثيرًا من الذين ترجموا لشيخ الإسلام ابن تيمية نسبوا له هذه العقيدة (^٢).\n٣ - لم ينسبها أحد من الناس لغير شيخ الإسلام ابن تيمية.\nسبب تأليفها:\nسبب تأليف هذه العقيدة، ذكره شيخُ الإسلام نفسه، إذ قال: «هذه كان سبب كتابتها أنه قدِم عليَّ من أرض (واسط) (^٣) بعضُ قضاة نواحيها - شيخ\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣/ ١٩٤).\n(^٢) ينظر: العقود الدرية ص (٦٨)، والدرر الكامنة (١/ ١٨٠)، والبدر الطالع (١/ ٦٦)، والعبر (٤/ ١١)، ومرآة الجنان (٤/ ١٨٠)، والبداية والنهاية (١٤/ ٤٢).\n(^٣) واسط: مدينة بالعراق، بناها الحجاج ين يوسف، وسميت بذلك لأنها وسطٌ بين البصرة والكوفة. ينظر: معجم البلدان (٥/ ٣٤٧).","vol":"1","page":17},{"text":"يقال له: (رضي الدين الواسطي) من أصحاب الشافعي - قدم علينا حاجًّا، وكان من أهل الخير والدين، وشكا ما الناسُ فيه بتلك البلاد وفي دولة التَّتَر من غلبة الجهل والظلم ودروس الدين والعلم، وسألني أن أكتب له عقيدة تكون عمدة له ولأهل بيته، فاستعفيتُ من ذلك وقلت: قد كتب الناس عقائد متعددة؛ فخذ بعض عقائد أئمة السنة، فَأَلَحَّ في السؤال وقال: ما أحب إلا عقيدة تكتبها أنت، فكتبت له هذه العقيدة وأنا قاعد بعد العصر (^١)، وقد انتشرت بها نسخ كثيرة؛ في مصر؛ والعراق؛ وغيرهما» (^٢).\nسبب تسميتها بالواسطية:\nهي نسبة إلى مدينة (واسط) كما في سبب تأليفها المذكور آنفًا، إذ كُتِبَتْ هذه العقيدة لأهلها، وأول من أطلق عليها هذا الاسم شيخ الإسلام نفسه، حيث قال - في حكايته للمناظرة التي حصلت له مع أهل الكلام -: «... ثم أرسلت من أحضرها ومعها كراريس بخطي من المنزل، فحضرَت العقيدة الواسطية» (^٣).\nوقال بعضهم: هي نسبة إلى الوسطية - أي وسطية أهل السنة والجماعة -\n_________\n(^١) ألفها في جلسة، ومن العجيب أن بعضهم يمكث في شرحها سنين، وهذا من بركة العلم، فقد بارك الله للشيخ في علمه، وفتح عليه من العلم الجم والقلم السيال، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة:٤].\n(^٢) مجموع الفتاوى (٣/ ١٦٤).\n(^٣) المصدر السابق (٣/ ١٦٣ - ١٦٤).","vol":"1","page":18},{"text":"ولا شك أنها عقيدة وسطية، ولكن نسبتها إلى واسط هو الصواب؛ ولأنه لو كانت نسبتها إلى الوسطية لسُمِّيتْ (العقيدة الوسطية)، لا الواسطية؛ وقد جاء في غِلاف بعض الطبعات المصرية (العقيدة الوسطية) ولعله سهوٌ، أو اعتقاد أنها نسبة إلى الوسطية، وكل ذلك غير صحيح.\nتاريخ تأليفها:\nأُلِّفت العقيدة الواسطية في حدود سنة (٦٩٢ هـ)؛ لأن شيخ الإسلام قال في حكايته للمناظرة مع أهل الكلام: «أنا أعلم أن أقوامًا يكذبون عليَّ؛ كما قد كذبوا عليَّ غير مرة، وإن أمليت الاعتقاد من حفظي: ربما يقولون كتم بعضه؛ أو داهن ودارى، فأنا أحضر عقيدة مكتوبة؛ من نحو سبع سنين قبل مجيء التتر إلى الشام» (^١)، يقصد بذلك العقيدة الواسطية، ومجيء التتر كان سنة (٦٩٩ هـ)، فإذا نُقص منها سبع سنين صارت (٦٩٢ هـ).\nموضوعها:\nاشتملت العقيدة الواسطية على عدد من موضوعات العقيدة، منها: مسائل الأسماء والصفات، ووسطية أهل السنة والجماعة، ومسائل الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر، وحقوق الصحابة وآل البيت، وكرامات الأولياء، وطريقة أهل السنة في السلوك والعمل، وغيرها من المسائل التي هي من أصول مذهب أهل السنة والجماعة، وقد تخلل هذه\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣/ ١٦٢).","vol":"1","page":19},{"text":"المسائلَ بعضُ القواعد الجامعة في العقيدة.\nقال شيخنا ابن عثيمين ﵀ في شرحه للقواعد المثلى: «إن قال قائل: ما الفرق بين هذا - أي القواعد المثلى - وبين ما قرأناه من العقيدة الواسطية؟\nالجواب: الفرق أن العقيدة الواسطية يتكلم فيها المُصَنِّف ﵀ عن المسائل، وربما يشير إلى القواعد، لكن الأصل أنه إنما يتكلم عن المسائل، أما هذه فإنها تبحث في القواعد العامة، بقطع النظر عن كل مسألة بعينها، فبينهما فرق، يشبه الفرق بينهما ما بين أصول الفقه والفقه؛ لأن هذه قواعد وما ذكره المُصَنِّف ﵀ في الواسطية مسائل» (^١).\nقيمتها العلمية:\nتتمثل القيمة العلمية للعقيدة الواسطية في أمور، أبرزها ما يلي:\n١ - تلقي العلماء وطلبة العلم لها بالقبول وثناؤهم عليها، في القديم والحديث، قال الذهبي ﵀ في حكاية مناظرة شيخ الإسلام: «ووقع الاتفاق على أن هذا معتقد سلفي جيد» (^٢).\nوقال العلامة ابن رجب ﵀ أيضًا: «ووقع الاتفاق ... على أن هذه عقيدة سُنية سلفية» (^٣).\n_________\n(^١) شرح الواسطية لابن عثيمين الشريط الأول، الوجه الأول.\n(^٢) نقله ابن عبد الهادي في العقود الدرية ص (٢١٢).\n(^٣) ذيل طبقات الحنابلة (٤/ ٥١١).","vol":"1","page":20},{"text":"وقال الشيخ السعدي ﵀: «جَمَعت على اختصارها ووضوحها جميعَ ما يجب اعتقاده من أصول الإيمان وعقائده الصحيحة» (^١).\nوقال شيخنا الشيخ ابن باز ﵀: «ومِن كتب العقيدة المهمة كتاب (العقيدة الواسطية) لشيخ الإسلام ابن تيمية؛ فهو كتاب جليل مختصر عظيم الفائدة في مجمل عقيدة أهل السنة والجماعة» (^٢).\nوقال شيخنا الشيخ ابن عثيمين ﵀ - وهو يوصي ببعض الكتب المهمة -: «كتاب (العقيدة الواسطية)، وتتضمن توحيد الأسماء والصفات، وهي من أحسن ما ألف في هذا الباب، وهي جديرة بالقراءة والمراجعة» (^٣).\nوجاء في فتاوى اللجنة الدائمة (^٤): «أما كتاب (العقيدة الواسطية) فهو كتاب جليل مشتمل على بيان عقيدة أهل السنة والجماعة بالأدلة من الكتاب والسنة، فنوصيك باعتقاد ما فيه والدعوة إلى ذلك».\n٢ - جلالة مؤلفها، الذي يُعَد من أئمة أهل السنة والجماعة، ومن أكبر المنافحين والمدافعين عن الحق وعن عقيدة السلف، وقد كتب الله له القبول فطبَّق علمُه الآفاقَ، وذاع صيته في جميع المدن والأعماق.\n٣ - أَنَّ المُصَنِّف ﵀ حشد في هذه الرسالة من نصوص الوحيين ما\n_________\n(^١) التنبيهات اللطيفة ص (١٣).\n(^٢) مجموع فتاوى ابن باز (٢٧/ ٣٩٦).\n(^٣) مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (٢٦/ ٣٤١)، وكتاب العلم له ص (٧٠).\n(^٤) (٢/ ٢٤٢).","vol":"1","page":21},{"text":"يشفي ويكفي (^١)؛ ولذا جاءت بعض الأبواب والفصول وليس فيها غير الآيات والأحاديث، وقد أشار إلى هذا شيخ الإسلام بنفسه، فقال: «تحريت في هذه العقيدة اتباع الكتاب والسنة» (^٢)، وقال أيضًا: «وكل لفظ ذكرته فأنا أذكر به آية أو حديثًا أو إجماعًا سلفيًّا» (^٣).\n٤ - أَنَّ المُصَنِّف ﵀ تحرى في هذه العقيدة ما أجمع عليه سلفُ هذه الأمة؛ من القرون المفضلة ومن بعدهم، لذلك جاءت محكمة متقنة؛ ويقول في ذلك: «وقلت مرَّاتٍ: قد أمهلتُ كل من خالفني في شيء منها ثلاثَ سنين؛ فإن جاء بحرف واحد عن أحد من القرون الثلاثة التي أثنى عليها النبيُّ ﷺ ... يخالفُ ما ذكرتُه فأنا أرجعُ عن ذلك» (^٤).\nشروحها والتعليقات عليها:\nلقد اعتنى العلماء وطلبة العلم بهذه العقيدة؛ حفظًا، وتدريسًا، وقد شرحت بشروح كثيرة منها:\n١ - التنبيهات اللطيفة على ما احتوت عليه الواسطية من المباحث المنيفة: للشيخ: عبد الرحمن بن ناصر السعدي (ت:١٣٧٦ هـ).\n_________\n(^١) وهذا فيه فائدة لطالب العلم؛ وهي أن يدعم ما يقول ويكتب بنصوص الكتاب والسنة، وأن لا يكون كلامه خاليًا منهما؛ فيصير جافًّا من دونهما.\n(^٢) مجموع الفتاوى (٣/ ١٦٥).\n(^٣) المصدر السابق (٣/ ١٨٩).\n(^٤) المصدر السابق (٣/ ١٦٩).","vol":"1","page":22},{"text":"٢ - التعليقات السَّنِيَّة على العقيدة الواسطية: للشيخ فيصل بن عبد العزيز آل مبارك (ت:١٣٧٦ هـ).\n٣ - شرح العقيدة الواسطية: من تقريرات الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (ت:١٣٨٩ هـ)، كتبها ورتبها: محمد بن عبد الرحمن بن قاسم.\n٤ - شرح العقيدة الواسطية: للشيخ محمد خليل هرَّاس (ت:١٣٩٥ هـ).\n٥ - حاشية على العقيدة الواسطية: للشيخ محمد بن عبد العزيز بن محمد ابن مانع (ت:١٣٩٤ هـ).\n٦ - الروضة النديَّة شرح العقيدة الواسطية: للشيخ زيد بن عبد العزيز بن فياض (ت:١٤١٦ هـ).\n٧ - التَّنبيهات السنيَّة على العقيدة الواسطية: للشيخ عبد العزيز الناصر الرشيد (ت:١٤١٨ هـ).\n٨ - شرح العقيدة الواسطية: للشيخ محمد بن صالح العثيمين (ت:١٤٢١ هـ).\n٩ - الكواشف الجليَّة عن معاني الواسطية: للشيخ عبد العزيز المحمد السلمان (ت:١٤٢٢ هـ).\n١٠ - الأسئلة والأجوبة الأصولية على العقيدة الواسطية: للشيخ عبد العزيز المحمد السلمان أيضًا (ت:١٤٢٢ هـ).\n١١ - شرح العقيدة الواسطية: للشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان.\n١٢ - التعليقات الزكية على العقيدة الواسطية: للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن","vol":"1","page":23},{"text":"الجبرين (ت:١٤٣٠ هـ).\n١٣ - توضيح مقاصد العقيدة الواسطية: للشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك.\n١٤ - اللآلئ البهية في شرح العقيدة الواسطية: لمعالي الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ.\n١٥ - الأسئلة النجدية على العقيدة الواسطية: للشيخ محمد بن علي بن سليمان الرُّوق.\n١٦ - الفوائد السنية على العقيدة الواسطية: للشيخ عبد الله بن صالح بن محمد القصير.\n١٧ - شرح العقيدة الواسطية: للشيخ سعيد بن علي بن وهف القحطاني.\n١٨ - التعليقات المفيدة على العقيدة الواسطية: للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن علي الشريف.\n١٩ - شرح العقيدة الواسطية من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية: للشيخ خالد بن عبد الله المصلح.\n٢٠ - شرح العقيدة الواسطية: للشيخ خالد بن عبد الله باحميد الأنصاري.\n٢١ - الجلسات الطلابية لشرح العقيدة الواسطية: لشيخنا عبد الله بن محمد الغنيمان.","vol":"1","page":24},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nقوله: «بِسْمِ الله» ابتدأ المُصَنِّف هذه الرسالة بالبسملة اقتداءً بالكتاب العزيز، إذ جاءت البسملة في أول سور القرآن؛ واقتداءً بالنبي ﷺ في مكاتباته؛ كما في كتابه لهرقل، إذ ابتدأ بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)؛ فعن ابن عباس أن أبا سفيان أخبره، قال: «دَخَلْنَا عَلَى هِرَقْلَ فَأَجْلَسَنَا بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ الله ﷺ فَإِذَا فِيهِ: «بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهدَى أَمَّا بَعْدُ» (^١).\nأما الحديث الشهير، الذي روي من طريق أبي هريرة - ﵁ - عن النبي ﷺ أنه قال: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَقْطَعُ» (^٢)، وفي رواية: «أبتر» (^٣)، وفي رواية: «لا يُبْدَأ فِيهِ بِالحمْدِ للهِ فَهُوَ أَقْطَع» (^٤) فهو\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١/ ٨) رقم (٧)، وصحيح مسلم (٣/ ١٣٩٣) رقم (١٧٧٣).\n(^٢) أخرجه بهذا اللفظ الخطيبُ البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي (٢/ ٦٩).\n(^٣) هذه الرواية عند عبد القادر الرُّهاوي في كتاب الأربعين ص (٥).\n(^٤) هذه الرواية عند أبي داود (٤/ ٢٦١) رقم (٤٨٤٠)، وابن ماجه (١/ ٦١٠) رقم (١٨٩٤)، والدارقطني (١/ ٤٢٧) رقم (٨٨٣)، وابن حبان (١/ ١٧٣) رقم (١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦/ ٢١٤) رقم (٤٠٦٢)، وإسنادها ضعيف، قال أبو داود: «رواه يونس، وعقيل، وشعيب، وسعيد بن عبد العزيز، عن الزهري عن النبي - ﷺ - مرسلًا».","vol":"1","page":25},{"text":"الحَمْدُ لله\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nغير صحيح، ولا يثبت في البسملة والحمدلة عن النبي ﷺ شيءٌ.\n«بِسْمِ الله»: (الباء) للاستعانة؛ أراد المُصَنِّف أن يستعين بالله تعالى على تأليف هذه الرسالة، والاستعانة بالله على شؤون العبد العامة والخاصة من أسباب التوفيق والسعادة.\nيقول ابن القيم ﵀: «الاستعانة تجمع أصلين: الثقة بالله، والاعتماد عليه، فإن العبد قد يثق بالواحد من الناس، ولا يعتمد عليه في أموره، مع ثقته به؛ لاستغنائه عنه، وقد يعتمد عليه مع عدم ثقته به؛ لحاجته إليه، ولعدم من يقوم مقامه، فيحتاج إلى اعتماده عليه، مع أنه غير واثق به» (^١).\nقوله: «الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»: اسمان كريمان لله ﷿ من أسمائه الحسنى يدلان على صفة الرحمة لله جل وعز، والفرق بينهما أن «الرَّحْمَن»: ذو الرحمة العامة لجميع الخلق، و«الرَّحِيم»: ذو الرحمة الخاصة بالمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: (٤٣)].\nقوله: «الحَمْدُ لله»: معناها وصف المحمود بأوصاف الكمال، مع المحبة والتعظيم والإجلال، وجميع أوصاف الكمال ثابتة لله تعالى على أتم الوجوه وأكملها.\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ٩٦).","vol":"1","page":26},{"text":"الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nوما<span data-type=\"title\" id=toc-5> الفرق بين الحَمْد والمَدْح</span>؟\nالجواب: قال ابن القيم: «الحمد إخبارٌ عن محاسن المحمود مع حبه وتعظيمه، بخلاف المدح؛ فإنه إخبار مجرد» (^١)؛ ولهذا نجد الفقير يمدح الغني لكن لا يلزم من ذلك حبه، بل يريد منفعته وعطاءه، بخلاف الحمد فهو مرتبط بالحب والتعظيم؛ ولهذا لا يصرف الحمد إلا لله - ﷿ -، وأما المدح فيكون لله ولغيره.\nقوله: «الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ» (الرسول) لغةً: من بُعث برسالة. وشرعًا: إنسان ذَكَرٌ أُوحي إليه بشرع وأُمِر بتبليغه.\nما المراد بالرسول هنا؟ هل المراد محمد - ﷺ - أم المرادُ جنس الرسول؟\nكلاهما محتمل، فيحتمل أن يكون المراد جنس الرسول، ويحتمل أن يكون المقصود سيد البشر ﵊، الذي ختم الله به الأنبياء وفضَّله عليهم وعلى الخليقة، وقد أتم به البناء كما في الحديث الذي في الصحيحين من رواية أبي هريرة ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ إِلا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ: هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ، قَالَ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ» (^٢).\n_________\n(^١) بدائع الفوائد (٢/ ٣٢٥ - ٣٢٧) بتصرف.\n(^٢) أخرجه مسلم (٤/ ١٧٩٠) رقم (٢٢٨٦).","vol":"1","page":27},{"text":"بِالهُدَى\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nقوله: «بالهُدَى» الهدى: العلم النافع، والعلم نوعان:\n١ - علم نافع.\n٢ - علم غير نافع.\nفالعلم النافع: هو ما يُقَرِّبُ إلى الله ﷿، وقد كان ﷺ يكثر من دعاء: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا» (^١).\nفعليك يا طالب العلم بالإكثار من هذا الدعاء، واضمم إليه دعاءَين آخَرين عظيمين: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» (^٢)، «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ» (^٣).\nفهذه ثلاثة أدعية جامعة مباركة لا يستغني عنها مبتغي العلم النافع.\nوالعلم غير النافع: وهو ما لا ينفع الإنسان في الآخرة، فكل علم لا يقرب صاحبه إلى الله ولا ينفعه في الآخرة فهو من العلم الذي لا ينفع.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد (٤٤/ ١٤٠) رقم (٢٦٥٢١)، وابن ماجه (١/ ٢٩٨) رقم (٩٢٥) من حديث أم سلمة - ﵂ -.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٤/ ٤٤٩) رقم (٢١٤٠)، وابن ماجه (٢/ ١٢٦٠) رقم (٣٨٣٤) من حديث أنس - ﵁ -، وقال الترمذي: «حديثٌ حسن».\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد (٣٠/ ٢٦٥) رقم (١٨٣٥١)، والنسائي (٣/ ٥٤) رقم (١٣٠٥) من حديث عمار بن ياسر - ﵁ -.","vol":"1","page":28},{"text":"وَدِينِ الحقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا،\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nقوله: «وَدِينِ الحقِّ» المراد به العمل الصالح؛ لأن الدين هو: العمل، أو الجزاء على العمل؛ فمِن إطلاقه على العمل قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: (١٩)]. ومن إطلاقه على الجزاء قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار: (١٧)].\nقوله: «لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ» نوع اللام هنا للتعليل، أي: كي يظهره على الدين كله.\nوأين يعود الضمير في قوله: «لِيُظْهِرَهُ»؟\nقال أكثر أهل العلم: هو عائد على الدين، وقال جماعة: إنه عائد على الرسول ﷺ، ولا مانع من القول بهما؛ لأن هذا الدين جاء به الرسول ﷺ؛ فهما متلازمان فنصرة هذا وظهوره نصرة لذاك.\nفتكون هذه الرفعة وهذا الظهور الذي كتبه الله شاملًا للرسول ولدين الإسلام الذي جاء به، فمَن تمسَّك بهذا الدين الحق فسيظهره الله وينصره كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: (٥١)].\nقوله: «وَكَفَى بالله شَهِيدًا» أي: شاهدًا للرسول ﷺ بأنه حق، وهو سبحانه ناصره ومُظهِرُه.","vol":"1","page":29},{"text":"وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ إِقْرَارًا بِهِ وَتَوْحِيدًا،\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nوفي هذا دلالة قاطعة على صدق النبي ﷺ؛ إذ لو كان مفتريًا على ربه لما كان له هذا النصر، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: (٤٤) - (٤٧)].\nقوله: «وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلا اللهُ» هذه كلمة الإخلاص، وكلمة الإخلاص لها ركنان: النفي والإثبات. «لا إله»: نفي؛ أي: نفي جميع ما يعبد من دون الله. «إِلا اللهُ»: إثبات أي: إثبات العبادة لله وحده لا شريك له.\nوهذه الشهادة لها عدة شروط:\n١) العلم المنافي للجهل: أي العلم بمعنى هذه الشهادة، والعلم هنا لا بد فيه من إقرار القلب ومعرفته بما طُلِبَ منه علمه، قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: (١٩)]، ومن السنة قوله - ﷺ -: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللهُ دَخَلَ الجنَّةَ» (^١).\n٢) اليقين المنافي للشك: أي: استيقان القلب بهذه الكلمة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحُجُرات:١٥]، وقد جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الحائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالجنَّةِ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١/ ٥٥) رقم (٢٦) من حديث عثمان بن عفان؟.\n(^٢) أخرجه مسلم (١/ ٦٠) رقم (٣١).","vol":"1","page":30},{"text":"٣) الإخلاص المنافي للشرك: قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: (٥)] وقال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: (٣)]، والأحاديث الواردة كثيرة؛ مِن أشهرِها حديثُ أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ: مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلا اللهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ» (^١).\n٤) الصدق المنافي للكذب: وهو أن يقولها صادقًا من قلبه؛ يواطئُ قلبُه لسانَه، ويدل لذلك ما جاء في الصحيحين عن أنس أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ» (^٢).\n٥) المحبة المنافية للبغض: وهو أن يحب هذه الكلمة، ويحب العمل بمقتضاها، ويحب أهلها العاملين بها، ودليلُ المحبة ما جاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إلا لله، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١/ ٣١) رقم (٩٩).\n(^٢) صحيح البخاري (١/ ٣٨) رقم (١٢٨)، وصحيح مسلم (١/ ٦١) رقم (٣٢).\n(^٣) صحيح البخاري (١/ ١٢) رقم (١٦)، وصحيح مسلم (١/ ٦٦) رقم (٤٣).","vol":"1","page":31},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥].\n٦) الانقياد المنافي للترك، ظاهرًا وباطنًا: لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان: (٢٢)].\n٧) القبول المنافي للرد: لقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: (٦٥)]. وقد نظم بعضُ العلماء هذه الشروط، فقال:\nعِلْمٌ يَقِينٌ وإِخْلاصٌ وصِدْقُكَ مَع ... مَحَبَّةٍ وَانْقِيَادٍ وَالقَبُولِ لها\nوزاد بعض العلماء في شروط «لا إله إلا الله» شرطًا ثامنًا وهو: الكفر بما يعبد من دون الله، ونظم بعضهم زائدًا على البيت الأول:\nوَزِيدَ ثَامِنُهَا الكُفْرَانُ مِنْكَ بِمَا ... سِوَى الإِلهِ مِنَ الأَوْثَانِ قَدْ أُلِها\nواستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة:٢٦٥]، وبما جاء في «صحيح مسلم» من حديث أبي مالك الأشجعي عن أبيه، قال: سمعت رسول الله - ﷺ -، يقول: «مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ الله، حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى الله» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١/ ٥٣) رقم (٢٣).","vol":"1","page":32},{"text":"وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nوالذين جعلوا شروط «لا إله إلا الله» سبعة أدخلوا شرط (الكفر بما يعبد من دون الله) ضمن الإخلاص (^١).\nقوله: «وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا» جعل الشهادة للرسول بالعبودية والرسالة مقرونة بشهادة: «أن لا إله إلا الله»؛ للإشارة إلى أنه لا بد من الجمع بينهما، وأنه لا تغني إحداهما عن الأخرى.\nما<span data-type=\"title\" id=toc-7> حكم مَن شهِد أن لا إله إلا الله، ولم يشهد بأن محمدًا رسول الله</span>؟\nالجواب: هذا كُفر، وصاحبُه من أهل النار، والدليل ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» (^٢).\nقوله: «عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» هنا وصف النبي - ﷺ - بوصفين:\n١) العبودية لله - ﷿ -.\n٢) الرسالة.\nوقد أشار المُصَنِّف ﵀ بهاتين الكلمتين إلى وجوب الاعتدال في\n_________\n(^١) ينظر: الدروس المهمة لعامة الأمة لشيخنا ابن باز ص (٦).\n(^٢) صحيح مسلم (١/ ١٣٤) رقم (١٥٣).","vol":"1","page":33},{"text":"صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nحق النبي ﷺ، ففيها رد على أهل الغلو الذين غلوا في النبي - ﷺ - ورفعوه فوق منزلته، وفيها أيضًا رد على أهل التفريط؛ الذين يشهدون بأنَّ محمدًا رسول الله لكن لا يستجيبون لأمره، ولا يمتثلون سنته.\nوقوله: «عَبْدُهُ» رد على أهل الغلو الذين غَلَوا في النبي - ﷺ -، كما يفعله غلاة المتصوفة الذين يجعلون له بعض ما هو من خصائص الله.\nوقوله: «وَرَسُولُهُ» رد على أهل التفريط الجفاة.\nقوله: «صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ» الصلاة في اللغة: الدعاء؛ قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: (١٠٣)] المراد: ادعُ لهم.\nواختلف أهل العلم في المراد بصلاة الله على رسوله، وأصحُّ ما قيل في ذلك ما جاء عن أبي العالية كما في صحيح البخاري أنه قال: «صلاة الله على رسوله ثناؤه عليه في الملأ الأعلى» (^١).\nما<span data-type=\"title\" id=toc-8> المراد بصلاة الملائكة على الرسول أو على أحد من المؤمنين</span>؟\nأقرب الأقوال في ذلك: أَنَّ صلاتهم بمعنى: الاستغفار، أو الدعاء بالمغفرة، وكلاهما صحيح؛ لما جاء في «الصحيحين» من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ:\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٤/ ١٨٠١).","vol":"1","page":34},{"text":"وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا مَزِيدًا، أَمَّا بَعْدُ: فَهَذَا اعْتِقَادُ الْفِرْقَةِ\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\n«الملَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ؛ تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ» (^١).\nأما المراد بالصلاة من الآدميين فالدعاء له.\nقوله: «وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا مَزِيدًا» المراد تسليمًا زائدًا على الصلاة على النبي - ﷺ -، فيكون بذلك دعاء له بالسلام بعد الصلاة، وفيه الجمع بين الصلاة والسلام عليه؛ وهذا ما أمر الله به في سورة الأحزاب؛ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: (٥٦)].\nقوله: «أَمَّا بَعْدُ» هي كلمة يؤتى بها للدلالة على الشروع في المقصود، وكان النبي ﷺ يستعملها كثيرًا في خطبه وكتاباته إلى ملوك العرب والعجم.\nقوله: «فَهَذَا» إشارة إلى ما تضمنته هذه الرسالة المباركة من عقائد الإيمان التي فَصَّل المُصَنِّف القولَ فيها في رسالته هذه.\nقوله: «اعْتِقَادُ» المراد بالاعتقاد: ما عُقِد عليه الضميرُ وما دان القلب لله تعالى به؛ فكل شيء يَدين الإنسان به فهو يعتقده.\nقوله: «الْفِرْقة» بالكسر الفئة والجماعة كما في سورة التوبة ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة:١٢٢].\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١/ ٩٦) رقم (٤٤٥)، وصحيح مسلم (١/ ٤٥٩) رقم (٦٤٩).","vol":"1","page":35},{"text":"النَّاجِيَةِ\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nأما الفُرقة بالضم: فالمراد بها الاختلاف والافتراق والتنازع الذي نهى الله عنه كما في سورة الأنفال: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: (٤٦)]، الريح: القوة، والمراد بالفِرقة في كلام ابن تيمية المعنى الأول.\nقوله: «النَّاجِيَةِ» أي: التي نجت في الدنيا من البدع والمخالفات العقدية، وتنجو في الآخرة من نار جهنم، فالنجاة شاملة للدنيا والآخرة.\nوعليه فالنجاة الثانية مترتبة على النجاة الأولى؛ مَن نجا مِن البدع والمخالفات في الدنيا نجا في الآخرة من نار جهنم.\nلماذا نص المُصَنِّف على أن هذه الفرقة ناجية؟\nالجواب: إشارة إلى أن ثَمَّ طوائفَ أخرى ليست بناجية، كما أشار إلى ذلك النبي - ﷺ - بقوله: «وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً» (^١)، ثم قال: «كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً» (^٢).\nما الضابط في معرفة النجاة؟\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤/ ١٩٧) رقم (٤٥٩٦)، والترمذي (٥/ ٢٥) رقم (٢٦٤٠)، وابن ماجه (٢/ ١٣٢١) رقم (٣٩٩١) من حديث أبي هريرة - ﵁ -، وقال الترمذي: «حديثٌ حسنٌ صحيحٌ».\n(^٢) هذه الزيادة أخرجها ابن ماجه (٢/ ١٣٢٢) رقم (٣٩٩٣) من حديث أنس بن مالك - ﵁ -، والأقرب أنها زيادة شاذة.","vol":"1","page":36},{"text":"المنْصُورَةِ\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nالجواب: الضابط هو اتباع هدي النبي ﷺ وأصحابه؛ فمَن كان متبعًا للنبي فهو الناجي؛ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: (٣١) - (٣٢)] جاء التأكيد لاتباع النبي - ﷺ - في هاتين الآيتين من ثلاثة أوجه:\nالوجه الأول: أنه أخبر أن المحبة الحقيقية لله تعالى تكون باتباع النبي ﷺ.\nالوجه الثاني: تأكيد طاعته ﷺ، بل قَرْن طاعته بطاعة الله ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران:٣٢].\nالوجه الثالث: بيانُ أن التولي عن طاعة الرسول ﷺ من صفات الكافرين، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:٣٢]، وكفى بهذا زجرًا وتقريعًا.\nقوله: «النَّاجِيَةِ المنْصُورَةِ» وصفها بوصفين: الوصف الأول: الناجية، والوصف الثاني: المنصورة، وقد وافق المُصَنِّفُ بذلك القرآنَ والسنة؛ أما القرآن ففي قوله تعالى: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: (١٤)].\nوأما موافقة السُّنة ففي حديث المغيرةِ بنِ شعبةَ ﵁ أن النبي ﷺ؟ قال:","vol":"1","page":37},{"text":"إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\n«لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَاتِيَ أَمْرُ الله» (^١).\nوهنا لطيفة نأخذها من طريقة المُصَنِّف في اختيار الألفاظ، وهي من الأسباب النافعة لطالب العلم أن تُوَافِقَ أَلفاظُه ألفاظَ الكتاب والسُّنة، كما فعل المُصَنِّف ﵀ هنا، وفي هذه الطريقة سلامة من الوقوع في الخلل وزلات الألفاظ.\nقوله: «إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ» المراد يوم القيامة، وقد جاء في هذا عدة أحاديث، منها:\n١) حديث ابن مسعود - ﵁ - في «صحيح مسلم» أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ النَّاسِ» (^٢).\n٢) حديث أنس ﵁ في «صحيح مسلم» أيضًا أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: الله الله» (^٣).\n٣) حديث معاوية ﵁ أن النبي ﷺ قال: «وَلَنْ يَزَالَ أَمْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مُسْتَقِيمًا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ أَوْ حَتَّى يَاتِيَ أَمْرُ الله» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه (٩/ ١٠١) رقم (٧٣١١) من حديث المغيرة بن شعبة - ﵁ -. وأخرجه مسلم (٣/ ١٥٢٣) رقم (١٩٢٠) من حديث ثوبان - ﵁ -.\n(^٢) صحيح مسلم (٤/ ٢٢٦٨) رقم (٢٩٤٩).\n(^٣) صحيح مسلم (١/ ١٣١) رقم (١٤٨).\n(^٤) صحيح البخاري (٩/ ١٠١) رقم (٧٣١٢)، وصحيح مسلم (٢/ ٧١٩) رقم (١٠٣٧).","vol":"1","page":38},{"text":"كيف نجمع بين هذه الأحاديث؟\nجاء في حديث معاوية ﵁ أن أمر هذه الأمة سيبقى مستقيمًا حتى تقوم الساعة، وفي حديث ابن مسعود أنها تقوم على شرار الناس، وفي حديث أنس: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: الله الله» (^١).\nهناك عدة أجوبة:\nالجواب الأول: أن المراد بقيام الساعة قرب قيام الساعة، وأما الشك في حديث معاوية - ﵁ -: «حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ أَوْ حَتَّى يَاتِيَ أَمْرُ الله»، فنرده إلى النصوص التي ليس فيها شك؛ مثل حديث أنس - ﵁ - وحديث ابن مسعود - ﵁ -، وعلى هذا أكثر الأحاديث، أما الشك في حديث معاوية فلعله من الراوي.\nفتكون خلاصة الجواب: أن أمر هذه الأمة لا يزال مستقيمًا إلى قرب قيام الساعة، أي أنه عند قيام الساعة لا يوجد من يقول الله، وأهل الإيمان ينقرضون قبل هذا.\nالجواب الثاني: أن المراد بقيام الساعة: ساعة أهل ذلك الزمان، ومَن مات فقد قامت قيامته، وليس المراد قيام الساعة الكبرى.\nهذان الجوابان من أشهر الأجوبة، والجواب الأول أقرب.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١/ ١٣١) رقم (١٤٨).","vol":"1","page":39},{"text":"أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجمَاعَةِ، وهو\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nقوله: «أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجمَاعَةِ» فيه وصف للفرقة الناجية بصفتين:\n١) أهل السُّنة، أي: أتباع السنة.\n٢) الجماعة، أي: الاجتماع على الحق، وعلى توحيد الله وسنة رسوله - ﷺ -.\nوبهذا تكون الأوصاف التي ذكرت هنا مع ما قبلها أربعة أوصاف:\n١) الناجية. ... ٢) المنصورة.\n٣) أهل السنة. ... ٤) أهل جماعة يحرصون على الاجتماع وينبذون الافتراق.\nوقد أشار المُصَنِّف ﵀ إلى وصفين عظيمين هما:\n١ - اتباع السُّنة.\n٢ - الاجتماع.\nوعلى طالب العلم أن يحرص على الجمع بينهما، وأن يكون عنده اتباع ودليل، وأن يحرص أيضًا على الاجتماع كما يحرص على السنة.\nقوله: «وَهُوَ»: عائد إلى الاعتقاد، كأنه يقول: أهل السنة والجماعة هذا هو اعتقادهم.","vol":"1","page":40},{"text":"وَهُوَ الإِيمَانُ بِالله، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْبَعْثِ بَعْدَ الموْتِ\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nقوله: «وَهُوَ الإِيمَانُ بِالله، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْبَعْثِ بَعْدَ الموْتِ» هذه هي الأصول الستة، ويعبر بعضُهم عنها بقوله: أركان الإيمان، ولا يتم إيمانُ أحد إلا بالإيمان بها جميعًا، ويجب أن يكون الإيمانُ بها على الوجه الصحيح الذي جاء في الكتاب والسُّنة.\nما حكم مَن جحد ركنًا من هذه الأركان؟\nالجواب: من جحد ركنًا منها فكأنما جحدها كلَّها ولم يؤمن بها، ومن لم يؤمن بها فقد كذَّب بالقرآن، والتكذيب بالقرآن كفر.\nقد يقول قائل: مِنْ أين أتيتم بهذه الأركان الستة؟\nالجواب: من حديث جبريل ﵇ المشهور؛ وفيه: «قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ؟ قال: أن تُؤْمِنَ بالله وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» (^١).\nوعلى هذا فالأركان ستة حددها أهل العلم استدلالًا بهذا الحديث، فمن آمن ببعضها فلا يصح إيمانه، قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: (٨٥)].\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١/ ٣٦) رقم (٨).","vol":"1","page":41},{"text":"ودونَك يا طالب العلم بيانًا موجزًا لهذه الأركان:\nالركن الأول: الإيمان بالله: والكلام عنه يطول، وأهم ما يتعلق بهذا الركن أنه يَتضمَّن الإيمانَ بأربعة أمور:\nالأول: الإيمان بوجود الله - ﷾ -.\nالثاني: الإيمان بربوبيته سبحانه، وأنه المتفرد بذلك.\nالثالث: الإيمان بألوهيته وأنه الإله الحق، وكل معبود سواه باطل.\nالرابع: الإيمان بأسمائه وصفاته. فلا بد من الإيمان بهذه الأربعة جميعًا.\nهل يكون مؤمنًا مَن لم يؤمن بوجود الله؟\nالجواب: لا يعد مؤمنًا، بل هو ملحد، وهذا أشد أنواع الإلحاد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>من آمن بوجود الله وبربوبيته ولم يؤمن بألوهيته، هل يعد مؤمنًا</span>؟\nالجواب: لا يعد مؤمنًا، وهذا ما كان يَدين به كفارُ قريش، فقد كانوا يؤمنون بربوبية الله دون ألوهيته، فلم ينفعهم ذلك شيئًا.\nمن آمن بوجوده وبربوبيته وبألوهيته ولم يؤمن بأسمائه وصفاته؟\nالجواب: لا يعد مؤمنًا، بل هذا من الإلحاد الذي ذكره الله في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف:١٨٠].\nوعلى ما سبق؛ لا يتحقق إيمانُ العبد حتى يؤمن بوجود الله وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته.","vol":"1","page":42},{"text":"الركن الثاني:<span data-type=\"title\" id=toc-13> الإيمان بالملائكة:</span>\nالملائكة: عالم غيبي خلقهم الله من نور لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وقد جعل الله تعالى لهم وظائفَ؛ علِمنا طرَفًا منها من خلال الكتاب والسنة، وخفي علينا الكثير منها، ولعلي أذكر طائفة مِمَّن علِمنا وظائفهم من خلال الدليل:\nأولًا: الملائكة الموكلون بما فيه حياة:\nوما فيه حياة على أنواع:\n١ - ما فيه حياة القلوب، وهذا حياته تكون بالوحي، والملك الموكل بالوحي جبريل ﵇.\n٢ - من وُكِّل بحياة الأرض المتمثلة في القطر والنبات، وهذا هو ميكائيل.\n٣ - من وُكِّل بحياة الأجساد يوم المعاد وبالنفخ بالصور، والموكل بذلك إسرافيل. وقد كان النبي ﷺ يخص بالذكر في دعائه هؤلاء الثلاثةَ؛ وذلك لعظم قدرهم كما في حديث عائشة ﵂ قالت: «كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ: اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحقِّ بِإذنكَ؛ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١/ ٥٣٤) رقم (٧٧٠).","vol":"1","page":43},{"text":"وعلى المسلم أن يكثر من هذا الدعاء؛ خصوصًا في هذا الزمان الذي كثر فيه الاختلافُ والافتراق، وانتشرت فيه الفتنُ والهرج والمرج.\nثانيًا: الملائكة الموكلون بقبض الأرواح:\nوهم ملك الموت وأعوانه، ويجب الإيمان به وبوظيفته التي جاءت في النصوص، وقد اشتَهَر عند العوام باسم عزرائيل، ولا يثبت في ذلك شيء.\nوقد جاء في القرآن أن قابض الأرواح ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة: (١١)] هكذا مفردًا، وجاء في القرآن أن القابض للأرواح أكثر من واحد؛ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [النحل:٣٢].\nفكيف نجمع بين هذه الآيات؟\nالجواب: لا منافاة بين هذه الآيات؛ فمَلَك الموت هو الذي يباشر قبض الأرواح، وقد جعل الله له أعوانًا من الملائكة، وهذا كما في الآية الأخرى ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام:٦١].\nثالثًا: الملائكة السيَّاحون في الأرض الذين يلتمسون مجالسَ الذكر:\nكما في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ لله مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الْأَرْضِ، يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللهَ تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨/ ٨٧) رقم (٦٠٤٥).","vol":"1","page":44},{"text":"رابعًا: الملائكة الموكَّلون بكتابة أعمال العباد:\nكما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: (١٠) - (١٢)]، وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: (١٨)].\nوعن طاووس عن ابن عباس - ﵄ -: «ما مِن شيء يتكلمُ به ابنُ آدم إلا كُتب عليه؛ حتى أنينه في مرضه»، ويذكر عن الإمام أحمد أنه اشتدَّ عليه المرضُ ذات مرة، فكان يظهر له صوتٌ وأنين، فقيل له: إن طاووسًا كان يكره أنينَ المرض، فتركه (^١).\nخامسًا: الملائكة الذين يتعاقبون على بني آدم في الليل والنهار:\nكما في قوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: (١١)] وقوله: ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي بأمره، وحروفُ الجر تتناوبُ عند الكوفيين، مثالٌ آخر قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: (٧١)] في جذوع النخل: المراد على جذوع النخل، وحروف الجر تتناوب كما سبق.\nسادسًا: الملائكة الرُّكَّع السجود:\nقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: (٤٩)] أي أن الملائكة يسجدون، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: (٢٠٦)].\n_________\n(^١) البداية والنهاية (٩/ ٢٤٢).","vol":"1","page":45},{"text":"وعددهم كثير، كما في حديث أبي ذر - ﵁ - قال: قال رسول اللهِ ﷺ: «أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ؛ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لله» (^١).\nوهذا الحديث ضعيف؛ لأنه من رواية إبراهيمَ بنِ المهاجر؛ وقد ليَّنه ابن حجر، والحديث له شواهد لكن لا تخلو كلُّها من ضعف، فالأقرب عدم صحة الحديث، وقد جاءت نصوص أخرى تدل على كثرتهم كما في حديث الإسراء والمعراج في «الصحيحين»: «فَرُفِعَ لِي الْبَيْتُ المَعْمُورُ، فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ فَقَالَ: هَذَا الْبَيْتُ المَعْمُورُ؛ يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ إِذَا خَرَجُوا لَمْ يَعُودُوا إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ» (^٢)، هذا الحديث يدل على عظمة مَن خلقهم، وقدرته - ﷾ -، ونستفيد منه كثرة الملائكة؛ إذ إن عدد من يصلي في البيت المعمور كل يوم سبعون ألف ملك لا يرجعون إليه أخرى.\nسابعًا: خزنة الجنة والنار:\nجاء في القرآن تسمية خازن جهنم بـ «مالك»، قال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٤/ ١٣٤) رقم (٢٣١٢)، وابن ماجه (٢/ ١٤٠٢) رقم (٤١٩٠)، وقال الترمذي: «حديثٌ حسنٌ غريب».\n(^٢) صحيح البخاري (٤/ ١٠٩) رقم (٣٢٠٧)، وصحيح مسلم (١/ ١٤٩) رقم (١٦٤) من حديث مالك بن صعصعة - ﵁ -.","vol":"1","page":46},{"text":"لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: (٧٧)]، وجاء بالجمع كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٩].\nوالجنة هل لها خازن؟\nالجواب: نعم، والدليل ما في «صحيح مسلم» من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «آتِي بَابَ الجنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَسْتَفْتِحُ، فَيَقُولُ الخازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ، فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ» (^١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>هل للملائكة أجساد، أم هي أرواح فقط</span>؟\nالجواب: الملائكة لها أجسادٌ، وليسوا أرواحًا مجردة عن الجسمية، وهذا أمرٌ معلومٌ من الدين بالضرورة؛ ففي كتاب الله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر: (١)].\nوأما السُّنة فالأحاديث كثيرة؛ منها: ما جاء في «الصحيحين» من حديث ابن مسعود ﵁: «أنه - ﷺ - رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ» (^٢)، وفي «الصحيحين» أنه ﷺ قال: «رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّمَاءِ سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ» (^٣).\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١/ ١٨٨) رقم (١٩٧).\n(^٢) صحيح البخاري (٦/ ١٤١) رقم (٤٨٥٧)، وصحيح مسلم (١/ ١٥٨) رقم (١٧٤).\n(^٣) صحيح البخاري (٤/ ١١٥) رقم (٣٢٣٥)، وصحيح مسلم (١/ ١٥٩) رقم (١٧٧).","vol":"1","page":47},{"text":"والقول بأنهم أرواحٌ فقط هو قول النصارى، وهو في حقيقة الأمر إنكار للملائكة.\nالركن الثالث:<span data-type=\"title\" id=toc-15> الإيمان بالكتب:</span>\nأي الكتب التي أنزلها الله على رسله، ولكل رسول كتاب، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد: (٢٥)] (الكتاب) مفرد، و(الـ) للجنس، فليس المراد كتابًا واحدًا، بل لكل رسول كتاب، لكن لا نعرف من هذه الكتب إلا ستة: القرآن، التوراة، الإنجيل، الزبور، صحف إبراهيم، صحف موسى (^١).\nهل يجب الإيمان بما جاء فيها؟\nيجب الإيمان بالزبور الذي أنزل على داود، وبالتوراة التي أنزلت على موسى، وبالإنجيل الذي أنزل على عيسى ﵇؛ فكلها كتب الله وكلامه، وهي حق وهدى ونور، ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة:٤٤]، وما جاء فيها لا سبيل لنا إلى معرفته إلا من خلال ما جاءنا في القرآن والسُّنة، وقد أغنانا الله عنها بالقرآن الكريم الذي نسخ هذه الكتبَ جميعَها.\n_________\n(^١) هذا بناءً على أن صحف موسى تختلف عن التوراة، أما على قول من قال: إن التوراة هي الصحف، يكون العدد خمسة، والمقصود أنه يجب الإيمان بهذه الكتب التي أنزلها الله على رسله - ﵇ -.","vol":"1","page":48},{"text":"وينبغي أن يُفرَّق بين الإيمان بالكتب التي نزلت على هؤلاء الأنبياء، وما يوجدُ الآن من كتبٍ منسوبةٍ إليهم؛ فالتوراة التي نزلت على موسى ﵇ كتابٌ حقٌّ من عند الله، وكذلك الإنجيل الذي نزل على عيسى ﵇.\nوأَمَّا التوراة والإنجيل اللذان بين أيدي أهل الكتاب الآن، فنقطع بأنها ليست هي الكتب التي نزلت على موسى وعيسى ﵉؛ لأنها حُرِّفَت وغُيِّرَت وبُدِّلَت، وفيها من الكلام الباطل والمكذوب على الله ما لا يخفى.\nوقد يوجد فيها حق، ولكن لا نصدق ذلك ولا نكذبه، كما جاء عن رسولنا - ﵇ -؛ ولذلك يجوز أن نحدث عنهم - أي أهل الكتاب - ما لم يخالف ذلك ديننا وكتابنا.\nأما القرآن فيجب الإيمان به على سبيل التفصيل؛ لأنه منزل من عند الله ولم يدخله التحريف، بل قد تكفل الله بحفظه - ﷾ -: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩].\nالركن الرابع: الرسل:\nالرسل ﵈ هم الذين أوحى الله إليهم بالشرائع وأمرهم بتبليغها، وأول هؤلاء: نوح ﵇، وآخرهم: محمد ﷺ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>ما الفرق بين النبي والرسول</span>؟\nالجواب: المشهور في كتب أهل العلم أنَّ الرسول مَن أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، والنبي مَن أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بالتبليغ.","vol":"1","page":49},{"text":"وهذا لا يصح؛ إذ كيف يقال: إن النبي لم يؤمر بالتبليغ، وأتباع الرسل أمروا بالتبليغ قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: (١٢٥)]، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: (١٠٨)]؛ فكيف يُتصور أن نبيًّا يُوحى إليه ولا يؤمر بالتبليغ، هذا التعريف محل نظر.\nوالأقرب والله أعلم: أن الرسول: من أوحي إليه بشرع جديد وأمر بتبليغه، والنبي: من أوحي إليه بتبليغ شرعِ مَن قبلَه.\nمَن أولُ الرسل؟\nجاء ذلك صريحًا في حديث الشفاعة: «فَيَاتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ» (^١).\nوآخرهم محمد، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: (٤٠)].\nهنا إشكال: وهو أن عيسى - ﵇ - ينزل في آخر الزمان، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: (١٥٩)].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤/ ١٣٤) رقم (٣٣٤٠)، ومسلم (١/ ١٨٤) رقم (١٩٤) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":50},{"text":"وقد أخبر عن ذلك النبيُّ - ﷺ - في أحاديثَ صحيحةٍ أوصلَها بعضُ أهل العلم إلى حد التواتر، وهي تفيد نزول عيسى ﵇، لكن الإشكال هنا: ألَا يدل ذلك على أن عيسى - ﵇ - هو آخرُ النبيين؟\nالجواب عن ذلك من وجوه؛ أهمُّها:\n١) أن القرآن صرح بكون محمد - ﵇ - هو آخر الرسل، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: (٤٠)].\n٢) أن عيسى ﵇ إذا نزل في آخر الزمان لا يأتي بشرع جديد، وإنما يحكم بشرع الحبيب محمد - ﷺ -.\nيدل لذلك أحاديثُ كثيرة؛ منها: حديث أبي هريرة - ﵁ - في «الصحيحين» قال رسول اللهِ - ﷺ -: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا؛ فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ» (^١).\nالركن الخامس:<span data-type=\"title\" id=toc-19> البعث بعد الموت:</span>\nالمراد به: إخراج الناس من قبورهم بعد مماتهم، وهذا اعتقاد أهل السُّنة والجماعة من غير خلاف، وهو ثابت في الكتاب والسنة والإجماع.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣/ ٨٢) رقم (٢٢٢٢)، وصحيح مسلم (١/ ١٣٥) رقم (١٥٥).","vol":"1","page":51},{"text":"أما الكتاب: ففي عدة آيات؛ قال تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: (٥٣)]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: (٣)]، وقال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: (٧)]، هذه ثلاثة مواضع في القرآن، أقسم الله فيها على البعث بربوبيته.\nوأما السُّنة: فالأحاديث في ذلك متواترة عن النبي ﷺ، من أشهرها ما جاء في «صحيح مسلم» من حديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَاكُلُهُ التُّرَابُ، إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُرَكَّبُ» (^١).\nوكما في حديث أبي مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ، قَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالُوا: أَرْبَعُونَ شَهْرًا، قَالَ: أَبَيْتُ، قَالُوا: أَرْبَعُونَ سَنَةً، قَالَ: أَبَيْتُ، ثُمَّ يُنْزِلُ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ، قَالَ: وَلَيْسَ مِنَ الْإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلَّا يَبْلَى إِلَّا عَظْمًا وَاحِدًا وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الخلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^٢).\nوجاء الحديث من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَاكُلُهُ التُّرَابُ إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ مِنْهُ خُلِقَ\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٤/ ٢٢٧١) رقم (٢٩٥٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦/ ١٦٥) رقم (٤٩٣٥)، ومسلم (٤/ ٢٢٧٠) رقم (٢٩٥٥)، واللفظ له.","vol":"1","page":52},{"text":"و<span data-type=\"title\" id=toc-20>الإِيمَانِ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ</span>،\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nوَفِيهِ يُرَكَّبُ» (^١).\nالركن السادس: الإيمان بالقدر خيره وشره:\nالمراد بالقدر: تقدير الله تعالى للأشياء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>متى كتب الله المقادير</span>؟\nكتب الله المقادير قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، جاء ذلك صريحًا في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الخلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ» (^٢).\nقوله: «والإِيمَانِ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»: هنا وصف القدر بوصفين الخير والشر، فأما وصف القدر بالخير فواضح لا إشكال فيه.\nوالإشكال: كيف يوصف القدر بالشر؟\nالجواب عن ذلك: أن المراد شر المقدور لا شر القدر الذي هو فعل الله وتقديره، فإن فعل الله تعالى لا يوصف بالشر، بل كل أفعاله خير وحكمة.\nولهذا قال تعالى على لسان الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٤/ ٢٢٧١) رقم (٢٩٥٥).\n(^٢) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٤٤) رقم (٢٦٥٣).","vol":"1","page":53},{"text":"أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: (١٠)] الخير هنا منسوب إلى الله تعالى، أما الشر فلم ينسب إلى الله تعالى؛ لذا قال: ﴿أَشَرٌّ أُرِيدَ﴾.\nوجاء ذلك أيضًا في حديث علي بن أبي طالب - ﵁ - كما في «صحيح مسلم» في دعاء قيام الليل: أن النبي ﷺ كان يدعو: «وَالخيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» (^١).\nوالخلاصة: أن الشر لا يُنسب إلى الله تعالى، لكن الذي قدره هو الله تعالى، الشر بالنسبة للمقدور لا بالنسبة للقدر.\nويضاف إلى ذلك أن يقال: إن هذه الشرية نسبية؛ فهي شر من جهة لكن يترتب عليه من الحِكَم والمصالح الشيء الكثير، ومثل ذلك وجود النفاق والمنافقين وأهل الشهوات، فإن النفاق شر والمنافقين أشرار والكافرين أشرار، لكن هذا التقدير وراءه حِكَم، من ذلك ما ذكره الله في قوله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال: (٣٧)].\nوعلى هذا: من حِكَم وجود هؤلاء الامتحانُ لأهل الإيمان؛ هل يصبرون؟ وهل يقابلون هذا الشر بالخير؟ وهل يقومون بوظيفة الدعوة وتبليغ الدين؟\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١/ ٥٣٥) رقم (٧٧١).","vol":"1","page":54},{"text":"مسألة:<span data-type=\"title\" id=toc-22> هل يُتصور خلوُّ الأرض من الكفر والنفاق</span>؟\nالجواب: لا يتصور خلو الأرض من الكفر والكافرين والمنافقين؛ لأنَّ من الحِكَم والسنن الإلهية التي أرادها الله كونًا وجودَ الصراع بين الحق والباطل، وهذه الحكمة ينبني عليها امتحان واختبار وتمحيص للصف المؤمن.\nوأنبِّه بهذه المناسبة على خطأ مشهور عند بعض الأئمة في دعاء القنوت؛ حيث يَدعون على عموم الكفار ويقولون: «اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا، وَاقْتُلْهُمْ بَدَدًا، وَلَا تُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا» (^١)، ويحتجون لذلك بأنه دعاء خُبيب على قتلته حيث دعا بذلك. والدليل صحيح، ولكن وجه الاستدلال ليس بصحيح؛ لأن خبيبًا ﵁ أراد بدعائه قومًا معينين.\nلكن قد يقول قائل: إن نوحًا ﵇ دعا على الكفار دعاءً عامًّا، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: (٢٦)].\nوالجواب: أن نوحًا - ﵇ - قد اعتذر من دعائه هذا؛ كما في حديث الشفاعة: «وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُهَا عَلَى قَوْمِي، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي» (^٢)، فامتنع - ﵇ - عن الشفاعة بسبب دعائه هذا.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥/ ٧٨) رقم (٣٩٨٩) من حديث أبي هريرة - ﵁ -. وقوله: (بَِدَدًا) فيه وجهان: فتح الباء بمعنى متفرقين، وكسر الباء بمعنى حصص مقسمة.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦/ ٨٤) رقم (٤٧١٢)، ومسلم (١/ ١٨٤) رقم (١٩٤).","vol":"1","page":55},{"text":"وَمِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ: الْإِيمَانُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ مُحَمَّدٌ؟ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ، وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ.\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nقوله: «وَمِنَ الْإِيمَانِ بِالله ...» إلخ: شرع المُصَنِّف ﵀ في التفصيل بعد الإجمال، فذكر أنَّ مِن عقائد أهل السنة والجماعة في الإيمان بالله: الإيمانَ بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله ﷺ؛ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.\n- التحريف: تفسير النصوص بالمعنى الباطل الذي لا تدل عليه تلك النصوص بوجه من الوجوه.\n- التعطيل: نفي المعنى الصحيح الذي دلت عليه النصوص.\n- التكييف: وضع كيفية لصفات الله - ﷾ -، أو البحث عن حقيقتها وكنهها.\n- التمثيل: أن تجعل صفات الله - ﷾ - كصفات خلقه.\nومنهج أهل السُّنة: الإيمان بما وصف به الله نفسه في كتابه، وبما وصفه به نبيه ﷺ في سنته، وذلك على أربعة أقسام:\n١) الوصف بالقول:\nمثال ذلك ما جاء في «الصحيحين» أن رسول الله ﷺ قال: «يَضْحَكُ اللهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ» (^١). الحديث له عدة ألفاظ، وهذا لفظ مسلم.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٤/ ٢٤) رقم (٢٨٢٦)، وصحيح مسلم (٣/ ١٥٠٤) رقم (١٨٩٠) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":56},{"text":"وكقوله: «خَلَقَ الله آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» (^١) ما معنى الحديث؟ وما المراد بقوله: «عَلَى صُورَتِهِ»؟ هل هي صورة آدم أو صورة الرحمن؟\nالصحيح الذي دلت عليه الأدلة، وهو مذهب عامة أهل السنة: أن المراد صورة الرحمن، ويؤكد ذلك روايةُ: «إِنَّ الله خَلَقَ آدَم عَلَى صُورَة الرَّحْمَن» (^٢).\nوقد خالف في ذلك الإمامُ ابن خزيمة، ومن المتأخرين الألباني، وقالا: المراد صورة آدم. ولكن الصحيح الذي عليه عامة الأئمة، أن المراد صورة الرحمن، أي: خلق الله آدم على صورة الرحمن.\n٢) الوصف بالفعل:\nمثاله: ما ثبت في «صحيح مسلم» في حديث جابر ﵁ الطويل عندما خطب النبي ﷺ خطبة عرفة وقال: «أَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: اللهُمَّ اشْهَدْ، اللهُمَّ اشْهَدْ» (^٣) إشارة إلى العلو، فوصف ربه بالعلو بالفعل.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨/ ٥٠) رقم (٦٢٢٧)، ومسلم (٤/ ٢١٨٣) رقم (٢٨٤١) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٢) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٢٩) رقم (٥١٨)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٤٣٠) رقم (١٣٥٨٠)، والحديث حَسَّن إسنادَه ابنُ حجر في الفتح (٥/ ١٨٣).\n(^٣) صحيح مسلم (٢/ ٨٨٦) رقم (١٢١٨).","vol":"1","page":57},{"text":"٣) الوصف بالقول والفعل معًا:\nمثاله: ما رواه أبو داود في «سننه» أن أبا هريرة - ﵁ - تلا الآية: ﴿إن الله يأمرك أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أن الله كان سميعا بصيرا﴾ [النساء: (٥٨)]، وقال: «رأيتُ رَسُولَ اللهِ؟ يَقْرَؤُهَا ويَضَعُ إِبْهَامَهُ عَلَى أُذُنهِ، وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى عَيْنِهِ» (^١).\nهل يقال: هذا تشبيه؟\nالجواب: هذا ليس بتشبيه، بل أراد به النبي - ﷺ - تحقيقَ الصفة.\n٤) إقرار الوصف:\nمثاله ما جاء في «صحيح مسلم» من حديثِ معاويةَ بنِ الحكم السُّلَمي ﵁ وهو حديث طويل جاء فيه أن النبي ﷺ سأل الجارية: «فَقَالَ لَهَا: أَيْنَ اللهُ؟ قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ»، فأقرَّها على ذلك، وقال لسيدها: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» (^٢).\nومن ذلك إقراره ﷺ للحَبر اليهودي الذي قال لرَسُولِ اللهِ ﷺ: «يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ يَضَعُ السَّمَاءَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرْضَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالجِبَالَ عَلَى\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٤/ ٢٣٣) رقم (٤٧٢٨).\n(^٢) صحيح مسلم (١/ ٣٨١) رقم (٥٣٧).","vol":"1","page":58},{"text":"بَلْ يُؤْمِنُونَ بِأَنَّ الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: (١١)].\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nإِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ وَالأَنْهَارَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَقُولُ بِيَدِهِ: أَنَا المَلِكُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - تصديقًا للحبر»، والحديث في الصحيحين من رواية ابن مسعود ﵁ (^١).\nوالحديث فيه فوائد:\nأولًا: إقرار النبي ﷺ لليهودي بما قال، إذ أخبر أن الله يضع السماء يوم القيامة على إصبع ... إلخ.\nثانيًا: قبول الحق من الكافر، وأن الحق متى جاءنا قبلناه بغض النظر عمَّن قاله.\nقوله: «بَلْ يُؤْمِنُونَ بِأَنَّ الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾» هذه الآية قاعدة من القواعد العظيمة في باب الأسماء والصفات، وفيها جملة من الفوائد والاستنباطات:\nأولًا: في الآية رد على المشبِّهة؛ لقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.\nثانيًا: فيها رد على المعطِّلة؛ لقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.\nثالثًا: فيها رد على المعتزِلة الذين يثبتون الأسماء دون الصفات، حيث أخبر سبحانه أنَّ من أسمائه السميعَ والبصير، وهما اسمان يشتملان على\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٩/ ١٣٤) رقم (٧٤٥١)، ومسلم (٤/ ٢١٤٧) رقم (٢٧٨٦) من حديث ابن مسعود - ﵁ -.","vol":"1","page":59},{"text":"صفتين، وهما: السمع، والبصر، وهو سبحانه ليس كمثله شيء في صفاته، بل هي على ما يليق بجلاله وعظمته.\nرابعًا: فيها رد على الأشاعرة؛ إذ إنهم أثبتوا بعض الصفات ونفوا البعض الآخر، وقالوا: إثبات الصفات الخبرية يستلزم التشبيه، فيقال لهم: إن الله تعالى في هذه الآية أثبت السمع والبصر، وردَّ على المشبهة؛ فإثبات الصفات لا يستلزم التشبيه؛ فيلزمكم فيما نفيتموه نظير ما قلتموه فيما أثبتُّموه؛ إذ القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر.\nخامسًا: فيها إثبات صفة السمع ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾.\nسادسًا: فيها إثبات صفة البصر لله على ما يليق بجلاله ﴿الْبَصِيرُ﴾.\nسابعًا: فيها إثبات لمنهج أهل السنة والجماعة في النفي المجمل والإثبات المفصل.\nوطريقة القرآن والسُّنة: الإجمال في النفي والتفصيل في الإثبات، إلا في مواطنَ معينةٍ يأتي فيها التفصيل في النفي؛ ولذلك أسباب سيأتي الكلام عليها في شرح القواعد المثلى إن شاء الله.\n﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾: فيه نفي مجمل، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾: فيه إثبات مفصل.","vol":"1","page":60},{"text":"فلَا يَنْفُونَ عَنْهُ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَلَا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَلَا يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَاءِ الله وَآيَاتِهِ، وَلَا يُكَيِّفُونَ وَلَا يُمَثِّلُونَ صِفَاتِهِ بِصِفَاتِ خَلْقِهِ.\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nقال شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى»: «السمع الذي أثبته الله - ﷾ - لنفسه في الكتاب والسنة نوعان:\n١) السمع العام: ويراد به إدراك الصوت؛ فسمع الله ﵎ شامل لجميع الأصوات؛ لأنه سميع لكل مسموع، كقوله: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما﴾ [المجادلة:١].\n٢) السمع الخاص: وهو سمع الإجابة والقَبُول، وهذا النوع متعلق بمشيئة الله تعالى وقدرته، كقول الخليل: ﴿إنك سميع الدعاء﴾ [آل عمران:٣٨]» (^١).\nقوله: «فلَا يَنْفُونَ عَنْهُ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ ...»: وقد ذم الله الملحدين الذين يلحدون في أسمائه قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: (١٨٠)]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [فصلت: (٤٠)].\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>ما المراد بالإلحاد في الأسماء</span>؟\nالإلحاد في الأسماء: الميل عمَّا يجب لها شرعًا، في لفظها ودلالتها، وهو أنواع:\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٥/ ١٤).","vol":"1","page":61},{"text":"١) أن يُسمى الله بما لم يُسَمِّ به نفسَه، كتسمية النصارى الله بـ «أب» وتسمية الفلاسفة له بـ «العلة الفاعلة».\n٢) إنكار أسماء الله وصفاته أو بعضها: كفعل بعض المعطلة الذين جردوا الله تعالى من أسمائه وصفاته أو بعضها.\n٣) إنكار ما دلت عليه الأسماء من الصفات: فمثلًا: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: (٢)] لا يجوز الاقتصار من دلالتها على الأسماء دون الصفات؛ بل يؤخذ من ذلك إثبات اسمين لله هما اسم «العليم» واسم «الحكيم»، كما يؤخذ منهما صفة العلم وصفة الحكمة لله تعالى، فلا يجوز الاكتفاء بإثبات الاسمين دون ما يتعلق بهما من الصفات.\n٤) أن يُثبت لله تعالى الأسماء والصفات لكن مع تقييدها بالتمثيل: كمَن يقول: لله بصرٌ كبصرِنا، وسمعٌ كسمعِنا، وعلمٌ كعلمِنا، وهكذا ...\n٥) أن يشتق من أسماء الله أسماء للمعبودات: كما اشتق أهل الشرك اسم (اللات): من الإله، و(العزى): من العزيز، و(مناة): من المنَّان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>ما حقيقة الإلحاد في آيات الله وكيف يكون</span>؟\nالجواب: آيات الله على نوعين:\n١) الآيات الكونية: كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت: (٣٧)]، وغير ذلك من آيات الله الكثيرة في الآفاق والكون.","vol":"1","page":62},{"text":"فمَن نسب شيئًا من هذه الآيات إلى غير الله، فهو ملحد في آيات الله، كما تقوله طوائفُ من الصوفية، يقولون: إن الولي فلانًا يدبرُ الليل والنهار، ويقول بعضهم: لولا الولي فلان لما وجد الكون.\nقال البوصيري في «بردته» يخاطب النبي ﷺ:\nيَا أَكْرَمَ الخَلْقِ مَا لِي مَنْ أَلُوذُ بِه\nسِوَاكَ عِنْدَ حُلُولِ الحَادِثِ العَمَم\nإِنْ لَم تَكُنْ آخِذًا يَوْمَ المعَادِ يَدِي\nفَضْلًا وَإلَّا فَقُلْ يَا زَلَةَ القَدَم\nفَإِنَّ مِنْ جُودِكَ الدُّنْيَا وَضَرَّتَها\nوَمِنْ عُلُومِكَ عِلمَ اللَّوْحِ وَالقَلَم\nذكر ابن رجب ﵀: أنه لم يترك لله شيئًا ما دامت الدنيا والآخرة من جود الرسول ﷺ. تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.\n٢) الآيات الشرعية: وهو الوحي الذي أنزله الله على الرسل كالقرآن والتوراة والإنجيل.\nوالإلحاد في القرآن يكون بتكذيبه أو تحريف آياته أو مخالفتها، كل هذا يعد إلحادًا في القرآن.","vol":"1","page":63},{"text":"لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ، لَا سَمِيَّ لَهُ، وَلَا كُفْءَ لَهُ\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>هل يجوز تخيل صفات الله </span>- ﷿ -\nلا يجوز تخيل أي صفة من صفات الله، ولا يجوز للمسلم أن يستسلم لذلك، ومَن خطر له شيء من ذلك فلينتهِ؛ لِما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «يَاتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ، فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ وَلْيَنْتَهِ» (^١)، لينته: ليقطع المادة بالحسم وعدم الاسترسال في هذه الخواطر؛ لأنها من الشيطان الذي يجري من ابن آدم مجرى الدم، وهو يسعى جاهدًا في بثها في النفس.\nقوله: «لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ» هذه الجملة تعليلية، فلما بين المُصَنِّف منهج أهل السنة في الأسماء والصفات علل لذلك بما سبق في سلوك أهل السنة والجماعة هذا المذهب فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته؛ لأنه سبحانه لا سميَّ له.\nقوله: «لَا سَمِيَّ لَهُ»: السمي: المساوي. فالله سبحانه لا مساوي ولا مماثل له، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: (٦٥)]؛ أي هل تعلم له مماثلًا؟\nقوله: «وَلَا كُفْءَ لَهُ»: الكفء والكفو: أي المكافئ، والله سبحانه لا مكافئ له قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: (٤)].\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٤/ ١٢٣) رقم (٣٢٧٦)، وصحيح مسلم (١/ ١٢٠) رقم (١٣٤).","vol":"1","page":64},{"text":"وَلَا نِدَّ لَهُ، وَلَا يُقَاسُ بِخَلْقِهِ - ﷾ - فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ، وَأَصْدَقُ قِيلًا.\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nقوله: «وَلَا نِدَّ لَهُ»: الند النظير، والله تعالى لا نظير له ولا ند له؛ قال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: (٢٢)].\nهذه الثلاث التي ذكر المُصَنِّف «السَّمِيُّ وَالْكُفْءُ والنِّد» معانيها متقاربة، ومضمونُها: نفي المثيل لله - ﷿ -.\nقوله: «وَلَا يُقَاسُ بِخَلْقِهِ» يمتنع القياس بين الله تعالى وبين خلقه، لوجود التبايُن الكبير بين الله وبين خلقه، فلا مثيل له سبحانه، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.\nقوله: «﷾؛ فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ» هذا تعليلٌ لصحة مذهب السلف في الإيمان بجميع الصفات الواردة في الكتاب والسنة.\nومُفاد هذا التعليل أنه إذا كان - ﷾ - أعلمَ بنفسه وبغيره وأصدقَ قيلًا وأحسنَ حديثًا، فيجب الرجوع في هذا الباب -نفيًا وإثباتًا- إلى ما قاله سبحانه؛ لأنه أعلم بنفسه وأعلم بغيره، كما يجب الرجوع إلى ما قاله رسوله ﷺ لأنه أعلم الخلق بالله - ﷿ -.\nفإذا كان ذلك كذلك وجب المصير في هذا الباب -نفيًا وإثباتًا- إلى ما قاله سبحانه وقاله رسوله ﷺ.\nقوله: «وَأَصْدَقُ قِيلًا» عبَّر المُصَنِّف بهذه العبارة لأجل موافقة القرآن في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢]، وفي هذا لفتة لأهمية التزام المصطلحات والتسميات الشرعية الواردة في الكتاب والسُّنة.","vol":"1","page":65},{"text":"وَأَحْسَنُ حَدِيثًا مِنْ خَلْقِهِ، ثُمَّ رُسُلُهُ صَادِقُونَ مُصَدَّقُونَ [أو مَصْدُوقون]، بِخِلَافِ الَّذِينَ يَقُولُونَ عَلَيْهِ مَا لَا يَعْلَمُونَ.\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nقوله: «ثُمَّ رُسُلُهُ صَادِقُونَ مُصَدَّقُونَ» الصدق: مطابقة الخبر للواقع.\nوقوله: «صَادِقُونَ»: أي بما جاءوا به عن الله - ﷾ -.\n«مُصَدَّقُونَ»: أي أن ما أُوحي إليهم صدق، وفي نسخة «مَصْدُوقون»، والمصْدُوق: من أوحي له بصدق، يعني أن مَن بلَّغه صدَق فيما بلغه، وعلى ضبطها بالتشديد «مُصَدَّقون»: أي من البشر، والذين يصدقونهم هم أتباعهم من المؤمنين بالرسل.\nوالخلاصة: أن الرسل ﵈ مَصْدوقون في كل ما أوحي إليهم، فلم يكذبهم الذي أرسلهم وهو الله، ولم يكذبهم الذي أرسل إليهم وهو جبريل، وأيضًا لم يكذبهم أتباعُهم من المؤمنين، ويمكن أن يصح وجه آخر في نسخة «مُصَدَّقُون» بأن الله صدَّقهم بقوله وفعله.\nأما تصديقه لهم بالقول فجاء في آيات كثيرة؛ قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ [المنافقون: (١)]، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: (٤٠)]؛ فصدَّق اللهُ رسولَه بالقول.\nوأما تصديقه لهم بالفعل فبالتمكين الذي كان للنبي ﷺ، وظهور دينه على الأديان كلها، وما آتاه الله من الآيات والمعجزات وأعظمها القرآن، وهو أعظم معجزة على الإطلاق من لدن آدم إلى أن تقوم القيامة.\nقوله: «بِخِلَافِ الَّذِينَ يَقُولُونَ عَلَيْهِ مَا لَا يَعْلَمُونَ» وهم أهل التحريف؛ لأن أهل التحريف قالوا على الله بلا علم، وهؤلاء الذين يقولون على الله بلا","vol":"1","page":66},{"text":"وَلِهَذَا قَالَ - ﷾ -: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فَسَبَّحَ نَفْسَهُ عَمَّا وَصَفَهُ بِهِ المخَالِفُونَ لِلرُّسُلِ، وَسَلَّمَ عَلَى المرْسَلِينَ؛ لِسَلَامَةِ مَا قَالُوهُ مِنَ النَّقْصِ وَالْعَيْبِ،\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nعلم ليسوا بصادقين في أنفسهم، وليسوا بمصدوقين فيما قالوه، وليسوا بمصدَّقين من الخلق. فالأنبياء والرسل ﵈ كانوا صادقين؛ لأنهم قالوا ذلك من عند الله، أما هؤلاء فليسوا بصادقين، وليسوا مصدقين من الخلق، بل الذي قالوه افتراء على الله - ﷿ -.\nقوله: «قَالَ: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾» فسبح نفسه سبحانه عمَّا وصفه به المخالفون للرسل، وسلَّم على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب.\nفالرسل ﵈ هم الذين نزهوا الله عما لا يليق به مما افتراه المفترون المكذبون.\nولهذا قال المُصَنِّف بعد ذكر الآية: «فَسَبَّحَ نَفْسَهُ عَمَّا وَصَفَهُ بِهِ المخَالِفُونَ لِلرُّسُلِ» قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: (١٨٠) - (١٨١)]؛ لسلامة ما قالوه في ذلك الباب.\nما مناسبة ذكر الآية لما سبق؟\nالمناسبة: لمَّا ذكر منهج أهل السنة والجماعة بين أن هذا المنهج هو منهج","vol":"1","page":67},{"text":"وَهُوَ سُبْحَانَهُ قَدْ جَمَعَ فِيمَا وَصَفَ وَسَمَّى بِهِ نَفْسَهُ بَيْنَ: النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ،\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nالرسل ﵈، وهو تسبيح الله وتنزيهه؛ ولهذا سلم على المرسلين لسلامة ما قالوه.\nوالرسل: هم أعظم مَن سبَّح الله ونزَّهه.\nوإنما ذكر المُصَنِّف هذه الآية لأنها تدل على تنزيه الله تعالى.\n﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ عما وصفه به الذين لا يعلمون.\nوهذه الآية عامة؛ يدخل فيها كل من وصف الله بما لا يليق به، ويدخل في ذلك أهل التحريف، وأيضًا جميع الطوائف المبتدِعة؛ لأنهم قالوا على الله بلا علم.\nوهذه الجملة تضمنت قاعدة عظيمة نافعة في هذا الباب، وهي أن الكلام في الصفات مبني على أصلين، بيَّنَهما في قوله: «وَهُوَ سُبْحَانَهُ قَدْ جَمَعَ فِيمَا وَصَفَ وَسَمَّى بِهِ نَفْسَهُ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ»:\nالأصل الأول: النفي. والأصل الثاني: الإثبات.\nفأما النفي: فالمراد به نفي ما يُضادُّ كمالَ الله تعالى؛ من أنواع العيوب والنقائص.\nوأما الإثبات: فهو إثبات صفات الكمال ونعوت الجلال لله - ﷾ -.\nفالقرآن فيه نفي وإثبات.","vol":"1","page":68},{"text":"قال شيخ الإسلام: «وبيان هذا أن سبيل سلف الأمة وأئمتها في الصفات مبني على أصلين:\n- أحدهما: أن الله - ﷾ - منزَّه عن صفات النقص مطلقًا؛ كالسِّنَةِ والنوم والعجز والجهل وغير ذلك.\n- الثاني: أن الله متصِفٌ بصفات الكمال التي لا نقص فيها على وجه الاختصاص بما له من الصفات، فلا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات» (^١).\nأمثلة النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: (٣)]، ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ [الجن: (٣)]، ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: (٢٥٥)]، ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: (١٠٣)].\nأمثلة الإثبات: وهو في القرآن أكثر من النفي، مثل: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: (١١)]، ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: (٢٣)].\nالمقصود أن مذهب أهل السنة والجماعة مبني على هذين الأصلين.\n_________\n(^١) منهاج السنة (٢/ ٥٢٣)، والصفدية (١/ ١٠٢).","vol":"1","page":69},{"text":"فَلَا عُدُولَ لِأَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ عَمَّا جَاءَتْ بِهِ المُرْسَلُونَ؛\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nوالصفاتُ على قسمين: صفات ثبوتية، وصفات سلبية.\nفالصفات الثبوتية: كل ما أثبته الله تعالى لنفسه، وجميعُها صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه. أما الصفات السلبية: فهي الصفات التي نفاها الله تعالى عن نفسه من صفات النقص والعيب، وسيأتي التفصيل في شرح القواعد المثلى.\nقوله: «فَلَا عُدُولَ لِأَهْلِ السُّنَّةِ وَالجمَاعَةِ ...» هذه الجملة تعليلية لما سبق؛ إذ ذكر ﵀ مذهب أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات، ثم علل لذلك بأنه هو الحق؛ لأنه هو الذي جاءت به الرسل، وأنزلت به الكتب، وشهدت به العقول السليمة، هذه ثلاثة طرق عرفنا بها «مذهب أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات».\nقال ابن القيم في «نونيته»:\nوإِذَا تَأَمَّلْتَ الوُجُودَ رَأَيْتَهُ ... إِنْ لَم تَكُنْ مِنْ زُمْرَةِ العُمْيَان\nبِشَهَادَةِ الإِثْبَاتِ حَقًّا قَائِمًا ... للهِ لا بشَهَادَةِ النُّكْرَان\nوَكَذَاكَ رُسْلُ اللهِ شَاهِدَةٌ بِهِ ... أَيْضًا فَسَلْ عَنْهُمْ عَلِيمَ زَمَان\nوَكَذَاكَ كُتْبُ اللهِ شَاهِدَةٌ بِهِ ... أَيْضًا فَهَذَا مُحْكَمُ القُرْآن\nوَكَذَا العُقُولُ المُسْتَنِيرَاتُ الَّتي ... فَيهَا مَصَابِيحُ الهُدَى الرَّبَّاني","vol":"1","page":70},{"text":"فَإِنَّهُ الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ،\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nوما جاءت به الرسل، وأنزلت به الكتب، وشهدت به العقول الصحيحة؛ هو الدين الحق الذي جاءت به الرسل ﵈.\nودين الرسل دين واحد وهو الإسلام؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: (١٩)]. والأنبياء دينهم واحد؛ قال ﷺ كما في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة - ﵁ -: «الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ؛ أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ» (^١).\nوالمقصود به دين الإسلام: وهو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله.\nقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: (٣٦)]؛ فالأنبياء اتفقوا على ذلك، ودعوتهم واحدة، وإنما وقع الاختلاف بينهم في الأحكام المتعلقة بالعبادات.\nقوله: «فَإِنَّهُ الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ»، هل الضمير يعود إلى مذهب أهل السنة والجماعة في هذا الباب، أو يعود إلى ما جاءت به الرسل؟\nكلاهما صحيح؛ لأن مذهب أهل السنة والجماعة هو ما جاءت به الرسل.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٤/ ١٦٧) رقم (٣٤٤٣)، وصحيح مسلم (٤/ ١٨٣٧) رقم (٢٣٦٥).","vol":"1","page":71},{"text":"صِرَاطُ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nقوله: «صِرَاطُ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ». نِعَمُ الله قسمان:\n١) النعم العامة: أي لكل البشر مسلمِهم وكافرِهم؛ فالله يُمِد الجميع بالنعم.\n٢) النعم الخاصة: وهي نعم الله على أهل الإيمان بالإيمان وأيضًا نعمته على أهل العلم بالعلم، ونعمته على أهل الإنفاق بالإنفاق، وهكذا ...\nوهناك نعمة أخص؛ وهي نعمة الله تعالى على أنبيائه بالنبوة، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: (١١٣)] عظيمًا: أي بنعمة الرسالة وهي أعظم النعم.\nإذن النعم ثلاثة: نعمة عامة، ونعمة خاصة لأهل الإيمان، ونعمة أخص؛ وهي نعمته على أنبيائه بالنبوة.\nومَن الذين أنعم الله عليهم؟\nالجواب: هم الأصناف الأربعة الذين ذكرهم الله في سورة النساء؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: (٦٩)].\nالصنف الأول: الأنبياء؛ وهم كل من أوحى الله إليهم ونبَّأهم، وسبق الكلام على هذه المسألة والتفريق بين النبي والرسول، والقول الصحيح في الفرق بينهما.","vol":"1","page":72},{"text":"وَالصِّدِّيقِينَ\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nالصنف الثاني: الصديقون: جمع صِدِّيق، والصديق: هو من صدق مع الله في معتقده وإخلاصه وإرادته، وفي مقاله وأفعاله، والصديقيَّةُ: مرتبة عظيمة وهي أعظم المراتب بعد مرتبة النبوة.\nمَن صديق هذه الأمة؟\nهو أبو بكر ﵁، بل هو أفضل الصديقين، وفي صحيح البخاري أن أنس ابن مالك ﵁ حدثهم: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَعِدَ أُحُدًا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ، فَرَجَفَ بِهِمْ، فَقَالَ: اثْبُتْ أُحُدُ؛ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ» (^١).\nوجاء في حديث آخر أنهم كانوا على جبل حراء، فعن أبي هريرة ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ عَلَى حِرَاءٍ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ، فَتَحَرَّكَتِ الصَّخْرَةُ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: اهْدَا؛ فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ» (^٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>هل مرتبة الصديقية خاصة بالرجال</span>؟\nالجواب: ليست خاصة بهم، ومريم ﵍ بلغت هذه المرتبة، قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: (٧٥)].\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٥/ ٩) رقم (٣٦٧٥).\n(^٢) أخرجه مسلم (٤/ ١٨٨٠) رقم (٢٤١٧).","vol":"1","page":73},{"text":"وَقَدْ دَخَلَ فِي هَذِهِ الجُمْلَةِ مَا وَصَفَ اللهُ بِهِ نَفْسَهُ فِي سُورَةِ الْإِخْلَاصِ الَّتِي تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، حَيْثُ يَقُولُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: (١) - (٤)].\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nالصنف الثالث: الشهداء: الذين قتلوا في سبيل الله.\nالصنف الرابع: الصالحون.\nوهذه المرتبة شاملة لجميع الأنواع الثلاثة السابقة، وشامله أيضًا لمن كان دونهم في الإيمان ولم يبلغ هذه المراتب.\nمَنِ الصالحُ؟ اختلف أهل العلم في تعريف الصالح، والأقرب في الصالح أنه الذي قام بحق الله وحق عباده.\nقوله: «وَقَدْ دَخَلَ فِي هَذِهِ الجُمْلَةِ مَا وَصَفَ اللهُ بِهِ نَفْسَهُ ...» شرع المُصَنِّف في ذكر بعض النصوص الواردة في الكتاب والسنة في الإيمان بالله تعالى والإيمان بما جاءت به هذه النصوص، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييفٍ ولا تمثيل.\nأطال ﵀ في ذكر الآيات والأحاديث في باب الأسماء والصفات.\nواستفتح بسورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن، فعن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ فِي لَيْلَةٍ ثُلُثَ القرآن؟ قَالُوا: وَكَيْفَ يَقْرَأُ ثُلُثَ القرآنِ؟ قَالَ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ القرآن» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١/ ٥٥٦) رقم (٨١١).","vol":"1","page":74},{"text":"وَمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي أَعْظَمِ آيَةٍ فِي كِتَابِهِ؛ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: (٢٥٥)].\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀: «القرآن يحتوي على علوم عظيمة كثيرة، وهي ترجع إلى ثلاثة علوم: أحدها: علوم الأحكام والشرائع الداخل فيها علوم الفقه، كلها عبادات ومعاملات وتوابعهما. الثاني: علوم الجزاء على الأعمال والأسباب التي يُجازَى بها العاملون على ما يستحقون من خير وشر، وبيان تفصيل الثواب والعقاب. الثالث: علوم التوحيد، وما يجب على العباد من معرفته والإيمان به، وهو أشرف العلوم الثلاثة. وسورة الإخلاص كفيلة باشتمالها على أصول هذا العلم وقواعده» (^١).\nقوله: «وَمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي أَعْظَمِ آيَةٍ فِي كِتَابِهِ ...». ثنَّى المُصَنِّف ﵀ بذكر أعظم آية في القرآن؛ وهي آية الكرسي، والدليل على أنها أعظم آية ما رواه مسلم من حديث أبي بن كعب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «يَا أَبَا المُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟ قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: يَا أَبَا المُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟ قَالَ: قُلْتُ: اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحَيُّ الْقَيُّومُ، قَالَ: فَضَرَبَ فِي صَدْرِي وَقَالَ: والله لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ\n_________\n(^١) التنبيهات اللطيفة ص (٢٧ - ٢٩).","vol":"1","page":75},{"text":"أَبَا المنْذِرِ» (^١).\nوالسبب في كون هذه الآية أعظمَ آية في الكتاب: أنها اشتملت على جملة من أسماء الله وصفاته بحيث لا توجدُ آيةٌ في القرآن جمَعت من أسمائه وصفاته ما جمعت هذه الآيةُ الكريمة.\nفقد تضمنت هذه الآية الكريمة من أسماء الله خمسةً، وهي: الله، الحي، القيوم، العلي، العظيم. وتضمنت من صفات الله خمسًا وعشرين صفة؛ منها خمس صفات مأخوذة من هذه الأسماء التي سبقت.\nالسادسة: انفراده بالألوهية ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.\nالسابعة: انتفاء السِّنَة والنوم في حقه ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾.\nالثامنة: عموم مُلكه ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.\nالتاسعة: انفراده ﷿ بالملك ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ حيث قدم الخبر، والخبر هنا: ﴿لَهُ﴾، والمبتدأ: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، وهذا التقديم له فائدة وهي: إفادة الاختصاص، وهو اختصاصه - ﷿ - بالملك.\nالعاشرة: قوة السلطان وكماله ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١/ ٥٥٦) رقم (٨١٠).","vol":"1","page":76},{"text":"الحادية عشرة: إثبات العندية ﴿عِنْدَهُ﴾.\nالثانية عشرة: إثبات الإذن ﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾.\nالثالثة عشرة: عموم علمه - ﷿ - ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾.\nالرابعة عشرة والخامسة عشرة: إثبات أنه - ﷾ - لا ينسى ما مضى، لقوله: ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. ويعلم الحال والمستقبل لقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾.\nالسادسة عشرة: كمال العظمة.\n﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ عجز الخلق عن الإحاطة يدل على كمال عظمته، ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ عظمة هذا الكرسي من عظمة الله.\nالسابعة عشرة: إثبات المشيئة من قوله: ﴿إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾.\nالثامنة عشرة: إثبات الكرسي وهو موضع القدمين ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾.\nوكون الكرسي موضع القدمين لم يرد في نصٍّ صحيحٍ مرفوعًا، وإنما جاء في بضعة آثار عن بعض الصحابة كابن عباس وأبي موسى الأشعري ﵄.","vol":"1","page":77},{"text":"ولفظ ابن عباس: «الكرسيُّ موضع القدمين، والعرش لا يُقْدَرُ قَدْرُهُ» (^١).\nولكن هذه الآثار لها حكم المرفوع؛ لأن مثلها لا يقال بالرأي؛ ولا سيما أنها في باب الأسماء والصفات؛ فبذلك يثبت أَنَّ الكرسي موضع القدمين، كما هو قول أهل السنة والجماعة خلافًا للمعطلة.\nالتاسعة عشرة والعشرون والحادية والعشرون: إثبات القوة والقدرة والعظمة، مأخوذة من قوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾.\nوإيجاد هذا الكرسي بهذه العظمة -حيث وسع السموات والأرض- دليل على قدرته سبحانه، ودليل على القوة؛ لأن مثل هذا لا يصدر إلا من قوي قادر، ودليل على العظمة: لأن عظمة الكرسي من عظمة خالقه - ﷾ -.\nالثانية والعشرون والثالثة والعشرون والرابعة والعشرون: كمال علمه ورحمته وحفظه، نأخذ ذلك من قوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ أي: حفظ السماوات والأرض لا يَكرِثُه ولا يشق عليه ولا يثقله لكمال قدرته وقوته؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: (٤١)].\nويَلزَم من حفظه السماواتِ والأرضَ إثباتُ صفة العلم وصفة الرح\n_________\n(^١) أخرجه ابن خزيمة في كتاب التوحيد (١/ ٢٤٨)، وابن أبي شيبة في كتاب العرش ص (٤٣٨).","vol":"1","page":78},{"text":"وَلِهَذَا كَانَ مَنْ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ فِي لَيْلَةٍ لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ مِنَ الله حَافِظٌ، وَلا يَقْرَبُهُ شَيْطَانٌ حَتَى يُصْبِح.\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nالخامسة والعشرون: إثبات علو الله جل وعز، نأخذ ذلك من قوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ وهذا دليل على أن الله عالٍ فوق خلقه.\nوالعلو على أقسام: ١ - علو القدر. ٢ - علو القهر. ٣ - علو الذات.\nوقد ثبت في صحيح البخاري معلقًا، ووصله النسائي في عمل اليوم والليلة؛ من حديث أبي هريرة ﵁ في القصة التالية:\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «وَكَّلَنِي رَسُولُ الله ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ وَقُلْتُ: وَاللهِ لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ، قَالَ: إِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، قَالَ: فَخَلَّيْتُ عَنْهُ، فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ الله ﷺ: إِنَّهُ سَيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ، قَالَ: دَعْنِي فَإِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ لَا أَعُودُ، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ الله، وَهَذَا آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ أَنَّكَ تَزْعُمُ لَا تَعُودُ ثُمَّ تَعُودُ، قَالَ: دَعْنِي أُعَلِّمْكَ","vol":"1","page":79},{"text":"وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: (٣)].\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nكَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بِهَا، قُلْتُ: مَا هُوَ؟ قَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَا آيَةَ الْكُرْسِيِّ: اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحيُّ الْقَيُّومُ، حَتَّى تَخْتِمَ الْآيَةَ، فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ الله ﷺ: مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللهُ بِهَا فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: مَا هِيَ؟ قُلْتُ: قَالَ لِي: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَا آيَةَ الْكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ الْآيَةَ: اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحيُّ الْقَيُّومُ، وَقَالَ لِي: لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، وَكَانُوا أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الخيْرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: ذَاكَ شَيْطَانٌ» (^١).\nقوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ فسَّر النبي - ﷺ - هذه الأسماءَ الأربعة بتفسير جامع مختصر؛ وذلك في قوله؛ كما في «صحيح مسلم» من حديث أبي هريرة ﵁ أنه كان يدعو ويقول: «اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣/ ١٠١) رقم (٢٣١١) معلقًا.\n(^٢) صحيح مسلم (٤/ ٢٠٨٤) رقم (٢٧١٣).","vol":"1","page":80},{"text":"الأول: معناه ليس قبله شيء.\nالآخر: ليس بعده شيء.\nالظاهر: مشتق من الظهور والعلو؛ فسَّره النبي - ﷺ - بقوله: «فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ»، فهو عال فوق كل شيء.\nالباطن: ليس دونه شيء، وهذا دليل على كمال إحاطته بكل شيء.\nونستفيد من هذه الآية: إثبات أربعة أسماء وخمس صفات.\nالأسماء سبقت.\nأما الصفات فهي:\nالأولى: صفة الأولية: من قوله: «الأول».\nالثانية: صفة الآخرية: من قوله: «الآخر».\nالثالثة: صفة العلو: من قوله: «الظاهر».\nالرابعة: صفة الباطنية، لكن على المعنى الذي فسره النبي - ﷺ -، ومقتضى ذلك الإحاطة بكل شيء.\nالخامسة: صفة العلم، ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.\nوخلاصة ما نستفيده من هذه الآية: إثبات إحاطة الله تعالى بكل شيء زمانًا ومكانًا.","vol":"1","page":81},{"text":"وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ... ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان ٥٨].\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ التوكل: صدق الاعتماد على الله تعالى في جلب ما ينفع ودفع ما يضر، مع الثقة به سبحانه وعدم تعطيل الأسباب الصحيحة.\nما معنى عدم تعطيل الأسباب الصحيحة؟\nيعني: الأخذ بالأسباب الصحيحة الشرعية، أما إن كانت غير شرعية فهذا غير مشروع.\nوالأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل على الله ﷿، بل هو من صلب التوكل، وقد جاءت بذلك النصوص، قال تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: (٢٥)]، ومن السنة هجرة النبي من مكة إلى المدينة؛ فهي من فعل الأسباب الشرعية، ومن ذلك استخفاء النبي في غار حراء، ومن ذلك قوله ﷺ: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بالله وَلَا تَعْجِزْ» (^١).\nوالاستعانة بالله ﷿ هي الاعتماد عليه، وقوله: «وَلَا تَعْجِزْ»: أمر بالأخذ بالأسباب، وهذا من أقوى الأدلة على الأخذ بالأسباب الشرعية الصحيحة.\nوالخلاصة: عظم منزلة التوكل على الله تعالى والاعتماد عليه، وعدم الاعتماد على الخلق أو الاعتماد على قدرات الإنسان، فقدراته -مهما كانت- ضعيفة، ومن اعتمد على الخلق أو على نفسه خذله الله ﷿.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٥٢) رقم (٢٦٦٤).","vol":"1","page":82},{"text":"وقفة قرآنية من درس حنين:\nروى البيهقي في الدلائل: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَوْمَ حُنَيْنٍ: لَنْ نُغْلَبَ مِنْ قِلَّةٍ» (^١)، فحصلت لهم الهزيمة عندما اعتمدوا على أنفسهم وقوتهم، قال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: (٢٥)]، حصل هذا للصحابة ﵃، مع جلالة قدرهم وعلو منزلتهم.\nفاحذر يا طالب العلم أن تعتمد على حفظك أو ذكائك أو قدرتك، بل استعن بربك وتوكل عليه، والتوكل يجب أن يكون على الله تعالى وحده؛ ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣].\nهل التوكل على غير الله حرام مطلقًا، أو فيه تفصيل؟\nالجواب: فيه تفصيل على عدة حالات:\nالحالة الأولى: أن يتوكل على غير الله توكلَ اعتماد وتعبد، فهذا شرك أكبر.\nالحالة الثانية: أن يتوكل على غير الله تعالى بشيء من الاعتماد، لكن مع الإيمان بأنه سبب من الأسباب، كتوكل بعض الناس على الملوك والأمراء لتحصيل المعاش، فهذا نوع من الشرك الأصغر.\n_________\n(^١) دلائل النبوة للبيهقي (٥/ ١٢٣).","vol":"1","page":83},{"text":"وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: (٢)].\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nالحالة الثالثة: أن يتوكل على شخص بقصد أنه نائب عنه فيما تجوزُ فيه النيابةُ، كتوكل الإنسان على الوكيل في البيع والشراء، والبيع والشراء مما يدخله النيابة؛ فهذا جائز، ولا ينافي التوكلَ على الله ﷿.\nمثاله: توكل النبي ﷺ على بعض الصحابة في البيع والشراء، كعروة البارقي ﵁؛ فقد وكله النبي ﷺ بشراء أضحيته.\nما حكم التلفظ بقول: توكلت على فلان في شراء سيارتي؟\nبعض أهل العلم -منهم شيخنا ابن عثيمين ﵀- يرى أنه جائز؛ لأنه بمعنى التفويض والوكالة، وبعضهم لا يرى ذلك ويقول: إِنَّ هذا اللفظ من الألفاظ الشرعية التي لم تأتِ إلا في حق الله؛ فلا توكل إلَّا عليه، وهذا هو الأحوط، فينبغي التعبير عن ذلك بالعبارات التي تقوم مقام لفظ التوكل؛ كأن يقال: فوضت فلانًا أو أنبته، ولم أجد دليلًا يدل على جواز التعبير بها، لا من كلام الرسول ﷺ ولا من كلام الصحابة ﵃.\nقوله تعالى: «﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾»: الحكيم: مأخوذ من الحكمة، وله معنيان:\nالأول: الحاكم العدل الذي له الحكم في الدنيا والآخرة كما في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: (٧٠)].","vol":"1","page":84},{"text":"﴿الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: (٣)].\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nالثاني: المُحكِم للأمور كي لا يتطرق إليها تغيير وفساد، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: (٤١)]. فقد أحكم - ﷾ - السماوات والأرض عن الزوال وقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: (٢٢)].\nقال شيخ الإسلام في منهاج السنة: «أجمع المسلمون على أن الله تعالى موصوف بالحكمة» (^١).\nوحكم الله على نوعين:\nالنوع الأول: حكمُه الشرعي؛ وهو ما جاءت به الرسل وأُنزلت به الكتب، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: (٣٨)]، وقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: (٢)].\nالنوع الثاني: حكمه الكوني؛ وهو ما قضاه على عباده من الرزق والحياة والموت والمصائب.\nالآية الثانية: ﴿الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: (٣)].\nالخبير: من الخبرة؛ وهي الإحاطة ببواطن الأمور وظواهرها، وهو سبحانه قد أحاط ببواطن الأمور كما أحاط بظواهرها.\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية (١/ ١٤١).","vol":"1","page":85},{"text":"﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [سبأ: (٢)] ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: (٥٩)].\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nالشاهد من الآيتين إثبات ثلاثة أسماء: الحكيم، والخبير، والعليم.\nأما الصفات المستفادة من الآيتين فهي:\n١ - العلم.\n٢ - الخبرة.\n٣ - الحكمة.\nقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ إلى آخر الآيات، هذه الآيات التي ذكرها المُصَنِّف ﵀ تدل على سَعة علمه سبحانه وعلى إحاطته بما لا تبلغه علوم خلقه، فإنه يعلم ما يلج في الأرض: أي ما يدخل في الأرض من حب وبَذْر ومياه، ويعلم ما يخرج منها من زرع وأشجار وعيون جارية وغيرها، ويعلم ما ينزل من السماء من ثلوج وأمطار وطير، ويعلم مفاتح الغيب التي لا يعلمها إلا هو - ﷾ -.\nومفاتيح الغيب: خزائنه.\nوقد فسر النبي - ﷺ - هذه المفاتيح بقوله؛ كما في حديث ابْنِ عُمَرَ ﵁","vol":"1","page":86},{"text":"قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللهُ؛ إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» (^١).\nقال ابن القيم ﵀ في «النونية»:\nوهُو العَلِيمُ أَحَاطَ عِلْمًا بالَّذِي ... فِي الكَوْنِ مِنْ سِرٍّ وَمِنْ إِعْلَان\nوَبِكُلِّ شَيءٍ عِلْمُهُ سُبْحَانَهُ ... فَهُوَ الْمُحِيطُ وَلَيْسَ ذَا نِسْيَان\nوَكَذَاكَ يَعْلَمُ مَا يَكُونُ غَدًا وَمَا ... قَدْ كَانَ وَالْمَوْجُودَ فِي ذَا الآن\nإذن مفاتيح الغيب جاء بيانها على لسان النبي ﷺ، وأفضل أنواع التفسير تفسير القرآن بالقرآن، ثم تفسير القرآن بالحديث، والنبي ﷺ قد فسر هذه المفاتيح بما يلي:\nالأول: علم الساعة:\nالثاني: نزول الغيث: والمراد به المطر، فإذا كان سبحانه هو الذي ينزل الغيث فهو أعلم بوقت نزوله.\nونلاحظ أن التعبير في القرآن عن المطر يأتي بلفظ الغيث في الخير، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ [الشورى: (٢٨)].\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦/ ٥٦) رقم (٤٦٢٧).","vol":"1","page":87},{"text":"وقوله: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر: (١١)]، وقوله: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: (١٢)].\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nما الحكمة من التعبير بالغيث دون المطر؟\nالغيث: هو الذي تحيا به الأرض، أما المطر: فقد ينزل ولا تحيا به الأرض، وقد أشار النبي ﷺ إلى ذلك بقوله؛ كما في «صحيح مسلم» عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَتِ السَّنَةُ بِأَنْ لَا تُمْطَرُوا، وَلَكِنِ السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا وَتُمْطَرُوا وَلَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ شَيْئًا» (^١)، ينزل المطر ولا تنتفع به الأرض.\nالثالث: علم ما في الأرحام، لقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ [لقمان: (٣٤)].\nقد يقول قائل: تقدم الآن الطِّبُّ الحديث، وأصبحوا يعرفون: هل الجنين ذكر أو أنثى، والله يقول: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾؛ فما الجواب عن ذلك؟\nالجواب من وجهين:\nالوجه الأول: أنه قبل أن يتكون الجنين أو تنفخ فيه الروح لا يعلمون ذلك، ولا يعلمه إلا الله - ﷾ -، أما بعد النفخ في الروح فيعلمون بذلك عن طريق الأجهزة.\nالوجه الثاني: أن علمهم قاصر؛ فلا يعلمون متى يولد الجنين، وهل يعيش أو لا، ولا يعلمون رزقه، وأجله، وشقي أو سعيد، لا يعلم ذلك إلا الله تعالى.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٤/ ٢٢٢٨) رقم (٢٩٠٤).","vol":"1","page":88},{"text":"وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: (٥٨)].\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nالرابع: علم ما في الغد: وهذا مما اختص الله ﷿ به.\nقد يقول قائل: إن الإنسان قد يقول: إني أعلم ما سأفعل غدًا، وذلك إذا عزم على الفعل، فكيف نقول: لا يعلم ما في غد إلا الله؟\nالجواب: قد يقول هذا وينوي ويعزم، لكن لا يتحقق، والواجب على المسلم ربط ذلك بالمشيئة، فلا يقل: سأعمل غدًا كذا، من دون ذكر مشيئة الله ﷿، وقد يعاقَب إذا لم يذكر المشيئة.\nالخامس: وما تدري نفس بأي أرض تموت:\nيدخل في ذلك علم ساعة الموت.\nوَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: (٥٨)].\nوفي قراءة ابن مسعود ﵁ كما في «سنن أبي داود» و«الترمذي» قال: «أَقْرَأَنِي رَسُولُ الله ﷺ: ﴿إِنِّي أَنَا الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ المتِينُ﴾» (^١).\n«ذو القوة»: أي صاحب القوة.\n«المتين»: من أسماء الله تعالى، من المتانة، وقد فسرها ابن عباس: بالشدة، وفسر المتين بالشديد.\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٤/ ٣٥) رقم (٣٩٩٣)، وسنن الترمذي (٥/ ١٩٢) رقم (٢٩٤٠).","vol":"1","page":89},{"text":"وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: (٥٨)].\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nففي هذه الآية ثلاث صفات واسمان لله تعالى:\nالأسماء: ١ - الرزاق. ٢ - المتين.\nوالصفات:\n١ - صفة القوة لله - ﷿ -.\n٢ - صفة الرزق.\n٣ - ما تضمنه اسم المتين، وقد فسره ابن عباس بالشدة.\n«الرزاق»: صيغة مبالغة من الرزق وهو العطاء.\nوالرزق قسمان: عام وخاص:\n١) الرزق العام: ما ينتفع به البدن؛ سواءٌ كان ذلك حلالًا أو حرامًا، وسواءٌ كان هذا المرزوق مؤمنًا أو كافرًا.\n٢) الرزق الخاص: وهو ما يمُنُّ الله تعالى به على بعض عباده؛ من العلم النافع والإيمان والعمل الصالح والرزق الحلال الذي يعين على طاعة الله.\nقال ابن القيم:\nوَكَذلكَ الرَّزَّاقُ مِنْ أَسْمَائِهِ ... وَالرِّزْقُ مِنْ أَفْعَالِهِ نَوْعَان\nرِزْقُ القُلُوبِ العِلْمُ وَالإِيمانُ، والـ ... رِّزْقُ الْمُعَدُّ لِهَذِه الأَبْدَان","vol":"1","page":90},{"text":"وَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: (١١)]، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: (٥٨)].\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nوَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ مَرَّ في شرح «اللامية» و«الحائية».\nوقوله: «﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾». (نِعِمَّا): مشتملة على: (نِعْمَ) وهي كلمة مدح، والمعنى: نِعْمَ الشيءُ الذي يعظكم الله به.\nومَنْ أعظمُ واصف بهذه الكلمةِ «نِعْمَ»؟\nالجواب: أعظم واصف هو الله تعالى، وأعظم مَن وُصِفَ بذلك الأنبياء، ومنهم أيوب - ﵇ - في قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: (٤٤)].\nقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، سمع الله نوعان:\n١ - سمع الإدراك للأصوات.\n٢ - سمع الإجابة، إجابة السائلين والداعين، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: (٣٩)].\nقال ابن القيم:\nوَهُوَالسَّمِيعُ يَرَى وَيَسْمَعُ كُلَّ مَا ... في الْكَوْنِ مِنْ سِرٍّ وَمِنْ إِعْلَان\nوَلِكُلِّ صَوْتٍ مِنْهُ سَمْعٌ حَاضِرٌ ... فَالسِّرُّ وَالإِعْلَانُ مُسْتَوِيان","vol":"1","page":91},{"text":"وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: (٣٩)]،\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nوالشاهد من الآيتين السابقتين: إثبات السمع والبصر لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته.\nثم ذكر المُصَنِّف بعد ذلك أربعَ آيات؛ في صفة المشيئة، والإرادة، والتحليل، والحكم.\nفالآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: (٣٩)]. فيها إثبات عدد من الصفات، لكن أهمها صفة المشيئة من قوله ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ﴾.\nالصفات الأخرى المستنبطة: القوة من قوله: ﴿لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾، والألوهية من قوله: ﴿اللَّهُ﴾.\nأما صفة المشيئة -التي أراد المُصَنِّف الإشارة إليها هنا- فهي إرادة الله الكونية النافذة، وتكون فيما يحب وفيما لا يحب.\n- فيما يحب: كالإيمان والطاعات وغير ذلك مما أمر الله به.\n- فيما لا يحب: كالكفر والفساد، وغير ذلك مما نهى الله عنه.\nوإرادة الله ومشيئته الكونية نافذة على جميع العباد، ولا يستثنى من ذلك أحد.","vol":"1","page":92},{"text":"﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: (٢٥٣)].\nوَقَوْلُهُ: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: (١)].\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nالآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: (٢٥٣)].\nنثبت من هذه الآية ثلاث صفات:\nأولًا: المشيئة من قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾.\nثانيًا: الإرادة من قوله: ﴿مَا يُرِيدُ﴾.\nثالثًا: الفعل من قوله: ﴿يَفْعَلُ﴾.\nالآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: (١)].\nنثبت من هذه الآية ثلاث صفات:\nأولًا: التحليل من قوله: ﴿أُحِلَّتْ﴾.\nثانيًا: الحكم من قوله ﴿يَحْكُمُ﴾.\nثالثًا: الإرادة من قوله: ﴿مَا يُرِيدُ﴾.","vol":"1","page":93},{"text":"وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: (١٢٥)].\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nالآية الرابعة: قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: (١٢٥)].\nنثبت من هذه الآية خمسَ صفاتٍ:\n١ - الإرادة. ... ٢ - الهداية. ... ٣ - شرح الصدور.\n٤ - الإضلال. ... ٥ - الجَعْل.\nوالإرادة تنقسم إلى قسمين:\n١) الإرادة الكونية: وهي المرادفة للمشيئة؛ (أراد) فيها بمعنى (شاء)، وتكون فيما يحب الله وفيما لا يحب، ويلزم فيها الوقوعُ.\n٢) الإرادة الشرعية: وهي المرادفة للمحبة، (أراد) فيها بمعنى (أحبَّ)، وهي مختصة بما يحب - ﷾ -، ولا يلزم فيها الوقوعُ.\nإشكال:<span data-type=\"title\" id=toc-34> كيف يريد الله ما لا يحب</span>؟\nما يريده الله مما لا يحب، يترتبُ عليه جملةٌ من الحِكَم والمصالح الكثيرة، مثال ذلك: إرادة الله للكفر في الأرض يترتبُ عليه مجاهدةُ الكفار والدعوة إلى الله، ونشر الحق، والصراع بين الحق والباطل.\nفإنَّ من أسباب ظهور الدين مقاومةَ هؤلاء الكفار.","vol":"1","page":94},{"text":"وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: (١٩٥)]، ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: (٩)]، ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: (٧)]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: (٢٢٢)]، وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: (٣١)]، وَقَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: (٥٤)]، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: (٤)]، وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج: (١٤)].\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nثم ذكر ثماني آيات متعلقة بصفة المحبة لله - ﷿ - قال تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: (١٩٥)]، وقال تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: (٩)]، وقال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: (٧)].\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: (٢٢٢)]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: (٣١)]، وقال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: (٥٤)]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: (٤)]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج: (١٤)].\nاشتملت هذه الآيات التي ذكرها المُصَنِّف ﵀ على إثبات صفة","vol":"1","page":95},{"text":"المحبة لله ﷿ وهي من الصفات الفعلية، وقد دل على إثباتها الكتاب والسنة والإجماع، ولكنها -كما يقولُ أهلُ السنة- على ما يليق بجلال الله وعظمته، خلافًا للنُّفاة الذين نَفَوْا صفة المحبة لله - ﷿ -.\nما سبب هذا النفي الذي قالوا به - ﷿ -.\nسبب النفي مخافةُ التشبيه؛ تشبيه الخالق بالمخلوق؛ يقولون: لا نثبت لله محبة؛ لأن المخلوق موصوف بها.\nالجواب: لله تعالى محبة وللمخلوق محبة، ولكن ليست محبةُ الله تعالى كمحبة المخلوق، فمحبة الله تعالى كما يليق بجلاله وكبريائه، أما محبة المخلوق الضعيف فعلى قَدْر ضعفه ومسكنته، والله - ﷿ - قد أثبت في كتابه العزيز المحبة من الطرفين في قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: (٥٤)]؛ أثبت له المحبة وأثبت لهم المحبة، فقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ هذه محبة الخلق، وقوله: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ هذه محبة الله تعالى.\nما أسباب محبة الله لعبده؟\nهناك أسباب كثيرة؛ أهمُّها:\n١) كثرة التأمل في نعم الله ﷿، فهذا مما يزيد الإيمان ويعلِّق بالله ﷿، ويوصل لهذه المنزلة العالية.\n٢) محبة ما يحبه اللهُ تعالى من الأقوال والأفعال والأعمال والأشخاص.","vol":"1","page":96},{"text":"وَقَوْلُهُ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: (١)]، ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: (٧)]، ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: (٤٣)]، ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: (١٥٦)].\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\n٣) كثرة ذكر الله تعالى وشكره وحمده.\n٤) اتباع سنة النبي ﷺ ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾.\nوأحسن من تكلم في هذه المسألة ابنُ القيم ﵀، وخرج كلامه في رسالة مستلَّة من بعض كتبه بعنوان: «الأسباب الجالبة لمحبة الله».\nهذه الآيات السبع كلها في صفة الرحمة لله - ﷿ -.\n﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يؤخذ منها صفة الرحمة، وهي الصفة المشتركة في هذه الآيات السبع، وهي سبب ذكر هذه الآيات.\n﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ يؤخذ منها صفة الرحمة، وقد دلت الآية على أكثرَ من الوصف بصفة الرحمة؟ دلت على سَعة رحمة لله تعالى.\nالصفة الثانية من الآية: سعة العلم، وقد أفادت الآية وصفَ رحمة الله وعلمه بالسعة.\n﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ نأخذ من الآية: صفة الرحمة، والرحمةُ تنقسم إلى قسمين: رحمة عامة، ورحمة خاصة.\nفالرحمة في الآية هي الرحمة الخاصة بالمؤمنين؛ لقوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾، و﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ تدل الآية على سعة رحمة الله - ﷾ -.","vol":"1","page":97},{"text":"﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: (٥٤)]، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الأحقاف: (٨)]، ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: (٦٤)].\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\n﴿كُلَّ﴾ من ألفاظ العموم، ﴿شَيْءٍ﴾ نكرة تفيد الإطلاق، (كل) مضاف و(شيء) مضاف إليه، عموم أضيف إلى إطلاق، والصفة هنا هي الرحمة، فنأخذ من ذلك إثبات سعة رحمة الله سبحانه، وهذا مما يزيد المؤمن أملًا في رحمة الله وطمعًا في فضله.\n﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ يؤخذ منها صفة الرحمة، كما يؤخذ منها صفة الكتابة من قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ﴾.\n﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ يؤخذ من الآية: صفة المغفرة، وصفة الرحمة.\n﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ يؤخذ من الآية: صفة الرحمة، كما يؤخذ منها وصفٌ زائد على الرحمة؛ وهو أنه أرحم الراحمين، كما يؤخذ من الآية صفة ثالثة؛ وهي صفة الحفظ وأنه سبحانه هو الحافظ، بل هو خير حافظًا.\nالخلاصة من هذه الآيات: أنها تضمَّنت:\n١ - صفة الرحمة لله - ﷾ -، وهناك صفات أخرى؛ وهي:\n٢ - سَعة العلم.\n٣ - سعة الرحمة.\n٤ - الكتابة.","vol":"1","page":98},{"text":"٥ - المغفرة.\n٦ - خير حافظًا.\n٧ - أرحم الراحمين، فهذه سبع صفات لله سبحانه.\nوالأسماء التي نأخذها من هذه الآيات هي: الله، الرحمن، الرحيم، الغفور.\nوقوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ﴾<span data-type=\"title\" id=toc-35> الكتابة على قسمين: كتابة شرعية، وكتابة كونية</span>.\n١) الكتابة الشرعية: ولها أمثلة، منها: قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: (١٨٣)]، وقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: (١٧٨)].\nوكل كتابة تتعلق بالتشريع والأحكام، فهي كتابة شرعية.\n٢) الكتابة الكونية: مثل قوله تعالى: ﴿كتب الله لأغلبن أنا ورسلي﴾ [المجادلة: (٢١)]، وقوله تعالى: ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر﴾ [الأنبياء: (١٠٥)]، وقوله تعالى: ﴿كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾ [الأنعام: (٥٤)].\nويُقال في الفرق بينهما مثلُ ما قيل في الفرق بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية.","vol":"1","page":99},{"text":"وَقَوْلُهُ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: (٨)].\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nقوله: «﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾»، تضمَّنت هذه الآية: إثباتَ صفة الرضى لله تعالى، وقال تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: (٧٢)].\nوجاء في السنة إثبات هذه الصفة؛ من ذلك ما جاء في «الصحيحين» من حديث أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ اللهَ ﵎ يَقُولُ لِأَهْلِ الجنَّةِ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى، وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: أَنَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالُوا: يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا» (^١).\nالشاهد من الحديث: «أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا».\nقال ابنُ القيم:\nفَيَقُولُ ﷻ: هَل أَنْتُمُ ... رَاضُونَ؟ قَالُوا: نَحْنُ ذُو رِضْوَان\nأَمْ كَيْفَ لَا نَرْضَى وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا ... مَا لَمْ يَنَلْهُ قَطُّ مِنْ إِنْسَان\nوالله - ﷾ - موصوف بصفة الرِّضَى، ولكن ما مُتعلَّقُ هذه الصفة، هل هي متعلِّقة بالعمل أو بالعامل؟\nالجواب: متعلقة بهما كليهما، فهو - ﷾ - يرضى عن العمل كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: (٧)].\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٨/ ١١٤) رقم (٦٥٤٩)، وصحيح مسلم (٤/ ٢١٧٦) رقم (٢٨٢٩).","vol":"1","page":100},{"text":"وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: (٩٣)].\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nوقوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: (٣)]، وجاء في السنة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا؛ فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةِ المالِ» (^١).\nوأما الأدلة الدالة على أن الرضى يتعلق بالعامل أيضًا فكثيرة؛ منها: قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: (٨)]، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: (١٨)].\nثم ذكر المُصَنِّف خمسَ آيات متعلقة ببعض الصفات:\nالآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: (٩٣)]. الصفات الواردة فيها: صفة الغضب، وصفة اللعن؛ وهما على ما يليق بجلال الله.\nوفي الآية عقوبات القاتل عمدًا، وهي خمس: جزاؤه جهنم، الخلود فيها، غضب الله جل وعز، لَعْنُ الله له، أن الله أعد له عذابًا عظيمًا.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٣/ ١٣٤٠) رقم (١٧١٥).","vol":"1","page":101},{"text":"وهناك إشكالان في هذه الآية الكريمة:\nالإشكال الأول: جاء في هذه الآية ذكر الخلود في النار في حق القاتل عمدًا، ف<span data-type=\"title\" id=toc-36>هل القتلُ عمدًا كفرٌ يستوجبُ الخلودَ في النار</span>؟ ونحن نعرف أن مذهب أهل السنة في عُصاة الموحدين وأهلِ الكبائر أنهم لا يُخلَّدون في النار؟\nأُجيبَ على هذا بعدة أجوبة: أوصلَها أهلُ العلم إلى خمسة أجوبة، أرجحُها وأصحُّها أن المراد بالخلود المكثُ الطويل وليس الدائم، وجرت العادة أن يعبر العرب بمثل هذه العبارات؛ مثل قول بعضهم: «محمد خالدٌ في السجن» أي: يمكث مكثًا طويلًا، ولهذا لم يذكر الله - ﷾ - هنا «التأبيد» كما ذكره في حق الكفار كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب:٦٤ - ٦٥]؛ فذكر في حق الكافرين الخلود مع التأبيد، أما الخلود بلا تأبيد فهو في حق عصاة الموحدين.\nالإشكال الثاني: أنه ثبت عن ابن عباس -كما في مسند الإمام أحمد- أن القاتل لا تُقبل له توبة (^١)، مع أنه جاء التصريح بقَبول توبته في قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا\n_________\n(^١) المسند (١/ ٢٤٠) رقم (٢١٤٢) عن سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس، والحديث أصله في صحيح البخاري (٦/ ٤٧) رقم (٤٥٩٠)، وصحيح مسلم (٤/ ٢٣١٧) رقم (٣٠٢٣) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس - ﵄ -.","vol":"1","page":102},{"text":"مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠].\nفاستثنى اللهُ التائبَ من هذه الذنوب الثلاث، وإذا كانت التوبةُ تُقبل من المشرك، فمِن بابِ أولى أن تقبل توبة القاتل، فكيف نجيب عمَّا جاء عن ابن عباس؟\nهناك عدة أجوبة:\nالجواب الأول: أن مرادَ ابنِ عباس ﵄ أنه لا يوفَّق للتوبة.\nالجواب الثاني: أن المراد أنه لا توبة له في ما يتعلَّق بحق المقتول؛ لأن القاتل عليه ثلاثة حقوق: حق لله تعالى، وحق للمقتول، وحق للورثة، وهذا الأمر متعلق بحق المقتول، أي أنه حتى لو تاب يُقتل إذا لم يعفُ الولي، وتوبته غير نافعة في ذلك.\nالجواب الثالث: أن ابن عباس ﵄ لم يُرد بما ذكر أن القاتل لا توبة له مطلقًا، وإنما هي قضيةُ عين، أي أنها فتوى خاصة لشخص معين علِم - ﵁ - أنه عازم على القتل، فسأله: هل للقاتل توبة؟ فأفتاه ابن عباس بأنه لا توبة له، وأراد أن يحجُزه ويمنعه من القتل بهذا الحكم، ولذلك ارتدع عن القتل، ولو قال له: «لك توبة» لقتله وتجرَّأ على دمه، ثم طلب التوبة بعد ذلك، فهذا الحكمُ من ابن عباس من باب السياسة الشرعية، وهو دليلٌ على دقة نظر ابن عباس وعمقه وفقهه.","vol":"1","page":103},{"text":"وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٢٨]، وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف:٥٥]، وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة:٤٦].\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nالآية الثانية: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٢٨]، فنثبت من هذه الآية صفتين: صفة السخط، وصفة الرضى.\nقوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾: أي أغضبونا؛ فدلت على إثبات صفة الغضب، وكذلك صفة الانتقام؛ لقوله: ﴿انْتَقَمْنَا﴾.\nقوله: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ﴾ فيه إثبات صفة الكره لله - ﷾ -، ولكنه على ما يليق بجلاله وعظمته، وقال ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ المالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ» (^١).\nوهل هي كراهة للعمل أو للعامل؟\nكراهة لهما كليهما، فقد قال ﷺ: «إِنَّ الله إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ»، وفيه: «وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا، فَأَبْغِضْهُ» (^٢).\nوَقَوْلُهُ: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٣]، وَقَوْلُهُ:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢/ ١٢٤) رقم (١٤٧٧)، ومسلم (٣/ ١٣٤١) رقم (٥٩٣).\n(^٢) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٣٠) رقم (٢٦٣٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":104},{"text":"﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨]، ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢١ - ٢٢]، ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان:٢٥].\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nهذا البغض للعامل، أما البغض للعمل فكما في قول الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾.\nقوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ المقت هو أشد البغض، ونأخذ من هذه الآية إثبات صفة المقت لله على ما يليق بجلاله.\nقوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ إلى آخر الآيات، ذكر المُصَنِّف هنا أربع آيات.\nويؤخذ من هذه الآيات إثبات صفة المجيء والإتيان لله تعالى يوم القيامة، وهو مجيء حقيقي على ما يليق بجلاله، وذلك لفَصْل القضاء بين العباد في أشد موقف يمر على البشرية جميعًا، ولهذا يجيب الأنبياء حين تُطلَب منهم الشفاعة بقولهم: «إِنَّ رَبِّي غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ» كما في حديث أبي هريرة ﵁ في «الصحيحين» (^١).\nوهذه الصفة (المجيء) صفة فعلية.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٤/ ١٣٤) رقم (٣٣٤٠)، وصحيح مسلم (١/ ١٨٤) رقم (١٩٤).","vol":"1","page":105},{"text":"قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧].\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nبماذا أجاب النُّفاة عن هذه الآيات التي دلت على صفة المجيء؟\nمنهم مَن قال: المراد بالمجيء الرحمة، ومنهم من قال: جاء أمر ربك، ومنهم من قال: مجيء الملائكة، وهذه الأجوبة تحريف لظاهر القرآن.\nقال ابن القيم: «والإتيان والمجيء المضافُ إليه سبحانه نوعان: مطلق، ومقيد، فإذا كان المراد مجيء رحمته أو عذابه ونحو ذلك قُيد بذلك كما في حديث: «حَتَّى جَاءَ اللهُ بِالرَّحْمَةِ وَالخيْرِ».\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف:٥٢] هنا فيه ذكر للمجيء لكن مقيد بالكتاب، النوع الثاني: الإتيان والمجيء المطلق، فهذا لا يكون إلا مجيئَه سبحانه كقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة:٢١٠]، وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢]» (^١).\nوهذه الصفة يُقال عنها مثلُ ما يقال في بقية الصفات؛ على ما يليق بجلال الله وعظمته.\nقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧].\nما الصفات المُثبَتة من هذه الآية؟\n_________\n(^١) مختصر الصواعق المرسلة ص (٤٤٨).","vol":"1","page":106},{"text":"﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨].\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\n١ - صفة البقاء والدوام لله ﷿.\n٢ - صفة الوجه لله ﷿.\n٣ - صفة الجلال.\n٤ - صفة الإكرام؛ وهو سعة الفضل والجود.\nوقوله: ﴿وَالْإِكْرَامِ﴾ يحتمل معنيين:\nالأول: أنها بمعنى أنه يكرم أنبياءه ورسلَه وعبادَه المؤمنين، ويكرم أيضًا مَن يشاء من خلقه بما يشاء.\nالثاني: أنه المستحق للتكريم والإجلال والتعظيم بتوحيده وعبادته.\nولا مانع من القول بشمول الآية للمعنيين.\nقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، ذكر المُصَنِّف ﵀ هذه الآية وما قبلها لأجل إثبات صفة الوجه لله جل وعلا، وهو وجه حقيقي يليق بجلاله، خلافًا للمعطِّلة الذين يفسرون الوجه بالجهة، وبعضهم يفسره بالذات، وكل هذا من التأويل الفاسد.\nولا شك أَنَّ صفة الوجه ثابتةٌ لله تعالى بإجماع أهل السنة، وهذه الآيات التي ذكرها المصنف فيها إثباتٌ لصفة الوجه، خلافًا للمعطلة. ولكن هنا سؤالٌ يطرأ على قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، وهو: هل المراد بالآية هنا أن يَهلِك كلُّ شيءٍ، فلا يبقى إلا وجه الله فقط؟ ولا شك","vol":"1","page":107},{"text":"أَنَّ هذا غيرُ مراد، بل هو معنًى باطل، ومن هنا ضلت طائفتان في فهم هذه الآية:\nالطائفة الأولى: قالت: نحن نثبت الوجه لله تعالى، ونفهم من هذه الآية أَنَّ الله تعالى يفنى ويبقى وجهُه فقط. ولا شك أَنَّ هذا القول باطل وضلالٌ مبين، وجنايةٌ في حق الله تعالى. وهذا مذهب بعض المشبِّهة كغلاة الرافضة القدامى، ونحوهم.\nالطائفة الثانية: قالت: المراد بالوجه هنا الذات، ولم يثبتوا لله تعالى وجهًا يليق بجلاله، لا من هذه الآيات ولا غيرها من النصوص. ولا شك أَنَّ هذا مذهبٌ باطلٌ أيضًا، وهو تحريفٌ لصفات الله تعالى. وهذا مذهبُ جميع المعطِّلة؛ من الجهمية والمعتزِلة والأشاعرة والماتُريدية ونحوِهم.\nوالتحقيق الذي نصره المحققون من أهل السنة: أَنَّ المراد بهذه الآية وشبيهاتها الذاتُ الإلهية المتصفة بصفة الوجه. والفرق بين هذا القول وقول المعطلة: أَنَّ المعطلة صرفوا معنى الوجه إلى الذات، ولم يثبتوا لله وجهًا، وأما أهل السنة، فقالوا: المرادُ بالوجه هنا الذات المتصفة بصفة الوجه. ولأنه سبحانه له وجهٌ؛ فلذلك عبر به عن الذات. وبهذا يتضح الرد على دعاة التأويل الباطل الذين يزعمون أَنَّ أهل السنة قد أوَّلوا بعض النصوص (^١).\n_________\n(^١) راجع في ذلك: شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين (١/ ٢٩٠)، طبعة دار ابن الجوزي.","vol":"1","page":108},{"text":"والذي عليه أهلُ السنة أن الوجه صفة من صفات الله مغايِرة للذات كبقية الصفات مثل (إثبات اليدين لله)؛ هل يقال: المراد باليدين الذات؟ الجواب: لا، إنما هي صفة أخرى لله نثبتها لله على ما يليق به، ومؤدَّى هذا القول -وهو أن المراد بالوجه الذات- تعطيلُ صفات الله مطلقًا.\nوالحق: إثبات صفة الوجه لله تعالى على ما يليق بجلاله، وأن هذه الصفة مغايرة للذات، وليس كما قاله المعطلة، والوجه معناه معلوم، نؤمن به ونصفه بالجلال والإكرام والبهاء والعظمة والنور، كما في «صحيح مسلم» من حديث أبي موسى ﵁ أن النبي ﷺ قال: «حِجَابُهُ النُّورُ؛ لَوْ كَشَفَهُ لأَحْرَقَ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» (^١).\nوبصره سبحانه ينتهي إلى كل شيء، ولو كشف سبحانه حجابَ النور عن وجهه لاحترق كل شيء.\nوسبحات وجهه: بهاؤه وعظمته وجلاله ونوره.\nأما كيفية الوجه فهي مجهولة لنا، لا نعلم كيفية وجه الله سبحانه.\nوهنا مسألة: ما المراد بالوجه في النصوص؟\nلا يخفى أنه يأتي في القرآن ذكر الوجه لله تعالى، فهل المراد به دائمًا الوجه الحقيقي في كل آية جاء فيها ذكر الوجه، أو هناك تفصيل؟\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١/ ١٦١) رقم (١٧٩).","vol":"1","page":109},{"text":"الجواب: أن الأصل في الآيات التي يأتي فيها ذكر الوجه أن المراد من ذلك وجه الله تعالى كما في قوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام:٥٢]، وكما في ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل:٢٠]. فالأصل أن المراد بالوجه المضافِ إلى الله هو وجه الله الذي هو صفة من صفاته.\nولكن اختلف المفسرون في آية البقرة؛ وهي قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] هل المراد بذلك وجه الله أو المراد الجهة؟ فقال جماعة من المفسرين: إن الوجه هنا الجهة؛ لقوله: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة:١٤٨]، فالمراد بالوجه الجهة، فيكون المراد على قولهم: أينما تولوا فثم جهة الله، والذي رجَّحه جماعة من أهل التحقيق ومنهم شيخنا ابن عثيمين: أن المراد بالوجه هنا الوجه الحقيقي لله سبحانه، فيكون المعنى: إلى أي جهة تتوجهون فثم وجه الله، والله محيط بكل شيء، ومما يدل على ذلك ما جاء في البخاري ومسلم من حديث ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَبْصُقُ قِبَلَ وَجْهِهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى» (^١).\nوهنا إشكال: وهو أننا عرفنا مذهب الحلولية الذين يقولون: إن الله حالٌّ في كل مكان، فهل لقائل أن يقول: إن هذا القول موافق لمذهب الحلولية؟\nوالجواب: ليس كذلك، وسبق الكلام على مسألة العلو، وأن الله لا يقاس\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١/ ٩٠) رقم (٤٠٦)، وصحيح مسلم (١/ ٣٨٨) رقم (٥٤٧).","vol":"1","page":110},{"text":"وَقَوْلُهُ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤]،\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nبالخلق، فلا يدل ذلك على مذهب الحلولية، ومذهبُ أهل السنة عدم تحديد الجهة أو التجسيم أو القياس بالخلق، فالله أجل وأعظم، والقاعدة العظيمة في هذا الباب: «أنه لا مجال للعقل فيه، بل هو مقيد بالنصوص الشرعية».\nقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، وقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾؛ هاتان الآيتان تضمَّنتا إثباتَ اليدين لله تعالى، وهما يدان حقيقيتان على ما يليق بجلاله وعظمته سبحانه.\nماذا قالت المعطلة عن هذه الصفة؟\nقالوا: المراد النعمة أو القدرة.\nوسياق الآية رد على مذهبهم؛ لأنه لا يمكن حملُها على النعمة أو القدرة.\nلأن تأويل اليد بالقدرة فيه إبطال لما اختص الله ﵎ به بعض مخلوقاته تفضيلًا لهم على غيرهم، كما خص آدم بأن خلقه بيده، والقول بأن المقصود باليد القدرة فيه مساواة بين آدم ﵇ وإبليس؛ لأن الله تعالى خلق إبليس أيضًا بقدرته، فلا معنى حينئذ لتخصيص آدم بأن الله خلقه بيده.\nولا يمكن حمل هذا على النعمة، والله تعالى لا تعد نعمه.\nوكذلك لفظ اليدين بالتثنية لم يأت إلا في اليد الحقيقية، ولم يأت بمعنى","vol":"1","page":111},{"text":"وَقَوْلُهُ: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨]، ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر:١٣ - ١٤]، ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩].\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nالقدرة أو النعمة، فإنه لا يسوغ أن يقال: خلقه الله بقدرتين أو بنعمتين؛ لأن قدرة الله مطلقة وليست قدرتين، وكذلك نِعَمه كثيرة وليست نعمتين؛ ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل:١٨].\nقوله: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ وقوله: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾، وقوله: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾؛ هذه ثلاث آيات في صفة العين لله تعالى، ومذهب أهل السنة إثبات العينين على ما يليق بجلاله وعظمته.\nجاء في بعض الآيات ذكر العين بالجمع ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ وجاء بالإفراد ﴿عَلَى عَيْنِي﴾ فكيف نجمع بين هذه الآيات؟\nالجواب: قوله ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ جاءت بالإفراد لأن المفرد إذا أضيف يعم، وأما قوله ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ فجاءت بالجمع؛ لأن أقل الجمع اثنين، وهذا على رأي جماعة من أهل اللغة، وأما إذا قيل: إن أقل الجمع ثلاثة، فلا يستقيم هذا الجواب، ويكون الجواب الصحيح أن الجمع هنا للتعظيم.\nالخلاصة: أن النصوص دلت على إثبات عينين لله على ما يليق بجلاله، وهي","vol":"1","page":112},{"text":"وَقَوْلُهُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة:١]،\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nصفة ذاتية خبرية، فالله لم يزل ولا يزال متصفًا بها، وسبق معنا أن الصفة الذاتية هي التي لا تنفكُّ عن الله تعالى بل لم يزل ولا يزال موصوفًا بها.\nما الدليل على<span data-type=\"title\" id=toc-42> إثبات العينين لله تعالى</span>؟\nالدليل قوله - ﷺ - عن المسيح الدجال كما في «الصحيحين»: «إِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ» (^١).\nوهذا الحديث يدل على أن لله عينين اثنتين؛ لأنه لو كان لله أكثر من عينين لقال: (إن ربكم له أعيُن)، ولو كان كذلك لبينه النبي ﷺ، ولكنه قال عن المسيح: إنه أعور، فذكر أن هذا عيبٌ فيه، ونزَّه الله عن ذلك فقال: «وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ»، فمقتضى هذا إثباتُ عينين لله تعالى على ما يليق بجلاله.\nثم ذكر المُصَنِّف ﵀ آيات أخرى في الصفات:\nقوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾؛ نثبت منها صفة السمع من قوله: ﴿قَدْ سَمِعَ﴾، ونثبت أيضًا صفة البصر من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٩/ ٦٠) رقم (٧١٣١)، وصحيح مسلم (٤/ ٢٢٤٨) رقم (٢٩٣٣).","vol":"1","page":113},{"text":"وَقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١]، ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف:٨٠]، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] وَقَوْلُهُ: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١٤]، ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء:٢١٨ - ٢٢٠]،\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nقوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ الصفة المثبتة أيضًا هي: صفة السمع.\nوقوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ الصفة المثبتة أيضًا هي: صفة السمع.\nقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ الصفات المثبتة:\n١ - صفة المعية: من قوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾.\n٢ - صفة السمع: من قوله: ﴿أَسْمَعُ﴾.\n٣ - صفة الرؤية: من قوله: ﴿وَأَرَى﴾.\nقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ الصفة المثبتة: الرؤية.\nقوله: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ الصفات المثبتة:","vol":"1","page":114},{"text":"﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة:١٠٥]،\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\n١ - صفة الرؤية. ... ٢ - صفة السمع. ... ٣ - صفة العلم.\nقوله: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ الصفات المثبتة:\n١ - صفة السمع. ... ٢ - صفة البصر. ... ٣ - صفة المعية.\n٤ - صفة العلم. ... ٥ - صفة الرؤية.\nالسمع المضاف إلى الله ينقسم إلى قسمين:\n١ - سمع يتعلق بالمسموعات، ومعناه إدراك الصوت.\n٢ - سمع بمعنى الاستجابة.\nوقد قسم العلماء السمع المتعلق بإدراك الأصوات إلى ثلاثة أقسام:\nالأول: السمع الذي يقصد به التهديد، كما في قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾، وقوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾.\nالثاني: السمع الذي يقصد به التأييد، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾.\nالثالث: السمع الذي يقصد به الإحاطة، كما في قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ","vol":"1","page":115},{"text":"وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد:١٣]، وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران:٥٤]،وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:٥٠]، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق:١٥،١٦].\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nقَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.\nبعد ذلك ذكر المُصَنِّف ﵀ جملة من الآيات المشتملة على: إثبات صفتَيِ المكر والكيد لله - ﷿ - وهما من الصفات الاختيارية.\nلكن أهل العلم يذكرون أن هذه الصفات وما جاء بنحوها من باب المقابلة، فيمكر الله بمن يمكر به، ويكيد لمن أراد الكيد له - ﷾ -، ومن ذلك الاستهزاء؛ فالله يستهزئ بمن يستهزئ به.\nنلاحظ في هذه الآيات الواردة في هذا الباب أنها جاءت مقيَّدة وليست مطلَقة، أي لم يأتِ وصفُ الله بالمكر مطلقًا، بل وصف الله نفسه بهذا لمن يمكر به، وهكذا صفة الكيد والاستهزاء، وعلى هذا لا يجوز اشتقاقُ اسم الماكر والكائد والمستهزئ.\nوقوله: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ معناه شديد الأَخْذ بالعقوبة، قال علي ﵁: «﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ أي: شديد الأخذ» (^١)، وقال ابن عباس ﵄: «أي: شديد الحول» (^٢). والمِحال والمُماحلة المراد بهما المماكرة والمغالبة.\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٦/ ٣٩٦).\n(^٢) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٦/ ٣٩٦).","vol":"1","page":116},{"text":"وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء:١٤٩].\n﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٢]\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nالخلاصة: في معنى هذه الآيات: أن الله تعالى شديدُ المكر والكيد والعقوبة لأعدائه؛ فهو - ﷾ - يَفْجَؤُهم بالهلكة من حيث لا يحتسبون.\nوالكيد على نوعين:\n١) كيد قبيح: وهو إيصال الكيد لمَن لا يستحقُّه.\n٢) كيد حسن: وهو إيصال الكيد لمن يستحقه من باب العقوبة.\nفالنوع الأول كيد مذموم وينزه الله تعالى عنه، والذي يوصف بالكيد هو المخلوق، أما الله سبحانه فكيده حسن، ولا يكيد سبحانه إلا لمن يستحق الكيد.\nذكر المُصَنِّف ﵀ بعد ذلك جملةً من الآيات المتعلقة ببعض الصفات:\nقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ الصفات المأخوذة من هذه الآية:\n١) العفو: من قوله: ﴿عَفُوًّا﴾.\n٢) القدرة: من قوله: ﴿قَدِيرًا﴾.\nقوله: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ نثبت من الآية صفتين هما:","vol":"1","page":117},{"text":"وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨]. وَقَوْلُهُ عَنْ إِبْلِيسَ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢].\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\n١) صفة المغفرة.\n٢) صفة الرحمة.\nقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ نأخذ منها صفة العزة من قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾.\nوكذلك قوله تعالى: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ نأخذ منها صفة العزة.\nففيها إثبات العزة لله تعالى، ومعنى هذه الصفة الكريمة دائرٌ على القوة والامتناع والغلبة؛ قال شيخ الإسلام في منهاج السنة: «فإن العرب تقولُ: عزَّ يعَزُّ بالفتح إذا قوي، وعزَّ يعِزُّ بالكسر إذا امتنع، وعزَّ يَعُزُّ بالضم إذا غلَب» (^١).\nهذه الآيات الأربع التي ذكرها المُصَنِّف ﵀ قد تضمَّنت إثبات خمس صفات:\n١ - صفة العفو. ... ٢ - صفة القدرة. ... ٣ - صفة المغفرة.\n٤ - صفة الرحمة. ... ٥ - صفة العزة.\nوقوله: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢] في هذه الآية أخبر الله ﷿ عن إبليس الرجيم أنه أقسم بعزة الله على أمرٍ كبيرٍ، وهو إغواء بني آدم وتزيين\n_________\n(^١) منهاج السنة (٣/ ٣٢٥).","vol":"1","page":118},{"text":"وَقَوْلُهُ: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨].\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nالشهوات لهم، لكن جاءت البشرى بعد ذلك بسلامة المُخْلَصِين الذين لا يَقدِر على إضلالهم؛ لقوة تمسكهم بدينهم واعتمادِهم على الله - ﷿ - ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص:٨٣].\nوفي هذه الآية ردٌّ على بعض الطوائف التي أنكرت الجنَّ، ويحتكمون إلى العقل وإلى الاحتجاج بعدم المشاهدة، ولا حجة في ذلك؛ لأنهم عالم غيبي بالنسبة لنا.\nوقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ في بعض كتبه أنهم يتمثلون ببعض الصور؛ قال ﵀: «والجن يتصوَّرون في صور الإنس والبهائم؛ فيتصورون في صور الحيَّات والعقارب وغيرها، وفي صور الإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير، وفي صور الطير، وفي صور بني آدم؛ كما أتى الشيطان قريشًا في صورة سراقة بن مالك بن جعشم لما أرادوا الخروج إلى بدر؛ قال تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:٤٨]، وكما رُوي أنه تصور في صورة شيخ نجدي لما اجتمعوا بدار الندوة» (^١).\nقوله: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨] ذكر هذه الآية لإثبات الاسم لله تعالى، وقد دلت الآية على البركة في هذا الاسم.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٩/ ٤٤،٤٥).","vol":"1","page":119},{"text":"وَقَوْلُهُ: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]،\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nوالبركة إما أن يوصف الله بها؛ فيكون المعنى: تعالى وتعاظَم، كما في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان:١]، وقوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤].\nوإما أن يوصف اسمُ الله بها كما في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨]، ويكون المعنى على هذا: أن اسم الله إذا صاحَبَ شيئًا حلَّت فيه البركة، ولذلك شُرِعَ ذكرُ اسم الله في مواطنَ كثيرةٍ: عند قراءة القرآن، وعند الذبح، وعند الجماع، وغيرها، والثمرة من ذلك حلول البركة في هذا العمل الذي يعمله الإنسان.\nثم ذكر المُصَنِّف ﵀ بعضَ الآيات المتعلقة بصفات السلوب؛ أي الصفات المنفية.\nو<span data-type=\"title\" id=toc-44>الصفات على نوعين:</span>\n١) صفات مثبتة.\n٢) صفات منفية.\nوهذه الآيات التي ذكرها المُصَنِّف ﵀ متعلقة بالصفات المنفية.\nقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] هذه الآية فيها نفيُ المماثل والسَّمِي عن الله تعالى.","vol":"1","page":120},{"text":"﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢]، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥].\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] فيه نفي المكافئ لله تعالى.\nقوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢] فيه النَّهي عن اتخاذ الند مع الله، ويلزم منه نفيُ الند أو الأنداد لله تعالى.\nوهذا مأخوذ من الآية التي بعدها ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] فهذا كذلك يستلزم نفي الند والأنداد.\nوقوله: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥].\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>المحبة على أقسام </span>خمسة:\n١ - محبة الله: وهي غير كافية للنجاة من النار ودخول الجنة؛ فإن المشركين واليهود والنصارى يدَّعون ذلك؛ قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨].\n٢ - محبة ما يحبه الله.\n٣ - المحبة في الله: وهي فرض على المسلم؛ كمحبة أولياء الله، وما يترتب عليها من بغض أعدائه؛ فمن أحب الله وأحب أولياءه فلا بد أن يُبغِض أعداء الله","vol":"1","page":121},{"text":"﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء:١١١]، ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن:١]،\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nوعليه: لا يمكن أن تجتمع محبةُ أولياء الله ومحبةُ أعداء الله، قال ابن القيم:\nأَتُحِبُّ أَعْدَاءَ الحَبِيبِ وَتَدَّعِي ... حُبًّا لَهُ مَا ذَاكَ في إِمْكَان\n٤ - المحبة مع الله: وهي المحبة المستلزِمة للخوف والتعظيم، فهذه إن وُجِدَتْ في قلب عبد - أي محبة الله وتعظيم غيره - فهي محبة شركية.\n٥ - المحبة الطبيعية: وهي ميل الإنسان ميلًا طبيعيًّا إلى ما يلائم طبعَه؛ كمحبة الولد ومحبة المال ومحبة الزوجة، فهذا في الأصل جائز، لكن قد يكون مذمومًا إذا شغَل عن طاعة الله.\nوقوله: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء:١١١] هذه الآية فيها نفي الولد، ونفي الشريك، ونفي الولي عن الله؛ أي: لا أحد يتولاه.\nقوله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن:١] في الآية تنزيه لله تعالى؛ فإن التسبيح معناه التنزيه.\n﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾ نفيُ أن يكون له شريك في مُلكه، قال: ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾ ولم يقل: (المُلك له)، وتقديم الخبر هنا يفيد الحصر، وهو حصر الملك لله تعالى.","vol":"1","page":122},{"text":"﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:١،٢]، ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ﴾ [المؤمنون:٩١ - ٩٢]. ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٧٤]، ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣].\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ الصفات المنفية في هذه الآية: الولد والشريك.\nقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ في الآيتين: نفي الولد ونفي المشاركة في الألوهية.\nقوله: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٧٤] فيها نفي المماثل لله تعالى.\nقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ فيها نفي الشريك.","vol":"1","page":123},{"text":"وَقَوْلُهُ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ فِي سَبْعَةِ مَوَاضِعَ: فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ؛ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، وَقَالَ فِي سُورَةِ يُونُسَ ﵇: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس:٣]، وَقَالَ فِي سُورَةِ الرَّعْدِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الرعد:٢]، وَقَالَ فِي سُورَةِ طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وَقَالَ فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان:٥٩]، وَقَالَ فِي سُورَةِ الم السَّجْدَةِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة:٤]، وَقَالَ فِي سُورَةِ الحدِيدِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد:٤].\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nوفي الآيات السابقة عددٌ من الصفات المثبَتة، وهي:\n١ - المُلك. ... ٢ - القدرة. ... ٣ - العلم.\n٤ - العلو. ... ٥ - الخلق. ... ٦ - الحكمة.\n٧ - القدرة. ... ٨ - الكبرياء.\nقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قال أهل العلم: العرشُ معناه في اللغة سرير المُلْك، أو سرير المَلِك، المعنى واحد.\nوالمراد بالعرش في هذه الآيات عرش الرحمن، وهو سريرٌ مخلوق، وهو أعلى المخلوقات وأعظَمُها، ولا يَقْدُرُ قدرَه إلا الله، ولا يحيط العبادُ","vol":"1","page":124},{"text":"بعظمة هذا العرش، وقد وصف الله العرش بأنه: عظيم ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل:٢٦]، وكريم ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٦]، ومجيد ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدِ﴾ [البروج:١٥] على قراءة الجر.\nوفي هذه الآيات التي ساقها المُصَنِّف ﵀ أخبر الله فيها عن استوائه على العرش، واستوى معناه كما جاء ذلك عن السلف: علا، وارتفع، واستقرَّ، وصعِد.\nقال ابن القيم ﵀:\nفَلَهُمْ عِبَارَاتٌ عَلَيْهَا أَرْبَعٌ ... قَدْ حُصِّلَتْ للفَارِسِ الطَّعَّان\nوَهِيَ اسْتَقَرَّ وَقَدْ عَلَا وَكَذَلِكَ ارْ ... تَفَعَ الَّذي مَا فِيه مِنْ نُكْرَان\nوَكَذَاكَ قَدْ صَعِدَ الَّذِي هَوَ رَابِعٌ ... (^١)\nوقد<span data-type=\"title\" id=toc-46> استوى الله سبحانه على العرش استواءً يليقُ به</span>، ويخُصُّه، لا يشبه استواءَ المخلوق (^٢).\nتضمَّنت هذه الآياتُ إثباتَ الاستواء لله، وهذه المسألة من مسائل الأصول الثابتة عند أهل السنة.\nقال الشيخ السعدي ﵀: «هي من أعظم الأصول التي بايَنَ بها أهلُ\n_________\n(^١) نونية ابن القيم ص (٨٧).\n(^٢) ينظر: توضيح مقاصد العقيدة الواسطية للشيخ البراك ص (١٠٣،١٠٤).","vol":"1","page":125},{"text":"السنة الجهميةَ والمعتزِلةَ والأشاعرةَ، فما في هذه الآيات -من ذكر علو الله، واسمه العلي الأعلى، وصعود الأشياء إليه، وعروجها، ونزولها منه- يدل على العلو» (^١).\nماذا يقولُ المبتدِعةُ عن هذه الآيات؟\nقالوا: الاستواء بمعنى الاستيلاء.\nقال شيخنا عبد العزيز بن باز ﵀ في الرد على نفاة هذه الصفة: «وأما تفسيرُ الاستواء بالاستيلاء فهو باطل من وجوه كثيرة؛ منها: أنه يتضمن أن الله جل وعلا كان مغلوبًا على عرشه ثم غَلَب، وهذا باطل؛ لأنه تعالى لم يزل قاهرًا لجميع خلقه مستويًا على العرش مستوليًا عليه فما دونه».\nوأما بيت الأخطل الذي يستدلون به على أن معنى (استوى) استولى، فلا حجة فيه، والبيت هو:\nقَدِ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى الْعِرَاقِ ... مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ أو دَمٍ مُهْرَاق\nثم قال: «لأن استعمال (استوى) بمعنى استولى غير معروف في لغة العرب، ولأن ذلك لو وُجد في اللغة لم يجُزِ استعمالُه في حق الله، وأما المخلوق فيكون غالبًا ومغلوبًا» (^٢).\nوخلاصة رد الشيخ ابن باز ﵀ عليهم من وجهين:\n_________\n(^١) ينظر تعليقات ابن باز على التنبيهات اللطيفة ص (٤٤،٤٥).\n(^٢) مجموع فتاوى ابن باز (٢/ ١٣٨، ٣/ ٦٢) بتصرف.","vol":"1","page":126},{"text":"وَقَوْلُهُ: ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ﴾ [آل عمران:٥٥]، ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٥٨].\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\n١ - أن هذا التفسير لا حظَّ له في اللغة.\n٢ - أنه لو وُجد في اللغة فلا يليق استعماله في حق الله.\n«وهل المخلوق يوصف بالاستواء على غيره؟\nالجواب: نعم. ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾ [الزُّخرُف:١٣]، ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون:٢٨]، ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود:٤٤]، وليس الاستواء كالاستواء؛ فاستواءُ الله على عرشه ليس كاستواء المخلوق، بل استواء يخصه ويليق به ويناسبه، ولا يَعلم العبادُ كُنْهَهُ، فيجب أن يُثْبَت ذلك لله تعالى مع نفي مماثلته لصفة المخلوق، ونفي العلم بالكيفية، لكن الاستواء معناه معلوم كما قال الأئمة، قال الإمام مالك لما قال له رجل: كيف استوى؟ قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة» (^١).\nثم ذكر المُصَنِّف ﵀ عددًا من الآيات الواردة في علو الله تعالى، والمشتمِلة على إثبات عُلُوِّهِ وأنه مُستوٍ على عرشه بائنٌ من خلقه.\nقوله: ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ﴾ [آل عمران:٥٥].\n_________\n(^١) ينظر: توضيح مقاصد العقيدة الواسطية للشيخ البراك ص (١٠٤).","vol":"1","page":127},{"text":"﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]، ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٣٦، ٣٧]، ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك:١٦،١٧].\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nما المراد بالوفاة في هذه الآية؟\nاختلف أهلُ التفسير على أقوال؛ أشهرها ثلاثة:\n١ - أن المراد بالوفاة النوم.\n٢ - أن المراد بالوفاة الوفاة الحقيقية؛ أي بالموت وقبض الروح.\n٣ - أن في الآية تقديمًا وتأخيرًا، ومعنى الآية عند أصحاب هذا القول: «إني رافعُك ثم متوفيك بعد ذلك».\nوالقول الأصوب: أن المراد بالوفاة النوم؛ إذ ثبت في القرآن تسميةُ النوم بالموت؛ وذلك في قوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر:٤٢]، فالمراد بالوفاة في هذه الآية النوم.\nوقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام:٦٠] وعلى هذا الرأي يكون معنى الآية: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ﴾ أن الله ألقى عليه النوم ثم رفعه.\nوالخلاصة من هذه الآيات التي ساقها المُصَنِّف:","vol":"1","page":128},{"text":"وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤]، ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧]، وَقَوْلُهُ: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]، ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨]، ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٦]، ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤٩].\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>إثبات علو الله على خلقه</span>؛ فقد دلت هذه الآيات على ذلك، كما دلت الآيات التي قبلها على إثبات صفة الاستواء، فهل بين الاستواء والعلو فرقٌ؟\nالجواب: الفرق من وجهين:\nالأول: أن العلو من الصفات الذاتية، أما الاستواء فمِن الصفات الفعلية، فالعلو من صفاته اللازمة، والاستواء فعل من أفعاله - ﷾ -.\nالثاني: أن العلو من الصفات الثابتة في العقل والنقل، أما الاستواء فهو ثابت بالنقل ولا مجال للعقل فيه.\nوبالجملة: فكل استواء علو، وليس كل علو استواء؛ فالاستواء أخص من العلو، والعلو أعم من الاستواء.\nثم ذكر المُصَنِّف ﵀ سبع آيات متعلقة بصفة المعية، ونأخذ منها إثباتَ المعية؛ وهي من المسائل المُجمع عليها عند أهل السنة والجماعة.","vol":"1","page":129},{"text":"والمعية قسمان: ١ - عامة. ٢ - خاصة.\nذكر الإمام السعدي ﵀ فائدة جليلة في معرفة الفرق بين المعيتين، فقال: «إذا أردت أن تعرف: هل المراد المعية العامة أو الخاصة؟ فانظر إلى سياق الآيات؛ فإن كان المقام مقام تخويف ومحاسبة للعباد على أعمالهم وحث على المراقبة؛ فإنها عامة مثل: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧]».\nثم قال: «وإذا كان المقام مقام لُطف وعناية من الله تعالى؛ فإن المعية معية خاصة وهو أغلب إطلاقها في القرآن، مثل: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١٩٤] و﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٣] و﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]» (^١).\nوقد ساق المُصَنِّف ﵀ سبع آيات في المعية، كلها في المعية الخاصة إلا الآية الأولى والثانية.\nقال شيخنا عبد العزيز بن باز ﵀: «المعية صفة من صفات الله؛ وهي قسمان: معية خاصة: لا يعلم كيفيتَها إلا الله كسائر صفاته، وتتضمَّن الإحاطة والنصرة والتوفيق والحماية من المهالك.\n_________\n(^١) التنبيهات اللطيفة ص (٤٨).","vol":"1","page":130},{"text":"ومعية عامة: تتضمن علم الرب بأحوال عباده، واطلاعه على جميع أحوالهم وتصرفاتهم الظاهرة والباطنة، ولا يلزم منها الاختلاط والامتزاج؛ لأنه سبحانه لا يُقاس بخلقه» (^١).\nوهل المعية حقيقية أو هي كناية عن علم الله وسمعه وقدرته؟\nالمعنى الذي فهمه السلف، وأجمعوا عليه، ونص عليه شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢) وتلميذه ابن القيم (^٣) وابن عثيمين (^٤) وغيرهم: هو أن الله معنا حقيقة، كما هو مستوٍ على عرشه حقيقةً. وقالوا: لفظة «مَعَ» تأتي في اللغة لمطلق المقارنة والمصاحبة، ويختلف معناها باختلاف المقتضى. وقالوا: هنالك فرقٌ بين معنى المعية، وبين مقتضى المعية؛ فلو قال قائلٌ: «محمدٌ معي الآن في البيت»، فهذه المعية حقيقية، والمعنى أن محمدًا معه في البيت بذاته، ولو قال: «أنا مع الإمام أحمد في عدم قوله بخلق القرآن»، فهذه معيةٌ حقيقية، والمعنى أنه يوافقه في الاعتقاد والرأي، ولو قلنا: «الله معنا»، فهذه معيةٌ «في العلم والسمع والبصر»، ونحو ذلك، ولهذا ما قاله شيخ الإسلام وتلميذه وتبعهما عليه ابن عثيمين - رحم الله الجميع- هو مذهب السلف، لكن كان ما فعله هؤلاء المتأخرون هو الشرح\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن باز (١٦/ ٣٤٦، ٣٤٧).\n(^٢) ينظر: الفتوى الحموية ص (٥٢٠ - ٥٢٣)، ومنهاج السنة النبوية (٨/ ٣٧٢ - ٣٧٧).\n(^٣) ينظر: مدارج السالكين (٢/ ٢٦٥)، وعدة الصابرين ص (٤٥).\n(^٤) القواعد المثلى ص (٦٠).","vol":"1","page":131},{"text":"وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢] ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١١٦]، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام:١١٥]، ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣]، ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣]،\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nلكلام السلف، والتقريب لألفاظهم، وتقسيم عباراتهم.\nولذلك حينما قال ابن عثيمين: إِنَّ معية الله ذاتية؛ حصل بسبب ذلك لبس، حتى تراجع عن قوله، مع أنه قصَد معيةَ العلم، ولكن عبَّر عنها بعبارةٍ فيها شيءٌ من الإشكال، ورجوعُه ﵀ دليلُ علمه وفضله، وسيأتي الكلام على ذلك.\nومن هنا نعلم أَنَّ السلف -﵏- مجمعون على إثبات المعية لله تعالى معية حقيقية.\nقوله: «وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ ...» بعد الكلام عن المعية ذكر المصَنِّف ﵀ الآيات التي تضمنت إثبات صفة الكلام لله، وأن القرآن كلامه منزل غير مخلوق.\nوهذه المسألة انقسم فيها الناس إلى ثلاثةِ مذاهبَ:\nالمذهب الأول: مَن جعل كلامه سبحانه مخلوقًا منفصِلًا عنه، وأصحاب هذا القول قالوا: معنى أن الله تكلم بالقرآن يعني خلق آيات القرآن؛ ولهذا قالوا: «القرآن مخلوق وليس بمُنَزَّل» وهؤلاء هم المعتزلة.","vol":"1","page":132},{"text":"﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم:٥٢]، ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء:١٠]، ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف:٢٢]، ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥]، ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٧٥]، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الفتح:١٥]، ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف:٢٧]، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل:٧٦]، ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام:٩٢]، ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٢١]، ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾، ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠١ - ١٠٣].\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nالمذهب الثاني: مَن جعل القرآن لازمًا لذاته أزلًا وأبدًا، لا يتعلق بمشيئته، وهؤلاء نفَوْا عنه الحرفَ والصوت، وبهذا قال الكُلَّابية والأشاعرة.\nالمذهب الثالث: أهل السنة والجماعة؛ قالوا: «القرآن منزل غير مخلوق","vol":"1","page":133},{"text":"والله سبحانه لا يزال متكلمًا إذا شاء، والكلام صفة قائمة بذاته».\nما الفرق بين مذهب أهل السنة ومذهبِ الكُلابية والأشاعرة؟\nالجواب: الفرق من وجهين:\n١) أن الكلابية والأشاعرة خالفوا المعتزلة بإثبات الكلام لله، وخالفوا أهل السنة بنفي الحروف والصوت، وأهل السنة يثبتون الحروف والصوت لله؛ كما جاء في حديث أبي سعيد قال: قال النبي ﷺ: «يَقُولُ الله ﷿ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا آدَمُ» وفيه: «فَيُنَادَى بِصَوْتٍ» (^١).\n٢) أن الكلابية والمعتزلة يثبتون صفة الكلام أزلًا وأبدًا باعتباره صفة ذاتية، ولا يثبتونه صفة فعلية، وأما أهل السنة فيثبتون هذا وهذا، فيقولون: صفة الكلام باعتبار أصلها هي صفة ذاتية لا تنفك عن ذات الله، وباعتبار آحاد الكلام هي متعلقة بالمشيئة، وعليه فالكلابية والأشاعرة يقولون: ليس الكلام متعلقًا بالمشيئة، بل هو لازم لذاته فقط، والصواب مذهب أهل السنة.\nوالخلاصة في صفة الكلام: أن الله يتكلم وينادي بصوت؛ فإنه نادى موسى بصوت، ونادى آدم بصوت، ويتكلم بالوحي بصوت.\nوهنا قيد مهم: وهو أن الحروف والأصوات التي يتكلم الله بها صفة له غير مخلوقة، ولا تشبه أصوات المخلوقين وحروفهم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٩/ ١٤١) رقم (٧٤٨٣).","vol":"1","page":134},{"text":"وَقَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢،٢٣]، ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين:٢٣]، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥].\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nونخلص في صفة الكلام إلى ما يلي:\n١) إثبات صفة الكلام لله تعالى.\n٢) أنه يتكلم بصوت وحروف لكن لا تشبه حروف وأصوات المخلوقين.\n٣) أن صفة الكلام صفة ذاتية باعتبار أصلها، فعلية متعلقة بالمشيئة؛ باعتبار آحاد الكلام.\nثم ساق المُصَنِّف ﵀ الآياتِ الدالةَ على<span data-type=\"title\" id=toc-53> إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة</span>.\nوقد خالف في هذه المسألة: الجهميةُ، والمعتزلة، والإباضية.\nفقالوا: لا نثبت رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وهذا النفي مبني على نفيٍ آخرَ؛ وهو نفي الجهة عن الله تعالى، فقالوا: ما دامت الجهةُ مستحيلةً، وهي شرطٌ في الرؤية، فالرؤية مستحيلة، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] وبقوله لموسى: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، و(لن) عندهم للتأبيد، هذا هو مذهب المعتزلة والجهمية ومن وافقهم.\nأما الأشاعرة فإنهم ينفون الجهة ويوافقون المعتزلة في ذلك، لكنهم يثبتون","vol":"1","page":135},{"text":"الرؤية، وعلى هذا وافقوا المعتزلة في المقدمة وخالفوهم في النتيجة، ولذلك حاروا في هذه المسألة حينما تابعوا المعتزلة في هذه المقدمة، فاضطربوا اضطرابًا بيِّنًا؛ منهم مَن قال: يرونه من جميع الجهات، ومنهم مَن أثبت الرؤية وقال رؤية بصيرة لا بصر، وقال هؤلاء: إن المقصود زيادة الانكشاف والتجلي حتى كأنها رأيُ عين.\nأما أهل السنة والجماعة فقد عصمهم الله من هذه الافتراضات، فهم يثبتون الرؤية لله تعالى من غير ولوج في التفاصيل التي خاض فيها المعتزلة والأشاعرة.\nسُئِلَ الإمام مالك عن هذه الآية: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، فقال: «لما حجَب أعداءه فلم يرَوْه، تجلَّى لأوليائه حتى رأوه» (^١).\nوقال الشافعي ﵀: «في الآية دلالة على أن أولياء الله يرونه عِيانًا» (^٢).\nوقد سبق معنا في شرح «الحائية» قولُ ابن أبي داود:\nوَقُلْ يَتَجَلَّى اللهُ لِلْخَلْقِ جَهْرَةً\nكَمَا الْبَدْرُ لَا يَخْفَى وَرَبُّكَ أَوْضَحُ\n_________\n(^١) أخرجه اللالكائي في أصول الاعتقاد بلفظ: «لو لم يَرَ المؤمنون ربهم يوم القيامة، لم يُعيِّر الله الكفار بالحجاب فقال: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾».\n(^٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٩/ ١١٧)، والبيهقي في معرفة السنن والآثار (١/ ٨٧).","vol":"1","page":136},{"text":"وَقَدْ يُنْكِرُ الجَهْمِيُّ هَذَا وَعِنْدَنَا\nبِمِصْدَاقِ مَا قُلْنَا حَدِيثٌ مُصَرِّحُ\nرَوَاهُ جَرِيرٌ عَنْ مَقَالِ مُحَمَّدٍ\nفَقُلْ مِثْلَ مَا قَدْ قَالَ في ذَاكَ تَنْجَحُ\nقال ابنُ القيم ﵀: «والناسُ في إثبات الرؤية وعدمِها طرفان ووسط: فقوم غلَوْا في إثباتها حتى أثبتوها في الدنيا والآخرة؛ وهم الصوفية وأحزابهم. وقوم نفَوْها في الدنيا والآخرة؛ وهم الجهمية والمعتزلة. والوسطُ هم أهل السنة الذين أثبتوها في الآخرة حسَبَما تواترت به الأدلةُ».\nوقال أيضًا في «نونيته»:\nوَيَرَوْنَهُ سُبْحَانَهُ مِنْ فَوْقِهِمْ ... نَظَرَ العِيَانِ كَما يُرَى القَمَرَان\nهَذَا تَوَاتَرَ عَنْ رَسُولِ اللهِ لَمْ ... يُنْكِرْهُ إلَّا فَاسِدُ الإِيمان\nوَأَتَى بِهِ القُرْآنُ تَصْرِيحًا وَتَعْـ ... رِيضًا هُمَا بِسِيَاقِهِ نَوْعَان\nوَهِيَ الزِّيَادَةُ قَدْ أَتَتْ فَي يُونُسٍ ... تَفْسِيرُ مَنْ قَدْ جَاءَ بِالْقُرْآنِ (^١)\nوالتي في سورة يونس هي قولُ الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]؛ فقد فسرها النبي بالرؤية كما ثبت ذلك في عدة أحاديث (^٢).\n_________\n(^١) الكافية الشافية ص (٣٤١).\n(^٢) جاء ذلك في صحيح مسلم (١/ ١٦٣) رقم (١٩١٧) من حديث صهيب بلفظ: «إذا دخل =","vol":"1","page":137},{"text":"وَهَذَا الْبَابُ فِي كِتَابِ الله كَثِيرٌ، مَنْ تَدَبَّرَ الْقُرْآنَ طَالِبًا لِلْهُدَى مِنْهُ تَبَيَّنَ لَهُ طَرِيقُ الحَقِّ.\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nقوله: «وَهَذَا الْبَابُ فِي كِتَابِ الله كَثِيرٌ» أي بابُ الأسماء والصفات، ولم يستوعبِ المُصَنِّفُ ﵀ الآياتِ التي جاءت في الأسماء والصفات، إلا في بابٍ واحد؛ وهو باب الاستواء، أما باقي الأبواب فذكر بعض آياتها.\nوالناظر في الآيات التي سردها المُصَنِّف ﵀ في هذا الباب يمكنه أن يستنبط عدةَ قواعدَ وأصولٍ:\nأولها: اتفاق السلف على وجوب الإيمان بجميع الأسماء وما دلت عليه من صفات.\nثانيها: أن هذه الآيات دلت على أن صفات البارئ سبحانه على ثلاثة أقسام:\n١ - صفات ذاتية: لا تنفك عنها الذات؛ مثل: العلو، والحياة، والسمع، والبصر، ونحو ذلك.\n٢ - صفات فعلية: تتعلق بالمشيئة؛ مثل المجيء، والاستواء، والضحك، والغضب، والعجب، والنزول، والفرح، ونحو ذلك.\n_________\n= أهلُ الجنةِ الجنةَ يقول الله ﵎: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تُبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم - ﷿ -، ثم تلا هذه الآية ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾». وفي السنة لابن أبي عاصم (١/ ٢٠٦) بلفظ: «فيكشف الله عنهم الحجاب فينظرون إلى الله تعالى، فما شيء أُعطوه أحب إليهم من النظر إليه؛ وهي الزيادة».","vol":"1","page":138},{"text":"فَصْلٌ: ثُمَّ سُنَّةُ رَسُولِ الله؟،\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\n٣ - صفات ذاتية فعلية: باعتبارين كصفة الكلام؛ فهي صفةٌ ذاتيةٌ باعتبار أصل الكلام، وفعلية باعتبار آحاد الكلام.\nثالثها: إثبات تفرد الرب بكل صفات الكمال، وأنه ليس له شريك أو مثيل في شيء منها.\nرابعًا: إثبات جميع ما ورد في الكتاب والسنة من الصفات الذاتية والفعلية، والمخالف في هذا الأصل فريقان:\n١ - المعتزلة؛ فإنهم ينفون جميع الصفات ويثبتون الأسماء.\n٢ - الجهمية؛ فإنهم ينفون جميع الصفات والأسماء.\nلماذا لا نُلحق بهم الأشاعرة ونقول: إنهم فريق ثالث؟\nالجواب: الأشاعرة وافقوا أهل السنة والجماعة في سبع صفات فقط، يدَّعون أن العقل يُثبتها، وهذه الصفات هي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام.\nقوله: «فَصْلٌ» هذا الفصل يختص بنصوص السنة الدالة على صفات الله - ﷾ -، لأن الفصل السابق كان يختص بنصوص القرآن الدالة على الصفات.\nقوله: «ثُمَّ سُنَّةُ رَسُولِ الله - ﷺ -» هذا عطف على قوله فيما تقدم: «وَقَدْ دَخَلَ فِي هَذِهِ الجمْلَةِ مَا وَصَفَ اللهُ بِهِ نَفْسَهُ فِي سُورَةِ الْإِخْلَاصِ ...».\nفيكون المراد أنه دخل في ذلك أيضًا ما وصف الرسول - ﷺ - به ربه في","vol":"1","page":139},{"text":"تُفَسِّرُ الْقُرْآنَ، وَتُبَيِّنُهُ، وَتَدُلُّ عَلَيْهِ، وَتُعَبِّرُ عَنْهُ،\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nالأحاديث الصحيحة، فكما نثبت من القرآن هذه الصفات، أيضًا نثبتها من السنة؛ لأنها هي الأصل الثاني في التشريع.\nوالسنة اصطلاحًا: ما ثبت من أقوال النبي - ﷺ - وأفعاله وتقريراته.\nوالمعتمد عند أهل العلم أن السنة إذا ثبتت عن الرسول - ﷺ - بالسند الصحيح فهي بمنزلة القرآن من ناحية التصديق والعمل، وهي مُنْزلة كالقرآن؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء:١١٣]، (والحكمة): السُّنَّة، وقال تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة:١٢٩]، أي: السنة، وقوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤].\nقوله: «تُفَسِّرُ الْقُرْآنَ» هذا هو مذهب أهل الحق في السنة النبوية؛ لأنها ملازِمة للقرآن مبيِّنة له. ومعنى تفسر القرآن: أي توضحه وتبيِّن المرادَ منه، والله يقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤] الذكر هو القرآن، ﴿لِتُبَيِّنَ﴾ أي لتوضح لهم.\nولهذا نلاحظ أن الأحكام في القرآن غالبًا تأتي مجملة، ويأتي تفصيلُها في السنة؛ فمثلًا الصلاة جاء الأمر في القرآن بإقامتها، أمرًا مجملًا، وجاء تفصيلها من قوله وفعله - ﷺ -، وهكذا في بقية العبادات.\nوهناك أمثلة تدل على أنَّ السُّنَّة تفسر القرآن، منها:","vol":"1","page":140},{"text":"وَمَا وَصَفَ الرَّسُولُ بِهِ رَبَّهُ ﷿ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ الَّتِي تَلَقَّاهَا أَهْلُ المَعْرِفَةِ بِالْقَبُولِ؛ وَجَبَ الْإِيمَانُ بِهَا كَذَلِكَ،\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] فسَّر النبي - ﷺ - هذه الزيادة بأنها الرؤية كما ثبت في مسلم من حديث صُهَيب (^١).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠] القوة في الآية فسرها النبي - ﷺ - بقوله: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» (^٢)، والأمثلة على ذلك كثيرة.\nأما أهل البدع فهم في هذا الباب على فريقين:\nالفريق الأول: مَن لا يتورع عن إنكار السنة ويصرح بذلك؛ كالمعتزلة والفلاسفة الذين ردُّوا السنة مطلقًا.\nالفريق الثاني: مَن يثبت السنة ويعتقد بصحة النقل فيها، ولكن يحرِّفها ويشتغل بتأويل الصفات التي أثبتتها السنة، كالأشاعرة؛ فإنهم لم يردوا السنة كما فعل المعتزلة، بل أثبتوها لكن أوَّلوها.\nقوله: «وَمَا وَصَفَ الرَّسُولُ بِهِ رَبَّهُ ﷿ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ الَّتِي تَلَقَّاهَا أَهْلُ المعْرِفَةِ بِالْقَبُولِ؛ وَجَبَ الْإِيمَانُ بِهَا كَذَلِكَ» أي كما وجب الإيمانُ بكل ما وصف الله به نفسه في كتابه من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، كذلك يجبُ الإيمانُ بكل ما وصفه به أعلمُ الخلق به - ﷺ -.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١/ ١٦٣) رقم (١٨١).\n(^٢) أخرجه مسلم (٣/ ١٥٢٢) رقم (١٩١٧) من حديث عقبة بن عامر - ﵁ -.","vol":"1","page":141},{"text":"فَمِنْ ذَلِكَ: مِثْلُ قَوْلِهِ؟: «يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nثم بدأ المُصَنِّف بذكر جملة من الأحاديث التي تدل على صفات الله؛ ابتدأها بحديث: «يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟» هذا الحديث متفق عليه (^١).\nوالكلام عليه من وجهين:\n١ - صحته من جهة النقل؛ فقد أشار المُصَنِّف ﵀ إلى أنه متفق عليه، ونقل الذهبي في كتابه «العلو للعلي الغفار» أن أحاديث النزول أحاديث متواترة (^٢).\n٢ - ما أفاده هذا الحديث من إثبات صفة النزول لله جل وعز، وهذا ثابت في كل ليلة، كما نأخذ ذلك من قوله في الحديث: «كُلَّ لَيْلَةٍ».\nلو قال قائل: كيف ينزل؟\nأجيب بأننا نثبت النزول، ونثبت الكيفية، لكن ننفي العلم بها، وعليه فيكون السؤال عنها بدعة، فيقال في هذه الصفة مثلُ ما يقال في بقية الصفات؛ أنه نزول يليق بجلاله وعظمته.\nوفي هذا الحديث ردٌّ على أربعِ طوائفَ من المبتدعة:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢/ ٥٣) رقم (١١٤٥)، ومسلم (١/ ٥٢١) رقم (٧٥٨).\n(^٢) العلو للعلي الغفار ص (٩١).","vol":"1","page":142},{"text":"وَقَوْلُهُ - ﷺ -: «للهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ المُؤْمِنِ التَّائِبِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِرَاحِلَتِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\n١ - رد على الجهمية، والمعتزلةِ: ووجهُ الرد قوله: «يَنْزِلُ»؛ فالنبي - ﷺ - أثبت النزول لله - ﷿ - وهو نزول يليق بجلال الله، خلافًا للجهمية والمعتزلة الذين نفَوْا هذه الصفة.\n٢ - رد على الجبرية، من قوله: «مَنْ يَدْعُونِي ... مَنْ يَسْأَلُنِي ... مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي ...» ووجه الرد من هذا الحديث أنه جعل للعبد اختيارًا ومشيئة؛ وهم يقولون: إن العبد مجبور.\n٣ - رد على الحلولية: حيث جاء في الحديث: «يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» فدل ذلك على أن الله في العلو، وهذا رد عليهم؛ لأنهم يقولون: إنه حالٌّ في كل مكان.\nقوله: «للهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ ...» هذا الحديث متفق عليه (^١)، وفيه<span data-type=\"title\" id=toc-56> إثباتُ صفة الفرح لله جل وعز، والكلام في هذه الصفة </span>كالكلام في بقية الصفات؛ وهو إثباتها على ما يليق بجلاله وعظمته، وهي صفة فعلية؛ لأنها متعلقة بالمشيئة.\nبمَ أَوَّلَ النُّفَاةُ صفة الفرح؟\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨/ ٦٨) رقم (٦٣٠٩)، ومسلم (٤/ ٢١٠٤) رقم (٢٧٤٧) من حديث أنس - ﵁ -.","vol":"1","page":143},{"text":"وَقَوْلُهُ: - ﷺ -: «يَضْحَكُ اللهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ؛ كِلَاهُمَا يَدْخُلُ الجنَّةَ»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nقال بعضُهم: كناية عن رِضَى الله، وقال البعض الآخر: كناية عن الثواب، فهم مختلفون في تأويل هذه الصفة، فالمعتزلة لهم تأويل، والأشاعرة لهم تأويل، وهكذا بقية النفاة.\nوالرد عليهم بالقاعدة الشرعية العامة؛ وهي: «أن الكلام في الصفات فرعٌ عن الكلام في الذات» فصفات الله ليست كصفات المخلوقين، كما أن ذاته ليست كذوات المخلوقين.\nقوله: «يَضْحَكُ الله إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ ...» متفق عليه من حديث أبي هريرة - ﵁ - (^١).\nونُثبت من هذا الحديث صفةَ الضحك؛ وهو على ما يليق بجلال الله وعظمته، فهو ليس كضحك المخلوقين.\nأما النفاة فقد فسروا الضحك بأنه كناية عن الرضى أو القبول، قالوا: ولا نثبت من ذلك ضحكًا حقيقيًّا لله.\nوصفة الضحك جاءت فيها أحاديثُ أخرى؛ منها ما رواه ابن ماجه من طريق وكيع بن عُدُس عن أبي رَزِين العُقَيلي أن رجلًا سأل النبي - ﷺ - قال: هل يضحك ربنا؟ فقال: النبي - ﷺ -: «نَعَمْ» فقال الرجل: لن نَعدَمَ مِن ربٍّ يضحكُ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤/ ٢٤) رقم (٢٨٢٦)، ومسلم (٣/ ١٥٠٤) رقم (١٨٩٠).","vol":"1","page":144},{"text":"وَقَوْلُهُ: «عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ وَقُرْبِ غِيَرِهِ، يَنْظُرُ إِلَيْكُمْ آزِلِينَ قَنِطِينَ، فَيَظَلُّ يَضْحَكُ يَعْلَمُ أَنَّ فَرَجَكُمْ قَرِيبٌ»، حَدِيثٌ حَسَنٌ.\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nخيرًا (^١).\nووكيع بن عُدُس مجهول؛ فلذلك ضعَّف بعضُ أهل العلم هذا الحديث بسببه، ومن طريق وكيع هذا جاء الحديثُ المشهور على الألسنة: «الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعْبَرْ، فَإِذَا عُبِرَتْ وَقَعَتْ» (^٢)، ولذلك ضعَّف هذا الحديثَ جماعةٌ من أهل العلم؛ لجهالة حال وكيع، إلا أن حديثه يتقوَّى بما يلي:\n١ - أنه من التابعين الذين جرى الأئمةُ على احتمال أحاديثهم، وتلقِّيها بحسن الظن إذا لم تُخالِف شيئًا من الأصول، وذلك لتقادُم عهدهم وتعذُّر الخبرة الباطنة بأحوالهم.\n٢ - قبول جمع من الأئمة لحديثه، كالترمذي، والحاكم، والذهبي، وابن دقيقِ العيد، وابن تيمية، وابن حجر، وغيرهم، وهذا من التعديل الفعلي الذي ينزل منزلة التوثيق (^٣).\nقوله: «عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ وَقُرْبِ غِيَرِهِ، يَنْظُرُ إِلَيْكُمْ أَزِلِينَ قَنِطِينَ، فَيَظَلُّ يَضْحَكُ يَعْلَمُ أَنَّ فَرَجَكُمْ قَرِيبٌ» هذا الحديث أخرجه أحمد وابن ماجه\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه (١/ ٦٤) رقم (١٨١).\n(^٢) أخرجه أبو داود في الأدب رقم (٥٠٢٠)، وابن ماجه في تعبير الرؤيا رقم (٣٩١٤).\n(^٣) ولهذا أمثلة كثيرة؛ منها قول ابن القطان عن زينب بنت كعب: «وزينب كذلك ثقة، وفي تصحيح الترمذي إياه - يعني حديثها - توثيقها» ينظر: بيان الوهم والإيهام لابن القطان (٥/ ٣٩٥)، وقد نقل الزيلعي في نصب الراية (٣/ ٢٦٤) قول ابن القطان هذا وأقره عليه.","vol":"1","page":145},{"text":"عن أبي رَزِين العُقَيلي (^١) وله عدة روايات.\nوقد دل الحديث على إثبات صفة العَجَب لله تعالى، وهذا من آثار رحمته وكماله، وعجبُه سبحانه ليس كعجب المخلوقين؛ لأنه ليس كمثله شيء.\nوالحديث فيه إشارة أيضًا إلى أنه إذا تأخَّر الغيث عن العباد مع فقرهم، يستولي عليهم اليأسُ والقنوط، ويقصر نظرهم على الأسباب الظاهرة، فيستبعدون فرج الله ورحمته، وهذه الحال من العباد محلُّ عجب من الله تعالى، فيعجب الله منهم كيف يقنطون ويصابون باليأس مع أن رحمته وسِعت كل شيء؛ وهو يقول عن نفسه: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦].\nونستفيد من الحديث أيضًا: أنه يحرم على المؤمن القنوط واليأس ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧] والآية فيها إخبار عن صفة من صفات الكافرين؛ وهي القنوط واليأس، أما المؤمن فإن ثقته بالله لا تتبدل، ولا تزيدها الابتلاءاتُ والمِحَن إلا قوةً ورسوخًا.\nقال الناظم:\nإذا اشتَمَلتْ على اليأسِ القُلوبُ ... وَضَاقَ بِمَا بِهِ الصَّدْرُ الرَّحِيبُ\nوأَوْطَنَتِ المَكارهُ واستقرَّتْ ... وَأَرْسَتْ فِي أَمَاكِنِهَا الخُطُوبُ\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه (١/ ٦٤) رقم (١٨١) ومسند الإمام أحمد (٤/ ١١) رقم (١٦٢٣٢).","vol":"1","page":146},{"text":"وَقَوْلُهُ - ﷺ -: «لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا وَهِيَ تَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا رِجْلَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: عَلَيْهَا قَدَمَهُ فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، فَتَقُولُ:\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nولم تَرَ لانكشافِ الضُّرِّ وَجْهًا ... ولا أغنَى بحِيلَتِه الأرِيبُ\nأتاكَ على قُنوطٍ منك غَوثُ ... يمُنُّ به اللطيفُ المُستجِيبُ\nوكُلُّ الحادِثاتِ إذا تناهَتْ ... فَمَوْصُولٌ بِهَا فَرَجٌ قَرِيبُ\nوالقنوط: أشد اليأس.\nوقوله: «وَقُرْبِ غِيَرِهِ» الواو هنا بمعنى (مع) أي: (مع قرب غِيَرِهِ)، والغِيَر - بكسر الغين وفتح الياء - بمعنى التغيير؛ لأن الله - ﷾ - هو الذي بيده تدبير الأمور وتغييرها، وهو الذي يقول للشيء كن فيكون.\nوهذا الحديث اشتمل على ست صفات من صفات الله تعالى، وهي:\n١ - العَجَب: من قوله: «عَجِبَ رَبُّنَا».\n٢ - الضحك: من قوله: «فَيَظَلُّ يَضْحَكُ».\n٣ - النظر: من قوله: «يَنْظُرُ إِلَيْكُمْ».\n٤ - العلم: من قوله: «يَعْلَمُ أَنَّ فَرَجَكُمْ قَرِيبٌ».\n٥ - القدرة: من قوله: «قُرْبِ غِيَرِهِ»، والتغيير دليل القدرة، فمِن صفاته سبحانه القدرة، ومن أسمائه القادر.\n٦ - الرحمة؛ لأن فرجه لعباده دليل على رحمته بهم.\nقوله: «لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا وَهِيَ تَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ ...» الحديثَ.","vol":"1","page":147},{"text":"قَطْ قَطْ»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nهذا الحديثُ فيه إثبات صفة (الرِّجْل) أو (القَدَم) لله سبحانه، فنثبت هذه الصفة لله تعالى وأنها تجري مجرى بقية الصفات على ما يليق بجلاله وعظمته.\nوالحديث فيه فوائد كثيرة؛ من أبرزها:\n١ - ما أراده المُصَنِّف هنا من إثبات صفة القدم لله على ما يليق به سبحانه.\n٢ - إثبات القول من الجماد؛ إذ تقول النار: «قط، قط».\nوهذا دليل على قدرة الله تعالى، وهو الذي أنطق كل شيء، وقد ورد في نصوص أخرى إثباتُ إحساس الجمادات، لكن لا ندركه ولا نشاهده، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٧٤].\nوقال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٢١].\nبماذا أجاب المبتدعة عن حديث الباب: «لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا»؟\nقالوا: المراد بالرجل في الحديث جماعة من الناس أو القوم من الناس كما يقال في اللغة: «رِجْلُ جَرَاد»، فيكون المقصود جماعة من الناس، لكن في الحديث رد على هذا التأويل من وجهين:\nالأول: أنه قال في الحديث: «حَتَّى يَضَعَ» ولم يقل: (حتى يُلقي)، فلا يستقيم أن يُقال: إن المعنى: فيضع رب العزة قومًا من الناس.","vol":"1","page":148},{"text":"وَقَوْلُهُ: «يَقُولُ تَعَالَى: يَا آدَمُ! فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيُنَادِي بِصَوْتٍ: إِنَّ الله يَامُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ».\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nالثاني: أنه لا يصح تفسيرُ القَدَم بالقوم؛ لا حقيقة ولا مجازًا.\nوصفة (القدم) صفة ذاتية كالوجه واليدين ونحو ذلك.\nقوله: «يَقُولُ تَعَالَى: يَا آدَمُ! فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيُنَادِي بِصَوْتٍ ...» الحديثَ، في الحديث إثباتُ صفة النداء والكلام والصوت لله تعالى، والنداءُ نداء حقيقة بصوت، قوله: «فَيُنَادِي» أي الله تعالى، «بِصَوْتٍ».\nسؤال: هل يمكن أن يكون نداءٌ بلا صوت؟\nالجواب: النداء لا بد أن يكون بصوت، وذكرُ الصوت هنا من باب التأكيد، والأصل أن ثبوت الصوت من إثبات النداء؛ لأن النداء لا يكون إلا بصوت مرتفع.\nوالخلاصة: إثبات صفة القول والنداء لله تعالى، وأنه بصوت مسموع.\nقوله: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ» فيه إثبات تكليمه - ﷾ - لجميع عباده بلا واسطة؛ لقوله: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ».\nوتكليمه - ﷾ - لعباده على نوعين:\nالأول: تكليم بلا واسطة كما في هذا الحديث، والتكليم يكون للمحاسبة ويكون مع البَرِّ والفاجر.","vol":"1","page":149},{"text":"وَقَوْلُهُ؟ فِي رُقْيَةِ المَرِيضِ: «رَبَّنَا اللهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ، تَقَدَّسَ اسْمُكَ، أَمْرُكَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، كَمَا رَحْمَتُكَ فِي السَّمَاءِ، اجْعَلْ رَحْمَتَكَ فِي الْأَرْضِ، اغْفِرْ لَنَا حُوبَنَا وَخَطَايَانَا، أَنْتَ رَبُّ الطَّيِّبِينَ، أَنْزِلْ رَحْمَةً مِنْ رَحْمَتِكَ، وَشِفَاءً مِنْ شِفَائِكَ عَلَى هَذَا الْوَجَعِ؛ فَيَبْرَأَ» حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ.\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nوكيف نجمع بين هذا الحديث؛ وفيه تكليم الله لكل الخلق، وبين قول الله عن الكفار: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧٧]؟\nالجواب: التكليم في هذا الحديث للمحاسبة، ونفيُ التكليم في الآية للإهانة والتحقير.\nالثاني: تكليم بواسطة: وهو كلامه لرسله عن طريق الملائكة أو جبريل.\nقوله: «رَبَّنَا اللهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ ...» هذا الحديث من رواية أبي الدرداء، وهو صريح في<span data-type=\"title\" id=toc-60> إثبات صفة العلو لله تعالى</span>، وذلك من قوله: «اللهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ»، والعلو صفة ذاتية لا تنفك عنه مطلقًا.\nويدل الحديث أيضًا على صفة الرحمة من قوله: «اجْعَلْ رَحْمَتَكَ».\nونأخذ من الحديث أيضًا مشروعيةَ التوسل إلى الله تعالى بالثناء عليه بربوبيته وقدسيته وبقية صفاته، وهذا من أنواع التوسل المشروع، وسبق الكلامُ عليها في شرح لامية شيخ الإسلام.\nقوله: «أَلَا تَامَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ» ويصح: «وأنا أمينٌ في السماء»، أمينٌ بالتنوين أي موصوف بهذه الصفة في السماء، أي: صفة الأمانة،","vol":"1","page":150},{"text":"وَقَوْلُهُ؟: «أَلَا تَامَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ»، حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَقَوْلُهُ: «وَالْعَرْشُ فَوْقَ الماءِ، واللهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَهُوَ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ» حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ.\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nوالنبي - ﷺ - موصوف بذلك في السماء، والمعنى على الوجه الثاني: «أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ» يعني أمين الله تعالى على وحيه.\nوالصفة المثبتة من هذا الحديث صفة العلو من قوله: «مَنْ فِي السَّمَاءِ».\nوقوله: «وَالْعَرْشُ فَوْقَ الْماءِ، واللهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَهُوَ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ» رواه أبو داود وغيره من حديث ابن عباس ﵁، وهذا الحديث يُسمى بحديث الأَوْعال، وكأن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يرى تحسينَه من خلال الشواهد الصحيحة التي تشهدُ لبعض متنه، ولكن الحديث فيه ضعف، وقد أُعِلَّ بعدة علل:\nالأولى: تفرد سِمَاك برواية الحديث، وسماك بن حرب لا يُحتج به إذا انفرد، قال الإمام أحمد: «مضطرب الحديث».\nوقال الدارقطني: «سيء الحفظ» (^١).\nوالثانية: أن عبد الله بن عُمَيرة مجهول (^٢).\nوالثالثة: عدم ثبوت سماع ابن عميرة من الأحنف، قال البخاري: «ولا\n_________\n(^١) ينظر: الجرح والتعديل (٤/ ٢٧٩)، وعلل الدارقطني (١٣/ ١٨٤).\n(^٢) ينظر: ميزان الاعتدال (٢/ ٤٦٩)، ولسان الميزان (٩/ ٣٤٣).","vol":"1","page":151},{"text":"وَقَوْلُهُ؟ لِلْجَارِيَةِ: «أَيْنَ الله؟»، قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: «مَنْ أَنَا؟» قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ الله، قَالَ: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nنعلم له سماعًا من الأحنف» (^١).\nوالرابعة: الوقف، قال الترمذي: «وروى شَرِيك، عن سماك، بعضَ هذا الحديث، ووَقَفه ولم يرفعه» (^٢). ورواية شريك عن سماك أرجحُ من رواية غيره في هذا الحديث.\nوالخامسة: أن متن الحديث فيه نكارة في سياقه، ويظهر ذلك من وجهين:\n١ - تشبيه الملائكة بالتيوس، فالأوعال جمع وَعِل؛ وهو تيس الجبال.\n٢ - أكثر الأصول تذكر الأظلاف مؤنثة، وهو معنى منكرٌ في حق الملائكة.\nوفي الحديث الجمعُ بين الإيمان بعلوه على عرشه فوق مخلوقاته وإحاطته بجميع المخلوقات، فهو - ﷾ - مع علوه يعلم ما في نفس العبد؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦].\n«وَقَوْلُهُ لِلْجَارِيَةِ: أَيْنَ الله؟، قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ ...» هذا الحديث رواه مسلم من طرق متعددة (^٣).\nويستفاد من الحديث ما يلي:\n_________\n(^١) التاريخ الكبير (٥/ ١٥٩).\n(^٢) جامع الترمذي (٥/ ٤٢٥).\n(^٣) صحيح مسلم (١/ ٣٨١) رقم (٥٣٧).","vol":"1","page":152},{"text":"أولًا: جواز الاستفهام عن الله بـ «أين»، لقوله للجارية: «أين الله؟».\nقال الناظم:\nوَقَدْ جَاءَ لَفْظُ الأَيْنِ مِنْ قَوْلِ صَادِقٍ ... رَسُولِ إِلَهِ الْعَالَمِين مُحَمَّد\nكَمَا قَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ... كَذَاكَ أَبو دَاودَ والنَّسَئِي قَد\nقال ابنُ عثيمين ﵀: «واستفهام النبي بـ (أين) يدل على أن لله مكانًا» (^١)، لكن لا يخفى أن الله لا يحيط به شيء سبحانه ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠].\nثانيًا: إثبات صفة العلو لله تعالى؛ لإقراره - ﷺ - قولَها: «فِي السَّمَاءِ» والسماء إذا أطلقت في اللغة فالمراد بها العلو.\nثالثًا: تضمَّن هذا الحديثُ شهادةَ الرسول ﷺ بالإيمان للجارية لمَّا اعترفت بعلو الله على خلقه، وذلك بعدما سألها النبي ﷺ وقال: «أَيْنَ الله؟» قالت: «فِي السَّمَاءِ»، وفي هذا دليل على أن وصف الله بالعلو من أعظم أوصاف الباري جل وعز، لأن النبي ﷺ خصه بالذكر دون بقية الأوصاف، وهذا دليل على قبح رأي الحُلوليَّة.\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (٨/ ٢٩٥).","vol":"1","page":153},{"text":"وَقَوْلُهُ - ﷺ -: «أَفْضَلُ الْإِيمَانِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ مَعَكَ حَيْثُمَا كُنْتَ» حَدِيثٌ حَسَنٌ.\nوَقَوْلُهُ - ﷺ -: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ؛ فَلَا يَبْصُقَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ؛ فَإِنَّ الله قِبَلَ وَجْهِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nقوله: «أَفْضَلُ الْإِيمَانِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الله مَعَكَ حَيْثُمَا كُنْتَ» هذا الحديث رواه الطبراني من حديث عبادة (^١)، وهو ضعيف (^٢).\nونثبت من الحديث -على فرض صحته- صفة المعية، وهذه المعية عامة من قوله: «مَعَكَ»، لكن لا يعني ذلك أنه حالٌّ في كل مكان كما قالت الحلولية.\nوقوله: «أَفْضَلُ الْإِيمَانِ أَنْ تَعْلَمَ» نستفيد منه أن الإيمان يتفاوت، وفي هذا رد على المرجئة الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية.\nقوله: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ؛ فَلَا يَبْصُقَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ؛ فَإِنَّ الله قِبَلَ وَجْهِهِ ...» هذا الحديث متفق عليه (^٣)، ونستفيد منه إثبات أن الله قِبَل وجه المصلي حين يصلي.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «الحموية»: «إن الحديث حق على ظاهره، وهو سبحانه فوق العرش وهو قِبلَ وجه المصلي» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٨/ ٣٣٦)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ١٢٤).\n(^٢) قال الطبراني: «لم يَرْوِ هذا الحديثَ عن عروة بن رويم إلا محمدُ بن مهاجر، تفرد به: عثمان بن كثير». وقال أبو نعيم: «غريب من حديث عروة لم نكتبه إلا من حديث محمد بن مهاجر».\n(^٣) صحيح البخاري (١/ ٩٠) رقم (٤٠٦)، وصحيح مسلم (١/ ٣٨٨) رقم (٥٤٧).\n(^٤) ينظر: الحموية ضمن مجموع الفتاوى (٥/ ١٠٧).","vol":"1","page":154},{"text":"وعلى هذا: هل بين إثبات ما سبق وإثبات العلو تعارض؟\nالجواب: لا تعارض بينهما؛ فإن الله ليس كمثله شيء، فهو موصوف سبحانه بأنه قِبَل وجه المصلي، وموصوف بالعلو، فلا منافاة بينهما، وقد مثَّل شيخُ الإسلام وابنُ عثيمين بمثال يقرِّب ذلك، وهو أن الإنسان قد يتوجه جهة الشمس وتكون قِبَل وجهه وهي عالية في مكانها، فيصح أن يقال: إن الشمس قبل وجهه وهي في مكان عالٍ، والله أجل وأعظم، وليس كمثله شيء (^١).\nهل نستفيد من الحديث جوازَ البَصْق حال الصلاة؟\nثبت النهيُ عن البصق قِبَل الوجه، وجوازه عن اليسار وتحت القدمين، كما جاء ذلك في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَلَا يَبْصُقْ أَمَامَهُ؛ فَإِنَّمَا يُنَاجِي الله مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ؛ فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ فَيَدْفِنُهَا» (^٢).\nهل يجوز هذا في المسجد؟\nالجواب: فيه تفصيل، فهذا الحديث أجاز البصاق، وهناك حديث آخر منع منه، وهو ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁ مرفوعًا:\n_________\n(^١) ينظر: مجموع الفتاوى (٥/ ١٠٧)، والقواعد المثلى ص (٩٥).\n(^٢) صحيح البخاري (١/ ٩١) رقم (٤١٦)، وصحيح مسلم (١/ ٣٨٩) رقم (٥٥٠).","vol":"1","page":155},{"text":"وَقَوْلُهُ - ﷺ -: «اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَالْأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الحبِّ وَالنَّوَى، مُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي وَمِنْ شَرِّ كُلِّ دَابَّةٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا،\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\n«البُزَاقُ فِي المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا» (^١).\nوالجمع بين الحديثين بأن يُقال: يجوز خارج المسجد، وأما في داخله فلا يجوز.\nفعلى هذا يكون الجوازُ في حديث الباب إذا كان ذلك خارج المسجد.\nأما إذا كان في المسجد ومعه جماعة؟ فيكون تحت قدمه فقط، ويدفنها بعد ذلك، ولا يبصق عن يمينه ولا عن يساره؛ كي لا يؤذي غيره.\nوهنا مسألةٌ ينبغي التنبيه عليها: وهي أَنَّ المساجد كانت في السابق مفروشةً بالرمل والتراب، وأما الآن فهي مفروشةٌ بالمفارش و(الموكيت)؛ فلا يجوز البصقُ فيها؛ سواءٌ كان ظاهرًا أم تحت الفرش، فضلًا عن أن ذلك ينافي حرمةَ المسجد، ويدعو إلى تقزُّز العامة منه.\nقوله: «اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَالْأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ...» الحديث فيه إثبات جملة من الصفات وهي:\n١ - صفة العلو، من قوله: «وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ»؛ ولأجلها ساق المُصَنِّف هذا الحديثَ.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١/ ٩١) رقم (٤١٥)، وصحيح مسلم (١/ ٣٩٠) رقم (٥٥٢).","vol":"1","page":156},{"text":"أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ؛ اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ وَأَغْنِنِي مِنَ الْفَقْرِ» رَوَاهُ مُسْلِمٍ. وَقَوْلُهُ - ﷺ - لَمَّا رَفَعَ الصَّحَابَةُ أَصْوَاتَهُمْ بِالذِّكْرِ: «أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّمَا تَدْعُونَ\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\n٢ - صفة الأولية، من قوله: «أَنْتَ الْأَوَّلُ».\n٣ - الآخِرية، من قوله: «فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ».\n٤ - الإحاطة الزمانية، من قوله: «أَنْتَ الْأَوَّلُ» وقولِه: «أَنْتَ الْآخِرُ»؛ لأن إثبات الأولية والآخرية متضمِّن للإحاطة الزمانية.\n٥ - الظاهرية، من قوله: «أَنْتَ الظَّاهِرُ».\n٦ - الباطنية، من قوله: «أَنْتَ الْبَاطِنُ».\n٧ - الإحاطة المكانية، من قوله: «أَنْتَ الظَّاهِرُ» وقولِه: «أَنْتَ الْبَاطِنُ»؛ وإثبات الظاهرية والباطنية يتضمَّنُ الإحاطة المكانية.\n٨ - الربوبية من قوله: «رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ».\n٩ - تمام القدرة من قوله: «فَالِقَ الحبِّ وَالنَّوَى، مُنْزِلَ التَّوْرَاةِ» وقوله: «اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ وَأَغْنِنِي مِنَ الْفَقْرِ».\n١٠ - كمال رحمته، من قوله: «مُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ»؛ لأن إنزال الكتب دليل على رحمته - ﷾ - بعباده.\nوقوله: «لَتمَّا رَفَعَ الصَّحَابَةُ أَصْوَاتَهُمْ بِالذِّكْرِ: أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى","vol":"1","page":157},{"text":"أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا قَرِيبًا، إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nأَنْفُسِكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا ...» الصفة المثبتة من الحديث صفةُ القُرب لله تعالى، ولأجلها ساق المُصَنِّفُ الحديثَ، والله تعالى قريب من عباده وليس بحاجة إلى أن يرفعوا أصواتهم بالدعاء؛ فإنه يعلم السر والجهر.\nوصفة القرب تستلزمُ صفتَيِ الإحاطة والعلم.\nوقوله: «ارْبَعُوا» أي: ارفُقوا بأنفسكم بخفض أصواتكم؛ فإن رفع الصوت إنما يفعله الإنسانُ إذا كان محتاجًا إلى ذلك؛ كمناداة البعيد أو ضعفِ سمع المدعو؛ ولهذا قال - ﷺ -: «فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا».\nولهذا نص أهلُ العلم أن من آداب الدعاء خفضَ الصوت؛ قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥]؛ استنبط القرطبي (^١) وغيرُه من أهل العلم من هذه الآية أن رفع الصوت بالدعاء من التعدي؛ لأنه قال في آخر الآية: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.\nما<span data-type=\"title\" id=toc-63> حكم رفع الصوت بالدعاء في قنوت التراويح</span>؟\nالمشروع في دعاء القنوت الجهرُ بالصوت بقدر إسماع المأمومين، وأما التكلفُ في الرفع، فهذا غير مشروع، بل عدَّه بعضُ أهل العلم من التعدي في الدعاء، وأما رفع الصوت بتلاوة القرآن فإن كان رياءً أو سبيلًا للرياء فهو\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (٧/ ٢٢٦).","vol":"1","page":158},{"text":"قوله - ﷺ -: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ،\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nممنوع، وإن كان فيه إيذاء للآخرين فهذا غير مشروع، وأما إذا كان القارئ وحده فله أن يرفع صوتَه بالقرآن ما شاء.\nقوله: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ ...» هذا الحديث متفق عليه من حديث جريرِ بنِ عبد الله ﵁ (^١)، وفيه الإشارة إلى إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وأنهم يتنعمون بالنظر لوجهه جل وعز، ونأخذ من ذلك ما يلي:\n١ - إثبات علو الله على خلقه؛ لأن الحديث صريح في أنهم يرونه من فوقهم.\n٢ - دل الحديث على أن النظر لوجهه تعالى من النعيم الذي أعطاه الله المؤمنين، بل هو أعظم النعيم.\nقوله: «كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ» معناه تشبيه الرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي؛ فيكون المعنى: أن رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة تكون من الظهور والوضوح كرؤية القمر في أَبْيَنِ وأظهرِ حالاته؛ وهي ليلةُ البدر.\nوقوله: «لَا تُضَامُونَ»، فيه ثلاثة أوجه من الضبط:\n١ - (لا تضامُّون) بتشديد الميم؛ من الضمِّ.\n٢ - (لا تُضامُون) بالتخفيف؛ من الضَّيْم.\n٣ - (لا تُضارُون) بالراء؛ من الضرر.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١/ ١١٥) رقم (٥٥٤)، ومسلم (١/ ٤٣٩) رقم (٦٣٣).","vol":"1","page":159},{"text":"إِلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي يُخْبِرُ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ؟ عَنْ رَبِّهِ بِمَا يُخْبِرُ بِهِ؛\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nوقوله: «فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَلَّا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلَاةٍ قَبْلَ غُرُوبِهَا؛ فَافْعَلُوا».\nما مناسبته هنا؟\nالجواب: في هذا إشارة إلى أن مَن حافظ على هاتين الصلاتين نال هذا النعيمَ في الآخرة.\nوقد جاءت أحاديثُ كثيرةٌ في فضل هاتين الصلاتين الفجرِ والعصرِ:\nمنها: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ -وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ-: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ» (^١).\nقوله: «إِلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ...»\nلمَّا ذكر المُصَنِّفُ بعض الأحاديث الواردة في باب الصفات نَبَّهَ على أن الأحاديثَ الأخرى التي لم يذكرها في الباب يُقال فيها ما يقال في الأحاديث السالفة.\nوالقاعدة: إثبات الصفات في هذه الأحاديث من غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تكييف.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٥٣٠)، ومسلم رقم (٦٣٢) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":160},{"text":"فَإِنَّ الْفِرْقَةَ النَّاجِيَةَ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالجمَاعَةِ يُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ؛ كَمَا يُؤْمِنُونَ بِمَا أَخْبَرَ اللهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ؛ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ، وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ،\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nقوله: «فَإِنَّ الْفِرْقَةَ النَّاجِيَةَ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالجمَاعَةِ» بَيَّنَ ﵀ أن الفرقة الناجية هم أهل السنة والجماعة، ثم ذكر بعض أوصافهم.\nقوله: «بَلْ هُمُ الْوَسَطُ فِي فِرَقِ الْأُمَّةِ» لا شك أن هذه الأمة هي الوسط وأهلُ السنة أعظمُ مَن يمثِّل هذا الوسطَ، ويتبين هذا من عدة أوجه:\n١ - أنهم وسط في حق الله تعالى؛ خلافًا لليهود الذين وصفوا الله بالنقائص.\n٢ - أنهم وسط في حق الأنبياء؛ خلافًا لليهود الذين قالوا: عزيرٌ ابنُ الله، وخلافًا للنصارى الذين قالوا: المسيح ابن الله، وخلافًا لمَن قتل الأنبياءَ الذين قال تعالى عنهم: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة:٦١].\nوهذه الأمة وسط، كما أن أهل السنة وسط في هذا الباب، فقالوا عن عيسى: عبد الله ورسوله، لم يُطْرُوه ويبالغوا في حقه، ولم يُجحفوا في حَقِّهِ، وهذا عين الاعتدال والوسط.\n٣ - أنهم وسط في الأحكام والعبادات؛ فالنصارى يتدينون لله بعدم الطهارة؛ فهم لا يتطهرون من الخبث؛ فيبول الواحدُ منهم على ثوبه ولا يتطهر منه بل يصلي بهذا الثوب الذي أصابته النجاسة.\nأما اليهود فعكس ذلك تمامًا؛ فإذا أصابتهم النجاسةُ ووقعت في الثوب فإنهم يَقرِضونها بالمقاريض ولا يكفيهم الغسلُ، أما هذه الأمة فهم وسط في","vol":"1","page":161},{"text":"بَلْ هُمُ الْوَسَطُ فِي فِرَقِ الْأُمَّةِ؛ كَمَا أَنَّ الْأُمَّةَ هِيَ الْوَسَطُ فِي الْأُمَمِ.\nفَهُمْ وَسَطٌ فِي بَابِ صِفَاتِ الله - ﷾ - بَيْنَ أَهْلِ التَّعْطِيلِ الجَهْمِيَّةِ، وَأَهْلِ التَّمْثِيلِ المُشَبِّهَةِ، وَهُمْ وَسَطٌ فِي بَابِ أَفْعَالِ الله بَيْنَ الجَبْرِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ.\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nهذا الباب؛ إذ يتطهرون بالماء كما أمر الله بذلك.\nقوله: «فَهُمْ وَسَطٌ فِي بَابِ صِفَاتِ الله - ﷾ - ...» إلخ.\nذكر المُصَنِّف خمسة أصول في وسطية أهل السنة:\nالأصل الأول:<span data-type=\"title\" id=toc-64> وسطية أهل السنة في باب الصفات بين أهل التعطيل وأهل التمثيل</span>، وسبق معنا أن أهل التعطيل هم الجهمية والمعتزلة، والمُصَنِّف خص الجهمية بالذكر هنا؛ لأنهم رؤوس المعطلة، وأول مَن ابتدع تلك البدعة، وغيرُهم تبعٌ لهم.\nقوله: «وَأَهْلِ التَّمْثِيلِ المُشَبِّهَةِ» أي: الذين شبَّهوا اللهَ بخلقه ولكن ما الدافع للتشبيه الذي قالوا به؟\nالجواب: يقولون: لا نعرف من الصفات إلا ما علمناه وشاهدناه حِسًّا من صفات المخلوقين، فالمقصود أن أهل السنة والجماعة وسط بين أهل التعطيل وأهل التمثيل.\nالأصل الثاني:<span data-type=\"title\" id=toc-65> أنهم وسط في أفعال الله تعالى بين الجبرية والقدرية</span>.\nالجبرية: قالوا: إن العبد مجبر على أفعاله لا اختيار له.\nوالقدرية: هم مَن نَفَوُا القدرَ، وقالوا: إن أفعال العباد متعلقة بهم لا علاقة لها بمشيئة الله تعالى، بل إن العبد عندهم له مطلق المشيئة والاختيار.","vol":"1","page":162},{"text":"فهؤلاء طائفتان مختلفتان، وأهلُ السنة والجماعة وسط بين هؤلاء وهؤلاء: أثبتوا للعبد الاختيارَ والمشيئة، لكنها متعلقة بمشيئة الله تعالى.\nوهذه العقيدة بَيَّنَهَا الله تعالى في آية واحدة؛ وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠] هذه الآية بينت الحق وأبطلت عقيدة هؤلاء، ففيها رد على الجبرية والقدرية، وفيها بيان الحق الذي عليه أهل السنة.\nوقد نظم ذلك السفَّارينيُّ فقال:\nأَفْعَالُنَا مَخْلُوقَةٌ للهِ ... لَكِنَّهَا كَسْبٌ لَنَا يَا لَاهِي\nفَكُلُّ مَا يَفْعَلُهُ العِبَادُ ... مِنْ طَاعَةٍ أَوْ ضِدِّهَا مُرَادُ\nلِرَبِّنَا مِنْ غَيْرِ مَا اضْطِرَارِ ... مِنْهُ لَنَا فَافْهَمْ ولا تُمَار\nالأصل الثالث:<span data-type=\"title\" id=toc-66> أنهم وسط في باب الوعيد بين المرجئة والوعيدية</span>.\nوالمرجئة: مِن أَرْجَأَ أي أخَّر، قال تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ﴾ [الأعراف:١١١] وفي قراءة: ﴿أَرْجِئْه﴾ أي: أَخِّرْهُ؛ وسُموا بهذا الاسم لأحد سببين:\nأ- أنهم أخروا الأعمالَ عن مُسمَّى الإيمان، أي أنهم يقولون: إذا وجد الإيمان في القلب فهو كافٍ ولا تأثير للأعمال في زيادة الإيمان.\nب- أنهم سُموا بذلك لتغليبهم أدلة الرجاء على أدلة الوعيد، وأدلةُ الرجاء مثل قوله - ﵁ -: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ دَخَلَ الجنَّةَ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤/ ١١٣) رقم (٣٢٢٢)، وابن حبان (١/ ٣٩٢) رقم (١٦٩)، واللفظ له.","vol":"1","page":163},{"text":"وَفِي بَابِ وَعِيدِ الله بَيْنَ المُرْجِئَةِ وَالْوَعِيدِيَّةِ مِنَ الْقَدَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ،\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nوقولِه: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ دَخَلَ الجنَّةَ» (^١).\nوعلى نقيضهم الوعيديةُ، وهم طائفتان:\n١ - المعتزلة.\n٢ - الخوارج.\nوالمُصَنِّف ﵀ يقول: «مِنَ الْقَدَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ»، وهذا يشمل:\n١ - الخوارج؛ وهم من الوعيدية والقدرية.\n٢ - والمعتزلة؛ وهم قدرية أيضًا.\nوما الفرق بينهما:\nالمعتزلة يقولون: إن صاحب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين، وفي الآخرة خالد مخلد في النار، والخوارج يقولون: صاحب الكبائر في الدنيا كافر وفي الآخرة خالد مخلد في النار.\nفهم اختلفوا في حكم مرتكب الكبيرة في الدنيا.\nوأهل السنة وسط في هذا الباب بين المرجئة والوعيدية، فيقولون: مرتكب الكبيرة مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فهو مؤمن ناقص الإيمان.\nالأصل الرابع:<span data-type=\"title\" id=toc-67> أنهم وسط في باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية -أي (الخوارج) - والمعتزلةِ، وبين المرجئة والجهميةِ </span>في الطرف الآخر.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١/ ٥٥) رقم (٢٦).","vol":"1","page":164},{"text":"وَفِي بَابِ أَسْمَاءِ الْإِيمَانِ وَالدِّينِ بَيْنَ الحَرُورِيَّةِ وَالمعْتَزِلَةِ، وَبَيْنَ المُرْجِئَةِ وَالجَهْمِيَّةِ، وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ الله - ﷺ - بَيْنَ الرَّافِضَةِ وَالخوَارِجِ.\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nما المراد بأسماء الإيمان والدين؟\nالجواب: المراد الأسماء التي جاءت في النصوص؛ كاسم (المؤمن)، و(المسلم)، و(الكافر)، و(الفاسق).\nفأهل السنة توسَّطوا في هذا الباب.\nفمذهب الحرورية تكفيرُ صاحب الكبيرة؛ يعني أطلقوا عليه لفظ الكفر، وأما المُرجئةُ فقد جعلوه مؤمنًا كاملَ الإيمان.\nوأهل السنة توسطوا في هذا الباب، وقالوا: مرتكب الكبيرة مؤمن لكنه ناقص الإيمان؛ نقص من إيمانه بقدر ما ارتكب من المعصية، فلا ينفون عنه الإيمانَ كما فعلت الخوارج، ولا يقولون إنه كامل الإيمان كما فعلت المرجئة.\nالأصل الخامس: أنهم وسط في أصحاب رسول الله بين الرافضة والخوارج.\nفالرافضة غَلَوا في (عَليٍّ) وأوصلوه إلى الألوهية، والخوارج كفَّروه وكفروا الصحابة ﵃.\nوالمقصود أن أهل السنة وسط بين الرافضة والخوارج؛ لأنهم حفظوا لأصحاب الرسول حقَّهم ولم ينفوا تزكية الله لهم في كتابه.","vol":"1","page":165},{"text":"وَقَدْ دَخَلَ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْإِيمَانِ بِالله: الْإِيمَانُ بِمَا أَخْبَرَ اللهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ، وَتَوَاتَرَ عَنْ رَسُولِهِ، وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ؛ مِنْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ، عَلَى عَرْشِهِ، عَلِيٌّ عَلَى خَلْقِهِ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا، يَعْلَمُ مَا هُمْ عَامِلُونَ؛ كَمَا جَمَعَ بَيْنَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤].\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nقوله: «وَقَدْ دَخَلَ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْإِيمَانِ بِالله ...» الخ، هذا الفصلُ والفصولُ التي بعده أكثرُه مرَّ معنا في «شرح الحائية»، فلا داعي للتكرار.\nوهناك مسائلُ مهمة في إثبات العلو وإثبات المعية، ولكن قبل الدخول فيها أسأل: لماذا نصَّ المصَنِّف على هاتين الصفتين في هذا الفصل مع أنهما قد مرَّا معنا؟\nالجواب: لأنه قد يظن ظان أن إثبات صفة العلو يعني عدمَ إثبات صفة المعية، فأراد المُصَنِّف أن يبيِّن أنه لا تنافيَ بينهما؛ فالله موصوف بالعلو وهو فوق عرشه، وموصوف بالمعية مع علوه سبحانه، واستدل المصَنِّف بدليل عقلي؛ وهو أن القمر يسير مع المسافر وهو عالٍ في مكانه، ومع ذلك يقول: هو معنا، والله أعلى وأجل.\nقوله: «وَهُوَ سُبْحَانَهُ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا ...» لمَّا أثبت المصَنِّف ﵀ صفة المعية خشِي أن يتوهم متوهمٌ أنها تقتضي الممازجةَ، فنفى المُصَنِّف هذا وأثبت أنها معية حقيقية لا تقتضي الممازجة، وأنه يجب أن تُنفى عنه (الظنونُ","vol":"1","page":166},{"text":"وَلَيْسَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ أَنَّهُ مُخْتَلِطٌ بِالخَلْقِ؛ فَإِنَّ هَذَا لَا تُوجِبُهُ اللُّغَةُ، وَهُوَ خِلَافُ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ، وَخِلَافُ مَا فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْخَلْقَ.\nبَلِ الْقَمَرُ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مِنْ أَصْغَرِ مَخْلُوقَاتِهِ، وَهُوَ مَوْضُوعٌ فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ مَعَ المسَافِرِ وَغَيْرِ المسَافِرِ أَيْنَمَا كَانَ.\nوَهُوَ سُبْحَانَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ، رَقِيبٌ عَلَى خَلْقِهِ، مُهَيْمِنٌ عَلَيْهِمْ، مُطَّلِعٌ عَلَيْهِمْ؛ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَعَانِي رُبُوبِيَّتِهِ.\nوَكُلُّ هَذَا الْكَلَامِ الَّذِي ذَكَرَهُ الله -مِنْ أَنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَأَنَّهُ مَعَنَا- حَقٌّ عَلَى حَقِيقَتِهِ، لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَحْرِيفٍ، وَلَكِنْ يُصَانُ عَنِ الظُّنُونِ الْكَاذِبَةِ؛ مِثْلِ أَنْ يُظَنَّ أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ: (فِي السَّمَاءِ)؛ أَنَّ السَّمَاءَ تُظِلُّهُ أَوْ تُقِلُّهُ، وَهَذَا بَاطِلٌ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وَهُوَ ﴿يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر:٤١]، ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج:٦٥]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم:٢٥].\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nالكاذبة)؛ كظنِّ أن السماء تُظله أو تُقله؛ تعالى الله عن هذا الظن علوًّا كبيرًا، فهو ليس بحاجة إلى شيء من ذلك؛ فهو الغني، والخلق كلهم فقراءُ إليه.\nقوله: «وَقَدْ دَخَلَ فِي ذَلِكَ الْإِيمَانُ بِأَنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ ...» إلخ؛ أي يدخل في الإيمانِ بالله الإيمانُ بأنه قريب مجيب، كما قد جمع الله بين ذلك في آية البقرة، وفي السنة أحاديثُ كثيرة في هذا الباب، وإنما ذكر ذلك المُصَنِّف ﵀ لدفع توهم معارضتها للعلو، وبيَّن أن إثبات صفة القرب لا ينافي صفةَ","vol":"1","page":167},{"text":"وَقَدْ دَخَلَ فِي ذَلِكَ: الْإِيمَانُ بِأَنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ؛ كَمَا جَمَعَ بَيْنَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ ... الْآيَةَ [البقرة:١٨٦]، وَقَوْلِهِ - ﷺ -: «إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ»، وَمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ قُرْبِهِ وَمَعِيَّتِهِ لَا يُنَافِي مَا ذُكِرَ مِنْ عُلُوِّهِ وَفَوْقِيَّتِهِ؛ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فِي جَمِيعِ نُعُوتِهِ، وَهُوَ عَلِيٌّ فِي دُنُوِّهِ، قَرِيبٌ فِي عُلُوِّهِ.\nوَمِنَ الْإِيمَانِ بِالله وَكُتُبِهِ: الْإِيمَانُ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ الله، مُنَزَّلٌ، غَيْرُ مَخْلُوقٍ، مِنْهُ بَدَأَ، وَإِلَيْهِ يَعُودُ، وَأَنَّ اللَّهَ تَكَلَّمَ بِهِ حَقِيقَةً، وَأَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى مُحَمَّدٍ - ﷺ - هُوَ كلَامُ اللَّهِ حَقِيقَةً، لَا كلَامُ غَيْرِهِ.\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nالعلو، والعكس كذلك، فكلاهما مُثْبَتان لله تعالى.\nما الدليل على عدم التعارض بينهما؟\nالجواب: الدليل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] فعدم التعارض لأنه ليس كمثله شيء.\nقوله: «وَمِنَ الْإِيمَانِ بِالله وَكُتُبِهِ الْإِيمَانُ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ الله ...» تكلم المُصَنِّف هنا عن القرآن، وذكر أنه موصوف بثلاثة أمور مهمة:\n١ - أنه كلام الله، وهو منزل غير مخلوق.\n٢ - أنه منه بدأ وإليه يعود.\n٣ - أن الله تكلم به حقيقة.\nقال شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى»: «ومذهبُ سلف الأمة وأئمتِها","vol":"1","page":168},{"text":"وَلَا يَجُوزُ إِطْلَاقُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ حِكَايَةٌ عَنْ كَلَامِ الله، أَوْ عِبَارَةٌ، بَلْ إِذَا قَرَأَهُ النَّاسُ أَوْ كَتَبُوهُ فِي المَصَاحِفِ؛ لَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى حَقِيقَةً، فَإِنَّ الْكَلَامَ إِنَّمَا يُضَافُ حَقِيقَةً إِلَى مَنْ قَالَهُ مُبْتَدِئًا، لَا إِلَى مَنْ قَالَهُ مُبَلِّغًا مُؤَدِّيًا.\nوَهُوَ كَلَامُ الله؛ حُرُوفُهُ، وَمَعانِيهِ، لَيْسَ كَلَامُ الله الحُرُوفَ دُونَ المَعَانِي، وَلَا المَعَانِي دُونَ الحرُوفِ.\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nمن الصحابة - ﵃ - والتابعين لهم بإحسان، وهو ما دل عليه الكتابُ والسنة؛ أن القرآن كلامُ الله منزَّلٌ غيرُ مخلوق» (^١).\nلماذا أعاد المُصَنِّف هذه المسألةَ؟\nإنما نصَّ على هذا الكلام ليدفع توهُّمين:\nالتوهم الأول: اعتقاد أن الكلام المكتوب في المصحف ليس كلامَ الله، وأن كلامه فقط هو المنطوق، والحق أن كلام الله هو المكتوب والمنطوق.\nالتوهم الثاني: أن الكلام كلام جبريل أو كلام النبي - ﷺ -، والحق أنه كلام الله تعالى، وجبريل والنبي - ﷺ - كان لهما التبليغ، ولهذا قال المُصَنِّف: «فَإِنَّ الْكَلَامَ إِنَّمَا يُضَافُ حَقِيقَةً إِلَى مَنْ قَالَهُ مُبْتَدِئًا، لَا إِلَى مَنْ قَالَهُ مُبَلِّغًا مُؤَدِّيًا» فأراد المُصَنِّف أن يدفع هذا التوهمَ الوارد، وبين أنه لا يجوز أن يقال: القرآن عبارةٌ عن كلام الله كما قالت الأشعرية، ولا أن يقال: إنه حكايةٌ عن كلام الله كما قالت الكُلَّابية.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٧).","vol":"1","page":169},{"text":"وَقَدْ دَخَلَ أَيْضًا فِيمَا ذَكَرْنَاهُ؛ مِنَ الْإِيمَانِ بِهِ، وَبِكُتُبهِ، وَبِمَلَائِكَتِهِ، وَبِرُسُلِهِ: الْإِيمَانُ بِأَنَّ المُؤْمِنِينَ يَرَوْنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِيَانًا بِأَبْصَارِهِمْ كَمَا يَرَوْنَ الشَّمْسَ صَحْوًا لَيْسَ بِهَا سَحَابٌ، وَكَمَا يَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَا يُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ.\nيَرَوْنَهُ سُبْحَانَهُ وَهُمْ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَرَوْنَهُ بَعْدَ دُخُولِ الجنَّةِ؛ كَمَا يَشَاءُ الله تَعَالَى.\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nوهؤلاء جميعًا اتفقوا على أن القرآن الذي في المصحف ليس كلامَ الله، والحق أنه كلام الله؛ سواءٌ كتب في المصحف أو قرأه الناس.\nقال ابن القيم ﵀:\nوَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ أَفْعَالٌ لَنَا ... وَكَذَا الْكِتَابَةُ فَهْيَ خَطُّ بَنَان\nلَكِنَّما المَتْلُوُّ وَالمَكْتُوبُ والْـ ... مَحْفُوظُ قَوْلُ الوَاحِدِ الرَّحْمَن\nقوله: «وَقَدْ دَخَلَ أَيْضًا فِيمَا ذَكَرْنَاهُ؛ مِنَ الْإِيمَانِ بِهِ، وَبِكُتُبِهِ، وَبِمَلَائِكَتِهِ ...».\nأشار المُصَنِّف ﵀ في هذا الفصل إلى مسألة الرؤية.\nلماذا أعاد المُصَنِّف هذا الفصلَ مرة أخرى؟\nالجواب: أراد المُصَنِّف ﵀ أن يبين هنا أن مسألة رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة على نوعين:\n١) رؤية في عرصات القيامة، وفي موقف الحساب.\n٢) رؤية المؤمنين ربَّهم يوم القيامة بعد دخول الجنة، وهي رؤية لذة ونعيم، بل هي أعظم النعيم.","vol":"1","page":170},{"text":"أما الكفار فلا يرون ربهم مطلقًا، وقال بعض أهل العلم: إنهم يرونه لكن رؤية غضب، لكن عموم قول الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] يدل على أنهم لا يرونه مطلقًا، والله أعلم بالصواب.\nوقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ثلاثة أقوال في رؤية الكفار لربهم، فقال: «والأقوال الثلاثة في رؤية الكفار:\nأحدها: أن الكفار لا يرون ربهم بحال؛ لا المُظهر للكفر ولا المُسِر له، وهذا قول أكثر العلماء المتأخرين، وعليه يدل عمومُ كلام المتقدمين، وعليه جمهور أصحاب الإمام أحمد وغيرهم.\nالثاني: أنه يراه مَن أظهر التوحيد من مؤمني هذه الأمة ومنافقيها وغُبَّرات من أهل الكتاب، وذلك في عرصة القيامة، ثم يحتجب عن المنافقين فلا يرونه بعد ذلك، وهذا قول أبي بكر بن خزيمة من أئمة أهل السنة، وقد ذكر القاضي أبو يَعْلَى نحوه في حديث إتيانه - ﷾ - لهم في الموقف، في الحديث المشهور.\nالثالث: أن الكفار يرونه رؤية تعريف وتعذيب - كاللص إذا رأى السلطان - ثم يحتجب عنهم ليعظُم عذابُهم ويشتد عقابهم، وهذا قول أبي الحسن بن سالم وأصحابِه وقول غيرهم؛ وهم في الأصول مُنتسِبون إلى الإمام أحمد بن حنبل، وإلى سهل بن عبد الله التستري» (^١).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٦/ ٤٨٧ - ٤٨٨).","vol":"1","page":171},{"text":"وَمِنَ الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ: الْإِيمَانُ بِكُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ - مِمَّا يَكُونُ بَعْدَ المَوْتِ.\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nقوله: «وَمِنَ الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ الْإِيمَانُ بِكُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ - ...».\nلا يخفى أن الإنسان يمر بخمسِ مراحلَ:\n١ - مرحلة العدم.\n٢ - الحَمْل.\n٣ - الدنيا.\n٤ - البرزخ.\n٥ - الآخرة، وسميت الآخرةَ لأنها آخرُ المراحل لا يوم بعد هذا اليوم.\nأشار المُصَنِّف ﵀ في أول هذا الفصل إلى ضابط جامع في الإيمان باليوم الآخر، وهو الإيمان بكل ما أخبر به النبي - ﷺ - بعد الموت، ولا شك أن هذا هو الركن الخامس من أركان الإيمان، وهذه القاعدة يدخل تحتها أشياءُ كثيرة؛ من الإيمان بفتنة القبر وعذابه ونعيمِه والحشرِ والنشر والبعثِ والصحف والإيمان بالميزان والحساب والجزاء والصراط والحوض والشفاعة والجنة والنار وما أعد الله لأهلهما، فكل هذا داخلٌ تحت هذه القاعدة؛ فهي عبارة جامعة، ولو فصَّل المُصَنِّف فيها لطال المقام، ولكنه أتى بقاعدة عامة يدخل تحتها مسائل كثيرة مما يكون في الآخرة.","vol":"1","page":172},{"text":"فَيُؤْمِنُونَ بِفِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَبِعَذَابِ الْقَبْرِ وَنَعِيمِهِ، فَأَمَّا الْفِتْنَةُ؛ فَإِنَّ النَّاسَ يُمْتَحَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ، فَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: مَنْ رَبُّكَ؟ وَمَا دِينُكَ؟ وَمَنْ نَبِيُّكَ؟ فَيُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ، فَيَقُولُ المُؤْمِنُ: رَبِّيَ اللهُ، وَالْإِسْلَامُ دِينِي، وَمُحَمَّدٌ - ﷺ - نَبِيِّي، وَأَمَّا المُرْتَابُ؛ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ؛ لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ، فَيُضْرَبُ بِمِرْزَبَةٍ مِنْ حَدِيدٍ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الْإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهَا الْإِنْسَانُ لَصَعِقَ.\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nقوله: «فَيُؤْمِنُونَ بِفِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَبِعَذَابِ الْقَبْرِ وَنَعِيمِهِ» وهذا مما يعتقده أهلُ السنة وسلفُ الأمة، قال شيخ الإسلام: «مذهب سلف الأمة وأئمتِها أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب» (^١).\nقوله: «فَيُضْرَبُ بِمِرْزَبَةٍ مِنْ حَدِيدٍ» ما ذكره المُصَنِّف جاء من حديث البراء ابن عازب - ﵁ - في «سنن أبي داود» و«أحمد» (^٢)، وقد صحَّحه ابن القيم في «الرُّوح» (^٣).\nو(المرزبة): المطرقة، ويقال: مرزبة وإرزبة، والمعنى واحد.\nوسبق في شرح «لامية ابن تيمية» ﵀ الكلام عن<span data-type=\"title\" id=toc-69> فتنة القبر وعذاب القبر </span>وكل هذا الذي أخبر به النبي - ﷺ - واقع، وقد أخبر به الله تعالى في قوله: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾ [المرسلات:٧].\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٨٤).\n(^٢) سنن أبي داود (٤/ ٢٣٩) رقم (٤٧٥٣) والمسند (٣٠/ ٥٧٦) رقم (١٨٦١٤).\n(^٣) ص (٤٨).","vol":"1","page":173},{"text":"ثُمَّ بَعْدَ هَذِهِ الْفِتْنَةُ إِمَّا نَعِيمٌ وَإِمَّا عَذَابٌ،\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nقوله: «ثُمَّ بَعْدَ هَذِهِ الْفِتْنَةُ إِمَّا نَعِيمٌ وَإِمَّا عَذَابٌ» هنا إشكال: إذا مات الكافر وكان في بطن سبُع أو احترق؛ كيف يقعُ عليه عذابُ القبر؟\nقال ابن القيم ﵀: «ومما ينبغي أن يُعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزخ؛ فكل مَن مات وهو مستحِق للعذاب ناله نصيبُه منه؛ قُبِر أو لم يُقبر، فلو أكلته السباعُ أو أحرق حتى صار رمادًا ونُسف في الهواء أو صُلب أو غرِق في البحر؛ وصَل إلى رُوحه من العذاب ما يصلُ إلى المقبورين» (^١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «إن النعيم والعذاب الذي في القبر يقع على الروح والجسد» (^٢).\nما<span data-type=\"title\" id=toc-70> الحكمة من إخفاء عذاب القبر بالنسبة للجن والإنس</span>؟\nهناك عدة حِكَم:\n١ - بقاء سنة التدافُن؛ كما قال - ﷺ -: «إِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَلَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِى أَسْمَعُ مِنْهُ». رواه مسلمٌ من حديث زيدِ بنِ ثابت - ﵁ - (^٣).\n_________\n(^١) الروح ص (٥٨).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٨٢، ٢٨٩).\n(^٣) صحيح مسلم (٤/ ٢١٩٩) رقم (٢٨٦٧).","vol":"1","page":174},{"text":"إِلَى أَنْ تَقُومَ الْقِيَامَةُ الْكُبْرَى، فَتُعَادُ الْأَرْوَاحُ إِلَى الْأَجْسَادِ.\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\n٢ - أن ما يجري في البرزخ هو مِن علم الغيب، وحكمةُ الله اقتضت اختبارَ الناس: هل يؤمنون بالغيب الذي أخبر الله به ورسولُه أوْ لا؟\n٣ - لو سمع الناس هذه الأصواتَ لفسدت عليهم حياتُهم، وقد ذكر ابن تيمية وابن القيم أن بعض الناس إذا عرفوا أن في الخيل وسائر الحيوانات داءَ البطن (^١) ذهبوا بها إلى مقابر المشركين، فتُلقي ما في بطنها، والله أعلم؛ إنه لشدة ما تسمع من صياح بعض أهل القبور، فقد أخفيت لمصالحَ كثيرةٍ.\nقوله: «إِلَى أَنْ تَقُومَ الْقِيَامَةُ» أشار بذلك إلى أنه هناك نوعًا آخرَ من القيامة، وهي القيامة الصغرى، وهي الخاصة بكل إنسان من خروج روحه وانقطاع عمله، والدليل على ذلك ما ثبت في الصحيحين أن قومًا من الأعراب سألوا النبيَّ - ﷺ - عن الساعة، فنظر إلى أحدث إنسان منهم وقال: «إِنْ يَعِشْ هَذَا، لَا يُدْرِكْهُ الهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ» (^٢)؛ أي التي هي القيامة الخاصة بكل إنسان.\nأما القيامة الكبرى: فهي شاملة لكل أحد، وحينها تُعاد الأرواح إلى الأجساد فتعود كل روح إلى جسدها التي كانت فيه في الدنيا، والله يقول: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس:٥١]\n_________\n(^١) يسمى (بالإسهال).\n(^٢) صحيح البخاري (٨/ ١٠٧) رقم (٦٥١١) وصحيح مسلم (٤/ ٢٢٦٩) رقم (٢٩٥٢) من حديث عائشة - ﵂ -.","vol":"1","page":175},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨].\nوقوله: «الْكُبْرَى» هذا احتراز عن القيامة الصغرى، وما ذكره المُصَنِّف هنا مختص بالقيامة الكبرى؛ حيث يأذن الله بانقضاء هذه الدنيا حين يأمر إسرافيلَ بنفخ الروح، فيَصعَق من في السموات والأرض إلا من شاء الله.\nوتصبح الأرض صعيدًا جرزًا، وتصبح الجبال كثيبًا مهيلًا، ويتغير كل ما في العالم، كما أخبر الله في كتابه في سورتي التكوير والانفطار، والحكمة من ذلك: أن هذا التغيير هو بدء للحياة الجديدة حياةِ الآخرة، والله على كل شيء قدير.\nثم يأمر الله إسرافيل أن ينفخ النفخة الثانية، ثم يقوم الناس من القبور وتنبت الأجساد من عَجْب الذنَب (كما مرَّ معنا سابقًا) فإنه يُعاد الخلقُ منه، وحين يقومون من قبورهم يتكلم المنافقون: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس:٥٢]، أما المؤمنون فيقولون: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:٥٢]، ثم يُحشر الناس عُراةً غُرْلًا غير مختونين، حفاةً غير مُنتعِلين، وتدنو الشمس من الخلائق ويُلجِمُهم العرق حسَب أعمالهم، ومن شدة الكرب يستشفع الناس بالأنبياء، فلا يشفع لهم إلا نبيُّنا محمد - ﷺ -، وتوضع الموازين، وتُنشر الدواوين وهي التي فيها صحائف الأعمال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ","vol":"1","page":176},{"text":"وَتَقُومُ الْقِيَامَةُ الَّتِي أَخْبَرَ اللهُ بِهَا فِي كِتَابِهِ، وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ - ﷺ -، وَأَجْمَعَ عَلَيْهَا المُسْلِمُونَ. فَيَقُومُ النَّاسُ مِنْ قُبُورِهِمْ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، وَتَدْنُو مِنْهُمُ الشَّمْسُ، وَيُلْجِمُهُمُ الْعَرَقُ.\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nفَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٩].\nقوله: «فَيَقُومُ النَّاسُ مِنْ قُبُورِهِمْ»؛ تُعاد الأرواح إلى الأجساد ويُجمع شتاتُ الأبدان، يجمع ما تمزق وتفرق، ويُعاد خلقًا جديدًا: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق:٢ - ٤].\nفالأجزاء المتفرقة والأوصال المتمزقة والعظام النخرة؛ يجمعُها ربُّك ويُنشِئُها نشأةً أخرى، ويعيد الأرواح نفسَها إلى تلك الأبدان التي ينشئها الله إنشاءً جديدًا، فتتشقق عن الناس قبورهم، ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق:٤٤].\nوتتشقق الأرض كما تتشقق عن النبات، يدفن البذر في الأرض فتنمو هذه البذور، فتنشق عنها الأرض، فتخضر وتخرج الأشجار والثمار، والله شبَّه إحياء الأموات وإخراجَهم من قبورهم بإحياء الأرض بعد موتها:","vol":"1","page":177},{"text":"فَتُنْصَبُ المَوَازِينُ، فَتُوزَنُ بِهَا أَعْمَالُ الْعِبَادِ، ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:٨]، ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٣]. وَتُ<span data-type=\"title\" id=toc-73>نْشَرُ الدَّوَاوِينُ، وَهِيَ صَحَائِفُ الْأَعْمَالِ</span>، <hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\n﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحج:٦].\nوفي الآية الأخرى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فُصِّلَت:٣٩]، وهذا المعنى في القرآن كثير (^١).\nوقوله: «فَتُنْصَبُ المَوَازِينُ، فَتُوزَنُ بِهَا أَعْمَالُ الْعِبَادِ» قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧].\nوالآيات في هذا المعنى كثيرة، وكذا نصوص السنة الدالة على وزن الأعمال.\nوكذلك نشر الدواوين، وهي: صحائف الأعمال، والآيات في هذا كثيرة ذكر المُصَنِّف منها: قولَه تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ [الإسراء:١٤]، أي: ألزمناه عمله،\n_________\n(^١) توضيح مقاصد العقيدة الواسطية ص (١٧٣).","vol":"1","page":178},{"text":"فَآخِذٌ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، وَآخِذٌ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ، أَوْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ؛ كَمَا قَالَ - ﷾ -: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٣،١٤]. وَيُحَاسِبُ اللهُ الخَلَائِقَ،\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nونصيبه في عنقه ملازم له.\n﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا﴾ كتابًا حقيقيًّا، اللهُ أعلم بكيفيته.\n﴿يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ أي: مفتوحًا؛ كما قال: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [التكوير:١٠].\nكتاب قد أُحصي على الإنسان فيه كلُّ صغير وكبير.\n﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف:٤٩]. ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر:٥٣] (^١).\nوقوله: «وَيُحَاسِبُ اللهُ الخلَائِقَ» والحكمة من هذه المحاسبة إيقاف البشر على أعمالهم وتقريرُهم على معاصيهم؛ قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:١٠٨].\nقال شيخ الإسلام ﵀: «وبيان هذا أن الله سبحانه يحاسب الخلق في ساعة واحدة، لا يَشغَلُه حساب هذا عن حساب هذا، وأدلة هذا كثيرة في الكتاب\n_________\n(^١) توضيح مقاصد العقيدة الواسطية ص (١٧٤،١٧٥).","vol":"1","page":179},{"text":"وَيَخْلُو بِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ؛ كَمَا وُصِفَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.\nوَأَمَّا الْكُفَّارُ؛ فَلَا يُحَاسَبُونَ مُحَاسَبَةَ مَنْ تُوزَنُ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ؛ فَإِنَّهُ لَا حَسَنَاتِ لَهُمْ، وَلَكِنْ تُعَدُّ أَعْمَالُهُمْ، فَتُحْصَى، فَيُوقَفُونَ عَلَيْهَا وَيُقَرَّرُونَ بِهَا.\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nوالسنة» (^١).\nوقوله: «وَيَخْلُو بِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ».\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>الحساب يوم القيامة على نوعين:</span>\n١ - حساب المؤمن، وإليه يشير المؤلف بقوله: «وَيَخْلُو بِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ»؛ لحديث ابنِ عمرَ - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قال: «يُدْنَى المُؤْمِنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رَبِّهِ - ﷿ - حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُ؟ فَيَقُولُ أَيْ رَبِّ أَعْرِفُ. قَالَ: فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَإِنِّي أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، فَيُعْطَى صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ» (^٢)، فهذا هو النوع الأول من الحساب، ويتمثل في أمرين:\n- خلو الله بعبده المؤمن.\n- أن الله يقرر عبده المؤمن بذنوبه كي يعلم أن دخوله الجنة برحمة الله وعفوه.\n٢ - حساب الكفار، وقد بينه المُصَنِّف ﵀ في قوله: «وَأَمَّا الْكُفَّارُ؛ فَلَا يُحَاسَبُونَ مُحَاسَبَةَ مَنْ تُوزَنُ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ؛ فَإِنَّهُ لَا حَسَنَاتِ لَهُمْ» والعلة في\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (٤/ ١٢٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦/ ٧٤) رقم (٤٦٨٥)، ومسلم (٤/ ٢١٢٠) رقم (٢٧٦٨).","vol":"1","page":180},{"text":"وَفِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ: الحَوْضُ المَوْرُودُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، آنِيَتُهُ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ، طُولُهُ شَهْرٌ، وَعَرْضُهُ شَهْرٌ، مَنْ يَشْرَبُ مِنْهُ شَرْبَةً لَا يَظْمَأُ بَعْدَهَا أَبَدًا.\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nذلك عدم وجود حسنات حتى توزن، وإنما الذي توزن حسناته وسيئاته مَنْ كانت له حسنات، أما هؤلاء فلا حسنات عندهم، وليس المراد أن الكفار لا توزن أعمالهم مطلقًا؛ لأن القرآن أثبت أن الكفار توزن أعمالهم كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢ - ١٠٤].\nونظائر ذلك في القرآن كثير، وإنما أراد المُصَنِّف ﵀ أن حسابهم ليس كحساب المؤمنين الذين لهم حسنات وسيئات تحتاج إلى ميزان قد ترجح فيه الحسنات فينجو، وقد ترجح السيئات فيستوجب العذاب.\nوقوله: «وَفِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ الحَوْضُ الموْرُودُ» (العَرَصات): جمع: عَرْصة، وهي في اللغة: المكان الكبير المتسع، والمراد به هنا: موقف القيامة، وفيه أمور كثيرة ثبتت بالنصوص ويجب الإيمان بها وَفْق ما جاءت به النصوصُ، ومن ذلك حوض النبي ﷺ.\nوقد وصفه المُصَنِّف بأنه مورود، فمَنِ الذي يَرِدُهُ؟\nالجواب: يَرِدُهُ أتباعُ النبي ﷺ، وأما مَن كان مِن أمَّته وبَدَّل وغيَّر؛ فإنه كما","vol":"1","page":181},{"text":"وَالصِّرَاطُ مَنْصُوبٌ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ، وَهُوَ الْجِسْرُ الَّذِي بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، يَمُرُّ النَّاسُ عَلَيْهِ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالْبَرْقِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالرِّيحِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالْفَرَسِ الجَوَادِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَرِكَابِ الْإِبِلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْدُو عَدْوًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي مَشْيًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَزْحَفُ زَحْفًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُخْطَفُ خَطْفًا وَيُلْقَى فِي جَهَنَّمَ؛ فَإِنَّ الْجِسْرَ عَلَيْهِ كَلَالِيبُ تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ،\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nأخبر النبي ﷺ يُذادُ عنه كما يُذاد البعيرُ الضال (^١).\nو<span data-type=\"title\" id=toc-75>هل الحوض موجود الآن، أو لا يوجد إِلَّا يوم القيامة</span>؟\nالجواب: الحوض موجود الآن، والدليل حديث عقبة بن عامر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إِنِّي وَالله لَأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الْآنَ» (^٢)، ودلالة الحديث على وجود الحوض الآن من وجهين هما:\n١ - من قوله: «لَأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي».\n٢ - ومن قوله: «الْآنَ».\nقوله: «وَالصِّرَاطُ مَنْصُوبٌ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ» فيه إثبات الصراط في الآخرة،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣/ ١١٢) رقم (٢٣٦٧)، ومسلم (١/ ٢١٨) رقم (٢٤٩) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٢) أخرجه البخاري (٨/ ٩٠) رقم (٦٤٢٦)، ومسلم (٤/ ١٧٩٥) رقم (٢٢٩٦) من حديث أبي هريرة.","vol":"1","page":182},{"text":"فَمَنْ مَرَّ عَلَى الصِّرَاطِ؛ دَخَلَ الجنَّةَ. فَإِذَا عَبَرُوا عَلَيْهِ؛ وَقَفُوا عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقْتَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، فَإِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا؛ أُذِنَ لهمْ فِي دُخُولِ الجنَّةِ.\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nوأنه الجسر الممدود على متن جهنم، وهو بين الجنة والنار، وهو حق لا مِرْيَةَ فيه، ومَن استقام على الصراط في الدنيا، استقام عليه في الآخرة، أما مَن خالف صراط الله في الدنيا فإنه لا يستقيم عليه في الآخرة، وقد أفادت النصوصُ أن المرور على الصراط بحسَب الأعمال، فمَن عمِل صالحًا في الدنيا، فإنه ينجو بإذن الله في الآخرة، ويمُرُّ على الصراط بقدر هذا العمل الذي عمِلَه، فمِن هؤلاء من يمر كلمح البصر، ومنهم كالبرق، ومنهم كركاب الخيل، وهكذا؛ فالمقصود أنه بقدر الأعمال التي عملها الإنسان في الدنيا يكون مرورُه على الصراط فيتفاوت المرور بتفاوت الأعمال.\nقوله: «فَإِذَا عَبَرُوا عَلَيْهِ؛ وَقَفُوا عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجنَّةِ وَالنَّارِ» القنطرة: هي جسر صغير بعد الصراط.\nقوله: «فَإِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا؛ أُذِنَ لهمْ فِي دُخُولِ الجنَّةِ» هذه هي الحكمة من الوقوف على القنطرة؛ وهي التهذيب والتنقية، وذلك بعد ما يَقتصُّ الناسُ بعضُهم من بعض، وبعد هذه التنقية يذهب ما في قلوب المؤمنين من غل وحسد وبغضاء.\nوهل يوجد في قلوب المؤمنين غِلٌّ؟\nالجواب: نعم، والدليل قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧].","vol":"1","page":183},{"text":"وَأَوَّلُ مَنْ يَسْتَفْتِحُ بَابَ الجنَّةِ مُحَمَّدٌ - ﷺ -، وَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنَ الْأُمَمِ أُمَّتُهُ،\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nوالفرق بين المؤمن وغيرِه هو:\n١ - أن الغل والحسد لا يملأ قلبَه.\n٢ - أنه لا يستقر في قلبه الغل، بل يعالجه ويزكي قلبه بالإيمان والقرآن ومجاهدة النفس.\nأما غير المؤمن فيتمكن منه الغل، فيسيطر على قلبه، فيضل والعياذ بالله، لذلك جاء في «الصحيح» قوله ﷺ: «حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا أُذِنَ لهمْ بِدُخُولِ الجنَّةِ» (^١).\nقوله: «وَأَوَّلُ مَنْ يَسْتَفْتِحُ بَابَ الجنَّةِ مُحَمَّدٌ - ﷺ -»؛ لقوله - ﷺ -: «أَنَا أَوَّلُ شَفِيعٍ فِي الجنَّةِ، لَمْ يُصَدَّقْ نَبِيٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ مَا صُدِّقْتُ» (^٢)، وفي رواية: «وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الجنَّةِ» (^٣)، وفي لفظ عند «مسلم»: «آتِي بَابَ الجنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَسْتَفْتِحُ، فَيَقُولُ الخازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ. فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لأَحَدٍ قَبْلَكَ» (^٤).\nقوله: «وَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الجنَّةَ مِنَ الْأُمَمِ أُمَّتُهُ» كما في قوله - ﷺ - من حديث\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٣/ ١٢٨) رقم (٢٤٤٠) من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -.\n(^٢) أخرجه مسلم (١/ ١٨٨) رقم (١٩٦) من حديث أنس بن مالك - ﵁ -.\n(^٣) أخرجه مسلم (١/ ١٨٨) رقم (١٩٦) (٣٣١).\n(^٤) صحيح مسلم (١/ ١٨٨) رقم (١٩٦) (٣٣٣).","vol":"1","page":184},{"text":"وَلَهُ - ﷺ - فِي الْقِيَامَةِ ثَلَاثُ شَفَاعَاتٍ: أَمَّا الشَّفَاعَةُ الْأُولَى: فَيَشْفَعُ فِي أَهْلِ الموْقِفِ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَهُمْ بَعْدَ أَنْ يَتَرَاجَعَ الْأَنْبِيَاءُ -آدَمُ، وَنُوحٌ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَمُوسَى، وَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ- عَنِ الشَّفَاعَةِ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَيْهِ، وَأَمَّا الشَّفَاعَةُ الثَّانِيَةُ: فَيَشْفَعُ فِي أَهْلِ الجنَّةِ أَنْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ، وَهَاتَانِ الشفاعتان خَاصَّتَانِ لَهُ، وَأَمَّا الشَّفَاعَةُ الثَّالِثَةُ: فَيَشْفَعُ فِيمَنِ اسْتَحَقَّ النَّارَ، وَهَذِهِ الشَّفَاعَةُ لَهُ وَلِسَائِرِ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَغَيْرِهِمْ، فَيَشْفَعُ فِيمَنِ اسْتَحَقَّ النَّارَ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا، وَيَشْفَعُ فِيمَنْ دَخَلَهَا أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا.\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nأبي هريرة ﵁ في «الصحيحين»: «نَحْنُ الآخِرُونَ الأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^١) الآخِرون: أي: في الدنيا، الأولون: في دخول الجنة.\nقوله: «وَلَهُ - ﷺ - فِي الْقِيَامَةِ ثَلَاثُ شَفَاعَاتٍ» أشار المُصَنِّف إلى الشفاعات يوم القيامة، وأوصلها إلى ثلاث شفاعات، وأوصلها بعضُهم إلى ثماني شفاعات، وقد سبق ذكرُها في شرح حائية ابن أبي داود.\nكيف نجمع بين هذه الشفاعات؟\nالجواب: هنا شيخ الإسلام ﵀ ذكر الشفاعات إجمالًا، وأما مَن زاد على هذا العدد فقد أراد التفصيل، وقد انقسم الناس في الشفاعة إلى ثلاثة أقسام طرفين ووسط:\n١ - قسم نَفَوُا الشفاعة ولم يثبتوها؛ وهم الخوارج والمعتزلة.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢/ ٢) رقم (٨٧٦)، وصحيح مسلم (٢/ ٥٨٥) رقم (٨٥٥).","vol":"1","page":185},{"text":"وَيُخْرِجُ اللهُ مِنَ النَّارِ أَقْوَامًا بِغَيْرِ شَفَاعَةٍ، بَلْ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَيَبْقَى فِي الجَنَّةِ فَضْلٌ عَمَّنْ دَخَلَهَا مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، فَيُنْشِئُ اللهُ لَهَا أَقْوَامًا، فَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ،\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\n٢ - قسم أثبت الشفاعة لكل أحد حتى للأصنام، وأثبتوها أيضًا لمعبودِيهم من دون الله التي قالوا عنها: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨].\n٣ - القسم الوسط؛ القائل بما دلت عليه النصوص، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، إثبات الشفاعة حسَب ما أفادته النصوص؛ ولكن بشرطين هما:\nأ- إذن الله - ﷿ - للشافع بالشفاعة.\nب- رضى الله - ﷿ - عن المشفوع له.\nودليلهما: قولُ الله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦].\nقوله: «وَيُخْرِجُ اللهُ مِنَ النَّارِ أَقْوَامًا بِغَيْرِ شَفَاعَةٍ» ثبت في النصوص أن الله سبحانه تكفل للجنة والنار بملئهما، فأما النار فكما قال سبحانه: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود:١١٩]، وأما الجنة فدلت النصوص أن الله يُنشئ لها خلقًا بعد أن يبقى فيها فضلٌ، كما عند البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «وَأَمَّا الجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا» (^١).\n_________\n(^١) صحيح البخاري رقم (٤٥٦٩)، وصحيح مسلم رقم (٢٨٤٦) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":186},{"text":"وَأَصْنَافُ مَا تَضَمَّنَتْهُ الدَّارُ الْآخِرَةُ؛ مِنَ الْحِسَابِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَالجنَّةِ وَالنَّارِ، وَتَفَاصِيلِ ذَلِكَ؛ مَذْكُورَةٌ فِي الْكُتُبِ المُنَزَّلَةِ مِنَ السَّمَاءِ، وَالْآثَارِ مِنَ الْعِلْمِ المَاثُورِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ، وَفِي الْعِلْمِ المَوْرُوثِ عَنْ مُحَمَّدٍ - ﷺ - مِنْ ذَلِكَ مَا يَشْفِي وَيَكْفِي، فَمَنِ ابْتَغَاهُ وَجَدَهُ.\nوَتُؤْمِنُ الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ.\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nقوله: «وَأَصْنَافُ مَا تَضَمَّنَتْهُ الدَّارُ الْآخِرَةِ» هذا كلام جامع نافع، فالمُصَنِّف في هذا الكلام كأنه يقول: ما ذكرتُه في هذه الرسالة أمثلةٌ لما سيجري في الدار الآخرة، وما لم أذكُرْه -وهو الأكثر- فالمرجعُ فيه الكتاب والسنة؛ لأن فيهما ما يكفي ويشفي، ولا حاجة إلى الرجوع في ذلك إلى التوراة أو الإنجيل أو أخبار بني إسرائيل، ولا يجوز الاحتكام في ذلك إلى العقل، بل المرجع في هذا الباب كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.\nقوله: «وَتُؤْمِنُ الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» هنا ابتدأ المُصَنِّف موضوعًا جديدًا، ويمكنُ أن نضع له العنوانَ التالي: «اعتقاد الفرقة الناجية في باب القدر»، وموضوع القدر من الموضوعات الدقيقة التي حارت فيه العقول وضل فيه من ضل، منذ عهد التابعين إلى زمننا هذا.\nوالمنهج الصحيح في هذا الباب هو: الالتزام بما جاء في الكتاب والسنة من غير تحريف ولا إيغال في مسائله الدقيقة التي لم ترد في الكتاب والسنة، وهو من أركان الإيمان الستة، ولا يتم إيمانُ المرء حتى يؤمن بالقدر خيره وشره.","vol":"1","page":187},{"text":"وَالْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ عَلَى دَرَجَتَيْنِ، كُلُّ دَرَجَةٍ تَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ:\nالدَّرَجَةُ الْأُولَى: الْإِيمَانُ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى عَلِيمٌ بِالخَلْقِ، وَهُمْ عَامِلُونَ بِعِلْمِهِ الْقَدِيمِ الَّذِي هُوَ مَوْصُوفٌ بِهِ أَزَلًا وَأَبَدًا، وَعَلِمَ جَمِيعَ أَحْوَالِهمْ؛ مِنَ الطَّاعَاتِ وَالمعَاصِي وَالْأَرْزَاقِ وَالْآجَالِ، ثُمَّ كَتَبَ اللَّهُ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مَقَادِيرَ الخَلْقِ؛ فَأَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ; قَالَ لَهُ: اكْتُبْ، قَالَ: مَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَمَا أَصَابَ الْإِنْسَانَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ، جَفَّتِ الْأَقْلَامُ، وَطُوِيَتِ الصُّحُفُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠].\nوقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢].\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nقوله: «وَالْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ عَلَى دَرَجَتَيْنِ، كُلُّ دَرَجَةٍ تَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ» وعلى هذا تكون المراتبُ أربعًا هي:\n١ - الإيمان بعلم الله الأزلي، وأن الله سبحانه قد علِم كل شيء، وعلِم أفعال العباد قبل أن يعملوها، وعلم بالأشياء قبل وقوعها، وقد دلت على ذلك نصوصُ الكتاب والسنة، وأقوال سلف الأمة؛ ولهذا اتفق العلماء على أن من أنكر علم الله الأزلي فهو كافر.\n٢ - كتابة ذلك العلم في اللوح المحفوظ، وسمي باللوح المحفوظ؛ لأنه محفوظ عن المشاهدة والاطلاع عليه من قِبَل الخلق، ومحفوظ أيضًا عن","vol":"1","page":188},{"text":"وَهَذَا التَّقْدِيرُ التَّابِعُ لِعِلْمِهِ سُبْحَانَهُ يَكُونُ فِي مَوَاضِعَ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا؛ فَقَدْ كَتَبَ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مَا شَاءَ، وَإِذَا خَلَقَ جَسَدَ الجَنِينِ قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ؛ بَعَثَ إِلَيْهِ مَلَكًا، فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، فَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ رِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَعَمَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَهَذَا التَّقْدِيرُ قَدْ كَانَ يُنْكِرُهُ غُلَاةُ الْقَدَرِيَّةِ قَدِيمًا، وَمُنْكِرُوهُ الْيَوْمَ قَلِيلٌ.\nوَأَمَّا الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ؛ فَهِيَ مَشِيئَةُ اللهِ النَّافِذَةُ، وَقُدْرَتُهُ الشَّامِلَةُ، وَهُوَ الْإِيمَانُ بِأَنَّ مَا شَاءَ الله كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَا لَمْ يَكُنْ، وَأَنَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ حَرَكَةٍ وَلَا سُكُونٍ؛ إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، لَا يَكُونُ فِي مُلْكِهِ مَا لَا يُرِيدُ، وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ وَالْمَعْدُومَاتِ، مَا مِنْ مَخْلُوقٍ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ إلَّا اللهُ خَالِقُهُ سُبْحَانَهُ، لا خَالِقَ غَيْرُهُ\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nالتغيير والتبديل والزيادة والنقص.\n٣ - مشيئته الشاملة لكل ما يحدث، فلا يخرج عنها شيء، وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، يعني: كل موجود وجد بمشيئته، وكل معدوم فُقِد بمشيئته جل وعلا، هذا عموم لا يخرج عنه شيء.\n٤ - إيجاده لكل المخلوقات، وأنه الخالق سبحانه وما سواه مخلوق.\nوهناك تقسيم للقدر من حيث الزمن، وأنه على أربعة تقديرات هي:\nالأول: التقدير العام: وهو تقدير الله لجميع الأشياء، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحج:٧٠].","vol":"1","page":189},{"text":"وَلَا رَبَّ سِوَاهُ. وَمَعَ ذَلِكَ؛ فَقَدْ أَمَرَ الْعِبَادَ بِطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رُسُلِهِ، وَنَهَاهُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ. وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ وَالْمُحْسِنِينَ وَالْمُقْسِطِينَ، وَيَرْضَى عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وَلا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ، وَلَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ، وَلَا يَامُرُ بِالْفَحْشَاءِ، وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ، وَلَا يُحِبُّ الْفَسَادَ. وَالْعِبَادُ فَاعِلُونَ حَقِيقَةً، وَاللهُ خَالِقُ أَفْعَالِهم، وَالْعَبْدُ هُوَ المُؤْمِنُ، وَالْكَافِرُ، وَالْبَرُّ، وَالْفَاجِرُ، وَالمُصَلِّي، وَالصَّائِمُ، وَلِلْعِبَادِ قُدْرَةٌ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَلهمْ إِرَادَةٌ، وَاللهُ خَالِقُهُمْ وَخَالِقُ قُدْرَتِهِمْ وَإِرَادَتِهِمْ؛ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير ٢٨ - ٢٩].\nوَهَذِهِ الدَّرَجَةُ مِنَ الْقَدَرِ يُكَذِّبُ بِهَا عَامَّةُ الْقَدَرِيَّةِ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ -\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nالثاني: التقدير العمري: وهو تقدير الله تعالى لكل ما يجري على العبد، من أول حياته إلى آخرها، وكتابة شقاوته أو سعادته.\nالثالث: التقدير السنوي: وهو ما يقدره الله سبحانه في ليلة القدر، كما في قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٤].\nالرابع: التقدير اليومي، كما في قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩].\nقوله: «وَهَذِهِ الدَّرَجَةُ مِنَ الْقَدَرِ يُكَذِّبُ بِهَا عَامَّةُ الْقَدَرِيَّةِ ...» إلخ.\nضلت في هذه الدرجة من القدر - المتضمِّنة للمشيئة والخلق - طائفتان متقابلتان:","vol":"1","page":190},{"text":"مَجُوسَ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَيَغْلُو فِيهَا قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ، حَتَّى سَلَبُوا الْعَبْدَ قَدْرَتَهُ وَاخْتِيَارَهُ، وَيُخْرِجُونَ عَنْ أَفْعَالِ الله وَأَحْكَامِهِ حِكَمَهَا وَمَصَالِحَهَا.\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nالطائفة الأولى: القدرية من المعتزلة وغيرهم: وهؤلاء ضلوا بالتفريط، إذ أنكروا مشيئةَ الله وخلقَه للأقدار، فجعلوا العبد هو الذي يُحدِث، ويَخلُق أفعاله بغير مشيئة الله وخلقه لها.\nوالعصاة -على قولهم- خرجوا عن مشيئة وقدرته وحكمه وسلطانه وخلقه؛ فليسوا خاضعين: لا لأمره الشرعي، ولا لأمره القدري الكوني (^١).\nالطائفة الثانية: الجبرية من الجهمية ونحوهم: فهؤلاء ضلوا بالغلو في إثبات القدر، فأثبتوا المشيئة والخلق لله تعالى، ولكن سلبوها عن العبد بالكلية؛ حتى أنكروا أن يكون للعبد فعلٌ حقيقةً، بل هو في زعمهم لا حرية له، ولا اختيار، ولا فعل؛ كالريشة في مهب الرياح، وإنما تُسند الأفعال إليه مجازًا، فيقال: صلى، وصام، وقتل، وسرق؛ فاتهموا ربَّهم بالظلم وتكليفِ العباد ما لا قدرة لهم عليه، ومجازاتهم على ما ليس من فعلهم، واتهموه بالعبث في تكليف العباد، وأبطلوا الحكمةَ من الأمر والنهي، ألا ساء ما يحكمون.\nوهدى الله أهلَ السنة للمنهج الحق الوسطي، فأثبتوا لله تعالى مشيئةً وخلقًا، وأثبتوا للعبد مشيئة وإرادة واختيارًا، ولكنها تحت مشيئة الله تعالى (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: الحسنة والسيئة ص (١٣١)، والرد على الشاذلي في حزبيه ص (٨٩)، وجامع الرسائل (١/ ٢٥)؛ كلها لابن تيمية.\n(^٢) شرح العقيدة الواسطية للهراس ص (٢٢٩،٢٣٠) بتصرف يسير.","vol":"1","page":191},{"text":"وَمِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ: أَنَّ الدِّينَ وَالْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، قَوْلُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، وَعَمَلُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالجَوَارِحِ،\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nقوله: «أَنَّ الدِّينَ وَالْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، قَوْلُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، وَعَمَلُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالجَوَارِحِ».\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>الفرق بين أقوال القلوب وأعمالها </span>هو: أن أقوال القلوب هي العقائد التي يعتقدها المرءُ في قلبه.\nأما أعمال القلوب: فهي ثمرة هذه العقائد، وما ينتج منها؛ من محبة الله ورسوله، ومحبة الخير، وبغض الشر، ونحو ذلك من أعمال القلوب.\nقال ابن القيم ﵀: «الإيمان له ظاهر وباطن، فظاهرُه قول اللسان وعمل الجوارح، وباطنه تصديق القلب وانقياده ومحبته، فلا ينفع ظاهرٌ لا باطنَ له، ولا يُجزي باطن لا ظاهر له» (^١).\nوقال شيخ الإسلام ﵀ في مجموع الفتاوى: «المراد بقول القلب: تصديق القلب وإقراره ومعرفته ... وأما عمله فهو الانقياد» (^٢).\nثم قال: «ويدخل في هذا: أعمالُ القلوب التي أوجبها الله ورسوله وجعلها من الإيمان؛ مثل: حب الله ورسوله، وخشية الله ...» (^٣).\n_________\n(^١) بدائع الفوائد (٣/ ٧١٠).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٧/ ١٨٦).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١٧/ ١٨٦).","vol":"1","page":192},{"text":"وَأَنَّ الْإِيمَانَ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ، وَيَنْقُصُ بِالمَعْصِيَة، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لَا يُكَفِّرُونَ أَهْلَ الْقِبْلَةِ بِمُطْلَقِ المَعَاصِي وَالْكَبَائِرِ؛ كَمَا يَفْعَلُهُ الخَوَارِجُ، بَلِ الْأُخُوَّةُ الْإِيمَانِيَّةُ ثَابِتَةٌ مَعَ المَعَاصِي؛ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨].\nوَقَالَ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:٩ - ١٠].\nوَلَا يَسْلُبُونَ الْفَاسِقَ الْمِلِّيَّ اسمَ الإِيمَانِ بِالْكُلِّيَّةِ،\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nوقوله: «وَأَنَّ الْإِيمَانَ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ، وَيَنْقُصُ بِالمَعْصِيَة» قد مر هذا في «شرح الحائية» تحت قول الناظم:\nوَقُلْ: إِنَّمَا الإِيمَانُ: قَوْلٌ وَنِيَّةٌ ... وَفِعْلٌ عَلَى قَوْلِ النَّبِيِّ مُصَرَّحُ\nوَيَنْقُصُ طَوْرًا بِالمَعَاصِي وتَارَةً ... بِطَاعَتِهِ يَنْمِي وَفِي الْوَزْنِ يَرْجَحُ\nوعلى هذا فالإيمان يتفاضل عند أهل السنة، خلافًا للمرجئة الذين يقولون: إن الإيمان إذا ثبت في قلب المسلم فلا يزيد ولا ينقص.\nوقوله: «وَلَا يَسْلُبُونَ الْفَاسِقَ الْمِلِّيَّ اسمَ الإِيمَانِ بِالْكُلِّيَّةِ» لا يسلبون: لا يَنفُون، والفاسق: الخارج عن طاعة الله، والمراد به هنا: مرتكب الكبيرة، كالزنا وشرب الخمر ونحوهما، وموقف أهل السنة منه: أنهم لا يسلبون منه اسمَ الإيمان بالكلية، ولا يُخرجونه من دائرة الإسلام.","vol":"1","page":193},{"text":"وَلَا يُخَلِّدُونَهُ فِي النَّار؛ كَمَا تَقُولُ المُعْتَزِلَةُ\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nوقوله: «الْمِلِّيَّ» أي مَن كان من أهل مِلَّةِ النبي ﷺ، والذي على الملة يُبقُونه على هذا الأصل إلا بمكفر يدل عليه الكتاب والسنة، فمتى ما وقع منه كفرٌ يخرج من الملة، كالاستهزاء بالقرآن مثلًا، فيخرجونه من الملة استدلالًا بقول الله: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥، ٦٦]. فالله هو الذي حكم بكفره، وأهل السنة لا يتجاوزون القرآن وسنةَ النبي الكريم - ﷺ -.\nلكن هناك فرقٌ بين<span data-type=\"title\" id=toc-81> التكفير المطلق، وتكفير المعين</span>؛ فالتكفير المطلق: أن يُقال: مَن قال كذا فهو كافرٌ، مَن فعل كذا فهو كافرٌ، من اعتقد كذا فهو كافرٌ.\nأما تكفير المعين: فالمراد به إطلاق الكفر على شخص بعينه، وهذا يجب فيه استيفاء الشروط، وانتفاء الموانع، وإقامة الحجة، وإزالة الشبهة.\nهذا ما قرره العلماء ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والشيخ محمد بن عبد الوهاب، وسليمان بن سحمان، وغيرهم (^١)، وقد سبق التفصيل في هذه المسألة في شرح الحائية.\nقوله: «وَلَا يُخَلِّدُونَهُ فِي النَّار» أي لا يخلدونه التخليدَ الأبدي، بل يردون أمره إلى الله سبحانه؛ لأن التخليد الأبدي في النار جاء في حق الكفار\n_________\n(^١) ينظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ٤٦٦)، و(١٠/ ٣٧٢)، والدرر السنية (١٢/ ٨٩)، وفُتْيَيان تتعلقان بتكفير الجهمية لسليمان بن سحمان وإبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ ص (١٥٨).","vol":"1","page":194},{"text":"بَلِ الْفَاسِقُ يَدْخُلُ فِي اسْمِ الْإِيمَانِ المُطلَقِ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢]. وَقَدْ لَا يَدْخُلُ فِي اسْمِ الْإِيمَانِ المطْلَقِ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [لأنفال:٢]، وَقَوْلِهِ - ﷺ -: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ذَاتَ شَرَفٍ يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ».\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nوالمشركين في مواضعَ ثلاثةٍ من القرآن هي:\n١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء:١٦٨،١٦٩].\n٢ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب:٦٥].\n٣ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن:٢٣].\nقوله: «بَلِ الْفَاسِقُ يَدْخُلُ فِي اسْمِ الْإِيمَانِ المُطلَقِ» أي أنه باقٍ على إسلامه، حتى ولو كان فاسقًا قد ارتكب الكبائر، فلا يجوز أن يُسلبَ اسمَ الإسلام، بل هو باقٍ على إسلامه مهما كان مسرفًا على نفسه بالمعاصي، ما دام موحِّدًا لم يشرك بالله.","vol":"1","page":195},{"text":"وَنَقُولُ: هُوَ مُؤْمِنٌ نَاقِصُ الْإِيمَانِ، أَوْ مُؤْمِنٌ بِإِيمَانِهِ فَاسِقٌ بِكَبِيرَتِهِ، فَلَا يُعْطَى الِاسْمَ المُطْلَقَ، وَلَا يُسْلَبُ مُطْلَقَ الِاسْمِ.\nوَمِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ: سَلَامَةُ قُلُوبِهِمْ وَأَلْسِنَتِهمْ لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، كَمَا وَصَفَهُمُ اللهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠].\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nقوله: «وَنَقُولُ: هُوَ مُؤْمِنٌ نَاقِصُ الْإِيمَانِ، أَوْ مُؤْمِنٌ بِإِيمَانِهِ فَاسِقٌ بِكَبِيرَتِهِ» وهذا هو<span data-type=\"title\" id=toc-82> الحكم الشرعي على الفاسق</span>؛ فيعبر عنه بأنه: ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بعصيانه، وهو خلاصة هذا الفصل، ومقتضى العدل، الذي دلت نصوصُ الكتاب والسنة عليه.\nقوله: «فَلَا يُعْطَى الاسْمَ المُطْلَقَ، وَلَا يُسْلَبُ مُطْلَقَ الِاسْمِ» فلا يعطى الاسم المطلق؛ وهو: اسم الإيمان الكامل، ولا يسلب مطلقَ الاسم؛ وهو: اسم الإيمان الناقص، وهنا منفي ومثبت، فالمنفي: الإيمان الكامل، والمثبت: الإيمان الناقص فلا يجوز تكفير الفاسق ولا يجوز أن يوصف بالإيمان الكامل.\nقوله: «وَمِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ سَلَامَةُ قُلُوبِهِمْ وَأَلْسِنَتِهمْ لِأَصْحَابِ رَسُولِ الله - ﷺ -» هذا الفصل متعلق بالصحابة وفضائلهم، وخلاصةُ مذهب أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم من النيل منهم، ووجوب محبتهم والترضي عنهم، وذكر محاسنهم والإمساك عمَّا شجر بينهم، والاعتقاد بأن ما جاء عنهم في ذلك أكثرُه كذب، وما صح عنهم في ذلك هم فيه بين أمرين:","vol":"1","page":196},{"text":"وَطَاعَةُ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي قَوْلِهِ «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهُمْ وَلَا نَصِيفَهُ»، وَيَقْبَلُونَ مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ مِنْ فَضَائِلِهِمْ وَمَرَاتِبِهِمْ، وَيُفَضِّلُونَ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ -وَهُوَ صُلْحُ الحُدَيْبِيَّةِ- وَقَاتَلَ، عَلَى مَنْ أَنْفَقَ مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلَ، وَيُقَدِّمُونَ المُهَاجِرِينَ عَلَى الْأَنْصَارِ. وَيُؤْمِنُونَ بِأَنَّ اللهَ قَالَ لِأَهْلِ بَدْرٍ - وَكَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَر:\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\n١ - مجتهدون مصيبون.\n٢ - ومجتهدون مخطئون.\nفالمجتهد المصيب له أجران، والمجتهد المخطئ له أجر واحد، وخطؤه مغفور باجتهاده، ومما يعتقده أهل السنة أيضًا: الشهادة لمن شهِد له النبي ﷺ منهم بالجنة.\nمسألة:<span data-type=\"title\" id=toc-84> هل يُشهد لأحد بالجنة ممن لم يَشهد له النبي ﷺ بذلك</span>؟\nفي هذه المسألة خلاف مشهور على رأيين:\nالرأي الأول: قول جمهور أهل العلم أنه لا يُشهد لأحد لم يَشهد له النبي ﷺ بالجنة.\nالرأي الثاني: قول شيخ الإسلام أنه تجوز الشهادة لمن استفاض في الأمة الثناء عليه، قال شيخ الإسلام: «ولا يُشهد لأحد بالجنة إلا لمن شهد له الرسول - ﷺ - أو اتفقت الأمةُ على الثناء عليه» (^١).\n_________\n(^١) الفتاوى الكبرى (٥/ ٣٥٩).","vol":"1","page":197},{"text":"«اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»، وَبِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ؛ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ -، بَلْ لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ، وَكَانُوا أَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَة، وَيَشْهَدُونَ بِالجنَّةِ لِمَنْ شَهِدَ لَهُ رَسُولُ الله؟ كَالْعَشَرَةِ، وَثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاس، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَيُقِرُّونَ بِمَا تَوَاتَرَ بِهِ النَّقْلُ عَنْ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ؟ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ،\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nوأوسع كتاب تحدث فيه شيخ الإسلام عن ذلك هو: «كتاب النبوات»، فقد عدد الأقوال في هذه المسألة وقال: «قيل: يُشهد لمن استفاض عند الأمة أنه رجل صالح؛ كعمر بن عبد العزيز والحسن البصري وغيرهم، وكان أبو ثور يشهد لأحمد بن حنبل بالجنة ... وفي «الصحيحين»: «أن النبي ﷺ مُرَّ عليه بجنازة فأثنوا عليها خيرًا فقال: وجبت وجبت، ومُر عليه بجنازة فأثنوا عليها شرًّا فقال: وجبت وجبت، فقيل: يا رسول الله ما قولك: وجبت وجبت؟ قال: هذه الجنازة أثنيتم عليها الخير فقلت: وجبت لها الجنة، وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرًّا فقلت: وجبت لها النار، أنتم شهداء الله في الأرض» (^١)» (^٢).\nقوله: «مِنْ أَنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ» وقد جمع أبو بكر ﵁ من الفضائل والمحاسن ما لم يجمعه أحد من الصحابة ﵃ جميعًا.\nقال شيخ الإسلام في «جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية»:\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٢/ ٩٧) رقم (١٣٦٧)، وصحيح مسلم (٢/ ٦٥٥) رقم (٩٤٩).\n(^٢) النبوات ص (١٠).","vol":"1","page":198},{"text":"ثُمَّ عُمَرُ، وَيُثَلِّثُونَ بِعُثْمَانَ، وَيُرَبِّعُونَ بِعَلِيٍّ - ﵃ -؛ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآثَارُ، وَكَمَا أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى تَقْدِيمِ عُثْمَانَ فِي الْبَيْعَةِ مَعَ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ السُّنَّةِ كَانُوا قَدِ اخْتَلَفُوا فِي عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ - ﵄ - بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى تَقْدِيمِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ فَقَدَّمَ قَوْمٌ عُثْمَانَ وَسَكَتُوا، وَرَبَّعُوا بِعَلِيٍّ، وَقَدَّمَ قَوْمٌ عَلِيًّا، وَقَوْمٌ تَوَقَّفُوا، لَكِنِ اسْتَقَرَّ أَمْرُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى تَقْدِيمِ عُثْمَانَ، ثُمَّ عَلِيٍّ، وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ المسْأَلَةُ -مَسْأَلَةُ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ- لَيْسَتْ مِنَ الْأُصُولِ الَّتِي يُضَلَّلُ المُخَالِفُ فِيهَا عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ السُّنَّةِ، لَكِنَّ الَّتِي يُضْلَّلُ فِيهَا مَسْأَلَةُ الْخِلَافَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ أَنَّ الخلِيفَةَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ، ثُمَّ عَلِيٌّ، وَمَنْ طَعَنَ فِي خِلَافَةِ أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ؛ فَهُوَ أَضَلُّ مِنْ حِمَارِ أَهْلِهِ.\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\n«حكى غيرُ واحد من العلماء إجماعَ أهل السنة والجماعة على أنه - يعني أبا بكر - أعلم الصحابة، فهو أعلمهم وأشجعهم وأجودهم وأديَنُهم باتفاق أهل المعرفة من المسلمين» (^١).\nقوله: «ثُمَّ عُمَرُ، وَيُثَلِّثُونَ بِعُثْمَانَ، وَيُرَبِّعُونَ بِعَلِيٍّ﵃ - ...» إلخ. خلاصة هذه المسألة: أن أمر أهل السنة استقرَّ على تقديم عثمانَ على عَلِيٍّ في الفضل، ومن خالف في ذلك فلا يُضَلَّل؛ لكنه خالف ما استقر عليه أهلُ السنة في أمر لا ينبغي له المخالفة فيه.\nوأما مَن قدَّم عليًّا على عثمان ﵄ في الخلافة فإنه ضال، بل يقول المُصَنِّف هنا: هو أضل من حمار أهله.\n_________\n(^١) الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية ص (٧٩).","vol":"1","page":199},{"text":"وَيُحِبُّونَ آلَ بَيْتِ رَسُولِ الله - ﷺ - وَيَتَوَلَّوْنَهُمْ، وَيَحْفَظُونَ فِيهِمْ وَصِيَّةَ رَسُولِ الله - ﷺ - حَيْثُ قَالَ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي».\nوَقَالَ أَيْضًا لِلْعَبَّاسِ عَمِّهِ، وَقَدِ اشْتَكَى إِلَيْهِ أَنَّ بَعْضَ قُرَيْشٍ يَجْفُو بَنِي هَاشِمٍ؛ فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحِبُّوكُمْ؛ للهِ وَلِقَرَابَتِي».\nوَقَالَ: «إِنَّ اللهَ اصْطَفَى بَنِي إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ كِنَانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ».\nوَيَتَوَلَّوْنَ أَزْوَاجَ رَسُولِ الله - ﷺ - أُمَّهَاتِ المؤْمِنِينَ، وَيُؤْمِنُونَ بِأَنَّهُنَّ أَزْوَاجُهُ فِي الْآخِرَةِ؛ خُصُوصًا خَدِيجَةَ؟ أُمَّ أَكْثَرِ أَوْلَادِهِ، وَأَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِهِ وَعَاضِدَه عَلَى أَمْرِهِ، وَكَانَ لَهَا مِنْهُ المَنْزِلَةُ الْعَالِيَةُ، وَالصِّدِّيقَةَ بِنْتَ الصِّدِّيقِ - ﵂ - الَّتِي قَالَ فِيهَا النَّبِيُّ - ﷺ -: «فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ».\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nقوله: «وَيُحِبُّونَ آلَ بَيْتِ رَسُولِ الله - ﷺ - وَيَتَوَلَّوْنَهُمْ ...» إلخ. لحثِّ النبي ﷺ على ذلك وترغيبه الأكيد في ذلك؛ إذ قال ﷺ: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» كما في حديث زيد - ﵁ - في «مسلم» (^١).\nو<span data-type=\"title\" id=toc-87>يدخل في أهل بيته أزواجُه الطاهرات المطهرات ﵅</span>؛ ولهذا خصهن المُصَنِّف بالذكر والتأكيد، وقد خص المُصَنِّف اثنتين هما: خديجة وعائشة ﵂، وخديجة ﵂ كانت لها مزية؛ لسابقتها في الإسلام ومساندتِها النبيَّ ﷺ\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٤/ ١٨٧٣) رقم (٢٤٠٨).","vol":"1","page":200},{"text":"وَيَتَبَرَّؤونَ مِنْ طَرِيقَةِ الرَّوَافِضِ الَّذِينَ يُبْغِضُونَ الصَّحَابَةَ وَيَسُبُّونَهُمْ، وَطَرِيقَةِ النَّوَاصِب الَّذِينَ يُؤْذُونَ أَهْلَ الْبَيْتِ بِقَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَيُمْسِكُونَ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَيقُولُونَ: إنَّ هَذِهِ الْآثَارَ المَرْوِيَّةَ فِي مَسَاوِيهِمْ مِنْهَا مَا هُوَ كَذِبٌ، وَمِنْهَا مَا قَدْ زِيدَ فِيهِ وَنُقِصَ وَغُيِّرَ عَنْ وَجْهِهِ، وَالصَّحِيحُ مِنْهُ هُمْ فِيهِ مَعْذُورُونَ؛ إِمَّا مُجْتَهِدُونَ مُصِيبُونَ، وَإِمَّا مُجْتَهِدُونَ مُخْطِئُونَ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لَا يَعْتَقِدُونَ أَنْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مَعْصُومٌ عَنْ كَبَائِرِ الْإِثْمِ وَصَغَائِرِهِ، بَلْ يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الذُّنُوبُ فِي الجمْلَةِ، وَلَهُمْ مِنَ السَّوَابِقِ وَالْفَضَائِلِ مَا يُوجِبُ مَغْفِرَةَ مَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ إِنْ صَدَرَ،\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nووقوفِها معه، ولكونها أمَّ أكثر أولاده، وعائشة - ﵂ - جاء فضلها في قول النبي ﷺ: «فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ» (^١)، وقد قال القحطاني:\nأَكْرِمْ بِعَائِشَةَ الرِّضَا مِنْ حُرَّةٍ ... بِكْرٍ مُطَهَّرَةِ الإِزَارِ حَصَان\nهِيَ عِرْسُهُ هِيَ إِلْفُهُ هِيَ أُنْسُهُ ... هِيَ حِبُّه صِدْقًا بِلَا إِدْهَان\nقوله: «وَيقولون: إن هَذِهِ الْآثَارَ المَرْوِيَّةَ فِي مَسَاوِيهِمْ مِنْهَا مَا هُوَ كَذِبٌ» وهو الأكثر.\nقوله: «وَلَهُمْ مِنَ السَّوَابِقِ وَالْفَضَائِلِ مَا يُوجِبُ مَغْفِرَةَ مَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ إِنْ صَدَرَ» من الأسباب المكفرة لذنوبهم:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤/ ١٥٨) رقم (٣٤١١)، ومسلم (٤/ ١٨٨٦) رقم (٢٤٣١) من حديث أبي موسى - ﵁ -.","vol":"1","page":201},{"text":"حَتَّى إِنَّهُمْ يُغْفَرُ لهمْ مِنَ السَّيِّئَاتِ مَا لَا يُغْفَرُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ؛ لِأَنَّ لَهُمْ مِنَ الحسَنَاتِ الَّتِي تَمْحُو السَّيِّئَاتِ مَا لَيْسَ لِمَنْ بَعْدَهُمْ، وَقَدْ ثَبَتَ بِقَوْلِ رَسُولِ الله - ﷺ - أَنَّهُمْ خَيْرُ الْقُرُونِ، وَأَنَّ المُدَّ مِنْ أَحَدِهِمْ إِذَا تَصَدَّقَ بِهِ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ ذَهَبًا مِمَّنْ بَعْدَهُمْ.\nثُمَّ إِذَا كَانَ قَدْ صَدَرَ مِنْ أَحَدِهِمْ ذَنْبٌ؛ فَيَكُونُ قَدْ تَابَ مِنْهُ، أَوْ أَتَى بِحَسَنَاتٍ تَمْحُوهُ، أَوْ غُفِرَ لَهُ؛ بِفَضْلِ سَابِقَتِهِ، أَوْ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - الَّذِي هُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِشَفَاعَتِهِ، أَوِ ابْتُلِيَ بِبَلَاءٍ فِي الدُّنْيَا كُفِّرَ بِهِ عَنْهُ، فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الذُّنُوبِ المُحَقَّقةِ؛ فَكَيْفَ الْأُمُورُ الَّتِي كَانُوا فِيهَا مُجْتَهِدِينَ؛ إِنْ أَصَابُوا فَلَهُمْ أَجْرَانِ، وَإِنْ أخطئوا فَلَهُمْ أَجْرٌ وَاحِدٌ، وَالخَطَأُ مَغْفُورٌ، ثُمَّ إِنَّ الْقَدْرَ الَّذِي يُنْكَرُ مِنْ فِعْلِ بَعْضِهِمْ قَلِيلٌ نَزْزٌ مَغْفُورٌ فِي جَنْبِ فَضَائِلِ الْقَوْمِ وَمَحَاسِنِهِمْ؛ مِنَ الْإِيمَانِ باللهِ، وَرَسُولِهِ، وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ، وَالْهِجْرَةِ، وَالنُّصْرَةِ، وَالْعِلْمِ النَّافِعِ، وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَمَنْ نَظَرَ فِي سِيرَةِ الْقَوْمِ بِعِلْمٍ وَبَصِيرَةٍ وَمَا مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنَ الْفَضَائِلِ؛ عَلِمَ يَقِينًا أَنَّهُمْ خَيْرُ الخَلْقِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ، لَا كَانَ وَلَا يَكُونُ مِثْلُهُمْ، وَأَنَّهُمُ الصَّفْوَةُ مِنْ قُرُونِ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي هِيَ خَيْرُ الْأُمَمِ وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللهِ.\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nأ) التوبة.\nب) أن يأتي الصحابي بحسنات تمحو ذنوبه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤].\nج) أن يغفر الله تعالى له ذنوبه بفضل سابقته في الإسلام.","vol":"1","page":202},{"text":"وَمِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ: التَّصْدِيقُ بِكَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ، وَمَا يُجْرِي اللهُ عَلَى أَيْدِيهِمْ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ، فِي أَنْوَاعِ الْعُلُومِ وَالمُكَاشَفَاتِ وَأَنْوَاعِ الْقُدْرَةِ وَالتَّاثِيرَاتِ، وَالمَاثُورِ عَنْ سَالِفِ الْأُمَمِ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ وَغَيْرِهَا، وَعَنْ صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَسَائِرِ قُرونِ الْأُمَّةِ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nد) شفاعة الحبيب ﷺ والصحابة هم أحق الناس بشفاعته.\nهـ) الابتلاء الذي يَبتلي الله تعالى به عبادَه المؤمنين، فهذه الأسباب ماحية للذنوب الصادرة من آحادهم.\nقوله: «وَمِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ التَّصْدِيقُ بِكَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ ...» قال ابن سعدي: «تواترت نصوصُ الكتاب والسنة، والوقائعُ قديمًا وحديثًا؛ على وقوع كرامات الأولياء ...» (^١) ثم ذكر ﵀ أن كرامات الأولياء تفيد ثلاث قضايا:\nأ) الدلالة على كمال قدرة الله تعالى.\nب) أن وقوع الكرامة للأولياء هي معجزة للأنبياء؛ لأن تلك الكرامات لم تحصل للأولياء إلا ببركة متابعتِهم نبيَّهم.\nج) أن كرامات الأولياء من البشرى المعجلة في الحياة الدنيا، والله تعالى يقول: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس:٦٣].\n_________\n(^١) التنبيهات اللطيفة ص (١١٠ - ١١٣).","vol":"1","page":203},{"text":"مسألة:<span data-type=\"title\" id=toc-89> الفرق بين المعجزة والكرامة والأحوال الشيطانية:</span>\nقال ابن باز ﵀: «الفرق بين المعجزة والكرامةِ والأحوالِ الشيطانية: أن المعجزة هي ما يُجري اللهُ على أيدي الرسل والأنبياء من خوارقِ العادات؛ من انشقاق القمر، ونزول القرآن، فإن القرآن هو أعظم معجزة على الإطلاق، وحنينِ الجذع ونبوعِ الماء من بين أصابعه، وأما الكرامةُ فهي ما يُجري الله على أيدي أوليائه المؤمنين من خوارقِ العادات، وشرطُ كونها كرامة: أن يكون مَن جرت على يديه مستقيمًا على الإيمان، ومتابعةِ الشريعة، فإن كان خلافَ ذلك، فالجاري على يده من الخوارق هو من الأحوال الشيطانية».\nثم ذكر ﵀ فائدة جليلة تتعلق بهذا الموضوع، فقال: «لِيُعْلمْ أن عدم حصول الكرامة لبعض المسلمين لا يدل على نقص إيمانهم؛ لأن الكرامة إنما تقع لأسباب؛ منها: تقوية إيمان العبد وتثبيته، ولهذا لم يَر كثير من الصحابة شيئًا من الكرامات لقوة إيمانهم وقوة يقينهم، ومنها: لإقامة الحجة على العدو كما حصل لخالد لما أكل السم، وكان قد حاصر حصنًا فامتنعوا عليه حتى يأكله، فأكله وفتح الحصن، ومثل ذلك ما جرى لأبي مسلم الخَوْلاني لما ألقاه الأسودُ العَنْسي في النار، فأنجاه الله من ذلك لحاجته لتلك الكرامة، وكقصة أم أيمن لما خرجت مهاجرةً واشتد بها العطشُ سمعت حِسًّا من فوقها فرفعت رأسَها فإذا بدلوٍ من الماء فشربت منه» (^١).\n_________\n(^١) ينظر: تعليقُه على التنبيهات اللطيفة ص (١١٠ - ١١١).","vol":"1","page":204},{"text":"وبين كرامات الأولياء وما يشبهها من الأحوال الشيطانية: فروقٌ متعددة، منها: أن كرامات الأولياء سببُها الإيمان والتقوى، والأحوال الشيطانية سببها ما نهى الله عنه ورسوله.\nفالقول على الله بغير علم، والشرك والظلم والفواحش؛ قد حرَّمها الله تعالى ورسوله، فلا تكون سببًا لكرامة الله تعالى، ولا يستعان بالكرامات عليها.\nومن أهل الأحوال من إذا حضر سماعَ المكاء والتصدية يتنزلُ عليه شيطانُه حتى يحمله في الهواء، ويخرجه من تلك الدار، فإذا حضر رجل من أولياء الله تعالى، طرد شيطانه فيسقط، كما جرى هذا لغير واحد.\nومن هؤلاء مَن يستغيث بمخلوق إما حي أو ميت، سواءٌ كان ذلك المخلوق مسلمًا أو نصرانيًا أو مشركًا، فيتصور الشيطانُ بصورة ذلك المستغاث به، ويقضي بعضَ حاجة ذلك المستغيث، فيظن أنه ذلك الشخص، أو هو ملَك تصور على صورته، وإنما هو شيطان أضلَّه لما أشرك بالله، كما كانت الشياطين تَدخل في الأصنام وتكلم المشركين.\nومن هؤلاء مَن يتصور له الشيطان ويقول له: أنا الخضر، وربما أخبره ببعض الأمور، وأعانه على بعض مطالبه.\nوكثير من الكفار بأرض المشرق والمغرب، يموتُ لهم الميتُ، فيأتي الشيطانُ بعد موته على صورته، وهم يعتقدون أنه ذلك الميت، ويقضي","vol":"1","page":205},{"text":"الديون، ويرد الودائع (^١).\nومن هؤلاء شيخٌ كان بمصر أوصى خادمَه فقال: إذا أنا مت فلا تدع أحدًا يغسلني، فأنا أجيء وأغسل نفسي، فلما مات رأى خادمُه شخصًا في صورته، فاعتقد أنه جاء ليغسل نفسه، فتأمل كيف جاء الشيطان في صورته ليغوي الأحياء، كما أغوى الميتَ قبل ذلك.\nومنهم من يرى عرشًا في الهواء، وفوقه نور، ويسمع من يخاطبه ويقول: أنا ربُّك، فإن كان من أهل المعرفة، علم أنه شيطان فزجره واستعاذ بالله منه، فيزول ذلك.\nومنهم من يرى أشخاصًا في اليَقَظَة يَدَّعي أحدُهم أنه نبي أو صديق أو شيخ من الصالحين، ويكون من الشياطين، وقد جرى هذا لغير واحد.\nومنهم مَن يرى ذلك عند قبر الذي يزوره، فيرى القبرَ قد انشق وخرج إليه صورة، فيعتقدها الميتَ، وإنما هو جني تصور بتلك الصورة.\nوكل من قال: إنه رأى نبيًّا بعين رأسه فما رأى إلا خيالًا.\nوهذه الأحوال الشيطانية تحصل لمن خرج عن الكتاب والسنة.\nومِن أعظم ما يقوِّي الأحوالَ الشيطانية: سماعُ الغناء والملاهي وهو سماع المشركين، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال:٣٥].\n_________\n(^١) ينظر: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص (٢٣٦ - ٢٣٧) بتصرف.","vol":"1","page":206},{"text":"قال ابن عباس وابن عمر ﵄ وغيرُهما من السلف: «التصدية: التصفيق باليد، والمكاء: مثل الصفير». فكان المشركون يتخذون هذا عبادةً (^١).\nوكان أصحاب النبي ﷺ إذا اجتمعوا أمروا واحدًا منهم أن يقرأ، والباقون يستمعون، وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول لأبي موسى الأشعري ﵁: «ذكِّرْنا ربَّنا، فيقرأ وهم يستمعون» (^٢).\nفأولياء الله الذين تجري على أيديهم الكرامات: هم المؤمنون المتقون، كما قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٢٦،٦٣].\nوفي الحديث الصحيح الذي رواه «البخاري» (^٣) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ»، فهذا أصح حديث يُروى في الأولياء، فبيَّن النبي - ﷺ - أن من عادى وليًّا لله، فقد بارز الله بالمحاربة.\nوكل حديث يروى عن النبي ﷺ في عِدَّةِ الأولياء، والأبدال، والنقباء،\n_________\n(^١) ينظر: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص (٢٣٧ - ٢٥٠) بتصرف.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٢/ ٤٨٦) رقم (٤١٧٩)، والدارمي في سننه (٤/ ٢١٩٠) رقم (٣٥٣٦)، وابن حبان في صحيحه (١٦/ ١٦٩) رقم (٧١٩٦)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٥٨).\n(^٣) صحيح البخاري (٨/ ١٠٥) رقم (٦٥٠٢).","vol":"1","page":207},{"text":"والنجباء، والأوتاد، والأقطاب، أو القُطب الواحد، فليس بصحيح عنه - ﷺ -، ولم ينطق السلف بشيء من هذه الألفاظ، إلا بلفظ (الأبدال)، وقد جاء في الحديث: أنهم أربعون رجلًا، يكونون بالشام، والحديث منقطع ليس بثابت، أخرجه أحمد في مسنده (^١) من حديث علي ﵁.\nوليس لأولياء الله شيء يتميَّزون به عن الناس في الظاهر من الأمور المباحات، فلا يتميزون بلباس دون لباس، ولا بحَلْق شعر أو تقصيره أو ظفره، إذا كان مباحًا، كما قيل: كم مِن صدِّيقٍ في قَباء، وكم من زنديقٍ في عَباء، بل يوجد في جميع أصناف أمة محمد - ﷺ -؛ فيوجدون في أهل القرآن وأهل العلم، ويوجد في أهل الجهاد والسيف، ويوجدون في التجار والصُّنَّاع والزُّرَّاع (^٢).\nما ا<span data-type=\"title\" id=toc-90>لفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان</span>؟\n«جِماعُ الفرق بينهما: اعتبارُهم بموافقة رسول الله ﷺ، فإنه هو الذي فرق الله به بين أوليائه وأعدائه، بين أوليائه السعداء، وأعدائه الأشقياء، وبين أوليائه أهل الجنة، وأعدائه أهل النار» (^٣).\n_________\n(^١) (٢/ ٢٣١) رقم (٨٩٦)، ولفظ الحديث: «الأبدالُ يكونون بالشام، وهم أربعون رجلا، كلما مات رجلٌ أبدل الله مكانه رجلًا، يُسقى بهم الغيث، ويُنتصرُ بهم على الأعداء، ويُصرف عن أهل الشام بهم العذابُ». والحديث منقطع؛ لأنه من رواية شريح بن عبيد عن علي، وشريح لم يدرك عليًّا.\n(^٢) ينظر: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص (٨ - ٧٢) بتصرف يسير.\n(^٣) الفرقان ص (٢٠٢).","vol":"1","page":208},{"text":"ثُمَّ مِنْ طَرِيقَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجمَاعَةِ: اتِّبَاعُ آثَارِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَاتِّبَاعُ سَبِيلِ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَاتِّبَاعُ وَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - حَيْثُ قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ؛ فَإِنْ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ».\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nوأخيرًا بعد ما فرغ المُصَنِّف من بيان منهج أهل السنة في مسائل العقيدة، ناسب أن يذكر منهجَهم في عموم الدين وأصوله وما يتفرع من ذلك، وذكر جملة من صفاتهم التي ترسم منهجهم وهي:\n١ - اتباع آثار الرسول ﷺ ظاهرًا وباطنًا.\n٢ - اتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار.\n٣ - اتباع وصية رسول الله - ﷺ - حيث قال: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي تَمَسَّكُوا بِهَا ...» (^١)، والفرق بين اتباع سبيل السابقين الأولين واتباعِ وصيةِ رسول الله - ﷺ - كما في هذا الحديث هو: أن اتباع سبيل السابقين الأولين اتباعٌ عامٌّ للصحابة جميعًا، أما اتباع الوصية الواردة في الحديث فهو: اتباع خاص للخلفاء الأربعة رضوان الله عليهم أجمعين.\n٤ - أنهم يعظمون كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٨/ ٣٧٥) رقم (١٧١٤٥)، وأبو داود (٤/ ٢٠١) رقم (٤٦٠٧)، والترمذي رقم (٢٦٧٦)، وابن ماجه (١/ ١٦) رقم (٤٣) من حديث العرباض بن سارية، وهو حديثٌ صحيحٌ تتابعت عبارات الأئمة في تصحيحه؛ كالترمذي وأبي نُعَيْم والبغوي، وغيرهم.","vol":"1","page":209},{"text":"وَيَعْلَمُونَ أَنَّ أَصْدَقَ الْكَلَامِ كَلَامُ الله، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ - ﷺ -، وَيُؤْثِرُونَ كَلَامَ الله عَلَى غَيْرِهِ مِنْ كَلَامِ أَصْنَافِ النَّاسِ، وَيُقَدِّمُونَ هَدْيَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - عَلَى هَدْيِ كُلِّ أَحَدٍ، وَلِهَذَا سُمُّوا (أَهْلَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ)، وَسُمُّوا (أَهْلَ الجَمَاعَةِ)؛ لِأَنَّ الجَمَاعَةَ هِيَ الِاجْتِمَاعُ، وَضِدُّهَا الْفُرْقَةُ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُ الجَمَاعَةِ قَدْ صَارَ اسْمًا لِنَفْسِ الْقَوْمِ المُجْتَمِعِينَ.\nوَالْإِجْمَاعُ هُوَ الْأَصْلُ الثَّالِثُ الَّذِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ، وَهُمْ يَزِنُونَ بِهَذِهِ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ النَّاسُ مِنْ أَقْوَالٍ وَأَعْمَالٍ بَاطِنَةٍ أَوْ ظَاهِرَةٍ مِمَّا لَهُ تَعَلُّقٌ بِالدِّينِ، وَالْإِجْمَاعُ الَّذِي يَنْضَبِطُ: هُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ؛ إِذْ بَعْدَهُمْ كَثُرَ الِاخْتِلَافُ، وَانْتَشَرَ فِي الْأُمَّةِ.\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\n٥ - الاجتماع على الكتاب والسنة، والتعاونُ على البر والتقوى.\n٦ - أنهم يَزِنون الناس بالأصول الثلاثة؛ وهي الكتاب والسنة والإجماع الذي كان عليه السلف الصالح.\nأما إجماع مَن بعدهم، فلم يصح كثيرٌ منه لسببين هما:\nأ- كثرة الاختلاف.\nب- انتشار المسلمين في أقطار الأرض مما يشق معه نقل الإجماع؛ قال الإمام أحمد ﵀: «مَنِ ادَّعى الإجماعَ فقد كذب» (^١).\n_________\n(^١) العدة في أصول الفقه لأبي يعلى الفراء (٤/ ١٠٥٩).","vol":"1","page":210},{"text":"ثُمَّ هُمْ مَعَ هَذِهِ الْأُصُولِ يَامُرُونَ بِالمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ؛ عَلَى مَا تُوجِبُهُ الشَّرِيعَةُ.\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nقوله: «ثُمَّ هُمْ مَعَ هَذِهِ الْأُصُولِ يَامُرُونَ بِالمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ...».\nهذا فصل جديد عقَدَه المُصَنِّف لبيان صفات أهل السنة والجماعة؛ فبعدما ذكر أصول عقيدتهم ناسَبَ أن يذكر صفاتهم؛ ولهذا قال: «ثُمَّ هُمْ مَعَ هَذِهِ الْأُصُولِ»؛ إذ انتهى الكلام عن الأصول، فانتقل المصنف لذكر صفات أهل السنة، فأول صفة من صفاتهم:<span data-type=\"title\" id=toc-92> الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر</span>، لكنه كان موفَّقًا ﵀ حيث قيد هذه الصفة بقيد مهم وهو قوله: «عَلَى مَا تُوجِبُهُ الشَّرِيعَةُ» يعني أن قيامَهم بهذا هو على وَفْق ما جاء في الشريعة، وقد بين ذلك بيانًا أوسع في عددٍ من مؤلفاته؛ ومن ذلك قوله: «لا بد من العلم بالمعروف والمنكر والتمييز بينهما، ولا بد من العلم بحال المأمور وحال المَنهيِّ، ثم قال: ولا بد في ذلك من الرفق، ولا بد أن يكون حليمًا صبورًا على الأذى؛ فإنه لا بد أن يحصُل له أذًى، ثم قال: فإن لم يحلُم ويصبِرْ كان ما يفسدُ أكثرَ مما يصلحُ، فلا بد من العلم والرفق والصبر والعلم قبل الأمر والنهي، والرفق معه، والصبر بعده» (^١).\nونستفيد من هذا الكلام أن للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عدةَ شروط:\n١ - العلم بحال المأمور وحال المنهي.\n_________\n(^١) الاستقامة (٢/ ٢٣٠).","vol":"1","page":211},{"text":"وَيَرَوْنَ إِقَامَةَ الحَجِّ وَالْجِهَادِ وَالجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ مَعَ الْأُمَرَاءِ؛ أَبْرَارًا كَانُوا أَوْ فُجَّارًا، وَيُحَافِظُونَ عَلَى الجَمَاعَاتِ،\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\n٢ - العلم بالمعروف والمنكر والتمييز بينهما، فقد يظن الظان أن هذا منكر وليس بمنكر، أو هو معروف وليس كذلك، ولهذا أمثلة منها:\nالمثال الأول: مَن ينكر على من يجلس جلسة الاستراحة ظنًّا منه أنها غيرُ مشروعة.\nالمثال الثاني: مَن ينكر على من يصلي تحية المسجد بعد صلاة العصر بناءً على أنها وقت نهي، مع أنَّ الذي يصليها يحتجُّ بكونها من ذوات الأسباب.\nالمثال الثالث: مَن ينكر في الحج على من يرمي قبل الزوال، باعتبار أنه خلافُ السُّنة، مع أن الذي يعمل بذلك يحتج بقولِ مَن أجازه.\n٣ - الرفق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\n٤ - الحِلم والصبر على الأذى في ذلك، ومتى ما التزم الداعيةُ بهذه الشرائط كان ذلك طريقًا إلى قبوله في النفوس.\nقوله: «وَيَرَوْنَ إِقَامَةَ الحَجِّ وَالْجِهَادِ وَالجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ مَعَ الْأُمَرَاءِ ...» هذا من أصول أهل السنة:<span data-type=\"title\" id=toc-93> إقامة الحج والجهاد والجمع والأعياد مع الولاة المسلمين</span>؛ أبرارًا كانوا أو فجارًا. ودليله قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩].","vol":"1","page":212},{"text":"وَيَدِينُونَ بِالنَّصِيحَةِ لِلْأُمَّةِ،\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nوقد كان الصحابة - ﵃ - يصلون مع مَنْ يعرفون فِسقَهم؛ كصلاة ابن عمر خلف الحجاج، وصلاة ابن مسعود خلف الوليد بن عقبة.\nوقد جاء عن الوليد بن عقبة أنه صلى مرة الفجر أربع ركعات بسبب شرب الخمر (^١)، ومع ذلك لم يَمنع ذلك الصحابةَ أن يصلوا خلفه، لكنهم أنكروا عليه.\nقوله: «وَيَدِينُونَ بِالنَّصِيحَةِ لِلْأُمَّةِ» دليلُ هذا حديثُ تميم الداري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ»، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: «لله وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ المسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» (^٢).\n- المراد بالنصيحة لله: الإيمان به وبربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته.\n- المراد بالنصيحة للرسول: تصديقه واتباعه.\n- المراد بالنصيحة للكتاب: الإيمان به وتدبره والعمل به.\n- المراد بالنصيحة لأئمة المسلمين: أمرهم بالمعروف، ونهيُهم عن المنكر، ودلالتُهم على الحق، وطاعتهم بالمعروف، وتبصيرهم بالحق إذا انحرفوا عنه.\n- المراد بالنصيحة للعامة: أمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وكفُّ الأذى عنهم، والسعي في مصالحهم الدنيوية والأخروية.\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في معرفة السنن والآثار (١٣/ ٥١) رقم (١٧٤٢٨).\n(^٢) أخرجه مسلم (١/ ٧٤) رقم (٥٥) من حديث تميم الداري - ﵁ -.","vol":"1","page":213},{"text":"وَيَعْتَقِدُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ - ﷺ -: «المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. وَقَوْلِهِ - ﷺ -: «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ؛ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ».\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nقوله: «وَيَعْتَقِدُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ: «المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» (^١)» هذا مَثَلٌ مثَّل به النبي ﷺ لبيان وجوب وحدة المسلمين وتعاوُنهم فيما بينهم؛ حيث شبه ذلك بتشبيك الأصابع، وفي هذا دليل على وجوب الترابط بين المسلمين.\nوقوله: «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الجسَدِ ...» (^٢)؛ يؤخذ من هذا الحديث أن الأخوة الإيمانية سببٌ للتعاطف والتراحم، وفيه الحث على جمع الكلمة، والتحذيرُ من الاختلاف، ومشروعية تفقد أحوال المسلمين.\nوقد اشتهر على ألسنة الناس حديثُ: «مَنْ لا يَهْتَمُّ بِأَمْرِ المُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ»، ومعناه صحيح، لكن سنده ضعيف (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣/ ١٢٩) رقم (٢٤٤٦)، ومسلم (٤/ ١٩٩٩) رقم (٢٥٨٥) من حديث أبي موسى - ﵁ -.\n(^٢) أخرجه البخاري (٨/ ١٠) رقم (٦٠١١)، ومسلم (٤/ ١٩٩٩) رقم (٢٥٨٦) من حديث النعمان بن بشير - ﵁ -.\n(^٣) أخرجه الطبراني في الصغير (٢/ ١٣١). وينظر: الفوائد المجموعة ص (٨٣)، وكشف الخفاء (٢/ ١٦١٤)، والسلسلة الضعيفة (١/ ٤٨٣).","vol":"1","page":214},{"text":"وَيَامُرُونَ بِالصَّبْرِ عِنْدَ الْبَلَاءِ، وَالشُّكْرِ عِنْدَ الرَّخَاءِ، وَالرِّضَى بِمُرِّ الْقَضَاءِ.\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nقوله: «وَيَامُرُونَ بِالصَّبْرِ عِنْدَ الْبَلَاءِ، وَالشُّكْرِ عِنْدَ الرَّخَاءِ، وَالرِّضَى بِمُرِّ الْقَضَاءِ» ذكر المُصَنِّف هنا عددًا من صفات أهل السنة المتعلقة بأقدار الله التي يقدرها على عباده:\nالصفة الأولى: أنهم يأمرون بالصبر على البلاءِ، والبلاءُ على نوعين:\nالأول: بلاء في الدنيا. والثاني: بلاء في الدين. أما البلاء في الدنيا فالواجب نحوَه احتسابُ الأجر بالصبر، أما البلاء في الدين فالواجب فيه الثبات على الحق، والأخذ بوسائل الوقاية من الفتن والمغريات.\nالصفة الثانية: الشكر عند الرخاء، كما بين ذلك النبي ﷺ في قوله: «عَجَبًا لِأَمْرِ المؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» (^١).\nوأيهما أفضل: الصبر على البلاء أو الشكر عند الرخاء؟\nالجواب: هذه مسألة: طويلة كتب فيها ابن تيمية وألف فيها ابن القيم (عُدة الصابرين)، وملخص هذه المسألة أن فيها أقوالًا:\nالأول: أَنَّ الصبر أفضل.\nالثاني: أَنَّ الشكر أفضل.\nالثالث: أَنَّ الصبر والشكر بمنزلةٍ واحدةٍ.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٤/ ٢٢٩٥) رقم (٢٩٩٩) من حديث صهيب - ﵁ -.","vol":"1","page":215},{"text":"وَيَدْعُونَ إِلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَمَحَاسِنِ الْأَعْمَالِ، وَيَعْتَقِدُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ - ﷺ -: «أَكْمَلُ المُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا».\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nوالقول الذي انتصر له ابنُ القيم وشيخه ابن تيمية (^١) أن لا يُقال بتفضيل أحدهما على الآخر، بل هذا يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، فقد يكون الشكرُ في حق شخص أفضلَ من الصبر، وقد يكون الصبرُ في حق شخصٍ آخرَ أفضلَ من الشكر، فالغني يكون الشكر في حقه أفضل، والفقير يكون الصبر في حقه أفضل، وهكذا.\nالصفة الثالثة:<span data-type=\"title\" id=toc-95> الرضى بمر القضاء</span>، وصفة الرضى أعلى من صفة الصبر وهي من أعلى المنازل، وقد تحدث عنها ابن القيم في كتابه (مدارج السالكين في منازل إياك نعبد وإياك نستعين)، وبين ﵀ عظم فضلها، وعلو مرتبتها.\nقوله: «وَيَدْعُونَ إِلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَمَحَاسِنِ الْأَعْمَالِ» هذه وصية من المُصَنِّف تتعلق بأهمية الأخلاق وحسن التعامل مع المسلمين، وأن هذا هو ما يدعو إليه أهل السنة، قال الشاعر:\nوَإِنَّما الأُمَمُ الأَخْلَاقُ مَا بَقِيَتْ ... فَإِنْ هُمُو ذَهَبَتْ أَخْلَاقُهُمْ ذَهَبُوا\nوقال آخر:\nصَلَاحُ أَمْرِكَ لِلْأَخْلَاقِ مَرْجِعُهُ ... فَقَوِّمِ النَّفْسَ بِالأَخْلَاقِ تَسْتَقِمِ ذهبوا\nقال ابن القيم ﵀: حسن الخلق يقوم على أربعة أركان:\n_________\n(^١) ينظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٢١)، وعدة الصابرين ص (١١١ - ١٣٤).","vol":"1","page":216},{"text":"وَيَنْدُبُونَ إِلَى أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ.\nوَيَامُرُونَ بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ،\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\n١ - الصبر. ٢ - الشجاعة. ... ٣ - العفة. ... ٤ - العدل (^١).\nقوله: «وَيَنْدُبُونَ إِلَى أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ» استدلالًا بقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] وقوله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ [النور:٢٢] وهذه من أعظم الصفات: أنهم يصلون ما أمر الله به أن يوصل، ويأخذون العفو ويعرضون عن الجاهلين.\nوقوله: «وَيَامُرُونَ بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ» النصوص كثيرة في الأمر به وفضله، منها: قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء:٢٣،٢٤].\nوقوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان:١٤،١٥].\n_________\n(^١) ينظر: مدارج السالكين (٢/ ٢٩٤).","vol":"1","page":217},{"text":"وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ،\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nومنها: ما رواه «البخاري» و«مسلم» من حديث ابن مسعود ﵁، قال: «سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ: أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلَى الله؟ قَالَ: الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ثُمَّ بِرُّ الوَالِدَيْنِ» (^١).\nقوله: «وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ» وقد جاءت نصوص كثيرة في<span data-type=\"title\" id=toc-98> فضل صلة الأرحام</span>؛ من أعظمها: قولُ الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢١ - ٢٤].\nومنها حديثُ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ..» (^٢).\nومنها: «الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللهُ» (^٣).\nقوله: «وَحُسْنِ الْجِوَارِ» وقد جاءت فيه نصوص كثيرة تؤكد حق الجار في الإسلام؛ من ذلك:\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١/ ١١٢) رقم (٥٢٧)، وصحيح مسلم (١/ ٨٩) رقم (٨٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٨/ ٣٢) رقم (٦١٣٨) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٣) أخرجه مسلم (٤/ ١٩٨١) رقم (٢٥٥٥) من حديث عائشة - ﵂ -.","vol":"1","page":218},{"text":"وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْيَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالرِّفْقِ بِالمَمْلُوكِ.\nوَيَنْهَوْنَ عَنِ الْفَخْرِ وَالخُيَلَاءِ، وَالْبَغْيِ، وَالِاسْتِطَالَة عَلَى الخَلْقِ بِحَقٍّ أَوْ بِغَيْرِ حَقٍّ،\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\n- ما رواه «البخاري» و«مسلم» عن أبي شُريح ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ ...» (^١).\n- وفي «مسلم» عن أبي ذر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَهَا وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ» (^٢).\nقوله: «وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْيَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ...»؛ لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة:٢١٥].\nقوله: «وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْفَخْرِ وَالخُيَلَاءِ، وَالْبَغْيِ ...» الفخر: هو التمدح بالخصال، والخيلاء: هو الكِبْر، جاء في «الصحيحين»: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِى قَدْ أَعْجَبَتْهُ جُمَّتُهُ وَبُرْدَاهُ؛ إِذْ خُسِفَ بِهِ الأَرْضُ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِي الأَرْضِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» (^٣).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٨/ ١١) رقم (٦٠١٩)، وصحيح مسلم (٣/ ١٣٥٢) رقم (٤٨) من حديث أبي شريح العدوي - ﵁ -.\n(^٢) صحيح مسلم (٤/ ٢٠٢٥) رقم (٢٦٢٥).\n(^٣) صحيح البخاري (٧/ ١٤١) رقم (٥٧٨٩)، وصحيح مسلم (٣/ ١٦٥٣) رقم (٢٠٨٨) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":219},{"text":"وَيَامُرُونَ بِمَعَالِي الْأَخْلَاقِ، وَيَنْهَوْنَ عَنْ سَفْسَافِهَا، وَكُلُّ مَا يَقُولُونَهُ أَوْ يَفْعَلُونَهُ مِنْ هَذَا وَغَيْرِهِ؛ فَإِنَّمَا هُمْ فِيهِ مُتَّبِعُونَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.\nوَطَرِيقَتُهمْ هِيَ دِينُ الْإِسْلَامِ الَّذِي بَعَثَ الله بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ، لَكِنْ لَمَّا أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ أُمَّتَهُ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ؛ إِلَّا وَاحِدَةً، وَهِيَ الجمَاعَةُ، وَفِي حَدِيثٍ عَنْهُ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «هُمْ مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي»؛ صَارَ المُتَمَسِّكُونَ بِالْإِسْلَامِ المَحْضِ الخالِصِ عَنِ الشَّوْبِ هُمْ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ؛ وَفِيهِمُ الصِّدِّيقُونَ، وَالشُّهَدَاءُ، وَالصَّالِحُونَ.\nوَمِنْهُمْ أَعْلَامُ الهُدَى، وَمَصَابِيحُ الدُّجَى، أُولُو المَنَاقِبِ المَاثُورَةِ، وَالْفَضَائِلِ المذْكُورَةِ،\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nثم جمع هذه الصفات المحمودة بقوله: «وَيَامُرُونَ بِمَعَالِي الْأَخْلَاقِ، وَيَنْهَوْنَ عَنْ سَفْسَافِهَا» هذه جملة كافية في الأخلاق الجامعة.\nقوله: «وَكُلُّ مَا يَقُولُونَهُ أَوْ يَفْعَلُونَهُ مِنْ هَذَا وَغَيْرِهِ؛ فَإِنَّمَا هُمْ فِيهِ مُتَّبِعُونَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ...» ذكر المُصَنِّف في ختام هذه الرسالة منهج أهل السنة والجماعة فيما يقولون ويفعلون وأنه محكوم بما جاء في الكتاب والسنة.\nوأن طريقتهم هي دين الإسلام، وهم أصحاب الإسلام الخالص من الشوائب، ولذلك فازوا بهذا اللقب الشريف «أهل السنة والجماعة»، ولهذا وجد منهم طوائف بلغوا المراتب العالية.\nقوله: «وَمِنْهُمْ أَعْلَامُ الهُدَى» أعلام الهدى: أي الأعلام العالمون.","vol":"1","page":220},{"text":"وَفِيهِمُ الْأَبْدَالُ، وَفِيهِمْ أَئِمَّةُ الدِّينِ، الَّذِينَ أَجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلَى هِدَايَتِهِمْ ودِرَايَتِهم، وَهُمُ الطَّائِفَةُ المنْصُورَةُ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمُ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الحَقِّ مَنْصُورَةٌ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، وَلَا مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ».\nنَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْهُمْ، وَأَنْ لَا يُزِيغَ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا، وَأَنْ يَهَبَ لَنَا مِنْ لَدُنْهُ رَحْمَةً إِنَّهُ هُوَ الْوَهَّابُ، وَالله أَعْلَمَ، وَصَلَّى الله عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.\n<hr><span data-type=\"title\">الشرح</span>\n\nقوله: «وَفِيهِمُ الْأَبْدَالُ» الأبدال: جمع بَدَل، وهم الذين يخلُف بعضُهم بعضًا في تجديد هذا الدين والدفاع عنه، كما في الحديث: «إِنَّ اللهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَاسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا» (^١).\nهم الأولياء والعباد، وسُموا بهذا الاسم لأنه كلما مات أحد منهم أُبدِل بآخر، فلذلك سُموا أبدالًا.\nقوله: «وَفِيهِمْ أَئِمَّةُ الدِّينِ» أي الأئمة المقتدى بهم؛ كالأئمة الأربعة ثم مَن جاء بعدهم من أصحاب الفضل والفقه والدين، ولعل كاتب هذه الرسالة من أوائل هؤلاء.\nثم دعا بدعوة قال فيها: «نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْهُمْ، وَأَنْ لَا يُزِيغَ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا، وَأَنْ يَهَبَ لَنَا مِنْ لَدُنْهُ رَحْمَةً إِنَّهُ هُوَ الْوَهَّابُ».\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤/ ١٠٩) رقم (٤٢٩١) من حديث أبي هريرة - ﵁ -، وإسناده صحيح.","vol":"1","page":221},{"text":"وبهذه الدعوة المباركة ختم المُصَنِّف هذه الرسالةَ النافعة المباركة التي حوت علمًا عظيمًا على صغر حجمها، فنسأل الله أن يَجزيه عن الإسلام خيرَ الجزاء.\nوصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.\nد. عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل\nالقصيم - بريدة\nبريد إلكتروني:al.agal@hotmail.com","vol":"1","page":222}]}