{"ً":{"ٌ":566,"ٍ":"الإيمان باليوم الآخر وأثره على الفرد والمجتمع","َ":4,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: الإيمان باليوم الآخر، وأثره على الفرد والمجتمع\nرسالة: ماجستير في العقيدة بجامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية بأم درمان في السودان\nإعداد: مازن بن محمد بن عيسى\nإشراف: د صلاح إبراهيم عيسى\nالعام الجامعي: ١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م\nعدد الصفحات: ٧٧٢\n[كتاب إلكتروني بترقيم الشاملة]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":3105,"ٕ":1,"ٖ":1780758677,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"تقديم","level":1,"page":2},{"title":"مقدمة الأستاذ الدكتور صلاح إبراهيم عيسى","level":2,"page":2},{"title":"الإهداء","level":2,"page":3},{"title":"شكر","level":2,"page":4},{"title":"مقدمة","level":1,"page":5},{"title":"أهمية الموضوع","level":2,"page":7},{"title":"أسباب اختيار الموضوع","level":2,"page":10},{"title":"سبب اختيار العنوان، وما امتازت به العقيدة الواسطية عن غيرها","level":2,"page":13},{"title":"الدراسات السابقة","level":2,"page":18},{"title":"(خطة البحث)","level":2,"page":20},{"title":"(منهج البحث)","level":2,"page":23},{"title":"الباب الأول الإيمان باليوم الآخر حقيقته، وحتميته، وأهميته، وأدلته، والرد على منكريه","level":1,"page":25},{"title":"الفصل الأول اليوم الآخر","level":2,"page":26},{"title":"المبحث الأول: الإيمان باليوم الاخر","level":3,"page":26},{"title":"المطلب الأول: التعريف باليوم الآخر","level":4,"page":34},{"title":"المسألة الأولى: معنى كلمة (اليوم)","level":5,"page":34},{"title":"المسألة الثانية: معنى كلمة (الآخر)","level":5,"page":37},{"title":"المسألة الثالثة: معنى (اليوم الآخر)","level":5,"page":38},{"title":"المطلب الثاني: حقيقة اليوم الآخر والإيمان به","level":4,"page":43},{"title":"المسألة الأولى: حقيقة اليوم الآخر والإيمان به","level":5,"page":43},{"title":"المسألة الثانية: أسماء اليوم الآخر","level":5,"page":46},{"title":"المطلب الثالث: سبب تسمية اليوم الآخر بهذا الاسم","level":4,"page":48},{"title":"المبحث الثاني حكم الإيمان باليوم الآخر","level":3,"page":50},{"title":"المطلب الأول: حكم الإيمان باليوم الآخر، وحكم منكره","level":4,"page":51},{"title":"المسألة الأولى: حكم الإيمان باليوم الآخر، وحكم منكره","level":5,"page":51},{"title":"المسألة الثانية: قصر المتكلمين أدلة إثبات اليوم الآخر في السمعيات فقط","level":5,"page":56},{"title":"المسألة الثالثة: ظن المتكلمين أن القول بالبعث والمعاد لا يعرف إلا بإثبات نظرية الجوهر الفرد","level":5,"page":67},{"title":"المطلب الثاني اتفاق الشرائع على الإيمان باليوم الآخر","level":4,"page":81},{"title":"المطلب الثالث القدر المجزئ من الإيمان باليوم الآخر","level":4,"page":85},{"title":"المبحث الثالث الترتيب بين أركان الإسلام","level":3,"page":88},{"title":"المطلب الأول التلازم والترابط بين الأركان","level":4,"page":89},{"title":"المطلب الثاني سر الاقتران بين ركني الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر","level":4,"page":93},{"title":"المبحث الرابع اختلاف موازيين الدنيا وقوانينها عن موازين الآخرة وقوانينها","level":3,"page":100},{"title":"المطلب الأول اختلاف قوانين الدنيا عن قوانين الاخرة وسننها","level":4,"page":101},{"title":"المطلب الثاني أمثلة تبين حقيقة الاختلاف في الموازيين والقوانين الدنيوية والأخروية","level":4,"page":103},{"title":"المبحث الخامس أقسام الناس في الإيمان باليوم الآخر","level":3,"page":109},{"title":"المطلب الأول مذهب أهل السنة والجماعة في اليوم الآخر","level":4,"page":110},{"title":"المطلب الثاني مذهب طوائف أهل الكلام في اليوم الآخر","level":4,"page":112},{"title":"المبحث السادس: الأدلة الإجمالية لإثبات اليوم الآخر","level":3,"page":121},{"title":"تمهيد","level":4,"page":122},{"title":"المطلب الأول أدلة القرآن الكريم على إثبات اليوم الآخر، (الأدلة النقلية)","level":4,"page":124},{"title":"المطلب الثاني الأدلة العقلية على إثبات اليوم الآخر","level":4,"page":155},{"title":"١ - دليل العدالة","level":5,"page":155},{"title":"٢ - دليل الحكمة","level":5,"page":156},{"title":"٣ - دليل الفطرة","level":5,"page":158},{"title":"الفصل الثاني: اليوم الآخر في الكتاب والسنة","level":2,"page":160},{"title":"المبحث الأول (اليوم الآخر في الكتاب العظيم)","level":3,"page":162},{"title":"المطلب الأول: المميزات العامة لطريقة القرآن الكريم في البيان","level":4,"page":162},{"title":"المطلب الثاني اليوم الآخر في القرآن الكريم","level":4,"page":172},{"title":"المسألة الأولى صور عناية القرآن الكريم باليوم الآخر","level":5,"page":173},{"title":"المسألة الثانية: أسباب العناية باليوم الآخر في القرآن الكريم","level":5,"page":177},{"title":"المسألة الثالثة: نتائج العناية باليوم الآخر في القرآن الكريم","level":5,"page":181},{"title":"المبحث الثاني اليوم الآخر في السنة النبوية المطهرة","level":3,"page":183},{"title":"المطلب الأول صور العناية النبوية باليوم الاخر","level":4,"page":185},{"title":"المطلب الثاني أسباب عناية السنة النبوية باليوم الآخر","level":4,"page":192},{"title":"الفصل الثالث: اليوم الآخر عند الأديان والملل والنحل","level":2,"page":200},{"title":"المبحث الأول اختلاف الناس في أمر البعث والمعاد","level":3,"page":203},{"title":"المطلب الأول أقوال الناس في المعاد","level":4,"page":204},{"title":"المطلب الثاني الشبه المتوهمة لإنكار البعث","level":4,"page":206},{"title":"المسألة الأولى: حكاية القرآن الكريم لشبه المنكرين للبعث والمعاد","level":5,"page":206},{"title":"المسألة الثانية أسباب استبعاد المنكرين للبعث والمعاد","level":5,"page":211},{"title":"المسألة الثالثة الدلائل اليقينية الدالة على البعث والمعاد","level":5,"page":215},{"title":"المسألة الرابعة شبهات منكري البعث","level":5,"page":217},{"title":"المبحث الثاني: مشركو العرب والبعث","level":3,"page":229},{"title":"المطلب الأول العرب الجاهليون وإنكار البعث","level":4,"page":230},{"title":"المطلب الثاني إيمان بعض الجاهليين بالبعث","level":4,"page":233},{"title":"المبحث الثالث: اليهود واليوم الآخر","level":3,"page":239},{"title":"المطلب الأول عقيدة نبي الله موسى ﵇، وقومه في المعاد","level":4,"page":240},{"title":"المطلب الثاني عقيدة الآخر في العهد القديم والأسفار","level":4,"page":244},{"title":"المبحث الرابع: النصارى واليوم الآخر","level":3,"page":250},{"title":"المطلب الأول عقيدة نبي الله عيسى ﵇، وقومه في المعاد","level":4,"page":251},{"title":"المطلب الثاني المعاد في العهد الجديد","level":4,"page":255},{"title":"المبحث الخامس: الفلاسفة واليوم الآخر","level":3,"page":263},{"title":"المطلب الأول الفلاسفة وانحراف طرائقهم في المعاد والشرائع","level":4,"page":264},{"title":"المطلب الثاني قول الفلاسفة في المعاد","level":4,"page":270},{"title":"المبحث السادس: عقيدة اليوم الآخر عند بعض الأديان الوضعية","level":3,"page":278},{"title":"المطلب الأول قدماء المصريين واليوم الآخر","level":4,"page":279},{"title":"المطلب الثاني بعض الديانات الهندية واليوم الآخر","level":4,"page":281},{"title":"الباب الثاني: المسائل المتعلقة باليوم الآخر على ضوء العقيدة الواسطية","level":1,"page":288},{"title":"الفصل الأول: المسائل المتعلقة باليوم الآخر من الموت إلى ما قبل البعث","level":2,"page":288},{"title":"المبحث الأول الموت، حقيقته، والآثار الواردة فيه","level":3,"page":289},{"title":"المطلب الأول: تعريف الموت لغة واصطلاحا","level":4,"page":290},{"title":"المسألة الأولى: تعريف الموت لغة","level":5,"page":290},{"title":"المسألة الثانية تعريف الموت في الاصطلاح","level":5,"page":293},{"title":"المطلب الثاني الموت في القرآن الكريم","level":4,"page":303},{"title":"المسألة الأولى أوجه اهتمام القرآن الكريم بذكر الموت","level":5,"page":305},{"title":"المسألة الثانية أسباب اهتمام القرآن الكريم بذكر الموت","level":5,"page":313},{"title":"المسألة الثالثة نتائج اهتمام القرآن الكريم بذكر الموت","level":5,"page":315},{"title":"المبحث الثاني الحياة البرزخية","level":3,"page":321},{"title":"المطلب الأول: فتنة القبر","level":4,"page":321},{"title":"المسألة الأولى: حكاية الإجماع على حصول الفتنة في القبور","level":5,"page":321},{"title":"المسألة الثانية: تواتر الأخبار والنصوص في إثبات فتنة القبر","level":5,"page":324},{"title":"المسألة الثالثة معنى فتنة القبر.","level":5,"page":333},{"title":"المسألة الرابعة بعض المسائل المتعلقة بفتنة القبر","level":5,"page":337},{"title":"المطلب الثاني عذاب القبر ونعيمه","level":4,"page":345},{"title":"المسألة الأولى: حكاية إجماع أهل السنة على وقوع عذاب القبر ونعيمه","level":5,"page":346},{"title":"المسألة الثانية تواتر النصوص الشرعية في إثبات عذاب القبر","level":5,"page":349},{"title":"المسألة الثالثة أدلة إثبات عذاب القبر","level":5,"page":351},{"title":"المسألة الرابعة المنكرون لعذاب القبر","level":5,"page":360},{"title":"المسألة الخامسة شبهات المنكرين لعذاب القبر","level":5,"page":370},{"title":"أ. شبه نقلية","level":6,"page":371},{"title":"ب. شبهة عقلية","level":6,"page":374},{"title":"الفصل الثاني: المسائل المتعلقة باليوم الآخر من البعث إلى دخول الجنة أو النار","level":2,"page":386},{"title":"المبحث الأول قيام الساعة وإعادة الأرواح للأجساد","level":3,"page":387},{"title":"المطلب الأول: قيام القيامة الكبرى","level":4,"page":387},{"title":"تمهيد","level":5,"page":387},{"title":"المسألة الأولى: حكاية الإجماع على القيامة الكبرى","level":5,"page":388},{"title":"المسألة الثانية: دلائل القرآن والسنة على القيامة الكبرى","level":5,"page":389},{"title":"المطلب الثاني إعادة الأرواح للأجساد (البعث)","level":4,"page":397},{"title":"المطلب الثالث صفة قيام الناس من قبورهم","level":4,"page":400},{"title":"المسألة الأولى: حكاية بعض أقوال العلماء في حشر الناس على هذه الصفة","level":5,"page":401},{"title":"المسألة الثانية: أدلة حشر الناس على هذه الصفة","level":5,"page":401},{"title":"المسألة الثالثة: جاء في وصف بعث الخليقة يوم القيامة، أنه يبعثون حفاة عراة غرلا بهما","level":5,"page":403},{"title":"المبحث الثاني: أحداث القيامة الكبرى","level":3,"page":406},{"title":"المطلب الأول دنو الشمس ولجوم العرق","level":4,"page":406},{"title":"المطلب الثاني إثبات الميزان","level":4,"page":411},{"title":"المسألة الأولى: حكاية إجماع العلماء وأقوالهم في إثبات الميزان","level":5,"page":411},{"title":"المسألة الأولى: حكاية إجماع العلماء وأقوالهم في إثبات الميزان","level":6,"page":411},{"title":"المسألة الثانية: أدلة ثبوته في الكتاب والسنة","level":6,"page":413},{"title":"المسألة الثالثة: المنكرون للميزان","level":6,"page":416},{"title":"المسألة الرابعة: صفات الميزان","level":5,"page":418},{"title":"المسألة الخامسة: هل الميزان واحد أم هناك موازين متعددة؟ وما الموزون فيه؟ وهل هو خاص للمؤمنين؟","level":5,"page":425},{"title":"المطلب الثالث نشر الدواوين","level":4,"page":435},{"title":"المسألة الأولى: حكاية إجماع العلماء وأقوالهم في نشر صحف الأعمال يوم القيامة","level":5,"page":436},{"title":"المسألة الثانية: الأدلة من الكتاب والسنة","level":5,"page":437},{"title":"المسألة الثالثة: كيفية أخذ الكتب يوم القيامة","level":5,"page":442},{"title":"المطلب الرابع لحساب يوم القيامة","level":4,"page":445},{"title":"المسألة الأولى: حكاية إجماع العلماء وأقوالهم في إثبات الحساب يوم القيامة","level":5,"page":445},{"title":"المسألة الثانية: أدلة إثبات الحساب في الآخرة","level":5,"page":447},{"title":"أ - الأدلة القرآنية على إثبات الحساب","level":6,"page":447},{"title":"ب - أدلة السنة في إثبات الحساب","level":6,"page":455},{"title":"المسألة الثالثة: حساب الأنبياء وسؤالهم عليهم الصلاة والسلام","level":5,"page":461},{"title":"المسألة الرابعة: حساب الكفار","level":5,"page":463},{"title":"المطلب الخامس الحوض المورود","level":4,"page":472},{"title":"المسألة الأولى: حكاية إجماع العلماء وأقوالهم في إثبات الحوض المورود","level":5,"page":472},{"title":"المسألة الثانية: المخالفون في الحوض","level":5,"page":473},{"title":"المسألة الثالثة: أدلة إثبات الحوض المورود","level":5,"page":476},{"title":"المسألة الرابعة: أوصاف الحوض المورود","level":5,"page":479},{"title":"المسألة الخامسة: سؤالات العلماء عن الحوض","level":5,"page":482},{"title":"المطلب السادس الصراط","level":4,"page":487},{"title":"المسألة الأول: حكاية إجماع العلماء وأقوالهم في إثبات الصراط","level":5,"page":487},{"title":"المسألة الثانية: أدلة إثبات الصراط","level":5,"page":489},{"title":"أدلة إثبات الصراط من القرآن الكريم","level":6,"page":489},{"title":"أدلة السنة المطهرة في إثبات الصراط","level":6,"page":493},{"title":"المسألة الثالثة: المخالفون في الصراط","level":5,"page":495},{"title":"(أ) قالوا: لا فائدة من نصب الصراط إلا العبور عليه","level":6,"page":495},{"title":"(ب) إنكار أن يكون الصراط (أحد من السيف وأدق من الشعر)","level":6,"page":496},{"title":"المسألة الرابعة: صفات الصراط","level":5,"page":499},{"title":"المطلب السابع القنطرة بين الجنة والنار","level":4,"page":502},{"title":"المطلب الثامن أول من يستفتح باب الجنة، وأول الأمم دخولا إلى الجنة","level":4,"page":506},{"title":"المطلب التاسع الشفاعة","level":4,"page":518},{"title":"المسألة الأولى: حكاية إجماع العلماء وأقوالهم في إثبات الشفاعة","level":5,"page":521},{"title":"المسألة الثانية: الشفاعات التي ذكرها الإمام ابن تيمية","level":5,"page":523},{"title":"المسألة الثالثة: الأدلة العامة على إثبات الشفاعة في الآخرة","level":5,"page":536},{"title":"(أ) الأدلة المثبتة للشفاعة من القرآن الكريم","level":6,"page":536},{"title":"(ب) الأدلة المثبتة للشفاعة في الآخرة من السنة المطهرة","level":6,"page":537},{"title":"المسألة الرابعة: المخالفون في أمر الشفاعة يوم الدين","level":5,"page":539},{"title":"المبحث الثالث: تفاصيل أخبار اليوم الآخر","level":3,"page":557},{"title":"تمهيد","level":4,"page":557},{"title":"١ - المطلب الأول: اتفاق السلف على مسائل الآخرة","level":4,"page":557},{"title":"٢ - المطلب الثاني: أن إثبات المعاد من المشتركات بين الأمم والشرائع","level":4,"page":558},{"title":"٣ - المطلب الثالث: صفة العلم الموروث عن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام","level":4,"page":560},{"title":"الباب الثالث: أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد والمجتمع","level":1,"page":563},{"title":"الفصل الأول: اهتمام القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، ببيان أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد والمجتمع","level":2,"page":564},{"title":"المبحث الأول: الإنسان سيد هذا الكون","level":3,"page":565},{"title":"تمهيد","level":4,"page":566},{"title":"المطلب الأول مظاهر تكريم الإنسان","level":4,"page":567},{"title":"المطلب الثاني علاقة الإنسان بغيره: بالخالق، وبالكون، وبمثله، وبالدنيا، وبالآخرة","level":4,"page":576},{"title":"المسألة الأولى: علاقة الإنسان بخالقه","level":5,"page":576},{"title":"المسألة الثانية: علاقة الإنسان بالكون","level":5,"page":580},{"title":"المسألة الثالثة: علاقة الإنسان بالإنسان","level":5,"page":582},{"title":"المسألة الرابعة: علاقة الإنسان بالحياة الدنيا","level":5,"page":583},{"title":"المسألة الخامسة: علاقة الإنسان بآخرته","level":5,"page":585},{"title":"(أ) نصوص القرآن الكريم في إثبات سؤال المحاسبة يوم القيامة، قال الله تعالى","level":6,"page":586},{"title":"(ب) نصوص السنة المطهرة في إثبات سؤال المحاسبة يوم القيامة","level":6,"page":587},{"title":"المبحث الثاني: أثر الإيمان باليوم الآخر في تقويم السلوك، في ضوء نصوص القرآن والسنة","level":3,"page":589},{"title":"المطلب الأول أثر الإيمان باليوم الآخر في تقويم السلوك في ضوء القرآن الكريم","level":4,"page":590},{"title":"المطلب الثاني أثر الإيمان باليوم الآخر في تقويم السلوك في ضوء السنة النبوية المطهرة","level":4,"page":609},{"title":"الفصل الثاني: أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد والمجتمع","level":2,"page":616},{"title":"المبحث الأول أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد","level":3,"page":617},{"title":"المطلب الأول: الثراء المعرفي الموجب للأثر التعبدي وغيره","level":4,"page":622},{"title":"المطلب الثاني أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد من الناحية التعبدية","level":4,"page":631},{"title":"١ - الإخلاص لله تعالى","level":5,"page":631},{"title":"٢ - الرغبة في الآخرة، وإيثارها على الدنيا","level":5,"page":634},{"title":"٣ - أن ذكر الآخرة سبب من أسباب نجاة العبد","level":5,"page":636},{"title":"٤ - الخوف من الله تعالى","level":5,"page":636},{"title":"٥ - رجاء ما عند الله ﷿","level":5,"page":638},{"title":"٦ - محبة الله تعالى ورسوله ﵊","level":5,"page":643},{"title":"٧ - حفظ الجوارح والأعضاء عن المحارم","level":5,"page":646},{"title":"٨ - يورث مراقبة الله جل وعلا","level":5,"page":649},{"title":"٩ - سبب لصلاح القلب","level":5,"page":651},{"title":"١٠ - أنه يوجب تعزيز التقوى في نفس الفرد","level":5,"page":655},{"title":"المطلب الثالث أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد من الناحية النفسية","level":4,"page":657},{"title":"١ - قبول الحق وعدم رده","level":5,"page":658},{"title":"٢ - عدم الخوف من المستقبل","level":5,"page":659},{"title":"٣ - الاستقامة على شرع الله تعالى","level":5,"page":661},{"title":"٤ - تعلق القلب بالله وحده سبحانه","level":5,"page":664},{"title":"٥ - تماسك المسلم عن السقوط والانهيار","level":5,"page":666},{"title":"٦ - التسليم والرضا بكل ما يجري من المقادير","level":5,"page":666},{"title":"٧ - الشعور بالراحة والطمأنينة","level":5,"page":668},{"title":"٨ - تسلية المؤمن عما يفوته من أمور الدنيا، وتخفيف الهموم والأحزان","level":5,"page":671},{"title":"٩ - الشعور بالسعادة وإحياء الأمل في النفوس","level":5,"page":675},{"title":"١٠ - صمود الجوارح أما الرغبات النفسية","level":5,"page":676},{"title":"١١ - أنه يرى الموت نعمة كالحياة","level":5,"page":677},{"title":"المطلب الرابع أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد من الناحية السلوكية والأخلاقية","level":4,"page":679},{"title":"١ - البعد عن سيء الأخلاق","level":5,"page":679},{"title":"٢ - يورث المحبة والتواد بين المسلمين","level":5,"page":687},{"title":"٣ - يمنع الظلم","level":5,"page":687},{"title":"٤ - يربي المؤمن على تخطي المواقف الصعبة","level":5,"page":689},{"title":"٥ - بذل النفوس رخيصة في سبيل الله","level":5,"page":692},{"title":"٦ - يغرس في النفس الإقدام والسعي نحو أبواب البر والخير","level":5,"page":695},{"title":"٧ - يورث علو الهمة في الطاعات","level":5,"page":698},{"title":"٨ - يورث محاسبة النفس","level":5,"page":703},{"title":"٩ - التوبة إلى الله ﷿","level":5,"page":706},{"title":"خلاصة المطلب","level":5,"page":708},{"title":"المبحث الثاني أثر الإيمان باليوم الآخر على المجتمع","level":3,"page":711},{"title":"المطلب الأول أثر الإيمان باليوم الآخر على المجتمعات من الناحية التعبدية","level":4,"page":713},{"title":"١ - ينمي روح التآخي، ويزيد الألفة بين أفراد المجتمع","level":5,"page":713},{"title":"٢ - أن يأخذ الإنسان ما له، ويؤدي ما عليه","level":5,"page":716},{"title":"٣ - رد الحق لأهله (رد المظالم)","level":5,"page":716},{"title":"٤ - الشعور بالطمأنينة والأمن الدائمين","level":5,"page":718},{"title":"٥ - مصدر من مصادر القوة للأفراد لمواجهة الباطل","level":5,"page":719},{"title":"٦ - القناعة في الدنيا، والرغبة فيما عند الله تعالى","level":5,"page":721},{"title":"٧ - تنمية الشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين","level":5,"page":723},{"title":"٨ - قمع النفس عن الحرام والتزهيد فيه","level":5,"page":724},{"title":"المطلب الثاني أثر الإيمان باليوم الآخر على المجتمعات من الناحية السلوكية والأخلاقية","level":4,"page":725},{"title":"١ - حفظ الأخلاق","level":5,"page":726},{"title":"٢ - ينمي في الأفراد حب البذل والعطاء","level":5,"page":726},{"title":"٣ - أداء الحقوق","level":5,"page":729},{"title":"٤ - أنه سبب لحل جميع المشكلات","level":5,"page":731},{"title":"٥ - انخفاض معدلات الجريمة","level":5,"page":732},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":735},{"title":"التوصيات","level":2,"page":746},{"title":"تراجم لبعض الأعلام الوارد ذكرهم في البحث","level":1,"page":747},{"title":"المراجع","level":1,"page":752}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":49,"1,50":50,"1,51":51,"1,52":52,"1,53":53,"1,54":54,"1,55":55,"1,56":56,"1,57":57,"1,58":58,"1,59":59,"1,60":60,"1,61":61,"1,62":62,"1,63":63,"1,64":64,"1,65":65,"1,66":66,"1,67":67,"1,68":68,"1,69":69,"1,70":70,"1,71":71,"1,72":72,"1,73":73,"1,74":74,"1,75":75,"1,76":76,"1,77":77,"1,78":78,"1,79":79,"1,80":80,"1,81":81,"1,82":82,"1,83":83,"1,84":84,"1,85":85,"1,86":86,"1,87":87,"1,88":88,"1,89":89,"1,90":90,"1,91":91,"1,92":92,"1,93":93,"1,94":94,"1,95":95,"1,96":96,"1,97":97,"1,98":98,"1,99":99,"1,100":100,"1,101":101,"1,102":102,"1,103":103,"1,104":104,"1,105":105,"1,106":106,"1,107":107,"1,108":108,"1,109":109,"1,110":110,"1,111":111,"1,112":112,"1,113":113,"1,114":114,"1,115":115,"1,116":116,"1,117":117,"1,118":118,"1,119":119,"1,120":120,"1,121":121,"1,122":122,"1,123":123,"1,124":124,"1,125":125,"1,126":126,"1,127":127,"1,128":128,"1,129":129,"1,130":130,"1,131":131,"1,132":132,"1,133":133,"1,134":134,"1,135":135,"1,136":136,"1,137":137,"1,138":138,"1,139":139,"1,140":140,"1,141":141,"1,142":142,"1,143":143,"1,144":144,"1,145":145,"1,146":146,"1,147":147,"1,148":148,"1,149":149,"1,150":150,"1,151":151,"1,152":152,"1,153":153,"1,154":154,"1,155":155,"1,156":156,"1,157":157,"1,158":158,"1,159":159,"1,160":160,"1,161":161,"1,162":162,"1,163":163,"1,164":164,"1,165":165,"1,166":166,"1,167":167,"1,168":168,"1,169":169,"1,170":170,"1,171":171,"1,172":172,"1,173":173,"1,174":174,"1,175":175,"1,176":176,"1,177":177,"1,178":178,"1,179":179,"1,180":180,"1,181":181,"1,182":182,"1,183":183,"1,184":184,"1,185":185,"1,186":186,"1,187":187,"1,188":188,"1,189":189,"1,190":190,"1,191":191,"1,192":192,"1,193":193,"1,194":194,"1,195":195,"1,196":196,"1,197":197,"1,198":198,"1,199":199,"1,200":200,"1,201":201,"1,202":202,"1,203":203,"1,204":204,"1,205":205,"1,206":206,"1,207":207,"1,208":208,"1,209":209,"1,210":210,"1,211":211,"1,212":212,"1,213":213,"1,214":214,"1,215":215,"1,216":216,"1,217":217,"1,218":218,"1,219":219,"1,220":220,"1,221":221,"1,222":222,"1,223":223,"1,224":224,"1,225":225,"1,226":226,"1,227":227,"1,228":228,"1,229":229,"1,230":230,"1,231":231,"1,232":232,"1,233":233,"1,234":234,"1,235":235,"1,236":236,"1,237":237,"1,238":238,"1,239":239,"1,240":240,"1,241":241,"1,242":242,"1,243":243,"1,244":244,"1,245":245,"1,246":246,"1,247":247,"1,248":248,"1,249":249,"1,250":250,"1,251":251,"1,252":252,"1,253":253,"1,254":254,"1,255":255,"1,256":256,"1,257":257,"1,258":258,"1,259":259,"1,260":260,"1,261":261,"1,262":262,"1,263":263,"1,264":264,"1,265":265,"1,266":266,"1,267":267,"1,268":268,"1,269":269,"1,270":270,"1,271":271,"1,272":272,"1,273":273,"1,274":274,"1,275":275,"1,276":276,"1,277":277,"1,278":278,"1,279":279,"1,280":280,"1,281":281,"1,282":282,"1,283":283,"1,284":284,"1,285":285,"1,286":286,"1,287":287,"1,288":288,"1,289":289,"1,290":290,"1,291":291,"1,292":292,"1,293":293,"1,294":294,"1,295":295,"1,296":296,"1,297":297,"1,298":298,"1,299":299,"1,300":300,"1,301":301,"1,302":302,"1,303":303,"1,304":304,"1,305":305,"1,306":306,"1,307":307,"1,308":308,"1,309":309,"1,310":310,"1,311":311,"1,312":312,"1,313":313,"1,314":314,"1,315":315,"1,316":316,"1,317":317,"1,318":318,"1,319":319,"1,320":320,"1,321":321,"1,322":322,"1,323":323,"1,324":324,"1,325":325,"1,326":326,"1,327":327,"1,328":328,"1,329":329,"1,330":330,"1,331":331,"1,332":332,"1,333":333,"1,334":334,"1,335":335,"1,336":336,"1,337":337,"1,338":338,"1,339":339,"1,340":340,"1,341":341,"1,342":342,"1,343":343,"1,344":344,"1,345":345,"1,346":346,"1,347":347,"1,348":348,"1,349":349,"1,350":350,"1,351":351,"1,352":352,"1,353":353,"1,354":354,"1,355":355,"1,356":356,"1,357":357,"1,358":358,"1,359":359,"1,360":360,"1,361":361,"1,362":362,"1,363":363,"1,364":364,"1,365":365,"1,366":366,"1,367":367,"1,368":368,"1,369":369,"1,370":370,"1,371":371,"1,372":372,"1,373":373,"1,374":374,"1,375":375,"1,376":376,"1,377":377,"1,378":378,"1,379":379,"1,380":380,"1,381":381,"1,382":382,"1,383":383,"1,384":384,"1,385":385,"1,386":386,"1,387":387,"1,388":388,"1,389":389,"1,390":390,"1,391":391,"1,392":392,"1,393":393,"1,394":394,"1,395":395,"1,396":396,"1,397":397,"1,398":398,"1,399":399,"1,400":400,"1,401":401,"1,402":402,"1,403":403,"1,404":404,"1,405":405,"1,406":406,"1,407":407,"1,408":408,"1,409":409,"1,410":410,"1,411":411,"1,412":412,"1,413":413,"1,414":414,"1,415":415,"1,416":416,"1,417":417,"1,418":418,"1,419":419,"1,420":420,"1,421":421,"1,422":422,"1,423":423,"1,424":424,"1,425":425,"1,426":426,"1,427":427,"1,428":428,"1,429":429,"1,430":430,"1,431":431,"1,432":432,"1,433":433,"1,434":434,"1,435":435,"1,436":436,"1,437":437,"1,438":438,"1,439":439,"1,440":440,"1,441":441,"1,442":442,"1,443":443,"1,444":444,"1,445":445,"1,446":446,"1,447":447,"1,448":448,"1,449":449,"1,450":450,"1,451":451,"1,452":452,"1,453":453,"1,454":454,"1,455":455,"1,456":456,"1,457":457,"1,458":458,"1,459":459,"1,460":460,"1,461":461,"1,462":462,"1,463":463,"1,464":464,"1,465":465,"1,466":466,"1,467":467,"1,468":468,"1,469":469,"1,470":470,"1,471":471,"1,472":472,"1,473":473,"1,474":474,"1,475":475,"1,476":476,"1,477":477,"1,478":478,"1,479":479,"1,480":480,"1,481":481,"1,482":482,"1,483":483,"1,484":484,"1,485":485,"1,486":486,"1,487":487,"1,488":488,"1,489":489,"1,490":490,"1,491":491,"1,492":492,"1,493":493,"1,494":494,"1,495":495,"1,496":496,"1,497":497,"1,498":498,"1,499":499,"1,500":500,"1,501":501,"1,502":502,"1,503":503,"1,504":504,"1,505":505,"1,506":506,"1,507":507,"1,508":508,"1,509":509,"1,510":510,"1,511":511,"1,512":512,"1,513":513,"1,514":514,"1,515":515,"1,516":516,"1,517":517,"1,518":518,"1,519":519,"1,520":520,"1,521":521,"1,522":522,"1,523":523,"1,524":524,"1,525":525,"1,526":526,"1,527":527,"1,528":528,"1,529":529,"1,530":530,"1,531":531,"1,532":532,"1,533":533,"1,534":534,"1,535":535,"1,536":536,"1,537":537,"1,538":538,"1,539":539,"1,540":540,"1,541":541,"1,542":542,"1,543":543,"1,544":544,"1,545":545,"1,546":546,"1,547":547,"1,548":548,"1,549":549,"1,550":550,"1,551":551,"1,552":552,"1,553":553,"1,554":554,"1,555":555,"1,556":556,"1,557":557,"1,558":558,"1,559":559,"1,560":560,"1,561":561,"1,562":562,"1,563":563,"1,564":564,"1,565":565,"1,566":566,"1,567":567,"1,568":568,"1,569":569,"1,570":570,"1,571":571,"1,572":572,"1,573":573,"1,574":574,"1,575":575,"1,576":576,"1,577":577,"1,578":578,"1,579":579,"1,580":580,"1,581":581,"1,582":582,"1,583":583,"1,584":584,"1,585":585,"1,586":586,"1,587":587,"1,588":588,"1,589":589,"1,590":590,"1,591":591,"1,592":592,"1,593":593,"1,594":594,"1,595":595,"1,596":596,"1,597":597,"1,598":598,"1,599":599,"1,600":600,"1,601":601,"1,602":602,"1,603":603,"1,604":604,"1,605":605,"1,606":606,"1,607":607,"1,608":608,"1,609":609,"1,610":610,"1,611":611,"1,612":612,"1,613":613,"1,614":614,"1,615":615,"1,616":616,"1,617":617,"1,618":618,"1,619":619,"1,620":620,"1,621":621,"1,622":622,"1,623":623,"1,624":624,"1,625":625,"1,626":626,"1,627":627,"1,628":628,"1,629":629,"1,630":630,"1,631":631,"1,632":632,"1,633":633,"1,634":634,"1,635":635,"1,636":636,"1,637":637,"1,638":638,"1,639":639,"1,640":640,"1,641":641,"1,642":642,"1,643":643,"1,644":644,"1,645":645,"1,646":646,"1,647":647,"1,648":648,"1,649":649,"1,650":650,"1,651":651,"1,652":652,"1,653":653,"1,654":654,"1,655":655,"1,656":656,"1,657":657,"1,658":658,"1,659":659,"1,660":660,"1,661":661,"1,662":662,"1,663":663,"1,664":664,"1,665":665,"1,666":666,"1,667":667,"1,668":668,"1,669":669,"1,670":670,"1,671":671,"1,672":672,"1,673":673,"1,674":674,"1,675":675,"1,676":676,"1,677":677,"1,678":678,"1,679":679,"1,680":680,"1,681":681,"1,682":682,"1,683":683,"1,684":684,"1,685":685,"1,686":686,"1,687":687,"1,688":688,"1,689":689,"1,690":690,"1,691":691,"1,692":692,"1,693":693,"1,694":694,"1,695":695,"1,696":696,"1,697":697,"1,698":698,"1,699":699,"1,700":700,"1,701":701,"1,702":702,"1,703":703,"1,704":704,"1,705":705,"1,706":706,"1,707":707,"1,708":708,"1,709":709,"1,710":710,"1,711":711,"1,712":712,"1,713":713,"1,714":714,"1,715":715,"1,716":716,"1,717":717,"1,718":718,"1,719":719,"1,720":720,"1,721":721,"1,722":722,"1,723":723,"1,724":724,"1,725":725,"1,726":726,"1,727":727,"1,728":728,"1,729":729,"1,730":730,"1,731":731,"1,732":732,"1,733":733,"1,734":734,"1,735":735,"1,736":736,"1,737":737,"1,738":738,"1,739":739,"1,740":740,"1,741":741,"1,742":742,"1,743":743,"1,744":744,"1,745":745,"1,746":746,"1,747":747,"1,748":748,"1,749":749,"1,750":750,"1,751":751,"1,752":752,"1,753":753,"1,754":754,"1,755":755,"1,756":756,"1,757":757,"1,758":758,"1,759":759,"1,760":760,"1,761":761,"1,762":762,"1,763":763,"1,764":764,"1,765":765,"1,766":766,"1,767":767,"1,768":768,"1,769":769,"1,770":770,"1,771":771,"1,772":772},"ٜ":{"1":[1,772]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","1,653","1,654","1,655","1,656","1,657","1,658","1,659","1,660","1,661","1,662","1,663","1,664","1,665","1,666","1,667","1,668","1,669","1,670","1,671","1,672","1,673","1,674","1,675","1,676","1,677","1,678","1,679","1,680","1,681","1,682","1,683","1,684","1,685","1,686","1,687","1,688","1,689","1,690","1,691","1,692","1,693","1,694","1,695","1,696","1,697","1,698","1,699","1,700","1,701","1,702","1,703","1,704","1,705","1,706","1,707","1,708","1,709","1,710","1,711","1,712","1,713","1,714","1,715","1,716","1,717","1,718","1,719","1,720","1,721","1,722","1,723","1,724","1,725","1,726","1,727","1,728","1,729","1,730","1,731","1,732","1,733","1,734","1,735","1,736","1,737","1,738","1,739","1,740","1,741","1,742","1,743","1,744","1,745","1,746","1,747","1,748","1,749","1,750","1,751","1,752","1,753","1,754","1,755","1,756","1,757","1,758","1,759","1,760","1,761","1,762","1,763","1,764","1,765","1,766","1,767","1,768","1,769","1,770","1,771","1,772"],"ٞ":{"2":[1,2],"3":[3],"4":[4],"5":[5],"7":[6],"10":[7],"13":[8],"18":[9],"20":[10],"23":[11],"25":[12],"26":[13,14],"34":[15,16],"37":[17],"38":[18],"43":[19,20],"46":[21],"48":[22],"50":[23],"51":[24,25],"56":[26],"67":[27],"81":[28],"85":[29],"88":[30],"89":[31],"93":[32],"100":[33],"101":[34],"103":[35],"109":[36],"110":[37],"112":[38],"121":[39],"122":[40],"124":[41],"155":[42,43],"156":[44],"158":[45],"160":[46],"162":[47,48],"172":[49],"173":[50],"177":[51],"181":[52],"183":[53],"185":[54],"192":[55],"200":[56],"203":[57],"204":[58],"206":[59,60],"211":[61],"215":[62],"217":[63],"229":[64],"230":[65],"233":[66],"239":[67],"240":[68],"244":[69],"250":[70],"251":[71],"255":[72],"263":[73],"264":[74],"270":[75],"278":[76],"279":[77],"281":[78],"288":[79,80],"289":[81],"290":[82,83],"293":[84],"303":[85],"305":[86],"313":[87],"315":[88],"321":[89,90,91],"324":[92],"333":[93],"337":[94],"345":[95],"346":[96],"349":[97],"351":[98],"360":[99],"370":[100],"371":[101],"374":[102],"386":[103],"387":[104,105,106],"388":[107],"389":[108],"397":[109],"400":[110],"401":[111,112],"403":[113],"406":[114,115],"411":[116,117,118],"413":[119],"416":[120],"418":[121],"425":[122],"435":[123],"436":[124],"437":[125],"442":[126],"445":[127,128],"447":[129,130],"455":[131],"461":[132],"463":[133],"472":[134,135],"473":[136],"476":[137],"479":[138],"482":[139],"487":[140,141],"489":[142,143],"493":[144],"495":[145,146],"496":[147],"499":[148],"502":[149],"506":[150],"518":[151],"521":[152],"523":[153],"536":[154,155],"537":[156],"539":[157],"557":[158,159,160],"558":[161],"560":[162],"563":[163],"564":[164],"565":[165],"566":[166],"567":[167],"576":[168,169],"580":[170],"582":[171],"583":[172],"585":[173],"586":[174],"587":[175],"589":[176],"590":[177],"609":[178],"616":[179],"617":[180],"622":[181],"631":[182,183],"634":[184],"636":[185,186],"638":[187],"643":[188],"646":[189],"649":[190],"651":[191],"655":[192],"657":[193],"658":[194],"659":[195],"661":[196],"664":[197],"666":[198,199],"668":[200],"671":[201],"675":[202],"676":[203],"677":[204],"679":[205,206],"687":[207,208],"689":[209],"692":[210],"695":[211],"698":[212],"703":[213],"706":[214],"708":[215],"711":[216],"713":[217,218],"716":[219,220],"718":[221],"719":[222],"721":[223],"723":[224],"724":[225],"725":[226],"726":[227,228],"729":[229],"731":[230],"732":[231],"735":[232],"746":[233],"747":[234],"752":[235]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"جمهورية السودان\nوزارة التعليم العالي والبحث العلمي\nجامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية\nكلية الدراسات العليا\nدائرة: القرآن الكريم والدراسات الإسلامية\nقسم: العقيدة\n\nعنوان البحث:\n\n(الإيمان باليوم الآخر، وأثره على الفرد والمجتمع)\n\nبحث مقدم لنيل درجة الماجستير في العقيدة الإسلامية\nمن جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية\nوأجيزت بتقدير ممتاز\n\nإعداد الطالب\nمازن بن محمد بن عيسى\n\nإشراف الأستاذ الدكتور\n\nصلاح إبراهيم عيسى\n\n١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م","vol":"1","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>مقدمة الأستاذ الدكتور صلاح إبراهيم عيسى</span>\nبعض الناس ينكرون الكثير من الحقائق الدينية التي جاء بها الرسل وعلى رأسها الإيمان باليوم الآخر، إلا أنهم يجدون أنفسهم مضطرين للإيمان بحقيقة الموت. فلو أنهم فكروا قليلا لعرفوا أن الموت تعقبه حياة ثانية كما كانت الأولى؛ لأن الموت أول منازل الآخرة.\nوقد بين الكاتب مازن بن عيسى في كتابه هذا أن كل أهل الديانات السماوية يقرون بحقيقة اليوم الآخر .. إلا من جحد منهم، فصارت حياتهم عبئا عليهم قبل أن تكون عبئا على غيرهم .. وهذا ما أوضحه الكاتب. إذ أن للإيمان باليوم الآخر أثر عظيم في حياة الفرد، ومن ثم في المجتمع لذا فإن هذا الكتاب من أهم الكتب التي تستحق القراءة لأكثر من مرة؛ حتى يقر المنكر، وينتبه الغافل .. فقد حوى الكثير من الحقائق التي تفيد عامة المؤمنين .. وبخاصة الطلاب والباحثين.\nلله درك يا مازن. ومزيدا من الانتاج الفكري.\n\nد. صلاح إبراهيم:\nأستاذ العقيدة بجامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية - السودان.\nأستاذ العقيدة بكلية الدراسات الإسلامية والعربية- دبي\n\n﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة ٢٨١]","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>الإهداء</span>\nأهدي هذا البحث المتواضع\nإلى كل من له الفضل عليَّ بعد الله تعالى\n\nإلى والدي الكريمين\nأعظم القامات التي أشعرتني بالأمان والاطمئنان بعد الله تعالى\nوأعلى الهامات التي شجعتني على البذل والعطاء\nإلى والدي العزيز أسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل المبارك\nنورا وضياء لك في قبرك\nوأن ينزل عليك شآبيب الرحمات وعظيم المكرمات\nإلى والدتي العزيزة الغالية\nأمد الله تعالى في عمرك بالصحة والخير والطاعة ومتعنا بكِ\n\nإلى زوجتي التي وقفت معي وشجعتني\n\nإلى أساتذتي ومشايخي الكرام الأفاضل\nجزاكم الله تعالى عني وعن المسلمين خير الجزاء وأعظم لكم المثوبة وأجزل لكم النوال","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>شكر</span>\nالشكر لله تعالى أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا\nفله الحمد والشكر حمدا يوافي نعمه ويكافي مزيده\nأحمده على تمام نعمته ومنته وفضله، أبلغ حمد وأكمله، حمدا بالغا من التمام منتهاه\nثم\nأُقدِّم خالص شكري وامتناني لكل من ساهم معي بنصح أو توجيه او إرشاد\nحتى خرج البحث في صورته التي ارتضيتها واطمئننت إليها\nوأخص منهم\nفضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور\nصلاح إبراهيم\nصاحب الخلق الجم\nالذي غمرني بلطفه، وسددني بغزير علمه، وأتحفني بحسن توجيهاته\nفله من الدعاء أخلصه ومن الثناء أعطره ومن الشكر أبلغه\nوأشكر الجامعة الموقرة، جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية بأم درمان بجميع إدارييها ومنسوبيها، التي يسرت لي ولطلاب العلم، كسب المعارف، والارتقاء في سماء العلوم.\nفهي منار للسالكين، وواسطة عقد للراغبين، ينهل من معينها الصافي كل منهوم، ويغرف من بحر جودها كل محروم جعلها الله تعالى ذخرا للإسلام والمسلمين.","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>مقدمة</span>\nالحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، أحمده سبحانه له الحمد كله وإليه يرجع الأمر كله، خلق الخلق فأحصاهم عددًا، إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا، لقد أحصاهم وعدهم عدًا وكلهم آتيه يوم القيامة فردًا.\nله الحمد سبحانه خلق فسوّى، وقدّر فهدى، له الآخرة والأولى، جعل الأولى دار ممر، والآخرة دار مقر، ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ... [الملك: ٢]، وفضّل ﷾ الآخرة على الأولى فقال: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤)﴾ [الضحى: ٤]، وجعلها خيرًا للمتقين فقال: ﴿وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦٩)﴾ [الأعراف ١٦٩]، وجعل ﷾ الحياة الحقيقية في الدار الآخرة فقال: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ ... (^١) [العنكبوت ٦٤]\n_________\n(^١) يقول الإمام ابن القيم: \" ويحتمل قوله: \" وإن الدار الآخرة لهي الحيوان \" معنيين:\nأحدهما: أن الحياة الآخرة هي الحياة؛ لأنها لا تنغيص فيها ولا نفاذ لها، أي: لا يشوبها ما يشوب الحياة في هذه الدار، فيكون الحيوان مصدرًا على هذا.\nالثاني: أن يكون المعنى أنها التي لا تفنى ولا تنقطع ولا تبيد، كما يفنى الأحياء في هذه الدنيا، فهي أحق بهذا الاسم من الحيوان الذي يفنى ويموت \". ابن القيم: حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، ص (٨٠)\nوقال الأمام القرطبي: \" قال بعضهم: الدنيا إن بقيت لك لم تبق لها، وأنشد:\nتروح لنا الدنيا بغير الذي غدت ... وتحدث من بعد الأمور أمور\nوتجري الليالي باجتماع وفرقة ... وتطلع فيها أنجم وثغور\nفمن ظن أن الدهر باق سروره ... فذاك محال لا يدوم سرور\nعفا الله عمن صَيّر الهمَّ واحدًا ... وأيقن أن الدائرات تدور\nقلت: وهذا كله في أمور الدنيا من المال الجاه والملبس الزائد على الضروري الذي به قوام العيش، والقوى على الطاعة، وأما ما كان منها لله فهو من الآخرة، وهو الذي يبقى \" القرطبي: الجامع الأحكام القرآن (١٣/ ٣٦١).","vol":"1","page":5},{"text":"قال مجاهد: \" لا موت فيها \" (^١) وقال قتادة: \" هي الحياة\" (^٢) وقال الزجاج: \" هي دار الحياة الدائمة\" (^٣) وقال الكرماني: \" أي الحياة التي لا غاية لأمدها ولا نهاية لأبدها\" (^٤).\nوالدار الآخرة كما يقول ابن زيد: \" دار حياة لأهل النار وأهل الجنة، ليس فيها موت لأحد الفريقين\" (^٥)، لكن الله ﷿ أكرم عباده المؤمنين الطائعين القائمين بحقه، والملتزمين بشرعه، الحياة السعيدة الطيبة، قال ﷾: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل ٩٧].\n\" قال ابن عباس ﵄ \" الحياة الطيبة: السعادة، وقال مجاهد: يحييهم حياة طيبة في الآخرة، وقال ابن زيد: الحياة الطيبة في الآخرة هي الجنة ألا تراه يقول: ﴿يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤)﴾ [الفجر:٢٤] قال: هذه آخرته\" (^٦) سبحانه جل وعلا في ابتداء الآية إلى الحياة الدنيا فقال: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ [العنكبوت:٦٤] والإشارة بهذه ازدراء للدنيا وتصغير لأمرها وكيف لا؟ وهي لا تزن عند الله جناح بعوضة، أي: ما هي في سرعة زوالها عن أهلها، وموتهم عنها، إلا كما يلعب الصبيان ساعة ثم يتفرقون\" (^٧).\n_________\n(^١) ٢) مجاهد: تفسير مجاهد ص (٥٣٧).\n(^٢) ٣) عبدالرزاق: تفسير عبدالرزاق ص (١٢)\n(^٣) ٤) الزجاج: معاني القرآن وإعرابه ص (٤/ ١٧٣).\n(^٤) ٥) الكرماني: غرائب التفسير ص (١/ ١٩٧).\n(^٥) ٦) الطبري: تفسير الطبري ت: أحمد محمد شاكر ص (١٧/ ٢٩١).\n(^٦) ٧) الطبري: تفسير الطبري ت: أحمد محمد شاكر ص (١٧/ ٢٩١).\n(^٧) أبو حيان: البحر المحيط ت: صدقي جميل ص (٨/ ٣٦٦).","vol":"1","page":6},{"text":"ولذا عقب الله ﷾ بقوله: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ أي:\" دار الحياة التي لا موت فيها ولا تنغيص يشوبها كما يشوب الحياة في الدنيا: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لو علموا لرغبوا عن الفاني في الباقي، ولكنهم لا يعلمون \" (^١) فـ \"دار الحيوان: أي الحياة الكاملة التي من لوازمها أن تكون أبدان أهلها في غاية القوة، وقواهم في غاية الشدة لأنها أبدان وقوى خلقت للحياة، وأن يكون موجودًا فيها كل ما تكتمل به الحياة، وتتم به اللذات، من مفرحات القلوب، وشهوات الأبدان، من المآكل والمشارب والمناكح، وغير ذلك مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر\" (^٢).\nفأحمده ثانيا وآخرًا كما حمدته أولًا، وهو أهل للحمد، أهل الحمد والثناء والمجد ﷾، لا أحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه الكريمة المقدسة، فالحمد لله، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، ملء السموات وملء الأرض، وملء ما شاء ربنا من شيء بعد.\nوالصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وقائد الغر المحجلين صاحب المقام المحمود، والحوض المورود، واللواء المعقود، عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا مزيدًا إلى يوم الدين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>أهمية الموضوع:</span>\nتبرز أهمية الكتابة في مثل هذا الموضوع الحيوي المهم في:\n١ - حاجة الناس الملحة لبيان المعتقد السلفي الصحيح في باب الإيمان باليوم الآخر، والمنهج الذي ساروا عليه لبيان دلائله ومسائله وأحكامه.\n٢ - وأنه لما كانت أخبار اليوم الآخر ونصوصه مما لا يدخله النسخ كما نص عليه العلماء، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \" فالإخبار عن الله وعن اليوم الآخر وغير ذلك لا نسخ فيه \" (^٣)، فلما كانت كذلك كانت الحاجة ماسة لسرد نصوصه، وجمع أخباره، والتوفيق فيما يظهر فيه من التعارض.\n_________\n(^١) ابن الجوزي: زاد المسير ت: عبدالرزاق المهدي، ص (٦/ ١٤٥).\n(^٢) السعدي: تيسير الكريم الرحمن، ت: عبدالرحمن اللويحق، ص (٦٣٥).\n(^٣) ابن تيمية: الجواب الصحيح، ص (٢/ ٤٥١).","vol":"1","page":7},{"text":"٣ - أن تذكير الناس بأحوال اليوم الآخر وأهواله سبب لتهذيب أخلاقهم وتقويم لمسيرة حياتهم، إذ في نسيان اليوم الآخر أو تناسيه أو التغافل عنه، تفشو الكثير من المنكرات ويفشو الظلم، والتعدي على الحرمات، أما في ذكره والتذكير به ضبط للسلوك، لذا كان النبي J يقول:» أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَادِمِ «(^١) ...، ويقول ﵊:» كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْآخِرَةَ «(^٢) ففي التذكير باليوم الآخر سلامة وخير للأفراد والمجتمعات.\nوالناظر في كتاب الله تعالى بتأمل وتدبر وتفكر، يظهر له جليًا صدق ما أقول فقد تعددت النصوص، وتكاثرت الآيات، بشتى الأساليب بالترغيب والترهيب، مذكرة باليوم الآخر، وأحواله وأهواله؛ ليكون سببًا يكف به صاحب الشر عن شره، وصاحب الظلم عن ظلمه، وكذا يدعو المصلحين والمحتسبين إلى الصبر على ما ينالهم من أذى في سبيل الدعوة إلى دين الله وشرعه، قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ (العصر ١ - ٣).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي ح [٢٣٠٧] وقال: حسن غريب، وصححه الإمام عبدالحق الإشبيلي في الأحكام الصغرى ت: أم محمد بنت أحمد الهليس ص (٨٦٧)، وحسن إسناده الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ت: حسام الدين القدسي (١٠/ ٣١٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي [١٠٥٤].\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه ح [١٩٧٧].","vol":"1","page":8},{"text":"٤ - دعوة الناس للاستعداد لهذا اليوم العظيم، الذي يُعرض فيه الجليل والحقير، قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف: ٤٩] وقال تعالى ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء: ٤٧].\n٥ - وأن الله ﷾ هو الحق العدل الذي لا يُظلم عنده أحد، قال تعالى: ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:] فكل من أحسن فله عند ربه الحسنى، قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] فإذا علم المرء ذلك واعتقده، عمل وأحسن الظن بربه، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾ [النجم: ٣١] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾ [طه: ١١٢]\n٦ - بيان المعتقد الصحيح، والمنهج القويم في الإيمان باليوم الآخر.\n٧ - ذكر الأقوال والاعتقادات المخالفة لمسائل الإيمان باليوم الآخر ثم الرد على هذه الشبهات.","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>أسباب اختيار الموضوع:</span>\nكان لاختيار هذا الموضوع جملة من الأسباب منها:\n١ - أن الإيمان باليوم الآخر ركن أصيل من أركان الإيمان، لا يتم إسلام العبد وإيمانه إلا به.\n٢ - وأن سعادة المرء معقودة على الإيمان بهذا الركن العظيم، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وهذه الأصول الثلاثة وهي الإيمان بالله وباليوم الآخر والعمل الصالح هي الموجبة للسعادة في كل ملة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ [البقرة:٦٢] والشرع ما جاءت به الرسل وهو الأصل الرابع\" (^١).\n٣ - وأن الحق - ﷾ - دائما يؤكد على مسألة البعث والقيامة والحساب والجزاء، وشاهد ذلك القرآن العظيم، فإنه مليء بأخبار هذا اليوم العظيم، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \" وهكذا القرآن فإنه قرر ما في الكتب المتقدمة من الخبر عن الله وعن اليوم الآخر، وزاد ذلك بيانًا وتفصيلا، وبيّن الأدلة والبراهين على ذلك\" (^٢).\nوذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في موضع آخر الأصول الثلاثة التي عليها مدار الخلق والأمر والسعادة وهي: إثبات الصفات والتوحيد والقدر، وتفصيل الشرائع وبيان ما يحبه الله تعالى ويكرهه، وبيان الجنة والنار والثواب والعقاب، وأخبار اليوم الآخر فقال: \" وعلى هذه الأصول الثلاثة مدار الخلق والأمر والسعادة، والفلاح موقوف عليها، ولا سبيل لمعرفتها إلا من جهة الرسل\" (^٣).\n٤ - وأن الرسول ﵊ قد بيّن وفصّل عن أخبار اليوم الآخر أكمل مما جاء به سائر الأنبياء، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \" فإن مما جاء به محمد من أسماء الله وصفاته ووصف اليوم الآخر، أكمل مما جاء به سائر الأنبياء\" (^٤).\n_________\n(^١) ابن تيمية: جامع الرسائل ت: د محمد رشاد سالم (٢/ ٢٨٨)\n(^٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى ت: عبدالرحمن بن قاسم (١٧/ ٤٤).\n(^٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف (١٩/ ٩٦).\n(^٤) ابن تيمية: مجموع الفتاوى ت: عبدالرحمن بن قاسم (١٢/ ٤٧٥).","vol":"1","page":10},{"text":"ويقول في موضع آخر: \"فلا يُذكر في التوراة والإنجيل والزبور نوع من الخبر عن الله وعن ملائكته، وعن اليوم الآخر إلا وقد جاء به على أ كمل وجه، وأخبر بأشياء ليست في الكتب\" (^١).\nوذكر - يرحمه الله - أن ما عند المسلمين من أخبار اليوم الآخر أعظم وأجل بكثير مما عند غيرهم فقال: \" فإن الذي عند المسلمين: من توحيد الله ومعرفة أسمائه وصفاته وملائكته وأنبيائه ورسله، ومعرفة اليوم الآخر، وصفة الجنة والنار، والثواب والعقاب، والوعد والوعيد، أعظم وأجل بكثير مما عند اليهود والنصارى، وهذا بيّن لكل من يبحث عن ذلك\" (^٢).\n٥ - وأن الإيمان باليوم الآخر من مشتركات الكتب السماوية، فالنصوص السابقة تدل على اشتراك الملل في الإيمان باليوم الآخر، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \" فإن المسلمين واليهود والنصارى متفقون على أن في الكتب الإلهية: الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، وأنه أرسل إلى الخلق رسلًا من البشر، وأنه أوجب العدل وحرّم الظلم والفواحش والشرك وأمثال ذلك من الشرائع الكلية، وأيضا الوعد بالثواب والوعيد بالعقاب، وهم متفقون على الإيمان باليوم الآخر وقد تنازعوا في بعض معانيها واختلفوا في تفسير ذلك\" (^٣).\nومع هذا الاشتراك إلا أن الأخبار الواردة في اليوم الآخر وصفاته قد ذكرت مجملة عند أهل الكتابين، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \"لهذا ليس في الإنجيل من صفات الله وصفات ملكوته ومن صفات اليوم الآخر، إلا أمور مجمله وكذلك التوراة ليس فيها من ذكر اليوم الآخر إلا أمور مجملة\" (^٤)\n_________\n(^١) ابن تيمية: الجواب الصحيح (٥/ ٤٤١).\n(^٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى (٤/ ٢٠٢).\n(^٣) ابن تيمية: الجواب الصحيح (٢/ ٤٤١).\n(^٤) ابن تيمية: الجواب الصحيح (٥/ ٢٩٤).","vol":"1","page":11},{"text":"وذكرالإمام ابن القيم في معرض حديثه عن الصحابة ومنافحته عنهم، ما اشتمل عليه القرآن الكريم من تفاصيل الأخبار مما لم يُذكر في كتاب قبله فقال: \" وذِكرِ اليوم الآخر وتفاصيل أحواله، وذكر الجنة وتفاصيل نعيمها والنار وتفاصيل عذابها، وذكر البرزخ وتفاصيل أحوال الخلق فيه، وذكر أشراط الساعة والإخبار بها مفصلًا بما لم يتضمنه كتاب غيره، من حين قامت الدنيا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها\" (^١).\n٦ - وكذا فإن \"القرآن يحدث المؤمنين عن اليوم الآخر، ويجسمه لهم كأنما يرونه اللحظة أمامهم، ويعيشون مشاهده الحية بوجدانهم بل بلغ من إعجاز القرآن في تصوير مشاهد القيامة أن يحس الإنسان كأنما يوم القيامة هو الحاضر الماثل، وكأنما الدنيا ماض قد انقضى وانطوى من زمان بعيد! \" (٤).\n٧ - و\" كان النبي يحدثهم عن اليوم الآخر وأحوال الحشر، وما ينتظر الكفار من ألوان العذاب البشع، وما ينتظر المؤمنين من ألوان المتاع التي لا تخطر على قلب بشر، ويعلمهم أن طاعة الله ورسوله هي الطريق إلى هذا المتاع الخالد الدائم، وأن الكفر بالله ورسوله هو طريق النار \" (^٢).\n٨ - ولما كان لهذا اليوم العظيم، والمشهد الرهيب، الذي تحكيه أحداثه وتفاصيله العظيمة، أثر كبير في نفوس البشر، مما يعود نفعه عليهم بتقوية سلوكهم، وتصحيح مساراتهم، وتنقية حياتهم وتصفيتها من الشوائب التي كدرت معيشتهم وعكرت طريقهم، أحببت أن أسهم في بيان حقيقة هذا اليوم العظيم وبيان أخباره وتفاصيل أحداثه، وإظهار مذهب السلف في هذا الباب الذي يُعرف عند المتكلمين بالسمعيات. وكان الاختيار منصبا على ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية وأصّله عن اليوم الآخر في كتابه الموسوم العقيدة الواسطية، التي كُتب لها القبول، واعترف بفضلها القاصي والداني، حتى جرت له لأجلها مناظرات عديدة، أشار إليها شيخ الإسلام وقيّدها، وأبان عن الحقائق والتفاصيل التي جرت له بسببها.\n_________\n(^١) ابن القيم: هداية الحيارى ت: محمد أحمد الحاج (٢/ ٤٤٤).\n(٤) محمد قطب: منهج التربية الإسلامية (٢/ ٢٨٩).\n(^٢) محمد قطب: منهج التربية الإسلامية (٢/ ٢٩٣).","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>سبب اختيار العنوان، وما امتازت به العقيدة الواسطية عن غيرها:</span>\nكان البحث المقترح للرسالة، هو منهج الإمام ابن القيم في بيان أحوال اليوم الآخر، وقُدّم بمسمى: \" الإيمان باليوم الآخر وأثره على الفرد والمجتمع على ضوء كلام الإمام ابن القيم \"، ولكن أرتأت اللجنة المشرفة على البحث أن يُعدّل العنوان ليصير:\" أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد والمجتمع كما قرره الإمام ابن تيمية في العقيدة الواسطية \"، فنزلت عند رغبتهم، وأخذت برأيهم، وسرت على مشورتهم، وشعرت بتمام الارتياح لهذا التعديل؛ لأنه نابع عن اختيار أهل العلم، ومشورة أهل الفضل، الذي لهم السبق، وعليهم آثار الحكمة، قال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩]، وهذا من باب إسداء الفضل لأهله.\nفرأيت في مشورتهم خير معين لي في إتمام بحثي؛ لأن هذه العقيدة الموسومة بالواسطية امتازت على غيرها:\nباختصارها ودقتها وشمولها وسلامتها وسلفيتها، وذلك:\nأن هذه العقيدة الواسطية من العقائد التي ألفها شيخ الإسلام بناء على سؤال سائل فذكر فيها منهج السلف الصالح في مسائل الاعتقاد، وأصول الاستدلال ومصادر التلقي، مدعمة بدلائل الكتاب والسنة.\nوكما أن الشيخ أودع فيها جملة من المسائل المحكمة البينة الواضحة:\nفذكر مسألة الصفات الحسنى، وبيّن منهج السلف فيها القائم على الأخذ عن الله ورسوله، وأنهم يؤمنون بما وصف الله تعالى به نفسه الكريمة، أو وصفه به رسوله j من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل وأقام الدلائل والشواهد على ذلك.","vol":"1","page":13},{"text":"وأفاض - رحمه الله تعالى - بذكر أدلة الصفات من نصوص الوحيين، وعقد فصلا خاصا في سنة الرسول  j  لبيان قبول السلف الصالح من أهل السنة والجماعة للأحاديث الواردة الثابتة في الصفات دون التفريق بين ما ثبت عن طريق التواتر، أو عن طريق الآحاد، فإنه متى ثبتت النصوص الواردة عن رسول الله j بنقل العدل الضابط، وجب الإيمان بها والعمل بمقتضاها، ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \" فالسنة تفسر القرآن وتبينه، وتدل عليه وتعبر عنه، وما وصف الرسول به ربه ﷿ من الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول وجب الإيمان بها كذلك\" (^١)\nثم عرّج الشيخ إلى بيان وسطية أهل السنة والجماعة في مسائل الدين والشريعة فهم وسط:\n- في باب الصفات بين أهل التعطيل والجهمية، وأهل التمثيل المشبهة.\n- ووسط في باب أفعال الله تعالى بين القدرية والجبرية.\n- ووسط في باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية من القدرية وغيرهم.\n- ووسط في باب الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة وبين المرجئة والجهمية.\n- ووسط في أصحاب رسول الله بين الروافض والخوارج.\nوذكر الشيخ في رسالته بعض المسائل الكبار، التي جرى فيها النزاع بين السلف وبين من حاد عن منهجهم، وتنكب طريقهم، كمسألة العلو وكلام الله ﷿، ورؤية الباري جل وعلا في الآخرة، ونحو ذلك.\nثم أشار الشيخ إلى المسائل المتعلقة باليوم الآخر مما يكون بعد الموت إلى دخول الجنة والنار، وذكر قضايا القدر، والإيمان، والواجب تجاه الصحابة ﵃، ثم ختم رسالته بالحديث عن الأصول التي توزن بها أعمال الناس وأقوالهم الظاهرة والباطنة مما له تعلق بالدين، وبيّن المنهج السلفي العملي الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم، وهي تشمل جملة من شعب وخصال الإيمان.\nوقد نهج شيخ الإسلام في رسالته هذه منهجًا بارعًا، أشار إلى جملة من هذا المنهج، في حكايته للمناظرات التي جرت له بسبب هذه العقيدة المباركة وقد أظهرت هذه المباحثات جوانب من الإمامة والديانة لهذا الإمام العلم.\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى (٣/ ١٣٨).","vol":"1","page":14},{"text":"وامتازت هذه الرسالة المباركة مما خطته أنامل شيخ الإسلام عن غيرها من رسائله العلمية الفائقة:\n١ - أنه قرر فيها اعتقاد السلف الصالح المبني على الكتاب والسنة وما أجمعوا عليه، وذلك أن جملة العقائد لا تؤخذ إلا عن الله تعالى وعن رسوله  j  وما أجمع عليه سلف الأمة.\n٢ - أنها مستقاة من نصوص الوحيين، ومستقرأة لكلام السلف ومعلوم لكل منصف، أن شيخ الإسلام ابن تيمية، له علم دقيق وفهم عميق لكلام السلف، يرد فيه بعض مجمل أقوالهم إلى مفصله، مما يدل على سعة علمه واطلاعه، وبراعة فهمه وإتقانه، ودقة استنباطاته\nومع ذلك فله - رحمه الله تعالى - علم غزير، ومعرفة واسعة بأقوال المخالفين ومناهجهم، تدل على عبقرية فذة لهذا الإمام العلم، توقن حينها أن ما أوتيه محض فضل وتوفيق وتيسير من الباري جل وعلا يمتن به على من يشاء من عباده قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢].\n٣ - وأنها رسالة كتبت بعد استقرار مقالات الطوائف في الاعتقاد، فكانت كاشفة ومبينة لمقالات المخالفين في الجملة، مع أن الشيخ لم يسهب ولم يستطرد في ذكر أوجه المخالفة، وذكر بعض الشُبَهِ وغيرها مما هو معهود في بقية رسائله، فجاءت هذه الرسالة على غير العادة في بيان الشُبَهِ وكشف زيفها. إلا أن له جملة من الألفاظ ذكرها في رسالته يحصل بها التمايز بين منهج السلف، وبين منهج من خالفهم وحاد عن طريقهم، حيث أشار إلى وسطية أهل السنة والجماعة بين مجموع الطوائف والفرق في مسائل الدين والشريعة من الصفات وأفعال الله تعالى، والوعد والوعيد، والإيمان ونحو ذلك. وكذا حين ذكر القرآن الكريم فقال: \" ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله أو عبارة عنه ... \" (^١)، ففيه تعريض بالرد على الماتريدية والأشاعرة الذين يصرحون بقول مثل ذلك.\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى (٣/ ١٤٤).","vol":"1","page":15},{"text":"٤ - وهذه الرسالة مع كونها جمعت غالب مسائل الاعتقاد على المنهج السلفي، وشملت مسائل أصول الدين، والمسائل التي وقع فيها النزاع بين أهل السنة ومن خالفهم في أصول المعتقد، إلا أن المصنف تحرز في اختيار الألفاظ الشرعية المنيفة، فلم يجاوز نصوص الشرع المطهر، خلافًا لما يذكره في كتبه الأخرى التي يخاطب فيها الطوائف بألفاظهم ولغاتهم الكلامية الفلسفية، وهذا مما أعطى تميزًا خاصًا لهذه الرسالة السلفية بحق.\nفهذه النبذ التي سطرتها يراع شيخ الإسلام، تُعد جامعة من جوامع التأصيل العلمي السلفي في العقائد، ينهل منها كل منهوم يبحث عن منهج السلف في المعتقد.\nوهذا لا يدل على عدم وجود غير هذه الرسالة من رسائل علماء السلف التي تبين صفاء المعتقد الحق، ولكن لما كان الحديث منصبا على ذكر ميزات هذه العقيدة، بينت أهم المواصفات التي لأجلها اعتلت القمة، فأصبح العلماء ينهلون من معينها، ويؤصلون طلاب العلم على معرفة مقاصدها، وتعلم معانيها.\nوهذا يدل على براعةٍ في التصنيف، وتميّزٍ في التأليف عند شيخ الإسلام ابن تيمية.\nفشيخ الإسلام ابن تيمية جدير بأن يوصف بما وصف به الأولون بأنه: \" كُنَيْفٌ مُلِيء عِلمًا \"، أي: وعاء، وهذا الوصف لشيخ الإسلام قد شهد به الصديق والعدو، والقريب والبعيد، وليس منبعه الغلو فيه، وإنما هي إشادة منا لذكر فضل علماء أهل السنة والجماعة، وبيان ما لهم من المآثر الجليلة، والميزات العظيمة لخدمة دين الله وشرعه، وهذا محض فضل من الله تعالى يؤتيه من يشاء من عباده، والله ذو الفضل العظيم.\nوفي هذا المقام يُقال: إن هذه العقيدة جمعت بين أصالة المنهج، وقوة المأخذ، وسلامة المنبع، مع اختصار في الألفاظ لطيف، مع ما حوته من سيل جارف من الأدلة منيف. فجمعت مع قلة اللفظ، جودة المبنى، وعمق المعنى، وعرض لقضايا المعتقد بأسلوب سلس فضيل، وتسلسل منطقي جميل.\nولذا أثنى على هذه الرسالة جملة من أهل العلم، فبينوا جمال صياغتها، وقوة عبارتها، وروعة مبناها، ودقة محتواها، مع سهولة العبارة، في اختصار يغني عن الإطالة.","vol":"1","page":16},{"text":"يقول الإمام الذهبي في معرض كلامه عن شيخ الإسلام ومحنته التي مر بها بسبب هذه العقيدة: \" ثم وقع الاتفاق على أنه معتقد سلفي جيد، وبعضهم قال ذلك كرهًا \" (^١)\nوكذا حكى ذلك الإمام ابن رجب الحنبلي فقال: \" ووقع الاتفاق بعد ذلك على أن هذه عقيدة سنية سلفية، فمنهم من قال ذلك طوعًا، ومنهم من قاله كرهًا \" (^٢).\nويقول الشيخ محمد خليل هراس عن هذه العقيدة: \" من أجمع ما كُتب في عقيدة أهل السنة والجماعة، مع اختصار في اللفظ، ودقة في العبارة \" (^٣).\nويقول الشيخ عبدالرحمن السعدي عنها إنها: \" جمعت على اختصارها ووضوحها جميع ما يجب اعتقاده من أصول الإيمان وعقائده الصحيحة \" ثم ذكر أن هذه الرسالة: \" واضحة المعاني محكمة المباني \" (^٤).\nوذكر الشيخ محمد العثيمين في أكثر من موضع من شروحاته، ميزات هذه العقيدة فقال: \" فَكَتَبَ هذه العقيدة التي تُعد زبدة لعقيدة أهل السنة والجماعة، فيما يتعلق بالأمور التي خاض الناس فيها بالبدع، وكثر فيها الكلام والقيل والقال \" (^٥)\nويقول: \" وهو كتاب مختصر في عقيدة أهل السنة والجماعة من أحسن ما كتبه شيخ الإسلام في جمعه ووضوحه، وعدم الاستطرادات الكثيرة \" (^٦).\nويقول: \" وهي عقيدة مختصرة ولكن حجمها كبير جدًا في المعنى \" (^٧).\n_________\n(^١) ابن عبدالهادي: العقود الدرية ت: محمد حامد الفقي، ص (٢١٢).\n(^٢) ابن رجب: ذيل طبقات الحنابلة ت: د. عبدالرحمن العثيمين (٤/ ٥١١).\n(^٣) محمد هراس: شرح العقيدة الواسطية ت: علوي السقاف، ص (٤٣).\n(^٤) السعدي: التنبيهات اللطيفة، ص (١٣).\n(^٥) العثيمين: شرح العقيدة الواسطية ت: سعد الصميل (١/ ٢٠).\n(^٦) العثيمين: شرح رياض الصالحين (١/ ٤٥٤).\n(^٧) العثيمين: شرح رياض الصالحين (٣/ ٦٦٩).","vol":"1","page":17},{"text":"وفي هذه العقيدة يقول الشيخ حماد الأنصاري: \" كتاب الواسطية وفِقَ فيه شيخ الإسلام، فقد جمع فيه التوحيد كله، واختَصرتُها في خمس نقاط، كل نقطة تأخذ محاضرة قدرها ساعتان \"، ويقول: \" العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام كبيرة المعنى، نستطيع أن نضع في شرحها مجلدات\" (^١).\nويقول الشيخ عبدالرحمن البراك: \" ومن أمتع وأفضل ما أُلّف في الاعتقاد هذه العقيدة \" العقيدة الواسطية \" التي ذكر أنه كتبها وهو قاعد بعد العصر كتبها في مجلس واحد، وقد نوظر في شأنها وجودل؛ لأنه قرر فيها اعتقاد أهل السنة والجماعة من السلف الصالح من الصحابة والتابعين وأئمة الدين ومن سلك سبيلهم \". ويقول: \" أما العقيدة الواسطية فإنها خالصة، فيها تقرير لمعتقد أهل السنة والجماعة، وبيان أصولهم، مع التبرير على ذلك من القرآن ومن السنة، من غير تعرض لشبهات المخالفين، ومن غير تطويل لمناقشتها فلذلك كانت هذه العقيدة جديرة بالحفظ \" (^٢).\nومع ما لحق شيخ الإسلام من إساءات إلا أن ساحته برئت منها، يقول الإمام ابن كثير: \" .. وفي الكتاب أنا كنا سمعنا بعقد مجلس للشيخ تقي الدين ابن تيمية، وقد بلغنا ما عُقد له عن المجالس، وأنه على مذهب السلف وإنما أردنا براءة ساحته مما نسب إليه ... \" (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>الدراسات السابقة:</span>\nقد تم بحث هذا الموضوع الهام من قِبل جماعة من أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين، علمًا أن كتب العقائد عقدت فصولًا خاصة تحدثت فيها عن أخبار اليوم الآخر، إلا أن بعض العلماء أفرد رسائل خاصة تحدثت عن هذا اليوم.\n- فالإمام القرطبي له كتاب \" التذكرة \"، أفاض في ذكر الأخبار عن الموت وما بعده.\n- وللإمام البيهقي كتاب \" البعث والنشور \"، وآخر في إثبات عذاب القبر\n- وكتاب الأهوال للإمام ابن أبي الدنيا، وللإمام الإشبيلي كتاب\" العاقبة في ذكر الموت\".\n_________\n(^١) الأنصاري: المجموع في ترجمة العلامة حماد الأنصاري، لعبد الأول بن حماد الأنصاري ط ١، (٢/ ٧١١).\n(^٢) البراك: شرح العقيدة الواسطية ت: عبدالرحمن السديس، ص (٧).\n(^٣) ابن كثير: البداية والنهاية ت: علي شيري، (١٤/ ٤٣).","vol":"1","page":18},{"text":"- وللإمام ابن الجوزي كتاب \"أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور \".\n- وللإمام ابن كثير كتاب \"النهاية في الفتن والملاحم\"، وكذا للإمام السيوطي كتاب \" شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور \".\n- وللإمام ابن القيم كتاب يتحدث عن صفة الجنة أسماه \" حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح \"\n- ولابن أبي الدنيا كتاب في صفة الجنة وآخر في صفة النار.\n- وللإمام ابن رجب كتاب في \"التخويف من النار \".\n- وللإمام السفاريني موسوعة في اليوم الآخر أسماها \" البحور الزاخرة في أخبار الآخرة \"، وغيرها مما كتبه علماء السلف، وبينوه فيما يتعلق بأحكام اليوم الآخر\nمنهج العلماء في هذه الكتب:\nاشتملت كتب السلف التي تحدثت عن اليوم الآخر، على جملة من الآيات والأحاديث والآثار المتعلقة بموضوعات اليوم الآخر، فيذكرون كل ما يتعلق بالموضوع، وبعضهم قد يبين حال الأحاديث والآثار، والبعض الآخر يسردها بأسانيدها، ويترك العهدة على القارئ. فهذه الكتب رافد كبير ... ومنبع غزير يغترف من معينها، وينهل من سلسبيلها، كل مطلع لأخبار اليوم الآخر.\nوللمعاصرين جهد مشكور في بيان اليوم الآخر، ومسائله وأحكامه منها:\n-\" الحياة الآخرة \" رسالة دكتوراه للدكتور: غالب عواجي، أفاض في ذكر الأخبار والمسائل والأحكام المتعلقة بهذا اليوم العظيم.\n- و\" القيامة الكبرى والصغرى \" للدكتور: عمر الأشقر، وغيرها رسائل منثورة، بعضها تحدث عن اليوم الآخر في الجملة، وبعضها تحدث عن بعض أحداث اليوم الآخر، كالحوض، أو الصراط، أو الميزان، ونحو ذلك.\nومع وفرة هذه المصنفات إلا أن الجديد في هذه الدراسة، هي بيان المعتقد السلفي على ضوء ما قرره الإمام ابن تيمية في العقيدة الواسطية. فإن شيخ الإسلام ناظر على هذه العقيدة الواسطية وجادل في مقام التحدي، وانظر مخالفيه ثلاث سنوات بأن يأتوا بحرف في هذا المعتقد يخالف ما عليه النصوص الشرعية وكلام السلف. فمع بيان المعتقد السلفي، مضافا إليه تقريرات من سبقه من أهل العلم والفضل، أبين آثار الإيمان باليوم الآخر على الأمة أفرادًا ومجتمعات.","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>(خطة البحث):</span>\nقسمت البحث إلى مقدمة وتمهيد وثلاثة أبواب وخاتمة:\nالمقدمة: اشتملت على:\n-أهمية الموضوع، وأسباب الكتابة فيه، وسبب اختيار العنوان ... والدراسات السابقة، وخطة البحث، ومنهج الكتابة فيه.\nالباب الأول: الإيمان باليوم الآخر (حقيقته، وحتميته، وأهميته، وأدلته والرد على منكريه)، واشتمل على ثلاثة فصول:\nالفصل الأول: اليوم الآخر، وفيه ستة مباحث:\nالمبحث الأول: الإيمان باليوم الآخر، وفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: التعريف باليوم الآخر.\nالمطلب الثاني: حقيقة اليوم الآخر، والإيمان به.\nالمطلب الثالث: سبب تسمية اليوم الآخر بهذا الاسم؟.\nالمبحث الثاني: حكم الإيمان باليوم الآخر؟، وفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: حكم الإيمان باليوم الآخر، وحكم منكره؟.\nالمطلب الثاني: اتفاق الشرائع على الإيمان باليوم الآخر.\nالمطلب الثالث: القدر المجزئ من الإيمان باليوم الآخر؟.\nالمبحث الثالث: الترتيب بين أركان الإيمان، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: التلازم والترابط بين الأركان.\nالمطلب الثاني: سر الاقتران بين ركني الإيمان بالله تعالى، والإيمان باليوم الآخر؟.\nالمبحث الرابع: اختلاف موازين الدنيا وقوانينها، عن موازين الآخرة وقوانينها وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: اختلاف قوانين الدنيا عن الآخرة.\nالمطلب الثاني: أمثلة تبين حقيقة الاختلاف في الموازين والقوانين الدنيوية والأخروية.\nالمبحث الخامس: أقسام الناس في الإيمان باليوم الآخر، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: مذهب أهل السنة والجماعة في اليوم الآخر.\nالمطلب الثاني: مذهب طوائف أهل الكلام في اليوم الآخر.\nالمبحث السادس: الأدلة الإجمالية لإثبات اليوم الآخر، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: أدلة القرآن الكريم على إثبات اليوم الآخر.\nالمطلب الثاني: الأدلة العقلية على إثبات اليوم الآخر.\nالفصل الثاني: اليوم الآخر في الكتاب والسنة، وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: اليوم الآخر في القرآن الكريم، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: المميزات العامة لطريقة القرآن الكريم في البيان.\nالمطلب الثاني: اليوم الآخر في القرآن الكريم.\nالمبحث الثاني: اليوم الآخر في السنة النبوية، وفيه مطلبان:","vol":"1","page":20},{"text":"المطلب الأول: صور العناية النبوية بأمر المعاد.\nالمطلب الثاني: أسباب عناية السنة النبوية بأمر المعاد.\nالفصل الثالث: اليوم الآخر عند الأديان والملل والنحل، وفيه ستة مباحث:\nالمبحث الأول: اختلاف الناس في المعاد، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: أقوال الناس في المعاد.\nالمطلب الثاني: الشبه المتوهمة لإنكار المعاد.\nالمبحث الثاني: مشركو العرب والبعث، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: العرب الجاهليون وإنكار البعث.\nالمطلب الثاني: إيمان بعض العرب بالبعث.\nالمبحث الثالث: اليهود واليوم الآخر، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: عقيدة نبي الله موسى - ﵇ - وقومه في اليوم الآخر\nالمطلب الثاني: عقيدة اليوم الآخر في العهد القديم والأسفار.\nالمبحث الرابع: النصارى واليوم الآخر، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: عقيدة نبي الله عيسى - ﵇ - وقومه في اليوم الآخر\nالمطلب الثاني: عقيدة اليوم الآخر في العهد الجديد.\nالمبحث الخامس: الفلاسفة واليوم الآخر، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: الفلاسفة وانحراف طوائفهم في المعاد والشرع.\nالمطلب الثاني: أقوال الفلاسفة في المعاد.\nالمبحث السادس: عقيدة اليوم الآخر عند بعض الأديان الوضعية، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: المصريون القدماء واليوم الآخر.\nالمطلب الثاني: بعض الديانات الهندية واليوم الآخر.\nالباب الثاني: المسائل المتعلقة باليوم الآخر على ضوء العقيدة الواسطية، وفيه فصلان:\nالفصل الأول: المسائل المتعلقة باليوم الآخر من الموت إلى ما قبل البعث وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: الموت. حقيقته، والآثار الواردة فيه، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: تعريف الموت لغة واصطلاحا.\nالمطلب الثاني: الموت في القرآن الكريم.\nالمبحث الثاني: الحياة البرزخية، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: فتنة القبر.\nالمطلب الثاني: عذاب القبر ونعيمه.\nالفصل الثاني: المسائل المتعلقة باليوم الآخر من البعث إلى دخول الجنة والنار وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: قيام الساعة، وإعادة الأرواح للأجساد، وفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: قيام الساعة الكبرى.","vol":"1","page":21},{"text":"المطلب الثاني: إعادة الأرواح للأجساد.\nالمطلب الثالث: صفة قيام الناس من القبور.\nالمبحث الثاني: أحداث القيامة الكبرى، وفيه تسعة مطالب:\nالمطلب الأول: دنو الشمس، ولجوم العرق.\nالمطلب الثاني: إثبات الميزان.\nالمطلب الثالث: نشر الدواوين.\nالمطلب الرابع: الحساب يوم القيامة.\nالمطلب الخامس: الحوض المورود.\nالمطلب السادس: الصراط.\nالمطلب السابع: القنطرة بين الجنة والنار.\nالمطلب الثامن: أول من يستفتح باب الجنة.\nالمطلب التاسع: إثبات الشفاعة.\nالمبحث الثالث: تفاصيل أخبار اليوم الآخر، وفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: اتفاق السلف على مسائل الآخرة.\nالمطلب الثاني: اتفاق الشرائع على اليوم الآخر.\nالمطلب الثالث: العلم الموروث عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.\nالباب الثالث: أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد والمجتمع، وفيه فصلان:\nالفصل الأول: اهتمام القرآن الكريم والسنة المطهرة، ببيان أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد والمجتمع، وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: الإنسان سيد هذا الكون، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: مظاهر تكريم الإنسان.\nالمطلب الثاني: علاقة الإنسان بغيره.\nالمبحث الثاني: أثر الإيمان باليوم الآخر في تقويم السلوك في ضوء نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وفيه مطلبان\nالمطلب الأول: أثر الإيمان باليوم الآخر في تقويم السلوك في ضوء نصوص القرآن الكريم.\nالمطلب الثاني: أثر الإيمان باليوم الآخر في تقويم السلوك في ضوء السنة النبوية المطهرة.\nالفصل الثاني: أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد والمجتمع، وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد، وفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: الثراء المعرفي الموجب للأثر التعبدي.\nالمطلب الثاني: أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد من الناحية التعبدية.\nالمطلب الثالث: أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد من الناحية النفسية.\nالمطلب الرابع: أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد من الناحية السلوكية والأخلاقية.\nالمبحث الثاني: أثر الإيمان باليوم الآخر على المجتمع، وفيه مطلبان:","vol":"1","page":22},{"text":"المطلب الأول: أثر الإيمان باليوم الآخر على المجتمع من الناحية التعبدية.\nالمطلب الثاني: أثر الإيمان باليوم الآخر على المجتمع من الناحية السلوكية والأخلاقية.\nالخاتمة: وتتضمن:\n- أهم النتائج.\n- التوصيات.\nالفهارس: وتتضمن:\n- فهرس: المراجع.\n- فهرس: الموضوعات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>(منهج البحث):</span>\nوقد سرت في بحثي على المنهج الأكاديمي المتبع:\n- اعتمدت على المنهج الوصفي التحليلي.\n-فرجعت إلى المصادر الأصلية المتعلقة بمادة البحث.\n- وتم التنقيب في أمهات كتب العقائد؛ لتوضيح مقاصد هذه الرسالة ومقارنتها بما قاله الإمام ابن تيمية.\n- وذكرت المسائل التي نازع فيها المخالفون في أبواب اليوم الآخر، كعذاب القبر ونعيمه، ومسألة المعاد والبعث، والميزان ونحوها.\n- وذكرت الخلاف الدائر بين أهل السنة والجماعة في بعض مسائل اليوم الآخر كالعذاب في القبر هل هو على الروح أم على الجسد أم على الروح والجسد؟ ونحوها.\n- ونسبت الأقوال لقائليها، وأشرت إلى مصادرها حسبما تقتضيه الأمانة العلمية.\n- وعزوت الآيات القرآنية الكريمة إلى سورها.\n- وخرجت الأحاديث النبوية الشريفة، وعزوتها إلى مصادرها.\n- وأكثرت من النقول عن أئمة السلف في هذا الباب العظيم.\n- وترجمت لبعض الأئمة الوارد ذكرهم في البحث، وركزت على غير المشهورين منهم، وجعلت الترجمة في آخر البحث.\n- وأنهيت البحث بذكر خاتمة تبرز أهم نتائج البحث.\n- وذكرت المراجع في آخر البحث.\n- ورتبت الفهارس ترتيبًا علميا يُسهل الحصول على المعلومة.\n\nويسعدني في هذا المقام، أن أتقدم بجزيل الشكر والامتنان لشيخنا الهمام النحوي: محمد المحنبي، الذي تفضل مشكورا بمراجعة الرسالة، وإبداء ملاحظاته النحوية، والتي كان لها أثر في تحسين صورة البحث، فاستفدت منها، وصوبت بها مواضع من الرسالة\nوأشكر كلا من الشيخين الفاضلين، والعالمين الجليلين:\nفضيلة الدكتور: قريب الله عباس عبدالقادر، الأستاذ بجامعة أم درمان الإسلامية\nوفضيلة الدكتور: مختار عطا المنان علي، الأستاذ بجامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية","vol":"1","page":23},{"text":"اللذين قاما بمناقشة الرسالة، وإبداء الملاحظات، فاستفدت من علومهما الغزيرة، وآرائهما القويمة المستقيمة، مع ما شاهدت منهما من دماثة الأخلاق وحسن التعامل.\nولا أنس في هذا المقام أن أتقدم بصادق الدعاء، وخالص الثناء، لمن كان له الفضل بعد الله تعالى علي، صاحب العلم الدقيق، والفهم العميق، فضيلة الشيخ الدكتور: أحمد آل عبداللطيف، الأستاذ بجامعة أم القرى، الذي غمرني بلطفه، وأكرمني بوده، وأتحفني بصادق نصائحه وتوجيهاته.\nفأسأل الله تعالى لهم جميعا التوفيق والسداد، والهدى والرشاد.\nكما أسأله تعالى أن يتم علينا ستره، وأن يشملنا بعفوه ومغفرته، وأن ينزل علينا شآبيب رحمته ورضوانه.\nكما أسأله أن يجعل هذا البحث المتواضع نافعًا لصاحبه وقارئه، وأن يوفق كل من ساهم وأعان على إتمام هذا البحث إنه على كل شيء قدير.","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>الباب الأول الإيمان باليوم الآخر حقيقته، وحتميته، وأهميته، وأدلته، والرد على منكريه</span>\nالفصل الأول: اليوم الآخر.\nالمبحث الأول: الإيمان باليوم الاخر.\nالمبحث الثاني: حكم الإيمان باليوم الآخر، وحكم منكره؟\nالمبحث الثالث: الترتيب بين أركان الإيمان.\nالمبحث الرابع: اختلاف موازين الدنيا وقوانينها عن موازين الآخرة وقوانينها\nالمبحث الخامس: أقسام الناس في الإيمان باليوم الآخر.\nالمبحث السادس: الأدلة الإجمالية لإثبات اليوم الآخر.","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>الفصل الأول اليوم الآخر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>المبحث الأول: الإيمان باليوم الاخر</span>\nالإيمان باليوم الآخر: أُس العقيدة بعد الإيمان بالله تعالى، لذا أرسل الله جل وعلا الرسل - عليهم الصلاة والسلام - مبشرين ومنذرين أومحذرين ومخوفين، حين تجاوز الطغيان حدّه، وتجاهل الناس حقوق بعضهم بعضا ففشا الظلم، وانتشر العدوان، وسفكت الدماء، واُكل الحرام، فجاء التذكير بهذا اليوم العظيم، على لسان الرسل - عليهم الصلاة والسلام - حتى تستقر أحوال الناس، ويأمنوا على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم.","vol":"1","page":26},{"text":"ومن هنا قال نبي الله شعيب - ﵇ - ماحكاه الله تعالى عنه في كتابه الكريم: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦)﴾ [العنكبوت:٣٦].\nيقول الإمام الشوكاني ﵀ في معنى رجاء اليوم الآخر أي: \" يصدقون بحصوله، وأنه كائن لا محالة \" (^١).\n\"فعدم الخوف من اليوم الآخر، وما فيه من الثواب والعقاب، هو السبب الجوهري في الاعراض عن دعوة الرسل \"\" (^٢).\nولما كان نسيان اليوم الآخر أو تناسيه، هو سبب الوقوع في القبائح والمنكرات أشار الله جل وعلا إليه، وحذر المتناسين من الوقوف بين يديه فقال ﷾: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين ١ - ٦]. ومن هنا عدَّ بعض العلماء - نسيان الدار الآخرة - من كبائر الذنوب؛ لخطر نسيانه على الأفراد والمجتمعات. (^٣)\nولأهمية اليوم العظيم، ذكره القرآن العزيز بالخصوص بعد العموم فقال ﷾: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة ١ - ٤] ثم قال سبحانه: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة ٥]\nيقول العلامة ابن سعدي ﵀: \" وخصه بالذكر بعد العموم؛ لأن الإيمان باليوم الآخر أحد أركان الإيمان، ولأنه أعظم باعث على الرغبة والرهبة والعمل \" (^٤)\n_________\n(^١) الشوكاني: فتح القدير (٤/ ٣١٢).\n(^٢) الزحيلي: التفسير المنير (١٩/ ٦٨).\n(^٣) ابن حجر الهيتمي: الزواجر عن اقتراف الكبائر (١/ ٨٠).\n(^٤) ابن سعدي: تيسير الكريم الرحمن ت: عبدالرحمن اللويحق، ص (٢٢٤).","vol":"1","page":27},{"text":"وقوله جل شأنه: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ \"يعم الآخرة وغيرها، ولكن ذكرها لعِظَمِها، والتنبيه على وجوب اعتقادها، والرد على الكفرة الجاحدين لها \" (^١). فالآخرة \" هي دار الجزاء، ومحل التجلي، وكشف الغطاء، ونتيجة الأمر \" (^٢).\nومن هنا نعلم حقارة الدنيا ودنوها، عند كمال الآخرة وصفائها وعلوها يقول الإمام الرازي ﵀:\" اعلم أن عالم الدنيا عالم الكدورة، وعالم الآخرة عالم الصفاء، فالآخرة بالنسبة للدنيا كالأصل بالنسبة للفرع وكالجسم بالنسبة للظل، فكل مافي الدنيا فلا بد له في الآخرة من أصل \" (^٣)\nويقول الإمام ابن القيم ﵀: \" فإن المعاد يعود إلى العبد فيه، ما كان حاصلًا منه في الدنيا، ولهذا يسمى يوم الجزاء \" (^٤).\nفاليوم الآخر عنوان حوى في طياته كثيرا من المعاني، وألمح ظاهر لفظه على وقوع التقصير من القاصي والداني، \"فنستشف من قول إبراهيم: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧)﴾ [الشعراء:٨٨] مدى شعوره بهول اليوم الآخر، ومدى حيائه من ربه، وخشيته من الخزي أمامه، وخوفه من تقصيره، وهو النبي الكريم. كما نستشف من قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ مدى إدراكه لحقيقة ذلك اليوم، وإدراكه كذلك لحقيقة القيم، فليست هنالك من قيمة في يوم الحساب إلا قيمة الإخلاص \" (^٥).\nفلقرب هذا اليوم العظيم، نبه الله تعالى عليه (بغد)، ولتحقق وقوعه قال ﷾ عنه: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١].\n_________\n(^١) ابن عطية: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (١/ ٧٠)\n(^٢) البقاعي: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (١/ ٨٧).\n(^٣) الرازي: مفاتيح الغيب (١/ ٢٤٤).\n(^٤) ابن القيم: التفسير القيم (١٢٥).\n(^٥) سيد قطب: في ظلال القرآن (٥/ ٢٦٠).","vol":"1","page":28},{"text":"وإنما قيل عن اليوم الآخر غدا؛ تقريبا له، كما جاء في الآية الكريمة حكاية عن استبعاد المشركين له فقال: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾ [المعارج ٦ - ٧] \"قال قتادة: \"مازال ربكم يقرب الساعة حتى جعله كغد، فغد يوم القيامة \" (^١)\n\"وقال الضحاك وابن زيد: \"الأمس الدنيا، وغدًا الآخرة، وقرأ ابن زيد: ... ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر:١٨] فقال: يعني يوم القيامة الخير والشر، وقال الأمس في الدنيا، وغد في الآخرة \" (^٢)\nوإن كانت العرب تكني عن المستقبل بالغد، إلا أن المولى جل وعلا سماه غدًا - وهو اليوم الذي يلي يومك - \"تقريبًا له لأن كل ما هو آت قريب \" (^٣)\n\"فهذه الدنيا كلها يوم واحد، يجيء فيه ناس ويذهب آخرون، والموت والآخرة غده، لابد من كل منهما، وكل ما لابُد منه فهو في غاية القرب، لاسيما إن كان باقيًا غير منقضٍ، وكل من نظر لغده، أحسن مراعاة يومه\" (^٤) ولهذا قال بعض أهل التفسير: \"هذه الآية الكريمة أصل في محاسبة العبد نفسه \" (^٥).\nولفظ الغد في الآية محتمل لوجهين (^٦):\n١. محتمل ليوم الموت الذي هو انتهاء عمر الإنسان، فإن لكل امرئ غده.\n٢. ومحتمل لليوم الآخر الذي لا يوم بعده.\nومع احتمال هذا اللفظ لهذين الوجهين، إلا أن فيه وجه استعارة: \" فإنما كانت الآخرة كالغد؛ لأن الناس في الدنيا نيام، ولا انتباه إلا عند الموت الذي هو مقدمة القيامة، فكلٌ من الموت والقيامة، كالصباح بالنسبة للغافل كما أن الغد صباح بالنسبة للنائم في الليل \" (^٧).\n_________\n(^١) مكي القيسي: الهداية إلى بلوغ النهاية، مجموعة بحوث الكتاب والسنة، كلية الشريعة، جامعة الشارقة (١١/ ٧٤٠٦).\n(^٢) الطبري: جامع البيان في تأويل القرآن ت: أحمد محمد شاكر، ص (٢٣/ ٢٩\n(^٣) ابن جزي: التسهيل لعلوم التنزيل، ت: د. عبدالله الخالدي (٢/ ٣٦٢).\n(^٤) البقاعي: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (١٩/ ٤٥٨).\n(^٥) - السعدي: تيسير الكريم الرحمن ت: عبدالرحمن اللويحق، ص (٧٩١)\n(^٦) - ابن عطية: المحرر الوجيز (٥/ ٢٩١)\n(^٧) الخلوتي: روح البيان (٩/ ٤٤٧).","vol":"1","page":29},{"text":"قال أهل التفسير: وإنما عُبر عن اليوم الآخر بالغد إما:\n- \"لدنوه وقربه، أو لأن الدنيا كيوم والآخرة كغد\" (^١).\n- \"وقيل: جُعل مجموع زمان الدنيا كنهار عند الآخرة\" (^٢).\n- \"وقيل: كأن الدنيا والآخرة نهاران: يوم وغد\" (^٣).\nولا يخفى ما في تنكير (غدٍ) وتنوينه، من تعظيم لهذا اليوم من جهات لا تحصى قال في الظِلال: \" وهو تعبير كذلك ذو ظلال، وإيحاءات أوسع من ألفاظه .... ومجرد خطوره على القلب يفتح أمامه صفحة أعماله، بل صفحة حياته، ويمد ببصره في سطورها كلها، يتأملها وينظر رصيد حسابه بمفرداته وتفصيلاته، لينظر ماذا قدم لغده في هذه الصفحة، وهذا التأمل كفيل بأن يوقظه إلى مواضع ضعف، ومواضع نقص، ومواضع تقصير، مهما يكون قد أسلف من خير، وبذل من جهد، فكيف إذا كان رصيده من الخير قليلًا ونصيبه من البر ضئيلًا؟.\nإنها لمسة لا ينام بعدها القلب أبدًا، ولا يكف عن النظر والتقليب \" (^٤).\nومن هنا قال الخلوتي ﵀: \" يمكن أن يقال ليوم الآخرة غد \" (^٥).\nإن الإيمان باليوم الآخر فرض واجب، \" وهو الركن الثاني للدين الذي بعث الله به الرسل، وبه يكمل الإيمان بالله تعالى، ويكون باعثًا على العمل الصالح، وترك الفواحش والمنكرات، والبغي والعدوان \" (^٦).\nفالإيمان باليوم الآخر، بلسم للمظلومين المقهورين، وسعادة للمحرومين؛ \" يحي الأمل في النفوس وهي تتطلع للحياة الأخرى، فيجدّون في ترسيخ القيم والأخلاق والدين \" (^٧)\n_________\n(^١) النسفي: مدار التنزيل (٣/ ٤٦٢).\n(^٢) النيسابوري: غرائب القرآن ورغائب الفرقان ١٤١٦ (٦/ ٢٨٧).\n(^٣) الزمخشري: الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (٤/ ٥٠٨).\n(^٤) سيد قطب: في ظلال القرآن (٢٨/ ٤٧).\n(^٥) الخلوتي: روح البيان (١٠/ ٣١).\n(^٦) رشيد رضا: الوحي الحمدي (١٧٥) وينظر: تامر متولي: منهج الشيخ محمد رضا (٥٠٨).\n(^٧) موسى الكعبي: المعاد يوم القيامة، مركز الرسالة، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، ص (٨).","vol":"1","page":30},{"text":"إن \"الإيمان باليوم الآخر هو الميزان العقدي، فإن استقر في القلب فالإنسان بكل جوارحه يتجه إلى الأفعال التي تسير على ضوء منهج الله لينال الإنسان الجزاء الأوفى \" (^١).\nوحين يوقن المرء بالجزاء الأوفى يوم الدين، تتطلع إليه نفسه، ويشتاق إليه فؤاده، يقول الإمام ابن القيم ﵀:\" الدنيا مجاز، والآخرة وطن والأوطار (أي الرغبات والأماني) إنما تطلب في الأوطان \" (^٢).\nفمن أيقن، تطلّع واشتاق، فعمل بجد مع إشفاق، قال جلّ شأنه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)﴾ [المؤمنون:٦٠].\nيقول الإمام ابن كثير ﵀: \" والإيقان بالدار الآخرة، يستلزم الاستعداد لها من العمل بالصالحات، وترك المحرمات \" (^٣)\nوأوجز ما يمكن أن يُقال في أثر الإيمان باليوم الآخر أنه \" المنطلق لكل خير والمانع لكل شر، والإيمان بالبعث هو منطلق الأعمال الصالحة \" (^٤). ولذا قال الإمام أبو حيان ﵀: \" رجاء اليوم الآخر ثمرة العمل الصالح \" (^٥)\n_________\n(^١) الشعراوي: تفسير الشعراوي - الخواطر-، مطابع أخبار اليوم، ١٩٩٧ م (٢/ ١١٤٣).\n(^٢) ابن القيم: الفوائد ص (٥١)\n(^٣) ابن كثير: تفسير القران العظيم، ت: سامي سلامة (١/ ١٧١).\n(^٤) الشنقيطي أضواء البيان، (٨/ ٤٧١).\n(^٥) أبو حيان: البحر المحيط (٤/ ٣٧٧).","vol":"1","page":31},{"text":"فمتى عَلِم، وأيقن \" أن الدنيا أمد، والآخرة أبد \" (^١)، أخلص وجد واجتهد، قال علي بن أبي طالب ﵁: \" إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل منها بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل \" (^٢)، \" فإنهم إذا جعلوا الآخرة نصب أعينهم وقبلة قلوبهم، واهتموا للمقام بها اجتهدوا في كثرة الأعمال الموصلة إليها وتصفيتها من القواطع والعوائق \" (^٣).\n\nفالإيمان باليوم الآخر مفتاح سعادة الإنسان، وسر يقينه، وهو الرباط الوثيق بين العمل والجزاء، وبين الصبر والفرج، وبين التحمل والإنعام \" (^٤).\nومع كون الإيمان باليوم الآخر، ركنًا من أركان العقيدة الإسلامية ومكونًا أساسيًا لمنظومة التوحيد، ومع كونه ضرورة دينية، إلا أن الإيمان بالمعاد واليوم الآخر يُعد أيضًا: ضرورة فطرية نفسية عقلية أخلاقية سلوكية.\nولذا \" بقيت عقيدة اليوم الآخر، هي القوة الوحيدة القادرة على تهذيب النفوس، والحيلولة دون إغراقها، وهي الدرع الحصينة التي تحفظها من هجمات الأهواء، وتصوغها صياغة رفيقة لتصل إلى السعادة المبتغاة، وهي الركن الأساس الذي يرسو عليه بناء النفس الفاضلة والمجتمع الفاضل \" (^٥)\nفالإيمان باليوم الآخر: \" يُشكل إجابة على أحد الأسئلة التي تراود الذهن الإنساني وهي عبارة:\n١. من أين جئت؟ ٢. لماذا جئت؟ ٣. إلى أين أذهب؟ \" (^٦)\nإن معرفة المكلف بتفاصيل وأحوال اليوم الآخر، وما فيه من أهوال يزيده يقينًا وإيمانًا.\n_________\n(^١) هذه مقولة لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ - انظر: ابن سعد: الطبقات الكبرى (٤/ ٢٦٨)\n(^٢) ابن عساكر: تاريخ دمشق (٤٢/ ٤٩٥).\n(^٣) السعدي: تيسير الكريم الرحمن ت: عبدالرحمن اللويحق، ص (٧٩١).\n(^٤) نادية العمري: أضواء على الثقافة الإسلامية (٩٨).\n(^٥) الكعبي: المعاد يوم القيامة، مركز الرسالة، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، ص (٢٤).\n(^٦) السبحاني: مفاهيم القرآن، مؤسسة الإمام الصادق، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٨/ ٧).","vol":"1","page":32},{"text":"الفصل الأول: اليوم الآخر.\nالمبحث الأول: الإيمان باليوم الآخر، ويشتمل على المطالب التالية:\nالمطلب الأول: التعريف باليوم الآخر، وفيه ثلاث مسائل:\nالمسألة الأولى: معنى كلمة (اليوم).\nالمسألة الثانية: معنى كلمة (الآخر).\nالمسألة الثالثة: معنى كلمة (اليوم الآخر).\nالمطلب الثاني: حقيقة اليوم الآخر، والإيمان به، وفيه ثلاث مسائل:\nالمسألة الأولى: حقيقة اليوم الآخر، والإيمان به.\nالمسألة الثانية: أسماء اليوم الآخر.\nالمسألة الثالثة: سبب تسمية اليوم الآخر بهذا الاسم؟","vol":"1","page":33},{"text":"المبحث الأول الإيمان باليوم الآخر\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>المطلب الأول: التعريف باليوم الآخر</span>.\nوفي هذا المطلب ثلاث مسائل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>المسألة الأولى: معنى كلمة (اليوم):</span>\nذكر أهل اللغة أن لفظ اليوم له عدة استعمالات: فهو يُستعمل في الحقيقة والمجاز، ويأتي مفردا ومضافا، وله معنى في اللغة وفي العرف وفي الشرع.\nيقول العلامة ابن فارس ﵀: \" الياء والواو والميم كلمة واحدة هي اليوم الواحد من الأيام، ثم يستعيرونه في الأمر العظيم فيقولون: نِعم فلان في اليوم الذي نزل \" (^١)\n\" واليوم يطلق على ما يقع فيه من الحروب والحوادث، واشتهر في ذلك حتى صار كالحقيقة \" (^٢)\nيقول العلامة ابن السكيت ﵀: \"العرب تقول: الأيام بمعنى الوقائع يقال عالم بأيام العرب يريد وقائعها (^٣).\n_________\n(^١) ابن فارس: معجم مقاييس اللغة (٦/ ١٥٩).\n(^٢) شهاب الدين الخفاجي: حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي (٧/ ١٦٥).\n(^٣) (أيام العرب: اصطلاحًا: ذكر الروايات العربية عن الحروب والمعارك التي نشبت بين القبائل العربية في الجاهلية، وقد يكون مع أحد الطرفين قوات غير عربية، كما حدث في يوم ذي قار، حيث كان الفرس يمثل طرفًا رئيسيًا في المعركة ويعاونهم بعض العرب. ويقال: إن أيام العرب بلغت سبعمائة وألف يوم وهو رقم مبالغ فيه، إلا إذا لاحظنا المعارك الصغيرة التي كانت تقع بين الرعاة بعضهم البعض. انظر: مفاهيم إسلامية: مجموعة من المؤلفين: موقع وزارة الأوقاف المصرية","vol":"1","page":34},{"text":"وقال شمر: جاءت الأيام بمعنى الوقائع والنِّعم، وإنما خصوا الأيام دون ذكر الليالي في الوقائع؛ لأن حروبهم كانت نهارًا، وإن كانت ليلًا ذكروها \" (^١)\nوهي من المجاز كما قال الزمخشري ﵀: \" ومن المجاز: ذُكِرَ في أيام العرب كذا، أي في وقائعها \" (^٢).\nواليوم: مذكر، وجمعه أيام، ولايُكسَّر إلا على ذلك، ولم يستعملوا فيه جمع الكثرة، وأصله أيوام (^٣).\n\n\" واليوم: الكون، يُقال: نِعم الأخ في اليوم، أي في الكائنة من الكون إذا نزلت \" (^٤).\nوقال أهل اللغة: إن اليوم حقيقة في النهار، مجاز في الوقت المطلق، سواء كان جزء من الليل أو النهار، \" فإذا اقترن مع فعل ممتد، يراد به النهار، لا غير لصحة حمله على الحقيقة حنيئذ، وإذا اقترن مع فعل غير ممتد فيراد به الوقت المطلق مجازا \" (^٥).\n\nويقول العلامة الكفوي ﵀: \" وإذا قُرن اليوم بفعل لا يمتد كالقدوم مثلا كان لمطلق الوقت ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال:١٦]، فإن اليوم فيها مجاز عن الوقت اليسير، بخلاف اليوم الآخر، فإنه مجاز عن الوقت الممتد الكثير كما في ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾ [الدخان:١٠] \" (^٦).\nواليوم يأتي مركبًا ومضافًا: فيركب مع إذ، فيقال يومئذ، ولا يكاد يفرقون بين يومئذ وحينئذ وساعتئذ، وهو يأتي على معنى الحين والزمان، والعرب قد تطلق اليوم وتريد: الوقت والحين نهارًا كان أو ليلًا، فتقول ذخرتك لهذا اليوم أي: لهذا الوقت الذي افتقرت فيه إليك (^٧).\n_________\n(^١) الأزهري: تهذيب اللغة (١٥/ ٤٦٣).\n(^٢) الزمخشري: أساس البلاغة (٢/ ٣٩٢).\n(^٣) ابن منظور: لسان العرب (١٢/ ٦٤٩).\n(^٤) الفراهيدي: كتاب العين، دار ومكتبة هلال، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (٨/ ٤٣٣)\n(^٥) نكري: دستور العلماء (٣/ ٣٣٨).\n(^٦) الكفوي: الكليات، مؤسسة الرسالة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (٩٨١).\n(^٧) الفيومي: المصباح المنير، المكتبة العلمية - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٢/ ٦٨٢)","vol":"1","page":35},{"text":"أنه متى قال: أنا اليوم أفعل كذا، لا يريدون يومًا بعينه، ولكنهم يريدون الوقت الحاضر، ومتى قال: اليوم يومك: يريدون التشنيع وتعظيم الأمر (^١).\nوتقول العرب لليوم الشديد: يوم ذو أيام، ويوم ذو أياييم؛ لطول شره على أهله \" (^٢).\nويأتي اليوم مضافا إلى لفظ الجلالة كما قال جل شأنه: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم:٥]، \" قال سفيان بن عيينة: الدهر عند الله تعالى يومان: أحدهما اليوم الذي هو مدة العمر، فشأنه فيها الأمر والنهي، والإماتة والإحياء والإعطاء والمنع، والآخر هو يوم القيامة، فشأنه فيه الحساب والجزاء \" (^٣)\nيقول العلامة الراغب الأصفهاني ﵀: \" فإضافة الأيام إلى الله تعالى تشريف لأمرها؛ لما أفاض عليهم من نعمه فيها \" (^٤)\nواليوم له معنى في الشرع واللغة والعرف (^٥):\nففي الشرع: زمان ممتد من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس. بخلاف النهار: فإنه زمان ممتد من طلوع الشمس إلى غروبها، ولذلك يقال: صمت اليوم، ولا يُقال: صمت النهار.\nوفي اللغة: موضوع للوقت المطلق ليلًا أو غيره، كيوم الدين؛ لعدم الطلوع والغروب حينئذ. فهو في اللغة:\" الزمن الذي يمتاز بما يحصل فيه عن غيره كامتياز أيامنا بما يحدها من النور والظلام، وأيام العرب بما يقع فيها من الحرب والخصام \" (^٦)\nوفي العرف: مدة كون الشمس فوق الأرض.\nوخلاصة القول:\n- أن اليوم المراد به: اليوم الذي أنت فيه، وأمس اليوم الذي أمضيت (^٧)\n_________\n(^١) ابن سيده: المحكم:١/ ٥٨٨\n(^٢) الفراهيدي: كتاب العين دار ومكتبة هلال، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (٨/ ٤٣٣).\n(^٣) الزمخشري: الكشاف (٤/ ٤٤٧).\n(^٤) الأصفهاني: المفردات (٥٥٥).\n(^٥) الكفوي: الكليات (٩٨١)، الطريطر: قضية الزمن من خلال القرآن الكريم، (١٣٩ - ١٥٢)\n(^٦) رشيد رضا: تفسير المنار (٨/ ٣٩٦).\n(^٧) قطرب: الأزمنة، مؤسسة الرسالة (٣١).","vol":"1","page":36},{"text":"- وأن اليوم يأتي مقرونًا ومفردًا، وحقيقة ومجازًا، كما يقال \" طويل اليوم: لمن جد في عمل يومه \" (^١).\n- ويأتي بمعنى في الشرع يختلف عن معناه في اللغة والعرف.\n- وقد يراد باليوم: \" الوقت مطلقًا ومنه الحديث \" تلك أيام الهرج \" أي وقته ولا يختص بالنهار دون الليل \" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>المسألة الثانية: معنى كلمة (الآخر):</span>\nالآخر صفة لليوم، وهو مقابل الأول، وهو في المعدودات اسم للفرد اللاحق.\nفالآخرة: تأنيث آخر المقابل للأول، والآخرة صفة في الأصل، ولكن غلبتها الاسمية فصارت اسمًا.\nوالآخرة صفة، والموصوف محذوف، والتقدير: الدار الآخرة أو النشأة الآخرة (^٣) وقد صُرِّح بهذين الاسمين الموصوفين في القرآن الكريم قال ﷾: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ [يوسف: ١٠٩]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ [العنكبوت ٢٠].\nيقول الإمام أبو حيان ﵀: \" وأصل الوصف: تلك الدار الآخرة، ثم صارت من الصفات الغالبة \" (^٤).\nو\" الآخرة تأتي غالبًا مقابل الدنيا، والمعنى الأول في المادة هو التأخير، كما أن المعنى في الدنيا هو الدنو، فإذا اقترنت الآخرة بالدار أو باليوم، غلب أنها اليوم الآخر، أما إذا أطلقت فهي ذات دلالة أعم، يدخل فيها: النهاية والمصير والعقبى، سواء في هذه الحياة أو فيما بعدها \" (^٥).\n_________\n(^١) ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٣٠٣)، ابن الجوزي: غريب الحديث (٢/ ٥١٣).\n(^٢) ابن الأثير: النهاية (٥/ ٣٠٣)، المناوي: التوقيف على مهمات التعاريف، عالم الكتب (١/ ٣٤٨).\n(^٣) السمين الحلبي: الدر المصون ت: د. أحمد الخراط، (١/ ١٠٠ - ١٢٠)، ابن عادل: اللباب في علوم الكتاب، (١/ ٣٠١)، الخلوتي: روح البيان (١/ ٤١)، النسفي: مدارك التنزيل (١/ ٤٣)، أبو السعود: إرشاد العقل السليم (١/ ٣٣)، ابن عرفة: تفسير ابن عرفة، مركز البحوث بالكلية الزيتونة - تونس (١/ ١١٦)، البيضاوي: أنور التنزيل (١/ ٤٠).\n(^٤) أبو حيان: البحر المحيط (١/ ٧٠).\n(^٥) عائشة عبدالرحمن: التفسير البياني للقرآن الكريم (١/ ٣٦).","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>المسألة الثالثة: معنى (اليوم الآخر):</span>\nاليوم الآخر له مرادان:\n١ - إما أن يراد به: الوقت الذي لا حد له، وهو الأبد الدائم الذي لا يتقطع\n٢ - وإما أن يراد به: الوقت المحدود المعهود.\nوالمراد باليوم الآخر: يوم القيامة، وهو اليوم الذي لا آخر له؛ لتأخره عن أيام الدنيا، واختلف العلماء في منتهى اليوم الآخر بعد اتفاقهم على مبتداه: \"فمبدؤه من النفخة الثانية وهي نفخة البعث باتفاق\" (^١)؛ يقول العلامة أبو محمد القصري ﵀: \"وأوله النفخة الثانية في الصور\" (^٢)، ولذا قال العلامة أبو السعود ﵀: \" الدنيا تنتهي عند النفخة الأولى \" (^٣).\nفمبدؤ اليوم الآخر: من النفخة الثانية التي يقوم فيها الناس لرب العالمين.\nومما يبين هذا المقام أن المولى ﷾ قال في محكم التنزيل: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (١٧)﴾ [النبأ:١٧]، أي ميقاتًا \"للبعث الذي هم فيه مختلفون \" (^٤).\nقال العلامة البيضاوي ﵀: \"إن يوم الفصل كان في علم الله، أو في حكمه ميقاتًا، حدًا تؤقت به الدنيا وتنتهي عنده \" (^٥)؛ قال العلامة الشهاب ﵀ في حاشيته: \"إذ هو أول أيام الآخرة، وهو يوم القضاء بين الخلق أو يوم الثواب والعقاب، وهو اليوم الآخر الذي يجب الإيمان به \" (^٦).\n_________\n(^١) الدسوقي: حاشية الدسوقي على أم البراهين (٣٤٩)، ابن غنام: العقد الثمين ص (٥٨)، الرديعان: عقيدة الأشاعرة (٤٧٤)، شهاب الدين الخفاجي: حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي (١/ ٣٠٦)، النسفي: مدارك التنزيل (١/ ٤٧)، البقاعي: نظم الدرر، (١/ ٣٠).\n(^٢) «القصري: شعب الإيمان، ص (٥٩٠).\n(^٣) أبو السعود: إرشاد العقل السليم (٩/ ٨٨).\n(^٤) الشنقيطي: أضواء البيان (٨/ ٤٠٨).\n(^٥) البيضاوي: أنوار التنزيل (٥/ ٢٧٩).\n(^٦) شهاب الدين الخفاجي: حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي (٨/ ٣٠٤).","vol":"1","page":38},{"text":"وهذا المعنى هو أحد معاني هذه الآية الكريمة، ومن معانيها ما ذكره العلامة أبو السعود في تفسيره وعقب عليه فقال: \"وقيل: حدًا تؤقت به الدنيا وتنتهي عنده، أو حدا للخلائق ينتهون فيه. ولا ريب في أنهما بمعزل من التقريب الذي أشير إليه، على أن الدنيا تنتهي عند النفخة الأولى \" (^١)\nورجح في المعنى العام للآية أن \" يوم فصل الله ﷿ بين الخلائق، كان في علمه وتقديره ميقاتا وميعادا لبعث الأولين والآخرين، وما يترتب عليه من الجزاء ثوابا وعقابا، لا يكاد يتخطاه بالتقدم والتأخر\" (^٢).\nومما يُنبه إليه في هذا المقام أن المولى ﷿ اتبع الآية السابقة بقوله تعالى: ... ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨)﴾ [النبأ ١٧ - ١٨]\nفذكر أهل الإعراب أن هذه الآية تعرب بدلا أو بيانا ليوم الفصل.\nومما يترتب عليه ما قاله العلامة الشهاب ﵀ في حاشيته: \" فإن نَفخَ الصور، واتصال الأرواح بالأجساد، والحشر في الآخرة (أي: تكون في الآخرة)، فظهر فساد ما قيل: من أنه نهاية أيام الدنيا وآخر مخلوقاته؛ لأنه لا يخلق بعده شيء منها، ولذا يقال له: اليوم الآخر\" (^٣).\nوهو كأنما يُعَرِّض بالقائلين: إن اليوم الآخر هو آخر أيام الدنيا، قال العلامة الحليمي ﵀: \"فاليوم الآخر هو آخر أيام الحياة الدنيا؛ فإذا نفخ في الصور، وصعق من في الأرض فلم يبق منهم أحد، فيومهم الذي انقضت فيه حياتهم، هو يومهم الآخر.\nوإذا نفخ في الصور نفخة الأحياء فبعثوا، فذلك يوم القيامة \" (^٤).\n_________\n(^١) أبو السعود: إرشاد العقل السليم، (٩/ ٨٨).\n(^٢) أبو السعود: إرشاد العقل (٩/ ٨٨).\n(^٣) «شهاب الدين الخفاجي: حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي (٨/ ٣٠٤)، الزجاج: معاني القرآن (٥/ ٢٧٢)، الرازي: مفاتيح الغيب (١٢/ ٣١)\n(^٤) «الحليمي: مختصر شعب الإيمان، اختصره: علي الشربجي، ومحيي الدين نجيب (٧٦)","vol":"1","page":39},{"text":"وقال العلامة الطوفي ﵀: \"وأما اليوم الآخر فأوله ساعة الموت إلى المحشر ثم إلى الأبد إما في نعيم مخلد، وإما في في عذاب شديد \" (^١)\nوهنا يمكن أن يقال جمعا بين ما قيل: إن بداية اليوم الآخر لكل إنسان بحسبه، فالقيامة والساعة منها خاصة وعامة؛ دلت عليها النصوص الشرعية المنيفة قال جل وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وهذه الساعة يراد بها الساعة الأخيرة من ساعات الدنيا؛ لقوله سبحانه: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [لأعراف: ١٨٧]. وأما قوله جل وعلا: ... ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦٣] فهي الساعة الأولى من ساعات الآخرة حيث يبعث من في القبور (^٢).\nيقول الإمام ابن القيم ﵀: \"وقد ذكر الله ﷾ هاتين القيامتين، وهما الصغرى والكبرى في سورة المؤمنين، وسورة الواقعة وسورة القيامة، وسورة المطففين، وسورة الفجر، وغيرها من السور\" (^٣)\nفالقيامة الخاصة: هي موت كل إنسان بحسبه، فمن مات فقد قامت قيامته، ومن شواهده ما جاء في الحديث الشريف أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ فَإِنْ نَجَا مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ «(^٤)\n_________\n(^١) الطوفي: شرح الأربعين النووية (١٧٠).\n(^٢) الحليمي: مختصر شعب الإيمان، اختصره: علي الشربجي، ومحيي الدين نجيب ص (٦٧)\n(^٣) ابن القيم: الروح ص (٧٤).\n(^٤) أخرجه الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في ذكر الموت ح (٢٣٠٨)، وقال الترمذي حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث هشام بن يوسف. وحسن إسناده المنذري في الترغيب والترهيب، (٤/ ٢٧٦) وحسنه الألباني في المشكاة (٥٥١٢).","vol":"1","page":40},{"text":"وفي حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: كان رجال من الأعراب يأتون النبي - ﷺفيسألونه عن الساعة، فكان ينظر إلى أصغرهم فيقول: «إنْ يَعِشْ هَذَا لا يُدْرِكْهُ الهَرَمُ، حتَّى تقُومَ عَليْكُمْ سَاعتُكم «(^١)\nقال الإمام ابن كثير ﵀: \"والمراد انخرام قرنهم ودخولهم في عالم الآخرة فإن كل من مات فقد دخل في حكم الآخرة، فبعض الناس يقول: من مات فقد قامت قيامته، وهذا الكلام بهذا المعنى صحيح \" (^٢).\nومما يؤكد هذا المعنى قول الإمام ابن القيم ﵀: \"إن الموت معاد وبعث أول، فإن الله تعالى جعل لابن آدم معادين وبعثين، يجزي فيهما الذين أساؤوا بما عملوا، ويجزي الذين آمنوا بالحسنى، فالبعث الأول مفارقة الروح للبدن ومصيرها إلى دار الجزاء الأول \" (^٣)\nومما ذُكر يتبين أن القيامة صغرى وكبرى، ولكن مدلول اليوم الآخر في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة تدلان على المعنى المتبادر إلى الذهن وهو يوم القيامة يوم الحساب والجزاء، ولذا قال العلامة الحليمي ﵀: \"وما بينهما لا من الدنيا ولا من الآخرة، وهو البرزخ\" (^٤).\nوبعد هذا البيان يرد تساؤل حول المفهوم العام لليوم الآخر:\nهل هو خاص بما ذكرناه وأشرنا إليه: من أنه يبدأ من النفخة الثانية، إلى الاستقرار في الجنة أو النار، أو هو شامل لما قبل ذلك مما يكون بعد الموت من أحداث؟!\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقائق ح (٦٥١١)، ومسلم في صحيحه، كتاب الفتن ح ... (٢٩٥٢).\n(^٢) ابن كثير: النهاية في الفتن والملاحم (١/ ٢٨).\n(^٣) ابن القيم: الروح ص (٧٤).\n(^٤) الحليمي: مختصر شعب الإيمان، اختصره: علي الشربجي، ومحيي الدين نجيب ص (٧٦)","vol":"1","page":41},{"text":"قرّر الإمام ابن تيمية - ﵀ - في العقيدة الواسطية المعنى الثاني، وهو أن الإيمان باليوم الآخر يشمل ما بعد الموت فقال: \" ومن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما أخبر به النبي - ﷺمما يكون بعد الموت، فيؤمنون بفتنة الموت وبعذاب القبر ونعيمه ... ثم بعد هذه الفتنة إما نعيم، وإما عذاب إلى أن تقوم القيامة الكبرى، فتعاد الأرواح إلى الأجساد، وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه، وعلى لسان رسوله، وأجمع عليها المسلمون \" (^١)\nويفيد كلام الإمام ابن تيمية - ﵀ - أن ما بعد الموت من أحداث داخل في مسمى الإيمان باليوم الآخر. قال العلامة العيني - ﵀ - في بيان شعب الإيمان: \" السابعة: الإيمان باليوم الآخر، ويدخل فيه السؤال بالقبر وعذابه والبعث والنشور، والحساب، والميزان، والصراط\" (^٢)\n\" وعلى هذا فالمراد باليوم الآخر أمران:\nالأول: فناء هذه العوالم كلها، وانتهاء هذه الحياة بكاملها\nالثاني: إقبال الحياة الآخرة وابتداؤها \" (^٣)\nمنتهى اليوم الآخر: وأما منتهى اليوم الآخر فقد اختلف العلماء فيه على قولين:\nالأول: أنه لا آخر له، فاليوم الآخر يبتدئ من النفخة الأولى، إلى ما لا نهاية له قال العلامة الباجوري ﵀: \" يبدأ من وقت الحشر، إلى ما لا يتناهى على الصحيح \" (^٤)\nالثاني: آخره استقرار الخلق في الدارين، قال العلامة أبو محمد القصري ﵀: \" وآخره الاستقرار في الجنة والنار \" (^٥)، وقال العلامة ابن غنام ﵀: \" ورجح بعض العلماء: أن مبدأها من النفخة الثانية إلى استقرار الخلق في الدارين \" (^٦)،\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى (٣/ ١٤٥).\n(^٢) العيني: عمدة القاري، (١/ ١٢٨).\n(^٣) غالب عواجي: الحياة الآخرة (١/ ٤٧).\n(^٤) الدسوقي: حاشية الدسوقي على أم البراهين، ص (٣٢٩)،الرديعان: عقيدة الأشاعرة ص (٤٧٤).\n(^٥) القصري: شعب الإيمان ت: سيد كسروي ص (٥٩٠)\n(^٦) ابن غنام: العقد الثمين ص (٥٨).","vol":"1","page":42},{"text":"وقال العلامة العثيمين - ﵀ - عن اليوم الآخر: \" وسُمي بذلك؛ لأنه لا يوم بعده، حيث يستقر أهل الجنة في منازلهم، وأهل النار في منازلهم \" (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>المطلب الثاني: حقيقة اليوم الآخر والإيمان به</span>\nوفي هذا المطلب مسألتان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>المسألة الأولى: حقيقة اليوم الآخر والإيمان به</span>.\nالمسألة الثانية: أسماء اليوم الآخر.\n\nالمسألة الأولى: حقيقة اليوم الآخر والإيمان به\nالإيمان باليوم الآخر يتضمن ثلاثة أمور (^٢):\n١ - الإيمان بالبعث. ٢ - الإيمان بالحساب والجزاء. ٣ - الإيمان بالجنة والنار\nوهذا الإيمان هو الذي عبّر عنه الإمام ابن القيم - ﵀ - بالبعث الثاني، فذكر أن \"البعث الأول مفارقة الروح للبدن، ومصيرها إلى دار الجزاء الأول، والبعث الثاني يوم يرد الله الأرواح إلى أجسادها ويبعثها من قبورها إلى الجنة أو النار، وهو الحشر الثاني، ولهذا في الحديث الصحيح ... (وتؤمن بالبعث الآخر)، فإن البعث الأول لا يذكره أحد، وإن أنكر كثير من الناس الجزاء فيه والنعيم والعذاب \" (^٣)\nفالإيمان باليوم الآخر ركن ركين، وأصل متين في عقيدة المسلمين، \"بل هو ضرورة لازمة؛ لإنصاف الخلائق، وإحقاق الحق، وإبطال الباطل. لذا أخبر الله تعالى عنه إخبارا مطلقا لجميع العالم، بالحشر والبعث من القبور \" (^٤)\n\"والإيمان بالبعث والحشر، وبالحساب والجزاء، عنصر أصيل في العقيدة لا يستقيم منهجها إلا به، فلا بد من عالم مرتقب، يكمل فيه الجزاء ... ويتناسق فيه العمل والأجر، ويتعلق به القلب، وتحسب حسابه النفس ويقيم الإنسان نشاطه في هذه الأرض، على أساس ما ينتظره هناك \" (^٥).\nوالإيمان باليوم الآخر من أعظم أركان الإيمان بعد الإيمان بالله تعالى، ولذا كثيرا ما يُقرن الله جل وعلا، الإيمان به بالإيمان باليوم الآخر، وهذا يدل على أهميته.\n_________\n(^١) العثيمين: نبذة في العقيدة ص (٣٧).\n(^٢) العثيمين: نبذة في العقيدة ص (٣٧)، الأشقر: نحو ثقافة أصيلة ص (٢٣٩).\n(^٣) ابن القيم: الروح، ص (٧٤).\n(^٤) الزحيلي: التفسير الوسيط (٣/ ١٩٨٧).\n(^٥) أحمد فائز: اليوم الآخر في ظلال القرآن ص (١٣).","vol":"1","page":43},{"text":"ولذا اختص الله ﷿، بملكه فقال ﷾: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾\nوهنا يرد التساؤل: ما وجه الاختصاص؟ مع كونه ﷾ مالكًا لكل الأشياء؟\nقيل: تهويلًا وتعظيمًا لشأنه.\nوقيل: لأنه ينفرد في ذلك اليوم بالحكم، بخلاف الدنيا فإنه يحكم فيها الولاة والقضاة، ولا يملك أحد الحكم في ذلك اليوم إلا الله ﷿. (^١)\nوقيل: لأنه اليوم الذي يضطر فيه المخلوقون إلى أن يعرفوا أن الأمر كله لله ألا تراه يقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦]، ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾ [الانفطار: ١٩]، فهو اليوم الذي لا يملك فيه أحد لنفسه ولا لغيره نفعا ولا ضرا (^٢).\nوقيل: لأنهم في الدنيا كانوا منازعين لله تعالى في الملك، كفرعون والنمرود وغيرهما، وفي ذلك اليوم لا ينازعه أحد في ملكه، فالكل خاضع له (^٣).\nوقيل: لأن ملك الدنيا قد اندرج في قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ ... [الفاتحة] فأثبت أنه مالك الآخرة بقوله:\" مالك يوم الدين\"؛ ليعلم أنه الملك في الدارين (^٤).\nفالله ﷻ، وتقدست أسماؤه وتعالى جده، وتعاظم أمره، لا منازع له في الملك، ولا مغالب له في الأمر سبحانه وبحمده.\nولذا كان أخنع وأذل وأوضع وأفجر اسم في الدنيا رجل يسمى بملك الأملاك، فإنه لا مالك إلا الله سبحانه، فعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إِنَّ أَخْنَعَ اسْمٍ عِنْدَ اللهِ رَجُلٌ تَسَمَّى: مَلِكَ الْأَمْلَاكِ لَا مَالِكَ إِلَّا اللهُ «(^٥)\n_________\n(^١) الواحدي: التفسير الوسيط (١/ ٦٧).\n(^٢) الزجاج: معاني القران (١/ ٤٧).\n(^٣) السمرقندي: بحر العلوم (١/ ١٧).\n(^٤) الثعلبي: الكشف والبيان (١/ ١١٦).\n(^٥) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الأدب باب أبغض الأسماء إلى الله تعالى ح (٦٢٠٦)،وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الأدب، باب تحريم التسمي بملك الأملاك وملك الملوك ح (٢١٤٢).","vol":"1","page":44},{"text":"وفي رواية لمسلم: «أغْيَظُ رجلٍ على اللهِ يومَ القيامةِ، وأخبثُه وأغيظُه عليه رجلٌ كان يسمَّى ملِكَ الأملاكِ لا ملِك إلا اللهُ «(^١)،وفي رواية: ... «اشْتَدَّ غضبُ اللهِ على من زعم أنه ملِكُ الأملاكِ، لا ملِكَ إلا اللهُ «(^٢)\nفإنه\" لا مالك لجميع الخلائق إلا الله وحده، ومالكية الغير مستردة إلى ملك الملوك، فمن تسمى بذلك نازع الله في رداء كبريائه، واستنكف أن يكون عبدا له \" (^٣)\n\" فالذي تسمى بهذا الاسم، قد كذب وفجر وارتقى إلى ما ليس له بأهل، بل هو حقيق برب العالمين، فإنه الملك في الحقيقة، فلذا كان أذل الناس عند الله يوم القيامة \" (^٤)\nولذا لما كان بعض الخليقة تنازعه نفسه للملك، المؤدي للتعالي والكبرياء، قال ﷾ مذكرا أن هذا الملك زائل، وأنه جل وعلا هو المتفرد به قال سبحانه: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾، فليس فيه مَلِكٌ سواه سبحانه.\nوعليه: فإن \" المعاد أصل لازم للتصديق بدعوات الأنبياء المشحونة بالنصوص القاطعة بإثباته، وهو أيضا لازم وعد الله بالثواب، والوعيد بالعقاب، وهما من لوازم التكليف، ولوازم العدل الإلهي، ولوازم الغائية والهدفية في الحياة المنافية للعبث الذي لا محل له للحكمة والعدل الإلهيين\" (^٥)\nوالمراد بالإيمان باليوم الآخر \" التصديق بما يقع فيه من الحساب والجزاء والجنة والنار\" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيح كتاب الآداب باب تحريم التسمي بملك الأملاك ح (٢١٤٣)،.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبه في المصنف ح (٣٦٧٩٣) وصححه الألباني في صحيح الجامع ح (٩٨٨).\n(^٣) «٤) المناوي: التيسير بشرح الجامع الصغير (١/ ٥٢)، المناوي: فيض القدير (١/ ٢١٩).\n(^٤) سليمان بن عبدالوهاب: تيسير العزيز الحميد، ص (٥٤٨)، انظر: الخطابي: معالم السنن (٤/ ١٢٩) العراقي: طرح التثريب (٨/ ١٥٢)\n(^٥) الكعبي: المعاد يوم القيامة، مركز الرسالة، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، ص (١٢).\n(^٦) ابن حجر: فتح الباري (١/ ١١٨).","vol":"1","page":45},{"text":"قال العلامة الحليمي ﵀:\" معناه: التصديق بأن لأيام الدنيا آخرا أي: أن الدنيا منقضية، وهذا العالم يوما بعد يوم ينقص صنعه، وينحل تركيبه\" (^١).\n\" فهو التصديق الجازم بإتيانه، وبجميع تفاصيله، والعمل بموجب ذلك\" (^٢).\nوهو يعني: \" اليوم الذي سيعيد الله تعالى البشر-كل البشر - إلى الحياة من جديد، في عالم غير عالمنا هذا، بعد أن يأتي الفناء على الكون والإنسان\". (^٣)\nإن معالم هذا التصديق القلبي تنعكس على جوارح المُصدِّق، فمن أيقن أن هذا الكون الفسيح العامر، الذي يعيش في أرجائه ويتنفس من هوائه، ويستمتع بأجوائه، سيلحقه الفناء، أورث في قلبه خوفا وخشية، قادته إلى إعمار هذا الكون الفسيح بالطاعة، وقَللت رغبات النفس الجامحة للركون إليه فارتسمت أمامه معالم الطريق الصحيح للسير والمسير إلى الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>المسألة الثانية: أسماء اليوم الآخر:</span>\nاليوم الآخر اسم من أسماء يوم القيامة، وأسماء يوم القيامة جاءت على أنحاء متعددة:\n-فنحوٌ منه \"ملاحظ فيها التسمية باليوم؛ أخذا من الظرف الزماني المرافق لهذه الحياة\n- وأسماء أخرى ملاحظ فيها التسمية بالدار؛ أخذا من الظرف المكاني المستلزم لهذه الحياة المادية الثانية.\n- وأسماء أخرى ملاحظ فيها معنى تحقق وقوع ذلك اليوم (^٤).\nوأسماء اليوم الآخر كثيرة، قد تتبعها العلماء، وسردوها، وبينوا معانيها. وقد اهتم بها جماعة من أهل العلم والفضل، كالغزالي في الإحياء، والقرطبي في التذكرة، وابن كثير في النهاية، وابن العربي في سراج المريدين، وغيرهم كثيرون.\n_________\n(^١) الحليمي: مختصر شعب الإيمان،، اختصره: علي الشربجي، ومحيي الدين نجيب (٧٥)\n(^٢) الحمد: الإيمان باليوم الآخر: ص (٥).\n(^٣) عبدالله نعمة: عقيدتنا: ص (٢١٢)، ابن حميد: الفتاوى والدروس في المسجد الحرام،: ص (١٠٠)، الفوزان: شرح الواسطيه: (١٠٧).\n(^٤) حبنكه الميداني: العقيدة الإسلامية: ص (٥٣٨).","vol":"1","page":46},{"text":"قال الإمام الغزالي ﵀:\"وقد وصف الله بعض دواهيها، وأكثر من أساميها؛ لنقف بكثرة أساميها على كثرة معانيها، فليس المقصود بكثرة الأسامي تكرير الأسامي والألقاب، بل الغرض تنبيه أولي الألباب. فتحت كل اسم من أسماء يوم القيامة سر، وفي كل نعت من نعوتها معنى، فاحرص على معرفة معانيها \" (^١)\nوقال الإمام القرطبي ﵀: \" ولِعِظَمِها أكثر الناس السؤال عنها .... وكل ما عظم شأنه تعددت صفاته وكذا أسماؤه. وهذا جميع كلام العرب ... فالقيامة لما عظم أمرها، وكثرت أهوالها، سماها الله تعالى في كتابه بأسماء عديدة، ووصفها بأوصاف كثيرة \" (^٢)\nوقال العلامة ابن عماد الأفقهسي ﵀: \" ولا جرم أن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى، أو على عظمه، أو تهويل أمره، ولهذا أقسم الله به \" (^٣)\nوقال الإمام السيوطي ﵀: \" اعلم أن الله تعالى، سمى يوم القيامة في كتابه العزيز بأسماء كثيرة، نحو مائة اسم منها ما هو في القرآن بلفظه، ومنها ما أخذ بطريق الاشتقاق، وكثرة الأسماء دالة على عظم المسمّى \" (^٤)\nوقال العلامة البرديسي ﵀: \" اعلم أن العرب تسمي الشيء بأسماء كثيرة، وتجعل له ألقابًا عديدة؛ تعظيمًا لشأنه، وإكبارًا لأمره، وقد سمى الله يوم القيامة أسماء كثيرة \" (^٥)\nفأسماؤها حين تطرق السمع، يقع أثرها في القلب. فهل يوم القيامة بهذا الشأن العظيم، حتى تكثر أسماؤه، وتتعدد صفاته؟!\n_________\n(^١) «الغزالي: إحياء علوم الدين: (٤/ ٥١٦).\n(^٢) «القرطبي: التذكرة ص (٢٤٣).\n(^٣) الأقفهسي: الإرشاد: (٢/ ٥٧٤).\n(^٤) السيوطي: البدور السافرة ص (٧١).\n(^٥) عواجي: الحياة الآخرة: (١/ ٤٥)، الوابل، أشراط الساعة: ص (٣٧).","vol":"1","page":47},{"text":"بنظرة تأمل واحدة في كتاب الله ﷿، يجد المرء إجابة شافية على تساؤله، فالله ﷿ خوّف عباده بهذا اليوم، وذكّرهم وبيّن لهم بعض أخباره وأحواله وأهواله، قال جل شأنه: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١)﴾ ... [الزلزلة:١]، فهذا مشهد من مشاهد القيامة، متى تأمله الإنسان بحق، رق قلبه، وخفق فؤاده، ورعدت فرائصه؛ لأنه يرى ويناظر أثر الزلازل المدمرة في هذا العالم المشهود. فهذه الأرض المستقرة، يتغير شأنها، ويتبدل حالها وتزلزل بمن فيها، ولذا يقول المولى سبحانه: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١)﴾، أي:\" إذا تحركت الأرض بأهلها، فزلزلت من نواحيها، وارتجت من مشرقها ومغربها، فلا تزال كذلك حتى يكسر ما على ظهرها من جبل وبناء فلا تسكن حتى يدخل في بطنها جميع ما يخرج منها. وزلزلتها من شدة صوت إسرافيل - ﵇ - وذلك إذا فرغت أحيان الدنيا وساعاتها وشهورها وأوقاتها وأعوامها وأيامها وحلالها وحرامها \" (^١)\nومع خلاف العلماء في هذه الزلزلة، هل هي بعد النفخة الثانية وقيام الناس من قبورهم، أو قبلها عند النفخة الأولى؟ (^٢)\nإلا أن هول المطلع، وشدة المفزع، وذهول المرضع، وإسقاط الحامل الموجع دليل على شدة هذا اليوم وعظيم هوله.\nولذا ليس عجبًا أن يسمى بهذه الأسماء المفزعة، ويوصف بهذه الأوصاف المخيفة، فهو يوم الطامة والصآخة والقارعة والواقعة. فالله جل وعلا يذّكر ... ويخوّف بهذا اليوم العظيم؛ \" لينتهوا عما نهاهم عنه من العصيان، ويمتثلوا ما أمرهم به من الطاعة والإيمان.\nوخوفهم من يوم القيامة؛ ليستعدوا لها، ولعظيم أهوالها \" (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>المطلب الثالث: سبب تسمية اليوم الآخر بهذا الاسم:</span>\n_________\n(^١) ابن الجوزي: بستان الواعظين ص (٢٦).\n(^٢) السيوطي: البدور السافرة ص (٤٦).\n(^٣) ابن الجوزي: بستان الواعظين ص (٢٦).","vol":"1","page":48},{"text":"إذا أدبرت الدنيا حلت الآخرة، التي هي آخر مراحل الإنسان، فتنقضي الأزمان، وتفنى الأعوام، وتختفي المعالم. فهو يوم لا ليل بعده، لذا وصف بالآخر؛ لأنه لا يقال يوم إلا لما تقدمه ليل (^١)\nوذكر العلماء في سبب تسمية اليوم الآخر بهذا الاسم عدة أوجه:\nقال الإمام الطبري ﵀: \" فكذلك الدار الآخرة، سميت آخرة؛ لتقدم الدار الأولى أمامها، فصارت التالية لها آخرة، وقد يجوز أن تكون سميت آخرة؛ لتأخرها عن الخلق، كما سميت الدنيا \" دنيا \" لدنوها من الخلق \" (^٢)\nوقال العلامة السمرقندي ﵀: \" لأنه لا يكون بعده ليل، فيصير بمنزلة يوم واحد \" (^٣)\nوقال الإمام البغوي ﵀: \" وسميت الآخرة آخرة؛ لتأخرها، وكونها بعد فناء الدنيا \" (^٤)\nوقال الحافظ ابن حجر ﵀: \" وأما اليوم الآخر فقيل له ذلك؛ لأنه آخر أيام الدنيا، أو آخر الأزمنة المحدودة \" (^٥)\nوقال العلامة ابن باز ﵀: \" سمي الآخر؛ لأنه دبر الدنيا، الدنيا ثم يوم القيامة \" (^٦)، وقال العلامة ابن عثيمين ﵀: \" لأنه لا يوم بعده \" (^٧)\nفاليوم الآخر يوم طويل، لا يكون حتى تفنى الدنيا وما عليها. تقف فيه الخلائق حتى يُقضى بينها، ففريق في الجنة وفريق في السعير. وقد فاز من حاز الدول الثلاث فيها، قال أبوبكر الواسطي: \" الدول ثلاث: دولة الحياة ودولة الموت، ودولة يوم القيامة.\nفأما دولة الحياة: فإنه يعيش فيها في طاعة الله تعالى.\nوأما دولته عند الموت: بأن تخرج روحة عند شهادة أن لا إله إلا الله.\nوأما الدولة الصحيحة: فدولة يوم القيامة البشرى، فحين يخرج من القبر يأتيه البشير بالجنة \" (^٨)\n* * *\n_________\n(^١) الثعالبي: الجواهر الحسان: (١/ ١٨٧).\n(^٢) الطبري: جامع البيان: (١/ ٢٤٥).\n(^٣) السمرقندي: بحر العلوم: (٢/ ٤٩٥).\n(^٤) البغوي: معالم التنزيل: (١/ ٨٥).\n(^٥) ابن حجر: فتح الباري: (١/ ١١٨)، السمعاني: تفسير القرآن: (١/ ٤٤)، ابن الجوزي: زاد المسير (١/ ٢٩)، الخازن: لباب التأويل (١/ ٢٥)، ابن علان: دليل الفالحين: (٥/ ١٨١).\n(^٦) ابن باز: عقيدة أهل السنة والجماعة: موقع الشيخ الرسمي على الشبكة العنكبوتية، وهي عبارة عن محاضرة ألقيت في الرياض بتأريخ: ٧/ ٦/١٤١٥ هـ.\n(^٧) ابن عثيمين: شرح ثلاثة الأصول: ص (١٠٠).\n(^٨) السمرقندي: تنبيه الغافلين: ص (٦٥).","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>المبحث الثاني حكم الإيمان باليوم الآخر</span>\nوتحته المطالب التالية:\n\nالمطلب الأول: حكم الإيمان باليوم الآخر، وفيه ثلاث مسائل:\n\nالمسألة الأولى: حكم الإيمان باليوم الآخر، وحكم منكره؟\nالمسألة الثانية: قصر المتكلمين أدلة إثبات اليوم الآخر في السمعيات فقط.\nالمسألة الثالثة: ظن المتكلمين أن القول بالبعث والمعاد متوقف على نظرية الجوهر الفرد.\n\nالمطلب الثاني: اتفاق الشرائع على الإيمان باليوم الآخر.\n\nالمطلب الثالث: القدر المجزئ في الإيمان باليوم الآخر؟","vol":"1","page":50},{"text":"المبحث الثاني حكم الإيمان باليوم الآخر:\n\nوفيه ثلاثة مطالب:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>المطلب الأول: حكم الإيمان باليوم الآخر، وحكم منكره</span>؟\nوفيه ثلاث مسائل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>المسألة الأولى: حكم الإيمان باليوم الآخر، وحكم منكره</span>؟:\nالإيمان باليوم الآخر أصل من أصول العقيدة، وركن من أركان الإيمان. وقد استفاضت نصوص الوحيين بذكر أخباره وأحداثه، والرد على منكريه \" فالعلم به من ضروريات الإيمان \" (^١).\nوقال جل شأنه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة:١٧٧] ... والبر بمعنى: التقوى والإيمان، واليوم الآخر من البر، فهو من الإيمان. (^٢)\nفالإيمان باليوم الآخر حتم لازم، لا يتم إيمان العبد إلا به، قال ﷾: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء:١٣٦].\n_________\n(^١) ابن عثيمين: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين: (٢/ ٧١).\n(^٢) ابن أبي حاتم: تفسير ابن أبي حاتم: (١/ ٢٨٧)، الماوردي: النكت والعيون،: (١/ ٢٢٥)، العثيمين: تفسير الفاتحة والبقرة: (٢/ ٢٨٣).","vol":"1","page":51},{"text":"وصرح الأئمة - رحمهم الله تعالى - على كفر من كفر بواحدة منها:\nيقول الإمام الطبري: \" فإن معناه: ومن يكفر بمحمد - ﷺ - وبما جاء به من عند الله؛ لأن جحود شيء من ذلك بمعنى جحود جميعه؛ ولأنه لا يصح إيمان أحد من الخلق إلا بالإيمان بما أمره الله بالإيمان به، والكفر بشيء منه كفر بجميعه \" (^١)\nويقول العلامة النسفي: \" ومن يكفر بشيء من ذلك ﴿الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ لأن الكفر ببعضه كفر بكله \" (^٢).\nويقول الإمام ابن تيمية: \" فإن من كفر بالله فقد كفر بهذا كله، فالمعطوف لازم للمعطوف عليه \" (^٣).\nويقول العلامة القاسمي: \" فإن الكفر بكل واحد من هذه الأصول يستلزم الكفر بغيره. فمن كفر بالله كفر بالجميع، ومن كفر بالملائكة كفر بالكتب والرسل فكان كافرا بالله، إذ كذب رسله وكتبه، وكذلك إذا كفر باليوم الآخر كذب الكتب والرسل، فكان كافرا \" (^٤)، وأشار إلى خطورة الكفر باليوم الآخر، إذ الكفر \" باليوم الآخر كفر بدوام ربوبيته وعدله \" ﷾، وأن الكفر به يدعو إلى \" الاجتراء على القبائح \" (^٥).\n\nويقول العلامة السعدي: \" واعلم أن الكفر بشيء من هذه الأمور المذكورة كالكفر بجميعها؛ لتلازمها، وامتناع وجود الإيمان ببعضها دون بعض \" (^٦)\nوقد عبر القرآن الكريم عن الكفر بهذه الأركان بالضلال البعيد، \" والتعبير بالضلال البعيد غالبا يحمل معنى الإبعاد في الضلال الذي لا يرجى معه هدى، ولا يرتقب بعده مآب \" (^٧).\n_________\n(^١) الطبري: جامع البيان ت: أحمد محمد شاكر ص (٩/ ٣١).\n(^٢) النسفي: مدارك التنزيل: (١/ ٤٠٥).\n(^٣) ابن تيمية: الإيمان: (١/ ١٣٨).\n(^٤) القاسمي: محاسن التأويل: (٣/ ٣٣٤).\n(^٥) القاسمي: محاسن التأويل: (٣/ ٣٧٠).\n(^٦) السعدي: تيسير الكريم الرحمن: ت عبدالرحمن اللويحق ص (١٧٢).\n(^٧) سيد قطب: في ظلال القرآن: (٢/ ٧٧٨).","vol":"1","page":52},{"text":"يقول الإمام الطبري عن معنى الضلال البعيد: \" فإنه يعني: فقد ذهب عن قصد السبيل، وجار عن محجة الطريق إلى المهالك، ذهابا وجورا بعيدا؛ لأن كفر من كفر بذلك، خروج منه عن دين الله الذي شرعه لعباده، والخروج عن دين الله الهلاك الذي فيه البوار، والضلال عن الهدى هو الضلال \" (^١).\nفالإيمان باليوم الآخر ركن ركين، وأصل أصيل، فـ \" يجب على المكلف أن يُؤمن بالله ورسوله، ويقر بجميع ما جاء به الرسول - ﷺ - من أمر الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر \" (^٢)، ولذا فإن الإيمان بمعاد الأبدان من أصول الإيمان (^٣).\nيقول الإمام الطحاوي: \" والإيمان هو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وحلوه ومره من الله تعالى ونحن نُؤمن بذلك كله \" (^٤)،\nويقول الإمام ابن قدامة: \" ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي - ﷺ - وصح به النقل عنه فيما شاهدناه، أو غاب عنا، نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه ولم نطلع على حقيقة معناه ... والبعث بعد الموت حق \" (^٥).\nويقول العلامة الطوفي: \" فيجب الإيمان بما بين الموت إلى دخول إحدى الدارين فما بعد ذلك، مما صحت به نصوص الشرع \" (^٦).\nويقول الشيخ النابلسي: \" واعلم - يأخي - أن اليوم الآخر وجميع ما فيه من الموت إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، مما وردت به الأخبار الصحيحة، حق لا شبهة فيه. يفترض الإيمان به من غير تصور ولا تخيل لشيء منه؛ ولأن ذلك خارج عن معقولنا الدنيوي ومحسوسنا \" (^٧)\n_________\n(^١) الطبري: جامع البيان: ص (٩/ ٣١٤).\n(^٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى (٣/ ٣٢٧).\n(^٣) ابن تيمية: بغية المرتاد: (١/ ٣٤٢).\n(^٤) الطحاوي: شرح الطحاوية لابن أبي العز: ص (٣٦٢).\n(^٥) ابن قدامة: لمعة الاعتقاد: ص (٢٨ - ٣١).\n(^٦) الطوفي: شرح الإربعين النووية: ص (١٧٠).\n(^٧) عبد الغني النابلسي: ثبوت القدمين في سؤال الملكين: (١٩) العقيدة الإسلامية: ابن عزوز ص ... (٣٠٩).","vol":"1","page":53},{"text":"فهذه النصوص وغيرها تدل على وجوب الإيمان باليوم الآخر، ووجوب اعتقاده والتصديق به، فمن أنكره فهو كافر، يقول جل وعلا: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾ [التغابن:٧] ففي هذه الآية الكريمة أكد المولى ﷿ الإخبار باليوم الآخر باليمين لأن التهديد به أعظم في القلب، فكأنه قيل لهم: ما تنكرونه واقع لا محالة أُقسم لكم بربي، (ثم لتُنبئن بما عملتم) أي: لتحاسبن ولتجزون بأعمالكم من خير وشر، (وذلك) البعث والجزاء، (على الله يسير) لتحقق القدرة. (^١)\nوإن إنكار المعاد واليوم الآخر، سبب لإنكار ما عداه، \" فإن منشأ إنكار المشركين لوحدانية الله، وتكذيبهم برسالة النبي - ﷺ - وطعنهم بالقرآن هو: إنكار يوم القيامة، وعدم الإيمان باليوم الآخر؛ لأن من آمن به تبصر وتدبر ولم يكن متهورا في سوء الاعتقاد \" (^٢).\nوذكر ﷾ أن عدم الإيمان باليوم الآخر سبب من أسباب عدم قبول الحق الذي دعوا إليه، فقال جل وعلا: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢)﴾ [النحل:٢٢] \" فذكر سببين حائلين بينهم، وبين قبول الحق الذي دعوا إليه، فالأول: عدم الإيمان باليوم الآخر ... والثاني: التكبر، وهو حال الأكثرين، كما قد عُرف من حال الأمم \" (^٣)\nفكفر منكر اليوم الآخر ظاهر، يقول الإمام أبو حيان: \" فمن أنكر الملائكة، أو القيامة فهو كافر \" (^٤).\n_________\n(^١) المنصوري: المقتطف من عيون التفاسير ت: محمد الصابوني، (٥/ ٢٥٩).\n(^٢) الزحيلي: التفسير المنير، دار الفكر المعاصر - دمشق، ط ٢ - ١٤١٨ هـ، (١٩/ ٣٢).\n(^٣) عبد اللطيف آل الشيخ: عيون الرسائل والأجوبة على المسائل (٢/ ٦٥٤)، وانظر: مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (١/ ٣٧٦).\n(^٤) أبو حيان: البحر المحيط: (٤/ ٩٩).","vol":"1","page":54},{"text":"وقد ذكر أبو الفرج الشيرازي في جزئه الموسوم (امتحان السني من البدعي) أن من أنكر البعث واليوم الآخر فهو كافر فقال: \" يُسأل عن البعث بعد الموت، فإن آمن فهو سني، وإن أنكره فهو حشيشي معطلي دهري \" (^١).\n\" فالإيمان باليوم الآخر فرع عن الإيمان بالله، وكذلك التكذيب بهذا اليوم كفرا بالله \" (^٢)، ومعلوم أن طوائف من الكفار والمشركين وغيرهم، قد أنكروا هذا المعاد بالكلية، فلا يقرون لا بمعاد الأرواح، ولا بمعاد الأجساد. (^٣) ... فحال من أنكر البعث كحال البهائم، ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف:١٧٩]، فـ \" يكون أكبر همه لذات الدنيا وشهواتها وحظوظها، وذلك أصل لشقاء الدنيا قبل شقاء الآخرة \" (^٤).\n_________\n(^١) أبو الفرج الشيرازي: امتحان السني من البدعي، ت: د. فهد المقرن، ص (٢٦٩).\n(^٢) عبد الحمن عبد الخالق: الحد الفاصل بين الإيمان والكفر:، ص (٤٨)، انظر: الخميس: أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة ص (٤٦١)، الفوزان: شرح الواسطية ص (١١١) هراس: شرح الواسطية، ص (٢٣٤) صالح آل الشيخ: شرح الطحاوية (٢/ ١٠٣٠).\n(^٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (٤/ ٣١٣).\n(^٤) محمد رشيد رضا: تفسير المنار،: (٢/ ٩٢).","vol":"1","page":55},{"text":"فالواجب على المكلف الإيمان بهذا الركن العظيم، يقول العلامة السفاريني: \" واعلم أنه يجب الجزم شرعا، أن الله تعالى يبعث جميع العباد، ويعيدهم بعد إيجادهم بجميع أجزائهم الأصلية، وهي التي من شأنها البقاء من أول العمر إلى آخره، ويسوقهم إلى محشرهم لفصل القضاء. فإن هذا حق ثابت بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، مع كونه من الممكنات التي أخبر بها الشارع، وكل ما هو كذلك فهو ثابت، والإخبار عنه مطابق \" (^١). وهذا مقتضى الإيمان بقوله ﷾: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣]، وهو يعم الآخرة، ولكن ذكرها المولى ﷿، ونصَّ عليها ثانيا؛ \" لِعِظَمِها والتنبيه على وجوب اعتقادها والرد على الكفرة الجاحدين لها \" (^٢).\nونُشير في هذا المقام: إلى انحراف المتكلمين، وجنوحهم عن طريق الهدى وبعدهم عن الصواب في باب اليوم الآخر، وذلك من جهتين:\nالأولى: قصرهم أدلة إثبات اليوم الآخر، وأحواله، وأهواله في السمعيات فقط.\nالثانية: ظنهم أن القول باليوم الآخر، لا يُعرف إلا بإثبات نظرية الجوهر الفرد.\nوهاتان الجهتان هما موضوع المسألة الثانية والثالثة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>المسألة الثانية: قصرُ المتكلمين أدلة إثبات اليوم الآخر في السمعيات فقط:</span>\nبيان حكم هذه المسألة في النقاط التالية:\n١ - المراد بالسمعيات (الغيبيات):\nالسمعيات في مقابل العقليات والنظريات، فما كان طريق العلم به العقل يُسمى: العقليات أو النظريات، ولهذا يُقال لعلماء هذا الشأن: النُظار.\nفالسمعيات: ما كان طريق العلم به السمع الوارد في الكتاب، أو السنة ... أو الآثار مما ليس للعقل فيه مجال. (^٣)\n_________\n(^١) السفاريني: لوامع الأنوار البهية: (٢/ ١٥٩).\n(^٢) ابن عطية: المحرر الوجيز: (١/ ٧٠ (: (١/ ١٤٠).\n(^٣) السفاريني: لوامع الأنوار البهية: (٢/ ٣)، شهاب الدين الخفاجي: حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي (١/ ١٣)، ابن تيمية: شرح الأصفهانية: ص (١٦٨)، ابن حجر: فتح الباري: ... (١٣/ ٣٥٣)، العثيمين: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين: (٥/ ٥١)، الحمد: مصطلحات في كتب العقائد: ص (١٢٠).","vol":"1","page":56},{"text":"وربما سُمي هذا المصطلح بالدليل السمعي، أو الدليل النقلي، أو الأدلة المأثورة، أو الأدلة الخبرية، أو الأدلة الشرعية، ونحو هذا، وكلها تدل على معنى واحد، وهو: الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، التي لا مجال للعقل فيها. (^١)\nجاء في الموسوعة الفقهية: \" السمعيات: هي الأمور التي يتوقف عليها السمع كالمعاد، وأسباب السعادة والشقاء من الإيمان والطاعة، والكفر والمعصية \" (^٢).\nوقال الإمام الجصاص: \" السمعيات طريقها السمع، ولا مدخل للعقل في إثباته \" (^٣)، \" فأما الأمور التي يتوقف عليها ثبوت الكتاب والسنة فهي مباحث النبوة، وما يتعلق بها؛ إذ لا يمكن التصديق بالكتاب والسنة إلا بعد التصديق برسالة من جاء بهما. وأما الأمور التي تتوقف على الكتاب والسنة فهي الأمور الغيبية التي لا يمكن لعقل أن يستقل بإدراكها، كالصراط، والميزان، والحشر ...، فالسمعيات هي: الاعتقادات التي لا يستقل العقل بإثباتها، وإنما يتوقف إثباتها على الأدلة السمعية \" (^٤).\nوقال الإمام ابن تيمية: \" أما المتكلمة المتبعون للنبوات، فغرضهم في الغالب إنما هو إثبات صانع هذا العالم، والصفات التي بها ثبتت النبوة على طريقهم، ثم إذا أثبتوا النبوة تلقوا منها السمعيات وهي الكتاب والسنة والإجماع، وفروع ذلك \" (^٥).\nوقسم إمام الحرمين الجويني الأدلة إلى قسمين: أدلة عقلية، وأدلة سمعية وأشار إلى المميز بينهما فقال: \" والمميز بينها وبين العقليات: أنها لا تدل بأنفسها ولكن تدل بنصب ناصب لها أدلة \" (^٦).\n_________\n(^١) «الحمد: الإيمان باليوم الآخر: ص (١٢).\n(^٢) الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف الكويتية: (٢٥/ ٢٥٤).\n(^٣) الجصاص: الفصول في الأصول: (٣/ ٣٨٦).\n(^٤) مؤيد حسن: مباحث النبوات والسمعيات، بحث علمي مقدم لكلية أصول الدين، الجامعة الإسلامية بغداد، ١٤٣١ هـ، (١٧١).\n(^٥) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (٢/ ٢١).\n(^٦) الجويني: التلخيص في أصول الفقه: (٢/ ٢٠٧).","vol":"1","page":57},{"text":"ثم ذكر العلماء أن الضابط في السمعيات: \" أن العقل لا يمنعها ولا يحيلها ولا يقدر على ذلك، ولا يقدر أن يوجبها، ولا يحار في ذلك \" (^١).\nفالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - إنما يُخبرون بما تحار فيه العقول، لا بما تُحيله، يقول الإمام ابن تيمية: \" يجب الفرق بين ما يقصر العقل عن دركه وما يعلم العقل استحالته. بين ما لا يعلم العقل ثبوته، وبين ما يعلم العقل انتفاءه، بين محارات العقول، ومحالات العقول. فإن الرسل - صلوات الله عليهم وسلامه - قد يخبرون بمحارات العقول، وهو ما تعجز العقول عن معرفته، ولا يخبرون بمحالات العقول، وهو ما يعلم العقل استحالته \" (^٢).\nوقال في موضع آخر: \" يجب الفرق بين ما يعلم العقل بطلانه وامتناعه وبين ما يعجز العقل عن تصوره ومعرفته. فالأول: من محالات العقول والثاني: من محارات العقول، والرسل يخبرون بالثاني \" (^٣).\nوعليه يُعرف أن: \" السمعيات: كل ما ثبت بالسمع، أي: بطريق الشرع ولم يكن للعقل فيها مدخل \" (^٤)، وتسمى بالغيبيات؛ \" لأنها أمور غائبة عنا ولا أثر لها في حياتنا يدل عليها دلالة قطعية \" (^٥).\n٢ - العقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح:\n_________\n(^١) محمد يسري: مبادئ ومقدمات علم التوحيد:، ص (١٣٧).\n(^٢) ابن تيمية: بيان تلبيس الجهمية: (٢/ ٣٦١)، (٨/ ٥٣٣).\n(^٣) ابن تيمية: الجواب الصحيح: (٤/ ٣٩١)، درء تعارض العقل والنقل،: (٥/ ٢٩٦)، (٧/ ٣٢٧).\n(^٤) ابن عثيمين: تعليق مختصر على لمعة الاعتقاد: ص (١٠١).\n(^٥) مؤيد حسن: مباحث النبوات والسمعيات، بحث علمي مقدم لكلية أصول الدين، الجامعة الإسلامية بغداد، ١٤٣١ هـ، (١٧١).","vol":"1","page":58},{"text":"إذا عُلم أن السمعيات هي: أدلة الشرع التي لا مدخل للعقل فيها، فلا يدل ذلك على تنافيها مع العقل، أو تناقضها معه، بل \" الأدلة السمعية التي جاءت بها الأنبياء لا تتناقض، وكذلك الأدلة الصحيحة العقلية، ولا تتناقض السمعيات والعقليات \" (^١)، وشرط صحة عدم التناقض: أن يكون الدليل النقلي صحيحا، وأن يكون الدليل العقلي صريحا، \" والعقل الصريح: هو الخالي من الشبهات والشهوات، والنقل الصحيح: هو السالم من العلل والقوادح \" (^٢)، ولذا قال الإمام ابن تيمية: \" وهذا الموضع غلط فيه طائفتان من الناس: غالية غلت في المعقولات، حتى جعلت ما ليس معقولا من المعقول، وقدمته على الحس ونصوص الرسول - ﷺ -، وطائفة جفت عنه فردت المعقولات الصريحة، وقدمت عليها ما ظنته من السمعيات والحسيات، وهكذا الناس في السمعيات نوعان، وكذلك هم في الحسيات الباطنة والظاهرة نوعان. فيجب ان يُعلم أن الحق لا ينقض بعضه بعضا، بل يصدق بعضه بعضا، وأن ما عُلم بمعقول صريح، لا يخالفه قط خبر صحيح، ولا حس صحيح. وكذلك ما عُلم بالسمع الصحيح، لا يعارضه عقل وحس وكذلك ما عُلم بالحس الصحيح، لا يناقضه خبر ولا معقول \" (^٣).\nوقد انبرى بعض المتكلمين حين أعيتهم الحيلة، للجمع بين نصوص الشرع الصحيحة، ومؤيدات العقل الصريحة، وحين لم يُسلموا لظواهر نصوص الشرع المطهر، فسنوا قانونا زعموا أنه كلي يُرجع إليه حين تتعارض النصوص النقلية مع العقل، وجعلوها من المتشابهات.\nونحن حين نعتقد، أنه لا يمكن أن يتعارض عقل صريح ونقل صحيح كما قال علماء أهل السنة، \" فلا يُتصور أن يتعارض عقل صريح، ونقل صحيح أبدا \" (^٤)، نجد أن بعض علماء الكلام أطروا وسطروا قوانينهم التي يظنون أنها مؤيدة للعقل، والعقل منها براء.\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (٦/ ٣٠٢).\n(^٢) الحمد: الإيمان باليوم الآخر: ص (١٨).\n(^٣) ابن تيمية: الجواب الصحيح: ص (٤/ ٣٩٤).\n(^٤) ابن أبي العز: شرح الطحاوية: ص (١٦٦).","vol":"1","page":59},{"text":"ومن القوانين التي سطروها، ما ذكره الرازي في كتابه (أساس التقديس) من القانون الذي ظن أنه المرجوع إليه في جميع المتشابهات. ويُعرف هذا القانون بقانون التأويل؛ لزعمه أن الدلائل السمعية متوقفة على الأصول العقلية. (^١) قال الرازي في بيان هذا القانون: \" اعلم أن الدلائل القطعية العقلية، إذا قامت على ثبوث شيء، ثم وجدنا أدلة نقلية يشعر ظاهرها بخلاف ذلك فهناك لا يخلو الحال من أحد أمور أربعة: إما أن يصدق مقتضى العقل والنقل فيلزم تصديق النقيضين وهو محال.\nوإما أن يبطل، فيلزم تكذيب النقيضين وهو محال.\nوإما أن يصدق الظواهر النقلية، ويكذب الظواهر العقلية، وذلك باطل ... لأنه لا يمكننا أن نعرف صحة الظواهر النقلية، إلا إذا عرفنا بالدلائل العقلية إثبات الصانع وصفاته، وكيفية دلالة المعجزة على صدق الرسول - ﷺ - وظهور المعجزات على محمد - ﷺولو جوزنا القدح في الدلائل العقلية القطعية، صار العقل متهما غير مقبول القول، ولو كان كذلك لخرج أن يكون مقبول القول في هذه الأصول، وإذا لم نثبت هذه الأصول خرجت الدلائل النقلية عن كونها مفيدة، فثبت أن القدح لتصحيح النقل يفضي إلى القدح في العقل والنقل معا، وإنه باطل. ولما بطلت الأقسام الأربعة لم يبق إلا أن يقطع بمقتضى الدلائل العقلية القاطعة، بأن هذه الدلائل النقلية إما أن يقال: إنها غير صحيحة، أو يقال إنها صحيحة إلا أن المراد منها غير ظواهرها. ثم إن جوزنا التأويل واشتغلنا على سبيل التبرع بذكر تلك التأويلات على التفصيل، وإن لم يجز التأويل فوضنا العلم بها إلى الله تعالى. فهذا هو القانون الكلي المرجوع إليه في جميع المتشابهات. وبالله التوفيق \" (^٢).\nهذا هو القانون الذي ألغوا به الكثير من نصوص الوحيين؛ لأن نتيجة التعارض الموهوم لديهم، أنه متى حصل التعارض بين العقل والنقل والعقل أصل النقل، وجب تقديم العقل عليه، وحينها يكون الموقف من النصوص المعارضة له إما: الرد، أو التأويل، أو التفويض.\n_________\n(^١) أحمد عبداللطيف: شرح الرسالة التدمرية: ص (٤٤٥).\n(^٢) الرازي: أساس التقديس: ص (١٣٠).","vol":"1","page":60},{"text":"يقول اللقاني في منظومته جوهرة التوحيد (^١):\nوكل نص أوهم التشبيها ... أوله أو فوض ورُم تنزيها\nوقد بنوا هذا المانع العقلي المعارض للنصوص، على دليل حدوث الأجسام فقالوا: \" إن القول بما دل عليه السمع من إثبات الصفات والأفعال، يقدح في أصل الدليل الذي به علمنا صدق الرسول، وقالوا: إنه لا يمكن تصديق الرسول - لو قُدر أنه يُخبر بذلك -؛ لأن صدقه لا يُعلم إلا بعد أن يُثبت العلم بالصانع، ولا طريق إلى إثبات العلم بالصانع إلا القول بحدوث الأجسام \" (^٢).\nقال الإمام ابن تيمية: \" فهذه هي أعظم القواطع التي يعارضون بها الكتب الإلهية، والنصوص النبوية، وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها \" (^٣).\nوابتلي بهذا القانون جماعات، حتى صار \" منهجا لمعظم المتكلمين المعارضين لصحيح المنقول بشبهاتهم العقلية، حيث توارثوه جيلا، فكل من أراد أن يُؤول أو يرد نصا من نصوص الصفات، فلا بد أن يُشير إليه \" (^٤).\nوقد انبرى شيخ الإسلام ابن تيمية للرد على هذه الشبهة، \" فذكر في الجواب تسعة عشر وجها، مفصلة أتم تفصيل، في بيان أن صريح المعقول لا يخالف صحيح المنقول. وفيه الذب عن الشريعة الغراء، وأنها وافية بكل ما يستوجب سعادة الدارين، ليس لها حاجة بإكمالها بالقواعد التي وضعها علماء الكلام من أعداء الله ورسوله - ﷺ - وأن جميع ما جاءت به الشريعة الغراء مما يوافق ما تقتضيه العقول السليمة، وأن نصوصها لا تُؤول لأجل تطبيقها على ما اخترعوه من الآراء الفاسدة، والأقوال الكاسدة \" (^٥).\nوذكر الإمام ابن تيمية أن أكثر الناس صوابا في العقليات، أقربهم إلى طريقة السلف والأئمة، فطريقهم أكمل الطرق وأصحها؛ لأنها موافقة للطرق التي دل عليها القرآن وأرشد إليها.\n_________\n(^١) الرديعان: عقيدة الأشاعرة: ص (٢٠١).\n(^٢) ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل: (١/ ٣٠٦).\n(^٣) ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل: انظر: المحمود: موقف ابن تيمية من الأشاعرة ط ١ - ١٤١٥ هـ، (٢/ ٨٢٠).\n(^٤) جابر إدريس: منهج السلف والمتكلمين في موافقة العقل للنقل (٢/ ٤٥٦).\n(^٥) محمود الألوسي: غاية الأماني في الرد على النبهاني: (١/ ٤٤١).","vol":"1","page":61},{"text":"وكما أن أكثرهم صوابا في السمعيات، أقربهم لطريقة السلف؛ إذ العقل الصريح، لا يخالف السمع الصحيح، بل يصدقه ويوافقه (^١).\nوعدَّ الإمام ابن القيم هذا القانون الفاسد طاغوتا؛ لما جر على الأمة من الويلات والتبعات، ولذا كسر هذا الطاغوت بمئتين وأربعين وجها، ومع ذلك فهو يقول: \" وقد أشفى شيخ الإسلام في هذا الباب بما لا مزيد عليه وبيَّن بطلان هذه الشبهة، وكسر هذا الطاغوت في كتابه الكبير - درء تعارض العقل والنقل -، فنحن نشير إلى كلمات يسيرة هي قطرة من بحره \" (^٢).\n٣ - التصنيف العقدي عند المتكلمين:\nإن الناظر في تآليف المتكلمين في العقائد، يجد أنهم يُقسمون العقائد إلى ثلاثة أقسام:\n(الإلهيات - النبوات - السمعيات)\nفيبدأ المتكلمون تصانيفهم العقدية بالحديث عن الإلهيات، وهي تُعنى بتقرير أمور تسبق إثبات النبوة، كإثبات أن الله ﷾ واجب الوجود بذاته والدليل على ذلك، ثم إثبات توحده، وهو كونه واحدا والدليل عليه، فمتى ثبتت هذه القضايا، ساغ للنبي أن يقول إنه مرسل من ربه، فيبلغ شرعه، مع إتيانه بالمعجزة. ثم يُفصلون في السمعيات، وهي كل ما يتعلق بتفاصيل الآخرة والعجب أنهم \" في باب الإلهيات والنبوات لا يقبلون نصوص الكتاب والسنة ولذلك لن تجد في هذين البابين إلا الشبه العقلية المركبة وفق القواعد المنطقية وأما باب السمعيات - أي: البعث والحشر، والجنة والنار، والوعد والوعيد - فهم يقبلون فيه النصوص الشرعية \" (^٣).\nوهذا الترتيب في التصنيف العقائدي عند المتكلمين مبني على أمرين:\n_________\n(^١) ابن تيمية: شرح الأصفهانية: ص (٥٥).\n(^٢) ابن القيم: مختصر الصواعق المرسلة: ص (١٠٩).\n(^٣) التميمي: معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات:: ص (٧٣)","vol":"1","page":62},{"text":"الأول: أن \" الأصل في السمعيات كلام الله تعالى، وهو مستند قول النبي - ﷺ -، ولكن لا يثبت كلام الله تعالى، إلا من جهة من يثبت صدقه بالمعجزة إذا أخبر عن كلام الله تعالى، فمال السمع إلى كلام الله تعالى، وهو متلقى من جهة رسول الله - ﷺ - ومستند الثقة بالتلقي منه، ثبوت صدقه، والدال على صدقه المعجزة \" (^١). ومعنى هذا: أن السمعيات لا تعتبر ما لم تأت من جهة الرسول، ولا بد في إثبات السمعيات من إثبات صدق الرسول، ولا يثبت صدق الرسول إلا بتقرير أمور تسبق إثباته، وهي ما تُعرف عند المتكلمين بالإلهيات.\nولذا لما عدَّ إمام الحرمين مدارك العلوم الثلاثة وهي: العقول، والمعجزات والسمعيات، قال: \" والتحقيق في ذلك يستدعي تقديم أصلين، ثم بعدهما نعد السمعيات \" (^٢).\nالثاني: ظنهم أن هذه الطريقة في التأليف - التي انفردوا بها - موافقة لطريقة القرآن الكريم. وذلك أن الله ﷾ \" قال في صدر سورة البقرة - بعد أن صنَّف الخلق ثلاثة أصناف: مؤمن وكافر ومنافق - فقال بعد ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة:٢١] وذكر آلاءه التي تتضمن نعمته وقدرته، ثم اتبع لك بتقرير النبوة بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة:٢٣]. والمتكلم يستحسن مثل هذا التأليف ويستعظمه، حيث قررت الربوبية ثم الرسالة ويظن أن هذا موافق لطريقته الكلامية في نظره في القضايا العقليات أولا: من تقرير الربوبية، ثم تقرير النبوة، ثم تلقي السمعيات من النبوة، كما هي الطريقة المشهورة الكلامية للمعتزلة، والكرامية، والكلابية، والأشعرية \" (^٣)\n_________\n(^١) الجويني: البرهان في أصول الفقه: ص (٣٤).\n(^٢) الجويني: البرهان في أصول الفقه: ص (٣٣).\n(^٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (٢/ ٧).","vol":"1","page":63},{"text":"ثم ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن عمدة كلامهم ومعظمه في إثبات الصانع ثم إثبات صفاته، مبني على ما يُعرف عندهم بالعقليات، التي هي من أصول دينهم. ولذا لحقهم الذم من جهتين: \" من جهة ضعف المقاييس التي بنوا عليها، ومن جهة ردهم لما جاءت به السنة \" (^١)، ثم بين الشيخ خطأ المتكلمين في ظنهم أن طريقة القرآن تُوافق طريقهم من وجوه.\n٤ - تقسيم العقائد عند المتكلمين:\nأشرنا إلى أن المتكلمين قسموا العقائد إلى: إلهيات، ونبوات، وسمعيات وأن السمعيات تبحث في مسائل المعاد واليوم الآخر، والأسماء والأحكام والإمامة ونحوها (^٢).\nوأن السمعيات هي الأمور الثابتة بطريق الشرع، فلا مجال للعقل فيها ولذا فإن المعاد، وما يتعلق بأحوال اليوم الآخر، لا يُعلم إلا بالسمع.\nومن هنا قسَّم المتكلمون قضايا العقائد إلى ثلاثة أقسام (^٣):\n١ - ما لا يدرك إلا بالعقل، ولا تُقبل فيه الدلالة السمعية، وهو ما يحكم العقل بوجوبه.\n٢ - ما لا يدرك إلا بالسمع، ولا تُقبل فيه الدلالة العقلية، وهو ما لا يحكم العقل باستحالته.\n٣ - ما تشترك فيه الدلالتان السمعية والعقلية، وهو ما يحكم العقل بجوازه استقلالا، أو بمعاضدة الوحي.\nفما لا يدرك ولا يثبت إلا بالسمع، كالمعاد، وأخبار اليوم الآخر، لا يقبلون فيه الدلالة العقلية، ولكن شرطوا: تجويز العقل لها، ولذا قال إمام الحرمين: \" ... وأما ما لا يدرك إلا بالسمع: فوقوع الجائزات وانتفاؤها \" (^٤).\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (٢/ ٨).\n(^٢) التفتازاني: شرح المقاصد: (٢/ ١٧٣).\n(^٣) أحمد عبداللطيف: منهج إمام الحرمين في دراسة ك: ص (٨٣ - ٩٠)، أحمد عبد اللطيف: شرح الرسالة التدمرية: ص (٤١٩).\n(^٤) الجويني: البرهان في أصول الفقه: ص (٢٩).","vol":"1","page":64},{"text":"فأخبار اليوم الآخر لا تعلم إلا بالأدلة السمعية، ولا تقبل فيها دلالة العقل عندهم، بل قال شيخ الإسلام: \" وكثير من هؤلاء يعتقدون أن في ذلك ما لا يجوز أن يُعلم بالعقل كالمعاد \" (^١)، وأشار الشيخ إلى حصر الأشاعرة أمر المعاد في السمعيات فقال: \" وأما أمر المعاد فيجعلونه كله من باب السمعيات؛ لأنه ممكن في العقل، والصادق قد أخبره به \" (^٢).\n\nواختلف الناس في أمر المعاد هل يُعلم بالعقل أم لا؟\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \" فذهب كثير من أهل الكلام، وذهب أكثر الناس إلى أن المعاد من الأمور السمعية التي لا تعلم إلا بالسمع، وهو قول كثير من أصحابنا والأشعرية وغيرهم. وذهب طائفة إلى أنه يعلم بالعقل ثم تنوعت مسالكهم: فمنهم من بناه على وجوب العدل، ومنهم من بناه على أن الروح غير البدن \" (^٣).\nوصوَّب الشيخ: \" أن معرفته بالسمع واجبة، وأما بالعقل فقد تُعرف وقد لا تعرف، فليست معرفته بالعقل ممتنعة، ولا هي أيضا واجبة \" (^٤)\n\" فالإيمان باليوم الآخر أصل كل السمعيات، ليس هو في مذهب أهل السنة والجماعة سمعيا فقط، بل الأدلة عليه من القرآن هي في نفسها عقلية، كما أن الفطر السليمة تشهد به، فهو حقيقة مركوزة في أذهان البشر، ما لم يحرفهم عنها حارف. لكن لو أن العقل حكم باستحالة شيء من تفصيلاته - فرضا وجدلا - فحكمه مردود. وليس إيماننا به متوقفا على حكم العقل، وغاية الأمر: أن العقل قد يعجز عن تصوره، أما أن يحكم باستحالته فغير وارد \" (^٥).\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (١٦/ ٢٥٢).\n(^٢) ابن تيمية: شرح الأصفهانية: ص (٨).\n(^٣) ابن تيمية: جامع المسائل: (٣/ ٢٤٢).\n(^٤) ابن تيمية: جامع المسائل: (٣/ ٢٤٢).\n(^٥) الحوالي: منهج الأشاعرة في العقيدة، مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، العدد ٦٢، ١٤٠٤ هـ، ص ... (٨٨).","vol":"1","page":65},{"text":"وفي هذا المقام أشار الإمام ابن تيمية في القاعدة السابعة من رسالته إلى أهل تدمر: \" أن كثيرا مما يدل عليه السمع يُعلم بالعقل أيضا، والقرآن يُبيِّن ما يستدل به العقل، ويرشد إليه، وينبه عليه \" (^١)، وأشار الشيخ إلى أن التوحيد والنبوة والمعاد سمعية عقلية فقال: \" فهذه المطالب هي شرعية من جهتين: من جهة أن الشارع أخبر بها، ومن جهة أنه بيَّن الأدلة العقلية التي يستدل بها عليها \" (^٢).\nوخلاصة القول في هذه المسألة: أن ما يتعلق بالمعاد له جانبان:\nالأول: جانب يتعلق بالإمكان، فهذا الجانب قد أقام القرآن الكريم الأدلة ... العقلية على جوازه، وإمكانه، وعدم استحالته، واستخدم عدة أدلة منها:\n- قياس الأولى.\n- وقياس المثل.\n- والاستدلال بصحة الشيء على صحة مثله.\n- والاستدلال بصفة القدرة الإلهية.\n- والاستدلال بالأدلة الحسية الواقعية.\nفهذه الأدلة كلها تصب في جانب الإمكان والجواز.\nالثاني: جانب يتعلق بالوقوع والتفاصيل:\nفأما وقوعه: فكذلك العقل يدل عليه، وذلك: بالنظر إلى حكمة الله تعالى وعدله، فإذا نظرت إلى حكمة الله تعالى وعدله، ثم رأيت تظالم الناس، قادك ذلك إلى أنه لا بد من يوم يجازى فيه الناس ويحاسبون.\nوأما تفاصيله وأخباره: فهذا سمعي بحت، كالأخبار المتعلقة بعذاب القبر، والحشر، والميزان، والصراط، ونحوها من تفاصيل اليوم الآخر. ... فكما أن الإيمان باليوم الآخر ضرورة عقلية إلا أن هذا العقل المجرد يعجز عن معرفة تفاصيل الآخرة، فإن هذه الأمور لا تعرف إلا عن طريق الوحي. (^٣)\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى،: (٣/ ٨٨).\n(^٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى ك (٣/ ٨٨).\n(^٣) انظر: أحمد عبداللطيف: شرح الأصفهانية: ٢٠ - ٢١ (مذكرة)، الرازي: مفاتيح الغيب، (٢/ ٣٥٣)","vol":"1","page":66},{"text":"ومن هنا قال الإمام ابن تيمية: \" وأما المعتزلة والفلاسفة والكرامية وغيرهم، وكثير من أهل الحديث والفقه من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم، وكثير من الصوفية، وسلف الأمة وأئمتها: فيجعلون المعاد أيضا من العقليات، ويثبتونه بالعقل \" (^١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>المسألة الثالثة: ظنُّ المتكلمين أن القول بالبعث والمعاد لا يعرف إلا بإثبات نظرية الجوهر الفرد:</span>\nبيان هذه المسألة في النقاط التالية:\n١ - معنى هذه النظرية:\nإن البحث في نظرية الجوهر الفرد عند المتكلمين، تعتبر من دقيق الكلام الذي يبحث عن هذا العالم في مادته، وصفاته، وتحولاته، وتفاعلاته، وحركاته وسكناته، والمكان والزمان، والوجود والعدم، والصفات الطبيعية والظاهرية، ونحو ذلك، فخرجوا برؤية شاملة قامت على جملة مبادئ وأسس عقلية واصطلحوا على تسمية هذه المباحث التي تُعنى بالأمور الطبيعية بدقيق الكلام. في حين اصطلحوا على تسمية المباحث المتعلقة بالإلهيات وما يتبعه من مسائل القدر والمعاد، بجليل الكلام.\nومن المبادئ الأساسية عند المتكلمين في مباحث دقيق الكلام، مبدأ التجزئة والانفصال، وهو ما يعرف بالجواهر الفردة، والتي تقوم على تصور أن الأشياء يمكن أن تتجزأ أجزاء حتى تصير إلى جزء لا يتجزأ، وهو الوحدة الأساسية لبناء ذلك الشيء. (^٢)\n_________\n(^١) ابن تيمية: شرح الأصفهانية، المكتبة العصرية - بيروت، ط ١ - ١٤٢٥ هـ، ص (٨).\n(^٢) انظر: محمد باسل الطائي: مذهب الذرية عند المتكلمين المسلمين، مقال من قسم الفيزياء، من جامعة اليرموك، اربد - الأردن، ص (٣)، ونقد ابن رشد لمذهب الذرية عند المتكلمين، مقال من قسم الفيزياء من جامعة اليرموك، اربد - الأردن، ص (٤ - ٥)","vol":"1","page":67},{"text":"وقد قسم المتكلمون المحدثات إلى: جسم، وجوهر (^١)، وعرض. والجواهر - عند المتكلمين - لها خصائص وأحوال. وبعيدا عن الخوض في هذه الخصائص والأحوال، فإن الأجسام عند المتكلمين لها خصيصة الانقسام والتجزئة إلى ما لا نهاية. وهذا الجزء الذي تتوقف عنده، يُعرف عندهم بالجوهر الفرد.\nوقد أشار الإمام ابن تيمية إلى أن لفظ الجوهر \" ليس من لغة العرب، وإنما هو معرب \" (^٢) على ما قيل، وأن الموجودات على تقسيم المتكلمين تنقسم إلى جوهر وعرض،\"وهؤلاء منهم من يريد بالجوهر المتحيز، فيكون الجسم المتحيزعندهم جوهرا، وقد يريدون به الجوهر الفرد الذي لا يتجزأ \" (^٣).\nفالجوهر الفرد أو المفرد هو: الجزء الذي لا يمكن تقسيمه، أي: لا يقبل القسمة والانقسام مطلقا، ويقال له: الجزء الذي لا يتجزأ، أي: لا ينحل.\nويراد بالمفرد: أي: الجزء المتفرد الذي لا ينقسم إلى جزئين فصاعدا (^٤)، فلو أنك قسمت الشيء إلى قسمين، وتتابع هذا التقسيم، فلا بد أن يصل إلى جزء لا ينقسم، هذا الجزء الذي لا ينقسم، ولا يقبل التجزئة يسمونه: الجوهر الفرد. وهم يرون أن جميع الأجسام متركبة من الجواهر الفردة، وأن الجواهر متماثلة (^٥)\n\" فالجوهر لدى المتكلمين: هو الجزء الفرد المتميز الذي لا ينقسم، أما المنقسم فيسمونه جسما لا جوهرا. ولهذا السبب يمتنعون عن إطلاق اسم الجوهر على المبدأ الأول \" (^٦).\n٢ - نشأة القول بالجوهر الفرد عند المتكلمين:\n_________\n(^١) الجسم والجوهر في اللغة بمعنى واحد. والفلاسفة يطلقون الجسم على: ما له مادة، والجوهر على: ما لا مادة له. وأما عند جمهور المتكلمين: فهو مركب من أجزاء متناهية لا تتجزأ بالفعل، ولا بالوهم وتسمى تلك الأجزاء، جواهر فردة. الكفوي: الكليات: (٣٤٥)، ابن حزم: الفِصل: (٥/ ٤٤).\n(^٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (٩/ ٢٩٨).\n(^٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (٩/ ٢٩٩).\n(^٤) الخميس: شرح الرسالة التدمرية: ص (١٩٤).\n(^٥) أحمد عبداللطيف: شرح الرسالة التدمرية: ص (٣٥٥).\n(^٦) مفاهيم إسلامية: مجموعة مؤلفين - موقع وزارة الأوقاف المصرية: ص (٢٨٦).","vol":"1","page":68},{"text":"نشأ القول بالجوهر الفرد عند المتكلمين، نتيجة ما عُرف عن الفلاسفة من القول بعدم التناهي في الأجزاء المنقسمة. وقد اختلف متقدمو الفلاسفة عن متأخريهم في أصل العالم؟\nفمتقدموهم على أن أصل العالم مادي، في حين زعم متأخروهم أن أصل العالم الجواهر الفردة، أو الذرات التي لا نهاية لعددها وحدِّها، وهي غير قابلة للتغير والفساد، وعُلم هذا القول عن انكساغوريس، ديموقريطس ... وهيرقليطس، وأبيقور (^١).\nواتفق المتكلمون مع متأخري الفلاسفة على القول بالجواهر الفردة، إلا أن الفرق \" بين قول المتكلمين في الجواهر الفردة، وبين قول ديموفريطس وأبيقور وغيرهما، هو أن أهل الكلام يرون حدوثه، ويستدلون به على حدوث العالم ويرى اليونان أنه قديم \" (^٢).\nفإثبات نظرية الجوهر الفرد عند المتكلمين، \" مرتبط بالقول بتناهي الأجسام فهو يؤيد قولهم بحدوث العالم حين يردون على الفلاسفة. وتأتي فكرة الجوهر الفرد، في مقابل ما ذهب إليه النظام، من القول بإمكان تجزؤ الأجسام إلى ما لا نهاية، مما يؤدي إلى تقرير القول بقدم العالم \" (^٣).\nقال القاضي أحمد نكري: \" وإنما ذهب المتكلمون إلى إثبات الجوهر الفرد وتركيب الجسم منه، ونفي الهيولى؛ لئلا يلزم قِدم العالم، والعالم بجميع أجزائه محدث عندهم \" (^٤).\n_________\n(^١) الخلف: قول الفلاسفة اليونان الوثنيين في توحيد الربوبية، مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، عدد ١٢٠، ١٤٢٣ هـ، ص (٢٠٦)، الطائي: نقد ابن رشد لمذهب الذرية، مقال من قسم الفيزياء، من جامعة اليرموك، اربد - الأردن، ص (٤)\n(^٢) عبدالرحيم السلمي: حقيقة التوحيد: ص (١٨٩).\n(^٣) الغصن: دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيمية: ص (٢٧٥)، الرديعان: عقيدة الأشاعرة: ص ... (٥٧٢) انظر: ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل: (٧/ ١٢٦ - ٨/ ٣٢٠).\n(^٤) نكري: دستور العلماء: (١/ ٢٠٧).","vol":"1","page":69},{"text":"وقد نص البعض على أن أصول القول الجوهر الفرد مستورد من أصول يونانية، وقيل: إن أصوله هندية، وقيل: هو من بقايا مذاهب الغنوصية (^١).\n٣ - القول بالبعث والمعاد مبني على نظرية الجوهر الفرد:\nظن المتكلمون \" أن القول بإثبات الصانع، وبأنه سيخلق السموات والأرض، وبأنه يقيم القيامة، ويبعث الناس من القبور، لا يتم إلا بإثبات الجوهر الفرد، فجعلوه أصلا للإيمان بالله واليوم الآخر \" (^٢). فهنا يُبيِّن شيخ الإسلام أن الأصل الذي بنى عليه المتكلمون إثبات المبدأ والمعاد، هو القول بإثبات الجوهر الفرد، ثم فرعوا عليه من المقالات التي يعلم العقلاء فسادها ببديهة العقل (^٣).\nوبيَّن الإمام ابن القيم هذه الحقيقة فقال: \" وأما اليوم الآخر فإن جمهورهم بنوه على إثبات الجوهر الفرد، وقالوا: لا يتأتى التصديق بالمعاد إلا بإثباته \" (^٤).\nويقول التفتازاني في تقرير هذه القضية: \" ومبنى هذا الأصل عند المتكلمين أن أجزاء الجسم ليست إلا الجواهر الفردة \"، ثم يقول فيما يتعلق بأحكام الجسم: \" أن الأجسام متماثلة، أي متحدة الحقيقة، وإنما الاختلاف في العوارض وهذا أصل يبتني عليه كثير من من قواعد الإسلام، كإثبات القادر المختار، وكثير من أحوال النبوة والمعاد \" (^٥).\nوذكر شيخ الإسلام عن الإمام الرازي قوله: \" قال من قال من هؤلاء: إن إثبات المعاد موقوف على ثبوت الجوهر الفرد، وهذا قول أبي عبدالله الرازي وغيره \" (^٦).\n_________\n(^١) الرديعان: عقيدة الأشاعرة: ص (٥٧٥)، الشهري: السببية عند الأشاعرة ك: (١٠٦)، الشهرستاني: الملل والنحل: (٢/ ١٣٩).\n(^٢) ابن تيمية: بيان تلبيس الجهمية: (٢/ ٢٤٣).\n(^٣) ابن تيمية: بيان تلبيس الجهمية،: (٢/ ٢٤٣ - ٢٤٦)، ابن تيمية: منهاج السنة،: (٢/ ١٤٠).\n(^٤) ابن القيم: الصواعق المرسلة: (٣/ ٩٨٧).\n(^٥) التفتازاني: شرح المقاصد: (١/ ٣١٨).\n(^٦) ابن تيمية: بيان تلبيس الجهمية: (٢/ ٢٤٦).","vol":"1","page":70},{"text":"وقال الطوفي: \" سمعت بعض مشايخنا، يحكي عن بعض مشايخه أنه كان يقول: إن ثبت القول بالجوهر الفرد، أمكن القول بالمعاد، وبعث الأجساد وإلا فلا \" (^١).\nولا شك أن هذا القول وأمثاله، مما جر الويلات على عقائد المسلمين فإنهم جعلوه أصلا للإيمان بالله تعالى واليوم الآخر، وأنه دين المسلمين الذي يُعد منكره خارجا عن الدين، يقول الإمام ابن تيمية: \" وأعجب من هذا أنهم يجعلون إثبات الجوهر الفرد دين المسلمين، حتى يُعد منكره خارجا عن الدين \" (^٢)، ويقول أيضا: \" وبعض المصنفين في الكلام، يجعل إثبات الجوهر الفرد هو قول المسلمين، وأن نفيه هو قول الملحدين \" (^٣).\nومن العجب أن المتكلمين حكوا الإجماع على إثبات الجوهر الفرد:\nيقول الإمام الجويني: \" اتفق الإسلاميون على أن الأجسام تتناهى في تجزيئها حتى تصير أفرادا، وكل جزء لا يتجزأ، فليس له طرف وحد شائع لا يتميز \" (^٤)\nويقول البغدادي: \" واجمعوا على ان كل جَوْهَر جُزْء لَا يتَجَزَّأ واكفروا النظام والفلاسفة الَّذين قَالُوا بانقسام كل جُزْء الى أَجزَاء بِلَا نِهَايَة لَان هَذَا يقتضى الا تكون اجزاؤها محصورة عِنْد الله تَعَالَى وَفِي هَذَا رد قَوْله: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)﴾ [الجن:٢٨] \" (^٥).\nويقول التفتازاني: \" نعم في إثبات الجوهر الفرد نجاة عن كثير من ظلمات الفلاسفة، مثل إثبات الهيولى والصورة المؤدي إلى قدم العالم، ونفي حشر الأجساد \" (^٦).\n_________\n(^١) الطوفي: شرح مختصر الروضة: ت: د. عبدالله التركي (٣/ ٢٥٧).\n(^٢) ابن تيمية: بيان تلبيس الجهمية: (٢/ ٢٤٨).\n(^٣) ابن تيمية: منهاج السنة النبوية: (٢/ ١٣٨)، ابن تيمية: تعارض العقل والنقل: (١/ ٣٠٣ - ٨/ ٩٣).\n(^٤) الجويني: الشامل في أصول الدين: (١/ ٤٩)، انظر: ابن تيمية: بيان تلبيس الجهمية: (٢/ ٢٤٨)، ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (١٧/ ٣١٦)، ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل: (٥/ ٣٩١).\n(^٥) البغدادي: الفرق بين الفرق:، ص (٣١٦).\n(^٦) التفتازاني: شرح العقائد النسفية:،ص (٩٨)، الرديعان: عقيدة الأشاعرة:، ص (٥٧٣)","vol":"1","page":71},{"text":"وقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية على هذه الإجماع المدعى، وقال ضمن ردوده على من حكى هذا الإجماع: \" وهذا لأن هؤلاء لم يعرفوا من الأقوال المنسوبة إلى المسلمين إلا ما وجدوه في كتب شيوخهم أهل الكلام المحدث في الدين الذي ذمه السلف والأئمة \" (^١).\nوقال أيضا: \" ولكن حاكي هذا الإجماع لما لم يعرف أصول الدين إلا ما في كتب الكلام، ولم يجد إلا من يقول بذلك، اعتقد هذا إجماع المسلمين: \" (^٢).\nفهذه الإجماعات التي تُحكى لا قيمة لها؛ لأنهم قد يحكون الإجماع على ما يعتقدونه من لوازم أقوالهم، يقول شيخ الإسلام في معرض الرد على أمثال هذه الإجماعات: \" وهذا القول الذي يحكيه هذا وأمثاله من إجماع المسلمين أو إجماع المليين في مواضع كثيرة، يحكونه بحسب ما يعتقدونه من لوازم أقوالهم، وكثير من الإجماعات التي يحكيها أهل الكلام هي من هذا الباب فإن أحدهم قد يرى أن صحة الإسلام لا تقوم إلا بذلك الدليل، وهم يعلمون أن المسلمين متفقون على صحة الإسلام، فيحكون الإجماع على ما يظنونه من لوازم الإسلام، كما يحكون الإجماع على المقدمات التي يظنون أن صحة الإسلام مستلزمة لصحتها، وأن صحتها من لوازم صحة الإسلام ... أو يكونون لم يعرفوا من المسلمين إلا قولين أو ثلاثة، فيحكون الإجماع على نفي ما سواها \" (^٣).\n٤ - رد نظرية الجوهر الفرد:\nمن الأمور التي تُقوِّض (^٤) نظرية الجوهر الفرد، وتنقضها وتقضي عليها ما يلي:\n_________\n(^١) ابن تيمية: منهاج السنة النبوية: (٢/ ١٣٨).\n(^٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (١٧/ ٣١٦).\n(^٣) ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل: (٨/ ٩٥)، ابن تيمية: النبوات: (١/ ٤٧٩).\n(^٤) قوَّض: قال ابن فارس: \" القاف والواو والضاد، كلمة تدل على نقض بناء، يُقال: قوَّضت البناء: نقضته من غير هدم \" معجم مقاييس اللغة: (٥/ ٤١)، وانظر: الفراهيدي: العين: (٥/ ١٨٥).","vol":"1","page":72},{"text":"أ- أن هذه النظرية مبنية على أسس متهالكة، لا قوام لها. ولذا أصبح المتكلمون أنفسهم في حيرة تجاه هذه النظرية، وقد صرح إمام الحرمين الجويني، بأن هذه المسألة من محارات العقول (^١)، هذا جانب، وجانب آخر وهو أن أذكياء الطوائف من هؤلاء المتكلمين قد توقفوا في آخر أمرهم عن إثبات الجوهر الفرد؛ قال الإمام ابن تيمية: \" وأذكياء المتأخرين، مثل أبي الحسين البصري، وأبي المعالي الجويني، وأبي عبدالله الرازي، كانوا متوقفين في آخر أمرهم في إثبات الجوهر الفرد \" (^٢)، وقال في موضع آخر: \" ثم هؤلاء الذين ادعوا توقف الإيمان بالله واليوم الآخر على ثبوته، قد شكوا فيه، وقد توقفوا في آخر عمرهم كإمام المتأخرين من المعتزلة أبي الحسين البصري وإمام المتأخرين من الأشعرية أبي المعالي الجويني، وإمام المتأخرين من الفلاسفة والمتكلمين أبي عبد الله الرازي \" (^٣).\nفهؤلاء الذين حاروا في هذه مسألة الجوهر الفرد \" توقفوا فيها تارة، وإن كانوا قد يجزمون بها أخري، فإن الواحد من هؤلاء تارة يجزم بالقولين المتناقضين في كتابين أو كتاب واحد، وتارة يحار فيها، مع دعواهم أن القول الذي يقولونه قطعي برهاني عقلي لا يحتمل النقيض \" (^٤).\n_________\n(^١) ابن تيمية: بيان تلبيس الجهمية: (٣/ ٢٠٣ - ٤/ ١٣٢)، ابن تيمية: منهاج السنة: (٢/ ٥٦٩ - ٥٧٥)\n(^٢) ابن تيمية: بيان تلبيس الجهمية: (٣/ ٢٣٠ - ٤/ ٣٩١) ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل: (٨/ ٣٢١)\n(^٣) ابن تيمية: بيان تلبيس الجهمية: (٢/ ٢٥١).\n(^٤) ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل: (١/ ١٥٨).","vol":"1","page":73},{"text":"فأمثال هذه النظريات العقلية التي سلكوها بعقولهم، وظنوا موافقتها للشرع، انتهت بهم إلى الحيرة والاضطراب، يقول الإمام ابن القيم: \" أما المتكلمون الذين عدلوا عن الاستدلال بالأدلة السمعية إلى الأدلة العقلية، في المسائل الكبار كمسألة حدوث العالم، ... ومسألة الجوهر الفرد، وهل الأجسام مركبة منه أم لا؟ ومسالة الكلام وحقيقته، وأضعاف ذلك من المسائل التي عولوا فيها على مجرد عقل أفضلهم، وأشدهم حيرة وتناقضا واضطرابا فيها لا يثبت له فيها قول، بل تارة يقول بالقول ويجزم به، وتارة يقول بضده ويجزم به، وتارة يحار ويقف وتتعارض عنده الأدلة العقلية \" (^١)\nومما يدل على التناقض حيال هذه النظرية:\nأن المتكلمين \" لما كان أصل رأيهم في ابتداء الخلق إثبات الجوهر الفرد وجعلوه أيضًا في المعاد والبعث، ولكن اختلفوا بين رأيين:\nأحدهها: تعدم الجواهر ثم تعاد.\nالثاني: تتفرق الأجزاء ثم تجتمع.\n\nولكن هذين الرأيين أثارا صعوبات أمامهم، في مواجهة الفلاسفة المنكرين لبعث الأبدان، حيث تساءل هؤلاء الفلاسفة عن الآتي:\n(١) - الإنسان الذي يأكله حيوان، وذلك الحيوان أكله إنسان آخر، فإن الأجزاء في هذه الأجساد قد اختلطت.\n(٢) - إن الإنسان يتحلل دائمًا، فما الذي يعاد، أهو الذي كان وقت الموت؟ فإن أجيب بالإيجاب، لزم أن يعاد على صورة ضعيفة، وهو خلاف ما جاءت به النصوص، وإن كان غير ذلك ليس بعض الأبدان بأولى من بعض أي أنها تتفاوت في القوة والضعف.\nواضطر المتكلمون أمام هذه الصعوبات إلى القول: بأن الله تعالى يخلق بدنًا آخر تعود إليه الروح، فالمقصود تنعيم الروح وتعذيبها سواء كانت في هذا البدن أو في غيره.\n_________\n(^١) ابن القيم: الصواعق المرسلة: (٢/ ٦٦٣)، ابن تيمية: الفتاوى الكبرى،: (٦/ ٥٥٧)، ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل: (١/ ١٥٩)، محمد ملكاوي: عقيدة التوحيد في القرآن: ص (٣١٦).","vol":"1","page":74},{"text":"وهذا أيضًا يخالف النصوص الصريحة بإعادة هذا البدن، كما يخالف عقائد السلف للأجسام التي يشاهد حدوثها أنه يقلبها ويحيلها من جسم إلى جسم (^١)\nب - أن السواد الأعظم من المسلمين على إنكار هذه النظرية، فقد \" أطبق أئمة الإسلام على ذم من بنى دينه على الكلام في الجواهر والأعراض \" (^٢).\nفهذه النظرية التي اعتمدوا عليها قد أنكرها \" أئمة السلف، والفقهاء، وأهل الحديث، والصوفية، وجمهور العقلاء، وكثير من طوائف أهل الكلام كالهشامية، والضرارية، والنجارية، والكلابية، وكثير من الكرامية (^٣).\nوالقول بمعاد الأبدان مما اتفق عليه أهل الملل، فكيف يكون القول بمعاد الأبدان مستلزما للقول بالجوهر الفرد؟ \" (^٤).\nوبهذا يُعلم بطلان ما ذهب إليه بعض المتكلمين من أن القول بإثبات الجوهر الفرد هو مذهب المسلمين، وربما ذكر إجماع المسلمين عليه، فإنه \" قول لم يقل به أحد من سلف الأمة ولا جمهور الأمة؛ بل جمهور الأمة حتى من طوائف أهل الكلام ينكرون الجوهر الفرد وتركب الأجسام من الجواهر\" (^٥). ومن الفلاسفة المتأخرين الذين فندوا هذه النظرية ابن رشد الحفيد (^٦).\n_________\n(^١) مطصفى حلمي: منهج علماء الحديث والسنة في أصول: ص (١٩٣)، ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل: (٤/ ١٣٥)، ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (٥/ ٤٢٥ - ١٧/ ٢٤٦).\n(^٢) ابن تيمية: بيان تلبيس الجهمية: (٢/ ٢٥١).\n(^٣) ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الكرامية لهم في إثبات الجوهر الفرد قولان. انظر: درء تعارض العقل والنقل: ١٤١١ هـ (٤/ ١٠٦)، مجموع الفتاوى: (٥/ ٤٢٨)، شرح حديث النزول،:ص (٧٥).\n(^٤) ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل: (٤/ ١٣٥)، ابن تيمية: منهاج السنة: (٢/ ١٦٥ - ٢٥٩)، ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (١٧/ ٢٤٤ - ٣٢٢)\n(^٥) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (١٧/ ٢٤٤)،ابن القيم: الصواعق المرسلة: (٤/ ١٣١٥)، ابن تيمية: بيان تلبيس الجهمية: (١/ ٢٨٤).\n(^٦) باسل الطائي: نقد ابن رشد لمذهب الذرية عند المتكلمين، مقال من قسم الفيزياء، من جامعة اليرموك، اربد - الأردن، ص (١)","vol":"1","page":75},{"text":"ج - أن هذه النظرية لا زالت عاجزة عن تفسير بعض قضاياها، \" مثل مسألة ما إذا كانت الذرات ذات ثقل، ومسألة المصدر الأصلي للحركة ومسألة الضرورة، فما زالت موضعا للتخمين \" (^١).\nد - مما استدل به شيخ الإسلام على فساد هذه النظرية، أن ما يسمونه بالجوهر الفرد ممتنع وجوده على تفسير المتكلمين له، فيقول: \" وإذا كان لكل شيء مخلوق قيام وقدر، دل ذلك على فساد قول من أثبت الجوهر الفرد، ومن قال: العرض لا يبقى زمانين.\nفإن الذين يقولون بالجوهر الفرد يثبتون شيئا لا تتميز يمينه عن يساره، ولا يعرف بالحس، وهو ممتنع وجوده، فإن وجود ما لا يتميز منه جانب عن جانب ممتنع، وإنما يفرضونه في الذهن.\nوعلى قولهم لا قدر له، والله تعالى قد جعل لكل شيء قدرا، فما لا قدر له لم يخلق، بل هو ممتنع \" (^٢).\nوانطلق شيخ الإسلام من هذا التفسير للجواهر الفردة، المخالفة للعقل في الرد عليهم فقال: \" وأما مخالفة العقل: فإثبات الجوهر الفرد، إثبات شيء موجود لا يتميز منه شيء عن شيء، فإذا وضع جوهر بين جوهرين، فإن كان الذي يماس هذا الجانب فقد التقى الجوهران، وإن كان غيره فقد ثبت الانقسام \" (^٣).\nويذهب الإمام ابن تيمية إلى مذهب آخر للرد عليهم، وإبطال نظريتهم في الجوهر الفرد، وذلك أن مذهب القائلين بالجواهر الفردة: أن الذوات لا تستحيل عندهم، بل تلك الجواهر التي كانت في الأول هي بعينها في الثاني! وذكر الإمام أن الفقهاء متفقون على استحالة بعض الأجسام إلى بعض كاستحالة العذرة إلى رماد، والخنزير إلى ملح. (^٤)\n_________\n(^١) مصطفى حلمي: منهج علماء الحديث: ص (١٨٩).\n(^٢) ابن تيمية: جامع المسائل: (٥/ ١٦٨).\n(^٣) ابن تيمية: جامع المسائل: (٥/ ١٧٢)، ابن تيمية: بيان تلبيس الجهمية: (٤/ ١٦٠).\n(^٤) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (١٧/ ٢٤٨).","vol":"1","page":76},{"text":"ثم قال رحمه الله تعالى: \" فنحن نشاهد الهواء يستحيل ماء إذا وضع في الزجاج ونحوه ثلج صار عليه ماء يقطر، ومعلوم أن الثلج لم يثقب الزجاج بل الهواء الذي أحاط به برد فاستحال ماء، كما يحيل الله سحابا وماء ... وكذلك الهواء يستحيل نارا، فإذا قرب ذبالة المصباح إلى النار أوقد، مع أنه لم يخرج من تلك النار شيء، ولكن الهواء المحيط بالذبالة استحال نارا لما سخن سخونة شديدة. فالهواء يبرد فيستحيل ماء، ويسخن فيستحيل نارا \" (^١).\nفيرى شيخ الإسلام أن الأجزاء إذا تصغرت استحالت، فأجزاء الماء إذا تصغرت فإنها تستحيل فتصير هواء، فما دامت موجودة فإنه يتميز منها جانب عن جانب، فلا يوجد شيء لا يتميز بعضه عن بعض (^٢). على أن علماء الفيزياء الذرية، والكيمياء الحيوية، في موافقة ومواءمة مع هذه القضية.\nفعلم الكيمياء الحديث، يقوم على تحويل بعض المركبات المعينة، ذات الصفات الخاصة، إلى مركبات أخرى ذات خصائص وصفات مختلفة عن الأولى. وعلم الفيزياء الذرية يقرر إمكانية تحطيم الذرة، وتحويلها إلى عناصر أخرى، بل وتحويلها إلى طاقة، وهذا كله موافق لما ذهب إليه شيخ الإسلام إلى استحالة الأجزاء متى تصغرت.\nهـ - ظهور آلة تحطيم الجوهر الفرد، يقول الشيخ الشعراوي: \" لم يكن أحد يعرف أن هناك ما هو أصغر من الذرة، وكنا جميعًا حتى ما قبل الحرب العالمية الأولى، لا نعلم أن هناك شيئًا أصغر من الذرة، وكان العلماء يعتقدون أن الذرة هي الجزء الذي لا يتجزَّأ؛ لأنها أصغر ما يقع عليه البصر فضرب الله مثلًا ... بالأقل في زمن نزول القرآن.\n_________\n(^١) ابن تيمية: جامع المسائل: (٥/ ١٧٢).\n(^٢) ابن تيمية: منهاج السنة النبوية: (٢/ ٢١٠)، ابن أبي العز: شرح الطحاوية: ص (٤٠٦).","vol":"1","page":77},{"text":"ولما تقدم العلم بعد الحرب العالمية الأولى، واخترعت ألمانيا آلةً لتحطيم الذرة، قيل عنها: إنها آلة تحطيم الجوهر الفرد، أي: الشيء الذي لا ينقسم وهذه الآلة مكونة من اسطوانتين مثل اسطوانتي عَصَّارة القصب، والمسافة بين الاسطوانتين لا تكاد تُرَى، وحين حَطَّمت ألمانيا ما قيل عنه «الجوهر الفرد» تحول إلى ما هو أقل منه، وتفتَّتت الذرّة \" (^١)، ونجحوا، وأصبح هناك شيء آخر أقل من الذرة.\nوالعلم الحديث يُؤكد \" أن الأجسام مركبة من ذرات، لكن الذرات ليست متماثلة، فليست ذرة الأكسجين هي ذرة الهيدروجين، ولا ذرة الحديد هي ذرة الزئبق. ثم إن هذه الذرات ليست هي أصغر شيء، بل هي مركبة من إليكترون، ونيكترون، ونواة، ففيها شحنات كهربائية متعادلة \" (^٢). ولذا قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: \" جاء العلم الحديث ففتت الذرة وجعل لها أجزاء \" (^٣)، وقال د. الزنيدي: \" ثم انهارت نظرية الجوهر الفرد وتجزأ الجزء الذي لا يتجزأ إلى طاقة، حينما فجرت الذرة، وكان هذا انهيارًا لعلم الكلام القائم على هذه النظرية، ولو كان علم الكلام هو الحامل للواء الإسلام حينما فجرت الذرة، لكان ذلك سلاحًا بيد أعداء الإسلام، لتأكيد بطلانه نتيجة هذا الفساد لأساسه \" (^٤).\nو- أن هذه النظرية مخالفة للعقل والحس والفطرة، كإنكار الأسباب والزعم بأن الأجسام متماثلة في الجواهر مختلفة في الأعراض فقط، فمثلًا الثلج مماثل للنار من كل وجه، ولذا فقد أبطل بعضهم علم الهندسة لأجل هذه النظرية ومن هنا يقول التفتازاني: \" إن الأجسام متماثلة، أي متحدة الحقيقة، وإنما الاختلاف بالعوارض، وهذا أصل يبتني عليه كثير من قواعد الإسلام كإثبات القادر المختار، وكثير من أحوال النبوة والمعاد \" (^٥).\n٥ - الخلاصة:\n_________\n(^١) الشعراوي: تفسير الشعراوي، - الخواطر-: (٤/ ٢٢٤٥ - ١٠/ ٦٠١٩).\n(^٢) أحمد عبداللطيف: شرح الرسالة التدمرية: ص (٣٥٥).\n(^٣) الشنقيطي: أضواء البيان: (٩/ ٦٩).\n(^٤) عبدالله السهلي: نقد المواقف في علم الكلام بحث محكم في كلية دار العلوم - القاهرة، ٢٠٠ م ص (٢١).\n(^٥) التفتازاني: شرح المقاصد: (١/ ٣١٨).","vol":"1","page":78},{"text":"أن عقيدة اليوم الآخر والمعاد، عقيدة حق لا ريب فيها، جاءت نصوصها متوافرة متضافرة في الكتاب والسنة، دونما أي إشارة إلى نظرية الجوهر الفرد. في حين بنى المتكلمون هذه العقيدة على نظرية الجوهر الفرد، فخالفوا بذلك الحس والعقل والقرآن، حين زعموا: أن أحدا لا يعلم حدوث عين من الأعيان بالمشاهدة، ولا بضرورة العقل، وأنما يعلم ذلك بالاستدلال ويقولون: لا يشهد أن الله تعالى أحدث في هذا العالم شيئا من الجواهر، وإنما أحدث تأليفها وتركيبها فقط، قالوا: وكذلك المعاد، لأنه سبحانه يفرق أجزاء العالم، وهو إعدامه ثم يُؤلفها ويجمعها، وهو المعاد.\nوهم بهذا خالفوا جمهور العقلاء من الطوائف حين قالوا: \" بأن الرب جل وعلا، لا يزال يحدث الأعيان، كما دل على ذلك الحس والعقل والقرآن. فإن الأجسام الحادثة بالمشاهدة، ذواتها وأجزاؤها حادثة بعد إن لم تكن جواهر مفرقة فاجتمعت، ومن قال غير ذلك فقد كابر الحس والعقل، فإن كون الإنسان والحيوان مخلوقا محدثا كائنا بعد أن لم يكن، أمر معلوم بالضرورة لجميع الناس، وكل أحد يعلم أنه حدث في بطن أمه بعد أن لم يكن، وأن عينه حدثت كما قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩)﴾ [مريم:٩]، وليس هذا عندهم مما يستدل عليه، بل يستدل به، كما هي طريقة القرآن، فإنه جعل حدوث الإنسان وخلقه دليلا لا مدلولا عليه \" (^١).\nوخلاصة الأمر كما يقول الإمام ابن تيمية: \" ومعلوم أن أكثر العقلاء من بني آدم، لا يتصور الجوهر الفرد، والذين يتصورونه أكثرهم لا يثبتونه والذين أثبتوه إنما يثبتونه بطرق خفية طويلة بعيدة، فيمتنع أن يكون اللفظ الشائع في اللغة التي ينطق بها خواصها وعوامها، أرادوا به هذا. وقد علم بالاضطرار، أن أحدا من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، لم ينطق بإثبات الجوهر الفرد ولا بما يدل على ثبوته عنده، بل ولا العرب قبلهم، ولا سائر الأمم الباقين على الفطرة، ولا أتباع الرسل \" (^٢).\n_________\n(^١) ابن القيم: مفتاح دار السعادة: (٢/ ١٩٩).\n(^٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجموع الفتاوى: (١٧/ ٣٢١).","vol":"1","page":79},{"text":"فهذه المسألة قطعا ليست من أصول الدين، وإذا لم تكن من أصول الدين فإن المتكلمين \" إذا أثبتوا من أصول الدين، ما يعلم بالاضطرار أنه ليس من أصول الدين، لزم قطعًا تغيير الدين وتبديله. ولهذا زاد أهل هذا الفن في الدين ونقصوا منه علمًا وعملًا، وإذا كان كذلك لم يكن الخوض في هذه المسألة مما يبنى عليه الدين، بل مسألة من مسائل الأمور الطبيعية، كالقول في غيرها من أحكام الأجسام الكلية \" (^١)، ومن هنا \" أطبق أئمة الإسلام على ذم من بنى دينه على الكلام في الجواهر والأعراض \" (^٢).\nفالنجاة التمسك بما كان عليه الصدر الأول، الذين كانوا \" أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، وأحسنها حالا، وأقومها هديا. فإنهم جاؤوا بما يكفي وما يشفي، ولم يحدث بعدهم خير كامن لم يعلموه \" (^٣)، ولذا \" قال أَبُو الوفاء بْن عقيل لبعض أصحابه: أنا أقطع أن الصحابة ماتوا وما عرفوا الجوهر والعرض، فَإِن رضيت أن تكون مثلهم فكن، وإن رأيت أن طريقة المتكلمين أولى من طريقة أبي بَكْر وعمر، فبئس مَا رأيت \"\n_________\n(^١) ابن تيمية: بيان تلبيس الجهمية: (٢/ ٢٥١)\n(^٢) ابن تيمية: بيان تلبيس الجهمية: (٢/ ٢٥١)\n(^٣) انظر البنا: الفتح الرباني: (٢٢/ ١٧٠) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: (١/ ٩٦)، ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (٤/ ١٥٨).","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>المطلب الثاني اتفاق الشرائع على الإيمان باليوم الآخر</span>\nاتفقت كل الشرائع على الأصول، والآداب العامة، يقول الله تعالى: ... ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (٥) سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (٨) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾ [الأعلى:١ - ١٩].\nاشتملت هذه السورة العظيمة على أصول العقائد \" فقد ذكر فى أولها التوحيد وفى وسطها النبوة وفى آخرها المعاد. ثم قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾ أي إن المقصود من إنزال جميع الكتب الإلهية ليس إلا هذه المطالب الثلاثة العالية التي لا تتم السعادة إلا بها، ولا الفوز بالنعيم فى الدارين إلا بسلوكها \" (^١).\n\" فالمبادئ العامة من العقائد والأخلاق، والعدل الإلهي، وقصص الانبياء، كلها أمور ثابتة في كل الكتب، وعند جميع الأنبياء، ولا يتغير إلا الأحكام من كتاب لآخر، لتناسب العصر والأوان الذي جاءتْ فيه \" (^٢).\n_________\n(^١) المراغي: تفسير المراغي: (٢٥/ ١٤).\n(^٢) الشعراوي: تفسير الشعراوي، - الخواطر-،: (١٧/ ١٠٦٩٣)","vol":"1","page":81},{"text":"وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ «(^١)، فيظهر جليا من هذا الحديث الشريف وحدة المعتقد، التي تدل على وحدة المصدر.\nقال الإمام النووي: \" قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَصْلُ إِيمَانِهِمْ وَاحِدٌ وَشَرَائِعُهُمْ مُخْتَلِفَةٌ، فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ فِي أُصُولِ التَّوْحِيدِ، وأما فروع الشرائع فوقع فيها الاختلاف \" (^٢)، وقال الحافظ ابن حجر: \" ومعنى الحديث: أن أصل دينهم واحد، وهو التوحيد، وإن اختلفت فروع الشرائع \" (^٣)، وقال القاضي عياض: \" وقوله (ودينهم واحد): إنما يرجع إلى التوحيد الذي هم مجمعون عليه، أو على طاعة الله، واتباع شرائعه على الجملة، وأما شرائعهم فمختلفة \" (^٤).\n\" والحاصل أن الغاية القصوى من البعثة التي بعثوا جميعا لأجلها، دعوة الخلق إلى معرفة الحق، وإرشادهم إلى ما به ينتظم معاشهم، ويحسن معادهم فهم متفقون في هذا الأصل، وإن اختلفوا في تفاريع الشرائع \" (^٥).\n_________\n(^١) متفق عليه: أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قوله الله تعالى (واذكر في الكتاب ...) ح (٣٤٤٣)، وأخرجه مسلم في كتاب الفضائل، باب فضائل عيسى ﵇ ح (٢٣٦٥).\n(^٢) النووي: شرح مسلم،: (١٥/ ١١٩).\n(^٣) بن حجر: فتح الباري: (٦/ ٤٠٩).\n(^٤) القاضي عياض: إكمال المعلم بفوائد مسلم: (٧/ ٣٣٨).\n(^٥) المناوي: فيض القدير: (٣/ ٣٧)","vol":"1","page":82},{"text":"ومن جملة ما اتفقت عليه الشرائع: اليوم الآخر الذي هو أس العقيدة وأصل أركان الدين والإيمان، بعد الإيمان بالله تعالى. فهذا الإيمان الجازم والفرض اللازم، باليوم الآخر الحاسم، الذي يُحكم بكفر منكره، وردة جاحده، هو الذي اتفقت عليه جميع الشرائع، وجاء بالدعوة إليه سائر الأنبياء والمرسلين يقول الإمام ابن تيمية: \" ولا ريب أن هذه الأصول الثلاثة هي أصول الإيمان الخبرية العلمية، وهي جميعها داخلة في كل ملة وفي إرسال كل رسول فجميع الرسل اتفقت عليها، كما اتفقت على أصول الإيمان العملية أيضا، مثل: إيجاب عبادة الله تعالى وحده لا شريك له وإيجاب الصدق، والعدل، وبر الوالدين، وتحريم الكذب، والظلم، والفواحش فإن هذه الأصول الكلية علما وعملا هي الأصول التي اتفقت عليها الرسل كلهم \" (^١).\nويقول في موضع آخر: \" بل هم - اليهود والنصارى والمسلمون - متفقون على الإيمان باليوم الآخر، وقد تنازعوا في بعض معانيها \" (^٢).\nوقد استفاضت نصوص علماء الإسلام واشتهرت، في بيان هذا المبدأ الذي تواردت عليه جميع الشرائع، يقول الإمام الشوكاني: \" والحاصل أن هذا أمر اتفقت عليه الشرائع، ونطقت به كتب الله ﷿، سابقها ولاحقها وتطابقت عليه الرسل، أولهم وآخرهم، ولم يخالف فيه أحد منهم، وهكذا اتفق على ذلك أتباع جميع الأنبياء من أهل الملل، ولم يسمع عن أحد منهم أنه أنكر ذلك قط \" (^٣).\nومعلوم أن الله تعالى جعل لقيام الساعة علامات وأمارات، قال ﷾: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد:١٨] فقوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ أي: أماراتها وعلاماتها (^٤)، قال مقاتل: \" يعني: أعلامها، يعني: انشقاق القمر، وخروج الدجال، وخروج النبي - ﷺ -\" (^٥).\n_________\n(^١) ابن تيمية: شرح العقيدة الأصفهانية: ص (١٦٧)\n(^٢) ابن تيمية: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: ص (٢/ ٤٤١)\n(^٣) الشوكاني: إرشاد الثقات: ص (١٤).\n(^٤) البغوي: معالم التنزيل: (٧/ ٢٨٤).\n(^٥) مقاتل: تفسير مقاتل بن سليمان: (٤/ ٤٨).","vol":"1","page":83},{"text":"وإذا كانت أشراط الساعة، دليل على قرب القيامة والدار الآخرة، فإن الأنبياء جميعا حذروا أممهم من فتنة المسيح الدجال، الذي يخرج في آخر الزمان، فيعيث في الأرض فسادا، وخروجه دليل على قرب الساعة، ففي الصحيحين عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «مَا بُعِثَ نَبِيٌّ إِلَّا أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الأَعْوَرَ الكَذَّابَ، أَلَا إِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَإِنَّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ كَافِرٌ «(^١) ففي الحديث الشريف إشارة إلى اتفاق الأنبياء على إثبات اليوم الآخر لأن أماراتها دليل عليها.\nوفي قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦)﴾ [العنكبوت:٣٦]، \" إشارة تبيِّن وحدة الدعوة. ولباب العقيدة (اعبدوا الله)، وعبادة الله الواحد هي قاعدة العقيدة، ورجاء اليوم الآخر كفيل بتحويلهم عما كانوا يرجونه في هذه الحياة الدنيا من الكسب المادي الحرام \" (^٢).\nفأهل الملل متفقون على إثبات اليوم الآخر:\nيقول الإمام ابن القيم: ومعاد الأبدان متفق عليه بين المسلمين واليهود والنصارى \" (^٣)، وقال الجلال الديواني: \" هو بإجماع أهل الملل، وبشهادة نصوص القرآن، بحيث لا يقبل التأويل \" (^٤)، وقال الإمام ابن تيمية: \" ومعاد الأبدان متفق عليه عند المسلمين واليهود والنصارى، وهذا كله متفق عليه عند علماء الحديث والسنة \" (^٥).\n_________\n(^١) متفق عليه: أخرجه البخاري في كتاب الفتن، باب ذكر الدجال ح (٧١٣١)، وأخرجه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال وصفته وما معه ح (٢٩٣٣).\n(^٢) سيد قطب: قي ظلال القرآن: (٥/ ٢٧٣٤).\n(^٣) ابن القيم: الروح: ص (٥٢).\n(^٤) السفاريني: لوامع الأنوار: (٢/ ٣).\n(^٥) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (٤/ ٢٨٤).","vol":"1","page":84},{"text":"فأهل الملل من اليهود والنصارى، \"يقرون بالعبادات، وبأن الله هو المستحق للعبادة، ويقرون بالثواب والعقاب المنفصلين مع القيامة الكبرى ومعاد الأبدان مع معاد النفوس، إلى غير ذلك مما جاءت به الرسل، لكن بدلوا بعض ما جاءت به الرسل \" (^١).\nفوقوع اليوم الآخر ومعاد الأبدان، معلوم بالاضطرار من دين الرسل - عليهم الصلاة والسلام -، وقد انطوى عصر الصحابة - ﵃ - والتابعين، وتابعيهم، وهم القرون المفضلة على ذلك من غير اختلاف بينهم (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>المطلب الثالث القدر المجزئ من الإيمان باليوم الآخر</span>\nالإيمان المجمل والمفصل:\n\nفي سؤال ورد إلى العلامة أبي عبدالله الشريف مفاده: هل يُطلب الإيمان بالمعاد على سبيل الجملة، أو على التفصيل؟ وأجاب بما حاصله:\n\" أنه قد تقرر في الشرع، ألا تكليف إلا بما هو مقدور للعبد، ومعلوم له. وأن المعاد وأحواله، وصفاته، غير معلوم لنا، فتحصل من ذلك أمران:\n١ - أن المُكَلَفَ به لا بد أن يكون معلوما.\n٢ - أن أحوال المعاد وتفاصيله، وما هو عليه، ليس بمعلوم لنا، وليس في قوتنا الإحاطة به.\nوبهاتين المقدمتين يتبين: أن المكلف به في حديث المعاد، الإيمان به على الجملة من غير تعرض إلى ما عدا ذلك.\nويتبين أيضا: مع هذا صحة قول القائل: آمنا به على ما جاء به الوحي، وأن هذه العبارة أحسن ما يجعل عنوانا على الدلالة على المطلوب من الإيمان بالمعاد، وهو الإيمان بالجملة\" (^٣).\n_________\n(^١) ابن تيمية: الصفدية: (٢/ ٢٤٠).\n(^٢) السفاريني: لوامع الأنوار: (٢/ ٣٣)، الفوزان: الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد: ص (٢٦).\n(^٣) الونشريسي: النوازل الجامعة: (٥٤٨ - ٥٥٠).","vol":"1","page":85},{"text":"فالإيمان المجمل: هو القدر المجزئ الذي يتحقق به الإيمان بهذا الركن العظيم، وبيان ذلك: أن الإيمان باليوم الآخر له مقامان: مقام إجمالي، ومقام تفصيلي (^١):\n- فالمقام التفصيلي: يتبع العلم بما جاء في الكتاب والسنة، من أحوال اليوم الآخر. فمن جهل الإيمان التفصيلي باليوم الآخر فهو معذور ويكفيه الإيمان المجمل حتى يُعرَّف بالنصوص الشرعية التفصيلية فإن عرف وأنكر وكذب، كان مكذبا للقرآن والسنة.\n- وأما المقام الإجمالي: فهو أن يُوقن العبد، ويُؤمن، ويُصدق بأن هناك يوما يُبعث الله تعالى فيه العباد، فيجزي المحسن بإحسانه، والمسيئ بإساءته.\nوفي هذا يقول الإمام ابن تيمية: \" من لقي الله بالإيمان بجميع ما جاء به الرسول مجملا، مقرا بما بلغه من تفصيل الجملة، غير جاحد لشيء من تفاصيلها، أنه يكون بذلك من المؤمنين؛ إذ الإيمان بكل فرد من تفصيل ما أخبر به الرسول، وأمر به غير مقدور للعباد، إذ لا يوجد أحد إلا وقد خفي عليه بعض ما قاله الرسول \" (^٢)، وقال: \" فإن الإيمان المجمل بما جاء به الرسول من صفات الرب، وأمر المعاد، يكفي فيه ما لم ينقض الجملة بالتفصيل، ولهذا اكتفوا في هذه العقائد بالجمل، وكرهوا فيها التفصيل المفضي إلى القتال والفتنة، بخلاف الشرائع المأمور بها، فإنه لا يكتفي فيها بالجمل، بل لا بد من تفصيلها علما وعملا \" (^٣).\n_________\n(^١) ابن تيمية: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان: ص (٤٣)، ابن الموصلي: مختصر الصواعق المرسلة: ص (١٦٨)، السعوي: رسالة في أسس العقيدة: ص (١٠)، عبد القادر عطا: المفيد في مهمات التوحيد: ص (٨٩) صالح آل الشيخ: شرح الأصول الثلاثة: ص (٥٩١)، صالح آل الشيخ: شرح الطحاوية: ... (٢/ ٨٧٤).\n(^٢) ابن تيمية: الفتاوى الكبرى: (٦/ ٣٥١).\n(^٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (٢٠/ ٩٩)","vol":"1","page":86},{"text":"وهذا الإيمان المجمل لا يُشترط فيه العلم بمعنى كل ما أخبر به النبي - ﷺ - وهذا لا ريب فيه. فكل من اشتبه عليه آية من القرآن، ولم يعرف معناها وجب عليه الإيمان بها، وأن يكل معناها إلى الله تعالى، فيقول: الله أعلم وهذا متفق عليه بين السلف والخلف (^١).\nقال ابن أبي العز: \" ولا ريب أنه يجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول إيمانا عاما مجملا، ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول على التفصيل فرض على الكفاية \" (^٢).\nوالإيمان المجمل ليس كالإيمان المفصل، فإن \" الإيمان الذي يجب على من عرف ما أخبر به الرسول - ﷺ - مفصلا، ليس مثل الذي يجب على من عرف ما أخبر به مجملا، فإنه لا بد في الإيمان من تصديق الرسول في كل ما أخبر ... لكن من صدق الرسول، ومات عقب ذلك، لم يجب عليه من الإيمان غير ذلك \" (^٣).\nيقول العلامة ابن باز: \" وهكذا الأصل الخامس، وهو الإيمان باليوم الآخر نُؤمن به إجمالا وتفصيلا، فنؤمن بما سمى الله تعالى من أمر الآخرة كالجنة والنار، والصراط والميزان، وغير ذلك، وما سوى ذلك مما لم يرد في الآيات والأحاديث تفصيله، نُؤمن به على سبيل الإجمال \" (^٤).\nفالإيمان المجمل: هو القدر الذي لا يقبل نقصا، فأي نقص فيه، يعني انخرام أصل الدين. والإيمان المفصل: يشمل المعنى السابق للإيمان المجمل مضافا إليه الالتزام بما بلغه من الشرائع، والانقياد لها (^٥).\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى،: (١٦/ ٤١٠)\n(^٢) ابن أبي العز: شرح الطحاوية: ص (٧٠).\n(^٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (٧/ ١٩٦)\n(^٤) ابن باز: محاضرة في أصول الإيمان - من موقع الشيخ الرسمي على الشبكة العنكبوتية، تحت عنوان: إملاءات الشيخ.\n(^٥) طارق عبد الحليم: حقيقة الإيمان، دون بيانات للنشر، من موقع المؤلف على الشبكة العنكبوتية، ص (٢١) عبدالله عبد الحميد: الإيمان: ص (٥٠)، الجربوع: أثر الإيمان: (١/ ١٩٥)","vol":"1","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>المبحث الثالث الترتيب بين أركان الإسلام</span>\nوفيه مطلبان\n\nالمطلب الأول: التلازم والترابط بين الأركان.\nالمطلب الثاني: سر الاقتران بين ركني الإيمان بالله تعالى، والإيمان باليوم الآخر.","vol":"1","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>المطلب الأول التلازم والترابط بين الأركان:</span>\nأركان الإيمان ستة، ورد ذكرها، والإشارة إليها في القرآن والسنة.\nففي القرآن الكريم يقول المولى جل شأنه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة:١٧٧]، وقال ﷾: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. فذكر الله ﷾ في هذه الآيات خمسة أركان، وأشار إلى السادس في قوله جل وعلا: ... ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر:٤٩].\nونص الله ﵎ على هذه الأركان في موضع آخر من كتابه الكريم فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء:١٣٦].\n\" فهذه هي أصول الإيمان، وهي أصول الدين، فإن الإيمان هو الدين كله وهو الإسلام، وهو الهدى، وهو البر والتقوى، وهو ما بعث الله به رسوله - ﷺ - من العلم النافع، والعمل الصالح، كله يسمى إيمانا \" (^١).\n_________\n(^١) «ابن باز: محاضرة في أصول الإيمان - من موقع الشيخ الرسمي على الشبكة العنكبوتية، تحت عنوان: إملاءات الشيخ.","vol":"1","page":89},{"text":"وهذه الأركان والأصول \" كلها مترابطة ارتباطا وثيقا، يكمل كل منها الآخر ويرتبط به، بحيث لو حصل إخلال بواحد منها أو إنكار له، كان تأثيره على سائرها واضحا، بل إن هذه الأركان تتجمع وتتضامّ حول الركن الرئيسي وهو الإيمان بالله تعالى. ومن هنا تأتي أركان الإيمان كلها في سياق واحد يحقق صفة الإيمان لصاحبها \" (^١).\nوالناظر يرى تنوعا في ذكر هذه الأركان في الكتاب العزيز، ففي \" مواضع يذكر الإيمان بالله وحده؛ لأن جميع ما ذكر في الآيات الأخرى داخل في ضمن الإيمان بالله، وفي بعضها الإيمان بالله ورسوله، وفي بعضها الإيمان بالله واليوم الآخر فقط، وما ذاك إلا لأن البقية داخلة في ذلك، فإذا ذكر الإيمان بالله دخل فيه بقية الأشياء التي ذكرها في الآيات الأخرى، كالإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر \" (^٢).\nفالإيمان \" بهذه العقائد الست يستتبع بعضها بعضا - بمعنى أن من آمن ببعضها وكفر ولو بواحدة منها - كان كافرا بالجميع - وكثيرا ما تطلق كلمة الإيمان، أو يذكر بعض متعلقاتها اكتفاء - ويكون المراد: الإيمان بهذه الأركان كلها لتلازمها، فيقال: (آمنوا، أو آمنوا بالله واليوم الآخر، أو آمنوا بالله ورسوله، أو آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله ...) وهكذا قد تُذكر المتعلقات كلها أو بعضها، أو لا تُذكر؛ للعلم بها \" (^٣).\n_________\n(^١) عثمان ضميرية: مدخل لدراسة العقيدة، مكتبة السوادي، ط ٢ - ١٤١٧ هـ، ص (٣٩١)، محمد يسري: مبادئ ومقدمات علم التوحيد، حقوق الطبع محفوظة للمؤلف، ط ٢ - ١٤٢٧ هـ، ص (٢٥٨).\n(^٢) ابن باز: محاضرة أصول الإيمان، من موقع الشيخ الرسمي على الشبكة العنكبوتية، تحت عنوان: إملاءات الشيخ.\n(^٣) الغزالي خليل عيد: ثمرات الإيمان بالله واليوم الآخر - ضمن مجلة البحوث الإسلامية، العدد ٨، ١٤٠٣ هـ (٢٥٨).","vol":"1","page":90},{"text":"ولما كان الإيمان بالله - ﷾ - هو أس هذه الأركان والأصول، ورأس هرمها والركن الركين فيها، ابتُدِأَ به. وبالإيمان به تعالى يتحقق الإيمان ببقية الأركان قال العلامة الرازي: \" واعلم أنه قد دخل في الإيمان بالله، الإيمان بما أوجبه أعني الإيمان برسله. ودخل في الإيمان باليوم الآخر، جميع أحكام الآخرة. ... فهذان القولان قد جمعا كل ما يتصل بالأديان في حال التكليف، وفي حال الآخرة من ثواب وعقاب \" (^١).\nوكثر الاقتران والتلازم بين بعض الأركان دون بعض، يقول الإمام ابن تيمية مبينا التلازم بين التوحيد، والإيمان بالرسل واليوم الآخر: \" وهذا في القرآن في مواضع أخر: يبين فيها أن الرسل كلهم أمروا بالتوحيد بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهوا عن عبادة شيء من المخلوقات سواه، أو اتخاذه إلها. ويخبر أن أهل السعادة هم أهل التوحيد، وأن المشركين هم أهل الشقاوة. وذكر هذا عن عامة الرسل، ويبين أن الذين لم يؤمنوا بالرسل مشركون. فعلم أن التوحيد والإيمان بالرسل متلازمان. وكذلك الإيمان باليوم الآخر هو والإيمان بالرسل متلازمان. فالثلاثة متلازمة \" (^٢).\nوفي سؤال وجه إلى العلامة: صالح الفوزان، عن حكمة الترتيب بين أركان الإيمان؟ فأجاب: \"هناك حكمة - الله أعلم - في ترتيب أركان الإيمان في الآيات والأحاديث؛ وإن كانت الواو لا تقتضي ترتيبا؛ فقد بدأت هذه الأركان بالإيمان بالله، لأن الإيمان بالله هو الأساس وما سواه من الأركان تابع له.\n_________\n(^١) الرازي: التفسير الكبير، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ - ١٤٢٠ هـ (٣/ ٥٣٧).\n(^٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (٩/ ٢٩ - ١٨/ ٥٦).","vol":"1","page":91},{"text":"ثم ذكر الإيمان بالملائكة والرسل؛ لأنهم الواسطة بين الله وخلقه في تبليغ رسالاته؛ فالملائكة تنزل بالوحي على الرسل، والرسل يبلغون ذلك للناس قال تعالى في سورة النحل: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾ ثم ذكر الإيمان بالكتب؛ لأنها الحُجّة والمرجع الذي جاءت به الرُّسل، من الملائكة والنبيِّين من عند الله؛ للحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، قال تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة:٢١٣]. ثم ذكر الإيمان باليوم الآخر؛ لأنه ميعاد الجزاء على الأعمال التي هي نتيجة الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، أو التكذيب بذلك؛ فكان مقتضى العدالة الإلهية، إقامة هذا اليوم؛ للفصل بين الظالم والمظلوم، وإقامة العدل بين الناس ثم ذكر الإيمان بالقضاء والقدر؛ لأهميته في دفع المؤمن إلى العمل الصالح واتخاذ الأسباب النافعة، مع الاعتماد على الله سبحانه، وبيان أنه لا تناقض بين شرع الله الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه وبين قضائه وقدره ... \" (^١).\n_________\n(^١) الفوزان: المنتقى من فتاوى الفوزان، مكتبة الغرباء الأثرية -المدينة (١/ ٣).","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>المطلب الثاني سر الاقتران بين ركني الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر</span>\nورد هذا الاقتران والتلازم في كتاب الله تعالى، وفي سنة رسوله ﵊ كثيرا، ومن شواهده في القرآن الكريم، قول المولى ﷾:\n- ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)﴾ [البقرة: ١٢٦].\n- ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩)﴾ [النساء:٣٩].\n- ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨) أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩)﴾ [التوبة (١٨ - ١٩]\n- ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].\nومن شواهده في السنة المطهرة، قول النبي - ﷺ -:\n- «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً «(^١).\n- «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ «(^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب ح (١٠٤)، وأخرجه مسلم في كتاب الحج، باب تحريم مكة وصيدها وخلاها ح (١٣٥٣).\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب تقصير الصلاة، باب في كم تقصر الصلاة ح (١٠٨٨، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الحج، باب سفر الرأة مع محرم إلى حج وغيره ح (١٣٣٨).","vol":"1","page":93},{"text":"- «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ، فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا «(^١).\n- «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ «(^٢).\n- «لَا يُبْغِضُ الْأَنْصَارَ رَجُلٌ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ «(^٣).\nدلت هذه النصوص الشرعية الشريفة المنيفة على قضيتين:\nالأولى: ما نبه عليه بعض أهل العلم والفضل: من أن الإشارة إلى اليوم الآخر في هذه النصوص، متضمن للإيمان بالأنبياء والكتب.\nقال الإمام ابن عطية: \" وفي الإيمان باليوم الآخر اندرج الإيمان بالرسل والكتب، ومنه يتفهم، لأن البعث لم يعلم إلا بإخبار رسل الله عنه ﵎ \" (^٤)، وقال أيضا: \" وفي الإيمان باليوم الآخر إيمان بالأنبياء، لأنه من جائزات العقل التي أثبتها السمع من الأنبياء \" (^٥). وكذا أشار إلى هذا المعنى الإمام أبو حيان فقال: \" وقد اندرج في الإيمان باليوم الآخر، الإيمان بالرسل؛ إذ البعث لا يُعرف إلا من جهة الرسل \" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب حد المرأة على غير زوجها ح (١٢٨٠)،، وأخرجه مسلم في كتاب الطلاق، باب وجوب الإحداد في عدة الوفاة ح (١٤٨٦).\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب البر والصلة، باب من كان يُؤمن بالله واليوم الآخر فلا يُؤذ جاره ح (٦٠١٨)، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان، باب الحث على إكرام الجار والضيف ح (٤٧).\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان، باب الدليل على أن حب الأنصار من الإيمان ح (٧٦).\n(^٤) ابن عطية: المحرر الوجيز: (١/ ١٥٨).\n(^٥) ابن عطية: المحرر الوجيز: (١/ ١٥٨).\n(^٦) أبو حيان: البحر المحيط: (١/ ٣١٢ - ٣٩١).","vol":"1","page":94},{"text":"وقد دل الإيمان باليوم الآخر، على بقية الإركان بدلالة اللزوم، يقول العلامة المناوي: \" واكتفى بهما عن الإيمان بالرسل والكتب وغيرهما لأن الإيمان باليوم الآخر على ما هو عليه يستلزمه \" (^١).\nالثانية: ما أشار إليه العلماء، من أسرار وحِكَم تخصيص اقتران الإيمان بالله تعالى باليوم الآخر أكثر من غيره، فقد ذكروا أوجها متعددة في سر هذا الاقتران يجمعها قوة اللفظ والتعبير، الموجب للخوف والتغيير. فلفظ اليوم الآخر يُشعر برهبة مع طُمأنينة، وارتعاد مع سكون، ووجل مع حذر فيحرك النفس، ويُحفز الوجدان، ويقود الجوارح؛ للاستعداد والعمل.\nوإن الدوافع الفطرية الجامحة التي فُطر عليها البشر، من حب للبقاء والأخذ والنماء، والتملك والارتقاء، التي ربما جنح المرء فيها عن طريق الصواب ليحصلها، فأمام هذه الدوافع والمغريات، تقف التجارب البشرية عاجزة لضبطها ووقف زحفها، وحينها \" لا شيء يمكن أن يعين الإنسان على ضبط هذه الدوافع، والوقوف بها عند الحدود المأمونة التي فرضها الله، قدر ما يعينه الإيمان باليوم الآخر، الذي يعوض فيه الإنسان عن كل حرمان تعرض له في الأرض، بنعيم دائم لا ينفد، فضلًا عن كونه نعيمًا أجمل وأصفى وأجود \" (^٢).\nفالتذكير باليوم الآخر \" يقوي الوازع النفسي الذي يصد الإنسان عن الباطل والشر، والظلم والبغي، ويُرغبه في التزام الحق، والخير وعمل البر \" (^٣).\n_________\n(^١) المناوي: فيض القدير: (٦/ ٢٠٩).\n(^٢) محمد قطب: منهج التربية الإسلامية: (٢/ ٢٩٠).\n(^٣) محمد رشيد رضا: تفسير المنار، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٠ م (١١/ ١٧٥).","vol":"1","page":95},{"text":"وإن كفر \" الإنسان بهذا الركن من أركان الإيمان، يستلزم كفره بحكمة ربه وعدله في خلقه، وكفره بنعمته بخلقه في أحسن تقويم، وتفضيله على أهل علله (الأرض)، حيث سخرها وكل ما فيها لمنافعه ...، ومن لوازم هذا الكفر والجهل كله، احتقاره لنفسه باعتقاده أنه خلق عبثا لا لحكمة بالغة، وأن وجوده في الأرض موقوت محدود بهذا العمر القصير، المنغص بالهموم والمصائب والظلم والبغي والآثام، وأنه يترك سدى لا يجزى كل ظالم من أفراده بظلمه وكل عادل بعدله وفضله، وإذ كان هذا الجزاء غير مطرد في الدنيا لجميع الأفراد تعين أن يكون جزاء الآخرة هو المظهر الأكبر للعدل العام \" (^١).\nوقد تباينت ألفاظ العلماء في التعبير عن سر هذا التخصيص، مع اتفاقهم على ... المعنى العام الذي أشرنا إليه:\nقال الإمام النسفي في سر هذا الاقتران: \" لأن حاصل المسائل الاعتقادية يرجع إلى مسائل المبدأ، وهي العلم بالصانع وصفاته وأسمائه ومسائل المعاد وهي العلم بالنشور، والبعث من القبور، والصراط، والميزان، وسائر أحوال الآخرة \" (^٢).\nوقال الإمام أبو حيان: \" وذكر الإيمان بالله لأنه ... هو الذي يحصل به التخويف، وتجنى فيه ثمرة مخالفة النهي \" (^٣)، وقال في موضع آخر: وذكر اليوم الآخر؛ لأن فيه ظهور آثار عبادة الله من الجزاء الجزيل \" (^٤).\nوقال العلامة علي القاري: \" تخصيص اليوم الآخر بالذكر دون شيء من مكملات الإيمان بالله ; لأن الخير والمثوبة، ورجاء الثواب والعقاب، كلها راجعة إلى الإيمان باليوم الآخر، فمن لا يعتقده لا يرتدع عن شر، ولا يقدم على خير \" (^٥).\nففي تخصيص ذكر الإيمان باليوم الآخر؛ تنبيه وإرشاد؛ لإيقاظ النفس وتحرك الهمم؛ للمبادرة والامتثال (^٦).\n_________\n(^١) محمد رشيد رضا: تفسير المنار، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٠ م (١١/ ١٧٥).\n(^٢) النسفي: مدارك التنزيل: (١/ ٤٧).\n(^٣) أبو حيان: البحر المحيط: (٢/ ٤٩٥).\n(^٤) أبو حيان: البحر المحيط: (٣/ ٣١٢).\n(^٥) القاري: مرقاة المفاتيح: (٧/ ٢٧٣١).\n(^٦) المناوي: فيض القدير: (٦/ ٢٠٩).","vol":"1","page":96},{"text":"وقال العلامة العثيمين: \" وكثيرًا ما يقرن الله الإيمان به بالإيمان باليوم الآخر لأن الإيمان باليوم الآخر يحدو بالإنسان أن يعمل العمل الصالح، وأن يبتعد عن العمل السيء لأنه يؤمن أن هناك يومًا آخر يجازى فيه الإنسان المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته \" (^١)، وقال في موضع آخر: \" ولهذا الله يقرن الإيمان به بالإيمان باليوم الآخر دائما؛ لأن الإيمان بالله ابتداء، والإيمان باليوم الآخر انتهاء فتؤمن بالله، ثم تعمل لليوم الآخر الذي هو المقر \" (^٢)\nوقال الشيخ عبد المحسن العباد: \" جمع رسول الله - ﷺ - بين ذكر الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر في هذه الأمور الثلاثة؛ لأنَّ الإيمانَ بالله هو الأساسُ في كلِّ شيء يجب الإيمانُ به، فإنَّ أيَّ شيء يجب الإيمان به تابعٌ للإيمان بالله، وأمَّا الإيمانُ باليوم الآخر، ففيه التذكير بالمعَاد، والجزاء على الأعمال، إن خيرًا فخيرٌ، وإنْ شرًّا فشرٌّ \" (^٣).\nوقد رد الشيخ شهاب الدين الخفاجي على من ذهب إلى أنه لا تخصيص في مثل هذا الاقتران، فقال: \" وما قيل: من أنه لا تخصيص هنا؛ لأنّ قوله: (بالله ... إلخ)، قسم منهم أو منه تعالى، عدول عن جادّة الصواب بلا داع كما لا يخفى، وما تكلفه لتوجيهه غنيّ عن الردّ. وكون الإيمان بالله، والحشر، والنشر أعظم المقاصد الاعتقادية وأجلها ظاهر، مع أنّ من آمن بالله على ما يليق بجلال ذاته، آمن بكتبه ورسله وشرائعه، ومن علم أنّ إليه المصير استعدّ لذلك بالأعمال الصالحة \" (^٤).\n_________\n(^١) العثيمين: تفسير سورة الواقعة:، ص (٣٧٢)، العثيمين: شرح رياض الصالحين: (٥/ ٥٢٧).\n(^٢) العثيمين: لقاءات الباب المفتوح، لقاء رقم (١٩٦)، بتاريخ ١٨/ ١٠/١٤١٩ هـ.\n(^٣) العباد: فتح القوي المتين: ص (٦٢).\n(^٤) شهاب الدين الخفاجي: حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي: (٧/ ٣٠٥).","vol":"1","page":97},{"text":"ومن هنا نعلم أن \" الإيمان باليوم الآخر آكد أركان الإيمان، فهو آكد من الإيمان بالكتب، ومن الإيمان بالرسل، ومن الإيمان بالملائكة؛ لأن الخلاف في الإيمان بها قليل، بخلاف الإيمان باليوم الآخر، فإن المنكرين له كثير، ولما كان الأمر كذلك، جاءت الأدلة الكثيرة عليه \" (^١).\nقال العلامة ابن أبي العز الحنفي: \" الإيمان بالمعاد مما دل عليه الكتاب والسنة، والعقل، والفطرة السليمة. فأخبر الله سبحانه عنه في كتابه العزيز وأقام الدليل عليه، ورد على المنكرين، في غالب سور القرآن.\nوذلك: أن الأنبياء كلهم متفقون على الإيمان بالله، فإن الإقرار بالرب عام في بني آدم، وهو فطري، كلهم يقر بالرب، إلا من عاند، كفرعون، بخلاف الإيمان باليوم الآخر، فإن منكريه كثيرون \" (^٢).\nولما كان الإيمان بالله تعالى أمرا فطريا، لا تستطيع الفطر السوية، ولا العقل السليم جحوده، سلَّم به الكثيرون. ولكن مع اجتماع النفس الأمارة بالسوء وغلبة الهوى والعناد، وفساد الاعتقاد، والرغبة في التفلت عن التكاليف الشرعية، وفقدان الوازع الإيماني، أنكر الكثير من الناس الإيمان بالمعاد، ولم يُسلِّموا به؛ ليسلموا من تبعات التسليم والقبول والانقياد بهذه القضية.\n\" ولذا فإن المناهج الأرضية الحديثة، لا وجود للمعالم الأخروية فيها فضلا عن مراعاتها. فالمناهج الإنسانية المعاصرة قامت على نظرة إلحادية في الأصل، تجعل الحياة الدنيا هي المستقر والمآل، والغاية التي تنتهي عندها حياة الفرد، فيسعى لتحقيق كل أمنياته، وأهدافه فيها \" (^٣).\n_________\n(^١) الجبرين: شرح الطحاوية: اللقاء (٦٣)، دون ذكر تأريخ اللقاء. ويراجع موقع الشيخ الرسمي على الشبكة العنكبوتية.\n(^٢) ابن أبي العز: شرح الطحاوية: ص (٤٠١).\n(^٣) علي حسن فرج: أهمية الإيمان باليوم الآخر، مقال في موقع الألوكة بتاريخ ١٩/ ٤/١٤٣١ هـ","vol":"1","page":98},{"text":"أما المنهج الشرعي القرآني فهو يقوم على تربية النفس، وتقوية الوازع الديني الإيماني، فتجعل من الحياة الدنيا مزرعة للآخرة، ومعبرا إليها ... تذكره كل لحظة بقضية الجزاء العادل يوم الدين، إذ \" الحكمة والعدل يقضيان بالحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، كما يقضيان بأن ينال المحسن إحسانه، والمسيء إساءته ... حتى يُطَهَّر المسيء من دنس النفس، ويكون أهلا لرحمة الله الكاملة ...\nوقد تعرّض أحد القضاة الفرنسيين لتاريخ القضاء في فرنسا، وأصدر كتابا ذكر فيه عددا من الحالات، حكم فيها بالإعدام أو الإدانة على متّهمين، ثم برّأتهم الأيّام والحقائق، وأحصى عددا من الحالات، برّأ القضاء فيها متّهمين ثم أثبتت الأيام وحقائق الأحداث أنّهم مدانون.\nثم عقّب القاضي بقوله: إنه لا بدّ من جزاء وحساب أمام قاض آخر، لا تخفى عليه خافية ولا تغيب عنه حادثة، في دار أخرى؛ ليعوّض الناس عن أخطاء القضاء في الدنيا، وليكون حكمه فيصلا ومنصفا للمظلومين، ورادعا للمجرمين \" (^١).\n_________\n(^١) جعفر شرف الدين: الموسوعة القرآنية - خصائص السور، دار التقريب بين المذاهب: (٣/ ٧)","vol":"1","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>المبحث الرابع اختلاف موازيين الدنيا وقوانينها عن موازين الآخرة وقوانينها</span>\nوفيه مطلبان:\n\nالمطلب الأول: اختلاف قوانين الدنيا عن الآخرة.\n\nالمطلب الثاني: أمثلة تبين حقيقة الاختلاف في الموازيين والقوانين الدنيوية والأخروية.","vol":"1","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>المطلب الأول اختلاف قوانين الدنيا عن قوانين الاخرة وسننها</span>\n\" لقد جئنا من عالم، وسننتقل إلى عالم الغيب مرة أخرى، ولكل عالم سننه الخاصة به، والانتقال من عالم إلى عالم، يصحبه تحول في السنن التي تحكمنا أثناء ذلك الانتقال.\nألا ترى أن السنن التي تحكمنا ونحن أجنة في بطون أمهاتنا، تختلف عن السنن التي تنتظرنا خارج الرحم، بل إن السنن التي تحكم سكان الأرض على سطحها، تختلف عن السنن التي تحكم رواد الفضاء خارج الأرض فكيف بالسنن التي تنتظرنا بعد موتنا، وخروجنا من الحياة الدنيا \" (^١).\nفالحياة الآخرة لها \" قوانين ونواميس وخصائص، تتناسب معها، ومع صلاحيتها للبقاء الأبدي، وأن السنن التي تسير عليها حياتنا في هذه الدنيا لا تتحكم في حياتنا الآخرة والأبدية، لأنها نشأة أخرى، لا نعرف من تفاصيلها، ولا من سننها ونواميسها، وما تكون عليه، إلا ما علمناه ربنا بوحيه \" (^٢)\nومن أبرز الشواهد الدالة على اختلاف الموازين والسنن الدنيوية، عن الموازين والسنن الأخروية - المسؤولية الذاتية الفردية -، فموازين الدنيا وقوانينها قد تجد فيها مدخلا لتحمل التبعات عن الجاني، فالعاقلة تحمل عن القاتل دية قتل الخطأ، في حين أن المسؤولية في الآخرة فردية، قال ﷾: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم:٩٥]، وقال جل شأنه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر:١٨].\nوقد يحكم الحاكم في القضية، على ظاهر ما يسمع من الشهود، وقد يصدر منهم الصدق أوالكذب، والأمانة أو الغش والخداع، أما في الدار الآخرة فالشهود صادقة، يُعبِّر كل شاهد عما لامس ووقع، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [فصلت (١٩ - ٢٣].\n_________\n(^١) عثمان جيلان: الإعجاز العلمي في عجب الذنب: ١، انظر موقع الهيئة العالمية للإعجاز.\n(^٢) الغزالي خليل: ثمرات الإيمان بالله واليوم الآخر، مقال ضمن مجلة البحوث الإسلامية، العدد ٨، ١٤٠٣ هـ (٢٨٠)","vol":"1","page":101},{"text":"ولذا قال الإمام ابن عبد البر في شرحه لحديث القبر وفتنته: \" أحكام الآخرة لا مدخل فيها للقياس والاجتهاد، ولا للنظر والاحتجاج، والله يفعل ما يشاء لا شريك له \" (^١).\n\" وقد ورد في السمع عن الصادق - ﷺ - أمور تُوصف بها الآخرة، على خلاف أمور الدنيا، كخبر الصراط، ومرور الناس عليه، وخبر الميزان وتجسيم الأعمال ووزنها، ووصف أحوال أهل الجنة والنار، وقد قال تعالى: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧)﴾ [النجم:٤٧]، أي: خِلقة غير هذه النشأة الدنيوية \" (^٢)، فوجب الإيمان والتسليم، قال الإمام القرطبي: \" وهذا الباب ليس فيه مدخل للقياس، ولا مجال للنظر فيه، وإنما التسليم والانقياد لقول الصادق المرسل إلى العباد \" (^٣).\nقال الحافظ ابن حجر معززا هذا المعنى: \" ويقتضي الإيمان بأمور الآخرة أن ليس للعقل فيها مجال، ولا يعترض عليها بعقل، ولا قياس، ولاعادة وإنما يؤخذ بالقبول، ويدخل تحت الإيمان بالغيب، ومن توقف في ذلك دل على خسرانه وحرمانه \" (^٤).\nومن هنا يُعلم أن \" العوالم الأخروية من أحوال الموت فما بعده، إلى الجنة والنار، ليست متولدة من الدنيا تولدا طبيعيا، بانقلاب الأطوار المتناسبة فيدركه العقل بالقواعد والقياسات والتنظير بما يراه من المكتشفات، وكذا يقال في سائر الغيبيات التي أثبتها الشرع، كالملائكة، والجن، ما في السماوات، وغيرها ليست متولدة من الأشياء التي للقواعد بها ارتباط وللعقل فيها مجال \" (^٥).\n_________\n(^١) ابن عبد البر: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد: (٢٢/ ٢٥٤).\n(^٢) ابن عزوز: العقيدة الإسلامية: ص (٣١٠).\n(^٣) القرطبي: التذكرة: ص (١٧١).\n(^٤) ابن حجر: فتح الباري: (١١/ ٣٩٥).\n(^٥) ابن عزوز: العقيدة الإسلامية: ص (٣٠٨)","vol":"1","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>المطلب الثاني أمثلة تبين حقيقة الاختلاف في الموازيين والقوانين الدنيوية والأخروية</span>\nفي الصحيحين عن أنس - ﵁ -: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ يُحْشَرُ الكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ - ﷺ -: «ألَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فِي الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ»، قَالَ قَتَادَةُ: بَلَى وَعِزَّةِ رَبِّنَا (^١)، وهذا المشي على حقيقته، قال الحافظ ابن حجر: \" وقد تقدم في التفسير أن الحاكم أخرجه من وجه آخر عن أنس بلفظ كيف يحشر أهل النار على وجوههم قوله أليس الذي أمشاه إلخ ظاهر في أن المراد بالمشي حقيقته ... فالجواب الصادر عن النبي - ﷺ - ظاهر في تقرير المشي على حقيقته \" (^٢).\nوذهب مجاهد إلى أن المراد به: مثل يُراد به الضال (^٣)، قال الإمام ابن الملقن: \"وقيل: هو مثل الكافر والمؤمن، أن هذا ضال وهذا مهتد، وهذا قول مجاهد في تفسير قوله: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الملك:٢٢]، وقال قتادة في تفسير الآية، بل هو حقيقة، وظاهر الحديث هنا حجة له \" (^٤).\nوقيل في الحكمة من حشر الكافر على وجهه: \" أنه عوقب على عدم السجود لله في الدنيا، بأن يسحب على وجهه في القيامة؛ إظهارا لهوانه بحيث صار وجهه مكان يده ورجله في التوقي عن المؤذيات \" (^٥).\nفـ \" من هذا الحديث علمنا: أنه يجب فيما يرد من الأخبار عن اليوم الآخر أن يحمل على ظاهره، ولو كان غير معتاد في الدنيا؛ لأن أحوال العالم الآخر لا تقاس على أحوال هذا العالم \" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب تفسير القرآن، باب قوله (الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم) ح (٤٧٤٣)، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب يحشر الكافر على وجهه ح (٢٨٠٦).\n(^٢) ابن حجر: فتح الباري: (١١/ ٣٨٢).\n(^٣) مجاهد: تفسير مجاهد، ت: د. محمد أبو النيل، ص (٦٦٧).\n(^٤) ابن الملقن: التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٣٠/ ٣١).\n(^٥) ابن حجر: فتح الباري: (١١/ ٣٨٢)\n(^٦) ابن باديس: تفسير ابن باديس، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ - ١٤١٦ هـ، ص (١٨٥)","vol":"1","page":103},{"text":"\" والحاصل: أنه لابد من الإيمان بالغيب في أحوال الآخرة، والآن ربما استبعد العبد شيئا من ذلك حيث لم يدركه بعقله، فحوّل يقينه إلى الظن وربما وصل الأمر به إلى جحود شيء من ذلك فيكفر، والعياذ بالله تعالى \" (^١).\nومن هنا قال الإمام ابن رجب: \" ومما يدخل في النهي عن التعمق والبحث عنه: أمور الغيب الخبرية التي أمر بالإيمان بها، ولم يبين كيفيتها، وبعضها قد لا يكون له شاهد في هذا العالم المحسوس، فالبحث عن كيفية ذلك هو مما لا يعني، وهو مما ينهى عنه، وقد يوجب الحيرة والشك، ويرتقي إلى التكذيب \" (^٢).\nوقال الشيخ العثيمين مقررا هذه الحقيقة في مسائل الغيب: \" فالحاصل: أن هذه المسائل على الإنسان أن يُسلِّم بها، ولا يعارضها بعقل؛ لأن العقول أقصر من أن تدرك ذلك \" (^٣).\nويكفي في إدراك حقيقة هذه القضية، أن الإنسان لو تصور قول الله ﷿ في عقاب أهل النار - أعاذنا الله تعالى منها -: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٢٢)﴾ [الحج:١٩ - ٢٢]، فلو تصور \" كيف تقطع النار ثيابا؟ كيف تصهر الأمعاء والأحشاء بالحميم الذي يصب من فوق الرؤوس؟ وهل يبقى فيهم بعد انصهارهم ما يضرب بمقامع الحديد؟ كيف؟\n_________\n(^١) ابن عزوز: العقيدة الإسلامية، دار البشاير الإسلامية - بيروت، ط ١ - ١٤٢١ هـ، ص (٣١٠).\n(^٢) ابن رجب: جامع العلوم والحكم، مؤسسة الرسالة - بيروت، ط ٧ - ١٤٢٢ هـ (٢/ ١٧٢).\n(^٣) العثيمين: شرح صحيح البخاري، مكتبة الطبري - القاهرة، ط ١ - ١٤٢٩ هـ (٦/ ٤٢٣).","vol":"1","page":104},{"text":"إن الأمر لو كان على سنن الدنيا وقوانينها؛ لأدى إلى موتهم، ولكن ذلك يحقق لهم طلبتهم من مالك خازن جحيمهم، والله لا يريد أن يخفف عنهم من عذابها، ولا أن يقضي عليهم فيموتوا، ولذلك جعل لهذه الحياة الأبدية نظاما وسننا غير التي نعرفها في هذه الحياة الدنيا \" (^١).\n_________\n(^١) الغزالي خليل: ثمرات الإيمان بالله واليوم الآخر - ضمن مجلة البحوث الإسلامية، العدد ٨ - ١٤٠٣ هـ (٢٨٣)","vol":"1","page":105},{"text":"ومن هنا يتبين أن \" حقائق وطبائع الأشياء الدنيوية، مختلفة عن حقائق وطبائع الأشياء الأخروية \" (^١) وإن اتفقت في الأسماء. ومن كمال الشوق إلى الجنة أن القرآن الكريم حين أخبرنا عن نعيم الجنة، أخبرنا بما هو معلوم لنا كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)﴾ [محمد:١٥]، وفي حديث النبي - ﷺ - الذي أخبر فيه عن إدام أهل الجنة، وفيه: ... «تَكُونُ الأَرْضُ يَوْمَ القِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً، يَتَكَفَّؤُهَا الجَبَّارُ بِيَدِهِ كَمَا يَكْفَأُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ، نُزُلًا لِأَهْلِ الجَنَّةِ»، فَأَتَى رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ فَقَالَ: بَارَكَ الرَّحْمَنُ عَلَيْكَ يَا أَبَا القَاسِمِ، أَلَا أُخْبِرُكَ بِنُزُلِ أَهْلِ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ: «بَلَى» قَالَ: تَكُونُ الأَرْضُ خُبْزَةً وَاحِدَةً، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَنَظَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَيْنَا ثُمَّ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِإِدَامِهِمْ؟ قَالَ: إِدَامُهُمْ بَالَامٌ وَنُونٌ، قَالُوا: وَمَا هَذَا؟ قَالَ: ثَوْرٌ وَنُونٌ، يَأْكُلُ مِنْ زَائِدَةِ كَبِدِهِمَا سَبْعُونَ أَلْفًا «(^٢).\n\" فهل عسل الدنيا كعسل الآخرة؟ وهل خمر الدنيا كخمر الآخرة؟ وهل المساكن والنساء في الدنيا، كالمساكن والنساء في الآخرة؟ بينهما فرق عظيم:\n_________\n(^١) أحمد عبد اللطيف: شرح الرسالة التدمرية، ص (١٩٢).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الرقاق، باب يقبض الله الأرض يوم القيامة ح (٦٥٢٠، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب نزل أهل الجنة ح (٢٧٩٢).","vol":"1","page":106},{"text":"- العسل في الجنة أنهار، وفي الدنيا يخرج من بطون النحل.\n- واللبن في الجنة أنهار، وفي الدنيا يخرج من ضروع البهائم.\n- والنساء لا يمتخطون، ولا يتغوطون، ولا يتبولون، بخلاف نساء الدنيا \" (^١).\n- إذن: \" فإن الله - ﷾ - أخبرنا عما في الجنة من المخلوقات: من أصناف المطاعم، والملابس، والمناكح، والمساكن؛ فأخبرنا أن فيها لبنا، وعسلا، وخمرا، وماء، ولحما، وحريرا، وذهبا، وفضة، وفاكهة وحورا، وقصورا، وقد قال ابن عباس ﵄: ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء \" (^٢).\nفهذه الأمور كلها حق، وهي موافقة في الاسم لما في الدنيا من حيث المعنى لا في الحقيقة، \" أما موافقته لما في الدنيا في المعنى فلأن الله تعالى قال عن القرآن: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)﴾ [الزخرف:٣]،ولولا موافقته له في المعنى؛ ما فهمناه ولا عقلناه.\nوأما مخالفته له في الحقيقة فلقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة:١٧]، وقوله في الحديث القدسي: ... ﴿أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ﴾ قال ابن عباس - ﵄ -: \" ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء \" (^٣).\nفالاتفاق يكون في الأسماء والمعنى العام المشترك، أما الحقائق فهي مختلفة.\nفإن قيل: ما الداعي لإثبات قدر مشترك بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة؟\nفالجواب: لو لم نثبت القدر المشترك، وهو الاتفاق في الاسم، وفي المعنى الكلي العام، لما فهم الخطاب (^٤).\n_________\n(^١) أحمد عبد اللطيف: شرح الرسالة التدمرية، مكتبة الشنقيطي - جده، ط ١ - ١٤٣٣ هـ، ص (١٩٢).\n(^٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (٣/ ٢٨).\n(^٣) العثيمين: تقريب التدمرية، دار ابن الجوزي - الدمام، ط ١ - ١٤١٩ هـ، ص (٤٢).\n(^٤) الخميس: شرح الرسالة التدمرية، دار أطلس الخضراء، ١٤٢٥ هـ، ص (١٨١).","vol":"1","page":107},{"text":"ويقول الشيخ العثيمين في شرحه لحديث الثور والنون في صحيح البخاري: \" ولكن لاحظ أن الثور الذي ذُكر هنا ليس كالثور الذي نشاهده؛ لأن ما في الجنة من الأسماء، يتفق مع ما في الدنيا في الاسم فقط، أما الحقيقة فبينهما تباين عظيم \" (^١).\nفـ \" عالم الغيب عالم عجيب، لا نعرف عنه إلا ما أخبرنا به الوحي الصادق وليس لنا معه إلا الإيمان والتصديق، دون القياس والتجريب؛ لأن المسألة خارجة عن قوانين عالمنا الحسي \" (^٢)\n_________\n(^١) العثيمين: شرح صحيح البخاري، مكتبة الطبري - القاهرة، ط ١ - ١٤٢٩ هـ (٦/ ٤٢٣).\n(^٢) سعيد حوى: الإسلام، دار السلام للطباعة - ط ٣ - ١٤١٧ هـ، ص (٧٢٣).","vol":"1","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>المبحث الخامس أقسام الناس في الإيمان باليوم الآخر</span>\nوفيه مطلبان:\n\nالمطلب الأول: مذهب أهل السنة والجماعة في اليوم الآخر.\n\nالمطلب الثاني: مذهب طوائف أهل الكلام في اليوم الآخر.","vol":"1","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>المطلب الأول مذهب أهل السنة والجماعة في اليوم الآخر</span>\nالناس مختلفون في الإيمان باليوم الآخر، مع كثرة أدلته، ووضوح دلالته ووفرة الشواهد الحسية والعقلية على وقوعه وحتميته، ومع تأييد نبض النفس البشرية، والفطرة الإنسانية على حقيقته. رغم ذلك انحرفت بعض الفطر، وضلت بعض العقول، فأصبحت تعيش بأجسادها تهيم كالأنعام بل هم أضل.\nومع أن هذا المقام الغيبي، واضح كوضوح الشمس في رابعة النهار، إلا أن طوائف أنكرت، وأخرى تأولت، وفي هذا يقول الإمام ابن تيمية: \" افترق الناس في هذا المقام ثلاث فرق:\n- فالسلف والأئمة وأتباعهم: آمنوا بما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر، مع علمهم بالمباينة التي بين ما في الدنيا، وبين ما في الآخرة وأن مباينة الله لخلقه أعظم\n- والفريق الثاني: الذين أثبتوا ما أخبر الله به في الآخرة، من الثواب والعقاب، ونفوا كثيرا مما أخبر به من الصفات، مثل طوائف من أهل الكلام.","vol":"1","page":110},{"text":"- والفريق الثالث: نفوا هذا وهذا، كالقرامطة، والباطنية، والفلاسفة أتباع المشائين ونحوهم من الملاحدة، الذين ينكرون حقائق ما أخبر الله به عن نفسه، وعن اليوم الآخر \" (^١).\nفأهل الإيمان الحق، هم الذين آمنوا بكل ما جاء عن الله تعالى، وعن رسوله - ﷺ -، من الأخبار. وما جاء عن الله تعالى، وعن رسوله - ﷺ - من الأخبار هو الصدق والعدل، قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام:١١٥]، والمقصود هو القرآن الكريم، وتمامه يكون في حججه ودلائله، وفي أحكامه وأوامره، وفي تمام كلامه، واستكمال صوره، وفي وعده ووعيده. فالقرآن صدقا فيما حكاه عدلا فيما قضاه (^٢).\nقال الإمام ابن كثير: \"صدقا في الأخبار، وعدلا في الأحكام، فكله حق ... وصدق، وعدل، وهدى، ليس فيه مجازفة، ولا كذب، ولا افتراء \" (^٣).\nولما كان خبره تعالى هو الصدق، وحكمه هو العدل، قال جل شأنه لنبيه - ﷺ -: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦)﴾ [النمل:٦] \" حكيم بتدبير خلقه، عليم بأخبارهم، وما فيه الخير لهم \" (^٤).\nوكيف لا يكون صدقا وعدلا، وقد أنزله الله جل وعلا بعلمه، قال تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦)﴾ [النساء:١٦٦].\nفأهل الإيمان الحق يُسلمون لنصوص الوحيين، وما دلت عليه، ولا يُعارضون بعقل، أو قياس، أو عادة، ولا يردون بشبهة، أو هوى. فأخبار اليوم الآخر كلها على السواء، في التسليم والانقياد، ما ورد على وجه التواتر أو الآحاد. فالشريعة واحدة، ومصدرها واحد، فما جاء فيها من النصوص فهو حق، يجب الإيمان به، وتصديقه، وتقديمه.\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى،: (٣/ ٢٩).\n(^٢) الطبري: جامع البيان: أحمد محمد شاكر، ص (١٢/ ٦٢)، الماوردي: النكت والعيون (٢/ ١٦٠).\n(^٣) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ت: سامي سلامة (١/ ١٩٩)\n(^٤) المراغي: تفسير المراغي: (١٩/ ١٢٢).","vol":"1","page":111},{"text":"ولذا كان مذهب السلف أعلم وأحكم وأسلم، بقبولهم كل ما جاء عن الله تعالى، وعن رسوله - ﷺ -، من أخبار اليوم الآخر وغيره فآمنوا به علما وعملا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>المطلب الثاني مذهب طوائف أهل الكلام في اليوم الآخر</span>\nوأما طوائف أهل الكلام، وبعض المنتسبين للإسلام، فقد خلطوا في قضايا الغيبيات التي يسمونها السمعيات، فمع إيمانهم بما ورد به السمع، مع تجويز العقل له، إلا أنهم ردوا بعض قضايا الغيب التي مبناها السمع؛ لوارد الشبهة التي بنوها، والقاعدة التي أصلوها.\nولهم في هذا المقام جملة من القواعد التي كانت نصب أعينهم، حين انطلقوا يقررون عقائدهم المتعلقة باليوم الآخر والمعاد منها:\n- التفريق بين الأخبار الواردة عن طريق التواتر، والأخبار الواردة عن طريق الآحاد.\n- والنظر بين ما يُجوِّزه العقل، وما لا يجوزه.\n- والتسلسل في الماضي والمستقبل.\n- والنظر إلى مبدأ العدل والاستحقاق.\n- ونتيجة القاعدة التي توصلوا إليها في إثباتهم للصانع وهي: ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث.\nفبناء على ما أصلوه من قواعد، وبنوه من أساسات، ظنوا أنها ضمان للعقائد من الانحراف والزيغ، وقعوا في التناقض، وفي نقيض ما ظنوه فردوا النصوص وأولوها؛ بناء على هذه الأسس عندهم.\nفالجهمية:\nأنكرت كثيرا من أمور الآخرة، كعذاب القبر ونعيمه، والصراط، والميزان والرؤية، والنداء والمناداة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \" وأما أهل الأهواء: فكان كثير من الجهمية والمعتزلة ونحوهم، يكذب بما في البرزخ من النعيم والعذاب، ولا يقر بما يكون في القبر، كما ينكرون أيضا وجود الجنة والنار، ولا يعتقدون نعيما ولا عذابا، ولا ثوابا ولا عقابا إلا عند القيامة الكبرى، ... ومنهم من يزعم أنه يفنى بعد دخول الجنة والنار، وأنهما يفنيان كما يذكر ذلك عن الجهم بن صفوان، وزعم أبو الهذيل أن حركاتهم تفنى \" (^١)\n_________\n(^١) ابن تيمية: المستدرك على مجموع الفتاوى (١/ ٩٣)، ابن حزم: الفِصل (٤/ ٥٥)، ابن القيم: الروح ص (٥٨).","vol":"1","page":112},{"text":"وقال إمامهم الجهم بن صفوان بفناء الجنة والنار، وكذا أبو الهذيل العلاف إلا أنه اقتصر على القول بفناء حركات أهل الجنة والنار، بناء على قولهما: إمكان وجود ما لا يتناهى من الحوادث في الماضي والمستقبل، فمنعا ذلك مطلقا، ولذا كلاهما ينفي دوام الحدوث في المستقبل، كما نفاه في الماضي.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \" والتسلسل في المستقبل جائز عند جماهير المسلمين، وغيرهم من أهل الملل، وغير أهل الملل، فإن نعيم الجنة وعذاب النار دائمان، مع تجدد الحوادث فيهما، وإنما أنكر ذلك الجهم بن صفوان، فزعم أن الجنة والنار يفنيان، وأبو الهذيل العلاف زعم أن حركات أهل الجنة، والنار تنقطع، ويبقون في سكون دائم.\nوذلك أنهم لما اعتقدوا أن التسلسل في الحوادث ممتنع في الماضي، والمستقبل قالوا هذا القول الذي ضللهم به أئمة الإسلام \" (^١).\nوبيَّن شيخ الإسلام أصل شبهتهما فقال: \" فإن هذين أوجبا أن يكون لجنس الحوادث انتهاء، كما يجوز أن يكون لها عندهم ابتداء، وأكثر الذين وافقوهم على وجوب الابتداء، خالفوهم في الانتهاء، وقالوا لها ابتداء وليس لها انتهاء \" (^٢).\nوقد حكم الإمام ابن حزم على قولهما بأنه مخالف للقرآن فقال: \" وهذا خلاف القرآن، والثابت عن رسول الله - ﷺ - وخلاف إجماع أهل الإسلام المتيقن \" (^٣).\nفهذا القول مما أنكره السلف والأئمة على الجهمية، وعدوه من كفرهم؛ لمخالفته صريح القرآن القاضي ببقاء نعيم الجنة، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ [ص: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد:٣٥] (^٤).\n_________\n(^١) ابن تيمية: منهاج السنة (١/ ١٤٦ - ٣١٠ - ٣٥١)، ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٣٠٥ - ٢/ ٣٥٨ - ٩/ ١٨٤).\n(^٢) ابن تيمية: مجموعة المسائل (٥/ ١٦٩)، ابن القيم: الروح ص (٣٤٨)، الأشعري: مقالات الإسلاميين ص (٣٥٥).\n(^٣) ابن حزم: الفِصل في الملل والأهواء والنحل، مكتبة الخانجي - القاهرة، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٤/ ١٥٥).\n(^٤) ابن تيمية: منهاج السنة، جامعة الإمام محمد بن سعود، ط ١ - ١٤٠٦ هـ (١/ ٣١٠).","vol":"1","page":113},{"text":"وقال البغدادي في الباب الذي حكى فيه إجماعات أهل السنة: \" وأكفروا أبا الهذيل بقوله بانقطاع نعيم الجنة وعذاب النار، وأكفروا من قال من الجهمية بفناء الجنة والنار \" (^١).\nفإنكار الجهم لقضايا اليوم الآخر، معلوم عند العلماء، لذا انبرو للرد عليه وبيان ضلاله، وكشف انحرافه.\nوأما الخوارج والمعتزلة:\nفأنكروا جملة من الغيبيات المتعلقة باليوم الآخر، فأنكروا الشفاعة للعصاة وإنما أنكرت المعتزلة الشفاعة للعصاة؛ لأنها ضد العدل والاستحقاق، فإن من أصولهم الخمسة: إنفاذ الوعيد، ومعناه عندهم: \" أن فساق الملة مخلدون في النار، لا يخرجون منها بشفاعة ولا غير ذلك \" (^٢)، قال الإمام ابن تيمية: \" ومن أصول المعتزلة مع الخوارج: إنفاذ الوعيد في الآخرة، وأن الله تعالى لايقبل في أهل الكبائر شفاعة، ولا يخرج منهم أحد \" (^٣)، \" وهذا لاعتمادهم على عقولهم الفاسدة، وأخذهم بالمتشابه من القرآن، وتركهم ... الأخبار المروية الثابتة في الصحاح \" (^٤)\nوقد نص القاضي عبد الجبار المعتزلي، على أن الشفاعة خاصة للتائبين من المؤمنين (^٥)، وبذا هو يخالف ما عليه أهل السنة والجماعة من أن الشفاعة تكون لمذنبي أهل التوحيد، كما قال الإمام أبو عثمان الصابوني: \" ويؤمن أهل الدين والسنة بشفاعة الرسول - ﷺ - لمذنبي أهل التوحيد، ومرتكبي الكبائر كما ورد بذلك الخبر الصحيح عن رسول الله - ﷺ - \" (^٦).\n_________\n(^١) البغدادي: الفرق بين الفرق، دار الآفاق الجديدة - بيروت، ط ٢ - ١٩٧٧ م، ص (٣٣١).\n(^٢) ابن تيمية: الفتاوى الكبرى، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ - ١٤٠٨ هـ (٥/ ٨٥).\n(^٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ت: عبدالرحمن بن قاسم (١٣/ ٣٥٨).\n(^٤) يحى العمراني: الانتصار في الرد على المعتزلة، أضواء السلف - الرياض، ط ١ - ١٤١٩ هـ (٣/ ٦٨٨).\n(^٥) القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة ت: د. عبدالكريم عثمان، (٦٨٧).\n(^٦) الصابوني: عقيدة السلف أصحاب الحديث، مكتبة الوادعي - اليمن، ط ١ - ١٤٢٨ هـ، ص (٢٥٨).","vol":"1","page":114},{"text":"وقد نص الإمام ابن حزم على انكار المعتزلة والخوارج للشفاعة ثم قال: \" وذهب أهل السنة، والأشعرية، والكرامية، وبعض الرافضة إلى القول بالشفاعة \" (^١).\nومما خالفت فيه الخوارج والمعتزلة جمهور المسلمين فيما يتعلق باليوم الآخر القول بأن الجنة والنار لم تُخلقا بعد. وقد ذكر الإمام الشهرستاني، أن من بدع هشام بن عمرو الغوطي قوله: \" أن الجنة والنار ليستا مخلوقتين الآن، إذ لا فائدة في وجودهما وهما جميعا خاليتان ممن ينتفع ويتضرر بهما. وبقيت هذه المسألة منه اعتقادا للمعتزلة \" (^٢).\nوذَكر عن الجاحظ المعتزلي قوله في أهل النار: \" إنهم لا يخلدون فيها عذابا بل يصيرون إلى طبيعة النار. وكان يقول: النار تجذب أهلها إلى نفسها من غير أن يدخل أحد فيها \" (^٣).\nومن بدع المعتزلة المتعلقة باليوم الآخر، إنكارهم لبعض معالم الآخرة، قال الإمام يحيى العمراني: \" وعند أهل الحديث: أن الحسنات والسيئات للموحدين، توزن بميزان يوم القيامة، وأن الصراط حق، وأن حوض النبي - ﷺ - حق. وأنكرت المعتزلة والقدرية وأهل الزيغ ذلك كله \" (^٤).\nوأشار الدكتور مصطفى حلمي إلى أن من المآخذ التي \" أخذها أهل السنة والجماعة على المعتزلة: ردهم للأحاديث التي لا توافق أغراضهم ومذاهبهم ويدعون أنها مخالفة للعقول، فيجب ردها، كالمنكرين لعذاب القبر والصراط، والميزان، ورؤية الله ﷿ في الآخرة \" (^٥).\n_________\n(^١) ابن حزم: الفِصل، مكتبة الخانجي - القاهرة، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٤/ ٥٣).\n(^٢) الشهرستاني: الملل والنحل، مؤسسة الحلبي - دمشق، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (١/ ٧٣).\n(^٣) الشهرستاني: الملل والنحل، مؤسسة الحلبي - دمشق، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (١/ ٧٥).\n(^٤) العمراني: الانتصار، أضواء السلف - الرياض، ط ١ - ١٤١٩ هـ (٣/ ٧٢٠).\n(^٥) مصطفى حلمي: منهج علماء الحديث، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ - ١٤٢٦ هـ، ص (١٠٣).","vol":"1","page":115},{"text":"وقد نسب التفتازاني وغيره إلى بعض المعتزلة إنكارهم للميزان والصراط (^١) وكذا نسب جماعة من أهل العلم إنكارهم للحوض، وتأويلهم النصوص الصريحة في إثباته (^٢).\nوأنكرت المعتزلة، والإباضية من الخوارج، والرافضة، والزيدية، رؤية الله تعالى في الآخرة، فخالفوا كتاب الله تعالى، وسنة نبيه - ﷺ - وإجماع سلف الأمة (^٣).\nولذا كان الواجب الإيمان بها وإجراء النصوص على ظاهرها، قال الإمام الغزالي: \" تعمق جماعة، فأولوا ما ورد في الآخرة من الميزان والصراط وغيرهما، وهو بدعة؛ إذ لم ينقل ذلك بطريق الرواية، وإجراؤه على الظاهر غير محال، فيجب إجراؤه على الظاهر\" (^٤).\n_________\n(^١) التفتازاني: شرح المقاصد، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ - ١٤٢٢ هـ (٢/ ٢٢٣).\n(^٢) السفاريني: لوامع الأنوار (٢/ ٢٠٢)، الأشعري: الإبانة، ص (١٦٤)، الاسفراييني: التبصير في الدين: (٦٦).\n(^٣) البغدادي: الفرق بين الفرق: ص (١١٤)، ابن حزم: الفَصل: (٣/ ٧)، الشهرستاني: الملل والنحل: (١/ ٤٥).\n(^٤) الغزالي: قواعد العقائد، عالم الكتب - لبنان، ط ٢ - ١٤٠٥ هـ، ص (١٢٩).","vol":"1","page":116},{"text":"وأما الأشاعرة: فوافقوا أهل السنة في جملة مسائل الغيبيات، إلا أنهم صرحوا في مسألة الرؤية في الآخرة، بأن الله تعالى يُرى لكن لا إلى جهة؛ لأن من أصول الأشاعرة، نفي الجهة عن الله تعالى، فهذا إمام الحرمين الجويني يُصرح بأن إثبات الرؤية، لا يستلزم الجهة، فالله تعالى يرانا ويبصرنا، وليس هو في جهة من المرئي (^١)، مما ألَّب عليهم المعتزلة، وأوقعهم في التناقض، لأن من لوازم الرؤية، أن يكون الرائي في جهة من المرئي (^٢). فالأشاعرة وافقوا أهل السنة في الإيمان بأحوال البرزخ، وأمور الآخرة من: الحشر والنشر والميزان، والصراط، والشفاعة، والجنة والنار؛ لأنها من الأمور الممكنة التي أقر بها الصادق - ﷺ -، وأيدتها النصوص الشرعية (^٣).\nوأما غلاة الصوفية كابن عربي: فإنه ادعى أن أصحاب النار يتنعمون فيها كما يتنعم أهل الجنة في الجنة، وأنه يسمى عذابا من عذوبة طعمه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا المذهب: \" وهو مما يُعلم بالاضطرار فساده من دين الإسلام \" (^٤).\nفهذه صور من أوجه انحراف الفطرة السليمة، رغم وفرة الشواهد والنصوص التي لو تأملها المتأمل، لانقاد إلى الحقيقة، وعرف الجواب عن الأسئلة التي أشغلت أذهان البعض، لم أتيت؟ وإلى أين سأذهب؟.\nفلو تفكر صاحب الهذيان الذي يقول في طلاسمه: (لست أدري) ... لاهتدى، ولو جلس مع نفسه في لحظة صفاء وتأمل لارتضى، ولكنه قال:\nجئت، لا أعلم من أين، ولكنّي أتيت ... ولقد أبصرت قدّامي طريقا فمشيت\nوسأبقى ماشيا إن شئت هذا أم أبيت ... كيف جئت؟ كيف طريقي؟ لست أدري!\n_________\n(^١) أحمد عبداللطيف: منهج إمام الحرمين في دراسة العقيدة: ص (٢٧٧).\n(^٢) أحمد عبداللطيف: شرح الرسالة التدمرية ص (٢٢٧).\n(^٣) الأشعري: الإبانة: ص (٤٩)، الشهرستاني: الملل والنحل، (١/ ١٠٢)، الآمدي: غاية المرام ... المجلس الأعلى للشئون الاسلامية - القاهرة ت: حسن محمود (١/ ٣٠١)، الأيجي: المواقف، ... (٣/ ٥٢٤)، الجهني: الموسوعة الميسرة (١/ ٩٠).\n(^٤) ابن تيمية: الصفدية، (١/ ٢٤٥)، ابن تيمية: مجموع الفتاوى، (٢/ ٢٤٢)، الأشعري: مقالات الإسلاميين، ص (٣٥٥ - ٣٩٥).","vol":"1","page":117},{"text":"أجديد أم قديم أنا في هذا الوجود ... هل أنا حرّ طليق أم أسير في قيود\nهل أنا قائد نفسي في حياتي أم مقود .... أتمنّى أنّني أدري ولكن ... لست أدري!\nوطريقي، ما طريقي؟ أطويل أم قصير؟ ... هل أنا أصعد أم أهبط فيه وأغور\nأأنا السّائر في الدّرب أم الدّرب يسير ... أم كلانا وأقف والدّهر يجري؟ لست أدري!\nأتراني قبلما أصبحت إنسانا سويّا ... أتراني كنت محوا أم ترأني كنت شيّا\nألهذا اللّغز حلّ أم سيبقى أبديّا ... لست أدري ... ولماذا لست أدري؟ ... لست أدري!\nأوراء القبر بعد الموت بعث ونشور ... فحياة فخلود أم فناء ودثور\nأكلام النّاس صدق أم كلام الناس زور ... أصحيح أنّ بعض الناس يدري؟ .. لست أدري!\nإن أكن أبعث بعد الموت جثمانا وعقلا ... أترى أبعث بعضا أم ترى أبعث كلاّ\nأترى أبعث طفلا أم ترى أبعث كهلا ... ثمّ هل أعرف بعد الموت ذاتي؟ ... لست أدري!\nأنا لا أذكر شيئا من حياتي الماضية ... أنا لا أعرف شيئا من حياتي ألآتية\nلي ذات غير أني لست لأدري ما هيه ... فمتى تعرف ذاتي كنه ذاتي؟ لست أدري!\nإنّني جئت وأمضي وأنا لا أعلم ... أنا لغز مبهم وذهابي كمجيئي طلسم\nوالّذي أوجد هذا اللّغز لغز مبهم ... لا تجادل ذو الحجى من قال إنّي ... لست أدري! (^١)\n\nفهذه جملة من مقطوعة طويلة، ضمنها قائلها جملة من التساؤلات التي حيرته، فهي أسئلة سجلت أفكار المنحرفين الضائعين التائهين، وبينت مدى اضطرابهم وقلقهم، وولدت لديهم شقاء لا ينتهي، وعذابا لا ينقضي. ... فهؤلاء وأمثالهم، يعيشون في جحيم لا يُطاق، ولذا فهم لا يعرفون لحياتهم معنى، ولا لأعمالهم مغزى؛ لأنهم لم يُذعنوا لداعي الفطرة، ولم يُسلموا لنصوص الشريعة.\n_________\n(^١) انظر: موقع الأدب على الشبكة العنكبوتية في الإنترنت:  www.adab.com","vol":"1","page":118},{"text":"وإنك لتعجب مما تجده من فقر روحي، وخواء إيماني، في جانب ما تعيشه الحضارة الغربية والشرقية من إنجازات مادية تبهر العقول، إلا أنهم كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ [الروم:٧] ومع هذا الخواء الإيماني، أصبحوا لا يقيمون لحياتهم وزنا، فهم يعيشون في تيه، ليس لهم هم إلا قضاء شهوة، أو كسب ملذة، وربما تخلص أحدهم من حياته، وهذا منتهى الضياع.\nفحين تغيب عنهم صورة الدار الآخرة، فلا يدرون ما الهدف من وجودهم؟ ولا الغاية من خلقهم؟، فلن يتورعوا عن حرام، ولن يبالوا بنظام وحينها يفشو الظلم والاعتداء.\n\" ومن هنا اضطر كثير ممن لا يُؤمن بالدين، ولا بالآخرة كواقع ديني، إلى أن يصرحوا بأنه لا شيء غير عقيدة الآخرة، تصلح لمراقبة الإنسان وإخضاعه لسلوك طريق الحق، والعدل والإنصاف في جميع الظروف، مثل (كانت) و(فولتير) وغيرهما \" (^١).\nفلو تفكر وتأمل من انحرفت فطرته، واجتالتها الشياطين، لوجد لأسئلته جوابا، ولاضطرابه وحيرته طريقا عدلا صوابا.\nولو حرك عقله السليم، ونظر في هذا الكون العظيم؛ لاهتدى هذا العقل واقتضى وجود يوم آخر، يحاسب فيه المحسن والمسيء، ويُميز فيه بين الظالم والمظلوم.\nإن هذه الحياة الدنيا بما فيها من السعادة والألم، والشقاء والندم، والصحة والسقم، والوجود والعدم، والسرور والحزن والهم، مما كتبه الله على بني أدم لهي من أدل الشواهد، وأعلى الدلائل - لمن كان له عقل - على وجود حياة أخرى، فيها الخير والعدل، والكمال والفضل.\nوقد ذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب، أن من المسائل التي خالف فيها رسول الله - ﷺ - أهل الجاهلية، تكذيبهم ببعض ما أخبرت به الرسل - عليهم الصلاة والسلام - عن اليوم الآخر.\n_________\n(^١) عبدالله نعمة: الأدلة الجلية في شرح الفصول النصيرية، ص (١٩٣).","vol":"1","page":119},{"text":"والناظر في مقالات القوم من المتقدمين والمتأخرين، الذين أصابتهم لوثة التحريف، أو التكذيب، والتأويل، يجد مدى إنكارهم لكثير من عقائد اليوم الآخر، فضلا عن سُخرية البعض الآخر من بعض هذه العقائد (^١). وهذا يظهر جليا في مقالات أصحاب المذهب الحداثي.\nولهذا المذهب انحراف عقائدي ظاهر جلي، تجاه هذا الركن العظيم، ولذا اختلفت أنظارهم تجاه هذا الركن، ومن مظاهر هذا الانحراف العقائدي عند الحداثيين في اليوم الآخر:\n١ - جحدهم لليوم الآخر وما وراءه، ونفي البعث، واعتبار موت الإنسان فناء لا شيء بعده. (^٢)\n٢ - قولهم بأبدية الدنيا، أو بعض ما فيها (^٣).\n٣ - سخريتهم واستخفافهم باليوم الآخر وما وراءه (^٤).\n_________\n(^١) انظر: السعيد: المسائل التي خالف فيها رسول الله ﷺ أهل الجاهلية، (٢/ ٧٩٥)، عواد العنزي: المعاد الأخروي وشبهات العلمانيين، بحث مقدم لجامعة أم القرى بمكة المكرمة، سنة ١٤٢٠ هـ، غير مطبوع، ص (٩٦ وما بعده).\n(^٢) سعيد الغامدي: الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها (٢/ ١٣٨٩).\n(^٣) سعيد الغامدي: الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها (٢/ ١٤٠٥).\n(^٤) سعيد الغامدي: الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها (٢/ ١٤٢٩).","vol":"1","page":120},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>المبحث السادس: الأدلة الإجمالية لإثبات اليوم الآخر</span>\nوفيه مطلبان:\n\nالمطلب الأول: أدلة القرآن الكريم على إثبات اليوم الآخر.\n\nالمطلب الثاني الأدلة العقلية على إثبات اليوم الآخر.","vol":"1","page":121},{"text":"المبحث السادس الأدلة العامة لإثبات اليوم الآخر\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>تمهيد</span>\nتبين مما سبق في أمر المعاد، أنه يُعلم بالعقل، كما يُعلم بالسمع، وأن السمع ورد بتفصيل ما يدل العقل على إثباته.\nيقول الإمام ابن القيم: \" والصحيح: أن العقل دل على المعاد، والثواب والعقاب إجمالا، وأما تفصيله فلا يُعلم إلا بالسمع، ودوام العقاب والثواب مما لا يدل عليه العقل بمجرده، وإنما عُلم بالسمع \" (^١)، فالعقل يثبته إجمالا والوحي يسرد تفاصيل أحداثه.\nوكما أن المعاد معلوم بالعقل مع الشرع، فإن كمال الرب تعالى، وكمال أسمائه وصفاته، تقتضيه وتوجبه (^٢)، ولذا فإن المولى جل وعلا يقرر المعاد بذكر كمال علمه، وكمال قدرته، وكمال حكمته (^٣)، فيذكر أدلة القدرة الدالة على إمكان المعاد، وأدلة الحكمة المستلزمة لوقوعه (^٤)، ويقرن ﷾ العلم بالخلق، فيقول جل شأنه في سياق آيات تقرير المعاد: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)﴾ [يس:٨١] \" فكونه خلاقا عليما يقتضي أن يخلق ما يشاء، ولا يعجزه ما أراده من الخلق \" (^٥).\nوقد أقام القرآن الكريم الدلائل الواضحة، وأظهر البراهين الساطعة، على إثبات المعاد فـ\"ليس تحت أديم السماء، كتاب متضمن للبراهين والآيات على المطالب العالية، من التوحيد، وإثبات الصفات، وإثبات المعاد، والنبوات ورد النِحل الباطلة، والآراء الفاسدة، مثل القرآن، فإنه كفيل بذلك كله متضمن له على أتم الوجوه وأحسنها، وأقربها إلى العقول \" (^٦).\nومن هنا \" جاءت براهين المعاد في القرآن مبنية على ثلاثة أصول: أحدها: تقرير كمال علم الرب سبحانه، والثاني: تقرير كمال قدرته، والثالث: كمال حكمته \" (^٧). فتضافرت هذه البراهين والشواهد النقلية والعقلية على إثبات اليوم الآخر.\n_________\n(^١) ابن القيم: حادي الأرواح، ص (٣٦٥)، ابن القيم: الصواعق المرسلة (٢/ ٧٤٠)، بدائع الفوائد: ٢/ ٣٦، ابن القيم: مفتاح دار السعادة (٢/ ١٢).\n(^٢) ابن القيم: الفوائد ص (٧).\n(^٣) ابن القيم: الفوائد، ص (٥).\n(^٤) ابن القيم: الرسالة التبوكية ص (٧٠).\n(^٥) ابن القيم: إعلام الموقعين (١/ ١١٠).\n(^٦) ابن القيم: إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان (١/ ٤٤).\n(^٧) ابن القيم: الفوائد ص (٧).","vol":"1","page":122},{"text":"ولذا حين تقلب صفحات القرآن الكريم، فإنك تعيش مشاهد القيامة واقعا حقيقيا، يلامس وجدانك، ويحرك شعورك، فتظهر صورتها ماثلة أمامك فيرجف فؤادك، ويخفق قلبك، وترتعد فرائصك، فتعلم أن كل تلك المشاهد، حق لا ريب فيها، وصدق لا مرية تعتريها، وهي واقعة قطعا شرعا وعقلا، حتى الفطر السليمة المستقيمة، تُسلم بوجود هذا اليوم العظيم الذي تنكشف فيه الحقائق، وتظهر فيه الدقائق، يقول المولى جل وعلا: ... ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠)﴾ [العاديات:٩ - ١٠] قال الزجاج: \" والمعنى: أفلا يعلم إذا بعث الموتى \" (^١)؛ ليتميز وينكشف حال المحسن والمسيء، ومن هنا قال: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠)﴾ فإن \" كثيرا ما يكون باطن الإنسان بخلاف ظاهره، أما في يوم القيامة، فإنه تنكشف الأسرار، وتنتهك الأستار، ويظهر ما في البواطن، كما قال ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)﴾ [الطارق:٩] \" (^٢)، ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)﴾ [العاديات:١١] أي \" لخبير عالم بما أعلنوا وما أسروا، فيجازيهم عليه \" (^٣).\nإن القلب السليم، يعلم ويوقن بأن الله تعالى حق، والساعة حق، وأن الله يبعث من في القبور (^٤).\n_________\n(^١) الزجاج: معاني القرآن وإعرابه، عالم الكتب - بيروت، ط ١ - ١٤٠٨ هـ، ص (٥/ ٣٥٤)\n(^٢) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ - ١٤٢٠ هـ (٣٢/ ٢٦٣).\n(^٣) البيضاوي: أنور التنزيل (٥/ ٣٣١)، ابن عطية: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (٥/ ٥١٥ (.\n(^٤) ابن أبي حاتم: تفسير ابن أبي حاتم (٨/ ٢٧٨٣).","vol":"1","page":123},{"text":"ومن هنا تجد أن مظاهر هذا الكون بأجمعه، تدل على أمر المعاد، وتشهد بوقوع يوم التناد، \" وهذا شأن آيات الرب تعالى، فإنها أدلة معينة على مطلوب معين، مستلزمة للعلم به، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ [الأعراف:٧٤] وهذه الآيات التي فصلها، هي التي بينها في كتابه من أنواع مخلوقاته، وهي آيات أفقية وحسية، آيات في نفوسهم، وذواتهم، وخلقهم وآيات في الأقطار والنواحي، مما يحدثه الرب ﵎، مما يدل على وجوده، ووحدانيته، وصدق رسله، وعلى المعاد والقيامة \" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>المطلب الأول أدلة القرآن الكريم على إثبات اليوم الآخر، (الأدلة النقلية)</span>\n\" إن كل عاقل إذا أمعن النظر في الآيات القرآنية الكريمة، يجدها قد سلكت في إثبات الآخرة، والنشر، والحشر، والحساب، وجميع ما هنالك، أحسن الطرق التي تنير العقول، وتبصرها منهاج الوصول إلى اعتقاد ذلك والإذعان إليه \" (^٢).\nإن القرآن الكريم أشار تصريحا وتلميحا، إلى ما لا يُعد ولا يُحصى من الشواهد، والدلائل، والأمارات، الواردة في القيامة والمعاد، ويذكرنا القرآن الكريم في توجيهاته ووصاياه، بأن خالقنا ﷾ سينقلنا من هذا المشهد المؤقت الذي نعايشه، إلى المشهد الدائم في الحياة الآخرة، وأنه جل شأنه سيبدل هذه المملكة السيارة، القابلة للفناء، إلى تلك المملكة السرمدية المخلوقة للبقاء (^٣).\nوقد أبرزت النصوص القرآنية الشواهد الدالة على اليوم الآخر، ومنحت المفاتح العقلية الرشيدة للوصول إليه، وقررت أدلة المعاد أحسن تقرير وأبينه، وأبلغه، وأوصله إلى العقول والفِطر (^٤).\nومن الطرق التي سلكها القرآن المجيد ففي إثبات المعاد واليوم الآخر ما يلي:\n١) الإخبار عنه:\n_________\n(^١) ابن القيم: الروح، دار الحديث - القاهرة، ١٤٢٤ هـ، ص (١٦٨).\n(^٢) عبدالله سراج الدين: الإيمان بعوالم الآخرة ومواقفها: ص (٤).\n(^٣) سعيد حوى: الإسلام، دار السلام للطباعة - ط ٣ - ١٤١٧ هـ، ص (٧٠١).\n(^٤) ابن القيم: زاد المعاد، مؤسسة الرسالة -بيوت، ط ٢٧ - ١٤١٥ هـ (٣/ ٥٩٥).","vol":"1","page":124},{"text":"الإخبار عن اليوم الآخر، وتقرير المعاد، جاء مستفيضا في القرآن الكريم وقد أكثر الله جل وعلا من ذكره، وأعلى من شأنه، فأخبر ﷾ عنه وعما يكون فيه من الجزاء الأوفى (^١).\nومن أوجه ذكره في القرآن، والإخبار عنه:\nأ الإقسام به: فقد أقسم المولى ﷾ بيوم القيامة، في مواضع عدة في كتابه الكريم، فقال جل شأنه: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١)﴾ [القيامة:١] قال الزجاج: \" لا اختلاف بين الناس أن معناه: أقسم بيوم القيامة \" (^٢)، وجواب القسم محذوف تقديره: لتبعثن، دل عليه قوله ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦)﴾ (^٣) [القيامة:٣٦] وهذا بناء على أن (لا) في الآية زائدة، وأما على تقدير كونها نافية، فيكون تقدير محذوفها، فعل مناسب للمقام، وتقديرها هنا مثلا: لا صحة لما تزعمون أنه لا حساب ولا عقاب، ثم استأنف فقال: أقسم بيوم القيامة (^٤)\n\" وقد أقسم الله جل شأنه في كتابه العزيز على أمور كثيرة، ترجع في جملتها إلى أمرين: الأول: أصول الإيمان، والثاني: حال الإنسان \" (^٥).\n_________\n(^١) ابن سعدي: القواعد الحسان لتفسير القرآن، مكتبة الرشد - الرياض، ط ١ - ١٤٢٠ هـ، ص (٢٨).\n(^٢) الزجاج: معاني القرآن، عالم الكتب - بيروت، ط ١ - ١٤٠٨ هـ (٥/ ٣٥١).\n(^٣) السمين: الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، دار القلم - دمشق، (١٠/ ٥٦٥).\n(^٤) مناع القطان: مباحث في علوم القرآن، مكتبة المعارف، ط ٣ - ١٤٢١ هـ، ص (٣٠٤).\n(^٥) محمد بكر إسماعيل: دراسات في علوم القرآن، دار المنار، ط ٢ - ١٤١٩ هـ، ص (٣٢٠).","vol":"1","page":125},{"text":"ومن أصول الإيمان التي أقسم الله تعالى بها، القسم على الجزاء، والوعد والوعيد، ففي مثل قوله تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦)﴾ [الذاريات:١ - ٦] ثم ذكر تفصيل الجزاء، وذكر الجنة والنار، وذكر أن في السماء رزقهم وما يوعدون، ثم قال: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [الذاريات: (^١)].\n\" ولم يرد في القرآن كله كلمة (أقسم) أبدا، وإنما استخدم لفظ (لا أقسم) و(لا) لتأكيد القسم، فقد يكون الشيء من الوضوح بمكان، بحيث لا يحتاج لقسم، وهذا تعظيم للشيء نفسه، وقد تعني (لا أقسم) أحيانا اكثر من القسم - زيادة في القسم \" (^٢).\nوأقسم جل وعلا بمخلوقاته على جملة المعاد في كثير من الآيات:\n- فقوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢)﴾ [الضحى:١ - ٢] قسم \" على إنعامه على رسوله، وإكرامه له، وإعطائه ما يرضيه، وذلك متضمن لتصديقه له، فهو قسم على صحة نبوته، وعلى جزائه في الآخرة، فهو قسم على النبوة والمعاد \" (^٣).\n_________\n(^١) ابن القيم: التبيان في أقسام القرآن، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، ص (٦).\n(^٢) فاضل السامرائي: لمسات بيانية، دار عمار - الأردن، ط ٣ - ١٤٢٣ هـ، ص (٥٨٨).\n(^٣) ابن القيم: التبيان في أقسام القرآن، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، ص (٧٢).","vol":"1","page":126},{"text":"- وقوله ﷾: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ [العصر:١ - ٢] \" فأقسم بالعصر الذي هو زمان أفعال الإنسان ومحلها، على عاقبة تلك الأفعال وجزائها، ونبه بالمبدأ، وهو خلق الزمان والفاعلين، وأفعالهم على المعاد، وأن حكمته التي اقتضت خلق الزمان، وخلق الفاعلين وأفعالهم، وجعلها قسمين خيرا وشرا، تأبى أن يسوي بينهم، وان لا يجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته \" (^١).\n- وقوله ﷾: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨)﴾ [الانشقاق:١٦ - ١٨] قسمٌ، وجوابه ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ [الانشقاق:١٩]، والمعنى هو تنقل الإنسان حالا بعد حال، من حين كونه نطفة، إلى مستقرة من الجنة أو النار. فكم بين هذين من الأطباق والأحوال للإنسان، وعليه: فالمقسم به وعليه من أعظم الأدلة على ربوبية الله تعالى وتوحيده، وصفات كماله، وصدقه، وصدق رسله، وعلى المعاد، ولهذا عقب ذلك بقوله: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠)﴾ [الانشقاق:٢٠]؛ إنكارا على من لم يؤمن بعد ظهور هذه الآيات المستلزمة لمدلولها أتم استلزام (^٢).\nفالمتأمل في القسم الوارد في القرآن الكريم، يجد أنه ينبه العقول، ويوقظ الفطر، لأمر المعاد والآخرة، فهذا وجه من أوجه اهتمام القرآن الكريم بأخبار المعاد.\nووجه آخر في أمر القسم الذي يُؤكد به أمر المعاد، وهو أن الله تعالى أمر نبيه - ﷺ - أن يقسم على الجزاء والمعاد في ثلاث آيات، فقال تعالى:\n- ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)﴾ ... [يونس:٥٣].\n- ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ:٣].\n_________\n(^١) ابن القيم: التبيان في أقسام القرآن، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، ص (٨٤).\n(^٢) ابن القيم: التبيان في أقسام القرآن، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، ص (١١٣).","vol":"1","page":127},{"text":"- ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧) [التغابن:٧].\nيقول الإمام ابن القيم: \" وهذا لأن المعاد إنما يعلمه عامة الناس بأخبار الأنبياء \" (^١)، فالنبي - ﷺ - أكد إخباره عن البعث والمعاد باليمين، فهو تهديدٌ له وقعٌ في القلب، فكأنه قيل لهم: ما تنكرونه كائن لا محاله (^٢).\nب الإخبار المؤكد لقيام الساعة وإتيانها:\nيقول المولى ﷾: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ [الحجر:٨٥]، فهي مؤكدة بـ ﴿وَإِنَّ﴾ (إن) واللام (^٣)، وفيه \" إشارة إلى حتمية الحساب والجزاء \" (^٤) \" فإن ساعة إنفاذ الحق آتية لا محالة، فلا يريبك ما تراه من سلامة مكذبيك وإمهالهم \" (^٥).\nيقول الشيخ الأمين الشنقيطي: \" ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة، أن الساعة آتية، وأكد ذلك بحرف التوكيد الذي هو ﴿وَإِنَّ﴾ (إن) وبلام الابتداء ... وذلك يدل على أمرين: أحدهما: إتيان الساعة لا محالة، والثاني: أن إتيانها أنكره الكفار؛ لأن تعدد التوكيد يدل على إنكار الخبر \" (^٦).\nوالآيات الدالة على إتيان الساعة، وأنها كائنة وواقعة لا محالة كثيرة في القرآن الكريم، منها قوله تعالى:\n- ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج:٧].\n_________\n(^١) ابن القيم: التبيان في أقسام القرآن، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، ص (١١٣).\n(^٢) النسفي: مدارك التنزيل (٣/ ٤٩٢)، ابن كثير: تفسير القران العظيم ت: سامي سلامة (٤/ ٢٧٤).\n(^٣) الأشقر: القيامة الكبرى، دار النفائس - الأردن، ط ٦ - ١٤١٥ هـ، ص (٧٣).\n(^٤) عبدالكريم الخطيب: التفسير القرآني للقرآن، (٧/ ٢٥٩).\n(^٥) ابن عاشور: التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر - تونس، ١٩٨٤ م، (١٤/ ٧٦).\n(^٦) الأمين الشنقيطي: أضواء البيان، دار الفكر - بيروت، ١٤١٥ هـ، (٢/ ٣١٣).","vol":"1","page":128},{"text":"- ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥)﴾ [الروم:٥٥].\nفالتأكيد في هذه الآيات دليل على أمرين:\nالأول: أن الساعة آتية لا محالة، والثاني: ليخرس ألسنة الذين ينكرون وقوعها وحدوثها (^١).\nج - تنويع الألفاظ والأساليب في الإخبار عن اليوم الآخر:\nفقد أخبر المولى ﷾ في كتابه الكريم، عن الآخرة بألفاظ مختلفة كلها تدل على إمكانها، وإثباتها، ووقوعها.\nفذكر لفظ الآخرة فيما يزيد على مائة مرة، فجاء ذكرها في عدة مقامات:\n- ففي مقام مدح المؤمنين، يقول جل شأنه: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾ [[البقرة:٤].\n- وفي مقام دعائهم وتضرعهم لربهم، يقول ﷾: ... ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة:٢٠١].\n- وفي مقام مدح بعض عباده الصالحين، يقول تعالى مثنيا على نبيه وخليله إبراهيم ﵇: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠)﴾ [البقرة:١٣٠] وقال جل وعلا عن نبيه عيسى ﵇: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥)﴾ [آل عمران:٤٥]،وقال ﷾ لنبيه محمد - ﷺ -: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤)﴾ [الضحى:٤] \" والمعنى: أي الذي أعطاك ربك في الآخرة، خير لك وأعظم من الذي أعطاك في الدنيا\" (^٢)، قال ابن إسحاق: \" أي ما عندي في مرجعك إلي يا محمد خير لك مما عجلت لك من الكرامة في الدنيا\" (^٣)، \" ولهذا كان رسول الله - ﷺأزهد الناس في الدنيا وأعظمهم لها اطراحا، كما هو معلوم بالضرورة من سيرته\" (^٤)\n_________\n(^١) محمد طنطاوي: التفسير الوسيط (٨/ ٧٥).\n(^٢) الخازن: لباب التأويل، (٤/ ٤٣٨).\n(^٣) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، (٢/ ٩٥).\n(^٤) ابن كثير: تفسير القران العظيم ت: سامي سلامة (٨/ ٤٢٥).","vol":"1","page":129},{"text":"- وفي مقام آخر يمدح عباده المؤمنين، وأوليائه المتقين، فيقول جل شأنه: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي\nالْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾ [يونس:٦٢ - ٦٤]. فالله تعالى ولي المؤمنين، وناصرهم، ومؤيدهم في الدنيا، ورافع شأنهم ومقامهم في الآخرة، يقول نبي الله يوسف - ﵇ - في مقام الخضوع والاعتراف: ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ [يوسف:١٠١].\n- وفي مقام آخر يمتن الله ﵎ على عباده، بأنه له الآخرة والأولى، فيعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، وذلك أن سياق الآيات الواردة في هذا المقام، تتحدث عن المشركين، حيث قال الله تعالى عن شأنهم: ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤)﴾ [النجم:٢٤]\nقيل في معنى ذلك: هل له كل ما اشتهى؟، وقيل: للإنسان ما تمنى من البنين، أي يكون له\nدون البنات، وقيل: أم للإنسان ما تمنى من شفاعة الأصنام (^١) فجاء الجواب: ﴿فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (٢٥)﴾ [النجم:٢٥] \" أي إنما الأمر كله لله ملك الدنيا والآخرة، والمتصرف في الدنيا والآخرة، فهو الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن \" (^٢).\n_________\n(^١) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، (١٧/ ١٠٤).\n(^٢) ابن كثير: تفسير القران العظيم ت: سامي سلامة (٧/ ٤٨٥)","vol":"1","page":130},{"text":"ولما كانت الآخرة والأولى بيده ﷾، كما قال: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣)﴾ [الليل:١٣] أخبر أن الآخرة خير من الأولى فقال سبحانه: ... ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ [الأعلى:١٧] فـ \" أخبر تعالى أن ما عنده من نعيم الجنة، ومواهب الآخرة، خير لمن اتقى، وعلم واهتدى، ثم بين الفرق بين حال الدنيا، وحال الآخرة، بأن هذه تنفد وتنقضي عن الإنسان، أو ينقضي عنها، ومنن الآخرة باقية دائمة\" (^١)، فذكر ﷾ أن \" آخرة المتقي خير من دنياه \" (^٢)، فقال ﷾: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧)﴾ [النساء:٧٧] وقال: ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾ [الزخرف:٣٥] ولهذا يحمده أولياؤه إذا دخلوا الجنة، فيقولون: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر:٧٤] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف:٤٣] ... ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر:٣٤] وهذا من مقتضيات حمده في الآخرة، قال تعالى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ [سبأ:١].\n- وفي مقام ذم المكذبين للمعاد، يقول جل وعلا: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤)﴾ [المؤمنون:٧٤] قال ابن عباس ﵄: لناكبون: لعادلون، وقال الحسن: تاركون له، وقال قتادة: حائرون، وقال الكلبي: معرضون. قال الإمام أبو حيان بعد ذكر هذه الأقوال: \" وهذه أقوال متقاربة المعنى \" (^٣).\n_________\n(^١) ابن عطية: المحرر الوجيز (٣/ ٤١٩).\n(^٢) ابن كثير: تفسير القران العظيم، ت: سامي سلامة (٢/ ٣٦٠)\n(^٣) أبو حيان: البحر المحيط، دار الفكر - بيروت، ١٤٢٠ هـ، (٧/ ٥٧٦).","vol":"1","page":131},{"text":"- \" وهكذا كل من خالف الحق، لا بد أن يكون منحرفا في جميع أموره \" (^١) قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص:٥٠] ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (٨)﴾ ... [سبأ:٨].\nفالتعبير بلفظ الآخرة ذُكر في القرآن الكريم مطولا، فتارة يُذكر في مقام المدح، وتارة في مقام الذم للمكذبين به، أو المتناسين شأنه.\nد- الإخبار عنها بذكر شيء من أحداثها وتفاصيل ما يجري فيها:\nفذكر سبحانه جل في علاه ما يتعلق بالبعث وأنه حق فقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٥٦)﴾ [الروم: ٥٦]، وقال ﷾: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾ [المؤمنون:١٦]، وقال: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)﴾ [الأنعام:٣٦].\n_________\n(^١) السعدي: تيسير الكريم الرحمن، مؤسسة الرسالة، ط ١ - ١٤٢٠ هـ، ص (٥٥٦).","vol":"1","page":132},{"text":"وأشار ﷾ إلى أن بعثهم في قدرته كخلقهم سواء، فقال سبحانه: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)﴾ [لقمان:٢٨] قال الإمام ابن الجوزي: \"ومعناها: ما خلقكم أيها الناس جميعًا في القدرة إلا كخلق نفس واحدة، ولا بعثكم جميعًا في القدرة إلا كبعث نفس واحدة، قاله مقاتل\" (^١)، ولذا قال جل شأنه: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤)﴾ [القيامة:٣ - ٤]، قال الإمام ابن كثير: \" أي: أيظن الإنسان أنا لا نجمع عظامه؟ بلى سنجمعها، ولو شئنا لبعثناه أزيد مما كان، فتجعل بنانه - وهي أصابعه مستوية \" (^٢).\nوقال جل وعلا: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨)﴾ [الطارق:٨]، قال ابن عباس وقتادة والحسن، وعكرمة: إنه على رد الإنسان بعد الموت لقادر (^٣). فإن من قدر على البدء قدر على الإعادة (^٤).\n_________\n(^١) ابن الجوزي: زاد المسير ت: عبدالرزاق المهدي، ص (٣/ ٤٣٥).\n(^٢) ابن كثير: تفسير القران العظيم، ت: سامي سلامة (٨/ ٢٧٦).\n(^٣) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ٧).\n(^٤) ابن كثير ت: سامي سلامة (٨/ ٢٧٦)، ابن تيمية: المستدرك على مجموع الفتاوى (١/ ٥٥).","vol":"1","page":133},{"text":"وهذا أيضًا من الأدلة على البعث، وهي من الطرق التي يسلكها القرآن الكريم لإثبات المعاد، \"يستدل على ذلك بالنشأة الأولى، وأن الإعادة أهون من الابتداء، كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [الحج:٥]، وكما في قوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾ ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ يس (٧٨)، وكما في قوله: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٩٨)﴾ (الإسراء (٩٨)، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ (الروم (٢٧) \" (^١).\nولذا لما أتى الكذاب أبي بن خلف بعظم بال ففركه أمام النبي - ﷺ - وقال: (من يحي العظام وهي رميم، أنزل الله تعالى البرهان الساطع: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ (يس (٧٩)، فانصرف مبهوتًا ببرهان نبوته، قال الإمام ابن كثير: \" وهذا أقطع للحجة، وهو استدلاله للميعاد بالبداءة، فالذي خلق الخلق بعد أن لم يكونوا شيئًا مذكورًا، قادر على إعادتهم \" (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩)﴾ (الأعراف (٢٩)، دليل على المعاد، قال الإمام ابن القيم: \" فإن الآية اقتضت حكمين: أحدهما: أنه يعيدهم كما بدأهم على عادة القرآن في الاستدلال على الميعاد بالبداءة\" (^٣).\n_________\n(^١) ابن تيمية: الصفدية (٣٢٠)، درء تعارض العقل والنقل (١/ ٣٢)، مجموع الفتاوى (١٧/ ٢٥١).\n(^٢) ابن كثير: البداية والنهاية ت: علي شيري (٦/ ٣٠٤).\n(^٣) أحكام أهل الذمة، (٢/ ١٠٣١)، ابن القيم: أعلام الموقعين (١/ ١١٣)، جلاء الأفهام ص (١٧٥).","vol":"1","page":134},{"text":"وكذلك من الأدلة التي كررها الرب ﷾ في كتابه مرارًا، الاستدلال بالنظير على النظير كما في قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)﴾ (الروم (١٩)، فدل بالنظير على النظير، وقرب أحدهما من الآخر بلفظ الإخراج، أي: يخرجون من الأرض أحياء كما يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي \" (^١).\nومنه أيضًا قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ (الحج (٥)، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦)﴾ (الحج (٦) وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ (الحج (٧)، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ [فصلت:٣٩]، فقد جعل الله سبحانه إحياء الأرض بعد موتها، نظير إحياء الأموات، وإخراج النبات منها نظير إخراجهم من القبور، ودل بالنظير على نظيره، وجعل ذلك آية ودليلًا على خمسة مطالب:\nأحدها: وجود الصانع وأنه الحق المبين، الثاني: أنه يحي الموتى، الثالث: عموم قدرته على كل شيء، الرابع: إتيان الساعة وأنها لا ريب فيها، الخامس: أنه يخرج الموتى من القبور، كما أخرج النبات من الأرض (^٢).\n_________\n(^١) ابن القيم: أعلام الموقعين، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ - ١٤١١ هـ (١/ ١٠٨).\n(^٢) ابن القيم: إعلام ا لموقعين (١/ ١١٢)، ابن القيم: زاد المعاد (٣/ ٥٩٥).","vol":"1","page":135},{"text":"قال الإمام ابن القيم: وقد كرر سبحانه ذكر هذا الدليل في كتابه مرارًا لصحة مقدماته، ووضوح دلالته، وقرب تناوله، وبعده عن كل معارضة شبهة، وجعله تبصرة وذكرى، كما قال تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ (ق (٧) ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) ﴿ق (٨) (^١).\nومن الأحداث التي عرض لها القرآن الكريم عرضًا وافيًا:\n(مشاهد القيامة): الحساب، والحشر، والعرض، والميزان، وغيرها من الأهوال والأحوال والصفات، ولذا فإن عقيدة المعاد قد حظيت بنصيب وافر من الآيات القرآنية، فلا تكاد تخلو سورة من سور القرآن الكريم من بضع آيات تتكلم عن عالم الآخرة، حتى إنه قيل: إن عدد الآيات التي أخبرت عن المعاد على نحو التصريح أو التلويح، قد بلغ أكثر من ألف آية (^٢).\nومما يستدل به على المعاد، تسمية اليوم الأخر بأسماء تدل على أهميته وتعظيمه، ولذا أكثر القرآن الكريم من عرضها وبيانها.\nقال الحسن في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨)﴾ (المدثر (٨): الناقور: والحسرة والبطشة الكبرى، والتغابن، والتناد، هذا كله يوم القيامة.\nوقال قتادة: ﴿الْحَاقَّةُ (١)﴾، ﴿مَا الْحَاقَّةُ (٢)﴾ [الحاقة:١ - ٢]: حقت لكل عامل عمله، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣)﴾ قال: تعظيمًا ليوم القيامة، وقال السدي: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة:٤]: هو يوم الدين هو يوم الحساب. وقال سفيان بن عيينة: ﴿يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن:٩]: يوم يغبن أهل الجنة أهل النار، ﴿يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢)﴾ [غافر:٣٢] يوم ينادي أهل النار أهل الجنة، ﴿يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥)﴾ [غافر:١٥]، يوم يلتقي أهل السماء وأهل الأرض (^٣).\n_________\n(^١) ابن القيم: إعلام الموقعين (١/ ١١٢)، ابن القيم: مدارج السالكين (٣/ ٢٢٤).\n(^٢) الكعبي: المعاد يوم القيامة، مركز الرسالة، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، ص (٢٦).\n(^٣) ابن أبي الدنيا: الأهوال (٢٢ وما بعده).","vol":"1","page":136},{"text":"٢) الاستدلال على المعاد بخلق السموات والأرض (قياس الأولى) (^١):\nوقد بين الله ﷾ هذا الدليل في القرآن الكريم في أكثر من آية فقال ﷾: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (٩٩)﴾ [الإسراء:٩٩].\n﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)﴾ (يس (٨١) ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)﴾ (الأحقاف (٣٣) ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ (غافر (٥٧)، وهذا أبلغ الأدلة على المعاد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \" فإنه من المعلوم ببداهة العقول، أن خلق السموات والأرض أعظم من خلق أمثال بني آدم والقدرة عليه أبلغ، وأن هذا الأيسر أولى بالإمكان والقدرة من ذلك\" (^٢).\nفالله ﷾ أكد هذا القياس بضربٍ من الأولى، فقد دلهم سبحانه بخلق السموات والأرض على الإعادة والبعث، فالقادر على خلق ما هو أكبر وأعظم منكم أقدر على خلقكم، وليس أول الخلق بأهون عليه من إعادته (^٣).\n_________\n(^١) منظور رمضان: منهج القرآن الكريم في إثبات عقيدة البعث بعد الموت، بحث منشور في موقع جامعة أم القرى، دون ذكر تأريخ، ص (٩٤)، الصلابي: فقه القدوم على الله ص (١٠٧)، السعدي: الفتاوى السعدية، ص (٤٩)، مصطفى حلمي: منهج علماء الحديث، ص (٢٣٦)، السيوطي: الإتقان في علوم القرآن (٤/ ٦٢).\n(^٢) ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٣٢).\n(^٣) ابن القيم: إعلام الموقعين، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ - ١٤١١ هـ (١/ ١١٤).","vol":"1","page":137},{"text":"قال أبو محمد مكي بن أبي طالب القيسي في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ (الأعراف (٥٤)، أي: لابتداع خلق السموات والأرض عندكم من خلق الناس - إن كنتم تستعظمون خلق الناس- ولكن أكثر الناس لا يعلمون: أي لا يعلمون أن خلق جميع ذلك هيّن على الله ﷿ وفي هذا تنبيه من الله ﷿ لمن كذب بالبعث، فنبههم أن خلق السموات والأرض أعظم من خلق الناس بعد موتهم وإعادتهم (^١).\nفالذي خلق السموات والأرض، ولم يكرثه خلقهن، بل قال لها: كوني فكانت، بلا ممانعة ولا مخالفة، بل طائعة مجيبة خائفة وجلة، أفليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى؟ بلى إنه على كل شيء قدير (^٢).\nومن هنا استدل على المشركين المنكرين للبعث بهذه الآيات في قدرته على البعث، فقال ﷾: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧)﴾ (النازعات ٢٧ يعني: \" أخلقكم بعد الموت أشد عندكم وفي تقديركم أم السماء؟ وهما في قدرة الله واحد (^٣).\nقال الإمام ابن عطية: \" وفي هذه الآية دليل على أن بعث الأجساد من القبور، لا يتعذر على قدرة الله تعالى\" (^٤).\n_________\n(^١) القيسي: الهداية إلى بلوغ النهاية، مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة - الشارقة، ط ١ - ١٤٢٩ هـ (١٠/ ٦٤٥١).\n(^٢) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ت: سامي سلامة (٧/ ٣٠٤).\n(^٣) البغوي: معالم التنزيل (٨/ ٣٢٩).\n(^٤) ابن عطية: المحرر الوجيز (٥/ ٤٣٤).","vol":"1","page":138},{"text":"فمن تأمل عرف الحقيقة، ومن تفكر توصل إلى النتيجة، فأي الأمرين أشد وأصعب في تقديركم \" أخلقكم بعد موتكم أم خلق السماء على عظمها وانطوائها على تعاجيب البدائع التي تحار العقول عن ملاحظة أدناها \" (^١). ولذا يقول الإمام ابن القيم: \" ولهذا قل أن تجيء سورة في القرآن إلا وفيها ذكرها، إما إخبارا عن عظمها وسعتها، وإما إقسامًا بها، وإما دعاءً إلى النظر فيها، وإما إرشادا للعباد أن يستدلوا بها على عظمة بانيها ورافعها، وإما استدلالًا منه سبحانه بخلقها على ما أخبر به من المعاد والقيامة\" (^٢).\n(٣) تنبيه القرآن الكريم إلى النظر في العوالم الكونية يؤدي إلى إثبات اليوم الآخر:\nكثيرا ما يُذكر المولى ﷾ بآياته الكونية التي أُمرنا التفكر والتأمل والتدبر فيها، كما قال ﷾: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥)﴾ [الأعراف:١٨٥]، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ [آل عمران:١٩٠].\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ [البقرة:١٦٤].\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦)﴾ [يونس:٦].\n_________\n(^١) أبو السعود: إرشاد العقل السليم (٩/ ١٠١).\n(^٢) ابن القيم: مفتاح دار السعادة (٢/ ١٩٨).","vol":"1","page":139},{"text":"فهذه الآيات الكونية تدل على \" أن هذا العالم البديع المحكم والمصنوع المتقن، الذي يسير بنظام وإحكام، لا يجوز في مقتضيات العقول الصحيحة أن يكون أمره عبثًا، ولا أن يكون بناؤه بطالًا، ويستحيل عقلًا أن يكون ليس وراءه حكمة عليا هي نتيجة لحكمة خلقه ونشأته، بل لا بد وأن هناك نشأة أخرى وراءه هذه النشأة، تظهر فيها نتائج التكاليف الشرعية، ويميز الله تعالى فيها الخبيث من الطيب والصالح من الطالح، والمسيء من المحسن ولولا تلك النشأة الآخرة لضاعت حكمة خلق هذا العالم، ولكان أمره عبثًا باطلًا: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ (آل عمران (١٩١) بل ولولا حقيقة الآخرة لضاعت حكمة الشرائع الإلهية الحكيمة القويمة، لأنه حينئذ يتساوى الحق والباطل، والعدل والظلم، والفساد والصلاح، وهذا أمر باطل محال كإحالة وبطلان تساوي الظلمة والنور والعمى والبصر، والجهل والعلم، والأحياء والأموات، وإلى هذا نبه الله ﷾ العقلاء فقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥)﴾ (الحجر (٨٥)، وقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨)﴾ (الدخان (٣٨)، وقال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ (ص (٢٧) \" (^١)،\n_________\n(^١) عبدالله سراج الدين: الإيمان بعوالم الآخرة، مطبعة الأصيل - حلب، ط ٢ - ١٤٠٤ هـ، ص (٦ - ٧) ..","vol":"1","page":140},{"text":"سلْ هذه الكواكب العظيمة الخلق \" من الذي خلقها وأحسن خلقها، ورفع مكانها، وزين بها قبة العالم وفاوت بين أشكالها ومقاديرها، وألوانها وحركاتها وأماكنها من السماء، وأنت إذا تأملت أحوال هذه الكواكب وجدتها تدل على المعاد كما تدل على المبدأ وتدل على وجود الخالق وصفاته وكماله وربوبيته وحكمته ووجدانيته أعظم دلالة، فكما جعل الله النجوم هداية في طريق البر والبحر، فهي هداية في طريق العلم بالخالق سبحانه وقدرته وعلمه وحكمته، والمبدأ والمعاد والنبوة \" (^١).\nومن أعجب آيات الله الكونية الدالة على المعاد: الليل والنهار، قال الله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ (فصلت (٣٧)، \" فانظر إلى هاتين الآيتين وما تضمنتاه من العبر والدلالات على ربوبية الله وحكمته كيف جعل الليل سكنًا ولباسًا، يغشى العالم فنسكن فيه الحركات، وتأوي الحيوانات إلى بيوتها، والطير إلى أوكارها، وتستجم فيه النفوس، وتستريح من كد السعي والتعب، حتى إذا أخذت منه النفوس راحتها وسبتها وتطلعت إلى معيشتها وتصرفها، جاء فالق الإصباح ﷾ النهار يقدم جيشه بشير الصباح، فهزم تلك الظلمة ومزقها كل ممزق، وكشفها عن العالم، فإذا هم يبصرون، فانتشر الحيوان وتصرف في معاشه ومصالحه وخرجت الطيور من أوكارها، فيا له من معاد ونشأة دال على قدرة الله سبحانه على المعاد الأكبر\" (^٢).\n_________\n(^١) ابن القيم: التبيان في أقسام القرآن، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، ص (٢٨٤).\n(^٢) ابن القيم: مفتاح دار السعادة، دار الكتب العلمية، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (٢٠٣)","vol":"1","page":141},{"text":"فالنظر في آيات الله تعالى ومخلوقاته، دليل يهدي إلى الحق والصواب، فكما أن في المفعولات من المصالح والحكم والغايات المحمودة الدالة على حكمته سبحانه، فكذا ما فيها من ابتداء الشيء في غاية النقص والضعف ثم سوقه إلى تمامه ونهايته دليل على وقوع المعاد، وما فيها من أحوال النبات والحيوان وتصرف المياه دليل على إمكانه (^١)، ولذا كانت هذه الحياة بما فيها دليلًا على الحياة يوم المعاد (^٢).\n(٤) الاستدلال بوقائع وأحداث حصل فيها إحياء الأموات، وحكاية رجوع بعض الناس لهذا العالم المشاهد:\nالقرآن الكريم حافل بذكر النماذج والشواهد الدالة على إمكان المعاد وذلك بتحقق وجوده في الواقع الدال على عدم امتناعه، فقد ورد في النصوص ما يدل على البعث، استنادًا إلى تحققه بالفعل في هذه\nالحياة، وأنه إذا كان الله قد بعث بعض من مات في هذه الحياة، فهذا دليل على الإمكان الخارجي لبعث الأموات بعد موتهم (^٣).\nفالقرآن لم يكتف في بيان مكان المعاد بمجرد الإمكان الذهني، بل بين الأدلة التي تؤكد - يقينًا - وقوع المعاد فعلًا، وهو الإمكان الخارجي في الواقع (^٤).\nوالوقائع المذكورة في القرآن الكريم التي حصل فيها الإحياء بعد الموت كثيرة، وهي أمثلة حسية مشاهدة، فيميتهم ربهم جل وعلا ثم يحييهم ليُبين لهم قدرته على ذلك، وهي أدلة محكمة لا تدع مجالًا للشك، ولا سبيلًا للتردد\n(أ): قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾ [البقرة: ٥٥ - ٥٦].\n_________\n(^١) ابن القيم: الفوائد، دار الكتب العلمية -بيروت، ط ٢ - ١٣٩٣ هـ، ص (٢٠ - ٢١ بتصرف).\n(^٢) ابن القيم: مدارج السالكين، دار الكتاب العربي - بيروت، ط ٣ - ١٤١٦ هـ (٣/ ٢٤٤).\n(^٣) ابن القيم: مدارج السالكين، دار الكتاب العربي - بيروت، ط ٣ - ١٤١٦ هـ (٣/ ٢٤٤).\n(^٤) تامر متولي: منهج الشيخ محمد رشيد في العقيدة، ص (٨١٥)، وانظر: ابن تيمية: درء التعارض (١/ ٣٠ - ٣٢).","vol":"1","page":142},{"text":"قال الربيع بن أنس: قوله \" ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ \": فبعثوا من بعد موتهم، لأن موتهم ذلك كان عقوبة لهم فبعثوا من بعد الموت ليوفوا آجالهم (^١).\nوالقائلون هذا الكلام، هم السبعون الذي حملهم موسى إلى الطور ليسمعوا كلام الله تعالى، فإنهم لما سمعوا كلام الله قالوا لموسى: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، أي: عيانًا، \"فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ\" أي الموت. \"وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ\" أي: ينظر بعضكم إلى بعض حين أخذكم الموت (^٢).\nوهذا دليل واضح، وبرهان ساطع، على إمكان وقوع المعاد، قال النحاس: وهذا احتجاج على من لا يؤمن بالبعث من قريش، واحتجاج على أهل الكتاب إذا أخبروا بهذا (^٣).\n(ب): وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾ [البقرة:٧٢ - ٧٣].\nفالشاهد من قصة قتيل بني إسرائيل: أن الله تعالى أحيا ميتهم بعد موته، فشهد على قاتله، ثم سقط ميتًا، وهذه من أعظم الآيات والدلائل على كمال القدرة الإلهية، فمن قدر على إحياء النفس واحدة، قدر على إحياء الأنفس كلها (^٤) ١)، ففي الآية دليل على البعث في الآخرة.\nوسواء كان الخطاب موجهًا لقوم موسى - ﵇ - أو كان موجهًا لمشركي قريش، فهو حجة ظاهرة بينة على البعث والمعاد.\n_________\n(^١) ابن أبي حاتم: تفسير القرآن العظيم، مكتبة الباز -مكة، ط ٣ - ١٤١٩ هـ (١/ ١١٢)\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن، دار الوطن - الرياض، ط ١ - ١٤١٨ هـ (١/ ٨١).\n(^٣) عمر بن عادل: اللباب في علوم الكتاب، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ - ١٤١٩ هـ (٢/ ٨٧).\n(^٤) الزمخشري: الكشاف، دار الكتاب العربي - بيروت، ط ٣ - ١٤٠٧ هـ (١/ ١٥٣).","vol":"1","page":143},{"text":"\"كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى\": أي: إحياء كمثل هذا الإحياء (^١)، الذي تشاهدونه وترونه واقعًا، ولا تدرون كيف وقع، ومثل هذا اليسر الذي لا مشقة فيه ولا عسر، إن المسافة بين طبيعة الموت، وطبيعة الحياة مسافة هائلة قدير الرؤوس، ولكنها في حساب القدرة الإلهية أمر يسير، كيف؟ هذا مالا أحد يدريه، ولا يمكن لأحد إدراكه، إن إدراك الماهية الكيفية هنا سر من أسرار الألوهية، لا سبيل إليه في عالم الفانين، وإن كان في طوق العقل البشري إدراك دلالته والاتعاظ بهما (^٢)\n(ج): وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)﴾ [البقرة:٢٤٣].\nأخبر الله تعالى أن أهل هذه القرية خرجوا من ديارهم ومنازلهم فارين من الطاعون. وقيل: من الجهاد في سبيل الله، فنزلوا واديًا أفيح، فملؤوا ما بين عدوتيه، فأرسل الله إليهم ملكين أحدهما من أسفل الوادي، والآخر من أعلاه، فصاحا بهم صيحة واحدة، فماتوا عن آخرهم موتة رجل واحد فميزوا إلى حظائر، وبنا عليهم جدران وقبور وفنوا وتمزقوا، فلما كان بعد دهر، مر بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له: حزقيل، فسأل الله أن يحييهم على يديه، فأجابه وأمره أن يقول: أيتها العظام البالية، إن الله يأمرك أن تجتمعي، فاجتمع عظام كل جسد بعضها إلى بعض، ثم أمره فنادى: أيتها العظام إن الله يأمرك بأن تكتسي حلمًا وعصبًا وجلدًا، فكان ذلك وهو يشاهده، ثم أمره فنادى: أيتها الأرواح إن الله يأمرك أن ترجع كل روح إلى الجسد الذي كانت تعمره، فقاموا أحياء ينظرون قد أحياهم الله بعد رقدتهم الطويلة (^٣)\n_________\n(^١) الشوكاني: فتح القدير، دار ابن كثير - دمشق، ط ١ - ١٤١٤ هـ (١/ ١١٨).\n(^٢) سيد قطب: في ظلال القرآن، دار الشروق - بيروت، القاهرة، ط ١٧ - ١٤١٢ هـ (١/ ٨٠).\n(^٣) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ت: سامي سلامة (١/ ٦١١).","vol":"1","page":144},{"text":"ففي هذه القصة: تنبيه على المعاد، وأنه كائن لا محالة (^١)، واحتجاج على المنكرين للبعث، فدلهم عليه بإحياء الموتى في الدنيا (^٢).\nقال ابن كثير:\" وكان في إحيائهم عبرة ودليل قاطع على وقوع المعاد الجسماني يوم القيامة \" (^٣).\n(ء) وقال الله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)﴾ [البقرة:٢٥٩].\nآية عظيمة من آيات الله ﷿ الشاهدة على كمال القدرة، تفيد علمًا جازمًا قاطعًا بأن الذي يقدر على إحياء الرحم عن الرحم الحيواني، لقادر على إحياء النفس الميتة (^٤)، فهذا الرجل جرت عليه هذه الأحداث المشاهدة، فأخبر عن نفسه عندما عاين من قدرة الله تعالى في إحيائه الموتى، فتيقن ذلك بالمشاهدة فأقر أنه يعلم أن الله على كل شيء قدير، أي: أعلم أن هذا الضرب من العلم الذي لم أكن أعلمه على معاينه (^٥).\n(هـ) وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى ....﴾ [البقرة:٢٦٠].\n_________\n(^١) أبو حيان: البحر المحيط، دار الفكر - بيروت، ١٤٢٠ هـ، ت: صدقي جميل، (٢/ ٥٥٩).\n(^٢) ابن الجوزي: زاد المسير، ت: عبدالرزاق المهدي، ص (١/ ٢٢٠).\n(^٣) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ت: سامي سلامة (١/ ٦٦١).\n(^٤) الراغب الأصفهاني: تفسير الراغب الأصفهاني (١/ ٥٤٤).\n(^٥) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٣٩٦).","vol":"1","page":145},{"text":"أحب خليل الرحمن إبراهيم ﵊ الذي ملئ قلبه إيمانًا ويقينًا أن يترقى في درجات اليقين من العلم إلى المشاهدة والمعاينة، فهو يعلم من كمال قدرة الله ﷿، أنه يحيي ويميت، ولذا ناظر بها النمرود فقال: \"ربي الذي يحيي ويميت\"، فأحب أن يترقى من علم اليقين في ذلك إلى عين اليقين، وأن يرى ذلك مشاهدة (^١)، فقال: \" رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى \".\nقال الإمام الرازي: \"وهي أيضًا دالة على صحة البعث\" (^٢).\nومع ما في هذه الآية الكريمة من دلالة على ولايته تعالى للمؤمنين، إلا إن فيها دليلًا واضحًا، وبرهانًا ساطعًا على فضل نبي الله إبراهيم، قال أبو السعود: وناهيك بالقصة دليلًا على فضل الخليل، وعن القرعة في الدعاء وحسن الأدب في السؤال، حيث أراه الله تعالى ما سأله في الحال عل أيسر ما يكون من الوجوه (^٣).\nفهاتان الآيتان المتتاليتان دليلان عظيمان محسوسان في الدنيا قبل الآخرة على البعث والجزاء، واحد أجراه الله على يد رجل شاك في البعث على الصحيح، كما تدل عليه الآية الكريمة، والآخر على يد خليله إبراهيم (^٤).\n(و) وقال تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (١٢)﴾ (الكهف (١٠ - ١٢)، وقال ﷾: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ ....﴾ [الكهف:١٩].\n_________\n(^١) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ت: سامي سلامة (١/ ٦٨٩).\n(^٢) الرازي: مفاتيح الغيب (٧/ ٣٤).\n(^٣) أبو السعود: إرشاد العقل السليم (١/ ٢٥٧).\n(^٤) السعدي: تيسير الكريم الرحمن، الرسالة، ط ١ - ١٤٢٠ هـ، ت: عبدالرحمن اللويحق، ص (٩٣).","vol":"1","page":146},{"text":"ما حصل لأهل الكهف من أحداث تُعد من كراماتهم، وإسباغ ألطاف الله تعالى عليهم، وهي في ذاتها دليل يقيني على البعث والمعاد، ولذا أشار ﷾ لهذا المقصد الأساس من سرد أحداث هذه القصة فقال: \" وكذلك أعثرنا عليهم\" أي: كما بعثناهم بعد طول رقدتهم، وكذلك أعثرنا عليهم، أي: أطلعنا عليم الفريق الذي كانوا في شك من بعث الأجساد، ليعلموا أن وعد الله حق: أي: في بعث الأجساد يوم القيامة. وأن الساعة لا ريب فيها: أي إتيانها لا شك فيه (^١).\nوقد ذكر غير واحد من السلف، أنه كان قد حصل لأهل ذلك الزمان شك في البعث، وفي أمر القيامة، وقال عكرمة: كان منهم طائفة قد قالوا: تبعث الأرواح ولا تبعث الأجساد، فبعث الله أهل الكهف حجة ودلالة وآية على ذلك (^٢)، فأطلعهم الله تعالى على أصحاب الكهف، فاستدلوا بهم على صحة بعث الأجساد، لأن انتباههم بعد ذلك النوم الطويل، يشبه من يموت ثم يبعث (^٣) والنوم أخو الموت.\nإن العبرة في خاتمة هؤلاء الفتية، هي في دلالتها على البعث، بمثل واقعي محسوس، يقرب إلى الناس قضية البعث، فيعلموا أن وعد الله بالبعث حق وأن الساعة لا ريب فيها، وعلى هذا النحو بعث الله الفتية من نومهم، وأعثر قومهم عليهم (^٤).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \" فإن قصة أصحاب الكهف هي من آيات الله، فإن مكثهم نيامًا لا يموتون ثلاثمائة سنة آية دالة على قدرة الله ومشيئته، وأنه يخلق ما يشاء، وهي آية دالة على معاد الأبدان\" (^٥).\n_________\n(^١) مكي بن أبي طالب: الهداية إلى بلوغ النهاية، مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة - الشارقة، ط ١ - ١٤٢٩ هـ (٦/ ٤٣٥٢).\n(^٢) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، ت: سامي سلامة (٥/ ١٤٦).\n(^٣) ابن عادل: اللباب في علوم الكتاب، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ - ١٤١٩ هـ (١٢/ ٤٥٢).\n(^٤) سيد قطب: في ظلال القرآن، دار الشروق - بيروت، القاهرة، ط ١٧ - ١٤١٢ هـ (٤/ ٢٢٦٤).\n(^٥) ابن تيمية: الجواب الصحيح، ص (٥/ ٣٨٤)، ابن تيمية: الرد على المنطقيين ص (٣١٩).","vol":"1","page":147},{"text":"فهذه الشواهد الحية المذكورة في القرآن العزيز، مع ضميمة ما أثبته القرآن من معجزة المسيح عيسى - ﵇ - من إحياء الموتى بإذن الله، قال تعالى عن المسيح: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ .....﴾ [آل عمران:٤٩].\nفهذه الأمور التي قصها الله من إحياء الآدميين من بعد موتهم مرة بعد مرة ومن إحياء الحمار، ومن إبقاء الطعام والشراب مائة عام لم يتغير، ومن إبقاء النيام ثلاثمائة وتسع سنين، ومن تمزيق الطيور الأربعة، وجعلهن أربعة أجزاء على الجبال، ثم إتيانهن سعيًا لما دعاهن إبراهيم الخليل - ﵇ - فيها أنواع من الاعتبار، منها: أن هذا من أعظم الدلالة عل إمكان معاد الأبدان، وإعادة الأرواح إليها، فإنه لا أدل على إمكان الشيء من وقوعه، أو وقوع نظيره، فلما كان هذا واقعًا، علم أنه ممكن (^١).\n(٥): أن الله ﷾ أثبت إمكان الحشر والنشر، بناءً على أنه تعالى قادر على أمور تشبه الحشر والنشر، وقد قرر الله تعالى هذه الطريقة على وجوه فأجمعها ما جاء في سورة الواقعة (^٢). فقد احتج ﷾ على إمكان المعاد في هذه السورة بأمور أربعة:\nالأول: قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩)﴾ [الواقعة:٥٨ - ٥٩].\nوهذا احتجاج على المكذبين بالبعث بالقدرة على ابتداء الخلق، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾ [يس:٧٨] (^٣)\n_________\n(^١) ابن تيمية: الصفدية، مكتبة ابن تيمية - مصر، ط ٢ - ١٤٠٦ هـ (١/ ١٨٦).\n(^٢) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ - ١٤٢٠ هـ (٢/ ٣٥٤).\n(^٣) الزجاج: معاني القرآن وإعرابه، عالم الكتب - بيروت، ط ١ - ١٤٠٨ هـ، ص (١/ ١١٤).","vol":"1","page":148},{"text":"ووجه الحجة عليهم: بهذه النطفة التي تمنون في أرحام نسائكم ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾: أي: أأنتم تخلقون هذا المني حتى يصير فيه الروح، ﴿أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ ٢) أي: بل نحن الخالقون.\nقال الأزهري: \" إن الله احتج عليهم بأبلغ دليل في البعث والإحياء بعد الموت في هذه الآية، وذلك أن المني الذي يسقط من الإنسان ميت، ثم يخلق الله منه شخصًا حيًا، وقد كانوا مقرين أن الله خلقهم من النطف، وكانوا منكرون للإحياء بعد الموت، فألزمهم أنهم لما أقروا بخلق حي من نطفة ميتة يلزمهم أن يقروا بإعادة الحياة في ميت، ومعنى الآية: كما أقررتم بذلك فأقروا بهذا \" (^١).\nوقال الإمام الرازي في تقرير هذه الحجة بوجه بديع مفاده: \" أن أجزاء المني الحاصل من فضلة الرحم يجمع أجزاء طلبه، وأن تلك الأجزاء كانت متفرقة، فكانت أولًا في أطراف العالم، فجمعها المولى سبحانه في بدن ذلك الحيوان، وكذا كانت متفرقة في أطراف بدن الحيوان، فجمعها الله ﷾ في أوعية المني، ثم أخرجها ماء دافقًا إلى قرار الرحم، فإذا كانت هذه الأجزاء متفرقة، فجمعها الله سبحانه في أوعية المني، ثم أخرجها ماء دافقًا إلى قرار الرحم، وكوّن منها ذلك الشخص، فإذا افترقت بالموت مرة أخرى فكيف يمتنع عليه جمعها مرة أخرى\" (^٢).\nالثاني: قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤)﴾ [الواقعة:٦٣ - ٦٤].\nوهذه حجة أخرى على منكري البعث ووجهها:\n_________\n(^١) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط ٢ - ١٣٨٤ هـ، (١٧/ ٢١٦)\n(^٢) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٢/ ٣٥).","vol":"1","page":149},{"text":"أن هذا خطاب للمكذبين بالبعث يقول فيه المولى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣)﴾ أي: أخبروني عما تحرثون من أرضكم فتطرحون فيها البذر، أنتم تنبتونه وتحصلونه زرعًا، فيكون فيه السنبل والحب أم نحن نفعل ذلك؟ وإنما منكم البذر وشق الأرض، فإذا أقررتم بأن إخراج السنبل من الحب ليس إليكم، فكيف تنكرون إخراج الأموات من الأرض وإعادتهم (^١).\nفالقصة العجيبة التي تمثلها كل حبة وكل ندرة، والخارقة التي تنبت من قلبها وتنمو وترتفع فكلها من صنع الخالق، ولو شاء لم تبدأ رحلتها، ولم تتم قصتها، ولجعلها حطامًا قبل أن يؤتى ثمارها، ولكن هي بمشيئته تعالى تقطع رحلهًا من البدء إلى الختام، وهي وصرة من صور الحياة التي تنشئها القدرة الإلهية وترعاها.\nفماذا في النشأة الأخرى من غرابة، وهي هي النشأة الأولى؟ (^٢)\nالثالث: قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠)﴾ [الواقعة: ٦٨ - ٧٠].\nووجه هذه الحجة على المكذبين بالبعث:\nأن الله تعالى يقول لهم ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾ أي: السحاب ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩)﴾ أي: بل نحن المنزلون، فهو سبحانه ينبههم على عظيم قدرته (^٣)، فكأنه يقول لهم: فإذا عرفتم بأني أنزلته، فلم لا تشكروني بإخلاص العبادة لي؟ ولم تنكرون قدرتي على الإعادة (^٤).\n_________\n(^١) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن ١٧/ ٢١٤)،ابن عادل: اللباب في علوم الكتاب - (١٨/ ٤٤١٩٥٢)\n(^٢) سيد قطب: في ظلال القرآن، دار الشروق - بيروت، القاهرة، ط ١٧ ١٤١٢ هـ (٦/ ٣٤٦٩).\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن،، دار الوطن - الرياض، ط ١ ١٤١٨ هـ (٥/ ٣٥٦).\n(^٤) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط ٢ - ١٣٨٤ هـ، (١٧/ ٢٢١)","vol":"1","page":150},{"text":"وذكر الإمام الرازي (^١) وجه الدلالة من الآية في الحجة على المكذبين بالبعث من عدة أوجه كلها تدل على جواز الحشر:\nأولها: أن الماء جسم ثقيل بالطبع، واصعاد الثقيل، أمر على خلاف الطبع، فلا بد من قاهر يقهر الطبع، ويبطل الخاصية، ويصعد ما من شأنه الهبوط والنزول.\nووجه دلاله هذا الدليل على جواز الحشر: أن صعود الثقيل قلب للطبيعة، فإذا جاز ذلك، فلم لا يجوز أن يظهر الحياة والرطوبة من حساوة التراب والماء؟\nثانيها: أن تلك الذرات المائية اجتمعت بعد تفرقها، فلما قدر على جمع تلك الذرات المائية بعد تفرقها، فلِمَ لا يجوز جمع الأجزاء الترابية بعد تفرقها؟\nثالثها: تسييرها بالرياح، فإذا قدر على تحريك الرياح التي تضم بعض الأجزاء المتجانسة إلى بغض، فلم لا يجوز ها هنا؟\nرابعها: إنزالها في مظان الحاجة، والأرض الجرز، فإذا أنشأ ﷾ السحاب لحاجة الناس، فهاهنا الحاجة إلى إنشاء المكلفين مرة أخرى ليصلوا إلى ما استحقوه من الثواب والعقاب أولى.\nالرابع: قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢)﴾ [الواقعة:٧١ - ٧٢].\nقال أبو حيان:\" والنار من أعظم الدلائل على البعث، وفيها انتقال من شيء إلى شيء، وأحداث شيء بعد شيء\" (^٢).\nووجه الدليل والحجة من الآية: هذه النار التي تظهر منها بالقدح من الشجر الرطب: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢)﴾ أي: المخترعون الخالقون، فإذا عرفتم قدرتي فاشكروني، ولا تنكروا قدرتي على البعث (^٣).\n_________\n(^١) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٢/ ٣٥٤ - بتصرف)\n(^٢) أبو حيان: البحر المحيط، دار الفكر - بيروت، ١٤٢٠ هـ، ت: صدقي جميل، ص (١٠/ ٩٠).\n(^٣) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن،، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط ٢ - ١٣٨٤ هـ، (١٧/ ٢٢١).","vol":"1","page":151},{"text":"\"فإن النار صاعدة، والشجرة هابطة، وأيضًا النار لطيفة، والشجرة كثيفة، وأيضًا نورانية، والشجرة ظلمانية، والنار حارة يابسة، والشجرة باردة رطبة، فإذا أمسك الله تعالى في داخل تلك الشجرة الأجزاء النورانية النارية، فقد جمع بقدرته بين هذه الأشياء المتنافرة، فإذا لم يعجز عن ذلك، فكيف يعجز عن تركيب الحيوانات وتأليفها \" (^١)!\nإن أدلة إثبات المعاد وإمكانه كثيرة، ولها طرق عديدة، فمن طرقه التي يثبت بها غير ما ذُكر:\n(أ) أن أسماء الله تعالى وصفاته، مستلزمة لإثبات المعاد واليوم الآخر، فمن تأمل\" ما أخبر به الله ورسوله من شأن ذلك اليوم وأحكامه، وظهور عزته تعالى وعظمته، وعدله، وفضله ورحمته، وأثار صفاته المقدسة التي لو خلقوا لدار البقاء، لتعطلت وكماله سبحانه ينفي ذلك، وهذا دليل مستقل لمن عرف الله تعالى وأسمائه وصفاته على وقوع المعاد\" (^٢).\nفمن تأمل اسم الله السلام، وجده متضمنا للكمال السالم من كل ما يضاده فمن عرفه هذا الاسم، ووفاه معناه، وجده مستلزمًا لإرسال الرسل ... وإنزال الكتب، وشرع الشرائع، وثبوت المعاد (^٣).\nوكذا اسمه الحميد المجيد ﷾، يمنع ترك الإنسان سدى مهملًا معطلًا، لا يؤمر ولا ينهى، ولا يثاب ولا يعاقب، وكذلك اسمه الحكيم يأبى ذلك (^٤).\nفهذه من موجبات أسمائه الحسنى ومقتضياتها الدالة على المعاد.\n(ب) أن النظر في المفعولات، وما فيها من ابتداء الشيء في غاية النقص والضعف، ثم سوقه إلى تمامه ونهايته دال على وقوع المعاد (^٥).\n_________\n(^١) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٢/ ٣٥٥)\n(^٢) ابن القيم: شفاء العليل، دار المعرفة - بيروت، ١٣٩٨ هـ، ص (٢٤٤).\n(^٣) ابن القيم: أحكام أهل الذمة، رمادي للنشر - الدمام، ط ١ ١٤١٨ هـ (١/ ٤١٥)\n(^٤) ابن القيم: مدارج السالكين، دار الكتاب العربي - بيروت، ط ٣ ١٤١٦ هـ (١/ ٤١٩)\n(^٥) ابن القيم: الفوائد، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ٢ - ١٣٩٣ هـ، ص (٢١)","vol":"1","page":152},{"text":"(ج) ... أنك إذا فكرت في الأكل والشرب واللباس والجماع والراحة وسائر ما يستلذ به، رأيته يدفع بها ما قابله من الآلام والبليات، أفلا تراك تدفع بالأكل ألم الجوع، وبالشرب ألم العطش، وباللباس ألم الجحر والبرد، وكذا سائرها، ومن هنا قال بعض العقلاء: أين لذاتها لنا، هي دفع الآلام لا غير فأما اللذات الحقيقية فلها دار أخرى، ومحل آخر غير هذه، فوجود هذه الآلام واللذات الممتزجة المختلطة من الأدلة على المعاد، وأن الحكمة التي اقتضت ذلك هي أولى باقتضاء دارين، دار خالصة للذات لا يشوبها ألم ما ودار خالصة للآلام لا يشوبها لذة ما، والدار الأول الجنة والدار الثانية النار (^١).\n(د) أن خلق آدم - ﵇ - من تراب، من أبين الأدلة على المعاد، وكذا قصة يحيى وعيسى ﵉، فإنه تعالى استدل على إمكانهما، بعين ما استدل به على جواز الحشر، حيث قال: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩)﴾ [مريم:٩]. ومن تأمل طريقة القرآن الكريم في إثبات المعاد واليوم الآخر، وجدها مغنية، كافية شافية، موصلة إلى المطلوب، متضمنة للجواب عن الشبه العارضة لكثير من الناس.\nفالله ﷾ يضرب الأمثال المعقولة التي تدل على إمكان المعاد تارة ووقوعه تارة أخرى، فيذكر أدلة القدرة الدالة إلى إمكان المعاد، وأدلة الحكمة المستلزمة لوقوعه (^٢).\nوقد أشارت آيات سورة ياسين مجتمعة على أدلة البعث وإمكانه (^٣).\n_________\n(^١) ابن القيم: مفتاح دار السعادة، دار الكتب العلمية، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (١/ ٢٧٥).\n(^٢) الرازي: مفاتيح الغيب (٢/ ٣٥٦)، آمنة نصير: الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومنهجه في مباحث العقيدة، ص (٤٤٤).\n(^٣) ابن القيم: إعلام الموقعين، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤١١ هـ (١/ ١٠٧ - ١١٠ بتصرف).","vol":"1","page":153},{"text":"فلما جاء المجادل المشرك المعاند المكذب، سرد له القرآن جملة أدلة المعاد، فذكّره مبدأ خلقه، ليدله به على النشأة الثانية، فقال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس: ٧٧ - ٧٨] فهذا الجاحد لو ذكر خلقه لما ضرب المثل، فأجيب عن سؤاله حين سأل متعنتًا ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩] فهذا جواب ساطع، واستدلال قاطع على تكبره وتكذيبه، ثم أكد هذا المعنى بالإخبار بعموم علمه لجميع الخلق.\nثم أرشد عباده إلى دليل واضح جلي، متضمن للجواب عن شبه المنكرين بألطف الوجوه وأبينها وأقربها إلى العقل فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠)﴾ [يس:٨٠] فالذي أخرج النار من ... الشجرة الخضراء، قادر على إخراج الأموات من قبورهم.\nثم ذكر ما هو أوضح للعقول من كل دليل، وهو خلق السموات والأرض مع عظمها وسعتها، وأنه لا نسبة للخلق الضعيف إليهما، فمن لم تعجز قدرته وعلمه عن هذا الخلق العظيم الذي هو أكبر من خلق الناس، كيف تعجز عن إحيائهم بعد موتهم!\nثم قرر هذا المعنى بذكر وصفين من أوصافه المستلزمة لما أخبر به فقال: ﴿بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)﴾ (بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ) فكونه خلاقًا عليمًا يقتضى أن يخلق ما يشاء، ولا يعجزه ما أراده من الخلق.\nثم قرر هذا المعنى بأن عموم إرادته وكمالها، لا يقصر عنه و، ولا عن شيء أبدًا، فقال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس:٨٢] فلا يمكنه الاستعصاء عليه، ولا يتعذر عليه، بل يأتي طائعًا منقادًا لمشيئته وإرادته.","vol":"1","page":154},{"text":"ثم زاده تأكيدًا وإيضاحًا بقوله: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس:٨٣]، فنزه نفسه عما نطق به أعداؤه المنكرون للبعث والمعاد، معظّمًا لها، بأن مُلك كل شيء بيده، يتصرف فيه تصرف المالك الحق في مملوكه الذي لا يمكنه الامتناع عن أي تنصرف شاءه فيه.\nثم ختم السورة بقوله ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ فكما أنهم ابتدؤوا منه هو فكذلك مرجعه إليه، فمنه المبدأ وإليه المعاد؟ وأن إلى رب المنتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>المطلب الثاني الأدلة العقلية على إثبات اليوم الآخر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>١ - دليل العدالة:</span>\nإن كمال العدالة الإلهية تقتضي وجود يوم آخر، يُحاسب في الناس على أعمالهم الحسنة والسيئة.\nفإذا كان المخلوق منا يرفض التسوية بين الظالم والمظلوم، والمطيع والعاصي والمحسن والمسيء، والقاتل والمقتول، ويبذل جهذه لإقامة العدل (^١)، فإن هذا أولى في مقتضى عدل الله تعالى، ولذا نجد القرآن يشير إلى هذه القضية ويؤكدها، بأنه لا مساواة بين المحسن والمسيء، قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤)﴾ [العنكبوت:٤]، وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ [ص:٢٨].\n_________\n(^١) الزنداني: توحيد الخالق، المكتبة العصرية - بيروت، ٢٠٠١ م، ص (٢٨٦).","vol":"1","page":155},{"text":"وعليه: فلا بد من يوم يُثاب فيه المحسن، ويعذب ويعاقب فيه العاصي ويُميّز أحدهما عن الآخر (^١)، قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ ...﴾ [يونس:٤]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥)﴾ [طه:١٥] وقد بين الله جل وعلا مقر هذا الجزاء على الأعمال ووقته فقال: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:١٨٥].\nففي هذا اليوم العظيم تظهر آثار أسماء الله تعالى وصفاته، ويظهر فيه تمام عدله، وكمال ملكه ﷾.\nولما لم تكن هذه الحياة الدنيا صالحة لتحقيق معنى العدالة التامة من إثابة المطيع، وعقاب العاصي، كان لا بد من وجود يوم آخر يتحقق فيه معنى هذه العدالة، فيجازى كل بما كسب، قال تعالى عنه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾ [إبراهيم:٤٢] وحيث إن الكثيرين من الطغاة في الدار الدنيا يدركهم الموت قبل أن يجرى الله فيهم عدله، فلا بد أن يكون من وراء الغيب وضع آخر يقوم فيه العدل الكامل، الأمر الذي يُنير للعقول الطريق إلى إثبات الحياة الثانية (¬<span data-type=\"title\" id=toc-44>٢).\n\n٢ - دليل الحكمة:</span>\nإن كل ما يصدر عن الله تعالى له حكمة ظاهرة أو خفية تقتضيه، والله تعالى لما خلق الخلق لم يخلقهم عبثًا، ولم يتركهم سدى، فحكمة الله البالغة تأبى ذلك، يقول تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾ [المؤمنون ١١:٥ - ١١٦].\n_________\n(^١) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٢/ ٣٥٥)\n(^٢) عبد الرحمن حبنكة: العقيدة الإسلامية، دار القلم - دمشق، ط ٨ ١٤١٨ هـ، ص (٥٨١).","vol":"1","page":156},{"text":"فالله تعالى يقول للمكذبين بالبعث ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ أي: لغير بعث ولا حساب، ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ أي: قد حسبتم ذلك فإنا لم نخلقكم عبثًا، وإنما خلقناكم للبعث والحساب (^١).\nفلم يخلق الخلق لعبًا وعبثًا لا لحكمة، ولذا قال جل وعلا ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦)﴾ [القيامة:٣٦]، أي: لا يؤمر ولا يُنهى، وإنما خلقوا للعبادة وإقامة أوامر الله تعالى، والتي يقوم العقاب والحساب عليها، فالأساس الذي خلق الله لأجله الخلق من إنس وجن هو عبادته سبحانه وحده، وبها يثبت ويعاقب. وإلا لكان هذا الخلق عبثًا لا غاية له ولا هدف (^٢)، ومن هنا لو كان الإنسان إنسان هذه الدنيا فحسب ينتهي بنهايتها، لكانت حياته تافهة لا معنى لها، رغم أن الله سبحانه سخر له كل شيء، ولم يُسخر لشيء أبدًا ووهبه جميع أسباب الكمال من العقل والإرادة والقدرة، ولكانت الحكمة ناقصة، وغير كاملة فيما يتصل بخلقه ووجوده، ما لم يتدارك هذا النقص في الحكمة من وجوده في هذه الدنيا في عالم آخر وراء هذه الحياة، ليستوفي كل إنسان جزاء عمله، خيرًا أم شرًا (^٣).\nومع التسليم بأن الإنسان قد خلق لحكمة وهدف ومقصد وغاية، إلا أنه متى قصر نظره على الحياة الدنيا، فلم يجد لوجوده حكمة أو معنى، إذ لا بدّ من حياة أخرى تتمم الحياة الأولى، وتعطي للوجود الإنساني قيمته ومعناه فلا يظهر معنى للوجود الإنساني إلا بالإيمان بهما (^٤).\n_________\n(^١) ابن أبي زمنين: تفسير القران العزيز، الفاروق الحديثة - القاهرة، ط ١ ١٤٢٣ هـ (٣/ ٢١٥).\n(^٢) العواجي: الحياة الآخرة، دار لينة- مصر، ط ١ ١٤١٧ هـ (١/ ٩٦).\n(^٣) عبد الله نعمة: عقيدتنا، مؤسسة عز الدين - بيروت، ط ٣ ١٤٠٨ هـ، ص (٣٢١).\n(^٤) الزنداني: توحيد الخالق، المكتبة العصرية - بيروت، ٢٠٠١ م، ص (٢٨٥ - ٢٨٦ بتصرف).","vol":"1","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>٣ - دليل الفطرة:</span>\nإن من طرق العلم ومفيداته التي توصل بها المرء إلى العلم بشيء من الأشياء، هو معرفته الوجدانية، وإحساسه الداخلي، وشعوره المتمثل في ألمه وفرحه وحزنه ورضاه وسعادته، وهذا الوجد والشعور مما فطر عليه البشر، ولذا فهم يسعون إلى ما يُلائم طباعهم الفطرية البشرية، ليستجلبوا أبواب السعادة والرضا.\nولما كانت هذه الحياة الدنيا مليئة بالمنغصات والمكدرات التي ربما أحلت السخط مكان الرضا، والبغض مكان الحب، والتي ربما عجز البعض عن إيجاد سبل للمواءمة بين يؤملون، مع ما طبعت عليه الحياة من الأكدار:\nطبعت على كدر وأنت تريدها ... صفوًا من الأقذار والأكدار\nومتكلف الأيام ضد طباعها ... متطلب في الماء جذوة نار (^١).\nفلما كانت طبيعة الحياة الدنيا قائمة على الكبد والمنغصات سعت النفس البشرية بما فطرت عليه للتطلع إلى حياة خالدة ولو في غير هذا العالم، تحيل السعادة فيها محل الشقاء، والفرح محل الحزن، والرضا محل السخط، والحب محل البغض، فجاءت الأديان السماوية تبشر بوجود حياة أخرى بعد الموت مليئة بكل معاني الفرح والحبور والسرور لمن أحسن العمل في دنياه. فهذا الشعور العام الذي ينازع النفس ويخالجها، دال على وجود حياة ثانية (^٢).\nومن سرد هذه الأدلة يُعلم: أن أصل الجزاء على الأعمال خيرها وشرها ثابت بالعقل وواقع بالسمع، فإن الله نبه العقول إلى ذلك في مواضع كثيرة من الكتاب وذكر بما هو مستقر في العقول الصحيحة من أنه لا يليق بحكمة الله وحمده أن يترك الناس سدى، أو أن يكونوا خلقوا عبثًا لا يؤمرون ولا ينهون ولا يثابون ولا يعاقبون، وأن العقول الصحيحة تنكر ذلك أشد الإنكار وهذا شيء مشاهد محسوس (^٣).\n_________\n(^١) هذان البيتان من قصيدة لأبي الحسن علي بن محمد التهافي يرثي بها ابنه أبا الفضل، انظر: علي بن الحسن الباخرزي: دمية القصر وعصرة أهل العصر، دار الجيل - بيروت، ط ١١٤١٤ هـ (١/ ١٤٠).\n(^٢) منظور رمضان: منهج القرآن في إثبات عقيدة البعث، بحث منشور في موقع جامعة أم القرى، دون ذكر تأريخ، ص (١٠٧).\n(^٣) السعدي: التنبيهات اللطيفة، دار طيبة - الرياض ن ط ١ ١٤١٤ هـ، ص (٨٦)","vol":"1","page":158},{"text":"ولذا فالمؤمن الذي يمعن النظر في مشاهدة هذا الكون ونواميسه، ويلمس فيه ما يذهب بلبه، يملك عليه شعوره من العظمة والإتقان، يجد كل الطمأنينة والحق في إثبات الحياة الآخرة، ويجد أن الحياة الأخروية ليست مما يخرج عن طاق القدرة الإلهية، قدرة مبدع هذا الكون ومدبره، ولا عن حكمته السامية (^١).\nوقد أشار بعض الفضلاء إلى أن أدلة البعث تنتظم الجواز والوجوب، قال الإمام عبد الرحمن بن نجم العبادي الحنبلي: \" والأدلة على البعث جوازًا ووجوبًا: أما الجواز، فالنظائر الحسية، وأما الوجوب، فما وعد الله تعالى به من البعث والإعادة، وإكرام الطائعين بجنته، وإهانة المجرمين بعقوبته، وما اقتنع للخلق بتكرير وعده الصادق حتى حلف على ذلك في عدة مواضع \" (^٢).\n_________\n(^١) دروزة عزت: التفسير الحديث، دار إحياء الكتب العربية - القاهرة، ١٣٨٣ هـ، ص (٢٩٧).\n(^٢) عبد الرحمن العبادي: استخراج الجدال من القرآن الكريم، ت: د. زاهر الألمعي، ص (٩٨).","vol":"1","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>الفصل الثاني: اليوم الآخر في الكتاب والسنة</span>\n، وفيه مبحثان:\n\nالمبحث الأول: اليوم الآخر في القرآن الكريم، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: المميزات العامة لطريقة القرآن الكريم في البيان.\nالمطلب الثاني: اليوم الآخر في القرآن الكريم.\n\nالمبحث الثاني: اليوم الآخر في السنة النبوية المطهرة، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: صور العناية النبوية باليوم الآخر.\nالمطلب الثاني: أسباب عناية السنة باليوم الآخر.","vol":"1","page":160},{"text":"المبحث الأول: اليوم الآخر في القرآن الكريم، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: المميزات العامة لطريقة القرآن الكريم في البيان.\nالمطلب الثاني: اليوم الآخر في القرآن الكريم، وفيه ثلاث مسائل:\n١ - صور العناية باليوم الآخر في القرآن الكريم.\n٢ - أسباب العناية باليوم الآخر في القرآن الكريم.\n٣ - نتائج العناية باليوم الآخر في القرآن الكريم.","vol":"1","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>المبحث الأول (اليوم الآخر في الكتاب العظيم)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>المطلب الأول: المميزات العامة لطريقة القرآن الكريم في البيان:</span>\nلما كان القرآن الكريم هو الكتاب الخاتم والمهيمن على كل الكتب السماوية السابقة، كما قال جل وعلا: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ....﴾ [المائدة:٤٨].\nفالقرآن الكريم مهيمن، فهو أمين وشاهد وحاكم على كل كتاب قبله جعل الله هذا الكتاب العظيم، الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها، أشملها وأعظمها وأحكمها، حيث جمع فيه محاسن ما قبله، وزاده من الكمالات ما ليس في غيره، فلذا جعله شاهدًا وأمينًا وحاكمًا عليها كلها، وتكفل تعالى بحفظه بنفسه الكريمة فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر:٩] (^١).\nوالقرآن الكريم: تتبع كل حق جاءت به الكتب فأمر به، حث عليه، وأكثر من الطرق الموصلة إليه، وهو الكتاب الذي فيه نبأ السابقين واللاحقين وهو الكتاب الذي فيه الحكم والحكمة (^٢).\nفلما كان القرآن الكريم بهذه المثابة العظيمة، جعله الله ﷾ كتاب نور وهداية، يجد فيه كل حيران بغيته، ويرد كل هائم إلى مورده، قال ﷾: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ...﴾ [الإسراء:٩].\nفهذه الآية الكريمة، أجمل الله جل وعلا فيها جميع ما في القرآن من الهدي إلى خير الطرق وأعدلها وأصوبها، فلو تتبعنا تفصيلها على وجه الكمال لأتينا على جميع القرآن العظيم لشمولها لجميع ما فيه من الهدى إلى خير الدنيا والآخرة (^٣).\nوهداية القرآن تمتاز بأنها: عامة وتامة وواضحة، أما عمومها: فلأنها تنتظم الإنس والجن في كل عصر ومصر، وفي كل زمان ومكان.\n_________\n(^١) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ت: سامي سلامة (٣/ ١٢٨)\n(^٢) السعدي: تيسير الكريم الرحمن، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ص (٢٣٤)\n(^٣) الشنقيطي: أضواء البيان، دار الفكر - بيروت، ١٤١٥ هـ (٣/ ١٧)","vol":"1","page":162},{"text":"وأما تمام هذه الهداية: فلأنها احتوت أرقى وأوفى ما عرفت البشرية، وعرف التاريخ من هدايات الله والناس، وانتظمت كل ما يحتاج إليه الخلق في العقائد والأخلاق والعبادات والمعاملات على اختلاف أنواعها، وجمعت بين مصالح البشر في العاجلة والآجلة، ونظمت علاقة الإنسان بربه وبالكون الذي يعيش فيه، ووفقت بطريقة حكيمة بين مطالب الروح والجسد.\nوأما وضوح هذه الهداية: فلعرضها عرضًا رائعًا مؤثرًا، توافرت فيه كل وسائل الإيضاح، وعوامل الإقناع (^١).\nومن هذا المنطلق: يمكننا الوصول إلى بعض مكامن النور والحق والهداية والبيان في هذا القرآن العظيم، ونبين أوجه وطرق هداية القرآن، وبيانها للأدلة النقلية العقلية التي تخاطب الشعور والوجدان تارة، وتخاطب العقول تارة أخرى، فمن مميزات طرق الهداية في القرآن الكريم:\nشمولها في البيان، فما احتاج الناس لشيء مما يهمهم، أو يشغل بالهم إلا وفي القرآن بيانه، سواء كان فيما يحتاجونه من أمور معاشهم أو معادهم. ولذا نجد أن القرآن في شموله تحدث عن:\nالإلهيات وما يتعلق بها، وأفاض في ذكر الشواهد الدالة عليها، ودحض شبه المنكرين لها، كل ذلك بأوجه إقناعية ميسرة، إذ القرآن الكريم، يميل ... إلى اليسر والسهولة وينأى عن التعقيد والصعوبة. (^٢)\nوتحدث القرآن عن المعاد واليوم الآخر وما فيه من أهوال وشدائد، كل ذلك بأسلوب عقلي يوافق الفطر السليمة، وتتوافق معه النفوس المستقيمة.\nوقد قيل: إن للقرآن طريقة موحدة في التعبير، يتخذها في أداء جميع الأغراض على السواء، حتى أغراض البرهنة والجدل، تلك هي طريقة التصوير التشخيصي، بوساطة التخييل والتجسيم (^٣).\n_________\n(^١) محمد سبتان: تقويم أساليب تعليم القرآن الكريم، من إصدارات مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف (٥٣).\n(^٢) عبدالعظيم المطعني: خصائص التعبير القرآني، مكتبة وهبه، ط ١ ١٤١٣ هـ (١/ ٤٥٦).\n(^٣) سيد قطب: التصوير الفني في القرآن، دار الشروق، ط ١٦ ٢٠٠٢ م، ص (٢٣٩).","vol":"1","page":163},{"text":"وهذه الطريقة تصدق على بعض المعاني القرآنية دون بعض، فالمعاد لما كان إثبات وقوعه وإمكانه ثابتًا، وجدنا أن القرآن الكريم، أثبته بصور عقلية تارة وبصور حسية تارة أخرى.\nولذا نجد في القرآن صورة تشخيصية ماثلة أمام منكري البعث حينما قالوا: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩)﴾ [الإسراء:٤٩] فاستبعدوا بعقولهم الفاسدة، البعث بعد الموت، بعد أن تصبح عظامهم ترابًا وحطامًا فكان منبع قولهم الإنكار، فرد الله تعالى عليهم فقال: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ..﴾ [الإسراء:٥١] أي: قل لهم يا محمد كونوا حجارة أو حديدًا، في الشدة والقوة، وليس هذا بأمر إلزام، بل هو أمر تعجيز، أي استشعروا في قلوبكم أنكم حجارة أو حديدا في القوة، أو خلقًا مما يكبر في صدوركم، فقيل: السماء والأرض والجبال، وقيل: إنه الموت، فإنه ليس في نفس ابن آدم شيء أكبر من الموت، أي: ولو كنتم الموت بعينه لأميتنكم ولأبعثنكم ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا﴾ من يبعثنا بعد الموت. ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾: خلقكم أول مرة، ومن قدر على الإنشاء قدر على الإعادة (^١).\nوأيضًا تحدث القرآن عن النبوات، وما جرى للأنبياء مع أقوامهم، وسرد أدلة وبراهين أدلة إثبات النبوة والرسالة بما أجرى على أيديهم من المعجزات، وما تمثل في أشخاصهم الشريفة الطاهرة، التي علم الله تعالى، نزاهتها وصلاحها للرسالة فاختارها جل وعلا لرسالته فقال: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ..﴾ [الأنعام:١٢٤].\nومن مميزات طرق الهداية في القرآن الكريم:\n_________\n(^١) البغوي: معالم التنزيل، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ١ ١٤٢٠ هـ، (٣/ ١٣٨).","vol":"1","page":164},{"text":"- ما اشتمل عليه القرآن العظيم من صور الإعجاز، فالقرآن لما كان المصدر الرئيسي للمعرفة، تجلى إعجازه في أمور كثيرة: في نظمه وبلاغته، وقصصه وأخباره، وما نطوى عليه من الغيبيات، وما أشار إليه من حقائق هذا الكون الفسيح \"ولا خلاف بين العقلاء أن كتاب الله معجز\" (^١).\n- وكيف لا يكون معجزًا، وقد احتوى على علوم ومعارف لم يجمعها كتاب من الكتب، ولا أحاط بعلمها أحد في كلمات قليلة وأحرف معدودة.\n- وكيف لا يكون معجزًا، وهو محفوظ عن الزيادة النقصان، محروس عن التبديل والتغيير على تطاول الأزمان، بخلاف سائر الكتب.\n- وكيف لا يكون معجزًا، وفيه من حسن تأليفه، وإلتئام كلمه، وصحة معانيه، وتوالي فصاحة ألفاظه، ووجوه إيجازه وبلاغته، ما لا يوجد له نظير (^٢).\n- أن إعجاز القرآن الكريم يظهر في أسلوبه، وبلاغته، وبيانه وتشريعاته (^٣).\nوكذا ما تميز به القرآن الكريم من أوجه الإقناع وأساليب مخاطبة العقل فالقرآن يعتبر رسالة إقناعية خاطبت العقل البشري من خلال استراتيجيات محددة، وأساليب إقناعية.\nومن بين تلك المداخل المختلفة للإقناع: محاولة التغيير في البناء النفسي للفرد فإثارة حاجياته أو دوافعه أو اتجاهاته، ومن تلك الأنواع الشائعة في هذا المجال: إثارة توقعات المتلقي، بأن قيامه بسلوك معين، سوف يجنيه أخطارًا أو حرمانًا، أو يؤدي إلى فقدانه القبول الاجتماعي، ويظهر هذا جليًا في أسلوب الترغيب والترهيب في القرآن الكريم (^٤).\n_________\n(^١) الرزكشي: البرهان في علوم القرآن، دار إحياء الكتب العربية، ط ١ ١٣٧٦ هـ (٢/ ٩٣).\n(^٢) السيوطي: معترك الأقران، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٠٨ هـ (١/ ١٢)\n(^٣) الدهلوي: الفوز الكبير، دار الصحوة - القاهرة، ط ٢ - ١٤٠٧ هـ، ص (١٦٥)\n(^٤) معتصم با بكر مصطفى: أساليب الإقناع في القرآن الكريم: الفصل الثالث: القرآن الكريم وأساليب الإقناع، مركز البحوث والدراسات في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر.","vol":"1","page":165},{"text":"والإقناع القرآني يقوم على: اعتماد التأثير الوجداني بمخاطبة النفوس والضمائر من خلال الترغيب والترهيب، ومخاطبة العقل بالحجج والبراهين العقلية المنطقية (^١).\nومن الأدلة القرآنية التي تنطوي على نوع من الإقناع المباشر:\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة:٧٤].\nوقال تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠)﴾ [الإسراء:٥٠]، ضرب الله مثلًا بالحجارة في الصلابة، ووصفها بالقسوة، وقارب بينها وبين الحديد وهي صفات يعرفها عامة الناس، ويلمسونها في حياتهم اليومية، ولذلك فإن لها قوة الإقناع المباشر (^٢).\nومن الوسائل الإقناعية في القرآن الكريم:\nالأمثال، والقسم والجدل: ذلك أن الإقناع إما بالتقريب والإبراز للمعقول في صورة المحس، وذلك هو المثل، وإما بتوكيد الخبر، وطريقة القسم، وإما بالحجة وطريقة الجدل (^٣).\nوأخذ أسلوب الحوار وعرض الآراء في القرآن الكريم، جانبًا واسعًا منه إذ هو سبيل للوصول إلى الحقائق، وكشف الشبهات، ولذا دعا القرآن الكريم إلى الحوار مع الآخرين حوارًا رفيعًا مهذبًا، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت:٤٦] (^٤).\n_________\n(^١) خالد حسن حمدان: الإقناع أسسه وأهدافه: مقال بموقع جامعة أم القرى بتاريخ ١٤٢٦ هـ\n(^٢) محمد سميح عافية: القرآن وعلوم الأرض، الزهراء للإعلام العربي، ط ١ ١٤١٤ هـ، ص (٦٨).\n(^٣) محمد القيعي: الأصلان في علوم القرآن، حقوق الطبع محفوظة للمؤلف، ط ٤ ١٤١٧ هـ، ص (٣٣٤).\n(^٤) أحمد سيف الدين: الحوار مع أصحاب الأديان، كتاب منشور على موقع وزارة الأوقاف السعودية ص (٢٠).","vol":"1","page":166},{"text":"وقد أشار القرآن الكريم إلى الحوار الذي بين المسلم والكافر في قصة أصحاب الجنتين قال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (٣٣) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨)﴾ [الكهف:٣٢ - ٣٨].","vol":"1","page":167},{"text":"تجلت في هذه الآيات صورة من صور الحوار الهادف المقنع، وذلك أن صاحب الجنتين افتخر على صاحبه بأنه أكثر خدمًا وحشمًا وولدًا، ولذا دخل جنته وهو ظالم لنفسه، أي: بكفره وتمرده وتكبره وتجبره وإنكاره المعاد، قال: ما أظن أن تبيد هذه أبدًا، وذلك اغترارًا منه، لما رأى فيها من الزروع والثمار والأشجار والأنهار المطردة في جوانبها وأرجائها، ظن أنها لا تفنى ولا تفرغ ولا تهلك ولا تتلف، وذلك لقلة عقله، وضعف يقينه بالله وإعجابه بالحياة الدنيا وزينتها، وكفره بالآخرة، ولهذا قال: وما أظن الساعة قائمة، أي كائنة، ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرًا منها منقلبًا: أي ولئن كان معاد ورجعة ومرد إلى الله ليكونن لي هناك أحسن من هذا، لأني محظيّ عند ربي، ولولا كرامتي عليه ما أعطاني هذا، حينها قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالله خلقتك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلًا، وهذا إنكار وتعظيم لما وقع فيه من جحود ربه، الذي خلقه وابتدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، كما قال تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ..﴾ [البقرة:٢٨]، أي: كيف تجحدون ربكم، ودلالته عليكم ظاهرة جلية، كل أحد يعلمها من نفسه، فإنه ما من أحد من المخلوقات إلا ويعلم أنه معدومًا ثم وجد، وليس وجوده من نفسه، ولا مستندًا إلى شيء من المخلوقات، لأنه بمثابته، فعلم إسناد إيجاده إلى خالقه وهو الله لا إله إلا هو خالق كل شيء ولذا قال: (لكنا هو الله ربي) (^١).\nومن بيان القرآن وهدايته، حكاية المجادلات وإقامة الحجج والبراهين الساطعة، فإذا تأملت القرآن رأيته مملوء من جدال أهل الباطل وحجاجهم بأحسن طريق، وأوضح برهان، وأقوم حجة، وأبين دليل، ورأيت معارضته لشبه أهل الباطل، وذكرها ونقضها بما يشفي ويكفي، وهو دافع لأهل الباطل (^٢).\n_________\n(^١) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ت: سامي سلامة (٥/ ١٥٧).\n(^٢) حمد العثمان: أصول الجدل والمناظرة، مكتبة ابن القيم - الكويت، ط ١ ١٤٢٢ هـ، ص (٣٧).","vol":"1","page":168},{"text":"وقد حكى القرآن الكريم جملة من المناظرات، وأوجها من المجادلات منها حكاية المناظرة بين الملائكة وإبليس، وكذا المناظرة بين إبراهيم الخليل والنمرود، قال الإمام القرطبي بعد حكاية هذه المناظرة: \" وتدل على إثبات المناظرة والمجادلة وإقامة الحجة، وفي القرآن والسنة من هذا كثير ممن تأمله \" (^١).\nومن أوجه الهداية والبيان في طرائق القرآن الكريم:\nمعالجة القرآن الكريم لكثير من القضايا المجتمعة عن طريق السؤال والجواب، والقرآن فيه الكثير من هذه الإجابات لكثير من الأسئلة التي كانت تلامس حياة الناس، وقد تميزت إجابات القرآن الكريم بمجموعه ميزات وخصائص (^٢) منها:\n- اتصالها بالواقع إذ تستمد الإجابات من واقع السائلين، ومما يدور ويجري في حياتهم، فإذا سألوا عن الخمر والميسر، كانت الإجابة موجهة للرجوع إلى الواقع، والنظر إلى ما تحدثه الخمر وما يؤدي إليه الميسر في واقع حياتهم، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة ٢١٩]، ثم قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة:٩٠ - ٩١].\n- والإقناع العقلي، فلا تجد العقول غضاضة في قبولها والتسليم بها.\n_________\n(^١) القرطبي: جامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط ٢ - ١٣٨٤ هـ، (٣/ ٢٨٦).\n(^٢) أحمد ضليمي: السؤال في القرآن الكريم، مقال ضمن مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، العدد ١١١، ١٤٢١ هـ، ص (٢٩٥).","vol":"1","page":169},{"text":"- واغتنام الفرص للتوجيه والإرشاد والإصلاح، فحين سأل القوم عن الأهلة ناسب التوجيه نحو السلوك الصحيح ومجانبة السلوك غير السوي، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)﴾ [البقرة:١٨٩].\n- والتوجيه إلى عدم تبديد الطاقة العقلية فيما لا طائل تحته، كمن يسأل عن أمور لا يستطيع العقل إدراكها وفهمها لأنه أكبر من قدراته مهما بلغت، وأعظم من أن يصل إليها بعلومه ومعارفه، قال تعالى: ... ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء:٨٥].\nومن أوجه البيان والهداية في طرائق القرآن الكريم:\nما انطوى عليه هذه الكتاب العزيز من معالم الأكوان والغائبة والشاهدة، والماضية والحاضرة والمستقبلة، وما فيه من سرد أخبار الماضيين، وبيان عوالم يوم الدين، كل ذلك بأسلوب أخّاذ، يهذب النفوس، ويجذب القلوب وينير العقول.\nنجد هذه المعالم والعوالم مبثوثة في كتب الله تعالى، تتكرر في أكثر من موضع لا يجد القارئ إملالًا من كثرة التكرار، فإن في التكرار يتعاظم النفع من الزجر والوعظ (^١).\nولما كان المقصود الأعظم من القرآن بيان المبدأ والمعاد (^٢)، استفاضت أخباره وتكرر في القرآن بيان أحواله. فالقرآن الكريم يشير إلى المعاد بطرق كثيرة ويتحدث عن الآخرة بأساليب عديدة.\n_________\n(^١) الباقلاني: الانتصار للقرآن، دار ابن حزم - بيروت، ط ١ ١٤٢٢ هـ (٢/ ٨٠٠).\n(^٢) السيوطي: قوت المغتذي على جامع الترمذي، تحقيق في رسالة علمية، بجامعة أم القرى، كلية الدعوة وأصول الدين، ١٤٢٤ هـ (٢/ ٧٢٥).","vol":"1","page":170},{"text":"فيخبر عن المعاد بطريق مباشر، وذلك: ببيان إمكانه، والإخبار بتحقق وقوعه، وإقامة البراهين الكافية لإثباته، بما يدفع كل لبس وشبهة، ويسقط معها كل جدال وافتراء، وكذا يخبر القرآن عن المعاد بطريق غير مباشر حيث يتمثل في تصوير واستعراض مشاهد القيامة، غير ملتفت إلى المنكرين وإن كان المقصود في النهاية التأثير عليهم (^١).\nوكذا يخبر القرآن من ذكر أقوال الكفار وحججهم، فيجادلهم تارة في التوحيد، وتارة في النبوات، وتارة في المعاد، وتارة في الشرائع، بأحسن الحجج وأكملها، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾ [الفرقان:٣٣] ... (^٢).\nولذا فإن في القرآن من ذكر المعاد وتفصيله، وصفة الجنة والنار، والنعيم والعذاب، ما لا يوجد مثله في التوراة والإنجيل (^٣).\nإذن: فخصائص القرآن الكريم ومميزاته وطرائقه تقوم على أمور منها (^٤):\n١ - الثراء والتنوع والتكرار الجاذب للنفوس.\n٢ - ملاءمته للفطرة، وخلوها من التعقيد، ومناسبتها للجميع.\n٣ - اليسر في المضمون، والوضوح في اللفظ والمعنى.\n٤ - حشد الأدلة البراهين للدلالة على المقصود، بأسلوب مقنع، مستند على المنطق السليم، والبرهان الصحيح.\n_________\n(^١) بدرية العثمان: من بلاغة القرآن ا لكريم، دار الراية - الرياض، ط ١ ١٤١٧ هـ، ص (٨٣ - ٨٦).\n(^٢) ابن تيمية: الجواب الصحيح دار العاصمة، السعودية، ط ٢ - ١٤١٩ هـ (١/ ٢٢٩).\n(^٣) ابن تيمية: الجواب الصحيح: دار العاصمة، السعودية، ط ٢ - ١٤١٩ هـ (٢/ ٧٩)\n(^٤) محمد ملكاوي: عقيدة التوحيد في القرآن، مكتبة دار الزمان، ط ١ ١٤٠٥ هـ، ص (٣٢٧)، خالد حمدان: الإقناع أسسه وأهدافه، بحث مقدم من كلية أصول الدين في الجامعة الإسلامية - غزة ١٤٢٦ هـ.","vol":"1","page":171},{"text":"٥ - رد كل الشبهات والشكوك، ومجادلة المخالفين بالحجة والبرهان، ودحض ادعاءات المنكرين والمكذبين بأسئلة تتوخي زعزعة تقاليدهم ومعتقداتهم الباطلة، وتهدف إلى توجيههم للنظر في آيات الله، من أجل بناء قناعات ومواقف صحيحة (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>المطلب الثاني اليوم الآخر في القرآن الكريم</span>\nحظي ركن الإيمان باليوم الآخر، بعناية خاصة، ورعاية فائقة، ولذا نجد القرآن الكريم \"كله من فاتحته إلى خاتمته مملوء بذكر أحوال اليوم الآخر وتفاصيل ما فيه، وتقرير ذلك بأصدق الأخبار، وضرب الأمثال للاعتبار\" (^٢).\nومن هنا حظيت \"عقيدة المعاد بنصيب وافر من الآيات القرآنية، فلا تكاد تخلو سورة من سور القرآن الكريم من بضع آيات تتكلم عن عالم الآخرة حتى إنه قيل: إن عدد الآيات التي أخبرت عن المعاد على نحو التصريح أو التلويح، قد بلغ أكثر من ألف آية\" (^٣).\nولما كان النبي - ﷺ - آخر الأنبياء والمرسلين، وعلى أمته تقوم الساعة، كثر الحديث عن الآخرة، والبحث من تفاصيلها، حتى جاء مفصلًا مبينًا موضحًا بأخبار لا تقبل التشكيك ولا الرد، ولا التأويل ولا الصد.\n\"والمتتبع لطريقة القرآن الكريم في مجادلة خصوم العقيدة، يجد أن الاهتمام باليوم الآخر أخذ قسطًا واسعًا من تلك الحجج والبراهين الدافعة لمنكري اليوم الآخر \" (^٤).\nوكذا المتتبع يرى أن القرآن الكريم،\" قد أحاط بكل شبهات المشركين ورد مقولاتهم الآثمة، وأراهم المستقبل أمامهم كأنهم يشاهدونه في الدنيا حتى لا تبقى لهم حجة ولا شبهة \" (^٥).\n_________\n(^١) إسحاق رحماني: دراسة عن أسلوب الحوار في القرآن الكريم، مقال مقدم في موقع النور الاليكتروني للدراسات الحضارية والفكرية.\n(^٢) حافظ الحكمي: معارج القبول، دار ابن القيم - الدمام، ط ١ ١٤١٠ هـ، (٢/ ٧٦٢)\n(^٣) موسى الكعبي: المعاد يوم القيامة، مركز الرسالة، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، ص (٢٦)\n(^٤) غالب عواجي: الحياة الآخرة، دار لينه - مصر، ط ١ ١٤١٧ هـ (١/ ٧٣)\n(^٥) مصطفى عبد الواحد: الإيمان في القرآن، دار الرائد العربي، ١٩٨٦ م، ص (١٧١)","vol":"1","page":172},{"text":"وهذه العناية والرعاية بقضايا وأحوال اليوم الآخر لها صور وأسباب ونتائج: المسألة الأولى: صور العناية باليوم الآخر في القرآن الكريم:\nفأما صور العناية بالمعاد واليوم الآخر، في القرآن الكريم، فقد أخذت عدة أشكال، يلحظها كل من وقف وتأمل في أساليب القرآن العجيبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>المسألة الأولى صور عناية القرآن الكريم باليوم الآخر:</span>\n١ - الإكثار من ذكر أسماء القيامة وأوصافها، فلا تكاد تمر على موضع من القرآن الكريم إلا وفيه ذكر وإلماح، إما لأسماء الآخرة، وما تحويه من معان عظيمة، يخفق القلب، ويرتجف الفؤاد حين سماعها، أو تلاوتها، وإما لأوصاف ويشاهد وأحوال الآخرة، وما فيها من الأهوال.\nولما كان المشركون المنكرون لبعث الأجساد، يعيشون في محيط تنزل الشرائع في مكة قبل الهجرة للمدينة، نجد أن غالب السور المكية امتازت عني غيرها من السور المدينة بخصائص منها: الدعوة إلى التوحيد وعبادة الله تعالى وحده، وإثبات الرسالة، وإثبات البعث والجزاء، وذكر القيامة وهولها والنار وعذابها، والجنة ونعيمها، ومجادلة المشركين بالبراهين العقلية والآيات الكونية (^١).\n٢ - الترابط الوثيق بين الإيمان بالله تعالى والإيمان باليوم الآخر، فالقرآن الكريم ذكر هذا الترابط في أكثر من آية، مما يدل على أهميته.\nقال تعالى في ثنايا سورة البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ [البقرة:٦٢].\n_________\n(^١) مناع القطان: مباحث في علوم القرآن: ص (٦٣)، صبحي الصالح: مباحث في علوم: ص (١٦٤)، الرزقاني: مناهل العرفان: (١/ ٢٠٢)، العثيمين: أصول في التفسير: (١٥)، محمد بكر إسماعيل: دراسات في علوم القرآن: ص (٤٨).","vol":"1","page":173},{"text":"وقال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)﴾ [البقرة:١٢٦].\nوقال سبحانه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة:١٧٧].\nوقال سبحانه: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ .....﴾ [البقرة:٢٢٨].\nوقال سبحانه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ....﴾ [البقرة:٢٣٢].\nوقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ....﴾ [البقرة:٢٦٤].\nومن أسرار هذا الترابط الوثيق بين هذين الركنين، أن من آمن بالله تعالى واليوم الآخر، وعلم علم اليقين بوقوع الجزاء والحساب، استقام في هذه الحياة على طاعة الله تعالى، فتكرار الاقتران دليل الأهمية، إذ إن اليوم الآخر هو محل الترغيب والترهيب للعبد، الموجب للقيام بحق الله تعالى.\n٣ - كثرة الآيات الدالة على المعاد واليوم الآخر بالتصريح أو التلميح.\nوالقرآن الكريم مليء بمثل هذه الآيات الدالة على أمر المعاد، ومن أمثلتها:","vol":"1","page":174},{"text":"قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة:٤]، \"قال مجاهد: ملك يوم الدين أي: يوم الحساب \" (^١).\nفهو ﷾ مالك يوم البعث والجزاء وذلك \"أنه لا بدّ من الفرق بين المحسن والمسيء، والمطيع والعاصي، والموافق والمخالف، وذلك لا يظهر إلا في يوم الجزاء. واعلم أن من سلط الظالم على المظلوم، ثم إنه لا ينتقم منه، فذلك إما للعجز أو للجهل أو لكونه راضيًا بذلك الظلم، وهذه الصفات الثلاث على الله تعالى محال، فوجب أن ينتقم للمظلومين من الظالمين، ولما لم يحصل هذا الانتقام في دار الدنيا، وجب أن يحصل في دار الأخرى بعد دار الدنيا\" (^٢).\nقال الإمام ابن مفلح:\" ومالك يوم الدين، يدل على المعاد \" (^٣).\nوقال الإمام ابن القيم عن هذه السورة العظيمة (الفاتحة) التي وردت فيها هذه الآية: \"اعلم أن هذه السورة اشتملت على أمهات المطالب العالية أتم اشتمال، وتضمنها أكمل تضمن ... وتضمنت إثبات المعاد، وجزاء العباد بأعمالهم، حسنها وسيئها، وتفرد الرب تعالى بالحكم إذ ذاك بين الخلائق وكون حكمه بالعدل، وكل هذا تحت قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ \" (^٤).\nفلما كان علم المعاد من أشرف علوم الخلائق أكثر الله تعالى من ذكره، وأبان بعض أحواله، قال الإمام ابن القيم:\" أشرف علوم الخلائق: علم الأمر والنهي، وعلم الأسماء والصفات والتوحيد، وعلم المعاد واليوم الآخر \" (^٥).\n_________\n(^١) ابن عطية: المحرر الوجيز، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٢٢ هـ (١/ ٧١ (... .\n(^٢) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (١/ ٢٠٤).\n(^٣) ابن مفلح: المبدع في شرح المقنع، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤١٨ هـ (١/ ٣٨٦).\n(^٤) ابن القيم: مدارج السالكين، دار الكتاب العربي - بيروت، ط ٣ ١٤١٦ هـ (١/ ٣١).\n(^٥) ابن القيم: مدارج السالكين، دار الكتاب العربي - بيروت، ط ٣ ١٤١٦ هـ (٢/ ٣٧٩).","vol":"1","page":175},{"text":"٤ - الإقسام به في أكثر من موضع، دليل اهتمام وعناية بِشأن المعاد، وقد أقسم الله تعالى على الجزاء والوعد والوعيد، قال جل وعلا: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦)﴾ [الذاريات: ١ - ٦].\n﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨)﴾ [الطور: ١ - ٨].\n﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧)﴾ [المرسلات: ١ - ٧].\nوقد أمر الله نبيه - ﷺ - أن يُقسم على الجزاء والمعاد في ثلاث آيات: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)﴾ [يونس:٥٣]\n﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ [سبأ:٣]\n﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾ [التغابن:٧].\nقال الإمام ابن القيم:\" فهذه ثلاثة مواضع لا رابع لها، يأمر نبيه أن يُقسم على ما أقسم عليه هو سبحانه من النبوة والقرآن والمعاد \" (^١).\nولما كانت النفوس في أشد الحاجة لمعرفة أمر المعاد والإيمان به، أقسم عليه ... وأمر رسوله أن يقسم عليه، وقرره بأبلغ تقرير، وبينه بأحسن بيان.\n_________\n(^١) ابن القيم: التبيان في أقسام القرآن، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، ص (١٤).","vol":"1","page":176},{"text":"٥ - إقامة البراهين القطعية الدالة على المعاد واليوم الآخر، سواء كانت هذه البراهين والدلائل نقلية، وهي كثيرة مستفيضة، وقد جاءت بأوجه متعددة أم كانت براهين ودلائل عقلية، أم براهين ودلائل حسية مشاهدة فالقرآن الكريم أكثر من ذكر هذه البراهين القطعية، ليقطع الطريق على المكذبين، ويوقظ فطر المنحرفين.\nوالناظر والمتأمل فيما حكاه الله تعالى عن الآيات التي أيّد الله تعالى بها أنبياءه ورسله، والدالة على صدقهم، يجد أنها متضمنة لدلائل أخرى منطوية تحت هذه الآية، فالمعجزة، لا تقتصر دلالتها على إثبات صدق النبي، بل إن علماء السلف يرون أنها موصلة إلى إثبات توحيد الربوبية، وإثبات صفاته تعالى وإثبات المعاد (^١).\nفالعصا الجماد التي كان موسى - ﵇ - يتوكأ عليها، ويهش بها على غنمه، قلبت عينها إلى حية تسعى بقدرة الله تعالى، فهي مع كونها دالة على صدق نبوة نبي الله موسى - ﵇ - إلا أنها تدل على جملة من الدلائل والبراهين العقائدية، كإثبات القدرة الإلهية، والدلالة على الربوبية،إثبات المعاد، إذ الذي جعل الحياة في جماد، قادر على الإعادة مرة أخرى.\nوناقة نبي الله صالح - ﵇آية له - تدل على صدق دعواه، فهي آية عظيمة تدل على النبوة والرسالة، وتدل على البعث والمعاد، فمن أخرجها من صخرة صماء من غير عادة ولا طبيعة، فهو قادر على إعادة البشر مرة أخرى بعد موتهم (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>المسألة الثانية: أسباب العناية باليوم الآخر في القرآن الكريم:</span>\nوأما أسباب العناية بالمعاد واليوم الآخر في القرآن الكريم فكثيرة، يجدها المتبع والدارس لتاريخ الجاهلين وبقايا أهل الكتاب وغيرهم ممن بُعث إليهم النبي - ﷺ - فالجاهليون وبقايا أهل الكتاب وغيرهم من بُعث إليهم النبي - ﷺ - فالجاهليون كانوا أشد الناس إنكارًا وتكذيبًا للمعاد، وإن كان قد وجد فيهم من يقر به، إلا أن الغالبية العظمى منهم كانوا ينكرونه، ويجادلون فيه.\n_________\n(^١) أحمد عبد اللطيف: منهج إمام الحرمين في دراسة العقيدة، ص (٤٩٦).\n(^٢) أحمد عبد اللطيف: شرح الرسالة التدمرية ١٤٣٣ هـ، ص (٤٠٨ - ٤١٠).","vol":"1","page":177},{"text":"وبقايا أهل الكتاب كانوا يؤمنون بالمعاد إيمانًا عامًا مجملًا، يجهلون كثيرًا من حقائقه، ولا يقرون بحقوقه، ولذا قال تعالى عنهم: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة:٢٩].\nوهنا أورد سؤالًا مفاده: كيف يُفهم معنى هذه الآية الكريمة، مع ما عُلم من أن أهل الكتاب يؤمنون بالله واليوم الآخر؟\nفأجيب عنه بأوجه (^١):\n١ - بأنهم لا يؤمنون بهما على ما ينبغي، فصار إيمانهم كلا إيمان، فإنهم في اليوم الآخر على خلاف ما يجب، حيث يزعمون أن لا أكل في الجنة ولا شرب، ولا نكاح، واعتقادهم بعثة الأرواح دون الأجساد.\nقال أبو حيان:\" والمنقول عن اليهود والنصارى إنكار البعث الجسماني، فكأنهم يعتقدون البعث الروحي\" (^٢)، ولما كان اليهود والنصارى منكرين لهذا المعنى، ثبت كونهم منكرين لليوم الآخر (^٣).\n٢ - أن كفرهم ككفر من لا يؤمن بالله واليوم الآخر في عظم الجرم.\n٣ - أن إقرارهم باليوم الآخر يوجب بجميع حقوقه، فكانوا يترك الإقرار بحقوقه كمن لا يقرب به.\n٤ - أنه ذمهم ذم من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر للكفر بنعمته، وهم في الذم بالكفر كغيرهم.\nوأسباب العناية باليوم الآخر في القرآن كثيرة منها:\n_________\n(^١) المارودي: النكت والعيون: (٢/ ٣٥٠)، السمعاني: تفسير القرآن،: (٢/ ٣٠١)، البغوي: معالم التنزيل: (٢/ ٣٣٥)، ابن عطية: المحرر الوجيز: (٣/ ٢١ (... .\n(^٢) أبو حيان: البحر المحيط، دار الفكر - بيروت، ١٤٢٠ هـ، ت: صدقي جميل، ص (٥/ ٣٩٩).\n(^٣) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (١٦/ ٢٥).","vol":"1","page":178},{"text":"١ - بروز راية المنكرين للبعث والمعاد، فإن المنكرين له كثيرون، بخاصة في زمن التشريعات المكية، التي كانت راية الإنكار فيه ظاهرة ... وبروز المجادلة فيه بينة، فلما كان المنكرون له كثيرون، وكان النبي محمد - ﷺ - خاتم الأنبياء والرسل، وكان قد بُعث هو والساعة كهاتين وكان هو الحاشر المقفي، بين تفصيل الآخرة بيانًا لا يوجد في شيء من كتب الأنبياء (^١).\nومن هنا كان من الأمور البديهية أن ينزل القرآن بتلك الحجج القوية ليشد من أزر الرسول - ﷺ - في مواجهة السيل الجارف من الجحود لليوم الآخر (^٢).\nومن المناهج الجدلية في القرآن التي عالجت هذا الجانب المفرط في التكذيب والإنكار لليوم الآخر:\n- إيراد الحجج والبراهين الدامغة في الرد عليهم.\n- إيراد الشبه والدعاوي الباطلة التي ترد على ألسنة هؤلاء المكذبين والمشككين، فيتولى القرآن الكريم دحضها والرد عليها.\nوكان من الممكن أن يعرض القرآن الكريم عن مجادلة منكري البعث فيثبت حقيقته مباشرة بمختلف الأدلة الحسية والعقلية دون الالتفات إلى ما أثاره المشركون من شبه، ولكنه عمد إلى عرض شبه المنكرين وجادلهم لمرامي عظيمة، تهدف إلى الإجابة عن كافة التساؤلات التي من الممكن أن تشغل الفكر الإنساني على مر الزمان (^٣).\n٢ - حاجة الناس الملحة لمعرفة بعض المعارف الإلهية المتعلقة بالمعاد، فكما أن الفكر الإنساني تطلع لمعرفة المبدأ، فكذلك كان هو أشد تطلعًا لمعرفة المعاد وكيف يكون؟ وما فيه من أخبار وأحوال؟\nولما كان الوصول لهذه المعارف محصورًا في الوحي دون غيره من مفيدات العلم، ومدركات المعرفة أفاض القرآن الكريم بذكر أخبار المعاد وتفاصيله ومجريات أحداثه، على وجه يكشف الحجب عما تطلعت إليه النفس البشرية من معارف.\n_________\n(^١) ابن أبي العز: شرح الطحاوية، وزارة الأوقاف السعودية، ط ١ ١٤١٨ هـ، ص (٤٠٤ بتصرف).\n(^٢) غالب عواجي: الحياة الآخرة، دار لينة - مصر، ط ١ ١٤١٧ هـ (١/ ٧٦).\n(^٣) بدرية العثمان: من بلاغة القرآن الكريم، دار الراية - الرياض، ط ١ ١٤١٧ هـ، ص (١٨١).","vol":"1","page":179},{"text":"٣ - الغفلة والانشغال عن الدار الآخرة، فحين كانت الدنيا بحلاوتها وخضرتها وجمالها سببا في تشبث النفوس بها، وتعلق القلوب بما فيها ... المؤدي إلى نسيان الآخرة أو التغافل عنها، أكثر القرآن الكريم من ذكر أوصاف الآخرة بما فيها من نعيم وجحيم، لتكون حصنًا منيعًا، وسدا مشيدًا، يقف أمام شهوة النفس البشرية، ليمنعها من الوقوع في ملهيات الدنيا والسقوط التام في شهواتها، ومن هنا نفهم مدى العلاقة في الربط بين المعصية في القرآن وبين إنكار اليوم الآخر أو التغافل عنه.\nوقد أظهرت الآيات الكريمات التوازن الذي يجب أن يكون عليه المسلم في حياته، فحين جاءت محذرة من الانخراط التام في الدنيا، لم تغفل حاجة النفس البشرية والفطرية للتعامل الدنيوي، فجاء قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧].\nوحين يكون الركون إلى الدنيا سببًا للتثاقل عن أمر الله تعالى، يكون هذا الركون مذمومًا، فتأتي الآيات الكريمات بذمه والتحذير منه، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨)﴾ [التوبة:٣٨].\nولذلك تأتي الآيات الشريفات لتؤكد \"على أن هذه الحياة إنما جعلت لهدف أعلى وغاية سامية، فلولا أن هناك يومًا يجازى في المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، لما كان هناك فرق بين عمل الخير وعمل الشر، ولا كانت هناك فضائل ولا رذائل، فالحياة فوضى، والمصير مجهول، ولا وازع نفسي، ولا ضمير حي\" (^١).\nومن هنا \" جاءت الأغلبية العظمى من آيات القرآن الكريم وسوره، تؤكد طلب الإيمان بالبعث، والعمل والاستعداد له، وتستأصل شأفة الشبه التي تقوم في سبيل تحققه وصدقه ووقوعه\" (^٢).\n_________\n(^١) غالب عواجي: الحياة الآخرة، دار لينة - مصر، ط ١ ١٤١٧ هـ (١/ ٧٧).\n(^٢) ٤ الغزالي عيد: ثمرات الإيمان بالله واليوم الآخر: مقال منشور في مجلد البحوث الإسلامية: عدد ٨ تاريخ ١٠٣ هـ.","vol":"1","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>المسألة الثالثة: نتائج العناية باليوم الآخر في القرآن الكريم:</span>\nوأما نتائج هذه العناية القرآنية بذكر أخبار المعاد وتفاصيل وأحداث اليوم الآخر، فتتمثل فيما يجده المرء من سعادة واطمئنان، وراحة وأمن وأمان.\nوإن من نتائج العناية القرآنية بذكر الدار الآخرة:\n١ - تحقيق السعادة الدنيوية: وذلك أن السعادة في الدنيا تحقق بالالتزام بشرع الله تعالى، والاهتداء بسنة نبيه - ﷺ - ومن أكبر الدوافع والحوافز التي تحقق هذه الغاية، هي التبشير باليوم الآخر وما فيه من النعيم المقيم، والتحذير منه وما فيه من ألوان العذاب والجحيم، وهذه أسباب تبعث على الاستقامة، والسير على الطريق المستقيم، وهي خير باعث لفعل الخير، وأحسن رادع عن السوء والشر.\n٢ - تخليص النفس البشرية من القيود التي تدعو إلى الشر والفتنة، وتحريرها منها، فلا سبيل للتخلص من هذه القيود،،التي منها قيود الشهوة والغضب والرغبات النفسية الجامحة، إلا بتهذيبها من خلال مبدأ الوعد بالثواب والوعيد بالعقاب، ونتيجة لهذا المبدأ ستنشأ سلوكيات وأعمال ثم تكن لتنشئ لولا هذا الإيمان بهذا الركن العظيم.\n٣ - السعي لتهذيب النفس الإنسانية، وتربيتها التربية الصحيحة، وبناء الشخصية الإسلامية التكاملية وهذا مع وجود الحسن الغائب، والحسن الغائب في حياة الناس، هو الحس الأخروي، فحين نعيب الحس الأخروي عن حياة الناس ويفقد، فلا تسل عن محاسن الأخلاق، وفضائل الأعمال فمع غياب الحس الأخروي، تغيب كثيرًا من معاني الرحمة والشفقة وتندرس بعض مبادئ العدل والإحسان، وتنشئ حينئذ أرض خصبة تظهر فيها معالم الظلم والطغيان، ويخيم على أهلها سحابة مليئة بالقلق والاكتئاب والحيرة واضطراب الوجدان.\nولذا كان الإيمان باليوم الآخر هو المحرك الدائم للنفس البشرية للارتقاء نحو الأكمل، والتطلع للحياة الأفضل، ومن هنا يظهر أهمية الإيمان بالآخرة في تحويل العقيدة الدينية إلى حركة، وعمل وسلوك، تسعى إلى التهذيب والصفاء والنقاء.","vol":"1","page":181},{"text":"فهذه النتائج وغيرها، يمكن تأملها بإلقاء نظرة فاحصة لآيات الكتاب العزيز تبين مدى ما يحصله المؤمن بهذا اليوم والقائم بحقوقه وواجباته، من أمن واهتداء وما يعود غليه من أجر وبر وثواب وجزاء، ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥)﴾ [آل عمران:١٤٥].\nوقال تعالى: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)﴾ [يوسف:٥٧] وهذا الخطاب وإن كان موجهًا ليوسف - ﵇ - إلا أن ظاهر الآية العموم في كل مؤمن متق.\nولذا أنشدوا:\nأما في رسول الله يوسف أسوة لمثلك محبوسًا على الظلم والإفك\nأقام جميل الصبر في الحبس برهة ... فآل به الصبر الجميل إلى الملك\nومعنى الآية: أن ما نعطيه في الآخرة خير وأكثر مما أعطيناه في الدنيا، لأن أجر الآخرة دائم، وأجر الدنيا ينقطع (^١). ولذا كل من أراد الآخرة وما فيها من السرور والنعيم، وسعي في طلبها، مصدق بالثواب والجزاء، كان سعيه مشكورًا مقبولًا عند الله تعالى مثابًا عليه، فإيمانه الثابت، ونيته الصادقة، وعمله الخالص المصيب، كما قال جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾ [الإسراء:١٩] (^٢)، ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧] ويرغب فيها، وجعلها جل وعلا لعباده المؤمنين ... المتواضعين المخبتين المنيبين، ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ [القصص:٨٣].\n_________\n(^١) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط ٢ - ١٣٨٤ هـ، (٩/ ٢٢٠).\n(^٢) النسفي: مدارك التنزيل، دار الكلم الطيب - بيروت، ط ١ ١٤١٩ هـ (٢/ ٢٥١)، ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، دار طيبة للنشر والتوزيع، ط ٢ - ١٤٢٠ هـ، ت: سامي سلامة (٥/ ٦٢).","vol":"1","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>المبحث الثاني: اليوم الآخر في السنة النبوية المطهرة</span>، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: صور العناية النبوية باليوم الآخر.\nالمطلب الثاني: أسباب عناية السنة النبوية باليوم الآخر.\n\nالمبحث الثاني اليوم الآخر في السنة النبوية المطهرة\nحفلت السنة النبوية المطهرة بذكر أخبار المعاد واليوم الآخر، وتفاصيل أحداثه، على وجه لا يعهد مثله عند بقية الأمم، وما ذاك إلا لأن النبي - ﷺ - خاتم الأنبياء، وأمته خاتمة الأمم، فهي وارثة علوم السابقين، وحائزة فضل التقدم يوم الدين.\nولما كانت رسالة الأنبياء والمرسلين، تقوم على دلالة أممهم على الخير وتحذيرهم من الشر، كما قال ﵊: «إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ «(^١).\nقال الإمام أبو العباس القرطبي:\" أي: حقا واجبًا، لأن ذلك من طريق النصيحة والاجتهاد في التبليغ والبيان\" (^٢).\nوهي الحكمة في إرسال الرسل - ﵈ - ليسوقوا العباد إلى نفعهم ودفع ما يضرهم (^٣).\nفقد قام بهذا النهج النبي الأمي الكريم الأكرم خير قيام فبلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في سبيل ربه حتى أتاه اليقين - ﵊ -.\nوقد أخرج الشيخان عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: \"لَقَدْ خَطَبَنَا النَّبِيُّ - ﷺ - خُطْبَةً، مَا تَرَكَ فِيهَا شَيْئًا إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا ذَكَرَهُ، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ \" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه: في كتاب الإمارة، باب الأمر بالوفاء وبيعة الخلفاء، الأول فالأول ح ... (١٨٤٤) ت: محمد فؤاد عبد الباقي.\n(^٢) القرطبي: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٤/ ٥١).\n(^٣) ابن علان: دليل الفالحين، دار المعرفة -بيروت، ط ٤ ١٤٢٥ هـ (٥/ ١٣٠).\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب القدر باب: وكان أمر الله قدر مقدورًا ح (٦٦٠٤)، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب أخبر النبي ﷺ فيما يكون إلى قيام الساعة ح (٢٨٩١)، ت: محمد فؤاد عبد الباقي.","vol":"1","page":183},{"text":"وثبت عن سلمان ﵁ أنه قيل له:\" قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ - ﷺ - كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ فَقَالَ:\" أَجَلْ لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ، أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ\" (^١).\nوقال الإمام النووي:\" ومراد سلمان ﵁ أنه علمنا كل ما نحتاج إليه في ديننا حتى الخراءة التي ذكرت أيها القائل، فإنه علمنا آدابها فنهانا فيها عن كذا وكذا \" (^٢).\nوهذا دليل من أدلة كمال هذه الشريعة الغراء، فهي ولله الحمد كاملة من كل وجه، ليس فيها نقص، ولا تحتاج إلى أحد يكملها، وفيه رد على السفهاء الذين يزعمون أن الشريعة الإسلامية إنما تنظم العبادة بين الله وبين الخلق فقط، وأما المعاملات بين الناس بعضهم بعضًا، فإن الشريعة لا تعتني بها، فيقال لهؤلاء: تبًا لكم، وسفهًا لعقولكم، أطول آية في كتاب الله العزيز كلها في المداينة في التعامل بين الناس، وهل بعد هذا من اعتناء، وما أكثر الآيات في القرآن الكريم في تنظيم المال وإصلاحه، وما أشبه ذلك، وكذلك في السنة فالشريعة الإسلامية ولله الحمد كاملة من كل وجه (^٣).\nومما سبق يتبين مدى عناية النبي صلى الله عليهم وسلم ببيان كل ما يحتاجه المسلم من أمور معاشه ومعاشه معاده، وقد برزت صور من العناية الفائقة ببيان أخبار الآخرة في السنة النبوية، وهذا البيان الباهر، والاعتناء الظاهر بأحوال اليوم الآخر له صور وأسباب.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الفتن وأشراط الساعة باب أخبار النبي ﷺ فيما يكون إلى قيام الساعة ح (٢٨٩١) ت: محمد فؤاد عبد الباقي.\n(^٢) النووي شرح صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٢ - ١٣٩٢ هـ (٣/ ١٥٤).\n(^٣) العثيمين: شرح رياض الصالحين، دار الوطن - الرياض، ١٤٢٦ هـ (٤/ ٢٤٦).","vol":"1","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>المطلب الأول صور العناية النبوية باليوم الاخر</span>\nأ. إن صور العناية النبوية باليوم الآخر، قد اتخذت أشكالًا متعددة يصعب حصر أفرادها، وتظهر صور هذه العناية في:\n(١): حرص النبي - ﷺ - على بيان أخبار الدار الآخرة، وما يتعلق بها في كل ... مناسبة ومحفل، ومن أمثلتها:\nما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِذْ سَمِعَ وَجْبَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «تَدْرُونَ مَا هَذَا؟» قَالَ: قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «هَذَا حَجَرٌ رُمِيَ بِهِ فِي النَّارِ مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفًا، فَهُوَ يَهْوِي فِي النَّارِ الْآنَ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَعْرِهَا» (^١).\nولذا كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: أكثروا ذكر النار، فإن حرها شديد، وإن قعرها بعيد، وإن مقامعها حديد.\nفهذه صورة من صور العناية والاهتمام، من النبي - ﷺ - باليوم الآخر، ينتهز فيها الفرص، ويترقب الأحيان المناسبة، ليوجه ويبين ويحذر، ولذا سرت هذه العناية لأصحابه الكرام ﵃، فأولوا الآخرة عناية فائقة تظهر آثارها لكل من طالع سيرهم وأخبارهم.\n(٢): استخدامه ﵊ لأسلوب المقارنة أثناء التوجيه والتعليم، ليقرب المعاني إلى الأذهان، وذلك حين يقارن بين:\n- الدنيا والآخرة (^٢).\nفروى الإمام مسلم عن قيس قال: سمعت مستوردًا، أخا بني فهر، يقول: قال رسول الله - ﷺ -: «وَاللهِ مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ هَذِهِ - وَأَشَارَ يَحْيَى بِالسَّبَّابَةِ - فِي الْيَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ تَرْجِعُ؟» (^٣).\n_________\n(^١) رواه مسلم في صحيحه في كتاب صفة الجنة والنار، باب في شدة حر نار جهنم وبعد قعرها ح (٢٨٤٤).\n(^٢) فضل إلهي: النبي الكريم معلمًا، إدارة ترجمان الإسلام - باكستان، ط ١ ١٤٢٤ هـ، ص (١٠٥).\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب فناء الدنيا ح (٢٨٥٨).","vol":"1","page":185},{"text":"قال الإمام النووي في بين معنى الحديث:\" ما الدنيا بالنسبة إلى الآخرة في قصر مدتها، وفناء لذاتها، ودوام الآخرة، ودوام لذاتها ونعيمها، إلا كنسبة الماء الذي يعلق بالإصبع إلى باقي البحر\" (^١).\n- وحين يقارن بين مريد الدنيا، ومريد الآخرة:\nروى الإمام الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ» (^٢).\n- وحين يقارن بين أهل الدنيا من أصحاب النار، وأشدهم بؤسًا من أهل الجنة:\nروى الإمام مسلم عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: ... «يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا، وَاللهِ يَا رَبِّ وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا، مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا، وَاللهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ» (^٣). فهذه كلها صور من العناية النبوية، ببيان أحوال الآخرة.\n(٣): ربط الأعمال الصالحة بثوابها وجزائها يوم القيامة، ومن أمثلتها:\n_________\n(^١) النووي: شرح صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٢ - ١٣٩٢ هـ (١٧/ ١٩٢).\n(^٢) أخرجه الترمذي في جامعه في أبواب صفة القيامة، باب، ح (٢٤٦٥)،.\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب صبغ أنعم أهل الدنيا في النار ح (٢٨٠٧)، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ت: محمد فؤاد عبد الباقي.","vol":"1","page":186},{"text":"ما أخرج الشيخان عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ المِسْكِ» (^١).\nقال الإمام ابن بطال: \" قوله: لا يكلم: يعني: لا يجرح، الكلوم: الجراح وفيه: أن الشهيد يبعث في حاله وهيئته التي قبض عليها\" (^٢).\nوقال الإمام ابن عبد البر: \"وفيه دليل أن كل من قتل في سبيل الله فهو في الجنة - إن شاء الله- وكل من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى فهو في الجنة\" (^٣).\nوظاهر هذا الحديث الشريف: أنه لا فرق في ذلك بين أن يستشهد أو تبرأ جراحته، لقوله: كل كَلْم، والحكمة في ذلك: أن يكون معه شاهد فضيلة وبذله نفسه في طاعة الله تعالى (^٤).\nوأخرج الشيخان من حديث ابن عباس ﵄، أن محرمًا أوقصته ناقته فمات، فقال رسول الله - ﷺ -: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا» (^٥).\nقال الإمام النووي:\" قوله - ﷺ -: «فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا وملبدًا ويلبي» معناه: على هيئته التي مات عليها، ومعه علامة لحجه، وهي دلالة الفضيلة كما يجيء الشهيد يوم القيامة وأوداجه تشخب دمًا \" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الجهاد والسير، باب من يجرح في سبيل الله ﷿ ح (٢٨٠٣).\n(^٢) ابن بطال: شرح صحيح البخاري، مكتبة الرشد - الرياض، ط ٢ - ١٤٢٣ هـ (٥/ ٢٠).\n(^٣) ابن عبد البر: الاستذكار، دار الكتب العلمية -بيروت، ط ١ ١٤٢١ هـ (٥/ ٩٧).\n(^٤) العراقي: طرح التثريب، مكتبة الباز - مكة، ط ١ ١٤٢٤ هـ (٧/ ٢٠٠).\n(^٥) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الجنائز باب الكفن في ثوبين ح (١٢٦٥)، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الحج باب ما يفعل بالمحرم إذا مات ح (١٢٠٦).\n(^٦) النووي: شرح مسلم، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٢ - ١٣٩٢ هـ (٨/ ١٣٠).","vol":"1","page":187},{"text":"وأخرج مسلم في صحيحه عن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^١).\nوأخرج البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّنِ، جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ، إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» (^٢).\n(٤): ربط الأعمال السيئة القبيحة بجزائها يوم القيامة، ومن أمثلتها:\nما أخرجه الشيخان عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله - ﷺ -:\n«مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» (^٣). قال الإمام ابن الجوزي في معنى (طوقه) ثلاثة أقوال:\nأحدها: أن يخسف به الأرض بعد موته، أو في حشره، فتصير البقعة المغصوبة منها في عنقه كالطوق.\nوالثاني: أن يكلف حمل ذلك، فيكون من تطويق التكليف، لا من تطويق التقليد.\nوالثالث: أن يريد به تطويق الإثم (^٤).\nوذكر الحافظ ابن حجر في معنى التطويق خمسة أوجه، ثم قال:\" ويحتمل أن تتنوع هذه الصفات لصاحب هذه الجناية، أو تنقسم أصحاب هذه الجناية فيعذب بعضهم بهذا، وبعضهم بهذا، بحس قوة المفسدة وضعفها\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الصلاة باب فضل الأذان ح (٣٨٧).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الأذان، باب رفع الصوت بالنداء ح (٦٠٩).\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب المظالم والغصب باب إثم من ظلم شيئًا من الأرض ح (٢٤٥٣).\n(^٤) ابن الجوزي: كشف المشكل من حديث الصحيحين (١/ ٢٦٠).\n(^٥) ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ هـ (٥/ ١٠٥).","vol":"1","page":188},{"text":"وأخرج الشيخان عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁، قَالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - رَجُلًا مِنَ الأَزْدِ، يُقَالُ لَهُ ابْنُ الأُتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي، قَالَ: «فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ، فَيَنْظُرَ يُهْدَى لَهُ أَمْ لَا؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ» ثُمَّ رَفَعَ بِيَدِهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ» ثَلَاثًا (^١).\nقال الإمام الخطابي:\" في هذا بيان أن هدايا العمال سحت، وأنها ليس سبيلها سبيل سائر الهدايا المباحة \" (^٢).\nوقال النووي: \"وفي هذا الحديث بيان أن هدايا العمال حرام وغلول، لأنه خان ولايته وأمانته، ولهذا ذكر في الحديث عقوبته وحمله ما أهدي إليه يوم القيامة كما ذكر مثله في الغال\" (^٣).\n(٥): ربط الإيمان باليوم الآخر بالإيمان بالله تعالى، وذلك في أحاديث كثيرة منها:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الهبة وفضلها باب من من لم يقبل الهدية لعلة ح (٢٥٩٧) وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الإمارة، باب تحريم هدايا العمال ح (١٨٣٢.\n(^٢) الخطابي: معالم السنن، المطبعة العلمية - حلب، ط ١ ١٣٥١ هـ (٣/ ٨).\n(^٣) النووي: شرح مسلم، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٢ - ١٣٩٢ هـ (١٢/ ٢١٩).","vol":"1","page":189},{"text":"ما أخرجه الشيخان: عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ، أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ: ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الْأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ، أَنَّهُ حَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً ...» (^١).\nوأخرج الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي - ﷺ -:\n«لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ» (^٢).\nقال العلامة العيني عن سر هذا الاقتران:\" ومنها ما قيل: لم خصص من بين ما يجب به الإيمان هذين اللفظين: الإيمان بالله واليوم الآخر أي القيامة؟\nأجيب: بأن الأول إشارة إلى المبدأ، والثاني إلى المعاد، والبواقي داخلة تحتهما \" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في ي كتاب العلم، باب ليبلغ العالم الشاهد الغائب ح (٢٠٥)،، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الحج، باب تحريم مكة وصيدها وخلاها ح (١٣٥٤).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب تقصير الصلاة، باب في كم يقصر الصلاة؟ ح (١٠٨٨) ... وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الحج، باب تحريم مكة وصيدها وخلاها ح (١٣٥٤.\n(^٣) العيني: عمدة القاري، دار إحياء التراث العربي - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٢/ ١٤٥)","vol":"1","page":190},{"text":"وذكر الشيخ ابن عثيمين المقصود من هذا الاقتران والترابط فقال:\" فالمقصود بهذا الإغراء والحث، وهذه قاعدة ينبغي أن يتنبه لها الإنسان، فكل وصف محمود ذكر في مقام التحذير فالمقصود به الإغراء، كأنه يقول: إن كنت كريمًا حقًا، فهذا لا يمكن أن يقع منك، إن كنت مؤمنًا بالله واليوم الآخر فهذا لا يمكن أن يقع منك \" (^١).\nفهذه صور متنوعة تدل على شمول الشريعة وكمالها، تدل على عنايتها الفائقة بذكر أخبار المعاد واليوم الآخر، وهي نماذج وشواهد، وإلا فالمتتبع للسنة النبوية المطهر يجد الكم الهائل من الأحاديث التي عنيت ببيان الآخرة وأحوالها وتفاصيلها.\nوبما أن السنة كانت ولا زالت وستزال، معينًا صافيًا، ينهل منه كل وارد تبهر العقول بنصوصها، وتنير الدروب بوضوحها، فلا عجب حينها من تضافر النصوص، وتكاثر الشواهد، واستفاضة الأخبار المتعلقة بالدار الآخرة.\nوهذه السنة المطهرة التي نقلت لنا تفاصيل الشرائع وفروع الأحكام، يظهر فيها بوضوح أن ما نقلته من هذه الأصول والأحكام، تشير إلى أمر المعاد وتدل عليه.\nفالأذان مع كونه من شعائر الإسلام الظاهرة إلا أن فيه دلالة على المعاد يقول الحافظ ابن حجر: \"ثم دعا إلى الفلاح، وهو البقاء الدائم، وفيه الإشارة إلى المعاد \" (^٢).\nوكذا بقية الأركان والأصول، ففي تشريعاتها هداية للآخرة والمعاد، ففيها صلاح للدنيا والآخرة، ولذا كان من دعاء المؤمنين:\" اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر\" (^٣).\n_________\n(^١) ابن عثيمين: الشرح الممتع، دار ابن الجوزي - الدمام، ط ١ ١٤٢٢ هـ (١٣/ ٣٩٩).\n(^٢) ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ هـ (٢/ ٧٧).\n(^٣) أصل الحديث في صحيح مسلم، في كتاب الذكر والدعاء، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل ح (٢٧٢٠)، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ت: محمد فؤاد عبد الباقي.","vol":"1","page":191},{"text":"قال العلامة الطيبي:\" إصلاح المعاد: اللطف والتوفيق على طاعة الله وعبادته، وطلب الرحة بالموت، فجمع في هذه الثلاثة، صلاح الدنيا والدين والمعاد، وهي أصول مكارم الأخلاق\" (^١).\nقال العلامة الصنعاني عن هذا الحديث:\" تضمن الدعاء بخير الدارين وليس فيه دلالة على جواز الدعاء بالموت، بل إنما دل على سؤال أن يجعل الموت في قضائه عليه، ونزوله به راحة من شرور الدنيا، ومن شرور القبر لعموم كل شر، أي من شر قبله وبعده \" (^٢).\nوأهل الإيمان يعملون، احتسابًا للأجر ورجاء ما عند الله تعالى، مصدقين بوعده وثوابه الذي وعد به، والله لا يخلف الميعاد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>المطلب الثاني أسباب عناية السنة النبوية باليوم الآخر</span>\nب - من أسباب العناية النبوية باليوم الآخر:\n١ - مجادلة المنكرين والمعاندين، ولذا جاءت الأحاديث النبوية بتثبيت عقيدة المعاد، والرد على الجاحدين، ففي الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ قال: خطب النبي - ﷺ - فقال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا»، ثُمَّ قَالَ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾ [الأنبياء: ١٠٤] (^٣).\n_________\n(^١) المناوي: التيسير بشرح الجامع الصغير، مكتبة الإمام الشافعي - الرياض، ط ٣ ١٤٠٨ هـ (١/ ٢١٩)\n(^٢) الصنعاني: سبل السلام، دار الحديث، دون ذكر رقم الطبعة وتاريخها (٢/ ٧١٦).\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيح في كتاب تفسير القرآن، باب (وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم ..) ح (٤٦٢٥)، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب صفة الجنة، باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة ح (٢٨٦٠) ت: محمد فؤاد عبد الباقي.","vol":"1","page":192},{"text":"وكان من دعاء النبي - ﷺإذا قام يتهجد من الليل «... وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ الحَقُّ وَوَعْدُكَ الحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ - ﷺحَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ» (^١).\nقال الإمام ابن بطال: وقوله: ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، فيه الإقرار بالبعث بعد الموت، والإقرار بالجنة والنار (^٢).\n٣ - التشجيع على الأعمال الصالحة، وقد تكاثرت الأحاديث النبوة الشريفة في أبواب الشريعة، لحث المسلمين وتحفيزهم لفعل الخير، مع ذكر الجزاء الأخروي، الذي يشجع للقيام بهذه الأعمال الصالحة، ومن أمثلتها:\nفضل قراءة القرآن: عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ، اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ، وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا، اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب التهجد، باب التهجد بالليل ح (١١٢٠)، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب صلاة المسافرين وباب الدعاء في صلاة الليل وقيامه ح (٧٦٩).\n(^٢) ابن بطال: شرح البخاري، مكتبة الرشد - الرياض، ط ٢ - ١٤٢٣ هـ (٣/ ١٠٩).\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب صلاة المسافرين وقعرها، باب فضل قراءة القرآن، وسورة البقرة ح (٨٠٤)، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ت: محمد فؤاد عبد الباقي.","vol":"1","page":193},{"text":"فضل الأذكار: عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ» (^١)، وأخرج مسلم في صحيحه عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآَنِ - أَوْ تَمْلَأُ - مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ..» (^٢).\nفضل الأوقاف في سبيل الله تعالى: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي - ﷺ -: «مَنِ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِيمَانًا بِاللَّهِ وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ، فَإِنَّ شِبَعَهُ وَرِيَّهُ وَرَوْثَهُ وَبَوْلَهُ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» (^٣).\nقال الحافظ ابن حجر:\" قوله: وتصديقًا بوعده: أي: الذي وعد به من الثواب على ذلك، وفيه إشارة إلى المعاد \" (^٤).\nوثبت في صحيح مسلم عن أبي مسعود الأنصاري قال: جاء رجل بناقة مخطومة فقال: هذه في سبيل الله، فقال رسول الله - ﷺ -: «لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَبْعُ مِائَةِ نَاقَةٍ كُلُّهَا مَخْطُومَةٌ» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد باب (ونضع الموازين القسط) ح (٧٥٦٣)، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الذكر والدعاء باب فضل التسبيح والتهليل والدعاء ح (٢٦٩٤).\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء ح (٢٢٣).\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الجهاد والسير، باب من احتبس فرسًا في سبيل الله (٢٨٥٣).\n(^٤) ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ هـ (٦/ ٥٧).\n(^٥) أخرجه مسلم في صح كتاب الإمارة، باب فضل الصدقة في سبيل الله وتضعيفها ح (١٨٩٢).","vol":"1","page":194},{"text":"قال الإمام ابن الجوزي:\" المخطومة: المزمومة بالخطام، وإنما سمي خطامًا لأنه يقع على الخطم، والخطم والمخطم: الأنف، واعلم أن هذا الثواب على الحسنة أمر معلوم عند ا لله ﷿، وقد جعل لنا على الحسنة من تلك المقادير عشرًا، فهذا الاسم الراتب، وقد يضاعف ذلك للمؤمن على قدر إخلاصه ورضاه عنه إلى سبعمائة وإلى سبعين ألفًا وأكثر، كما قال أبو هريرة في قوله: فيضاعفه له أضعافًا كثيرة، قال: ألفي ألف وألفي ألف \" (^١).\nوقال الإمام النووي في توجيه الحديث:\" قيل: يحتمل أن المراد له أجر سبعمائة ناقة، ويحتمل أن يكون على ظاهره، ويكون له في الجنة بها سبعمائة كل واحدة منهن مخطومة يركبهن حيث شاء للتنزه، كما جاء في خيل الجنة ونجبها، وهذا الاحتمال أظهر \" (^٢).\nفضل السنن الرواتب: عن النعمان بن سالم، عن عمرو بن أوس، حدثني عنبسة بن أبي سفيان في مرضه الذي مات فيه، بحديث يتسار إليه، قال: سمعت أم حبيبة تقول: سمعت رسول ا - ﷺ - يقول: «مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ» قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ: فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَقَالَ عَنْبَسَةُ: \"فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ أُمِّ حَبِيبَةَ\"، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ أَوْسٍ: \"مَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ عَنْبَسَةَ\" وَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ سَالِمٍ: \"مَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ\". (^٣).\nويصعب على المتتبع حصر الأحاديث التي تحدثت عن فضائل الأعمال التي قرن بها أجرها في الآخرة، مما يدل على عناية السنة النبوية بأمر المعاد والآخرة\n٣ - بيان فضل هذه الأمة على غيرها من الأمم، ونبيها على غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام:\n_________\n(^١) ابن الجوزي: كشف المشكل من حديث الصحيحين: (٢/ ٢٠٦)\n(^٢) النووي: شرح مسلم، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٢ - ١٣٩٢ هـ (١٣/ ٣٨).\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل السنن الراتبة ح (٧٢٨).","vol":"1","page":195},{"text":"عن أبي هريرة ﵁، قال: كنا مع النبي - ﷺ - في دعوة فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه فنهس منها نهسة، وقال: «أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ» (^١). وعنه ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ» (^٢). ... وأخرج الترمذي في جامعه عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أَنْتُمْ تُتِمُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ» (^٣).\nولخيرية هذه الأمة وفضلها بنبيها، أكرمها الله تعالى، بأن جعلها نصف أهل الجنة، فعن ابن مسعود ﵁، قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ فِي قُبَّةٍ - ﷺ - فَقَالَ: «أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الجَنَّةِ» قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: «أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ» قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: «أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الجَنَّةِ» قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الجَنَّةِ وَذَلِكَ أَنَّ الجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَمَا أَنْتُمْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ إِلَّا كَالشَّعْرَةِ البَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ، أَوْ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَحْمَرِ» (^٤).\n٤ - تحذير الأمة من الغفلة أو التغافل عن هذا اليوم العظيم:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [نوح:١] ح (٣٣٤٠)، دار طوق النجاة، ط ١ ١٤٢٢ هـ.\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الفضائل، باب تفضيل نبينا - ﷺ - على جميع الخلائق ح (٢٢٧٨).\n(^٣) أخرجه الترمذي في جامعه ف ح (٣٠٠١) وقال الترمذي: حديث حسن.\n(^٤) أخرجه البخاري في كتاب الرقائق، باب كيف الحشر؟ ح (٦٥٢٨)، دار طوق النجاة، ط ١ ١٤٢٢ هـ.","vol":"1","page":196},{"text":"أخرج الشيخان عن أبي هريرة ﵁، قال: قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: ... «تَحَاجَّتِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالمُتَجَبِّرِينَ، وَقَالَتِ الجَنَّةُ: مَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ، قَالَ اللَّهُ ﵎ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَقَالَ لِلنَّارِ: إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِلْؤُهَا، فَأَمَّا النَّارُ: فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ، فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَلَا يَظْلِمُ اللَّهُ ﷿ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وَأَمَّا الجَنَّةُ: فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا» (^١).\nولذا كان النبي - ﷺ - إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا اللَّهَ اذْكُرُوا اللَّهَ جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيهِ جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيهِ»، (^٢).\nوفي هذا الحديث من الفوائد:\" تنبيه الناس من سِنَةِ الغفلة، وتحريضهم على الطاعات\" (^٣).\nوفي خاتمة هذا الفصل:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه ح (٤٨٥٠)، وأخرجه مسلم في صحيحه ح (٢٨٤٦).\n(^٢) أخرجه الترمذي في جامعه في أبواب صفة القيامة والرقائق ح (٢٤٥٧)، وقال الترمذي: حديث حسن\n(^٣) فيصل المبارك: تطريز رياض الصالحين، دار العاصمة - الرياض، ط ١ ١٤٢٣ هـ، ص (٣٨٥).","vol":"1","page":197},{"text":"نشير إلى أن نصوص الوحيين [الكتاب والسنة]، جاءت متضافرة متوافرة في ذكر اليوم الآخر، وما يحويه من أحداث ومشاهد، فقد برزت أوجه العناية بأخبار المعاد في نصوص الوحيين، ماثلة أمام الجميع، فقد عنيت\" بمشاهد القيامة، البعث والحساب، والنعيم والعذاب، فلم يعد ذلك العالم الآخر الذي وعده الناس بعد هذا العالم الحاضر موصوفًا فحسب، بل عاد مصورًا محسوسًا، وحيًّا متحركًا، وبارزًا شاخصًا، وعاش المسلمون مع هذا العالم الآخر، عيشة كاملة في شعورهم ووجدانهم، رأوا مشاهده، وتأثروا بها، وخفقت قلوبهم تارة، واقشعرت جلودهم تارة، وسرى في نفوسهم الفزع مرة، وعاودهم الاطمئنان أخرى، ولفحهم من النار شواظ، ورف إليهم من الجنة نسيم، ومن ثم باتوا يعرفون هذا العالم تمام المعرفة، قبل اليوم الموعود \" (^١).\nومن خلال هذه المباحث نلحظ تظافر هذه الدلائل والشواهد النقلية والعقلية لإثبات المعاد واليوم الآخر.\nولذا لا نجد شيئًا أكثر مناكفة وأشد عداء للمنطق والعقل الإنساني من أن نسلم بوقوع حادث في الحال، وننكره في المستقبل، كما يقوله بعض المفكرين إذ وجود الإنسان حيًا أولًا، ثم وجوده كذلك ثانيًا بعد موته، وجودان متماثلان، دون فرق بينهما إلا في التقدم والتأخر، والأول منها ممكن حتمًا ولذلك وجد، إذ لو كان مستحيلًا لما وجد، وإذا كان أحد المتماثلين ممكنًا كان الوجود الآخر ممكنًا أيضًا، بحكم تماثلهما.\nوالعلم الحديث يثبت حقيقة علمية، تؤيد هذه الدلائل والشواهد، وتلقم حجرًا كل منكر للمعاد، لا يؤمن إلا بالتجريبيات، فإنه قد أصبح من الثابت علميًا اليوم أن الموت لا يأتي على كل خلايا الجسد، وإنما يصيب معظمها ويظل بعض منها يحمل الحياة في أعماقه، وإن بدا لنا أنه مات.\n_________\n(^١) يسر مبيض: اليوم الآخر في الأديان السماوية، دار الثقافة - الدوحة، ط ١ ١٤١٢ هـ، ص (٨٠).","vol":"1","page":198},{"text":"وأكدت التجارب هذه الحقيقة، فقد قام طبيب ألماني اسمه [آزفين سانتو] باستخراج بعض البكتيريا من جسم مات من ثلاثة آلاف وخمس مائة سنة ووضعها في محاليل غذائية معينة، محلول (الليتوم) لمدة سبع عشرة ساعة، ثم وضعها تحت المجهر، فلاحظ أنها تتحرك، وعاشت بعد تلك المدة.\nوفي سنة ١٩٥١، أعلنت عالمة روسية اسمها [البشكايا] أن بعض الخلايا يمكن إحياؤها مرة أخرى، وأن من بين الخلايا نوعا منها (ناقلة الحياة).\nمن الممكن أن تقفز من كريات دموية متآكلة، وأنه لا شيء يموت كله، وإنما يموت بعضه، وتظل هناك خلايا تحمل بشعل الحياة.\nوهذا يعني بالضبط: أن الجسم إذا مات لم يأت الموت على كل ما فيه، بل يبقى فيه نوع من الحياة الكامنة، أو الحياة المتحفزة، فإذا توافرت لها ظروف مواتية، ومناخات صالحة، فإنها ستعيش من جديد، تمامًا كحبة القمح التي تكمن في أعماقها، حياة متحفزة، ولو مضى عليها زمن طويل وهي يابسة لا حياة فيها، كما تبدو لنا، فإذا توافرت لها ظروف ملائمة وتربة صالحه غرست فيها، دبت فيها الحياة، ونبتت وأعطت ثمارها، وإلى هذه الحقيقة أشار الله سبحانه في كتابه العزيز: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الأنعام:٩٥]، وهذا يقرب لنا فهم إعادة الإنسان إلى الحياة في اليوم الآخر (^١).\n_________\n(^١) عبد الله نعمة: عقيدتنا (بتصرف)، مؤسسة عزالدين - بيروت، ط ٣ ١٤٠٨ هـ، ص (٣١٥ - ٣١٦).","vol":"1","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>الفصل الثالث: اليوم الآخر عند الأديان والمِلل والنِحل</span>،\nوفيه ستة مباحث:\nالمبحث الأول: اختلاف الناس في البعث والمعاد.\nالمبحث الثاني: مشركو العرب والبعث.\nالمبحث الثالث: اليهود واليوم الآخر.\nالمبحث الرابع: النصارى واليوم الآخر.\nالمبحث الخامس: الفلاسفة واليوم الآخر.\nعقيدة اليوم الآخر عند بعض الأديان الوضعية.","vol":"1","page":200},{"text":"المبحث الأول اختلاف الناس في البعث والمعاد، وفيه مطلبان:\n\nالمطلب الأول: أقوال الناس في البعث والمعاد.\nالمطلب الثاني: الشبه المتوهمة لإنكار المعاد، وفيه أربع مسائل:\n١ - حكاية القرآن الكريم لشبه المنكرين للمعاد.\n٢ - أسباب استبعاد المشركين للبعث والمعاد.\n٣ - الدلائل اليقينية الدالة على البعث والمعاد.\n٤ - شبهات منكري البعث.","vol":"1","page":201},{"text":"إن مصير الإنسان ومعاده بعد موته من كبريات المسائل التي شغلت الفكر الإنساني من حين وجوده، ولذا اختلفت تصرفات الأمم في تعبيرهم عن مصائر البشرية، ومن منطلقات وتفكير كل أمة في مصائرهم، أصبح تعاملهم تجاه أجسادهم مرهونًا به، ولذا فإن من ا لحقائق الكبرى التي أجمع عليها مؤرخو الأديان هي أنه ليس هناك جماعة إنسانية، بل أمة كبيرة ظهرت وعاشت ثم مضت دون أن تفكر في مبدأ الإنسان ومصيره، وفي تعليل ظواهر الكون وأحداثه (^١).\nوقد تأثرت سلوكيات هذه الأمم واختلفت طبيعة تعاملاتها، بناء على نتاج الفكر الإنساني، وما توصل إليه في أمر المعاد بعد الموت، ولذا ظهرت لبعضهم طقوس خاصة تتعلق بدفن الإنسان بعد موته، أو تحريقه وغير ذلك مما يتناسب مع الفكر والديانة التي تحملها كل طائفة.\nوتظهر حقيقة هذه الأفكار حين يتعمق الإنسان في البحث عن مصادر الفكر الإنساني في العصر الحاضر وفي الزمن الماضي السحيق، فتظهر له حقيقة هذه الأفكار والعقائد، وتتبين له طبيعة الحياة التي كانوا يعيشونها فالتعرف على عقائد هذه الأمم يميز بوضوح أصالة العقيدة الإسلامية منذ نشأة الإنسان، وتميزها على الشرائع والديانات.\n_________\n(^١) دراز: الدين، دار القلم - الكويت، دون ذكر رقم الطبعة وتاريخها، ص (٣٨).","vol":"1","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>المبحث الأول اختلاف الناس في أمر البعث والمعاد</span>\nاختلف الناس في أمر البعث والمعاد اختلافًا واسعًا، وقد حكى القرآن الكريم جملة من أقوال منكري البعث من الدهريين وأتباعهم، الذين قالوا: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤]، فكذبهم الله تعالى فقال: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤)﴾ [الجاثية:٢٤]، فقد قالوا ما قالوا، على ظن وشك لا عن علم ويقين، بل هي أوهام وخيالات (^١).\nثم ذكر شبهتهم على إنكار البعث فقال: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥)﴾ [الجاثية:٢٥]، وهذه جرأة منهم على الله، حيث اقترحوا هذا الاقتراح، وزعموا، صدق الرسول متوقف على الإتيان بآبائهم، وهم كذبة فيما قالوا، وإنما قصدهم دفع دعوة الرسول، لا بيان الحق (^٢).\nوقولهم هذا، قول آفن، وكلام لا ينبغي أن يصدر من عاقل، فإنه لا يلزم من عدم حصول الشيء في الحال كإعادة آبائهم التي طلبوها في الدنيا امتناعه فيما بعد إذا قامت القيامة، وبعث الله الموتى من قبورهم للعرض الحساب (^٣).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن (١/ ٨١). ٥/ ١٤٣، ابن كثير: تفسير القرآن العظيم (٤/ ٢٦٩).\n(^٢) السعدي: تيسر الكريم الرحمن، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ص (٧٧٧).\n(^٣) المراغي: تفسير المراغي، مكتبة البابي - مصر، ط ١ ١٣٦٥ هـ (٢٢/ ١٦٠).","vol":"1","page":203},{"text":"ثم أمر الله تعالى رسوله ﵊، أن يرد عليهم فقال: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾ [الجاثية:٢٦]، أليس الله ينشئ الحياة أمام أعينهم إنشاء في كل لحظة، وفق سنن إنشاء الحياة؟ فهذه هي المعجزة التي يريدون أن يشاهدوها في آبائهم، ها هي ذي تقع أمام أعينهم بعينها وبذاتها، والله هو الذي يحي، وهو الذي يميت فلا عجب إذن في أن يحي الناس ويجمعهم إلى يوم القيامة، ولا سبب يدعو إلى الريب في هذا الأمر الذي يشهدون نظائره فيما بين أيديهم (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>المطلب الأول أقوال الناس في المعاد</span>\nاختلف الناس في المعاد على أقوال (^٢):\nالقول الأول: إثبات معاد الأرواح والأبدان جميعًا، وأن الإنسان إذا مات كانت روحه منعمة أو معذبة، ثم تعاد روحه إلى بدنه عند القيامة الكبرى.\nوهذا هو مذهب سلف المسلمين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأئمة المسلمين المشهورين وغيرهم من أهل السنة والحديث من الفقهاء والصوفية والنظار، وهذا القول تؤيده دلائل الكتاب والسنة، وحكي فيه إجماع أهل الملة.\nالقول الثاني: إثبات معاد الأبدان فقط، وهو قول طائفة من متكلمة الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، وهذا القول فاسد، ذمهم عليه السلف والأئمة.\nالقول الثالث: إثبات معاد الأرواح فقط، وهو قول الصابئة والفلاسفة.\nالقول الرابع: إنكار المعادين جميعًا، معاد الأبدان والأرواح، وهو قول أهل الكفر من العرب واليونان والهند والترك وغيرهم.\n_________\n(^١) سيد قطب: في ظلال القرآن، دار الشروق - بيروت، القاهرة، ط ١٧ ١٤١٢ هـ (٥/ ٣٢٣٣).\n(^٢) ابن تيمية: الجواب ص (٦/ ٧)، ابن تيمية: الصفدية (٢/ ٢٦٧)، ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل، جامعة الإمام محمد بن سعود - السعودية، ط ٢ - ١٤١١ هـ (١/ ١٧٦)، الايجي: المواقف - (٣/ ٤٦٨)، التفتازاني: شرح المقاصد (٢/ ٢١٠).","vol":"1","page":204},{"text":"قال الشيخ عبد الواحد الشيرازي: وإن أنكره فهو حشيشي، معطلي دهري (^١).\nومع إنكار هؤلاء للمعاد، نجد أن الله تعالى بيّن\" في كتابه، وعلى لسان رسوله أمر معاد الأرواح والأجساد، ورد على الكافرين والمنكرين لشيء من ذلك بيانًا تامًا غاية التمام والكمال\" (^٢)، فقرر حقيقة البعث وأخبر عن وقوعه وإمكانه، ورد على شبه المنكرين الجاحدين له، بإيراد الأدلة والبراهين اليقينية القاطعة، وحاجهم بالأدلة العقلية، وألزمهم بما لا يمكن الانفكاك عنه.\nوقد عمد القرآن الكريم في استدلالاته على البعث والمعاد،\" بالأمور الحسية البديهية، التي لا يعجز العقل البشري عن إدراكها، يقرؤها الدهماء فلا تعلو على أفهامهم، ويمعن النظر فيها العلماء والحكماء، فيستنبطون منها الحقائق الصادقة، والحجج الملجمة، وكلما ازداد فيها المتبصر نظرًا، زادته استبصارًا وعلمًا على ما يهتدي إليه بنفسه\" (^٣).\nولذا وبخ الله ﷿ الكافرين المنكرين الجاحدين لأمر البعث والمعاد، فقال سبحانه لنبيه ﵊: ﴿وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ الرعد ٥، أي: إن تعجب يا محمد من تكذيبهم لك، بعدما كنت عندهم الصادق الأمين، فأعجب منه تكذيبهم بالبعث، وقيل المعنى: أي إن عجبت يا محمد من إنكارهم الإعادة مع إقرارهم بأني خالق السماوات والأرض والثمار المختلفة من الأرض الواحدة، فقولهم عجب يعجب منه الخلق، لأن الإعادة في معنى الابتداء (^٤).\n_________\n(^١) الشيرازي: امتحان السني من البدعي، دار الإمام مالك - ابوظبي ت: د. فهد المقرن، ص (٢٦٩).\n(^٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف (٤/ ٣١٤).\n(^٣) بدرية العثمان: من بلاغة القرآن الكريم في مجادلة منكري البعث، ص (١٨٢).\n(^٤) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط ٢ - ١٣٨٤ هـ، (٩/ ٢٨٤).","vol":"1","page":205},{"text":"\"فإنكار المعاد عجب من الإنسان، وهو محض إنكار الرب والكفر به والجحد لإلهيته وقدرته وحكمته وعدله وسلطانه\" (^١).\nولما كان العبث قد قامت عليه البراهين القطعية، صار منكره كمنكر البديهيات، ومن هنا حكم العلماء بكفره، قال الإمام ابن العربي: فإن اليوم الآخر عرفناه بقدرته وبكلامه - تعالى - فأما علمنا له بقدرته: فإن القدرة على اليوم الأول، دليل على القدرة على اليوم الآخر، وأما علمنا له بالكلام: فبإخباره أنه فاعله، فإذا أنكر أحد البعث فقد أنكر القدرة والكلام، وكفر قطعًا بغير كلام (^٢).\nوقال الإمام الرازي: وإنما لزم من إنكار البعث الكفر بربهم، من حيث إن إنكار البعث لا يتم إلا بإنكار القدرة والعلم والصدق، ولما كان كل هذه الأشياء كفرًا، ثبت أن إنكار البعث كفر بالله (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>المطلب الثاني الشبه المتوهمة لإنكار البعث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>المسألة الأولى: حكاية القرآن الكريم لشبه المنكرين للبعث والمعاد:</span>\nحكى القرآن الكريم حال منكري البعث، وأشار إلى مدى تخبطهم، وسرعة تقلبهم، ثم أظهر وأبان كمال القدرة الإلهية على إحياء الموتى، فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)﴾ [الحج:٣ - ٤]. فأخبر القرآن عن بعض من انطمست فطرته واتبع هواه، وأعرض عن الحق، أنهم يتركون ما أنزل الله على رسوله - ﷺمن الحق المبين، ويتبعوا أقوال الضالين المضلين فيجادلون بغير علم صحيح وإنما اتباعًا لناعق الشيطان، وقد كتب الله جل وعلا على من اتبعه وقلده، أن يضله في الدنيا، ويقوده في الآخرة إلى عذاب السعير (^٤).\n_________\n(^١) ابن القيم: مدارج السالكين، دار الكتاب العربي - بيروت، ط ٣ ١٤١٦ هـ (١/ ١٤٦)\n(^٢) ابن العربي: أحكام القرآن، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ٣ ١٤٢٣ هـ (٢/ ٤٧٤).\n(^٣) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (١٩/ ١٠).\n(^٤) ابن كثير: تفسير ابن كثير (٥/ ٣٩٤)، القرطبي: الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ٥).","vol":"1","page":206},{"text":"ولما وجد أمثال هؤلاء المجادلين المشككين في أمر البعث والمعاد، وُجد في القرآن الكريم ما يرد على أقوالهم، ويفند شبههم.\nفالله ﷿ يخاطب هؤلاء المشككين لعلهم يفيقوا من غفلتهم ويستيقظوا من رقدتهم، فيقول: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢)﴾ [الأنعام:٢] وذلك أنهم لما أنكروا البعث وقالوا: من يحي العظام وهي رميم؟ أعلمهم الله تعالى بهذه الآية، أنه خلقهم من طين، وهو القادر على إعادة خلقهم وبعثهم بعد الموت، أثم بعد هذا البيان تمترون وتشكون وتختلفون، بعد علمكم أنه ابتدأ خلقكم، وأن من قدر على الابتداء فهو على الإعادة أقدر (^١).\nوهكذا نجد أن القرآن الكريم يأتي على شبه المنكرين الجاحدين لأمر البعث شبهة شبهة، فيُبين ضعفها، ويكشف عوارها، ويقضي عليها (^٢).\nوالمنكرون للبعث والمعاد لا يستندون إلى دليل، ولا يعتمدون في دعواهم إلى برهان، فغاية دعواهم، وأساس شبهتهم استبعادهم العودة إلى الحياة مرة أخرى، بعد أن تبلى أجسادهم وتصير ترابًا، وقد حكى القرآن الكريم دعواهم الفاسدة، فقال ﷾: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩)﴾ [الإسراء:٤٩]، وإنما قال المشركون المنكرون للبعث الجاحدون لأمر المعاد ما قالوا، إنكارًا واستبعادًا، وأقسموا على ذلك، قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٨)﴾ [النحل:٣٨].\n_________\n(^١) الخازن: لباب (٢/ ٩٨)، ابن الجوزي: زاد المسير (٢/ ٨) الجلالين: تفسير ص (١٦٢).\n(^٢) انظر: ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٣٨٠).","vol":"1","page":207},{"text":"وأخبر ﷾ أنه سيظهر لهم ما كانوا يختلفون فيه من أمر البعث، ليعلموا أن ما أقسموا عليه من إنكار البعث هم فيه كاذبون، فقال سبحانه: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (٣٩)﴾ [النحل:٣٩].\nولما كانوا كاذبين فيما أقسموا عليه من نفي البعث، أخبر سبحانه القادر على كل شيء، قدرته على أمر البعث فقال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل:٤٠].\nوفي الحديث القدسي الشريف، عن ابن عباس ﵄، عن النبي - ﷺ - قال: قال الله: ﴿كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَزَعَمَ أَنِّي لَا أَقْدِرُ أَنْ أُعِيدَهُ كَمَا كَانَ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ لِي وَلَدٌ فَسُبْحَانِي أَنْ أَتَّخِذَ صَاحِبَةً أَوْ وَلَدًا﴾ (^١).\nقال الإمام العراقي:\" المراد هنا عبيد مخصوصون، وهم منكرو بعث الأجسام وهم كفرة العرب، وجعلوا مكذبين لله ﷾، لتكرار إخباره على ألسنة رسله ببعث العباد كلهم، وإعادة الأرواح إلى أجسادها \" (^٢).\nويدخل في الخطاب غيرهم ممن كذب بالبعث من عباد الأوثان، والدهرية والفلاسفة، والباطنية وأصحاب الديانات الفاسدة، التي تؤمن بالتناسخ وغيرهم.\n\"وكل ذلك كفر وتكذيب بالآيات القرآنية الدالة على الإعادة الجسمانية.\nخلافًا لما ذهب إليه حمقى ﴿كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩]، ولذا رد عليهم بقوله:\" وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته، بل هما يستويان في قدرتي، بل الإعادة أسهل \" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب تفسير القرآن، باب ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [البقرة: ١١٦] ح (٤٤٨٢).\n(^٢) العراقي: طرح التثريب، مكتبة الباز - مكة، ط ١ ١٤٢٤ هـ (٨/ ١٦١).\n(^٣) القاري: مرقاة المفاتيح، دار الفكر - بيروت، ط ١ ١٤٢٢ هـ (١/ ٩٤).","vol":"1","page":208},{"text":"وكلا الأمرين خطيئة عظيمة، لكن التكذيب أعظم، لما في التكذيب والشتم الفظاعة والهول، أن المكذب منكر للحشر، يجعل الله كاذبًا والقرآن المجيد الذي هو مشحون بإثباته مفترى، ويجعل حكمة الله في خلقه السماء والأرض عبثًا، والشاتم يحاول إزالة المخلوقات بأسرها، ويزاول تخريب السماوات من أجلها (^١).\nولذا يقول ﷿ في سورة التين: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ [التين:٧ - ٨].\nوالخطاب في الآية موجه لبني آدم: \"يعني: يا ابن آدم ما يكذبك بالجزاء في المعاد، وقد علمت البدأة، وعرفت أن من قدر على البداءة فهو قادر على الرجعة بطريق الأولى، فأي شيء يحملك على التكذيب بالمعاد وقد عرفت هذا؟ \" (^٢).\n\"وقيل: الخطاب موجه للكافر، توبيخًا وإلزامًا للحجة، أي: إذا عرفت أن الله خلقك في أحسن تقويم، وأنه يردك إلى أرذل العمر، وينقلك من حال إلى حال، فما يحملك على أن تكذب بالبعث والجزاء، وقد أخبرك النبي - ﷺ - به\" (^٣).\nوصوّب الإمام ابن تيمية قول من قال: إن مرجع الخطاب هو: النبي - ﷺ - فقال: \"والصواب ما قاله الفراء والأخفش وغيرهما، وهو الذي اختاره أبو جعفر محمد بن جرير الطبري وغيره من العلماء كما تقدم وكذلك ذكره أبو الفرج ابن الجوزي عن الفراء فقال: إنه خطاب للنبي - ﷺ -، والمعنى: فمن يقدر على تكذيبك بالثواب والعقاب بعد ما تبين له، أنا خلقنا الإنسان على ما وصفنا\" (^٤).\nوخلاف الأئمة في (ما)، من قوله: (فما يكذبك) كما يلي (^٥):\n_________\n(^١) المناوي: فيض القدير، المكتبة التجارية الكبرى - مصر، ط ١ ١٣٥٦ هـ (٤/ ٤٧٣).\n(^٢) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ت: سامي سلامة (٨/ ٤٣٥).\n(^٣) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط ٢ - ١٣٨٤ هـ، (٢٠/ ١١٦).\n(^٤) ابن تيمية: دقائق التفسير، مؤسسة علوم القرآن - دمشق، ط ٢ - ١٤٠٤ هـ (٣/ ١٦٠).\n(^٥) مكي بن أبي طالب: الهداية إلى بلوغ النهاية، مجموعة بحوث الكتاب والسنة، كلية الشريعة، جامعة الشارقة، ط ١ ١٤٢٩ هـ (١٢/ ٨٣٤٧).","vol":"1","page":209},{"text":"- مذهب بعضهم إلى أن (ما) على بابها، والمعنى: فما شيء يكذبك أيها المكذب، أي: فأي شيء يحملك على التكذيب بالجزاء والبعث بعد ظهور الآيات والبراهين.\n- وذهب البعض الآخر إلى أن (ما) بمعنى (من)، والتقدير: فمن يكذبك يا محمد بالجزاء والبعث بعد هذه الحج والبراهين والآيات واستبعد السمعاني هذا القول وقال:\" القول الأول هو القول المعروف، وهو أولى، لأن (ما) بمعنى (من) يبعد في اللغة \" (^١).\nوعلى كلا القولين، فإن العجب كل العجب، من شاهد وعاين الآيات ثم عاند وكذب، فأي دليل أظهر وأوضح من دليل تدرج أحول الإنسان على قدرة الخالق العظيم على الحشر والنشر.\nيقول الإمام الرازي عن بيان وجه التعجب في هذه الآية:\" أن خلق الإنسان من النطفة، وتقويمه بشرًا سويًا، وتدريجه في مراتب الزيادة إلى أن يكمل ويستوي ثم تنكسيه إلى أن يبلغ أرذل العمر، دليل واضح على قدرة الخالق على الحشر والنشر، فمن شاهد هذه الحالة، ثم بقي مصرا على إنكار الحشر فلا شيء أعجب منه\" (^٢).\nوالعجب كل العجب، ممن يعرف النشأة الأولى ثم ينكر النشأة الآخرة ... وعجبًا ممن ينكر البعث والنشور، وهو في كل يوم وليلة يموت ويحيا، يعني: في النوم واليقظة (^٣).\nوعجبًا ممن يكابر في المعاد، وهو يرى في كل لحظة أمام عينيه من دلائل القدرة الإلهية ما يبهر العقول ويأخذ بالألباب.\nولما قصّ الله جل وعلا قصة الرجل الذي مر بقرية، فقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، فأراه الله من دلائل القدرة الإلهية، في طعامه وشرابه وحماره عيانًا، ما يكون سببًا في الإيمان واليقين فعند ذلك قال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)﴾ أي أنا عالم بهذا وقد رأيته عيانًا فأنا أعلم أهل زماني بذلك.\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن دار الوطن - الرياض، ط ١ ١٤١٨ هـ (٦/ ٢٥٤).\n(^٢) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٣٢/ ٢١٣).\n(^٣) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٢/ ٢٧٨)","vol":"1","page":210},{"text":"وقال بعضهم في معنى الآية: هو أمر له بالعلم، وعلى قراءة (قال اعْلمْ) على معنى: الزم هذا العلم لما عاينت وتيقنت (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>المسألة الثانية أسباب استبعاد المنكرين للبعث والمعاد</span>\nذكر الله ﷾: أن من الأسباب التي تحول من قبول الحق والإذعان إليه، عدم الإيمان باليوم الآخر والتكبر، قال جل وعلا بعد إقامة الحجة على المشركين بتوحيده: ﴿فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢)﴾ [النحل:٢٢].\nوعدم الإيمان باليوم الآخر، له أسباب تحول دونه، منها:\n- إتباع الشهوات والملذات، وتقديم الهوى على داعي الإيمان والعقل ... والفطرة، ولذا فسد الاعتقاد وانجرف المنهج، مع ما في النفس من الرغبة الجامحة للتفلت من التكاليف الشرعية، التي يعتبرونها تقييدًا لحرياتهم، مع الترف الذي يعيشونه، فإن إيمانهم بالمعاد يحد من ترفهم.\n- ما يبثه الشيطان في أنفسهم من شكوك وشبهات، تؤدي بهم إلى التشكيك في المعاد، وإنكار البعث والحساب والجزاء.\n- أن المنكرين كانوا أصحاب نفوذ وسلطة، وإيمانهم بالمعاد تنازع سلطتهم وتجد من نفوذهم.\nوقد تجرأت بعض الطوائف المنحرفة عن الصراط المستقيم، فأنكرت البعث والجزاء من أساسه، لأنهم أنكروا المبدأ الأول من أصول الإيمان وأركانه، وهذه هي الزندقة المطلقة (^٢)، فيقال لهؤلاء وأمثالهم:\n_________\n(^١) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، دار طيبة للنشر والتوزيع، ط ٢ - ١٤٢٠ هـ، ت: سامي سلامة (١/ ٥٢٨)، القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط ٢ - ١٣٨٤ هـ، (٣/ ٢٩٧).\n(^٢) ابن تيمية: بغية المرتاد (٣٣٦)، غالب عواجي: الحياة الآخرة (١/ ١٣٣).","vol":"1","page":211},{"text":"بناء على القانون الذي اخترعتموه، وآمنتم به إيمانًا جازمًا، فيما يتعلق بالعلوم الكونية، وهو قانون (القصور الذاتي) الذي ينص على: أن كل ساكت يبقى على سكوته حتى يحركه محرك، وكل متحرك يمضي في حركته واتجاهه، فلا يقف عن حركته، ولا يلوي عنها إلا بعامل يسكنّه، أو يحوله عن اتجاهه، وهذا يعني: أن الجسم الساكن سوف يظل ساكنًا، والمتحرك يبقى متحركًا ما لم تؤثر فيه قوة تحركه (^١).\nفبناء على هذا القانون يرد هذا التساؤل:\nعناصر الأرض الميتة (أوكسجين + أوروجين) وهما جماد، كما تقولون - ونحن معكم أيضًا - فإذا نزل الماء الجماد المركب من عنصرين ميتين على الأرض الميتة، سرت فيها الحياة -كما تقولون في علم الأحياء ونحن معكم- وقد سبق القرآن العزيز بتقرير ذلك أكثر من مرة: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم:٢٤]، فمن الذي أخرج الماء الميت المركب من عناصر ميتة، والأرض الميتة من موتها؟ ومن الذي بعث الحياة في هؤلاء العناصر والأموات؟\nفإن أجبتم بأنه القوي الباطن الذي لا تدركه الأبصار القادر الظاهر البارئ، لما نرى من مخلوقات وآثار، الذي وصف نفسه بقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أكملنا بكم الآية الكريمة من سورة الروم ١٩ ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)﴾ وهنا لزمكم الاعتراف بالخالق الباعث. وإن عجزتم عن الإجابة: أحلتكم عن مواطن الإجابة مسطورة ومنشورة ومرئية ومسموعة، لكي تنظروا بأعينكم في هذا الكون المملوء بالآيات والآثار والظواهر والأسرار، ﴿انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ... [يونس:١٠١] ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠)﴾ [الذاريات:٢٠].\n_________\n(^١) انظر: موقع واتا: الجمعية الدولية للمترجمين واللغويين العرب، مقال الدكتور: مسلم المياح، بعنوان قوانين الحركة لنيوتن، بتاريخ: ٢/ ٤ /٢٠١٠. (www.wata.cc)","vol":"1","page":212},{"text":"وإن نكلتم عن الإجابة وأصررتم على العناد، فلا سبيل لإقناعكم أو هدايتكم ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف:١٨٦] (^١).\nومع هذا الإنكار السافر للمبدأ أو المعاد، فقد اعترفت طائفة أخرى بالمبدأ لكنها أنكرت المعاد، وكفرت باليوم الآخر، فيقال لأمثال هؤلاء:\nإن آمنتم بأن للعالم إلهًا حقًا، وجب عليكم الإيمان بكل ما أخبر به، مما جاء في وحيه، على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام، ومما أخبر به الإله الحق المبين قضايا اليوم الآخر والبعث والجزاء، فإما:\nأن تصدقوا، أو تكذبوا، فإن صدقتم فأنتم مؤمنون، وإن كذبتم وأنكرتم رجعتم إلى حال الطائفة الأولى التي كفرت بالله واليوم الآخر، لأن أركان الإيمان متلازمة، فالإيمان بها متلازم، والكفر بأحدها كفر بها جميعًا، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠)﴾ ... [النساء:١٥٠].\nوفي مقابل هاتين الطائفتين، طائفة أخرى أثبتت المبدأ والمعاد، وإلا أنهم قصروا في فهم حقيقة المعاد، فأثبتوا جزءًا من المعاد، وأنكروا جزءًا منه فأثبتوا المعاد الروحي، وأنكروا المعاد الجسماني.\nوهذا مع كونه انحرافًا عن المعتقد الصحيح، إلا أنه مخالف أيضًا للنصوص المتكاثرة والمتضافرة والمستفيض من الكتاب والسنة وإجماع السلف على إثباته المعاد البدني (^٢).\n_________\n(^١) الغزالي خليل عيد: ثمرات الإيمان بالله واليوم الآخر، ضمن مجلة البحوث الإسلامية العدد الثامن ١٤٠٤ (٨/ ٢٧٠ - ٢٧٢) بتصرف.\n(^٢) القصري: شعب الإيمان ت: سيد كسروي، ص (٥٨٦).","vol":"1","page":213},{"text":"وقال المتكلمون في معرض ردهم على الفلاسفة: ولكن نعلم باضطرار إجماع الأنبياء من أولهم إلى آخرهم على إثبات العاد البدني، وهذا الذي قالوه صحيح وحجة صحيحة على إثبات المعاد البدني، كما قال شيخ الإسلام، إلا أنهم قصروا في عدم الاحتجاج على ذلك بالقرآن وبالأخبار وبإجماع السلف (^١).\nفحق بعد هذا أن يقال: إن إنكار المعاد عجب من الإنسان، إذ هو محض إنكار الرب والكفر به، والجحد لإلهيته وقدرته، وحكمته وعدله وسلطانه (^٢).\nقال الإمام الرازي مبينا أن من مساوئ القول بإنكار الحشر والنشر، الشك في حكمة الله تعالى: \" ولما بيّن الله تعالى على سبيل الإجمال، أن إنكار الحشر والنشر يوجب الشك في حكمة الله تعالى، بين ذلك على سبيل التفصيل فقال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ [ص:٢٨]، وتقديره: أنا نرى في الدنيا من أطاع الله واحترز عن معصيته في الفقر والزمانة وأنواع البلاء، ونرى الكفرة والفساق في الراحة والغبطة، فلو لم يكن حشرة ونشر ونعاد، فحينئذ يكون حال المطيع أدون من حال العاصي، وذلك لا يليق بحكمة الحكيم الرحيم، وإذا كان ذلك قادحًا في الحكمة، ثبت أن إنكار الحشر والنشر يوجب إنكار حكمة الله \" (^٣).\nفثبوت المعاد معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، ولا يمكن دفع العلوم الضرورية، فلو لم يكن المعاد حقا لزم:\n- إما جحد كون الرسول - ﷺ -، أخبر به.\n- وإما جحد صدقه فيما أخبر، وكلاهما ممتنع، وإلا فمن علم أن الرسول أخبر به، وعلم أنه لا يخبر إلا بحق، علم بالضرورة أن المعاد حق (^٤).\n_________\n(^١) ابن تيمية: بيان تلبيس الجهمية، المجمع لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (٢/ ٧٣).\n(^٢) ابن القيم: مدارج السالكين، دار الكتاب العربي - بيروت، ط ٣ ١٤١٦ هـ (١/ ١٤٦)\n(^٣) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٢٦/ ٣٨٨).\n(^٤) انظر: ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل، جامعة الإمام محمد بن سعود - السعودية، ط ٢ - ١٤١١ هـ (٥/ ٣٠١).","vol":"1","page":214},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>المسألة الثالثة الدلائل اليقينية الدالة على البعث والمعاد:</span>\nالدلائل اليقينية الدالة على إثبات المعاد ووقوعه كثيرة، وهي تدل على صحة القول بالمعاد. ومما يدل على صحة القول بالمعاد أمور (^١):\nأ - أن العقلاء اختلفوا في وقوعه، وقال بإمكانه عالم من الناس وهم جمهور أرباب الملل والأديان، وما كان معلوم الامتناع بالبديهة، امتنع وقوع الاختلاف فيه.\nب - أنا إذا رجعنا إلى عقولنا السليمة، وغرضنا عليها: أن الواحد ضعف الاثنين، وعرضنا عليها أيضًا هذه القضية، لم نجد هذه القضية في قوة الامتناع مثل القضية الأولى.\nج - أنه ﷾ كر أمثلة كثيرة دالة على إمكان الحشر والنشر منها:\n١ - قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩)﴾ [فاطر:٩].\nو﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ [الحج:٥ - ٦].\n﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٢١)﴾ [الزمر:٢١].\n﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣)﴾ [عبس: ٢١ - ٢٣].\nفهذه الآيات الكريمات فيها إشارة ظاهرة بينة للمعاد تظهر للعيان حين نرى الأرض خاشعة وقت الخريف، وترى اليبس مستوليا عليها بسبب شدة الحر في الصيف، ثم إن الله تعالى ينزل المطر عليا وقت الشتاء والربيع فتصير بعد ذلك متحلية بالأزهار العجيبة والأنوار الغريبة، ففيها تنبيه على أمر المعاد.\n_________\n(^١) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (١٧/ ١٩٤).","vol":"1","page":215},{"text":"٢ - ما يحده كل واحد منا من نفسه من الزيادة والنمو بسبب السمن، ومن النقصان والذبول بسبب الهزال، ثم إنه قد يعود إلى حالته الأولى بالسمن.\nوإذا ثبت هذا فنقول: ما جاز تكوّن بعضه لم يمتنع أيضًا تكوّن كله، ولما ثبت ذلك ظهر أن الإعادة غير ممتنعة، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١)﴾ [الواقعة:٦١].\nفهذه الأمور وغيرها، تدل على أن القول بالمعاد، وحصول الحشر والنشر غير مستبعد في العقول، مع القول بأن إثبات إمكان الشيء لا يعقل إلا بطريقين:\nأحدهما: أن يقال: إن مثله ممكن، فوجب أن يكون هذا أيضًا ممكنا.\nوالثاني: أن يقال: إن ما هو أعظم منه وأعلى حالًا منه، فهو أيضًا ممكن.\nوكلا الطريقين مبين في القرآن الكريم بأوضح بيان، وأكمل برهان.\nعلى أنه لو لم يحصل للإنسان معاد، لكان الإنسان أخس من جميع الحيوانات في المنزلة والشرف، واللازم باطل، فالملزوم مثله، وذلك أن مضار الإنسان في الدنيا أكثر من مضار جميع الحيوانات، فإن سائر الحيوانات قبل وقوعها في الآلام والأسقام، تكون فارغة البال، طيبة النفس، لأنها ليس لها فكر وتأمل أما الإنسان فإنه بسبب ما يحصل له من العقل يتفكر أبدًا في الأقوال الماضية والأقوال المستقبلة، فيحصل له بسبب أكثر الأحوال الماضية أنواع من الحزن والأسف، ويحصل له بسبب أكثر الأحوال الآتية أنواع من الخوف، فلو لم يحصل للإنسان معاد به تكمل حلته، وتظهر سعادته، لوجب أن يكون كمال العقل سببًا لمزيد من الهموم والغموم والأحزان من غير جابر يجبر، ومعلوم أن كل ما كان كذلك، فإنه يكون سببًا لمزيد الخسة والدناءة والشقاء والتعب الخالية عن المنفعة.\nفثبت أنه لولا حصول السعادة الأخروية لكان الإنسان أخس الحيوانات ولما كان ذلك باطلًا قطعًا، علمنا أنه لا بد من الدار الآخرة، وأن الإنسان خلق للدار الآخرة لا للدنيا، وأنه بعقله يكتسب موجبات السعادات الأخروية، فلهذا السبب كان العقل شريفًا (^١).\n_________\n(^١) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (١٧/ ١٩٨).","vol":"1","page":216},{"text":"وخلاصة الأمر: فإن المعاد والبعث حق لا ريب فيه، وإن اختلاف المختلفين في الحق، لا يوجب انقلاب الحق في نفسه، وإنما تختلف الطرق الموصلة إليه، والحق في نفسه واحد، فلما ثبت أن هاهنا حقيقة موجودة لا محالة، وكان لا سبيل لنا في حياتنا هذه إلى الوقوف عليها وقوفًا يوجب الائتلاف، ويرفع عنا الاختلاف إذا كان الاختلاف مركوزا في فطرنا، وكان لا يمكن ارتفاعه وزواله إلا بارتفاع هذه الجبلة ونقلها إلى جبلة غيرها، صح ضرورة أن لنا حياة أخرى غير هذه الحياة، فيها يرتفع الخلاف والعناد، وهذه الحال هي الحال التي وعد الله بالمصير إليها فقال: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ﴾ [الأعراف:٤٣] (^١).\nوما ذكر من أن اختلاف المختلفين لا يوجب انقلاب الحق في نفسه، يوجب ذكر شبه المنكرين، وتعلقات الجاحدين المكذبين، ليتبين ضعفها وسقوطها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>المسألة الرابعة شبهات منكري البعث:</span>\nتعلق منكرو البعث بجملة من الشبهات، قادتهم إلى إنكار البعث والمعاد ومجموع هذه الشبهات تنقسم إلى قسمين: إما شبهات عقلية، استبعد لأجلها المنكرون البعث والمعاد، وإما شبهات فلسفية، سودت بها الكتب في محاولة بائسة يائسة لإنكار ما عُلم من دين الرسل بالاضطرار، وما تواترت فيه نصوص الوحيين.\nوقد تستجد حسابات المنكرين والجاحدين للبعث والمعاد، وتتغير أطروحاتهم وتتغير أسباب إنكارهم، بناء لما أشربت قلوبهم من شبهات وتعلقت نفوسهم من أهواء، ففي العصور المتأخرة ظهرت جماعات من المنكرين المنسلخين من تعاليم الدين، ممن يعرفون أنهم أهل العقول والفكر والفهوم، فتأولوا النصوص المثبتة للبعث والمعاد، إلى ما يوافق أهواءهم ويماشى مع رغباتهم.\n_________\n(^١) الزركشي: البرهان في علوم القرآن، دار إحياء الكتب العربية، ط ١ ١٣٧٦ هـ (٢/ ٢٧).","vol":"1","page":217},{"text":"\"فالبعث في نظر صادم النيهوم، ليس سوى خروج الإنسان من عالمه الطفولي الغائب في ظلام اللاوعي إلى عالم العقل الحاضر في ضوء الصحوة واليقين. فالبعث لا يتحقق بإحياء رجل ميت، بل بإعادة الوعي إلى جيل غائب عن عالم الوعي، في حين يذهب حسن حنفي إلى مفهوم البعث عنده هو بعث للأمة والحزب، متأثرًا بيساريته الثورية، محاولًا تأويل النصوص وتفسيرها تفسيرًا ماديًا (ماركسيًا)، وهو يفسر البعث والمعاد بأن المعاد إنساني تكشف عنه رغبة الإنسان في مقاومة الموت واستمرار الحياة عن طريق إفعاله في الدنيا وآثاره في الناس، فيتحول وجوده الفردي إلى وجود جماعي، ويخلد الفرد في الجماعة، ويبقى في الأمة.\nوكذا ذهب صادق جلال العظم إلى أن البعث إنما هو خرافة ميتا فيزيقية فلا بعث ولا نشور، لا ظاهريًا ولا باطنيا، إذا النصوص الدينية لا تستحق في نظره أن ينظر في مدلولاتها ومعانيها، إذا ما هي إلا أوهام اخترعها الإنسان لسد رغباته النفسية\" (^١).\nوهذه الأقاويل الفاسدة، والتأويلات المنحرفة، مع كونها كذلك، إلا أنها مصادمة للنصوص الشرعية، ولإجماع أهل الديانات على إثبات المعاد. مع افتقاد هذه الأقوال إلى أدنى دليل يدل عليها، فهم يلقون الكلام على عواهنه دون قدرة على إقامة الأدلة على ما يذهبون إليه.\nفهذه أقوال ساقطة، لا توجد لها أي دلائل علمية يعتمد عليها، على أن العقلاء وغيرهم على إمكان المعاد، قال شمس الدين السمرقندي: والدليل المطلق على المعاد الجسماني: أنه يمكن في نفسه، والصادق أخبر عنه، فوجب القول به.\nأما الأول: فلأن الإمكان ها هنا بالنظر إلى القابل والفاعل، وهما حاصلان ... أما بالنظر إلى القابل، فلما قرّ في صدر الكتاب من جواز العود، وأما بالنظر إلى الفاعل فللزومه لأمرين حاصلين:\nأحدها: كونه تعالى قادرًا على الإيجاد.\n_________\n(^١) هذا المبحث المتعلق بشبهات العلمانية مستفاد من الرسالة العلمية للباحث الدكتور: عواد برد العنزي والموسومة بـ (المعاد الأخروي وشبهات العلمانيين، رسالة علمية مقدمة لجامعة أم القرى بمكة المكرمة ١٤٢٠ هـ، ص (٢١٢ - ٢٢٤ بتصرف)","vol":"1","page":218},{"text":"والثاني: كونه عالمًا بأعيان أجزاء كل شيء، لما قر أنه تعالى عالم الجزئيات ... وإنما قلنا: إن الصادق أخبر عنه لاتفاق قول الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على ذلك (^١).\nالشبهات العامة لمنكري البعث:\n١ - قال منكرو البعث: إنه لا دليل على البعث والمعاد: وقال الله تعالى حكاية عنهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢)﴾ [الجاثية:٣٢].\nفالله جلّ وعلا يقول: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾: أي: البعث كائن، ﴿وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾: أي القيامة لا شك في وقوعها، ﴿قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ﴾: أي: أي شيء هي! لا نعرفها، ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا﴾: أي إن نتوهم وقوعها إلا توهمًا ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾: أي: بمتحققين، فعاقبهم الله ﷿، جزاء وفاقًا فقال: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٣) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٤) ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥)﴾ ... [الجاثية: ٣٣ - ٣٥].\n٢ - قال منكرو البعث: إن البعث أسطورة تاريخية لا حقيقة له:\nقال الله تعالى حاكيا ذلك عنهم: ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣)﴾ [المؤمنون:٨١ - ٨٣].\n_________\n(^١) السمرقندي: الصحائف الإلهية، مكتبة الفلاح للنشر، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، ص (٤٤٠)","vol":"1","page":219},{"text":"فهؤلاء المكذبون من المشركين قالوا مثل ما قال الأولون من الأمم المكذبة بالبعث، قالوا: أنبعث إذا كنا ترابًا وعظامًا، فاستبعدوا ذلك وأنكروه، وقال: لقد وعدنا ووعد آباؤنا من قبل بالبعث بعد الموت، فلم نر له حقيقة وقالوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: يعني: ما سطره الأولون في كتبهم من الأحاديث والأخبار التي لا صحة لها ولا حقيقة.\nثم رد المولى جل وعلا على هؤلاء المنكرين بالبعث بقوله: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥)﴾ [المؤمنون:٨٤ - ٨٥]، أي: أفلا تعتبرون أن من خلق ذلك وابتدأه وملكه، أنه يقدر على إحيائكم بعد مماتكم، وإعادتكم خلقًا كما كنتم (^١).\n٣ - قال منكرو البعث: إن أمر البعث فرية لا صحية لها:\nقال تعالى حكاية عنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧) أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (٨)﴾ [سبأ: ٧ - ٨].\n_________\n(^١) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، (١٢/ ١٤٥)، البغوي: معالم التنزيل (٣/ ٣٧٢).","vol":"1","page":220},{"text":"هذا إخبار من الله تعالى عن استبعاد الكفرة الملحدين قيام الساعة واستهزائهم برسول الله - ﷺ - في إخباره بذلك، فقال قريش بعضهم لبعض ... ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ﴾ يعنون محمدًا - ﷺ - وإنما نكروه مع أنه كان مشهورًا علمًا في قريش، وكان إنباؤه بالبعث شائعًا عندهم، تجاهلًا به وبأمره، (يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي: يحدثكم بأعجوبة من الأعاجيب أنكم تبعثون وتنشؤون خلقًا جديدًا، بعد أن تكونوا رفاتًا وترابًا، ويمزق أجسادكم البلاء كل ممزق، أنكم بعد هذا الحال ﴿لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي: تعودون أحياء ترزقون، ثم قالوا: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أي: هذا الإخبار لا يخلو من قسمين: إما أن يكون قد تعمد الافتراء على الله أنه قد أوحي إليه ذلك، أو أنه لم يتعمد لكنه لبّس عليه كما يلبس على المجنون والمعتوه، فكذبهم الله تعالى، ورد عليهم بقوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ أي: ليس الأمر كما زعموا، ولا كما ذهبوا، بل محمد - ﷺ -، هو الصادق البار الراشد الذي جاء بالحق، وهم الكذبة الجهلة الأغبياء فهم في الكفر المقضي إلى عذاب الله، وفي الضلال البعد من الحق في الدنيا.\nثم ذكر الله جل وعلا لهم أية معانيه، فيها الدلالة لمن كان له عقل على البعث والمعاد، فقال سبحانه: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩)﴾ [سبأ:٩].\nفالله الذي خلق السموات والأرض وما فيهن قادر على البعث، وعلى تعجيل العقوبة لهم، فاستدل بقدرته عليهم، وأن السماوات والأرض ملكه وأنهما محيطتان بهم من كل جانب، فكيف يأمنون؟ (^١).\n_________\n(^١) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن (١٤/ ٢٦٤)، ابن كثير: تفسير القرآن العظيم (٦/ ٤٩٦)، النسفي: مدارك التنزيل (٣/ ٥٤)، ابن الجوزي: زاد المسير ص (٣/ ٤٩٠).","vol":"1","page":221},{"text":"٤ - الإنكار بذريعة إعادة الموتى، قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥)﴾ [الجاثية:٢٥].\nفأخبر المولى جل وعلا، بأنهم إذا تليت عليهم الآيات، واستدل عليهم بها وتبين لهم الحق، وأن الله قادر على إعادة الأبدان بعد فنائها وتفرقها، ﴿مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ) أي: إنكارهم للبعث، ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: أحيوهم إن كان ما تقولونه حقًا، ليشهدوا لنا بصحة البعث فرد الله تعالى عليهم فقال: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾ [الجاثية:٢٦].\nوهذه شبهة ضعيفة جدًا، بل ساقطة، لأنه ليس كل ما لا يحصل في الحال وجب أن يكون ممتنع الحصول، فإن حصول كل واحد منا كان معدومًا من الأزل إلى الوقت الذي حصلنا فيه، ولو كان عدم الحصول في وقت معين يدل على امتناع الحصول، لكان عدم حصولنا كذلك، وذلك باطل بالاتفاق (^١)\nولقد وقعت تلك الشبهة ذريعة لإنكار المعاد، فلو قام النبي - ﷺ - بإحياء أقارب الكافرين، لجاءته الطلبات تترى من كل حدب وصوب، ولعلق كل إنسان إيمانه بالمعاد بإحياء شخص من ذويه (^٢).\n٥ - قال منكرو البعث:\nالموت بارد يابس، والحياة طبعها الرطوبة والحرارة، فإذا حل الموت بالجسم لم يمكن أن تحل فيه الحياة بعد ذلك بالتضاد ما بينهما.\n_________\n(^١) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٢٧/ ٦٧٩).\n(^٢) السبحاني: مفاتيح القرآن، مؤسسة الإمام الصادق، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٨/ ٤٣).","vol":"1","page":222},{"text":"قال الإمام ابن القيم:\" وهذه شبهة تليق بعقول المكذبين الذين لا سمع لهم ولا عقل، فإن الحياة لا تجامع الموت في المحل الواحد ليلزم ما قالوا، بل إذا أوجد الله فيه الحياة وطبعها، ارتفع الموت وهذا الشجر الأخضر طبعه الرطوبة والبرودة، تخرج منه النار الحارة اليابسة \" (^١).\nوها نحن أولاد أبناء البشر، مع ضعفنا وعجزنا قد استطعنا بما كشفنا من قوانين ونواميس وضعها رب هذا الكون في الكون، - وعلمناها بما شاء من وسائل التعليم - أن نعيد الحرارة بعد ذهابها بالضغط على (زر كهربائي) أفيجوز بعد ذلك أن نتساءل هذا التساؤل الساذج القائل: من ذا الذي يستطيع أن يوجد الحرارة بعد ذهابها من الجسم بموته، أو تمزقه، أو فنائه! (^٢).\n٦ - قال منكرو البعث: إن الإنسان إذا مات جفت أعضاؤه، وتناثرت وتفرقت في حوالى العالم، فاختلط بتلك الأجزاء سائر أجزاء العالم، أما الأجزاء المائية في البدن فتختلط بمياه العالم، وأما الأجزاء الترابية فتختلط بتراب العالم، وأما الأجزاء الهوائية فتختلط بهواء العالم، وأما الأجزاء النارية فتختلط بنار العالم وإذا صار الأمر كذلك فكيف يُعقل اجتماعها بأعيانها مرة أخرى!؟ وكيف يعقل عود الحياة إليها بأعيانها مرة أخرى!\nقال الإمام الرازي:\" والجواب عنها: \" أن هذا الإشكال لا يتم إلا بالقدح في كمال علم الله وفي كمال قدرته، أما إذا سلمنا كونه تعالى عالمًا بجميع الجزئيات، فحينئذ هذه الأجزاء وإن اختلطت بأجزاء العالم إلا أنها متمايزة في علم الله تعالى، ولما سلمنا كونه تعالى قادرًا على كل الممكنات، كان قادرًا على إعادة التأليف والتركيز والحياة والعقل إلى تلك الأجزاء بأعيانها، فثبت أنه متى سلمنا كمال علم الله وكمال قدرته زالت هذه الشبهة بالكلية\" (^٣).\n_________\n(^١) ابن القيم: إعلام الموقعين، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤١١ هـ (١/ ١١٠).\n(^٢) الغزالي عيد: ثمرات الإيمان باليوم الآخر: مقال ضمن مجلة البحوث الإسلامية، العدد ٨، ١٤٠٣ هـ (٢٧٦)\n(^٣) الرازي: مفاتيح الغيب (٢٠/ ٣٥٢)، يسر ميض: اليوم الآخرص (١٧).","vol":"1","page":223},{"text":"٧ - قال منكرو البعث: إن إعادة الشيء الذي انعدم وفني مستحيلة فيكف تقولون بها؟\nوالجواب أن يقال: بمنع امتناع الإعادة، إذ الإعادة أسهل من البدء - في مقاييسنا نحن البشر - أما في قدرة الله تعالى، فالبدء والإعادة سواء، كلاهما على الله يسير، قال جل وعلا: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾ [الروم:٢٧].\nقال التفتازاني: \"ولو سلم فالمراد: إعادة الأجزاء إلى ما كانت عليه من التأليف والحياة ونحو ذلك، ولا يضرنا كون المعاد مثل المبدأ لا عينه \" (^١). ... ويشار هنا إلى إجماع أهل السنة إلى أن الأجسام الدنيوية تعاد بأعيانها وأعراضها، كما نقله جماعة من أهل العلم منهم الإمام القرطبي (^٢).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والمعاد هو الأول بعينه، وإن كان ين لوازم الإعادة ولوازم البدأة فرق\" (^٣)، فعجب الذنب هو الذي يبقى، وأما سائره فيستحيل، فيعاد من المادة التي استحال إليها، ومعلوم أن من رأى شخصًا وهو صغير، ثم رآه وقد صار شيخًا، علم أن هذا هو ذاك، مع أنه دائمًا في تحلل واستحالة، وكذلك سائر الحيوان والنبات، فمن رأى شجرة وهي صغيرة، ثم رآها كبيرة، قال: هذه تلك، وليست صفة تلك النشأة الثانية مماثلة لصفة هذه النشأة، حتى يقال إن الصفات هي المتغيرة (^٤).\nوذكر الإمام أبو الحسن الأشعري أن أكثر المسلمين يقولون: إن المبتدأ في الدنيا هو المعاد في الآخرة (^٥).\n_________\n(^١) التفتازاني: شرح المقاصد في علم الكلام، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٢٢ هـ (٢/ ٢١٣).\n(^٢) القرطبي: التذكرة، ص (٢٠٧)، السفاريني: لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٦١).\n(^٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف (١٧/ ٢٥٥).\n(^٤) ابن أبي العز: شرح الطحاوية، وزارة الأوقاف السعودية، ط ١ ١٤١٨ هـ، ص (٤١٠).\n(^٥) الأشعري: مقالات الإسلاميين، المكتبة العصرية، ط ١ ١٤٢٦ هـ، ص (٢/ ٦٢).","vol":"1","page":224},{"text":"٨ - قال منكرو البعث: إن الإعادة أمر خارج عن نطاق القدرة، فهذا العالم أجهده وأعياه، فلا يستطيع رده بعدما أفناه، فإحياء الموتى أمر غير ممكن!\nوجوابًا عن هذه الشبهة السقيمة يقال: إنما يعيا ذو القدرة المحدودة، الذي يبذل جهدًا في العمل، ويحتاج لآلة أو طاقة، أما الآلة القادر على كل شيء فهو كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس:٨٢]، وحيث أن إحياء الموتى أمر ممكن وليس محالًا، فسعة القدرة الإلهية شاملة لهذا المورد، يقول تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤)﴾ [هود:٤].\nقال جل شأنه: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)﴾ [البقرة:١٤٨]، فذكر سبحانه أمر المعاد وأردفه بالعموم وشمول القدرة الإلهية، وذكر القدرة دليل على إمكان الإعادة.\n٩ - قال منكرو البعث: أن المعاد أمر لا فائدة فيه، فما الداعي لتخريب هذا العالم بعد إبداله بعالم آخر! والحكمة تقتضي دوام النوع الإنساني شيئًا بعد شيء، هكذا أبدًا، كلما مات جيل خلقه جيل آخر، فأما أن يميت النوع الإنساني كله ثم حييه بعد ذلك، فلا حكمة فيه!!\nقال جوابًا عن هذه الشبهة: إن حكمة الله تعالى وعظمته أكبر مما تجلى في هذا العالم الذي خلقه للفناء، ولو كانت حكمته محدودة بهذه الدنيا الفانية، لكان خلقها كالعبث واللعب، والله جل وعلا وتقدس منزه عن ذلك سبحانه.\n١٠ - قال منكرو البعث: إذا أكل إنسان إنسانًا آخر، وصارت أجزاء المأكول في أجزاء الأول: فكيف يعودان؟ إما أن تعاد إلى بدن الآكل فلا يبقى للمأكول أجزاء تخلق منها أعضاؤه، وإما أن تعاد إلى بدن المأكول منه فلا يبقى للآكل أجزاء! بمعنى: أيعود الشخصان وقد صارا جثة واحدة؟ أم يعود واحد منهما فقط، فأين الثاني؟","vol":"1","page":225},{"text":"جواب هذه الشبهة في قوله جل وعلا: (وهو بكل شيء عليم) ووجهه: أن في الأكل أجزاء أصلية، وأجزاء فضلية، وفي المأكول هي ما كان له قبل الأكل، وهو بكل خلق عليم، يعلم الأصلي من الفضلي، فيجمع الأجزاء الأصلية للأكل، وينفخ فيها روحه، ويجمع الأجزاء الأصلية للمأكول وينفخ فيها روحه، وكذلك يجمع الأجزاء المتفرقة في البقاع، المبدّدة في الأصقاع بحكمته الشاملة، وقدرته الكاملة (^١).\nويدل عليه قوله جل وعلا: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤)﴾ [ق:٤].\nومعنى الآية الكريمة: قد علمنا ما تنقص الأرض، أي: ما تأكل من لحومهم ودمائهم وأشعارهم إذا ماتوا، فلا يعزب ذلك عن علمه، وعندنا مع علمه بذلك كتاب حفيظ، أي حافظ لعددهم وأسمائهم ولما تنقص الأرض منهم، وهو اللوح المحفوظ، قد أثبت فيه ما يكون (^٢).\n١١ - قال منكرو البعث: البعث أمر غيبي غير محسوس، ونحن لا نؤمن إلا بما تدركه الحواس، فلا نصدق بشيء وراء الحس (^٣).\nقيل لهم:\nأولًا: أليس الله جل وعلا قد ضرب الأمثلة، وأقام الشواهد والنماذج المحسوسة التي تشاهدونها بأعينكم، فذكر ﷾ جملة من هذه الدلائل والشواهد، لتفكروا بعقولكم التي تؤمنون بوجودها، مع أنكم لا تشاهدونها ولا تعرفون إلا آثارها، ومنها:\n- اليقظة بعد النوم، فقد استدل به على جواز الحشر والنشر، فإن النوم أخو الموت، واليقظة شبيهة بالحياة بعد الموت، قال جل شأنه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام:٦٠].\n- وقصة أصحاب الكهف وبقرة بني إسرائيل وطيور إبراهيم وغيرها، فيها دلائل ظاهرة بينة على البعث والمعاد.\n_________\n(^١) الرازي: مفاتيح (٢٦/ ٣٠٩)، التفتازاني: شرح المقاصد (٢/ ٢١٣).\n(^٢) ابن الجوزي: زاد المسير، ت: عبدالرزاق المهدي، ص (٤/ ١٥٧).\n(^٣) الغزالي عيد: ثمرات الإيمان بالله واليوم الآخر: ضمن مجلة البحوث الإسلامية العدد ٨، ١٤٠٣ هـ (٢٧٨) بتصرف.","vol":"1","page":226},{"text":"ثانيًا: ماذا تريدون بالمحسوس الذي لا تؤمنون إلا به؟ أتريدون محسوسًا يُرى بالعين أو يسمع بالأذن، أو يشم بالأنف، أو يذاق باللسان، أو يقبض عليه باليد؟\nإن كثيرًا من الأشياء موجودة، ولكنها لا رائحة لها، ولا مذاق لطعمها، ولا يمكن أن تمسك باليد، وأنتم تعرفونها ولا تنكرونها، وتستدلون على وجودها بآثارها.\nثالثًا: هذه الروح التي بين جنبيكم صفوها لنا، وبينوا لنا حقيقتها، أو لا تؤمنون بها، وهي تسري في أجسادكم.\nحدثونا عن الأحياء الدقيقة، والفيروسات الخفية التي تعيش في ثنايا الكون، ولم تكتشف إلا في عهد قريب، هل تؤمنون بها أم لا؟ ونحن لا نعرف عنها إلا الشيء اليسير.\nنجدكم تؤمنون بكثير من الحقائق التي لا تلامسونها، كالكهرباء والمغناطيس وهي من خلق الله تعالى، أفلا تؤمنون بالبعث الذي بينت شواهده، وكثرت دلائله.\n١٢ - قال منكرو البعث: حركات الفلك مستديرة، والمستدير لا ضد له وما لا ضد له لا يقبل الفساد (^١).\n\nفالجواب: أن يُقال: إن الأصل في إبطال هذه الشبهات، أن نقيم الدليل على أن أجرام الأفلاك مخلوقة، ومتى ثبت ذلك ثبت كونها قابلة للعدم والتفرق والتمزق، ولهذا السر فإنه تعالى بدأ في بعض المواضع من القرآن كبداية سورة يونس ﵇، بذكر الدلائل الدالة على حدوث الأفلاك ثم أردفها بما يدل إلى صحة القول بالمعاد.\nفهذه جملة من شبهات منكري البعث والمعاد، ترى كلها متهافتة ساقطة، لا تقوم في نفسها، فضلًا على أن تقوم في الاستدلال على غيرها.\nوكذا من جملة ما ذكر يتبين أن منكري البعث والحشر على قسمين:\nالأول: من لم يذكر فيه دليلًا ولا شبهة، وإنما اكتفى بالاستبعاد، وادعى الضرورة، وهم الأكثر، وتدل عليه دلائل القرآن الكريم بالتي بينت استبعادهم للمعاد، كما قال تعالى حكاية عنهم: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (١٠)﴾ [السجدة:١٠].\n_________\n(^١) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (١٧/ ٢٠٣).","vol":"1","page":227},{"text":"والثاني: من ذكر شبهة، وإن كانت في آخرها تعود إلى مجرد الاستبعاد (^١).\nوقد بين لنا القرآن الكريم سبب استبعادهم وكفرهم وعنادهم فقال: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)﴾ ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾ ق ٥. والحق: هو القرآن، وقيل: الإخبار بالبعث، ولذا دلهم بعد هذه الآية على دلائل قدرته تعالى على البعث فقال: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾ [ق: ٦ - ١١] (^٢).\nفهذا هو المعاد الذي أخبرت به الرسل، فهو برئ من كل أنواع الاعتراضات، وضروب الإلزامات، فلا مطمع للعقل في الاعتراض عليه ولا يقدح فيه بشبهة واحدة (^٣).\n_________\n(^١) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٢٦/ ٣٠٩ بتصرف)\n(^٢) النسفي: مدارك التنزيل (٣/ ٣٦٢)، ابن كثير: تفسير ابن كثير ت: سامي سلامة (٧/ ٣٥٩)\n(^٣) ابن القيم: مفتاح دار السعادة، دار الكتب العلمية - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (٢/ ٣٥)","vol":"1","page":228},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>المبحث الثاني: مشركو العرب والبعث</span>،\nوفيه مطلبان:\n\nالمطلب الأول: العرب الجاهليون وإنكار البعث.\n\nالمطلب الثاني: إيمان بعض الجاهليين بالبعث.","vol":"1","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>المطلب الأول العرب الجاهليون وإنكار البعث:</span>\nالعرب الذي بعث إليهم النبي - ﷺ -، قد أنكروا جملة من الأمور، وجمعت أنواعًا من الكفر منها (^١):\n\n- إنكار البعث وجحده فقالوا: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾ [يس:٧٨].\n- وكان إنكار البعث عند مشركي العرب ظاهرة في أشعارهم، حتى قال بعضهم حياة وموت ثم نشر: حديث خرافة يا أم عمرو.\n- ولبعضهم مرتبة في أهل بدر من المشركين: يقول فيها:\nفماذا بالقليب قليب بدر ... من الشيزي تكلل بالسنام\nيخبرنا الرسول بأن سنحيا ... وكيف حياة أصداء وهام (^٢)\nوقد جعل الشهرستاني الدهرية، الذين يسندون الحوادث إلى الدهر، وأن الدهر يستقل بالتأثير من المعطلة فقال: معطلة العرب أصناف:\n- صنف منهم أنكر الخالق والبعث والإعادة، وقالوا بالطبع المحيي والدهر المفني.\n- وصنف منهم أقروا بالخالق وابتداء الخلق والإبداع، وأنكروا البعث والإعادة (^٣).\nلقد حكى القرآن الكريم تكذيب المشركين بالبعث واستبعاده، إذ كانوا يرون أن الموت نهاية، وأنهم غير مبعوثين، وأن البعث بعد الموت شيء غير معقول، ولذا تعجبوا من قول النبي - ﷺ - بوجود البعث والحساب، ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩)﴾ [الأنعام:٢٩]، ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٨)﴾ [النحل:٣٨]، ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦)﴾ [المؤمنون:٣٥ - ٣٦].\n_________\n(^١) ابن العربي: أحكام القرآن، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ٣ ١٤٢٣ (٢/ ٥٠٨).\n(^٢) الشهرستاني: الملل والنحل (٣/ ٨١)، توفيق برو: تاريخ العرب القديم: ص (٣٠٥).\n(^٣) الشهرستاني: الملل والنحل، مؤسسة الحلبي، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (٣/ ٧٩)","vol":"1","page":230},{"text":"وها هو القرآن الكريم يحكي استبعادهم في صورة يأسهم منه، فيقول سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (١٣)﴾ [الممتحنة:١٣]، قال العلامة السمعاني:\" ﴿... قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ أي: يئسوا من البعث بعد الموت، وهذا في المشركين ظاهر ... لأنهم كانوا ينكرون البعث، وقد أخبر الله تعالى عنهم أنهم قالوا: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ \" (^١).\nوقال جل وعلا في سورة مريم [٦٦]: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦)﴾ وهذا القول خرج من بعض المشركين على وجه الإنكار والاستبعاد، ثم إن الله تعالى أقام الدلالة على صحة البعث بقوله سبحانه: ... ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧)﴾ [مريم:٦٧]، أفلا يعيده وقد صار شيئًا (^٢)، قال بعض العلماء: لو اجتمع كل الخلائق على إيراد حجة في البعث على هذا الاختصار لما قدروا عليها، إذ لا شك أن الإعادة أهون من الإيجاد أولًا (^٣).\nفقضية البعث والمعاد لاقت إنكارًا شديدًا من قِبل المشركين، ولذا كان موضوع البعث أحد الموضوعات التي تندروا بها وسخروا منها، وكانوا يقولون: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٦)﴾ [الدخان ٣٥ - ٣٦].\nومن أنكر البعث على ما ذكره الأخباريون، قوم من قريش كانوا زنادقة أنكروا الآخرة والربوبية، أخذوا زندقتهم هذه من الحيرة (^٤).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن، دار الوطن - الرياض، ط ١ ١٤١٨ هـ (٥/ ٤٢٣)\n(^٢) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ١٤٢٠ هـ، ت: سامي سلامة (٥/ ٢٥١)\n(^٣) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٢١/ ٥٥٦)\n(^٤) جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام دار الساقي، ط ٤ ١٤٢٢ هـ (١١/ ١٢٧).","vol":"1","page":231},{"text":"فرأي من أنكر الحشر والبعث من أهل الجاهلية، أن الحياة حياة واحدة، هي حياتنا التي نحن فيها في دار الدنيا، ولا يكون بعد الموت بعث ولا حساب نحيا ونموت، يموت بعضنا ويحيا بعضنا، وما يميتنا إلا الأيام والليالي، أي مرور الزمان وطول العمر، فالحياة إذن: حياة وموت في هذه الدنيا، وهب استمرار للاثنين على مدى الدهر، يولد إنسان ثم يموت ليحل محله إنسان آخر، وهكذا بلا انتهاء (^١).\nومن المعلوم أن الباعث والمحرك للعبادة هو إيمان المرء بيوم آخر يحاسب ويجازي على أعماله، وهنا يرد هذا التساؤل وهو: إذا كان أغلب أهل الجاهلية لا يؤمنون بثواب ولا عقاب ولا حساب، ولا يقيمون للبعث وزْنًا ولا يعرفون له معنى، فلم يعيدون الأصنام ويقدمون لها القرابين والنذور!\nوالجواب يظهر جليًا في قوله جل وعلا: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠)﴾ [البقرة:٢٠٠].\nقال الإمام القرطبي:\" كانت العرب في الجاهلية تدعوا في مصالح الدنيا فقط، فكانوا يسألون الإبل والغنم والظفر بالعدو، ولا يطلبون الآخرة، إذ كانوا لا يعرفونها، ولا يؤمنون بها\" (^٢).\nفالعقلية الجاهلية لا تدرك إلا القيم المادية للأشياء، ولا تتصور العاقبة السيئة إلا تصورًا ماديًا، وهذا يفسر لنا تقربهم لآلهتهم المزعومة، إنما هي لمصالح ومنافع دنيوية، وخوفهم منها، لاعتقادهم أنها تضرهم وتهلكهم وتنزل بهم الشدة في هذه الدنيا (^٣).\n_________\n(^١) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط ٢ - ١٣٨٤ هـ، (٢/ ٤٣٢).\n(^٢) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، ت: سامي سلامة (٧/ ١٩٧).\n(^٣)","vol":"1","page":232},{"text":"وهنا يؤكد القرآن الكريم على حقيقة مهمة، وهي أن كل من أنكر اليوم الآخر، أو مارى فيه بالأوهام والظنون، فإنه يعيش في وهم وفي ضلال بعيد قال جل وعلا: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (٨)﴾ [سبأ:٨]، وقال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (١٨)﴾ [الشورى:١٨].\nفمن ينكر البعث فهو غدًا في العذاب، واليوم في الضلال عن الصواب (^١).\nوهؤلاء المنكرون الذين يمارون في الساعة، ويجادلون في وجودها ويدفعون وقوعها ﴿لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ أي في جهل بيّن، لأن الذي خلق السموات والأرض قادر عل إحياء الموتى بطريق الأولى والأخرى (^٢).\nمع العلم أن المشركين لم يكونوا مطبقين على أن البعث غير آت، بل كان منهم من يقر بالبعث، ومنهم من يتشكك في أمره، كما قال تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣)﴾ [النبأ:١ - ٣].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>المطلب الثاني إيمان بعض الجاهليين بالبعث:</span>\nمع وجود التيار الجارف الذي كان يصب في عقول المنكرين للبعث، بأنه لا بعث ولا حساب، ولا حقيقة لما يقال من وجود يوم آخر، وإنما هي أرحام تدفع وأرض تبلع، ومع هذا الركام العقائدي المنحرف، وُجد جمع من عقلاء العرب وحكمائهم، كانوا غير موافقين لما ابتدع، ولا متبعين لما شرع من عبادة الأصنام، وإنكار البعث والقيام لرب العالمين.\nفكان فريق من الجاهليين العرب يؤمنون بالبعث وحشر الأجساد بعد الموت، وكان هذا ظاهرًا في أشعارهم ومنهم:\n١: يقول زهير بن أبي سلمى في معلقته الطويلة:\n_________\n(^١) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط ٢ - ١٣٨٤ هـ، (١٩/ ١٧٠).\n(^٢) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، دار طيبة للنشر والتوزيع، ط ٢ - ١٤٢٠ هـ، ت: سامي سلامة (٨/ ٣٠٧).","vol":"1","page":233},{"text":"يؤخر فيوضع في كتاب فيدّخر ليوم الحساب أو يعجل فينتقم (^١)\nقال الأصمعي:\" جامع زهير قومًا من يهود، أي قاربهم، فسمع بذكر المعاد فقال قصيدته\" (^٢).\nويقول ابن قتيبة:\" كان زهير يتأله ويتعفف في شعره، ومن معلقته ما يحمل على القول إنه كان مؤمنًا بالله وبالبعث وبالحساب، بدليل قوله:\nفلا تكتمن الله ما في نفوسكم ليخفى ومهما يكتم الله يعلم\nيؤخر في كتاب فيدخر ليوم الحساب أو يعجل فينقم \" (^٣) يقول أحمد شوقي ضيف:\" وإذا صحت نسبة البيتين إليه، كان ذلك دليلًا على أنه أحد من تحنفوا في الجاهلية، وشكوا في دينهم الوثني، وأغلب الظن أنه لم يفارق دين قومه، وإنما هي خطرات كانت تمر به\" (^٤). وقد ذكر عنه: أنه كان يمر بالعضاه وقد أورقت بعد يبس فيقول: لولا أن تسبني العرب لآمنت أن الذي أحياك بعد يبس سيحيي العظام وهي رميم (^٥).\nقال ابن قتيبة عن زهير:\" وهو جاهلي لم يلحق الإسلام \" (^٦).\n٢: قس بن ساعدة الإيادي: كان يعتقد التوحيد، ويؤمن بيوم الحساب (^٧) ... وهو أول من آمن بالبعث من أهل الجاهلية (^٨)، وقد ضرب به المثل في بلاغته فيقال: أبلغ من قس، وكان أبلغ العرب (^٩)، وكان مما قال في مواعظه: ورب الكعبة، ليعودون ما باد، ولئن ذهب ليعودون يومًا. وقال أيضًا:\n_________\n(^١) أبو زيد القرشي: جمهرة أشعار العرب ص (١٦٥)\n(^٢) الأصمعي: فحولة الشعراء، دار الكتاب الجديد - بيروت ن ط ٢ - ١٤٠٠ هـ، ص (١٧).\n(^٣) ابن قتيبة: الشعر والشعراء، دار الحديث - القاهرة، ١٤٢٣ هـ (١/ ١٤٥).\n(^٤) أحمد شوقي: تاريخ الأدب العربي العصر الجاهلي ص (٣٠٣).\n(^٥) الألوسي: بلوغ الأرب، دار الكتاب المصري، دون ذكر رقم الطبعة وتاريخها (٢/ ٢٧٨).\n(^٦) ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث، المكتب الإسلامي، مؤسسة الإشراق، ط ٢ - ١٤١٩ هـ، ص (١٧٧).\n(^٧) الشهرستاني: الملل والنحل، مؤسسة الحلبي، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (٣/ ٨٦)\n(^٨) الألوسي: بلوغ الأرب (٢/ ٢٤٦)، القلقشندي: صبح الأعشى (١/ ٤٩٦).\n(^٩) زيد بن رفاعة الهاشمي: الأمثال، دار سعد الدين - دمشق، ط ١ ١٤٢٣ هـ، ص (٤).","vol":"1","page":234},{"text":"كلا بل هو الله إله واحد ... ليس بمولود ولا والد\nأعاد وأبدى ... وإليه المآب غدًا\nوأنشد في معنى الإعادة:\nيا باكي الموتى والأموات في جدث ... عليهم من بقايا بزهم خرق\nدعهم فإن لهم يومًا يصاح بهم ... كما ينبه من نوماته الصعق\nحتى يجيئوا بحال غير حالهم ... خلق مضى ثم هذا بعد ذا خلقوا\nمنهم عراة ومنهم في ثيابهم ... منها الجديد ومنها الأزرق الخلق (^١) وكان أيضًا من شعره في هذا المقام قوله:\nفي الذاهبين الأولين من القرون لنا بصائر\nلما رأيت مواردًا للموت ليس لها مصادر\nورأيت قومي نحوها يسعى الأصاغر والأكابر\nلا يرجع الماضي إليّ ولا من الباقين غابر\nأيقنت أني لا محالة حيث صار القوم صائر (^٢)\n٣: أمية بن أبي الصلت: وهو الشاعر الوحيد الذي جاء أكثر شعره في نزعات دينية وفكرية، ذلك لأنه كان في شك من عبادة قومه، وكان على شاكلة غيره ممن سئم تلك العبادة، ينهى قومه عنها، ويسفه أحلامها، وفي شعره المنقاد بالجنة والنار والبعث، وبصحة البعث الجسماني، وبوجود الجنة والنار بالمعنى الحقيقي لا المجازي (^٣).\nوقد صدّقه النبي - ﷺ -، في شعره، فعن عمرو بن الشّريد عن أبيه قال: ردفت رسول الله - ﷺ -، يومًا فقال: هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟ قلت: نعم، قال: هيه، فأنشدته بيتًا، فقال: هيه، ثم أنشدته بيتًا فقال: هيه، حتى أنشدته مائة بيت، وزاد في رواية: إن كان ليسلم، وفي حديث ابن مهدي: فلقد كاد يسلم في شعره (^٤).\nقال الأصحاب: ذهب أمية بن أبي الصلت في الشعر بعامة ذكر الآخرة (^٥).\n_________\n(^١) الشهرستاني: الملل والنحل)، محمد حمدون: التذكرة الحمدونية (٦/ ٢٥٢).\n(^٢) الثعالبي: لباب الآداب، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤١٧ هـ، ص (١٢٢).\n(^٣) جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام دار الساقي، ط ٤ ١٤٢٢ هـ (١١/ ١٣٢).\n(^٤) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الشعر ح (٢٢٥٥).\n(^٥) الأصمعي: فحولة ص (١٨)، ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ هـ (٧/ ١٥٣).","vol":"1","page":235},{"text":"وقد ذهب البعض إلى أن غالب أشعار أمية الدينية، هي من الأشعار المنحولة، وكان مأخذهم في ذلك ما قيل عن بعض المستشرقين، من أن النبي - ﷺاقتبس القرآن الكريم من شعر أمية بن أبي الصلت، كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا، فالمعروف من سيرة أمية بن أبي الصلت، أنه قد تأثر بالديانتين اليهودية والنصرانية، واطلع على الكتب القديمة (^١)، ولذا كان منبع شعره الموافق لما في القرآن الكريم، هو ما كان موجودًا في كتب الديانات القديمة، والتي فيها حق وباطل بعد النسخ والتبديل.\nعلى أن أمية قد أدرك الإسلام ورأى رسول الإسلام عليه أفضل الصلاة والسلام، وسمع القرآن عن النبي - ﷺولكنه عاند وكفر، فروى الإمام الطبراني من حديث معاوية بن أبي سفيان عن أبيه: أن أمية بن أبي الصلت قال له: إني أجد في الكتب صفة نبي يبعث من بلادنا، وكنت أظن أني هو ثم ظهر لي أنه من بني عبد مناف، قال: فنظرت فلم أجد فيهم من هو متصف بأخلاقه إلا عتبة بن ربيعة، إلا أنه جاوز الأربعين، ولم يوح إليه فعرفت أنه غيره، قال أبو سفيان: فلما بعث محمد، قلت لأمية عنه فقال: أما إنه حق فاتبعه، فقلت له: فأنت ما يمنعك؟ قال: الحياء من نسيات ثقيف أني كنت أخبرهن أني هو، ثم أصير تبعًا لفتى من بني عبد مناف (^٢).وقد كفر أمية بالنبي - ﷺ - بغيًا وحسدًا، وكان يحرض قريشًا بعد وقعه بدر، ويرثي من قتل بها (^٣).\nقال الشيخ علي القاري:\" والغرض أنه - ﷺ - استحسن شعر أمية، واستزاد من إنشاده، لما فيه من الإقرار بوحدانية الله تعالى والبعث \" (^٤).\n_________\n(^١) ابن عبد البر: الاستذكار (٢/ ٥٢٨) ابن حجر: فتح الباري (٧/ ١٥٣) ابن القيم: هداية الحيارى ... (٤٠٠).\n(^٢) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، مكتبة ابن تيمية - القاهرة، ط ١، باب الصاد من اسمه صخر (٧٢٦٢)، وفي سنده بجامع بن عمرو، وهو ضعيف.\n(^٣) ابن حجر: فتح الباري (٦/ ٥٨٣)، ٦/ ٥٨٣، الألوسي: بلوغ الأرب (٢/ ٢٥٥)، ابن تيمية: منهاج السنة جامعة الإمام محمد بن سعود، ط ١ ١٤٠٦ هـ (٤/ ٤٣٤).\n(^٤) القاري: مرقاة المفاتيح، دار الفكر - بيروت، ط ١ ١٤٢٢ هـ (٧/ ٣٠١٣).","vol":"1","page":236},{"text":"والشاهد فيما نحن بصدده: أن العلماء ذكروا أن أمية بن أبي الصلت، كان من يتعبد في الجاهلية، ويؤمن بالبعث (^١).\nوذكر أهل العلم جماعات من الجاهليين ممن كانوا يؤمنون بالبعث والمعاد (^٢) ولكن كانوا قله، خلافًا لما ذهب إليه محمد بن حبيب الأشمي في المحبر حيث قال: وكان أكثر العرب يؤمنون بالبعث (^٣).\nوهذا القول يخالف الوارد في القرآن الكريم من بيان أوجه البعث والمعاد وإمكان وضرب الأمثلة المشاهدة والمحسوسة، وما في ذلك إلا لكثرة المكذبين والمنكرين له، ولذا رد القرآن الكريم على منكريه في غالب سور القرآن، فأبان ووضح ووجه ودلل.\nوما يستدل به الأخباريون بإيمان بعض الجاهلين بالبعث، ما يعرف عندهم بالعقدة أو البلية: وهي ناقة تعقل عند القبر حتى تموت، يقول الشهرستاني:\" وكان بعض العرب إذا حضره الموت يقول لولده: ادفنوا معي راحلتي حتى أحشر عليها، فإن لم تفعلوا حشرت على رجلي \" (^٤)، وذكروا في ذلك أشعارًا.\nويقول السهيلي:\" البلية: الناقة التي كانت تعقل عند قبر صاحبها إذا مات حتى تموت جوعًا وعطشًا، ويقولون: إنه يحشر راكبًا عليها، ومن لم يفعل معه هذا حشر راجلًا، وهذا على مذهب من كان منهم يقول بالبعث وهم الأقل\" (^٥).\n_________\n(^١) العيني: عمدة القاري (١٦/ ٢٩٥)،ابن الجوزي: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم (٣/ ١٥٠).\n(^٢) انظر: الشهرستاني: الملل والنحل (٣/ ٨٧)، الألوسي: بلوغ الأرب، (٢/ ٢٤٤ - ٢٨١).\n(^٣) محمد بن حبيب: المحبر، دار الآفاق الجديدة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، ص (٣٢٢).\n(^٤) الشهرستاني: الملل والنحل، مؤسسة الحلبي، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (٣/ ٨٩)\n(^٥) السهيلي: الروض الأُنف (٢/ ١٠٥)، ابن الأثير:، ص (١٦/ ١٥٦).","vol":"1","page":237},{"text":"وكانت طريقتهم في ذلك: أن أحدهم إذا مات، بلوا ناقته، فعكسوا عنقها إلى مؤخرتها مما يلي ظهرها، أو مما يلي كللها أو بطنها، ويأخذون ولية فيشدون وسطها، ويقلدونها عنق الناقة، ويتركون الناقة في حفيرة لا تطعم ولا تسقى حتى تموت، وربما أُحرقت بعد موتها، وربما سلخت وملئ جلدها تمامًا (^١).\n_________\n(^١) الألوسي: بلوغ الإرب، دار الكتاب المصري، دون ذكر رقم الطبعة وتاريخها (٢/ ٣٠٧).","vol":"1","page":238},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>المبحث الثالث: اليهود واليوم الآخر</span>\nوفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: عقيدة نبي الله موسى - ﵇ - وقومه في المعاد.\nالمطلب الثاني: عقيدة اليوم الآخر في العهد القديم والأسفار.","vol":"1","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>المطلب الأول عقيدة نبي الله موسى ﵇، وقومه في المعاد:</span>\nإن الشرائع السماوية جاءت بالإقرار على المشتركات، ومن تلك المشتركات المسلمة بين تلك الشرائع والأديان، الإيمان باليوم الآخر (البعث والحساب والجزاء) إلا أن في القرآن الكريم من ذكر المعاد وتفصيله، وصفة الجنة والنار، والنعيم والعذاب، ما لا يوجد مثله في التوراة والإنجيل، بل التوراة ليس فيها تصريح بذكر المعاد، وعامة ما فيها الوعد والوعيد، ولهذا كان أهل الكتاب يقرون بالمعاد وقيام القيامة الكبرى، وقد قيل: إن ذلك مذكور في التوراة أيضًا، لكن لم يبسط كما بُسط في غير التوراة (^١).\nفالقرآن الكريم يحفل بكثير من خطابات موسى ﵇ ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥)﴾ [طه:١٥].\nويقول جل وعلا على لسان موسى ﵇: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٥٦].\n_________\n(^١) ابن تيمية: الجواب الصحيح، دار العاصمة، السعودية، ط ٢ - ١٤١٩ هـ، ص (٢/ ٧٩).","vol":"1","page":240},{"text":"وقال تعالى منددًا بقوم موسى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦)﴾ [الأعراف:١٤٦].\nوقوله تعالى عن محاجة نبي الله موسى ﵇ لقومه: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧)﴾ [القصص:٣٧].\nوقوله تعالى حكاية عن موسى ﵇: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (٢٧)﴾ [غافر:٢٧].\nوذكر جل وعلا عن مؤمن آل فرعون أنه كان يحتج على فرعون وقومه بالمعاد، فقال تعالى حكاية عنه: ﴿وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢)﴾ [غافر:٣٢]، وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (٣٩)﴾ [غافر:٣٩] وقال سبحانه: ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر:٤٣].\nوحين ذكر المولى جل وعلا قصة سحرة فرعون، وإيمانهم بالله جل وعلا قال حكاية لقولهم: ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾ [طه:٧٣ - ٧٦].","vol":"1","page":241},{"text":"والآيات في هذا المقام كثيرة تبين ما كان عليه نبي الله موسى ﵇ وقومه من الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر، قال شيخ الإسلام ابن تيمية:\" وهكذا القرآن، فإنه قرر ما في الكتب المتقدمة من الخبر عن الله وعن اليوم الآخر، وزاد ذلك بيانًا وتفصيلًا، وبين الأدلة والبراهين على ذلك\" (^١).\nفأمر البعث والمعاد كان مشتهرًا في أهل الكتاب، وكانوا يتحدثون به واستمر ذلك فيهم، ومن ذلك ما أخرجه ابن إسحاق عن محمود بن لبيد عن سلمة بن سلمة بن وقش قال: كان بين بيوتنا يهودي، فخرج على نادي قومه بني عبد الأشهل ذات غداة، فذكر البعث والقيامة والجنة والنار والحساب والميزان، فقال: ذلك لأصحاب وثن لا يرون أن بعثًا كائن بعد الموت وذلك قبل مبعث رسول الله - ﷺ - فقالوا: ويحك يا فلان، أو ويلك، أو هذا كائن، إن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار؟ ويجزون عن أعمالهم؟ قال: نعم، والذي يحلف به، لوددت أن حظي من تلك النار، أن توقدوا أعظم تنور في داركم فتحمونه، ثم تقذفوني فيه، ثم تطينون عليّ وإني أنجو من تلك النار غدًا (^٢).\nوبعد البعثة النبوية تروي أم المؤمنين عائشة ﵂: قالت: دخلت علي عجوزان من عُجز يهود المدينة فقالتا: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم قالت: فكذبتهما ولم أنعم أصدقهما، فخرجتا ودخل عليّ رسول الله - ﷺ - فقلت له: يا رسول الله إن عجوزين من عجز يهود المدينة دخلتا علي فزعمتا أن أهل القبور يعذبون في قبورهم، فقال - ﷺ -:\" صدقتا، إنهم يعذبون عذابًا تسمعه البهائم\" (^٣).\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى ت: عبدالرحمن بن قاسم (١٧/ ٤٤) ١٧.\n(^٢) ابن إسحاق: السير والمغازي (١/ ٨٤)، ابن القيم: هداية الحيارى (٢٤٨)، الشوكاني: إرشاد الثقات، ص (٢٣).\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب المساجد، باب استحباب التعوذ من عذاب القبر، ح (٥٨٦).","vol":"1","page":242},{"text":"وكانت لليهود خيالات وأوهام نشأت من الفوقية التي يعيشونها والعنصرية البغيضة التي تلبسوا بها، وذلك أدى إلى انحراف ولا بد في العقائد التي شملت عليهم كقولهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠)﴾ [البقرة:٨٠].\nوقولهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)﴾ [البقرة:١١١].\nيقول الإمام ابن كثير:\" يقول تعالى إخبارًا عن اليهود فيما نقلوه وادعوه لأنفسهم من أنهم لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة، ثم ينجون منها، فرد الله عليم ذلك بقوله (قل أتخذتم عند الله عهدًا) أي: بذلك، فإن كان قد وقع عهد فهو لا يخلف عهده، ولكن هذا ما جرى ولا كان، ولهذا أتى \"بأم\" التي بمعنى \"بل\" أي: بل تقولون على الله ما لا تعلمون من الكذب والافتراء عليه (^١).\nوجاء في الآية الأخرى قوله جل وعلا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾ [آل عمران:٢٤].\nفالذي حملهم على التولي والإعراض هو قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ وغرهم في دينهم، أي: ثبتهم على دينهم الباطل، ما خدعوا به أنفسهم من زعمهم أن النار لا تمسهم بذنوبهم إلا أيامًا معدودات، وهم الذين افتروا هذا من تلقاء أنفسهم وافتعلوه، ولم ينزل الله به سلطانًا (^٢).\nوعليه: فمن جملة المزاعم التي يزعمها اليهود في استحقاقهم الدار الآخرة خالصة لهم وحدهم دون سائر البشر:\n_________\n(^١) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ت: سامي سلامة (١/ ١٤٦).\n(^٢) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، ت: سامي سلامة (٢/ ٢٨).","vol":"1","page":243},{"text":"١ - زعمهم: أن النار لن تمسهم إلا أيامًا معدودة، لزعمهم أن الله قد غفر لهم ذنوبهم إلا ذنبًا واحدًا، وهو عبادة العجل، الذي سيعاقبهم الله عليه في كل أجيالهم، وذلك بتعذيبهم في النار أيامًا حددوها بأنفسهم.\n٢ - زعمهم: أن الجنة لن يدخلها إلا اليهود، فرد الله تعالى عليهم هذا الزعم الباطل فقال: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾ ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)﴾ [البقرة ١١١ - ١١٢].\nفاليهود أخلوا بركن الإيمان باليوم الآخر (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>المطلب الثاني عقيدة الآخر في العهد القديم والأسفار:</span>\nبعد دخول التحريف في كتب اليهود، ظهر بوضوح خلوها إلا إشارات يسيرة عن الحديث عن اليوم الآخر، وما فيه من أحداث، ولذا ذكر الإمام ابن حزم أن مذهب اليهود فيه ميل وقرب من مذهب الدهرية، فيقول: \" وإن دين اليهود ليميل إلى هذا ميلًا شديدًا، لأنه ليس في توراتهم ذكر المعاد أصلا، ولا الجزاء بعد الموت، وهذا مذهب الدهرية بلا كلفة \" (^٢).\nفالتحريف سمة من سمات اليهود، فقد حرفوا التوراة، فأخفوا بعض النصوص، وحذفوا البعض الآخر، ولذا فإن أسفارهم المقدسة لديهم تكاد تكون خالية منها (^٣).\n_________\n(^١) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٥/ ٢١٣).\n(^٢) ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل (١/ ١٥٥).\n(^٣) محمود قدح: الأسفار المقدسة عند اليهود ضمن مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، السنة: ٣٣ العدد: ١١١، بتاريخ: ١٤٢١ (٣٧١).","vol":"1","page":244},{"text":"يقول الشيخ محمد رشيد رضا: \" وليس في التوراة التي في أيدي اليهود والنصارى بيان صريح للبعث والجزاء بعد الموت، وإما فيها وفي مزامير داود إشارات غير صريحة\" (^١).\nوبعد حدوث التغيير والتبديل في العقيدة اليهودية التوراتية، التي كانت في أساسها تؤمن بالبعث الجسماني يوم القيامة، اختلفت فرق اليهود في عقائدها بشأن البعث، فانقسمت إلى طائفتين:\nالطائفة الأولى:\nوهي التي تنكر فكرة البعث والحساب والجنة والنار، ولا ترى حياة سوى هذه الحياة الدنيا، ومن طوائفهم التي تنكر البعث والمعاد، طائفة الصدوقيين وهي الطائفة التي اشتهرت بالإنكار، فأنكرت المعاد والملائكة والمسيح المنتظر، وغيرها، \"ويبدو أن الأسينين أيضًا لم يكونوا يؤمنون بالبعث وبعض المفكرين من اليهود ينكرون حتى الآن عقيدة البعث، وتنكر اليهودية الإصلاحية فكرة أن البعث هو عودة الروح إلى الجسد وحسابها\" (^٢)\nالطائفة الثانية: الفريسيون، وبقية الطوائف اليهودية على وجه الإجمال يؤمنون باليوم الآخر، لكنه إيمان متذبذب؛ لقلة النصوص المتعلقة باليوم الآخر، والتي لا تعدو أن تكون إشارات عابرة (^٣).\nفي حين يرى البعض أن فرقة الفريسيين، تعتقد أن الصالحين من الأموات سينشرون في هذه الأرض، ليشتركوا في ملك المسيح الذي يأتي آخر الزمان فهم ينكرون على هذا البعث يوم القيامة (^٤).\n_________\n(^١) محمد رشيد رضا: تفسير المنار، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٠ م (١٠/ ٢٥٢).\n(^٢) المسيري: موسوعة اليهود واليهودية، الباب التسع عشر: الفكر الأخروي، (٥/ ٢٧٣).\n(^٣) مانع الجهني: الموسوعة الميسرة: (١/ ٤٩٩)، أحمد الزغيبي: العنصرية اليهودية (٢/ ٢٧٨).\n(^٤) اليهودية واليهود: على وافي ص (٤٩)، اليهودية: أحمد شلبي ص (١٩٥)، سعود الخلف: دراسات في الأديان ص (١٢٠)، عمر الأشقر: القيامة الكبرى، ص (٩٤)، أحمد عبد الوهاب: النبوة والأنبياء، ص (١٠٦)، غالب عواجي: الحياة (١/ ١١٦)","vol":"1","page":245},{"text":"يقول د. دراز:\" لا نصادف منذ آدم حتى موسى إلى آخر عهده أية إشارة في أي مكان إلى حياة بعد الموت كأن الم يكن العقيدة الحياة الأخرى مكان في أديانهم\" (^١).\nوقد أرجع بعض الباحثين خلو التوراة إلا إشارات عن اليوم الآخر لعدة أسباب منها:\n١ - معرفة بني إسرائيل لهذه العقيدة التي لا تحتاج إلى تكرار، وصرح بهذا ابن كمونة اليهودي (^٢)\n٢ - أن ثواب الآخرة مما يستدل عليه بالعقل، فاختصرت التوراة الحديث عنه، اتكالًا على العقل.\n٣ - أن النبوة من شأنها الكلام عن الحوادث والقريبة للحاجة إليها وتختصر في الحوادث البعيدة، وهذا السببان أشار إليهما سعد الفيومي (^٣).\nفي حين أرجع بعض الباحثين إهمال اليهود لعقيدة الإيمان باليوم الآخر لمجموعة من الأسباب منها:\n١ - الرغبة في التسلط على الشعوب الأخرى.\n٢ - اهتمامهم البالغ بأمور الحياة الدنيا.\n٣ - التطلع إلى الخلاص من الاضطهاد.\nأما الأسباب التي ذكرت لخلو التوراة من الحديث عن اليوم الآخر إلا إشارات، فهي أسباب غير مقبولة، بل إن خفاء مثل هذه الحقائق الأساسية التي اتفقت عليها الشرائع السماوية، دليل واضح وبرهان بيّن على دخول يد التحريف في صياغة عبارات التوراة، التي كتبت بعد موسى ﵇، في حين ما ذكره ابن كمونة اليهودي غير مُسَلّم، إذ لا يصح الاعتماد على معرفة الناس، فضلًا عن عقولهم كما يقول الفيومي، خاصة في أمر البعث والمعاد.\nوهنا ينبغي أن يُعلم أن النصوص القليلة، والإشارات النادرة، التي وردت في العهد القديم والأسفار، ويُعبر عنها بيوم القيامة ضمنًا، يراد بها أحد أمرين:\n_________\n(^١) محمد عبد الله دراز: دستور الأخلاق في القرآن، مؤسسة الرسالة، ط ١٠ ١٤١٨ هـ، ص (٢٨)\n(^٢) ابن كمونة: تنقيح الأبحاث في الملل الثلاث، ص (٢٦).\n(^٣) سعديا الفيومي: كتاب الأمانات والاعتقادات ص (٢٥٨)، انظر: زاهر الشهري: الإيمان باليوم الآخر عند اليهود، مقال منقول من صفحة المؤلف من موقع صيد الفوائد، ص (٢).","vol":"1","page":246},{"text":"الأول: هو البعث على حقيقته، وهو المعاد والبعث بعد الموت للحساب والجزاء، وهذا ورد عن جماعة من علماء اليهود ومفكريهم، كما جاء على لسان سعد الفيومي:\" إن إحياء الموتى الذي عرفنا ربنا أنه يكون في دار الآخرة للمجازاة، فذلك مما أمتنا مجمعة عليه ... إلى أن قال: لأن المقصود من جميع المخلوقين هو الإنسان، بسبب تشريفه بالطاعة وثمراتها الحياة في دار الجزاء\" (^١).\nومع الخلاف الذي ذكرناه في طوائف اليهود في تصور اليوم الآخر، ينتقض الإجماع الذي حكاه الفيومي، من أن أمته اليهودية مجمعة على الإيمان باليوم الآخر، وهذا يتبين بالمراد الثاني من التعبير الوارد في نصوصهم المضمن ليوم القيامة.\nالثاني: أنه بعث قومي لشعب اليهود يكون في الدنيا، فيفسرون الآخرة والبعث بهذا المعنى، ويصرحون بإنكار البعث الحقيقي يوم القيامة، وذكرنا أنهم الصدوقيون والإصلاحيون، وقد ذكر إنجيل (متّى) أن الطائفة المكذبة بالقيامة، في ذلك اليوم جاء إليه صادوقيون، الذين يقولون لا قيامة وأجاب عيسى عن سؤال أحد تلامذته القائل: أيذهب جسدنا الذي لنا إلى الجنة؟ فقال له عيسى ﵇:\" احذر يا بطرس من أن تصير صدوقيا فإن الصدوقيين يقولون: إن الجسد لا يقوم أيضًا، وإنه لا توجد ملائكة لذلك حرم على جسدهم وروحهم الدخول في الجنة\" (^٢).\nومع هذا الخلاف في البعث إلا أن غالب طوائف اليهود على الإيمان بالبعث وإن اختلفت في بعض تفاصيله ولذا يقول الإمام الشوكاني:\" وأهل الكتاب إلى عصرنا هذا يقرون بالمعاد والجنة والنار والحساب والعقاب والنعيم والثواب، ولا ينكر ذلك منهم منكر، ولا يخالف فيه مخالف\" (^٣).\n_________\n(^١) سعد الفيومي: كتاب الأمانات والاعتقادات، طبع سنة ١٨٨٠ م ص (٢١١)، شاكر الساعدي: المعاد الجسماني، المركز العالمي للدراسات الإسلامية، ١٤٢٦ هـ، ص (٤٣).\n(^٢) عمر الأشقر: القيامة الكبرى، دار النفائس - الأردن، ط ٦ ١٤١٦ هـ، ص (٩٤).\n(^٣) الشوكاني: إرشاد الثقات، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٠٤ هـ، ص (٢٤).","vol":"1","page":247},{"text":"وأما تلمود اليهود: وهو القانون أو الشريعة الشفهية التي كان يتناقلها الحاخامات الفريسيون من اليهود سرًا جيلًا بعد جيل، ثم دونت بعد ذلك خوف الضياع، فأصبحت تعبر عن ديانة وآداب اليهود (^١).\nوالتلمود اليهودي الذي واجه الإحراق والإعدام لاعتباره أهم مصدر من المصادر اليهودية التي أدت إلى مقاومة اليهود للسلطة والدين المسيحي سرا وعلانية، فقامت حملات الملوك والباباوات ضد التلمود لاعتباره مصدر الشر الكامن في اليهود، وأصدرت الأوامر بإتلافه وإحراقه، وفي أواخر العصر الوسطى اكتفت السلطات الحاكمة والكنيسة بالرقابة على طبعه دون حرقه، فأجازت تداول نسخ محدودة بعد حذف فصول عديدة (^٢).\nوالتلمود وردت فيه إشارة غير صريحة باليوم الآخر، فقد ورد فيه:) أن الجنة مأوى الأرواح الزكية، لا يدخلها إلا اليهود، والجحيم مأوى الكفار ولا نصيب لهم فيه سوى البكاء) (^٣)، فهذا النص محتمل أن يقصد به: البعث الدنيوي على ما تعتقده بعض فرق اليهود (^٤).\nوفي نصوص التلمود: \"أن اليهود الذين يرتدون عن دينهم، بقتلهم يهوديًا آخر، لا يدخلون الجنة، وإنما تدخل أرواحهم في الحيوانات والنباتات، ثم تذهب إلى الجحيم وتعذب عذابًا أليمًا مدة اثني عشر شهرًا، ثم تعود ثانية لتدخل في الجمادات ثم في الحيوانات ثم في الوثنيين، حتى ترجع إلى جسد يهودي بعد تطهيرها\" (^٥).\n_________\n(^١) الخلف: دراسات في الأديان، ص (١٢٢)، ظفر الإسلام خان: التلمود تاريخه وتعاليمه (١١).\n(^٢) ظفر الإسلام خان: التلمود تاريخه ومعالمه، دار النفائس - الأردن، ط ٨ ١٤٢٣ هـ، (٤٠).\n(^٣) روهلنج: الكنز الموصود في قواعد التلمود ترجمة (يوسف نصر الله): (٦٨).\n(^٤) الخلف: دراسات في الأديان، مكتبة أضواء السلف - الرياض، ط ٤ ١٤٢٥ هـ، ص (١٢١)\n(^٥) ظفر خان: التلمود، دار النفائس - الأردن، ط ٨ ١٤٢٣ هـ، (٧١).","vol":"1","page":248},{"text":"وهذا هو التناسخ الباطل الذي يقوله أعداء الرسل من الملاحدة وغيرهم الذين ينكرون المعاد، ويزعمون أن الأرواح تصير بعد مفارقة الأبدان إلى أجناس الحيوانات والحشرات والطيور التي كانت تناسبها وتشاكلها، فإذا فارقت هذه الأبدان، انتلقت إلى أبدان الحيوانات، فتنعم فيها وتعذب، ثم تفارقها وتحل في بدن آخر تناسب أعمالها وأخلاقها وهلم جرا، فهذا معادها عندهم، ونعيمها وعذابها، لا معاد لها عندهم غير ذلك فهذا هو التناسخ الباطل المخالف لما اتفق عليه الرسل والأنبياء من أولهم إلى آخرهم، وهو كفر بالله وباليوم الآخر (^١).\n_________\n(^١) السفاريني: لوامع الأنوار البهية، مكتبة الخافقين - دمشق، ط ٢ - ١٤٠٢ هـ (٢/ ٥٠).","vol":"1","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>المبحث الرابع: النصارى واليوم الآخر</span>،\nوفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: عقيدة نبي الله عيسى - ﵇ - وقومه في المعاد.\n\nالمطلب الثاني: عقيدة اليوم الآخر في العهد الجديد.","vol":"1","page":250},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>المطلب الأول عقيدة نبي الله عيسى ﵇، وقومه في المعاد:</span>\nأخبرنا القرآن الكريم عن اتفاق كافة الرسالات السماوية على أمر البعث والمعاد، قال جل وعلا: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤)﴾ [آل عمران:١١٣ - ١١٤].\nفوصف جلّ وعلا أهل الكتاب ببعض الصفات المحمودة المرضية، وذكر أنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر، والإيمان باليوم الآخر من المشتركات التي جاءت الرسل ﵈ بالإيمان بها.\nوقال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الزمر:٧١].\nفهنا اعتراف صريح من الكافرين بقيام الحجة عليهم، وذلك أن الرسل ﵈، جاؤوهم يخوفونهم لقاء الله جل وعلا، فقيل لهم: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١)﴾ ... [الزمر:٧١].","vol":"1","page":251},{"text":"وهذا الأمر المتفق عليه بين كل الشرائع، جاء في آيات القرآن الكريم عن نبي الله عيسى ﵇، ما يدل على الإيمان بالبعث والمعاد الأخروي:\n١ - قال سبحانه جل وعلا عن نبيه عيسى ﵇، حين تكلم في مهده: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾ [مريم:٣٣].\nفعيسى ﵇، سلّم على نفسه في هذه الأوقات، وهي أشد ما يمر على الإنسان في حياته وبعد موته، أي: الأمن علي من الشيطان أن يصيبني في حين ولادتي بسوء، ويوم أموت من هول المطلع، ويوم أبعث يوم القيامة من الفزع، فأخبرهم أنه سيموت، وأنه سيبعث حيا (^١).\nففي الآية الكريمة \"إثبات منه لعبوديته لله ﷿، وأنه مخلوق من خلق الله يحيا ويموت ويبعث كسائر الخلائق\" (^٢).\n٢ - أخبر الرب جل وعلا: أن عيسى ﵇، علم للساعة، وشرط من أشراط وقوعها، فقال: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ [الزخرف:٦١] أي: وإن ظهور عيسى، علم يعلم به قرب قيام الساعة، أي: هو من أشراطها، ونزوله إلى الأرض دليل على فناء الدنيا، وإقبال الآخرة (^٣).\n_________\n(^١) مكي بن أبي طالب: الهداية إلى بلوغ النهاية (٧/ ٤٥٣٤).\n(^٢) ابن كثير: تفسير القرآن ت: سامي سلامة (٥/ ٢٣٠).\n(^٣) مكي بن أبي طالب: الهداية إلى بلوغ النهاية، مجموعة بحوث الكتاب والسنة، كلية الشريعة، جامعة الشارقة، ط ١ ١٤٢٩ هـ (١٠/ ٦٦٨٦).","vol":"1","page":252},{"text":"٣ - قال جل وعلا: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥)﴾ [آل عمران:٥٥].\nوالمعنى: أن الله تعالى بشّر عيسى ﵇، بأنه يعطيه في الدنيا تلك الخواص الشريفة، والدرجات الرفيعة العالية، وأما في القيامة فإنه يحكم بين المؤمنين به، وبين الجاحدين برسالته (^١).\n٤ - وقال ﷾ عن نبيه عيسى ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢)﴾ [آل عمران:٤٢]\nفهذه بشارة من الملائكة لمريم ﵍، بأنه سيوجد منها ولد عظيم له شأن كبير، اسمه المسيح عيسى بن مريم، به يكون مشهودًا في الدنيا ويعرفه المؤمنون بذلك، وجيهًا في الدنيا والآخرة، أي: له شأن كبير، اسمه المسيح عيسى بن مريم، به يكون مشهورًا في الدنيا، ويعرفه المؤمنون بذلك.\n(وجيهًا في الدنيا والآخر) أي: له وجاهة ومكانه عند الله في الدنيا بما يوحيه الله إليه من الشريعة، وفي الدار الآخرة يشفع عند الله فيمن يأذن له فيه فيقبل منه أسوة بإخوانه من أولي العزم، صلوات الله عليهم (^٢)، وهو من المقربين عند الله يوم القيامة (^٣).\n_________\n(^١) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٨/ ٢٣٩).\n(^٢) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، ت: سامي سلامة (٢/ ٤٣).\n(^٣) ابن المنذر: تفسير ابن المنذر، دار المآثر - المدينة النبوية، ط ١ ١٤٢٣ هـ (١/ ٢٠١).","vol":"1","page":253},{"text":"٤ - وقال جل وعلا: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦)﴾ [المائدة:١١٦].\nاختلف المفسرون في وقت هذا الخطاب، هل هو في الدنيا أم في الآخرة؟\nفذهب إلى الأول: السدي وصوبه ابن جرير الطبري، وأن الخطاب كان حين رفعه إلى السماء.\nوذهب إلى الثاني قتادة، ورجحه ابن كثير، وقال:\"والذي قاله قتادة وغيره هو الأظهر والله أعلم: أن ذلك كائن إلى يوم القيامة، ليدل على تهديد النصارى وتقريعهم وتوبيخهم على رؤوس الأشهاد يوم القيامة \" (^١).\nوهذه العقيدة الصافية التي ذكره القرآن الكريم، هي العقيدة التي أكدها المسيح ﵇، وبين أنه في الآخرة سيمضي الناس فريقين: هؤلاء إلى عذاب أبدي، والأبرار إلى حياة أبدية.\nثم ذكر المسيح شيئًا من عذاب الآخرة فقال: إن أعثرتك يدك فاقطعها خير لك أن تدخل الحياة أقطع، من أن تكون لك يدان وتمضي إلى جهنم، إلى النار التي لا تطفأ، حيث دودهم لا يموت، والنار لا تطفأ، وإن أعثرتك عينك فاقلعهما خير لك أن تدخل ملكوت الله أعور، من أن تكون لك عينان وتطرح في جهنم النار، حيث دودهم لا يموت، والنار لا تطفأ.\nوكذلك ذكر المسيح شيئًا من نعيم الآخرة، وأن في الآخرة، منازل كثيرة، وإلا فإني كنت قد قلت لكم أنا أمضي لأعد لكم مكانًا (^٢).\n_________\n(^١) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، ت: سامي سلامة (٣/ ٢٣٢).\n(^٢) الشوكاني: إرشاد الثقات، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٠٤ هـ، ص (١٢ - ١٣)، لواء أحمد عبدالوهاب: الإسلام والأديان ص (٥٠)، الخلف: دراسات في الأديان ص (٣٣٤)","vol":"1","page":254},{"text":"فعقيدة النصارى التي لم تتبدل، كانت تؤمن باليوم الآخر، ويبعث الأجساد ورد في قاموس الكتاب المقدس: تتضمن القيامة بحسب تعليم الكتاب المقدس قيامة الأجساد، وتغيير هذه الأجساد، وبقاؤها إلى الأبد، ثم قال: ولقد علم المسيح بوضوح بأن الموتى سيقومون (^١).\nوهذه النصوص والإشارات وغيرها، وإن كانت لا تفصل تفصيلًا دقيقًا كما في نصوص المسلمين المستفيضة في أخبار البعث والمعاد والدار الآخرة، إلا أنها أقرب في التصور إلى الإسلام من اليهود، الذين اعترفوا بخلو أسفارهم من الكلام حول البعث والمعاد، ولذا كان المعاد في التصور المسيحي أظهر مما هو عليه في التصور اليهودي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>المطلب الثاني المعاد في العهد الجديد:</span>\nاصطلح القوم على تقسيم الكتاب المقدس عند المسيحيين إلى قسمين:\n١ - العهد القديم.\n٢ - العهد الجديد.\nفالعهد القديم: وهو مجموع الأسفار والكتب التي يعظمها اليهود والمسيحيون، مما كتب بعد موسى ﵇، وهو مدار إيمان اليهود ويؤمن به المسيحيون كتمهيد للجديد.\nوينقسم العهد القديم إلى ثلاثة أسفار رئيسة:\nأ. الأسفار التاريخية، وتحوي سبعة عشر سفرًا، أهمها خمسة وهي: سفر التكوين، وسفر الخروج، وسفر اللاويون، وسفر العدد، وسفر التثنية. وكانت تسمى بأسفار موسى الخمسة، لاعتقاد الأقدمين من أهل الكتاب أن موسى هو كاتبها.\nب. الأسفار الشعرية، وتحوي خمسة أسفار.\nج. أسفار الأنبياء، وتحوي سبعة عشر سفرًا.\nوجرى خلاف بين طوائف اليهود في الأسفار من حيث القبول والرد فالسامريون لا يعترفون بشيء من كتب العهد القديم إلا بما يعرف بأسفار موسى الخمسة، وما عدا هذه الخمسة يُدنس الأيدي عندهم.\nوالعهد الجديد: يطلق على مجموع الأسفار التي يقدسها المسيحيون فقط وهو ما كان من الكتاب بعد ميلاد المسيح، ولا يؤمن اليهود بشيء منه.\nوهذا الاسم مقابل ما يسمى بالعهد القديم.\nويتكون العهد الجديد من الأناجيل الأربعة:\n_________\n(^١) الخلف: دراسات في الأديان ص (٣٣٤)، عبد القادر صوفي: أثر الملل والنحل القديمة، مقال منشور في مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، العدد ١٢٥، ١٤٢٤ هـ، ص (٦٦).","vol":"1","page":255},{"text":"(إنجيل متى، وإنجيل مرقس، وإنجيل لوقا، وإنجيل يوحنا).\nوهناك سفر خامس يطلقون عليه: أعمال الرسل، واثنتان وعشرون رسالة (^١).\nوأناجيل العهد الجديد، وردت فيها نصوص، دلالاتها واضحة على البعث والمعاد في اليوم الآخر، إلا أنها لا ترقى أن تقارن بما جاء في القرآن الكريم من نصوص المعاد في الوضوح والتكامل، ومع ذلك فهي تعطي صورة من التقارب المعرفي بين النصوص فيما يتعلق باليوم الآخر.\nوبعد أن لخص د. محمد الصادقي ما في هذه الأناجيل حول القيامة وأحوالها وعدد المواضيع التي تحدثت عن اليوم الآخر، والتي تقارب العشرين موضعًا قال:\" إنني بعد التصفح التام في الأناجيل الأربعة، لم أجد تصريحات بالنسبة للمعاد إلا هذه\" (^٢). ومن أكثر ا لكتب التي تحدثت عن الجنة والنار، إنجيل برنابا، ولكن النصارى يكذبون بهذا الإنجيل الذي ظهر أخيرًا في عصرنا هذا (^٣). وهذا كتاب لا سند له ولا تاريخ (^٤).\nونشير في هذا المقام إلى أن معتقد النصارى عن اليوم الآخر وإن كان في مجمله تصورًا صحيحًا إلا أنه نقل عنهم الخلاف في بعض المسائل منها:\n١ - هل البعث يوم القيامة يكون بعثًا جسديًا أم روحيًا؟\nذهب البعض: إلى أن الاعتقاد العام لدى النصارى هو الإيمان بالبعث بنوعيه الروحاني والجمساني، وهو الذي تدل عليه النصوص الواردة في الأناجيل.\nوذهب البعض الآخر: إلى أن الاعتقاد الذي عليه النصارى هو: الإيمان بالبعث الروحي دون الجسدي.\n_________\n(^١) محمد أبو زهرة، محاضرات في النصرانية، دار الفكر العربي - القاهرة، ط ٣ ١٣٨١ هـ، ص (٤٠)، محمد زهران: إنجيل يوحنا في الميزان، دار الأرقم - مصر، ط ١ ١٤١٢ هـ، ص (٢١)، الخلف: دراسات في الأديان، مكتبة أضواء السلف - الرياض، ط ٤ ١٤٢٥ هـ، ص (١٩٧).\n(^٢) محمد الصادقي: عقائدنا ٢٤٨، مؤسسة النور للمطبوعات، ط، ١٤١٤ هـ، ص (٢٤٨) وانظر: شاكر الساعدي: المعاد الجسماني، المركز العالمي للدراسات الإسلامية، ١٤٢٦ هـ، ص (٤٣ - ٤٤).\n(^٣) عمر الأشقر: القيامة الكبرى، دار النفائس - الأردن، ط ٦ ١٤١٥ هـ، ص (٩٤).\n(^٤) الخلف: دراسات في الأديان، مكتبة أضواء السلف - الرياض، ط ٤ ١٤٢٥ هـ، ص (٢٤٨).","vol":"1","page":256},{"text":"يقول الإمام الرازي:\" واعلم أن المنقول عن اليهود والنصارى: إنكار البعث الجسماني، فكأنهم يميلون إلى البعث الروحاني\" (^١).\nويقول العلامة الشهرستاني:\" وفي النصارى من قال بحشر الأرواح دون الأبدان، وقال: إن عاقبة الأشرار في القيامة غم وحزن الجهل، وعاقبة الأخيار سرور وفرح العلم \" (^٢).\nويقول العلامة البغدادي:\" وأنكرت الحلولية وأكثر النصارى إعادة الأجسام، وزعموا أن الثواب والعقاب إنما يكون للأرواح \" (^٣).\nوالأقرب من الرأيين، أن الذي عليه العامة من النصارى هو القول بالبعث الجسماني والروحي، جاء في قاموس الكتاب المقدس: \"تتضمن القيامة بحسب تعليم الكتاب المقدس قيامة الأجساد، وتغير هذه الأجساد وبقاؤها إلى الأبد .. \"ثم قال\": ولقد علم المسيح بوضوح بأن الموتى سيقومون\" (^٤).\n\"والإيمان بالقيامة من الأموات يتعدى الفكرة القائلة بخلود النفس فالكتاب المقدس يعلم أن الروح بعد الموت لن تبقى عارية بلا جسد إلى الأبد بل ستلبس الروح جسدًا من جديد، وتقوم به لتعيش حياة دائمة مجيدة، كما قال الكتاب:\" فإن سيرتنا نحن هي في السموات التي منها أيضًا ننتظر مخلصًا هو الرب يسوع المسيح الذي سيغير شكل جسد تواضعنا، ليكون على صورة جسد مجده \"، أما أساس عقيدة القيامة، والدليل الواضح على صحتها، فهي قيامة الرب يسوع المسيح نفسه من بين الأموات، لأنه أين كان المسيح قد قام فالجميع أيضًا سيقومون\" (^٥).\n_________\n(^١) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٥/ ٢١٣ - ١٦/ ٢٥).\n(^٢) الشهرستاني: الملل والنحل، مؤسسة الحلبي، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (١/ ٢٢٣)\n(^٣) البغدادي: أصول الدين، مطبعة الدولة - استانبول، ط ١ ١٣٤٦ هـ، ص (٢٣٥).\n(^٤) قاموس الكتاب المقدس: مجموعة من الأساتذة النصارى: دار الثقافة المسيحية، ط ٢ -،١٤٠٧ (٧٤٨ - ٧٥٠)، ابن تيمية: الجواب الصحيح، دار العاصمة، السعودية، ط ٢ - ١٤١٩ هـ (٦/ ١٠)\n(^٥) يسر مبيض: اليوم الآخر في الأديان السماوية، دار الثقافة - الدوحة، ط ١ ١٤١٢ هـ، ص (٦٥ - ٦٦)، الخلف: دراسات في الأديان ص (٣٣٤)، الألوسي: روح المعاني (١٢/ ٦٠).","vol":"1","page":257},{"text":"٢ - اختلفوا في النعيم الأخروي، هل يكون حسيا، بمأكول ومشروب والتذاذ بنكاح، أم هو نعيم ومتعة روحية فقط؟\nالذي عليه مذهب جماهيرهم ومعظمهم، ومن ينتسب إلى التدين منهم، أن الخلق لا بد أن يجتمعوا في القيامة، وأن عيسى محاسبهم، فينعم ويعذب ... لكن ليس عذابًا بنيران وسلاسل وأغلال، وغير ذلك مما نعتقده نحن وليس ... أيضًا بمأكول ومشروب والتذاذ بنكاح (^١).\nوقال العلامة الشهرستاني:\" وأنكروا أن يكون في الجنة نكاح وأكل وشرب\" (^٢).\nوإنكارهم هذا يعود إلى أنهم يرون أن الأجساد يوم القيامة، ستكون أجسادًا روحانية، لا تحتاج إلى الطعام والشراب، وليس فيها شهوة الجماع ولا فرق فيها بين جسد المرأة وجسد الرجل (^٣).\nوقد ذكر منكرو النعيم الحسي في الجنة شبهًا متهافتة، رد عليها العلماء وبينوا وجه الخطأ فيها، ومما ذكروه من شبه قولهم: إن كان في الجنة أكل وشراب ونكاح ولباس، لزم أن يكون في الجنة غائط وبول وولادة وتمزيق ثياب وتخريقها، وكل ذلك محال أن يكون في الجنة.\nقيل: هذا جهل، ولا يلزم شيء مما ذكر، بل يقال: هناك أكل وشرب وليس هناك غائط ولا بول، وهذا غير منكر، إذ لا يلزم في كل طعام أن يكون له فضلة، لو سلمنا أن تكون له فضلة، لما لزم أن يكون فضلة مستقذرة، بل قد تكون فضلات كثيرة طيبًا يتطيب به، وشرابًا يشرب، مثل المسك، فإنه دم حيوان أو رجيعه، أو العسل فإنه فضلة حيوان معروف وليس شيء من ذلك مستقذرًا، بل هو مستطاب مستلذ، ولا يبعد أن تكون فضلات الجنة هكذا بل هو هكذا.\nوأما الحمل: فلا يلزم شيء منه، إذ قد نجد من النساء العواقر، وهن اللواتي لا يلدن، فكذلك نساء أهل الجنة، لا يلدن ولا يحضن.\n_________\n(^١) شمس الدين القرطبي: الإعلام بما لدين النصارى من الفساد والأوهام ص (٤٣٣).\n(^٢) الشهرستاني: الملل والنحل، مؤسسة الحلبي، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (٢/ ٢٨)\n(^٣) الخلف: دراسات في الأديان، مكتبة أضواء السلف - الرياض، ط ٤ ١٤٢٥ هـ، ص (٣٣٥)","vol":"1","page":258},{"text":"وأما اللباس: فلا يتمزق ولا يفنى، وفي لباس بني إسرائيل في المفاز، دليل على بطلان ما يخيل هذا السائل، فالذي يبقي الثياب إلى مدة، قادر على أن يبقيها أبد الآبدين (^١).\nواستدل المنكرون لنعيم الجنة الحسي بنص من إنجيل متى، يقول فيه المسيح: لأنهم في القيامة لا يزوجون ولا يتزوجون، بل يكونون كملائكة الله في السماء، وقد ورد أيضًا في إنجيل مرقس ولوقا (^٢).\nوهذا يرد عليه من جهتين (^٣):\nالأولى: أنه يخالف ما ورد في إنجيل متى (١٩/ ٢٩): وكل من ترك بيوتًا أو إخوة أو أخوات أو أبا أو أمّا أ، أو امرأة أو أولادًا من أجل اسمي يأخذ مائة ضعف، ويرث الحياة الأبدية.\nوبالجمع بين النصين، يظهر المراد، فقوله في الإنجيل: ومن ترك زوجة من أجلي في الدنيا فإنه يعطى مائة ضعف، ويرث الحياة الدائمة، كان هو السبب في تشمير كثير من أتباع المسيح في طلب هذا التضعيف، فترهبوا وانقطعوا عن النساء والشواغل.\nالثانية: أن النص المنسوب إلى المسيح ليس فيه سوى نفي الزواج، وليس فيه نفي لبقية الملذات من الطعام والشراب واللباس وغيرها، وقد ثبت في نصوص الأناجيل إثبات الطعام والشراب في الآخرة.\nويمكن أن يقال عما ورد في الإنجيل من نفي التزوج بالنساء في الجنان، من أنه لا يلزم منه نفي التنعم بهم في الجنان، إذ يحتمل أن يراد به أنهم لا يتزوجون الزواج المعروف المألوف، من قاعدة النكاح والزواج الدنيوي، وهو تقدم الخطبة وبذل الصداق والعقد والشروط وغير ذلك مما فيه حرج وكلفة على الناكح، بل يمنحون ذلك ويتملكونه ويرثونه وراثة وتملكًا (^٤).\n_________\n(^١) القرطبي: الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام، ص (٤٣٢).\n(^٢) إنجيل متى: ٢٢/ ٢٢ - ٣٠، إنجيل مرقص: ١٢/ ١٨ - ٢٥، إنجيل لوقا: ٢٠/ ٢٧ - ٣٥.\n(^٣) صالح الجعفري: تخجيل من حرف التوراة والإنجيل (١/ ٢١٧)، الخلف: دراسات في الأديان ص (٣٣٥).\n(^٤) صالح الجعفري: تخجيل من حرف التوراة والإنجيل: (١/ ٢١٧)","vol":"1","page":259},{"text":"وكذا يقال: إن العقل يدل على جوازه، إذ ليس في ذلك إلا أن الذي خلقنا أول مرة، ومكننا أن نتنعم نعيمًا محسوسًا، ونتأمل ألمًا محسوسًا قادر على أن يعيدنا بعد أن يغنينا كما بدأنا، فإن الإعادة إنما هي خلق ثان، ومن قدر على الخلق الأول، قدر على الخلق الثاني، وهذا معلوم بنفسه (^١).\nوالنصوص الواردة في الأناجيل تدل على النعيم الحسي في الآخرة، فليس المتعة في الآخرة، فليس المتعة في الآخرة تكون برؤية الله فقط، بل بكل أنواع النعيم الحسية كذلك، فهذا المسيح يقول لتلاميذه في العشاء الأخير بعد أن أخذ الكأس وشكر، وأعطاهم فشربوا مهنا كلهم، وقال لهم: الحق أني أقول لكم إني لا أشرب بعد من نتاج الكرمة إلى ذلك اليوم، حينما أشربه جديدًا في ملكوت الله (^٢). وقال المسيح: إن في الآخرة منازل كثيرة، وإلا فإني قد قلت لكم: أنا أمضي لأعد لكم مكانًا (^٣).\nوهذا هو القول الصحيح الذي دلت عليه الدلائل الشرعية والعقلية، أن النعيم يكون في الآخرة روحيا وحسيا، وكذا الشقاء يكون حسيا وروحانيا \" قال الإمام الأوزاعي: واعلم أنا بيّنا في هذا الكتاب أنواع السعادات والشقاوات الروحانية، إلا أنا مع ذلك نثبت السعادات والشقاوات الجسمانية، ونعترف بأن الله يجعل أهل الجنة، بحيث يأكلون ويشربون وبالجواري يتمتعون\" (^٤).\n_________\n(^١) القرطبي: الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام ص (٤٣٢).\n(^٢) إنجيل مرقس: ١٤: ٢٣ - ٢٥\n(^٣) إنجيل يوحنا: ١٤: ٢، انظر لواء أحمد: الإسلام والأديان الأخرى ص (٥٠)\n(^٤) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (١٦/ ٢٥).","vol":"1","page":260},{"text":"وبعد أن ذكر شيخ الإسلام بعض الدلالات على نعيم الجنة، من مثل قوله جل وعلا: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة:١٧]، وقول النبي - ﷺ - فيما يرويه عن ربه تعالى: ﴿أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ﴾ (^١) ... قال الشيخ:\" وهذا فيه رد على اليهود والنصارى والصابئين من المتفلسفة وغيرهم، فإنهم ينكرون أن يكون في ا لجنة، أكل وشرب ولباس وانكاح ويمنعون وجود ما أخبر به القرآن\" (^٢).\nومن دلالة العقل: أن الله تعالى خلق جواهرنا وطباعنا، تلتذ بالمأكل والمشرب، والروائح، والملابس والأصوات الموافقة لجوهرنا، والوطء وقد علمنا، النفس هي الملتذة بذلك، وأن هذه الحواس الجسدية هي الموصلة لهذه الملاذ إلى النفس، فهذه طبيعة جواهر أنفسنا التي لا سبيل في وجودها دونها، فإذا جمع الله ﷿ يوم القيامة في دار الجزاء بين أجسادنا بعد تصفيتها من كل كدر وبين أنفسنا عادت الطبيعة كما كانت، فجوزيت هنالك ونعمت بملاذها وبما تستدعي طباعها التي لم توجد قط إلا لذلك، إلا أن الطعام غير معان بتار، ولا ذو آفات، ولا مستحيل كما أخبرنا تعالى: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩)﴾ [الواقعة:١٩] (^٣).\nفظهر بما ذكر أن ما انتحلوه من إنكار النعيم والعذاب المحسوس باطل بشهادة العقول، وبنصوص كلام الأنبياء المنقول (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة ح (٣٢٤٤).\n(^٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٧٩)، محمود غريب: سورة الواقعة ومنهجها في العقائد، ص (٨٨)\n(^٣) الخرزجي: مقام هامات الصلبان، حققه د. محمد شامة، باسم بين الإسلام والمسيحية، (٢٨٠)، ابن حزم: الأصول والفروع ص (٧٨).\n(^٤) القرطبي: الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام ص (٣٧).","vol":"1","page":261},{"text":"وهذا الذي أنكره النصارى من النعيم الحسي، هو الذي دعا جماعة من أهل العلم إلى تفسير قوله جل وعلا: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة:٢٩]: إن النصارى واليهود مع أنهم يؤمنون بالمعاد، إلا أنه نفى عنهم الإيمان في هذه الآية؛ لأنهم لما أنكروا ما أخبر به الرسول - ﷺمن الأكل والشرب ونحو ذلك صاروا ممن لا يؤمن بالله واليوم الآخر (^١).\nوللشيخ الطاهر بن عاشور تفسير آخر للآية، يخالف ما ذُكر، أشار إليه في تفسيره (^٢).\n_________\n(^١) انظر: ابن تيمية: الرد على المنطقيين، ص (٤٥٨).\n(^٢) الطاهر بن عاشور: التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر - تونس، ١٩٨٤ م (١٠/ ١٦٣).","vol":"1","page":262},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>المبحث الخامس: الفلاسفة واليوم الآخر</span>،\nوفيه مطلبان:\n\nالمطلب الأول: الفلاسفة وانحراف طوائفهم في المعاد.\n\nالمطلب الثاني: أقوال الفلاسفة في المعاد.","vol":"1","page":263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>المطلب الأول الفلاسفة وانحراف طرائقهم في المعاد والشرائع:</span>\nالفلسفة: لفظ أعجمي مركب، مشتقة من كلمة يونانية، وهي: فيلاسوفيا وتفسيرها: محبة الحكمة، فلما عربت قيل: فيلسوف، ثم اشتقت الفلسفة منه، ومعنى الفلسفة: علم حقائق الأشياء والعمل بما هو أصلح، وقيل: هو معرفة الإنسان نفسه، وقيل: علم الأشياء الأبدية (^١).\nوأصبح تعريف الفلسفة عند الإطلاق، وفي الاصطلاح العام، يطلق على مجموعة أراء محددة، ونظرات خاصة للكون والوحي، والنبوات والإلهيات ونحو ذلك، ويعرفها بعض أنصارها تعريفًا يعتبر مضادًا للإسلام ... ومصادمًا للسنة، قالوا: هي النظر العقلي المتحرر من كل قيد وسلطة تفرض عليه من الخارج، وقدرته على مسايرة منطقة إلى أقصى آحاده، وإذاعة آرائه بالغًا ما بلغ وجه التباين بينها وبين أوضاع العرف، وعقائد الدين ومقتضيات التقاليد، من غير أن نتصدى لمقاومتها أو التنكيل بها سلطة ما وهي بهذا المعنى تعتبر من أخطر الطواغيت، وأشدها شراسة في محاربة الإيمان والأديان (^٢).\nوالفلاسفة هم الحكماء، واشتد نكير الإمام أبي حيان على الإمام الرازي في نقله كثيرًا عن الفلاسفة الذين يسميهم (حكماء الإسلام) فقال أبو حيان:\" وكثيرًا ما ينقل هذا الرجل عن حكماء الإسلام في التفسير، وينقل كلامهم تارة منسوبًا إليهم، وتارة مستندًا به، ويُعنى بحكماء الفلاسفة: الذين خلقوا في مدة الملة الإسلامية، وهم أحق بأن يسموا سفهاء جهلاء، من أن يسموا حكماء، إذ هم أعداء الأنبياء، والمحرفون للشريعة الإسلامية، وهم أضر على المسلمين من اليهود والنصارى \" (^٣).\nوالفلاسفة كما يقول الإمام الغزالي:\" أنهم على كثرة فرقهم، واختلاف مذاهبهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: الدهريون والطبيعيون، والإلهيون \" (^٤).\n_________\n(^١) مانع الجهني: الموسوعة الميسرة (٢/ ١١٠٩)، محمد الحمد: مصطلحات في كتب العقائد ص (٩٦)\n(^٢) أبو حيان: البحر المحيط، دار الفكر - بيروت، ١٤٢٠ هـ، ت: صدقي جميل، ص (٦/ ٤٦).\n(^٣) الغزالي: المنفذ من الضلال (١٢٨)، السفاريني: لوامع الأنوار البهية (١/ ٢٧٩).\n(^٤) محمد أحمد الخوارزمي: مفاتيح العلوم ص (١٥٣)، ابن منظور: لسان العرب (٩/ ٢٧٣)، السيوطي: معجم مقاليد العلوم ص (١٣١)، الشهرستاني: الملل والنحل (٢/ ١١٦).","vol":"1","page":264},{"text":"وأشار العلامة الشهرستاني إلى جملة فرق الفلاسفة قال:\" ضمن الفلاسفة حكماء الهند من البراهمة لا يقولون بالنبوات أصلًا، ومنهم: حكماء العرب وهم شرذمة قليلون، ومنهم حكماء الروم، وهم منقسمون إلى القدماء الذين هم أساطير الحكمة، وإلى المتأخرين وهم: المشاءون وأصحاب الرواق وأصحاب أرسطو طاليس وإلى فلاسفة الإسلام الذين هم حكماء العجم \" (^١).\nومذهب الفلاسفة من أخبث المذاهب، وهم من أضل الناس وأبعدهم عن سلوك الصراط المستقيم، واتباع سبيل المؤمنين، وغالب علومهم النظر في العقليات، وأما ما كان عليه الرسل فلا يعرفونه، ولذا كانوا يعارضون ما بلغهم من النقليات بما عندهم من العقليات، بآرائهم الفاسدة وأوهامهم الكاسدة، فليسوا في الحقيقة من أهل الإسلام وعلومهم في شيء (^٢)، إذ كل علم دين لا يطلب من القرآن فهو ضلال، كفاسد كلام الفلاسفة والمتكلمة والمتصوفة والمتفقهة (^٣).\nولذا فإن الفلاسفة ليسوا أمة واحدة، لها مقالة في العلم والإلهي والطبيعي وغيرهما، بل هم أصناف متفرقون وبينهم من التفرق والاختلاف - ما لا يحصيه إلا الله تعالى - أعظم مما بين الملة الواحدة، كاليهود والنصارى أضعافًا مضاعفة. فاختلاف الفلاسفة لا يحصره أحد، وليس بين الفلاسفة اتفاق، ومتى قال الرازي في كتبه: (اتفقت الفلاسفة) فيراد بهم: اتباع أرسطوا الأولين وأشهرهم ثلاثة: برقلس، والاسكندر الافرديوس، وثامسطيوس وإلا فالفلاسفة طوائف كثيرون، وبينهم اختلاف كثير في الطبيعيات والإلهيات وفي الهيئة أيضًا (^٤).\n_________\n(^١) الشهرستاني: الملل والنحل، مؤسسة الحلبي، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (٢/ ١١٨)\n(^٢) سليمان بن سحمان: إقامة الحجة والدليل وإيضاح المحجة والسبيل، ص (٥٢).\n(^٣) ابن تيمية: الاستقامة، جامعة الإمام محمد بن سعود - المدينة النبوية، ط ١ ١٤٠٣ هـ (١/ ٢١).\n(^٤) ابن تيمية: الرد على المنطقين ص (٣٣٢ - ٣٣٤ - ٣٣٦).","vol":"1","page":265},{"text":"وقد زعم الفلاسفة أن عندهم علمًا يستغنون به عما جاء به الأنبياء والدهريون كانوا إذا سمعوا بوحي الله دفعوه وصغروا علم الأنبياء إلى علمهم، ولما سمع سقراط بموسى - ﵇- قيل له: لو هاجرت إليه فقال: نحن قوم مهذبون، فلا حاجة بنا إلى من يهذبنا.\nويروي أن جالينوس قال لعيسى ﵊: بعثت لغيرنا (^١) ... ولذا قال بعض أهل العلم: إن قوله جل وعلا: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣)﴾ [غافر:٨٣] يتناول الفلاسفة، وذلك أنه لما جاءت الرسل بعلوم الديانات ومعرفة الله تعالى، ومعرفة المعاد، وتطهير النفس من الرذائل، لم يلتفتوا إليها واستهزؤوا بها، واعتقدوا أنه لا علم أنفع وأجلب للفائدة من علمهم ففرحوا به (^٢).\n\"إن الفلاسفة لما لم يغترفوا من بحار الأنبياء، وقفت بهم أفراس أفكارهم في عالم الشهادة، فلما حاولوا الخوض في الإلهيات، انكشفت عورة جهلهم وافتضحوا باضطرابهم واختلافهم ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر ١٤] (^٣).\nولذا فإن مسلك الفلاسفة في الإلهيات مشوب بالشكوك والشبهات والأوهام، فالحكمة الحقيقية في الكتاب والسنة لا في علوم الفلاسفة، إذ إن \" أكثر علوم الفلاسفة التي لو بلغ الإنسان غايتها، لم يكمل بذلك، ولم يزك نفسه \"؛ لأن الفلاسفة يأخذون من كل دين -بزعمهم- محاسن ما دلت عليه العقول (^٤).\n_________\n(^١) أبو حيان: البحر المحيط، ص (٦/ ٤٢٥)، ابن عادل: اللباب في علوم الكتاب - (١٧/ ٩٣).\n(^٢) ابن تيمية: الصفدية (٢/ ٢٤٧)، ابن عادل: اللباب في علوم الكتاب، (١٧/ ٩٤).\n(^٣) البقاعي: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (٩/ ٣٥١)\n(^٤) ابن القيم: إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان (٢/ ٢٥١)، الفوائد (١٩٨)","vol":"1","page":266},{"text":"وإنما تمكن إبليس من التلبيس على الفلاسفة، من جهة أنهم انفردوا بآرائهم وعقولهم، وتكلموا بمقتضى ظنونهم من غير التفات إلى الأنبياء (^١). ومن هنا نهى العلماء عن قراءة كتبهم، قال الإمام أبو الوليد الباجي في النصيحة الولدية: \"وإياكما وقراءة شيء من المنطق وكلام الفلاسفة، فإن ذلك مبني على الكفر والإلحاد، والبعد عن الشريعة والإبعاد\" (^٢).\nقال الإمام أبو حيان: \"وإذا كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، نُهِى عن قراءة التوراة، مع كونها كتابًا إلهيًا، فلأن يُنهى عن قراءة كلام الفلاسفة أحق. وقد غلب في هذا الزمان وقبله بقليل الاشتغال بجهالات الفلاسفة على أكثر الناس، ويسمونها الحكمة، ويستجهلون من عُرِّي عنها، ويعتقدون أنهم الكملة من الناس، ويعكفون على دراستها ولا تكاد تلقى أحدًا منهم يحفظ قرآنًا ولا حديثًا عن رسول الله - ﷺ - \" (^٣).\nوحين قرأ بعض المسلمين كتب الفلاسفة، اعجبوا بها رغم ما فيها من نظريات تعارض الشرع القويم، حتى حاول البعض المواءمة بين العلوم الفلسفة، وبين ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، حتى أدت بهم إلى اختراع تعاليم جديدة، تبتعد في حقائقها عن الحقائق الشرعية المأثورة.\nولذا كان انبهار بعض الناس، ببراعة الفلاسفة في القضايا الكونية والطبيعية طريقًا لتلبس أفكارهم في الإلهيات (^٤)، ومن هنا قال الإمام الشافعي:\" ما جهل الناس واختلفوا إلا بتركهم مصطلح العرب، وأخذهم بمصطلح أرسطو طاليس \" (^٥).\n_________\n(^١) ابن الجوزي: تلبيس إبليس، دار الفكر - بيروت، ط ١ ١٤٢١ هـ، ص (٤٣).\n(^٢) الباجي: النصيحة الولدية، دار الوطن - الرياض، ط ١ ١٤١٧ هـ، ص (١٨).\n(^٣) أبو حيان: البحر المحيط، دار الفكر - بيروت، ١٤٢٠ هـ، ت: صدقي جميل، ص (٦/ ٤٦).\n(^٤) محمد الذهبي: التفسير والمفسرون (٢/ ٣٠٨)، أحمد عبد اللطيف: شرح الرسالة التدمرية، ص (٦١)\n(^٥) مانع الجهني: الموسوعة الميسرة، دار الندوة العالمية للطباعة، ط ٤ ١٤٢٠ هـ (٢/ ١١٠٩)","vol":"1","page":267},{"text":"فإذا كان أعلم الناس بمذاهب الفلاسفة ومقالاتهم، وهو ممن أشقى حياته بالنظر في كتبهم، قد آل أمره إلى الحيرة والضلال والشك، فكيف بمن يأتي بعده، قال ابن رشد الحفيد في كتابه، تهافت التهافت:\" ومن الذي قال في الإلهيات شيئًا يعتد به؟ \" (^١).\nومن هنا قال الإمام أبو حنيفة لما قيل له: \"ما تقول فيما أحدث الناس من كلام في الأعراض والأجسام؟ فقال: مقالات الفلاسفة، عليك بالأثر وطريقة السلف، وإياك وكل محدثة، فإنها بدعة\" (^٢).\nوالناظر في كتب الفلاسفة ومقالاتهم، يجد أنهم في أصول الإيمان التي اتفقت عليها الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، أعظم الناس لها إنكارًا، فإن من علم حقيقة قولهم علم أنهم لم يؤمنوا بالله، ولا رسله، ولا كتبه، ولا ملائكته، ولا باليوم الآخر (^٣).\nومن المواضع التي اضطربت فيها أقوال الفلاسفة، وكانت سببًا في تكفيرهم هو: إنكارهم حشر الأجساد، فقد قال الإمام الغزالي:\" فأما ما يتعلق من هذا الجنس بأصول العقائد المهمة، فيجب تكفير من يغير الظاهر بغير برهان قاطع، كالذي ينكر حشر الأجساد، وينكر العقوبات الحسية في الآخرة بظنون وأوهام واستبعادات من غير برهان قاطع، فيجب تكفيره قطعًا، إذ لا برهان على استحالة رد الأرواح إلى الأجساد، ورد ذلك عظيم الضرر في الدين، فيجب تكفير كل من تعلق به، وهو مذهب أكثر الفلاسفة،\" وقد ذكر الإمام ابن تيمية أن الإمام الغزالي قد جزم في هذا الموضع بكفر هؤلاء، وكفرهم كذلك قد جزم به سائر علماء المسلمين (^٤).\n_________\n(^١) ابن أبي العز: شرح الطحاوية، وزارة الأوقاف السعودية، ط ١ ١٤١٨ هـ، ص (٢٧٦ - ٢٧٧).\n(^٢) ابن قدامة: ذم التأويل، الدار السلفية - الكويت، ط ١ ١٤٠٦ هـ، ص (٣٣).\n(^٣) ابن أبي العز: شرح الطحاوية، وزارة الأوقاف السعودية، ط ١ ١٤١٨ هـ، ص (٢٧٦ - ٢٧٧).\n(^٤) ابن تيمية: بغية المرتاد (٣٣٢)، ابن تيمية: الصفدية (٢/ ٣٢٦).","vol":"1","page":268},{"text":"ويتبين حقيقة قولهم في المعاد، في المطلب الثاني: ونخلص من هذا المطلب: أن الفلاسفة هم حكماء اليونان، وكل أمه من أهل الكتب المنزلة وغيرهم لهم حكماء بحسب دينهم، كما للهند المشركين حكماء، وكان الفرس المجوس حكماء، وحكماء المسلمين هم: أهل العلم بما بعث الله به رسوله - ﷺوأهل العمل به، فلما كان هذا أصل لفظ الفلسفة، صار هذا مطلقًا على كل من سلك سبيل أولئك اليونان واتبعهم في حكمتهم، ومتى ذُكرت هذه الحِكم على وجهها، ظهر فيها من الباطل ما ينفر عنها كل عاقل عرف دين الرسل عليهم الصلاة والسلام (^١).\nفالمقصود: أن الفلاسفة اسم جنس لمن يجب الحكمة ويؤثرها، وقد صار هذا الاسم في عرف كثير من الناس، مختصًا بمن خرج عن ديانات الأنبياء ولم يذهب إلا إلى ما يقتضيه العقل في زعمه، وأخص من ذلك أنه في عرف المتأخرين اسم لأتباع أرسطو، وهم المشاؤون خاصة، وهم الذين هذب ابن سينا طريقتهم وبسطها وقررها، وهي التي يعرفها، بل لا يعرف سواها المتأخرون من المتكلمين (^٢).\nوهنا يُشار إلى أن أساطين الفلاسفة ومتقدميهم، كانوا معظمين للرسل والشرائع، موجبين لاتباعهم، خاضعين لأقوالهم، معترفين بما جاؤوا به وراء طور العقل، وأن عقول الرسل وحكمتهم فوق عقول العالمين وحكمتهم، وكانوا لا يتكلمون في الإلهيات، ويسلمون باب الكلام فيها إلى الرسل، ويقولون: علومنا إنما هي: الرياضيات والطبيعيات وتوابعها، وكانوا يقرون بحدوث العالم، وإثبات الصانع، ومباينته للعالم، وأنه فوق العالم، وفوق السموات بذاته، كما حكاه عنهم أعلم الناس في زمانه بمقالاتهم، أبو الوليد بن رشد في كتابه (مناهج الأدلة) (^٣).\n_________\n(^١) ابن تيمية: الصفدية، مكتبة ابن تيمية - مصر، ط ٢ - ١٤٠٦ هـ (٢/ ٣٢٥).\n(^٢) ابن القيم: إغاثة اللهفان، مكتبة المعارف - الرياض، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٢/ ٢٥٧).\n(^٣) ابن القيم: إغاثة اللهفان، مكتبة المعارف - الرياض، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٢/ ٢٥٧ - ٢٥٩ بتصرف)، ابن تيمية: منهاج السنة النبوية، جامعة الإمام محمد بن سعود، ط ١ ١٤٠٦ هـ (١/ ٣٦٤).","vol":"1","page":269},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>المطلب الثاني قول الفلاسفة في المعاد:</span>\nمما تقرر في هذا المقام: أن جميع الرسل أخبرت بيوم القيامة في ما تزعم طوائف من الفلاسفة وأهل الكلام، أن المعاد الجسماني لم يخبر به إلا محمد وعيسى (^١).\nوكذلك اتفقت كلمة المسلمين على القول بالبعث في القيامة، بقول الإمام ابن حزم:\" اتفق أهل القبلة على تنابذ فرقهم على القول بالبعث في القيامة ... وعلى تكفير من أنكر ذلك \" (^٢).\nوكذلك القول الذي كان عليه عامة علماء السلف، وجمهور العقلاء: أن البعث يكون بالروح والجسد (^٣).\nوالفلاسفة بالنسبة للمعاد إثباتًا ونفيًا على أقسام:\n١ - الفلاسفة المنكرون للمعاد واليوم الآخر إنكارًا تامًا، وهؤلاء هم الفلاسفة الدهريون الدوريون، المنكرون للصانع المعتقدون أن في كل ستة وثلاثين ألف سنة، يعود كل شيء إلى ما كان عليه، وزعموا أن هذه قد تكررت مرات لا تتناهى، فكابروا المعقول، وكذبوا المنقول، ولهذا قالوا: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] (^٤).\nقال عنهم الإمام الغزالي: \"الدهريون: وهم طائفة من الأقدمين جحدوا الصانع المدبر العالم القادر، وزعموا: أن العالم لم يزل موجودًا كذلك بنفسه وبلا صانع، ولم يزل الحيوان من النطفة، والنطفة من الحيوان، كذلك كان ... وكذلك يكون أبدًا، وهؤلاء هم الزنادقة\" (^٥).\nوحكى صاحب المواقف أقوال الناس في المعاد، ثم قال: \"والرابع: عدم ثبوت شيء منهما، أي: المعاد الروحاني والجسماني، وهذا قول القدماء من الفلاسفة الطبيعيين\" (^٦).\n_________\n(^١) ابن تيمية: الاستقامة، جامعة الإمام محمد بن سعود - المدينة النبوية، ط ١ ١٤٠٣ هـ (١/ ١٧).\n(^٢) ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل (٤/ ٦٦)، ابن القيم: (٢/ ٣٤).\n(^٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى (٤/ ٣١٦)، ابن القيم: مفتاح دار السعادة (٢/ ٣٤).\n(^٤) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم (٧/ ٢٦٩)، ابن تيمية: الجواب الصحيح (١/ ٤٢٢)\n(^٥) الغزالي: المنقذ من الضلال، دار الكتب الحديثة - مصر، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (١٣٣)\n(^٦) الايجي: المواقف (٣/ ٤٧٩)، ابن تيمية: الرد على المنطقيين ص (٤٥٨).","vol":"1","page":270},{"text":"وهؤلاء لا يعتد بهم في المسألة، ولا في الفلسفة، فهم زعموا أنه هذا الهيكل المحسوس بماله من المزاج والقوى والأعراض، وأن ذلك يفنى بالموت وزوال الحياة، ولا يبقى إلا المواد العنصرية المتفرقة، وأنه لا إعادة للمعدوم.\nوهذا معلوم الفساد، وفيه تكذيب للعقل على ما يراه المحققون من أهل الفلسفة، وتكذيب للشرع على ما يراه المحققون من أهل الملة (^١).\nيقول جل وعلا في بيان حقيقة المكذبين بالبعث والمعاد: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤)﴾ [الجاثية:٢٤] وهذه الآية تشمل طائفتين من الفلاسفة المنكرة للمعاد:\nالأولى: الفلاسفة الدهرية والطبائعية.\nالثانية: الفلاسفة الدهرية الدورية.\nوللسلف في معنى الآية الكريمة تفسيران:\nالأول: معنى قولهم: (نموت ونحيا): أي: يموت الآباء ويحيا الأبناء هكذا أبدًا، وهو قول الطائفة الأولى.\nوالثاني: أنهم عنوا كونهم يموتون ويحيون هم أنفسهم، ويتكرر ذلك منهم أبدًا، ولا حساب ولا جزاء، بل ولا موجد ولا معدم ولا محاسب ولا مجازي، وهذا قول الدورية (^٢).\n٢ - الفلاسفة المنكرون لمعاد الأبدان، وهو قول الفلاسفة الإلهيين ... فقالوا: إن الأجساد لا تحشر وإنما المثاب والمعاقب هي الأرواح المجردة والمثوبات والعقوبات روحانية لا جسمانية (^٣).\n_________\n(^١) التفتازاني: شرح المقاصد في علم الكلام، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٢٢ هـ (٢/ ٢١٠)\n(^٢) حافظ الحكمي: معارج القبول (٢/ ٧٧٦)، الغزالي: المنفذ من الضلال: (١٣٥)\n(^٣) الغزالي: المنقذ من الضلال: (١٦٤)، الإيجي:: (٣/ ٤٧٩)","vol":"1","page":271},{"text":"قال الإمام ابن الجوزي: \"وقد أنكرت الفلاسفة بعث الأجساد، ورد الأرواح إلى الأبدان، ووجود جنة ونار جسمانيين، وزعموا أن تلك أمثلة ضربت لعوام الناس، ليفهموا الثواب والعقاب الروحانيين، وزعموا أن النفس تبقى بعد الموت بقاء سرمديًا أبدًا، إما في لذة لا توصف وهي الأنفس الكاملة، أو ألم لا يوصف، وهي النفوس المثلوثة\" (^١).\nفهؤلاء المتفلسفة يقولون: إن ما أخبرت به الرسل من أمر المعاد، إنما هي أمثال مضروبة، لتفهيم المعاد العقلي، واللذة والألم العقليين، فيجعلون النصوص الشرعية الواردة في البعث والمعاد من قبيل التخييل والتمثيل الخالية عن الحقائق، وإنما جاء بها الأنبياء والرسل من ربهم جل وعلا لأمور:\n١ - لتفهيم المعاد الروحاني، وما يقوم بالنفس بعد الموت من اللذة والألم.\n٢ - أن فيه مصلحة العامة، حتى يرتدعوا، ولذا صرحوا بأن الرسل تكذب للمصلحة.\n٣ - وفيه تفيهم لمعنى الرب والملائكة وغير ذلك (^٢).\nوقولهم هذا: أن الحقائق في مقام الأمثال، هو تحكم بلا دليل (^٣)، مخالف لاعتقاد المسلمين كافة، قال الإمام الغزالي: \"ولقد صدقوا في إثبات الروحانية، فإنها كائنة أيضًا، ولكن كذبوا في إنكار الجسمانية، وكفروا بالشريعة فيما نطقوا به\" (^٤).\n_________\n(^١) ابن الجوزي: تلبيس إبليس، دار الفكر - بيروت، ط ١ ١٤٢١ هـ، ص (٤٥)\n(^٢) ابن تيمية: بغية المرتاد (٢٧٩)، ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل (٦/ ٢٤٢)، (ذكر شيخ الإسلام: أن عمدة شبهة الملاحدة المنكرون للمعاد كلها تعود إلى ما ينفي على الرب أو قدرته أو مشسيئته أو حكمته، ونفي العي يثبت هذه الصفات فتنتفي أصول شبهتهم)، انظر: ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل، جامعة الإمام محمد بن سعود - السعودية، ط ٢ - ١٤١١ هـ (٧/ ٣٨٤)\n(^٣) ابن الجوزي: تلبيس إبليس، دار الفكر - بيروت، ط ١ ١٤٢١ هـ، ص (٤٥)\n(^٤) الغزالي: المنقذ من الضلال، (١٤٧)، الغزالي: تهافت الفلاسفة ص (٢٨٢)","vol":"1","page":272},{"text":"وقد تتبع الإمام الغزالي حجج الفلاسفة في إنكارهم حشر الأجساد، وإنكارهم اللذات الجسمانية في الجنة، والآلام الجسمانية في النار، وإنكار وجود جنة أو نار، ورد عليها وفندها، والسبب الذي حملهم على إنكار هذه الأمور هو استحالتها بالدليل العقلي، فطالبهم بإظهارها، ثم رد عليها في كتابه \"تهافت الفلاسفة\" (^١).\nواحتجوا في إنكارهم لحشر الأجساد، ببعض الشبه العقلية منها:\n١ - استحالة إعادة المعدوم.\n٢ - استحالة عدم تناهي الأبعاد.\nأما دليلهم الأول: وهو استحالة إعادة المعدوم، فيجاب عنه بأوجه:\nالأول: أنه لا دليل على امتناع إعادة المعدوم، بل الدليل دل على إمكانه.\nالثاني: أن المعاد ممكن التحقق لتحققه في المبتدأ، والله جل وعلا يقول: ... ﴿... كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩)﴾ [الأعرف:٢٩].\nالثالث: أن إعادة المعدوم يراد منه: إعادة الأجزاء إلى ما كانت عليه من التأليف والحياة ونحو ذلك.\nالرابع: أن هذا مبني على قاعدتين وهميتين، وهما: إنكار القدرة، وإنكار العلم بالجزئيات، وعليهما بنى منكر وحشر الأجساد من الفلاسفة، ولذا فالقرآن قرر المعاد بهذه الأصول وهي كمال القدرة، وكمال العلم، وكمال الحكمة الإلهية (^٢).\nوأما دليلهم الثاني: وهو استحالة عدم تناهي الأبعاد، والقائلون به على جهتين:\n- منهم من قال: الإنسان قديم بالنوع، والنفوس الناطقة غير متناهية كالأبدان، فلو قيل بالحشر الجسماني يلزم اجتماع تلك الأبدان غير المتناهية في الوجود، إذ لا بد لكل نفس من بدن مستقل، فيلزم بعد غير متناه، لتجتمع فيه تلك الأبدان غير المتناهية.\n- ومنهم من قال: إن الإنسان أفراده غير متناهية، والعناصر متناهية فأجزاؤها لا تفي بتلك الأبدان فكيف يحشر؟ (^٣).\n_________\n(^١) الغزالي: تهافت الفلاسفة ص (٢٩٤)، عبد الرحمن بدوي: الفلسفة والفلاسفة ص (١٣٩).\n(^٢) التفتازاني: شرح المقاصد (٢/ ٢١٣)، ابن المنير: الاتصاف فيما تضمنه الكشاف، مطبوع مع كتاب الكشاف (٣/ ٣٢)، أبو جعفر الغرناطي: ملاك التأويل (٢/ ٣٩٧)\n(^٣) الألوسي: روح المعاني، دار الكتب العلمية - بيروت ن ط ١ ١٤١٥ هـ (١٢/ ٦٠)","vol":"1","page":273},{"text":"وهذه مع كونها شبهة متهافتة، إلا أن هذا الزعم الذي تفوه به الفلاسفة زعم باطل، لأنهم يقولون بقدم العالم، وهذا يعني: وجود أبعاد زمانية لا تتناهى في القدم، ويقولون بأن المادة لا تفنى، وهذا يعني أيضًا: وجود أجسام لا تتناهى، فهذا يرد على دعواهم الباطلة، مع كون القول بقدم العالم عقيدة فاسدة، إلا أن مسلّمات الخصم، وهي لازم قولهم تبطل دعواهم (^١).\nوثانيًا: أن الازدحام والتصادم والتضايق، هو من خصائص الأجسام الدنيوية، وليس في الأجسام الأخروية ازدحام وتضايق، فأحوال الآخرة تختلف عن أحوال الدنيا، وصفة الأرض المحشورة تختلف عن صفة الأرض الدنيوية، والقرآن نص على أنهم مجموعون، مما يدل على اتساعها للجميع قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)﴾ (قُلْ إن الأوّلين والآخرين، لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم) الواقعة: ٥٠ (^٢).\n٣ - بعض أعيان الفلاسفة لهم آراء خاصة فيما يتعلق بالمعاد الروحاني:\nأ - نقل شيخ الإسلام عن الفارابي، أن له ثلاثة أقوال متناقضة في معاد النفوس والأرواح:\nفتارة يقول: إنما تُعاد النفوس العالمة دون الجاهلة، وهذا أيضًا قول يقوله بعض أعيانهم، وتارة يقول: بمعاد الأنفس مطلقًا، وتارة يقول: بإنكار معاد الأنفس مع معاد الأبدان (^٣).\nب - ونُقل عن جالينوس: التوقف في هذه المسألة، فإنه قال: لم يتبين لي أن النفس، هل هي المزاج فينعدم عن الموت فيستحيل إعادتها، أو هي جوهر باق بعد فساد البنية، فيمكن المعاد حينئذ (^٤).\n_________\n(^١) محمود غريب: سورة الواقعة ومنهجها في العقائد ص (٩٩)\n(^٢) شاكر الساعدي: المعاد الجسماني ص (٢٤٢)، الألوسي: روح المعاني (١٢/ ٦٠)\n(^٣) ابن تيمية: الرد على المنطقيين ص (٤٥٨)، أحمد بن عيس: توضحي المقاصد (٢/ ٢٧٤)، ابن تيمية: شرح العقيدة الأصفهانية ص (١٦٩)، ابن تيمية: الجواب الصحيح ص (٦/ ١١)، ابن كثير: البداية والنهاية (١١/ ٢٥٣).\n(^٤) الإيجي: المواقف (٣/ ٤٧٩)، التفتازاني: شرح المقاصد (٢/ ٢١١)","vol":"1","page":274},{"text":"ج - ونقل عن ابن سينا: أنه كان يقول بإنكار المعاد الجسماني، ولذا حَصَر الغزالي كلامه في مقاصد الفلاسفة، ثم رد عليه في تهافت الفلاسفة في عشرين مجلسًا كفره في ثلاثة منها، وهي قوله: بقدم العالم، وعدم المعاد الجسماني، وأن الله لا يعلم الجزئيات، وبدعة في البواقي.\nوقد نقل القاضي شهاب الدين المعروف بابن أبي الدم: اتفاق العلماء على أن ابن سينا كان يقول بقدم العالم، ونفى المعاد الجسماني، وأنه أثبت المعاد النفساني، ونقل عنه أنه قال: إن الله تعالى لا يعلم الجزئيات بعلم جزئي وإنما يعلمها بعلم كلي، وقطع علماء زمانه، ومن بعده الأئمة المعتبرة أقوالهم أصولًا وفروعًا من الحق بكفره، ويكفر أي نصر الفارابي بهذه المسائل الثلاث واعتقاده بها بما يخالف اعتقاد المسلمين (^١).\nويقول الإمام ابن تيمية:\" ثم المتفلسفة الدهرية كالفارابي، وابن سينا يزعمون أن العقل يحيل معاد الأبدان، فيجب تقديم العقليات على دلالة السمع \" (^٢).\nونقل ابن خلدون عن ابن سينا في كتابه (المبدأ والمعاد) قوله:\" إن المعاد الروحاني وأحواله هو مما يتوصل إليه بالبراهين العقلية والمقاييس، لأنه على نسبة طبيعية محفوظة ووتيرة واحدة، فلنا في البراهين عليه سعة، وأما المعاد الجسماني وأحواله فلا يمكن إدراكه بالبرهان، لأنه ليس على نسبة واحدة، وقد بسطته لنا الشريعة الحقة المحمدية، فلينظر فيها، وليرجع في أحواله إليها \" (^٣).\n_________\n(^١) ابن كثير: البداية والنهاية (١٢/ ٥٤)، صلاح الدين الصفوي: الوافي بالوفيات (١٢/ ٢٥٠).\n(^٢) ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل، جامعة الإمام محمد بن سعود - السعودية (٥/ ١٠ - ٢٥٠)\n(^٣) ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون، دار الفكر - بيروت، ط ٢ - ١٤٠٨ هـ، ص (٧١٣).","vol":"1","page":275},{"text":"أخذا البعض من هذا النص عن ابن سينا أنه رجع عن قوله بإنكار المعاد الجسماني، واختلفت الأنظار في توجيه قوله السابق، والنظر بالنسبة لمصداقية ابن سينا في هذه المقالة، فذهب البعض إلى أن الباعث له على هذا الأمر هو الرجوع للحق وقبوله إياه، في حين ذهب آخرون إلى الباعث له هو التقية من متكلمي المسلمين في ذلك الزمان، لأنهم يعتبرون أن مسألة المعاد الجسماني من ضروريات الدين الإسلامي، ومن أنكرها كفر (^١).\nوهذا الاضطراب الذي جرى في كلام ابن سينا في البعث الجسماني، جعل البعض يناقش الإمام الغزالي في تكفيره لابن سينا، ولم يسلّم له بذلك، ولذا قال أبو الوليد ابن رشد مجيبًا له تكفير الغزالي للفلاسفة كابن سينا والفارابي:\" الظاهر من قوله في ذلك، أنه ليس تكفيره إياها في ذلك قطعًا، إذ قد صرح في كتاب التفرقة، أن التكفير بخرف الإجماع فيه احتمال\" (^٢).\nوالذي عليه أئمة الإسلام في هذه المسألة، في حيال هذه الأقوال الشاذة الخارجة عن الإسلام، مما يتفوه به الفلاسفة المنكرون لمعاد الأبدان، من أن النعيم والعذاب لا يكون إلا على الروح، وأن البدن لا ينعم ولا تعذب، أن هؤلاء كفار بإجماع المسلمين (^٣).\nوقد ذكر المؤرخون ما يتعلق بتوبة ابن سينا عمومًا، ورجوعه للشرائع واعتقادها، فنقل جماعة منهم خبر توبته وإنابته، في حين تردد فيها جماعة آخرون.\nفقال تقي الدين الغزي:\" والناس في اعتقاده فرقتان له وعليه، والظاهر أنه تاب قبل موته، والله أعلم بحاله\" (^٤)،في حين ألمح الإمام ابن كثير إلى ضعف خبر توبته فقال:\" ويقال إنه تاب عند الموت، فالله أعلم\" (^٥).\n_________\n(^١) شاكر الساعدي: المعاد الجسماني ص (١٨٦) غالب عواجي: الحياة الآخرة (١/ ١١٥).\n(^٢) عبد الرحمن بدوي: الفلسفة، ص (١٢٩)، ابن رشد: فصل المقال، دار المعارف، ط ٢ -، ص (٣٧).\n(^٣) ابن القيم: الروح ص (٥١)، الكفوي: الكليات (١٤٦)\n(^٤) تقي الدين الغزي: الطبقات السنية في تراجم الحنفية (١/ ٢٥٣).\n(^٥) ابن كثير: البداية والنهاية، دار إحياء التراث العربي، ط ١ ١٤٠٨ هـ، ت: علي شيري، (١٢/ ٥٤).","vol":"1","page":276},{"text":"ونقل ابن الأهدل عن اليافعي قال:\" طالعت كتاب الشفا، وما أجدره بقلب الفاء قافاٌ، لاشتماله على فلسفة لا يشرح لها قلب متدين، والله أعلم بخاتمته وصحة توبته، وقد كفره الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال\" (^١)\nد - أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد (الحفيد):\nيُثبت المعاد، ويذكر اتفاق الشرائع عليه فيقول: والمعاد مما اتفقت على وجوده الشرائع، وقامت عليه البراهين عند العلماء، ثم ذكر ابن رشد الأدلة العقلية والنقلية على المعاد.\nوالإشكال عند أبي الوليد، أنه لا يعد الخلاف في الشيء المعاد، أهو الروح أم الجسد؟ شيئًا مهما، بل لكل إنسان أن يعتقد ما أدى إليه نظره واجتهاده بيد أن المقام هنا مقام نص لا نظر واجتهاد، فنصوص الوحيين متضافرة على إثبات المعاد الجسماني، والتأكيد عليه، فبعث الناس يوم القيامة غرا محجلين وبعثهم حفاة عراة غرلًا بهما، فيها دلالة واضحة، وبرهان ساطع على البعث والمعاد الجسماني، لأنها أوصاف للجسد، والروح تبع (^٢).\nيقول شيخ الإسلام مبينًا منهجه: \"كان ابن رشد في مسألة حدوث العالم ومعاد الأبدان، مظهرًا للوقف، ومسوّغًا للقولين \" (^٣).\nوقد دخل على بعض القائلين بمعاد الأرواح فقط، القول بالتناسخ، فمنهم من يقول: بأن الأرواح تتناسخ إما في أبدان الآدميين، أو أبدان الحيوان مطلقًا، أو في موضع الأجسام النامية، ومنهم من يقول بالتناسخ للأنفس الشقية فقط، على أن الكثير من محققيهم ينكر التناسخ (^٤).\n_________\n(^١) ابن العماد: شذرات الذهب، دار ابن كثير - دمشق، ط ١ ١٤١٦ هـ (٥/ ١٣٧).\n(^٢) محمد أمان: العقل والنقل عند ابن رشد، مقال ضمن مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، العدد الأول، تأريخ: ١٣٩٨ هـ، ص (٩٤ - ٩٧)، عبد الرحمن بدوي: الفلسفة والفلاسفة، المؤسسة العربية للدراسات، ط ١ ١٩٨٧ م، ص (١٤١).\n(^٣) ابن تيمية: منهاج السنة النبوية، جامعة الإمام محمد بن سعود، ط ١ ١٤٠٦ هـ (١/ ٣٥٦).\n(^٤) ابن تيمية: الجواب الصحيح، دار العاصمة، السعودية، ط ٢ - ١٤١٩ هـ (٦/ ١١)","vol":"1","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>المبحث السادس: عقيدة اليوم الآخر عند بعض الأديان الوضعية</span>،\nوفيه مطلبان:\n\nالمطلب الأول: المصريون القدماء واليوم الآخر.\n\nالمطلب الثاني: بعض الديانات الهندية واليوم الآخر.","vol":"1","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>المطلب الأول قدماء المصريين واليوم الآخر</span>\nيحكى التاريخ قصة الحضارة عند قدماء المصريين، وأن هذه الحضارة ومعالمها التي سطرها يراع المؤرخين، تقف بجانبها الشواهد التاريخية على مدى أزمان متطاولة تصدق هذا المسطور، وتؤكد ما فيه من منشور.\nإن القدماء المصريين كغيرهم من الشعوب سيطرت على أفكارهم بعض العقائد المتعلقة بالخلود، ولهذا اعتقد المصريون أيام الأسرة الخامسة منذ عام (٢٦٠٠ ق م) بحياة أخرى (^١)، وأنها باقية بعد هذه الحياة الفانية.\nوأكد الباحث الأثري عبد الرحيم ريان: أن المصري القديم اهتم بمصيره بعد الموت، وما يمكن أن يلاقيه من أهوال، حتى يصل إما للنعيم أو الجحيم وذلك في نقوش على جدران المعابد، وفي كتب قدماء المصريين (^٢).\nفمصادر التاريخ المصري، تحكي لنا قصة هذه العقيدة، التي تؤكد أن فكرة الخلود والحياة بعد الموت، تحتل مكان الصدارة فيها، وأوسع ا لمصادر الدينية حظًا فيما تضمنته من عقائد مكان الصدارة فيها، وأوسع المصادر الدينية حظًا فيما تضمنته من عقائد ما بعد الموت هي: متون الأهرام، ومتون التوابيت، وكتب الموتى التي كانت تكتب على أدراج متفاوتة الأطوال من البردي، وتحفظ مع المتوفى في تابوته، أو توضع بين أكفانه (^٣).\n_________\n(^١) سيد قطب: مشاهد القيامة في القرآن، دار الشروق، ط ١٤ ٢٠٠٢ م، ص (١٢).\n(^٢) من مقال منشور في موقع رصد (-) على الشبكة العنكبوتيه، بتاريخ: ١١/ ٢/٢٠١٣، بعنوان: أهوال يوم القيامة على جدران مقابر المصريين: لولاء وحين.\n(^٣) عبد العزيز صالح: الشرق الأدنى القديم في مصر والعراق، ص (٣٣٨).","vol":"1","page":279},{"text":"وقد أقيم في هذه العصور المتأخرة في بريطانيا، معرض تحت عنوان: رحلة إلى العالم الآخر، كتاب الموتى عند المصريين القدماء، وجمع المتحف البريطاني مجموعة فريدة من أوراق البردي، التي كتب عليها قدماء المصريين التفاصيل الدقيقة لما بعد الحياة، وقال أمين المتحف جون تايلود: الهدف الرئيسي حقا هو إعطاء الناس فهما أعمق لمعتقدات المصريين القدماء عن الحياة بعد الموت ... وإلقاء المزيد من الضوء على آمالهم ومخاوفهم.\nوبردية جرينفلد: هي أكبر كتاب للموتى إذ يبلغ طولها سبعة وثلاثون مترًا، وتعرض في المتحف البريطاني لأول مرة (^١).\nوهذا ما دعا المؤرخ اليوناني هيرودوت إلى أن يقول:\" إن المصريين هم أول الشعوب التي اعتقدت بخلود النفس، فقد عُثر على نقوش مدونة على الأهرامات: أن النفس خالدة لا تموت\" (^٢).\nولم تكن بعض المعالم والعوالم التي يشاهدها المصريون في حياتهم، بمعزل عن الإيحاء إليهم، بإمكان تجدد الحياة والبعث.\nومن تلك المعالم التي كانوا يشاهدونها عيانًا، نهر النيل، فهم يرون فيضانه يتجدد كل عام في موسم لا يخلفه، فيخصب التربة، وينبت البذرة، ويدفع دورة الحياة الزراعية دائمًا دفعات جديدة، فبعد طول تأمل وتدبر، قدروا أن من يتعهد طبيعتهم بالحياة بعد وفاتهم، طالما أحبهم وأحبوه، وتقربوا إليه وقدسوه.\nوكذا لم يغب عن خيالهم ما يرونه من عوالم الكون ومعالمه، فحين لاحظوا ما للشمس من أثر في دورة الحياة اليومية، وارتباط شروقها ببقية الكائنات بعد النوم، وبالحركة بعد الخمول، والرؤية بعد قلة الرؤية، فقدروا أن من يسيَّر الشمس لنفعهم في الدنيا، قادر على أن يوجهها لنفعهم في الآخرة (^٣).\n_________\n(^١) من خبر منشور في جريدة الاقتصادية الإلكترونية: (www.aleqt.com)  بتاريخ: ٥/ ١/١٤٣٢ هـ وعدد رقم (٦٢٧٠)\n(^٢) يسر مبيض: اليوم الآخرفي الأديان السماوية والديانات القديمة ص (٢٩).\n(^٣) عبد العزيز صالح: الشرق الأدنى القديم في بصرة العراق ص (٣٣٥ بتصرف).","vol":"1","page":280},{"text":"فالمصري منذ أقدم العصور، كان يعنى بموتاه عناية فائقة، ولا يدخر وسعًا في سبيل المحافظة عليهم، كما أن الميت كان يزود في مقبرته بما يلزمه من متاع يحمل على الظن بأن اعتقاد المصري في حياة ثانية، كان اعتقادًا راسخًا وأن ... هذه الحياة تشبه حياته الأولى (^١).\nوكان لهذه الحياة العقيدة التي اعتقدوها أثر في حياتهم، بما أجروه من طقوس تتمثل في التحنيط الذي كان يستهدفون من ورائه الإبقاء على الجسم سليمًا واضح الملامح بقدر الإمكان، رعاية لصاحبه وضمانًا لبعثه، وتشجيعًا لروحه على أن تأنس إليه وتتلبسه، وكذا ما كان يتمثل في النقوشات والرسومات التي وجدت في معابدهم (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>المطلب الثاني بعض الديانات الهندية واليوم الآخر</span>\nبلاد الهند بلاد واسعة، كثيرة العجائب، ذات تاريخ وحضارة عريقة، إلا أنها غيرت وطمست على إثر غزاة آريون فحملوا معهم ديانة غير الديانة القديمة، وقد تفرقت بأهلها الأهواء، ودخلت عليهم الآراء، وتشتتوا فرقًا ومللًا حتى قال بعضهم:\" ملل الهند اثنتان وأربعون ملة، منهم من يثبت الخالق ﷿، والرسل، ومنهم من ينفي الرسل، ومنهم النافي لكل ذلك\" (^٣)، ومنهم من يعبد الصنم، ومنهم من يعبد القمر، ومنهم من يعبد النار، ومنهم من يبيح الزنا (^٤).\nوقد ظهرت جملة من الملل والديانات الوضعية في الهند، نتيجة الصراعات المستمرة، والحروب الطاحنة بين القبائل الهندية، وكان لهذه الحروب أثر على جميع الميادين السياسية والثقافية والحضارية والعقدية.\nففي حين كانت معتقدات الآريين وطقوسهم المخترعة، وتقسيمهم البشر إلى فئات مختلفة، وعلى رأسهم (البراهمة) الذين هم أصل الآريين منتشرة ظهر (البوذا) ليحارب جميع هذه المعتقدات والطقوس.\n_________\n(^١) محمد أبو المحاسن: معالم حضارات الشرق الأدنى القديم، ص (٨٤).\n(^٢) عبد العزيز صالح: الشرق الأدنى القديم، ص (٣٣٧).\n(^٣) ابن خرداذبة: المسالك والممالك، دار صادر - بيوت، ١٨٨٩ م، ص (٧١).\n(^٤) القزويني: آثار البلاد وأخبار العباد ص (٢٢٧).","vol":"1","page":281},{"text":"فنشأت في الهند الأديان الكبرى من البراهمة والبوذية والجينية والسيخية والهندوسية، وفي حين أن كل واحد من هذه الأديان لها مؤسس، فالبوذية أسسها البوذا، والجينية أسسها الماهبير سوامي، والسيخية أسسها كرونانك إلا أن الهندوسية لم يسجل لها اسم شخص معين يقال له: إنه مؤسس الديانة الهندوسية؛ لأنها كما يُعبر بعض فلاسفة الهندوس (رادها كرشنا): أن الديانة الهندوسية لا تنتمي إلى شعب من الشعوب، بل هي ثمرات لتجارب الأمم التي أدت دورها في تكوين الفكر الهندوسي (^١).\nوقد ذكر من رأى من المؤرخين عيانًا، أن بعض أهل الهند من أصحاب بعض هذه الديانات من يحرق نفسه بالنار، وذكروا في ذلك أمورًا عجيبة ومبني فعلهم هو قولهم بالتناسخ، وتمكنه في قلوبهم، وزوال الشك منه عنهم (^٢).\nوحكى أبو عبد الله ابن بطوطة في رحلته بعض المشاهد في تحريقهم أنفسهم بل وإغراق أنفسهم في نهر الكنك، وهو الذي يحجون إليه، وفيه يرمى برماد المحرقين، وهم يقولون: إنه من الجنة، وإذا أتى أحدهم ليغرق نفسه يقول لمن حضره: لا تظنوا أني أغرق نفسي لأجل شيء من أمور الدنيا، أو لقلة مال، إنما قصدي التقرب إلى كُساي، وكُساي: بضم الكاف والسين المهمل: اسم الله ﷿ بلسانهم، ثم يغرق نفسه، فإذا مات أخرجوه وأحرقوه ورموا برماده في هذا البحر (^٣).\n_________\n(^١) محمد الأعظمي: فصول في أديان الهند، ص (٧ - ١٥ بتصرف)، مانع الجهني: الموسوعة الميسرة (٢/ ٧٢٤ - ٧٥٨ - ٧٦٤)، الشهرستاني: الملل والنحل (٣/ ٩٥)، محمد الفيومي: تاريخ الفكر الديني الجاهلي: ص (٣٠٤)، حمود الرحيلي: منهج القرآن الكريم في دعوة المشركين إلى الإسلام (١/ ٣١٧).\n(^٢) السيرافي: رحلة السيرافي، المجمع الثقافي - أبو ظبي، ١٩٩٩ م، ص (٧٨).\n(^٣) ابن بطوطة: رحلة ابن بطوطة، أكاديمية المملكة المغربية - الرباط، ١٤١٧ هـ، (٣/ ١٠١).","vol":"1","page":282},{"text":"لقد كان الأقدمون \" يعتقدون أن هناك عالمًا آخر، هو عالم الأموات، وأن الأحياء إذا ماتوا، وآلهتهم عنهم راضية، تمنح أرواحهم معرفة الغيب وقدرة على التأثير في الكون، والمشاركة في تصريفه وتدبيره، بمجرد مغادرتها الأجسام، وقد استمرت هذه الديانة حتى جاءت ديانة الفاتحين، وهي البرهمية، فنسختها وحلت محلها \" (^١).\nوالبرهمية الهندوسية ثم من بعدها البوذية، انتحلتا القول بالتناسخ أو جولان الروح، قال الشهرستاني: \"التناسخ هو أن تتكرر الأكوار والأدوار إلى ما لا نهاية له، ويحدث في كل دور مثل ما حدث في الأول، والثواب والعقاب في هذه الدار، لا في دار أخرى لا عمل فيها، والأعمال التي نحن فيها، إنما هي أجزية على أعمال سلفت منا في الأدوار الماضية \" (^٢).\nولما قرر الشهرستاني مذاهب القائلين التناسخ قال: \"وما من ملة من الملل إلا وللتناسخ فيها قدم راسخ، وإنما تختلف طرقهم في تقرير ذلك، فأما تناسخية الهند فأشد اعتقادًا لذلك\" (^٣).\nوممن نُسب إليهم القول بالتناسخ:\nفرقة الحرنانية من الصابئة، وكذا بعض اليهود، وفرقة البيانية التي تنسب إلى بيان بن سمعان، والحربية أتباع عبد الله بن عمرو بن حرب الكندي وكذا فريق من السمنية،\" أجازوا أن ينقل روح الإنسان إلى كلب، وروح الكلب إلى إنسان\" (^٤)، وكذا المانوية أتباع ماني، قد ذهبت إلى القول بالتناسخ، ونقل بعضهم عن سقراط وأفلاطون وأتباعهما من الفلاسفة القول بتناسخ الأرواح (^٥).\n_________\n(^١) يسر مبيض: اليوم الآخر، دار الثقافة - قطر، ط ١ ١٤١٢ هـ، ص (٣٥).\n(^٢) الشهرستاني: الملل والنحل، مؤسسة الحلبي، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (٢/ ١١٣)\n(^٣) الشهرستاني: الملل والنحل، مؤسسة الحلبي، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (٣/ ١٠٠)\n(^٤) البغدادي: الفرق بين الفرق، دار الآفاق الجديدة - بيروت، ط ٢ - ١٩٧٧ م، ص (٢٧٠).\n(^٥) الشهرستاني: الملل والنحل (٢/ ١١٣)، غالب عواجي، الحياة الآخرة (١/ ١٢٨ - ١٢٩).","vol":"1","page":283},{"text":"وذهب بعض الباحثين إلى أن مسألة التناسخ لم تكن موضع اتفاق لدى فلاسفة الهندوس في بداية الأمر، وكذا بعض المحدثين من علمائهم، أنكروا هذه العقيدة واستخرجوا بعض النصوص من الفيدات، للدلالة على البعث والنشور، لا على عقيدة التناسخ (^١).\nوكما نقل الإمام ابن حزم عن جماعة القول بالتناسخ فقال:\" افترق القائلون بتناسخ الأرواح إلى فرقتين، فذهبت الفرقة الأولى إلى أن الأرواح تنتقل بعد مفارقتها الأجساد إلى أجساد أخر، وإن لم تكن من نوع الأجساد التي فارقت وهذا قول أحمد بن حابط، وأحمد بن ناتوس تلميذه، وأبي مسلم الخراساني ومحمد بن زكريا الرازي الطبيب صرح بذلك في كتابه الموسوم بالعلم الإلهي وهو قول القرامطة\" (^٢).\nفالقول بتناسخ الأرواح عند العقائد البرهمية والبوذية، هو طابع امتازت به النحلة الهندية، حتى قال البيروني في ذلك: \" كما أن الشهادة بكلمة الإخلاص شعار إيمان المسلمين، والتثليث علامة النصارى، والإسبات علامة اليهود كذلك التناسخ علم النحلة الهندية، فمن لم ينتحله لم يك منها ولم يعد في جملتها\" (^٣).\n_________\n(^١) محمد الأعظمي: فصول في أديان الهند، دار البخاري -المدينة النبوية، ط ١ ١٤١٧ هـ، ص (١٢١)\n(^٢) ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل (١/ ٧٧)، أبو الحسن الأشعري: مقالات الإسلاميين ص (١/ ٣١)، الملطي: التنبيه والرد على الأهواء ص (٢٢).\n(^٣) البيروني: تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة، ص (٣٩).","vol":"1","page":284},{"text":"\" وعن هذه الديانات الوضعية أخذت بعض فرق الباطنية، كالإسماعيلية، والنصيرية، والدروز معتقد تناسخ الأرواح، واستغلته لنسخ مبدأ المعاد، وإنكار الجنة والنار، والطعن بالفرائض وإباحة المحرمات\" (^١). وممن ذهب إلى القول التناسخ القاديانية والبهائية (^٢)، وأما البابيون فإنهم ينكرون جميع أمور الآخرة، ولا يعتقدون بالقيامة المعهودة المعروفة عند أهل الأديان السماوية، بل القيامة عندهم، هي قيام القائم، أي النبي والرسول أو المظهر حسب مصطلحهم (^٣).\nونُقل عن بعض الأعيان أنهم كانوا يقولون بمذهب التناسخ مثل أحمد بن حمد القحطي الذي كان في زمان الجبائي، فإنه جمع بين القول بالاعتزال والتناسخ، وكذا عبد الكريم بن أبي العوجاء كان في السر على دين المانوية وكان يقول بالتناسخ، وكان في الظاهر ينتسب إلى القدرية والرافضة (^٤).\nونسب الشهرستاني القول بالتناسخ إلى غلاة الرافضة، فقال:\" وبدع الغلاة محصورة في أربع: التشبيه والبداء والرجعة والتناسخ\" (^٥).\nوالرافضة ينازعون في نسبة التناسخ لمذهبهم، ويحكون إنكاره، ولا يقبلون بالتلازم بين الرجعة والتناسخ، ويذهبون إلى أن الرجعة تختلف عن التناسخ وتفارقه ذاتًا وجوهرًا، وأن القول بالتناسخ هو قول الغلاة منهم، فيتبرؤون منهم، لأن القول بالتناسخ يؤدي إلى إنكار الجنة والنار (^٦).\nوقد فرّق الإمام أبو الحسن الأشعري في مسألة الرجعة عند الرافضة بين فرقتين:\n_________\n(^١) عبد القادر صوفي: أثر الملل والنحل القديمة في بعض الفرق المنتسبة إلى الإسلام، مقال ضمن مجلة الجامعة الإسلامية، العدد ١٢٥، ص (٧٢).\n(^٢) مانع الجهني: الموسوعة الميسرة، دار الندوة العالمية للطباعة، ط ٤ ١٤٢٠ هـ (١/ ٤١٩).\n(^٣) إحسان إلهي ظهير: البابية، إدارة ترجمان السنة - باكستان، ط ٦ ١٩٨٤ م، ص (٢٠٥ - ٢٠٧).\n(^٤) الاسفراييني: التبصير في الدين، عالم الكتب - بيروت، ط ١ ١٤٠٣ هـ، (١٣٧).\n(^٥) الشهرستاني: الملل والنحل، مؤسسة الحلبي، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (١/ ١٧٣)\n(^٦) السبحاني: مفاهيم القرآن، مؤسسة الإمام الصادق، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٨/ ١٥٤).","vol":"1","page":285},{"text":"الأولى: يزعمون أن الأموات يرجعون إلى الدنيا قبل قيام يوم الحساب وهذا الأكثر منهم.\nوالثانية: وهم أهل الغلو: ينكرون القيامة والآخرة، ويقولون: ليس قيامة ولا آخرة، وإنما هي أرواح تتناسخ في الصور، فمن كان محسنًا جوزي، بأن ينقل روحه إلى جسد لا يلحقه فيه ضرر ولا ألم، ومن كان مسيئًا جوزي: بأن ينقل روحه إلى أجساد يلحق الروح في كونه فيها الضرر والألم، وليس شيء غير ذلك، وأن الدنيا لا تزال أبدًا هكذا (^١).\nإذن: \"لا نجد في الديانات الهندوكية: ولا في الديانة البوذية، وهي عقيدة طائفة من الهنود، وعقيدة أهل سيلان، ومعظم اليابانيين، وكثير من الصينيين، لا نجد في هذه الديانات عالمًا آخر للحساب والجزاء، إنما نجد مكانه النيرفانا، وهي الفناء في الروح الأعظم، وإن اختلفت وسائل الوصول إلى هذه المرتبة بين الديانتين\" (^٢).\n\"فالقائلون بالتناسخ ينكرون أن تكون هناك حياة آخرة، يلقى فيها الإنسان جزاء، ولكن لابد من جزاء حتى يعتدل ميزان العدل، ويطمئن المحسنون إلى إحسانهم، ويخشى المسيئون جرائر سيئاتهم، وإذن فيكن هذا الجزاء على تلك الصورة التي صورها القائلون بالتناسخ فجعلوا الجزاء واقعًا في هذه الدنيا، فكان القول بالتناسخ هو مما ترضّ به عقولهم، أولئك الذين لا يؤمنون بالبعث والجزاء، فهو ضرب من ضروع الخداع للنفس، لا أثر له في محيط الواقع، ولا دليل عليه بين أيدي الناس، وهذا أوضح من أن يحتاج إلى بيان\" (^٣).فمذهب التناسخ مما فرضه العقل الإنساني فرضًا، واعتسفه اعتسافًا وليس له حقيقة، وإنما هو من الأساطير الخرافية، التي ولدتها الخيالات الشعرية (^٤).\n_________\n(^١) الأشعري: مقالات الإسلاميين، المكتبة العصرية، ط ١ ١٤٢٦ هـ، ص (١/ ٥٤).\n(^٢) سيد قطب: مشاهد القيامة في القرآن،، دار الشروق، ط ١٤ ٢٠٠٢ م، ص (٢٦).\n(^٣) عبد الكريم الخطيب: التفسير القرآني للقرآن: (٦/ ٩٥٤ - ٩٥٦)\n(^٤) محمد ٣) الأشعري: مقالات الإسلاميين، المكتبة العصرية، ط ١ ١٤٢٦ هـ، ص (١/ ٥٤).\n(٤) سيد قطب: مشاهد القيامة في القرآن،، دار الشروق، ط ١٤ ٢٠٠٢ م، ص (٢٦).\n\n(٥) عبد الكريم الخطيب: التفسير القرآني للقرآن: (٦/ ٩٥٤ - ٩٥٦)\n(١) محمد رشيد رضا: تفسير المنار، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٠ م، (٧/ ٣٣٥).","vol":"1","page":286},{"text":"ونشير هنا إلى أن هناك بعض الديانات الشرقية لا تؤمن أصلًا بالبعث، ولا بالجنة والنار، إذ أن همهم منصب على إصلاح الحياة الدنيا، وهي الكونفوشيوسية الديانة القديمة للصينيين (^١)، وكذا الديانة الطاوية الصينية القديمة، والتي لا تزال حية إلى اليوم، إذ ترجع إلى القرن السادس قبل الميلاد، فليس لديهم بعث ولا حساب، وإنما يُكافأ المحسن بالصحة وطول العمر، بينما يجازي المسيء بالمرض والموت المبكر (^٢).\nوقريبة من هذه العقائد، كانت عقائد العراقيين القدماء، فإن فكرة القيامة والبعث لم تكن لها ذكر في نصوصهم، ورجح الباحثون انتفاء الحساب من عالم الأموات، وبالتالي انتفاء الثواب والعقاب، وعليه: فإن عالم الأحياء في نظرهم هو دار الثواب والعقاب (^٣).\n_________\n(^١) يسر ميض: اليوم الآخر: ص (٤٠)، مانع الجهني: الموسوعة الميسرة: (٢/ ٧٥٣).\n(^٢) مانع الجهني: الموسوعة المسيرة، دار الندوة العالمية للطباعة، ط ٤ ١٤٢٠ هـ (٢/ ٧٣٨).\n(^٣) يسر ميض: اليوم الآخر، دار الثقافة - قطر، ط ١ ١٤١٢ هـ، ص (٤٦).","vol":"1","page":287},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>الباب الثاني: المسائل المتعلقة باليوم الآخر على ضوء العقيدة الواسطية</span>،\nوفيه فصلان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>الفصل الأول: المسائل المتعلقة باليوم الآخر من الموت إلى ما قبل البعث</span>\nوفيه مبحثان:\n\nالمبحث الأول: الموت، حقيقته، والآثار الواردة فيه. .\n\nالمبحث الثاني: الحياة البرزخية.\nالفصل الثاني: المسائل المتعلقة باليوم الآخر من البعث إلى دخول الجنة أو النار، وفيه ثلاثة مباحث:\n\nالمبحث الأول: قيام الساعة، وإعادة الأرواح للأجساد.\n\nالمبحث الثاني: أحداث القيامة الكبرى.\n\nالمبحث الثالث: تفاصيل أخبار اليوم الآخر.","vol":"1","page":288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>المبحث الأول الموت، حقيقته، والآثار الواردة فيه</span>،\nوفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: تعريف الموت لغة واصطلاحا،\nوفيه مسألتان:\n١ - تعريف الموت في اللغة.\n٢ - تعريف الموت في الاصطلاح.\nالمطلب الثاني: الموت في القرآن الكريم، وفيه ثلاث مسائل:\n١ - أوجه اهتمام القرآن الكريم بذكر الموت.\n٢ - أسباب اهتمام القرآن الكريم بذكر الموت.\n٣ - نتائج اهتمام القرآن الكريم بذكر الموت.","vol":"1","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>المطلب الأول: تعريف الموت لغة واصطلاحًا</span>،\nوفيه مسألتان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>المسألة الأولى: تعريف الموت لغة:</span>\nأ. موت: قيل: ميّت في الأصل مَويِت، مثل سيّد وسَويِد، فأدغمت الواو في الياء ونقلت الياء، ويخفف ويقال مَيت (^١).\nوقال بعضهم: ميت كان تصحيحه مَيْوِت على فَيْعِل، ثم أدغموا الواو في الياء.\nوقال الزجاج: الميت أصله الميت بالتشديد، إلا أنه يخفف فيقال:\nمَيْت وميّت، والمعنى واحد.\nوفرق بعضهم بينهما فقال: يقال لما لم يمت: ميّت بالتشديد، والميْت ما قد مات، وتعقب: بأنه ميّت بالتشديد يصلح لما قد مات، ولما سيموت، قال جل وعلا: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزمر:٣٠]. وقال الشاعر في تصديق أن الميْت والميّت واحد:\nليس من مات فاستراح بميّت إنما الميت ميت الأحياء\nفجعل الميْت كالميّت (^٢).\nب. أصل الموت في اللغة يدور حول عدة معاني منها:\n- ذهاب القوة من الشيء، قال ابن فارس: \"الميم والواو والتاء أصل صحيح، يدل على ذهاب القوة من الشيء، منه الموت: خلاف الحياة، وإنما قلنا: أصله ذهاب القوة، لما روي عن النبي - ﷺ -: «من أكل من هذه الشجرة الخبيثة فلا يقربن مسجدنا فإن كنتم لابد آكليها فأميتوها طبخًا «(^٣) (^٤).\n- ويطلق الموت على السكون، قال ابن منظور: وقيل: الموت في كلام العرب يُطلق على السكون، يقال: ماتت الريح، أي سكنت (^٥).\n_________\n(^١) الفراهيدي: العين، دار ومكتبة هلال، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (٨/ ١٤٠).\n(^٢) الأزهري: تهذيب اللغة (١٤/ ٢٤٤)، الجوهري: الصحاح (١/ ٢٦٧)، ابن منظور: لسان العرب (٢/ ٩١)، الفيروز أبادي: القاموس المحيط (١/ ١٦٠)\n(^٣) الحديث أخرجه ابن حبان في صحيحه في كتاب الصلاة باب فرض الجماعة والأعذار التي تبيح تركها ... (ذكر إخراج المصطفى - ﷺ - إلى البقيع منه رائحة البصل والثوم ح (٢٠٩١) (٥/ ٤٤٥)، وصححه الألباني في الإرواء، المكتب الإسلامي - بيروت، ط ٢ - ١٤٠٥ هـ (٨/ ١٥٦).\n(^٤) ابن فارس: معجم مقاييس اللغة، دار الفكر، ١٣٩٩ هـ (٥/ ٢٨٣).\n(^٥) ابن منظور: لسان العرب، دار صادر - بيروت، ط ٣ ١٤١٤ هـ (٢/ ٩٢).","vol":"1","page":290},{"text":"- ويطلق أيضًا على النوم والبل، قال الفيروز أبادي: ومات: سكن، ونام وبلى (^١).\n- ويطلق على الخضوع والاسترخاء، قال الصاحب بن عباد: وقيل: هو الخاضع الذليل، واستمات الشيء، استرخى (^٢).\nفمدار لفظ (الموت) في لغة العرب يدور على هذه المعاني، وإن كان المعنى المشترك المستعمل في لفظ الموت في أكثر الموارد يراد به المعنى الأول، وهو ذهاب القوة عن الشيء، وإن كان لكل مورد لوازم تخصه، وتميزه عن الآخر.\nج. وذكر الأئمة أن الموت يتنوع بتنوع الحياة (^٣):\n- فموت يكون بإزاء القوة النامية الموجودة في الإنسان والحيوان والنبات نحو قوله تعالى: ﴿يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [ق:١١].\n- وموت يكون بزوال القوة الحاسة نحو قوله تعالى: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ [مريم:٢٣].\n- وموت يكون بزوال القوة العاقلة وهي الجهالة، نحو قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام:١٢٢].\n- وموت يكون بإزاء الحزن المكدر للحياة، نحو قوله تعالى: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم:١٧]\nد. وذكر بعض المفسرين أن الموت يرد في القرآن على أوجه عديدة منها (^٤):\n- الموت نفسه، ومنه قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥].\n- والنطفة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ ﴿وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ البقرة ٢٨.\n- والجدب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾ [آل عمران:١٤٣].\n- والجماد، ومنه قوله تعالى: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل:٢١].\n_________\n(^١) الفيروز أبادي: القاموس المحيط، مؤسسة الرسالة - بيروت، ط ٨ ١٤٢٦ هـ (١/ ١٦٠).\n(^٢) الصاحب بن عباد: المحيط في اللغة، مطبعة المعارف - بغداد، ط ١ ١٣٩٥ هـ (٢/ ٣٨٤).\n(^٣) الأصفهاني: المفردات في غريب القرآن، دار القلم - دمشق، ط ١ ١٤١٢ هـ، ص (٤٧٩).\n(^٤) ابن الجوزي: نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر (٥٧١).","vol":"1","page":291},{"text":"- والكفر: ومنه قوله تعالى: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [آل عمران:٢٧].\nوقد ذكر العلامة أبو محمد البطليوسي في كتابه: الإنصاف (^١):\" أن الحياة والموت لفظتان مشتركتان مستعملتان في اللغة العربية على ثلاثة عشر وجهًا:\nأحدها: الوجود والعدم، والثاني: مقارنة النفس الحيوانية الأجسام ومفارقتها إياها، والثالث: العز والذل، والرابع: الغنى والفقر، والخامس: الهدى والضلال، والسادس: الجهل والعلم، والسابع: الحركة والسكون ... والثامن: الخصب والجدب، والتاسع: اليقظة والنوم، والعاشر: اشتغال النار وخمودها، والحادي عشر: المحبة والبغضاء، والثاني عشر: الرطوبة واليبس، والثالث عشر: الرجاء والخوف\"، ثم ذكر الشواهد التي تدل على هذه المعاني المشتركة.\nهـ. ويرادف لفظ الموت: الحتف، والمنون، والسأم، والحين، والحِمام والردى، والثكل، والوفاة والهلاك (^٢). ولما كان كلًا من الموت والقتل إزالة للروح عن الجسد، فرق بينهما: بأن ما اعتبر فيه فعل المتولي لذلك قيل له: قتل، وما اعتبر فيه فوت الحياة قيل له: موت (^٣).\nد. وقد اصطلح بعض أرباب التصوف على وصف الموت ببعض الألوان وبناء حكم عليه، ومنه قولهم: الموت الأحمر: مخالفة النفس، والموت الأبيض: الجوع، لأنه ينور الباطن، ويبيض وجه القلب، والموت الأخضر: لبس الرقع من الخرق التي لا قيمة لها، والموت الأسود: احتمال أذى الخلق (^٤).\nفي حين وصف الموت في اللغة العربية ببعض الألوان، وهي تحمل في طياتها معان مختلفة عما ذكرها أرباب التصوف ومنها (^٥):\n_________\n(^١) البطليوسي: الإنصاف في التنبيه على الأساليب أوجبت الخلاف بين المسلمين ص (١٢٢).\n(^٢) ابن مالك الجياني: الألفاظ ص (٢٣٢)، ابن قتيبة: الجراثيم (١/ ٤٤٢).\n(^٣) هنريكوس لامنس: فرائد اللغة في الفروق، مكتبة الثقافة الدينية - مصر،١٩٩٩ م، ص (٣٨٩).\n(^٤) المناوي: التوقيف على مهام التعاريف، عالم الكتب - القاهرة، ط ١ ١٤١٠ هـ، ص (٣١٨)\n(^٥) أحمد مختار: البحث اللغوي عند العرب، عالم الكتب، ط ٨ ٢٠٠٣ م، ص (٣٠٦).","vol":"1","page":292},{"text":"الموت الأحمر: وهو أن يتغير بصر الرجل من الهول، فيرى الدنيا في عينيه حمراء وسوداء، والموت الأغبر: وهو الموت جوعًا؛ لأنه يغبر في عينيه كل شيء، والموت الأسود: وهو الموت في غمة الماء، والموت الأبيض: وهو موت العافية، أو موت الفجأة؛ لأنه يأخذ الإنسان ببياض لونه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>المسألة الثانية تعريف الموت في الاصطلاح</span>\nالموت معروف وهو - مجرد عما بعده - أمر مشهور لم ينازع فيه أحد وحقيقته كما قال العلماء:\nمفارقة الروح للبدن (^١). فالموت بفتح الميم: انسحاب الروح من البدن ... عندما يصبح البدن غير أهل لبقاء الروح فيه (^٢)، وقال الحافظ ابن حجر:\" فالموت انقطاع تعلق الروح بالبدن ظاهرًا وباطنًا \" (^٣).\nوعليه فلا يلزم من قبض الأرواح: الموت؛ لما جاء في الحديث الصحيح أن النبي - ﷺ - قال «إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ، وَرَدَّهَا حِينَ شَاءَ» (^٤)؛\"لأن المعنى من قبض الروح هنا: قطع تعلقه عن ظاهر البدن فقط والموت قطع تعلقه بالبدن ظاهرًا وباطنًا، فمعنى قوله - ﷺ - «إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ»: مثل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر:٤٢] (^٥)، فالموت والحياة متناقضان تناقض النور والظلام ولذلك يعرفان في معاجم اللغة العربية، كل واحد منهما نقيض الآخر (^٦).\n_________\n(^١) النووي: المجموع شرح المهذب (٥/ ١٠٥)،ابن تيمية: مجموع الفتاوى (٤/ ٢٦٦).\n(^٢) محمد رواس، حامد صادق: معجم لغة الفقهاء، دار النفائس، ط ٢ - ١٤٠٨ هـ، ص (٦٤٨).\n(^٣) ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ هـ (٢/ ٦٧).\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب مواقيت الصلاة، باب الآذان بعد ذهاب الوقت ح (٥٩٥).\n(^٥) العيني: عمدة القاري، دار إحياء التراث العربي - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٥/ ٨٨).\n(^٦) يسر مبيض: اليوم الآخر في الأديان السماوية، دار الثقافة - الدوحة، ط ١ ١٤١٢ هـ، ص (٩٩).","vol":"1","page":293},{"text":"والله تعالى سمى النوم موتًا، فهو موت أصغر بالنسبة للموت الحقيقي ... الذي يزول معه العقل والحركة، ولذا قال الزجاج:\" والنفس التي تفارق الإنسان عند النوم هي التي للتمييز، والتي تفارقه عند الموت هي التي للحياة، وهي التي يزول معها التنفس. وسُمي النوم موتًا؛ لأنه يزول معه العقل والحركة تمثيلًا وتشبيهًا\" (^١). فالموت \" ليس بعدم محض، ولا فناء صرف وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن، ومفارقته وحيلولة بينهما، وتبدل حال وانتقال من دار إلى دار، والحياة عكس ذلك\" (^٢).\nقال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم:\" وليس الموت بإفناء وإعدام، وإنما هو انتقال، وتغير حال، وفناء للجسد دون الروح، إلا ما استثني من عجب الذنب\" (^٣).\nوقد عرف المتكلمون الموت بأنه: عدم الحياة عما من شأنه الحياة ... واستظهره الرازي (^٤)، وقيل: عدم الحياة عمن اتصف بها (^٥).\nوجعلوا هذا من باب تقابل العدم والملكة، فقالوا: الموت عبارة عن عدم صفة الحياة عن محل يقبلها، يعني: أن الموت والحياة من باب العدم والملكة فإن الحياة هي الإحساس والحركة الإرادية والاضطرارية كالتنفس، والموت عدم ذلك عما من شأنه أن يكون له (^٦).\nوهذا التعريف منتقد:\n_________\n(^١) ابن حجر: فتح الباري (١١/ ١١٤)، مؤيد حسن: مباحث النبوات والسمعيات في فتح الباري بحث علمي مقدم لكلية أصول الدين، الجامعة الإسلامية بغداد، ١٤٣١ هـ، (١٨٩).\n(^٢) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، (٧/ ٣٣٧ - ١٨ - ٢٠٦).\n(^٣) عبد الرحمن قاسم: حاشية الروض المربع، ط ١ ١٣٩٧ هـ، (٣/ ٤)\n(^٤) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٥/ ١٩٩).\n(^٥) البهوتي: كشاف القناع، دار الكتب العلمية - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (١/ ٥٤).\n(^٦) الزمخشري: (٤/ ٥٧٥)، الخلوتي: روح البيان (١٠/ ٧٥).","vol":"1","page":294},{"text":"فقال بعضهم: تعريف الموت بأنه: زوال الحياة عما من شأنه الحياة، فيه تساهل؛ إذ يلزم منه أن يكون الجنين قبل حلول الحياة فيه ميتًا. وانفُصِل عن هذا الإلزام: بأنه لا يلزم ذلك عند استعداده للحياة، فلا يكون موتًا (^١).\nوقال بعضهم: هذا القيد في التعريف يلزم منه، عدم إطلاق هذا اللفظ على الجمادات، وهذا منقوض بورود وصف الجمادات بالموت، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على المتكلمين:\" الوجه الخامس: أن يقال: أنتم جعلتم تقبل العدم والملكة فيما يمكن اتصافه بثبوت، فإن عنيتم بالإمكان الإمكان الخارجي، وهو أن يعلم ثبوت ذلك في الخارج، كان هذا باطلًا من وجهين:\nأحدهما: أنه يلزمكم أن تكون الجامدات لا توصف بأنها لا حية ولا ميتة ولا ناطقة ولا صامتة، وهو قولكم، لكن هذا اصطلاح محض، وإلا فالعرب يصفون هذه الجمادات بالموت والصمت، وقد جاء القرآن بذلك قال تعالى: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)﴾ [النحل:٢١] فهذا في الأصنام وهي من الجمادات، وقد وصفت بالموت \" (^٢).\nوعليه فيكون التقابل بين الحياة والموت من قبيل تقابل السلب والإيجاب وهما النقيضان. ومعلوم أن الحياة والموت ليس مما إذا خلا الموصوف عنهما وصف بوصف ثالث بينهما، كالحمرة بين السواد والبياض، فعلم أن الموصوف لا يخلو عن أحدهما، فإذا انتفى تعين الآخر. (^٣)\nواختلف الناس في الموت على جهتين:\nالأولى: - هل الموت صفة وجودية أم عدمية؟\nالثانية: - هل الموت عرض أم جسم؟\nأولًا: اختلف الناس في الموت هل هو صفة وجودية أم عدمية، على قولين:\nالأول: أن الموت صفة وجودية، وهذا القول هو قول المذهب السني في مقابل الفلاسفة والمعتزلة.\n_________\n(^١) الشربيني: السراج المنير، (١/ ٢٩)، التفتازاني: شرح المقاصد (١/ ٢٢٤).\n(^٢) ابن تيمية: الرسالة التدمرية ص (١٦٠).\n(^٣) ابن تيمية: الرسالة التدمرية ت: د. محمد السعوي، ص (١٥٩).","vol":"1","page":295},{"text":"وهذا المذهب مستقى من إفادة القرآن، وتنصيصه على كون الموت مخلوقًا أي: كونه شيئًا وجوديًا، ولذا التقت تعاريف هذا الفريق على هذا المعطى فقيل عن الموت: أنه صفة وجودية خلقت ضد الحياة، ونحو هذه العبارات (^١). قال الإمام ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ﴾ ... [الملك:٢]:\" واستدل بهذه الآية من قال: إن الموت أمر وجودي لأنه مخلوق\" (^٢)، وقال العلامة ابن أبي العز:\" الموت صفة وجودية خلافًا للفلاسفة ومن وافقهم، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢] والعدم لا يوصف بكونه مخلوقًا \" (^٣)، وقال الإمام الرازي: \"وقال أصحابنا: إنه صفة وجودية مضادة للحياة، واحتجوا على قولهم: بأنه تعالى قال: ... ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾، والعدم لا يكون مخلوقًا، هذا هو التحقيق\"، وقال:\" فالإماتة والإحياء أمر وجودي، وهما من خواص الحيوان \" (^٤).\nالثاني: أن الموت صفة عدمية، وهذا مذهب الفلاسفة ومن وافقهم من المتكلمين، كما ذهب إليه الزمخشري والاسفراييني (^٥)،\" فالموت على هذا حالة عدم ينشئها انسحاب الحياة من الجسد \" (^٦).\nوأجابوا عن الآية التي استدل بها الأولون: بأن المراد بالخلق في الآية التقدير وهو يتعلق بالوجودي والعدمي جميعًا، ولو سُلّم، فالمراد بخلق الموت: إحداث أسبابه.\n_________\n(^١) المناوي: التوقيف على مهمات ص (٦٨٣)، الأصفهاني: مفردات القرآن: ص (٤٧٩)\n(^٢) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ت: سامي سلامة (٨/ ١٧٦)\n(^٣) ابن أبي العز: شرح الطحاوية، وزارة الأوقاف السعودية، ط ١ ١٤١٨ هـ، ص (٧٩).\n(^٤) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٢٩/ ٢٨٠ - ٣٠/ ٥٧٩).\n(^٥) التفتيازاني: شرح المقاصد (١/ ٢٢٤)، الزمخشري: الكشاف ١٤٠٧ هـ (٤/ ٥٧٥).\n(^٦) مقال: أ. د / مصطفى بن حمزة بعنوان (فلسفة الموت) في مجلة حراء، العدد ٢ يناير - مارس ٢٠٠٦ م","vol":"1","page":296},{"text":"قال الطاهر بن عاشور:\" وأما معنى خلق الموت: فإيجاد أسبابه، وإلا فإن الموت عدم لا يتعلق به الخلق بالمعنى الحقيقي، ولكنه لما كان عرضًا للمخلوق عبّر عن حصوله بالخلق تبعًا \" (^١).\nوالصحيح المعتبر: ما نص عليه أهل السنة من أن الموت صفة وجودية، دل عليه قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾، وأما تأويله بمعنى قَدَّر فبعيد بدلالة سياق الآية وسباقها، فإن المراد به الموت الطارئ، وبالحياة ما قبله وما بعده، والتعليل بقوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ دليل على الوجود (^٢).\nوالموت والحياة نقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، فمتى ثبتت الحياة انتفى الموت، ومتى وجد الموت انتفت الحياة، لأن الشيء لا يخلو من الحياة أو الموت (^٣).\" فالموت ليس عملية سلبية كما يتوهم بعض الناس، بل عملية إيجابية، وهو مخلوق بسرّ دقيق للغاية، يناسب دقة الصانع\" (^٤).\n_________\n(^١) الطاهر بن عاشور: التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر - تونس، ١٩٨٤ م، (٢٩/ ١٣).\n(^٢) أبو السعود: إرشاد العقل السليم، (٩/ ٢)، صالح آل الشيخ: شرح الطحاوية (١/ ٥٧)\n(^٣) ابن تيمية: التدمرية، ت: د. محمد السعوي، ص (١٥٤ - ١٥٩).\n(^٤) الشعراوي: تفسير الشعراوي - الخواطر-، مطابع أخبار اليوم، ١٩٩٧ م (٤/ ٢٤٣٤).","vol":"1","page":297},{"text":"والآيات القرآنية الكريم شواهد على وجودية الموت، فإضافة المجيء والحضور إلى الموت دليل على وجوديته، كما قال جل وعلا: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩)﴾ [المؤمنون:٩٩]، وقوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ [البقرة:١٣٣]. وثبت في السنة أن الموت يؤتى بصورة كبش أملح فيذبح (^١)، وهذا صريح في كونه أمرًا وجوديًا. وذكر ابن عادل في تفسيره عن ابن الخطيب في الموت: أنه وجودي، ويوافقه ما نقله الصفوي عن صاحب الودّ: أن عدمية الموت كانت منسوبة إلى القدرية ففشت، ولذا قال ابن المنير تعقيبًا على الزمخشري:\"أخطأ في تفسير الموت .. أن الموت عدم، وهو خطأ صراح\" (^٢).\nويُشار في هذا المقام: أن الإمام ابن تيمية ذكر في الأمور الوجودية التي تعلم بالحس كالحركة وغيرها كالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر، أنها أمور وجودية، فلا يلزم في مثل هذه الأمور الوجودية أن يكون ما يقابلها هو ضد ما ينافيها، أو عدمها من محلها؛ لأنه قد يكون عدم الشيء مستلزمًا لأمر وجودي مثل الحياة مثلًا، فإن عدم الحياة مثلا، مستلزمًا لأعراض وجودية ثم ذكر أن تنازع الناس في الموت: هل هو عدمي أو وجودي؟ نزاع لفظي ووجهه: أن من يقول بأن الموت وجودي، يحتج بقوله تعالى ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾، فأخبر أنه خلق الموت كما خلق الحياة، ومنازعه يقول: العدم الطارئ يخلق كما يخلق الوجود، أو يقول: الموت المخلوق هو الأمور الوجودية اللازمة لعدم الحياة، وحينئذ يكون النزاع لفظيا (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الجنة وصفة نعيمها ح (٢٨٤٩).\n(^٢) ابن عادل: اللباب (١٩/ ٢٢٤)،ابن المنير: الانتصاف، مطبوع ضمن كتاب الكشاف، (٤/ ٥٧٥).\n(^٣) ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل - (٢/ ٣٨٣ - ٨/ ٣٣٤ بتصرف).","vol":"1","page":298},{"text":"وعليه يمكن أن يفسر الموت على هذا: بأن أخذ القوى والطاقات أمر وجودي؛ لأنه فعل وحركة، وإن كانت نتيجته عروض حالة عدمية على الإنسان، وأن الموت بما أنه انتقال من مرحلة إلى مرحلة أخرى، ومن حياة دانية إلى حياة عالية، فهو بهذا المعنى وجوديًا ليس عدميًا (^١).\nومما يوضح مسألة وجودية الموت، ويجعلها صورة ظاهر في الذهن، ذلك حين ينظر الإنسان إلى \"موت أبسط الأحياء وهو النبات، فإنه يظهر لنا نظامًا دقيقًا وإبداعًا للخلق ما هو أعظم من الحياة نفسها أنظم منها، فموت الثمار والبذور والحبوب الذي يبدو ظاهرًا تفسخًا وتحللًا في الحقيقة هو عبارة عن عجن لتفاعلات كيماوية متسلسلة في غاية الانتظام، وامتزاج لمقادير العناصر في غاية الدقة والميزان، وتركيب وتشكيل للذرات بعضها ببعض في غاية الحكمة والبصيرة، بحيث إن هذا الموت الذي لا يرى، وفيه هذا النظام الحكيم والدقة الرائعة، هو الذي يظهر بشكل حياة نامية للسنبل والنبات الجديدة، أزهارًا وأثمارًا، بل هو بمثابة عين حياته الجديدة، فهذا الموت إذن مخلوق منتظم كالحياة، وكذلك فإن ما يحدث في معدة الإنسان من موت لثمرات حية، أو غذاء حيواني هو في حقيقة بداية ومنشأ لصعود ذلك الغذاء في أجزء الحياة الإنسانية الراقية، فذلك الموت إذن مخلوق أكثر انتظامًا من حياة تلك الأغذية.\nفلئن كان موت النبات - وهو في أدنى طبقات الحياة - مخلوقًا منتظمًا بحكمة، فكيف بالموت الذي يصيب الإنسان وهو في أرقى طبقات الحياة فلا شك أن موته هذا سيثمر حياة دائمة في عالم البرزخ تمامًا كالبذرة الموضوعة تحت التراب، والتي تصبح موتها نباتًا رائعًا في الجمال والحكمة في عالم الهواء \" (^٢).\nثانيًا: اختلف الناس في الموت هل هو عرض أم جسم؟\n_________\n(^١) السبحاني: مفاهيم القرآن، مؤسسة الإمام الصادق، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٨/ ١٥٩).\n(^٢) انظر: مقال أ. د. مصطفى بنحمزة، بعنوان (فلسفة الموت عند بديع الزمان النوري) في مجلة حرا ء العدد ٢ يناير - مارس ٢٠٠٦ م","vol":"1","page":299},{"text":"فذهب الرازي وجماعة من المتكلمين إلى أن الموت عرض من الأعراض كالسكون والحركة، ولذا تأولوا حديث الصحيح من صيرورة الموت كبشًا أملح، بأن المراد منه: التمثيل، ليعلم أن في ذلك اليوم قد انقضى أمر الموت (^١)، قال الإمام المازري: \"الموت عند أهل السنة عرض يضاد الحياة\"، ثم قال:\" لا يصح أن يكون الموت كبشًا ولا جسمًا من الأجسام، وإنما المراد بهذا التشبيه والتمثيل، وقد يخلق الباري سبحانه هذا الجسم، ثم يذبح ويجعل هذا مثالًا، لأن الموت لا يطرأ على أهل الآخرة\" (^٢).\nوذهب إلى هذا القول جماعات من أهل العلم، حتى قال الإمام ابن العربي:\" استُشكِل هذا الحديث لكونه يخالف صريح العقل، لأن الموت عرض والعرض لا ينقلب جسمًا، فكيف يذبح؟ فأنكرت طائفة صحة هذا الحديث ودفعته وتأولته طائفة، فقالوا: هذا تمثيل، ولا ذبح هناك حقيقة، وقال طائفة: بل الذبح على حقيقته، والمذبوح متولي الموت\" (^٣)، وكذا أجاب الشيخ العز بن عبد السلام، عن هذا التساؤل فقال: \"إن الله خلق كبشًا وسماه باسم الموت، لا أنه نفس العرض \" (^٤).\n_________\n(^١) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٣٠/ ٥٧٩ - ٢١ - ٤٥١).\n(^٢) المازري: المفهم بفوائد مسلم، دار الغرب الإسلامي - بيروت ن ط ٢ - ١٩٩٢ م، (٣/ ٢٠٣).\n(^٣) ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ هـ (١١/ ٤٢١).\n(^٤) السيوطي: قوت المغتذى، محقق في رسالة علمية بجامعة أم القرى - مكة المكرمة، ١٤٢٤ هـ، (٢/ ٦١٧)، السيوطي: الحاوي للفتاوى، دار الفكر - بيوت، ١٤٢٤ هـ (٢/ ١١٥).","vol":"1","page":300},{"text":"وقال الشيخ علاء الدين الخازن: \"اعلم أن الموت عرض ليس بجسم في صورة كبش أو غيره، فعلى هذا يتأول الحديث، على أن الله تعالى يخلق هذا الجسم وهو حيوان فيذبح فيموت، فلا يبقى يرجى له حياة ولا وجود\" (^١). وقد حكى الإمام أبو الحسن الأشعري في مقالاته، مقالة بعض المعتزلة القائلين إن الموت عرض، وصريح كلام الأشعري أنه عرض؛ لأن الكيفية عرض (^٢).\nوذهب جماعة من أهل العلم والتحقيق إلى أن الموت جسم، ولو فرض بأنه عرَض، فإن الله جل وعلا يُنشئ من الأعراض أجسامًا، ورجح هذا القول الإمام ابن تيمية، والإمام ابن القيم وغيرهما من أهل العلم والتحقيق.\n_________\n(^١) الخازن: لباب التأويل، دار الكتب العلمية - بيروت ن ط ١ ١٤١٥ هـ، (٣/ ١٨٨).\n(^٢) الأشعري: مقالات الإسلاميين، المكتبة العصرية، ط ١ ١٤٢٦ هـ، (٢/ ٣١٣).","vol":"1","page":301},{"text":"يقول الإمام ابن تيمية عن حديث ذبح الموت:\" ولكن هذا مما استشكله كثير من الناس، وقالوا: الموت عرض، والأعراض لا تنقلب أجسامًا ... قالوا: لأن الأجناس لا تنقلب فلا تنقلب الحركة طعمًا، والطعم لونًا، ولكن الأجسام في قولهم جنس واحد، فلهذا ينقلب بعضها إلى بعض، كانقلاب الماء ملحًا ورمادًا، قالوا: وإنما تتبدل الأعراض، وأما الأجسام فهي مركبة عندهم من جواهر منفردة متماثلة، وأنكر ذلك على هؤلاء غيرهم، وقال: ما ذكرتموه خطأ في المعقول والمنقول، فإن الصواب أن الأجسام أجناس مختلفة كالأعراض، وليس حقيقة الذوات كحقيقة الماء، وأن الله يقلب الجنس إلى الجنس الآخر، كما يقلب الهواء ماء، والماء هواء، والنار هواء، والهواء نارًا ... فهو سبحانه يخلق من الأعراض أجسامًا كما ورد بذلك النصوص في مواضع، كقوله ﵇: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ، اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ، وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا «٥) (^١).\nويقول الإمام ابن القيم: \"وهذا الكبش والإضجاع والذبح ومعاينة الفريقين ذلك حقيقة لا خيال ولا تمثيل كما أخطأ فيه بعض الناس خطأً قبيحًا وقال: الموت عرض والعرض لا يتجسم، فضلًا عن أن يذبح، وهذا لا يصح، فإن الله سبحانه ينشئ من الموت صورة كبش يذبح كما ينشئ من الأعمال صورًا يثاب بها صاحبها ويعاقب، والله تعالى ينشئ من الأعراض أجسامًا تكون الأعراض مادة لها، وينشئ من الأجسام أعراضًا، كما ينشئ سبحانه من الأعراض أعراضًا، ومن الأجسام أجسامًا \" (^٢).\n_________\n(^١) ابن تيمية المسائل والأجوبة، ت: حسين عكاشة، ص (١٢٩).\n(^٢) ابن القيم: التفسير القيم، دار ومكتبة الهلال - بيروت، ط ١ ١٤١٠ هـ ص (٣٧٠)، ابن القيم: حادي الأرواح إلى بلاد الأرواح، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٠٣ هـ، ص (٤٠١).","vol":"1","page":302},{"text":"ونقل الحافظ ابن حجر في الفتح قولًا لم ينسبه فقال: \"وقال غيره: لا مانع أن ينشئ الله من الأعراض أجسادًا يجعلها مادة لها\" (^١).\nقال المباركفوري عن هذا القول: \"هو المعتمد\" (^٢).\nولذا قال العلامة السفاريني:\" الذي نذهب إليه: أن الموت أمر وجودي وأنه جسم لا عرض\" (^٣).\nوقال الإمام السيوطي: \"وذهب جماعة إلى أن الموت جسم لا عرض، وأنه مخلوق في صورة كبش، والحياة في صورة فرس، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ (الذي خلق الموت والحياة) الملك: ٢، وهذا هو المختار عندي في الجواب \" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>المطلب الثاني الموت في القرآن الكريم</span>\nالموت من حيث هو، فإنه حق، واقع لا مناص منه ولا مهرب، ولذا \"اتفقت الديانات قاطبة على حقيقة الموت، وإن اختلفت فيما يكون بعد ذلك وكما يقول ديورانت: إن الموت هو أصل الديانات كلها\" (^٥).\nإن الموت سنة عامة، وحقيقة قطعية جارية على كل مخلوق، لا يتخلف عنه أحد، يقول جل وعلا: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، ويؤكد القرآن الكريم تمام التأكيد على هذه الحقيقة، وفي هذه الآية \" يخبر تعالى إخبارًا عامًا، يعم جميع الخليقة بأن كل نفس ذائقة الموت .. وهذه الآية فيها تعزية لجميع الناس، فإنه لا يبقى أحد على وجه الأرض حتى يموت\" (^٦). ولو كانت الحياة باقية لأحد لبقيت لرسول الله - ﷺ - ولكن الله جل وعلا يقول لرسوله ﵊: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزمر: ٣٠].\n_________\n(^١) ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ هـ (١١/ ٤٢١).\n(^٢) المباركفوري: تحفة الأحوذي، (٧/ ٢٣٥)\n(^٣) السفاريني: لوامع الأنوار (٢/ ٢٣٦)، السفاريني: البحور الزاخرة (١/ ٧٥).\n(^٤) السيوطي: البدور السافرة، دار المعرفة - بيروت، ط ١ ١٤٢٦ هـ، ص (٣٢٨)\n(^٥) عواد العنزي: المعاد الأخروي، رسالة علمية مقدمة لجامعة أم القرى بمكة المكرمة، ص (٩٧)\n(^٦) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ت: سامي سلامة (٢/ ١٧٧).","vol":"1","page":303},{"text":"وذكر ابن عطية في تفسيره:\" أن رجلًا دخل على صلة بن أشيم، فنعى إليه أخاه، وبين يدي صلة طعام، فقال صلة للرجل: ادن فكُلْ، فإن أخي قد نُعي إلي من زمان، قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ \" (^١). وقال تعالى لنبيه ﵊: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾ [الأنبياء:٣٤] فالموت لا محيص عنه لإنسان، ولا محيد عنه لحيوان، وقد قال أمية بن أبي الصلت (^٢):\nمن لم يمت عَبْطة يمت هرمًا للموت كأس والمرء ذائقها\nوقال آخر (^٣):\nالموت باب وكل الناس داخله ... فليت شعري بعد الباب ما الدار\nوالجواب (^٤):\nالدار دار نعيم إن عملت بما ... يرضي الإله وإن خالفت فالنار\nهما محلان ما للناس غيرهما ... فانظر لنفسك أي الدار تختار\nما للعباد سوى الفردوس إن عملوا ... وإن هفوا هفوة فالرب غفار\nوقال بعضهم في الجواب (^٥):\nلو كنت أعلم من يدري فيخبرني ... أجنة الخلد مأوانا أم النار\n_________\n(^١) ابن عطية: المحرر الوجيز، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٢٢ هـ (٤/ ٥٣٠)\n(^٢) قيل هذا البيت منحول على أمية، لكن نسبه إليه الزبير بن بكار، والحسن البصري، انظر: المرزباني: الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء، دار الكتب العلمية - بيروت، ١٤١٥ هـ، ص (٩٥).\n(^٣) هذا البيت منسوب لأبي العتاهية، انظر ديوانه، دار بيروت للطباعة - بيروت، ١٤٠٦ هـ، (٤١)، أبو المظفر بن منقذ: المنازل والديار، دار سعاد الصباح للنشر، الكويت، ط ٢ - ١٩٩٢ م، ص (٦٧).\n(^٤) انظر: رزق الله شيخو: مجاني الأدب، مطبعة الآباء اليسوعيين - بيروت، ١٩١٣ م (٣/ ١٥٨).\n(^٥) انظر: الجاحظ: الحيوان، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ٢ - ١٤٢٤ هـ (٣/ ٢٢٧).","vol":"1","page":304},{"text":"وتظل آيات القرآن الكريم المذكرة بفناء العباد، ورجوعهم إلى ربهم يوم المعاد، \"قوية الهتاف والتذكير على مدى الدهر، بما احتوته من حقيقة، وبما انطوى فيها من توكيد، على أننا ننبه هنا، أنه ليس في هذه الآية أيضًا ما يدعو إلى نفض اليد من الدنيا ومتعها وطيباتها، والنشاط فيها في مختلف المجالات وإنما هدفها هو التذكير بحتمية الموت، وحث الناس والمسلمين بخاصة على الاستمساك بحبل الله وتقواه، والقيام بواجباتهم نحوه، ونحو الناس والاستكثار من العلم الصالح، الذي هو وحده النافع المنجي لهم في الحياة الأخروية \" (^١).\nوقد اتخذ القرآن الكريم منهجًا متميزًا فريدًا، حين تحدث عن الموت وحقيقته وأهواله، وحين التأمل في الآيات الكريمة وسياقاتها، التي تحدثت عن حقيقة الموت، نجد أن ثمة أمور يمكن أن يسلط عليها الضوء لتكون عناوين رئيسة في حديث القرآن الكريم عن الموت، ويكفي أنك حين تقلب صفحات القرآن الكريم لا تكاد تقلب صفحة من صفحاته إلا وتقرأ آية فيها التذكير بالموت مباشرة، أوبأي شكل من أشكاله، وهذا فيه دلالة واضحة على اهتمام القرآن الكريم بهذا الموضوع المتعلق بكل ذي روح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>المسألة الأولى أوجه اهتمام القرآن الكريم بذكر الموت:</span>\nمن أوجه اهتمام القرآن الكريم بذكر الموت (^٢):\n١ - الإكثار من ذكره على أوجه متنوعة وبأساليب مختلفة، فتارة يذكره خبرًا مجردًا ليستعد المرء للقائه، وتارة يذكره مقرونًا بحكم ونحوه، ليكون زاجرًا له عن الوقوع في حدود الله تعالى.\n_________\n(^١) دروزة عزت: التفسير الحديث، دار إحياء التراث - بيروت، ١٣٨٣ هـ (٧/ ٢٨٢).\n(^٢) * لو قيل: ما الحكمة في الموت، وهلاّ وصل نعيم الآخرة وثوابها بنعيم الدنيا، فيكون ذلك في الإنعام أبلغ؟ قيل: هذا كالمفسدة في حق المكلفين، لأنه متى عجل للمرء الثواب فيما يتحمله من المشقة في الطاعات صار إتيانه بالطاعات لأجل تلك المنافع لا لأجل طاعة الله فأخره الله تعالى وبعّده بالإماتة ثم الإعادة ليكون العبد عابدًا لربه بطاعته لا لطلب الانتفاع. الرازي: مفاتيح الغيب، (٢٣/ ٢٦٧)","vol":"1","page":305},{"text":"٢ - ذكره باسمه ومشتقاته وأوصافه وأحواله بكثرة في القرآن العظيم، فقد ذكرت كلمة الموت وما اشتق منها في آيات القرآن الكريم: مائة وخمسا وستين (١٦٥) مرة، في مائة واثنتين وأربعين (١٤٢) آية، في ثلاث وخمسين (٥٣) سورة، منها أربعة وثمانون موضعًا (٨٤) مكيا، وواحدًا وثمانون موضعًا (٨١) مدنيا (^١).\n٣ - التأكيد عليه في كل مناسبة تقتضي ذلك، وله صور كثيرة منها:\n- أنه في حال تكذيب المشركين بالبعث كما في قوله جل وعلا: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (١٠)﴾ [السجدة:١٠]، يؤكد القرآن قبض أرواحهم ورجوعهم إلى ربهم، يقول جل وعلا: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)﴾ [السجدة:١١].\nففي هذه الآية \"أمر الله تعالى نبيه أن يخبرهم بجملة الحال غير مفصلة، فبدأ بالإخبار من وقت يفقد روح الإنسان إلى الوقت الذي لا يعود فيه إلى ربه فجمع الغايتين الأولى والآخرة\" (^٢).\nوقال الإمام الرازي:\" فإن قيل: هم أنكروا الإحياء، والله ذكر الموت وبينهما مباينة؟ نقول: فيه وجهان: أحدهما: أن ذلك دليل الإحياء، ودفع استبعاد ذلك فإنهم قالوا: ما عُدم بالكلية، كيف يكون الموجود عين ذلك؟ فقال: الملك يقبض الروح والأجزاء تتفرق، فجمع الأجزاء لا بُعد فيه، وأمر الملك برد ما قبضه لا صعوبة فيه أيضًا، فقوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ أي: الأرواح معلومة، فترد إلى أجسادها\" (^٣).\n_________\n(^١) عادل كمال حاج: الموت في القرآن الكريم، بحث علمي مقدم لجامعة أم درمان الإسلامية - قسم التفسير، ١٤٢٧ هـ، ص (١٠)\n(^٢) ابن عطية: المحرر الوجيز، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٢٢ هـ (٤/ ٣٦٠)\n(^٣) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٢٥/ ١٤٣).","vol":"1","page":306},{"text":"- التأكيد على حتمية الموت، وأنه حق واقع لا محالة، وقد أكده القرآن في مواضع منها قوله جل وعلا: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨].\nوهذه الآية فيها معنى الشرط والجزاء، أي: إن فررتم منه فإنه ملاقيكم، ويكون مبالغة في الدلالة على أنه لا ينفع الفرار منه (^١).\n- التأكيد على شمولية الموت وعمومه، قال جل وعلا: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧] يقول الإمام الطبري:\" يقول تعالى ذكره: كل من على ظهر الأرض من جن وإنس فإنه هالك، ويبقى وجه ربك يا محمد ذو الجلال والإكرام\" (^٢).\nوذكر الإمام القرطبي وجه النعمة في الإفناء فقال:\" وجه النعمة في فناء الخلق: التسوية بينهم في الموت، ومع الموت تستوي الأقدام، وقيل: وجه النعمة: أن الموت سبب النقل إلى دار الجزاء والثواب\" (^٣).\nوأكد القرآن الكريم هذا المعنى، وهو شمولية الموت أتم تأكيد فقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥]، في أكثر من آية؛ لتعلم كل نفس أنها واجدة مرارة الموت لا محالة، فكل حي في سفر إلى دار القرار، وإن طال لبثه في هذه الدار (^٤).\n_________\n(^١) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط ٢ - ١٣٨٤ هـ، (١٧/ ١٦٥)\n(^٢) الطبري: جامع البيان، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ت: أحمد محمد شاكر، ص (٢٣/ ٣٨).\n(^٣) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط ٢ - ١٣٨٤ هـ، (١٧/ ١٦٥)\n(^٤) الشوكاني: فتح القدير، دار ابن كثير - دمشق، ط ١ ١٤١٤ هـ، (٢/ ٢٤٢).","vol":"1","page":307},{"text":"إن كل حادث فهو فان، وكل ماله بدء فله نهاية ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾،\" هذا هو الناموس الذي يحكم الحياة وهذه هي السنة التي ليس لها استثناء، فما أجدر الأحياء أن يحسبوا حساب هذا المذاق، إنه الموت نهاية كل حي وعاقبة المطاف للرحلة القصيرة على الأرض وإلى الله يرجع الجميع\" (^١).\n٤ - ومما يدل على اهتمام القرآن الكريم بأمر الموت، أن الله جل وعلا أضافه إليه فقال سبحانه: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣)﴾ [الحجر:٢٣] وقال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣)﴾ [ق:٤٣].\nفالله ﷿ يميت جميع الخلائق، فلا يبقى حي سواه جل في علاه والوارث من صفات الله تعالى، قيل: الباقي بعد فناء الخلق، وقيل: معناه: أن مصير الخلق إليه (^٢)، وهذا نظير قوله ﷾: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٤٠)﴾ [مريم:٤٠].\nقال ابن عطية في تفسيره: \"وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾ الآيات هذه الآيات مع الآيات التي قبلها تضمنت العبرة والدلالة على قدرة الله تعالى وما يوجب توحيده وعبادته، فمعنى هذه وإنا لنحن نحيي من نشاء بإخراجه من العدم إلى وجود الحياة، وبرده عند البعث من مرقده ميتًا، ونميت بإزالة الحياة عمن كان حيًا، ﴿وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣)﴾ أي: لا يبقى شيء سوانا، وكل شيء هالك إلا وجهه لا رب غيره \" (^٣).\n_________\n(^١) سيد قطب: في ظلال القرآن، دار الشروق - بيروت، القاهرة، ط ١٧ ١٤١٢ هـ (٤/ ٢٣٧٧).\n(^٢) البغوي: معالم التنزيل، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ١ ١٤٢٠ هـ، (٣/ ٥٥).\n(^٣) ابن عطية: المحرر الوجيز، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٢٢ هـ (٣/ ٣٥٨ (","vol":"1","page":308},{"text":"وقد جاء لفظ المحيي بصيغة الفعل كثيرًا في القرآن (^١)، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾ [البقرة:٢٨]، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (٦٦)﴾ [الحج:٦٦]، وقوله تعالى: ... ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾ [الجاثية:٢٦].\n٥ - ومن أوجه الاهتمام بالموت في القرآن الكريم، ذكر بعض أحوال وأوصاف ومشاهد الموت في آيات كثيرة، وقد اجتمع في هذا الوجه مجموعة من الأمور:\nأ. أن للموت أجل محدود لا يتقدم ولا يتأخر عنه، قال ﷾: ... ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)﴾ [الأعراف:٣٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)﴾ [المنافقون:١١].\nفالكل ميت بأجله، حتى المقتول ميت بأجله، فعلم الله تعالى، وقدر وقضى أن هذا يموت بسبب المرض، وهذا بسبب القتل، وهذا بسبب الهدم، وهذا بسبب الحرق، وهذا بالغرق إلى غير ذلك من الأسباب، والله خلق الموت والحياة وخلق سبب الموت والحياة (^٢) قال الإمام المزني:\" والخلق ميتون بآجالهم عند نفاد أرزاقهم وانقطاع آثارهم\" (^٣).\nب. أن وقت الموت مجهول:\nجعل الله جل وعلا لكل شيء أجلًا، فقال عن الإنسان: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢)﴾ [الأنعام:٢].\n_________\n(^١) حصة الصغير: شرح أسماء الله الحسنى وصفاته، دار القاسم - الرياض، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ص (٢٣٤)\n(^٢) ابن أبي العز شرح الطحاوية، وزارة الأوقاف السعودية، ط ١ ١٤١٨ هـ، ص (١٠٠).\n(^٣) المزني: شرح السنة، مكتبة الغرباء - السعودية، ط ١ ١٤١٥ هـ، ص (٨٠).","vol":"1","page":309},{"text":"فالمروي عن ابن عباس ﵄: أن الأجل الأول (الموت) والأجل الثاني المسمى (الآخرة)، وهذا الأجل غير معلوم، ولذا قال: ... (عنده) أي: لا يعلمه إلا هو، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف:١٨٧] (^١).\n\nوأكد القرآن الكريم على هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ [لقمان:٣٤]، فقوله جل وعلا: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ أي: في أي مكان يلحقها أجلها فتموت فيه، كل ذلك لا يعلمه إلا الله تعالى (^٢).\nقال الخازن:\" ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٥]، يعني: ليس أحد من الناس يعلم أين مضجعه من الأرض، في بر أو بحر، في سهل أو جبل\" (^٣).\n_________\n(^١) الطبري: جامع البيان ص (١١/ ٢٥٩)، ابن كثير: تفسير القرآن العظيم (٣/ ٢٣٩).\n(^٢) مكي أبو طالب: الهداية إلى بلوغ النهاية، مجموعة بحوث الكتاب والسنة، كلية الشريعة، جامعة الشارقة، ط ١ ١٤٢٩ هـ (٩/ ٥٧٤١).\n(^٣) الخازن: لباب التأويل، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤١٥ هـ (٣/ ٤٠١).","vol":"1","page":310},{"text":"فـ\"مكان الموت الذي هو ختام الأمر الدنيوي، وطي سجل الأثر الشهودي، وابتداء الأمر الأخروي، الظهر لأحوال البرزخ في النزول مع المنتظرين لبقية السفر إلى دائرة البعث، وحالة الحشر إلى ما هنالك من ربح وخسران، وعز وهوان، وما للروح من اتصال بالجسد، والرقية في العلو والسفول، والصعود والنزول، إلى ما وراء ذلك إلى ما لا آخر مما لا يعلم تفاصيله، وجملة وكلياته وجزئياته إلا مخترعه وبارئه ومصطنعه، وعبّر في الآية بقوله (بأي أرض تموت) ولم يقل: بأي وقت! لعدم القدرة على الانفكاك عن الوقت مع القدرة على الانفكاك عن مكان معين، وإماطة العلم بكراهة كل أحد للموت، فكان ذلك أول دليل على جهله بموضوع موته \" (^١).\nفوقت موت الإنسان مجهول ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٥] كما لا تدري نفس في أي وقت تموت (^٢).\nج. أن العمل ينتهي بوقوع الموت:\nقال جل وعلا: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠].\nوقال سبحانه جل في علاه: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)﴾ [المنافقون:١٠ - ١١].\n_________\n(^١) البقاعي: نظم الدرر، دار الكتاب الإسلامي - القاهرة، دون ذكر رقم الطبعة وتاريخها (١٥/ ٢١٩)\n(^٢) أبو السعود: إرشاد العقل السليم (٧/ ٧٨).","vol":"1","page":311},{"text":"وجاء في السنة المطهرة ما يُبيّن ذلك ففي صحيح الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله - ﷺ - قال: «لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ، وَلَا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ، إِنَّهُ إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ، وَإِنَّهُ لَا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عُمْرُهُ إِلَّا خَيْرًا» (^١).\nوأخرج مسلم أيضًا من حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (^٢).\nوقد ذكر الله جل وعز أمنيات الكافرين في العودة إلى الدنيا ليعملوا صالحًا واعترافهم بالتقصير في حق الله ﷿، ولذا يقولون وهم في النار: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠)﴾ [الملك ١٠].\nوأما تمنيهم للرجعة فقد حكاها القرآن الكريم في أكثر من موضع فقال جل وعلا:\n- ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦)﴾ [الأنعام:٢٧].\n- ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣)﴾ [الأعراف:٥٣].\nولما علم الله جل وعلا أنهم لو ردوا إلى الدنيا لعادوا إلى الكفر والشرك بيّن ذلك فقال سبحانه: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)﴾ [الأنعام:٢٨].\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ح (٢٦٨٢).\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الوصية، ح (١٦٣١).","vol":"1","page":312},{"text":"د. الإشارة إلى الملائكة الموكلون بقبض الأرواح، كما قال جل وعلا: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)﴾ [السجدة:١١] وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١)﴾ [الأنعام:٦١].\nوالقرآن الكريم اهتم بذكر الموت اهتمامًا بالغًا، بينا بعض أوجه هذا الاهتمام ولهذا الاهتمام الكبير بهذا الموضوع الكبير أسباب ونتائج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>المسألة الثانية أسباب اهتمام القرآن الكريم بذكر الموت</span>\nمن أسباب اهتمام القرآن الكريم بذكر الموت وأحواله وأهواله ما يلي:\n١ - أن ينتبه المرء من غفلته ويرجع إلى ربه قبل أن يفجأه الموت، فيندم على ما فرط في جنب الله تعالى، ولذا حث القرآن على العمل قبل فوات الأجل فقال ﷾: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠)﴾ [المنافقون:١٠].\n٢ - التنبيه للمسارعة إلى التوبة النصوح قبل فوات الأوان، لأن وقت التوبة محدود، ومتى جاءت ساعة الموت أغلق هذا الباب، قال جل وعلا: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾ [النساء:١٨].","vol":"1","page":313},{"text":"وقد حكى القرآن الكريم عن فرعون الطاغية أنه آمن قبل موته ولكن ذلك الإيمان لم ينفعه، لأنه لم يأت في وقته المحدد، قال جل وعلا: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (٩٢)﴾ [يونس:٩١ - ٩٢].\n٣ - أن يحرص المرء أن تأتيه منيته وهو على الإسلام كما قال جل وعلا: ... ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران:١٠٢]، والمعنى: أي: حافظوا على الإسلام ودوموا عليه في حال صحتكم وسلامتكم لتموتوا عليه، فإن الكريم قد أجرى عادته بكرمه، أنه من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه (^١).\n\"والموت غيب لا يدري الإنسان متى يدركه، فمن أراد ألاّ يموت إلا مسلمًا فسبيله أن يكون منذ اللحظة مسلمًا، وأن يكون في كل لحظة مسلمًا. وذكر الِإسلام بعد التقوى يشير بمعناه الواسع: الاستسلام، الاستسلام لله طاعة له، واتباعًا لمنهجه واحتكامًا إلى كتابه، وهو المعنى الذي تقرره السورة كلها في كل موضوع منها\" (^٢).\n_________\n(^١) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم (٢/ ٨٧)، السمعاني: تفسير القرآن (١/ ٣٤٥).\n(^٢) سيد قطب: في ظلال القرآن، دار الشروق - بيروت، القاهرة، ط ١٧ ١٤١٢ هـ (١/ ٤٤٢).","vol":"1","page":314},{"text":"٤ - أنه متى علم المرء أنه لا مناص من الموت ولا فرار منه، عاش بين جناحي الخوف والرجاء، وأحسن العلم ثم أحسن الظن بربه، فلا يستطيع أحد من البشر أن يدفع الموت عن نفسه، ولو جاء بكل الأسباب المادية لدفعه، ولهذا يقرر القرآن الكريم هذه القضية بأوضح بيان فيقول: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٦٨)﴾ [آل عمران:١٦٨].\nوقال جل وعلا: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٦)﴾ [الأحزاب:١٦].\nومع هذا الواقع الحق أقام بعض الناس الدنيا ولم يقعدها، بحثًا عن أسباب تقي من هذا المصرع، وتخفف منه حتى اعتقد بعض الدارسين،\" أن كثيرًا من التقدم البشري، نتج عن الجهود البشرية للتغلب على أسباب الموت ومحاولة للقضاء على المرض ولكن الموت لا يتوقف على تطور معرفة السبب أو معالجة روافده\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>المسألة الثالثة نتائج اهتمام القرآن الكريم بذكر الموت</span>\nوأما نتائج هذا الاهتمام البالغ من القرآن الكريم بذكر الموت وما يتعلق به فهي تظهر في الآتي:\n١ - التذكير بكمال القدرة الإلهية وأن مقادير الأمور كلها بيده سبحانه جل في علا، وأنه سبحانه الفعال لما يريد، لا راد لأمره، ولا مبرم لقضائه جل في علاه، ويظهر ذلك جليًا في إضافة الإحياء والإماتة إليه سبحاه فقال: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣)﴾ [الحجر:٢٣]. وقوله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣)﴾ [ق:٤٣].\n_________\n(^١) عادل كمال حاج: الموت في القرآن الكريم،، بحث علمي مقدم لجامعة أم درمان الإسلامية - قسم التفسير، ١٤٢٧ هـ، ص (٣١)","vol":"1","page":315},{"text":"وتظهر آثار تلك القدرة الإلهية الشاملة، كما في قوله سبحانه: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ [آل عمران:٢٧]، وقوله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥)﴾ [الأنعام:٩٥].\n٢ - بيان ضعف الإنسان عن مواجهة هذا المصير المحتوم، وأنه يسير إليه رغمًا عنه دون اختياره وإرادته، قال جل وعلا مبينا هذا الموقف الرهيب وهذا الضعف الإنساني العجيب: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧)﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٨٧].\nوالآية سيقت لبيان عجزهم الميت وأهله، وذكر قدرته ﷾ عليهم (^١). فالميت يُساق إلى الله جل وعلا، ثم إلى الجنة أو إلى النار بأمر الله تعالى، قال سبحانه: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠)﴾ [القيامة:٢٦ - ٣٠]، يجتمع على الميت كرب الموت، وهول المطلع، قال الضحاك: هو في أمر عظيم، الناس يجهزون بدنه والملائكة يجهزون روحه (^٢).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن، دار الوطن - الرياض، ط ١ ١٤١٨ هـ (١/ ٣٦١)\n(^٢) البغوي: معالم التنزيل، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ١ ١٤٢٠ هـ، (٥/ ١٨٦).","vol":"1","page":316},{"text":"٣ - تنبيه الإنسان إلى تدارك ما فات، فهو في كل ليلة يعاين الموت الأصغر وذلك حين يخلد للنوم، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)﴾ [الزمر:٤٢]، والمسلم كلما أوى إلى فراشه تذكر هذا المصير، وهو يقول في ذكره: «بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ «(^١).\nوكان النبي - ﷺ - إذا أوى إلى فراشه قال: «بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا» وَإِذَا قَامَ قَالَ: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ» (^٢).\nوقد ثبت عن النبي - ﷺ - بطرق أنه قال: «النَّوْمُ أَخُو الْمَوْتِ، وَلَا يَنَامُ أَهْلُ الْجَنَّةِ» (^٣).\nوذكرت كتب التاريخ والسير أن النبي - ﷺ - لما صدح بدعوة الحق كان مما قال: «والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون» (^٤).\nوقال ابن زيد: النوم وفاة، والموت وفاة. وقال عمر: النوم أخو الموت (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب التوبة باب التعوذ والقراءة عند المنام ح (٦٣٢٠)، وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب الذكر والدعاء باب: ما يقول عند النوم ح (٢٧١١).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب التوبة باب ما يقول إذا نام ح (٦٣١٢)،وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب الذكر والدعاء باب ما يقول عند النوم ح (٢٧١١).\n(^٣) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط باب اسمه مقدام ح (٨٨١٦)،وصححه الألباني بمجموع طرقه كما في السلسلة الصحيحة، ح (١٠٨٧).\n(^٤) ابن الأثير: الكامل في التاريخ: (٢/ ٦١)، الصالحي: سبل الهدى والرشاد: (٢/ ٣٢٣).\n(^٥) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط ٢ - ١٣٨٤ هـ، (١٥/ ٢٦١).","vol":"1","page":317},{"text":"فمن نتائج الاهتمام القرآني بذكر الموت، المسارعة لخلاص النفس من أهوائها وانفكاكها عن شهواتها، والاستعداد للقاء ربها جل وعلا، وعدم الوقوع في الندم في هذه الساعة العصيبة.\n٤ - أن في التذكير بالموت، تهديد للطغاة والمتجبرين والمتكبرين، ونذير شر إن لم يقلعوا عن غيهم، ويرجعوا إلى رشدهم، يقول جل وعز: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣)﴾ [الأنعام:٩٣]، يقول المولى جل وعز ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ أي: شدائده وسكراته، يقال لهم ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ أي: خلصوها من العذاب إن أمكنكم، وهو توبيخ وتقريع، والجواب في الآية محذوف لعظم الأمر، أي: ولو رأيت الظالمين في هذه الحال، لرأيت عذابًا عظيمًا (^١).\nوالخطاب في الآية لرسول الله - ﷺ - أو لكل من يصلح له، والمراد: كل ظالم ويدخل فيه الجاحدون لما أنزل الله والمدعون للنبوات افتراء على الله دخولًا أوليًا (^٢).\n\"وهذا مشهد كئيب مكروب رعيب، يجلله الهوان، ويصاحبه التنديد والتأنيب، جزاء الاستكبار والإعراض والافتراء والتكذيب \" (^٣).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: (٢/ ١٢٦)، البغوي: معالم التنزيل: (٢/ ١٤٥)، القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: (٤/ ٤١).\n(^٢) الشوكاني: فتح القدير، دار ابن كثير - دمشق، ط ١ ١٤١٤ هـ (٢/ ١٥٩).\n(^٣) سيد قطب: في ظلال القرآن، دار الشروق - بيروت، القاهرة، ط ١٧ ١٤١٢ هـ (٢/ ١١٣٨).","vol":"1","page":318},{"text":"وبعد نهاية هذا المطلب نستعرض ما ذكره الإمام ابن تيمية في رسالته الواسطية، حيث قال: \"ومن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما أخبر به النبي - ﷺ - مما يكون بعد الموت\" (^١).\nفالموت سابق لهذه الأمور المذكورة بعده، وهو حق، قال جل وعلا: ... ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق:١٩] قيل في معنى الحق هنا: الموت والتقدير: وجاءت سكرة الموت بالموت، فالحق هو الموت الذي حتمه الله على جميع خلقه (^٢).\nوختامًا: فإن الموت ليس واقعة طبية فقط، وإنما هو حقيقة دينية فلسفية وواقعة قانونية، وحالة اجتماعية فالدين يعتبره: مفارقة الروح للجسد ... وبدء حساب الآخرة، والانتظار للبعث.\nوفي نظر القانون يعتبره: انتهاء شخصية كانت معتبرة، وضياع ذمة مالية وانتهاء قدرة على التملك، وعلى التعامل بيع وشراء، وكذلك هو خلو منصب، وفراغ من عمل.\nوهو من الناحية الاجتماعية: توقف نوع نشاط، وفراغ مجال، وانقطاع علاقات، وترمل أزواج، وتيتم أبناء، وفراق أصدقاء (^٣).\nولذا كان الحديث عن الموت ضروريًا ملحًا، فقد جاء به مصرحًا ومضمنًا وبالإشارة تارة، والتلميح أخرى، مع تقريبه للأذهان، ليحصل الاستعداد التام لهذه الساعة الرهيبة.\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (٣/ ١٤٥)\n(^٢) مكي أبو طالب: الهداية إلى بلوغ النهاية، مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة - الشارقة ط ١ ١٤٢٩ هـ (١١/ ٧٠٤٣).\n(^٣) مقال بعنوان: (الموت إشكاليات تعريف مصطلح الموت) المنشور بتاريخ ١٣/ ٣/١٤٣٢ هـ، في موقع منهل الثقافة التربوية.","vol":"1","page":319},{"text":"المبحث الثاني: الحياة البرزخية، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: فتنة القبر، وفيه أربع مسائل:\n١ - حكاية الإجماع على حصول فتنة القبر.\n٢ - تواتر الأخبار في إثبات الفتنة في القبر.\n٣ - معنى فتنة القبر.\n٤ - بعض المسائل المتعلقة بفتنة القبر.\nالمطلب الثاني: عذاب القبر ونعيمه، وفيه خمسة مسائل:\n١ - حكاية الإجماع على وقوع عذاب القبر.\n٢ - تواتر النصوص الشرعية في إثبات عذاب القبر.\n٣ - أدلة إثبات عذاب القبر.\n٤ - المنكرون لعذاب القبر.\n٥ - شبهات المنكرين لعذاب القبر.","vol":"1","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>المبحث الثاني الحياة البرزخية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>المطلب الأول: فتنة القبر:</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الواسطية:\" ومن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما أخبر به النبي - ﷺ - مما يكون بعد الموت: \" فيؤمنون بفتنة القبر وبعذاب القبر ونعيمه، فأما الفتنة: فإن الناس يفتنون في قبورهم فيقال للرجل: من ربك وما دينك ومن نبيك؟ فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فيقول المؤمن: الله ربي والإسلام ديني ومحمد - ﷺ - نبيّي. وأما المرتاب فيقول: هاه، هاه، لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته، فيضرب بمرزبة من حديد، فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق\" (^١).\nما قرره الإمام ابن تيمية في هذه العقيدة من فتنة القبر، هو الأمر المستقر في الشريعة، الذي انعقد عليه إجماع الأمة، ودلت عليه النصوص الشرعية ولذا فهذه الأسطر من هذه العقيدة انتظمت جملة من المسائل، تحريرها كالآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>المسألة الأولى: حكاية الإجماع على حصول الفتنة في القبور:</span>\nنقل الإجماع على وقوع فتنة القبر جماعة من أهل العلم:\nيقول الإمام أبو الحسن الأشعري: \"وأجمعوا على أن عذاب القبر حق، وأن الناس يفتنون في قبورهم بعد أن يحيون فيها ويسألون، فيثبت الله من أحب تثبيته\" (^٢).\nوقد ذكر العلامة البغدادي: أن من الأصول التي اتفق عليها أهل السنة، وأجمعوا عليها: إثبات السؤال في القبر. وقال التفتازاني: \"اتفق الإسلاميون على حقية سؤال منكر ونكير في القبر\" (^٣).\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ت: عبدالرحمن بن قاسم (٣/ ١٤٥)\n(^٢) الأشعري: رسالة إلى أهل الثغر، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية بنلمدينة النبوية، ١٤١٣ هـ، ص (١٥٩).\n(^٣) أحمد بن حنبل: أصول السنة: ص (٣٠)، ابن أبي يعلى: طبقات الحنابلة: (١/ ٢٤٢).","vol":"1","page":321},{"text":"وقال أحمد بن القاسم للإمام أحمد: يا أبا عبد الله، تقر بمنكر ونكير، وما يروى في عذاب القبر؟ فقال: نعم، سبحان الله نقر بذلك ونقوله: قلت: هذه اللفظة (منكر ونكير) تقول هذا، أو تقول ملكين؟ قال: نقول: منكر ونكير، وهما ملكان، وعذاب القبر (^١).\nوأشار الإمام ابن تيمية إلى أن جماعات أهل الكلام ينصرون ما ظهر من مذاهب أهل السنة، كفتنة القبر وعذابه، فقال:\" وهؤلاء وأمثالهم من أهل الكلام ينصرون ما ظهر من دين الإسلام، كما ينصر ذلك المعتزلة والجهمية وغيرهم من المتكلمين، فينصرون إثبات الصانع النبوة والمعاد ونحو ذلك وينصرون مع ذلك ما ظهر من مذاهب أهل السنة والجماعة، كما ينصر ذلك الكلابية والكرامية والأشعرية ونحوهم، ينصرون أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الله يرى في الآخرة ... وأن فتنة القبر حق، وعذاب القبر حق ... وأمثال من الأقوال التي شاع أنها من أصول أهل السنة والجماعة \" (^٢).\nوقال الإمام ابن عبد البر:\" وأهل السنة والجماعة مصدقون بفتنة القبر وعذاب القبر، لتوافر الأخبار بذلك عن النبي - ﷺ - \" (^٣).\nوقد تواترت كلمة العلماء واستفاضت على إثبات فتنة القبر وسؤال الملكين:\nقال الإمام المزني: \" ثم هم بعد الضغطة في القبور مساءلون \" (^٤).\nوقال الإمام البربهاري في بيان عقائد أهل السنة: \"والإيمان بأن الميت يقعد في قبره، وترسل فيه الروح، حتى يسأله منكر ونكير عن الإيمان وشرائعه\" (^٥).\n_________\n(^١) ابن أبي يعلى: طبقات الحنابلة، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (١/ ٥٥).\n(^٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (٧/ ٤٣٥)\n(^٣) ابن عبد البر: الاستذكار، دار الكتب العلمية - بيروت ن ط ١ ١٤٢١ هـ (٢/ ٤٢١).\n(^٤) المزني: شرح السنة، مكتبة الغرباء - السعودية، ط ١ ١٤١٥ هـ، ص (٨٠).\n(^٥) البربهاري: شرح السنة، مكتبة الغرباء - السعودية، ط ١ ١٤١٤ هـ، ص (٨٢).","vol":"1","page":322},{"text":"وقال الإمام أبو عبد الله بن أبي زمنيين: \"وأهل السنة يؤمنون بأن هذه الأمة تفتن في قبورها، وتسأل عن النبي - ﷺ - كيف شاء الله، ويصدقون بذلك بلا كيف\" (^١).\nوقال الإمام ابن قدامة: \"وفتنة القبر حق، وسؤال منكر ونكير حق \" (^٢).\nوقال الإمام الطحاوي: \"ونؤمن ... وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه\" (^٣).\nوقال الإمام أبو حنيفة: \"سؤال منكر ونكير حق كائن في القبر\" (^٤).\nوقال الإمام النووي في شرحه لحديث عمرو بن العاص وهو في سياق الموت: فيه فوائد منها:\" إثبات فتنة القبر، وسؤال الملكين، وهو مذهب أهل الحق\" (^٥).\nوقال الإمام ابن بطال في شرح حديث أنس: (إذا وضع العبد في قبره):\" وفيه: أن فتنة القبر حق، وهو مذهب أهل السنة\" (^٦).\nوالنقول عن أهل السنة في هذا الباب تطول جدًا؛ لأن فتنة القبر من الأصول المتفق عليها بين أهل السنة والجماعة (^٧).\nفيجب الإيمان بها والتصديق بلا كيف، قال الإمام الغزالي:\" وأنه لا يتقبل إيمان عبد حتى يؤمن بما أخبر به بعد الموت، وأوله: سؤال منكر ونكير\" (^٨).\n_________\n(^١) ابن أبي زمنيين: أصول السنة، مكتبة الغرباء - السعودية، ط ١ ١٤١٥ هـ، ص (١٥٠).\n(^٢) ابن قدامة: لمعة الاعتقاد، مزارة الأوقاف السعودية، ط ٢ - ١٤٢٠ هـ، ص (٣١).\n(^٣) انظر: ابن أبي العز: شرح الطحاوية، وزارة الأوقاف السعودية، ط ١ ١٤١٨ هـ، ص (٣٩١).\n(^٤) أبو حنيفة: الفقه الأكبر، مكتبة الفرقان - الإمارات، ط ١ ١٤١٩ هـ، ص (٦٥).\n(^٥) النووي: شرح مسلم، إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٢ - ١٣٩٢ هـ (٢/ ١٣٩ - ٥/ ٨٥).\n(^٦) ابن بطال: شرح صحيح البخاري، مكتبة الرشد - الرياض، ط ٢ - ١٤٢٣ هـ (٣/ ٣٢١).\n(^٧) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (١١/ ٤٨٦)\n(^٨) الغزالي: بداية الهداية، دار المنهاج جدة، ط ١ ١٤٢٥ هـ، ص (٢٨٣).","vol":"1","page":323},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>المسألة الثانية: تواتر الأخبار والنصوص في إثبات فتنة القبر:</span>\nقد تواترت الأحاديث الشريفة المنيفة عن رسول الله - ﷺفي فتنة القبر ومسألة منكر ونكير\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية:\" فأما أحاديث عذاب القبر ومسألة منكر ونكير فكثيرة متواترة عن النبي - ﷺ -\" (^١).\nويقول الإمام ابن القيم:\" وأحاديث المسألة في القبر كثيرة ... وهذا كما أنه مقتضى السنة الصحيحة، فهو متفق عليه بين أهل السنة\" (^٢).\nويقول الإمام السيوطي:\" باب فتنة القبر وسؤال الملكين: قد تواترت الأحاديث بذلك مؤكدة من رواية أنس والبراء وتميم الداري وبشير بن الكمال وثوبان وجابر بن عبد الله وعبد الله بن رواحة وعبادة بن الصامت وحذيفة وضمرة بن حبيب وابن عباس وابن عمر وابن مسعود وعثمان بن عفان وأبي رافع وأبي سعيد الخدري وأبي قتادة وأبي هريرة وأبي موسى وأسماء ... وعائشة - ﵃ أجمعين - \" (^٣).\nوقال الإمام ابن أبي عاصم:\" وهي أخبار ثابتة توجب العلم، وتنفي الريب والشك \" (^٤).\nفأحاديث فتنة القبر مع كثرتها وصحتها وتلقيها بالقبول واتفاق الفرق على روايتها (^٥). إلا أن بعض الناس أنكر سؤال منكر ونكير في القبر (^٦).\nومع وفرة هذه الأحاديث الصحيحة المشهور التي رواها الأئمة إلا أن المخالفين من المعتزلة اتبعوا القياس، وأعرضوا عن الآثار الصحيحة، مع أن المنقول عن القاضي عبد الجبار المعتزلي إثباته، كما حكى هو ذلك عن نفسه وأسلافه، وأورد الأدلة على إثبات عذاب القبر (^٧).\nواحتج المخالفون بجملة من الأدلة التي يظنونها عقلية صحيحة منها:\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى:، (٤/ ٢٨٥ - ٥/ ٥٢٦)\n(^٢) ابن القيم: الروح، دار الحديث - القاهرة، ١٤٢٤ هـ، ص (٥٦ - ٥٧).\n(^٣) السيوطي: شروح الصدور، دار المعرفة - لبنان، ط ١ ١٤١٧ هـ، ص (١٢١).\n(^٤) ابن أبي عاصم: السنة، المكتب الإسلامي، ط ١١٤٠٠ هـ (٢/ ٤٢٤)\n(^٥) ابن الوزير: إيثار الحق على الخلق، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ٢ - ١٩٨٧ م، ص (٣٧٩).\n(^٦) ابن البناء: الرد على: ص (١٨٣)، محمد علي الطبري: الإيضاح في أصول الدين: ص (٣٧٤) العمراني: الانتصار في الرد على المعتزلة: (٣/ ٧٠٨).\n(^٧) عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: (٧٣٠)، التفتازاني: شرح المقاصد: (٢/ ٢٢٠)، مغلطاي: شرح ابن ماجه: (١/ ١٥٩)","vol":"1","page":324},{"text":"أ. قالوا: إن المساءلة والخطاب إنما تكون لمن هو حي يسمع ويجيب، فأما إذا مات فقد زالت الحياة، وانتقضت البنية، وذلك يمنع من صحة السؤال والجواب، وإن قلتم: إنه تعاد حياته إليه، وروحه إليه، فذلك بعيد أيضًا من جهة، أنه لا سبيل إلى معرفة هذا.\nب. وقالوا: ما ذكرتموه من أمور هي ثابتة بأخبار الآحاد، وأخبار الآحاد لا تفيد العلم ولا توجبه، وهذه المسألة من مسائل العلم، فلا يقبل فيها خبر الواحد.\nج. وبالغ بعضهم في دليل النفي فقالوا: إنا ندفن الميت ثم نأتي بعد أيام فنكشفه فنراه على الهيئة التي دفناه عليها، لا يتغير عما ترك عليه، ووضع بعضهم على صدر ميته شيئًا من الدفن، ثم كشفه بعد أيام فرأى الدفن في الموضع الذي تركه، قالوا: ولو كان يزول على ما هو عليه لزال الدفن عن محله إلى أرض اللحد، وإذا امتحن هذا بالاعتبار فلم يوجد له أصل، لم يثبت ذلك.\nوأجاب العلماء عن هذه الشبهات بما يلي:\n١ - أما قولهم إن من شرط السؤال والجواب الحياة فصحيح، ولذا ورد في الأخبار الصحيحة، أنه تُعاد إليه روحه، فيخاطب وهو حي.","vol":"1","page":325},{"text":"يدل عليه ما أخرجه الشيخان عن أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله - ﷺقال: «إِنَّ العَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ، فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ لِمُحَمَّدٍ - ﷺ - فَأَمَّا المُؤْمِنُ، فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الجَنَّةِ، فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا - قَالَ قَتَادَةُ: وَذُكِرَ لَنَا: أَنَّهُ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ، قَالَ: وَأَمَّا المُنَافِقُ وَالكَافِرُ فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ، فَيُقَالُ: لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ، وَيُضْرَبُ بِمَطَارِقَ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ «(^١).\nقال الإمام أبو الوليد الباجي: \"وهذا يدل على إحياء الميت ومخاطبته\" (^٢).\nوقال العلامة العيني:\" وفيه دليل على أن الميت تعود إليه روحه، لأجل السؤال، وأنه يسمع صوت نعال الأحياء، وهو في السؤال \" (^٣).\nوقد ذكر الإمام عبد الحق الإشبيلي جملة من الأحاديث الواردة في فتنة القبر وعذابه، وترجم له بقوله:\" باب في عذاب القبر والمساءلة بعد الموت\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الجنائز ح (١٣٧٤)، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه ح (٢٨٧٠).\n(^٢) الباجي: المنتقى شرح الموطأ، مطبعة السعادة - مصر، ط ١ ١٣٣٢ (٢/ ٣١).\n(^٣) العيني: شرح أبي داود، مكتبة الرشد - الرياض، ط ١ ١٤٢٠ هـ (٦/ ١٨٨).\n(^٤) الأشبيلي: الأحكام الكبرى، مكتبة الرشد - الرياض، ط ١ ١٤٢٢ هـ، (٢/ ٥٦٢).","vol":"1","page":326},{"text":"٢ - وأما قولهم: إنها أخبار آحاد، فليس بصحيح من جهة أنها أخبار قد ظهرت واشتهرت في الصحاح، وتلقتها الأمة بالقبول، وعمل بها الناس ومثل هذا إذا وجد في الأحاديث وجب العلم.\n٣ - وأما قولهم: إن الميت امتحن ووضع على صدره شيئًا من الدفن، ثم كشف بعد أيام، ولا يزال الدفن في الموضع الذي ترك فيه، فيقال:\nأولًا: هذا ليس بصحيح من جهة أن القادر على إقامته، وإعادة الروح إليه في قبره، قادر على أن يعيده ويعيد ما على صدره على ما كان عليه.\nثانيًا: أنا لا نقبل القياس المعقول إذا عارض الأخبار الصحيحة المشهورة (^١).\nفالذي عليه أئمة السلف إثبات فتنة القبر وسؤال الملكين، على ما ثبت في النصوص، قال الإمام ابن تيمية: \"وقد ثبت أن القبور يُسال ويمتحن، وأنه يؤمر بالدعاء له \" (^٢)، وقال: \"وقد تواترت الأحاديث عن النبي - ﷺفي هذه الفتنة من حديث البراء بن عازب، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، وغيرهم ﵃ \" (^٣).\nولذا صار إنكار فتنة القبر وسؤال الملكين من شعار أهل البدع، قال الإمام ابن عبد البر:\" وأما قوله: أوحي إليّ أنكم تفتنون في قبوركم، فإنه أراد فتنة الملكين، منكر ونكير، حين يسألان العبد: من ربك، وما دينك، ومن نبيك؟\nوالآثار في هذا متواترة، وأهل السنة والجماعة كلهم على الإيمان بذلك، ولا ينكره إلا أهل البدع \" (^٤).\nوقال الشيخ عبد الواحد الشيرازي في جزئه في \"امتحان السني من البدعي: \"يُسأل عن منكر ونكير، وضغطة القبر، فإن آمن به فهو سني، وإن أنكره فهو معتزلي، حشيشي، كافر بالله \" (^٥).\n_________\n(^١) انظر: محمد علي الطبري: الإيضاح في أصول: ص (٣٧٦)، الإيجي: المواقف: (٣/ ٥٢١)،ابن البناء: الرد على المبتدعة: (١٨٨)\n(^٢) ابن تيمية: الفتاوى الكبرى، دار الكتب العلمية -بيروت، ط ١ ١٤٠٨ هـ (٣/ ٢٤).\n(^٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية.\n(^٤) ابن عبد البر: التمهيد، وزارة عموم الأوقاف - المغرب، ١٣٨٧ هـ، (٢٢/ ٢٤٧).\n(^٥) الشيرازي: جزء في امتحان السني من البدعي:، ص (٢٧٥)","vol":"1","page":327},{"text":"وما ذكره الشيخ عبد الواحد من كفر من أنكر منكر ونكير، أو عذاب القبر ونعيمه أمر مختلف فيه بين العلماء، ويشار في هذا المقام إلى جملة من الضوابط الشرعية في هذا الباب:\nأ. أن التكذيب أو الرد لحديث الرسول - ﷺكفر صريح ظاهر، لأنه طعن في مقام الرسالة، ولذا قرر الأئمة أن من رد حديثًا صحيحًا أو كذبه كفر.\nقال الإمام إسحاق بن راهوية: \"من بلغه عن رسول الله - ﷺخبر يقر بصحته، ثم رده بغير تقية فهو كافر\" (^١).\nويقول العلامة ابن الوزير: \"إن التكذيب لحديث رسول الله - ﷺ - مع العلم أنه حديثه كفر صريح \" (^٢).\nب. أن جحد أمر معلوم من دين الإسلام بالضرورة، بحيث يعرفه الخاصة والعامة، يعتبر كفرًا مخرجًا عن ملة الإسلام، بشرط أن يكون هذا الأمر المجمع عليه مشتهرًا في الدين.\nيقول العلامة القرافي: \"ولا يعتقد أن جاحد ما أجمع عليه يكفر على الإطلاق، بل لابد أن يكون المجمع عليه مشتهرًا في الدين حتى صار ضروريًا، فكم من المسائل المجمع عليها إجماعًا لا يعلمه إلا خواص الفقهاء فجحد مثل هذه المسائل التي يخفى الإجماع فيها ليس كفرًا \" (^٣).\nج. أن التأويل المذموم هو التأويل المصادم لما ثبت بقاطع، فمن تأول تأويلًا يخالف قاطعًا من الكتاب والسنة واتفاق الأمة لا شبهة فيه، فإنه زنديق، \"فكل من أنكر الشفاعة أو أنكر رؤية الله يوم القيامة، أو أنكر عذاب القبر وسؤال منكر ونكير، أو أنكر الصراط والحساب، سواء قال: لا أثق بهؤلاء الرواة، أو قال: أثق بهم لكن الحديث مؤول، ثم ذكر تأويلًا فاسدًا، لم يسمع ممن قبله، فهو الزنديق\" (^٤).\nوحكم التأويل على ثلاثة أقسام:\nالأول: أن يكون صادرًا عن اجتهاد وحسن نية، بحيث إذا تبين له الحق رجع عن تأويله، فهذا معفو عنه، لأن هذا منتهى وسعه.\n_________\n(^١) ابن حزم: الإحكام في أصول الأحكام: (١/ ٩٩).\n(^٢) ابن الوزير: العواصم والقواصم: (٢/ ٣٧٤)، انظر: البكري: إعانة الطالبين: (٤/ ١٥١).\n(^٣) القرافي: الفروق، عالم الكتب - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (٤/ ١١٧).\n(^٤) القنوجي: الروضة الندية، دار المعرفة، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٢/ ٢٩٦).","vol":"1","page":328},{"text":"الثاني: أن يكون صادرًا عن هوى وتعصب، وله وجه في اللغة العربية، فهو فسق وليس بكفر، إلا أن يتضمن نقصًا أو عيبًا في حق الله، فيكون كفرًا.\nالثالث: أن يكون صادرًا عن هوى وتعصب، وليس له وجه في اللغة العربية فهذا كفر؛ لأن حقيقته التكذيب، حيث لا وجه له (^١).\nوبناءً على ما تقدم يقال: إذا كان الإنكار لسؤال الملكين وعذاب القبر لمجرد الإنكار والتكذيب والرد للنصوص دون شبهة، فهذا يُعدّ كفرًا مخرجًا من الملة؛ لأنه انطوى تحته تكذيب لحكم الله تعالى وحكم رسوله - ﷺ - وخروج عما اتفقت عليه الأمة، وعليه يحمل كلام الأئمة في التكفير في هذا الباب:\nيقول الإمام ابن أبي يعلى بعد أن ذكر الإيمان بعذاب القبر، ومنكر ونكير من معتقد السلف: \" فتلزم القلب أنك ميت، ومضغوط في القبر، ومساءل في قبرك، ومبعوث من بعد الموت فريضة لازمة، من أنكر ذلك فهو كافر \" (٤)\nيقول الإمام ابن الملقن: \" فمن أنكر عذاب القبر أو نعيمه فهو كافر؛ لأنه كذب الله تعالى ورسوله في خبرهما \" (^٢).\nويقول العلامة الخادمي: \" والذي تقتضيه القاعدة، هو كفر إنكار عذاب القبر، على أنه لا يبعد أن يكون من قبيل الضرورات الدينية، يعرفه العامي والخاص ... وقد قيل: ظني الدلالة مع قطعي الدلالة للآحاد يفيد الفرضية وقد قيل: إن جميع أخبار الآحاد الموافقة للكتاب، حجة قطعية، فينتظم بها الاستدلال على الفرضية مطردا \" (^٣).\n_________\n(^١) ابن عثيمين: تعليق مختصر على كتاب لمعة الاعتقاد، مكتبة أضواء السلف، ط ٣ ١٤١٥ هـ، ص (٣٤).\n(٤) ابن أبي يعلى: الاعتقاد، دار أطلس الخضراء، ط ١ ١٤٢٣ هـ، ص (٣٢).\n(^٢) ابن الملقن: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، دار العاصمة - الرياض، ط ١ ١٤٢١ هـ (١/ ٥١٦).\n(^٣) محمد الخادمي: بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية، مطبعة الحلبي، ١٣٤٨ هـ، (١/ ١٧٤ - ٢٢٩).","vol":"1","page":329},{"text":"وقال العلامة الكشميري: \" عذاب القبر ثبت متواترا، تواتر القدر المشترك ومنكر التواتر هذا لا ريب في تبديعه، ومنكر التواتر بالقدر المشترك كافر، إن كان التواتر بديهيا، وفاسق مبتدع إن كان نظريا \" (^١)\nقال الشيخ عليش:\" واعلموا أيها الإخوان: أن عذاب القبر ونعيمه حق ... كما صحت به الأحاديث الصحيحة، ولكن الله تعالى يأخذ بأبصار الخلائق وأسماعهم من الإنس والجن عن رؤية عذابه ونعيمه لحكمة إلهية، ومن شك في ذلك فهو ملحد \" (^٢).\nوفي سؤال ورد للجنة الإفتاء في السعودية مفاده: \"ما حكم من ينكر عذاب القبر بحجة أنها - أي الأحاديث الواردة في عذاب القبر - أحاديث آحاد وحديث الآحاد لا يؤخذ به مطلقًا، وهم لا ينظرون إلى حديث صحيح أو ... حسن أو ضعيف، ولكن ينظرون إليه من جهة كونه آحادًا أو مرويا بطرق مختلفة، فإذا وجد حديث آحاد لم يأخذوا به، فما هو الرد عليهم؟\nجـ: إذا ثبت حديث الآحاد عن الرسول - ﷺ - كان حجة فيما دل عليه اعتقادًا وعملًا لإجماع أهل السنة، ومن أنكر الاحتجاج بأحاديث الآحاد بعد إقامة الحجة عليه فهو كافر، وارجع في الموضوع إلى كتاب الصواعق لابن القيم أو مختصره للموصلي\" (^٣).\nمناط الكفر في هذه الفتوى كما يُلاحظ، هو رد السنة الصحيحة المستلزم التكذيب لها، ومما يؤيد هذا: الفتوى الأخرى الصادرة عن نفس اللجنة، في كيفية التعامل مع من ينكر بعض الأحاديث الصحيحة الواردة في الصحيحين لحديث عذاب القبر ونعيمه والمعراج والسحر والشفاعة والخروج من النار وهل يصلى وراءهم؟ أو يتبادل معهم السلام أو يعتزلوا؟ فأجابوا:\n_________\n(^١) الكشميري: العرف الشذي، دار التراث العربي - بيروت، ط ١ ١٤٢٥ هـ، (٢/ ٣٤٩).\n(^٢) عليش: فتح العلي المالك: (١/ ١٣)، ابن نجيم: البحر الرائق: (٥/ ١٣٢).\n(^٣) الدويش: فتاوى اللجنة الدائمة: (٥/ ١٣)، ابن باز: فتاوى نور على الدرب: (٤/ ٣١٤).","vol":"1","page":330},{"text":"\"يبحث معهم أهل العلم بالحديث رواية ودراية، ليعرفوهم بصحتها وبمعانيها، فإن أصروا بعد ذلك على إنكارها، أو تحريف نصوصها عن معناها الصحيح تبعًا لهواهم، وتنزيلًا لها على رأيهم الباطل فهم فسقة ... ويجب اعتزالهم وعدم مخالطتهم اتقاءً لشرهم، إلا إذا كان الاتصال بهم من أجل النصح لهم وإرشادهم، أما الصلاة وراءهم فحكمها حكم الصلاة وراء الفاسق، والأحوط: عدم الصلاة خلفهم، لأن بعض أهل العلم كفرهم\" (^١).\nولذا فمن كانت له شبهة تأويل أو اجتهاد، فرد بعض النصوص أو تأولها فإنه لا يكفر على الصحيح، ونص العلماء على تبديعه وتفسيقه:\nيقول الإمام ابن تيمية في معرض حديثه عن المقالات: \" إذا رأيت المقالة المخطئة قد صدرت من إمام قديم فاغتفرت؛ لعدم بلوغ الحجة له، فلا يغتفر لمن بلغته الحجة ما اغتفر للأول، فلهذا يبدع من بلغته أحاديث عذاب القبر ونحوها، إذا أنكر ذلك، ولا تبدع عائشة ونحوها، ممن لم يعرف أن الموتى يسمعون في قبورهم، فهذا أصل عظيم، فتدبره فإنه نافع \" (^٢).\nويقول الإمام الغزالي: \" فاعلم أن كل من أنكر عذاب القبر، فهو مبتدع محجوب عن نور الله تعالى، وعن نور القرآن، ونور الإيمان \" (^٣).\nويقول يقول الإمام ابن بطال: \" ولا ينكره إلا مبتدع \" (^٤).\nويقول العلامة العيني: \" ولا ينكره إلا مبتدع. ومن لا علم له بذلك لا يأثم \" (^٥).\n_________\n(^١) الدويش: فتوى اللجنة الدائمة، دار بلنسية - الرياض، ط ٣ ١٤٢١ هـ (٢/ ٥٥)\n(^٢) ١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (٦/ ٦١)\n(^٣) «الغزالي: إحياء علوم الدين، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (٤/ ١٧٤).\n(^٤) ابن بطال: شرح صحيح البخاري، مكتبة الرشد - الرياض، ط ٢ - ١٤٢٣ هـ (٣/ ٣٨).\n(^٥) العيني: عمدة القاري، دار إحياء التراث العربي - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٧/ ٧٩).","vol":"1","page":331},{"text":"يقول العلامة ابن عابدين:\" واعلم أن الحكم بكفر من ذكرنا من أهل الأهواء ونحوهم مع ما ثبت عن أبي حنيفة والشافعي، من عدم تكفير أهل القبلة من المبتدعة كلهم، محملة: أن ذلك المعتقد نفسه كفر، فالقائل به قائل بما هو كفر، وإن لم يكفر بناء على كون قوله ذلك عن استفراغ وسعة، مجتهدًا في طلب الحق ... وعلى هذا يجب أن يحمل المنقول على ما عدا غلاة الرافضة ومن ضاهاهم، فإن أمثالهم لم يحصل منهم بل وسع في الاجتهاد ... فلا يتأتى من مثل الإمامين العظيمين أن لا يحكما، فأنهم من أكفر الكفرة، وإنما كلامها في مثل من له شبهة فيما ذهب إليه، وإن كان ما ذهب إليه عند التحقيق في حد ذاته كفرًا، كمنكر الرؤية، وعذاب القبر، ونحو ذلك، فإن فيه إنكار حكم النصوص المشهورة والإجماع، إلا أن لهم شبهة قياس الغائب على الشاهد، ونحو ذلك مما علم في الكلام \" (^١).\nوقال الشيخ عبد الرحمن أفندي الحنفي:\" لكن المعتزلة أنكروا عذاب القبر فلا يصح إكفارهم في صحيح الأقوال \" (^٢).\nوقال البكري:\" ومثل ما ذكر من سبق اللسان وما بعده، الاجتهاد فيما لم يقم الدليل القاطع على خلافه، كاعتقاد المعتزلة عدم رؤية الباري في الآخرة أو عدم عذاب القبر أو نعيمه، فلا يكفرون بذلك، لأنه اقترن به اجتهاد\" (^٣).\nوقال شهاب الدين النفراوي:\" من أنكر فتنة القبر وسؤال الملكين مبتدع يؤدب، فإن أصر على إنكاره لا يجوز قتله، ويضرب أدبًا، كما فعله عمر ﵁، ببعض الناس \" (^٤).\n_________\n(^١) ابن عابدين: منحة الخالق، مطبوع مع كتاب البحر الرائق لابن نجيم: (٥/ ١٥١).\n(^٢) عبد الرحمن أفندي: مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (١/ ٦٩٤)\n(^٣) البكري: إعانة الطالبين، دار الفكر - بيروت، ط ١ ١٤١٨ هـ (٤/ ١٥١).\n(^٤) النفراوي: الفواكه الدواني، دار الفكر - بيروت، ١٤١٥ هـ، (١/ ٩٩).","vol":"1","page":332},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>المسألة الثالثة معنى فتنة القبر</span>.\nالمراد بفتنة القبر:\nيقول الإمام ابن تيمية:\" وأما الفتنة في القبور، فهي الامتحان والاختبار للميت حين يسأله الملكان \" (^١).\nوقال الإمام أحمد بن حنبل في بيان عقيدة أهل السنة:\" وأن لله تعالى ملكين يقال لأحدهما منكر، والآخر نكير، يلجان إثر الميت في قبره، فإما يبشرانه وإما يحذرانه \" (^٢).\nوهذا المعنى قد أطبق عليه العلماء، قال الإمام السيوطي:\" أطبق العلماء على أن المراد بقوله: يفتنون، وبفتنة القبر، سؤال الملكين منكر ونكير والأحاديث صريحة فيه، ولهذا سُمي ملكا السؤال الفتانين \" (^٣).\nوقال الإمام ابن حزم:\" بل كل ميت، فلا بد من فتنة وسؤال، وبعد ذلك سرور أو نكد إلى يوم القيامة، فيوفون أجورهم، وينقلبون إلى الجنة أو النار \" (^٤).\nقال بعض العلماء: إضافة الفتنة إلى القبر أو المقبور لا مفهوم له، فلا يعني ذلك أن غير المقبور لا يسأل، بل كل ميت يسأل قبر أو لم يقبر (^٥).\nوهذا السؤال والجواب في القبر يستلزم عودة الروح إلى الجسد، وهو الصحيح الذي دلت عليه النصوص الشرعية، فقد ثبت في حديث البراء بن عازب الطويل المشهور في عذاب القبر ونعيمه، وفي بيان الميت وحاله، أن روحه تعاد إلى جسده، مع العلم بأنها غير مستمرة فيه، وأن هذه الإعادة ليست مستلزمة لإثبات حياة مزيلة لاسم الموت، بل هي نوع حياة برزخية (^٦).\nوالحياة في القبر ثابتة بالسنة المطهرة، والمراد بها: \"أن الميت يحيا في قبره للمسألة خلافًا لمن رده، واحتج بقوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر:١١]، قال: فلو كان يحيا في قبره، للزم أن يحيا ثلاث مرات ويموت ثلاثًا، وهو خلاف النص!\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (٤/ ٢٥٧)\n(^٢) أحمد بن حنبل: العقيدة رواية أبي بكر الخلال، دار قتيبة - دمشق، ط ١ ١٤٠٨ هـ، ص (١٢٢)\n(^٣) السيوطي: الحاوي للفتاوى: (٢/ ٢٢٤)، النفراوي: الفواكه الدواني: (١/ ٩٧).\n(^٤) ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل (٤/ ٥٦).\n(^٥) النفراوي: الفواكه الدواني، دار الفكر - بيروت، ١٤١٥ هـ، (١/ ٩٩).\n(^٦) ابن جاسر: مفيد الأنام، مكتبة النهضة - مصر، ط ٢ - ١٣٨٩ هـ (٢/ ١٥٩).","vol":"1","page":333},{"text":"والجواب: بأن يراد بالحياة في القبر للمساءلة ليست الحياة المستقرة المعهودة في الدنيا، التي تقوم فيها الروح بالبدن، وتدبيره وتصرفه، وتحتاج إلى ما يحتاج إليه الأحياء، بل هي مجرد إعادة، لفائدة الامتحان، فهي إعادة عارضة\" (^١).\nواحتج المنكر أيضًا بقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان:٥٦]، قال: ولو أحيوا في القبر لذاقوا موتتين.\nوالجواب: أن ذلك وصف لأهل الجنة، والضمير فيها للجنة، والمعنى: لا يذوق أهل الجنة في الجنة الموت، فلا ينقطع نعيمهم، فلا دلالة في الآية على انتفاء موته أخرى بعد المسألة، وقبل دخول الجنة.\nوقوله: ﴿إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾: فهو تأكيد لعدم موتهم في الجنة على سبيل التعلق بالمحال، كأنه قيل: لو أمكن ذوقهم الموتة الأولى، لذاقوا في الجنة الموت، لكنه لا يمكن بلا شبهة، فلا يتصور موتهم فيها.\nوقد يقال: ﴿إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾: للجنس لا للوحدة، وإن كانت الصيغة صيغة الواحد، وليس فيها نفي تعدد الموت، لأن الجنس يتناول المتعدد أيضًا. (^٢)\nقال الإمام القرطبي:\" إلا الموتة الأولى، على الاستثناء المنقطع، أي: لكن الموتة الأولى ذاقوها في الدنيا.\nوقيل: إن (إلا) بمعنى: بعد. وقيل: (إلا) بمعنى سوى، أي: سوى الموتة التي ماتوها في الدنيا \" (^٣).\nوقد ورد في السنة المطهرة التنصيص على فتنة القبر:\n_________\n(^١) ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ هـ (٣/ ٢٤١).\n(^٢) الإيجي: المواقف، دار الجيل - بيروت، ط ١ ١٤١٧ هـ (٣/ ٥٢١)، الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٢٧/ ٦٦٦).\n(^٣) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط ٢ - ١٣٨٤ هـ، (١٦/ ١٥٥).","vol":"1","page":334},{"text":"فعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ تقول: قام رسول الله - ﷺخطيبًا فذكر فتنة القبر التي يفتن فيها المرء، فلما ذكر ذلك ضج المسلمون ضجة (^١) ... وثبت في الصحيح أن النبي - ﷺ -: «استعاذ بالله جل وعلا من فتنة القبر «(^٢).\nوثبت في صحيح مسلم أن النبي - ﷺ -، صلى على جنازة ودعا وقال ضمن دعائه: «وقه فتنة القبر، وعذاب القبر «(^٣).\nوثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة وغيره، ﵃، أن النبي - ﷺ -: «استعاذ بالله ﷿ من فتنة المحيا والممات «(^٤). وذكر شراح الحديث أن هذه الاستعاذة تحتمل أمرين:\nأحدهما: حالة الموت، فإن الشيطان يفتن الآدمي حينئذ، تارة بتشكيكه في خالقه وفي معاده، وتارة بالتسخط على الأقدار، وتارة بإعراضه عن التهيؤ للقدوم إلى ربه بتوبة من زلة، واستدراك لهفوة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر ح (١٣٧٣).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الدعوات، باب التعوذ من المأثم والمغرم ح (٦٣٦٨).\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الجنائز، باب الدعاء للميت في الصلاة ح (٩٦٣).\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الجنائز، باب التعوذ من عذاب القبر ح (١٣٧٧) ـ، وأخره مسلم في صحيحه كتاب المساجد باب ما يستعاذ منه في الصلاة ح (٥٨٨) ي.","vol":"1","page":335},{"text":"والثاني: أنها فتنة القبر بعد الموت. وعليه يجوز أن يكون المراد: الفتنة عند الموت، وأضيفت إليه؛ لقربها منه، ويجوز أن يراد بها: فتنة القبر. وقد ثبت في الصحيحين من حديث أسماء ﵂، أن النبي - ﷺ - قال: «مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ إِلَّا رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي، حَتَّى الجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَأُوحِيَ إِلَيَّ: أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ - مِثْلَ أَوْ - قَرِيبَ - لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، يُقَالُ مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا المُؤْمِنُ أَوِ المُوقِنُ - لَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالهُدَى، فَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا، هُوَ مُحَمَّدٌ ثَلَاثًا، فَيُقَالُ: نَمْ صَالِحًا قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا بِهِ. وَأَمَّا المُنَافِقُ أَوِ المُرْتَابُ - لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ «(^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب من أجاب الفتيا بإشارة الله والرأس ح (٨٦)، ابن الجوزي: كشف المشكل، دار الوطن - الرياض، (٣/ ٣٨٩).","vol":"1","page":336},{"text":"قال الإمام الغزالي عن سؤال الملكين في القبر: \"وقد وردت به الأخبار فيجب التصديق به؛ لأنه ممكن، إذ ليس يستدعى إلا إعادة الحياة إلى جزء من الأجزاء الذي به فهم الخطاب، وذلك ممكن في نفسه، ولا يدفع ذلك: ما يشاهد من سكون أجزاء الميت، وعدم سماعنا للسؤال له، فإن النائم ساكن بظاهره، ويدرك بباطنه من الآلام واللذات ما يحس بتأثيره عند التنبيه \" (^١)، وقال العلامة الشهرستاني:\" وما ورد به السمع من الأخبار من الأمور الغائبة، فيجب إجراؤها على ظاهرها، والإيمان بها كما جاءت، إذ لا استحالة في إثباتها، وما ورد من الأخبار عن الأمور المستقبلة في الآخرة مثل: سؤال القبر والثواب والعقاب فيه حق يجب الاعتراف بها، وإجراؤها على ظاهرها، إذ لا استحالة في وجودها \" (^٢). وهذا هو مذهب أهل الحق من الإسلاميين، كما نص عليه العلماء (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>المسألة الرابعة بعض المسائل المتعلقة بفتنة القبر</span>\nذكر العلماء في هذا الباب جملة من المسائل، بعضها يفتقر إلى شاهد يعضده وأثر يوضحه، وبعضها جرى فيها نزاع بين أهل القبلة.\nولما كانت فتنة القبر من الأمور الغيبية التي خفيت عن جملة البشر، كان لا بد حين الكلام في أخبارها وأحداثها من أدلة صحيحة، يمكن الاعتماد عليها في إثبات بعض أحكام الآخرة.\nومن المسائل التي ذكرها العلماء في هذا الشأن:\n١ - هل فتنة القبر خاصة بهذه الأمة؟\nاختلف العلماء على قولين مشهورين:\n_________\n(^١) الغزالي: قواعد العقائد: ص (٢٢١)، المتولي: الغنية في أصول الدين، المعهد الفرنسى للآثار الشرقيه ١٩٨٦ - القاهرة: ص (٥٦)\n(^٢) الشهرستاني: الملل والنحل، مؤسسة الحلبي، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (١/ ١٠٢)\n(^٣) الإيجي: المواقف، دار الجيل - بيروت، ط ١ ١٤١٧ هـ (٣/ ٥١٦)، الآمدي: غاية المرام: (١/ ٢٩٢) التفتازاني: شرح المقاصد: (٢/ ٢٢٠)","vol":"1","page":337},{"text":"الأول: أن سؤال الملكين خاص بهذه الأمة، ذكره الإمام ابن عبد البر دون جزم، فقال:\" وفي حديث زيد بن ثابت عن النبي أنه قال: «إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا»، ومنهم من يرويه «تُسأل في قبورها»، وهذا اللفظ يحتمل أن تكون هذه الأمة خصت بذلك، وهو أمر لا يقطع عليه\" (^١).\nوجزم بهذا القول الحكيم الترمذي وقال:\" كانت الأمم قبل هذه الأمة تأتيهم الرسل، فإن أطاعوا فذاك، وإن أبوا اعتزلوهم وعوجلوا بالعذاب فلما أرسل الله محمدًا رحمة للعالمين، أمسك عنهم العذاب وقَبِل الإسلام ممن أظهره، سواء أسر الكفر أو لا، فلما ماتوا قيّض الله لهم فتاني القبر ليستخرج سرهم بالسؤال، وليميز الله الخبيث من الطيب، ويثبت الله الذين آمنوا ويضل الله الظالمين \" (^٢).\nواحتجوا بحديث زيد السابق: «إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا «(^٣) وبحديث عائشة عند أحمد بلفظ: «أَمَّا فِتْنَةُ الْقَبْرِ: فَبِي تُفْتَنُونَ، وَعَنِّي تُسْأَلُونَ «(^٤).\nالثاني: أن السؤال لهذه الأمة ولغيرها، اختاره جماعة من أهل العلم منهم: الإمام عبد الحق الإشبيلي والإمام القرطبي والإمام ابن القيم.\nواحتجوا بعموم الأحاديث الدالة على سؤال منكر ونكير لكل مقبور.\nوتعقب الإمام ابن القيم ما استدل به الأولون فقال:\" قوله «إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ «: إما أن يراد به: أمة الناس، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام:٣٨]، وكل جنس من أجناس الحيوان يسمى أمة.\n_________\n(^١) ابن عبد البر: التمهيد، وزارة عموم الأوقاف - المغرب، ١٣٨٧ هـ (٢٢/ ٢٥٣).\n(^٢) ابن حجر: فتح الباري،: (٣/ ٢٤٠)، الشوكاني: نيل الأوطار: (٤/ ١١٠).\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الجنائز، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه ح (٢٨٦٧.\n(^٤) أخرجه أحمد في مسنده، في مسند عائشة ﵂ ح (٢٥٠٨٩)، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢١ هـ.","vol":"1","page":338},{"text":"وإما أن يراد به: أمته الذي بعث فيهم، فإن كان هذا هو المراد، لم يكن فيه ما ينفي سؤال غيرهم من الأمم، بل قد يكون ذكرهم، إخبارًا بأنهم مسئولون في قبورهم، وأن ذلك لا يختص بمن قبلهم، لفضل هذه الأمة وشرفها على سائر الأمم\".\nثم قال: \"والظاهر والله أعلم: أن كل نبي مع أمته كذلك، وأنهم معذبون في قبورهم بعد السؤال لهم، وإقامة الحجة عليهم، كما يعذبون في الآخرة بعد السؤال وإقامة الحجة \" (^١).\nوقال بعضهم: إن الأدلة محتملة في ذلك وليست قاطعة في الاختصاص ولذا يتوقف في هذه المسألة، وهو قول جماعة، منهم الإمام ابن عبد البر (^٢).\n٢ - هل السؤال خاص بالمسلمين والمنافقين؟ أم يشمل الكفار أيضًا؟\nاختلف العلماء في ذلك على قولين:\nالأول: أن السؤال خاص بالمسلمين والمنافقين دون الكافرين. وذهب إلى هذا القول الإمام ابن عبد البر، وقال في التمهيد:\" الآثار الثابتة في هذا الباب إنما تدل أن الفتنة في القبر، لا تكون إلا لمؤمن أو منافق، ممن كان في الدنيا منسوبًا إلى أهل القبلة ودين الإسلام ممن حقن دمه بظاهر الشهادة، وأما الكافر الجاحد المبطل، فليس ممن يُسأل عن ربه ودينه ونبيه، وإنما يُسأل عن هذا أهل الإسلام \" (^٣).\nوتأول الإمام ابن عبد البر، النصوص الواردة في عذاب القبر بأن هذا عذاب واصب للكفار إلى أن تقوم الساعة، وهذا غير الفتنة والابتلاء الذي يعرض للمؤمن، ومن الجائز أن يكون عذاب القبر غير فتنة القبر، انتصر له الإمام السيوطي (^٤).\n_________\n(^١) ابن القيم: الروح (٨٧) فتح الباري (٣/ ٢٤٥) عمدة القاري (٨/ ٢٠٥) نيل الأوطار: (٤/ ١١٠)\n(^٢) صالح الفوزان: الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد: ص (٢٧١)، ابن عبد البر: التمهيد: ٢٢/ ٢٥٣)، ابن أبي العز: شرح الطحاوية: ص (٣٩٧)، السفاريني: البحور الزاخرة: (١/ ١٨٠).\n(^٣) ابن عبد البر: التمهيد، وزارة عموم الأوقاف - المغرب، ١٣٨٧ هـ (٢٢/ ٢٥٢)\n(^٤) ابن عبد البر: التمهيد (٢٢/ ٢٥٢)، السيوطي: شرح الصدور ص (١٤٥).","vol":"1","page":339},{"text":"الثاني: أن الكل يسأل، فالسؤال عام شامل للجميع، وهو اختيار جماعة من الأئمة منهم: القرطبي وابن الجوزي وابن القيم، وهو الصحيح الذي تؤيده النصوص.\nواحتجوا بالنصوص الواردة في سؤال الملكين، وفي بعض ألفاظ الأحاديث الواردة كما في حديث أنس في الصحيحين، أن النبي - ﷺ - قال: «إِنَّ العَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ ... «وزاد البخاري: «وَأَمَّا المُنَافِقُ وَالكَافِرُ فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ «(^١).\nفالسؤال فتنة وعذاب، والكافر أحرى بذلك من المسلم، فهو من جملة المسئولين، وأولى بالسؤال من غيره، وقد أخبر سبحانه أنه يسأل الكافر يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥)﴾ [القصص:٦٥] وقال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢)﴾ [الحجر:٩٢] وقال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ [الأعراف:٦]، فإذا سئلوا يوم القيامة، فكيف لا يسألون في قبورهم (^٢).\nوترجم له الإمام البيهقي في كتابه (إثبات عذاب القبر) بباب:\" إخبار المصطفى - ﷺبأن المؤمن والكافر جميعًا يسألان، ثم يثبت المؤمن ويعذب الكافر\" (^٣).\n٣ - اختلف الناس في سؤال الملكين للمقبور، هل هو على الروح أم على البدن أم عليهما؟ إلى ثلاثة أقوال:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الجنائز، باب الميت يسمع خفق النعال ح (١٣٣٨)، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه ح (٢٨٧٠).\n(^٢) ابن القيم: الروح ص (٨٦)، مفلطابي: شرح ابن ماجه (١/ ١٥٩)، السيوطي: شروح الصدور ص ... (١٤٥).\n(^٣) البيهقي: إثبات عذاب القبر، دار الفلاقان - الأردن، ط ٢ - ١٤٠٥ هـ، ص (٣٣).","vol":"1","page":340},{"text":"الأول: أن السؤال واقع على الروح فقط، وهذا القول نصره الإمام ابن حزم وغيره، وقال:\" وأما من ظن أن الميت يحيي في قبره فخطأ، لأن الآيات التي ذكرناه تمنع من ذلك، ولو كان ذلك لكان تعالى قد أماتنا ثلاثًا، وأحيانا ثلاثًا، وهذا باطل، وخلاف القرآن، إلا من أحياه الله تعالى آية لنبي من الأنبياء\" (^١).\nوذكر الإمام ابن حزم، أنه لم يصح في خبر قط عن رسول الله - ﷺ - أن أرواح الموتى ترد إلى أجسادهم عند المسألة، ويحكى عن ابن عقيل وابن الجوزي وابن هبيرة (^٢).\nالثاني: أن السؤال واقع على الجسد فقط، وأنكره جمهور أهل السنة، وهو قول ابن الزاغوني، وحكي عن ابن جرير (^٣).\nالثالث: أن السؤال واقع على الروح والجسد، وهو قول جمهور أهل السنة وذهب إليه المحققون من أهل العلم، كالإمام ابن تيمية والإمام ابن القيم وغيرهما، وهو القول الصحيح الذي تؤيده الأدلة، وتشهد له البراهين الصحيحة.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"مع أن سائر الأحاديث الصحيحة المتواترة تدل على عود الروح إلى البدن \" (^٤)، وبعد أن ذكر الإمام ابن القيم حديث البراء بن عازب الطويل في عذاب القبر، وفيه: (فتعاد روحه في جسده) قال: \"وذهب إلى القول بموجب هذا الحديث جميع أهل السنة والحديث من سائر الطوائف \" (^٥)، ثم رد على الإمام ابن حزم في استدلاله على قوله: بأن السؤال واقع على الروح دون البدن.\n_________\n(^١) ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل، مكتبة الخانجي - القاهرة (٤/ ٥٦).\n(^٢) ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل: (٤/ ٥٧)، السيوطي: شرح الصدور: ص (١٤٧)\n(^٣) ابن قاسم: المستدرك على مجموع الفتاوى: (١/ ٩٦)، ابن القيم: الروح: ص (٥٠)، ابن أبي العز: شرح الطحاوية،، وزارة الأوقاف السعودية، ط ١ ١٤١٨ هـ، ص (٣٩٥).\n(^٤) ابن تيمية: شرح حديث النزول، المكتب الإسلامي - بيروت، ط ٥ ١٣٩٧ هـ، ص (٨٨).\n(^٥) ابن القيم: الروح دار الحديث - القاهرة، ١٤٢٤ هـ، ص (٤٣).","vol":"1","page":341},{"text":"٤ - ما يتعلق بسؤال الملكين للمقبور وإقعاده، حق ثابت في النصوص وإنما يشكل إذا حكمنا المعتاد في الدنيا، وتحكيمه بإطلاق غير صحيح لقصوره وإمكان خرق العوائد، إما بفتح القبر حتى يمكن إقعاده، أو بغير ذلك من الأمور التي لا تحيط بمعرفتها العقول، فالله جل وعلا جعل للعقول في إدراكها حدًا تنتهي إليه لا تتعداه (^١)، ولذا \"أجمع أهل السنة على وجوب الإيمان بسؤال القبر وعذابه، لآيات وأخبار متواترة المعنى\" (^٢).\n٥ - واختلف الناس في سؤال القبر، كم مرة يكون؟\nفقيل: ثلاث مرات، وقيل: المؤمن يسأل سبعة أيام، والكافر أربعين صباحًا وقيل: مرة واحدة، وهو الذي استظهره ابن عبد البر، فقال: \"والآثار المرفوعة كلها في هذا المعنى، تدل على أن الفتنة - والله أعلم - مرة واحدة\" (^٣).\n٦ - واختلف الناس في سؤال الأطفال، هل يُسألون ويمتحنون أم لا؟ على قولين مشهورين:\nالأول: أنهم يمتحنون وكذا المجنون، وهو قول أكثر أهل السنة.\nواحتجوا بما ورد من الدعاء للطفل: «اللَّهُمَّ أَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» (^٤)، قالوا: وهذا يدل على أنه يفتن.\nوكذا احتجوا بما ثبت عن أنس ﵁، أن النبي - ﷺ - صلى على صبي أو صبية، فقال: «لَوْ كَانَ نَجَا أَحَدٌ مِنْ ضَمَّةِ الْقَبْرِ لَنَجَا هَذَا الصَّبِيُّ» (^٥).\n_________\n(^١) الشاطبي: الاعتصام: (٨٤٣)،ابن رجب: تفسير ابن رجب: (١/ ٦٠٠)\n(^٢) المناوي: فيض القدير، المكتبة التجارية الكبرى - مصر، ط ١ ١٣٥٦ هـ (١/ ١٣٠).\n(^٣) ابن عبد البر: التمهيد: (٢٢/ ٢٥١)، انظر: السيوطي: شرح الصدور: ص (١٤٤)، النفراوي: الفواكه الدواني: (١/ ٩٨)، ابن حجر الهيثمي: الفتاوى الفقهية الكبرى: (٢/ ٣٠)، ابن رجب: تفسير ابن رجب: (١/ ٥٩٩)\n(^٤) أخرجه مالك في الموطأ في كتاب الجنائز: باب ما يقول المصلي على الجنازة ح (٧٧٦).\n(^٥) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط ح (٢٧٥٣)، وصححه الألباني في صحيح الجامع ح (٣٥٠٧).","vol":"1","page":342},{"text":"وقالوا: إن الله ﷾ يكمل لهم عقولهم، ليوفوا بذلك منزلتهم وسعادتهم، ويلهمون الجواب عما يسألون عنه، قال الإمام القرطبي: \"وهذا مما تقتضيه ظواهر الأخبار، فقد جاء أن القبر ينضم عليه كما ينضم على الكبار ... عن أبي هريرة ﵁، قال: إن كان ليصل على النفوس ما أن عمل خطيئة قط، فيقول: اللهم أجره من عذاب القبر\" (^١) (^٢).\nوقالوا: وقد دلت الأحاديث الكثيرة أنهم يمتحنون في الآخرة، فإذا امتحنوا في الآخرة، لم يمتنع امتحانهم في القبور.\nالثاني: أنهم لا يمتحنون ولا يسألون، وأفتى به جماعات من أهل العلم (^٣) فهم آمنون من ذلك، لأنهم غير مكلفين.\nوقالوا: إنما يكون السؤال لمن عقل الرسول والمرسل فيسأل: هل آمن بالرسول وأطاعه أم لا؟\nوأجابوا عما ورد في الأثر، بالدعاء للطفل بأن يقي عذاب القبر: بأنه ليس على ظاهره، فليس المراد بعذاب القبر فيه عقوبته ولا السؤال، بل قد يراد به الألم الذي يحصل للميت بسبب غيره، وإن لم يكن عقوبة على عمله، ففي القبر من الآلام والهموم والحسرات، ما قد يسري أثره إلى الطفل فيتألم به، فيشرع للمصلي عليه أن يسأل الله تعالى له أن يقيه ذلك العذاب (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، كتاب عليه ح (١١٥٨٧).\n(^٢) القرطبي: التذكرة، مكتبة دار المنهاج - الرياض، ط ١ ١٤٢٥ هـ، ص (١٤٣)\n(^٣) السيوطي: الحاوي للفتاوى: (٢/ ٢١٢)، عز الدين: قواعد الأحكام: (٢/ ١٦٧)\n(^٤) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (٤/ ٢٧٧ - ٢٨٠)، ابن القيم: الروح: ص (٨٧)، السيوطي: الحاوي للفتاوى: (٢/ ٢١٢)، ابن حجر الهيثمي: الفتاوى الفقهية،: (٢/ ٣١).","vol":"1","page":343},{"text":"٧ - استدل بحديث النبي - ﷺ - أنه كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ بِالتَّثْبِيتِ، فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ» (^١)، على أن وقت السؤال عقيب الدفن (^٢)، وفيه رد على أهل البدع كأبي الهذيل والمريسي القائلين: إن السؤال يقع بين النفختين (^٣).\nيقول الشيخ العثيمين في إجابة عن تساؤل:\" متى تكون هذه الفتنة؟ هل هي بخروج الروح؟ أو بتسليم الإنسان إلى عالم الآخرة؟ والجواب: الثاني أما مجرد خروج الروح، فلا يحصل به فتنة؛ لأن النبي - ﷺكان إذا أراد أن يدفن الميت يقول: «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا ..» (^٤). وهذا يدل على أنها لا تصل إلى ذلك الخير، ما دامت في أيديهم، وعلى هذا: فإذا مات ميت ووضع في الثلاجة للتحقق من موته وأسبابه، فإنه لا يفتن ولا يأتيه ملكان حتى يدفن \" (^٥).\n٨ - أن الفتنة عامة لكل ميت إلا الشهيد، ومن مات مرابطًا في سبيل الله وكذلك الرسل على الصحيح لا يسألون؛ لأنهم هم المسؤول عنهم.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود كتاب الجنائز، باب الاستغفار عند القبر للميت في وقت الانصراف ح (٣٢٢١:.\n(^٢) العيني: شرح أبي داود، مكتبة الرشد - الرياض، ط ١ ١٤٢٠ هـ (٦/ ١٧٩)\n(^٣) ابن القيم: الروح، دار الحديث - القاهرة، ١٤٢٤ هـ، ص (٥٧).\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب السرعة بالجنازة ح (١٣١٥).\n(^٥) العثيمين: شرح العقيدة السفارينية، دار الوطن - الرياض، ط ١ ١٤٢٦ هـ، ص (٤٣٢)","vol":"1","page":344},{"text":"وتتبع الأئمة رحمهم الله تعالى الأحاديث التي ورد فيها الاستثناء من فتنة القبر وسؤاله، فذكر جملة منها الإمام القرطبي في التذكرة، ثم قال:\" اعلم رحمك الله أن هذا الباب لا يعارض ما تقدم من الأبواب، بل يخصها، وبين من لا يسأل في قبره، ولا يفتن فيه ممن يجري عليه السؤال، ويقاسي تلك الأهوال، وهذا كله ليس فيه مدخل للقياس ولا مجال للنظر فيه، وإنما فيه التسليم والانقياد لقول الصادق المرسل إلى العباد - ﷺ - \" (^١).\n٩ - سؤال الملكين حق، يجب الإيمان به والاستعداد له، فمن أجاب نجا ومن تعثر خسر، يقول الإمام الرازي في حكمة سؤال الملكين: \"أن الملائكة لما طعنت في بني آدم، بعث الله إليه ملكين يسألانه عن ربه ودينه، فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، فيقول الله: انظروا إليه أخذت روحه وماله وزوجته: فماله لعدوه، وزوجته تحت غيره، ومع ذلك فهو مقر بتوحيدي وتنزيهي، لتعلموا أني أعلم ما لا تعلمون\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>المطلب الثاني عذاب القبر ونعيمه:</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - في الواسطية -:\" ومن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما أخبر به النبي - ﷺ - مما يكون بعد الموت: فيؤمنون بفتنة القبر وبعذاب القبر وبنعيمه، ثم بعد هذه الفتنة: إما نعيم وإما عذاب إلى أن تقوم القيامة الكبرى\" (^٣).\nوما قرره الإمام ابن تيمية في هذا المقام من وجوب الإيمان بعذاب القبر ونعيمه، هو الموافق والمستقر لما أجمعت عليه الأمة وتواترت على القول به وهو الموافق لظواهر النصوص الشرعية.\nوهذه الجملة من كلام الإمام ابن تيمية في هذه العقيدة تحوي جملة من المسائل، تحريرها في الآتي:\n_________\n(^١) القرطبي: التذكرة، مكتبة دار المنهاج - الرياض، ط ١ ١٤٢٥ هـ، ص (١٧١)، السيوطي: شرح الصدور، دار المعرفة - بيروت، ط ١ ١٤١٧ هـ، ص (١٤٨)، السفاريني: لوامع الأنوار، مكتبة الخافقين - دمشق، ط ٢ - ١٤٠٢ هـ (٢/ ١١)\n(^٢) المناوي: فيض القدير، المكتبة التجارية الكبرى - مصر، ط ١ ١٣٥٦ هـ (٤/ ٤٩٣)\n(^٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف: (٣/ ١٤٥٨).","vol":"1","page":345},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>المسألة الأولى: حكاية إجماع أهل السنة على وقوع عذاب القبر ونعيمه:</span>\nحكى شيخ الإسلام ابن تيمية في أكثر من موضع اتفاق أهل السنة والجماعة على الإيمان بعذاب القبر ونعيمه، فقال: العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعًا باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن وتعذب متصلة بالبدن، والبدن متصل بها (^١).\nوقال رحمه الله تعالى:\"اعلم أن مذهب سلف الأمة وأئمتها: أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب، وأن ذلك يحصل لروحه ولبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وأنها تتصل بالبدن أحيانًا، فيحصل له معها النعيم والعذاب \" (^٢).\nوتتابع العلماء على حكاية إجماع الأمة على القول بعذاب القبر، فقال الإمام أبو الحسن الأشعري: \"وأجمعوا أن عذاب القبر حق، وقال: وأجمع على ذلك الصحابة والتابعون\" (^٣).\nوقال الإيجي: \"وعذاب القبر للكافر والفاسق كلها حق عندنا، واتفق عليه سلف الأمة قبل ظهور الخلاف\" (^٤). وقال التفتازاني: \"اتفق الإسلاميون على حقية سؤال منكر ونكير في القبر، وعذاب الكفار وبعض العصاة فيه\" (^٥).\nوقال ابن أبي العز:\" وكذلك عذاب القبر يكون للنفس والبدن جميعًا باتفاق أهل السنة والجماعة\" (^٦).\nوقال المناوي: \"وقد أجمع أهل السنة على وجوب الإيمان بسؤال القبر وعذابه، لآيات وأخبار متواترة المعنى\" (^٧).\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف: (٣/ ٢٨٢).\n(^٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف: (٤/ ٢٨٢).\n(^٣) الأشعري: رسالة إلى أهل الثغر، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، ص (١٥٩)\n(^٤) الإيجي: المواقف، دار الجيل – بيروت، ط ١ ١٤١٧ هـ (٣/ ٥١٦)\n(^٥) التفتازاني: شرح المقاصد، دار الكتب العلمية – بيروت، ط ١ ١٤٢٢ هـ (٢/ ٢١٠).\n(^٦) ابن أبي العز: شرح الطحاوية، وزارة الأوقاف السعودية، ط ١ ١٤١٨ هـ، ص (٣٩٥)\n(^٧) المناوي: فيض القدير، المكتبة التجارية الكبرى – مصر، ط ١ ١٣٥٦ هـ (١/ ١٣٠)","vol":"1","page":346},{"text":"وقال الآمدي: \"وقد اتفق سلف الأمة قبل ظهور الخلاف على إثبات عذاب القبر للمجرمين والكافرين\"، وقال أبو بكر بن مجاهد:\" وأجمع أهل السنة أن عذاب القبر حق، وصرح الزاهدي بالاتفاق على عذاب القبر (^١).\nوترجم جماعة من الأئمة في مصنفاتهم في هذا الباب:\nفترجم الإمام البخاري في صحيحه فقال: \"باب ما جاء في عذاب القبر ... باب التعوذ من عذاب القبر، باب عذاب القبر من الغيبة والبول\" (^٢).\nوترجم الأئمة لصحيح الإمام مسلم: \"باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار، وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه\" (^٣).\nوكذا تتابع الأئمة من أهل التصانيف الحديثية والعقائدية على الترجمة لهذا الباب، وأن الإيمان به واجب، وحتم لازم:\nقال الإمام أبو محمد بن أبي زمنين: \"باب في الإيمان بعذاب القبر\" (^٤).\nوقال الإمام ابن البناء: \"باب الإيمان بعذاب القبر\" (^٥).\nوقال الإمام اللالكائي: \"سياق ما روي عن النبي - ﷺ - في أن المسلمين إذا دلوا في حفرتهم يسألهم منكر ونكير، وأن عذاب القبر حق والإيمان به حق\" (^٦).\nوقال الإمام البيهقي: \"باب الإيمان بعذاب القبر، نعوذ بالله من عذاب القبر ومن عذاب النار\" (^٧).\nوقد تواترت أقوال أئمة السلف ومن بعدهم على ضرورة الإيمان بعذاب القبر، وأنه حق، وردت به النصوص:\nقال الإمام أبو حنيفة: \"وعذابه حق كائن للكفار كلهم، ولبعض عصاة المؤمنين حق جائز \"،\n_________\n(^١) الألوسي: الآيات البينات، ط ٢ - ١٣٩٩، (٦)،ابن بطال: شرح صحيح البخاري: (٣/ ٣٥٨)\n(^٢) البخاري: صحيح البخاري، دار طوق النجاة، ط ١ ١٤٢٢ هـ (٢/ ٩٧ - ٩٩).\n(^٣) مسلم: صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ت: محمد فؤاد عبد الباقي (٤/ ٢١٩٩).\n(^٤) ابن أبي زمنين: أصول السنة، مكتبة الغرباء - السعودية، ط ١ ١٤١٥ هـ، ص (١٥٤).\n(^٥) ابن البناء: الرد على المبتدعة، دار الأمر الأول - الرياض، ط ٢ - ١٤٣٣ هـ، ص (١٨٠).\n(^٦) اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة، دار طيبة - السعودية، ط ٨ ١٤٢٣ هـ (٦/ ١١٩٩).\n(^٧) البيهقي: الاعتقاد، دار الآفاق الجديدة - بيروت، ط ١ ١٤٠١ هـ، ص (١٧٧)","vol":"1","page":347},{"text":"وسأله ابن حماد عن عذاب القبر أحق هو؟ فقال: هو حق، أتت به السنة وجاءت به الآثار \" (^١).\nوقال الإمام أبو بكر الجرجاني في اعتقاد أئمة الحديث: \"ويقولون إن عذاب القبر حق، يعذب الله من استحقه إن شاء، وإن شاء عفا عنه \" (^٢).\nوقال الإمام عبد الغني المقدسي: \"والإيمان بعذاب القبر حق واجب وفرض لازم\". وقال الإمام القرطبي: والإيمان بعذاب القبر وفتنته واجب والتصديق به لازم \" (^٣).\n\"وقال الإمام المروزي: قال أبو عبد الله: عذاب القبر حق، لا ينكره إلا ضالّ مضلّ\" (^٤).\nوقال الإمام النووي:\" ومذهب أهل الحق: إثبات عذاب القبر للكفار ... ولمن شاء من العصاة\" (^٥).\nوقال الإمام ابن الجوزي: \" واعلم أن الإيمان بعذاب القبر واجب للأحاديث الواردة فيه\" (^٦).\nوقال الإمام الشافعي: \"وإن عذاب القبر حق \"، وقال الإمام ابن حزم: وأن عذاب القبر حق\" (^٧).\nفعذاب القبر حق، يجب الإيمان به وإن جهلنا معناه، فإنه لا يُطلع على حقيقة ذلك، ومتى ضاقت الحيل في كشف المشكلات للإحساس، لم يبق إلا التسليم.\nقال العلامة العيني:\" عذاب القبر حق، يجب الإيمان به والتسليم له\" (^٨).\n_________\n(^١) أبو حنيفة: الفقه الأكبر: ص (٦٥)، علاء الدين البخاري: كشف الأسرار: (١/ ١١).\n(^٢) الجرجاني: اعتقاد أئمة الحديث، دار العاصمة - الرياض، ط ١ ١٤١٢ هـ، ص (٦٩).\n(^٣) عبد الغني المقدسي: الاقتصاد في الاعتقاد:، ص (١٧٢)، القرطبي: التذكرة: ص (١٤٣) ١٣٧\n(^٤) ابن القيم: الروح، دار الحديث - القاهرة، ١٤٢٤ هـ، ص (٥٧).\n(^٥) النووي: المجموع شرح المهذب، دار إحياء التراث - بيروت، ط ١ (٥/ ٣٢٣).\n(^٦) ابن الجوزي: كشف المشكل: (٢/ ٨٤، ٣/ ٣٨٣)\n(^٧) البيهقي: مناقب الشافعي: (١/ ٤١٥)، الخميس: اعتقاد الأئمة: (٥٠)، ابن حزم::، (١/ ٤١)\n(^٨) ابن الجوزي: كشف المشكل: (٣/ ٣٨٣)، العيني: عمدة القاري: (٣/ ١١٨).","vol":"1","page":348},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>المسألة الثانية تواتر النصوص الشرعية في إثبات عذاب القبر:</span>\nتكاثرت النصوص واستفاضت في الحديث عن عذاب القبر ونعيمه، حتى بلغت حد التواتر المعنوي، ولذا يقول الإمام ابن عبد البر: \"والآثار في ... عذاب القبر لا يحوط بها كتاب\" (^١).\nوقد روى أحاديث عذاب القبر عن رسول الله - ﷺ - جملة من أصحاب النبي - ﷺ - فرواه عن رسول الله - ﷺ -: \" علي بن أبي طالب، وأبو أيوب، وزيد بن ثابت، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، وأبو بكرة، وأبو رافع، وعثمان بن أبي العاص، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وعائشة زوج النبي - ﷺ - وأختها أسماء، وغيرهم\" (^٢)، ﵃ وأرضاهم.\nوقد نص على تواتر أحاديث عذاب القبر واستفاضتها وشهرتها جماعة من أهل العلم، يقول الإمام ابن تيمية:\" فأما أحاديث عذاب القبر فكثيرة متواترة عن النبي - ﷺ - \" (^٣).\nويقول الإمام أبو الحسن الأشعري: \"وقد روي عن النبي - ﷺ -، من وجوه كثيرة، وروي عن أصحابه، ﵃ أجمعين، وما روي عن أحد منهم أنه أنكره ونفاه وجحده، فوجب أن يكون إجماعًا من أصحاب النبي - ﷺ - \" (^٤).\nويقول الإيجي: \"والأحاديث الدالة عليه أكثر من أن تحصى، بحيث تواتر القدر المشترك\" (^٥).\nوقال حنبل: \"قلت لأبي عبد الله في عذاب القبر، فقال: هذه أحاديث صحاح، نؤمن بها. ونقر بها، كلما جاء عن النبي - ﷺ -، إسناد جيد، أقررنا به \" (^٦).\n_________\n(^١) ابن عبد البر: التمهيد، وزارة عموم الأوقاف – المغرب، ١٣٨٧ هـ (٢٢/ ٢٥١).\n(^٢) عبد الغني المقدسي: الاقتصاد في الاعتقاد: ص (١٧٢).\n(^٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (٤/ ٢٨٥)، ابن تيمية: الجواب الصحيح: ص (٦/ ٣٧٢)\n(^٤) الأشعري: الإبانة، دار الأنصار – القاهرة، ط ١ ١٣٩٧ هـ، ص (٢٤٧).\n(^٥) الإيجي: المواقف، دار الجيل – بيروت، ط ١ ١٤١٧ هـ (٣/ ٥١٧)\n(^٦) ابن القيم: الروح، دار الحديث – القاهرة، ١٤٢٤ هـ، ص (٥٧).","vol":"1","page":349},{"text":"ويقول العلامة ابن أبي العز: \"وقد تواترت الأخبار عن رسول الله - ﷺفي ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلًا \" (^١)، ويقول الإمام أبو حيان:\" والأحاديث الصحيحة قد استفاضت بعذاب القبر، فوجب القول به واعتقاده\" (^٢).\nويقول الإمام ابن القيم: \"والأحاديث في عذاب القبر تكاد تبلغ حد التواتر\" (^٣).\nويقول الإمام ابن الملقن: \"وهو مما نقلته الأمة تواترًا \" (^٤).\nويقول الإمام الشوكاني: \"وقد جاءت الأحاديث المتواترة بإثباته \".\nويقول الإمام أبو المظفر الإسفراييني:\" وفي عذاب القبر قد بلغت الأخبار حد التواتر في المعنى، وإن كان كل واحد منها لم تبلغ حد التواتر في اللفظ\" (^٥).\nوهذه النقول كلها تدل على أحقية مذهب أهل السنة في إثبات عذاب القبر الذي تظاهرت عليه وتظافرت فيه نصوص ودلائل الكتاب والسنة، ولم يمتنع في العقل أن يعيد الله تعالى الحياة في جزء من الجسد ويعذبه، وإذا لم يمتنع عقلًا، وورد به الشرع، وجب قبوله والتسليم به (^٦).\nيقول العلامة الدماميني: \"وقد كثرت الأحاديث فيه، حتى قال غير واحد: إنها متواترة لا يصح عليها التواطؤ وإن لم يصح مثلها، لم يصح شيء من أمر الدين \" (^٧).\n_________\n(^١) ابن أبي العز: شرح الطحاوية، وزارة الأوقاف السعودية، ط ١ ١٤١٨ هـ، ص (٣٩٥).\n(^٢) أبو حيان: البحر المحيط، دار الفكر – بيروت، ١٤٢٠ هـ (١/ ٢١١).\n(^٣) ابن القيم: التفسير القيم، دار ومكتبة الهلال – بيروت، ط ١ ١٤١٠ هـ ص (٣٧٦).\n(^٤) ابن الملقن: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، دار العاصمة – الرايض، ط ١ ١٤٢١ هـ (١/ ٥١٦).\n(^٥) الشوكاني: نيل الأوطار: (١/ ١٢١)، الإسفراييني: التبصير في الدين: ص (٦٧)\n(^٦) العراقي: طرح التثريب، مكتبة الباز – مكة، ط ١ ١٤٢٤ هـ (٣/ ٣٠٦).\n(^٧) ابن بطال: شرح صحيح البخاري: (٣/ ٣٦٣)، المناوي: فيض القدير: (٢/ ٣٩٧)، ابن القيم: مختصر الصواعق المرسلة: ص (٥٤٨).","vol":"1","page":350},{"text":"والأحاديث الواردة في عذاب القبر صحيحة لا مطعن فيها، يقول الإمام عبد الحق الإشبيلي: \" وقد صحت الأحاديث عن النبي - ﷺ - في عذاب القبر على الجملة، ولا مطعن فيها، ولا معارض لها\" (^١).\n\"فالأحاديث الصحاح هنا بالغة إلى حد التواتر المعنوي \" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>المسألة الثالثة أدلة إثبات عذاب القبر</span>\nاجتمعت كل الدلائل السمعية على إثبات عذاب القبر، فدلت نصوص الكتاب والسنة على إثباته، وقد أورد بعض الأئمة تساؤلًا، وأجابوا عنه مفاده: ما الحكمة في عدم التصريح بذكر عذاب القبر في القرآن، مع شدة الحاجة إلى معرفته والإيمان به، ليحذر وليتقى؟\nوالجواب: أن القرآن مليء بالأدلة المثبتة لعذاب القبر، بعضها صريح والآخر ضمني، وإذا نظرت في الأحاديث الواردة في عذاب القبر ونعيمه ... وجدتها تفصيلًا وتفسيرًا لما دل عليه القرآن.\nيقول القاضي أبو بكر بن الطيب وغيره:\" قد ورد القرآن بتصديق الأخبار الواردة في عذاب القبر\".\n\"وقال قتادة: عذاب القبر في القرآن\" (^٣)، ويقول الإمام ابن رجب: \"وقد دل القرآن على عذاب القبر في مواضع آخر \" (^٤)، ويقول الإمام السيوطي عن عذاب القبر: \"وقع ذكره في القرآن في عدة أماكن كما بينته في الإكليل في استنباط التنزيل\" (^٥).\nومن الأدلة القرآنية التي استدل بها أهل السنة في إثبات عذاب القبر:\n١ - قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر:٤٦].\n_________\n(^١) عبد الحق الإشبيلي: العاقبة في ذكر الموت، مكتبة دار الأقصى - الكويت، ط ١ ١٤٠٦ هـ، ص (٢٤٥).\n(^٢) محمد الخادمي: بريقة محمودية، مطبعة الحلبي، ١٣٤٨ هـ (١/ ١٧٤).\n(^٣) انظر: ابن القيم:: ص (٥٧)، ابن الملقن: التوضيح لشرح الجامع الصحيح: (١٠/ ١٥٤)، السمرقندي: بحر العلوم: (٣/ ٣٥٦)\n(^٤) ابن رجب: تفسير ابن رجب: (٢/ ٣٥٥)، ابن رجب: أهوال القبور: ص (٤٥)\n(^٥) السيوطي: شرح الصدور، دار المعرفة - بيروت، ط ١ ١٤١٧ هـ، ص (١٦١).","vol":"1","page":351},{"text":"أكثر المفسرين على أن هذا في القبر، لأن العرض إنما يكون في القبر (^١)، وإذا ثبت في حق هؤلاء، ثبت في حق غيرهم، لأنه لا قائل بالفرق (^٢).\nوثبت هذا التفسير عن جماعة من السلف منهم: مجاهد وعكرمة ومقاتل ومحمد بن كعب، كلهم قال: هذه الآية تدل على عذاب القبر في الدنيا (^٣) ... قال أبو البركات النسفي:\" وهذا الآية دليل على عذاب القبر \" (^٤).\nوقال الإمام ابن كثير:\" وهذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور\" (^٥).\nوقال العلامة البقاعي: \"وهذه الآية نص في عذاب القبر، كما نقل عن عكرمة ومحمد بن كعب\" (^٦).\n\nوقال العلامة الكرماني في هذه الآية أنها:\"أدل دليل على عذاب القبر، لأن المعطوف غير المعطوف عليه \" (^٧).\nوقال الإمام ابن القيم عن الآية:\" فذكر عذاب الدارين، ذكرًا صريحًا لا يحتمل غيره\" (^٨).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: (٥/ ٣٢)، القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: (١٥/ ٣١٨)، ابن البناء: الرد على المبتدعة: ص (١٨٤)\n(^٢) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٢٧/ ٥٢١).\n(^٣) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط ٢ - ١٣٨٤ هـ، (١٥/ ٣١٨)\n(^٤) النسفي: مدارك التنزيل، دار الكلم الطيب - بيروت، ط ١ ١٤١٩ هـ (٣/ ٢٤١).\n(^٥) ابن كثير: تفسر القرآن العظيم، دار طيبة للنشر والتوزيع، ت: سامي سلامة (٧/ ١٤٦).\n(^٦) البقاعي: نظم الدرر، دار الكتاب الإسلامي - القاهرة، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (١٧/ ٨٢).\n(^٧) السيوطي: الإكليل، دار الكتب العلمية - بيروت، ١٤٠١ هـ، ص (٢٢٦).\n(^٨) ابن القيم: الروح، دار الحديث - القاهرة، ١٤٢٤ هـ، ص (٧٥).","vol":"1","page":352},{"text":"٢ - وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٧)﴾ [الطور:٤٧]، قال ابن عباس: ﵄: إن عذاب القبر في القرآن، ثم تلا: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٧)﴾، وهو مروي عن البراء بن عازب وعلي أيضًا ﵁ (^١).\n٣ - وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه:١٢٤]، قال أبو سعيد الخدري ﵁، في قوله تعالى: ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾: عذاب القبر، وهو المروي أيضًا عن أبي هريرة وابن مسعود ﵄، وهو قول جماعة من أهل التفسير كأبي صالح والسدي (^٢)، ورجحه الإمام الطبري فقال:\" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: هو عذاب القبر\" (^٣)، وصحح هذا القول الإمام القرطبي، وقال مجاهد في تفسيره:\" ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾: ضيّقه يضيّق عليه قبره \" (^٤).\nوجاء في حديث مرفوع إلى النبي - ﷺ -: أنه فسر فيه المعيشة الضنك، بعذاب القبر، وجوّد إسناده الإمام ابن كثير في تفسيره (^٥).\nولذا قال الإمام ابن القيم في قوله تعالى ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾: \"فسره غير واحد من السلف بعذاب القبر، وجعلوا هذه الآية أحد الأدلة على عذاب القبر \" (^٦).\n_________\n(^١) الطبري: جامع البيان ت: أحمد محمد شاكر، ص (٢٢/ ٤٨٧)، عبد الرزاق: تفسير عبد (٣/ ٢٤٧)\n(^٢) الطبري: جامع البيان: ص (١٨/ ٣٩٣)، السمعاني: تفسير السمعاني (٣/ ٣٦١).\n(^٣) الطبري: جامع البيان: ص (١٨/ ٣٩٤)، القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: (١١/ ٢٥٩).\n(^٤) مجاهد: تفسير مجاهد \"، ت: د. محمد أبو النيل، ص (٤٦٧).\n(^٥) ابن كثير: تفسير القرآن: (٥/ ٣٢٤)، البيهقي: إثبات عذاب القبر:،ص (٥٩).\n(^٦) ابن القيم: التفسير القيم، دار ومكتبة الهلال – بيروت، ط ١ ١٤١٠ هـ ص (٣٧٥).","vol":"1","page":353},{"text":"٤ - وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣)﴾ [الأنعام:٩٣].\nفقول الملائكة: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ): المراد به: عذاب البرزخ الذي أوله يوم القبض والموت (^١). ولو تأخر عنهم ذلك إلى انقضاء الدنيا، لما صح أن يقال لهم ﴿اليوم تجزون﴾ (^٢).\n٥ - وقوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١)﴾ [التوبة:١٠١].\nقوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ أي: سنعذب هؤلاء المنافقين مرتين إحداهما في الدنيا، والأخرى في القبر وهو المروي عن ابن عباس ﵄، وقتادة (^٣)، وروي عن مجاهد (^٤)، وروي عن الحسن وابن زيد (^٥). وقال الإمام الطبري: \"والأغلب في إحدى المرتين، أنها في القبر\" (^٦).\n_________\n(^١) ابن القيم: التفسير القيم، دار ومكتبة الهلال – بيروت، ط ١ ١٤١٠ هـ ص (٣٧٦).\n(^٢) ابن القيم: الروح، دار الحديث – القاهرة، ١٤٢٤ هـ، ص (٧٥).\n(^٣) ابن أبي حاتم: تفسير ابن أبي حاتم، مكتبة الباز –مكة المكرمة، ط ٣ ١٤١٩ هـ (٦/ ١٨٧٠)\n(^٤) البغوي: معالم التنزيل: (٢/ ٣٨٣)، ابن الجوزي: زاد المسير ت: عبدالرزاق المهدي، ص (٢/ ٢٩٣)\n(^٥) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن:٨/ ٤٢١)، ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: (٤/ ٢٠٥).\n(^٦) الطبري: جامع البيان، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ت: أحمد محمد شاكر، ص (١٤/ ٤٤٥)","vol":"1","page":354},{"text":"٦ - وقوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١)﴾ [السجدة:٢١].\nاستدل بعض السلف بهذه الآية على إثبات عذاب القبر، وممن استدل بها على ذلك: ابن عباس والبراء بن عازب، وأبو عبيدة – ﵃ – وروي عن مجاهد، قالوا: العذاب الأدنى هو عذاب القبر (^١).\n٧ - وقوله تعالى: ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء:٧٥]\nاستدل بعض العلماء بهذه الآية كذلك على إثبات عذاب القبر، وهو المروي عن عطاء والحسن بن أبي الحسن، قال العلامة النسفي في معنى الآية:\" لأذقناك عذاب الآخرة، وعذاب القبر مضاعفين\" (^٢).\nقال العلامة الزمخشري: \"فإن قلت: كيف حقيقة الكلام؟ قلت: أصله لأذقناك عذاب الحياة وعذاب الممات، لأن العذاب عذابان: عذاب في الممات وهو عذاب القبر، وعذاب في حياة الآخرة وهو عذاب النار \" (^٣).\nوالعذاب المضاعف في الآية: إما أن يراد به: العذاب المضاعف في القبر، أو العذاب المضاعف في الآخرة بعد البعث، وهي أقوال لأهل التفسير، والآية تشمل الجميع، كما قاله العلامة الأمين الشنقيطي (^٤).\n٨ - وقوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١)﴾ [غافر:١١].\n_________\n(^١) ابن القيم:: ص (٧٥)، الطبري: جامع: ت: أحمد محمد شاكر، ص (٢٠/ ١٩١)\n(^٢) النسفي: مدارك التنزيل: (٢/ ٢٧١)، أبو السعود: إرشاد العقل السليم: (٥/ ١٨٨)، البيهقي: إثبات عذاب القبر: ص (٨٠ - ٨١).\n(^٣) الزمخشري: الكشاف، دار ابن خزيمة – الرياض، ط ١ ١٤١٤ هـ (٢/ ٦٨٤)\n(^٤) الأمين الشنقيطي: أضواء البيان، دار الفكر – بيروت، ١٤١٥ هـ (٣/ ١٧٩)","vol":"1","page":355},{"text":"يقول الإمام الرازي: \"احتج أكثر العلماء بهذه الآية في إثبات عذاب القبر وتقرير الدليل: أنهم أثبتوا لأنفسهم موتتين، حيث قالوا: ربنا آمتنا اثنتين فأحد الموتتين مشاهد في الدنيا، فلا بدّ من إثبات حياة أخرى في القبر، حتى يصير الموت الذي يحصل عقبها موتًا ثانيًا، وذلك يدل على حصول حياة في القبر\" (^١).\n٩ - وقوله تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٥)﴾ [المجادلة:١٥]. والمراد منه عند بعض المحققين: عذاب القبر (^٢)، وقال بعضهم: أعد لهم عذابًا شديدًا في جهنم، وهو الدرك الأسفل (^٣)، قال ابن الخطيب:\" لأنا إذا حملنا هذا على عذاب القبر، وحملنا قوله جل ذكره: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٦)﴾ [المجادلة:١٦] على عذاب الآخرة، لا يلزم منه تكرار\" (^٤).\n١٠ - وقوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾ [التكاثر: ١ - ٢]. قال الإمام الطبري في معنى هذه الآية: \"يعني: حتى صرتم إلى المقابر فدفنتم فيها، وفي هذا دليل على صحة القول بعذاب القبر، لأن الله تعالى ذكره، أخبر عن هؤلاء القوم الذين ألهاهم التكاثر، أنهم سيعلمون ما يلقون إذا هم زاروا القبور، وعيدًا منه لهم وتهديدًا\" (^٥).\n_________\n(^١) الرازي: مفاتيح الغيب،، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٢٧/ ٤٩٤).\n(^٢) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٢٩/ ٤٩٧).\n(^٣) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط ٢ - ١٣٨٤ هـ، (١٧/ ٣٠٤).\n(^٤) أبو حيان: البحر المحيط، دار الفكر - بيروت، ١٤٢٠ هـ، ت: صدقي جميل، ص (١٠/ ٥٥٣)\n(^٥) الطبري: جامع البيان، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ت: أحمد محمد شاكر، ص (٢٤/ ٥٨٠)","vol":"1","page":356},{"text":"قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: \"كنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ (^١)، قال الإمام الطحاوي عن هذا الأثر: \"فكان هذا الحديث فيه إثبات عذاب القبر\" (^٢).\nهذه جملة من الأدلة القرآنية التي تثبت عذاب القبر، وغيرها كثير في القرآن الكريم كلها تصب في معين واحد، وتدل على أمرين:\nالأول: أن القرآن الكريم حافل بالكثير من الأدلة الصريحة أو الضمنية على إثبات عذاب القبر.\nالثاني: أن عذاب القبر حق لا ريب فيه ولا شك، ومتى ثبت عذاب القبر وجب القول بثواب القبر أيضًا، لأن العذاب حق الله تعالى على العبد والثواب حق للعبد على الله تعالى (^٣).\nأما الأدلة الواردة في السنة المطهرة المثبتة لعذاب القبر، فهي كثيرة مستفيضة ومنها:\n- ما أخرج الإمام البخاري: عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ يَهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا، فَذَكَرَتْ عَذَابَ القَبْرِ، فَقَالَتْ لَهَا: أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺعَنْ عَذَابِ القَبْرِ، فَقَالَ: «نَعَمْ، عَذَابُ القَبْرِ» قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - بَعْدُ صَلَّى صَلَاةً إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ زَادَ غُنْدَرٌ: «عَذَابُ القَبْرِ حَقٌّ» (^٤).\n_________\n(^١) ابن أبي عاصم: السنة، المكتب الإسلامي – بيروت، ط ١ ١٤٠٠ هـ، (٢/ ٤٢٤)\n(^٢) الطحاوي: شرح مشكل الآثار، مؤسسة الرسالة – ط ١ ١٤١٥ هـ (١٣/ ١٧٦)\n(^٣) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي – بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٤/ ١٢٦).\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر ح (١٣٧٢).","vol":"1","page":357},{"text":"- وفي الصحيحين: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ - ﷺ - بِحَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ المَدِينَةِ، أَوْ مَكَّةَ، فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ» ثُمَّ قَالَ: «بَلَى، كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ» (^١).\nقال الإمام الخطابي: \"وفيه إثبات عذاب القبر\" (^٢).\nوقال الإمام تاج الدين الفاكهاني: \"فيه نص صريح على إثبات عذاب القبر - أجارنا الله منه - كما هو مذهب أهل السنة، وقد اشتهرت الأخبار بذلك\" (^٣).\nوقال الإمام ابن بطال:\" أن عذاب القبر حق يجب الإيمان به والتسليم له وهو مذهب أهل السنة\" (^٤).\n- وفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله - ﷺ - قال: ... «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء: ح (٢١٦)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه ح (٢٩٢).\n(^٢) الخطابي: معالم السنن، المطبعة العلمية - حلب، ط ١ ١٣٥١ هـ، (١/ ١٩)\n(^٣) الفاكهاني: رياض الأفهام، دار النوادر -دمشق، ط ١ ١٤٣١ هـ (١/ ٢٣٢)\n(^٤) ابن بطال: شرح صحيح البخاري، مكتبة الرشد - الرياض، ط ٢ - ١٤٢٣ هـ (١/ ٣٢٤)\n(^٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز: ح (١٣٧٩)،وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه ح (٢٨٦٦).","vol":"1","page":358},{"text":"قال الإمام العراقي عن هذا الحديث:\" فيه إثبات عذاب القبر، لأن عرض مقعده من النار عليه، نوع عظيم من العذاب، وهو مذهب أهل السنة، وقد تظاهرت عليه أدلة الكتاب والسنة، ولا يمتنع في العقل \" (^١).\n- وفي الصحيحين: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوزَانِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ المَدِينَةِ، فَقَالَتَا لِي: إِنَّ أَهْلَ القُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ فَكَذَّبْتُهُمَا وَلَمْ أُنْعِمْ أَنْ أُصَدِّقَهُمَا، فَخَرَجَتَا، وَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عَجُوزَيْنِ، وَذَكَرْتُ لَهُ، فَقَالَ: «صَدَقَتَا، إِنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عَذَابًا تَسْمَعُهُ البَهَائِمُ كُلُّهَا» فَمَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ فِي صَلَاةٍ إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ (^٢).\nولما ذكر الإمام ابن القيم، حديث البراء بن عازب الطويل، والذي فيه وصف لحال المقبور في قبره، قال: \"هذا حديث ثابت مشهور مستفيض صححه جماعة من الحفاظ، ولا نعلم أحدًا من أئمة الحديث طعن فيه، بل رووه في كتبهم، وتلقوه بالقبول، وجعلوه أصلًا من أصول الدين في عذاب القبر ونعيمه\" (^٣).\nوكما ثبت عذاب القبر بنصوص الكتاب والسنة، فهو كذلك جائز بالعقل يقول الإمام ابن قتيبة: \"إنه إذا جاز في المعقول وصح في النظر، وبالكتاب والخبر أن الله تعالى يبعث من في القبور، بعد أن تكون الأجساد قد بليت والعظام قد رمت، جاز أيضًا في المعقول، وصح في النظر، وبالكتاب والخبر أنهم يعذبون بعد الممات في البرزخ\" (^٤).\n_________\n(^١) العراقي: طرح التثريب، مكتبة الباز - مكة، ط ١ ١٤٢٤ هـ (٣/ ٣٠٦).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب التعوذ من عذاب القبر ح (٦٣٦٦)، وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب المساجد باب التعوذ بالله من عذاب القبر ح (٥٨٦).\n(^٣) ابن القيم: الروح، دار الحديث - القاهرة، ١٤٢٤ هـ، ص (٤٨).\n(^٤) ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث، المكتب الإسلامي، ط ٢ - ١٤١٩ هـ، ص (٢٢٧).","vol":"1","page":359},{"text":"ويقول الإمام المتولي: \"عذاب القبر ومساءلة منكر ونكير حق ثابت، والدليل عليه: أن العذاب والفتن في القبر ليس مما يستحيل عقلًا، وورد به السمع، فلا بد من إثباته \" (^١). وعذاب القبر يمكن في نفسه (^٢)، ولو كان يستحيل ما تعوذ منه ﵊ (^٣)، ولا يمتنع في العقل أن يعيد الله تعالى الحياة في جزء من الجسد ويعذبه، وإذا لم يمنعه العقل وورد به الشرع، وجب قبوله (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>المسألة الرابعة المنكرون لعذاب القبر</span>\nالمنكرون لعذاب القبر أصناف متفاوتون، فمنهم من ينكره مطلقًا، ومنهم من ينكر وقوعه على البدن، ومنهم من ينكر وقوعه على الروح، ومنهم من قال بوقوعه على الكافرين دون المؤمنين.\n١ - المنكرون لعذاب القبر ونعيمه مطلقًا:\nونسب هذا القول إلى ملاحدة الفلاسفة والخوارج والجهمية أتباع الجهم بن صفوان، وبعض المعتزلة وبعض المرجئة.\nيقول الإمام القرطبي:\" أنكرت الملاحدة ومن تمذهب من الإسلاميين بمذهب الفلاسفة: عذاب القبر، وأنه ليس له حقيقة\" (^٥). ويقول الإمام أبو الحسن الأشعري:\"واختلفوا في عذاب القبر: فمنهم من نفاه، ومنهم المعتزلة والخوارج\" (^٦).\nوقال العلامة الملطي:\" وأنكر جهم عذاب القبر ومنكرًا ونكيرًا، وقال: أليس يقول: (لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى) \" (^٧).\n_________\n(^١) المتولي: الغنية في أصول الدين، المعهد الفرنسى للآثار الشرقيه، ١٩٨٦ - القاهرة، ص (٥٦)\n(^٢) الغزالي: قواعد: ص (٢٢٠)، الآمدي: غاية المرام: (١/ ٣٠١)\n(^٣) ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث: ص (٣٨٩)، ابن بطال: شرح صحيح البخاري: (٣/ ٣٦٤)\n(^٤) العراقي: طرح التثريب، مكتبة الباز - مكة، ط ١ ١٤٢٤ هـ (٣/ ٣٠٦).\n(^٥) القرطبي: التذكرة، دار المنهاج - الرياض، ط ١ ١٤١٥ هـ، ص (١٣٩)\n(^٦) أبو الحسن الأشعري: مقالات الإسلاميين: ص (٢/ ٣١٨)، أبو الحسن الأشعري، الإبانة ص (٢٤٧)\n(^٧) الملطي: التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع: ص (١٢٤ - ٩٩)","vol":"1","page":360},{"text":"وقال الإمام ابن حزم:\" ذهب ضرار بن عمرو الغطفاني، أحد شيوخ المعتزلة، إلى إنكار عذاب القبر، وهو قول من لقينا من الخوارج\" (^١).\nويقول الإمام العراقي:\" وقد خالف في ذلك الخوارج ومعظم المعتزلة وبعض المرجئة، ونفوا ذلك\"، وقال الإمام ابن القيم: \"وأنكر جماعة منهم عذاب القبر رأسًا، مثل: ضرار بن عمرو، ويحيى بن كامل، وهو قول المريسي\" (^٢).\nوقال الإمام ابن الملقن:\" وأما الباقون من المعتزلة مثل: ضرار بن عمرو وبشر المريسي ويحيى بن أبي كامل وغيرهم، فإنهم أنكروا عذاب القبر أصلًا. وإلى الإنكار أيضًا ذهبت الخوارج وبعض المرجئة \" (^٣).\nإن القول بإنكار عذاب القبر مشهور عن جماعة، منهم من ذكرنا، إلا أنه يشار في هذا المقام إلى أن نسبة الإنكار إلى عموم المعتزلة، فيه نظر، فإن القاضي عبد الجبار المعتزلي قال:\" إنما أنكر ذلك أولًا: ضرار بن عمرو، ولما كان من أصحاب واصل، ظُن ذلك مما أنكرته المعتزلة، وليس الأمر كذلك ... بل المعتزلة رجلان: أحدهما: يجوّز ذلك كما وردت به الأخبار، والثاني: يقطع بذلك، وأكثر شيوخنا يقطعون بذلك \" (^٤).\nوأكد ذلك جماعة من أهل العلم، فقال الإمام ابن حزم:\" وذهب أهل السنة وبشر بن المعتمر والجبائي وسائر المعتزلة إلى القول به، وبه نقول؛ لصحة الآثار عن رسول الله - ﷺ -\" (^٥).\n_________\n(^١) ابن حزم: الفِصل: (٤/ ٥٦)، الرازي: اعتقاد فرق المسلمين: (٦٩).\n(^٢) العراقي: طرح التثريب: (٣/ ٣٠)، ابن القيم: الروح:، ص (٥٨).\n(^٣) ابن الملقن: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، دار العاصمة – الرياض، ط ١ ١٤٢١ هـ (١/ ٥١٦).\n(^٤) ابن الملقن: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، دار العاصمة – الرياض، ط ١ ١٤٢١ هـ (١/ ٥١٦).\n(^٥) ابن حزم: الفِصل، مكتبة الخانجي – القاهرة، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٤/ ٥٦).","vol":"1","page":361},{"text":"وقد وقع إنكار شديد على المعتزلة، بناء على ماسُطر، على أنهم تتابعوا على القول بإنكاره، والحق ما ذكره علمائهم، وأيده علماء أهل السنة، يقول الحافظ ابن حجر بعد حكاية أقوال المنكرين لعذاب القبر:\" وخالفهم في ذلك أكثر المعتزلة وجميع أهل السنة وغيرهم \" (^١).\nولذا حكى العلامة ابن حجر الهيثمي: أنه وقع لسني أنه صلى على معتزلي فقال في دعائه: اللهم أذقه عذاب القبر، فإن كان لا يؤمن به، ويبالغ في نفسه ويُخطئ مثبته (^٢).\nفهذا وأمثاله مبني على ما سبق الإشارة إليه، من تعميم بأن الإنكار لعذاب القبر هو منهج المعتزلة، ومن هنا قال العلامة مغلطاي بعد أن أشار إلى نسبة القول بالإنكار إلى عموم المعتزلة:\" كذا رأيت جماعة من العلماء ذكروا عند كلامهم على هذا الحديث وشبهه، ويشبه أن يكون ذلك وهمًا منهم على المعتزلة، لما ذكره القاضي عبد الجبار له عن المعتزلة\".\nوقال العلامة التفتازاني:\" وإنما نسب إلى المعتزلة وهم براء منه؛ لمخالطة ضرار إياهم، وتبعه قوم من السفهاء المعاندين للحق\" (^٣).\n٢ - المنكرون لوقوع عذاب القبر على البدن:\nوهؤلاء ذهبوا إلى أن عذاب القبر يقع على النفس فقط، بناء على أنه ليس في البرزخ عذاب ولا نعيم، وهو المنقول عن ابن ميسرة وابن حزم (^٤).\nويقول الإمام ابن تيمية:\" وهذا تقوله الفلاسفة المنكرون لمعاد الأبدان وهؤلاء كفار بإجماع المسلمين، ويقوله كثير من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم، الذين يقولون: لا يكون ذلك في البرزخ، وإنما يكون عند القيام من القبور \" (^٥).\n_________\n(^١) ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ هـ (٣/ ٢٣٣).\n(^٢) العظيم آبادي: عون المعبود، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ٢ - ١٤١٥ هـ (٣/ ١٩٣).\n(^٣) مغلطاي: شرح سنن ابن ماجه (١/ ١٥٩)، التفتازاني: شرح المقاصد (٢/ ٢٢٠).\n(^٤) ابن تيمية: مجموع الفتاوى (٥/ ٥٢٥)\n(^٥) ابن تيمية: مجموع الفتاوى (٤/ ٢٨٣)","vol":"1","page":362},{"text":"وهذا القول باطل، فقد ورد في الأحاديث الصحيحة وقوع العذاب على الجسد، \"ومما يدل على وقوع العذاب على الأجساد، الأحاديث الكثيرة في تضييق القبر على الميت، حتى تختلف أضلاعه، ولأنه لو كان العذاب على الروح خاصة، لم يختص العذاب بالقبر، ولم ينسب إليه\" (^١).\n٣ - المنكرون لوقوع عذاب القبر على الروح:\nوهؤلاء ذهبوا إلى أن عذاب القبر يقع على البدن فقط، كأنه ليس عنده نفس تفارق البدن، وهو قول طائفة من المعتزلة والأشعرية (^٢). وهذا قول باطل \"والحق أن الميت المعذب في قبره توضع فيه الحياة بقدر ما يحس بالألم\" (^٣).\nوذهب جماعة إلى جواز التعذيب على الموتى من غير إحياء؛ لأنها ليست شرطًا للإدراك، وهو المنقول عن الصالحي من المعتزلة، وابن جرير الطبري وطائفة من الكرامية، وقاله طائفة من أهل الحديث، وذكره ابن الزاغوني، وهذا القول خروج عن المعقول؛ لأن الجماد لا حس له، فكيف يتصور تعذيب.\nوذهب ابن الراوندي إلى أن الحياة موجودة في كل ميت، لأن الموت ليس ضدا للحياة، بل هو آفة كليه معجزة عن الأفعال الاختيارية، غير منافية للعلم. وهذا باطل لا يوافق أصول أهل الحق (^٤).\n٤ - المنكرون لوقوعه على المؤمنين:\nوذهب أصحاب هذا القول إلى وقوع عذاب القبر على الكافرين خاصة دون المؤمنين، وهو المنقول عن أبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم والبلخي (^٥) وذكر الإمام ابن قتيبة الأخبار الواردة في عذاب القبر، ثم قال: \"وهذه الأخبار تدل على أن عذاب القبر للكافر\" (^٦).\n_________\n(^١) ابن رجب: تفسير ابن رجب، دار العاصمة، ط ١ ١٤٢٢ هـ (٢/ ١٠٤)\n(^٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى (٤/ ٢٦٢)\n(^٣) الكمال ابن الهمام: فتح القدير، دار الفكر - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٥/ ١٩٣).\n(^٤) الإيجي:: (٣/ ٥١٩)، التفتازاني: شرح المقاصد: (٢/ ٢٢٢)، ابن الملقن: الإعلام: (١/ ٥١٨).\n(^٥) العيني: عمدة القارئ: (٣/ ١١٨)، ابن حجر: فتح الباري: (٣/ ٢٣٣)، ابن القيم: الروح (٥٨).\n(^٦) ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث، المكتب الإسلامي، ط ٢ - ١٤١٩ هـ، ص (٣٦٢)","vol":"1","page":363},{"text":"وقال بعض المعتزلة: إن الله تعالى يعذب الموتى في قبورهم، ويحدث فيهم الآلام وهم لا يشعرون، فإذا حشروا وجدوا تلك الآلام، كالسكران والمغشي عليه، لو ضربوا لم يجدوا ألمًا، فإذا عاد إليهم عقلهم وجدوا تلك الآلام (^١).\nوكل هذه الأقوال فاسدة، تردها الأحاديث الصحيحة الثابتة، والذي عليه جماعات أهل السنة ما يلي:\n١ - إثبات عذاب القبر ونعيمه على الروح والجسد، يقول العلامة ابن حجر الهيتمي في جواب عن سؤال مفاده: هل عذاب القبر على الروح والجسد أم على أحدهما؟\nفأجاب بقوله:\" ذهب أهل السنة إلى أن الله يحيي المكلف في قبره، ويجعل له من العقل مثل ما عاش عليه، ليعقل ما يُسأل عنه، ويجيب عنه، وما يفهم به ما أتاه من ربه، وما أعد له في قبره من كرامة وهوان، وبهذا نطقت الأخبار والأصح: أن العذاب على الروح والجسد\" (^٢).\nوالأحاديث على إثبات هذا متضافرة، يقول الإمام ابن تيمية:\" وهذا الباب فيه من الأحاديث والآثار ما يضيق هذا الوقت من استقصائه، مما يبيّن أن الأبدان التي في القبور تنعم وتعذب - إذا شاء الله ذلك - كما يشاء، وأن الأرواح باقية بعد مفارقة البدن، ومنعمة أو معذبة \" (^٣).\nوهذا القول هو الذي أجمع عليه أهل السنة، يقول الإمام ابن تيمية: \"العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعًا، باتفاق أهل السنة والجماعة\" (^٤).\n٢ - أن العذاب قد يكون على النفس متفردة أحيانًا، يقول الإمام ابن تيمية:\" تنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن، وتعذب متصلة بالبدن، والبدن متصل بها، فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعين، كما يكون للروح منفردة عن البدن\" (^٥).\n_________\n(^١) ابن الملقن:: (١/ ٥١٨)، العيني: عمدة القاري: (٣/ ١١٨)\n(^٢) ابن حجر الهيثمي: الفتاوى الفقهية: (٢/ ٩).\n(^٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف (٤/ ٢٩٦)\n(^٤) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف: (٤/ ٢٨٢)\n(^٥) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف: (٤/ ٢٨٢)","vol":"1","page":364},{"text":"ويقول الإمام ابن رجب: \"وقولهم: إن الأرواح عند الله تعالى تعاقب وتثاب، لا ينافي أن تتصل بالبدن أحيانًا، فيحصل بذلك إلى الجسد نعيم أو عذاب، وقد تستقل الروح أحيانًا بالنعيم والعذاب إما عند استحالة الجسد أو قبل ذلك\" (^١).\n٣ - أن عذاب القبر ليس مختصًا بالكافرين، بل يقع على عصاة الموحدين كذلك، يقول الإمام عبد الحق الإشبيلي: \"واعلم أن عذاب القبر ليس مختصًا بالكافرين، ولا موقوفًا على المنافقين، بل يشاركهم فيه طائفة من المؤمنين وكل على حاله من عمله، وما ستوجبه بخطيئته وزلَلَه \" (^٢).\nويقول الحافظ ابن حجر:\" إثبات عذاب القبر وأنه واقع على الكفار ومن شاء الله من الموحدين \" (^٣).\nوقد ذكر الإمام ابن رجب أنواع عذاب القبر، وذكر منها: تضييق القبر على الميت حتى تختلف فيه أضلاعه ثم قال:\" وقد ورد ما يدل عل أن التضييق عام للمؤمن والكافر، وصرّح بذلك طائفة من العلماء منهم ابن بطة وغيره \" (^٤).\nومن أنواع عذاب القبر التي أوردها الإمام ابن رجب ودلل عليها غير ما سبق (^٥):\n- الضرب إما بمطراق من حديد أو غيره.\n- تسليط الحيات والعقارب عليه.\n- رض رأس الميت بحجر، أو شق شدقه أو نحو ذلك.\n٤ - أن كل من مات وهو مستحق للعذاب ناله نصيبه منه، قبر أو لم يقبر.\nفلوا أكتله السباع أو أحرق حتى صار رمادًا ونسف في الهواء، أو صلب ... أو غرق في البحر، وصل إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلى المقبور (^٦).\n_________\n(^١) ابن رجب: تفسير ابن رجب، دار العاصمة، ط ١ ١٤٢٢ هـ (٢/ ١٠٣)\n(^٢) ابن رجب: تفسير ابن رجب، دار العاصمة، ط ١ ١٤٢٢ هـ (٢/ ٣٧٠)\n(^٣) ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة – بيروت، ١٣٧٩ هـ (٣/ ٢٤٠)\n(^٤) ابن رجب: تفسير ابن رجب، دار العاصمة، ط ١ ١٤٢٢ هـ (٢/ ٣٧٠)\n(^٥) ابن رجب: تفسير ابن رجب: (٢/ ٣٦٤ - ٣٧٤)، ابن رجب: أهوال القبور:، (٥٢ – ٥٦)\n(^٦) ابن القيم: الروح: ص (٥٨ - ٧١)، ابن أبي العز: شرح الطحاوية: ص (٣٩٦).","vol":"1","page":365},{"text":"يقول الإمام النووي:\" قال أصحابنا: ولا يمنع من ذلك كون الميت قد تفرقت أجزاؤه، كما نشاهد في العادة أو أكلته السباع، أو حيتان البحر، أو نحو ذلك، فكما أن الله تعالى يعيده للحشر، وهو سبحانه قادر على ذلك فكذا يعيد الحياة إلى جزء منه أو أجزاء، وإن أكلته السباع والحيتان \" (^١).\n٥ - ذكر بعض أهل العلم: أن عذاب القبر نوعان: دائم ومنقطع:\nفالدائم: عذاب الكفار، وبعض العصاة، والمنقطع: هو عذاب من خفت جرائمه من العصاة، فإنه يعذب بحسب جريمته ثم يرفع عنه، وقد يرفع عنه بدعاء أو صدقة أو نحو ذلك (^٢).\nوقد يكون عذاب القبر سببا موجبا لرفع العقوبة الأخروية، يقول الإمام ابن تيمية:\" قد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن عقوبة الذنوب تزول عن العبد بنحو عشرة أسباب: السبب الثامن: ما يحصل في القبر من الفتنة والضغطة والروعة، فإن هذا مما يكفر به الخطايا\" (^٣).\nوقال العلامة ابن أبي العز:\" فإن فاعل السيئات يسقط عنه عقوبة جهنم بنحو عشرة أسباب، عرفت بالاستقراء من الكتاب والسنة: السبب الخامس: عذاب القبر\" (^٤).\n٦ - تتبع العلماء واستقرؤوا النصوص الواردة في عذاب القبر، وذكروا الأسباب التي يعذب بها أصحابها وهي كثير ومنها: أ. النميمة والبول وترجم لها الإمام البيهقي في جزء: \"إثبات عذاب القبر\" (^٥).\n_________\n(^١) النووي: شرح: (١٧/ ٢٠١)، العراقي: طرح التثريب: (٣/ ٣٠٦)، السيوطي: شرح الصدور ص (١٨١).\n(^٢) ابن القيم: الروح: ص (٨٩)، السيوطي: شرح الصدور: ص (١٨١)، ابن أبي العز: شرح الطحاوية: ص (٣٩٧).\n(^٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، الملك فهد لطباعة المصحف الشريف:، (٧/ ٥٠١)\n(^٤) ابن أبي العز: شرح الطحاوية، وزارة الأوقاف السعودية، ط ١ ١٤١٨ هـ، ص (٣٠٩).\n(^٥) البيهقي: إثبات عذاب القبر، دار الفرقان - الأردن، ط ٢ - ١٤٠٥ هـ، (٨٦).","vol":"1","page":366},{"text":"وذكر حديث الصحيحين عن ابن عباس ﵄، قال: مرّ رسول الله - ﷺعلى قبرين فقال: «أَمَا إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ» (^١)، وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي - ﷺ -: «أَكْثَرُ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنَ الْبَوْلِ» (^٢).\nب. النياحة على الميت، وترجم لها الإمام البيهقي بقوله:\" باب ما يخاف من عذاب القبر في النياحة على الميت، قال بعض أهل العلم: إذا كان قد أوصى بها \" (^٣).\nعن عمر بن الخطاب ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: «المَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ» (^٤).\nج. الغلول من الغنيمة، وترجم لها الإمام البيهقي بقوله: \"باب ما يخاف من عذاب القبر في الغلول\" (^٥):\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء، باب من الكبائر أن لا يستتر من بوله ح (٢١٦) وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه ح (٢٩٢).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الطهارة وسننها، باب التشديد في البول ح (٣٤٨).\n(^٣) البيهقي: إثبات عذاب القبر، دار الفرقان - الأردن، ط ٢ - ١٤٠٥ هـ، (٩١).\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب ما يكره من النياحة على الميت ح (١٢٩٢).\n(^٥) البيهقي: إثبات عذاب القبر، دار الفرقان - الأردن، ط ٢ - ١٤٠٥ هـ، (٩٢).","vol":"1","page":367},{"text":"وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁، في قصة الرجل الذي أخذ الشملة من الغنيمة، قال عنه رسول الله - ﷺ -: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَصَابَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ المَغَانِمِ، لَمْ تُصِبْهَا المَقَاسِمُ، لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا» فَجَاءَ رَجُلٌ حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ - بِشِرَاكٍ أَوْ بِشِرَاكَيْنِ، فَقَالَ: هَذَا شَيْءٌ كُنْتُ أَصَبْتُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «شِرَاكٌ - أَوْ شِرَاكَانِ - مِنْ نَارٍ» (^١).\nفهذه الأسباب وغيرها كثير، هي من الأسباب المفصلة التي يعذب هاب أصحابها في القبور.\nوأما الأسباب المجملة التي تكون سببًا في العذاب هو: الجهل بالله جل وعلا، وإضاعة أمره، وارتكاب معاصيه، إذ إن عذاب القبر وعذاب الآخرة أثر غضب الله تعالى وسخطه على عبده، فمن أغضب الله جل وعلا وأسخطه في هذه الدار ثم لم يتب ومات على ذلك، كان له من عذاب البرزخ بقدر غضب الله تعالى وسخطه عليه، فمستقل ومستكثر ومصدق ومكذب (^٢).\nقال الإمام القرطبي:\" قال علماؤنا: لا أبين في أحوال المعذبين في قبورهم من حديث البخاري، وإن كان منامًا، فمنامات الأنبياء ﵈ وحي \" (^٣).\n٧ - وكذا تتبع العلماء واستقصوا الأسباب التي تنجي من عذاب القبر وهي أسباب كثيرة وردت في السنة المطهرة ومنها:\nأ- الشهادة في سبيل الله، وترجم لها الإمام البيهقي بقوله:\" ما يرجى في ... الشهادة في سبيل الله من الأمن من عذاب الله في القبر \" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر ح (٤٢٣٤)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم الغلول ح (١١٥.\n(^٢) ابن القيم:: ص (٧٧)، ابن رجب: أهوال القبور: ص (٤٨)، القرطبي: التذكرة:، ص (١٥٤).\n(^٣) القرطبي: التذكرة، دار المنهاج - الرياض، ط ١ ١٤١٥ هـ، ص (١٥٧).\n(^٤) البيهقي: إثبات عذاب القبر، دار الفرقان - الأردن، ط ٢ - ١٤٠٥ هـ، (٩٧).","vol":"1","page":368},{"text":"عن المقدام بن معدي كرب قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ، وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنَ الفَزَعِ الأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الوَقَارِ، اليَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنَ الحُورِ العِينِ وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ» (^١).\nب - الرباط في سبيل الله تعالى، وترجم لها الإمام البيهقي بقوله:\" باب ما يُرجى في الرباط من الأمان من فتنة القبر\" (^٢). عن سلمان ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ» (^٣).\n٣ - قراءة سورة الملك، وترجم لها الإمام البيهقي بقوله:\" باب ما يرجى في قراءة سورة الملك من المنع من عذاب القبر \" (^٤).\nعن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: «إِنَّ سُورَةً مِنَ القُرْآنِ ثَلَاثُونَ آيَةً شَفَعَتْ لِرَجُلٍ حَتَّى غُفِرَ لَهُ، وَهِيَ سُورَةُ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في جامعه أبواب فضائل الجهاد، باب في ثواب الشهيد ح (١٦٦٣).\n(^٢) البيهقي: إثبات عذاب القبر، دار الفرقان - الأردن، ط ٢ - ١٤٠٥ هـ، (٩٦).\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب فضل الرباط في سبيل الله ﷿ ح (١٩١٣) ي.\n(^٤) البيهقي: إثبات عذاب القبر، دار الفرقان - الأردن، ط ٢ - ١٤٠٥ هـ، (٩٩).\n(^٥) أخرجه الترمذي في جامعه، أبواب فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل سورة الملك ح (٢٨٩١)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن (٥/ ١٦٤) مكتبة البابي - مصر، ط ٢ - ١٣٩٥ هـ.","vol":"1","page":369},{"text":"وعن ابن عباس ﵄، أنه قال لرجل: ألا أتحفك بحديث تفرح به، قال الرجل: بلي، قال: اقرأ: تبارك الذي بيده الملك، احفظها وعلمها أهلك وولدك وصبيان بيتك وجيرانك، فإنها المنجية والمجادلة، تجادل أو تخاصم يوم القيامة عند ربها لقارئها، وتطلب له إلى ربها أن ينجيه من عذاب النار إذا كانت في جوفه، وينجي الله بها صاحبها عن عذاب القبر (^١)، وعن ابن مسعود ﵁ قال: تبارك الذي بيده الملك منجية (^٢).\nقال الإمام القرطبي: \"اعلم رحمك الله، أن هذا الباب لا يعارض ما تقدم من الأبواب، بل يخصصها ويبين من لا يسأل في قبره ولا يفتن فيه، ممن يجري عليه السؤال، ويقاسي تلك الأهوال، وهذا كله ليس فيه مدخل للقياس، ولا مجال للنظر فيه، وإنما فيه التسليم والانقياد لقول الصادق المرسل إلى العباد - ﷺ -\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>المسألة الخامسة شبهات المنكرين لعذاب القبر</span>\nتعلق المنكرون لعذاب القبر بشبهات واهية متهافتة، لا قيام لها عند قدم التحقيق، لأنهم لم يسلموا لأخبار الله تعالى وأخبار رسوله ﵊، إذ الواجب على المكلف أن يذعن ويسلم لأخبار ونصوص الوحيين، ولا يعارضها بشبهات عقلية فاسدة، لأن عذاب القبر ونعيمه من أمور الغيب التي يجب التصديق والإيمان بها، دون أي معارض عقلي.\nيقول الإمام ابن رجب:\" فإن عذاب القبر ليس من جنس عذاب الدنيا ... وإنما هو نوع آخر، يصل إلى الميت بمشيئة الله وقدرته\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في جامعه، أبواب فضائل القراء، باب ما جاء في فضل سورة الملك ح (٢٨٩٠)، وقال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه (٥/ ١٦٤) مكتبة البابي - مصر، ط ٢ - ١٣٩٥ هـ.\n(^٢) المروزي: قيام الليل، حديث أكادمي، فيصل اباد - باكستان، الطبعة: الأولى، ١٤٠٨ هـ، ص (١٦٣)\n(^٣) القرطبي: التذكرة، دار المنهاج - الرياض، ط ١ ١٤١٥ هـ، ص (١٧).\n(^٤) ابن رجب: تفسير ابن رجب، دار العاصمة - الرياض، ط ١ ١٤٢٢ هـ (٢/ ١٠٣).","vol":"1","page":370},{"text":"ويقول الإمام القرطبي:\" فأحوال المقابر وأهلها على خلاف عادات أهل الدنيا في حياتهم، فليس تنقاس أحوال الآخرة على أحوال الدنيا، وهذا مما لا خلاف فيه، ولولا خبر الصادق بذلك لم نعرف شيئًا مما هنالك \" (^١).\nوشبه القوم تتلخص في الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>أ. شبه نقلية:</span>\n١ - زعموا أن القرآن الكريم لم يدل على عذاب القبر:\nالرد: هذا القول غلط، لأن هذا شأن من لم يتدبر القرآن، ولم يتأمل في معانيه، وإلا فإن القرآن الكريم مليء بذكر عذاب القبر تصريحًا وتلميحًا، كما سبق ذكره في الأدلة، يقول الإمام ابن تيمية عن هذا القول: \"وهو غلط، بل القرآن قد بيَّن في غير موضع بقاء النفس بعد فراق البدن، وبيَّن النعيم والعذاب في البرزخ \" (^٢).\n\n٢ - زعموا أن القرآن الكريم يدل على نفي عذاب القبر، واحتجوا على نفي عذاب القبر بما يلي: قال الله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾ [البقرة:٢٨]، قال المنكرون: دلت هذه الآية على بطلان عذاب القبر، وذلك: أنه تعالى بيّن أنه يحييهم مرة في الدنيا،\nوأخرى في الآخرة، ولم يذكر حياة القبر، قالوا: ويؤكده قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾ [َالمؤمنون:١٥ - ١٦]. ولم يذكر حياة فيما بين هاتين الحياتين.\n_________\n(^١) القرطبي: التذكرة، دار المنهاج - الرياض، ط ١ ١٤١٥ هـ، ص (١٤٠).\n(^٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف: (٤/ ٢٦٣).","vol":"1","page":371},{"text":"الرد: أولا: اختلف المفسرون في تفسر الحياتين والموتتين، والذي عليه السلف وعلى رأسهم ابن مسعود وابن عباس ﵃، وجماعة التابعين، وجمهور أهل التفسير كقتادة ومقاتل والفراء وثعلب والزجاج وابن قتيبة وابن الأنباري، ورجحه ابن الجوزي وابن كثير وغيرهم، أن معنى الآية: أن الموتة الأولى: كونهم نطفًا وعلقًا ومضغًا، فأحياهم في الأرحام، ثم يميتهم بعد خروجهم إلى الدنيا، ثم يحييهم للبعث يوم القيامة (^١).\nثانيا: لا يلزم من عدم ذكر حياة القبر في هذه الآية ألاّ تكون حاصلة، فقد وردت في آيات أخرى تدل عليها.\nثالثا: يمكن قلب الدليل عليكم فيقال: إن الله تعالى ذكر حياة القبر في هذه الآية، لأن قوله في (يحييكم) ليس هو الحياة الدائمة، وإلا لِمَ صح أن يقول: (ثم إليه ترجعون) لأن كلمة (ثم) تقتضي التراخي والرجوع إلى الله تعالى حاصل عقب الحياة الدائمة من غير تراخ، فلو جعلنا الآية من هذا الوجه دليلًا على حياة القبر كان قريبًا (^٢).\nب. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾ [المؤمنون:١٥ - ١٦]. قال المنكرون: هذه الآية تدل على نفي عذاب القبر، لأنه قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾، ولم يذكر بين الأمرين الإحياء في القبر والإماتة.\nالرد: أولًا: أن معنى الآية الكريمة: أنه بعد هذه النشأة الأولى من العدم تصيرون إلى الموت ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾ يعني النشأة الآخرة فتحيون للجزاء (^٣).\n_________\n(^١) ابن الجوزي: زاد المسير: (١/ ٤٩)، ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: (١/ ٢١٣)، القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: (١/ ٢٤٩)،ابن عطية: المحرر الوجيز: (١/ ١١٤).\n(^٢) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٢/ ٣٧٧).\n(^٣) النسفي: مدارك التنزيل، دار الكلم الطيب - بيروت، ط ١ ١٤١٩ هـ (٢/ ٤٦٢).","vol":"1","page":372},{"text":"ثانيًا: أنه ليس في ذكر الحياتين نفي الثالثة، فقد ورد ذكرها والإشارة إليها في مواضع أخر، على أن قوله جل وعلى في الآية (ثم إنكم يوم القيامة تبعثون): فيه دلالة على حياة القبر، وذلك أن البعث هو الإطلاق، فكأنهم حبسوا مدة ثم أطلقوا (^١).\nوثالثًا: أن الغرض هو ذكر هذه الأجناس الثلاثة: الإنشاء، والإماتة، والإعادة، والذي تُرك ذكره فهو من جنس الإعادة (^٢).\nج. قال الله تعالى ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣)﴾: [المؤمنون:١١٢ - ١١٣]. قال المنكرون: قوله: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: يتناول زمان كونهم أحياء فوق الأرض، وزمان كونهم أمواتًا في بطن الأرض، فلو كانوا معذبين في القبر لعلموا أن مدة مكثهم في الأرض طويلة، فما كانوا يقولون: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾.\nالرد: أولًا: معنى هذه الآية الكريمة: أن الله ﷿ قال لهؤلاء الأشقياء الذين كانوا يظنون أنهم لا يبعثون، وأن الدنيا باقية، ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ من الزمان بعد موتكم، فأجابوا وقالوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ فنسوا عظيم ما كانوا فيه من البلاء، وطول مكثهم في القبور في العذاب، لما حل عليهم من نقم الله في الآخرة، حتى ظنوا أنهم لم يلبثوا في البرزخ إلا يومًا أو بعض يوم (^٣).\nثانيا: أن الجواب لا بد وأن يكون بحسب السؤال، وإنما سألوا عن موت لا حياة بعده إلا في الآخرة، وذلك لا يكون إلا بعد عذاب القبر.\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن، دار الوطن - الرياض، ط ١ ١٤١٨ هـ (٣/ ٤٦٨).\n(^٢) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٢٣/ ٢٦٧).\n(^٣) مكي بن أبي طالب: الهداية إلى بلوغ النهاية (٧/ ٥٠١٠)، الماوردي: النكت والعيون (٤/ ٦٩) البغوي: معالم التنزيل، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ١ ١٤٢٠ هـ، (٣/ ٣٧٧)","vol":"1","page":373},{"text":"ثالثًا: يحتمل أن يكونوا سألوا عن قدر اللبث الذي اجتمعوا فيه، فلا يدخل في ذلك تقدم موت بعضهم على بعض، فيصح أن يكون جوابهم ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾: عند أنفسنا.\nد. قال الله تعالى: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ، إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ الصافات ٥٨ - ٥٩\nقال المنكرون: قوله في هذه الآية، يدل على أن الإنسان لا يموت إلا موتة واحدة، ولو حصلت الحياة في القبر لكان الموت حاصلًا مرتين.\nالرد: أن قوله تعالى: (إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى): المراد منه: كل ما وقع في الدنيا وهذا الاستثناء في الآية، استثناء منقطع، والمعنى: أي لكن الموتة الأولى كانت لنا في الدنيا، وهذا قريب في المعنى من قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ الدخان ٥٦ (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>ب. شبهة عقلية:</span>\n١ - ردهم النصوص الواردة في السنة المطهرة المثبتة لعذاب القبر بناء على أنها أحاديث آحاد، وهي لا تفيد إلا الظن دون القطع الواجب في باب العقائد، وليس في القرآن ما هو نص فيها (^٢).\nالرد: تتابع العلماء في الرد على هذه الشبهة، ويكفي في ردها النظر في تراجم الأئمة في مصنفاتهم في بيان وجوب قبول خبر الواحد العدل ... والعمل به.\nيقول الإمام البخاري في صحيحه:\" كتاب أخبار الآحاد\"، وذكر تحته عدة أبواب مضمنة لمجموعة من الآيات، كلها تدل على وجوب قبول خبر الواحد، فقال:\n- \"باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام\n- \"باب بعث النبي - ﷺ -، الزبير طليعة وحده\".\n- \"باب قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. فإذا أذن له واحد جاز\".\n- \"باب ما كان يبعث النبي - ﷺ - من الأمراء والرسل واحدًا بعد واحد\"\n_________\n(^١) الرازي: مفاتيح الغيب: (٢٦/ ٣٣٥)، البغوي: معالم التنزيل: (٤/ ٣٢)، ابن عادل: اللباب في علوم الكتاب: (١٦/ ٣١٢).\n(^٢) محمد الخولي: الأدب النبوي، دار المعرفة - بيروت، ط ٤ ١٤٢٣ هـ، ص (٢٢٠).","vol":"1","page":374},{"text":"- \"باب وصاة النبي - ﷺ - وفود العرب أن يبلغوا من رواءهم\".\n- \"باب خبر المرأة الواحدة\" (^١).\nويقول الإمام الدارقطني في سننه: \"خبر الواحد يوجب العمل \" (^٢)،ويقول الإمام البيهقي في السنن: \"الحجة في تثبيت خبر الواحد\" (^٣)، ويقول الإمام الخطيب البغدادي في الكفاية: \"باب ذكر بعض الدلائل على صحة العمل بخبر الواحد ووجوبه\" (^٤).\nوقد حُكِي الإجماع في بيان وجوب العمل بخبر الواحد:\nيقول الإمام السمعاني:\" ومشهور معلوم استدلال أهل السنة بالأحاديث ورجوعهم إليها، فهذا إجماع منهم على القول بأخبار الآحاد\" (^٥).\nويقول الإمام أبو القاسم الأصبهاني: \"إن الخبر إذا صح عن رسول الله - ﷺ - ورواه الثقات والأئمة وأسندوه خلفهم عن سلفهم إلى رسول الله وتلقته الأمة بالقبول، فإنه يوجب العلم فيما سبيله العلم، وهذا قول عامة أهل الحديث والمتقنين من القائمين على السنة \" (^٦).\nويقول الإمام القرطبي في بيان قبول خبر الواحد: \"وهو مجمع عليه من السلف معلوم بالتواتر من عادة النبي - ﷺفي توجيهه ولاته ورسله آحادًا للأفاق، ليعلموا الناس دينهم فيبلغوهم سنة رسولهم - ﷺمن الأوامر والنواهي\" (^٧).\nوقال العلامة التفتازاني:\" أن خبر الواحد في أحكام الآخرة من عذاب القبر، وتفاصيل الحشر والصراط والحساب والعقاب وغير ذلك، مقبول بالإجماع، مع أنه لا يفيد إلا الاعتقاد، إذ لا يثبت به عمل من الفروع\" (^٨).\n_________\n(^١) البخاري: صحيح البخاري، دار طوق النجاة، ط ١ ١٤٢٢ هـ (٩/ ٨٦ - ٨٩ - ٩٠).\n(^٢) الدارقطني: سنن الدارقطني، مؤسسة الرسالة - بيروت، ط ١ ١٤٢٤ هـ (٥/ ٢٧٣).\n(^٣) البيهقي: معرفة السنن والآثار، دار الوعي - دمشق، ط ١ ١٤١٢ هـ (١/ ١٠٩).\n(^٤) الخطيب البغدادي: الكفاية في علم الرواية: ص (٢٦).\n(^٥) السمعاني: الانتصار لأصحاب الحديث، مكتبة أضواء المنار - السعودية، ط ١ ١٤١٧ هـ، ص (٣٦).\n(^٦) الأصبهاني: الحجة في بيان المحجة، دار الراية - الرياض، ط ٢ - ١٤١٩ هـ (٢/ ٢٢٨).\n(^٧) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: (٢/ ١٥٢ - ٦/ ١١٢).\n(^٨) التفتازاني: شرح التلويح على التوضيح، مكتبة صبيح - مصر، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (٢/ ٧)","vol":"1","page":375},{"text":"وقال الإمام ابن عبد البر:\" أجمع العلم من أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار فيما علمت على قبول خبر الواحد العدل وإيجاب العمل به إذا ثبت\" (^١).\nوقد أفرد جماعات من أهل العلم، مصنفات خاصة في بيان حجية أخبار الآحاد، كالإمام ابن عبد البر والإمام الخطيب البغدادي وغيرهما (^٢).\nوعقد الأئمة ﵏ في مصنفاتهم أبوابًا؛ لبيان الأدلة المستفيضة على حجية خبر الآحاد كالإمام الشافعي في كتابه الرسالة (^٣).\nواحتج الأئمة يرحمهم الله تعالى بحديث الآحاد بشموله سواء فيما يتعلق بمسائل الاعتقاد أو مسائل الأحكام فلم يفرقوا في التعامل به بنهما، كما جرت عليه بعض الطوائف، حيث أعملت خبر الآحاد فيما يتعلق بمسائل الأحكام، والغت حجيته في مسائل الاعتقاد، وهذا من قصورهم في التعامل مع السنة، وإلا فإن الأئمة احتجوا به في مسائل الأحكام ومسائل الاعتقاد.\nيقول الإمام السمعاني:\" أجمع أهل الإسلام، متقدموهم ومتأخروهم على رواية الأحاديث في صفات الله ﷿، وفي مسائل القدر والرؤية، وأصل الإيمان، والشفاعة، والحوض، وإخراج الموحدين المذنبين من النار، وفي صفة الجنة والنار، وفي الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، وفي فضائل النبي - ﷺومناقب أصحابه، وأخبار الأنبياء المتقدمين عليه، وكذلك أخبار الرقائق والعظات، وما أشبه ذلك، مما يكثر عده وذكره، وهذه الأشياء كلها علمية لا عملية، وإنما تروى لوقوع علم السامع بها \" (^٤).\n_________\n(^١) ابن عبد البر: التمهيد، وزارة عموم الأوقاف - المغرب، ١٣٨٧ هـ (١/ ٢).\n(^٢) النووي: شرح مسلم، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٢ - ١٣٩٢ هـ (١/ ٦٢ - ١٣١).\n(^٣) الشافعي: الرسالة، مكتبة الحلبي - مصر، ط ١ ١٣٨٥ هـ (١/ ٣٦٩).\n(^٤) السمعاني: الانتصار لأصحاب الحديث، مكتبة أضواء المنار - السعودية، ط ١ ١٤١٧ هـ، ص (٣٦).","vol":"1","page":376},{"text":"ولذا فالتفريق بين أخبار والمتواترة والآحاد في العمل، والقول بأن خبر الواحد لا يفيد العلم بحال، وأنه\"لا بد من نقله بالتواتر لوقوع العلم به شيء اخترعته القدرية والمعتزلة، وكان قصدهم منه رد الأخبار، وتلقفه بعض الفقهاء، ولم يقفوا على مقصودهم من هذا القول\" (^١).\nوالعجيب أن الفرق التي تفرق بين أخبار التواتر والآحاد في العمل، تجدها مع اختلاف طرائقها وعقائدها، تستدل كل فرقة منهم على صحة ما تذهب إليه بأخبار الآحاد.\nولذا إذا قلنا: \"إن خبر الواحد لا يجوز أن يوجب العلم، حملنا أمر الأمة في نقل الأخبار على الخطأ، وجعلناهم لاغين مشتغلين بما لا يفيد أحدًا شيئًا ولا ينفعه، ويصير كأنهم قد دونوا في أمور ما لا يجوز الرجوع إليه، والاعتماد عليه، وربما يرتقي هذا القول إلى أعظم من هذا، فإن النبي - ﷺ - أدى هذا الدين إلى الواحد، فالواحد من أصحابه ليؤدوه إلى الأمة، فإذا لم يقبل قول الراوي، لأنه واحد، رجع هذا العيب إلى المؤدِّي - نعوذ بالله من هذا القول الشنيع والاعتقاد القبيح - \" (^٢).\nوقد ذكر الإمام أبو عمرو الداني في رسالته الوافية في اعتقاد أهل السنة:\" قولهم: إن من تمام السنة وكمالها، قبول خبر الواحد والاستمساك به والعمل بموجبه من الصحابة من الرجال والنساء، إذا حدَّث به الثقة المعروف عن مثله إلى أن يتصل الإسناد بالصحابي إلى النبي - ﷺ - وذلك إذا لم يعارضه خبر مثله، ولا نسخه أثر، ولا اتفق الجميع على ترك استعماله\" (^٣).\nوهذا الذي ذكره الإمام أبو عمرو الداني في قبول أخبار الآحاد، هو الذي اتفق عليه الأئمة، إلا أنه أشار إلى موجبات رد خبر الثقة، وقد أشار إليها الإمام الخطيب البغدادي، فقال:\" إذا روى الثقة المأمون خبرًا متصل الإسناد رد بأمور:\n_________\n(^١) الأصبهاني: الحجة في بيان المحجة، دار الراية - الرياض، ط ٢ - ١٤١٩ هـ (٢/ ٢٢٨)\n(^٢) الأصبهاني: الحجة في بيان المحجة، دار الراية - الرياض، ط ٢ - ١٤١٩ هـ (٢/ ٢٣٠)\n(^٣) أبو عمرو الداني: الرسالة الوافية، دار الإمام أحمد - الكويت ن ط ١ ١٤٢١ هـ، ص (٢٣٤).","vol":"1","page":377},{"text":"أحدها: ن يخالف موجبات العقول، فيعلم بطلانه؛ لأن الشرع إنما يرد بمجوزات العقول، وأما بخلاف العقول فلا.\nوالثاني: أن يخالف نص الكتاب أو السنة المتواترة، فيعلم أنه لا أصل له، أو منسوخ.\nوالثالث: أن يخالف الإجماع فيستدل على أنه منسوخ أو لا أصل له، لأنه لا يجوز أن يكون صحيحا غير منسوخ، وتجمع الأمة على خلافه.\nوالرابع: أن ينفرد الواحد برواية ما يجب على كافة الخلق علمه، فيدل على أنه لا أصل له، لأنه لا يجوز أن يكون له أصل، وينفرد هو بعلمه من بين الخلق العظيم.\nوالخامس: أن ينفرد الواحد برواية ما جرت به العادة بأن ينقله أهل التواتر فلا يقبل، لأنه لا يجوز أن ينفرد في مثل هذا بالرواية\" (^١).\nومن الشواهد التي تدل على احتجاج الأئمة بخبر الواحد، ذكرهم قبول خبر الواحد في فوائد الأحاديث والآثار التي يتولون شرحها والتعليق عليها وهذا كثير لا يمكن حصره، ومنه:\n- استدل الإمام الشافعي بقبول خبر الواحد، ببعض الآثار الواردة عن عمر بن الخطاب ﵁، فقال: \"وكان عمر بن الخطاب يقضي أن الدية للعاقلة، ولا يورث المرأة من دية زوجها، حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن رسول الله كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها فرجع إليه عمر، وقال: وسأل عمر بن الخطاب من عنده علم عن النبي - ﷺ - في الجنين فأخبره حمل بن مالك أن النبي - ﷺ - قضى فيه بغرة، فقال عمر بن الخطاب: إن كدنا أن نقضي في مثل هذا برأينا، أو قال: لو لم نسمع هذا لقضينا فيه بغير هذا، في كل هذا دليل على أنه يقبل خبر الواحد إذا كان صادقًا عند من أخبر\" (^٢).\n_________\n(^١) الخطيب البغدادي: الفقيه والمتفقه، دار ابن الجوزي - السعودية، ط ٢ - ١٤٢١ هـ (١/ ٣٥٤).\n(^٢) الشافعي: اختلاف الحديث: ٨/ ٥٩١ (مطبوع مع كتاب الأم للشافعي: ١٤١٠ هـ).","vol":"1","page":378},{"text":"وقال الإمام الخطابي في شرحه لحديث: \"أَنَّمَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ، وَتَغْرِيبُ عَامٍ \" (^١):\" وفي الحديث دليل على قبول خبر الواحد\" (^٢).\n- وقال الإمام ابن بطال في شرحه لحديث ضمام في صحيح الإمام البخاري: \" وفي حديث ضمام: قبول خبر الواحد؛ لأن قومه لم يقولوا له: لا نقبل خبرك عن النبي - ﷺ - حتى يأتينا من طريق آخر\" (^٣).\n- وقال الإمام ابن عبد البر في شرحه لحديث عروة عن عائشة قالت:\" كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي صَلَاةَ العَصْرِ وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ فِي حُجْرَتِي لَمْ يَظْهَرِ الفَيْءُ بَعْدُ \" (^٤).\nوفي رواية معمر لهذا الحديث عن ابن شهاب قال عمر لعروة: انظر ما تقول يا عروة، أو أن جبريل هو سن وقت الصلاة، فقال له عروة، كذلك حدثني بشير بن أبي مسعود، فما زال عمر يعتلم وقت الصلاة بعلامة حتى فارق الدنيا .. وفيه دليل: على قبول خبر الواحد، لأن عمر قبل خبر عروة وحده، لأن عمر قبل خبر عروة وحده، فيما جهل من أمر دينه وهذا منا على التنبيه \" (^٥).\nوقال الإمام ابن الجوزي:\" وفي الحديث السادس والأربعين بعد المائة: استدارة أهل قباء إلى القبلة بقول واحد، وهو أصل في قبول خبر الواحد إذا كان ثقة\" (^٦) (٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود ح ... (٢٦٩٥)، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنى (١٦٩٧)\n(^٢) الخطابي: معالم السنن، المطبعة العلمية - حلب، ط ١ ١٤٥١ هـ (٣/ ٣٢٥)\n(^٣) ابن بطال: شرح البخاري: (١/ ١٤٤ - ١٦٩ - ٢١٣، ٢/ ٦٨، ٥/ ٣٣٣).\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب كتاب الصلاة، باب وقت العصرح (٥٤٦)، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب اكتاب الصلاة، باب أوقات الصلوات الخمس ح (٦١١).\n(^٥) ابن عبد البر: الاستذكار: (١/ ٣٣ - ٢/ ٤٥١)، التمهيد،: (٦/ ١٨٨ - ٢١٧، ٨/ ٩٩ - ١٥٥ - ١٧٧ - ٣٧٠ -، ٩/ ٩٢ - ١٤٠، ١٧/ ٤٥).\n(^٦) ابن الجوزي: كشف المشكل من حديث الصحيحين: (٢/ ٥٥٩، ٣/ ٢٠١)","vol":"1","page":379},{"text":"والشواهد تطول جدًا في هذا الباب، في بيان احتجاج العلماء بالحديث الآحاد والحجة في إثبات خبر الواحد والعمل به قائمة من الكتاب والسنة، ودلائل الإجماع والقياس (^١).\n- وينبغي أن يعلم في هذا المقام: أن التحقيق في مذهب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب هو قبوله خبر الواحد، يقول الإمام ابن عبد البر:\" وقد زعم قوم أن في قصة أبي موسى الأشعري مع عمر في الاستئذان، دليل على أن عمر كان لا يقبل خبر الواحد العدل، حتى يقع إليه العلم الظاهر به كالشاهدين، ليس كما زعموا، لأنه معروف عن عمر من وجوه متواترة قبوله لخبر الواحد العدل، ومحال أن يقبل خبر الواحد العدل، وهو يدين برده\" (^٢). ولذا قال الإمام ابن بطال فيمن ذهب إلى هذا القول:\" وهذا خطأ في التأويل وجهل بمذهب عمر وغيره من السلف\" (^٣).\nفخبر الواحد مقبول عند عمر، معمول به، وأما مراجعته لأبي موسى في حديث الاستئذان لم يكن إلا للاستظهار أو لغير ذلك من الوجوه (^٤).\nوقد ذكر الإمام ابن تيمية أن خبر الواحد قد يعلم صدقه بأنواع من الدلائل وقرائن تقترن بالخبر يعلم بها صدقه فمنها:\n- دلائل وقرائن قد تكون في المُخبِر، من علمه، ودينه، وتحريه للصدق (^٥).\nوالخلاصة: أن خبر الواحد المتلقي بالقبول، يوجب العلم عند جمهور العلماء من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد (^٦).\n_________\n(^١) ابن عبد البر: التمهيد، وزارة عموم الأوقاف - المغرب، ١٣٨٧ هـ (٥/ ١١٦)\n(^٢) ابن عبد البر: الاستذكار، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٢١ هـ (٨/ ٤٧٩)\n(^٣) ابن بطال: شرح البخاري، مكتبة الرشد - الرياض، ط ٢ - ١٤٢٣ هـ (٩/ ٢٥).\n(^٤) ابن عبد البر: التمهيد، وزارة عموم الأوقاف - المغرب، ١٣٨٧ هـ (٣/ ٢٠٠، ١٢/ ١٢١)\n(^٥) ابن تيمية: الجواب الصحيح، دار العاصمة، السعودية، ط ٢ - ١٤١٩ هـ، ص (٦/ ٣٨٢)\n(^٦) ابن تيمية: الفتاوى الكبرى: (٥/ ٨١)، ابن تيمية: مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٥١).","vol":"1","page":380},{"text":"٢ - قال المنكرون: قد ثبت في العقل يقينًا وقطعًا، أن الميت لا يحس ولا حياة فيه، وأن الألم في وصوله وحصوله، إنما هو مقيد مشروط بالحياة، فإذا عدمت الحياة زال الإحساس، وبطل العذاب، ومثل هذا لا يقبل بأحاديث الآحاد.\nالرد: أولًا: أن مثل هذا الكلام لا يقابل الأخبار الواردة الصحيحة الصريحة فيوقفها ولا تُترك لأجله.\nثانيًا: أن الذي جاء بإثبات هذا الأمر هو الذي جاء بالصلوات الخمس وغيرها، وليس لنا طريق إلا ما نقلوه من ذلك.\nثالثًا: أن هذا من أمور الغيب التي يجب التصديق والإيمان بها، ولا قياس أو مقارنة بين الدنيا والآخرة، ولذا لو أن الله جل وعز أطلع الناس على العذاب لأدى إلى مفاسد منها: عدم التدافن، إذ أن سماع أصوات المعذبين يؤدي لذلك، ويؤيد ذلك الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه أن النبي - ﷺ - قال: «إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَلَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا، لَدَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ» (^١).\nومعنى قوله: (لولا أن لا تدافنوا): أي: أنهم لو سمعوا عذاب القبر ... لتركوا التدافن حذرًا من عذاب القبر، أو لاشتغل كل بخويصته، حتى يقضي بهم إلى ترك التدافن (^٢).\nفالمانع من الدعاء: هو الخوف والحيرة والدهشة وانخلاع القلب، وقيل: المانع ترك الإعانة في التدافن (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلا، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه ح (٢٨٦٧)، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ت: محمد فؤاد عبد الباقي.\n(^٢) المناوي: فيض القدير، المكتبة التجارية الكبرى - مصر، ط ١ ١٣٥٦ هـ (٥/ ٣٤١)\n(^٣) علي القاري: مرقاة المفاتيح، دار الفكر - بيروت، ط ١ ١٤٢٢ هـ (١/ ٢٠٨).","vol":"1","page":381},{"text":"فلو كان عذاب القبر شهادة وحسًا، لكان فضيحة للمعذب، ولكان هذا قلقًا على أهله وذويه، إذ يسمعون صياح صاحبهم، فلا يقر لهم قرار، لكن من رحمة الله تعالى، أن جعله غيبًا لا يعلم عنه، ولو سمع الناس صراخ المعذبين لكان الإيمان بعذاب القبر من باب الشهادة، لا من باب الإيمان بالغيب، وحينئذ تفوت مصلحة الامتحان (^١).\nرابعًا: أن الله جل وعز يجعل في الأجسام خاصة الإحساس مع الإنفراد عن الأرواح، وهذا أمر لا يعجزه ولا يمتنع في قدرته، فإذا وردت الآثار وجب ترك المعقول الظاهر معه (^٢).\n٣ - قال المنكرون: نحن نشاهد الميت على حاله في قبره، فكيف يجلس ويقعد ويضرب بمطارق من حديد، ولا يظهر له أثر؟\nالرد: أن ذلك غير ممتنع، بل له نظير في العادة، وهو النائم فإنه يجد لذة وآلامًا لا نحس نحن شيئًا منها، وكذا يجد اليقظان لذة وآلامًا لما يسمعه أو يفكر فيه، ولا يشاهد ذلك جليسه منه، وكذا كان جبرائيل يأتي النبي - ﷺ - فيخبره بالوحي الكريم، ولا يدركه الحاضرون، وكل هذا ظاهر جلي (^٣).\nفإذا كان النائم يحصل لروحه وبدنه من النعيم والعذاب ما يحس به، والذي إلى جنبه لا يحس به، حتى قد يصيح النائم من شدة الألم، أو الفزع الذي يحصل له، ويسمع اليقظان صياحه، واليقظان يسمع ذلك وهو نائم عينيه مغمضة، ولو خوطب لم يسمع، فكيف ينكر حال المقبور الذي أخبر الرسول - ﷺ - أنه يسمع قرع نعالهم، وهذا تقريب وتقرير لإمكان ذلك، فلا يجوز أن يقال: ذلك الذي يجده الميت من النعيم والعذاب مثلما يجده النائم في منامه، بل ذلك النعيم والعذاب أكمل وأبلغ وأتم، وهو نعيم حقيقي وعذاب حقيقي، ولكن يذكر هذا المثل لإمكان ذلك (^٤).\n_________\n(^١) ابن عثيمين: شرح رياض الصالحين، دار الوطن - الرياض، ١٤٢٦ هـ (١/ ٤٥٧)\n(^٢) محمد الطبري: الإيضاح في أصول الدين: ص (٣٧٩)، الآمدي: غاية المرام: (١/ ٣٠٤)، القرطبي: التذكرة: ص (١٤٠).\n(^٣) النووي: شرح مسلم، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٢ - ١٣٩٢ هـ (١٧/ ٢٠١).\n(^٤) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف: (٤/ ٢٧٦، ٥/ ٥٢٥)","vol":"1","page":382},{"text":"وعليه: فما يقال: أنا نشاهد الميت كما كان لم يتغير، حتى لو كان على بطنه قدح من ماء لم يتغير عن حاله! يقال لهم: إن مثل هذه الاستبعادات لا يعول عليها، وهو مثل استبعاد الكفرة إحياء العظم البالية، وإعادة الخلق بعد إفنائهم، والله جل وعلا قادر على أن يبقى صورته على حاله، والماء على بطنه ويكون هو معذبًا، كما أنا نشاهد الرجل به الوجع الشديد والألم العظيم وهو على صفته (^١).\n٤ - قال المنكرون: نحن نرى المصلوب على صلبه مدة طويلة، وهو لا يسأل ولا يحيى، وكذلك يشاهد الميت على سريره وهو لا يجيب سائلًا ولا يتحرك، ومن افترسته السباع ونهشته الطيور وتفرقت أجزاؤه في أجواف الطير وبطون الحيتان وحواصل الطير وأقاصي التخوم ومدارج الرياح فكيف تجتمع أجزاؤه؟ أم كيف تتألف أعضاؤه؟ وكيف تتصور مساءلة الملكين لمن هذا وصفه؟ أم كيف يصير القبر على من هذا حاله روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار؟\nالرد: أولًا: لا يبعد أن تعاد الحياة إلى المصلوب، ونحن لا نشعر به، كما أنا نحسب المغمى عليه ميتًا، وكذلك صاحب السكتة وندفنه على حسبان الموت ومن تفرقت أجزاؤه، فلا يبعد أن يخلق الله الحياة في أجزائه ويعيده كما كان كما فعل ﷾ بالرجل الذي أمر إذا مات أن يحرق ثم يسحق ثم يذرى حتى تنسفه الرياح، وفيه: \"فَأَمَرَ اللهُ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، وَأَمَرَ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ خَشْيَتِكَ، أو قال: مخافتك\" (^٢).\nثانيًا: يقال: ليس من شرط الحياة بنية مجتمعة، ولا جثة كبيرة، فإذا لم يكن كثر الجثة شرطًا، فالله تعالى يجمع منها جزءًا يعلمه، ويرد إلي الروح، ويتوجه إليه سؤال والعقاب، وليس ذلك بمستحيل.\n_________\n(^١) المتولي: الغنية في أصول الدين، المعهد الفرنسى للآثار الشرقيه، ١٩٨٦ - القاهرة، ص (٥٦)\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقائق، باب الخوف من الله ح (٦٤٨١) د، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه ح (٢٧٥٧).","vol":"1","page":383},{"text":"فالبنية ليس بشرط عند أهل السنة، حتى لو كان متفرق الأجزاء، بحيث لا تتميز الأجزاء، بل هي مختلطة بالتراب، فإن عُذب، جعلت الحياة في تلك الأجزاء، وإن الله على كل شيء قدير (^١).\nوفي ختام هذا المطلب، نؤكد إلى التفريق بين فتنة القبر وعذابه، كما فرق بينهما شيخ الإسلام في عقيدته إلى أهل واسط، وهذا الذي تدل عليه النصوص، وعليه نصوص أهل العلم.\nيقول الإمام ابن عبد البر:\" وجائز أن يكون عذاب القبر غير فتنة القبر وقد ثبت عن النبي - ﷺأنه كان يستعيذ من فتنة القبر وعذاب القبر وعذاب النار في حديث واحد، وذلك دليل على أن عذاب القبر غير فتنة القبر \" (^٢).\nوالفتنة ترد على أوجه منها:\nالامتحان والاختبار والعذاب كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج:١٠] فإن حملت الفتنة على العذاب اتحد المعنى، والأولى حمل الفتنة على الامتحان والاختبار ليحصل التغاير، لاسيما وقد ذكروا أن هذا هو أصل مدلول الفتنة، ذكره الإمام العراقي (^٣).\nوقال بعضهم: الفرق بين عذاب القبر وفتنته، أن الفتنة تكون بامتحان الميت بالسؤال، وأما العذاب فعام يكون ناشئًا عن عدم جواب السؤال ويكون عن غير ذلك (^٤).\n_________\n(^١) القرطبي: التذكرة ص (١٤١)، محمد القرطبي: الإيضاح، ص (٣٧٦)، ابن الهمام: فتح القدير ... (٥/ ١٩٤)، الزيلعي: تبيين الحقائق، المطبعة الكبرى الأميرية - بولاق - القاهرة، ط ١ ١٣١٣ هـ ... (٣/ ١٥٦)\n(^٢) ابن عبد البر: التمهيد، وزارة عموم الأوقاف - المغرب، ١٣٨٧ هـ (٢٢/ ٢٥٢).\n(^٣) العراقي: طرح التثريب، مكتبة الباز - مكة، ط ١ ١٤٢٤ هـ (٣/ ١٠٩).\n(^٤) ابن عبد البر: التمهيد: ١٣٨٧ هـ (٢٢/ ٢٥٢)، البجيرمي: حاشية البجيرمي: (٢/ ٢٩٩).","vol":"1","page":384},{"text":"وفسر العلماء قول النبي - ﷺ -: (ومن فتنة الممات)، في الدعاء الذي كان يدعو به في الصلاة: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا، وَفِتْنَةِ المَمَاتِ «(^١)، بفتنة القبر، وعلى هذا الوجه لا يكون هناك تكرار مع قوله: (عذاب القبر)؛ لأن العذاب مرتب على الفتنة، والسبب غير المسبب (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء، باب الدعاء قبل السلام ح (٨٣٢).\n(^٢) ابن دقيق العيد: إحكام الأحكام: (١/ ٣١١)، ابن حجر: فتح الباري: (٢/ ٣١٩)، العيني: شرح سنن أبي داود: (٤/ ٩٢).","vol":"1","page":385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>الفصل الثاني: المسائل المتعلقة باليوم الآخر من البعث إلى دخول الجنة أو النار</span>،\nوفيه ثلاثة مباحث:\n\nالمبحث الأول: قيام الساعة وإعادة الأرواح للأجساد.\n\nالمبحث الثاني: أحداث القيامة الكبرى.\n\nالمبحث الثالث: تفاصيل أخبار اليوم الآخر.","vol":"1","page":386},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>المبحث الأول قيام الساعة وإعادة الأرواح للأجساد</span>،\nوفيه ثلاثة مطالب:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>المطلب الأول: قيام القيامة الكبرى</span>،\nوفيه مسألتان:\n١ - حكاية الإجماع على وقوع القيامة الكبرى.\n٢ - دلائل القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة على قيام القيامة الكبرى.\nالمطلب الثاني: إعادة الأرواح للأجساد.\nالمطلب الثالث: صفة قيام الناس من القبور (حفاة عراة غرلا)، وفيه ثلاث مسائل:\n١ - حكاية أقوال العلماء في حشر الناس على هذه الصفة.\n٢ - الأدلة على حشر الناس على هذه الصفة.\n٣ - معنى قوله: (حفاة عراة غرلا).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>تمهيد:</span>\nيقول شيخ الإسلام في الواسطية:\" ثم بعد هذه الفتنة إما نعيم وإما عذاب إلى أن تقوم القيامة الكبرى، فتعاد الأرواح إلى الأجساد، وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه وعلى لسان رسوله وأجمع عليها المسلمون، فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلًا، وتدنو منهم الشمس ويلجمهم العرق \" (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء، باب الدعاء قبل السلام ح (٨٣٢).","vol":"1","page":387},{"text":"ما قرره الإمام ابن تيمية في الكلام السابق وحكى عليه الإجماع، هو الأمر المستقر عند علماء الأمة، فقيام الناس من قبورهم للحساب والعقاب حق دلت عليه جميع الدلائل العلمية من نصوص الكتاب والسنة والإجماع والقياس.\nوقد اشتملت العبارات السابقة في تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة على جملة من كبريات المسائل العلمية الاعتقادية من البعث وأهوال القيامة، وهذه المسائل منتظمة في المطالب التالية:\nالمطلب الأول: قيام القيامة الكبرى:\nالقيامة الكبرى حق لا شك فيه، ويوم لا ريب فيه، أجمعت على وقوعه الأمة، ودلت عليه دلائل الكتاب والسنة، وفي هذا المطلب مسألتان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>المسألة الأولى: حكاية الإجماع على القيامة الكبرى:</span>\nتواترت كلمة العلماء، واشتهرت، واستفاضت في الحديث عن يوم القيامة وأنه حق، وأن الناس لهم موعد حق لن يُخلفوه، سيقف الجميع في موقف رهيب ويوم عصيب: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين:٦].\nفذكر الإمام أبو الحسن الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر، الأصول التي أجمع عليها السلف، وذكر منها اليوم الآخر وما فيه من الأهوال فقال: \"وعلى أنه ينفخ في الصور قبل يوم القيامة، ويصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، وعلى أن الله تعالى يعيدهم كما بدأهم حفاة عراة غرلًا\" (^١).\nوقال الإمام أبو عثمان الصابوني في عقيدته كما حكاها عنه السبكي:\" ويشهد أن القيامة حق \" (^٢).\nويقول الإمام ابن حزم:\" اتفق جميع أهل القبلة على تنابذ فرقهم، على القول بالبعث في القيامة \" (^٣).\n_________\n(^١) الأشعري: رسالة إلى أهل الثغر، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبويةص (١٦٠).\n(^٢) السبكي: طبقات الشافعية الكبرى، دار هجر للطباعة، ط ٢ - ١٤١٣ هـ (٤/ ٢٨٩).\n(^٣) ابن حزم: الفِصل في الملل والأهواء والأهواء، مكتبة الخانجي - القاهرة، (٤/ ٦٦).","vol":"1","page":388},{"text":"ويقول العلامة القصري في شعب الإيمان:\" الشعبة الخامسة والستون: الإيمان باليوم الآخر: وهو يوم القيامة الذي يكون فيه بعث الأجساد وغيره من الكائنات الأخروية، والإجماع من أهل الإيمان عليه\" (^١).\nويقول الإمام المزني في شرح السنة في بيان العقيدة في اليوم الآخر: \"وبعد البلى منشورون، ويوم القيامة إلى ربهم محشورون \" (^٢). ويقول الإمام أبو بكر الجرجاني في اعتقاد أئمة الحديث:\" والمعاد حق\" (^٣).\nويقول العلامة جمال الدين الغزنوي:\" اعلم بأن البعث بعد الموت حق والتصديق به واجب، وأن الله يحي الخلق بعد فنائهم، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج:٦ - ٧] \" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>المسألة الثانية: دلائل القرآن والسنة على القيامة الكبرى:</span>\nالقيامة الكبرى حق، وهي المعاد الثاني، فإن الله سبحانه جعل لابن آدم معادين وبعثين: فالبعث الأول: مفارقة الروح للبدن، ومصيرها إلى دار الجزاء الأول، والبعث الثاني: يوم يرد الله الأرواح إلى أجسادها، ويبعثها من قبورها إلى الجنة أو النار، وهو الحشر الثاني.\nوالبعث الثاني الذي يكون في القيامة الكبرى، قد دلت عليه دلائل الكتاب والسنة.\nوهذه الدلائل في إثبات القيامة في نصوص الوحيين، أخذت أوجها متعددة في بيان القيامة وإظهار أهوالها، فمن أوجه العناية والاهتمام بذكر القيامة الكبرى وإثباتها في القرآن والسنة ما يلي:\n١ - إيراد الأدلة الساطعة والبراهين القاطعة، على إمكان القيامة وذكر ما يدل على وقوعها، فقد أكد القرآن الكريم هذه القضية في مناسبات مختلفة:\n_________\n(^١) القصري: شعب الإيمان، ت: سيد كسروي، ص (٥٨٩).\n(^٢) المزني: شرح السنة، مكتبة الغرباء الأثرية، السعودية، ط ١ ١٤١٥ هـ ص (٨١).\n(^٣) الجرجاني: اعتقاد أئمة الحديث، دار العاصمة - الرياض، ط ١ ١٤٢١ هـ ص (٨٦)\n(^٤) الغزنوي: أصول الدين، دار البشائر الإسلامية - بيروت - لبنان ط ١، ١٤١٩ هـ، ص (٢٢١)","vol":"1","page":389},{"text":"ففي حواره مع المنكرين، يخاطبهم بالدلالات العقلية، والنفسية، والأفاقية التي متى تأملها المرء قادته إلى الحقيقة التي لا ريب فيها، واليقين الذي لا شك فيه، وهو إثبات يوم يجمع الله تعالى فيه الأولين والآخرين ليجازيهم بما عملوا.\nولذا لما ذكر الله ﷿ دلالة الأنفس في سياق مجادلة المنكرين قال بعدها جل وعز:: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج:٦ - ٧].\nويؤكد القرآن الكريم على هذه القضية في أعقاب القصص القرآني، فحين قص القرآن الكريم قصة أصحاب الكهف، أردفها المولى جل وعلا ببيان الحكمة العظمى من سردها وإيرادها، وهو قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الكهف:٢١]، وهذا الحرف المشار إليه في هذه الآية الكريمة، قد تعدد وروده في القرآن لتأكيده وليدل على وقوع القيامة حتمًا، فقال تعالى في دعاء المؤمنين: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)﴾ [آل عمران:٩].","vol":"1","page":390},{"text":"وقال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥)﴾ [آل عمران:٢٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤)﴾ [الأنعام:١٣٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ [الحجر:٨٥]، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧)﴾ [النحل:٧٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥)﴾ [طه:١٥]، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥)﴾ [العنكبوت:٥]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧)﴾ [الشورى:٧].\n٢ - من الأدلة القاطعة في القرآن الكريم على وقوع القيامة: الإقسام بالآيات الكونية، فمن منهج القرآن الكريم في إثبات القيامة وتأكيد وقوعها: القسم بالآيات الكونية، وهو كثير الورود في القرآن العزيز.\nفأقسم الله ﷿ في سورة القيامة، على وقوع القيامة فقال ﷾: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣)﴾ [القيامة: ١ - ٣]، فالمقسم به في هذه الآيات هو يوم القيامة والمقسم عليه هو يوم القيامة، وجواب القسم محذوف تقديره: لتبعثن ثم لتحاسبن (^١).\n_________\n(^١) الخازن: لباب التأويل، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤١٥ هـ (٤/ ٣٧٠).","vol":"1","page":391},{"text":"وأقسم جل وعلا على وقوع القيامة وتحققها بالطور فقال: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨)﴾ [الطور:١ - ٨].\nوأقسم بالشفق فقال: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ [الانشقاق: ١٦ - ١٩].\nوأقسم بالرياح المتتابعة فقال: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧)﴾ ... [المرسلات:١ - ٧].\nوقال تعالى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ [النازعات: ١ - ٥]، يقول الإمام القرطبي:\" أقسم سبحانه بهذه الأشياء التي ذكرها على أن القيامة حق\" (^١). وقال جل وعز: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦)﴾ [الذاريات:١ - ٦].\n_________\n(^١) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط ٢ - ١٣٨٤ هـ، (١٩/ ١٩٠).","vol":"1","page":392},{"text":"فهذه الآيات الكريمة وغيرها تدل على كينونة القيامة ووقوعها، وأنها حق لا ريب فيه، ولذا سميت القيامة بالواقعة، لأنه لا بد من وقوعها، قال تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢)﴾ [الواقعة:١ - ٢]، فليس لوقوعها إذا أراد الله كونها صارف يصرفها، ولا دافع يدفعها (^١)،إذ وقوع القيامة أمر حتمي، وحق ثابت لا ريب فيه، لا يستطيع أحد تكذيبه عند حدوثه، كما كان يحصل في الدنيا، ولا يملك أحد أن يرده أو يدفعه (^٢).\n٣ - أن يوم القيامة غيب يجب الإيمان به، وأن الساعة آتية لا ريب فيها ... وأن وقتها المعلوم قد أخفاه الله تعالى عن البشر، واستأثر بعلمه فقال جل وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف:١٨٧]. وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤)﴾ [النازعات:٤٢ - ٤٤].\n_________\n(^١) الزحيلي: التفسير المنير، دار الفكر المعاصر - دمشق، ط ٢ - ١٤١٨ هـ، (٢٧/ ٢٤٤).\n(^٢) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ت: سامي سلامة (٧/ ٥١٣).","vol":"1","page":393},{"text":"وقال ﵊ حين سأله جبريل ﵇ فقال له: متى الساعة؟ فقال ﵊: «مَا المَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ «(^١)، ولذا جعل الله لها علامات وأمارات وشرائط تسبقها، وتدل على قربها قال جل وعلا: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد:١٨] قال ابن عباس: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾، يعني أشراط الساعة، وقال قتادة: قد دنت الساعة ودنا من الله فراغ العباد (^٢).\nوقد أفاضت السنة النبوية في ذكر الأشراط التي تسبق القيامة وتدل على قرب وقوعها، حتى ترجم لها الأئمة في مصنفاتهم وذكروا الأحاديث الواردة فيها وهذه كلها تصب في بيان أوجه الاهتمام والعناية في نصوص الوحيين بأمر القيامة.\n٤ - أن نصوص الوحيين حفلت بذكر الأهوال التي تسبق أو تصاحب القيامة، وبنظرة تأمل في النصوص يظهر جليا الاهتمام البالغ باليوم الآخر وما فيه من أحداث ومشاهد عظيمة، ولذا فالفزع يوم القيامة شديد، إذ القلوب يومئذ واجفة والأبصار فيه شاخصة والأعضاء شاهدة والمراضع ذاهلة، مشهد رهيب ويوم عجيب ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧].\nومع هذا المشهد العظيم، تظهر آثار خراب هذا الكون الفسيح، ونهاية عمران هذا العالم، يقول جل وعلا: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧)﴾ [طه: ١٠٥ - ١٠٧].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة ح (٥٠)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب معرفة الإيمان والإسلام والقدر وعلامة الساعة ح (١).\n(^٢) الطبري: جامع البيان، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ت: أحمد محمد شاكر، ص (٢٢/ ١٧٢).","vol":"1","page":394},{"text":"- ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (٣٧)﴾ [الرحمن:٣٧].\n- ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)﴾ [القيامة:٧ - ٩].\n- ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١)﴾ [المرسلات:٨ - ١١].\n- ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)﴾ [التكوير:١ - ٧].\nوغيرها من المشاهد الواردة في النصوص التي تدل على عظيم الموقف بين يدي الله تعالى، تمثله هذه الآية الكريمة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ [الحج:١ - ٢].\nفزلزلة الساعة في القيامة شيء عظيم، وأمر كبير، وخطب جليل، وطارق مفزع، وحادث هائل، وكائن عجيب (^١)، يُلقى في هذا اليوم من الهلع والفزع ما تذهل بسببه المرضعات عن أولادها، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، وتشيب فيه الولدان، مما يدل على عظيم الأمر وشدة الهول.\n٥ - التصريح بذكر قيام الساعة وأنها الموعد الذي تنكشف فيه الحقائق، وتظهر فيه العجائب، ويقضى فيه بين الخلائق، ففيه يبلس المجرمون، ويندم المفرطون، ويخسر ا لمبطلون، قال جل ذكره:\n- ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢)﴾ [الروم:١٢]، ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤)﴾ [الروم:١٤].\n_________\n(^١) ابن كثير: تفسير القرآن، ت: سامي سلامة (٥/ ٣٩٣)","vol":"1","page":395},{"text":"- ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥)﴾ [الروم:٥٥].\n- ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر:٤٦] ... ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧)﴾ [الجاثية:٢٧]، ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين:٦].\nفهاهي الآيات تبين اللحظة التي يغفل عنها الغافلون، ويكذب بها المكذبون، إذ بها تجيء وتقوم، وهؤلاء المجرمون يائسون، لا أمل لهم في نجاة، ولا رجاء لهم في خلاص، ولا شفاعة لهم من شركائهم الذين اتخذوهم في الحياة الدنيا ضالين مخدوعين، فأصبحوا حائرين يائسين لا منقذ لهم ولا شفيع (^١)، وإنما وصف الله جل وعلا شدة يوم القيامة وهوله ليحذره العباد ويستعدوا له (^٢).\nيقول الإمام ابن تيمية في الواسطية:\" فتعاد الأرواح إلى الأجساد وتقوم القيامة\" (^٣).\n_________\n(^١) سيد قطب: في ظلال القرآن، دار الشروق - بيروت، القاهرة، ط ١٧ ١٤١٢ هـ (٥/ ٢٧٦١).\n(^٢) السعدي: تيسير الكريم الرحمن، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ص (٧٧٨)\n(^٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية: (٣/ ١٤٥).","vol":"1","page":396},{"text":"ومعلوم أن عود الأرواح إلى الأجساد إنما يكون بعد نفخة القيام، قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ [الزمر:٦٨]، تعاد الأرواح نفسها إلى الأبدان التي أنشأها الرب جل وعلا، فيجمع شتات الأبدان مما تفرق وتمزق ... ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (١٠٨)﴾ [طه:١٠٨]، ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢)﴾ [ق:٤١ - ٤٢]، ينادي صاحب القرن المكلف بالنفخ في الصور فيقول: أيتها العظام البالية والجلود المتمزقة والأجساد المتفرقة والأوصال المتقطعة ارجعي إلى ربك فإن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء وهو اليوم الذي يسمعون فيه صيحة الحق - ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ ... [القمر: ٨]- ليوم الحق، للقيام للحق ﷾ (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>المطلب الثاني إعادة الأرواح للأجساد (البعث)</span>\nالبعث والمعاد الجسماني والروحاني حق، وثبوته معلوم بالاضطرار من دين الإسلام (^٢) وقد قرر القرآن الكريم البعث والمعاد بأنواع من التقرير (^٣).\nوقد سبق بيان أدلة البعث ودلائلها وشبهات المنكرين والرد عليها ويتلخص مما سبق بحثه وبيانه فيما يتعلق بأمر البعث والمعاد ما يلي:\n١ - أن الإيمان بالمعاد الجسماني أمر واجب، اتفقت عليه جميع الملل، يقول الإمام العراقي:\"والإيمان بالمعاد الجسماني واجب وجحده كفر، وقد اتفقت عليه أهل الملل\" (^٤).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: (٣/ ٣٥٥ - ٥/ ٢٤٨)، البغوي: معالم التنزيل: (٣/ ٢٧٥ - ٤/ ٢٨٠)\n(^٢) ابن تيمية: درء تعارض العقل النقل، جامعة الإمام محمد بن سعود - السعودية - (٥/ ٣٠١)\n(^٣) ابن تيمية: الصفدية، مكتبة ابن تيمية - مصر، ط ٢ - ١٤٠٦ هـ (٢/ ٢٢٦)\n(^٤) العراقي: طرح التثريب، مكتبة الباز - مكة، ط ١ ١٤٢٤ هـ (٣/ ٣٠٩).","vol":"1","page":397},{"text":"٢ - أن الدلائل على إثبات البعث كثيرة متواترة متضافرة، وقد جاءت النصوص القرآنية مؤكدة حقيقة البعث بالدلائل الشرعية والعقلية النفسية مؤيدة ذلك بقوة القسم المؤكد لإثباته ووقوعه، قال تعالى بعد أن أكد أخبار البعث وما خلق في السماء من الرزق: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾ [الذاريات:٢٣] (^١).\nيقول الإمام ابن كثير:\" يقسم تعالى بنفسه الكريمة، أن ما وعدهم به من أمر القيامة والبعث والجزاء كائن لا محالة، وهو حق لا مرية فيه، فلا تشكوا فيه كما لا تشكوا في نطقكم حين تنطقون\" (^٢).\nوقال العلامة السعدي: \"أقسم الله تعالى على أن وعده وجزاءه حق، وشبه ذلك بأظهر الأشياء لنا وهو النطق فقال: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾، فكما لا تشكون في نطقكم فكذلك لا ينبغي الشك في البعث بعد الموت\" (^٣).\n٣ - أن البعث والمعاد للروح والبدن معا، وأنهما ينعمان ويعذبان، وهو قول جماهير أهل السنة والجماعة وجماهير المتكلمين وجماهير اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم (^٤).\nيقول الإمام ابن تيمية في إثبات معاد الأرواح والأبدان جميعًا:\" وهو مذهب سلف المسلمين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأئمة المسلمين المشهورين وغيرهم من أهل السنة والحديث من الفقهاء والصوفية والنظار\" (^٥).\n٤ - إن إنكار البعث له أسباب: فتارة يتولد من الشبهة وأخرى من الشهوة:\n_________\n(^١) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط ٢ - ١٣٨٤ هـ، (١٧/ ٤١).\n(^٢) ابن كثير: تفسير القرآن، ت: سامي سلامة (٧/ ٤٢٠)\n(^٣) السعدي: تيسير الكريم الرحمن، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ص (٨٠٩)\n(^٤) ابن تيمية: جامع المسائل، دار عالم الفوائد - ط ١ ١٤٢٢ هـ، (٣/ ٢٣٢).\n(^٥) ابن تيمية: الجواب الصحيح، دار العاصمة، السعودية، ط ٢ - ١٤١٩ هـ، ص (٦/ ٧)","vol":"1","page":398},{"text":"أما تولده من الشبهة: فهو ما حكاه الله تعالى بقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣)﴾ [القيامة:٣]، وتقريره: أن الإنسان هو هذا البدن، فإذا مات تفرقت أجزاؤه واختلطت تلك الأجزاء بسائر أجزاء التراب، وتفرقت في مشارق الأرض ومغاربها، فكان تمييزها بعد ذلك عن غيرها محالًا، فكان البعث محالًا.\nوهذه الشبهة ساقطة من وجهين:\nالأول: لا نسلّم أن الإنسان هو البدن، فلِم لا يجوز أن يقال: هو شيء مدبر لهذا البدن، فإذا فسد االبدن بقي هو حيا كما كان، وحينئذ يكون الله تعالى قادرًا على أن يرده إلى أي بدن شاء وأراد.\nالثاني: إن سلمنا أن الإنسان هو هذا البدن، فلم قلتم: إنه بعد تفريق أجزائه لا يمكن جمعه مرة أخرى؟ وذلك لأنه تعالى عالم بجميع الجزئيات فيكون عالمًا بالجزء الذي هو عمرو، وهو تعالى قادر على كل الممكنات وذلك التركيب من الممكنات، وإلا لما وجد أولًا، فيلزم أن يكون قادرًا على تركيبها، ومتى ثبت كونه تعالى عالمًا بجميع الجزئيات، قادر على جميع الممكنات، لا يبقى في المسألة إشكال.\nوأما تولده من الشهوة: فهو الذي حكاه الله تعالى بقوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥)﴾ [القيامة:٥]، ومعناه: أن الإنسان الذي يميل طبعه إلى الاسترسال في الشهوات، والاستكثار من اللذات، لا يكاد يقر بالحشر والنشر وبعث الأموات؛ لئلا تتنغص عليه اللذات الجسمانية، فيكون أبدًا منكرًا لذلك، قائلًا على سبيل الهزء والسخرية: ﴿أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦)﴾ (^١).\n_________\n(^١) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٣٠/ ٧٢٣)","vol":"1","page":399},{"text":"٥ - وقد جاء في السنة المطهرة مثل تقريبي، بيّن فيه النبي - ﷺ - إمكان البعث ففي حديث أبي رزين العقيلي قال: يا رسول الله: كيف يحي الله الموتى؟ وما آية ذلك في خلقه؟ قال «أَمَا مَرَرْتَ بِوَادِي أَهْلِكَ مَحْلًا؟» قَالَ: بَلَى، قَالَ: «ثُمَّ مَرَرْتَ بِهِ يَهْتَزُّ خَضِرًا؟» قَالَ: بَلَى، قَالَ: «فَكَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَذَلِكَ آيَتُهُ فِي خَلْقِهِ» (^١). قال الإمام القرطبي: \"هذا حديث صحيح، لأنه موافق لنص التنزيل \" (^٢).\nوقد ورد في القرآن الكريم: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦)﴾ [الحج:٥ - ٦].\n\nقال الإمام البيهقي:\" وآيات القرآن في الإعادة كثيرة \" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>المطلب الثالث صفة قيام الناس من قبورهم:</span>\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية في الواسطية:\n\" وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه، وعلى لسان رسوله وأجمع عليها المسلمون، فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلًا \" (^٤).\nوهذا الكلام الذي أشار إليه الإمام ابن تيمية في صفة قيام الناس من قبورهم على هذه الهيئة، هو الأمر المستقر عند أهل السنة والجماعة، والمؤيد بالنصوص الشرعية، وتحت هذا المطلب جملة من المسائل:\n_________\n(^١) الحاكم: المستدرك ح (٨٦٨٢) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\n(^٢) القرطبي: التذكرة، مكتبة دار المنهاج - الرياض، ط ١ ١٤٢٥ هـ، ص (٢١٠)\n(^٣) البيهقي: الاعتقاد، دار الآفاق الجديدة - بيروت، ط ١ ١٤٠١ هـ، ص (١٧٥)\n(^٤) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (٣/ ١٤٥)","vol":"1","page":400},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>المسألة الأولى: حكاية بعض أقوال العلماء في حشر الناس على هذه الصفة:</span>\nيقول الإمام أبو الحسن الأشعري:\" وأجمعوا على أن الله يعيدهم كما بدأهم حفاة عراة غرلًا \" (^١).\nويقول الإمام ابن قدامة في بيان منهج أهل السنة: \" ويُحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>المسألة الثانية: أدلة حشر الناس على هذه الصفة:</span>\n(أ): قال الله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾ [الأنبياء:١٠٤]، قال الإمام الطبري:\" نعيد الخلق عراة حفاة غرلًا يوم القيامة كما بدأناهم أول مرة في حال خلقناهم في\nبطون أمهاتهم، وبه الخبر عن رسول الله - ﷺ -\" (^٣) فعن ابن عباس ﵄، عن النبي - ﷺقال: «إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا «ثُمَّ قَرَأَ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾ (^٤).\nوأخرجه البخاري بلفظ آخر وفيه: «إِنَّكُمْ مُلَاقُو اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً مُشَاةً غُرْلًا» (^٥).\nوعن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا» قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟ فَقَالَ: «الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ» (^٦).\nوجاء عن عقبة بن عامر الجهني ﵁، أنه قال: يجمع الناس في صعيد واحد، ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي حفاة عراة كما خلقوا أول يوم.\nقال مجاهد:\" أول خلق نعيده: حفاة عراة غرلًا\" (^٧).\n_________\n(^١) الأشعري: رسالة إلى أهل الثغر، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، ص (١٦١)\n(^٢) ابن قدامة: لمعة الاعتقاد، وزارة الأوقاف السعودية، ط ٢ - ١٤٢٠ هـ، ص (٣١).\n(^٣) الطبري: جامع البيان، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ص (١٨/ ٥٤٥)\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: (واتخذ الله إبراهيم خليلًا) ح (٣٣٤٩) دار طوق النجاة، ط ١ ١٤٢٢ هـ\n(^٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب كيف الحشر ح (٦٥٢٤).\n(^٦) أخرجه البخاري في صحيحه، باب الرقاق، باب كيف الحشر ح (٦٥٢٧)، وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب الجنة، باب فناء الدنيا ح (٢٨٥٩) دار إحياء التراث العربي - بيروت، ت: محمد فؤاد عبد الباقي\n(^٧) الطبري: جامع البيان، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢٠ هـ، (١٨/ ٥٤٥)","vol":"1","page":401},{"text":"يقول الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: \"هذا كائن لا محالة، يوم يعيد الله الخلائق خلقًا جديدًا، كما بدأهم هو القادر على إعادتهم، وذلك واجب الوقوع، لأنه من جملة وعد الله الذي لا يخلف ولا يبدل، وهو القادر على ذلك، ولهذا قال: ﴿إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾ \" (^١).\n﴿ب﴾ وقال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:٩٤].\n\"عن سعيد بن جبير: أنه تلا هذه الآية ثم قال: كيوم ولد يرد عليه كل شيء نقص منه من يوم ولد \" (^٢).\nيقول الإمام الطبري في تفسير هذه الآية الكريمة: ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ عراة غلفًا غرلا حفاة كما ولدتهم أمهاتهم، وكما خلقهم جل ثناؤه في بطون أمهاتهم، لاشيء عليهم ولا معهم، مما كانوا يتباهون به في الدنيا\" (^٣).\nوروي عن أم المؤمنين عائشة ﵂، أنها قرأت قول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاسَوْأَتَاهُ إِنَّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ يُحْشَرُونَ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى سَوْأَةِ بَعْضٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ، لَا يَنْظُرُ الرِّجَالُ إِلَى النِّسَاءِ، وَلَا النِّسَاءُ إِلَى الرِّجَالِ، شُغِلَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ» (^٤).\n_________\n(^١) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ت: سامي سلامة (٥/ ٣٨٣)\n(^٢) ابن أبي حاتم: تفسير ابن أبي حاتم، مكتبة الباز -مكة المكرمة، ط ٣ ١٤١٩ هـ (٤/ ١٣٤٩)\n(^٣) الطبري: جامع البيان، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢٠ هـ، (١١/ ٤٥٣)\n(^٤) الحاكم: المستدرك ح (٨٦٨٩) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد.","vol":"1","page":402},{"text":"﴿ج﴾ قال الله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الكهف:٤٨]. وهذا خطاب لمنكري البعث الذين زعموا ألّن يبعثوا، ولن يجعل لهم موعدًا، يقال لهم يوم القيامة: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ حفاة عراة، لا مال معكم ولا ولدًا ولا أعوان، وليس معكم شيء مما تفتخرون به في الدنيا، لا مال، ولا أهل، ولا عشيرة (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>المسألة الثالثة: جاء في وصف بعث الخليقة يوم القيامة، أنه يبعثون حفاة عراة غرلًا بهما</span>،\nوجاء في تفسير بعض هذه الألفاظ ما محصله:\nقوله: غرلا: جمع أغرل، والمراد: غير مختتنين، والغرلة: القلفة (^٢). قال الإمام النووي:\" والمقصود أنهم يحشرون كما خلقوا لا شيء معهم، ولا يفقد منهم شيء حتى الغرلة تكون معهم\" (^٣).\nوالحكمة كما قال أبو الوفاء بن عقيل:\" حشفة الأقلف موقاه بالقلفة فتكون أرق، فلما أزالوا تلك القطعة في الدنيا، أعادها الله تعالى، ليذيقها من حلاوة فضله\" (^٤).\nويقول الإمام السيوطي:\" قوله: غرلًا: أي غير مختونين، ترد إليه الجلدة التي قطعت بالختان، وكذلك يرد إليه كل جزء فارقه، كالشعر والظفر ... ليذوق نعيم الثواب أو أليم العقاب\" (^٥).\nوأما قوله (بهما): وردت في حديث عبد الله بن أنيس قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» - أَوْ قَالَ: الْعِبَادُ - «عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا» قَالَ: قُلْنَا: وَمَا بُهْمًا؟ قَالَ: «لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ» ... (^٦).\n_________\n(^١) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، (١٠/ ٤١٧)، الرازي: مفاتيح (٢١/ ٤٧٠)\n(^٢) عياض اليحصبي: مشارق الأنوار: (٢/ ١٣٢)، ابن منظور: لسان العرب: (١١/ ٤٩٠)، ابن قتيبة: غريب: ص (٥٥٨)\n(^٣) النووي: شرح مسلم، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٢ - ١٣٩٢ هـ (١٧/ ١٩٢)\n(^٤) ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ هـ (١١/ ٣٨٤).\n(^٥) السيوطي: البدور الساخرة، دار المعرفة - بيروت، ط ١ ١٤٢٦ هـ، ص (٥٢).\n(^٦) أخرجه أحمد في المسند ح (١٦٠٤٢)، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢١ هـ (٢٥/ ٤٣١).","vol":"1","page":403},{"text":"قال أبو عبيد في تفسير هذا اللفظ:\" فمعناه عندي: أنه أراد بقوله (بهما) يقول: ليس فيهم شيء من الأعراض والعاهات التي تكون في الدنيا من العمى والعور والعرج والجذام والبرص وغير ذلك، من صنوف الأمراض والبلاء، ولكنها أجساد مبهمة مصححة لخلود الأبد\" (^١).\nوأما قوله: (عراة): وهو من لا ثوب له على جسده، وهذا صريح ما ورد في الأحاديث، وهو أن الخلائق تحشر عراة، يقول الإمام القرطبي: \"والأخبار دالة ثابتة، على أن جميع الناس يخرجون عراة ويحشرون كذلك \" (^٢).\nوقد عارض هذا الباب ما رواه أبو داود في سننه عن أبي سعيد الخدري ﵁، لما حضرته الوفاة دعا بثياب جدد فلبسها وقال: سمعت رسول الله - ﷺيقول: «إِنَّ الْمَيِّتَ يُبْعَثُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي يَمُوتُ فِيهَا» (^٣)، فذهب بعض العلماء بناء على هذا الحديث، إلى أنه يعاد خلق ثيابه له كما يعاد خلقه وذهب البعض إلى أن هذا القول خرج على المجاز (^٤).\nوأجاب العلماء عن هذا الحديث لمعارضته الأحاديث المتقدمة في بعث الناس حفاة عراة غرلا بأجوبة (^٥):\n١ - أنها تبلى بعد قيامهم من قبورهم، فإذا وافوا الموقف يكونون عراة ثم يلبسون من ثياب الجنة.\n٢ - أنه إذا كسي الأنبياء ثم الصديقون ثم من بعدهم على مراتبهم فتكون كسوة كل إنسان من جنس ما يموت فيه، ثم إذا ادخلوا الجنة لبسوا من ثياب الجنة.\n٣ - أن ا لمراد بالثياب هاهنا: الأعمال، أي: يبعث في أعماله التي مات فيها من خير أو شر.\n_________\n(^١) ابن منظور: لسان العرب: (١٢/ ٥٩)، ابن الجوزي: التبصرة، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٠٦ هـ، (٢/ ٢٢٩)، الأزهري: تهذيب اللغة: (٦/ ١٧٧).\n(^٢) القرطبي: التذكرة، دار المنهاج - الرياض، ط ١ ١٤١٥ هـ، ص (٤٤٩)\n(^٣) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الجنائز، باب ما يستحب من تطهير ثياب الميت عند الموت ح (٣١١٤).\n(^٤) ابن عبد البر: الاستذكار، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٢١ هـ (٥/ ٩٨)\n(^٥) البيهقي: شعب الإيمان: ص (٥٤٩)، الخطابي: غريب الحديث ص (٦١٣)، المنذري: الترغيب: ... (٤/ ٢٠٥)، السيوطي: البدور الساخرة، ص (٥٣).","vol":"1","page":404},{"text":"٤ - وقيل: يحمل على الشهيد الذي أُمر أن يزمل في ثيابه، ويدفن فيها، ولا يغسل عنه دمه، ولا يغير عليه شيء من حاله.\nيقول الحافظ العراقي:\" ويحتمل أن أبا سعيد ﵁، إنما نزع الثياب التي كانت عليه، لنجاسة فيها إما محققة، وإما مشكوكة، فأراد أن يكون بثياب محققة الطهارة، وهذا من جملة الأعمال المأمور بالمحافظة عليها، ولا سيما عند انختام الآجال، فإن الإنسان محثوث على أن يختم أعماله بالصالحات في جميع الأمور \" (^١).وهذا الذي ورد في خروج الناس للقيامة عراة لا يعارض ما جاء من أحاديث من أن الموتى يتزاورن في أكفانهم فإن التزاور يكون في البرزخ، فإذا قاموا من قبورهم خرجوا عراة ما عدا الشهداء ذكره الإمام القرطبي (^٢).\n_________\n(^١) العراقي: طرح التثريب، مكتبة الباز - مكة، ط ١ ١٤٢٤ هـ (٧/ ٢٠١)\n(^٢) القرطبي: التذكرة، دار المنهاج - الرياض، ط ١ ١٤١٥ هـ، ص (٥٣٧)","vol":"1","page":405},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>المبحث الثاني: أحداث القيامة الكبرى</span>،\nوفيه تسعة مطالب:\n١ - دنو الشمس، ولجوم العرق.\n٢ - إثبات الميزان.\n٣ - نشر الدواوين.\n٤ - الحساب يوم القيامة.\n٥ - الحوض المورود.\n٦ - الصراط.\n٧ - القنطرة بين الجنة والنار.\n٨ - أول من يستفتح باب الجنة، وأول الأمم دخولا الجنة.\n٩ - إثبات الشفاعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>المطلب الأول دنو الشمس ولجوم العرق</span>\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية: \"وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه وعلى لسان رسوله وأجمع عليها المسلمون فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلا، وتدنوا منهم الشمس ويلجمهم العرق\"\" (^١).\nوهذا الذي حكاه الإمام ابن تيمية عن أهوال القيامة من دنو الشمس من أهل الموقف حتى يلجمهم العرق إلجامًا، هو الأمر المستقر عند السلف الذي لم يحك عنهم خلافه ودلت عليه الدلائل الشرعية الصحيحة.\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (٣/ ١٤٥)","vol":"1","page":406},{"text":"فأخرج الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عمر، أن النبي - ﷺ - قال: «إِنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو يَوْمَ القِيَامَةِ، حَتَّى يَبْلُغَ العَرَقُ نِصْفَ الأُذُنِ» (^١).\nعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين: ٦] قَالَ: «يَقُومُ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ» (^٢).\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺقَالَ: «يَعْرَقُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ فِي الأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا، وَيُلْجِمُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ آذَانَهُمْ» (^٣).\nوأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن المقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺيَقُولُ: «تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْخَلْقِ حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ» - قَالَ سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ: فَوَاللهِ مَا أَدْرِي مَا يَعْنِي بِالْمِيلِ؟ أَمَسَافَةَ الْأَرْضِ، أَمِ الْمِيلَ الَّذِي تُكْتَحَلُ بِهِ الْعَيْنُ - قَالَ: «فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ إِلْجَامًا» قَالَ: وَأَشَارَ رَسُولُ اللهِ - ﷺبِيَدِهِ إِلَى فِيهِ (^٤).\nدل مجموع هذه الأحاديث الصحيحة على أمور:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب من يسأل الناس تكثرًا ح (١٤٧٥).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب قول الله تعالى: (ألا يظن أولئك أنهم مبعثون) ح (٦٥٣١)، دار طوق النجاة، ط ١ - ١٤٢٢ هـ.\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب قول الله تعالى: (ألا يظن أولئك أنهم مبعثون) ح (٦٥٣٢)، دار طوق النجاة، ط ١ - ١٤٢٢ هـ.\n(^٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة، باب في صفة يوم القيامة ح (٢٨٦٤).","vol":"1","page":407},{"text":"١ - أن الشمس تدنو من الخلائق يوم القيامة، بمعنى: تقرب، وجاء في الحديث: «أن الشمس تدنو كمقدار ميل»، وفي رواية الترمذي بالشك: «حَتَّى تَكُونَ قِيدَ مِيلٍ أَوْ اثْنَيْنِ»، يعني: أو ميلين.\nوالميل: اسم مشترك بين مسافة الأرض، والمرود الذي تكحل به العين ولذا أشكل المراد على سليم بن عامر (^١). ورجح جماعات أن المراد: ميل المسافة، لأنها إذا كان بينها وبين الرؤوس مقدار المرود، فهي متصلة بالرؤوس لقلة مقدار المرود (^٢).\n٢ - أن الناس يكونون على قدر أعمالهم السيئة في العرق، وقد جاء في الحديث الصحيح: «يَقُومُ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ» (^٣).\nقال الإمام ابن العربي:\" الرشح، العرق، لأنه يخرج من البدن شيئًا فشيئًا كما يرشح الإناء المتخلل الأجزاء\" (^٤).\n«فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ إِلْجَامًا».\nوهذا هول من أهوال القيامة، وحال من أحوالها، الذي يجب الإيمان به فالناس على قدر أعمالهم، يكونون في رشحهم. وهذا الرشح والعرق يحتمل أن يكون المراد به: عرق الإنسان نفسه خاصة، ويحتمل أن يكون عرق نفسه وغيره (^٥).\n_________\n(^١) القرطبي: المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم، دار ابن كثير - دمشق، ط ٥ ١٤٣١ هـ (٧/ ١٥٤).\n(^٢) القرطبي: المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم، دار ابن كثير - دمشق، ط ٥ ١٤٣١ هـ (٧/ ١٥٤).\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الجنة: باب صفة يوم القيامة ح (٢٨٦٢).\n(^٤) ابن العربي: عارضة الأحوذي، مكتبة ابن تيمية - القاهرة، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٩/ ٢٦٣)\n(^٥) القاضي عياض: إكمال المعلم بفوائد مسلم، دار الوفاء -مصر ط ٢ - ١٤٢٥ هـ (٨/ ٣٩٣).","vol":"1","page":408},{"text":"وأما سبب كثرة العرق: لتراكم الأهوال، ودنو الشمس من رؤوسهم وزحمة بعضهم بعضًا، وما يكون في الموقف الرهيب من شدة الضغط وتزاحم الناس، وحر الشمس وحرارة الأنفاس وحرارة النار المحدقة بأرض المحشر (^١).\nوأورد البعض إشكالًا مفاده: إن كان العرق كالبحر يلجم البعض فيكف يصل إلى كعب الآخر؟\nوأجيب عن هذا الإشكال بأوجه منها (^٢):\nأ. يجوز أن يخلق الله تعالى ارتفاعًا في الأرض التي تحت قدم كل إنسان بحسب عمله، فيرتفع عن الأرض بحسب ارتفاع ما تحته.\nب. أن يحشر الناس جماعات متفرقة، فيحشر كل من يبلغ عرقه إلى كعبيه في جهة، وكل من يبلغ حقويه في جهة، وهكذا، والقدرة صالحة لأن تمسك عرق كل إنسان عليه بحسب عمله، فلا يتصل بغيره وإن كان بإزائه، كما أمسك جرية البحر لموسى ﵇، حيث طلب لقاء الخضر، ولنبي إسرائيل حين اتبعهم فرعون.\nوجزم الشيخ على القاري بالقول الثاني فقال: \"المعتمد هو القول الأخير فإن أحد الآخر كله على وفق خرق العادة، أما ترى أن شخصين في قبر واحد يعذب أحدهما وينعم الآخر، ولا يدري أحدهما عن غيره\" (^٣).\nوفي هذا يقول الإمام ابن العربي:\" كل أحد يقوم عرقه معه، وهو خلاف المعتاد في الدنيا، فإن الجماعة إذا وقفوا في الأرض المعتدلة، أخذهم الماء أخذًا ولا يتناوبون، وهذا من القدرة التي تخرق العادات، والإيمان بها من الواجبات \" (^٤).\n_________\n(^١) القاضي عياض: إكمال المعلم، دار الوفاء -مصر ط ٢ - ١٤٢٥ هـ (٨/ ٣٩٣)\n(^٢) ابن الملقن: التوضيح، دار النوادر -دمشق ط ١ ١٤٢٩ هـ (٢٣/ ٥٠٨).\n(^٣) القاري: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، دار الفكر - بيروت، ط ١ ١٤٢٢ هـ (٨/ ٣٥١٧).\n(^٤) ابن الملقن: التوضيح، دار النوادر -دمشق ط ١ ١٤٢٩ هـ (٢٣/ ٥٠٨).","vol":"1","page":409},{"text":"٣ - أن هذا الموقف موقف رهيب عظيم، فليس \"ببعيد أن يكون الناس كلهم في صعيد واحد، وموقف سواء يشرب بعضهم من الحوض ومن غيره وكذا حكم النور، والغرق يغرق في عرقه، أو يبلغ منه ما شاء الله، جزاء لسعيه في الدنيا، والآخر في ظل العرش، كما في الدنيا، يمشي المؤمن بنور إيمانه في الناس، بخلاف الكافر والمؤمن في الوقاية بخلافه، والمؤمن يروى ببرد اليقين والهداية، بخلاف المبتدع، وكذا الأعمى\" (^١)، ويكفي القول بأن \"هذا المقام مقام هائل لا تفي بهوله العبارات، ولا تحيط به الأوهام ولا الإشارات، وأبلغ ما نطق به في ذلك الناطقون: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨)﴾ [ص:٦٧ - ٦٨] \" (^٢).\nأهل الإيمان واليقين في معزل عن هذا الأذى، قال الإمام ابن عبد البر:\" من كان في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله، نجا من هول ذلك الموقف إن شاء الله \" (^٣)، وما أجمل ما سطرته يراع الإمام الغزالي في هذا المشهد قائلًا: \"اعلم أن كل عرق لم يخرجه التعب في سبيل الله من حج وجهاد وصيام وقيام وتردد في قضاء حاجة مسلم وتحمل مشقة في أمر بمعروف ونهي عن منكر، فسيخرجه الحياء والخوف في صعيد القيامة ويطول فيه الكرب، ولو سلم ابن آدم من الجهل والغرور، لعلم أن تعب العرق في تحمل مصاعب الطاعات أهون أمرًا وأقصر زمانًا من عرق الكرب والانتظار في القيامة، فإنه يوم عظيمة شدته طويلة مدته\" (^٤).\n_________\n(^١) ابن الملقن: التوضيح، دار النوادر -دمشق ط ١ ١٤٢٩ هـ (٢٣/ ٥٠٨).\n(^٢) القرطبي: المفهم، دار ابن كثير - دمشق، ط ٥ ١٤٣١ هـ (٧/ ١٥٧)\n(^٣) ابن عبد البر: التمهيد، وزارة عموم الأوقاف - المغرب، ١٣٨٧ هـ، (٢/ ٢٨٣).\n(^٤) الغزالي: إحياء علوم الدين، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (٤/ ٥١٥).","vol":"1","page":410},{"text":"ولذا من تأمل الحالة المذكورة في الأحاديث عرف عظم الهول والشدة في الموقف، \"وذلك أن النار تحف بأرض الموقف، وتدني الشمس من الرؤوس قدر ميل، فكيف تكون حرارة تلك الأرض وماذا يرويها من العرق حتى يبلغ منها سبعين ذراعًا مع أن كل واحد لا يجد إلا موضع قدمه، فكيف تكون حالة هؤلاء في عرقهم مع تنوعهم فيه، إن هذا لمما يبهر العقول، ويدل على عظيم القدرة، وفائدة الإخبار بذلك:\nأن يتنبه السامع فيأخذ في الأسباب التي تخلصه من تلك الأهوال ويبادر إلى التوبة من التبعات، ويلجأ إلى الكريم الوهاب في عونه على أسباب السلامة، ويتضرع إليه في سلامته من دار الهوان وإدخاله دار الكرامة منه وكرمه\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>المطلب الثاني إثبات الميزان</span>\nيقول الإمام ابن تيمية في الواسطية: \"وتنصب الموازين فتوزن فيها أعمال العباد: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾ [الأعراف:٩] (^٢).\nوهذا الذي قرره الإمام ابن تيمية في رسالته هو المستقر عند الأمة وعلمائها ودلت عليه النصوص الشرعية، والكلام عن الميزان ينتظم المسائل التالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117><span data-type=\"title\" id=toc-118>المسألة الأولى: حكاية إجماع العلماء وأقوالهم في إثبات الميزان:</span></span>\nأجمع علماء الأمة من أهل السنة على إثبات الميزان، واستفاضت أقوالهم وتتابعت مؤلفاتهم، لبيان دلائله ومسائله.\nوالإيمان بالميزان واجب، قال الإمام ابن ناصر الدين الدمشقي: \"والإيمان بثبوت الميزان واجب على الأمة، صرح به غير واحد من الأئمة، وقال: وإثبات ميزان الآخرة مذهب الفرقة الناجية القاهرة، ومن خالفهم بمخالفة الشريعة، ونبز بالبدعة الشنيعة\" (^٣).\nوممن حكى الإجماع على إثبات الميزان:\n_________\n(^١) ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ هـ (١١/ ٣٩٥).\n(^٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (٣/ ١٤٥)\n(^٣) ابن ناصر الدين: منهاج السلامة في ميزان القيامة، دار ابن حزم - بيروت ص (٥٨ - ١٣٠)","vol":"1","page":411},{"text":"قال أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي:\" سألت أبي وأبا زرعة عن مذهب أهل السنة في أصول الدين وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار وما يعتقدون من ذلك فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازًا وعراقًا ومصر وشامًا ويمنًا، وكان من مذهبهم .. والميزان حق الذي له كفتان يوزن فيه أعمال العباد حسنها وسيئها حق\" (^١).\nوقال الإمام ابن بطة: \"وقد اتفق أهل العلم بالأخبار والعلماء والزهاد والعباد في جميع الأمصار، أن الإيمان بذلك - الميزان - واجب لازم \" (^٢). ... وقال الإمام أبو الحسن الأشعري:\" وأجمعوا على ... أن الله تعالى ينصب الموازين لوزن أعمال العباد \" (^٣).\nوقال العلامة الإيجي: \"والميزان حق، وأجمع عليه المسلمون قبل ظهر المخالف\" (^٤).\nوالمنقول عن الأئمة في إثبات الميزان كثير، وقد ذكره الأئمة في بيان معتقداتهم وأفاضوا في بيان أدلته، قال الإمام ابن بطال: \" أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان\" (^٥).\nوقال العلامة القصري:\" فإن الإجماع من أهل السنة على الإيمان به\" (^٦).\nقال زهير بن عباد:\" كل من أدركت من المشايخ: مالك، وسفيان وفضيل، وعيسى بن يونس، وابن المبارك، ووكيع بن الجراح، كانوا يقولون: الميزان حق\".\n_________\n(^١) اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة، دار طيبة - السعودية، ط ٨ ١٤٢٣ هـ (١/ ١٩٧)\n(^٢) ابن بطة: الشرح والإبانة، الدار الأثرية - عمان، ط ١ ١٤٣٠ هـ، ص (٢٠٣)\n(^٣) الأشعري: رسالة إلى أهل الثغر، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية ص (١٦١)\n(^٤) الإيجي: المواقف، دار الجيل - بيروت، ط ١ ١٤١٧ هـ (٣/ ٥٢٢)\n(^٥) ابن بطال: شرح صحيح البخاري، مكتبة الرشد - الرياض، ط ٢ - ١٤٢٣ هـ (١٠/ ٥٥٩).\n(^٦) القصري: شعب الإيمان، ت: سيد كسروي، ص (٥٩٩)","vol":"1","page":412},{"text":"وقال ابن وضاح:\" سألت يحيى بن معين عنه فقال: حق \" (^١). وهو الوارد عن بقية جماعات السلف، رحمهم الله تعالى (^٢).\nوالخلاصة كما قال الإمام السفاريني:\" وأما الإجماع فأجمع أكابر محققي هذه الأمة من أهل السنة، بان الإيمان بالميزان حق واجب، وفرض لازب لثبوته بالسماع وعدم استحالة ذلك عقلًا، وهو مذهب أهل السنة \"، ويقول الإمام أبي زمنين: \"وأهل السنة يؤمنون بالميزان يوم القيامة\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>المسألة الثانية: أدلة ثبوته في الكتاب والسنة:</span>\n(أ) أدلة ثبوت الميزان في القرآن الكريم:\nحفلت آيات الكتاب العزيز بذكر جملة من الأدلة المثبتة للميزان الذي يوزن به الأعمال يوم القيامة، يقول الإمام ابن الجوزي:\" والقول بالميزان مشهور في الحديث، وظاهر القرآن ينطق به\" (^٤).\nقال الله جل وعلا: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾ [الأعراف:٨ - ٩].\n﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء:٤٧].\n_________\n(^١) ابن أبي زمنين: أصول السنة، مكتبة الغرباء - السعودية، ط ١ ١٤١٥ هـ، ص (١٦٥)\n(^٢) انظر: اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة: (١/ ١٧٥ - ١٨٥)، البربهاري: شرح السنة: ص ... (٤٢)، ابن أبي العز: شرح الطحاوية: ص (٤١٦)، ابن قدامة: لمعة الاعتقاد: ص (٣٢).\n(^٣) السفاريني: لوامع الأنوار السنية: (٣/ ١٧٩)، ابن أبي زمنين: أصول السنة: ص (١٦٢)\n(^٤) ابن الجوزي: زاد المسير، دار الكتاب العربي - بيروت ن ط ١ ١٤٢٢ هـ (٢/ ١٠٣).","vol":"1","page":413},{"text":"﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣)﴾ [المؤمنون:١٠٢ - ١٠٣].، ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩)﴾ [القارعة: ٦ - ٩].\nهذه الآيات تدل على إثبات ميزان القيامة الحقيقي، وأهل التفسير على أن المراد بقوله جل وعلا: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ أنه الميزان، قال عمرو دينار: قوله: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ إنا نرى ميزانًا وكفتين، ورجحه الإمام الطبري وصوبه، وهو الذي عليه جماعات أهل التفسير (^١).\n(ب) أدلة ثبوت الميزان في السنة المطهرة:\nبلغت الأحاديث الواردة في الميزان إلى حد التواتر، وقد استفاضت واشتهرت بين أئمة هذا الشأن.\nيقول الإمام السفاريني عن أحاديث الميزان: \"وقد بلغت أحاديثه مبلغ التواتر، وانعقد إجماع أهل الحق من المسلمين عليه\" (^٢).\nويقول الإمام أبو بكر بن أبي عاصم: \"الأخبار التي في ذكر الميزان أخبار كثيرة صحاح، لا تذهب عن أهل المعرفة بالأخبار؛ لكثرتها وصحتها وشهرتها، وهي من الأخبار التي توجب العلم على ما ذكرنا \" (^٣).\nوذكر الإمام عبد القاهر البغدادي، أن أحاديث الميزان من الأحاديث المستفيضة بين أئمة الحديث وهم مجمعون على صحتها (^٤).\n_________\n(^١) الطبري: جامع البيان: ص (١٢/ ٣١١)، القرطبي: الجامع لأحكام القرآن:، (٧/ ١٦٥)\n(^٢) ابن أبي عاصم: السنة، المكتب الإسلامي، ط ١١٤٠٠ هـ (٢/ ٣٦٣)\n(^٣) السفاريني: لوامع الأنوار البهية، مكتبة الخافقين - دمشق، ط ٢ - ١٤٠٢ هـ (٢/ ١٨٥)\n(^٤) البغدادي: الفرق بين الفرق، دار الآفاق الجديدة - بيروت، ط ٢ - ١٩٧٧ م، ص (٣١٤).","vol":"1","page":414},{"text":"ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺقال: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ» (^١).\nوأخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَان ..» (^٢).\nوأخرج أبو داود في سننه من حديث أبي الدرداء عن الني - ﷺقال: «مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ» (^٣).\nوأخرج الإمام أحمد في المسند من حديث علي ﵁ قال: أَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺابْنَ مَسْعُودٍ فَصَعِدَ عَلَى شَجَرَةٍ أَمَرَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ مِنْهَا بِشَيْءٍ، فَنَظَرَ أَصْحَابُهُ إِلَى سَاقِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ حِينَ صَعِدَ الشَّجَرَةَ، فَضَحِكُوا مِنْ حُمُوشَةِ سَاقَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا تَضْحَكُونَ؟ لَرِجْلُ عَبْدِ اللهِ أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أُحُدٍ» (^٤).\nوالمتتبع لكتب السنة، يجد أحاديث إثبات الميزان مبثوثة فيها، ولذا ترجم له الأئمة في مصنفاتهم، وذكروا أخباره وأحواله.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب فضل التسبيح ح (٦٤٠٦)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر، باب فضل التهليل والتسبيح ح (٢٦٩٤).\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء ح (٢٢٣).\n(^٣) أخرج أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب في حسن الخلق ح (٤٧٩٩).\n(^٤) أخرجه أحمد في المسند ح (٩٢٠٠)، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢١ هـ (٢/ ٤٣)","vol":"1","page":415},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>المسألة الثالثة: المنكرون للميزان:</span>\nمع توافر الأدلة وتضافرها في إثبات الميزان، إلا أن بعض الناس أنكره، أو أنكر بعض صفاته الواردة في الأحاديث الصحيحة.\nوقد حكى الإمام أبو الحسن الأشعري الخلاف بين الإسلاميين في إثبات ا لميزان من عدمه (^١).\nفمنهم من أنكر الميزان جملة وتفصيلًا، ومنهم من أثبته ثم نفى بعض صفاته ومنهم من أثبته ميزانًا مجردًا عن كل وصف (^٢). وقد نسب الأئمة إنكار الميزان للجهمية والمعتزلة والخوارج والمرجئة والفلاسفة:\nقال الإيجي:\" وأما الميزان فأنكره المعتزلة عن آخرهم \" (^٣). وقال ابن ناصر الدين الدمشقي: \"وقوم من قدماء المعتزلة يقال لهم: الوزنية، أنكروا الميزان وقالوا: إنما هو العدل، وهو اختيار الجهمية \" (^٤).\nوقال الجيلاني:\" وقد أنكرت المعتزلة مع المرجئة والخوارج ذلك، فقالت: إن معنى الميزان: العدل دون موازنة الأعمال\" (^٥). وقال الملطي: \"وأنكر الجهم الميزان \" (^٦).\nويشار في هذا المقام إلى أن ما نسب إلى المعتزلة من إنكار الميزان، أو تأويله بمعنى العدل، هو خلاف المنقول عن أئمتهم كالقاضي عبد الجبار، فإنه نص في كتابه شرح الأصول الخمسة: على إثبات الميزان، بل وغلا في إثباته، ورد على من يتأوله بمعنى العدل (^٧).\nفربما يكون منقول عن بعضهم، كما نقله ابن ناصر الدين الدمشقي، أو لا تصح النسبة إليهم به.\nوللمنكرين للميزان شبهات متهافتة تعلقوا بها، لينفوا ما ثبت بالتواتر من أخبار الميزان، وأكبر هذه الشبه:\n* أنه لا فائدة من نصب الميزان إلا وزن الأعمال، وذلك متعذر؛ لأنها إما أن توزن في حال عدمها، أو بعد عدمها، والأول محال جدًا، وكذا الثاني محال.\nثم لو قدر إعادة الأعراض المتجددة، فوزنها أيضًا متعذر، وحركه الميزان بها ممتنعة (^٨).\n_________\n(^١) الأشعري: مقالات الإسلاميين، المكتبة العصرية، ط ١ ١٤٢٦ هـ، ص (٢/ ٢٥٤).\n(^٢) انظر: عواجي: الحياة الآخرة، دار لينة- مصر، ط ١ ١٤١٧ هـ (٣/ ١١٠٧)\n(^٣) الإيجي: المواقف، دار الجيل - بيروت، ط ١ ١٤١٧ هـ (٣/ ٤٦٨).\n(^٤) ابن ناصر الدين: منهاج السلامة، دار ابن حزم - بيروت، ط ١ ١٤١٦ هـ، ص (١٢٧).\n(^٥) الجيلاني: الغنية، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ١ ١٤١٦ هـ (١/ ٧٢).\n(^٦) الملطي: التنبيه والرد، المكتبة الأزهرية للتراث -مصر، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، ص (١١٠).\n(^٧) عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة، مكتبة وهبة، ط ١ ١٣٨٤ هـ، (٧٣٥).\n(^٨) الآمدي: غاية المرام، ت: حسن محمود عبد اللطيف، (١/ ٣٠٢).","vol":"1","page":416},{"text":"وأجيب عن هذه الشبهة بما يلي:\nأ. أن إنكار الميزان بناء على إنكار حصول الفائدة، هذا مأخوذ من الأصول الفاسدة التي توجب الغرض في أفعال الله تعالى وهو باطل، وهذا الرد تقلده أئمة الأشاعرة، وهو رد عليل؛ لأنه مبني كذلك على أصلهم الفاسد في نفي الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى، ولزم كلا الفريقين لوازم باطلة.\nوأهل السنة والجماعة يثبتون الحكمة والتعليل، ولكنها تتضمن أمرين:\nأحدهما: حكمة تعود إلى الله تعالى يحبها ويرضاها، وهذا ما ينفيه المعتزلة.\nالثانية: حكمة تعود إلى عباده، وهي نعمه عليهم يفرحون بها ويلتذون في المأمورات والمخلوقات.\nب. قد ذكر العلماء أن لنصب الميزان حكم متعددة، \"لولم يكن من الحكمة في وزن الأعمال إلا ظهور عدله سبحانه لجميع عباده، فإنه لا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين\" (^١) لكفى ومع ذلك ذكر الأئمة أقوالًا واجتهادات في بيان أوجه الحكمة في نصب الميزان، هي مجرد استنباطات، وتبقى حقيقة علم ذلك إلى الله تعالى (^٢).\nفمما قيل في أوجه الحكمة:\n- امتحان الخلق بالإيمان بذلك في الدنيا.\n- إظهار علامة السعادة الشقاوة يوم القيامة.\n- ليعرف العباد مالهم من خير وشر.\n- لإقامة الحجة عليهم، وإظهار الإنصاف وقطع المعذرة (^٣).\n_________\n(^١) ابن أبي العز: شرح الطحاوية، وزارة الأوقاف السعودية، ط ١ ١٤١٨ هـ، ص (٤١٩).\n(^٢) عواجي: الحياة الآخرة، دار لينة- مصر، ط ١ ١٤١٧ هـ (٣/ ١١٥٧).\n(^٣) ابن الجوزي: زاد المسير: (٢/ ١٠٣)، الرازي: مفاتيح الغيب: (١٤/ ٢٠٣)، ابن ناصر الدين: منهاج السلامة: ص (١١٩)، أبو حيان: البحر المحيط: تحقيق صدقي جميل، ص (٥/ ١٤)","vol":"1","page":417},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>المسألة الرابعة: صفات الميزان:</span>\nالميزان في القيامة من مسائل الغيب التي لا تثبت إلا بالدلائل الشرعية فميزان القيامة حق لا شك فيه، دلت عليه نصوص الوحيين، نؤمن به دون كيفية، يقول الإمام ابن حزم:\" الموازين حق، توزن فيها أعمال العباد، نؤمن بها ولا ندري كيف هي؟ \" (^١). ويقول الإمام ابن تيمية:\" وأما كيفية تلك الموازين، فهو منزلة كيفية سائر ما أخبرنا به من الغيب\" (^٢).\nوهل ثبت في الآثار الصحيحة شيء من صفات الميزان؟\n- أما ما يتعلق بصفات الميزان فالثابت منه:\nأ. ما ورد في السنة الشريفة المطهرة من أن الميزان له كفتان، توضع فيهما الحسنات والسيئات ودليله:\nحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِنَّ اللَّهَ سَيُخَلِّصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُءُوسِ الخَلَائِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلُ مَدِّ البَصَرِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الحَافِظُونَ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: أَفَلَكَ عُذْرٌ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً، فَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ اليَوْمَ فَتَخْرُجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَيَقُولُ: احْضُرْ وَزْنَكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ مَا هَذِهِ البِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ فَقَالَ: إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ \"، قَالَ: «فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كَفَّةٍ وَالبِطَاقَةُ فِي كَفَّةٍ فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتِ البِطَاقَةُ، فَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ» (^٣).\n_________\n(^١) ابن حزم: المحلى، دار الفكر - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتاريخها (١/ ٣٦)\n(^٢) ابن تيمية: المسائل والأجوبة، دار الفاروق الحديثة - مصر، ط ١ ١٤٢٥ هـ، ص (١١١)\n(^٣) أخرجه الترمذي أبواب صفة الجنة، باب ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله ح (٢٦٣٩).","vol":"1","page":418},{"text":"وعن ابن عمر ﵄، قال: خرج إلينا رسول الله - ﷺ - ذات يوم فقال: «رأيت آنفًا كأني أعطيت المقاليد والموازين، فأما المقاليد فهي المفاتيح فوضعت في كفة، ووضعت أمتي في كفة، فرجحت لهم، ثم جيء بأبي بكر فرجح بهم، ثم جيء بعمر فرجح بهم، ثم جيء بعثمان فرجح بهم، ثم رفعت، فقال له رجل: فأين نحن؟ قال: أنت حيث جعلتم أنفسكم» (^١).\nواستدل بهذا الحديث جماعة من الأئمة، منهم الإمام الآجري في الشريعة (^٢).\nوأخرج الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمرو ﵄، أن النبي - ﷺ - قال: «إِنَّ نَبِيَّ اللهِ نُوحًا ﷺ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ لِابْنِهِ: إِنِّي قَاصٌّ عَلَيْكَ الْوَصِيَّةَ: آمُرُكَ بِاثْنَتَيْنِ، وَأَنْهَاكَ عَنِ اثْنَتَيْنِ، آمُرُكَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَإِنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ، وَالْأَرْضِينَ السَّبْعَ، لَوْ وُضِعَتْ فِي كِفَّةٍ وَوُضِعَتْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فِي كِفَّةٍ، رَجَحَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» (^٣).\nوجاء في الرواية الأخرى التصريح بكفة الميزان وفيها: «فَإِنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا فِيهِمَا لَوْ وُضِعَتْ فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ، وَوُضِعَتْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فِي الْكِفَّةِ الْأُخْرَى، كَانَتْ أَرْجَحَ» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ح (٥٤٦٩)، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢١ هـ (٩/ ٣٣٨)\n(^٢) الآجري: الشريعة، دار الوطن - الرياض، ط ٢ - ١٤٢٠ هـ (٣/ ١٣٤٠)\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ح (٦٥٨٣)، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢١ هـ (١١/ ١٥٠)\n(^٤) أخرجه أحمد في المسند ح (٧١٠١)، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢١ هـ (١١/ ٦٧١).","vol":"1","page":419},{"text":"وعن أبي سعيد الخدري ﵁، عن رسول الله - ﷺقال: «يا رَبِّ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَذْكُرُكَ بِهِ وَأَدْعُوكَ بِهِ، قَالَ: يَا مُوسَى قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: يَا رَبِّ كُلُّ عِبَادِكَ، يَقُولُ هَذَا، قَالَ: قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ يَا رَبُّ، إِنَّمَا أُرِيدُ شَيْئًا تُخُصُّنِي بِهِ، قَالَ: يَا مُوسَى لَوْ كَانَ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَعَامِرُهُنَّ غَيْرِي، وَالْأَرَضِينَ السَّبْعُ فِي كِفَّةٍ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فِي كِفَّةٍ مَالَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (^١).\nقال الإمام محمد بن عبد الوهاب في مسائل كتاب التوحيد، في باب فضل التوحيد وما يكفره من الذنوب: \" المسألة التاسعة عشرة: معرفة أن الميزان له كفتان\" (^٢).\nفهذه الأحاديث صريحة في إثبات الكفات للميزان، وكما دلت عليه السنة دل عليه كلام أئمة السلف ﵃:\nعن سلمان ﵁، قال: (يوضع الصراط يوم القيامة وله حد كحد الموسى، قال، ويوضع الميزان ولو وضعت في كفته السماوات والأرض وما فيهن لوسعتهم، فتقول الملائكة: ربنا لمن تزن بهذا؟ فيقول: لمن شئت من خلقي، فيقولون: ربنا ما عبدناك حق عبادتك) (^٣).\nوقال ابن عباس ﵄: \"توزن الحسنات والسيئات في ميزان له لسان وكفتان\"، وكذا ذكر عن عبد الله بن سلام (^٤).\nوعن عبد الملك بن أبي سليمان قال: ذُكر الميزان عند الحسن فقال: له لسان وكفتان (^٥).\nواستفاضت نقولات العلماء في إثبات ما دلت عليه هذه الأحاديث والآثار:\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في السنن الكبرى، كتاب عمل اليوم والليلة، باب أفضل الذكر وأفضل الدعاء ح (١٠٦٠٢).\n(^٢) عبد الله الدويش: التوضيح المفيد لمسائل كتاب التوحيد، دار العليان، ١٤١١ هـ، ص (٣٨)\n(^٣) الآجري: الشريعة، دار الوطن - الرياض، ط ٢ - ١٤٢٠ هـ (٣/ ١٣٢٨).\n(^٤) القرطبي: التذكرة، دار المنهاج - الرياض، ط ١ ١٤١٥ هـ، ص (٧٢٤).\n(^٥) اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة، دار طيبة - السعودية، ط ٨ ١٤٢٣ هـ (٦/ ١٢٤٥).","vol":"1","page":420},{"text":"قال الإمام الزجاج:\" فإن جاء في الخبر أنه ميزان له كفتان، من حيث ينقل أهل الثقة، فينبغي أن يقبل ذلك \" (^١).\nوقال الإمام ابن بطال: \"أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن يوم القيامة، وأن الميزان له لسان وكفتان\" (^٢).\nوقال الإمام أبو الحسن الأشعري في حكاية إجماعات أهل السنة: \"وأن كفة السيئات تهوي إلى جهنم، وأن كفة الحسنات تهوي عند زيادتها على الجنة\" (^٣) ... وقال الإمام البربهاري عن الميزان:\" له كفتان ولسان\" (^٤).\nوقال الإمامان أبو حاتم وأبو زرعة:\" أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازًا وعراقًا وشامًا ويمنًا، فكان من مذهبهم ... والميزان حق، له كفتان توزن فيه أعمال العباد، حسنها وسيئها حق \" (^٥).\nوقال العلامة ابن أبي العز: \"والذي دلت عليه السنة أن ميزان الأعمال له كفتان حسيتان مشاهدتان \" (^٦).\nوقال العلامة العيني: \"قال أهل السنة: إنه جسم محسوس ذو لسان وكفتين\" (^٧) ٠).\nوقال العلامة ابن علان:\" وفي كيفيته أقوال: الأصح أنه جسم محسوس ذو لسان وكفتين\" (^٨).\nوقال العلامة السفاريني: \"قال علماؤنا كغيرهم: نؤمن بأن الميزان الذي توزن به الحسنات والسيئات حق، قالوا: وله لسان وكفتان توزن به صحائف الأعمال\" (^٩).\n_________\n(^١) الزجاج: معاني القرآن، عالم الكتب - بيروت، ط ١ ١٤٠٨ هـ، ص (٢/ ٣١٩).\n(^٢) ابن بطال: شرح صحيح البخاري، مكتبة الرشد - الرياض، ط ٢ - ١٤٢٣ هـ (١٠/ ٥٥٩).\n(^٣) الأشعري: رسالة إلى أهل الثغر، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، ص (١٦١)\n(^٤) البربهاري: شرح السنة، مكتبة الغرباء - السعودية، ط ١ ١٤١٤ هـ، ص (٤٢)\n(^٥) اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة، دار طيبة - السعودية، ط ٨ ١٤٢٣ هـ (١/ ١٩٧)\n(^٦) ابن أبي العز: شرح الطحاوية، وزارة الأوقاف السعودية، ط ١ ١٤١٨ هـ، ص (٤١٧)\n(^٧) العيني: عمدة القاري، دار إحياء التراث العربي - بيروت (٢٥/ ٢٠٢).\n(^٨) ابن علان: دليل الفالحين، دار المعرفة - بيروت، ط ٤ ١٤٢٥ هـ (٧/ ٢٠٥)\n(^٩) السفاريني: لوامع الأنوار، مكتبة الخافقين - دمشق، ط ٢ - ١٤٠٢ هـ (٢/ ١٨٤)","vol":"1","page":421},{"text":"وقد خالف البعض فيما ورد من صفات الميزان:\nوممن خالف في ذلك: الإمام ابن حزم، فقال: \"ولم يأت عنه ﵇ شيء يصح في صفة الميزان، ولو صحّ عنه ﵇، لقلنا به \"، ثم رد على من يثبت أن للميزان كفتين، فقال:\" وأما من قال بما لا يدري في قياسه، إذ في موازين الدنيا مالا كفة له كالقرطسون\" (^١).\nوكذا قال العلامة محمد رشيد رضا: \"إذا لم يكن في الصحيحين ولا في كتب السنن المعتمدة حديث صحيح مرفوع في صفة الميزان، ولا في أن له كفتين ولسانًا، فلا نغتر بقول الزجاج: إن هذا مما أجمع عليه أهل السنة\" (^٢).\nوما ذكره الإمامان غير مسلّم، وهو مبني على عدم ورود النصوص في إثبات صفات الميزان ومنه الكفتان، وفيما سبق ذكره ونقله، دلالة ظاهرة على إثبات الكفتين للميزان، قال العلامة النفراوي عن الميزان:\" وقد بلغت أحاديثه مبلغ التواتر، وانعقد عليه إجماع أهل الحق، وأنه ميزان حسي، له كفتان ولسان\" (^٣).\nوقد ذكر الإمام الغزالي في عقيدته الإيمان بالميزان، فقال:\" وأن يؤمن بالميزان ذي الكفتين واللسان\"، وهو الوارد عن عمرو بن دينار (^٤).\nقال أنس بن مالك ﵁: (يؤتى بابن آدم يوم القيامة حتى يوقف بين كفتي الميزان، ويوكل به ملك فإن ثقل ميزانه، نادى الملك بصوته يُسمِع الخلائق: سعد فلان بن فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدًا، وإن خف ميزانه نادى الملك بصوته يُسمِع الخلائق: شقي فلان بن فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدًا) (^٥).\n_________\n(^١) ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء، مكتبة الخانجي - القاهرة (٤/ ٥٤).\n(^٢) محمد رشيد رضا: تفسير المنار، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٠ م، (٨/ ٢٨٦)\n(^٣) النفراوي: الفواكه الدواني، دار الفكر - بيروت، ١٤١٥ هـ، (١/ ٨٨)\n(^٤) الغزالي: بداية الهداية ص (٢٨٤) الطبري: جامع البيان ت: أحمد محمد شاكر، ص (١٢/ ٣١١)\n(^٥) الحارث المحاسبي: التوهم في وصف أحوال الآخرة، مكتب التراث - حلب، ص (٢٣)","vol":"1","page":422},{"text":"وذكر أهل التفسير عن داود ﵇، أنه سأل ربه أن يريه الميزان فأراه فلما رآه غُشي عليه ثم أفاق، فقال: يا إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات؟ فقال: يا داود، إني إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة (^١).\n(ب) اللسان: هل ثبت في صفات الميزان أن له لسان؟\nلم يثبت في السنة المطهرة ما يدل على أن للميزان لسان، لكن ورد عن جماعة من السلف، وذكره بعض أهل العلم في عقائدهم.\nوهو الوارد عن ابن عباس ﵄، وعن الحسن البصري، وقد سبق النقل عنهما.\nقال الإمام ابن بطال: \"وأن الميزان له لسان وكفتان\" (^٢).\nوقال الإمام ابن قدامة:\" والميزان له كفتان ولسان توزن به الأعمال\" (^٣).\nوقال الإمام البربهاري:\" والإيمان بالميزان يوم القيامة، يوزن فيه الخير والشر، له كفتان ولسان\" (^٤).\nوقال العلامة علي المنوفي:\" والصحيح الذي عليه السلف، أنه ميزان حسي له كفتان ولسان\" (^٥).\nوقال العلامة النفراوي:\" وأنه ميزان حسي، له كفتان ولسان\" (^٦).\nوقال العلامة محمد صديق خان:\" والميزان له كفتان ولسان \" (^٧).\nوقال العلامة العثيمين:\" والقول الصحيح أنه حسي، له كفتان، وله لسان توزن به الأعمال الصالحة والسيئة\" (^٨).\n_________\n(^١) الثعلبي: الكشف والبيان (٦/ ٢٧٧)، الزمخشري: الكشاف (٣/ ١٢٠)، البغوي: معالم التنزيل، ... (٣/ ٢٩٠)، ابن الجوزي: زاد المسير (٢/ ١٠٣).\n(^٢) ابن بطال: شرح صحيح البخاري، مكتبة الرشد - الرياض، ط ٢ - ١٤٢٣ هـ (١/ ٥٥٩).\n(^٣) ابن قدامة: لمعة الإعتقاد، وزارة الأوقاف السعودية، ط ٢ - ١٤٢٠ هـ، ص (٣٢).\n(^٤) البربهاري: شرح السنة، مكتبة الغرباء - السعودية، ط ١ ١٤١٤ هـ، ص (٤٢).\n(^٥) المنوفي: كفاية الطالب الرباني، دار الفكر - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (١/ ٩٢).\n(^٦) النفراوي: الفواكه الدواني، دار الفكر - بيروت، ١٤١٥ هـ، (١/ ٨٨)\n(^٧) محمد صديق: قطف الثمر، وزارة الأوقاف السعودية، ط ١ ١٤٢١ هـ، ص (١٢٦).\n(^٨) العثيمين: شرح الأربعين النووية، دار الثريا للنشر، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (٢٣١).","vol":"1","page":423},{"text":"وقال العلامة صالح الفوزان:\" فالأعمال توزن بميزان حقيقي، له لسان وكفتان \" (^١).\nإلا أن الشيخ الغنيمان يقول فيما يتعلق بالكفتين واللسان للميزان:\" ولغة العرب: الميزان يطلق فيها على ما يكون له الكفتان اللتان يوزن بهما، فيوضع في جانب منه شيء، وفي الجانب الآخر شيء آخر، ثم هل نصف الميزان بأن له لسان؟ والجواب: لا يلزم؛ لأنه إذا جاء النص بذلك لزم، وإذا لم يأت فأمور الآخرة لا تقاس على أمور الدنيا، وأحوال الآخرة وما يقيمه الله جل وعلا لعباده، لا يقاس بما نتعارف عليه في الدنيا حتى يأتي النص\" (^٢).\nولكن وروده عن بعض الصحابة وغيرهم، يدل على ثبوته، ولذا يقول العلامة البرديسي: \"وانعقد الإجماع على أنه ميزان حسي، له كفتان ولسان\" ... ويقول الإمام ابن جزي:\"ومذهب أهل السنة أن الميزان يوم القيامة حقيقة له كفتان ولسان وعمود توزن فيه الأعمال \" (^٣)\n(ج) هل ثبت في الآثار غير هذين الوصفين من صفات الميزان؟\nلم يرد في ا لسنة المطهرة والآثار المنيفة شيء يثبت غير هذين الوصفين، وإنما نص بعض العلماء على بعض أوصاف الميزان التي ينبغي التوقف في إثباتها لأنها تحتاج إلى دلائل صحيحة تثبتها، ومن هذه الصفات:\n- أن كفتي الميزان من ذهب (^٤).\n- وله خيوط وعمود وساقان (^٥).\n- وأن كفة الحسنات من نور، وكفة السيئات من ظلام.\n_________\n(^١) الفوزان: الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد، دار ابن الجوزي، ط ٤ ١٤٢٠ هـ، (٢٩٠).\n(^٢) الغنيمان: شرح فتح المجيد: شرح للشيخ في أشرطه كاست شريط رقم: (١٥).\n(^٣) انظر: عواجي: الحياة الآخرة: (٣/ ١١٠٧)، القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: (١١/ ٢٩٣) ابن جزي: التسهيل لعلوم التنزيل: (٢٣/ ٢٣)، السمعاني: تفسير القرآن: (٣/ ٣٨٣)\n(^٤) ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل، مكتبة الخانجي -: (٤/ ٥٤)\n(^٥) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: (١١/ ٢٩٣)، الرازي: مفاتيح الغيب: (٢٢/ ١٤٩)، التفتازاني: شرح المقاصد: (٢/ ٢٢٣)","vol":"1","page":424},{"text":"- وأن كفة الحسنات عن يمين العرش مقابل الجنة، وكفة السيئات عن العرش مقابل النار (^١).\n- ومما يجدر الإشارة إليه: أن قدماء المصريين كانوا يصورون على معابدهم صور الميزان والحساب والتوبة والعقاب (^٢).\nإذن: كيفيات الميزان من الغيبيات التي لا يعلمها إلا الذي الله ﷾، يقول العلامة ابن أبي العز: \" وثبت أن الميزان له كفتان، والله تعالى أعلم بما وراء ذلك من الكيفيات \" (^٣).\nويحسن بنا في ختام هذا المسألة أن نشير إلى ما نقله الإمام الذهبي في تاريخه قال: قال عبد الملك بن حبيب: كنا جلوسًا عند زياد بن عبد الرحمن بن زياد إذ جاء كتاب من بعض الملوك، فكتب فيه وختمه، فذهب به الرسول فقال لنا زياد: أتدرون عما يسأل هذا؟ سأل عن كفتي الميزان، أمن ذهب هي أم من فضة؟ فكتب إليه هذا الحديث: ثنا مالك، عن الزهري أن رسول الله - ﷺ - قال: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>المسألة الخامسة: هل الميزان واحد أم هناك موازين متعددة؟ وما الموزون فيه؟ وهل هو خاص للمؤمنين</span>؟\nاختلف العلماء في الجواب عن هذه المسائل إلى أقوال، أرجع العلامة محمد رشيد رضا أسباب الخلاف فيها إلى أمور ثلاثة:\n١ - \"اختلاف الأخبار والآثار عن السلف، وأن أكثرها لا يصح، ولا يحتج بمثله في الأحكام العملية فضلًا عن المسائل الاعتقادية.\n٢ - الاختلاف في فهمها.\n٣ - الرأي والتخيل والقياس مع الفارق \" (^٥).\n_________\n(^١) القرطبي: التذكرة، دار المنهاج - الرياض، ط ١ ١٤١٥ هـ، ص (٧٢٤)\n(^٢) محمد حسين هيكل: حياة محمد ﷺ، دار المعارف، ١٩٩٧ م، ص (١٢٢)\n(^٣) ابن أبي العز: شرح الطحاوية، وزارة الأوقاف السعودية، ط ١ ١٤١٨ هـ، ص (٤١٩).\n(^٤) أخرجه الترمذي في جامعه، أبواب الزهد عن رسول الله ﷺ ح (٢٣١٧).\n(^٥) محمد رشيد رضا: تفسير المنار، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٠ م، (٨/ ٢٨٧)","vol":"1","page":425},{"text":"أما اختلاف الأخبار والآثار الواردة عن السلف، فالتعامل مع ما صح منها هو الجمع إن أمكن الجمع بينهما، كما هو منهج جماعة من الأئمة، فإن لم يمكن الجمع، وعُلِم المتأخر فهو ناسخ للمتقدم، فإن تعذر العلم بتاريخ الناسخ والمنسوخ، عُمِل بالراجح إن كان هناك مُرَجِح (^١).\nوأما اختلاف الفهوم فهذا هو شأن العلماء في كل زمن، والعبرة في الفهم: الأقرب إلى الأدلة، والذي عليه جماعات العلماء.\nوأما الرأي والتخيل والقياس الفاسد، فهذا لا شأن للمحققين من أهل السنة به، إذ كلامهم في الغيبيات ظاهر، وواضح، وبيّن، في أنه يجب عدم التعرض لحقائق الأمور الغيبية.\n(١) اختلف العلماء في الموزون على ثلاثة أقوال (^٢):\nالقول الأول: أن الذي يوزن العمل، وهي الحسنات والسيئات بوضع إحداهما في كفة والأخرى في كفة، قاله الحسن والسدي.\nوخالف في ذلك المعتزلة -كما نقل الأئمة عنهم - فقالوا: الأعمال أعراض فكيف توزن؟ (^٣).\nوأجاب عنه العلماء: بأن الله جل وعلا قادر على قلب الأعراض أجسامًا فالموت معنى من المعاني، ويؤتى به يوم القيامة على صورة كبش (^٤).\nواستدل أصحاب هذا القول بجملة من الأدلة تدل على أن العمل نفسه يوزن:\nقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾، وقال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء:٤٧].\n_________\n(^١) ابن قدامة: روضة الناظر، مؤسسة الريان، ط ٢ - ١٤٢٣ هـ (٢/ ٣٩١)\n(^٢) الماوردي: النكت والعيون: (٢/ ٢٠١)، السمعاني: تفسير القرآن: (٢/ ١١٦).\n(^٣) الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٢٤ هـ، ص (١١٩)\n(^٤) ابن أبي العز: شرح الطحاوية، وزارة الأوقاف السعودية، ط ١ ١٤١٨ هـ، ص (٤١٩)","vol":"1","page":426},{"text":"وقال النبي - ﷺ -: «الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ «(^١)، وقال النبي - ﷺ -: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيم (^٢)، وقال النبي - ﷺ - «مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ» (^٣).\nوهذا القول هو الظاهر من كلام الإمام ابن تيمية في عقيدته الواسطية، يقول:\" وتنصب الموازين فتوزن فيها أعمال العباد\" (^٤).\nوهو الذي رجحه الحافظ ابن حجر فقال:\" والصحيح أن الأعمال هي التي توزن \" (^٥)، واختاره الشيخ محمد رشيد رضا في تفسيره (^٦)، وترجم له الإمام البخاري في صحيحه فقال:\" باب قول الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ وأن أعمال بني آدم وقولهم يوزن \" (^٧).\nوهذا الذي نقله الإمام ابن تيمية عن الإمام الزهري حين قال: \"وما من أحد إلا يوزن قوله وعمله\" (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء ح (٢٢٣)، دار إحياء التراث العربي.\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب فضل التسبيح ح (٦٤٠٦)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر، باب فضل التهليل والتسبيح ح (٢٦٩).\n(^٣) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب في حسن الخلق ح (٤٧٩٩).\n(^٤) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (٣/ ١٤٦).\n(^٥) ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ هـ (١٣/ ٥٣٩)\n(^٦) محمد رشيد رضا: تفسير المنار، الهئية المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٧ م، (٨/ ٢٨٨)\n(^٧) البخاري: صحيح البخاري، دار طوق النجاة، ط ١ ١٤٢٢ هـ (٩/ ١٦٢)\n(^٨) ابن تيمية: الإيمان، المكتب الإسلامي - بيروت، ط ٤ ١٤١٣ هـ، ص (٢٣١).","vol":"1","page":427},{"text":"القول الثاني: أن الذي يوزن العامل، وهو الإنسان نفسه: واحتجوا بقوله ﵊: «إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ العَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، وَقَالَ: اقْرَءُوا ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾ [الكهف:١٠٥]» (^١).\nوقال عبيد بن عمرو «إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ العَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ (^٢).\nوقال النبي - ﷺ - لما ضحك القوم من حموشة ساقي ابن مسعود: «لَرِجْلُ عَبْدِ اللهِ أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أُحُدٍ» (^٣).\nالقول الثالث: أن الذي يوزن صحائف الأعمال، ورجح هذه القول الإمام ابن عبد البر والإمام القرطبي، وقال العلامة السفاريني:\" وصوبه الشيخ مرعي في بهجته، وذهب إليه جمهور من المفسرين\" (^٤)، ونسب هذا القول إلى عبد الله بن عمر ﵄، نسبه إليه جماعة من أهل التفسير (^٥).\nواحتجوا بحديث صاحب البطاقة وفيه: «فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كَفَّةٍ وَالبِطَاقَةُ فِي كَفَّةٍ فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتِ البِطَاقَةُ، فَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ» (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب (أولئك الذين كفروا بآيات ربهم) ح (٤٧٢٩) وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم ح (٢٧٨٥).\n(^٢) الطبري: جامع البيان، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ت: أحمد محمد شاكر، ص (١٢/ ٣١٠)\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ح (٩٢٠)، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢١ هـ (٢/ ٢٤٣).\n(^٤) السفاريني: لوامع الأنوار، مكتبة الخافقين - دمشق، ط ٢ - ١٤٠٢ هـ (٢/ ١٨٧).\n(^٥) القرطبي: التذكرة، دار المنهاج - الرياض، ط ١ ١٤١٥ هـ، ص (٧٢٢).\n(^٦) أخرجه الترمذي في جامعه: أبواب صفة الجنة، باب ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله ح (٢٦٣٩)، مكتبة البابي - مصر، ط ٢ - ١٣٩٥ هـ.","vol":"1","page":428},{"text":"قال العلامة السفاريني:\" قال العلامة الشيخ مرعي في بهجته: ثبت بهذا الحديث الصحيح أن الموزون صحائف الأعمال\" (^١).\nورجح هذا القول العلامة الشوكاني فقال:\" واختلف أهل العلم في كيفية هذا الوزن الكائن في هذا اليوم، فقيل: المراد به: وزن صحائف أعمال العباد بالميزان وزنًا حقيقيًا وهذا هو الصحيح، وهو الذي قامت عليه الأدلة\" (^٢).\nوذهب جمع من الأئمة إلى إمكان الجمع بين هذه الأقوال:\nيقول الإمام ابن كثير: \"وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار بأن يكون ذلك كله صحيحًا، فتارة توزن الأعمال، وتارة توزن محالها، وتارة يوزن فاعلها\" (^٣).\nوقال العلامة ابن أبي العز: \"فثبت وزن الأعمال، والعامل، وصحائف الأعمال \" (^٤).\nوقال العلامة حافظ الحكمي: \"والذي استظهر من النصوص - والله أعلم - أن العامل وعمله وصحيفة عمله، كل ذلك يوزن؛ لأن الأحاديث التي في بيان القرآن قد وردت بكل من ذلك، ولا منافاة بينها \" (^٥).\nوقال العلامة العثيمين:\" وجمع بعض العلماء بين هذه النصوص: بأن الجميع يوزن، أو أن الوزن حقيقة للصحائف، وحيث إنها تثقل وتخف بحسب الأعمال المكتوبة، صار الوزن كأنه للأعمال، وأما وزن صاحب العمل فالمراد به: قدره وحرمته، وهذا جمع حسن\" (^٦).\nوقال العلامة ابن باز:\"الجمع بين النصوص الواردة في وزن الأعمال والعاملين والصحائف: أنه لا منافاة بينها، فالجميع يوزن ولكن الاعتبار في الثقل والخفة يكون بالعمل نفسه، لا بذات العامل ولا بالصحيفة \" (^٧).\n_________\n(^١) السفاريني: لوامع الأنوار، مكتبة الخافقين - دمشق، ط ٢ - ١٤٠٢ هـ (٢/ ١٨٧).\n(^٢) الشوكاني: فتح القدير، دار ابن كثير - دمشق، ط ١ ١٤١٤ هـ (٢/ ٢١٦).\n(^٣) ابن كثير: تفسير القرن العظيم ت: سامي سلامة (٣/ ٣٩٠)\n(^٤) ابن أبي العز: شرح الطحاوية، وزارة الأوقاف السعودية، ط ١ ١٤١٨ هـ، ص (٤١٩)\n(^٥) حافظ الحكمي: مختصر معارج القبول، مكتبة الكوثر - الرياض، ط ٥ ١٤١٨ هـ، ص (٢٥١)\n(^٦) العثيمين: تعليق مختصر على لمعة الاعتقاد، أضواء السلف، ط ٣ ١٤١٥ هـ، ص (١٢١)\n(^٧) ابن باز: تعليقات على التنبيهات اللطيفة للشيخ السعدي ص (٨١).","vol":"1","page":429},{"text":"(٢) اختلف العلماء في الميزان، هل هو ميزان واحد أو متعدد؟ على قولين:\nالقول الأول: أنها موازين متعددة، وهؤلاء قالوا: الجمع إما باعتبار:\n- تعدد الميزان لكل أمة.\n- أو تعدد الميزان لكل عمل\n- أو تعدد الميزان لكل شخص.\nواحتجوا بالأدلة التي وردت فيها كلمة الميزان بلفظ الجمع:\nقال الله جل وعلا: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء:٤٧].\n﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩)﴾ [القارعة:٦ - ٩].\nوقال النبي - ﷺ -: «تُوضَعُ الْمَوَازِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُؤْتَى بِالرَّجُلِ، فَيُوضَعُ فِي كِفَّةٍ، فَيُوضَعُ مَا أُحْصِيَ عَلَيْهِ، فَتَمَايَلَ بِهِ الْمِيزَانُ «(^١).\nوهو الوارد عن الحسن بن أبي الحسن البصري، حيث قال: لكل واحد من المكلفين ميزان (^٢).\nواختار هذا القول الإمام الرازي فقلا: \"الأظهر: إثبات موازين في يوم القيامة، لا ميزان واحد، والدليل عليه قول: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، وقال: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾، وعلى هذا: فلا يبعد أن يكون لأفعال القلوب ميزان، ولأفعال الجوارح ميزان، ولما يتعلق بالقول ميزان آخر\"، ومال إليه الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (^٣).\nالقول الثاني: أنه ميزان واحد، وهو الذي عليه الأكثر من أهل العلم.\nواحتجوا بالأدلة التي وردت فيها كلمة الميزان بلفظ الإفراد، ومنها:\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ح (٧٠٦٦)، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢١ هـ (١١/ ٦٣٧).\n(^٢) السفاريني: لوامع الأنوار، مكتبة الخافقين - دمشق، ط ٢ - ١٤٠٢ هـ (٢/ ١٨٦)\n(^٣) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (١٤/ ٢٠٣).","vol":"1","page":430},{"text":"قال النبي - ﷺ -: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ» (^١).\nقال النبي - ﷺ -: «مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ» (^٢).\nوهذا قول الجمهور (^٣)، وهو أنه ميزان واحد، وأجابوا عن الأدلة التي ورد فيها لفظ الميزان بصيغة الجمع بما يلي:\n١ - قيل: لأن الميزان مشتمل على الكفتين واللسان والعمود، ولا يحصل الوزن إلا باجتماعها، فهو جمع على تعدد أجزاء الموزون (^٤).\n٢ - وقيل: الأصل أنه ميزان عظيم، ولكل عبد فيه ميزان معلق به (^٥). وهذا لا دليل عليه.\n٣ - وقيل: الجمع باعتبار الموزون، فإنه لما كانت أعمال الخلائق توزن وزنة بعد وزنة سميت موازين، فهو جمع على تعدد الأعمال الموزونة (^٦).\n٤ - وقيل: هو جمع تفخيم (^٧).\n٥ - وقد عبر عنها الإمام الزجاج بقوله:\" إنما جمع الله الموازين هاهنا فقال: (فمن ثقلت موازينه) ولم يقل: ميزانه لوجهين:\nالأول: أن العرب قد توقع لفظ الجمع على الواحد، فيقولون: خرج فلان إلى مكة على البغال.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الدعوات، باب فضل التسبيح ح (٦٤٠٦)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر، باب فضل التهليل والتسبيح ح (٢٦٩٤).\n(^٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب في حسن الخلق ح (٤٧٩٩).\n(^٣) أبو حيان: البحر المحيط، دار الفكر - بيروت، ١٤٢٠ هـ، ت: صدقي جميل، ص (٦/ ٤٦).\n(^٤) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: (١١/ ٢٩٣)، البغوي: معالم التنزيل: (٢/ ١٨١).\n(^٥) الثعلبي: الكشف والبيان، دار إحياء التراث - بيروت، ط ١ ١٤٢٢ هـ، (٤/ ٢١٧).\n(^٦) ابن الجوزي: زاد (٣/ ١٩٢)، ابن عطية: المحرر الوجيز، دار الكتب العلمية - بيروت (٤/ ٨٥)\n(^٧) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٢٢/ ١٤٩)","vol":"1","page":431},{"text":"والثاني: أن المراد من الموازين هاهنا جمع موزون، لا جمع ميزان، وأراد بالموازين: الأعمال الموزونة\" (^١).\nوالأقرب من القولين والأظهر منهما - والعلم عند الله تعالى - هو الثاني وهو أن الميزان واحد، لكنه متعدد باعتبار الموزون (^٢).\n(٣) هل توزن أعمال الكفار أم لا؟\nذكر الإمام ابن تيمية في الواسطية في مبحث الحساب قوله:\" وأما الكفار فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته، فإنه لا حسنات لهم، ولكن تعد أعمالهم فتحصى، فيوقفون عليها، ويقررون بها\" (^٣).\nكلام شيخ الإسلام ابن تيمية ظاهر في خلو الكفار من الحسنات، وعليه كيف يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته؟ إن شيخ الإسلام لا ينفي مطلق الوزن للكفار؛ لأنه صرح في موضع آخر، بأن الكفار توزن سيئاتهم لتظهر خفة موازينهم فقال:\" وقد يراد بالحساب: وزن الحسنات بالسيئات ليتبين أيهما أرجح، فالكافر لا حسنات له توزن بسيئاته، إذ أعماله كلها حابطة، وإنما توزن لتظهر خفة موازينه لا لتبين رجحان حسنات له\" (^٤).\nوقد استغرب الشيخ محمد رشيد رضا من كلام شيخ الإسلام السابق وأرجعه إلى وقوع السهو من الإمام فقال:\" وهو سهو سببه - والله أعلم - ما كان علق بذهنه من هذا القول \"، ثم طفق يرد عليه فقال:\" وما من كافر إلا له حسنات، ولكن الكفر يحبطها فتكون هباء منثورًا، وهي تحصى مع السيئات وتضبط بالوزن الذي به يظهر مقدار الجزاء وتفاوتهم فيه، واستدلوا على تخفيف العذاب عن الكافر بسبب عمله الصالح بما ورد في الصحيح من التخفيف عن أبي طالب\" (^٥).\nوبالنقل السابق عن شيخ الإسلام يظهر مراده.\n_________\n(^١) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (١٤/ ٢٠٣)\n(^٢) انظر: العثيمين: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين، دار الوطن، ١٤١٣ هـ (٤/ ٤٤)\n(^٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (٣/ ١٤٦)\n(^٤) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (٤/ ٤٨٧)\n(^٥) رشيد رضا: تفسير المنار، الهيئة العامة للكتاب - مصر، ١٩٩٧ م، (٨/ ٢٨٤)","vol":"1","page":432},{"text":"وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: أن أعمال الكافرين لا توزن، واحتجوا بقوله تعالى: ... ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾ [الكهف:١٠٥].\nوأحد التفسيرين في هذه الآية يدل على المقصود فقيل في معنى قوله تعالى: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾ أي لا يقام لهم ميزان؛ لأن الميزان إنما يوضع لأهل الحسنات والسيئات من الموحدين؛ لتتميز مقدار الطاعات ومقدار السيئات (^١).\nقال الإمام القرطبي في معنى هذه الآية: \"والمعنى أنهم لا ثواب لهم، وأعمالهم مقابلة بالعذاب، فلا حسنة لهم توزن في موازين القيامة ومن لا حسنة له فهو في النار\" (^٢).\nوقال الشيخ الهراس:\" والصحيح أن أعمال الخير التي يعملها الكافر يجازي بها في الدنيا فقط حتى إذا جاء يو القيامة وجد صحيفة حسناته بيضاء، وقيل: يخفف بها عنه من عذاب غير الكفر\" (^٣).\nوقد أجاب القائلون بوزن أعمال الكافرين عن الاستدلال بهذه الآية: بأن المقصود بأنه تعالى لا يقيم لهم وزنًا نافعا. بل ذهب الإمام أبو محمد مكي بن أبي طالب إلى أن هذه الآية تدل على وزن أعمال الكفار فقال: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾ أي: لا يثقل لهم ميزان بعمل صالح ... وهذا النص يدل على وزن أعمال الكفار، فلا يثقل بها ميزان إذا كانت لغير الله، وإذ كان لا يصحبها توحيد، ولا إيمان بالرسل (^٤).\n_________\n(^١) الزمخشري: الكشاف (٢/ ٧٤٩)، الرازي: مفاتيح الغيب: (٢١/ ٥٠٢)\n(^٢) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط ٢ - ١٣٨٤ هـ، (١١/ ٦٦)\n(^٣) محمد هراس: شرح العقيدة الواسطية، دار الهجرة - الخبر، ط ٣ ١٤١٥ هـ، ص (٢١٠)\n(^٤) مكي بن أبي طالب: الهداية إلى بلوغ النهاية (٦/ ٤٤٨٠).","vol":"1","page":433},{"text":"واحتج أصحاب هذا القول بالأدلة القرآنية المثبتة حبوط عمل الكافر، ومنها قوله تعالى:\n- ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان:٢٣]\n- ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ﴾ [إبراهيم:١٨].\nواحتجوا بقوله ﵊: «إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ العَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ «(^١).\nوتعقب: بأنه مجاز عن حقارة قدره، ولا يلزم منه عدم الوزن (^٢).\nالقول الثاني: أن أعمال الكفار توزن، واحتجوا بقوله جل وعلا: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾ [الأعراف:٩]\nوفُسر الظلم في الآية: بالجحود والكفر، قال الإمام البيهقي:\" في الآية التي كتبناها دلالة على أن أعمال الكفار توزن، لأنه قال في آية أخرى ﴿بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾، والظلم بآيات الله: الاستهزاء بها وترك الإذعان لها\" (^٣).\nوقال الإمام ابن حزم:\" فنقطع على الموازين أن توضع يوم القيامة لوزن أعمال العباد، قال تعالى عن الكفار: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾ [الكهف:١٠٥] وليس هذا على أن لا توزن أعمالهم، بل توزن لكن أعماله شائلة وموازينهم خفاف\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب (أولئك الذين كفروا بآيات ربهم) ح (٤٧٢٩)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صفات المنافقين ح (٢٧٨٥).\n(^٢) ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ هـ (١٣/ ٥٣٨).\n(^٣) البيهقي: شعب الإيمان، مكتبة الرشد - الرياض، ط ١ ١٤٢٣ هـ (١/ ٤٣٨)\n(^٤) ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل (٤/ ٥٤)","vol":"1","page":434},{"text":"وقال الإمام الصنعاني:\" والأحاديث ظاهر في أن أعمال بني آدم توزن وأنه عام لجميعهم، ويخص منه الكافر الذي لا حسنة له ولا ذنب له غير الكفر فإنه يقع في النار بغير حساب ولا ميزان \" (^١)، واختار هذا القول الحافظ ابن حجر فقال: \"وظاهره التعميم\" (^٢)، وهو قول القرطبي بالتفصيل الذي نقله عنه الصنعاني وغيره، واستحسنه الإمام السيوطي (^٣).\nوقال الإمام ابن كثير:\" وأما الكفار فتوزن أعمالهم وإن لم تكن لهم حسنات تنفعهم، يقابل بها كفرهم؛ لإظهار شقائهم، وفضيحتهم على رؤوس الخلائق\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>المطلب الثالث نشر الدواوين</span>\nيقول الإمام ابن تيمية - في الواسطية -:\" وتنشر الدواوين - وهي صحائف الأعمال - فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهر، كما قال ﷾: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء:١٣ - ١٤] \" (^٥).\nوهذا الأمر الذي ذكره الإمام ابن تيمية، أمر متفق عليه مستقر عند علماء الأمة، دلت عليه نصوص الكتاب والسنة.\nوالحديث عن هذا المطلب ينتظم المسائل التالية:\n_________\n(^١) الصنعاني: سبل السلام، دار الحديث، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (٢/ ٧١٨)\n(^٢) ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ هـ (١٣/ ٥٣٨)\n(^٣) القرطبي: التذكرة، مكتبة دار المنهاج - الرياض، ط ١ ١٤٢٥ هـ، ص (٧١٩).\n(^٤) ابن كثير: النهاية في الفتن والملاحم، دار الجيل - بيروت، ١٤٠٨ هـ (٢/ ٣٦)\n(^٥) ابن تيمية: مجموع الفتاوى،، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - (٣/ ١٤٦)","vol":"1","page":435},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>المسألة الأولى: حكاية إجماع العلماء وأقوالهم في نشر صحف الأعمال يوم القيامة:</span>\nاتفقت كلمة العلماء واستفاضت أقوالهم في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة في الإيمان بنشر صحف الأعمال يوم القيامة:\nيقول الإمام أبو الحسن الأشعري:\" وأن الخلق يؤتون يوم القيامة بصحائف فيها أعمالهم، فمن أوتي كتابه بيمينه حوسب حسابًا يسيرًا، ومن أوتي كتابه بشماله فأولئك يصلون سعيرًا \" (^١).\nويقول الأمام الطحاوي:\" ونؤمن بالبعث وجزاء الأعمال ... وقراءة الكتاب\" (^٢).\nويقول الإمام ابن قدامة:\" وتنشر الدواوين، وتتطاير صحف الأعمال إلى الأيمان والشمائل\" (^٣).\nويقول الإمام ابن حزم:\" وأن الصحف التي تكتب فيها أعمال العباد حق نؤمن بها ولا ندري كيف هي ... وأن الناس يعطون كتبهم يوم القيامة \" (^٤).\nويقول العلامة السفاريني:\" أن نشر الصحف وأخذها باليمين والشمال مما يجب الإيمان به وعقد القلب بأنه حق، لثبوته بالكتاب والسنة والإجماع \" (^٥).\nويقول العلامة القصري:\" وتنشر عليه دواوين الأعمال، مفرقة على أوقات الأعمار نشرًا واحدًا، فيرى جميع عمره كيوم واحد\" (^٦).\nويقول الإمام المزني: \"وبعد البلى منشورون، ويوم القيامة إلى ربهم محشورون، ولدى العرض عليه محاسبون، محضرة الموازين، ونشر صحف الدواوين، أحصاه الله ونسوه \" (^٧).\nويقول العلامة البلباني: \"وبأن الصحف حق وصدق\" (^٨).\n_________\n(^١) الأشعري: رسالة إلى أهل الثغر، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية ص (١٦٢)\n(^٢) الطحاوي: متن الطحاوية، المكتب الإسلامي - بيروت، ط ٢ - ١٤١٤ هـ، ص (٧٢)\n(^٣) ابن قدامة: لمعة الاعتقاد، وزارة الأوقاف السعودية، ط ٢ - ١٤٢٠ هـ، ص (٣١)\n(^٤) ابن حزم: المحلى، دار الفكر - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتاريخها (١/ ٣٦)\n(^٥) السفاريني: لوامع الأنوار، مكتبة الخافقين - دمشق، ط ٢ - ١٤٠٢ هـ (٢/ ١٨١)\n(^٦) القصري: شعب الإيمان ت: سيد كسروي، ص (٥٩٥)\n(^٧) المزني: شرح السنة، مكتبة الغرباء - السعودية، ط ١ ١٤١٥ هـ، ص (٨١)\n(^٨) البلباني: مختصر نهاية المبتدئين في أصول الدين، الدار الأثرية، ط ١ ١٤٢٩ هـ، ص (١١٠)","vol":"1","page":436},{"text":"ويقول العلامة البزدوي:\" قال أهل السنة والجماعة: إن قراءة الكتب حق، وإن الملائكة يكتبون الحسنات للعباد وسيئاتهم على الكتب، فتقرأ عليه يوم القيامة\" (^١).\nوقد روى ابن أبي الدنيا عن ابن المبارك: أنه أنشد في ذلك شعرًا:\n\"وطارت الصحف في الأيدي منشرة ... ... فيها السرائر والأخبار تطلع\" (^٢)\nولذا قال العلامة جمال الدين الغزنوي:\" قراءة الكتب حق \" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>المسألة الثانية: الأدلة من الكتاب والسنة:</span>\nدلت الدلائل الصحيحة والنصوص الصريحة على نشر صحائف الأعمال يوم القيامة:\n(أ) الأدلة من القرآن الكريم:\nتظافرت دلالات الكتاب العزيز على إثبات كتابة صحف الأعمال والموكلين بها وعرضها ونشرها على أهلها يوم الدين، ومن الأدلة القرآنية الدالة على ذلك: قول الله تعالى:\n١ - ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣)﴾ [الإسراء:١٣ - ١٤].\nيقول الإمام الطبري:\" وعنى بقوله (اقرأ كتابك): اقرأ كتاب عملك الذي عملته في الدنيا الذي كان كاتبًا يكتبانه ونحصيه عليك. قال قتادة: سيقرأ يومئذ من لم يكن قارئًا في الدنيا \". (^٤) وقال بعضهم: يقال له: هذا كتاب، كان لسانك قلمه، وريقك مداده، وجوارحك قرطاسه، وكتب المملي على كاتبك، فاقرأ ما أمليت (^٥).\nوكان أبو السوار العدوي إذا قرأ هذه الآية قال: نشرتان وطية، أما ما حييت يا ابن آدم، فصحيفتك منشورة، فاعمل ما شئت، فإذا مت طويت، ثم إذا بعثت نشرت (^٦).\n_________\n(^١) البزدوي: أصول الدين، مكتبة الرشد، ط ١ ١٤٢٢ هـ، ص (١٦١)\n(^٢) ابن أبي العز: شرح الطحاوية، وزارة الأوقاف السعودية، ط ١ ١٤١٨ هـ، ص (٤١٤)\n(^٣) الغزنوي: أصول الدين، دار البشائر - بيروت ن ط ١ ١٤١٩ هـ، ص (٢٢٦)\n(^٤) الطبري: جامع البيان ت: ص (١٧/ ٤٠١)، ابن أبي حاتم: تفسير ابن أبي حاتم، (٧/ ٢٣٢١)\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن، دار الوطن - الرياض، ط ١ ١٤١٨ هـ (٣/ ٢٢٦)\n(^٦) ابن الجوزي: زاد المسير، دار الكتاب العربي - بيروت ن ط ١ - القاهرة، ط ٢ - - ١٣٨٤ هـ، (١٠/ ٢٣٠)","vol":"1","page":437},{"text":"٢ - ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩)﴾، ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥)﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٥].\n٣ - ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢)﴾ [الانشقاق: ٧ - ١٢].\n٤ - ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١)﴾ ... [الإسراء:٧١].\nوكل هذه الآيات الكريمة تدل على صفة أخذ الكتاب يوم القيامة، فحين تطاير الصحف منهم صنف آخذ كتابه وديوان أعماله باليمين، وهم أهل اليمين، ومنهم صنف آخذ كتابه وملاق جزاء عمله بشماله أو من وراء ظهره وهم أهل الشمال، قد حققت عليهم جميع دقائق أعمالهم، فرأوها عيانًا عن شمائلهم.\n٥ - ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠)﴾ [التكوير:١٠]، يقول الإمام الطبري: \"وإذا صُحف أعمال العابد نشرت لهم بعد أن كانت مطوية على ما فيها مكتوب من الحسنات والسيئات\" (^١).\nوهذه الآية الكريمة دلالتها في إثبات نشر صحائف الأعمال يوم القيامة كدلالة قوله جل وعلا: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦)﴾ ... [الزلزلة:٩].\nقال العلامة ابن عطية:\" الصحف المنشورة، قيل: هي صحائف الأعمال تنشر ليقرأ كل امرئ كتابه. وقيل: هي الصحف التي تتطاير بالإيمان والشمائل بالجزاء\" (^٢).\nوحين يصدر الناس من قبورهم يصار بهم إلى الموقف، ليروا أعمالهم في كتبهم (^٣).\n_________\n(^١) الطبري: جامع البيان، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ت: أحمد محمد شاكر، ص (٢٤/ ٤٢٩)\n(^٢) ابن عطية: المحرر الوجيز، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٢٢ هـ (٥/ ٤٤٣)\n(^٣) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط ٢ - - ١٣٨٤ هـ، (٢٠/ ١٥٠)","vol":"1","page":438},{"text":"٦ - ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)﴾ [الجاثية:٢٨ - ٢٩].\nفكل أمة تدعى إلى كتاب أعمالها فتجازى بأعمالها خيرها وشرها (^١).\nوهذه الكتب تستحضر جميع الأعمال من غير زيادة ولا نقصان، وهي تدل على كتب الأعمال في الدنيا واستحضارها في الآخرة، يقول جل وعلا:\n٧ - ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف:٤٩]، والكتاب الموضوع هو كتاب أعمال العباد، يوضع في أيديهم فيرون فيه الجليل والحقير، والفتيل والقطمير والصغير والكبير وقد أخبر المولى جل وعلا أنه حفظ أعمال العباد مع نسيانهم إياها، فقال جل وعلا: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦)﴾ [المجادلة:٦].\n٨ - ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)﴾\nفتجد كل نفس ما عملته في صحائف أعماله، فما رأى من أعماله، فما رأى من أعماله حسنًا سره ذلك وأفرحه، وما رأى من قبيح ساءه وغاظه، وود لو أنه تبرأ منه، وأن يكون بينهما أمد بعيد (^٢).\n_________\n(^١) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ت: سامي سلامة (٧/ ٢٧١)\n(^٢) الرازي: مفاتيح الغيب، (٨/ ١٩٦)، ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، ت: سامي سلامة (٢/ ٣١)","vol":"1","page":439},{"text":"٩ - وردت جملة من الآيات مضمون دلالاتها ظاهر في كتب كل ما يصدر عن المرء، وأن ذلك مسجلًا مسطورًا عليه، يقول ابن البناء: \"وكل مكلف معه ملكان ليلًا ونهارًا يحفظان عليه ما كان من خير وشر ويكتبانه في الصحائف\" (^١).\nيقول جل شأنه: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار:١٠ - ١٢].\n﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ ... [ق: ١٧ - ١٨].\n﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ [الزخرف: ٨٠]\n﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (٢١)﴾ [يونس: ٢١].\n﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١)﴾ [آل عمران:١٨١].\nفالدلائل على إثبات كتابه أعمال العباد في الدنيا، ثم استحضارها يوم القيامة، ظاهرة بينة، كلها تدل على هول المطلع، وشدة الموقف الذي تنكشف فيه الحقائق، فلا مكان لإخفاء عمل أو تجاهله أو المغالطة فيه. ذلك اليوم العصيب الذي تتكشف فيه الخبايا والأسرار، ولا يحتاج المرء فيه إلى شاهد أو حسيب، بل يقال: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ (^٢).\n(ب) الأدلة من السنة المطهرة:\n_________\n(^١) ابن البناء: الرد على المبتدعة، دار الأمر الأول - الرياض، ط ٢ - - ١٤٣٣ هـ، ص (٢٣٦)\n(^٢) انظر: سيد قطب: في ظلال القرآن، دار الشروق - بيروت، القاهرة، ط ١٧ ١٤١٢ هـ (٤/ ٢٢١٧)","vol":"1","page":440},{"text":"ثبت في السنة كتابة أعمال العباد، من الخير والشر، في صحائف أعمالهم التي تعرض عليهم يوم القيامة، ويجري في ذلك اليوم من بعض الناس جدالًا ... ومعاذير، ويحكي النبي - ﷺ - هذا الموقف العظيم، يقول أنس بن مالك ﵁، قال: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَضَحِكَ، فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ؟» قَالَ قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ، يَقُولُ: يَا رَبِّ أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ قَالَ: يَقُولُ: بَلَى، قَالَ: فَيَقُولُ: فَإِنِّي لَا أُجِيزُ عَلَى نَفْسِي إِلَّا شَاهِدًا مِنِّي، قَالَ: فَيَقُولُ: كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ شُهُودًا، قَالَ: فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، فَيُقَالُ لِأَرْكَانِهِ: انْطِقِي قَالَ: فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ، قَالَ: ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ، قَالَ فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ» (^١).\nوعن عائشة ﵂، أنها سألت النبي - ﷺ -: هل تذكرون أهليكم؟ قال: «أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحدًا: عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل؟، وعند تطاير الصحف حتى يعلم أين يقع كتابه في يمينه أم في شماله، أم وراء ظهره؟ وعند الصراط إذا وضع بين ظهراني جهنم حتى يجوز» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحهِ: كتاب الزهد والرقائق ح (٢٩٦٩)، ت: محمد فؤاد عبد الباقي.\n(^٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة، باب في ذكر الميزان ح (٤٧٥٥)، وأخرجه الحاكم في المستدرك ح (٨٧٢٢) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح، إسناده على شرط الشيخين، لولا إرسال فيه بين الحسن وعائشة، على أنه قد صحت الروايات أن الحسن كان يدخل وهو صبي منزل عائشة ﵂ وأم سلمة: (٤/ ٦٢٢)","vol":"1","page":441},{"text":"وعن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «الدواوين عند الله ﷿ ثلاثة: فديوان لا يعبأ الله به شيئًا، وديوان لا يترك الله منه شيئًا وديوان لا يغفره الله، فأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك بالله، وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئًا فظلم العبد نفسه، فيما بينه وبين ربه، وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئًا فظلم العباد بعضهم بعضًا» (^١).\nيقول العلامة على القاري:\" الدواوين: أي صحائف الأعمال\" (^٢).\nومع هذه الدلائل والنصوص، في إثبات نشر الدواوين يوم الدين، إلا أن البعض أنكر ذلك، كما نقل عن الجهم بن صفوان.\nيقول العلامة الملطي: \" وأنكر جهم ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١)﴾ \" (^٣).\nوكذا نُسب إنكار الكتابة والقراءة إلى المعتزلة والروافض (^٤)، ولكن الذي صرّح به القاضي عبد الجبار المعتزلي إثبات نشر الصحف (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>المسألة الثالثة: كيفية أخذ الكتب يوم القيامة:</span>\nأشار القرآن الكريم إلى حالات أخذ الكتب يوم القيامة، وقد جاء تفصيلها في قوله جل وعلا:\n﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩)﴾ [الحاقة:١٩].\n﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥)﴾ [الحاقة:٢٥].\n﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١)﴾ [الانشقاق:١٠ - ١١].\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في السند ح (٢٦٠٣١)، وأخرجه الحاكم في المستدرك (٨٧١٧) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي وقال: صدقة ضعفوه وابن ابنوس في جهالة (٤/ ٦١٩)، وانظر: العراقي: المغني عن حمل الأسفار: ص (١٣٥)\n(^٢) القاري: مرقاة المفاتيح، دار الفكر - بيروت، ط ١ ١٤٢٢ هـ (٨/ ٣٢٠٦)\n(^٣) الملطي: التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع، المكتبة الأزهرية للتراث- مصر،:ص (١١١)\n(^٤) البزدوي: أصول الدين، مكتبة الرشد، ط ١ ١٤٢٢ هـ، ص (١٦١)\n(^٥) القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة، مكتبة وهبة، ط ١ ١٣٨٤ هـ، (٧٣٦)","vol":"1","page":442},{"text":"فأثبتت هذه الآيات الكريمات صفات الآخذين لصحائف أعمالهم وظاهرها أنها ثلاث صفات، والذي عليه علماء السلف أنها صفتان:\n١ - إما أن يأخذها بيمينه، وهذا للمؤمن.\n٢ - وإما أن يأخذها بشماله، وهذا للكافر.\nوأما قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠)﴾، فقد قال الإمام مجاهد: \"يجعل شماله وراء ظهره فيأخذ كتابه\"، وقال الإمام يحى بن سلام:\"ثم تُخلع كتفه اليسرى، فتجعل وراء ظهره، ثم يُعطى كتابه بشماله، ويقال له: انطلق إلى أصحابك، فأخبرهم أن لكل إنسان منهم مثل هذا \" (^١).\nوقال الإمام الطبري في الجمع بين الآيات:\"وأما من أعطي كتابه منكم أيها الناس يومئذ وراء ظهره، وذلك أن جعل يده اليمنى إلى عنقه، وجعل الشمال من يديه وراء ظهره، فيتناول كتابه بشماله من وراء ظهره، ولذلك وصفهم جل ثناؤه أحيانًا أنهم يؤتون كتبهم بشمائلهم، وأحيانًا أنهم يؤتونها من وراء ظهورهم \" (^٢).\nوقد نقل الإمام القرطبي عن ابن عباس ﵄، قوله في معنى هذه الآية:\" يمد يده اليمنى ليأخذ كتابه، فيجذبه ملك فيخلع يمينه، فيأخذ كتابه بشماله من وراء ظهره \".\nوقال قتادة ومقاتل: يفك ألواح صدره وعظامه، ثم تدخل يده وتخرج من ظهره، فيأخذ كتابه كذلك\" (^٣).\nإذن: فلا تنافي بين الآيتين السابقتين، في بيان أخذ الكافر كتابه بشماله ومن وراء ظهر، إذ يظهر من كلام الأئمة السابق ذكرهم وغيرهم:\n- أن الكافر تنقل يمناه إلى عنقه، وتجعل يسراه وراء ظهره، فيأخذ بها كتابه (^٤).\n- وذكر بعض أهل العلم خلافًا في المسلم العاصي، هل يأخذ كتابه بيمينه أم بشماله؟\n_________\n(^١) مجاهد: تفسير مجاهد: ص (٧١٤)، يحى بن سلام: تفسير يحى بن سلام: (١/ ١٢٢).\n(^٢) الطبري: جامع البيان، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ت: أحمد محمد شاكر، ص (٢٤/ ٣١٥)\n(^٣) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط ٢ - - ١٣٨٤ هـ، (١٩/ ٢٧٢).\n(^٤) القرطبي: التذكرة:، ص (٦٢٢)، السفاريني: لوامع الأنوار: (٢/ ١٨٢)، الشنقيطي: دفع إبهام الاضطراب: ص (٢٥٥)، الرازي: مفاتيح الغيب: (٣١/ ٩٩).","vol":"1","page":443},{"text":"ما ذكره الأئمة رحمهم الله تعالى: أنه يأخذ كتابه بشماله من أمامه والصحيح أن القرآن الكريم قسم الآخذين لكتبهم إلى قسمين: قسم آخذ كتابه بيمينه، وهذا في المؤمن الطائع والعاصي، وقسم آخذ كتابه بشماله من وراء ظهره، وهذا في الكافر.\nوقد ذكر بعض العلماء وجهًا في هذه المسألة فقال في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾ [فاطر:٣٢]، \"السابق الذي يُعطى كتابه بيمينه والمقتصد الذي يعطى كتابه بشماله، والظالم الذي يعطى كتابه وراء ظهره\" (^١).\nوهذا القول فيه نظر؛ لأن أهل هذه الآية كلهم من هذه الأمة، من أهل الذنوب والمعاصي التي هي دون النفاق والشرك، حتى روي عن عائشة ﵂، أنها قالت حين سئلت عن هذه الآية، كلهم من أهل الجنة وكذا روي عن أبي سعيد ﵁.\nقال الإمام القرطبي: \"وممن روي عنه هذا القول عمر، وعثمان، وأبو الدرداء، وابن مسعود، وعقبة بن عامر، وعائشة\" (^٢).\nوقال الإمام ابن تيمية:\" وهذا التقسيم لأمة محمد - ﷺ -\" (^٣)؛ لأنهم وارثوا الكتاب بعد الأمم المتقدمة.\n_________\n(^١) السمرقندي: بحر العلوم، دار الكتب العلمية - بيروت، ٢٠١٠ م (٣/ ١٠٨)\n(^٢) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: (١٤/ ٣٤٦)، الماوردي: النكت والعيون: (٤/ ٤٧٤)، ابن الجوزي: زاد المسير: (٣/ ٥١١)، السمعاني: تفسير السمعاني: (٤/ ٣٥٨)، ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، دار طيبة للنشر والتوزيع، ط ٢ - ١٤٢٠ هـ، ت: سامي سلامة (٦/ ٥٤٧)\n(^٣) ابن تيمية: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، مكتبة دار البيان - دمشق: ص (٣٨)","vol":"1","page":444},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>المطلب الرابع لحساب يوم القيامة</span>\nيقول الإمام ابن تيمية في الواسطية:\" ويحاسب الله الخلائق ويخلو بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه، كما وصف ذلك في الكتاب والسنة، وأما الكفار فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته، فإنه لا حسنات لهم ولكن تعد أعمالهم وتحصى فيوقفون عليها ويقررون بها ويجزون بها\" (^١).\nحساب الله جل وعلا للخلائق يوم القيامة أمر متفق عليه، شهدت به وعليه نصوص الكتاب والسنة، وما ذكره الإمام ابن تيمية من حكاية الإجماع، على وقوع الحساب يوم الدين، أمر أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها، واستفاضت أقوالهم في بيان ذلك، والكلام عن الحساب ينتظم المسائل التالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>المسألة الأولى: حكاية إجماع العلماء وأقوالهم في إثبات الحساب يوم القيامة:</span>\nذكر الإمام ابن تيمية أن الحساب يوم القيامة من الأصول المتفق عليها من أهل السنة والجماعة فقال:\" وما أخبر به النبي - ﷺ - من أمر الجنة والنار والبعث والحساب، فإن هذه الأصول كلها متفق عليها بين أهل السنة والجماعة\" (^٢).\nوممن نقل إجماع العلماء في هذه المسألة:\nالإمام أبي الحسن الأشعري في قوله: \"وأجمعوا على أن الخلق يؤتون يوم القيامة بصحائف أعمالهم، فمن أوتي كتابه بيمينه حوسب حسابًا يسيرًا ... ومن أوتي كتابه بشماله فأولئك يصلون سعيرًا \" (^٣).\nوقال في الإبانة: \"ونؤمن بعذاب القبر، وأن الله يوقف العباد في الموقف ويحاسب المؤمنين\" (^٤).\nوقال الإمام المزني:\" وبعد البلى منشورون يوم القيامة إلى ربهم محشورون ولدى العرض عليه محاسبون\" (^٥).\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - (٣/ ١٤٦)\n(^٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - (١١/ ٤٨٦)\n(^٣) الأشعري: رسالة إلى أهل الثغر، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية ص (١٦٢)\n(^٤) الأشعري: الإبانة عن أصول الديانة، دار الأنصار - القاهرة، ط ١ ١٣٩٧ هـ، ص (٢٧)\n(^٥) المزني: شرح السنة، مكتبة الغرباء - السعودية، ط ١ ١٤١٥ هـ، ص (٨١)","vol":"1","page":445},{"text":"وقال الإمام البربهاري:\" والإيمان بالرؤية يوم القيامة يرون الله بأبصارهم رؤوسهم، وهو يحاسبهم بلا حجاب ولا ترجمان\" (^١).\nوقال الإمام ابن أبي يعلى:\" ثم الإيمان بالمساءلة، إن الله تعالى جل ذكره يسأل العباد عن كل قليل وكثير في المواقف، وعن كل ما اجترموا \" (^٢).\nوقال العلامة القصري عن الإيمان بالحساب وكونه من شعب الإيمان: \" أما كون هذه الشعبة من الإيمان فبيّن؛ لإجماع أهل الشرائع عليه\" (^٣).\nوقال الإمام ابن أبي زمنين:\" ومن قول أهل السنة: أن الله ﷿ يحاسب عباده يوم القيامة، ويسألهم مشافهة منه إليهم\" (^٤).\nقال العلامة أبو نصر السجزي:\" وقد اتفقت العلماء على أن الله سبحانه يتولى الحساب بين خلقه يوم القيامة في حالة واحدة\" (^٥).\nوقال الإمام الغزالي:\" وأن يؤمن بالحساب تفاوت الناس فيه، إلى مناقش في الحساب، وإلى مسامح فيه، وإلى من يدخل الجنة بغير حساب\" (^٦).\nوقال الإمام الطحاوي: \"ونؤمن بالبعث، وجزاء الأعمال يوم القيامة والعرض والحساب\" (^٧).\nوقال الإمام أبو حنيفة: \"والحساب ... وذلك كله حق\" (^٨).\nونُقل عن أعيان الصحابة ﵃، الإيمان بهذا الموقف العظيم ومنهم:\n_________\n(^١) البربهاري: شرح السنة، مكتبة الغرباء - السعودية، ط ١ ١٤١٤ هـ، ص (٤٢)\n(^٢) ابن أبي يعلى: الاعتقاد، دار أطلس الخضراء، ط ١ ١٤٢٣ هـ، ص (٣٣)\n(^٣) القصري: شعب الإيمان:، ت: سيد كسروي، ص (٥٩٣)\n(^٤) ابن أبي زمنين: أصول السنة، مكتبة الغرباء - السعودية، ط ١ ١٤١٥ هـ، ص (١١٧)\n(^٥) السجزي: رسالة السجزي إلى أهل زبيد، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية: (٢٥٧)\n(^٦) الغزالي: قواعد العقائد، عالم الكتب - بيروت، ط ٢ - ١٤٠٥ هـ، ص (٦٧)\n(^٧) الطحاوي: متن الطحاوية، المكتب الإسلامي - بيروت، ط ٢ - ١٤١٤ هـ، ص (٧٢)\n(^٨) أبو حنيفة: الفقه الأكبر، مكتبة الفرقان - الإمارات، ط ١ ١٤١٩ هـ، ص (١٣)","vol":"1","page":446},{"text":"عمر بن الخطاب ﵁، فقد قال:\" حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتجهزوا للعرض الأكبر، وإنما يخف الحساب يومئذ على من حاسب نفسه في الدنيا\" (^١).\nوقال أبو الدرداء ﵁:\" إن أخوف ما أخاف، إذا وقفت على الحساب أن يقال لي: قد علمت فما عملت فيما علمت؟ \" (^٢)\nونقل ابن أبي نجيح عن الحسن البصري: أنه سئل فقيل له: أمؤمن أنت؟ فقال: إن كنت تسألني عن الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر والجنة والبعث والحساب، فأنا بها مؤمن، وإن كنت تسألني عن قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] فلا أدري أمنهم أنا أم لا (^٣)؟\nفالحساب يوم الدين في الآخرة مما أجمعت عليه الأمة، واستقرت عليه أقوالهم، وقد أشار العلامة الإيجي إلى هذا الإجماع قبل ظهور المخالف (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>المسألة الثانية: أدلة إثبات الحساب في الآخرة:</span>\nحفلت نصوص الكتاب والسنة بذكر أخبار الحساب يوم الدين، والكيفية التي يكون عليها في ذلك اليوم العظيم، وهذا دليل على عناية القرآن والسنة ... بذكر الحساب وأحواله وعظيم شأنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>أ - الأدلة القرآنية على إثبات الحساب:</span>\nجاءت الدلائل القرآنية المثبتة للحساب يوم القيامة، على أوجه متعددة وصور متنوعة، يجمعها بيان إثبات أحقية الحساب، والرد على منكريه والمتشاغلين عنه.\nومن أوجه دلائل القرآن الكريم على إثبات الحساب ما يلي:\n١ - تأكيد وقوع الحساب يوم القيامة وأنه آت لا محالة، ولذا سمى الله تعالى يوم القيامة بيوم الحساب: قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾ [الأنبياء:١].\n_________\n(^١) البغوي: شرح السنة، المكتب الإسلامي - بيروت، ط ٢ - ١٤٠٣ هـ، (١٤/ ٣٠٩)\n(^٢) البغوي: شرح السنة، المكتب الإسلامي - بيروت، ط ٢ - ١٤٠٣ هـ، (١٤/ ٣٣٥)\n(^٣) البغوي: معالم التنزيل، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ١ ١٤٢٠ هـ، (٢/ ٢٦٨)\n(^٤) الإيجي: المواقف، دار الجيل - بيروت، ط ١ ١٤١٧ هـ (٣/ ٥٢٣)","vol":"1","page":447},{"text":"يقول الإمام ابن كثير: \"هذا تنبيه من الله ﷿ على اقتراب الساعة ودنوها وأن الناس في غفلة عنها، أي: لا يعملون لها، ولا يستعدون من أجلها\" (^١) ... \"وهذا تعجب من حالة الناس، وأنه لا ينجع فيهم تذكير، ولا يرعون إلى نذير وأنهم قد قرب حسابهم ومجازاتهم على أعمالهم الصالحة والطالحة\" (^٢).\nواقتراب الحساب هو: اقتراب الوقت الذي يحاسبون فيه، ولذا سمى القرآن الكريم الساعة قريبة؛ لأنها كائنة لا محالة، وكل ما هو كائن لا محالة فهو قريب، وأيضًا فإن ما بقي من الدنيا في جنب ما مضى قليل (^٣).\nوفي تسمية يوم القيامة بيوم الحساب فائدة، كما قال جل وعلا: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص:٢٦]، قال الإمام الرازي:\" الفائدة في تسمية يوم القيامة بيوم الحساب، أن الحساب هو الكاشف عن حال المرء فالخوف من ذكره أعظم \" (^٤).\n- وقال جل وعلا في تأكيد الحساب: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥)﴾ [آل عمران:٢٥]، ولذا أقسم الرب جل وعز على وقوع سؤالهم وحسابهم فقال سبحانه: ... ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر:٩٢ - ٩٣]، قال العلامة النسفي:\" أقسم بذاته وربوبيته، ليسألن يوم القيامة واحدًا واحدًا من هؤلاء المقتسمين، عما قالوه في رسول الله - ﷺ - أو في القرآن، أو في كتب الله\" (^٥).\n_________\n(^١) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ت: سامي سلامة (٥/ ٣٣١)\n(^٢) السعدي: تيسير الكريم الرحمن، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ص (٥١٨)\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن، دار الوطن - الرياض، ط ١ ١٤١٨ هـ (٣/ ٣٦٧)\n(^٤) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٢٢/ ١١٩)\n(^٥) النسفي: مدارك التنزيل، دار الكلم الطيب - بيروت، ط ١ ١٤١٩ هـ (٢/ ٢٠)","vol":"1","page":448},{"text":"قال عبد الله بن مسعود ﵁: \"والذي لا إله غيره ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة، كما يخلوا أحدكم بالقمر ليلة البدر، فيقول: يا ابن آدم، ماذا غرك مني بي يا ابن آدم؟ ماذا عملت فيما علمت ابن آدم؟ ماذا أجبت المرسلين؟ \" (^١).\n٢ - تأكيد الحساب يوم الدين بتوفية الجميع جزاء أعمالهم فيه:\nقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩)﴾ [النور:٣٩].\nقال أهل التفسير: (فوفاه حسابه): أي جزاء عمله (^٢).\n- وقال جل وعز: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾ [النور:٢٥].\nقال ابن عباس ﵄، في قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ أي: حسابهم، وقال ابن عباس: كل شيء في القرآن الدين فهو الحساب وروي عن سعيد بن جبير مثل ذلك (^٣).\nوقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة:٢٨١].\nوقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦١)﴾ [آل عمران:١٦١].\nوقال تعالى: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١)﴾ [هود:١١١].\n_________\n(^١) الطبري: جامع البيان، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ت: أحمد محمد شاكر، ص (١٧/ ١٥٠)\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن، دار الوطن - الرياض، ط ١ ١٤١٨ هـ (٣/ ٥٣٦)\n(^٣) الطبري: جامع البيان، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ت: أحمد محمد شاكر، ص (١٩/ ١٤١)","vol":"1","page":449},{"text":"وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١١١)﴾ [النحل:١١١].\nوقال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٩)﴾ [الأحقاف:١٩].\nوقال تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (٧٠)﴾ [الزمر:٧٠].\n٣ - أن حساب الخلائق من خصائص الرب جل وعز، ولذا نسبه إلى نفسه الشريفة المقدسة:\nقال جل وعلا: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء:٤٧].\nوقال ﷾: ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠)﴾ [الرعد:٤٠].\n\nوقال ﷾: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣)﴾ [الشعراء:١١٣].\nوقال ﷾: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦].\n٤ - أن يوم الجزاء والحساب، يظهر فيه مشهد الحق والعدل، فيؤتى بالعباد للحساب، فينبوأ كل فرد بما عمل، ليجازى ويحاسب، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.\nقال الله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨)﴾ [المائدة:٤٨].\nوقال ﷾: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠)﴾ [الأنعام:٦٠].\nوقال ﷾: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾ ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الأنعام ١٠٨","vol":"1","page":450},{"text":"وقال ﷾: ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣)﴾ [يونس:٢٣].\nوالآيات الكريمات في هذا المعنى كثيرة، كلها تدل على موقف الحق، في يوم الحق، بين يدي الحق، لفصل القضاء بين الخلائق.\n٥ - أخبر الرب جل وعلا عن نفسه سبحانه بأنه سريع الحساب ... وأسرع الحاسبين في آيات كثيرة، كلها تؤكد هذه الحقيقة.\nيقول المولى جل وعلا: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٥١)﴾ [إبراهيم:٥١].\nيقول الإمام الطبري:\" وإنما وصف جل ثناؤه نفسه بسرعة الحساب، لأنه جل ذكره يحصي ما يحصي من أعمال عباده بغير عقد أصابع، ولا فكر ولا روية، فعل العجزة الضعفة من الخلق ولكنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يعزب عنه مثقال ذرة فيهما، ثم هو مُجاز عباده على كل ذلك، فلذلك امتدح نفسه جل ذكره بسرعة الحساب\"، وقال الإمام البغوي في معنى الآية:\" أي: حسابه واقع لا محالة، وكل ما هو واقع لا محالة فهو سريع \" (^١)، ولذا امتدح الرب نفسه في الآية الأخرى بأنه جل في علاه أسرع الحاسبين فقال: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (٦٢)﴾ [الأنعام:٦٢].\nوقد كان من دعاء النبي - ﷺعلى الأحزاب قوله: (اللهم منزل الكتاب سريع الحساب، اللهم اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم) (^٢).\n_________\n(^١) الطبري: جامع البيان، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ت: أحمد محمد شاكر، ص (٢٢/ ٤٨٧).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة ح (٢٩٣٣)، وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب الجهاد والسير، باب استحباب الدعاء بالنصر عند لقاء العدو ح (١٧٤٢) دار إحياء التراث العربي - بيروت، ت: محمد فؤاد عبد الباقي.","vol":"1","page":451},{"text":"فهو ﷾ سريع الحساب يوم القيامة، حيث لا يشغله محاسبة واحد عن الآخر، سريع المجازاة للعباد بأعمالهم، فيحاسبهم في حالة واحدة لا يشغله شأن عن شأن، قال الحسن: حسابه أسرع من لمح البصر (^١).\n٦ - بيان تعنت الكفار وتكذيبهم بالحساب، أو تناسي بعض العصاة له:\nقال الله تعالى عن الكفار: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧)﴾ [النبأ: ٢٧].\nقال مجاهد في تفسير الآية: لا يبالون الحساب ولا يخافونه ولا يصدقون بالغيب والبعث (^٢)، فلم يكونوا يعتقدون أن ثَم دارًا يجازون فيها ويحاسبون (^٣)، ولهذا قال في الآية بعدها: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨)﴾ [النبأ: ٢٨]، وقال جل وعلا في هذا المعنى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (٢٧)﴾ [غافر:٢٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص:٢٦].\nومعناه: لهم عذاب شديد يوم الحساب بما نسوا: أي تركوا أمر الله وغفلوا عن القيامة (^٤).\n٧ - التعبير بالمساءلة الدال على الحساب:\nيقول جل وعلا: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ [الأعراف:٦]، ويقول جل وعلا: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢)﴾ [الحجر:٩٢]، ويقول جل وعلا: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)﴾ [العنكبوت:١٣]، ويقول جل وعلا: ... ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ [الصافات:٢٤]، ويقول جل وعلا: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ [التكاثر:٨].\n_________\n(^١) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط ٢ - ١٣٨٤ هـ، (٢/ ٤٣٥).\n(^٢) مجاهد: تفسير مجاهد ت: د. محمد أبو النيل، ص (٦٩٥).\n(^٣) ابن كثير: ت: سامي سلامة (٨/ ٣٠٧).\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن (٤/ ٤٣٧).","vol":"1","page":452},{"text":"قد نبه العلماء في هذا الموضع وأمثاله الذي تذكر فيه الآيات المثبتة للسؤال والمحاسبة ما قد يشكل من ورود جملة أخرى من الآيات الكريمة التي تنفي السؤال والحساب من مثل قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾ [الرحمن:٣٩]، ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾ [القصص:٧٨].\nوظاهر هذه الآيات يوهم التعارض مع ما سبق من الآيات الأخرى المثبتة للحساب، وقد أجاب العلماء عن هذا التعارض الظاهر ودُفع بما يلي:\nأ. أن المسألة التي نفاها الله تعالى عن نفسه بقوله: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾ [القصص:٧٨]، ونحوها، فهي محمولة على المسألة التي هي مسألة استرشاد واستثبات، فيما لا يعلمه السائل عنها، ويعلمه المسؤول ليعلم السائل علم ذلك من قِبَلِ من سأل منه، وهذا غير جائز أن يوصف الله تعالى به؛ لأنه العالم بالأشياء قبل كونها، وحال كونها، وبعد كونها، فهو العالم بذلك كله وبكل شيء غيره (^١).\nب. أن المنفي في السؤال هو سؤال الاستعلام، والمثبت هو سؤال التقريع والتوبيخ، فلا يقال لهم: هل فعلتم؟ بل يقال لهم: لم فعلتم؟ (^٢).\nج. أن القيامة مواطن؛ لطول ذلك اليوم، فيسأل في بعض، ولا يسأل في بعض، وعليه فتحمل الآيات الكريمات على تعدد المواقف في القيامة فيسألون في مواقف دون مواقف (^٣).\nد. وقيل: نفي السؤال عن المجرمين محمول على أنهم لا يسألون سؤال من له عذر في الجواب، وإنما يسألون على معنى إظهار قبائحهم؛ ليفتضحوا على رؤوس الجمع (^٤).\n_________\n(^١) الطبري: جامع البيان، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ت: أحمد محمد شاكر، ص (١٢/ ٣٠٨)\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن: (٥/ ٣٣٢)، البغوي: معالم التنزيل: (٤/ ٣٣٨)\n(^٣) القرطبي: الجامع الأحكام القرآن:، (١٧/ ١٧٤)، ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: (٧/ ٤٤٩)\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن، دار الوطن - الرياض، ط ١ ١٤١٨ هـ (٤/ ١٥٧)","vol":"1","page":453},{"text":"هـ. وقيل: المراد أنهم لا يسألون عن إحصاء أعمالهم، ويعطون الصحائف فيعرفونها، ويعترفون بها (^١).\n٨ - ذكر خوف أنبياء الله تعالى ورسله من هول الموقف، وما فيه من الحساب والجزاء، قال تعالى عن نبيه إبراهيم الخليل ﵇: ... ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾ [إبراهيم:٤١]\nوقال تعالى لنبيه محمد - ﷺ -: قل وأنت رسول الله: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣)﴾ [الزمر:١٣]، واليوم العظيم: يوم القيامة، وهذا شرط ومعناه: التعريض بغيره بطريق الأولى والأحرى. ولهذا فأنبياء الله جل وعز يخوفون أقوامهم بهذا اليوم وما فيه من الجزاء والحساب:\nقال الله تعالى حكاية عن نبيه نوح ﵇، ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩)﴾ [الأعراف:٥٩].\nوقال شعيب لقومه: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤)﴾ [هود:٨٤]، قال الإمام ابن كثير: \" أي في الدار الآخرة \" (^٢).\n٩ - أشار القرآن الكريم إلى أحوال المحاسبين يوم القيامة:\n_________\n(^١) العز بن عبد السلام: تفسير القرآن، دار ابن حزم - بيروت ن ط ١ ١٤١٦ هـ، (٢/ ٥٠١)\n(^٢) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، ت: سامي سلامة (٤/ ٣٤٢)","vol":"1","page":454},{"text":"فقال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ [الانشاق: ٧ - ٩]، وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩)﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٦]، فهذه الدلائل وغيرها، كلها تصب في معين واحد يشهد لها الإله الواحد: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾ [البقرة:٢٨٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>ب - أدلة السنة في إثبات الحساب:</span>\nكما حفل الإيمان بالحساب بالعديد من الآيات القرآنية، الدالة على إثباته فكذلك حظي بجملة من الأحاديث المتضافرة المتوافرة، وهو يدخل أصالة في حديث جبريل المشهور حين ذكر أركان الإيمان، ومنها: واليوم الآخر يقول الإمام ابن تيمية: \"وأما قوله: واليوم الآخر: فأن تؤمن بالبعث بعد الموت والحساب والميزان والثواب والعقاب والجنة والنار وبكل ما وصف الله به يوم القيامة\" (^١).\nوأحاديثها قد بلغت حد التواتر المشترك، يقول العلامة الأيجي: \"وكتب الأحاديث طافحة بذلك بحيث تواتر القدر المشترك \" (^٢). والأحاديث الواردة في شأن الحساب أحاديث صحيحة، وهي حق يجب الإيمان بها، وإجراؤها على ظاهرها.\nيقول العلامة الشهرستاني: \" وما ورد من الأخبار عن الأمور المستقبلة في الآخرة مثل: سؤال القبر ... والحساب ... حق يجب الاعتراف بها وإجراؤها على ظاهرها، إذا لا استحالة في وجودها\" (^٣).\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (٧/ ٣١٣)\n(^٢) الإيجي: المواقف، دار الجيل - بيروت، ط ١ ١٤١٧ هـ (٣/ ٢٥٣)\n(^٣) الشهرستاني: الملل والنحل، مؤسسة الحلبي، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (١/ ١٠٣)","vol":"1","page":455},{"text":"وذكر العلامة البغدادي: أن الأحاديث الواردة في الحساب، هي أخبار مستفيضة بين الأئمة، وهم مجمعون على صحتها (^١)، وقال العلامة السعد التفتازاني: \"سائر ما ورد به السمع، من عذاب القبر، والحساب، والصراط والميزان، وغير ذلك حق \" (^٢).\nوالأحاديث الواردة في شأن الحساب كثيرة متضافرة منها:\nعن عائشة ﵂ م قالت: قال النبي - ﷺ -: «مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ» قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ أَوَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ [الانشقاق: ٨] قَالَتْ: فَقَالَ: «إِنَّمَا ذَلِكِ العَرْضُ، وَلَكِنْ: مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ يَهْلِكْ» (^٣).\nقال الأئمة: قوله: من نوقش الحساب يهلك، له معنيان:\nأحدهما: أن نفس المناقشة، وعرض الذنوب والتوقيف عليها، هو التعذيب؛ لما فيه من التوبيخ.\nوالثاني: أنه مفض إلى العذاب بالنار، صححه الإمام النووي وقال: \"وهذا الثاني هو الصحيح، ومعناه: أن التقصير غالب في العباد، فمن استُقصي عليه ولم يسامح هلك ودخل النار، ولكن الله تعالى يعفو ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء\" (^٤).\nوقال الإمام ابن الجوزي: \"وظاهر هذا الحديث أن من فتش عن كل شيء عمله عذب؛ لأنه إنما يفتش المسخوط عليه، فأما المرحوم فإن بداية رحمته المسامحة في المسألة \" (^٥).\n_________\n(^١) البغدادي: الفرق بين الفرق، دار الآفاق الجديدة - بيروت، ط ٢ - ١٩٧٧ م، ص (٣١٤)\n(^٢) التفتازاني: شرح المقاصد، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٢٢ هـ (٢/ ٢٧١)\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب العلم، باب من سمع شيئًا فلم يفهمه فراجع فيه حتى يعرفه ح (١٠٣)، وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب الجنة، باب إثبات الحساب ح (٢٨٧٦).\n(^٤) النووي: شرح مسلم، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٢ - ١٣٩٢ هـ (١٧/ ٢٠٩).\n(^٥) ابن الجوزي: كشف المشكل من حديث الصحيحين (٤/ ٣٥٧)، ابن حجر: فتح الباري (١١/ ٤٠٢)","vol":"1","page":456},{"text":"وعن أبي بردة الأسلمي ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ» (^١).\nوعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ، مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ» (^٢).\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟» قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» (^٣).\nفهذه النصوص كلها تدل على أمر الحساب يوم الحساب، وجاءت نصوص أخرى فيها دلالة على أولية الحساب في الأمم، وفي الأعمال:\nومما ورد في أولية هذه الأمة في الحساب:\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في جامعه، أبواب صفة القيامة والرقائق والورع، باب في القيامة ح (٢٤١٧)، وقال الإمام الترمذي، هذا حديث حسن صحيح، مكتبة البابي - مصر، ط ٢ - ١٣٩٥ هـ (٤/ ٦١٢)\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم ح (٢٥٨٢).\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم ح (٢٥٨١).","vol":"1","page":457},{"text":"ما جاء عن ابن عباس ﵄، أن النبي - ﷺ -: «نَحْنُ آخِرُ الْأُمَمِ وَأَوَّلُ مَنْ يُحَاسَبُ، يُقَالُ: أَيْنَ الْأُمَّةُ الْأُمِّيَّةُ، وَنَبِيُّهَا؟ فَنَحْنُ الْآخِرُونَ الْأَوَّلُونَ» (^١).\nقال الإمام ابن كثير:\" ثم يُقضى بين هذه الأمة؛ لشرف نبيها، كما أنهم أول من يجوز على الصراط، وأول من يدخل الجنة \" (^٢).\nوفي صحيح مسلم قال النبي - ﷺ -: «نَحْنُ الْآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا وَالْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الْمَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الْخَلَائِقِ» (^٣).\nومما ورد في أولية الحساب على الأعمال:\nما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه عن ابن مسعود ﵁ قال: قال النبي - ﷺ -: «أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ» (^٤).\nوعن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ» (^٥).\nوعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ - يَعْنِي العَبْدَ مِنَ النَّعِيمِ - أَنْ يُقَالَ لَهُ: أَلَمْ نُصِحَّ لَكَ جِسْمَكَ وَنُرْوِيَكَ مِنَ المَاءِ البَارِدِ»: (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الزهد، باب صفة أمة محمد ﷺ ح (٤٢٩٠).\n(^٢) ابن كثير: النهاية في الفتن والملاحم، دار الجيل - بيروت، ١٤٠٨ هـ (٢/ ٥١)\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجمعة، باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة ح (٨٥٦).\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الديات، باب قول الله تعالى: ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا ح (٦٨٦٤) وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات ح (١٦٧٨).\n(^٥) أخرجه ابن ماجه في سننه: كتاب إقامة الصلاة والسنة بها، باب ما جاء في أول ما يحاسب به العبد الصلاة ح (١٤٢٥).\n(^٦) أخرجه الترمذي في جامعه أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة ألهاكم التكاثر ح (٣٣٥٨).","vol":"1","page":458},{"text":"فهذه الأحاديث الشريفة الصحيحة المنيفة، دلت على إثبات الحساب، إلا أن ظاهرها يوهم وجود تعارض في أولية الحساب، فبعضها يثبت أن أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الدماء، وبعضها الصلاة، وبعضها النعيم من صحة الجسد وشرب الماء البارد، ومع هذه الروايات المختلفة في الدلالة، إلا أن العلماء جمعوا بين ما يتوهم تعارضه بين تلك الروايات، وأجابوا عنها بأجوبة منها:\nأن حديث: «أول ما يحاسب به العبد صلاته»: محمول على ما بين العبد وربه جل وعلا، وحديث: «أول ما يقضى بين الناس في الدماء»، محمول على ما بين العباد بعضهم البعض (^١)، فاللفظ مخصوص بما يقع فيه الحكم بين الناس (^٢).\nيقول الحافظ ابن حجر في وجه الجمع بين الأحاديث:\" الأول محمول على ما يتعلق بمعاملات الخلق، والثاني فيما يتعلق بعبادة الخالق، وقد جمع النسائي في روايته في حديث ابن مسعود بين الخبرين ولفظه: «أول ما يحاسب العبد عليه صلاته، وأول ما يقضي بين الناس في الدماء» \". (^٣)\nويقول الإمام السيوطي:\" والمعاصي التي يُعاقب عليها يوم القيامة نوعان: حق لله، وحق لعباده، وأول ما يُقضى فيه يوم القيامة من حقوق الله الصلاة ومن حقوق العباد الدماء\" (^٤).\n_________\n(^١) النووي: شرح مسلم،، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٢ - ١٣٩٢ هـ (١١/ ١٦٧).\n(^٢) ابن دقيق العيد: إحكام الأحكام، مطبعة السنة المحمدية، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٢/ ٢٢٠)\n(^٣) ابن حجر: فتح: (١١/ ٣٩٦)، العيني: عمدة القاري ا (٢٣/ ١١٢)\n(^٤) السيوطي: الحاوي للفتاوى، دار الفكر - بيروت ن ١٤٢٤ هـ (٢/ ٢٣١)","vol":"1","page":459},{"text":"ويقول العلامة علي القاري في وجه الجمع بين الحديثين: \"قال الأبهري: وجه الجمع بين هذا، وبين قوله ﵊: «أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة الدماء»، أن الأول من حق الله تعالى والثاني: من حقوق العباد. ا. هـ، أو الأول من حق ترك العبادات، والثاني من فعل السيئات \" (^١)، ثم قال: \"قلت: الأظهر أن يقال: لأن ذلك من المنهيات، وهذا في المأمورات، أو الأول في المحاسبة والثاني في الحكم \" (^٢).\nوقال في وجه البدء بهذه بهاتين الخصلتين: \" وحاصله: أن أول ما يحاسب العبد فيما بينه وبين ربه الصلاة؛ لفضلها على سائر العبادات، وأول ما يقضى من حقوق العباد قتل النفس؛ فإنه أكبر الخطيئات\" (^٣).\nويقول العلامة العثيمين:\" أول ما يحاسب عليه العبد من الأعمال الصلاة وأول ما يقضى فيه بين الناس الدماء؛ لأن الصلاة أفضل العبادات البدنية والدماء أعظم ما يعتدى به في حقوق الآدميين\" (^٤).\nومع هذه الاستفاضة وهذا التواتر في أحاديث وأخبار الحساب، تَعجب ممن أنكر حساب الله جل وعز للخلائق يوم القيامة، وقد نقل جماعة من أهل العلم إنكار بعض الفرق للحساب (^٥)، في حين أن الواجب في مثل هذه الأمور: الإيمان الجازم بمحاسبة الرب جل وعلا للخلائق يوم الدين، يقول الإمام الغزالي: \" وأن يؤمن بالحساب، وتفاوت الخلق فيه إلى مناقش في الحساب وإلى مسامح فيه، وإلى من يدخل الجنة بغير حساب، وهم المقربون فيسأل الله تعالى من شاء من الأنبياء عن تبليغ الرسالة، ومن شاء من الكفار عن تكذيب الرسل، ويسأل المبتدعة عن السنة، ويسأل المسلمين عن الأعمال \" (^٦).\n_________\n(^١) القاري: مرقاة المفاتيح، دار الفكر - بيروت، ط ١ ١٤٢٢ هـ (٣/ ٩٩٧)\n(^٢) القاري: مرقاة المفاتيح، دار الفكر - بيروت، ط ١ ١٤٢٢ هـ (٦/ ٢٢٥٩)\n(^٣) القاري: مرقاة المفاتيح، دار الفكر - بيروت، ط ١ ١٤٢٢ هـ (٨/ ٣١٣٠)\n(^٤) العثيمين: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين، دار الوطن، ١٤١٣ هـ (٨/ ٥١٥).\n(^٥) غالب عواجي: الحياة الآخرة، دار لينة- مصر، ط ١ ١٤١٧ هـ (٢/ ١٠٦١).\n(^٦) الغزالي: بداية الهداية، دار المنهاج - جدة، ط ١ ١٤٢٥ هـ، ص (٢٨٥).","vol":"1","page":460},{"text":"أشار الإمام الغزالي في كلامه السابق إلى مسألتين، هي مثار حديث عند الأئمة وهما:\n١ - حساب الله جل وعلا للأنبياء وسؤالهم.\n٢ - حساب الله جل وعلا للكفار وسؤالهم.\nومنطوق كلام الإمام الغزالي السابق، أن الأنبياء يسألون عن تبليغ الرسالة ويسأل الكافر عن تكذيبهم للرسل، وبيان هاتين القضيتين في المسألتين التاليتين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>المسألة الثالثة: حساب الأنبياء وسؤالهم عليهم الصلاة والسلام:</span>\nدلت النصوص على سؤال الأنبياء يوم القيامة، قال الله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ [الأعراف:٦].\nقال ابن عباس ﵄، في هذه الآية: يسأل الله الناس عما أجابوا المرسلين ويسأل المرسلين عما بلغوا، وقال السدي: ولنسألن الرسل: هل بلغوا ما أرسلوا به؟ (^١).\n﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب:٨]، قال مجاهد: يعني: المبلغين المؤدين من الرسل (^٢)، وقال السدي: يعني الأنبياء (^٣).\nوهذا السؤال سؤال تقرير، يعقبه رحمة وكرامة (^٤)، فإن قيل: وأي حكمة في سؤالهم عن تبليغ الرسالة؟ قيل: الحكمة في ذلك: تبكيت الذين أرسلوا إليهم (^٥).\nقال العلامة مكي بن أبي طالب:\" ومعنى سؤال الله جل ذكره عن ذلك الرسل، وهو عالم به، أنه على التبكيت والتوبيخ للذين كفروا \" (^٦).\n_________\n(^١) الطبري: جامع البيان،: ص (١٢/ ٣٠٦)\n(^٢) مجاهد: تفسير مجاهد: ت: د. محمد أبو النيل، ص (٥٤٧)\n(^٣) ابن سلام: تفسير يحي بن سلام، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٢٥ هـ (١/ ٥٠)\n(^٤) ابن عطية: المحرر الوجيز،، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٢٢ هـ (٢/ ٣٧٥)\n(^٥) السمعاني: تفسير القرآن، دار الوطن - الرياض، ط ١ ١٤١٨ هـ (٤/ ٢٦٢)\n(^٦) مكي بن أبي طالب: الهداية، مجموعة بحوث الكتاب والسنة (٩/ ٥٧٩٠).","vol":"1","page":461},{"text":"وأجاب الإمام الرازي عن هذا التساؤل:\" إذا اثبتوا أنه لم يصدر عنهم تقصير البتة، التحق التقصير بكليه بالأمة، فيتضاعف إكرام الله في حق الرسل؛ لظهور براءتهم عن جميع موجبات التقصير، ويتضاعف أسباب الخزي والإهانة في حق الكفار، لما ثبت أن كل التقصير كان منهم\" (^١).\nيقول الشيخ حمود التويجري:\" أن رسول الله - ﷺمسؤول يوم القيامة عن تبليغ الرسالة، ولهذا قال - ﷺ - في حديث أبي رزين ﵁، (ألا إني مسؤول هل بلغت؟) (^٢)، ويشهد لهذا قول الله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ (^٣).\nويشهد له حديث أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: ... (يجيء نوح وأمته فيقول الله تعالى: هل بلغت؟ فيقول: نعم، أي رب فيقول لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: لا، ما جاءنا من نبي فيقول لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد - ﷺ - وأمته، فنشهد أنه قد بلغ، وهو قوله جل ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] والوسط: العدل\" (^٤).\n_________\n(^١) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (١٤/ ٢٠٠)\n(^٢) ذكره ابن أبي عاصم في السنة، وضعفه الألباني في ظلال الجنة في تخريج السنة، (١/ ٢٨٩) والحديث أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ح (٤٧٧)، (١٩/ ٢١١)\n(^٣) التويجري: إتحاف الجماعة دار الصميعي - الرياض، ط ٢ - ١٤١٤ هـ (٣/ ٢٨٩)\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن: ح (٤٤٨٧).","vol":"1","page":462},{"text":"فهذا القول هو الذي تدل عليه ظواهر النصوص الشرعية، وأن سؤال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ليس المقصود منه سؤال المناقشة، وإنما هو مساءلتهم عن تبليغهم الدعوة إلى أقوامهم، لإقامة الحجة على المخالفين وبمثل هذا يُجاب عما ذكره بعض العلماء: من أن الأنبياء لا يسألون ولا يحاسبون (^١)، فنفي الحساب عنهم هو حساب المناقشة والتقريع، ولذا قال جل وعلا: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣]، وهذا فيه دلالة على العموم، يقول الإمام الرازي:\" الآية تدل على أنه تعالى يحاسب كل عباده؛ لأنهم لا يخرجون عن أن يكونوا رسلًا، أو مرسلًا إليهم، ويبطل قول من يزعم: أنه لا حساب على الأنبياء والكفار\" (^٢).\nفإن كان بعض المؤمنين يدخلون الجنة بغير حساب، فكيف بأنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام، الذين حازوا كل السوابق واللواحق، لا شك أنهم أولى وأحرى، ولكن المقصود - كما ذكرنا - من سؤالهم، زيادة إقامة الحجة على المخالفين، قال الإمام القرطبي في هذا المقام:\" والآية بعمومها تدل على سؤال الجميع ومحاسبتهم، كافرهم ومؤمنهم، إلا من دخل الجنة بغير حساب \" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>المسألة الرابعة: حساب الكفار:</span>\nتنازع العلماء في الكفار، هل يحاسبون أم لا؟\nوسبب التنازع: هو مرود النصوص المثبتة لعموم الحساب، والنصوص النافية لحساب الكفار، ومن هنا وقع التنازع، وفهِم كل فريق من الآيات الكريمة ما يدل على حساب الكفار من عدمه، ولذا كان منزع استدلال الفريقين في هذه المسألة، هو تنازع النصوص في الظاهر.\nفمن النصوص المثبتة لحساب الكفار، قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر:٩٢ - ٩٣].\n_________\n(^١) السفاريني: لوامع الأنوار، مكتبة الخافقين - دمشق، ط ٢ - ١٤٠٢ هـ (٢/ ١٧٥)\n(^٢) الرازي: مفاتيح الغيب،، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (١٤/ ٢٠١)\n(^٣) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: (١٠/ ١٤٠)، انظر: غالب عواجي: الحياة الآخرة هـ (٢/ ٩٤٦)","vol":"1","page":463},{"text":"﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾ ... [الزخرف:١٩].\nومن النصوص النافية لحساب الكفار، قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾ [الرحمن:٣٩]. ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾ [القصص:٧٨].\nوقد سبق توجيه كلام الأئمة في الجمع بين هذه النصوص المثبتة والنافية وأن هذا محمول على تعدد مواقف ومواطن القيامة، حيث يسألون في موقف دون آخر.\nفمن نزع إلى القول بحساب الكفار، ذهب إلى النصوص الواردة المثبتة ومن نزع إلى القول بعدم حساب الكفار ذهب إلى النصوص النافية. وهما قولان للعلماء:\nالقول الأول: أن الكفار يحاسبون يوم القيامة، وهو منقول عن جماعات من العلماء منهم: أبو حفص البرمكي، أبو سليمان الدمشقي، وأبو طالب المكي، نقله عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية (^١)، ونسبه الإمام أبو حيان للجمهور (^٢).\nولذا قال الإمام أبو الفرج عبد الواحد الشيرازي في جزء \" امتحان السني من البدعي \": يسأل عن الكفار هل يحاسبون أم لا؟ فإن قال: يحاسبون فهو سالمي، وإن قال: لا، فهو سني (^٣).\nوكذا نقله القاضي أبو يعلى الفراء فقال: \"والكفار لا يحاسبون، خلافًا لابن سالم، وأبي حفص البرمكي من أصحابنا في قولهما يحاسبون\" (^٤).\nوقد أفرد العلامة ابن البناء الحنبلي كتابًا في هذه المسألة مع السالمية ... القائلون بحساب الكفار (^٥).\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية: (٤/ ٣٠٥).\n(^٢) أبو حيان: البحر المحيط، دار الفكر - بيروت، ١٤٢٠ هـ، ت: صدقي جميل، ص (٢/ ٣١٣).\n(^٣) الشيرازي: امتحان السنة من البدعي: ص (٢٣٦).\n(^٤) أبو يعلى: المعتمد في أصول الدين، دار المشرق - بيروت، ١ ١٩٨٦ م، ص (٨٣).\n(^٥) ابن البناء: الرد على المبتدعة، دار الأمر الأول - الرياض، ط ٢ - ١٤٣٣ هـ، ص (٢٣٣).","vol":"1","page":464},{"text":"وقال الإمام مكي بن أبي طالب في قوله تعالى ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ [الأعراف:٦]: \"وهذا يدل على أن الكفار يحاسبون ويسألون \" (^١).\nوقال في موضع آخر: \"وقد ذكر تعالى ذكره، وزن أعمال الكفار في غير موضع من كتابه، وذلك ما عظم الحساب، وهو كثير في القرآن مكرر، يدل على محاسبة الكفار\"، ولذا قال الإمام القرطبي في هذه الآية: \"دليل على أن الكفار يحاسبون\" (^٢).\nورجح هذا القول الإمام ابن جزي الغرناطي فقال:\" والصحيح أنهم يحاسبون على ذنوبهم ويُسألون عنها لقوله ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢)﴾ [الحجر: ٩٢]، وأن هذا السؤال المنفي، السؤال على وجه الاختبار وطلب التعريف؛ لأنه لا يحتاج إلى سؤالهم على هذا الوجه، لكن يسألون على وجه التوبيخ، وحيثما ورد في القرآن إثبات السؤال في الآخرة، فهو على معنى المحاسبة والتوبيخ، وحيثما ورد نفيه فهو على وجه الاستخبار والتعريف\" (^٣).\n_________\n(^١) مكي بن أبي طالب: الهداية، مجموعة بحوث الكتاب والسنة، كلية الشريعة: (٤/ ٢٢٨٣).\n(^٢) مكي بن أبي طالب: الهداية، مجموعة بحوث الكتاب والسنة: (٦/ ٤٤٨١)، القرطبي: الجامع لأحكام القرآن (٧/ ١٦٤).\n(^٣) ابن جزي: التسهيل لعلوم التنزيل، دار الأرقم بن أبي الأرقم - بيروت ن ط ١ ١٤١٦ هـ (٢/ ١٢٠).","vol":"1","page":465},{"text":"وممن ذهب إلى هذا القول الإمام البيهقي فقال في شعب الإيمان:\" وقال في آية: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾ [القارعة: ٩ - ١١]، وهذا الوعيد بالإطلاق لا يكون إلا للكفار، فإذا جُمع بينه وبين قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء:٤٧]، ثبت أن الكفار يُسألون عن كل ما خالفوا به الحق من أصل الدين وفروعه، إذا لو لم يُسألوا عما وافقوا فيه أصل تدينهم من ضروب تعاطيهم ولم يحاسبوا بها، لم يعتد بها في الوزن أصلًا، وإذا كانت موزونة في وقت الوزن، دل ذلك على أنهم محاسبون بها في موقف الحساب\" (^١).\nويقول العلامة المنوفي: \"والحساب: هو أن يعدد عليه كل ما فعل من حسنة وسيئة، فيحاسب المؤمن بالفضل والمنافق والكافر بالحجة والعدل \" (^٢).\nوقال العلامة العدوي في حاشيته، شارحًا كلام المنوفي:\" أنه لما كان في حساب المؤمنين ستر وغفران ناسب الفضل، ولما كان في حساب الكافر الهتك ناسب العدل\" (^٣).\nوقد جعل الإمام الرازي محاسبة الكافر من الأمور الواجبة، بحكم الوعد الذي لا يخلف (^٤).\nوصحح هذا القول من العلماء المعاصرين جماعة، منهم: الشيخ عمر الأشقر، والشيخ أبو بكر الجزائري، والشيخ عبد الله الفوزان.\nيقول الشيخ عمر الأشقر: \"والصحيح أن الكفار محاسبون مسؤولون، كما أن أعمالهم توزن\" (^٥).\n_________\n(^١) البيهقي: شعب الإيمان، مكتبة الرشد - الرياض، ط ١ ١٤٢٣ هـ (١/ ٤٣٨).\n(^٢) انظر: العدوي: حاشية العدوي على الكفاية: (١/ ٩٠).\n(^٣) العدوي: حاشية العدوي على الكفاية، دار الفكر - بيروت ن دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (١/ ٩٠)\n(^٤) الرزاي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٣١/ ١٤٧).\n(^٥) الأشقر: القيامة الكبرى، دار النفائس - الأردن، ط ٦ ١٤١٥ هـ، ص (١٩٦).","vol":"1","page":466},{"text":"ويقول الشيخ الجزائري في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [الأعراف:٦]:\" في الآية دليل على أن الكفار يحاسبون وإن لم توزن أعمالهم لقوله تعالى: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾ فمحاسبتهم لإظهار العدالة الإلهية، لا لأن لهم أعمالًا صالحة يجزون بها\" (^١).\nوقال الشيخ عبد الله الفوزان:\" أرجح الأقوال في هذه المسألة: أن الحساب عام للمسلم والكافر، وفائدة الحساب للكافر مع أن مآله إلى النار، ولا حسنات تنفعه في مقابل ماله من السيئات التي أعظمها سيئة الكفر ... محاسبة الكافر وراءها حكم عظيمة منها:\nأولًا: محاسبة الكفار فيها توبيخ وتقريع لهم.\nثانيًا: لأن الكفار على أرجح الأقوال مخاطبون بالأوامر والنواهي.\nثالثا: لأن الكفار يتفاوتون في الكفر، والنار دركات\" (^٢).\nولذا قال العلامة الشنقيطي في الأضواء عند قوله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ [الأعراف:٦]: \" وهذا صريح في إثبات سؤال الجميع يوم القيامة\" (^٣).\nوهذا القول هو ظاهر كلام ابن القيم والحافظ ابن حجر (^٤).\nالقول الثاني: أن الكفار لا يحاسبون يوم القيامة، وذهب إليه جماعات من أهل العلم، منهم: أبو بكر عبد العزيز، وأبو الحسن التميمي، والقاضي أبو يعلى، كما نقله عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية (^٥).\n_________\n(^١) الجزائري: أيسر التفاسير، مكتبة العلوم والحكم - المدينة النبوية، ط ٥ ١٤٢٤ هـ (٢/ ١٥٣).\n(^٢) الفوزان: حصول المأمول:، ص (١٩١)، أبو طالب المكي: قوت القلوب: (٢/ ٢٦٥).\n(^٣) الشنقيطي: أضواء البيان، دار الفكر - بيروت، ١٤١٥ هـ، (٢/ ٧).\n(^٤) ابن القيم: الروح، دار الحديث - القاهرة، ١٤٢٤ هـ، ص (٨٦).\n(^٥) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (٤/ ٣٠٥).","vol":"1","page":467},{"text":"وذهب إليه الإمام اللالكائي فقال: \"سياق ما روي عن النبي - ﷺ - مما يدل على أن الكفار لا يحاسبون، روي ذلك من الصحابة عن عائشة \" (^١)، ثم ذكر حديث عائشة وغيره من الآثار.\nوممن ذهب إلى هذا القول: ابن البناء الحنبلي قال:\" وأما الكفار فلا يحاسبون كما قال ﷿: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧] ... وما ورد في القرآن من ذكر حسابهم، فهو جزءا لهم، كما قال: ﴿عَطَاءً حِسَابًا (٣٦)﴾ [النبأ:٣٦]، أي: جزاء كافيًا\" (^٢).\nوقال العلامة البلباني: \"فالكفار لا يحاسبون، فلا توزن صحائفهم، وإن فعل الكافر قربة من نحو صدقة، أو عتق، أو ظلمه مسلم، رجونا له أن يخفف عنه العذاب\" (^٣).\nوذكر الإمام ابن أبي حاتم هذا القول عن جماعة من أهل التفسير عند تفسير قوله جل وعلا: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾ [القصص: ٧٨]، فنقل عن قتادة قوله: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾ يقول: المشركون لا يسألون عن ذنوبهم، يعذبون ولا يحاسبون.\nوعن الربيع بن أنس قال: لا يسألون عن إحصائها، يقول: هاتوا فبينوها لنا ولكن أعطوها في كتب، فلم يشكوا الظلم يومئذ، ولكن شكوا الإحصاء (^٤).\n_________\n(^١) اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة، دار طيبة - السعودية، ط ٨ ١٤٢٣ هـ (٦/ ١٢٤٦).\n(^٢) ابن البناء: الرد على المبتدعة، دار الأمر الأول - الرياض، ط ٢ - ١٤٣٣ هـ، ص (٢٣٣).\n(^٣) البلباني: مختصر نهاية المبتدعين، الدار الأثرية، ط ١ ١٤٢٩ هـ، ص (١٠٧).\n(^٤) ابن أبي حاتم: تفسير ابن أبي حاتم، مكتبة الباز -مكة المكرمة، ط ٣ ١٤١٩ هـ (٩/ ٣٠٣١).","vol":"1","page":468},{"text":"وقد ناظر الإمام ابن شاقلا أبا سليمان الدمشقي في مسائل، ومنها مسألتنا هذه - حساب الكفار يوم القيامة - وفي هذه المناظرة فوائد أسوقها بلفظها: قال: ثم ذكرت حساب الكفار فقال لي: قد روي عن النبي - ﷺ - أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي - ﷺ -: «إِنَّ الْكَافِرَ لَيُحَاسَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُلْجِمَهُ الْعَرَقُ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَرِحْنِي وَلَوْ إِلَى النَّارِ»، فهلا قلت به؟ فقلت له: ليس يحل ما روي صحيحًا أو سقيمًا أن نقول به، وإنما تعبدنا بالصحيح دون السقيم، والصحيح معلوم عند أهل النقل بعدالة ناقليه، متصلًا إلى المخبر عنه، والسقيم معلوم بجرح ناقليه وهذا الخبر الذي رويته، رواه إبراهيم بن مهاجر بن مسمار، يعني: وهو متروك الحديث، ضعيف عند أهل العلم، وليس هذا مما تقوم به حجة فقال لي: فأي شيء معك في أنهم لا يحاسبون؟ فقلت له: إن شئت من كتاب الله وإن شئت من سنة رسول الله - ﷺوإن شئت من قول صحابته ﵃ فقال لي منكرًا لقولي في الصحابة من قال هذا؟ فقلت: نعم قرأت على أبي عيسى يحي بن محمد بن سهل الخصيب العكبري بعكبرا قال: حدثنا محمد بن صالح بن ذريح العكبري، قال: حدثنا محمد هناد بن السري قال: حدثنا معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: من حوسب دخل الجنة، يقول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩)﴾ [الإنشقاق:٧ - ٩]، ويقول للآخرين: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٠) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١)﴾ [الرحمن:٣٩ - ٤١]، فقال لي: قد سمعت هذا الحديث من أبي علي الصواف قال: حدثنا أبو بكر بن عبد الخالق قال: حدثنا أبو الحسن عبد الوهاب الوراق عن أبي معاوية الضرير، عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة بمثل معناه، يعني: من حوسب دخل الجنة، فقال لي: هو المسلم","vol":"1","page":469},{"text":"المحترم، فقلت له: جمعت بين ما فرق الله ﷿، لأن الله ﷿ يقول: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾ [القلم:٣٥ - ٣٦] (^١).\nومع ختام هذه المسألة ينبه لبعض الأمور:\n١ - أن السؤال يوم القيامة لا يكون في الأفضلية بين فلان وفلان يقول الإمام ابن عبد البر: \"وقد أجمع علماء المسلمين، أن الله تعالى لا يسأل عباده يوم الحساب من أفضل عبادي، ولا هل فلان أفضل من فلان، ولا ذلك مما يُسأل عنه أحد في القبر\" (^٢).\nوأما ما يُسأل عنه البشر يوم الدين فعن الإيمان بالرسول وما جاء به من ربه يقول الإمام ابن تيمية:\" ولا يُسأل الناس يوم القيامة إلا عن الإيمان به واتباعه وطاعته، وبه يمتحنون في القبور\" (^٣)، ولذا قال الإمام أبو العالية: \"خصلتان يُسأل عنهما كل أحد، يقال: لمن كنت تعبد، وبماذا أجبت المرسلين \" (^٤).\n٢ - أن المخالفة في هذه المسألة غير موجب للتبديع، أو التفسيق، أو التحرج عن الصلاة خلف المخالف.\nوقد أفتى ابن بشار الحنبلي بأن من زعم أن الكفار يحاسبون لا يصلي خلفه فقال:\" من زعم أن الكفار يحاسبون ما يستحي من الله، من صل خلف من يقول هذه المقالة يعيد\" (^٥).\n_________\n(^١) الفراء: طبقات الحنابلة، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٢/ ١٣٦).\n(^٢) ابن عبد البر: الاستذكار، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٢١ هـ (٥/ ١٠٧).\n(^٣) ابن تيمية: الرد على الإخنائي، دار الخراز - جدة، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ص (٣٠٨).\n(^٤) ابن تيمية: النبوات، أضواء السلف - الرياض، ط ١ ١٤٢٠ هـ (١/ ٤١١).\n(^٥) الفراء: طبقات الحنابلة، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٢/ ٥٩ - ١٢٧).","vol":"1","page":470},{"text":"في حين ذكر الإمام ابن تيمية، أن هذه المسألة مما لا يُضَيَّق فيها، ولا يهجر المخالف، يقول:\" هي مسألة لا يكفر فيها بالاتفاق، والصحيح أيضًا: أن لا يُضيّق فيها ولا يهجر، وقد حكي عن أبي الحسن بن بشار أنه قال: لا يصلى خلف من يقول: إنهم يحاسبون، والصواب الذي عليه الجمهور: أنه يصلى خلف الفريقين، بل يكاد الخلاف يرتفع عند التحقيق\" (^١).\n٣ - أن التحقيق في هذه المسألة أن يقال: إن لفظ الحساب يراد معنيان\nأ. يُراد به الإحاطة بالأعمال، وكتابتها في الصحف، وعرضها على الكفار، وتوبيخهم على ما عملوه، وزيادة العذاب ونقصه، بزيادة الكفر ونقصه، فهذا الضرب من الحساب ثابت بالاتفاق.\nب. يُراد به: وزن الحسنات بالسيئات ليتبين أيها أرجح، فالكافر لا حسنات له توزن بسيئاته، إذ أعماله كلها حابطة (^٢).\nقال الإمام ابن تيمية: \"ولهذا لما تنازع أهل السنة في الكفار، هل يحاسبون أم لا؟ كان فصل الخطاب إثبات الحساب، بمعنى عد الأعمال وإحصائها وعرضها عليهم، لا بمعنى إثبات حسنات نافعة لهم، في ثواب يوم القيامة تقابل سيئاتهم\" (^٣).\nوهذا القول هو الذي تجتمع به الأدلة، فمن أثبت الحساب للكفار، لم يلزم من كلامه موازنة بين الحسنات والسيئات، ومن نفى الحساب لم يلزم من كلامه عدم التقرير بالذنوب، وهذا التفصيل جامع بين القولين.\nقال العلامة ابن العماد:\" والحق أنهم تحصى أعمالهم، ويطلعون عليها ويقرّعون بها تقريعًا، من غير وزن ولا حساب\" (^٤).\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية: (٦/ ٤٨٧).\n(^٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (٦/ ٤٨٧).\n(^٣) ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل، جامعة الإمام محمد بن سعود - السعودية: (٥/ ٢٢٩).\n(^٤) ابن العماد: شذرات الذهب، دار ابن كثير - دمشق، ط ١ ١٤٠٦ هـ (٤/ ٦٧).","vol":"1","page":471},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>المطلب الخامس الحوض المورود</span>\nيقول شيخ الإسلام - في الواسطية -: \"وفي عرصة القيامة: الحوض المورود لمحمد - ﷺماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء، طوله شهر، وعرضه شهر، من يشرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا\" (^١).\nالإيمان بالحوض المورود مما استقر عليه كلام أئمة السلف، وهو ثابت بالنصوص الشرعية المتواترة، والنقل السابق عن الإمام ابن تيمية في حكاية إجماع الأمة على إثبات الحوض، قد حكاه غير واحد من الأئمة واستفاضت واشتهرت أقوال العلماء فيه، والكلام في الحوض ينتظم المسائل التالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>المسألة الأولى: حكاية إجماع العلماء وأقوالهم في إثبات الحوض المورود:</span>\nنقل الإمام ابن تيمية في موضع آخر من كلامه، اتفاق أهل السنة والجماعة على هذا الأصل العظيم فقال: \"وما أخبر به النبي - ﷺ - من أمر الجنة والنار .. والحوض، فإن هذه الأصول كلها متفق عليها بين أهل السنة والجماعة\" (^٢).\nوقال الإمام الأشعري في بيان إجماعات أهل السنة:\" وعلى أن لرسول الله - ﷺ - حوضًا يوم القيامة ترده أمته لا يظمأ من شرب منه، ويذاد عنه من بدل وغيَّر بعده\" (^٣)، وقال في موضع آخر:\"قال أهل السنة والاستقامة: إن للنبي - ﷺحوضًا يسقي منه المؤمنين، ولا يسقي منه الكافرين\" (^٤).\nوقال الإمام البربهاري:\" والإيمان بحوض رسول الله - ﷺ -\" (^٥).\nوقال الإمام ابن أبي زمنين:\" وأهل السنة يؤمنون بأن للنبي - ﷺحوضًا أعطاه الله إياه، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا\" (^٦).\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (٣/ ١٤٦)\n(^٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - (١١/ ٤٨٦) ١١/ ٤٨٦\n(^٣) الأشعري: رسالة إلى أهل الثغر، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، ص (١٦٥)\n(^٤) الأشعري: مقالات الإسلاميين، المكتبة العصرية، ط ١ ١٤٢٦ هـ، ص (٢/ ٣٥٤).\n(^٥) البربهاري: شرح السنة، مكتبة الغرباء - السعودية، ط ١ ١٤١٤ هـ، ص (٤٤)\n(^٦) ابن أبي زمنين: أصول السنة، مكتبة الغرباء - السعودية، ط ١ ١٤١٥ هـ، ص (١٥٨)","vol":"1","page":472},{"text":"وقال الإمام الطحاوي:\" والحوض الذي أكرمه الله تعالى به غياثًا لأمته حق\" (^١). وقال الحافظ عبد الغني المقدسي: \"ثم الإيمان بأن لرسول الله - ﷺ - حوضًا ترده أمته كما صح عنه\" (^٢).\nوقال الإمام ابن قدامة:\" ولنبينا محمد - ﷺ - حوض في القيامة\" (^٣).\nوالعجب ممن أنكر الحوض، مع تواتر النصوص الشرعية في إثباته واستفاضة كلام الأئمة في حقيقته. وبيان مقالة المخالفين في المسألة التالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>المسألة الثانية: المخالفون في الحوض:</span>\nجاء عن ابن عباس ﵄، قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁، وهو يقول: (إنه سيخرج قوم من بعدكم يكذبون بعذاب القبر ويكذبون بالرحمن، ويكذبون بالدجال، ويكذبون بالحوض، ويكذبون بقوم يخرجون من النار) (^٤).\nوقد تعجب أنس بن مالك ﵁، فيمن يشكك في الحوض، فيقول أنس: دخلت على ابن زياد وهم يتذاكرون الحوض، فلما رأوني طلعت عليهم قالوا: قد جاءكم أنس فقالوا: يا أنس ما تقول في الحوض؟ فقلت: والله ما شعرت أن أعيش حتى أرى أمثالكم تشكون في الحوض، لقد تركت عجائز المدينة، ما تصلي واحدة منهن صلاة إلا سألت ربها ﷿، أن يوردها حوض محمد - ﷺ -.\nقال محمد بن الحسين:\" ألا ترون إلى أنس بن مالك ﵀، يتعجب ممن يشك في الحوض، إذ كان عنده أن الحوض مما يؤمن به الخاصة والعامة ... حتى إن العجائز يسألن الله ﷿، أن يسقيهن من حوضه - ﷺ -\" (^٥).\n_________\n(^١) الطحاوي: متن الطحاوية، المكتب الإسلامي - بيروت، ط ٢ - ١٤١٤ هـ، ص (٤٥).\n(^٢) عبد الغني المقدسي: الاقتصاد في الاعتقاد، مكتبة العلوم والحكم - المدينة: ص (١٦٨).\n(^٣) ابن قدامة: لمعة الاعتقاد، وزارة الأوقاف السعودية، ط ٢ - ١٤٢٠ هـ، ص (٣٢).\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق في المصنف، باب فتنة عذاب القبر ح (٦٧٥١).\n(^٥) الآجري: الشريعة، دار الوطن - الرياض، ط ٢ - ١٤٢٠ هـ (٣/ ١٢٦٧).","vol":"1","page":473},{"text":"ومن ورد عنه التكذيب بالحوض: عبيد الله بن زياد، أَنَّ أَبَا سَبْرَةَ بْنَ سَلَمَةَ الْهُذَلِيَّ، سَمِعَ ابْنَ زِيَادٍ، يَسْأَلُ عَنِ الْحَوْضِ حَوْضِ - ﷺ - فَقَالَ: مَا أُرَاهُ حَقًّا بَعْدَمَا سَأَلَ أَبَا بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيَّ وَالْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ وَعَائِذَ بْنَ عَمْرٍو، فَقَالَ: مَا أُصَدِّقُ هَؤُلَاءِ، فَقَالَ أَبُو سَبْرَةَ: أَلَا أُحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ شِفَاءٍ؟ بَعَثَنِي أَبُوكَ بِمَالٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَلَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو فَحَدَّثَنِي بِفِيهِ وَكَتَبْتُهُ بِقَلَمِي مَا سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَلَمْ أَزِدْ حَرْفًا وَلَمْ أَنْقُصْ، حَدَّثَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَاحِشَ وَلَا الْمُتَفَحِّشَ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَظْهَرَ الْفُحْشُ وَالتَّفَحُّشُ وَقَطِيعَةُ الرَّحِمِ وَسُوءُ الْمُجَاوَرَةِ، وَيُخَوَّنُ الْأَمِينُ وَيُؤْتَمَنُ الْخَائِنُ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ النَّحْلَةِ أَكَلَتْ طَيِّبًا وَوَضَعَتْ طَيِّبًا وَوَقَعَتْ طَيِّبًا، فَلَمْ تَفْسُدْ وَلَمْ تُكْسَرْ، وَمَثَلُ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مَثَلُ الْقِطْعَةِ الْجَيِّدَةِ مِنَ الذَّهَبِ نُفِخَ عَلَيْهَا فَخَرَجَتْ طَيِّبَةً وَوُزِنَتْ فَلَمْ تَنْقُصْ» وَقَالَ - ﷺ -: «مَوْعِدُكُمْ حَوْضِي عَرْضُهُ مِثْلُ طُولِهِ، وَهُوَ أَبْعَدُ مِمَّا بَيْنَ أَيْلَةَ إِلَى مَكَّةَ، وَذَلِكَ مَسِيرَةُ شَهْرٍ، فِيهِ أَمْثَالُ الْكَوَاكِبِ أَبَارِيقُ، مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ الْفِضَّةِ مَنْ وَرَدَهُ، وَشَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهُ أَبَدًا». فَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ: مَا حَدَّثَنِي أَحَدٌ بِحَدِيثٍ مِثْلِ هَذَا، أَشْهَدُ أَنَّ الْحَوْضَ حَقٌّ وَاجِبٌ، وَأَخَذَ الصَّحِيفَةَ الَّتِي جَاءَ بِهَا أَبُو سَبْرَةَ (^١).\n_________\n(^١) البيهقي: البعث والنشور، مركز الخدمات والأبحاث – بيروت، ط ١ ١٤٠٦ هـ، ص (١٢٧).","vol":"1","page":474},{"text":"فكما ثبت عن ابن زياد تكذيبه بالحوض، ثبت رجوعه وإيمانه به، أما غيره ممن أنكر أو تأول من بقيه الفرق، فهي باقية على هذا الإنكار، وممن نُقل عنه إنكار الحوض:\n-المعتزلة: ونقل إنكاره عنهم جماعة من أهل العلم:\nيقول الإمام الأشعري:\"وأنكرت المعتزلة الحوض\" (^١). ويقول الإمام السجزي عن عقائد المعتزلة:\" وإن الحوض والشفاعة والميزان لا أصل لها\" (^٢). ويقول الإمام أبو الحسن العمراني: \"وأن حوض النبي - ﷺحق، وأنكرت المعتزلة والقدرية وأهل الزيغ ذلك كله\" (^٣). ويقول الإمام السفاريني:\" خالفت المعتزلة فلم تقل بإثبات الحوض مع ثبوته بالسنة الصحيحة الصريحة فكل من خالف في إثباته فهو مبتدع \" (^٤).\n- الخوارج: ونقل إنكار الحوض عنهم جماعة:\nيقول الحافظ ابن حجر:\" أنكره الخوارج وبعض المعتزلة\"، ويقول الإمام ابن عبد البر:\" وقد نفاه أهل البدع من الخوارج والمعتزلة \" (^٥).\nولا اعتبار لإنكار هؤلاء للحوض؛ لأنه أمر مشتهر مستفيض، يقول الإمام ابن حزم:\" وأما الحوض فقد صحت الآثار فيه، وهو كرامة للنبي - ﷺ - ولمن ورد عليه من أمته، ولا ندري لمن أنكره متعلقًا، ولا يجوز مخالفة ما صح عن النبي - ﷺ - في هذا ولا غيره \" (^٦)، ويقول العلامة ابن أبي العز:\" فقاتل الله المنكرين لوجود الحوض، وأخلق بهم أن يحال بينهم وبين وروده بوم العطش الأكبر\" (^٧)، وفي الأثر: (فمن كذب فلا سقاه الله منه) (^٨).\n_________\n(^١) الأشعري: الإبانة، الأنصار - القاهرة، ط ١ ١٣٩٧ هـ، ص (٢٤٥).\n(^٢) السجزي: رسالة السجزي إلى أهل زبيد، عمادة البحث العلمي: (٢٧١).\n(^٣) العمراني: الانتصار، أضواء السلف - الرياض، ط ١ ١٤١٩ هـ (٣/ ٧٢٠).\n(^٤) السفاريني: لوامع الأنوار، مكتبة الخافقين - دمشق، ط ٢ - ١٤٠٢ هـ (٢/ ٢٠٢).\n(^٥) ابن حجر: فتح الباري: (١١/ ٤٦٧)، ابن عبدالبر: التمهيد (٢/ ٢٩١).\n(^٦) ابن حزم: الفصل، مكتبة الخانجي - القاهرة، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٤/ ٥٥).\n(^٧) ابن أبي العز: شرح الطحاوية، وزارة الأوقاف السعودية، ط ١ ١٤١٨ هـ، ص (٢٠٢).\n(^٨) أخرجه أحمد في المسند، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢١ هـ (٣٣/ ٢٣).","vol":"1","page":475},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>المسألة الثالثة: أدلة إثبات الحوض المورود:</span>\nاستفاضت نصوص السنة واشتهرت وتواترت في الحديث عن الحوض المورود وصفاته وأخباره، أما القرآن الكريم فلم يرد فيه التصريح بذكر الحوض، يقول الإمام السفاريني:\" وأما ثبوته بالقرآن فاحتمال وليس بصريح، وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ ففيه اختلاف: هل الحوض، أو الخير الكثير، أو النهر الذي في الجنة؟ \" (^١).\nوقد ذكر أئمة التفسير في تفسير الكوثر ستة أقوال:\" نهر في الجنة، الخير الكثير الذي أعطي نبينا - ﷺ - العلم والقرآن، النبوة، حوض النبي - ﷺ - كثرة أتباعه \" (^٢)، مما يدل على أن الحوض لم يرد في القرآن الكريم صريحًا.\nأما السنة النبوية فأحاديثها في إثبات الحوض متواترة مستفيضة، وقد حكى الأئمة التواتر في أحاديث الحوض:\nيقول القاضي عياض عن حديث الحوض:\" وهو حديث ثابت متواتر النقل، رواه جماعة من الصحابة\" (^٣).\nويقول الإمام القرطبي عن أحاديث الحوض الواردة فيه أنها:\" الأحاديث الكثيرة الصحيحة الشهيرة التي يحصل بمجموعها العلم القطعي واليقين التواتري، إذ قد روى ذلك عن النبي - ﷺ - من الصحابة نيف على الثلاثين\" (^٤).\nوذكر الإمام السيوطي أن رواة أحاديث الحوض زيادة عما ذكره القرطبي فقال: \"ورد ذكر الحوض من رواية بضع وخمسين صحابيا (^٥) \"، ثم سردهم.\n_________\n(^١) السفاريني: لوامع الأنوار، مكتبة الخافقين - دمشق، ط ٢ - ١٤٠٢ هـ (٢/ ٢٠٢).\n(^٢) ابن الجوزي: زاد المسير: (٤/ ٤٩٧)،وذكر الإمام القرطبي ستة عشر قولًا: الجامع لأحكام القرآن ... (٢٠/ ٢١٦).\n(^٣) القاضي عياض: إكمال العلم، دار الوفاء -مصر ط ٢ - ١٤٢٥ هـ (٧/ ٢٦٠).\n(^٤) القرطبي: المفهم، دار ابن كثير - دمشق، ط ٥ ١٤٣١ هـ (٦/ ٩٠).\n(^٥) السيوطي: البدور السافرة، دار المعرفة - بيروت، ط ١ ١٤٢٦ هـ، ص (١٥٢).","vol":"1","page":476},{"text":"وقد صرح الإمام ابن عبد البر بتواتر أحاديث الحوض فقال:\" وقد ذكرنا أحاديث الحوض وهي متواترة\" (^١) وقال: \"الأحاديث في حوضه - ﷺمتواترة صحيحة ثابتة كثيرة \" (^٢).\nوقال الإمام أبو الحسن الأشعري عن أحاديث الحوض:\" وقد روي عن النبي - ﷺ - من وجوه كثيرة، وروي عن أصحابه ﵃ أجمعين بلا خلاف \" (^٣).\nوقد نقل هذا التواتر جماعات كثيرة من أهل العلم (^٤) مما يدل على ثبوت هذه الأحاديث، وأنها حجة يجب الإيمان بها.\nوقال الشيخ الداودي في حواشيه على الصحيح:\nمما تواتر حديث من كذب ومن بنى الله بيتًا واحتسب\nورؤية شفاعة والحوض ومسح خفين وهذي بعض (^٥)\nوأما أدلة إثبات الحوض من السنة فهي كثيرة منها:\nعن أنس ﵁ قال: دعا النبي - ﷺالأنصار، ليكتب لهم بالبحرين فقالوا: لا والله حتى تكتب لإخواننا من قريش بمثلها، فقال: ذاك لهم ما شاء الله على ذلك، يقولون له، قال: «فَإِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الحَوْضِ» (^٦).\n_________\n(^١) ابن عبد البر: الاستذكار، دار الكتب العلمية - بيروت ن ط ١ ١٤٢١ هـ (٥/ ١١٢).\n(^٢) ابن عبد البر: التمهيد، وزارة عموم الأوقاف - المغرب، ١٣٨٧ هـ (٢/ ٢٩١).\n(^٣) الأشعري: الإبانة، الأنصار - القاهرة، ط ١ ١٣٩٧ هـ، ص (٢٤٥).\n(^٤) انظر: ابن أبي العز، شرح الطحاوية ص (١٩٩)، ابن حجر: فتح الباري (١١/ ٤٦٧ - ٧٤٥) العراقي: طرح التثريب: (٣/ ٢٩٦).\n(^٥) الكتاني: نظم المتناثر، دار الكتب السلفية - مصر، ط ٢ -، ص (١٩).\n(^٦) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجزية، باب ما أقطع النبي - ﷺمن البحرين ح (٣١٦٣).","vol":"1","page":477},{"text":"وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺقال: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي» (^١). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَذُودَنَّ رِجَالًا عَنْ حَوْضِي، كَمَا تُذَادُ الغَرِيبَةُ مِنَ الإِبِلِ عَنِ الحَوْضِ» (^٢).\nوعن عقبة بن عامر ﵁، قال: صلى رسول الله - ﷺ - على قتلى أحد بعد ثماني سنين، كالمودّع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر فقال: «إِنِّي بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فَرَطٌ، وَأَنَا عَلَيْكُمْ شَهِيدٌ، وَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الحَوْضُ، وَإِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ مَقَامِي هَذَا» (^٣).\nوعن أنس ﵁، عن النبي - ﷺ -، قال:: «لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِي الحَوْضَ، حَتَّى عَرَفْتُهُمْ اخْتُلِجُوا دُونِي، فَأَقُولُ: أَصْحَابِي، فَيَقُولُ: لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ» (^٤).\nفهذه الأدلة وغيرها كلها تصب في الدلالة على إثبات حوض نبينا - ﷺ - وأنه حق لا شك فيه، وردت فيه من المواصفات في السنة النبوية الشيء الكثير ... نبينها في المسألة التالية:\n_________\n(^١) خرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجمعة، باب فضل الما بين القبر والمنبر ح (١١٩٦)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب ما بين القبر والمنبر روضة من رياض الجنة ح (٦٣٩١).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المساقاة، باب من رأى أن صاحب الحوض والقربة أحق بمائه ح (٢٣٦٧)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب إثبات حوض نبينا ﷺ ح (٢٣٠٢) دار إحياء التراث العربي - بيروت، ت: محمد فؤاد عبد الباقي.\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب غزوة أحد ح (٤٠٤٢)، وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب الفضائل، باب إثبات حوض نبينا ﷺ ح (٢٢٩٦).\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الرقاق، باب في الحوض ح (٦٥٨٢)، وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب الفضائل، باب إثبات حوض نبينا ﷺ ح (٢٣٠٤).","vol":"1","page":478},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>المسألة الرابعة: أوصاف الحوض المورود:</span>\nورد في السنة النبوية ذكر أخبار الحوض المورود يوم القيامة، وذكر بعض أوصافه وميزاته:\n١ - من شرب منه لم يظمأ بعدها أبدًا:\nعن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوْضِ، مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا، لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ» (^١).\n٢ - آنية الحوض وصفة ماءه:\nعَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا آنِيَةُ الْحَوْضِ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ وَكَوَاكِبِهَا، أَلَا فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ الْمُصْحِيَةِ، آنِيَةُ الْجَنَّةِ مَنْ شَرِبَ مِنْهَا لَمْ يَظْمَأْ آخِرَ مَا عَلَيْهِ، يَشْخَبُ فِيهِ مِيزَابَانِ مِنَ الْجَنَّةِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ، عَرْضُهُ مِثْلُ طُولِهِ، مَا بَيْنَ عَمَّانَ إِلَى أَيْلَةَ مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ» (^٢).\nوفي رواية لمسلم: (وسُئل عن شرابه فقال: «أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، يَغُتُّ فِيهِ مِيزَابَانِ يَمُدَّانِهِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَحَدُهُمَا مِنْ ذَهَبٍ، وَالْآخَرُ مِنْ وَرِقٍ» (^٣).\nوعن جابر بن سمرة ﵁، عن رسول الله - ﷺ -: قال: «أَلَا إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، وَإِنَّ بُعْدَ مَا بَيْنَ طَرَفَيْهِ كَمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَأَيْلَةَ، كَأَنَّ الْأَبَارِيقَ فِيهِ النُّجُومُ» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الرقاق، باب في الحوض ح (٦٥٨٣)، وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب الفضائل، باب إثبات حوض نبينا ﷺ ح (٢٢٩٠).\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب إثبات حوض نبينا - ﷺ - ح (٢٣٠٠).\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب إثبات حوض نبينا - ﷺ - ح (٢٣٠١).\n(^٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب إثبات حوض نبينا - ﷺ - ح (٢٣٠٥).","vol":"1","page":479},{"text":"وعن أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: «إِنَّ فِي حَوْضِي مِنَ الأَبَارِيقِ بِعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ» (^١).\nوعن جابر ﵁، قال رسول الله - ﷺ -: «الْحَوْضُ مَسِيرَةُ شَهْرٍ وَزَوَايَاهُ سَوَاءٌ - يَعْنِي عَرْضُهُ مِثْلُ طُولِهِ - وَكِيزَانُهُ مِثْلُ نُجُومِ السَّمَاءِ، وَهُوَ أَطْيَبُ رِيحًا مِنَ الْمِسْكِ، وَأَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهُ أَبَدًا» (^٢).\nوعن حذيفة ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: «بَيْنَ حَوْضِي كَمَا بَيْنَ أَيْلَةَ وَمُضَرَ آنِيَتُهُ أَكْثَرُ، أَوْ قَالَ: مِثْلُ - عَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ، مَاؤُهُ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ وَأَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَبْرَدُ مِنَ الثَّلْجِ، وَأَطْيَبُ رِيحًا مِنَ الْمِسْكِ مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهُ» (^٣).\nفهذه الأحاديث والآثار، تثبت جملة من صفات وميزات الحوض المورود يقول العلامة ابن أبي العز: \"والذي يتلخص من الأحاديث الواردة في صفة الحوض، أنه حوض عظيم، ومورد كريم، يمد من شراب الجنة، من نهر الكوثر، الذي هو أشد بياضًا من اللبن، وأبرد من الثلج، وأحلى من العسل وأطيب ريحًا من المسك، وهو في غاية الاتساع، عرضه وطوله سواء، كل زاوية من زواياه مسيرة شهر (^٤).\n٣ - مسافة الحوض كما بين أيلة وصنعاء:\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في جامعه، أبواب صفة القيامة والرقائق والورع، باب ما جاء في صفة الحوض ح (٢٤٤٢)، وقال الإمام الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من الوجه (٤/ ٦٢٨)\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند، في مسند جابر بن عبد الله ح (١٥١٢١) (٢٣/ ٣٣٣)\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند: في مسند حذيفة بن اليمان ح (٢٣٣١٧) (٢٩/ ٣٤٤)\n(^٤) ابن أبي العز: شرح الطحاوية، وزارة الأوقاف السعودية، ط ١ ١٤١٨ هـ، ص (٢١٠)","vol":"1","page":480},{"text":"هذه إحدى الروايات الواردة في السنة المطهرة في تحديد مسافة الحوض واختلفت الروايات في تحديد مسافة الحوض كالآتي (^١):\n١ - أنه ما بين صنعاء وأيلة.\n٢ - أنه ما بين صنعاء والمدينة.\n٣ - أنه ما بين عدن وعمان.\n٤ - أنه ما بين صنعاء وبصرى.\n٥ - أنه ما بين أيلة وعدن.\n٦ - أنه ما بين الكوفة والحجر الأسود.\n٧ - أنه ما بين الكعبة وبيت المقدس.\n٨ - أنه ما بين جرباء وأذرح.\n٩ - أنه ما بين الجابية وصنعاء.\n١٠ - أنه ما بين صنعاء ومكة\n١١ - أنه ما بين البيضاء وبصرى.\nوكذا اختلفت الروايات بالزمان، فقيل: مسيرة شهر، وقيل: شهران وقيل: ثلاثة.\nومع تضافر هذه الروايات الصحيحة في بيان مسافة الحوض، إلا أنه الناظر فيها ربما يجد نوعًا من التضارب بين هذه الروايات، الأمر الذي استدعى العلماء للقيام ببيان أوجه الجمع بين هذه الروايات، مع علمنا ويقيننا بأن النصوص القطعية الثابتة لا تتناقض، وأنه متى حصل هذا التناقض الظاهر، فمرجعه لفهم الناظر لا لصدق المنظور فيه، ولذا صرح أساطين العلماء بأنه مع كثرة الروايات في قدر الحوض ومسافته إلا أنها ليست موجبة للاضطراب\nيقول الإمام القرطبي:\" ظن بعض الناس أن في هذه التحديدات في أحاديث الحوض اضطرابًا واختلافًا، وليس كذلك \" (^٢)، ولذا قال القاضي عياض عن هذا الاختلاف في الروايات هي:\"من اختلاف التقدير، ليس في حديث واحد فيحسب اختلافًا واضطرابًا من الرواة، وإنما جاء في أحاديث مختلفة عن غير واحد من الصحابة سمعوه في مواطن مختلفة\" (^٣)، ويقول الإمام أحمد القرطبي: \" وقد ظن بعض القاصرين، أن ذلك اضطراب، وليس كذلك \" (^٤).\n_________\n(^١) العيني: عمدة القاري، دار إحياء التراث العربي - بيروت: (٢٣/ ١٣٧)، الصالحي: سبل الهدى والرشاد، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤١٤ هـ، (١٢/ ٤٦٦)\n(^٢) القرطبي: التذكرة، مكتبة دار المنهاج - الرياض، ط ١ ١٤٢٥ هـ، ص (٧٠٦).\n(^٣) القاضي عياض: إكمال المعلم، دار الوفاء -مصر ط ٢ - ١٤٢٥ هـ (٦/ ٩٢).\n(^٤) القرطبي: المفهم، دار ابن كثير - دمشق، ط ٥ ١٤٣١ هـ (٦/ ٩٢).","vol":"1","page":481},{"text":"واجتهد العلماء بعد ذلك، في بيان أوجه الجمع بين النصوص الواردة في مسافة الحوض على طرائق منها:\n١ - أن النبي - ﷺ -: تكلم بحديث الحوض مرات عديدة، وأن ذلك إنما كان بحسب من حضره، ممن يعرف تلك الجهات، فيخاطب كل قوم بالجهة التي يعرفونها (^١).\n٢ - وقيل: إن الحوض له طول وعرض، وزوايا وأركان، فيكون اختلاف هذه المسافات التي في الحديث على حساب ذلك (^٢).\n٣ - وقيل: سبب الاختلاف ملاحظة سرعة السير وعدمها، فقد عهد في الناس من يقطع مسافة عشرة أيام في ثلاث أيام، وعكسه وأكثر من ذلك وأقل (^٣).\n٤ - وقيل: إن القليل من هذه المسافات، داخل تحت الكثير، والكثير باق على ظاهره، يقول الإمام النووي:\" وليس في القليل من هذه منع الكثير، والكثير ثابت على ظاهر الحديث، ولا معارضة \" (^٤).\nوأقرب الأوجه الأول، يقول الإمام العلائي: \"وأما اختلاف الأحاديث في تقدير مسافة الحوض، أوردنا الله إياه بفضله وكرمه، فالكلام عليها مشهور، وأحسن وجه قيل فيه: إن التقدير كان في كل وقت بحسب ما يفهم الحاضرون من المسافة، مع تقارب ذلك وأنه نحو شهر\" (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>المسألة الخامسة: سؤالات العلماء عن الحوض:</span>\nهناك جملة من السؤالات الواردة عن الحوض المورود، يحسن ذكرها وبيانها إتمامًا لهذا المطلب وهي كالآتي:\n(أ) متى يرد الناس الحوض؟\nاختلف العلماء في وقت ورود الخليفة إلى الحوض المورود:\nفقيل: قبل الصراط، وذهب إليه الأكثر من أهل العلم، يقول الإمام ابن تيمية:\" ورود حوض النبي - ﷺ - قبل الصراط\" (^٦).\n_________\n(^١) القرطبي: المفهم، دار ابن كثير - دمشق، ط ٥ ١٤٣١ هـ (٦/ ٩٢).\n(^٢) القصري: شعب الإيمان ت: سيد كسروي، ص (٦١٩).\n(^٣) السفاريني: لوامع الأنوار، مكتبة الخافقين - دمشق، ط ٢ - ١٤٠٢ هـ (٢/ ٢٠٢).\n(^٤) النووي: شرح مسلم، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٢ - ١٣٩٢ هـ (١٥/ ٥٨).\n(^٥) العلائي: التنبيهات المجملة على المواضع المشكلة، مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، العدد (٧٩ - ٨٠)، ١٤٠٨ هـ، ص (٥٣).\n(^٦) ابن تيمية: المستدرك على مجموع الفتاوى، دار القاسم، ط ١ ١٤١٨ هـ، (١/ ١٠٤).","vol":"1","page":482},{"text":"ويقول الإمام القرطبي:\" والصحيح: أن للنبي - ﷺ - حوضين، وكلاهما يسمى كوثرًا، وأن الحوض الذي يذاد عنه من بدل وغيّر، يكون في الموقف قبل الصراط\" (^١).\nوكذا مال لهذه القول الإمام ابن كثير، علله:\" بأنه يذاد عنه أقوام يقال عنهم: إنهم لم يزالوا يرتدون على أعقابهم منذ فارقتهم، فإن كان هؤلاء كفارًا فالكافر لا يجاوز الصراط، بل يكب على وجهه في النار قبل أن يجاوزه، وإن كانوا عصاة فهم من المسلمين، فيبعد حجبهم عن الحوض، لاسيما وعليهم سيما الوضوء، ثم من جاوز لا يكون إلا ناجيًا مسلمًا، فمثل هذا لا يحجب عن الحوض، فالأشبه و- والله أعلم - أن الحوض قبل الصراط\" (^٢).\nوقيل: الحوض بعد الصراط، نقله الإمام القرطبي عن صاحب القوت (^٣) ... وهو صنيع الإمام البخاري، كما أشار إليه الحافظ ابن حجر (^٤)، وهو ما صرح به الإمام الغزالي في عقيدته فقال: \"يشرب منه المؤمنون قبل دخول الجنة وبعد جواز الصراط\" (^٥). قال العلامة السفاريني:\" ورجح القاضي عياض: أن الحوض بعد الصراط، وأن الشرب منه يقع بعد الحساب والنجاة من النار\" (^٦).\nوالأقرب من القولين - والعلم عند الله تعالى - الأول؛ لأن المقام يقتضيه حيث إن الناس في حاجة إلى الشرب في العرصات قبل الصراط (^٧).\nويمكن أن يجمع بينهما: \"بأن يقع الشرب من الحوض قبل الصراط لقوم وتأخيره بعده لآخرين، بحسب ما عليهم من الذنوب والأوزار، حتى يهذبوا منها على الصراط\" (^٨).\n_________\n(^١) القرطبي: التذكرة، دار المنهاج - الرياض، ط ١ ١٤١٥ هـ، ص (٧٠٣).\n(^٢) ابن كثير: النهاية، دار الجيل - بيروت، ١٤٠٨ هـ (١/ ٤١٣).\n(^٣) القرطبي: التذكرة، مكتبة دار المنهاج - الرياض، ط ١ ١٤٢٥ هـ، ص (٧٠٢).\n(^٤) ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ هـ (١١/ ٤٦٦).\n(^٥) الغزالي: بداية الهداية، دار المنهاج - جدة، ط ١ ١٤٢٥ هـ، ص (٢٨٥).\n(^٦) السفاريني: لوامع الأنوار، مكتبة الخافقين - دمشق، ط ٢ - ١٤٠٢ هـ (٢/ ١٩٥).\n(^٧) العثيمين: مجموع فتاوى العثيمين، دار الوطن، ١٤١٣ هـ (٨/ ٥٨٦).\n(^٨) السفاريني: لوامع الأنوار، مكتبة الخافقين - دمشق، ط ٢ - ١٤٠٢ هـ (٢/ ١٩٥).","vol":"1","page":483},{"text":"وقال الإمام ابن القيم في الجمع بين القولين، بعد أن حكى كلام الإمام القرطبي والغزالي وأنهما غلطا من يقول إنه قبل الصراط:\" وأصحاب هذا القول إن أرادوا أن الحوض لا يرى ولا يوصل إليه، إلا بعد قطع الصراط فحديث أبي هريرة هذا وغيره يرد قولهم، وإن أرادوا أن المؤمنين إذا جاوزوا الصراط وقطعوه بدا لهم الحوض فشربوا منه، فهذا يدل عليه حديث لقيط هذا، وهو لا يناقض كونه قبل الصراط، فإن قوله: «طوله شهر، وعرضه شهر»، فإذا كان بهذا الطول والسعة، فما الذي يحيل امتداده إلى وراء الجسر فيرده المؤمنون قبل الصراط وبعده، فهذا في حيز الإمكان، ووقوعه موقوف على خبر الصادق\" (^١).\n(ب): إن قيل: ما السر في وجود الحوض؟\nفالجواب: شدة العطش، والعرق الكثير يومئذ؛ لأن الشمس تدنى من رؤوس الخلائق، فيشتد العطش والعرق، فجعل له الحوض على عادة العرب، في جعل الأحواض للواردين عليها كالضيافة (^٢).\n(ج) هل لكل نبي حوضًا؟\nوردت جملة من الآثار، اختلف العلماء في أسانيدها، فاعتمد عليها جماهير أهل العلم في الحكم بأن لكل نبي حوضًا، في حين نفى البعض أن يكون لكل نبي حوضًا، وحكم على هذه الآثار بالضعف، وجعل الحوض من الخصائص النبوية لنبينا محمد - ﷺ - في حين ذهب الأولون إلى أن الخصيصة في الحوض هو: ورود الأحاديث في صريحة وواضحة، فهذا وجه التخصيص، أو أن الأمر الذي اختص به نبينا - ﷺ -، هو الكوثر، أما الحوض فإن لكل نبي حوضًا، إلا أن حوض نبينا - ﷺ -، هو أكبر الأحواض وأكثرها واردًا.\nفاختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال ثلاثة:\n١ - أن لكل نبي حوضًا.\n٢ - أن الحوض خاص بنبينا محمد - ﷺ -.\n٣ - أن لكل نبي حوضًا إلا نبي الله صالح ﵇، فإن حوضه ضرع ناقته، وهذا القول نقله الإمام القرطبي، عن البكري المعروف بابن الواسطي، وذكره الإمام البربهاري في شرح السنة (^٣).\n_________\n(^١) ابن القيم: زاد المعاد، مؤسسة الرسالة - بيروت ن ط ٢٧ - ١٤١٥ هـ (٣/ ٥٩٦).\n(^٢) ابن الجوزي: كشف المشكل، دار الوطن - الرياض، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (١/ ٣٠٥).\n(^٣) القرطبي: التذكرة، دار المنهاج ص (٣١٧)، البربهاري: شرح السنة، ص (٤٤)","vol":"1","page":484},{"text":"وأما الآثار الواردة في المسألة:\nفعن سمرة بن جندب ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: «إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضًا وَإِنَّهُمْ يَتَبَاهَوْنَ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ وَارِدَةً، وَإِنِّي أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ وَارِدَةً» (^١).\nوعن أبي سعيد الخدري ﵁، أن النبي - ﷺ - قال: «إِنَّ لِي حَوْضًا مَا بَيْنَ الْكَعْبَةِ، وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ أَبْيَضَ، مِثْلَ اللَّبَنِ، آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ، وَإِنِّي لَأَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^٢).\nوقد ذكر الإمام ابن كثير جملة من الأحاديث الواردة في المسألة ثم عقب على حديث سمرة بقوله: \"وهذا مرسل عن الحسن، وهو حسن، صححه يحيى بن سعيد القطان وغيره، وقد أفتى شيخنا المزي بصحته من هذه الطرق\" (^٣).\nوالأقرب من الأقوال - والعلم عند الله - القول الأول: وهو أن لكل نبي حوضًا، للحديث السابق حديث سمرة بن جندب، وقد صححه العلامة الألباني (^٤)؛ \"ولأن هذا من كمال عدل الله ﷿، فإنه من نهل من شرعه في الدنيا، كان جزاؤه أن ينهل من أحواض الأنبياء يوم القيامة، لكن ليس معلومًا لدينا من أين تستمد هذه الأحواض التي لغير الرسول - ﷺ -، أما حوض الرسول - ﷺ - فإنه يكون من الكوثر \" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في جامعه، أبواب صفة القيامة والرقائق والورع، باب ما جاء في صفة الحوض ح (٢٤٤٣)، وقال الترمذي: هذا حديث غريب، وقد روى الأشعث بن عبد الملك هذا الحديث عن الحسن عن النبي - ﷺ - مرسلًا ولم يذكر فيه عن سمرة وهو أصح (٤/ ٦٢٨)\n(^٢) أخرجه ابن ماجه في سننه كتاب الزهد، باب ذكر الحوض ح (٤٣٠١).\n(^٣) ابن كثير: النهاية، دار الجيل - بيروت، ١٤٠٨ هـ (١/ ٤١٢)\n(^٤) الألباني: صحيح الجامع الصغير وزيادته، المكتب الإسلامي - بيروت (١/ ٤٣١)\n(^٥) العثيمين: شرح العقيدة السفارينية، دار الوطن - الرياض، ط ١ ١٤٢٦ هـ، ص (٤٨٣)","vol":"1","page":485},{"text":"واستدل الحافظ ابن حجر برواية: «إني لأذود عن حوضي»، على أن لكل نبي حوضًا فقال: \"والحكمة في الذود المذكور: أنه - ﷺ - يريد أن يرشد كل أحد إلى حوض نبيه، على ما تقدم أن لكل نبي حوضًا، وأنهم يتباهون بكثرة من يتبعهم، فيكون ذلك من جملة إنصافه، ورعاية إخوانه من النبيين\" (^١).\nوفي سؤال ورد إلى الشيخ عبد الرحمن بن حسن مفاده:\" فيمن يقول: إن الأولياء يردون الحوض مع النبي - ﷺ - قبل الأنبياء؟\nالجواب:\" إنما يتم له ما ذُكر، إن ثبت أن الأنبياء يردون حوض النبي - ﷺ - ولم أر ما يدل على ذلك، بعد الفحص والاطلاع على الأحاديث الواردة في الحوض عن بضعة وخمسين صحابيًا، بل الذي رأيته يدل لخلافه، فقد أخرج الترمذي عن سمرة عن النبي - ﷺ -: «إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضًا وَإِنَّهُمْ يَتَبَاهَوْنَ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ وَارِدَةً، وَإِنِّي أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ وَارِدَةً».\nوأخرج الترمذي عن سمرة مرفوعًا: «إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ يَتَبَاهَوْنَ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَصْحَابًا مِنْ أُمَّتِهِ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ يَوْمَئِذٍ أَكْثَرَهُمْ كُلِّهِمْ وَارِدَةً، فَإِنَّهُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ قَائِمٌ عَلَى حَوْضٍ مَلْآنَ، مَعَهُ عَصًا، يَدْعُو مَنْ عَرَفَ مِنْ أُمَّتِهِ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ سِيمَاءٌ يَعْرِفُهُمْ بِهَا نَبِيُّهُمْ»، فهذان الحديثان صريحان في أن لكل نبي حوضًا مستقلًا ترده أمته\" (^٢).\n_________\n(^١) ابن حجر: فتح الباري: (١١/ ٤)، القسطلاني: المواهب اللدنية: ا (٣/ ٦٤١)، ابن كثير: الفصول في السيرة:، ص (٢٩٠)، النفراوي: الفواكه الدواني: (١/ ٩١)، الألوسي: روح المعاني،: (١٥/ ٤٧٩)\n(^٢) عبد الرحمن بن حسن: الإيمان والرد على أهل البدع، مطبوع ضمن مجموعة الرسائل والمسائل الخبرية ج ٢، دار العاصمة، الرياض، ط: بمصر ١٣٤٩، النشرة الثالثة: ١٤١٢ هـ (٧٥)","vol":"1","page":486},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>المطلب السادس الصراط</span>\nيقول الإمام ابن تيمية في الواسطية:\" والصراط منصوب على متن جهنم وهو الجسر الذي بين الجنة والنار، يمر الناس عليه قدر أعمالهم، فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق الخاطف، ومنهم من يمر كالريح ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنهم من يعدو عدوًا، ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يزحف زحفا، ومنهم من يُخطف فيلقى في جهنم، فإن الجسر عليه كلاليب تخطف الناس بأعمالهم فمن مر على الصراط دخل الجنة\" (^١).\nالإيمان بالصراط حتم لازم، وفرض جازم، وهو ثابت بالنصوص الشريفة، والإجماع الذي حكاه شيخ الإسلام إجماع مستقر عند الأئمة وأقوالهم فيه كثيرة مستفيضة. وبيان هذا المطلب في المسائل التالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>المسألة الأول: حكاية إجماع العلماء وأقوالهم في إثبات الصراط:</span>\nيقول الإمام أبو الحسن الأشعري: \"وأجمعوا على أن الصراط، جسر ممدود على جهنم، يجوز عليه العباد بقدر أعمالهم، وأنهم يتفاوتون في السرعة والإبطاء على قدر ذلك\" (^٢)، ويقول الإمامان الرازيان:\" أدركنا العلماء في جميع الأمصار، حجازًا، وعراقًا، وشامًا، ويمنًا، فكان من مذهبهم ... والصراط حق\" (^٣).\nويقول الإمام البربهاري: \"والإيمان بشفاعة رسول الله - ﷺ - للمذنبين الخاطئين في يوم القيامة وعلى الصراط ... والإيمان بالصراط على جهنم يأخذ الصراط من شاء الله، ويجوز من شاء الله، ويسقط في جهنم من شاء الله، ولهم أنوار على قدر إيمانهم \" (^٤).\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف -: (٣/ ١٤٦ - ١٤٧)\n(^٢) الأشعري: رسالة إلى أهل الثغر، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية ص (١٦٣)\n(^٣) ابن القطان: الإقناع في مسائل الإجماع، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٢٦ هـ (١/ ٥٥)\n(^٤) البربهاري: شرح السنة، مكتبة الغرباء - السعودية، ط ١ ١٤١٤ هـ، ص (٤٥ - ٤٧)","vol":"1","page":487},{"text":"ويقول الإمام ابن أبي زمنين:\" وأهل السنة يؤمنون بالصراط، وأن الناس يمرون عليه يوم القيامة على قدر أعمالهم\" (^١). ويقول الإمام أبو المظفر الإسفرايني:\" وأن تعلم أن الصراط حق \" (^٢). ويقول الإمام الجويني: \"الصراط والميزان والحوض والشفاعة للمذنبين، كل ذلك حق\" (^٣). ويقول الإمام المتولي:\" والصراط حق، وهو جسر ممدود على جهنم يرده الخلائق\" (^٤).\nويقول الإمام ابن قدامة:\" والصراط حق يجوزه الأبرار، ويزل عنه الفجار \" (^٥).\nويقول الإمام الغزالي:\" وأن يؤمن بأن الصراط حق، وهو جسر ممدود على متن جهنم، أحد من السيف، وأدق من الشعرة، تزل عليه أقدام الكافرين، بحكم الله سبحانه، فتهوي بهم إلى النار، وتثبت عليه أقدام المؤمنين بفضل الله، فيساقون إلى دار القرار \" (^٦).\nويقول العلامة الغزنوي:\" الصراط حق، وهو جسر ممدود على متن جهنم\" (^٧).\nويقول العلامة الآمدي:\" ومذهب أهل الحق من الإسلاميين القول بالحشر، ونصب الصراط \" (^٨).\nويقول الإمام النووي:\" إثبات الصراط ومذهب أهل الحق إثباته، وقد أجمع السلف على إثباته، وهو جسر على متن جهنم\" (^٩).\n_________\n(^١) ابن أبي زمنين: أصول السنة، مكتبة الغرباء - السعودية، ط ١ ١٤١٥ هـ، ص (١٦٨)\n(^٢) الاسفرايني: التبصير في الدين، عالم الكتب - لبنان، ط ١ ١٤٠٣ هـ، ص (١٧٧)\n(^٣) الجويني: لمع الأدلة، عالم الكتب - بيروت، ط ٢ - ١٤٠٧ هـ، ص (١٢٧)\n(^٤) المتولي: الغنية في أصول الفقه، المعهد الفرنسى للآثار الشرقيه، ١٩٨٦ - القاهرة، ص (٥٧)\n(^٥) ابن قدامة: لمعة الاعتقاد، وزارة الأوقاف السعودية، ط ٢ - ١٤٢٠ هـ، ص (٣٣)\n(^٦) الغزالي: قواعد العقائد، عالم الكتب - بيروت، ط ٢ - ١٤٠٥ هـ، ص (٦٦ - ٢٢٣)\n(^٧) الغزنوي: أصول الدين،، دار البشائر الإسلامية - بيروت - لبنان ط ١، ١٤١٩ هـ، ص (٢٣٨)\n(^٨) الآمدي: غاية المرام:، ت: حسن محمود عبد اللطيف، (١/ ٢٩٣)\n(^٩) النووي: شرح مسلم، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٢ - ١٣٩٢ هـ (٣/ ٢٠)","vol":"1","page":488},{"text":"فأقوال العلماء في هذه المسألة أكثر من أن تحصر، كلها تدل على إثبات الصراط الحقيقي، بمواصفاته الواردة في السنة النبوية المطهرة، يؤمنون بها دون تأويل أو تحريف، أو رد وإنكار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>المسألة الثانية: أدلة إثبات الصراط:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>أدلة إثبات الصراط من القرآن الكريم:</span>\n١ - يقول الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ [مريم:٧١ - ٧٢].\nوهذا فيه\" إشارة إلى وجود الصراط، إذ لا يكون الورود إلا بالمرور على الصراط على متن جهنم\" (^١).\nيقول الإمام الطبري في معنى الورود:\" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: يردها الجميع، ثم يصدر عنها المؤمنون، فينجيهم الله ويهوي فيها الكفار، ووروده هو ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله - ﷺ - من مرورهم على الصراط المنصوب على متن جهنم، فناج مسلّم ومكدس فيها \" (^٢).\nوقال ابن مسعود ﵁ في الآية: \"الصراط على جهنم مثل حد السيف\" (^٣).\nقال أهل التفسير: المراد بقوله تعالى: ﴿إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١]: يعني: النار، أو المرور. واختلفوا في المراد بالورود على أقوال:\n١ - المراد بالورود: الدخول، وعليه جمهور أهل السنة (^٤). وهو قول علي وابن عباس ﵃، ورجحه الإمام القرطبي.\n٢ - المراد بالورود: المرور، ورجحه الإمام النووي.\n٣ - المراد بالورود: الإشراف عليها، والإطلاع إليها، والقرب منها (^٥).\n_________\n(^١) غالب عواجي: الحياة الآخرة، دار لينة- مصر، ط ١ ١٤١٧ هـ (٣/ ١٢٢٦)\n(^٢) الطبري: جامع البيان، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ت: أحمد محمد شاكر، ص (١٨/ ٢٣٤)\n(^٣) ابن أبي زمنين: تفسير القرآن العزيز، الفاروق الحديثة - القاهرة، ط ١ ١٤٢٣ هـ (٣/ ١٠٢)\n(^٤) النسفي: مدارك التنزيل، دار الكلم الطيب -بيروت، ط ١ ١٤١٩ هـ، (٢/ ٣٤٧)\n(^٥) القرطبي: التذكرة، دار المنهاج - الرياض، ط ١ ١٤١٥ هـ، ص (٧٥٩)، النووي: شرح مسلم (١٦/ ٥٨)، ابن رجب: التخويف من النار، ص (٢٤٦)، العراقي: طرح التثريب: (٢/ ٢٥١ - ٨/ ٢٧٨)","vol":"1","page":489},{"text":"٢ - يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣)﴾ [الحديد:١٢ - ١٣].\nيقول ابن مسعود ﵁: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾، يعني: على قدر أعمالهم يمرون على الصراط، وقال الحسن: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: يعني على الصراط (^١)، وقال قتادة: ذُكر لنا أن نبي الله - ﷺ - قال: «إن المؤمن من يضيء نوره»، يعني: على الصراط (^٢).\nيقول الإمام القرطبي:\" قال المفسرون: يعطي الله المؤمنين نورًا يوم القيامة على قدر أعمالهم، يمشون به على الصراط، ويعطي المنافقين أيضًا نورًا خديعة لهم\" (^٣)، ويقول الإمام ابن أبي زمنين في قوله: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾: \" وذلك أنه يعطى كل مؤمن ومنافق نورًا على الصراط، فيطفأ نور المنافقين، ويبقى نور المؤمنين\" (^٤).\nويقول الإمام الشوكاني:\" والنور: هو الضياء الذي يُرى بين أيديهم وبأيمانهم، وذلك على الصراط يوم القيامة، وهو دليلهم إلى الجنة \" (^٥).\n_________\n(^١) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، دار طيبة للنشر والتوزيع، ط ٢ - ١٤٢٠ هـ (٨/ ١٥)\n(^٢) البغوي: معالم التنزيل، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ١ ١٤٢٠ هـ، (٥/ ٢٨)\n(^٣) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط ٢ - ١٣٨٤ هـ، (١٧/ ٢٤٥)\n(^٤) ابن أبن زمنين: تفسير القرآن العزيز، الفاروق الحديثة - مصر، ط ١ ١٤٢٣ هـ، (٤/ ٣٥٠)\n(^٥) الشوكاني: فتح القدير، دار ابن كثير - دمشق، ط ١ ١٤١٤ هـ، (٥/ ٢٠٣)","vol":"1","page":490},{"text":"٣ - يقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨)﴾ [التحريم:٨].\nقال مجاهد والضحاك والحسن البصري وغيرهم في قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ هذا يقوله المؤمنون حين يرون يوم القيامة، نور المنافقين قد طفئ (^١). وقال الإمام السمعاني:\" هو نور الإيمان يكون قدامهم على الصراط، يمشون في ضوئه \" (^٢). وقال الإمام البغوي:\" نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم على الصراط، يقولون إذا طفئ نور المنافقين ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨)﴾ \" (^٣).\nوقيل: إن هذا القول يقوله: من يمر على الصراط زحفًا وحبوًا، وقيل: يقوله من يعطى من النور مقدار ما يبصر به موضع قدميه (^٤). وقال الإمام الشوكاني في الآية:\" وقد تقدم في سورة الحديد أن النور يكون معهم، حال مشيهم على الصراط\" (^٥).\n_________\n(^١) ابن كثير: تفسير القرآن العظيمت: سامي سلامة (٨/ ١٧٠)\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن، دار الوطن - الرياض، ط ١ ١٤١٨ هـ (٥/ ٤٧٧).\n(^٣) البغوي: معالم التنزيل، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ١ ١٤٢٠ هـ، (٥/ ١٢٣).\n(^٤) أبو حيان: البحر المحيط، ١ دار الفكر - بيروت، ١٤٢٠ هـ، ت: صدقي جميل، ص (١٠/ ٢١٤)\n(^٥) الشوكاني: فتح القدير، دار ابن كثير - دمشق، ط ١ ١٤١٤ هـ، (٥/ ٣٠٣)","vol":"1","page":491},{"text":"٤ - وفسر بعض الأئمة قوله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١)﴾ [البلد:١١]، فسر العقبة: بالصراط يضرب على جهنم كحد السيف، ذكر عن الضحاك ومجاهد (^١). وهو أحد التفاسير في الآية، فالآية ليست نصا صريحًا في إثبات الصراط.\n٥ - وقال مجاهد في قوله جل وعز: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩)﴾ [يونس:٩] \"يهديهم على الصراط إلى الجنة، يجعل لهم نورًا يمشون به\" (^٢).\n٦ - وقال المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ [الصافات: ٢٤]:\" لما سيقوا إلى النار، حبسوا عند الصراط، لأن السؤال عند الصراط\" (^٣). قال السمعاني: \"فإن قيل: كيف قال: فاهدوهم إلى صراط الجحيم، ثم قال: وقفوهم؟ قلنا: لأنهم يوقفون على الصراط للمساءلة، ويقال إن هذا أشد في التعذيب والتوبيخ \" (^٤).\n_________\n(^١) الماوردي: النكت: (٦/ ٢٧٨)، البغوي: معالم التنزيل: (٥/ ٢٥٦)\n(^٢) البغوي: معالم التنزيل:، (٢/ ٤١١)، القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: (٨/ ٣١٢)\n(^٣) البغوي: معالم التنزيل، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ١ ١٤٢٠ هـ، (٤/ ٢٩)\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن، دار الوطن - الرياض، ط ١ ١٤١٨ هـ (٤/ ٣٩٦)","vol":"1","page":492},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>أدلة السنة المطهرة في إثبات الصراط:</span>\n١ - في حديث أبي هريرة ﵁، الذي أخرجه البخاري في صحيحه، والذي وصف فيه النبي - ﷺ - الصراط، وفيه «فَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ مِنَ الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ، وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ إِلَّا الرُّسُلُ، وَكَلَامُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، هَلْ رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ؟ «قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إِلَّا اللَّهُ، تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ فَمِنْهُمْ مَنْ يُوبَقُ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو «(^١).\n٢ - وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁: «... ثُمَّ يُؤْتَى بِالْجَسْرِ فَيُجْعَلُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ «قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الجَسْرُ؟ قَالَ: «مَدْحَضَةٌ مَزِلَّةٌ، عَلَيْهِ خَطَاطِيفُ وَكَلَالِيبُ، وَحَسَكَةٌ مُفَلْطَحَةٌ لَهَا شَوْكَةٌ عُقَيْفَاءُ، تَكُونُ بِنَجْدٍ، يُقَالُ لَهَا: السَّعْدَانُ، المُؤْمِنُ عَلَيْهَا كَالطَّرْفِ وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ وَكَأَجَاوِيدِ الخَيْلِ وَالرِّكَابِ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَنَاجٍ مَخْدُوشٌ، وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ «(^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه: أبواب صفة الصلاة، باب فضل السجود ح (٨٠٦)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب معرفة طريقة الرؤية ح (١٨٢).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى (وجوه يومئذ ناضرة) (٧٤٣٧).","vol":"1","page":493},{"text":"٣ - وفي حديث حذيفة ﵁: «... وَتُرْسَلُ الْأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ فَتَقُومَانِ جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ كَالْبَرْقِ «قَالَ: قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَيُّ شَيْءٍ كَمَرِّ الْبَرْقِ؟ قَالَ: «أَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْبَرْقِ كَيْفَ يَمُرُّ وَيَرْجِعُ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ؟ ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيحِ، ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ، وَشَدِّ الرِّجَالِ، تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ وَنَبِيُّكُمْ قَائِمٌ عَلَى الصِّرَاطِ يَقُولُ: رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ، حَتَّى تَعْجِزَ أَعْمَالُ الْعِبَادِ حَتَّى يَجِيءَ الرَّجُلُ فَلَا يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ إِلَّا زَحْفًا»، قَالَ: «وَفِي حَافَتَيِ الصِّرَاطِ كَلَالِيبُ مُعَلَّقَةٌ مَأْمُورَةٌ بِأَخْذِ مَنِ اُمِرَتْ بِهِ، فَمَخْدُوشٌ نَاجٍ وَمَكْدُوسٌ فِي النَّارِ» (^١).\nوالأحاديث الواردة في الصراط كثيرة متضافرة متوافرة متواترة، يقول العلامة الإيجي عن الأحاديث الواردة في الصراط:\" وكتب الأحاديث طافحة، أي ممتلئة جدًا بذلك، الذي أدعينا كونه حقًا، بحيث تواتر القدر المشترك، ولم يبق للمتصف فيه اشتباه\" (^٢)، وقال العلامة القصري عن الصراط:\" وقد نطقت به الآيات والأخبار الصحاح عن رسول الله - ﷺ - فوجب الإيمان به\" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب أوي أهل الجنة منزلة فيها (١٩٥).\n(^٢) الإيجي: المواقف، دار الجيل - بيروت، ط ١ ١٤١٧ هـ (٣/ ٥٢٥)\n(^٣) القصري: شعب الإيمان، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤١٦ هـ، ص (٦١١)","vol":"1","page":494},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>المسألة الثالثة: المخالفون في الصراط:</span>\nخالف في بعض الناس، إجماع المسلمين في الإيمان بالصراط، وإثباته بصفاته الواردة في السنة، ولم يكن مع المخالف، مستمسك حق لهذا الإنكار والنفي والتأويل، وممن نسب إليه إنكار الصراط أو بعض صفاته:\nبشر المريسي (^١)، والجهم بن صفوان، ولذا قال الإمام الملطي:\" والآثار جاءت بتكذيب جهم في إنكاره، أن الله يجيز على الصراط عبادة\" (^٢).\nوأشار في كلام له، أن صنف من الجهمية ينكرون الصراط، فقال:\" وأنكروا الصراط أن يكون الله ﷿ يجيز على الصراط أحد\" (^٣).\nونسب جماعة إلى المعتزلة إنكار الصراط، فقال العلامة المتولي: \"وأنكرت المعتزلة الكتب، والصراط\" (^٤).\nوقال العلامة يحي العمراني:\" وأن الصراط حق، وأن حوض النبي - ﷺ - حق، وأنكرت المعتزلة والقدرية وأهل الزيغ ذلك كله\" (^٥).\nوقال العلامة التفتازاني:\" وأنكره القاضي عبد الجبار وكثير من المعتزلة \" (^٦).\nونسب العلامة السفاريني إنكار بعض صفات الصراط إلى العلامة القرافي والعز بن عبد السلام (^٧).\nوالشبة التي تعلق بها من أنكر أو رد أو تأول الصراط، شبه متهافتة، لا تقوم عند قدم التحقيق، خاصة مع ورود النصوص الصحيحة المثبتة للصراط وصفاته، ومن الشبة التي رد بها المخالفون الصراط أو بعض صفاته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>(أ) قالوا: لا فائدة من نصب الصراط إلا العبور عليه</span>، وذلك متعذر جدًا بالنسبة إلى الطائع والعاص معًا، لكونه كما قيل: أحد من السيف، وأدق من الشعرة.\nفقالوا محال في الشاهد ما صفته كذلك أن يمشى عليه (^٨).\n_________\n(^١) الدارمي: نقض الإمام أبي سعيد على المريسي الجهمي العنيد (١/ ٦٠) في مقدمة الدراسة.\n(^٢) الملطي: التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع (١١٠)\n(^٣) الملطي: التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع (٩٨)\n(^٤) المتولي: الغنية في أصول الدين، المعهد الفرنسى للآثار الشرقيه، ١٩٨٦ - القاهرة، ص (٥٧)\n(^٥) العمراني: الانتصار، دار أضواء السلف - الرياض، ط ١ ١٤١٩ هـ (٣/ ٧٢٠)\n(^٦) التفتازاني: شرح المقاصد، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٢٢ هـ (٢/ ٢٢٣)\n(^٧) السفاريني: لوامع الأنوار، مكتبة الخافقين - دمشق، ط ٢ - ١٤٠٢ هـ (٢/ ١٩٣)\n(^٨) الآمدي: غاية المرام، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية - القاهرة (١/ ٣٠٢) (١/ ٣٠٢)، ابن البناء: الرد على المبتدعة، دار الأمر الأول - الرياض، ط ٢ - ١٤٣٣ هـ، ص (٢٢٥)","vol":"1","page":495},{"text":"وأجيب عن هذه الشبهة بما يلي:\n١ - أنه ليس كل ما لم نجده في الشاهد، يجب أن نجهله.\n٢ - أن إمكان العبور عليه ظاهر، كالمشي على الماء، والطيران في الهواء غايته مخالفة العادة، ثم الله تعالى يسهل الطريق على من أراد فيخف على المؤمن، ويشتد على الكافر.\n٣ - كيف ينكر جواز العبور على الصراط، والمشي عليه، مع أن ذلك بالنسبة إلى مقدورات الله تعالى، وخلق السموات والأرض وما فيهن، والمشي في الهواء، والوقوف على الماء وشق البحر، وقلب العصا حية، وغير ذلك من المعجزات والأمور الخارقة للعادات أسهل وأيسر، فغير بعيد أن يعين الله تعالى، وييسر ذلك لمن أطاعه ويخذل من عصاه (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>(ب) إنكار أن يكون الصراط (أحد من السيف وأدق من الشعر)</span>؛ لثبوت أن له جنبتين تقف عليها الملائكة. على أن هذا الوصف لم يرد في الأحاديث الصحيحة، فكونه دقيقًا وحادًا، هذا لم يثبت في أثر صحيح، فضلا على أن أصل وضعه في اللغة: بمعنى الطريق الواسع، هو الأنسب في المعنى، لكي يعبر عليه الناس، وهذه الشبهة متضمنة لمسائل:\n١ - قياس الشاهد على الغائب: ويرد عليه: بأن ما ورد من أخبار الآخرة يجب الإيمان به، والتسليم له، وأن أمور الآخرة، ليست على وفق مقاييس وموازين أمور الدنيا، حتى تستبعد مثل هذه القضايا، فالأمر مختلف تمامًا.\n٢ - أن الوصف الوارد في الحديث: (أحد من السيف، وأدق من الشعر) ... غير موجود في الروايات الصحيحة، كما صرّح بذلك الإمام البيهقي (^٢).\n_________\n(^١) الآمدي: غاية المرام:، (١/ ٣٠٢ - ٣٠٥)، التفتازاني: شرح المقاصد: (٢/ ٢٢٣)، المتولي: الغنية في أصول الدين، المعهد الفرنسى للآثار الشرقيه، ١٩٨٦ - القاهرة، ص (٥٧)، ابن البناء: الرد على المبتدعة، دار الأمر الأول - الرياض، ط ٢ - ١٤٣٣ هـ، ص (٢٢٥).\n(^٢) البيهقي: شعب الإيمان، مكتبة الرشد - الرياض، ط ١ ١٤٢٣ هـ (١/ ٥٦٥).","vol":"1","page":496},{"text":"ويرد عليه: بأن الأئمة أثبتوا هذا الوصف، في جملة من الأحاديث التي وردت في وصف الصراط، ففي صحيح الإمام مسلم: قال أبو سعيد الخدري ﵁:\"وبلغني أن الجسر أدق من الشعر، وأحد من السيف \" (^١).\nيقول الإمام النووي:\" وأصحابنا المتكلمون وغيرهم من السلف يقولون: إن الصراط أدق من الشعرة، وأحد من السيف، كما ذكره أبو سعيد الخدري ﵁، هنا في روايته الأخرى\" (^٢).\nوقال الإمام السخاوي:\" وأما قول أبو سعيد الخدري ﵁ ... (بلغني) فإن الصحابي إذا قال شيئًا مما لا مجال للرأي فيه كوصف الصراط بما تقدم حكمه حكم الرفع على الصحيح.\nفنقل أبي سعيد المشار إليه، قد ورد تصريح الرفع عن غيره من طرق متعددة، يقوي بعضها بعضًا، بل أورد الحاكم في مستدركه على الصحيحين بعضها، فأخرج البيهقي وابن المبارك وابن أبي الدنيا وغيرهم جميعًا، من حديث عبيد بن عمير المتولي، رفعه مرسلًا: (الصراط على جهنم مثل حرف السيف)، وكذا أخرجه البيهقي، وشيخه الحاكم عن ابن مسعود مرفوعًا: (والصراط كحد السيف)، والبيهقي وحده من حديث زياد النميري عن أنس مرفوعًا: (الصراط كحد الشعرة، أوحد السيف)، ومن حديث يزيد الرقاشي عن أنس رفعه أيضًا: (إنه أدق من الشعرة أحد من السيف)، ولأبي يعلى وابن منيع في مسنديهما، عن أبي هريرة مرفوعا: (الصراط كحد السيف) ولأحمد بن حنبل في مسنده، من حديث القاسم عن عائشة في حديث مرفوع أصله عند أبي داود، من حديث الحسن البصري عنها: (ولجهنم جسر أدق من الشعر، وأحد من السيف) \" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية ح (١٨٣).\n(^٢) النووي: شرح مسلم، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٢ - ١٣٩٢ هـ (١٣/ ٢٠).\n(^٣) السخاوي: الأجوبة المرضية (٣/ ٩٠٥)،انظر: العراقي: المغني عن حمل الأسفار، ص (١٠٩)","vol":"1","page":497},{"text":"وجاء عن سلمان ﵁، أنه قال: (... ويوضع الصراط مثل حد الموسى، فتقول الملائكة: من تجيز على هذا؟ فيقول: من شئت من خلقي فيقولون: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك) (^١).\nيقول الشيخ الألباني عن هذا الأثر: \" وقد رواه الآجري في الشريعة عن عبيد الله بن معاذ قال: حدثنا أبي قال: حدثنا حماد بن سلمة به موقوفًا على سلمان وإسناده صحيح، وله حكم المرفوع؛ لأنه لا يقال من قبل الرأي \" (^٢). وفي حديث ابن مسعود: (والصراط كحد السيف، دحض مزلة) (^٣).\nعلى أن وصف الصراط في الأحاديث الصحاح بأنه: (دحض مزلة)، فيه دلالة على ما ورد في الروايات السابقة، وتوافقها في المعنى، من جهة دقة الصراط وحدته.\n(٣) أن أصل وضع كلمة الصراط: الطريق الواسع، وهو الأنسب في المعنى؛ لكي يعبر عليه الناس.\nيرد عليه: بما ذكره الإمام ابن تيمية في هذا المقام بأن: \"الصراط في لغة العرب: هو الطريق، يقال: هو الطريق الواضح، ويقال: هو الطريق المحدود بجانبين، الذي لا يخرج عنه، ومنه الصراط المنصوب على جهنم وهو الجسر الذي يعبر عليه المؤمنون إلى الجنة، وإذا عبر عليه الكفار سقطوا في جهنم، ويقال: فيه معنى الاستواء والاعتدال، الذي يوجب سرعة العبور عليه\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم في المستدرك ح (٨٧٣٩)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.\n(^٢) الألباني: سلسلة الأحاديث الصحيحة، مكتبة المعارف - الرياض، ١٤١٥ هـ (٢/ ٦١٩)\n(^٣) أخرجه الطبراني في الكبير ح (٩٧٦٣) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٢٣٦)\n(^٤) ابن تيمية: الجواب الصحيح، دار العاصمة، السعودية، ط ٢ - ١٤١٩ هـ، ص (٣/ ١٧٨)","vol":"1","page":498},{"text":"فالصراط يطلق أصالة على الطريق، ثم يكون بحسب ما يلحقه من وصف فإن كان قوله في الحديث: (مدحضة مزلة)، فيه احتمال بيان سعة الصراط لأن الدحض والمزلة لا يكونان إلا في طريق واسع (^١)، فيقال: هذا الاحتمال لا يقضي على ما جاء في السنة والأثر، من وصف الصراط بأنه: (أحد من السيف وأدق من الشعر)، فاللفظ المطلق في اللغة، دخله وصف التقييد من الشرع، فوجب القول به.\nويمكن أن يحمل كلا المعنيين على قول سعيد بن أبي هلال: (بلغنا أن الصراط أدق من الشعر على بعض الناس، ولبعض الناس مثل الوادي الواسع)، وقد حكم عليه الحافظ ابن حجر بأنه: مرسل أو معضل (^٢) ... والجواب الأول أولى.\nومن هنا قال الإمام السفاريني عن كل تأويل في الحديث:\" وهذا مردود والإيمان بما وصفنا من صفات الصراط، بأنه أدق من الشعرة، وأحد من السيف واجب\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>المسألة الرابعة: صفات الصراط:</span>\nمن مجموع الأحاديث والآثار الواردة في الصراط، نستخلص صفاته وأهواله:\n١ - أن الصراط أمر مفزع، يدل عليه شعار النبيين يومئذ: اللهم سلم سلم.\n٢ - أن الصراط جسر ممدود على جهنم، يعبر الناس منه إلى الجنة.\n٣ - أن النبي - ﷺ - وهو أمته، أول من يجوز الصراط.\n٤ - أن الصراط مدحضة مزلة، أي: يزل من مشى عليه إلا من عصمه الله تعالى (^٤).\nقال الإمام ابن الأثير: \"أراد أنه تزلق عليه الأقدام ولا تثبت \" (^٥).\n٥ - أن الصراط أحد من السيف، وأدق من الشعرة.\n٦ - أن الصراط عليه خطأ طيف وكلاليب، ومسكة وشوك، تخطف من أمرت بخطفه.\n٧ - تفاوت الناس في المرور عليه على قدر أعمالهم.\n_________\n(^١) العثيمين: مجموع فتاوى العثيمين، دار الوطن، ١٤١٣ هـ (٨/ ٥١٨)\n(^٢) ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ هـ (١١/ ٤٥٤)\n(^٣) السفاريني: البحور الزاخرة، شركة غراس للنشر، ط ١ ١٤٢٨ هـ (١/ ٧٣٩)\n(^٤) عياض: مشارق الأنوار، المكتبة العتيقة، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (١/ ٣١٠)\n(^٥) ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث والأثر، المكتبة العلمية - بيروت، ١٣٩٩ هـ (٢/ ٣١٠)","vol":"1","page":499},{"text":"فهذه الصفات في الصراط، هي الصفات الواردة في الأحاديث الصحيحة أما ما عداها من صفات، فهي مفتقرة إلى دليل صحيح؛ لأن صفات الصراط من أمور الغيب التي لا تثبت إلا عن طريق السمع.\nومن الصفات والأخبار الواردة في الصراط، أو في صفة المرور عليه التي لا يصح شيء منها:\n- أنه لا يمر على الصراط إلا بجواز فيه التصريح بدخول الجنة.\n- تحديد مسافة الصراط وأنه مسيرة كذا أو كذا.\n- أنه من حديد أو من حجر، يقول العلامة القصري:\" والصراط المضروب على متن جهنم لم يرد فيه نص صحيح، أنه من حديد ولا من حجر، ولا من تراب، غير أنه جسر مضروب على متن جهنم، ومن زعم ذلك فليأت ببرهان واضح، وسلطان بيّن على ذلك، ولا يقدر على ذلك\" (^١).\nورويت بعض الأحاديث والآثار، التي لا تصح في الصراط، أو وصفه ... أو في عمل يوجب المرور عليه ومنها:\n- «أثبتكم على الصراط، أشدكم حبًا لأهل بيتي ولأصحابي»، وفيه: محمد بن الأشعث وهو كذاب، وموسى بن إسماعيل لا تعرف له رواية (^٢).\n- «من صلى الصلوات الخمس في جماعة حيث كان، وأين كان، أجاز على الصراط كالبرق اللامع»، وفيه: أبو إسحاق الحجازي، يروي عن موسى بن أبي عائشة المناكير الكثيرة، لا يحتج به (^٣). وقال الدارقطني: \"لا يثبت هذا الحديث\" (^٤).\n- «من صلى ليلة الأحد أربع ركعات، يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب مرة وخمسين مرة \"قل هو الله أحد\" حرّم الله لحمه على النار، وبعثه الله يوم القيامة وهو آمن من العذاب، ويحاسب حسابًا يسيرًا، ويمر على الصراط كالبرق اللامع «. قال الإمام الجوزي: \"هذا حديث موضوع، وأكثر رواته مجاهيل \" (^٥).\n_________\n(^١) القصري: شعب الإيمان، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤١٦ هـ: ص (٦١٣)\n(^٢) ابن القيسراني: ذخيرة الحفاظ، دار السلف - الرياض، ط ١ ١٤١٦ هـ (١/ ٢٣٢)\n(^٣) ابن القيسراني: ذخيرة الحفاظ، دار السلف - الرياض، ط ١ ١٤١٦ هـ (١/ ٣٣٦)\n(^٤) ابن الجوزي: العلل المتناهية، إدارة العلوم الأثرية - باكستان، ط ٢ - ١٤٠١ هـ (١/ ٤٤٢)\n(^٥) ابن الجوزي: الموضوعات، المكتبة السلفية - المدينة النبوية، ط ١ ١٣٨٦ هـ (٢/ ١١٦)","vol":"1","page":500},{"text":"- «إذا كان يوم القيامة، نادى مناد على رؤوس الأولين والآخرين: من كان خادمًا للمسلمين في دار الدنيا، فليقم وليمض على الصراط غير خائف «... قال أبو نعيم: هذا مما تفرد الفارابي بوضعه، وكان وضاعًا مشهورًا بالوضع (^١).\n- «من صلى المغرب أول ليلة من رجب، وصلى بعدها عشرين ركعة، جاز على الصراط بلا حساب»، فيه: الحسين بن إبراهيم الكذاب (^٢).\nوهذه جملة مختصرة من المرويات الساقطة التي حكم عليها النقاد بالوهن ولا يعني سقوط هذه الأحاديث والآثار أنه لا تنفع الأعمال الصالحة في اجتياز الصراط، بل المقصود هنا، بيان الصحيح من غيره، حتى لا يعتمد إلا على ما صح في السنة، ومن ناقلة القول، أن من كان مستقيمًا في هذه الحياة على الصراط المستقيم، كان من أجوز الناس على الصراط بقدر استقامته وتمسكه بدينه.\nوهنا يُنبه إلى أنه لا ينبغي الخوض في مسائل الغيبيات إلا بما صح في السنة ولا ينبغي كذلك الجزم بشيء من أحواله دون يقين، كمن يسأل عن الصراط: هل خلق أم لم يخلق؟، ونحو هذا من السؤالات، التي لم يرد فيها نص صحيح، يُعتمد في الجواب عليه.\nويشار في هذا المقام: إلى أن مسألة مرور الكفار على الصراط مختلف فيه على قولين:\nفذهب ابن رجب وجماعة: إلى أن الكفار لا يمرون عليه.\nوذهب ابن تيمية وجماعة: إلى أنه عام لجميع الخلق (^٣).\n_________\n(^١) ابن الجوزي: الموضوعات، المكتبة السلفية - المدينة النبوية، ط ١ ١٣٨٦ هـ (٢/ ١٦٧)\n(^٢) الذهبي: تلخيص كتاب الموضوعات، مكتبة الرشد - الرياض، ط ١ ١٤١٩ هـ، ص (١٨٤)\n(^٣) ابن رجب: التخويف من النار: ص (١٧١)، ابن تيمية: درء التعارض: (٥/ ٢٣٠)","vol":"1","page":501},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>المطلب السابع القنطرة بين الجنة والنار</span>\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية - في الواسطية -:\" فإذا عبروا عليه، وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض، فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة\" (^١).\nمن كمال عدل الله جل وعلا، أن يقتص لكل مظلوم ممن ظلمه، ولذا كان ديوان مظالم العباد، من الدواوين التي لا يتركها الله ﷿، حتى يقتص لأصحابها، ويظهر كمال عدله جل وعلا حين يقتص للشاة الجلحاء حين من الشاة القرناء، وهي بهائم، فكيف بالبشر الذين فضلوا وكرموا.\nوحيث إن الجنة طيبة مطيبة مكرمة لأهلها، فإن النفوس الخبيثة لا تصلح أن تكون في الجنة الطيبة، التي ليس فيها من الخبث شيء، فمتى كان في النفوس خبث، طهرت وهذبت حتى تصلح لسكنى الجنة (^٢).\nيقول الإمام ابن تيمية:\" والجنة طيبة لا يصلح أن يدخلها إلا طيب، ولهذا لا يدخلها أحد إلا بعد القصاص الذي ينظفهم من الخبث\" (^٣).\nوهذا الأمر مما اتفق عليه الأئمة، فقبل دخول الجنة، لا بد أن تصفى الأجساد من كل كدر، والأنفس من كل غل، يقول الله جل وعلا: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ [الأعراف:٤٣].\nوقال ﷾: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧)﴾ [الحجر:٤٧].\nيقول الإمام ابن القطان الفاسي:\" واتفقوا أن الأجساد تدخل مع أنفسها الفاضلة الجنة، بعد أن تصفى الأجساد من كل كدر، والأنفس من كل غل\" (^٤).\nولذا كان من كمال حكمة الله تعالى، وكمال عدله، حبس المؤمنين إذا خلصوا من النار في قنطرة، يتقاصون ما بينهم من المظالم والتبعات ... ليخلصوا منها، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة.\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية: (٣/ ١٤٧)\n(^٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية: (١٤/ ٣٤٤)\n(^٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية: (١٧/ ١٧٦)\n(^٤) ابن القطان: الإقناع في مسائل الإجماع، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٢٦ هـ: (١/ ٥٨)","vol":"1","page":502},{"text":"\"ومعلوم أن النفوس الشريرة الخبيثة المظلمة، التي لو ردت إلى الدنيا قبل العذاب لعادت لما نهيت عنه، لا يصلح أن تسكن دار السلام في جوار رب العالمين، فإذا عذبوا في النار عذابًا تخلص نفوسهم من ذلك الخبث والوسخ والدرن، كان ذلك من حكمة أحكم الحاكمين ورحمته \" (^١).\nفأهل السنة والجماعة يؤمنون بالمقاصة بين المؤمنين على القنطرة التي بين الجنة والنار، وهو من أسباب دفع العقوبة، وتكفير السيئة (^٢)، فهي قنطرة المؤمنين؛ ليكونوا قبل دخولهم الجنة، أصفياء أنقياء الظاهر والباطن، لذا لا يسقط في هذه القنطرة أحد، كما يسقطون على الصراط، وهي مقاصة بين المحبين؛ ليدخلوا الجنة وليس في قلوبهم غل على بعض، أو مظلمة لأحد.\nوثبت في الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: «إِذَا خَلَصَ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا، أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَأَحَدُهُمْ بِمَسْكَنِهِ فِي الجَنَّةِ أَدَلُّ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا «(^٣). يقول الإمام ابن بطال: \" وهذه المقاصة التي في هذا الحديث، هي لقوم دون قوم، وهم من لا تستغرق مظالمهم جميع حسناتهم؛ لأنه لو استغرقت جميعها، لكانوا ممن وجب لهم العذاب، ولما جاز أن يقال فيهم: (خلصوا من النار)، فمعنى الحديث - والله أعلم - على الخصوص، لمن يكون عليه تبعات يسيرة \" (^٤).\n_________\n(^١) ابن القيم: حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح:،ص (٣٧٩).\n(^٢) ابن تيمية: منهاج السنة النبوية، جامعة الإمام محمد بن سعود، ط ١ ١٤٠٦ هـ (٦/ ٢٣٨).\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المظالم والغصب، باب قصاص المظالم ح (٢٤٤٠).\n(^٤) ابن بطال: شرح صحيح البخاري، مكتبة الرشد - الرياض، ط ٢ - ١٤٢٣ هـ (٦/ ٥٦٨).","vol":"1","page":503},{"text":"ويقول الحافظ ابن حجر في شرح حديث النبي - ﷺ -: «قُمْتُ عَلَى بَابِ الجَنَّةِ، فَكَانَ عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا المَسَاكِينَ، وَأَصْحَابُ الجَدِّ مَحْبُوسُونَ «(^١):\"أصحاب الجد (بفتح الجيم) أي الغنى، قوله (محبوسون): أي ممنوعون من دخول الجنة مع الفقراء، من أجل المحاسبة على المال، وكان ذلك عند القنطرة التي يتقاصون فيها بعد الجواز على الصراط \" (^٢).\nوقال الإمام القرطبي:\" هؤلاء المؤمنون هم الذي علم الله أن القصاص لا يستنفذ حسناتهم\" (^٣).\nواختلف الأئمة في كيفية القصاص: هل هو بالحسنات والسيئات، أم بالأبدان، أم بالتتارك؟\nمذهب الإمام ابن بطال أن التقاص هنا، يكون بالحسنات والسيئات. ... وقال المهلب: هذه المقاصة إنما تكون في مظالم الأبدان، من اللطمة وشبهها مما للمظالم فيه ممكن لأداء القصاص فيه، بحضور بدنه، فيقال للمظلوم: إن شئت أن تنتصف، وإن شئت أن تعفو للأجر (^٤).\nوقال العلامة العيني: \"معنى يتقاصون: يتتاركون؛ لأنه ليس موضع مقاصة ولا محاسبة، لكن يلقي الله ﷿، في قلوبهم العفو لبعضهم عن بعض، أو يعوض الله بعضهم من بعض \" (^٥).\nواختلف الأئمة كذلك في القنطرة: هل هي جسر خاص، أم هو جزء من الصراط المنصوب على متن جهنم؟ فذهب البعض إلى أنها صراط خاص، لا علاقة لها بالصراط المنصوب على متن جهنم، وممن ذهب إليه الإمام القرطبي وسماه الصراط الثاني (^٦). ومال إليه العلامة العيني (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار ح (٦٥٤٧).\n(^٢) ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ هـ (١١/ ٤٢٠)\n(^٣) القرطبي: التذكرة، مكتبة دار المنهاج - الرياض، ط ١ ١٤٢٥ هـ، ص (٧٦٧)\n(^٤) ابن بطال: شرح صحيح البخاري، مكتبة الرشد - الرياض، ط ٢ - ١٤٢٣ هـ (٦/ ٥٦٩)\n(^٥) العيني: عمدة القاري، دار إحياء التراث العربي - بيروت،: (١٢/ ٢٨٦)\n(^٦) القرطبي: التذكرة، مكتبة دار المنهاج - الرياض، ط ١ ١٤٢٥ هـ، ص (٧٦٧)\n(^٧) العيني: عمدة القاري، دار إحياء التراث العربي - بيروت: (١٢/ ٢٨٥)","vol":"1","page":504},{"text":"وذهب البعض الآخر: إلى أنها طرف الصراط الذي يلي الجنة، واختاره الإمام السيوطي، وقال:\" هو المختار الذي دلت عليه أحاديث القناطر والحساب على الصراط \" (^١). وقد ذكره ابن التين عن الداودي احتمالًا (^٢).\nومن هنا قال الحافظ ابن حجر:\" والذي يظهر أنها طرف الصراط مما يلي الجنة، ويحتمل أن يكون من غيره بين الصراط والجنة\" (^٣). وقد تتبعه العلامة العيني في ذكره الاحتمال، وأنه أخذه من حكاية ابن التين عن الداودي في قوله: باحتمال بأن تكون القنطرة طرف الصراط، ثم قال الحافظ:\" فإن قلت: هذا يشعر بأن في القيامة جسرين، هذا والآخر على متن جهنم المشهور بالصراط، قلت: لا محذور فيه، ولئن ثبت بالدليل أنه واحد، فلا بد من تأويله: أن هذه القنطرة من تتمة الصراط، وذنابته ونحو ذلك. انتهى. قلت (العيني): سبحان الله، فلا حاجة إلى هذا السؤال بقوله: يشعر إلى آخره؛ لأنه ينادي بأعلى صوته أن القنطرة المذكورة غير الصراط، ولا من تتمته كما ذكرنا، وقوله: ولئن ثبت، ولم يثبت ذلك، فلا حاجة إلى التأويل الذي ذكره (^٤) \".\nوذهب البعض إلى التوقف لعدم ورود النص، يقول العلامة العثيمين:\" والصواب في هذا أن نقول: الله أعلم، وليس يعيننا شأنها، لكن الذي يعنينا، أن الناس يوقفون عليها\" (^٥).\nوذكر بعض العلماء أن هناك ثمة قناطر غير هذه القنطرة، يقول العلامة السفاريني:\" وفي بعض الآثار: إن فيه سبع قناطر، يسأل كل عبد عند كل قنطرة منها، عن أنواع من التكليف\" (^٦).\nوالأقرب في مثل هذه الأمور الغيبية، التوقف حتى يرد النص المثبت.\n_________\n(^١) السيوطي: البدور السافرة، دار المعرفة - بيروت، ط ١ ١٤٢٦ هـ، ص (٢٥٨)\n(^٢) العيني: عمدة القاري، دار إحياء التراث العربي - بيروت: (١٢/ ٢٨٥)\n(^٣) ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ هـ (٥/ ٩٦ - ١١/ ٣٩٩)\n(^٤) العيني: عمدة القاري، دار إحياء التراث العربي - بيروت: (١٢/ ٢٨٦).\n(^٥) العثيمين: مجموع فتاوى العثيمين، دار الوطن، ١٤١٣ هـ (٨/ ٥٢٠).\n(^٦) السفاريني: لوامع الأنوار، مكتبة الخافقين - دمشق، ط ٢ - ١٤٠٢ هـ (٢/ ١٩١).","vol":"1","page":505},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>المطلب الثامن أول من يستفتح باب الجنة، وأول الأمم دخولًا إلى الجنة:</span>\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية - في الواسطية -:\" وأول من يستفتح باب الجنة محمد - ﷺ - وأول من يدخل الجنة من الأمم: أمته \" (^١).\nمما اتفقت عليه الأمة، ودلت عليه دلائل الكتاب والسنة، أن النبي - ﷺ - أفضل الخلق، وفضائله كثيرة.\nيقول الإمام ابن تيمية:\" وفضائله - ﷺ - وفضائل أمته كثيرة، ومن حين بعثه الله، جعله الله الفارق بين أوليائه، وبين أعدائه \" (^٢).\nويقول الإمام ابن القطان الفاسي في حكاية إجماع العلماء على فضائل النبي - ﷺ -:\" وكذلك اختص محمدًا - ﷺبأن أنزل عليه القرآن العظيم، والذكر الحكيم المعجز ...، الذي ليس في قدر المخلوقين الإتيان بمثله، ولو تظاهر على ذلك الإنس والجن، وبأن جعله خاتم النبيين، والشفيع للمذنبين من الأولين والآخرين، وبأن أرسله إلى الخلق أجمعين، وخصه بالحوض المورود، والكوثر المحمود \" (^٣).\nويقول الإمام الغزالي في عقيدته:\" وفضله على سائر الأنبياء، وجعله سيد البشر، ومنع كمال الإيمان بشهادة التوحيد، وهو قولك (لا إله إلا الله)،مالم يقترن بها الشهادة بالرسول، وهو قولك (محمد رسول الله) \" (^٤).\nوشرف النبي - ﷺ - وعلو منزلته، أمر متفق عليه، تواترت مقالات العلماء والأئمة في بيانه:\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية:\" وقد اتفق المسلمون على أنه - ﷺ - أعظم الخلق جاهًا عند الله، ولا جاه لمخلوق عند الله أعظم من جاهه، ولا شفاعة أعظم من شفاعته\" (^٥).\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (٣/ ١٤٧)\n(^٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (١١/ ١٦٣)\n(^٣) ابن القطان: الإقناع في مسائل الإجماع، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٢٦ هـ، (١/ ٥٠)\n(^٤) الغزالي: بداية الهداية، دار المنهاج جدة، ط ١ ١٤٢٥ هـ، ص (٢٨٢)\n(^٥) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية: (١/ ١٤٥)","vol":"1","page":506},{"text":"فهو ﵊: أفضل أولي العزم، وخاتم النبيين، وإمام المتقين، وسيد ولد آدم، وإمام الأنبياء إذا اجتمعوا، وخطيبهم إذا وفدوا صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، وصاحب لواء الحمد، وصاحب الحوض المورود، وشفيع الخلائق يوم القيامة، وصاحب الوسيلة والفضيلة (^١).\nوقد اشتملت عبارة شيخ الإسلام - في عقيدته إلى أهل واسط - على مسألتين اتفق عليها العلماء، وهما:\n١ - أنه - ﷺ - أول من يستفتح باب الجنة.\n٢ - أنه أمته - ﷺ - أول الأمم دخولًا إلى الجنة.\nوهاتان المسألتان وجه الشرف فيهما: مرجعه شرف صاحب الرسالة. فلما كان النبي - ﷺ - أفضل البشر مقامًا، وأعلاهم منزلة، وأكملهم رتبة، اختصه الله جل وعلا بجملة من الخصائص، وميزه على سائر الخلق ببعض الميزات،\"وجمع الله جل وعلا له ولأمته من الفضائل والمحاسن ما فرقه فيمن قبلهم\" (^٢).\nومن هذه الخصائص والميز: أنه أول من يستفتح باب الجنة، وهذا قد دلت عليه دلائل السنة المطهرة، وهو مقام يُظهر الله جل وعلا فيه شرف النبي - ﷺ - وعلو مكانته، وعظيم منزلته على العالمين، يوم يقوم الناس لرب العالمين.\nأخرج مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ يَشْفَعُ فِي الْجَنَّةِ وَأَنَا أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا».\nوفي لفظ له: «أَنَا أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الْجَنَّةِ».\nوفي لفظ آخر: «آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَسْتفْتِحُ، فَيَقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ «فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ»، فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ \" (^٣).\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية: (١١/ ١٦٢)\n(^٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة: (١١/ ١٦٢)\n(^٣) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان: ح (١٩٦ - ١٩٧).","vol":"1","page":507},{"text":"وما خص الله جل وعلا به نبيه - ﷺ - من كونه أول من يستفتح باب الجنة ... هو بسبب سؤال أهل الموقف له، يقول الحافظ ابن حجر:\" وتقدم في بعض طرقه، أن من جملة سؤال أهل الموقف استفتاح باب الجنة\" (^١).\nوقوله (فأستفتح): أي أطلب فتح الباب، ويكون بالقرع لا بالصوت كما يرشد إليه خبر أحمد: (آخذ بحلقة الباب فأقرع) (^٢).\nومما يدل على كمال التشريف والتكريم للنبي - ﷺ - في الحديث هذا قوله ... (فأستفتح): وذلك أن الفاء محتملة لمعنى: السببية، والتعقيب، ووجه السببية: أي يتسبب عن الإتيان الاستفتاح.\nوأما التعقيب فوجهه: الإشارة إلى أنه قد أذن له من ربه بغير واسطة أحد لا خازن ولا غيره، وذلك من أن ورد باب كبير، فالعادة أن يقف حتى ينتهي خبره إليه ويستأمر، فإن أذن في إدخاله فتح له، فالتعقيب إشارة إلى أنه قد صانه ربه عن ذل الوقوف، وأذن له في الدخول قبل الوصول، بحيث صار الخازن مأموره منتظرًا لقدومه.\nويظهر وجه الشرف أيضًا في قول الخازن للنبي - ﷺ -:\" بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ \".\nوفي رواية: \"ولا أقوم لأحد بعدك\"، وذلك لأن قيامه إليه خاصة، إظهارًا لمرتبته ومزيته، ولا يقوم في خدمة أحد غيره (^٣).\nولذا لا يكاد يخلو مُصنف من مصنفات أهل السنة والجماعة، من ذكر فضائل النبي - ﷺ - وخصائصه. وذُكر في السنة المطهرة، روايات تبين معنى قوله ﵊: (فأستفتح):\n_________\n(^١) ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ هـ (١١/ ٤٣٦).\n(^٢) المناوي: التيسير بشرح الجامع الصغير: (١/ ٧)، المناوي: فيض القدير: (١/ ٣٥).\n(^٣) المناوي: فيض القدير: (١/ ٣٥)، ابن القيم: حادي الأرواح، ص (١١٠).","vol":"1","page":508},{"text":"فجاء في حديث أنس ﵁ مرفوعًا: «أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَأْخُذُ بِحَلْقَةِ بَابِ الْجَنَّةِ فَأُقَعْقِعُهَا» (^١). ومعنى: فأقعقعها: أي: أحركها لتصوت، والقعقعة حكاية حركة الشيء، يُسمع له صوت (^٢). ويقول الإمام ابن القيم: \"وهذا صريح في أنها حلقة حسية، تُحرك وتُقعقع \" (^٣).\nوجاء في السنة المطهرة، بيان أولية النبي - ﷺلاستفتاح باب الجنة: فعن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: «أَنَا أَوَّلُ مَنْ يُفْتَحُ لَهُ بَابَ الْجَنَّةُ إِلا أَنَّهُ تَأْتِي امْرَأَةٌ تُبَادِرُنِي فَأَقُولُ لَهَا: مَا لَكِ وَمَنْ أَنْتِ؟ فَتَقُولُ: أَنَا امْرَأَةٌ قَعَدْتُ عَلَى أَيْتَامٍ لِي» (^٤).\nقال العلامة الخلوتي:\" قلت: قد حصل الفتح المقدم على الوصول ... بدعوته ﵇ بالاستفتاح، ولو لم يكن دعاؤه قد سبق لما فتحت، ثم تبقى الأبواب بدعائه مفتوحة إلى أن يفرغ من الحساب، فإذا جاء أهل الجنة بعد الحساب والصراط، يجدونها مفتوحة ببركة دعائه المقدم على ذلك\" (^٥).\nوأورد بعض العلماء سؤالات على الحديث:\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في جامعه أبواب تفسير القرآن، باب من سورة بني إسرائيل ح (٣١٤٨).\n(^٢) المباركفوري: تحفة الأحوذي: (٨/ ٤٦٦).\n(^٣) ابن القيم: حادي الأرواح، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٠٣ هـ، ص (٦١).\n(^٤) أخرجه البزار في مسنده ح (٩٥٢٧): (١٩/ ١٩)، قال الإمام المنذري: في الترغيب والترهيب: \"رواه أبو يعلى وإسناده حسن إن شاء الله \" (٣/ ٢٣٦)، وحسنة الهيثمي في الزواجر، وقال أبو الحسن الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٦٢)، \"رواه أبو يعلى وفيه عبد السلام بن عجلان: وثقه أبو حاتم وابن حبان وقال: يخطي ويخالف، وبقية رجاله ثقات \"، وحكم محقق مسند أبي يعلى: حسن سليم أسد على الحديث بأنه جيد فقال: إسناده جيد (١٢/ ٧)، وذهب العلامة الألباني إلى تضعيف الحديث في السلسة الضعيفة: (١١/ ٦٢٤).\n(^٥) الخلوتي: روح البيان، دار الفكر - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٨/ ١٤٤).","vol":"1","page":509},{"text":"١ - عُلِمَ من سياق الحديث أن طلب الفتح إنما هو من الخازن، وإلا لما كان هو المجيب. فإن قلت: ورد عن الحسن وقتادة وغيرهما: أن أبواب الجنة يرى ظاهرها من باطنها، وعكسه، وتتكلم، وتعقل ما يقال لها: (انفتحي انغلقي) (^١).\nفلم طلب الفتح من الخازن ولم يطلبه منها بلا واسطة؟\nقيل: الظاهر أنها مأمورة بعدم الاستقلال بالفتح والغلق، وأنها لا تستطيع ذلك إلا بأمر عريفها المالك لأمرها بإذن ربها، وإنما يطالب بما يراد من القوم عرفاؤهم.\n٢ - قيل: ما ثبت من أن الخازن هو متولي الفتح عارضه حديث سلمان ﵁: «حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَيَأْخُذَ بِحَلْقَةِ الْبَابِ مِنْ ذَهَبٍ فَيَقْرَعَ الْبَابَ فَيُقَالُ مَنْ هَذَا فَيُقَالُ مُحَمَّدٍ - ﷺ - قَالَ فَيَفْتَحُ اللَّهُ لَهُ» (^٢).\nفالجواب: بأنه لا معارضة بينهما؛ لأن الله تعالى هو الفاتح الحقيقي، وتولي الخازن لذلك، إنما هو بإقدار الله تعالى له وتمكينه.\n٣ - قيل: إن ظاهر الحديث مُشكل بما ذكره بعض الأئمة، من أن أبواب الجنة تفتح لأهلها قبل مجيئهم، بدليل قوله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠)﴾ [ص: ٥٠].\n_________\n(^١) الطبري: جامع البيان، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ت: أحمد محمد شاكر، ص (٢١/ ٢٢٢).\n(^٢) أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب السنة (٨١٣)، وقال العلامة الألباني: إسناده صحيح على شرط الشيخين، ولكنه موقوف على سلمان وهو الفارسي، إلا أنه في حكم المرفوع، لأنه أمر غيبي لا يمكن أن يقال بالرأي ولا هو من الإسرائيليات: ظلال الجنة في تخريج السنة (٣٨٤١).","vol":"1","page":510},{"text":"وأجيب: بأنه لا تعارض أو تدافع بين الآية والحديث؛ لأن سياق الآية الكريمة، يدل على أن المعنى: أنهم إذا دخلوها لم تغلق أبوابها عليهم، بل تبقى مفتحة؛ إشارة إلى تعرفهم، وذهابهم، وإيابهم، ودخول الملائكة عليهم من كل باب، بالتحف والألطاف من ربهم، وإلى أنها دار أمن، لا يحتاجون فيها إلى غلق الأبواب، كما كانوا في الدنيا (^١).\n٤ - واستشكل في الحديث الشريف: الأولية في الاستفتاح والدخول للنبي - ﷺ - بما ورد:\n(أ) - عند الترمذي من حديث بريدة ﵁، قال: «أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا، فَدَعَا بِلَالًا، فَقَالَ: «يَا بِلَالُ بِمَ سَبَقْتَنِي إِلَى الْجَنَّةِ؟ إِنِّي دَخَلْتُ الْبَارِحَةَ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ خَشْخَشَتَكَ أَمَامِي» (^٢).\nوأجيب عن سبق بلال للنبي - ﷺ - كما في الحديث، بأنه ليس من حيث الحقيقة، وإنما هو بطريق التمثيل؛ لأن عادته في اليقظة، أنه كان يمشي أمامه فلذلك تمثل له في المنام، ولا يلزم من ذلك السبق الحقيقي في الدخول، وإنما رآه أمامه في منامه، والمراد: سريان الروح في حالة النوم في تلك الحالة ... تنبيها على فضيلة عمله.\n(ب) - وبما ورد عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ -: «أَنَا أَوَّلُ مَنْ يُفْتَحُ لَهُ بَابَ الْجَنَّةُ إِلا أَنَّهُ تَأْتِي امْرَأَةٌ تُبَادِرُنِي فَأَقُولُ لَهَا: مَا لَكِ وَمَنْ أَنْتِ؟ فَتَقُولُ: أَنَا امْرَأَةٌ قَعَدْتُ عَلَى أَيْتَامٍ لِي» (^٣).\n_________\n(^١) المناوي: فيض القدير: (١/ ٣٥)، الزرقاني: شرح الزرقاني على المواهب: (٧/ ٣٨٤، ١١/ ٣٨٧)، ابن القيم: حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح:، ص (٥٣ - ٤٥) الحلبي: السيرة الحلبية: (١/ ٣٣٢)\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ح (١٢٤٦٩)، (١٩/ ٤٥١)، وأخرجه ابن منده في كتاب الإيمان ح (٨٧٧).\n(^٣) أخرجه البزار في مسنده ح (٩٥٢٧: (١٩/ ١٩)، قال الإمام المنذري: في الترغيب والترهيب: واه أبو يعلى وإسناده حسن إن شاء الله (٣/ ٢٣٦)، وحسنة الهيثمي في الزواجر: (١/ ٤٢٠)","vol":"1","page":511},{"text":"وعن أبي بكر ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الْجَنَّةِ عَبْدٌ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ» (^١).\nوالجواب عن هذه الآثار: محمول على تعدد الدخول للنبي - ﷺ - فالدخول الأول لا يُتقدم، ولا يشاركه فيه أحد، ويتخلل بينه وبين ما بعده دخول غيره، ويدل على تعدد الدخول، الحديث الذي أخرجه أحمد وغيره عن أنس ﵁، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إِنِّي لَأَوَّلُ النَّاسِ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ عَنْ جُمْجُمَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا فَخْرَ، وَأُعْطَى لِوَاءَ الْحَمْدِ، وَلَا فَخْرَ وَأَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَإِنِّي آتِي بَابَ الْجَنَّةِ، فَآخُذُ بِحَلْقَتِهَا، فَيَقُولُونَ: مَنْ هَذَا؟ فَأَقُولُ: أَنَا مُحَمَّدٌ، فَيَفْتَحُونَ لِي، فَأَدْخُلُ، فَإِذَا الْجَبَّارُ مُسْتَقْبِلِي، فَأَسْجُدُ لَهُ، فَيَقُولُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ يَا مُحَمَّدُ، وَتَكَلَّمْ يُسْمَعْ مِنْكَ، وَقُلْ يُقْبَلْ مِنْكَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَقُولُ: أُمَّتِي أُمَّتِي يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: اذْهَبْ إِلَى أُمَّتِكَ، فَمَنْ وَجَدْتَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ شَعِيرٍ مِنَ الْإِيمَانِ، فَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، فَأُقْبِلُ فَمَنْ وَجَدْتُ فِي قَلْبِهِ ذَلِكَ فَأُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ. فَإِذَا الْجَبَّارُ مُسْتَقْبِلِي، فَأَسْجُدُ لَهُ» (^٢).\nوكرر الدخول أربعًا، يقول العلامة المناوي:\" وبه تندفع الإشكالات ... ويستغني عن تلك التكلفات، وقد قيل: بضعف حديث أبي بكر\" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده ح (٧): (١/ ١٠)، وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٨٢٤٧).\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ح (١٢٤٦٩): (١٩/ ٤٥١) وأخرجه ابن منده في كتاب الإيمان ح (٨٧٧)\n(^٣) المناوي: فيض القدير، المكتبة التجارية الكبرى - مصر، ط ١ ١٣٥٦ هـ (١/ ٣٥)","vol":"1","page":512},{"text":"(ج) - وبما أخرجه أبو داود في سننه عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَرَانِي بَابَ الْجَنَّةِ الَّذِي تَدْخُلُ مِنْهُ أُمَّتِي» فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ مَعَكَ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «أَمَا إِنَّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي» (^١)\nقال الإمام ابن شاهين:\" تفرد أبو بكر بهذه الفضيلة، لم يشركه فيها أحد \" (^٢)، وفيه دليل على أنه أفضل هذه الأمة (^٣).\nوأجيب عن هذا الأثر من وجهين:\nأ. أن الحديث فيه ضعف، فلا يحتج به (^٤). ورد: بأن الحاكم أخرجه في مستدركه وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي\" (^٥).\nب. وعلى فرض صحة الحديث فيحمل قوله: «أول من يدخل الجنة من أمتي»، أي من الرجال بعده ﵊.\nوجاء ما يعارض ما قرره هذا الحديث، من أن أبا بكر أول من يدخل الجنة، من أمة النبي - ﷺ - وهو حديث أبي بن كعب ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أَوَّلُ مَنْ يُصَافِحُهُ الْحَقُّ عُمَرُ، وَأَوَّلُ مَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَأْخُذُ بِيَدِهِ فَيُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ» (^٦)، وأُجيب عن هذا التعارض من وجهين:\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب السنة، باب في الخلفاء ح (٤٦٥٢).\n(^٢) ابن شاهين: شرح مذاهب أهل السنة، مؤسسة قرطبة، ط ١ ١٤١٥ هـ، ص (١٣٢)\n(^٣) القاري: مرقاة المفاتيح، دار الفكر - بيروت، ط ١ ١٤٢٢ هـ (٩/ ٣٨٩٠)\n(^٤) ضعفه الشيخ الألباني في مصنفاته: مشكاة المصابيح (٣/ ١٧٠٠)\n(^٥) أخرجه الحاكم في مستدركه ح (٤٤٤٤)، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤١١ هـ (٣/ ٧٧)\n(^٦) أخرجه ابن ماجه في سننه، باب فضائل أصحاب النبي ﷺ باب فضل عمر ح (١٠٤) دار إحياء الكتب العربية، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها.","vol":"1","page":513},{"text":"أ. أن حديث أبي بن كعب ضعيف، لاتقوم به حجة، قال الإمام ابن كثير: \"هذا الحديث منكر جدا، وما أبعد أن يكون موضوعا، والآفة فيه من داوود بن عطاء هذا \"، وقال العلامة البوصيري:\" هذا إسناد ضعيف، فيه داود بن عطاء المديني، وقد اتفقوا على ضعفه وباقي رجاله ثقات\" (^١).\nب. على فرض الصحة، فلا تعارض بينهما؛ لأن الأولية في حق الصديق مطلقة، والأولية في حق عمر مقيدة بهذه الأمور في الحديث، أفاده الإمام ابن القيم (^٢)، وقد حكم على الحديث في موضع آخر، بأنه منكر جدًا (^٣). والوجه الأول أولى بالتقديم؛ لما ذُكر.\nفالخلاصة: أن قرع باب الجنة ابتداءً، هو من خصائص النبي - ﷺ - ومكرماته التي شرفه الله جل وعلا بها (^٤).\nولذا يقول الإمام العراقي في ألفيته في السيرة، في بيان خصائص الرسول الكريم (^٥):\nأُرسل للناس جميعًا أعطيا ... مقامه المحمود حتى رضيا\nوخص بالشفاعة العظمى التي ... يحجم عنها كل من لها أُتي\nأول من تنشق عنه الأرض ... ولا ينام قلبه بل غمض\nأول من يقوم للشفاعة أول من يقرع باب الجنة\nأكثر الأنبياء حقا تبعًا يرى وراءه كقدام معا\nشرف أمة المصطفى - ﷺ -:\nيقول الإمام ابن تيمية في الواسطية: \"وأول من يدخل الجنة من الأمم أمته \" (^٦).\nوهذا الدخول الأولي، شرف لهذه الأمة، شَرُفَت به؛ لشرف نبيها - ﷺ -.\n_________\n(^١) ابن كثير: جامع المسانيد والسنن، مكتبة الأسدي، مكة المكرمة، ط ٣ ١٤٢٥ هـ (١٤٥٣٧)، البوصيري: مصباح الزجاجة، دار العربية - بيروت، ط ٢ - ١٤٠٣ هـ (١/ ١٧)\n(^٢) حاشية الإمام ابن القيم على السنن، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ٢ - ١٤١٥ هـ (١٢/ ٢٦٥)\n(^٣) ابن القيم: حادي الأرواح، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٠٣ هـ، ص (١١٣)\n(^٤) المقريزي: إمتاع الأسماع، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٢٠ هـ (٣/ ٣٠٩)\n(^٥) العراقي: ألفية السيرة النبوية، دار المنهاج - بيروت، ط ١ ١٤٢٦ هـ (١/ ١٠٠)\n(^٦) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (٣/ ١٤٧)","vol":"1","page":514},{"text":"يقول الإمام ابن كثير: \"وإنما حازت هذه الأمة قصب السبق إلى الخيرات بنبيها محمد - ﷺ - فإنه أشرف خلق الله، وأكرم الرسل على الله، وبعثه الله بشرع كامل عظيم، لم يعطه نبي قبله، ولا رسول من الرسل، فالعمل على منهاجه وسبيله يقوم القليل منه، ما لا يقوم الكثير من أعمال غيرهم مقامه \" (^١).\nوقد قامت الدلائل الشرعية، على شرف هذه الأمة، يقول الإمام فخر الدين:\" أن من كانت معجزاته أظهر يكون ثواب أمته أقل.\nقال السبكي: إلا هذه الأمة، فإن كانت معجزات نبيها أظهر، وثوابها أكثر من سائر الأمم \" (^٢).\nومن الأدلة الشرعية على إثبات أولية هذه الأمة لدخول الجنة:\nما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «نَحْنُ الْآخِرُونَ الْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ «(^٣).\nوبيّن النبي - ﷺ -: «أول زمرة من أمته تدخل الجنة فقال: أَوَّلُ زُمْرَةٍ مِنْ أُمَّتِي تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى أَشَدِّ نَجْمٍ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً «(^٤).\nيقول الإمام البغوي:\"يريد: نحن الآخرون خروجًا في الدنيا، السابقون في الفضل والكرامة يوم القيامة\" (^٥).\nويقول النبي - ﷺ -: «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ «(^٦).\n_________\n(^١) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ت: سامي سلامة (١/ ٣٩٩)\n(^٢) القسطلاني: المواهب اللدنية، المكتبة التوفيقية - القاهرة: (٢/ ٤٠٥)\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الجمعة، باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة ح (٨٥٥).\n(^٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة صفة نعيمها وأهلها، باب أول صورة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر ح (٢٨٣٤) دار إحياء التراث العربي - بيروت، ت: محمد فؤاد عبد الباقي.\n(^٥) البغوي: شرح السنة، المكتب الإسلامي - دمشق، ط ٢ - ١٤٠٣ هـ (٤/ ٢٠١)\n(^٦) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجمعة، باب فرض الجمعة ح (٨٧٦).","vol":"1","page":515},{"text":"يقول الإمام ابن بطال:\" السابقون يعني: أن أمته يسبقون سائر الأمم بالدخول في الجنة\" (^١).\nويقول الإمام ابن الجوزي:\" المعنى: نحن السابقون في الزمان، السابقون في دخول الجنة \" (^٢).\nوهم السابقون في الفضل والكرامة على الله تعالى، فسبق هذه الأمة شامل لكل المواقف، فإنهم أول من يحاسب يوم القيامة، ومن يجوز على الصراط ومن يدخل الجنة (^٣).\nيقول الإمام ابن القيم:\" هذه الأمة أسبق الأمم خروجًا من الأرض وأسبقهم إلى أعلى مكان في الموقف، وأسبقهم إلى ظل العرش، وأسبقهم إلى الفصل والقضاء بينهم، وأسبقهم إلى الجواز على الصراط،، وأسبقهم إلى دخول الجنة، فالجنة محرمة على الأنبياء حتى يدخلها محمد، ومحرمة على الأمم حتى تدخلها أمته\" (^٤).\nوأورد الإمام العراقي سؤالًا على الحديث مفاده:\" فإن قلت: كون هذه الأمة آخر الأمم أمر واضح، فما فائدة الإخبار به؟\nقلت: يحتمل أنه ذُكر توطئة لوصفهم بالسبق يوم القيامة، وأنه لا يتخيل من تأخرهم في الزمن، تأخرهم في الحظوظ الأخروية، بل سابقون لها ويحتمل أن يراد بذلك: الدلالة على أنهم آخر الأمم، وأن شريعتهم باقية إلى آخر الدهر، مادام التكليف موجودًا، فسائر الأمم وإن سبقوا لكن انقطعت شرائعهم ونسخت، بخلاف هذه الأمة، فإن شريعتها باقية مستمرة، وهذا الاحتمال أمكن من الأول؛ لأنه يكون حينئذ في وصفهم بالآخرية شرف، كما أن وصفهم بالسبق شرفًا، وعلى الأول يكون مجرد ذكره توطئة\" (^٥).\n_________\n(^١) ابن بطال: شرح صحيح البخاري، مكتبة الرشد - الرياض، ط ٢ - ١٤٢٣ هـ (٢/ ٤٧٥).\n(^٢) ابن الجوزي: كشف المشكل، دار الوطن - الراياض، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٣/ ٤١١).\n(^٣) ابن رجب: فتح الباري، مكتبة الغرباء - المدينة النبوية، ط ١ ١٤١٧ هـ (٨/ ٧١).\n(^٤) ابن القيم: حادي الأرواح، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٠٣ هـ، ص (١١٣).\n(^٥) العراقي: طرح التثريب، مكتبة الباز - مكة، ط ١ ١٤٢٤ هـ (٣/ ١٥٣).","vol":"1","page":516},{"text":"إذن: فهذه الأمة المرحومة، وإن تأخر وجودها في الدنيا عن الأمم الماضية فهي سابقة لهم في الآخرة، بأنهم أول من يحشر، وأول من يحاسب، وأول من يقضى بينهم، وأول من يدخل الجنة (^١).\nومما يؤكد هذه الأولية لهذه الأمة في دخول الجنة: ما جاء عن عمر ﵁ قال، قال النبي - ﷺ -: «الْجَنَّةُ حُرِّمَتْ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ حَتَّى أَدْخُلَهَا، وَحُرِّمَتْ عَلَى الْأُمَمِ حَتَّى تَدْخُلَهَا أُمَّتِي» (^٢). وهذه فضيلة لهذه الأمة.\nيقول الحلبي في سيرته عن هذه الرواية وغيرها: \" منقبة عظيمة لهذه الأمة المحمدية، وهي أنه لا يدخل أحد الجنة من الأمم السابقة، ولو من صلحائها، وعلمائها، وزهادها، حتى يدخل من كان يعذب في النار من عصاة هذه الأمة، بناء على أنه لا بد من تعذيب طائفة من هذه الأمة في النار، ولا بُعد في ذلك؛ لأنه تقدم أن أول من يحاسب من الأمم هذه الأمة، فيجوز أن الأمم لا يفرغ حسابهم، ولا يأتون إلى باب الجنة، إلا وقد خرج من كان يعذب من هذه الأمة في النار، ودخل الجنة \" (^٣).\nوورد في السنة أن لهذه الأمة بابًا خاصًا يدخلون منه:\nفعن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَرَانِي بَابَ الْجَنَّةِ الَّذِي تَدْخُلُ مِنْهُ أُمَّتِي» (^٤).\n_________\n(^١) ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ هـ (٢/ ٣٥٤)\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط ح (٩٤٢)، دار الحرمين - القاهرة (١/ ٢٨٩)، وحسن إسناده العلامة الحلبي في السيرة الحلبية، دار الكتب العلمية (١/ ٣٣٢)\n(^٣) الحلبي: السيرة الحلبية، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ٢ - ١٤٢٧ هـ (١/ ٣٣٢)\n(^٤) أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب السنة، باب في الخلفاء ح (٤٦٥٢) المكتبة العصرية - بيروت.","vol":"1","page":517},{"text":"وعن ابن عمر ﵂، عن النبي - ﷺ - قال: «بَابُ أُمَّتِي الَّذِي يَدْخُلُونَ مِنْهُ الجَنَّةَ عَرْضُهُ مَسِيرَةُ الرَّاكِبِ المُجَوِّدِ ثَلَاثًا، ثُمَّ إِنَّهُمْ لَيُضْغَطُونَ عَلَيْهِ حَتَّى تَكَادَ مَنَاكِبُهُمْ تَزُولُ» (^١).\nيقول الإمام ابن القيم:\" ولهذا الأمة باب مختص يدخلون منه دون سائر الأمم \" (^٢).\nويقول العلامة القسطلاني بعد ذكر حديث أبي هريرة السابق:\" وقد دل هذا الحديث، على أن لهذه الأمة بابًا مختصًا يدخلون منه الجنة دون سائر الأمم. قال العلامة الزرقاني: تشريفًا لهم\" (^٣).\nوالخلاصة: أن هذه الأمة المحمدية المرحومة قد اختصت بما لم تعطه غيرها من الأمم؛ تكرمة لنبيها - ﷺ - وزيادة في شرفه، قال العلامة القسطلاني:\" وتفصيل فضلها وخصائها، يستدعي سفرًا بل أسفارًا، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>المطلب التاسع الشفاعة</span>\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية - في الواسطية -: \"وله - ﷺ - في القيامة ثلاث شفاعات:\nأما الشفاعة الأولى: فيشفع في أهل الموقف، حتى يقضى بينهم بعد أن يتراجع الأنبياء: آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى بن مريم، عن الشفاعة حتى تنتهي إليه.\nوأما الشفاعة الثانية: فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، وهاتان الشفاعتان خاصتان له.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في جامعه، أبواب صفة القيامة، باب ما جاء في صفة أبواب الجنة ح (٢٥٤٨) وقال الترمذي: هذا حديث غريب، سألت محمدًا عن هذا الحديث، فلم يعرفه، وقال لخالد بن أبي بكر مناكير عن سالم بن عبد الله، مكتبة البابي - مصر، ط ٢ - ١٣٩٥ هـ (٤/ ٦٨٤)\n(^٢) ابن القيم: حادي الأرواح، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٠٣ هـ، ص (٦٢)\n(^٣) الزرقاني: شرح الزرقاني على المواهب، دار الكتب العلمية - بيروت ن ط ١ ١٤١٧ هـ (١٢/ ٣٨٧)\n(^٤) القسطلاني: المواهب،، المكتبة التوفيقية - القاهرة، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٢/ ٤٢٥)","vol":"1","page":518},{"text":"وأما الشفاعة الثالثة: فيشفع فيمن استحق النار، وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم، فيشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها \" (^١).\nمن عقيدة أهل السنة والجماعة الإيمان بالشفاعة يوم الدين، وأنها حق دلت عليها دلائل الكتاب والسنة، واتفقت على القول بها الأمة، فاستفاضت أقوالهم واشتهرت مقالاتهم في الإيمان بالشفاعة، وأنها لا تكون إلا بشرطين:\n١ - رضا الله عن المشفوع له.\n٢ - أذن الله تعالى للشافع أن يشفع.\nيقول ﷾: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ [النجم:٢٦]، ويقول جل وعلا: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)﴾ [طه:١٠٩]، ويقول جلا وعلا: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨].\nوالشفاعة كما أنها في القرآن مثبتة فكذلك هي فيه منفية، وهي الشفاعة ... الباطلة التي يتعلق بها المشركون في أصنامهم، يتعلقون بها، ويدعون أنها تقربهم إلى الله زلفى، يقول الله جل شأنه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ [يونس:١٨].\nويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، ولكن الله جل وعز نفى هذه النوع من الشفاعة وبين بطلانه، وأنها لا تغني شيئًا: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ [المدثر:٤٨] (^٢).\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية:\n(^٢) ابن تيمية: الإيمان، المكتب الإسلامي - الأردن، ط ٥ ١٤١٦ هـ، ص (٦٦)","vol":"1","page":519},{"text":"وقد بوّب الإمام البخاري في صحيحه بابًا قال فيه باب:\" لكل نبي دعوة مستجابة \"، وذكر فيه حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ يَدْعُو بِهَا، وَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي فِي الآخِرَةِ» (^١). يقول الإمام ابن بطال:\" وفي هذا الحديث بيان فضيلة نبينا - ﷺعلى سائر الأنبياء ﵈، حين آثر أمته بما خصه الله به من إجابة الدعوة بالشفاعة لهم، ولم يجعل ذلك في خاصة نفسه وأهل بيته ... فجزاه الله عن أمته أفضل الجزاء، وصلى الله عليه أطيب الصلاة، فهو كما وصفه الله: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة:١٢٨] (^٢).\nوهذا الحديث أصل في إثبات الشفاعة، يقول الإمام ابن عبد البر: \"وفي هذا الحديث إثبات الشفاعة، وهو ركن من أركان اعتقاد أهل السنة، وهم مجمعون أن تأويل قول الله ﷿: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء:٧٩]، المقام المحمود: هو شفاعته - ﷺ - في المؤمنين من أمته، ولا أعلم في هذا مخالفًا إلا شيئًا رويته عن مجاهد، وقد رُوي عنه خلافه على ما عليه الجماعة، فصار إجماعًا منهم\" (^٣).\nويقول الإمام الباجي: \"وهذا يدل على ثبوت الشفاعة له في الآخرة\" (^٤).\nوحوى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية - في الواسطية - المذكور أول المطلب جملة من المسائل:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب لكل نبي دعوة مستجابة ح (٦٣٠٤)، وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب الإيمان باب اختباء النبي ﷺ دعوة الشفاعة لأمته ح (١٩٨).\n(^٢) ابن بطال: شرح صحيح البخاري، مكتبة الرشد - الرياض، ط ٢ - ١٤٢٣ هـ (١٠/ ٧٥)\n(^٣) ابن عبد البر: الاستذكار، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٢١ هـ (٢/ ٥٢٠)\n(^٤) أبو الوليد الباجي: المنتفى شرح الموطأ، مطبعة السعادة - مصر، ط ١ ١٣٣٢ هـ (١/ ٣٥٦)","vol":"1","page":520},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>المسألة الأولى: حكاية إجماع العلماء وأقوالهم في إثبات الشفاعة:</span>\nاتفقت كلمة العلماء على إثبات الشفاعة للنبي - ﷺ - يوم القيامة، واستفاضت أقوالهم في بيان ذلك: يقول الإمام ابن تيمية:\" شفاعته للمؤمنين يوم القيامة في زيادة الثواب، ورفع الدرجات، متفق عليها بين المسلمين ... وأما شفاعته لأهل الذنوب من أمته، فمتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين الأربعة وغيرهم\" (^١).\nويقول الإمام أبو الحسن الأشعري: \"وأجمعوا على أن شفاعة النبي - ﷺ - لأهل الكبائر من أمته، وعلى أنه يخرج قومًا من أمته بعدما صاروا حممًا فيطرحون في نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل\" (^٢).\nويقول العلامة الإيجي:\" أجمع الأمة على ثبوت أصل الشفاعة المقبولة له ... - ﷺ - \" (^٣).\nوحكى الإمام أبو منصور الماتريدي، إجماع النقلة على إثبات الشفاعة (^٤).\nوحكى العلامة أبو بكر الكلاباذي الحنفي، إجماع أهل التصوف على إثبات الشفاعة فقال:\" أجمعوا على أن الإقرار بجملة ما ذكر الله تعالى في كتابه ... وجاءت به الروايات عن النبي - ﷺ - في الشفاعة واجب\" (^٥).\nثم استفاضت مقالات العلماء في إثبات الشفاعة:\n- فقال الإمام ابن أبي زمنين: \"وأهل السنة يؤمنون بالشفاعة\" (^٦).\n- وقال الإمام الجرجاني:\" وأن الشفاعة حق\" (^٧).\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (١/ ١٤٨)\n(^٢) أبو الحسن الأشعري: رسالة إلى أهل الثغر، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية ص (١٦٤)، الأشعري: الإبانة: ص (٢٤١)\n(^٣) الإيجي: المواقف، دار الجيل - بيروت، ط ١ ١٤١٧ هـ (٣/ ٥٠٨)\n(^٤) الماتريدي: التوحيد، دار الجامعات المصرية - مصر، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، ص (٣٣٤)\n(^٥) الكلاباذي: التعرف لمذهب أهل التصوف، دار الكتب العلمية - بيروت،: ص (٥٤)\n(^٦) ابن أبي زمنين: أصول السنة، مكتبة الغرباء - السعودية، ط ١ ١٤١٥ هـ، ص (١٧٢)\n(^٧) الجرجاني: اعتقاد أئمة الحديث، دار العاصمة - الرياض، ط ١ ١٤١٢ هـ، ص (٦٨)","vol":"1","page":521},{"text":"- وقال الإمام أبو يعلى:\" فأما المسيئون الموحدون، فإنهم يخرجون منها بالشفاعة\" (^١).\n- وقال الإمام الغزالي: \"وأن يؤمن بشفاعة الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء، ثم سائر المؤمنين\" (^٢).\n- وقال العلامة جمال الدين الغزنوي: \" شفاعة نبينا محمد المصطفى والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والعلماء، والصديقين والشهداء، والعالمين، حق\" (^٣).\n- وقال الإمام ابن قدامة:\" ولسائر الأنبياء، والمؤمنين، والملائكة شفاعات \" (^٤).\nفعلماء الأئمة مجمعون على إثبات الشفاعة، قال الإمام ابن القطان الفاسي: \"وأجمعوا على أن الإيمان، مع القول بشفاعة النبي - ﷺ - لأهل الكبائر من أمته \" (^٥).\nوقال العلامة التفتازاني في الشفاعة:\"يدل على ثبوتها: النص، والإجماع \" (^٦).\n_________\n(^١) ابن أبي يعلى الاعتقاد، دار أطلس الخضراء، ط ١ ١٤٢٣ هـ، ص (٣٤)\n(^٢) الغزالي: بداية الهداية، دار المنهاج - جدة، ط ١ ١٤٢٦ هـ، ص (٢٨٦)\n(^٣) الغزنوي: أصول الدين، دار البشائر الإسلامية - بيروت - لبنان ط ١، ١٤١٩ هـ، ص (٢٣٤)\n(^٤) ابن قدامة: لمعة الاعتقاد، وزارة الأوقاف السعودية، ط ٢ - ١٤٢٠ هـ، ص (٣٣).\n(^٥) ابن القطان: الإقناع، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٢٦ هـ، (١/ ٥٦)\n(^٦) التفتازاني: شرح المقاصد، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٢٢ هـ (٢/ ٢٣٩)","vol":"1","page":522},{"text":"فهذا طرف من أقوال الأئمة في إثبات الشفاعة على وجه الجملة، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في الواسطية، ثلاث شفاعات للنبي - ﷺ -: وهي من الشفاعات التي اتفقت على إثباتها الأمة، ودلت عليها دلائل السنة، على أن ثمة أنواع من الشفاعة، يذكرها الأئمة في هذا الباب، غير ما ذكره الإمام ابن تيمية، وفي بعضها تداخل (^١).\nيقول الإمام ابن كثير:\"وقد استقصى هذه الشفاعات، الإمام أبو بكر بن خزيمة في آخر كتاب التوحيد، وكذلك أبو بكر بن أبي عاصم في كتاب السنة له ... وقد جمع الوليد بن مسلم عليه مجلدًا، وقد أفردت اسناده في جزء\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>المسألة الثانية: الشفاعات التي ذكرها الإمام ابن تيمية:</span>\n١ - الشفاعة العظمى، وهي الشفاعة في أهل الموقف حتى يقضى بينهم وهذه الشفاعة حكى الأئمة الإجماع عليها، وأنها من خصائص الرسول الأعظم ﵊، ودلت عليها دلائل الكتاب والسنة.\nيقول الإمام ابن خزيمة:\" باب ذكر الشفاعة، التي خص الله بها النبي - ﷺ - دون غيره من الأنبياء صلى الله عليهم، وهي الشفاعة الأولى التي يشفع بها لأمته؛ ليخلصهم الله من الموقف الذي قد جمعوا فيه يوم القيامة\" (^٣).\nويقول الإمام ابن حبان: \"ذكر الإخبار بأن المصطفى - ﷺ - إنما يشفع في القيامة، عند عجز الأنبياء عنها في ذلك اليوم \" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: العيني: عمدة القاري، دار إحياء التراث العربي - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٢/ ١٢٧)، ابن أبي العز: شرح الطحاوية، وزارة الأوقاف السعودية، ط ١ ١٤١٨ هـ، ص (٢٠٢) القرطبي: التذكرة، دار المنهاج - الرياض، ط ١ ١٤١٥ هـ، ص (٦٠٦)، ابن كثير: النهاية،، دار الجيل - بيروت، ١٤٠٨ هـ (٢/ ٢٠٢) ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ هـ (١١/ ٤٢٨)، الذهبي: إثبات الشفاعة، أضواء السلف، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ص (٢٠)\n(^٢) ابن كثير: الفصول في السيرة، مؤسسة علوم القرآن، ط ٣ ١٤٠٣ هـ، (٢٨٣)\n(^٣) ابن خزيمة: التوحيد، مكتبة الرشد - الرياض، ط ٥ ١٤١٤ هـ، (٢/ ٥٨٩).\n(^٤) ابن حبان: صحيح ابن حبان، مؤسسة الرسالة - بيروت، ط ١ ١٤٠٨ هـ (١٤/ ٣٧٧).","vol":"1","page":523},{"text":"ويقول العلامة السفاريني عن هذه الشفاعة:\" لكن هذه الشفاعة العظمى مجمع عليها، لم ينكرها أحد ممن يقول بالحشر، إذ هي للإراحة من طول الوقوف، حين يتمنون الانصراف من موقفهم ذلك ولو إلى النار \" (^١).\nوهذه الشفاعة من خصائص النبي - ﷺ - يقول الإمام ابن الملقن في كتاب الخصائص:\" أن له - ﷺ - شفاعات: أولاهن: الشفاعة العظمى في الفصل بن أهل الموقف، حين يفزعون إليه بعد الأنبياء، كما ثبت في الصحيح في حديث الشفاعة\" (^٢).\nوهنا يتبادر سؤال وهو: متى كانت هذه الشفاعة خاصة لنبينا - ﷺ - فلِمَ لم يلهم الناس المجيء إلى صاحبها؟\nيقول الحافظ ابن حجر: \"ولعل الله تعالى أنساهم ذلك؛ للحكمة التي تترتب عليه، من إظهار فضل نبينا - ﷺ -\" (^٣).\nواستدل الأئمة على إثبات هذه الشفاعة بما يلي:\nأ. قال الله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء:٧٩].\nورد عن عبد الله بن عمر ﵄، تفسير المقام المحمود بالشفاعة العظمى يقول: \"إن الناس يصيرون يوم القيامة جثًا، كل أمة تتبع نبيها يقولون يا فلان اشفع لنا، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي - ﷺ - فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود \" (^٤).\nوهذا القول هو الصحيح في تفسير (المقام المحمود) وهو الذي دلت عليه الدلائل، وعليه جمهور الصحابة ومن بعدهم، حتى بالغ الإمام الواحدي وحكى فيه إجماع المفسرين (^٥).\nوقد حكاه الإمام ابن عبد البر كذلك (^٦).\n_________\n(^١) السفاريني: لوامع الأنوار، مكتبة الخافقين - دمشق، ط ٢ - ١٤٠٢ هـ (٢/ ٢٠٨).\n(^٢) ابن الملقن: غاية السول، دار البشائر - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، ص (٢٦٣).\n(^٣) ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ هـ (١١/ ٤٤١).\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، ح (٤٧١٨) دار طوق النجاة، ط ١ ١٤٢٢ هـ.\n(^٥) الواحدي: التفسير الوسيط، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤١٥ هـ (٣/ ١٢٢).\n(^٦) ابن عبد البر: الاستذكار، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٢١ هـ (٢/ ٥٢٠).","vol":"1","page":524},{"text":"يقول الإمام ابن رجب: \"والمقام المحمود: فسر بالشفاعة، وقد روي ذلك عن النبي - ﷺ - من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد، وابن عباس، وغيرهم\" (^١).\nأخرج الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عمر ﵄، قال: «إِنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو يَوْمَ القِيَامَةِ، حَتَّى يَبْلُغَ العَرَقُ نِصْفَ الأُذُنِ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ اسْتَغَاثُوا بِآدَمَ، ثُمَّ بِمُوسَى، ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ - ﷺ -» وَزَادَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ: «فَيَشْفَعُ لِيُقْضَى بَيْنَ الخَلْقِ، فَيَمْشِي حَتَّى يَأْخُذَ بِحَلْقَةِ البَابِ، فَيَوْمَئِذٍ يَبْعَثُهُ اللَّهُ مَقَامًا مَحْمُودًا، يَحْمَدُهُ أَهْلُ الجَمْعِ كُلُّهُمْ» (^٢).\nيقول الإمام ابن كثير بعد أن ساق هذا الحديث:\" فهذه هي الشفاعة العظمى، التي يمتاز بها عن جميع الرسل أولي العزم، بعد أن يسأل كل واحد منهم أن يقوم فيها، فيقول لست هناكم، اذهبوا إلى فلان، فلا يزال الناس من رسول إلى رسول، حتى ينتهوا إلى محمد - ﷺ - فيقول: أنا لها، فيذهب فيشفع في أهل الموقف كلهم عند الله تعالى؛ ليفصل بينهم، ويريح بعضهم من بعض\" (^٣).\nوساق العلامة الألباني حديث ابن عمر، وذكر سياقه من كتاب التوحيد لابن خزيمة، ثم قال: \"وهذا حديث عزيز في المقام المحمود، وأنه شفاعته - ﷺ - الخاصة به\" (^٤).\n_________\n(^١) ابن رجب: فتح الباري، مكتبة الغرباء - المدينة النبوية، ط ١ ١٤١٧ هـ (٥/ ٢٧٥)\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب من سأل الناس تكثرا ح (١٤٧٥).\n(^٣) ابن كثير: الفصول في السيرة، مؤسسة علوم القرآن، ط ٣ ١٤٠٣ هـ، (٢٨٤).\n(^٤) الألباني: السلسلة الصحيحة، مكتبة المعارف - الرياض، ط ١ (٥/ ٥٩٠).","vol":"1","page":525},{"text":"وأخرج الإمام الترمذي في جامعه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩] وسئل عنها قال: «هي الشفاعة» (^١).\nوقال العلامة الألباني:\" حديث صحيح، وإسناده ضعيف، وحسنه الترمذي؛ لأن له شاهدًا من حديث كعب بن مالك ... عن كعب بن مالك عن النبي - ﷺ - قال: «يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي عَلَى تَلٍّ وَيَكْسُونِي رَبِّي ﵎ حُلَّةً خَضْرَاءَ، ثُمَّ يُؤْذَنُ لِي، فَأَقُولُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَقُولَ فَذَاكَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ»، إسناده جيد، ورجاله كلهم ثقات. وقد صرح بقية بالتحديث، فأمنا بذلك من شر تدليسه. على أنه قد تابعه محمد بن حرب ... ثنا الزبيدي به\" (^٢).\nوبعد أن رجح الإمام الطبري القول بأن المقصود بقوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ أنها الشفاعة، ساق الأدلة الدالة على ذلك (^٣).\nواستدل بعض الأئمة على ثبوت الشفاعة العظمى للنبي - ﷺ -، بما ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: ... وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في جامعه أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة بني إسرائيل ح (٣١٣٧)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، مكتبة البابي - مصر، ط ٢ - ١٣٩٥ هـ (٥/ ٣٠٣)\n(^٢) الألباني: ظلال الجنة في تخريج السنة، المكتب الإسلامي، ط ١ ١٤٠٠ هـ (٢/ ٣٦٤)\n(^٣) الطبري: جامع البيان، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ت: أحمد محمد شاكر، ص (١٧/ ٥٢٩)\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب قول النبي ﷺ: جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا ح (٤٣٨)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة ح (٥٢١).","vol":"1","page":526},{"text":"يقول الإمام ابن دقيق العيد:\" قوله: - ﷺ -: وأعطيت الشفاعة (للعهد) وهو ما بينه - ﷺ -، من شفاعته العظمى، وهي شفاعته في إراحة الناس من طول القيام، بتعجيل حسابهم، وهي شفاعة مختصة به - ﷺ -، ولا خلاف فيها\" (^١).\nويقول الإمام النووي:\" قوله - ﷺ -: وأعطيت الشفاعة، هي الشفاعة العامة التي تكون في المحشر، بفزع الخلائق إليه، - ﷺ -؛ لأن الشفاعة في الخاصة جُعلت لغيره أيضًا \" (^٢).\nويقول الإمام العراقي: \"وأما تخصيصه بالشفاعة، فالمراد: الشفاعة العامة التي تكون في الحشر، عندما يفزع الناس للأنبياء، فكلهم يقول: لست لها حتى يأتوا نبينا - ﷺ -، فيقول: أنا لها، فأما الشفاعة الخاصة، فقد ثبتت لغيره من الأنبياء، والملائكة، والمؤمنين\" (^٣).\n(٢) شفاعة النبي - ﷺ -، في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة:\nوهذه الشفاعة خاصة للنبي - ﷺ -، ابتداء دون غيره في موقف القيامة، وقد نص جماعات من أهل العلم على ثبوت هذه الشفاعة مع توافر الأدلة وتضافرها على إثبات هذا النوع من الشفاعة.\nوممن نص من أهل العلم على ثبوت هذه الشفاعة: الذهبي، وابن رجب ... وابن كثير، وابن القيم، وابن أبي العز (^٤).\nوهذه الشفاعة خاصة بالنبي - ﷺ - فيتقدم لها حين يحبس المؤمنون على القنطرة فيشفع لهم بدخول الجنة. وأدلة ثبوت هذا النوع من الشفاعة:\nما جاء عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ يَشْفَعُ فِي الْجَنَّةِ وَأَنَا أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا» (^٥).\n_________\n(^١) ابن دقيق العيد: إحكام الأحكام، مطبعة السنة المحمدية، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (١/ ١٥٣)\n(^٢) النووي: شرح مسلم، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٢ - ١٣٩٢ هـ (٥/ ٤).\n(^٣) العراقي: طرح التثريب، مكتبة الباز - مكة، ط ١ ١٤٢٤ هـ (٢/ ١١٢)\n(^٤) انظر: الذهبي: إثبات الشفاعة، أضواء السلف، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ص (٢٠)، ابن رجب: فتح الباري، (٢/ ٢١٤)، ابن كثير: النهاية (٢/ ٢٠٨)، ابن أبي العز: شرح الطحاوية، ص (٢٩٠).\n(^٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان ح (١٩٦).","vol":"1","page":527},{"text":"وعنه ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَسْتفْتِحُ فَيَقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ، فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ» ... (^١).\nوعنه ﵁، أن النبي - ﷺ - قال: «أَنَا أَوَّلُ شَفِيعٍ فِي الْجَنَّةِ، لَمْ يُصَدَّقْ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَا صُدِّقْتُ، وَإِنَّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيًّا مَا يُصَدِّقُهُ مِنْ أُمَّتِهِ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ» (^٢).\nوفي حديث أبي هريرة ﵁، في الشفاعة، وفيه: أن النبي - ﷺ - قال: «فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنَ البَابِ الأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأَبْوَابِ» (^٣).\n(٣) الشفاعة فيمن استحق النار، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - في الواسطية -:\" وأما الشفاعة الثالثة: فيشفع فيمن استحق النار، وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم، فيشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها \" (^٤).\nتضمن كلام شيخ الإسلام إثبات نوعين من أنواع الشفاعة، وهي الشفاعة في أهل الكبائر:\nأ. الشفاعة لأناس استحقوا النار أن لا يدخلوها.\nب. الشفاعة لمن دخلوا النار أن يخرجوا منها.\nوالقسم الأول: الذي حكاه الإمام ابن تيمية: متفق عليه عند أهل السنة في الجملة؛ لأنه يدخل في عمومات النصوص الصريحة المتواترة، في إخراج العصاة من النار، فمتى ثبت بالنص إخراج العصاة من النار بالشفاعة، فمن باب أولى تكون الشفاعة في دفع العذاب قبل وقوعه.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان ح (١٩٧.\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان ح (١٩٦).\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب (ذرية من حملنا مع نوح) ح (٤٧١٢).\n(^٤) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية، (٣/ ١٤٧)","vol":"1","page":528},{"text":"ومع أن بعض الأئمة نص على عدم وجود دليل صريح يدل على هذا النوع من الشفاعة كالإمام ابن القيم (^١)، إلا أن جماعة من الأئمة كالحافظ ابن حجر (^٢) احتج لها بحديث حذيفة ﵁، عند مسلم، وفيه: «وَنَبِيُّكُمْ قَائِمٌ عَلَى الصِّرَاطِ يَقُولُ: رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ» (^٣).\nوقد ذكر الإمام ابن كثير (^٤) جملة من الآثار تدل على هذه الشفاعة إلا أنها لا تثبت، ولذا قال العلامة ابن العثيمين عن هذا النوع من الشفاعة:\" ولكني إلى الآن لم أجد لها دليلًا صحيحًا صريحًا، وقد وردت فيها أحاديث في إسنادها مقال، لكن تعددها، وتلقي الأمة لها بالقبول، يدل على ثبوتها\" (^٥).\nوقال في موضع آخر: \"وأما فيمن استحقها أن لا يدخلها، فهذه تستفاد من دعاء الرسول - ﷺ - للمؤمنين بالمغفرة والرحمة على جنائزهم، فإنه من لا زم ذلك ألا يدخل النار \" (^٦).\nوقد نص على إثبات هذا النوع من الشفاعة جماعات من أهل العلم، منهم: الأئمة (الذهبي، والقاضي عياض، والنووي، وابن كثير، والقرطبي، وابن أبي العز، وابن الملقن، والسيوطي، والسفاريني، المقريزي) (^٧).\n\"وقد نُقل عن الإمام أحمد: والشفاعة يوم القيامة حق، يشفع قوم في قوم فلا يصيرون إلى النار.\n_________\n(^١) ابن القيم: تهذيب السنن، دار الكتب العلمية - بيروت ن ط ٢ - ١٤١٥ هـ (١٣/ ٥٥)\n(^٢) ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ هـ (١١/ ٤٢٨)\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة ح (١٩٥).\n(^٤) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، ت: سامي سلامة (٢/ ٤٨١)\n(^٥) العثيمين: شرح العقيدة السفارينية، دار الوطن - الرياض، ط ١ ١٤٢٦ هـ، ص (٤٩١)\n(^٦) العثيمين مجموع فتاوى العثيمين، دار الوطن، ١٤١٣ هـ (٨/ ٥٣١)\n(^٧) الذهبي: إثبات الشفاعة: ص (٢٠)، عياض: إكمال المعلم: (١/ ٥٦٦)، النووي: شرح: (٣/ ٣٥) ... ابن كثير: النهاية، ٢/ ٢٠٨، ابن أبي العز: شرح: ص (٢٠٥)، ابن الملقن: غاية السول: ص (٢٦٣)، السيوطي: البدور السافرة: ص (١٠٥، السفاريني: لوامع الأنوار: (٢/ ٢١١)، المقريزي: إمتاع الأسماع: (٣/ ٢٩٢).","vol":"1","page":529},{"text":"وقال الإمام ابن عبد البر:\" وقد قيل: إن الشفاعة منه - ﷺ - تكون مرتين مرة في الوقف، يشفع في قوم فينجون من النار ولا يدخلونها\" (^١).\nوأما القسم الثاني: من أقسام الشفاعة التي حكاها ابن تيمية في الشفاعة لأهل الكبائر، فأمر متفق عليه عند الأكابر، وقد حكى العلماء فيه الإجماع واستفاضت أقوالهم، ودلت عليها الدلائل الشرعية، وهذا النوع هو مفصل النزاع بين أهل السنة والجماعة ومن عداهم من المخالفين في هذه المسألة.\nوقد حكى الإمام ابن تيمية الاتفاق على هذه المسألة في أكثر من موضع فقال:\" وأما شفاعته لأهل الذنوب من أمته فمتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر الأئمة الأربعة وغيرهم \" (^٢).\nوقال في إجابة سؤال ورد إليه عن مصير أهل الكبائر:\" إن أحاديث الشفاعة في أهل الكبائر ثابتة متواترة عن النبي - ﷺ - وقد اتفق عليها السلف من الصحابة وتابعيهم بإحسان وأئمة المسلمين\" (^٣).\nوقال الإمام أبو الحسن الأشعري:\" وأجمعوا على أن شفاعة النبي - ﷺ - لأهل الكبائر من أمته وعلى أنه يخرج من النار قومًا من أمته بعدما صاروا حممًا فيطرحون في نهر الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل \" (^٤). وقال الإمام ابن شاهين:\" وأشهد أن الله يدخل قومًا النار من أهل التوحيد بذنوبهم ثم يخرجهم بشفاعة الشافعين فيدخلهم الجنة\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر: ابن القيم: حادي الأرواح: ص (٤١٢)، ابن عبد البر: التمهيد: (١٩/ ٦٧).\n(^٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (١/ ١٤٨).\n(^٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (٤/ ٣٠٩).\n(^٤) الأشعري: رسالة إلى أهل الثغر، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية ص (١٦٤)\n(^٥) ابن شاهين: شرح مذاهب أهل السنة، مؤسسة قرطبة، ط ١ ١٤١٥ هـ، ص (٣٢٠).","vol":"1","page":530},{"text":"وقال الإمام معمر بن أحمد:\" ولما رأيت غربة السنة وكثرة الحوادث، واتباع الأهواء، أحببت أن أوصي أصحابي وسائر المسلمين، بوصية من السنة وموعظة من الحكمة، وأجمع ما كان عليه أهل الحديث الأثر، وأهل المعرفة والتصوف، من السلف المتقدمين والبقية من المتأخرين، فأقول وبالله التوفيق: .... وأن قومًا يخرجون من النار، يخرجهم الله برحمته، فيلقيهم في نهر على باب الجنة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، بعدما امتحشوا، فصاروا حممًا، ثم يدخلهم الله الجنة، حتى لا يبقى في النار من كان في قلبه مثقال حبة أو ذرة من إيمان ... فهذه السنة التي اجتمعت عليها الأئمة\" (^١).\nوقال الإمام ابن القطان الفاسي:\" وأجمعوا على أن الله تعالى يخرج من في قلبه شيء من الإيمان، بعد الانتقام منه، وأجمعوا على أن يخرج من النار قومًا من أمته - ﷺ - بعدما صاروا حممًا، فيطرحون في نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل\" (^٢).\nوقال الإمام الباقلاني:\" والأخبار في الشفاعة أكثر من أن يؤتى عليها وهي كلها متواترة متوافية على خروج الموحدين من النار، بشفاعة الرسول - ﷺ - وآله، وإن اختلفت ألفاظها ... وقد أطبق سلف الأمة، على تسليم هذه الرواية وصحتها، مع ظهورها وانتشارها، والعلم بأنها مروية عن الصحابة والتابعين \" (^٣). وقال الإمام ابن أبي زمنين:\" وأهل السنة يؤمنون بأن الله عز ... وجل، يدخل ناسًا الجنة من أهل التوحيد، بعدما مستهم النار، برحمته ﵎ اسمه، وبشفاعة الشافعين\" (^٤).\n_________\n(^١) الأصبهاني: الحجة في بيان المحجة، دار الراية - الرياض، ط ٢ - ١٤١٩ هـ، (١/ ٢٥٣)\n(^٢) ابن القطان: الإقناع في مسائل الإجماع، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٢٦ هـ، (١/ ٥٦)\n(^٣) الباقلاني: تمهيد الأوائل، مؤسسة الكتب الثقافية - بيروت ن ط ١ ١٤٠٧ هـ، ص (٤١٩)\n(^٤) ابن أبي زمنين: أصول السنة، مكتبة الغرباء - المدينة النبوية، ط ١ ١٤١٥ هـ، ص (١٨٠)","vol":"1","page":531},{"text":"وقال الإمام أبو حنيفة:\" وشفاعة النبي - ﷺ - للمؤمنين المذنبين، ولأهل الكبائر منهم، المستوجبين العقاب، حق\" (^١). وقال الإمام الجرجاني:\" ويقولون إن الله يخرج من النار، قومًا من أهل التوحيد بشفاعة الشافعين \" (^٢). ... وقال الإمام الذهبي:\" نؤمن أن الله تعالى يخرج من النار، من قلبه أدنى وزن ذرة من إيمان، برحمته، وكرمه، وشفاعة نبيه، وغير ذلك\" (^٣). وقال الإمام ابن قدامة:\" ويشفع نبينا - ﷺفيمن دخل النار من أمته من أهل الكبائر، فيخرجون بشفاعته، بعدما أحترقوا وصاروا فحمًا وحممًا، فيدخلون الجنة بشفاعته\" (^٤). ... وقال الإمام العراقي:\" وقد أجمع عليها أهل السنة\" (^٥).\n_________\n(^١) أبو حنيفة: الفقه الأكبر، مكتبة الفرقان - الإمارات، ط ١ ١٤١٩ هـ، ص (٦١)\n(^٢) الجرجاني: اعتقاد أئمة الحديث، دار العاصمة - الرياض، ط ١ ١٤٢١ هـ ص (٦٨)\n(^٣) الذهبي: إثبات الشفاعة، أضواء السلف، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ص (٢٠)\n(^٤) ابن قدامة: لمعة الاعتقاد، وزارة الأوقاف السعودية، ط ٢ - ١٤٢٠ هـ، ص (٣٣)\n(^٥) العراقي: طرح الترتيب، مكتبة الباز - مكة، ط ١ ١٤٢٤ هـ (٨/ ٢٧٨)","vol":"1","page":532},{"text":"ودلّ على هذا النوع من الشفاعة، جملة من الأحاديث المتواترة المتضافرة عن رسول الله - ﷺ -، قال عنها الإمام ابن عبد البر:\" والآثار في هذا كثيرة متواترة والجماعة أهل السنة على التصديق بها، ولا ينكرها إلا أهل البدع \" (^١) فأخرج مسلم في صحيحه عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا، فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَحْيَوْنَ، وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ - أَوْ قَالَ بِخَطَايَاهُمْ - فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْمًا، أُذِنَ بِالشَّفَاعَةِ، فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ، فَبُثُّوا عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ قِيلَ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ، فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ تَكُونُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ «(^٢).\nوأخرج أيضًا من حديث جابر ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: «إِنَّ قَوْمًا يُخْرَجُونَ مِنَ النَّارِ يَحْتَرِقُونَ فِيهَا، إِلَّا دَارَاتِ وُجُوهِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ» (^٣).\nوهؤلاء هم الجهنميون، فعن عمران بن حصين ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، يُسَمَّوْنَ الجَهَنَّمِيِّينَ» (^٤).\nوعن أنس ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: «يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ بَعْدَ مَا مَسَّهُمْ مِنْهَا سَفْعٌ، فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، فَيُسَمِّيهِمْ أَهْلُ الجَنَّةِ: الجَهَنَّمِيِّينَ» (^٥).\n_________\n(^١) ابن عبد البر التمهيد، وزارة عموم الأوقاف - المغرب، ١٣٨٧ هـ، (١٩/ ٦٩)\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدون من النار ح (١٨٥).\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة ح (١٩١).\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار ح (٦٥٦٦).\n(^٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار ح (٦٥٥٩).","vol":"1","page":533},{"text":"وعن جابر ﵁، في سياق حديث ورود النار: «ثُمَّ تَحِلُّ الشَّفَاعَةُ وَيَشْفَعُونَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ النَّارِ مِنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً، فَيُجْعَلُونَ بِفِنَاءِ الْجَنَّةِ، وَيَجْعَلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ يَرُشُّونَ عَلَيْهِمُ الْمَاءَ حَتَّى يَنْبُتُوا نَبَاتَ الشَّيْءِ فِي السَّيْلِ، وَيَذْهَبُ حُرَاقُهُ، ثُمَّ يَسْأَلُ حَتَّى تُجْعَلَ لَهُ الدُّنْيَا وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهَا مَعَهَا» (^١).\nوفي حديث أنس الطويل في أمر الشفاعة وفيه: «ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ إِلَيْهِ فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي مِثْلَهُ، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ، فَأَقُولُ مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ القُرْآنُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الخُلُودُ» (^٢).\nوفي حديث أبي سعيد ﵁، عند مسلم: فيقول الله ﷿: «شَفَعَتِ الْمَلَائِكَةُ، وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ، فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ قَدْ عَادُوا حُمَمًا، فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهَرٍ فِي أَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ: نَهَرُ الْحَيَاةِ، فَيَخْرُجُونَ كَمَا تَخْرُجُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان: باب أدنى أهل الجنة منزلة ح (١٩١).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب قول الله (وعلم آدم الأسماء كلها) ح (٤٤٧٦)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة ح (١٩٣).\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه، باب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية ح (١٨٣).","vol":"1","page":534},{"text":"وعن أنس ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» (^١).\nوعن جابر ﵁، قال: قال النبي - ﷺ -: «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» قال محمد بن علي: فقال لي جابر: يا محمد، من لم يكن من أهل الكبائر فماله وللشفاعة (^٢).\nوعن عبد الله بن عمر ﵄، عن النبي - ﷺ - قال: «خُيِّرْتُ بَيْنَ الشَّفَاعَةِ، أَوْ يَدْخُلُ نِصْفُ أُمَّتِي الْجَنَّةَ، فَاخْتَرْتُ الشَّفَاعَةَ، لِأَنَّهَا أَعَمُّ وَأَكْفَى أَتُرَوْنَهَا لِلْمُنَقَّيْنَ، لَا وَلَكِنَّهَا لِلْمُتَلَوِّثِينَ الْخَطَّاءُونَ» قَالَ زِيَادٌ: \" أَمَا إِنَّهَا لَحْنٌ وَلَكِنْ هَكَذَا حَدَّثَنَا الَّذِي حَدَّثَنَا \" (^٣).\nفهذه الأحاديث الشريفة وغيرها، تدل على شفاعة النبي - ﷺ - وغيره، في أصحاب الذنوب والكبائر، وهي مختصة بهم دون من حُكِم عليه بالخلود في النار من الكفار والمنافقين، وعليهم يصدق قوله جل وعلا: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ [المدثر:٤٨]، يقول العلامة ابن أبي العز: \" وأحاديث الشفاعة صريحة في خروج عصاة الموحدين من النار، وأن هذا حكم مختص بهم، فلو خرج الكفار منها، لكانوا بمنزلتهم (^٤).\n_________\n(^١) أخرج الترمذي في جامعه، أبواب صفة القيامة، باب ما جاء في الشفاعة ح (٢٤٣٥)، وقال الترمذي \"هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه \" مكتبة البابي - مصر، ط ٢ - ١٣٩٥ هـ (٤/ ٦٢٥).\n(^٢) أخرجه الترمذي في جامعه أبواب صفة القيامة، باب ما جاء في الشفاعة ح (٢٤٣٦)، وقال الترمذي هذا حديث غريب، مكتبة البابي - مصر، ط ٢ - ١٣٩٥ هـ (٤/ ٦٢٥).\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ح (٢٤٥٢) مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢١ هـ، وضعفه العلامة الألباني من هذا الطريق، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير ح (١٣٩٠٠)، (١٣/ ١٩١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٧٨): \"ورجال الطبراني رجال الصحيح، غير النعمان بن قراد، وهو ثقة\". انظر: الألباني: سلسلة الأحاديث الضعيفة (٨/ ٧٩).\n(^٤) ابن أبي العز: شرح الطحاوية، وزارة الأوقاف السعودية، ط ١ ١٤١٨ هـ، ص (٤٣١)","vol":"1","page":535},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>المسألة الثالثة: الأدلة العامة على إثبات الشفاعة في الآخرة:</span>\nدلالات نصوص الوحيين مستفيضة على إثبات الشفاعة في الآخرة، وأنها حق لا شك فيه.\nوجاءت النصوص الشريفة بالإشارة إلى نوعي الشفاعة في الآخرة، المثبتة للمؤمنين، والعصاة، وأهل الكبائر، والمنفية عن المشركين ونحوهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>(أ) الأدلة المثبتة للشفاعة من القرآن الكريم:</span>\nالأدلة المثبتة للشفاعة من القرآن الكريم كثيرة متضافرة، جاءت في سياقات مختلفة، كلها تدل على أن الشفاعة حق محض لله وحده جل في علاه، وأن الله سبحانه يتفضل على من يشاء من عباده، بأن يشفع بعد إذنه ورضاه جل في علاه.\nيقول الرب ﷾: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٤٤]، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ ...﴾ [البقرة:٢٥٥]، ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ...﴾ [يونس:٣] ... ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)﴾ [طه:١٠٩]، ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى ...﴾ [الأنبياء:٢٨]، ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٤)﴾ [السجدة:٤]، ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٣]، ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ [النجم:٢٦].\nومن الأدلة على إثبات الشفاعة للمؤمنين، ونفيها عن الكافرين، قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ [المدثر:٤٨]، يقول الإمام الطبري:\" وفي هذه الآية دلالة واضحة، على أن الله تعالى ذكره، مشفع بعض خلقه من بعض \" (^١). ويقول الإمام القرطبي:\" هذا دليل على صحة الشفاعة للمذنبين\" (^٢).\n_________\n(^١) الطبري: جامع البيان، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ت: أحمد محمد شاكر، ص (٢٤/ ٣٧).\n(^٢) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط ٢ - ١٣٨٤ هـ، (١٩/ ٨٨).","vol":"1","page":536},{"text":"ويقول الإمام النسفي:\" ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾: من الملائكة والنبيين، والصالحين؛ لأنها للمؤمنين دون الكافرين، وفيه دليل ثبوت الشفاعة للمؤمنين\" (^١). والآيات في إثبات الشفاعة كثيرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>(ب) الأدلة المثبتة للشفاعة في الآخرة من السنة المطهرة:</span>\nتواترت الأحاديث الشريفة في إثبات الشفاعة يوم الدين، وقد نص العلماء على هذا التواتر في مقالاتهم، وهذا التواتر محكي عن العلماء في عموم الشفاعة وفي بعض أنواعها.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية:\" وأما الصحابة، والتابعون لهم بإحسان وسائر الأئمة كالأربعة، وغيرهم، فيقرون بما تواترت به الأحاديث الصحيحة عن النبي - ﷺ - أن الله يخرج من النار قومًا بعد أن يعذبهم الله ما شاء أن يعذبهم، يخرجهم بشفاعة محمد - ﷺ - ويخرج آخرين بشفاعة غيره، ويخرج قومًا بلا شفاعة\" (^٢).\nويقول الإمام الذهبي عن أحاديث الشفاعة في أهل الكبائر كذلك:\" هي من المتواتر القطعي\" (^٣). ويقول الإمام ابن عبد البر عن أحاديث الشفاعة عمومًا:\" والأحاديث فيه متواترة عن النبي - ﷺ - صحاح ثابتة\" (^٤).\nونص الإمام ابن حزم على تواتر أحاديث الشفاعة فقال:\" وصحت بذلك الأخبار المتواترة المتناصرة بنقل الكواف لها\" (^٥).\nوقال الإمام الشاطبي في معرض رده على أهل البدع:\" وردوا الأحاديث في الشفاعة على تواترها\" (^٦).\n_________\n(^١) النسفي: مدارك التنزيل، دار الكلم الطيب - بيروت ن ط ١ ١٤١٩ هـ (٣/ ٥٦٧).\n(^٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (١/ ١٤٩).\n(^٣) الذهبي: إثبات الشفاعة، أضواء السلف، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ص (٢٠).\n(^٤) ابن عبد البر: الاستذكار، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٢١ هـ (٢/ ٥٢٠).\n(^٥) ابن حزم: الفصل، مكتبة الخانجي - القاهرة، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٤/ ٥٣).\n(^٦) الشاطبي: الاعتصام، دار ابن عفان - السعودية، ط ١ ١٤١٢ هـ، ص (٨٤٩).","vol":"1","page":537},{"text":"وقال العلامة ابن الوزير:\" وأحاديث الشفاعة المصرحة بخروج الموحدين من النار، قاطعة في معناها بالإجماع، وهي قاطعة في ألفاظها\" (^١).\nومن الأحاديث الواردة في الشفاعة غير ما سبق:\nما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ» (^٢).\nوعن جابر بن عبد الله ﵄، أن رسول الله - ﷺقال: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ القَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ وَالفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ» (^٣).\nوعن أبي سعيد الخدري ﵁، أنه سمع النبي - ﷺ -، وذكر عنده عمه فقال: «لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنَ النَّارِ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ، يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ» (^٤).\n_________\n(^١) ابن الوزير: إيثار الحق على الخلق، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ٢ - ١٩٨٧ م، ص (٣٥٩).\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب تفضيل نبينا - ﷺ - على جميع الخلائق ح (٢٢٧٨).\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الآذان، باب الدعاء عند النداء ح (٦١٤).\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب قصة أبي طالب ح (٣٨٨٥)، وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب الإيمان، باب شفاعة النبي - ﷺ - لأبي طالب ح (٢١٠).","vol":"1","page":538},{"text":"وعن أبي هريرة ﵁، أنه قال: قيل يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله - ﷺ -: «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ ... أَوْ نَفْسِهِ» (^١).\nوعن زياد بن أبي زياد مولى بني مخزوم عَنْ خَادِمٍ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - مِمَّا يَقُولُ لِلْخَادِمِ: «أَلَكَ حَاجَةٌ؟» قَالَ: حَتَّى كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ حَاجَتِي قَالَ: «وَمَا حَاجَتُكَ؟» قَالَ: حَاجَتِي أَنْ تَشْفَعَ لِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ: «وَمَنْ دَلَّكَ عَلَى هَذَا؟» قَالَ: رَبِّي قَالَ: «إِمَّا لَا فَأَعِنِّي بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>المسألة الرابعة: المخالفون في أمر الشفاعة يوم الدين:</span>\nمع اتفاق الأئمة على ثبوت الشفاعة في الآخرة، وتواتر النصوص على إثباتها، إلا أن بعض الناس خالف في بعض أنواع الشفاعات، فنفوها؛ بناء على أصول فاسدة جرتهم إلى هذا النفي.\nوممن أنكر الشفاعة جملة وتفصيلًا: الجهم بن صفوان، يقول العلامة الملطي:\"وأنكر جهم الشفاعة، وأن قومًا يخرجون من النار\"، وقال عن اتباع الجهم: \"وأنكروا الشفاعة، أن يشفع رسول لله - ﷺ - لأحد من أمته، وأن ... يخرج الناس من النار بعدما دخلوها\" (^٣).\nوكذا أنكرت الخوارج والمعتزلة، شفاعة الشافعين في أهل الكبائر، وممن نص على إنكارهم:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب الحرص على الحديث ح (٩٩).\n(^٢) أخرجه أحمد في السنن ح (١٦٠٧٦)، وصححه إسناده الشيخ شعيب الأرناؤوط (٢٥/ ٤٧٩).\n(^٣) الملطي: التنبيهات والرد على أهل الأهواء والبدع، المكتبة الأزهرية الثراث- مصر: (٩٩ - ١٣٤).","vol":"1","page":539},{"text":"الإمام أبو الحسن الأشعري فقال:\" واختلفوا في شفاعة رسول الله - ﷺ -: هل هي لأهل الكبائر؟ فأنكرت المعتزلة ذلك، وقالت بإبطاله\" (^١).\nوقال الإمام أبو المظفر الإسفرايني في ذكر فضائح المعتزلة القدرية:\" ثم زادوا على هذا ما هو أفضح منه، فأنكروا من مفاخر رسول الله - ﷺ - ما كان مختصًا به زائدًا على الأنبياء، كوجود المعراج، وثبوت الشفاعة له يوم القيامة \" (^٢).\nويُشار هنا إلى أن المعتزلة والخوارج ونحوهم، لا ينكرون الشفاعة العظمى التي هي المفخرة للنبي - ﷺ - يوم الدين، وإنما استقر إنكارهم في الشفاعة لأهل الكبائر، وعليه فإن كان مقصود الإمام الاسفرايني إنكارهم الشفاعة العظمى فهذا غير مُسلّم؛ لأنه لم ينكرها أحد، إن كان المقصود إنكارهم الشفاعة في أهل الكبائر، فهذا الذي نحن فيه، ونقرره من كلام أهل العلم.\nوقال الإمام المتولي: \"شفاعة المصطفى ﵇، حق في حق العصاة من أمته، وأنكرت المعتزلة له ذلك وقالوا: لا يجوز الشفاعة لأهل الكبائر وشفاعته - ﷺ - لرفع الدرجات لا لغفران السيئات\" (^٣).\nوقال الإمام الرازي: \" القول بشفاعة الرسول - ﷺ - في حق فساق الأمة حق خلافًا للمعتزلة\" (^٤).\nوقال العلامة العمراني:\" وأنكرت المعتزلة والقدرية وأهل الزيغ الشفاعة وذلك لاعتمادهم على عقولهم الفاسدة، وأخذهم بالمتشابه من القرآن وتركهم الأخبار المروية الثابتة في الصحاح\" (^٥).\nوقال الإمام العراقي:\" ومنع منها الخوارج وبعض المعتزلة، على مذهبهم الفاسد في تخليد أهل الكبائر في النار\". (^٦)\n_________\n(^١) الأشعري: مقالات الإسلاميين، ٢/ ٣٥٤، وانظر له: الإبانة، (٢٤١).\n(^٢) الإسفرايني: التبصير في الدين، عالم الكتب - لبنان، ط ١ ١٤٠٣ هـ، ص (٦٦).\n(^٣) المتولي: الغنية في أصول الدين، المعهد الفرنسى للآثار الشرقيه، ١٩٨٦ - القاهرة، ص (٥٩).\n(^٤) الرازي: معالم أصول الدين، دار الكتاب العربي - بيروت:، ص (١٣٣)\n(^٥) العمراني: الانتصار، دار أضواء السلف - الرياض، ط ١ ١٤١٩ هـ (٣/ ٦٨٨)\n(^٦) العراقي: طرح التثريب، مكتبة الباز - مكة، ط ١ ١٤٢٤ هـ (٨/ ٢٧٨)","vol":"1","page":540},{"text":"ويقول الإمام ابن تيمية: \"والخوارج والمعتزلة أنكروا شفاعة نبينا - ﷺ - في أهل الكبائر من أمته\" (^١).\nويقول الإمام ابن القيم:\" كما رد الخوارج والمعتزلة النصوص المتواترة الدالة على خروج أهل الكبائر من النار بالشفاعة، فكذبوا بها، وقالوا: لا سبيل لمن دخل النار إلى الخروج منها بشفاعة ولا غيرها\" (^٢).\nويقول في موضع آخر:\" وردت الخوارج ما شاء الله من الأحاديث الدالة على الشفاعة، وخروج أهل الكبائر من الموحدين من النار، بما فهموه من ظاهر القرآن\" (^٣).\nويقول أيضًا:\" المثال الخامس: رد الخوارج والمعتزلة النصوص الصريحة المحكمة غاية الإحكام في ثبوت الشفاعة للعصاة، وخروجهم من النار بالمتشابه\" (^٤).\nفالنقول عن الأئمة كثيرة جدًا، في حكاية أقوال المخالفين من المعتزلة والخوارج، ومن نحا نحوهم في إنكار الشفاعة في أهل الكبائر، بناء ًعلى أصلهم الفاسد وهو:\" أنه لا يجتمع في العبد إيمان ونفاق، وهم في ذلك مخالفون للكتاب والسنة، أثار الصحابة والتابعين لهم بإحسان مع مخالفة صريح المعقول.\nثم طرد الخوارج والمعتزلة هذا الأصل الفاسد، وقالوا: لا يجتمع في الشخص الواحد، طاعة يستحق بها الثواب، ومعصية يستحق بها العقاب ولا يكون الشخص الواحد محمودًا من وجه، مذمومًا من وجه، ولا محبوبًا مدعوا من وجه، مسخوطًا ملعونًا من وجه، ولا يتصور أن الشخص الواحد يدخل الجنة والنار جميعًا عندهم، بل من دخل إحداهما لم يدخل الأخرى عندهم، ولهذا أنكروا خروج أحد من النار، أو الشفاعة في أحد من أهل النار\" (^٥).\n_________\n(^١) ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم، دار عالم الكتب - بيروت، ط ٧ ١٤١٩ هـ (٢/ ٣٥٩)\n(^٢) ابن القيم: طريق الهجرتين، دار السلفية - القاهرة، ط ٢ - ١٣٩٤ هـ، ص (٣٨٦)\n(^٣) ابن القيم: الطرق الحكمية، مكتبة دار البيان، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، ص (٦٦)\n(^٤) ابن القيم: إعلام الموقعين، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤١١ هـ (٢/ ٢١١)\n(^٥) ابن تيمية: الإيمان، المكتب الإسلامي - بيروت، ط ٤ ١٤١٣ هـ، ص (٢٧٨).","vol":"1","page":541},{"text":"ونشأ عن قولهم هذا القول: بوجوب الثواب، ولزوم العقاب على الله تعالى (^١).\nفالعجب من هؤلاء وأمثالهم، أنهم قدموا عقولهم على النصوص الشرعية ثم احتجوا على باطلهم بنصوص من المتشابه، ولو أحسنوا لأخذوا بالمحكم البيّن الواضح، وأعرضوا عن المتشابه، ومما استدلوا به (^٢):\n١ - قوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨)﴾ [غافر:١٨]، قالوا: نفى الشفاعة عن الظالمين، والعاصي ظالم.\nوأجيب: بأن المراد بالظالمين هنا: الكفار، وهؤلاء لا تلحقهم الشفاعة والله جل وعلا قد يسمي الكافر ظالمًا كما في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة:٤٥]، وكذا احتجوا بالنصوص التي اشتملت على نفي الشفاعة، ويجاب عنها: إما بأنها لا تنفع المشركين، أو المقصود نفي الشفاعة التي أثبتها أهل الشرك ومن شابههم.\n٢ - واحتجوا بما أخرجه مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا «(^٣).\nقالوا: هذا ذنب من فروع الإيمان وهو مخلد به، فلو كانت الشفاعة جائزة لكانت في حق هذا.\nوأجيب عنه: بأن هذا محمول على من قتل نفسه مستحلًا لذلك، ومن استحل قتل نفسه، كفر بذلك، وخُلد في النار، ولا تنفعه الشفاعة.\nوقيل: المراد بالخلود: طول المدة والإقامة المتطاولة، لا حقيقة الدوام، كما يقال: خلد الله ملك السلطان، وقيل: إن هذا جزاؤه، ولكن الله جل وعز أخبر أنه لا يخلد في النار من مات مسلمًا.\n_________\n(^١) الآمدي: غاية المرام، الناشر: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية - القاهرة،: (١/ ٣٠٦).\n(^٢) انظر: ابن بطال: شرح صحيح البخاري: (١٠/ ٤٣٩)، محمد الطبري: الإيضاح في أصول الدين: ص (٣٨٦)، ابن حزم: الفصل: (٤/ ٦٥)، السفاريني: لوامع الأنوار: (٢/ ٢١٧).\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم قتل النفس ح (١٠٩).","vol":"1","page":542},{"text":"٣ - قالوا: معلوم أن الدار الآخرة دار العدل والجزاء واستيفاء الحقوق فإذا أسقطت الذنوب، وأزيلت العقوبات بالشفاعات كان في ذلك استمرار لأهل الباطل في ذنوبهم، ثم يتكلون على الشفاعة، فيؤدي ذلك إلى فساد عظيم، مع الخروج عن حقيقة الجزاء والعدل، ورد المظالم، وهذا غير جائز.\nأجيب: بأن الآخرة كما هي دار عدل وجزاء، فهي دار فضل وإنعام، ومن الإنعام أن تقبل شفاعة الشافعين في المذنبين، والعفو والمغفرة لا ينافي العدل من جهة أنه إسقاط حق. وإذا كان العفو محمودًا في حق العباد، وفيه الفضل والإحسان في كونه فقيرًا إلى عوضه، فالله تعالى الغني، أولى بالمحامد والمدائح، مع غنائه وفضله.\nوالخلاصة: أن الذي عليه سلف الأمة وأئمتها ومن تبعهم من أهل السنة والجماعة إثبات ما جاءت به السنة الصحيحة عن رسول الله - ﷺ - من شفاعته لأهل الكبائر من أمته، وغير ذلك من أنواع شفاعاته، وشفاعة غيره من النبيين، والملائكة (^١).\nوقال الإمام القرطبي: \"وأما مذهب أهل السنة الذين جمعوا بين الكتاب والسنة، فإن الشفاعة تنفع العصاة من أهل الملة، حتى لا يبقى منهم أحد إلا دخل الجنة\" (^٢).\nالمسألة الخامسة: بيان فضل الله تعالى، وكمال عدله:\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية - في الواسطية -:\" ويخرج الله من النار أقوامًا بغير شفاعة، بل بفضله ورحمته، ويبقى في الجنة فضل عمن دخلها من أهل الدنيا، فينشئ لها أقوامًا فيدخلهم الجنة\" (^٣).\nاشتمل كلام الإمام ابن تيمية على قضيتين:\n_________\n(^١) ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم، دار عالم الكتب - بيروت، ط ٧ ١٤١٩ هـ (٢/ ٣٦٠)\n(^٢) القرطبي: التذكرة، مكتبة دار المنهاج - الرياض، ط ١ ١٤٢٥ هـ، ص (٧٧٦)\n(^٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (٣/ ١٤٨)","vol":"1","page":543},{"text":"١ - إخراج قوم من النار دون شفاعة، بل بفضل الله ورحمته، وذلك: أنه لا يبقى في النار أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان، بل كلهم يخرجون منها ويدخلون الجنة، وقد ثبت هذا في حديث الصحيحين، عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي - ﷺ -: أن الله تعالى يقول: «شَفَعَتِ الْمَلَائِكَةُ وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ، فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ قَدْ عَادُوا حُمَمًا، فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهَرٍ فِي أَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ: نَهَرُ الْحَيَاةِ، فَيَخْرُجُونَ كَمَا تَخْرُجُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ» (^١).\nوقد نص على هذا جماعة من أهل العلم:\nيقول الإمام ابن أبي زمنين:\" باب في الإيمان بإخراج قوم من النار، وأهل السنة يؤمنون بأن الله ﷿، يدخل ناسًا الجنة من أهل التوحيد، بعدما مستهم النار، برحمته ﵎ اسمه \" (^٢).\nومعلوم أن أحاديث الشفاعة، قد استفاضت وبلغت حد التواتر، ومن أعظمها شفاعة أرحم الراحمين ﷾، في المستغرقين في الخطايا والذنوب، الذين لم تعمل فيهم شفاعة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب صفة الجنة والنار ح (٦٥٦٠) وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب موت طريق الرؤية ح (١٨٣).\n(^٢) ابن أبي زمنين: أصول السنة، مكتبة الغرباء - السعودية، ط ١ ١٤١٥ هـ، ص (١٨١)\n(^٣) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: (٣/ ٢٧٤)، الثعالبي: الجواهر الحسان: (٤/ ٦٩)","vol":"1","page":544},{"text":"عن أنس بن مالك ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: «مَا زِلْتُ أَشْفَعُ إِلَى رَبِّي وَيُشَفِّعُنِي حَتَّى أَقُولَ: رَبِّ شَفِّعْنِي فِيمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: فَيَقُولُ: لَيْسَتْ هَذِهِ لَكَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّمَا هِيَ لِي، أَمَا وَعِزَّتِي وَحِلْمِي وَرَحْمَتِي لَا أَدَعُ فِي النَّارِ أَحَدًا - أَوْ قَالَ: عَبْدًا - قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (^١).\nوعنه ﵁ قال: حدثنا محمد - ﷺ - قال: «... يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ لَكَ - أَوْ قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ إِلَيْكَ - وَلَكِنْ وَعِزَّتِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي وَجِبْرِيَائِي، لَأُخْرِجَنَّ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلي في مسنده ح (٢٧٨٦)،، وابن أبي عاصم في السنة ح (٦٨٥)، وصححه الألباني في ظلال الجنة ح (٨٢٨).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب التوحيد هم ح (٧٠٧٢)، وأخرجه مسلم، كتاب الإيمان ح (١٩٣).","vol":"1","page":545},{"text":"وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال رسول الله - ﷺ -: «... فَيَشْفَعُ النَّبِيُّونَ وَالمَلَائِكَةُ وَالمُؤْمِنُونَ، فَيَقُولُ الجَبَّارُ: بَقِيَتْ شَفَاعَتِي، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ، فَيُخْرِجُ أَقْوَامًا قَدْ امْتُحِشُوا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرٍ بِأَفْوَاهِ الجَنَّةِ، يُقَالُ لَهُ: مَاءُ الحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ فِي حَافَتَيْهِ كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، قَدْ رَأَيْتُمُوهَا إِلَى جَانِبِ الصَّخْرَةِ، وَإِلَى جَانِبِ الشَّجَرَةِ، فَمَا كَانَ إِلَى الشَّمْسِ مِنْهَا كَانَ أَخْضَرَ وَمَا كَانَ مِنْهَا إِلَى الظِّلِّ كَانَ أَبْيَضَ، فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمُ اللُّؤْلُؤُ، فَيُجْعَلُ فِي رِقَابِهِمُ الخَوَاتِيمُ، فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، فَيَقُولُ أَهْلُ الجَنَّةِ: هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ الرَّحْمَنِ أَدْخَلَهُمُ الجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ، وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ، فَيُقَالُ لَهُمْ: لَكُمْ مَا رَأَيْتُمْ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» (^١).\nيقول الإمام ابن رجب:\"والمراد بقوله: «لم يعملوا خيرًا قط»: من أعمال الجوارح، وإن كان أصل التوحيد معهم، ولهذا جاء في حديث الذي أمر أهله أن يحرقوه بعد موته بالنار، إنه لم يعمل خيرًا قط غير التوحيد، ويشهد لهذا ما في حديث أنس عن النبي - ﷺفي حديث الشفاعة، قال: «فأقول: يارب ائذن لي فيمن يقول: لا إله إلا الله، فيقول: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي: لأخرجن من النار من قال: لا إله إلا الله». خرجاه في الصحيحين وعند مسلم: فيقول: «ليس ذلك لك أو ليس ذلك إليك» وهذا يدل على أن الذين يخرجهم الله برحمته من غير شفاعة مخلوق، هم أهل كلمة التوحيد، الذين لم يعملوا معها خيرًا قط بجوارحهم\" (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ح (٧٤٣٩).\n(^٢) ابن رجب: التخويف من النار، دار البيان - بيروت، ط ٢ - ١٤٠٩ هـ، ص (٢٥٦)","vol":"1","page":546},{"text":"استدل البعض بالزيادة الواردة في الحديث: «أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه»، بتجويز إخراج غير المؤمنين من النار. ورد هذا بوجهين، ذكرها الحافظ ابن حجر عن بعض أهل العلم:\n١ - أن هذه الزيادة ضعيفة؛ لأنها غير متصلة، كما قاله الإمام عبد الحق الإشبيلي في الجمع. ورد الحافظ هذا الجواب وقال عنه:\" والوجه الأول غلط، فإن الرواية متصلة هنا، وأما نسبة ذلك لبعد الحق فغلط على غلط؛ لأنه لم يقله إلا في طريق أخرى، وقع فيها: «أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة خردل من خير»، قال: هذه الرواية غير متصلة.\n٢ - أن المراد بالخير المنفي: ما زاد على أصل الإقرار بالشهادتين، كما تدل عليه بقية الأحاديث\" (^١).\nومما ينبه إليه في هذا المقام: أن البعض استدل بحديث الجهنميين، واعتمد على كلام الإمام ابن رجب السابق في أنهم لم يعملوا خيرًا قط بجوارحهم على أن تارك العمل الظاهر بالكلية تحت المشيئة مستوجب للنجاة عند الله تعالى، وهؤلاء لهم استدلالات هي في حقيقتها شبه مخالفة لمقالات علماء السلف، وقد رد الأئمة على هذه الشبه، ومن تلك الشبه: حديث الجهنميين الذي معنا.\nفذهب الإمام ابن رجب، إلى أنهم لم يعملوا شيئًا من أعمال الجوارح، وأنهم من أهل التوحيد دون تفصيل، في حين ذهب في أحاديث النطق بالشهادة وجعلها شرطًا لدخول الجنة، وترتيب النجاة على قولها، إلى أنها نصوص مطلقة، مقيدة بأحاديث أخرى، مما يدل على أن كلام الإمام ابن رجب ينبغي أن يُحمل على حالات خاصة، كبعض شرار الخلق في آخر الزمان حين يفشوا الجهل، ويندرس الدين.\n_________\n(^١) ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ هـ (١٣/ ٤٢٩)","vol":"1","page":547},{"text":"وعلى هذا جاء حديث حذيفة ﵁ مرفوعًا: «يَدْرُسُ الْإِسْلَامُ كَمَا يَدْرُسُ وَشْيُ الثَّوْبِ، حَتَّى لَا يُدْرَى مَا صِيَامٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا نُسُكٌ، وَيُسَرَّى عَلَى كِتَابِ اللَّهِ فِي لَيْلَةٍ فَلَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ مِنْهُ آيَةٌ، وَيَبْقَى طَوَائِفُ مِنَ النَّاسِ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْعَجُوزُ الْكَبِيرَةُ، يَقُولُونَ: أَدْرَكْنَا آبَاءَنَا عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَنَحْنُ نَقُولُهَا» قَالَ صِلَةُ بْنُ زُفَرَ لِحُذَيْفَةَ: فَمَا تُغْنِي عَنْهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَهُمْ لَا يَدْرُونَ مَا صِيَامٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا نُسُكٌ؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ حُذَيْفَةُ فَرَدَّدَهَا عَلَيْهِ ثَلَاثًا كُلُّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ حُذَيْفَةُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ فِي الثَّالِثَةِ فَقَالَ: \"يَا صِلَةُ تُنْجِيهِمْ مِنَ النَّارِ\" (^١).\nوبالجمع بين روايات هذا الحديث، يتبيّن أن الجهنميين من أهل الصلاة (^٢) فلا يصح أن يُقال: إنهم تركوا العمل الظاهر بالكلية، فيكون الحديث خارجًا عن موضع النزاع.\nإذن: فالواجب الجمع بين الروايات، ليُعلم العام من الخاص، والمطلق المقيد فتبقى النصوص على عمومها وإطلاقها، ويخصص أو يقيد ما عداها.\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم في المستدرك ح (٨٤٦٠) وقال: صحيح على شرط مسلم، وسكت عنه الذهبي، دار (٤/ ٥٢٠)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١/ ١٢٧)، انظر: الحوالي: ظاهرة الإرجاء: (٥١١)\n(^٢) انظر: محمد الخضير: الإيمان عند السلف وعلاقته: (٢/ ١٣٦)","vol":"1","page":548},{"text":"وكذلك مما يقال في توجيه الحديث: أن اللفظ الوارد فيه: «لم يعملوا خيرًا قط»، قد ورد في بعض الآثار الصحيحة، ولم يكن المراد منه، نفس المراد في حديثنا من نفي العمل الظاهر بالكلية، كما في حديث قاتل المائة، وفيه: «أنه لم يعمل خيرًا قط» (^١). وقد جاء في وصف ملائكة الرحمة لهذا الرجل: «جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله»، وهذا عمل صالح، وعليه: يمكن توجيه معنى النفي في الحديث بمعنى: النقص عن التمام والكمال، فيصير معنى هذه الكلمة على هذا الأصل: لم يعملوا خيرا قط على التمام والكمال، لا على ما أوجب عليه، وأمر به، أفاده الإمام ابن خزيمة (^٢).\nوفي حين ذهب البعض، إلى أن هذا الحديث من المتشابه، الذي يجب رده للمحكم (^٣).\nوذكر العلماء في تفسير قوله في الحديث: «فيقول الجبار: بقيت شفاعتي»: أنها من باب المطابقة لمن تقدمه من الشفاعات؛ لأن الله تعالى يخرجهم تفضلًا منه، من غير أن يشفع إلى أحد (^٤).\nوذكر الإمام القرطبي بعض السؤالات المفيدة، وأجاب عنها في كتابه التذكرة منها:\n١ - ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري قال: «فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتيم» (^٥)، وفي حديث أبي هريرة ﵁: «يكتب على جباههم عتقاء الرحمن» (^٦)، وهذا تعارض!\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتبا التوبة، باب قبول توبة القاتل ح (٢٧٦٦).\n(^٢) ابن خزيمة: التوحيد: (٢/ ٧٣٢) وانظر: الإيمان لأبي عبيد: ص (٤١)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة، مكتبة الدار - المدينة النبوية، ط ١ ١٤٠٦ هـ (٢/ ٥٧٨).\n(^٣) ابن عثيمين: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين، دار الوطن، ١٤١٣ هـ (١٢/ ٧٢).\n(^٤) ابن الملقن: التوضيح لشرح الجامع الصحيح، دار النوادر -دمشق ط ١ ١٤٢٩ هـ (٣٣/ ٣٤٦).\n(^٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ح (٧٤٣٩)، دار طوق النجاة، ط ١ ١٤٢٢ هـ.\n(^٦) الحديث أخرجه أبو نعيم في الحلية، دار الكتب العلمية - بيروت، ١٤٠٩ هـ (٥/ ٣٧٢).","vol":"1","page":549},{"text":"ووجه الجمع: أن يكون بعضهم سيماهم في وجوههم، وبعضهم سيماهم في رقابهم، وقد جاء في حديث جابر، وفيه بعد إخراج الشافعين، ثم يقول الله ﵎: «أنا الله أخرج بعلمي ورحمتي، فيخرج أضعاف ما خرجوا وأضعافهم، ويكتب في رقابهم عتقاء الله ﷿، فيدخلون الجنة، فيسمون فيها بالجهنميين» (^١)، فيحتمل أن يكون المعنى في حديث أبي سعيد وجابر ﵄، فيخرجون كاللؤلؤ، يعرف أهل الجنة أشخاصهم بالخواتيم المكتوبة على جباههم، كما في حديث أبي هريرة ﵁، ولا تعارض على هذا.\n٢ - إن قال قائل: لم سألوا محو ذلك الاسم عنهم «الجهنميون» وهو اسم شريف؛ لأنه سبحانه أضافه إليه، كما أضاف الأسماء الشريفة فقال: نبيي، وبيتي، وعرشي، وملائكتي، بخلاف المتحابين في الله، فقد جاء في الخبر: «إن المتحابين في الله مكتوب على جباههم، هؤلاء المتحابون في الله» (^٢)، ولم يسألوه محوه.\nوالجواب: إنما سألوا ذلك بخلاف المتحابين في الله؛ لأنهم أنفوا أن ينسبوا إلى جهنم، التي هي دار الأعداء، واستحيوا من إخوانهم لأجل ذلك، فلما منّ الله عليهم بدخول الجنة، أرادوا إكمال الامتنان، بزوال هذه النسبة عنهم وأما سيما المتحابين، فعلامة شريفة، ونسبة رفيعة، فلذلك لم يسألوا محوها\n٣ - فإن قيل: ففي هذا ما يدل على أن بعض من يدخل الجنة، قد يلحقه تنغيص ما، والجنة لا تنغيص فيها ولا نكد!\nقيل له: هذه الأحاديث تدل على ذلك، وأن ذلك يلحقهم عند دخول الجنة ثم يزول ذلك الاسم عنهم. وقد مثل بعض علمائنا هذا الذي أصاب هؤلاء بالبحر تقع فهي النجاسات، أنه لا حكم لها، كذلك ما أصاب هؤلاء بالنسبة إلى أهل الجنة، وهو تشبيه حسن (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن الجعد في مسنده ح (٢٦٣٩)، مؤسسة نادر - بيروت، ط ١ ١٤١٠ هـ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في مسنده ح (٤١٦)، دار الوطن - الرياض، ط ١ ١٩٩٧ م.\n(^٣) القرطبي: التذكرة، مكتبة دار المنهاج - الرياض، ط ١ ١٤٢٥ هـ، ص (٧٨٦).","vol":"1","page":550},{"text":"والخلاصة: أن الله جل وعلا يتفضل على بعض أهل النار فيخرجهم منها فضلًا، وكرمًا، ووعدًا منه حقًا، وكلمة صدقًا ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فسبحان الرؤوف بعباده (^١).\nيقول الإمام أبو طالب المكي:\" ويعتقد إخراج الموحدين من النار بعد الانتقام، حتى لا يبقى في جهنم موحد، بفضل الله بشفاعة الشافعين من النبيين والصديقين، وأن لكل مؤمن شفاعة بإذن الله، فيشفع النبيون والصديقون، والعلماء، والشهداء، وسائر المؤمنين، كل واحد وسع جاهه وقد منزلته. أجمعت الرواة بذلك عن رسول الله - ﷺ - في إثبات الشفاعة، وفي إخراج الموحدين من النار، وهم الجهنميون من أهل الطبقة العليا من النار وهو معنى قول الله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾ ... [الحجر: ٢]، قال أهل التفسير: ذلك عند إخراج الموحدين من النار، ويبقى الباقي لرحمة أرحم الراحمين، فيخرج من النار بمشيئته، وسعة رحمته وفضل فضله من لم يشفع لهم الشافعون، ولم يقدم في الشفاعة لهم المرسلون، هكذا روينا معناه عن رسول الله - ﷺ -.\nفهذه عقود السنة الهادية، وطريقة الأمة الراضية وقد أجمع السلف من المؤمنين على ما ذكرناه من قبل، أنه لم ينقل عن أحد منهم خلافه، ولا روي عن رسول الله - ﷺ - ضده، بل قد روي في كل ما ذكرناه أخبار توجب إيجابه، ومعاني تشهد لإثباته، وتولى الله تعالى إجماعهم على سنة رسول الله - ﷺ - كما تولى إظهار دينه على الدين كله \" (^٢). ... وقال بعضهم:\nوقل يخرج الله العظيم بفضله من النار أجسادًا من الفحم تُطرح\n_________\n(^١) القرطبي: التذكرة، مكتبة دار المنهاج - الرياض، ط ١ ١٤٢٥ هـ، ص (٧٨٦).\n(^٢) أبو طالب المكي: قوت القلوب، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ٢ - ١٤٢٦ هـ (٢/ ٢١٢).","vol":"1","page":551},{"text":"على النهر في الفردوس تحيا بمائه كحب حميل السيل إذا جاء يطفح (^١) والقضية الثانية التي اشتمل عليها كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في الواسطية، قوله: \"ويبقى في الجنة فضل عمن دخلها من أهل الدنيا، فينشئ لها أقوامًا فيدخلهم الجنة\" (^٢).\nما ذكره الإمام ابن تيمية حق، دلت عليه نصوص السنة المطهرة، وهذا الكرم من الرب ﷾ المنصوص عليه في الأحاديث الشريفة، في خلق أقوام ليدخلهم جنته ﷾، مداره أمران:\n(أ) ما وعد به جل وعلا الجنة والنار من ملئهما، كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «تَحَاجَّتِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالمُتَجَبِّرِينَ، وَقَالَتِ الجَنَّةُ: مَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ، قَالَ اللَّهُ ﵎ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَقَالَ لِلنَّارِ: إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِلْؤُهَا، فَأَمَّا النَّارُ: فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ، فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَلَا يَظْلِمُ اللَّهُ ﷿ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وَأَمَّا الجَنَّةُ: فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا «(^٣).\n_________\n(^١) عبد العزيز السلمان: مختصر الأسئلة والأجوبة الأصولية، ط ١٢ ١٤١٨ هـ، ص (١١٩).\n(^٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (٣/ ١٤٨).\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب قوله (وتقول هل من مزيد) ح (٤٨٥٠)، وأخرجه مسلم في صحيحه كتبا صفة الجنة ونعيمها وأهلها ح (٢٨٤٦).","vol":"1","page":552},{"text":"يقول الإمام ابن تيمية: \" فإن الله جل وعلا، يُضيق النار على من فيها لسعتها، فإنه قد وعدها ليملأنها من الجِنّة والناس أجمعين، وهي واسعة فلا تمتلئ حتى يضيقها على من فيها، وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقًا، فيدخلهم الجنة، فلا يضيقها سبحانه، بل ينشئ لها خلقًا فيدخلهم الجنة، لأن الله يدخل الجنة من لم يعمل خيرًا؛ لأن ذلك من باب الإحسان، وأما العذاب بالنار فلا يكون إلا من عصى، فلا يعذب أحدًا بغير ذنب\" (^١).\n(٢) كمال الكرم والرحمة الإلهية:\nيقول الإمام ابن القيم: \"والرب جل وعلا، وسع كل شيء رحمة وعلمًا فوصلت رحمته إلى حيث انتهى علمه، فليس موجود سوى الله تعالى، إلا وقد وسعته رحمته وشملته، وناله منها حظ ونصيب، ولكن المؤمنين اكتسبوا أسبابًا استوجبوا بها تكميل الرحمة ودوامها، والكفار اكتسبوا أسبابًا استوجبوا بها صرف الرحمة إلى غيرهم ... كتب على نفسه الرحمة، ولم يكتب عليها الغضب، وسبقت رحمته غضبه وغلبته، ولم يسبقها الغضب ولا غلبها ووسعت رحمته كل شيء، ولم يسع غضبه وعقابه كل شيء، وخلق الخلق ليرحمهم لا ليعاقبهم، والعفو أحب إليه من الانتقام، والفضل أحب إليه من العدل، والرحمة آثر عنده من العقوبة، لهذا لا يخلد في النار من في قلبه مثقال ذرة من خير\" (^٢).\nومن مقتضى هذه الرحمة، وكمال العدل للرب جل وعز، أنه حين يبقى فضل في الجنة بعد أنه ينزل أهل الجنة منازلهم، ينشئ الرب جل في علاه أقوامًا فيدخلهم الجنة؛ كرمًا منه وفضلًا، وهذا هو ملؤها، فإن الله سبحانه لا يظلم أحدًا من خلقه.\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (١٦/ ٤٧).\n(^٢) ابن القيم: مختصر الصواعق المرسلة، دار الحديث - القاهرة، ط ١ ١٤٢٢ هـ، ص (٢٦١).","vol":"1","page":553},{"text":"وهذا فيه إشارة كما يقول الحافظ ابن حجر:\" إلى أن الجنة يقع امتلاؤها بمن ينشئهم الله لأجل ملئها، وأما النار فلا ينشئ لها خلقًا، بل يفعل فيها شيئًا عبر عنه بما ذُكر، يقتضي لها أن ينضم بعضها إلى بعض، فتصير ملأى، ولا تحتمل مزيدًا\" (^١).\nوهذا هو الوارد الصحيح في السنة، وهو دال على كرم الله وفضله وعدله بخلاف ما رواه الإمام البخاري في صحيحه من رواية انقلبت على راويها يقول فيها: «وَإِنَّهُ يُنْشِئُ لِلنَّارِ مَنْ يَشَاءُ، فَيُلْقَوْنَ فِيهَا، فَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، ثَلَاثًا، حَتَّى يَضَعَ فِيهَا قَدَمَهُ فَتَمْتَلِئُ، وَيُرَدُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَتَقُولُ: قَطْ قَطْ قَطْ «(^٢).\nوقد نص الأئمة على انقلاب الحديث على الراوي، وأن الصحيح العكس ولذا قال الإمام ابن تيمية:\" ووقع في بعض طرق البخاري غلط قال فيه: «وأما النار فيبقى فيها فضل»، والبخاري رواه في سائر المواضع على الصواب ليبيّن غلط هذا الراوي\" (^٣).\nوقال الإمام أبو الحسن القابسي:\" المعروف في هذا الموضع أن الله ينشئ للجنة خلقًا، وأما النار فيضع فيها قدمه، ولا أعلم في شيء من الأحاديث: «أنه ينشئ للنار خلقًا «إلا هذا \" (^٤).\nوقال الإمام ابن القيم:\" وأما الحديث الذي قد ورد في صحيح البخاري من قوله: «وأما النار فينشئ الله لها خلقًا آخرين»، فغلط وقع من بعض الرواة انقلب عليه الحديث، وإنما هو ما ساقه البخاري في الباب نفسه: «وأما الجنة فينشئ الله لها خلقًا آخرين»، ذكره البخاري ﵀ مبينًا أن الحديث انقلب لفظه على من رواه، بخلاف هذا\" (^٥).\n_________\n(^١) ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ هـ (٨/ ٥٩٧)\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد: ح (٧٤٤٩) دار طوق النجاة، ط ١ ١٤٢٢ هـ.\n(^٣) ابن تيمية: منهاج السنة النبوية، جامعة الإمام محمد بن سعود، ط ١ ١٤٠٦ هـ (٥/ ١٠١)\n(^٤) ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ هـ (١٣/ ٤٣٦)\n(^٥) ابن القيم: حادي الأرواح، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٠٣ هـ، ص (٣٦٦)","vol":"1","page":554},{"text":"وقال:\" وأما اللفظ الذي وقع في صحيح البخاري في حديث أبي هريرة ... فغلط من بعض الرواة، انقلب عليه لفظه، والروايات الصحيحة، ونص القرآن يرده، فإن الله سبحانه أخبر أنه يملأ جهنم من إبليس وأتباعه، فإنه لا يعذب إلا من قامت عليه حجته، وكذب رسله، قال تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩)﴾ [الملك:٨ - ٩]، ولا يظلم الله أحدًا من خلقه\" (^١).\nوقال الإمام ابن الوزير عن هذا الحديث:\" فهذا حديث مقلوب، انقلب على بعض رواته\" (^٢)، وقال الحافظ ابن حجر: \"وقال جماعة من الأئمة: إن هذا الموضع مقلوب، وجزم ابن القيم بأنه غلط، واحتج بأن الله تعالى أخبر بأن جهنم تمتلئ من إبليس وأتباعه، وكذا أنكر الرواية شيخنا البلقيني واحتج بقوله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف:٤٩] (^٣).\nوقد ذهب بعض العلماء إلى تأويل اللفظ المذكور في الحديث، مع معارضته في الظاهر لقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف:٤٩]؛ تخلصًا من نسبة الغلط إلى الراوي. ومن تأويلاتهم (^٤):\nقالوا: المراد بالخلق: ما يكون من غير ذوي الأرواح، وذلك كأحجار تلقي في النار، وذلك لئلا يلزم أن يعذب أحد بغير ذنب.\nوقال بعضهم: لا مانع أن يكون المنشأ للنار من ذوي الأرواح، غير أنهم لا يعذبون بها، وذلك كما في خزنتها من الملائكة.\nوقال بعضهم: ينشئ الله تعالى لها خلقًا لم يكن في الدنيا.\n_________\n(^١) ابن القيم: حادي الأرواح، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٠٣ هـ، ص (٣٩٤)\n(^٢) ابن الوزير: إيثار الحق على الخلق، دار الكتب العلمي - بيروت، ط ٢ - ١٩٨٧ م، ص (٢١٧)\n(^٣) ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ هـ (١٣/ ٤٣٧)\n(^٤) انظر: ابن بطا ٠٠٠٠ ل: شرح صحيح البخاري (١٠/ ٤٧٢)، ابن حجر: فتح الباري: (١٣/ ٤٣٦) السمعوني: توجيه النظر ص (٣١٩ - ٥٢٠)","vol":"1","page":555},{"text":"وقال بعضهم: ينشئ للنار خلقًا، يريد من قد شاء أن يلقى فيها، ممن قد سبق له الشقاء، ممن عصاه وكفر به.\nوالصحيح ما ذُكر من انقلاب الحديث على الراوي، حتى يوافق ما ثبت في النصوص الشرعية، من كمال عدل الله ورحمته، وأنه سبحانه جل في علاه لا يظلم أحدًا.\nوالعجيب أن الإمام ابن بطال نقل عن المهلب احتجاجه بهذا الأثر على: أن لله جل وعلا، أن يعذب من لم يكلفه عبادته في الدنيا، ولا يخرجه إليها لقوله: ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ [إبراهيم:٢٧]، قال: بخلاف من يقول: إن الله لو عذب من لم يكلفه لكان ظالمًا، وهذا الحديث حجة عليهم (^١).\nورد عليه الحافظ ابن حجر فقال:\" وهو عندهم من جهة الجواز، وأما الوقوع ففيه نظر، وليس في الحديث حجة؛ للاختلاف في لفظه ولقبوله التأويل\" (^٢).\nوالصحيح الموافق لصحيح المنقول والمعقول ما ذكره الإمام ابن تيمية:\" أنه لم يثبت بدليل يعتمد عليه، أن الله يعذب في الآخرة من لم يذنب، ودلائل القرآن والسنة يدلان على نقيض هذا القول، والله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لكن هذا مما عُلم أنه لا يشاؤه بالأخبار الصادقة، وبموجب كلمته وبمقتضى أسمائه الحسنى، وصفاته العلى، كما أنه قد علم أنه لا يخرج أهل الجنة منها، بل خالدون فيها أبدًا، وأنها لا تفنى أبدًا، وعُلم أنه لا يخلّد في النار من في قلبه ذرة من إيمان، كما أخبرت بذلك النصوص، وهو سبحانه لو عذب أهل سماواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم، لكن قد علم أنه لا يعذب المتقين، ولا يسويهم بالفجار المذنبين\" (^٣).\n_________\n(^١) ابن بطال: شرح صحيح البخاري، مكتبة الرشد - الرياض، ط ٢ - ١٤٢٣ هـ (١٠/ ٤٧٢)\n(^٢) ابن حجر: فتح الباري (١٣/ ٤٣٦)، انظر: القاري: مرقاة المفاتيح (٩/ ٣٦٢٩ - ٣٦٣٠)\n(^٣) ابن تيمية: الرد على الشاذلي ص (٨١)، وانظر: ابن تيمية: النبوات: (١/ ٤٨٦)","vol":"1","page":556},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>المبحث الثالث: تفاصيل أخبار اليوم الآخر</span>،\nوفيه ثلاثة مطالب:\n١ - اتفاق السلف على مسائل الآخرة.\n٢ - أن إثبات المعاد من المشتركات بين الأمم والشرائع.\n٣ - صفة العلم الموروث عن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>تمهيد:</span>\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية - في الواسطية -:\" وأصناف ما تضمنته الدار الآخرة من الحساب، والثواب والعقاب، والجنة والنار، وتفاصيل ذلك مذكورة في الكتاب المنزلة من السماء، والآثار من العلم المأثورة عن الأنبياء، وفي العلم الموروث عن محمد من ذلك ما يشفي ويكفي، فمن ابتغاه وجده \" (^١).\nبعد أن أشار شيخ الإسلام ابن تيمية، إلى أهم المسائل، وأخص الجمل في أمر اليوم الأخر والمعاد - وهو لم يقصد استيعاب أخبار اليوم الآخر في هذا المختصر - أشار إلى أن التفاصيل وأخبار المعاد واليوم الآخر، مبثوثة في الكتب السماوية، والآثار المأثورة عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأن أخصها ذكرًا وتفصيلًا، هو العلم الموروث عن نبينا محمد - ﷺ - فمن رامه وجد بغيته، ومن التمسه نال غايته، ففيه ما يشفي ويكفي.\nوهذه العبارات من شيخ الإسلام تتضمن جملة من المطالب:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>١ - المطلب الأول: اتفاق السلف على مسائل الآخرة:</span>\nأن ما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، من هذه المسائل، كله متفق عليه قد حُكى الإجماع عليه، ودلت عليه دلائل الكتاب والسنة:\n(أ) فأجمعوا على الحساب عند الله تعالى يوم القيامة، يقول الإمام ابن القطان الفاسي:\"وأجمعوا على أن الخلق يؤتون بصحف أعمالهم، فمن أوتي كتابه بيمينه حوسب حسابًا يسيرًا، ومن أوتي كتابه بشماله فأولئك يصلون سعيرًا \" (^٢).\n(ب) وأجمعوا كذلك على الثواب والعقاب، يقول الإمام ابن القطان الفاسي:\" وأجمعوا أن كفة السيئات تهوي إلى جهنم، وأن كفة الحسنات تهوي عند زيادها إلى الجنة\" (^٣).\n(ج) وأن الجنة حق، والنار حق.\nوقد حكى العلماء الاتفاق على بعض المسائل المتعلقة بالجنة والنار:\n_________\n(^١) ابن تيمية مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة (٣/ ١٤٨)\n(^٢) ابن القطان: الإقناع في مسائل الإجماع، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٢٦ هـ، (١/ ٥٥)\n(^٣) ابن القطان: الإقناع في مسائل، (١/ ٥٥)، أبو الحسن الأشعري: رسالة أهل الثغر ية ص (١٦١)","vol":"1","page":557},{"text":"يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:\" وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها، وسائر أهل السنة والجماعة، على أن من المخلوقات ما لا يعدم ولا يفنى بالكلية، كالجنة ... \" (^١). وقد نص الأئمة على:\n١ - أن الجنة والنار مخلوقتان.\n٢ - وأنهما باقيتان أبدًا لا تفنيان.\n٣ - وأن أهلها خالدون فيها أبدًا.\n٤ - وأن ما وصف الله جل وعلا به الجنة والنار حق لا شك فيه.\n٥ - وأن نفس الأجساد هي التي تدخل مع أنفسها، إن كانت فاضلة للجنة، وإن كانت عاصية إلى النار.\nوقد نقل الاتفاق على جملة هذه الأمور، جماعات أهل العلم والفضل، ولم يحصل فيها بينهم نزاع ولا اختلاف (¬<span data-type=\"title\" id=toc-161>٢).\n\n٢ - المطلب الثاني: أن إثبات المعاد من المشتركات بين الأمم والشرائع:</span>\nأن مسائل المعاد، وتفاصيل أخبار اليوم الآخر، من المشتركات التي اتفقت عليها الشرائع السماوية، \"فجميع الرسل أخبرت بيوم القيامة، خلاف ما تزعم طوائف من الفلاسفة وأهل الكلام: أن المعاد الجسماني لم يخبر به إلا محمد وعيسى\" (^٣).\nومع هذا الاشتراك في الشرائع السماوية، في بيان تفاصيل القيامة إلا أن نبينا - ﷺبيّن من تفاصيل الآخرة، ما لم يبينه من قبله من الأنبياء والرسل ﵊، \"ففي القرآن من ذكر المعاد وتفصيله، وصفة الجنة والنار والنعيم والعذاب، ما لا يوجد مثله في التوراة والإنجيل\" (^٤).\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (١٨/ ٣٠٧)\n(^٢) انظر: إجماعات العلماء وأقوالهم في: ابن القطان: الإقناع، (١/ ٥٧)،ابن تيمية: مجموع الفتاوى (١٨/ ٣٠٧)، الأصبهاني: الحجة في بيان المحجة (٢/ ٤٣٤)، الطحاوي: متن الطحاوية ص (٧٣)، الأشعري: الإبانة (٥٤)\n(^٣) ابن تيمية: الاستقامة، جامعة الإمام محمد بن سعود - المدينة، ط ١ ١٤٠٣ هـ (١/ ١٧)\n(^٤) ابن تيمية: الجواب الصحيح، دار العاصمة، السعودية، ط ٢ - ١٤١٩ هـ، ص (٢/ ٧٩)","vol":"1","page":558},{"text":"والقرآن ذكر كثيرا من حجج الكفار وأقوالهم، وخاصة فيما يتعلق بأمر المعاد وجادلهم فيها بأحسن الحجج وأكملها (^١)، وأبان نقصها وتهافتها.\nولذا يقول الإمام ابن تيمية:\" وأما العلوم الإلهية، والمعارف الربانية، وما أخبرت به الأنبياء من الغيب، كالعرش، والملائكة، والجن، والجنة والنار وتفاصيل المعاد، فكل من نظر في كلام المسلمين فيها، وكلام علماء اليهود والنصارى، وجد كلام المسلمين فيها أكمل وأتم\" (^٢).\nومعلوم أن أصول الدين من التوحيد، وتصديق الرسل، وإمكان المعاد كل ذلك مذكور في القرآن على أكمل وجه.\nوإن عامة ما يثبته النظار من المتكلمين والفلاسفة في هذا الباب، يأتي القرآن بخلاصته، وبما هو أحسن منه، على أتم الوجوه، بل لا نسبة بينهما؛ لعظم التفاوت (^٣).\nفالقرآن الكريم جاء بما يشفي ويكفي في أمر الآخرة، والنبي - ﷺ - بيّن للأمة كل ما هو كائن إلى قيام الساعة.\nيقول الإمام ابن تيمية:\" إن الله تعالى في كتابه، ذكر من دلائل المعاد وبراهينه، ما لا يقدر أحد على أن يأتي بقريب منه، وذكر فيه من أصناف الحجج، ما ينتفع به عامة الخلق \" (^٤).\nفالتمايز بين الشرائع السماوية في مقدار البيان والتفصيل، ولذا جاء القرآن ببيان أدلة المعاد، وأحوال اليوم الآخر، بكل الصور البيانية، والأساليب البلاغية، والأوجه الإعجازية.\nفقد أشار إلى الحوار المباشر وغير المباشر، وحرّك العقل، والوجدان والحس، والفطرة، بالأدلة القياسية التي تثبت إمكان المعاد ووقوعه.\nيقول الإمام ابن القيم: \"والقرآن مملوء منه \" (^٥).\n_________\n(^١) ابن تيمية: الجواب الصحيح، دار العاصمة، السعودية، ط ٢ - ١٤١٩ هـ، ص (١/ ٢٢٩)\n(^٢) ابن تيمية: الجواب الصحيح، دار العاصمة، السعودية، ط ٢ - ١٤١٩ هـ، (٦/ ٢٣)\n(^٣) ابن تيمية: الفتاوى الكبرى (٦/ ٦٤٤)، ابن تيمية: النبوات ١٤٢٠ هـ (٢/ ٦١٣)\n(^٤) ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل، جامعة الإمام محمد بن سعود - السعودية (٧/ ٣٧٤)\n(^٥) ابن القيم: زاد المعاد، مؤسسة الرسالة - بيروت، ط ٢٧ ١٤١٥ هـ (٣/ ٥٩٥)","vol":"1","page":559},{"text":"ولذا قرر الله ﷾، أدلة المعاد في كتابه، أحسن تقرير، وأبينه وأبلغه، وأوصله إلى العقول والفطر (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>٣ - المطلب الثالث: صفة العلم الموروث عن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام:</span>\nأشار شيخ الإسلام في ختام حديثه عن الإيمان باليوم الآخر، إلى أن تفاصيل القيامة، مبثوثة في المأثور عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهذا يشمل كل الكتب التي أنزلت على الأنبياء، قبل أن تصلها أيدي التبديل والتحريف، دون القرآن الكريم. فالأنبياء كلهم متفقون على أساس الدين وأصل المعتقد.\nوعليه: يجب الإيمان بكل ما ورد في شرائع الأمم السابقة، في الكتب المنزلة على أنبيائهم عليهم الصلاة والسلام، مما جاء في تفاصيل وأخبار اليوم الآخر قبل حصول التحريف والتبديل، أما بعد دخول العبث في هذه الكتب حيث نالتها أيدي المغيرين والمبدلين، فلا يُقبل منها ما خالف شرعنا المطهر، فما ثبت عن طريق الوحي، فهذا له حق التسليم، والانقياد، والقبول، وما داخلته أيدي العابثين، فلا يلتفت إليه، ولا عبرة بما فيه.\nومسألة شرع من قبلنا، فإنها وإن كانت من مسائل النزاع عند العلماء، إلا أن الذي عليه مذهب جماهير السلف والأئمة: أن شرع من قبلنا شرع لنا، ما لم يرد شرعنا بخلافه (^٢).\n_________\n(^١) ابن القيم: زاد المعاد، مؤسسة الرسالة - بيروت، ط ٢٧ ١٤١٥ هـ (٣/ ٥٩٥)\n(^٢) ابن تيمية: الجواب الصحيح ص (٢/ ٤٣٦)، وهذه المسألة مبثوثة في كتب الأصوليين، وأشار الإمام ابن العربي في أحكام القرآن (٤/ ١٢٣) إلى أن الخلاف في هذه المسألة منحصر فيما أخبر به النبي ﷺ من شرع من قبلنا في معرض المدح والثناء والعظة، هل يلزم اتباعه أم لا؟ ولا إشكال في لزوم ذلك، ولا خلاف أن الله تعالى لم يغاير من الشرائع في التوحيد والمكارم والمصالح، وإنما خالف بينها في الفروع بحسب ما علمه سبحانه.","vol":"1","page":560},{"text":"يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه المسألة: \"والنزاع فيها مشهور لكن الذي عليه الأئمة وأكثر العلماء: أنه شرع لنا مالم يرد شرعنا بخلافه، وهذا إنما هو فيما ثبت أنه شرع لمن قبلنا، من نقل ثابت عن نبينا - ﷺ - أو بما تواتر عنهم\" (^١).\nوعليه فالمأثور عن السابقين له أحوال:\n١ - أن يشهد شرعنا بصدقه، فيجب تصديقه.\n٢ - أن يشهد شرعنا بكذبه، فيجب رده.\n٣ - أن لا يشهد شرعنا بصدقه ولا كذبه، فهذا الذي يتوقف فيه ويجوز التحديث به، لكن لا يصدق ولا يكذب (^٢).\nوأما قول شيخ الإسلام في الواسطية:\" وفي العلم الموروث عن محمد - ﷺ - من ذلك ما يشفي ويكفي، فمن ابتغاه وجده \":\nيؤكد ما قررناه من أن شريعة النبي - ﷺ - خاتمة الشرائع والمهيمنة على ما سبقها، ففيها الغنية والكفاية، لكنها تحتاج لمن ينقب عن الحق، ويبحث عنه وفي الحديث: «إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ «(^٣).\nوالنبي - ﷺ - ما ترك شيئًا من أمور الدنيا والآخرة، يحتاج إلى بيان إلا بينه.\nيقول حذيفة ﵁: «قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَقَامًا، مَا تَرَكَ شَيْئًا يَكُونُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، إِلَّا حَدَّثَ بِهِ» (^٤).\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (١/ ٢٥٨)\n(^٢) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم (٥/ ١٤٦) ١/ ٩، العثيمين: مجموع فتاوى العثيمين (٨/ ٥٣٦)\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب الأمر بالوفاء ببيعته ح (١٨٤٤).\n(^٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفتن، باب أخبار النبي فيما يكون إلى قيام الساعة ح (٢٨٩١).","vol":"1","page":561},{"text":"ويقول عمر ﵁: «قَامَ فِينَا النَّبِيُّ - ﷺ - مَقَامًا، فَأَخْبَرَنَا عَنْ بَدْءِ الخَلْقِ، حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ مَنَازِلَهُمْ، وَأَهْلُ النَّارِ مَنَازِلَهُمْ، حَفِظَ ذَلِكَ مَنْ حَفِظَهُ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ «(^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في قول الله تعالى (وهو الذي يبدء الخلق ثم يعيده) ح (٣١٩٢).","vol":"1","page":562},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>الباب الثالث: أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد والمجتمع</span>،\nوفيه فصلان:\nالفصل الأول: اهتمام القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، ببيان أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد والمجتمع، وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: الإنسان سيد هذا الكون.\nالمبحث الثاني: أثر الإيمان باليوم الآخر في تقويم السلوك، في ضوء نصوص القرآن والسنة.\n\nالفصل الثاني: أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد والمجتمع، وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد.\nالمبحث الثاني: أثر الإيمان باليوم الآخر على المجتمع.","vol":"1","page":563},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>الفصل الأول: اهتمام القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، ببيان أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد والمجتمع</span>،\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: الإنسان سيد هذا الكون، وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: مظاهر تكريم الإنسان.\nالمطلب الثاني: علاقة الإنسان بغيره، وفيه خمس مسائل:\n١ - علاقة الإنسان بالخالق.\n٢ - علاقة الإنسان بالكون.\n٣ - علاقة الإنسان بالإنسان.\n٤ - علاقة الإنسان بالحياة الدنيا.\n٥ - علاقة الإنسان بالحياة الآخرة.\nالمبحث الثاني: أثر الإيمان باليوم الآخر في تقويم السلوك، في ضوء نصوص القرآن والسنة،\nوفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: أثر الإيمان باليوم الآخر في تقويم السلوك، في ضوء نصوص القرآن الكريم.\nالمطلب الثاني: أثر الإيمان باليوم الآخر في تقويم السلوك، في ضوء نصوص السنة النبوية المطهرة.","vol":"1","page":564},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>المبحث الأول: الإنسان سيد هذا الكون</span>،\nوفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: مظاهر تكريم الإنسان.\nالمطلب الثاني: علاقة الإنسان بغيره، وفيه خمس مسائل:\n١ - علاقة الإنسان بالخالق.\n٢ - علاقة الإنسان بالكون.\n٣ - علاقة الإنسان بالإنسان.\n٤ - علاقة الإنسان بالحياة الدنيا.\n٥ - علاقة الإنسان بالحياة الآخرة.","vol":"1","page":565},{"text":"المبحث الأول الإنسان سيد هذا الكون\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>تمهيد:</span>\nالإنسان هذا الكائن العجيب، الذي هو مدار هذا الكون وسره خُلق في أحسن تقويم، وكُرّم خير تكريم، وقد فاق جميع الكائنات الأخرى ولذا سعت كل المجتمعات، وجهدت كل العقول، لتفسير معنى هذا الكائن العجيب الذي رُكبت فيه كل هذه المعاني العظيمة، فمن قائل: إنه حيوان ناطق، ومن قائل: إنه مدني بالطبع، ومن قائل: بوصف التشريف، هو أفضل من الملائكة، ومن قائل بوصف التقبيح: هو أخبث من الشياطين ومع ذلك يظل \"الإنسان غاية في نفسه، مستقلًا، مختلفًا في قيمه ومشاعره عن سائر الكائنات، منفردًا بعقله الذي حقق بواسطته، السيادة المطلقة، عن كل ما دونه من الكائنات\" (^١).\nفي حين تسري هذه النظريات في تفسير هذا الكائن العجيب، تظهر نظريات أخرى أكثر جنوحًا؛ لتظهر غير هذا الكائن العجيب، في محل الخسائس فقط دون غيرها، وهذا ما يصرح به أمثال فرويد، حيث يرى \"أنه كائن أرضي بحت، لا يرتفع بمشاعره وعواطفه عن عالم الأرض، إلا في حالات الشذوذ\" (^٢).\nلكن من خلق هذا الكائن، وصّوره في أحسن تصوير، هو أعلم بحقيقته وما الذي يُراد منه، وهو الذي ركب فيه النوازع المختلفة، التي تنازعه لسلوك طرق الخير والشر. فالإنسان في التصور الشرعي الإسلامي: هو ذاك الكائن المكلف، الذي تحمّل أمانة التكاليف الشرعية، يقول جل وعلا: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ [الأحزاب:٧٢].\nفالإنسان في الإسلام: جسم، وروح، وعقل، وبالأخير حصل له التكريم والتكليف.\n_________\n(^١) هادي فضل الله: الإنسان في القرآن الكريم، مقال في موقع البلاغ  www.Balagh.com  بتاريخ: ٤/ ٢/٢٠١٣ م.\n(^٢) محمد قطب: الإنسان بين المادة والإسلام، دار الشروق- القاهرة، ط ١٠ ١٤٠٩ هـ، ص (١٩)\nوصور هذا التكريم الموجب للتكليف، ومظاهره، فهو محور حديثنا في المطلب الأول.","vol":"1","page":566},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>المطلب الأول مظاهر تكريم الإنسان</span>\nالإنسان هو الإنسان الأول بعينه، في خصائصه وتراكيبه وميزاته، \"كائن عاقل، يدرك ويتصور، ويفهم ويستنتج ويحكم\" (^١).\nتربع هذا الكائن على عرش الكائنات الأخرى، وعلا قمة البسيطة، فإذا ما جئت توازن بين هذه المخلوقات، وجدت هذا الإنسان أكرمها، وأفضلها، وأعلاها منزلة، ومقامًا، وشرفًا، لمِا أودعه الله تعالى من خصائص، ووهبه من صفات، ولمِا أعده من جليل الغايات، التي لا تصل إلى مثلها سائر الكائنات (^٢). وقد حكى الله جل وعلا حالات هذا المخلوق والكائن العجيب، فقال ﷾: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان:١ - ٣].\n_________\n(^١) أحمد علوش: دعوة الرسل - ﵈ -، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢٣ هـ، ص (٤٨٨)\n(^٢) عبد الكريم عثمان: معالم الثقافة الإسلامية، مؤسسة الأنوار - الرياض، ط ٧ ١٤١٦ هـ، ص (١٥)","vol":"1","page":567},{"text":"فقد\" ذكر الله في هذه السورة الكريمة، أول حالة الإنسان، ومبتدأها ومتوسطها، ومنتهاها، فذكر أنه مرّ عليه دهر طويل، وهو الذي قبل وجوده وهو معدوم، بل ليس مذكورًا، ثم لما أراد الله تعالى خلقه خلق أباه من طين ثم جعل نسله متسلسلًا (من نطفة أمشاج) أي: ماء مهين مستقذر (نبتليه) بذلك لنعلم هل يرى حاله الأولى ويتفطن لها، أم ينساها وتغره نفسه؟ فأنشأه الله، وخلق له القوى الباطنة والظاهرة، كالسمع، والبصر، وسائر الأعضاء، فأتمها له، وجعلها سالمة؛ ليتمكن بها من تحصيل مقاصده، ثم أرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، وهداه الطريق الموصلة إلى الله ورغبة فيها، وأخبره بماله عند الوصول إلى الله، ثم أخبره بالطريق الموصلة إلى الهلاك ورهبه منها، وأخبره بماله إذا سلكها، وابتلاه بذلك، فانقسم ... الناس إلى شاكر لنعمة الله عليه، قائم بما حمله الله من حقوقه، وإلى كفور لنعمة الله عليه\" (^١).\nوالمتتبع لسور القرآن الكريم، وأحاديث النبي الكريم ﵊، يجد أكبر أوجه التكريم لهذا المخلوق العظيم عند الله تعالى فالإنسان مخلوق مكرّم، وقد تناول القرآن الكريم هذا التكريم في مناسبات عدة، وبأساليب متنوعة، كلها تُعطي دلالة أكيدة، لمركز هذا الكائن ومسئولية في الحياة (^٢).\nومن الآيات الكريمة التي قررت مبدأ التكريم للبشرية على حد سواء قوله جل في علاه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء:٧٠].\n_________\n(^١) السعدي: تفسير الكريم الرحمن، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ص (٩٠٠)\n(^٢) أبو اليزيد العجمي: حقيقة الإنسان بين القرآن وتصور العلوم، دورية دعوة الحق، العدد (٢٢) ١٤٠٤ هـ، ص (٦٨).","vol":"1","page":568},{"text":"ومن العجيب، أن الرب ﷾ قال في مفتتح هذه الآية: (ولقد كرمنا) فنسب التكريم إليه، وهذا تشريف وتكريم من نوع خاص لهذا المخلوق العجيب، وقال: ﴿كَرَّمْنَا﴾ ولم يقل: أكرمنا؛ لأنها أشد مبالغة من الأخرى (^١)، وهذه دلالة واضحة على كمال التكريم.\nوقال جل وعلا في الآية: ﴿كَرَّمْنَا﴾، من الكرم الذي هو ضد اللؤم، والله جل وعلا هو الكريم، كثير الخير، الجواد المنعم المتفضل، هو اسم جامع لكل ما يحمد، فالله كريم حميد الفعال (^٢). فما يُعطى لهذا المخلوق، إنما هو من كرم الكريم، ومن كرمه جل وعلا قال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ فهو تكريم شامل، يقول العلامة أبو السعود في هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾: ... قاطبة، تكريمًا شاملًا، لبرهم وفاجرهم\" (^٣).\nوأورد بعضهم في المقام إيرادًا مفاده: كيف أطلق ذكر الكرامة على الكل، وفيهم الكافر المهان؟\nواُجيب عنه من وجهين (^٤):\nأحدهما: أنه عامل الكل معاملة المكرم بالنعم الوافرة.\nوالثاني: أنه لما كان فيهم من هو بهذه الصفة، أجرى الصفة على جماعتهم، كقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، ويشهد للأول قول إبراهيم لما دعا للمؤمنين خاصة: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)﴾ [البقرة:١٢٦].\n_________\n(^١) ابن الجوزي: زاد المسير، دار الكتاب العربي - بيروت، ط ١ ١٤٢٢ هـ (٣/ ٣٩).\n(^٢) الأزهري: تهذيب اللغة: (١٠/ ١٣٢)، ابن منظور، لسان العرب: (١٢/ ٥١٠).\n(^٣) أبو السعود: إرشاد العقل السليم: (٥/ ١٨٦)،\n(^٤) ابن الجوزي: زاد المسير، دار الكتاب العربي - بيروت، ط ١ ١٤٢٢ هـ (٣/ ٣٩).","vol":"1","page":569},{"text":"يقول الإمام السمعاني:\" دعا إبراهيم أن يرزق من الثمرات المؤمنين خاصة ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ﴾ ... يقول الله: والكافرين أيضًا؛ وذلك أن الله ﷾ وعد الرزق للخلق كافة، مؤمنهم وكافرهم\" (^١)، فاشتملت آية التكريم، على جملة من إفضال الباري على هذا المخلوق دون ما سواه، فكرمه على سائر المخلوقات فقال ﷾: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾.\nفهذا اللفظ القرآني الفاضل، حمل في طياته صور التكريم، وضُمِّنَ في فحواه مدار التعظيم، لهذا الكائن الكريم. وقد أفاض العلماء في بيانها، والإشارة إليها، بأوجه متنوعة، وأحرف مختلفة، كلها تتفق على معنى التكريم والتشريف لهذا المخلوق الكريم على خالقه. وما ذُكر وأُشير إليه في بيان معنى هذا التكريم، فإنما هو على سبيل التمثيل لا الحصر، يقول الإمام أبو حيان:\" وما جاء عن أهل التفسير من تكريمهم وتفضيلهم بأشياء ذكرها، هو على سبيل التمثيل لا الحصر في ذلك\" (^٢).\nومع أن الإمام القرطبي جزم بأن مدار التكريم هو العقل فقال: \"والصحيح الذي يعول عليه، أن التفضيل إنما كان بالعقل الذي هو عمدة التكليف، وبه يعرف الله، ويفهم كلامه، ويوصل إلى نعيمه وتصديق رسله\" (^٣)،إلا أنه لا يمنع حمل الآية على ما هو أعم، مما له دلالة على تكريم هذا المخلوق والكائن العجيب.\nفمما قيل في معنى الإكرام ووجه التكريم (^٤):\n١ - كرمناهم: بأن جعلنا لهم عقولًا، وتمييزًا، ونطقا.\n٢ - كرمناهم: بأن جعلنا منهم خيرا أمة أخرجت للناس.\n٣ - كرمناهم: بأن يأكلوا ما يتناولونه من الطعام والشراب بأيديهم، وغيرهم يتناوله بفمه.\n٤ - كرمناهم: بالأمر والنهي.\n٥ - كرمناهم: بأن سخرنا جميع الخلق لهم.\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن، دار الوطن - الرياض، ط ١ ١٤١٨ هـ (١/ ١٣٨).\n(^٢) أبو حيان: البحر المحيط، دار الفكر - بيروت، ١٤٢٠ هـ، ت: صدقي جميل، ص (٧/ ٨٤).\n(^٣) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط ٢ - ١٣٨٤ هـ، (١٠/ ٢٩٤).\n(^٤) الماوردي: النكت والعيون (٣/ ٢٥٧)، ابن الجوزي: زاد المسير: (٣/ ٣٩)،","vol":"1","page":570},{"text":"٦ - كرمناهم: بتعديل القامة، وانتصابها، وامتدادها.\n٧ - كرمناهم: بحسن الصورة.\n٨ - كرمناهم: بالكلام والخط.\nوجماع الأمر: أنهم كرموا على جميع المخلوقات، من البهائم، والسباع والجن، والشياطين، بما أعطوا من التمييز، وبصر من الهدى (^١).\nوهنا يشير الجاحظ إلى وجه من أوجه هذا التكريم، وهو ما من الله جل وعلا به لهذا الكائن من إمكان النطق، والتعبير عما تجيش به نفسه، فقال: \"فاعلم أن الكلام من أسباب الخير، لا من أسباب الشر.\nوالكلام أبقاك الله، سبيل التمييز بين الناس والبهائم، وسبب المعرفة لفضل الآدميين على سائر الحيوان، قال الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الإسراء:٧٠]، كرمهم باللسان وجملهم بالتدبر ولو لم يكن الكلام، لما استوجب أحد النعمة، ولا أقام على أداء ما وجب عليه من الشكر سببا للزيادة، وعلة لامتحان قلوب العباد، والشكر بالإظهار في ... القول، والإبانة باللسان، ولا يعرف الشكر إلا بهما\" (^٢).\nفكرم الله جل وعلا الإنسان بهذه المكارم، ووهبه هذه الأعطيات والمواهب مع تفضيله على كثير ممن خلق تفضيلًا، \"فعُلم بهذه الآية: أن الإنسان صفوة العالم، وخلاصته، وسلالته، وخاصته، ونخبته، وثمرته، وزبدته\" (^٣).\n_________\n(^١) * من اللطيف ما ذكره كمال الدين الأنباري في علة كون الأصل في الجمع السالم لمن يعقل، فإن قيل: إن الأصل في الجمع السالم أن يكون لمن يعقل؟ قيل: تفضيلًا لهم؛ لأنهم المقدمون على سائر المخلوقات بتكريم الله تعالى لهم، وتفضيله إياهم. أسرار العربية: ٦٦.\n(^٢) الجاحظ: رسائل الجاحظ، مكتبة الخانجي - القاهرة، ١٣٨٤ هـ، (٤/ ٢٣٦).\n(^٣) برهان الدين الوطواط: مباهج الفكر، ت: عبدالرزاق الحربي، (١/ ١).","vol":"1","page":571},{"text":"وفي الجمع في هذه الآية الكريمة، من التكريم في أولها، والتفضيل في آخرها وجه بديع: وذلك \"أن الله تعالى كرم الإنسان على سائر الحيوان بأمور خلقية ذاتية طبيعية، مثل: العقل، والنطق، والخط، وحسن الصورة ثم إنه ﷾ عرفه بواسطة ذلك العقل والفهم، اكتساب العقائد الصحيحة، والأخلاق الفاضلة، فالأول هو التكريم، والثاني هو التفضيل\" (^١).\nومن أوجه التكريم نشأت خصائص التكليف، فخصائص الإنسان في القرآن الكريم تتمثل في جهتين:\n١ - جهة التكليف والمسؤولية، وما يتبع ذلك من أخلاق.\n٢ - وجهة العقل، وما يتبع ذلك من العلم.\nوبالمسؤولية والعلم، يتميز الإنسان عن سائر المخلوقات (^٢)، وبقدر تمسكه بالتكاليف الشرعية، يكون شعوره بالطمأنينة، والسعادة، والرضا، والقناعة ملازمًا له في حياته، مع أن ملاك أمر الإنسان العاقل في هذه المسألة أمور ثلاثة (^٣):\n(أ) الاعتدال في الإقبال على الدنيا.\n(ب) أن يدرك حقيقة رسالته في الحياة، وهي أن يُعمر الحياة بالمثل العليا من إيمان بالله تعالى، وتواصي بالحق، وتعامل بالحب والإيثار.\n(ج) أن يروض نفسه على التفاؤل، والبشر، والابتسام، والتسامح.\nوبعد هذا البيان، نقف على بعض مظاهر التكريم الإلهي للإنسان فيما يلي:\n١/ أن الله جل وعلا خلق الإنسان الأول، آدم ﵊، بيده الشريفة، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء الأشياء فأي إكرام بعد هذا الإكرام.\n٢/ أن الله جل وعلا خلقه في أحسن صورة، وأجمل منظر، يقول ﷾: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ [التين:٤].\n_________\n(^١) الخازن: لباب التأويل، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤١٥ هـ (٣/ ١٣٨)\n(^٢) عبد المعطي بيومي: خصائص الإنسان في القرآن الكريم: بحث منشور في موقع المؤلف على الشبكة العنكبوتية، منشور في حولية كلية أصول الدين: العدد (٨) بتاريخ ١٤١١ هـ.\n(^٣) محمد الهاشمي: ومضات الخاطر، دار البشائر - بيروت، ط ١ ١٤٠٨ هـ، ص (١٨٧)","vol":"1","page":572},{"text":"يقول ابن عباس ﵄: يعني: في أعدل خلق (^١).\nوقال ﷾ في موضع آخر: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار: ٦ - ٨].\nيقول الإمام ابن أبي زمنين:\" ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ﴾ يعني: سوى خلقك ﴿فَعَدَلَكَ﴾ يعني: اعتدال الخلق أي: جعل عينيك سواء، ويديك سواء ورجليك سواء، وجنبيك سواء\" (^٢).\n٣/ أن الله جل وعلا، مكنه من أدوات التكليف من العقل الذي يميز به والجوارح التي يؤدي بها.\n٤/ أن الله جل وعلا سخر له ما في الأرض، وهيأ له الحياة بما تناسبه ليكون خليفة في الأرض، يحكم بما أراد الله تعالى وشرع.\n٥/ أن الله جل وعلا أرسل الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأنزل عليهم الكتب: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]، ولذا قال النبي - ﷺ -: «وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللَّهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ المُبَشِّرِينَ وَالمُنْذِرِينَ «(^٣).\n٦/ أن الله ﷿، حرر الإنسان من رق كل العبوديات البشرية، وعلقه به ﷾، ولم يجعل بينه وبين خلقه وسائط، قال جل وعلا: ... ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ البقرة ١٨٦.\nوقال جل في علاه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر:٦٠].\n_________\n(^١) مجاهد: تفسير مجاهد ت: د. محمد أبو النيل، ص (٧٣٧)\n(^٢) ابن أبي زمنين: تفسير القرآن العزيز، الفاروق الحديثة - القاهرة، ط ١ ١٤٢٣ هـ (٥/ ١٠٤)\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب قول النبي ﷺ: لا شخص أغير من الله ح (٧٤١٦)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب التوبة ح (٢٧٦٠).","vol":"1","page":573},{"text":"٧/ أن الله ﷿، حرره كذلك من الخوف من المستقبل، وعزز في نفسه أركان التوحيد، وعقيدة الإيمان بالقضاء والقدر، فقال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)﴾ [الحديد:٢٢].\nوقال النبي - ﷺ -: «..... وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ «(^١).\n٨/ أن الله ﷿، حرره كذلك من رق الخرافات التي تستولي على مناط التشريف والتكليف، وذلك أن ينظر، ويتدبر، ويتأمل، بما وهب له من عقل؛ ليصل إلى الحق، ويتحرر من عبودية الخلق.\n٩/ أن الله ﷿، ساوى بين أفراد الإنسان في الحقوق والواجبات، ولم يفرق بينهم على أساس الصورة الظاهرة، وإنما على أساس الصورة الباطنة ... وذلك بقدر ما في الباطن والظاهر من عمل، والتزام بالشرع المطهر، يقول جل وعلا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات:١٣]، وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) (^٢).\nيقول الإمام ابن رجب:\" يكون كثير ممن له صورة حسنة، أو مال، أو جاه أو رياسة في الدنيا، قلبه خرابًا من التقوى، ويكون من ليس له شيء من ذلك قلبه مملوء من التقوى، فيكون أكرم عند الله تعالى\" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في سننه: كتاب السنة: باب في القدر ح (٤٦٩٩).\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه،:تاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم ح (٢٥٦٤).\n(^٣) ابن رجب: جامع العلوم والحكم، مؤسسة الرسالة – بيروت، ط ٧ ١٤٢٢ هـ (٢/ ٢٧٦)","vol":"1","page":574},{"text":"فنظر الرب جل وعلا يكون إلى القلوب، التي هي محل التقوى، وأوعية العلم والجواهر، وكنوز المعرفة، \"فيا عجبًا ممن يهتم بوجهه، الذي هو محمل نظر الخلق، فيغسله، وينظفه من ا لقذر والدنس، ويزينه بما أمكن لئلا يطلع فيه مخلوق على عيب، ولا يهتم بقلبه الذي هو محل نظر الخالق، فيظهره ويزينه؛ لئل يطلع ربه على دنس، أو غيره فيه، وعليه: فلا عبرة بحسن الظاهر، وزخرف اللسان، مع خبث الجنان\" (^١).\n٩/ أن الله ﷿، جعل من طبيعة تكوين هذا المخلوق، الأنس والوئام والمحبة والانسجام، والود والسلام، يقول تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ (٦١)﴾ ... [الأنفال:٦١] حتى يستطيع أن يتعايش مع غيره في ود وأمان وسلام، وجعل كل ما يتجافى مع طبيعة الأنس فيه مرفوض مذموم، من العداوة والبغضاء، والحقد والحسد والجفاء، والظلم والاعتداء (^٢).\n١٠/ أن الله ﷿، جعله أهلًا لحبه ورضاه، وأرشده في القرآن الكريم إلى ما يجعله خليقًا بهذا الحب.\n١١/ أن الله ﷿، جعله في معينة وقربه، وحفظه من السوء، متى كان قريبًا من الله تعالى، متمسكًا بدينه (^٣).\n١٢/ أن الله ﷿، أعد للمطيعين منهم من الكرامة في دار المقامة، ما لا يخطر على قلب، ولم تره عين، مع ما يحظون فيها، من التمتع بالنظر إلى وجه الله الكريم، ويحظون بالرضوان، والفضل العظيم، والنعيم المقيم.\nوبذا نعرف أنه ليست \" هناك قيمة مادية في هذه الأرض، تعلو على قيمة الإنسان، أو تهدد من أجلها قيمته\" (^٤).\n_________\n(^١) المناوي: فيض القدير، المكتبة التجارية الكبرى - مصر، ط ١ ١٣٥٦ هـ (٥/ ٤٩)\n(^٢) انظر: على مصطفى صبح: المذاهب الأدبية، مكتبة تهامة - جدة، ط ١ ١٤٠٤ هـ، ص (٨٧).\n(^٣) ابن حميد: نضرة النعيم، دار الوسيلة - جدة، ط ٤ (٤/ ١١٣٩ - ١١٤١).\n(^٤) سيد قطب: خصائص التصور الإسلامي، دار الشروق، ١٩٩٥ م، ص (١٢٤).","vol":"1","page":575},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>المطلب الثاني علاقة الإنسان بغيره: بالخالق، وبالكون، وبمثله، وبالدنيا، وبالآخرة</span>\nلم يُخلق الإنسان عبثا، ليبقى هكذا هملًا، بلا غاية ولا هدف، بل خُلق لأهداف وغايات حميدة شريفة، يسعى لتحقيقها. وجعلت له الشريعة حدودًا في تعاملاته، في هذا الكون الفسيح الذي يعيش فيه، والذي سُخر لأجله، وحدودًا في تعاملاته مع نظرائه من البشر، وحدودًا في تعاملاته مع دنياه وأخراه؛ حتى تستقيم حياته، ويهنأ في آخرته.\nوهذه الحدود والعلاقات تنتظم المسائل التالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>المسألة الأولى: علاقة الإنسان بخالقه:</span>\nلقد نظم الإسلام علاقة الإنسان بخالقه، إذ هو جل وعلا من يجب أن تُصرف له العبادة دون ما سواه.\nوبينت الشريعة أن مدار العلاقة بين الخالق والمخلوق، هي علاقة خضوع واستكانة، وفقر وذلة، تورث كمال العبودية لله جل وعلا. وتتمثل هذه العلاقة المبنية على كمال التعبد، على جملة من الأمور:\n١ - أن الخالق سبحانه جل في علاه، هو المتفَرِد بالعبادة وحده لا شريك له فلا يُلتجأ إلا إليه، ولا يُرجى إلا هو، ولا يُستعان إلا به، ولا يُتوكل إلا عليه وهذا يورث كمال التعبد لله تعالى، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والعبد كلما كان أذل الله، وأعظم افتقارًا إليه، وخضوعًا له، كان أقرب إليه، وأعز له، وأعظم لقدره، فأسعد الخلق: أعظمهم عبودية لله\" (^١).\n٢ - إن معرفة الله جل وعلا بأسمائه وصفاته، موجب لكمال التذلل والتعبد فمتى عرفت أنه الرحمن الرحيم، البر الرؤوف، الكريم العظيم، زادت رغبتك في التقرب إليه، والزلفى لديه، فباب معرفة الله بأسمائه وصفاته، من أكبر أبواب العبودية الحقة لله تعالى.\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (١/ ٣٩)","vol":"1","page":576},{"text":"٣ - أن مقتضى ربوبية الله جل وعلا، أن له الملك والتدبير، \"فإذا ظهر للعبد من سر الربوبية، أن الملك والتدبير كله بيد الله تعالى، قال تعالى: ... ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك:١]، فلا يرى نفعًا ولا ضرًا ولا حركة ولا سكونًا، ولا قبضًا ولا بسطًا، ولا خفضًا ولا رفعًا، إلا والله - ﷾ - فاعله وخالقه، وقابضه وباسطه، ورافعه وخافضه فهذا الشهود هو سر الكلمات الكونيات، وهو علم صفة الربوبية\" (^١).\nإن لب العلاقة بين الإنسان وخالقه، تتمثل في العبودية الحقة، والاستقامة التامة. ولذا فإن الشريعة تدعو لتوثيق هذه العلاقة بين العبد وخالقه فتُحرك الفطرة السليمة في نفسه، وتُوقظ العاطفة الدينية في فؤاده، وتزرع المفهوم الصحيح للعبادة الحقة، حتى يتعلق القلب بالله وحده لا شريك له.\nوبيّنت الشريعة المطهرة، السبل المؤدية إلى تقوية العلاقة مع الرب جل في علاه، وذلك في طاعته وعبادته، وكشفت عن الآثار الحميدة لمن أطاع ربه والعواقب الوخيمة لمن عصاه.\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة (١/ ٨٩).","vol":"1","page":577},{"text":"وقد تنوعت صور العبادة التي توصل العبد بربه، فشملت عبادة القلب وعبادة الجوارح، وقد عرف الإمام ابن تيمية العبادة بشمولها فقال:\" العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال، الباطنة والظاهرة. فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان للجار، واليتيم والمسكين، وابن السبيل، والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء، والذكر والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة، وكذلك حب الله ورسوله وخشية الله والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمة، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وأمثال ذلك هي من العبادة لله\" (^١).\nوالعبادة التي هي مدار العلاقة بين العبد وربه، واسعة في متعلقاتها عظيمة في مشمولاتها، فمن أجل العبادات وأعظمها، عبادة التفكر، \"وقد حض ... الله سبحانه عباده على التفكر في آياته، وتدبرها وتعلقها، وذم الغافل عن ذلك\" (^٢).\nفالله جل وعز، دعا عباده إلى التفكر في آياته، \"وجعلها آيات دالة على كمال قدرته، وعلمه، ومشيئته، وحكمته، وملكه، وعلى توحده بالربوبية والإلهية \" (^٣).\n\"فالقرآن كله مملوء من دعاء العباد، إلى التفكر في الآيات، والنظر في أحوال المخلوقات، ونظر الإنسان في نفسه، وتفاصيل أحواله، وأخص من ذلك نظره فيما قدم لغده، ومطالعته لنعم الله عليه، بالإيمان، والتوفيق والهداية، وتذكر ذلك والتفكر فيه، وحمد الله وشكره عليه\" (^٤).\n_________\n(^١) ابن تيمية: العبودية، المكتب الإسلامي – بيروت، ط ٧ ١٤٢٦ هـ، ص (٤٤).\n(^٢) ابن القيم: الجواب الكافي، دار المعرفة – المغرب، ط ١ ١٤١٨ هـ، ص (١٥٦).\n(^٣) ابن القيم: حادي الأرواح، دار الكتب العلمية – بيروت، ط ١ ١٤٠٣ هـ، ص (١٩٢).\n(^٤) ابن القيم: مدارج السالكين، دار الكتاب العربي – بيروت، ط ٣ ١٤١٦ هـ (١/ ٢٨١).","vol":"1","page":578},{"text":"وقد أطال العلماء الكلام في فضل هذه العبادة، وأنواعها، وكيفية تحقيقها واختصر الإمام ابن الجوزي هذا المقام فقال:\" التفكر ينقسم إلى قسمين:\nأحدهما: يتعلق بالعبد. والثاني: بالمعبود ﷻ.\nفأما ما يتعلق بالعبد: فينبغي أن يتفكر: هل هو على معصية أم لا؟\nفإن رأى زلة، تداركها بالتوبة والاستغفار ثم يتفكر في نقل الأعضاء عن المعاصي إلى الطاعات، فيجعل شغل العين العبرة، وشغل اللسان الذكر وكذلك سائر الأعضاء.\nثم يتفكر في الطاعات؛ ليقوم بواجبها، ويجبر واهنها، ثم يتفكر في مبادرة الأوقات بالنوافل؛ طلبًا للأرباح، ويتفكر في قصر العمر، فينتبه حذارًا أن يقول غدًا: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ (٥٦)﴾ [الزمر:٥٦] ثم يتفكر في خصال باطنه، فيقمع الخصال المذمومة، كالكبر والعجب، والبخل والحسد، ويتولى الخصال المحمودة، كالصدق والإخلاص، والصبر والخوف، وفي الجملة يتفكر في زوال الدنيا فيرفضها، وفي بقاء الآخرة فيعمرها.\nوأما المتعلق بالمعبود ﷻ: فقد منع الشرع من التفكر في ذات الله ﷿ وصفاته، فلم يبق إلا النظر في الآثار التي تدل على المؤثر، وجميع الموجودات من آثار قدرته، وأعجب آثاره الآدمي، فإنك إذا تفكرت في نفسك كفى، وإذا نظرت في خلقك شفى\" (^١).\nوخلاصة القول: أن العلاقة التي تكون بين العبد وخالقه، يجب أن يكون دافعها: استشعار الفقر، والذل والخضوع، الذي يورث التوجه التام بالقلب، والأعضاء، والجوارح إلى الخالق ﷾.\nوهذه هي العلاقة التي نبه عليها الإسلام وحثت عليها الشريعة، لا العلاقة القائمة على الدافع المصلحي أو الاضطراري، وهذا ما تعبيه الشريعة على أصحابه.\n_________\n(^١) ابن الجوزي: التبصرة، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٠٦ هـ، ص (٦٦ - ٦٧)","vol":"1","page":579},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>المسألة الثانية: علاقة الإنسان بالكون:</span>\nإن تكريم الإنسان على من عداه، من مخلوقات هذا الكون، لم يقف عند هذه الحدود، بل قرر القرآن: أن الإنسان هو سيد هذا الكون، وأن هذه الظواهر الطبيعية، التي طالما رهبها حتى عبدها، إنما هي مسخرة له، بل إنها لم تخلق إلا لتكون مسخرة لهذا الإنسان.\nوفي كثير من سورة القرآن الكريم، تُلح آياته على تقرير هذا المعنى ... وتغرس في نفس الإنسان، وعقله، ووجدانه، هذا التصور الجديد، الذي يحرره من العبودية - عبودية الطبيعة وظواهرها –، إلى الحد الذي قرر فيه: أن هذه الطبيعة، وقواها، وظواهرها، إنما هي جميعًا مسخرة لهذا الإنسان (^١).\nوهذا التسخير الكوني لهذا الإنسان العجيب، ينبغي أن تحكمه مجموعة من العلائق، التي تكون سببًا في الإفادة من هذا التسخير، ومنها:\n١) التأمل والتدبر في سير هذا الكون المطرد، التي لم تنخرم سننه منذ كان إلى أن يأذن الله بفنائه، والنظر إليه بعين البصر والبصيرة، الموصل إلى توحيد الله ﷿، يقول الله في دعاء المؤمنين: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران:١٩١].\nثم ينتج عن هذا التأمل والتدبر علاقة أخرى بين الإنسان والكون وهي:\n٢) إعمار هذا الكون بما أراد الله من طاعته وعبادته، وهي الغاية العظمى والقصوى في خلق هذا الإنسان، يقول تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات:٥٦].\nوهذا النظر والتأمل في زوايا هذا الكون، يعمق التوحيد في قلوب المؤمنين ويفتح آفاقًا في قلوب الجاحدين المنكرين؛ لأن هذا النظر لا بد من أن يؤدي إلى الاعتراف بخالق هذا الكون ومدبره، والمتصرف فيه.\n_________\n(^١) محمد عمارة: نظرية الخلافة السلفية، الثورة، دار المعارف، ١٩٩٤ م، (١٥٤ - ١٥٧ بتصرف)","vol":"1","page":580},{"text":"ومتى أيقن الإنسان بربوبية الله تعالى له، ولهذا الكون، ولما سواه وعداه لزمه صرف العبادة له وحده دون ما سواه، وإعمار هذا الكون بطاعته؛ لأن الإقرار بالربوبية يستلزم الإقرار بالألوهية، فمن اعتقده خالقًا رازقًا مدبرًا لهذا الكون متصرفًا فيه، له القوة والقدر والقهر، وجب عليه أن يصرف له العبادة؛ لاستحقاقه لها ﷾.\n٣) أن يكون هذا الكون ميدانًا فسيحا للنشاط الإنساني، يستخدم فيه الإنسان طاقاته وإمكاناته، ويسخره لمنفعته، هذه المنفعة التي ستؤول في النهاية، إلى تحقيق عبادة الله تعالى، وقيام شريعته في المجتمع البشري (^١).\n٤) أن العلاقة التي تكون بين الإنسان والكون، يجب أن تكون علاقة أخذ وإعطاء، علاقة إحسان وكف، فيساهم في كل سبب فيه إعمار هذا الكون مما يرقى بمستوى هذا الإنسان، ويحمي قيم الجمال والأخلاق، التي من شأنها حماية أفراد هذا الكون من السقوط في الرذائل، فكما أن الإنسان مطالب في علاقتة بهذا الكون أن يُحسن، فكذلك هو مطالب بأن يكف عما من شأنه أن يخل بتوازن هذا الكون. والفساد الناشئ من بني الإنسان، سبب من أسباب فساد جماليات هذا الكون (^٢).\nفالعلاقة بين الإنسان والكون علاقة تكاملية، تنتج عنها انسجام وتوافق والانسجام بالنسبة للكون ناتج عن صفة قسرية تسخيرية، في حين يصدر من الإنسان عن إرادة حرة، فمالم تكن هذه الإرادة وفق التشريعات، لم يتحقق ذلك الانسجام والتوافق تحققًا كاملًا، وإن حصل المكلف منه ما ينتفع به في دنياه، إلا أنه لا ينتفع به أخراه.\n_________\n(^١) عبد الكريم عثمان: معالم الثقافة الإسلامية، مؤسسة الأنوار - الرياض، ١٤١٦ هـ، ص (٢١)\n(^٢) انظر: د. إبراهيم محمد سالم، في مقال له بعنوان (الإسلام وتصحيح علاقة الإنسان بالكون)، منشور في موقع وكالة القدس للأنباء بتاريخ: ٧ أيار ٢٠١٢ (بتصرف)","vol":"1","page":581},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>المسألة الثالثة: علاقة الإنسان بالإنسان:</span>\nتجمع الإنسان بأخيه الإنسان وشائج كثيرة، وروابط عديدة، كل وشيجة لها حقوق، وعليها واجبات. فاجتماع الإنسان بالإنسان في هذا الكون العامر الفسيح، يُوجب التعايش والتعاون؛ لإبقاء النوع البشري وفق ما أراد الله تعالى وشرع. ومع تعدد الوشائج والروابط الإنسانية في هذا الكون، إلا أن أعظم الوشائج وأعلاها، وأكرم الروابط وأنداها بين البشر، وشيجة الإيمان، ورباط العقيدة والتوحيد.\nفجميع هذه الوشائج والروابط، التي تنتمي إليها الإنسانية، مبناها على العدل والإحسان، واحترام حقوق الإنسان، ولو اختلفت في عقائدها وانتمائتها. فالإسلام أعطى جميع البشر حقوقهم، واحترم إنسانيتهم فالجميع يقفون أمام مبادئ الإسلام العامة في مقام واحد، فمبادئ العدالة والاستحقاق، والحرية، لا تفرق بين لون ولون، ولا بين جنس وجنس وهذا لا ينافي مبدأ الولاء والبراء في الإسلام.\nوتختلف علاقة الإنسان بغيره بناء على اعتبارات:\n١ - فعلاقته بأصوله: تقوم على المحبة والاحترام، والتقدير والإحسان، والبر والإجلال؛ لأنهما سبب وجوده في هذه الحياة، وبرهما والإحسان إليهما، مقترن بتوحيد الله جل وعلا.\n٢ - وعلاقته بفروعه: تقوم على الحب والرحمة، والعطف والشفقة والنصح والتربية الحسنة.\n٣ - وعلاقته بحواشيه: تقوم على الحب والاحترام والتقدير، والبذل والمساعدة وعدم التقتير.\n٤ - وعلاقته بذوي قراباته: تقوم على المحبة والوصال، والتعاون والانتصار.\n٥ - وعلاقته بالمسلمين: تقوم على المحبة والإخاء، والتواصل والوفاء\n٦ - وعلاقته بغير المسلمين: تقوم على الوفاء بالعهد، والقسط في التعامل.\n٧ - وعلاقته بزوجه: تقوم على المودة والرحمة، وحسن العشرة ... وأداء الحقوق.","vol":"1","page":582},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>المسألة الرابعة: علاقة الإنسان بالحياة الدنيا:</span>\nإن الدنيا حلوة خضرة (^١)، وصف نبوي يدل على جمال الدنيا، غير أن جمالها مقرون بكدر، وحلاوتها مقرونة بمرارة ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤)﴾ [البلد:٤].\nطبعت على كدر وأنت تريدها ... صفوا من الأقذار والأكدار\nومتكلف الأيام ضد طباعها ... متطلب في الماء جذوة نار (^٢)\nولذا فعلاقة الإنسان بالدنيا: هي علاقة ابتلاء، يشمل بعمومه كل بلاء ... إلا أن الله ﷾ قال: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ... [الملك:٢].\nإن علاقة الإنسان بالدنيا تتمثل في أمور:\n١ - أنها دار الابتلاء في النفس والجسد، الذي يوجب الصبر والرضا عن الله تعالى.\n٢ - أنها دار العمل والزرع، الذي يوجب الإحسان في العمل.\n٣ - أنها محل اللذة العاجلة، ولكن لا ينافي عمل الآخرة، العمل في الدنيا فقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧] على أن لا يكون الاشتغال بها، سببًا لنسيان الدار الآخرة\n٤ - أن ما يزرعه المرء في دنياه، يحصده في آخرته.\n٥ - ليس مقدار فوز الإنسان في الدنيا، كثرة ماله، وجاهه، ووفرة نعمه فكم كان لقارون من الأموال ثم خسف به، ولذا فإن النعم الدنيوية لا تستوجب السعادة الأخروية، وكذا النعم الدنيوية، لا تستوجب الشقاء الأخروي: «فنعم المال الصالح للرجل الصالح «(^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتب الرقاق، باب أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار النساء، وبيان الفتنة بالنساء ح (٢٧٤٢) دار إحياء التراث العربي – بيروت، ت: محمد فؤاد عبد الباقي.\n(^٢) أبيات للتهامي يرثي بها ابنه أبا الفضل، انظر: أبو الحسن الباخرزي: دمية القصر، (١/ ١٤٠).\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ح (١٧٧٦٣) مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢١ هـ.","vol":"1","page":583},{"text":"وينبغي أن يُعلم: أن هذه الحياة لا تستحق اسم الحياة، قياسًا بالحياة الآخرة ... فالذي وفق في حياته بإحسان العمل، وإخلاص التوحيد، وسلامة القلب، وصفاء النية، قدم على تلك الدار ناسيًا بلاءه، تاركًا خلف ظهره جميع آلالمه وأحزانه، قائلًا قول المؤمنين: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾ [فاطر:٣٤].\nويزيد حبوره، ويشتد سروره، حين يسمع المنادي: «يُنَادِي مُنَادٍ: إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْأَسُوا أَبَدًا «(^١).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في دوام ينعم أهل الجنة ح (٢٨٣٧).","vol":"1","page":584},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>المسألة الخامسة: علاقة الإنسان بآخرته:</span>\nإذا كانت الدنيا وسيلة، فإن الآخرة هي الغاية، وإذا كانت الدنيا طريق فإن الآخرة هي الهدف، والعلاقة بينهما: إما بين إفراط وتفريط، أو بين سلب وإيجاب. فحين تقوم علاقة الإنسان بالآخرة على مبدأ: «إِنَّ اليَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابَ، وَغَدًا حِسَابٌ وَلَا عَمَلٌ» (^١)، فإن العلاقة بين الدنيا والآخرة، تكون علاقة إيجاب؛ إذ نظر إلى أن الدنيا وسيلة، والآخرة غاية وهدف، وحين تقوم علاقة الإنسان بالآخرة على مبدأ «مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ» (^٢)،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه عن علي ﵁، في كتاب الرقاق، باب في الأمل وطوله.\n(^٢) أخرجه الترمذي في جامعه، أبواب صفة القيامة الرقائق والورع، باب ح (٢٤٦٥) ..","vol":"1","page":585},{"text":"فإن العلاقة بين الدنيا والآخرة، تكون علاقة سلب؛ حيث نظر إلى الدنيا أنها هدف وغاية، فصرف همته، وكل طاقته، لتحصيلها على حساب آخرته، فيصدق عليه قول الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر:١٩] قال الإمام ابن كثير:\" أي: لا تنسوا ذكر الله فينسيكم العمل لمصالح أنفسكم التي تنفعكم في معادكم، فإن الجزاء من جنس العمل ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩)﴾ أ ي: الخارجون عن طاعة الله، الهالكون يوم القيامة، الخاسرون يوم معادهم\" (^١)، ومع ذا فقد خسر دنياه، ففي الحديث: «وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ»، إن العلاقة بين الرئيسة بين الإنسان والآخرة: هي علاقة الجزاء والحساب، وفيها سيجد الإنسان كل ما عمله في دنياه، أمامه حاضرًا ماثلًا، قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصلت:٤٦]، ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)﴾ [آل عمران:٣٠].\nبينت نصوص الوحيين خطر المسؤولية الأخروية، وما الذي سيُسأل عنه المرء يوم القيامة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>(أ) نصوص القرآن الكريم في إثبات سؤال المحاسبة يوم القيامة، قال الله تعالى:</span>\n- ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ [الأعراف:٦].\n- ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢)﴾ [الحجر:٩٢].\n- ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦)﴾ [النحل:٥٦].\n- ﴿وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [النحل:٩٣].\n_________\n(^١) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ت: سامي سلامة (٨/ ٧٧)","vol":"1","page":586},{"text":"- ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ [الإسراء:٣٤].\n- ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء:٣٦].\n- ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٨)﴾ [الأحزاب:٨].\n- ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (١٥)﴾ [الأحزاب:١٥].\n- ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ [الصافات:٢٤].\n- ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾ [الزخرف:١٩].\n- ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (٤٤)﴾ [الزخرف:٤٤].\n- ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ [التكاثر: ٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>(ب) نصوص السنة المطهرة في إثبات سؤال المحاسبة يوم القيامة:</span>\nعن ابن مسعود ﵁، يقول: عن النبي - ﷺ - قال «لَا تَزُولُ قَدَمُ ابْنِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ، عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ، وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ» (^١).\nوعن أبي هريرة ﵁، يقول: قال رسول الله - ﷺ -: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ - يَعْنِي العَبْدَ مِنَ النَّعِيمِ - أَنْ يُقَالَ لَهُ: أَلَمْ نُصِحَّ لَكَ جِسْمَكَ، وَنُرْوِيَكَ مِنَ المَاءِ البَارِدِ» (^٢).\nوفي حديث جابر ﵁، قال النبي - ﷺ -: «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ ...» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي: أبواب صفة القيامة والرقائق والورع، باب في القيامة ح (٢٤١٦).\n(^٢) أخرجه الترمذي في جامعه، أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة ألهاكم التكاثر ح (٣٣٥٨).\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ ح (١٢١٨).","vol":"1","page":587},{"text":"وعن أنس ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أَوَّلُ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَلَاتُهُ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى صَلَاةِ عَبْدِي، فَإِنْ كَانَ أَتَمَّهَا قِيلَ: يَا رَبِّ أَتَمَّهَا، وَإِنْ كَانَ نَقَصَهَا قِيلَ: يَا رَبِّ، نَقَصَهَا، فَيَقُولُ اللَّهُ: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ؟ فَيُقَالُ نَعَمْ، كَثِيرٌ، فَيَقُولُ: فَأَتِمُّوا لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعِهِ، ثُمَّ تُؤْخَذُ الْأَعْمَالُ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ» (^١).\nفهذه النصوص وغيرها، تدل على المسؤولية التامة الشاملة يوم القيامة لكل ما عمله العبد في دنياه من خير وشر \" وفي ضوء نجاحه أو فشله لتحمل هذه المسؤولية، يتقرر جزاؤه ومصيره، فإما إلى جنة عرضها السموات والأرض وإما إلى جهنم وساءت مصيرًا\" (^٢).\nإن المسؤولية في الآخرة، مسؤولية فردية، فلا يتحمل أحد عن أحد، ولا يسأل أحد بدلًا عن أحد، يقول تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، أي: ليس هذا أمر تنفع فيه الكفالة ويقوم أحد مقام أحد فيه (^٣).\nفالعلاقة بين الإنسان والآخرة: علاقة مسؤولية وجزاء، فالإنسان مسؤول عما عمل، مجزي عليه.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط، ح (٧٦١٢) (٧/ ٣١٨).\n(^٢) ابن حميد: نضرة النعيم، دار الوسيلة - جدة، ط ٤، (١/ ٤).\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن، دار الوطن - الرياض، ط ١ ١٤١٨ هـ (٢/ ١٦١).","vol":"1","page":588},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>المبحث الثاني: أثر الإيمان باليوم الآخر في تقويم السلوك، في ضوء نصوص القرآن والسنة</span>،\nوفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: أثر الإيمان باليوم الآخر في تقويم السلوك، في ضوء نصوص القرآن الكريم.\nالمطلب الثاني: أثر الإيمان باليوم الآخر في تقويم السلوك، في ضوء نصوص السنة النبوية المطهرة.","vol":"1","page":589},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>المطلب الأول أثر الإيمان باليوم الآخر في تقويم السلوك في ضوء القرآن الكريم</span>\nأشار القرآن الكريم في كثير من آياته، إلى أثر الإيمان باليوم الآخر، في تقويم السلوك، وتهذيب الأخلاق، وذلك بالتذكير به في التعاملات الإنسانية والتجاوزات البشرية، وهذا يدل على اهتمام القرآن الكريم بهذا الأمر ولذلك أكثر القرآن الكريم من التذكير بهذا اليوم العظيم؛ إذ به تخف سَورة النفس البشرية وطغيانها، مما يؤدي إلى الالتزام والاستقامة على شرع الله جل وعلا.\nومن النصوص الشرعية القرآنية الشريفة، الدالة على أثر الإيمان باليوم الآخر في تقويم السلوك، وتهذيب الأخلاق، والوقوف عند حدود الشريعة ما يلي:\n١ - يقول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة:٢٢٨].\nيقول الإمام الطبري في بيان أثر الإيمان باليوم الآخر، في عدم كتمان المرأة المطلقة ما خلق الله رحمها:\" إن كتمان المرأة المطلقة زوجها المطلقها، ما خلق الله تعالى في رحمها، من حيض وولد، في أيام عدتها من طلاقه ضرارًا له ليس من فعل من يؤمن بالله واليوم الآخر، ولا من أخلاقه، وإنما ذلك من فعل من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، وأخلاقهن من النساء الكوافر، فلا تتخلقن أيتها المؤمنات بأخلاقهن، فإن ذلك لا يحل لكن، إن كنتن تؤمن بالله واليوم الآخر، وكنتن من المسلمات\" (^١).\nومع كون هذه الآية الكريمة، تدل على أن المرأة مؤتمنة على عدتها وحملها (^٢) ... إلا أن الذي يحملها على عدم خيانة هذه الأمانة، ويحجزها عن ذلك، هو إيمانها بالله تعالى واليوم الآخر.\n_________\n(^١) الطبري: جامع البيان، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ت: أحمد محمد شاكر، ص (٤/ ٥٢٥)\n(^٢) مكي أبو طالب: الهداية إلى بلوغ النهاية، مجموعة بحوث الكتاب والسنة، كلية الشريعة، جامعة الشارقة، ط ١ ١٤٢٩ هـ (١/ ٧٦١).","vol":"1","page":590},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: قيد كاشف لا مفهوم له، فلا يدل على أنه أبيح لمن لا يؤمن أن يكتم؛ لأن ذلك لا يحل لمن لا يؤمن، إنما هو كقولك: إن كنت أخي فلا تظلمني، أي فينبغي أن يحجزك الإيمان عنه؛ لأن هذا ليس من فعل أهل الإيمان (^١).\nفمن آمنت بالله، وكانت الآخرة أمام ناظريها، لا يمكن أن تجترئ على الخيانة، وغيرها من العظائم، وفي الآية دلالة \" على أن كل من جُعل أمينًا في شيء، فخان فيه، فأمره عند الله شديد\" (^٢).\n٢ - يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)﴾ [البقرة:٢٣٢]، دلت هذه الآية: على نهي الأولياء، عن عضل مولياتهم عن النكاح، وهذا الذي نهيتكم عنه من عضلهن عن النكاح، عظة مني من كان منكم أيها الناس يؤمن بالله واليوم الآخر، يعني: يصدق بالله فيوحده ويقر بربوبيته، واليوم الآخر يعني: يصدق بالبعث للجزاء والثواب والعقاب؛ ليتقي الله في نفسه، فلا يظلمها بضرار وليته، ومنعها من نكاح من رضيته لنفسها، ممن أذنت له في نكاحه (^٣).\nوهذا خطاب لجميع الأولياء، أي: لمن صدق بأمر الله، ووعيده والبعث فأطاع الله في هذه الحدود، فهو أزكى له وأطهر من الريبة (^٤).\n_________\n(^١) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط ٢ - ١٣٨٤ هـ، (٣/ ١١٩).\n(^٢) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٦/ ٤٣٩).\n(^٣) الطبري: جامع البيان، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ت: أحمد محمد شاكر، ص (٥/ ٢٧).\n(^٤) الزجاج: معاني القرآن، عالم الكتب - بيروت، ط ١ ١٤٠٨ هـ، ص (١/ ٣١١).","vol":"1","page":591},{"text":"وإنما خص الله جل وعلا، الوعظ في هذه الآية المؤمنين دون غيرهم؛ لأن الوعظ إنما يؤثر في المؤمنين، وهو إنما يريد حصول الاتعاظ وليس ذلك إلا للمؤمنين، فلما كان المؤمن هو المنتفع بالوعظ، حَسُن تخصيصه به (^١).\n٣ - يقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤)﴾ [البقرة:٢٦٤]، قيل: المنّ في الصدقة بمنزلة الحدث في الصلاة، يبطلها ويحبطها. وقيل: في إحباط الفضل دون الثواب، ومثل هذا: كالذي ينفق ماله رئاء الناس، ولا يؤمن بالله واليوم الأخر: أي كإبطال الذي ينفق ماله رئاء الناس؛ لأن الرياء يبطل الصدقة ويحبطها، ولذا لو كان يؤمن بالله واليوم الآخر، وعرف ما عند الله من الثواب العظيم الجزيل، لما رآى بصدقته؛ لأن الصدقة مع الرياء ليست من أفعال المؤمنين، فمن كان يرجوا ثوابًا، أو يخشى عقابًا، فلن يرائي (^٢).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن: (١/ ٢٣٦)، الرازي: مفاتيح الغيب: (٦/ ٤٥٧).\n(^٢) السمعاني: تفسير القران، تفسير القرآن: (١/ ٢٦٩)، أبو السعود: إرشاد العقل السليم: (١/ ٢٥٩)","vol":"1","page":592},{"text":"٤ - يقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء:٥٩]، أمر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: الرد حين التنازع إلى الله ورسوله، في كل شيء من أصول الدين وفروعه، وهذا تحاكم إلى الله ورسول مأمور به، فيدل على أن من لم يتحاكم في مجال النزاع إلى الكتاب والسنة، ولا يرجع إليهما، فليس مؤمنًا بالله واليوم الآخر (^١).والشرط في قوله ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ هو شرط يراد به الحض على إتباع الحق، وفيه إشعار بوعيد من لم يرد إلى الله والرسول (^٢).\nودلت الآية الكريمة: على أثر الإيمان باليوم الآخر، في الرد إلى الله والرسول حين التنازع؛ لأنه هو الموجب للرد، يقول العلامة أبو السعود:\" فإن الإيمان بهما يوجب ذلك - الرد - أما الإيمان بالله فظاهر، وأما الإيمان باليوم الآخر، فلِما فيه من العقاب على المخالفة\" (^٣). ويقول العلامة الشوكاني: \"قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فيه دليل على أن هذا الرد متحتم على المتنازعين، وإنه من شأن من يؤمن بالله واليوم الآخر \" (^٤).\n٥ - يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ [التوبة:١٨].\n_________\n(^١) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ت: سامي سلامة (٢/ ٣٤٦)\n(^٢) أبو حيان: البحر المحيط، دار الفكر - بيروت، ١٤٢٠ هـ، ت: صدقي جميل، ص (٣/ ٦٨٨)\n(^٣) أبو السعود: إرشاد العقل السليم: (٢/ ١٩٤)\n(^٤) الشوكاني: فتح القدير، دار ابن كثير - دمشق، ط ١ ١٤١٤ هـ، (١/ ٥٥٦)","vol":"1","page":593},{"text":"أبانت هذه الآية الكريمة من المستحق لعمارة المساجد، وهو من اتصف بجملة من الصفات، ابتدأها بقوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ وهو شرط فيمن يعمر المسجد؛ لأن المسجد موضع يعبد الله فيه، فمن لم يكن مؤمنًا بالله امتنع أن يعمر موضعًا يعبد الله فيه. ثم قال: ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: يعني: وآمن باليوم الآخر، وأنه حق كائن؛ لأن عمارة المسجد لأجل عبادة الله، وجزاء أجره إنما يكون في الآخرة، فمن أنكر الآخرة لم يعبد الله، ولم يعمر له مسجدًا (^١). ويقول الإمام الرازي:\" وإنما قلنا: إنه لا بد من أن يكون مؤمنًا بالله واليوم الآخر؛ لأن الاشتغال بعبادة الله تعالى، إنما تفيد في القيامة، فمن أنكر القيامة، لم يعبد الله، ومن لم يعبد الله، لم يبن بناء لعبادة الله تعالى\" (^٢).\nوأورد الإمام ابن الجوزي سؤالًا مفاده:\" فإن قيل: قد يعمر مساجد الله من ليس فيه هذه الصفات؟\nفالجواب: أن المراد أنه من كان على هذه الصفات المذكورة، كان من أهل عمارتها، وليس المراد: أن من عمرها كان بهذه الصفة\" (^٣).\n٦ - يقول الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)﴾ [التوبة:٤٤ - ٤٥].\n_________\n(^١) الخازن: لباب التأويل، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤١٥ هـ (٢/ ٣٤٢)\n(^٢) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (١٦/ ١٠)\n(^٣) ابن الجوزي: زاد المسير، دار الكتاب العربي - بيروت، ط ١ ١٤٢٢ هـ (٢/ ٢٤٣)","vol":"1","page":594},{"text":"بينت الآية الكريمة: حال المؤمنين المصدقين الموقنين، وحال المنافقين المشككين المتحيرين، في القعود عن الغزو، فالمؤمنون الصادقون الذين يرون أن الجهاد قربة، فلإيمانهم بالله وباليوم الآخر، وما فيه من عظيم الجزاء للمجاهدين، لما ندبهم إليه بادروا وامتثلوا، بخلاف حال المنافقين الذين لا يرجون ثواب الله في الدار الآخرة، قد ارتابت قلوبهم، حين شكت في دين الرسول - ﷺ - ولذا فهم ﴿فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)﴾ فيقدمون رجلًا، ويؤخرون أخرى، فليست لهم قدم ثابتة في شيء، فهم قوم حيارى هلكى (^١).\n٧ - يقول الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [النور:٢].\nفي هذه الآية الكريمة: دلالة واضحة في بيان أثر الإيمان بالله واليوم الآخر في إقامة الحدود، يقول الإمام الطبري: \"وقوله (إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ يقول: إن كنتم تصدقون بالله ربكم وباليوم الآخر، وأنكم فيه مبعوثون لحشر القيامة، وللثواب والعقاب، فإن من كان بذلك مصدقًا ... فإنه لا يخالف الله في أمره ونهيه؛ خوف عقابه على معاصيه\" (^٢).\nيقول سعيد بن جبير: قوله: (إن كنتم) يعني: الحكام (تؤمنون) يعني: تصدقون، (بالله) يعني: بتوحيد الله، (واليوم الآخر) يعني وتصدقون بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال، فأقيموا الحدود (وليشهد) يعني: وليحضر (عذابهما) يعني حدهما (^٣).\n_________\n(^١) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ت: سامي سلامة (٤/ ١٥٩)\n(^٢) الطبري: جامع البيان، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ت: أحمد محمد شاكر، ص (١٩/ ٩٣)\n(^٣) ابن أبي حاتم: تفسير ابن أبي حاتم، مكتبة الباز -مكة المكرمة، ط ٣ ١٤١٩ هـ (٨/ ٢٥١٩)","vol":"1","page":595},{"text":"وقال بعض أهل العلم: قوله تعالى ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) هو من باب التهييج وإلهاب الغضب لله ولدينه (^١).\nفالإيمان بالله واليوم الآخر، واستشعار عذاب الله في الآخرة لمن ضيع حدود الله تعالى، هو السبب الموجب لقيام الحكام والقضاة بإقامة الحدود فكأن المعنى: إن كنتم مؤمنين، فلا تتركوا إقامة الحدود.\n٨ - يقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾ [الطلاق:٢].\nيقول جل في علاه في هذه الآية: \"هذا الذي أمرتكم به، وعرفتكم من أمر الطلاق، والواجب لبعضكم على بعض عند ا لفراق والإمساك؛ عظة منا لكم، نعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فيصدق به\" (^٢).\nوإنما كان الوعظ واقع على من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ لأنه هو المنتفع به، والمقصود بذكره (^٣).\nيقول الإمام ابن كثير:\" وقوله: (ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر) أي: هذا الذي أمرتكم به من الإشهاد، وإقامة الشهادة، إنما يأتمر به ... من يؤمن بالله وأنه شرع هذا، ومن يخاف عقاب الله في الدار الآخرة \" (^٤).\n_________\n(^١) الزمخشري: الكشاف، دار ابن خزيمة - الرياض، ط ١ ١٤١٤ هـ (٣/ ٣٠٩)\n(^٢) الطبري: جامع البيان، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ت: أحمد محمد شاكر، (٢٣/ ٤٤٥).\n(^٣) البيضاوي: أنوار التنزيل، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ١ ١٤١٨ هـ (٥/ ٢٢١).\n(^٤) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ت: سامي سلامة (٨/ ١٤٥).","vol":"1","page":596},{"text":"هذه جملة من النصوص القرآنية، تدل دلالة واضحة، على تأثير الإيمان بالله واليوم الآخر، على الالتزام بالآداب، والتمسك بالأخلاق، والحرص على تطبيق تعاليم الشريعة. ولا أدل على أهمية الإيمان باليوم الآخر واعتقاده، من التلازم بينه وبين الإيمان بالله العلي العظيم؛ \"لأن الإيمان بالله، يحقق المعرفة بالمصدر الأول الذي صدر عنه الكون، والإيمان باليوم الآخر، يحقق المعرفة بالمصير الذي ينتهي إليه هذا الوجود.\nوعلى ضوء المعرفة والمصير، يمكن للإنسان أن يحدد هدفه، ويرسم غايته ويتخذ من الوسائل والذرائع ما يوصله إلى الهدف، ويبلغ به الغاية.\nومتى فقد الإنسان هذه المعرفة، فإن حياته ستبقى لا هدف لها، ولا غاية منها، وحين يفقد الإنسان سموه الروحي، وفضائله العليا، ويعيش كما تعيش الأنعام، تسيرها غرائزها الطبيعية، واستعداداتها الفطرية، وهذا هو الانحطاط الروحي المدمر لشخصية الإنسان\" (^١).\nوقد أسهب القرآن بذكر بعض الأساليب، التي تعين في القضاء على الأخلاق السيئة، والأعمال المذمومة، والأفعال القبيحة، والعادات القبيحة فجاءت هذه الأساليب، في غاية الفصاحة والبيان؛ تحرك القلب والعقل والوجدان، وتعين المرء على التخلص من هذه الآفات والقبائح، إنه أسلوب التذكير المباشر وغير المباشر بمآل الإنسان ومصيره المحتوم، ووقوفه يوم الدين بين يدي الملك العلام، وشواهده في القرآن الكريم كثيرة، يطول حصره وبيانه، ومن أمثلته:\nأ) أكل مال اليتيم:\nحثت الشريعة المطهرة على الاهتمام بحق اليتيم، والاهتمام بشؤونهم، فقال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة:٢٢٠]، وجعلت مقابل ذلك الفضل الكبير، وذلك بصحبة النبي - ﷺ - في جنات النعيم.\nفأخرج الإمام البخاري عن سهل ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(^١) سيد سابق: العقائد الإسلامية: دار الكتاب العربي: بيروت دون رقم الطبقة وتاريخها (١/ ٢٥٩).","vol":"1","page":597},{"text":"«وَأَنَا وَكَافِلُ اليَتِيمِ فِي الجَنَّةِ هَكَذَا» وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى، وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا (^١).\nونهى الرسول - ﷺ - عن تضيع حقوقه، وحذر منه تحذيرًا بالغًا، فقال: ... «اللهُمَّ إِنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ: الْيَتِيمِ وَالْمَرْأَةِ» (^٢).\nوأجازت الشريعة لولي اليتيم، والناظر على ماله، أن يأكل منه بقدر حاجته قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ (٦)﴾ [النساء:٦].\nولكن لما كانت نفوس بعض الأولياء، منحرفة عن حفظ الحق، خائنة للأمانة، حذرته الشريعة، وذكرته بيوم يقدم فيه على ربه؛ لعله ينزجر ويرتدع، فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء:١٠]،وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ [الإسراء:٣٤].\nولما كان أكل مال اليتيم بهذه الخطورة، جعله النبي - ﷺ - من الموبقات السبع المهلكات، فعن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، .... وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطلاق: باب اللعان ح (٥٣٠٤) دار طوق النجاة، ط ١ ١٤٢٢ هـ\n(^٢) ابن الجوزي: زاد المسير: ٣/ ٢٤، ابن أبي حاتم: تفسير ابن أبي حاتم: ٧/ ٢٣٣١، الطبري: جامع البيان: (١٧/ ٤٤٦)، محمد بن أبي طالب: الهداية إلى بلوغ النهاية: (٦/ ٤٢٠٠).\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوصايا، باب قول الله تعالى: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا) (٢٧٦٦)، وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها (٨٩).","vol":"1","page":598},{"text":"وفي هذا النص القرآني، نلحظ جليا كيف أنه يتغلغل في أعماق النفس البشرية، فيقومها، ويربيها، ويهذبها على معالي الأمور، والبعد عن سفاسفها ويقمع هوى النفس الأمارة بالسوء، ويكبح جماحها، ولذا جاء التهديد شديدًا، في مثل هذا العمل الشنيع.\nب) يقول جل وعلا: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء:٣٦].\nاختلف المفسرون في معنى قوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (^١):\n- فقيل: المعنى: لا ترم أحدًا بما ليس لّك به علم.\n- وقيل: المعنى: لا تقل رأيت ولم تر، ولا سمعت ولم تسمع.\n- وقيل: المعنى: لا تشهد بالزور.\n- وقيل: لا تشرك بالله تعالى.\nيقول الإمام الرازي:\" ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ أي: ولا تتبع ولا تقتف ما لا علم لك به، من قول أو فعل، وحاصله يرجع إلى النهي عن الحكم بما لا يكون معلومًا، وهذه قضية كلية يندرج تحتها أنواع كثيرة، وكل واحد من المفسرين حمله على واحد من تلك الأنواع، وفيه وجوه:\nالوجه الأول: المراد: نهي المشركين عن المذاهب التي يعتقدونها في الإلهيات والنبوات بسبب تقليد أسلافهم.\nوالقول الثاني: المراد منه: شهادة الزور، قال ابن عباس: لا تشهد إلا بما رأته عيناك، وسمعته أذناك، ووعاه قلبك.\nوالقول الثالث: المراد منه: النهي عن القذف، ورمي المحصنين والمحصنات بالأكاذيب.\nوالقول الرابع: المراد منه: النهي عن الكذب، قال قتادة: لا تقل: سمعت ولم تسمع، ورأيت ولم تر، وعلمت ولم تعلم.\nوالقول الخامس: أن القفو أصله البهت، وهو في معنى الغيبة، وهو ذكر الرجل في غيبته بما يسوءه. واعلم أن اللفظ عام يتناول الكل \" (^٢).\n_________\n(^١) ابن الجوزي: زاد المسير (٣/ ٢٤)، ابن أبي حاتم: تفسير أبن أبي حاتم: (٧/ ٢٣٣١)، الطبري: جامع البيان، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ت: أحمد محمد شاكر، ص (١٧/ ٤٤٦).\n(^٢) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٢٠/ ٣٣٩).","vol":"1","page":599},{"text":"فهذه جملة من الأخلاق المذمومة، والأمور المحرمة، والآفات المسمومة ... لا يمكن لأي عقوبات دنيوية صارمة أن تقف حدًا مانعًا لوقاية النفس البشرية منها، مثل ما يكون لوازع القرآن في التذكير بمعاد الإنسان وسؤاله عن هذه الأعضاء التي فعل بها هذه القبائح، ولهذا قال جل وعلا: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء:٣٦]، فإما أن يكون المراد: أن المرء يُسأل عن سمعه وبصره وفواده وإما أن يراد به: أن السمع والبصر والفؤاد يُسأل عما فعله المرء (^١).\nوعلى كلا القولين، فالأمر مخيف، والموقف فظيع، وهو أكبر زاجر للمرء من الوقوع في هذه الأعمال الشنيعة.\nج) يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣)﴾ [إبراهيم:٤٢ - ٤٣].\nالظلم من أقبح الأعمال ولذا حرمه المولى جل وعلا على نفسه فقال: ﴿يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا ....﴾ (^٢).\nوهذا الظلم الممقوت في الشريعة، يشمل الظلم فيما بين العبد وربه، وظلمه لعباد الله تعالى (^٣).\nوأعظم الظلم هو الشرك بالله ﷿، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان:١٣]، وهذه الآية الكريمة فيها: تعزية للمظلوم وتسلية، ووعيد للظالم وتهديد له (^٤).\n_________\n(^١) السمعاني: تفسير القرآن، دار الوطن - الرياض، ط ١ ١٤١٨ هـ (٣/ ٢٤٢).\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحرم الظلم ح (٢٥٧٧).\n(^٣) السعدي: تيسير الكريم الرحمن، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ص (٤٢٧).\n(^٤) السمعاني: تفسير القرآن، دار الوطن - الرياض، ط ١ ١٤١٨ هـ (٣/ ١٢٢).","vol":"1","page":600},{"text":"فكم ممن تعدى وظلم، وأسرف في الطغيان، دون رادع يردعه، ولا زاجر يزجره، وما درى هذا المسكين أن عاقبة الظلم والبغي، معجلة في الدنيا قبل الآخرة، فعن أبي بكرة ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ العُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنَ البَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ» (^١).\nولا زاجر للظالم عن ظلمه، إلا مواعظ القرآن المذكرة بيوم الوعيد، ولذا قال المولى جل وعلا في هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾ [إبراهيم:٤٢]، اليوم الذي يجازى فيه الإنسان بالجليل والحقير، وقال الله جل وعلا: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ...﴾ [سبأ:٣١]، وقال: ... ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢)﴾ [الصافات:٢٢]، وقال: ... ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (٤٢)﴾ [سبأ:٤٢].\nوقد استشعر هذا المعنى الشاعر أبو العتاهية فقال (^٢):\nأما والله إن الظلم لؤم وما زال المسيء هو الظلوم\nإلى ديان يوم الدين نمضي وعند الله تجتمع الخصوم\nستعلم في الحساب إذا التقينا غدًا عند الإله من الملوم\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في جامعه، أبواب صفة القيامة والرقائق والورع، باب ح (٢٥١١).\n(^٢) أحمد شوقي: الفن ومذاهبه، دار المعارف - مصر، ط ١٢، ص (١٦٦).","vol":"1","page":601},{"text":"ومن هنا نعلم أن زاجر القرآن، وواعظ الهداية والبيان، مهذب للنفس وزاجرًا لها عن الوقوع في الظلم، \"فإياك ودمعة اليتيم، ودعوة المظلوم، فإنها تسري بالليل والناس نيام\" (^١) قال - ﷺ -: «وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ ﷿ حِجَابٌ» (^٢).\nد) يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠].\nفهنا تظهر لنا هذه الآيات، أسلوبًا بديعًا من أساليب البيان، التي تأخذ بالقلوب والأفئدة والألباب، ففي هذه الآيات الكريمات، تحذير وتهديد شديدين، لمن انغمس في هذه القبائح والمنكرات والكبائر، ووعيد بمضاعفة العذاب في الآخرة، مما يكون له أثر في نفس السامع، وخوفه من الوقوع في هذه الكبائر، لسوء عواقبها في الآخرة، إذ يقول جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)﴾ إما واد في جهنم، وإما جزاء هذه الآثام، ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: يستدام له العذاب؛ لقاء هذه الآثام المشينة ... ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩)﴾ أي: حقيرًا ذليلًا، فأي زاجر أعظم من هذا الزاجر ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾ [ق:٤٥].\nفالإيمان باليوم الآخر والتذكير به، سبب من أسباب انزجار النفوس، عن الوقوع في هذا الأعمال المشينة، ولذا أكثر القرآن الكريم من التذكير به في كل مناسبة.\n_________\n(^١) الزمخشري: ربيع الأبرار، مؤسسة الأعلمي - بيروت، ط ١ ١٤١٢ هـ (٣/ ٣٢١).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب أخذ الصدقة من الأغنياء ح (١٤٩٦)، وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله ح (١٩).","vol":"1","page":602},{"text":"هـ) يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥].\nمع انغماس الناس في أوحال الدنيا، وعدم مبالاتهم بما جاءهم منها، من أبواب الحلال أو الحرام، كثر وانتشر التعامل بالربا، بصور مختلفة ... وأساليب متنوعة، حتى ربما سُوِّق له ببعض شواذ الأقوال.\nومع هذا الواقع المرير، تأتي نصوص القرآن ومواعظه، في مقدمة الزواجر لبيان خطر التعامل بهذه الآفة الخطيرة على الأفراد والمجتمعات، فمَثَّلَ القرآن آكلي الربا يوم القيامة، بأنهم يقومون من قبورهم ويحشرون كمثل المصروع من المس، أو كمثل السكران، وتكون هذه علامة يعرفون بها على رؤوس الأشهاد يوم القيامة، بأنهم أكلة الربا في الدنيا. وحين يجمع آكل الربا مع هذا النص الكريم، حديث الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، كما في صحيح الإمام البخاري من حديث سمرة ﵁، في حديث الرؤيا الطويل، وفيه: «رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي، فَأَخْرَجَانِي إِلَى أَرْضٍ مُقَدَّسَةٍ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ وَعَلَى وَسَطِ النَّهَرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ، فَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ، فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ، فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ، فَقُلْتُ مَا هَذَا؟ فَقَالَ: الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُ الرِّبَا» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيح كتاب البيوع باب آكل الربا وشاهده وكاتبيه ح (٢٠٨٥).","vol":"1","page":603},{"text":"فأي زاجر أعظم من زاجر القرآن، والله جل وعلا يقول: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾ [ق:٤٥] فالقرآن الكريم لما ذكر آيات الربا، وأبان خطورته، أردفه بقوله تعالى مذكرًا بيوم الرجوع إلى الله، فقال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة:٢٨١] وقال في آية أخرى محذرًا من مغبة الوقوع والانغماس في الربا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)﴾ [آل عمران:١٣٠ - ١٣١]، يقول العلامة الخازن في تفسره:\" ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠)﴾ أي لكي تسعدوا بثوابه في الآخرة؛ لأن الفلاح يتوقف على التقوى، فلو أكل ولم يتق، لم يحصل الفلاح. وفيه دليل على أن أكل الربا من الكبائر، ولهذا أعقبه بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)﴾ \" (^١).\nووصف الكفر في الآية، محمول على من استحل شيئًا مما حرمه الله جل وعلا، فإن من استحل شيئًا مما حرمه الله تعالى، فهو كافر بالإجماع ويستحق النار بذلك.\nقال ابن عباس: هذا تهديد للمؤمنين، أن يستحلوا ما حرم الله عليهم من الربا وغيره، مما أوجب الله فيه النار (^٢).\nو) يقول الله ﷿: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ [القصص:٨٣].\nالتعاظم، والتكبر، والتجبر، والفساد في الأرض، من خصال أهل الطغيان الذين ليس لهم في الآخرة أمان، لذلك أدبهم القرآن الكريم بآدابه وزجرهم بزواجره، ووعظهم بمواعظه، فقال: يا معاشر المتكبرين المتجبرين، فقط لكم ولأمثالكم هذه الدار الفانية.\n_________\n(^١) الخازن: لباب التأويل، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤١٥ هـ (١/ ٢٩٦)\n(^٢) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: (٤/ ٢٠٢)، ابن عادل: اللباب في علوم الكتاب،: (٥/ ٥٣٣)","vol":"1","page":604},{"text":"أما الدار الباقية في الآخرة، فالله يقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾، فالجنة ليست دارًا للمتكبرين المتجبرين.\nوفي حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «اخْتَصَمَتِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ إِلَى رَبّهِمَا، فَقَالَتِ الجَنَّةُ: يَا رَبِّ، مَا لَهَا لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ، وَقَالَتِ النَّارُ: - يَعْنِي - أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي، وَقَالَ لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي، أُصِيبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا» (^١).\nفعالج القرآن الكريم داء الكبر والطغيان، بالتذكير بالوقوف بين يدي الديان، ولذا قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨)﴾ [العلق:٦ - ٨].\nفإذا كان المرجع والمآب في الآخرة إلى الرب ﷻ، فلا مكان للطغيان لأن الرجعى إليه، والعتبى لديه، فيجازيك على طغيانك.\nوفي الآية تهديد، وزجر، ووعيد، لهذا الإنسان من عاقبة الطغيان، وهو عام لكل طاغ متكبر (^٢).\nز) يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦١)﴾ [آل عمران:١٦١].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد ح (٧٤٤٩)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون ح (٢٨٤٦).\n(^٢) الرازي: مفاتيح الغيب: (٣٢/ ٢٢١)، الخازن: لباب التأويل: (٤/ ٤٤٨).","vol":"1","page":605},{"text":"قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وغيرهم في معنى قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ أي: ما ينبغي لنبي أن يخون (^١)، وقيل في سبب نزولها: عن ابن عباس قال: اتهم المنافقون رسول الله بشيء فُقِدَ، فأنزل الله ﷿: ... ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾.\nيقول الإمام ابن كثير:\" وقد روي من غير وجه عن ابن عباس نحو ما تقدم، وهذا تبرئة له - صلوات الله وسلامة عليه - عن جميع وجوه الخيانة في أداء الأمانة، وقسم الغنيمة، وغير ذلك \" (^٢).\nوذهب الإمام الطبري إلى أن المراد من الآية: هو النهي عن الغلول، وأخبر ﷾ عباده أن الغلول ليس من صفات أنبيائه بقوله ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ (^٣).\nفالنهي في الآية منصب على المؤمنين، وأن من غلّ من الغنائم فقد خان ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة، فيفضح يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، بأن يأتي بالشيء الذي غلّ في الدنيا (^٤). فمن علم بالفضيحة على رؤوس الأشهاد، والمجازاة على فعل القبائح والمنكرات، انزجر عن فعلها، وانكف عن ممارستها.\nيقول الإمام الرازي في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦١)﴾:\"هلاّ قيل: ثم يوفى ما كسب ليتصل بما قبله؟ والجواب: الفائدة في ذكر هذا العموم، أن صاحب الغلول إذا علم أن هاهنا مجازيًا يجازي كل أحد على عمله، سواء كان خيرًا أو شرًا، علم أنه غير متخلص من بينهم، مع عظم ما اكتسب\" (^٥).\n_________\n(^١) الطبري: جامع البيان: ص (٧/ ٣٤٨)، ابن أبي حاتم تفسير ابن أبي حاتم، (٣/ ٨٠٣).\n(^٢) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ت: سامي سلامة (٢/ ١٥١)\n(^٣) الطبري: جامع البيان، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ت: أحمد محمد شاكر، ص (٧/ ٣٥٤)\n(^٤) ابن عطية: المحرر الوجيز، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٢٢ هـ (١/ ٣٥٦)\n(^٥) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٩/ ٤١٤)","vol":"1","page":606},{"text":"ل) يقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠)﴾ [آل عمران:١٨٠]، في هذه الآية الكريمة، بيان لحال البخل وضخامة عاقبته، وتخطئة لأهله (^١)، سواء كان البخل في إيتاء الزكاة المفروضة ومانعيها، أو البخل في النفقة على العيال وذوي الأرحام. وهذه الآية وعيد شديد لمن يبخل، والبخل الشرعي: عبارة عن منع بذل الواجب (^٢).\n\nوهذا الخلق الذميم، نفاه الكريم الرحمن الرحيم عن نفسه المقدسة، حين قالت اليهود عليهم لعائن الله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ....﴾ [المائدة:٦٤].\nوأخبر القرآن الكريم أن الله جل في علاه، لا يحب هذا الخلق الذميم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٣٧)﴾ [النساء:٣٦ - ٣٧]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤)﴾ [الحديد:٢٣ - ٢٤].\nوأخبر القرآن الكريم أيضًا، أن النفس الطاهرة الزكية، هي النفس التي تخلصت من هذا الداء الدفين، فقال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾ [التغابن:١٦].\n_________\n(^١) أبو السعود: إرشاد العقل السليم: (٢/ ١٢٠)\n(^٢) أبو حيان: البحر المحيط، دار الفكر - بيروت، ١٤٢٠ هـ، ت: صدقي جميل، ص (٣/ ٤٥١)","vol":"1","page":607},{"text":"فحين يعلم البخيل أنه سيوكل إلى بخله في دنياه: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨)﴾ [محمد:٣٨].\nوحين يعلم أنه سيط وقون بما بخل به في أخراه ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ سيكون هذا أكبر رادع، عن التمادي في هذا الخلق الذميم، \"ولا يظن الذين يبخلون، أي: يمنعون ما عندهم، مما آتاهم الله من فضله من المال، والجاه، والعلم، وغيره، ذلك مما منحهم الله، وأحسن إليهم به وأمرهم ببذل ما لا يضرهم منه لعباده، فبخلوا بذلك، وأمسكوه، وضنوا به على عباد الله، وظنوا أنه خيرا لهم، بل هو شر لهم في دينهم ودنياهم وعاجلهم وآجلهم \" (^١).\nإن المتتبع لأسلوب القرآن الكريم، لمعالجة كثير من قضايا المجتمعات المؤلمة كالغل، والحقد، والحسد، والرياء، والعجب، والكبر، والغرور، وغيرها من آفات القلوب، وكثير من مآسي التعاملات اليومية المشتملة على الغش والتطفيف، وأكل أموال الناس واليتامى بالباطل، وغيرها من آفات الجوارح، وكثير من الظواهر المتفشية، كالكذب، والخيانة، والغيبة ... والنميمة، وغيرها من آفات اللسان يجده أنجع الأساليب في معالجة هذه الظواهر المؤلمة، وذلك بالتذكير باليوم الآخر، وجعله ماثلا أمام أعينهم وبهذا الأسلوب الرائع، عالج القرآن الكريم كثيرًا من هذه القضايا.\n_________\n(^١) السعدي: تيسير الكريم الرحمن، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ص (١٥٨).","vol":"1","page":608},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>المطلب الثاني أثر الإيمان باليوم الآخر في تقويم السلوك في ضوء السنة النبوية المطهرة</span>\nحملت السنة النبوية لواء تقويم السلوك، وتهذيب الأخلاق؛ إتمامًا لما بدأه القرآن الكريم في هذا الجانب العظيم، وكلاهما وحي من الله جل وعلا يهدفان إلى غاية واحدة، وهي تعبيد الناس لله جل وعلا، ونشر معاني الخير والصلاح والفلاح، والقضاء على كل معاني الفساد والرذيلة، والأخلاق المذمومة.\nوكانت بوابة هذا الإصلاح، الذي سارت عليه السنة المطهرة، في التقويم والتهذيب، والحض والتهييج، هو التذكير بالقيامة، وما فيها من الأحزان والآلام لمن خالف وعصى، وما فيها من الأفراح والإنعام لمن أطاع واستقام واتقى.\nوقد أولت السنة النبوية هذا الشأن اهتمامًا كبيرًا، ومن أوجه هذا الاهتمام: الارتباط الدائم، والتلازم القائم، بين الإيمان بالله تعالى والإيمان باليوم الآخر في كثير من نصوص السنة؛ لتؤكد أن الدافع والمحرك نحو العمل، هو ما يحصله المرء من الثواب، وينجو به من العقاب.\nومن النصوص النبوية الدالة على أثر الإيمان باليوم الآخر في تقويم السلوك وتهذيب الأخلاق ما يلي:\n١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» (^١).\nالإحسان إلى الجار، وإكرام الضيف، وحفظ اللسان، من أعمال البر والخير حثت عليها الشريعة، ووعدت عليها بالأجر العظيم، وهذا هو المحفز الكبير للالتزام بهذه الآداب الشرعية.\nفلسائل أن يسأل: ما الداعي للالتزام بهذه الشعائر والآداب؟\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأدب: ح (٦٠١٨) وأخرجه مسلم كتاب الإيمان، ح (٤٧).","vol":"1","page":609},{"text":"الجواب: هو إيماني بالله واليوم الآخر، فاعتقادي بيوم يجازى فيه المحسنون بإحسانهم، هو الدافع والمحفز الرئيس، للقيام بهذه الأعمال، ولذا يقول المولى جل في علاه: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾ [النجم:٣١].\nفقاعدة الانطلاق، ونقطة البدء في العمل الإسلامي، من فعل أو ترك، هو الإيمان باليوم الآخر.\nوهنا من تأمل في هذه الأعمال الشريفة، والمحاسن المنيفة، وجد أن سر الالتزام على هذه الأعمال، هو الشعور بعظيم ما ينتظرهم، وكمال ما أعد لهم عند الله ﷿، من جزيل الثواب، وكثير العطاء، وكبير الجزاء.\nوالناظر في الحديث، يرى جمال سر التخصيص باليوم الآخر بالذكر، دون غيره من مكملات الإيمان بالله تعالى، وذلك: أن رجاء الثواب والعقاب يرجع إلى الإيمان باليوم الآخر، فمن لا يعتقده لا يرتدع عن شر، ولا يقدم على خير، فلما كان يوم المعاد هو محل الجزاء على الأعمال، حسنها وسيئها ذكره في الحديث (^١).\nيقول الإمام أبو الوليد الباجي عن هذا الحديث وسر هذا التخصيص:\" أن هذا حكم من كان يؤمن بالله تعالى، وعَلِم أنه يجازى في الآخرة \" (^٢)، ويقول الحافظ ابن حجر:\" وخصه بالله واليوم الآخر؛ إشارة إلى المبدأ والمعاد، أي: من آمن بالله الذي خلقه، وآمن بأنه سيجازيه بعمله، فليفعل الخصال المذكورات\" (^٣).\n_________\n(^١) القاري: مرقاة المفاتيح: (٧/ ٢٧٣١)، ابن علان: دليل الفالحين: (٣/ ١٣٩)، الرزقاني: شرح الموطأ: (٤/ ٤٧٦).\n(^٢) الباجي: المنتقى شرح الموطأ، مطبعة السعادة - مصر، ط ١ ١٣٣٢ هـ (٧/ ٢٤٢).\n(^٣) ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ هـ (١٠/ ٤٤٦).","vol":"1","page":610},{"text":"فالسنة النبوية المطهرة، ربطت الأعمال المطلوب إيقاعها، بالإيمان باليوم الآخر؛ لما له من أثر في القبول والاستقامة، فإن \"من آمن بالله حق إيمانه خاف وعيده، ورجا ثوابه، ومن آمن باليوم الآخر، استعد له، واجتهد في فعل ما يدفع به أهواله ومكارهه، فيأتمر بما أمر به، وينتهي عما نهي عنه ويتقرب إلى الله بفعل ما يقرب إليه\" (^١). وحتى يُظهر الشارع الحكيم، الاهتمام والاعتناء بكل خصلة مستقلة عن الأخرى، كرر مقتضى الدافع للعمل وهو الإيمان بالله واليوم الآخر ثلاث مرات (^٢).\nوفي سر اختيار هذه الأمور الثلاثة في الحديث يقول الإمام الكرماني:\" فإن قلت: ما وجه ذكر هذه الأمور الثلاثة؟ قلت: هذا الكلام من جوامع الكلم؛ لأنها هي الأصول، إذ الثالث منها إشارة إلى القولية، والأولان إلى الفعلية: الأول منهما إلى التخلية عن الرذائل، والثاني إلى التحلية بالفضائل\" (^٣).\nوالمعنى العام للحديث، يعني: من كان إيمانه بالله اليوم الآخر، إيمانًا كاملًا فينبغي أن تكون هذه حاله وصفته (^٤).\nوقيل: الحديث لا يختص حكمه بأهل الكمال؛ لأن الإيمان وغيره مطلوب من كل مؤمن، فلا يختص طلبه بأهل الكمال، بل كل أحد يؤمر ليصل ذلك الكمال (^٥).\nوقد ورد في بعض روايات حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ «(^٦).\n_________\n(^١) القرطبي: المفهم، دار ابن كثير - دمشق، ط ٥ ١٤٣١ هـ (١/ ٢٢٩).\n(^٢) القاري: مرقاة المفاتيح، دار الفكر - بيروت، ط ١ ١٤٢٢ هـ (٧/ ٢٧٣١).\n(^٣) العيني: عمدة القاري، دار إحياء التراث العربي - بيروت: (٢٢/ ١١٠ - ٢٣/ ٧١).\n(^٤) ابن بطال: شرح صحيح البخاري، مكتبة الرشد - الرياض، ط ٢ - ١٤٢٣ هـ (٩/ ٣١٠).\n(^٥) السندي: كفاية الحجة في شرح سنن ابن ماجه، دار الجيل - بيروت: (٢/ ٣٩١).\n(^٦) أخرجه البخاري: كتاب الأدب، باب إكرام الضيف وخدمته إياه بنفسه ح (٦١٣٨).","vol":"1","page":611},{"text":"في الحديث إشارة إلى أن القاطع، كأنه لم يؤمن بالله واليوم الآخر؛ لعدم خوفه من شدة العقوبة المترتبة على القطيعة (^١)، والمقصود بالصلة: تشريك ذوي القرابات في الخيرات (^٢).\nوكما أن السنة المطهرة، بينت آثر الإيمان باليوم الآخر، في التحفيز على العمل، كذلك بينت أثر الإيمان باليوم الآخر، في الكف عن النواهي والزجر عن المحرمات، والنصوص الواردة في هذا الجزئية كثيرة جدًا، كلها تدل على أن سبب الانزجار والانتهاء عما نهت عنه هذه الأحاديث، هو الخوف من مغبة الوقوع في هذه الأعمال، والجزاء المخيف المترتب عليها يوم القيامة.\nومن النصوص الواردة في ذلك ما يلي:\n(أ) عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: «لَا يُبْغِضُ الْأَنْصَارَ رَجُلٌ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» (^٣).\nحب الأنصار من الإيمان ودلالة عليه، فإن من عرف مرتبة الأنصار، وما كان منهم في نصرة دين الإسلام، والسعي في إظهاره، وإيواء المسلمين وقيامهم في مهمات دين الإسلام حق القيام، وحبهم النبي - ﷺ - وحبه إياهم وبذلهم أموالهم وأنفسهم بين يديه، وقتالهم ومعاداتهم سائر الناس؛ إيثارًا للإسلام من عرف فيهم هذه الخصال أحبهم، ولذا كان حبهم إيمان ودين وإحسان، وبغضهم نفاق.\nولا يبغضهم إلا من خلا قلبه من الإيمان بالله واليوم الآخر، خاصة بعدما عرف ما لهم من الفضل والمكانة، والنصرة بالمال، والنفس، والولد.\nوهذا الحب والإجلال، والإكرام والاحترام، واجب لكل صحابة رسول الله - ﷺ - دون إفراط في حب أحد منهم، أو تبرئ من أحدهم، مع سلامة القلوب والألسنة تجاههم، وإحسان القول فيهم، وذكرهم بالجميل والإمساك عما شجر بينهم، والتماس أحسن الأعذار لهم.\n_________\n(^١) القاري: مرقاة المفاتيح، دار الفكر - بيروت، ط ١ ١٤٢٢ هـ (٧/ ٢٧٣٢).\n(^٢) العيني: عمدة القاري، دار إحياء التراث العربي - بيروت: (٢٢/ ١٧٦).\n(^٣) أخرجه مسلم كتاب الإيمان، باب الدليل على أن حب الأنصار وعلي من الإيمان وعلاماته ح (٧٦).","vol":"1","page":612},{"text":"(ب) عن أبي شريح العدوي، أن النبي - ﷺ - قال: «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضُدَ بِهَا شَجَرَةً ...» (^١).\nفضل مكة أمر مشهور لا يخفى على أحد، ومن مكانتها أن الله ﷿ حرمها، وجعل لحرمها خصائص لا يكون لغيره، وتعظيم هذه الشعائر من تعظيم الله تعالى، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج:٣٠].\nوأن الذي يدعو إلى تعظيم شعائر الله ﷿، هو إيمان المرء بالله واليوم الآخر، وأن من قلّ في قلبه تعظيم الله تعالى، وغابت عن ناظريه مشاهد الآخرة، هانت عليه هذه الشعائر، فوقع في الحرام، وما يغضب الرحمن سبحانه. ومقتضى الوصف في الحديث بقوله: (لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر) هو التهييج.\nيقول الإمام ابن دقيق العيد:\" الذي أراه أن هذا الكلام من باب خطاب التهييج، فإن مقتضاه أن استحلال هذا المنهي عنه، لا يليق بمن يؤمن بالله واليوم الآخر، بل ينافيه، هذا هو المقتضى لذكر هذا الوصف\" (^٢)، ويقول الحافظ ابن حجر:\" فيه تنبيه على الامتثال؛ لأن من آمن بالله، لزمته طاعته، ومن آمن باليوم الآخر، لزمه امتثال ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه؛ خوف الحساب عليه\" (^٣).\n(ج) عن أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي - ﷺ -: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الحج، باب لا يعضد شجر مكة ح (١٨٣٢).\n(^٢) ابن دقيق العيد: إحكام الأحكام، مطبعة السنة المحمدية، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٢/ ٦١)\n(^٣) ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ هـ (٤/ ٤٣)\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم ح (١٠٨٨).","vol":"1","page":613},{"text":"(د) وعن أم حبيبة ﵂ قالت: سمعت النبي - ﷺ -، يقول: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ، فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» (^١).\nلا يمنع المرأة المكلفة من مواقعة ما لا يحل لها، إلا خوفها من الله تعالى واستشعارها شدة الموقف بين يديه، ولذا يقول العلامة الطيبي في التعليق على حديث الإحداد:\"الوصف بالإيمان إشعار بالتعليل، وأن من آمن بالله وبعقابه، لا يجترئ على مثله من العظام \" (^٢).\nويقول العلامة ابن علان:\" التقييد بالإيمان؛ لأن المؤمنة هي المتقيدة بأحكام الشرائع، المنقادة لها \" (^٣).\nويقول العلامة الزرقاني:\" وقيّد بذلك؛ لأن الإيمان هو الذي يستمر للمتصف به خطاب الشرع، فينتفع به، وينقاد له، أو أن الوصف ذُكر لتأكيد التحريم\" (^٤).\nفالمتتبع لنصوص السنة المطهرة، الدالة على اهتمامها ببيان أثر الإيمان باليوم الآخر على أعمال المكلفين، يجدها كثيرة متوافرة، مبثوثة في كتب السنة والأثر\nفكل ما ورد في أحاديث السنة المطهرة، من بيان أثر الإيمان باليوم الآخر على أعمال المكلفين سلبًا أو إيجابًا، فهي من خصال الإيمان التي ينبغي فعلها إن كانت أمرًا، والبعد عنها وتركها إن كانت نهيًا.\nيقول الإمام ابن رجب مبينا، أن الخصال المبنية على وصف الإيمان بالله واليوم الآخر، من خصال الإيمان:\" فقوله - ﷺ -: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليفعل كذا وكذا: يدل على أن هذه الخصال من خصال الإيمان ... وقد سبق أن الأعمال تدخل في الإيمان\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري كتاب الجنائز ح (١٢٨٠)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطلاق، ح (١٤٨٦.\n(^٢) القاري: مرقاة المفاتيح، دار الفكر - بيروت، ط ١ ١٤٢٢ هـ (٥/ ٢١٨٢)\n(^٣) ابن علان: دليل الفالحين، دار المعرفة -بيروت، ط ٤ ١٤٢٥ هـ (٥/ ٢١٨٢)\n(^٤) الزرقاني: شرح الموطأ، مكتبة الثقافة الدينية - القاهرة، ط ١ ١٤٢٤ هـ، (٤/ ٦٢١)\n(^٥) القاري: مرقاة المفاتيح، دار الفكر - بيروت، ط ١ ١٤٢٢ هـ (٥/ ٢١٨٢).","vol":"1","page":614},{"text":"إن التلازم بين الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر له شأن، والتلازم والاقتران بين الإيمان باليوم الآخر والأحكام الشرعية له شأن آخر، ففيه إلماح للمكلف إلى ضرورة استحضار الآخرة في قلبه وعدم إغفالها؛ لما فيه من محاسن كثيرة على رأسها إحسان العمل والإخلاص فيه، فحين يستحضر المكلف وقوفه غدًا بين يدي ربه جل وعلا، تعلو همته، وتقوى عزيمته إلى العمل الصالح الذي يسعد به في دنياه، وينجو به - بإذن الله تعالى في أخراه، قال تعالى: ... ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ [الزخرف:٧٢].","vol":"1","page":615},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>الفصل الثاني: أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد والمجتمع</span>،\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد، وفيه أربعة مطلب:\nالمطلب الأول: الثراء المعرفي الموجب للأثر التعبدي.\nالمطلب الثاني: أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد من الناحية التعبدية.\nالمطلب الثالث: أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد من الناحية النفسية.\nالمطلب الرابع: أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد من الناحية السلوكية والأخلاقية.\n\nالمبحث الثاني: أثر الإيمان باليوم الآخر على المجتمع، وفيه مبحثان:\nالمطلب الأول: أثر الإيمان باليوم الآخر على المجتمع من الناحية التعبدية.\nالمطلب الثاني: أثر الإيمان باليوم الآخر على المجتمع من الناحية السلوكية والأخلاقية.","vol":"1","page":616},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>المبحث الأول أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد</span>\nمن أقوى النزعات الفطرية التي تنتاب الإنسان، حتى ربما استولت على كل مشاعره، وأورثته خوفًا وفزعًا، هي نزعة الخلود، ولولا هذه النزعة لما وجدت عاملًا في مجال خير، ولكان عيش الإنسان منغصًا بذكر الموت؛ لأن الحياة تنتهي تمامًا بالموت، والسر في ذلك: أن النفس مجبولة على حب الخلود ولما كانت سنة الله تعالى الجارية على البشرية، أن لا خلود في الدنيا، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾ [الأنبياء:٣٤]، وقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥]، تطلعت النفوس إلى حالة تحوز فيه هذا الخلود، والبقاء الأبدي.\nإنك لن تجد من يُضحي بأغلى ما يملك من حياته، إلا حين يعلم أن ما يقابله أعظم وأكرم، فالكل يسعى للخلود، فهذه النزعة تكمن في أعماق النفوس، ولو جهد المرء لإنكارها؛ ليقنع نفسه بالعدمية، ويتخلص من الخوف المستقر في أعماقه، من النهاية البائسة اليائسة. فهذا أحد أكابر المذهب الشيوعي القائم على إنكار الإله، وما يترتب عليه من عدمية الخلود، لينين كان مرتعبًا جدًا من الموت، حتى قال: أخاف أن أموت، وأفتح عيني هناك! يعني في دار الخلود، وهي النزعة الفطرية الكامنة في النفوس، هذا رغم أنه لا يؤمن أصلًا بوجود الله تعالى، وهذا مثير للعجب، فإذا كان الإنسان لا يؤمن بوجود الله تعالى، فما الذي يخيفه ويزعجه من الكلام عن الجحيم أو السماء؟ (^١).\nواختلف مفهوم الخلود عند الناس وإن كان محصله النهائي هو البقاء الأبدي: فالمصريون القدماء، لم يكن يدفعهم لتزيين مقابرهم وإعدادها، إلا لاستقبال الروح عند عودتها ثانية، وهذه تعبر عن نزعة الخلود لديهم.\nومن يؤمنون التناسخ، القائم على انتقالات الروح إلى ما يناسبها من خير أو شر، هي تعبير عن هذا الخلود بشكل ما.\n_________\n(^١) مستفاد من مقال لـ مرثافرنسيس، في مجلة الحوار المتمدن، العدد: (٢٦٦٦) بتاريخ: ١٣/ ٣/٢٠١٢","vol":"1","page":617},{"text":"أما نزعة الخلود عند المسلمين، فلا يشبعها إلا الإيمان بالآخرة؛ إذ هي امتداد لحياتهم على الأرض، غير أنها بعيدة كل البعد عن منغصات ومكدرات الحياة، فلا آلام ولا أسقام، ولا أوجاع ولا أحزان، ولا هموم ولا غموم، لا خوف من الموت ولا من المستقبل، بل حياة مليئة بكل المتع التي لم ترها عين، ولم تخطر على قلب، يزيد من طمأنينة هذه النزعة الخلودية لديهم حين ينادي المناد في الجنة: (إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن أتحيوا فلا تموتوا أبدًا وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تيأسوا أبدًا)، وتكمل هذه النزعة وتستقر، حين يُؤتى بالموت الهادم للذات، المنغص للأفراح والمسرات، في صورة كبش أملح، فيذبح بين الجنة والنار، فكم هي سعادة أهل الجنة بالخلود الدائم في النعيم، وكم هي تعاسة أهل النار وشقاؤهم بالخلود الدائم في الجحيم.\nولكن هذا هو الجزاء العدل في ذلك اليوم العظيم.\nفالإيمان بالآخرة هو الذي يشبع هذه النزعة الخلودية، وهو محور السعادة المطلوبة، واللذة المبتغاة (^١)، عندها تهون كل تضحية لقاء تحقيق هذا الخلود فيصبح عالم الموت المخيف الموحش، بداية لعالم رحيب، مليء بكل المتع والملذات، ولذا لا تقف أمام النفس البشرية، أية عوائق أو صعوبات، تحول دون الوصول لهذه المتع، ولو كانت ببذل الحياة رخيصة، مقابل الحصول على ذلك النعيم الموعود في جنات النعيم.\nإن الشعور بالصحة الدائمة، والشباب الخالد في الآخرة، الخالي عن كل عوامل الفناء، هو المحرك المحفز للعمل الصالح.\nفهل للإيمان باليوم الآخر، المشتمل على إشباع هذه النزعة الخلودية الفطرية عند الإنسان، أثر على الفرد والمجتمع؟\nالجواب: نعم، بلا شك، وهذه الآثار تظهر جليا في مطالب هذا المبحث.\n_________\n(^١) مستفاد من مقال: لـ أ. د. علي لانما، بعنوان (ضرورة الإيمان باليوم الآخر في القرآن بمنظور رسائل النور من موقع النور على الشبكة العنكبوتية دون ذكر تاريخ:  www.u -  ﷺ -  online.com","vol":"1","page":618},{"text":"إن المراد بالأثر في هذا المقام، هو الأثر الإيجابي الذي يعمل في نفس الشخص عمله، فيصنع منه إنسانًا له شخصية تكاملية في جميع النواحي ... يظهر أثرها في الناحية التعبدية، والسلوكية، والأخلاقية، والنفسية، فيرجع أثرها المبارك على نفسه، وأهله، ومجتمعه.\nأما ما يجنيه المنكر، أو المتناسي لليوم الآخر من الآثار السلبية، فهي مع ما تؤدي إليه من فقدان مستوى الأمان والطمأنينة والسعادة، لدى صاحبها، إلا أنه كذلك، يعايش نفسا مليئة بالقلق، والحيرة، والاضطراب.\nوكذا فإن الإنسان \"ما دام لا يخاف أو لا يرجوا نتيجة سيئة أو حسنة، وراء هذه الحياة الدنيا، فإنه لا يطمح ببصره وراء أعماله، إلا إلى النتائج العاجلة الظاهرة في هذه الدنيا نفسها، ولذلك لا بد أن تتغير قيم الأعمال المعنوية على وجه ليس له بحال، أن يكون ملائمًا لمجتمع إنساني مهذب، بل الأصح أن أي طائفة إنسانية، إذا تمنت لأخلاقها مثل هذا المستوى الدنيء، فإنها لن تنقذ نفسها من التدهور، إلى درجة أحط من درجة البهائم، والوحوش الضارية\" (^١).\nإن الغافل عن اليوم الآخر، سيعيش هملًا لا أهدافًا ينتظر تحقيها، ولا غايات يؤمل الوصول إليها، وهذا يخلق فيه اليأس نحو مستقبله؛ لأنه لا أمل لديه، فتصير حياته كأنها كابوسًا مزعجًا، أو سجنًا محزنًا، أو ألمًا موجعًا لا يدري كيف ستكون نهايتها، ولذا ربما أقدم إلى ما يشعره بالخلاص، من هذه الأوهام التي تنتابه، والأوجاع التي يشعر بها.\nومن هنا كان الخلاص كل الخلاص، أن يؤمن المرء ويعتقد: بأن ثَمَّ يوم يجازى فيه المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، هذا اليوم يجد فيه المطيع لذة طاعته، ونتيجة مجاهدته، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت:٦٩].\nولذا عندما ادعى بعض الناس، أن الأجساد لا تبعث يوم القيامة، قال فيها المعري:\nقال المنجم والطبيب كلاهما ... لا تبعث الأموات قلت: إليكما\n_________\n(^١) سعيد حوى: الإسلام، دار السلام للطباعة - ط ٣ ١٤١٧ هـ، ص (٧٦٦)","vol":"1","page":619},{"text":"إن صح قولكما فلست بخاسر ... أو صح قولي فالخسار عليكما (^١)\nيكفي من شدة الحسرة يوم الموقف، أن يرى الإنسان المكذب أو المتغافل ما كان ينكره ماثلًا أمام عينيه، فما مدى شعوره حينئذ، فلن يملك حينها إلا الأسى والندم، والحسرة والألم، وهل سيغني عنه البكاء، أو سيدفع عنه الرجاء، لا، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦)﴾ [المائدة:٣٦].\nيقول أحد مشيخة الأزهر:\" جاءني أحد الشباب ينكر الآخرة، فقلت له: يحتمل أن يكون كلامك صحيحًا، ففرح الشاب وشعر أنه منتصر، فقلت له: أنا رجل آمنت بالقيامة، فابتعدت عن الزنا، وعن السرقة، فعشت نظيف السيرة، مستريح النفس، فإذا مت ولم يبعثني الله - كما تقول - فما خسرت شيئًا، وإن بعثني الله، فأنا في الجنة، فأنا في الحالتين رابح، ما خسرت شيئًا بسبب إيماني، أما أنت يا ولدي: فماذا تفعل إذا فوجئت بأن القيامة حق، وأن الله يبعث من في القبور؟ عند ذلك سكت الشاب، وقال لي: لقد احتطت لنفسك عندما آمنت بالآخرة، وخير لي أن أؤمن بالآخرة \" (^٢).\nولذا قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، لبعض من قَصُرَ عقله عن فهم حقائق الأمور، وكان شاكًا: \"إن صح ما قلت فقد تخلصنا جميعًا وإلا فقد تخلصت وهلكت\"، فالعاقل يسلك طريق الأمن في جميع الأحوال (^٣).\n_________\n(^١) الغزالي: إحياء علوم الدين، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (٤/ ٥٩)\n(^٢) محمود محمد غريب: تربية القرآن يا ولدي، مطبعة الشعب - بغداد، ط ١ ١٤٠٠ هـ، ص (٧٤ - ٧٥).\n(^٣) الغزالي: إحياء علوم الدين، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (٤/ ٥٩).","vol":"1","page":620},{"text":"أما آثار الإيمان باليوم الآخر الإيجابية المنعكسة على الفرد، فلا تكاد تُحصى لأن آثارها في الشخص الذي استقر الإيمان باليوم الآخر في قلبه، وأصبح ماثلًا أمام عينيه، يكون ظاهرًا ملحوظًا ملموسًا لدى العيان،، فهو يعلم أن الوصول إلى الجنة شاق، فطريقها محفوف بالمكاره، فيصبر ويصابر؛ ليظفر بالنعيم المقيم، ويعلم أن الوصول إلى النار سهل ميسر، فطريقها محفوف بالشهوات والملذات، التي تحبها النفس، ويشتهيها الطبع، ويميل إليها القلب، ولكنه يصبر عنها؛ خوفا مما سيقاسيه من المخاوف والآلام في النار.\nإن مشاهد الآخرة التي تحدثنا عنها، من الموت، والبعث، والحشر والحوض، والميزان، والصراط، والشفاعة، كلها تَدَعُ أثرًا إيجابيًا في نفس المؤمن بها، ينعكس هذا الأثر على سلوكه وأخلاقه.\nفحين يتأمل المرء في الموت وكربته، القبر وظلمته، ويتذكر أهل القبور الذين انقطعت عنهم الأعمال، وتوقفت بهم الآمال، حينها فقط: يشعر المرء بحقارة هذه الدنيا، وما أورثته في قلوب أهلها من غفلة، فيقوم وينفض عنه أوحال المعصية، ويستعد بالزاد الذي يقربه إلى الله زلفى.\nيقول العلامة القصري:\" ومن حقائق الإيمان بهذا الباب: أن يعد العبد نفسه من أهل القبور، ويجعل الجسد للروح كالقبر، ويغيب فيه بالخلوة والإخلاص عن الخلق، ويعلق الروح بالعالم الأخراوي العلوي، فيسري ويطير مع النفس في الملكوت بالفكر، ويتنعم بأنواع الذكر، فيكون في روضة من رياض الجنة، تأوي إلى ربه في كل حال\" (^١).\nوحين يتأمل في الحساب وشدته، وينظر في أحوال الناس يومئذ، يورث في نفسه سعيًا لأن يكون من أهل اليمين، الذين يحاسبون حسابًا يسيرًا. وأقل الناس يومئذ حسابًا، \"أهل الورع في الدنيا، فلم يبق لهم إلا العرض على الملك المحاسب فقط\" (^٢).\n_________\n(^١) القصري: شعب الإيمان ت: سيد كسروي، ص (٥٨٢)\n(^٢) القصري: شعب الإيمان، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤١٦ هـ ص (٥٩٦)","vol":"1","page":621},{"text":"وحين يتأمل في الميزان الذي توزن فيه أعمال العباد، يسعى حثيثًا لملئه بكل خير، \"فإذا أردت أن ترى صورة الوزن هاهنا، انظر إلى نفسك في هذا العالم ما علا فوقك نور كله، وسمو وارتفاع إلى الله، وإلى الدار الآخرة والجنة، وما سفل من الدنيا إلى أسفل سافلين، غفلة وعصيان، وجهل وظلام، إلى سجين ونار جهنم، والعبد قائم بينهما، موزون بحركاته وسكناته، في الخير والشر\" (^١).\nوحين يتأمل في الصراط وزلته، وأن النار تحته تتخطف المجرمين والظالمين، بكلاليب وخطاطيف من نار، وأن أهل الإيمان يسعون فيه قدر أعمالهم، سعى لما يخلصه من هذا الهول، ويصرف عنة هذا الخوف، فسارع إلى الخيرات، وسابق إلى الحسنات، وفر عن المعاصي والسيئات.\nوحين يتأمل في مكرمات الرحمن في الآخرة، وما أعده سبحانه لأهل طاعته، تتوق نفسه أن يكون من أهلها، وأن ينهل من بركتها وخيرها، فيعلم أن لا رجاء في تحصيلها، إلا لمن كان على الحق قائمًا، وعلى الطاعة ملازمًا، وعلى الإيمان والتوحيد محافظًا، فحينها لا يجد بُدًا من أن يسير في ركابهم، ويلتحق بنجائبهم؛ لعله يفوز بأعلى المراتب، ويحظى بالمكرمات، وأفضل المكاسب.\nإن آثار الإيمان باليوم الآخر على الفرد، لا تنحصر في جهة دون أخرى، وإنما تشمل هذه الآثار جهات عدة من حياة الفرد، ولذا فالحديث عن هذه الآثار ... ينتظم المطالب التالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>المطلب الأول: الثراء المعرفي الموجب للأثر التعبدي وغيره:</span>\nيسعى الفرد المسلم لتحقيق ذاته في هذه الحياة، وهذا منوط بالأسباب التي جعلها الله تعالى، كفيلة لتحقيق هذا الهدف، وهي بدورها تعكس آثارها النفسية، والسلوكية، والأخلاقية، والتعبدية، على هذا الفرد المسلم، وهذه الآثار الإيجابية التي يجنيها المسلم، جراء إيمانه باليوم الآخر، فتظهر آثارها في أقواله وأفعاله، وحركاته وسكناته، هي أثر نابع عن الثراء المعرفي، الموجب لهذا الأثر التعبدي وغيره.\nوهذا الثراء المعرفي له مظاهر، وأسباب، ونتائج، هي موجب الأثر التعبدي وغيره.\n_________\n(^١) القصري: شعب الإيمان: ص (٦٠٣)","vol":"1","page":622},{"text":"إن مما يحمل الفرد المسلم على التعبد، كمال المعرفة، ولذلك كان العلماء هم خير البرية؛ لأنهم أشد الناس خشية، يقول جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر:٢٨]، ويقول جل وعلا: ﴿أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧)﴾ إلى قوله ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ [البينة:٦ - ٧].\nفاقتضت الآيتان أن العلماء هم الذي يخشون الله تعالى، وأن الله يخشون الله تعالى هم خير البرية، فينتج أن العلماء هم خير البرية (^١).\nولذا قال الإمام القرافي:\" خير البرية من يخشى الله تعالى، وكل من يخشى الله فهو عالم، فخير البرية عالم\" (^٢).\nإن الحاجة الملحة للإحاطة بالثراء المعرفي، الموجب للأثر التعبدي وغيره، يعتبر من أهم الأسباب الداعية إلى معرفة مظاهر المعرفة، والبحث عن نتائجها، والتي تعبر عن الأثر التعبدي وغيره.\nأما مظاهر الثراء المعرفي فيقوم على:\n١ - معرفة الله ﷾ بأسمائه وصفاته، وظهور آثار هذه المعرفة في العالم الدنيوي والأخروي.\n٢ - المعرفة بالرسول - ﷺ - المخبر عن الله تعالى.\n٣ - معرفة دلالات النصوص الشرعية، والوقوف على مراميها، واستظهار حكمها، وأحكامها.\nوبعد التعرف على مظاهر المعرفة الموجبة للأثر التعبدي، يرد التساؤل المفروض: كيف يُحَصِّل المرء الثراء المعرفي؟\nوالجواب: أن تحصيل هذا الثراء المعرفي، يقوم على كثرة النظر والاطلاع لكلام أهل العلم والمعرفة.\n١ - أما الثراء المعرفي المتعلق بمعرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته، فيكون بالنظر إلى طريقين، دعا إليهما الرب ﷾ في القرآن (^٣):\n_________\n(^١) ابن جماعة: تذكرة السامع والمتكلم، دار الضياء - مصر، ط ١ ١٤٢٣ هـ، ص (٤٢)\n(^٢) القرافي: الذخيرة، دار الغرب الإسلامي - بيروت، ط ١ ١٩٩٤ م (١/ ٤١)\n(^٣) ابن القيم: الفوائد، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ٢ - ١٣٩٣ هـ، ص (٢٠)","vol":"1","page":623},{"text":"(أ) النظر في مفعولاته، وهي آياته المشهودة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ [البقرة:١٦٤].\n\"والقرآن كله مملوء من دعاء العباد إلى التفكر في الآيات، والنظر في أحوال المخلوقات\" (^١).يقول شيخ الإسلام:\" القرآن يأمر ويمدح التفكر والتدبر والنظر، والاعتبار، والفقه، والعلم، والعقل، والسمع، والبصر والنطق ونحو ذلك من أنواع العلم وأسبابه وكماله، ويذم أضداد ذلك\" (^٢) والنظر إلى المخلوقات العلوية والسفلية على وجه التفكر والاعتبار، مأمور به مندوب إليه (^٣)؛ لأنه يوصل إلى معرفة الباري جل في علاه.\nيقول الإمام ابن القيم:\" الفكرة في آياته المشهودة، والاعتبار بها والاستدلال بها على أسمائه وصفاته، وحكمته، وإحسانه، وبره، وجوده وقد حض الله سبحانه عباده على التفكر في آياته، وتدبرها، وتعقلها، وذم الغافل عن ذلك \" (^٤).\n(ب) النظر في آيات المسموعة كقوله تعالى ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [محمد: ٢٤]، وكقوله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون:٦٨]، وكقوله ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩].\n_________\n(^١) ابن القيم: مدارج السالكين، دار الكتاب العربي - بيروت، ط ٣ ١٤١٦ هـ (١/ ٢٨١)\n(^٢) ابن تيمية: الاستقامة، جامعة الإمام محمد بن سعود - المدينة النبوية، ط ١ ١٤٠٣ هـ (٢/ ١٥٩)\n(^٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (١٥/ ٣٤٣).\n(^٤) ابن القيم: الجواب الكافي، دار المعرفة - المغرب، ط ١ ١٤١٨ هـ، ص (١٥٦).","vol":"1","page":624},{"text":"والمقصود منه: التفكر والتأمل في آيات القرآن كلها، والفهم الخاص عن الله تعالى، ورسوله - ﷺ - (^١)، يقول الإمام ابن القيم:\" وإنما دعاهم إلى التفكر والتدبر؛ ليطلعهم ذلك على حكمته البالغة، وما فيه من الغايات والمصالح المحمودة، التي توجب لمن عرفها، إقراره بأنه تنزيل من حكيم حميد\" (^٢).\nفتكوين الثراء المعرفي في هذا الباب، يكون بالآيات المسموعة المتلوة وبالآيات المشهودة المرئية، وكلاهما أدلة، وآيات على توحيد الله تعالى وأسمائه وصفاته وكماله، وصدق ما أخبرت به الرسل عنه (^٣).\nوكذا فإن ما أخبرت به الرسل عن الله جل في علاه، هو مصدر من مصادر تكوين الثراء المعرفي، كحديث ابن مسعود ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ «(^٤)، فقوله: إن الله جميل: أي في ذاته، وصفاته وفعاله، وكل جمال صوري، أو جميل معنوي، فهو أثر جماله، فلا جمال، ولا جلال، ولاكمال إلا له سبحانه (^٥)، وهذا أثر معرفي كبير، إذ الله جل وعلا له الجمال المطلق، ومن أحق بالجمال، فإن كل جمال في الوجود من آثار صنعته فله جمال الذات، وجمال الصفات، وجمال الأفعال، ولولا حجاب النور على وجهه، لأحرقت سبحات وجهه، ما انتهى إليه بصره من خلقه (^٦).\nوهذا أحد الوجهين الذي اشتمل عليه الحديث، فإنه اشتمل على وجهين وقاعدتين:\nالأولى: تتعلق بالمعرفة، ويتضمنها قوله «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ «.\nوالثانية: تتعلق بالسلوك، ويتضمنها قوله «يُحِبُّ الْجَمَالَ «.\n_________\n(^١) ابن القيم: الفوائد، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ٢ - ١٣٩٣ هـ، ص (١٧٠).\n(^٢) ابن القيم: شفاء العليل، دار المعرفة - بيروت، ١٣٩٨ هـ، ص (٢٠٠).\n(^٣) ابن القيم: مدارج السالكين، دار الكتاب العربي - بيروت، ط ٣ ١٤١٦ هـ (١/ ٦٦).\n(^٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان: باب تحريم الكبر وبيانه ح (٩١).\n(^٥) القاري: مرقاة المفاتيح، دار الفكر - بيروت، ط ١ ١٤٢٢ هـ (٨/ ٣١٩٠).\n(^٦) المناوي: فيض القدير، المكتبة التجارية الكبرى - مصر، ط ١ ١٣٥٦ هـ (١/ ٢٢٤)","vol":"1","page":625},{"text":"فكل ما يصدر عن الله جل وعلا، فإنه جميل وليس بقبيح، بل حسن تستحسنه العقول السليمة، وتستسيغه النفوس، وهذا الجمال لله ﷾ حق، وهو إلى الله سبحانه، ليس للإنسان فيه حيلة، وليس له فيه كسب، وإنما ذكر النبي - ﷺ - ما للإنسان فيه كسب وهو التجمل (^١).\nيقول الإمام ابن القيم:\" وجماله سبحانه على أربع مراتب: جمال الذات وجمال الصفات، وجمال الأفعال، وجمال الأسماء ... قال ابن عباس: حجب الذات بالصفات، وحجب الصفات بالأفعال، فما ظنك بجمال حجب بأوصاف الكمال، وستر بنعوت العظمة والجلال.\nومن هذا المعنى يفهم بعض معاني جمال ذاته، فإن العبد يترقى من معرفة الأفعال إلى معرفة الصفات، ومن معرفة الصفات إلى معرفة الذات، فإذا شاهد شيئًا من جمال الأفعال، استدل به على جمال الصفات، ثم استدل بجمال الصفات، على جمال الذات. ومن هنا يتبين: أنه سبحانه له الحمد كله وأن أحدًا من خلقه لا يحصي ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه \" (^٢).\nوقال في موضع آخر:\" والمحبة لها داعيان: الجمال، والجلال، والرب تعالى له الكمال المطلق من ذلك، فإنه جميل يحب الجمال، بل الجمال كله له، والإجلال كله منه، فلا يستحق أن يحب لذاته من كل وجه سواه \" (^٣).\nوأما الجانب السلوكي في الحديث، المقصود من قوله «يُحِبُّ الْجَمَالَ «: فهذا هو مقتضى وموجب الأثر، الذي يحدثه الثراء المعرفي للأسماء والصفات.\n_________\n(^١) ابن عثيمين: شرح رياض الصالحين، دار الوطن - الرياض، ١٤٢٦ هـ، (٣/ ٥٤٢)\n(^٢) ابن القيم: الفوائد، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ٢ - ١٣٩٣ هـ، ص (١٨٣)\n(^٣) ابن القيم: الجواب الكافي، دار المعرفة - المغرب، ط ١ ١٤١٨ هـ، ص (٢٢٨)","vol":"1","page":626},{"text":"يقول الإمام ابن القيم:\" والرب تعالى يحب أسماءه وصفاته، ويحب مقتضى صفاته وظهور آثارها في العبد، فإنه جميل يحب الجمال، عفو يحب أهل العفو كريم يحب أهل الكرم، عليم يحب أهل العلم، وتر يحب أهل الوتر، قوي والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف، صبور يحب الصابرين، شكور يحب الشاكرين، وإذا كان سبحانه يحب المتصفين بآثار صفاته، فهو معهم بحسب نصيبهم من هذا الأصناف\" (^١).\nويقول شيخ الإسلام في هذا المعنى:\" فإن الشارع قد ذكر أنه يحب إتصاف العبد بمعاني أسماء الله تعالى، كقول النبي - ﷺ -: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ «... «إِنَّ اللهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوَتْرَ»، «إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا»، «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ»، «إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ، فَاعْفُ عَنِّي»، «إِنَّ اللَّهَ نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ «\" (^٢).\n٢ - وأما الثراء المعرفي المتعلق بالنبي - ﷺ - والموجب للأثر التعبدي وغيره فيكون بالنظر إلى أمور:\n(أ) النظر إلى شرف نسبه، وطهارة منشئه، ﵊. وهذا مما لا يحتاج إلى إقامة دليل عليه، \"فإنه نخبة بني هاشم، وسلالة قريش وحميها وأشرف العرب، وأعزهم نفرًا من قبل أبيه وأمه، ومن أهل مكة، ومن أكرم بلاد الله على الله، وعلى عباده\" (^٣).\nعن واثلة بن الأسقع ﵁، قال: قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» (^٤).\n_________\n(^١) ابن القيم: عدة الصابرين، دار ابن كثير - دمشق، ط ٣ ١٤٠٩ هـ، ص (٤٨).\n(^٢) ابن تيمية: بيان تلبيس الجهمية، المجمع لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية، (٦/ ٥٢٠).\n(^٣) القاضي عياض: الشفا بتعريف حقوق المصطفى، دار الفيحاء - عمان (١/ ١٨٤).\n(^٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي ﷺ ح (٢٢٧٦).","vol":"1","page":627},{"text":"(ب) بالنظر إلى كمال الأخلاق، وجمال الآداب، التي جُبل عليها النبي - ﷺ - فهو إمام في المكارم، إمام في الأخلاق، إمام في الآداب، \"وليس من شك في أن النسب الزكي، إذا انضم إليه الخلق الرضي، كان خيرًا وأزكى\" (^١).\n(ج) النظر إلى كماله - ﷺ -: فقد حاز النبي - ﷺ - الكمال المعتبر في البشر من أربعة أوجه: \"كمال في خَلقه، وكمال في خلُقه، وفضائل الأقوال، وفضائل الأعمال \" (^٢).\nوقد عُرِفَ صدق النبي - ﷺ - بآية وبغير آية، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:\" كثير من الناس يعلم صدق النبي بلا آية، وكثير من الناس يعلم صدق المخبر بلا آية البتة، بل إذا أخبره وهو خبير بحاله، أو بحال ذلك المخبر، أو بهما علم بالضرورة: إما صدقه، وإما كذبه\" (^٣).\nوهو الذي عبر عنه الإمام ابن تيمية بالمسلك الشخصي، والمسلك النوعي وهو معرفة طبيعة الشخص الذي يدعي النبوة.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا المسلك الشخصي:\" وكذلك أبو بكر وزيد بن حارثة وغيرهما، علموا صدقة علمًا ضروريًا، لما أخبرهم بما جاء به وقرأ عليهم ما أنزل عليه، وبقي القرآن الذي قرأه آية، وما يعرفون من صدقه وأمانته، مع غير ذلك من القرائن، يوجب علمًا بأنه صادق\". (^٤) (د) بالنظر إلى مقتضيات شهادة أن محمدًا رسول الله - ﷺ - وهي: طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر، والنهي عما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله تعالى إلا بما شرع.\nفطاعته وتصديقه، معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:\" ونحن نعلم يقينا بالاضطرار، أن من دين الإسلام: أن محمدًا رسول الله - ﷺ - أوجب الله تعالى علينا طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر \" (^٥).\n_________\n(^١) أبو شهبة: السيرة النبوية على ضوء القرآن والسنة، دار القلم -دمشق، ط ٨ ١٤٢٧ هـ (٢/ ٦١٩).\n(^٢) الماوردي: أعلام النبوة، مكتبة الهلال - بيروت، ط ١ ١٤٠٩ هـ، ص (٢١٧).\n(^٣) ابن تيمية: النبوات، أضواء السلف - الرياض، ط ١ ١٤٢٠ هـ (٢/ ٨٨٦).\n(^٤) ابن تيمية: النبوات: (٢/ ٨٨٦)، ابن تيمية: شرح العقيدة الأصفهانية، ص (٩٣).\n(^٥) ابن تيمية: الصفدية، مكتبة ابن تيمية - مصر، ط ٢ - ١٤٠٦ هـ (١/ ٢٥٨).","vol":"1","page":628},{"text":"وهذا النظر وغيره، مقتضٍ لمحبة النبي - ﷺ - والمحبة الصادقة متقضية للإتباع والاستقامة والالتزام، على منهجه - ﷺ - وهذا هو الثراء المعرفي، الموجب للأثر التعبدي وغيره.\n٣ - أما الثراء المعرفي المتعلق بمعرفة دلالات النصوص الشرعية، والوقوف على مراميها، واستظهار حكمها وأحكامها، فإنه كذلك موجب للأثر التعبدي وغيره. فإن من عرف دلالات النصوص، ووقف على دقائقها واستشف أعماقها، أوجبت له خضوعًا، وانكسارًا، واعترافًا، بجلال وكمال المُرسِل والمُرسَل، وازداد يقينه، وقوي تصديقه بالنصوص الشرعية.\nوأما تكوين الثراء المعرفي، المتعلق بمعرفة دلالات النصوص فهو بحاجة إلى:\n- همة عالية، وشغف بالعلم، وسعي حثيث لطلبه.\n- وعالم متميز متخصص ميسر للعلوم، مقرب للمعاني.\n- مع كثرة النظر والطلاع.\n- وصحبة صالحة، تعين على مواصلة العلم.\n- بناء مكتبة متنوعة، تعين على تكوين الثراء المعرفي.\nإن تكوين الثراء المعرفي، له طرقه وسبله الوفيرة، وقد أُلفت فيها المؤلفات وأفردت فيها المصنفات، ولمبتغي الخير، والزيادة، والإفادة، التماسها والنظر فيها.\nلا ريب أن تكوين هذا الثراء المعرفي، يتبعه أثر معرفي موجب للأثر التعبدي وغيره.\nفإذا علمت أن الله ﷻ، الملك الحق المبين، فآمنت بالملك الإلهي المطلق، والعدالة الإلهية المطلقة، التي لا يمكن أن يضيع معها حق، أو يهضم معها نصيب، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤)﴾ [النساء:١٢٤].\nوقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل:٩٧].\nوقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾ [الإسراء:١٩].","vol":"1","page":629},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾ [طه:١١٢].\nوقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (٩٤)﴾ [الأنبياء:٩٤]. وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (٤٠)﴾ [غافر:٤٠].\nفحين يشعر المرء بهذه الضمانات، وذلك الأمان بحفظ عمله الصالح، وأنه منمى مدخرًا له، ثم مجازاته عليه بأحسن الجزاء، لا شك أنه سيسعى مع الساعين، ويتنافس مع المتنافسين، ولن يقف عند حدود عمل بعينه، بل سيسهم في كل باب خير بسهم، وسيُبقِي له في كل عين أثر.\nوإذا علمت أن الله ﷻ، الجبار المنتقم، فآمنت بالقدرة الإلهية المطلقة، والعدالة الإلهية المطلقة، التي تنتصر لكل مظلوم، وتأخذ الحق لكل مهضوم، قال ﷻ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣)﴾ [إبراهيم:٤٢ - ٤٣].\nفحينها فقط ستسعى للتخلص من كل مظلمة، تعلقت بالنفس، أو المال أو العرض.\nفلا شك أن الثراء المعرفي، موجب للأثر التعبدي، والسلوكي والأخلاقي والنفسي، والاجتماعي.\nفالثراء المعرفي بالدار الآخرة، له انعكاسات إيجابية، فبه تنشأ سلوكيات وأعمال خير وبر، لم تكن لتنشئ لولاه، وتسود معانٍ من الولاء والإخاء والوفاء، لم تكن لتسود لولاه.","vol":"1","page":630},{"text":"وبه يقوم العدل مقام الظلم، والإحسان مقام الإجرام، والرحمة مقام القسوة، والإنصاف مقام الإجحاف، والأمانة مقام الخيانة، والإنفاق مقام الإقتار، والبر مقام الضر، والتعاون مقام التواكل، والتناصر مقام التناحر والتواضع مقام الكبر، والجود مقام البخل، وحسن الظن مقام سوء الظن وحسن الأخلاق مقام سوء الأخلاق، والحلم مقام الغضب، والحياء مقام انعدامه، والصبر مقام التسخط، والرضا مقام الجزع، والرفق مقام الشدة والعفة مقام الرذيلة، والعزة مقام الخنوع والضعف، والعفو مقام الانتقام والقناعة مقام الطمع، والمحبة مقام البغض، والستر مقام الفضيحة، وصفاء القلب مقام الغل والحقد والحسد، والرجولة مقام الخنوثة، والصدق مقام الكذب. إن الثراء المعرفي يمتد في إيجابياته إلى ما لا نهاية؛ لأنه قائم على بناء الأخلاق، وتشييد الآداب، ولذا فأفراده لا تنحصر، والعاقبة في الآخرة لمن صبر وظفر\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>المطلب الثاني أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد من الناحية التعبدية</span>\nاستشعار اليوم الآخر، له أثر كبير في حياة الفرد، ومن آثاره الإيجابية من الناحية التعبدية ما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>١ - الإخلاص لله تعالى:</span>\nفمن علم أنه موقوف بين يدي الله تعالى، ومسؤول ومحاسب، هانت عليه الدنيا، وما عليها، وما فيها، وكان هذا داعيًا للإخلاص؛ لأن المرء إنما يرائي لدنيا يحصلها، أو سمعة يؤمل فيها، وكلها لا تغني من الله تعالى شيئًا.\nفأثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد في إخلاصه، يظهر في تعبده وتعامله، فلا يرائي أحدًا في عبادة؛ لأنه يعلم أن الله قد أمر بالإخلاص فيها فقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة:٥].","vol":"1","page":631},{"text":"فيظهر أثر الإخلاص في صلاته، وزكاته، وصومه، وحجه، وسمته وخلقه، وفي جميع تعاملاته، فيؤدي ما اؤتمن عليه على أكمل وجه؛ لأن هذا مقتضى الإخلاص، الذي يدعو صاحبه إلى الأمانة والنزاهة. فالإخلاص هو حقيقة الإسلام، يقول شيخ الإسلام:\" وأما الإخلاص فهو حقيقة الإسلام إذ الإسلام هو الاستسلام لله لا لغيره\" (^١).\nولما كان الإخلاص من أجل أعمال القلوب، وأعلاها منزلة ومقامًا، به تزكو النفس ولا تستغني عنه، أوجبه الله تعالى في كتابه، ولذا قال الإمام عبد الله بن أبي جمرة:\" وددت أنه لو كان من الفقهاء، من ليس له شغل، إلا أن يعلم الناس مقاصدهم في أعمالهم، ويقعد إلى التدريس في أعمال النيات ليس إلا، فإنه ما أتى على كثير من الناس إلا من تضييع النيات\" (^٢)، وكانت تقول رقية الموصلية العابدة:\" تفقهوا في مذاهب الإخلاص، ولا تفقهوا فيما يؤديكم إلى الركوب على القلاص\" (^٣).\nوقد ذكر أرباب المعارف، أن الإخلاص أصل كل حال، فعنه يتشعب اليقين والخوف، والمحبة والإجلال، والحياء والتعظيم، وهذه كلها معانٍ قلبية لا تكون إلا لله جل وعلا، فمن هنا لا يسمى المخلص مخلصًا، حتى يفرد الله ﷿ عن الأشباه والأنداد، والصاحبة والولد، ثم إقامة التوحيد، وجمع الهم له وبه، في النفل والفرض (^٤)، ولذا قال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في وصيته:\" والزم الإخلاص في جميع أفعالك، وطاعتك وتصرفاتك؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة:٥] \" (^٥).\n_________\n(^١) ابن تيمية: أمراض القلوب وشفاؤها، المطبعة السلفية - القاهرة، ط ٢ - ١٣٩٩ هـ، ص (٤١)\n(^٢) ابن الحاج: المدخل، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤١٥ هـ، (١/ ٦)\n(^٣) ابن الجوزي: صفة الصفوة، دار الحديث - القاهرة، ١٤٢١ هـ (٢/ ٣٥٨)\n(^٤) الحارث المحاسبي: رسالة المسترشدين، مكتب المطبوعات الإسلامية ص (١٧٠ - ١٧٥).\n(^٥) أبو عبد الرحمن السلمي: الوصية، مكتبة الصحابة - طنطا: ص (٤٤).","vol":"1","page":632},{"text":"والإخلاص لا يحصل إلى بعد الزهد، ولا زهد إلا بتقوى، والتقوى متابعة الأمر والنهي (^١)، ولذا كان الإخلاص عزيزًا، قال بعضهم: \"في إخلاص ساعة نجاة الأبد، ولكن الإخلاص عزيز \" (^٢).\nوالإخلاص مضاد لمحبة المدح والثناء، وقد سئل بعض العارفين عن الإخلاص، فقال: الخالص من الأعمال: ما لا يحب أن يحمد عليه إلا لله ﷿ (^٣)، وقال الإمام العز بن عبد السلام:\" الإخلاص أن يريد الله بطاعته ولا يريد به سواه \" (^٤).\nولذا كان من دواعي التزام الإخلاص:\" علمه بأن الله تعالى يعلم السر والجهر، وأنه يعلم ما هو أخفى من السر، يعلم مكنونات الضمائر وما تخفي الصدور، وأن السر والجهر عنده ﷿ سواء ...، علمه بأن الناس ليس لهم من الأمر شيء، ولا يستطيعون النفع والضر إلا بإذن الله تعالى ..، علمه بأن الإنسان سيواجه جزاءه ولا بد، وأنه سيحاسب على حقيقة أعماله، لا على دعواه، ولا بما أظهره \" (^٥).\nومن هنا قال الإمام ابن القيم:\" لا يجتمع الإخلاص في القلب، ومحبة المدح والثناء، والطمع فيما عند الناس، إلا كما يجتمع الماء والنار، والضب والحوت، فإذا حدثتك نفسك بطلب الإخلاص، فأقبل على الطمع أولًا فاذبحه بسكين اليأس، وأقبل على المدح والثناء، فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة، فإذا استقام لك ذبح الطمع، والزهد في الثناء والمدح سهل عليك الإخلاص\" (^٦).\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (١/ ٩٤).\n(^٢) الغزالي: إحياء علوم الدين، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٤/ ٣٧٨).\n(^٣) ابن عساكر: تاريخ دمشق، دار الفكر، ١٤١٥ هـ، (٦٦/ ١٥٥).\n(^٤) ابن عبد السلام: مقاصد الرعاية لحقوق الله ﷿، دار الفكر - دمشق ص (٥٤).\n(^٥) الرحيلي: طريقك إلى الإخلاص والفقه في الدين، دار الأندلس الخضراء ص (٣٣).\n(^٦) ابن القيم: الفوائد، دار الكتب العلمية -بيروت، ط ٢ - ١٣٩٣ هـ، ص (١٤٩).","vol":"1","page":633},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-184>٢ - الرغبة في الآخرة، وإيثارها على الدنيا:</span>\nوهذه نتيجة طبيعية لمن عرف الإيمان في الدنيا، وذاق طعمه، وعاش حياة الآخرة في الدنيا قبل الآخرة، فحينها سيكون أشد رغبة في الآخرة، التي حتوت كل المتع والملذات، يقول الحارث المحاسبي:\" ومن علامة معرفة الآخرة: هيجان الرغبة فيها، وشدة الشوق إليها، والأنس بكثرة ذكرها، ومؤانسة من صدق في العمل لها\" (^١).\nولو تفكر العاقل في أمر الآخرة، لعلم أن الآخرة أولى بالإيثار من الدنيا، وهذا يعلمه كل إنسان علمًا حقيقيًا، \"ولو سئل عن سبب معرفته لم، يقدر على إيراده والتعبير عنه، مع أنه لم تحصل معرفته إلا عن المعرفتين السابقتين وهو أن الأبقى أولى بالإيثار، وأن الآخرة أبقى من الدنيا، فتحصل له معرفة ثالثة، وهو أن الآخرة أولى بالإيثار\" (^٢).\nوهذه حقيقة مُسَلَّمة؛ لأن المرء إذا \"فكر في الآخرة، وشرفها، ودوامها، وفي الدنيا، وخستها، وفنائها، أثمر له ذلك: الرغبة في الآخرة، والزهد في الدنيا\" (^٣)، فالزهد في الدنيا مفتاح الرغبة في الآخرة (^٤).\nوعلى هذا كان فهم السلف، قال عمران المِنْقَري: قلت للحسن يومًا في شيء، يا أبا سعيد، ليس هكذا يقول الفقهاء، قال: ويحك، أَوَ رأيت أنت فقيهًا قط! إنما الفقيه، الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير في أمر دينه، المداوم على عبادة الله ﷿ (^٥).\n_________\n(^١) الحارث المحاسبي: آداب النفوس، دار الجيل - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (١٥٢).\n(^٢) الغزالي: إحياء علوم الدين، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٤/ ٤٢٦).\n(^٣) ابن القيم: الفوائد، دار الكتب العلمية -بيروت، ط ٢ - ١٣٩٣ هـ، ص (٩٤ - ١٩٨).\n(^٤) ابن القيم: حادي الأرواح، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٠٣ هـ، ص (٦٨).\n(^٥) الآجري: أخلاق العلماء، رئاسة البحوث العلمية والإفتاء في السعودية، ١٣٩٨ هـ، ص (٧٤).","vol":"1","page":634},{"text":"وهنا لا بد من تصحيح مفهوم الزهد في الدنيا، فليس المراد منه: الانقطاع التام عن الدنيا وملاذها، فهذا مخالف لحقيقة الشريعة المطهرة، فكيف يكون الزهد بالانقطاع عن الدنيا، والله جل وعلا أمر بعمارة الأرض حيث جعلها لنا، وكيف يكون الزهد بالانقطاع عن الدنيا، والله جل وعلا أمر بالسعي في مناكبها لكسب الرزق، فالشريعة تكاملية تعطي كل ذي حق حقه، مشفوعة بقوله جل في علاه: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧].\nأما المراد بالزهد عند السلف: فهو ما قاله ابن عباس ﵄: \"الزهد أن لا يسكن قلبك إلى موجود في الدنيا، ولا يرغب في مفقود منها\" (^١)، وهذا سفيان الثوري يعطينا حقيقة الزاهد في الدنيا فيقول:\" من زهد في الدنيا ملكها، ومن رغب فيها عبدها، فمن شاء فيعش فيها ملكًا، ومن شاء فليعش فيها عبدًا \" (^٢).\nوقد ذكر أبو سعيد ابن الأعرابي، مقالات الأئمة في الزهد، ونقل ما يربوا عن ست وأربعين مقالة، كلها تبين حقيقة الزهد والزاهد (^٣). وخلاصة القول: ما ذكره الإمام ابن تيمية في حقيقة الزهد المشروع: بأنه ترك كل شيء لا ينفع في الدار الآخرة، وثقة القلب بما عند الله تعالى (^٤).\nوفسرها: بفضول المباح التي لا يستعان بها على طاعة الله تعالى (^٥)، أما كل ما يستعين به العبد على طاعة الله تعالى، فليس تركه من الزهد المشروع (^٦).\n_________\n(^١) البيهقي: الزهد الكبير، مؤسسة الكتب الثقافية - بيروت، ط ٣ ١٩٩٦ م، ص (٦٢).\n(^٢) الخطيب البغدادي: الزهد والرقائق، دار البشائر - بيروت، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ص (١٣٤).\n(^٣) ابن الأعرابي: الزهد وصفة الزاهدين، دار الصحابة - طنطا، ط ١ ١٤٠٨ هـ، ص (٢ - ٣٧).\n(^٤) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (١٠/ ٦٤١).\n(^٥) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (١/ ٢١).\n(^٦) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (١١/ ٢٨).","vol":"1","page":635},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>٣ - أن ذكر الآخرة سبب من أسباب نجاة العبد:</span>\nيقول الإمام ابن القيم: \"فمن استقر في قلبه ذكر الآخرة وجزائها، وذكر المعصية والتوعد عليها، وعدم الوثوق بإتيانه بالتوبة النصوح، هاج في قلبه من الخوف مالا يملكه، لا يفارقه حتى ينجو \" (^١).\nويروى عن بعض الحكماء أنه كتب إلى أخ له:\" سلام عليك، أما بعد: فاذكر ما أنت عنه زائل، وعليه قادم، وإليه صائر، كذكر من نظر فاعتبر، وأخذ حذره فازدجر، وتعوذ بالله من موت القلب، عن شدة العناية للسداد والرشاد، وحسن الاستعداد للمعاد\" (^٢).\nفالعاقل لا يغفل في دنياه عن ذكر الآخرة؛ لأنها مآله ومصيره ومستقره، فيكون له في كل ما يراه من ماء، أو نار، أو غيرهما، عبرة وموعظة، فإن المرء ينظر بحسب همته (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>٤ - الخوف من الله تعالى:</span>\nمن علم أن الله ﷻ، مالك يوم الدين، وأن الملك بيده، والكل تحت قبضته وتصرفه، أورثه ذلك خوفًا من الله تعالى، ففر إليه. ومعلوم أن كل من خاف من شيء فر منه، إلا الله تعالى، فإن من خافه فر منه إليه، قال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)﴾ [الذاريات:٥٠].\nالخوف من الله ﷿ من المقامات العلية، ومن لوازم الإيمان (^٤).\nقال أبو سليمان الداراني:\" وأصل كل خير في الدنيا والآخرة: الخوف من الله \" (^٥)، وكان أبو عثمان الحيري يقول: \"الخوف من الله يوصلك إليه والعجب يقطعك عنه، واحتقار الناس في نفسك مرض لا يداوى \" (^٦).\n_________\n(^١) ابن القيم: طريق الهجرتين، دار السلفية - القاهرة، ط ٢ - ١٣٩٤ هـ، ص (٢٨٣).\n(^٢) المحاسبي: آداب النفوس، دار الجيل - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (١٦١).\n(^٣) الغزالي: إحياء علوم الدين، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (١/ ١٣٩).\n(^٤) ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ هـ (١١/ ٣١٣).\n(^٥) ابن الجوزي: صفة الصفوة، دار الحديث - القاهرة، ١٤٢١ هـ (٢/ ٣٨٠).\n(^٦) ابن الجوزي: صفة الصفوة، دار الحديث - القاهرة، ١٤٢١ هـ (٢/ ٣٢٠).","vol":"1","page":636},{"text":"وموجبات الخوف من الله ﷻ أمور: فتارة \"يكون لمعرفة الله تعالى ومعرفة صفاته، وأنه لو أهلك العالمين لم يُبال، لو يمنعه مانع، وتارة يكون لكثرة الجناية من العبد بمقارفة المعاصي، وتارة يكون بهما جميعًا، وبحسب معرفته بعيوب نفسه، ومعرفته بجلال الله واستغنائه، وأنه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، فتكون قوة خوفه، فأخوف الناس لربه، أعرفهم بنفسه وبربه \" (^١).\nيقول شيخ الإسلام: \"إن الخوف من الله يستلزم العلم به، فالعلم به يستلزم المشيئة، وخشيته تستلزم طاعته، فالخائف من الله، ممثل لأوامره مجتنب لنواهيه \" (^٢).\nوكلما نقص مقدار الخوف من الله تعالى، حصل الاجتراء على محارم الله. \"ونقصان الخوف من الله، إنما هو لنقصان معرفة العبد به، فأعرف الناس أخشاهم لله، ومن عرف الله اشتد حياؤه منه، وخوفه له، وحبه له، وكلما ازداد معرفة، ازداد حياء، وخوفًا، وحبا، فالخوف من أجل منازل الطريق\" (^٣).\nوعلامة الخوف من الله تعالى: ترك جميع ما كره الله تعالى (^٤)، ولذا كان الخوف من الله تعالى على مقامين:\n\"أحدهما: الخوف من عذابه، والثاني: الخوف منه.\nفأما الخوف منه: فهو خوف العلماء وأرباب القلوب، العارفين من صفاته ما يقتضي الهيبة والخوف والحذر، المطلعين على سر قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨].\nوأما الأول: فهو خوف عموم الخلق، وهو حاصل بأصل الإيمان بالجنة والنار، وكونهما جزاءين على الطاعة والمعصية\" (^٥).\n_________\n(^١) الغزالي: إحياء علوم الدين، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٤/ ١٥٥).\n(^٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (٧/ ٢٤)\n(^٣) ابن القيم: طريق الهجرتين، دار السلفية - القاهرة، ط ٢ - ١٣٩٤ هـ، ص (٢٨٣).\n(^٤) الحارث المحاسبي: أدآب النفوس، دار الجيل - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (١٥٠).\n(^٥) الغزالي: إحياء علوم الدين، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٤/ ١٦٨).","vol":"1","page":637},{"text":"والقدر الواجب من الخوف: ما حمل على أداء الفرائض، واجتناب المحارم فإن زاد على ذلك، بحيث صار باعثًا للنفوس على التشمير في نوافل الطاعات، والانكفاف عن دقائق المكروهات، والتبسط في فضول المباحات كان ذلك خوفًا محمودًا، فإن تزايد على ذلك، بأن أورث مرضًا، أو موتًا، أو همًا لازمًا، بحيث يقطع عن السعي في اكتساب الفضائل المطلوبة المحبوبة لله ﷿، لم يكن محمودًا (^١).\nولذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:\" الخوف المحمود: ما حجزك عن محارم الله \" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>٥ - رجاء ما عند الله ﷿:</span>\nهذا أثر عظيم من آثار الإيمان باليوم الآخر؛ لأن المرء إذا علم ما أعد الله جل وعلا، من المكرمات والفضائل لأوليائه وعباده المؤمنين، زاده ذلك شوقًا ورغبة لما عند الله تعالى من ذلك الخير، فيعيش مع خوفه، راجيًا ما عند الله من الفضل والمثوبة، قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩)﴾ [الحجر:٤٩]، يقول الإمام ابن كثير:\" وهي دالة على مقامي الخوف والرجاء\" (^٣).\nوقال تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ [غافر:٣]، يقول الإمام ابن كثير:\" وقد اجتمع في هذه الآية الرجاء والخوف .. يقرن هذين الوصفين كثيرًا، في مواضع متعددة من القرآن؛ ليبقى العبد بين الرجاء والخوف\" (^٤).\n_________\n(^١) ابن رجب: التخويف من النار، دار البيان - دمشق، ط ٢ - ١٤٠٩ هـ، ص (٢٨).\n(^٢) ابن تيمية: المستدرك على مجموع الفتاوى، دار القاسم - الرياض، ط ١ ١٤١٨ هـ (١/ ١٤٧).\n(^٣) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، ت: سامي سلامة (٤/ ٥٣٩)\n(^٤) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، ت: سامي سلامة (٧/ ١٢٧)","vol":"1","page":638},{"text":"والرجاء والخوف مستلزمان، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:\" وكل من الرجاء والخوف مستلزم للآخر \" (^١). وبيّنه بقوله:\" والخشية أبدًا متضمنة للرجاء، ولولا ذلك لكانت قنوطًا، كما أن الرجاء يستلزم الخوف، ولولا ذلك لكان أمنًا، فأهل الخوف من الله والرجاء له، هم أهل العلم الذين مدحهم الله \" (^٢).\nولذا ينبغي للعبد، أن يكون بين الرجاء والخوف، بمطالعة صفات الجمال تارة، وبملاحظة نعوت الجلال أخرى (^٣)، قال أبو علي الروذباري:\" الخوف والرجاء كجناحي الطائر، إذا استويا استوى الطير وتم طيرانه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص، وإذا ذهبا صار الطائر في حد الموت \" (^٤).\nواختلفت أنظار العلماء بعد ذلك في مسألتين:\n١ - في التفضيل بين جانبي الرجاء والخوف.\n٢ - في تقديم أي المقامين منهما.\nأما فيما يتعلق في التفضيل بين هذين المقامين:\nأولًا: الاتفاق حاصل على علوهما وشرفهما، وعليه يفهم أن كلام صاحب المنازل حين قال: \"الرجاء أضعف منازل المريد\"، أن فيه نظر (^٥).\nثانيًا: اختلفت وجهات العلماء في ترجيح أي الجانبين أقوى وأفضل؟\nفقال بعضهم: جانب الرجاء أقوى، وذهب إليه جماعة من العلماء، منهم الإمام النووي، والرازي، وجماعة. قال الإمام النووي:\" قد تتبعت الأحاديث الصحيحة في الخوف والرجاء، فوجدت أحاديث الرجاء أضعاف أحاديث الخوف، مع ظهور الرجاء فيها \" (^٦).\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (٤/ ٣٣)\n(^٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (٧/ ٢١)\n(^٣) القاري: مرقاة المفاتيح، دار الفكر - بيروت، ط ١ ١٤٢٢ هـ (٤/ ١٦٤٠)\n(^٤) ابن أبي العز: شرح الطحاوية، وزارة الأوقاف السعودية، ط ١ ١٤١٨ هـ، ص (٣١٢)\n(^٥) ابن أبي العز: شرح الطحاوية، وزارة الأوقاف السعودية، ط ١ ١٤١٨ هـ، ص (٣١٢)\n(^٦) النووي: المجموع شرح المهذب، دار إحياء التراث - بيروت، ط ١ (٥/ ١٠٩)","vol":"1","page":639},{"text":"وقال العلامة القاري معلقًا على كلام النووي:\" قلت: لو لم يكن إلا حديث واحد، وهو (سبقت أو غلبت رحمتي على غضبي) لكفى دليلًا على ترجيح الرجاء، ويعضده آية ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦]، بل هو أمر مشاهد في عالم الوجود، من غلبة آثار الرجاء على آثار الخوف \" (^١).\nوقال الإمام الرازي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ [الأعراف:٢٠٥]: \"إلا أن هنا دقيقة: وهي أن سماع لفظ الرب يوجب الرجاء، وسماع لفظ التضرع والخيفة يوجب الخوف، فلما وضع الابتداء بما يوجب الرجاء، علمنا أن جانب الرجاء أقوى\" (^٢).\nوقال العلامة الكرماني في شرحه لحديث البخاري: (أنا عند ظن عبدي بي) (^٣): \"وفي السياق إشارة إلى ترجيح جانب الرجاء على الخوف \"، قال الحافظ ابن حجر تعليقًا:\" وكأنه أخذه من جهة التسوية، فإن العاقل إذا سمع ذلك لا يعدل إلى ظن إيقاع الوعيد، وهو جانب الخوف؛ لأنه لا يختاره لنفسه، بل يعدل إلى ظن وقوع الوعد، وهو جانب الرجاء، وهو كما قال أهل التحقيق: مقيد بالمحتضر\" (^٤).\nوذهب الفضيل بن عياض وجماعة، إلى أن الخوف أفضل، قال الفضيل:\" الخوف أفضل من الرجاء، ما كان الرجل صحيحًا، فإذا نزل الموت فالرجاء أفضل\" (^٥).\nومن كلام الفضيل ننتقل للمسألة الثانية: وهي أي المقامين أحق بالتقديم؟ والعلماء مختلفون في هذه المسألة على أقوال:\nفقيل: بأن مقام الخوف أفضل في حال الصحة والحياة، فإذا حضر الموت فالرجاء أفضل (^٦).\n_________\n(^١) القاري: مرقاة المفاتيح، دار الفكر - بيروت، ط ١ ١٤٢٢ هـ (٤/ ١٤٦٠)\n(^٢) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (١٥/ ٤٤٣)\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى (ويحذركم الله نفسه) ح (٧٤٠٥).\n(^٤) ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ هـ (١٣/ ٣٨٥)\n(^٥) ابن رجب: تفسير ابن رجب: (٢/ ٣٢٨)، ابن عطية: المحرر الوجيز: ط ١ ١٤٢٢ هـ (٢/ ٤١١)\n(^٦) أبو طالب المكي: قوت القلوب، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ٢ - ١٤٢٦ هـ (١/ ٣٦٦).","vol":"1","page":640},{"text":"وقيل: بأن مقام الخوف والرجاء في حال الصحة مستويان، فيكون خوفه ورجاؤه سواء، وفي حال المرض يمحض الرجاء، واختاره الإمام النووي (^١). وقال في سبب تغليب جانب الرجاء، متى دنت أمارات الموت: \"لأن مقصود الخوف؛ الإنكفاف عن المعاصي والقبائح، والحرص على الإكثار من الطاعات والأعمال، وقد تعذر ذلك أو معظمه في هذا الحال، فاستحب إحسان الظن المتضمن للافتقار إلى الله تعالى، والإذعان له\" (^٢).\nواستدل الإمام العراقي بحديث الرجل الذي قال لأهله: (إذا أنا مت فأحرقوني .. ثم قال: لم فعلت ذلك؟ قال: من خشيتك يارب وأنت أعلم قال فغفر له)، على أنه لا ضرر في غلبة الخوف، وإن كانت بقرب الوفاة، ثم قال: \"إن كان العلماء رجحوا في تلك الحالة، تغليب جانب الرجاء، على جانب الخوف\" (^٣).\nوقال إمام ابن الوزير: \" والجمع بين الخوف والرجاء سنة الله، وسنة رسله ﵈، وسنة دين الإسلام، والأولى للإنسان تغليب الخوف في حق نفسه، إلا عند اقتراب الأجل الاقتراب الخاص، أعني عند ظهور أمارات الموت في المرض الشديد، وإلا فالموت قريب غير بعيد، وذلك لما صح أن الله تعالى يقول: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاء»، ولهذا الحديث لم يكن تقديم عمومات الوعيد، أولى من تقديم خصوص آيات الرجاء وأحاديثه \" (^٤).\n_________\n(^١) النووي: رياض الصالحين، المكتب الإسلامي - بيروت: ص (١٤٦).\n(^٢) النووي: شرح مسلم، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٢ - ١٣٩٢ هـ (١٧/ ٢١٠).\n(^٣) العراقي: طرح التثريب، مكتبة الباز - مكة، ط ١ ١٤٢٤ هـ (٣/ ٢٧٠).\n(^٤) ابن الوزير: إيثار الحق على الخلق، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ٢ - ١٩٨٧ م، ص (٣٥٥).","vol":"1","page":641},{"text":"وذهب البعض: إلى أنه لا يُهمل جانب الخوف، حين ظهور أمارات الموت بحيث يجزم بأنه آمن، ويؤيده ما أخرج الإمام الترمذي عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَخَلَ عَلَى شَابٍّ وَهُوَ فِي المَوْتِ، فَقَالَ: «كَيْفَ تَجِدُكَ؟» قَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَرْجُو اللَّهَ، وَإِنِّي أَخَافُ ذُنُوبِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا المَوْطِنِ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ» (^١) (^٢).\nوقيل: إذا كان في طاعة، فليغلب الرجاء، وأن الله يقبل منه، وإذا كان في المعصية، فليغلب الخوف؛ لئلا يقدم على المعصية (^٣). وقيل: أكمل الأحوال: اعتدال الرجاء والخوف، وغلبة الحب، فالمحبة هي المركب، والرجاء حاد والخوف سائق، والله الموصّل بمنه وكرمه (^٤).\nوبعد هذا النقل عن العلماء، يتبين لنا فضل هذين المقامين، وعلو منزلتهما وأن المرء لا غنى له عنهما، فالرجاء مقصوده: إحسان الظن بالله عند حصول التقصير والخطأ، مع رجاء محو الذنب والخطأ، مع التنبه إلى أنه ليس المقصود بالرجاء: هو الأمان والتفريط، وتضييع الأعمال، واطراح التقوى فهذا من عمل الجهال البطالين (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في جامعه، أبواب الجنائز، باب ما جاء أن المؤمن يموت بعرف الجبين ح (٩٨٣)، وقال الإمام الترمذي: وهذا حديث غريب، وقد روى بعضهم هذا الحديث عن ثابت عن النبي ﷺ مرسلًا، مكتبة البابي - مصر، ط ٢ - ١٣٩٥ هـ (٣/ ٣٠٢)\n(^٢) ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ هـ (١١/ ٣٠١)\n(^٣) العثيمين: شرح رياض الصالحين، دار الوطن - الرياض، ١٤٢٦ هـ، (٣/ ٣٣٧)\n(^٤) ابن القيم: مدارج السالكين، دار الكتاب العربي - بيروت، ط ٣ ١٤١٦ هـ (١/ ٥١٣)\n(^٥) ابن حجر: فتح الباري،: (١١/ ٥١٣)، ابن الوزير: إيثار الحق على الخلق: ص (٣٥٤)","vol":"1","page":642},{"text":"وقد ذكر الإمام ابن القيم فوائد الرجاء وأطنب فيها، وذكر منها:\" إظهار العبودية، والفاقة، والحاجة، إلى ما يرجوه من ربه، ويستشرفه من إحسانه وأنه لا يستغني عن فضله، وإحسانه طرفة عين \" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>٦ - محبة الله تعالى ورسوله ﵊:</span>\nإذا علم المرء بما أعده الله تعالى للطائعين، من أنواع النعيم، وصنوف التكريم، ثم بينت له الطرق الموصولة إليها، وسبل الشيطان المانعة منها تعلق قلبه بالله وحده، فأحبه وأثنى عليه بما هو أهله؛ لأنه الجواد الكريم وأحب رسوله عليهم الصلاة والسلام؛ لأنه السبب في وصول هذا الخير إلينا، وهذا النور الذي بين يدينا، فكان هذا موجبًا لشكر الله تعالى والاستقامة على دينه. ومعلوم أن محبة الله تعالى، ومحبة رسوله ﵊، \"من أعظم واجبات الإيمان، وأكبر أصوله، وأجل قواعده، بل هي أصل كل عمل من أعمال الدين والإيمان\" (^٢).\n\"وإذا كانت المحبة أصل كل عمل ديني، فالخوف والرجاء وغيرهما يستلزم المحبة ويرجع إليها، فإن الراجي الطامع، إنما يطمع فيما يحبه، لا فيما يبغضه، والخائف يفر من الخوف؛ لينال المحبوب\" (^٣).\nوهذه الثلاثة: المحبة والخوف والرجاء، هي محركات القلوب إلى الله تعالى وأقواها المحبة، وهي مقصودة تراد لذاتها؛ لأنها تراد في الدنيا والآخرة بخلاف الخوف، فإنه يزول في الآخرة (^٤).\nإن الإيمان باليوم الآخر، له أثر على زيادة مقامات الإيمان وشعبه العلية كالخوف، والرجاء، والمحبة، ولذا تجد المرء المتيقظ الذي لا يفارقه ذكر الآخرة، يعيش دائمًا في ثنايا هذه المقامات وغيرها.\n_________\n(^١) ابن القيم: مدارج السالكين، دار الكتاب العربي - بيروت، ط ٣ ١٤١٦ هـ (٢/ ٥١٣)\n(^٢) ابن تيمية: التحفة العراقية، المطبعة السلفية - القاهرة، ط ٢ - ١٣٩٩ هـ، ص (٥٩).\n(^٣) ابن تيمية: التحفة العراقية، المطبعة السلفية - القاهرة، ط ٢ - ١٣٩٩ هـ، ص (٦٦).\n(^٤) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (١/ ٩٥).","vol":"1","page":643},{"text":"وقد أوجد الإيمان بالآخرة، نماذج حية شاهدة على أثره في الخائفين الوجلين الراجين المحبين، فكم من خائف أقلقه ذكر الآخرة، وكم من راج يرجو مكرمات الرب في الآخرة، وكم من محب زادته آثار الآخرة شوقًا ومحبة لها، فلا عجب أن ترى رجالًا ونساءً على مدى الحياة، سطر التاريخ سيرهم، وخط الزمان أخبارهم، فتعلقت في قلوب الأجيال مآثرهم، لا تقلب طرفك في مجال خير إلا وجدتهم، فهم السابقون للخيرات، الراعون للحرمات.\nولذا فلا عجب أن تقرأ عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه مرّ يومًا بدار إنسان وهو يصلى ويقرأ سورة (والطور) فوقف يستمع فلما بلغ قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨)﴾ [الطور:٧ - ٨] نزل عن حماره، واستند إلى حائط، ومكث زمانًا، ورجع إلى منزله فمرض شهرًا يعوده الناس، ولا يدرون ما مرضه (^١).\nإن المرض الذي أمرض أمير المؤمنين، هو قلق يسري في قلوب المؤمنين حين تمر سحائب الآخرة إلى أسماعهم، فنستقر في وجدانهم وصدورهم فيستولي على جوارحهم، فلا يطيقون له دفعًا، ولا يجدون عنه محيصًا، إنه أثر الإيمان باليوم الآخر في قلوب المؤمنين الموقنين الصادقين.\nنعم، لقد \"أزعج ذكر القيامة قلوب الخائفين، وقلقل خوف العقاب أفئدة العارفين\" (^٢)، وقد سئل ابن عباس ﵄، عن الخائفين فقال: \"قلوبهم بالخوف قرحة، وأعينهم باكية، يقولون: كيف نفرح والموت من ورائنا، والقبر أمامنا، والقيامة موعدنا، وعلى جهنم طريقنا، وبين يدي الله موقفنا\" (^٣).\n_________\n(^١) الغزالي: إحياء علوم الدين، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٤/ ١٨٤).\n(^٢) ابن الجوزي: التبصرة، دار الكتب العلمية - بيروت ن ط ١ ١٤٠٦ هـ، ص (٢١٣).\n(^٣) الغزالي: إحياء علوم الدين، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٤/ ١٨٤).","vol":"1","page":644},{"text":"إن التربية النافعة لأفراد الأسرة المسلمة، يجب أن تقوم على ميزان المراقبة واستشعار الخوف من الله تعالى، حينها ستجد ثمارًا يانعة، وأشجارًا باسقة من فلذات الأكباد، وثمرات الفؤاد، وحينها لن تعجب حين تسمع أو تقرأ عن مثل عمر بن عبد العزيز - ﵀ -، لما كان غلامًا صغيرًا فبكى، فبلغ ذلك البكاء أمه! أرادت أن تعرف سر بكائه، فقالت له: ما يبكيك؟، هنا الخاطر يجول فيقول: لعله بكى لفقدان شيء ثمين؛ لأنه كان ثريًا، أو لأنه يريد النزهة فمنع، أو غيرها من التخمينات التي تجول في الخاطر، تبحث عن سر بكاء هذا الغلام! ولكن تفاجأ أشد المفاجأة، حين تعلم أن سر هذا البكاء، هو قوله: (ذكرت الموت) (^١)، وما الذي يعني ذكر الموت لغلام! ولكنها التربية القائمة على الخوف والمراقبة، والجزاء والمحاسبة، تورث هذا الغلام وأمثاله.\nيقول أبو عياش القطان: كانت امرأة بالبصرة متعبدة يقال لها منيبة وكانت لها ابنة أشد عبادة منها، فكان الحسن ربما رآها، وتعجب من عبادتها على حداثتها، فبينا الحسن ذات يوم جالس، إذ أتاه آت فقال: أما علمت أن الجارية قد نزل بها الموت، فوثب الحسن فدخل عليها، فلما نظرت الجارية إليه بكت، فقال لها: يا حبيبتي ما يبكيك؟ قالت له: يا أبا سعيد التراب يحثى على شبابي، ولم أشبع من طاعة ربي، يا أبا سعيد انظر إلى والدتي وهي تقول لوالدي: احفر لابنتي قبرًا واسعًا، وكفنها بكفن حسن، والله لو كنت أجهز إلى مكة، لطال بكائي، كيف وأنا أجهز إلى ظلمة القبور، ووحشتها وبيت الظلمة والدود (^٢).\nلا يمكن التغلب على أفراد مجتمع، تفشت فيه أدواء الشهوة بجميع أشكالها وصورها، وألوانها، حتى أصبحت أمرًا معتادًا، إلا بالتربية على الإيمان باليوم الآخر، ومتى خفي هذا المعنى من معاني التربية الإسلامية، فقل على الدنيا السلام.\n_________\n(^١) المزي: تهذيب الكمال، مؤسسة الرسالة - بيروت ن ط ١ ١٤٠٠ هـ، (٢١/ ٤٣٧).\n(^٢) ابن الجوزي: صفة الصفوة، دار الحديث - القاهرة، ١٤٢١ هـ (٢/ ٢٤٣)","vol":"1","page":645},{"text":"فأين لنا في مجتمعنا مثل عمر بن عبد العزيز، مزج الدنيا بالآخرة فحصلهما وأين لنا مثل صفوان بن سليم الزهري، حوى بين جنباته كل معاني الخير حتى لو قيل له: غدًا القيامة، ما كان عنده مزيد على ما هو عليه من العبادة (^١).\nوأين لنا مثل علي بن الفضيل بن عياض، حين بكى فقال له والده: ما يبكيك؟ قال: يا أبه أخاف ألاّ تجمعنا القيامة (^٢). إنها آثار التربية على الإيمان باليوم الآخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>٧ - حفظ الجوارح والأعضاء عن المحارم:</span>\nإن من أعظم الأسباب المعينة على حفظ الجوارح عن المحارم، هو تذكر الآخرة، واستشعار الوقوف بين الله يدي الله تعالى، وأن هذه الأعضاء هي أحد الشهود، التي ستشهد على الإنسان، بما عمل في دنياه، من خير وشر.\nفمتى استقر ذكر الآخرة في القلب، انتهت الجوارح عن المحارم، ولذا كان حفظ الجوارح عن المحارم فريضة (^٣)، وهي \"رأس المال والربح بعد ذلك فمن ليس له رأس مال، كيف يطمع في الربح؟\nوهذه الجوارح السبعة هي: العين، والأذن، والفم، واللسان، والفرج واليد، والرجل، هي مركب العطب والنجاة، فمنها عطب من عطب بإهمالها وعدم حفظها، ونجا من نجا، بحفظها ومراعاتها، فحفظها أساس كل خير، وإهمالها أساس كل شر\" (^٤).\nوحفظ هذه الجوارح منبعه القلب، كما قال النبي - ﷺ -: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) (^٥).\n_________\n(^١) ابن الجوزي: صفة الصفوة، دار الحديث - القاهرة، ١٤٢١ هـ (١/ ٣٨٤)\n(^٢) ابن الجوزي: صفة الصفوة، دار الحديث - القاهرة، ١٤٢١ هـ (١/ ٤٣٣)\n(^٣) الحارث المحاسبي: رسالة المسترشدين، مكتب المطبوعات الإسلامية - بيروت: ص (١١٢)\n(^٤) ابن القيم: إغاثة اللهفان، مكتبة المعارف - الرياض، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (١/ ٨٠)\n(^٥) أخرجه البخاري كتاب الإيمان: ح (٥٢)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطلاق: ح (١٥٩٩).","vol":"1","page":646},{"text":"يقول الإمام الغزالي في قاعدة حفظ الجوارح الظاهرة:\" وأعمال الجوارح إنما تترشح من صفات القلب، فإذا أردت حفظ الجوارح، فعليك بتطهير القلب، فهو تقوى الباطن، والقلب هو المضغة التي إذا صلحت صلح بها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد بها سائر الجسد، فاشتغل بإصلاحه؛ لتصلح به جوارحك، وصلاحه يكون بملازمة المراقبة\" (^١).\nإن حفظ الجوارح عن المحارم، سبب لحفظ الله تعالى للعبد، يقول ابن عباس ﵄: كنت خلف النبي - ﷺ - يومًا فقال: (يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ تجده تجاهك ...) (^٢).\nإن الجزاء من جنس العمل، فمن حفظ الله في أوامره ونواهيه، حفظه الله تعالى في نفسه، وأهله، وماله، ودينه، وإيمانه.\nيقول الإمام ابن دقيق العيد:\" (احفظ الله يحفظك)، ومعناه: كن مطيعًا لربك، مؤتمرًا بأوامره، منتهيًا عن نواهيه\" (^٣). أي: كن حافظًا لحدوده وحقوقه، وأوامره ونواهيه.\nيقول الإمام ابن رجب:\" وحفظ ذلك: هو الوقوف عند أوامره بالامتثال، وعند نواهيه بالاجتناب، وعند حدوده، فلا يتجاوز ما أمر به، وأذن فيه إلى ما ينهى عنه، فمن فعل ذلك فهو من الحافظين لحدود الله، الذين مدحهم الله في كتابه، وقال ﷿: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (٥٣)﴾ [ص:٥٣]، وفُسِّر الحفيظ هاهنا بالحافظ لأوامر الله، وبالحافظ لذنوبه؛ ليتوب منها\" (^٤).\nومما يجب حفظه هذه الجوارح، فيحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى فيحفظ سمعه، وبصره، ولسانه، وبقية جوارحه عن المحارم، ومن حفظها في الصغر، حفظها الله له في الكبر.\n_________\n(^١) الغزالي: بداية الهداية، دار المنهاج جدة، ط ١ ١٤٢٥ هـ، ص (٥٨)\n(^٢) أخرجه الترمذي \\كتاب صفة القيامة، باب ٥٩ ح (٢٥١٦)، وقال الترمذي: حسن صحيح.\n(^٣) ابن دقيق العيد: شرح الأربعين النووية، مؤسسة الريان، ط ٦ ١٤٢٤ هـ، ص (٧٦)\n(^٤) ابن رجب: جامع العلوم والحكم، مؤسسة الرسالة - بيروت ن ط ٧ ١٤٢٢ هـ، (١/ ٤٦٢)","vol":"1","page":647},{"text":"يقول الإمام ابن رجب:\" ومن حفظ الله في صباه وقوته، حفظه الله في حال كبره، وضعف قوته، ومتعه بسمعه، وبصره، وحوله، وقوته، وعقله. كان بعض العلماء قد جاوز المائة سنة، وهو ممتع بقوته وعقله، فوثب يومًا وثبة شديدة، فعوتب في ذلك فقال: هذه جوارح حفظناها عن المعاصي في الصغر ... فحفظها الله علينا في الكبر، وعكس هذا: أن بعض السلف رأي شيخًا يسأل الناس فقال: إن هذا ضعيف ضيع الله في صغره، فضيعه الله في كبره \" (^١).\nومن حفظ الله في صحته حفظه الله في مرضه، يقول العلامة شمس الدين المنبجي:\" فمن خاف الله وحفظه في صحته، حفظه الله في مرضه، ومن راقب الله في خطر، حرسه الله في حركاته وسكناته، وفي حديث ابن عباس ﵄، عن النبي - ﷺ - أنه قال: «احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ، يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ»، وفي قصة يونس ﵇: لما تقدم له عمل صالح، قال: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾ [الصافات:١٤٣ - ١٤٤].\nولما لم يكن لفرعون عمل خير قط، لم يجد وقت الشدة متعلقًا، فقيل له: ... ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)﴾ [يونس:٩١]، فمن ضيع الله في صحته، فإنه يضيع في مرضه\" (^٢).\nفالإيمان باليوم الآخر، \"هو صمام الأمان في هذه الأرض، وهو الضابط الوثيق الذي يحرس الأخلاق، والحارس الأمين الذي يضمن تنفيذ الشريعة في هذه الدنيا، فهو الذي يمنع لحظة العين أن تمتد إلى محرم، ويمنع النفس أن تهجس بهواجس الشر، ويردع الفم أن يهمس ولو بكلمة واحدة لا يرضاها ربه؛ لأنها كلها مسجلة معروضة محصية عليه، أنفاسه وكلماته وحركاته \" (^٣).\n_________\n(^١) ابن رجب: جامع العلوم والحكم، مؤسسة الرسالة - بيروت، ط ٧ ١٤٢٢ هـ، (١/ ٤٦٢)\n(^٢) المنبجي: تسلية أهل المصائب، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ٢ - ١٤٢٦ هـ، ص (٢٨)\n(^٣) عبد عزام: العقيدة وأثرها في بناء الجيل، وزارة الأوقاف السعودية، (٣٠)","vol":"1","page":648},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>٨ - يورث مراقبة الله جل وعلا:</span>\nإذا علم المرء بأن الله تعالى مطلع عليه محص عليه كل ما يعمل، موكل به ملكين يكتبان أعماله ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق:١٨]، أورثه ذلك خوفًا وذلًا، ومراقبة لله ﷿، ولذا يقول الإمام أبو الوليد الباجي في نصيحته لولديه:\" وإياكما ومواقف الخزي وكل ما كرهتما أن يظهر عليكما فاجتنباه، وما علمتما أن الناس يعيبونه في الملأ فلا تأتياه في الخلاء \" (^١).\nفهي تربية على مراقبة الله جل وعلا، في السر والعلن.\nوينبغي أن تستولي مراقبة الله تعالى، على جميع حركات المرء وسكناته وخطراته ولحظاته، وأقواله وأفعاله، فمن راقب الله تعالى، كان في حرز منيع من خطوات الشياطين، وسبل المضيعين.\nوالمراقبة من أشرف المقامات وأفضلها (^٢)، وتكون في ثلاثة أشياء:\nمراقبة الله تعالى في طاعته بالعمل، ومراقبة الله تعالى في معصيته بالترك ومراقبة الله في الهم والخواطر (^٣)، ومراقبة الله في الخواطر، سبب لحفظها في حركات الظواهر، فمن راقب الله في سره، حفظه الله في حركاته في سره وعلانيته (^٤).\nيقول الإمام ابن القيم:\" والمراقبة هي التعبد باسمه الرقيب، الحفيظ العليم، السميع، البصير، فمن عقل هذه الأسماء، وتعبد بمقتضاها حصلت له المراقبة \" (^٥).\n_________\n(^١) الباجي: النصيحة الولدية، دار الوطن - الرياض، ط ١ ١٤١٧ هـ، ص (٢٢)\n(^٢) المحاسبي: آداب النفوس،، دار الجيل - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٥٢)\n(^٣) المحاسبي: رسالة المسترشدين، مكتب المطبوعات الإسلامية - بيروت، ط ٢ - ١٣٩١ هـ، ص (١٨١)\n(^٤) ابن القيم: مدارج السالكين، دار الكتاب العربي - بيروت، ط ٣ ١٤١٦ هـ (٢/ ٦٦)\n(^٥) ابن القيم: مدارج السالكين، دار الكتاب العربي - بيروت، ط ٣ ١٤١٦ هـ (٢/ ٦٦)","vol":"1","page":649},{"text":"ومن تدبر قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤)﴾ [العلق:١٤]، استحيا من ربه حق الحياء، يقول الإمام ابن القيم:\" أن العبد متى علم أن الرب تعالى ناظر إليه أورثه هذا العلم حياءً منه، يجذبه إلى احتمال أعباء الطاعة\" (^١)، ومتى قل نظره إلى ربه، أورثه هذا اجتراء على المعصية، وانغماس في الذنب.\nولذا كان الأئمة يتمثلون هذه الأبيات (^٢):\nإذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل خلوت ولكن قل عليّ رقيب\nولا تحسبن الله يغفل ما مضى ولا أن ما تخفي عليه يغيب\nلهونا لعمر الله حتى تتابعت ذنوب على آثارهن ذنوب\nفيا ليت أن الله يغفر ما مضى ويأذن في توباتنا فنتوب\nوهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، ينهى في خلافته عن مذق اللبن بالماء، فخرج ذات ليلة في حواشي المدينة، فإذا بامرأة تقول لابنة لها: ألا تمذقين لبنك فقد أصبحت؟ فقالت الجارية: كيف أمذق وقد نهى أمير المؤمنين عن المذق، فقالت: قد مذق الناس فامذقي فما يدري أمير المؤمنين، فقالت: إن كان لا يعلم فإله عمر يعلم، ما كنت لأفعله وقد نهى عنه، فوقعت مقالتها من عمر، فلما أصبح دعا ابنه عاصمًا فقال: يا بني اذهب موضع كذا وكذا، فاسأل عن الجارية ووصفها له، فذهب عاصم فإذا هي جارية من بني هلال، فقال له عمر: اذهب يا بني فتزوجها، فما أحراها أن تأتي بفارس يسود العرب، فتزوجها عاصم بن عمر، فولدت له أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، فتزجها عبد العزيز بن مروان بن الحكم، فأتت بعمر بن عبد العزيز (^٣).\nوروي أن عمر بن الخطاب ﵁، كان يطوف ليلة في المدينة فسمع امرأ تقول:\nألا طال هذا الليل وازور جانبه ... وليس إلى جنبي خليل ألاعبه\nفو الله لولا الله تخشى عواقبه ... لزعزع من هذا السرير جوانبه\n_________\n(^١) ابن القيم: مدارج السالكين، دار الكتاب العربي - بيروت، ط ٣ ١٤١٦ هـ (٢/ ٢٥٣)\n(^٢) الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد، دار الغرب الإسلامي - بيروت، ط ١ ١٤٢٢ هـ، (٦/ ٤٤٨)\n(^٣) عبد الله بن عبد الحكم: سيرة عمر بن عبد العزيز على ما رواه مالك وأصحابه، عالم الكتب ص (٢٤)","vol":"1","page":650},{"text":"مخافة ربي والحياء يعفني ... وأكرم بعلي أن تنال مراتبه\nولكنني أخشى رقيبًا موكلا ... بأنفسنا لا يفتر الدهر كاتبه\nفسأل عمر نساء: كم تصبر المرأة عن الرجل؟ فقلن: شهرين، وفي الثالث يقل الصبر، وفي الرابع ينفد الصبر، فكتب إلى أمراء الأجناد: ألا تحبسوا رجلًا عن امرأته أكثر من أربعة أشهر (^١).\nوعن عبد الله بن دينار قال: خرجت مع ابن عمر ﵄ إلى مكة فعرسنا، فانحدر علينا راع من جبل، فقال له ابن عمر: أراع؟ قال: نعم قال: بعني شاة من الغنم؟ قال: إني مملوك، قال: قل لسيدك أكلها الذئب قال: فأين الله ﷿؟ قال ابن عمر: فأين الله، ثم بكى، ثم اشتراه بعد فأعتقه (^٢).\nفمن أعظم ثمرات الإيمان باليوم الآخر، شعور المرء بمراقبة الله ﷿ فلولا خوف الصالحين من مغبة الوقوع في المعصية في الآخرة، لربما تجرؤوا عليها، ولكن حجبهم عنها خوف الله تعالى ومراقبته، وأنه سبحانه مطلع عليهم، عليم بأعمالهم، بصير بحركاتهم، سميع بما تكنه صدورهم، يخافون من مغبة ذلك اليوم، كما قال تعالى على لسان نبيه: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾ [الأنعام:١٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>٩ - سبب لصلاح القلب:</span>\nهذه المضغة الصافية التي خلقها الله ﷿، قابلة لملئها بالخير أو الشر إلا أنها لمكامن الخير أكثر استعدادًا، وأشد قبولًا، فمتى قوي في القلب وازع الآخرة، وشاهد القيامة، امتلأ هذا القلب بما فيه صلاحه، من محبة الله تعالى ومحبة رسوله - ﷺومحبة المؤمنين، ونزع عنه كل ما يشينه، من سيئ الأخلاق ورديء الآداب.\n_________\n(^١) محب الدين الطبري: الرياض النضرة في مناقب العشرة، دار الكتب العلمية - (٢/ ٣٩٢)\n(^٢) الذهبي: سير أعلام النبلاء، دار الحديث - القاهرة، ١٤٢٧ هـ، (٤/ ٣١٠).","vol":"1","page":651},{"text":"والشريعة جاءت بالحض والتأكيد على صلاح القلب، يقول النبي - ﷺ -: ... «وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ، صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ، فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» (^١). يقول الإمام النووي:\" وفي هذا الحديث التأكيد على السعي في صلاح القلب، وحمايته من الفساد\" (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان ح (٥٢)، وأخرجه مسلم، كتاب الطلاق ح (١٥٩٩).\n(^٢) النووي: شرح مسلم، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٢ - ١٣٩٢ هـ (١١/ ٢٩).","vol":"1","page":652},{"text":"ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في تعليقه على الحديث:\" فبيّن أن صلاح القلب مستلزم لصلاح الجسد، فإذا كان الجسد غير صالح، دل على أن القلب غير صالح، والقلب المؤمن صالح\" (^١)، فمتى رُمت صلاح القلب ... مع سوء القصد والعمل، فقد رمت الممتنع، فالعمل \" له أثر في القلب، من نفع، وضر، وصلاح، قبل أثره في الخارج، فصلاحها عدل لها، وفسادها ظلم لها\" (^٢). وأصل صلاح القلب هو حياته واستنارته (^٣)، قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام:١٢٢]. يقول الإمام ابن تيمية:\" وأصل صلاح القلب، صلاح إرادته ونيته، فإن لم يصلح ذلك، لم يصلح القلب\" (^٤). وقد ذكر الله جل وعلا في قوله: ﴿أَوَمَنْ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا﴾ أصلين بهما صلاح القلب، يقول الإمام ابن القيم:\" إن صلاح القلب، وسعادته، وفلاحه، موقوف على هذين الأصلين\" (^٥).\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (١٤/ ١٢١)\n(^٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (١٠/ ٩٨).\n(^٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (١٠/ ١٠٠).\n(^٤) ابن تيمية: الاستقامة، جامعة الإمام محمد بن سعود - المدينة النبوية، ط ١ ١٤٠٣ هـ (٢/ ٣٤).\n(^٥) ابن القيم: إغاثة اللهفان، مكتبة المعارف - الرياض، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (١/ ٢٢).","vol":"1","page":653},{"text":"وهذان الأصلان هما: الحياة والنور، \"فبالحياة تكون قوته، وسمعه وبصره، وحياؤه، وعفته، وشجاعته، وصبره، وسائر أخلاقه الفاضلة ... ومحبته للحسن، وبغضه للقبيح، فكلما قويت حياته، قويت فيه هذه الصفات وإذا ضعفت حياته، ضعفت فيه هذه الصفات ... وإذا قوي نوره وإشراقه انكشفت له صور المعلومات وحقائقها على ما هي عليه، فاستبان حسن الحسن بنوره، وأثره بحياته، وكذلك قبح القبيح\" (^١).\nفصلاح القلب هدف وغاية، فإن \"المقصود بالأعمال كلها، ظاهرها وباطنها؛ إنما هو صلاح القلب وكماله، وقيامه بالعبودية بين يدي ربه وقيومه ... وإلهه\" (^٢).\n\"وفي القلب بروج، وهي برج الإيمان، وبرج المعرفة، وبرج العقل، وبرج اليقين، وبرج الإسلام، وبرج الإحسان، وبرج التوكل، وبرج الخوف وبرج الرجاء، وبرج المحبة، وبرج الشوق، وبرج الوله، فهذه اثنا عشر برجًا بها دوام صلاح القلب\" (^٣). وكذا من موجبات صلاح القلب:\n- قراءة القرآن بالتدبر، والتفكر فيه.\n- إطعام المسكين، ومسح رأس اليتيم.\n- قيام الليل وإحياؤه بالعبادة.\n- التضرع عند السحر.\n- مجالسة الصالحين.\n- ترك الخوض مع الناس فيما لا يعني.\n- أكل الحلال، ومحاسبة النفس.\nيقول أبو عثمان الحيري:\" صلاح القلب في أربعة خصال: في التواضع لله والفقر إلى الله، والخوف من الله، والرجاء في الله\" (^٤).\nفالإيمان باليوم الآخر له أثره على قلب الفرد، فإنه يوجب صلاح القلب وسعادته، وذلك بغرس القيم، وتأله القلب لله تعالى، ويوجب تطهيره من دنس الأعمال الرذيلة، والعقائد الفاسدة، والظنون السيئة الخبيثة والعواطف الشهوانية الفاسدة المنحرفة، ومن جملة المعاصي والسيئات، فيعيش المرء هادئ البال، مطمئنًا سعيدًا.\n_________\n(^١) ابن القيم: إغاثة اللهفان، مكتبة المعارف - الرياض، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (١/ ٢٠).\n(^٢) ابن القيم: بدائع الفوائد، دار الكتاب العربي - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٣/ ١٩٢).\n(^٣) الخلوتي: روح البيان، دار الفكر - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (٦/ ٢٣٧).\n(^٤) الأصفهاني: سير السلف الصالحين، دار الراية - الرياض:، ص (١١١٩).","vol":"1","page":654},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>١٠ - أنه يوجب تعزيز التقوى في نفس الفرد:</span>\nإذا كانت التقوى \"ترك ما حرم الله، وأداء ما افترض الله\" (^١)، أو \"ترك حظوظ النفس، ومباينة النهي\" (^٢) فإن أولى ما يعزز هذه المعاني، ويعين النفس على اتقاء المحارم، وفعل الفضائل، هو استشعار اليوم الآخر، ومشاهدة أهواله وأحواله، فمن خاف وعيد الله تعالى، انتهى عن المحرمات، ولذا لا ينتفع بمواعظ القرآن، إلا من وقرت الآخرة في قلبه، قال تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾ [ق:٤٥]، يقول الإمام الرازي:\" وقوله (وعيد) إشارة إلى اليوم الآخر\" (^٣)، وهذه الآية الكريمة وغيرها من الآيات كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥)﴾ [النازعات:٤٥]، تدل على أن الانتفاع محصور في المؤمنين بالآخرة.\nيقول الإمام أبو حيان:\" والتقوى في عرف الشرع والقرآن، عبارة عما يُتقى به من النار \" (^٤)، وأخرج الإمام ابن أبي حام في تفسيره عن طلق بن حبيب أنه قال:\" التقوى: أن يعمل بطاعة الله، رجاء رحمة الله، على نور من الله، والتقوى: أن يترك معصية الله، مخافة عذاب الله، على نور من الله\" (^٥).\n_________\n(^١) البعلي: المطلع على ألفاظ المقنع، مكتبة السوادي، ط ١ ١٤٢٣ هـ، ص (١٢٥).\n(^٢) الجرجاني: التعريفات، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٠٣ هـ، ص (٦٥).\n(^٣) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٢٨/ ١٥٨).\n(^٤) أبو حيان: البحر المحيط، دار الفكر - بيروت، ١٤٢٠ هـ، ت: صدقي جميل، ص (٢/ ٢٩٠)\n(^٥) ابن أبي حاتم: تفسير ابن أبي حاتم، مكتبة الباز -مكة المكرمة، ط ٣ ١٤١٩ هـ (٦ ١ ٩٨)","vol":"1","page":655},{"text":"وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: \"التقوى: ترك الإصرار على المعصية، وترك الاغترار بالطاعة\" (^١)، فالتقوى \"جماع الخير كله، وهي وصية الله في الأولين والآخرين، وهي خير ما يستفيده الإنسان، كما قال أبو الدرداء وقد قيل له: إن أصحابك يقولون الشعر، وأنت ما حُفظ عنك شيء، فقال:\nيريد المرء أن يؤتى مناه ... ويأبي الله إلا ما أراد\nيقول المرء فائدتي ومالي وتقوى الله أفضل ما استفادا\" (^٢)\nويشير الإمام ابن رجب ﵀ إلى أعلى درجات التقوى فيقول:\" ويدخل في التقوى الكاملة، فعل الواجبات، وترك المحرمات والشبهات، وربما دخل فيها بعد ذلك، فعل المندوبات، وترك المكروهات، وهي أعلى درجات التقوى\" (^٣).\nوقد ذكر ابن مسعود ﵁، التقوى: فأحسن في ذكره، وأوجز في عبارته فقال في قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]: \"أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر\" (^٤)، فملاك الأمر:\"تقوى الله ﷿، التي من تمسك بها فاز قدحه، وأمن سرحه، وتعيّن ربحه وتبين نجحه\" (^٥).\nقال العلامة فخر الدين عثمان بن علي ابن خطيب جبرين: (^٦)\nملاك الأمر تقوى الله ... في الإسرار والعلن\nفلازمها تصب خيرًا وتكفى سائر المحن\nتمسك بالذي يروى ... من الآثار والسنن\nمن المختار كي تُحمي ... من الأهواء والفتن\n_________\n(^١) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٢/ ٢٦٨)\n(^٢) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط ٢ - ١٣٨٤ هـ، (١/ ١٦٢)\n(^٣) ابن رجب: تفسير ابن رجب، دار العاصمة - الرياض، ط ١ ١٤٢٢ هـ، (١/ ٣٦١)\n(^٤) الحاكم: المستدرك على الصحيحين، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤١١ هـ، (٢/ ٣٢٣)\n(^٥) الصفوي: الوافي بالوفيات، دار إحياء التراث - بيروت، ١٤٢٠ هـ، (٢٩/ ٣٨)\n(^٦) تقي الدين السلامي: الوفيات، مؤسسة الرسالة - بيروت، ط ١ ١٤٠٣ هـ، (١/ ٤٤)","vol":"1","page":656},{"text":"والذي كان عليه أصحاب القرون المفضلة، تمام التواصي بالتقوى، يقول الإمام ابن رجب:\" ولم يزل السلف يتواصون بها \" (^١). فلا \"شيء يزين الإنسان، مثل تقوى الله تعالى، فإنه واسطة العقود في الصفات المحمودة، وزينة الوجوه في السمات المشهودة، تصدق يوم القيامة، إذ كذبت الظنون وتنفع ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨)﴾ [الشعراء:٨٨] \" (^٢).\nوكن دائمًا على نصيحه أحد أمراء دمشق (طرنطاي) حين قال:\" .. فليكن تقوى الله ﷿، ركنه السديد، وذخره العتيد، وكنزه الذي ينمي على الإنفاق، وكل كنز على طول المدى يبيد .... \" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>المطلب الثالث أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد من الناحية النفسية</span>\nمع اضطراب الحياة التي يعيشها الفرد، أصبح البعض منهم رهين القلق والحيرة والاضطراب، وهنا يأتي هذا الركن العظيم ركن الإيمان باليوم الآخر ليعمل في نفوس أولئك العجائب، فيحي تلك النفوس من غفلتها ويستنقذها من أوحال القلق والأوهام، التي كادوا يغرقون فيها، فيسطع أثر الإيمان باليوم الآخر على هذه النفوس؛ لتعيش حياة غير تلك الحياة، حياة مليئة بالطمأنينة، تغمرها أودية السعادة، بعد أن كانت مليئة بالشقاء والعناء فكادت أن تهلك في أودية الدنيا وأوحالها.\nومن الآثار التي يُحدثها الإيمان باليوم الآخر ما يلي:\n_________\n(^١) ابن رجب: تفسير ابن رجب، دار العاصمة - الرياض، ط ١ ١٤٢٢ هـ، (١/ ٣٦٥).\n(^٢) الصفوي: أعيان العصر، دار الفكر المعاصر - بيروت، ط ١ ١٤١٨ هـ، (٤/ ٢٦١).\n(^٣) الصفوي: أعيان العصر، دار الفكر المعاصر - بيروت، ط ١ ١٤١٨ هـ، (٢/ ٥٨٣).","vol":"1","page":657},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>١ - قبول الحق وعدم رده:</span>\nمتى استقر الإيمان باليوم الآخر في قلب المرء وسكن فؤاده، وعلم علم اليقين أنه يوم يجمع الله تعالى فيه الأولين والآخرين، فيسألهم ربهم ويحاسبهم يقول الله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ [الأعراف:٦]، فيسألهم: هل قبلوا دعوة الرسل، واستجابوا لها، وانقادوا وأطاعوا، أم قابلوها بالعناد، والاستكبار، واتباع الهوى، وتقليد الآباء، ثم طفقوا لمحاربتهم عليهم الصلاة والسلام، فمن استقرت في نفسه هذه المعاني وشعُر بعظم المسؤولية، وهول الموقف، واطمأن لحكم الله تعالى العدل، قبل كل ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام من الشرائع والأحكام.\nإن المحل المهيأ للقبول، الذي هو محل الرضا والسخط، هو قلب العبد المتقي المنيب إلى ربه، الخائف منه، الذي يبتغي رضاه، ويُومل في كرمه وجوده وسخاه، وهذه الصفات إنما هي نتاج الإيمان باليوم الآخر.\nأما من خلا قلبه من الإيمان بالآخرة، وسكن فؤاده حب الدنيا، عَسُرَ عليه قبول الحق، وربما قُطعت عنه مادة الاهتداء، وهي إسماع قلوب وإفهامه ما ينفعه؛ وذلك لعدم قبوله وانقياده، \"فإن الرجل إنما ينقاد للحق، بالخير الذي فيه، والميل إليه، والطلب له، ومحبته، والحرص عليه، والفرح بالظفر به، وهؤلاء ليس قلوبهم شيء من ذلك\" (^١).\nفالإيمان باليوم الآخر أثره في القلب، كأثر الغيث النازل من السماء، الواقع في أرض طيبة قابلة، فأمسكت الماء وانبتت الكلأ والعشب، فالماء في نفسه رحمة وحياة، ووافق أرضًا قابلة له، فأصابها من هذه الرحمة والحياة، وهكذا أثر الإيمان بالآخرة، يقع على القلب المريض، فيفيض عليه من الأنوار، ما يكون سببًا في حياته واستقامته.\nولذا فلا بدّ من أمرين للعبد في هذا المقام:\n١) التذلل للأمر، وذلك بتلقيه بذلة القبول والانقياد والامتثال، ومواطأة الظاهر الباطن، مع إظهار الضعف والافتقار إلى الهداية للأمر قبل الفعل، والإعانة عليه حال الفعل، وقبوله بعد الفعل.\n_________\n(^١) ابن القيم: إغاثة اللهفان: (٢/ ١٧١)، ابن القيم: الفوائد، دار الكتب العلمية -بيروت، ط ٢ - ١٣٩٣ هـ، ص (٢٠٦).","vol":"1","page":658},{"text":"٢) الاستسلام للحكمين: الشرعي، بعدم معارضته برأي، أو شهوة والقدري: بعدم تلقيه بالسخط، والكراهة، والاعتراض (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>٢ - عدم الخوف من المستقبل:</span>\nإن أكثر ما يُشعر المرء بالحزن واليأس، هو خوفه من المستقبل الأخروي قبل الدنيوي، فالخوف من المستقبل الدنيوي منوط بأسباب ومسببات وكلها بمشيئة الله تعالى، ومع سؤال الله تعالى التوفيق، والأخذ بالأسباب قد يحصل للمرء نوع أمان واطمئنان لمستقبله، إلا أنه لا يزال هذا المستقبل مشوبًا بالمنغصات، فإن سلم من الفقر لم يسلم من العطب، وإن سلم من العطب لم يسلم من حوادث الدهر، فهنا يعيش المرء بين إحجام وإقبال محاط بأوهام وخيالات، ربما أهلكته قبل أن يصل إلى الحلم المنشود.\nومع تلاطم هذه الأفكار المظلمة، والأوهام المحزنة، يسطع نور الإيمان وشعاع الأمان والاطمئنان، فيضيء له الطريق، وينير له الدروب، وحين يتغلغل حب الآخرة في قلب المسلم، يسلم من كل هذه الأوهام التي أقلقته والمخاوف التي أزعجته؛ لأنه يعلم أنه بتوكله على الله تعالى، واعتماده عليه وصدق الالتجاء إليه، واحتسابه الأجر لديه، تتبدد كل هذه المخاوف والأوهام، فلا تبقى حينئذ أي مخاوف تصيب المؤمن، الذي أيقن أن الدنيا معبر للآخرة، وأن ما عند الله خير وأبقى.\nإن الإيمان باليوم الآخر يورث القلب ثباتًا، والنفس طمأنينة، تمكنه من مواجهة ما يدهمه من القلق والأوهام، بل وتوطن نفسه لمدافعة هذا الألم المزعج.\nأما من خلا فكر الآخرة عن قلبه، فسرعان ما تتكالب عليه المخاوف وتتمكن منه المزعجات، فتنهار قواه، وتتشتت أفكاره، ويجتمع عليه من الخوف الخارجي، والقلق الباطني، ما يفقده توازنه وصبره، خصوصًا في المحال الحرجة، والأحوال المحزنة المزعجة.\n_________\n(^١) ابن القيم: مدارج السالكين، دار الكتاب العربي - بيروت، ط ٣ ١٤١٦ هـ (١/ ٥١٨).","vol":"1","page":659},{"text":"ومع أن الجميع قد يشترك في جلب الشجاعة الاكتسابية، والغريزة التي تلطف المخاوف وتهونها، إلا أن المؤمن يتميز بأمور تزداد بها شجاعته وتقوى بها هيبته، وذلك بقوة إيمانه، وصبره وتوكله على الله، واعتماده عليه واحتسابه لثوابه، مما يخفف عنه وطأة الخوف، وتهون عليه المصائب ويحصل له بسببها من معونة الله تعالى ومدده، ما يبدد هذه المخاوف، ويبعثر هذه الأوهام (^١).\nوأما مخاوف المرء من المصير الأخروي، فهو خوف محمود متى حمل صاحبه على اغتنام الحياة الدنيا، وجعلها مزرعة للآخرة، حيث يحصد فيها ما جنت يداه من خير وشر.\nومع ذلك فضمانات الأمان والاطمئنان، تسبق المسلم المستقيم على شرع الله تعالى، وتبشره بكل حسن، يقول ﷾: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١)﴾ [فصلت:٣٠ - ٣١].\nفما أحلاها من بشارة، وما أغلاها من مكرمة، قال زيد بن أسلم: \"يبشرونه عند موته، وفي قبره، وحين يبعث\".\nيقول الإمام ابن كثير:\" وهذا القول يجمع الأقوال كلها، وهو حسن جدًا وهو الواقع\" (^٢).\nفحين تشعر النفس بهذه الضمانات، فستهرع لما يوجبها، ويحقق مقصودها، وهي ثمرة أخرى من ثمرات الإيمان باليوم الآخر من الناحية النفسية وتتمثل في:\n_________\n(^١) مقتبس من رسالة الشيخ عبد الرحمن السعدي، الوسائل المفيدة للحياة السعيدة، الجامعة الإسلامية ط ٢ -، ١٤٠٩ هـ (١٦).\n(^٢) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ت: سامي سلامة (٧/ ١٧٧).","vol":"1","page":660},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>٣ - الاستقامة على شرع الله تعالى:</span>\nإن الاستقامة على شرع الله تعالى، مقتضاها القيام بالأمر والنهي، وحين تعلم النفس ما أُعد للمستقيمين على شرع الله من الخير والمكرمات، فلن يحول بينها وبين الوصول إليها، والقيام بحقوقها، أي عائق.\nقال الأستاذ القشيري: \"واعلم أن الاستقامة توجب إدامة الكرامة، قال الله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦)﴾ [الجن:١٦]. لم يقل: سقيناهم، بل قال (أسقيناهم) يقال: أسقيته إذا جعلت له سقيا، فهو يشير إلى الدوام\" (^١).\nوفي هذا المقام يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:\" وأن الكرامة لزوم الاستقامة وأن الله لم يكرم عبده بكرامة، أعظم من موافقته فيما يحبه ويرضاه، وهو طاعته وطاعة رسوله، وموالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه، وهؤلاء هم أولياء الله \" (^٢).\nوالاستقامة كما قال العلماء: هي المداومة على موجب الأمر والنهي (^٣).\nيقول الإمام ابن رجب:\" والاستقامة: هي سلوك الصراط المستقيم، وهو الدين القيم من غير تعريج عنه يمنة ولا يسرة، ويشمل ذلك: فعل الطاعات كلها، الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات كلها كذلك \" (^٤).\nويقول الإمام النووي:\" قال العلماء: معنى الاستقامة: لزوم طاعة الله تعالى قالوا: وهي جوامع الكلم وهي نظام الأمور\" (^٥).\n_________\n(^١) القشيري: الرسالة القشيرية، دار المعارف - القاهرة، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (٢/ ٣٥٨).\n(^٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (١٠/ ٢٩).\n(^٣) السمعاني: تفسير السمعاني، دار الوطن - الرياض، ط ١ ١٤١٨ هـ (٢/ ٤٦٢).\n(^٤) ابن رجب: جامع العلوم والحكم، مؤسسة الرسالة - بيروت، ط ٧ ١٤٢٢ هـ، (١/ ٥١٠).\n(^٥) النووي: رياض الصالحين، مؤسسة الرسالة - بيروت، ط ٣ ١٤١٩ هـ، ص (٣٩).","vol":"1","page":661},{"text":"إن الاستقامة على الشرع من الأمور العظيمة، يقول الأستاذ القشيري:\" الاستقامة درجة بها كمال الأمور وتمامها، وبوجودها حصول الخيرات ونظامها، ومن لم يكن مستقيمًا في حالته، ضاع سعيه وخاب جهده\" (^١)، وقال الواسطي عن هذه الخصلة الكريمة:\"الخصلة التي بها كملت المحاسن ويفقدها قبحت المحاسن\" (^٢).\nوالاستقامة تشمل عدة أمور: الاستقامة على أن الله جل وعلا ربهم وخالقهم، والمتصرف في أمورهم، ثم الاستقامة على طاعته سبحانه، وأداء فرائضه، واجتناب نهيه، والاستقامة في الأفعال والأقوال، والاستقامة في السر والجهر.\nيقول الأستاذ أبو علي الدقاق:\" الاستقامة لها ثلاثة مدارج: أولها التقويم ثم الإقامة، ثم الاستقامة، فالتقويم من حيث تأديب النفوس، والإقامة من حيث تهذيب القلوب، والاستقامة من حيث تقريب الأسرار\" (^٣).\nإن سلوك طريق الاستقامة أمر عسير، \"ولأجل عسر الاستقامة، وجب على كل عبد أن يدعو الله تعالى في كل يوم سبع عشرة مرة في قوله ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة:٦] \" (^٤)، ولذا أمر الله جل وعلا نبيه - ﷺبالدوام على الاستقامة، فقال سبحانه ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود:١١٢].\nعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ قَالَ: \" قُلْ: «آمَنْتُ بِاللهِ، فَاسْتَقِمْ «(^٥).\n_________\n(^١) القشيري: الرسالة القشيرية، دار المعارف - القاهرة، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (٢/ ٣٥٦).\n(^٢) ابن دقيق العيد: شرح الأربعين النووية، مؤسسة الريان، ط ٦ ١٤٢٤ هـ، ص (٨١).\n(^٣) القشيري: الرسالة القشيرية، دار المعارف - القاهرة، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (٢/ ٣٥٧).\n(^٤) الغزالي: إحياء علوم الدين، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٣/ ٦٤).\n(^٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، بابا جامع أوصاف الإسلام ح (٣٨).","vol":"1","page":662},{"text":"وعن ثوبان ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «اسْتَقِيمُوا، وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةَ، وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ» (^١).\nوللاستقامة أصل، وأول، وطرق: فأصل الاستقامة في ثلاثة: إتباع الكتاب والسنة، ولزوم الجماعة (^٢)، وأول الاستقامة: صحبة العلماء بالله ﷿ (^٣)، وأساس طرق الاستقامة: الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية (^٤). يقول الإمام ابن القيم في بيان الطريق الموصل إلى الاستقامة في الأحوال والأقوال:\" وهي شيئان:\nأحدهما: حراسة الخواطر وحفظها، والحذر من إهمالها، والاسترسال معها ... والثاني: ألاّ يجعل مجرد حفظها هو المقصود، بل لا يتم ذلك إلا بأن يجعل موضعها خواطر الإيمان، والمحبة، والإنابة، والتوكل، والخشية، فيفرغ قلبه من تلك الخواطر، ويعمره بأضدادها\" (^٥).\nإذن: فيكف لا تطمئن النفوس وترتاح، حين تعلم بهذا التثبيت لحال المستقيمين على شرع الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾ [فصلت:٣٠]، ولذا كان الحسن إذا تلا هذه الآية يقول: \"اللهم أنت ربنا فارزقنا الاستقامة \" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الطهارة وسننها، باب المحافظة على الوضوء ح (٢٧٧).\n(^٢) المحاسبي: رسالة المسترشدين، مكتب المطبوعات الإسلامية - بيروت، ط ٢ - ١٣٩١ هـ، ص (١٢٨).\n(^٣) أبو طالب المكي: قوت القلوب، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ٢ - ١٤٢٦ هـ (٢/ ١٣٩).\n(^٤) زكريا الأنصاري: المنفرجتان، دار الفضيلة - القاهرة، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، ص (٥٠).\n(^٥) ابن القيم: طريق الهجرتين، دار السلفية - القاهرة، ط ٢ - ١٣٩٤ هـ، ص (١٧٦).\n(^٦) عبد الرزاق: تفسير عبد الرزاق، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤١٩ هـ (٣/ ١٥٧).","vol":"1","page":663},{"text":"كيف لا تطمئن نفوسهم وقد قالوا \"ربنا الله ثم استقاموا بالوفاء على ترك الجفاء، تتنزل عليهم الملائكة بالرضا ألاّ تخافوا من العناء، ولا تحزنوا على الفناء، وأبشروا بالبقاء مع الذين كنتم توعدون من اللقاء، لا تخافوا، فلا خوف على أهل الاستقامة، ولا تحزنوا فإن لكم أنواع الكرامة، وأبشروا بالجنة التي هي دار السلامة، لا تخافوا فعلى دين الله استقمتم، ولا تحزنوا فبحبل الله اعتصمتم، وأبشروا بالجنة وإن ارتبتم وأحزنتم، لا تحزنوا فطالما رهبتم، ولا تحزنوا فقد نلتم ما طلبتم، وأبشروا بالجنة التي فيها رغبتم، لا تخافوا فأنتم أهل الإيمان، ولا تحزنوا فأنتم أهل الغفران، وأبشروا بالجنة التي هي دار الرضوان، لا تخافوا فأنتم أهل الشهادة، ولا تحزنوا فأنتم أهل السعادة، وأبشروا بالجنة التي هي دار الزيارة، لا تخافوا فأنتم أهل النوال ولا تحزنوا فأنتم أهل الوصال، وأبشروا الجنة التي هي دار الجلال\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>٤ - تعلق القلب بالله وحده سبحانه:</span>\nإن تعلق القلب بما لا مطمع في حصوله نوع من الجنون (^٢) فإذا كانت الدنيا والآخرة، ملك لله جل وعلا، وأنه هو المتصرف فيهما، والقائم بأمرهما والمدبر شأنهما، وأن أمر الخلائق فيهما قائم على إرادته ومشيئته، كما قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك:١]؛ استراحت النفس واطمأن الفؤاد، وسكنت الروح، وتعلق القلب بالله تعالى، وقطع كل العلائق بغيره.\n_________\n(^١) الثعلبي: الكشف والبيان، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ١ ١٤٢٣ هـ، (٨/ ٢٩٥).\n(^٢) ابن القيم: زاد المعاد، مؤسسة الرسالة - بيروت، ط ٢ - ٧ ١٤١٥ هـ، (٤/ ٢٥١).","vol":"1","page":664},{"text":"فإن كل ما يؤمله المرء، من خير يرجوه، أو نعيم تهفو النفس إليه، لا يحصله إلا بتمام التعلق بالله تعالى والافتقار إليه، \"فإن علامة الخير، وزوال الشدة، إذا تعلق القلب بالله تعالى تعلقًا تامًا، وانقطع عن المخلوقين\" (^١)، قال تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)﴾ [التوبة:١١٨].\nفحين يوقن المرء، بألاّ مفزع، ولا مهرب، ولا منجا من الله إليه، يأتي الفرج القريب، والنصر العجيب، فهؤلاء المخلفون، \"لما صدق منهم اللجاء، تداركهم بالشفاء، وأسقط عنهم البلاء، وكذلك الحق يكور نهار اليسر، على ليالي العسر، ويطلع شموس المحنة، على نحوس الفتنة، ويدير فلك السعادة، فيمحق تأثير طوارق النكاية، سنة منه تعالى لا يبدلها، وعادة منه في الكرم، يجريها ولا يحولها\" (^٢).\n_________\n(^١) السعدي: تيسير الكريم الرحمن، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ص (٣٥٤).\n(^٢) القشيري: لطائف الإشارات، الهيئة المصرية العامة للكتاب - مصر، ط ٣، (٢/ ٧١).","vol":"1","page":665},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>٥ - تماسك المسلم عن السقوط والانهيار:</span>\nكم هي الأمور المؤلمة التي تمر على الإنسان، فتغير مسار حياته، فيسير في أودية الدنيا حيران، تتخطفه الأحزان والأوهام، وتخط جسده الهموم والأسقام. وفي ساعة الانكسار والهزيمة، التي يرى أن حياته لم يبق لها معنى، وأن وجوده أصبح سدى دون مغزى، في هذه الساعة فقط، يسري في فؤاده أمل كبير، يخيم على حياته، فيُحي فيها الإيمان المغمور، ويُوقظ فيها الخير المبرور، ويُخرج منها الكنز المستور. إنه الأمل المنشود في الحياة الآخرة التي جعلها الرب جل وعلا، كمال نعيم للمؤمنين، ووسام عز للمتقين، وتاج شرف للمصدقين، فيسري هذا الأمل في نفسه، فيغذيه بمعاني الثبات، ويفجّر في داخله روح الحياة، فتحول بينه وبين تلك المزعجات المؤلمات، فيبقى ثابتًا صابرًا محتسبًا، يعلم أن ما عند الله خير وأبقى ﴿وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦٩)﴾ [الأعراف:١٦٩].\nوهذا التماسك المبني على التعلق بالله جل وعلا، يورث أثرًا نفسيًا آخر من آثار الإيمان باليوم الآخر، وهو:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>٦ - التسليم والرضا بكل ما يجري من المقادير:</span>\nحين يصبح الإنسان ويمسي، ولسانه يلهج بالرضا عن الله تعالى يقول: «رضيت بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد - ﷺ - نبيًا ورسولًا»، فهو يقر ويعترف بأن كل ما يجري في هذا الكون، إنما هو بقضاء من الله وقدره فيقابله بالرضا والتسليم، فالرضا عن الله تعالى من المقامات العلية، وهي من أعلى مقامات اليقين بالله تعالى (^١)، حتى قال بعضهم: \"الرضا باب الله الأعظم وجنة الدنيا، وسراج العابدين\" (^٢)، فطوبى لرجل عاش راضيًا عن الله تعالى مُسَلّمًا له بكل ما جرى به القلم.\nإن الرضا مقام كبير، ومنزلة عزيزة، وهو مقام أعلى من مقام الصبر، \"أجمع العلماء على أنه مستحب مؤكد استحبابه\" (^٣).\n_________\n(^١) أبو طالب المكي: قوت القلوب، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ٢ - ١٤٢٦ هـ (٢/ ٦٣).\n(^٢) القشيري: الرسالة القشيرية، دار المعارف - القاهرة، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (٢/ ٣٤٢).\n(^٣) ابن القيم: مدارج السالكين، دار الكتاب العربي - بيروت، ط ٣ ١٤١٦ هـ (٢/ ١٦٩).","vol":"1","page":666},{"text":"ذكر الحافظ أبو نعيم، أن ذر بن عمر بن ذر، مات فجأة، وكان من حاله أنه كان بارًا بأبيه، فلما مات ذر، قال أصحابه: الآن يضيع الشيخ، فإنه كان بارا به، فسمعها الشيخ فبقي متعجبًا، ثم التفت إليهم وقال: أضيع والله حي لا يموت! ثم سكت حتى دفن، فلما واروه التراب، وقف على قبره ليسمعهم، فقال: رحمك الله يا ذر، ما علينا بعدك من خصاصة، وما بنا إلى أحد مع الله حاجة، وما يسرني أن أكون المقدم قبلك، ولولا هول المطلع لتمنيت أن أكون مكانك، ثم رفع رأسه وقال: (اللهم قد وهبت حقي فيما بيني وبينه له، اللهم فهب حقك فيما بينك وبينه له)، فبقي القوم متعجبين مما جاء منهم، ومما جاء منه من الرضا والتسليم (^١).\nوقال أهل العلم: الرضا ثمرة من ثمرات المحبة (^٢)، له تعلق بالقلب، كماله الحمد. والحمد على الرضا له مشهدان:\nأحدهما: علم العبد بأن الله سبحانه مستوجب لذلك، مستحق له لنفسه أحسن كل شيء خلقه، وأتقن كل شيء، هو العليم الحكيم.\nالثاني: أن يعلم أن اختيار الله لعبده المؤمن، خير من اختياره لنفسه (^٣).\nإن علامة الرضا عن الله تعالى: الرضا بقضاء الله، وهو سكون القلب إلى ... أحكام الله، والتفويض إلى الله قبل الرضا، والرضا بعد التفويض (^٤).\nأخرج مسلم في صحيحه، عن العباس بن عبد المطلب ﵁، أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ - ﷺ - رَسُولًا» (^٥).\n_________\n(^١) المنبجي: تسلية أهل المصائب، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ٢ - ١٤٢٦ هـ، ص (٨٠).\n(^٢) الغزالي: إحياء علوم الدين، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٤/ ٣٤٣).\n(^٣) المنجي: تسلية أهل المصائب، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ٢ - ١٤٢٦ هـ، ص (١٥٩).\n(^٤) المحاسبي: آداب النفوس، دار الجيل - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (١٥١).\n(^٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا ح (٣٤).","vol":"1","page":667},{"text":"يقول الإمام ابن رجب:\" والرضا بربوبية الله تتضمن: الرضا بعبادته وحده لا شريك له، وبالرضا بتدبيره للعبد، واختياره له\" (^١).\nويقول الإمام ابن القيم:\" فالرضا بإلهيته يتضمن: الرضا بمحبته وحده وخوفه، ورجائه، والإنابة إليه، والتبتل إليه، وانجذاب قوى الإرادة والحب كلها إليه، فعل الراضي بمحبوبه كل الرضا، وذلك يتضمن: عبادته والإخلاص له، والرضا بربوبيته يتضمن: الرضا بتدبيره لعبده، ويتضمن إفراده بالتوكل عليه، والاستعانة به، والثقة به، والاعتماد عليه، وأن يكون راضيًا بكل ما يفعل به\" (^٢).\nوهذا الرضا والتسليم الناشئ عن الإيمان باليوم الآخر، له أثر آخر على النفس البشرية وهو:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>٧ - الشعور بالراحة والطمأنينة:</span>\nفمن علم أن الأمور كلها من الله جل وعلا، خيرها وشرها، حلوها ومرّها وإنما هي ابتلاءات في الدنيا؛ ليعلم الصابر من الساخط، والراضي من الجاحد، والشاكر من الكافر، عاش مطمئنا راضيًا؛ لعلمه بالخلف من الله جل وعلا في الآخرة، فتستوي عنده الأحوال، وتستقر الأمور، فيعلم أن فقره خير له من غناه عند الله، وسقمه خير له من صحته، فإن من عباد الله من لا يصلح حاله إلا الفقر، فإن أغناه الله طغى، ومنهم من لا يصلح حاله إلا السقم، فلو أصحَّه لطغى، هم في ذلك يسيرون تحت المشيئة والحكمة الإلهية، مع مشروعة أخذهم بأسباب الصحة والغنى، ولكن حين يستقر في قلب المرء، كمال الحكمة الإلهية، يعيش مطمئن البال، مرتاح الحال، مع أن الراحة الحقيقية، إنما تكون حين يضع المؤمن أول قدم في الجنة.\nجاء رجل من أهل خراسان إلى الإمام أحمد بن حنبل فقال: يا أبا عبد الله قصدتك من خراسان أسألك عن مسألة، قال له سل: قال: متى يجد العبد طعم الراحة؟ قال: عند أول قدم يضعها في الجنة (^٣).\n_________\n(^١) ابن رجب: جامع العلوم والحكم، مؤسسة الرسالة - بيروت، ط ٧ ١٤٢٢ هـ، (١/ ١١٨).\n(^٢) ابن القيم: مدارج السالكين، دار الكتاب العربي - بيروت، ط ٣ ١٤١٦ هـ (٢/ ١٧١).\n(^٣) أبو يعلي: طبقات الحنابلة، دار المعرفة -بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (١/ ٢٩٣).","vol":"1","page":668},{"text":"ولذا كان عامر بن عبد الله بن عبد قيس يقول:\" في الدنيا الغموم والأحزان، وفي الآخرة النار والحساب، فأين الراحة والفرج؟ \" (^١)، فكانوا يعلمون أن الراحة في الجنة، ولما قيل لأبي حازم: ما الراحة؟ قال: دخول الجنة (^٢).\nومع ذلك فالوصول للراحة الحقيقية لا تكون بالراحة، قال محمد الكتاني: \"من طلب الراحة بالراحة عدم الراحة\" (^٣)، وقال الإمام إبراهيم الحربي:\" أجمع عقلاء كل أمة، أن النعيم لا يدرك بالنعيم، ومن آثر الراحة فاتته الراحة\" (^٤). فالوصول إلى الراحة واللذة، لا يكون إلا على جسر التعب والألم، ولذا فالمصائب والآلام حشوها نعيمٌ ولذات ومسرات (^٥)، فبحسب ركوب الأهوال، واحتمال المشاق، تكون الفرحة واللذة، \"فلا فرحة لمن لا هم له، ولا لذة لمن لا صبر له، ولا نعيم لمن لا شقاء له، ولا راحة لمن لا تعب له، بل إذا تعب العبد قليلًا، استراح طويلًا، وإذا تحمل مشقة الصبر ساعة، قاده لحياة الأبد، وكل ما فيه أهل النعيم المقيم، فهو صبر ساعة\" (^٦).\n_________\n(^١) الأصفهاني: سير السلف الصالحين، دار الراية - الرياض، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٨٣٤).\n(^٢) الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد، دار الغرب الإسلامي - بيروت، ط ١ ١٤٢٢ هـ، (١٢/ ٣٧٩).\n(^٣) الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد، دار الغرب الإسلامي - بيروت، ط ١ ١٤٢٢ هـ، (٤/ ١٢٧).\n(^٤) ابن القيم: مفتاح دار السعادة، دار الكتب العلمية، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (١/ ١٤٢).\n(^٥) ابن القيم: مفتاح دار السعادة، دار الكتب العلمية، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (٢/ ١٥).\n(^٦)","vol":"1","page":669},{"text":"وكان السلف ﵏، على هذا الفقه، فكان علقمة يقول للأسود بن يزيد، وكان من العباد الزهاد، ما تُعذب هذا الجسد، فيقول: إنما أريد له الراحة (^١)، ولذا قال مالك بن دينار: إنما طلب العابدون بطول النصب دوام الراحة (^٢)، فالجنة لا تنال براحة الجسد، وجزاء الإحسان الإحسان، يقول أبو سعيد الخراز: \"وهل جزاء التعب في الدنيا والنصب فيها إلا الراحة في الآخرة \" (^٣).\nفلا راحة للعبد في دنياه، إلا بالرضا والتسليم لأمر الله جل وعلا، قال النباجي: \"ما التنعم إلا في الإخلاص، ولا قرة العين إلى التقوى، ولا الراحة إلا في التسليم \" (^٤).\nولما سئل ابن الحواري عن دواء الراحة قال: \"وأما دواء الراحة، فالرضا عن الله في جميع الأمور كلها\" (^٥).\nوهذا الشعور بالراحة والاطمئنان الذي يطغى على المؤمن، حقيق بإظهار أثر آخر على الفرد من الناحية النفسية؛ نتيجة إيمانه باليوم الآخر، وهو:\n_________\n(^١) ابن سعد: الطبقات الكبرى، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤١٠ هـ، (٠٦/ ١٣٥).\n(^٢) ابن عساكر: تاريخ دمشق، دار الفكر، ١٤١٥ هـ، (٥٦/ ٤٢٣).\n(^٣) ابن عساكر: تاريخ دمشق، دار الفكر، ١٤١٥ هـ، (٥/ ١٣٨).\n(^٤) ابن عساكر: تاريخ دمشق، دار الفكر، ١٤١٥ هـ، (٢١/ ١٧).\n(^٥) ابن عساكر: تاريخ دمشق، دار الفكر، ١٤١٥ هـ، (٦٩/ ١١٦).","vol":"1","page":670},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>٨ - تسلية المؤمن عما يفوته من أمور الدنيا، وتخفيف الهموم والأحزان:</span>\nالمؤمن بالآخرة يسترخص كل ألم يناله في الدنيا، ولا يندم على ما فاته منها لأن العوض كبير من الله الكبير المتعال. فكل من فقد شيئًا من الدنيا، متى وازن بينه، وبين ما أعده الله تعالى له في الآخرة، من الأجر والنعيم - إن صبر واحتسب -، قدم ما عند الله تعالى من الفضل والكرم، وآثر الآخرة على الدنيا؛ لأن متاع الدنيا قليل، والآخرة خير وأبقى، يقول جل وعلا: ... ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨)﴾ [التوبة:٣٨]، سماه جل وعلا متاعًا، ولكنه بالنظر إلى نعيم الآخرة قليل يسير.\nيقول الإمام الرازي:\" والدليل على أن متاع الدنيا في الآخرة قليل: أن لذات الدنيا خسيسة في أنفسها، ومشوبة بالآفات والبليات، ومنقطعة عن قريب لا محالة، ومنافع الآخرة شريفة عالية، خالصة عن كل الآفات ودائمة أبدية سرمدية، وذلك يوجب القطع بأن متاع الدنيا، قليل حقير خسيس \" (^١)، ويدل عليه قول النبي - ﷺ - «وَاللهِ مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ هَذِهِ فِي الْيَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ تَرْجِعُ؟» (^٢)، وقوله ﵊: «وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا» (^٣).\nإن شواهد الصبر والرضا عن الله تعالى، المورثة لطمأنينة القلب، وراحة الجسد كثيرة، وهي مصدر تسلية للمؤمن، عما يفوته من مصالح وخيرات في الدنيا، مع ما تغرس في قلبه، من ثبات يدفع به ما يدهمه من الآلام والأحزان؛ كل هذا لما يؤمله من عوض من الواحد الديان سبحانه المنان.\n_________\n(^١) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (١٦/ ٤٧)\n(^٢) أخرجه مسلم كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة ح (٢٨٥٨).\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الجهاد والسير، باب فضل رباط يوم في سبيل الله ح (٢٨٩٢).","vol":"1","page":671},{"text":"عن أنس بن مالك ﵁، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ: إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ فَصَبَرَ، عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الجَنَّةَ \" يُرِيدُ: عَيْنَيْهِ» أعظم العوض؛ لأن الالتذاذ بالبصر يفنى بفناء الدنيا، والالتذاذ بالجنة باق ببقائها\" (^١).\nيقول الإمام ابن بطال:\" فمن ابتلى بذهاب بصره، أو بفقد جارحة من جوارحه، فليتلق ذلك بالصبر والشكر والاحتساب، وليرض باختيار الله له ذلك؛ ليحصل على أفضل العوضين، وأعظم النعمتين، وهي الجنة التي من صار إليها، فقد ربحت تجارته، وكرمت صفقته، ولم يضره ما لقي من شدة البلاء فيما قاده إليها\" (^٢).\nوعن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس ﵄: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي - ﷺ - فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف، فادع الله لي، فقال: «إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ» فَقَالَتْ: أَصْبِرُ، فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا (^٣).\nلما كان العوض عظيمًا، اختارت الصبر على البلاء، يقول الإمام ابن بطال:\" ... وفيه أن اختيار البلاء، والصبر عليه يورث الجنة\" (^٤).\n_________\n(^١) ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ هـ (١٠/ ١١٦)\n(^٢) ابن بطال: شرح صحيح البخاري، مكتبة الرشد - الرياض، ط ٢ - ١٤٢٣ هـ (٩/ ٣٧٧)\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب المرض، باب فضل من يصرع من الريح ح (٥٦٥٢)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن أو نحو ذلك حتى الشوكة يشاكها ح (٢٥٧٦).\n(^٤) ابن بطال: شرح صحيح البخاري، مكتبة الرشد - الرياض، ط ٢ - ١٤٢٣ هـ (٩/ ٣٧٦).","vol":"1","page":672},{"text":"وعن أبي موسى الأشعري ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: «إِذَا مَاتَ وَلَدُ العَبْدِ قَالَ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي، فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ فَيَقُولُ اللَّهُ: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الجَنَّةِ، وَسَمُّوهُ بَيْتَ الحَمْدِ» (^١).\nوأخرج البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: «يقول الله تعالى: مَا لِعَبْدِي المُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ، إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ، إِلَّا الجَنَّةُ» (^٢). الصفي: المصطفى كالولد، والأخ وكل محبوب مؤثر (^٣).\nوفي الحديثين فضل الحمد والاسترجاع عند المصيبة، وفيه دليل على أن من مات له ولد واحد فاحتسبه، أن له الجنة (^٤).\nيقول العلامة المناوي: \"موت الأولاد فلذ الأكباد، ومصابهم من أعظم مصاب، وفراقهم يقرع القلوب والأوصال والأعصاب، يا له من صدع لا يشعب، يوهي القوي، ويقوي الوهي، ويوهن العظم، ويعظم الوهن، مر المذاق، صعب لا يطاق، يضيق عنه النطاق، شديد على الإطلاق، لا جرم أن الله تعالى حث فيه على الصبر الجميل، ووعد عليه بالأجر الجزيل، وبنى له في الجنة ذاك البناء الجليل\" (^٥).\n\"فيا أيها الوالد الجريح، والواله القريح، ماذا البكاء والصريخ، بعد هذا البر الصريح، وماذا العويل والضجيج، بعدما ثبت في الحديث الصحيح، وماذا التلهف والتأسف، بعد هذا القضاء المربح المريح.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي جامعه: أبواب الجنائز ح (١٠٢١) وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الرقاق، باب العمل الذي يبتغي به وجه الله ح (٦٤٢٤).\n(^٣) ابن الجوزي: كشف المشكل، دار الوطن - الرياض، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (٣/ ٥٣٣).\n(^٤) ابن بطال: شرح صحيح البخاري، مكتبة الرشد - الرياض، ط ٢ - ١٤٢٣ هـ (١٠/ ١٥٤).\n(^٥) المناوي: فيض القدير، المكتبة التجارية الكبرى - مصر، ط ١ ١٣٥٦ هـ (١/ ٤٤٠).","vol":"1","page":673},{"text":"فإن كنت تبكيه طلابًا لنفعه ... فقد نال جنات النعيم مسارعًا\nوإن كنت تبكي أنه فات عوده ... عليك بنفع فهو قد صار شافعًا\nفطب نفسًا بهذا الفضل العظيم، وقر عينًا بنزول ولدك في جوار الرب الرحيم، وأنشد عن نفسك قول شاعر حكيم:\nجاورت أعدائي وجاور ربه شتان بين جواره وجواري\" (^١)\nوعن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا، وَاللهِ يَا رَبِّ وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا، مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا، وَاللهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ» (^٢).\nيقول الإمام ابن الجوزي:\" هذا الحديث يحث على مراعاة العواقب، فإن التعب إذا أعقب الراحة هان، والراحة إن أثمرت النصب فليست راحة فالعاقل من نظر في المآل، لا في عاجل الحال (^٣) \".\n\" فعذاب الآخرة يُنسي نعيم الدنيا، ونعيم الآخرة يُنسي شدة الدنيا\" (^٤).\nفكل مصيبة ولو كانت جللًا، تهون في قلب المؤمن بالآخرة، وما فيها من الثواب والأجر العظيم، وإذا كان الإيمان باليوم الآخر، سبب من أسباب تخفيف الأحزان والهموم، وطردها من حياة المؤمن، واستبدالهما بالطمأنينة والتفاؤل، وإحلال الفرح مكان الحزن، فإنه كذلك يورث أثرًا نفسيا آخر للعبد المسلم وهو:\n_________\n(^١) السيوطي: المحاضرات والمحاورات، دار الغرب الإسلامي - بيروت، ط ١ ١٤٢٤ هـ، ص (٣٣٦).\n(^٢) أخرجه مسلم كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب صبغ أنعم أهل الدنيا في النار ح (٢٨٠٧).\n(^٣) ابن الجوزي: كشف المشكل، دار الوطن - الرياض، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (٣/ ٣١٠)\n(^٤) فيصل المبارك: تطريز رياض الصالحين، دار العاصمة - الرياض، ط ١ ١٤٢٣ هـ، ص (٣١٤)","vol":"1","page":674},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-202>٩ - الشعور بالسعادة وإحياء الأمل في النفوس:</span>\nليس بعد الاطمئنان والرضا، إلا القناعة والهدى، وهذا أمر يشعر المؤمن بسعادة غامرة، إذ هو يعيش في معية الرحمن، يرجو الخير المكنون في الجنان ولذا سيعيش بنفس عالية، تُحوِّل كل ألم إلى لذة، وكل هم وحزن إلى فرح يصدق فيه قول الشاعر:\nومن تكن العليا همة نفسه فكل الذي يلقاه فيها محبب (^١)\nإن الإيمان باليوم الآخر، يوم الجزاء والحساب، يحي الأمل في نفوس المؤمنين بأن الخير لا يضيع، والحق لا يُهدر، فتشعر النفس بالاطمئنان وتسكن خواطر الجَنَان، وعندها تسطع أشعة الأماني والطموح، فتمتد إلى ما وراء الماديات، فيعيش المرء بأمله سعيدًا، محققا الفضائل والمكارم.\nإن السعادة الحقيقية، التي تفارق السعادة الموهومة، هي التي بها تمام الخيرات، ومدارها: الاعتصام بالله تعالى وبحبله المتين، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:\" من أراد السعادة الأبدية، فليلزم عتبة العبودية \" (^٢). ففيها السعادة والنجاة في الدنيا والآخرة.\nإن السعادة كل السعادة في طاعة الله تعالى، وكل الربح في معاملته، وبين\" العبد وبين السعادة والفلاح: قوة عزيمة، وصبر ساعة، وشجاعة نفس وثبات قلب، والفضل بين الله يؤتيه من يشاء \" (^٣).\nإن من أشرف نعم الله تعالى وأعلاها السعادة الأخروية، وإياها قصد بقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾ [هود:١٠٨] إن السعادة الأخروية تعني: بقاء بلا فناء، ولذة بلا عناء، وسرور بلا حزن، وغنى بلا فقر، وكمال بلا نقصان وعز بلا ذل، وهذه السعادة لا تنال إلا بتزكية النفس وتكميلها، وذلك باكتساب الفضائل، واجتناب الرذائل.\n_________\n(^١) عمر الدسوقي: في الأدب الحديث (١/ ١٨٠)، والبيت لمحمود البارودي.\n(^٢) ابن القيم: مدارج السالكين، دار الكتاب العربي - بيروت، ط ٣ ١٤١٦ هـ (١/ ٤٢٩).\n(^٣) ابن القيم: مدارج السالكين، دار الكتاب العربي - بيروت، ط ٣ ١٤١٦ هـ (٢/ ١٠).","vol":"1","page":675},{"text":"والعجب ممن فتر عن سلوك طريق السعادة الأبدي، كيف احتمل الذل والخسران، في مقابل لذات منصرمة، وسعادة موهومة منقضية، ولكن فتور الخلق عن ذلك الطريق، سببه ضعف الإيمان بالآخرة، وإلا فالعقل الناقص قاض بالتشمير لسلوك طريق السعادة، فضلًا عن الكامل (^١).\nفجملة سعادة المرء،\"أن يجعل لقاء الله تعالى مقصده، والدار الآخرة مستقره والدنيا منزله، والبدن مركبه، والأعضاء خدمه \" (^٢).\nوجملة هذه الآثار النفسية على العبد، تمنح المؤمن أثرًا نفسيًا آخر وهو:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>١٠ - صمود الجوارح أما الرغبات النفسية:</span>\nفمع جنوح النفس إلى شهواتها وملذاتها، وميلها إلى رغباتها، يقف أمامها سلاح قوي، يمنح النفس صمودًا أمام هذه الرغبات، ويكسبها حصانة تقيها من الجنوح إلى هذه الملذات، إنه سلاح الإيمان باليوم الآخر، الذي يقف حصنًا منيعًا، وسدًا قويًا، أمام كل مغريات النفس البشرية، التي تهوي بها إلى الرذيلة، فتستنقذها من أوحال الهوى، حتى تقيمها على عتبة العبودية لله تعالى.\nإن هذه المعاني كلها جديرة بأن تهذب النفس، وتقوّم الأخلاق، وتحفظها من الانزلاق في آفات النفس، وتجنيها من المهلكات.\nفمن وقرت الآخرة في قلبه، واستشعر مشاهد الآخرة أمام ناظريه، أصبح دائم الخوف، سريع الوجل، بينه وبين نفسه خصام دائم؛ مخافة أن توقعه فيما يلحقه بسببها العتب والملامة، فهو دائم المراقبة والمحاسبة لنفسه، يفتش عن أعطاب نفسه ليصلحها، شديد التنقيب عن آفات قلبه، يخشى أن يفجأه ما يعكس صفوه، ويغير طهره ونقاءه.\nالمؤمن بالآخرة تجده راضيًا، قنوعًا، صادقًا، بارًا، زاهدًا، ورعًا، متوكلًا يجمع من خصال الخير والبر ما يرجو به الثواب عند الله ﷿، حريصًا على عمل خفي، يؤمل أن يلقى به ربه.\nومن أجمل ما يحصله المؤمن باليوم الآخر، من أثر في نفسه وحياته هو:\n_________\n(^١) الغزالي: ميزان العمل، دار المعارف - مصر، ط ١ ١٩٦٤ م، ص (١٨١ بتصرف).\n(^٢) الغزالي: إحياء علوم الدين، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٣/ ٩).","vol":"1","page":676},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>١١ - أنه يرى الموت نعمة كالحياة:</span>\nووجه كونه نعمة: أنه أحد الأسباب الموصلة إلى النعيم الأبدي، وهو الانتقال من دار إلى دار.\nيقول الإمام أبو القاسم الأصفهاني:\" الموت هو باب من أبواب الجنة، منه يتوصل إليها، ولو لم يكن موت لم تكن الجنة، ولذلك منّ الله تعالى به على الإنسان فقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾ [الملك:٢]، فقدم الموت على الحياة؛ تنبيهًا على أنه يتوصل به إلى الحياة الحقيقية وعدّه علينا في نعمه فقال: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾ [البقرة:٢٨]، فجعل الموت أنعامًا، كما جعل الحياة أنعامًا؛ لأنه لما كانت الحياة الأخروية نعمة، لا وصول إليها إلا بالموت، فالموت نعمة؛ لأن السبب الذي يتوصل به إلى النعمة نعمة \" (^١).\nإن المؤمن بالآخرة، يرى عالم الموت المجهول، والمخيف الموحش ... والمحاط بالكثير من الأساطير، يراه عالمًا رحبًا واسعًا، فهو بداية لعالم رحيب، يتحقق فيه للمؤمن ما كان يسعى لأجله.\nولذا يثبته الله جل وعلا في هذه المواضع الرهيبة، فييسر له تلقين حجته فيعصم من الكفر، ويخرج من الدنيا بشهادة التوحيد، بعد أن سعدت نفسه بالبشارات والمكرمات، فتراه ينادي بصوته المجهول وهو على سريرة محمول: (قدموني قدموني)؛ لما يرى من الخيرات والبركات، فيصبح القبر المظلم روضة غنّاء، تُذهِب عنه رهبة القبر ووحشته، بل ويفتح له باب إلى الجنة ويرى مكانه ومقعده منها، فيقول مناديًا بشوق: (يارب أقم الساعة).\nفلا مكان للاغتمام لأجل الموت عند هؤلاء، وإنما يكون الغم مداخلًا للمرء لأحد أربعة أوجه:\n- إما لشهوة بطنه وفرجه.\n- وإما على ما يخلفه من ماله.\n- وإما على جهله بحاله بعد الموت ومآله.\n- وإما لخوفه على قدمه من عصيانه (^٢).\n_________\n(^١) الأصبهاني: تفصيل النشأتين، مكتبة الحياة - بيروت، ١٩٨٣ م، ص (١١٧).\n(^٢) الغزالي: ميزان العمل، دار المعارف - مصر، ط ١ ١٩٦٤ م، ص (٣٩٤).","vol":"1","page":677},{"text":"وأما المؤمنون الذين عمروا أوقاتهم بالطاعة، فإنهم لا يخافون الموت لعلمهم أنه السبيل الموصل إلى السعادة الكبرى، حتى قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: \"والله ما أبالي، أقع على الموت، أو يقع الموت عليّ\" (^١).وأثر عنه من قوله ﵁، إذا أراد المبارزة في الحرب:\nأي يوميّ من الموت أفر يوم لا يقدر أم يوم قدر\nيوم لا يقدر لا أرهبه ومن المقدور لا ينجو الحذر (^٢)\nوقيل لعبد الله بن عمر ﵄: أي ابني الزبير كان أشجع؟ فقال: ما منهما إلا شجاع كلاهما مشى إلى الموت وهو يراه (^٣).\nيقول الإمام الأصبهاني:\" وكانوا يتوقعونه ويرون أنهم في حبس فينتظرون المبشر بإطلاقهم، وعلى هذا روي: «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ، وَجَنَّةُ الْكَافِرِ» (^٤) وقيل: أنه لما مات داود الطائي سُمع هاتف يقول: اطلق داود من السجن\" (^٥).\nوالخلاصة: أن الإيمان باليوم الآخر، له أثر مباشر على النفس البشرية، فهو من أعظم أسباب تزكية النفس، والارتقاء بها، والنجاة من سلطان الوساوس والأوهام، وتسلط الشياطين.\nوبه يحتفظ المرء بتوازنه في الحياة، فيعطي كل ذي حق حقه، مع ما ينميه في الضمير الإنساني، من الرقابة العامة، ويحيي فيه باستمرار الخوف والرجاء وهو أساس حركة النفس اللوامة، التي تلوم صاحبها لوقوعه في المحارم فتلومه على الخير والشر، وتندم على ما فات.\n_________\n(^١) الأصبهاني: تفصيل النشائين، مكتبة الحياة - بيروت، ١٩٨٣ م، ص (١١٧).\n(^٢) ابن عبد ربه: العقد الفريد، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٠٤ هـ، (٦/ ١٤٢)\n(^٣) ابن سعد: الطبقات الكبرى، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤١٠ هـ، (٢/ ٩١).\n(^٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق ح (٢٩٥٦).\n(^٥) الأصبهاني: تفصيل النشائين، مكتبة الحياة - بيروت، ١٩٨٣ م، ص (١١٧).","vol":"1","page":678},{"text":"\"وبهذا تغدو قضية الإيمان باليوم الآخر، ضرورة إنسانية؛ لحل مشكلة الجنوح الإنساني، ولمنح المجتمعات الإنسانية، أفضل صورة ممكنة من السعادة الجماعية، ولدفع الإنسان إلى فعل الخير، والارتقاء في سلم الفضائل الفردية والاجتماعية \" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>المطلب الرابع أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد من الناحية السلوكية والأخلاقية</span>\nلا تكاد تجد مجتمعًا تسود أفراده المحبة والإخاء، وتشيع فيه معاني الرحمة والوفاء، إلا وبذرة الإيمان باليوم الآخر ظاهرة في حياتهم، فتنعكس على أخلاقياتهم وسلوكياتهم.\nفلا عجب حينئذ، أن ترى مظاهر الخير منتشرة بين أفراد المجتمع، فبداية القوس الذي تنطلق منه الخيرات، هو الإيمان بالله تعالى، ونهايته الإيمان باليوم الآخر، وهما متلازمان لسبب، مقترنان لأمر عجب، فإنك لن تجد بعد الإيمان بالله تعالى، عامل ضبط للسلوك والأخلاق، كالإيمان باليوم الآخر، فالإيمان بالله تعالى عقيدة، والإيمان باليوم الآخر مؤيد وقانون، تنتج عنه كل القيم، والأخلاق، والآداب الفاضلة.\nفمن آثار الإيمان باليوم الآخر على الفرد من الناحية السلوكية والأخلاقية ما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>١ - البعد عن سيء الأخلاق:</span>\nيورث الإيمان باليوم الآخر، جمالًا في المرء، يظهر أثره في أخلاقه وسلوكياته فتراه هينًا لينًا، يعطف على الصغير، ويوقر الكبير، ويمشي في حاجة المسكين ويمسح على رأس اليتيم، لا يحقد ولا يحسد، يعيش نفي القلب، عفيف اللسان، طاهر النفس، بعيدًا عن كل سيء وقبيح، لا يغدر ولا ينتقم، ولا يبغي على أحد، ولا يتخاذل في نصرة مظلوم، ولا يتهاون في أداء الحقوق ومع ذلك فهو حليم كريم، يكظم غيظه، ويعفو عمن ظلمه.\nوأما من خلا قلبه من الإيمان باليوم الآخر، فتراه يرتع في حياته كالبهائم ... فلا رادع يردعه، ولا زاجر يزجره، ولا حتى طبع سليم يدفعه.\nفلا يتورع عن ظلم العباد وأذيتهم، ملأ قلبه بكل سيء وقبيح، فساء خلقه ... وأشقى نفسه، ولذا فإن سيء الخلق، يفر منه كل شيء.\n_________\n(^١) عبد الرحمن حنبكة: العقيدة الإسلامية، دار القلم - دمشق، ط ٨ ١٤١٨ هـ، ص (٥٣٦).","vol":"1","page":679},{"text":"يقول أبو حازم: \"السيئ الخلق، أشقى الناس به نفسه، ثم زوجته، ثم ولده، حتى إنه ليدخل بيته وإنهم لفي سرور، فيسمعون صوته فينفرون عنه فرقًا منه، وحتى إن دابته لتحيد مما يرميها بالحجارة، وإن كلبه ليراه فينزو على الجدار، وحتى إن قطه ليفر منه\" (^١).\nومن هنا يقول الإمام الغزالي:\" والأخلاق السيئة، هي السموم القاتلة والمهلكات الدامغة، والمخازي الفاضحة، والرذائل الواضحة، والخبائث المبعدة عن جوار رب العالمين، المنخرطة بصاحبها في سلك الشياطين، وهي الأبواب المفتوحة إلى نار الله تعالى الموقدة، التي تطلع على الأفئدة، كما أن الأخلاق الجميلة، هي الأبواب المفتوحة من القلب إلى نعيم الجنان، وجوار الرحمن \" (^٢).\nوينشئ عن الإيمان اليوم الآخر جملة من الأخلاق الحسنة المحمودة، من أهمها:\nأ) العفو والصفح:\nيقول الإمام الأصفهاني:\" وأما العفو والصفح، فهما صورتا الحلم، ومخرجاه إلى الوجود، والعفو: هو ترك المؤاخذة بالذنب، والصفح: ترك التثريب\" (^٣).\n_________\n(^١) الذهبي: سير أعلام النبلاء، دار الحديث - القاهرة، ١٤٢٧ هـ، (٦/ ٢٥٦).\n(^٢) الغزالي: إحياء علوم الدين، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٣/ ٤٩)،\n(^٣) الأصفهاني: الذريعة إلى مكارم الشريعة، دار السلام - القاهرة، ١٤٢٨ هـ، ص (٢٤١).","vol":"1","page":680},{"text":"ولما كان \"في العفو والصفح والحلم من الحلاوة، والطمأنينة، والسكينة، وشرف النفس وعزها، ووقفها عن تشفيها بالانتقام، ما ليس شيء منه في المقابلة والانتقام\" (^١)، حثت عليه الشريعة، ورغبت فيه، وأمرت به، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾ [هود:١٠٨] ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ [النور:٢٢]، وقال تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)﴾ [المائدة:١٣]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:٤٠]، وقال تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩].\nالعفو والصفح من شيم الكرام، لأن منشؤه محبة الله تعالى، وطلب مرضاته والفوز بما أعده لهم من خير في الدنيا، من معيته ﷾ لهم، وفي الآخرة من الفضل العظيم، يقول جل وعلا: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران:١٣٣ - ١٣٤]، يقول الحسن: أفضل أخلاق المؤمن العفو (^٢).\nولذا كان هو خلق الأنبياء والمرسلين وأتباعهم، وقد أمر الله نبيه - ﷺ - بالصفح الجميل، فقال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥)﴾ [الحجر:٨٥].\n_________\n(^١) ابن القيم: مدارج السالكين، دار الكتاب العربي - بيروت، ط ٣ ١٤١٦ هـ (٢/ ٣٠٣).\n(^٢) ابن مفلح: الآداب الشرعية، عالم الكتب - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (١/ ٧١).","vol":"1","page":681},{"text":"قال علي بن أبي طالب ﵁: الصفح الجميل: هو الرضا بلا عتاب ... وقال سهل: بلا حقد ولا توبيخ بعد الصفح، وهو الإعراض الجميل (^١).\nفالعفو والصفح من مظاهر حسن الخلق، وهو دليل على صفاء النفس وطيب المعدن، ونقاء السريرة، وسعة الصدر، وحسن الظن، مع ما فيه من رفعة وعزة الإنسان، ودلالة على كمال إيمانه، وحسن إسلامه.\nولذا ينبغي على المرء، توطين نفسه على \"لزوم العفو عن الناس كافة، وترك الخروج لمجازاة الإساءة، إذ لا سبب لتسكين الإساءة أحسن من الإحسان، ولا سبب لنماء الإساءة وتهيجها أشد من الاستعمال بمثلها\" (^٢).\nوهذه الدرجة العالية في الصفح، بل وتقريب من يُقصيك، والعفو عمن يُعاديك، لم تكن لأحد على وجه الكمال إلا لرسول الله - ﷺ - ثم للورثة منه قدر سهامهم من التركة.\nوممن حاز هذا الإرث الكبير، الإمام ابن تيمية، يقول الإمام ابن القيم:\" وما رأيت أحدًا قد أجمع لهذه الخصال من شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه- وكان بعض أصحابه الأكابر يقول: وددت أني لأصحابي، مثله لأعدائه وخصومه، وما رأيته يدعو على أحد منهم قط، وكان يدعو لهم.\nوجئت يومًا مبشرًا له بموت أكبر أعدائه، وأشدهم عداوة وأذى له فنهرني وتنكر لي، واسترجع ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم، وقال: إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة، إلا وساعدتكم فيه، ونحو من هذا من الكلام، فسروا به، ودعوا له، وعظموا هذه الحال منه\" (^٣).\nب) الإحسان:\n_________\n(^١) التستري: تفسير التستري، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٢٣ هـ، ص (٨٩).\n(^٢) أبو حاتم بن حبان: روضة العقلاء، دار الكتب العلمية - بيروت، ص (١٦٦).\n(^٣) ابن القيم: مدارج السالكين، دار الكتاب العربي - بيروت، ط ٣ ١٤١٦ هـ (٢/ ٣٢٨)","vol":"1","page":682},{"text":"الإحسان أعلى مراتب الدين، وهو لب الإيمان وروحه وكماله، وهو جامع لما عداه من المنازل، فجميعها منطوية فيه (^١). فالمؤمن حين يُحسن إلى نفسه وإلى الآخرين، يرجو ما عند الله تعالى من الجزاء والفضل، والله جل وعلا يقول: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن:٦٠]. قال ابن زيد في معنى الآية:\" حين أحسنوا في هذا الدنيا، أحسنا إليهم أدخلناهم الجنة\" (^٢). وهذا في مقام الإحسان إلى النفس، بتطهيرها وتزكيتها، وأما في مقام الإحسان إلى الآخرين، فإن الله تعالى أثنى على نبي الله يوسف ﵇ في جملة من المقامات بأنه كان من المحسنين، يقول تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)﴾ [يوسف:٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [يوسف:٥٦].\n_________\n(^١) ابن القيم: مدارج السالكين، دار الكتاب العربي - بيروت، ط ٣ ١٤١٦ هـ (٢/ ٤٢٩ بتصرف)\n(^٢) الطبري: جامع البيان، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ت: أحمد محمد شاكر، ص (٢٣/ ٦٨)","vol":"1","page":683},{"text":"ولما كان يوسف ﵇، قد اشتهر في السجن بالجود، والأمانة وصدق الحديث، وحسن السمت، وكثرة العبادة، ومعرفة التعبير والإحسان إلى أهل السجن، وعيادة مرضاهم، والقيام بحقوقهم (^١)، أثنى عليه أهل السجن حتى قالوا: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦)﴾ [يوسف:٣٦] فيوسف ﵇، قد أحسن إلى نفسه بطاعة الله جل وعلا، وأحسن إلى غيره بمساعدتهم، ومد يد العون لهم، يقول الإمام الضحاك في تفسير إحسان يوسف ﵇:\" كان يوسف إذا مرض إنسان في السجن قام عليه وإذا ضاق عليه المكان أوسع له، وإذا احتاج سأله أو جمع له\". وقال قتادة: \"كان إحسانه فيما ذُكر لنا: أنه كان يعزي حزينهم، ويداوي مريضهم، ورأوا منه عبادة واجتهادًا، فأحبوه على حظه\" (^٢)، ولذا يقول الإمام أبو حاتم بن حبان:\" والناس مجبولون على محبة الإحسان، وكراهية الأذى، واتخاذ المحسن إليهم حبيبًا، واتخاذ المسيء إليهم عدوًا \" (^٣)، ومن هنا قال بعض الحكماء: الإحسان رق، والمكافأة عتق، وقيل لبعض الحكماء: أي شيء من أفعال الناس، أشبه بأفعال الإله؟ قال: الإحسان إلى الناس (^٤).\n_________\n(^١) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، دار طيبة للنشر والتوزيع، ط ٢ - ١٤٢٠ هـ: (٤/ ٣٨٧)\n(^٢) ابن أبي حاتم: تفسير ابن أبي حاتم، مكتبة الباز -مكة المكرمة، ط ٣ ١٤١٩ هـ (٧/ ٢١٤٣)\n(^٣) أبو حاتم بن حبان: روضة العقلاء، دار الكتب العلمية - بيروت:، ص (٢٤٣)\n(^٤) الماوردي: أدب الدنيا والدين، دار مكتبة الحياة، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، ص (١٨٩ - ٣٣٦)","vol":"1","page":684},{"text":"والله جل وعلا كتب الإحسان على كل شيء، يقول الفضيل:\" لو أن العبد أحسن الإحسان كله، وكانت له دجاجة فأساء إليها، لم يكن من المحسنين\" (^١). ويدخل في مفهوم الإحسان، التعظيم لأمر الله جل وعلا والقيام بأداء حقوقه، والشفقة على خلقه، والشفقة على الخلق أقسام كثيرة وأشرفها وأجلها صلة الرحم (^٢)، ولذا فإن الله جل وعلا أفردها في الذكر في آية الإحسان، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل:٩٠].\nويشمل الإحسان في الآية الكريمة جملة من المعاني الصحيحة (^٣):\n١ - الإحسان بمعنى العفو.\n٢ - الإحسان بمعنى أداء الفرائض.\n٣ - الإحسان بمعنى التفضل.\n٤ - الإحسان بمعنى المراقبة وهي: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ «.\n٥ - الإحسان بمعنى الإخلاص، بأن تكون سريرة المرء، أفضل من علانيته.\nيقول العز بن عبد السلام:\" الإحسان لا يخلو عن جلب نفع، أو دفع ضرر أو عنهما، وتارة يكون في الدنيا، وتارة يكون في العقبى، أما في العقبى: فتعليم العلم، والفتيا، والإعانة على جميع الطاعات، وعلى دفع المعاصي والمخالفات، فيدخل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد واللسان وأما في الدنيا فبالإرفاق الدنيوية، ودفع المضار الدنيوية، وكذلك إسقاط الحقوق، والعفو عن المظالم \" (^٤).\n_________\n(^١) القشيري: الرسالة القشيرية، دار المعارف - القاهرة، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (٢/ ٣٩٨)\n(^٢) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٢٠/ ٢٦١).\n(^٣) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ١٩٦)، ابن الجوزي: زاد المسير: ص (٢/ ٥٧٩)\n(^٤) العز بن عبد السلام: قواعد الأحكام، دار الكتب العلمية - بيروت، ١٤١٤ هـ، (٢/ ١٩٠).","vol":"1","page":685},{"text":"\"فأعظم الإحسان: الإيمان، والتوحيد، والإنابة إلى الله تعالى، والإقبال عليه، والتوكل عليه، وأن يعبد الله كأنه يراه؛ إجلالًا، ومهابة، وحياءً ومحبة، وخشية \" (^١).\nيقول الإمام ابن القيم: \" ومشهد الإحسان أصل أعمال القلوب كلها، فإنه يوجب الحياء، والإجلال، والتعظيم، والخشية، والمحبة، والإنابة، والتوكل والخضوع لله سبحانه والذل له، ويقطع الوسواس وحديث النفس، ويجمع القلب والهم على الله، فحظ العبد من القرب من الله، على قد حظه من مقام الإحسان\" (^٢).\nومع أن الإحسان إلى الخلق مقامه عظيم، إلا أنه يوجب كذلك: انشراح الصدر، وطيب النفس، يقول الإمام ابن القيم:\" فإن الكريم المحسن أشرح الناس صدرًا، وأطيبهم نفسًا، وأنعمهم قلبًا \" (^٣).\nويقول:\" فإن الإحسان يفرح القلب، ويشرح الصدر، ويجلب النعم ويدفع النقم، وتركه يوجب الضيم والضيق، ويمنع وصول النعم إليه فالجبن ترك الإحسان بالبدن، والبخل ترك الإحسان بالمال\" (^٤).\nوعليه: فالمحسن لا يقدم على إحسانه، من قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، وأنواع الصدقات، إلا وهو يرجو إحسان الله جل وعلا له في الآخرة.\n_________\n(^١) ابن القيم: بدائع الفوائد، دار الكتاب العربي - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٣/ ١٨).\n(^٢) ابن القيم: رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه: ص (٣٩).\n(^٣) ابن القيم: زاد المعاد، مؤسسة الرسالة - بيروت، ط ٢٧ ١٤١٥ هـ، (٢/ ٢٤).\n(^٤) ابن القيم: طريق الهجرتين، دار السلفية - القاهرة، ط ٢ - ١٣٩٤ هـ، ص (٢٧٩).","vol":"1","page":686},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>٢ - يورث المحبة والتواد بين المسلمين:</span>\nإن من أكبر أسباب التحاسد والتباغض بين المسلمين، هو تناسيهم الآخرة وغفلتهم عنها، وإلا فمتى كانت الدار الآخرة حاضرة أمام أعينهم، ماثلة مشاهدها بين أيديهم، أورثهم ذلك المشهد خوفًا وقلقًا، ينعكس على أفعالهم فبعد أن كانت العداوة والبغضاء، مسيطرة على المشهد الإنساني اليومي، حل مكانها التواد والتسامح، والمحبة والتصافح، فسعدت به الحياة، وأنست به الدنيا، ولذا كان علماء الآخرة بمعزل عن هذا التحاسد، يقول الإمام ابن الجوزي: \"تأملت التحاسد بين العلماء، فرأيت منشأه من حب الدنيا، فإن علماء الآخرة يتوادون ولا يتحاسدون، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ [الحشر:٩]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر:١٠]، وقد كان أبو الدرداء يدعو كل ليلة لجماعة من إخوانه، وقال الإمام أحمد بن حنبل لولد الشافعي: أبوك من الستة الذين أدعو لهم كل ليلة وقت السحر\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>٣ - يمنع الظلم:</span>\nإن من أكبر زواجر منع الظلم، هو الإيمان بالآخرة، فإذا كان الله جل وعلا يقتص في القيامة للبهائم بعضها من بعض، فكيف بحقوق العباد! ولذا فإن أكثر ما يزلزل كيان الظالم، علمه بأن الله تعالى خصمه، وأنه ربما عاجله بظلمه فأهلكه، أو أخره وأمهله، حتى إذا أخذه لم يفلته، وقد قيل: (الظلم مرتعه وخيم) (^٢)، وقد قال معاوية ﵁: إني لأستحي أن أظلم من لا أجد له ناصرًا علي إلا الله \" (^٣).\n_________\n(^١) ابن الجوزي: صيد الخاطر، دار القلم - دمشق، ط ١، ص (٣٠).\n(^٢) أبو عبيد القاسم: الأمثال، دار المامون لتراث، ط ١ ١٤٠٠ هـ، ص (٢٥٩).\n(^٣) الأصفهاني: محاضرات الأدباء، دار الأرقم بن ابي الأرقم - بيروت، ط ١ ١٤٢٠ هـ، (١/ ٢٧٠).","vol":"1","page":687},{"text":"يقول الجاحظ: \"فإن الله ﵎، لم يخلق مذاقًا أحلى من العدل، ولا أروح على القلوب من الإنصاف، ولا أمرَّ من الظلم، ولا أبشع من الجور\" (^١).\nوقال حاكيًا: \"إن البغي يصرع أهله، وإن الظلم مرتعه وخيم، فلا تغتر بإبطاء العقاب، من ناصرٍ من شاء أن يغيث أغاث، وقد أملى لقوم كي يزدادوا إثمًا \" (^٢)، والظلم من أقبح ما يحمله الرجل معه إلى معاده، وقد كتب الفضل بن يحي إلى عامل له: \"بئس الزاد إلى المعاد، العدوان على العباد\" (^٣).\nوقد جرت السنن الإلهية، ببقاء دول العدل ولو كانت كافرة، وزوال دول الظلم ولو كانت مسلمة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:\" وأمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل، الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم، أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق، وإن لم تشترك في إثم، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة، وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة، وإن كان مسلمة، ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام \" (^٤). ولذا فإن الناس لم يتنازعوا، في أن عاقبة الظلم وخيمة، وأن عاقبة العدل كريمة، ولهذا يروى: (الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة)؛ لأن العدل نظام كل شيء، فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت، وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق، ومتى لم تقم بعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان، ما يُجزى به في الآخرة (^٥).\n_________\n(^١) الجاحظ: الرسائل الأدبية، مكتبة الهلال - بيروت، ط ٢ - ١٤٢٣ هـ، ص (١٠٣).\n(^٢) الجاحظ: الرسائل، مكتبة الهلال - بيروت، ط ٢ - ١٤٢٣ هـ، ص (٢٤٥).\n(^٣) محمد حمدون: التذكرة الحمدونية، دار صادر - بيروت، ط ١ - ١٤١٧ هـ، (٣/ ١٧٧).\n(^٤) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (٢٨/ ١٤٦)\n(^٥) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف (٢٨/ ٦٣ - ١٤٦ بتصرف يسير)","vol":"1","page":688},{"text":"ومن هنا قال النجاشي: الملك يبقي على الكفر، ولا يبقي على الظلم (^١)، ولما سأل الاسكندر حكماء أهل بابل: أيما أبلغ عندكم: الشجاعة أم العدل؟ قالوا: إذا استعملنا العدل، استغنينا عن الشجاعة (^٢).\nيقول العلامة ابن خلدون:\" وبإقامة العدل في القضاء والعلم، تصلح أحوال الرعية، وتأمن السبل، وينتصف المظلوم، وتأخذ الناس حقوقهم، وتحسن المعيشة، ويؤدى حق الطاعة، ويرزق الله العافية والسلامة، ويقيم الدين، ويجري السنن والشرائع في مجاريها\" (^٣). إن الظلم والجور \"آفة الزمان ومحدث الحدثان، وجالب الإحن، ومسبب المحن، ومحيل الأحوال، وممحق الأموال، ومخلي الديار، ومحيي البوار \" (^٤).\nومن هنا نعلم يقينا، أن الإيمان باليوم الآخر والمعاد، موجب لمنع الظلم، قال بعض الحكماء: \"الظلم من طبع النفوس، وإنما يصدها عن ذلك أحد علتين: إما علة دينية؛ لخوف معاد، أو علة سياسية؛ لخوف سيف\" (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>٤ - يربي المؤمن على تخطي المواقف الصعبة:</span>\nالبلاء سنة ربانية، يمحص الله تعالى به المؤمن من غيره، يقول تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت:١ - ٣].\nفقد تضعف النفس البشرية مع حلول البلاء، ويصيبها نوع من الوهن والضعف والخواء، وربما لجأت إلى الشكاية؛ للخلاص مما ألم بها من الداء واللأواء.\n_________\n(^١) ابن حمدون: التذكرة الحمدونية، دار صادر - بيروت، ط ١ ١٤١٧ هـ، (١/ ٣١٣)\n(^٢) ابن حمدون: التذكرة الحمدونية، دار صادر - بيروت، ط ١ ١٤١٧ هـ، (٣/ ١٧٥)\n(^٣) ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون، دار الفكر - بيروت، ط ٢ - ١٤٠٨ هـ، ص (٣٨٣)\n(^٤) أحمد البكري: نهاية الأرب في فنون الأدب، دار الكتب والوثائق القومية - القاهرة (٦/ ٤٠)\n(^٥) ابن حمدون: التذكرة الحمدونية، دار صادر - بيروت، ط ١ ١٤١٧ هـ، (١/ ٢٧٩).","vol":"1","page":689},{"text":"وفي هذه اللحظات المريرة، التي تُعبِّر عن مكامن الضعف الإنساني والخلل الوجداني، تجد هذه النفوس من يحي فيها الأمل، ويجدد لها مستقبل العمل، فيفتح لها آفاق الحياة الحقيقية، التي تهون عندها كل المصاعب.\nفالصحابة الأوائل ﵃، لما لاقوا ما لاقوا من الشدائد وآلام التعذيب، جاؤوا إلى رسول الله - ﷺ - طالبين منه أن يدعو لهم، في أن يخلصهم الله تعالى مما حل بهم من الكرب والشدة، فإذا بكلمات من الرسول الشفيق الرحيم، تنزل على قلوب المؤمنين بردًا وسلامًا، يستعذبون بعدها ما كانوا يجدونه من ألم، وما كانوا يعانونه من شدة، يقول لهم: «كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام ح (٣٦١٢).","vol":"1","page":690},{"text":"ولما عانت أسرة آل ياسر - الأسرة المباركة المرحومة - من الشدة ما عانت ولاقت من صنوف التعذيب ما لاقت، كان ولا بد من أمل يخفف عنها هذه المعاناة، وبشرى تهون عليهم هذه البلوى، ففي تلك اللحظات العصيبة التي تخالج النفس البشرية ما تخالجها، تأتي كلمات نبوية نيرة، تغير حال الضعف إلى قوة، واليأس إلى تفاؤل، واستعذاب الألم بعد شدته، كلمات تتخطى حدود هذه الحياة الفانية، لتبشر بحياة باقية، فيها يجد المؤمن جزاء صبره، وثباته، ويقينه، إنها كلمة واحدة، بحجم هذا الكون كله، دخلت مباشرة إلى شغاف قلوب هذه الأسرة المباركة، فهان عليها ما تجد، بل وقابلته بالرضا والحمد، حين لامست أسماعهم: «صَبْرًا يَا آلَ يَاسِرٍ، فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ» (^١).\n\"إن الإنسان ليغض الطرف حياءً، ويحمر وجهه خجلًا، حينما يستعرض هذه المواقف البطولية الفذة، التي سمت بأصحابها، إلى درجات سامقة من السمو الديني، والخلقي، والنفسي\" (^٢).\nفالإيمان باليوم الآخر، سهم يجاوز به المؤمن، كل ما يواجهه من صعوبات وابتلاءات، وحسبك ما قرأت عن هذه الأسرة المباركة، في ثباتها، وصبرها وعن أثره في بذل النفوس رخيصة؛ لقاء فضل الله الواسع.\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم في المستدرك، ذكر مناقب عمار بن ياسر ﵁ ح (٥٦٦٦).\n(^٢) محمد أبو شهبة: السيرة النبوية على ضوء القرآن والسنة، دار القلم، (١/ ٣٤١).","vol":"1","page":691},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-210>٥ - بذل النفوس رخيصة في سبيل الله:</span>\nيقول الله جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ [البقرة:٢٠٧]، هذه الآية الكريمة، وإن كانت تتحدث عن شأن صهيب الرومي ﵁، وكذا أمثاله ممن بذل ماله ليصون دينه ونفسه، إلا أن هناك من بذل نفسه رخيصة في سبيل الله؛ لأجل رفعه دينه، وتخليص نفسه من رق الدنيا، وطلب مرضات الله تعالى، فيشمله ما جاء من الفضل في هذه الآية الشريفة، يقول الإمام ابن أبي زمنين في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾: \" أي يبيع نفسه بالجهاد \" (^١)، وقال الإمام ابن كثير:\" وأما الأكثر، فحملوا ذلك على أنها نزلت في كل مجاهد في سبيل الله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)﴾ [التوبة:١١١]، ولما حُمل هشام بن عامر بين الصفين، أنكر عليه بعض الناس، فرد عليهم عمر بن الخطاب، وأبو هريرة، وغيرهما، وتلوا هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ [البقرة: ٢٠٧] \" (^٢).\n_________\n(^١) ابن أبي زمنين: تفسير القرآن، الفاروق الحديثة - القاهرة، ط ١ ١٤٢٣ هـ، (١/ ٢١٤).\n(^٢) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، دار طيبة للنشر والتوزيع، ط ٢ - ١٤٢٠ هـ: (١/ ٥٦٥)","vol":"1","page":692},{"text":"ولما كان يوم بدر، كان النبي - ﷺ - في قبة فقال: «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين «فقال عُمير بن الحمام: بخ بخ، فقال رسول الله - ﷺ -: «لم تُبخبخ؟ «قال: أرجو أن أكون من أهلها، قال: «فإنك من أهلها»، قال: فانتثل ثمرات من قرنه، فجعل يلوكهن، ثم قال: والله لئن بقين حتى ألوكهن، إنها لحياة طويلة، فنبذهن وقاتل حتى قتل (^١).\nإن أسرع ما يدفع النفوس للبذل والعطاء، هو التذكير بما أعد الله تعالى لهم في الآخرة، من النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، ولذا لما سمع عمير ﵁، البشرى من رسول الله - ﷺ - استرخص حياته، وعلم أن ما عند الله خير وأبقى، فسارع إلى مرضاة الله تعالى؛ لينتقل من الضيق إلى السعة ومن الألم إلى النعيم، فإن الدنيا بما فيها، تضييق في قلوب المؤمنين، حين تلامس أسماعهم، بشائر الخير، وفضائل البر، ومكرمات الرحمن؛ إذ تتفجر حينها داخل النفس صراعات، بين دواعي الخير والشر، فيعلو صوت الحق وتنتصر دواعي الخير؛ لقاء ما عند الله تعالى من الفضل والخير.\nوحين يتخلص المرء، من قيود النفس ورغباتها، تنطلق نحو الهدف الأسمى، فلا تقف النفس حينها عند حدود، ولا تعترف بأي قيود، وحين تهفو النفوس إلى الآخرة، فإنها تحس بشيء من لذتها، وتشعر بأنفاس نعيمها ولذا قال أنس بن النصر ﵁، يوم بدر: (والذي نفسي بيده، إني لأجد ريح الجنة دون أحد، واها لريح الجنة)، فوجد ﵁ بين القتلى به بضع وثمانون من ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، قد مثلوا به فما عرفته إلا أخته ببنانه (^٢).\nوقد عاش الصالحون جنة الدنيا، قبل جنة الآخرة، بالأنس بالله تعالى والقرب منه، فوجدوا لذة وسعادة، لا يشبهها شيء من نعيم الدنيا البتة وليس له نظير يقاس به، وهو حال من أحوال أهل الجنة، حتى قال بعض العارفين: إنه لتمر بي أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا، إنهم لفي عيش طيب.\n_________\n(^١) ابن سعد: الطبقات الكبرى، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤١٠ هـ، (٣/ ٤٢٦)\n(^٢) أبو نعيم: معرفة الصحابة، دار الوطن - الرياض، ط ١ ١٤١٩ هـ، (١/ ٢٣٠)","vol":"1","page":693},{"text":"وقال آخر: لتمر على القلب أوقات، يرقص فيها طربًا، وليس في الدنيا نعيم يشبه نعيم الآخرة، إلا نعيم الإيمان والمعرفة (^١).\nوقد ذكر الإمام ابن القيم، من حال شيخه الإمام ابن تيمية في هذا الشأن أمرًا عجبًا، فقال:\" وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها، لا يدخل جنة الآخرة.\nوقال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رحت فيه معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.\nوكان يقول في محبسه في القلعة: لو بذلت ملء هذه القاعة ذهبًا، ما عدل عندي شكره هذه النعمة، أو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير ونحو هذا. وكان يقول في سجوده وهو محبوس: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)، ما شاء الله، وقال لي مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه.\nولما دخل إلى القلعة، وصار داخل سورها، نظر إليه وقال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣)﴾ [الحديد:١٣]. وعلم الله ما رأيت أحدًا، أطيب عيشًا منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاق الرفاهية والنعيم، بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك، من أطيب الناس عيشاَ، وأشرحهم صدرًا وأقواهم قلبًا، وأسرهم نفسًا، تلوح نضرة النعيم على وجهه. وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض، أتيناه، فما هو إلا أن نراه، ونسمع كلامه، فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحًا، وقوة، ويقينًا، وطمأنينة.\nفسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل فأتاهم من روحها، ونسيمها، وطيبها، ما استفرغ قواهم لطبها، والمسابقة إليها \" (^٢).\n_________\n(^١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (٢٨/ ٣١)، ابن القيم: مدارج السالكين: (٢/ ٦٧ - ٣/ ٢٤٣).\n(^٢) ابن القيم: الوابل الصيب، دار الحديث - القاهرة، ط ٣ ١٩٩٩ م، ص (٤٨).","vol":"1","page":694},{"text":"\"والمقصود: أن الهدى مستلزم لسعادة الدنيا، وطيب الحياة، والنعيم العاجل، وهو أمر يشهد به الحس والوجد\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>٦ - يغرس في النفس الإقدام والسعي نحو أبواب البر والخير:</span>\nإن البر، والبذل، والعطاء، والجود، والكرم، والإيثار، ومد يد العون والمساعدة، وتفريج الكربات، كلها معانٍ سامية، وأعمال جليلة، منبثقة من تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف، وإنك لن تجد أحدًا، امتلأ قلبه من الإيمان بالله واليوم الآخر، إلا وهو دائم السعي نحو طرق هذه الأبواب، فتجده يبذل كل ما عنده؛ رجاء ما عند الله جل وعلا من الفضل والكرم. وإن الدافع والمحرك نحو هذا الإقدام، وهذا العمل الدؤوب، هو الإيمان بالآخرة وبأنها دار المجازاة، يقول تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٧)﴾ [غافر:١٧].\n_________\n(^١) ابن القيم: مفتاح دار السعادة، دار الكتب العلمية، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (١/ ٣٦).","vol":"1","page":695},{"text":"ولما كان هذا اليوم العظيم، ماثلًا أمام أعين المؤمنين، كان له أثره المباشر في حياتهم، ومعاملاتهم، وسلوكهم، وخاصة فيما فيه نفع للمسلمين، ودفع الضر عنهم، وتفريج كرباتهم، والوقوف معهم في حوائجهم، فلا يتأخرون طرفة عين في كل ما فيه نفع للمسلمين، ولذا مما سُطر عن أمير المؤمنين وثاني الخلفاء الراشدين، عمر ابن الخطاب ﵁، من كلمات سطرها التاريخ له بماء من ذهب، أصبحت مثلًا تقال في المناسبات، تُبين أثر خوف عمر بن الخطاب من مقام الوقوف بين يدي الله تعالى، الذي انعكس في شخص عمر، حتى أصبح مثلًا في كثير من القيم والمبادئ والأخلاق، يقول ﵁ وأرضاه كلامًا ينبئ عن تمام العدل، وكمال المراقبة والخوف من الله تعالى، والخوف من المسؤولية التي تحملها على عاتقه، وهو مسؤول عنها عند الله ﷿، يقول: (لو ضاعت سخلة بشاطئ الفرات، لتخوفت أن يسألني الله عنها، وأيم الله، إن المسؤول عن خاصة نفسه على عمله، فيما بين الله وبينه ليعرض، أمر كبير على خطر عظيم، فكيف بالمسؤول عن رعاية الأمة) (^١).\nفإذا كان خوف عمر ﵁، من ضياع سخلة، فكيف بضياع حقوق الرعية، فالتاريخ يشهد بأن عمر ﵁، قد حفظ الوعد والعهد، وقام بالرعية حق قيام، دافعه خوف الله تعالى، وحافزه خوف الوقوف بين يديه يوم الدين، وهذا يظهر جليا في قصته مع الأعرابي الذي وقف عليه وقال:\nيا عمر الخير جزيت الجنة جهز بنياتي واكسهنّه أقسم بالله لتفعلنه\nقال: فإن لم أفعل ماذا يا أعرابي؟ قال: أقسم بالله لأمضينه، قال: فإن مضيت يكون ماذا يا أعرابي؟ قال:\n_________\n(^١) ابن الجوزي: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم: (١٠/ ٩٥)، يقول الإمام محمد بن رشد:\" هذا من عمر بن الخطاب نهاية في الخوف لله؛ لأن مثل هذا لو وقع لم يؤاخذه الله به، إذ لم يكن بتضييع منه ولا إهمال ومن بلغ هذا الحد من الخشية فهو من الفائزين، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢)﴾ [النور:٥٢] \"، ابن رشد: البيان والتحصيل: (١٧/ ٣٨٥).","vol":"1","page":696},{"text":"والله عن حالي لتسألنه ثم تكون المسألات عنَّه\nوالوقف المسؤول بينهنة إما إلى نار وإما جنة\nفبكى عمر حتى اخضلت لحيته بدموعه، ثم قال: يا غلام، أعطه قميصي هذا، لذلك اليوم لا لشِعْرِه، والله لا أملك قميصًا غيره (^١).\nإن أمير المؤمنين عمر ﵁، أفزعته امرأة فقيرة، حين قالت لعمر وهي لا تعرف أنه أمير المؤمنين عمر، قالت: (الله بيننا وبين عمر)، فقال حينها عمر: وما يدري عمر بكم؟ قالت: يتولى أمر أمرنا، ثم يغفل عنا، هنا خاف عمر، فقال لأسلم: انطلق بنا، قال: فخرجنا نهرول حتى أتينا دار الدقيق، فأخرج عدلًا من دقيق، وكبة شحم، فقال: احمله عليّ، فقلت: أنا أحمله عنك، فقال عمر: أنت تحمل وزري يوم القيامة، لا أم لك، فحملته عليه، فانطلق وانطلقت معه إليها نهرول، فألقى ذلك عندها، وأخرج من الدقيق شيئًا، فجعل يقول لها: ذُرّي علي، وأنا أحرك لك، وجعل ينفخ تحت القدر ثم يمرثها، فقال: أبغني شيئًا، فأتته بصحفة فأفرغها، ثم جعل يقول لها: أطعميهم وأنا أسطح لهم، فلم يزل حتى شبعوا، وترك عندها فضل ذلك، وقام وقمت معه، فجعلت تقول: جزاك الله خيرًا، كنت أولى بهذا الأمر من أمير المؤمنين، فيقول: قولي خيرًا، إذا جئت أمير المؤمنين وجدتني هناك إن شاء الله، ثم تنحى عنها ناحية، ثم استقبلها، فربض مربضًا، فقلت: إن لك شأنًا غير هذا، فلا يكلمني حتى رأيت الصبية يصطرعون ثم ناموا وهدؤوا، فقال عمر: يا أسلم، إن الجوع أسهرهم وأبكاهم، فأحببت أن لا أنصرف حتى أرى ما رأيت (^٢).\nفهذا شاهد من شواهد السيرة العطرة، لأولئك المؤمنين، الصادقين، المخلصين، المخبتين، الأوابين، قال الله تعالى عنهم: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾ [المؤمنون:٦١].\n_________\n(^١) ابن الأثير: أسد الغابة، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ (٤/ ١٣٧)\n(^٢) ابن عساكر: تاريخ دمشق، دار الفكر، ١٤١٥ هـ، (٤٤/ ٣٥٤)","vol":"1","page":697},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>٧ - يورث علو الهمة في الطاعات:</span>\nلا عجب حين يكون طموح المرء، بلوغ الغايات والأهداف، وارتقاء القمم، والوصول إلى المعالي، ومعانقة المجد؛ ليكون في الطليعة، فهذا هو ما جبلت عليه النفس، يقول الإمام ابن الجوزي: \"وهذه الهمة تولد مع الطفل فتراه من زمن طفولته، يطلب معالي الأمور\" (^١).\nوهذا الطموح الكبير، وهذه الهمة العالية، دليل شرف النفس ونبلها، فهو يكسب النفس النشاط؛ لتسمو في سماء العلياء، وقد قيل:\nعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم (^٢)\nوالعجيب أن كِبر الهمة من خصائص الإنسان، أما الحيوانات فكل جنس يتحرى الفعل بقدر ما في طبعه. والكبير الهمة على الإطلاق، هو من لا يرضى بالهمم الحيوانية قدر وسعه، فلا يصير عبد عارية بطنه وفرجه، بل يجتهد أن يتخصص بمكارم الشريعة، فيصير من خلفاء الله تعالى وأوليائه في الدنيا، ومن مجاوريه في الآخرة (^٣).\nإن علو الهمة نحو العمل الصالح، المقرب إلى الله جل وعلا، هو نتاج الإيمان بالآخرة؛ لأن الوصول إلى الجنة هدف، يحتاج إلى نفس توّاقة للمعالي يقول عمر بن عبد العزيز:\" إن لي نفسًا تتوق إلى معالي الأمور، تاقت إلى الخلافة، فلما نلتها تاقت إلى الجنة\" (^٤)، ولذا فإن كبير الهمة، لا يقنع بما دون الجنة، يقول الله تعالى: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦)﴾ [المطففين:٢٦].\n_________\n(^١) ابن الجوزي: صيد الخاطر، دار القلم - دمشق، ط ١، ص (١٩٠)\n(^٢) البيت للمتنبي، امتدح فيها سيف الدولة سنة ٣٤٣ هـ، انظر: يوسف البديعي: الصبح المبني عن حيثية المتنبي: المطبعة العامرة الشرفية، ط ١،١٣٠٨ هـ (١/ ٥٩)\n(^٣) الراغب الأصفهاني: الذريعة إلى مكارم الشريعة، دار السلام - القاهرة، ١٤٢٨ هـ، ص (٢٠٩).\n(^٤) ابن حمدون: التذكرة الحمدونية، دار صادر - بيروت، ط ١ ١٤١٧ هـ، (٢/ ٢٩).","vol":"1","page":698},{"text":"إذا كان علو الهمة من الإيمان، (^١) وأن خير ما يطمح إليه المؤمن سكنى الجنان، كان خليقًا بالمؤمن أن يسلك سبل المعالي، وينشد طرق الكمال ويسير في ركاب أصحاب الهمم العالية؛ لأن \"الهمة سلاح القلب للمعالي وعون الجسد إلى ركوب الأهوال، والحادي نحو لذائذ الآمال \" (^٢)، فإذا كان الطير يطير بجناحيه، فالمرء يطير بهمته (^٣)،ولقاح هذه الهمة العالية، النية الصحيحة، فإذا اجتمعا، بلغ العبد غاية المراد (^٤).\nيقول الإمام ابن القيم:\" وصاحب الهمة العلية، أمانيه حول العلم والإيمان والعمل الذي يقربه إلى الله، ويدنيه من جواره\" (^٥).\nومع الهمة العالية تطيب الحياة، يقول الإمام ابن القيم:\" فإن الحياة الطيبة إنما تنال بالهمة العالية، والمحبة الصادقة، والإرادة القوية، فعلى قدر ذلك تكون الحياة الطيبة، وأخس الناس حياة، أخسهم همة، وأضعفهم محبة وطلبًا، وحياة البهائم خير من حياته\" (^٦).\n_________\n(^١) القاري: مرقاة المفاتيح، دار الفكر - بيروت، ط ١ ١٤٢٢ هـ (٤/ ١٣٧٥).\n(^٢) حسين المهدي: صيد الأفكار في الأدب، وزارة الثقافة اليمنية - اليمن، ٢٠٠٩ م، (٢/ ٣٢٥).\n(^٣) حسين المهدي: صيد الأفكار في الأدب، وزارة الثقافة اليمنية - اليمن، ٢٠٠٩ م، (٢/ ٣٣٠).\n(^٤) ابن القيم: الفوائد، دار الكتب العلمية -بيروت، ط ٢ - ١٣٩٣ هـ، ص (٢٠٠).\n(^٥) ابن القيم: مدارج السالكين، دار الكتاب العربي - بيروت، ط ٣ ١٤١٦ هـ (١/ ٤٥٤).\n(^٦) ابن القيم: مدارج السالكين، دار الكتاب العربي - بيروت، ط ٣ ١٤١٦ هـ (٣/ ٢٤٧).","vol":"1","page":699},{"text":"إن الإيمان باليوم الآخر، له أكبر الأثر على النفس البشرية في تحمل أعباء الطاعة، بل والتلذذ بها، يقول الإمام ابن كثير في تاريخه في ترجمة روح بن زنباع: \"وقد حج مرة، فنزل على ماء بين مكة والمدينة، فأمر فأصلحت له أطعمة مختلفة الألوان، ثم وضعت بين يديه، فبينما هو يأكل، إذ جاء راع من الرعاة يرد الماء، فدعاه روح بن زنباع إلى الأكل من ذلك الطعام، فجاء الراعي فنظر إلى طعامه، وقال: إني صائم، فقال له روح: في مثل هذا اليوم الطويل الشديد الحر تصوم يا راعي؟ فقال الراعي: أفأغبن أيامي من أجل طعامك؟ ثم إن الراعي ارتاد لنفسه مكانًا فنزله، وترك روح بن زنباع، فقال روح بن زنباع:\nلقد ضننت بأيامك يا راع إذ جاد بها ورح بن زنباع\nثم إن روحًا بكى طويلًا، وأمر بتلك الأطعمة فرفعت، وقال: انظروا هل تجدون لها آكلًا من هذه الأعراب، أو الرعاة؟ ثم سار من ذلك المكان، وقد أخذ الراعي بمجامع قلبه، وصغرت إليه نفسه\" (^١).\nويقول الإمام ابن رجب وهو يحكي حال بعض الصالحات، من صاحبات علو الهمة في الطاعة:\" كانت بعض الصالحات، تتوخى أشد الأيام حرًا فتصومه، فيقال لها في ذلك، فتقول: إن السعر إذا رخص اشتراه كل أحد تشير إلى أنها لا تؤثر إلا العمل، الذي لا يقدر عليه إلا قليل من الناس لشدته عليهم، وهذا من علو الهمة \" (^٢).\nوقد بلغ الحال في علو الهمة عند الأكابر أنه لو قيل لأحدهم: إنك غدًا تموت، أو إن القيامة غدًا ما ازداد من عمله؛ لأن حياته كلها مليئة بأنواع الخيرات، وصنوف الطاعات.\n_________\n(^١) ابن كثير: البداية والنهاية، دار إحياء التراث العربي، ط ١ ١٤٠٨ هـ، (٩/ ٦٨).\n(^٢) ابن رجب: لطائف المعارف، دار ابن حزم، ط ١ ١٤٢٤ هـ، ص (٣٢٢).","vol":"1","page":700},{"text":"فهذا زكريا بن يحي بن عبد الملك، كان من كبار الأخيار، يقول محمد بن جعفر بن سام: لو قيل لأبي يحي الناقد: غدًا تموت ما ازداد في عمله، وقال:\" اشتريت من الله تعالى حوراء، بأربعة آلاف ختمة، فلما كان آخر ختمة سمعت الخطاب من الحوراء وهي تقول: وفيت بعهدك، فها أنا التي قد اشتريتني، فيقال: إنه مات عن قريب\" (^١).\nوهذا صفوان بن سليم الزهري، أحد الأكابر، يقول عنه أنس بن عياض: \"رأيت صفوان بن سليم لو قيل له: غدًا القيامة، ما كان عنده مزيد على ما هو عليه من العبادة\" (^٢).\nوهذا حماد بن سلمة، الزاهد العابد، يقول عنه الإمام عبد الرحمن بن المهدي:\" لو قيل لحماد بن سلمة: إنك تموت غدًا ما قدر أن يزد في العمل شيئًا \" (^٣)، ولذا حَسُنت خاتمته، فمات في المسجد وهو يصلي.\nويحكي حماد بن سلمة، عما رآه من همة أبي سليمان التيمي فيقول: \"ما أتينا سليمان التيمي في ساعة يطاع الله ﷿، إلا وجدناه مطيعًا، فإن كان في ساعة صلاة وجدناه مصليا، فإن لم تكن ساعة صلاة وجدناه إما متوضئًا، أو عائدًا، أو مريضًا، أو مشيعًا لجنازة، أو قاعدًا يسبح في المسجد، قال: فكنا نرى أنه لا يحسن أن يعصي الله ﷿\" (^٤).\nإن همم الصحابة ﵃ أعلى الهمم، فقد بلغوا في الطاعة غايتها إلا أن بعضهم غلا في التعبد، رغبة في الأجر، حتى حرموا أنفسهم الحلال.\n_________\n(^١) ابن الجوزي: صفة الصفوة، دار الحديث - القاهرة، ١٤٢١ هـ (١/ ٥١٧).\n(^٢) ابن الجوزي: صفة الصفوة، دار الحديث - القاهرة، ١٤٢١ هـ (١/ ٣٨٤).\n(^٣) ابن الجوزي: صفة الصفوة، دار الحديث - القاهرة، ١٤٢١ هـ (٢/ ٢١٤).\n(^٤) ابن الجوزي: صفة الصفوة، دار الحديث - القاهرة، ١٤٢١ هـ (٢/ ١٧٦).","vol":"1","page":701},{"text":"أخرج الشيخان من حديث أنس ﵁: أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - سَأَلُوا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ - ﷺ - عَنْ عَمَلِهِ فِي السِّرِّ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا آكُلُ اللَّحْمَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ. فَقَالَ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا؟ لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» (^١).\nالهمة العالية في الطاعة، ليست مستلزمة لترك ملاذ الدنيا، وما أحل الله جل وعلا فيها، فالعبادة مع الحياة تمثل علاقة تكامل، وذلك بإعطاء كل ذي حق حقه، وهذه أعمال لا يقوم بها إلا أهل الهمم الصلبة، والنفوس الزكية الأبية.\nيقول الإمام ابن القيم: \"فالهمة العالية على الهمم، كالطائر العالي على الطيور، لا يرضى بمساقطهم، ولا تصل إليه الآفات التي تصل إليهم، فإن الهمة كلما علت، بعدت عن وصول الآفات إليها (^٢).\nويصدق عليهم قول القائل:\nله همم لا منتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجل من الدهر\nله راحة لو أن معشار جودها على البر كان البر أندى من البحر (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح ح (٥٠٦٣) وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنة ح (١٤٠١).\n(^٢) ابن القيم: مدارج السالكين، دار الكتاب العربي - بيروت، ط ٣ ١٤١٦ هـ (٣/ ١٦٣)\n(^٣) وهو قول بكر بن النطاح، قاله للقاسم بن عيسى، انظر: المبرد: الكامل في اللغة والأدب (٣/ ٩٥).","vol":"1","page":702},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-213>٨ - يورث محاسبة النفس:</span>\nكل من أيقن بموقف الحساب بين يدي الله ﷿، وعلم أنه مسؤول عن الصغير والكبير، والجليل والحقير من أعماله، اجتهد في محاسبة نفسه في الحياة قبل الممات، وهذا شأن العاقل الحصيف، يقول ابن المقفع: \"وعلى العاقل مخاصمة نفسه ومحاسبتها، والقضاء عليها، والإثابة، والتنكيل بها\" (^١). ... فمتى حاسب العاقل نفسه في الدنيا، شعر براحة النفس، وطرق أبواب ... السعادة، الجالبة لمحبة الله جل وعلا ورضوانه.\nقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: \"حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غدًا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾ [الحاقة:١٨] \" (^٢)، وقال الحسن: \"المؤمن قوّام على نفسه يحاسب نفسه لله ﷿، وإنما خف الحساب يوم القيامة، على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة، على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة \" (^٣).\nوقد أجمع العلماء على وجوب محاسبة النفس، يقول الإمام العز بن عبد السلام:\" أجمع العلماء على وجوب محاسبة النفوس، فيما سلف في الأعمال وفيما يستقبل منها \" (^٤).\n_________\n(^١) ابن المقفع: الأدب الصغير والأدب الكبير، دار صادر -: ص (١٨).\n(^٢) أخرجه الترمذي في جامعه، أبواب صفة القيامة، باب ح (٢٤٥٩).\n(^٣) ابن أبي الدنيا: محاسبة النفس، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٠٦ هـ، ص (٦٠).\n(^٤) العز بن عبد السلام: مقاصد الرعاية، دار الفكر - دمشق، ط ١ ١٤١٦ هـ، ص (١٨).","vol":"1","page":703},{"text":"وقد دل على وجوب محاسبة النفس قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾ [الحشر:١٨] قال الإمام ابن القيم:\" والمقصود من هذا النظر: ما يوجبه ويقتضيه، من كمال الاستعداد ليوم المعاد، وتقديم ما ينجيه من عذاب الله، ويبيض وجهه عند الله \" (^١)، ولذا فإن صلاح القلب، بمحاسبة النفس، وفساده بإهمالها ... والاسترسال معها (^٢).\nوقد ذكر الأئمة جملة من الفوائد والمصالح المترتبة على محاسبة العبد لنفسه ومنها:\n١ - اطلاع النفس على عيوبها.\n٢ - وأن يعرف العبد بذلك، حق الله تعالى عليه.\n٣ - وتضعف الأعمال السيئة وتوقفها.\n٤ - وتحض الإنسان على أعمال الخير.\n٥ - وتخلص النفس من العجب، ورؤية العمل.\n٦ - وتفتح للإنسان باب الذل والانكسار، والخضوع لله تعالى.\n٧ - وتوجب للإنسان أن يمقت نفسه، ويعلم أن النجاة لا تحصل إلا بعفو الله ورحمته (^٣).\nوكل ما ذكر هو أثر من آثار استحضار الآخرة، ومشاهدة أحوالها وأهوالها ولذا انعكست هذه المحاسبة على نفوس المؤمنين، فأصبحوا في مخاصمة مع النفس، يسعون لأطرها على الحق أطرًا، فهذا إبراهيم النخعي الإمام الزاهد العابد، يقول: ما قرأت هذه الآية قط إلا ذكرت الماء البارد: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ:٥٤] (^٤).\n_________\n(^١) ابن القيم: مدارج السالكين، دار الكتاب العربي - بيروت، ط ٣ ١٤١٦ هـ (١/ ١٨٧)\n(^٢) ابن القيم: إغاثة اللهفان، مكتبة المعارف - الرياض، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (١/ ٨٤)\n(^٣) ابن القيم: إغاثة اللهفان، مكتبة المعارف - الرياض، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (١/ ٨٤)\n(^٤) ابن سعد: الطبقات الكبرى، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤١٠ هـ، (٦/ ٢٨٦)","vol":"1","page":704},{"text":"ومقام المحاسبة في الدنيا، يقود إلى إحسان العمل، والاجتهاد في الطاعة والعبادة، يقول إبراهيم التيمي: مَثَّلثُ نفسي في الجنة آكل من ثمارها وأشرب من أنهارها، وأعانق أبكارها، ثم مَثَّلثُ نفسي في النار، آكل من زقومها، وأشرب من صديدها، وأعالج سلاسلها وأغلالها، فقلت لنفسي: يا نفس، أي شيء تريدين؟ فقالت: أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحًا، قلت: فأنت في الأمنية فاعملي (^١).\nومن هنا قال الحسن: إن المؤمن أسير في الدنيا، يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئًا حتى يلقى الله ﵎ (^٢).\nويقول أبو بكر بن عياش: قال لي رجل مرة وأنا شاب: خلص رقبتك ما استطعت في الدنيا من رق الآخرة، فإن أسير الآخرة غير مفكوك أبدًا. قال أبو بكر: فما نسيتها بعد (^٣).\nوهذه المحاسبة التي تقود إلى الله تعالى، والتي منبعها الخوف من يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم، هي التي كان عليها السلف، وهم أحرص الناس على الآخرة، يقول أنس بن مالك ﵁، سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يومًا، وخرجت معه حتى دخل حائطًا، فسمعته يقول وبيني وبينه جدار، وهو في جوف الحائط: (عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، بخٍ، والله لتتّقينّ الله ابن الخطاب، أو ليعذبنك) (^٤).\n_________\n(^١) الغزالي: إحياء علوم الدين، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٤/ ٤٠٥).\n(^٢) ابن أبي الدنيا: محاسبة النفس، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٠٦ هـ، ص (١٢٢).\n(^٣) ابن أبي الدنيا: محاسبة النفس، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٠٦ هـ، ص (١٢٢).\n(^٤) ابن أبي الدنيا: محاسبة النفس، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٠٦ هـ، ص (١٢٣).","vol":"1","page":705},{"text":"ومما يُذكر في هذا المقام ما حكاه الكتاني قال: حُكي لي عن رجل من أهل الرقة، أنه كان محاسبًا لنفسه، فنظر يومًا فإذا هو ابن ستين سنة، فحسب أيامها، فإذا في أحد وعشرين ألف يوم وخمس مائة يوم، قال: فصرخ صرخة وخر مغشيا عليه، وقال: يا ويلتاه ... ألقى ربي بأحد وعشرين ألف وخمس مائة ذنب؟ على أن يكون في اليوم ذنب واحد، فكيف ولي في كل يوم عشرة آلاف ذنب! قال: فغشي عليه ثانيًا، فحركوه فإذا هو ميت (^١).\nوهذه المحاسبة تبعث على أثر آخر، من آثار الإيمان باليوم الآخر، وهو:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>٩ - التوبة إلى الله ﷿:</span>\nيقول الإمام ابن القيم:\" التوبة بين محاسبتين، محاسبة قبلها تقتضي وجوبها ومحاسبة بعدها تقتضي حفظها، فالتوبة محفوفة بمحاسبتين \" (^٢). ولذا كانت منزلة التوبة من المنازل العظيمة، والمقامات الجليلة، يقول الإمام ابن القيم:\" ومنزل التوبة، أول المنازل، وأوسطها، وآخرها، فلا يفارقه العبد السالك، ولا يزال فيه إلى الممات، وإن ارتحل إلى منزل آخر ارتحل به واستصحبه معه ونزل به، فالتوبة هي بداية العبد ونهايته\" (^٣).\nوالتوبة النصوح والاستمرار عليها، أمر عزيز، يحتاج إلى صبر ومجاهدة والناس في هذا المقام على طبقات:\n- فمنهم من يستقيم على التوبة إلى آخر عمره.\n- ومنهم من يتوب، ويستمر على الاستقامة مدة، ثم تغلبه شهوته في بعض الذنوب، فيقدم عليها؛ لعجزه عن قهر الشهوة.\n- ومنهم من يتوب، ويجري مدة على الاستقامة، ثم يعود إلى الذنوب منهمكًا، من غير أن يُحدّث نفسه بالتوبة، ومن غير أن يتأسف على فعله فيخاف على هذا من سوء الخاتمة (^٤).\n_________\n(^١) أبو عبد الرحمن السلمي: الفتوة، دار الرازي - الأردن، ط ١ ١٤٢٢ هـ، ص (٢٣).\n(^٢) ابن القيم: مدارج السالكين، دار الكتاب العربي - بيروت، ط ٣ ١٤١٦ هـ (١/ ١٨٧).\n(^٣) ابن القيم: مدارج السالكين، دار الكتاب العربي - بيروت، ط ٣ ١٤١٦ هـ (١/ ١٩٦).\n(^٤) ابن قدامة: مختصر منهاج القاصدين، دار البيان - دمشق، ١٣٩٨ هـ، ص (٢٦٦).","vol":"1","page":706},{"text":"إن أنجع دواء للتوبة، معرفة أسباب الداء، ثم القضاء عليه، فسبب الإصرار على الذنوب، والبعد عن علام الغيوب: الغفلة والشهوة، ولا يضاد الغفلة إلا العلم، ولا يضاد الشهوة إلا الصبر على قطع الأسباب المحركة للشهوة، \"فلا دواء للتوبة، إلا معجون يعجن من حلاوة العلم ومرارة الصبر\" (^١).\nولذا كان مجمل ما ينبغي على العبد في التوبة، وما تعلق بها عشر خصال (^٢):\n١ - فرض عليه ألاّ يعصي الله تعالى.\n٢ - إن ابتلى بمعصية لا يُصرُّ عليها.\n٣ - التوبة إلى الله تعالى منها.\n٤ - الندم على ما فرط منه.\n٥ - عقد الاستقامة على الطاعة إلى الموت.\n٦ - خوف العقوبة.\n٧ - رجاء المغفرة.\n٨ - الاعتراف بالذنب.\n٩ - اعتقاد أن الله تعالى قدَّر ذلك عليه، وأنه عدل منه.\n١٠ - المتابعة بالعمل الصالح؛ ليعمل في الكفارات لقوله - ﷺ -: «وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا «(^٣).\nوأولى ما يدفع المرء إلى التوبة، خوف خاتمة السوء، ولقاء الله تعالى بما يغضبه، ووقوفه بين يديه، فذكرى الآخرة في القلوب، حياة لها.\n\"قيل لعمر بن عبد العزيز: ما كان بدو إنابتك؟ قال: أردت ضرب غلام لي، فقال لي: يا عمر، اذكر ليلة صبيحتها يوم القيامة\" (^٤).\n_________\n(^١) الغزالي: إحياء علوم الدين، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٤/ ٥).\n(^٢) أبو طالب المكي: قوت القلوب، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ٢ - ١٤٢٦ هـ (١/ ٣٠٤).\n(^٣) أخرجه الترمذي جامعه، أبواب البر والصلة، باب ما جاء في معاشرة الناس ح (١٩٨٧) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (٤/ ٣٥٥) مكتبة البابي - مصر، ط ٢ - ١٣٩٥ هـ.\n(^٤) ابن عساكر: تاريخ دمشق، دار الفكر، ١٤١٥ هـ، (٤٥/ ١٥١).","vol":"1","page":707},{"text":"كلمات الغلام، أقضت مضجع عمر، وحركت مكامن الخوف في داخله ولكنها انتزعت الشاب المرفه، فجعلته في قامة العباد الزاهدين. وكم أقضّت هذه الكلمات مضاجع الصالحين، وأراقت دموع الخائفين الوجلين، فهذا حرم بن حيان العبدي، يحكي عن حممة بن أبي حمية الدوسي، صاحب رسول الله - ﷺ - فيقول: إنه بات عنده، فرآه يبكي الليل أجمع، فقال له هرم: ما يبكيك؟ قال: ذكرت ليلة صبيحتها تتناثر النجوم (^١).\nوحكى الإمام الذهبي في السير: \"أن بعض الخلفاء سأل عمر بن ذر عن القدر، فقال: هاهنا ما يُشغل عن القدر؟ قال: ما هو؟ قال: ليلة صبيحتها يوم القيامة، فبكى وبكى معه \" (^٢).\nولذا يقول أبو نواس (^٣):\nسبحان ذي الملكوت أيَّة ليلة ... مخضت صبيحتها بيوم الموقف\nلو أن عينًا وهّمتها نفسها ... ما في المعاد محصلًا لم تطرف\nإن ذكرى الآخرة، أقوى معين على التوبة، يقول الحماني: كان بدء توبة داود الطائي، أنه دخل المقبرة فسمع امرأة عند قبر وهي تقول:\nمقامي إلى أن يبعث الله خلقه لقاؤك لا يُرجى وأنت قريب\nتزيد بلى في كل يوم وليلة ... وتسلى كما تبلى وأنت حبيب (^٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>خلاصة المطلب:</span>\nأن الإيمان باليوم الآخر، له دور فاعل، في بناء الأخلاق الفاضلة، وردم الأخلاق السيئة المهينة.\nوأن الإيمان باليوم الآخر، يخلق في نفس المؤمن أملًا، بأن حقه لن يضيع وعمله لن يذهب سدى، لذا فهو يسعى بكل ما أوتي من قوة، نحو الأعمال الصالحة؛ مخافة أن يدركه الموت قبل أن يدركها.\nوأن الإيمان باليوم الآخر، مشعل نور وهداية للمؤمن، ينير له دروب السعادة، فيعيش هادئ البال مطمئنا، لا تزعجه حوادث الدهر، راضيًا بما قضاه الله وقدر.\n_________\n(^١) ابن الأثير: أسد الغابة، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١، (٢/ ٧٥).\n(^٢) الذهبي: سير أعلام النبلاء، دار الحديث - القاهرة، ١٤٢٧ هـ، (٦/ ٣٨٧).\n(^٣) الذهبي: سير أعلام النبلاء، دار الحديث - القاهرة، ١٤٢٧ هـ، (٨/ ٤٨).\n(^٤) ابن قدامة: كتاب التوابين، دار ابن حزم، ط ١ ١٤٢٤ هـ، ص (١٢٦).","vol":"1","page":708},{"text":"وأن الإيمان باليوم الآخر، يرقى باهتمامات الفرد المسلم، فيغرس في نفسه علو الهمة، والرقي نحو الكمال، وينقل اهتماماته من الدنيا إلى الآخرة؛ لأن الآخرة دار الجزاء، فحينها يشعر المرء بحاجته لخلق توازن بين عمل الدنيا والآخرة.\nوأن الإيمان باليوم الآخر، له أثره على الفرد المسلم، فيرقى بعباداته وعاداته فعبادته ترقى لدرجات الإتقان والإحسان، وعاداته ترقى لتصل لمقام العبادات بالنية الصالحة، كما قال معاذ بن جبل ﵁: \"إني احتسب نومتي كما احتسب قومتي \" (^١).\nوأن الإيمان باليوم الآخر، يجعل لحياة المرء هدفًا وغاية، يسعى لتحقيقها والوصول إليها، ويبذل في سبيل تحقيق أهدافه، كل ما يملك من إمكانات ولذا فإن من أثر هذا الإيمان، أنه يرقى بحياة الفرد؛ لتصل إلى الكمال المنشود وليعيش حياة سعيدة، لها أهداف بعيده، وغايات محمودة، وبذا تختلف حياته عن حياة البهائم.\nوأن الإيمان باليوم الآخر، يُعين المرء على الحفاظ على وقته والضن به وعدم صرفه إلا فيما يعود عليه بالنفع، ويشعره بكمال المسؤولية عليه؛ لأنه سيسأل عنه يوم القيامة. وأن الإيمان باليوم الآخر، يُعلي الإنسان على رغبات نفسه، ويجعلها قادرة على مواجهة إغراءات النفس، فيقوى على كبح جماحها واطرها على الحق. وأن الإيمان باليوم الآخر، بوابة لاكتساب الكثير من الأخلاق الحميدة، والأعمال الفاضلة، فتجد المرء محبًا للخير، ساعيًا في أبواب البر، تظهر عليه آثار هذه الأخلاق الكريمة، من الرحمة، والشفقة والإحسان، والإيثار، والإنفاق، والبشاشة، والتواضع، جماع أمره ... ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢].\n_________\n(^١) ابن رجب: لطائف المعارف، دار ابن حزم، ط ١ ١٤٢٤ هـ، (١٢٥).","vol":"1","page":709},{"text":"وأن الإيمان باليوم الآخر، يجعل الإنسان كثير الحيطة والحذر، يخشى من مواقعة المحارم؛ خوفًا من موافاة الأجل، وهو على هذه الحال السيئة، ولذا فإن الإيمان باليوم الآخر، يهيئ المؤمن لأن يلقى ربه بعمل صالح، يرجو به رحمته. وأن الإيمان باليوم الآخر، يكسب المؤمن العزة، فلا يخاف في مواقف الشدة أحدًا إلا الله تعالى. وإن الإيمان باليوم الآخر، يؤدي إلى إفاضة السلام على روح المؤمن وعالمه، ونفي القلق، والسخط والاضطراب، والقنوط (^١). ... وأن الإيمان باليوم الآخر، حاجز دون الصراع المجنون المحموم، الذي تداس فيه القيم، وتهان فيه الحرمات، بلا تحرج ولا حياء، فالآخرة فيها عطاء، وغناء، وعوض عما يفوت.\n\"وهذا التصور من شأنه، أن يفيض السلام على مجال السباق والمنافسة وأن يخفف السعار الذي ينطلق من الشعور، بأن الفرصة الوحيدة المتاحة هي فرصة هذا العمر القصير المحدود \" (^٢).\n_________\n(^١) أحمد فائز: اليوم الآخر في ظلال القرآن، مؤسسة الرسالة - بيروت: ص (١٧ بتصرف)\n(^٢) أحمد فائز: اليوم الآخر، في ظلال القرآن، مؤسسة الرسالة - بيروت: ص (١٧ بتصرف)","vol":"1","page":710},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>المبحث الثاني أثر الإيمان باليوم الآخر على المجتمع</span>\nلا يخلو أي مجتمع من أفراد، والحكم على أي مجتمع بالصلاح أو الفساد منوط بأفراده، ولذا سعت الأمم لاستصلاح مجتمعاتها بشتى الوسائل فبذلت من أجل ذلك كل إمكاناتها، وسخرت كل طاقاتها؛ أملًا منها بقيام مجتمع صالح، وبيئة يمكن من خلالها، ممارسة الفرد لحقه دون ممانع.\nإلا أن المجتمعات التي قامت على استصلاح أفرادها، على مبدأ دنيوي بحت، ثم أتاحت له كل المغريات وأنواع المنكرات، رغبة منها لإسعاد أفرادها، قد سقطت في أوحال الرذيلة، والأخلاق المشينة، ففسد المجتمع وانحطت الأخلاق، وساءت المعاملة، ولم يبق لمعاني الرحمة، والتعاون والتكافل فيها أثر؛ لأن كل فرد في هذا المجتمع، يسعى لملء رغباته وإشباع نزواته، دون أي وازع ولا رقيب، فانهارت هذه المجتمعات أخلاقيًا، وسلوكيًا، ونفسيًا، وإن ظهر لها نوع تقدم في النواحي الدنيوية المادية، إلا أنها في الحقيقة، دمرت أخلاقيات المجتمع، وهدمت سمعة أفراده.\nفهذه المجتمعات وأمثالها التي خلت عن المعاني الإنسانية السامية، هي وإن كانت تشبع رغبات أفرادها المادية، إلا أنها أعجز المجتمعات، عن إشعارهم بالطمأنينة والسعادة، وأبعدها عن جعلهم جسدًا واحدًا متماسكًا متوادين، متراحمين، متعاطفين.\nولذا انهارت هذه المجتمعات، وانحدرت للهاوية، فلا غرابة حينها، أن تشيع في هذه المجتمعات الأنا الذاتية والأنانية، وغيرها من الأخلاق المشينة نتيجة لغياب الدين في حياتهم، وعدم الرقابة المبنية على خوف المجازاة في الآخرة.\nأما المجتمعات القائمة على مبدأ الرقابة الذاتية، والخوف من الجزاء الأخروي، فهي مجتمعات متماسكة متلاحمة، مترابطة، مستقرة، بعيدة كل البعد عن الأنانية المفرطة، والنزعات المغرضة.\nإن المجتمعات المسلمة، تُربي أفرادها على معرفة الحقوق والواجبات، فكل فرد في المجتمع المسلم، له حقوق يجب أن تستوفى له، وعليه واجبات يجب أن يقوم بها على أكمل وجه، ولذا متى قصّر في أداء هذه الواجبات، لحقه العتب وربما العقاب.\nومن هنا يُلزم الأفراد في هذه المجتمعات، بتقديم كل ما فيه رُقي أخلاقي واجتماعي، وهي من الحقوق التي أناطها الإسلام بالأفراد.\nوالإسلام يربي أفراده على الرقابة الذاتية، وعلى منهج الإحسان الذي يستشعر فيه المسلم معية الله ورقابته.","vol":"1","page":711},{"text":"\"وحين توجد في القلب هذه الحساسية المرهفة تجاه الله، تستقيم النفس ويستقيم المجتمع، وتستقيم جميع الأمور، ويعيش المجتمع نظيفًا من الجريمة نظيفًا من الدنس، نظيفًا من الأحقاد؛ لأنه لا يتعامل في الحقيقة بعضه مع بعض، وإنما يتعامل أولًا مع الله\" (^١).\nإن الإيمان بالآخرة، له أثره الفعال في إقامة مجتمع راقي المشاعر، راقي التفكير، طاهر في العمل والتعامل.\nإن الإيمان بالآخرة، جدير بتحقيق الأخلاق الفاضلة المطلقة، في السلوك والحياة، تحقيقًا فعليا مستمرًا ثابتا غير متقلب، بلا نفاق، ولا رياء، وهذا لا يكون إلا نتيجة حتمية للإيمان باليوم الآخر (^٢).\nففرق بين المجتمعات التي قامت على أسس الأخلاق، فعاشت عيشة هنية رضية حميدة، وماتت ميتة شامخة سعيدة، وبين المجتمعات التي قامت على أنقاض الأخلاق الحميدة، وتنكرت لكل الآداب الكريمة، والعادات السليمة المستقيمة.\nفعاشت في ظلها، عيشة نكدة خالية عن كل معاني الإنسانية، وماتت ميتة سيئة، لم تخلف إلا الدمار الأخلاقي، والضياع الأسري، والتفكك الاجتماعي؛ لأنها لم تحفظها بسياج يحميها من الانهيار،كما حُفظت في المجتمعات المسلمة، الموقنة المصدقة بما عند الله جل وعلا من الخير والفضل\nالإيمان باليوم الآخر، له آثار إيجابية على المجتمعات، تنعكس على أفراده فيعيش كل فرد من أفراده، مطمئنًا على نفسه، وعرضه، وماله في ظل الإسلام، في حين ترى أن المجتمعات التي خلت قواميسها عن الإيمان بالآخرة، مجتمعات سلبية، تكثر فيها العداوة والبغضاء والحسد، وتنتشر فيها الأخلاقيات السيئة، التي تهدد بخطر اجتماعي جسيم، فلا ينعمون بأمن، ولا يحظون برغد العيش، وإن شعروا به لحظة فقدوه لحظات، ولذا حياتهم مليئة بالخوف، الذي يهدد كيانهم النفسي، والأخلاقي، والاجتماعي.\nوللإيمان باليوم الآخر آثار حميدة على المجتمعات وتنتظم هذه الآثار في مسألتين:\n_________\n(^١) محمد قطب: منهج التربية الإسلامية، دار الشروق، ط ١٦، (١/ ٥٩).\n(^٢) النحلاوي: أصول التربية الإسلامية، دار الفكر، ط ٢٥ ١٤٢٨ هـ، ص (٨٣ بتصرف).","vol":"1","page":712},{"text":"١) أثر الإيمان باليوم الآخر على المجتمعات من الناحية التعبدية.\n٢) أثر الإيمان باليوم الآخر على المجتمعات من الناحية السلوكية والأخلاقية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>المطلب الأول أثر الإيمان باليوم الآخر على المجتمعات من الناحية التعبدية</span>\nلا شك أن المجتمعات التي تعيش في ظل الإسلام، الذي من أصوله وأركانه: الإيمان باليوم الآخر، ستعيش في ظلال هذه العقيدة في أمن وأمان يرفل أفرادها برغد العيش، وطمأنينة النفس، وستنشأ في هذه المجتمعات، كثيرا من المبادئ والقيم الإنسانية؛ لأن قوام هذه المجتمعات المسلمة على الإيمان الذي يتيح للمرء الأخذ المباح، ويوجب عليه الإعطاء، يقول جل وعلا في تعداد صفات المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥)﴾ [المعارج:٢٤ - ٢٥].\nولذا فإن أثر الإيمان باليوم الآخر، على هذه المجتمعات من الناحية التعبدية أثر كبير، يظهر في الصور التالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>١ - ينمي روح التآخي، ويزيد الألفة بين أفراد المجتمع:</span>\nالأخوة الإسلامية ركيزة رئيسة، من مرتكزات المجتمعات المسلمة، ولذا كان هذا الرباط بين المسلمين، هو رباط تذوب فيه العصبيات، وتسقط فيه فوارق النسب واللون والوطن، فلا يتأخر أحد، أو يتقدم إلا بمروءته وتقواه (^١). ولذا كانت هذه الركيزة، هي إحدى الأسس التي بُني عليها المجتمع المسلم الأول، حين هاجر النبي - ﷺ - إلى المدينة، فقد ابتدأ النبي - ﷺ - عمله في المدينة النبوية، بإيجاد الروابط التي تربط آحاد الجماعة الإسلامية وتُكَوِّن وحدة تضم بها العناصر المختلفة الأنساب والأماكن، وأن يجعل من ذلك المختلف أنسابًا وقبائل، مجتمعًا مؤتلفًا في شعوره، تمحى فيه الفوارق (^٢).\n_________\n(^١) محمد الغزالي: فقه السيرة، دار القلم - دمشق، ط ١ ١٤٢٧ هـ، ص (١٧٩).\n(^٢) أبو زهرة: خاتم النبيين ﷺ، دار الفكر العربي - القاهرة، ١٤٢٥ هـ، (٢/ ٤٩٠).","vol":"1","page":713},{"text":"وإن هذا التآخي جعل المسلمين كرجل واحد: يؤمن بعقيدة واحدة، ويعمل لهدف واحد، بإمرة قائد واحد (^١). الأخوة الصادقة هي التي تؤتي ثمارها في الدنيا قبل الآخرة، بخلاف الأخوة المزيفة، التي بنيت على المصالح المادية فقط، فسرعان ما تنهار، أما في الآخرة فالقرآن أبان العلاقات الباقية والمنتهية، يقول المولى جل وعلا: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧)﴾ [الزخرف:٦٧]، في ذلك اليوم العظيم تنقطع كل خلة بين المتخالين في غير ذات الله تعالى، وتنقلب عداوة ومقتًا، إلا خلة المتصادقين في الله تعالى، فإنها الخلة الباقية (^٢).يقول الإمام ابن عطية عن القيامة:\" وإنها لهول مطلعها والخوف المطبق بالناس فيها، يتعادى ويتباغض كل خليل كان في الدنيا على غير تقى؛ لأنه يرى أن الضرر دخل عليه من قبل خليله، وأما المتقون فيرون أن النفع دخل بهم من بعضهم على بعض، هذا معنى كلام علي ﵁\" (^٣).\nإن الحافز لحسن الصحبة، وكمال المودة، وصفاء الأخوة، هو الإيمان بما أعده الله تعالى للمتحابين في الآخرة، من الخير العميم، والفضل الكبير:\nفالأخوة الصادقة، سبب من أسباب الاستظلال بظل العرش يوم القيامة:\nعن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ، ....... وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ ﷿، اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ ..... «(^٤).\n_________\n(^١) محمود شبث خطاب: الرسول القائد، دار الفكر - بيروت، ط ٦ ١٤٢٢ هـ، ص (٧١).\n(^٢) النسفي: مدارك التنزيل، دار الكلم الطيب - بيروت، ط ١ ١٤١٩ هـ (٣/ ٢٨٠)\n(^٣) ابن عطية: المحرر الوجيز، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٢٢ هـ (٥/ ٦٣)\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب الصدقة باليمين ح (١٤٢٣)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة ح (١٠٣١).","vol":"1","page":714},{"text":"وهي كذلك سبب لنيل محبة الله تعالى: عن معاذ بن جبل ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: قال الله تعالى: «وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ «... (^١).\nإن الأخوة الإسلامية الصادقة، تعني:\n- إزالة الفوارق الطبقية والاجتماعية، فلا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى.\n- القوة والاجتماع على الحق.\n- التعاون في مقارعة الباطل الدعي، والهوى الزائف.\n- تقوية أواصر المحبة.\n- تحقيق التكافل والعدالة الاجتماعية.\n- بناء مجتمع إسلامي، يعرف كل فرد ماله وما عليه.\nومن مقتضيات الأخوة الإسلامية الصادقة (^٢).\n- حسن العشرة.\n- وحسن الظن.\n- وحفظ العهد.\n- وإقلال العتاب.\n- والتواضع، والإيثار والكرم.\n- وحفظ الأسرار، والذب عن الأعراض.\n- واحتمال الأذى.\n- والتغافل، وقبول الاعتذار، وفي هذا يقول الأبرش:\nهبني أسأت كما زعمت ... فأين عاطفه الأخوة\nأو إن أسأت كما أسأت فأين فضلك والمروة (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه مالك في ا/موطأ، كتاب الجامع، باب ما جاء في المتحابين في الله ح (٣٥٠٧).\n(^٢) محمد الغزي: آداب العشرة وذكر الصحبة والأخوة، مطبوعات مجمع اللغة العربية: ص (٥٦).\n(^٣) ابن حبان: روضة العقلاء، دار الكتب العلمية - بيروت ص (١٨٥).","vol":"1","page":715},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-219>٢ - أن يأخذ الإنسان ما له، ويؤدي ما عليه:</span>\nوهذا الأثر من الآثار الرئيسة للإيمان باليوم الآخر، الذي ينتج عنه طمأنينة المجتمع، والشعور بالأمن والعدالة، وذلك أن الإيمان باليوم الآخر، له أثره المباشر على الأفراد جميعًا، فمتى وقر الإيمان بالآخرة في القلوب، ورجت ما عند علام الغيوب، آثرت أن تعيش مع الآخرة، ولا تنس نصيبها من الدنيا وهذا مؤداه الطبيعي، أن يقوم كل فرد من أفراد المجتمع، بأداء واجباته تجاه بقية الأفراد، ولا يمكن حينها أن يضيع حق، أو توجد مظلمة. وبعيدًا عن المثالية المجتمعية، يمكن القول بأن معدلات التظالم بين الأفراد، تقل كثيرًا حين يوجد الوازع الديني، المبني على الخوف من الله تعالى، ورجاء ما عنده في الدار الآخرة؛ لأنه متى تيقن الفرد الجزاء والحساب، وأن مظالم العباد تُوفى فيها بالحسنات والسيئات، أخذ ما له، وأدى ما عليه؛ ليقدم على ربه خفيف الحمل من أعباء المظالم.\nأما حين يغيب زاجر الآخرة عن القلوب، فلا تسل حينها عن فقد كثير من المعاني الإنسانية، التي ينتج عن فقدها، الظلم، وأكل أموال الناس بالباطل والتعدي على الحرمات.\nومن هنا لا يمكن أن تعيش المجتمعات آمنة مطمئنة، ترفل بالسعادة والرفاهية، ورغد العيش، إلا في ظل الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر.\nوهذا الأثر ينتج أثرًا آخر، من آثار الإيمان باليوم الآخر وهو:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>٣ - رد الحق لأهله (رد المظالم):</span>\nإن رد المظالم، من شروط قبول التوبة النصوح، وهي التي قيل عنها: \"التوبة النصوح: هي رد المظالم، واستحلال الخصوم، وإدمان الطاعات\" (^١).\nوالموفق من حاسب نفسه، وتدارك وقته، ورد المظالم، وتحلل كل من تعرض له بلسانه، ويده، وحتى سوء الظن بقلبه؛ حتى يلقى الله سبحانه ولم تبق عليه مظلمة.\n_________\n(^١) القرطبي: التذكرة، دار المنهاج - الرياض، ط ١ ١٤١٥ هـ، ص (٢١٦).","vol":"1","page":716},{"text":"\"وإن مات قبل رد المظالم، أحاط به خصماؤه، فهذا يأخذ بيده، وهذا يقبض على ناصيته، وهذا يتعلق بلببه، هذا يقول: ظلمني، وهذا يقول: شتمتني وهذا يقول: استهزأت بي، وهذا يقول: ذكرتني في الغيبة بما يسوؤني، وهذا يقول: جاورتني فأسأت جواري، وهذا يقول: عاملتني فغششتني، وهذا يقول: بعتني فغبنتني، وأخفيت عني عيب سلعتك، وهذا يقول: كذبت في سعر متاعك، وهذا يقول: رأيتني محتاجًا، وكنت غنيًا فما أطعمتني، وهذا يقول: وجدتني مظلومًا، وكنت قادرًا على دفع الظلم عني فداهنت الظالم وما راعيتني، فبينا أنت كذلك، وقد أنشب الخصماء فيك مخالبهم، وأحكموا في تلابيبك أيديهم، وأنت مبهوت متحير من كثرتهم وقد ضعفت عن مقاومتهم، ومددت عنق الرجاء إلى سيدك ومولاك؛ لعله يخلصك من أيديهم، إذ قرع سمعك نداء الجبار ﷻ: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٧)﴾ [غافر:١٧] \" (^١).\nفقه هذا الأمر عمر بن عبد العزيز فرد المظالم، يقول محمد بن قيس: \"رأيت عمر بن عبد العزيز إذا صلى العشاء، دعا بشمعة من مال الله؛ ليكتب في أمر المسلمين والمظالم، فترد في كل أرض، فإذا أصبح جلس في رد المظالم، وأمر بالصدقات أن تقسم في أهلها، فلقد رأيت من يُتصدق عليه في العام القابل له إبل فيها صدقة\" (^٢)، هذه صورة العدل ونتيجته.\n_________\n(^١) الغزالي: إحياء علوم الدين، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٤/ ٥٢١).\n(^٢) ابن سعد: الطبقات الكبرى، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤١٠ هـ (٥/ ٢٦٨).","vol":"1","page":717},{"text":"وذكر أهل التأريخ شيئًا من هذا، عن الملك المؤيد المظفر شمس الدين الإيلتمش التركماني، السلطان الصالح، فإنه \"كان عادلًا صالحًا فاضلًا ومن مآثره: أنه اشتد في رد الظالم، وإنصاف المظلومين، وأمر أن يلبس كل مظلوم ثوبًا مصبوغًا، وأهل الهند جميعًا يلبسون البياض، فكان متى قعد للناس أو ركب، فرأى أحدًا عليه ثوب مصبوغ، نظر في قضيته، وإنصافه ممن ظلمه، ثم إنه أعيي في ذلك فقال: إن بعض الناس تجري عليهم المظالم بالليل، وأريد تعجيل إنصافهم، فجعل على باب قصره أسدين مصورين من الرخام، موضوعين على برجين هناك، وفي أعناقهما سلسلتان من الحديد فيهما جرس كبير، فكان المظلوم يأتي ليلًا، فيحرك الجرس فيسمعه السلطان وينظر في أمره للحين وينصفه\" (^١).\nوهذا الأثر الإيماني الناشئ من الإيمان باليوم الآخر، سبب لـ:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>٤ - الشعور بالطمأنينة والأمن الدائمين:</span>\nما فشا العدل، وانتفى الظلم، في مجتمع من المجتمعات، إلا وشعر أفراده بمنتهى الطمأنينة، وتمام السكينة، وحلول الأمن. إن الحياة معادلة سهلة الحل معروفة الأبعاد:\nفالحياة الخالية من معاني الظلم، والأذى، والغش، هي نتاج الإيمان بالآخرة المؤدي إلى السعادة والطمأنينة، وإقامة العدل بين أفراد المجتمع.\nيقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام:٨٢].\n_________\n(^١) ابن بطوطة: رحلة ابن بطوطة، أكاديمية المملكة المغربية - الرباط، ١٤١٧ هـ، (٣/ ١٢١).","vol":"1","page":718},{"text":"فهذه الآية الكريمة، تعكس صورة المجتمع الذي يعيش بين الاهتداء والأمن، شريطة وجود الإيمان وانتفاء الظلم بجميع أنواعه، فهم آمنون من المخاوف والعذاب والشقاء، مهتدون إلى صراط الله المستقيم، وهذا الأمن والاهتداء حاصل بقدر إيمانهم،\" فإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بظلم مطلقًا لا بشرك ولا بمعاص، حصل لهم الأمن التام، والهداية التامة، وإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بالشرك وحده، ولكنهم يعملون السيئات، حصل لهم أصل الهداية، وأصل الأمن، وإن لم يحصل كمالها\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>٥ - مصدر من مصادر القوة للأفراد لمواجهة الباطل:</span>\nإن الباطل بجميع صوره وأنواعه، يقف حاجزًا أمام العاجزين، الذين لم تمتد أبصارهم إلى ما وراء الماديات، فلم يعرفوا إلا الحياة الدنيا، فاشتغلوا بها وجعلوها غاية ومقصدًا، ولذا فهم عاجزون عن دفع أي شبهة وشهوة بخلاف من امتدت نفوسهم إلى ما وراء الماديات، وتعلقت قلوبهم بفاطر الأرض والسماوات، تجدهم أثبت الناس عند الفتن، وأشدهم في مواجهة الباطل.\nفالقرآن الكريم يحكي عن سحرة فرعون، الذين أُغدق عليهم من نعيم الدنيا الموهوم، لم يشعروا بلذة السعادة والطمأنينة، إلا حين آمنوا بالله تعالى، فقالوا لفرعون بعد أن توعدهم: ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ طه ٧٢، أي:\" أمرك وسلطانك في هذه الحياة الدنيا، وسيزول عن قريب\" (^٢)، فإن قضاءك وحكمك إنما يكون في الدنيا، وهي كيف كانت فانية، وإنما مطلبنا سعادة الآخرة وهي باقية، والعقل يقتضي تحمّل الضرر الفاني، المتوصل به إلى السعادة الباقية، وإن الذي يذكره فرعون محض الدنيا، وإن منافع الدنيا ومضارها، لا تعارض منافع الآخرة ومضارها (^٣).\n_________\n(^١) السعدي: تيسير الكريم الرحمن، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ص (٢٦٣).\n(^٢) السمعاني: تفسير القرآن، دار الوطن - الرياض، ط ١ ١٤١٨ هـ (٣/ ٣٤٢).\n(^٣) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٢٢/ ٧٧ بتصرف).","vol":"1","page":719},{"text":"لما وقّر الإيمان في قلوب السحرة، وعلموا ما عند الله جل وعلا من الأجر والفضل، قالوا: ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣)﴾ [طه ٧٣]، أي: والله جل وعلا خير لنا منك، وأبقى وأدوم ثوابًا مما كنت وعدتنا ومنيتنا (^١).\nوالعجيب أن السحرة حين آمنوا وصدقوا وأيقنوا، تحولوا في لحظة من كفر وضلال، إلى إيمان واطمئنان وإجلال، وتحولوا من كفرة صادين عن سبيل الله تعالى، إلى وعاظ هادين إلى سبيل الرحمن، فكان من تمام وعظهم، ما قالوه لفرعون يحذرونه من نقمة الله، وعذابه الدائم السرمدي، ويرغبونه في ثوابه الأبدي المخلد، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾ [طه:٧٤ - ٧٦].\nيقول الإمام القرطبي:\" ومن قال هذا من قول السحرة قال: لعل السحرة سمعوه من موسى، أو من بني إسرائيل، إذ كان فيهم بمصر أقوام، وكان فيهم أيضًا المؤمن من آل فرعون، قلت: ويحتمل أن يكون ذلك إلهامًا من الله لهم، أنطقهم بذلك لما آمنوا\" (^٢).\nفهذا الثبات والرسوخ، أثر من آثار الإيمان بالآخرة، إذ هو المحفز للصبر والتحدي، ومواجهة الباطل بكل عدته وقوته، ولذا قُلبت راية الكفر والظلم في الصباح، إلى راية الإيمان والعدل والتضحية في المساء.\n_________\n(^١) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، دار طيبة للنشر والتوزيع ت: سامي سلامة (٥/ ٣٠٥).\n(^٢) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط ٢ - ١٣٨٤ هـ، (١١/ ٢٢٧).","vol":"1","page":720},{"text":"وهذا الثبات والصبر على الإيمان، هو الذي دفع بزوجة الطاغية فرعون أن تجهر بالإيمان، ولا تخاف أحدًا سوى الرحمن، فكانت تسأل من غلب؟ موسى أم السحرة؟ فقيل لها: غلب موسى وهارون، فقالت: آمنت برب موسى وهارون، فشدّد عليها فرعون الخناق، وأجرى عليها ألوانًا من العذاب، إلا أنها حين أيقنت بما عند الله من الثواب قالت: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١)﴾ [التحريم:١١]، فأراها الله تعالى بيتها في الجنة، فنسيت ما هي فيه من العذاب وضحكت، فقالوا: هي مجنونة تضحك، وهي في العذاب (^١)، ضحكت حين علمت أن الله تعالى حقق لها أمنيتها في القربة والكرامة، فإنها طلبت جوار القربة، ولبيت في الجوار أفضل من ألف قصر غير الجوار (^٢).\nوهذا الإيمان بحد ذاته، يُعطي المؤمن قوة، يدفع بها كل المصاعب والمتاعب التي تواجهه، وهو باب من أبواب الثبات بكل صوره ومعانيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>٦ - القناعة في الدنيا، والرغبة فيما عند الله تعالى:</span>\nوهذا هو ما ربى عليه النبي - ﷺ - أصحابه، وذلك حين رأى عمر ﵁، أثر الشريط في جنب رسول الله - ﷺ - فبكى، فقال النبي - ﷺ - «مَا يُبْكِيكَ؟» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الآخِرَةُ» قال: بلى، قال: هو كذلك (^٣).\n_________\n(^١) السمرقندي: بحر العلوم، دار الكتب العلمية - بيروت، ٢٠١٠ م (٣/ ٤٧٢).\n(^٢) القشيري: لطائف الإشارات، الهيئة المصرية العامة للكتاب - مصر، ط ٣، (٣/ ٦٠٩).\n(^٣) البيهقي: دلائل النبوة (١/ ٣٣٧)، وأصل الحديث في صحيح مسلم، كتاب الطلاق، باب في الإيلاء واعتزال النساء ح (٣٠)، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ت: محمد فؤاد عبد الباقي.","vol":"1","page":721},{"text":"فكان النبي - ﷺ - يعلق قلوب أصحابه بالحياة الآخرة، لأنها هي الدار الباقية أما الدنيا فلا أسف على فوات بعض مصالحها، فلو كانت الدنيا بما فيها من ملاذ، تزن عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافرًا منها شربة ماء؛ لحقارتها وقلتها، مع أن الحكمة \"في إطعامهم، وإسقائهم، وإبقائهم: أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر\" (^١)، وهذا المقصود منه: التزهيد في الدنيا، والترغيب في العقبى (^٢).\nيقول العلامة المناوي:\" وهذا أوضح دليل، وأعدل شاهد، على حقارة الدنيا \" (^٣).\nفالنبي - ﷺ - يشجع أصحابه ﵃، بأن يكونوا من أصحاب الآخرة:\nفيسمو بهممهم، ويعلو بأفئدتهم نحوها، فيقول ﵊ في يوم الخندق مجيبًا لأصحابه حين قالوا:\nنحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدًا\nفقال النبي - ﷺ -:\nاللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فأكرم الأنصار والمهاجرة (^٤)\nوقد قال - ﷺ - لعبد الله بن مسعود ﵁: «مَا أَنَا وَالدُّنْيَا إِنَّمَا أَنَا وَالدُّنْيَا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» (^٥).\nومتى علم الإنسان أنه في الدنيا، ضيف مرتحل، وزائر منتقل، زهد فيها ورغب فيما عند الله تعالى من الفضل والكرامة.\n_________\n(^١) القاري: مرقاة المفاتيح، دار الفكر - بيروت، ط ١ ١٤٢٢ هـ (٥/ ١٧٣٣)\n(^٢) القاري: مرقاة المفاتيح، دار الفكر - بيروت، ط ١ ١٤٢٢ هـ (٨/ ٣٢٢٦)\n(^٣) المناوي: فيض القدير، المكتبة التجارية الكبرى - مصر، ط ١ ١٣٥٦ هـ (٥/ ٣٢٨)\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب البيعة في الحرب ألا يفروا ح (٢٩٦١).\n(^٥) أخرجه الترمذي في جامعه، أبواب الزهد عن رسول الله ﷺ، باب ح (٢٣٧٧).","vol":"1","page":722},{"text":"وقد ذكر الإمام ابن القيم بضعًا وعشرين مثلًا للدنيا، ضمن دلائل التفضيل بين صبر الفقراء، وشكر الأغنياء، ثم قال: \"وقالوا: ومن المعلوم أنه لا تجتمع الرغبة فيها، مع الرغبة في الله والدار الآخرة أبدًا، ولا تسكن هاتان الرغبتان في مكان واحد، إلا وطردت إحداهما الأخرى، واستبدت بالمسكن \" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>٧ - تنمية الشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين:</span>\nإن الإيمان باليوم الآخر، يحقق هذا الشعور وينميه، بل ويحض عليه ويشدد النكير على من فرط، أو تهاون فيه.\nإن القيام بالمسؤولية تجاه الآخرين شرف للإنسان، فهي مع دلالتها على كمال أهلية الفرد، إلا أنها تنبئ عن أخلاق رفيعة، تغلغلت في أعماقه ... انتجت برا وإحسانا، وصلة وإكراما.\nهذا الشعور نشأ وترعرع في ظل المراقبة والخوف من الله تعالى؛ لأن الجزاء أليم على من فرط، والعذاب كبير على من ضيع، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم:٦].\nإن تقدم المجتمعات ورقيها، منوط بهذا الشعور، فمتى تنامى هذا الشعور وتربع على عروش القلوب، أدى كل فرد ما عليه، وحينها فقط يشعر أفراد المجتمع، بسعادة الحياة وتكاملها.\nومتى اضمحل هذا الشعور، وتخلى كل فرد عما اؤتمن عليه من المسؤولية فماتت الضمائر بعد حياتها، وانقلبت النفوس على أحضان الخير التي تربت عليها، عاش هذا المجتمع بعيدًا كل البعد، عن معاني الإسلام السامية وقيمه السامقة؛ لأنه آثر الخيانة على الأمانة، فحين يتخلى الأمام الأعظم عن مسؤوليته، ويخون أمانته، ويغش رعيته، ينتشر الظلم والفساد، وحين يتخلى الأب عن مسؤوليته، تجاه أهل بيته، يعظم الخطر، ويفشو الضرر.\nولذا فإن الإيمان باليوم الآخر، هو السياج الحامي للمجتمعات، من الانزلاق في براثن الفساد، ومعاقل الرذيلة، والتي هي نتاج التهاون في المسؤولية.\n_________\n(^١) ابن القيم: عدة الصابرين، دار ابن كثير - دمشق، ط ٣ ١٤٠٩ هـ، ص (٢٤٧)","vol":"1","page":723},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-225>٨ - قمع النفس عن الحرام والتزهيد فيه:</span>\nإن التمادي في التعدي على محارم الله تعالى، ينشؤ من طول الأمل، ونسيان الموت، وعدم تذكر الآخرة.\nوإن من محاسن الشريعة الإسلامية الغراء، أنها حيث نهت عن الحرام عوضت عنه بدائل من الحلال المباح، وخاطبت النفوس بما يزجرها عن الوقوع في الحرام، فعاقبت عليه بالحرمان، وهو أسلوب تربوي رباني، له وقعه في النفوس.\nثبت في الصحيحين من حديث حذيفة بن اليمان ﵄، قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «لَا تَلْبَسُوا الحَرِيرَ وَلَا الدِّيبَاجَ، وَلَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَنَا فِي الآخِرَةِ» (^١).\nوعن أم سلمة ﵂، أن رسول الله - ﷺ - قال: «الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ، إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» وفي لفظ عند مسلم: «مَنْ شَرِبَ فِي إِنَاءٍ مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ، فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارًا مِنْ جَهَنَّمَ» (^٢).\nوعن عبد الله بن عمر ﵄، أن رسول الله - ﷺ - قال: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ، إِلَّا أَنْ يَتُوبَ» (^٣).\nفهذه زواجر للنفس البشرية، تزجرها عن الوقوع في المحارم، ولذا فالعاقل لا يتعجل ما أُمر بتأخيره، ووُعد به، فيُحرمه عند ميقاته (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري كتاب الأطعمة، باب الأكل في إناء مفضض ح (٥٤٢٦)، وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب اللباس والزينة، باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء ح (٢٠٦٧).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأطعمة، باب آنية الفضة ح (٥٦٣٤) وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب اللباس والزينة، باب تحرمي استعمال أواني الذهب والفضة في الشرب ح (٢٠٦٥).\n(^٣) مسلم كتاب الأشربة، باب عقوبة من شرب الخمر إذا لم يتب منها بمنعه إياها في الآخرة ح (٢٠٠٣).\n(^٤) العراقي: طرح التثريب، مكتبة الباز - مكة، ط ١ ١٤٢٤ هـ (٨/ ٩٣ بتصرف)","vol":"1","page":724},{"text":"وهذه أخطاء يجب على المسلم أن يتفاداها قبل موته، وإلا باء بالحرمان ... وهذا الشعور بحد ذاته، دافع للمرء بأن يسعى بجد، نحو ما ينفعه في الآخرة؛ كي يتنعم به.\nوخلاصة المطلب:\nإن الإيمان باليوم الآخر، يصنع جيلًا فريدًا، ومجتمعًا صالحًا مستقيمًا، وأمة مجيدة.\nوإن الإيمان باليوم الآخر، يرسم للمجتمعات خُطى صحيحة، ومسارات مستقيمة، نحو الأمل، والوصول إلى الغاية.\nوإن الإيمان باليوم الآخر، يربي جيلًا لا يقبل المساومات على الحق، ولا أنصاف الحلول، بل يدافع عن قضيته وينافح عنها، ويقاوم الظلم والباطل والجبروت، بكل ما أوتي من قوة.\nوإن الإيمان باليوم الآخر، يبعث على سكينة النفس واطمئنانها، لكمال عدل الله وحكمته، الداعي إلى نشر روح المحبة بين أفراد المجتمع، ونبذ كل ألوان الحسد والحقد والاعتراض، على حكمة الله وشرعه.\nإذن:\nفالإيمان باليوم الآخر، يخلق أناسا، يحملون بين جوانحهم ضمائر حية تراقب الله تعالى وتخافه، فتأخذ مالها، وتؤدي ما عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>المطلب الثاني أثر الإيمان باليوم الآخر على المجتمعات من الناحية السلوكية والأخلاقية</span>\nالإيمان باليوم الآخر، يقين في نفس المؤمن لا يتزعزع، يفيض على نفسه قوة يحطم بها كل القيود، ويتخلص به من كل تعقيدات الحياة.\nإن الإيمان باليوم الآخر، صمام أمان للمجتمعات من أن تغرق في أرجاس المعاصي، أو تتهاوى في كهف الحزبيات والعنصريات.\nوإن الإيمان باليوم الآخر، له أثره الفعال في تقويم السلوك، ومعاجلة الانحرافات، والتي بدورها تسهم في تنظيم العلاقات البشرية، وتسيير الحياة الإنسانية، بأبهى صورة، وأجمل حُلّة.\nوللإيمان باليوم الآخر أثر على المجتمعات، من الناحية السلوكية والأخلاقية، نجملها في النقاط التالية:","vol":"1","page":725},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-227>١ - حفظ الأخلاق:</span>\nكم تئن المجتمعات الغربية والشرقية، من ضياع الأخلاق، واندراس الآداب، حتى تنادى عقلاؤها إلى وجوب حفظ الأخلاق، والحد من انتشار الرذيلة والفساد، والذي أدى بدوره إلى تدهور هذه المجتمعات ... وانحطاطها أخلاقيًا، وسلوكيًا.\nفالمرأة تعتبر مثالًا حيًا، وأنموذجًا مشاهدًا، على الواقع المزري في تلك المجتمعات، التي أصبحت تداس فيه كرامتها، وتمتهن فيه عفتها، واستغلت بأرخص الأثمان؛ لتكون من أرخص السلع.\nوحين شعرت المرأة الغربية بهذا الواقع المهين، الذي يجعل من جسد المرأة سلعة تباع وتشترى، وشعرت بتلك المؤامرة التي ظهرت آثارها، بتسارع المنتجين والمخرجين في التفنن لإخراج جسد المرأة بكل الصور والألوان حينها ارتفعت بعض الأصوات الغيورة، التي تنادي بإرجاع المرأة إلى حيائها وعفافها، وسترها.\nهذه صورة مختصرة مختزلة، عن ذلك الواقع المرير، الذي تعيشه تلك المجتمعات، التي تحررت من كل قيود الشرف والأخلاق.\nأما المجتمعات التي تنادى فيها الغيورون، واجتمع فيها المخلصون فكشفوا خطط التآمر على الأخلاق، وغرسوا في نفوس الناس مخافة الرب الخلاق، فتشربتها الأجيال تلو الأجيال، فهي مجتمعات تنعم برفاهية الأخلاق، وانتشار الفضائل والآداب، حيث تقل فيها السلوكيات الخاطئة، والأعمال المشينة.\nفالإيمان باليوم الآخر، حارس وحافظ للأخلاق من الضياع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>٢ - ينمي في الأفراد حب البذل والعطاء:</span>\nالبذل من البر، والبر من الإيمان، (والإيمان في الجنة) (^١)، سئل الحسن عن البر فقال: البذل واللطف (^٢).\nوالبذل مع العطاء من المروءة، والمروءة تورث مقام القرب من الله تعالى (^٣).\nوالبذل من أعظم ما يتوصل به إلى الناس، ويستجلب به محبتهم (^٤).\nإن من أعظم ما يحفز للبذل والعطاء، هو الرغبة فيما عند الله جل وعلا ومعلوم أن الجود والكرم، كانا من خصال العرب في الجاهلية، إلا أن دافع هذا الجود، هو ما جبلت عليه بعض النفوس من السماحة حينًا، وحب الرياسة حينًا آخر.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في جامعه، أبواب البر والصلة، باب ما جاء في الحياء ح (٢٠٠٩).\n(^٢) أحمد بن حنبل: الزهد، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ص (٢١٣).\n(^٣) ابن طرزبان: المروءة، دار ابن حزم - بيروت، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ص (١١٢).\n(^٤) ابن حيان: روضة العقلاء، دار الكتب العلمية - بيروت: ص (٦٩).","vol":"1","page":726},{"text":"أما الأجواد الأسخياء أهل الآخرة، الذين ينظرون بمنظار الإيمان، ويزنون بميزان الإحسان والإتقان، ويؤملون كرم الرحيم الرحمن، فإنهم يأخذون ويُعطون، فلا يستكثرون ولا يدخرون، فإن مُنعوا شكروا، وإن ضُيق عليم حمدوا، وإن اُعطوا بذلوا وآثروا، فهم الزاهدون في الدنيا؛ لأنهم موقنون فكفاهم اليقين غنى (^١).\nيقول الإمام المرداوي:\" والبذل على وجهين: أحدهما: ما ابتدأ به الإنسان من غير سؤال، والثاني: ما كان عن طلب وسؤال. فأما المبتدئ به، فهو أطبعهما سخاءً، وأشرفهما عطاءً \" (^٢).\nإن الإيمان باليوم الآخر، له أثر على الأفراد لا يقف عند حدود البذل والعطاء، بل يتعدى ذلك إلى تحمل مقاساة الألم، والإيثار بالخير للغير يقول تعالى عن أوليائه وأصفيائه، وخيرته من خلقه بعد نبيه - ﷺ -: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر:٩].\nالإيمان باليوم الآخر يسلَّ سخيمة القلوب، من الغل، والحقد، والحسد وكذا البخل، ولذا قيل: إن حقيقة الجود: أن لا يصعب عليك البذل (^٣).\nوالعجب أن بعض البشر قد فُطر على حب الجود والكرم، حتى اختلف فيهم الناس، هل الباذلون دون سؤال ولا سبب، بل لسجية فُطروا عليها ... وشيمة قد طُبعوا بها، هل يكون هذا منسوبًا إلى السخاء (^٤)؟\n_________\n(^١) أبو طالب المكي: قوت القلوب، دار الكتب العلمية - بيروت: (٢/ ٣٢٨ بتصرف).\n(^٢) الماوردي: أدب الدنيا والدين، دار مكتبة الحياة، ١٩٨٦ م، ص (١٨٨).\n(^٣) القشيري: الرسالة القشيرية، دار المعارف - القاهرة، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (٢/ ٤٠٣).\n(^٤) الماوردي: أدب الدنيا والدين، دار مكتبة الحياة، ١٩٨٦ م، ص (١٩١).","vol":"1","page":727},{"text":"والحق أن العدل في كل الأمور هو الوسط، يقول الإمام الغزالي عن التصرف في المال: \"ويمكن التصرف فيه بالعدل، وهو أن يُحفظ حيث يجب الحفظ ويُبذل حيث يحب البذل، فالإمساك حيث يجب البذل بخل، والبذل حيث يجب الإمساك تبذير، وبينهما وسط وهو المحمود، وينبغي أن يكون السخاء والجود عبارة عنه \" (^١). والبذل والعطاء، هما إحدى القوى النفسية الثلاثة التي يكون بها صلاحها، وسعادتها، وبفسادها يكون فسادها وشقاوتها (^٢).\nوقد تعدى البذل والعطاء الكائن البشري، إلى الكائن البهيمي الحيواني فقد قيل لشخص: من علمك حسن الإيثار، والسماحة بالبذل؟ فقال: من علم الديك يصادف الحبة في الأرض، وهو يحتاج إليها فلا يأكلها، بل يستدعى الدجاج ويطلبهن طلبًا حثيثًا، حتى تجيء الواحدة منهن فتلتقطها وهو مسرور بذلك طيب النفس به، وإذا وضع له الحب الكثير، فرقه هاهنا وهاهنا، وإن لم يكن هناك دجاج؛ لأن طبعه قد ألِف البذل والجود، فهو يرى من اللؤم، أن يستبد وحده بالطعام (^٣).\nإن أعظم الناس جودًا وكرمًا، وأنبلهم عطاءً وبذلًا، بحيث لم تر الدنيا له مثيل، ولم تعرف له نظير، هو نبينا محمد - ﷺ -، فإنه \" أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ (^٤)، وكان يعطي العطاء الوفير، يعطي عطاء من لا يخشى الفقر.\n_________\n(^١) الغزالي: إحياء علوم الدين، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (٣/ ٢٥٩).\n(^٢) ابن القيم: التبيان في أقسام القرآن، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، ص (٦٠).\n(^٣) ابن القيم: شفاء العليل، دار المعرفة - بيروت، ١٣٩٨ هـ، ص (٧٥).\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب كيف بدء الوحي ح (٦) وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب كان النبي ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة ح (٢٣٠٨).","vol":"1","page":728},{"text":"فَعُرِفَ النبي - ﷺ - بالجود والكرم، والعطاء والبذل، في أول حياته وآخرها وكان ما بينهما تأريخ حافل عاطر، بكل ما عرفته الإنسانية من معاني السخاء والإيثار، فتحكي أم المؤمنين خديجة ﵂ شيئًا من مفاخره - ﷺ - فتقول حينما جاءها يرجف فؤاده من نزول الوحي عليه قائلًا: «لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي» فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ، (^١).\nفالمؤمن بالآخرة، سيسخر كل ما يملك لخدمة الخلق، حتى يحظى بما عند الخالق، من العطاء والجود والكرم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>٣ - أداء الحقوق:</span>\nالحقوق كثيرة متنوعة، فحق يجب القيام به، وحق يتحتم السعي إليه، يقول الله تعالى. ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء:٣٦].\nإن الباعث الرئيس للقيام بأداء هذه الحقوق، هو الإيمان بالدار الآخرة، وأنها مستقر أعمال الخلائق من خير وشر. فاستشعار رهبة الموقف بين يدي الجبار ﷻ، والخوف من السؤال، والرهبة التي تغشى القلوب، من مغبة التهاون في هذه الحقوق، كلها دواع للفرد تدفعه للقيام بهذه الحقوق حق قيام.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، باب كيف بدء الوحي ح (٣)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان باب بدء الوحي ح (١٦٠).","vol":"1","page":729},{"text":"وهناك بواعث أخرى تدعوا إلى أداء الحقوق، إلا أن الداعي الأكبر، هو داعي الخوف من الحساب والجزاء، والبواعث الأخرى لأداء الحقوق، لها تعلق بصفاء النفس ونقائها، بما جُبلت عليه من الكرم، والنخوة، والقيام مع الآخرين، فكل \"ما يبعث على أداء الحقوق، فأجدر به حمدًا، وما صدّ عنها، فأخلق به ذمًا\" (^١)\nقال أبو النجيب السهروردي في أماليه لنفسه:\nأداء الحقوق دليل الكرم ... وفي ذلك مرضاة مولى الأمم\nومن قام لله في خلقه ... بحسن الرعاية حاز النعم (^٢)\nإن داعي الإيمان في القلوب، ورجاء فضل ما عند علام الغيوب، هو الدافع للقيام بحقوق الناس. وحقوقهم كثيرة، يصعب وصفها، ويطول رصفها في هذا المقام، إلا أن المقصود الأعظم هو الالتزام بهذه الحقوق والوصف الأكرم قوله جل وعلا: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ [الإسراء:٣٩]، أي: \"هذا الذي أمرناك به من الأخلاق الجميلة، ونهيناك عنه من الصفات الرذيلة، مما أوحينا إليك يا محمد لتأمر به الناس \" (^٣)؛ \"لأنها اشتملت على محاسن الأخلاق والحكمة، وقوانين المعاني المحكمة، والأفعال الفاضلة \" (^٤).\nإن الآيات التي نزل بها جبريل - ﵇ - إلى نبينا محمد - ﷺ - من سورة الإسراء من قوله تعالى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ... إلى قوله ... ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨)﴾ [الإسراء]، اشتملت على جملة من الأداب، والقصص، والأحكام، يرجع حاصلها \"إلى الأمر بالتوحيد وأنواع البر والطاعات، والإعراض عن الدنيا، والإقبال على الآخرة\" (^٥).\n_________\n(^١) الماوردي: أدب الدنيا والدين، دار مكتبة الحياة، ١٩٨٦ م، ص (٩١).\n(^٢) ابن المستوفى: تاريخ إربل، دار الرشيد - العراق، ١٩٨٠ م، (٢/ ١٤٤).\n(^٣) ابن كثير: تفسير القران العظيم، دار طيبة للنشر والتوزيع، ت: سامي سلامة (٥/ ٧٧).\n(^٤) القرطبي: الجامع الأمثال للقرآن، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط ٢ - ١٣٨٤ هـ، (١٠/ ٢٦٤).\n(^٥) الخازن: لباب التأويل، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤١٥ هـ (٣/ ١٣١).","vol":"1","page":730},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-230>٤ - أنه سبب لحل جميع المشكلات:</span>\nكل ما يعترض المرء من مشكلات الحياة المادية، والنفسية، والاجتماعية، يجد لها حلًا في الإيمان بالله تعالى، والرضا عنه، ثم الإيمان بالآخرة، التي فيها مستقر النفوس، وذها ب الأحزان، واكتمال الأفراح.\nفكل ما نقص من لذائذ الدنيا عند المؤمن، يعوضه الله تعالى به نعيما يسعد به في الآخرة.\nإن الإيمان، والرضا، واليقين، والإرادة، مع طهارة القلب، أسباب تعين بعد الله تعالى، على تجاوز العقبات، والقفز على المشكلات.\nوهذا يبين بوضوح أن المنهج الإسلامي هو المنهج الواقعي، الذي يتغلغل في أعمال النفس البشرية، فيحيي فيها الأمل، ويشيع فيها أنوار العمل نحو المستقبل الباهر.\nلقد قفز الإسلام على جميع المناهج الأرضية، التي سعت لإسعاد البشرية وحل مشكلاتها، لكن دون جدوى، فلم تحظ البشرية في ظل النظم الأرضية، إلا بالنكبات والويلات التي انعكست فيها الصورة، فظهر الإسعاد في صورة شقاء، واللذة في صورة عناء؛ لأنها لم تحظ بما حظي به المنهج الإسلامي الرفيع، من العناية بحاجات الأفراد، والاهتمام بحاجات المجتمع، والتوفيق بين الحاجات والقيم.\nإن المشكلات في هذا الزمان، أصبحت أكثر تعقيدًا مما كانت عليه سابقًا؛ نظرًا: للتطور الباهر المذهل في التقنية الحديثة، وظهور كثير من المستجدات التي عجز البعض عن مواكبتها، والتوافق معها، فظهرت في هذه الأزمان المتأخرة مشكلات اجتماعية، وأخلاقية، ونفسية، حطمت كيان الأفراد، وهدمت أركان المجتمع؛ لأنها لم تخضع لميزان الأخلاق والأدب الإسلامية.\nلقد تناول المنهج الإسلامي هذه المشكلات وأوجد لها الحلول، وكان في نظرته للأمور، وحله للمشكلات، أكثر عمقًا وأدق تفصيلًا، وهذا يعطينا حكما قاطعًا، بأن هذه المشكلات وغيرها من مشكلات الحياة، من الجهل والمرض والفقر، لا يمكن أن تحل إلا في ظل تطبيق الشريعة الإسلامية والعقيدة الصحيحة التي يجتمع تحت سقفها أهل الإسلام، فهي كفيلة بحل جميع هذه المشكلات، والتأريخ خير شاهد، وأصدق برهان.","vol":"1","page":731},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-231>٥ - انخفاض معدلات الجريمة:</span>\nيعيش الناس في ظل المجتمعات المؤمنة، في حب ووئام، وتلاحم وسلام، يأمنون فيه على أعراضهم، وأموالهم، وممتلكاتهم، ومعتقداتهم، وحرياتهم. المجتمع المؤمن ترسو فيه سفينة الأمان، على قواعد العدل والإنصاف؛ لتنشر الفضائل، ومعاني الولاء. والمجتمع المؤمن يعيش متلاحمًا متماسكًا، مهما هبت عليه عواصف التغيير.\nوالمجتمع المؤمن يشعر باستقرار في جميع مناحي الحياة؛ لأن المرء يعيش في ظل دولة الإسلام، آمنا مطمئنًا، تؤدى إليه كل الحقوق والواجبات.\nفي المجتمع المؤمن تنشأ مبادئ، تقوم على إغاثة الملهوف، وإسعاف المكروب وكفالة اليتيم، والقيام على أمور المحتاجين. وفي المجتمع المؤمن تحفظ الحقوق، وتصان الكرامات.\nفهذه العوامل وغيرها، هي أثر من آثار الإيمان بالآخرة، ينشئ عنها ولا بد استقرار الأمن، وانخفاض معدلات الجريمة.\nوحين نرجع بالذاكرة إلى العهد النبوي، ونقلب صفحات تأريخ الدولة الإسلامية الأولى، التي نشأت على مبدأ إقامة العدل، وإعطاء الحقوق وحفظ العهود والمواثيق، نجد أنه لم يسجل لنا التاريخ عن تلك الحقبة، إلا حالات يسيرة - لا تتجاوز أصابع اليدين - عن التعدي على الأعراض والممتلكات؛ لأن كل فرد في ذلك المجتمع، عرف ما عليه فأداه، وعرف ما له فأخذه، وربما آثر به غيره. في المقابل اقرأ أو اسمع عن حجم الجرائم في المجتمعات التي انعدم فيها الإيمان، أو قل منسوبه في قلوب أفراده، فإنك لن تنتهي من سماع جريمة مروعة، إلا وتتبعها أخواتها من الجرائم الأخرى، مع قوة تحكيم القوانين التي ادعوها، والأنظمة التي اخترعوها، إلا أنهم يقفون عاجزين، عن مواجهة هذا السيل العارم من هذه الجرائم، التي لا تسلم منها مثل هذه المجتمعات.","vol":"1","page":732},{"text":"فلا أمان للمجتمعات من الانحدار، ولا سبيل لها للارتقاء، إلا في ظل اليقين، وتحت سقف الإيمان بيوم الدين، فالإيمان بالآخرة، جدير بخلق مجتمع طاهر نزيه عفيف، يقوم على ساق الأخلاق التي بها يُقضى على كثير من الانحرافات، فالتربية الأخلاقية \"خير وسيلة للقضاء على مشكلة ازدياد الجرائم والانحرافات، بجميع أشكالها وألوانها؛ لأن وظيفة التربية الأخلاقية، بناء جيل ملتزم بالخير، متجنب للشرور \" (^١).\nوخلاصة الأمر:\nأن الإيمان باليوم الآخر، يصنع مجتمعًا تكامليًا، تظهر فيه كل المعاني الجميلة، والأخلاق الحميدة، من الكرم الجود، والتعاون والإخاء، والمحبة والوفاء، فيكون المجتمع بكل أطيافه حارس أمن، وقائدا للسلامة.\nوأن الإيمان باليوم الآخر، له صلة وثيقة بالصحة النفسية والجسدية؛ فالمؤمن بالآخرة لا يغتم بحلول المصائب والنكبات عليه؛ لأنه يستقبل ذلك بصدر رحب، ونفس مطمئنة راضية بالقضاء والقدر، فيعيش سعيدًا. وهذا بدوره ينعكس على المجتمع بالإيجابية؛ لأنه حينئذ سيقل أو يتلاشي معول فساد القلب، الذي ربما حمل في طياته معاني سيئة، من الغل والحقد والحسد، فهذا طريق من طرق سلامة المجتمع واستقراره.\nوأن الإيمان بالآخرة، سبب لاستقرار الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسة والاقتصادية؛ لأن المؤمن بالآخرة، يخشى مقام ربه، فلا يغش، ولا يرابي، ولا ينافق، ولا يرائي، ولا يغتاب، ولا ينم، ولا يخدع، ولا يتجبر، ولا يتكبر، وتلاشي هذه الأمور وانعدامها، كفيلة بأمان المجتمعات واستقرارها.\nومتى خلا قلب المرء من الآخرة، وقع في هذه المثالب والمعايب، فأصبحت كالسوس الذي ينخر في جسد المجتمع حتى يهلكه.\nوأن الإيمان باليوم الآخر، سبب لحفظ الأسر المسلمة من الانهيار والسقوط، فالأسر المبنية على الإيمان، لا تؤثر فيها العواصف، ولا تهزها المواقف، فهي أسر متماسكة متلاحمة.\n_________\n(^١) مقداد يالجن: علم الأخلاق الإسلامية، دار عالم الكتب - الرياض، ط ١ ١٤١٣ هـ، ص (١١)","vol":"1","page":733},{"text":"ولذا تقل في هذه الأسر، الكثير من الظواهر المؤلمة، من حالات الطلاق، والإجهاض، والأطفال غير الشرعيين، وكذا جرائم العنف ضد الزوجات والأطفال.\nفالإيمان باليوم الآخر يعني حصانة للمجتمع، يدفعه لاستنكار كل ما يقع فيه من انحرافات، فيبقى أثرها السام محصورًا في أضيق نطاق (^١).\nوختامًا: فإن المجتمع الذي يُنشئه الإسلام، مجتمع فكري خلقي، يستند إلى مبدأ وغاية، ويجتمع أفراده على الإيمان بهذا المبدأ، فلا تتكون في هذا المجتمع الطبقية، القائمة على أساس النسل والسلالة وغيرها، وإنما تُبنى على عقيدة جامعة، وضابط خلقي جامع، فكل من آمن بالله ربا ومالكًا، ورضي بما جاءت به الرسل من الهدى ودين الحق، منهجًا عمليًا لحياته، فقد أصبح جزءًا من أجزاء هذا المجتمع، وفردا من أفراده، والإسلام الحق هو السقف الذي يعيش الجميع، تحت ظله آمنين مطمئنين.","vol":"1","page":734},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-232>الخاتمة:</span>\nالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والحمد له سبحانه حمدًا حمدًا وشكرًا شكرًا، على ما منّ به ووفق ويسر، وأسأله ﷾ القبول.\nكنت في جولة ماتعة، وتطواف مبارك، مع هذا الموضوع العظيم، خلصت فيه إلى النتائج التالية:\n١ - أن الإيمان باليوم الآخر ركن ركين، وأصل أصيل، لا يصح إيمان عبد إلا بالإيمان به.\n٢ - أن الشرائع كلها متفقة على إثبات الدار الآخرة التي فيها الجنة والنار، يقول العلامة الألوسي:\" والمسلمون متفقون على وقوعه\" (^١).\n٣ - أن إثبات المعاد من أصول العلم والإيمان التي علقت بها السعادة والنجاة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:\" إثبات الصانع وتوحيده، وأسماءه وصفاته، وإثبات النبوات، وإثبات المعاد، هذه هي أصول العلم والإيمان، التي علقت بها السعادة والنجاة\" (^٢).\n٤ - أن مدلول لفظ (اليوم الآخر) مدلول واسع، يشمل الموت وما بعده، إلى دخول أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار.\n_________\n(^١) محمد قطب: منهج التربية الإسلامية، دار الشروق، ط ١٦، (٢/ ٤٢١)\n(^٢) الألوسي: روح المعاني، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤١٥ هـ، (١٢/ ٦١).","vol":"1","page":735},{"text":"٥ - أن الإيمان باليوم الآخر يتضمن ثلاثة أمور:\n١ - الإيمان بالبعث.\n٢ - والإيمان بالحساب والجزاء.\n٣ - والإيمان بالجنة والنار (^١).\nوالمراد به: التصديق الجازم بما يقع فيه من الحساب والجزاء، والجنة والنار\n٦ - أن اليوم الآخر له أسماء كثيرة وردت في نصوص الوحيين، وهذا يدل على عظم شأنها، وجليل أمرها.\n٧ - أن في أسماء القيامة، دلالة على التخويف والتهديد، والزجر والوعيد، إذ غالب أسمائها تفزع القلوب، ويقع أثرها شديدًا على الأسماع، ولذا وجب الاستعداد لها.\n٨ - أن اليوم الآخر من أسماء القيامة، سمي بذلك؛ لأنه آخر أيام الدنيا، وأنه لا يوم بعده.\n٩ - اتفاق الأئمة على أن منكر القيامة كافر.\n١٠ - أن المعاد يعلم بالعقل كما يُعلم بالسمع، وبه يُعلم خطأ المتكلمين في زعمهم: أن المعاد لا يُعلم إلا بالسمع، فما يتعلق بجانب الإمكان، فإن القرآن الكريم قد أفاض في ذكر الأدلة العقلية على جوازه، وإمكانه وعدم استحالته.\nوأما الجانب المتعلق بوقوعه وتفاصيل أخباره، فإن دلالة العقل الصحيحة المبنية على النظر في حكمة الله تعالى، وكمال عدله، تدل على الوقوع.\nوأما ما يتعلق بتفاصيل الأخبار، فهي سمعية بحتة.\n١١ - تهافت نظرية الجوهر الفرد قديمًا وحديثًا، وبه يُعلم خطأ المتكلمين في ظنهم الفاسد: أن القول باليوم الآخر لا يُعرف إلا بإثبات نظرية الجوهر الفرد.\n١٢ - أن القدر المجزي في الإيمان باليوم الآخر: هو أن يوقن العبد ويؤمن ويصدق، بأن هناك يومًا يبعث الله تعالى فيه العباد ليحاسبهم على أعمالهم، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، وهذا هو الإيمان الإجمالي.\nوأما الإيمان التفصيلي: فهو ما يتبع العلم بما جاء في نصوص الكتاب والسنة، مما يتعلق بأحوال الآخرة، فقبل علمه بهذه التفاصيل، فهو معذور بجهله بها، ولا يعذر بعد علمه بها ومعرفتها.\n_________\n(^١) العثيمين: نبذة في العقيدة، دار الثقة - مكة المكرمة، ط ١ ١٤١٢ هـ، ص (٣٧).","vol":"1","page":736},{"text":"١٣ - أن الاقتران والتلازم بين الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر، فيه دلالة على أهمية هذا اليوم العظيم، وأنه هو الذي يحصل به التخويف، ويحدو بالمرء لعمل الصالحات، وهذا يُبين سر هذا التلازم والاقتران.\n١٤ - أن أمور الآخرة من الغيب الذي لا مدخل للقياس والنظر فيه، وإنما يؤخذ بالقبول والتسليم؛ لأن سنن الآخرة وقوانينها على خلاف سنن وقوانين الدنيا، فلا مجال للاجتهاد والمقايسة.\n١٥ - أن القرآن الكريم أقام الأدلة الواضحة، والبراهين الساطعة، على إثبات المعاد، وسلك في سبيل إثبات ذلك جملة من الطرق، وهي:\n(أ) الإخبار عنه: وأخذ هذا الطريق عدة أوجه:\n- الإقسام به.\n- والإخبار المؤكد لقيام الساعة وإتيانها.\n- تنويع الألفاظ والأساليب في الإخبار عن القيامة وأحداثها.\n- ذكر شيء من تفاصيلها.\n(ب) الاستدلال على المعاد بخلق السموات والأرض.\n(ج) أن النظر في العوالم الكونية، يؤدي إلى إثبات اليوم الآخر.\n(د) الاستدلال بوقائع وأحداث حصل فيها إحياء الأموات، وحكاية رجوع بعض الأموات لهذا العالم المشاهد.\n(هـ) الاستدلال على المعاد، بالقدرة الإلهية.\n(و) الاستدلال بصفات الله تعالى وأسمائه على المعاد، عن طريق الالتزام.\n(ز) الاستدلال بخلق آدم ﵇ على المعاد.\n١٦ - أن العقل دلّ على إثبات المعاد وإمكانه بوجوه عديدة منها:\nأ. دليل العدالة الإلهية.\nب. دليل الحكمة الإلهية.\nج. دليل الفطرة.\n١٧ - من المميزات العامة لطريقة القرآن الكريم في البيان:\nأ. الشمولية في البيان.\nب. اشتماله على أوجه الإعجاز الذي يظهر في أسلوبه، وبلاغته، وبيانه، وتشريعاته.\nج. مخاطبته للعقل البشري، وملامسته للوجدان الإنساني، واحتواؤه على أرقى أساليب الإقناع، وأكمل أوجه مخاطبة العقل.\nد. اشتماله على أسلوب الحوار، وعرض الآراء.\nهـ. حكاية المجادلات، وإقامة الحجج والبراهين المؤيدة للحق.\nو. معالجته لكثير من القضايا المجتمعية، بطريقة السؤال والجواب.\n١٨ - اهتم القرآن الكريم بذكر اليوم الآخر، وأولاه عناية فائقة، وهذه العناية القرآنية بهذا الركن العظيم، له صور وأسباب ونتائج.","vol":"1","page":737},{"text":"١. صور اهتمام القرآن وعنايته بأمر المعاد.\nأ) الإكثار من ذكر أسماء القيامة وأوصافها.\nب) وجود الترابط الوثيق بين الإيمان بالله تعالى والإيمان باليوم الآخر.\nج) كثرة الآيات الدالة على المعاد تصريحًا وتلميحًا.\nد) الإقسام في أكثر من موضع.\nهـ) إقامة البراهين والدلائل على إثبات المعاد.\n٢. أسباب عناية القرآن الكريم بأمر المعاد:\nأ) بروز راية المنكرين للبعث والمعاد.\nب) الحاجة الملحة لمعرفة الأخبار المتعلقة بالمعاد.\nج) الغفلة والانشغال عن الدار الآخرة.\n٣. نتائج هذه العناية القرآنية بالمعاد:\nأ) تحقيق السعادة الدنيوية.\nب) تخليص النفس من قيودها.\nج) السعي لتهذيب النفس وتربيتها.\n١٩ - أولت السنة النبوية المطهرة أمر المعاد اهتمامًا كبيرًا، وعناية فائقة، تظهر في عدة صور منها:\n(أ) حرص النبي - ﷺ - على التذكير بالآخرة في كل مناسبة ومحفل.\n(ب) استخدام النبي - ﷺ -، أسلوب المقارنة أثناء التوجيه والتعليم ليقرب المعاني للذهن.\n(ج) ربط الأعمال الصالحة بثوابها وجزائها يوم القيامة.\n(د) ربط الأعمال السيئة والقبيحة بجزائها يوم القيامة.\n(هـ) ربط الإيمان بالله تعالى بالإيمان باليوم الآخر.\nولهذا الاهتمام والعناية بأمر الآخرة في السنة المطهرة أسباب منها:\n(أ) مجادلة المنكرين والمعاندين.\n(ب) التشجيع على الأعمال الصالحة.\n(ج) بيان فضل هذه الأمة على غيرها من الأمم، وبنبيها على غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.\n(د) تحذير الأمة من الغفلة عن هذا اليوم العظيم.\n٢٠ - اختلف الناس في المعاد، والذي عليه سلف الأمة وأئمتها، وحُكي فيه إجماع أهل الملة: إثبات معاد الأرواح والأبدان جميعًا.\nوذهب البعض إلى إثبات معاد الأبدان فقط، والبعض الآخر إلى إثبات معاد الأرواح فقط، وأنكر البعض الآخر كلا المعادين، الروحي والبدني.","vol":"1","page":738},{"text":"٢١ - أن اتباع الشهوات وتقديم داعي الهوى على داعي الإيمان، والاستجابة لداعي الشيطان، والحرص على النفوذ والسلطة، كلها أسباب حالت دون الإيمان بالمعاد عند منكري البعث، ولهذا استبعدوه، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾ ﴿إنهم يرونه بعيدًا * ونراه قريبًا﴾ المعارج ٦ - ٧\n٢٢ - تعلق منكرو البعث ببعض الشبه، فردوا بها الحق، وأنكروا بها المعاد، ومنها:\n(أ) أنه لا دليل على البعث والمعاد.\n(ب) أن البعث أسطورة تاريخية لا حقيقة له.\n(ج) أن أمر البعث فرية لا صحة لها.\n(د) الإنكار بذريعة أعادة الموتى.\n(هـ) شبه التضاد بين طبيعة الموت وطبيعة الحياة.\n(و) شبه تفرق الأعضاء والأجزاء في أنحاء العالم.\n(ز) أن إعادة المعدوم مستحيلة.\n(ح) أن الإعادة أمر خارج عن أمر القدرة.\n(ط) أن المعاد أمر لا فائدة منه.\n(ي) شبهة الآكل والمأكول.\n(ك) أن البعث غيب غير محسوس، والإيمان لا يكون إلا بالمحسوس.\n(ل) شبهة حركات الفلك.\n٢٣ - أن العرب الذين بعث فيهم النبي - ﷺأنكروا البعث وجحدوه، وأنكروا بعثة الرسول - ﷺ - لأن العقلية الجاهلية، لا تدرك إلا القيم المادية للأشياء، ولا تتصور العاقبة السيئة إلا تصورًا ماديًا.\n٢٤ - آمن بعض العرب بالبعث منهم: زهير بن أبي سلمى، وقس الإيادي، وأمية بن أبي الصلت، وجماعة غيرهم.\n٢٥ - أن الديانة اليهودية كانت على الإيمان بالبعث والمعاد، وذلك قبل التحريف الذي طال كتابهم، أما بعد دخول أيدي العابثين المحرفين، فقد ظهر بوضوح خلوها عن الحديث عن الآخرة، إلا إشارات يسيرة.\n٢٦ - أن الديانة النصرانية كانت على الإيمان بالبعث والمعاد، ولا زالت في مجمل المعتقد على التصور الصحيح للآخرة، إلا أن بعضهم أنكر النعيم الحسي في الجنة.\n٢٧ - اتفق الفلاسفة على إنكار المعاد الجسماني، وذهب طائفة منهم إلى إنكار الروحاني والجسماني، وهم الفلاسفة الدهريون، وقالوا: إن ما أخبرت به الرسل من أمر المعاد، إنما هي أمثال مضروبة؛ لتفهيم المعاد العقلي.\n٢٨ - اعتمد الفلاسفة في إنكارهم لحشر الأجساد، إلى بعض الشبه العقلية المتهافتة، منها:","vol":"1","page":739},{"text":"أ. استحالة إعادة المعدوم.\nب. استحالة عدم تناهي الأبعاد.\n٢٩ - أن فكرة الخلود، والحياة بعد الموت، تحتل مكانة عند بعض أصحاب الديانات القديمة كقدماء المصريين.\n٣٠ - أن القول بتناسخ الأرواح، هو طابع وعقيدة امتازت به النِحل الهندية.\n٣١ - الموت مخلوق، وهو صفة وجودية، وأنه جسم، وهو ليس بعدم محض، بل هو انقطاع تعلق الروح بالبدن، وانتقال من دار إلى دار.\n٣٢ - اهتم القرآن بذكر الموت، بأوجه وأساليب عدة، ومن هذه الأوجه والأساليب:\nأ. الإكثار من ذكره.\nب. ذكره باسمه، ومشتقاته، وأوصافه، وأحواله.\nج. التأكيد عليه في كل مناسبة تقتضي ذلك.\n٣٣ - من أسباب اهتمام القرآن الكريم بذكر الموت:\nأ. أن ينتبه المرء من غفلته، فيرجع إلى ربه قبل أن يفجأه الموت.\nب. التنبيه للمسارعة إلى التوبة النصوح قبل فوات الأوان.\nج. أن يحرص المرء على أن تأتيه منيته وهو على الإسلام.\nد. أن يعيش المرء بين مقامي الخوف والرجاء.\n٣٤ - ومن نتائج اهتمام القرآن الكريم بذكر الموت:\nأ. التذكير بكمال القدرية الإلهية، وأن مقادير الأمور كلها بيد الله تعالى.\nب. بيان ضعف الإنسان عن مواجهة هذا المصير المحتوم.\nج. تنبيه الإنسان إلى تدارك ما فات.\nهـ. أنه نذير شر، وتهديد للطغاة والمتجبرين، بأن يقلعوا عن غيبهم، ويعودوا لرشدهم.\n٣٥ - فتنة القبور:\nأ. انعقد الإجماع على وقوع الفتنة في القبور.\nب. تواترت النصوص والأخبار في إثبات فتنة القبور.\nج. أن المراد بفتنة القبور: هي الامتحان والاختبار للميت حين يسأله الملكان.\nد. أن فتنة القبر عام لجميع الأمم والبشر، إلا من استثني، وأن السؤال واقع على الروح والجسد.\n٣٦ - عذاب القبر ونعيمه:\nأ. انعقد إجماع أهل العلم على القول بعذاب القبر ونعيمه، وأنه حق يجب الإيمان به، والتسليم له.\nب. تواترت النصوص الشرعية في إثبات عذاب القبر.\nج. المنكرون لعذاب القبر أقسام:\n١. المنكرون لعذاب القبر ونعيمه مطلقًا، وهذا القول منسوب إلى ملاحدة الفلاسفة، والخوارج، والجهمية، وبعض المعتزلة، وبعض المرجئة.\n٢. المنكرون لوقوع عذاب القبر على البدن، وهذا قول ابن ميسرة، وابن حزم.","vol":"1","page":740},{"text":"٣. المنكرون لوقوع عذاب القبر على الروح، وهذا القول منسوب لطائفة من المعتزلة والأشاعرة.\n٤. المنكرون لوقوعه على المؤمنين، وهذا القول منقول عن أبي علي الجبائي، وابنه أبي هاشم، والبلخي.\nد. أن كل من مات وهو مستحق للعذاب، ناله نصيبه منه، قُبِرَ أم لم يُقبَر.\nهـ. احتج المنكرون لعذاب القبر بجملة من الشبه منها:\n١. أن عذاب القبر لم يرد في القرآن، والقرآن لم يدل عليه، بل القرآن يدل على نفي عذاب القبر.\n٢. الأحاديث الواردة فيه والمثبتة له، كلها أحاديث أحاد لا تثبت بها العقائد.\n٣. الميت لا حياة فيه ولا يحس، والألم في وصوله وحصوله مشروط بالحياة، فإذا عدمت الحياة زال الإحساس، وبطل العذاب.\n٤. واحتجوا بدليل المشاهدة، وهو أن الميت على حاله في قبره، فكيف يقعد ويضرب، ولا يظهر له أثر؟\n٣٧ - القيامة الكبرى:\nأ. القيامة الكبرى حق لا شك فيها، أجمعت الأمة على وقوعها، ودلت عليها دلائل الكتاب والسنة.\nب. أولت نصوص الكتاب والسنة القيامة الكبرى، عناية عظيمة، ظهرت في الأوجه التالية:\n١. سرد الأدلة الواضحة، والبراهين القاطعة، على إمكان القيامة والمعاد.\n٢. الإقسام على وقوع القيامة بالآيات الكونية.\n٣. الإخبار بأن القيامة غيب، وأن الله تعالى استأثر بوقتها المعلوم.\n٤. الإشارة إلى الأهوال التي تسبق أو تصاحب قيام الساعة.\n٥. التصريح بذكر قيام الساعة، وأنه الموعد الذي تنكشف فيه الحقائق.\nج. أن إنكار القيامة له أسباب: فتارة يتولد من الشبهة، وتارة من الشهوة.\n٣٨ - حشر الناس حفاة عراة غرلًا.\n(أ) انعقد الإجماع على أن الله جل وعلا، يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلًا.\n(ب) دلت الدلائل الشرعية على صفة هذا الحشر.\n٣٩ - دنو الشمس ولجوم العرق:\nأ. هذا هو المستقر عند سلف الأمة، وبه وردت النصوص الشرعية.\n٤٠ - إثبات الميزان:\nأ. أجمع علماء الأمة على إثبات الميزان، وأنه حق يجب الإيمان به.\nب. والقول بالميزان مشهور في السنة، وظاهر القرآن ينطق به.\nج. وقد بلغت أحاديثه إلى حد التواتر.","vol":"1","page":741},{"text":"د. أنكر الجهمية وغيرهم الميزان، وذكروا في ذلك شبهات منها: أنه لا فائدة من نصب الميزان إلا وزن الأعمال، وذلك متعذر.\nهـ. أن الميزان له لسان وكفتان، توزن به الأعمال.\nو. أن الذي يوزن في الميزان: العمل تارة، والعمل تارة، وصحف الأعمال تارة.\nز. أن الميزان واحد، وإنما جمع باعتبار تعدد الموزون فيه.\nح. أن الوزن يشمل الجميع، المؤمن والكافر.\n٤١ - نشر الدواوين:\nأ- حُكي الإجماع على نشر صحف الأعمال يوم القيامة، وأنه يجب الإيمان به، وقد تظافرت على إثباته نصوص الوحيين.\nب- أن أخذ الكتب على صفتين: إما أن يأخذها باليمين، وهذا للمؤمن، أو يأخذها بالشمال وهذا للكافر، ومنهم صنف يأخذ كتابه بشماله من وراء ظهره.\n٤٢ - الحساب:\nأ. أجمعت الأمة على وقوع الحساب، وأنه حق يجب الإيمان به.\nب. أن النصوص المثبتة للحساب، قد بلغت حد التواتر المشترك.\nج. أن سؤال الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - يوم القيامة، إنما هو سؤال عن تبليغ الدعوة لأقوامهم؛ لأجل إقامة الحجة عليهم، وليس المقصود به سؤال مناقشة.\n٤٣ - الحوض المورود:\nأ. انعقد الإجماع على إثبات الحوض المورود، وأنه حق يجب الإيمان به.\nب. أن النصوص المثبتة للحوض، قد بلغت حد التواتر.\nج. ورد في السنة المطهرة من أوصاف الحوض المورود ما يلي:\n- أن من شرب منه لم يظمأ بعدها أبدًا.\n- وآنيته عدد نجوم السماء.\n- وأن ماءه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وأبرد من الثلج، وأطيب ريحًا من المسك.\n- وأنه يغث فيه ميزابان يمدانه من الجنة.\n- وأن مسافته كما بين أيلة وصنعاء.\n- أن الورود يكون قبل الصراط.\nهـ. أن لكل نبي حوضًا.\n٤٤ - الصراط:\nأ. أجمع العلماء على إثبات الصراط، وأنه حق يجب الإيمان به.\nب. تضافرت نصوص الوحيين على إثباته.\nج. صح وصفه بأنه: أحد من السيف، وأدق من الشعر، وأنه مدحضة مزلة، وأن عليه خطاطيف، وحسكة، وشوك.\n٤٥ - القنطرة.\nأ. القنطرة من الجنة والنار حق، وردت به النصوص في السنة المطهرة.\nب. قال بعض العلماء: إنها جسر خاص بين الصراط والجنة.","vol":"1","page":742},{"text":"٤٦ - من كرم الله تعالى على هذه الأمة المحمدية، أنها أول الأمم دخولًا إلى الجنة، وأن نبيها - ﷺ - أول من يستفتح باب الجنة.\n٤٧ - الشفاعة:\nأ. أجمعت الأمة على إثبات الشفاعة لنبينا - ﷺ - يوم القيامة.\nب. أن الشفاعة حق، ولا تكون إلا بشرطين:\n١ - إذن الله تعالى للشافع أن يشفع.\n٢ - ورضا الله عن المشفوع له.\nج. أن الشفاعة الواردة في النصوص الشرعية على قسمين:\n١. شفاعة مثبتة، وتكون للمذنبين وأهل الإيمان.\n٢. شفاعة منفية، عن الكافرين.\nد. أن الشفاعة العظمى يوم القيامة ثابتة بالإجماع، وهي من خصائص الرسول الكريم ﵊.\nهـ. شفاعة النبي - ﷺ - في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة حق.\nو. أن الشفاعة لأهل الكبائر ثابتة في النصوص، متفق عليها بين الأئمة.\nز. أنكرت الخوارج والمعتزلة هذا النوع من الشفاعة؛ بناء على أصلهم الفاسد، من أنه لا يجتمع في الشخص الواحد، طاعة يستحق بها الثواب، ومعصية يستحق عليها العقاب، واحتجوا بظواهر بعض النصوص الدالة على نفي الشفاعة، فأعرضوا عن المحكمات البينات الواضحات، وأخذوا بالمتشابهات.\n٤٨ - من الفضل والكرم الإلهي:\nأ. أن يخرج أقوامًا من النار دون شفاعة، بل برحمة أرحم الراحمين.\nب. أنه يبقى فضل في الجنة عمن دخلها من أهل الدنيا، فينشئ لها أقوامًا فيدخلهم الجنة.\n٤٩ - أن في العلم الموروث عن النبي - ﷺ - فيما يتعلق بأخبار الآخرة فيه ما يشفي ويكفي\n٥٠ - أن الإسلام كرم الإنسان، وأعلى من شأنه، وخصائص الإنسان في القرآن الكريم تتمثل في جهتين:\nأ. جهة التكليف والمسؤولية، وما يتبع ذلك من أخلاق.\nب. جهة العقل، وما يتبع ذلك من العلم.\n٥١ - أن علاقة الإنسان بغيره علاقة منتظمة، وهي تتمثل في الآتي:\nأ. علاقة مع الخالق: ومبناها على الخضوع والتذلل، وكمال التعبد\nب. وعلاقته بالكون: مبناها التأمل والتدبر في هذا الكون، وإعماره بالطاعة، وجعله ميدانًا للتنافس الشريف.\nج. علاقته بنظيره الإنسان: مبناها على العدل والبر، والإنصاف والإحسان.\nد. علاقته بالحياة الدنيا: مبناها على الابتلاء، وإحسان العمل فيها\nهـ. علاقته بالآخرة: مبناها على أنها دار الجزاء والحساب.","vol":"1","page":743},{"text":"٥٢ - أن الثراء المعرفي موجب للأثر التعبدي وغيره.\nومظاهر هذا الثراء تقوم على:\nأ. معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته.\nب. معرفة الرسول - ﷺ -.\nج. معرفة دلالات النصوص الشرعية.\n٥٣ - آثار الإيمان باليوم الآخر على الفرد من الناحية:\nأ. التعبدية: وتظهر آثاره في الصور التالية:\n١ - الإخلاص لله تعالى.\n٢ - الرغبة في الدار الآخرة، وإيثارها على الدنيا.\n٣ - أن ذكر الآخرة، سبب من أسباب نجاة العبد.\n٤ - الخوف من الله تعالى.\n٥ - رجاء ما عند الله تعالى.\n٦ - محبة الله تعالى، ورسوله ﵊.\n٧ - حفظ الجوارح والأعضاء من المحارم.\n٨ - يورث مراقبة الله تعالى.\n٩ - سبب لصلاح القلب.\n١٠ - يوجب تعزيز التقوى في نفس الفرد.\nب. الآثار النفسية للإيمان باليوم الآخر:\n١ - قبول الحق، وعدم رده.\n٢ - عدم الخوف من المستقبل.\n٣ - الاستقامة على شرع الله تعالى.\n٤ - تعلق القلب بالله وحده ﷾.\n٥ - تماسك المسلم عن السقوط والانهيار.\n٦ - التسليم والرضا بكل ما يجري من المقادير.\n٧ - الشعور بالراحة والطمأنينة.\n٨ - تسلية المؤمن عما يفوته من أمور الدنيا، وتخفيف الهموم والأحزان.\n٩ - الشعور بالسعادة، وإحياء الأمل في النفوس.\n١٠ - صمود الجوارح أمام الرغبات النفسية.\n١١ - أن يرى الموت نعمة كالحياة.\nج- الآثار السلوكية والأخلاقية للإيمان باليوم الآخر:\n١ - البعد عن سيء الأخلاق.\n٢ - يورث المحبة والتواد بين المسلمين.\n٣ - يمنع الظلم.\n٤ - يربي المؤمن على تخطي المواقف الصعبة.\n٥ - بذل النفوس رخيصة في سبيل الله.\n٦ - يغرس في النفس الإقدام والسعي نحو أبواب البر والخير.\n٧ - يورث علو الهمة في الطاعات.\n٨ - يورث محاسبة النفس.\n٩ - التوبة إلى الله جل وعلا.\n٥٤ - آثار الإيمان باليوم الآخر على المجتمع من الناحية:\nأ. التعبدية: وتظهر آثاره في الصور التالية:\n١ - ينمي روح التآخي، ويزيد الألفة بين أفراد المجتمع.\n٢ - أن يأخذ الإنسان ما له، ويؤدي ما عليه.\n٣ - رد الحق لأهله (رد المظالم).\n٤ - الشعور بالطمأنينة والأمن الدائمين.\n٥ - مصدر من مصادر القوة للأفراد لمواجهة الباطل.","vol":"1","page":744},{"text":"٦ - القناعة عن الدنيا، والرغبة فيما عند الله تعالى.\n٧ - تنمية الشعور بالمسؤولية تجاة الآخرين.\n٨ - قمع النفس عن الحرام، والتزهيد فيه.\nب. الآثار السلوكية والأخلاقية للإيمان باليوم الآخر:\n١ - حفظ الأخلاق.\n٢ - ينمي في الأفراد حب البذل والعطاء.\n٣ - أداء الحقوق.\n٤ - سبب لحل جميع المشكلات.\n٥ - انخفاض معدلات الجريمة.","vol":"1","page":745},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-233>التوصيات:</span>\nمما لا شك فيه، أنه لا صلاح للأفراد، ولا حياة للمجتمعات، إلا بحياة الضمير الإنساني، الذي يكبح جنوح النفس نحو الطغيان، وهو نتاجٌ للمراقبة الإلهية، وأثرٌ من آثار الإيمان بالآخرة، ولذا أوصي:\n١ - بالتذكير الدائم والمستمر بشتي الأساليب، ومختلف الوسائل بالحياة الآخرة، بما فيها النعيم والجحيم، وغرسها في قلوب الناشئة والأجيال، والاستعانة بالتقنيات الحديثة لخدمة هذا الشأن.\n٢ - إقامة منتديات وملتقيات تدار فيها أخبار الآخرة، وتعمق فيها أمور العقائد، وتجرى فيها المسابقات والمنافسات للبحث والتحري والتقصي لمسائل الآخرة.\n٣ - إعداد بحوث علمية مستقلة لأحداث الآخرة، تشمل أحكامها، ومسائلها، والآثار المترتبة عليها من جميع النواحي الإنسانية: (الدينية، والثقافية، والاجتماعية، والنفسية والسلوكية).\n٤ - دراسة المجتمعات الإنسانية، والنِحل الدينية، ومعرفة أثر الإيمان بالآخرة على تعاملاتها واستقرارها، وانتشار السعادة والطمأنينة فيها، ودوره في استتباب الأمن في ربوعها.\n٥ - مسح شامل لظواهر الانحراف في الأفراد والمجتمعات، ثم المقارنة بين الزواجر الأرضية، والزواجر السماوية، وأثر الإيمان بالآخرة على محو هذه الظواهر السيئة.\n٦ - تضمين هذا الركن العظيم، في مناهج التعليم لجميع المستويات، وعرضه بأسلوب جديد، يقرب معانيه، ويوضح مقاصده ومراميه؛ لما له من الأثر البالغ، والنتيجة الفعالة في الإصلاح، وهو سلاح لمحاربة الفساد الذي أطل على المجتمعات، عبر وسائل التقنية بجميع أصنافها.\n٧ - دراسة بقية أركان الإيمان، وبيان الآثار المترتبة عليها، نفسيًا، وسلوكيًا، وأخلاقيًا، واجتماعيًا.\n٨ - التذكير به في الخطب والأعياد والمناسبات بحسب الحاجة؛ لأجل خلق توازن بين مشتهيات النفس ومتطلباتها، خاصة في هذه الأزمان التي أصبحت الفتن تطل على المسلمين من كل جهة ومكان.\n٩ - الاستفادة من التقنية الحديثة، ووسائل التواصل الاجتماعي؛ لنشر ما صح من أخبار الآخرة، والتذكير بها.","vol":"1","page":746},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-234>تراجم لبعض الأعلام الوارد ذكرهم في البحث:</span>\nابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني: ولد سنة ٦٦١ هـ، ونبغ في العلوم والفنون المختلفة، له مصنفات كثيرة منها: شرح العمدة في الفقه، ومنهاج السنة النبوية وغيرهم الكثير، توفي سنة ٧٢٨ هـ. ابن كثير: البداية والنهاية: ١٤/ ١٣٢\nابن حزم: علي بن أحمد بن سعيد بن حزم القرطبي الظاهري، ولد سنة ٣٨٤ هـ، إليه المنتهى في الذكاء والحفظ وسعة الدائرة في العلوم، عدة مصنفات منها: المحلى، توفي سنة ٤٥٧ هـ. الذهبي: تذكرة الحفاظ: ٤/ ١١٤٦.\nابن حجر: أحمد بن علي بن محمد العسقلاني، ولد سنة ٧٧٣ هـ، كان إماما في علوم كثيرة، خاصة علم الحديث والفقه، وله مصنفات عدة منها: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، والإصابة في تمييز الصحابة، توفي سنة ٨٥٢ هـ. كحالة: معجم المؤلفين: ٢/ ٢٠.\nابن حجر: يحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي، ولد سنة ٩٠٩ هـ، فقيه عالم له مصنفات عدة منها: تحفة المحتاج لشرح المنهاج، توفي سنة ٩٧٣ هـ. كحالة: معجم المؤلفين: ٢/ ١٥٢.\nابن جوزي: عبد الرحمن بن علي بن محمد المشهور بابن الجوزي أبو الفرج البغدادي، ولد سنة ٥٠٨ هـ، صاحب التصانيف المشهورة منها: التحقيق في أحاديث الخلاف، وصيد الخاطر، وتلبيس إبليس، توفي سنة ٥٩٧ هـ. ابن كثير: البداية والنهاية: ١٣/ ٢٨.\nابن رشد: محمد بن أحمد بن محمد بن رشد القرطبي، ولد سنة ٥٢٠ هـ فقيه مالكي، له مصنفات مفيدة منها: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، توفي سنة ٥٩٥ هـ. كحالة: معجم المؤلفين: ٨/ ١٣١.","vol":"1","page":747},{"text":"ابن عابدين: محمد أمين بن محمد عبد العزيز عابدين، ولد سنة ١١٩٨ هـ، كان فقيها أصوليا، له عدة مؤلفات منها: رد المحتار على الدار المختار الشهير بحاشية ابن عابدين، توفي سنة ١٢٥٢ هـ. كحالة: معجم المؤلفين: ٩/ ٧٧.\nابن قدامة: عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، ولد سنة ٥٤١ هـ، كان إماما في فنون عديدة له مصنفات عديدة منها: المغني والمقنع والكافي والعمدة في الفقه، توفي سنة ٦٢٠ هـ. الذهبي: سير أعلام النبلاء: ١٣/ ٣٨١.\nابن القيم: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي، ولد سنة ٦٩١ هـ، تتلمذ على شيخ الإسلام ابن تيمية، برع في فنون العلم، وخطت يراعه: بدائع الفوائد، وزاد المعاد توفي سنة ٧٥١ هـ. الفاسي: الذيل على كتاب سير أعلام النبلاء: ١٧/ ٦٢.\nابن مفلح: إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن مفلح الحنبلي، ولد سنة ٨١٥ هـ، كان فقيها أصوليا نابغا في عصره، من تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية، له عدة مصنفات منها: الفروع، والمبدع، توفي سنة ٨٨٤ هـ. الفاسي: الذيل على كتاب السير: ١٦/ ٩٢.\nابن المنذر: محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، أبو بكر ابن المنذر الإمام المشهور، أحد أئمة الإسلام، مجمع على إمامته وجلالته، ووفور علمه وجمعه بين التمكن في علمي الحديث والفقه، له المصنفات المهمة والنافعة في الخلاف والإجماع وبين مذاهب العلماء منها: الأوسط والإشراف، احتاج إلى كتبه الموافق والمخالف، توفي سنة ٣١٠ هـ. النووي: تهذيب الأسماء واللغات: ٢/ ٦٣.\nابن نجيم: زين الدين بن إبراهيم بن محمد المصري، الشهير بابن نجيم فقيه أصولي، له مصنفات مفيدة منها: البحر الرائق، والأشباه والنظائر توفي سنة ٩٧٠ هـ. كحالة: معجم المؤلفين: ٤/ ١٩٢.\nابن منظور: محمد بن مكرم بن علي بن منظور الأنصاري الإفريقي، ولد بمصر سنة ٦٣٠ هـ، له تصانيف كثيرة منها: لسان العرب، توفي سنة ٧١١ هـ. الزركلي: الأعلام: ٧/ ٣٢٩.\nأبو زرعة: محمد بن أحمد بن محمد بن الفرح القزويني، الإمام المحدث توفي سنة ٣٣٠ هـ. الذهبي: السير: ١٠/ ٢٠٤.","vol":"1","page":748},{"text":"ابن كثير: عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي، الفقيه الحافظ، له مصنفات مفيدة منها: تفسير القرآن العظيم، والباعث الحثيث في علوم الحديث، توفي سنة ٧٧٤ هـ. الفاسي: الذيل: ١٦/ ١٥٤.\nالثعالبي: عبد الملك بن محمد بن إسماعيل النيسابوري، الشاعر العلامة شيخ الأدب، كان رأسًا في النظم والنثر، له كتاب فقه اللغة وسحر البلاغة، توفي سنة ٤٣٠ هـ. الذهبي: السير: ١١/ ٢٣٦.\nالشوكاني: محمد بن علي بن محمد الشوكاني: ولد سنة ١١٧٣ هـ، فقيه مجتهد من كبار علماء اليمن، له تصانيف مشهورة منها: نيل الأوطار، وفتح القدير، توفي سنة ١٢٥٠ هـ. الزركلي: الأعلام: ٧/ ١٩٠\nالزرقاني: عبد الباقي بن يوسف بن أحمد الزرقاني، ولد سنة ١٠٢٠ هـ، أحد فقهاء المالكية، من مصنفاته: شرح الموطأ، توفي سنة ١٠٩٩ هـ كحالة: معجم المؤلفين: ٥/ ٧٦.\nالسيوطي: عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد السيوطي، ولد سنة ٨٤٩ هـ، تفقه على المذهب الشافعي، ونبغ في علوم كثيرة، له مصنفات عديدة منها: الدر المنثور، والإكليل، توفي سنة ٩١١ هـ. كحالة: معجم المؤلفين: ٥/ ١٢٨.\nالمرداوي: علي بن سليمان بن أحمد الحنبلي، ولد سنة ٧١٨ هـ، فقيه أصولي، من مصنفاته: الإنصاف، توفي سنة ٨٨٥ هـ.\nالشربيني: محمد بن محمد الشربيني، كان فقيها مفسرا متكلما، له مصنفات عديدة منها: مغني المحتاج، توفي سنة ٩٩٧ هـ. كحالة: معجم المؤلفين: ٨/ ٢٦٩.\nالدسوقي: محمد بن أحمد الدسوقي المالكي، فقيه وعالم له: حاشية على شرح الدردير لمختصر خليل، توفي سنة ١٢٣٠ هـ، كحالة: معجم المؤلفين: ٨/ ٢٩٢.\nالبهوتي: منصور بن يونس البهوتي، ولد سنة ١٠٠٠ هـ، من أجلاء فقهاء الحنابلة من مصنفاته: كشاف القناع على متن الإقناع، توفي سنة ١٠٥١ هـ. كحالة: معجم المؤلفين: ١٣/ ٢٢.\nالطحاوي: أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الحنفي، محدث الديار المصرية وفقيهها، له مصنفات مفيدة منها: شرح مشكل الآثار، توفي سنة ٣٢١ هـ. الذهبي: السير: ١٠/ ١٥.","vol":"1","page":749},{"text":"النووي: يحي بن شرف بن مري النووي، ولد سنة ٦٣١ هـ، كان عالما فقيها محدثا له مصنفات مفيدة منها: المجموع شرح صحيح الإمام مسلم، توفي سنة ٦٧٦ هـ. الذهبي: السير: ١٥/ ٤١١.\nالخطابي، أحمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي، ولد سنة ٣١٩ هـ، محدثا فقيها لغويا أديبا، من مصنفاته: معالم السنن، توفي سنة ٣٨٨ هـ. الذهبي: السير: ١١/ ١١.\nالقرطبي: محمد بن أحمد بن أبي بكر المالكي، من كبار المفسرين، له مصنفات عدة منها: الجامع الأحكام القرآن، توفي سنة ٦٧١ هـ. انظر: مقدمة التفسير.\nالقشيري: الإمام الزاهد الأستاذ أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري الخرساني الشافعي الصوفي المفسر ولد سنة ٣٧٥ هـ، تعلم الفروسية والكتابة والعربية وأجاد فيها، كان علامة في الفقه والتفسير والحديث والأصول والأدب والشعر والكتابة، له عدة مصنفات منها: تفسير القشيري، ورسالته المشهورة، كان في الأصول على المذهب الأشعري توفي سنة ٤٦٥ هـ، الذهبي: سير أعلام النبلاء ١٣/ ٣٩٥\nالجويني: إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن الإمام عبد الله بن يوسف الجويني، ولد سنة ٤١٩ هـ، كان إمامًا مجمعًا على إمامته، اشتغل بعلم الكلام ثم ندم على ذلك، له عدة تصانيف منها: الشامل في أصول الدين والبرهان في أصول الفقه، وغياث الأمم في الإمامة وغيرها، توفي سنة ٤٧٨ هـ. الذهبي: سير أعلام النبلاء: ١٤/ ٢٠\nالبغوي: أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي، كان فقيهًا محدثًا مفسرًا، صاحب تصانيف عظيمة منها: معالم التنزيل في التفسير، وشرح السنة والمصابيح، ولد سنة ٤٣٦ هـ، وتوفي سنة: ٥١٦ هـ. الذهبي: سير أعلام النبلاء: ١٤/ ٣٢٩.\nالمازري: أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر المازري المالكي، ولد سنة ٤٥٣ هـ، وكان أحد الأذكياء الموصوفين والأئمة المتبحرين، برع في عدة فنون، وكان بصيرًا بعلم الحديث، له عدة مصنفات منها: المعلم بفوائد صحيح مسلم وشرح كتاب التلقين وإيضاح المحصول في الأصول، توفي سنة ٥٣٦ هـ. الذهبي: سير أعلام النبلاء ١٤/ ٤٨٢.","vol":"1","page":750},{"text":"البيهقي: أحمد بن الحسين بن علي، من أئمة الحديث، ولد سنة ٣٨٤ هـ كان إمامًا مجتهدًا، له مصنفات كثيرة، فصنف زهاء ألف جزء، منها: السنن الكبرى والصغرى، ودلائل النبوة، ومعرفة السنن والآثار وغيرها، توفي سنة: ٤٥٨ هـ، الزركلي: الأعلام ١/ ١١٦.\nالمقريزي: أحمد بن علي بن عبد القادر، مؤرخ الديار المصرية، ولد سنة: ٧٦٦ هـ، ونسبته إلى حارة المقارزة من حارات بعلبك من أيامه، ولد ونشأ ومات في القاهرة، وولي فيها الحسبة والخطابة والإمامة مرات، له مصنفات عديدة، زادت على مئتي مجلد، منها: تجريد التوحيد المفيد، وإقناع الأسماع والمواعظ والاعتبار وغيرها، توفي سنة: ٨٤٥ هـ: الزركلي: الأعلام: ١/ ١٧٧.\nابن أبي عاصم: أحمد بن عمرو بن أبي عاصم الضحاك، ولد سنة ٢٠٦ هـ يقال له ابن النبيل: عالم بالحديث زاهد رحالة من أهل البصرة، له نحو ٣٠٠ مصنف، منها: الآحاد والمثاني، وكتاب السنة والديات وغيرها، توفي سنة ٢٨٧ هـ: الزركلي: الأعلام: ١/ ١٨٩.\nابن فارس: أحمد بن فارس بن زكريا القزويني، ولد سنة ٣٢٩ هـ يعد من أئمة اللغة والأدب، له تصانيف مفيدة منها: مقاييس اللغة والمجمل وجامع التأويل وغيرها، توفي سنة ٣٩٥ هـ، الزركلي: الأعلام: ١/ ١٩٣.\nالطاهر بن عاشور: محمد الطاهر بن عاشور: ولد سنة ١٢٩٦ هـ، رئيس المفتين المالكيين بتونس، وشيخ جامع الزيتونة وفروعه بتونس، مولده ووفاته ودراسته بها، عين عام ١٩٣٢ م، شيخًا للإسلام مالكيا، له مصنفات مطبوعة، منها: الخرير والتنوير، ومقاصد الشريعة الإسلامية، وأصول النظام الاجتماعي في الإسلام، وغيرها، توفي سنة ١٣٩٣ هـ، الزركلي: الأعلام: ٠٦/ ١٧٤.","vol":"1","page":751},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-235>المراجع</span>\n١ - القرآن الكريم.\nكتب التفسير وعلوم القرآن الكريم:\nأ-كتب التفسير\n١ - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، لأبي الصعود العمادي، محمد بن محمد بن مصطفى (المتوفى:٩٢٨ هـ) دار إحياء التراث العربي - بيروت.\n٢ - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، لمحمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي (المتوفى:١٣٩٣ هـ). دار الكر للطابعة والنشر والتوزيع - بيروت: لبنان، ١٤١٥ هـ.\n٣ - أنوار التنزيل وأسرار التأويل، للبيضاوي عبد الله بن عمر بن محمد، (المتوفى: ٦٨٥ هـ)، ت: محمد عبد الرحمن المرعشلي،دار إحياء الذات العربي - بيروت، ط ١، ١٤١٨ هـ.\n٤ - أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير، للجزائري أبو بكر جابر بن موسى، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، ط ٥، ١٤٢٤ هـ.\n٥ - بحر العلوم للسمرقندي نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم، (المتوفى: ٣٧٣ هـ)\n٦ - البحر المحيط في التفسير، لأبي حيان محمد بن يوسف بن علي (المتوفى: ٧٤٥ هـ)، ت: صدقي محمد جميل، دار الفكر - بيروت، ١٤٢٠ هـ.\n٧ - التسهيل للعلوم التنزيل، لابن جزي محمد بن أحمد بن محمد (المتوفى: ٧٤١ هـ)، ت: د. عبد الله الخالدي، شركة دار الأرقم بن أبي أرقم - بيروت، ط ١، ١٤١٦ هـ.\n٨ - تفسير مجاهد، لمجاهد بن جبر (المتوفى: ١٠٤ هـ)، ت: د. محمد عبد السلام أبو النيل، دار الفكر الإسلامي الحديثة - مصر، ط ١، ١٤١٠ هـ.\n٩ - تفسير مقاتل، لمقاتل بن سليمان (المتوفى: ١٥٠ هـ)، ت: عبد الله محمود شحاته، دار إحياء التراث - بيروت، ط ١، ١٤٢٣ هـ.\n١٠ - تفسير التستري، لسهل بن عبد الله التستري (المتوفى: ٢٨٣ هـ)، جمع: أبو بكر محمد البلوي، ت: محمد باسل عبود السود، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١ - ١٤٢٣ هـ.\n١١ - تفسير القرآن العظيم، لابن أبي حاتم الرازي (المتوفى: ٣٢٧ هـ)، ت: أسعد بن محمد الطيب مكتبة نزار مصطفى الباز - المملكة العربية السعودية، ط ٣، ١٤١٩ هـ.\n١٢ - تفسير القرآن؛ لأبي المظفر منصور بن محمد المروزي السمعاني ... (المتوفى: ٤٨٩ هـ) ت: ياسر بن إبراهيم غنيم بن عباس، دار الوطن الرياض، ط ١: ١٤١٨ هـ.\n١٣ - التفسير القيم لابن القيم، محمد بن أبي بكر بن أيوب (المتوفى:٧٥١ هـ)، مكتب الدراسات والبحوث العربية والإسلامية، بإشراف الشيخ: إبراهيم رمضان،. دار الهلال، بيروت، ط ١، ١٤١٠\n١٤ - تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، إسماعيل بن عمر، (المتوفى: ٧٧٤ هـ) ت: سامي سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، ط ٢، ١٤٢٠ هـ","vol":"1","page":752},{"text":"١٥ - تفسير القرآن الحكيم، لمحمد رشيد رضا (المتوفى: ١٣٥٤ هـ) الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٠ م.\n١٦ - تفسير المراغي، لأحمد بن مصطفى المراغي (المتوفى: ١٣٧١ هـ) شركة مكتبة ومطبعة مصطفى لبابي، ط ١، ١٣٦٥ هـ.\n١٧ - تفسير الشعراوي، لمحمد متولي الشعراوي، المتوفى (١٤١٨ هـ) مطابع أخبار اليوم.\n١٨ - تفسير العثيمين، لمحمد الصالح العثيمين، المتوفى (١٤٢١ هـ) دار ابن الجوزي، السعودية، ط ١ ١٤٢٣ هـ.\n١٩ - تفسير القرآن العزيز لابن زمنين محمد بن عبد الله بن عيسى المري، (المتوفى: ٣٩٩ هـ) ت: حسين عكاشة، محمد الكنز، دار الفاروق الحديثة، مصر، القاهرة، ط ١، ١٤٢٣ هـ\n٢٠ - تفسير الراغب الأصفهاني، للحسين بن محمد (المتوفى: ٥٠٢ هـ) ت: د. محمد بسيوني، كلية الآداب، جامعة طنطا، ط ١. ١٤٢٠ هـ الجزء الأول (الفاتحة والبقرة) والجزء الثاني والثالث (آل عمران إلى ١١٣ النساء) ت: د. عادل الشدي، دار الوطن، الرياض، ط ١. ١٤٢٤ هـ. والجزء الرابع والخامس (١١٤ النساء إلى آخر المائدة) ت: د. هند سردار كلية الدعوة وأصول الدين، جامعة أم القرى، ط ١، ١٤٢٢ هـ.\n٢١ - التحرير والتنوير، للطاهر بن عاشور، (المتوفى: ١٣٩٣ هـ) الدار التونسية للنشر، تونس، ١٩٨٤ م\n٢٢ - روح البيان، للخلوتي إسماعيل حقي بن مصطفى، (المتوفى: ١١٢٧ هـ)، دار الفكر، بيروت.\n٢٣ - زاد المسير في علم التفسير، لابن الجوزي عبد الرحمن بن علي ... (المتوفى: ٥٩٧ هـ)، ت: عبد الرزاق المهدي، دار الكتاب العربي بيروت، ط ١، ١٤٢٢ هـ.\n٢٤ - الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، للسمية الحلبي أحمد بن يوسف، (المتوفى: ٧٥٦ هـ)\nت: د. أحمد محمد الخزاط، دار القلم - دمشق.\n٢٥ - تيسير الكريم الرحمن، لابن سعدي عبد الرحمن بن ناصر، (المتوفى: ١٣٧٦ هـ)، ت: عبد الرحمن اللويمعة مؤسسة الرسالة، ط ١، ١٤٢٠ هـ\n٢٦ - فتح القدير، للشوكاني محمد بن علي (المتوفى: ١٢٥٠) دار ابن كثير دار الكلم الطيب، دمشق - بيروت، ط ١، ١٤١٤ هـ ٠","vol":"1","page":753},{"text":"٢٧ - الجامع الأحكام القران، للقرطبي محمد بن أحمد، المتوفى (٦٧١ هـ) ت: أحمد البردوفي إبراهيم اطفيش، دار الكتب المصرية القاهرة. ط ٢، - ١٣٨٤ هـ ٠\n٢٨ - جامع البيان في تأويل آي القرآن، للطبري محمد بن جرير، (المتوفى: ٣١٠ هـ)، ت: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة،ط ١، ١٤٢٠ هـ.\n٢٩ - في ظلال القران، لسيد قطب، (المتوفى: ١٣٨٥ هـ) دار الشروق بيروت، القاهرة - ط ١٧ - ١٤١٢ هـ.\n٣٠ - غرائب القران ورغائب الفرقان، للنيسابوري، الحسن بن محمد (المتوفى: ٨٥٠ هـ)، ت: زكريا عميرات، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٦ هـ.\n٣١ - الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، للزمخشري محمود بن عمرو ... (المتوفى:٥٣٨ هـ)، دار الكتاب العربي - بيروت، ط ١ ١٤٠٧ هـ.\n٣٢ - لطائف الإشارات، للقشيري عبد الكريم بن هوازن، (المتوفى ٤٦٥ هـ)، ت: إبراهيم البسيوني، الهيئة المصرية العامة للكتاب - مصر، ط ٣.\n٣٣ - لباب التأويل في معاني التنزيل، لعلاء الدين علي بن محمد الخازن (المتوفى:٧٤١ هـ) ت: محمد علي شاهين، دار الكتب العلمية - بيروت ط ١، ١٤١٥ هـ.\n٣٤ - اللباب في علوم الكتاب، لابن عادل عمر بن علي، (المتوفى: ٧٧٥ هـ)، ت: عادل أحمد عبد الموجود. علي محمد معوض، دار الكتب العلمية - بيروت ط ١، ١٤١٩ هـ.\n٣٥ - المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لابن عطية محمد عبد الحق بن غالب، (المتوفى: ٥٤٢ هـ) ت: عبد السلام محمد، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١، ٤٢٢ هـ.\n٣٦ - مفاتيح الغيب، للرازي محمد بن عمر، (المتوفى: ٦٠٦ هـ)، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣، ١٤٢٠ هـ.\n٣٧ - مدارك التنزيل وحقائق التأويل، للنسفي عبد الله بن أحمد، (المتوفى: ٧١٠ هـ)، ت: يوسف علي بديوي، دار الكلم الطيب - بيروت، ط ١ ١٤١٩ هـ.\n٣٨ - معالم التنزيل في تفسير القرآن، للبغوي الحسين بن مسعود، (المتوفى: ٥١٠ هـ) ت: عبد الرزاق المهدي، دار إحياء التراث العربي - ط ١ ١٤٢٠ هـ.","vol":"1","page":754},{"text":"٣٩ - الهداية إلى بلوغ النهاية في علوم معاني القرآن وتفسيره، لمكي بن أبي طالب حموش بن محمد، (المتوفى: ٤٣٧ هـ)، مجموعة بحوث الكتاب والسنة، كلية الشريف والدراسات الإسلامية، جامعة الشارقة، ط ١ ١٤٢٩ هـ.\nب - كتب علوم القرآن الكريم:\n٤٠ - إعجاز القرآن، للباقلاني محمد بن الطيب، (المتوفى: ٤٠٣ هـ)، ت: السيد أحمد صقر، دار المعارف، مصر، ط ٥، ١٩٩٧ م.\n٤١ - البرهان في علوم القرآن، للزركشي بدر الدين محمد بن عبد الله، (المتوفى ٧٩٤ هـ)، ت: محمد أبو الفضل إبراهيم، ط ١ - ١٣٧٦ هـ.\n٤٢ - بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، للفيروز أبادي محمد بن يعقوب، (المتوفى:٨١٧ هـ)، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، لجنة إحياء التراث الإسلامي، القاهرة.\n٤٣ - الإتقان في علوم القرآن للسيوطي عبد الرحمن بن أبي بكر، (المتوفى: ٩١١ هـ): ت: محمد أبو الفضل إبراهيم، الهيئة المصرية العامة للكتاب،١٣٩٤ هـ\n٤٤ - مناهل الفرقان في علوم القرآن للزرقان محمد عبد العظيم، (المتوفى: ٣٦٧ هـ)، مطبعة عيسى البابي الحلبي، ط ٣.\n٤٥ - التصور الفني في القرآن، لسيد قطب، المتوفى (١٣٨٥ هـ)، دار الشروق، ط ١٧.\n٤٦ - الأصلان في علوم القرآن، للقيعي محمد عبد المنعم، ط ٣،١٤١٧ هـ.\n٤٧ - القرآن وعلوم الأرض، لمحمد سميح عافية، الزهراء لإعلام العربي ... ط ١، ١٤١٤ هـ.\n٤٨ - من بلاغة القرآن الكريم في مجادلة منكري البعث لبدرية محمد العثمان دار الراية الرياض، ط ١، ١٤١٧ هـ.\nكتب الحديث:\n١_ صحيح البخاري (الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله - ﷺ - وسنته وأيامه، للبخاري محمد بن إسماعيل (المتوفى: ٢٥١ هـ)، ت: محمد زهير ناصر، دار طوق النجاة، ط ١، ١٤٢٢ هـ.\n٢ - صحيح مسلم (المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول - ﷺ -)، لمسلم بن حجاج، (المتوفى: ٢٦١ هـ) ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي - بيروت. ... ٣ - سنن أبي داود لأبي داود سليمان بن الأشعث (المتوفى: ٢٧٥ هـ)، ت: محمد محمد الدين المكتبة المصرية، صيدا، بيروت.","vol":"1","page":755},{"text":"٤ - سنن الترمذي، للترمذي محمد بن عيسى بن سورة (المتوفى: ٢٧٥ هـ ت: أحمد شاكر، محمد فؤاد عبد الباقي - إبراهيم عطوة، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي مصر، ط ٢، ١٣٩٥ هـ.\n٥ - سنن النسائي، للنسائي أحمد بن شعيب بن علي، (المتوفى: ٣٠٣ هـ)، ت: عبد الفتاح أبو غدة مكتب المطبوعات الإسلامية - حلب، ط ٢، ١٤٠٦ هـ\n٦ - سنن ابن ماجه، لابن ماجه محمد بن يزيد القزويني، (المتوفى: ٢٧٣ هـ) ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربية - فيصل البابي.\n٧ - سنن الدارمي - للدارمي عبد الله بن عبد الرحمن، (المتوفى: ٢٥٥ هـ) ت: حسين سليم أسد، دار المغني للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، ط ١، ١٤١٢ هـ.\n٨ - السنة، لابن أبي عاصم أحمد بن عمرو، (المتوفى: ٢٨٧ هـ) ت: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي - بيروت، ط ١، ١٤٠٠ هـ.\n٩ - السنن، للدار قطني علي بن عمرو بن أحمد، (المتوفى: ٣٨٥ هـ) ت: شعيب الأرناؤوط حسن شلبي. عبد اللطيف حرز الله أحمد برهوم، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، ط ١، ١٤٢٤ هـ.\n١٠ - السنن الكبرى للبيهقي أحمد بن الحسين، (المتوفى ٤٥٨ هـ)، ت: محمد عبد القادر عطاء دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان - ط ٣، ١٤٢٤ هـ.\n١١ - صحيح ابن حبان، بترتيب ابن بلبان، لابن بلبان الفارسي، المتوفى: ... (٧٣٩ هـ) ت: شعيب الارناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٢ ١٤١٤ هـ.\n١٢ - الموطأ، لمالك بن أنس الأصبحي، (المتوفى: ١٧٩ هـ)،ت: محمد مصطفى الأعظمي. مؤسسة زايد بن سلطان أل نهيان للأعمال الخيرية - أبو ظبي - الإمارات،ط ١،١٤٢٥ هـ.\n١٣ - المصنف عبد الرزاق بن همام الصنعاني، (المتوفى: ٢١١ هـ)، ت: حبيب الرحمن الأعظمي المكتب الإسلامي، بيروت ط ٢ ١٤٠٣ هـ.\n١٤ - المسند، لأحمد بن حنبل الشيباني، (المتوفى:٢٤١ هـ) ت: شعيب الأرناؤوط، عادل مرشد، مؤسسة الرسالة، ط ١، ١٤٢١ هـ.\n١٥ - المعجم الكبير، للطبراني سليمان بن أحمد، (المتوفى: ٣٦٠ هـ)،ت: حمدي بن عبد المجيد، مكتبة ابن تيمية القاهرة، ط ٢.","vol":"1","page":756},{"text":"١٦ - المستدرك على الصحيحين، للحاكم محمد بن عبد الله بن حمدويه ... (المتوفى: ٤٠٥ هـ)، ت: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت،ط ١، ١٤١١ هـ.\n١٧ - معرفة السنن والآثار للبيهقي، أحمد بن الحسين (المتوفى: ٤٥٨ هـ) ت: عبد المعطي قلعجي، دار الوعي - حلب، دار الوفاء القاهرة، ط ١ ١٤١٢ هـ.\n١٨ - المصنف في الحديث والآثار، لابن أبي شيبة عبد الله بن محمد، ٠ المتوفى: ٢٣٥ هـ. ت: كمال يوسف الحوت، مكتبة الرشد- الرياض، ط ١ ١٤٠٩ هـ.\nكتب شروح السنة:\n١_ تأويل مختلف الحديث، لابن قتيبة عبد الله بن مسلم، (المتوفى: ٢٧٦ هـ) المكتبة الإسلامي، مؤسسة الإشراق، ط ٢، ١٤١٩ هـ.\n٢_ معالم السنن، للخطابي حمد بن محمد بن إبراهيم، (المتوفى: ٢٨٨ هـ) المطبعة العلمية، حلب، ط ١، ١٣٥١ هـ.\n٣_ شرح صحيح البخاري، لابن بطال علي بن خلف، (المتوفى: ٤٤٩ هـ)، ت: ياسر إبراهيم، مكتبة الرشد - الرياض، ط ٢، ١٤٢٣ هـ.\n٤_ الاستذكار، لابن عبد البر يوسف بن عبد الله، (المتوفى: ٤٦٣ هـ)، ت: سالم محمد عطاء محمد علي معوض، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١ ١٤٢١ هـ.\n٥ - التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لابن عبد البر يوسف بن عبد الله، (المتوفى: ٤٦٣ هـ).\nت: مصطفى القلوب، محمد البكري، عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية المغرب، ١٣٨٧ هـ.\n٦ - المنتقى شرح الموطأ للباجي سليمان بن خلف، (المتوفى: ٤٧٤ هـ) مطبعة السعادة مصر،ط ١، ١٣٣٢ هـ.\n٧ - كشف المشكل من حديث الصحيحين لابن الجوزي عبد الرحمن بن علي (المتوفى ٥٩٧ هـ)،ت: علي حسين البواب دار الوطن الرياض.\n٨ - المنهاج شرح صحيح مسلم الحجاج للنووي يحي بن شرف (المتوفى: ٦٧٦ هـ)، دار إحياء التراث العربي - بيروت،ط ٢، ١٣٩٢ هـ.\n٩ - إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، لابن دقيق العيد، (المتوفى: ٧٠٢ هـ)، توزيع مكتبة عباس الباز - مكة المكرمة، دار الكتب العلمية - بيروت.\n١٠ - شرح الأربعين النووية، لابن دقيق العيد، (المتوفى: ٧٠٢ هـ).مؤسسة الريان، ط ٦، ١٤٢٤ هـ.","vol":"1","page":757},{"text":"١١ - شرح سنة ابن ماجة، لمغلطاي بن قليج بن عبد الله، (المتوفى: ٧٦٢ هـ)، ت: كامل العويضة\nمكتبة نزار مصطفى الباز - المملكة العربية السعودية - ط ١، ١٤١٩ هـ.\n١٢ - جامع العلوم والحكم، لابن رجب عبد الرحمن بن أحمد، (المتوفى: ٧٩٥ هـ)، ت: شعيب الأرناؤوط، إبراهيم باحبس، مؤسسة الرسالة بيروت، ط ٧،١٤٢٢ هـ.\n١٣ - فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن رجب عبد الرحمن بن أحمد (المتوفى: ٧٩٥ هـ) للعسقلاني أحمد بن عبد الرحمن أحمد، المتوفى (٧٩٥ هـ)، مكتبة الغرباء الأثرية - المدينة المنورة، ط ١، ١٤١٧ هـ.\n١٤ - فتح الباري شرح صحيح البخاري، للعسقلاني أحمد بن حجر ... (المتوفى: ٨٥٢ هـ)، دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ هـ.\n١٥ - عمدة القاري شرح صحيح البخاري، للعيني محمد بن أحمد (المتوفى ٨٥٥)، دار إحياء التراث العربي - بيروت.\n١٦ - شرح سنن أبي داود للعيني محمد بن أحمد، (المتوفى: ٨٥٥ هـ)، ت: خالد إبراهيم مكتبة الرشد الرياض، ط ١٤٢٠ هـ.\n١٧ - طرح التقريب في شرح التقريب للعريفي عبد الرحيم بن الحسين (المتوفى: ٨٠٦ هـ)، مكتبة نزار الباز - مكة المكرمة، ط ١، ١٤٢٤ هـ.\n١٨ - رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام للفاكهاني عمر بن علي (المتوفى: ٧٣١ هـ)، ت، نور الدين طالب دار النوادر، ط ١، ١٤٣١ هـ.\n١٩ - كشف اللثام شرح عمدة الأحكام للسفاريني محمد بن أحمد (المتوفى: ١١٨٨ هـ) ت: نور الدين طالب، دار النوادر، ط ١، ١٤٢٨ هـ\n٢٠ - الإعلام بفوائد عمدة الأحكام لابن الملقن عمر بن علي (المتوفى: ٨٠٤ هـ)، ت: عبد العزيز المشيقح، دار العاصمة، ط ١، ١٤٢٤ هـ\n٢١ - المعلم بفوائد مسلم، للمازري محمد بن علي (المتوفى: ٥٣٦ هـ) ت: محمد الشاذلي، دار الغرب الإسلام، بيروت، ط ٢، ١٩٩٢ م\n٢٢ - إكمال المعلم بفوائد مسلم، لعياض بن موسى اليحصبي: (المتوفى: ٥٤٤ هـ) ت: يحيى إسماعيل دار الوفاء، المنصورة، ط ٢، ١٤٢٥ هـ.\n٢٣ - المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي أحمد بن عمر ... (المتوفى: ٦٥٦ هـ) دار ابن كثير - دمشق بيروت، ط ٥، ١٤٣١ هـ","vol":"1","page":758},{"text":"٢٤ - التوضيح لشرح الجامع الصحيح لابن الملقن عمر بن علي (المتوفى:٨٠٤ هـ) ت: دار الفلاح، للبحث العلمي وتحقيق التراث، دار النوادر دمشق، بيروت، ط ١، ١٤٢٩ هـ.\n٢٥ - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: للقاري علي بن سلطان (المتوفى:١٠١٤ هـ) دار الفكر، بيروت، لبنان، ط ١، ١٤٢٢ هـ\n٢٦ - دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين، للبكري محمد علي بن علان ... (المتوفى:١٠٥٧ هـ) ت: خليل مأمون، دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع، ط ٤، ١٤٢٥ هـ\n٢٧ - شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك، للزرقاني محمد بن عبد الباقي ... (المتوفى: ١١٢٢ هـ):ت، طه سعد، مكتبة الثقافة الدينية القاهرة،ط ١ ١٤٢٤ هـ.\n٢٨ - فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي عبد الرؤوف بن علي ... (المتوفى: ١٠٣١ هـ)، المكتبة التجارية الكبرى، مصر، ط ١، ١٣٥٦ هـ.\n٢٩ - السلسلة الصحيحة، للألباني محمد ناصر الدين (المتوفى: ١٤٢٠ هـ) مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض ط ١.\n٣٠ - سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، للألباني محمد ناصر الدين ... (المتوفى: ١٤٢٠ هـ) مكتبة المعارف، الرياض ط ١، ١٤١٢ هـ.\n٣١ - شرح السنة للبغوي الحسين بن مسعود (المتوفى: ٥١٦ هـ)، ت: شعيب الأرناؤوط، محمد زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، دمشق ... ط ٢، ١٤٠٣ هـ.\n٣٢ - شرح السنة للمزني إسماعيل بن يحي (المتوفى: ٢٦٤ هـ) ت: جمال عزوف، مكتبة الغرباء الأُثرية، السعودية، ط ١، ١٤١٥ هـ\n٣٣ - شرح السنة للبربهاري الحسن بن علي، مكتبة الغرباء الأُثرية السعودية ط ١، ١٤١٥ هـ (المتوفى: ٣٢٩ هـ).\n٣٤ - شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي، هبة الله بن الحسن (المتوفى: ٤١٨ هـ) ت: أحمد سعد الغامدي، دار طيبة السعودية،ط ٨، ١٤٢٣ هـ.\n٣٥ - شرح الأربعين النووية للطوفي سليمان عبد القوي (المتوفى: ٧١٦ هـ) ت: كامل الحسيني، دار البصائر، القاهرة، ط ١، ١٤٣٠ هـ.\nكتب العقيدة\n١ - الفقه الأكبر. لأبي حنيفة النعمان بن ثابت، (المتوفى:١٥٠ هـ)، ت: محمد الخميس، مكتبة الفرقان، الإمارات العربية، ط ١، ١٤١٩ هـ.","vol":"1","page":759},{"text":"٢ - أصول السنة، لأحمد بن حنبل الشيباني، (المتوفى: ٢٤١ هـ) دار المنار الخرج، السعودية، ط ١، ١٤١١ هـ.\n٣ - الإبانة عن أصول الديانة، للأشعري علي بن إسماعيل، (المتوفى: ٣٢٤ هـ) ت: د. فوقية حسين محمود، دار الأنصار - القاهرة، ط ١، ١٣٩٧ هـ.\n٤ - رسالة إلى أهل الثغر، للأشعري علي بن إسماعيل، (المتوفى: ٣٢٤ هـ) ت: عبد الله شاكر عمادة البحث العلمي بالجامع الإسلامي بالمدينة المنورة، ١٤١٣ هـ.\n٥ - مقالات الإسلاميين واختلاف المصلية، للأشعري علي بن إسماعيل، (المتوفى: ٣٢٤ هـ) ت: نعيم زرزورو، الكتبة العصرية، ط ١، ١٤٢٦ هـ.\n٦ - اعتقاد أئمة الحديث، للجرجاني أبو بكر أحمد بن إبراهيم، (المتوفى: ٣٧١ هـ)، ت: محمد الخميس دار العاصمة الرياض،ط ١،،١٤١٢ هـ.\n٧ - التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع، للملطي محمد بن أحمد، (المتوفى: ٣٧٧ هـ)، محمد زاهد الكوثري، المكتبة الأزهرية للتراث، مصر\n٨ - الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية، لابن بطة عبد لله بن محمد، (المتوفى: ٣٨٧ هـ)، ت: عثمان\nعبد الله آدم، دار الراية، السعودية،ط ٢، ١٤١٨ هـ.\n٩ - أصول السنة، لابن أبي زمنين محمد عبد الله، (المتوفى: ٣٩٩ هـ)، ت: عبد الله محمد البخاري،\nمكتبة الغرباء الأثرية، المدينة المنورة، ط ١، ١٤١٥ هـ.\n١٠ - تمهيد الأوائل في تلخيص الدلائل، للباقلاني، محمد بن الطيب ... (المتوفى: ٤٠٣ هـ)، ت: عماد الدين أحمد حيدر، مؤسسة الكتب الثقافية - لبنان، ط ١، ١٤٠٧ هـ.\n١١ - الفرق بين الفرق، للبغدادي عبد القاهر بن طاهر، (المتوفى: ٤٢٩ هـ)، دار الأمانة الجديدة - بيروت ط ٢، ١٩٧٧ م.\n١٢ - الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم علي بن أحمد، (المتوفى: ٤٥٦ هـ)، مكتبة الخانجي - القاهرة.\n١٣ - التبصير في الدين وتمييز الفرق الناجية عن الفرق الهالكين للإسفراييني طاهر بن محمد، (المتوفى: ٤٧١ هـ) ت: كمال يوسف الحوت، عالم الكتب، لبنان، ط ١ - ١٤٠٣ هـ.","vol":"1","page":760},{"text":"١٤ - لمح الأدلة في قواعد عقائد أهلة السنة والجماعة، للجويني عبد الملك بن عبد الله، (المتوفى: ٤٧٨ هـ)، ت: فوفية حسين، عالم الكتب - بيروت، ط ٢ ١٤٠٧ هـ.\n١٥ - المفني، لنيسابوري عبد الرحمن مأمون (المتوفى: ٤٧٨ هـ)، ت: ماري برنان، المعهد الفرنسي للأثار الشرقية، ١٩٨٦ م، (ملحق حوليات إسلامية، العدد رقم ٢٧).\n١٦ - الاقتصاد في الاعتقاد، للغزالي محمد بن محمد، (المتوفى: ٥٠٥ هـ) دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٢٤ هـ.\n١٧ - فضائح الباطنية، للغزالي محمد بن محمد، (المتوفى: ٥٠٥ هـ)، ت: عبد الرحمن بدوي مؤسسة دار الكتب الثقافية - الكويت.\n١٨ - قواعد العقائد، للغزالي محمد بن محمد (المتوفى: ٥٠٥ هـ)،، ت: موسى محمد علي، عالم الكتب، لبنان - ط ٢، ١٤٠٥ هـ.\n١٩ - الاعتقاد، لابن أبي يعلى محمد بن محمد، (المتوفى: ٥٢٦ هـ)، ت: محمد الخميس، دار أطلس الخضراء، ط ١، ١٤٢٣ هـ.\n٢٠ - الملل والبخل، للشهر ستاني، محمد بن عبد الكريم، (المتوفى: ٥٤٨ هـ)، مؤسسة الحلبي.\n٢١ - الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار، للعمراني يحيى بن أبي الخير، (المتوفى: ٥٥٨ هـ)، ت: سعود الخلق، أضواء السلف الرياض، ط ١ - ١٤١٩ هـ.\n٢٢ - أصول الدين، للغزنوي أحمد بن محمد، (المتوفى: ٥٩٣ هـ)، ت: د. عمر وفيق، دار البشائر الإسلامية - بيروت، ط ١، ١٤١٩ هـ.\n٢٣ - الاقتصاد في الاعتقاد - للمقدسي عبد الغني بن عبد الواحد، (المتوفى: ٦٠٠ هـ)، ت: أحمد عطية الغامدي، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، ط ١، ١٤١٤ هـ.\n٢٤ - أساس التقديس في علم الكلام، للرازي محمد بن عمر، (المتوفى: ٦٠٦ هـ)، مؤسسة الكتب الثقافية - بيروت، ط ١، ١٤١٥ هـ.\n٢٥ - معالم أصول الدين، للرازي محمد بن عمر، (المتوفى: ٦٠٦ هـ)، ت: طه عبد الرؤوف،دار الكتاب العربي - لبنان.\n٢٦ - لمعة الاعتقاد، لابن قدامة عبد الله بن أحمد المقدسي، (المتوفى: ٦٢٠ هـ)، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد المملكة العربية السعودية، ط ٢، ١٤٢٠ هـ.","vol":"1","page":761},{"text":"٢٧ - غاية المرام في علم الكلام، للآمدي علي بن أبي علي، (المتوفى: ٦٣١ هـ) ت: حسن محمود، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية - القاهرة.\n٢٨ - شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز محمد بن علاء الدين، (المتوفى: ٧٩٢ هـ)، ت: أحمد شاكر، وزارة الشؤون الإسلامية - السعودية ط ١، ١٤١٨ هـ.\n٢٩ - شرح المقاصد في علم الكلام، للتفتازاني مسعود بن عمر، (المتوفى: ٧٩٣ هـ)، دار المعارف النعمانية - باكستان، ط ١، ١٤٠١ هـ.\n٣٠ - شرح الصدور بحال الموتى والقبور، للسيوطي عبد الرحمن بن أبي بكر، (المتوفى: ٩١١ هـ)، ت: عبد المجيد طعمة، دار المعرفة، لبنان - ط ١، ١٤١٧ هـ.\n- لوامع الأنوار، البهية، للسفاريني محمد بن أحمد، (المتوفى: ١١٨٨ هـ) مؤسسة الخافقين - دمشق، ط ٢، ١٤٠٢ هـ.\n٣٢ - إرشاد الثقات إلى إتفاق الشرائع على التوحيد والمعاد والنبوات للشوكاني محمد بن علي، (المتوفى: ١٢٥٠ هـ)، دار الكتب العلمية - لبنان، ط ١، ١٤٠٤ هـ.\n٣٣ - العقائد الإسلامية، لابن ياديس عبد الحميد بن محمد، (المتوفى: ١٣٥٩ هـ).\nرواية: محمد الصالح رمضان، مكتبة الشركة الجزائرية مرازقه، ط ٢.\n٣٤ - شرح العقيدة الواسطية، لمحمد خليل هراس (المتوفى: ١٣٩٥ هـ) ت: علوي السقاف، دار الهجرة للنشر والتوزيع والخبر، ط ٣ ١٤١٥ هـ.\n٣٥ - شرح العقيدة الواسطية، للعثيمين محمد صالح، (المتوفى: ١٤٢١ هـ)، ت: سعد الصميل، دار ابن الجوزي - الرياض،ط ٥، ١٤١٩ هـ.\n٣٦ - شرح العقيدة الواسطية، من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، لخالد المصلح، دار ابن الجوزي الدمام، ط ١، ١٤٢١ هـ.\n٣٧ - القيامة الصغرى، للاشقر عمر بن سليمان، (المتوفى: ١٤٣٣ هـ) دار النفائس للنشر والتوزيع، مكتبة الفلاح - الكويت وط ٤، ١٤١١ هـ.\n٣٨ - القيامة الكبرى، للأشؤ عمر بن سليمان، (المتوفى: ١٤٣٣ هـ)، دار النفائس الازون، ط ٦، ١٤١٥ هـ.\n٣٩ - شعب الإيمان، للبيهقي أحمد بن الحسين، (المتوفى: ٤٥٨ هـ)، ت د. عبد العلي حامد، مكتبة الرشد - الرياض، ط ١، ١٤٢٣ هـ.","vol":"1","page":762},{"text":"٤٠ - شعب الإيمان، للقوي عبد الجليل بن موسى، (المتوفى: ٦٠٨ هـ) ت: سيد كسروي، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ - ١٤١٦ هـ.\n٤١ - الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد على مذهب السلف وأصحاب الحديث، للبيهقي، أحمد بن الحسين، (المتوفى: ٤٥٨ هـ)، ت: أحمد عصام الكاتب، دار الأفاق الجديدة، بيروت، ط ١، ١٤٠١ هـ.\n٤٢ - وإثبات عذاب القبر وسؤال الملكين، للبيهقي أحمد بن الحسين ... (المتوفى: ٤٥٨ هـ)، ت: د. شرف القضاة، دار الفرقان، عمان الأردن، ط ٢، ١٤٠٥ هـ.\n٤٣ - العقيدة الإسلامية وأسسها، عبد الرحمن حسن حنبكة، دار القلم دمشق،ط ٨، ١٤١٨ هـ.\n٤٤ - اليوم الآخر في ظلال القران، أحمد فائز، مؤسسة الرسالة، بيروت ط ٢، ١٤٢١ هـ.\n٤٥ - الإسلام، سعيد حوى، دار السلام للطباعة والنشر، ط ٢، ١٤١٧ هـ.\n٤٦ - الإيمان بعوالم الآخرة ومواقفها، عبد الله سراج الدين، بطبعة الأصيل، حلب، ط ٢، ١٤٠٤ هـ\n٤٧ - الإيضاح في أحوال الدين وقواعده، للطباعة محمد بن علي، دار الحديث القاهرة، ١٤٣١ هـ.\n٤٨ - الإقناع في سائل الإجماع، لابن القطان علي بن محمد، (المتوفى: ٦٢٨ هـ)، دار الكتب العلمية -\nط ١، ١٤٢٦ هـ.\n٤٩ - العقيدة الإسلامية، لمحمد المكي بن عزوز، (المتوفى: ١٣٣٤ هـ) شرح: مجد بن أحمد مكي، دار البشائر الإسلامية، ط ١، ١٤٢١ هـ.\n٥٠ - الرد المبتدعة، لابن البناء الحسن بن أحمد، (المتوفى: ٤٧١ هـ)، ت: عبد الله عادل آل حمدان: دار الأمر الأول للنشر والتوزيع، ط ٢، ١٤٣٣ هـ\n٥١ - جزء فيه امتحان السني من البدعي، للمقدسي عبد الواحد بن محمد. (المتوفى: ٤٨٦ هـ)، ت: فهد المؤن، دار أمير مالك - أبو ظبي.\n٥٢ - تحرير المقال في موازنة الأعمال، للطرطوشي عقيل بن عطية، (المتوفى: ٦٠٨ هـ)، ت: مصطفى باحو، دار الإمام مالك - أبو ظبي، ط ١، ١٤٢٧ هـ.\n٥٣ - البدور الساخرة في أمور الآخرة للسيوطي عبد الرحمن بن أبي بكر ... (المتوفى: ٩١١ هـ)، ت: محمود طعمة، دار المعرفة - بيروت ط ١، ١٤٢٦ هـ\n٥٤ - نواقض الإيمان القولية والعملية، لعبد العزيز بن محمد بن علي، دار الوطن - الرياض، ط ٢، ١٤١٥ هـ","vol":"1","page":763},{"text":"٥٥ - بداية الهداية، للغزالي محمد بن محمد، (المتوفى: ٥٠٥ هـ)، دار المناهج: جدة، ط، ١٤٢٥ هـ.\n٥٦ - شرح الرسالة التدمرية، الأحمد بن عبد الله آل عبد اللطيف، مكتبة الشنقيطي، جدة، ط ١، ١٤٣٣ هـ\n٥٧ - عقيدة الأشاعرة، للرديعان حسان بن إبراهيم، دار التوصيل للنشر الرياض، ط ١ ١٤٣٢ هـ\n٥٨ - المسائل العقدية التي حكى فيها شيخ الإسلام الإجماع، خالد الجعيد علي العلياني، ناصر الجهني،\nدار الفضيلة - السعودية، ط ٢ ١٤٣١ هـ.\n٥٩ - مختصر نهاية المبتدئين في أصول الدين، للبلباني محمد بدر الدين ... (المتوفى: ١٠٨٣ هـ)، ت: فخر الدين المحسي، الدار الأثرية، ط ١ ١٤٢٩ هـ.\n٦٠ - الحياء الآخرة، لغالب علي عواجي، دار لينة للنشر والتوزيع - مصر ط ١، ١٤١٧ هـ.\n٦١ - أحوال الآخرة من نصوص الكتاب والسنة، للشنقيطي سيد محمد ساداتي، دار الفضيلة الرياض،ط ١، ١٤٢٤ هـ.\n٦٢ - الإيمان باليوم الآخرة لعبد الله بن زيد آل محمود، مؤسسة الرسالة بيروت، ط ٣، ١٤٠٧ هـ.\n٦٣ - اليوم الآخر حكم ومشاهد، للشنقيطي محمد الحسن الددو مؤسسة طريق الأمة، ط ١، ١٤٢٩ هـ\n٦٤ - الإيمان باليوم الآخر، للحمد محمد بن إبراهيم، دار ابن الخزيمة الرياض،ط ٢، ١٤٢٣ هـ.\n٦٥ - شرح العقيدة الطحاوية، لصالح بن عبد العزيز آل الشيخ، دار ابن الجوزي، القاهرة، ط ١، ١٤٢٧ هـ.\n٦٦ - المواقف، للإيجي عبد الرحمن بن أحمد، (المتوفى: ٧٥٦ هـ) ت: عبد الرحمن عميرة، دار الخليل، لبنان، ط ١، ١٤١٧ هـ.\nكتب الإمام ابن تيمية وابن القيم:\n١ - الاستقامة، لابن تيمية أحمد بن عبد الحليم، (المتوفى: ٧٢٨ هـ)، ت: محمد رشاد سالم، جامع الإمام محمد بن سعود، المدينة المنورة، ط ١، ١٤٠٣ هـ.\n٢ - التدمرية، لابن تيمية احمد بن عبد الحليم، (المتوفى: ٧٢٨ هـ)، ت: محمد عودة السعوي، مكتبة العبيكان، الرياض، ط ٦، ١٤٢١ هـ.\n٣ - الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، لابن تيمية احمد بن عبد الحليم (المتوفى: ٧٢٨ هـ)، ت: علي حسين عبد العزيز إبراهيم، حمدان بن محمد دار العاصمة، السعودية، ط ٢، ١٤١٩ هـ.","vol":"1","page":764},{"text":"٤ - الصفوية لابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم (المتوفى: ٧٢٨ هـ)، ت: محمد رشاد سالم، مكتبة ابن تيمية، مصر، ط ٢، ١٤٠٦ هـ.\n٥ - العقيدة الواسطية، لابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم (المتوفى: ٧٢٨ هـ) ت: أشرف عبد المقصود، أضواء السلف، الرياض، ط ١، ١٤٢٠ هـ.\n٦ - الفتاوى الكبرى لابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم (المتوفى: ٧٢٨ هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٠٨ هـ\n٧ - المسائل والأجوبة، لابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم (المتوفى: ٧٢٨ هـ)، ت: عبد الله عكاشة، دار الفاروق، القاهرة، ط ١، ١٤٢٥ هـ\n٨ - بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية، لابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم (المتوفى: ٧٢٨ هـ)، ت: موسى الدويش، كتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة: ط ٣، ١٤١٥ هـ\n٩ - النبوات: لابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم (المتوفى: ٧٢٨ هـ)، ت: عبد العزيز الطويان، مكتبة أضواء السلف، الرياض: ط ١، ١٤٢٠ هـ\n١٠ - بيان تلبس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية لابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم (المتوفى: ٧٢٨ هـ)، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ط ١، ١٤٢٦ هـ\n١١ - جامع الرسائل لابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم (المتوفى: ٧٢٨ هـ)، - محمد رشاد سالم، دار العطاء، الرياض، ط ١، ١٤٢٢ هـ\n١٢ - جامع المسائل،لابن تيمية احمد عبد الحليم، (المتوفى: ٧٢٨ هـ)، ت: محمد عزيز شمس،\nدار عالم الفوائد، ط ١، ١٤٢٢ هـ.\n١٣ - درء تعارض العقل والنقل، لأبن تيمية احمد عبد الحليم، (المتوفى: ٧٢٨ هـ)، ت محمد رشاد سالم، جامع الإمام محمد بن سعود، المملكة العربية السعودية، ط ٢، ١٤١١ هـ.\n١٤ - شرح العقيدة الأصفهانية: لابن تيمية أحمد عبد الحليم، (المتوفى: ٧٢٨ هـ)، ت، د حسين مخلوق، دار الكتب الإسلامية.\n١٥ - منهاج السنة النبوية في نقط كلام الشيعة القدرية، لابن تيمية احمد عبد الحليم (المتوفى: ٧٢٨ هـ) ت: محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود، ط ١، ١٤٠٦ هـ.","vol":"1","page":765},{"text":"١٦ - مجموع الفتاوى، لابن تيمية أحمد عبد الحليم، (المتوفى: ٧٢٨ هـ)، ت: عبد الرحمن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المدينة المنورة، ١٤١٦ هـ.\n١٧ - المستدرك على الفتاوى لابن تيمية، جمع: محمد بن عبد الرحمن بن قاسم، (المتوفى: ١٣٢١ هـ) دار القاسم جدة، ط ١، ١٣١٨ هـ)\n١٨ - أحكام أهل الذمة، لابن القيم محمد بن أبي بكر، المتوفى: ٧٥١ هـ). ت: يوسف البكري، شاكر العاروري، رمادى للنشر الدمام، ط ١ ١٤١٨ هـ.\n١٩ - إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم محمد بن أبي بكر ... (المتوفى: ٧٥١ هـ)، ت: محمد عبد السلام، دار الكتب العلمية، بيروت ط ١، ١٤١١ هـ.\n٢٠ - إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، لابن القيم محمد بن أبي بكر (المتوفى: ٧٥١ هـ)، ت: محمد حامد الفقي، مكتبة المعارف، الرياض.\n٢١ - اجتماع الجيوش الإسلامية، لابن القيم محمد بن أبي بكر (المتوفى: ٧٥١ هـ)، ت: عواد المعتق مطابع الفرزوق - الرياض، ط ١، ١٤٠٨ هـ.\n٢٢ - الأمثال في القرآن، لابن القيم محمد بن أبي بكر (المتوفى: ٧١٥ هـ) دار الصحابة، مصر، ت: إبراهيم محمد، ط ١، ١٤٠٦ هـ.\n٢٣ - التبيان في أقسام القرآن، لابن القيم محمد بن أبي بكر، (المتوفى: ٧٥١ هـ)، ت، محمد حامد الفقي، دار المعرفة بيروت.\n٢٤ - الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية المعطلة: لابن القيم محمد بن أبي بكر، (المتوفى: ١٧٥ هـ)، ت: علي محمد الدخيل الله، دار العاصمة الرياض، ط ٢، ١٤٠٨ هـ.\n٢٥ - الفوائد، لابن القيم محمد بن أبي بكر، (المتوفى: ٧٥١ هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ٢، ١٣٩٣ هـ.\n٢٦ - بدائع الفوائد، لابن القيم محمد أبي بكر، (المتوفى: ٧٥١ هـ)، دار الكتاب العربي، لبنان.\n٢٧ - حادي الأرواح إلي بلاد الأفراح، لابن القيم محمد بن أبي بكر، (المتوفى: ٧٥١ هـ)، مطبعة المدني، القاهرة.\n٢٨ - زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن القيم محمد بن أبي بكر، (المتوفى:٧٥١ هـ)، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٢٧، ١٤١٥ هـ.","vol":"1","page":766},{"text":"٢٩ - طريق الهجرتين وباب السعادتين، لابن القيم محمد بن أبي بكر، (المتوفى: ٧٥١ هـ)، دار السلفية القاهرة، مصر، ط ٢، ١٣٩٤ هـ.\n٣٠ - عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، لابن القيم محمد بن أبي بكر، (المتوفى: ٧٥١ هـ)، دار ابن كثير دمشق، ط ٣، ١٤٠٩ هـ.\n٣١ - مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، لابن القيم محمد بن أبي بكر، (المتوفى: ٧٥١ هـ) ت: محمد البغدادي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط ٣، ١٤١٦ هـ.\n٣٢ - مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم ولإرادة، لابن القيم محمد بن أبي بكر، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٣٣ - مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم، للبعلي محمد بن محمد، (المتوفى: ٧٧٤ هـ)، ت: سعيد إبراهيم. دار الحديث، القاهرة، ط ١،١٤٢٢ هـ.\n٣٤ - الروح، لابن القيم محمد بن أبي يكر، (المتوفى:٧٥١ هـ)، دار الكتب، بيروت.\n٣٥ - عقيدتنا، لعبد الله نعمة، مؤسسة عز الدين، بيروت، ط ٣، ١٤٠٨ هـ.\nكتب الرقائق والأدب:\n١ - الزهد، لابن حنبل الشيباني، (المتوفى: ٢٤٣ هـ)، دار الكتب العلمية بيروت، ط ١، ١٤٢٠ هـ.\n٢ - آداب التقوى، للمحاسبي الحارث بن أسد، (المتوفى: ٢٤٣ هـ)، ت: عبد القادر عطا، دار الجيل: بيروت.\n٣ - التوهم في وصف أحوال الآخرة، للمحاسبي الحارث بن أسد، (المتوفى: ٢٤٣ هـ)، مكتبة التراث الإسلامي، حلب.\n٤ - رسالة المسترشدين، للمحاسبي الحارث بن أسد، (المتوفى: ٢٤٣ هـ) ... ت: عبد الفتاح أبوغدة، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، ط ٢ ١٣٩١ هـ.\n٥ - روضة العقلاء ونزهة الفضلاء، لابن حبان محمد بن حيان، (المتوفى: ٣٥٤١ هـ)، ت: محمد محي الدين.\n٦ - أخلاق العلماء، للآجري، أبوبكر محمد بن الحسين، (المتوفى: ٣٦٠ هـ)، ت: إسماعيل الأنصاري، رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، السعودية.\n٧ - تنبيه الغافلين بأحاديث سيد المرسلين، للسمرقندي، نصر بن محمد ... (المتوفى: ٣٧٣ هـ)، ت: يوسف بديوي، دار ابن كثير، دمشق ... بيروت، ط ٣، ١٤٢١ هـ.","vol":"1","page":767},{"text":"٨ - فوت القلوب، لأبي طالب المكي محمد بن علي، (المتوفى: ٣٨٦ هـ) ت: عاصم الكيالي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ٢، ١٤٢٦ هـ.\n٩ - أدب الدنيا، للماوردي علي بن محمد، (المتوفى: ٤٥٠ هـ)، دار مكتبة الحياء، ١٩٨٦ م.\n١٠ - الرسالة القشيرية، للقشيري عبد الكريم بن هوزان، (المتوفى: ٤٦٥ هـ)، ت: عبد الحليم محمود، دار المعارف، القاهرة.\n١١ - إحياء علوم الدين، للغزالي محمد بن محمد. (المتوفى: ٥٠٥ هـ)، دار المعرفة،بيروت.\n١٢ - الذريعة إلى مكارم الشريعة، للأصفهاني الحسين بن محمد،، (المتوفى: ٥٠٢ هـ)، ت: أبو اليزيد العجمي، دار الإسلام القاهرة، ١٤٢٨ هـ.\n١٣ - تفصيل النشأئين وتحصيل السعادتين، للأصفهاني الحسين بن محمد ... (المتوفى: ٥٠٢ هـ)، دار مكتبة الحياة، بيروت، ١٩٨٣ م.\n١٤ - ميزان العمل للغزالي، محمد، (المتوفى:٥٠٢ هـ)، ت: سليمان دنيا دار المعارف،مصر، ط ١ ١٩٦٣ م.\n١٥ - العاقبة في ذكر الموت، للإشبيلي عبد الحق بن عبد الرحمن، (المتوفى: ٥٨١ هـ)، ت: خضر محمد خضر، مكتبة دار الأقصى، الكويت، ط ١ ١٤٠٦ هـ.\n١٦ - التبصرة، لابن الجوزي عبد الرحمن بن علي، (المتوفى: ٥٩٧ هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٠٦ هـ.\n١٧ - صيد الخاطر، لابن الجوزي عبد الرحمن بن علي، (المتوفى: ٥٩٧ هـ) ت: حسن سويدان، دار ٠ القلم، دمشق - ١٤٢٥ هـ.\n١٨ - التذكرة بأحوال الموتى وأمر الآخرة، للقرطبي محمد بن أحمد، (الموتى ٦٧١ هـ) ت: الصادق بن محمد، مكتبة دارا لمنهاج، الرياض، ط ١ ١٤٢٥ هـ.\n١٩ - تسلية أهل المصاعد للمنبجي محمد بن محمد، (المتوفى: ٧٨٥ هـ) دار الكتب العلمية، بيروت، ط ٢، ١٤٢٦ هـ.\n٢٠ - التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار، لابن رجب عبد الرحمن بن محمد. (المتوفى: ٧٩٥ هـ) ت: بشير عيون، مكتبة المؤيد الطائف، ط ٢ ١٤٠٥ هـ.\n٢١ - منهج التربية الإسلامية، لمحمد قطب، دار الشروق، ط ١٦.\nكتب التاريخ والسيرة\n١ - كتاب السير والمغاري، لابن إسحاق محمد، (المتوفى: ١٥١ هـ)، ت: سهيل زكار، دار القلم، بيروت، ط ١، ١٣٩٨ هـ.","vol":"1","page":768},{"text":"٢ - شرق المصطفى. للخركوشي عبد الملك بن محمد، (المتوفى: ٤٠٧ هـ)، دار البشائر، مكة، ط ١، ١٤٢٤ هـ.\n٣ - أعلام النبوة، للماوردي علي بن محمد، (المتوفى: ٤٥٠ هـ)، دار ومكتبة الهلال بيروت، ط ١، ١٤٠٩ هـ.\n٤ - دلائل النبوة، للبيهقي أحمد بن الحسين، (المتوفى: ٤٥٨ هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٠٥ هـ.\n٥ - الشفا بتعريف حقوق المصطفى، لعياض بن موسى اليحصبي، (المتوفى: ٥٤٤ هـ)، دار الفيحاء عمان، ط ٢، ١٤٠٥ هـ.\n٦ - غاية السول في حقائق الرسول - ﷺ - لابن الملقن عمر بن علي، (المتوفى: ٨٠٤ هـ). ت: عبد الله عبد الدين، دار البشائر، الكويت،\n٧ - الخصائص الكبرى - للسيوط عبد الرحمن بن أبي بكر، (المتوفى: ٩١١ هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٨ - إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع، للمقريزي أحمد بن علي، (المتوفى: ٨٤٥ هـ)، ت، محمد النميس، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١، ١٤٢٠ هـ.\n٩ - المواهب اللدنية بالمنتج المحمدية - للقسطلاني أحمد بن محمد، (المتوفى: ٩٢٣ هـ)، المكتبة التوفيقية، القاهرة.\n١٠ - السيرة الحلبية،لعلي بن إبراهيم الحلبي، (المتوفى:١٠٤٤ هـ)، دار الكتب العلمية،بيروت، ط ٢، ١٤٢٧ هـ.\n١١_ المعرفة والتاريخ، للفسوي يعقوب بن سفيان، (المتوفى: ٢٧٧ هـ)، ت: أكرم العمري، مؤسسة الرسالة. بيروت ط ٢، ١٤٠١ هـ.\n١٢ - المنتظم في تاريخ الأمم والملوك - لابن الجوزي عبد الرحمن علي ... (المتوفى: ٥٩٧ هـ)، ت: محمد عطا، في مصطفى عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ٢، ١٤١٢ هـ.\n١٣ - البداية والآية،لابن كثير إسماعيل بن عمر. (المتوفى: ٧٧٤ هـ)، ت: علي شيري، دار إحياء التراث العربي، ط ١، ١٤٠٨ هـ.\n١٤ - المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، لجاد علي، (المتوفى: ١٤٠٨ هـ)، دار الساقي، ط ٣، ١٤٢٢ هـ.\n١٥ - سيرة عمر بن عبد العزيز، لعبد الله عبد الحكيم، (المتوفى: ٢١٤ هـ) ت: أحمد عيد، عالم الكتب، بيروت، ط ١. ١٤٠٤ هـ.","vol":"1","page":769},{"text":"١٦ - الطبقات الكبرى، لابن سعد محمد بن سعد، (المتوفى: ٢٣٠ هـ) ... ت: محمد عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٠ هـ.\n١٧ - سير أعلام النبلاء للذهبي محمد بن أحمد، (المتوفى: ٧٤٨ هـ) دار الحديث، القاهرة ١٤٢٧ هـ.\n١٨ - أعيان العصر وأعوان النصر، للصفدي صلاح الدين خليل بن أيبك (المتوفى:٧٦٤ هـ)، ت: علي أبو زيد نبيل أبو عمشة محمود سالم، دار الفكر المعاصر، بيروت ط ١، ١٤١٨ هـ.\n١٩ - تاريخ بغداد، للخطيب أبو بكر - أحمد بن علي، (المتوفى: ٤٦٣ هـ) ت: بشار عواد، دار العرب الإسلامي، بيروت،ط ١ ١٤٢٢ هـ.\n٢٠ - تاريخ دمشق، لابن عساكر علي بن الحسن، (المتوفى: ٥٧٢ هـ)، ت: عمرو العمروي، دار القلم للطباعة والنشر، ١٤١٥.\n٢١ - رحلة ابن بطوطة، لابن بطوطة محمد بن عبد الله، (المتوفى: ٧٧٩ هـ)، أكاديمية المملكة المغربية، الرباط، ١٤١٧ هـ.\n٢٢ - وفيات الأعيان، لابن خليكان أحمد بن محمد، (المتوفى: ٦٨١ هـ)، ت: إحسان عباس، دار صادر، بيروت، ١٩٩٤ م).\n٢٣ - تهذيب الكمال إلى أسماء الرجال، للمزي يوسف بن عبد الرحمن ... (المتوفى:٧٤٢ هـ)، ت: بشار عواد، مؤسسة الرسالة، بيروت ط ١،١٤٠٠ هـ.\nكتب الغريب واللغة\n١ - المفردات في غريب القرآن، للأصفهاني، الحسين بن محمد، (المتوفى: ٦٠٦ هـ)، ت: صفوان الداودي، دار القلم، الدار الشامية ... دمشق بيروت، ط ١، ١٤١٢ هـ.\n٢ - النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير المبارك بن محمد ... (المتوفى:٦٠٦ هـ)،المكتبة العلمية، بيروت، ١٣٩٩ هـ. ت: طاهر الزاوي، محمود الطناجي.\n٣ - مشارق الأنوار على حمام الأثر، لعياض بن موس اليحصبي ... (المتوفى: ٥٤٤ هـ)، الكتبة العتيقة، ودار التراث.\n٤ - الفائق في غريب الحديث والأثر، للزمخشري محمود بن عمرو، ... (المتوفى: ٥٣٨ هـ)، ت: علي البيجاوي، محمد إبراهيم، دار المعرفة لبنان، ط ٢.\n٥ - فقه اللغة وسر العربية، للثعالبي عبد الملك بن محمد (المتوفى: ٤٢٩ هـ)، ت: عبد الرزاق المهدي، دار إحياء التراث العربي، ط ١ ١٤٢٢ هـ.","vol":"1","page":770},{"text":"٦ - غريب الحديث، لابن سلام القاسم بن سلام، (المتوفى: ٢٢٤ هـ) ت: محمد خان مطبعة دائرة المعارف العثمانية، حيدر أباد،ط ١ ١٣٨٤ هـ.\n٧ - غريب الحديث، لابن الجوزي. بن عبد الرحمن بن علي، (المتوفى: ٥٩٧ هـ)، ت: عبد المعطى قلعجي، دار الكتب العلمية - بيروت - ط ١ ١٤٠٥ هـ.\n٨ - محمل اللغة، لابن فارس أحمد بن فارس، (المتوفى: ٣٩٥ هـ)، ت: زهيد سلطان، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١، ١٤٠٦ هـ.\n٩ - تهذيب اللغة: للأزهري محمد بن أحمد، (المتوفى: ٣٧٠ هـ)، ت: محمد عوض، دار إحياء التراث العربي، ط ١، ٢٠٠١ م.\n١٠ - المحكم والمحيط الأعظم. لابن سيدة علي بن إسماعيل، (المتوفى: ٤٥٨ هـ)، ت: عبد الحميد هنداوي،، دار الكتب العلمية،بيروت، ط ١ ١٤١٢ هـ.\n١١ - لسان العرب. لابن منظور محمد مكرم، (المتوفى: ٧١١ هـ)، دار صادر، بيروت، ط ٣، ١٤١٤ هـ.\n١٢ - كتاب التعريفات، للجرجاني علي بن محمد، (المتوفى: ٨١٦ هـ)،دار لكتب العلمية،بيروت، ط، ١٤٠٣ هـ.\n١٣ - الكليات للكفوي أيوب بن موسى، (المتوفى: ١٠٩٤ هـ)، ت: عرفات درويش، محمد المصري، مؤسسة الرسالة، بيروت.\n١٤ - القاموس المحيط، للفيروز أبادي محمد بن يعقوب، (المتوفى:٨١٧ هـ)، مؤسسة الرسالة، بيروت ط ٨، ١٤٢٦ هـ.\nكتب أخرى متفرقة:\n١ - الزواجر عن اقتراف الكبائر، لابن حجر الهيثمي أحمد بن محمد (المتوفى: ٩٧٤ هـ)، دار الفكر، بيروت ١٤٠٣ هـ.\n٢ - معالم الثقافة الإسلامية، لعبد الكريم عثمان، مؤسسة الأنوار الرياض ١٤١٦ هـ.\n٣ - فلسفة التربية الإسلامية، للكيلاني ماجد عرسان، مكتبة هادي، مكة المكرمة،ط ٢، ١٤٠٩ هـ.\n٤ - الأهوال، لابن أبي الدنيا عبد الله بن محمد، (المتوفى: ٢٨١ هـ)، ت: مجدي فتحي السيد، مكتبة آل ياسر، مصر، ١٤١٣ هـ.\n٥ - الزهد، لابن أبي الدنيا عبد الله بن محمد، (المتوفى: ٢٨١ هـ)، دار ابن كثير، دمشق ط ١، ١٤٢٠ هـ.\n٦ - البيان والتحصيل، والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة لابن رشد محمد بن أحمد، (المتوفى: ٥٢٠ هـ)، ت: حجي وآخرون، دار العرب الإسلامي بيروت،ط ٢ ١٤٠٨ هـ.","vol":"1","page":771},{"text":"٧ - الذخيرة للقرافي أحمد بن أوريس (المتوفى:٦٨٤ هـ)،ت: محمد حجي وآخرون، دار العربي الإسلامي، بيروت، ط ١، ١٩٩٤ م\n٨ - الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني، للنفراوي أحمد بن غانم (المتوفى: ١١٢٦ هـ) دار الفكر ١٤١٥ هـ\n٩ - لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف، لابن رجب عبد الرحمن بن أحمد (المتوفى: ٧٩٥) ت: إبراهيم رمضان، سعيد اللحام، دار الكتب العلمية: بيروت ١٤١٨ هـ\n١٠ - قضية الزمن من خلال القرآن الكريم، د. حميد الطريطر، دار وحي القلم، بيروت ١٤٢٥ هـ.\n١١ - النوازل الجامعة للونشريسي أحمد بن يحي (المتوفى: ٩١٤ هـ) ت. د. شريف المرسي، دار الآفاق العربية، ط ١، ١٤٣٢ هـ\n١٢ - العنصرية اليهودية وآثارها في المجتمع الإسلامي والموقف منها، د. أحمد عبد الله الزغيبي، مكتبة العبيكان - الرياض، ط ١، ١٤١٨ هـ.\n١٣ - تاريخ الفلسفة الإسلامية، لهنري كور بان، منشورات عويدان بيروت.\n١٤ - تعريف عام بدين الإسلام، لعلي الطنطاوي، مؤسسة الرسالة، ط ٦ ١٣٩٤ هـ.\n١٥ - صراع مع الملاحدة حتى العظم، لعبد الرحمن حبتكة الميداني، دار القلم - دمشق، ط ٥، ١٤١٢ هـ.\n١٦ - المسيحية بين التوحيد التثليث وموقف الإسلام فيها، عبد المنعم فؤاد المكتبة العبيكان الرياض، ط ١، ١٤٢٢ هـ.\n١٧ - المعرفة في الإسلام مصادرها ومجالاتها، وعبد الله محمد يونس، دار عالم الفوائد،مكة، ط ١ ١٤١٩ هـ","vol":"1","page":772}]}