{"ً":{"ٌ":572,"ٍ":"إقامة البراهين على حكم من استغاث بغير الله أو صدق الكهنة والعرافين","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: إقامة البراهين على حكم من استغاث بغير الله أو صدق الكهنة والعرافين\nالمؤلف: عبد العزيز بن عبد الله بن باز (ت ١٤٢٠هـ)\nالناشر: الكتاب منشور على موقع وزارة الأوقاف السعودية بدون بيانات\nعدد الصفحات: ٦٣\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":67,"ٕ":1,"ٖ":1780758678,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"الرسالة الأولى في بيان حكم الاستغاثة بالنبي ﷺ والاستنصار به","level":1,"page":1},{"title":"النصر بيد الله وحده وليس بيد النبي ﷺ","level":2,"page":1},{"title":"الله سبحانه خلق الخلق ليعبدوه وأرسل الرسل لبيان تلك العبادة والدعوة إليها","level":2,"page":3},{"title":"دين الإسلام مبني على أصلين عظيمين","level":2,"page":7},{"title":"أمر الله نبيه ﷺ أن يبلغ الناس أنه لا يملك لأحد نفعا ولا ضرا","level":2,"page":11},{"title":"الرسالة الثانية في بيان حكم دعاء غير الله سبحانه والاستنجاد به في المهمات","level":1,"page":15},{"title":"الله سبحانه خلق الثقلين ليعبدوه دون كل ما سواه وليخصوه بالدعاء","level":2,"page":15},{"title":"شرك يستحق دخول النار لا تناله الشفاعة","level":2,"page":19},{"title":"تجري عليهم أحكام المشركين والمشركات","level":2,"page":25},{"title":"قول الشخص لمن يخاطبه جن أصابك من باب السب والشتم","level":2,"page":29},{"title":"سؤال العرافين والمشعوذين والمنجمين وأشباههم ممن يتعاطى الأخبار عن المغيبات","level":2,"page":30},{"title":"الرسالة الثالثة في بيان حكم الأوراد البدعية والشركية المنسوبة إلى علي بن أبي طالب","level":1,"page":34},{"title":"معنى العبادة","level":2,"page":34},{"title":"الاستغاثة بالأموات والجن والملائكة والأشجار والأحجار","level":2,"page":38},{"title":"التوحيد هو أصل دين الإسلام وهو أساس الملة","level":2,"page":40},{"title":"إبطال مقصد الكفار أنهم ما عبدوا الأولياء من دونه إلا ليقربوهم إلى الله زلفى","level":2,"page":45},{"title":"الخصومة بين المشركين وبين الرسل في إخلاص العبادة لله وحده","level":2,"page":48},{"title":"قول بعض الصوفية في المساجد وغيرها من التكلف والتنطع الذي حذر منه النبي","level":2,"page":50}],"ٛ":{"1,3":1,"1,7":2,"1,8":3,"1,9":4,"1,10":5,"1,11":6,"1,12":7,"1,13":8,"1,14":9,"1,15":10,"1,16":11,"1,17":12,"1,18":13,"1,19":14,"1,20":15,"1,22":16,"1,23":17,"1,24":18,"1,25":19,"1,26":20,"1,27":21,"1,28":22,"1,29":23,"1,30":24,"1,31":25,"1,32":26,"1,33":27,"1,34":28,"1,35":29,"1,36":30,"1,37":31,"1,38":32,"1,39":33,"1,41":34,"1,42":35,"1,43":36,"1,44":37,"1,45":38,"1,46":39,"1,47":40,"1,48":41,"1,49":42,"1,50":43,"1,51":44,"1,52":45,"1,53":46,"1,54":47,"1,55":48,"1,57":49,"1,58":50,"1,59":51,"1,60":52,"1,61":53,"1,62":54,"1,63":55},"ٜ":{"1":[3,63]},"ٝ":["1,3","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63"],"ٞ":{"1":[1,2],"3":[3],"7":[4],"11":[5],"15":[6,7],"19":[8],"25":[9],"29":[10],"30":[11],"34":[12,13],"38":[14],"40":[15],"45":[16],"48":[17],"50":[18]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>[الرسالة الأولى في بيان حكم الاستغاثة بالنبي ﷺ والاستنصار به]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>[النصر بيد الله وحده وليس بيد النبي ﷺ]</span>\nإقامة البراهين\nعلى حكم من استغاث بغير الله\nأو صدق الكهنة والعرافين","vol":"1","page":3},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nالرسالة الأولى الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد: فقد نشرت صحيفة المجتمع الكويتية في عددها ١٥ الصادر في ١٩/ ٤ / ١٣٩٥ هـ أبياتا تحت عنوان (في ذكرى المولد النبوي الشريف) تتضمن الاستغاثة بالنبي - ﷺ - والاستنصار به لإدراك الأمة ونصرها وتخليصها مما وقعت فيه من التفرق والاختلاف، بإمضاء من سمت نفسها (آمنة)، وهذا نص الأبيات المشار إليها: -\nيا رسول الله أدرك عالَما ... يشعل الحرب ويصلى من لظاها\nيا رسول الله أدرك أمة ... في ظلام الشك قد طال سراها\nيا رسول الله أدرك أمة ... في متاهات الأسى ضاعت رؤاها","vol":"1","page":7},{"text":"إلى أن قالت: -\nيا رسول الله أدرك أمة ... في ظلام الشك قد طال سراها\nعجل النصر كما عجلته ... يوم بدر حين ناديت الإلها\nفاستحال الذل نصرا رائعا ... إن لله جنودا لا تراها\n(الله أكبر) هكذا توجه هذه الكاتبة نداءها واستغاثتها إلى الرسول ﷺ طالبة منه إدراك الأمة بتعجيل النصر، ناسية أو جاهلة أن النصر بيد الله وحده، ليس ذلك بيد النبي - ﷺ - ولا غيره من المخلوقات، كما قال الله سبحانه في كتابه المبين: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] (١) وقال ﷿: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٠] (٢) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>[الله سبحانه خلق الخلق ليعبدوه وأرسل الرسل لبيان تلك العبادة والدعوة إليها]</span>\nوقد علم بالنص والإجماع أن الله\n_________\n(١) سورة آل عمران الآية ١٢٦.\n(٢) سورة آل عمران الآية ١٦٠.","vol":"1","page":8},{"text":"سبحانه خلق الخلق ليعبدوه، وأرسل الرسل وأنزل الكتب لبيان تلك العبادة والدعوة إليها كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] (١) وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] (٢) وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] (٣) وقال ﷿: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ - أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ [هود: ١ - ٢] (٤) فأوضح سبحانه في هذه الآيات المحكمات أنه لم يخلق الثقلين إلا ليعبدوه وحده لا شريك له، وبين أنه أرسل الرسل عليهم الصلاة والسلام للأمر بهذه العبادة والنهي عن ضدها، وأخبر ﷿ أنه أحكم آيات كتابه وفصلها لئلا يعبد غيره\n_________\n(١) سورة الذاريات الآية ٥٦.\n(٢) سورة النحل الآية ٣٦.\n(٣) سورة الأنبياء الآية ٢٥.\n(٤) سورة هود الآية ١-٢.","vol":"1","page":9},{"text":"سبحانه، والعبادة: هي توحيده وطاعته بامتثال أوامره وترك نواهيه، وقد أمر الله بذلك في آيات كثيرة منها قوله سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥] (١) الآية وقوله ﷿: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] (٢) وقوله سبحانه: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ - أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣] (٣) والآيات في هذا المعنى كثيرة كلها تدل على وجوب إخلاص العبادة لله وحده وترك عبادة ما سواه من الأنبياء وغيرهم ولا ريب أن الدعاء من أهم أنواع العبادة وأجمعها، فوجب إخلاصه لله وحده كما قال ﷿: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ١٤] (٤) وقال ﷿:\n_________\n(١) سورة البينة الآية ٥.\n(٢) سورة الإسراء الآية ٢٣.\n(٣) سورة الزمر الآية ٢-٣.\n(٤) سورة غافر الآية ١٤.","vol":"1","page":10},{"text":"﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] (١) وهذا يعم جميع المخلوقات من الأنبياء وغيرهم، لأن (أحدا) نكرة في سياق النهي فتعم كل من سوى الله سبحانه. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ [يونس: ١٠٦] (٢) وهذا خطاب للنبي - ﷺ - ومعلوم أن الله سبحانه قد عصمه من الشرك وإنما المراد من ذلك تحذير غيره، ثم قال ﷿: ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦] (٣) فإذا كان سيد ولد آدم ﵊ لو دعا غير الله يكون من الظالمين فكيف بغيره؟ والظلم إذا أطلق يراد به الشرك الأكبر كما قال سبحانه: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] (٤) وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] (٥) فعلم بهذه الآيات وغيرها أن دعاء غير الله من الأموات والأشجار والأصنام وغيرها شرك بالله ﷿ ينافي\n_________\n(١) سورة الجن الآية ١٨.\n(٢) سورة يونس الآية ١٠٦.\n(٣) سورة يونس الآية ١٠٦.\n(٤) سورة البقرة الآية ٢٥٤.\n(٥) سورة لقمان الآية ١٣.","vol":"1","page":11},{"text":"العبادة التي خلق الله الثقلين من أجلها وأرسل الرسل وأنزل الكتب لبيانها والدعوة إليها، وهذا معنى \" لا إله إلا الله \" فإن معناها لا معبود بحق إلا الله، فهي تنفي العبادة عن غير الله وتثبتها لله وحده، كما قال الله سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ [لقمان: ٣٠] (١) وهذا هو أصل الدين وأساس الملة، ولا تصح العبادات إلا بعد صحة هذا الأصل كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] (٢) وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨] (٣) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>[دين الإسلام مبني على أصلين عظيمين]</span>\nودين الإسلام مبني على أصلين عظيمين:\n_________\n(١) سورة لقمان الآية ٣٠.\n(٢) سورة الزمر الآية ٦٥.\n(٣) سورة الأنعام الآية ٨٨.","vol":"1","page":12},{"text":"أحدهما: أن لا يعبد إلا الله وحده. والثاني: أن لا يعبد إلا بشريعة نبيه ورسوله محمد - ﷺ - وهذا معنى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فمن دعا الأموات من الأنبياء وغيرهم، أو دعا الأصنام أو الأشجار أو الأحجار أو غير ذلك من المخلوقات أو استغاث بهم أو تقرب إليهم بالذبائح والنذور أو صلى لهم أو سجد لهم: فقد اتخذهم أربابا من دون الله وجعلهم أندادا له سبحانه، وهذا يناقض هذا الأصل وينافي معنى لا إله إلا الله، كما أن من ابتدع في الدين ما لم يأذن به الله لم يحقق معنى شهادة أن محمدا رسول الله، وقد قال الله ﷿: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] (١) وهذه الأعمال هي أعمال من مات على الشرك بالله ﷿، وهكذا الأعمال المبتدعة التي لم يأذن بها الله فإنها\n_________\n(١) سورة الفرقان الآية ٢٣.","vol":"1","page":13},{"text":"تكون يوم القيامة هباء منثورا لكونها لم توافق شرعه المطهر، كما قال النبي - ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» متفق على صحته. وهذه الكاتبة قد وجهت استغاثتها ودعاءها للرسول - ﷺ - وأعرضت عن رب العالمين الذي بيده النصر والضر والنفع وليس بيد غيره شيء من ذلك. ولا شك أن هذا ظلم عظيم وشرك وخيم، وقد أمر الله - ﷿ - بدعائه سبحانه ووعد من يدعوه بالاستجابة وتوعد من استكبر عن ذلك بدخول جهنم، كما قال ﷿: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] (١) أي صاغرين ذليلين، وقد دلت هذه الآية الكريمة على أن الدعاء عبادة، وعلى أن من استكبر عنه فمأواه جهنم، فإذا كانت هذه حال من استكبر عن دعاء الله فكيف تكون حال\n_________\n(١) سورة غافر الآية ٦٠.","vol":"1","page":14},{"text":"من دعا غيره وأعرض عنه وهو سبحانه القريب المجيب المالك لكل شيء والقادر على كل شيء، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦] (١) وقد أخبر الرسول - ﷺ - في الحديث الصحيح أن الدعاء هو العبادة، وقال لابن عمه عبد الله بن عباس - ﵄: «احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله» أخرجه الترمذي وغيره، وقال - ﷺ -: «من مات وهو يدعو لله ندا دخل النار» رواه البخاري، وفي الصحيحين «عن النبي - ﷺ - أنه سئل: أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك» والند هو النظير والمثيل، فكل من دعا غير الله أو استغاث به أو نذر له أو ذبح له أو صرف له شيئا من العبادة\n_________\n(١) سورة البقرة الآية ١٨٦.","vol":"1","page":15},{"text":"سوى ما تقدم فقد اتخذه ندا لله، سواء كان نبيا أو وليا أو ملكا أو جنيا أو صنما أو غير ذلك من المخلوقات، أما سؤال الحي الحاضر بما يقدر عليه والاستعانة به في الأمور الحسية التي يقدر عليها فليس ذلك من الشرك بل من الأمور العادية الجائزة بين المسلمين، كما قال تعالى في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] (١) وكما قال تعالى في قصة موسى أيضا: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ٢١] (٢) وكما يستغيث الإنسان بأصحابه في الحرب وغيرها من الأمور التي تعرض للناس، ويحتاجون فيها إلى أن يستعين بعضهم ببعض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>[أمر الله نبيه ﷺ أن يبلغ الناس أنه لا يملك لأحد نفعا ولا ضرا]</span>\nوقد أمر الله نبيه - ﷺ - أن يبلغ الناس أنه لا يملك لأحد نفعا ولا ضرا فقال في سورة الجن: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ٢٠]\n_________\n(١) سورة القصص الآية ١٥.\n(٢) سورة القصص الآية ٢١.","vol":"1","page":16},{"text":"﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ [الجن: ٢١] (١) وقال تعالى في سورة الأعراف: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨] (٢) والآيات قي هذا المعنى كثيرة وهو - ﷺ - لا يدعو إلا ربه ولا يستغيث إلا به، وكان في يوم بدر يستغيث بالله ويستنصره على عدوه ويلح في ذلك، ويقول: «يا رب أنجز لي ما وعدتني» حتى قال الصديق الأكبر أبو بكر - ﵁: \"حسبك يا رسول الله فإن الله منجز لك ما وعدك\" وأنزل الله سبحانه في ذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ - وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٩ - ١٠] (٣) فذكرهم سبحانه في هذه الآيات\n_________\n(١) سورة الجن الآية ٢٠-٢١.\n(٢) سورة الأعراف الآية ١٨٨.\n(٣) سورة الأنفال الآية ٩-١٠.","vol":"1","page":17},{"text":"استغاثتهم به، وأخبر أنه استجاب لهم بإمدادهم بالملائكة، ثم بين سبحانه أن النصر ليس من الملائكة وإنما أمدهم بهم للتبشير بالنصر والطمأنينة، وبين أن النصر من عنده فقال: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ١٠] وقال ﷿ في سورة آل عمران: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٣] (١) فبين في هذه الآية أنه سبحانه هو الناصر لهم يوم بدر فعلم بذلك أن ما أعطاهم من السلاح والقوة وما أمدهم به من الملائكة كل ذلك من أسباب النصر والتبشير والطمأنينة.\nوليس النصر منها بل هو من عند الله وحده، فكيف يجوز لهذه الكاتبة أو غيرها أن توجه استغاثتها وطلبها النصر إلى النبي - ﷺ - وتعرض عن رب العالمين المالك لكل شيء والقادر على كل شيء؟!\n_________\n(١) سورة آل عمران الآية ١٢٣.","vol":"1","page":18},{"text":"لا شك أن هذا من أقبح الجهل بل من أعظم الشرك، فالواجب على الكاتبة أن تتوب إلى الله سبحانه توبة نصوحا وذلك بالندم على ما وقع منها والإقلاع منه والعزم على عدم العود إليه تعظيما له وإخلاصا له وامتثالا لأمره وحذرا مما نهى عنه، هذه هي التوبة النصوح، وإذا كانت من حق المخلوقين وجب في التوبة أمر رابع وهو رد الحق إلى مستحقه أو تحلله منه، وقد أمر الله عباده بالتوبة ووعدهم قبولها كما قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] (١) وقال في حق النصارى: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٤] (٢) وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا - يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٦٩]\n_________\n(١) سورة النور الآية ٣١.\n(٢) سورة المائدة الآية ٧٤.","vol":"1","page":19},{"text":"﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠] (١) وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: ٢٥] (٢) وصح عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \" «الإسلام يهدم ما كان قبله والتوبة تجب ما كان قبلها» \".\nولعظم خطر الشرك وكونه أعظم الذنوب وخشية الاغترار بما صدر من هذه الكاتبة ولوجوب النصح لله ولعباده حررت هذه الكلمة الموجزة، وأسأل الله ﷿ أن ينفع بها وأن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين جميعا، وأن يمن علينا جميعا بالفقه في الدين والثبات عليه، وأن يعيذنا والمسلمين من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه. . .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>[الرسالة الثانية في بيان حكم دعاء غير الله سبحانه والاستنجاد به في المهمات]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>[الله سبحانه خلق الثقلين ليعبدوه دون كل ما سواه وليخصوه بالدعاء]</span>\nالرسالة الثانية من عبد العزيز بن عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يراه من المسلمين، وفقني الله وإياهم للتمسك بدينه والثبات عليه آمين.\nالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته:\nأما بعد: فقد سألني بعض الإخوان عما يفعله بعض الجهال من دعاء غير الله سبحانه والاستنجاد به في المهمات، كدعاء الجن والاستغاثة بهم والنذر لهم والذبح لهم وشبه ذلك، ومن ذلك قول بعضهم: (يا سبعة خذوه) يعني بذلك سبعة من رؤساء الجن، (يا سبعة افعلوا به كذا)، (اكسروا عظامه اشربوا دمه مثلوا به)، ومن ذلك قول بعضهم: (خذوه يا جن الظهيرة يا جن العصر) وهذا يوجد كثيرا في بعض الجهات الجنوبية، ومما يلتحق بهذا الأمر دعاء الأموات من الأنبياء والصالحين\n_________\n(١) سورة الفرقان الآية ٦٨- ٧٠.\n(٢) سورة الشورى الآية ٢٥.","vol":"1","page":20},{"text":"وغيرهم، ودعاء الملائكة والاستغاثة بهم، فهذا كله وأشباهه واقع من كثير ممن ينتسب إلى الإسلام جهلا منه وتقليدا لمن قبله، وربما سهل بعضهم في ذلك بقوله: هذا شيء يجري على اللسان لا نقصده ولا نعتقده. وسألني أيضا عن حكم مناكحة من عرف بهذه الأعمال وذبائحهم والصلاة عليهم وخلفهم، وعن تصديق المشعوذين والعرافين، كمن يدعي معرفة المرض وأسبابه بمجرد إشرافه على شيء مما مس جسد المريض كالعمامة والسراويل والخمار وأشباه ذلك.\nوالجواب: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهم إلى يوم الدين، أما بعد:\nفإن الله ﷾ قد خلق الثقلين ليعبدوه دون كل ما سواه وليخصوه بالدعاء","vol":"1","page":22},{"text":"والاستغاثة والذبح والنذر وسائر العبادات، وقد بعث الرسل بذلك وأمرهم به وأنزل الكتب السماوية التي أعظمها القرآن الكريم ببيان ذلك والدعوة إليه وتحذير الناس من الشرك بالله وعبادة غيره، وهذا هو أصل الأصول وأساس الملة والدين وهو معنى شهادة أن لا إله إلا الله لأن معناها لا معبود بحق إلا الله، فهي تنفي الألوهية - وهي العبادة - عن غير الله، وتثبت العبادة لله وحده دون ما سواه من سائر المخلوقات، والأدلة على هذا من كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - كثيرة جدا، منها قوله ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] (١) وقوله سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] (٢) وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥] (٣) وقوله:\n_________\n(١) سورة الذاريات الآية ٥٦.\n(٢) سورة الإسراء الآية ٢٣.\n(٣) سورة البينة الآية ٥.","vol":"1","page":23},{"text":"﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] (١) وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] (٢) فبين سبحانه في هذه الآيات أنه خلق الثقلين لعبادته، وأنه قضى أن لا يعبد إلا هو ﷾، ومعنى قضى: أمر وأوصى، فهو سبحانه أمر عباده وأوصاهم في محكم القرآن وعلى لسان الرسول ﵊ ألا يعبدوا إلا ربهم، وأوضح جل وعلا أن الدعاء عبادة عظيمة من استكبر عنها دخل النار، وأمر عباده أن يدعوه وحده، وأخبر أنه قريب يجيب دعوتهم، فوجب على جميع العباد أن يخصوا ربهم بالدعاء لأنه نوع من العبادة التي خلقوا لها وأمروا بها، وقال ﷿:\n_________\n(١) سورة غافر ٦٠.\n(٢) سورة البقرة الآية ١٨٦.","vol":"1","page":24},{"text":"﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] (١) أمر الله نبيه - ﷺ - أن يخبر الناس أن صلاته ونسكه- وهو الذبح- ومحياه ومماته لله رب العالمين لا شريك له، فمن ذبح لغير الله فقد أشرك بالله كما لو صلى لغير الله لأن الله سبحانه جعل الصلاة والذبح قرينين، وأخبر أنهما لله وحده لا شريك له، فمن ذبح لغير الله من الجن والملائكة والأموات وغيرهم يتقرب إليهم بذلك فهو كمن صلى لغير الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>[شرك يستحق دخول النار لا تناله الشفاعة]</span>\nوفي الحديث الصحيح يقول النبي ﵊: «لعن الله من ذبح لغير الله» وأخرج الإمام أحمد بسند حسن عن طارق بن شهاب ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئا، فقالوا لأحدهما: قرب، قال: ليس عندي شيء أقرب، قالوا؟ قرب ولو ذبابا، فقرب ذبابا فخلوا سبيله فدخل النار،\n_________\n(١) سورة الأنعام ١٦٢-١٦٣.","vol":"1","page":25},{"text":"وقالوا للآخر: قرب، قال: ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله ﷿، فضربوا عنقه فدخل الجنة» فإذا كان من تقرب إلى الصنم ونحوه بالذباب ونحوه يكون شركا يستحق دخول النار، فكيف بمن يدعو الجن والملائكة والأولياء ويستغيث بهم وينذر لهم ويتقرب إليهم بالذبائح يرجو بذلك حفظ ماله، أو شفاء مريضه، أو سلامة دوابه وزرعه، أو يفعل ذلك خوفا من شر الجن أو ما أشبه ذلك؟ فهذا وأشباهه أولى بأن يكون مشركا مستحقا لدخول النار من هذا الرجل الذي قرب الذباب للصنم. ومما ورد في ذلك أيضا قوله ﷿: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ - أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٢ - ٣] (١) .\nوقال تعالى:\n_________\n(١) سورة الزمر الآية ٢-٣.","vol":"1","page":26},{"text":"﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] (١) أخبر الله سبحانه في هاتين الآيتين أن المشركين اتخذوا من دونه أولياء من المخلوقات يعبدونهم معه بالدعاء والخوف والرجاء والذبح والنذر ونحو ذلك زاعمين أن أولئك الأولياء يقربون من عبدهم إلى الله ويشفعون لهم عنده، فأكذبهم الله سبحانه وأوضح باطلهم وسماهم كذبة وكفارا ومشركين ونزه نفسه عن شركهم فقال جل وعلا: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] فعلم بذلك أن من اتخذ ملكا أو نبيا أو جنيا أو شجرا أو حجرا يدعوه مع الله ويستغيث به ويتقرب إليه بالنذر والذبح رجاء شفاعته عند الله وتقريبه لديه أو رجاء شفاء المريض أو حفظ\n_________\n(١) سورة يونس الآية ١٨.","vol":"1","page":27},{"text":"المال أو سلامة الغائب أو ما شابه ذلك فقد وقع في هذا الشرك العظيم والبلاء الوخيم الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨] (١) وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] (٢) والشفاعة إنما تحصل يوم القيامة لأهل التوحيد والإخلاص لا لأهل الشرك، كما قال النبي - ﷺ - لما قيل له: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: «من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه» وقال - ﷺ -: «لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته وأنا اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا»\n_________\n(١) سورة النساء الآية ٤٨.\n(٢) سورة المائدة الآية ٧٢.","vol":"1","page":28},{"text":"وكان المشركون الأولون يؤمنون بأن الله ربهم وخالقهم ورازقهم، وإنما تعلقوا على الأنبياء والأولياء والملائكة والأشجار والأحجار وأشباه ذلك يرجون شفاعتهم عند الله وتقريبا لديه كما سبق في الآيات، فلم يعذرهم الله بذلك ولم يعذرهم رسول الله - ﷺ - بل أنكر الله عليه في كتابه العظيم وسماهم كفارا ومشركين وأكذبهم في زعمهم أن هذه الآلهة تشفع لهم وتقربهم إلى الله زلفى وقاتلهم الرسول - ﷺ - على هذا الشرك حتى يخلصوا العبادة لله وحده عملا بقوله سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] (١) وقال الرسول - ﷺ - «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على\n_________\n(١) سورة الأنفال الآية ٢٩.","vol":"1","page":29},{"text":"الله» ومعنى قوله - ﷺ -: «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله» أي: حتى يخصوا الله بالعبادة دون كل ما سواه، وكان المشركون يخافون من الجن ويعوذون بهم فأنزل الله في ذلك قوله: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦] (١) قال أهل التفسير في الآية الكريمة: معنى قوله: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦] أي ذعرا وخوفا؛ لأن الجن تتعاظم في نفسها وتتكبر إذا رأت الإنس يستعيذون بها، وعند ذلك يزدادون لهم إخافة وإذعارا حتى يكثروا من عبادتهم واللجوء إليهم، وقد عوض الله المسلمين عن ذلك: الاستعاذة به سبحانه وبكلماته التامة، وأنزل في ذلك قوله ﷿: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] (٢) وقوله جل وعلا: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١]\n_________\n(١) سورة الجن الآية ٦.\n(٢) سورة الأعراف الآية ٢٠٠.","vol":"1","page":30},{"text":"(١) ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١] (٢) وصح عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من نزل منزلا فقال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك» ومما تقدم من الآيات والأحاديث يعلم طالب النجاة والراغب في الحفاظ على دينه والسلامة من الشرك دقيقه وجليله: أن التعلق بالأموات والملائكة والجن وغيرهم من المخلوقات، ودعاءهم والاستعاذة بهم ونحو ذلك من عمل أهل الجاهلية المشركين ومن أقبح الشرك بالله سبحانه، فالواجب تركه والحذر من ذلك والتواصي بتركه والإنكار على من فعله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>[تجري عليهم أحكام المشركين والمشركات]</span>\nومن عرف من الناس بهذه الأعمال الشركية لم تجز مناكحته ولا أكل ذبيحته ولا الصلاة عليه ولا الصلاة خلفه حتى يعلن التوبة إلى الله سبحانه من ذلك، ويخلص\n_________\n(١) سورة الفلق الآية ١.\n(٢) سورة الناس الآية ١.","vol":"1","page":31},{"text":"الدعاء والعبادة لله وحده. والدعاء: هو العبادة بل مخها كما قال النبي - ﷺ -: «الدعاء هو العبادة» وفي اللفظ الآخر «الدعاء مخ العبادة» وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٢١] (١) ونهى الله سبحانه المسلمين عن التزوج بالمشركات من عباد الأوثان والجن والملائكة وغير ذلك حتى يؤمن بإخلاص العبادة لله وحده وتصديق الرسول - ﷺ - فيما جاء به واتباع سبيله، ونهى عن تزويج المشركين بالنساء المسلمات حتى يؤمنوا بإخلاص العبادة لله وحده وتصديق الرسول - ﷺ - واتباعه، وأخبر سبحانه أن الأمة المؤمنة\n_________\n(١) سورة البقرة الآية ٢٢١.","vol":"1","page":32},{"text":"خير من الحرة المشركة ولو أعجبت من ينظر إليها ويسمع كلامها بجمالها وحسن كلامها، وأن العبد المؤمن خير من الحر المشرك ولو أعجب سامعه والناظر إليه بجماله وفصاحته وشجاعته وغير ذلك، ثم أوضح أسباب هذا التفضيل بقوله سبحانه: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٢١] (١) يعني بذلك المشركين والمشركات؛ لأنهم من دعاة النار بأقوالهم وأعمالهم وسيرتهم وأخلاقهم، أما المؤمنون والمؤمنات فهم من دعاة الجنة بأخلاقهم وأعمالهم وسيرتهم، فكيف يستوي هؤلاء وهؤلاء؟ .\nوقال جل وعلا في شأن المنافقين ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤] (٢) فأوضح جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن المنافق والكافر لا يصلى عليهما لكفرهما بالله ورسوله وهكذا لا\n_________\n(١) سورة البقرة الآية ٢٢١.\n(٢) سورة التوبة الآية ٨٤.","vol":"1","page":33},{"text":"يصلى خلفهما ولا يجعلان أئمة للمسلمين لكفرهما وعدم أمانتهما وللعداوة العظيمة التي بينهما وبين المسلمين ولأنهما ليسا من أهل الصلاة والعبادة، لأن الكفر والشرك لا يبقى معهما عمل، نسأل الله العافية من ذلك. وقال ﷿ في تحريم الميتة وذبائح المشركين: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] (١) نهى ﷿ المسلمين عن أكل الميتة وذبيحة المشرك لأنه نجس فذبيحته في حكم الميتة ولو ذكر اسم الله عليها لأن التسمية منه باطلة لا أثر لها لأنها عبادة والشرك يحبط العبادة ويبطلها حتى يتوب المشرك إلى الله سبحانه، وإنما أباح ﷿ طعام أهل الكتاب في قوله سبحانه:\n_________\n(١) سورة الأنعام الآية ١٢١.","vol":"1","page":34},{"text":"﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥] (١) لأنهم ينتسبون إلى دين سماوي ويزعمون أنهم من أتباع موسى وعيسى وإن كانوا في ذلك كاذبين، وقد نسخ الله دينهم وأبطله ببعث محمد - ﷺ - إلى الناس عامة، ولكن الله جل وعلا أحل لنا طعام أهل الكتاب ونساءهم لحكمة بالغة وأسرار مرعية قد أوضحها أهل العلم، بخلاف المشركين من عباد الأوثان والأموات من الأنبياء والأولياء وغيرهم لأن دينهم لا أصل له ولا شبهة فيه بل هو باطل من أساسه فكانت ذبيحة أهله ميتة ولا يباح أكلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>[قول الشخص لمن يخاطبه جن أصابك من باب السب والشتم]</span>\nوأما قول الشخص لمن يخاطبه: (جن أصابك) (جن أخذك) (شيطان طار بك) وما أشبه ذلك. فهذا من باب السب والشتم وذلك لا يجوز بين المسلمين كسائر أنواع السب والشتم وليس ذلك من باب الشرك، إلا أن يكون\n_________\n(١) سورة المائدة الآية ٥.","vol":"1","page":35},{"text":"قائل ذلك يعتقد أن الجن يتصرفون في الناس بغير إذن الله ومشيئته، فمن اعتقد ذلك في الجن أو غيرهم من المخلوقات فهو كافر بهذا الاعتقاد؛ لأن الله سبحانه هو المالك لكل شيء والقادر على كل شيء وهو النافع الضار ولا يوجد لشيء إلا بإذنه ومشيئته وقدره السابق، كما قال ﷿ آمرا نبيه - ﷺ - أن يخبر الناس بهذا الأصل العظيم: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨] (١) فإذا كان سيد الخلق وأفضلهم ﵊ لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله، فكيف بغيره من الخلق؟ والآيات في هذا المعنى كثيرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>[سؤال العرافين والمشعوذين والمنجمين وأشباههم ممن يتعاطى الأخبار عن المغيبات]</span>\nوأما سؤال العرافين والمشعوذين والمنجمين وأشباههم ممن يتعاطى الأخبار عن المغيبات\n_________\n(١) سورة الأعراف الآية ١٨٨.","vol":"1","page":36},{"text":"فهو منكر لا يجوز، وتصديقهم أشد وأنكر بل هو من شعب الكفر لقول النبي - ﷺ - «من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوما» رواه مسلم في صحيحه، وفي صحيحه أيضا عن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ أن النبي - ﷺ - نهى عن إتيان الكهان وسؤالهم. وأخرج أهل السنن عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد - ﷺ -» والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. فالواجب على المسلمين الحذر من سؤال الكهنة والعرافين وسائر المشعوذين المشتغلين بالأخبار عن المغيبات والتلبيس على المسلمين، سواء كان باسم الطب أو غيره لما تقدم من نهي النبي - ﷺ - عن ذلك وتحذيره منه. ويدخل في ذلك ما يدعيه بعض الناس باسم الطب من الأمور الغيبية إذا شم عمامة المريض أو خمار المريضة أو نحو ذلك قال:","vol":"1","page":37},{"text":"(هذا المريض أو هذه المريضة فعل كذا وصنع كذا) من أمور الغيب التي ليس في شم عمامة المريض ونحوها دلالة عليها، وإنما القصد من ذلك التلبيس على العامة حتى يقولوا إنه عارف بالطب وعارف بأنواع المرض وأسبابه، وربما أعطاهم شيئا من الأدوية فصادف الشفاء بقدر الله فظنوا أنه بأسباب دوائه، وربما كان المرض بأسباب بعض الجن والشياطين الذين يخدمون ذلك المدعي للطب ويخبرونه عن بعض المغيبات التي يطلعون عليها فيعتمد على ذلك ويرضي الجن والشياطين بما يناسبهم من العبادة فيرتفعون عن ذلك المريض ويتركون ما قد تلبسوا به معه من الأذى، وهذا شيء معروف عن الجن والشياطين ومن يستخدمهم. فالواجب على المسلمين الحذر من ذلك والتواصي بتركه والاعتماد على الله سبحانه والتوكل عليه في كل الأمور، ولا بأس بتعاطي","vol":"1","page":38},{"text":"الرقى الشرعية والأدوية المباحة والعلاج عند الأطباء الذين يستعملون الكشف على المريض والتأكد من مرضه بالأسباب الحسية والمعقولة، وقد صح عن النبي - ﷺ -: «ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله» وقال - ﷺ -: «لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برئ بإذن الله» وقال - ﷺ -: «عباد الله تداووا ولا تداووا بحرام» والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، فنسأل الله ﷿ أن يصلح أحوال المسلمين جميعا وأن يشفي قلوبهم وأبدانهم من كل سوء وأن يجمعهم على الهدى وأن يعيذنا وإياهم من مضلات الفتن ومن طاعة الشيطان وأوليائه إنه على كل شيء قدير ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه.","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>[الرسالة الثالثة في بيان حكم الأوراد البدعية والشركية المنسوبة إلى علي بن أبي طالب]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>[معنى العبادة]</span>\nالرسالة الثالثة من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم (. . . . . . . . . .) وفقه الله لكل خير آمين سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.\nأما بعد: فقد وصل إلي كتابكم الكريم وصلكم الله بهداه وما تضمنه من الإفادة أنه يوجد في بلادكم أناس متمسكون بأوراد ما أنزل الله بها من سلطان منها ما هو بدعي ومنها ما هو شركي وينسبون ذلك إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وغيره ويقرؤون تلك الأوراد في مجالس الذكر أو في المساجد بعد صلاة المغرب زاعمين أنها قربة إلى الله كقولهم:\nبحق الله رجال الله أعينونا بعون الله وكونوا عوننا بالله.\nوكقولهم: يا أقطاب ويا أوتاد ويا أسياد","vol":"1","page":41},{"text":"أجيبوا يا ذوي الإمداد فينا واشفعوا لله هذا عبدكم واقف وعلى بابكم عاكف ومن تقصيره خائف أغثنا يا رسول الله ومالي غيركم أذهب ومنكم يحصل المطلب وأنتم خير أهل الله بحمزة سيد الشهداء ومن منكم لنا مددا أغثنا يا رسول الله.\nوكقولهم: اللهم صل على من جعلته سببا لانشقاق أسرارك الجبروتية وانفلاقا لأنوارك الرحمانية فصار نائبا عن الحضرة الربانية وخليفة أسرارك الذاتية، ورغبتكم في بيان ما هو بدعة وما هو شرك، وهل تصح الصلاة خلف الإمام الذي يدعو بهذا الدعاء كل ذلك كان معلوما.\nوالجواب: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد:","vol":"1","page":42},{"text":"فاعلم - وفقك الله - أن الله سبحانه إنما خلق الخلق وأرسل الرسل عليهم الصلاة والسلام ليعبد وحده لا شريك له دون كل ما سواه كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] (١) والعبادة: هي طاعته سبحانه وطاعة رسوله محمد - ﷺ - بفعل ما أمر الله به ورسوله وترك ما نهى الله عنه ورسوله، من إيمان بالله ورسوله وإخلاص لله في العمل مع غاية الحب لله وكمال الذل له وحده كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] (٢) أي أمر وأوصى بأن يعبد وحده، وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ - إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٢ - ٥] (٣) أبان سبحانه بهذه الآيات أنه هو المستحق لأن يعبد وحده ويستعان به\n_________\n(١) سورة الذاريات الآية ٥٦.\n(٢) سورة الإسراء الآية ٢٣.\n(٣) سورة الفاتحة ٢-٥.","vol":"1","page":43},{"text":"وحده، وقال ﷿: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ - أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣] (١) وقال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ١٤] (٢) وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] (٣) والآيات في هذا المعنى كثيرة وكلها تدل على وجوب إفراد الله بالعبادة، ومعلوم أن الدعاء بأنواعه من العبادة فلا يجوز لأحد من الناس أن يدعو إلا ربه، ولا يستعين ولا يستغيث إلا به عملا بهذه الآيات الكريمة وما جاء في معناها، وهذا فيما عدا الأمور العادية والأسباب الحسية التي يقدر عليها المخلوق الحي الحاضر فإن تلك ليست من العبادة بل يجوز بالنص والإجماع أن يستعين الإنسان بالإنسان الحي القادر في الأمور العادية التي يقدر عليها، كأن يستعين به أو\n_________\n(١) سورة الزمر الآية ٢-٣.\n(٢) سورة غافر الآية ١٤.\n(٣) سورة الجن الآية ١٨.","vol":"1","page":44},{"text":"يستغيث به في دفع شر ولده أو خادمه أو كلبه وما أشبه ذلك، وكأن يستعين الإنسان بالإنسان الحي الحاضر القادر أو الغائب بواسطة الأسباب الحسية كالمكاتبة ونحوها في بناء بيته أو إصلاح سيارته أو ما أشبه ذلك، ومن هذا الباب قول الله ﷿ في قصة موسى ﵊: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] (١) ومن ذلك استغاثة الإنسان بأصحابه في الجهاد والحرب ونحو ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>[الاستغاثة بالأموات والجن والملائكة والأشجار والأحجار]</span>\nفأما الاستغاثة بالأموات والجن والملائكة والأشجار والأحجار فذلك من الشرك الأكبر وهو من جنس عمل المشركين الأولين مع آلهتهم كالعزى واللات وغيرهما، وهكذا الاستغاثة والاستعانة بمن يعتقد فيهم الولاية من الأحياء فيما لا يقدر عليه إلا الله كشفاء المرضى وهداية القلوب ودخول الجنة والنجاة\n_________\n(١) سورة القصص الآية ١٥.","vol":"1","page":45},{"text":"من النار وأشباه ذلك، والآيات السابقات وما جاء في معناها من الآيات والأحاديث كلها تدل على وجوب توجيه القلوب إلى الله في جميع الأمور وإخلاص العبادة لله وحده؛ لأن العباد خلقوا لذلك وبه أمروا كما سبق في الآيات وكما في قوله سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] (١) وقوله سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] (٢) وقول النبي - ﷺ - في حديث معاذ - ﵁: «حق الله علي العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا» متفق على صحته، وقوله - ﷺ - في حديث ابن مسعود - ﵁: «من مات وهو يدعو لله ندا دخل النار» رواه البخاري، وفي الصحيحين من حديث ابن عباس - ﵄: أن النبي - ﷺ - لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: «إنك تأتي\n_________\n(١) سورة النساء الآية ٣٦.\n(٢) سورة البينة الآية ٥.","vol":"1","page":46},{"text":"قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله» وفي لفظ: «فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله» وفي رواية للبخاري: «فادعهم إلى أن يوحدوا الله» وفي صحيح مسلم عن طارق بن أشيم الأشجعي ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «من وحد الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه علي الله ﷿» والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>[التوحيد هو أصل دين الإسلام وهو أساس الملة]</span>\nوهذا التوحيد هو أصل دين الإسلام وهو أساس الملة وهو رأس الأمر وهو أهم الفرائض وهو الحكمة في خلق الثقلين والحكمة في إرسال الرسل جميعا عليهم الصلاة والسلام كما تقدمت الآيات الدالة على ذلك، ومنها قوله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] (١) ومن الأدلة على ذلك أيضا قوله ﷿: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]\n_________\n(١) سورة الذاريات الآية ٥٦.","vol":"1","page":47},{"text":"(١) وقوله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] (٢) وقال ﷿ عن نوح وهود وصالح وشعيب عليهم الصلاة والسلام أنهم قالوا لقومهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩] (٣) وهذه دعوة الرسل جميعا كما دلت على ذلك الآيتان السابقتان، وقد اعترف أعداء الرسل بأن الرسل أمروهم بإفراد الله بالعبادة وخلع الآلهة المعبودة من دونه كما قال ﷿ في قصة عاد أنهم قالوا لهود ﵊: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [الأعراف: ٧٠] (٤) فقال ﷾ عن قريش لما دعاهم نبينا محمد - ﷺ - إلى إفراد الله بالعبادة وترك ما يعبدون من دونه من الملائكة والأولياء\n_________\n(١) سورة النحل الآية ٣٦.\n(٢) سورة الأنبياء الآية ٢٥.\n(٣) سورة الأعراف الآية ٥٩.\n(٤) سورة الأعراف الآية ٧٠.","vol":"1","page":48},{"text":"والأصنام والأشجار وغير ذلك: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥] (١) وقال عنهم ﷾ في سورة الصافات ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ - وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٥ - ٣٦] (٢) والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة، ومما ذكرناه من الآيات والأحاديث يتضح لك- وفقني الله وإياك للفقه في الدين والبصيرة بحق رب العالمين- أن هذه الأدعية وأنواع الاستغاثة التي بينتها في سؤالك كلها من أنواع الشرك الأكبر؛ لأنها عبادة لغير الله، وطلب لأمور لا يقدر عليها سواه من الأموات والغائبين، وذلك أقبح من شرك الأولين لأن الأولين إنما يشركون في حال الرخاء، وأما في حال الشدائد فيخلصون لله العبادة لأنهم\n_________\n(١) سورة ص الآية ٥.\n(٢) سورة الصافات الآيتان ٣٥ -٣٦.","vol":"1","page":49},{"text":"يعلمون أنه سبحانه هو القادر على تخليصهم من الشدة دون غيره، كما قال تعالى في كتابه المبين عن أولئك المشركين: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] (١) وقال ﷾ يخاطبهم في آية أخرى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧] (٢) فإن قال قائل من هؤلاء المشركين المتأخرين: إنا لا نقصد أن أولئك يفيدون بأنفسهم ويشفون مرضانا بأنفسهم أو ينفعونا بأنفسهم أو يضرونا بأنفسهم وإنما نقصد شفاعتهم إلى الله في ذلك!! .\nفالجواب أن يقال له:\nإن هذا هو مقصد الكفار الأولين ومرادهم،\n_________\n(١) سورة العنكبوت الآية ٦٥.\n(٢) سورة الإسراء الآية ٦٧.","vol":"1","page":50},{"text":"وليس مرادهم أن آلهتهم تخلق أو ترزق أو تنفع أو تضر بنفسها فإن ذلك يبطله ما ذكره الله عنهم في القرآن وأنهم أرادوا شفاعتهم وجاههم وتقريبهم إلى الله زلفى كما قال ﷾ في سورة يونس ﵊: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] (١) فرد الله عليهم ذلك بقوله سبحانه: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] (٢) فأبان سبحانه أنه لا يعلم في السماوات ولا في الأرض شفيعا عنده على الوجه الذي يقصده المشركون، وما لا يعلم الله وجوده لا وجود له لأنه سبحانه لا يخفى عليه شيء. . وقال تعالى في سورة الزمر: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ - إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ - أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ١ - ٣]\n_________\n(١) سورة يونس الآية ١٨.\n(٢) سورة يونس الآية ١٨.","vol":"1","page":51},{"text":"(١) فأبان سبحانه أن العبادة له وحده وأنه يجب على العباد إخلاصها له جل وعلا؛ لأن أمره للنبي - ﷺ - بإخلاص العبادة له أمر للجميع. . ومعنى الدين هنا: هو العبادة، والعبادة: هي طاعته وطاعة رسوله - ﷺ - كما سلف، ويدخل فيها الدعاء والاستغاثة والخوف والرجاء والذبح والنذر، كما يدخل فيها الصلاة والصوم وغير ذلك مما أمر الله به ورسوله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>[إبطال مقصد الكفار أنهم ما عبدوا الأولياء من دونه إلا ليقربوهم إلى الله زلفى]</span>\nثم قال ﷿ بعد ذلك: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] (٢) أي يقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فرد الله عليهم بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣] (٣) فأوضح سبحانه في هذه الآية الكريمة\n_________\n(١) سورة الزمر الآية ١-٣.\n(٢) سورة الزمر الآية ٣.\n(٣) سورة الزمر الآية ٣.","vol":"1","page":52},{"text":"أن الكفار ما عبدوا الأولياء من دونه إلا ليقربوهم إلى الله زلفى، وهذا هو مقصد الكفار قديما وحديثا وقد أبطل الله ذلك بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣] (١) فأوضح سبحانه كذبهم في زعمهم أن آلهتهم تقربهم إلى الله زلفى وكفرهم بما صرفوا لها من العبادة، وبذلك يعلم كل من له أدنى تمييز أن الكفار الأولين إنما كان كفرهم باتخاذهم الأنبياء والأولياء والأشجار والأحجار وغير ذلك من المخلوقات شفعاء بينهم وبين الله واعتقدوا أنهم يقضون حوائجهم من دون إذنه سبحانه ولا رضاه كما تشفع الوزراء عند الملوك، فقاسوه ﷿ على الملوك والزعماء، وقالوا: كما أنه من له حاجة إلى الملك والزعيم يتشفع إليه بخواصه ووزرائه فهكذا نحن نتقرب إلى الله بعبادة أنبيائه وأوليائه، وهذا من أبطل الباطل لأنه سبحانه لا شبيه له\n_________\n(١) سورة الزمر الآية ٣.","vol":"1","page":53},{"text":"ولا يقاس بخلقه ولا يشفع أحد عنده إلا بإذنه ولا يأذن في الشفاعة إلا لأهل التوحيد وهو ﷾ على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم وهو أرحم الراحمين لا يخشى أحدا ولا يخافه لأنه سبحانه هو القاهر فوق عباده والمتصرف فيهم كيف يشاء، بخلاف الملوك والزعماء فإنهم ما يقدرون على شيء ولا يعلمون كل شيء فلذلك يحتاجون إلى من يعينهم على ما قد يعجزون عنه من وزرائهم وخواصهم وجنودهم، كما يحتاجون إلى تبليغهم حاجات من لا يعلمون حاجته، فيحتاجون إلى من يستعطفهم ويسترضيهم من وزرائهم وخواصهم، أما الرب ﷿ فهو سبحانه غني عن جميع خلقه وهو أرحم بهم من أمهاتهم وهو الحاكم العدل يضع الأشياء في مواضعها على مقتضى حكمته وعلمه وقدرته فلا يجوز أن يقاس بخلقه بوجه من الوجوه، ولهذا أوضح سبحانه في كتابه أن","vol":"1","page":54},{"text":"المشركين قد أقروا بأنه الخالق الرازق المدبر وأنه هو الذي يجيب المضطر ويكشف السوء ويحيي ويميت إلى غير ذلك من أفعاله سبحانه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>[الخصومة بين المشركين وبين الرسل في إخلاص العبادة لله وحده]</span>\nوإنما الخصومة بين المشركين وبين الرسل في إخلاص العبادة لله وحده كما قال ﷿: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] (١) وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١] (٢) والآيات في هذا المعنى كثيرة، وسبق ذكر الآيات الدالة على أن النزاع بين الرسل وبين الأمم إنما هو في إخلاص العبادة لله وحده، كقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [النحل: ٣٦] ٥٦ ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] (٣) وما جاء في معناها من الآيات. وبين سبحانه في مواضع كثيرة من كتابه الكريم شأن الشفاعة فقال تعالى في سورة البقرة: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] (٤) وقال في سورة النجم: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] (٥) وقال في سورة الأنبياء في وصف الملائكة: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] (٦) وأخبر ﷿ أنه لا يرضى من عباده الكفر وإنما يرضى منهم الشكر، والشكر: هو توحيده والعمل بطاعته فقال تعالى في سورة الزمر: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧] (٧) وروى البخاري في صحيحه «عن\n_________\n(١) سورة الزخرف الآية ٨٧.\n(٢) سورة يونس الآية ٣١.\n(٣) سورة النحل الآية ٣٦.\n(٤) سورة البقرة الآية ٢٥٥.\n(٥) سورة النجم الآية ٢٦.\n(٦) سورة الأنبياء الآية ٢٨.\n(٧) سورة الزمر الآية ٧.","vol":"1","page":55},{"text":"أبي هريرة - ﵁ - أنه قال: يا رسول الله: من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه أو قال: \" من نفسه» \" وفي الصحيح عن أنس ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا» والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وجميع ما ذكرنا من الآيات والأحاديث كله يدل على أن العبادة حق الله وحده، وأنه لا يجوز صرف شيء منها لغير الله لا للأنبياء ولا لغيرهم، وأن الشفاعة ملك لله - ﷿ - كما قال سبحانه: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤] (١) ولا يستحقها أحد إلا بعد إذنه للشافع ورضاه عن المشفوع فيه، وهو سبحانه لا يرضى إلا التوحيد كما سبق، أما\n_________\n(١) سورة الزمر الآية ٤٤.","vol":"1","page":57},{"text":"المشركون فلا حظ لهم في الشفاعة كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] (١) وقال تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨] (٢) والظلم عند الإطلاق هو الشرك كما قال تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] (٣) وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] (٤) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>[قول بعض الصوفية في المساجد وغيرها من التكلف والتنطع الذي حذر منه النبي]</span>\nأما ما ذكرته في السؤال من قول بعض الصوفية في المساجد وغيرها: اللهم صل على من جعلته سببا لانشقاق أسرارك الجبروتية وانفلاقا لأنوارك الرحمانية فصار نائبا عن الحضرة الربانية وخليفة أسرارك الذاتية. . إلخ.\nالجواب:\nأن يقال: إن هذا الكلام وأشباهه من جملة التكلف والتنطع الذي حذر منه نبينا محمد - ﷺ -\n_________\n(١) سورة المدثر الآية ٤٨.\n(٢) سورة غافر الآية ١٨.\n(٣) سورة البقرة الآية ٢٥٤.\n(٤) سورة لقمان الآية ١٣.","vol":"1","page":58},{"text":"فيما رواه مسلم في الصحيح عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «هلك المتنطعون» قالها ثلاثا، قال الإمام الخطابي ﵀: المتنطع المتعمق في الشيء المتكلف البحث عنه على مذاهب أهل الكلام الداخلين فيما لا يعنيهم الخائضين فيما لا تبلغه عقولهم.\nوقال أبو السعادات بن الأثير: هم المتعمقون المغالون في الكلام المتكلمون بأقصى حلوقهم مأخوذ من النطع وهو الغار الأعلى من الفم ثم استعمل في كل متعمق قولا وفعلا. وبما ذكره هذان الإمامان من أئمة اللغة يتضح لك ولكل من له أدنى بصيرة أن هذه الكيفية في الصلاة والسلام على نبينا وسيدنا رسول الله - ﷺ - من جملة التكلف والتنطع المنهي عنه، والمشروع للمسلم في هذا الباب أن يتحرى الكيفية الثابتة عن رسول الله - ﷺ - في","vol":"1","page":59},{"text":"صفة الصلاة والسلام عليه وفي ذلك غنية من غيره، ومن ذلك ما رواه البخاري ومسلم في الصحيحين واللفظ للبخاري عن كعب بن عجرة ﵁ أن الصحابة ﵃ «قالوا: يا رسول الله أمرنا أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك؟ فقال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد» .\nوفي الصحيحين عن أبي حميد الساعدي - ﵁ - أنهم «قالوا: يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ قال: قولوا اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد»، وفي صحيح مسلم عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال:","vol":"1","page":60},{"text":"«قال بشير بن سعد: يا رسول الله: أمرنا الله أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك؟ فسكت ثم قال: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد والسلام كما علمتم» .\nفهذه الألفاظ وأشباهها وغيرها مما ثبت عن النبي - ﷺ - هي التي ينبغي للمسلم أن يستعملها في صلاته وسلامه على رسول الله - ﷺ - لأن الرسول - ﷺ - هو أعلم الناس بما يليق أن يستعمل في حقه كما أنه أعلم الناس بما ينبغي أن يستعمل في حق ربه من الألفاظ، أما الألفاظ المتكلفة والمحدثة والألفاظ المحتملة لمعنى غير صحيح كالألفاظ التي ذكرت في السؤال فإنه لا ينبغي استعمالها لما فيها من التكلف ولكونها قد تفسر بمعان باطلة مع كونها مخالفة للألفاظ التي اختارها رسول الله - ﷺ -","vol":"1","page":61},{"text":"وأرشد إليها أمته وهو أعلم الخلق وأنصحهم وأبعدهم عن التكلف، عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام، وأرجو أن يكون فيما ذكرناه من الأدلة في بيان حقيقة التوحيد وحقيقة الشرك والفرق بين ما كان عليه المشركون الأولون والمشركون المتأخرون في هذا الباب. وفي بيان كيفية الصلاة المشروعة على رسول - ﷺ - كفاية ومقنع لطالب الحق، أما من لا رغبة له في معرفة الحق فهذا تابع لهواه وقد قال الله ﷿: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠] (١) فبين سبحانه في هذه الآية الكريمة أن الناس بالنسبة إلى ما بعث الله به نبيه محمدا - ﷺ - من الهدى ودين الحق قسمان: أحدهما: مستجيب لله ولرسوله. والثاني: تابع لهواه،\n_________\n(١) سورة القصص الآية ٥٠.","vol":"1","page":62},{"text":"وأخبر سبحانه أنه لا أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله فنسأل الله ﷿ العافية من اتباع الهوى كما نسأله سبحانه أن يجعلنا وإياكم وسائر إخواننا من المستجيبين لله ولرسوله - ﷺ - والمعظمين لشرعه والمحذرين من كل ما يخالف شرعه من البدع والأهواء إنه جواد كريم وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.","vol":"1","page":63}]}