{"ً":{"ٌ":603,"ٍ":"معجم التوحيد","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"https://archive.org/download/mgmtwhd/","files":["01_147691.pdf","02_147692.pdf","03_147693.pdf"]},"ّ":"الكتاب: معجم التوحيد - دراسة شرعية لمفردات ألفاظ ومسائل التوحيد مرتبة على الحروف الهجائية-\nالمؤلف: أبو عبد الرحمن إبراهيم بن سعد أبا حسين\nالناشر: دار القبس للنشر والتوزيع\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م\nعدد الأجزاء: ٣\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":3115,"ٕ":1,"ٖ":1780758681,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":2},{"title":"تنبيه","level":2,"page":8},{"title":"١ - لا إله إلا الله","level":1,"page":11},{"title":"١ - \"لا إله إلا الله \" أول واجب على المكلف","level":2,"page":14},{"title":"٢ - تفسيرات باطلة لـ \"لا إله إلا الله\"","level":2,"page":15},{"title":"٣ - دلالة \"لا إله إلا الله\" على التوحيد","level":2,"page":17},{"title":"٤ - إعراب كلمة \"لا إله إلا الله\"","level":2,"page":17},{"title":"٥ - أركان \"لا إله إلا الله\"","level":2,"page":17},{"title":"فائدة","level":3,"page":18},{"title":"٦ - معنى \"لا إله إلا الله\"","level":2,"page":18},{"title":"٧ - شروط الشهادتين","level":2,"page":19},{"title":"أولا: العلم بمعناها نفيا وإثباتا المنافي للجهل بذلك","level":3,"page":21},{"title":"ثانيا: اليقين","level":3,"page":24},{"title":"ثالثا: الصدق: المنافي للكذب المانع من النفاق","level":3,"page":26},{"title":"رابعا: المحبة: لهذه الكلمة ولما دلت عليه","level":3,"page":27},{"title":"خامسا: الانقياد المنافي للترك","level":3,"page":28},{"title":"سادسا: القبول المنافي للرد","level":3,"page":29},{"title":"الفرق بين الانقياد والقبول","level":4,"page":30},{"title":"سابعا: الإخلاص المنافي للشرك","level":3,"page":31},{"title":"٨ - نواقض الشهادتين","level":2,"page":31},{"title":"٩ - متى ينفع الإنسان قول لا إله إلا الله؟","level":2,"page":31},{"title":"١٠ - فضل لا إله إلا الله","level":2,"page":33},{"title":"١١ - آثار لا إله إلا الله","level":2,"page":33},{"title":"٢ - أبا جاد","level":1,"page":34},{"title":"أباجاد» ينقسم إلى قسمين","level":2,"page":36},{"title":"صورة «آباجادة المحرمة","level":2,"page":36},{"title":"ارتباط (أبا جاد) بما يسمى ب (الجفر)","level":2,"page":36},{"title":"العيد لغة","level":2,"page":37},{"title":"٣ - اتخاذ القبور عيدا","level":1,"page":37},{"title":"مفاسد اتخاذ القبور عيدا","level":2,"page":40},{"title":"حكم زيارة قبر النبي - ﷺ - كلما دخل المسجد أو خرج منه","level":2,"page":41},{"title":"٤ - اتخاذ القبور مساجد","level":1,"page":43},{"title":"[البناء على القبور]","level":2,"page":43},{"title":"هيئة الداعي عند قبر النبي - ﷺ -","level":2,"page":43},{"title":"البدع التي يتعلق بها العامة عند قبر النبي - ﷺ -","level":2,"page":44},{"title":"أقوال العلماء","level":2,"page":46},{"title":"١ - الصلاة عند القبر","level":2,"page":47},{"title":"٢ - الصلاة إلى القبر","level":2,"page":48},{"title":"٣ - بناء المسجد على القبر","level":2,"page":49},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":50},{"title":"١. حكم الصلاة في المسجد الذي فيه قبر أو الصلاة بين القبور","level":3,"page":50},{"title":"مسألة","level":4,"page":51},{"title":"مسألة: استثناء الصلاة على الجنازة في المقبرة","level":2,"page":52},{"title":"٢. الحكمة في النهي عن الصلاة في المقبرة أو بين القبور","level":3,"page":52},{"title":"٣. حكم الصلاة في الكنيسة","level":3,"page":54},{"title":"٥ - احترام أسماء الله الحسنى","level":1,"page":56},{"title":"[توحيد الأسماء والصفات]","level":2,"page":56},{"title":"٦ - الإحداد على الزعماء والوجهاء","level":1,"page":57},{"title":"٧ - الإحسان","level":1,"page":57},{"title":"أقوال العلماء","level":2,"page":59},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":59},{"title":"١ - قول شيخ الإسلام ابن تيمية","level":3,"page":59},{"title":"٢ - ذكر ابن رجب - ﵀ - أن للإحسان مقامين","level":3,"page":60},{"title":"٣ - بين الإسلام والإيمان والإحسان عموم وخصوص","level":3,"page":60},{"title":"٨ - الأحوال التي تجرى على يد السحرة والكهان","level":1,"page":62},{"title":"[الكهانة - السحر]","level":2,"page":62},{"title":"٩ - الإخلاص","level":1,"page":63},{"title":"[لا إله إلا الله - الرياء]","level":2,"page":63},{"title":"أقوال بعض السلف","level":2,"page":65},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":66},{"title":"١. حكم الإخلاص","level":3,"page":66},{"title":"٢. منزلة الإخلاص وفضله","level":3,"page":68},{"title":"١٠ - أذى الرسول - ﷺ - أو عيبه","level":1,"page":69},{"title":"١١ - إرادة الإنسان بعمله الدنيا","level":1,"page":70},{"title":"[الرياء]","level":2,"page":70},{"title":"أقوال السلف","level":2,"page":71},{"title":"حكم إرادة الإنسان بعمله الصالح الدنيا","level":2,"page":72},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":73},{"title":"١. الفرق بين إرادة الإنسان بعمله الدنيا وبين الرياء","level":3,"page":73},{"title":"٢. صور من إرادة الإنسان بعمله الدنيا","level":3,"page":73},{"title":"٣. الأعمال التي رتب عليها الشارع ثوابا دنيويا","level":3,"page":74},{"title":"١٢ - الاسترقاء","level":1,"page":79},{"title":"١٣ - الاستسقاء بالأنواء","level":1,"page":80},{"title":"حكم الاستسقاء بالأنواء","level":2,"page":83},{"title":"تنبيهات","level":2,"page":84},{"title":"١٤ - الاستشفاع بالله على خلقه","level":1,"page":85},{"title":"أقوال العلماء","level":2,"page":85},{"title":"١٥ - الاستعاذة","level":1,"page":88},{"title":"حكم الاستعاذة","level":2,"page":89},{"title":"والاستعاذة بالمخلوق على قسمين","level":2,"page":90},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":92},{"title":"الاستعاذة المشروعة والممنوعة خمسة أنواع","level":3,"page":92},{"title":"حكم قول أعوذ بالله وبكـ أو ثم بكـ","level":3,"page":94},{"title":"الفرق بين الاستعاذة والدعاء","level":3,"page":96},{"title":"١٦ - الاستعانة","level":1,"page":97},{"title":"حكم الاستعانة بالمخلوق","level":2,"page":98},{"title":"ضابط الاستعانة الشركية","level":2,"page":100},{"title":"١٧ - الاستغاثة","level":1,"page":101},{"title":"أقوال العلماء","level":2,"page":102},{"title":"الاستغاثة به فيما يقدر عليه\". حكم الاستغاثة","level":2,"page":103},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":106},{"title":"الفرق بين الدعاء والاستغاثة","level":2,"page":107},{"title":"١٨ - الاستغفار","level":1,"page":108},{"title":"الفرق بين الاستغفار والتوبة","level":2,"page":110},{"title":"١٩ - الاستقامة","level":1,"page":112},{"title":"٢٠ - استقدام الكفار إلى جزيرة العرب","level":1,"page":115},{"title":"٢١ - الاستقسام بالأزلام","level":1,"page":115},{"title":"٢٢ - الاستمداد","level":1,"page":115},{"title":"[الدعاء]","level":2,"page":115},{"title":"٢٣ - الاستهزاء","level":1,"page":117},{"title":"[سب الرسول، سب الدين والرب، سب الصحابة]","level":2,"page":117},{"title":"أقوال العلماء","level":2,"page":118},{"title":"حكم الاستهزاء بشيء فيه ذكر الله أو القرآن والرسول - ﷺ -","level":2,"page":119},{"title":"حكم الاستهزاء بالدين","level":2,"page":120},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":124},{"title":"حكم الجلوس مع المستهزئين","level":2,"page":124},{"title":"توبة المستهزئ","level":2,"page":126},{"title":"٢٤ - الإسلام","level":1,"page":127},{"title":"الإسلام في اللغة","level":2,"page":127},{"title":"الإسلام في الشرع","level":2,"page":128},{"title":"أقوال العلماء","level":2,"page":129},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":130},{"title":"العلاقة بين مسمى الإيمان والإسلام","level":2,"page":130},{"title":"الإسلام بالمعنى العام والخاص","level":2,"page":138},{"title":"الإسلام الكوني والشرعي","level":2,"page":138},{"title":"هل الجهاد من أركان الإسلام؟","level":2,"page":139},{"title":"٢٥ - الأصنام","level":1,"page":140},{"title":"٢٦ - أصول الإيمان","level":1,"page":140},{"title":"٢٧ - الأصول الثلاثة","level":1,"page":142},{"title":"فائدة","level":2,"page":143},{"title":"٢٨ - أصول الدين","level":1,"page":144},{"title":"حكم تقسيم الدين إلى لب وقشور","level":2,"page":149},{"title":"٢٩ - إضافه النعم لغير الله","level":1,"page":151},{"title":"٣٠ - الإطراء","level":1,"page":152},{"title":"[الغلو - التنطع]","level":2,"page":152},{"title":"أقوال العلماء","level":2,"page":152},{"title":"٣١ - اعتقاد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد - ﷺ - كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى ﵇","level":1,"page":154},{"title":"الرد على شبهة احتجاجهم بقصة الخضر","level":2,"page":156},{"title":"٣٢ - الاعتكاف عند القبور والمشاهد","level":1,"page":158},{"title":"أقوال العلماء","level":2,"page":159},{"title":"٣٣ - الإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به","level":1,"page":161},{"title":"الفرق بين التولي والإعراض","level":2,"page":165},{"title":"٣٤ - أعمال القلوب","level":1,"page":166},{"title":"ومن أعمال القلوب","level":2,"page":167},{"title":"العلاقة بين أعمال القلوب وأعمال الجوارح","level":2,"page":168},{"title":"ومن أعمال القلوب وأعمال الجوارح","level":2,"page":171},{"title":"٣٥ - الأعياد","level":1,"page":172},{"title":"٣٦ - الإقامة في بلاد الكفار","level":1,"page":172},{"title":"[الولاء والبراء - الهجرة]","level":2,"page":172},{"title":"الفرق بين بلاد الإسلام وبلاد الكفر","level":2,"page":174},{"title":"أقوال العلماء في النهي عن الإقامة ببلاد الكفار","level":2,"page":174},{"title":"حكم السفر إلى بلاد الكفار","level":2,"page":180},{"title":"حكم التجنس بجنسية بلاد كافرة","level":2,"page":182},{"title":"٣٧ - الإقسام على الله","level":1,"page":183},{"title":"[التألي على الله]","level":2,"page":183},{"title":"٣٨ - الاكتواء","level":1,"page":185},{"title":"٣٩ - الإكراه","level":1,"page":185},{"title":"٤٠ - الإلحاد في أسماء الله","level":1,"page":185},{"title":"[الأسماء والصفات]","level":2,"page":185},{"title":"٤١ - اللهم اغفر لي إن شئت","level":1,"page":189},{"title":"أقوال العلماء في الحكمة من النهي عن تعليق الدعاء بالمشيئة","level":2,"page":189},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":191},{"title":"حكم قول اللهم اغفر لي إن شئت","level":2,"page":191},{"title":"مسألة: سئل الشيخ ابن باز ﵀ عن قول \"إن شاء الله\" على عمل قد تم فقال","level":2,"page":192},{"title":"حكم قول: والله على ما يشاء قدير","level":2,"page":193},{"title":"٤٢ - الأمن من مكر الله","level":1,"page":195},{"title":"[اليأس - القنوط]","level":2,"page":195},{"title":"أقوال العلماء","level":2,"page":196},{"title":"فوائد","level":2,"page":196},{"title":"أسباب الأمن من مكر الله","level":2,"page":196},{"title":"٤٣ - الإنابة","level":1,"page":198},{"title":"[التوبة]","level":2,"page":198},{"title":"أقوال العلماء","level":2,"page":199},{"title":"٤٤ - الانحناء","level":1,"page":201},{"title":"٤٥ - الأنداد","level":1,"page":202},{"title":"٤٦ - الأنصاب","level":1,"page":202},{"title":"٤٧ - الانقياد المنافي للترك","level":1,"page":202},{"title":"٤٨ - إنكار النعم","level":1,"page":203},{"title":"٤٩ - أهل الأهواء","level":1,"page":203},{"title":"٥٠ - أهل السنة والجماعة","level":1,"page":203},{"title":"صفات وخصائص منهج أهل السنة والجماعة","level":2,"page":211},{"title":"نشأة مصطلح أهل السنة والجماعة","level":2,"page":213},{"title":"أسماء يعرف بها أهل السنة والجماعة","level":2,"page":213},{"title":"١ - السلف","level":2,"page":214},{"title":"إطلاق السلفية والمراد بها","level":3,"page":215},{"title":"٢ - الطائفة المنصورة، الفرقة الناجية","level":2,"page":216},{"title":"فائدة","level":3,"page":218},{"title":"٣ - أهل الحديث والأثر","level":2,"page":218},{"title":"٤ - الغرباء","level":2,"page":220},{"title":"٥١ - أهل الفترة","level":1,"page":221},{"title":"[التكفير، عارض الجهل]","level":2,"page":221},{"title":"أقوال العلماء","level":2,"page":222},{"title":"حكم أهل الفترة","level":2,"page":223},{"title":"تنبيه","level":2,"page":226},{"title":"٥٢ - الأوثان","level":1,"page":227},{"title":"[الصنم - النصب]","level":2,"page":227},{"title":"أقوال العلماء","level":2,"page":228},{"title":"الفرق بين الصنم والوثن","level":2,"page":228},{"title":"٥٣ - أوثق عرى الإيمان","level":1,"page":229},{"title":"٥٤ - إيقاد السرج على القبور","level":1,"page":229},{"title":"أقوال العلماء","level":2,"page":229},{"title":"حكمه","level":2,"page":230},{"title":"أسباب المنع من إيقاد السرج","level":2,"page":231},{"title":"٥٥ - الإيمان","level":1,"page":232},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":237},{"title":"١ - العلاقة بين الإسلام والإيمان","level":3,"page":237},{"title":"٢ - أركان الإيمان","level":3,"page":238},{"title":"٣ - ثمرات الإيمان","level":3,"page":238},{"title":"٤ - زيادة الإيمان ونقصانه","level":3,"page":238},{"title":"أقوال العلماء","level":4,"page":239},{"title":"موقف الإمام مالك ﵀ من القول بنقص الإيمان","level":4,"page":242},{"title":"٥ - السلف يعدون من أنكر زيادة الإيمان ونقصانه من المرجئة","level":3,"page":243},{"title":"٦ - الإيمان يتبعض","level":3,"page":243},{"title":"٧ - صلة العمل بالإيمان","level":3,"page":244},{"title":"٥٦ - الإيمان بالله","level":1,"page":252},{"title":"الدليل من السنة","level":2,"page":253},{"title":"والإيمان بالله يتضمن أربعة أمور","level":2,"page":253},{"title":"من ثمرات الإيمان بالله تعالى","level":2,"page":256},{"title":"٥٧ - الإيمان بالملائكة","level":1,"page":257},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":261},{"title":"من ثمرات الإيمان بالملائكة","level":2,"page":263},{"title":"حقيقة وجود الملائكة","level":2,"page":263},{"title":"المفاضلة بين الملائكة والبشر","level":2,"page":264},{"title":"المفاضلة بين الملائكة وصالحي البشر","level":2,"page":266},{"title":"٥٨ - الإيمان بالكتب","level":1,"page":269},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":269},{"title":"١ - الإيمان بالكتب أصل من أصول الإيمان الستة","level":3,"page":269},{"title":"٢ - قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"والإيمان بها يتضمن أربعة أمور","level":3,"page":270},{"title":"٣ - من ثمرات الإيمان بالكتب","level":3,"page":271},{"title":"٥٩ - الإيمان بالرسل","level":1,"page":272},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":273},{"title":"١ - ما ينبغي للمسلم أن يعتقده في الأنبياء والرسل","level":3,"page":273},{"title":"٢ - قال الشيخ ابن عثيمين: \"والإيمان بالرسل يتضمن أربعة أمور","level":3,"page":273},{"title":"٣ - من ثمرات الإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام","level":3,"page":274},{"title":"٤ - فائدة","level":3,"page":275},{"title":"مسألة: من كفر بنبي واحد كفر بجميع الأنبياء","level":4,"page":276},{"title":"٥ - من هو أول الرسل؟","level":3,"page":276},{"title":"٦٠ - الإيمان باليوم الآخر","level":1,"page":277},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":278},{"title":"١ - قال ابن عثيمين: \"والإيمان باليوم الآخر يتضمن ثلاثة أمور","level":3,"page":278},{"title":"٢ - من ثمرات الإيمان باليوم الآخر","level":3,"page":280},{"title":"٦١ - الإيمان بالقدر خيره وشره","level":1,"page":280},{"title":"٦٢ - البدعة","level":1,"page":281},{"title":"الدليل من السنة","level":2,"page":284},{"title":"أقوال العلماء","level":2,"page":286},{"title":"فوائد","level":2,"page":287},{"title":"١ - ضابط البدعة وأقسامها","level":3,"page":287},{"title":"٢ - مناقشة تقسيم البدع إلى حسنة وسيئة","level":3,"page":292},{"title":"٤ - تمسكوا بأقوال لعلماء أجلاء ولم يعرفوا مرادهم من أقوالهم","level":3,"page":297},{"title":"٣ - أسباب ذم البدع","level":3,"page":300},{"title":"٤ - تاريخ ظهور البدع","level":3,"page":303},{"title":"٥ - أسباب ظهور البدع","level":3,"page":304},{"title":"٦ - حكم البدعة في الدين بجميع أنواعها","level":3,"page":305},{"title":"٧ - أثر البدع على التوحيد","level":3,"page":306},{"title":"٨ - وللعلماء كلام في قبول توبة المبتدع","level":3,"page":309},{"title":"٩ - موقف أهل السنة والجماعة من المبتدعة","level":3,"page":311},{"title":"١٠ - وقد كان أئمة السلف ينهون عن مجالسة أهل البدع أو سماع كلامهم","level":3,"page":314},{"title":"١١ - حكم تكفير الداعي إلى البدعة المكفرة","level":3,"page":315},{"title":"٦٣ - البروج","level":1,"page":315},{"title":"٦٤ - البعث","level":1,"page":316},{"title":"٦٥ - بغض وكراهية ما جاء به الرسول -ﷺ-","level":1,"page":317},{"title":"والبغض والكراهة ينافياق عمل القلب من وجهين","level":2,"page":318},{"title":"الفرق بين كره المشقة ونفور الطبع وبين الاعتقاد","level":2,"page":320},{"title":"فائدة","level":2,"page":321},{"title":"٦٦ - البناء على القبور","level":1,"page":322},{"title":"سبب التحذير من رفع البناء على القبر","level":2,"page":325},{"title":"شبهات حول البناء على القبور","level":2,"page":327},{"title":"حكم هدم القباب المبنية على القبور","level":2,"page":332},{"title":"٦٧ - البيان","level":1,"page":334},{"title":"٦٨ - التألي على الله","level":1,"page":335},{"title":"٦٩ - التأويل","level":1,"page":339},{"title":"٧٠ - التبرك","level":1,"page":339},{"title":"ما يستفاد من حديث أبي واقد الليثي","level":2,"page":341},{"title":"١ - أن السائلين من الصحابة يجهلون أنه شرك","level":3,"page":341},{"title":"٢ - أن الصحابة لم يفعلوا ذلك وأنهم لو فعلوا لكفروا","level":3,"page":343},{"title":"٣ - أن الاعتبار في الأحكام بالمعاني لا بالأسماء","level":3,"page":344},{"title":"٤ - النهي عن مشابهة الكفار","level":3,"page":344},{"title":"التبرك قسمان: ممنوع ومشروع","level":2,"page":345},{"title":"أولا: التبرك الممنوع","level":3,"page":345},{"title":"ومن هذا القبيل التبرك بالأموات بدعائهم وعبادتهم.","level":4,"page":346},{"title":"حكم التبرك بذوات الصالحين وآثارهم","level":4,"page":352},{"title":"ثانيا: التبرك المشروع","level":3,"page":355},{"title":"أ - التبرك بالأقوال والأفعال والهيئات التي حث عليها رسول الله -ﷺ-","level":4,"page":355},{"title":"ب- التبرك بالأماكن","level":4,"page":356},{"title":"ج - أزمنة مباركة","level":4,"page":357},{"title":"د - ومن الأطعمة المباركة","level":4,"page":357},{"title":"هـ - دواب مباركة","level":4,"page":358},{"title":"و- نباتات واشجار مباركة","level":4,"page":358},{"title":"التبرك بالرسول -ﷺ-","level":2,"page":358},{"title":"حكم التبرك بآثار الرسول -ﷺ- بعد وفاته","level":2,"page":360},{"title":"حكم بعض الألفاظ المتعلقة بالبركة","level":2,"page":360},{"title":"٧١ - تتبع آثار الأنبياء والصالحين المكانية","level":1,"page":362},{"title":"حكم تتبع آثار النبي -ﷺ- المكانية","level":2,"page":364},{"title":"٧٢ - التحاكم إلى غير ما أنزل الله","level":1,"page":376},{"title":"أقوال العلماء في التحاكم إلى غير ما أنزل الله","level":2,"page":379},{"title":"بعض صور التحاكم","level":2,"page":388},{"title":"مسألة في التحاكم إلى القوانين إذا كان في بلاد الكفر","level":2,"page":390},{"title":"آثار التحاكم إلى غير الله","level":2,"page":391},{"title":"٧٣ - تحقيق التوحيد","level":1,"page":393},{"title":"٧٤ - تحليل الحرام","level":1,"page":393},{"title":"٧٥ - التداوي","level":1,"page":394},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":395},{"title":"١ - حكم التداوي","level":3,"page":395},{"title":"٢ - حكم التداوي قبل وقوع الداء","level":3,"page":396},{"title":"٣ - علاقة التداوي بالتوكل","level":3,"page":397},{"title":"٧٦ - التسخط من قدر الله","level":1,"page":399},{"title":"٧٧ - التشبه","level":1,"page":400},{"title":"أنواع التشبه بالكفار","level":2,"page":405},{"title":"أ - التشبه المطلق بالكفار","level":3,"page":405},{"title":"ب - تعظيم شعيرة من شعائرهم","level":3,"page":405},{"title":"وقد ذكر بعض العلماء أنواعا أخرى","level":2,"page":407},{"title":"٢ - جاء الإجماع على حرمة التشبه والنهي عنه","level":2,"page":408},{"title":"٣ - ضابط التشبه بالكفار","level":2,"page":409},{"title":"٤ - يجب إنكار التشبه ولا يجوز الإعانة عليه","level":2,"page":410},{"title":"٥ - حكم التشبه بهم في أعيادهم وما أحدثوه من العبادات أو العادات","level":2,"page":413},{"title":"٦ - ينهى عن التشبه ولو لم يقصد","level":2,"page":414},{"title":"٧ - المقصود الأعظم ترك الأسباب التي تدعو إلى موافقتهم ومشابهتهم باطنا","level":2,"page":415},{"title":"٨ - حكم مشابهة الكفار فيما ليس من شرعنا","level":2,"page":416},{"title":"٩ - وقوع ما أخبر به النبي -ﷺ- في قوله: \"لتركبن سنن من كان قبلكم\"","level":2,"page":417},{"title":"١٠ - يمنع الكفار من التشبه بالمسلمين","level":2,"page":419},{"title":"١١ - أثر التكلم بالعربية وترك الأعجمية","level":2,"page":420},{"title":"١٢ - ذكر أصناف ينهى عن التشبه بهم","level":2,"page":420},{"title":"١ - الكفار عموما","level":3,"page":421},{"title":"أ - المجوس","level":4,"page":421},{"title":"ب - الفرس","level":4,"page":421},{"title":"ج - الأعاجم غير المسلمين","level":4,"page":421},{"title":"٢ - الجاهلية وأهلها","level":3,"page":422},{"title":"٣ - الفساق","level":3,"page":423},{"title":"٤ - الشيطان","level":3,"page":424},{"title":"٥ - الأعراب الذين لم يكمل دينهم","level":3,"page":424},{"title":"٦ - البهائم","level":3,"page":425},{"title":"٧ - تشبه الرجال بالنساء وتشبه النساء بالرجال","level":3,"page":426},{"title":"٧٨ - التصوير","level":1,"page":428},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":435},{"title":"١ - التصوير بداية الشرك في بني آدم","level":3,"page":435},{"title":"علاقة هذا الباب بكتاب التوحيد","level":4,"page":435},{"title":"٢ - تنبيه","level":3,"page":436},{"title":"٣ - أقسام صناعة التصاوير وحكم كل قسم","level":3,"page":437},{"title":"القسم الأول: قال الشيخ ابن عثيمين: \"أن يصور الإنسان ما له ظل","level":4,"page":437},{"title":"القسم الثاني: تصوير ما ليس له ظل مما فيه نفس من الحيوان والإنسان لكن ليس على هيئة جسم","level":4,"page":438},{"title":"القسم الثالث التصوير بالآلة","level":4,"page":440},{"title":"القسم الرابع: تصوير ما لا ينتج عنه منظر ولا مشهد ثابت","level":4,"page":442},{"title":"القسم الخامس تصوير ما لا روح فيه","level":4,"page":443},{"title":"٤ - حكم اقتناء الصور واستعمالها واتخاذها","level":3,"page":444},{"title":"٥ - اللعب المصورة للبنات وتنقسم إلى قسمين","level":3,"page":451},{"title":"٦ - الصورة الرأس","level":3,"page":456},{"title":"٧ - سبب امتناع الملائكة دخول بيت فيه صورة","level":3,"page":459},{"title":"٧٩ - التطير","level":1,"page":460},{"title":"٨٠ - تعظيم الله","level":1,"page":461},{"title":"أما التعظيم بالقول فمن مظاهره","level":2,"page":464},{"title":"أما التعظيم بالفعل فمن مظاهره","level":2,"page":465},{"title":"حكم الإحداد على الزعماء والوجهاء","level":2,"page":466},{"title":"التحذير من التعظيم المحرم","level":2,"page":468},{"title":"٨١ - تقبيل القبور والأعتاب للتبرك","level":1,"page":470},{"title":"٨٢ - التكذيب ببعض ما جاء به الرسول -ﷺ-","level":1,"page":470},{"title":"٨٣ - التكفير","level":1,"page":471},{"title":"١ - النصوص الواردة في التحذير من التكفير بغير دليل شرعي ولا علم","level":2,"page":472},{"title":"٢ - وجوب التفريق بين الإطلاق والتعيين","level":2,"page":476},{"title":"٣ - قبل الحكم بالتكفير يشترط أن يكون عالما بمخالفته التي أوجبت كفره","level":2,"page":479},{"title":"٤ - يجب معرفة موانع التكفير ومنها","level":2,"page":480},{"title":"١ - العذر بالجهل","level":3,"page":480},{"title":"٢ - الإكراه","level":3,"page":480},{"title":"تنبيه: انشراح الصدر بالكفر بعض أنواع الكفر وليست هي قاعدة الكفر","level":4,"page":481},{"title":"تنبيه آخر","level":4,"page":481},{"title":"شروط الإكراه","level":4,"page":482},{"title":"٣ - الخطأ","level":3,"page":483},{"title":"٤ - التأويل","level":3,"page":485},{"title":"أما التأويل عند أهل البدع","level":4,"page":488},{"title":"٥ - العجز","level":3,"page":489},{"title":"تنبيهات","level":2,"page":492},{"title":"التنبيه الأول: معرفة العلاقة بين الظاهر والباطن","level":3,"page":492},{"title":"التنبيه الثاني: تكفير أهل القبلة لا يكون بالمعاصي","level":3,"page":500},{"title":"مسألة في بطلان القول بتكفير الجميع","level":4,"page":500},{"title":"التنبيه الثالث: لا يلزم من قتال فئة من المسلمين تكفيرهم","level":3,"page":501},{"title":"التنبيه الرابع: أن من يحكم في هذه الأمور هم العلماء والقضاة","level":3,"page":505},{"title":"التنبيه الخامس: الامتناع عن التكفير بإطلاق تعطيل للأحكام وإغلاق لباب الردة","level":3,"page":505},{"title":"التنبيه السادس: التكفير ليس سببه التكذيب أو الجحود فقط بل يكون بالاعتقاد وبالعمل","level":3,"page":506},{"title":"٨٤ - تكفير من لم يكفر الكافر","level":1,"page":509},{"title":"أقوال العلماء في كفر من لم يكفر الكافر أو شك في كفره","level":2,"page":510},{"title":"تنبيه مهم","level":2,"page":514},{"title":"٨٥ - التمسح بالقبر وتقبيله وغيره","level":1,"page":515},{"title":"حكم تقبيل القبور والأعتاب والتمسح بها","level":2,"page":516},{"title":"مسألة عن الوقوف في الملتزم ووضع الخد على البيت","level":2,"page":518},{"title":"٨٦ - التميمة","level":1,"page":520},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":523},{"title":"١ - حكم تعليق التميمة","level":3,"page":523},{"title":"٢ - مسألة: حكم تعليق التمائم من القرآن","level":3,"page":524},{"title":"٣ - ما يلحق بالتمائم","level":3,"page":526},{"title":"٤ - لبس الحلقة والخيط لرفع البلاء أو دفعه (٤)","level":3,"page":529},{"title":"٨٧ - التنجيم","level":1,"page":535},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":538},{"title":"١ - علم النجوم ينقسم إلى قسمين","level":2,"page":538},{"title":"٢ - حكم التنجيم","level":2,"page":539},{"title":"٣ - بعض شبه المنجمين","level":2,"page":540},{"title":"٤ - أما صناعة التنجيم وتعلمه والعمل به فقد أجاب عن حكمه شيخ الإسلام بقوله: \"بل ذلك محرم","level":2,"page":542},{"title":"٥ - أما حكم إتيان المنجمين فالكلام عنه كالكلام عن حكم إتيان الكهان","level":2,"page":543},{"title":"٦ - فائدة","level":2,"page":543},{"title":"٧ - التصديق بالبروج","level":2,"page":544},{"title":"٨٨ - التنطع","level":1,"page":546},{"title":"٨٩ - التوبة","level":1,"page":547},{"title":"وجوب التوبة إلى الله","level":2,"page":550},{"title":"حكم التوبة لغير الله","level":2,"page":551},{"title":"الفرق بين التوبة والاستغفار","level":2,"page":551},{"title":"٩٠ - التوحيد وأقسامه","level":1,"page":552},{"title":"التلازم بين أنواع التوحيد","level":2,"page":557},{"title":"فضل التوحيد","level":2,"page":560},{"title":"٩١ - توحيد الأسماء والصفات","level":1,"page":567},{"title":"مسائل تتعلق بالأسماء والصفات","level":2,"page":570},{"title":"الأولى: وجوب احترام أسماء الله","level":3,"page":570},{"title":"الثانية في حكم التسمي بأسماء الله","level":3,"page":571},{"title":"الثالث: قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"لا يصح أن نقول: \"شاءت قدرة الله\"","level":3,"page":572},{"title":"الرابعة: دعاء الصفة لا يجوز كأن يقول: يا رحمة الله ارحميني","level":3,"page":572},{"title":"الخامسة: حكم تسمية ضيف الله، وجار الله، ونعمة الله","level":3,"page":575},{"title":"السادسة: حكم قول: أخي العزيز هذه جائزة؛","level":3,"page":575},{"title":"السابعة: يقول الحافظ ابن القيم: \"يسأل في كل مطلوب باسم يكون مقتضيا لذلك المطلوب","level":3,"page":575},{"title":"وضد توحيد الأسماء والصفات الإلحاد","level":2,"page":576},{"title":"حكم جحود شيء من الأسماء والصفات من غير تأويل","level":2,"page":577},{"title":"وهذه المسألة فيها تفصيل","level":2,"page":579},{"title":"٩٢ - توحيد الألوهية","level":1,"page":581},{"title":"فوائد","level":2,"page":584},{"title":"١ - فائدة: يقال لتوحيد الألوهية توحيد العبادة","level":3,"page":584},{"title":"٢ - فطرية التوحيد وأن الشرك طارئ على البشر","level":3,"page":584},{"title":"٣ - ما يضاد التوحيد ويناقضه","level":3,"page":586},{"title":"٤ - تحقيق التوحيد (٢)","level":3,"page":587},{"title":"٩٣ - توحيد الربوبية","level":1,"page":590},{"title":"توحيد الربوبية لا يكفي العبد في حصول الإسلام","level":2,"page":592},{"title":"استلزام توحيد الربوبية لتوحيد الألوهية","level":2,"page":595},{"title":"٩٤ - توحيد القصد والطلب","level":1,"page":596},{"title":"٩٥ - توحيد المعرفة والإثبات","level":1,"page":597},{"title":"والتوحيد القولي ينقسم إلى قسمين","level":2,"page":597},{"title":"٩٦ - التوسل","level":1,"page":598},{"title":"ودليله من السنة","level":2,"page":604},{"title":"تنبيه","level":2,"page":605},{"title":"تنبيه","level":2,"page":608},{"title":"حكم التوسل إلى الله بذوات المخلوقين","level":2,"page":609},{"title":"مسائل مهمة","level":2,"page":612},{"title":"حكم التوسل بالأموات","level":2,"page":614},{"title":"حكم التوسل بسيد الأنبياء","level":2,"page":615},{"title":"دفع توهم","level":2,"page":616},{"title":"شبهات في التوسل الممنوع","level":2,"page":616},{"title":"الشبهة الأولى","level":3,"page":616},{"title":"الشبهه الثانية","level":3,"page":619},{"title":"الشبهة الثالثة","level":3,"page":620},{"title":"الشبهة الرابعة","level":3,"page":621},{"title":"الشبهة الخامسة","level":3,"page":623},{"title":"الشبهة السادسة","level":3,"page":624},{"title":"الشبهة السابعة","level":3,"page":625},{"title":"الشبهة الثامنة","level":3,"page":626},{"title":"الشبهة التاسعة","level":3,"page":627},{"title":"الشبهة العاشرة","level":3,"page":631},{"title":"الشبهة الحادية عشرة","level":3,"page":634},{"title":"٩٧ - التوكل على الله تعالى","level":1,"page":635},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":638},{"title":"١ - صلة التوكل بالعبادة والإيمان","level":3,"page":638},{"title":"٢ - حقيقة التوكل","level":3,"page":639},{"title":"٣ - أقسام التوكل على الله","level":3,"page":640},{"title":"٤ - أقسام التوكل على غير الله","level":3,"page":641},{"title":"٥ - مسألة: قول توكلت على الله ثم عليك","level":3,"page":643},{"title":"٦ - كيف يستكمل العبد مقام التوكل وتثبت قدمه فيه","level":3,"page":643},{"title":"٧ - علاقة الأسباب بالتوكل","level":3,"page":645},{"title":"٨ - مسألة مهمة في علاقة التداوي والاكتواء والاسترقاء بالتوكل","level":3,"page":650},{"title":"٩٨ - التولة","level":1,"page":653},{"title":"علاقة الدبلة بالتولة","level":2,"page":654},{"title":"٩٩ - الجاهلية","level":1,"page":656},{"title":"فائدة: مما ينهى عنه إطلاق كلمة (جاهلية القرن العشرين)","level":2,"page":659},{"title":"فائدة: قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: \"لا تنقض عرى الإسلام عروة عروة حتى ينشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية","level":2,"page":661},{"title":"١٠٠ - الجبت","level":1,"page":663},{"title":"١٠١ - جحود شيء من الأسماء والصفات","level":1,"page":666},{"title":"١٠٢ - جزيرة العرب","level":1,"page":667},{"title":"فائدة في معنى قول النبي - ﷺ -: \"إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب\".","level":2,"page":669},{"title":"حدود جزيرة العرب وكلام أهل العلم فيه","level":2,"page":670},{"title":"حكم وجود غير المسلمين في جزيرة العرب","level":2,"page":680},{"title":"يمنع الكافر من دخول حرم مكة بكل حال","level":2,"page":686},{"title":"مسألة: فإن قيل إن المنع من قربان المسجد الحرام خاص بالمشركين","level":2,"page":688},{"title":"حكم بناء معابد للكفرة في الجزيرة العرب","level":2,"page":690},{"title":"١٠٣ - الجفر وعلاقته بالتنجيم","level":1,"page":691},{"title":"١٠٤ - الجماعة","level":1,"page":691},{"title":"١٠٥ - الجن","level":1,"page":692},{"title":"فوائد وأحكام","level":2,"page":693},{"title":"١ - هل إبليس من الملائكة؟","level":2,"page":693},{"title":"٢ - حكم استخدام الجن","level":2,"page":695},{"title":"١٠٦ - الحازر","level":1,"page":705},{"title":"١٠٧ - حب الله","level":1,"page":705},{"title":"١٠٨ - الحب في الله والبغض فيه","level":1,"page":706},{"title":"الولاية والبراء - المحبة","level":2,"page":706},{"title":"أقوال السلف","level":2,"page":710},{"title":"حب المؤمنين بحسب ما فيهم من خصال الخير والشر","level":2,"page":712},{"title":"١٠٩ - العجب والحروز","level":1,"page":713},{"title":"١١٠ - حق الله على العباد وحق العباد على الله","level":1,"page":714},{"title":"١١١ - الحكم بغير ما أنزل الله","level":1,"page":720},{"title":"التحاكم إلى غير ما أنزل الله، طاعة العلما","level":2,"page":720},{"title":"حكم من حكم بغير ما أنزل الله","level":2,"page":723},{"title":"سادسا: الحكم العام بغير ما أنزل الله","level":2,"page":729},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":731},{"title":"١ - متى يكون الحكم بغير ما أنزل الله كفرا أصغر؟","level":2,"page":731},{"title":"٢ - هناك من يضعف الرواية الواردة عن ابن عباس","level":2,"page":736},{"title":"٣ - حكم دراسة القوانين الوضعية وتدريسها","level":2,"page":738},{"title":"٤ - تنبيه مهم","level":2,"page":740},{"title":"١١٢ - الحلف","level":1,"page":742},{"title":"أقوال بعض السلف","level":2,"page":744},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":745},{"title":"١ - حكم الحلف بغير الله","level":2,"page":745},{"title":"٢ - مسألة: إقسام الله تعالى بمخلوقاته","level":2,"page":748},{"title":"٣ - فائدة في ذكر أيمان النبي - ﷺ - من ذلك","level":2,"page":749},{"title":"٤ - مسألة في قوله - ﷺ -: \"أفلح وأبيه إن صدق\"","level":2,"page":750},{"title":"٥ - ما يجب على المحلوف له بالله","level":2,"page":752},{"title":"٦ - حكم كثرة الحلف والحنث فيه","level":2,"page":754},{"title":"٧ - كفارة الحلف بغير الله","level":2,"page":757},{"title":"١١٣ - الحلقة","level":1,"page":758},{"title":"١١٤ - حماية التوحيد","level":1,"page":759},{"title":"الفرق بين حماية حمى التوحيد وحماية جنابه","level":2,"page":760},{"title":"وتتمثل الوسائل الشركية فيما يلي","level":2,"page":761},{"title":"١ - الغلو في الأنبياء والصالحين","level":2,"page":761},{"title":"٢ - الموافقة الظاهرة للكفار","level":2,"page":762},{"title":"ومن الموافقة الظاهرة للكفار تعظيم أماكن الجاهلية وأعيادهم","level":2,"page":763},{"title":"٣ - السؤال بالخلق أو بالجاه","level":2,"page":764},{"title":"٤ - اتخاذ الصور","level":2,"page":765},{"title":"٥ - تعليق الحروز من القرآن","level":2,"page":766},{"title":"١١٥ - الحنيفية","level":1,"page":767},{"title":"١١٦ - الخروج عن الشريعة","level":1,"page":770},{"title":"١١٧ - الخشوع","level":1,"page":771},{"title":"فوائد","level":2,"page":772},{"title":"١ - سبب الخشوع","level":3,"page":772},{"title":"٢ - خشوع النفاق","level":3,"page":774},{"title":"١١٨ - الخشية","level":1,"page":775},{"title":"الفرق بين الخشية والخوف","level":2,"page":776},{"title":"١١٩ - الخط","level":1,"page":777},{"title":"١٢٠ - الخلة","level":1,"page":778},{"title":"العلاقة بين الخلة والعبودية","level":2,"page":779},{"title":"١٢١ - الخوارق الشيطانية","level":1,"page":780},{"title":"١٢٢ - الخوف","level":1,"page":781},{"title":"أقسام الخوف","level":2,"page":782},{"title":"تحصيل أسباب الخوف من الله","level":2,"page":788},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":788},{"title":"١ - حد الخوف الواجب","level":3,"page":788},{"title":"٢ - الفرق بين الخوف والوجل والفزع","level":3,"page":789},{"title":"٣ - المؤمن بين الحب والخوف والرجاء","level":3,"page":790},{"title":"أهمية الخوف","level":4,"page":791},{"title":"أهمية الرجاء","level":4,"page":791},{"title":"٤ - هل الأفضل للإنسان أن يغلب جانب الخوف أو يغلب جانب الرجاء؟","level":3,"page":793},{"title":"١٢٣ - الخيط","level":1,"page":801},{"title":"١٢٤ - الدعاء","level":1,"page":802},{"title":"أقوال بعض السلف","level":2,"page":804},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":805},{"title":"١ - دعاء العبادة ودعاء المسألة","level":3,"page":805},{"title":"٢ - التلازم بين دعاء المسألة ودعاء العبادة","level":3,"page":806},{"title":"٣ - مسألة: إذا ورد في القرآن لفظ الدعاء فهل يراد به دعاء العبادة أم دعاء المسألة؟.","level":3,"page":806},{"title":"٤ - أقسام الدعاء","level":3,"page":807},{"title":"٦ - حكم ترك الدعاء استسلاما للقضاء","level":3,"page":808},{"title":"٧ - حكم الدعاء للمشركين","level":3,"page":809},{"title":"٨ - حكم دعاء غير الله","level":3,"page":810},{"title":"٩ - الفرق بين الدعاء والاستعانة","level":3,"page":812},{"title":"١٠ - الفرق بين الدعاء والنداء","level":3,"page":812},{"title":"١١ - دعاء أصحاب القبور وطلب الحوائج منهم","level":3,"page":813},{"title":"١٢ - أحوال سؤال السائل للميت","level":3,"page":815},{"title":"١٣ - شبهة","level":3,"page":823},{"title":"١٤ - فائدة","level":3,"page":824},{"title":"١٥ - مسألة: الدعاء عند قبر النبي - ﷺ -","level":3,"page":825},{"title":"هيئة الداعي عند قبر النبي - ﷺ -","level":4,"page":825},{"title":"١٢٥ - الدهر","level":1,"page":827},{"title":"أقسام سب الدهر","level":2,"page":830},{"title":"١٢٦ - الدين","level":1,"page":834},{"title":"فوائد","level":2,"page":837},{"title":"١ - كل عبادة يقوم بها الإنسان تسمى دينا ولو كانت عبادة باطلة ولا يقبل الله من ذلك إلا الدين الحق وهو دين الإسلام","level":2,"page":837},{"title":"٢ - الفرق بين الدين والملة والمذهب","level":2,"page":837},{"title":"١٢٧ - الذبح","level":1,"page":839},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":841},{"title":"١ - في قوله \"قرب ولو ذبابا\" ذهب بعض أهل العلم إلى أنه مكره","level":3,"page":841},{"title":"٢ - فائدة: في قوله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾","level":3,"page":841},{"title":"٣ - أقسام الذبح من حيث الحكم الشرعي","level":3,"page":842},{"title":"حكم الذبح لغير الله","level":4,"page":843},{"title":"صور شركية للذبح","level":5,"page":843},{"title":"٤ - ويحرم أكل ما ذبح للسلطان تعظيما بخلاف الإكرام والضيافة.","level":3,"page":846},{"title":"٥ - ومن البدع المحدثة أن يتقرب إلى الله بالذبح في مكان بعينه ابتغاء البركة","level":3,"page":847},{"title":"٦ - في حديث أنس بن مالك - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"لا عقر في الإسلام\"","level":3,"page":847},{"title":"الذبح لله تعالى بمكان يذبح فيه لغير الله","level":4,"page":849},{"title":"٧ - حكم أكل ما ذبح لغير الله","level":3,"page":849},{"title":"٨ - أما ذبيحة أهل الكتاب فيجملها الشيخ محمد الأمين الشنقيطي - ﵀ - في قوله: \"ذبيحة الكتابي لها خمس حالات لا سادس لها","level":3,"page":850},{"title":"٩ - حكم ذبيحة الكافر","level":3,"page":851},{"title":"١٢٨ - ذمة الله وذمة نبيه","level":1,"page":852},{"title":"١٢٩ - ذو الخلصة","level":1,"page":854},{"title":"١٣٠ - الرجاء","level":1,"page":855},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":857},{"title":"١ - قال ابن قاسم - ﵀ - في حاشية ثلاثة الأصول: \"الرجاء: عبادة قلبية، من أجل العبادات، فصرفه لغير الله شرك أكبر\"","level":3,"page":857},{"title":"٢ - استعمال كلمة \"أرجوك\"","level":2,"page":858},{"title":"٣ - المؤمن بين الرجاء والخوف","level":2,"page":858},{"title":"٤ - الفرق بين الرجاء والتمني","level":2,"page":859},{"title":"٥ - ماذا يستلزم الرجاء؟","level":2,"page":859},{"title":"١٣١ - الردة","level":1,"page":861},{"title":"الدليل من السنة","level":2,"page":862},{"title":"أقوال السلف","level":2,"page":862},{"title":"فوائد وأحكام","level":2,"page":863},{"title":"بم تحصل الردة؟","level":3,"page":863},{"title":"١ - الكفر بالاعتقاد","level":3,"page":864},{"title":"٢ - الكفر بالقول","level":3,"page":865},{"title":"٣ - الكفر بالعمل","level":3,"page":866},{"title":"٤ - الكفر بالشك","level":3,"page":867},{"title":"تنبيه","level":3,"page":869},{"title":"الأعمال التي تبطلها الردة","level":2,"page":873},{"title":"ما يترتب على المرتد من آثار","level":2,"page":873},{"title":"شروط الحكم بالردة","level":2,"page":874},{"title":"استتابة المرتد","level":2,"page":875},{"title":"كيف تكون توبة المرتد؟","level":2,"page":876},{"title":"فائدة: في توبة من تكررت ردته","level":2,"page":876},{"title":"فائدة","level":2,"page":877},{"title":"١٣٢ - الرسل عليهم الصلاة والسلام","level":1,"page":877},{"title":"١٣٣ - الرضا بقضا الله وقدره","level":1,"page":877},{"title":"١٣٤ - الرغبة","level":1,"page":878},{"title":"فائدة: الفرق بين الرغبة والرجاء","level":2,"page":880},{"title":"١٣٥ - الرقى","level":1,"page":881},{"title":"أقوال بعض السلف","level":2,"page":883},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":883},{"title":"١ - حكم الرقية","level":3,"page":883},{"title":"٢ - شروط جواز الرقية","level":3,"page":885},{"title":"تنبيه","level":4,"page":887},{"title":"٣ - حكم رقية أهل الكتاب للمسلمين","level":3,"page":887},{"title":"٤ - مسائل متنوعة في الرقية","level":3,"page":889},{"title":"أولا: تعريف النفث والتفل في الرقية","level":4,"page":889},{"title":"ثانيا: متى يكون النفث حال القراءة؟","level":4,"page":889},{"title":"ثالثا: الخلاف في كراهية النفث وإباحته","level":4,"page":890},{"title":"رابعا: حكم الرقية بدون نفث","level":4,"page":891},{"title":"خامسا: حكم شرب الرقية المكتوبة","level":4,"page":892},{"title":"سادسا: خلط بعض التراب مع الريق","level":4,"page":895},{"title":"سابعا: حكم أخذ الأجرة على الرقية","level":4,"page":897},{"title":"٥ - فائدة: العين حق وأدلة ذلك كثيرة معلومة.","level":3,"page":897},{"title":"٦ - الطرق الشرعية لاتقاء العين قبل وقوعها","level":3,"page":902},{"title":"أولا: بالنسبة لمن يخاف العين","level":4,"page":902},{"title":"١ - المداومة على الأذكار ومنها","level":5,"page":902},{"title":"٢ - ستر محاسن من يخاف عليه العين.","level":5,"page":903},{"title":"حكم تلبيس الصبيان الملابس الرثة خوفا من العين","level":6,"page":904},{"title":"ثانيا: بالنسبة للعائن","level":4,"page":904},{"title":"٧ - أثر الرقية والاسترقاء على التوكل","level":3,"page":906},{"title":"الركوع","level":2,"page":909},{"title":"الرمال","level":2,"page":909},{"title":"١٣٦ - الرهبة","level":1,"page":910},{"title":"الدليل من الكتاب","level":2,"page":910},{"title":"الدليل من السنة","level":2,"page":910},{"title":"١٣٧ - الرياء","level":1,"page":911},{"title":"[الإخلاص - إرادة الإنسان بعمله الدنيا]","level":2,"page":911},{"title":"أقوال السلف في الرياء","level":2,"page":913},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":914},{"title":"١ - الفرق بين الرياء والسمعة","level":3,"page":914},{"title":"٢ - الرياء شرك","level":3,"page":915},{"title":"٣ - الرياء على درجتين","level":3,"page":917},{"title":"الدرجة الأولى","level":4,"page":917},{"title":"الدرجة الثانية","level":4,"page":918},{"title":"٤ - حكم العبادة إذا خالطها الرياء","level":3,"page":918},{"title":"٥ - الأمور التي يقع فيها الرياء","level":3,"page":926},{"title":"٦ - بين المرائي والمعجب","level":3,"page":928},{"title":"٧ - علاج الرياء","level":3,"page":929},{"title":"٨ - هل ترك العمل من أجل الناس رياء","level":3,"page":930},{"title":"٩ - مسألة: لو أن هناك إنسان لم يعتد على عمل صالح كقيام الليل وحضر عنده ناس يقومون الليل فقام معهم فهل هذا من الرياء؟.","level":3,"page":932},{"title":"١٣٨ - الزنديق","level":1,"page":933},{"title":"[النفاق]","level":2,"page":933},{"title":"حكم توبة الزنديق","level":2,"page":935},{"title":"١٣٩ - زيارة القبور","level":1,"page":938},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":938},{"title":"١ - زيارة المقابر تنقسم إلى ثلاثة أقسام","level":2,"page":938},{"title":"٢ - حكم زيارة قبر المشرك","level":2,"page":943},{"title":"٣ - حكم زيارة النساء للقبور","level":2,"page":944},{"title":"أقوال العلماء في حكم زيارة النساء للقبور","level":3,"page":945},{"title":"٤ - حكم زيارة المرأة لقبر النبي - ﷺ -","level":2,"page":950},{"title":"١٤٠ - السؤال","level":1,"page":951},{"title":"ذم سؤال الخلق","level":2,"page":953},{"title":"حكم سؤال الغير أن يدعو له","level":2,"page":955},{"title":"فائدة: قول ابن مفلح \"وما جاءه من مال بلا إشراف نفس ولا مسألة وجب أخذه","level":2,"page":956},{"title":"فائدة لا بأس بمسألة الماء","level":2,"page":957},{"title":"١٤١ - السؤال بالله","level":1,"page":958},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":959},{"title":"١ - أقسام السؤال بالله","level":3,"page":959},{"title":"٢ - حكم السؤال بالله","level":3,"page":959},{"title":"٣ - حكم إجابة السؤاك بالله","level":3,"page":959},{"title":"٤ - إجابة من أقسم عليك بالله","level":3,"page":961},{"title":"١٤٢ - السؤال بالجاه أو بالحق","level":1,"page":963},{"title":"١٤٣ - السؤال بوجه الله","level":1,"page":965},{"title":"مسألة: قول \"يا وجه الله\"","level":2,"page":967},{"title":"١٤٤ - سب الأنبياء والملائكة","level":1,"page":969},{"title":"حكم سب الأنبياء والملائكة","level":2,"page":969},{"title":"١٤٥ - سب أمهات المؤمنين","level":1,"page":972},{"title":"حكم سب عائشة - ﵂ -","level":2,"page":972},{"title":"حكم قذف بقية أمهات المؤمنين","level":2,"page":973},{"title":"١٤٦ - سب الدين أو الرب","level":1,"page":975},{"title":"١٤٧ - سب الدهر","level":1,"page":976},{"title":"١٤٨ - الرسول - ﷺ -","level":1,"page":977},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":981},{"title":"١ - الفرق بين سب الله وسب رسوله - ﷺ -","level":3,"page":981},{"title":"٢ - مما يلحق بهذا الباب لمز الرسول - ﷺ -","level":3,"page":983},{"title":"٣ - ويلحق بهذا الباب إيذاء الرسول - ﷺ -","level":3,"page":985},{"title":"١٤٩ - سب الريح","level":1,"page":988},{"title":"فائدة: ليس من السب أن توصف الريح أو يوصف الدهر بالشدة","level":2,"page":990},{"title":"فائدة أخرى: جاء في الحديث: \"لا تسبوا الريح، فإنها من نفس الرحمن\"","level":2,"page":990},{"title":"١٥٠ - سب الصحابة","level":1,"page":991},{"title":"النهي عن سب الصحابة","level":2,"page":993},{"title":"حكم سب الصحابة","level":2,"page":994},{"title":"أ - سب عموم الصحابة","level":3,"page":995},{"title":"ب - سب بعضهم سبا يطعن في دينهم","level":3,"page":996},{"title":"تنبيه","level":4,"page":998},{"title":"ج - من سبهم سبا لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم","level":3,"page":998},{"title":"سب السلف والعلماء والمؤمنين","level":4,"page":999},{"title":"١٥١ - السبب","level":1,"page":1000},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":1002},{"title":"١ - الأسباب على قسمين","level":3,"page":1002},{"title":"٢ - موقف الناس من الأسباب","level":3,"page":1003},{"title":"٣ - الأسباب على قسمين: مشروعة وغير مشروعة","level":3,"page":1011},{"title":"القسم الأول: أسباب مشروعة","level":4,"page":1011},{"title":"١ - أسباب واجبة","level":5,"page":1012},{"title":"٢ - أسباب مستحبة","level":5,"page":1012},{"title":"٣ - أسباب مباحة وجائزة","level":5,"page":1013},{"title":"القسم الثاني: أسباب غير مشروعة","level":4,"page":1013},{"title":"أولا: أسباب شركية تنافي التوحيد في أصله","level":5,"page":1014},{"title":"ثانيا: أن يثبت من الأسباب ما لم يجعله الله سببا","level":5,"page":1014},{"title":"وبعضهم يجعله شركا أصغر ويجعله قاعدة","level":6,"page":1015},{"title":"ثالثا: أسباب محرمة لكن لا تدخل في الشرك","level":5,"page":1016},{"title":"٤ - حكم التعلق بالأسباب","level":3,"page":1018},{"title":"١٥٢ - السجود","level":1,"page":1020},{"title":"[الإنحناء - التعظيم]","level":2,"page":1020},{"title":"مسألة: ذكر ابن القيم - ﵀ - في \"الإغاثة\"","level":2,"page":1024},{"title":"مسألة: حكم السجود على المقابر","level":2,"page":1026},{"title":"١٥٣ - السحر","level":1,"page":1027},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":1029},{"title":"١ - حقيقة السحر","level":3,"page":1029},{"title":"٢ - الفرق بين السحر والمعجزة","level":3,"page":1031},{"title":"٣ - الفرق بين الساحر والكاهن","level":3,"page":1033},{"title":"٤ - حكم عمل الساحر","level":3,"page":1033},{"title":"٥ - والساحر في عمله المقتضي للكفر لا يخرج عن أمور ثلاثة","level":3,"page":1034},{"title":"وبعض أهل العلم يفصل في حكم الساحر","level":4,"page":1035},{"title":"٦ - حد الساحر","level":3,"page":1038},{"title":"٧ - حكم تعلم السحر وتعليمه","level":3,"page":1042},{"title":"٨ - حكم الذهاب للسحرة وسؤالهم","level":3,"page":1043},{"title":"٩ - إصابة الرسول - ﷺ - بالسحر","level":3,"page":1044},{"title":"١٠ - توضيح معنى كلمة الطب","level":3,"page":1045},{"title":"١١ - فائدة","level":3,"page":1046},{"title":"١٢ - الرد على من أنكر إصابة الرسول - ﷺ - بالسحر","level":3,"page":1046},{"title":"١٣ - حل السحر بسحر مثله","level":3,"page":1048},{"title":"١٤ - علاقة النميمة والعضه بالسحر","level":3,"page":1048},{"title":"١٥ - ضبط كلمة العضه","level":3,"page":1049},{"title":"١٦ - حكم النميمة","level":3,"page":1050},{"title":"١٧ - علاقة البيان بالسحر","level":3,"page":1051},{"title":"١٥٤ - السخط من أقدار الله","level":1,"page":1052},{"title":"١٥٥ - السفر إلي بلاد الكفر","level":1,"page":1052},{"title":"١٥٦ - السلام على الله","level":1,"page":1053},{"title":"حكم قول السلام على الله","level":2,"page":1055},{"title":"فائدة في معنى السلام المطلوب عند التحية","level":2,"page":1055},{"title":"١٥٧ - السلف","level":1,"page":1057},{"title":"١٥٨ - السمعة","level":1,"page":1057},{"title":"١٥٩ - السنة","level":1,"page":1058},{"title":"الأدلة","level":2,"page":1058},{"title":"أقوال السلف","level":2,"page":1058},{"title":"حكم إنكار المتواتر.","level":2,"page":1060},{"title":"حكم رد خبر الآحاد","level":2,"page":1061},{"title":"١٦٠ - سوء الظن بالله","level":1,"page":1067},{"title":"١٦١ - سواع","level":1,"page":1067},{"title":"١٦٢ - السيد","level":1,"page":1068},{"title":"[عبدي وأمتي]","level":2,"page":1068},{"title":"حكم وفوائد","level":2,"page":1069},{"title":"١ - حكم تسمية المخلوق بالسيد","level":3,"page":1069},{"title":"٢ - أما إطلاق المولى فقد جاء في الحديث عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"ولا يقل مولاي فإنما مولاكم الله\"","level":3,"page":1074},{"title":"٣ - حكم تسمية المنافق بالسيد","level":3,"page":1075},{"title":"٤ - ما جاء في قول \"سيدنا محمد\"","level":3,"page":1075},{"title":"٥ - الجمع بين حديث \"السيد الله\" وحديث \"أنا سيد ولد آدم\"؟","level":3,"page":1076},{"title":"٦ - عبارة \"السيدة عائشة ﵂\"؟","level":3,"page":1078},{"title":"٧ - أما إطلاق الرب فلا يجوز إلا على الله","level":3,"page":1078},{"title":"١٦٣ - الشؤم","level":1,"page":1081},{"title":"معنى حديث الشؤم في ثلاث","level":2,"page":1083},{"title":"١٦٤ - شد الرحال إلى القبور والسفر إليها","level":1,"page":1086},{"title":"[زيارة القبور - تتبع آثار الأنبياء والصالحين المكانية]","level":2,"page":1086},{"title":"حكم شد الرحل لزيارة قبر النبي - ﷺ -","level":2,"page":1089},{"title":"أدلة المجيزين لاستحباب السفر لزيارة القبر","level":2,"page":1096},{"title":"مسألة في حكم شد الرحال لزيارة الأهرامات","level":2,"page":1098},{"title":"١٦٥ - شروط \"لا الله إله الله\"","level":1,"page":1098},{"title":"١٦٦ - الشرك","level":1,"page":1099},{"title":"فوائد ومسائل","level":2,"page":1101},{"title":"١ - فائدة: قول الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن أعظم ما نهى الله عنه الشرك وأعظم ما أوجبه التوحيد","level":3,"page":1101},{"title":"٢ - أقسام الشرك","level":3,"page":1102},{"title":"٣ - سبب أول شرك حصل في بني آدم","level":3,"page":1103},{"title":"٤ - فائدة معرفة الشرك","level":3,"page":1104},{"title":"٥ - الفرق بين الكفر والشرك","level":3,"page":1105},{"title":"١٦٧ - الشرك الأصغر","level":1,"page":1109},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":1110},{"title":"١ - يعرف الشرك الأصغر بأمور منها","level":3,"page":1110},{"title":"فائدة: من الشرك الأصغر ما يكون شركا أكبر بحسب قائله ومقصد","level":4,"page":1111},{"title":"٢ - أضرار الشرك الأصغر","level":3,"page":1111},{"title":"٣ - الفرق بين الشرك الأكبر والأصغر","level":3,"page":1112},{"title":"٤ - حكم مرتكب الشرك الأصغر","level":3,"page":1113},{"title":"٥ - أمثلة الشرك الأصغر وصوره","level":3,"page":1119},{"title":"١٦٨ - الشرك الأكبر","level":1,"page":1120},{"title":"أقسام الشرك الأكبر","level":2,"page":1121},{"title":"أضرار الشرك الأكبر","level":2,"page":1122},{"title":"١٦٩ - الشرك الخفي","level":1,"page":1125},{"title":"العلاقة بين الشرك الخفي والشرك الأصغر","level":2,"page":1126},{"title":"١٧٠ - شرك التسمية","level":1,"page":1129},{"title":"حكم تعبيد الاسم لغير الله","level":2,"page":1136},{"title":"١٧١ - شرك المحبة","level":1,"page":1138},{"title":"١٧٢ - الشرعية","level":1,"page":1139},{"title":"[التوحيد والسنة]","level":2,"page":1139},{"title":"١٧٣ - شعب الإيمان","level":1,"page":1142},{"title":"معنى البضع","level":2,"page":1143},{"title":"اختلاف روايات الحديث في تعداد الشعب","level":2,"page":1143},{"title":"الاجتهاد في حصر شعب الإيمان ومعرفتها","level":2,"page":1144},{"title":"١٧٤ - الشك في حكم الله ﷿ أو الشك في أخباره","level":1,"page":1148},{"title":"١٧٥ - الشعوذة والدجل","level":1,"page":1149},{"title":"١٧٦ - الشفاعة","level":1,"page":1151},{"title":"فوائد وأحكام","level":2,"page":1154},{"title":"١ - أنواع الشفاعة يوم القيامة","level":3,"page":1154},{"title":"٢ - أسباب الحصول على الشفاعة","level":3,"page":1157},{"title":"٣ - والشفاعة شفاعتان شفاعة منفية وشفاعة مثبتة","level":3,"page":1158},{"title":"حكم طلب الشفاعة من الرسول - ﷺ - في الدنيا","level":2,"page":1161},{"title":"٤ - فائدة: الآية القاطعة لما يتعلق به المشركون من أسباب هي قوله تعالى: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض﴾","level":3,"page":1166},{"title":"٥ - فائدة: أنكر الخوارج والمعتزلة شفاعة النبي - ﷺ - لأهل الكبائر بناء على أصلهم الفاسد في تخليد أهل الكبائر من أهل التوحيد في النار","level":3,"page":1167},{"title":"٦ - الشبه التي يتعلق بها المشركون في طلب الشفاعة من غير الله","level":3,"page":1169},{"title":"٧ - الفرق بين الشفاعة عند الله وبين الشفاعة عند البشر","level":3,"page":1172},{"title":"٨ - حكم الشفاعة في أمور الدنيا","level":3,"page":1173},{"title":"١٧٧ - الشكر","level":1,"page":1175},{"title":"الدليل من الكتاب","level":2,"page":1176},{"title":"العلاقة بين الحمد والشكر والمدح","level":2,"page":1177},{"title":"١٧٨ - شهادة أن محمدا رسول الله","level":1,"page":1183},{"title":"[الإيمان بالرسل - النبوة]","level":2,"page":1183},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":1186},{"title":"١ - أركان شهادة \"أن محمدا رسول الله\"","level":3,"page":1186},{"title":"٢ - ماذا تتضمن معرفة النبي - ﷺ -","level":3,"page":1188},{"title":"٣ - خصائص النبي - ﷺ -","level":3,"page":1189},{"title":"١٧٩ - الشهادة لمعين بالجنة أو النار","level":1,"page":1191},{"title":"١٨٠ - الصبر","level":1,"page":1192},{"title":"أقوال السلف في الصبر","level":2,"page":1194},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":1196},{"title":"١ - حكم الصبر","level":3,"page":1196},{"title":"٢ - أقسام الصبر","level":3,"page":1197},{"title":"٣ - تفاوت درجات الصبر","level":3,"page":1198},{"title":"٤ - موقف العبد حال المصيبة","level":3,"page":1200},{"title":"٥ - حكم الرضا بقضاء الله جل وعلا","level":3,"page":1201},{"title":"٦ - الفرق بين الرضا والصبر","level":3,"page":1205},{"title":"٣ - الندب والنياحة وشق الثياب ...","level":3,"page":1210},{"title":"حكم النياحة","level":3,"page":1212},{"title":"مسألة: عذاب الميت بما نيح عليه؟","level":3,"page":1214},{"title":"٨ - حكم البكاء","level":3,"page":1217},{"title":"٩ - فائدة في معنى الهلع","level":3,"page":1218},{"title":"١٨١ - الصدق المنافي للكذب","level":1,"page":1219},{"title":"١٨٢ - الصراط المستقيم","level":1,"page":1220},{"title":"[الدين - الإسلام - التوحيد - السنة]","level":2,"page":1220},{"title":"فائدة: قال ابن القيم - ﵀ -: \"قال الله تعالى ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا","level":2,"page":1223},{"title":"١٨٣ - صفر","level":1,"page":1225},{"title":"أقوال العلماء في معنى \"صفر\"","level":2,"page":1225},{"title":"١٨٤ - الصليب","level":1,"page":1227},{"title":"١٨٥ - الصنم","level":1,"page":1228},{"title":"الفرق بين الصنم والوثن","level":2,"page":1228},{"title":"ذكر بعض الأصنام المشتهرة في الجاهلية","level":2,"page":1232},{"title":"١ - هبل","level":3,"page":1232},{"title":"٢ - اللات","level":3,"page":1233},{"title":"٣ - مناة","level":3,"page":1235},{"title":"هدم مناة","level":3,"page":1236},{"title":"٤ - العزى","level":3,"page":1237},{"title":"٥ - أصنام قوم نوح ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر","level":3,"page":1238},{"title":"كيف صارت أصنام قوم نوح إلى العرب؟","level":4,"page":1240},{"title":"٦ - إساف ونائلة","level":3,"page":1241},{"title":"٧ - ذو الخلصة","level":3,"page":1242},{"title":"أدلة الكتاب والسنة على هدم الأصنام ووجوب ذلك على كل قادر","level":2,"page":1244},{"title":"تنبيهات","level":2,"page":1251},{"title":"جهود المسلمين في هدم الأصنام","level":2,"page":1255},{"title":"١ - أخذ ذهب الباميان","level":3,"page":1255},{"title":"٢ - الرشيد يحاول هدم إيوان كسرى","level":3,"page":1256},{"title":"٣ - المأمون يحاول هدم الهرمين بمصر","level":3,"page":1256},{"title":"٥ - محمود بن سبكتكين يقتلع ألف صنم ويكسر الصنم المشهور بسومنات","level":3,"page":1258},{"title":"٦ - الملك قلاوون يدمر صنما قبالة أبا الهول","level":3,"page":1260},{"title":"٧ - الشيخ محمد بن عبد الوهاب يهدم بنيانا في أرض تعظمه العامة. قال في الرسالة السادسة ص (٣٩)","level":3,"page":1260},{"title":"١٨٦ - طاعة العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله","level":1,"page":1262},{"title":"أقوال السلف","level":2,"page":1264},{"title":"حكم الطاعة في تحريم ما أحل الله","level":2,"page":1266},{"title":"١٨٧ - الطاغوت","level":1,"page":1272},{"title":"والطواغيت كثير ورؤوسهم خمسة","level":2,"page":1277},{"title":"فائدة","level":2,"page":1278},{"title":"١٨ - الطب","level":1,"page":1279},{"title":"١٨٩ - الطرق","level":1,"page":1279},{"title":"١٩٠ - الطواف بغير الكعبة","level":1,"page":1280},{"title":"حكم الطواف حول القبور","level":2,"page":1281},{"title":"١٩١ - الطيرة","level":1,"page":1283},{"title":"[الفأل - صفر - العدوى]","level":2,"page":1283},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":1289},{"title":"١ - حكم الطيرة وهل هي شرك أكبر؟","level":3,"page":1289},{"title":"٢ - كفارة الطيرة","level":3,"page":1290},{"title":"٣ - الفرق بين الطيرة والفأل","level":3,"page":1291},{"title":"٤ - الفرق بين الطيرة والتطير","level":3,"page":1291},{"title":"٥ - كيف يدفع الإنسان الطيرة","level":3,"page":1293},{"title":"١٩٢ - الظلم","level":1,"page":1296},{"title":"١٩٣ - الظن بالله","level":1,"page":1301},{"title":"أمثلة لسوء الظن بالله تعالى","level":2,"page":1307},{"title":"١٩٤ - عارض الجهل وأثره على التكفير","level":1,"page":1309},{"title":"تنبيه","level":2,"page":1313},{"title":"ضوابط العذر بالجهل في التكفير","level":2,"page":1314},{"title":"أولا: مجرد النطق بالشهادتين يثبت به إسلام الشخص حكما ولا يزول عنه إسلامه إلا بمقتضى الدليل الشرعي","level":3,"page":1314},{"title":"ثانيا: عدم قيام الحجة مانع من تكفير المعين","level":3,"page":1315},{"title":"هل يمكن للرجل أن يقول لصاحبه أنت كافر قبل أن يعلمه بعمله؟","level":4,"page":1319},{"title":"ثالثا: الجاهل المتمكن من العلم وتركه تساهلا وإعراضا لا يعذر","level":3,"page":1323},{"title":"رابعا: قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص","level":3,"page":1325},{"title":"خامسا: ينبغي التفريق بين المسائل الظاهرة والمسائل الخفية","level":3,"page":1328},{"title":"تنبيه: معرفة فقه العذر بالجهل يوجب بيان الحكم وبث العلم.","level":4,"page":1334},{"title":"١٩٥ - العبادة","level":1,"page":1335},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":1339},{"title":"١ - شروط قبول العبادة","level":3,"page":1339},{"title":"٢ - أنواع العبادة","level":3,"page":1341},{"title":"حكم من عبد الله عند القبر","level":2,"page":1344},{"title":"١٩٦ - عبدي وأمتي","level":1,"page":1345},{"title":"فوائد وأحكام","level":2,"page":1345},{"title":"١ - حكم التلفظ بعبدي وأمتي","level":3,"page":1345},{"title":"٢ - حكم إطلاق الرب على المخلوق أو إضافته إليه","level":3,"page":1347},{"title":"أما إضافة الرب فهي أقسام","level":4,"page":1347},{"title":"٣ - هل النهي للتحريم أم للتنزيه؟","level":3,"page":1349},{"title":"٤ - الفرق بين الرب والسيد","level":3,"page":1349},{"title":"١٩٧ - العدوى","level":1,"page":1350},{"title":"الجمع بين حديث (لا عدوى) وحديث (فر من المجذوم)","level":2,"page":1351},{"title":"١٩٨ - العذر بالجهل","level":1,"page":1355},{"title":"١٩٩ - العراف","level":1,"page":1356},{"title":"[الكاهن، المنجم، السحر]","level":2,"page":1356},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":1357},{"title":"١ - قال الحافظ بعد أن خرج الحديث: \"اتفقت ألفاظهم على الوعيد بلفظ حديث أبي هريرة إلا حديث مسلم","level":2,"page":1357},{"title":"٢ - الفرق بين الكاهن والعراف","level":2,"page":1358},{"title":"٣ - حكم الذهاب للكهان والعرافين","level":2,"page":1359},{"title":"٤ - واجب ولاة الأمر نحو العرافين والكهان","level":2,"page":1359},{"title":"٢٠٠ - العروة الوثقى","level":1,"page":1360},{"title":"٢٠١ - العزائم","level":1,"page":1360},{"title":"٢٠٢ - العزى","level":1,"page":1360},{"title":"٢٠٣ - العضه","level":1,"page":1361},{"title":"٢٠٤ - العقيدة","level":1,"page":1362},{"title":"فائدة: العقيدة: كلمة مولدة ظهرت بعد القرن الرابع وقد استعمل لفظة \"الاعتقاد\"","level":2,"page":1363},{"title":"٢٠٥ - العكوف عند القبر والمجاورة عنده","level":1,"page":1364},{"title":"٢٠٦ - العلم المنافي للجهل","level":1,"page":1364},{"title":"٢٠٧ - عمل القلب","level":1,"page":1364},{"title":"٢٠٨ - العيافة","level":1,"page":1365},{"title":"فائدة: يطلق على من يصيب بظنه \"عائفا\" ولا يدخل في النهي ومن ذلك قول ابن سيرين: \"إن شريحا كان عائفا\"","level":2,"page":1366},{"title":"الفرق بين العيافة والتطير","level":2,"page":1367},{"title":"٢٠٩ - العيد","level":1,"page":1368},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":1370},{"title":"١ - سبب المنع من إقامة غير هذه الأعياد الشرعية حديث أنس السابق.","level":3,"page":1370},{"title":"٢ - والأعياد قسمان: زمانية ومكانية","level":3,"page":1372},{"title":"والأعياد المكانية التي ينهى عنها لها صور منها","level":4,"page":1372},{"title":"والأعياد الزمانية المبتدعة كثيرة وهي التي سأبينها في بقية بحثنا هذا، وهي قسمان","level":4,"page":1372},{"title":"القسم الأول: أعياد مبتدعة","level":5,"page":1372},{"title":"القسم الثاني: ما فيه تشبه بالكفرة في جعله عيدا.","level":5,"page":1376},{"title":"٣ - صور للاحتفال بهذه الأعياد","level":3,"page":1377},{"title":"٤ - ومن فتاوى اللجنة نعرض بعض ما بينوه في حكم لاحتفال بحلول عام ٢٠٠٠ م (الإفرنجي) وما يتعلق به من أمور","level":3,"page":1380},{"title":"٥ - حكم عيد الميلاد وعيد الأم","level":3,"page":1383},{"title":"وسئل الشيخ ابن عثيمين أيضا عن حكم الاحتفال بما يسمى عيد الأم؟","level":4,"page":1383},{"title":"٦ - وسئل ﵀ عن حكم الاحتفال عند تخريج دفعة من حفظة كتاب الله؟ وهل ذلك من اتخاذ الأعياد؟","level":3,"page":1385},{"title":"٧ - حكم التهنئة بأعياد الكفار","level":3,"page":1386},{"title":"٢١٠ - الغرباء","level":1,"page":1388},{"title":"[أهل السنة والجماعة]","level":2,"page":1388},{"title":"٢١١ - الغلو","level":1,"page":1394},{"title":"[الإطراء - التنطع - حماية التوحيد - التعظيم]","level":2,"page":1394},{"title":"ومن الأحاديث المتعلقة بالغلو ما جاء في تعظيم القبور والصالحين والغلو فيها","level":2,"page":1396},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":1397},{"title":"١ - أقسام الغلو","level":3,"page":1397},{"title":"٢ - مظاهر الغلو","level":3,"page":1397},{"title":"٢١٢ - الغول","level":1,"page":1401},{"title":"٢١٣ - الغيب","level":1,"page":1405},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":1407},{"title":"١ - كفر من ادعى الغيب","level":3,"page":1407},{"title":"٢ - أقسام الغيب","level":3,"page":1410},{"title":"٣ - مسألة: علم نزول الغيث خاص بالله","level":3,"page":1412},{"title":"٢١٤ - الفأل","level":1,"page":1413},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":1414},{"title":"١ - الفأل الذي يحبه الرسول - ﷺ - وسبب ذلك","level":3,"page":1414},{"title":"٢ - الفرق بين الفأل والطيرة","level":3,"page":1415},{"title":"فضابط الفرق بينهما","level":4,"page":1416},{"title":"٣ - هل الفأل من الطيرة؟","level":3,"page":1417},{"title":"٤ - أخذ الفأل من المصحف","level":3,"page":1418},{"title":"٥ - مسألة","level":3,"page":1419},{"title":"٢١٥ - الفترة","level":1,"page":1421},{"title":"٢١٦ - الفرقه الناجية","level":1,"page":1421},{"title":"فضل التوحيد","level":2,"page":1421},{"title":"٢١٧ - الفسق","level":1,"page":1422},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":1423},{"title":"١ - أقسام الفسق وأنواعه","level":3,"page":1423},{"title":"٢ - تنبيه","level":3,"page":1425},{"title":"تعريف الكبيرة","level":4,"page":1425},{"title":"٣ - التحذير من التفسيق بغير دليل شرعي ولا علم","level":3,"page":1428},{"title":"٢١٨ - الفطرة","level":1,"page":1429},{"title":"٢١٩ - قاضي القضاة ونحوه","level":1,"page":1433},{"title":"[احترام أسماء الله]","level":2,"page":1433},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":1435},{"title":"١ - الصحيح تحريم إطلاق ملك الأملاك أو قاضي القضاة","level":3,"page":1435},{"title":"٢ - مسألة: إذا أضيفت إلى طائفة معينة، أو بلد معين، أو فن معين ولم نطلق مثل قاض قضاة المغرب فهذا جائز","level":3,"page":1436},{"title":"٣ - النهي لا ينحصر في التسمي بملك الأملاك","level":3,"page":1436},{"title":"٤ - مسألة: حكم التسمي بأسماء الله.","level":3,"page":1437},{"title":"٥ - التسمي بشيخ الإسلام","level":3,"page":1437},{"title":"٢٢٠ - القبور","level":1,"page":1442},{"title":"[المشاهد - زيارة القبور]","level":2,"page":1442},{"title":"١ - احترام المقابر","level":2,"page":1442},{"title":"ومن أعظم ما يحترم به أصحاب القبور ترك الغلو فيهم","level":3,"page":1443},{"title":"وينبغي التزام السكينة حال السير مع الجنازة","level":3,"page":1444},{"title":"٢ - زيارة القبور","level":2,"page":1445},{"title":"٣ - زيارة النساء للقبور","level":2,"page":1445},{"title":"٤ - منشأ وبداية عبادة القبور","level":2,"page":1445},{"title":"استمرار عمل المشركين مع قبورهم في أمة محمد - ﷺ -","level":3,"page":1448},{"title":"٥ - حكم عبادة الله عند القبور","level":2,"page":1449},{"title":"ومن أنواع العبادات التي يكثر الوقوع فيها هناك","level":3,"page":1450},{"title":"مسألة: الدعاء عند قبر النبي - ﷺ -","level":3,"page":1452},{"title":"٦ - البدع عند القبور","level":2,"page":1452},{"title":"ومن البدع المتعلقة بالقبور","level":3,"page":1453},{"title":"٧ - وضع الغرس على القبر","level":2,"page":1453},{"title":"٨ - قراءة القرآن عند القبر","level":2,"page":1456},{"title":"٩ - الأذان والإقامة حال وضعه في القبر.","level":2,"page":1459},{"title":"١٠ - الطواف بالقبر وقد تقدم في باب (الطواف بغير الكعبة).","level":2,"page":1459},{"title":"٢٢١ - القبول المنافي للرد","level":1,"page":1459},{"title":"٢٢٢ - القدر","level":1,"page":1460},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":1466},{"title":"١ - أركان الإيمان بالقدر","level":3,"page":1466},{"title":"فائدة: قوله: \"أول ما خلق الله القلم\"","level":4,"page":1468},{"title":"والأدلة على المشيئة الشاملة كثيرة منها","level":4,"page":1469},{"title":"الفرق بين المشيئة والإرادة","level":4,"page":1470},{"title":"وأما الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية","level":4,"page":1470},{"title":"٢ - مسألة: فإن قلت: كيف؟ قال: \"وتؤمن بالقدر خيره وشره\"","level":3,"page":1475},{"title":"٣ - أقسام التقديرات وأنواعها","level":3,"page":1476},{"title":"٤ - القدر سر من أسرار الله","level":3,"page":1478},{"title":"٥ - ثمرات الإيمان بالقدر","level":3,"page":1480},{"title":"٦ - مسألة: الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي","level":3,"page":1481},{"title":"٧ - حكم الاحتجاج بالقدر عند المصائب","level":3,"page":1483},{"title":"٨ - مسألة في بعض النصوص التي يتوهم الناظر معارضتها للقدر","level":3,"page":1484},{"title":"٩ - حكم سب القدر","level":3,"page":1491},{"title":"٢٢٣ - قراءة الفنجان والكف","level":1,"page":1492},{"title":"٢٢٤ - القضاء","level":1,"page":1493},{"title":"الفرق بين القضاء والقدر","level":2,"page":1494},{"title":"٢٢٥ - القنوط من ﵀","level":1,"page":1497},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":1498},{"title":"١ - وللقنوط من رحمة الله واليأس من روحه سببان محذوران","level":3,"page":1498},{"title":"٢ - مسألة: القنوط على قسمين باعتبار محله","level":3,"page":1499},{"title":"٣ - حكم القنوط","level":3,"page":1499},{"title":"٢٢٦ - القيام تعظيما","level":1,"page":1500},{"title":"ومن فعل السلف وأقوالهم","level":2,"page":1502},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":1503},{"title":"١ - حكم القيام للقادم","level":3,"page":1503},{"title":"ويجوز القيام إذا ترتب على تركه مفسدة","level":4,"page":1504},{"title":"٢ - أثر القيام على التوحيد","level":3,"page":1507},{"title":"٣ - حكم القيام للكافر","level":3,"page":1509},{"title":"٢٢٧ - الكتابة على القبر","level":1,"page":1511},{"title":"٢٢٨ - الكرامة","level":1,"page":1514},{"title":"فوائد وأحكام","level":2,"page":1516},{"title":"١ - الفرق بين الكرامة والمعجزة","level":3,"page":1516},{"title":"٢ - أقسام الكرامة","level":3,"page":1517},{"title":"٣ - أمثلة لكرامات الأولياء","level":3,"page":1519},{"title":"٤ - بقاء الكرامات في أولياء الله إلى يوم القيامة","level":3,"page":1521},{"title":"٥ - حال العبد عند حصول الكرامة أو الخارق للعادة","level":3,"page":1521},{"title":"٦ - وجوب الإيمان بكرامات الأولياء وحكم إنكارها","level":3,"page":1523},{"title":"٧ - الفرق بين كرامات الأولياء وخوارق الشياطين","level":3,"page":1524},{"title":"٨ - ما يطرد الأحوال الشيطانية","level":3,"page":1529},{"title":"٩ - فائدة في معجزات الأنبياء وآياتهم","level":3,"page":1530},{"title":"الكراهية لانتصار دين الرسول - ﷺ -.","level":4,"page":1532},{"title":"٢٢٩ - الكفر","level":1,"page":1533},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":1534},{"title":"١ - أنواع الكفر","level":3,"page":1534},{"title":"الكفر نوعان","level":4,"page":1535},{"title":"الفرق بين الكفر والشرك","level":4,"page":1536},{"title":"٢ - الكفر هو الغاية الكبرى للشيطان","level":3,"page":1536},{"title":"٣ - ما معنى قول السلف: إن المعاصي تسمى كفرا؟","level":3,"page":1537},{"title":"٤ - الفرق بين كفر الاعتقاد وكفر العمل","level":3,"page":1538},{"title":"٥ - حكم السلام على الكافر","level":3,"page":1540},{"title":"٦ - معرفة أهل الكتاب","level":3,"page":1542},{"title":"٢٣٠ - كفر الإباء والاستكبار","level":1,"page":1543},{"title":"٢٣١ - كفر الاستحلال","level":1,"page":1548},{"title":"أقوال للعلماء تتعلق بكفر الاستحلال","level":2,"page":1551},{"title":"٢٣٢ - الكفر الأصغر","level":1,"page":1555},{"title":"الأدلة من السنة","level":2,"page":1555},{"title":"٢٣٣ - كفر الإعراض","level":1,"page":1557},{"title":"٢٣٤ - الكفر الأكبر","level":1,"page":1558},{"title":"أنواع الكفر المخرج من الملة","level":2,"page":1558},{"title":"الفرق بين الكفر الأكبر والكفر الأصغر","level":2,"page":1559},{"title":"٢٣٥ - كفر الإنكار","level":1,"page":1560},{"title":"٢٣٦ - كفر الجحود والتكذيب","level":1,"page":1561},{"title":"تعريف التكذيب","level":2,"page":1563},{"title":"أقوال السلف","level":2,"page":1564},{"title":"الفرق بين الجحود والتكذيب","level":2,"page":1567},{"title":"فائدة: ومما يجدر ذكره هنا ما أطلق عليه بعض العلماء بـ (كفر العناد).","level":2,"page":1568},{"title":"الفرق بين الكفر والتكذيب والإنكار","level":2,"page":1570},{"title":"٢٣٧ - كفر الشك","level":1,"page":1572},{"title":"الفرق بين الشك والريب","level":2,"page":1573},{"title":"٢٣٨ - كفر العناد","level":1,"page":1573},{"title":"٢٣٩ - كفر النعمة","level":1,"page":1574},{"title":"٢٤٠ - كفر النفاق","level":1,"page":1581},{"title":"٢٤١ - كلمة الإخلاص","level":1,"page":1581},{"title":"٢٤٢ - كلمة التوحيد","level":1,"page":1581},{"title":"٢٤٣ - الكلمة الطيبة","level":1,"page":1582},{"title":"٢٤٤ - الكنيسة","level":1,"page":1582},{"title":"٢٤٥ - الكهانة","level":1,"page":1583},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":1588},{"title":"١ - حكم إتيان الكهان والعرافين","level":3,"page":1588},{"title":"٢ - هل إتيان الكهان وتصديقهم كفر أكبر؟","level":3,"page":1589},{"title":"٣ - حكم الكاهن وعمله","level":3,"page":1592},{"title":"٤ - لا يجوز تأجير الحوانيت على الكهان أو مساعدتهم في أعمالهم","level":3,"page":1595},{"title":"٥ - تأثر الكهانة بحراسة السماء","level":3,"page":1596},{"title":"٦ - الفرق بين الساحر والكاهن","level":3,"page":1597},{"title":"٧ - الفرق بين معرفة الأمور بالكهانة ومعرفتها بالحساب","level":3,"page":1598},{"title":"٨ - الفرق بين الكهانة وأحوال الطقس","level":3,"page":1599},{"title":"٩ - أنواع الكهانة","level":3,"page":1600},{"title":"١٠ - مسألة حديق كنا نأتى الكهان","level":3,"page":1604},{"title":"٢٤٦ - الكي","level":1,"page":1607},{"title":"مسألة: هل يقدح الكي في التوكل؟","level":2,"page":1610},{"title":"٢٤٧ - اللات","level":1,"page":1610},{"title":"٢٤٨ - لعن المعين","level":1,"page":1611},{"title":"حكم اللعن","level":2,"page":1612},{"title":"أولا: جواز اللعن المطلق سواء على الكفار أو على الفساق","level":3,"page":1612},{"title":"ثانيا: حكم لعن الكافر المعين","level":3,"page":1616},{"title":"١ - أكثر ورود اللعن في الآيات والأحاديث على سبيل العموم","level":4,"page":1617},{"title":"٢ - عموم الأحاديث الناهية عن اللعن","level":4,"page":1618},{"title":"٣ - أن لا يتعود اللسان على السب واللعن","level":4,"page":1620},{"title":"٤ - النهي عن ذلك وبيان ما جاء في قول الله تعالى ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ [آل عمران: ١٢٨]","level":4,"page":1620},{"title":"٥ - أن الكافر المعين إن كان حيا فقد يهديه الله للإسلام","level":4,"page":1625},{"title":"٦ - أن الكافر المعين إن كان ميتا فقد نهى النبي - ﷺ - عن سب الأموات بقوله: \"لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا\"","level":4,"page":1626},{"title":"ثالثا: حكم لعن الفاسق المعين","level":4,"page":1630},{"title":"٢٤٩ - لمز الرسول - ﷺ -","level":1,"page":1636},{"title":"٢٥٠ - لمز المؤمنين في الطاعات","level":1,"page":1637},{"title":"٢٥١ - لو","level":1,"page":1638},{"title":"حكم التلفظ بها","level":2,"page":1639},{"title":"٢٥٢ - لولا","level":1,"page":1644},{"title":"٢٥٣ - ما شاء الله وشئت","level":1,"page":1647},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":1648},{"title":"١ - حكم إطلاق ما شاء الله وشئت","level":3,"page":1648},{"title":"٢ - مسألة","level":3,"page":1650},{"title":"٣ - حكم قول: الله ورسوله أعلم","level":3,"page":1651},{"title":"فالخلاصة أن حكم قول: الله ورسوله أعلم له حالات","level":4,"page":1651},{"title":"٤ - حكم كتابة الله وكلمة محمد بشكل متداخل","level":3,"page":1652},{"title":"٥ - مسألة: في إنكار الرسول - ﷺ - على الخطيب قوله: \"ومن عصاهما فقد غوى\"","level":3,"page":1653},{"title":"٦ - حكم قول \"شاءت قدرة الله\"","level":3,"page":1656},{"title":"٢٥٤ - متابعة الرسول - ﷺ -","level":1,"page":1657},{"title":"تحذير الأئمة من تقليد العلماء مع ورود النص","level":2,"page":1657},{"title":"٢٥٥ - محبة الله","level":1,"page":1661},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":1663},{"title":"١ - حب الله فرض وواجب","level":3,"page":1663},{"title":"٢ - أقسام المحبة","level":3,"page":1664},{"title":"٣ - أسباب تحصيل المحبة","level":3,"page":1666},{"title":"٤ - بين المحبة والعبادة","level":3,"page":1667},{"title":"٥ - العلاقة بين المحبة والرجاء والخوف","level":3,"page":1671},{"title":"إثر الذنوب على المحبة","level":2,"page":1671},{"title":"٢٥٦ - محبة رسول الله - ﷺ - وما جاء به","level":1,"page":1672},{"title":"[شهادة أن محمدا رسول الله، النبوة]","level":2,"page":1672},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":1673},{"title":"١ - وجوب معرفة الرسول - ﷺ -","level":3,"page":1673},{"title":"٢ - مقتضى محبة رسول الله - ﷺ -","level":3,"page":1674},{"title":"٣ - أقوال العلماء في قوله - ﷺ -: \"لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه ... \" الحديث.","level":3,"page":1675},{"title":"٢٥٧ - المحبة في الله","level":1,"page":1676},{"title":"٢٥٨ - محمد رسول الله - ﷺ -","level":1,"page":1676},{"title":"٢٥٩ - المسرة بانخفاض دين الرسول - ﷺ - أو الكراهية لانتصار دينه","level":1,"page":1677},{"title":"٢٦٠ - المشاهد","level":1,"page":1679},{"title":"تتبع آثار الصالحين/ القبور","level":2,"page":1679},{"title":"فوائد وأحكام","level":2,"page":1681},{"title":"١ - تاريخ المشاهد","level":3,"page":1681},{"title":"٢ - قبور الأنبياء","level":3,"page":1682},{"title":"٣ - أكثر المشاهد المشهورة مكذوبة","level":3,"page":1683},{"title":"٤ - مشهد الحسين في القاهرة","level":3,"page":1684},{"title":"٥ - حكم الصلاة في المشاهد","level":3,"page":1686},{"title":"٦ - فائدة: قال ابن تيمية: \" ... ولا في الصلاة في المشاهد التي على القبور ونحوها فضيلة على سائر البقاع","level":3,"page":1688},{"title":"٧ - فائدة: ما يروى في كتب السير بأن إسماعيل - ﵇ - دفن في الحطيم بمكة المكرمة لا يستند على نقل صحيح","level":3,"page":1689},{"title":"٨ - موقف العلماء من المشاهد والقبور","level":3,"page":1690},{"title":"٢٦١ - مظاهرة الكفار على المسلمين","level":1,"page":1693},{"title":"[الولاء والبراء]","level":2,"page":1693},{"title":"الفرق بين مظاهرة الكفار والاستعانة بهم","level":2,"page":1698},{"title":"٢٦٢ - الملائكة الكرام","level":1,"page":1698},{"title":"٢٦٣ - المعجزة","level":1,"page":1698},{"title":"٢٦٤ - ملك الأملاك","level":1,"page":1699},{"title":"٢٦٥ - مناة","level":1,"page":1699},{"title":"٢٦٦ - الموالاة والمعاداة","level":1,"page":1699},{"title":"٢٦٧ - الميثاق","level":1,"page":1700},{"title":"٢٦٨ - النبوة","level":1,"page":1703},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":1704},{"title":"١ - الفرق بين النبي والرسول","level":3,"page":1704},{"title":"والمختار في تعريف النبي والرسول","level":4,"page":1708},{"title":"٢ - التفاضل بين الأنبياء والرسل","level":3,"page":1708},{"title":"٣ - حكم ادعاء النبوة","level":3,"page":1709},{"title":"٤ - فائدة في عدد الأنبياء","level":3,"page":1711},{"title":"٥ - كيف يجمع بين كون محمد - ﷺ - خاتم النبيين وبين ما صح به الحديث من نزول عيسى بن مريم في آخر الزمان؟","level":3,"page":1711},{"title":"٢٦٩ - الند والأنداد","level":1,"page":1712},{"title":"[الشرك الأكبر، الشرك الأصغر، الشرك الخفي]","level":2,"page":1712},{"title":"٢٧٠ - النذر","level":1,"page":1717},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":1718},{"title":"١ - النذر عبادة","level":3,"page":1718},{"title":"٢ - حكم الابتداء بالنذر","level":3,"page":1719},{"title":"٣ - فائدة","level":3,"page":1725},{"title":"٤ - أقسام النذر","level":3,"page":1726},{"title":"القسم الأول: النذر لله وله أقسام","level":4,"page":1726},{"title":"١ - نذر الطاعة ويجب الوفاء به عند الجمهور لمن قدر","level":5,"page":1726},{"title":"٢ - نذر المعصية كالزنا وشرب الخمر ونحوه فلا يجوز الوفاء به","level":5,"page":1726},{"title":"٣ - النذر المباح","level":5,"page":1727},{"title":"٤ - النذر الذي لم يسم","level":5,"page":1727},{"title":"٥ - نذر اللجاج والغضب","level":5,"page":1727},{"title":"٦ - المكروه","level":5,"page":1728},{"title":"القسم الثاني: النذر لغير الله كالنذر للموتى، والقبور، والأشجار","level":4,"page":1728},{"title":"٢٧١ - النسك","level":1,"page":1732},{"title":"[الذبح، والعبادة]","level":2,"page":1732},{"title":"٢٧٢ - النشرة","level":1,"page":1734},{"title":"أقسام النشرة","level":2,"page":1736},{"title":"القسم الأول: حل السحر عن المسحور بالرقى، والتعوذات، والدعوات الصحيحة، وبالأدوية المباحة، فهذا جائز","level":3,"page":1736},{"title":"القسم الثاني: حل السحر عن المسحور بسحر مثله سواء في ذلك أن يأتي المسحور إلى الساحر أو يؤتى به إلى الساحر","level":3,"page":1736},{"title":"حكم النشرة","level":2,"page":1737},{"title":"من أنواع النشرة","level":2,"page":1741},{"title":"٢٧٣ - النفاق","level":1,"page":1743},{"title":"[الزنديق - الاستهزاء]","level":2,"page":1743},{"title":"فوائد وأحكام","level":2,"page":1749},{"title":"١ - أقسام النفاق","level":3,"page":1749},{"title":"٢ - مسألة: جاء عند مسلم زيادة: \"آية المنافق ثلاث وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم","level":3,"page":1755},{"title":"٣ - علامات المنافق وردت في الأحاديث مرة أربع ومرة ثلاث","level":3,"page":1760},{"title":"٤ - قال المناوي في فيض القدير: \"\"أكثر منافقي أمتي قراؤها\"","level":3,"page":1761},{"title":"٥ - تنبيه: قال الغزالي: \"احذر من خصال القراء الأربعة","level":3,"page":1761},{"title":"٢٧٤ - نفي صفة من صفات الله","level":1,"page":1762},{"title":"احترام أسماء الله - توحيد الأسماء والصفات","level":2,"page":1762},{"title":"٢٧٥ - النميمة","level":1,"page":1762},{"title":"٢٧٦ - النوء","level":1,"page":1763},{"title":"٢٧٧ - نواقض الإسلام","level":1,"page":1764},{"title":"[الردة - التكفير]","level":2,"page":1764},{"title":"٢٧٨ - الهامة","level":1,"page":1768},{"title":"فائدة: يعلق ابن رجب ﵀ على قولهم: أن الميت إذا مات صارت روحه أو عظامه هامة وهو طائر يطير","level":2,"page":1770},{"title":"٢٧٩ - الهجر","level":1,"page":1771},{"title":"الدليل على مشروعية الهجر","level":2,"page":1772},{"title":"هجر أهل البدع","level":2,"page":1773},{"title":"ضوابط مهمة في الهجر","level":2,"page":1774},{"title":"٢٨٠ - الهجرة","level":1,"page":1781},{"title":"أحكام وفوائد","level":2,"page":1786},{"title":"١ - حكم الهجرة","level":3,"page":1786},{"title":"٢ - التعريف ببلد الكفر وبلد الإسلام","level":3,"page":1788},{"title":"٣ - معنى قوله - ﷺ - \"لا هجرة بعد الفتح\"","level":3,"page":1789},{"title":"٤ - فائدة: قال في النهاية: \"والهجرة هجرتان","level":3,"page":1791},{"title":"٢٨١ - الهداية","level":1,"page":1792},{"title":"سبب نزول الآية ﴿ليس عليك هداهم﴾","level":2,"page":1793},{"title":"فائدة: أشكل على البعض الجمع بين قوله تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾","level":2,"page":1794},{"title":"٢٨٢ - الهوى","level":1,"page":1796},{"title":"٢٨٣ - الواهنة","level":1,"page":1798},{"title":"٢٨٤ - الوتر","level":1,"page":1798},{"title":"٢٨٥ - الوثن","level":1,"page":1799},{"title":"الفرق بين الوثن والصنم","level":2,"page":1800},{"title":"إطلاق الوثن على الصليب","level":2,"page":1800},{"title":"حكم لبس الصليب","level":2,"page":1802},{"title":"٢٨٦ - وسائل الشرك","level":1,"page":1803},{"title":"٢٨٧ - الغرس على القبر","level":1,"page":1803},{"title":"٢٨٨ - الوقف","level":1,"page":1804},{"title":"٢٨٩ - الوقوف","level":1,"page":1804},{"title":"٢٩٠ - الولاء والبراء","level":1,"page":1805},{"title":"أقوال السلف","level":2,"page":1808},{"title":"أقسام الموالاة","level":2,"page":1809},{"title":"منزلة الولاء والبراء من التوحيد","level":2,"page":1815},{"title":"الدعوة إلى \"وحدة الأديان\" هدم لعقيدة الولاء والبراء","level":2,"page":1818},{"title":"أمور لا تنافي عقيدة الولاء والبراء","level":2,"page":1819},{"title":"٢٩١ - الولي والأولياء","level":1,"page":1829},{"title":"٢٩٢ - اليأس من روح الله","level":1,"page":1829},{"title":"٢٩٣ - اليقين","level":1,"page":1830},{"title":"[شروط لا إله إلا الله]","level":2,"page":1830},{"title":"٢٩٤ - اليوم الآخر","level":1,"page":1832}],"ٛ":{"1,1":1,"1,5":2,"1,6":3,"1,7":4,"1,8":5,"1,9":6,"1,10":7,"1,11":8,"1,12":9,"1,13":10,"1,14":11,"1,15":12,"1,16":13,"1,17":14,"1,18":15,"1,19":16,"1,20":17,"1,21":18,"1,22":19,"1,23":20,"1,24":21,"1,25":22,"1,26":23,"1,27":24,"1,28":25,"1,29":26,"1,30":27,"1,31":28,"1,32":29,"1,33":30,"1,34":31,"1,35":32,"1,36":33,"1,37":34,"1,38":35,"1,39":36,"1,40":37,"1,41":38,"1,42":39,"1,43":40,"1,44":41,"1,45":42,"1,46":43,"1,47":44,"1,48":45,"1,49":46,"1,50":47,"1,51":48,"1,52":49,"1,53":50,"1,54":51,"1,55":52,"1,56":53,"1,57":54,"1,58":55,"1,59":56,"1,60":57,"1,61":58,"1,62":59,"1,63":60,"1,64":61,"1,65":62,"1,66":63,"1,67":64,"1,68":65,"1,69":66,"1,70":67,"1,71":68,"1,72":69,"1,73":70,"1,74":71,"1,75":72,"1,76":73,"1,77":74,"1,78":75,"1,79":76,"1,80":77,"1,81":78,"1,82":79,"1,83":80,"1,84":81,"1,85":82,"1,86":83,"1,87":84,"1,88":85,"1,89":86,"1,90":87,"1,91":88,"1,92":89,"1,93":90,"1,94":91,"1,95":92,"1,96":93,"1,97":94,"1,98":95,"1,99":96,"1,100":97,"1,101":98,"1,102":99,"1,103":100,"1,104":101,"1,105":102,"1,106":103,"1,107":104,"1,108":105,"1,109":106,"1,110":107,"1,111":108,"1,112":109,"1,113":110,"1,114":111,"1,115":112,"1,116":113,"1,117":114,"1,118":115,"1,119":116,"1,120":117,"1,121":118,"1,122":119,"1,123":120,"1,124":121,"1,125":122,"1,126":123,"1,127":124,"1,128":125,"1,129":126,"1,130":127,"1,131":128,"1,132":129,"1,133":130,"1,134":131,"1,135":132,"1,136":133,"1,137":134,"1,138":135,"1,139":136,"1,140":137,"1,141":138,"1,142":139,"1,143":140,"1,144":141,"1,145":142,"1,146":143,"1,147":144,"1,148":145,"1,149":146,"1,150":147,"1,151":148,"1,152":149,"1,153":150,"1,154":151,"1,155":152,"1,156":153,"1,157":154,"1,158":155,"1,159":156,"1,160":157,"1,161":158,"1,162":159,"1,163":160,"1,164":161,"1,165":162,"1,166":163,"1,167":164,"1,168":165,"1,169":166,"1,170":167,"1,171":168,"1,172":169,"1,173":170,"1,174":171,"1,175":172,"1,176":173,"1,177":174,"1,178":175,"1,179":176,"1,180":177,"1,181":178,"1,182":179,"1,183":180,"1,184":181,"1,185":182,"1,186":183,"1,187":184,"1,188":185,"1,189":186,"1,190":187,"1,191":188,"1,192":189,"1,193":190,"1,194":191,"1,195":192,"1,196":193,"1,197":194,"1,198":195,"1,199":196,"1,200":197,"1,201":198,"1,202":199,"1,203":200,"1,204":201,"1,205":202,"1,206":203,"1,207":204,"1,208":205,"1,209":206,"1,210":207,"1,211":208,"1,212":209,"1,213":210,"1,214":211,"1,215":212,"1,216":213,"1,217":214,"1,218":215,"1,219":216,"1,220":217,"1,221":218,"1,222":219,"1,223":220,"1,224":221,"1,225":222,"1,226":223,"1,227":224,"1,228":225,"1,229":226,"1,230":227,"1,231":228,"1,232":229,"1,233":230,"1,234":231,"1,235":232,"1,236":233,"1,237":234,"1,238":235,"1,239":236,"1,240":237,"1,241":238,"1,242":239,"1,243":240,"1,244":241,"1,245":242,"1,246":243,"1,247":244,"1,248":245,"1,249":246,"1,250":247,"1,251":248,"1,252":249,"1,253":250,"1,254":251,"1,255":252,"1,256":253,"1,257":254,"1,258":255,"1,259":256,"1,260":257,"1,261":258,"1,262":259,"1,263":260,"1,264":261,"1,265":262,"1,266":263,"1,267":264,"1,268":265,"1,269":266,"1,270":267,"1,271":268,"1,272":269,"1,273":270,"1,274":271,"1,275":272,"1,276":273,"1,277":274,"1,278":275,"1,279":276,"1,280":277,"1,281":278,"1,282":279,"1,283":280,"1,284":281,"1,285":282,"1,286":283,"1,287":284,"1,288":285,"1,289":286,"1,290":287,"1,291":288,"1,292":289,"1,293":290,"1,294":291,"1,295":292,"1,296":293,"1,297":294,"1,298":295,"1,299":296,"1,300":297,"1,301":298,"1,302":299,"1,303":300,"1,304":301,"1,305":302,"1,306":303,"1,307":304,"1,308":305,"1,309":306,"1,310":307,"1,311":308,"1,312":309,"1,313":310,"1,314":311,"1,315":312,"1,316":313,"1,317":314,"1,318":315,"1,319":316,"1,320":317,"1,321":318,"1,322":319,"1,323":320,"1,324":321,"1,325":322,"1,326":323,"1,327":324,"1,328":325,"1,329":326,"1,330":327,"1,331":328,"1,332":329,"1,333":330,"1,334":331,"1,335":332,"1,336":333,"1,337":334,"1,338":335,"1,339":336,"1,340":337,"1,341":338,"1,342":339,"1,343":340,"1,344":341,"1,345":342,"1,346":343,"1,347":344,"1,348":345,"1,349":346,"1,350":347,"1,351":348,"1,352":349,"1,353":350,"1,354":351,"1,355":352,"1,356":353,"1,357":354,"1,358":355,"1,359":356,"1,360":357,"1,361":358,"1,362":359,"1,363":360,"1,364":361,"1,365":362,"1,366":363,"1,367":364,"1,368":365,"1,369":366,"1,370":367,"1,371":368,"1,372":369,"1,373":370,"1,374":371,"1,375":372,"1,376":373,"1,377":374,"1,378":375,"1,379":376,"1,380":377,"1,381":378,"1,382":379,"1,383":380,"1,384":381,"1,385":382,"1,386":383,"1,387":384,"1,388":385,"1,389":386,"1,390":387,"1,391":388,"1,392":389,"1,393":390,"1,394":391,"1,395":392,"1,396":393,"1,397":394,"1,398":395,"1,399":396,"1,400":397,"1,401":398,"1,402":399,"1,403":400,"1,404":401,"1,405":402,"1,406":403,"1,407":404,"1,408":405,"1,409":406,"1,410":407,"1,411":408,"1,412":409,"1,413":410,"1,414":411,"1,415":412,"1,416":413,"1,417":414,"1,418":415,"1,419":416,"1,420":417,"1,421":418,"1,422":419,"1,423":420,"1,424":421,"1,425":422,"1,426":423,"1,427":424,"1,428":425,"1,429":426,"1,430":427,"1,431":428,"1,432":429,"1,433":430,"1,434":431,"1,435":432,"1,436":433,"1,437":434,"1,438":435,"1,439":436,"1,440":437,"1,441":438,"1,442":439,"1,443":440,"1,444":441,"1,445":442,"1,446":443,"1,447":444,"1,448":445,"1,449":446,"1,450":447,"1,451":448,"1,452":449,"1,453":450,"1,454":451,"1,455":452,"1,456":453,"1,457":454,"1,458":455,"1,459":456,"1,460":457,"1,461":458,"1,462":459,"1,463":460,"1,464":461,"1,465":462,"1,466":463,"1,467":464,"1,468":465,"1,469":466,"1,470":467,"1,471":468,"1,472":469,"1,473":470,"1,474":471,"1,475":472,"1,476":473,"1,477":474,"1,478":475,"1,479":476,"1,480":477,"1,481":478,"1,482":479,"1,483":480,"1,484":481,"1,485":482,"1,486":483,"1,487":484,"1,488":485,"1,489":486,"1,490":487,"1,491":488,"1,492":489,"1,493":490,"1,494":491,"1,495":492,"1,496":493,"1,497":494,"1,498":495,"1,499":496,"1,500":497,"1,501":498,"1,502":499,"1,503":500,"1,504":501,"1,505":502,"1,506":503,"1,507":504,"1,508":505,"1,509":506,"1,510":507,"1,511":508,"1,512":509,"1,513":510,"1,514":511,"1,515":512,"1,516":513,"1,517":514,"1,518":515,"1,519":516,"1,520":517,"1,521":518,"1,522":519,"1,523":520,"1,524":521,"1,525":522,"1,526":523,"1,527":524,"1,528":525,"1,529":526,"1,530":527,"1,531":528,"1,532":529,"1,533":530,"1,534":531,"1,535":532,"1,536":533,"1,537":534,"1,538":535,"1,539":536,"1,540":537,"1,541":538,"1,542":539,"1,543":540,"1,544":541,"1,545":542,"1,546":543,"1,547":544,"1,548":545,"1,549":546,"1,550":547,"1,551":548,"1,552":549,"1,553":550,"1,554":551,"1,555":552,"1,556":553,"1,557":554,"1,558":555,"1,559":556,"1,560":557,"1,561":558,"1,562":559,"1,563":560,"1,564":561,"1,565":562,"1,566":563,"1,567":564,"1,568":565,"1,569":566,"1,570":567,"1,571":568,"1,572":569,"1,573":570,"1,574":571,"1,575":572,"1,576":573,"1,577":574,"1,578":575,"1,579":576,"1,580":577,"1,581":578,"1,582":579,"1,583":580,"1,584":581,"1,585":582,"1,586":583,"1,587":584,"1,588":585,"1,589":586,"1,590":587,"1,591":588,"1,592":589,"1,593":590,"1,594":591,"1,595":592,"1,596":593,"1,597":594,"1,598":595,"1,599":596,"1,600":597,"1,601":598,"1,602":599,"1,603":600,"1,604":601,"1,605":602,"1,606":603,"1,607":604,"1,608":605,"1,609":606,"1,610":607,"1,611":608,"1,612":609,"1,613":610,"1,614":611,"1,615":612,"1,616":613,"1,617":614,"1,618":615,"1,619":616,"1,620":617,"1,621":618,"1,622":619,"1,623":620,"1,624":621,"1,625":622,"1,626":623,"1,627":624,"1,628":625,"1,629":626,"1,630":627,"1,631":628,"1,632":629,"1,633":630,"1,634":631,"1,635":632,"1,636":633,"1,637":634,"1,638":635,"1,639":636,"1,640":637,"1,641":638,"1,642":639,"1,643":640,"1,644":641,"1,645":642,"1,646":643,"1,647":644,"1,648":645,"1,649":646,"1,650":647,"1,651":648,"1,652":649,"1,653":650,"1,654":651,"1,655":652,"1,656":653,"1,657":654,"1,658":655,"2,5":656,"2,6":657,"2,7":658,"2,8":659,"2,9":660,"2,10":661,"2,11":662,"2,12":663,"2,13":664,"2,14":665,"2,15":666,"2,16":667,"2,17":668,"2,18":669,"2,19":670,"2,20":671,"2,21":672,"2,22":673,"2,23":674,"2,24":675,"2,25":676,"2,26":677,"2,27":678,"2,28":679,"2,29":680,"2,30":681,"2,31":682,"2,32":683,"2,33":684,"2,34":685,"2,35":686,"2,36":687,"2,37":688,"2,38":689,"2,39":690,"2,40":691,"2,41":692,"2,42":693,"2,43":694,"2,44":695,"2,45":696,"2,46":697,"2,47":698,"2,48":699,"2,49":700,"2,50":701,"2,51":702,"2,52":703,"2,53":704,"2,54":705,"2,55":706,"2,56":707,"2,57":708,"2,58":709,"2,59":710,"2,60":711,"2,61":712,"2,62":713,"2,63":714,"2,64":715,"2,65":716,"2,66":717,"2,67":718,"2,68":719,"2,69":720,"2,70":721,"2,71":722,"2,72":723,"2,73":724,"2,74":725,"2,75":726,"2,76":727,"2,77":728,"2,78":729,"2,79":730,"2,80":731,"2,81":732,"2,82":733,"2,83":734,"2,84":735,"2,85":736,"2,86":737,"2,87":738,"2,88":739,"2,89":740,"2,90":741,"2,91":742,"2,92":743,"2,93":744,"2,94":745,"2,95":746,"2,96":747,"2,97":748,"2,98":749,"2,99":750,"2,100":751,"2,101":752,"2,102":753,"2,103":754,"2,104":755,"2,105":756,"2,106":757,"2,107":758,"2,108":759,"2,109":760,"2,110":761,"2,111":762,"2,112":763,"2,113":764,"2,114":765,"2,115":766,"2,116":767,"2,117":768,"2,118":769,"2,119":770,"2,120":771,"2,121":772,"2,122":773,"2,123":774,"2,124":775,"2,125":776,"2,126":777,"2,127":778,"2,128":779,"2,129":780,"2,130":781,"2,131":782,"2,132":783,"2,133":784,"2,134":785,"2,135":786,"2,136":787,"2,137":788,"2,138":789,"2,139":790,"2,140":791,"2,141":792,"2,142":793,"2,143":794,"2,144":795,"2,145":796,"2,146":797,"2,147":798,"2,148":799,"2,149":800,"2,150":801,"2,151":802,"2,152":803,"2,153":804,"2,154":805,"2,155":806,"2,156":807,"2,157":808,"2,158":809,"2,159":810,"2,160":811,"2,161":812,"2,162":813,"2,163":814,"2,164":815,"2,165":816,"2,166":817,"2,167":818,"2,168":819,"2,169":820,"2,170":821,"2,171":822,"2,172":823,"2,173":824,"2,174":825,"2,175":826,"2,176":827,"2,177":828,"2,178":829,"2,179":830,"2,180":831,"2,181":832,"2,182":833,"2,183":834,"2,184":835,"2,185":836,"2,186":837,"2,187":838,"2,188":839,"2,189":840,"2,190":841,"2,191":842,"2,192":843,"2,193":844,"2,194":845,"2,195":846,"2,196":847,"2,197":848,"2,198":849,"2,199":850,"2,200":851,"2,201":852,"2,202":853,"2,203":854,"2,204":855,"2,205":856,"2,206":857,"2,207":858,"2,208":859,"2,209":860,"2,210":861,"2,211":862,"2,212":863,"2,213":864,"2,214":865,"2,215":866,"2,216":867,"2,217":868,"2,218":869,"2,219":870,"2,220":871,"2,221":872,"2,222":873,"2,223":874,"2,224":875,"2,225":876,"2,226":877,"2,227":878,"2,228":879,"2,229":880,"2,230":881,"2,231":882,"2,232":883,"2,233":884,"2,234":885,"2,235":886,"2,236":887,"2,237":888,"2,238":889,"2,239":890,"2,240":891,"2,241":892,"2,242":893,"2,243":894,"2,244":895,"2,245":896,"2,246":897,"2,247":898,"2,248":899,"2,249":900,"2,250":901,"2,251":902,"2,252":903,"2,253":904,"2,254":905,"2,255":906,"2,256":907,"2,257":908,"2,258":909,"2,259":910,"2,260":911,"2,261":912,"2,262":913,"2,263":914,"2,264":915,"2,265":916,"2,266":917,"2,267":918,"2,268":919,"2,269":920,"2,270":921,"2,271":922,"2,272":923,"2,273":924,"2,274":925,"2,275":926,"2,276":927,"2,277":928,"2,278":929,"2,279":930,"2,280":931,"2,281":932,"2,282":933,"2,283":934,"2,284":935,"2,285":936,"2,286":937,"2,287":938,"2,288":939,"2,289":940,"2,290":941,"2,291":942,"2,292":943,"2,293":944,"2,294":945,"2,295":946,"2,296":947,"2,297":948,"2,298":949,"2,299":950,"2,300":951,"2,301":952,"2,302":953,"2,303":954,"2,304":955,"2,305":956,"2,306":957,"2,307":958,"2,308":959,"2,309":960,"2,310":961,"2,311":962,"2,312":963,"2,313":964,"2,314":965,"2,315":966,"2,316":967,"2,317":968,"2,318":969,"2,319":970,"2,320":971,"2,321":972,"2,322":973,"2,323":974,"2,324":975,"2,325":976,"2,326":977,"2,327":978,"2,328":979,"2,329":980,"2,330":981,"2,331":982,"2,332":983,"2,333":984,"2,334":985,"2,335":986,"2,336":987,"2,337":988,"2,338":989,"2,339":990,"2,340":991,"2,341":992,"2,342":993,"2,343":994,"2,344":995,"2,345":996,"2,346":997,"2,347":998,"2,348":999,"2,349":1000,"2,350":1001,"2,351":1002,"2,352":1003,"2,353":1004,"2,354":1005,"2,355":1006,"2,356":1007,"2,357":1008,"2,358":1009,"2,359":1010,"2,360":1011,"2,361":1012,"2,362":1013,"2,363":1014,"2,364":1015,"2,365":1016,"2,366":1017,"2,367":1018,"2,368":1019,"2,369":1020,"2,370":1021,"2,371":1022,"2,372":1023,"2,373":1024,"2,374":1025,"2,375":1026,"2,376":1027,"2,377":1028,"2,378":1029,"2,379":1030,"2,380":1031,"2,381":1032,"2,382":1033,"2,383":1034,"2,384":1035,"2,385":1036,"2,386":1037,"2,387":1038,"2,388":1039,"2,389":1040,"2,390":1041,"2,391":1042,"2,392":1043,"2,393":1044,"2,394":1045,"2,395":1046,"2,396":1047,"2,397":1048,"2,398":1049,"2,399":1050,"2,400":1051,"2,401":1052,"2,402":1053,"2,403":1054,"2,404":1055,"2,405":1056,"2,406":1057,"2,407":1058,"2,408":1059,"2,409":1060,"2,410":1061,"2,411":1062,"2,412":1063,"2,413":1064,"2,414":1065,"2,415":1066,"2,416":1067,"2,417":1068,"2,418":1069,"2,419":1070,"2,420":1071,"2,421":1072,"2,422":1073,"2,423":1074,"2,424":1075,"2,425":1076,"2,426":1077,"2,427":1078,"2,428":1079,"2,429":1080,"2,430":1081,"2,431":1082,"2,432":1083,"2,433":1084,"2,434":1085,"2,435":1086,"2,436":1087,"2,437":1088,"2,438":1089,"2,439":1090,"2,440":1091,"2,441":1092,"2,442":1093,"2,443":1094,"2,444":1095,"2,445":1096,"2,446":1097,"2,447":1098,"2,448":1099,"2,449":1100,"2,450":1101,"2,451":1102,"2,452":1103,"2,453":1104,"2,454":1105,"2,455":1106,"2,456":1107,"2,457":1108,"2,458":1109,"2,459":1110,"2,460":1111,"2,461":1112,"2,462":1113,"2,463":1114,"2,464":1115,"2,465":1116,"2,466":1117,"2,467":1118,"2,468":1119,"2,469":1120,"2,470":1121,"2,471":1122,"2,472":1123,"2,473":1124,"2,474":1125,"2,475":1126,"2,476":1127,"2,477":1128,"2,478":1129,"2,479":1130,"2,480":1131,"2,481":1132,"2,482":1133,"2,483":1134,"2,484":1135,"2,485":1136,"2,486":1137,"2,487":1138,"2,488":1139,"2,489":1140,"2,490":1141,"2,491":1142,"2,492":1143,"2,493":1144,"2,494":1145,"2,495":1146,"2,496":1147,"2,497":1148,"2,498":1149,"2,499":1150,"2,500":1151,"2,501":1152,"2,502":1153,"2,503":1154,"2,504":1155,"2,505":1156,"2,506":1157,"2,507":1158,"2,508":1159,"2,509":1160,"2,510":1161,"2,511":1162,"2,512":1163,"2,513":1164,"2,514":1165,"2,515":1166,"2,516":1167,"2,517":1168,"2,518":1169,"2,519":1170,"2,520":1171,"2,521":1172,"2,522":1173,"2,523":1174,"2,524":1175,"2,525":1176,"2,526":1177,"2,527":1178,"2,528":1179,"2,529":1180,"2,530":1181,"2,531":1182,"2,532":1183,"2,533":1184,"2,534":1185,"2,535":1186,"2,536":1187,"2,537":1188,"2,538":1189,"2,539":1190,"2,540":1191,"2,541":1192,"2,542":1193,"2,543":1194,"2,544":1195,"2,545":1196,"2,546":1197,"2,547":1198,"2,548":1199,"2,549":1200,"2,550":1201,"2,551":1202,"2,552":1203,"2,553":1204,"2,554":1205,"2,555":1206,"2,556":1207,"2,557":1208,"2,558":1209,"2,559":1210,"2,560":1211,"2,561":1212,"2,562":1213,"2,563":1214,"2,564":1215,"2,565":1216,"2,566":1217,"2,567":1218,"2,568":1219,"2,569":1220,"2,570":1221,"2,571":1222,"2,572":1223,"2,573":1224,"2,574":1225,"2,575":1226,"2,576":1227,"2,577":1228,"2,578":1229,"2,579":1230,"2,580":1231,"2,581":1232,"2,582":1233,"2,583":1234,"2,584":1235,"2,585":1236,"2,586":1237,"2,587":1238,"2,588":1239,"2,589":1240,"2,590":1241,"2,591":1242,"2,592":1243,"2,593":1244,"2,594":1245,"2,595":1246,"2,596":1247,"2,597":1248,"2,598":1249,"2,599":1250,"2,600":1251,"2,601":1252,"2,602":1253,"2,603":1254,"2,604":1255,"2,605":1256,"2,606":1257,"2,607":1258,"2,608":1259,"2,609":1260,"2,610":1261,"3,5":1262,"3,6":1263,"3,7":1264,"3,8":1265,"3,9":1266,"3,10":1267,"3,11":1268,"3,12":1269,"3,13":1270,"3,14":1271,"3,15":1272,"3,16":1273,"3,17":1274,"3,18":1275,"3,19":1276,"3,20":1277,"3,21":1278,"3,22":1279,"3,23":1280,"3,24":1281,"3,25":1282,"3,26":1283,"3,27":1284,"3,28":1285,"3,29":1286,"3,30":1287,"3,31":1288,"3,32":1289,"3,33":1290,"3,34":1291,"3,35":1292,"3,36":1293,"3,37":1294,"3,38":1295,"3,39":1296,"3,40":1297,"3,41":1298,"3,42":1299,"3,43":1300,"3,44":1301,"3,45":1302,"3,46":1303,"3,47":1304,"3,48":1305,"3,49":1306,"3,50":1307,"3,51":1308,"3,52":1309,"3,53":1310,"3,54":1311,"3,55":1312,"3,56":1313,"3,57":1314,"3,58":1315,"3,59":1316,"3,60":1317,"3,61":1318,"3,62":1319,"3,63":1320,"3,64":1321,"3,65":1322,"3,66":1323,"3,67":1324,"3,68":1325,"3,69":1326,"3,70":1327,"3,71":1328,"3,72":1329,"3,73":1330,"3,74":1331,"3,75":1332,"3,76":1333,"3,77":1334,"3,78":1335,"3,79":1336,"3,80":1337,"3,81":1338,"3,82":1339,"3,83":1340,"3,84":1341,"3,85":1342,"3,86":1343,"3,87":1344,"3,88":1345,"3,89":1346,"3,90":1347,"3,91":1348,"3,92":1349,"3,93":1350,"3,94":1351,"3,95":1352,"3,96":1353,"3,97":1354,"3,98":1355,"3,99":1356,"3,100":1357,"3,101":1358,"3,102":1359,"3,103":1360,"3,104":1361,"3,105":1362,"3,106":1363,"3,107":1364,"3,108":1365,"3,109":1366,"3,110":1367,"3,111":1368,"3,112":1369,"3,113":1370,"3,114":1371,"3,115":1372,"3,116":1373,"3,117":1374,"3,118":1375,"3,119":1376,"3,120":1377,"3,121":1378,"3,122":1379,"3,123":1380,"3,124":1381,"3,125":1382,"3,126":1383,"3,127":1384,"3,128":1385,"3,129":1386,"3,130":1387,"3,131":1388,"3,132":1389,"3,133":1390,"3,134":1391,"3,135":1392,"3,136":1393,"3,137":1394,"3,138":1395,"3,139":1396,"3,140":1397,"3,141":1398,"3,142":1399,"3,143":1400,"3,144":1401,"3,145":1402,"3,146":1403,"3,147":1404,"3,148":1405,"3,149":1406,"3,150":1407,"3,151":1408,"3,152":1409,"3,153":1410,"3,154":1411,"3,155":1412,"3,156":1413,"3,157":1414,"3,158":1415,"3,159":1416,"3,160":1417,"3,161":1418,"3,162":1419,"3,163":1420,"3,164":1421,"3,165":1422,"3,166":1423,"3,167":1424,"3,168":1425,"3,169":1426,"3,170":1427,"3,171":1428,"3,172":1429,"3,173":1430,"3,174":1431,"3,175":1432,"3,176":1433,"3,177":1434,"3,178":1435,"3,179":1436,"3,180":1437,"3,181":1438,"3,182":1439,"3,183":1440,"3,184":1441,"3,185":1442,"3,186":1443,"3,187":1444,"3,188":1445,"3,189":1446,"3,190":1447,"3,191":1448,"3,192":1449,"3,193":1450,"3,194":1451,"3,195":1452,"3,196":1453,"3,197":1454,"3,198":1455,"3,199":1456,"3,200":1457,"3,201":1458,"3,202":1459,"3,203":1460,"3,204":1461,"3,205":1462,"3,206":1463,"3,207":1464,"3,208":1465,"3,209":1466,"3,210":1467,"3,211":1468,"3,212":1469,"3,213":1470,"3,214":1471,"3,215":1472,"3,216":1473,"3,217":1474,"3,218":1475,"3,219":1476,"3,220":1477,"3,221":1478,"3,222":1479,"3,223":1480,"3,224":1481,"3,225":1482,"3,226":1483,"3,227":1484,"3,228":1485,"3,229":1486,"3,230":1487,"3,231":1488,"3,232":1489,"3,233":1490,"3,234":1491,"3,235":1492,"3,236":1493,"3,237":1494,"3,238":1495,"3,239":1496,"3,240":1497,"3,241":1498,"3,242":1499,"3,243":1500,"3,244":1501,"3,245":1502,"3,246":1503,"3,247":1504,"3,248":1505,"3,249":1506,"3,250":1507,"3,251":1508,"3,252":1509,"3,253":1510,"3,254":1511,"3,255":1512,"3,256":1513,"3,257":1514,"3,258":1515,"3,259":1516,"3,260":1517,"3,261":1518,"3,262":1519,"3,263":1520,"3,264":1521,"3,265":1522,"3,266":1523,"3,267":1524,"3,268":1525,"3,269":1526,"3,270":1527,"3,271":1528,"3,272":1529,"3,273":1530,"3,274":1531,"3,275":1532,"3,276":1533,"3,277":1534,"3,278":1535,"3,279":1536,"3,280":1537,"3,281":1538,"3,282":1539,"3,283":1540,"3,284":1541,"3,285":1542,"3,286":1543,"3,287":1544,"3,288":1545,"3,289":1546,"3,290":1547,"3,291":1548,"3,292":1549,"3,293":1550,"3,294":1551,"3,295":1552,"3,296":1553,"3,297":1554,"3,298":1555,"3,299":1556,"3,300":1557,"3,301":1558,"3,302":1559,"3,303":1560,"3,304":1561,"3,305":1562,"3,306":1563,"3,307":1564,"3,308":1565,"3,309":1566,"3,310":1567,"3,311":1568,"3,312":1569,"3,313":1570,"3,314":1571,"3,315":1572,"3,316":1573,"3,317":1574,"3,318":1575,"3,319":1576,"3,320":1577,"3,321":1578,"3,322":1579,"3,323":1580,"3,324":1581,"3,325":1582,"3,326":1583,"3,327":1584,"3,328":1585,"3,329":1586,"3,330":1587,"3,331":1588,"3,332":1589,"3,333":1590,"3,334":1591,"3,335":1592,"3,336":1593,"3,337":1594,"3,338":1595,"3,339":1596,"3,340":1597,"3,341":1598,"3,342":1599,"3,343":1600,"3,344":1601,"3,345":1602,"3,346":1603,"3,347":1604,"3,348":1605,"3,349":1606,"3,350":1607,"3,351":1608,"3,352":1609,"3,353":1610,"3,354":1611,"3,355":1612,"3,356":1613,"3,357":1614,"3,358":1615,"3,359":1616,"3,360":1617,"3,361":1618,"3,362":1619,"3,363":1620,"3,364":1621,"3,365":1622,"3,366":1623,"3,367":1624,"3,368":1625,"3,369":1626,"3,370":1627,"3,371":1628,"3,372":1629,"3,373":1630,"3,374":1631,"3,375":1632,"3,376":1633,"3,377":1634,"3,378":1635,"3,379":1636,"3,380":1637,"3,381":1638,"3,382":1639,"3,383":1640,"3,384":1641,"3,385":1642,"3,386":1643,"3,387":1644,"3,388":1645,"3,389":1646,"3,390":1647,"3,391":1648,"3,392":1649,"3,393":1650,"3,394":1651,"3,395":1652,"3,396":1653,"3,397":1654,"3,398":1655,"3,399":1656,"3,400":1657,"3,401":1658,"3,402":1659,"3,403":1660,"3,404":1661,"3,405":1662,"3,406":1663,"3,407":1664,"3,408":1665,"3,409":1666,"3,410":1667,"3,411":1668,"3,412":1669,"3,413":1670,"3,414":1671,"3,415":1672,"3,416":1673,"3,417":1674,"3,418":1675,"3,419":1676,"3,420":1677,"3,421":1678,"3,422":1679,"3,423":1680,"3,424":1681,"3,425":1682,"3,426":1683,"3,427":1684,"3,428":1685,"3,429":1686,"3,430":1687,"3,431":1688,"3,432":1689,"3,433":1690,"3,434":1691,"3,435":1692,"3,436":1693,"3,437":1694,"3,438":1695,"3,439":1696,"3,440":1697,"3,441":1698,"3,442":1699,"3,443":1700,"3,444":1701,"3,445":1702,"3,446":1703,"3,447":1704,"3,448":1705,"3,449":1706,"3,450":1707,"3,451":1708,"3,452":1709,"3,453":1710,"3,454":1711,"3,455":1712,"3,456":1713,"3,457":1714,"3,458":1715,"3,459":1716,"3,460":1717,"3,461":1718,"3,462":1719,"3,463":1720,"3,464":1721,"3,465":1722,"3,466":1723,"3,467":1724,"3,468":1725,"3,469":1726,"3,470":1727,"3,471":1728,"3,472":1729,"3,473":1730,"3,474":1731,"3,475":1732,"3,476":1733,"3,477":1734,"3,478":1735,"3,479":1736,"3,480":1737,"3,481":1738,"3,482":1739,"3,483":1740,"3,484":1741,"3,485":1742,"3,486":1743,"3,487":1744,"3,488":1745,"3,489":1746,"3,490":1747,"3,491":1748,"3,492":1749,"3,493":1750,"3,494":1751,"3,495":1752,"3,496":1753,"3,497":1754,"3,498":1755,"3,499":1756,"3,500":1757,"3,501":1758,"3,502":1759,"3,503":1760,"3,504":1761,"3,505":1762,"3,506":1763,"3,507":1764,"3,508":1765,"3,509":1766,"3,510":1767,"3,511":1768,"3,512":1769,"3,513":1770,"3,514":1771,"3,515":1772,"3,516":1773,"3,517":1774,"3,518":1775,"3,519":1776,"3,520":1777,"3,521":1778,"3,522":1779,"3,523":1780,"3,524":1781,"3,525":1782,"3,526":1783,"3,527":1784,"3,528":1785,"3,529":1786,"3,530":1787,"3,531":1788,"3,532":1789,"3,533":1790,"3,534":1791,"3,535":1792,"3,536":1793,"3,537":1794,"3,538":1795,"3,539":1796,"3,540":1797,"3,541":1798,"3,542":1799,"3,543":1800,"3,544":1801,"3,545":1802,"3,546":1803,"3,547":1804,"3,548":1805,"3,549":1806,"3,550":1807,"3,551":1808,"3,552":1809,"3,553":1810,"3,554":1811,"3,555":1812,"3,556":1813,"3,557":1814,"3,558":1815,"3,559":1816,"3,560":1817,"3,561":1818,"3,562":1819,"3,563":1820,"3,564":1821,"3,565":1822,"3,566":1823,"3,567":1824,"3,568":1825,"3,569":1826,"3,570":1827,"3,571":1828,"3,572":1829,"3,573":1830,"3,574":1831,"3,575":1832},"ٜ":{"1":[1,658],"2":[5,610],"3":[5,575]},"ٝ":["1,1","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","1,653","1,654","1,655","1,656","1,657","1,658","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,454","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,478","2,479","2,480","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,496","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","2,502","2,503","2,504","2,505","2,506","2,507","2,508","2,509","2,510","2,511","2,512","2,513","2,514","2,515","2,516","2,517","2,518","2,519","2,520","2,521","2,522","2,523","2,524","2,525","2,526","2,527","2,528","2,529","2,530","2,531","2,532","2,533","2,534","2,535","2,536","2,537","2,538","2,539","2,540","2,541","2,542","2,543","2,544","2,545","2,546","2,547","2,548","2,549","2,550","2,551","2,552","2,553","2,554","2,555","2,556","2,557","2,558","2,559","2,560","2,561","2,562","2,563","2,564","2,565","2,566","2,567","2,568","2,569","2,570","2,571","2,572","2,573","2,574","2,575","2,576","2,577","2,578","2,579","2,580","2,581","2,582","2,583","2,584","2,585","2,586","2,587","2,588","2,589","2,590","2,591","2,592","2,593","2,594","2,595","2,596","2,597","2,598","2,599","2,600","2,601","2,602","2,603","2,604","2,605","2,606","2,607","2,608","2,609","2,610","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","3,341","3,342","3,343","3,344","3,345","3,346","3,347","3,348","3,349","3,350","3,351","3,352","3,353","3,354","3,355","3,356","3,357","3,358","3,359","3,360","3,361","3,362","3,363","3,364","3,365","3,366","3,367","3,368","3,369","3,370","3,371","3,372","3,373","3,374","3,375","3,376","3,377","3,378","3,379","3,380","3,381","3,382","3,383","3,384","3,385","3,386","3,387","3,388","3,389","3,390","3,391","3,392","3,393","3,394","3,395","3,396","3,397","3,398","3,399","3,400","3,401","3,402","3,403","3,404","3,405","3,406","3,407","3,408","3,409","3,410","3,411","3,412","3,413","3,414","3,415","3,416","3,417","3,418","3,419","3,420","3,421","3,422","3,423","3,424","3,425","3,426","3,427","3,428","3,429","3,430","3,431","3,432","3,433","3,434","3,435","3,436","3,437","3,438","3,439","3,440","3,441","3,442","3,443","3,444","3,445","3,446","3,447","3,448","3,449","3,450","3,451","3,452","3,453","3,454","3,455","3,456","3,457","3,458","3,459","3,460","3,461","3,462","3,463","3,464","3,465","3,466","3,467","3,468","3,469","3,470","3,471","3,472","3,473","3,474","3,475","3,476","3,477","3,478","3,479","3,480","3,481","3,482","3,483","3,484","3,485","3,486","3,487","3,488","3,489","3,490","3,491","3,492","3,493","3,494","3,495","3,496","3,497","3,498","3,499","3,500","3,501","3,502","3,503","3,504","3,505","3,506","3,507","3,508","3,509","3,510","3,511","3,512","3,513","3,514","3,515","3,516","3,517","3,518","3,519","3,520","3,521","3,522","3,523","3,524","3,525","3,526","3,527","3,528","3,529","3,530","3,531","3,532","3,533","3,534","3,535","3,536","3,537","3,538","3,539","3,540","3,541","3,542","3,543","3,544","3,545","3,546","3,547","3,548","3,549","3,550","3,551","3,552","3,553","3,554","3,555","3,556","3,557","3,558","3,559","3,560","3,561","3,562","3,563","3,564","3,565","3,566","3,567","3,568","3,569","3,570","3,571","3,572","3,573","3,574","3,575"],"ٞ":{"2":[1],"8":[2],"11":[3],"14":[4],"15":[5],"17":[6,7,8],"18":[9,10],"19":[11],"21":[12],"24":[13],"26":[14],"27":[15],"28":[16],"29":[17],"30":[18],"31":[19,20,21],"33":[22,23],"34":[24],"36":[25,26,27],"37":[28,29],"40":[30],"41":[31],"43":[32,33,34],"44":[35],"46":[36],"47":[37],"48":[38],"49":[39],"50":[40,41],"51":[42],"52":[43,44],"54":[45],"56":[46,47],"57":[48,49],"59":[50,51,52],"60":[53,54],"62":[55,56],"63":[57,58],"65":[59],"66":[60,61],"68":[62],"69":[63],"70":[64,65],"71":[66],"72":[67],"73":[68,69,70],"74":[71],"79":[72],"80":[73],"83":[74],"84":[75],"85":[76,77],"88":[78],"89":[79],"90":[80],"92":[81,82],"94":[83],"96":[84],"97":[85],"98":[86],"100":[87],"101":[88],"102":[89],"103":[90],"106":[91],"107":[92],"108":[93],"110":[94],"112":[95],"115":[96,97,98,99],"117":[100,101],"118":[102],"119":[103],"120":[104],"124":[105,106],"126":[107],"127":[108,109],"128":[110],"129":[111],"130":[112,113],"138":[114,115],"139":[116],"140":[117,118],"142":[119],"143":[120],"144":[121],"149":[122],"151":[123],"152":[124,125,126],"154":[127],"156":[128],"158":[129],"159":[130],"161":[131],"165":[132],"166":[133],"167":[134],"168":[135],"171":[136],"172":[137,138,139],"174":[140,141],"180":[142],"182":[143],"183":[144,145],"185":[146,147,148,149],"189":[150,151],"191":[152,153],"192":[154],"193":[155],"195":[156,157],"196":[158,159,160],"198":[161,162],"199":[163],"201":[164],"202":[165,166,167],"203":[168,169,170],"211":[171],"213":[172,173],"214":[174],"215":[175],"216":[176],"218":[177,178],"220":[179],"221":[180,181],"222":[182],"223":[183],"226":[184],"227":[185,186],"228":[187,188],"229":[189,190,191],"230":[192],"231":[193],"232":[194],"237":[195,196],"238":[197,198,199],"239":[200],"242":[201],"243":[202,203],"244":[204],"252":[205],"253":[206,207],"256":[208],"257":[209],"261":[210],"263":[211,212],"264":[213],"266":[214],"269":[215,216,217],"270":[218],"271":[219],"272":[220],"273":[221,222,223],"274":[224],"275":[225],"276":[226,227],"277":[228],"278":[229,230],"280":[231,232],"281":[233],"284":[234],"286":[235],"287":[236,237],"292":[238],"297":[239],"300":[240],"303":[241],"304":[242],"305":[243],"306":[244],"309":[245],"311":[246],"314":[247],"315":[248,249],"316":[250],"317":[251],"318":[252],"320":[253],"321":[254],"322":[255],"325":[256],"327":[257],"332":[258],"334":[259],"335":[260],"339":[261,262],"341":[263,264],"343":[265],"344":[266,267],"345":[268,269],"346":[270],"352":[271],"355":[272,273],"356":[274],"357":[275,276],"358":[277,278,279],"360":[280,281],"362":[282],"364":[283],"376":[284],"379":[285],"388":[286],"390":[287],"391":[288],"393":[289,290],"394":[291],"395":[292,293],"396":[294],"397":[295],"399":[296],"400":[297],"405":[298,299,300],"407":[301],"408":[302],"409":[303],"410":[304],"413":[305],"414":[306],"415":[307],"416":[308],"417":[309],"419":[310],"420":[311,312],"421":[313,314,315,316],"422":[317],"423":[318],"424":[319,320],"425":[321],"426":[322],"428":[323],"435":[324,325,326],"436":[327],"437":[328,329],"438":[330],"440":[331],"442":[332],"443":[333],"444":[334],"451":[335],"456":[336],"459":[337],"460":[338],"461":[339],"464":[340],"465":[341],"466":[342],"468":[343],"470":[344,345],"471":[346],"472":[347],"476":[348],"479":[349],"480":[350,351,352],"481":[353,354],"482":[355],"483":[356],"485":[357],"488":[358],"489":[359],"492":[360,361],"500":[362,363],"501":[364],"505":[365,366],"506":[367],"509":[368],"510":[369],"514":[370],"515":[371],"516":[372],"518":[373],"520":[374],"523":[375,376],"524":[377],"526":[378],"529":[379],"535":[380],"538":[381,382],"539":[383],"540":[384],"542":[385],"543":[386,387],"544":[388],"546":[389],"547":[390],"550":[391],"551":[392,393],"552":[394],"557":[395],"560":[396],"567":[397],"570":[398,399],"571":[400],"572":[401,402],"575":[403,404,405],"576":[406],"577":[407],"579":[408],"581":[409],"584":[410,411,412],"586":[413],"587":[414],"590":[415],"592":[416],"595":[417],"596":[418],"597":[419,420],"598":[421],"604":[422],"605":[423],"608":[424],"609":[425],"612":[426],"614":[427],"615":[428],"616":[429,430,431],"619":[432],"620":[433],"621":[434],"623":[435],"624":[436],"625":[437],"626":[438],"627":[439],"631":[440],"634":[441],"635":[442],"638":[443,444],"639":[445],"640":[446],"641":[447],"643":[448,449],"645":[450],"650":[451],"653":[452],"654":[453],"656":[454],"659":[455],"661":[456],"663":[457],"666":[458],"667":[459],"669":[460],"670":[461],"680":[462],"686":[463],"688":[464],"690":[465],"691":[466,467],"692":[468],"693":[469,470],"695":[471],"705":[472,473],"706":[474,475],"710":[476],"712":[477],"713":[478],"714":[479],"720":[480,481],"723":[482],"729":[483],"731":[484,485],"736":[486],"738":[487],"740":[488],"742":[489],"744":[490],"745":[491,492],"748":[493],"749":[494],"750":[495],"752":[496],"754":[497],"757":[498],"758":[499],"759":[500],"760":[501],"761":[502,503],"762":[504],"763":[505],"764":[506],"765":[507],"766":[508],"767":[509],"770":[510],"771":[511],"772":[512,513],"774":[514],"775":[515],"776":[516],"777":[517],"778":[518],"779":[519],"780":[520],"781":[521],"782":[522],"788":[523,524,525],"789":[526],"790":[527],"791":[528,529],"793":[530],"801":[531],"802":[532],"804":[533],"805":[534,535],"806":[536,537],"807":[538],"808":[539],"809":[540],"810":[541],"812":[542,543],"813":[544],"815":[545],"823":[546],"824":[547],"825":[548,549],"827":[550],"830":[551],"834":[552],"837":[553,554,555],"839":[556],"841":[557,558,559],"842":[560],"843":[561,562],"846":[563],"847":[564,565],"849":[566,567],"850":[568],"851":[569],"852":[570],"854":[571],"855":[572],"857":[573,574],"858":[575,576],"859":[577,578],"861":[579],"862":[580,581],"863":[582,583],"864":[584],"865":[585],"866":[586],"867":[587],"869":[588],"873":[589,590],"874":[591],"875":[592],"876":[593,594],"877":[595,596,597],"878":[598],"880":[599],"881":[600],"883":[601,602,603],"885":[604],"887":[605,606],"889":[607,608,609],"890":[610],"891":[611],"892":[612],"895":[613],"897":[614,615],"902":[616,617,618],"903":[619],"904":[620,621],"906":[622],"909":[623,624],"910":[625,626,627],"911":[628,629],"913":[630],"914":[631,632],"915":[633],"917":[634,635],"918":[636,637],"926":[638],"928":[639],"929":[640],"930":[641],"932":[642],"933":[643,644],"935":[645],"938":[646,647,648],"943":[649],"944":[650],"945":[651],"950":[652],"951":[653],"953":[654],"955":[655],"956":[656],"957":[657],"958":[658],"959":[659,660,661,662],"961":[663],"963":[664],"965":[665],"967":[666],"969":[667,668],"972":[669,670],"973":[671],"975":[672],"976":[673],"977":[674],"981":[675,676],"983":[677],"985":[678],"988":[679],"990":[680,681],"991":[682],"993":[683],"994":[684],"995":[685],"996":[686],"998":[687,688],"999":[689],"1000":[690],"1002":[691,692],"1003":[693],"1011":[694,695],"1012":[696,697],"1013":[698,699],"1014":[700,701],"1015":[702],"1016":[703],"1018":[704],"1020":[705,706],"1024":[707],"1026":[708],"1027":[709],"1029":[710,711],"1031":[712],"1033":[713,714],"1034":[715],"1035":[716],"1038":[717],"1042":[718],"1043":[719],"1044":[720],"1045":[721],"1046":[722,723],"1048":[724,725],"1049":[726],"1050":[727],"1051":[728],"1052":[729,730],"1053":[731],"1055":[732,733],"1057":[734,735],"1058":[736,737,738],"1060":[739],"1061":[740],"1067":[741,742],"1068":[743,744],"1069":[745,746],"1074":[747],"1075":[748,749],"1076":[750],"1078":[751,752],"1081":[753],"1083":[754],"1086":[755,756],"1089":[757],"1096":[758],"1098":[759,760],"1099":[761],"1101":[762,763],"1102":[764],"1103":[765],"1104":[766],"1105":[767],"1109":[768],"1110":[769,770],"1111":[771,772],"1112":[773],"1113":[774],"1119":[775],"1120":[776],"1121":[777],"1122":[778],"1125":[779],"1126":[780],"1129":[781],"1136":[782],"1138":[783],"1139":[784,785],"1142":[786],"1143":[787,788],"1144":[789],"1148":[790],"1149":[791],"1151":[792],"1154":[793,794],"1157":[795],"1158":[796],"1161":[797],"1166":[798],"1167":[799],"1169":[800],"1172":[801],"1173":[802],"1175":[803],"1176":[804],"1177":[805],"1183":[806,807],"1186":[808,809],"1188":[810],"1189":[811],"1191":[812],"1192":[813],"1194":[814],"1196":[815,816],"1197":[817],"1198":[818],"1200":[819],"1201":[820],"1205":[821],"1210":[822],"1212":[823],"1214":[824],"1217":[825],"1218":[826],"1219":[827],"1220":[828,829],"1223":[830],"1225":[831,832],"1227":[833],"1228":[834,835],"1232":[836,837],"1233":[838],"1235":[839],"1236":[840],"1237":[841],"1238":[842],"1240":[843],"1241":[844],"1242":[845],"1244":[846],"1251":[847],"1255":[848,849],"1256":[850,851],"1258":[852],"1260":[853,854],"1262":[855],"1264":[856],"1266":[857],"1272":[858],"1277":[859],"1278":[860],"1279":[861,862],"1280":[863],"1281":[864],"1283":[865,866],"1289":[867,868],"1290":[869],"1291":[870,871],"1293":[872],"1296":[873],"1301":[874],"1307":[875],"1309":[876],"1313":[877],"1314":[878,879],"1315":[880],"1319":[881],"1323":[882],"1325":[883],"1328":[884],"1334":[885],"1335":[886],"1339":[887,888],"1341":[889],"1344":[890],"1345":[891,892,893],"1347":[894,895],"1349":[896,897],"1350":[898],"1351":[899],"1355":[900],"1356":[901,902],"1357":[903,904],"1358":[905],"1359":[906,907],"1360":[908,909,910],"1361":[911],"1362":[912],"1363":[913],"1364":[914,915,916],"1365":[917],"1366":[918],"1367":[919],"1368":[920],"1370":[921,922],"1372":[923,924,925,926],"1376":[927],"1377":[928],"1380":[929],"1383":[930,931],"1385":[932],"1386":[933],"1388":[934,935],"1394":[936,937],"1396":[938],"1397":[939,940,941],"1401":[942],"1405":[943],"1407":[944,945],"1410":[946],"1412":[947],"1413":[948],"1414":[949,950],"1415":[951],"1416":[952],"1417":[953],"1418":[954],"1419":[955],"1421":[956,957,958],"1422":[959],"1423":[960,961],"1425":[962,963],"1428":[964],"1429":[965],"1433":[966,967],"1435":[968,969],"1436":[970,971],"1437":[972,973],"1442":[974,975,976],"1443":[977],"1444":[978],"1445":[979,980,981],"1448":[982],"1449":[983],"1450":[984],"1452":[985,986],"1453":[987,988],"1456":[989],"1459":[990,991,992],"1460":[993],"1466":[994,995],"1468":[996],"1469":[997],"1470":[998,999],"1475":[1000],"1476":[1001],"1478":[1002],"1480":[1003],"1481":[1004],"1483":[1005],"1484":[1006],"1491":[1007],"1492":[1008],"1493":[1009],"1494":[1010],"1497":[1011],"1498":[1012,1013],"1499":[1014,1015],"1500":[1016],"1502":[1017],"1503":[1018,1019],"1504":[1020],"1507":[1021],"1509":[1022],"1511":[1023],"1514":[1024],"1516":[1025,1026],"1517":[1027],"1519":[1028],"1521":[1029,1030],"1523":[1031],"1524":[1032],"1529":[1033],"1530":[1034],"1532":[1035],"1533":[1036],"1534":[1037,1038],"1535":[1039],"1536":[1040,1041],"1537":[1042],"1538":[1043],"1540":[1044],"1542":[1045],"1543":[1046],"1548":[1047],"1551":[1048],"1555":[1049,1050],"1557":[1051],"1558":[1052,1053],"1559":[1054],"1560":[1055],"1561":[1056],"1563":[1057],"1564":[1058],"1567":[1059],"1568":[1060],"1570":[1061],"1572":[1062],"1573":[1063,1064],"1574":[1065],"1581":[1066,1067,1068],"1582":[1069,1070],"1583":[1071],"1588":[1072,1073],"1589":[1074],"1592":[1075],"1595":[1076],"1596":[1077],"1597":[1078],"1598":[1079],"1599":[1080],"1600":[1081],"1604":[1082],"1607":[1083],"1610":[1084,1085],"1611":[1086],"1612":[1087,1088],"1616":[1089],"1617":[1090],"1618":[1091],"1620":[1092,1093],"1625":[1094],"1626":[1095],"1630":[1096],"1636":[1097],"1637":[1098],"1638":[1099],"1639":[1100],"1644":[1101],"1647":[1102],"1648":[1103,1104],"1650":[1105],"1651":[1106,1107],"1652":[1108],"1653":[1109],"1656":[1110],"1657":[1111,1112],"1661":[1113],"1663":[1114,1115],"1664":[1116],"1666":[1117],"1667":[1118],"1671":[1119,1120],"1672":[1121,1122],"1673":[1123,1124],"1674":[1125],"1675":[1126],"1676":[1127,1128],"1677":[1129],"1679":[1130,1131],"1681":[1132,1133],"1682":[1134],"1683":[1135],"1684":[1136],"1686":[1137],"1688":[1138],"1689":[1139],"1690":[1140],"1693":[1141,1142],"1698":[1143,1144,1145],"1699":[1146,1147,1148],"1700":[1149],"1703":[1150],"1704":[1151,1152],"1708":[1153,1154],"1709":[1155],"1711":[1156,1157],"1712":[1158,1159],"1717":[1160],"1718":[1161,1162],"1719":[1163],"1725":[1164],"1726":[1165,1166,1167,1168],"1727":[1169,1170,1171],"1728":[1172,1173],"1732":[1174,1175],"1734":[1176],"1736":[1177,1178,1179],"1737":[1180],"1741":[1181],"1743":[1182,1183],"1749":[1184,1185],"1755":[1186],"1760":[1187],"1761":[1188,1189],"1762":[1190,1191,1192],"1763":[1193],"1764":[1194,1195],"1768":[1196],"1770":[1197],"1771":[1198],"1772":[1199],"1773":[1200],"1774":[1201],"1781":[1202],"1786":[1203,1204],"1788":[1205],"1789":[1206],"1791":[1207],"1792":[1208],"1793":[1209],"1794":[1210],"1796":[1211],"1798":[1212,1213],"1799":[1214],"1800":[1215,1216],"1802":[1217],"1803":[1218,1219],"1804":[1220,1221],"1805":[1222],"1808":[1223],"1809":[1224],"1815":[1225],"1818":[1226],"1819":[1227],"1829":[1228,1229],"1830":[1230,1231],"1832":[1232]},"ٟ":[],"numbers":{"1":11,"2":15,"3":15,"4":16,"5":17,"6":17,"7":19,"8":31,"9":31,"10":33,"11":70,"12":79,"13":80,"14":85,"15":88,"16":97,"17":101,"18":108,"19":112,"20":115,"21":115,"22":115,"23":117,"24":127,"25":140,"26":140,"27":142,"28":144,"29":151,"30":152,"31":154,"32":158,"33":161,"34":166,"35":172,"36":172,"37":183,"38":185,"39":185,"40":185,"41":189,"42":195,"43":198,"44":201,"45":202,"46":202,"47":202,"48":203,"49":203,"50":203,"51":221,"52":227,"53":229,"54":229,"55":232,"56":252,"57":257,"58":269,"59":272,"60":277,"61":280,"62":281,"63":315,"64":316,"65":317,"66":322,"67":334,"68":335,"69":339,"70":339,"71":362,"72":376,"73":393,"74":393,"75":394,"76":399,"77":400,"78":428,"79":460,"80":461,"81":470,"82":470,"83":471,"84":509,"85":515,"86":520,"87":535,"88":546,"89":547,"90":552,"91":567,"92":581,"93":590,"94":596,"95":597,"96":598,"97":635,"98":653,"99":656,"100":663,"101":666,"102":667,"103":691,"104":691,"105":692,"106":705,"107":705,"108":706,"109":713,"110":714,"111":720,"112":742,"113":758,"114":759,"115":767,"116":770,"117":771,"118":775,"119":777,"120":778,"121":780,"122":781,"123":801,"124":802,"125":827,"126":834,"127":839,"128":852,"129":854,"130":855,"131":861,"132":877,"133":877,"134":878,"135":881,"136":910,"137":911,"138":933,"139":938,"140":951,"141":958,"142":963,"143":965,"144":969,"145":972,"146":975,"147":976,"148":977,"149":988,"150":991,"151":1000,"152":1020,"153":1027,"154":1052,"155":1052,"156":1053,"157":1057,"158":1057,"159":1058,"160":1067,"161":1067,"162":1068,"163":1081,"164":1086,"165":1098,"166":1099,"167":1109,"168":1120,"169":1125,"170":1129,"171":1138,"172":1139,"173":1142,"174":1148,"175":1149,"176":1151,"177":1175,"178":1183,"179":1191,"180":1192,"181":1219,"182":1220,"183":1225,"184":1227,"185":1228,"186":1262,"187":1272,"188":1272,"189":1279,"190":1280,"191":1283,"192":1296,"193":1301,"194":1309,"195":1335,"196":1345,"197":1350,"198":1355,"199":1356,"200":1360,"201":1360,"202":1360,"203":1361,"204":1362,"205":1364,"206":1364,"207":1364,"208":1365,"209":1368,"210":1388,"211":1394,"212":1401,"213":1405,"214":1413,"215":1421,"216":1421,"217":1422,"218":1429,"219":1433,"220":1442,"221":1459,"222":1460,"223":1492,"224":1493,"225":1497,"226":1500,"227":1511,"228":1514,"229":1533,"230":1543,"231":1548,"232":1555,"233":1557,"234":1558,"235":1560,"236":1561,"237":1572,"238":1573,"239":1574,"240":1581,"241":1581,"242":1581,"243":1582,"244":1582,"245":1583,"246":1607,"247":1610,"248":1611,"249":1636,"250":1637,"251":1638,"252":1644,"253":1647,"254":1657,"255":1661,"256":1672,"257":1676,"258":1676,"259":1677,"260":1679,"261":1693,"262":1698,"263":1698,"264":1699,"265":1699,"266":1699,"267":1700,"268":1703,"269":1712,"270":1717,"271":1732,"272":1734,"273":1743,"274":1762,"275":1762,"276":1763,"277":1764,"278":1768,"279":1771,"280":1781,"281":1792,"282":1796,"283":1798,"284":1798,"285":1799,"286":1803,"287":1803,"288":1804,"289":1804,"290":1805,"291":1829,"292":1829,"293":1830,"294":1832},"number_max":294,"number_pages":{"11":1,"15":3,"16":4,"17":6,"19":7,"31":9,"33":10,"70":11,"79":12,"80":13,"85":14,"88":15,"97":16,"101":17,"108":18,"112":19,"115":22,"117":23,"127":24,"140":26,"142":27,"144":28,"151":29,"152":30,"154":31,"158":32,"161":33,"166":34,"172":36,"183":37,"185":40,"189":41,"195":42,"198":43,"201":44,"202":47,"203":50,"221":51,"227":52,"229":54,"232":55,"252":56,"257":57,"269":58,"272":59,"277":60,"280":61,"281":62,"315":63,"316":64,"317":65,"322":66,"334":67,"335":68,"339":70,"362":71,"376":72,"393":74,"394":75,"399":76,"400":77,"428":78,"460":79,"461":80,"470":82,"471":83,"509":84,"515":85,"520":86,"535":87,"546":88,"547":89,"552":90,"567":91,"581":92,"590":93,"596":94,"597":95,"598":96,"635":97,"653":98,"656":99,"663":100,"666":101,"667":102,"691":104,"692":105,"705":107,"706":108,"713":109,"714":110,"720":111,"742":112,"758":113,"759":114,"767":115,"770":116,"771":117,"775":118,"777":119,"778":120,"780":121,"781":122,"801":123,"802":124,"827":125,"834":126,"839":127,"852":128,"854":129,"855":130,"861":131,"877":133,"878":134,"881":135,"910":136,"911":137,"933":138,"938":139,"951":140,"958":141,"963":142,"965":143,"969":144,"972":145,"975":146,"976":147,"977":148,"988":149,"991":150,"1000":151,"1020":152,"1027":153,"1052":155,"1053":156,"1057":158,"1058":159,"1067":161,"1068":162,"1081":163,"1086":164,"1098":165,"1099":166,"1109":167,"1120":168,"1125":169,"1129":170,"1138":171,"1139":172,"1142":173,"1148":174,"1149":175,"1151":176,"1175":177,"1183":178,"1191":179,"1192":180,"1219":181,"1220":182,"1225":183,"1227":184,"1228":185,"1262":186,"1272":188,"1279":189,"1280":190,"1283":191,"1296":192,"1301":193,"1309":194,"1335":195,"1345":196,"1350":197,"1355":198,"1356":199,"1360":202,"1361":203,"1362":204,"1364":207,"1365":208,"1368":209,"1388":210,"1394":211,"1401":212,"1405":213,"1413":214,"1421":216,"1422":217,"1429":218,"1433":219,"1442":220,"1459":221,"1460":222,"1492":223,"1493":224,"1497":225,"1500":226,"1511":227,"1514":228,"1533":229,"1543":230,"1548":231,"1555":232,"1557":233,"1558":234,"1560":235,"1561":236,"1572":237,"1573":238,"1574":239,"1581":242,"1582":244,"1583":245,"1607":246,"1610":247,"1611":248,"1636":249,"1637":250,"1638":251,"1644":252,"1647":253,"1657":254,"1661":255,"1672":256,"1676":258,"1677":259,"1679":260,"1693":261,"1698":263,"1699":266,"1700":267,"1703":268,"1712":269,"1717":270,"1732":271,"1734":272,"1743":273,"1762":275,"1763":276,"1764":277,"1768":278,"1771":279,"1781":280,"1792":281,"1796":282,"1798":284,"1799":285,"1803":287,"1804":289,"1805":290,"1829":292,"1830":293,"1832":294}},"pages":[{"text":"مُعْجَمُ التَّوحِيدِ\nدِرَاسَة شَرعيَّة لِمُفرَدَاتِ ألفَاظِ وَمَسَائِل التَّوحِيد مَرَتَّبَة عَلى الحُرُوفِ الهِجَائِيَّة\n\nتأليف\nأبي عبْد الرحمن\nإبرَاهِيمَ بن سَعد أبَا حُسَين حَفِظه الله\n\nدَارُ القبَسِ للنَّشْرِ والتَّوزِيع","vol":"1","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>مُقَدِّمَة</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هاد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله.\nبعثه الله تعالى رحمة للعالمين، بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا ففتح الله به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا، وأقام به الملةَ العوجاءَ، صلوات الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.\n\nأما بعد: فإن التوحيد يحتاج لمعرفته أهل الأرض قاطبة، وأهل الملة الإسلامية خاصة، فهم أحوج إليه من غيث السماء، ومن نور الشمس الذي يذهب عنهم حنادس (^١) الظلماء، فضرورتُهم إليه أعظمُ الضرورات، وحاجتُهم إليه مقدمة على جميع الحاجات، إذ لا حياة للقلوب، ولا سرور ولا لذةَ، ولا نعيم ولا أمانَ إلا بتحقيق لا إله إلا الله (التي ورّثها إمامُ الحنفاء لأتباعه إلى يوم القيامة، وهي الكلمة التي قامت بها الأرض والسموات، وفطر الله عليها جميع المخلوقات، وعليها أُسست الملة ونُصبت القبلة وجُرِّدت سيوفُ الجهاد، وهي محض حق الله على جميع العباد، وهي الكلمة العاصمة للدم والمال والذرِّيَّة في هذه الدار، والمنجية من عذاب القبر وعذاب النار، وهي النشور (^٢) الذي لا يدخل الجنة إلا به والحبل الذي لا يصل إلى الله من لم يتعلق بسببه)، وهى (كلمة\n_________\n(^١) الحِندِس بكسر الحاء والدال: الليل الشديد الظلمة.\n(^٢) في مختار الصحاح: نشر الميِّتُ فهو: ناشر، عاش بعد الموت، ومنه يوم النشور، وأنشره الله تعالى أحياه باب (ن ش ر).","vol":"1","page":5},{"text":"الإسلام، ومفتاح دار السلام، وبها تنقسم الناس إلى شقي وسعيد، ومقبول وطريد، وبها انفصلت دار الكفر من دار الإسلام، وتميزت دارُ النعيم من دار الشقاء والهوان، وهي العمود الحامل للفرض والسنة، ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة\" (^١).\nفأفضل ما شُغلت به الأوقات، وانقضت فيه الساعات توحيد رب العالمين الذي اختاره الله لأنبيائه واصطفى لتحقيقه سادةَ رسله وصفوةَ خلقه.\nقال ابن عيينة - رحمه الله تعالى -: \"ما أنعم الله على عبدٍ من العباد نعمةً أعظم من أن عرَّفهم لا إله إلا الله. وإنَّ لا إله إلا الله لأهل الجنة كالماء البارد لأهل الدنيا\" (^٢).\nوقال الإمام المقدسي - رحمه الله تعالى -: \"فلو أن الإنسان عرف كل شيء ولم يعرف الله سبحانه كان كأنه لم يعرف شيئًا\" (^٣).\nوقال الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله تعالى -: \"فلا يُزهَّد في التوحيد، فإن بالزهد فيه يقع في ضده، وما هلك من هلك ممن يدَّعي الإسلام إلا بعدم إعطائه حقه ومعرفته حق المعرفة، وظنوا أنه يكفي الاسم والشهادتان، ولم ينظروا ما ينافيه وما ينافي كماله هل هو موجود أو مفقود؟ وهذا كله من عدم التحرز ومعرفة ألفاظ التوحيد لفظة، لفظة\" (^٤).\nفيا غافلًا عن حقيقة السعادة، دونك ما تسابق الأخيار في تحصيله، وما تنافس الأتقياء في تحقيقه حتى قال قائلهم: مساكين أهل الدنيا مضوا عنها وما حصلوا\n_________\n(^١) ما بين القوسين من كلام ابن القيم ﵀ في كتاب الجواب الكافي ص ١٣٨.\n(^٢) كلمة الإخلاص لابن رجب ص ٥٢ - ٥٣.\n(^٣) مختصر منهاج القاصدين ص ١٦٩.\n(^٤) شرح كشف الشبهات ١٠٨، ١٠٩. وللاستزادة من أقوال العلماء في هذا الباب انظر في هذا الكتاب باب (التوحيد وأقسامه).","vol":"1","page":6},{"text":"أحسن ما فيها معرفة الله وتوحيده.\nكرِّرْ حديثَكَ لي عن بانةِ العلمِ ... فهو الشفاءُ لما ألقاهُ من ألَمِ\nإن كان عن ناظِرِي قد غابَ حُسْنكم ... فَذِكرُكم أبدًا في خاطِري وفمِي\nوهذا كتاب \"معجم التوحيد\" (^١)، جمعت فيه ما يتعلق بتوحيد العبادة ومسائل الإيمان، وما يضاده من نواقض الإسلام، وأقسام الكفر، والشرك والنفاق، وما يتعلق به من أصول ومسائل ومصطلحات وتعريفات، مع بيان الغامض من المفردات، ووضع الفوائد والتقسيمات، مما قد يَشُق على الباحث العثور عليه سريعًا وقد اتسعت مسائل هذا الكتاب وتشعبت، وحاولتُ جاهدًا أن أقربها وأُأَلّف بينها وبذلتُ ما في الوسع لأجل ذلك. وانصبَّ الاهتمام على الأصول من المسائل. وقد جعلت كتاب التوحيد للشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ نواةً للعمل، فكل ما استحق بحثًا في مسائله أفردتُ له بابًا مستقلًا، وأضفتُ أبوابًا أخرى لها صلة بالتوحيد، وقام منهجي في ترتيب هذا الكتاب على الآتى:\n١ - تعريف لغوي: وهذا مصدره المعاجم المعروفة، ككتاب تهذيب اللغة للأزهري، والنهاية لابن الأثير، ومختار الصحاح، ولسان العرب، والمعجم الوسيط وأمثالها، وبعض الأبواب أو العناوين سيتضح المعنى منه من غير تعريف بالمعنى اللغوي، كباب (اتخاذ القبور مساجد)، فمثل هذا لا أذكر له تعريفًا لغويًا لوضوحه.\n٢ - تعريف شرعي أو اصطلاحي: وكان مصدره في الغالب التعريفات التي يعتمدها العلماء المحققون، كابنِ تَيمِيَّةَ، وابن القيم، وابن رجب، وابن كثير،\n_________\n(^١) ملاحظة: عنوان الكتاب يعبر عن جزء منه للاختصار، وإلا فسيطول العنوان حيث تضمن الكتاب معرفة ما يتبع التوحيد من الإيمان وأصوله ونواقضه، وما يلحق به من اعتقاد أهل السنة والجماعة وما يخالف ذلك كالبدعة ... إلخ.\nوسبب إيرادي لبعض هذه المسائل أهميتها، ولأن عدم الإيمان بها كفر بالله ﷿.","vol":"1","page":7},{"text":"وأسلافهم. ويلحق بهم أئمة الدعوة بدءًا بالإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب وسماحة شيخنا الإمام عبد العزيز بن باز والألباني وابن عثيمين ﵏.\n٣ - الأدلة من الكتاب.\n٤ - الأدلة من السنة: والتزمت إيرادها من مصادرها الأصيلة مع عزو الحديث فإن كان عند البخاري أو مسلم فإنني أكتفي بالإحالة لهما أو لأحدهما، فإن كان عند غيرهما أشرت إلى ذلك. أما الأحاديث التي يذكرها عالِمٌ حال النقل عنه فإنني لم ألتزم تخريجها أو تحقيقها بل أوردها كما ذكرها من غير تغيير فيها.\n٥ - قول السلف (^١) عملًا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩ - ٦٠]، يقول الشيخ المعلمي ﵀: \"ولا ريب أن الردّ إلى الله ورسوله بعد وفاته؛ إنما يحصل بالردّ إلى الكتاب والسنة، وأن تحكيمه بعد وفاته؛ إنما هو بتحكيم الكتاب والسنة.\nولا ريب أن من الرد إلى الكتاب: سؤال العلماء، كما أن الردّ إلى الرسول: اعتبار خلفائه وورثته من أهل العلم، قال الله ﷿: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧]، وفي حديث أبي الدرداء مرفوعًا: \"العلماء خلفاء الأنبياء\" (^٢)، وله في السنن حديث فيه: \"وأنّ العلماء ورثة الأنبياء ... \" الحديث (^٣). ولا ريب أن الأئمة المجتهدين من أولى من يدخل في ذلك\" (^٤).\nعلمًا بأني إذا نقلت كلام أحد الأئمة فإني أضع كلامه بين قوسين، فإذا ذكر في كلامه حديثًا أو أثرًا أو كلامَ عالِمٍ آخر جعلتُ علامةَ تنصيص ليتضح ذلك.\n_________\n(^١) انظر: معنى (السلف) في باب (أهل السنة والجماعة).\n(^٢) أخرجه البزار، ورجاله موثوقون كما في مجمع الزوائد (١/ ١٢٦).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٣٦٤١)، والترمذي (٢٦٨٣)، وابن ماجه (٢٢٣).\n(^٤) البناء على القبور للمعلمي ص ٥، ٦.","vol":"1","page":8},{"text":"- الحكمُ على المسألةِ وبيانُ حلِّها أوحرمتِها أو وجوبها وأثرِها على التوحيد.\n- ذكر التقسيمات وإتباعها بفائدةٍ أو فوائد ممَّا يحتاج إليه الباحث، وهذا الترتيب في الجملة وربما خالفت هذا المنهج في بعض المواطن لسبب يقتضى ذلك.\nوقد حاولتُ الابتعاد عن التكرار قدر الإمكان مع صعوبة ذلك، فإذا رأيتَ أبوابًا متشابهة في الأسماءِ وظهر لك عدم الفرق بينهما فإن المسائل المندرجة تحتها تختلف عن غيرها، فمثلًا أبواب (الكفر) (التكفير) (العذر بالجهل) (الردة) بينها شَبَهٌ كبير من حيث المعنى ولكن في باب (الكفر) ذكرت تعريفه وأنواعه، والفرق بين كفر الاعتقاد وكفر العمل وغير ذلك، أما باب (الردّة) فذكرت فيه أقسام الردة، وأن الكفر يكون بالقول وبالعمل وبالاعتقاد والترك والشك، وما يترتب على المرتد من آثار. وفي باب (التكفير) ذكرت النصوص الواردة في التحذير من التكفير بغير دليل شرعي ولا علم، والتفريق بين الإطلاق والتعيين، ومعرفة موانع التكفير كالإكراه والخطأ والتأويل والعجز. أما باب (عارض الجهل) فذكرت فيه ضوابط العذر بالجهل ومعنى قيام الحجة، وأن عدمها مانعٌ من تكفير المعيَّن، كما أوضحتُ المراد من بلوغ الحجة وفهمها، وأن الجهل لا يكون فيما هو معلوم من الدين بالضرورة وغير ذلك.\nوقد ترِدُ المسالةُ في بابٍ فلا أتكلم عنها بل أحيل على باب آخر مشابه ذكرتُ فيه هذه المسألة بالتفصيل كمسألة (حكم الذهاب للكهان)؛ إذ يحتمل ذكرها في باب (العرَّاف) (الكاهن) (التنجيم)، ففصَّلتُ الكلام عنها في باب (الكهانة)، أما الأبواب الأخرى فعِنْدَ ذكر هذه المسألة فإني أُحيل على الباب الذي فصّلتُ فيه.\nأما الأبواب فقد رتبتها ترتيبًا هجائيًا مراعيًا فيه شهرة اللفظ دون اعتبارٍ لأصل اشتقاقه، فلم ألتزم بما التزم به أصحاب المعاجم اللغوية؛ بل رتّبتُ الأبواب وفق لفظها المذكور في كتب أهل العلم وحسب ذكر العلماء لها، كما أهملتُ (أل)","vol":"1","page":9},{"text":"التعريف فيما هو معرّف (بألْ) ومثال ذلك: باب (الاستعاذة) فإنك تبحث عنه في باب الهمزة ثم السين وهكذا، وتبحث عن باب (التوحيد) في الأبواب التي تبدأ بحرف التاء ثم الواو. وبعض الأبواب لا أستطيع إيرادها إلا بعبارتها أو مظهرها الشركي، كباب (ما شاء اللهُ وشئت) (التنجيم)، (الإقامة في بلاد الكفار) وغيرها، وليعذرنا القارئ في التبويب؛ لأن المراد التقريب وسهولة الوصول إلى المفردات المتعلقة بالتوحيد، فأرجوا أن أكون قد سلكت المسلك المناسب في ذلك؛ تسهيلًا لوصول المعلومة إلى القارئ، وهذا محل اجتهاد مني، إن وفقت فيه فذلك فضل من الله، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان.\nوقد دفعني إلى ترتيب هذا الكتاب على حروف المعجم حاجة بعض طلبة العلم والدعاة والخطباء والباحثين إلى الوصول بطرق يسيرة لأقوال العلماء والأئمة في مسائل التوحيد، مع اختصار الوقت والجهد في البحث عنها في أُمَّات الكتب، وذلك يخدم الباحث في العَزْوِ لأهل العلم وكتبهم.\nوحاولت التزام ذكرَ المراجع كي يتسنَّى لمن أراد التفصيل العثور على مراجع المسائل.\nفتجد تحت كل باب مراجع رُمز لها بعلامة نجمة (*) أذكر بعدها كتب السلف من الأصول المتقدمة والكتب المتأخرة، والتزمتُ بذكر مكان المسألة في الشروح المشهورة على كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب ومن ذلك: تيسير العزيز الحميد، فتح المجيد، حاشية ابن قاسم، القول المفيد، ثم فتاوى اللجنة، وفتاوى الشيخ ابن باز، وفتاوى الشيخ ابن عثيمين - ﵏ جميعًا -، وأغلب المسائل المذكورة والتقسيمات الموجودة اعتمدتُ فيها على الكتب والمراجع المكتوبة في حاشية كل باب، وربما نقلتُ من هذه المراجع بالنص أو استفدت من النقل الموجود فيها مع الاكتفاء بالمرجع الأصل، كما استفدتُ من الحواشي أو الشروح","vol":"1","page":10},{"text":"المخطوطة على كتاب التوحيد، وكذلك الكتب التي تناولت كتب التوحيد بالتحقيق، أو المؤلفات المعاصرة والرسائل الجامعية، أو المناهج الدراسية المعدة لهذا الشأن. وإذا طال النقل تصرفت فيه بما يخدم الكتاب مراعاةً للاختصار.\n\nوقد توخَّيْتُ ذكرَ المراجع من الكتب المعتمدة والصافية، ولكن هناك من الكتب ما يُقَرَّرُ فيه مذهبُ الأشاعرة، أو يُوجد في أثنائه خلل في العقيدة فينبغي ال<span data-type=\"title\" id=toc-2>تنبيه </span>إلى أن الإحالة إلى المراجع لا يعني التسليم بِما فيها والإذعان لها، وإنما يُؤخذ الصواب، ويترك ما عداه.\nولقد استفدتُ كثيرًا من المشايخ والعلماء - حفظهم الله -، سواء في الدروس العلمية والحلقات أو الاستفسار والاتصال، كما استفدت من الشيخ عبد الله بن جبرين ﵀، في فهم بعض العبارات الموهِمَة وبيان الأحكام المجملة.\n\nتنبيه:\nربما وجد الباحثُ أبوابًا يظن أنها لا تَمُتّ إلى توحيد العبادة بصلة، ولكن فيها مباحث ومسائل متعلقة بالتوحيد، فلا تستعجل باللوم حتى في مسائل الباب ومباحثه، لا في عنوانه، ومن ذلك مثلا باب (جزيرة العرب) فقد يظن أن إدراجه غريب في كتاب كهذا، ولكن فيه مسائل توجب ذكره ضمن أبواب هذا الكتاب؛ إذ يتعلق به على سبيل المثال حديث: \"إن الشيطان يئس أن يُعبد في جزيرة العرب\". وحديث: \"أخرجوا اليهودَ والنصارى من جزيرة العرب\". وحديث \"لا يبقى فيها دينان\". فنحتاج لفهم معنى \"يئس الشيطان\" وأقوال العلماء في ذلك، ونحتاج لتوضيح حكم وجود دين آخر في الجزيرة، وحكم استقدام الكفرة إلى هذه الجزيرة، وهذا لا شك أن له تعلقًا بالتوحيد وأقرب عنوان له هو: جزيرة العرب، ومن ذلك باب (الوقف) إذ هو من المسائل الفقهية، لكن له تعلّق بالتوحيد من جهة حكم الوقف على بناء القبور، والوقف على إيقاد السُّرُج عليها، وما شابه ذلك.","vol":"1","page":11},{"text":"وإذا كان الموضوع يناسبه أكثر من عنوان، فإني أضع جميع العناوين المناسبة، ويكون محل البحث تحت عنوان واحد ومثال ذلك باب (لا إله إلا الله) فإن له عناوين أخرى مثل (كلمة التوحيد) (كلمة الإخلاص) (العروة الوثقى) وما شابه ذلك، فأكتُبُ هذه العناوين في مكانها من المعجم مفردة دون بحث، وأحيلُ على الأصل الذي اخترته لوجود المباحث فيه، وأذكرُ في السطر الذي يلي عنوان الباب الأبواب ذات الصلة.\nواعلم - رحمك الله - أن هناك أبوابًا تكاد تكون متصلة مع بعضها صلة وثيقة، فاجعل لكل منها بابًا مستقلًا، أوضِّحُ فيه المعنى وأحيل في المسائل على الباب الأصل المختار، ومثال ذلك (الحُجُب) (الحُرُوز) (الرُّقَى) (التمائم)، فإني أفسِّرُ معانيها وأذكر ما يتعلق بها بشيء من الاختصار، ثم أحيل في المسائل والأدلة على الباب الأصل وحينًا أجعلها كلها في باب واحد لشدة ترابطها مع بعضها، وأجعل لأفرادها عناوين خالية من البحوث وأحيل على الأصل ومثاله شروط (لا إله إلا الله).\nوقد حاولتُ جاهدًا أن استقصي جميع المباحث وأن أضع لكل مسألة تفاصيل العلماء وأقوالهم فيها، ولا أدَّعي أنني بلغت الغاية أو قاربتها، لكن جهد مقل أرجو به من الله الرضى والقبول والتوفيق، إنه ولي ذلك والقادر عليه.\nولقد ساهم في إخراج هذا الكتاب ومراجعته إخوة وأخوات لولا معرفتي لكراهيتهم ذكر أسمائهم لذكرتهم واحدًا واحدًا، فما كان هذا الكتاب ليخرج إلا بفضل من الله ثم بفضلهم. وإن كنا لا نملك ذكر أسمائهم، فإنا ندعو لهم: أن ييسرهم لليسرى ويجنبهم العسرى، وأن يزيدهم هدى، ويجعل لهم من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ويجزيهم عنا خير الجزاء.\nوأذكّر إخواني ممن يقرأ هذا الكتاب أو يطلع عليه أن يأخذ بما احتواه الكتاب، وليكن رائده في ذلك البحث عن الحق واتباع الدليل، فإن عثر على خطأ مني","vol":"1","page":12},{"text":"فليصفح عن ذلك وليعاجلني بتنبيه ونصيحة ولا يظننَّ سوءًا بل يقل: زل القلم وسها الكاتب ولا يكن ممن قيل فيه:\nفإن رأوا هفوةً طاروا بها فرحًا ... مِنِّي وما علموا من صالحٍ دفنوا\nوفي الختام أحمد الله على ما يسر وأشكره على ما مدَّنا به من توفيق وإعانة فله الحمد وله الشكر والثناء أولًا وأخيرًا.\nوصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\n\nوكتبه:\nإبرَاهِيمَ بن سَعد أبا حُسَين\nغفر الله له ولوالديه ولإخوته ولجميع المسلمين\nص - ب ٥١٣٦٠ - الرمز ١١٥٤٣\nإيميل  ism-٠١٢٣@hotmail.com\nتويتر @  ismhbr","vol":"1","page":13},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>١ - لا إله إلا الله</span>*\nالإلهُ: فعالِ بمعنى مألوه، وكُلُّ ما اتُّخِذ مَعبودًا إلهٌ عِنْدَ مُتَّخِذِه (^١).\nقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى -: \"فـ \"الإلهُ\" اسمُ صفةٍ لكُلِّ معبودٍ بحقٍّ أو باطل، ثم غُلِب على المعبُود بحقٍ وهو اللهُ تعالى، وهو الذي يخلق ويرزق ويدبِّرُ الأُمُور\" (^٢).\nفمعنى \"الإلهُ\" يتضمَّنُ فعلَ الخلقِ والرزقِ والإثابةِ والعقوبةِ، ولهذا انفرد الله\n_________\n* سبب الابتداء بباب (لا إله إلا الله) لأنها الأصل الذي تدور عليه مسائل هذا الكتاب وأبوابه، وكل الكتاب شرحٌ لهذه الكلمة وتوضيحٌ لها وذكرٌ لأقسامها وتحذيرٌ مما يضادها.\nانظر: التمهيد لابن عبد البر ٦/ ٥١، ٦/ ٤٣، ٤٨، ٩/ ٢٤٠، ١٠/ ١٤٩، ٢٣/ ٢٩٦. شَرحُ السُنَّةِ للبَغوي ١/ ٩٢. اقتضاء الصراط المستقيم لشيخ الإسلام ابنِ تَيمِيَّةَ ٢/ ٨٣٣. كتاب التوحيد للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب. تيسير العزيز الحميد ص ٧٥،١٢٣. فتح المجيد ص ٦٥، ١٠٧. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٣١، ٥٤. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ٥٨، ط ٢ - ١/ ١٥٩ ومن المجموع ٩/ ٥١. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ١٥، ١٦. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ١/ ١٧٩، ١٨٩. معارج القبول ١/ ٣٠٠، ٣٢٠. مجموع الفتاوى لابن باز ١/ ١٩٣. نور على الدرب ص ٤٩ شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٣/ ٥٦، ٥٧. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١، ٧٧، ٧/ ٣٠، ٣١/ ٣٢. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ص ٣٢٦، ٣٢٨. الشيخ السعدي وجهوده في توضيح العقيدة للعباد ص ١٥٩ منهج الحافظ ابن حجر العسقلاني تأليف: محمد إسحاق كندو ص ٩٩٥ وما بعدها. الآثار الواردة في سير أعلام النبلاء د/ جمال بن أحمد ١/ ١٦٢. جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية ص ١٥٢. وانظر كتاب (الشهادتان) للشيخ عبد الله بن جبرين، وكتاب إلا إله إلا الله معناها ومكانتها) للشيخ صالح الفوزان. و(تيسير الإله بشرح أدلة شروط لا إله إلا الله) للجابري.\n(^١) القاموس المحيط مادة \"أ ل هـ\".\n(^٢) مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، القسم الخامس، ص ١٠٦.","vol":"1","page":14},{"text":"تعالى باستحقاق العبادةِ وحده؛ لأنَّه المنفردُ بهذه الأفعالِ والصفاتِ.\nفالإلهُ: هو المعبودُ المطاعُ الذي تألههُ القلوب، أي: تتجهُ لهُ وتقصدُه وتخضعُ له وتتعلقُ به خشيةً وإنابةً ومحبةً وخوفًا وتوكلًا عليه وإخلاصًا ﵎.\nقال ابن عَبَّاسٍ - ﵄ -: \"الله ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين\" (^١).\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله - رحمه الله تعالى -: \"وقد دخل في الإلهية جميع أنواع العبادة الصادرة عن تألُّه القلب لله بالحب والخضوع والانقياد له وحده لا شريك له، فيجب إفرادُ الله تعالى بها، كالدعاءِ والخوفِ المحبةِ، والتوكلِ والإنابةِ، والتوبةِ، والذبحِ، والنذرِ، والسجودِ، وجميعِ أنواعِ العبادةِ فيجب صرف جميع ذلك لله وحده لا شريك له، فمن صرف شيئًا مما لا يصلح إلا لله من العباداتِ لغيرِ لله، فهُوَ مُشرِكٌ ولو نطق بـ \"لا إله إلا الله\"، إذ يعمل بما تقتضيه من التوحيد والإخلاص\" (^٢).\nفـ \"لا إله إلا الله\" معناها: لا معبود حقٌّ إلا الله، وغير الله إن عبد فباطل (^٣).\n* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢] وقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩]، وقال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر:٥٤] وقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران ١٨]، وقال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣،٢]، وقال تعالى:\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان ١/ ٢٢ وابن أبي حاتم انظر الدر المنثور ١/ ٢٣.\n(^٢) تيسير العزيز الحميد ص ٧٥.\n(^٣) انظر للاستزادة فتح المجيد ص ٦٥ - ٦٩.","vol":"1","page":15},{"text":"﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر:١٤]، وقوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦]. وقال ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥].\n* الدليل من السنة: عَنْ عُثْمَانَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ انهُ لا إِلَهَ إِلا اللهُ دَخَلَ الْجَنةَ\" (^١)، وعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال في الشهادتين: \"لا يلقَى الله بهما عبدٌ غيرَ شاكٍّ فيهما إلا دخلَ الجنةَ\" (^٢).\nوعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ الله - ﷺ -: \"اذهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا الله مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ\" (^٣).\nوعَنْ عُبَادَةَ - ﵁ - عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ (^٤) أَلْقَاهَا (^٥) إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ وَالْجَنَّة حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ أَدْخَلَهُ الله الْجَنّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ الْعَمَلِ\" (^٦).\nوعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَمَعِي نَفَرٌ مِنْ قَوْمِي: \"فَقَالَ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٦).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٧).\n(^٣) أخرجه مسلم (٣٠).\n(^٤) قال في التيسير ص ٨٤: إنما سُمِّي ﵇ كلمة الله لصدوره بكلمة \"كن\" بلا أب ا. هـ.\n(^٥) قال ابن كثير في تفسيره (٢/ ٤٣٠): خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبرائيل ﵇ إلى مريم فنفخ فيها من روحه بأمر ربه ﷿، فكان عيسى بإذن الله ﷿. ا. هـ\n(^٦) أخرجه البخاري (٣٤٣٥) ومسلم (٢٨) واللفظ للبخاري.","vol":"1","page":16},{"text":"أَبْشِرُوا وَبَشِّرُوا مَنْ وَرَاءَكُمْ إِنَّهُ مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ صَادِقًا بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ\" (^١).\nوعَنْ عَمْرٍو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ أَخبرنَا مَنْ شَهِدَ مُعَاذًا حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ يَقُولُ: اكْشِفُوا عَنِّي سَجْفَ الْقُبَّةِ أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ الله - ﷺ - قَالَ مَرَّةً: أُخْبرُكُمْ بِشَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ الله - ﷺ - لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أُحَدَّثَكُمُوهُ إِلا أَنْ تَتَّكِلُوا سَمِعْتُهُ يَقُولُ: \"مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ يَقِينًا مِنْ قَلْبِهِ لَمْ يَدْخُلْ النَّارَ أَوْ دَخَلَ الْجَنّةَ\" وَقَالَ مَرَّةً: \"دَخَلَ الْجَنّةَ وَلَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ\" (^٢).\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أنهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، مَنْ أَسْعَدُ الناس بشفاعتك يوم الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لا يَسْألُنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا الله خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ\" (^٣). وهو معنى قوله - ﷺ - في حديث عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله - ﷺ - مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الأَنْصَارِ قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"فَإِنَّ الله قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لا إلَهَ إلا اللهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ الله\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>١ - \"لا إله إلا الله \" أول واجب على المكلف:</span>\nقال العلامة عبد العزيز الرشيد صاحب أحكام وفوائد في التنبيهات السنية: \"هذه الكلمة هي أول واجب وأعظم واجب على الإطلاق كما في الصحيح من حديث ابن عَبَّاسٍ أن النبي - ﷺ - قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: \"فليكن أول ما\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد (١٩٨٢٦). والطبراني في الكبير كما في مجمع االزوائد (١/ ١٦) وإسناده صحيح ورجاله رجال الشيخين.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد (٢٢١٤٠) وابن حبان (٢٠٠).\n(^٣) أخرجه البخاري (٩٩)، (٦٥٧).\n(^٤) أخرجه البخاري (٤٢٥)، (١١٨٦) ومسلم (٣٣).","vol":"1","page":17},{"text":"تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله\"، وفي رواية: \"إلى أن يعبدوا الله\"؛ فدل على أن التوحيد هو أول واجب على العباد، خلافًا لمن زعم أن أول واجب معرفة الله بالنظر أو القصد إلى النظر أو الشك كما هي أقوال لأهل الكلام المذموم، فإن معرفة الله فطرية فطر الله عليها عباده، قال تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠] أي: أفي وجوده شك، فإن الفِطَر شاهدة بوجوده مجبولة على الإقرار به، فإن الاعتراف به ضروري في الفطر السليمة كما قال - ﷺ -: \"كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه\"\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>٢ - تفسيرات باطلة لـ \"لا إله إلا الله</span>\":\nوإذا تبين أن معنى لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله، وهذا تفسير أهل السنة؛ فينبغي التنبيه إلى أنها قد فُسّرت بتفسيرات باطلة، منها:\n١ - أن معنى لا إله إلا الله أي لا موجود إلا الله، وهذا تفسير أهل الاتحاد (^٢).\n٢ - أن معناها: أي لا معبود موجود إلا الله، وهذا باطل لأنه يلزم منه أن كل معبود عُبِد بحق أو باطل هو الله (^٣).\n٣ - أن معناها: أي لا خالق (^٤) إلا الله، أو لا رب إلا الله، ولو كان المعنى كذلك لما حصل نزاع بين النبي - ﷺ - وكفار قريش، ولما حصل نزاع بين الرسل وأممهم؛ لأن الأمم يقرون بأنه لا خالق إلا الله، فليس هذا المعنى فقط هو المراد منها.\n_________\n(^١) انظر: التنبيهات السنية على العقيدة الواسطية ص ٧.\n(^٢) انطر مجموع الفتاوى (٢/ ٢٥٩، ٢٨٧، ٢٨٨)، والشيخ السعدي وجهوده في توضيح العقيدة ص ١٥٩.\n(^٣) معارج القبول شرح سلم الأصول (٢/ ٤١٦).\n(^٤) وسبب تفسيرهم بـ (لا خالق إلا الله) أن الكلمة (إله) على وزن (فِعَال)، وفِعَال في اللغة تأتي بمعنى (فاعل) وبمعنى (مفعول).","vol":"1","page":18},{"text":"حيث يثبت بها توحيد الربوبية فقط.\n٤ - وقيل معناها لا حاكمية إلا لله، وهذا أيضًا جزء من معناها وليس هو المقصود لأنه بهذا المعنى تفسير ناقص لا يكفي.\n٥ - ومنها أنه لا قادر على الاختراع إلا الله، ولا مستغنٍ عمَّا سواه مفتقر إليه كل من عداه إلا الله، وهذا القول منسوب لبعض أئمة المتكلمين قال شيخ الإسلام عمن قال: \"إن الإلهية هي القدرة على الاختراع، فإن المشركين كانوا يقرون بهذا وهم مشركون\" (^١) وهذا تفسير لكلمة التوحيد بشيء من أفعال الربوبية وهو وإن دلت عليه كلمة التوحيد بالتضمن فتوحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية، إلا أنه أغفل المعنى المقصود من هذه الكلمة وهو إثبات توحيد الألوهية وأنه لا يستحق العبادة إلا الله.\nوإنما معنى هذه الكلمة باتفاق السلف الصالح: أنه لا معبود بحق إلا الله وحده لا شريك له كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥].\nقال البقاعي: \"لا إله إلا الله، أي: انتفى انتفاء عظيمًا أن يكون معبود بحق غير الملك الأعظم، فإن هذا العلم هو أعظم الذكرى المنجية من أهوال الساعة، وإنما يكون علمًا إذا كان نافعًا، وإنما يكون نافعا إذا كان الإذعان والعمل بما تقتضيه، وإلا فهو جهلٌ صرف\" (^٢).\n_________\n(^١) التدمرية ١٧٨، ١٨٠، ١٨٥، ١٨٦، وانظر: التنبيهات السنية للرشيد ص ٧.\n(^٢) تيسير العزيز الحميد ص ٧٧.","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>٣ - دلالة \"لا إله إلا الله\" على التوحيد:</span>\nقال عبد العزيز الرشيد في التنبيهات: \"وأما دلالتها على التوحيد فإنها دلت على أنواع التوحيد الثلاثة، فدلت على إثبات العبادة لله ونفيها عمن سواه، كما دلت أيضا على توحيد الربوبية، فإن العاجز لا يصلح إلها، ودلت على توحيد الأسماء والصفات فإن مسلوب الأسماء والصفات ليس بشيء بل هو عدمٌ محض كما قال بعض العلماء: المشَبِّه يعبد صنمًا، والمعطِّل يعبد عدمًا، والموحِّد يعبد إلهَ الأرض والسماء.\nقال الشيخ تقي الدين بن تيمية ﵀: \"وشهادة أن لا إله إلا الله فيها الإلهيات وهي الأصول الثلاثة: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات. وهذه الأصول الثلاثة تدور عليها أديان الرسل وما أُنزل إليهم، وهي الأصول الكبار التي دلت عليها وشهدت بها العقول والفطر\"\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>٤ - إعراب كلمة \"لا إله إلا الله</span>\":\n\" لا\": نافية للجنس تعمل عمل إن.\n\"إله\": اسم \"لا\" مبني على الفتح، وخبرها محذوف والتقدير \"بحق\".\n\"إلا\": أداة استثناء ملغاة.\n\"الله\": لفظ الجلالة مرفوع على البدلية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>٥ - أركان \"لا إله إلا الله</span>\" (^٢):\nلا إله إلا الله لها ركنان:\n* الركن الأول: النفي.\n* الركن الثاني الإثبات.\n_________\n(^١) التنبيهات السنية على العقيدة الواسطية ص ٩.\n(^٢) انظر: تيسير العزيز الحميد ص ٧٩.","vol":"1","page":20},{"text":"والمراد بالنفي: نفي الإلهية عما سوى الله تعالى من سائر المخلوقات. فتنفي جميع ما يعبد من دون الله فلا يستحق أن يعبد غيره.\nوالمراد بالإثبات: إثبات الإلهية لله سبحانه، فهو الإله الحق المستحق للعبادة وما سواه من الآلهة التي اتخذها المشركون فكلها باطلة ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج:٦٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>فائدة:</span>\nقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"جملة \"لا إله إلا الله\" مشتملة على نفي وإثبات، أما النفي فهو: \"لا إله\" وأما الإثبات فهو: إلا الله. و\"الله\" لفظ الجلالة بدل من خبر لا المحذوف والتقدير: لا إله حق إلا الله وبتقديرنا الخبر بهذه لكلمة: حق؛ يتبين الجواب عن الإشكال التالي: وهو كيف يقال: لا إله إلا الله؛ أن هناك آلهة تُعبد من دون الله، وقد سماها الله تعالى آلهة وسماها عابدوها آلهة، قال الله ﵎: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [هود:١٠١]، وكيف يمكن أن نثبت الألوهية لغير الله ﷿ والرسل يقولون لأقوامهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٧٣].\nوالجواب على هذا الإشكال: يتبين بتقدير الخبر في \"لا إله إلا الله\" فنقول: هذه الآلهة التي تعبد من دون الله هي آلهة لكنها آلهة باطلة ليست آلهة حقة وليس لها من حق الألوهية شيء، يدل لذلك قول تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠)﴾ [لقمان: ٣٠].\n\nإذن فمعنى \"لا إله إلا الله\" لا معبود حق إلا الله ﷿، فأما المعبودات سواه فإن ألوهيتها التي يزعمها عابدوها ليست حقيقية أي ألوهية باطلة\" (^١).\n_________\n(^١) فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٦٧.","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>٧ - شروط الشهادتين </span>(^١):\nجاء عن إياس بن أبي تميمة قال: \"شهدت الحسن في جنازة أبي رجاء على بغله، والفرزدق إلى جنبه على بعير، فقال له الفرزدق: قد استشرفنا الناس، يقولون: خير الناس، وشر الناس، قال: يا أبا فراس، كم من أشعث أغبر ذي طمرين خير مني! وكم من شيخ مشرك أنت خير منه! ما أعددت للموت؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله قال: إن معها شروطًا، فإياك وقذف المحصنة. قال: هل من توبة؟ قال: نعم\" (^٢).\nوقال ابن رجب: \"وقالت طائفة من العلماء: المراد من هذه الأحاديث أن لا إله إلا الثد سبب لدخول الجنة والنجاة من النار، ومقتضٍ لذلك. ولكن المقتضي لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه وانتفاء موانعه، فقد يتخلف عنه مقتضاه لفوات شرط من شروطه أو لوجود مانع. وهذا قول الحسن ووهب بن منبه وهو الأظهر\" (^٣).\nوقد نظم الشيخ حافظ الحكمي الشروط في الأبيات التالية:\nوبشروط سبعةٍ قد قُيِّدت ... وفي نصوصِ الوحي حقًا وردت\nفإنه لم ينتفع قائلُها ... بالنُطقِ إلا حيث يستكملها\nالعلمُ واليقينُ والقبولُ ... والانقيادُ فادرِ ما أقولُ\nوالصدقُ والإخلاصُ والمحبةُ ... وفَّقكَ الله لما أحبَّه (^٤)\nونظمها بعضهم بقوله:\nعلمٌ يقينٌ وإخلاصٌ وصدقُك ... مع محبةٍ وانقيادٍ والقبول لها (^٥)\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ١٤٦. فتح المجيد ص ١١٣. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٧١.\n(^٢) ينظر: سير أعلام النبلاء ٤/ ٥٨٤ و١/ ١٦٢.\n(^٣) كلمة الإخلاص وتحقيق معناها لابن رجب ٩، ١٠.\n(^٤) وقد شرحها ﵀ في كتابه معارج القبول ٢/ ٤١٨، ٤٣٤.\n(^٥) ينظر: حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم، ص ٢٩.","vol":"1","page":22},{"text":"وهذه الشروط مأخوذة بالاستقراء والتتبع للأدلة من الكتاب والسنة، وقد أضاف بعضهم إليها شرطا ثامنًا ونظمه بقوله:\nوزيد ثامنُها الكفرانُ منك بما ... سوى الإلهِ من الأندادِ قد أُلِها\nوأخذ هذا الشرط الأخير من قوله - ﷺ - في حديث أبي مالك أبيه: \"من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله\" (^١).\nوذكره الشيخُ عبدُ الرحمن بنُ حسن في قرّةِ عُيونِ الموحِّدين فقل: \"إن لا إله إلا الله قد قُيّدت في الكتاب والسنة بقيودٍ فقال منها:\nالعلم، واليقين، والإخلاص، والصدق، والمحبة، والقبولُ والانقياد، والكفرُ بما يُعبَدُ من دونِ الله\" (^٢).\nوذكره الشيخُ محمدُ بنُ عبدِ الوهاب في \"كتاب التَّوحيدِ\" ثمَّ قال بعده: \"وهذا من أعظم ما يبين معنى لا إله إلا الله، فإَنَّه لم يجعل التلفُّظَ بها عاصمًا للدمِ والمالِ، بل ولا معرفةَ معناها مع لفظِها، بل ولا الإقرارَ بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحدَه لا شريكَ له، بل لا يحرمُ مالُه ودمُه حتى يُضيف إلى ذلك الكفرَ بما يُعبَدُ من دون الله، فإن شكَّ أو توقف لم يحرُم مالُه ودمُه\" (^٣).\nوبعضهم يجعل هذا الشرط ضمن أركان (لا إله إلا الله) وقد تقدم في ذكر الأركان أن (لا إله) يبطل الشرك بجميع أنواعه ويوجب الكفر بكل ما يعبد من دون الله و(إلا الله) يثبت أنه لا يستحق العبادة إلا الله ويوجب العمل بذلك ويدل عليه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦] فقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ هو معنى الركن الأول (لا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٣).\n(^٢) قرة عيون الموحدين ص ٥٠، وقد مضى بعضٌ من الأدلة في أول الباب.\n(^٣) مجموعة التوحيد ص ٤٧، ٤٨.","vol":"1","page":23},{"text":"إله) وقوله: ﴿وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ هو، هو معنى الركن الثاني (إلا الله). وكذلك قوله عن الراهيم ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ الزخرف: ٢٧،٢٦] فقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾ هو معنى النفي في الركن الأول. وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ هو معنى الإثبات في الركن الثاني.\nوعليه فإن شروطها مجملة ثمانية:\nالأول: العلم بمعناها نفيًا وإثباتًا.\nالثاني: اليقين وهو كمال العلم بها، المنافي للشك والريب.\nالثالث: الإخلاص المنافي للشرك.\nالرابع: الصدق المنافي للكذب، المانع من النفاق.\nالخامس: المحبة لهذه الكلمة ولما دلّت عليه والسرور بذلك.\nالسادس: الانقياد بحقوقها المنافي للترك: وهي الأعمال الواجبة إخلاصا لله وطلبًا لمر ضاته.\nالسابع: القبول المنافي للرد.\nالثامن: الكفر بما سوى الله من الأنداد.\nوسوف أتناول كُلَّ شرطٍ بشرحٍ يُبَيِّنُ المقصودَ:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>أولًا: العلمُ بمعناها نفيًا وإثباتًا المنافي للجهل بذلك:</span>\nقال الشيخ عبد الله بن جبرين: \"والمراد العلم الحقيقي بمدلول الشهادتين وما تستلزمه كل منهما من العمل، وضد العلم الجهل، وهو الذي أوقع المشركين من هذه الأمة في مخالفة معناها، حيث جهلوا معنى الإله، ومدلول النفي والإثبات، وفاتهم أن القصد من هذه الكلمة معناها، وهو الذي خالفه المشركون العالمون بما تدل عليه، حيث قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥]","vol":"1","page":24},{"text":"وقالوا: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ [ص:٦] \" (^١).\nوللتوضيح فإن قولهم: العلم بمعناها نفيًا وإثباتًا يتضمن شطرها الأول نفي العبادة عما سوى الله ﷿، كما يتضمن شطرها الثاني إثباتها له ﷾ فكما أن الحق جل وعز لا شريك له في ملكه وخلقه وتدبيره فإنه لا شريك له في عبادته. فلا بد من العلم بمعناها؛ لأن التلفظ بها دون معرفة معناها ومقتضاها لا ينفع صاحبها كالذي يتكلم بلغة لا يفهمها، ودل على هذا الكتاب والسنة قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾\n[محمد:١٩].\nوقوله: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦].\nقال البغوي: \"أراد بشهادة الحق قول: لا إله إلا الله كلمة التوحيد ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم\" (^٢).\nوفي الصحيح عن عثمان - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ\" (^٣).\nقال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ رحمه الله تعالى: \"من اعتقد أنه بمجرد تلفظه بالشهادة يدخل الجنة ولا يدخل النار فهو ضال مخالف للكتاب والسنة والإجماع\" (^٤).\nوقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"أما النطق بها من غير معرفة لمعناها ولا عمل\n_________\n(^١) كتاب الشهادتان لابن جبرين ص ٧٩.\n(^٢) تفسير البغوي معالم التنزيل ٧/ ٢٢٤.\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٦).\n(^٤) نقلًا عن التنبيهات السنية ص ٨.","vol":"1","page":25},{"text":"بمقتضاها فإن ذلك غير نافع بالإجماع\" (^١).\nوقال ﵀: \"ولا ريب أنه لو قالها أحد من المشركين ونطق أيضا بشهادة أن محمدًا رسول الله ولم يعرف معنى الإله ولا معنى الرسول، وصلى وصام وحج ولا يدري ما ذلك إلا أنه رأى الناس يفعلونه فتابعهم، ولم يفعل شيئًا من الشرك، فإنه لا يشك أحدٌ في عدم إسلامه، وقد أفتى بذلك فقهاء المغرب كلهم في أول القرن الحادي عشر أو قبله في شخص كان كذلك كما ذكره صاحب \"الدر الثمين في شرح المرشد المعين\" من المالكية، ثم قال شارحه: \"وهذا الذي أفتوا به جلي في غاية الجلاء، لا يمكن أن يختلف فيه اثنان\". انتهى. ولا ريب أن عُبَّاد القبور أشد من هذا؛ لأنهم اعتقدوا الإلهية في أرباب متفرقين\" (^٢).\nوقال ابن سعدي ﵀: \"العلم لابد فيه من إقرار القلب ومعرفته، بمعنى ما طلب منه علمه، وتمامه أن يعمل بمقتضاه.\nوهذا العلم، الذي أمر الله به - وهو العلم بتوحيد الله - فرض عين على كل إنسان، لا يسقط عن أحد، كائنًا من كان، بل كلٌّ مضطرٌ إلى ذلك.\nوالطريق إلى العلم بأنه - لا إله إلا الله - أمور:\nأحدها: بل أعظمها تدبر أسمائه وصفاته، وأفعاله الدالة على كماله، وعظمته وجلاله، فإنها توجب بذل الجهد في التأله له، والتعبد للرب الكامل، الذي له كل حمد ومجد، وجلال وجمال.\nالثاني: العلم بأنه تعالى هو المنفرد بالخلق والتدبير، فيعلم بذلك أنه المفرد بالألوهية.\nالثالث: العلم بأنه المنفرد بالنعم الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيوية؛ فإن ذلك يوجب تعلق القلب به، ومحبته، والتأله له وحده لا شريك له.\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٧٤، فتح المجيد ص ٦٥.\n(^٢) تيسير العزيز الحميد ص ٨١، ٨٢.","vol":"1","page":26},{"text":"الرابع: ما نراه ونسمعه من الثواب لأوليائه القائمين بتوحيده من النصر، والنعم العاجلة، ومن عقوبته لأعدائه المشركين به، فإن هذا داعٍ إلى العلم بأنه تعالى وحده المستحق للعبادة كلها.\nالخامس: معرفة أوصاف الأوثان والأنداد التي عبدت مع الله واتخذت آلهة، وأنها ناقصة من جميع الوجوه، فقيرة بالذات، لا تملك لنفسها ولا لعابديها نفعًا ولا ضرا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، ولا ينصرون من عبدهم، ولا ينفعونهم بمثقال ذرة، من جلب خير، أو دفع شر، فإن العلم بذلك يوجب العلم بأنه لا إله إلا الله وبطلان إلهية ما سواه.\nالسادس: اتفاق كتب الله على ذلك، وتواطؤها عليه.\nالسابع: أن خواص الخلق الذين هم أكمل الخليقة أخلاقًا وعقولًا، ورأيًا وصوابًا وعلمًا - وهم الرسل والأنبياء والعلماء الربانيون - قد شهدوا الله بذلك.\nالثامن: ما أقامه الله من الأدلة الأفقية والنفسية التي تدل على التوحيد أعظم دلالة، تنادي عليه بلسان حالها بما أودعها من لطف صنعته، وبديع حكمته، وغرائب خلقه\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>ثانيًا: اليقين </span>(^٢):\nقال في لسان العرب: \"اليقين: العلم وإزاحة الشك وتحقيق الأمر وهو نقيض الشك\" (^٣): وهو كمال العلم بها المنافي للشك (^٤) والريب.\n* والدليل: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥]\n_________\n(^١) تفسير ابن سعدي لقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ من سورة محمد. آية ١٩.\n(^٢) انظر للاستزادة فتح الباري لابن رجب ١/ ١٤، ١٥، ١٦. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٢/ ٤٦٧ جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية ١٦٨.\n(^٣) لسان العرب (ي ق ن).\n(^٤) انظر للاستزادة باب (كفر الشك).","vol":"1","page":27},{"text":"فاشترط في صدق إيمانهم بالله ورسوله كونهم لم يرتابوا، أي لم يشكوا فأما المرتاب فهو من المنافقين.\nوفي الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قال النَّبِيُّ - ﷺ -: \"أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَأَني رَسُولُ الله لا يَلْقَى الله بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا إِلا دَخَلَ الْجَنّةَ\" (^١).\nوفي رواية قَالِ: \"أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا الله وَأَني رَسُولُ الله لا يَلْقَى الله بِهمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فَيُحْجَبَ عَنْ الْجَنَّةِ\" (^٢).\nوتقدم حديث أبي هريرة - ﵁ -: \"فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ\" (^٣).\nقال الشيخ حافظ الحكمي: \"فاشترط في دخول قائلها الجنة أن يكون مستيقنا بها قلبه غير شاك فيها، وإذا انتفى الشرط انتفى المشروط\" (^٤).\nوقد روي عن ابن مسعود - ﵁ - قال: \"الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله\" (^٥). فاليقين شرط في صحة الإيمان وهو حقيقة العلم بأن إلا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله) فلا بد من انتفاء الشك وارتفاع الريب.\nوقال القرطبي في المفهم على صحيح مسلم: \"باب لا يكفي مجرّد التلفظ بالشهادتين بل لا بد من استيقان القلب\" (^٦).\nقال الشيخ عبد الله بن جبرين: \"من شروط - لا إله إلا الله - اليقين وضده\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٧).\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) معارج القبول ١/ ٣٧٨، ٣٧٩.\n(^٥) ذكره البخاري تعليقًا كما في الفتح ١/ ٤٥، وقال الحافظ: \"وصله الطبراني بسند صحيح وأبو نعيم في الحلية\" ا. هـ\n(^٦) نقلها الشيخ عبد الرحمن بن حسن في كتابه فتح المجيد ص ٦٥، ثم قال: \"هذه الترجمة تنبيهٌ على فساد مذهب المرجئة، القائلين بأن التلفظ بالشهادتين كافٍ في الإيمان\" ا. هـ","vol":"1","page":28},{"text":"الشك والتوقف أو مجرد الظن والريب، والمعنى أن من أتى بالشهادتين فلابد أن يوقن بقلبه ويعتقد صحة ما يقوله، من أحقية إلهية الله تعالى، صحة نبوة محمد - ﷺ -، وبطلان إلهية غير الله بأي نوع من التأله وبطلان قول كل من ادعى النبوة بعد محمد - ﷺ -، فإن شك في صحة معناها أو توقف في بطلان عبادة غير الله لم تنفعه هاتان الشهادتان\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>ثالثًا: الصدق: المنافي للكذب المانع من النفاق:</span>\nفإن المنافقين يقولونها بألسنتهم غير معتقدين لمدلولها.\n* الدليل قوله تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:١ - ٣]، وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة:٨ - ١٠].\nوثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: \"من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صدقًا من قلبه إلا حرمه الله على النار\" (^٢).\nقال الشيخ عبد الله بن جبرين حفظه الله: \"فأما من قالها بلسانه وأنكر مدلولها بقلبه فإنها لا تنجيه، كما حكى الله عن المنافقين أنهم قالوا: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١] \" (^٣).\n_________\n(^١) كتاب الشهادتان معناهما وما تستلزمه كل منهما ص ٧٩.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٢٨).\n(^٣) كتاب الشهادتان، معناهما وما تستلزمه كل منهما ص ٨٢.","vol":"1","page":29},{"text":"قال الشيخ صالح الفوزان: \"فإن المنافقين يقولونها بألسنتهم غير معتقدين بمدلولها\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>رابعًا: المحبة: لهذه الكلمة ولما دلت عليه:</span>\nوهذا بخلاف ما عليه المنافقون.\n* الدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤].\nوثبت في الصحيح عَنْ أَنَسٍ بنِ مَالِكٍ - ﵁ - عَنْ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: \"ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذ أَنقَذهُ الله كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ\" (^٢).\nقوله: \"ثلاث من كن فيه \" ... الخ. قال الحافظ النووي ﵀: \"هذا حديث عظيم أصل من أصول الإسلام.\nقال العلماء ﵏: \"معنى حلاوة الإيمان\" استلذاذ الطاعات وتحمُّل المشقات في رِضَى الله ﷿ ورسوله - ﷺ -، وإيثار ذلك على عَرَض الدنيا، ومحبة العبد ربه ﷾ بفعل طاعته وترك مخالفته وكذلك محبة رسوله - ﷺ -\".\nقال القاضي ﵀: \"هذا الحديث بمعنى الحديث المتقدم: \"ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد - ﷺ - رسولًا\"؛ وذلك أنه لا تصح المحبة لله\n_________\n(^١) \"لا إله إلا الله\" معناها ومكانتها وفضلها ص ١٥.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦)، (٢١)، (٦٠٤١)، (٦٩٤١). ومسلم (٤٣) واللفظ للبخاري.","vol":"1","page":30},{"text":"ورسوله - ﷺ - حقيقة وحب الآدمي في الله ورسوله - ﷺ - وكراهة الرجوع إلى الكفر إلا لمن قوي بالإيمان يقينه واطمأنت به نفسه وانشرح له صدره خالط لحمه ودمه وهذا هو الذي وجد حلاوته\" .. قال: \"والحب في الله من ثمرات الله\"\" (^١).\nوقد أفردتُ بابًا في: \"محبة الله\" فراجعه في هذا الكتاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>خامسًا: الانقياد المنافي للترك:</span>\nويبينها الشيخ صالح الفوزان حفظه الله بقوله: \"الانقياد: بأداء حقوقها، وهي: الأعمال الواجبة إخلاصًا لله وطلبًا لمرضاته، وهذا هو مقتضاها\" (^٢).\n* الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: ٥٤]، وقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥]، وقوله: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان: ٢٢] أي: بـ \"لا إله إلا الله\".\nوقوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].\nفي الدليل من السنة: قوله - ﷺ -: \"لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُم حتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لما جِئْتَ بِهِ\" (^٣). وعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أنه قال: \"لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ\" (^٤).\n_________\n(^١) شرح صحيح مسلم للنووي ١/ ٢١٠ في شرح حديث رقم (٤٣).\n(^٢) \"لا إله إلا الله، معناها ومكانتها وفضلها\" ص ١٥.\n(^٣) البغوي شرح السنة ١/ ٢١٣ والخطيب في التاريخ ٤/ ٣٦٩ وابن أبي عاصم في السنة وضعفه بعضهم لتفرد نعيم بن حماد والمروزي به.\n(^٤) أخرجه البخاري (١٤)، (١٥) واللفظ له، ومسلم (٤٤)، وفي رواية لمسلم: \"أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين\" (٤٤).","vol":"1","page":31},{"text":"قال ابن رجب ﵀: \"فلا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يقدم محبة الرسول على محبة جميع الخلق، ومحبة الرسول تابعة لمحبة مرسله، والمحبة الصحيحة تقتضي المتابعة والموافقة في حب المحبوبات وبغض المكروهات\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>سادسًا: القبول المنافي للرد:</span>\nلقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٥، ٣٦].\nوثبت عَنْ أَبِي مُوسَى - ﵁ - عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"مَثَلُ مَا بَعَثَنِي الله بهِ مِنْ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبلَتْ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتْ الْكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتْ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللّهُ بهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لا تُمْسِكُ مَاءً وَلا تُنْبِتُ كَلأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ الكلِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ\" (^٢).\nقال الشيخ عبد الله بن جبرين: \"ومن شروط - لا إله إلا الله - القبول المنافي للرد، فإن هناك من يعلم معنى الشهادتين ويوقن بمدلولها ولكنه يردهما كبرًا وحسدًا، وهذه حالة علماء اليهود والنصارى، فقد شهدوا بإلهية الله وحده، وعرفوا محمدًا - ﷺ - كما يعرفون أبناءهم ومع ذلك لم يقبلوه ﴿حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة:١٠٩].\nوهكذا كان المشركون يعرفون معنى لا إله إلا الله وصدق محمد - ﷺ -، ولكنهم يستكبرون عن قبوله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم ص ٣٦٤.\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٩).","vol":"1","page":32},{"text":"يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] وقال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [لأنعام:٣٣] \" (^١).\nوفي تفسير آية الصافات يقول ﷿: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا﴾ أي: في الدار الدنيا ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ بطريق الدعوة والتلقين ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن القبول يستكبرون أن يقولوها كما يقولها المؤمنون يستكبرون عن كلمة التوحيد ويمتنعون منها (^٢) فهم لا يقبلونها كما قبلها المؤمنون الموحدون، ولم ينقادوا لما دلت عليه من أداء حقوقها، ويدخل في ذلك حالة عُبّاد القبور كما هو مشاهد اليوم، فإنهم يقولون (لا إله إلا الله) ومع ذلك لا يتركون عبادة القبور والذبح لها، فهم وإن تلفظوا بالشهادة إلا أنهم غير قابلين لها وغير ملتزمين بما دعت له.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-18> الفرق بين الانقياد والقبول:</span>\nقال الشيخ عبد الله بن جبرين في الفرق بينهما: \"أن الانقياد هو الاتباع بالأفعال، والقبول إظهار صحة معنى ذلك بالقول، ويلزم منهما جميعا الاتباع، ولكن الانقياد هو الاستسلام والإذعان، وعدم التعقب لشيء من أحكام الله\". ثم ذكر - حفظه الله - الأدلة على الانقياد من القرآن فقال: \"فهذا هو الانقياد لله تعالى بعبادته وحده، فأما الانقياد للنبي - ﷺ - بقبول سنته، واتباع ما جاء به والرضى بحكمه، فقد ذكره الله تعالى بقوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٥٦] فاشترط في صحة إيمانهم أن يسلموا تسليمًا لحكمه، أي ينقادوا ويذعنوا لما جاء به من ربه. وقد يكون القبول بالقلب والانقياد بالقلب والجوارح فلا انقياد إلا بالقبول. وقد\n_________\n(^١) الشهادتان معناهما وما تستلزمه كل منهما للشيخ ابن جبرين ص ٨٠، ٨١.\n(^٢) ينظر فيما سبق تفسير البغوي ٧/ ٣٩، وتفسير ابن كثير ٧/ ١١، وروح المعاني ١٢/ ٨١.","vol":"1","page":33},{"text":"يكون القبول بالقلب والانقياد بالقلب والجوارح فلا انقياد إلا بالقبول\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>سابعًا: الإخلاص المنافي للشرك:</span>\nوهو تصفية العمل من جميع شوائب الشرك بأن لا يقصد بقولها طمعًا من مطامع الدنيا ولا رياء ولا سمعة؛ لما جاء في الحديث الصحيح من حديث عتبان قال: \"فإن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله\" (^٢).\nوسوف يأتي لهذا مزيد بحث في (الإخلاص).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>٨ - نواقض الشهادتين:</span>\nنواقض لا إله إلا الله كثيرة جدًّا، وقد عقد لها الفقهاء في كتب الفقه بابًا خاصًا سمَّوه باب الردة، وسيأتي الكلام عنها مفصلًا في بابَي (الردة) و(نواقض الإسلام).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>٩ - متى ينفع الإنسان قول لا إله إلا الله</span>؟:\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀ في شرح حديث: \"إن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله\" قال ﵀: \"اعلم أنه قد وردت أحاديث ظاهرها أنه من أتى بالشهادتين حرم على النار كهذا الحديث، وحديث أنس قال: كان النبي - ﷺ - ومعاذ رديفه على الرحل فقال: \"يا معاذ\": قال لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: \"ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا حرمه الله على النار\" (^٣) ... ووردت أحاديث فيها أن من أتى بالشهادتين دخل الجنة وليس فيها أنه يحرم على النار، منها حديث عبادة الذي تقدم قريبًا، وحديث أبي هريرة أنهم كانوا مع النبي - ﷺ - في غزوة تبوك - الحديث وفيه - فقال رسول الله - ﷺ -: \"أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بها عبد غير\n_________\n(^١) الشهادتان معناهما وما تستلزمه كل منهما للشيخ ابن جبرين ٨١، ٨٢.\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) أخرجه البخاري (١٢٨)، ومسلم (٣٢).","vol":"1","page":34},{"text":"شاك فيُحجب عن الجنة\" (^١).\nقال: وأحسن ما قيل في معناه ما قاله شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ وغيره: \"أن هذه الأحاديث إنما هي فيمن قالها ومات عليها. كما جاءت مقيدة وقالها خالصًا من قلبه مستيقنًا بها قلبه غير شاك فيها بصدق ويقين\".\nفإن حقيقة التوحيد انجذاب الروح إلى الله جملة.\nفمَنْ شهِدَ أن لا إله إلَّا الله خالصًا من قلبِه دخَل الجنَّةَ، لأنَّ الإخلاصَ هو انجذاب القلب إلى الله تعالى بأن يتوب من الذنوب توبة نصوحا، فإذا مات على تلك الحال نال ذلك، فإنه قد تواترت الأحاديث بأنه يخرج النار من قال: \"لا إله إلا الله\"، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، وما يزن خردلة وما يزن ذرة، وتواترت بأن كثيرًا ممن يقول لا إله إلا الله يدخل النار ثم يخرج منها، وتواترت بأن الله حرم على النار أن تأكل أثر السجود من ابن آدم فهؤلاء كانوا يصلون ويسجدون لله، وتواترت بأنه يحرم على النار من قال: لا إله إلا الله، ومن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، لكن جاءت مقيدة بالقيود الثقال، وأكثر من يقولها لا يعرف الإخلاص ولا اليقين، ومن لا يعرف ذلك يُخشى عليه أن يُفتن عنها عِنْدَ الموت فيُحال بينه وبينها، وأكثر من يقولها يقولها تقليدًا وعادة ولم يخالط الإيمان بشاشة قلبه، وغالب من يُفتن عِنْدَ الموت وفي القبور أمثال هؤلاء كما في الحديث: \"سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته\"، وغالب أعمال هؤلاء إنما هو تقليد واقتداء بأمثالهم، وهم أقرب الناس من قوله تعالى ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]، وحينئذٍ فلا منافاة بين الأحاديث، فإنه إذا قالها بإخلاص ويقين تام لم يكن في هذه الحالة مصرًا على ذنب أصلًا، فإن كمال إخلاصه ويقينه يوجب أن يكون الله أحب إليه من كل شيء، فإذًا لا يبقى في\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٧).","vol":"1","page":35},{"text":"قلبه إرادةٌ لما حرم الله ولا كراهيةٌ لما أمر الله، وهذا هو الذي يحرم على النار وإن كانت له ذنوب قبل ذلك، فإن هذا الإيمان وهذه التوبة وهذا الإخلاص وهذه المحبة وهذا اليقين لا تترك له ذنبًا إلا يُمحى كما يُمحى الليلُ بالنهار\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-22>١).\n\n١٠ - فضل لا إله إلا الله:</span>\nانظر باب (فضل التوحيد وأهميته).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>١١ - آثار لا إله إلا الله </span>(^٢):\nوهي أكثر من أن تحصر لكن أذكر منها:\n١ - النجاة في الدنيا والآخرة وتوفر الأمن والطمأنينة.\n٢ - اجتماع الكلمة كما قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣].\n٣ - الاستخلاف في الأرض والتمكين ودليله قوله تعالى ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥].\n٤ - عصمة الدم والمال والعرض لقوله - ﷺ -: \"أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقها، وحسابه على الله\" (^٣).\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٨٧، ٨٨.\n(^٢) للاستزادة انظر كتاب الشيخ صالح الفوزان عن: \"لا إله إلا الله معناها، مقتضاها، آثارها في الفرد والمجتمع) ص ٣٦ - ٤٢.\n(^٣) أخرجه البخاري (١٣٩٩)، (٢٩٤٦) ومسلم (٢٠) واللفظ للبخاري.","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>٢ - أبا جاد</span>*\nتعريفه: \"أبا جاد\" هي الحروف العربية: أبجد، هوز، حطي، كلمن، سعفص، قرشت، ثخذ، ضظغ؛ وهذه إذا استخدمت مربوطة بسير النجوم وتُعُلِّمت لادِّعاء علم الغيب فإنها تحرم.\nقال ابن عَبَّاسٍ في قوم يكتبون أبا جاد وينظرون في النجوم: \"ما أرى من فعل ذلك له عِنْدَ الله من خلاق\" (^١).\nفقوله: \"يكتبون أباجاد\" أي يقطعون حروف (أبجد هوز ... الخ) ويتعلمونها لادعاء علم الغيب.\nوقوله: \"ينظرون في النجوم\": أي ويعتقدون أن لها تأثيرًا في الحوادث الكونية من دون الله.\nقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"فيربطون ما يكتبون بسير النجوم وحركتها\" (^٢).\nوأثر ابن عَبَّاسٍ منصرفٌ لمن يبتغي بِتعلم \"أباجاد\" معرفة الغيبِ والنظر في النجوم على اعتقاد أن لها تأثيرًا فيما يحدث في الأرض، فهذا يدخل في العرافة، ومن فعله فقد أضاع نصيبه من الله.\nقال ابن عثيمين ﵀: \"وتعلم \"أباجاد\" ينقسم إلى قسمين:\n_________\n* شَرحُ السُّنَّةِ للبَغوي ١٢/ ١٨٣. الدين الخالص لصديق حسن خان القنوجي ٢/ ٣٤٠. تيسير العزيز الحميد ص ٤١٨. فتح المجيد ص ٣٤٠. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٢٠٧. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ٦٥، ط ٢ - ٢/ ٧٨ ومن المجموع ٩/ ٥٤٧. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٢/ ٣١٩.\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ١١/ ٢٦، والبيهقي في السنن ٨/ ١٣٩.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٥٤٧.","vol":"1","page":37},{"text":"الأول: تعلم مباح بأن نتعلمها لحسابِ الجمل (^١)، وما أشبه ذلك، فهذا لا بأس به وما زال أناس يستعملونها، حتى العلماء يؤرخون بها، قال شيخنا عبد الرحمن بن سعدي ﵀ في تاريخ بناء المسجد الجامع القديم:\nجُد بالرِّضَا واعطِ المُنى ... من سَاعدوا في ذا البنا\nتاريخه حين انتهى ... قول المنيب اغفر لنا\nوالشهر في شوال يا ... رب تقبل سعينا\nفقوله: \"اغفر لنا\" لو عددناها حسب الجمل صارت ١٣٦٢ هـ.\nوقد اعتنى بها العلماء في العصور الوسطى، حتى في القصائد الفقهية والنحوية وغيرها.\nويؤرخون بها مواليد العلماء ووفياتهم، ولم يرد ابن عَبَّاس هذا القسم.\nالثاني: محرم، وهو كتابة \"أبا جاد\" كتابة مربوطة بسير النجوم وحركتها وطلوعها وغروبها وينظرون في النجوم، ليستدلوا بالموافقة أو المخالفة على ما سيحدث في الأرض، إما على سبيل العموم كالجدب والمرض والحرب، وما أشبه\n_________\n(^١) وحساب الجمل قائم على حروف الهجا في اللغة العربية ويسمى الأبجدية وهي: أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ثخذ ضظغ. ويقابل كل حرف منها رقم عربي حسب الجدول الآتي:\n\nجدول حساب الجمل تقابله الأرقام\n <table dir=rtl><tr><td> أ </td><td> ١ </td><td>  ح </td><td> ٨ </td><td>  س </td><td> ٦٠ </td><td>  ت </td><td> ٤٠٠</td></tr><tr><td> ب </td><td> ٢ </td><td>  ط </td><td> ٩ </td><td>  ع </td><td> ٧٠ </td><td>  ث </td><td> ٥٠٠</td></tr><tr><td> ج </td><td> ٣ </td><td>  ي </td><td> ١٠ </td><td>  ف </td><td> ٨٠ </td><td>  خ </td><td> ٦٠٠</td></tr><tr><td> د </td><td> ٤ </td><td>  ك </td><td> ٢٠ </td><td>  ص </td><td> ٩٠ </td><td>  ذ </td><td> ٧٠٠</td></tr><tr><td> هـ </td><td> ٥ </td><td>  ل </td><td> ٣٠ </td><td>  ق </td><td> ١٠٠ </td><td>  ض </td><td> ٨٠٠</td></tr><tr><td> و</td><td> ٦ </td><td>  م </td><td> ٤٠ </td><td>  ر </td><td> ٢٠٠ </td><td>  ظ </td><td> ٩٠٠</td></tr><tr><td> ز </td><td> ٧ </td><td>  ن </td><td> ٥٠ </td><td>  ش </td><td> ٣٠٠ </td><td>  غ </td><td> ١٠٠٠</td></tr></table>","vol":"1","page":38},{"text":"ذلك، أو على سبيل الخصوص، كأن يقول لشخص: سيحدث مرض أو فقر أو سعادة أو نحس في هذا، وما أشبه ذلك، فهم يربطون هذه بهذه، ليس هناك علاقة بين حركات النجوم واختلاف الوقائع في الأرض\" (^١).\nوصورة \"أباجاد\" المحرمة: أن يخبر المنجم عن طريق الجمل بالمغيبات، فيتوصل بعدد حروف بعض الألفاظ ويربطها بنتائج يدعي على أساسها خبر في المستقبل.\nويقول الشيخ صالح آل الشيخ: \"وفي الواقع هو لا يتحصل على العلم الغيبي عن طريق خط، أو عن طريق فنجان، أو عن طريق النظر في البروج؛ وإنما يأتيه العلم عن طريق الجن، وهو يُظهِر هذه الأشياء حتى يحصل على المقصود كي يصدق الناس أنه لا يستخدم الجن، وأنه ولي من الأولياء\" (^٢).\nحكم تعلم أبا جاد تقدم قول ابن عباس - ﵄ -: \"ما أرى من فعل ذلك له عند اللهُ من خلاق\".\nوقال الشيخ ابن باز ﵀: \" (ما له من خلاق) أي من حظ ونصيب؛ لأن فيه ادِّعاء لعلم الغيب وهو كفر\" (^٣). ومثله في ادعاء علم الغيب ما بالجفر.\nوقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"ظاهر كلام ابن عَبَّاس أنه يرى كفرهم؛ لأن الذي ليس له نصيب عِنْدَ الله هو الكافر إذ لا ينفى النصيب مطلقًا عن أحد من المؤمنين وإن كان له ذنوب عذب بقدر ذنوبه أو تجاوز الله عنها، ثم صار آخر أمره إلى نصيبه الذي يجده عِنْدَ الله\" (^٤).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٥٤٧، ٥٤٨. وانظر القول المفيد ط ١. ٢/ ٦٤.\n(^٢) التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص ٣٢٥.\n(^٣) من شرح الشيخ ﵀ على كتاب التوحيد.\n(^٤) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٥٤٨. وانظر القول المفيد ط ١ - ٢/ ٦٤.","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>٣ - اتخاذ القبور عيدًا</span>*\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>العيد لغة:</span>\nقال الليث: \"العيد: كلُّ يومِ مَجمع؛ وسُميَ عيدا لأنهم قد اعتادوه ... واشتقاقه من عاد يعود كأنهم عادوا إليه\" (^١).\nوالعيد شرعًا: قال شيخ الإسلام: \"العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد، عائدًا إما بعود السنة أو بعود الأسبوع أو الشهر ونحو ذلك، والمراد به هنا الاجتماع المعتاد من اجتماع الجاهلية، فالعيد يجمع أمورًا منها يوم عائد كيوم الفطر ويوم الجمعة، ومنها اجتماع فيه، ومنها أعمال تتبع ذلك من العبادات والعادات. وقد يختص العيد بمكان بعينه، وقد يكون مطلقًا. وكل من هذه الأمور قد يسمى عيدًا، فالزمان كقول النبي - ﷺ - في يوم الجمعة: \"إن هذا يوم جعله الله للمسلمين عيدًا\"، والاجتماع والأعمال كقول ابن عَبَّاسٍ: \"شهدت العيد مع رسول الله - ﷺ -\"، والمكان كقوله: \"لا تتخذوا قبري عيدًا\".\nوقد يكون لفظ العيد اسمًا لمجموع اليوم والعمل فيه، وهو الغالب كقول النبي\n_________\n* شرحُ السُّنَّةِ للبَغوي ١٢/ ٥١٣ - ٥٢٥. أحكام القرآن القرطبي ٦/ ٣٦٨. اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٤٢٥ - ٤٨٨. إغاثة اللهفان ١/ ١٩٠ الآداب الشرعية لابن مفلح ٣/ ٤١٥. شفاء الصدور ص ٦١، ٦٠. تيسير العزيز الحميد ص ٢٠٠ - ٣٥٢. فتح المجيد ص ١٧٧ - ٢٩١. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ١٠٥ - ١٧١. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ٤٥٧، ط ٢ - ١/ ٣٠٥، ٤٩١، ٥٨٠ ومن المجموع ٩/ ٤٤٤. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٢/ ٢٥٩ - ٣/ ٥٩٥. فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٢٨٣. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٢/ ٢٠٣، ٢٩٥، ٧/ ١٩٨، ٢٠٧. الرسائل والمسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة الأحمدي ٢/ ٣٣٦. شرح مسائل الجاهلية ص ١٢٩. شرح مسائل الجاهلية للسعيد ٢/ ٦٤٨. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ص ٣٦. التبرك د: ناصر الجديع ص ٣٣٠.\n(^١) تهذيب اللغة للأزهري ٣/ ١٣١.","vol":"1","page":40},{"text":"- ﷺ - لأبي بكر: \"دعهما يا أبا بكر، فإن لكل قوم عيدًا\"\" (^١).\nوقال ابن القيم ﵀: \"والعيد ما يعتاد مجيئه وقصده: من مكان وزمان.\nفأما الزمان، فكقوله - ﷺ -: \"يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى: عيدنا أهل الإسلام\" (^٢).\nوأما المكان، فكما روى أبو داود في سننه أن رجلًا قال: يا رسول الله، إني نذرت أن أنحر إبلًا ببوانة، فقال: \"أبها وثن من أوثان المشركين، أو عيد من أعيادهم؟ \" قالا: لا. قال: \"فأوف بنذرك\" (^٣). وكقوله: \"لا تجعلوا قبري عيدًا\" (^٤).\nوالعيد: مأخوذ من المعاودة، والاعتياد، فإذا كان اسما للمكان فهو المكان الذي يقصد الاجتماع فيه وانتيابه للعبادة، أو لغيرها، كما أن المسجد الحرام، ومنى، ومزدلفة، وعرفة، والمشاعر، جعلها الله تعالى عيدًا للحنفاء ومثابة، كما جعل أيام التعبد فيها عيدًا.\nوكان للمشركين أعيادٌ زمانية ومكانية، فلما جاء الله بالإسلام أبطلها، وعوض الحنفاء منها عيد الفطر، وعيد النحر، وأيام منى، كما عوضهم عن أعياد المشركين المكانية بالكعبة البيت الحرام، وعرفة، ومنى والمشاعر. فاتخاذ القبور عيدًا هو من أعياد المشركين التي كانوا عليها قبل الإسلام، وقد نهى عنه رسول الله - ﷺ - في سيد القبور، منبها به على غيره\" (^٥).\n* الدليل من السنة: عن علي بن الحسين: أنه رأى رجلًا يجيء إلى فُرْجَةً كانت عِنْدَ قبر النبي - ﷺ - فيدخل فيها فيدعو فنهاه وقال: ألا أحدثكم عن جدي عن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا وَلا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا فإن\n_________\n(^١) نقلًا عن تيسير العزيز الحميد ص ٢٠٠، ٢٠١.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٢٤١٩)، وأحمد (١٧٥١٤)، والترمذي (٧٧٣) وقال الترمذي حديث حسن صحيح.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٣٣١٣)، وابن ماجه (٢١٣١).\n(^٤) أخرجه أبو داود (٢٠٤٢)، وأحمد (٨٧٩٠).\n(^٥) إغاثة اللهفان ١/ ١١٩٠، ١٩١.","vol":"1","page":41},{"text":"تسليمكم يبْلُغُنِي أينما كنتم\" (^١).\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، ولا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حيث كنتم\" (^٢).\nقال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ: \"ووجه الدلالة أن قبر النبي - ﷺ - أفضل قبر على وجه الأرض وقد نهى عن اتخاذه عيدًا، فقبر غيره أولى بالنهي كائنًا من كان، ثم إنه قرن ذلك بقوله: \"ولا تتخذوا بيوتكم قبورًا\" أي لا تعطلوها عن الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور (^٣)، فأمر بتحري العبادة في البيوت، ونهى عن تحريها عِنْدَ القبور. عكس ما يفعله المشركون من النصارى وأشباههم ... قال: وهذا أفضل التابعين من أهل بيته علي بن الحسين - ﵃ -، نهى ذلك الرجل أن يتحرَّى الدعاءَ عِنْدَ قبره - ﷺ -، واستدل بالحديث وهو الذي رواه وسمعه من أبيه الحسين عن جده علي - ﵁ -. وهو أعلم بمعناه من هؤلاء الضُّلَّال. وكذلك ابن عمه الحسن بن الحسن شيخ أهل بيته كره أن يقصد الرجل القبر إذا لم يكن يريد المسجد، ورأى أن ذلك من اتخاذه عيدًا ... فانظر هذه السنة كيف أن مخرجها من أهل المدينة وأهل البيت الذين لهم من رسول الله - ﷺ - قرب النسب وقرب الدار؛ لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم فكانوا له أضبط\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ضياء الدين المقدسي في المختارة (٤٢٨) وأبو يعلى في مسنده (٤٦٩) وابن أبي شيبة (١١٨١٨).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٢٠٤٢)، وأحمد (٨٧٩٠).\n(^٣) هذا هو المعنى الأول. والمعنى الثاني: لا تدفنوا فيها موتاكم، وكلا المعنيين حق ولا يرِدُ عليه دفن الرسول - ﷺ - في بيته فإنه خاص به وبصاحبيه؛ لأن النبي - ﷺ - كان دائما يقول: \"جئت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر\" خرجه مسلم في صحيحه (٢٣٨٩). وروى الترمذي عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - خرج ذات يوم فدخل المسجد وأبو بكر وعمر، أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، وهو آخذ بأيديهما وقال: \"هكذا نبعث يوم القيامة\".\nسنن الترمذي (٣٦٦٩)، وقال: هذا حديث غريب.\n(^٤) هذا الكلام نقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية تلميذُه الإمامُ ابن القيم في إغاثة اللهفان ١/ ١٩٢، ١٩٣.","vol":"1","page":42},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-30> مفاسد اتخاذ القبور عيدًا:</span>\nقال شيخُ الإسلام ابنُ تيمية: \"وبالجملة فهذا الذي يُفعل عِنْدَ هذه القبور بعينه الذي نهى عنه رسول الله - ﷺ - بقوله: \"لا تتخذوا قبري عيدًا\".\nفإن اعتياد قصد المكان المعين في وقت معين عائد بعود السنة أو الشهر أو الأسبوع هو بعينه معنى العيد، فينهى عن دِقِّ ذلك وجُلِّه؛ لأنه إذا سُوِّغَ فعلُ القليل من ذلك أدَّى إلى فعل الكثير، ثم إذا اشتهر دخل فيه عوام الناس وتناسوا أصله فيعتقدون ذلك المبتَدَع سنةً أو واجبًا، كما هو مشاهد، قال: ويدخل في هذا ما يفعل بمصر عِنْدَ قبر \"نفيسة\" (^١) وغيرها وقبر الدينوري أيضًا، أو ما يفعل بالعراق عِنْدَ القبر الذي يقال إنه عِنْدَ قبر علي وقبر الحسين، وحذيفة بن اليمان، وسلمان الفارسي، وقبر موسى بن جعفر، ومحمد بن علي الجواد ببغداد، وعِنْدَ قبر أحمد بن حنبل، ومعروف الكرخي، وما يُفعل عِنْدَ قبر أبى بريدة البسطامي، إلى قبور كثيرة في أكثر بلاد الإسلام لا يمكن حصرها، كما أنهم بنوا على كثير منها مساجد وبعضها مغصوب، كما بني على قبر أبي حنيفة والشافعي وغيرهما\" (^٢).\nقال ابن القيم ﵀: \"ثم إن في اتخاذ القبور أعيادًا من المفاسد العظيمة التى لا يعلمها إلا الله تعالى ما يغضبُ لأجله كلُّ مَنْ في قلبه وقارٌ لله تعالى، وغَيْرَة على التوحيد، وتهجين وتقبيح للشرك ولكن: ما لجرح بميتٍ إيلامُ.\nفمن مفاسد اتخاذها أعيادًا: الصلاة إليها، والطواف بها، وتقبيلها واستلامها، وتعفير الخدود على ترابها، وعبادة أصحابها، والاستغاثة بهم، وسؤالهم النصر\n_________\n(^١) وهي نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب وتقية صالحة عالمة بالتفسير والحديث، وُلدت بمكة ونشأت بالمدينة ثم انتقلت إلى القاهرة فتوفيت بها سنة ٢٠٨ هـ. ويحصل عِنْدَ مشهدها بمصر ما لا يرضي الله من البدع والمناكير. شذرات الذهب ٢/ ٢١.\n(^٢) شفاء الصدور ص ٦١. وانظر: الاقتضاء ٢/ ٧٣١.","vol":"1","page":43},{"text":"والرزق والعافية، وقضاء الديون، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، وغير ذلك من أنواع الطلبات، التي كان عباد الأوثان يسألونها أوثانهم\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-31> حكم زيارة قبر النبي - ﷺ - كلما دخل المسجد أو خرج منه:</span>\nتقدم النهي عن ذلك في قول رسول الله - ﷺ -: \"لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم\" (^٢).\nقال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ: \"وكره مالك وغيره من أهل العلم (^٣) لأهل المدينة، كلما دخل أحدهم المسجد أن يجيء فيسلم على قبر النبي - ﷺ - وصاحبيه، قال: وإنما يكون ذلك لأحدهم إذا قدم من سفر، أو أراد سفرًا ونحو ذلك، ورخص بعضهم في السلام عليه إذا دخل المسجد للصلاة ونحوها، وأما قصده دائمًا للصلاة والسلام فما علمتُ أحدًا رخَّص به؛ لأن ذلك نوعٌ من اتخاذه عيدًا، مع أنه قد شرع لنا إذا دخلنا للمسجد أن نقول: \"السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته\"، كما نقول ذلك في آخر صلاتنا. قال: فخاف مالكٌ وغيره أن يكون فعل ذلك عند القبر كل ساعة نوعًا من اتخاذ القبر عيدًا، وأيضًا فإن ذلك بدعة، فقد كان المهاجرون والأنصار على عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي - ﵃ - يجيئون إلى المسجد كل يوم لعلمهم - ﵁ - بما كان النبي - ﷺ - يكرهه من ذلك وما نهاهم عنه، وأنهم يسلمون عليه حين دخول المسجد والخروج منه، وفي التشهد كما كانوا يسلمون عليه كذلك في حياته، وما أحسن ما قال مالك: لن يصلح آخر هذه الأمة\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان ١/ ١٩٣، ١٩٤.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٢٠٤٢). وأحمد (٨٧٩٠). وفي قوله ﵇: \"فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم\" قال ابنُ تَيمِيةَ: \"يشير بذلك إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيدا\" إغاثة اللهفان ١/ ١٩٢ ..\n(^٣) انظر: الشفا في حقوق المصطفى للقاضي عياض ٢/ ٧٩، الرد على الأخنائي ٢٤، ١٥٠ - ١٥١ - ٢١٨ - ٢١٧ - ١٥٦، كتاب أحكام الجنائز ص ٢٦٥ برقم (٢٠٤٢).","vol":"1","page":44},{"text":"إلا ما أصلح أولها. ولكن كلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم، ونقص إيمانهم عوضوا ذلك بما أحدثوه من البدع والشرك وغيره، ولهذا كرهت الأمة استلام القبر وتقبيله، وبنوه بناء منعوا الناس أن يصلوا إليه\" (^١).\nوقال الألباني ﵀: \"ومما يدخل في ذلك دخولا أوّليًا ما هو مشاهدٌ اليوم في المدينة المنورة، من قصد الناس دبر كل صلاة مكتوبة قبرَ النبي - ﷺ - للسلام عليه والدعاء عِنْدَه وبه، يرفعون أصواتهم لديه، حتى ليضجّ المسجد بهم، ولا سيما في موسم الحج، حتى لكأن ذلك من سنن الصلاة! بل إنهم ليحافظون عليه أكثر من محافظتهم على السنن ... ولا أحد منهم ينكر، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وواأسفا على غربة الدين وأهله، وفي مسجد النبي - ﷺ - الذي ينبغي أن يكون أبعد المساجد - بعد المسجد الحرام - عما يخالف شريعته ﵊\" (^٢).\nوالبدع التي يتعلق بها العامة عِنْدَ قبر النبي - ﷺ - كثيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر:\n- إطالة القيام عِنْدَ القبر النبوي للدعاء لنفسه مستقبلًا الحجرة (^٣).\n- استقبال القبر في الصلاة مع استدبار الكعبة (^٤).\n- الاستسقاء بالكشف عن قبر النبي - ﷺ - أو غيره من الأنبياء والصالحين (^٥).\nومن البدع المتعلقة بقبر النبي - ﷺ - (شد الرحل لزيارة قبره) وقد بسطت الكلام عنه في باب (شد الرحال).\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم، ص ١٧٥.\n(^٢) أحكام الجنائز ص ٢٢٣.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٢٧/ ٣٨٦. أحكام الجنائز الألباني ص ٢٦٦ رقم ٢٣٥، وانظر بحث ذلك في باب الدعاء تحت عنوان: \"هيئة الداعي عند قبر النبي - ﷺ -\".\n(^٤) أحكام الجنائز الألباني ٢٦٥ رقم ٢١٧، وانظر تفصيل ذلك في الرد على البكري ١/ ٨٨.\n(^٥) أحكام الجنائز الألباني ٢٦٧ رقم ٢٣٨.","vol":"1","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>٤ - اتخاذ القبور مساجد</span>*\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>[البناء على القبور]</span>\nقال ابن حجر الهيثمي: \"واتخاذ القبر مسجدًا معناه الصلاة عليه أو إليه\" (^١).\nوقال الصنعاني: \"واتخاذ القبور مساجد أعم من أن يكون بمعنى الصلاة إليها أو بمعنى الصلاة عليها\" (^٢).\nوقال الشيخ سليمان بن عبد الله\" \"قوله: \"لعن الله اليهود والنصارى\" ... إلى آخره، لعنهم - ﷺ - على هذا الفعل بعينه، وهو اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، أي: كنائس وبِيَع يتعبدون ويسجدون فيها لله، وإن لم يسموها مساجد، فإن الاعتبار بالمعنى لا بالاسم. ومثل ذلك القباب والمشاهد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين، فإنها هي المساجد الملعون من بناها على قبورهم وإن لم\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ١/ ٦٥. ٥/ ٤٣، ٢٣١. ٥/ ٢١٨، ٢٢٠، ٢٢٩، ٦/ ٣٨٣، ٣٨٤ الاستذكار لابن عبد البر ٢٦/ ٥٧. المحلى بالآثار لابن حزم ٢/ ٣٤٥. الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٠/ ٣٧٩، ٣٨٠. اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٢٩٢. مجموع الفتاوى ١/ ١٦٣، ٢٣٩، ٣٥٣، ٤/ ٥٢١، ٢٧/ ٣٣، ١٤٧، ١٨١، ٤٤٤. تفسير سورة الإخلاص ص ١٩٢. الرد على البكري ٧١. إغاثة اللهفان ١/ ١٩٤، ١٩٨. شفاء الصدور في زيارة المشاهد والقبور لمرعي الحنبلي ص ٤٠. أحكام الجنائز ص ٤٨، ٦٤، ٢٦٥. تيسير العزيز الحميد ص ٣٢٦. فتح المجيد ص ٢٦٤. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ١٥٩. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ٤٥٦. ط ٢ - ١/ ٥١٨، ٥٢٠، ومن المجموع ٩/ ٤٥٦. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٧/ ١٥٦ شرح مسائل الجاهلية للألوسي ص ١٢٤. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ص ٤٩١. شرح مسائل الجاهلية للسعيد ٢/ ٦٣٦. جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية ص ١٦٤٦، ١٦٣٥. التبرك د ناصر الجديع ص ٣٣١، ٤١١. معجم البدع، رائد بن صبري بن أبي علفه ص ١٤٣، ١٤٤.\n(^١) الزواجر ١/ ١٢١.\n(^٢) سبل السلام ١/ ٢٤١.","vol":"1","page":46},{"text":"يسمها من بناها مساجد. وفيه رد على من أجاز البناء على قبور العلماء والصالحين تمييزا لهم عن غيرهم، فإذا كان النبي - ﷺ - لعن من بنى المساجد على قبور الأنبياء. فكيف بمن بناها على قبور غيرهم؟! \" (^١).\nوفي حديث: \"ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ... \" (^٢) الحديث. قال الخلخالي: \"وإنكار النبي - ﷺ - صنيعهم هذا يخرج على وجهين:\nأحدهما: أنهم يسجدون لقبور الأنبياء تعظيمًا لهم.\nالثاني: أنهم يجوزون الصلاة في مدافن الأنبياء والسجود في مقابرهم، والتوجه إليها حالة الصلاة نظرًا منهم بذلك إلى عبادة الله، والمبالغة في تعظيم الأنبياء.\nوالأول: هو الشرك الجلي.\nوالثاني: الخفي، فلذلك استحقوا اللعن\" (^٣).\n* الدليل من السنة: عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: لَمَّا اشْتكَى النَّبيُّ - ﷺ - ذَكَرَتْ بَعْضُ نِسَائِهِ كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ يُقَالُ لَهَا مَارَيةُ وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ (^٤) وَأُمُّ حَبيبَةَ (^٥) - ﵂ - أَتَتَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: \"أُولَئِكِ إِذا مَاتَ مِنْهُمْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّورَةَ أُولَئِكِ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ الله\". وفي الرواية الأخرى: \"أُولئِك شِرارُ الخَلْقِ عِنْدَ الله يَوْمَ القِيَامَة\" (^٦).\nوعن عائشة وعبد الله بن عَبَّاسٍ - ﵃ - قالا: لما نزل برسول الله - ﷺ - طفق يطرح\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٣٢٤.\n(^٢) أخرجه مسلم (٥٣٢).\n(^٣) تيسير العزيز الحميد ٣٢٨.\n(^٤) هي: هند بنت أبي أمية بن المغيرة القرشية المخزومية - ﵂ -.\n(^٥) هي: رملة بنت أبي سفيان القرشية الأموية - ﵂ -.\n(^٦) أخرجه البخاري (٤٢٧)، (١٣٤١)، ومسلم (٥٢٨).","vol":"1","page":47},{"text":"خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: \"لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\" يحذّر ما صنعوا (^١).\nوعن عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله - ﷺ - في مرضه الذي لم يقم منه: \"لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\". قالت: فلولا ذاك أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا (^٢).\nوعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن من شرار الناس من تدركه الساعة وهم أحياء، ومن يتخذ القبور مساجد\" (^٣).\nعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -:\"قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد - وفي رواية -: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\" (^٤).\nوعنه عن النبي - ﷺ -: \"اللهم لا تجعل قبري وثنًا (^٥) لعن الله قوما اتخذوا قبور\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٣٦)، ومسلم (٥٣١).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٣٩٠)، ومسلم (٥٢٩). وقولها (أبرز قبره) أي كشف قبره ودفن خارج بيته.\nقال الألباني ﵀: \"وسبب دفنه - ﷺ - في بيته هو سد الطريق على من عسى أن يبني عليه مسجدًا\".\nانظر تحذير الساجد ص ١١.\n* فائدة: الرسول - ﷺ - دفن في بيته لحديث أبي بكر - ﵁ - أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: \"لن يقبر نبي إلا حيث يموت\". أخرجه أحمد في المسند (٢٧) والترمذي بلفظ آخر (١٠١٨) وضعفه، وضعفه ابن كثير في البداية ٥/ ٢٦٦. وكذلك فعل الصحابة حيث دفنوه في بيته لأنهم خشوا أن يتخذ قبره مسجدًا. انظر للاستزادة حول قبر النبي - ﷺ - باب (اتخاذ القبور عيدًا).\n(^٣) أخرجه أحمد (٣٨٤٤)، (٤١٤٣)، (٤٣٤٢). والطبراني (١٠٤١٣)، وابن حبان (٦٨٤٧).\n(^٤) أخرجه البخاري (٤٣٧)، ومسلم (٥٣٠).\n(^٥) في رواية مالك في الموطأ (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد) (٣٧٦). قال الشيخ سليمان بن عبد الله في تيسير العزيز الحميد ص ٣٤٠: \"قد استجاب الله دعاء رسوله - ﷺ -، فمنع الناس من الوصول إلى قبره لئلا يعبد استجابة لدعاء رسوله - ﷺ - كما قال ابن القيم:\nفأجاب ربُّ العالمين دُعاءَهُ ... وأحاطه بثلاثةِ الجدرانِ)","vol":"1","page":48},{"text":"أنبيائهم مساجد\" (^١).\nولمسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي - ﷺ - قبل أن يموت بخمس وهو يقول: \"إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله تعالى قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>أقوال العلماء:</span>\nقال ابنُ تَيمِيَّةَ: \"فقد نهى عنه في آخر حياته ثم إنه لعن وهو في السياق من فعله. والصلاة عِنْدَها من ذلك، وإن لم يبن مسجد، وهو معنى قولها: خشي أن يُتخذ مسجدًا، فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدًا، وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدًا، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجدا، كما قال - ﷺ -: \"جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا\". ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود - ﵁ - مرفوعًا: \"إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد\"\" (^٣).\nوقد جاءت الأحاديث في تحريم الصلاة إلى القبور.\nفعن أبي مرثد الغنوي - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٧٣٥٢). والحميدي رقم (١٠٥٥) وصححه البزار وابن عبد البر كما في تنوير الحوالك ١/ ١٦ وشرح الزرقاني ١/ ٣٥١.\n(^٢) أخرجه مسلم (٥٣٢).\n(^٣) الاقتضاء ٢/ ٦٦٨. وانظر: منهاج السنة ١/ ٤٧٥، ٢/ ٤٣٦.\n(^٤) أخرجه مسلم (٩٧٢).","vol":"1","page":49},{"text":"وعن ابن عَبَّاسٍ مرفوعًا: \"لا تصلوا إلى قبر ولا تصلوا على قبر\" (^١). وغيرها من الأحاديث.\nفيدخل في المنع من اتخاذ القبور مساجد الصور الآتية:\n١ - الصلاة على القبر أو عِنْدَه (^٢).\n٢ - الصلاة إلى القبر.\n٣ - بناء المسجد على القبر.\nوتفصيل ذلك على ما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>١ - الصلاة عِنْدَ القبر:</span>\nوجاء صريح النهي في ذلك: ففي صحيح البخاري: أن عمر بن الخطاب - ﵁ - رأى أنس بن مالك يصلي عِنْدَ قبر، فقال: \"القبرَ، القبرَ ولم يأمره بالإعادة\" (^٣). وهذا يدل على أنه كان من المستقر عِنْدَ الصحابة - ﵃ -، ما نهاهم عنه نبيهم - ﷺ - من الصلاة عِنْدَ القبر. وفعل أنس - ﵁ - لا يدل على اعتقاده جوازه؟ فإنه لم يره، أو لم يعلم أنه قبر، فلما نبهه عمر - ﵁ - تنبه. ويشهد لهذا ما أخرجه البيهقي في السنن عن أنس قال: \"قمت يومًا أصلي وبين يدي قبر لا أشعر به فناداني عمر: \"القبر، القبر\" فظننت أنه يعني القمر فقال لي بعض من يليني إنما يعني القبر فتنحيت عنه\" (^٤).\nوقال أبو سعيد الخدري - ﵁ -: قال رسول الله - ﷺ -: \"الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٢٠٥١).\n(^٢) مجموع الفتاوى ٢٧/ ٤٤٤. إغاثة اللهفان ١/ ١٩٨. أحكام الجنائز ص ٦٤.\n(^٣) أخرجه البخاري معلقا كتاب الصلاة. باب: هل تنبش قبور مشركي الجاهلية؟.\n(^٤) أخرجه البيهقي في سننه (٢/ ٤٣٥)، وعبد الرزاق في مصنفه (١٥٨١)، وابن حجر في تغليق التعليق ٢/ ٢٢٨.\n(^٥) أخرجه أبو داود (٤٩٢)، والترمذي (٣١٧)، وابن ماجه (٧٤٥)، وأحمد (١١٨١٠).","vol":"1","page":50},{"text":"أما الصلاة على القبر فإنها أعظم شرًا من الصلاة عِنْدَه. وفيه حديث ابن عَبَّاسٍ الآنف الذكر وفيه: \"ولا تصلوا على قبر\" (^١).\nوسيأتي مزيد تفصيل عن حكم العبادة عند القبر في باب \"العبادة\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>٢ - الصلاة إلى القبر:</span>\nلحديث أبي مرثد الغنوي: \"لا تصلوا إلى القبور\" (^٢).\nقال المناوي: \"أي مستقبلين إليها، لما فيه من التعظيم البالغ، لأنه من مرتبة المعبود، فجمع بين النهي عن الاستخفاف بالتعظيم والتعظيم البليغ\" (^٣).\nوهذا النهي محمول على تحريم الصلاة إلى القبر لظاهر النهي، وقد أبعد من قال إن المراد كراهة التنزيه قال النووي: كذا قال أصحابنا. ولو بتحريمه لظاهر الحديث لم يبعد.\nقال الألباني ﵀ في أحكام الجنائز: \"ويؤخذ من الحديث النهي عن الصلاة في المقبرة. فهو مكروه كراهة تحريم. وينبغي أن يعلم أن التحريم المذكور إنما هو لمن لم يقصد بالاستقبال تعظيم القبور وإلا فهو شرك. قال الشيخ علي القاري في شرحه لهذا الحديث: ولو كان هذا التعظيم حقيقة للقبر ولصاحبه لكفر المعظم، فالتشبه به مكروه وينبغي أن يكون كراهة تحريم\" (^٤).\nوقال القاضي البيضاوي: \"لما كانت اليهود يسجدون لقبور الأنبياء تعظيما لشأنهم ويجعلونها قبلة ويتوجهون في الصلاة نحوها فاتخذوها أوثانا لعنهم الله\n_________\n(^١) انظر للاستزادة التمهيد لابن عبد البر ٦/ ٢٧٩، ٣٤٤ وكتاب عقيدة الإمام ابن عبد البر للغصن ص ١٦٦.\n(^٢) مسلم (٩٧٢).\n(^٣) فيض القدير نقلا عن أحكام الجنائز ص ٦٤.\n(^٤) أحكام الجنائز ص ٢١٠ - ٢١١. وانظر قول القاري في المرقاة ٢/ ٣٧٢.","vol":"1","page":51},{"text":"ومنع المسلمين عن مثل ذلك ونهاهم عنه\" (^١). أما من جعل القبر بينه وبين القبلة حال صلاته فإنه يمنع من ذلك؛ لأنه يفضي للغلو والتعظيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>٣ - بناء المسجد على القبر:</span>\nقال ابنُ تَيمِيَّةَ: \"اتفق الأئمة أنه لا يبنى مسجد على قبر لأن النبي - ﷺ - قال: \"إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك\" وأنه لا يجوز دفن ميت في مسجد فإن كان المسجد قبل الدفن غيّر، إما بتسوية القبر وإما بنبشه إن كان جديدا وإن كان المسجد بني بعد القبر، فإما أن يزال المسجد وإما تزال صورة القبر، فالمسجد الذي على القبر لا يصلى فيه فرض ولا نفل، فإنه منهي عنه\" (^٢).\nقال الهيتمي: \"الكبيرة الثالثة والتسعون: اتخاذ القبور مساجد - ثم ساق بعض الأحاديث المتقدمة وغيرها - فقال: ... وعدُّ هذه من الكبائر وقَعَ في كلام بعض الشافعية، وكأنه أخذ ذلك مما ذكره من هذه الأحاديث، ووجهه واضح، لأنه لعن من فعل ذلك بقبور أنبيائه، وجعل من فعل ذلك بقبور صلحائه شر الخلق عِنْدَ الله يوم القيامة، ففيه تحذير لنا كما في رواية: يحذر ما صنعوا. أي يحذر أمته بقوله لهم ذلك من أن يصنعوا كصنع أولئك، فيلعنوا كما لعنوا. قال بعض الحنابلة: قصد الرجل الصلاة عِنْدَ القبر متبركا بها عين المحادة لله ورسوله، وابتداع دين لم يأذن به الله للنهي عنها. وقال: فإن أعظم المحرمات وأسباب الشرك الصلاة عِنْدَها. واتخاذها مساجد. أو بناؤها عليها، والقول بالكراهة محمول على غير ذلك، إذ لا\n_________\n(^١) انظر فيض القدير للمناوي وتحذير الساجد ص ٣٢ - ٣٣. وانظر لمسألة استقبال القبر في الصلاة مع استدبار الكعبة: الاقتضاء ص ٢١٨.\n(^٢) الفتاوى ١/ ١٠٧ - ٢/ ١٩٢. وانظر أقوال الأئمة الأربعة في ذلك في كتاب تحذير الساجد ص ٤٨.","vol":"1","page":52},{"text":"يظن بالعلماء تجويز فعل تواتر عن النبي - ﷺ - لعن فاعله\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-40> أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>١. حكم الصلاة في المسجد الذي فيه قبر أو الصلاة بين القبور </span>(^٢):\nقال ابنُ تَيمِيَّةَ: \"تُكره الصلاة في المقابر من غير خلاف أعلمه، وتحرم في مذهب الإمام أحمد ولا تصح في ظاهر المذهب، وعليه جمهور الحنابلة وبه يفتى لما روى أبو سعيد الخدري - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام\" (^٣) \" (^٤).\nوقال الألباني - ﵀ -: \"وقد دل الحديث وما ذكر معه على كراهة الصلاة في المقبرة.\nوهي للتحريم لظاهر النهي في بعضها، وذهب بعض العلماء إلى بطلان الصلاة فيها لأن النهي يدل على فساد المنهي عنه. وهو قول ابن حزم، واختاره شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ، والشوكاني في نيل الأوطار (^٥). وروى ابنُ حَزْمٍ (^٦) عن الإمام أحمد أنه قال: من صلى في مقبرة أو إلى قبر أعاد أبدًا ... قال الألباني بعد ذلك: ... ثم إن كراهة الصلاة في المقبرة تشمل كل مكان منها سواء كان القبر أمام المصلي أو خلفه أو عن يمينه، أو عن يساره. لأن النهي مطلق. ومن المقرر في علم الأصول أن المطلق يجري على إطلاقه حتى يأتي ما يقيده، ولم يرد هنا شيء من ذلك، وقد صرح بما ذكرنا بعض فقهاء\n_________\n(^١) الزواجر ١/ ١٢٠، ١٢١.\n(^٢) انظر فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٢٦٧، ٢٧٥. مجموع الفتاوى لابن باز ٢/ ٧٥٨،٧٥٩. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٢/ ٢٣٤.\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) انظر الجواب الباهر ص ٢٦.\n(^٥) نيل الأوطار ٢/ ١١٢.\n(^٦) المحلى ٤/ ٢٧ - ٢٨.","vol":"1","page":53},{"text":"الحنفية وغيرهم كما يأتي، فقال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ (^١): ولا تصح الصلاة في المقبرة ولا إليها، والنهي عن ذلك إنما هو سد لذريعة الشرك وذكر طائفة من أصحابنا أن القبر والقبرين لا يمنع من الصلاة، لأنه لا يتناول اسم المقبرة، وإنما المقبرة ثلاثة قبور فصاعدا. وليس في كلام أحمد وعامة أصحابه هذا الفرق، بل عموم كلامهم وتعليلهم واستدلالهم يوجب منع الصلاة عِنْدَ قبر واحد من القبور، وهو الصواب. والمقبرة كل ما قبر فيه، لا أنه جمع قبر. وقال أصحابنا: وكل ما دخل في اسم المقبرة مما حول القبور لا يصلى فيه، فهذا يعين أن المنع يكون متناولا لحرمة القبر المنفرد وفنائه المضاف إليه. وذكر الآمدي وغيره أنه لا تجوز الصلاة فيه أي المسجد الذي قبلته إلى القبر حتى يكون بين الحائط وبين المقبرة حائل آخر. وذكر بعضهم: هذا منصوص أحمد\" (^٢).\nوسوف يأتي زيادة إيضاح عن حكم الصلاة في المساجد المبنية على القبور في باب (المَشاهِد) تحت عنوان حكم الصلاة في المشاهد.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-42> مسألة:</span>\nاستثني من ذلك الصلاة على الجنازة لفعل النبي - ﷺ - على المرأة السوداء.\nومذهب بعض الفقهاء أنه يمتد إلى شهر، لفعل النبي - ﷺ - حيث صلى على قبر أم سعد بعد ما قدم من سفر وقد مضى شهر (^٣).\nقال نافع مولى ابن عمر: \"صلينا على عائشة وأم سلمة وسط البقيع والإمام يومئذ أبو هريرة وحضر ذلك ابن عمر\" (^٤).\n_________\n(^١) الاختيارات العلمية ص ٣٥.\n(^٢) أحكام الجنائز ٢١٤ - ٢١٥.\n(^٣) سنن الترمذي (١٠٣٧).\n(^٤) سنن البيهقي ٢/ ٤٣٥، مصنف عبد الرزاق ١/ ٤٠٧.","vol":"1","page":54},{"text":"قال ابن المنذر: \"وصلى الحسن البصري في المقابر\" (^١).\nوالمقصود أنه صلى على جنازة، فإنه قد روي عنه أنه أمر بهدم المساجد المبنية في المقابر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>٢. الحكمة في النهي عن الصلاة في المقبرة أو بين القبور:</span>\nقال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ: \"والنهي عن ذلك إنما هو سَدٌّ لذريعة الشرك\" (^٢).\nونقل عنه ابن القيم في إغاثة اللهفان فقال - ﵀ -: \"قال شيخنا: وهذه العلة هي التي لأجلها نهى الشارع عن اتخاذ المساجد على القبور، وهي التى أوقعت كثيرا من الأمم إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك، فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين، وتماثيل يزعمون أنها طلاسم لكواكب ونحو ذلك، فإن الشرك بقبر الرجل الذي يُعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر؛ ولهذا تجد أهل الشرك كثيرًا يتضرعون عِنْدَها ويخشعون ويخضعون، ويعبدونهم بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله ولا وقت السحر، ومنهم من يسجد لها، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عِنْدَها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد، فلأجل هذه المفسدة حسم النبي - ﷺ - مادتها حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقا وإن لم يقصد المصلي بركة البقعة بصلاته، كما يقصد بصلاته بركة المساجد. كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس وغروبها لأنها أوقات يقصد المشركون الصلاة فيها للشمس، فنهى أمته عن الصلاة حينئذ وإن لم يقصد المصلي ما قصده المشركون سدًّا للذريعة. قال: \"وأما إذا قصد الرجل الصلاة عِنْدَ القبور متبركًا بالصلاة في تلك البقعة، فهذا عين المحادة لله ورسوله، والمخالفة لدينه وابتداع دين لم يأذن به الله، فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين رسول الله - ﷺ - أن الصلاة\n_________\n(^١) الأوسط لابن المنذر ٢/ ١٨٥.\n(^٢) الاختيارت العلمية ص ٢٥.","vol":"1","page":55},{"text":"عِنْدَ القبور منهي عنها، وأنه لعن من اتخذها مساجد. فمن أعظم المحدثات وأسباب الشرك الصلاة عِنْدَها، واتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها، وقد تواترت النصوص عن النبي - ﷺ - بالنهي عن ذلك والتغليظ فيه\" (^١).\nوقال الأثرم: \"إنما كُرهت الصلاة في المقبرة للتشبه بأهل الكتاب؛ لأنهم يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد\" (^٢).\nوقال ابن القيم: \"وأبلغ من هذا: أنه نهى عن الصلاة إلى القبر، فلا يكون القبر بين المصلي وبين القبلة. فروى مسلم في صحيحه عن أبي مرثد الغنوي - ﵀ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها\" وفي هذا إبطال قول من زعم أن النهي عن الصلاة فيها لأجل النجاسة، فهذا أبعد شيء عن مقاصد الرسول - ﷺ - وهو باطل من عدة أوجه:\n* منها: أن الأحاديث كلها ليس فيها فرقٌ بين المقبرة الحديثة والمنبوشة، كما يقوله المعللون بالنجاسة.\n* ومنها: أنه - ﷺ - لعن اليهود والنصارى على اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد.\nومعلوم قطعا أن هذا ليس لأجل النجاسة. فإن ذلك لا يختص بقبور الأنبياء، ولأن قبور الأنبياء من أطهر البقاع، وليس للنجاسة عليها طريق البتة، فإن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم، فهم في قبورهم طريّون\" (^٣).\nوقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"بل العلة في ذلك الخوف على الأمة أن يقعوا فيما وقعت فيه اليهود والنصارى، وعباد اللات والعزى من الشرك، ويدل على ذلك أن النبي - ﷺ - لعن اليهود والنصارى على اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد، ومعلوم\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان ١/ ١٨٤، ١٨٥.\n(^٢) إغاثة اللهفان ١/ ١٨٩.\n(^٣) انظر للاستزادة إغاثة اللهفان ١/ ١٨٦.","vol":"1","page":56},{"text":"قطعا أن هذا ليس لأجل النجاسة، لأن قبور الأنبياء من أطهر البقاع، فإن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم فهم في قبورهم طريون.\nوقد لعن النبي - ﷺ - متخذي المساجد عليها وموقدي السرج عليها، ومعلوم أن إيقاد السرج عليها إنما هو لعن فاعله، لكونه وسيلة إلى تعظيمها وجعلها نصبا يوفض إليها المشركون كما هو الواقع، فهكذا اتخاذ المساجد عليها\" (^١).\nوقال - ﵀ -: \"وممن علل بخوف الفتنة والشرك الشافعيُّ وأبو بكر الأثرم وأبو محمد المقدسي وشيخ الإسلام وغيرهم وهو الحق\" (^٢).\nقال الشيخ ابن باز - ﵀ -: \"ومعلوم أن من صلّى عِنْدَ قبر فقد اتخذه مسجدا، ومن بنى عليه ليصلي فيه فقد اتخذه مسجدًا، فالواجب أن تبعد القبور عن المساجد وألا يجعل فيها قبور امتثالًا لأمر الرسول - ﷺ - وحذرا من اللعنة التي صدرت من ربنا - ﷿ - لمن بنى المساجد على القبور، لأنه إذا في مسجد فيه قبور قد يزين له الشيطان دعوة الميت، أو الاستغاثة به، أو الصلاة له، أو السجود له، فيقع في الشرك الأكبر، ولأن هذا من عمل اليهود والنصارى، فوجب أن نخالفهم وأن نبتعد عن طريقهم وعن عملهم السيئ والله ولي التوفيق\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-45>٣).\n\n٣. حكم الصلاة في الكنيسة </span>(^٤):\nتقدم حديث أم سلمة حين ذكرت لرسول الله الكنيسة بأرض الحبشة وما رأت فيها من الصور فقال رسول الله - ﷺ -: \"أولئكِ إذا مات فيهم العبد الصالح بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور أولئكِ شرار الخلق عند الله\" (^٥).\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٣٢٩.\n(^٢) تيسير العزيز الحميد ص ٣٣٠.\n(^٣) مجموع فتاوى ابن باز ص ٧٦٠.\n(^٤) المحلى لابن حزم ٢/ ٣٩٩، ٣/ ١٠٠.\n(^٥) سبق تخريجه.","vol":"1","page":57},{"text":"وبوب عليه البخاري: \"باب الصلاة في البيعة، وقال عمر: إنا لا ندخل كنائسهم من أجل التماثيل التي فيها الصور. وكان ابن عباس يصلي في البيعة إلا بيعةً فيها تماثيل\" (^١).\nوقد رخص سفيان في الصلاة في البيعة إذا لم يكن فيها تماثيل، وكره مالك الصلاة في البيع والكنائس لنجاستها في أقدامهم ولما فيها من الصور، وقال: \"لا ينزل بها إلا من ضرورة\" (^٢).\nقال ابن رجب: \"ورخص أكثر أصحابنا في دخول ما ليس فيه صورة منها، والصلاة فيها، وكرهه بعضهم، منهم: ابن عقيل (^٣).\nوحكى ابن المنذر وغيره الرخصة في الصلاة في البيعة التي فيها صور منهم أبو موسى، والحسن، والشعبي، والنخعي، وعمر بن عبد العزيز، والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز (^٤)، والراجح أنه لا بأس بالصلاة في الكنيسة لكن يحمل على ما روي عن عمر - ﵁ - وهو ألا يكون فيها صور وتماثيل.\nقال ابن عثيمين - ﵀ -: \"ما بالنسبة للصلاة في الكنيسة فإن الصلاة تخالف صلاة أهل الكنيسة فلا يكون الإنسان متشبهًا بهذا العمل بخلاف الذبح في مكان يذبح فيه لغير الله، فإن الفعل واحد بنوعه وجنسه؛ ولهذا لو أراد إنسان أن يصلي في مكان يذبح فيه لغير الله لجاز ذلك لأنه ليس من نوع العبادة التي يفعلها المشركون في هذا المكان\" (^٥).\nولا يقال بكراهة الصلاة في الكنيسة لأنها محل الكفر.\n_________\n(^١) صحيح البخاري كتاب الصلاة باب رقم (٥٤) انظر فتح الباري لابن رجب ٢/ ٤٣٦.\n(^٢) ينظر: فتح الباري لابن رجب.\n(^٣) فتح الباري لابن رجب ٢/ ٤٣٦.\n(^٤) فتح الباري لابن رجب ٢/ ٤٣٧.\n(^٥) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٢٣٥. وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ٢٤٢.","vol":"1","page":58},{"text":"قال ابنُ تَيمِيَّةَ - ﵀ -: \"فإن قيل: تكره - أي الصلاة في الكنائس - لكونها محل كفر. قيل: الصلاة في محل الكفر بمنزلة فتح دار الكفر وجعلها دار إسلام وبمنزلة صلاة المسلمين في دار الحرب وقد أمر النبي الله - ﷺ - ثقيفًا أن يتخذوا مسجدهم موضع بيت اللات بعد هدم اللات\" (^١).\nوقال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم - ﵀ -: \"فإن قيل: لِمَ جعل محل اللات بالطائف مسجدًا؟ قيل: لو ترك هذا المحل بهذه البلدة خشي أن يُفتتن به، فيرجع إلى جعله وثنا فجعلُه مسجدًا والحالة هذه يُنسي ما كان يفعل فيه ويذهب به أثر الشرك فاختص هذا المحل لهذه العلة، وهي قوة المعارض\" (^٢).\nأما حكم زيارة الكنيسة فالمنصوص عن أحمد في ذلك كراهة دخولها في مجامعهم وأعيادهم. وقال شيخ الإسلام: \"وأما زيارة معابد الكفار مثل الموضع المسمى بالقمامة أو بيت لحم أو صهيون أو غير ذلك مثل كنائس النصارى فمنهيٌّ عنها، فمن زار مكانًا من هذه الأمكنة معتقدًا أن زيارته مستحبة، والعبادة فيه أفضل من العبادة في بيته فهو ضال خارج عن شريعة الإسلام، يُستتاب فإن تاب وإلا قُتل\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>٥ - احترام أسماء الله الحسنى </span>*\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>[توحيد الأسماء والصفات]</span>\n_________\n(^١) الرد على البكري ٥٧٠، ٥٧١.\n(^٢) حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ١٠٥.\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢٧/ ١٤).\n* تيسير العزيز الحميد ص ٦٢٣. فتح المجيد ص ٥٠٩. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٣١٦. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٤٤. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٣/ ١٢، ٧٢. ط ٢ - ٣/ ١٥. ومن المجموع ١٠/ ٨٤١. معارج القبول ١/ ٦٠. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٢/ ١٩٥.","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>٦ - الإحداد على الزعماء والوجهاء</span>\nقال النووي - ﵀ -: \"الإحداد: من الحد وهو المنع؛ لأن المرأة تُمنع الزينة\" (^١) فهي تحد على زوجها إذا حزنت عليه ولبست ثياب الحزن وتركت الزينة (^٢).\nوالمقصود هنا الكلام عما يفعله بعض الناس من الوقوف زمنًا مع الصمت تحية للشهداء والوجهاء أو تشريفًا أو تكريمًا لأرحامهم. انظر باب التعظيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>٧ - الإحسان </span>*\nالإحسان لغة: يقال أحسن إذا فعل ما هو حسن، وهو كل مبهج مرغوب فيه (^٣).\nقال الراغب: \"والإحسان يُقال على وجهين:\nأحدهما: الإنعام على الغير، يُقال: أحسن إلى فلان.\nوالثاني: إحسان في فعله\" (^٤).\nيقال: حسَّن الشيءَ تحسينًا أي زَّينه، وأحسن عمله إذا أتقنه وأتمه وأجاد صنعه (٥).\n_________\n(^١) تحرير ألفاظ التنبيه ص ٢٨٥.\n(^٢) ينظر: النهاية لابن الأثير ١/ ٣٥٢.\nوالمقصود هنا الكلام عن ما يفعله بعض الناس من الوقوف زمنًا مع الصمت تحية للشهداء والوجهاء، أو تشريفًا أو تكريمًا لأرواحهم. انظر: باب التعظيم.\n* مجموع الفتاوى ٧/ ٦٢٢. شرح النووي ١/ ١٥٨، مدارج السالكين ٢/ ٤٧٨، تفسير ابن كثير ٤/ ٢٤٤. فتح الباري لابن رجب ١/ ٢١١. الفتح ١/ ١٤٧. حاشية الأصول الثلاثة ص ٦٥. مجموع الفوائد واقتناص الأوابد للسعدي ٢١٤. شجرة الإيمان للسعدي من المجموعة ٣/ ١١٥. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٣/ ١٠٦. معارج القبول ٢/ ٣٣، ٢/ ٣٢٦. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٢/ ٦٦٣. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٣/ ٢١٦.\n(^٣) المفردات (ح س ن)، المعجم الوجيز (ح س ن).\n(^٤) المفردات (ح س ن).\n(٥) مختار الصحاح (ح س ن)، المعجم الوجيز (ح س ن).","vol":"1","page":60},{"text":"والإحسان شرعًا: بيَّنه النبي - ﷺ - بقوله: \"أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك\" (^٢).\nقال الحافظ ابن رجب: \"الإحسان هو: أن يعبد المؤمن ربه في الدنيا على وجه الحضور والمراقبة كأنه يراه بقلبه وينظر إليه في حال عبادته؛ فكان جزاء ذلك النظر إلى وجه الله عيانًا في الآخرة\" (^٣).\n* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨].\nوقال عز من قائل: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠].\n* الدليل من السنة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ فَأَتَاهُ رجلٌ فَقَالَ: مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: \"الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِالله وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَبِلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ\" قَالَ: مَا الإِسْلامُ؟ قَالَ: \"الإِسْلامُ أَنْ تَعْبُدَ الله وَلا تُشْرِكَ بِهِ، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ\" قَالَ: مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: \"أَنْ تَعْبُدَ الله كَأَنَّكَ تَرَاه، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ\" قَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: \"مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ، وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا: إِذا وَلَدَتْ الأَمَةُ رَبَّهَا، وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبِلِ الْبُهْمُ فِي الْبُنْيَانِ فِي خَمْسٍ لا يَعْلَمُهُمَّ إِلا الله\" ثُمَّ تَلا النَّبِيُّ - ﷺ -: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآيَةَ ثُمَّ أَدْبَرَ فَقَالَ: \"رُدُّوهُ\" فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا فَقَالَ: \"هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ\" (^٤).\n_________\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٠) ومسلم (٩).\n(^٣) جامع العلوم والحكم ١/ ١٢٦.\n(^٤) أخرجه البخاري (٥٠) (٤٧٧٧) ومسلم (٩١).","vol":"1","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>أقوال العلماء:</span>\nقال النووي: \"فمقصود الكلام الحث على الإخلاص في العبادة ومراقبة العبد ربه ﵎ في إتمام الخشوع والخضوع وغير ذلك، وقد ندب أهل الحقائق إلى مجالسة الصالحين ليكون ذلك مانعًا من تلبسه بشيء من النقائص احترامًا لهم واستحياءً منهم، فكيف بمن لا يزال الله تعالى مطلعًا عليه في سره وعلانيته\" (^١).\nوقال الحافظ ابن رجب: \"وقوله - ﷺ -: \"أن تعبد الله كأنك تراه ... \" إلخ يشير إلى أن العبد يعبد الله تعالى على هذه الصفة وذلك يوجب الخشية والخوف والهيبة والتعظيم، كما جاء في رواية أبي هريرة - ﵁ -: \"أن تخشى الله كأنك تراه\" ويوجب أيضًا النصح في العبادة وبذل الجهد في تحسينها وإتمامها وإكمالها، وقد وصى النبي - ﷺ - جماعة من الصحابة بهذه الوصية\" (^٢).\nقال ابن القيم: \"وهي لب الإيمان وروحه وكماله، وهذه المنزلة تجمع جميع المنازل فجميعها منطوية فيها\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-51> أحكام وفوائد:</span>\n١ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والدين يجمع هذه المسميات الثلاثة: الإسلام، والإيمان، والإحسان كما في حديث جبريل حين جاء إلى النبي - ﷺ - بحضرة أصحابه وسأله عن الإسلام ثم عن الإيمان ثم عن الإحسان، وبَيَّن النبي - ﷺ - كل واحد منها ثم قال: \"هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم\"، فجعل الدين هو الإسلام والإيمان والإحسان فتبين أن ديننا يجمع الثلاثة.\nلكن هو درجات ثلاث: مسلم ثم مؤمن ثم محسن، فأولها الإسلام، وأوسطها\n_________\n(^١) شرح النووي ١/ ١٥٨.\n(^٢) جامع العلوم والحكم ص ٣٣.\n(^٣) مدارج السالكين ٢/ ٤٥٩.","vol":"1","page":62},{"text":"الإيمان، وأعلاها الإحسان\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>٢ - ذكر ابن رجب - ﵀ - أن للإحسان مقامين </span>فقال:\n(أحدهما: مقام الإخلاص: وهو أن يعمل العبدُ على استحضار مشاهدة الله إياه، واطلاعه عليه، وقُربه منه، فإذا استحضر العبدُ هذا في عمله، وعمل عليه، فهو مخلصٌ لله؛ لأن استحضاره ذلك في عمله يمنعه من الالتفات إلى غير الله وإرادته بالعمل.\nوالثاني: مقام المشاهدة: وهو أن يعمل العبدُ على مقتضى مشاهدته لله بقلبه، وهو أن يتنوَّر القلبُ بالإيمان، وتنفُذ البصيرة في العرفان، حتى يصير الغيب كالعيان.\nوهذا هو حقيقة مقام الإحسان المشار إليه في حديث جبريل - ﵇ -، ويتفاوت أهلُ هذا المقام فيه بحسب قوة نفوذ البصائر\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>٣ - بين الإسلام والإيمان والإحسان عموم وخصوص:</span>\nالإسلام والإيمان إذا ذُكر أحدهما مفردًا دخل فيه الآخر، فلا فرق بينهما حينئذ، وإذا ذُكرا جميعًا صار لكل واحد منهما معنىً يختلف عن الآخر، كما جاء ذلك في حديث جبريل حيث فرق بينهما ففسر الإسلام: بأعمال الجوارح وهي الأعمال الظاهرة كالصلاة والزكاة، وفسر الإيمان: بأعمال القلب، والأعمال الباطنة من تصديق القلب وإقراره ومعرفته بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.\nوأما ما بين هذه الثلاثة من عموم وخصوص، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"الإحسان أعم من جهة نفسه وأخص من جهة أصحابه من الإيمان، والإيمان أعم\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٧/ ١٠ بتصرف.\n(^٢) جامع العلوم والحكم ١/ ١٢٩.","vol":"1","page":63},{"text":"من جهة نفسه وأخص من جهة أصحابه من الإسلام، فالإحسان يدخل فيه الإيمان، والإيمان يدخل فيه الإسلام، والمحسنون أخص من المؤمنين، والمؤمنون أخص من المسلمين\" (^١).\nقال ابن قاسم - ﵀ -: \"وكل ما أطلق الإحسان، فإنه يدخل فيه الإيمان، والإسلام، فإن الإسلام والإيمان والإحسان دوائر، أوسعها دائرة الإسلام، ثم يليها في السعة الإيمان، ثم أضيقها الإحسان، كدوائر، كل واحدة منها محيطة بالأخرى.\nومعلوم: أن من كان في دائرة الإحسان، فهو داخل في الإسلام والإيمان وإذا خرج عن الأولى، فهو داخل في الثانية، وهي دائرة الإيمان، وإذا خرج عنها فهو داخل في الثالثة. وهي دائرة الإسلام، ومن خرج عن هذه الدوائر الثلاث، فهو خارج إلى غضب الله وعقابه، وداخل في دوائر الشيطان، والعياذ بالله.\nفظهر بالتمثيل بهذه الدوائر: صحة قول من قال، كل محسن مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنا محسنًا، فلا يلزم من دخوله في الإسلام، أن يكون داخلا في الإحسان والإيمان، وليس المراد: أن من لم يكن في الإحسان، والإيمان، أن يكون كافرًا، بل يكون مسلمًا، ومعه من الإيمان ما يصحح إسلامه، لكن لا يكون مؤمنًا الإيمان الكامل، الذي يستحق أن يثنى عليه به، فإنه لو كان مؤمنًا الإيمان الكامل، لمنعه من المعاصي والمحرمات.\nوقيل للنبي - ﷺ -: أعطيتهم وتركت فلانًا، وهو مؤمن. فقال: \"أو مسلم\".\nوقال: \"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن\" الحديث.\n_________\n(^١) انظر مجموع الفتاوى ٧/ ١٠.","vol":"1","page":64},{"text":"وقال: \"والله لا يؤمن، والله لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه\" فالنصوص ما نفت عنهم الإسلام، بل أثبتت لهم أحكام الإسلام من عصمة الدم، وإذا ماتوا، غُسّلوا وكُفّنوا وصُلّي عليهم. فأهل الإحسان، هم خواص أهل الإيمان، كما أن أهل الإيمان هم خواص، أهل الإسلام. فإنَّ أهل الإحسان: كملوا عبادة الله، إلى أن وصلوا إلى حد المراقبة\" (^١).\nولمزيد من التفصيل انظر باب (الإسلام) فقد توسعت فيه في ذكر الفرق بين الإسلام والإيمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>٨ - الأحوال التي تجرى على يد السحرة والكهان</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>[الكهانة - السحر]</span>\nونقصد بذلك التفريق بين الكرامة والأحوال الشيطانية، وهذه الأخيرة ينخدع بها كثير ممن يستغيث بغير الله فيستنجد بالمقبور ويستغيث بالقبور كما ينخدع بها من يصدق الكهان والسحرة والمشعوذين.\nوالحال الشيطانية تكون على يد السحرة والكهان وأمثالهم من الفجرة (^٢) فهم أولياء الشيطان وجنوده وأنصاره.\nوسوف نفصل ما أجملناه هنا عند الكلام عن الفرق بينها وبين الكرامة. انظر باب (الكرامة).\n_________\n(^١) حاشية الأصول الثلاثة ص ٦٥، ٦٦.\n(^٢) النبوات ص ٤.","vol":"1","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>٩ - الإخلاص </span>*\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>[لا إله إلا الله - الرياء]</span>\nالإخلاص في اللغة: التصفية والتنقية.\nقال ابن فارس: \"خَلَصَ: الخاء واللام والصاد أصل واحد مطرد وهو: تنقية الشيء وتهذيبه\" (^١).\nوقال الجوهري: \"خَلَصَ الشيء بالفتح، يَخْلُصُ خُلُوصًا، أي: صار خالصًا، وخلَصَ إليه الشيء: وصل، وخَلَصْتُه من كذا تخليصًا، أي: نحيته فتخلص، وخلاصة السمن بالضم: ما خلص منه.\nوالإخلاص أيضًا في الطاعة: ترك الرياء. وخالصه في العشرة أي: صافاه وهذا الشيء خالصة لك، أي: خاصة\" (^٢).\nويسمى الفعل المخلص: إخلاصًا، قال تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا﴾ [النحل: ٦٦].\n_________\n* الاستذكار لابن عبد البر ٢٧/ ٣٥٨. شعب الإيمان للبيهقي ١٢/ ٢٤٠، ٢٤١. قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ١/ ١٢٣. قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص ٢٣٥. التحفة العراقية ص ٢٦، ٦٥. مختصر منهاج القاصدين ص ٣٩٨. الآداب الشرعية لابن مفلح ١/ ١٦٠. مدارج السالكين ٢/ ٩٣. تحقيق كلمة الإخلاص لابن رجب. ذم الرياء. تحقيق د. محمد باكريم. غذاء الألباب ٢/ ٥٢٠. الدين الخالص لصديق حسن قنوجي ٢/ ٣٠٨. معارج القبول ١/ ٣١١. مجموع الفوائد واقتناص الأوابد للسعدي ص ١٧. نور على الدرب ص ٣٥. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١/ ٩٨ - ٧/ ١١٢. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ١/ ٩، ٧٢. الآثار الواردة في سير أعلام النبلاء د: جمال بن أحمد ص ١٥٨. مباحث العقيدة في سورة الزمر ص ١٥٨، ١٩٢. جهود علماء الحنفية في إيطال عقائد القبورية ١/ ١٧ الإخلاص حسين عوايشة.\n(^١) معجم مقاييس اللغة ٢/ ٢٠٨.\n(^٢) الصحاح ٣/ ١٠٣٧.","vol":"1","page":66},{"text":"وخلوص اللبن ألّا يكون فيه شوب من الفرث والدم (^١).\nالإخلاص في الشرع: تخليص العبادة وتصفيتها من شائبة الشرك والرياء.\nقال الراغب الأصبهاني: \"فحقيقة الإخلاص التبري عن كل ما دون الله تعالى\" (^٢).\nوقال الشيخ ابن عثيمين: \"الإخلاص هو التنقية، والمراد به هنا أن يقصد المرء وجه الله - ﷿ - والوصول إلى دار كرامته بحيث لا يعبد معه غيره لا ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣] \" (^٣).\n* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣،٢]. وقال لنبيه - ﷺ -: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٥، ١٤]، وقال له: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣،١٦٢].\n* الدليل من السنة: عَنْ وَقَّاصٍ اللَّيْثيَّ قال: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - ﵁ - عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: \"إِنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيهِ\" (^٤).\n_________\n(^١) التعريفات للجرجاني ص ٢٨.\n(^٢) المفردات ص ٢٩٣.\n(^٣) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٣١.\n(^٤) أخرجه البخاري في أول صحيحه رقم (١) كتاب بدء الوحي، باب بدء الوحى، ومسلم رقم (١٩٠٧).","vol":"1","page":67},{"text":"وقال النبي - ﷺ - لسعد بن أبي وقاص - ﵁ -: \"إنك لن تخلف فتعمل عملًا تبتغي به وجه الله تعالى إلا ازددت به خيرًا ودرجة ورفعة\" (^١).\nوسُئل رسول الله - ﷺ - عن الرجل يقاتل رياء ويقاتل شجاعة ويقاتل حمية أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: \"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله\" (^٢).\nقال - ﷺ -: \"ما قال عبد لا إله إلا الله قط مخلصًا إلا فُتحت له أبواب السماء حتى تفضي إلى العرش ما اجتنب الكبائر\" (^٣).\nوأخبر الرسول - ﷺ - عن أول ثلاثة تُسعر بهم النار: \"قارئ القرآن والمجاهر والمتصدق بماله\" الذين فعلوا ذلك ليقال فلان قارئ فلان شجاع فلان متصدق ولم تكن أعمالهم خالصة لله (^٤).\nوفي الحديث القدسي يقول الله تعالى: \"أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه\" (^٥).\nوفي الصحيح عنه - ﷺ -: \"إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم\" (^٦).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-59> أقوال بعض السلف:</span>\nكتب عمر بن الخطاب - ﵁ - إلى أبي موسى الأشعري - ﵁ - \"من خلصت نيته كفاه الله تعالى ما بينه وبين الناس\".\n_________\n(^١) البخاري (٤٤٠٩)، ومسلم (١٦٢٨).\n(^٢) البخاري (٢٨١٠)، ومسلم (١٩٠٤).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٣٥٩٠)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٨٣٣) قال الترمذي: حديث حسن غريب من هذا الوجه.\n(^٤) أخرجه مسلم (١٩٠٥).\n(^٥) أخرجه مسلم (٢٩٨٥).\n(^٦) أخرجه مسلم (٢٥٦٤).","vol":"1","page":68},{"text":"وقال بعضهم: \"الإخلاص أن لا تطلب على عملك شاهدًا غير الله ولا مجازيا سواه\".\nوقال مكحول: \"ما أخلص عبد قط أربعين يومًا إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه\" (^١).\nوقال أبو سليمان الداراني: \"إذا أخلص العبد انقطعت عنه كثرة الوساوس والرياء\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-60> أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>١. حكم الإخلاص:</span>\nالعمل لا يُقبل إلا بشرطين أساسيين:\n* أحدهما: الإخلاص.\n* الثاني: المتابعة.\nفالإخلاص: هو أحد شرطي قبول العمل، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي\n_________\n(^١) قال شيخ الإسلام: \"حكي أن أبا حامد الغزالي بلغه أن من أخلص لله أربعين يومًا تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه، قال: فأخلصت أربعين يومًا، فلم يتفجر شيء فذكرت ذلك لبعض العارفين. فقال لي: إنما أخلصت للحكمة ولم تخلص لله. ثم قال شيخ الإسلام: وذلك لأن الإنسان قد يكون مقصوده نيل العلم والحكمة، أو نيل المكاشفات والتأثيرات، أو نيل تعظيم الناس له ومدحهم إياه أو غيره من المطالب قد عرف أن ذلك يحصل الإخلاص لله وإرادة وجهه، فإذا قصد أن يطلب ذلك بالإخلاص وإرادة وجهه كان متناقضًا، لأن من أراد شيئًا لغيره فالثاني هو المراد المقصود بذاته والأول يُراد لكونه وسيلة إليه، فإذا قصد أن يخلص لله ليصير عالمًا أو عارفًا أو ذا حكمة، أو صاحب مكاشفات وتصرفات ونحو ذلك، فهو هنا لم يُرد الله، بل جعل الله وسيلة إلى ذلك المطلوب الأدنى\" درء تعارض العقل والنقل ٦/ ٦٦.\n(^٢) انظر هذه الأقوال في مدارج السالكين ٢/ ٩٣، ٩٤.","vol":"1","page":69},{"text":"بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: ١، ٢].\nقال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ قال: \"أخلصه وأصوبه، فإنه إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص إذا كان لله، والصواب إذا كان على السنة\" (^١).\nويقول شيخ الإسلام: \"وبالجملة فمعنا أصلان عظيمان:\nأحدهما: ألا نعبد إلا الله.\nوالثاني: ألا نعبده إلا بما شرع، لا نعبده بعبادة مبتدعة.\nوهذان الأصلان هما تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله كما قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ \" (^٢).\nوبهذا يتبين أن الإخلاص والمتابعة شرطان لصحة العمل وقبوله.\nقال العز بن عبد السلام: \"وكذلك إخلاص العبادة شرط في أولها\" (^٣).\nوقال الزبيدي: \"واعلم - وفقك الله تعالى - أن الإخلاص شرط في سائر العبادات\" (^٤).\nوقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: \"ولا خلاف أن الإخلاص شرط لصحة العمل وقبوله، وكذلك المتابعة\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ٨/ ٩٥.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١/ ٣٣٣.\n(^٣) قواعد الأحكام ص ١٧٦.\n(^٤) إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين ١٠/ ٤٩.\n(^٥) فتح المجيد ص ٣٢٩.","vol":"1","page":70},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>٢. منزلة الإخلاص وفضله:</span>\nللإخلاص منزلةٌ عالية في الشرع، وجاءت الآيات والأحاديث والآثار بالحث عليه والترغيب فيه وبيان فضله، فهو للعمل بمنزلة الأساس للبنيان، وبمنزلة الروح للجسد، فكما أنه لا يستقر البناء ولا يتمكن من الانتفاع منه إلا بتقوية أساسه وتعاهده من أن يعتريه خلل فكذلك العمل بدون الإخلاص، وكما أن حياة البدن بالروح فحياة العمل وتحصيل ثمراته بمصاحبته وملازمته للإخلاص، وقد أوضح الله ذلك في كتابه العزيز فقال: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ١٠٩]، ولما كانت أعمال الكفار التي عملوها عارية من توحيد الله وإخلاص العمل له سبحانه جعل وجودها كعدمها فقال: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] (^١).\nوقد ذكر الشيخ تقي الدين - ﵀ -: \"أن الحسنة تعظم ويكثرت ثوابها بزيادة الإيمان والإخلاص حتى تقابل جميع الذنوب\" (^٢).\nومن ثمرات الإخلاص: أنه يحرر العبد من عبودية غير الله فيكون عمله كله لله فينصرف عن كل مراد لنفسه أو للشيطان ويصبح همُّه إرضاء ربه.\nقال ابن تيمية: \"وإذا كان العبد مخلصًا لله اجتباه ربه فأحيا قلبه واجتذبه إليه فينصرف عنه ما يضاد ذلك من السوء والفحشاء، ويخاف من ضد ذلك، بخلاف القلب الذي لم يخلص لله فإن فيه طلبًا وإرادة وحبًا مطلقًا فيهوى ما يسنح له ويتشبث بما يهواه، كالغصن أي نسيم مر بعطفه أماله.\n_________\n(^١) انظر كتاب الإخلاص والإحسان، للشيخ عبد المحسن العباد، ص ٣ - ٤.\n(^٢) الآداب الشرعية ١/ ١٥٦.","vol":"1","page":71},{"text":"فتارة تجذبه الصور المحرمة وغير المحرمة فيبقى أسيرًا عبدًا لمن لو اتخذه عبدًا له كان ذلك نقصًا وعيبًا وذمًا.\nوتارة يجذبه الشرف والرئاسة فترضيه الكلمة وتغضبه الكلمة، ويستعبده من يثني عليه ولو بالباطل، ويعادي من يذمه ولو بالحق.\nوتارة يستعبده الدرهم والدينار وأمثال ذلك من الأمور التي تستعبد القلوب والقلوب تهواها، فيتخذ إلهه هواه، ويتبع هواه بغير هدى من الله.\nومن لم يكن مخلصًا لله عبدًا له قد صار قلبه مستعبدًا لربه وحده لا شريك له بحيث يكون هو أحب مما سواه، ويكون ذليلًا خاضعًا له وإلا استعبدته الكائنات، واستولت على قلبه الشياطين، وكان من الغاوين إخوان الشياطين، وصار فيه من السوء والفحشاء ما لا يعلمه إلا الله، وهذا أمر ضروري لا حيلة فيه\" (^١).\nومن ثمرات الإخلاص: \"نصر الأمة ورفع المنزلة في الآخرة والإنقاذ من الضلال في الدنيا وسبب لزيادة الهدى الناس ووضع القبول له في الأرض وتفريج كروب الدنيا وحسن الخاتمة واستجابة الدعاء وغير هذا كثير\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>١٠ - أذى الرسول - ﷺ - أو عيبه </span>*\nقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٦١].\nوسوف يأتي الكلام عنه في باب (سب الرسول - ﷺ -)\n_________\n(^١) كتاب العبادة ص ٤٢، ٤٣.\n(^٢) الإخلاص، لحسين عوايشة، ص ٦٤.\n* الفروق للقرافي ٣/ ٢٢. وانظر أيضًا: الموافقات للشاطبي ٢/ ٣٥٨، ٣٧٩، وقواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ١/ ١١٧.","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>١١ - إرادة الإنسان بعمله الدنيا </span>*\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>[الرياء]</span>\nالمراد من هذا الباب أن الإنسان أراد بعمله الذي شرع للآخرة طمع الدنيا كأن يجاهد من أجل المغنم أو يتعلم من أجل الرئاسة والوظيفة، أو يحج من أجل المال.\n* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥، ١٦].\n* الدليل من السنة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"تِعسَ (^١) عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ (^٢)، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ (^٣)، تعس\n_________\n* تيسير العزيز الحميد ص ٥٣٩. فتح المجيد ص ٤٣٧. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٢٦٩. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٣٨ - ٣٩. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ٢٤١، ط ٢ - ٢/ ٢٩٣ ومن المجموع ١٠/ ٧١٨. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٢/ ٣٨٦. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٢/ ٢٠٧، ٢٠٩.\n(^١) دعاء بالهلاك.\n(^٢) ثوب خز وصوف معلم. وهذه أمثلة لمن أراد عرض الدنيا وليست مُقتصرة على الأمور المذكورة في الحديث.\n(^٣) قال شيخ الإسلام - ﵀ - (وهذه حال من أصابه شر لم يخرج منه ولم يفلح لكونه تعس وانتكس، فلا نال المطلوب، ولا خلص من المكروه، وهذه حال من عبد المال. وقد صف ذلك بأنه إن أعطي رضي وإن منع سخط كما: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة: ٥٨]. فرضاهم لغير الله، وسخطهم لغير الله، وهكذا حال من كان متعلقا برئاسة أو بصورة، أو نحو ذلك من أهواء نفسه إن حصل له رضي، وإن لم يحصل له سخط، فهذا عبد ما يهواه من ذلك، وهو رقيق له، إذ الرق والعبودية في الحقيقة هو رق القلب وعبوديته فما استرق القلب واستعبده، فهو عبده) تيسير العزيز الحميد ص ٥٤٤.","vol":"1","page":73},{"text":"وَانتكَسَ (^١)، وَإِذا شيكَ فَلا انتَقَشَ (^٢)، طُوبَى (^٣) لِعَبْدٍ آخِذٍ بعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبيلِ الله، أَشْعَثَ رَأْسُه، مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاه، إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ إِنْ اسْتَأْذنَ لَمْ يُؤْذنْ لَه، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ\" (^٤).\nعن أبي كعب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"بشر هذه الأمة بالسناء (^٥) والرفعة والدين والنصر والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب\" (^٦).\nوعن زيد بن ثابت - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"من كانت الدنيا همه فرَّق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الدنيا الآخرة نيته جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة\" (^٧).\nوعن ابن عمر - ﵄ - عن النبي - ﷺ - قال: \"من طلب العلم ليماري به السفهاء، أو ليباهي له العلماء، أو ليصرف وجوه الناس إليه فهو في النار\" (^٨).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-66> أقوال السلف:</span>\nعن علي - ﵁ - أنه ذكر فتنًا في آخر الزمان فقال له عمر: متى ذلك يا علي؟ قال: \"إذا تُفقه لغير الدين، وتُعلّم العلم لغير العمل، والتُمست الدنيا بعمل الآخرة\" (^٩).\n_________\n(^١) دعاء عليه بالخيبة. قال الطيبي: وفيه الترقي بالدعاء عليه لأنه إذا تعس انكب على وجهه فإذا انتكس انقلب على رأسه بعد أن سقط (تيسير العزيز الحميد ص ٥٤٣).\n(^٢) إذا أصابته شوكة فلا يقدر على انتقاشها وهو إخراجها بالمنقاش.\n(^٣) اسم الجنة وقيل هي شجرة فيها، وقيل العيش الطيب.\n(^٤) أخرجه البخاري (٢٨٨٧).\n(^٥) قال ابن الأثير: \"أي بارتفاع المنزلة والقَدر عند الله تعالى\" النهاية ٢/ ٤١٤.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد (٢١٥٣٩) واللفظ له، وابن حبان في صحيحه (٤٠٥)، والحاكم (٤/ ٣١٨) وصححه.\n(^٧) أخرجه ابن ماجه (٤١٠٥) واللفظ له، وأحمد (٢١٩٢٥)، والطبراني في الكبير (٤٨٩٠).\n(^٨) أخرجه ابن ماجه (٢٥٣). ورواه الترمذي من حديث كعب بن مالك وقال: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه (٢٦٥٤)، والطبراني في الكبير ١٩/ ١٩٩.\n(^٩) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ١١/ ٣٦٠، والمنذري في الترغيب والترهيب ١/ ٦٧.","vol":"1","page":74},{"text":"وقال قتادة: \"من كانت الدنيا همه ونيته وطُلبته جازاه الله بحسناته في الدنيا ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يُعطى بها جزاء. وأما المؤمن فيجازى بحسناته في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-67> حكم إرادة الإنسان بعمله الصالح الدنيا:</span>\nقال ابن سعدي - ﵀ -: \"وأما العمل لأجل الدنيا وتحصيل أغراضها فإن كانت إرادة العبد كلها لهذا القصد ولم يكن له إرادة لوجه الله والدار الآخرة فهذا ليس له في الآخرة من نصيب، وهذا العمل على هذا الوصف لا يصدر من مؤمن فإن المؤمن ولو كان ضعيف الإيمان لا بد أن يريد الله والدار الآخرة.\nوأما من عمل العمل لوجه الله ولأجل الدنيا والقصدان متساويان أو متقاربان فهذا وإن كان مؤمنًا فإنه ناقص الإيمان والتوحيد والإخلاص وعمله ناقص لفقدان كمال الإخلاص.\nوأما من عمل لله وحده وأخلص في عمله إخلاصًا تامًا ولكنه يأخذ على عمله جُعْلًا معلومًا يستعين به على العمل والدين كالجعالات التي تجعل على أعمال الخير، وكالمجاهد الذي يترتب على جهاده غنيمة أو رزق، وكالأوقاف التي تجعل على المساجد والمدارس والوظائف الدينية لمن يقوم بها فهذا لا يضر أخذه في إيمان العبد وتوحيده؛ لكونه لم يرد بعمله الدنيا وإنما أراد الدين وقصد أن يكون ما حصل له مُعينًا على قيام الدين؛ ولهذا جعل الله في الأموال الشرعية كالزكوات وأموال الفيء وغيرها جزءًا كبيرًا لمن يقوم بالوظائف الدينية والدنيوية النافعة كما قد عرف تفاصيل ذلك، فهذا التفصيل يُبَيِّنُ لك حكم هذه المسألة كبيرة الشأن، ويوجب لك أن تنزل الأمور منازلها والله أعلم\" (^٢).\n_________\n(^١) ابن كثير ٢/ ٣٧٩.\n(^٢) القول السديد ص ١٠٩.","vol":"1","page":75},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-68> أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>١. الفرق بين إرادة الإنسان بعمله الدنيا وبين الرياء:</span>\nالذي يظهر أن فقه هذا الباب غير فقه باب الرياء.\nفتعريف الرياء: هو تحسين العبادة في الظاهر أو إظهارها أو الإخبار عنها بقصد رؤية الناس وكسب الثناء منهم.\nأما إرادة الإنسان بعمله الدنيا فقد أراد بعمله الديني المنفعة الدنيوية. فهما مختلفان، وقد أفرد الإمام محمد بن عبد الوهاب المجدد لكل منهما بابًا مستقلًا في كتاب التوحيد.\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"الإنسان يعمل رياءً يريد أن يُمدح في العبادة فيقال هو عابد ولا يريد النفع المادي، أما إذا أراد بعمله الدنيا فهو لا يريد أن يُمدح بعبادته ولا يريد المراءاة بل يعبد الله مخلصًا له ولكنه يريد شيئًا من الدنيا؛ كالمال، والمرتبة، والصحة في نفسه وأهله وولده وما أشبه ذلك فهو يريد بعمله نفعًا في الدنيًا غافلًا عن ثواب الآخرة\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>٢. صور من إرادة الإنسان بعمله الدنيا:</span>\nذكر الشيخ ابن عثيمين صورًا من إرادة الإنسان بعمله الدنيا فقال:\n\"١ - أن يريد المال كمن أذّن ليأخذ راتب المؤذن أو حج ليأخذ المال.\n٢ - أن يريد المرتبة كمن تعلم في كلية ليأخذ الشهادة فترتفع مرتبته.\n٣ - أن يريد دفع الأذى والأمراض والآفات عنه كمن تعبد لله كي يجزيه الله بهذا في الدنيا بمحبة الخلق له، ودفع السوء عنه وما أشبه ذلك.\n٤ - أن يتعبد لله يريد صرف وجوه الناس إليه بالمحبة والتقدير وهناك أمثلة كثيرة\" (^٢).\n_________\n(^١) بتصرف من مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٧١٨، ١/ ٩٨. وانظر القول المفيد ط ١ - ٢/ ٢٤٢.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٧١٩. وانظر القول المفيد ط ١ - ٢/ ٢٤٣.","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>٣. الأعمال التي رتب عليها الشارع ثوابًا دنيويًا:</span>\nومثال ذلك قوله - ﷺ -: \"من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه\"، وقوله - ﷺ -: \"من قتل قتيلًا فله سَلَبُه\" ونحو ذلك. فهذا إذا استحضر ثواب الآخرة وسعى لها ورغب إليها واستحضر ثواب الدنيا ولم يقتصر عليها بل كان قلبه معلقًا بالآخرة فلا بأس بذلك مع العلم بأن الأفضل استحضار ثواب الآخرة فقط؛ لأن الشارع إنما رتب الثواب الدنيوي لجواز قصده.\nوإن لم يرتب الشارع لها ثوابًا دنيويًا ولم يرغب فيه فقصد ثواب الدنيا محرم وشرك بالله وهذه المسائل كثيرة، وصورها لا يتأتى حصرها في مثل هذا، والأمر كما قال ابن القيم - ﵀ -: \"وأما الشرك في الإرادات والنيات، فذلك البحر الذي لا ساحل له وقلَّ من ينجو منه، فمن أراد بعمله غير وجه الله ونوى شيئا غير التقرب إليه، وطلب الجزاء منه، فقد أشرك في نيته وإرادته، والإخلاص: أن يخلص لله في أفعاله وأقواله وإرادته ونيته، وهذه هي الحنفية ملة إبراهيم التى أمر الله بها عباده كلهم، ولا يقبل من أحد غيرها، وهي حقيقة الإسلام، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] \" (^١).\nفينبغي للعبد أن يكون مخلصًا لله، مريدًا بعمله وجه الله حتى يغنم الأجرين في الدارين؛ لأن من أراد الله والآخرة جمع الله له ثواب الدنيا والآخرة، ولا يلتفت إلى تحصيل الدنيا، وقد جاءت الأحاديث محذرة من ذلك، أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: \"قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء، عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه\" (^٢).\n_________\n(^١) الجواب الكافي ٢٠٠.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٩٨٥).","vol":"1","page":77},{"text":"وعن أبي أمامة - ﵁ - قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: أرأيتَ رجلًا غزا يلتمس الأجر والذكر ما له؟ قال رسول الله - ﷺ -: \"لا شيء له\"، فأعادها ثلاث مرات يقول له الرسول - ﷺ -: \"لا شيء له\". ثم قال: \"إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا وابتغى به وجهه\" (^١).\n٤ - بعض الناس عِنْدَما يتكلمون على فوائد العبادات يحولونها إلى فوائد دنيوية، فمثلًا يقولون في الصلاة رياضة وإفادة للأعصاب، وفي الصيام فائدة لإزالة الفضلات وترتيب الوجبات، والمفروض ألا تجعل الفوائد الدنيوية هي الأصل؛ لأن ذلك يؤدي إلى إضعاف الإخلاص والغفلة عن إرادة الآخرة، ولذلك بَيَّنَ الله تعالى في كتابه عن حكمة الصوم مثلًا أنه سبب للتقوى، فالفوائد الدينية هي الأصل، والدنيوية ثانوية (^٢).\n٥ - سئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين - ﵀ - السؤال التالي: يتحرج بعض طلبة العلم الشرعي عِنْدَ قصدهم العلم والشهادة فكيف يتخلص طالب العلم من هذا الحرج؟\nفأجاب بقوله: \"يُجاب عن ذلك بأمور:\nأحدها: أن لا يقصدوا بذلك الشهادة لذاتها، بل يتخذون هذه الشهادات وسيلة للعمل في الحقول النافعة للخلق؛ لأن الأعمال في الوقت الحاضر مبنية على الشهادات، والناس لا يستطيعون الوصول إلى منفعة الخلق إلا بهذه الوسيلة وبذلك تكون النية سليمة.\nالثاني: أن من أراد العلم قد لا يجده إلا في هذه الكليات فيدخل فيها بنية طلب العلم ولا يؤثر عليه ما يحصل له من الشهادة فيما بعد.\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (٣١٤٢) والطبراني (٧٦٢٨)، قال الحافظ في الفتح: إسناده جيد ٦/ ٢٨، وحسنه العراقي في تخريج الإحياء ٤/ ٣٨٤.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٢/ ٢٠٨، ١٠/ ٧٢١، وانظر: القول المفيد لابن عثيمين ٢/ ٢٤٥.","vol":"1","page":78},{"text":"الثالث: أن الإنسان إذا أراد بعمله الحسنيين حسنى الدنيا، وحسنى الآخرة فلا شيء عليه في ذلك لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣،٢] وهذا ترغيب في التقوى بأمر دنيوي\" (^١).\n٦ - بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن من طلب العلم أو غيره مما هو خير في نفسه لما فيه من المحبة له لا لله ولا لغيره من الشركاء فليس مذمومًا بل قد يثاب بأنواع من الثواب، إما بزيادة فيها وفي أمثالها فيتنعم بذلك في الدنيا ولو كان فعل كل حسن لم يفعل لله مذمومًا لما أطعم الكافر بحسناته في الدنيا؛ لأنها تكون سيئات، وقد يكون من فوائد ذلك وثوابه في الدنيا أن يهديه الله إلى أن يتقرب بها إليه وهذا معنى قول بعضهم: \"طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله\" وقول آخر: \"طلبهم له نية\". يعني نفس طلبهم حسن ينفعهم، وهذا قيل في العلم لأنه الدليل المرشد فإذا طلبه بالمحبة وحصَّله عرّفه الإخلاص، فالإخلاص لا يقع إلا بالعلم فلو كان طلبه لا يكون إلا بالإخلاص لزم الدور (^٢).\n٧ - قال الألوسي في تفسير قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ [هود: ١٥]: \"وأخرج النحاس في ناسخه عن ابن عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما أن آية الإسراء: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨] نسخت آية هود\" (^٣).\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"نسختها أي: قيدتها وخصصتها، فإن السلف كانوا يسمون التقييد والتخصيص نسخًا، وإلا فالآية محكمة\" (^٤).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٢/ ٢٠٧، ٢٠٨.\n(^٢) مستفاد من كتاب غذاء الألباب ٢/ ٥٢٠.\n(^٣) روح المعاني ٦/ ٢٢٦.\n(^٤) تيسير العزيز الحميد ص ٥٣٩.","vol":"1","page":79},{"text":"قال أنس بن مالك والحسن: \"نزلت في اليهود والنصارى\" (^١).\nوقال غيرهم: \"هذا في الكفار\" (^٢).\n* وهنا يرد إشكالان:\nالأول: دلالة الآية في الكفار الأصليين فكيف تذكر في حق المسلمين؟.\nالثاني: أنها لو كانت في المسلمين لاقتضى تخليد المؤمن المريد بعمله الدنيا في النار (^٣).\nويجاب عن الإشكال الأول: بأن السلف ورد عنهم أيضًا أنهم أدخلوا أصنافًا من المسلمين في هذه الآية فقال مجاهد في تفسيرها: \"هم أهل الرياء\" (^٤).\nوقال البغوي: \"نزلت في كل من عمل عملًا يريد به غير الله - ﷿ -\" (^٥).\nوفي التيسير: \"قال الضحاك: \"من عمل صالحًا من أهل الإيمان من غير تقوى، عجل له ثواب عمله في الدنيا، واختاره الفراء\"، قال ابن القيم: \"وهذا القول أرجح\"، ومعنى الآية على هذا: من كان يريد بعمله الحياة الدنيا وزينتها\" (^٦).\nفهذه الآية وإن نزلت في الكفار فإن بعض المؤمنين اشتركوا معهم في وصفهم فأصبح الحكم واحدًا، ومن هنا ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب هذه الآية في باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا.\nوالعبرة هنا بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالآية نزلت في الكفار ولكن لفظها يشمل كل من أراد الدنيا بعمله الصالح من غير الكفار وهي في حق المسلم\n_________\n(^١) ابن كثير ٤/ ٣١٠.\n(^٢) البغوي ٤/ ١٦٦، والطبري ١٥/ ٢٦٥.\n(^٣) انظر: تيسير العزيز الحميد ص ٥٤٠.\n(^٤) البغوي ٤/ ١٦٦، وابن كثير ٤/ ٣١٠.\n(^٥) البغوي ٤/ ١٦٥.\n(^٦) تيسير العزيز الحميد ٥٣٩.","vol":"1","page":80},{"text":"لا تقتضي تخليده في النار، قال الإمام ابن القيم مجيبًا عن هذا الإشكال: \"إن الله سبحانه ذكر جزاء من يريد بعمله الحياة الدنيا وزينتها، وهو النار، وأخبر بحبوط عمله وبطلانه، فإذا أحبط ما ينجو به وبطل، لم يبق معه ما ينجيه. فإن كان معه إيمان لم يرد به الحياة الدنيا وزينتها، بل أراد به الله والدار الآخرة، لم يدخل هذا الإيمان في العمل الذي حبط وبطل. ونجاة هذا الإيمان من الخلود في النار، وإن دخلها بحبوط عمله الذي به النجاة المطلقة. فالإيمان إيمانان:\nإيمانٌ: يمنع دخول النار، وهو الإيمان الباعث على أن تكون الأعمال لله وحده يبتغي بها وجهه وثوابه.\nوإيمانٌ: يمنع الخلود في النار، فإن كان مع المرائي شيء منه، وإلا كان من أهل الخلود. فالآية لها حكم نظائرها من آيات الوعيد\" (^١).\nوقد سُئل الإمام محمد بن عبد الوهاب - ﵀ - عن معنى هذه الآية فأجاب بما ملخصه: \"ذكر عن السلف من أهل العلم فيها أنواع مما يفعله الناس اليوم ولا يعرفون معناه.\nفمن ذلك العمل الصالح الذي يفعله كثير من الناس ابتغاء وجه الله من صدقة وصلاة وإحسان إلى الناس، وترك ظلم، ونحو ذلك مما يفعله الإنسان، أو يتركه خالصًا لله لكنه لا يريد ثوابه في الآخرة، إنما يريد أن يجازيه الله بحفظ ماله وتنميته، أو حفظه أهله وعياله، أو إدامة النعم عليهم، ولا همة له في طلب الجنة، والهرب من النار، فهذا يعطي ثواب عمله في الدنيا، وليس له في الآخرة نصيب. وهذا النوع ذكره ابن عَبَّاسٍ.\nالنوع الثاني: وهو أكبر من الأول وأخوف، وهو الذي ذكر مجاهد في الآية أنها نزلت فيه، وهو أن يعمل أعمالًا صالحة، ونيته رياء الناس لا طلب ثواب الآخرة.\nالنوع الثالث: أن يعمل أعمالًا صالحة يقصد بها مالًا مثل أن يحج لمال يأخذه\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٥٤٠.","vol":"1","page":81},{"text":"لا لله، أو يهاجر لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، أو يجاهد لأجل الغنم، فقد ذكر أيضًا هذا النوع في تفسير هذه الآية. وكما يتعلم الرجل لأجل مدرسة أهله أو مكتبهم أو رياستهم، أو يتعلم القرآن ويواظب على الصلاة لأجل وظيفة المسجد، كما هو واقع كثيرًا، وهؤلاء أعقل من الذين قبلهم، لأنهم عملوا لمصلحة يحصلونها، والذين قبلهم عملوا من أجل المدح والجلالة في أعين الناس، ولا يحصل لهم طائل، والنوع الأول أعقل من هؤلاء؛ لأنهم عملوا لله وحده لا شريك له، لكن لم يطلبوا منه الخير الكثير الدائم وهو الجنة، ولم يهربوا من الشر العظيم وهو النار.\nالنوع الرابع: أن يعمل بطاعة الله مخلصًا في ذلك لله وحده لا شريك له، لكنه على عمل يكفره كفرًا يخرجه عن الإسلام مثل اليهود والنصارى إذا عبدوا الله أو تصدقوا أو صاموا ابتغاء وجه الله والدار الآخرة، ومثل كثير من هذه الأمة الذين فيهم كفر أو شرك أكبر يخرجهم من الإسلام بالكلية إذا أطاعوا الله طاعة خالصة، يريدون بها ثواب الله في الدار الآخرة، لكنهم على أعمال تخرجهم من الإسلام وتمنع قبول أعمالهم فهذا النوع أيضا قد ذكر في هذه الآية عن أنس بن مالك وغيره. وكان السلف يخافون منها، قال بعضهم: لو أعلم أن الله تقبل مني سجدة واحدة لتمنيت الموت، لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] \" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-72>١).\n\n١٢ - الاسترقاء</span>\nهو طلب الرقية. وسيأتي الكلام عنه في باب (الرقى).\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٥٤٠، ٥٤١.","vol":"1","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>١٣ - الْاِسْتِسْقَاءُ بالْأنوَاءِ </span>*\nالاستسقاء لغة: طلب السقيا ومجيء المطر.\nوالنوء: سقوط نجم من النازل في المغرب مع الفجر وطلوع رقيبه من المشرق يقابله من ساعته (^١). والنوء جمعه أنواء.\nقال ابن الأثير: \"ناء. يَنُوء نوءًا: أي نهض وطلع\" (^٢).\nوفي قول الرسول - ﷺ -: \"ولا نوء\" يقول الإمام البغوي: \"أراد به ما كانت العرب تنسب المطر إلى أنواء الكواكب الثمانية والعشرين التي هي منازل القمر، وتقول: مطرنا بنوء كذا، فأبطل الشرع أن يكون بنوء النجم شيء إلا بإذن الله، كما أخبر الرسول - ﷺ - عن ربه - ﷿ - قال: \"من قال: مطرنا بفضل الله وبرحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب، ومن قال: مطرنا بنوء كذا، فذلك كافر بي، مؤمن بالكواكب\"\" (^٣).\nوقال النووي: \"وأما النوء ففيه كلام طويل قد لخصه الشيخ أبو عمرو بن الصلاح - رحمه الله تعالى - فقال: النوء في أصله ليس هو نفس الكوكب، فإنه مصدر\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ١٦/ ٢٨٣، ٢٨٦، ٢٩١. شَرحُ السُنَّةِ للبَغوي ١٢/ ١٧٤. الاستذكار لابن عبد البر ٧/ ١٥٣، ١٥٩. تيسير العزيز الحميد ص ٤٥٧. فتح المجيد ص ٣٦٧. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٢٢٩. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٣٢. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ١١٥ ط ٢ - ٢/ ١٤١ ومن المجموع ١٠/ ٥٩٧. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٢/ ١٩٢. شرح مسائل الجاهلية ص ١٣٣. معارج القبول ٢/ ٣١٣. منهج الشافعي في إثبات العقيدة ص ٢٧٨. شرح مسائل الجاهلية للسعيد ٢/ ٦٧٢. الإمام الخطابي ومنهجه في العقيدة - العلوي ص ٢٧٥. منهج ابن حجر في العقيدة ص ١٠٨٢. عقيدة الإمام ابن عبد البر للغصن ص ٢١٣.\n(^١) الصحاح ١/ ٧٩.\n(^٢) النهاية ٥/ ١٢٢.\n(^٣) شَرحُ السُّنَّةِ للبَغوي: ١٢/ ١٧٤.","vol":"1","page":83},{"text":"ناء النجم ينوء نوءا، أي سقط وغاب، وقيل: أي نهض وطلع.\nوبيان ذلك: أن ثمانية وعشرين نجمًا معروفة المطالع في أزمنة السنة كلها، وهي المعروفة بمنازل القمر الثمانية والعشرين، يسقط في كل ثلاث عشرة ليلة منها نجم في المغرب مع طلوع الفجر، ويطلع آخر يقابله في المشرق من ساعته.\nوكان أهل الجاهلية إذا كان عِنْدَ ذلك مطر ينسبونه إلى الساقط الغارب منهما، وقال الأصمعي: \"إلى الطالع منهما\"، قال أبو عبيد: \"ولم أسمع أحدا ينسب النوء للسقوط إلا في هذا الموضع، ثم إن النجم نفسه قد يسمى نوءا تسمية للفاعل بالمصدر\". وقال أبو إسحاق الزجّاج في بعض أماليه: \"الساقطة في المغرب هي الأنواء والطالعة في المشرق هي البوارج\"\" (^١).\nقال ابن الأثير: \"وإنما يسمى نوءًا لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناءَ الطالعُ بالمشرق. وقيل: أراد بالنوء الغروب وهو من الأضداد\" (^٢).\nقال أبو بكر الرازي: \"وكانت العرب تضيف الأمطار والرياح والحر والبرد إلى الساقط منها. وقيل إلى الطالع منها لأنها في سلطانه\" (^٣).\nوالخلاصة أن الاستسقاء بالأنواء: يراد به نسبة الحوادث إليها نسبة إيجاد أو جعلها سببا لوجود الحوادث كالمطر والرياح والحر والبرد. والنسبة قد تكون إلى طلوع النجم أو غروبه على ما كانت الجاهلية تعتقده.\n* الدليل من الكتاب: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ [الواقعة: ٨٢] (^٤).\nجاء عن علي - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \" ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ قال:\n_________\n(^١) شرح النووي على صحيح مسلم ٢/ ٦٠ - ٦٣ بتصرف.\n(^٢) النهاية ٥/ ١٢٢.\n(^٣) مختار الصحاح باب (ن وء) ٦٨٤.\n(^٤) وهذه الآية نزلت في الذين يقولون مطرنا بنوء كذا ولا ينسبونه إلى الله تعالى روي ذلك عن علي وقتادة والضحاك وهو قول جمهور المفسرين.","vol":"1","page":84},{"text":"شكركم تقولون: مُطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا وكذا\" (^١).\n* الدليل من السنة: عَنْ زيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ صَلَّى بنَا رَسُولُ الله - ﷺ - صَلاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنْ اللَّيْلَةِ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: \"هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ \" قَالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: \"أصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ (^٢) فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ الله وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ وَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَب\" (^٣).\nجاء في صحيح مسلم عن ابن عَبَّاسٍ قال: مطر الناس على عهد النبي - ﷺ -، فقال النبي - ﷺ -: \"أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر، قالوا: هذه رحمة الله، وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا\"، قال فنزلت هذه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] حتى بلغ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] (^٤).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا عدوى ولا هامة ولا نوء ولا صفر\" (^٥).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن الله - ﷿ - ليبيت القوم بالنعمة ثم يصبحون وأكثرهم كافرون يقولون مطرنا بنجم كذا كذا\" (^٦).\nوعن أبي أمامة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن أخوف ما أخاف على أمتي في آخر زمانها النجوم وتكذيب بالقدر وحيف السلطان\" (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٢٩٥) وأحمد (٦٧٧).\n(^٢) قال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"المراد بالكفر هنا هو الأصغر بنسبة ذلك إلى غير الله وكفران نعمته، وإن كان يعتقد أن الله تعالى هو الخالق للمطر المنزل له بدليل قوله في الحديث فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته إلى آخره، فلو كان المراد هو الأكبر، لقال: أنزل علينا المطر نوء كذا، فأتى بباء السببية ليدل على أنهم نسبوا وجود المطر إلى ما اعتقدوه سببًا\" تيسير العزيز الحميد ٤٦٣.\n(^٣) أخرجه البخاري (١٠٣٨) ومسلم (٧١).\n(^٤) أخرجه مسلم (٧٣).\n(^٥) أخرجه مسلم (٢٢٢٠).\n(^٦) أخرجه أحمد (١٠٨١٣) والبيهقي ٣/ ٣٥٩.\n(^٧) أخرجه الطبراني في الكبير انظر مجمع الزوائد (٧/ ٢٠٣) والسلسلة الصحيحة (١١٢٧).","vol":"1","page":85},{"text":"وعن أبي مالك الأشعري - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب (^١)، والطعن في الأنساب (^٢)، والاستسقاء بالنجوم والنياحة\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-74> حكم الاستسقاء بالأنواء:</span>\nينقسم إلى قسمين:\nالأول: أن ينسب حصول الأمطار إلى هذه الأنواء وهو من باب نسبة الفعل للكوكب وادعاء أنه هو الذي ينشئ السحاب ويأتي بالمطر وهذا كفر أكبر (^٤) وكذلك من اعتقد أنها فاعلة له وحدها بما جعل الله فيها من القدرة على ذلك ثم تركها فهو كافر أيضًا؛ لأن الخلق والأمر لله وحده.\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"ما هو كفر بإجماع المسلمين وهو القول بأن الموجودات في العالم السفلي مركبة على تأثير الكواكب والروحانيات وأن الكواكب فاعلة مختارة وهذا كفر بإجماع المسلمين\" (^٥).\nالثاني: أن يعتقد أن هذه الأنواء سببًا والله هو الخالق الفاعل وهذا شرك أصغر لأن كل من اعتقد سببًا لم يجعله الله سببًا لا بوحيه ولا بقدره فهو مشرك شركا أصغر (^٦).\nقال ابن عثيمين - ﵀ -: \"نسبة المطر إلى النوء تنقسم إلى ثلاثة أقسام:\nأولًا: نسبة إيجاد وهذا شرك أكبر.\nثانيًا: نسبة سبب وهذه شرك أصغر.\n_________\n(^١) وذلك على وجه التكبر والرفعة.\n(^٢) الطعن: العيب والتنقص والنسب المقصود به أهل الإنسان وقرابته والمراد الوقوع فيه بالذم والعيب.\n(^٣) أخرجه مسلم (٩٣٤).\n(^٤) انظر: القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ١١٦ ومن المجموع ١٠/ ٥٩٧.\n(^٥) تيسير العزيز الحميد ٤٤٧.\n(^٦) انظر في ذلك: التمهيد ١٦/ ٢٨٦ وفتح الباري لابن رجب ٦/ ٣٣٧ والفتح لابن حجر ٢/ ٦٠٨ وشرح النووي ٢/ ٦٠. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ١١٦ ومن المجموع ١٠/ ٥٩٨.","vol":"1","page":86},{"text":"ثالثًا: نسبة وقت وهذه جائزة بأن يريد بقوله مطرنا بنوء كذا أي جاءنا المطر في هذا النوء أي في وقته.\nولهذا قال العلماء: يحرم أن يقول \"مطرنا بنوء كذا\"، ويجوز \"مطرنا في نوء كذا\"، وفرقوا بينهما أن \"الباء\" للسببية و\"في\" للظرفية ... والحاصل أن الأقرب المنع ولو قصد الظرفية، لكن إذا كان المتكلم لا يعرف من الباء إلا الظرفية مُطلقا، ولا يظن أنها تأتي سببية، فهذا جائز، ومع ذلك فالأولى أن يُقال لهم: قولوا: في نوء كذا\" (^١).\nوقال الشافعي: \"من قال مطرنا بنوء كذا على معنى مطرنا في وقت كذا، فلا يكون كفرا، وغيره من الكلام أحب إليّ منه\" (^٢).\nقال في جامع الأصول: \"وإنما غلّظ النبي - ﷺ - في أمر الأنواء؛ لأن العرب كانت تنسب المطر إليها. فأما من جعل المطر من فعل الله - ﵁ - وأراد بقوله: \"مطرنا بنوء كذا\". أي: في وقت كذا، وهو هذا النوء الفلاني. فإن ذلك جائز\" (^٣) فهذه نسبة وقت جائزة.\nقال ابن الأثير: \"أي أن الله قد أجرى العادة أن يأتي المطر في هذه الأوقات\" (^٤).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-75> تنبيهات:</span>\nالأول: التغييرات الجوية مثل الحر والبرد وهبوب الرياح حكمها حكم نزول المطر الحكم واحد يجري عليها الأقسام التي ذكرنا.\nالثاني: قال الشيخ ابن عثيمين: \"يذكر في بعض كتب التوقيت \"وقل أن يخلف نوؤه\" أو \"هذا نوؤه صادق\" وهذا لا يجوز، وهو الذي أنكره الله - ﷿ - على عباده، وهذا شرك أصغر\" (^٥).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٦١٠، ٦١١. وانظر القول المفيد ط ١ - ٢/ ١٢٨.\n(^٢) انظر: الفتح ٢/ ٢٠٨. وانظر التيسير ٤٦٤.\n(^٣) جامع الأصول ٧/ ٦٣٩. وهو موجود في النهاية لابن الأثير ٥/ ١٢٢.\n(^٤) النهاية ٥/ ١٢٢.\n(^٥) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٦١١. وانظر القول المفيد ط ١ - ٢/ ١٢٩.","vol":"1","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>١٤ - الاستشفاع بالله على خلقه </span>*\nتعريفه لغة: استشفع استشفاعًا بالشيء أي جعله شافعًا له والاستشفاع مأخوذ من الشفاعة وهي التوسط للغير بجلب منفعة له أو دفع مضرة عنه.\n* الدليل من السنة: عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: أَتَى رَسُولَ الله - ﷺ - أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله جُهدَتْ الأَنْفُسُ وَضَاعَتْ الْعِيَالُ وَنُهِكَتْ الأَمْوَالُ وَهَلَكَتْ الأَنْعَامُ فَاسْتَسْقِ اللهَ لَنَا، فَإِنَّا نَسْتَشْفِعُ بِكَ عَلَى الله، وَنَسْتَشْفِعُ بِالله عَلَيْكَ. قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"ويحَكَ أَتَدْرِي مَا تَقُولُ\" وَسَبَّحَ رَسُولُ الله - ﷺ - فَمَا زَالَ يُسَبِّحُ حَتَّى عُرِفَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ قَالَ: \"وَيْحَكَ، إِنَّهُ لا يُسْتَشْفَعُ بِالله عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ شَأْنُ الله أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، وَيْحَكَ أَتَدْرِي مَا الله؟ إِنَّ عَرْشَهُ عَلَى سَمَاوَاتِهِ لَهَكَذَا\" وَقَالَ بِأَصَابعِهِ مِثْلَ الْقُبَّةِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَيَئطُّ بِهِ أَطِيطَ الرَّحْل بِالرَّاكِبِ (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-77> أقوال العلماء:</span>\nقال السعدي - ﵀ -: \"وأما الاستشفاع بالله على خلقه فهو تعالى أعظم شأنًا من أن يتوسل به إلى خلقه. لأن رتبة المتوسَّل به غالبا دون رتبة المتوسَّل إليه. وذلك من سوء الأدب مع الله. فيتعين تركه. فإن الشفعاء لا يشفعون عِنْدَه إلا بإذنه\" (^٢).\nوقال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -: \"الاستشفاع بالله على خلقه تنقص لله - ﷿ - لأنه جعل مرتبة الله أدنى من مرتبة المشفوع إليه. إذ لو كان أعلى مرتبة ما احتاج أن\n_________\n* فتح المجيد ص ٦٠٥. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٣٩٠. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٥٢. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٣/ ٢٦٩ ط ٢ - ٣/ ٣٣٨ ومن المجموع ١٠/ ١٠٩٤. الدين الخالص لصديق القنوجي ٢/ ١٧١.\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٧٢٦)، والطبراني في الكبير (١٥٤٧).\n(^٢) القول السديد ١٥٣.","vol":"1","page":88},{"text":"يشفع عنده بل يأمره أمرًا والله - ﷿ - لا يشفع لأحد من خلقه إلى أحد لأنه أجل وأعظم من أن يكون شافعًا؛ ولهذا أنكر النبي - ﷺ - ذلك على الأعرابي، وهذا وجه وضع هذا الباب في كتاب التوحيد\" (^١).\n* فائدة: الذي أنكره الرسول - ﷺ - من الأعرابي قوله: \"نستشفع بالله عليك\" ومعناها أي نجعله واسطة بيننا وبينك كأنه قال: نطلب من الله أن يتوسط لنا عِنْدَ الرسول - ﷺ - وهذا يقتضي أنه جعل مرتبة الله في مرتبة أدنى من مرتبة الرسول - ﷺ -، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.\nأما قوله: \"إنا نستشفع بك على الله\" فمعناه صحيح أي نطلب منك أن تكون شافعًا لنا عِنْدَ الله فتدعو الله لنا.\nقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن - ﵀ -: \"وأما الاستشفاع بالرسول - ﷺ - في حياته فالمراد به استجلاب دعائه، وليس خاصا به - ﷺ -، بل كل حي صالح يُرجى أن يُستجاب له فلا بأس أن يُطلب منه أن يدعو للسائل بالمطالب الخاصة والعامة، كما قال النبي - ﷺ - لعمر لما أراد أن يعتمر من المدينة: \"لا تنسنا يا أخي من صالح دعائك\" (^٢). وأما الميت فإنه يشرع في حقه الدعاء له على جنازته وعلى قبره وفي غير ذلك. وهذا هو الذي يشرع في حق الميت. وأما دعاؤه فلم يشرع، بل قد دل الكتاب والسنة على النهي عنه والوعيد عليه، كما قال تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ١٠٩٤. وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ٢٧٣، ٢٧٠.\n(^٢) أخرجه أبو داود في السنن (١٤٩٨)، والترمذي في الجامع (٣٥٥٧) وقال: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"1","page":89},{"text":"بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر: ١٣، ١٤] فبين الله تعالى أن دعاء من لا يسمع ولا يستجيب شرك يكفر به المدعو يوم القيامة\" (^١).\nوقال ابن عثيمين - ﵀ -: \"فإن قيل أليس قد قال النبي - ﷺ -: \"من سأل بالله فأعطوه\". وهذا دليل على جواز السؤال بالله؛ إذ لولم يكن السؤال بالله جائزًا لَم يكن إعطاء السائل واجبًا؟\nوالجواب أن يقال: إن السؤال بالله لا يقتضي أن تكون مرتبة المسؤول به أدنى من مرتبة المسؤول بخلاف الاستشفاع، بل يدل على أن مرتبة المسؤول به عظيمة بحيث إذا سئل به أعطي.\nعلى أن بعض العلماء قال: \"من سألكم بالله\" أي: من سألكم سؤالا بمقتضى شريعة الله فأعطوه، وليس المعنى من قال: أسألك بالله.\nوالمعنى الأول أصح، وقد ورد مثله في قول الملك: \"أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن\"\" (^٢).\n_________\n(^١) فتح المجيد ص ٦٠٧، ٦٠٨.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ١٠٩٩. وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ٢٧٣.","vol":"1","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>١٥ - الاستعاذة </span>*\nلغة: الالتجاء والاعتصام والتحرز وحقيقتها الهرب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه. والعياذ بالله لرفع المكروه واللياذ: لطلب المحبوب قال الشاعر:\nيا من ألوذ به فيما أؤمله ... ومن أعوذ به فيما أحاذره\nلا يجبر الناس عظما أنت كاسره ... ولا يهيضون عظما أنت جابره (^١)\nشرعًا: قال ابن كثير: \"الاستعاذة هي الالتجاء إلى الله والالتصاق بجنابه من شر كل ذي شر، والعياذ يكون لدفع الشر، واللياذ لطلب الخير\" (^٢).\nوقال ابن القيم بعد أن أوضح معناها وأصل اشتقاقها: \"وبعد فمعنى الاستعاذة القائم بقلبه وراء هذه العبارات وإنما هي تمثيل وإشارة وتفهيم، وإلا فما يقوم بالقلب من الالتجاء إلى الله والاعتصام به والانطراح بين يدي الرب والافتقار إليه والتذلل لديه أمر لا تحيط به العبارة\" (^٣) فالاستعاذة بالله عبادة لأنه وحده الذي يُحرِّزُ (^٤) عبده\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ٢١/ ٢٤١، ٢٣/ ٢٩٥، ٢٤/ ١٨٦ شَرحُ السُّنَّةِ للبغوى ٥/ ١٥٥. اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٧٨٨، ٧٩٠. الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١/ ٨٩. مصنف عبد الرزاق ٥/ ٧٣، الاستذكار لابن عبد البر ٢٧/ ٩٢. تيسير العزيز الحميد ص ٢١١. فتح المجيد ص ١٨٧. حاشية التوحيد لابن قاسم ص ١١٠. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٢٢. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ٢٥١ ط ٢ - ١/ ٣٢٣ ومن المجموع ٩/ ٢٤٤. شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٥٩. فتاوى اللجنة ١/ ١٠٨. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٢/ ٢٦٢. الشيخ السعدي وجهوده في توضيح العقيدة للعباد ١٩٠.\n(^١) انظر تيسير العزيز الحميد ٢١١، حاشية ثلاثة الأصول لابن قاسم ٤٢. ومجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٢٤٤، ٢٤٥، ١٠/ ٨٠٤. وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ٢٥٢، البيت للمتنبي.\n(^٢) تيسير العزيز الحميد ص ٢١١، وفتح المجيد ص ٢٩٥.\n(^٣) بدائع الفوائد ٢/ ٢٠٠.\n(^٤) الحِرْز: الموضع الحصين يقال: هذا حِرْزٌ، ويسمى: التعويذ من كذا وتحرز منه أي توقاه انظر مختار الصحاح (ح ر ز).","vol":"1","page":91},{"text":"من الشرور كلها فصرفها لله إيمان وتوحيد وصرفها لغيره شرك به سبحانه.\n* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١]. وقال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١]، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦]، وقال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٦].\n* الدليل من السنة: وعن خَوْلَةَ بِنْتَ حَكِيمٍ قالت: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: \"مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بكَلِمَاتِ الله التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ\" (^١).\nومن الأحاديث دعاء دخول المسجد: \"أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>حكم الاستعاذة:</span>\n* العبادة يجب أن تكون لله وحده وصرفها لغير الله شرك، وهذه قاعدة يجب أن نستحضرها في جميع العبادات.\nقال شيخ الإسلام - ﵀ -: \"فالعبادة والاستعانة وما يدخل في ذلك من الدعاء والاستغاثة والخشية والرجاء والإنابة والتوكل والتوبة والاستغفار كل هذا لله وحده لا شريك له فالعبادة متعلقة بألوهيته والاستعانة متعلقة بربوبيته، والله رب العالمين لا إله إلا هو، ولا رب لنا غيره لا ملك ولا نبي ولا غيره\" (^٣).\nوقد أمر الله بصرف جميع أنوع العبادات له فقال - ﷿ -: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٧٠٨).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٦٦).\n(^٣) مجموع الفتاوى ١/ ٧٤.","vol":"1","page":92},{"text":"الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\nوقال ابن كثير رحمه الله تعالى: \"ومضمونه أنه الخالق الرزاق مالك الدار وساكنيها ورازقهم فبهذا يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك به غيره\" (^١).\nقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: \"وأنواع العبادة التي أمر الله بها: مثل الإسلام، والإيمان، والإحسان؛ ومنه الدعاء، والخوف، والرجاء، والتوكل، والرغبة، والرهبة، والخشوع، والخشية، والإنابة، والاستعانة، والاستعاذة، والذبح، والنذر، وغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها كلها لله تعالى والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾.\nفمن صرف شيئًا منها لغير الله فهو مشرك كافر والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ \" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-80> والاستعاذة بالمخلوق على قسمين:</span>\nالقسم الأول: الاستعاذة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله أو الاستعاذة بأصحاب القبور والموتى والغائبين أو الحجر أو الصنم فهذا شرك أكبر مخرج من الملة.\nقال ابن عثيمين - ﵀ -: \"أما الاستعاذة بالمخلوق؛ ففيها تفصيل، فإن كان المخلوق لا يقدر عليه؛ فهي من الشرك، قال شيخ الإسلام ابن تيميه: \"لا يجوز الاستعاذة بالمخلوق عند أحد من الأئمة\" (^٣)، وهذا ليس على إطلاقه، بل مرادهم مما لا يقدر عليه\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير لسورة البقرة، الآيتين: ٢٠ - ٢١.\n(^٢) ثلاثة الأصول مع الحاشية لابن قاسم، ص ٣٤، ٣٥.\n(^٣) اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٧٩٧.","vol":"1","page":93},{"text":"إلا الله؛ لأنه لا يعصمك من الشر الذي لا يقدر عليه إلا الله؛ سوى الله\" (^١).\nويدخل في ذلك الاستعاذة بالجن قال ابن أبي العز الحنفي: \"ولا يجوز الاستعاذة بالجن، فقد ذم الله الكافرين على ذلك، فقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦]. قالوا: كان الإنسي إذا نزل بالوادي يقول: أعوذ بعظيم هذا الوادي من سفهائه، فيبيت في أمن وجوار حتى يصبح ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ يعني الإنسي للجن، باستعاذتهم بهم، رهقًا: أي إثمًا وطغيانًا وخسرانًا وشرًا، وذلك أنهم قالوا: قد سدنا الجن والإنس فالجن تعاظم في أنفسها وتزداد كفرًا إذا عاملتها الإنس بهذه المعاملة. وقد قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤١،٤٠]. فهؤلاء الذين يزعمون أنهم يدعون الملائكة ويخاطبونهم بهذه العزائم، وأنها تنزل عليهم ضالون، وإنما ينزل عليهم الشياطين\" (^٢).\n* القسم الثاني: الاستعاذة بالمخلوق الحي الحاضر القادر.\nقال ابن باز: فلا بأس به كما تقول لرجل: أعوذ بك من غلامك أو ابنك وهو مقتضى الأحاديث الواردة في صحيح مسلم لما ذكر النبي - ﷺ - الفتن قال: \"فمن وجد من ذلك ملجأ فليعذ به\" (^٣). وفي الصحيح عن جابر بن عبد الله أن امرأة من\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٢٤٩، ٢٥٠. وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ٣٣٠.\n(^٢) شرح الطحاوية ص ٤٥٣ تحقيق أحمد شاكر.\n(^٣) شرح الشيخ على كتاب التوحيد، شرح مسموع. والحديث أخرجه الشيخان عن أبي هريرة - ﵁ - ونص الحديث هو: \"ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، ومن تشرف لها تتشرفه، ومن وجد ملجأ أو معاذًا فليعذ به\" البخاري (٣٦٠١) ومسلم (٢٨٨٦).","vol":"1","page":94},{"text":"بني مخزوم سرقت فأتي بها إلى النبي - ﷺ - فعاذت بأم سلمة زوج النبي - ﷺ - فقال النبي - ﷺ -: \"لو كانت فاطمة لقطعت يدها\" فقطعت (^١).\nقال ابن عثيمين - ﵀ -: \"وهذا هو مقتضى النظر، فإذا اعترضني قطاع طريق، فعذت بإنسان يستطيع أن يخلصني منهم، فلا شيء فيه.\nلكن تعليق القلب بالمخلوق لا شك أنه من الشرك، فإذا علقت قلبك ورجاءك وخوفك وجميع أمورك بشخص معين، وجعلته ملجأ؛ فهذا شرك؛ لأن هذا لا يكون إلا لله\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-81> أحكام وفوائد:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-82> الاستعاذة المشروعة والممنوعة خمسة أنواع:</span>\nفالأول والثاني: الاستعاذة بالله وبصفة من صفاته ككلامه وعظمته وعزته فهذا أمر مطلوب رغَّب فيه الشارع.\nالثالث: الاستعاذة بالحي الحاضر القادر وهذه جائزة.\nالرابع: الاستعاذة بالأموات والغائبين فهذا شرك والعياذ بالله (^٣).\nالخامس: الاستعاذة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله فإنه شرك والعياذ بالله.\n* بعض العلماء قال: إن الاستعاذة عبادة خاصة بالله يجوز صرفها للمخلوق مطلقًا. قال ابنُ تَيمِيَّةَ: \"والاستعاذة لا تصح بمخلوق كما نص عليه الإمام أحمد وغيره من الأئمة\" (^٤). وقد تقدم أن هذا ليس على إطلاقه، بل مرادهم مما لا يقدر عليه إلا الله.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٦٨٩).\n(^٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٢٥٠. وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ٢٥٧.\n(^٣) ينظر للاستزادة شرح الأصول الثلاثة لابن عثيمين من مجموع الفتاوى ٦/ ٥٩ - ٦٠.\n(^٤) اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٧٩٧.","vol":"1","page":95},{"text":"وكذلك قال البخاري في خلق أفعال العباد (^١)؛ ودليلهم أن الاستعاذة عبادة وذكر بعض العلماء الإجماع على أنه لا يجوز الاستعاذة بغير الله (^٢)، فإن كان المراد من كلامهم منع الاستعاذة بالمخلوق مطلقًا. فالصحيح ما تقدم من جواز الاستعاذة بالمخلوق فيما يقدر عليه، أما ما ذكر من إجماع العلماء فمحمول على أن يفعل على وجه التعبد أو أن يكون المستعاذ منه لا يقدر على دفعه إلا الله، أو أن تكون الاستعاذة بأصحاب القبور ونحوه (^٣). ولكن يراعى ما يقوم في قلب العبد من الاضطرار لهذا المستعاذ به وتعلق قلبه به، قال الشيخ ابن عثيمين: \"لكن تعليق القلب بالمخلوق لا شك أنه من الشرك، فإذا علقت قلبك ورجاءك وخوفك وجميع أمورك بشخص معين، وجعلته ملجأ؛ فهذا شرك، لأن هذا لا يكون إلا لله\" (^٤).\nقال الشيخ صالح آل الشيخ - حفظه الله -: \"لكن هل مقصوده بقوله: \"باب من الشرك الاستعاذة بغير الله\" (^٥) شمول هذا الحكم على فاعله بالشرك، لكل أنواع الاستعاذة، ولو كان فيما يقدر عليه المخلوق؟ والجواب: أن هذا فيه تفصيل، فمن العلماء من يقول: الاستعاذة لا تصلح إلا بالله، وليس ثم استعاذة بمخلوق فيما يقدر عليه؛ لأن الاستعاذة توجه القلب، واعتصامه، والتجاؤه، ورغبه، وهذه المعاني جميعًا لا تصلح إلا لله - جل وعلا -.\nوقال آخرون: قد جاءت أدلة بأنه يستعاذ بالمخلوق فيما يقدر عليه؛ لأن حقيقة الاستعاذة: طلب انكفاف الشر، وطلب العياذ، وهو: أن يستعيذ من شر أحْدَقَ به،\n_________\n(^١) خلق أفعال العباد ص ٨٩.\n(^٢) فتح المجيد ص ١٨٨.\n(^٣) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٢٤٩، ٢٥٠. وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ٣٣٠. وانظر للاستزادة: الاقتضاء ٢/ ٧٩٧، ومجموع فتاوى ابنِ تَيمِيَّةَ ١/ ٣٣٦، وقرة عيون الموحدين ص ٨١.\n(^٤) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٢٥٠.\n(^٥) يقصد به الباب الثالث عشر من كتاب الشيخ محمد بن عبد الوهاب - ﵀ -.","vol":"1","page":96},{"text":"وإذا كان كذلك: فقد يملك المخلوق شيئًا من ذلك، وعلى هذا فتكون الاستعاذة بغير الله شركًا أكبر، إذا كان ذلك المخلوق لا يقدر على أن يعيذ، أو طُلِبتْ منه الإعاذة فيما لا يقدر عليه إلا الله.\nوالذي يظهر أن المقام - كما سبق - فيه تفصيل، وهو: أن الاستعاذة فيها عمل ظاهر، وفيها عمل باطن، فالعمل الظاهر: أن يطلب العوذ، وأن يطلب العياذ، وهو أن يُعصم من هذا الشر، أو أن ينجو من هذا الشر، وفيها - أيضًا - عمل باطن وهو: توجه القلب وسكينته، واضطراره، وحاجته إلى هذا المستعاذ به، واعتصامه بهذا المستعاذ به، وتفويض أمر نجاته إليه.\nفإذا كانت الاستعاذة تجمع هذين النوعين فيصح أن يُقال: إن الاستعاذة لا تصلح إلا بالله، لأن منهما ما هو عملي قلبي - كما تقدم - وهو - بالإجماع - لا يصلح التوجه به إلا لله. وإذا قصد بالاستعاذة العمل الظاهر - فقط - وهو طلب العياذ والملجأ، فيجوز أن يتوجه بها إلى المخلوق، وعلى هذا يحمل الدليل الوارد في جوازها\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-83> حكم قول أعوذ بالله وبكـ أو ثم بكـ:</span>\nقال ابن عثيمين: \"وقوله أعوذ بالله وبك هذا محرم؛ لأنه جمع بين الله والمخلوق بحرف يقتضي التسوية وهو الواو.\nويجوز \"بالله ثم بك\" لأن ثم تدل على الترتيب والتراخي.\nفإن قيل: سبق أن من الشرك الاستعاذة بغير الله، وعلى هذا يكون قوله: \"أعوذ بالله ثم بك\" محرمًا.\nأجيب: أن الاستعاذة بمن يقدر على أن يعيذك جائزة، لقوله - ﷺ - في صحيح\n_________\n(^١) التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص ١٦٩، ١٧٠.","vol":"1","page":97},{"text":"مسلم وغيره: \"من وجد ملجأ فليعذ به\". لكن لو قال أعوذ بالله ثم بفلان وهو ميت فهذا شرك أكبر لأنه لا يقدر على أن يعيذك\" (^١).\n* في الحديث قوله: \"أعوذ بكلمات الله\" وكلمات الله من صفاته فكلام الله صفة غير مخلوق فيستعاذ بالصفة كالاستعاذة بالأسماء ومثله \"أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك ... \"، ومثله حديث \"أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر\" فيجوز الاستعاذة بها كما يجوز القسم بها.\nقال ابنُ تَيمِيَّةَ في كتاب الفرقان: \"وكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر هي التي كون بها الكائنات فلا يخرج بر ولا فاجر عن تكوينه ومشيئته وقدرته، وأما كلماته الدينية وهي كتبه المنزلة وما فيها من أمره ونهيه فأطاعها الأبرار وعصاها الفجار\" (^٢).\nوقال ابن باز: \"الكلمات معناها: أي كلمات الله النافذة الكونية التي لا راد لها. وقال بعض السلف المراد بالكلمات: الشرعية وكلمات القرآن لأنها كلمات عظيمة شريفة وهي كلام الله وكل هذا حق وكلها وصف له سبحانه فكلامه الكوني نافذ وكلامه الشرعي أفضل الكلام\" (^٣).\n* تجب إعاذة من استعاذ بالله تعظيمًا له جل شأنه، وقد جاء في الحديث: \"من استعاذكم بالله فأعيذوه\" قال في عون المعبود: (\"من استعاذكم بالله\" أي: طلب الإعاذة مستعيذًا بالله من ضرورة أو جائحة حلت به أو ظلم ناله أو تجاوز عن جناية (فأعيذوه) أي: أعينوه وأجيبوه فإن إغاثة الملهوف فرض) (^٤).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٨٠٤، ٨٠٥. وانظر القول المفيد ط ١ - ٢/ ٣٣٣.\n(^٢) الفرقان بين أولياء الرحمان وأولياء الشيطان ص ١٥٠.\n(^٣) من شرح الشيخ على كتاب التوحيد.\n(^٤) عون المعبود ١٤/ ١٢، وانظر باب (السؤال بالله).","vol":"1","page":98},{"text":"وقال في فتاوى اللجنة: \"هذا إذا كان المستعيذ لا يلزمه ما استعاذ منه، أما إن كان يلزمه ما استعاذ منه كالدين وحق الزوج والقصاص ونحو ذلك لم تجب إعاذته، والواجب عليه أداء الحق عليه إلا أن يسمح خصمه عن حقه، جمعًا بين الأدلة\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-84> الفرق بين الاستعاذة والدعاء:</span>\nاستعاذ واستغاث على وزن استفعل، ومادة استفعل تأتي في الغالب للطلب فمادة استعاذ واستغاث واستعان واستسقى وما شابهها فيها دعاء لأنه طلب من الأدنى للأعلى. والدعاء من أنواع الطلب وهذا ظاهر في دلالة اللغة أما دلالة الشرع فالاستعاذة طلب العوذ وهو الدعاء المشتمل على ذلك والاستغاثة طلب الغوث وهو الدعاء المشتمل على ذلك فتبين أن الاستعاذة من أنواع الدعاء.\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"كالدعاء فإن الاستعاذة من أنواعه\" (^٢).\nوقال ابنُ تَيمِيَّةَ: \"فالاستعاذة والاستخارة والاستغاثة كلها من نوع الدعاء والطلب\" (^٣).\n_________\n(^١) فتاوى اللجنة ١/ ١٠٨.\n(^٢) التيسير ٢١٢.\n(^٣) الرد على البكري ٢٩٠.","vol":"1","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>١٦ - الاستعانة </span>*\nتعريفه لغة: استعان أصلها من عون، والعونُ: المعاونةُ والمظاهرةُ يقال فلان عَوني: أي مُعِيني.\nوالاستعانة شرعًا: طلبُ العون (^١)، والاستعانة بالله عبادة بل أجل العبادات وهي تجمع أصلين: الثقة بالله، والاعتماد عليه.\nقال شيخ الإسلام: \"تأملت أنفع الدعاء فإذا هو سؤال الله العون على مرضاته ثم رأيته في الفاتحة قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥] \" (^٢).\n* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾.\n* الدليل من السنة: عَنْ ابْنَ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ لِي: \"يَا غُلامُ إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا احْفَظْ الله يَحْفَظْكَ، احْفَظْ الله تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ الله، وَإِذا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِالله فَقَدْ رُفِعَتْ الأَقْلامُ وَجَفَّتْ الْكُتُبُ، فَلَوْ جَاءَتْ الأُمَّةُ يَنْفَعُونَكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ الله - ﷿ - لَكَ لَمَا اسْتَطَاعَتْ وَلَوْ أَرَادَتْ أَنْ تَضُرَّكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتبهُ الله لَكَ مَا اسْتَطَاعَتْ\" (^٣).\n* أقوال العلماء: يقول شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ: \"ولهذا أنكرنا على الشيخ يحيى\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ١٢/ ٣٦، ٨٧، أحكام القرآن القرطبي ٤/ ١٧٩. الآداب الشرعية لابن مفلح ١/ ٢٧٥. تيسير العزيز الحميد ٢١٧. فتح المجيد ١٩٣. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ١١٣. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٣/ ١٣٠، ط ٢ - ١/ ٣٣٥ ومن المجموع ١٠/ ٩٥٥. فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٩٦. مجموع الفتاوى لابن باز ٣/ ١٢٣٧. معارج القبول ١/ ٣٣٥. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ١/ ٣٢٢ - ٢/ ١٧٨ - ٤/ ٥١. نور على الدرب لابن باز ص ١٨٤. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ص ٣٦٣.\n(^١) المفردات للراغب الأصفهاني، مجموع الفتاوى لابنِ تَيمِيَّةَ ١/ ١٠٣.\n(^٢) مدارج السالكين ١/ ٧٣، المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام ١/ ١٧٥.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد (٢٧٦٣) (٢٦٦٩) (٢٨٠٤).","vol":"1","page":100},{"text":"الصرصري ما يقول في قصائده في مدح الرسول - ﷺ - من الاستغاثة به مثل قوله: بك أستغيث، وأستعين، وأستنجد ونحو ذلك. وكذلك ما يفعله كثير من الناس من استنجاد الصالحين والمتشبهين بهم والاستعانة بهم أحياء وأمواتًا فإني أنكرت ذلك في مجالس عامة وخاصة وبينت للناس التوحيد ونفع الله بذلك ما شاء الله من الخاصة والعامة\" (^١).\nوقال: - ﵀ -: \"فالعبادة والاستعانة وما يدخل في ذلك من الدعاء والاستغاثة والخشية والرجاء والإنابة والتوكل والتوبة والاستغفار كل هذا لله وحده لا شريك له، فالعبادة متعلقة بألوهيته، والاستعانة متعلقة بربوبيته، والله رب العالمين لا إله إلا هو ولا رب لنا غيره لا ملك ولا نبي ولا غيره\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-86> حكم الاستعانة بالمخلوق:</span>\nقال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ: \"والمخلوق يطلب منه من هذه الأمور ما يقدر عليه منها\" (^٣).\nقال الشوكاني: \"ولا خلاف أنه يجوز أن يستعان بالمخلوق فيما يقدر عليه من أمور الدنيا كأن يستعين به على أن يحمل معه متاعه\" (^٤).\nوجاء في فتاوى اللجنة الدائمة ما نصه: \"الاستعانة بالحي الحاضر القادر فيما يقدر عليه جائزة\" (^٥)، \"ويمكن الاستعانة بالأحياء من الناس في حدود الأسباب العادية ببذل مال أو شفاعة عِنْدَ ذي سلطان مثلًا، أو إنقاذ من مكروه ونحو ذلك من الوسائل التي هي من طاقة البشر حسب ما هو معتاد ومعروف بينهم، أما ما كان فوق قوى البشر من الأسباب غير العادية فليس ذلك إلى العباد بل هو إلى الله وحده لا شريك له\" (^٦). وجاء فيها أيضًا: \"فالاستعانة بغير الله فيما هو من\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١/ ٧٠، ٧١.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١/ ٧٤.\n(^٣) مجموع الفتاوى ١/ ١٠٢، ١٠٣.\n(^٤) الدر النضيد ١٤.\n(^٥) فتاوى اللجنة ١/ ١٠٤.\n(^٦) فتاوى اللجنة ١/ ١٠٠.","vol":"1","page":101},{"text":"اختصاص الله تعالى نوع من الشرك الأكبر الذي يخرج من فعله من ملة الإسلام وكذا الاستعانة بالأموات أو الاستعانة بالغائبين عن نظر من استعان بهم من ملائكة أو جن أو إنس في جلب نفع أو دفع ضر نوع من الشرك الأكبر الذي لا يغفر الله إلا لمن تاب منه؛ لأن هذا النوع من الاستعانة قربة وعبادة وهي لا تجوز إلا لله خالصة لوجهه الكريم\" (^١).\nوجاء أيضًا: \"إن الاستعانة بالجن واللجوء إليهم في قضاء الحاجات من الإضرار بأحد أو نفعه شرك في العبادة؛ لأنه نوع من الاستمتاع بالجني بإجابته سؤاله وقضائه حوائجه في نظير استمتاع الجني بتعظيم الإنسي له ولجوئه إليه واستعانته به في تحقيق رغبته\" (^٢).\nوجاء في موضع آخر من فتاوى اللجنة: \"إن الاستعانة بالجن والملائكة والاستغاثة بهم لدفع ضر أو جلب نفع أو للتحصن من شر الجن شرك أكبر يخرج من ملة الإسلام والعياذ بالله\" (^٣).\nوقد لخص الشيخ ابن عثيمين - ﵀ - أحكام الاستعانة فقال: \"هي أنواع:\nالأول: الاستعانة بالله وهي: الاستعانة المتضمنة لكمال الذل من العبد لربه، وتفويض الأمر إليه، واعتقاد كفايته وهذه لا تكون إلا لله تعالى ودليلها قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. ووجه الاختصاص أن الله تعالى قدم المعمول ﴿إِيَّاكَ﴾ وقاعدة اللغة العربية التي نزل بها القرآن أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر والاختصاص وعلى هذا يكون صرف هذا النوع لغير الله تعالى شركا مخرجا عن الملة.\nالثاني: الاستعانة بالمخلوق على أمر قادر عليه، فهذه على حسب المستعان عليه فإن كانت على بر فهي جائزة للمستعين مشروعة للمعين لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا\n_________\n(^١) فتاوى اللجنة ١/ ١٠٣.\n(^٢) فتاوى اللجنة ١/ ٩٦.\n(^٣) فتاوى اللجنة ١/ ٧٥.","vol":"1","page":102},{"text":"عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وإن كانت على إثم فهي حرام على المستعين والمعين لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. وإن كانت على مباح فهي جائزة للمستعين والمعين لكن المعين قد يثاب على ذلك ثواب الإحسان إلى الغير ومن ثم تكون في حقه مشروعة لقوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥].\nالثالث: الاستعانة بمخلوق حي حاضر غير قادر فهذه لغو لا طائل تحتها مثل أن يستعين بشخص ضعيف على حمل شيء ثقيل.\nالرابع: الاستعانة بالأموات مطلقا أو بالأحياء على أمر غائب لا يقدرون على مباشرته فهذا شرك لأنه لا يقع إلا من شخص يعتقد أن لهؤلاء تصرفًا خفيًا في الكون.\nالخامس: الاستعانة بالأعمال والأحوال المحبوبة إلى الله تعالى وهذه مشروعة بأمر الله تعالى في قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] \" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>ضابط الاستعانة الشركية:</span>\nإذا كانت الاستعانة بالأموات أو الغائبين أو الأصنام ونحوها أو استعانة بمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله فهي شرك أكبر مخرج من الإسلام. قال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ: \"وأما ما لا يقدر عليه إلا الله فلا يطلب إلا من الله\" (^٢).\nوقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: \"فالاستعانة بغيره فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك في الإلهية والربوبية\" (^٣).\nوقال الشوكاني: \"وأما ما لا يقدر عليه إلا الله ﷿ فلا يستعان فيه إلا به ومنه ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ \" (^٤).\n_________\n(^١) شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٥٨ - ٥٩.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١/ ١٠٤.\n(^٣) بيان ما ألقاه إبليس ٨٨.\n(^٤) الدر النضيد ١٥.","vol":"1","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>١٧ - الاستغاثة </span>*\nفي اللغة: أغاثه إغاثة إذا أعانه ونصره (^١).\nوالاستغاثة شرعًا: طلب الغوث وهو إزالة الشدة (^٢)، أو: طلب العون في حالة الشدة والهلاك (^٣).\n* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ١٧]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف: ٥] وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف: ٥] وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ\n_________\n* اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٦٧٧. الرد على البكري ص ٥٧. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ١/ ١٩١، ٢/ ١٧٦، ٢٧٠. تيسير العزيز الحميد ص ٢١٧. فتح المجيد ص ١٩٣. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ١١٣. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٢٢. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ٢٦١ ط ٢ - ١/ ٣٣٥. المجموع ٩/ ٢٥٣. معارج القبول ١/ ٣٣٥. نور على الدرب لابن باز ص ٦٥. مجموع الفتاوى ابن باز ٣/ ٥٧٥، ٥٨٦. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٢/ ٩٦، ٢٨ - ٧/ ٢٨، ٩٦. أحكام الجنائز ص ٢٦٤. التبرك د ناصر الجديع ص ٣٢٥. الشيخ السعدي وجهوده في توضيح العقيدة للعباد ص ١٩٠. جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية ص ٤٨٣، ٤٩٣، ١٠٤٧، ١٠٩٢، ١١١٥.\n(^١) المصباح المنير (غ وث).\n(^٢) انظر مجموع الفتاوى ١/ ١٠٣، تيسير العزيز الحميد ٢١٧، الدر النضيد ص ٩، وحاشية ثلاثة الأصول ص ٤٣.\n(^٣) انظر: تيسر العزيز الحميد ص ٢١٧.","vol":"1","page":104},{"text":"يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢].\n* الدليل من السنة: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبيُّ - ﷺ - إِذا كَرَبَهُ أَمْرٌ قَالَ: \"يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ\" (^١).\nوعن عبادة بن الصامت قال: قال أبو بكر: قوموا نستغيث برسول الله - ﷺ - من هذا المنافق، فقال رسول الله - ﷺ -: \"إنه لا يُستغاث بي، إنما يستغاث بالله ﷿\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-89> أقوال العلماء:</span>\nقال ابنُ تَيمِيَّةَ ﵀ عن الحديث السابق: \"إنما أراد ألا يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله\" (^٣).\nوقال أيضًا: \"لكن ظاهر لفظ الحديث إن صح يقتضي أنه لم يكن قادرًا على دفع ضرر ذلك المنافق، وأنه أمرهم أن يستغيثوا فيه بالله تعالى\" (^٤).\nوقال أيضًا: \"ولا يلزم تخطئة أبي بكر الصِّدِّيق، فإن الصِّدِّيقَ قد يعتقد عند النبي - ﷺ - في دفع ذلك المنافق بعضَ الأمور التي يقدر عليها البشر، فَبَيَّن له النبي - ﷺ - أنه ليس عنده في دفعه حيلة، بل يستغاث الله في أمره\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٥٢٤).\n(^٢) مجمع الزوائد ١٠/ ١٥٩، وعزاه إلى الطبراني في المعجم الكبير، قال الهيثمي في المجتمع: \"رجاله رجال الصحيح غير ابن لهيعة وهو حسن الحديث\"، وقال أيضًا: \"رواه أحمد وفيه راوٍ لم يسمَّ وابن لهيعة\".\nوالحديث عند الإمام أحمد في المسند (٢٣٠٨٢) بلفظ: \"لا يقام لي، إنما يقام لله ﵎\".\nقال ابن تيمية: \"هذا الخبر لم يذكر للاعتماد عليه، بل ذكر في ضمن غيره ليتبين أن معناه موافق للمعاني المعلومة بالكتاب والسنة، ثم ذكر أن هذا الخبر من النوع الذي يصلح للاعتضاد. انظر تلخيص كتاب الاستغاثة ص ١٥٣، كما أنه - أي ابن تيمية - احتج به في مواضع من فتاويه. انظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام ١/ ١٠١، ١١٠، ٣٠٣، ٣٢٩.\n(^٣) الرد على البكري ص ٢٠٣، الفتاوى ١/ ١١٠.\n(^٤) تلخيص كتاب الاستغاثة، ص ٢٠١.\n(^٥) تلخيص كتاب الاستغاثة، ص ١٩٥.","vol":"1","page":105},{"text":"وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"والظاهر أن مراده - ﷺ - إرشادهم إلى التأدب مع الله في الألفاظ لأن استغاثتهم به - ﷺ - من المنافق من الأمور التي يقدر عليها إما بزجره أو تعزيره ونحو ذلك، فظهر أن المراد بذلك الإرشاد إلى حسن اللفظ والحماية منه - ﷺ - لجناب التوحيد\" (^١).\nوقال الشيخ ابن باز ﵀: \"قوله لا يستغاث بي يحتمل أمرين:\nالأول: أن النبي - ﷺ - لا يستطيع قتله لأنه كان ممنوعًا من قتله؛ لأجل أن لا يتحدث بأن محمدًا يقتل أصحابه فامتنع عن قتله.\nالثاني: يحتمل - إن صح الخبر - أنه قاله سدًا للذريعة وإن كان قادرًا على التخلص منه حتى لا تقع منهم هذه الكلمة في أمور لا يقدر عليها\" (^٢).\nوقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"قوله (إنه لا يستغاث بي) ظاهر هذه الجملة النفي مطلقًا، ويحتمل أن المراد لا يستغاث به في هذه القضية المعينة.\n\nفعلى الأولى: يكون نفي الاستغاثة هنا من باب سد الذرائع والتأدب في اللفظ، وليس من باب الحكم بالعموم؛ لأن نفي الاستغاثة بالرسول - ﷺ - ليس على إطلاقه، بل تجوز<span data-type=\"title\" id=toc-90> الاستغاثة به فيما يقدر عليه\" (^٣).\nحكم الاستغاثة:</span>\nالاستغاثة أخص أنواع العبادة، فإخلاصها لله إيمان وتوحيد، أما الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فهو شرك وكفر (^٤).\nوقد تقدم في باب الاستعاذة أن جميع أنوع العبادات لا تصرف لغير الله، فمن\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٢٤٣.\n(^٢) من دروس الشيخ ابن باز على كتاب التوحيد.\n(^٣) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٢٦٩. وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ٢٧٩.\n(^٤) انظر تلخيص كتاب الاستغاثة ص ٢٤٦، ٢٦٥، القول السديد ص ٥١، ٥٢.","vol":"1","page":106},{"text":"صرف منها شيئًا لغير الله فهو مشرك كافر. والاستغاثة من نوع الدعاء والطلب؛ لأن فيها طلب الغوث أي الدعاء المشتمل على ذلك فهي من أهم أنواع العبادات.\nقال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ ﵀: \"فالاستغاثة المنفية نوعان:\nأحدهما: الاستغاثة بالميت مطلقًا في كل شيء.\nالثاني: الاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الخالق، فليس لأحد أن يسأل غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله لا نبيا ولا غيره\" (^١).\nوقال الشوكاني ﵀: \"ولا خلاف أنه يجوز أن يستغاث بالمخلوق فيما يقدر على الغوث فيه من الأمور ولايحتاج مثل ذلك إلى استدلال فهو في غاية الوضوح وما أظنه يوجد فيه خلاف\" (^٢).\nوقال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: \"والاستغاثة الشركية التي أنكرناها هي ما يأتي بيانه؛ وهي الاستغاثة بالغائب أو الميت أو الحي الحاضر الذي لا يقدر، وأما الجائزة فهي طلب الحي الحاضر\" (^٣).\nقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"الاستغاثة أقسام:\nالأول: الاستغاثة بالله ﷿ وهذا من أفضل الأعمال وأكملها وهو دأب الرسل وأتباعهم، ودليله ما ذكره الشيخ (^٤) ﵀ قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩] وكان ذلك في غزوة بدر حين نظر النبي - ﷺ - إلى المشركين في ألف رجل وأصحابه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا فدخل العريش يناشد ربه ﷿ رافعًا يديه مستقبل القبلة يقول: \"اللهم أنجز لي\n_________\n(^١) كتاب الاستغاثة في الرد على البكري ص ٣٥٩. وانظر الفتاوى ١/ ٣٢٩.\n(^٢) الدر النضيد ص ٩.\n(^٣) شرح كشف الشبهات ص ١١٩.\n(^٤) يعني الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀.","vol":"1","page":107},{"text":"ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض\". وما زال يستغيث بربه رافعًا يديه حتى سقط رداؤه عن منكبيه فأخذ أبو بكر - ﵁ - رداءه فألقاه على منكبه ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله هذه الآية (^١).\nالثاني: الاستغاثة بالأموات أو بالأحياء غير الحاضرين القادرين على الإغاثة فهذا شرك؛ لأنه لا يفعله إلا من يعتقد أن لهؤلاء تصرفا خفيا في الكون فيجعل لهم حظًا من الربوبية قال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢].\nالثالث: الاستغاثة بالأحياء العالمين القادرين على الإغاثة فهذا جائز كالاستعانة بهم قال الله تعالى في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى﴾ [القصص: ١٥].\nالرابع: الاستغاثة بحي غير قادر من غير أن يعتقد أن له قوة خفية مثل أن يستغيث الغريق برجل مشلول فهذا لغو وسخرية بمن استغاث به فيمنع منه لهذه العلة، ولعلة أخرى وهي الغريق ربما اغتر بذلك غيره فتوهم أن لهذا المشلول قوة خفية ينقذ بها من الشدة\" (^٢).\nوعلى هذا فإن الاستغاثة بالمخلوق على قسمين:\nالأول: الاستغاثة بالأموات والغائبين، أو الاستغاثة فيما لا يقدر عليه إلا الله كالذي يستغيث عِنْدَ المرض أو خوف الغرق بالرسول أو البدوي فهذا شرك أكبر مخرج من الملة. قال الشيخ ابن قاسم: \"وقد تبين من الآيات والأحاديث أن دعاء\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٧٦٣).\n(^٢) شرح ثلاثة الأصول من مجموع الفتاوى ٦/ ٦٠، ٦١.","vol":"1","page":108},{"text":"الميت والغائب والحاضر فيما لا يقدر عليه إلا الله والاستغاثة بغير الله في كشف الضر أو تحويله هو الشرك الأكبر بل هو أكبر أنواعه\" (^١).\nالثاني: الاستغاثة بالحي القادر الحاضر، وهي جائزة. وعليه يحمل قول الله تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾: \"وإذا طلبت من أحد غوثًا وهو قادر عليه فإنه يجب عليك تصحيحًا لتوحيدك أن تعتقد أنه مجرد سبب وأنه لا تأثير له بذاته في إزالة الشدة؛ لأنك ربما تعتمد عليه وتنسى خالق السبب، وهذا قادح في كمال التوحيد\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-91> أحكام وفوائد:</span>\n* وإذا علمت أن الاستغاثة بغير الله هي الشرك الأكبر تبين لك أن المستغيثين بالقبور والموتى كالمشركين لا تجوز الصلاة خلفهم؛ وقد سئل مفتي الديار الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ عن حكم الصلاة خلف من يستغيث بغير الله فقال: \"لا تجوز الصلاة خلف جميع المشركين ومنهم من يستغيث بغير الله ويطلبه المدد لأن الاستغاثة بغير الله من الأموات والأصنام والجن وغير ذلك من الشرك بالله سبحانه ... وإذا لم تجد إمامًا مسلمًا تصلي خلفه جاز لك أن تصلي في بيتك\" (^٣).\nوقالت اللجنة عمن يستغيث بغير الله: \"هم مشركون شركًا أكبر يخرج من ملة الإسلام لا تجوز موالاتهم، كما لا تجوز موالاة الكفار، ولا تصح الصلاة خلفهم، ولا تجوز عشرتهم ولا الإقامة بين أظهرهم؛ إلا لمن يدعوهم إلى الحق على بينة ويرجو أن يستجيبوا له وأن تصلح حالهم دينيًا على يديه وإلا وجب عليه هجرهم\" (^٤).\n_________\n(^١) حاشية ابن قاسم ص ١٧٧.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٢٥٣. وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ٢٦١.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٢/ ٥٨٦.\n(^٤) فتاوى اللجنة ١/ ٥٢.","vol":"1","page":109},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-92> الفرق بين الدعاء والاستغاثة:</span>\nأن الدعاء عام في كل الأحوال، والاستغاثة هي الدعاء في حالة الشدائد، وكل ذلك يتعين إخلاصه لله وحده، فالاستغاثة من الدعاء فكل مستغيث داعٍ وليس كل داعٍ مستغيث (^١).\nوتختلف الاستغاثة عن الاستعانة أن لفظ الاستغاثة مخصوص بطلب العون في حالة الشدة (^٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"قالوا: والفرق بين المستغيث والداعي أن المستغيث ينادي بالغوث والداعي ينادي بالمدعو\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر حاشية كتاب التوحيد ص ١١٣.\n(^٢) تيسير العزيز الحميد ص ٢١٧.\n(^٣) الرد على البكري ١/ ٤٢٠.","vol":"1","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>١٨ - الاستغفار</span>\nأصل الغفر في اللغة: التغطية (^١).\nقال في المفردات: \"الغفر إلباس ما يصونه من الدنس\" (^٢).\nوالغفران والمغفرة من الله هو أن يصون العبد من أن يمسه العذاب (^٣).\nويطلق الغفر على الستر ومنه المغفر وهي بيضة الحديد (^٤)، والستر من الله معناه كما قال الخطابي: \"أنه لا يكشف أمر العبد لخلقه ولا يهتك ستره بالعقوبة التي تُشِهُرهُ في عيونهم\" (^٥). والألف والسين والتاء للطلب.\nوفي الشرع: قال الراغب: \"والاستغفار طلب ذلك بالمقال والفِعال، وقوله: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠] لم يؤمروا بأن يسألوه ذلك باللسان فقط بل باللسان وبالفِعال، فقد قيل: الاستغفار باللسان من دون ذلك بالفِعال (^٦) فِعلُ الكذابين\" (^٧).\nومعنى الاستغفار: طلب محو الذنوب والتجاوز عنها وستر كل عيب بما يجب أن يستر به والوقاية من شره.\nقال ابن الجوزي: \"الاستغفار استفعال من طلب الغفران تغطية الذنب بالعفو\n_________\n(^١) النهاية لابن الأثير (غ ف ر).\n(^٢) المفردات (غ ف ر).\n(^٣) المفردات (غ ف ر).\n(^٤) المصباح المنير (غ ف ر).\n(^٥) شأن الدعاء ص ٥٢.\n(^٦) أي من دون إقلاع عن الذنب.\n(^٧) المفردات (غ ف ر).","vol":"1","page":111},{"text":"عنه\" (^١)، وسبب وضعها في هذا الكتاب لأنها من العبادات التي تصرف لله ولا تصرف لغيره.\n* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩]، وقال ﷿: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٦، ١٧]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، وقال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥].\n* الدليل من السنة: عن أبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"وَالله إِنِّي لأسْتَغْفِرُ الله وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّة\" (^٢).\nوعَنه - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ الله بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ الله فَيَغْفِرُ لَهُمْ\" (^٣).\nوعن أَنَس بْن مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: \"قَالَ اللهُ ﵎: يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلا أُبَالِي،\n_________\n(^١) نزهة الأعين والنواظر ص ٨٩.\n(^٢) أخرجه البخاري رقم (٦٣٠٧).\n(^٣) أخرجه مسلم ٢٧٤٩.","vol":"1","page":112},{"text":"يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً\" (^١).\nوفي صحيح البخاري عن شَدَّاد بْن أَوْسٍ - ﵁ - عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قال: \"سَيِّدُ الاِسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنا عَبْدُكَ وَأَنا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْت، أَعُوذ بكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلّا أَنْتَ. قَالَ: وَمَنْ قَالَهَا مِنْ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنْ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-94> الفرق بين الاستغفار والتوبة:</span>\nالاستغفار يذكر تارة مفردًا غير مقرون بالتوبة وتارة يذكر مقرونًا بها ولها في كل حال معنى قال ابن القيم: \"فالاستغفار المفرد كالتوبة، بل هو التوبة بعينها، مع تضمنه طلب المغفرة من الله. وهو محو الذنب، وإزالة أثره، ووقاية شره، لا كما ظنه بعض الناس: أنها الستر، فإن الله يستر على من يغفر له ومن لا يغفر له، ولكن الستر لازم مسماها أو جزؤ،. فدلالته عليه إما بالتضمن وإما باللزوم.\n* وحقيقتها: وقاية شر الذنب، ومنه المغفر، لما يقي الرأس من الأذى. والستر لازم لهذا المعنى، وإلا فالعمامة لا تسمى مِغفرًا، ولا القَّبع ونحوه مع ستره، فلا بد في لفظ \"المغفر\" من الوقاية، وهذا الاستغفار هو الذي يمنع العذاب في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، فإن الله لا يعذب مستغفرًا، وأما من أصر على الذنب، وطلب من الله مغفرته فهذا ليس باستغفار مطلق ولهذا لا يمنع\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي ٣٥٤٠.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٣٢٣).","vol":"1","page":113},{"text":"العذاب، فالاستغفار يتضمن التوبة، والتوبة تتضمن الاستغفار وكل منهما يدخل في مسمى الآخر عند الإطلاق.\nوأما عند اقتران إحدى اللفظتين بالأخرى فالاستغفار: طلب وقاية شر ما مضى، والتوبة: الرجوع وطلب وقاية شر ما يخافه في المستقبل من سيئات أعماله، فها هنا ذنبان:\nذنب قد مضى: فالاستغفار منه: طلب وقاية شره.\nوذنب يخاف وقوعه، فالتوبة: العزم على أن لا يفعله. والرجوع إلى الله يتناول النوعين: رجوع إليه ليقيه شر ما مضى، ورجوع إليه ليقيه شر ما يستقبل من شر نفسه وسيئات أعماله\" (^١).\nوقال ابن رجب ﵀: \"وكثيرًا ما يقترن الاستغفار بذكر التوبة، فيكون الاستغفار حينئذ عبارة عن طلب المغفرة باللسان، والتوبة عبارة عن الإقلاع عن الذنوب بالقلوب والجوارح\" (^٢).\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ٣٣٤، ٣٣٥).\n(^٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ٤٠٧).","vol":"1","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>١٩ - الاستقامة </span>*\nقال في النهاية: \"قام فُلان على الشيء إذا ثبتَ عليه ... ومنه الحديث: \"اسْتَقِيموا لقُريش ما اسْتقاموا لكم، فإن لم يفعلوا فضَعُوا سُيوفَكم على عَواتِقِكم فأبيدُوا خَضْراءهُم\" أي: دُومُوا لهم على الطاعة واثْبُتوا عليها، ما داموا على الدَّين وثبَتُوا على الإسلام. يقال: أقام واسْتقام، كما يقال: أجاب واسْتَجاب\" (^١).\nوعن قتادة السدوسي ﵀ قال: \"الاستقامة أن تلبث على الإسلام والطريقة الصالحة ثم لا تمرق منها ولا تخالفها ولا تشذ عن السنة ولا تخرج عنها\" (^٢).\nوقال ابن رجب ﵀: \"الاستقامة هي سلوك الصراط المستقيم، وهو الدين القيم من غير تعريج عنه يمنة ولا يسرة، ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات كلها كذلك\" (^٣).\nوألف أبو العباس ابن تيمية كتاب الاستقامة وقال في أوله: \"قاعدة في وجوب الاستقامة والاعتدال، ومتابعة الكتاب والسنة في باب أسماء الله، وصفاته، وتوحيده، بالقول والاعتقاد، وبيان اشتمال الكتاب والسنة على جميع الهدى وأن التفرق والضلال إنما حصل بترك بعضه ... \" (^٤).\n* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾\n_________\n* الدين الخالص ٣/ ١٣٤، شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٢/ ٥٢٨، ٥٣٣.\n(^١) النهاية (ق وم).\n(^٢) الإبانة الكبرى (١/ ٣١٨).\n(^٣) جامع العلوم والحكم ١/ ٥١٠.\n(^٤) الاستقامة ص ٣.","vol":"1","page":115},{"text":"[فصلت: ٣٠] وقوله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣، ١٤]، وقال ﷿: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فصلت: ٦]، وقال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢].\n* الدليل من السنة: عن سفيان بن عبد الله - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا غيرك، قال: \"قل: آمنت بالله، ثم استقم\" (^١).\nقال ابن رجب: \"قول سفيان بن عبد الله للنبي - ﷺ -: \"قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك \" طلب منه أن يعلمه كلامًا جامعًا لأمر الإسلام كافيًا حتى لا يحتاج بعده إلى غيره، فقال له النبي - ﷺ -: \"قل: آمنت بالله، ثم استقم\"، وفي الروية الأخرى: \"قل: ربي الله، ثم استقم) \" (^٢).\nوعن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله - ﷺ -: \"استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن\" (^٣).\nقال ابن رجب ﵀: \"فأصل الاستقامة استقامة القلب على التوحيد، كما فسر أبو بكر الصديق وغيره قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ بأنهم لم يلتفتوا إلى غيره، فمتى استقام القلب على معرفة الله، وعلى خشيته وإجلاله، ومهابته، ومحبته، وإرادته، ورجائه، ودعائه، والتوكل عليه، والإعراض عما سواه، استقامت الجوارح كلها على طاعته، فإن القلب هو ملك الأعضاء، وهي جنوده، فإذا استقام الملك، استقامت جنوده ورعاياه، وكذلك فُسِّر قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ\n_________\n(^١) رواه مسلم (٣٨).\n(^٢) جامع العلوم والحكم ١/ ٧٠٥.\n(^٣) رواه ابن ماجه (٢٧٧).","vol":"1","page":116},{"text":"وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [الروم: ٣٠] بإخلاص القصد لله وإرادته وحده لا شريك له.\nوأعظم ما يُراعى استقامته بعد القلب من الجوارح اللسانُ، فإنه ترجمان القلب والمعبِّر عنه، ولهذا لما أمر النبي - ﷺ - بالاستقامة، وصاه بعد ذلك بحفظ لسانه، وفي \"مسند الإمام أحمد\" عن أنس، عن النبي - ﷺ -، قال: \"لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه\". وفي \"الترمذي\" عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا وموقوفًا: \"إذا أصبح ابن آدم، فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان، فتقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اوعوججنا\"\" (^١).\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم ١/ ٥١١، ٥١٢.","vol":"1","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>٢٠ - استقدام الكفار إلى جزيرة العرب</span>\nانظر باب (جزيرة العرب).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>٢١ - الاستقسام بالأزلام</span>\nانظر باب (الكهانة).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>٢٢ - الاستمداد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>[الدعاء]</span>\nالمدد: العون والنصر (^١). والمراد به هنا \"طلب المدد\" (^٢)، والمستمِدُّ داعٍ يلجأ إلى من بيده المدد والمعونة، فلا يُدعى ويُطلب منه المدد إلا الله، ومن الشرك الأعظم أن يقال: (مدد يا حسين) (مدد يا محمد) (مدد يا صاحب القبر)، لأنه من دعاء الأموات والغائبين.\n* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الفتح: ١١]، وقال ﷿: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٤٩].\nوقد ردَّ الشيخ عبد الرحمن بن حسن على من ادَّعى جواز الاستمداد من\n_________\n(^١) النهاية ٤/ ٣٠٨.\n(^٢) مختار الصحاح (م د د).","vol":"1","page":118},{"text":"الأموات الذين لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا، فقال:\n\"الجواب عن هذا من وجوه:\nالوجه الأول: أن الاستمداد بالأموات والغائبين هو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، فإن الاستمداد عبادة، والعبادة لا يجوز أن يصرف منها شيء لغير الله وذلك أن الاستمداد نتيجة الاعتماد، والاعتماد هو معنى التوكل الذي هو من خصائص الإلهية وأجمعها لأعمال القلوب ...\nالوجه الثاني: أن مورد العبادة القلب واللسان والأركان، والمستمد لا يكون إلا داعيًا، وراغبًا، وراهبًا، وخاشعًا ومتذللًا، ومستعينًا، فإن الاستمداد طلب المدد بالقلب، واللسان، والأركان ولا بد، وهذه الأعمال هي أنواع العبادة، فإذا كانت لله وحده، فقد ألهه العبد، فإذا صرف لغير الله تعالى صار مألوهًا له\" (^١).\n_________\n(^١) الدرر السنية (١١/ ٤١٣، ٤١٥).","vol":"1","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>٢٣ - الاستهزاء </span>*\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>[سب الرسول، سب الدين والرب، سب الصحابة]</span>\nتعريفه لغة: التهزء والهزؤ: السخرية، واستهزأ به سخر (^١).\nوالمقصود هنا الكلام على التنقص أو الهزل أو اللعب أو السخرية أو الاستخفاف، إما بالله أو بالقرآن أو بالرسول - ﷺ -، أو بالسنة الصحيحة التي يعتقد ثبوتها، أو الأحكام الشرعية.\n* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦].\n* الدليل من السنة: عن ابن عمر - ﵄ - ومحمد بن كعب وزيد بن أسلم وقتادة - دخل حديث بعضهم في بعض -: \"أنه قال رجل في غزوة تبوك: ما رأينا مثل قرّائنا هؤلاء أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عِنْدَ اللقاء - يعني رسول الله - ﷺ - وأصحابه القرّاء -، فقال له عوف بن مالك: كذبتَ، ولكنك منافق،\n_________\n* الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١/ ٤٤٧، ٥/ ٤١٨، ٨/ ١٩٧. بدائع الفوائد ١/ ١٥٩. الآداب الشرعية لابن مفلح ١/ ٣٨. تيسير العزيز الحميد ص ٦٢٧. فتح المجيد ص ٥١٣. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٣١٩. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٣/ ٢٥ ط ٢ - ٣/ ٣٠ ومن المجموع ١٠/ ٨٥١. فتاوى اللجنة الدائمة ٢/ ١١، ١٤. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٤/ ٥٤٦. مجموع الفتاوى لابن باز ٣/ ٥٠٩، ٥٣٠، ٥٣٥. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٢/ ١٥٥، ١٥٩. القول المبين في حكم الاستهزاء بالمؤمنين للشيخ عبد السلام البرجس تقريظ فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين، اللمع للتركماني ١/ ١٧٨، ١٧٩. ومن أراد زيادة التفصيل في الكلام عن موضوع الاستهزاء فإن مظانه كتب الفقه في باب الردة.\n(^١) لسان العرب (هـ ز ء).","vol":"1","page":120},{"text":"لأخبرنَّ رسول الله - ﷺ -. فذهب عوف إلى رسول الله - ﷺ - ليخبره فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله - ﷺ - وقد ارتحل وركب ناقته فقال: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونتحدث حديث الركب نقطع به عنا الطريق. قال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقا بنسعة ناقة رسول الله - ﷺ - وإن الحجارة تنكب رجليه وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب. فيقول له رسول الله - ﷺ -: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾، ما يلتفت إليه وما يزيد عليه\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-102> أقوال العلماء:</span>\nقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في جواب سؤال عن معنى ما ذكره الفقهاء في باب حكم المرتد: \"فالقول الصريح في الاستهزاء بالدين مثل ما قدمت لك - يعني ما قاله المنافقون في غزوة تبوك - وأما الفعل فمثل: مد الشفة، وإخراج اللسان، ورمز العين، مما يفعله كثير من الناس عِنْدَما يؤمر بالصلاة والزكاة، فكيف بالتوحيد\" (^٢).\nوقال ﵀: \"إذا فهمت أن هذا هو الاستهزاء فكثير من الناس يتكلم في الله ﷿ بالكلام الفاحش عِنْدَ وقوع المصائب على وجه الجد وأنه لا يستحق هذا وأنه ليس بأكبر الناس ذنبًا\" (^٣).\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"وفي هذا الحديث من الفوائد أن الإنسان قد يكفر بكلمة يتكلم بها أو عمل يعمل به، وأشدها خطرًا إرادات القلوب فهي كالبحر الذي لا ساحل له\" (^٤).\n_________\n(^١) رواه ابن جرير الطبري في التفسير (١٠/ ١٧٢، ١٧٣).\n(^٢) الدرر السنية ١٠/ ١٢٥.\n(^٣) مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب قسم الفتاوى ص ٥٨، ٦٠، ٦٢. وانظر الدرر السنية ١٠/ ١٢١.\n(^٤) تيسير العزيز الحميد ص ٦٣٣.","vol":"1","page":121},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-103> حكم الاستهزاء بشيء فيه ذكر الله أو القرآن والرسول - ﷺ </span>-:\nبيَّن العلماء أحوال المستهزئين عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾.\nقال الإمام أبو بكر بن العربي المالكي: \"لا يخلو أن يكون ما قالوه من ذلك جدًّا أو هزلًا وهو كيفما كان كفر فإن الهزل بالكفر كفر لا خلاف فيه بين الأمة فإن التحقيق أخو الحق والعلم والهزل أخو الباطل والجهل\" (^١).\nوقال شهاب الدين الألوسي: \"واستدل بعضهم بالآية على أن الجد واللعب في إظهار كلمة الكفر سواء ولا خلاف بين الأئمة في ذلك\" (^٢).\nوقال أبو بكر الجصاص بشأن هذه الآية: \"فدل على استواء حكم الجاد والهازل في إظهار كلمة الكفر. ودل أيضًا على أن الاستهزاء بآيات الله أو بشيء من شرائع دينه كفر من فاعله\" (^٣).\nوقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي: \"ومن المعلوم أن الاستهزاء والهزل بشيء من هذه - أي المذكورة في الآية - أشد من الكفر المجرد؛ لأن هذا كفر، وزيادة احتقار وازدراء\" (^٤).\nوقد بوب الإمام محمد بن عبد الوهاب في كتابه التوحيد فقال: \"باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول\" (^٥).\n_________\n(^١) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٧٦.\n(^٢) روح المعاني ٥/ ٣٢٠.\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن ٣/ ١٤٢.\n(^٤) القول السديد ص ١٢٧.\n(^٥) كتاب التوحيد ص ١٢٦ مع القول السديد.","vol":"1","page":122},{"text":"قال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"أي: إنه يكفر بذلك (^١)، لاستخفافه بجانب الربوبية والرسالة، وذلك مناف للتوحيد، ولهذا أجمع العلماء كفر من فعل شيئا من ذلك، فمن استهزأ بالله، أو بكتابه، أو برسوله، أو بدينه، كفر ولو هازلا لم يقصد حقيقة الاستهزاء إجماعًا\" (^٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦]. الآية دليل على أن الرجل إذا فعل الكفر ولم يعلم أنه كفر لا يعذر بذلك، بل يكفر، وعلى أن الشاك كافر باطل بطريق الأولى نبه عليه شيخ الإسلام (^٣).\nقال ابن عثيمين ﵀ \"والظاهر أن المراد من هزل بشي فيه ذكر الله مثل الأحكام الشرعية، أو هزل بالقرآن أو هزل بالرسول - ﷺ - فيكون معطوفا على قوله بشيء\" (^٤).\nوقد ذكره الشيخ أيضًا في نواقض الإسلام فقال الناقض السادس: \"من استهزأ بشيء من دين الرسول - ﷺ - أو ثواب الله أو عقابه كفر\".\nوقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: \"ومن هذا الباب: الاستهزاء بالعلم، وأهله، وعدم احترامهم لأجله\" (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>حكم الاستهزاء بالدين:</span>\nقال الشيخ صالح آل الشيخ: \"الاستهزاء بالدين فيه تفصيل، فإن المستهزئ بالدين، أو السابَّ له، أو اللاعن له، قد يريد دين المُستَهزأ به، ولا يريد دين\n_________\n(^١) يقصد ما ذكر في الآية، وبوبه الإمام وهو ثلاثة: الله، القرآن، والرسول - ﷺ -.\n(^٢) تيسير العزيز الحميد ص ٦٢٧.\n(^٣) تيسير العزيز الحميد ص ٦٢٨.\n(^٤) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٨٥١. وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ٢٥.\n(^٥) قرة عيون الموحدين ص ٢١٧.","vol":"1","page":123},{"text":"الإسلام أصلًا، فلا يرجع استهزاؤه إلى واحد من الثلاثة؛ فلهذا نقول: الكفر يكون أكبر إذا كان الاستهزاء بأحد الثلاثة التي ذكرنا ونصت عليها الآية، أو كان راجعًا إلى أحد الثلاثة.\nأما إذا كان الاستهزاء بشيء خارج عن ذلك، فإنه يكون فيه تفصيل: فإن هزل بالدين، فيُنظر هل يريد دين الإسلام، أو يريد تدين فلان؟ ومثال ذلك: أن يأتي واحد من المسلمين ويستهزئ - مثلًا - بهيئة أحد الناس وهيئته يكون فيها التزام بالسنة، فهل يكون هذا مستهزئًا الاستهزاء الذي يخرجه من الملة؟ الجواب: لا؛ لأن هذا الاستهزاء راجع إلى تدين هذا المرء، وليس راجعًا إلى الدين أصلًا، فيُعرَّف بأن هذا سنة عن النبي - ﷺ - فإذا عَلِمَ أنه سنة، وأقرَّ بذلك، وأن النبي فعله ثم استهزأ، بمعنى: استنقص أو هزأ بالذي اتبع السنة مع علمه بأنها سنة وإقراره بصحة كونها سنة فهذا رجع إلى الاستهزاء بالرسول.\nوكذلك الاستهزاء بكلمات قد يكون مرجعها إلى القرآن، وقد لا يكون مرجعها إلى القرآن فيكون فيه تفصيل، فالخلاصة - إذًا - أن الاستهزاء إذا كان بالله، أو بصفاته، أو بأسمائه، أو بالرسول ﵊، أو بالقرآن فإن هذا كفر، وإن كان الاستهزاء غير ذلك فينظر: إن كان راجعًا إلى أحد الثلاثة فهو كفر أكبر، وإن كان غير ذلك فإنه يكون محرمًا ولا يكون كفرًا أكبر\" (^١).\nوهكذا القول في حكم الاستهزاء بالمتمسك بالدين:\nفإن له حالتين:\nالحالة الأولى: الاستهزاء بالمسلم لعيب خُلُقي، أو خَلقي مستقذر وذلك: كالاستهزاء بالطول والقصر، والعرج والعور، والعجلة والحماقة، والغضب والبلاهة وما شابه ذلك.\n_________\n(^١) التمهيد لشرح كتاب التوحيد ٤٨٢، ٤٨٣.","vol":"1","page":124},{"text":"وهذا القسم حكمه التحريم؛ إذ هو كبيرة من كبائر الذنوب، التي حذر الله عباده المؤمنين من الوقوع فيها، ورتب على اقترافها عذابا أليما، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١].\nفمن وقع في مثل هذا فإنما عليه الإقلاع، والتوبة النصوح، وعقد العزم على أن لا يعود (^١).\nالحالة الثانية: الاستهزاء بالمسلم لتمسكه بدين الإسلام وهذا كفر (^٢).\nقال الشيخ ابن باز ﵀: \"لا ريب أن الاستهزاء بالله ورسوله بآياته وبشرعه وأحكامه من جملة أنواع الكفر لقول الله ﷿: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦] ويدخل في ذلك الاستهزاء بالتوحيد، أو بالصلاة، أو بالزكاة، أو الصيام، أو الحج، أو غير ذلك من أحكام الدين المتفق عليها.\nأما الاستهزاء بمن يعفي لحيته أو يقصر ثيابه ويحذر الإسبال أو نحو ذلك من الأمور التي قد تخفى أحكامها جاهلًا، فهذا فيه تفصيل، والواجب الحذر من ذلك، ونصيحة من يعرف منه شيء من ذلك حتى يتوب إلى الله سبحانه ويلتزم بشرعه، ويحذر الاستهزاء بمن تمسّك بالشرع في ذلك، طاعة لله ﷿ ورسوله - ﷺ - وحذر من غضب الله وعقابه والردة عن دينه وهو لا يشعر\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر في ذلك القول المبين، عبد السلام بن برجس ص ٢٢.\n(^٢) ينظر فتاوى اللجنة ٢/ ٢٦.\n(^٣) مجموع فتاوى ابن باز ص ٥٣٤.","vol":"1","page":125},{"text":"وقال أيضًا ﵀: \"من يستهزئ بالمسلمة أو المسلم من أجل تمسكه بالشريعة الإسلامية فهو كافر سواء أكان ذلك في احتجاب المسلمة احتجابًا شرعيًا أم في غيره لما رواه عبد الله بن عمر - ﵄ - قال: قال رجل في غزوة تبوك في مجلس: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا ولا أكذب ألسنا ولا أجبن عِنْدَ اللقاء. فقال رجل: كذبت، ولكنك منافق. لأخبرن رسول الله - ﷺ -، فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ - ونزل القرآن، فقال عبد الله ابن عمر: وأنا رأيته متعلقًا بحقب ناقة رسول الله - ﷺ - تنكبه الحجارة وهو يقول: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله - ﷺ - يقول: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦] فجعل استهزاءه بالمؤمنين استهزاء بالله وآياته ورسوله. وبالله التوفيق\" (^١).\nوذكر العلامة ابن حجر الهيثمي عن بعض الأئمة الحنفية في كتاب ألّفه فيما يكون به المسلم مرتدًا، ذكر في الفصل الأول وهو ما اتفق العلماء عليه من المكفرات:\n\"أو قال العلم الذي يتعلمونه أساطير وحكايات أو هذيان أو هباء أو تزوير، أو قال: إيش مجلس الوعظ؟ أو العلم لا يُثرِد. أو وعظ على سبيل الاستهزاء، أو ضحك على وعظ العلم، أو قال لرجل صالح: كن ساكنًا حتى لا نقع إلا وراء الجنة، أو قال: إيش هذا القبيح الذي خففت شاربك، أو قال: بئسما أخرجت السنة ... \".\nثم عقب عليه بقوله ﵀: \"وما ذكره في إيش مجلس الوعظ ... الخ إنما يتجه إن أراد الاستهزاء بالواعظ، وكذا إن أُطلِق على احتمال قوي فيه لظهور هذا اللفظ في الاستخفاف بمجلس الوعظ والعلم وما ذكره في الوعظ استهزاء، إنما يتجه إن أراد الاستهزاء بالواعظ، وكذا بالوعظ من حيث هو وعظ. أما لو أراد الاستهزاء\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن باز ص ٥٣٣.","vol":"1","page":126},{"text":"بالواعظ أو بكلماته لا من حيث كونه واعظا، فلا يتجه الكفر حينئذ، وكذا قال في الضحك على الوعظ ... \" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-105> أحكام وفوائد:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-106> حكم الجلوس مع المستهزئين:</span>\nقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠].\nقال القرطبي: \"فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر؛ لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم، والرّضا بالكفر كفر؛ قال الله ﷿: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾. فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوِزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية\" (^٢).\nقال العلامة الشوكاني في تفسير هذه الآية: \"أي أنزل عليكم في الكتاب أنكم عِنْدَ هذا السماع للكفر والاستهزاء بآيات الله لا تقعدوا معهم ما داموا كذلك حتى يخوضوا في حديث غير حديث الكفر والاستهزاء بها، والذي أنزل الله عليهم في الكتاب هو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨].\nوقد كان جماعة من الداخلين في الإسلام يقعدون مع المشركين واليهود حال سخريتهم بالقرآن، واستهزائهم به؛ فنُهوا عن ذلك.\n_________\n(^١) الإعلام بقواطع الإسلام، من النسخة الملحقة بكتابه الزواجر ٣/ ٣٦٢.\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن ٥/ ٤١٨.","vol":"1","page":127},{"text":"وفي هذه الآية - باعتبار عموم لفظها الذي هو المعتبر دون خصوص السبب - دليلٌ على اجتناب كل موقف يخوض فيه أهله بما يفيد التنقص والاستهزاء للأدلة الشرعية\" (^١).\nوقال الشيخ محمد رشيد رضا في تفسير هذه الآية: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾: \"هذا تعليل للنهي: أي إنكم إن قعدتم معهم تكونون مثلهم وشركاء لهم في الكفر، لأنكم أقررتموهم عليه، ورضيتموه لهم، ولا يجتمع الإيمان بالشيء وإقرار الكفر والاستهزاء به، ويؤخذ من الآية أن إقرار الكفر بالاختيار كفر، ويؤخذ منه أن إقرار المنكر والسكوت عليه منكر، وهذا منصوص عليه أيضًا، وأن إنكار الشيء يمنع فشوه بين من ينكرونه حتمًا، فليعتبر بهذا أهل هذا الزمان، ويتأملوا كيف يمكن الجمع بين الكفر والإيمان، أو بين الطاعة والعصيان، فإن كثيرًا من الملحدين في البلاد المتفرنجة يخوضون في آيات الله، ويستهزئون بالدين، ويقرهم على ذلك ويسكت عليهم من لم يصل إلى درجة كفرهم، لضعف الإيمان والعياذ بالله تعالى\" (^٢).\nوقال الشيخ ابن باز ﵀: \"ومن يستهزئ بأهل الدين والمحافظين على الصلوات من أجل دينهم ومحافظتهم عليه يعتبر مستهزئًا بالدين، فلا تجوز مجالسته ولا مصاحبته، بل يجب الإنكار عليه والتحذير منه ومن صحبته، وهكذا من يخوض في مسائل الدين بالسخرية والاستهزاء يعتبر كافرا فلا تجوز صحبته ولا مجالسته بل يجب الإنكار عليه والتحذير منه وحثه على التوبة النصوح\" (^٣).\n_________\n(^١) فتح القدير ٢/ ٧٩٤.\n(^٢) تفسير المنار ٥/ ٣٧٤.\n(^٣) مجموع فتاوى ابن باز ص ٥٣٢.","vol":"1","page":128},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-107> توبة المستهزئ:</span>\nالصحيح من أقوال أهل العلم قبول توبة المستهزئ بالله إذا توفرت شروط التوبة. قال الشيخ ابن عثيمين: \"لقوله ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ﴾ [التوبة: ٦٦]، وهذا أمر قد وقع فإن من هؤلاء من عُفي عنه وهُديَ للإسلام وتاب، وتاب الله عليه، وهذا دليل للقول الراجح أن المستهزئ بالله تقبل توبته لكن لابد من دليل بيّن على صدق توبته لأن كفره من أشد الكفر أو هو أشد الكفر، فليس مثل كفر الإعراض أو الجحد\" (^١).\n* فائدة: في قوله تعالى: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ﴾ قيل: إن الطائفة مخشي بن حُمير عفا الله عنه وتسمى عبد الرحمن، وسأل الله أن يقتل شهيدًا لا يعلم مقتله، فقتل يوم اليمامة ولم يعلم مقتله ولا من قتله، ولا يدرى له عين ولا أثر. وقيل إن الطائفة زيد بن وديعة. والأول أشهر، ويحتمل أن الله عفا عنهما جميعًا (^٢).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٨٥٦. وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ٣١.\n(^٢) أحكام القرآن ٨/ ١٩٦ وانظر تيسير العزيز الحميد ص ٦٢٩. وأصلها عند ابن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان ١٠/ ١٧٢.","vol":"1","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>٢٤ - الإسلام </span>*\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>الإسلام في اللغة:</span>\nقال الخطابي: \"السَّلَم بفتح السين واللام: الاستسلام والإذعان كقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ [النساء: ٩٠] أي الانقياد، وهو مصدر يقع على الواحد والاثنين والجمع\" (^١).\nوقال أبو بكر الرازي: \"واستسلم أي انقاد\" (^٢).\nوالاستسلام لله: الذل والخضوع له.\nوقال الإمام أبو بكر الإسماعيلي: \"ومنهم من ذهب إلى أن الإسلام مختص بالاستسلام لله والخضوع له والانقياد لحكمه فيما هو مؤمن به\" (^٣).\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ٩/ ٢٤٧، ١٦/ ١٦٠. الشريعة للآجري ٩٥، ٩٩، ١٠٤. الإبانة لابن بطة العكبري ٦٣٦. الجامع أحكام القرآن للقرطبي ١٧/ ٤٩، ١٤/ ١٨٥. فتح الباري لابن رجب ١/ ٩٩، ١٢٥. لوامع الأنوار للسفاريني ١/ ٤٠٣، ٤٢٦، ٤٣٨. معارج القبول ٢/ ٢٠. مجموع الفتاوى لابن باز ١/ ١٨٥. نور على الدرب ص ٣٥. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١/ ٤٥ - ٧/ ٢٣٧. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٤/ ٦٢٧. عقيدة الإمام ابن عبد البر للغصن ص ٤٧٣، ٤٧٥. منهج الحافظ ابن رجب في العقيدة ص ٣٦٩، ٤٦٢. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ص ٥٢٧. موفف ابن تيمية من الأشاعرة ص ١٣٧٣. الشيخ السعدي وجهوده في توضيح العقيدة للعباد ص ٣٠١. منهج ابن حجر في العقيدة ص ١١٥٤. مباحث العقيدة في سورة الزمر ص ٢٤٦. الجهل بمسائل الاعتقاد ص ٥٣ - ٦٣. الإمام المروزي وجهوده في توضيح العقيدة للنفيعي ص ٢٢٣ - ٢٨٩. منهج الشافعي في إثبات العقيدة ص ١٨٦. الجيلاني وآراؤه الاعتقادية ص ٩٥.\n(^١) النهاية (س ل م).\n(^٢) مختار الصحاح (س ل م).\n(^٣) اعتقاد أئمة الحديث، ص ٦٨.","vol":"1","page":130},{"text":"وقال ابن جرير الطبري: \"وكذلك الإسلام وهو الانقياد بالتذلل والخشوع والفعل منه أسلم، بمعنى: دخل في السلم، كما يقال أقحط القوم: إذا دخلوا في القحط، وأربعوا: إذا دخلوا في الربيع، فكذلك أسلموا: إذا دخلوا في السلم، وهو الانقياد بالخضوع، وترك الممانعة، فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ إن الطاعة التي هي الطاعة عنده الطاعة له، وإقرارا الألسن والقلوب بالعبودية والذلة، وانقيادها له بالطاعة فيما أمر ونهى، وتذللها له بذلك من غير استكبار عليه ولا انحراف عنه دون إشراك غير من خلقه معه في العبودية والألوهية\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-110> الإسلام في الشرع:</span>\nقال قتادة: \"الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله، والإقرار بما جاء به من عند الله، وهو دين الله الذي شرع لنفسه، وبعث به رسله، ودل عليه أولياءه، لا يقبل غيره ولا يجزى إلا به\" (^٢).\nوقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في تعريف الإسلام: \"هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله\" (^٣).\nوقال الشيخ السعدي: \"هو الانقياد لله وحده ظاهرًا وباطنًا بما شرعه على ألسنة رسله\" (^٤).\nوقال الشيخ ابن عثيمين: \"هو استسلام العبد لله ظاهرًا وباطنًا بفعل أوامره\n_________\n(^١) جامع البيان ٣/ ٢١٢.\n(^٢) جامع البيان ٣/ ٢١٢.\n(^٣) حاشية ثلاثة الأصول لابن قاسم ص ٤٦، ٤٧ شرح ثلاثة الأصول من مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٦/ ٦٤.\n(^٤) تفسير ابن سعدي ص ١٠٣.","vol":"1","page":131},{"text":"واجتناب نواهيه فيشمل الدين كلّه\" (^١).\n* الدليل من الكتاب: قال تعالى ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥].\n* الدليل من السنة: روى مسلم عن طَاوُس أَنَّ رَجُلا قَالَ لِعَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ أَلا تَغْزُو فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: \"إِنَّ الإِسْلامَ بُنِيَ عَلَى خَمْسة شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا الله، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-111> أقوال العلماء:</span>\nقال أبو العالية: \"الإسلام: الإخلاص لله وحده وعبادته، لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وسائر الفرائض لهذا تبع\" (^٣).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"الإسلام الذي هو دين الله الذي أنزل به كتبه وأرسل به رسله وهو أن يسلم العبد لله رب العالمين فيستسلم لله وحده لا شريك له، ويكون سالمًا له بحيث يكون متألهًا له غير متألهٍ لما سواه\" (^٤).\nوقال ﵀: \"وهو أن يجمع معنيَين: أحدهما الانقياد والاستسلام، والثاني إخلاص ذلك وإفراده\" (^٥).\nوقال ابن رجب ﵀: \"الإسلام يقتضي الاستسلام والانقياد والطاعة\" (^٦).\n_________\n(^١) فتح رب البرية بتلخيص الحموية ص ٩١ من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٤/ ٩١.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٦). وفي رواية البخاري زيادة \"وأن محمدًا رسول الله\" البخاري (٨).\n(^٣) جامع البيان ٣/ ٢١٢.\n(^٤) مجموع الفتاوى ٧/ ٦٢٣.\n(^٥) مجموع الفتاوى ٧/ ٦٣٥.\n(^٦) تحقيق كلمة الإخلاص ص ٤٠.","vol":"1","page":132},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-112> أحكام وفوائد:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-113> العلاقة بين مسمى الإيمان والإسلام:</span>\nإن اسم الإيمان تارة يذكر مفردا غير مقرون باسم الإسلام. وتارة يذكر مقرونا فمن أمثلة ذكره مقرونا بالإسلام قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]، وقال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥، ٣٦] وقول جبريل ﵇ في حديث عمر بن الخطاب: \"ما الإسلام، وما الإيمان\" (^١).\nومن أمثلة ذكر الإيمان مفردًا قوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]، وقوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الحديد: ٧، ٨].\nوعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"الإيمان بضع وسبعون - أو بضع وستون - شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان\" (^٢).\nوعن أنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه\" (^٣).\nومن أمثلة ذكر الإسلام مفردًا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) أخرجه البخاري (٩)، ومسلم (٣٥، ٥٨) واللفظ له.\n(^٣) أخرجه البخاري (١٣)، ومسلم (٤٥) عن أنس بن مالك.","vol":"1","page":133},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨].\nوالتفريق بين الإسلام والإيمان من المسائل التي وقع فيها الخلاف بين السلف - ﵏ - ولهم فيها ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: إنهما شيء واحد فلا فرق بين الإسلام والإيمان:\nوممن قال بذلك:\nالإمام البخاري حيث بوّب في صحيحه فقال: \"باب سؤال جبريل النبي - ﷺ - عن الإسلام الإيمان والإحسان وعلم الساعة وبيان النبي - ﷺ - له، ثم قال: \"جاء جبريل ﵇ يعلمكم دينكم\" فجعل ذلك كله دينًا. وما بين النبي - ﷺ - لوفد عبد القيس من الإيمان وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] \" (^١).\nقال ابن حجر: \"تقدم أن المصنف يرى أن الإيمان والإسلام عبارة عن معنى واحد فلما كان ظاهر سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام وجوابه يقتضي تغايرهما، وأن الإيمان تصديق بأمور مخصوصة والإسلام إظهار أعمال مخصوصة أراد أن يرد ذلك بالتأويل إلي طريقته، قوله وبيان أي مع بيان الاعتقاد والعمل دين. وقوله وما بين أي مع ما بين للوفد أن الإيمان هو الاسم حيث فسره في قصتهم بما فسر به الإسلام هنا وقوله أي مع ما دلت عليه الآية أن الإسلام هو الدين، ودل عليه خبر أبي سفيان أن الإيمان هو الدين فاقتضى ذلك أن الإسلام والإيمان أمر واحد هذا محصل كلامه\" (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٧).\n(^٢) فتح الباري ١/ ١١٤.","vol":"1","page":134},{"text":"محمد بن نصر المروزي يرى أن الإيمان هو الإسلام فيقول: \"وقالت طائفة وهم الجمهور الأعظم من أهل السنة والجماعة وأصحاب الحديث الإيمان الذي دعا الله العباد إليه وافترضه عليهم هو الإسلام الذي جعله الله دينًا ارتضاه لعباده ودعاهم إليه\" (^١).\nونقل عنه شيخ الإسلام أنه قال: \"وقد ذكرنا تمام الحجة في أن الإسلام هو الإيمان، وأنهما لا يفترقان ولا يتباينان\" (^٢).\nالإمام الحافظ ابن منده حيث بوب لذلك في كتاب الإيمان فقال: \"ذكر الأخبار الدالة والبيان الواضح من الكتاب والسنة أن الإيمان والإسلام اسمان لمعنى واحد\" (^٣).\nوإلى هذا الرأي يذهب ابن عبد البر حيث قال: \"الذي عليه جماعة أهل الفقه والنظر أن الإيمان والإسلام سواء بدليل ما ذكرنا من كتاب الله ﷿ قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥، ٣٦] وعلى القول بأن الإيمان هو الإسلام جمهور أصحابنا وغيرهم من الشافعية والمالكية وهو قول داود وأصحابه وأكثر أهل السنة والنظر المتبعين للسلف والأثر إلى أن قال والصحيح عندنا ما ذكرت لك\" (^٤).\nالقول الثاني: إنهما شيئان متغايران مطلقًا سواء اجتمعا أو افترقا:\nوقال به جماعة من السلف منهم:\n_________\n(^١) تعظيم قدر الصلاة للمروزي ٢/ ٥٢٩.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٧/ ٣٦٥.\n(^٣) الإيمان لابن منده ١/ ٣٢١.\n(^٤) التمهيد لابن عبد البر ٩/ ٢٥٠.","vol":"1","page":135},{"text":"١ - الإمام الزهري: حيث يرى: \"إن الإسلام الكلمة والإيمان العمل\" (^١).\nولبيان معنى كلام الزهري ﵀ أنقل ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، قال: \"ولما كان كل من أتى بالشهادتين صارًا مسلمًا متميزًا عن اليهود والنصارى، تجري عليه أحكام الإسلام؛ كان هذا مما يجزم به بلا استثناء فيه، فلهذا قال الزهري: الإسلام الكلمة، وعلى ذلك وافقه أحمد وغيره، وحين وافقه لم يرد أن الإسلام الواجب هو الكلمة وحدها، فإن الزهري أجلّ من أن يخفى عليه ذلك\" (^٢).\n٢ - الإمام أحمد كما ذكره عنه عبد الملك الميموني قال: قلت: لأبي عبد الله تفرق بين الإيمان والإسلام قال: نعم (^٣).\nوقال ابنه صالح: \"سئل أبي عن الإسلام والإيمان. فقال: قال ابن أبي ذئب: الإسلام القول والإيمان العمل فقيل ما تقول أنت؟ قال: الإسلام غير الإيمان\" (^٤).\nقال ابن منده: \"وقال بهذا القول جماعة من الصحابة والتابعين منهم عبد الله بن عباس والحسن ومحمد بن سيرين وهو مذهب جماعة من أئمة الآثار\" (^٥).\nقال ابن عبد البر: \"وقد ذهبت طائفة من أهل الحديث إلى أن الإيمان والإسلام معنيان\" (^٦).\nالقول الثالث: أن الإسلام والإيمان إذا أطلق أحدهما مفردًا شمل الدين كله أصوله وفروعه من اعتقاداته وأقواله وأفعاله. وأما إذا قرن بينهما وذكرا معًا فعند\n_________\n(^١) الإيمان لابن منده ١/ ٣١١.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٧/ ٤١٥.\n(^٣) السنة للخلال ٣/ ٦٠٤.\n(^٤) السنة للخلال ٣/ ٦٤٠\n(^٥) الإيمان لابن منده ١/ ٣١١ - ٣١٢.\n(^٦) التمهيد لابن عبد البر ٩/ ٢٤٩.","vol":"1","page":136},{"text":"ذلك يفترقان فيراد بالإسلام حينئذ الأعمال والأقوال الظاهرة ويراد بالإيمان الاعتقادات الباطنة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \" ... فإذا قيل إن الإسلام والإيمان التام متلازمان لم يلزم أن يكون أحدهما هو الآخر كالروح والبدن فلا يوجد عندنا روح إلا مع البدن، ولا يوجد بدن حي إلا مع الروح وليس أحدهما الآخر فالإيمان كالروح فإنه قائم بالروح ومتصل بالبدن، والإسلام كالبدن ولا يكون البدن حيا إلا مع الروح بمعنى أنهما متلازمان لا أن مسمى أحدهما هو مسمى الآخر\" (^١).\nوقال ابن رجب: \" ... فإنه يتضح بتقرير أصل وهو أن من الأسماء ما يكون شاملًا لمسميات متعددة عند إفراده وإطلاقه، فإذا قُرن ذلك الاسم بغيره صار دالًا على بعض تلك المسميات، والاسم المقرون به دالٌ على باقيها وهذا كاسم الفقير والمسكين فإذا أفرد أحدهما دخل فيه كل من هو محتاج فإذا قرن أحدهما بالآخر دل أحد الاسمين على بعض أنواع ذوي الحاجات والآخر على باقيها، هكذا اسم الإسلام والإيمان إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر ودل بانفراده على ما يدل عليه الآخر بانفراده، فإذا قورن بينهما دل أحدهما على بعض ما يدل عليه بانفراده ودل الآخر على الباقي وقد صرح بهذا المعنى جماعة من الأئمة قال أبو بكر الإسماعيلي في رسالته إلى أهل الجبل: قال كثير من أهل السنة والجماعة إن الإيمان قول وعمل، والإسلام فعل ما فرض الله على الإنسان أن يفعله إذا ذكر كل اسم على حدته مضمومًا إلى آخر فقيل: المؤمنون والمسلمون جميعًا مفردين أريد بأحدهما معنى لم يرد به الآخر، وإذا ذكر أحد الاسمين شمل الكل وعمهم.\nوقد ذكر هذا المعنى أيضًا الخطابي في كتابه \"معالم السنن\" وتبعه عليه جماعة من\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٧/ ٣٦٥، ٣٦٧.","vol":"1","page":137},{"text":"العلماء من بعده، ويدل على صحة ذلك أن النبي - ﷺ - فسَّر الإيمان عند ذكره مفردًا في حديث وفد عبد القيس بما فسر به الإسلام المقرون بالإيمان في حديث جبريل، وفسر في حديث آخر الإسلام بما فسر به الإيمان كما في مسند الإمام أحمد عن عمرو بن عنبسة قال جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: \"أن تسلم قلبك لله وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك\" قال: فأي الإسلام أفضل؟ قال: \"الإيمان\". قال: وما الإيمان؟ قال: \"أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت\" قال: فأي الأعمال أفضل؟ قال: \"الهجرة\" قال: فما الهجرة؟ قال: \"أن تهجر السوء\" قال: فأي الهجرة أفضل؟ قال: \"الجهاد\". فجعل النبي - ﷺ - الإيمانَ أفضلَ الإسلام وأدخل فيه الأعمال، وبهذا التفصيل يظهر تحقيق القول في مسألة الإيمان والإسلام هل هما واحد أو مختلفان فإن أهل السنة والحديث مختلفون في ذلك وصنفوا في ذلك تصانيف متعددة فمنهم من يدعي أن جمهور أهل السنة على أنهما شيء واحد منهم محمد بن نصر المروزي وابن عبد البر، وقد روي هذا القول عن سفيان الثوري من رواية أيوب بن سويد الرملي عنه وأيوب فيه ضعف ومنهم من يحكي عن أهل السنة التفريق بينهما كأبي بكر بن السمعاني وغيره وقد نقل هذا التفريق بينهما عن كثير من السلف منهم قتادة وداود بن أبي هند وأبو جعفر الباقر والزهري وحماد بن زيد وابن مهدي وشريك وابن أبي ذئب وأحمد ابن حنبل وأبو خيثمة ويحيى بن معين وغيرهم على اختلاف بينهم في صفة التفريق بينهما وكان الحسن وابن سيرين يقولان مسلم ويهابان مؤمن وبهذا التفصيل الذي ذكرناه يزول الاختلاف، فيقال إذا أفرد كل من الإسلام والإيمان بالذكر فلا فرق بينهما حينئذ وإن قرن بين الاسمين كان بينهما فرق والتحقيق في الفرق بينهما أن الإيمان هو تصديق القلب وإقراره ومعرفته والإسلام هو استسلام العبد لله وخضوعه وانقياده له وذلك يكون بالعمل وهو الدين كما سمّى الله في","vol":"1","page":138},{"text":"كتابه الإسلام دينًا، وفي حديث جبريل سمّى النبيُّ - ﷺ - الإسلامَ والإيمانَ والإحسانَ دينًا، وهذا أيضًا مما يدل على أن أحد الاسمين إذا أفرد دخل فيه الآخر وإنما يفرق بينهما حيث قرن أحد الاسمين بالآخر فيكون حينئذ المراد بالإيمان جنس تصديق القلب وبالإسلام جنس العمل وفي المسند للإمام أحمد عن أنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال الإسلام علانية والإيمان في القلب وهذا لأن الأعمال تظهر علانية والتصديق في القلب لا يظهر وكان النبي - ﷺ - يقول في دعائه إذا صلى على الميت اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان لأن الأعمال بالجوارح وإنما يتمكن منه في الحياة.\nفأما عند الموت فلا يبقى غير التصديق بالقلب ومن هنا قال المحققون من العلماء كل مؤمن مسلم فإن من حقق الإيمان ورسخ في قلبه قام بأعمال الإسلام كما قال - ﷺ -: \"ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب\"، فلا يتحقق القلب بالإيمان إلا وتنبعث الجوارح في أعمال الإسلام وليس كل مسلم مؤمنًا، فإنه قد يكون الإيمان ضعيفًا فلا يتحقق القلب به تحققًا تامًا مع عمل جوارحه أعمال الإسلام فيكون مسلمًا وليس بمؤمن الإيمان التام كما قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] فلم يكونوا منافقين بالكلية على أصح التفسيرين وهو قول ابن عباس وغيره بل كان إيمانهم ضعيفًا ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ \" (^١).\nوبه تعرف معنى الجملة المشهورة في ذلك: أن الإسلام والإيمان إذا اجتمعا\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم ص ٢٦، ٢٧ وانظر ما بعدها ص ٢٨، ٢٩، ٣٠، حيث طلب فيها الشواهد المؤيدة لما قرره.","vol":"1","page":139},{"text":"افترقا، وإذا افترقا اجتمعا.\nفمتى قرن الإسلام والإيمان كان المراد بالإسلام الأعمال الظاهرة والمراد بالإيمان ما يكون في القلب من التصديق وعمل القلب، وهذا يدل عليه حديث جبريل ﵇ عندما سأل النبي - ﷺ - فقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال: \"الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا\". قال: صدقت. قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال فأخبرني عن الإيمان قال: \"أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم والآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره\". قال: صدقت ... الحديث (^١).\nوإن ذكر أحدهما شمل الآخر. وهو ما يدل عليه حديث وفد عبد القيس حيث فسر الإيمان بما فسر به الإسلام في حديث جبريل حيث قال - ﷺ - لهم: \"أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وأن تعطوا من المغنم الخمس ... \" الحديث (^٢).\nوقال ابن سعدي: \"اعلم أن الإيمان الذي هو تصديق القلب التام بهذه الأصول وإقراره المتضمن لأعمال القلوب والجوارح وهو بهذا الاعتبار يدخل فيه الإسلام، وتدخل فيه الأعمال الصالحة كلها، فهي من الإيمان وأثر من آثاره.\nفحيث أطلق الإيمان دخل فيه ما ذكر، وكذلك الإسلام إذا أطلق دخل فيه الإيمان، فإذا قرن بينهما كان الإيمان اسما لما في القلب من الإقرار والتصديق والإسلام اسمًا للأعمال الظاهرة\" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٨) (٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٣) ومسلم (١٧).\n(^٣) تفسير السعدي ١/ ١٤٤.","vol":"1","page":140},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-114> الإسلام بالمعنى العام والخاص:</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"وقد تنازع الناس فيمن تقدم من أمة موسى وعيسى هل هم مسلمون أم لا؟ وهو نزاع لفظي، فإن الإسلام الخاص الذي بعث الله به محمدًا - ﷺ - المتضمن لشريعة القرآن - ليس عليه إلا أمة محمد - ﷺ - والإسلام اليوم عند الإطلاق يتناول هذا وأما الإسلام العام، المتناول لكل شريعة بعث الله بها نبيًا من الأنبياء - فإنه يتناول إسلام كل أمة متبعة لنبي من الأنبياء\" (^١).\nوقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"الإسلام بالمعنى العام هو التعبد لله بما شرع منذ أن أرسل الله الرسل إلى أن تقوم الساعة كما ذكر الله ﷿ ذلك في آيات كثيرة تدل على أن الشرائع السابقة كلها إسلام لله ﷿. قال الله تعالى عن إبرهيم: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨].\nوالإسلام بالمعنى الخاص بعد بعثة النبي - ﷺ - يختص بما بعث به محمد - ﷺ - لأن ما بعث به النبي - ﷺ - نسخ جميع الأديان السابقة فصار من اتبعه مسلمًا ومن خالفه ليس بمسلم، فأتباع الرسل مسلمون في زمن رسلهم، فاليهود مسلمون في زمن موسى - ﷺ -، والنصارى مسلمون في زمن عيسى - ﷺ -، وأما حين بعث النبي محمد - ﷺ - فكفروا به فليسوا بمسلمين\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-115> الإسلام الكوني والشرعي:</span>\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"الإسلام لله تعالى نوعان:\nالأول: إسلام كوني وهو الاستسلام لحكمه الكوني وهذ عام لكل من في السماوت والأرض من مؤمن وكافر، وبرّ وفجر لا يمكن لأحد أن يستكبر عنه\n_________\n(^١) التدمرية، ص ١٧٢، ١٧٣.\n(^٢) شرح ثلاثة الأصول من مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٦/ ١٤.","vol":"1","page":141},{"text":"ودليله قوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣].\nالثاني: إسلام شرعي وهو الاستسلام لحكمه الشرعي وهذا خاص بمن قام بطاعته من الرسل وأتباعهم بإحسان، ودليله في القرآن كثير\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-116> هل الجهاد من أركان الإسلام</span>؟:\nعن يزيد بن بشر عن ابن عمر: قال: \"بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان\". فقال له رجل: والجهاد في سبيل الله. قال ابن عمر: الجهاد حسن. هكذا حدثنا رسول الله - ﷺ - (^٢).\nقال الحافظ ابن رجب: \"وفي حديث معاذ بن جبل: \"إن رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد\". وذروة سنامه: أعلى شيء فيه، ولكنه ليس من دعائمه وأركانه التي بني عليها، وذلك لوجهين:\nأحدهما: أن الجهاد فرض كفاية عند جمهور العلماء ليس بفرض عين بخلاف هذه الأركان.\nوالثاني: أن الجهاد لا يستمر فعله إلى آخر الدهر، بل إذا نزل عيسى - ﷺ - ولم يبق حينئذٍ ملةٌ إلا ملة الإسلام فحينئذ تضع الحرب أوزارها ويستغة ي عن الجهاد بخلاف هذه الأركان فإنها واجبة على المؤمنين إلى أن يأتي أمر الله وهم على ذلك\" (^٣).\n_________\n(^١) شرح ثلاثة الأصول من مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٦/ ١٤، ٦٤.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد (٤٧٩٨).\n(^٣) جامع العلوم والحكم ١/ ١٥٢.","vol":"1","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>٢٥ - الأصنام</span>\nانظر باب (الصنم).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>٢٦ - أصول الإيمان</span>\nالأصل: \"هو ما يبنى عليه غيره\" (^١).\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"ومن ذلك أصل الجدار وهو أساسه، وأصل الشجرة الذي يتفرع منه الأغصان قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤] (^٢).\n\"والعقيدة الإسلامية\" أصولها: الإيمان، بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره. وقد دلّ على هذه الأصول كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، يقول الله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، ويقول في القدر: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٤٩، ٥٠].\nوفي سنة رسول الله - ﷺ - يقول النبي - ﷺ - مجيبًا لجبريل حين سأله عن الإيمان: \"الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره\" (^٣).\nوفي سنة رسول الله - ﷺ - يقول النبي - ﷺ - مجيبًا لجبريل حين سأله عن الإيمان:\n_________\n(^١) التعريفات للجرجاني، ص ٤٥.\n(^٢) شرح ثلاثة الأصول من مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٦/ ٣٧.\n(^٣) سبق تخريجه.","vol":"1","page":143},{"text":"\"الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره\" (^١).\nومن هنا يعلم أن أصول الإيمان ستة: الإيمان بالله، الإيمان بالملائكة، الإيمان بالكتب، الإيمان بالرسل، الإيمان باليوم الآخر، الإيمان بالقدر خيره وشره.\nفهذه كما قال الشيخ عبد الرحمن القاسم: \"أصول الإيمان التي تركب منها، والتي يزول بزوالها، ستة أركان، ويكون بزوال الواحد من تلك الستة، كافرًا كفرًا يخرج من الملة، وما عداها لا يزول بزواله؛ لكن منها ما يزول بزواله، كمال الإيمان الواجب، ومنها ما يزول بزواله، كمال الإيمان المندوب\" (^٢).\nوقد أفردنا لكل أصل بابا لوحده والله المستعان.\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) حاشية ثلاثة الأصول لابن قاسم، ص ٦١.","vol":"1","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>٢٧ - الأصولُ الثلاثة</span>\nقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رسالته المشهورة الموسومة بثلاثة الأصول: \"فإذا قيل لك ما الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها فقل معرفة العبد ربه ودينه ونبيه محمد - ﷺ -\" (^١).\nوقال الشيخ ابن عثيمين معلقًا على ذلك: \"وهذه الثلاثة يشير بها ﵀ إلى الأصول التي يسأل عنها الإنسان في قبره: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ \" (^٢).\n* الدليل من السنة: حديث البراء بن عازب الطويل في قبض الروح وسؤال القبر.\nوفيه الأصول التي يسأل عنها المرء في قبره إذا دفن وتولى عنه أصحابه أتاه ملكان فأقعداه فسألاه من ربك؟ وما دينك؟ وما نبيك؟ فأما المؤمن فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبي محمد، وأما المرتاب أو المنافق فيقول: هاه هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته (^٣).\nوعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"الْعَبْدُ إِذا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتُوُلِّيَ وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَأَقْعَدَاهُ فَيَقُولانِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُل مُحَمَّدٍ - ﷺ -؟ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُه، فَيُقَالُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنْ النَّارِ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنْ الْجَنَّةِ\" قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا وَأَمَّا الْكَافِرُ أَوْ الْمُنَافِقُ فَيَقُولُ: لا أَدْرِي كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ فَيُقَالُ: لا دَرَيْتَ\n_________\n(^١) شرح ثلاثة الأصول من مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٦/ ٣٧. وانظر للاستزادة: أبواب توحيد الربوبية، الدين.\n(^٢) شرح ثلاثة الأصول من مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٦/ ٣٧.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد (١٨٧٣٣)، (١٨٧٣٤).","vol":"1","page":145},{"text":"وَلا تَلَيْتَ، ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ إِلا الثَّقَلَيْنِ\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-120> فائدة:</span>\nهذا المصطلح أطلقه الإمام محمد بن عبد الوهاب وأراد به هذا المعنى الذي في الحديث، وأطلقه غيره وأراد به معنى آخر، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فهذه الأصول الثلاثة: توحيد الله، والإيمان برسله، وباليوم الآخر هي أمور متلازمة ... إلخ\" (^٢).\nوقال العلامة محمد السفاريني في معرض كلامه عن الأصول الثلاثة التي عليها مدار الخلق والأمر والسعادة: \"فالأصل الأول إثبات التوحيد والصفات والقدر وذكر أيام الله في أوليائه وأعدائه وهي القصص التي قصها الله تعالى على عباده والأمثال التي ضربها لهم. والأصل الثاني يتضمن تفصيل الشرائع والأمر والنهي والإباحة وبيان ما يحبه ويكرهه. والأصل الثالث يتضمن الإيمان باليوم الآخر والجنة والنار والثواب والعقاب\" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٣٨).\n(^٢) ينظر مجموع الفتاوى ٩، ٣٢، وللاستزادة ٢/ ٥٦، ١٩/ ٩٦.\n(^٣) لوامع الأنوار ٢/ ٦٤.","vol":"1","page":146},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>٢٨ - أصول الدين </span>*\nتقدم تعريف الأصول في باب (أصول الإيمان) والمراد به هنا تقسيم الدين إلى أصول وفروع، وهناك نصوص لعلماء أهل السنة يثبتون فيها هذا التقسيم.\nوقال ابن دقيق العيد ﵀ في شرح حديث معاذ في بعثته إلى اليمن: \"والبداءة في المطالبة بالشهادتين لأن ذلك أصل الدين الذي لا يصح شيء من فروعه إلا به\" (^١).\nوقال أبو إسحاق الشاطبي ﵀ في الموافقات: \"الشريعة كلها ترجع إلى قول واحد في فروعها، وإن كثر الخلاف كما أنها في أصول كذلك\" (^٢).\nوفي بيان معنى الأصول يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \"بل الحق أن الجليل من كل واحد من الصنفين مسائل أصول والدقيق مسائل فروع، فالعلم بوجوب الواجبات كمباني الإسلام الخمس وتحريم المحرمات الظاهر والمتواترة كالعلم بأن الله على كل شيء قدير وبكل شيء عليم وأنه سميع بصير، وأن القرآن كلام الله ونحو ذلك من القضايا المتواترة ولهذا من جحد تلك الأحكام العملية المجمع عليها كفر، كما أن من جحد هذه كفر\" (^٣).\nوقال أيضًا ﵀: \"إذا عرف هذان النوعان، فمن الناس من يسمى العلم\n_________\n* منهاج السنة ٥/ ٨٤ - ٩٥، مجموع الفتاوى ٦/ ٥٦، ٥٧، ٢٣/ ٣٤٦ - ٣٥٠، النبوات ص ١٩٢، الصواعق المرسلة ٢/ ٦١٣، إعلام الموقعين ٤/ ٢١٨، معجم المناهي اللفظية، مادة (أصول وفروع)، تبصير أولي الألباب ببدعة تقسيم الدين إلى قشور ولباب لمحمد المقدم، دلائل الصواب في إبطال بدعة تقسيم الدين إلى قشور ولباب لسليم الهلالي.\n(^١) إحكام الأحكام ٣/ ١٨٣.\n(^٢) الموافقات ٤/ ١١٨.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٦/ ٥٦، ٥٧.","vol":"1","page":147},{"text":"والاعتقاد والحكم والقول الخبري التابع علم الأصول، وأصول الدين أو علم الكلام أو الفقه الأكبر، ونحو ذلك من الأسماء المتقاربة وإن اختلفت فيها المقاصد والاصطلاحات، ويسمى النوع الآخر علم الفروع، وفروع الدين، وعلم الفقه والشريعة، ونحو ذلك من الأسماء وهذا اصطلاح كثير من المتفقهة والمتكلمة المتأخرين.\nومن الناس من يجعل أصول الدين اسمًا لكل ما اتفقت فيه الشرائع مما لا ينسخ ولا يغير، سواء كان علميًا أو عمليًا سواء كان من القسم الأول أو الآخر؛ حتى يجعل عبادة الله وحده ومحبته وخشيته ونحو ذلك من أصول الدين، وقد يجعل بعض الأمور الاعتقادية الخبرية من فروعه ويجعل اسم الشريعة ينتظم العقائد والأعمال ونحو ذلك، وهذا اصطلاح غلب على أهل الحديث والتصوف، وعليه أئمة الفقهاء وطائفة من أهل الكلام\" (^١).\nوأطلق بعض العلماء على العقيدة اسم \"أصول الدين\" (^٢) وذلك أن ملة النبي - ﷺ - تنقسم إلى اعتقادات وعمليات، والمراد بالعمليات علم الشرائع والأحكام المتعلقة بكيفية العمل، كأحكام الصلاة والزكاة والبيوع وغيرها.\nقال ابن أبي العز في مقدمة شرح الطحاوية: \"أما بعد، فإنه لما كان علم أصول الدين أشرف العلوم، إذ شرف العلم بشرف المعلوم وهو الفقه الأكبر بالنسبة إلى فقه الفروع، ولهذا سمى الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى ما قاله وجمعه في أوراق من أصول الدين (الفقه الأكبر) وحاجة العباد إليه فوق كل حاجة، وضرورتهم إليه فوق كل ضرورة؛ لأنه لا حياة للقلوب ولا نعيم ولا طمأنينة إلا بأن تعرف ربها ومعبودها وفاطرها بأسمائه وصفاته وأفعاله، ويكون مع ذلك كله أحب إليها مما\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٩/ ١٣٤.\n(^٢) مثل الإبانة عن أصول الديانة لأبي حسن الأشعري ومسائل من أصول الديانات لأبي يعلي.","vol":"1","page":148},{"text":"سواه، ويكون سعيها فيما يقربها إليه دون غيره من سائر خلقه ... \" (^١).\nوقال في الدرة المضية:\nوبعد فاعلم أن كل العلم ... كالفرع للتوحيد فاسمع نظمي\nلأنه العلم الذي لا ينبغي ... لعاقل لفهمه لم يبتغ (^٢)\nوهذا وإن كان مصطلحًا إلا أن هناك إشكالًا في بعض الأقوال في التفريق بين الأصول والفروع.\nفمن قائل: إن مسائل الأصول هي العلمية الاعتقادية التي يُطلب فيها العلم والاعتقاد فقط، ومسائل الفروع هي العملية التي يُطلب فيها العمل وهذا مردود بأن المسائل العملية منها ما يكفر جاحده مثل وجوب الصلوات الخمس والزكاة وصيام رمضان، كما أن المسائل العلمية فيها ما لا يأثم المنتازعون عليه كتنازع الصحابة: هل رأى محمدٌ ربَّه؟\nومن قائل: إن المسائل الأصولية هي ما كان عليها دليل قطعي والفرعية ما ليس عليها دليل قطعي وهذا الفرق خطأ أيضًا فقد كان على عهد النبي - ﷺ - طائفة أكلوا بعد طلوع الفجر حتى يتبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ولم يؤثمهم النبي - ﷺ - فضلًا عن تكفيرهم وخطؤهم قطعي.\nومن قائل: أن المسائل الأصولية هي المعلومة بالعقل والمسائل الفرعية هي المعلومة بالشرع قالوا: فالأول كمسائل الصفات والقدر، والثاني: كمسائل الشفاعة وخروج أهل الكبائر من النار وهذا مردود بأن الكفر والفسق أحكام شرعية ليس ذلك من الأحكام التي يستقل بها العقل فالكافر من جعله الله ورسوله\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية ١/ ٥، ٦.\n(^٢) الدرة المضيّة مع شرحها لوامع الأنوار البهية ١/ ٥٥.","vol":"1","page":149},{"text":"كافرًا، والفاسق من جعله الله ورسوله فاسقًا (^١).\nوأما إذا استخدم هذا الاصطلاح كما يفعل المعتزلة حيث جعلوا الأصول الخمسة هي أصول الدين فإنه ينكر عليهم أشد الإنكار، وكذلك ينكر على الشيعة الذين جعلوا الإمامة من أهم أصول الدين.\nوقد رد شيخ الإسلام على من أدخل في أصول الدين ما ليس منه فقال رحمه الله تعالى: \"وإنما الغرض التنبيه على أن في القرآن والحكمة النبوية عامة أصول الدين من المسائل والدلائل التي تستحق أن تكون أصول الدين.\nوأما ما يدخله بعض الناس في هذا المسمى من الباطل فليس ذلك من أصول الدين، وإن أدخله فيه، مثل المسائل والدلائل الفاسدة مثل نفي الصفات والقدر، ونحو ذلك من المسائل، ومثل الاستدلال على حدوث العالم بحدوث الأعراض التي هي صفات الأجسام القائمة بها إما الاكوان وإما غيرها\" (^٢).\nوقال ﵀: \"والسلف والأئمة الذين ذموا وبدعوا الكلام في الجوهر والجسم والعرض تضمن كلامهم ذم من يدخل المعاني التي يقصدها هؤلاء بهذه الألفاظ في أصول الدين\" (^٣).\nوقال أيضًا: \"ومن تدبر هذا رأى أهل البدع من النفاة يعتمدون على مثل هذا فيبتدعون بدعًا بآرائهم ليس فيها كتاب ولا سنة ثم يُكفِّرون من خالفهم فيما ابتدعوه، وهذا حال من كفر من الناس بما أثبتوه من الأسماء والصفات التي يسميها هو تركيبًا وتجسيمًا .. ونحو ذلك من الأقوال التي ابتدعها الجهمية والمعتزلة، ثم كفروا من خالفهم فيها، والخوارج الذين تأوّلوا آيات القرآن\n_________\n(^١) منهاج السنة لابن تيمية ٥/ ٨٨ - ٩٢.\n(^٢) درء التعارض ١/ ٣٨، وانظر أيضًا مختصر الفتاوى المصرية ص ٢٢٢.\n(^٣) درء التعارض ١/ ٢٤.","vol":"1","page":150},{"text":"وكفَّروا من خالفهم فيها أحسن حالًا من هؤلاء، فإن أولئك علَّقوا الكفر بكلام ما أنزل الله به من سلطان\" (^١).\nوقال أيضًا: \"وهذا كما أن طائفة من أهل الكلام يسمى ما وضعه أصول الدين، وهذا مسمى عظيم، والمسمى به فيه من فساد الدين ما الله به عليم، فإذا أنكر أهل الحق والسنة ذلك، قال المبطل قد أنكروا أصول الدين، وهم لم ينكروا ما يستحق أن يسمى أصول الدين وإنما أنكروا ما سماه هذا أصول الدين، وهي أسماء سموها هم وآباؤهم ما أنزل الله بها من سلطان، فالدين ما شرعه الله ورسوله وقد بين أصوله وفروعه، ومن المحال أن يكون الرسول قد بيَّن فروع الدين دون أصوله كما قد بيَّنا هذا في غير هذا الموضع\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"وقد تقدم التنبيه على منشأ الضلال في هذا السؤال وأمثاله وما في ذلك من العبارات المتشابهات المجملات المبتدعات سواء كان المحدَث هو اللفظ ودلالته، أو كان المحدث هو استعمال ذلك اللفظ في ذلك المعنى، كلفظ \"أصول الدين\" حيث أدخل فيه كل قوم من المسائل والدلائل ما ظنوه هم من أصول دينهم، وإن لم يكن من أصول الدين الذي بعث الله به ورسله، وأنزل به كتبه\" (^٣).\nوقال ﵀: \"المعلوم أن أشرف مسائل المسلمين، وأهم المطالب في الدين ينبغي أن يكون ذكرها في كتاب الله تعالى أعظم من غيرها، وبيان الرسول لها أولى من بيان غيرها، والقرآن مملوء بذكر توحيد الله تعالى، وذكر أسمائه وصفاته وآياته وملائكته .. والفرائض بخلاف الإمامة .. ومعلوم أن القرآن لم يدل على هذا كما دل\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل ١/ ١٤٥.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٤/ ٥٦.\n(^٣) درء التعارض ١/ ٧٣.","vol":"1","page":151},{"text":"على سائر أصول الدين\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-122> حكم تقسيم الدين إلى لب وقشور:</span>\nسُئل سلطان العلماء العز بن عبد السلام: هل يجوز أن يقول المكلف: \"إن الشرع قشره علم الحقيقة لُبُّه\" أم لا يجوز؟، فأجاب ﵀:\n\"لا يجوز التعبير على الشريعة بأنها قشر من كثرة ما فيها من المنافع والخير، وكيف يكون الأمر بالطاعة والإيمان قشرًا، وأن العلم الملقب بعلم الحقيقة جزء ومن أجزاء علم الشريعة؟! ولا يُطلق مثل هذه الألقاب إلا غبيٌّ شقي قليل الأدب! ولو قيل لأحدهم: \"إن كلام شيخك قشور\" لأنكر ذلك غاية الإنكار ويُطلقُ لفظ القشور على الشريعة؟! وليست الشريعة إلا كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -؛ فيُغرَّر هذا الجاهل تغريرًا يليق بمثل هذا الذنب\" (^٢).\nوقال تقي الدين السبكي: \" ... وقولهم \"من أهل القشور\" إن أراد به ما الفقهاء عليه من العلم ومعرفة الأحكام؛ فليس من القشور، بل من اللب، ومن قال عليه: \"إنه من القشور\" استحق الأدب، والشريعة كلها لباب\" (^٣).\nوليس المراد بهذا التقسيم أنه لا يُؤبه للفروع أو لا تأخذ حقها بالامتثال أو أن ينصب الاهتمام على الأصول فقط بحيث تهجر الفروع وإنما المراد أنها بالنسبة للأصول لا تبلغ مبلغها في الأهمية، فقد قال رسول الله - ﷺ -: \"بني الإسلام على خمس ... \" فنبه على المباني العظام، والأصول والفروع كلها تسير في مساق واحد من الالتزام بها ووجوب الامتثال فهي داخلة تحت حكم الله وخطابه، ويقاس صلاح القلب وفساده بظهور انقياده لشرائع الإسلام.\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية ١/ ٢٣.\n(^٢) فتاوى سلطان العلماء، ص ٢٤، ٢٥.\n(^٣) كشف الغطاء عن حكم سماع الغناء، لابن القيم ﵀ ص ٢٥.","vol":"1","page":152},{"text":"وليس المراد بالفروع أنها قشور يطرحها العبد وليست ذات فائدة، فهذا فيه غض من شأنها وتهوين لأمرها، وقد أنكر السلف على من هوَّن أمرها، أو قلل من شأنها ومن ذلك أن الإمام مالك ﵀ سُئل عن مسألة فقال: لا أدري، فقيل له: إنها مسألة خفيفة سهلة فغضب، وقال: ليس في العلم شيء خفيف أما سمعت قول الله ﷿: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]، فالعلم كله ثقيل وخاصة ما يسأل عنه يوم القيامة (^١).\nوسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن تقسيم الدين إلى قشور ولب، (مثل اللحية)؟.\nفأجاب ﵀ بقوله: \"تقسيم الدين إلى قشور ولب، تقسيم خاطئ وباطل، فالدين كله لب، وكله نافع للعبد، وكله يقربه لله ﷿، وكله يُثاب عليه المرء، وكله ينتفع به المرء، بزيادة إيمانه وإخباته لربه ﷿ حتى المسائل المتعلقة باللباس والهيئات وما أشبهها، كلها إذا فعلها الإنسان تقربًا على الله ﷿ واتباعًا لرسوله - ﷺ - فإنه يُثاب على ذلك، والقشور كما نعلم لا ينتفع بها بل ترمى، وليس في الدين الإسلامي والشريعة الإسلامية ما هذا شأنه، بل كل الشريعة الإسلامية لب ينتفع به المرء إذا أخلص النية لله، وأحسن في اتباعه رسول الله - ﷺ - وعلى الذين يروجون هذه المقالة، أن يفكروا في الأمر تفكيرًا جديًا، حتى يعرفوا الحق والصواب، ثم عليهم أن يتبعوه، وأن يدعوا مثل هذه التعبيرات، صحيح أن الدين الإسلامي فيه أمور مهمة كبيرة عظيمة، كأركان الإسلام الخمسة، التي بينها الرسول - ﷺ - بقوله: \"بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام\". وفيه: أشياء دون ذلك، لكنه ليس فيه قشور لا ينتفع بها الإنسان، بل يرميها ويطرحها.\n_________\n(^١) أعلام الموقعين ٦/ ١٣٢ بتحقيق مشهور آل سلمان.","vol":"1","page":153},{"text":"وأما بالنسبة لمسألة اللحية: فلا ريب أن إعفاءها عبادة؛ لأن النبي - ﷺ - أمر به وكل ما أمر به النبي - ﷺ - فهو عبادة يتقرب بها الإنسان إلى ربه، بامتثاله أمر نبيه - ﷺ -، بل إنها من هدي النبي - ﷺ - وسائر إخوانه المرسلين، كما قال الله تعالى عن هارون: أنه قال لموسى ﴿يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ [طه: ٩٤]، وثبت عن النبي - ﷺ - أن إعفاء اللحية من الفطرة التي فطر الناس عليها، فإعفاؤها من العبادة وليس من العادة، وليس من القشور كما يزعمه من يزعمه\" (^١).\nوقال الشيخ بكر أبو زيد: \"وقد أنحى المقبلي في \"العلم الشامخ\" على من قال: الخلاف في الفروع سهل، وما جرى مجرى ذلك مما تجده منتشرًا اليوم، بل تحول إلى مقولة هزيلة بحيث أوردوا قولهم: هذا قشور وذلك لباب ويعنون بالقشور: المسائل الفقهية الدائرة في محيط الاستحباب، أو الكراهة، ونحو ذلك من أمور التحسينات والحاجيات، وهذا النبزُ إحياءٌ لما لدى المتصوفة، من تسميتهم أهل الفقه باسم: أهل القشور وأهل الرقص من الصوفية: أهل الحقيقة، فانظر كيف أن الأهواء يجر بعضها بعضًا.\nوابن تيمية ﵀ كثيرًا ما يستعمل هذا التعبير، فمراده إذًا من إنكار التفريق ترتيب التكفير، وعليه: فإن المعيَّن لا يكفر إلا بعد قيام الحجة عليه\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-123>٢).\n\n٢٩ - إضافه النعم لغير الله</span>\nانظر: باب (كفر النعمة).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٣/ ١٢٤، ١٢٥.\n(^٢) معجم المناهي اللفظية ص ١٠١.","vol":"1","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>٣٠ - الإطراء </span>*\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>[الغلو - التنطع]</span>\nالإطراء في اللغة: المدح، وقال الفيومي: \"طريت فلانًا مدحته بأحسن ما فيه، وقيل: بالغت في مدحه وجازوت الحد\" (^١). وقال ابن الأثير: \"الإطراء: المبالغة في المدح والإسراف بما ليس في الممدوح\" (^٢). وقال ابن حجر: \"الإطراء: المدح بالباطل\" (^٣).\nوفي الشرع: قال الإمام البغوي: \"هو المبالغة في المدح والتعظيم والكذب فيه\" (^٤)\n* الدليل من السنة: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ سَمِعَ عُمَرَ - ﵁ - يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: \"لا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ فإِنَّمَا أَنَا عَبْده، فَقُولُوا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ\" (^٥).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-126> أقوال العلماء:</span>\nيقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن: \"وقوله: \"إنما أنا عبدٌ، فقولوا: عبدُ الله ورسوله) أي: لا تمدحوني فتغلوا في مدحي، كما غلت النصارى في عيسى ﵇، فادّعَوا فيه الإلهية، وإنما أنا عبدُ الله، فصفوني بذلك كما وصفني ربي، فقولوا:\n_________\n* تيسير العزيز الحميد ص ٣١٤. فتح المجيد ص ٢٥٤. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ١٥١. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ٣٧٤، ط ٢ - ١/ ٤٧٥ ومن المجموع ٩/ ٣٦٣. الدين الخالص حسن القنوجي ٢/ ٢٧٣، ٤/ ٤٥٦.\n(^١) المصباح المنير ص ١٩٣.\n(^٢) جامع الأصول ٤/ ٩٧.\n(^٣) فتح الباري ٦/ ٥٦٥.\n(^٤) شرح السنة ١٣/ ٢٤٦.\n(^٥) البخاري (٣٤٤٥)، ومسلم (١٦٩١).","vol":"1","page":155},{"text":"عبدُ الله ورسوله. فأبى المشركون إلا مخالفة أمره، وارتكاب نهيه، فعظّموه بما نهاهم عنه وحذَّرهم منه، وناقضوه أعظم مناقضة، وضاهوا النصارى في غُلُّوهم وشركهم، ووقعوا في المحذور، وجرى منهم من الغلو والشرك شعرًا ونثرًا ما يطولُ عدُّه، وصنَّفوا فيه المصنفات.\nوقد ذكر شيخُ الإسلام عن بعض أهل زمانه: أنه جوَّز الاستغاثة بالرسول - ﷺ - في كلِّ ما يُستغاث فيه بالله. وصنَّف في ذلك مصنفًا، ردَّه شيخ الإسلام، وردُّه موجودٌ بحمد الله\" (^١).\nقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"وهذا النهي يحتمل انه مُنصَبّ على هذا التشبيه، وهو قوله: \"كما أطرت النصارى ابن مريم\"، حيث جعلوه إلهًا أو ابنًا لله، وبهذا يوحي قول البوصيري:\nدع ما ادَّعته النصارى في نبيهم ... واحكم بما شئت مدحًا فيه\nأي دع ما قاله النصارى أن عيسى ﵇ ابن الله أو ثالث ثلاثة والباقي املأ فمك في مدحه ولو بما لا يرضيه.\nويحتمل أنّ النهي عام؛ فيشمل ما يشابه غلو النصارى في عيسى بن مريم وما دونه، ويكون قوله (كما أطرت) لمطلق التشبيه لا للتشبيه المطلق؛ لأنَّ إطراء النصارى عيسى بن مريم سببه الغلو في هذا الرسول الكريم - ﷺ - حيث جعلوه ابنًا لله وثالث ثلاثة، والدليل على أن المراد هذا قوله: \"إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله\"\" (^٢).\nوفي هذا الحديث النهي عن مدح النبي - ﷺ - المدح الزائد عن منزلته لأن الغلو قد يؤدي إلى الشرك بالله كما صار للنصارى.\n_________\n(^١) فتح المجيد، ص ٢٥٤.\n(^٢) القول المفيد من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٣٧٥.","vol":"1","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>٣١ - اعتقاد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد - ﷺ - كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى ﵇</span>\nقال ابنُ حَزْمٍ: \"ادعت طائفة من الصوفية أن في أولياء الله تعالى من هو أفضل من جميع الأنبياء والرسل، وقالوا: من بلغ الغاية من الولاية سقطت عنه الشرائع كلها من الصلاة والصيام والزكاة، وغير ذلك، وحلت له المحرمات كلها من الزنا والخمر وغير ذلك\" (^١).\n* حكمهم: من اعتقد ذلك فهو كافر والعياذ بالله.\nوقد حكى القاضي عياض إجماع المسلمين على كفر بعض المتصوفة القائلين: \"إن العبادة وطول المجاهدة إذا صفت نفوسهم أفضت بهم إلى إسقاطها، وإباحة كل شيء لهم، ورفع عهد الشرائع عنهم\" (^٢).\nوفي معرض كلام شيخ الإسلام عن \"اليقين\" قال: \"وقوله: ﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] كقولك يأتيك ما توعد. فأما أن يظن أن المراد: اعبده حتى يحصل لك إيقان. ثم لا عبادة عليك فهذا كفر باتفاق المسلمين\" (^٣).\nقال ابن كثير ﵀: \"ويستدلُّ بها - أي الآية ﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ - على تخطئة من ذهب من الملاحدة، إلى أن المراد باليقين المعرفة فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة سقط عنه التكليف عِنْدَهم، وهذا كفر وضلال وجهل، فإن الأنبياء عليهم\n_________\n(^١) الفصل ٤/ ٢٢٦.\n(^٢) الشفاء ٢/ ١٠٧٤.\n(^٣) مجموع الفتاوى ١١/ ٤١٩، ٤٢٠ وانظر المجموع ٢٤/ ٣٣٩.","vol":"1","page":157},{"text":"السلام كانوا هم وأصحابهم أعلم الناس بالله وأعرفهم بحقوقه وصفاته وما يستحق من التعظيم وكانوا مع هذا أعبد وأكثر الناس عبادة ومواظبة على فعل الخيرات إلى حين الوفاة، وإنما المراد باليقين هاهنا الموت كما قدمنا\" (^١).\nقال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ: \"من اعتقد أن أحدًا من أولياء الله يكون مع محمد - ﷺ - كما كان الخضر مع موسى ﵇، فإنه يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه ... ومن اعتقد أنه يسوغ لأحد الخروج عن شريعته وطاعته فهو كافر يجب قتله\" (^٢).\nوقال ﵀: \"ومن اعتقد أن لله رجالًا خواصًا لا يحتاجون إلى متابعة محمد - ﷺ - بل استغنوا عنه كما استغنى الخضر عن موسى ... فهو كافر مرتد عن الإسلام باتفاق أئمة الإسلام\" (^٣).\nوقال: \"ومن ادَّعى أن له طريقًا إلى الله يوصله إلى رضوان الله وكرامته وثوابه غير الشريعة التي بعث بها رسوله، فإنه كافر يُستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه\" (^٤).\nقال ابن القيم: \"ومن ظن أن يستغني عما جاء به الرسول - ﷺ - بما يلقى في قلبه من الخواطر والهواجس فهو من أعظم الناس كفرًا، وكذلك إن ظن أنه يكتفي بهذا تارة وهذا تارة، فما يلقى في القلوب لا عبرة به ولا التفات إليه إن لم يعرض على ما جاء به الرسول ويشهد له بالموافقة وإلا فهو من إلقاء النفس والشيطان\" (^٥).\nقال في الإقناع: \"ومن اعتقد أن لأحد طريقًا إلى الله من غير متابعة محمد - ﷺ - أو لا يجب عليه اتباعه، أو أن له أو لغيره خروجًا عن اتباعه - ﷺ - وأخذ ما بعث به، أو\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير ٢/ ٥٦٠.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٣/ ٤٢٢، وانظر ٢٧/ ٥٩، ٤/ ٣١٨.\n(^٣) المصدر السابق ١٠/ ٤٣٤، ٤٣٥ باختصار.\n(^٤) المصدر السابق ١١/ ٦٠٧ وانظر ٣/ ٤٢٢، ٢٤/ ٣٣٩، ٢٧/ ٥٩.\n(^٥) إغاثة اللهفان ١/ ١٢٣.","vol":"1","page":158},{"text":"قال أنا محتاج إليه في علم الظاهر دون علم الباطن، أو في علم الشريعة دون علم الحقيقة، أو إن من الأولياء من يسعه الخروج عن شريعته، كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى ﵇ أو أن هدى غير النبي خير من هديه فهو كافر\" (^١).\nوقد ذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب هذا الباب في نواقض الإسلام حيث قال: \"التاسع: من اعتقد أن بعض الناس لا يجب عليه اتباعه - ﷺ -، وأنه يسعه الخروج من شريعته كما وسع الخضر الخروج من شريعة موسى ﵉ فهو كافر\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-128> الرد على شبهة احتجاجهم بقصة الخضر:</span>\nأورد شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ شبهة احتجاجهم بقصة الخضر في مواضع كثيرة من كتبه وفتاويه ورد عليها بما يأتي:\nالأول: موسى ﵇ يكن مبعوثًا إلى الخضر، ولا كان على الخضر اتباعه، فإن موسى كان مبعوثًا إلى بني إسرائيل، وأما محمد - ﷺ - فرسالته عامة لجميع الثقلين الجن والإنس، ولو أدركه من هو أفضل من الخضر: كإبراهيم وموسى وعيسى وجب عليهم اتباعه، فكيف بالخضر سواء كان نبيًا أو وليًا، لهذا قال الخضر لموسى: \"أنا على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه (^٣)، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه\" وليس لأحد من الثقلين الذين بلغتهم رسالة محمد - ﷺ - أن يقول مثل هذا.\n_________\n(^١) الإقناع مع شرحه كشاف القناع ٦/ ١٧١، وانظر مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب قسم الرسائل الشخصية ص ٦٨.\n(^٢) الرسائل الشخصية ٢١٤.\n(^٣) في هذا دليل على أن ما يفعله الخضر كان عن وحي من الله وليس مجرد خيال وتوهم وهذا لا يمكن أن يكون بعد بعثة محمد - ﷺ - لأحد من الناس إذ ببعثته - ﷺ - انقطع الوحي ومن ادعى حصوله فقد كفر وانظر في ذلك الفكر الصوفي ص ١٣٢.","vol":"1","page":159},{"text":"الثاني: أن ما فعله الخضر لم يكن مخالفًا لشريعة موسى ﵇، وموسى لم يكن علم الأسباب التي تبيح ذلك فلما بينها له وافقه على ذلك (^١).\nقال شارح الطحاوية: \"وأما من يتعلق بقصة موسى مع الخضر ﵉، في تجويز الاستغناء عن الوحي بالعلم اللدُنِّي، الذي يدّعيه بعض من عُدِمَ التوفيق: فهو ملحد زنديق، فإن موسى ﵇ لم يكن مبعوثًا إلى الخضر، ولم يكن الخضر مأمورًا بمتابعته. ولهذا قال له: أنت موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. ومحمد - ﷺ - مبعوث إلى جميع الثقلين، ولو كان موسى وعيسى حيَّيْنِ لكانا من أتباعه. وإذا نزل عيسى ﵇ إلى الأرض، إنما يحكم بشريعة محمد، فمن ادعى أنه مع محمد - ﷺ - كالخضر مع موسى، أو جوّز ذلك لأحد من الأمة فليجدد إسلامه، وليشهد شهادةَ الحق، فإنه مفارق لدين الإسلام بالكلية، فضلًا عن أن يكون من أولياء الله، وإنما هو من أولياء الشيطان، وهذا الموضع مفرق بين زنادقة القوم، وأهل الاستقامة، وكذا من يقول بأن الكعبة تطوف برجال منهم حيث كانوا!! فهلا خرجت الكعبة إلى الحديبية فطافت برسول الله - ﷺ - حين أحصِرَ عنها، وهو يَوَدُّ منها نظرةً؟! وهؤلاء لهم شبه بالذين وصفهم الله تعالى حيث يقول: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢)﴾ [المدثر: ٥٢] إلى آخر السورة\" (^٢).\n_________\n(^١) انظر مجموع الفتاوى ٣/ ٤٢٢، ١١/ ٤٨، ٤٩، ١٠، ٦٠٧/ ٣١٨.\n(^٢) شرح الطحاوية لأبي العز، ص ٤٥٨ ط - أحمد شاكر.","vol":"1","page":160},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>٣٢ - الاعتكاف عِندَ القبور والمشاهد </span>*\nالعكف في اللغة: \"الحبس والوقف والإقامة\" (^١).\nقال النووي: \"الاعتكاف: أصله الحبس واللبث والملازمة للشيء فسمِّي الاعتكاف الشرعي لملازمته المسجد ولبثه فيه\" (^٢).\nوفي الشرع: قال الحجاوي ﵀: \"لزوم مسجد لطاعة الله تعالى\" (^٣).\nوقال ابن هبيرة: \"عبارة عن اللبث في المسجد بنية الاعتكاف\" (^٤).\nومذاهب الفقهاء اختلفت في مدة الاعتكاف، ففريق قال بتحديد أقل الاعتكاف، وفريق آخر قال بعدم تحديد أقله، وأنه يصح بما يطلق عليه لبث في المسجد، وأكثر أهل العلم على أنه غير محدد بمدة، فيجزئ فيه ما يسمى لبث كلبث ساعة ونحوها\" (^٥). وهذا يهمنا في فهم صورة الاعتكاف الشركي، إذ المراد من الترجمة هنا التحذير من مشابهة المشركين في العكوف عِنْدَ الأصنام حيث\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ٥/ ٤٥ - ٨/ ٣٢٥. الاستذكار لابن عبد البر ١٠/ ٢٦٥، ٣٤٣. شَرحُ السُنَّةِ للبَغوي ٦/ ٣٩١ - ٢/ ٧٣٩، ٨١٧، ٨١٩. الاقتضاء ٢/ ٧٣٩. تيسير العزيز الحميد ص ١٨١. فتح المجيد ١٥٩، حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٩٢. القول المفيد لابن عثيمين ط ٢ - ١/ ٢٥٩. نور على الدرب ص ٣١٤. التبرك د ناصر الجديع ص ٣٩٩، ٤٠٠.\n(^١) ينظر: طلبة الطلبة في الاصطلاحات الفقهية ص ١٠٧، والتعريفات للجرجاني ص ٤٧.\n(^٢) تحرير ألفاظ التنبيه ص ١٣٠.\n(^٣) زاد المستقنع ص ٥٦.\n(^٤) الإفصاح عن معاني الصحاح ١/ ٢٥٥، وعرفه النووي بمثل ذلك. انظر المجموع شرح المهذب ٦/ ٥٠٤.\n(^٥) انظر المحلى ٥/ ٢٦٤، المغني ٣/ ٢١٠، والاعتكاف أحكامه وأهميته في حياة المسلم ص ٤٧، ٤٨ للدكتور أحمد الكبيسي.","vol":"1","page":161},{"text":"يعكف القبوريون عِنْدَ القبور ويقيمون عِنْدها تعبدًا لغير الله.\n* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾.\n* الدليل من السنة: \"عن أبي واقد الليثي، أنهم خرجوا عن مكة مع رسول الله - ﷺ - إلى حنين، قال: وكان للكفار سدرة يعكفون عندها، ويعلِّقون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط. قال: فمررنا بسدة خضراء عظيمة قال: فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط، فقال رسول الله - ﷺ -: \"قلتم والذي نفسي بيده، كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة، قال: إنكم قوم تجهلون، إنها لسنن لتركبنَّ سُنن من كان قبلكم سنة سنة\"\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-130> أقوال العلماء:</span>\nقال في شفاء الصدور: \"فالعكوف المجاورة عِنْدَ قبر نبي أو غير نبي أو مقام نبي أو غير نبي ليس هو من دين المسلمين بل هو من جنس دين المشركين الذين أخبرالله إذ قال لهم إبراهيم إمام الحنفاء: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢] فعكوف المؤمنين في المساجد وعكوف الجاهلين في المشاهد هو من جنس عكوف المشركين فإن المشركين يعكفون على ما يرجونه ويخافونه ويتخذونه شفعا إلى الله قال: فإن المشركين لم يكن أحد منهم يقول إن العالم له خالقًا ولا أن يساويه في صفاته بل كان يقرون بأن خالق السموات والأرض واحد.\nكما أخبر الله تعالى عنهم بقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٦، ٨٧] وقوله: وكانوا يتخذون آلهتهم\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد (٢٢٢٤٢).","vol":"1","page":162},{"text":"إخبارًا عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر: ٣]، ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] وهؤلاء العاكفون على القبور قد شابههم في الصورة المطلوب اجتنابها ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] قال ابن عَبَّاسٍ وغيره: يسألهم من خلق السموات والأرض فيقولون الله ومع هذا يعبدون غيره، وهذا التوحيد لا يخلص بمجرده عن الشرك بل لا بد أن يخلص الدين لله فلا يعبد إلا إياه والكمال أن لا يرجو ولا يخشى إلا إياه حقيقة ومجازًا\" (^١).\nقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: \"ومن نوع هذا الشرك: الاعتكاف على قبور المشهورين بالنبوة، أو الصحبة، أو الولاية، وشد الرحال إلى زيارتها، لأن الناس يعرفون الرجل الصالح، وبركته، ودعاءه، فيعكفون على قبره، ويقصدون ذلك؛ فتارة يسألونه؛ وتارة يسألون الله عِنْدَه؛ وتارة يصلون ويدعون الله عِنْدَ قبره.\nولما كان هذا بدء الشرك، سد النبي - ﷺ - هذا الباب ففي الصحيحين، أنه قال في مرض موته: \"لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد \" يحذر ما صنعوا، قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن ينخذ مسجدًا\" (^٢).\n_________\n(^١) شفاء الصدور في الرد على الجواب المشكور، أصدرته دار الإفتاء العامة بالمملكة العربية السعودية، ص ٧٠، ٧١، وفي الغالب النقل فيه عن ابنِ تَيمِيَّةَ ﵀.\n(^٢) الدرر السنية ٢/ ٩. الجامع لأحكام القرآن ١٤/ ١٠٨. طريق الهجرتين لابن القيم ص ٤١٢، ٤١٣. تفسير ابن كثير ٣/ ٩١. فتح القدير ٣/ ٢٩٦. أضواء البيان ٤/ ١٤٢. إرشاد الطالب إلى أهم المطالب لابن سحمان ص ١٢، ١٣. نواقض الإيمان القولية والعملية ص ٣٤٤، ٣٤٦. ضوابط التكفير للقرني ص ١٩٥، ٢٠١.","vol":"1","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>٣٣ - الإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به</span>\nفي اللغة: قال المناوي: \"الإعراض: الإضراب عن الشيء وحقيقته جعل الهمزة للصيرورة أي أخذت عرضا أي جانبا غير الجانب الذي هو فيه\" (^١).\nقال في اللسان: \"والإعراض عن الشيء: الصد عنه، وأعرض عنه: صد\" (^٢).\n\"والإعراض الصدود، أعرض عنه: صد ووَلَّى\" (^٣).\nوالمقصود بالإعراض: الإعراض التام عن دين الله تعالى لا يتعلمه ولا يعمل به. لا يبالي بالدين أصلًا، فلا يتعلم شيئًا من الدين ولا يوالي فيه ولا يعادي فيه، وهؤلاءلايعلمون الحق كما قال الله جل وعلا: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٤].\nفجعل سبب عدم علمهم بالحق، لا لخفاء الحق في نفسه، ولكن لأنهم معرضون عن الديانة، وكذلك قال جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤].\nفالإعراض المكفر هو الإعراض عن تعلُّم أصل الإيمان، أما إذا كان معه أصل الإيمان وأعرض عن فعل واجب من الواجبات الشرعية فهذا ينقص الإيمان ولا ينفيه بالكلية (^٤).\n_________\n(^١) التعاريف للمناوي ٢/ ٧٦.\n(^٢) لسان العرب (ع ر ض) ٧/ ١٨٢.\n(^٣) الإفصاح في اللغة ١/ ١٩٥، وانظر المفردات للراغب الأصفهاني ص ٣٣٠، مختار الصحاح ص ٤٢٥.\n(^٤) الدرر السنية ١٠/ ٤٧٢، ٤٧٣، مجموعة الرسائل والمسائل النجدية ٣/ ٣١٥.","vol":"1","page":164},{"text":"* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف: ٣].\nقال ابن كثير في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾: \"أي لا أظلم ممن ذكره الله بآياته وبينها له ووضحها ثم بعد ذلك تركها وجحدها وأعرض عنها وتناساها كأنه لا يعرفها\" (^١).\nحكمه: وهذا هو الناقض الأخير الذي ذكره الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإمام ﵀ في نواقض الإسلام العشرة فقال: \"العاشر: الإعراض عن في دين الله لا يتعلمه ولا يعمل بِه، والدليل قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ \" (^٢).\nولتوضيح هذا الأمر فقد بيَّن الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك أنواع الردة ثم أردفها بتنبيهات فقال:\n\"التنبيه الثالث: ما يلزم منه لزومًا ظاهرًا ويدل دلالة ظاهرة على عدم الإقرار بالشهادتين باطنًا ولو أقرَّ بهما ظاهرًا، وذلك يشمل أمورًا منها:\nالإعراض عن دين الإسلام، لا يتعلمه ولا يعمل به، ولا يبالي بما يترك من الواجبات، وما يأتي من المحرمات، ولا بما يجهل من الأحكام.\nوينبغي أن يعلم أن المكلف لا يخرج من كفر الإعراض - المستلزم لعدم إقراره - بفعل أي خصلة من خصال البر، وشعب الإيمان؛ فإن هذه الخصال ما يشترك الناس في فعله - كافرهم ومؤمنهم - كإماطة الأذى عن الطريق، وبر\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم ٣/ ٣٩٦.\n(^٢) الرسائل الشخصية من مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، القسم الخامس ص ٢١٤.","vol":"1","page":165},{"text":"الوالدين، وأداء الأمانة.\nوإنما يتحقق عدم هذا الإعراض، والسلامةُ منه بفعل شيء من الواجبات التي تختص بها شريعة الإسلام التي جاء بها الرسول - ﷺ - كالصلاة والزكاة والصيام والحج - إذا فعل شيئًا من ذلك إيمانًا واحتسابًا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فلا يكون الرجل مؤمنًا بالله ورسوله مع عدم شيء (^١) من الواجبات التي يختص بإيجابها محمد - ﷺ - \" اهـ (^٢).\nوذكر ابن القيم ضابطًا للإعراض فقال ﵀: \"وأما كفر الإعراض فأن يعرض بسمعه وقلبه عن الرسول، لا يصدق ولا يكذب، ولا يواليه ولا يعاديه، ولا يصغي إلى ما جاء به البتة\" (^٣).\nوقال في موضع آخر عن أنواع الكفر: \"الثالث: كفر إعراض محض لا ينظر فيما جاء به الرسول، ولا يحبه، ولا يبغضه، ولا يواليه، ولا يعاديه، بل هو معرض عن متابعته ومعاداته\" (^٤).\nفتبيَّن أن المعرض لا يبالي أن يكون من أنصار الرسول، أو أن لا يكون من أنصار الرسول، أو أن يكون باحثًا عن الحق، أو أن لا يكون باحثًا عن الحق، أو أن يكون متبعا للدين، أو لا يكون متبعا للدين وهذا هو حاصل كلام ابن القيم فتجد أن المرء ليس عِنْدَه علم بالإسلام، ولا عِنْدَه علم بالرسالة، وليس من أهل الديانة أصلًا لأنه معرض عنها.\nفالتوحيد ليس مجرد الإقرار ثم يترك العمل ويعرض عنه وعن أحكامه.\n_________\n(^١) قال الشيخ البراك: كذا وردت العبارة، ولعل المناسب للسياق: \"مع عدم فعل شيء\".\n(^٢) من مجموع الفتاوى ٧/ ٦٢١، جواب في الإيمان ونواقضه للشيخ عبد الرحمن البراك ص ٢٣ - ٢٤.\n(^٣) مدراج السالكين ١/ ٣٤٧.\n(^٤) مفتاح دار السعادة ١/ ٩٤، وانظر مجموع الفتاوى ١٢/ ٤٩٧.","vol":"1","page":166},{"text":"قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: \"فإذا قيل: التوحيد زين، والدين حق، إلا التكفير، والقتال، قيل: اعملوا بالتوحيد، ودين الرسول، ويرتفع حكم التكفير، والقتال، فإن كان حق التوحيد الإقرار به، والإعراض عن أحكامه، فضلا عن بغضه، ومعاداته، فهذا والله عين الكفر وصريحه؛ فمن أشكل عليه من ذلك شيء فليطالع سيرة محمد - ﷺ -، وأصحابه\" (^١).\nومن الآيات التي يناسِب ذكرها هنا: قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١]، قال الإمام ابن القيم في معنى هذه الآية: \"فجعل الإعراض عما جاء به الرسول والالتفات إلى غيره هو حقيقة النفاق، كما أن حقيقة الإيمان هو تحكيمه وارتفاع الحرج عن الصدور بحكمه والتسليم لما حكم به رضى واختيارا ومحبة فهذا حقيقة الإيمان وذلك الإعراض حقيقة النفاق ... \" (^٢).\nوقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٤٧ - ٥١].\nقال ابنُ حَزْمٍ عن هذه الآيات: \"هذه الآيات محكمات لم تدع لأحد علقة يشغب بها، قد بين الله فيها صفة فعل أهل زماننا فإنهم يقولون: نحن المؤمنون بالله وبالرسول ونحن طائعون لهما، ثم يتولى طائفة منهم بعد هذا الإقرار\n_________\n(^١) الدرر السنية ٢/ ٥٦.\n(^٢) مختصر الصواعق المرسلة ٢/ ٣٥٣، وانظر تيسير العزيز الحميد ص ٥٥٧.","vol":"1","page":167},{"text":"فيخالفون ما وردهم عن الله ﷿ ورسوله - ﷺ -، أولئك بنص حكم الله تعالى ليسوا مؤمنين\" (^١).\nوقال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ ﵀: \"فبَيَّن الله سبحانه أن من تولى عن طاعة الرسول وأعرض عن حكمه فهو من المنافقين وليس بمؤمن، وإن المؤمن هو الذي يقول سمعنا وأطعنا، فإذا كان النفاق يثبت ويزول الإيمان بمجرد الإعراض عن حكم الرسول وإرادة التحاكم إلى غيره مع أن هذا ترك محض، وقد يكون سببه قوة الشهوة فكيف بالنقض والسب ونحوه\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-132> الفرق بين التولي والإعراض:</span>\nقال أبو البقاء الكفوي في الكليات: \"الإعراض: أن تولي الشيء عرضك: أي جانبك ولا تقبل عليه، والتولي: الإعراض مطلقا، ولا يلزمه الإدبار ... والإعراض: الانصراف عن الشيء بالقلب، قال بعضهم: المعرض والمتولي يشتركان في ترك السلوك إلا أن المعرض أسوأ حالًا ... وغاية الذم الجمع بينهما\" (^٣).\nوقال المناوي: \"التولِّي: الإعراض المتكلف بما يفهمه التفعل ذكره الحرالي\" (^٤).\n_________\n(^١) الإحكام في أصول الأحكام ١/ ٩٢.\n(^٢) الصارم المسلول ص ٣٩ دار الجيل، ٨١.\n(^٣) الكليات ٢٨.\n(^٤) التعاريف للمناوي ٢/ ٢١٦.","vol":"1","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>٣٤ - أعمال القلوب </span>*\nهي ما تعلقت بعمل القلب وارتبطت به كالتوكل والمحبة والرغبة والرهبة والرجاء والخوف والإخلاص وتسمى أيضًا عبادة قلبية (^١).\nقال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀: \"وإنما أعطى الله كلَّ جارحة عملًا لم يُعطه الأخرى، فعمل القلب: الاعتقاد، وعمل اللسان: القول، وعمل اليد: التناول، وعمل الرجل: المشي، وكلها يجمعها اسم العمل\" (^٢).\nوقال ابن العربي ﵀: \"فالعمل له محلان: أحدهما القلب، والآخر الجوارح وعلى القلب أمران: أحدهما الاعتقاد، والآخر الإخلاص\" (^٣).\nوقال ابن تيمية ﵀: \"وأصل العمل عمل القلب وهو الحب والتعظيم المنافي للبغض والاستكبار\" (^٤).\nوقال أيضًا: \"وعمل القلب هو المحبة على سبيل الخضوع\" (^٥).\nوقال أيضًا: \"والأمر يستوجب الانقياد له والاستسلام، وهو عمل في القلب جِماعه الخضوع والانقياد للأمر، وإن لم يفعل المأمور به\" (^٦).\n_________\n* الصارم المسلول ص ٤٥٩، ٥١٩، العقيدة الأصفهانية ص ١٧٨، مدارج السالكين ٢/ ٢١٤، ٢٢٨، ٣٩٧، الصلاة لابن القيم ص ٢٤، ٢٥، أعمال القلوب عند شيخ الإسلام ابن تيمية جمع وترتيب سليمان الغصن، مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٢٢٤. وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ٢٣١، ٢٣٢.\n(^١) انظر للاستزادة كتاب: التحفة العراقية لابنِ تَيمِيَّةَ ١٨.\n(^٢) كتاب الإيمان، ص ٥٢.\n(^٣) قانون التأويل ص ٣٨٠.\n(^٤) الاستقامة ٢/ ٣١٠.\n(^٥) مجموع الفتاوى ٢/ ٤٠.\n(^٦) الصارم المسلول ص ٥١٩.","vol":"1","page":169},{"text":"وقال ﵀: \"فإن الإيمان أصله الإيمان الذي في القلب، ولابد فيه من شيئين: تصديق بالقلب، وإقراره ومعرفته. ويقال لهذا: قول القلب. قال الجنيد بن محمد: \"التوحيد: قول القلب، والتوكل: عمل القلب، فلابد فيه من قول القلب، وعمله: ثم قول البدن وعمله، ولابد فيه من عمل القلب، مثل حب الله ورسوله، وخشية الله وحب ما يحبه الله ورسوله وبغض ما يبغضه الله ورسوله، وإخلاص العمل لله وحده، وتوكل القلب على الله وحده، وغير ذلك من أعمال القلوب التي أوجبها الله ورسوله وجعلها من الإيمان، ثم القلب هو الأصل، فإذا كان فيه معرفة وإرادة سرى ذلك إلى البدن بالضرورة، لا يمكن أن يتخلف البدن عما يريده القلب، ولهذا قال النبي - ﷺ - في الحديث الصحيح: \"ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد إلا وهي القلب\"\" (^١).\nوقال ابن القيم ﵀: \"وهذا متفق عليه بين الصحابة والتابعين وأئمة السنة أن الإيمان لا يكفي فيه قول اللسان بمجرده ولا معرفة القلب مع ذلك بل لابد فيه من عمل القلب وهو حبه لله ورسوله وانقيادة لدينه والتزامه طاعته ومتابعه رسوله وهذا خلاف من زعم أن الإيمان هو مجرد معرفة القلب وإقراره\" (^٢).\nوقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن ﵀: \"عمل القلب هو قصده واختياره ومحبته ورضاه وتصديقه\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-134> ومن أعمال القلوب:</span>\nاليقين: وهو أهمها وروحها، قال ابن القيم: \"فاليقين روح أعمال القلوب التي هي أرواح أعمال القلوب التي هي من أعمال الجوارح وهو حقيقة الصديقية وهو\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٧/ ١٨٦، ١٨٧.\n(^٢) مفتاح دار السعادة ١/ ٩٤.\n(^٣) الدرر السنية ١/ ٤٧٩.","vol":"1","page":170},{"text":"قطب هذا الشأن الذي عليه مداره.\nوروى خالد بن يزيد عن السفيانين عن التميمي عن خيثمة عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"لا ترضينَّ أحدًا بسخط الله، ولا تحمدنَّ أحدًا على فضل الله، ولا تذمنَّ أحدًا على ما لم يؤتك الله، فإن ما رزق الله لا يسوقه إليك حرص حريص ولا يرده عنك كراهية كاره، وإن الله بعدله وقسطه جعل الرَّوْح والفرح في الرضى واليقين، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط\" (^١) \" (^٢).\nالرضى: قال ابن القيم ﵀: \"إن الرضى من أعمال القلوب نظير الجهاد من أعمال الجوارح فإن كل واحد منهما ذروة سنام الإيمان قال أبو الدرداء: ذروة سنام الإيمان الصبر للحكم والرضى بالقدر\" (^٣).\nالصدق: قال ابن القيم: \"ولهذا كان أصل أعمال القلوب كلها الصدق وأضدادها من الرياء والعجب والكبر والفخر والخيلاء والبطر والأشر والعجز والكسل والجبن والمهانة وغيرها أصلها الكذب فكل عمل صالح ظاهر أو باطن فمنشؤه الصدق، وكل عمل فاسد ظاهر أو باطن فمنشؤه الكذب والله تعالى يعاقب الكذاب بأن يقعده ويثبطه عن مصالحه ومنافعه ويثيب الصادق بأن يوفقه للقيام بمصالح دنياه وآخرته، فما استجلبت مصالح الدنيا والآخرة بمثل الصدق ولا مفاسدها ومضارها بمثل الكذب\" (^٤).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-135> العلاقة بين أعمال القلوب وأعمال الجوارح:</span>\nقال ابن القيم ﵀: \"إن لله على العبد عبوديتين: عبودية باطنة وعبودية ظاهرة،\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) مدارج السالكين ٢/ ٣٩٧.\n(^٣) مدارج السالكين ٢/ ٢١٤.\n(^٤) الفوائد ص ١٣٦.","vol":"1","page":171},{"text":"فله على قلبه عبودية، وعلى لسانه وجوارحه عبودية فقيامه بصورة العبودية الظاهرة مع تعريه عن حقيقة العبودية الباطنة مما لا يقربه إلى ربه ولا يوجب له الثواب وقبول عمله فإن المقصود امتحان القلوب وابتلاء السرائر فعمل القلب هو روح العبودية ولبها، فإذا خلا عمل الجوارح منه كان كالجسد الموات بلا روح والنية هي عمل القلب الذي هو ملك الأعضاء والمقصود بالأمر والنهي فكيف يسقط واجبه ويعتبر واجب رعيته وجنده وأتباعه اللاتي، إنما شرعت واجباتها لأجله ولأجل صلاحه وهل هذا إلا عكس القضية وقلب الحقيقة والمقصود بالأعمال كلها ظاهرها وباطنها إنما صلاح القلب وكماله وقيامه بالعبودية بين يدي ربه وقيومه وإلهه ومن تمام ذلك قيامه هو وجنده في حضرة معبوده وربه فإذا بعث جنوده ورعيته وتغيب هو عن الخدمة والعبودية فما أجدر تلك الخدمة بالرد والمقت وهذا مثل في غاية المطابقة وهل الأعمال الخالية عن عمل القلب إلا بمنزلة حركات العابثين وغايتها أن لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب ولما رأى بعض أرباب القلوب طريقة هؤلاء انحرف عنها إلى أن صرفه همه إلى عبودية القلب وعطل عبودية الجوارح وقال المقصود قيام القلب بحقيقة الخدمة والجوارح تبع والطائفتان متقابلتان أعظم تقابل هؤلاء لا التفات لهم إلى عبودية جوارحهم ففسدت عبودية قلوبهم وأولئك لا التفات لهم إلى عبودية قلوبهم ففسدت عبودية جوارحهم والمؤمنون العارفون بالله وبأمره قاموا له بحقيقة العبودية ظاهرا وباطنا وقدموا قلوبهم في الخدمة وجعلوا الأعضاء تبعا لها فأقاموا الملك وجنوده في خدمة المعبود وهذا هو حقيقة العبودية ومن المعلوم أن هذا هو مقصود الرب تعالى بإرساله رسله وإنزاله كتبه وشرعه وشرائعه فدعوى المدعي أن المقصود من هذه العبودية حاصل وإن لم يصحبها عبودية القلب من أبطل الدعاوي وأفسدها والله الموفق.","vol":"1","page":172},{"text":"ومن تأمل الشريعة في مصادرها ومواردها عَلِم ارتباط أعمال الجوارح بأعمال القلوب، وأنها لا تنفع بدونها وأن أعمال القلوب أفرض على العبد من أعمال الجوارح وهل يميز المؤمن عن المنافق إلا بما في قلب كل واحد منهما من الأعمال التي ميزت بينهما، وهل يمكن أحد الدخول في الإسلام إلا بعمل قلبه قبل جوارحه؟.\nوعبودية القلب أعظم من عبودية الجوارح وأكثر وأدوم فهي واجبة في كل وقت؛ ولهذا كان الإيمان واجب القلب على الدوام والإسلام واجب الجوارح في بعض الأحيان، فمركب الإيمان القلب ومركب الإسلام الجوارح فهذه كلمات مختصرة في هذه المسألة لو بسطت لقام منها سفر ضخم وإنما أشير إليها إشارة\" (^١).\nوقال في مدارج السالكين: \"إن أعمال الجوارح تضاعف إلى حد معلوم محسوب وأما أعمال القلوب فلا ينتهي تضعيفها وذلك لأن أعمال الجوارح لها حد تنتهي إليه وتقف عِنْدَه فيكون جزاؤها بحسب حدها، وأما أعمال القلوب فهي دائرة متصلة وإن توارى شهود العبد لها.\nمثاله: أن المحبة والرضى حال المحب الراضي لا تفارقه أصلًا، وإن توارى حكمها فصاحبها في مزيد متصل فمزيد المحب الراضي متصل بدوام هذه الحال له، فهو في مزيد ولو فترت جوارحه بل قد يكون مزيده في حال سكونه وفتوره أكثر من مزيد كثير من أهل النوافل بما لا نسبة بينهما ويبلغ ذلك بصاحبه إلى أن يكون مزيده حال نومه أكثر من مزيد كثير من أهل القيام وأكله أكثر من مزيد كثير من أهل الصيام والجوع. فإن أنكرت هذا فتأمل مزيد نائم بالله وقيام غافل عن الله،\n_________\n(^١) بدائع الفوائد ٣/ ١٩٢، ١٩٣ دار الكتاب العربي.","vol":"1","page":173},{"text":"فالله سبحانه إنما ينظر إلى القلوب والهمم والعزائم لا إلى صور الأعمال\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-136> ومن أعمال القلوب وأعمال الجوارح:</span>\nقال ابن القيم: \"وعمل القلب كالمحبة له والتوكل عليه والإنابة إليه والخوف منه والرجاء له، وإخلاص الدين له، والصبر على أوامره وعن نواهيه وعلى أقداره والرضى به وعنه، والموالاة فيه والمعاداة فيه، والذل له والخضوع والإخبات إليه والطمأنينة به وغير ذلك من أعمال القلوب التي فرضها أفرض من أعمال الجوارح ومستحبها أحب إلى الله من مستحبها وعمل الجوارح بدونها إما عدم المنفعة أو قليل المنفعة وأعمال الجوارح كالصلاة والجهاد ونقل الأقدام إلى الجمعة والجماعات ومساعدة العاجز والإحسان إلى الخلق ونحو ذلك\" (^٢).\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٢/ ٢٢٨.\n(^٢) مدارج السالكين ١/ ١٠١.","vol":"1","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>٣٥ - الأعياد</span>\nانظر باب (عيد).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>٣٦ - الإقامة في بلاد الكفار </span>*\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>[الولاء والبراء - الهجرة]</span>\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"الإقامة في بلاد الكفار خطرها عظيم على دين المسلم، وأخلاقه، وسلوكه، وآدابه وقد شاهدنا وغيرنا انحراف كثير ممن أقاموا هناك فرجعوا بغير ما ذهبوا به، رجعوا فسّاقًا، وبعضهم رجع مرتدًا عن دينه وكافرًا به وبسائر الأديان - والعياذ بالله - حتى صاروا إلى الجحود المطلق والاستهزاء بالدين وأهله السابقين منهم واللاحقين، ولهذا كان ينبغي بل يتعين التحفظ من ذلك ووضع الشروط التي تمنع من الهوي في تلك المهالك\" (^١).\nوقد جاء في الكتاب والسنة النهي عن التشبه بالكفار كما جاء النهي عن الأسباب الموصلة إلى التشبه بهم، فالإقامة في بلادهم سببٌ في التشبه بهم ظاهرًا وباطنًا؛ فأمرت الشريعة بالابتعاد عن منازل المشركين وجاء الوعيد في حق من ساكنهم وخالطهم وأقام في بلادهم.\n_________\n* الدرر السنية ٨/ ١٦٢، ٤٥٩، ٤٨٤، ٩/ ٢٤٨، ٢٥٤. ١١/ ٣٣٨، ١٢/ ٤٠٥. المجموعة الكاملة للسعدي ٧/ ٦٩. شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٣٢، ١٣٩. نواقض الإيمان القولية والعملية لآل عبد اللطيف ص ٣٦٤. التجنس بجنسية دولة غير إسلامية لمحمد السبيل، بحث في مجلة المجمع الفقهي، العدد ٤ ص ١٥٦، ١٥٧. السنن والآثار الواردة في النهي عن التشبه بالكفار ص ٣٩٧، ٤٠١. وانظر للاستزادة مراجع الولاء والبراء.\n(^١) شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ١٣٢.","vol":"1","page":175},{"text":"* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧].\nقال ابن كثير: \"هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكنًا من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه مرتكب حرامًا بالإجماع\" (^١).\n* الدليل من السنة: عن جرير بن عبد الله البجلي - ﵁ - أنه قال: يا رسول الله، بايعني واشترط، فقال رسول الله - ﷺ -: \"تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتناصح المسلمين، وتفارق المشركين\" (^٢).\nوقال - ﷺ -: \"لا يَقْبَلُ الله ﷿ مِنْ مُشْرِكٍ بَعْدَمَا أَسْلَمَ عَمَلًا أَوْ يُفَارِقَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ\" (^٣).\nوعن جرير بن عبد الله البجلي - ﵁ - مرفوعًا: \"أنا برئ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين\" قالوا: يا رسول الله ولم؟ قال: \"لا قراءى نارهما\" (^٤).\nقال الخطابي: \"في قوله \"لا تراءى نارهما\" ثلاثة أوجه:\nأحدهما: معناه لا يستوي حكماهما، قاله بعض أهل العلم.\nوقال بعضهم: معناه أن الله قد فرق بين داري الإسلام والكفر، فلا يجوز لمسلم أن يساكن الكفار في بلادهم حتى إذا أوقدوا نارًا كان منهم بحيث يراها.\nوفيه وجه ثالث ذكره بعض أهل اللغة قال: معناه لا يتسم بسمة المشرك ولا\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير ١/ ٥١٤.\n(^٢) رواه النسائي.\n(^٣) أخرجه النسائي (٢٥٦٩)، وابن ماجه (٢٥٣٦)، وأحمد (٢٠٢٩٩).\n(^٤) أخرجه أبو داود (٢٦٤٥) والترمذي (١٦٠٤).","vol":"1","page":176},{"text":"يتشبه به في هديه وشكله. والعرب تقول: ما نار بعير؟ أي: ما سمته\" (^١).\nوقال ابن الأثير: \"\"لا تراءى ناراهما\". أي: يلزم المسلم ويجب عليه أن يُباعِد منزِلَه عن منزِلِ المشرك ولا ينزل بالموضع الذي إذا أوقِدتْ فيه نارُه تَلوُح وتظهرُ لنار المشرك إذا أوقدها في منزله ولكنه ينزل مع المسلمين في دارهم\" (^٢).\nوقال ابن القيم: \"إن النار هي شعار القوم عند النزول وعلاماتهم وهي تدعوهم إليهم، والطارق يأنس بها، فإذا ألم بها جاور أهلها وسالمهم، فنار المشركين تدعو إلى الشيطان وإلى نار الآخرة، فإنها إنما توقد في معصية الله، ونار المؤمنين تدعو إلى الله وإلى طاعته وإعزاز دينه، فكيف تتفق الناران، وهذا شأنهما؟ وهذا من أفصح الكلام وأجزله، المشتمل على المعنى الكثير الجليل بأوجز عبارة\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-140> الفرق بين بلاد الإسلام وبلاد الكفر:</span>\nانظر باب (الهجرة).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-141> أقوال العلماء في النهي عن الإقامة ببلاد الكفار:</span>\nللعلماء كلام في الإقامة ببلد الكفر سواء كانت بلد حرب أو بلد عهد، ويلحظ أن الحكم يختلف باختلاف الدار، كما يختلف باختلاف نية المقيم وقدرته على إظهار دينه (^٤).\nيقول ابن رشد: \"فإذا وجب بالكتاب والسنة وإجماع الأمة على من أسلم ببلد الحرب أن يهاجر، ويلحق بدار المسلمين ولا يثوي بين المشركين، ويقيم بين أظهرهم لئلا تجري عليه أحكامهم، فكيف يباح لأحد الدخول إلى بلادهم حيث\n_________\n(^١) معالم السنن مع مختصر السنن ٣/ ٤٣٧.\n(^٢) النهاية ٢/ ١٧٧ (ر أ ى).\n(^٣) تهذيب السنن لابن القيم الجوزية مع مختصر السنن ٣/ ٤٣٦.\n(^٤) انظر للاستزادة فتوى شيخ الإسلام عن بلد ماردين، مجموع الفتاوى ٢٨/ ٢٤٠.","vol":"1","page":177},{"text":"تجري عليه أحكامهم في تجارة أو غيرها، وقد كره مالك - رحمه الله تعالى - أن يسكن أحد ببلد يُسَبُّ فيه السلف فكيف ببلد يكفر فيه بالرحمن، وتعبد فيه من دونه الأوثان، ولا تستقر نفس أحد على هذا إلا وهو مسلم سوء، مريض الإيمان\" (^١).\nوقال العيني: \"وأما الهجرة عن المواضع التي لا يتأتى فيها أمر الدين فهي واجبة اتفاقًا\" (^٢). وسيأتي في باب (الهجرة) أقوال العلماء في ذلك.\nوقال الشيخ ابن عتيق: \"من أقام ببلاد الكفر رغبة واختيارًا لصحبتهم، فيرضى ما هم عليه من الدين، أو يمدحه، أو يرضيهم بعيب المسلمين، فهذا كافر عدو لله ورسوله، لقوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨] \" (^٣).\nوقال الشيخ ابن عثيمين: \"فالإقامة في بلاد الكفر لا بد فيها من شرطين أساسيين:\nالشرط الأول: أمن المقيم على دينه بحيث يكون عنده من العلم والإيمان، وقوة العزيمة ما يطمئنه على الثبات على دينه والحذر من الانحراف والزيغ وأن يكون مضمرا لعداوة الكافرين وبغضهم مبتعدًا عن موالاتهم ومحبتهم، فإن موالاتهم ومحبتهم مما ينافي الإيمان قال الله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ\n_________\n(^١) مقدمات ابن رشد ٢/ ٦١٢، ٦١٣.\n(^٢) عمدة القاري ١٤/ ٨٠.\n(^٣) الدفاع عن أهل السنة والاتباع لحمد بن عتيق ص ١٢، والدرر السنية ٧/ ٢٠٢.","vol":"1","page":178},{"text":"وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١، ٥٢].\nوثبت في الصحيح عن النبي - ﷺ - أن: \"من أحب قومًا فهو منهم، وأن المرء مع من أحب\" (^١).\nومحبة أعداء الله من أعظم ما يكون خطرًا على المسلم؛ لأن محبتهم تستلزم موافقتهم واتباعهم، أو على الأقل عدم الإنكار عليهم ولذلك قال النبي - ﷺ -: \"من أحب قومًا فهو منهم\".\nالشرط الثاني: أن يتمكن من إظهار دينه بحيث يقوم بشعائر الإسلام بدون ممانع، فلا يمنع من إقامة الصلاة والجمعة والجماعات إن كان معه من يصلي جماعة ومن يقيم الجمعة، ولا يمنع من الزكاة والصيام والحج وغيرها من شعائر الدين، فإن كان لا يتمكن من ذلك لم تجز الإقامة لوجوب الهجرة حينئذ.\nوبعد تمام هذين الشرطين الأساسين تنقسم الإقامة في دار الكفر إلى أقسام:\nالقسم الأول: أن يقيم للدعوة إلى الإسلام والترغيب فيه، فهذا نوع من الجهاد فهي فرض كفاية على من قدر عليها، بشرط أن تتحقق الدعوة وأن لا يوجد من يمنع منها أو من الاستجابة إليها، لأن الدعوة إلى الإسلام من واجبات الدين وهي طريقة المرسلين وقد أمر النبي - ﷺ -، بالتبليغ عنه في كل زمان ومكان فقال - ﷺ - \"بلغوا عني ولو آية\".\nالقسم الثاني: أن يقيم لدراسة أحوال الكافرين والتعرف على ما هم عليه من فساد العقيدة، وبطلان التعبد، وانحلال الأخلاق، وفوضوية السلوك؛ ليحذّر\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦١٦٨) ومسلم (٢٦٤).","vol":"1","page":179},{"text":"الناس من الاغترار بهم، ويبين للمعجبين بهم حقيقة حالهم، وهذه الإقامة نوع من الجهاد أيضا لما يترتب عليها من التحذير من الكفر وأهله المتضمن للترغيب في الإسلام وهديه، لأن فساد الكفر دليل على صلاح الإسلام، كما قيل: وبضدها تتبين الأشياء. لكن لا بد من شرط أن يتحقق مراده بدون مفسدة أعظم منه، فإن لم يتحقق مراده بأن منع من نشر ما هم عليه والتحذير منه فلا فائدة من إقامته، وإن تحقق مراده مع مفسدة أعظم مثل أن يقابلوا فعله بسب الإسلام ورسول الإسلام وأئمة الإسلام وجب الكف لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٨].\nويشبه هذا أن يقيم في بلاد الكفر ليكون عينًا للمسلمين؛ ليعرف ما يدبرونه للمسلمين من المكايد فيحذرهم المسلمون، كما أرسل النبي - ﷺ - حذيفة بن اليمان إلى المشركين في غزوة الخندق ليعرف خبرهم.\nالقسم الثالث: أن يقيم لحاجة الدولة المسلمة وتنظيم علاقاتها مع دولة الكفر كموظفي السفارات فحكمها حكم ما أقام من أجله. فالملحق الثقافي مثلا يقيم ليرعى شؤون الطلبة ويراقبهم ويحملهم على التزام دين الإسلام وأخلاقه وآدابه، فيحصل بإقامته مصلحة كبيرة ويندرئ بها شر كبير.\nالقسم الرابع: أن يقيم لحاجة خاصة مباحة كالتجارة والعلاج فتباح الإقامة بقدر الحاجة، وقد نص أهل العلم - ﵏ - على جواز دخول بلاد الكفار للتجارة وأثروا ذلك عن بعض الصحابة - ﵃ -.\nالقسم الخامس: أن يقيم للدراسة وهي من جنس ما قبلها إقامة لحاجة لكنها أخطر منها وأشد فتكًا بدين المقيم وأخلاقه، فإن الطالب يشعر بدنو مرتبته وعلو","vol":"1","page":180},{"text":"مرتبة معلميه، فيحصل من ذلك تعظيمهم والاقتناع بآرائهم وأفكارهم وسلوكهم فيقلدهم إلا من شاء الله عصمته وهم قليل، ثم إن الطالب يشعر بحاجة إلى معلمه فيؤدي ذلك إلى التودد إليه ومداهنته فيما هو عليه من الانحراف والضلال.\nوالطالب في مقر تعلمه له زملاء يتخذ منهم أصدقاء يحبهم ويتولاهم ويكتسف منهم، ومن أجل خطر هذا القسم وجب التحفظ فيه أكثر مما قبله فيشترط فيه بالإضافة إلى الشرطين الأساسيين شروط:\nالشرط الأول: أن يكون الطالب على مستوى كبير من النضج العقلي الذي يميز به بين النافع والضار وينظر به إلى المستقبل البعيد فأما بعث الأحداث - صغار السن - وذوي العقول الصغيرة فهو خطر عظيم على دينهم، وخلقهم، وسلوكهم، ثم هو خطر على أمتهم التي سيرجعون إليها وينفثون فيها السموم التي نهلوها من أولئك الكفار كما شهد ويشهد به الواقع، فإن كثيرا من أولئكم المبعوثين رجعوا بغير ما ذهبوا به، رجعوا منحرفين في دياناتهم، وأخلاقهم، وسلوكهم، وحصل عليهم وعلى مجتمعهم من الضرر في هذه الأمور ما هو معلوم ومشاهد، وما مثل بعث هؤلاء إلا كمثل تقديم النعاج للكلاب الضارية.\nالشرط الثاني: أن يكون عند الطالب من علم الشريعة ما يتمكن به من التمييز بين الحق والباطل، ومقارعة الباطل بالحق لئلا ينخدع بما هم عليه من الباطل فيظنه حقا أو يلتبس عليه أو يعجز عن دفعه فيبقى حيرانًا أو يتبع الباطل.\nوفي الدعاء المأثور: \"اللهم أرني الحق حقًّا وارزقني اتباعه، وأرني الباطل باطلًا وارزقني اجتنابه، ولا تجعله ملتبسًا عليّ فأضل\".\nالشرط الثالث: أن يكون عند الطالب دين يحميه ويتحصن به من الكفر والفسوق، فضعيف الدين لا يسلم مع الإقامة هناك إلا أن يشاء الله وذلك لقوة المهاجم وضعف المقاوم، فأسباب الكفر والفسوق هناك قوية وكثيرة متنوعة فإذا","vol":"1","page":181},{"text":"صادفت محلا ضعيف المقاومة عملت عملها.\nالشرط الرابع: أن تدعو الحاجة إلى العلم الذي أقام من أجله بأن يكون في تعلمه مصلحة للمسلمين ولا يوجد له نظير في المدراس في بلادهم، فإن كان من فضول العلم الذي لا مصلحة فيه للمسلمين أو كان في البلاد الإسلامية من المدارس نظيره لم يجز أن يقيم في بلاد الكفر من أجله لما في الإقامة من الخطر على الدين والأخلاق، وإضاعة الأموال الكثيرة بدون فائدة.\nالقسم السادس: أن يقيم للسكن وهذا أخطر مما قبله وأعظم لما يترتب عليه من المفاسد بالاختلاط التام بأهل الكفر وشعوره بأنه مواطن ملتزم بما تقتضيه الوطنية من مودة، وموالاة، وتكثير لسواد الكفار، ويتربى أهله بين أهل الكفر فيأخذون من أخلاقهم وكاداتهم، وربما قلدوهم في العقيدة والتعبد ولذلك جاء في الحديث عن النبي - ﷺ -: \"من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله\". وهذا الحديث وإن كان ضعيف السند لكن له وجهة من النظر فإن المساكنة تدعوا إلى المشاكلة، وعن قيس بن أبي حازم عن جرير ابن عبد الله - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"أنا برئ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين\" قالوا: يا رسول الله ولم؟ قال: \"لا تراءى نارهما\" (^١).\nوكيف تطيب نفس مؤمن أن يسكن في بلاد كفار تعلن فيها شعائر الكفر ويكون الحكم فيها لغير الله ورسوله وهو يشاهد ذلك بعينه ويسمعه بأذنيه ويرضى به، بل ينتسب إلى تلك البلاد ويسكن فيها بأهله وأولاده ويطمئن إليها كما يطمئن إلى بلاد المسلمين مع ما في ذلك من الخطر العظيم عليه وعلى أهله وأولاده في دينهم وأخلاقهم.\n_________\n(^١) سبق تخريجه.","vol":"1","page":182},{"text":"هذا ما توصلنا إليه في حكم الإقامة في بلاد الكفر نسأل الله أن يكون موافقا للحق والصواب\" (^١).\nولبيان معنى إظهار الدين قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: \"الإظهار ضد الإخفاء فالمظهر لدينه هو الذي يتمكن من إعلانه ولا يضطهد على ذلك ولا يخفيه والعاجز عن الإظهار هو الذي لا يقدر على إظهار إيمانه وتوحيده وعقائد دينه وشرائعه والدين لا يحد ولا يفسر بتفسير أحسن ولا أوضح من تفسير النبي - ﷺ - ولا أجمع فإنه فسره بمجموع عقائد الدين وشرائعه وحقائقه، فجعل ذلك كله هو الدين فمتى قدر الإنسان على إظهار هذه الأمور وعدم إخفاء شيء منها فهو المظهر لدينه، ومتى عجز عن إظهارها أو إظهار شيء منها فهو عاجز عن إظهار دينه\".\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-142> حكم السفر إلى بلاد الكفار:</span>\nسئل الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: هل يجوز للمسلم أن يسافر إلى بلد الكفار الحربية، لأجل التجارة أم لا؟\nفأجاب: \"الحمد لله إن كان يقدر على إظهار دينه، ولا يوالي المشركين، جاز له ذلك، فقد سافر بعض الصحابة - ﵃ - كأبي بكر - ﵁ - وغيره من الصحابة، إلى بلدان المشركين، لأجل التجارة، ولم ينكر ذلك النبي - ﷺ -، كما رواه أحمد في مسنده وغيره.\nوإن كان لا يقدر على إظهار دينه، ولا على عدم موالاتهم، لم يجز له السفر إلى ديارهم، كما نص على ذلك العلماء، وعليه تحمل الأحاديث، التي تدل على النهي عن ذلك، ولأن الله تعالى أوجب على الإنسان العمل بالتوحيد، وفرض عليه عداوة المشركين، فما كان ذريعة وسببًا إلى إسقاط ذلك لم يجز.\n_________\n(^١) انظر شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ١٢٣، ١٣٩.","vol":"1","page":183},{"text":"وأيضًا: فقد يجره ذلك إلى موافقتهم، وإرضائهم، كما هو الواقع كثيرًا، ممن يسافر إلى بلدان المشركين، من فساق المسلمين، نعوذ بالله من ذلك\" (^١).\nقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: \"وأما السفر إلى هذه الأقطار للاتجار مع حفظ العبد لدينه وقدرته على إظهاره فما المانع من ذلك والمسلمون ما زالوا يسافرون للتجارة لبلاد الكفر في وقت الصحابة - ﵃ - وقد ذكر ذلك أهل العلم وذكروا ما يدل عليه، ثم قال: وكل هذا دليل على جواز الاتجار إلى بلدانهم بشرط أن يتمكن الإنسان من إقامة دينه وحفظه ... \" (^٢).\nقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"السفر إلى بلاد الكفار لا يجوز إلا بثلاثة شروط:\nالشرط الأول: أن يكون عند الإنسان علم يدفع به الشبهات.\nالشرط الثاني: أن يكون عنده دين يمنعه من الشهوات.\nالشرط الثالث: أن يكون محتاجًا إلى ذلك.\nفإن لم تتم هذه الشروط فإنه لا يجوز السفر إلى بلاد الكفار لما في ذلك من الفتنة أو خوف الفتنة، وفيه إضاعة المال؛ لأن الإنسان ينفق أموالًا كثيرة في هذه الأسفار.\nأما إذا دعت الحاجة إلى ذلك لعلاج أو تلقي علم لا يوجد في بلده وكان عنده علم ودين على ما وصفنا فهذا لا بأس به.\nوأما السفر للسياحة في بلاد الكفار فهذا ليس بحاجة وبإمكانه أن يذهب إلى بلاد إسلامية يحافظ أهلها على شعائر الإسلام، وبلادنا الآن - والحمد لله - أصبحت بلاد سياحية في بعض المناطق فبإمكانه أن يذهب إليها ويقضي زمن إجازته فيها\" (^٣).\n_________\n(^١) مجموعة رسائل الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ١٦٥ - ١٦٧، الدرر السنية ٨/ ١٦١، ١٦٢.\n(^٢) المجموعة الكاملة ٧/ ٧٠.\n(^٣) شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ١٣٢.","vol":"1","page":184},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-143> حكم التجنس بجنسية بلاد كافرة:</span>\nسئلت اللجنة الدائمة برئاسة الشيخ ابن باز ﵀ عن المسلمين الذين يقدمون إلى هذه الديار ينوون الإقامة وكذلك يحصلون على الجنسية الأمريكية فهل يجوز لهم ذلك علما بأنها ديار كفر وشرك وانحلال فأجابت بما يأتي:\n\"لا يجوز لمسلم أن يتجنس بجنسية بلاد حكومتها كافرة لأن ذلك وسيلة إلى موالاتهم والموافقة على ما هم عليه من الباطل أما الإقامة بدون أخذ الجنسية فالأصل فيها المنع لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ [النساء: ٩٧، ٩٨]، ولقول النبي - ﷺ -: \"أنا برئ من كل مسلم يقيم بين المشركين\". ولأحاديث أخرى في ذلك ولإجماع المسلمين على وجوب الهجرة من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام مع الاستطاعة لكن من أقام من أهل العلم والبصيرة في الدين بين المشركين لإبلاغهم دين الإسلام ودعوتهم إليه فلا حرج عليه إذا لم يخش الفتنة في دينه وكان يرجو التأثير فيهم وهدايتهم\" (^١).\nوهناك أقوال أخرى وأحكام ذكرها العلماء وأجابوا عنها حسب ورود السؤال إليهم، ينظر إليها في مظانها (^٢).\n_________\n(^١) اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء رقم ٢٣٩٣.\n(^٢) انظر على سبيل المثال: الفصل المبين في مسألة الهجرة ومفارقة المشركين ص ٩٩، ١٠٠، مجلة المنار، مجلد ٢٥، ج ١، ص ٢٢، التجنس بجنسية دولة غير إسلامية، لمحمد السبيل، بحث في مجلة المجمع الفقهي، العدد ٤، ص ١٥٠ - ١٥٧.\nويلحظ أن الحكم يختلف باختلاف الدار وباختلاف نية المقيم، وبحسب قدرته على إظهار دينه.","vol":"1","page":185},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>٣٧ - الإقسام على الله </span>*\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>[التألِّي على الله]</span>\nيراد به هنا الحلف على الله إذا كان على جهة الحجر على الله والقطع بحصول المقسم على حصوله وهو التألي (^١).\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"والإقسام على الله أن تحلف على الله أن يفعل، أو تحلف عليه أن لا يفعل، مثل والله ليفعلن الله كذا، أو والله لا يفعل الله كذا\" (^٢).\nقال السعدي: \"الإقسام على الله سوء أدب في حق الله وهو مناف للتوحيد وهو في الغالب من باب العجب بالنفس والإدلال على الله، وسوء الأدب معه ولا يتم الإيمان حتى يسلم من ذلك كله\" (^٣).\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"والقَسَم على الله ينقسم إلى أقسام:\nالأول: أن يقسم على ما أخبر الله به ورسوله من نفي أو إثبات، فهذا لا بأس به، وهذا دليل على يقينه بما أخبر الله به رسوله مثل: والله ليُشفِّعن الله نبيه في الخلق يوم القيامة، ومثل: والله لا يغفر الله لمن أشرك به.\nالثاني: أن يقسم على ربه لقوة رجائه وحسن الظن بربه، فهذا جائز لإقرار النبي - ﷺ - ذلك في قصة الربيّع بنت النضر عمة أنس بن مالك - ﵁ - حينما كسرت ثنية جارية من\n_________\n* شَرحُ السُنَّةِ للبَغوي ٢/ ٧٦٢، ٧٧٢. قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص ٨٧ - ٨٩. فتح المجيد ص ٦٠١. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ٣٨٨. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٣/ ٧٨. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٣/ ٢٦٠ ط ٢ - ٣/ ٣٢٦ ومن المجموع ١٠/ ١٠٨٥. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٤/ ٥٥١.\n(^١) حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٣٨٨.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ١٠٨٥. وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ٢٦١.\n(^٣) القول السديد ص ١٥٣.","vol":"1","page":186},{"text":"الأنصار فاحتكموا إلى النبي - ﷺ - فأمر النبي - ﷺ - بالقصاص، فعرضوا عليهم الصلح فأبوا، فقام أنس بن النضر فقال: أتكسر ثنية الربيّع؟ والله يا رسول الله لا تكسر ثنية الربيّع. وهو لا يريد به رد الحكم الشرعي. فقال الرسول - ﷺ -: \"يا أنس كتاب الله القصاص\" يعني السن بالسن، قال: والله لا تكسر ثنية الربيّع، وغرضه بذلك أنه لقوة ما عِنْدَه من التصميم على أن لا تكسر ولو بذل كل غال ورخيص أقسم على ذلك.\nفلما عرفوا أنه مصمم ألقى الله في قلوب الأنصار العفو فعفوا، فقال النبي - ﷺ -: \"إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره\" (^١) فهو لقوة رجائه بالله وحسن ظنه أقسم على الله أن لا تكسر ثنية الربيع فألقى الله العفو في قلوب هؤلاء الذين صمموا أمام الرسول - ﷺ - على القصاص فعفوا وأخذوا الأرش.\nفثناء الرسول - ﷺ - عليه شهادة بأن الرجل من عباد الله، وأن الله أبر قسمه، ولين له هذه القلوب، وكيف لا وهو الذي قال: بأنه يجد ريح الجنة دون أحد ولما استشهد وجد به بضعة وثمانون ما بين ضربة بسيف أو طعنة رمح، ولم يعرفه إلا أخته ببنانه (^٢) وهي الربيّع هذه رضي الله عن الجميع وعنا معهم.\nويدل أيضا لهذا القسم قوله - ﷺ -: \"رُبَّ أشعثَ أغْبَرَ مدفوعٍ بالأبواب لو أقسم على الله لأبره\" (^٣).\nالقسم الثالث: أن يكون الحامل له هو الإعجاب بالنفس وتحجُّر فضل الله ﷿، وسوء الظن به تعالى، فهذا محرم، وهو وشيك بأن يحبط الله عمل هذا المقسم\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٧٠٣)، ومسلم (١٦٧٥) عن أنس - ﵁ -.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٨٠٥)، ومسلم (١٩٠٣).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٦٢٢).\n(^٤) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ١٠٨٥، ١٠٨٦، ١٠٨٧. وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ٢٦٢.","vol":"1","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>٣٨ - الاكتواء</span>\nانظر: (باب الكي).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>٣٩ - الإكراه</span>\nمن موانع التكفير. انظر باب: (التكفير).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>٤٠ - الإلحاد في أسماء الله </span>*\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>[الأسماء والصفات]</span>\nالإلحاد لغة: مأخوذ من اللحد وهو الميل، لحد وألحد بمعنى مال حاد عنه وعدل (^١)، ومنه سمي الحفر بالقبر لحدًا، لأنه مائل إلى جهة القبلة وهو ما يضاد توحيد الأسماء والصفات.\nوشرعًا: وقال ابن القيم في تعريف الإلحاد في أسماء الله: \"هو الميل بها وبحقائقها ومعانيها عن الحق الثابت لها\" (^٢).\n_________\n* الصواعق المرسلة لابن القيم ١/ ٢١٧ - ٢/ ٤٠٣. مختصر الصواعق ٢/ ١١٠. مدارج السالكين ١/ ٢٩، ٣٠ - ٣/ ٣٤٧. بدائع الفوائد ١/ ١٦٩. لوامع الأنوار للسفاريني ١/ ١٢٨. تيسير العزيز الحميد ص ٦٤٥. فتح المجيد ص ٥٢٧. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ٣٣٧. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٤٥ - ٤٦. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٣/ ٧٦، ط ٢ - ٣/ ٩٠ ومن المجموع ١٠/ ٩٠٣. شجرة الإيمان للسعدي من المجموعة ٣/ ٣٩١. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١/ ١٥٧. ٤/ ٢٣ مذكرة التوحيد عبد الرزاق عفيفي ص ١٧. منهج الشافعي في إثبات العقيدة ٣٣٧. شرح مسائل الجاهلية للسعيد ١/ ٤١٥. الشيخ السعدي وجهوده في توضيح العقيدة للعباد ٧٦، ١١١. نواقض الإيمان القولية والعملية ص ١١٨.\n(^١) مختار الصحاح (ل ح د).\n(^٢) بدائع الفوائد ١/ ١٦٩.","vol":"1","page":188},{"text":"وحقيقته الميل بها عما جعلت له وعما يجب فيها إلى ضد التوحيد من الشرك والتعطيل والكفر.\n* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠].\nقال ابن كثير: \"وقال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ قال: إلحاد الملحدين أن دعوا اللات في أسماء الله.\nوقال ابن جريج عن مجاهد ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ قال اشتقوا اللات من الله، والعزى من العزيز، وقال قتادة يلحدون يشركون في أسمائه.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الإلحاد التكذيب: وأصل الإلحاد في كلام العرب العدول عن القصد، والميل والجور والانحراف، ومنه اللحد في القبر لانحرافه إلى جهة القبلة عن سمت الحفر\" (^١).\nوقال ابن القيم رحمه الله تعالى: \"حقيقة الإلحاد في أسماء الله تعالى الميل بالإشراك والتعطيل والنكران. وأسماء الرب تعالى كلها أسماء وأوصاف تعرف بها تعالى إلى عباده، ودلت على كماله ﷿ فالإلحاد إما بجحدها وإنكارها، وإما بجحد معانيها وتعطيلها، وإما بتحريفها عن الصواب وإخراجها عن الحق بالتأويلات، وإما أن يجعلها أسماء لهذه المخلوقات، كإلحاد أهل الاتحاد، فإنهم جعلوها أسماء هذا الكون محمودها ومذمومها، حتى قال زعيمهم: هو المسمى بمعنى كل اسم ممدوح عقلًا وشرعًا وعرفًا، وبكل اسم مذموم عقلًا وشرعًا وعرفًا، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا\" (^٢).\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير ٢/ ٢٤٨، وينظر تفسير الطبري ١٣/ ٢٨٢، ٢٨٣.\n(^٢) مدارج السالكين ١/ ٢٩، ٣٠.","vol":"1","page":189},{"text":"وقال ﵀: \"والإلحاد في أسمائه تعالى أنواع:\nأحدها: أن يسمي الأصنام بها، كتسميتهم اللات: من الإله، والعزى: من العزيز، وتسميتهم الصنم إلهًا، وهذا إلحاد حقيقة، فإنهم عدلوا عن أسمائه إلى أوثانهم وآلهتهم الباطلة.\nالثاني: تسميته بما لا يليق بجلاله كتسمية النصارى له أبًا، وتسمية الفلاسفة له موجبا بذاته، أو علة فاعلة بالطبع ونحو ذلك.\nالثالث: وصفه بما يتعالى عنه ويتقدس من النقائص، كقول أخبث اليهود إنه فقير، وقولهم إنه استراح بعد أن خلق خلقه.\nالرابع: تعطيل الأسماء عن معانيها وجحد حقائقها، كقول من يقول من الجهمية وأتباعهم إنها ألفاظ مجردة لا تتضمن صفات ولا معاني ...\nالخامس: تشبيه صفاته بصفات خلقه تعالى الله عما يقولون المشبهون علوًا كبيرًا\" (^١).\nوالإلحاد يضاد توحيد الأسماء والصفات. قال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"الشرك في توحيد الأسماء والصفات نوعان:\nأحدهما: تشبيه الخالق بالمخلوق، كمن يقول: يد كيدي، وسمع كسمعي، وبصر كبصري، واستواء كاستوائي، وهو شرك المشبهة.\nالثاني: اشتقاق أسماء للآلهة الباطلة من أسماء الإله الحق. قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (^٢).\nقال ابن عَبَّاسٍ: يلحدون في أسمائه: يشركون. وعنه: سموا اللات من الإله، والعزى من العزيز\" (^٣).\n_________\n(^١) بدائع الفوائد ١/ ١٩، ١٩٢ باختصار، وانظر للاستزادة تيسير العزيز الحميد ص ٦٤٥.\n(^٢) الأعراف آية (١٨٠).\n(^٣) تيسير العزيز الحميد ص ٤٤.","vol":"1","page":190},{"text":"قال الشيخ السعدي: \"فحقيقة الإلحاد في أسماء الله هو الميل بها عن مقصودها لفظا أو معنى، تصريحًا، أو تأويلًا، أو تحريفًا، وكل ذلك مناف للتوحيد والإيمان\" (^١).\nوقال ابن عثيمين: \"والإلحاد في أسماء الله الميل بها عما يجب فيها وهو أنواع:\nالأول: أن ينكر شيئا من الأسماء أو مما دلت عليه من الصفات أو الأحكام، ووجه كونه إلحادًا أنه مال بها عما يجب لها إذ الواجب إثباتها وإثبات ما تتضمنه من الصفات والأحكام.\nالثاني: أن يثبت لله أسماء لم يسم الله بها نفسه؛ كقول الفلاسفة في الله: أنه علة فاعلة في هذا الكون تفعل، وهذا الكون معلول لها، وليس هناك إله. وبعضهم يسميه العقل الفعّال، فالذي يدير هذا الكون هو العقل الفعال، وكذلك النصارى يسمون الله أبا وهذا إلحاد.\nالثالث: أن يجعلها دالة على التشبيه، فيقول: الله سميع بصير قدير، والإنسان سميع بصير قدير، اتفقت هذه الأسماء فيلزم أن تتفق المسميات، ويكون الله ﷾ مماثلا للخلق، فيتدرج بتوافق الأسماء إلى التوافق بالصفات.\nووجه الإلحاد: أن أسماءه دالة على معان لائقة بالله لا يمكن أن تكون مشابهة لما تدل عليه من المعاني في المخلوق.\nالرابع: أن يشتق من هذه الأسماء للأصنام كتسمية اللات من الإله أو من الله، والعزى من العزيز، ومناة من المنان حتى يلقوا عليها شيئا من الألوهية ليبرروا هم عليه\" (^٢).\nأما من جحد شيئًا من الأسماء والصفات فسوف نتكلم عنها في باب (توحيد الأسماء والصفات).\n_________\n(^١) القول السديد ص ١٣٥.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٩٠٤. وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ٧٧.","vol":"1","page":191},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>٤١ - اللهم اغفر لي إن شئت </span>*\nلما كان العبد لا غناء له عن رحمة الله ومغفرته طرفة عين؛ نهى - ﷺ - عن تعليق حصول المغفرة والرحمة من الله على المشيئة وأمر بعزم الطلب دون تعليق وعلل ذلك بأن تعليق الطلب من الله على المشيئة يشعر بأن الله يثقله شيء من حوائج خلقه أو يضطره شيء إلى قضائها وهذا خلاف الحق فإنه هو الغني الحميد الفعال لما يريد.\nكما يشعر ذلك بفتور العبد في الطلب واستغنائه عن ربه وهو لا غنى له عن ربه ﷿.\n* الدليل من السنة: في الصحيح عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت ليعزم المسألة فإنه لا مستكره له\". ولمسلم: \"وليعظم الرّغبة فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-151> أقوال العلماء في الحكمة من النهي عن تعليق الدعاء بالمشيئة:</span>\nقال في التيسير: \"قال القرطبي: إنما نهى الرسول - ﷺ - عن هذا القول لأنه يدل على فتور الرغبة، وقلة الاهتمام بالمطلوب. وكأن هذا القول يتضمن أن هذا المطلوب إن حصل وإلا استغنى عنه، ومن كان هذا حاله لم يتحقق من حاله الافتقار والاضطرار الذي هو روح عبادة الدعاء، وكان ذلك دليلا على قلة معرفته بذنوبه، وبرحمة ربه. وأيضا فإنه لا يكون موقنا بالإجابة. وقد قال ﵇: \"ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل\" (^٢) \" (^٣).\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ١٩/ ٤٩. المصنف لابن أبي شيبة ٦/ ٢١. تيسير العزيز الحميد ص ٦٦١. فتح المجيد ص ٥٣٧. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٣٤٣. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٣/ ٨٩، ط ٢ - ٣/ ١١٠ ومن المجموع ١٠/ ٩١٥. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٤٧. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١/ ٩٠.\n(^١) أخرجه البخاري (٦٣٣٩)، ومسلم (٢٦٧٩).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٣٤٧٩) والحاكم (١/ ٤٩٣) وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (٥٩٤).\n(^٣) تيسير العزيز الحميد ص ٦٦١.","vol":"1","page":192},{"text":"وقال السعدي ﵀: \"الأمور كلها وإن كانت بمشيئة الله وإرادته، فالمطالب الدينية كسؤال الرحمة والمغفرة، والمطالب الدنيوية المعينة على الدّين كسؤال العافية والرزق وتوابع ذلك قد أمر العبد أن يسألها من ربه طالبًا ملحًا جازمًا، وهذا الطلب عين العبودية ومخها، ولا يتم ذلك إلا بالطلب الجازم الذي ليس فيه تعليق بالمشيئة، لأنه مأمور به وهو خير محض لا ضرر فيه، والله تعالى لا يتعاظمه شيء.\nوبهذا يظهر الفرق بين هذا وبين سؤال بعض المطالب المعينة التي لا يتحقق مصلحتها ومنفعتها، ولا يجزم أن حصولها خير للعبد، فالعبد يسأل ربه ويعلقه على اختيار ربه له أصلح الأمرين كالدعاء المأثور: \"اللهم أحيني ... \" وكدعاء الاستخارة.\nفافهم هذا الفرق البديع بين طلب الأمور النافعة المعلوم نفعها وعدم ضررها وأن الداعي يجزم بطلبها ولا يعلقها، وبين طلب الأمور التي لا يدري العبد عن عواقبها، ولا رجحان نفعها على ضررها فالداعي يعلقها على اختيار ربه الذي أحاط بكل شيء علمًا\" (^١).\nوقال ابن عثيمين ﵀: \"والمحظور في هذا التعليق من وجوه ثلاثة:\nالأول: أنه يشعر بأن الله له مكره على الشيء، وأن وراءه من يستطيع أن يمنعه، فكأن الداعي بهذه الكيفية يقول: أنا لا أكرهك، إن شئت فاغفر وإن شئت فلا تغفر.\nالثاني: أن قول القائل: \"إن شئت\" كأنه يرى أن هذا أمر عظيم على الله فقد لا يشاؤه لكونه عظيمًا عنده، ونظير ذلك أن تقول لشخص من الناس - والمثال للصورة بالصورة لا للحقيقة بالحقيقة -: أعطني مليون ريال إن شئت، فإنك إذا قلت له ذلك؛ ربما يكون الشيء عظيمًا يتثاقله، فقولك: إن شئت؛ لأجل أن تُهوِّن عليه المسألة، فالله ﷿ لا يحتاج أن تقول له: إن شئت؛ لأنه ﷾ لا يتعاظمه شيء أعطاه، ولهذا قال ﵊: \"وليعظم الرغبة؛ فإن الله لا\n_________\n(^١) القول السديد ١٣٦.","vol":"1","page":193},{"text":"يتعاظمه شيء أعطاه\" ..\nالثالث: أنه يشعر بأن الطالب مستغنٍ عن الله، كأنه يقول: إن شئت فافعل، وإن شئت فلا تفعل، فأنا لا يهمني، ولهذا قال: \"وليعظم الرغبة\"؛ أي: يسأل برغبة عظيمة، والتعليق ينافي ذلك؛ لأن المعلق للشيء المطلوب يشعر تعليقه بأنه مستغن عنه، والإنسان ينبغي أن يدعو الله تعالى وهو يشعر أن مفتقر إليه غاية الافتقار، وأن الله قادر على أن يعطيه ما سأل، وأن الله ليس يعظم عليه شيء، بل هو هَيِّن عليه، إذًا من آداب الدعاء أن لا يدعو بهذه الصيغة، بل يجزم فيقول: اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني، اللهم وفقني، وما أشبه ذلك\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-152> أحكام وفوائد:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-153> حكم قول اللهم اغفر لي إن شئت:</span>\nتعليق إجابة الدعاء بالمشيئة ينافي كمال التوحيد.\nفإذا كان قوله هذا على وجه الاستغناء أو يقولها مشعرًا أن هذا المطلوب عظيم على الله فهذا حرام ولا يجوز، بل الواجب أن يعزم المسألة ويعظم الرغبة ويتيقن الإجابة فإن الله لا مكره له ولا يتعاظمه شيء أعطاه، وممن قال بالتحريم الحافظ ابن عبد البر حيث قال: \"لا يجوز لأحد أن يقول: اللهم اعطني إن شئت وغير ذلك من أمور الدين والدنيا؛ لأنه كلام مستحيل لا وجه له، لأنه لا يفعل إلا ما شاءه\" (^٢).\nوذهب بعض العلماء كالنووي وابن حجر إلى حمل النهي على كراهة التنزيه (^٣)، وكلامنا هذا إذا كان قوله على وجه الدعاء، وأما إذا كان على وجه الإخبار لا على وجه الدعاء فحكمه الجواز لاختلاف المسألة فباب الإخبار غير باب الدعاء\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٩١٦ - ٩١٧.\n(^٢) فتح الباري ١١/ ١٤٤.\n(^٣) ينظر فتح الباري ١١/ ١٤٤.","vol":"1","page":194},{"text":"لانتفاء المحاذير السابقة وعليه يحمل حديث \"لا بأس طهور إن شاء الله\" (^١) وحديث ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - كان إذا أفطر وهو صائم قال: \"ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله\" (^٢) وحديث زيارة المقبرة وفيه: \"وإنا إن شاء الله بكم لاحقون\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-154> مسألة: سئل الشيخ ابن باز ﵀ عن قول \"إن شاء الله\" على عمل قد تم فقال:</span>\n\" هذا فيه تفصيل، أما في العبادات فلا مانع أن يقول إن شاء الله صليت إن شاء الله صمت؛ لأنه لا يدري هل كملها وقبلت منه أم لا وكان المؤمنون يستثنون في إيمانهم وفي صومهم؛ لأنهم لا يدرون هل أكملوا أم لا، فيقول الواحد منهم: صمت إن شاء الله، ويقول أنا مؤمن إن شاء الله.\nأما الشيء الذي لا يحتاج إلى ذكر المشيئة مثل أن يقول: بعت إن شاء الله، فهذا لا يحتاج إلى ذلك أو يقول: تغذيت أو تعشيت إن شاء الله، فهذا لا يحتاج أن يقول كلمة إن شاء الله؛ لأن هذه الأمور لا تحتاج إلى المشيئة في الخبر عنها لأنها أمور عادية قد فعلها وانتهى منها، بخلاف أمور العبادات التي لا يدري هل وفاها أم بخسها حقها، فإذا قال إن شاء الله فهو للتبرك باسمه سبحانه والحذر من دعوى شيء لم يكن قد أكمله ولا أداه حقه\" (^٤).\nوبه تعلم أن قول: (إن شاء الله) لا يكون في العمل الذي علم انقضاؤه في الزمن الماضي كقول خلق الله السموات والأرض إن شاء الله لكنه يصح في العبادات رجاء قبولها عِنْدَ الله ويقال أيضًا حال الشك وعدم القطع بالأمر فتقول: ذهب\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٦١٦) (٥٦٥٦).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٢٣٥٧) والنسائي في الكبرى (٣٣١٥).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٤٩).\n(^٤) مجموع فتاوى ابن باز ص ٤٩٤.","vol":"1","page":195},{"text":"فلان إن شاء اللهُ لأنك غير مستيقن. ومما يلزم الاستثناء فيه ما يتعلق بالمستقبل كأن تقول سأفعل كذا إن شاء الله كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-155> حكم قول: والله على ما يشاء قدير</span>\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"فإذا تبين أن وصف الله تعالى بالقدرة لا يقيد بالمشيئة بل يطلق كما أطلقه الله تعالى لنفسه فإن ذلك لا يعارضه قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩] فإن المقيد هنا بالمشيئة هو الجمع لا القدرة، والجمع فعل لا يقع إلا بالمشيئة ولذلك قيد بها فمعنى الآية أن الله تعالى قادر على جمعهم متى شاء وليس بعاجز عنه كما يدعيه من ينكره ويقيده بالمشيئة رد لقول المشركين الذين قال الله تعالى عنهم: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ٢٥، ٢٦] فلما طلبوا الإتيان بآبائهم تحديا وإنكارًا لما يجب الإيمان به من البعث، بين الله تعالى أن ذلك الجمع الكائن في يوم القيامة لا يقع إلا بمشيئته ولا يوجب وقوعه تحدي هؤلاء وإنكارهم كما قال الله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧) فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن: ٧ - ٩] والحاصل أن قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ لا يعارض ما قررناه من قبل لأن القيد بالمشيئة ليس عائدًا إلى القدرة وإنما يعود إلى الجمع.\nوكذلك لا يعارضه ما ثبت في صحيح مسلم في كتاب \"الإيمان\" في: باب \"آخر أهل النار خروجًا\" من حديث ابن مسعود - ﵁ -، قال: قال: رسول الله - ﷺ -: \"آخر من","vol":"1","page":196},{"text":"يدخل الجنة رجل ... \" فذكر الحديث وفيه أن الله تعالى قال للرجل: \"إني لا أستهزئ منك ولكني على ما أشاء قادر\" (^١) وذلك لأن القدر في هذا الحديث ذكرت لتقرير أمر واقع والأمر الواقع لا يكون إلا بعد المشيئة، وليس المراد بها ذكر الصفة المطلقة التي هي وصف الله تعالى أزلًا وأبدًا، ولذلك عبر عنها باسم الفاعل ﴿قادر﴾ دون الصفة المشبهة ﴿قَدِيرٌ﴾ وعلى هذا فإذا وقع أمر عظيم يستغربه المرء أو يستبعده فقيل له في تقريره إن الله على ما يشاء قادر فلا حرج في ذلك، وما زال الناس يعبرون بمثل هذا في مثل ذلك، فإذا وقع أمر عظيم يستغرب أو يستبعد قالوا قادر على ما يشاء، فيجب أن يعرف الفرق بين ذكر القدرة على أنها صفة لله تعالى فلا تقيد بالمشيئة، وبين ذكرها لتقرير أمر واقع مانع من تقييدها بالمشيئة لأن الواقع لا يقع إلا بالمشيئة، والقدرة هنا ذكرت لإثبات ذلك الواقع وتقرير وقوعه، والله سبحانه أعلم\" (^٢).\nويقول الشيخ بكر أبو زيد: \"لكن هذا الإطلاق مقيد بأفعال معينة كهذا الحديث وكذلك في الآية ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ معلقة بالجمع وعليه فإن إطلاق هذا اللفظ له حالتان الأولى على وجه العموم فهذا ممتنع لثلاثة وجوه:\n١ - لأن فيها تقييدا لما أطلقه الله.\n٢ - لأنه موهم بأن ما لا يشاؤه لا يقدر عليه.\n٣ - لأنه موح بمذهب القدرية.\nوالحالة الثانية على وجه التقييد كما ذكر\" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٨٧).\n(^٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٣/ ٨٣ - ٨٤، وانظر: للاستزادة في هذا البحث مجموع الفتاوى لابنِ تَيمِيَّةَ ١١/ ٤٨٨.\n(^٣) معجم المناهي اللفظية ص ٣٣٠.","vol":"1","page":197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>٤٢ - الأمن من مكر الله </span>*\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>[اليأس - القنوط]</span>\nالمكر في اللغة: الاحتيال والخديعة (^١).\nوشرعًا: هو التوصل إلى الإيقاع بالخصم من حيث لا يشعر (^٢).\n* الدليل من الكتاب: قول الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩].\nوعن ابن عَبَّاسٍ - ﵄ - في قوله: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾ [النجم: ٣٢] قال: أكبر الكبائر الإشراك بالله، لقوله الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢]، واليأس من روح الله قال الله: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] والأمن من مكر الله لقول الله ﷿: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] (^٣).\n* الدليل من السنة: وعن ابن مسعود قال: \"الكبائر الإشراك بالله والأمن من مكر الله والقنوط من رحمة الله واليأس من روح الله\". وفي رواية: \"أكبر الكبائر\" (^٤).\n_________\n* تيسير العزيز الحميد ص ٥٠٩. فتح المجيد ص ٤١٥. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٢٥٥. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ٢٠١ ومن المجموع ١٠/ ٦٧٩، مجموع فتاوى ابن باز ١/ ٣١٨.\n(^١) مختار الصحاح (م ك ر).\n(^٢) القول المفيد من مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٦٨٠.\n(^٣) أخرجه الطبراني في الكبير (١٣٠٢٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٨٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد إسناده حسن (٧/ ١١٦).\n(^٤) أخرجه معمر في جامعه (١٩٧٠١) والطبراني في الكبير (٨٧٨٣) من طرق عن ابن مسعود، وقال الهيثمي إسناده صحيح.","vol":"1","page":198},{"text":"وفي الحديث: \"إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج\" ثم تلا هذه الآية: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ﴾. إلى قوله: ﴿مُبْلِسُونَ﴾ (^١) (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-158> أقوال العلماء:</span>\nقال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: \"ويخشى على العبد من خُلُقَيْنِ رذيلين: أن يستولي عليه الخوف حتى يقنط من رحمة الله وروحه، وأن يتجارى به الرجاء حتى يأمن مكر الله وعقوبته فمتى بلغت به الحال إلى هذا فقد ضيع واجب الخوف والرجاء اللذين هما من أكبر أصول التوحيد وواجبات الإيمان\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>فوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>أسباب الأمن من مكر الله:</span>\nقال الشيخ السعدي ﵀: \"وللأمن من مكر الله سببان مهلكان:\nأحدهما: إعراض العبد عن الدين وغفلته عن معرفة ربه وماله من الحقوق وتهاونه بذلك فلا يزال معرضًا غافلًا مقصرًا عن الواجبات منهمكًا في المحرمات حتى يضمحل خوف الله من قلبه ولا يبقى في قلبه من الإيمان شيء لأن الإيمان يحمله على خوف الله وخوف عقابه الدنيوي والأخروي.\nوالثاني: أن يكون العبد عابدًا جاهلًا معجبًا بنفسه مغرورًا بعمله فلا يزال به جهله حتى يدل بعمله ويزول الخوف عنه، ويرى أن له عِنْدَ الله المقامات العالية فيصير آمنًا من مكر الله متكلًا على نفسه الضعيفة ومن هنا يخذل ويحال بينه وبين\n_________\n(^١) سورة الأنعام: الآية ٤٤.\n(^٢) أخرجه أحمد (١٧٤٤٤) والطبري في تفسيره (١٣٢٤٠) ويذكر أهل التفسير من الأمثلة استدراج الأقوام السابقة في النعم ثم يحل عليهم العذاب.\n(^٣) القول السديد للسعدي ص ١٠٣.","vol":"1","page":199},{"text":"التوفيق إذ هو الذي جنى على نفسه.\nفبهذا التفصيل تعرف منافاة هذه الأمور للتوحيد\" (^١).\nفإن قيل: كيف يوصف الله بالمكر مع أن ظاهره مذموم؟\nفالجواب: إن المكر إذا كان في محله فهو ممدوح، وإن كان في غير محله فهو مذموم.\nومكر الله استدراجه العبد بالنعم إذا عصى وإملاؤه له حتى يأخذه أخذ عزيز مقتدر، وهو مكر يحُمد عليه سبحانه؛ لأنه واقع في محله وبمن يستحقه، ومعلوم أن أهل السنة لا يطلقون صفة المكر على الله إلَّا مقيدة فيقولون (يمكر بمن يمكر به) \" (^٢).\n_________\n(^١) القول السديد ١٠٣.\n(^٢) انظر أيضًا المجموع الثمين لابن عثيمين ٢/ ٦٥.","vol":"1","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>٤٣ - الإنابة </span>*\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>[التوبة]</span>\nالإنابة في اللغة: قال الراغب: \"النَّوب: رجوع الشيء مرةً بعد أخرى .. والإنابة إلى الله تعالى الرجوع إليه بالتوبة وإخلاص العمل\" (^١).\nوفي الشرع: يقول السعدي: \"هي انجذاب القلب في محبة الله وعبوديته والرجوع إليه في كل حالة\" (^٢).\nوقال ابن القيم: \"وحقيقة الإنابة عكوف القلب على طاعة الله ومحبته والإقبال عليه\" (^٣).\n* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: ٥٤]، وقوله حكاية عن شعيب أنه قال: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]، وقوله: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ [الروم: ٣١]، وقوله: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٨]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ [الرعد: ٢٧]، وقوله: ﴿وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا﴾ [الممتحنة: ٤]، وقوله عن نبيه داود: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤].\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ١٢/ ١٩١. معارج القبول ١/ ٣٣٣. مباحث العقيدة في سورة الزمر ص ٢٦٣، ٢٦٩.\n(^١) المفردات (ن وب).\n(^٢) الرياض الناضرة للسعدي ص ٢٤١.\n(^٣) الفوائد، ص ٣٦.","vol":"1","page":201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>أقوال العلماء:</span>\nقال الإمام ابن القيم: \"والإنابة إنابتان: إنابة لربوبيته:\nوهي إنابة المخلوقات كلها، يشترك فيها المؤمن والكافر، والبر والفاجر، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ فهذا عام في حق كل داع أصابه ضر كما هو الواقع، وهذه الإنابة لا تستلزم الإسلام، بل تجامع الشرك والكفر، كما قال تعالى في حق هؤلاء: ﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ فهذا حالهم بعد إنابتهم.\nوالإنابة الثانية: إنابة أوليائه، وهي إنابة لإلهيته، إنابة عبودية ومحبة.\nوهي تتضمن أربعة أمور: محبته، والخضوع له، والإقبال عليه، والإعراض عما سواه. فلا يستحق اسم المنيب إلا من اجتمعت فيه هذه الأربع، وتفسير السلف لهذه اللفظة يدور على ذلك.\nوفي اللفظة معنى الإسراع والرجوع والتقدم، و\"المنيب\" إلى الله المسرع إلى مرضاته، الراجع إليه كل وقت، المتقدم إلى محابه\" (^١).\nوالناس في إنابتهم على درجاتٍ متفاوتة، فمنهم المنيب إلى الله بالرجوع إليه من المخالفات والمعاصي، وهذه الإنابة مصدرُها مطالعةُ الوعيد، والحاملُ عليها العلم والخشية والحذر.\nومنهم المنيب إليه بالدخول في أنواع العبادات والقُربات، فهو ساع فيها بجهده وقد حُبِّبَ إليه فعلُ الطاعات وأنواع القربات، وهذه الإنابة مصدرها الرجاءُ ومطالعة الوعد والثواب، ومحبة الكرامة من الله .. ومنهم المنيبُ إلى الله بالتضرُّع والدعاء، والافتقار إليه، والرغبة وسؤال الحاجات كلها منه، ومصدرُ هذه الإنابة\n_________\n(^١) مدارج السالكين ١/ ٤٦٦.","vol":"1","page":202},{"text":"شهودُ الفضل والمنة والعنى والكرم والقدرة، فأنزلوا به حوائجهم، وعلّقوا به آمالهم، فإنابتُهم إليه من هذه الجهة مع قيامهم بالأمر والنهي ... \" (^١).\nالفرق بينها وبين التوبة: قال ابن عثيمين: \"الإنابة الرجوع إلى الله تعالى بالقيام بطاعته واجتناب معصيته وهي قريبة من معنى التوبة إلا أنها أرق منها لما تشعر به من الاعتماد على الله واللجوء إليه ولا تكون إلا الله تعالى ودليلها قوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: ٥٤] \" (^٢).\n_________\n(^١) طريق الهجرتين ص ٣١٣.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٥٧، للاستزادة انظر: \"باب التوبة\".","vol":"1","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>٤٤ - الانحناء</span>*\nقال ابن عثيمين: \"ولما سئل - ﷺ - عن الرجل يلقى أخاه فيسلم عليه أينحني له؟ فقال: لا، فمنع - ﷺ - من الانحناء عِنْدَ التسليم لأن ذلك خضوع لا ينبغي إلا لله رب العالمين فهو سبحانه وحده الذي يركع له ويسجد وكان السجود عِنْدَ التحية جائزًا في بعض الشرائع السابقة ولكن هذه الشريعة الكاملة شريعة محمد - ﷺ - منعت منه وحرمته إلا لله وحده\" (^١).\nقال ابن جماعة: \"قال بعض العلماء: إنه من البدع، ويظن من لا علم له أنه من شعار التعظيم، وأقبح منه تقبيل الأرض للقبر، وهذا لم يفعله السلف الصالح، والخير كله في اتباعه، ومن خطر بباله أن تقبيل الأرض أبلغ في البركة فهو من جهالته وغفلته، لأن البركة إنما هي فيما وافق الشرع وأقوال السلف وعملهم. قال: وليس عجبي ممن جهل ذلك وارتكبه بل عجبي ممن أفتى بتحسينه مع علمه بقبحه، ومخالفته لعمل السلف، واستشهد لذلك بالشعر\" (^٢).\nوقال الشيخ عبد الله بن جبرين: \"فمن دعا ميتًا أو رجاه أو علق قلبه به أو أحبه كحب الله أو انحنى له أو خشع وخضع عِنْدَ القبر ونحوه، أو طاف به أو ذبح له أو نحو ذلك من أنواع العبادة فقد أبطل شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله\" (^٣).\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ١٦/ ١١٨. أحكام القرآن للقرطبي ١/ ٣٤٤، ٩/ ٢٦٥. الدرر السنية ٧/ ٢٤١، الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٤/ ٣١، ٤٤٤. شفاء الصدور في الرد على الجواب المشكور إصدار دار الإفتاء العامة في الديار السعودية. مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٢٤٠، ٢٤١.\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٢٤٠، ٢٤١.\n(^٢) شفاء الصدور في الرد على الجواب المشكور ص ٣٩.\n(^٣) الشهادتان لابن جبرين ص ٨٨.","vol":"1","page":204},{"text":"وقال ابن عثيمين: \"الشرك قسمان خفي وجلي:\n* فالجلي: ما كان بالقول مثل الحلف بغير الله أو قول ما شاء الله وشئت.\nأو بالفعل: مثل الانحناء لغير الله تعظيمًا ... \" (^١).\nوقال ابن القيم ذاكرًا أنواع الشرك: \"ومن أنواعه: ركوع المتعممين بعضهم لبعض عِنْدَ الملاقاة. وهذا سجود في اللغة. وبه فسر قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [النساء:١٥٤] أي: منحنين، وإلا فلا يمكن الدخول بالجبهة على الأرض. ومنه قول العرب: سجدت الأشجار، إذا أمالتها الريح\" (^٢).\nوالانحناء إذا كان على غير وجه التعظيم كما يُعظم الله فإنه لا يصل إلى حد الكفر ولكن يُنهى عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>٤٥ - الأنداد</span>\nانظر: باب (الند).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>٤٦ - الأنصاب</span>\nانظر: باب (الصنم).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>٤٧ - الانقياد المنافي للترك</span>\nمن شروط (لا إله إلا الله) انظر: باب لا إله إلا الله.\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٢٣٤.\n(^٢) مدارج السالكين ١/ ٣٧٤.","vol":"1","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>٤٨ - إنكار النعم </span>*\nالنعم كلها من عِنْدَ الله تعالى ويجب القيام بحقوقها وإضافتها إلى الله قولا واعترافا حتى يسلم للمرء دينه ويتم توحيده. قال الإمام السعدي ﵀: \"فمن أنكر نعم الله بقلبه ولسانه فذلك كافر ليس معه من الدين شيء\" (^١). وسوف يأتي مزيد بحث في (كفر النعمة).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>٤٩ - أهل الأهواء</span>\nانظر باب (الهوى).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>٥٠ - أهل السنة والجماعة</span>*\nقال ابن عثيمين ﵀: \"أهل السنة والجماعة هم الذين تمسكوا بالسنة، واجتمعوا عليها، ولم يلتفتوا إلى سواها، لا في الأمور العلميّة العقدية، ولا في الأمور العملية الحكمية، ولهذا سموا أهل السنة لأنهم متمسكون بها، وسمُّوا أهل\n_________\n* انظر مراجع باب كفر النعمة.\n(^١) القول السديد ١١٧.\n* التمهيد لابن عبد البر ١٠/ ٢١، ١٢٧، ٢٧٤ - ٢٨٤. الإبانة لابن بطة العكبري ٢٧٠، ٣٠٩، ٣٥٩. تفسير القرطبي ١/ ٤١٥، ١١/ ٢٣١، ١٨/ ١٦٠. الموافقات للشاطبي ٤/ ٣، ٤. مجموع الفتاوى ١٩/ ٣٠٦، ٣٠٧، ٣٠٨. جامع العلوم والحكم ص ٢٣٠ دار الفكر. الدر السنية ٩/ ٩٥ - ١٠٧، ١٤٦، ١٩٧، ١٢/ ١٠٨. إرشاد الفحول للشوكاني ص ٢٩، ٨٣٣. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٣/ ٦. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٣/ ٢٩٦. الآثار الواردة في سير أعلام النبلاء د: جمال بن أحمد ٢/ ٢٣، ٩٧، ١٣١، ١٣٥. منهج الإمام مالك في إثبات العقيدة ص ٨٨. الماتريدية للشمس السلفي الأفغاني ١/ ١٦٥. منهج الشافعي في إثبات العقيدة ص ٨٠. منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عثمان حسن ١/ ٢٨، ٨٢. موقف ابنِ تَيمِيةَ من الأشاعرة د المحمود ١/ ٢١. دعوة إلى السنة للرحيلي.","vol":"1","page":206},{"text":"الجماعة، لأنهم مجتمعون عليها.\nوإذا تأملت أحوال أهل البدعة وجدتهم مختلفين فيما هم عليه من المنهاج العقدي أو العملي، مما يدل على أنهم بعيدون عن السنة بقدر ما أحدثوا من البدعة\" (^١).\nومصطلح (أهل السنة والجماعة) يتكون من شقين هما \"السنة\" و\"الجماعة\" وسوف نعرِّف كل واحدٍ منهما ونبيِّن معناه ثم نذكر ألقابًا أخرى يُعرف بها أهل السنة والجماعة.\nالسنّة: عرَّفها ابن الأثير في اللغة بأنها: \"الطريقة والسيرة\" (^٢) وهذا عام في السنة الحسنة والسيئة ومن ذلك قوله - ﷺ -: \"من سن في الإسلام سنة حسنة؛ فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء\" (^٣).\nوخصها الأزهري بالطريقة المحمودة فقال: \"السنة: الطريقة المستقيمة المحمودة ... وسن فلان طريقًا من الخير يسنه: إذا ابتدأ أمرًا من البر لم يعرفه قومه فاستنوا به وسلكوه\" (^٤).\nوقولهم: \"هي السنة أي الطريقة التي سنها النبي - ﷺ - وأمر (^٥)، ولذلك صار لفظ السنة يطلق على ما كان محمودًا فيقال: فلان من أهل السنة أي من أهل الطريقة المستقيمة المحمودة\" (^٦).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١/ ٣٧.\n(^٢) النهاية في غريب الحديث ٢/ ٤٠٩ (س ن ن).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٠١٧).\n(^٤) تهذيب اللغة ١٢/ ٢٩٨، ٢٩٩ مادة (س ن ن).\n(^٥) مشارق الأنوار ٢/ ٢٢٣.\n(^٦) انظر: لسان العرب، مادة (س ن ن).","vol":"1","page":207},{"text":"وأما في الاصطلاح: فقد اختلفت التعريفات وتنوعت بحسب العلم الذي يبحث عنه فتطلق السنة ويراد بها المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي فهي عِنْدَ الأصوليين: تطلق على ما صدر عن الرسول من الأدلة الشرعية مما ليس بمتلو، ولا هو معجز، ولا داخل في المعجز (^١).\nويراد بها في اصطلاح الفقهاء: مرادفة المندوب، وهو ما ثبت عن النبي - ﷺ -، ولم يكن واجبًا (^٢).\nوفي اصطلاح المحدثين: قال النووي: \"وتطلق سنته ﵊ على الأحاديث المروية عنه - ﷺ - \" (^٣).\nوقال ابن حجر في \"الفتح\": \"هي ما جاء عن النبي - ﷺ - من أقواله وأفعاله وتقريره وما هم بفعله\" (^٤).\nوعرفها البعض بأنها: \"كل ما أثر عن النبي - ﷺ - من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة خلقية أو خلقية، أو سيرة، سواء كان ذلك قبل البعثة أو بعدها\" (^٥).\nوهذه هي أهم إطلاقات السنة عِنْدَ العلماء، والذي يهمنا هنا تعريفها في اصطلاح أئمة السنة المشتغلين بتقرير مذهب السلف الصالح في الاعتقاد حيث تطلق السنة عِنْدَهم في مقابل البدعة (^٦)، فيقال: فلان على السنة إذا عمل على وفق ما\n_________\n(^١) الإحكام للآمدي ١/ ١٦٩.\n(^٢) فتح الباري ١٣/ ٢٤٥، إرشاد الفحول ص ٦٧.\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ١٥٦.\n(^٤) فتح الباري ١٣/ ٢٤٥.\n(^٥) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي للسباعي ص ٤٧.\n(^٦) قال السمعاني في الأنساب لما ذكر من نُسب إلى السنة قال: السُني: بضم السين المهملة، وتشديد النون المكسورة، هذه النسبة إلى السنة التي هي ضد البدعة، ولما كثر أهل البدع خصوا جماعة بهذا الانتساب (الأنساب ٧/ ١٧٥).","vol":"1","page":208},{"text":"عمل ﵊ سواء كان ذلك مما نص عليه الكتاب أو لا (^١).\nقال الإمام البربهاري: \"اعلم أن الإسلام هو السنة والسنة هي الإسلام ولا يقوم أحدهما إلا بالآخر\" (^٢).\nوقال أبو نصر السجزي الوائلي: \"أهل السنة: هم الثابتون على اعتقاد ما نقله إليهم السلف الصالح ﵏ عن رسول الله - ﷺ - أو عن أصحابه - ﵃ - فيما لم يثبت فيه نص في الكتاب ولا عن الرسول - ﷺ - لأنهم - ﵃ - أئمة وقد أمرنا باقتفاء آثارهم واتباع سنتهم، وهذا أظهر من أن يحتاج إلى إقامة برهان\" (^٣).\nفإذا قيل عن رجل أنه صاحب سنة، فالمقصود به: أنه على ما كان عليه النبي - ﷺ -، وصحابته الكرام رضوان الله عليهم من أمور الدين قولًا وعملًا واعتقادًا (^٤).\nكما يطلق لفظ أهل السنة في مقابل الرافضة، كما أن الرافضة يعنون به من عداهم.\nوعليه فإن مصطلح أهل السنة له إطلاقان: عام، وخاص:\nأما الإطلاق العام: فالمراد به ما يكون في مقابل الشيعة، فتدخل جميع الفرق المنتسبة إلى الإسلام - عدا الشيعة - في مفهوم أهل السنة، وعليه يصح تقسيم المسلمين إلى سنة وشيعة.\nوأما الإطلاق الخاص: فالمراد به ما يكون في مقابل أهل البدع، والمقالات المحدثة كالشيعة، والخوارج، والجهمية، والمعتزلة، والمرجئة، والأشاعرة، وغيرهم من أهل البدع، يقول ابنُ تَيمِيَّةَ: \"فلفظ أهل السنة يراد به من أثبت خلافه الخلفاء الثلاثة، فيدخل في ذلك جميع الطوائف إلا الرافضة وقد يراد به أهل\n_________\n(^١) الموافقات ٤/ ٤.\n(^٢) شرح السنة للإمام البربهاري ٢١.\n(^٣) الرد على من أنكر الحرف والصوت لأبي نصر ص ٩٩.\n(^٤) انظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابنِ تَيمِيَّةَ ١٩/ ٣٠٦، ٣٠٧.","vol":"1","page":209},{"text":"الحديث والسنة المحضة فلا يدخل فيه إلا من يثبت الصفات لله تعالى\" (^١).\nويدل على ذلك بعض الآثار الواردة عن أئمة السنة فقد كان أئمة السلف يسمون، الاعتقاد الصحيح سنة (^٢)، كما قال سفيان بن عيينة: \"السنة عشرة، فمتى كن فيه فقد استكمل السنة، ومن ترك منها شيئا فقد ترك السنة. ثم ذكر جملة من عقائد السلف\" (^٣).\nوقال الإمام أبو بكر بن عياش ﵀، عِنْدَما سئل: من السني؟ فقال: \"الذي إذا ذكرت الأهواء لم يتعصب لشيء منها\" (^٤).\nومنها قول الإمام مالك بن أنس ﵀، عِنْدَما سئل: من أهل السنة؟ فقال: \"أهل السنة الذين ليس لهم لقب يعرفون به: لا جهمي ولا قدري ولا رافضي\" (^٥).\nوقال الإمام الشافعي: \"القول في السنة التي أنا عليها، ورأيت أصحابنا عليها أهل الحديث الذين رأيتهم، وأخذت عنهم، مثل سفيان ومالك وغيرهما: الإقرار بشهادة أن لا إلى إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأن الله تعالى على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء، وأن الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا كيف شاء\" (^٦).\nوقال الإمام أحمد بن حنبل: \"أصول السنة عِنْدَنا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله - ﷺ - والاقتداء بهم ... ثم ذكر جملة عقائد السلف\" (^٧).\nوقال ابنُ تَيمِيَّةَ: \"وأهل السنة نقاوة المسلمين\" (^٨).\n_________\n(^١) منهاج السنة ٢/ ٢٢١.\n(^٢) جامع العلوم والحكم لابن رجب ص ٢٣٠. ومجموع الفتاوى ١٩/ ٣٠٦، ٣٠٧.\n(^٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ١/ ١٧٥ رقم ٣١٦.\n(^٤) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ١/ ٧٣ رقم ٥٣.\n(^٥) الانتقاء لابن عبد البر ص ٣٥، وترتيب المدارك ٢/ ٤١.\n(^٦) اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية لابن القيم ص ٥٩.\n(^٧) شرح أصول اعتقاد أهل السنة اللالكائي ١/ ١٧٦ رقم ٣١٧.\n(^٨) منهاج السنة ٥/ ١٥٨. وانظر ٦/ ٤٦٦.","vol":"1","page":210},{"text":"وقال الإمام علي بن المديني ﵀: \"السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقلها أو يؤمن بها لم يكن من أهلها ثم ذكر مجمل اعتقاد السلف\" (^١).\nوصنف الأئمة على هذا المعنى فصار في عرف كثير من العلماء المتأخرين من أهل الحديث وغيرهم أن: \"السنة عبارة عما سلم من الشبهات في الاعتقادات خاصة في مسائل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وكذلك في مسائل القدر، وفضائل الصحابة، وصنفوا في هذا العلم تصانيف وسموها كتب السنة، وإنما خصوا هذا العلم باسم السنة لأن خطره عظيم، والمخالف فيها على شفا هلكة، وأما السنة الكاملة فهي الطريقة السالمة من الشبهات، والشهوات\" (^٢).\nوحين صنف الأئمة كتبًا باسم السنة فإنهم يريدون بها الكلام في الأسماء والصفات، وأن القرآن كلام الله، والقضاء والقدر، ومسائل الإيمان والكفر، والمسائل المتعلقة بالبرزخ والآخرة، والموقف من الصحابة وولاة الأمور وما شابه ذلك من أبواب العقيدة.\nوالكتب التي سميت بالسنة كثيرة ألفها الأئمة في بيان عقائد السلف، منها كتاب السنة للإمام أحمد بن حنبل، وكتاب الاعتصام بالسنة للبخاري، والسنة لعبد الله ابن إمام أحمد بن حنبل، والسنة للخلال، والسنة لأبي بكر بن أبي عاصم، والسنة لأبي داود، وابن أبي حاتم، والطبراني، والطلمنكي، والبربهاري، وابن أبي زمنين، وغيرهم.\nوبعدما عرفنا مصطلح \"السنة\" نأتي على أقوال أهل العلم في تعريف \"الجماعة\".\nالجماعة في اللغة: من جمع، يقال: جمع المتفرق، والجماعة ضد الفرقة (^٣).\n_________\n(^١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ١/ ١٨٥، رقم ٣١٨.\n(^٢) كشف الكربة ص ١٩، ٢٠.\n(^٣) انظر: لسان العرب مادة (ج م ع)، وانظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٣/ ١٥٧.","vol":"1","page":211},{"text":"وفي الاصطلاح: ورد لفظ الجماعة في حديث: \"يد الله على الجماعة، ومن شذّ شذّ إلى النار\" (^١)، وحديث: \"من أحب منكم أن ينزل بحبوحة (^٢) الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد ... \" (^٣).\nوحديث: \"فإنه من فارق الجماعة شبرًا فمات إلا مات ميتة جاهلية\" (^٤)، وحديث: \"كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة\" (^٥)، وقد اختلف أهل العلم في المراد بالجماعة في هذه الأحاديث ونحوها على أقوال (^٦):\nالأول: أنها السواد الأعظم من أهل الإسلام، ويدخل فيهم مجتهدو الأمة وعلماؤها وأهل الشريعة العاملون بها ومن سواهم داخلون في حكمهم.\nالثاني: أنها جماعة أئمة العلماء المجتهدين، وهو اختيار البخاري ﵀ حيث قال: \"هم أهل العلم\" (^٧)، واختاره الترمذي ﵀ حيث قال: \"هم أهل الفقه والعلم والحديث\" (^٨).\nالثالث: أنها جماعة الصحابة على وجه الخصوص. فإنهم الذين أقاموا عماد الدين، وأرسوا أوتاده، وهم الذين لا يجتمعون على ضلالة أصلًا (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢١٦٧).\n(^٢) بحبوحة الجنة: أي وسطها وخيارها.\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢١٦٥) والإمام أحمد (١٧٧).\n(^٤) أخرجه البخاري (٧٠٥٤)، ومسلم (١٨٤٩).\n(^٥) أخرجه أبو داود (٤٥٩٧) والإمام أحمد (١٧٠٦١) وقال ابن تيمية هذا الحديث محفوظ. اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ١١٨.\n(^٦) انظر: الاعتصام للشاطبي ٢/ ٢٦٠ - ٢٦٥، وانظر: تنبيه أولي الأبصار ٢٦٩.\n(^٧) انظر: فتح الباري ١٣/ ٣٢٨ كتاب الاعتصام بالسنة باب: وكذلك جعلناكم أمة وسطًا (سورة البقرة: الآية ١٤٣) وما أمر النبي - ﷺ - بلزوم الجماعة وهم أهل العلم.\n(^٨) سنن الترمذي، كتاب الفتن باب ما جاء في لزوم الجماعة، حديث رقم (٢١٦٧).\n(^٩) الاعتصام ٢/ ٢٦٢، وانظر: فتح الباري ١٣/ ٣٧.","vol":"1","page":212},{"text":"الرابع: أنها جماعة المسلمين إذا أجمعوا على أمر ما، وهو الإجماع. فإذا اجتمع العلماء على أمر من أمور الشرع سواءً الأحكام أو المعتقدات فيلزم متابعة حكمهم والاعتصام به، وهذا يرجع إلى القول الأول والثاني.\nالخامس: أنها جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير، فلا يجوز الخروج عليهم فيه. وهو اختيار أبي جعفر الطبري، حيث قال: \"والصواب أن المراد من الخبر لزوم الجماعة الذين في طاعة من اجتمعوا على تأميره، فمن نكث بيعته خرج عن الجماعة\" (^١).\nالسادس: أنها جماعة الحق، قال الإمام البربهاري في شرح السنة: \"وهم جماعة الحق وأهله\" (^٢).\nوقال ابن كثير: \"فأهل الحق هم أكثر الأمة ولا سيما في الصدر الأول ولا يكاد يوجد فيهم من هو على بدعة، وأما في الأعصار المتأخرة فلا يعدم الحق عصابة يقومون به\" (^٣).\nوهذه الأقوال حاصلها واحد وهو لزوم المنهج الحق الواضح الذي سنّه رسول الله - ﷺ - وأصحابه ويلزم من ذلك تقديم أهل العلم والاجتهاد الذين التزموا بالاتباع وترك الابتداع إذ المُعَوَّلُ عليه اتباع الحق ولزومه وخير من يتّبع الحق ويلزمه العلماء أتباع السنة ولو كانوا قلّة المقتدون بالصحابة رضوان الله عليهم فإذا ظفر العبد بهم وجب عليه طاعتهم ولزوم ما التزموا، فالعلماء هم السواد الأعظم والعوام تبع لهم.\nومن صفاتهم أنهم يلزمون إمام المسلمين، إلا إذا رأوا كفرًا بواحًا، فيكون مدار\n_________\n(^١) انظر: فتح الباري ١٣/ ٣٧. وهذه الخمس الأولى ذكرها الشاطبي في الاعتصام ٢/ ٢٦٠ - ٢٦٥.\n(^٢) شرح السنة للبربهاري ص ٢٢.\n(^٣) النهاية في الفتن والملاحم ٢/ ٦٣.","vol":"1","page":213},{"text":"تعريف الجماعة على أنها الحق وأهله.\nقال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: \"إنما الجماعة ما وافق طاعة اللهُ وإن كنت وحدك\".\nوقال عبد الله بن المبارك ﵀ وقد سئل عن الجماعة فقال: \"أبو بكر وعمر. قيل له: وقد مات أبو بكر وعمر. قال: فلان. قيل له: قد مات فلان وفلان. فقال: عبد الله بن المبارك: أبو حمزة السكري جماعة\" (^١).\nوقال أبو شامة ﵀: \"وحيث جاء الأمر بلزوم الجماعة، فالمراد به لزوم الحق واتباعه، وإن كان المتمسك بالحق قليلًا، والمخالف كثيرًا؛ لأن الحق الذي كانت عليه الجماعة الأولى من النبي - ﷺ - وأصحابه - ﵃ - ولا ينظر إلى كرة أهل الباطل بعدهم\" (^٢).\nوقال ابن القيم: \"وقد شذّ الناس كلهم زمن أحمد بن حنبل، إلا نفرًا يسيرًا فكانوا هم الجماعة، وكان القضاة حينئذٍ، والمفتون، والخليفة، وأتباعه كلهم شاذون، وكان الإمام أحمد وحده هو الجماعة\" (^٣).\nوبعد أن ذكرنا معنى (السنة) ومعنى (الجماعة) يتبين بوضوح أن أهل السنة والجماعة هم المتمسكون بالسنة المجتمعون عليها الذين يلزمون جماعة المسلمين وإمامهم. قال شيخ الإسلام: \"فإن السنة تتضمن النص، والجماعة تتضمن الإجماع فأهل السنة والجماعة هم المتبعون للنص والإجماع\" (^٤).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-171> صفات وخصائص منهج أهل السنة والجماعة:</span>\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"أبرز الخصائص للفرقة الناجية هي التمسك بما كان عليه النبي - ﷺ -، في العقيدة، والعبادة، والأخلاق، والمعاملة، هذه الأمور الأربعة\n_________\n(^١) سنن الترمذي تابع لحديث رقم (٢١٦٧).\n(^٢) الباعث على إنكار البدع والحوادث لأبي شامة ص ٢٢.\n(^٣) إعلام الموقعين ٣/ ٣٩٧.\n(^٤) منهاج السنة ٦/ ٤٦٦.","vol":"1","page":214},{"text":"تجد الفرقة الناجية بارزة فيها\" (^١).\nودليل ذلك حديث ابن عباس - ﵂ - قال: قال رسول - ﷺ -: \"تركت فيكم ما إن اعتصمتم به لن تضلوا أبدًا كتاب الله وسنة نبيه - ﷺ - \" (^٢).\nويلزم من ذلك ألا يقدم رأي أحد على سنة المصطفى - ﷺ - بل يقدم النقل والنص الصحيح على العقل والرأي فلا يسلك مسلك أهل الكلام في تقديم العقل على النقل بل إذا لم يوجد للمسألة نص صحيح فيُرجع إلى أقوال السلف ويستنار بفهمهم للكتاب والسنة ويُلتزم ما لزموا ولا يخوض فيما نهوا عنه ولا يجالس أهل الأهواء ولا يجادل أهل البدع بل يأتمر بما أمر الله من هجرهم وعدم مجالستهم كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨].\nقال الشوكاني ﵀: \"وفي هذه الآية موعظة عظيمة لمن يتمسح بمجالسة المبتدعة الذين يحرفون كلام الله ويتلاعبون بكتابه وسنة رسوله، ويريدون ذلك إلى أهوائهم المضلة وبدعهم الفاسدة فإذا لم ينكر عليهم ويغير ما هم فيه، فأقل الأحوال أن يترك مجالستهم، وذلك يسير عليه غير عسير، وقد يجعلون حضوره معهم مع تنزيهه عما يلتبسون به، شبهة يشبهون بها على العامة، فيكون في حضوره مفسدة زائدة على مجرد سماع المنكر\" (^٣).\nوقال الحسن ﵀: \"لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم ولا تسمعوا منهم\" (^٤).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١/ ٣٨.\n(^٢) أخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٩٣ والبيهقي ١٠/ ١١٤ واللفظ له.\n(^٣) فتح القدير للشوكاني ٢/ ١٢٨.\n(^٤) شرح أصول الاعتقاد للالكائي ١/ ١٥٠ رقم (٢٤٠)، سنن الدارمي رقم (٤٠٧).","vol":"1","page":215},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-172> نشأة مصطلح أهل السنة والجماعة:</span>\nعُرف هذا اللقب أيام الصحابة حيث ظهر في تلك الأثناء الحثّ على الطاعة والجماعة.\nقال عبد الله بن مسعود - ﵁ - في إحدى خطبه: \"يا أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة، فإنهما السبيل في الأصل إلى حبل الله الذي أمر به، وإن ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة\" (^١).\nوأخرج اللالكائي عن ابن عباس - ﵄ - في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦] قال: \"فأما الذين ابيضّت وجوههم: فأهل السنة والجماعة وأولوا العلم، وأما الذين اسودّت وجوههم: فأهل البدع والضلالة\" (^٢).\nقال محمد بن سيرين ﵀: \"لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم\" (^٣).\nويظهر بهذا أنه عُرِف آخر عهد الصحابة لا سيما بعد ظهور الفرق وأهل الأهواء من الخوارج والشيعة والقدرية.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-173> أسماء يعرف بها أهل السنة والجماعة:</span>\nهناك ألقاب يعرف بها أصحاب السنة وإن اختلفت الأسماء فالمعنى واحد فأهل السنة هم أهل الحديث وهم السلف الصالح الطائفة المنصورة وهم الفرقة الناجية وهم أهل السنة والجماعة وهم الغرباء وهم وإن اختلفت أسمؤهم\n_________\n(^١) شرح أصول الاعتقاد للالكائي ١/ ١٢١ رقم (١٥٨، ١٥٩)، والآجري في الشريعة ص ١٣.\n(^٢) شرح أصول الاعتقاد للالكائي ١/ ٧٩ رقم ٧٤٠.\n(^٣) صحيح مسلم ١/ ١٥ المقدمة.","vol":"1","page":216},{"text":"فخصائصهم واحدة وأصولهم معروفة ثابتة ومن ألقابهم التي عرفوا بها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>١ - السلف:</span> قال ابن فارس: \"سلف: السين واللام والفاء أصل يدل على تقدم وسبق، ومن ذلك السلف الذين مضوا، والقوم السلاف: المتقدمون\" (^١)\nوقال في لسان العرب: \"سَلَفَ يَسْلُفُ سُلُفًا وسُلُوفًا ... والسلف أيضا من تقدمك من آبائك وذوي قرابتك الذين هم فوقك في السن والفضل ... ولهذا سمي الصدر الأول من التابعين السلف الصلح\" (^٢).\nومعاني السلف تدور حول التقدم والسبق، فالسلف هم الجماعة المتقدمون من الأئمة أصحاب رسول الله - ﷺ - ﵃ والتابعين لهم بإحسان وتابع التابعين الذين ساروا على نهجهم واقتفوا أثرهم.\nويطلق السلف أيضًا على: \"كل شيء قدمه العبد من عمل صالح أو ولد فرط يقدمه فهو له سلف، وقد سلف له عمل صالح، قال الله تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ [يونس:٣٠] أي جزاء ما عملت\" (^٣).\nوكل من كان على ما كان عليه رسول الله - ﷺ - وأصحابه - ﵃ - فهو منسوب إلى السلف أهل السنة والجماعة؛ لأن مذهب أهل السنة والجماعة مذهب قديم معروف، ومذهب السلف هو: ما كانوا عليه من الاعتقاد المنسوب إليهم (^٤).\nومن خالف ذلك كان مبتدعا عِنْدَ أهل السنة والجماعة؛ لأنهم متفقون على أن إجماع الصحابة حجة (^٥).\n_________\n(^١) معجم مقاييس اللغة (س ل ف).\n(^٢) اللسان (س ل ف).\n(^٣) تفسير القرطبي ٨/ ٣٣٤.\n(^٤) لوامع الأنوار للسفاريني ١/ ٢٠.\n(^٥) انظر: منهاج السنة لابنِ تَيمِيَّةَ ٢/ ٤٨٢.","vol":"1","page":217},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-175> إطلاق السلفية والمراد بها:</span>\nالسلفية تطلق ويراد بها أحد معنيين:\nالأول: حقبة تاريخية معينة تختص بأهل القرون الثلاثة المتقدمة، كما في حديث: \"خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته\" (^١).\nقال القلشاني: \"السلف الصالح وهو الصدر الأول الراسخون في العلم المهتدون بهدي النبي - ﷺ - الحافظون لسنته اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه وانتخبهم لإقامة دينه\" (^٢).\nوقالت اللجنة الدائمة: \"السلفية نسبة إلى السلف وهم صحابة رسول الله - ﷺ - وأئمة الهدى من أهل القرون الثلاثة ﵃\" (^٣).\nوفائدة هذا التحديد الرجوع إلى أقوال رجال هذا الزمن وإلى فهمهم عِنْدَ الاختلاف الذي قد ينشأ فيمن بعدهم.\nالثاني: الطريقة التي كان عليها الصحابة والتابعون، ومن تبعهم بإحسان، من التمسك بالكتاب والسنة وتقديمهما على ما سواهما، والعمل بهما. فمن سار على ذلك وتمسك به فهو من السلف ويطلق عليه سلفي (^٤).\nفالسلفية بالإطلاق الأول: مرحلة تاريخية انتهت بموت رجالها. من أصحاب القرون الثلاثة الأولى المباركة من الصحابة والتابعين وتابعي تابعيهم المذكورين في حديث رسول الله - ﷺ -: \"خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ... \" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٦٥٢) ومسلم (٢٥٣٣).\n(^٢) نقلًا منهج الشافعي في إثبات العقيدة ١/ ٥٣.\n(^٣) فتاوى اللجنة الدائمة ٢/ ١٦٥.\n(^٤) وانظر توحيد الخلاق ص ٦٤.\n(^٥) سبق تخريجه.","vol":"1","page":218},{"text":"وبالإطلاق الثاني: تكون منهاجًا باقيًا إلى يوم القيامة، يصح الانتساب إليه متى التزمت شروطه وقواعده؛ لحديث: \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>٢ - الطائفة المنصورة، الفرقة الناجية:</span>\nأو يقال الفرقة الناجية والمنصورة لأنهما فرقة واحدة هم أهل الحديث، أهل السنة والجماعة.\nقال شيخ الإسلام: \"أما بعد: فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة\" (^٢).\nوقال ابن مفلح: \"أهل الحديث هم الطائفة الناجية القائمون على الحق، ونص أحمد على أن أصحاب الحديث هم الطائفة في قوله - ﷺ -: \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق\".\nونص أيضًا على أنهم الفرقة الناجية في الحديث الآخر، كذا قال يزيد بن هارون\" (^٣).\nودل على ذلك عدة أحاديث منها حديث: \" ... \"وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار، إلا ملة واحدة\". قال: ومن هي يا رسول الله؟ قال: \"ما أنا عليه وأصحابي\"\" (^٤). وفي رواية: \"كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة\" (^٥).\nويدل عليه قوله - ﷺ -: \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٩٢٠).\n(^٢) الواسطية مع شرح الهراس ١٣، ١٤.\n(^٣) الآداب الشرعية ١/ ٢٣٤.\n(^٤) أخرجه الترمذي (٢٦٤١).\n(^٥) أخرجها الحاكم في مستدركه ١/ ١٢٨ كتاب العلم، ثم قال: هذه أسانيد تقام بها الحجة في تصحيح هذا الحديث.","vol":"1","page":219},{"text":"ظاهرون\" (^١) وفي لفظ \"ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم\" (^٢). وفي لفظ: \"قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم\" (^٣).\nوفي لفظ: \"لا يزال ناس من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى الساعة\" (^٤). قال الإمام البخاري عن علي بن المديني: \"هم أصحاب الحديث\" (^٥).\nوقال عبد الله بن المبارك: \"هم عِنْدَي أصحاب الحديث\" (^٦).\nوقال يزيد بن هارون: \"إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أدري من هم\" (^٧).\nوقال إمام أهل السنة أحمد بن حنبل: \"إن لم تكن هذه الطائفة المنصورة أصحاب الحديث فلا أدري من هم\" (^٨).\nوقال السفاريني:\nاعلم هُديت أنه جاء الخبر ... عن النبي المقتفى خير البشر\nبأن ذي الأمةَ سوف تفترق ... بضعا وسبعين اعتقادا والمحق\nما كان في نهج النبي المصطفى ... وصحبه من غير زيغ وجفا\nوليس هذا النص جزمًا يعتبر ... في فرقة إلا على أهل الأثر (^٩)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٦٤٠).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٩٢٠).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٦٤١).\n(^٤) أخرجه الترمذي (٢١٩٢) وقال حديث حسن صحيح وابن ماجه (٦) وأحمد (١٥٦٨٢).\n(^٥) ذكره الترمذي في الحديث نفسه.\n(^٦) أخرجه الخطيب في شرف أصحاب الحديث ٢٦ وذكره ابن كثير في البداية والنهاية ١/ ١٧، ٢٠.\n(^٧) أخرجه الخطيب في شرف أصحاب الحديث ٢٦.\n(^٨) أخرجه الحاكم في معرفة علوم الحديث ص ٢، والخطيب في شرف أصحاب الحديث ص ٢٧.\n(^٩) لوامع الأنوار ١/ ٧٤، ٧٦.","vol":"1","page":220},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-177> فائدة:</span>\nالنبي - ﷺ - لم يعيّن الفرقة الناجية إلا بالوصف، فلم يقل مثلًا: أنا وأصحابي، وإنما ذكر وصفها، وهو: ما أنا عليه وأصحابي، ولا ريب أنه هو وأصحابه أول من يدخل في هذا الوصف، بل هم الأصل الذي يعتبر به غيرهم من الناس، وهذا يعني أن النجاة لا تختص بمن تقدم، بل تشمل كل من أتى بأوصاف الفرقة الناجية، إلى أن تقوم الساعة (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>٣ - أهل الحديث والأثر:</span>\nوخُصُّوا بذلك لاشتغالهم بأحاديث الرسول - ﷺ - وآثار أصحابه - ﵃ - فالمقصود بهم الذين يعنون بحديث رسول الله - ﷺ - رواية ودراية، فيكونوا عالمين وعاملين مطبقين لما يتعلمونه، متبعين للسنة مجانبين للبدعة، وبهذه الأمور يتميزون عن أهل الأهواء، فأهل الحديث مرادف لأهل السنة، يقول اللالكائي: \"فلم نجد في كتاب الله وسنة رسوله وآثار صحابته إلا الحث على الاتباع، وذم التكلف والاختراع، فمن اقتصر على هذه الآثار كان من المتبعين، وكان أولاهم بهذا الاسم، وأحقهم بهذا الوسم، وأخلصهم بهذا الرسم أصحاب الحديث لاختصاصهم برسول الله - ﷺ - واتباعهم لقوله، وطول ملازمتهم له، وتحملهم علمه ... \" (^٢).\nوقال ابنُ تَيمِيَّةَ ﵀: \"ونحن لا نعني بأهل الحديث: المقتصرين على سماعه أو كتابته أو روايته بل نعني بهم: كل من كان أحق بحفظه، ومعرفته، وفهمه ظاهرًا وباطنًا، واتباعه باطنًا وظاهرًا، وكذلك أهل القرآن، وأدنى خصلة في هؤلاء محبة\n_________\n(^١) الاعتصام للشاطبي ٢/ ٢٨٧، ٢٨٩.\n(^٢) شرح أصول الاعتقاد للالكائي ١/ ٢٣.","vol":"1","page":221},{"text":"القرآن، والحديث والبحث عنهما، وعن معانيهما، والعمل بما علموه من موجبهما ... \" (^١).\nوقال ﵀: \"فهم أعلم الناس بأقواله - ﷺ - وأحواله، وأعظمهم تمييزًا بين صحيحها وسقيمها، وأئمتهم فقهاء فيها، وأهل معرفة بمعانيها، واتباع لها: تصديقًا، وعملًا، وحبًا وموالاة لمن والاها، وبغضًا ومعاداة لمن عاداها\" (^٢).\nوقال: \"مذهب أهل الحديث وهم السلف من القرون الثلاثة الأولى ومن سلك سبيلهم من الخلف\" (^٣).\nوذكر عبد القادر الجيلاني ﵀: \"أن أهل السنة لا اسم لهم إلا اسم واحد، وهو أصحاب الحديث\" (^٤).\nويروي الخطيب عن أحمد بن سنان قال: \"كان الوليد الكرابيسي خالي، فلما حضرته الوفاة قال لبنيه: تعلمون أحدا أعلم بالكلام مني؟ قالوا لا، قال: فتتهموني؟، قالوا: لا، قال: فإني أوصيكم أتقبلون؟، قالوا: نعم، قال: عليكم بما عليه أصحاب الحديث فإني رأيت الحق معهم ... \" (^٥).\nوفي ذلك قيل:\nدين النبي محمد أخبار ... نعم المطية للفتى آثار\nلا ترغبن عن الحديث وآله ... فالرأي ليل والحديث نهار (^٦)\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابنِ تَيمِيَّةَ ٤/ ٩٥.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٣/ ٣٤٧. وانظر ٤/ ٨٥، منهاج السنة ٤/ ٢٨٧.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٦/ ٣٥٥.\n(^٤) انظر: الغنية لطالبي طريقة الحق ﷿ لعبد القادر الجيلاني ١/ ٧١.\n(^٥) شرف أصحاب الحديث ٥٦.\n(^٦) جامع بيان العلم وفضله ٢/ ٤٣.","vol":"1","page":222},{"text":"فأهل الحديث هم الفرقة الناجية، ودل عليه حديث الافتراق وفيه: قيل من هم؟ يا رسول الله! قال: \"ما أنا عليه وأصحابي\" (^١).\nوقد صرح الإمام أحمد بأن الفرقة الناجية هي أصحاب الحديث (^٢).\nكما صرح بذلك جمع من الأئمة الأعلام منهم ابن مفلح (^٣).\nقال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ في العقيدة الواسطية: \"أما بعد فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة\" (^٤).\nفالفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة وصفان لموصوف واحد ولا فرق بينهما (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>٤ - الغرباء:</span>\nوهم النزَّاع من القبائل الذين يصلحون إذا فسد الناس (^٦). قال سفيان الثوري: \"استوصوا بأهل السنة خيرًا فإنهم غرباء\" (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٦٤١) والحاكم في المستدرك ١/ ١٢٩ وروايته: \"ما أنا عليه اليوم وأصحابي\".\n(^٢) أخرجه الخطيب في شرف أصحاب الحديث ص ٢٥.\n(^٣) انظر: الآداب الشرعية ١/ ٢١١.\n(^٤) العقيدة الواسطية لابن تيمية.\n(^٥) انظر: للاستزادة لقاء الباب المفتوح (٥٤/ ٩٦).\n(^٦) انظر: باب (الغرباء) فقد توسعنا في ذكر وصفهم هنالك.\n(^٧) أخرجه اللالكائي في شرح السنة ١/ ٧١ رقم ٤٩.","vol":"1","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>٥١ - أهل الفترة</span>*\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>[التكفير، عارض الجهل]</span>\nهذا الباب له علاقة بمسألة العذر بالجهل، حيث سأبحث فيه عن مسألة: هل أهل الفترة معذورن في الآخرة أم لا؟ مع العلم أنني أفردت الكلام في باب (عارض الجهل) بمن ارتكب ناقضًا بعد إسلامه، ولم يقل أحد من الأئمة إن أهل الفترة مسلمون أو تجري عليهم أحكام المسلمين، وتقدم في باب التكفير قول ابن القيم ﵀: \"أن الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير الإسلام فهو كافر ... الخ\" وعلى هذا فإنه لا ينظر هل هم معذورون أم غير معذورين في أحكام الدنيا فقد خصصت العذر بالجهل بمن دخل في الإسلام ثم ارتكب ناقضًا.\nوالفترة: قال ابن كثير ﵀: \"هي ما بين كل نبيين كانقطاع الرسالة بين عيسى ﵇ ومحمد - ﷺ - \" (^١).\nوقال الألوسي: \"أجمع المفسرون بأن الفترة هي انقطاع ما بين رسولين\" (^٢).\nكما يدخل فيها كل زمان خفيت فيه آثار الرسالة وقل دعاة العلم وظهر الجهل\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ١٨/ ١١١، ١١٢. شرح النووي لمسلم ١٦/ ٢٠٨. تفسير القرطبي ١٠/ ١٥٦ التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة للإمام القرطبي ص ٦١٢. الجواب الصحيح ١/ ٣١٢، ٣٤٤. درء التعارض ٨/ ٤٠١، مختصر الفتاوى المصرية ص ٦٤٣. الفتاوى ٢٤/ ٣٧١. شفاء العليل ص ٥٧٨، ٥٩٥. طريق الهجرتين لابن القيم ص ٣٦٩، ٤١١. تفسير ابن كثير ٢/ ٣٥، ٢٨٣. فتح الباري ٣/ ٢٦٤. العواصم من القواصم لابن الوزير ٧/ ٢٤٨. إيثار الحق لابن الوزير ص ٢٠٦. الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ٥/ ٨٩٥. الدرر السنية ١/ ٣٦٧. نواقض الإيمان الاعتقادية ١/ ٢٩٤.\n(^١) انظر تفسير ابن كثير ٢/ ٣٤، ٣٥.\n(^٢) روح المعاني ٦/ ١٠٣.","vol":"1","page":224},{"text":"واختفى الهدى، ويختلف ذلك باختلاف المكان والزمان.\nجاء في فتاوى اللجنة الدائمة أن: \"من عاش في بلاد غير إسلامية، ولم يسمع عن النبي - ﷺ -، ولا عن القرآن الكريم والإسلام، فهذا على تقدير وجوده، حكمه حكم أهل الفترة، يجب على علماء المسلمين أن يبلغوه شريعة الإسلام أصولًا وفروعًا، إقامة للحجة، وإعذارا إليه، ويوم القيامة يعامل معاملة من لم يكلف في الدنيا لجنونه، أو بلهه، أو صغره، وعدم تكليفه، وأما ما يخفى من أحكام الشريعة من جهة الدلالة، أو لتقابل الأدلة وتجاذبها، فلا يقال لمن خالف فيه آمن وكفر، ولكن يقال: أصاب وأخطأ\" (^١).\nقال ابن باز ﵀ في مَنْ يُعذر بجهله: \"والقسم الثاني: من يعذر بالجهل كالذي ينشأ في بلاد بعيدة عن الإسلام في أطراف الدنيا، أو لأسباب أخرى كأهل الفترة ونحوهم ممن لم تبلغهم الرسالة، فهؤلاء معذورون بجهلهم، وأمرهم إلى الله ﷿، والصحيح أنهم يمتحنون يوم القيامة فيؤمرون فإن أجابوا دخلوا الجنة، وإن عصوا دخلوا النار قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ولأحاديث صحيحة وردت في ذلك. وقد بسط العلامة ابن القيم ﵀ الكلام في هذه المسألة في آخر كتابه \"طريق الهجرتين\" لما ذكر طبقات المكلفين فيراجع هناك لعظم فائدته\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-182> أقوال العلماء:</span>\nقال ابن القيم ﵀: \"وأما من لم تبلغه الدعوة فليس بمكلف في تلك الحال، وهو بمنزلة الأطفال والمجانين\" (^٣).\n_________\n(^١) فتاوى اللجنة الدائمة ٢/ ٩٩.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن باز ص ٥٢٩.\n(^٣) طريق الهجرتين ص ٤١١.","vol":"1","page":225},{"text":"قال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: \"وأما من يفعل ذلك (^١) جهلًا لا عنادًا وماتوا عليه قبل أن يبلغهم أنه شرك هل يحكم بإسلامهم ويرجى لهم العفو من الله والمغفرة وينفعهم استغفار الأحياء لهم؟ فهذه المسألة أحسن الأجوبة فيها أن يقال الله أعلم بهم كما قال موسى ﵇ لما قيل له: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ \" (^٢).\nقال الشيخ ابن باز ﵀: \"إذا مات غير المكلف بين والدين كافرين فحكمه حكمهما في أحكام الدنيا فلا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين أما في الآخرة فأمره إلى الله سبحانه\" (^٣).\nوقال الشيخ ابن عثيمين: \"إذا مات أطفال الكفار وهم لم يبلغوا سن التمييز وكان أبواهم كافرين فإن حكمهم حكم الكفار في الدنيا أي لا يغسلون ولا يكفنون ولا يصلى عليهم ولا يدفنون مع المسلمين لأنهم كفار بوالديهم .. هذا في الدنيا أما في الآخرة فالله أعلم بما كانوا عاملين وأصح الأقوال فيهم أن الله ﷾ يختبرهم يوم القيامة بما يشاء من تكليف فإن امتثلوا أدخلهم الله الجنة وإن أبوا أدخلهم النار وهكذا نقول في أهل الفترة ومن لم تبلغهم الرسالات\" (^٤).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-183> حكم أهل الفترة:</span>\nقال ابنُ حَزْمٍ عند ذكره قول الله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾: \"فنص تعالى على أن النذارة لا تلزم إلا من بلغته، لا من لم تبلغه، وأنه تعالى لا يعذب أحدًا حتى يأتيه رسول من عِنْدَ الله ﷿،\n_________\n(^١) أي فعل شيئًا من الشرك.\n(^٢) الرسائل والمسائل القسم الأول ١/ ٢٠١.\n(^٣) مجموع فتاوى إسلامية جمع محمد المسند ٢/ ٦٥.\n(^٤) فتاوى إسلامية جمع محمد المسند ٢/ ٦٥.","vol":"1","page":226},{"text":"فصح بذلك أنه من لم يبلغه الإسلام أصلًا فإنه لا عذاب عليه، وهكذا جاء النص عن رسول الله - ﷺ - أنه يؤتى يوم القيامة بالشيخ الخرف، والأصم، ومن كان في الفترة، والمجنون، فيقول المجنون: يا رب أتاني الإسلام، وأنا لا أعقل، ويقول الخرف والأصم، والذي في الفترة أشياء ذكرها، فيوقد لهم نار، ويقال لهم: أدخلوها، فمن دخلها وجدها بردًا وسلامًا. وكذلك من لم يبلغه الباب من واجبات الدين، فإنه معذور لا ملامة عليه\" (^١).\nويقول الشاطبي: \"جرت سنته سبحانه في خلقه، أنه لا يؤاخذ بالمخالفة إلا بعد إرسال الرسل، فإذا قامت الحجة عليهم، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، ولكل جزاء مثله\" (^٢).\nقال ابنُ تَيمِيَّةَ: \"والذي عليه السلف والأئمة أن الله تعالى لا يعذب إلا من بلغه الرسالة، ولا يعذب إلا من خالف الرسل كما دل عليه الكتاب والسنة، ومن لم تقم عليه الحجة في الدنيا بالرسالة كالأطفال، والمجانين وأهل الفترات، فهؤلاء فيهم أقوال، أظهرها ما جاءت به الآثار أنهم يمتحنون يوم القيامة، فيبعث إليهم من يأمرهم بطاعته، فإن أطاعوه استحقوا الثواب، وإن عصوه استحقوا العذاب\" (^٣).\nوالقول بأنهم يمتحنون حكاه الأشعري عن جمهور السلف (^٤). وممن قال به المروزي (^٥)، والبيهقي (^٦)، وابن كثير ونصره ابن القيم وقال: \"وبهذا يتألف شمل\n_________\n(^١) الفصل ٤/ ١٠٥.\n(^٢) الموافقات ٣/ ٣٧٧.\n(^٣) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ١/ ٣١٢، وانظر مجموع الفتاوى (تفسير سورة الإخلاص) ١٧/ ٣٠٨. ودرء التعارض ٨/ ٤٠١، ومختصر الفتاوى المصرية ص ٦٤٣.\n(^٤) تفسير ابن كثير ٣/ ٣٠.\n(^٥) أحكام أهل الذمة ٢/ ٦٥٠.\n(^٦) الاعتقاد للبيهقي ١٧٠.","vol":"1","page":227},{"text":"الأدلة كلها وتتوافق الأحاديث\" (^١).\nوقال ابن كثير: \"وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها، وقد صرحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة الشاهد بعضها لبعض\" (^٢).\nوقد قيل في حكمهم غير ذلك، فمنهم من قطع لهم بالجنة، ومنهم من قطع لهم بالنار ومنهم من توقف والقول بأنهم يمتحنون يجمع بين الأدلة ويدفع عنها التناقض.\nوقال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ ﵀: \"وهذا التفصيل يذهب الخصومات التي كره الخوض فيه لأجلها من كرهه، فإن من قطع لهم بالنار كلهم، جاءت نصوص تدفع قوله، ومن قطع لهم بالجنة كلهم جاءت نصوص تدفع قوله ... \" (^٣).\nوممن اختار القول بأنهم يُمتحنون الشيخ ابن باز، قال: \"وهذا القول هو أصح الأقوال في أهل الفترة ونحوهم ممن لم تبلغهم الدعوة الإلهية وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم وجماعة من السلف والخلف - رحمة الله عليهم جميعًا - \" (^٤). واختاره أيضًا الشنقيطي في أضواء البيان (^٥) وبه أفتت اللجنة الدائمة (^٦)، والشيخ محمد بن عثيمين (^٧).\nوقال الشنقيطي ﵀: \"والتحقيق أنهم معذورون بالفترة في الدنيا، وأن الله يوم القيامة يمتحنهم بنار يأمرهم باقتحامها، فمن اقتحمها دخل الجنة، وهو الذي كان\n_________\n(^١) طريق الهجرتين ٣٦٩.\n(^٢) تفسير ابن كثير ٣/ ٣٠.\n(^٣) درء التعارض ٨/ ٤٠١.\n(^٤) فتاوى إسلامية جمع محمد المسند ٢/ ٦٦.\n(^٥) أضواء البيان ٣/ ٤٨٢.\n(^٦) مجلة البحوث الإسلامية العدد ٤٠ ص ٩٥.\n(^٧) فتاوى إسلامية جمع محمد المسند ٢/ ٦٥.","vol":"1","page":228},{"text":"يصدق الرسل لو جاءته في الدنيا، ومن امتنع دخل النار وعذب فيها، وهو الذي كان يكذب الرسل لو جاءته في الدنيا؛ لأن الله يعلم ما كانوا عاملين لو جاءتهم الرسل\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-184> تنبيه:</span>\nحكم أهل الفترة لا ينطبق على بلاد سمع أهلها بالدعوة إلى الإسلام.\nجاء في فتاوى اللجنة الدائمة: \"ومن عاش في بلادء فيها بالدعوة إلى الإسلام وغيره، ثم لا يؤمن ولا يطلب الحق من أهله، فهو في حكم من بلغته الدعوة الإسلامية، وأصر على الكفر\" (^٢). والمستند في ذلك حديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار\" وهذه الأحكام تتعلق بمن لم يدخل الإسلام أصلًا.\n_________\n(^١) أضواء البيان ٣/ ٤٨١ وانظر في نفس الكتاب ٣/ ٤٧٤ - ٤٨٤.\n(^٢) فتاوى اللجنة ٢/ ٩٧.","vol":"1","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>٥٢ - الأوثان</span>*\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>[الصنم - النصب]</span>\nالأوثان لغة: جمع وثن. قال ابن الأثير: الوثن كل ما له جثة معمولة من جواهر الأرض أو من الخشب والحجارة كصورة الآدمي تعمل وتنصب فتعبد. والصنم: الصورة بلا جثة. ومنهم من لم يفرق بينهما، وأطلقهما على المعنيين. وقد يُطلق الوثن على غير الصورة (^١).\nوقيل: هو المعبود الذي لا صورة له كالقبور والأشجار والأحجار ونحوها.\n* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠]، وقال عز من قائل: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾ [العنكبوت:١٧]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت ٢٥].\n* الدليل من السنة: عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَلْحَقَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي بِالْمُشْرِكِينَ وَحَتَّى يَعْبُدُوا الأَوْثَانَ وَإِنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي ثَلاثُونَ كَذَّابُونَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ لا نَبِيَّ بَعْدِي\" (^٢).\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ٥/ ٤٥. تيسير العزيز الحميد ص ٣٧٩، ١١٨. فتح المجيد ١٠١، ٣٠٨. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ٥٠، ١٨٣. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ٤٦٧، ط ٢ - ١/ ٥٨٦، ١/ ٦٢٨ ومن المجموع ٩/ ٤٥٢. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٢/ ٣٤٤، ٤/ ٦٣،٢٩. مباحث العقيدة في سورة الزمر ص ٤٠١. دعاوى المناوئين ٢٢٢، ٢٢٣.\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (وث ن).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٢١٩)، وأخرجه مطولًا أبو داود (٤٢٥٢)، وابن ماجه (٣٩٥٢) وأحمد (٢٢٧٥٦).","vol":"1","page":230},{"text":"عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"لا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى تُعْبَدَ اللاتُ وَالْعُزَّى\" فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ كُنْتُ لأظُنُّ حِينَ أَنْزَلَ اللهُ ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ أَنَّ ذَلِكَ تَامٌ، قَالَ: \"إِنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ ذَلِكَ شَاءَ اللهُ ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ رِيحًا طَيِّبَةً فَتَوَفَّى كُلَّ مَنْ فِي قَلْبهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ من خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَيَبْقَى مَنْ لا خَيْرَ فِيهِ فَيَرْجِعُونَ إِلَى دِينِ آبَائِهِمْ\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-187> أقوال العلماء:</span>\nيقول الشيخ السعدي: \"فإن الوثن اسم جامع لكل ما عُبد من دون الله لا فرق بين الأشجار والأحجار والأبنية، ولا بين الأنبياء والصالحين والطالحين في هذا الموضع وهو العبادة فإنها حق الله وحده، فمن دعا الله أو عبده فقد اتخذه وثنًا وخرج بذلك عن الدين، ولم ينفعه انتسابه إلى الإسلام، فكم انتسب إلى الإسلام من مشرك وملحد وكافر منافق. والعبرة بروح الدين وحقيقته لا بمجرد الأسامي والألفاظ التي لا حقيقة لها\" (^٢).\nوهل الناس كلهم يقعون في عبادة الأوثان (^٣)؟ انظر باب (جزيرة العرب)، حديث \"إن الشيطان ... \" وكلام أهل العلم عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>الفرق بين الصنم والوثن:</span>\nانظر باب: \"صنم\".\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٩٠٧).\n(^٢) القول السديد ص ٧٨.\n(^٣) انظر مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٤٥٢. وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ٤٦٧.","vol":"1","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>٥٣ - أوثق عرى الإيمان</span>\nفيه حديث ابن عباس - ﵄ - حين سأل أبو ذر: أي عُرى الإيمان أظنه قال: أوثق. قال الله ورسوله أعلم. قال: \"الموالاة في الله والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله\" (^١)، وسيأتي الكلام عنها إن شاء الله في باب (الحب في الله).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>٥٤ - إيقاد السرج على القبور</span>*\nاتخاذ السرج على القبور سواء أكان ذلك بإيقاد الشموع أو القناديل أو إيقاد غيرها منهي عنه، وكذلك جاء النهي عن اتباع الميت بنار (^٢) حين تشييعه إلى قبره لأنه وسيلة إلى تعظيمهم والغلو فيهم.\n* الدليل من السنة: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"لَعَنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - زَائِرَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-191> أقوال العلماء:</span>\nقال ابن قدامة ﵀: \"لو أبيح اتخاذ السرج عليها - يعني القبور - لم يلعن النبي\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير (١١٥٣٧).\n* التمهيد لابن عبد البر ٣/ ٢٣٢. إغاثة اللهفان ابن القيم ١/ ١٩٤ - ١٩٨. أحكام الجنائز الألباني ص ٢٦٥ رقم ٢١٩. تيسير العزيز الحميد ص ٣٤٦. فتح المجيد ص ٢٨٦. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ١٦٨. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ٤٣٦. ط ٢ - ١/ ٥٥١ ومن المجموع ٩/ ٤٢٥. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٢/ ٢٣٦. شرح مسائل الجاهلية للسعيد ٢/ ٦٤٥. شرح مسائل الجاهلية للآلوسي ص ١٢٩.\n(^٢) انظر باب القبر.\n(^٣) سنن أبي داود (٣٢٣٦) والترمذي (٣٢٠).","vol":"1","page":232},{"text":"- ﷺ - من فعله، ولأن فيه تضييعا للمال في غير فائدة، وإفراطا في تعظيم القبور، أشبه بتعظيم الأصنام\" (^١).\nوقال العلامة ابن الحاج المالكي: \"نهى ﵊ عن أن يتبع الميت بنار حين تشييعه إلى قبره لأنه تفاؤل رديء وهؤلاء - أي المسرجون على القبور - يوقدون الشموع وغيرها عِنْدَه، مع ما يوقدونه من الأحطاب لطعامهم. اللهم عافنا من قلب الحقائق\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-192> حكمه:</span>\nيتبين من الحديث السابق تحريم إيقاد السرج على القبور.\nقال ابن القيم ﵀ \"والمقصود: أن هؤلاء المعظمين للقبور، المتخذينها أعيادًا، الموقدين عليها السرج الذين يبنون عليها المساجد والقباب. مناقضون لما أمر به رسول الله - ﷺ -، محادون لما جاء به. وأعظم ذلك اتخاذها مساجد، وإيقاد السرج عليها. وهو من الكبائر. وقد صرح الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم بتحريمه\" (^٣).\nوعدّ ابن حجر الهيتمي الإسراج على القبور تعظيما وتبركًا بها من الكبائر، واستدل بما في الحديث من لعن من اتخذ على القبر سُرجًا، ثم ذكر عن بعض علماء الحنابلة أنه قال: \"يجب إزالة كل قنديل أو سراج على القبر ولا يصح وقفه ونذره\" (^٤).\n_________\n(^١) المغني لابن قدامة ٢/ ٣٧٩ ط مكتبة القاهرة.\n(^٢) المدخل للعلامة ابن الحاج المالكي ١/ ٢٤٥.\n(^٣) إغاثة اللهفان ١/ ١٩٧.\n(^٤) الزواجر عن اقتراف الكبائر ١/ ١٦٥. وانظر للاستزادة شفاء الصدور في الرد على الجواب المشكور ص ٨٧ - ٨٨.","vol":"1","page":233},{"text":"قال ابن حجر الهيتمي: \"صرح أصحابنا بحرمة السراج على القبر وإن قل، حيث لم ينتفع به مقيم ولا زائر، وعللوه بالإسراف وإضاعة المال، والتشبه بالمجوس، فلا يبعد في هذا أن يكون كبيرة\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>أسباب المنع من إيقاد السرج:</span>\nذكر الشيخ الألباني ﵀ أسبابًا للمنع منها:\nأولًا: كونها بدعة محدثة لا يعرفها السلف الصالح، وقد قال - ﷺ -: كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار (^٢).\nثانيًا: أن فيه إضاعة للمال وهو منهي عنه بالنص.\nثالثًا: أن فيه تشبهًا بالمجوس عباد النار (^٣).\n_________\n(^١) الزواجر ١/ ١٣٤ نقلًا عن أحكام الجنائز ص ٢٣١ - ٢٣٢.\n(^٢) أخرجه النسائي (١٥٧٩).\n(^٣) أحكام الجنائز ص ٢٣١ - ٢٣٢.","vol":"1","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>٥٥ - الإيمان</span>*\nالإيمان في اللغة: مصدر من آمن يؤمن إيمانًا فهو مؤمن وهو مشتق من الأمن.\nقال ابن بطة: \"الإيمان اسم ومعناه التصديق\" (^١).\nوقال الجوهري: \"الإيمان: التصديق\" (^٢). وكذلك قال ابن منظور (^٣)، والرازي (^٤)\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ٩/ ١١٧، ٢٣٥، ٢٣٨، ٢٤٣. الاستذكار لابن عبد البر ٢٦/ ١٣٢، ١٣٣. الشريعة للآجري ص ٩٥، ٩٩، ١٠٧. السنة لعبد الله بن الإمام أحمد ص ٢٤٢ - ٣٧٠. أحكام القرآن للقرطبي ١/ ١٩٤، ١٤/ ١٨٥، ١٧/ ٤٩. الإبانة لابن بطة العبكري ص ٦٣٨، ٧٦٠، ٨٨١. شرح السنة للبغوي. ١/ ٧. الإيمان لابن تيمية. فتح الباري لابن رجب ١/ ٥. لوامع الأنوار للسفاريني ١/ ٤٠٣. الدرر السنية ١/ ١٣٩، ١٨٧، ٢٥٦، ٣٣٠، ٤٧٧. قطف الثمار صديق حسن ص ٨٥. معارج القبول ٢/ ٢١. مجموع الفتاوى لابن باز ١/ ١٥٧. أهم المهمات لابن سعدي من المجموعة ٣/ ٦٢، ٦٤. شجرة الإيمان للسعدي من المجموعة ٣/ ٨٩. مجموع الفوائد واقتناص الأوابد للسعدي ص ٤٩، ٨٠، ٨٥. مجموع الفتاوي لابن عثيمين ٣/ ١٤٦. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٧/ ٣٠، ٣٤. المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة الأحمدي ١/ ٦٣. منهج الإمام مالك في العقيدة ص ١٧١، ٢٠٢. الآثار الواردة في سير أعلام النبلاء د: جمال بن أحمد ص ٤٤٥. منهج الشافعي في إثبات العقيدة ص ١٥١. الجيلاني وآراؤه الاعتقادية ص ٨٥. موقف ابن تيمية من الأشاعرة ص ٣٤٩. الشيخ السعدي وجهوده في توضيح العقيدة للعبَّاد ص ٢٩٥. الإمام الخطابي ومنهجه في العقيدة لأبي عبد الرحمن العلوي ص ٢٨٣. منهج ابن حجر في العقيدة ص ١١٣٨. الإمام المروزي وجهوده في توضيح العقيدة للنفيعي ١/ ١٠٩، ١٢٤. عقيدة الإمام ابن عبد البر للغصن ص ٤٥١. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ص ٥٠٣ إلى ٥١٩. منهج الحافظ ابن رجب في العقيدة ص ٤٢٤. نواقض الإيمان القولية والعملية ص ١٤، ٣٠. الجهل بمسائل الاعتقاد ص ٤١ إلى ٥٣.\n(^١) الإبانة ١/ ١٨٢، ١٨٣.\n(^٢) الصحاح للجوهري (أ م ن).\n(^٢) لسان العرب لابن منظور (أ م ن).\n(^٤) مختار الصحاح للرازي (أ م ن).","vol":"1","page":235},{"text":"في مختار الصحاح.\nوقد انتقد شيخ الإسلام ابن تيمية من جعل الإيمان مجرد التصديق ورد عليهم من وجوه كثيرة فكان مما قال ﵀: \"وليس لفظ الإيمان مرادفًا للفظ التصديق كما يظنه طائفة من الناس فإن التصديق يستعمل في كل خبر\" (^١).\nوقال أيضًا: \" ... فإن الإيمان مشتق من الأمن، فإنما يستعمل في خبر يؤتمن عليه المخبر كالأمر الغائب الذي يؤتمن عليه المخبر ... فاللفظ متضمن مع التصديق معنى الائتمان أو الأمانة، كما يدل عليه الاشتقاق والاستعمال، ولهذا قالوا: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف:١٧]، أي لا تقرّ بخبرنا ولا تثق به، ولا تطمئن إليه ولو كنا صادقين، لأنهم لم يكونوا عنده ممن يؤتمن على ذلك، فلو صدقوا لم يأمن لهم ... \" (^٢).\nوقال ابن القيم ﵀: \"فإن الإيمان ليس مجرد التصديق وإنما هو التصديق المستلزم للطاعة والانقياد\" (^٣).\nوقال الراغب الأصفهاني في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾، قيل معناه: \"بمصدق لنا، إلا أن الإيمان هو التصديق الذي معه أمن\" (^٤).\nفمعنى الآية ما أنت بمصدق لنا التصديق الجازم الذي يتبعه عمل وهو عدم المؤاخذة بفعلهم، فلم يعطهم الأمن. فيكون معنى الإيمان في اللغة: التصديق\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٧/ ٥٢٩. وانظر كتاب الإيمان لابن تيمية ص ٢٧٤.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٧/ ٢٩١، ٢٩٢.\n(^٣) كتاب الصلاة ص ٢٥.\n(^٤) المفردات ص ٢٦.","vol":"1","page":236},{"text":"الجازم المستلزم للعمل الذي يكون معه أمن.\nوالتصديق في اللغة إما أن يكون تصديقًا لخبر، وإما أن يكون تصديقًا لإنشاء، والإنشاء هو الأمر والنهي، فتصديق الأخبار بِاعتقادها وتصديق الأوامر والنواهي بِامتثال الأمر وبِالابتعاد عن النهي، قال جل وعلا في سورة الصافات ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٣، ١٠٥] فلما ابتدأ في العمل صار مصدقا للرؤيا.\nقال ابن نصر المروزي في معنى التصديق: \"هو المعرفة بِالله، والاعتراف له بِالربوبِية، بِوعده، ووعيده، وواجبِ حقه، وتحقيق ما صدق بِه من القول والعمل\" (^١).\nوالإيمان إذا عُدي بِاللام فإنه يكون بِالمعنى اللغوي الذي سبق بيانه كقوله تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت:٢٦]، وأما إذا عدي بِالباء فيراد بِه المعنى الشرعي كقول الله ﷻ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٢٨٥]، وقوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦]، وقوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا﴾ [النساء:٤٧]، والآيات في هذا كثيرة.\nوالمعنى الشرعي: ما أجمع عليه السلف من أنه قول وعمل واعتقاد.\nقال ابن رجب - رحمه الله تعالى -: \"المشهور عن السلف وأهل الحديث أن الإيمان قول وعمل ونية، وأن الأعمال كلها داخلة في مسمى الإيمان، وحكى الشافعي على ذلك إجماع الصحابة والتابِعين ومن بعدهم ممن أدركهم، وأنكر السلف على من أخرج الأعمال عن الإيمان إنكارًا شديدًا ... \" (^٢)\n_________\n(^١) الصلاة ٢/ ٦٩٥.\n(^٢) جامع العلوم والحكم ١/ ١٠٤.","vol":"1","page":237},{"text":"وقال الثوري: \"هو رأي محدث أدركنا السلف على غيره\" (^١).\nوقال ابن جرير: \"والإيمان كلمة جامعة للإقرار بالله وكتبه ورسله وتصديق الإقرار بالفعل\" (^٢).\nقال أبو عبيد: \"اعلم رحمك الله أن أهل العلم والعناية بِالدين افترقوا في هذا الأمر فرقتين:\nفقالت إحداهما: الإيمان بِالإخلاص له بِالقلوبِ وشهادة الألسنة وعمل الجوارح.\nوقالت الفرقة الأخرى: بل الإيمان بِالقلوبِ والألسنة، فأما الأعمال فإنما هي تقوى وبِر، وليست من الإيمان.\nوإذا نظرنا في اختلاف الطائفتين، فوجدنا الكتاب والسنة يصدقان الطائفة التي جعلت الإيمان بِالنية والقول والعمل جميعًا، وينفيان ما قالت الأخرى\" (^٣).\nوعرفه القاضي أبو يعلى فقال: \"هو جميع الطاعات الباطنة والظاهرة، فالباطنة أعمال القلبِ، وهو تصديق القلبِ والظاهرة هي أفعال البدن الواجبات والمندوبات\" (^٤).\nويقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: \"ومن هذا البابِ أقوال السلف وأئمة السنة في الإيمان، فتارة يقولون: هو قول وعمل، وتارة يقولون: هو قول وعمل ونية، وتارة يقولون: قول وعمل ونية واتباع السنة، وتارة يقولون قول بِاللسان واعتقاد بِالقلبِ، وعمل بِالجوارح، وكل هذا صحيح، فإذا قالوا: قول\n_________\n(^١) الإبانة ٢/ ٩٠٣.\n(^٢) تفسير ابن جرير ١/ ١٠١.\n(^٣) الإيمان ص ٥٣، ٥٤.\n(^٤) مسائل الإيمان ص ١٥٢.","vol":"1","page":238},{"text":"وعمل، فإنه يدخل في القول قول القلب واللسان جميعا، وهذا هو المفهوم من لفظ القول والكلام، ونحو ذلك إذا أطلق\" (^١).\nوقال الإمام ابن القيم: \"الإيمان هو حقيقة مركبة من معرفة ما جاء بِه الرسول - ﷺ - علمًا، والتصديق بِه عقدًا، والإقرار بِه نطقًا، والانقياد له محبة وخضوعًا، والعمل بِه باطنًا وظاهرًا، وتنفيذه والدعوة إليه بِحسبِ الإمكان\" (^٢).\nوقال الإمام السعدي: \"الإيمان وهو الإقرار والتصديق الجازم بكل ما أخبر الله به ورسوله، الموجب لأعمال القلوب، ثم تتبعها أعمال الجوارح\" (^٣).\nوينبني على معرفة المعنى الشرعي أن التكفير يكون بالاعتقاد ويكون بالقول ويكون بالعمل وأن ترك العمل كفر وأن الإيمان يزيد وينقص.\n* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧].\nوقد سأل الصحابِي الجليل أبو ذر - ﵁ - النَّبيَّ - ﷺ - عن الإيمان، فتلا هذه الآية حتى فرغ منها. قال: ثم سأله أيضًا فتلاها، ثم سأله أيضًا فتلاها، ثم سأله فقال: \"وإذا عملت حسنة أحبها قلبك وإذا عملت سيئة أبغضها قلبك\" (^٤).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٧/ ١٧٠.\n(^٢) الفوائد ص ١٩٦.\n(^٣) تيسير الكريم المنان ص ١٨٧.\n(^٤) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٧٢)، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.","vol":"1","page":239},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-195> أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>١ - العلاقة بين الإسلام والإيمان:</span>\nقال ابن قاسم: \"الإيمان وصف أعلى من وصف الإسلام، لأنه مشتق من الأمن، فهو من الأمور الباطنة الذي يؤتمن عليه، ويكون خفية، والإسلام من الأمور المدركة بالحواس المحسوسة في الظاهر مشتق من التسليم، أو المسالمة كما تقدم، فإذا أطلق الإيمان في النصوص دخل فيه الإسلام، وإذا أطلق الإسلام لم يدخل فيه الإيمان، ومن أثبت له الإيمان في النصوص فإنه ثابِت له الإسلام، والمسلم لا بد أن يكون معه إيمان يصحح إسلامه، وإلا كان منافقًا، ولكن لا يستحق أن يمدح بِه ويثنى عليه، بل إيمانه ناقص، ويأتي تمثيله.\nوالإيمان الشرعي: قول وعمل، قول القلبِ واللسان، وعمل القلبِ واللسان والجوارح، ويزيد بِالطاعة وينقص بِالمعصية، فدخل فيه جميع المأمورات، سواء كان من الواجبات، أو المستحبات، ودخل فيه ترك جميع المنهيات، سواء كان ذلك المنهي ينافي أصول الدين بِالكلية أو لا، فإن تعريفه المذكور يشمل ذلك، فما من خصلة من خصال الطاعات، إلا وهي من الإيمان، ولا ترك محرم من المحرمات، إلا وهو من الإيمان\" (^١).\nوقد فرَّق النبي - ﷺ - بين مسمى الإسلام وبين مسمى الإيمان وبين مسمى الإحسان في حديث جبريل ﵇ وبِه وبِغيره من الأحاديث نفهم أن الإسلام والإيمان إذا اجتمعا، فسر الإسلام بِالأمور الظاهرة من الأعمال، وفسر الإيمان بِالأمور الباطنة من الاعتقاد. وإذا افترقا، فسر أحدهما بِما يفسر بِه الآخر، بِمعنى أن الإسلام يفسر بِالاعتقاد والأعمال، كما يفسر بِه بِمثل ذلك الإيمان أيضًا.\nوانظر هذه المسألة في باب (الإسلام)، فقد توسعتُ في توضيحها هناك.\n_________\n(^١) حاشية الأصول الثلاثة للشيخ عبد الرحمن بن قاسم ﵀ ص ٦٠.","vol":"1","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>٢ - أركان الإيمان:</span>\nأركان الإيمان ستة أن تؤمن بِالله، وملائكته، وكتبِه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وسوف نفرد لكل ركن منها بحثًا خاصًا إن شاء الله، فلتراجع في أبوابها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>٣ - ثمرات الإيمان:</span> عقد ابن سعدي في خلاصة التفسير فصلًا خاصًا بثمرات الإيمان فيراجع هناك (^١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>٤ - زيادة الإيمان ونقصانه:</span>\nالإيمان قول وعمل يزيد وينقص، هو عقيدة أهل السنة والجماعة، وهو ما دلت عليه نصوص الكتابِ والسنة وإجماع السلف الصالح قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢]. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤]. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤].\n* الدليل من السنة: عَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ إِلَى الْمُصَلَّى فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ: \"يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ\" فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: \"تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ\" قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: \"أَليْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ\" قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: \"فَذَلِكِ مِنْ نُقْصانِ عَقْلِهَا، أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ\n_________\n(^١) انظر المجموعة الكاملة للشيخ عبد الرحمن السعدي ٨/ ٢١١.","vol":"1","page":241},{"text":"تَصُمْ؟ \" قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: \"فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا\" (^١).\nقال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ: سألت الإمام أحمد عن الإيمان ما نقصانه قال: نقصانه قول النبي - ﷺ -: \"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن \" (^٢) (^٣).\nوفي حديث أبِي هريرة - ﵁ - المتفق عليه، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"الإيمان بِضع وستون - وفي رواية مسلم: بِضع وسبعون شعبة - فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان\" (^٤).\nوعن أبِي سعيد الخدري - ﵁ - أن النبِي - ﷺ - قال: \"يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من كان في قلبِه مثقال حبة من خردل من إيمان\" (^٥).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-200> أقوال العلماء:</span>\nأ - أقوال الصحابة - ﵃ - في الإيمان قول معاذ بِن جبل لرجل: \"اجلس بنا نؤمن ساعة\" (^٦) يعني ندكر الله ﷿.\nوقال أبو هريرة - ﵁ -: \"الإيمان يزداد وينقص\" (^٧).\nوقد ثبت هذا أيضًا عن ابن عباس وأبي الدرداء - ﵃ - كلهم قالوا: \"الإيمان يزيد\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٠٤)، ومسلم عن ابن عمر بنحوه (٧٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٤٧٥).\n(^٣) مسائل بن هانئ ٤/ ١٦٤.\n(^٤) أخرجه البخاري (٢). ومسلم (٣٥).\n(^٥) أخرجه البخاري (٢٢). ومسلم (١٨٤).\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة في الإيمان ص ٣٥ ح ١٠٥، ١٠٧، وعبد الله بن الإمام أحمد في السنة ح: ٧٩٦. واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٥/ ١٠١٤ (١٧٠٦، ١٧٠٧).\n(^٧) أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في السنة ١/ ٣١٤ (٦٢٢)، والآجري في الشريعة ص ١١، وابن ماجه في سننه في المقدمة (٩٤)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٥/ ١٠١٦ رقم (١٧١١).","vol":"1","page":242},{"text":"وينقص\" (^١).\nوعن عمير بن حبيب - ﵁ - قال: \"الإيمان يزيد وينقص، قيل له: ما زيادته ونقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله ﷿ خشيناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا وضيّعنا فذلك نقصانه\" (^٢).\nوقال جندب - ﵁ -: \"كنا مع رسول الله - ﷺ - فكنا فتيانًا حزاورة (^٣) فتعلمنا الإيمان، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانًا\" (^٤).\nب - أقوال التابعين: جاء عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] قال: \"ليزداد إيماني\" (^٥).\nوروى الآجري بسنده أنه قال لسفيان بن عيينة: \"الإيمان يزيد وينقص؟ قال: أليس تقرؤون القرآن: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: ١٧٣] في غير موضع، قيل: ينقص؟ قال: ليس شيء يزيد إلا وهو ينقص\" (^٦).\nوروى الآجري واللالكائي عن الحميدي، أنه قال: سمعت ابن عيينة يقول: \"الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، فقال له أخوه إبراهيم بن عيينة يا أبا محمد، لا تقولن يزيد وينقص، فغضب وقال: اسكت يا صبي، بل ينقص حتى لا يبقى منه شيء\" (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الآجري في الشريعة ص ١١١، وعبد الله بن أحمد بن حنبل في السنة ١/ ٣١٤، واللالكائي في شرح أصول أهل السنة ٥/ ١٠١٦ رقم ١٧١٢ ورقم ١٧٠٩.\n(^٢) أخرجه الآجري في الشريعة ص ١١١.\n(^٣) الحزورة: الغلام الذي قد شب وقوي.\n(^٤) السنة ١/ ٣٦٩. والإبانة (١١٢٢).\n(^٥) أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في السنة ١/ ٣٦٩ ح ٧٩٨.\n(^٦) أخرجه الآجري في الشريعة ص ١١٧.\n(^٧) أخرجه الآجري في الشريعة، ص ١١٧. التمهيد ٩/ ٢٥٤.","vol":"1","page":243},{"text":"وقال سهل بن المتوكل رحمه الله تعالى: \"أدركت ألف أستاذ أو أكثر كلّهم يقولون: الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص\" (^١).\nوعن الأوزاعي رحمه الله تعالى قال: \"الإيمان قول وعمل ويزيد ينقص، فمن زعم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص فاحذروه فإنه مبتدع\" (^٢).\nوقال البغوي: \"وقالوا: إن الإيمان قول وعمل وعقيدة، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية على ما نطق به القرآن في الزيادة، وجاء في الحديث بالنقصان في وصف النساء\" (^٣).\nوقال الحليمي: \"ومما يدل على أن الإيمان يزيد وينقص قول النبي - ﷺ - للنساء: \"إنكن ناقصات عقل ودين\"\" (^٤).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والقرآن قد نطق بالزيادة في غير موضع، ودلت النصوص على نقصه، كقوله - ﷺ -: \"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن\" ونحو ذلك، لكن لم يعرف اللفظ إلا في قوله في النساء: \"ناقصات عقل ودين\" وجعل من نقصان دينها أنها إذا حاضت لا تصوم ولا تصلي، وبهذا استدل غير واحد على أنه ينقص\" (^٥).\nوقال في موضع آخر: \"وهذا النقصان ليس هو نقص مما أمرت، فلا تعاقب على هذا النقصان، لكن من أمر بالصلاة والصوم ففعله، كان دينه كاملًا بالنسبة إلى هذه الناقصة الدين\" (^٦).\n_________\n(^١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٥/ ١٠٢٨ رقم ١٧٣٤.\n(^٢) أخرجه الآجري في الشريعة ص ١١٧.\n(^٣) شرح السنة ١/ ٣٩.\n(^٤) المنهاج في شعب الإيمان ١/ ٦٣.\n(^٥) مجموع الفتاوى ١٣/ ٥١.\n(^٦) كتاب الإيمان، ص ٢١٩، ٢٢٠.","vol":"1","page":244},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-201> موقف الإمام مالك ﵀ من القول بنقص الإيمان:</span>\nعن إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس قال: سئل مالك الإيمان: يزيد وينقص؟ فقال: يزيد وذلك في كتاب الله، فقيل له: وينقص يا أبا عبد الله؟ قال: ولا أزيد أن أبلغ هذا.\nوعن عبد الرحمن بن القاسم قال: كان مالك يقول: الإيمان يزيد، وتوقف في النقصان، وقال: ذكر الله زيادته في غير موضع، فدع الكلام في نقصانه، وكف عنه (^١).\nوقد تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية عن رواية الإمام مالك هذه فقال: \"ولهذا أهل السنة والحديث على أنه يتفاضل، وجمهورهم يقولون: يزيد وينقص، ومنهم من يقول: يزيد، ولا يقول: ينقص، كما روي عن مالك في إحدى الروايتين\" (^٢).\nوذكر سبب ذلك فقال: \"إنه توقف عن القول بالنقصان لعدم ذكر النقص في القرآن وأن الله لم ينص إلا على زيادته ... وكان بعض الفقهاء من أتباع التابعين لم يوافقوا في إطلاق النقصان عليه؛ لأنهم وجدوا ذكر الزيادة في القرآن، ولم يجدوا ذكر النقص وهذا إحدى الروايتين عن مالك، والرواية الأخرى عنه، وهو المشهور عند أصحابه كقول سائرهم: إنه يزيد وينقص\" (^٣).\nوبهذا تعلم أن زيادة الإيمان قال به جميع أهل السنة وكذلك نقص الإيمان قال به عامة أهل السنة ومن توقف فيها فإنه رجع إلى القول بأنه ينقص قال الإمام عبد الرزاق: \"سمعت سفيان الثوري ومعمر وابن جريج ومالك بن أنس وسفيان بن عيينة يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. فقلنا لعبد الرزاق فما تقول\n_________\n(^١) التمهيد ٩/ ٢٥٢.\n(^٢) كتاب الإيمان ص ٢١٠.\n(^٣) الفتاوى ٧/ ٥٠٦.","vol":"1","page":245},{"text":"أنت؟ فقال: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص فإن لم أقل هذا فقد ضللت إذًا وما أنا من المهتدين\" (^١).\nوقال الشيخ ابن عثيمين: \"وقد ثبت لفظ الزيادة والنقص منه عن الصحابة ولم يُعرف منهم مخالف فيه وجمهور السلف على ذلك قال ابن عبد البر: وعلى أن الإيمان يزيد وينقص جماعة أهل الآثار والفقهاء أهل الفتيا في الأمصار وذكر عن مالك روايتين في إطلاق النقص إحداهما التوقف والثانية موافقة الجماعة\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>٥ - السلف يعدّون من أنكر زيادة الإيمان ونقصانه من المرجئة:</span>\nذكر البيهقي بإسناده عن الثوري، أنه قال: \"خالفَنا المرجئةُ في ثلاث: نحن نقول: الإيمان قول وعمل، وهم يقولون: قول بلا عمل، ونحن نقول: يزيد وينقص، وهم يقولون: لا يزيد ولا ينقص؛ ونحن نقول: أهل القبلة عندنا مؤمنون، أما عند الله فالله أعلم، وهم يقولون: نحن عند الله مؤمنون\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>٦ - الإيمان يتبعض:</span>\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وأما قول القائل: إن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله. فهذا ممنوع، وهذا هو الأصل الذي تفرعت منه البدع في الإيمان فإنهم ظنوا أنه متى ذهب بعضه ذهب كله لم يبق منه شيء. ثم قالت الخوارج والمعتزلة: هو مجموع ما أمر الله به ورسوله، وهو الإيمان المطلق كما قاله أهل الحديث، قالوا فإذا ذهب شيء منه لم يبق مع صاحبه من الإيمان شيء فيخلد في النار وقالت المرجئة على اختلاف فرقهم: لا تذهب الكبائر وترك الواجبات الظاهرة شيئًا من الإيمان إذ لو ذهب شيء منه لم يبق منه شيء فيكون شيئًا واحدًا يستوي فيه البر\n_________\n(^١) التمهيد ٩/ ٢٥٢.\n(^٢) فتح رب البرية بتلخيص الحموية ص ٩٣.\n(^٣) الاعتقاد للبيهقي ص ٨٤.","vol":"1","page":246},{"text":"والفاجر، ونصوص الرسول وأصحابه تدل على ذهاب بعضه وبقاء بعضه كقوله: \"يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان\"\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>٧ - صلة العمل بالإيمان:</span>\nتبين لنا من التعريف الشرعي أن العمل يرتبِط بِالإيمان ارتباطًا وثيقًا. وزيادة في الإيضاح نقول: إن العمل ركن من أركان الإيمان فلا تقوم حقيقة الإيمان إلا بِعمل، ومعلوم أن الركن هو الذي تقوم بِه الماهية وكما أن الممتنع عن كلمة التوحيد لا يصير مؤمنا، كذلك الممتنع عن العمل لا يصير مؤمنًا. وقد أجمع السلف على أن العمل من الإيمان. فمن لم يأتِ بعمل فهو كافر أن من انتفى في حقه الاعتقاد فهو كافر أو انتفى في حقه القول فهو كافر لأن الإيمان عند أهل السنة والجماعة لا يكون إلا باعتقاد وقول وعمل ومن زال عنه واحد من الثلاثة فإنه يزول عنه أصل الإيمان.\nقال الشافعي ﵀: \"وكان الإجماع من الصحابة والتابِعين من بعدهم ممن أدركناهم أن الإيمان قول، وعمل، ونية، لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر\" (^٢).\nوقال البغوي ﵀: \"اتفقت الصحابة والتابِعون، فمن بعدهم من علماء السنة على أن: الأعمال من الإيمان\"، ثم قال أيضًا: \"وقالوا الإيمان قول وعمل وعقيدة\" (^٣).\nوقال الإمام أبو حاتم الرازي وأبو زرعة: \"أدركنا العلماء في جميع الأمصار ... فكان مذهبِهم أن الإيمان قول وعمل\" (^٤).\nوقال محمد بِن الحسين الآجري ﵀: \"اعلموا رحمنا الله وإياكم أن الذي عليه\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٧/ ٢٢٣.\n(^٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٥/ ٨٨٦، ٨٨٧. الإيمان لابن تيمية ١٩٧.\n(^٣) شرح السنة للبغوي ١١/ ٣٨، ٣٩.\n(^٤) عقيدة أبي حاتم الرازي وأبي زرعة ص ١٤٩.","vol":"1","page":247},{"text":"علماء المسلمين: أن الإيمان واجب على جميع الخلق، وهو تصديق بِالقلبِ وإقرار بِاللسان وعمل بِالجوارح\" (^١).\nوقال محمد بِن أبِي حاتم سمعت الإمام البخاري قبل موته بِشهر يقول: \"كتبت عن ألف وثمانين رجلا ليس فيهم إلا صاحب حديث كانوا يقولون: الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص\" (^٢).\nفالسلف - ﵏ - رأوا أن الإيمان هو هذه الأمور الثلاثة: \"اعتقاد بِالجنان وقول بِاللسان وعمل بِالأركان\" وأن الأعمال كلها داخلة في مسمى الإيمان. وقد نقل الإجماع عنهم على هذا التعريف أبو عبيد القاسم بن سلام (^٣) والشافعي (^٤) والبخاري (^٥) واللالكائي (٤) والبغوي (^٦) وابن عبد البر (^٧) وغيرهم وهذا الإجماع منهم مبني على أدلة صريحة من الكتابِ والسنة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والمقصود هنا أن من قال من السلف: الإيمان قول وعمل، أراد قول القلبِ واللسان وعمل القلبِ والجوارح ومن أراد الاعتقاد رأى أن لفظ القول لا يفهم منه إلا القول الظاهر، أو خاف ذلك فزاد الاعتقاد بِالقلبِ، ومن قال: قول وعمل ونية، قال: القول يتناول الاعتقاد وقول اللسان، وأما العمل فقد لا يفهم منه النية، فزاد ذلك، ومن زاد اتباع السنة فلأن ذلك كله لا يكون محبوبا لله إلا بِاتباع السنة، وأولئك لم يريدوا كل قول وعمل، وإنما أرادوا ما\n_________\n(^١) الشريعة للآجري ص ١١٩.\n(^٢) الشريعة للأجري ص ١٢٠.\n(^٣) شرح أصول الاعتقاد للالكائي ٤/ ٩١٣.\n(^٤) الإيمان لابن تيمية ص ١٩٧.\n(^٥) فتح الباري ١/ ٤٧.\n(^٦) شرح السنة ١/ ٣٨.\n(^٧) التمهيد ٩/ ٢٣٨.","vol":"1","page":248},{"text":"كان مشروعا من الأقوال والأعمال، ولكن كان مقصودهم الرد على المرجئة الذين جعلوه قولا فقط، فقالوا: بل هو قول وعمل والذين جعلوه أربعة أقسام فسروا مرادهم، كما سئل سهل بن عبد الله التستري عن الإيمان ما هو؟ فقال: \"قول وعمل ونية وسنة\"؛ لأن الإيمان إذا كان بِلا عمل فهو كفر، وإذا كان قولا وعملا بِلا نية فهو نفاق، وإذا كان قولًا وعملًا ونية بِلا سنة فهو بِدعة\" (^١).\nوقال ابن القيم ﵀: \"ومما يبين ذلك أن الإقرار بالصانع مع خلو القلب عن محبته والخضوع له وإخلاص الدين له لا يكون نافعًا بل الإقرار به مع الإعراض عنه وعن محبته وتعظيمه والخضوع له أعظم استحقاقا للعذاب فلا بد أن يكون للفطرة مقتض للعلم ومقتض للمحبة\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"وها هنا أصل آخر، وهو أن حقيقة الإيمان مركبة من قول وعمل. والقول قسمان: قول القلبِ وهو الاعتقاد، وقول اللسان وهو التكلم بِكلمة الإسلام. والعمل قسمان: عمل القلبِ وهو نيته وإخلاصه، وعمل الجوارح. فإذا زالت هذه الأربعة زال الإيمان بِكماله، وإذا زال تصديق القلبِ لم تنفع بقية الأجزاء، فإن تصديق القلبِ شرط في اعتقادها وكونها نافعة. وإذا زال عمل القلبِ مع اعتقاد الصدق، فهذا موضع المعركة بين المرجئة وأهل السنة. فأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلبِ وهو محبته وانقياده، كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول، بل ويقرون بِه سرا وجهرا ويقولون: ليس بِكذابِ، ولكن لا نتبعه، ولا نؤمن بِه. وإذا كان الإيمان يزول بِزوال عمل القلبِ فغير مستنكر أن يزول بِزوال أعظم أعمال الجوارح، ولا سيما إذا كان ملزوما لعدم محبة القلبِ\n_________\n(^١) الإيمان ص ١٦٢، وانظر مجموع الفتاوى ٧/ ٣٣٣، ٥٠٥، ٥٠٦، ٦٢١، ٢٨/ ١٧٧.\n(^٢) شفاء العليل ص ٣٠٢.","vol":"1","page":249},{"text":"وانقياده الذي هو ملزوم لعدم التصديق الجازم كما تقدم تقريره، فإنه يلزم من عدم طاعة القلبِ عدم طاعة الجوارح، إذ لو أطاع القلب وانقاد أطاعت الجوارح وانقادت، ويلزم من عدم طاعته وانقياده عدم التصديق المستلزم للطاعة وهو حقيقة الإيمان، فإن الإيمان ليس مجرد التصديق - كما تقدم بيانه - وإنما هو التصديق المستلزم للطاعة والانقياد، وهكذا الهدى ليس هو مجرد معرفة الحق وتبينه، بل هو معرفته المستلزمة لاتباعه والعمل بِموجبِه، وإن سمى الأول هدى فليس هو الهدى التام المستلزم للاهتداء، كما أن اعتقاد التصديق وإن سمى تصديقا فليس هو التصدق المستلزم للإيمان. فعليك بِمراجعة هذا الأصل ومراعاته\" (^١).\nوقد جاء عن السلف أن من ترك العمل المجزئ في الإيمان أنه كافر، وأن من قال بأن الإيمان هو الإقرار وأنه لا يوجد قدر مجزئ من العمل يُدخله في الإيمان فهو مرجئ.\nفعن معقل بن عبيد الله العبسي قال: \"قدم علينا سالم الأفطس بِالإرجاء فعرضه قال: فنفر منه أصحابنا نفارًا شديدًا ... قال فجلست إلى نافع فقلت له: إنهم يقولون: نحن نقر بِأن الصلاة فريضة ولا نصلي، وأن الخمر حرام ونحن نشربها وأن نكاح الأمهات حرام ونحن نفعل. قال: فنتر يده من يدي ثم قال: من فعل هذا فهو كافر\" (^٢).\nوقال عبد الله بن أحمد: حدثنا سويد بن سعيد الهروي قال: \"سألنا سفيان بن عيينة عن الإرجاء. فقال: يقولون الإيمان قول وعمل، والمرجئة أوجبوا الجنة لمن شهد أن لا إله إلا الله مصرًا بقلبه على ترك الفرائض وسمّوا ترك الفرائض ذنبا بمنزلة ركوب المحارم، وليسا بسواء لأن ركوب المحارم من غير استحلال\n_________\n(^١) كتاب الصلاة ٢٥.\n(^٢) السنة لعبد الله بن الإمام أحمد ١/ ٣٨٢، ٣٨٢.","vol":"1","page":250},{"text":"معصية، وترك الفرائض متعمدًا من غير جهل ولا عذر هو كفر\" (^١).\nوفي السنة للخلال قال الحميدي: \"أخبرت أن قومًا يقولون: إن من أقر بالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، ولم يفعل من ذلك شيئًا حتى يموت أو يصلي مسند ظهره مستدبر القبلة حتى يموت فهو مؤمن ما لم يكن جاحدا إذا علم أن تركه ذلك فيه إيمانه إذا كان يقر الفروض واستقبال القبلة، فقلت: هذا الكفر بالله الصراح وخلاف كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - وفعل المسلمين. قال حنبل: قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل: من قال هذا فقد كفر بالله، ورد على الله أمره وعلى الرسول ما جاء به\" (^٢).\nوقال الإمام أبو ثور: \"فأما الطائفة التي زعمت أن العمل ليس من الإيمان فيقال لهم: ما أراد الله ﷿ من العباد إذ قال لهم: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]؟ الإقرار بذلك، أو الإقرار والعمل؟ فإن قالت: إن الله أراد الإقرار ولم يرد العمل فقد كفرت عند أهل العلم (^٣) من قال: إن الله لم يرد من العباد أن يصلوا ولا يؤتوا الزكاة.\nفإن قالت: أراد منهم الإقرار والعمل.\nقيل: فإذا أراد منهم الأمرين جميعًا، لم زعمتم أنه يكون مؤمنًا بأحدهما دون الآخر؟ وقد أرادهما جميعًا.\nأرأيتم لو أن رجلًا قال: أعمل جميع ما أمر الله ولا أقر به أيكون مؤمنًا؟.\nفإن قالوا: لا.\nقيل لهم: فإن قال: أقر بجميع ما أمر الله به ولا أعمل منه شيئًا، أيكون مؤمنًا؟.\n_________\n(^١) السنة لعبد الله بن أحمد ١/ ٣٤٧، ٣٤٨.\n(^٢) السنة للخلال ٣/ ٥٨٦، ٥٨٧. وانظر كتاب الإيمان لابن تيمية ص ١٩٧.\n(^٣) هكذا في الكتاب.","vol":"1","page":251},{"text":"فإن قالوا: نعم.\nقيل لهم: ما الفرق؟ وقد زعمتم أن الله ﷿ أراد الأمرين جميعًا، فإن جاز أن يكون بأحدهما مؤمنًا إذا ترك الآخر، جاز أن يكون بالآخر إذا عمل ولم يقر مؤمنًا، لا فرق بين ذلك.\nفإن احتج فقال: لو أن رجلًا أسلم فأقر بجميع ما جاء به النبي - ﷺ -، أيكون مؤمنًا بهذا الإقرار قبل أن يجئ وقت عمل؟.\nقيل له: إنما نطلق له الاسم بتصديقه أن العمل عليه بقوله أن يعمله في وقته إذا جاء، وليس عليه في هذا الوقت الإقرار بجميع ما يكون به مؤمنًا. وقال: أقر ولا أعمل لم نطلق له اسم الإيمان\" (^١).\nوقال ابن تيمية: \"من الممتنع أن يكون الرجل مؤمنا إيمانًا ثابتًا في قلبِه، بِأن الله فرض عليه الصلاة والزكاة، والصيام والحج، ويعيش دهره لا يسجد لله سجدة، ولا يصوم من رمضان، ولا يؤدي لله الزكاة، ولا يحج إلى بيته، فهذا ممتنع، ولا يصدر هذا إلا مع نفاق في القلبِ وزندقة، لا مع إيمان صحيح. ولهذا إنما يصف سبحانه بِالامتناع من السجود الكفار كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣،٤٢] \" (^٢).\nوفي معنى قوله - ﷺ -: \"بني الإسلام على خمس\" قال الحافظ ابن رجب: (أن الإسلام مثله كبنيان، وهذه الخمس: دعائم البنيان وأركانه التي يثبت عليها البنيان.\nوقد روي في لفظ: \"بني الإسلام على خمس دعائم\".\n_________\n(^١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٤/ ٩٣١ - ٩٣٣ رقم (١٥٩٠).\n(^٢) مجموع الفتاوى ٧/ ٦١١.","vol":"1","page":252},{"text":"وإذا كانت هذه دعائم البنيان وأركانه، فبقية خصال الإسلام كبقية البنيان، فإذا فقد شيء من بقية الخصال الداخلة في مسمى الإسلام الواجب نقص البنيان ولم يسقط بفقده.\nوأما هذه الخمس فإذا زالت كلها سقط البنيان ولم يثبت بعد زوالها وكذلك إن زال منها الركن الأعظم وهو الشهادتان، وزوالهما يكون بالإتيان بما يضادهما ولا يجتمع معهما.\nوأما زوال الأربع البواقي فاختلف العلماء هل يزول الاسم بزوالها أو بزوال واحد منها؟ أم لا يزول بذلك؟ أم يفرق بين الصلاة وغيرها؟ فيزول بترك الصلاة دون غيرها؟ أم يختص زوال الإسلام بترك الصلاة والزكاة خاصة؟\nوفي ذلك اختلاف مشهور، وهذه الأقوال كلها محكية عن الإمام أحمد.\nوكثير من علماء أهل الحديث يرى تكفير تارك الصلاة (^١).\nوحكاه إسحاق بن راهويه إجماعا منهم حتى إنه جعل قول من قال: لا يكفر بترك هذه الأركان مع الإقرار بها من أقوال المرجئة.\nوكذلك قال سفيان بن عيينة: \"المرجئة سموا ترك الفرائض ذنبًا بمنزلة ركوب المحارم؛ وليسا سواء؛ لأن ركوب المحارم متعمدا من غير استحلال: معصية،\n_________\n(^١) تنبيه: ينبغي العلم بأن علماء السنة لا يقصدون أن العمل لا يدخل في مسمى الإيمان بل يقولون: إن مَنْ لَم يأتِ بعملٍ فهو كافر. وللمزيد من التفصيل في حكم تارك الصلاة انظر تعظيم قدر الصلاة للمروزي ٢/ ٨٧٣، ١٠١٧. الروايتان والوجهان لأبي يعلى بن الفراء ١/ ١٩٤. بداية المجتهد لابن رشد ١/ ٩٠. فتح الباري لابن رجب ١/ ٢٣ المغني لابن قدامة ٢/ ٤٤٢. شرح النووي ٢/ ٧٠. كتاب الصلاة وحكم تاركها لابن القيم. الإنصاف للمرداوي ١/ ٣٢٧، ٤٠١. الإقناع لأبي النجا الحجاوي ١/ ٧١. نيل الأوطار للشوكاني ١/ ٢٨٧، ٢٩٧. وفتاوى اللجنة الدائمة ٦/ ٣٠ - ٥١، رسالة حكم تارك الصلاة لابن عثيمين. الرسائل والمسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة ٢/ ٣٦، ٥١.","vol":"1","page":253},{"text":"وترك الفرائض من غير جهل ولا عذر هو كفر.\nبيان ذلك في أمر آدم وإبليس وعلماء اليهود الذين أقروا ببعث النبي - ﷺ - بلسانهم ولم يعملوا بشرائعه.\nوروي عن عطاء ونافع مولى ابن عمر أنهما سئلا عمن قال: الصلاة فريضة ولا أصلي، فقالا: هو كافر. وكذا قال الإمام أحمد.\nونقل حرب عن إسحاق قال: \"غلت المرجئة حتى صار من قولهم: إن قوما يقولون: من ترك الصلوات المكتوبات وصوم رمضان والزكاة والحج وعامة الفرائض من غير جحود لها لا نكفره، يرجى أمره إلى الله بعد؛ إذ هو مقر. فهؤلاء الذين لا شك فيهم - يعني في أنهم مرجئة -.\nوظاهر هذا: أنه يكفر بترك هذه الفرائض\" (^١).\nوقال في موضع آخر: \"وجعل النبي - ﷺ - مثل المؤمن أو المسلم كمثل النخلة وقال طاووس: مثل الإسلام كشجرة أصلها الشهادة، وساقها كذا وكذا، وورقها كذا وكذا، وثمرها: الورع، ولا خير في شجرة لا ثمر لها، ولا خير في إنسان لا ورع فيه.\nومعلوم أن ما دخل في مسمى الشجرة والنخلة من فروعها وأغصانها وورقها وثمرها إذا ذهب شيء منه لم يذهب عن الشجرة اسمها؛ ولكن يقال: هي شجرة ناقصة، وغيرها أكمل منها، فإن قطع أصلها وسقطت لم تبق شجرة، وإنما تصير حطبًا، فكذلك الإيمان والإسلام إذا زال منه بعض ما يدخل في مسماه مع بقاء أركان بنيانه لا يزول به اسم الإسلام والإيمان بالكلية، وإن كان قد سلب الاسم عنه لنقصه بخلاف ما انهدمت أركانه وبنيانه فإنه يزول مسماه بالكلية\" (^٢).\n_________\n(^١) فتح الباري لابن رجب ١/ ٢٢، ٢٣.\n(^٢) المرجع السابق.","vol":"1","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-205>٥٦ - الإيمان بالله </span>*\nالإيمان بالله أعظم أركان الإيمان وأصل من أصول الإيمان الستة بل هو أصل الأصول وهو: الاعتقاد الجازم بأن الله تعالى واحد أحد فرد صمد لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، وهو رب كل شيء ومليكه ليس له شريك في الملك هو الخالق، الرازق، المعطي، المانع، المحيى المميت، المتصرف في جميع شؤون الخلق.\nوهو المستحق لجميع أنوع العبادة من الخضوع، والخشوع، والخشية، والإنابة، والقصد، والطلب، والدعاء، والذبح، والنذر ونحو ذلك. ومن الإيمان بالله الإيمانُ بما أخبر به عن نفسه في كتابه الكريم، أو أخبر به عنه رسوله - ﷺ - من الأسماء والصفات، وأنه متفرد بهذا عن جميع المخلوقات وأن له الكمال المطلق في ذلك كله، إثباتا بلا تمثيل وتنزيهًا بلا تعطيل. كما أخبر عن نفسه ﵎ بقوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢،١٠١] والإيمان بأنه الإله الحق وأن من عبد من دونه فعبادته أبطل الباطل وأضل الضلال (^١).\n* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [النساء: ١٣٦] والآيات في ذلك كثيرة.\n_________\n* شعب الإيمان ٢١، ٢٢. معارج القبول ٢/ ٦٢. أهم المهمات لابن سعدي من المجموعة ٣/ ٦٦. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٢/ ٣٩٨. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٣/ ١٤٧، ٥/ ١٠٧. منهج الحافظ ابن رجب في العقيدة ص ٣٤٥. الإمام المروزى وجهوده في توضيح العقيدة للنفيعي ص ١٢٤. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ٢/ ٥٠٧.\n(^١) حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم ص ٦١.","vol":"1","page":255},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-206> الدليل من السنة:</span>\nحديث عمر بن الخطاب - ﵁ - في سؤال جبريل - ﵇ -: قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ الإِيمَانِ قَالَ: \"أَنْ تُؤْمِنَ بِالله وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الاخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ ... \" الحديث (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-207> والإيمان بالله يتضمن أربعة أمور:</span>\nالأول: الإيمان بوجود الله تعالى.\nالثاني: الإيمان بربوبيته (^٢).\nالثالث: الإيمان بألوهيته (^٣).\nالرابع: الإيمان بأسمائه وصفاته (^٤).\nوقد فصَّل الشيخ ابن عثيمين في شرح هذه المضامين الأربع ونكتفي هنا بما ذكره عن الأول لأن الثلاث الباقيات جعلنا لكل واحدة منها بابًا منفردًا. قال ابن عثيمين في شرح الإيمان بوجود الله تعالى: \"قد دل على وجوده تعالى الفطرة، والعقل، والشرع، والحس.\n١. أما دلالة الفطرة على وجوده:\nفإن كل مخلوق قد فطر على الإيمان بخالقه من غير سبق تفكير أو تعليم، ولا ينصرف عن مقتضى هذه الفطرة إلا من طرأ على قلبه ما يصرفه عنها لقوله - ﷺ -: \"ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه\" (^٥).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) انظر باب توحيد الربوبية.\n(^٣) انظر باب توحيد الألوهية.\n(^٤) انظر باب توحيد الأسماء والصفات.\n(^٥) أخرجه البخاري (١٣٥٨) ومسلم (٢٦٥٨).","vol":"1","page":256},{"text":"٢. وأما دلالة العقل على وجود الله تعالى:\nفلأن هذه المخلوقات سابقها ولا حقها لا بد لها من خالق أوجدها إذ لا يمكن أن توجد نفسها بنفسها، ولا يمكن أن توجد صدفة.\nلا يمكن أن توجد نفسها بنفسها لأن الشيء لا يخلق نفسه، لأنه قبل وجوده معدوم فكيف يكون خالقًا؟!\nولا يمكن أن توجد صدفة، لأن كل حادث لا بد له من محدث، ولأن وجودها على هذا النظام البديع، والتناسق المتآلف، والارتباط الملتحم بين الأسباب ومسبباتها، وبين الكائنات بعضها مع بعض يمنع منعا باتا أن يكون وجودها صدفة، إذ الموجود صدفة ليس على نظام في أصل وجوده فكيف يكون منتظما حال بقائه وتطوره؟\nوإذا لم يمكن أن توجد هذه المخلوقات نفسها بنفسها، ولا أن توجد صدفة تعين أن يكون لها موجود وهو الله رب العالمين.\nوقد ذكر الله تعالى هذا الدليل العقلي والبرهان القطعي في سورة الطّور، حيث قال: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] أفيجوز أن يكون هذا الكون الواسع بأرضه وسمائه، وأفلاكه وأحواله، ونظامه البديع الباهر، قد أوجد نفسه، أو وجد صدفة بدون موجد؟!\n٣. وأما دلالة الشرع على وجود الله تعالى:\nفلأن الكتب السماوية كلها تنطق بذلك، وما جاءت به من لأحكام المتضمنة لمصالح الخلق دليل على أنها من رب حكيم عليم بمصالح خلقه، وما جاءت به من الأخبار الكونية التي شهد الواقع بصدقها دليل على أنها من رب قادر على إيجاد ما أخبر به.","vol":"1","page":257},{"text":"٤. وأما أدلة الحس على وجود الله فمن وجهين:\nأحدهما: أننا نسمع ونشاهد من إجابة الداعين، وغوث المكروبين، ما يدل دلالة قاطعة على وجوده تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الأنبياء: ٧٦] وقال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩].\nوفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك - ﵁ - أن أعرابيًا دخل يوم الجمعة والنبي - ﷺ - يخطب، فقال: يا رسول الله، هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا، فرفع يديه ودعا فثار السحاب أمثال الجبال فلم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته. وفي الجمعة الثانية قام ذلك الأعرابي أو غيره فقال: يا رسول الله تهدم البناء وغرق المال، فادع الله لنا، فرفع يديه وقال: \"اللهم حواليْنا ولا عليْنا، فما يشير بيده إلى ناحية إلا انفرجت\" (^١).\nوما زالت إجابة الداعين أمرًا مشهودًا إلى يومنا هذا لمن صدق اللجوء إلى الله تعالى وأتى بشرائط الإجابة.\nالوجه الثاني: أن آيات الأنبياء التي تسمى \"المعجزات\" ويشاهدها الناس، أو يسمعون بها، برهان قاطع على وجود مرسلهم، وهو الله تعالى، لأنها أمور خارجة عن نطاق البشر، يجريها الله تعالى تأييدا لرسله ونصرا لهم.\nمثال ذلك: آية موسى - ﷺ - حين أمره الله تعالى أن يضرب بعصاه البحر، فضربه فانفلق اثني عشر طريقًا يابسًا، والماء بينهما كالجبال، قال الله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣].\nومثال ثان: آية عيسى - ﷺ - حيث كان يحيي الموتى، ويخرجهم من قبورهم بإذن الله، قال الله تعالى عنه: ﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩]، وقال: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٩٣٣)، ومسلم (٨٩٧).","vol":"1","page":258},{"text":"الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠].\nومثال ثالث: لمحمد - ﷺ - حين طلبت منه قريش آية، فأشار إلى القمر فانفلق فرقتين فرآه الناس، وفي ذلك قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢،١].\nفهذه الآيات المحسوسة التي يجريها الله تعالى تأييدًا لرسله ونصرًا لهم، تدل دلالة قطعية على وجوده تعالى\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-208> من ثمرات الإيمان بالله تعالى:</span>\nقال ابن عثيمين: \"والإيمان بالله تعالى على ما وصفنا يثمر للمؤمنين ثمرات جليلة منها:\nالأولى: تحقيق توحيد الله تعالى بحيث لا يتعلق بغيره رجاء، ولا خوف، ولا يعبد غيره.\nالثانية: كمال محبة الله تعالى، وتعظيمه بمقتضى أسمائه الحسنى وصفاته العليا.\nالثالثة: تحقيق عبادته بفعل ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه\" (^٢).\n_________\n(^١) شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٧٧ - ٨٠.\n(^٢) شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٨٦.","vol":"1","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>٥٧ - الإيمان بالملائكة </span>*\nالإيمان بالملائكة ركن من أركان الإيمان الستة.\nالملائكة لغة: جمع ملك بفتح اللام، قيل إنه مشتق من الألوكة وهي الرسالة ومعلوم أن من الملائكة من هم رسل الله إلى خلقه، وقيل من لأك إذا أرسل. وقيل غير ذلك. قال في النهاية: \"الملائكة جمع ملأك في الأصل ثم حذفت همزته لكثرة الاستعمال فقيل ملك وقد تحذف الهاء فيقال ملائك\" (^١).\nالملائكة شرعًا: هم نوع من مخلوقات الله - ﷿ - خلقهم مجبولين على طاعته وعبادته. وقيل في تعريفهم: هم عباد الله وخلق من خلقه وهم السفرة بين الله وبين رسله ﵈ وهم عالم غيبي خلقهم الله من نور وجعلهم طائعين متذللين له ليس لهم من خصائص الربوبية والألوهية شيء.\nقال الشيخ ابن قاسم - ﵀ -: \"وهم الجنس المعروف من خلق الله، بتعريف النصوص، عباد مكرمون، خلقوا من نور، يؤمن بهم إجمالا في الإجمالي، وتفصيلا في التفصيلي، وتعيينا في التعيين، مثل ما ورد في الكتاب العزيز، والسنة المطهرة،\n_________\n* أحكام القرآن للقرطبي ٢/ ٣٦. مختصر شعب الإيمان ص ٢٥. لوامع الأنوار للسفاريني ١/ ٤٤٨، ٢/ ٣٩٨. قطف الثمر صديق حسن ص ١٤٣. شرح مسائل الجاهلية ص ١٤٨ معارج القبول ٢/ ٦٣. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٢٤. مجموع الفتاوى لابن باز ١/ ٣٣٩. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٣/ ١٥٩، ٥، ٢٣٩/ ١١٦. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٢/ ٤٠٥. منهج الحافظ ابن رجب في العقيدة ٣٩٧. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ص ٥٥٧. منهج ابن حجر في العقيدة ص ١١٧٠. مباحث العقيدة في سورة الزمر ص ٤٣٣، ٤٤٠. الإمام المروزي وجهوده في توضيح العقيدة للنفيعي ص ١٣٦. شرح مسائل الجاهلية للسعيد ٢/ ٧٥٠. التبرك د/ ناصر الجديع ص ٧٩، ٨٩.\n(^١) النهاية (م ل ك).","vol":"1","page":260},{"text":"كجبرائيل وميكائيل وإسرافيل، ومالك ورضوان وغيرهم\" (^١).\n* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: ١]. وقال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠]، وقال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣]. وقال: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣]. وقال في أهل الجنة: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤]. وقال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩، ٢٠]، وقال سبحانه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦، ٢٧].\n* الدليل من السنة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِذا أَحَبَّ اللهُ الْعَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلانًا فَأَحْبِبْهُ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الأَرْضِ\" (^٢).\nوعَنْ عَائِشَةَ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: \"خُلِقَتْ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ\" (^٣).\n_________\n(^١) حاشية الأصول الثلاثة ص ٦٢.\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٢٠٩) (٦٠٤٠) (٧٤٨٥)، ومسلم (٢٦٣٧).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٩٩٦).","vol":"1","page":261},{"text":"وجاء في وصفهم ما ثبت في بعض أحاديث المعراج وفيه أنه -ﷺ- قال: \"فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ السَّابِعَةَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قِيلَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: مَنْ مَعَكَ؟ قِيلَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَأَتَيْتُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنْ ابْنٍ وَنَبِيٍّ فَرُفِعَ لِي الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ فَقَالَ هَذَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ إِذَا خَرَجُوا لَمْ يَعُودُوا إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ ... الحديث\" (^١).\nوعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: \"إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ، أَطَّتْ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا للهِ، وَالله لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللهِ، لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ شَجَرَةً تُعْضَدُ\" (^٢).\nوروى الإمام أحمد عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ رَأَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ وَلَهُ سِتُّ مِائَةِ جَنَاحٍ كُلُّ جَنَاحٍ مِنْهَا قَدْ سَدَّ الأُفُقَ يَسْقُطُ مِنْ جَنَاحِهِ مِنْ التَّهَاوِيلِ وَالدُّرِّ وَالْيَاقُوتَ مَا اللهُ بِهِ عَلِيمٌ (^٣).\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"إِذا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَقَفَتْ الْمَلَائِكَةُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ يَكْتُبُونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ، وَمَثَلُ الْمُهَجِّرِ كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي بَدَنَةً، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً، ثُمَّ كَبْشًا، ثُمَّ دَجَاجَةً، ثُمَّ بَيْضَةً، فَإِذا خَرَجَ الإِمَامُ طَوَوْا صُحُفَهُمْ وَيَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٢٠٧) (٣٣٩٣) (٣٨٨٧)، ومسلم (١٦٤).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٣١٢).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد (٣٧٤٨)، (٣٨٦٢).\n(^٤) أخرجه البخاري (٣٢١١) ومسلم (٨٥٠).","vol":"1","page":262},{"text":"وعَنْه -﵁- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"الْمَلَائِكَةُ يَتَعَاقَبُونَ، مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ فَيَقُولُ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ يُصَلُّونَ\" (^١).\nوعَنْه -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: \"إِنَّ للهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ. قَالَ: فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا. قَالَ: فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ: مَا يَقُولُ عِبَادِي؟ قَالُوا: يَقُولُونَ يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ قَالَ: فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْنِي؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: لَا وَاللهِ مَا رَأَوْكَ. قَالَ: فَيَقُولُ: وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا وَتَحْمِيدًا وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا. قَالَ: يَقُولُ: فَمَا يَسْألُونِي؟ قَالَ: يَسْألُونَكَ الْجَنَّةَ. قَالَ: يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَا وَاللهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا. قَالَ: يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا، وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً. قَالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذونَ؟ قَالَ: يَقُولُونَ: مِنْ النَّارِ. قَالَ: يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُوُلونَ: لَا وَاللهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُوُلونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً. قَالَ: فَيَقُولُ: فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ. قال: يَقُولُ مَلكٌ مِنْ المَلَائِكةِ: فِيهِمْ فُلَانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ. قَالَ: هُمْ الْجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى بهمْ جَلِيسُهُمْ\" (^٢).\nوعَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِيَ مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَأتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ إِنِّي أَتَيْتُكَ مِنْ الْمَدِينَةِ مَدِينَةِ الرَّسُولِ -ﷺ- لِحَدِيثٍ بَلَغَنِي عَنْكَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٢٢٣) (٧٤٢٩) (٧٤٨٦)، ومسلم (٦٣٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٤٠٨)، ومسلم (٢٦٨٩).","vol":"1","page":263},{"text":"أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- قَالَ: فَمَا جَاءَ بِكَ تِجَارَةٌ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: وَلَا جَاءَ بِكَ غَيْرُهُ. قَالَ: لا. قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ وَإِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ النُّجُومِ إِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَ بهِ أَخَذَ بِحَظِّهِ أَوْ بِحَظٍّ وَافِرٍ\" (^١).\nوالأحاديث في ذكرهم ﵈ كثيرة جدًا.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-210> أحكام وفوائد:</span>\n* الإيمان بالملائكة هو الركن الثاني من أركان الإيمان ومعناه التصديق الجازم بأن لله تعالى ملائكة موجودين مخلوقين من نور، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.\n* قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"الإيمان بالملائكة يتضمن أربعة أمور:\nأولًا: الإيمان بوجودهم.\nثانيًا: الإيمان بمن علمنا اسمه منهم كجبريل ومن لم نعلم اسمه نؤمن بهم إجمالًا.\nثالثًا: الإيمان بما علمنا من صفاتهم، كصفة جبريل فقد أخبر النبي -ﷺ- أنه رآه على صفته التي خلق عليها وله ستمائة جناح قد سدّ الأفق.\nوقد يتحول الملك بأمر الله تعالى إلى هيئة رجل، كما حصل لجبريل حين أرسله تعالى إلى مريم فتمثل لها بشرا سويا، وحين جاء إلى النبي -ﷺ- وهو جالس في أصحابه جاءه بصفة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه\n_________\n(^١) أخرجه الدارمي في سننه (٣٤٢).","vol":"1","page":264},{"text":"أثر السفر، ولا يعرفه أحد من الصحابة، فجلس إلى النبي -ﷺ- فأسند ركبتيه إلى ركبتيه. ووضع كفيه على فخذيه وسأل النبي -ﷺ- عن الإسلام، والإيمان، والإحسان، والساعة، وأماراتها، فأجابه النبي -ﷺ- فانطلق. ثم قال -ﷺ-: \"هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم\" (^١).\nوكذلك الملائكة الذين أرسلهم الله تعالى إلى إبراهيم، ولوط كانوا على صورة رجال.\nالرابع: الإيمان بما علمنا من أعمالهم التي يقومون بها بأمر الله تعالى، كتسبيحه، والتعبد له ليلًا ونهارًا بدون ملل ولا فتور.\nوقد يكون لبعضهم أعمال خاصة:\nمثل: جبريل الأمين على وحي الله تعالى يرسله الله إلى الأنبياء والرسل.\nومثل: ميكائيل الموكل بالقطر أي بالمطر والنبات.\nومثل: إسرافيل الموكل بالنفخ في الصور عِنْدَ قيام الساعة وبعث الخلق.\nومثل: ملك الموت الموكل بقبض الأرواح عِنْدَ الموت.\nومثل: مالك الموكل بالنار وهو خازن النار.\nومثل: الملائكة الموكلين بالأجنة في الأرحام إذا تم للإنسان أربعة أشهر في بطن أمه، بعث الله إليه ملكا وأمره بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد.\nومثل: الملائكة الموكلين بحفظ أعمال بني آدم وكتابتها، لكل شخص ملكان: أحدهما عن اليمين، والثاني عن الشمال.\nومثل: الملائكة الموكلين بسؤال الميت إذا وضع في قبره يأتيه ملكان يسألانه عن ربه، ودينه، ونبيه\" (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم وقد سبق تخريجه.\n(^٢) شرح أصول الإيمان لابن عثيمين ص ٢٧، ٢٩. وانظر شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٨٧، ٨٨، ٨٩.","vol":"1","page":265},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-211> من ثمرات الإيمان بالملائكة:</span>\nقال ابن عثيمين: \"والإيمان بالملائكة يثمر ثمرات جليلة منها:\nالأولى: العلم بعظمة الله تعالى، وقوته، وسلطانه، فإن عظمة المخلوق من عظمة الخالق.\nالثانية: شكر الله تعالى على عنايته ببني آدم، حيث وكّل من هؤلاء الملائكة من يقوم بحفظهم، وكتابة أعمالهم، وغير ذلك من مصالحهم.\nالثالثة: محبة الملائكة على ما قاموا به من عبادة الله تعالى\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-212> حقيقة وجود الملائكة:</span>\nالملائكة لهم وجود حقيقي قائمون بوظائفهم وليسوا عبارة عن قوى خيرية تكمن في الخلق بل لهم أجسام حقيقية فيجب التصديق بذلك ومن قال أن الملائكة هي القوى الخيرية والصفات الحسنة الموجودة في الإنسان فقد أنكر وجود الملائكة ومن أنكر وجود الملائكة فهو كافر زائغ ضال.\nقال الشيخ السعدي ﵀: \"ولا تكاد تجد أحدا ينكر وجود الملائكة إلا الزنادقة المنكرين لوجود ربهم ومن تستر بالإسلام منهم فإنه ينكر الملائكة حقيقة وينكر خبر الله ورسوله عنهم، ويفسر الملائكة تفسيرا وتحريفا خبيثا فيزعم أن الملائكة هي القوى الخيرية والصفات الحسنة الموجودة في الإنسان، وأن الشياطين هي القوى الشريرة فيه وغرضهم من هذا التحريف دفع الشنعة عنهم، وقد ازدادوا بهذا التحريف شرًا إلى شرهم، وراج هذا التحريف الخبيث على بعض الذين يحسنون الظن بهؤلاء الزنادقة، وليس عِنْدَهم بصيرة في أديان الرسل وإن أظهروا تعظيمهم، فإن زنادقة الفلاسفة أعظم في قلوبهم من الرسل وكفى بالعبد\n_________\n(^١) شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٨٩.","vol":"1","page":266},{"text":"ضلالًا وغيًا أن يصل إلى هذه الحال، نعوذ بالله من مضلات الفتن\" (^١).\nوقال الشيخ ابن عثيمين: \"وقد أنكر قوم من الزائغين كون الملائكة أجساما، وقالوا إنهم عبارة عن قوى الخير الكامنة في المخلوقات، وهذا تكذيب لكتاب الله تعالى، وسنة رسوله -ﷺ- وإجماع المسلمين ... ثم ذكر الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة وقال: وهذه النصوص صريحة في أن الملائكة أجسام لا قوى معنوية، كما قال الزائغون وعلى مقتضى هذه النصوص أجمع المسلمون\" (^٢).\nومما يدل على أن الملائكة عباد مأمورون: ما رواه البخاري أن نبي الله -ﷺ- قال: \"إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنه سلسلة على صفوان فإذا فُزِّع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-213> المفاضلة بين الملائكة والبشر:</span>\nقال ابن كثير: \"أكثر ما توجد هذه المسألة في كتب المتكلمين والخلاف فيها مع المعتزلة ومن وافقهم\".\nوقال: \"أقدم كلام رأيته في هذه المسألة ما ذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخه في ترجمة أمية بن سعيد ابن العاص أنه حضر مجلسًا لعمر بن عبد العزيز وعنده جماعة فقال عمر: ما أحد أكرم على الله من كريم بني آدم، وذكر بقية الواقعة وفيها معارضة أحدهم بتفضيل الملائكة واستدلال كل\" (^٤).\nوقال جماعة من أهل العلم أن هذه من فضول المسائل، قال البيهقي في التفاضل\n_________\n(^١) الخلاصة ص ٢٩، وانظر جهود السعدي ص ٢٣٢.\n(^٢) شرح الأصول الثلاثة من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٩٠.\n(^٣) أخرجه البخاري (٧٤٨١).\n(^٤) البداية والنهاية ١/ ٥٤، وانظر: الخبر الذي ذكره ابن كثير في تهذيب تاريخ دمشق ٣/ ١٣٦.","vol":"1","page":267},{"text":"بين الملائكة والبشر: \"والأمر فيه سهل، وليس فيه من الفائدة إلا معرفة الشيء على ما هو به\" (^١).\nوقال شارح الطحاوية: \"وكنت ترددت في الكلام على هذه المسألة لقلة ثمرتها وأنها قريب مما لا يعني ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه\" (^٢).\nوينبغي التنبه إلى أن هناك فرق في المفاضلة بين الملائكة والبشر والمفاضلة بين صالحي البشر والملائكة.\nقال السفاريني: \"اختلف العلماء في المفاضلة بين البشر والملائكة وهي مسألة عظيمة قد كثر فيها الاختلاف وتشعبت فيها الأقوال ... الخ\" (^٣).\nوبعضهم ذهب إلى تفضيل الملائكة على البشر مطلقًا، وممن قال بذلك المعتزلة وبعض الأشعرية كالإسفراييني والباقلاني وقال به ابن حزم ومال إليه بعض أهل السنة وبعض الصوفية واستدلوا بأدلة من كتاب الله وسنة رسوله لها وجهها في الدلالة على قولهم كقوله سبحانه في بني آدم: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠] فقال على كثير ولم يقل على كل فدل على تفضيل الملائكة. كما استدلوا بأدلة أخرى ليس فيها نص صريح واضح وإنما يستدل منها على تفضيل الملائكة على البشر ورد عليهم من يخالفهم في ذلك (^٤).\n_________\n(^١) شعب الإيمان ١/ ١٨٢.\n(^٢) شرح الطحاوية ٢/ ٤١٠.\n(^٣) لوامع الأنوار للسفاريني ٢/ ٣٩٨.\n(^٤) انظر في المفاضلة بين الملائكة والبشر: مقالات الإسلاميين ٤٨، ٤٣٩،٢٢٦ والمحلى ١/ ١٣ وأحكام القرآن للقرطبي ١/ ٢٨٩، ٦/ ١١، ٤٣٠/ ٢٠، ٢٧٨/ ١٤٥، لوامع الأنوار للسفاريني ٢/ ٣٩٨ ومباحث المفاضلة في العقيدة د/ الشظيفي ص ٣٥٤.","vol":"1","page":268},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-214> المفاضلة بين الملائكة وصالحي البشر:</span>\nقال بعض العلماء: \"لا طريق إلى القطع بأن الأنبياء أفضل من الملائكة ولا القطع بأن الملائكة خير منهم لأن طريق ذلك خبر الله تعالى وخبر رسوله أو إجماع الأمة وليس ها هنا شيء من ذلك\" (^١).\nوالتحقيق أن الملائكة لهم فضل عظيم ولكن صالحي بني آدم من الأنبياء وأتباعهم أفضل من الملائكة وقد ثبت عن الرسول -ﷺ- التفضيل بذلك فعن عبد الله بن عمرو أنه قال: \"إن الملائكة قالت يا رب جعلت بنى آدم يأكلون في الدنيا ويشربون ويتمتعون فاجعل لنا الآخرة كما جعلت لهم الدنيا قال لا أفعل ثم أعادوا عليه فقال لا أفعل ثم أعادوا عليه مرتين أو ثلاثا فقال وعزتي لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان\" (^٢).\nوهذا الحديث أصح ما في هذا الباب وقد احتج به ابن تيمية وابن القيم وذكرا ما يدل على سلامة سنده \"وقد جاء عن الإمام أحمد أنه كان يفضل صالحي المؤمنين على الملائكة ويخطئ من يفضل الملائكة على بني آدم\" (^٣).\nوقد ذكر ابن تيمية هذه المسألة وفصل فيها تفصيلًا طويلًا في مجموع الفتاوى (^٤) وقرر فيه مذهب أهل السنة تفضيل صالحين البشر على الملائكة.\nفقال ﵀ بعد ذكر بعض الأحاديث في ذلك: \"وأقل ما في هذه الآثار أن السلف\n_________\n(^١) تفسير القرطبي ١/ ٢٨٩.\n(^٢) أخرجه عثمان بن سعيد الدارمي في الرد على بشر المريسي ٣٤٦ والطبراني في الكبير والأوسط قاله الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٨٢. وسمعت شيخنا ابن باز يقول سنده جيد. وقال ابن تيمية: \"ورواه عبد الله بن أحمد في كتاب السنن عن النبي -ﷺ- مرسلًا\" مجموع الفتاوى ٤/ ٣٤٤ وهو في كتاب السنة للإمام عبد الله بن أحمد ٢/ ٤٦٩.\n(^٣) طبقات الحنابلة ٢/ ٢٧٩ و٣٠٦.\n(^٤) انظر الجزء الرابع، من ص ٣٥٠ إلى ص ٣٩٢.","vol":"1","page":269},{"text":"الأولين كانوا يتناقلون بينهم أن صالحي البشر أفضل من الملائكة من غير نكير منهم لذلك، ولم يخالف أحد منهم في ذلك، إنما ظهر الخلاف بعد تشتت الأهواء بأهلها وتفرق الآراء فقد كان ذلك المستقر عندهم\" (^١)، وقال: \"وقد كان السلف يحدثون الأحاديث المتضمنة فضل صالح البشر على الملائكة وتروى على رؤوس الناس ولو كان هذا منكرًا لأنكروه فدل على اعتقادهم ذلك\" (^٢).\nونقل عنه تلميذه ابن القيم: \"أنه سئل عن صالحي بني آدم والملائكة أيهما أفضل؟ فأجاب بأن صالحي البشر أفضل باعتبار كمال النهاية والملائكة أفضل باعتبار البداية، فإن الملائكة الآن في الرفيق الأعلى منزّهين عما يلابسه بنو آدم، مستغرقون في عبادة الرب ولا ريب أن هذه الأحوال الآن أكمل من أحوال البشر وأما يوم القيامة بعد دخول الجنة فيصير حال صالحي البشر أكمل من حال الملائكة\"، ثم قال: \"وبهذا التفصيل يتبين سر التفضيل وتتفق أدلة الفريقين ويصالح كل منهم على حقه\" (^٣).\nقال العلامة محمد السفاريني:\nوعندنا تفضيل أعيان البشر ... على ملاك ربنا كما اشتهر\nقال ومن قال سوى هذا افترى ... وقد تعدى في المقال واجترى (^٤)\nوسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀:\nأيهما أفضل الملائكة أم الصالحون من البشر؟\nفأجاب بقوله: \"هذه المسألة وهي المفاضلة بين الملائكة وبين الصالحين من\n_________\n(^١) الفتاوى ٤/ ٣٧٠، ٣٦٩.\n(^٢) الفتاوى ٤/ ٣٧١.\n(^٣) بدائع الفوائد ٣/ ١٦٣ ولوامع الأنوار للسفاريني ٢/ ٣٩٨.\n(^٤) لوامع الأنوار ٢/ ٣٩٨.","vol":"1","page":270},{"text":"البشر محل خلاف بين أهل العلم وكل منهم أدلى بدلوه فيما يحتج به من النصوص، ولكن القول الراجح أن يقال: إن الصالحين البشر أفضل من الملائكة باعتبار النهاية فإن الله ﷾ يعد لهم من الثواب ما لا يحصل مثله للملائكة فيما نعلم، بل إن الملائكة في مقرهم أي في مقر الصالحين وهو الجنة يدخلون عليهم من كل باب ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٤].\nأما باعتبار البداية فإن الملائكة أفضل لأنهم خلقوا من نور وجبلوا على طاعة الله ﷿ والقوة عليها كما قال الله تعالى في ملائكة النار: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، وقال ﷿: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠] هذا هو القول الفصل في هذه المسألة.\nوبعد فإن الخوض فيها وطلب المفاضلة بين صالحي البشر والملائكة من فضول العلم الذي لا يضطر الإنسان إلى فهمه والعلم به والله المستعان\" (^١).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١/ رقم (١٠٧).","vol":"1","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-215>٥٨ - الإيمان بالكتب </span>*\nالكتب لغة: جمع كتاب، يقال كتب يكتب كتابًا وكتابةً ثم سُمي به المكتوب فيه (^١)، وهو في الأصل اسم للصحيفة مع المكتوب فيها.\nوشرعًا: كلام الله تعالى الموحى إلى رسله عليهم الصلاة والسلام ليبلغوه للناس، المتعبد بتلاوته.\n* الدليل من الكتاب: قول الله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦].\nوقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦].\n* الدليل من السنة: حديث عمر بن الخطاب المتقدم.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-216> أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>١ - الإيمان بالكتب أصل من أصول الإيمان الستة</span>، وقد تقدم الكلام على ذلك.\n_________\n* مختصر شعب الإيمان ص ٢٣. معارج القبول ٢/ ٧٤. مجموع فتاوى ابن عثيمين ٣/ ١٦٣، ٢٤١ - ٥/ ١٢٠ شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٢/ ٤١١. شرح مسائل الجاهلية للسعيد ١/ ٤٩٧. الشيخ السعدي وجهوده في توضيح العقيدة للعباد ص ٢٢٦. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ص ٥٦٠. منهج الحافظ ابن رجب في العقيدة ص ٣٩٩. منهج ابن حجر في العقيدة ص ١١٨٦. مباحث العقيدة في سورة الزمر ص ٤٤٧، ٤٥٩. الإمام المروزي وجهوده في توضيح العقيدة للنفيعي ص ١٤٧.\n(^١) النهاية لابن الأثير (ك ت ب).","vol":"1","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>٢ - قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"والإيمان بها يتضمن أربعة أمور:</span>\nالأول: الإيمان بأن نزولها من عِنْد الله حقًا.\nالثاني: الإيمان بما علمنا اسمه منها كالقرآن الذي نزل على محمد والتوراة التي أنزلت على موسى والإنجيل الذي أنزل على عيسى والزبور الذي أوتيه داود وأما ما لم نعلم اسمه فنؤمن به إجمالًا.\nالثالث: تصديق ما صحّ من أخبارها، كأخبار القرآن، وأخبار ما لم يبدل أو يحرف من الكتب السابقة.\nالرابع: العمل بأحكام ما لم ينسخ منها، والرضا والتسليم به سواء فهمنا حكمته أم لم نفهمها، وجميع الكتب السابقة منسوخة بالقرآن العظيم قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] أي \"حاكمًا عليه\" وعلى هذا فلا يجوز العمل بأي حكم من أحكام الكتب السابقة إلا ما صح منها وأقره القرآن\" (^١).\nوالإيمان بهذه الكتب التي أخبرنا الله تعالى عنها في القرآن الكريم يستلزم الإيمان بأن نزولها من عند الله سبحانه وأن كلا منها كتاب الله تعالى وكلامه فيه النور والهدى وكلها داعية إلى التوحيد وتحقيق شهادة أن لا إله إلا الله فهي متفقة في الأصول وإن اختلفت في الشرائع قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥].\nوقد دعا الرسل عليهم الصلاة والسلام قومهم إلى ذلك كما قال ﷿ حاكيًا لنا قولهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٨٥].\n_________\n(^١) شرح أصول الإيمان لابن عثيمين ص ٣٢، ٣٣.","vol":"1","page":273},{"text":"وثبت في الصحيح أن رسول الله -ﷺ- قال: \"أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلات (^١)، أمهاتهم شتى ودينهم واحد\" (^٢).\nومعنى الحديث أن أصل دينهم واحد وهو التوحيد، وإن اختلفت فروع الشرائع -والله أعلم-.\nوقال السعدي ﵀: \"ويدخل في الإيمان بالرسل الإيمان بالكتب، فالإيمان بمحمد -ﷺ- يقتضي الإيمان بكل ما جاء به من الكتاب والسنة ألفاظها ومعانيها، فلا يتم الإيمان إلا بذلك، وكل من كان أعظم علما بذلك وتصديقا واعترافًا وعملًا كان أكمل إيمانًا\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-219>٣).\n\n٣ - من ثمرات الإيمان بالكتب:</span>\nقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"والإيمان بالكتب يثمر ثمرات جليلة منها:\nالأولى: العلم بعناية الله تعالى بعباده حيث أنزل لكل قوم كتابًا يهديهم به.\nالثانية: العلم بحكمة الله تعالى في شرعه حيث شرّع لكل قوم ما يناسب أحوالهم، كما قال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].\nالثالثة: شكر نعمة الله في ذلك\" (^٤).\n_________\n(^١) العلّات: الضرائر بمعنى إخوة لأب.\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٤٤٣)، ومسلم (٢٣٦٥) ولفظه (إخوة من علات).\n(^٣) الفتاوى السعدية ص ١٥، وانظر جهود السعدي ص ٢٢٦.\n(^٤) شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٩١، ٩٢.","vol":"1","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-220>٥٩ - الإيمان بالرسل </span>*\n[الإيمان بالرسل ركن من أركان الإيمان الستة]\nتعريف الرسل: الرسل جمع رسول بمعنى مرسَل أي مبعوث بإبلاغ شيء والمراد هنا: من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه.\nقال ابن عثيمين: \"والرسل ينقسمون إلى قسمين رسل من البشر ورسل من الملائكة قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ والمراد بالرسول هنا جبريل وهو رسول ملكي ... \" (^١).\n* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣] (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ\n_________\n* شرح حديث جبريل من فتاوى العقيدة ص ١٦٦. تفسير القرطبي ١٠/ ٤٩، ٢٩٤ - ٣/ ٢٦١. لوامع الأنوار للسفاريني ٢/ ٢٥٨. الدر السنية ١/ ١٦٣. أهم المهمات لابن سعدي من المجموعة ٣/ ٦٧. فتاوى اللجنة الدائمة ٣/ ١٩٠. مجموع الفتاوى لابن باز ١/ ٤٠١. معارج القبول ٢/ ٨٧. شرح مسائل الجاهلية ص ٥٧. مجموع فتاوى ابن عثيمين ١/ ٣٠٩ - ٣/ ١٦٦، ٢٤٥ - ٥/ ١٢٢. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٢/ ٤١٥. المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة الأحمدي ٢/ ٣٢٥. منهج الإمام مالك في العقيدة ص ٢٧٩. منهج الشافعي في إثبات العقيدة ص ٣٩١. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ص ٥٦٧. الإمام المروزي وجهوده في توضيح العقيدة ص ١٥٢. منهج الحافظ ابن رجب في العقيدة ص ٤٠٢. الإمام الخطابي ومنهجه في العقيدة لأبي عبد الرحمن العلوي ص ٣٣١. منهج ابن حجر في العقيدة ص ١١٦٨، ١٢٠٧. مباحث العقيدة في سورة الزمر ص ٤٦٣، ٤٨٦. التبرك للجديع ص ٧١، ٧٢. شرح مسائل الجاهلية للسعيد ٢/ ٧٦٠. الشيخ ابن سعدي وجهوده في توضيح العقيدة للعباد ص ١٩٧. الجيلاني وآراؤه الاعتقادية ص ٢٩٣.\n(^١) شرح حديث جبريل، من فتاوى ابن عثيمين ٣/ ١٦٦.\n(^٢) سورة النساء: الآية ١٦٣.","vol":"1","page":275},{"text":"وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. وقال الله تعالى في محمد -ﷺ-: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠].\n* الدليل من السنة: حديث عمر بن الخطاب -﵁- في سؤال جبريل ﵇: قَالَ: فَأَخْبرْنِي عَنْ الإِيمَانِ. قَالَ: \"أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ\" الحديث (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-221> أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>١ - ما ينبغي للمسلم أن يعتقده في الأنبياء والرسل:</span>\nقال ابن سعدي ﵀: \"وهذا الأصل مبناه على أن يعترف ويعتقد بأن جميع الأنبياء قد اختصهم الله بوحيه وإرساله، وجعلهم وسائط بينه وبين خلقه في تبليغ شرعه ودينه وأن الله أيدهم بالبراهين الدالة على صدقهم وصحة ما جاءوا به، وأنهم أكمل الخلق علمًا وعملًا، وأصدقهم وأبرهم وأكملهم أخلاقا وأعمالا، وأن الله خصهم بخصائص وفضلهم بفضائل لا يلحقهم فيها أحد، وأن الله برأهم من كل خلق دنيء ورذيل وأنهم معصومون في كل ما يبلغونه عن الله، وأنه لا يستقر في خبرهم وتبليغهم إلا الحق والصواب وأنه يجب الإيمان بهم وبكل ما أتوه من الله ومحبتهم وتعظيمهم\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-223>٢).\n\n٢ - قال الشيخ ابن عثيمين: \"والإيمان بالرسل يتضمن أربعة أمور:</span>\nالأول: بأن رسالتهم حق من الله تعالى، فمن كفر برسالة واحد منهم فقد كفر بالجميع. كما قال الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]. فجعلهم الله مكذبين لجميع الرسل مع أنه لم يكن رسول غيره حين كذبوه.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) الفتاوى السعدية ص ١٤.","vol":"1","page":276},{"text":"الثاني: الإيمان بمن علمنا اسمه منهم مثل: محمد وإبراهيم وموسى وعيسى ونوح عليهم الصلاة والسلام وهؤلاء الخمسة هم أولوا العزم من الرسل، وقد ذكرهم الله تعالى في موضعين من القرآن في سورة الأحزاب في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧]، وفي سورة الشورى في قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣].\nوأما من لم نعلم اسمه منهم فنؤمن به إجمالًا قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨].\nالثالث: تصديق ما صحّ عنهم من أخبارهم.\nالرابع: العمل بشريعة من أرسل إلينا منهم، وهو خاتمهم محمد -ﷺ- المرسل إلى جميع الناس قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] \" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>٣ - من ثمرات الإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام:</span>\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"وللإيمان بالرسل ثمرات جليلة منها:\nالأولى: العلم برحمة الله تعالى وعنايته بعباده حيث أرسل إليهم الرسل ليهدوهم إلى صراط الله تعالى، ويبيّنوا لهم كيف يعبدون الله، لأن العقل البشري لا يستقل بمعرفة ذلك.\nالثانية: شكره تعالى على هذه النعمة الكبرى.\n_________\n(^١) شرح أصول الإيمان لابن عثيمين ص ٣٦، ٣٨.","vol":"1","page":277},{"text":"الثالثة: محبة الرسل عليهم الصلاة والسلام وتعظيمهم، والثناء عليهم بما يليق بهم، لأنهم رسل الله تعالى، ولأنهم قاموا بعبادته، وتبليغ رسالته، والنصح لعباده\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>٤ - فائدة:</span>\nيقول شارح الطحاوية: \"وأما الأنبياء والمرسلون فعلينا الإيمان بمن سمى الله تعالى في كتابه من رسله والإيمان بأن الله تعالى أرسل رسلا سواهم وأنبياء لا يعلم أسماءهم وعددهم إلا الله تعالى الذي أرسلهم فعلينا الإيمان بهم جملة لأنه لم يأت في عددهم نص، وقد قال تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨] ... وعلينا الإيمان بأنهم بلّغوا جميع ما أرسلوا به على ما أمرهم الله به وأنهم بينوه بيانا لا يسع أحدا ممن أرسلوا إليه جهله ولا يحل خلافه. قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥].\nوأما أولو العزم من الرسل، فقد قيل فيهم أقوال أحسنها ما نقله البغوي وغيره عن ابن عَبَّاسٍ وقتادة أنهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم ... وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧]. وفي قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣]، وأما الإيمان بمحمد -ﷺ- فتصديقه واتباع ما جاء به من الشرائع إجمالًا وتفصيلًا\" (^٢).\n_________\n(^١) شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٩٦.\n(^٢) شرح العقيدة الطحاوية ٢/ ٤٢٣، ٤٢٤.","vol":"1","page":278},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-226> مسألة: من كفر بنبي واحد كفر بجميع الأنبياء:</span>\nقال السعدي: \"جميع الأنبياء دعوتهم واحدة، من كذّب واحدا منهم فقد كذّب الجميع لأنه يكذب الحق الذي جاء به كل واحد منهم\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>٥ - من هو أول الرسل</span>؟\nقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الأصول الثلاثة عِنْدَ كلامه عن الأنبياء: \"وأولهم نوح ﵇ وآخرهم محمد -ﷺ- والدليل على أن أولهم نوح ﵇ قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣].\nوقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"وثبت في الصحيح من حديث الشفاعة (^٢): \"إن الناس يأتون إلى نوح فيقولون له أنت أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض\" فلا رسول قبل نوح وبهذا نعلم خطأ بعض المؤرخين الذين قالوا إن إدريس ﵊ قبل نوح بل الذي يظهر أن إدريس من أنبياء بني إسرائيل.\nوآخر الأنبياء وخاتمهم محمد -ﷺ- لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٠]، فلا نبي بعده ومن ادعى النبوة بعده فهو كاذب كافر مرتد عن الإسلام\" (^٣).\nفإن قيل: هل آدم رسول أم لا؟ فالجواب: أنه ﵇ ليس برسول ولكنه نبي (^٤).\nوهناك مباحث أخرى منها معرفة معنى النبي والفرق بينه وبين الرسول وحكم ادعاء النبوة وهذه تجدها في باب (النبوة).\n_________\n(^١) الخلاصة ١١٥.\n(^٢) حديث الشفاعة أخرجه البخاري (٣٣٤٠) ومسلم (١٩٤).\n(^٣) شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ١٥١.\n(^٤) انظر للاستزادة مجموع فتاوى ابن عثيمين ٣/ ١٦٧.","vol":"1","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-228>٦٠ - الإيمان باليوم الآخر </span>*\nالإيمان باليوم الآخر هو الأصل الخامس من أصول الإيمان الستة.\nقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"اليوم الآخر: يوم القيامة الذي يبعث الناس فيه للحساب والجزاء. وسمي بذلك لأنه لا يوم بعده حيث يستقر أهل الجنة في منازلهم وأهل النار في منازلهم\" (^٢).\nقال الحَلِيمي ومعناه: \"التصديق بأن لأيام الدنيا آخرا، وأنها منقضية، وهذا العالم منقض يوما ما، ففي الاعتراف بانتفائه اعتراف بابتدائه إذ القديم لا يفنى ولا يتغير\" (^٣).\nفالإيمان باليوم الآخر هو: الاعتقاد الجازم بصدق كل ما أخبر به الله ﷿ في كتابه العزيز أو أخبر به رسوله -ﷺ- مما يكون بعد الموت من فتنة القبر وعذابه\n_________\n* شَرحُ السُنَّةِ للبَغوي المجلد الخامس عشر. لوامع الأنوار للسفاريني ٢/ ٦٥ - ١٦٠. مختصر شعب الإيمان للبيهقي ص ٢٥. شرح مسائل الجاهلية ص ٨٠. حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم ص ٦٢. فتاوى اللجنة الدائمة ٣/ ٩١، ٩٨. قطف الثمر صديق حسن ص ١٢٧. معارج القبول ٢/ ٨٢. أهم المهمات لابن سعدي من المجموعة ٣/ ٦٨. مجموع الفتاوى لابن باز ١/ ٤٥٧. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٢/ ٩، ٣/ ١٦٨، ٢٥١، ٥/ ١٢٧. شرح رياض الصالحين ٢/ ٤١٨. المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة الأحمدي ٢/ ١٩٠ إلى ٢٢٨ .. الإمام المروزي وجهوده في توضيح العقيدة للنفيعي ص ١٥٩. الجيلاني وآراؤه الاعتقادية ص ٣٢٣. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ص ٦٤٥. شرح مسائل الجاهلية للسعيد ٢/ ٧٧٥. الشيخ السعدي وجهوده في توضيح العقيدة للعباد ص ٢٣٤، ٢٧٩. منهج ابن رجب في العقيدة ص ٤٠٩. الإمام الخطابي ومنهجه في العقيدة لأبي عبد الرحمن العلوي ٤٠٩. منهج ابن حجر في العقيدة ١٢٨١، ١٣٨٥. منهج الإمام مالك في العقيدة ٣٤١. مباحث العقيدة في سورة الزمر ص ١٥٤٧.\n(^٢) شرح أصول الإيمان ص ٤٠.\n(^٣) شعب الإيمان ص ٢٥.","vol":"1","page":280},{"text":"ونعيمه وما بعد ذلك من البعث والحشر والصحف والحساب والميزان والحوض والصراط والشفاعة والجنة والنار وما أعد الله تعالى لأهلهما فيهما.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي -ﷺ- مما يكون بعد الموت، فيؤمنون بفتنة القبر، وبعذاب القبر ونعيمه\" (^١).\n* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٧]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [غافر: ٥٩] وقوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]، وقول الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩].\n* الدليل من السنة: عن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ صَاحِبِ رَسُولِ الله -ﷺ- يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله -ﷺ-: \"بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَذهِ مِنْ هَذهِ أَوْ كَهَاتَيْنِ وَقَرَنَ بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى\" (^٢).\nوعِنْدَ البخاري من حديث أبي هريرة -﵁-: \" ... لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومنّ الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومنّ الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومنّ الساعة وقد رفع أحدكم أكلته إلى فيه فلا يطعمها\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-229> أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>١ - قال ابن عثيمين: \"والإيمان باليوم الآخر يتضمن ثلاثة أمور:</span>\nالأول: الإيمان بالبعث وهو إحياء الموتى حين ينفخ في الصور النفخة الثانية، فيقوم الناس لرب العالمين حفاة غير منتعلين عراة غير مستترين، غرلًا غير\n_________\n(^١) العقيدة الواسطية مع شرح محمد هراس ص ٢٠١.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٥٠٤) ومسلم (٢٩٥١).\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٥٠٦).","vol":"1","page":281},{"text":"مختتنين، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤].\nوالبعث حق ثابت دل عليه الكتاب والسنة وإجماع المسلمين.\nقال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥، ١٦] وقال النبي -ﷺ-: \"يحشر الناس يوم القيامة حفاة غرلًا\" (^١).\nوأجمع المسلمون على ثبوته، وهو مقتضى الحكمة حيث تقتضي أن يجعل الله تعالى لهذه الخليقة معادا يجازيهم فيه على ما كلّفهم به على ألسنة رسله قال الله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥، ١١٦].\nوقال لنبيّه -ﷺ-: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥].\nالثاني: الإيمان بالحساب والجزاء يحاسب العبد على عمله، ويجازى عليه، وقد دل على ذلك الكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين.\nقال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥، ٢٦]، وقال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وقال: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧].\nالثالث: الإيمان بالجنة والنار وأنهما المآل الأبدي للخلق. فالجنة دار النعيم التي أعدها الله تعالى للمؤمنين المتقين الذين آمنوا بما أوجب الله عليهم الإيمان به وقاموا بطاعة الله ورسوله، مخلصين لله متبعين لرسوله. فيها من أنواع النعيم \"ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر\".\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٥٢٦) ومسلم (٢٨٦٠).","vol":"1","page":282},{"text":"قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٧، ٨]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧].\nوأما النار فهي دار العذاب التي أعدها الله تعالى للكافرين الظالمين الذين كفروا به وعصوا رسله، فيها من أنواع العذاب، والنكال، ما لا يخطر على البال. قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١].\nوقال: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ [الأحزاب: ٦٦] \" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>٢ - من ثمرات الإيمان باليوم الآخر:</span>\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"وللإيمان باليوم الآخر ثمرات جليلة منها:\nالأولى: الرغبة في فعل الطاعة والحرص عليها رجاء لثواب ذلك اليوم.\nالثانية: الرهبة من فعل المعصية والرضى بها خوفا من عقاب ذلك اليوم.\nالثالثة: تسلية المؤمن عما يفوته من الدنيا بما يرجوه من نعيم الآخرة وثوابها\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>٦١ - الإيمان بالقدر خيره وشره</span>\nهو الأصل السادس من أصول الإيمان الستة. انظر باب (القدر).\n_________\n(^١) شرح أصول الإيمان لابن عثيمين ٤٠، ٤٣.\n(^٢) شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ١٠٢، ١٠٣.","vol":"1","page":283},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-233>٦٢ - البدعة </span>*\nلغة: قال في معجم مقاييس اللغة: \" (بدع) الباء والدال والعين أصلان:\nأحدهما: ابتداء الشيء وصنعه لا عن مثال، والآخر: الانقطاع والكلال.\nفالأول: قولهم: أبدعت الشيء قولًا أو فعلًا، إذا ابتدأته لا عن سابق مثال والله بديع السماوات والأرض.\nوالعرب تقول: ابتدع فلان الركي إذا استنبطه\" (^١).\nوقال الراغب: \"ومنه قيل ركية بديع أي جديدة الحفر\" (^٢) (^٣).\nومن هذا يتبين أن البدعة تطلق لغة على الشيء المستحدث (^٤).\nقال الزجاج: \"وكل من أنشأ ما لم يسبق إليه قيل له: أبدعت، ولهذا قيل لكل من\n_________\n* البدع والنهي عنها لمحمد بن وضاح، الحوادث والبدع للطرطوشي، اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٥٨٢ - ٦١٢، الاعتصام للشاطبي ١/ ٣٦ - ٥١، مجموع فتاوى ابن تيمية ١١/ ٤٤٥ - ٤٧٥، ٢٠/ ١٠٣ - ١٠٥، جامع العلوم والحكم ٢/ ١٠٩، الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع للسيوطي، الدرر السنية ١/ ٢٧٣، ٤٢٣، ٤٨٦، ٧/ ٥٥٨، ٨/ ١٠٣، ٩/ ٤٣٢، ١١/ ١٤٦، ١٧٤، مجموع فتاوى ابن عثيمين ٥/ ٢٣، محاضرات في العقيدة والدعوة للشيخ صالح الفوزان ١/ ١٠٧ - ١٢٣، حقيقة البدعة وأحكامها لسعيد الغامدي، موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع د. إبراهيم الرحيلي، الإمام الشاطبي عقيدته وموقفه من البدع وأهلها لعبد الرحمن آدم، الأعياد وأثرها على المسلمين د. سليمان السحيمي ص ٢٠٩، ٤٦٨.\n(^١) مقاييس اللغة (ب د ع)، وانظر المفردات للراغب (ب د ع).\n(^٢) انظر العين للخليل ٢/ ٥٤، مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ٥/ ٢٣.\n(^٣) المفردات للراغب (ب د ع).\n(^٤) انظر العين للخليل ٢/ ٥٤، مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ٥/ ٢٣.","vol":"1","page":284},{"text":"خالف السنة والإجماع مبتدع، لأنه يأتي دين الإسلام بما لم يسبقه إليه الصحابة والتابعون\" (١).\nوقال في الصحاح: \"أبدع الشيء: اخترعه لا على مثال، والله تعالى بديع السماوات والأرض، أي مبدعهما ... والبدعة: الحدث في الدين بعد الإكمال.\nواستبدعه: عده بديعًا، وبدَّعه تبديعًا: نسبه إلى البدعة\" (٢).\nوفي الشرع: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وقد قررنا في قاعدة السنة والبدعة أن البدعة في الدين هي ما لم يشرعه الله ورسوله وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب ولا استحباب فأما ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب وعلم الأمر به بالأدلة الشرعية فهو من الدين الذي شرعه الله وإن تنازع أولو الأمر في بعض ذلك وسواء كان هذا مفعولا على عهد النبي أو لم يكن\" (٣).\nوقال ﵀: \"لكن أعظم المهم في هذا الباب وغيره تمييز السنة من البدعة إذ السنة ما أمر به الشارع والبدعة ما لم يشرعه من الدين\" (٤).\nوقال: \"والبدعة ما خالفت الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة من الاعتقادات والعبادات كأقوال الخوارج والروافض والقدرية والجهمية كالذين يتعبدون بالرقص والغناء في المساجد والذين يتعبدون بحلق اللحى وأكل الحشيشة وأنواع ذلك من البدع التى يتعبد بها طوائف من المخالفين للكتاب والسنة والله أعلم\" (٥).\nوقال ابن رجب: \"والمراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل في الشريعة يدل\n_________\n(١) معاني القرآن وإعرابه للزجاج: ١/ ١٩٨ - ١٩٩.\n(٢) مختار الصحاح (ب د ع).\n(٣) مجموع الفتاوى ١٤/ ١٠٧، ١٠٨ وانظر الاستقامة ١/ ٥.\n(٤) مجموع الفتاوى ١/ ١٣.\n(٥) مجموع الفتاوى ١٨/ ٣٤٦.","vol":"1","page":285},{"text":"عليه وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعا وإن كان بدعة لغة ... فكل من أحدث شيئا ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة والدين بريء منه وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة\" (^١).\nوقال ابن عثيمين: \"والبدعة اصطلاحًا: ما أحدث في الدين على خلاف ما كان عليه النبي -ﷺ- وأصحابه من عقيدة أو عمل\" (^٢).\nوللعلماء تعاريف مشابهة لهذا التعريف منهم على سبيل المثال الطرطوشي والعيني والسيوطي وابن حجر الهيثمي وغيرهم (^٣).\nوالمتقدم المشهور في هذا المقام قول الشاطبي ﵀ في تعريف البدعة حيث قال: \"البدعة: عبارة عن طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه، وهذا على رأي من لا يدخل العادات في معنى البدعة، وإنما يخصها بالعبادات، وأما على رأي من أدخل الأعمال العادية في معنى البدعة فيقول: البدعة: طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية\" (^٤).\n* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم ٢٥٢.\n(^٢) مجموع فتاوى الشيخ محمد العثيمين ٥/ ٢٣.\n(^٣) انظر الحوادث والبدع للطرطوشي (٣٤ - ٣٥)، عمدة القاري ٢٥/ ٣٧، والفتاوى الحديثية لابن حجر (١٥٠ - ١٥١)، والأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع للسيوطي (٨٨) وانظر حقيقة البدعة ١/ ٢٦٣.\n(^٤) الاعتصام للشاطبي ١/ ٣٦ - ٣٧.","vol":"1","page":286},{"text":"[النور: ٥٤]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧]. وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠].\nوقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١].\nوقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. وقال ﷿: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠].\nوقال ﷾: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣].\nوعن مجاهد قال: \"ولا تتبع السبل قال البدع والشبهات\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-234> الدليل من السنة:</span>\nعن الْعِرْبَاض بْنَ سَارِيَةَ قال: صَلَّى بِنَا رَسُولُ الله -ﷺ- ذَاتَ يَوْمٍ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ الله كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا فَقَالَ: \"أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى الله\n_________\n(^١) سنن الدارمي، باب في كراهية أخذ الرأي (١/ ٦٨).","vol":"1","page":287},{"text":"وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ\" (^١).\nوفي الصحيحين من حديث عَائِشَةُ -﵂- قالت: قال رَسُولَ اللهِ -ﷺ-: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فَهُوَ رَدٌّ\".\nوفي رواية لمسلم: \"مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ\" (^٢).\nوعن أنس بن مالك -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"فمن رغب عن سنتي فليس مني\" (^٣).\nوعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله -ﷺ- إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَعَلَا صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: \"صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ وَيَقُولُ بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ\" وَيَقْرُنُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَيقُولُ: \"أَمَّا بَعْدُ فَإنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ\" (^٤).\nوفي رواية عند النسائي: \"وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ\" (^٥).\nوعَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ هُوَ ابْنُ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ لِبِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ: اعْلَمْ قَالَ مَا أَعْلَمُ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: اعْلَمْ يَا بِلَالُ، قَالَ: مَا أَعْلَمُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: إِنَّهُ مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي قَدْ أُمِيتَتْ بَعْدِي فَإِنَّ لَهُ\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٦٠٧) واللفظ له والترمذي كتاب العلم عن رسول الله -ﷺ-، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع (٢٦٧٦) وابن ماجه (٤٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٦٩٧) ومسلم (١٧١٨).\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٠٦٣) ومسلم (١٤٠١).\n(^٤) أخرجه مسلم (٨٦٧).\n(^٥) أخرجها النسائي (٤٦).","vol":"1","page":288},{"text":"مِنْ الأَجْرِ مِثْلَ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ ابْتَدَعَ بِدْعَةَ ضَلَالَةٍ لَا تُرْضِي اللهَ وَرَسُولَهُ كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ عَمِلَ بِهَاَ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَوْزَارهم شيئًا\" (^١).\nعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: \"أَبَى اللهُ أَنْ يَقْبَلَ عَمَلَ صاحِبِ بِدْعَةٍ حَتَّى يَدَعَ بِدْعَتَهُ\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-235> أقوال العلماء:</span>\nعن عبد الله قال: \"ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلًا إن آمن آمن وإن كفر كفر، فإن كنتم لا بد مقتدين فبالميت فإن الحي لا يؤمن عليه الفتنة\" (^٣).\nوعن ابن عباس قال: \"ما يأتي على الناس عام إلا أحدثوا فيه بدعة وأماتوا سنة حتى تحيا البدع وتموت السنن، وسمعته يقول حتى تظهر البدع\" (^٤).\nوقال ابن الديلمي سمعت ابن عمرو يقول: \"ما ابتدعت بدعة إلا ازدادت مضيا ولا تركت سنة إلا ازدادت هويا\" (^٥).\nوعن سفيان الثوري قال: \"من جالس صاحب بدعة لم يسلم من إحدى ثلاث إما أن يكون فتنة لغيره وإما أن يقع في قلبه شيء فيزل به فيدخله الله النار وإما أن يقول والله ما أبالي ما تكلموا وإني واثق بنفسي فمن أمن الله على دينه طرفة عين سلبه إياه\" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٦٧٧)، وابن ماجه (٢٠٩، ٢١٠)، قال ابن رجب: \"وخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث كثير بن عبد الله المزني وفيه ضعف\" جامع العلوم والحكم ٢/ ١٢٧.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٥٠).\n(^٣) شرح أصول الاعتقاد (١٣٠) ١/ ١٠٥.\n(^٤) شرح أصول الاعتقاد (١٢٥) ١/ ١٠٣.\n(^٥) شرح أصول الاعتقاد (١٢٨) ١/ ١٠٤.\n(^٦) البدع والنهي عنها لمحمد بن وضاح القرطبي ص ٤٧.","vol":"1","page":289},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"وقد يكون الرجل ممن لا يتعمد الكذب لكن يعتقد اعتقادات باطلة كاذبة في الله أو في رسله أو في دينه أو عباده الصالحين وتكون له زهادة وعبادة واجتهاد في ذلك فيؤثر ذلك الكذب الذي ظنه صدقا وتوابعه في باطنه ويظهر ذلك على وجهه فيعلوه من القترة والسواد ما يناسب حاله كما قال بعض السلف: لو أدهن صاحب البدعة كل يوم بدهان فإن سواد البدعة لفي وجهه وهذه الأمور تظهر يوم القيامة ظهورًا تامًا قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧)﴾ \" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-236> فوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-237>١ - ضابط البدعة وأقسامها:</span>\nسئل الشيخ ابن عثيمين عن معنى البدعة وعن ضابطها؟ وهل هناك بدعة حسنة؟ وما معنى قول النبي -ﷺ-: \"من سن في الإسلام سنة حسنة\"؟ (^٢):\nفأجاب: \"البدعة شرعًا ضابطها \"التعبد لله بما لم يشرعه الله\"، وإن شئت فقل: \"التعبد لله تعالى بما ليس عليه النبي -ﷺ-، ولا خلفاؤه الراشدون\" فالتعريف الأول مأخوذ من قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، والتعريف الثاني مأخوذ من قول النبي ﵊:\n_________\n(^١) الجواب الصحيح ٦/ ٤٩٠.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٠١٧).","vol":"1","page":290},{"text":"\"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور\" (^١) فكل من تعبد لله بشيء لم يشرعه الله، أو بشيء لم يكن عليه النبي -ﷺ-، وخلفاؤه الراشدون فهو مبتدع سواء كان ذلك التعبد فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته أو فيما يتعلق بأحكامه شرعه. أما الأمور العادية التي تتبع العادة والعرف فهذه لا تسمى بدعة في الدين وإن كانت تسمى بدعة في اللغة، ولكن ليست بدعة في الدين وليست هي التي حذر منها رسول الله -ﷺ-.\nوليس في الدين بدعة حسنة أبدًا، والسنة الحسنة هي التي توافق الشرع، وهذه تشمل أن يبدأ الإنسان بالسنة أي يبدأ العمل بها، أو يبعثها بعد تركها، أو يفعل شيئًا يسنه يكون وسيلة لأمر متعبد به فهذه ثلاثة أشياء:\nالأول: إطلاق السنة على من ابتدأ العمل ويدل له سبب الحديث فإن النبي -ﷺ- حث على التصدق على القوم الذين قدموا عليه -ﷺ-، وهم في حاجة وفاقة، فحث على التصدق فجاء رجل من الأنصار بصرة من فضة قد أثقلت يده فوضعها في حجر النبي ﵊ فقال النبي -ﷺ-: \"من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها (^٢) فهذا الرجل سن سنة ابتداء لا ابتداء شرع.\nالثاني: السنة التي تركت ثم فعلها الإنسان فأحياها فهذا يقال عنه سنها بمعنى أحياها وإن كان لم يشرعها من عنده.\nالثالث: أن يفعل شيئًا وسيلة لأمر مشروع (^٣) مثل بناء المدارس وطبع الكتب فهذا لا يتعبد بذاته ولكن لأنه وسيلة لغيره فكل هذا داخل في قول النبي -ﷺ-: \"من\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) مسلم (١٠١٧).\n(^٣) انظر للاستزادة مجموع فتاوى ابن عثيمين ٥/ ٢٥١.","vol":"1","page":291},{"text":"سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها\" والله أعلم\" (^١).\nوقال ابن عثيمين: \"المتابعة لا تتحقق إلا إذا كان العمل موافقًا للشريعة في أمور ستة:\nالأول: السبب فإذا تعبد الإنسان لله عبادة مقرونة بسبب ليس شرعيًا فهي بدعة مردودة على صاحبها.\nمثال ذلك: أن بعض الناس يحيي ليلة السابع والعشرين من رجب بحجة أنها الليلة التي عرج فيها برسول الله ﷺ، فالتهجد عبادة، ولكن لما قرن بهذا السبب كان بدعة لأنه بنى هذه العبادة على سبب لم يثبت شرعًا. وهذا الوصف -موافقة العبادة للشريعة في السبب- أمر مهم يتبين به ابتداع كثير مما يظن أنه من السنة وليس من السنة.\nالثاني: الجنس فلا بد أن تكون العبادة موافقة للشرع في جنسها فلو تعبد إنسان لله بعبادة لم يشرع جنسها فهي غير مقبولة.\nمثال ذلك: أن يضحي رجل بفرس، فلا يصح أضحية لأنه خالف الشريعة في الجنس، فالأضاحي لا تكون إلا من بهيمة الأنعام، الإبل، البقر، الغنم.\nالثالث: القدر فلو أراد إنسان أن يزيد صلاة على أنها فريضة فنقول: هذه بدعة غير مقبولة لأنها مخالفة للشرع في القدر ومن باب أولى لو أن الإنسان صلى الظهر مثلًا خمسًا فإن صلاته لا تصح بالاتفاق.\nالرابع: الكيفية فلو أن رجلًا توضأ فبدأ بغسل رجليه، ثم مسح رأسه ثم غسل يديه، ثم وجهه فنقول: وضؤوه باطل لأنه مخالف للشرع في الكيفية.\nالخامس: الزمان فلو أن رجلًا ضحى في أول أيام ذي الحجة فلا تقبل الأضحية\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين ٢/ ٢٩١ رقم (٣٤٦).","vol":"1","page":292},{"text":"لمخالفة الشرع في الزمان.\nوسمعت أن بعض الناس في شهر رمضان يذبحون الغنم تقربًا لله تعالى بالذبح، وهذا العمل بدعة على هذا الوجه، لأنه ليس هناك شيء يتقرب به إلى الله بالذبح إلا الأضحية، والهدي والعقيقة، أما الذبح في رمضان مع اعتقاد الأجر على الذبح كالذبح في عيد الأضحى فبدعة. وأما الذبح لأجل اللحم فهذا جائز.\nالسادس: المكان فلو أن رجلًا اعتكف في غير مسجد فإن اعتكافه لا يصح، وذلك لأن الاعتكاف لا يكون إلا في المساجد، ولو قالت امرأة: أريد أن أعتكف في مصلى البيت. فلا يصح اعتكافها لمخالفة الشرع في المكان. ومن الأمثلة لو أن رجلًا أراد أن يطوف فوجد المطاف قد ضاق ووجد ما حوله قد ضاق فصار يطوف من وراء المسجد فلا يصح طوافه لأن مكان الطواف البيت قال الله تعالى لإبراهيم الخليل: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦] \" (^١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"والترك الراتب سنة كما أن الفعل الراتب سنة بخلاف ما كان تركه لعدم مقتضٍ أو فوات شرط أو وجود مانع وحدث بعده من المقتضيات والشروط وزوال المانع ما دلت الشريعة على فعله حينئذ كجمع القرآن في المصحف وجمع الناس في التراويح على إمام واحد وتعلم العربية وأسماء النقلة للعلم وغير ذلك مما يحتاج إليه في الدين بحيث لا تتم الواجبات أو المستحبات الشرعية إلا به وإنما تركه -ﷺ- لفوات شرطه أو وجود مانع فأما ما تركه من جنس العبادات مع أنه لو كان مشروعا لفعله أو أذن فيه ولفعله الخلفاء بعده والصحابة فيجب القطع بأن فعله بدعة وضلالة ويمتنع القياس في مثله وان جاز القياس في النوع الأول وهو مثل قياس صلاة العيدين والاستسقاء والكسوف على\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٥/ ٢٥٣، ٢٥٤.","vol":"1","page":293},{"text":"الصلوات الخمس في أن يجعل لها أذانا وإقامة كما فعله بعض المراونية في العيدين وقياس حجرته ونحوها من مقابر الأنبياء على بيت الله في الاستلام والتقبيل ونحو ذلك من الأقيسة التي تشبه قياس الذين حكى الله عنهم أنهم قالوا \"إنما البيع مثل الربا\"\" (^١).\nوقال الشيخ صالح الفوزان: \"والابتداع على قسمين:\nابتداع في العادات كابتداع المخترعات الحديثة وهذا مباح لأن الأصل في العادات الإباحة.\nوابتداع في الدين وهذا محرم لأن الأصل فيه التوقيف قال -ﷺ-: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\". وفي رواية: \"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد\" (^٢).\nوقال -حفظه الله-: \"البدعة في الدين نوعان:\nالنوع الأول: بدعة قولية اعتقادية كمقالات الجهمية والمعتزلة والرافضة وسائر الفرق الضالة واعتقاداتهم.\nالنوع الثاني: بدعة في العبادات كالتعبد لله بعبادة لم يشرعها وهي أنواع:\nالنوع الأول: ما يكون في أصل العبادة، بأن يحدث عبادة ليس لها أصل في الشرع كأن يحدث صلاة غير مشروعة أو صيامًا غير مشروع أو أعيادًا غير مشروعة كأعياد الموالد وغيرها.\nالنوع الثاني: ما يكون في الزيادة على العبادة المشروعة، كما لو زاد ركعة خامسة في صلاة الظهر أو العصر مثلًا.\nالنوع الثالث: ما يكون في صفة أداء العبادة بأن يؤديها على صفة غير مشروعة، وذلك كأداء الأذكار المشروعة بأصوات جماعية مطربة، وكالتشديد على النفس في\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢٦/ ١٧٢.\n(^٢) محاضرات في العقيدة والدعوة ١/ ١٠٨.","vol":"1","page":294},{"text":"العبادات إلى حد يخرج عن سنة الرسول -ﷺ-.\nالنوع الرابع: ما يكون بتخصيص وقت للعبادة المشروعة لم يخصصه الشرع كتخصيص يوم النصف من شعبان وليلته بصيام وقيام. فإن أصل الصيام والقيام مشروع ولكن تخصيصه بوقت من الأوقات يحتاج إلى دليل\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>٢ - مناقشة تقسيم البدع إلى حسنة وسيئة:</span>\nأثّر تقسيم العلماء البدع إلى حسنة وسيئة أو إلى بدعة هدى وبدعة ضلال في إثارة شبه عند المبتدعة لإظهار بدعهم.\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"وإنك لتعجب من قوم يعرفون قول رسول الله -ﷺ-: \"إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار\" ويعلمون أن قوله: \"كل بدعة\" كلية عامة شاملة، مسورة بأقوى أدوات الشمول والعموم \"كل\"، والذي نطق بهذه الكلية صلوات الله وسلامه عليه يعلم مدلول هذا اللفظ وهو أفصح الخلق، وأنصح الخلق للخلق لا يتلفظ إلا بشيء يقصد معناه. إذًا فالنبي -ﷺ- حينما قال: \"كل بدعة ضلالة\" كان يدري ما يقول، وكان يدري معنى ما يقول، وقد صدر هذا القول منه عن كمال نصح للأمة\" (^٢).\nومما تعلقوا به في إثبات التقسيم ما يلي:\n١ - قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -﵁- الموفق للصواب حينما أمر أبي بن كعب وتميمًا الداري أن يقوما بالناس في رمضان، فخرج والناس على إمامهم مجتمعون فقال: \"نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون\".\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"فالجواب عن ذلك من وجهين:\nالوجه الأول: أنه لا يجوز لأحد من الناس أن يعارض كلام الرسول -ﷺ- بأي\n_________\n(^١) محاضرات في العقيدة والدعوة ١/ ١٠٧ للشيخ صالح الفوزان.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٥/ ٢٤٨.","vol":"1","page":295},{"text":"كلام، لا بكلام أبي بكر الذي هو أفضل الأمة بعد نبيها، ولا بكلام عمر الذي هو ثاني هذه الأمة بعد نبيها، ولا بكلام عثمان الذي هو ثالث هذه الأمة بعد نبيها، ولا بكلام علي الذي هو رابع هذه الأمة بعد نبيها، ولا بكلام أحد غيرهم لأن الله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. قال الإمام أحمد ﵀: \"أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قول النبي -ﷺ- أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك\".\nوقال ابن عباس -﵄-: \"يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله -ﷺ- وتقولون: قال أبو بكر وعمر\".\nالوجه الثاني: أننا نعلم علم اليقين أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -﵁- من أشد الناس تعظيمًا لكلام الله تعالى ورسوله -ﷺ- فلا يليق بعمر -﵁- وهو من هو أن يخالف كلام سيد البشر محمد -ﷺ- وأن يقول عن بدعة: \"نعمت البدعة\" وتكون هذه البدعة هي التي أرادها رسول الله -ﷺ- بقوله: \"كل بدعة ضلالة\" بل لا بد أن تنزل البدعة التي قال عنها عمر: إنها \"نعمت البدعة\" على بدعة لا تكون داخلة تحت مراد النبي -ﷺ- في قوله: \"كل بدعة ضلالة\" فعمر -﵁- يشير بقوله: \"نعمت البدعة هذه\" إلى جمع الناس على إمام واحد بعد أن كانوا متفرقين، وكان أصل قيام رمضان من رسول الله -ﷺ- فقد ثبت في الصحيحين من حديث عائشة -﵂- أن النبي -ﷺ- قام في الناس ثلاث ليال وتأخر عنهم في الليلة الرابعة وقال: \"إني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها\". فقيام الليل في رمضان جماعة من سنة الرسول ﵊، وسماها عمر -﵁- بدعة باعتبار أن النبي -ﷺ- لما ترك القيام صار الناس متفرقين يقوم الرجل لنفسه، ويقوم الرجل ومعه الرجل، والرجل ومعه الرجلان، والرهط، والنفر في المسجد، فرأى أمير المؤمنين عمر -﵁- برأيه السديد","vol":"1","page":296},{"text":"الصائب أن يجمع الناس على إمام واحد فكان هذا الفعل بالنسبة لتفرق الناس منه قبل بدعة، فهي بدعة اعتبارية إضافية، وليست بدعة مطلقة إنشائية أنشأها عمر -﵁-، لأن هذه السنة كانت موجودة في عهد الرسول -ﷺ- فهي سنة لكنها تركت منذ عهد الرسول ﵊ حتى أعادها عمر -﵁- وبهذا التقعيد لا يمكن أبدًا أن يجد أهل البدع من قول عمر هذا منفذًا لما استحسنوه من بدعهم\" (^١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وأما قول عمر نعمت البدعة هذه فأكثر المحتجين بهذا لو أردنا أن نثبت حكما بقول عمر الذي لم يخالف فيه لقالوا قول الصاحب ليس بحجة فكيف يكون حجة لهم في خلاف قول رسول الله ﵌ ومن اعتقد أن قول الصاحب حجة فلا يعتقده إذا خالف الحديث فعلى التقديرين لا تصلح معارضة الحديث بقول الصاحب نعم يجوز تخصيص عموم الحديث بقول الصاحب الذي لم يخالف على إحدى الروايتين فيفيدهم هذا حسن تلك البدعة أما غيرها فلا ثم نقول أكثر ما في هذا تسمية عمر تلك بدعة مع حسنها وهذه تسمية لغوية لا تسمية شرعية وذلك أن البدعة في اللغة تعم كل ما فعل ابتداء من غير مثال سابق وأما البدعة الشرعية فكل ما لم يدل عليه دليل شرعي فإذا كان نص رسول الله -ﷺ- قد دل على استحباب فعل أو إيجابه بعد موته أو دل عليه مطلقا ولم يعمل به إلا بعد موته ككتاب الصدقة الذي أخرجه أبو بكر -﵁- فإذا عمل أحد ذلك العمل بعد موته صح أن يسمى بدعة في اللغة لأنه عمل مبتدأ كما أن نفس الدين الذي جاء به النبي -ﷺ- يسمى بدعة ويسمى محدثًا في اللغة كما قالت رسل قريش للنجاشي عن أصحاب النبي -ﷺ- المهاجرين إلى الحبشة إن هؤلاء خرجوا من دين آبائهم ولم يدخلوا في دين الملك وجاءوا بدين محدث لا يعرف،\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٥/ ٢٥٠، ٢٥١.","vol":"1","page":297},{"text":"ثم ذلك العمل الذي يدل عليه الكتاب والسنة ليس بدعة في الشريعة وإن سمي بدعة في اللغة فلفظ البدعة في اللغة أعم من لفظ البدعة في الشريعة وقد علم أن قول النبي -ﷺ- كل بدعة ضلالة لم يرد به كل عمل مبتدأ فإن دين الإسلام بل كل دين جاءت به الرسل فهو عمل مبتدأ وإنما أراد ما ابتديء من الأعمال التي لم يشرعها هو -ﷺ- وإذا كان كذلك فالنبي -ﷺ- قد كانوا يصلون قيام رمضان على عهده جماعة وفرادى، وقد قال لهم في الليلة الثالثة والرابعة لما اجتمعوا: إنه لم يمنعني أن أخرج إليكم إلا كراهة أن يفرض عليكم فصلوا في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة.\nفعلَّل -ﷺ- عدم الخروج بخشية الافتراض فعلم بذلك أن المقتضى للخروج قائم وأنه لولا خوف الافتراض لخرج إليهم، فلما كان في عهد عمر جمعهم على قارئ واحد وأسرج المسجد فصارت هذه الهيئة وهي اجتماعهم في المسجد على إمام واحد مع الإسراج عملًا لم يكونوا يعملونه من قبل فسمي بدعة؛ لأنه في اللغة يسمى بذلك وإن لم يكن بدعة شرعية؛ لأن السنة اقتضت أنه عمل صالح لولا خوف الافتراض وخوف الافتراض قد زال بموته -ﷺ- فانتفى المعارض\" (^١).\n٢ - قول النبي -ﷺ-: \"من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة\" وسن بمعنى \"شرع\".\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"الجواب: أن من قال: \"من سن في الإسلام سنة حسنة\" هو القائل: \"كل بدعة ضلالة\" ولا يمكن أن يصدر عن الصادق المصدوق قول يكذب له قولًا آخر، ولا يمكن أن يتناقض كلام رسول الله -ﷺ- أبدًا، ولا يمكن أن يرد على معنى واحد مع التناقض أبدًا، ومن ظن أن كلام الله تعالى أو\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٥٨٩ - ٥٩١.","vol":"1","page":298},{"text":"كلام رسوله -ﷺ- متناقض فليعد النظر فإن هذا الظن صادر إما عن قصور منه، وإما عن تقصير. ولا يمكن أن يوجد في كلام الله تعالى أو كلام رسوله -ﷺ- تناقض أبدًا.\nوإذا كان كذلك فبيان عدم مناقضة حديث \"كل بدعة ضلالة\" لحديث \"من سن في الإسلام سنة حسنة\" أن النبي -ﷺ- يقول: \"من سن في الإسلام\" والبدع ليست من الإسلام، ويقول \"حسنة\" والبدعة ليست بحسنة، وفرق بين السن والتبديع.\nوهناك جواب لا بأس به: أن معنى \"من سن\" من أحيا سنة كانت موجودة فعدمت فأحياها وعلى هذا فيكون \"السن\" إضافيًا نسبيًا كما تكون البدعة إضافية نسبية لمن أحيا سنة بعد أن تركت.\nوهناك جواب ثالث يدل له سبب الحديث وهو قصة النفر الذين وفدوا إلى النبي -ﷺ- وكانوا في حالة شديدة من الضيق، فدعا النبي -ﷺ- إلى التبرع لهم، فجاء رجل من الأنصار بيده صرة من فضة كادت تثقل يده فوضعها بين يدي الرسول -ﷺ- فجعل وجه النبي ﵊ يتهلل من الفرح والسرور وقال: \"من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة\" فهنا يكون معنى \"السن\" سن العمل تنفيذًا وليس العمل تشريعًا، فصار معنى \"من سن في الإسلام سنة حسنة\" من عمل بها تنفيذًا لا تشريعًا، لأن التشريع ممنوع \"كل بدعة ضلالة\"\" (^١).\n٣ - جمع القرآن ولم يكن جمعه على عهد رسول الله -ﷺ-، والجواب عن هذا: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وهكذا جمع القرآن فإن المانع من جمعه على عهد رسول الله -ﷺ- كان أن الوحي كان لا يزال ينزل فيغير الله ما يشاء ويحكم ما يريد، فلو جمع في مصحف واحد لتعسر أو تعذر تغييره كل وقت، فلما استقر القرآن\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٥/ ٢٥٢، ٢٥٣.","vol":"1","page":299},{"text":"بموته -ﷺ- واستقرت الشريعة بموته -ﷺ- أمِن الناس من زيادة القرآن ونقصه، وأمنوا من زيادة الإيجاب والتحريم والمقتضي للعمل قائم بسنته -ﷺ- فعمل المسلمون بمقتضى سنته وذلك العمل من سنته وإن كان يسمى هذا في اللغة بدعة، وصار هذا كنفي عمر -﵁- ليهود خيبر ونصارى نجران ونحوهم من أرض العرب، فإن النبي -ﷺ- عهد بذلك في مرضه فقال: \"أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب\" وإنما لم ينفذه أبو بكر -﵁- لاشتغاله عنه بقتال أهل الردة وبشروعه في قتال فارس والروم وكذلك عمر لم يمكنه فعله في أول الأمر لاشتغاله بقتال فارس والروم فلما تمكن من ذلك فعل ما أمر به النبي -ﷺ- وإن كان هذا الفعل قد يسمى بدعة في اللغة كما قال له اليهود كيف تخرجنا وقد أقرنا أبو القاسم وكما جاءوا إلى علي -﵁- في خلافته فأرادوا منه إعادتهم وقالوا كتابك بخطك فامتنع من ذلك لأن ذلك الفعل من عمر كان بعهد رسول الله -ﷺ- وإن كان محدثًا بعده، ومغيرًا لما فعله هو -ﷺ-\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-239>٤ - تمسكوا بأقوال لعلماء أجلاء ولم يعرفوا مرادهم من أقوالهم:</span>\nقال الحافظ ابن حجر في الفتح: \"قال الشَّافِعِيّ: \"الْبدْعَة بدْعَتَانِ: مَحْمُودَة وَمَذْمُومَة، فَمَا وَافَقَ السُّنَّة فَهُوَ مَحْمُود وَمَا خَالَفَهَا فَهُوَ مَذْمُوم\" أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم بِمَعْنَاهُ مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن الْجُنَيْد عَنْ الشَّافِعِيّ.\nوَجَاءَ عَنْ الشَّافِعِيّ أَيْضًا مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي مَنَاقِبه قَالَ: \"الْمُحْدَثَات ضَرْبَانِ مَا أُحْدِث يُخَالِف كِتَابًا أَوْ سُنَّة أَوْ أَثَرًا أَوْ إِجْمَاعًا فَهَذِهِ بدْعَة الضَّلَال، وَمَا أُحْدِث مِنْ الْخَيْر لَا يُخَالِف شَيْئًا مِنْ ذلِكَ فَهَذِهِ مُحْدَثَة غَيْر مَذْمُومَة\"\" (^٢).\nوقال ابن العربي في شرح قوله: \"وإياكم ومحدثات الأمور\": \"ليس المحدث والبدعة مذمومًا للفظ محدث وبدعة ولا لمعناها، وإنما يذم من البدعة ما خالف\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٥٩١، ٥٩٢.\n(^٢) فتح الباري ١٣/ ٢٥٣، جامع العلوم والحكم ٢/ ١٣١، الحلية ٩/ ١١٣.","vol":"1","page":300},{"text":"السنة، ويذم من المحدثات ما دعا إلى ضلالة\" (^١).\nوقال ابن الأثير: \"البدعة بدعتان: بدعة هدى وبدعة ضلال. فما كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله -ﷺ- فهو في حيز الذم والإنكار، وما كان واقعًا تحت عموم ما ندب الله ورسوله -ﷺ- فهو في حيز المدح، وما لم يكن له مثال موجود كنوع من الجود والسخاء، وفعل المعروف فهو من الأفعال المحمودة، ولا يجوز أن يكون ذلك في خلاف ما ورد الشرع به ... وقوله: \"كل محدثة بدعة\" إنما يريد ما خالف أصول الشريعة، ولم يوافق السنة؛ وأكثر ما يستعمل المبتدع عرفًا في الذم\" (^٢).\nوقال النووي: \"البدعة بكسر الباء في الشرع: هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله -ﷺ- وهي منقسمة إلى حسنة وقبيحة\" (^٣).\nوقال القاضي عياض: \"كل ما أحدث بعد النبي -ﷺ- فهو بدعة، والبدعة فعل ما لم يسبق إليه، فما وافق أصلًا من السنة يقاس عليها فهو محمود، وما خالف أصول السنن فهو ضلالة\" (^٤).\n* وللرد على ذلك نقول: إن استدلالاتكم هذه مخالفة لحديث الرسول -ﷺ- \"فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة\" وللرد على ذلك نقول:\nقال ابن رجب: \"قوله -ﷺ-: \"كل بدعة ضلالة\" من جوامع الكلام لا يخرج عنه شيء وهو أصل عظيم من أصول الدين\" (^٥).\nوقال ابن عثيمين: \"وما ادعاه العلماء من أن هناك بدعة حسنة. فلا تخلو من حالين:\n_________\n(^١) عارضة الأحوذي لابن العربي ٩/ ١٤٧.\n(^٢) النهاية في غريب الحديث لابن الأثير: \"ب د ع\" لسان العرب: \"ب د ع\".\n(^٣) تهذيب الأسماء واللغات: ٣/ ٢٢ - ٢٣، شرح النووي لصحيح مسلم ٦/ ١٥٤ وانظر قول الخطابي في معالم السنن ١٤/ ٣٠١.\n(^٤) مشارق الأنوار على صحاح الآثار للقاضي عياض ١/ ٢١٨ - ٢١٩.\n(^٥) جامع العلوم والحكم ٢/ ١٢٨.","vol":"1","page":301},{"text":"١ - أن لا تكون بدعة لكن يظنها بدعة.\n٢ - أن تكون بدعة فهي سيئة لكن لا يعلم عن سوئها.\nفكل ما ادعي أنه بدعة حسنة فالجواب عنه بهذا. وعلى هذا فلا مدخل لأهل البدع في أن يجعلوا من بدعهم بدعة حسنة وفي يدنا هذا السيف الصارم من رسول الله -ﷺ- \"كل بدعة ضلالة\"\" (^١).\nفتقسيم البدعة الشرعية إلى بدعة حسنة وبدعة سيئة ليس بصحيح، بل البدع كلها محدثة وضلالة، والبدع إنما تكون في العبادات، فأما البدع الدنيوية كالمصانع والمراكب والملابس والمساكن فلا يقال لها بدع وإنما هي عادات.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على هذا التقسيم: \"وأما مقامهم الثاني فيقال هب أن البدع تنقسم إلى حسن وقبيح فهذا القدر لا يمنع أن يكون هذا الحديث دالًا على قبح الجميع لكن أكثر ما يقال إنه إذا ثبت أن هذا حسن يكون مستثنى من العموم وإلا فالأصل أن كل بدعة ضلالة فقد تبين أن الجواب عن كل ما يعارض به من أنه حسن وهو بدعة إما بأنه ليس ببدعة وإما بأنه مخصوص فقد سلمت دلالة الحديث وهذا الجواب إنما هو عما ثبت حسنه فأما أمور أخرى قد يظن أنها حسنة وليست بحسنة أو أمور يجوز أن تكون حسنة ويجوز أن لا تكون حسنة فلا تصلح المعارضة بها بل يجاب عنها بالجواب المركب وهو إن ثبت أن هذا حسن فلا يكون بدعة أو يكون مخصوصا وإن لم يثبت أنه حسن فهو داخل في العموم وإذا عرفت أن الجواب عن هذه المعارضة بأحد الجوابين فعلى التقديرين الدلالة من الحديث باقية لا ترد بما ذكروا ولا يحل لأحد أن يقابل هذه الكلمة الجامعة من رسول الله -ﷺ- الكلية وهي قوله \"كل بدعة ضلالة\" بسلب عمومها\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٥/ ٢٤٨.","vol":"1","page":302},{"text":"وهو أن يقال ليست كل بدعة ضلالة فإن هذا إلى مشاقة الرسول أقرب منه إلى التأويل؛ بل الذي يقال فيما يثبت به حسن الأعمال التي قد يقال هي بدعة إن هذا العمل المعين مثلًا ليس ببدعة فلا يندرج في الحديث أو إن اندرج لكنه مستثنى من هذا العموم لدليل كذا وكذا الذي هو أقوم من العموم مع أن الجواب الأول أجود، وهذا الجواب فيه نظر، فإن قصد التعميم المحيط ظاهر من نص رسول الله -ﷺ- بهذه الكلمة الجامعة فلا عدل عن مقصوده بأبي هو وأمي -ﷺ-\" (^١).\nوقال ابن رجب: \"وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية فمن ذلك قول عمر -﵁- لما جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد وخرج ورآهم يصلون كذلك فقال: نعمت البدعة هذه. ورُوي عنه أنه قال: إن كانت هذه بدعة فنعمت البدعة، وروي عن أبي بن كعب قال له إن هذا لم يكن. فقال عمر: قد علمت ولكنه حسن. ومراده أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت ولكن له أصل في الشريعة يرجع إليها، فمنها أن النبي -ﷺ- كان يحث على قيام رمضان ويرغب فيه وكان الناس في زمنه يقومون في المسجد جماعات متفرقة ووحدانًا وهو -ﷺ- صلى بأصحابه في رمضان\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>٣ - أسباب ذم البدع:</span>\nقال الشاطبي: \"لا خفاء أن البدع من حيث تصورها يعلم العاقل ذمها لأن اتباعها خروج عن الصراط المستقيم ورمى في عماية. وبيان ذلك من جهة النظر، والنقل الشرعي العام. أما النظر فمن وجوه:\nأحدهما: أنه قد علم بالتجارب والخبرة السارية في العالم من أول الدنيا إلى اليوم\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٥٨٧، ٥٨٨.\n(^٢) جامع العلوم والحكم ٢/ ١٢٨.","vol":"1","page":303},{"text":"أن العقول غير مستقلة بمصالحها، استجلابًا لها، أو مفاسدها، استدفاعًا لها. لأنها دنيوية أو أخروية ... فالعقل غير مستقل البتة. ولا ينبني على غير أصل، وإنما ينبني على أصل متقدم مسلم على الإطلاق. ولا يمكن في أحوال الآخرة قبلهم أصل مسلم إلا من طريق الوحي ... فالابتداع مضاد لهذا الأصل، لأنه ليس مستند شرعي بالفرض، فلا يبقى إلا ما ادعوه من العقل.\nفالمبتدع ليس على ثقة من بدعته أن ينال بسبب العمل بها، ما رام تحصيله من جهتها، فصارت كالعبث.\nوالثاني: أن الشريعة جاءت كاملة لا تحتمل الزيادة ولا النقصان، لأن الله تعالى قال فيها ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ .. فإذا كان كذلك، فالمبتدع إنما محصول قوله بلسان حاله أو مقاله:\nإن الشريعة لم تتم، وأنه بقى منها أشياء يجب أو يستحب استدراكها، لأنه لو كان معتقدًا لكمالها وتمامها من كل وجه، لم يبتدع ولا استدرك عليها. وقائل هذا ضال عن الصراط المستقيم.\nقال ابن الماجشون: سمعت مالكًا يقول: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا -ﷺ- خان الرسالة، لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فما لم يكن يومئذ دينًا، فلا يكون اليوم دينًا.\nوالثالث: أن المبتدع معاند للشرع ومشاقٌ له، لأن الشارع قد عين لمطالب العبد طرقًا خاصة على وجوه خاصة، وقصر الخلق عليها بالأمر والنهى والوعد والوعيد والخير أن الخير فيها، وأن الشر في تعديها إلى غير ذلك، لأن الله يعلم ونحن لا نعلم، وأنه إنما أرسل الرسول -ﷺ- رحمة للعالمين. فالمبتدع راد لهذا كله، فإنه يزعم أن ثم طرقا أخر، ليس ما حصره الشارع بمحصور، ولا ما عينه بمتعين،","vol":"1","page":304},{"text":"كأن الشارع يعلم، ونحن أيضًا نعلم بل ربما يفهم من استدراكه الطرق على الشارع، أنه علم ما لم يعلمه الشارع.\nوهذا إن كان مقصودًا للمبتدع فهو كفر بالشريعة والشارع، وإن كان غير مقصود، فهو ضلال مبين.\nوإلى هذا المعنى أشار عمر بن عبد العزيز -﵁-، إذ كتب له عدى ابن أرطاة يستشره في بعض القدرية، فكتب إليه:\nأما بعد: فإني أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره واتباع سنة نبيه -ﷺ-، وترك ما أحدث المحدثون فيما قد جرت سنته وكفوا مؤنته فعليك بلزوم السنة، فإن السنة إنما سنها من قد عرف ما في خلافها من الخطإ والزلل والحمق والتعمق، فارضَ لنفسك بما رضى به القوم لأنفسهم، فإنهم على علم وقفوا، وببصر نافذ، قد كفوا وهم كانوا على كشف الأمور أقوى، وبفضل كانوا فيه أحرى. فلئن قلتم: أمر حدث بعدهم، ما أحدثه بعدهم إلا من اتبع غير سننهم، ورغب بنفسه عنهم، إنهم لهم السابقون، فقد تكلموا منه بما يكفي، ووصفوا منه ما يشفى، فما دونهم مقصر، وما فوقهم محسن، ولقد قصر عنهم آخرون فقلوا وأنهم بين لك لعلى هدى مستقيم.\nوالرابع: أن المبتدع قد نزل نفسه منزلة المضاهي للشارع، لأن الشارع وضع الشرائع وألزم الخلق الجرى على سننها، وصار هو المنفرد بذلك، لأنه حكم بين الخلق فيما كانوا فيه يختلفون. وإلا فلو كان التشريع من مدركات الخلق لم تنزل الشرائع، ولم يبق الخلاف بين الناس. ولا احتيج إلى بعث الرسل ﵈.\nوهذا الذي ابتدع في دين الله قد صير نفسه نظيرًا ومضاهيًا حيث شرع مع الشارع، وفتح للاختلاف بابًا؛ ورد قصد الشارع في الانفراد بالتشريع وكفى بذلك.\nوالخامس: أنه اتباع للهوى لأن العقل إذا لم يكن متبعًا للشرع لم يبق له إلا","vol":"1","page":305},{"text":"الهوى والشهوة؛ وأنت تعلم ما في اتباع الهوى وأنه ضلال مبين\" (^١).\nوقال الشيخ ابن عثيمين: \"فاعلم أن كل من ابتدع شريعة في دين الله ولو بقصد حسن فإن بدعته هذه مع كونها ضلالة تعتبر طعنًا في دين الله ﷿، تعتبر تكذيبًا لله تعالى في قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. لأن هذا المبتدع الذي ابتدع شريعة في دين الله تعالى وليست في دين الله تعالى كأنه يقول -بلسان الحال-: إن الدين لم يكمل لأنه قد بقي عليه هذه الشريعة التي ابتدعها يتقرب بها إلى الله ﷿\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>٤ - تاريخ ظهور البدع:</span>\nقال ابن حجر ﵀: \"وَثَبَتَ عَنْ مَالِك أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي عَهْد النَّبِيّ -ﷺ- وَأَبي بَكْر وَعُمَر شَيْء مِنْ الأَهْوَاء -يَعْنِي بِدَع الْخَوَارِج وَالرَّوَافِض وَالْقَدَرِيًّة-\" (^٣).\nقال شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية ﵀: \"وأول بدعة حدثت في الإسلام بدعة الخوارج والشيعة حدثتا في أثناء خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فعاقب الطائفتين أما الخوارج فقاتلوه فقتلهم وأما الشيعة فحرق غاليتهم بالنار وطلب قتل عبد الله بن سبأ فهرب منه وأمر بجلد من يفضله على أبي بكر وعمر وروى عنه من وجوه كثيرة أنه قال خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ورواه عنه البخاري في صحيحه\" (^٤).\nوهذا من حيث ظهور البدْعَة وانتشارها وأما المقالة فقد حَدَثَتْ فِي زَمَن النَّبِيّ -ﷺ-. قال ابن القيم: \"وَاَلَّذِي صَحَّ عَنْ النَّبِيّ -ﷺ- مِنْ طَوَائِف أَهْل الْبِدَع: مِنْهُمْ الْخَوَارِج فَإِنَّهُ قَدْ ثبَتَ فِيهِمْ الْحَدِيث مِنْ وُجُوه كُلّهَا صِحَاح. لأَنَّ مَقَالَتهمْ حَدَثَتْ\n_________\n(^١) الاعتصام للشاطبي ١/ ٤٦ - ٥٣ باختصار.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٥/ ٢٤٦.\n(^٣) فتح الباري ١٣/ ٢٥٣، وانظر ٥/ ٢٥٣.\n(^٤) مجموع الفتاوى ٣/ ٢٧٩.","vol":"1","page":306},{"text":"فِي زَمَن النَّبِيّ -ﷺ-. وَكَلِمَة رَئِيسهمْ. وَأَمَّا الإِرْجَاء، وَالرَّفْض، وَالْقَدَر، وَالتَّجَهُّم، وَالْحُلُول وَغَيْرهَا مِنْ الْبِدَع فَإِنَّهَا حَدَثَتْ بَعْد اِنْقِرَاض عَصْر الصَّحَابَة. وَبِدْعَة الْقَدَر: أَدْرَكَتْ آخِر عَصْر الصَّحَابَة فَأَنْكَرَهَا مَنْ كَانَ مِنْهُمْ حَيًّا، كَعَبْدِ الله بْن عُمَر، وَابْن عَبَّاس، وَأَمْثَالهمَا. أَكْثَر مَا يَجِيء مِنْ ذِمَّتهمْ فَإِنَّمَا هُوَ مَوْقُوف عَلَى الصَّحَابَة: مِنْ قَوْلهمْ فِيهِ. ثُمَّ حَدَثَتْ بِدْعَة الإرْجَاء بَعْد اِنْقِرَاض عَصْر الصَّحَابَة فَتَكَلَّمَ فِيهَا كِبَار التَّابِعِينَ الَّذِينَ أَدْرَكُوهَا كَمَا حَكَيْنَاهُ عَنْهُمْ ثُمَّ حَدَثَتْ بِدْعَة التَّجَهُّم بَعْد اِنْقِرَاض عَصْر التَّابِعِينَ. وَاسْتَفْحَلَ أَمْرهَا، وَاسْتَطَارَ شَرّهَا فِي زَمَن الأَئِمَّة، كَالإِمَامِ أَحْمَد. ثُمَّ حَدَثَتْ بَعْد ذَلِكَ بِدْعَة الْحُلُول، وَظَهَرَ أَمْرهَا فِي زَمَن الْحُسَيْن الْحَلَّاج. وَكُلَّمَا أَظْهَرَ الشَّيْطَان بِدْعَة مِنْ هَذِهِ الْبدَع وَغَيْرهَا: أَقَامَ الله لَهَا مِنْ حِزْبه وَجُنْده مَنْ يَرُدّهَا، وَيُحَذِّر الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا، نَصِيحَة للهِ وَلكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ، وَلأَهْلِ الإِسْلَام. وَجَعَلَهُ مِيرَاثًا يُعْرَف بِهِ حِزْب رَسُول الله -ﷺ- وَوَلِيّ سُنَنه، مِنْ حِزْب الْبِدْعَة وَنَاصِرهَا. وَقَدْ جَاءَ فِي أَثَر لَا يَحْضُرنِي إِسْنَاده \"إِنَّ لله عِنْد كُلّ بدْعَة يُكَاد بِهَا الإِسْلَام وَلِيًّا يَنْطِق بِعَلَامَاتِهِ\". فَاغْتَنِمُوا تِلْكَ الْمَجَالِس، وَتَوَكَّلُوا عَلَى الله. فَإِنَّ الرَّحْمَة تَنْزِل عَلَيْهِمْ. نَسْأَل الله تَعَالَى أَنْ يَجْعَلنَا مِنْهُمْ، وَأَنْ يُلْحِقنَا بِهِمْ، وَأَنْ يَجْعَلنَا لَهُمْ خَلَفًا، كَمَا جَعَلَهُمْ لَنَا سَلَفًا بِمَنِّهِ وَكَرَمه\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>٥ - أسباب ظهور البدع:</span>\nقال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله: \"الأسباب التي أدت إلى ظهور البدع:\n١ - الجهل بأحكام الدين: كلما امتد الزمن وبعد الناس عن آثار الرسالة قلَّ العلم وفشى الجهل كما أخبر بذلك النبي -ﷺ- بقوله: \"من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا\" (^٢). وقوله: \"إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد ولكن\n_________\n(^١) عون المعبود مع شرح الحافظ ابن القيم ١٢/ ٤٥٦.\n(^٢) مسند الإمام أحمد ٤/ ١٢٦ وأبو داود (٤٦٠٧) والترمذي (٢٦٧٦) وابن ماجه (٤٢) وصحيح","vol":"1","page":307},{"text":"يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يُبقِ عالمًا اتخذ الناس رؤساء جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا\" (^١). فلا يقاوم البدع إلا العلم والعلماء فإذا فقدا العلم والعلماء أتيحت الفرصة للبدع أن تظهر وتنتشر ولأهلها أن ينشطوا.\n٢ - اتباع الهوى: من أعرض عن الكتاب والسنة اتبع هواه كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠]. وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٢٣] والبدع إنما هي نسيج الهوى المتبع.\n٣ - التعصب للآراء والرجال يحول بين المرء واتباع الدليل ومعرفة الحق، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة: ١٧٠] وهذا هو شأن المتعصبين اليوم من بعض أتباع المذاهب والصوفية والقبوريين إذا دعوا إلى اتباع الكتاب والسنة ونبذ ما هم عليه مما يخالفهما احتجوا بمذاهبهم ومشايخهم وآبائهم وأجدادهم.\n٤ - التشبه بالكفار: هو من أشد ما يوقع في البدع\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>٦ - حكم البدعة في الدين بجميع أنواعها:</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"ثم قالوا لا يقبل قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة وهي الشريعة وهي ما أمر الله به ورسوله -ﷺ-؛ لأن القول والعمل والنية الذي لا يكون مسنونًا مشروعًا قد أمر الله به يكون بدعة وكل بدعة ضلالة ليس مما\n_________\n= الجامع (٢٥٤٦).\n(^١) البخاري (١٠٠) ومسلم (٢٦٧٣).\n(^٢) محاضرات في العقيدة والدعوة ١/ ١١٢ - ١١٤.","vol":"1","page":308},{"text":"يحبه الله فلا يقبله الله ولا يصلح مثل أعمال المشركين وأهل الكتاب\" (^١).\nوقال الشيخ صالح الفوزان: \"كل بدعة في الدين فهي محرمة وضلالة لقوله -ﷺ-: \"وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة\" (^٢)، وقوله -ﷺ-: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\" (^٣) وفي رواية: \"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد\" (^٤) فدل الحديث على أن كل محدث في الدين فهو بدعة، وكل بدعة ضلالة مردودة. ومعنى ذلك أن البدع في العبادات والاعتقادات محرمة، ولكن التحريم يتفاوت بحسب نوعية البدعة.\nفمنها ما هو كفر صراح: كالطواف بالقبور تقربًا إلى أصحابها وتقديم الذبائح والنذور لها ودعاء أصحابها والاستغاثة بهم. وكمقالات غلاة الجهمية والمعتزلة.\nومنها ما هو من وسائل الشرك: كالبناء على القبور والصلاة والدعاء عندها.\nومنها ما هو فسق اعتقادي: كبدعة الخوارج والقدرية والمرجئة في أقوالهم واعتقاداتهم المخالفة للأدلة الشرعية.\nومنها ما هو معصية: كبدعة التبتل والصيام قائمًا في الشمس. والخصاء بقصد قطع شهوة الجماع\" (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>٧ - أثر البدع على التوحيد:</span>\nبَيَّنَ الله ﷾ أن الشيطان هو عدو بني آدم وحذر منه فقال ﷿: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ فعلى العبد أن يتخذه عدوا ويحترز منه ولا يتبع خطواته فإن له\n_________\n(^١) الاستقامة ٢/ ٣١٠.\n(^٢) مسند الإمام أحمد ٤/ ١٢٦ وأبو داود (٤٦٠٧) والترمذي (٢٦٧٦) وابن ماجه (٤٢) وصحيح الجامع (٢٥٤٦).\n(^٣) البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨).\n(^٤) مسلم (١٧١٨) (١٨).\n(^٥) محاضرات في العقيدة والدعوة ١/ ١٠٧.","vol":"1","page":309},{"text":"مع الناس عقبات وخطوات ومن عقباته بعد الكفر بالله وبدينه عقبة البدعة إما باعتقاد خلاف الحق الذي أرسل الله به رسوله وأنزل به كتابه وإما بالتعبد بما لم يأذن به الله وقد انخدع به كثير من الناس فوقعوا في البدع التي حذر الله ورسوله منها فمن ذلك رفع القبور والبناء عليها وإيقاد السرج والشموع عِنْدَها. وشد الرحال إليها ومن ذلك التبرك بالصالحين وتتبع آثارهم والتوسل بالذوات أو بالجاه ومن ذلك إحداث أعياد لم تكن معروفة في عهد السلف الصالح ومن ذلك الصلاة لله عند القبر، والذبح لله عند القبر.\nوالأمور المبتدعة عند القبور مراتب ودركات أشنعها سؤال الميت، والاستغاثة به والسجود له ومن البدع التمسح به وتعظيمه واتخاذه مسجدا وعيدا وإكرامه بما نهى عنه الشرع من إيقاد النيران وتقبيلها وتخليقها. وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرِّقاع فيها وأخذ تربتها تبركا والكتابة على القبر، وإفاضة الطيب عليها، وإلقاء الخرق على الشجر، اقتداء بمن عبد اللات والعزى وهذه حال من اتبع سبل الشيطان في تحسين المعاصي والبدع. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وفيهم من ينظم القصائد فى دعاء الميت والاستشفاع به والاستغاثة أو يذكر ذلك فى ضمن مديح الأنبياء والصالحين فهذا كله ليس بمشروع ولا واجب ولا مستحب باتفاق أئمة المسلمين ومن تعبد بعبادة ليست واجبة ولا مستحبة وهو يعتقدها واجبة أو مستحبة فهو ضال مبتدع بدعة سيئة لا بدعة حسنة باتفاق أئمة الدين فإن الله لا يعبد إلا بما هو واجب أو مستحب وكثير من الناس يذكرون فى هذه الأنواع من الشرك منافع ومصالح ويحتجون عليها بحجج من جهة الرأى أو الذوق أو من جهة التقليد والمنامات ونحو ذلك\" (^١).\nوكما أثرت البدع على التوحيد فقد أثرت في السنة فعَنْ غُضَيْفِ بْنِ الْحَارِثِ\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١/ ١٦٠.","vol":"1","page":310},{"text":"الثُّمَالِيِّ قَالَ: بَعَثَ إِلَيَّ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ فَقَالَ: يَا أَبَا أَسْمَاءَ، إِنَّا قَدْ أَجْمَعْنَا النَّاسَ عَلَى أَمْرَيْنِ. قَالَ: وَمَا هُمَا؟ قَالَ: رَفْعُ الأَيْدِي عَلَى الْمَنَابِرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالْقَصَصُ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ. فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُمَا أَمْثَلُ بِدْعَتِكُمْ عِنْدِي وَلَسْتُ مُجِيبَكَ إِلَى شَيْءٍ مِنْهُمَا قَالَ لِمَ قَالَ لأَنَّ النَّبيَّ -ﷺ- قَالَ: \"مَا أَحْدَثَ قَوْمٌ بدْعَةً إِلَّا رُفِعَ مِثْلُهَا مِنْ السُّنَّةِ\" فَتَمَسُّكٌ بسُنَّةٍ خَيْرٌ مِنْ إِحْدَاثِ بِدْعَةٍ\" (^١).\nوعن حسان بن عطية قال: \"ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها ثم لا يعيدها عليهم إلى يوم القيامة\" (^٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فلا تجد قط مبتدعًا إلا وهو يحب كتمان النصوص التي تخالفه ويبغضها ويبغض إظهارها وروايتها والتحدث بها ويبغض من يفعل ذلك، كما قال بعض السلف: ما ابتدع أحد بدعة إلا نزعت حلاوة الحديث من قلبه\" (^٣).\nوقال ابن عثيمين ﵀: \"إنك لتجد الكثير من هؤلاء الحريصين على البدع يكون فاترًا في تنفيذ أمور ثبتت شرعيتها وثبتت سنيتها، فإذا فرغوا من هذه البدع قابلوا السنن الثابتة بالفتور، وهذا كله من نتيجة أضرار البدع على القلوب فالبدع أضرارها على القلوب عظيمة، وأخطارها على الدين جسيمة، فما ابتدع قوم في دين الله بدعة إلا أضاعوا من السنة مثلها أو أشد، كما ذكر ذلك بعض أهل العلم من السلف.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد في المسند (١٧٠٩٥) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ١٨٨: (وفيه أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم وهو منكر الحديث) وجوّد الحافظ حديثه هذا في الفتح ١٣/ ٢٥٣. قال ابن رجب: \"وقد رُوي عن ابن عمر من قوله نحو هذا\" جامع العلوم والحكم ٢/ ١٢٨.\n(^٢) شرح أصول الاعتقاد (١٢٩) ١/ ١٠٤.\n(^٣) درء التعارض ١/ ٢٢١.","vol":"1","page":311},{"text":"لكن الإنسان إذا شعر أنه تابع لا مشرع حصل له بذلك كمال الخشية والخضوع، والذل، والعبادة لرب العالمين، وكمال الاتباع لإمام المتقين وسيد المرسلين ورسول رب العالمين محمد -ﷺ-\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>٨ - وللعلماء كلام في قبول توبة المبتدع:</span>\nفمنهم من قال: يمكن أن يتوب ويستشهد له بما روى أحمد عن عبد الله بن شداد \"أن عليًا -﵁- لما اعتزله الحرورية بعث إليهم عبد الله بن عباس فواضعوه كتاب الله ثلاثة أيام، فرجع منهم أربعة آلاف\" (^٢).\nمع أن الخوارج ورد فيهم من الأحاديث ما لم يرد في غيرهم من الفرق، فهم كلاب النار، وهم الذين يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ... (^٣).\nوكذلك توبة أبي الحسن الأشعري مع براعته في معرفة الاعتزال (^٤).\nوالقول بصحة توبة المبتدع سواء كان داعية أو غير داعية هو قول أكثر أهل العلم (^٥).\nومنهم من قال: من كان عالمًا لا مقلدًا فلا يتوب؛ لأنه زاغ فأزاغ الله قلبه، وأما إذا كان مقلدًا أو عاميًا فيمكن أن يتوب كما رجع بعض الخوارج (^٦).\nومنهم من قال بأن صاحب البدعة ليست له توبة.\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٥/ ٢٥٥.\n(^٢) مسند الإمام أحمد ١/ ٨٦ - ٨٧.\n(^٣) انظر: حقيقة البدعة وأحكامها لسعيد الغامدي ٢/ ٣٩٩.\n(^٤) انظر: سير أعلام النبلاء ١٥/ ٨٦.\n(^٥) انظر: مجموع الفتاوى ١٦/ ٢٥، الآداب الشرعية لابن مفلح ١/ ١١٠، موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع ١/ ٣٣٠.\n(^٦) انظر: الرد على الجهمية لأبي سعيد الدارمي ١١٤، مجموع الفتاوى لابن تيمية ١٨/ ١٨٦، حقيقة البدعة وأحكامها لسعيد الغامدي ٢/ ٤٠٣.","vol":"1","page":312},{"text":"قال ابن عمر في القدرية: \"لو أنفقوا ما في الأرض ذهبًا ما تقبل منهم حتى يؤمنوا بالقدر\" (^١).\nوقال الحسن البصري: \"إن صاحب البدعة لا يقبل له صوم ولا صلاة ولا حج ولا عمرة ولا صدقة ولا جهاد ولا صرف ولا عدل\" (^٢).\nوفي بدائع الفوائد: \"من خط القاضي أبي يعلى: قال أبو الفرج الهمداني سمعت المروزي يقول: سئل أحمد عما ورد عن النبي -ﷺ- أن الله احتجز التوبة عن صاحب بدعة وحجب التوبة إيش معناه؟ فقال أحمد: لا يوفق ولا يُيسر حب بدعة لتوبة، وقال النبي -ﷺ- لعائشة لما قرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ فقال النبي -ﷺ-: \"هم أهل الأهواء والبدع ليست لهم توبة\"\" (^٣).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"ولهذا قال أئمة المسلمين كسفيان الثوري أن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن البدعة لا يتاب منها والمعصية يتاب منها، ومعنى قولهم \"أن البدعة لا يتاب منها\": أن المبتدع الذي يتخذ دينًا لم يشرعه الله ورسوله قد زين له سوء عمله فرآه حسنًا فهو لا يتوب ما دام يراه حسنًا؛ لأن أول التوبة العلم بأن فعله سيء ليتوب منه أو أنه ترك حسنًا مأمورًا به أمر إيجاب أو أمر استحباب ليتوب ويفعله فما دام يرى فعله حسنًا وهو سيء في نفس الأمر فإنه لا يتوب ولكن التوبة ممكنة وواقعة بأن يهديه الله ويرشده حتى يتبين له الحق كما هدى ﷾ من هدى من الكفار والمنافقين وطوائف أهل البدع والضلال وهذا يكون بأن يتبع من الحق ما علمه ... \" (^٤).\n_________\n(^١) السنة لعبد الله بن الإمام أحمد ٢/ ٤١٢، الشريعة للآجري ص ٢٠٥.\n(^٢) الشريعة للآجري ص ٦٤.\n(^٣) بدائع الفوائد ٤/ ٤٨.\n(^٤) مجموع الفتاوى ١٠/ ٩، التحفة العراقية ١/ ٣٨.","vol":"1","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-246>٩ - موقف أهل السنة والجماعة من المبتدعة:</span>\nلقد كان أئمة السلف حريصين كل الحرص على مواجهة البدعة والرد على المبتدعة والتحذير من البدع عموما ويحصل ذلك إما بالمناصحة أو الإنكار أو ببيان حاله والتحذير منه والرد عليه أو يكون بالهجر فإن أصر على بدعته ودعا إليها لإضلال الناس فإن أكثر السلف يأمرون بردعه وإنزال العقوبة به لأجل إفساده في الدين وإليك بيان ذلك بنقول عنهم:\nعن أيوب قال: \"لقيني سعيد بن جبير فقال: ألم أرك مع طلق؟ قلت: بلى فما له؟ قال: لا تجالسه فإنه مرجيء. قال أيوب: وما شاورته في ذلك، ولكن يحق للرجل المسلم إذا رأى من أخيه شيئًا يكرهه أن ينصحه\" (^١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فمن أظهر المنكر وجب عليه الإنكار وان يهجر وبذم على ذلك فهذا معنى قولهم ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له بخلاف من كان مستترًا بذنبه مستخفيًا فان هذا يستر عليه، لكن ينصح سرًا ويهجره من عرف حاله حتى يتوب ويذكر أمره على وجه النصيحة\" (^٢).\nوقال ﵀: \" ... وقال بعضهم لأحمد بن حنبل إنه يثقل علي أن أقول فلان كذا وفلان كذا. فقال: إذا سكتَ أنت وسكتُ أنا فمتى يعرف الجاهل الصحيح من السقيم؟\nومثل ذلك أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلى ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في\n_________\n(^١) البدع لمحمد بن وضاح ص ٥٢.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٢٢٠.","vol":"1","page":314},{"text":"أهل البدع فإنما هو للمسلمين، هذا أفضل.\nفبَيَّنَ أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل الله، إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين، وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب، فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعًا، وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداءً ... وأعداء الدين نوعان: الكفار والمنافقون، وقد أمر الله نبيه بجهاد الطائفتين في قوله: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ في آيتين من القرآن، فإذا كان أقوام منافقون يبتدعون بدعًا تخالف الكتاب ويلبسونها على الناس ولم تُبيَّن للناس فسد أمرُ الكتاب وبُدِّل الدين كما فسد دين أهل الكتاب قبلنا بما وقع فيه من التبديل الذي لم ينكر على أهله\" (^١).\nومما جاء عن الأئمة في تعليقه على الداعي إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة:\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \" ... وهذا لأن المقصود بإرسال الرسل وإنزال الكتب هو إقامة القسط كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾ وإذا كان الأمر كذلك فعقوبة الدنيا غير مستلزمة لعقوبة الآخرة ولا بالعكس ولهذا أكثر السلف يأمرون بقتل الداعي إلى البدعة الذي يضل الناس لأجل إفساده في الدين سواء قالوا هو كافر أو ليس بكافر ... \" (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٢٣١ - ٢٣٢، وانظر للاستزادة حول ذلك محاضرات في العقيدة والدعوة ١/ ١٧ للشيخ صالح الفوزان.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٢/ ٥٠٠.","vol":"1","page":315},{"text":"وقال ﵀: \"والداعي إلى البدعة مستحق العقوبة باتفاق المسلمين، وعقوبته تكون تارة بالقتل وتارة بما دونه كما قتل السلف جهم بن صفوان والجعد بن درهم وغيلان القدري وغيرهم، ولو قدر أنه لا يستحق العقوبة أو لا يمكن عقوبته فلا بد من بيان بدعته والتحذير منها فإن هذا من جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أمر الله به ورسوله\" (^١).\nوقال أيضًا: \"وكذلك المبتدع الذي خرج عن بعض شريعة رسول الله وسنته واستحل دماء المسلمين المتمسكين بسنه رسول الله -ﷺ- وشريعته وأموالهم هو أولى بالمحاربة من الفاسق وإن اتخذ ذلك دينًا يتقرب به إلى الله كما أن اليهود والنصارى تتخذ محاربة المسلمين دينًا تتقرب به إلى الله؛ ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أن هذه البدع المغلظة شر من الذنوب التي يعتقد أصحابها أنها ذنوب وبذلك مضت سنة رسول الله -ﷺ-؛ حيث أمر بقتال الخوارج عن السنة وأمر بالصبر على جور الأئمة وظلمهم والصلاة خلفهم مع ذنوبهم وشهد لبعض المصرّين من أصحابه على بعض الذنوب أنه يحب الله ورسوله ونهى عن لعنته وأخبر عن ذي الخويصرة وأصحابه مع عبادتهم وورعهم أنهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية\" (^٢).\nوقال: \"وأما الواحد المقدور عليه من الخوارج والرافضة فقد روى عنهما أعني عمر وعلي قتلهما أيضًا والفقهاء، وإن تنازعوا في قتل الواحد المقدور عليه من هؤلاء فلم يتنازعوا في وجوب قتالهم إذا كانوا ممتنعين، فإن القتال أوسع من القتل كما يقاتل الصائلون العداة والمعتدون البغاة وإن كان أحدهم إذا قُدر عليه لم يعاقب إلا بما أمر الله ورسوله به، وهذه النصوص المتواترة عن النبي -ﷺ- في\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٣٥/ ٤١٣ - ٤١٥.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٤٧٠، ٤٧١.","vol":"1","page":316},{"text":"الخوارج قد أدخل فيها العلماء لفظًا أو معنى من كان في معناهم من أهل الأهواء الخارجين عن شريعة رسول الله -ﷺ- وجماعة المسلمين؛ بل بعض هؤلاء شر من الخوارج الحرورية مثل الخرمية والقرامطة والنصيرية وكل من اعتقد في بشر أنه إله أو في غير الأنبياء أنه نبي وقاتل على ذلك المسلمين فهو شر من الخوارج الحرورية، والنبي إنما ذكر الخوارج الحرورية لأنهم أول صنف من أهل البدع خرجوا بعده بل أولهم خرج في حياته فذكرهم لقربهم من زمانه\" (^١).\nوقال: \"وجوَّز طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما قتل الداعية إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة وكذلك كثير من أصحاب مالك وقالوا إنما جوز مالك وغيره قتل القدرية لأجل الفساد في الأرض لا لأجل الردة\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>١٠ - وقد كان أئمة السلف ينهون عن مجالسة أهل البدع أو سماع كلامهم:</span>\nقال محمد بن طلحة: \"قال إبراهيم: لا تجالسوا أصحاب البدع ولا تكلموهم فإني أخاف أن ترتد قلوبكم\" (^٣).\nوعن محمد بن مسلم قال: \"أوحى الله تعالى إلى موسى بن عمران لا تجالس أصحاب الأهواء فتسمع منهم كلمة فترديك فتضلك فتدخلك النار\" (^٤).\nوعن محمد بن عجلان قال قال ابن مسعود: \"من أحب أن يكرم دينه فليعتزل مخالطة السلطان ومجالسة أصحاب الأهواء فإن مجالستهم الصق من الجرب\" (^٥).\nوعن الحسن البصري قال: \"لا تجالس صاحب هوى فيقذف في قلبك ما تتبعه\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٤٧٥ - ٤٧٧.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٣٤٦.\n(^٣) البدع لمحمد بن وضاح ص ٤٩.\n(^٤) البدع لمحمد بن وضاح ص ٤٩.\n(^٥) البدع لمحمد بن وضاح ص ٤٩، ٥٠.","vol":"1","page":317},{"text":"عليه فتهلك أو تخالفه فيمرض قلبك\" (^١).\nوقال الأوزاعي: \"لا تمكّنوا صاحب بدعة من جدل فيورث قلوبكم من فتنته ارتيابًا\" (^٢). وسوف يأتي زيادة تفصيل عن هجر أهل البدع في باب (الهجر).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-248>١١ - حكم تكفير الداعي إلى البدعة المكفرة:</span>\nقال المجد ﵀: \"الصحيح: أن كل بدعة كفرنا فيها الداعية، فإنا نفسق المقلد فيها، كمن يقول بخلق القرآن، أو علم الله سبحانه مخلوق، أو أسماءه مخلوقة، أو أنه لا يرى في الآخرة، أو يسب الصحابة، أو أن الإيمان مجرد الاعتقاد ونحو ذلك، فمن كان عالما في شيء من هذه البدع، يدعو إليه، ويناظر عليه، فهو محكوم بكفره، نص أحمد على ذلك في مواضع\" (^٣).\nوقال الشيخ أبا بطين: \"مع أن قول الشيخ (^٤) ﵀ في عدم تكفير الجهمية ونحوهم، خلاف المشهور في المذهب، فإن الصحيح من المذهب: تكفير المجتهد الداعي إلى القول بخلق القرآن، ونفي الرؤية ونحو ذلك\" (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>٦٣ - البروج</span>\nانظر باب: \"التنجيم\".\n_________\n(^١) البدع لمحمد بن وضاح ص ٤٩، ٥٠.\n(^٢) البدع لمحمد بن وضاح ص ٥٣.\n(^٣) نقلا عن الدرر السنية ١٠/ ٣٥٦.\n(^٤) يعني ابن تيمية.\n(^٥) الدرر السنية ١٠/ ٣٥٦.","vol":"1","page":318},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-250>٦٤ - البعث </span>*\nقال في النهاية: \"في أسماء الله تعالى \"الباعث\" هو الذي يبعث الخلق أي يحييهم بعد الموت يوم القيامة\" (^١). والبعث هو إحياء الخلق للجزاء يوم القيامة.\n* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧]، وقال سبحانه: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الجاثية: ٢٦].\n* الدليل من السنة: حديث أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- لما سئل الإيمان قال: \"أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتابه، ولقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث، وتؤمن بالقدر كله\" (^٢).\nقال القاضي عياض: \"وكذلك من أنكر الجنة أو النار أو البعث أو الحساب أو القيامة فهو كافر بإجماع للنص عليه وإجماع الأمة على صحة نقله متواترًا، وكذلك من اعترف بذلك ولكنه قال: إن المراد بالجنة والنار والحشر والنشر والثواب والعقاب معنى غير ظاهره، وأنها لذات روحانية ومعان باطنة، كقول النصارى والفلاسفة والباطنية وبعض المتصوفة وزعم أن معنى القيامة الموت أو فناء محض وانتقاض هيئة الأفلاك وتحليل العالم كقول بعض الفلاسفة\" (^٣).\nويقول البهوتي ﵀: \"وإذا جحد البعث كفر لتكذيبه للكتاب والسنة وإجماع الأمة\" (^٤).\n_________\n* انظر مراجع الإيمان باليوم الآخر. وانظر أيضًا زاد المعاد ٣/ ٢٣٠، الفوائد لابن القيم ص ٦، ٧، مغني المحتاج ٤/ ١٣٥، الصواعق المرسلة ٤/ ١٣٥٦، شرح العقيدة الطحاوية ٢/ ٨٩، القواعد الحسان للسعدي ٢٤، ٢٥.\n(^١) النهاية (ب ع ث).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥) ومسلم (١٠) واللفظ له وفي رواية: \"أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتابه ولقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث الآخر\".\n(^٣) الشفاء ٢/ ٢٩٠.\n(^٤) كشاف القناع ٦/ ١٣٦.","vol":"1","page":319},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-251>٦٥ - بغض وكراهية ما جاء به الرسول -ﷺ</span>- *\nالبغض والكراهية ضد المحبةِ، والمحبةُ شرط من شروط لا إله إلا الله. قال الإمام تقي الدين ابن تيمية: \"وأصل كل فعل وحركة في العالم من الحب والإرادة فهو أصل كل فعل ومبدؤه، كما أن البغض والكراهة مانع وصاد لكل ما انعقد بسببه ومادته، فهو أصل كل ترك\" (^١).\nوالمراد الكره الاعتقادي، وإذا انتفت المحبة محبة الله ورسوله ومحبة أوامره والرضا بها وحل محلها البغض والكراهة في القلب فهذه صفات من كفر بالله ﷿ فلا يبقى مع تلك الكراهة عملٌ لأن كُرهَ ما أنزلَ اللهُ يحبطُ الأعمالَ.\nقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نواقض الإسلام: \"الخامس: من أبغض شيئًا مما جاء به الرسول -ﷺ- ولو عمل به كفر\" (^٢).\nوقد ذكره ابن تيمية ضمن أقسام النفاق الأكبر المخرج من الملة فقال: \"فمن النفاق ما هو أكبر، يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار، كنفاق عبد الله ابن أبي وغيره بأن يظهر تكذيب الرسول، أو جحود بعض ما جاء به، أو بغضه، أو عدم اعتقاد وجوب اتباعه، أو المسرة بانخفاض دينه، أو المساءة بظهور دينه، ونحو ذلك، مما لا يكون صاحبه إلا عدوًا لله ورسوله\" (^٣).\nوعدَّه في أنواعه الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فقال: \" ... فأما النفاق الاعتقادي فهو\n_________\n* * الدرر السنية ٢/ ٣٦١، ١٠/ ١٢٢، مجموعة التوحيد ١/ ١٠، ورسالة نواقض الإسلام للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وشروحها، الجامع الفريد ٢٧٧.\n(^١) قاعدة في المحبة ص ٧.\n(^٢) الدرر السنية ١٠/ ٩٢.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٤٣٤.","vol":"1","page":320},{"text":"ستة أنواع: تكذيب الرسول، أو تكذيب بعض ما جاء به الرسول، أو بغض الرسول أو بغض ما جاء به الرسول، أو المسرة بانخفاض دين الرسول، أو الكراهية بانتصار دين الرسول، فهذه الأنواع الستة صاحبها من أهل الدرك الأسفل من النار\" (^١).\n* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩)﴾ [محمد: ٩]، وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠)﴾ [المؤمنون: ٧٠] وقد وصف سبحانه المنافقين بقوله سبحانه: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: ٥٤] وقال تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٨١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>والبغض والكراهة ينافياق عمل القلب من وجهين:</span>\n١ - أنه ينافي شرط المحبة والتعظيم لله ﷿، ومحبة أوامره، وأوامر رسوله -ﷺ-.\n٢ - أن فيه تركًا للقبول والانقياد والتسليم. يقول ابن تيمية: \"إن العبد إذا فعل الذنب مع اعتقاد أن الله حرّمه عليه، واعتقاد انقياده لله فيما حرمه وأوجبه فهذا ليس بكافر، فأما إن اعتقد أن الله لم يحرّمه، أو أنه حرّمه لكن امتنع من قبول هذا التحريم وأبى أن يذعن لله وينقاد فهو إما جاحد أو معاند ... ثم إن هذا الامتناع والإباء إما لخلل في اعتقاد حكمة الآمر وقدرته يعود هذا إلى عدم التصديق بصفة من صفاته، وقد يكون مع العلم بجميع ما يصدق به تمردًا أو اتباعًا لغرض النفس وحقيقته كفر هذا؛ لأنه يعترف لله ورسوله بكل ما أخبر به، ويصدق بكل ما يصدق به المؤمنون لكنه يكره ذلك ويبغضه ويسخطه لعدم موافقته لمراده ومشتهاه\n_________\n(^١) مجموع التوحيد لشيخ الإسلام أحمد بن تيمية والشيخ محمد بن عبد الوهاب ١/ ١٠، وأقسام النفاق الأكبر دقيقة وخطيرة ولم أجد من تعرض له بمؤلف يجمع أحكامه.","vol":"1","page":321},{"text":"ويقول: أنا لا أقرّ بذلك ولا ألتزمه وأبغض هذا الحق وأنفر منه، فهذا نوع غير النوع الأول، وتكفير هذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام والقرآن مملوء من تكفير مثل هذا النوع\" (^١).\nوجاء في شرح الإقناع قوله: \"أو كان مبغضًا لما جاء به الرسول ولم يشرك بالله، لكن أبغض السؤال عنه ودعوة الناس إليه كما هو حال من يدّعي العلم ويقرر أنّه دين الله ورسوله ويبغضونه أكثر من بغض دين اليهود والنصارى، بل يعادون من التفت إليه، ويحلّون دمه وماله، ويرمونه عند الحكام ... والتكفير بالاتفاق فيمن أبغض النهي عنه (^٢)، وأبغض الأمر بمعاداة أهله ولو لم يتكلم وينصر، فكيف إذا فعل ما فعل\" (^٣).\nومما يدخل في ذلك ما يتفوه به بعض أهل زماننا من كراهية شرع الله في تعدد الزوجات وكراهية كون المرأة ليست بمنزلة الرجل في الميراث والدية والشهادة وكون القاتل يقتل والسارق تقطع يده فيبغضون أحكام الله ورسوله كما فعلَ المنافقون من قبل الذين ضاقت صدورهم وحرجت بشرع الله وبما جاء عن رسوله ﷺ وأبغضوا ما دلت عليه. وكذلك الذي يكره شرع الله في حجاب المرأة، أو اللحية. وليس له تأويل في ذلك إلا أن الرسول جاء به فإن كان له تأويل كأن يبغض شكلها لا شرع الله فيها فهذا شيء آخر وحكم آخر أما أحكام الله فلا تبغض ولا يكره شيء منها البتة (^٤)، بل ينبغي الحذر من الوقوع في ذلك، والرضى بالله وبما جاء به والاطمئنان إليه.\n_________\n(^١) الصارم المسلول ص ٥٢١، ٥٢٢، وانظر: مجموع الفتاوى ١٤/ ١٠٨، ٢٠/ ٩٧. وقاعدة في المحبة ص ١٩٣.\n(^٢) أي الشرك.\n(^٣) انظر كشاف القناع ٣/ ٦٢. وانظر مجموعة الشيخ محمد بن عبد الوهاب القسم الثالث ص ٦٢، ونواقض الإيمان الاعتقادية ٢/ ١٧٨.\n(^٤) أفاده شيخنا عبد الله بن جبرين -حفظه الله-.","vol":"1","page":322},{"text":"وقد تقرر أن من شروط (لا إله إلا الله) المحبة لما دلت عليه والسرور بذلك وانشراح الصدر، أما الكره والبغض فإنه ينافي المحبة والانقياد ولا يصح إيمان إلا بالانقياد لشرع الله والتسليم له كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-253> الفرق بين كره المشقة ونفور الطبع وبين الاعتقاد:</span>\nقال الراغب ﵀: \"الكره: المشقة التي تنال الإنسان من خارجٍ فيما يُحمَل عليه بإكراهٍ، والكُرهُ ما يناله من ذاته وهو يعافه، وذلك على ضربين:\nأحدهما: ما يعاف من حيث الطبع.\nالثاني: ما يعاف من حيث العقل أو الشرع.\nولهذا يصح أن يقول الإنسان في الشيء الواحد إني أريده وأكرهه بمعنى إني أريده من حيث الطبع وأكرهه من حيث الشرع، أو أريده من حيث العقل أو الشرع وأكرهه من حيث الطبع قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] أي تكرهونه من حيث الطبع\" (^١)، وقال الإمام البغوي ﵀: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ \"أي شاق عليكم، قال بعض أهل المعاني: هذا الكره من حيث نفور الطبع عنه لما فيه من مؤنة المال ومشقة النفس وخطر الروح، لا أنهم كرهوا أمر الله تعالى ... \" (^٢).\nوقال الإمام القرطبي ﵀: \"إنما كان الجهاد كرها لأن فيه إخراج المال، ومفارقة الوطن والأهل، والتعرض بالجسد للشجاج والجراح وقطع الأطراف وذهاب النفس، فكانت كراهيتهم لذلك، لا أنهم كرهوا فرض الله تعالى\" (^٣).\n_________\n(^١) المفردات (ك ر هـ).\n(^٢) تفسير البغوي ١/ ٢٤٦.\n(^٣) تفسير القرطبي ٣/ ٣٩.","vol":"1","page":323},{"text":"فالمراد بالبغض والكره ما يتعلق بالاعتقاد القلبي فيخرج بذلك كراهية المشقة الحاصلة، ولا يؤاخذ العبد بالوسواس الذي يلقيه الشيطان في القلوب وينفيه العبد بكراهيته.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-254> فائدة:</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فقد دل الكتاب والسنة على أن من في قلبه الكفر وبغض الرسول وبغض ما جاء به أنه كافر بالله ورسوله وقد عفى الله لهذه الأمة وهم المؤمنون حقًا الذين لم يرتابوا عما حدثت به أنفسها ما لا تتكلم به أو تعمل كما هو في الصحيحين من حديث أبي هريرة وابن عباس وروى عن النبي -ﷺ- أن الذي يهم بالحسنة تكتب له والذي يهم بالسيئة لا تكتب عليه حتى يعملها إذا كان مؤمنًا من عادته عمل الحسنات وترك السيئات فإن ترك السيئة لله كتب له حسنة فإذا أبدى العبد ما في نفسه من الشر بقول أو فعل صار من الأعمال التي يستحق عليها الذم والعقاب وإن أخفى ذلك وكان ما أخفاه متضمنا لترك الإيمان بالله والرسول مثل الشك فيما جاء به الرسول أو بغضه كان معاقبًا على ما أخفاه في نفسه من ذلك لأنه ترك الإيمان الذي لا نجاة ولا سعادة إلا به وأما إن كان وسواسًا والعبد يكرهه فهذا صريح الإيمان كما هو مصرح به في الصحيح، وهذه الوسوسة هي مما يهجم على القلب بغير اختيار الإنسان فإذا كرهه العبد ونفاه كانت كراهته صريح الإيمان وقد خاف من خاف من الصحابة من العقوبة على ذلك قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] \" (^١).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٤/ ١٠٨.","vol":"1","page":324},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-255>٦٦ - البناء على القبور </span>*\nوتسمى القبورُ المبنيةُ بالقبورِ المشرِفة أي: المرتفعة.\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"والإشراف له وجوه:\nالأول: أن يكون مشرفًا بكبر الأعلام التي توضع عليه، وتسمى عِنْدَ الناس \"نصائل\" أو \"نصائب\". ونصائب أصح لغة من نصائل.\nالثاني: أن يبني عليه وهذا من كبائر الذنوب؛ لأن النبي -ﷺ-: \"لعن المتخذين عليها المساجد والسرج\".\nالثالث: أن تُشرف بالتلوين، وذلك بأن يوضع على أعلامها ألوان مزخرفة\nالرابع: أن يرفع تراب القبر عمّا حوله فيكون بيِّنًا ظاهرًا.\n_________\n* شَرحُ السُنَّةِ للبَغوي ٥/ ٤٠٣ - ٤٠٥. أحكام القرآن للقرطبي ١٠/ ٣٨٠. المغني لابن قدامة ٢/ ٥٠٧ والمجموع للنووي ٥/ ٢٩٦. المحلى بالآثار لابن حزم ٣/ ٣٥٦. اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٧٧، ٣٤٢ - ٢/ ٦٦٩، ٦٧١. تفسير سورة الإخلاص ص ١٧٠. الآداب الشرعية لابن مفلح ٣/ ٤٠٦. الإنصاف ٢/ ٥٤٨ - ٥٤٩. شرح الصدور بتحريم رفع القبور تأليف محمد بن علي الشوكاني. الدرر السنية ٢/ ١٨٨، ٥/ ٩٦، ١١/ ١٩٥، ٤٧٤. الدين الخالص حسن القنوجي ٣/ ٥٧٤ - ٤/ ٦٠. كتاب البناء على القبور للشيخ المعلمي تحقيق حاكم المطيري. شفاء الصدور في الرد على الجواب المشكور ص ٧٢. أحكام الجنائز الألباني ٢٦٤ رقم ٢١٠. تيسير العزيز الحميد ٣١٩ - ٣٤٧. مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ١٠، ٣٩٣، ٣٩٤/ ١٠٣٦. وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ٤٠٤، ٣/ ٢١٣. فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٢٧٤. مجموع الفتاوى لابن باز ٢/ ٧٤٣، ٧٨٧. نور على الدرب ابن باز ص ٢٧٨١. مجموع االفتاوى لابن عثيمين ٢/ ٢٣٣ - ٢٤٦. المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة الأحمدي ٢/ ١٦٨. منهج الشافعي في إثبات العقيدة ص ٢٥٨ - ٢٤٤ - ٢٥٩ ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ص ٤٩١. عقيدة الامام ابن عبد البر للغصن ص ١٦١. التبرك د. ناصر الخديع ص ٤١٢.جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية ١٦١١ - ١٦١٨.","vol":"1","page":325},{"text":"فكل شيء مشرف أي: ظاهر على غيره متميز عن غيره يجب أن يسوى بغيره لئلا يؤدي ذلك إلى الغلو في القبور والشرك\" (^١).\nوالأصل في القبر أن يكون مسنمًا مرتفعًا قدر شبر لا يزيد عن ذلك أما رفعه فوق الأرض بالبناء عليها سواء كان البنيان مسجدًا أو قبة أو غير ذلك، فقد جاءت الأحاديث في التحذير من ذلك والنهي عنه.\n* الدليل من السنة: عَنْ جَابرٍ قَالَ: \"نَهَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ\" (^٢).\nوعن أبي سعيد الخدري -﵁- أن النبي -ﷺ-: \"نهى أن يبنى على القبر\" (^٣).\nوعن جابر -﵁- قال: \"نهى رسول الله -ﷺ-: أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه\" (^٤).\nعن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب -﵁-: \"ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله -ﷺ-: أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته\" (^٥).\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"وقد أجمع العلماء على النهي عن البناء على القبور وتحريمه ووجوب هدمه لهذه الأحاديث الصريحة التي لا مطعن فيها بوجه من الوجوه، ولا فرق في ذلك بين البناء في مقبرة مسبلة، أو مملوكة، إلا أنه في المملوكة أشد. ولا عبرة بمن شذ من المتأخرين فأباح ذلك، إما مطلقا وإما في المملوكة.\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ١٠٣٦، ١٠٣٧. وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ٢١٣.\n(^٢) أخرجه مسلم (٩٧٠).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (١٥٦٤). قال البوصيري: إسناد رجاله ثقات إلا أنه منقطع.\n(^٤) أخرجه مسلم (٩٧٠).\n(^٥) أخرجه مسلم (٩٦٩).","vol":"1","page":326},{"text":"قال الإمام أبو محمد بن قدامة: ولا يجوز اتخاذ المساجد على القبور لأن النبي -ﷺ- قال: \"لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\" (^١). يحذر ما صنعوا. ولأن تخصيص القبور بالصلاة عِنْدَها يشبه تعظيم الأصنام بالسجود لها والتقرب إليها، وقد روينا أن ابتداء عبادة الأصنام تعظيم الأموات باتخاذ صورهم والتمسح بها والصلاة عِنْدَها.\nوقال شيخ الإسلام: أما بناء المساجد على القبور فقد صرح عامة علماء الطوائف بالنهي عنه متابعة للأحاديث الصحيحة، وصرح أصحابنا وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي، بتحريمه. قال: ولا ريب في القطع بتحريمه\" (^٢).\nوقال ابنُ حَزْمٍ: \"ولا يحل أن يبنى القبر، ولا أن يجصص، ولا أن يزاد على ترابه شيء ويهدم كل ذلك\" (^٣).\nوقد ألف الشوكاني ﵀ كتابًا مستقلًا في ذلك وسماه شرح الصدور بتحريم رفع القبور ومما قال: \"اعلم أنه قد اتفق الناس سابقهم ولاحقهم وأولهم وآخرهم من لدن الصحابة -﵃- إلى هذا الوقت أن رفع القبور والبناء عليها بدعة من البدع التي ثبت النهي عنها واشتد وعيد رسول الله لفاعلها\" (^٤).\nوقال الشوكاني ﵀: \"والظاهر أن رفع القبور زيادة على القدر المأذون فيه محرم، وقد صرح بذلك أصحاب محمد، وجماعة الشافعي ومالك. قال: ومن رفع القبور الداخل تحت الحديث دخولا أوليا القبب والمشاهد على القبور، وأيضا هو من اتخاذ القبور مساجد، وقد لعن النبي -ﷺ- فاعل ذلك\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٩٠)، ومسلم، ١٩ - (٥٢٩).\n(^٢) تيسير العزيز الحميد ص ٣٣٣.\n(^٣) المحلى ٥/ ٣٣.\n(^٤) شرح الصدور بتحريم رفع القبور ص ٧.\n(^٥) نيل الأوطار ٤/ ٧٢.","vol":"1","page":327},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-256> سبب التحذير من رفع البناء على القبر:</span>\nيقول العلامة الصنعاني في كلامه على البناء على القبور: \"إنه ذريعة إلى تعظيم الميت، والطواف بقبره، والتماس أركانه، والنداء باسمه. وبالجملة إنه يصير صنما يعبد، وهذه بدعة عظيمة عمّت الدنيا، وعبد الناس القبور، وعظموها بالمشاهد والقباب، وزادوا على فعل الجاهلية، فأسرجوا عليها السرج والشموع، وجعلوا لها نصيبا من أموالهم، كما قال تعالى في المشركين: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ [النحل: ٥٦] وكما قالوا: ﴿هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٦] \" (^١).\nوقال سماحة الشيخ ابن باز ﵀: \"فالبناء على القبور وتجصيصها ووضع الزينات عليها أو الستور كله منكر ووسيلة إلى الشرك، فلا يجوز وضع القباب أو الستور أو المساجد عليها\" (^٢).\nوقال ﵀: \"إنما يعاد تراب القبر عليه ويرفع قدر شبر تقريبا حتى يعرف أنه قبر، هذه هي السنة في القبور التي درج عليها رسول الله -ﷺ- وأصحابه -﵃-. ولا يجوز اتخاذ المساجد عليها ولا كسوتها ولا وضع القباب عليها لقول النبي -ﷺ-: \"لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\" (^٣) \" (^٤).\nوكل عاقل يعلم أن لزيادة الزخرفة للقبور، وإسبال الستور الرائعة عليها، وتسريجها، والتأنق في تحسينها تأثيرًا في طبائع غالب العوام، وينشأ عنه التعظيم،\n_________\n(^١) العدة على إحكام الأحكام ٣/ ٢٥٨ - ٢٥٩. نقلًا عن شفاء الصدور في الرد على الجواب المشكور ص ٧٢.\n(^٢) الفتاوى ص ٧٤٦.\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) الفتاوى للشيخ ابن باز ﵀ ص ٧٤٤.","vol":"1","page":328},{"text":"والاعتقادات الباطلة، وهكذا إذا استعظمت نفوسهم شيئا مما يتعلق بالأحياء، وبهذا السبب اعتقد كثير من الطوائف الإلهية في أشخاص كثيرة (^١).\nقال الشوكاني ﵀: \"وكم قد نشأ عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام. منها اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام، وعظم ذلك فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضر، فجعلوها مقصدا لطلب قضاء الحوائج، وملجأ لنجاح المطالب، وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم، وشدوا إليها الرحال وتمسحوا واستغاثوا، وبالجملة أنهم لم يدعوا شيئا مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه! فإنا لله وإنا إليه راجعون، ومع هذا المنكر الشنيع والكفر الفظيع لا تجد من يغضب لله ويغار حمية للدين الحنيف، لا عالمًا ولا متعلمًا، ولا أميرًا ولا وزيرًا ولا ملكًا، وقد توارد إلينا من الأخبار ما لا يشك معه أن كثيرًا من هؤلاء القبوريين أو أكثرهم إذا توجهت عليه يمين من جهة خصمه حلف بالله فاجرًا، فإذا قيل له بعد ذلك: احلف بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني! تلعثم وتلكأ وأبى واعترف بالحق! وهذا من أبين الأدله الدالة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك من قال: إنه تعالى ثاني اثنين، أو ثالث ثلاثة. فيا علماء الدين ويا ملوك المسلمين أي رزء للإسلام أشد من الكفر، وأي بلاء لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير الله، وأي مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة، وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن إنكار هذا الشرك واجبًا؟!.\nلقد أسمعت لو ناديت حيا ... ولكن لا حياة لمن تنادي\nولو نارًا نفختَ بها أضاءت ... ولكن أنت تنفخ في رماد\" (^٢)\n_________\n(^١) شفاء الصدور في الرد على الجواب المشكور ص ٧١.\n(^٢) نيل الأوطار ٤/ ٧٢. وانظر أحكام الجنائز للألباني ص ٢٠٧.","vol":"1","page":329},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-257> شبهات حول البناء على القبور:</span>\nيتعلق بعض المجيزين للبناء بشبهات منها:\n١ - قوله تعالى: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١] قالوا: إن الآية قبلها تدل على أنهم ماتوا فاتخذوا مسجدا على قبره فقص الله ﷿ هذا في كتابه ولم يصحبه بما يدل على حظره فدل هذا على جوازه.\nوقولهم مردود فإن أولئك القائلين ليس فيها التصريح بأنهم كانوا مؤمنين صالحين بل هم من جملة من قال فيهم رسولنا -ﷺ-: \"لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\" وفي رواية: \"وصالحيهم\".\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فبيوت الأوثان وبيوت النيران وبيوت الكواكب وبيوت المقابر: لم يمدح الله شيئًا منها، ولم يذكر ذلك إلا في قصة من لعنهم النبي -ﷺ-، قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١].\nفهؤلاء الذين اتخذوا على أهل الكهف مسجدًا: كانوا من النصارى الذين لعنهم النبي -ﷺ-، حيث قال: \"لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\" وفي رواية: \"والصالحين\"\" (^١).\nوظاهر الآيات في قصة أصحاب الكهف تدل على أن هروب الفتية أصلًا كان فرارًا بدينهم وفي قوله تعللى: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف: ٢٠].\nقال الشيخ السعدي ﵀: \"وذكروا المحذور من اطلاع غيرهم عليهم وظهورهم عليهم أنهم بين أمرين إما الرجم بالحجارة فيقتلونهم أشنع قتلة لحنقهم عليهم وعلى دينهم، وإما أن يفتنوهم عن دينهم، ويردوهم في ملتهم، وفي هذه\n_________\n(^١) الرد على البكري ٢/ ٥٦٧، ٥٦٨.","vol":"1","page":330},{"text":"الحال لا يفلحون أبدًا، بل يخسرون في دينهم ودنياهم وأخراهم\" (^١).\nومن وجه آخر يُردُّ عليهم بأن قول الله ﷿: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ يشعر بأنهم ذو جهل وضلال، وأما الحظر فقد جاء من رسول الله -ﷺ- حين لعن اليهود والنصارى لاتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد.\nوقال ابن رجب في شرح حديث: \"لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\": \"وقد دل القرآن على مثل ما دل عليه هذا الحديث، وهو قول الله ﷿ في قصة أصحاب الكهف: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ فجعل اتخاذ القبور على المساجد من فعل أهل الغلبة على الأمور، وذلك يشعر بأن مستنده القهر والغلبة واتباع الهوى وأنه ليس فعل أهل العلم والفضل المتبعين لما أنزل اللهَ على رسله من الهدى\" (^٢).\nوقال ابن كثير: \"حكى ابن جرير في القائلين ذلك قولين:\nأحدهما: أنهم المسلمون منهم.\nوالثاني: أهل الشرك منهم، فالله أعلم. والظاهر أن الذين قالوا ذلك هم أصحاب الكلمة والنفوذ، ولكن هل هم محمودون أم لا؟ فيه نظر، لأن النبي -ﷺ- قال: \"لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد. يحذر ما فعلوا\" ... \" (^٣).\nوقال السيوطي: \"وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي .. فقال الملك: \"لأتخذن عِنْدَ هؤلاء القوم الصالحين مسجدًا .. \"، وقال: وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم\n_________\n(^١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ص ٤٢٣.\n(^٢) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب ٢/ ٣٩٧.\n(^٣) تفسير ابن كثير ٣/ ٨٢.","vol":"1","page":331},{"text":"عن قتادة في قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ قال: \"هم الأمراء أو قال السلاطين\"\" (^١).\nوقال المعلمي في بيان قول الله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾: \"والغالب أن الغلبة تكون سببًا للمعصية، والغالب في الأمم السابقة أن الغلبة إنما تكون للضالين، والغالب في الأمم السابقة أيضًا التكذيب بالآيات، والضلال فيها نوع من التكذيب بها، قال الله ﷿: ﴿مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]، وقال ﵎: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (١٠٢)﴾ [الأعراف: ١٠٢] وعلى كل حال فوصف هؤلاء بالغلبة مع وصف مقابليهم بما تقدم، يشعر بأنهم ذو جهل وغلو، واتخاذ المسجد لا ينافي الجهل والغلو كما لا يخفى\" (^٢).\nولا يقال في هذا المقام أننا غير متعبدين بشرع من قبلنا، أو أن شريعة من قبلنا ليست شريعة لنا، فإن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد ليس من شرع الله قط، لا في أمة محمد -ﷺ- ولا في الأمم قبلها، ولو كان ذلك شرعًا من شرع الله لِمَنْ كان قبلنا لم يستحقوا لعن النبي -ﷺ- بشيء فعلوه قد أتى به شرعهم الذي بُعثت به أنبياؤهم.\nقال الألوسي ﵀: \"وكيف يمكن أن يكون اتخاذ المساجد على القبور من الشرائع المتقدمة مع ما سمعت من لعن اليهود والنصارى حيث اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\" (^٣).\nوأخيرًا نقول: إن الاستدلال بهذه الآية على جواز اتخاذ المساجد على القبور مع\n_________\n(^١) الدر المنثور للسيوطي ٤/ ٣٩٢.\n(^٢) البناء على القبور للمعلمي ص ١٩.\n(^٣) روح المعاني للألوسي ٥/ ٢٣٧ - ٢٤٠. وانظر تفنيدها بالتفصيل في كتاب البناء على القبور للمعلمي ص ٨ وما بعدها. وتحذير الساجد ص ٦٩ وما بعدها.","vol":"1","page":332},{"text":"مخالفته للأحاديث المتواترة الناهية عن ذلك - مخالفٌ لإجماع علماء المسلمين، على تحريم اتخاذ المساجد على القبور.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"فإن بناء المساجد على القبور ليس من دين المسلمين، بل هو منهي عنه بالنصوص الثابتة عن النبي -ﷺ-، واتفاق أئمة الدين\" (^١).\n٢ - شبهة أن قبر النبي -ﷺ- في مسجده كما هو مشاهد اليوم فيقال فيه:\nأولًا: أن مسجد الرسول -ﷺ- لم يبن على القبور فإن النبي -ﷺ- هو الذي بناه بعدما نبش قبور المشركين وأخبر عنه سبحانه بانه أول مسجد أسس على التقوى.\nثانيًا: أن النبي -ﷺ- لم يدفن في المسجد كما يفعل هؤلاء القبوريون.\nثالثًا: أن إدخال بيوت النبي -ﷺ- في المسجد لم يكن في عهد الصحابة، وإنما أدخل في عهد الوليد بن عبد الملك سنة ٨٨ للهجرة فأدخل في المسجد النبوي حجر أزواجه ﵇ بما فيها قبره الذي في حجرة عائشة، وقد أنكر عليه العلماء منهم سعيد بن المسيب ﵀.\nوقال الألباني ﵀: \"ولم يكن في المدينة المنورة أحد من الصحابة حينذاك خلافا لما توهم بعضهم\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"يتبين لنا مما أوردناه أن القبر الشريف إنما أدخل إلى المسجد النبوي حين لم يكن في المدينة أحد من الصحابة وأن ذلك كان على خلاف غرضهم الذي رموا إليه حين دفنوه في حجرته -ﷺ-؛ فلا يجوز لمسلم بعد أن عرف هذه الحقيقة أن يحتج بما وقع بعد الصحابة؛ لأنه مخالف للأحاديث الصحيحة وما\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢٧/ ٤٨٨.\n(^٢) تحذير الساجد ص ٨٥. وانظر الصارم المنكي ١٣٧. وممن ذكر وجود الصحابة آنذاك الإمام النووي ﵀ وقد رد عليه الألباني مبينا عدم ثبوته انظر للاستزادة تحذير الساجد ص ٩٥.","vol":"1","page":333},{"text":"فهم الصحابة والأئمة منها كما سبق بيانه، وهو مخالف أيضًا لصنيع عمر وعثمان حين وسعًا المسجد ولم يدخلا القبر فيه، ولهذا نقطع بخطإ ما فعله الوليد بن عبد الملك عفا الله عنه، ولئن كان مضطرًا إلى توسيع المسجد، فإنه كان باستطاعته أن يوسعه من الجهات الأخرى دون أن يتعرض للحجرة الشريفة، وقد أشار عمر بن الخطاب إلى هذا النوع من الخطأ حين قام هو -﵁- بتوسيع المسجد من الجهات الأخرى ولم يتعرض للحجرة، بل قال: \"إنه لا سبيل إليها\"، فأشار -﵁- إلى المحذور الذي يترتب من جراء هدمها وضمها إلى المسجد\".\nرابعًا: ومع هذه المخالفة الصريحة للأحاديث المتقدمة وسنة الخلفاء الراشدين، فإن الذين زادوا في المسجد النبوي احتاطوا للأمر شيئًا، فحاولوا تقليل المخالفة ما أمكنهم. فقد ذكر النووي في شرح مسلم أنه لما احتيج إلى الزيادة في مسجد رسول الله -ﷺ- حين كثر المسلمون، وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه ومنها حجرة عائشة -﵂- مدفن رسول الله -ﷺ- وصاحبيه أبي بكر وعمر -﵄- بنوا على القبر حيطانا مرتفعة مستديرة حوله، لئلا يظهر في المسجد؛ فيصلي إليه العوام، ويؤدي إلى المحذور، ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا، حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر (^١).\nونقل الحافظ ابن رجب في الفتح نحوه عن القرطبي كما في \"الكواكب\" ٦٥/ ٩١/ ١. وذكر ابنُ تَيمِيَّةَ في الجواب الباهر (ق ٩/ ٢). \"أن الحجرة لما أدخلت إلى المسجد سد بابها، وبنى عليها حائط آخر، صيانة له -ﷺ- أن يتخذ بيته عيدًا وقبره وثنًا\" (^٢).\nأما بناء القبة على القبر الشريف فقد قال صاحب كتاب المشاهدات\n_________\n(^١) النووي شرح مسلم ٥/ ١٤ بتصرف.\n(^٢) تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد ص ٩٢ - ٩٨.","vol":"1","page":334},{"text":"المعصومية: \"اعلم أنه إلى عام ٦٧٨ هـ لم تكن هناك قبة على الحجرة النبوية التي فيها قبره -ﷺ- وإنما عملها وبناها الملك الظاهر المنصور قلاوون الصالحي في تلك السنة ٦٧٨ هـ فعملت تلك القبة.\nقلت (^١): إنما فعل ذلك لأنه رأى في مصر والشام كنائس النصارى المزخرفة فقلَّدهم جهلًا منه بأمر النبي -ﷺ- وسنته كما قلدهم الوليد في زخرفة المسجد فتنبه ... ثم قال: إن عمل قلاوون هذا مخالف قطعًا للأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله -ﷺ- ولكن الجهل بلاء عظيم، والغلو في المحبة والتعظيم وباء جسيم، والتقليد للأجانب داء مهلك، فنعوذ بالله من الجهل، ومن الغلوِّ، ومن التقليد للأجانب\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-258> حكم هدم القباب المبنية على القبور:</span>\nقال ابن القيم: \"فمن الأنصاب ما قد نصبه الشيطان للمشركين من شجرة، أو عمود، أو وثن أو قبر، أو خشبة، أو عين، ونحو ذلك. والواجب هدم ذلك كله، ومحو أثره كما أمر النبي -ﷺ- عليًا -﵁- (^٣) بهدم القبور المشرفة وتسويتها بالأرض. كما روى مسلم في صحيحه عن أبي الهيّاج الأسدي قال: قال لي علي -﵁-: \"ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله -ﷺ- أن لا أدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته\". وعمَّى الصحابةُ بأمر عمر -﵁- قبر دانيال وأخفوه عن الناس.\nولما بلغه أن الناس ينتابون الشجرة التي بايع تحتها رسول الله -ﷺ- أصحابه\n_________\n(^١) القائل العلامة محمد سلطان المعصومي الحنفي.\n(^٢) المشاهدات المعصومية ص ٤٨.\n(^٣) قال الشيخ حامد الفقي ﵀: \"ومن أعجب كيد الشيطان أن عليًا -﵁- هو الذي كان يهدمها بأمر رسول الله. ثم أقيمت وأعيد بناؤها محادة لله ولرسوله باسم علي وأولاد علي. وهم والله برآء من ذلك\" ا. هـ من حاشية له في تحقيق إغاثة اللهفان ص ١/ ٢٠٩.","vol":"1","page":335},{"text":"أرسل فقطعها. رواه ابن وضاح في كتابه فقال: سمعت عيسى ابن يونس يقول: أمر عمر بن الخطاب -﵁- بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي -ﷺ- فقطعها لأن الناس كانوا يذهبون فيصلون تحتها فخاف عليهم الفتنة.\nقال عيسى بن يونس: وهو عِنْدَنا من حديث ابن عون عن نافع: \"أن الناس كانوا يأتون الشجرة، فقطعها عمر -﵁-\".\nفإذا كان هذا فعل عمر -﵁- بالشجرة التي ذكرها الله تعالى في القرآن، وبايع تحتها الصحابة رسول الله -ﷺ- فماذا حكمه فيما عداها من هذه الأنصاب والأوثان، التي قد عظمت الفتنة بها، واشتدت البلية بها؟.\nوأبلغ من ذلك: أن رسول -ﷺ- هدم مسجد الضرار. ففي هذا دليل على هدم ما هو أعظم فساد منه كالمساجد المبنية على القبور فإن حكم الإسلام فيها أن تهدم كلها حتى تسوى بالأرض. وهي أولى بالهدم من مسجد الضرار وكذلك القباب التي على القبور يجب هدمها لأنها أسست على معصية الرسول؛ لأنه قد نهى عن البناء على القبور. كما تقدم. فبناء أسس على معصيته ومخالفته بناء غير محترم. وهو أولى بالهدم من بناء الغاصب قطعًا.\nوقد أمر رسول الله -ﷺ- بهدم القبور المشرفة كما تقدم، فهدم القباب والبناء والمساجد التي بنيت عليها أولى وأحرى؛ لأنه لعن متخذي المساجد عليها، ونهى عن البناء عليها، فيجب المبادرة والمسارعة إلى هدم ما لعن رسول الله -ﷺ- فاعله. والله ﷿ يقيم لدينه وسنة رسوله من ينصرهما، ويذب عنهما. فهو أشد غيرة وأسرع تغييرًا\" (^١).\nقال الإمام أبو بكر الطرطوشي: \"انظروا -رحمكم الله تعالى- أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس، ويعظمونها، ويرجون البرء والشفاء من قبلها، ويضربون\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان ص ١/ ٢١٠.","vol":"1","page":336},{"text":"بها المسامير والخرق، فهي ذات أنواط فاقطعوها\" (^١).\nوقال الشوكاني: \"وفي هذا أعظم دلالة على أن تسوية كل قبر مشرف بحيث يرتفع زيادة عن القدر المشروع واجب متحتم، فمن إشراف القبور أن يرفع سمكها، أويجعل عليها القباب، أو المساجد، فإن ذلك من المنهي عنه بلا شك ولا شبهة، ولهذا بعث النبي -ﷺ- لهدمها أمير المؤمنين -﵁- ثم إن أمير المؤمنين بعث لهدمها أبا الهياج الأسدي في أيام خلافته\" (^٢).\nوقال العلَّامة صديق حسن خان: \"الأحاديث الصحيحة وردت بالنهي عن رفع القبور، فما صدق عليه أنه قبر مرفوع أو مشرف لغة فهو من منكرات الشريعة التي يجب على المسلمين إنكارها وتسويتها من غير فرق بين نبي وغير نبي، وصالح وطالح، فقد مات جماعة من أكابر الصحابة في عصره -ﷺ- ولم يرفع قبورهم، بل أمر عليًا بتسوية المشرف منها، ومات -ﷺ- ولم يرفع قبرَه أصحابُه\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>٦٧ - البيان</span>\nانظر باب (السحر).\n_________\n(^١) الحوادث والبدع ص ١٠٥. وانظر للاستزادة المشاهدات المعصومة ص ٨٠. زيارة القبور الشرعية والشركية ص ٧٩.\n(^٢) شرح الصدور ص ١٣، ١٤. وانظر شفاء الصدور في الرد على الجواب المشكور ٦٠.\n(^٣) الروضة الندية شرح الدرر البهية ١/ ١٧٨، ١٧٩ ط - المنيرية. وانظر: \"شفاء الصدور في الرد على الجواب المشكور ص ٦٩.","vol":"1","page":337},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-260>٦٨ - التألّي على الله </span>*\nالتألي لغة: من الأليّة بتشديد الياء المثناة من تحت أي اليمين (^١)، يقال آلى يولي إيلاء، وتألَّى يتألَّى تألِّيًا، والاسم الألية.\nوشرعًا: الحلف على الله إذا كان على جهة الحجر على الله والقطع بحصول المقسم على حصوله (^٢).\n* الدليل من السنة: عَنْ جُنْدَبٍ أَنَّ رَسُولَ -ﷺ- حَدَّثَ: \"أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَالله لا يَغْفِرُ اللهُ لِفُلانٍ وَإِنَّ الله تَعَالَى قَالَ: مَنْ ذا الَّذِي يَتَألَّى عَلَيَّ أَنْ لا أَغْفِرَ لِفُلانٍ؟ فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلانٍ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ\" (^٣).\nوفي حديث أبي هريرة أن القائل رجل عابد. قال أبو هريرة: \"تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته\" (^٤).\n* حكمه: قال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم ﵀ عن الحديث السابق: \"فيه تحريم الإدلال على الله ووجوب التأدب مع الله في الأقوال والأحوال، وأن حق العبد أن يعامل نفسه بأحكام العبودية ويعامل ريه بما يجب له من أحكام الإلهية والربوبية\" (^٥).\nقال ابن عثيمين ﵀: \"من تألّى على الله ﷿ فقد أساء الأدب معه وتحجر\n_________\n* فتح المجيد ٦٠١. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ٣٨٨. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٣/ ٧٨. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٣/ ٢٦٠ ط ٢ - ٣/ ٣٢٦ ومن المجموع ١٠/ ١٠٨٥. مسائل الإمام أحمد للأحمدي ١/ ٤٠٢.\n(^١) انظر مختار الصحاح باب (أ ل ا).\n(^٢) حاشية كتاب التوحيد ص ٣٨٨.\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٦٢١).\n(^٤) أخرجه أبو داود (٤٩٠١).\n(^٥) حاشية على كتاب التوحيد ص ٣٨٨.","vol":"1","page":338},{"text":"فضله، وأساء الظن به، وكل هذا ينافي كمال التوحيد، وربما ينافي أصل التوحيد، فالتألي على من هو عظيم يعتبر تنقصا في حقه\" (^١).\nوأما إن كان على جهة حسن الظن بالله فقد قال -ﷺ-: \"إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره\" (^٢).\n* فائدة: ومما يحسن ذكره هنا: أن من عقيدة أهل السنة والجماعة أنه لا يشهد لأحد بعينه أنه من أهل الجنة أو النار.\nيقول أبو إسماعيل الصابوني: \"ويعتقد ويشهد أصحاب الحديث أن عواقب العباد مبهمة، لا يدري أحد بم يختم له، ولا يحكمون لواحد بعينه أنه من أهل الجنة، ولا يحكمون على أحد بعينه أنه من أهل النار، لأن ذلك مغيب عنهم\" (^٣).\nوقال الإمام أحمد ﵀: \"ولا نشهد على أحد من أهل القبلة بعمل يعمله بجنة ولا نار نرجو للصالح ونخاف عليه ونخاف على المسيء المذنب ونرجو له رحمة الله\" (^٤).\nويستثنى من ذلك: من شهد لهم رسول الله -ﷺ- من أصحابه بأعيانهم بأنهم من أهل الجنة، حيث روى الترمذي بسنده عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة ابن الجراح في الجنة\" (^٥).\nقال الإمام أحمد في رسالته إلى مسدد بن مسرهد: \"وأن نشهد للعشرة بالجنة وهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وعبد\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ١٠٨٧. وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ٢٦٣.\n(^٢) انظر حاشية على كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٣٨٨.\n(^٣) عقيدة السلف أصحاب الحديث ص ٨٢.\n(^٤) طبقات الحنابلة ١/ ٢٤٤، ٢٤٥.\n(^٥) أخرجه الترمذي برقم (٣٧٤٧).","vol":"1","page":339},{"text":"الرحمن بن عوف الزهري، وأبو عبيدة ابن الجراح\" (^١).\nوقال: \"ولا ننزل أحدًا من أهل القبلة جنة ولا نارًا إلا من شهد له رسول الله -ﷺ- بالجنة\" (^٢).\nوقال شيخ الإسلام ﵀: \"وأما الشهادة لرجل بعينه بأنه من أهل النار أو الجنة فليس لأحد ذلك إلا بنص صحيح يوجب، كالعشرة الذين بشرهم الصادق -ﷺ- بالجنة ومنهم من جوز ذلك لمن استفاض في الأمة الثناء عليه كعمر بن عبد العزيز -﵁- وأمثاله\" (^٣). وقال أيضًا: \"وأما توقف الناس في القطع بالجنة فلخوف الخاتمة\" (^٤).\nوقال شارح الطحاوية: \"لا نقول عن أحد معين من أهل القبلة إنه من أهل الجنة أو من أهل النار إلا من أخبر الصادق -ﷺ- إنه من أهل الجنة كالعشرة -﵃- وغيرهم، وإن كنا نقول: إنه لا بد أن يدخل النار من أهل الكبائر من شاء الله إدخاله النار، ثم يخرج منها بشفاعة الشافعين، ولكنا نقف في الشخص المعين فلا نشهد له بجنة ولا نار إلا عن علم، لأن الحقيقة باطنة، وما مات عليه لا نحيط به. ولكن نرجو للمحسنين ونخاف على المسيئين\" (^٥).\nوقال الشيخ ابن باز ﵀: \"الحمد لله والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه، أما بعد:\nفقد كثر الإعلان في الجرائد عن وفاة بعض الناس، كما كثر نشر التعازي لأقارب المتوفين، وهم يصفون الميت فيها بأنه مغفور له أو مرحوم أو ما أشبه ذلك من كونه من أهل الجنة، ولا يخفى على كل من له إلمام بأمور الإسلام وعقيدته بأن ذلك من الأمور التي لا يعلمها إلا الله، وأن عقيدة أهل السنة\n_________\n(^١) هو عامر بن عبد الله بن الجراح مات بطاعون عمواس سنة ثمان عشرة.\n(^٢) طبقات الحنابلة ١/ ٣١٢، ١٣٣.\n(^٣) المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام ١/ ١٠٩ وعزاها لكتاب مختصر الفتاوى ص ٢٥٧.\n(^٤) المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام ١/ ١١٠ وعزاها لكتاب مختصر الفتاوى ص ٢٥٧.\n(^٥) شرح العقيدة الطحاوية ص ٤٢٦.","vol":"1","page":340},{"text":"والجماعة أنه لا يجوز أن يشهد لأحد بجنة أو نار إلا من نص عليه القرآن الكريم كأبي لهب أو شهد له رسول الله -ﷺ- بذلك كالعشرة من الصحابة ونحوهم، ومثل ذلك في المعنى الشهادة له بأنه مغفور له أو مرحوم، لذا ينبغي أن يقال بدلا منها: \"غفر الله له\" أو \"﵀\" أو نحو ذلك من كلمات الدعاء للميت\" (^١).\nومن هذا الباب الشهادة لشخص معين بأنه شهيد. قال الشيخ ابن عثيمين: \"فهذا لا يجوز إلا لمن شهد له النبي -ﷺ- أو اتفقت الأمة على الشهادة له بذلك وقد ترجم البخاري ﵀ لهذا بقوله: \"باب لا يقال فلان شهيد\" قال في الفتح ٦/ ٩٠: أي على سبيل القطع بذلك إلا إن كان بالوحي، وكأنه أشار إلى حديث عمر أنه خطب فقال: تقولون في مغازيكم: فلان شهيد، ومات فلان شهيدًا ولعله قد يكون قد أوقر راحلته: ألا لا تقولوا ذلكم، ولكن قولوا كما قال رسول الله -ﷺ-: \"من مات في سبيل الله أو قتل فهو شهيد\". وهو حديث حسن أخرجه أحمد وسعيد بن منصور وغيرهما من طريق محمد بن سيرين عن أبي العجفاء عن عمر. اهـ كلامه.\nولأن الشهادة بالشيء لا تكون إلا عن علم به، وشرط كون الإنسان شهيدا أن يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وهي نية باطنة لا سبيل إلى العلم بها، ولهذا قال النبي مشيرًا إلى ذلك: \"مثل المجاهد في سبيل الله والله أعلم بمن يجاهد في سبيله\" (^٢). وقال: \"والذي نفسي بيده لا يُكْلَم أحد في سبيل الله والله أعلم بمن يُكْلَم في سبيله إلا جاء يوم القيامة واللون لون الدم والريح ريح المسك\" (^٣) رواهما البخاري من حديث أبي هريرة. ولكن من كان ظاهره الصلاح فإننا نرجو له ذلك ولا نشهد له به ولا نسيء به الظن\" (^٤).\n_________\n(^١) فتاوى ابن باز ص ٧٣٧.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٧٨٧) من حديث أبي هريرة.\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٨٠٣).\n(^٤) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٣/ ١١٦، الجواب المختار لهداية المحتار لابن عثيمين ص ٦٥.","vol":"1","page":341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-261>٦٩ - التأويل</span>\nمن موانع التكفير. انظر باب (التكفير).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>٧٠ - التبرك </span>*\nالبركة لغة: تطلق ويراد بها معنيين:\nالأول: ثبوت الخير ودوامه.\nوالثاني: كثرة الخير وزيادته (^١).\nقوله تبرك، تفعل من البركة، والبركة: هي كثرة الخير وثبوته، وهي مأخوذة من\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ١٣/ ٦٧ - ١٩/ ١٩٧ - ٨/ ١٢٩. الاعتصام ١/ ٤٨٣. اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٦٤٤، ٦٤٩، ٧٢٩. إغاثة اللهفان ١/ ٢١١، ٢٠٥ الآداب الشرعية لابن مفلح ٣/ ٩٧، ٣٨٣. فتح الباري مع تعليق الشيخ ابن باز ٣/ ١٣٠. تحفة الأحوذي ٦/ ٤٠٨، المرقاة ٩/ ٢٩٣. الدرر السنية ١/ ٢٩٤، ٧/ ٢٤١، ١٠/ ٢٥٢. قطف الثمر صديق حسن ص ١١٣. التوسل أنواعه وأحكامه للألباني ١٤٦. تيسير العزيز الحميد ص ١٧٥، ٣٨٣. فتح المجيد ص ١٥٥، ٣١٣. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٩٠، ١٨٥. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ١٩١ ط ٢ - ١/ ٢٤٥ ومن المجموع ٩/ ١٨٥. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٢٠. معارج القبول ١/ ١٨٥. مجموع الفتاوى لابن باز ٢/ ٧١٠ - ٢/ ٨٥ - ٣/ ٩٥٦. نور على الدرب لابن باز ص ٣٦١. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٣/ ٩١ - ١/ ١٠٩. المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة الأحمدي ٢/ ١٢١. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ص ٤٤٣. التبرك المشروع والممنوع للعلياني. منهج ابن حجر في العقيدة ص ١٠٢٢. شرح مسائل الجاهلية للسعيد ٢/ ٦٥٧. شرح مسائل الجاهلية ص ١٣٢. عقيدة الإمام ابن عبد البر للغصن ص ٢٣١. جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية ص ١٥٧١، ١٥٨١. الجهل بمسائل الاعتقاد ص ٤١٤.\n(^١) انظر للاستزادة المفردات (ب ر ك)، بدائع الفوائد ٢/ ١٨٥، جلاء الأفهام ١٧٨، ١٨٠.","vol":"1","page":342},{"text":"البِركة بالكسر مجمع الماء، ومجمع الماء يتميز عن مجرى الماء بأمرين: الكثرة. والثبوت (^١).\nفالبركة تجمع بين وصف الزيادة ووصف الثبوت واللزوم.\nوالتبرك شرعًا: طلب البركة بفعل أو اعتقاد.\nقال ابن سعدي: \"إن العلماء اتفقوا على أنه لا يشرع التبرك بشيء من الأشجار والأحجار والبقع والمشاهد وغيرها فإن هذا التبرك غلو فيها وذلك يتدرج إلى دعائها وعبادتها وهذا هو الشرك الأكبر\" (^٢).\n* الدليل من السنة: عن أبي واقد الليثي قال: كنا مع رسول الله -ﷺ- بحنين ونحن حديثو عهد بكفر، فمررنا على شجرة يضع المشركون عليها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط (^٣)، فقلنا يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله -ﷺ-: \"الله أكبر قلتم كما قال أهل الكتاب لموسى ﵇: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ \" ثم قال الرسول -ﷺ-: \"إنكم ستركبون سنن من كان قبلكم\" (^٤).\nقال ابن القيم: \"فإذا كان اتخاذ هذه الشجرة لتعليق الأسلحة والعكوف حولها اتخاذ إلهٍ مع الله تعالى، مع أنهم لا يعبدونها، ولا يسألونها. الظن بالعكوف حول القبر، والدعاء به ودعائه، والدعاء عِنْدَه؟ فأيُّ نسبةٍ للفتنة بشجرة إلى الفتنة\n_________\n(^١) مختار الصحاح (ب ر ك)، مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ١٨٥. وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ١٩١.\n(^٢) القول السديد ص ٤١.\n(^٣) ذات أنواط: اسم لشجرة بعينها كانت للمشركين، ينوطون بها سلاحهم أي: يعلقونه بها، ويعكفون حولها، انظر: النهاية (ن وط).\n(^٤) أخرجه أحمد (٢٢٢٤٢)، والترمذي (٢١٨٠) وقال حديث حسن صحيح، والطيالسي في مسنده رقم (١٤٤٣) واللفظ له.","vol":"1","page":343},{"text":"بالقبر؟ لو كان أهل الشرك والبدعة يعلمون.\nقال بعض أهل العلم من أصحاب مالك (^١): فانظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس، ويعظمونها، ويرجون البُرء والشفاء من قبلها، ويضربون بها المسامير والخرق، فهي ذات أنواط، فاقطعوها\" (^٢).\nويستفاد من حديث أبي واقد الليثي ما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>١ - أن السائلين من الصحابة يجهلون أنه شرك:</span>\nقال أبو واقد الليثي -﵁- (^٣): ونحن حدثاء عهد بكفر (^٤). أي أسلمنا من قريب وقالها للاعتذار أي لهذا جهلنا هذا الأمر.\nوإليك كلام بعض المفسرين والعلماء حول الآية والحديث:\nقال ابن جرير: \"وكانوا يعبدون أصناما على صور البقر فلهذا أثار ذلك شبهة لهم في عبادتهم العجل بعد ذلك فقالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون أي تجهلون عظمة الله وجلاله وما يجب أن ينزه عنه من الشريك والمثيل\" (^٥).\n_________\n(^١) هو أبو بكر محمد بن الوليد الطرطوشي ﵀.\n(^٢) إغاثة اللهفان ١/ ٢٠٥.\n(^٣) أبو واقد الليثي أسلم عام الفتح ولم يشهد بدرًا. قال الحافظ ابن حجر ﵀: \"وقد نصَّ الزهري على أنه أسلم يوم الفتح، وأسند ذلك عن سنان بن أبي سنان الدؤلي، أخرجه ابن منده بسند صحيح إلى الزهري ... \" [الإصابة ٤/ ١٢٥]، وانظر سير أعلام النبلاء ٢/ ٥٧٥، وأُسد الغابة ١/ ٣٤٢، وشذرات الذهب ١/ ٦.\n(^٤) هذا القول يُبيِّن أن الطلب كان من طائفة معينة وهم حدثاء العهد بالكفر وليس من كل الصحابة ﵃؛ لأن فيهم قدماؤهم وعلماؤهم الذين هم أبعد الناس عن هذا الطلب؛ لرسوخ قدمهم في الإسلام. قال الشيخ ابن قاسم: \"وقوله يشير إلى أهل مكة الذين أسلموا قريبًا، فلذلك خفي عليهم هذا الشرك\" ا. هـ حاشية كتاب التوحيد ص ٩٢.\n(^٥) تفسير ابن كثير لقوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ في سورة الأعراف آية ١٣٨.","vol":"1","page":344},{"text":"وقال قتادة: \"كان أولئك القوم من لخم، وكانوا نزولًا بالرقة فقالت بنو إسرائيل لما رأوا ذلك قالوا: يا موسى اجعل لنا إلهًا أي مثالًا نعبده كما لهم آلهة، ولم يكن ذلك شكًا من بني إسرائيل في وحدانية الله وإنما معناه اجعل لنا شيئًا نعظمه ونتقرب بتعظيمه إلى الله وظنوا أن ذلك لا يضر الديانة وكان ذلك لشدة جهلهم قال موسى: إنكم قوم تجهلون\" (^١).\nوقال النسفي: \"فوصفهم بالجهل المطلق وأكده أن هؤلا يعنى عبدة تلك التماثيل متبر ما هم فيه أي يتبر الله ويهدم دينهم الذي هم عليه\" (^٢).\nوقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"\"ونحن حدثاء عهد بكفر\" أي: قريبو عهد بكفر، ففيه دليل أن غيرهم لا يجهل هذا، وأن المنتقل من الباطل الذي اعتاده قلبه لا يأمن أن يكون في قلبه بقية من تلك العادات الباطلة، ذكره المصنف\" (^٣).\nوقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: \"ولا خلاف أن بني إسرائيل لم يفعلوا وكذلك الذين سألوا النبي -ﷺ- لم يفعلوا ولا خلاف أن بني إسرائيل لو فعلوا ذلك لكفروا وكذلك لا خلاف أن الذين نهاهم النبي -ﷺ- لو لم يطيعوه واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه لكفروا وهذا هو المطلوب، ولكن القصة تفيد أن المسلم بل العالم قد يقع في أنواع من الشرك وهو لا يدري عنها فتفيد لزوم التعلم والتحرز ... وتفيد أيضًا أن المسلم المجتهد إذا تكلم بكلام كفر وهو لا يدري فنبه على ذلك فتاب من ساعته أنه لا يكفر كما فعل بنو إسرائيل والذين سألوا النبي -ﷺ-\" (^٤).\n_________\n(^١) تفسير البغوي لقوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ سورة الأعراف، الآية ١٣٨.\n(^٢) تفسير النسفي لقوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم سورة الأعراف، الآية ١٣٨.\n(^٣) تيسير العزيز الحميد ص ١٨١.\n(^٤) كشف الشبهات ص ٢٣.","vol":"1","page":345},{"text":"وقال أيضًا: \"أفيظن أن قوم موسى لما قالوا اجعل لنا إلها خرجوا من الإسلام أفيظن أن أصحاب رسول الله -ﷺ- لما قالوا اجعل لنا ذات أنواط، فحلف لهم أن هذا مثل قول قوم موسى: اجعل لنا إلهًا أنهم خرجوا من الإسلام؟ أيظن أن النبي -﵁- لما سمعهم يحلفون بآبائهم فنهاهم وقال: \"من حلف بغير الله فقد أشرك\" أنهم خرجوا من الإسلام؟ إلى غير ذلك من الأدلة التي لا تحصر، فلم يفرق بين الشرك المخرج عن الملة من غيره ولم يفرق بين الجاهل والمعاند\" (^١).\nوقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: \"وظنوا أن هذا الأمر محبوب عند الله وقصدوا التقرب به، وإلا فهم أجَلُّ قدرًا من أن يقصدوا مخالفة النبي -ﷺ-\" (^٢).\nوقال ابن باز ﵀: \"وهكذا هؤلاء قالوا مثل أولئك جهلًا ولم يكونوا يعرفون حكمه لأنهم حدثاء عهد بكفر\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>٢ - أن الصحابة لم يفعلوا ذلك وأنهم لو فعلوا لكفروا:</span>\nقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: \"وللمشركين شبهة أخرى يُدْلون بها عند هذه القصة وهي أنهم يقولون: إن بني إسرائيل لم يكفروا بذلك. وكذلك الذين قالوا للنبي -ﷺ-: \"اجعل لنا ذات أنواط\" لم يكفروا.\nفالجواب: أن نقول: إن بني إسرائيل لم يفعلوا ذلك، وكذلك الذين سألوا النَّبِيّ -ﷺ- لم يفعلوا ذلك، ولا خلاف أن بني إسرائيل لو فعلوا ذلك لكفروا.\nوكذلك لا خلاف في أن الذين نهاهم النَّبِيّ -ﷺ- لو لم يطيعوه، واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه لكفروا، وهذا هو المطلوب\" (^٤).\n_________\n(^١) تاريخ نجد ص ٢٥٣.\n(^٢) فتح المجيد ص ١٦٠.\n(^٣) من شرح الشيخ ابن باز على كتاب التوحيد باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوها.\n(^٤) كشف الشبهات ص ٢٣.","vol":"1","page":346},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-266>٣ - أن الاعتبار في الأحكام بالمعاني لا بالأسماء:</span>\nوقد ذكر ذلك الشيخ عبد الرحمن بن حسن حيث قال، ومنها: \"أن الاعتبار في الأحكام بالمعاني لا بالأسماء، ولهذا جعل النبي -ﷺ- طلبهم كطلب بني إسرائيل، ولم يلتفت إلى كونهم سموها ذات أنواط، فالمشرك مشرك، وإن سمى شركه ما سماه، كمن يسمي دعاء الأموات والذبح لهم والنذر ونحو ذلك تعظيمًا ومحبة، فإن ذلك هو الشرك، وإن سماه ما سماه، وقس على ذلك\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>٤ - النهي عن مشابهة الكفار:</span>\nفالنَّبِيّ -ﷺ- جعل قول الصحابة مثل قول بني إسرائيل لما قالوا: \"اجعل لنا ذات أنواط، قال: \"قلتم كما قال بنوا إسرائيل\" (^٢)، فشبَّه قولهم بقول بني إسرائيل. ولما أخبر أنه من السنن دل ذلك على النهي عن التشبه بهم.\nقال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ: \"فأنكر النبي -ﷺ- مجرد مشابهتهم الكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها معلقين عليها سلاحهم فكيف بما هو أطم من ذلك من مشابهتهم المشركين أو هو الشرك بعينه\" (^٣).\nوقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: \"فإذا كان هذا تغليظ رسول الله -ﷺ- على أولئك الصحابة لما طلبوا منه مشابهة المشركين في جعل سدرة لتعليق الأسلحة والتبرك بها والعكوف عندها، فكيف بما هو أشد من ذلك وهو الشرك الأكبر الذي يفعله أكثر الناس ليومنا هذا\" (^٤).\nتنبيه: ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب بيان صورة طلبهم حيث قال في\n_________\n(^١) فتح المجيد ص ١٦١، ١٦٢ وانظر: الدر النضيد للشوكاني ص ٩.\n(^٢) رواه الترمذي في الفتن (٢١٨٠)، وأحمد (٢١٣٩٠) كلاهما من حديث أبي واقد الليثي.\n(^٣) الاقتضاء ٢/ ٦٤٤.\n(^٤) تاريخ نجد (تحقيق ناصر الدين أسد) ص ٤٧.","vol":"1","page":347},{"text":"\"كتاب التوحيد\" ضمن مسائل باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما: \"الحادية عشرة: أن الشرك فيه أكبر وأصغر لأنهم لم يرتدوا بهذا\" (^١).\nوقال ابن عثيمين ﵀: \"حيث لم يطلبوا جعل ذات أنواط لعبادتها بل للتبرك بها\" (^٢).\nوقال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب لما سئل عن من حلف بغير الله جهلًا منه أنه شرك لا عنادًا ولا معتقدًا أن عظمته تساوي عظمة الله فقال: \"الظاهر أن الذي يجهل مثل ذلك يعذر بالجهل لأن الشرائع لا تلزم إلا بعد بلوغ الرسالة إلى أن قال وكذلك إذا فعل شيئا من الشرك غير الحلف جهلا منه وخطأ فإذا نبه على ذلك تنبه وتاب ونزع كما جرى لقوم موسى ﵇ وكما جرى للصحابة الذين قالوا لرسول الله -ﷺ- اجعل لنا ذات أنواط وأما من يفعل ذلك جهلًا لا عنادًا وماتوا عليه قبل أن يبلغهم أنه شرك هل يحكم بإسلامهم ويرجى لهم العفو من الله والمغفرة وينفعهم استغفار الأحياء لهم؟ فهذه المسألة أحسن الأجوبة فيها أن يقال الله أعلم بهم، كما قال موسى ﵇ لما قيل له: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ [طه: ٥١ - ٥٢] \" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>التبرك قسمان: ممنوع ومشروع:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-269>أولا: التبرك الممنوع:</span>\nمنه ما هو شرك أكبر إذا عتقد أنها تمنح البركة استقلالًا من دون الله ﷾ أو اعتقد أنهما واسطة إلى الله تعالى كما يفعله عباد اللات والعزى ومناة.\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"وقال أبو صالح: العزى نخلة كانوا يعلقون\n_________\n(^١) كتاب التوحيد مع شرح ابن عثيمين من مجموع الفتاوى ٩/ ١٩٧.\n(^٢) القول المفيد من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ١٩٧.\n(^٣) الرسائل والمسائل القسم الأول من الجزء الأول ص ٢٠١.","vol":"1","page":348},{"text":"عليها السيور والعهن رواه عبد بن حميد وابن جرير. فتأمل فعل المشركين مع هذا الوثن، ووازن بينه وبين ما يفعله عباد القبور من دعائها، والذبح عِنْدَها، وتعليق الخيوط وإلقاء الخرق في ضرائح الأموات ونحو ذلك، فالله المستعان\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-270> ومن هذا القبيل التبرك بالأموات بدعائهم وعبادتهم</span>.\nوقد سئل الشيخ ابن باز ﵀ عن قوم يتبركون بالموتى ويقولون أنهم ما يعبدونهم بل يتبركون بهم فقال ﵀: \"الاعتبار بالحقائق والمعنى، لا باختلاف الألفاظ، فإذا قالوا: ما نعبدهم وإنما نتبرك بهم، لم ينفعهم ذلك، ما داموا فعلوا فعل المشركين من قبلهم، وإن لم يسموا ذلك عبادة، بل سموه توسلًا أو تبركًا، فالتعلق بغير الله، ودعاء الأموات والأنبياء والصالحين والذبح لهم أو السجود لهم، أو الاستغاثة بهم، كل ذلك عبادة ولو سموها خدمة، أو سموها غير ذلك، لأن العبرة بالحقائق لا بالأسماء كما تقدم (^٢).\n* فائدة: هناك أمور تحصل فيُظن أنها من بركة فلان الميت، وهذه البركة المزعومة موهومة باطلة يزعمها الدجالون فيمن يعتقدون ولايته وقد يكون للشيطان أثر في هذا الأمر بحيث أنه يخدم هذا الشيخ، فيكون في ذلك فتنة (^٣).\n* ومن التبرك الممنوع ما هو بدعة دون الشرك الأكبر وقد تدخل بعض صوره في الشرك الأصغر مثل أن يذبح لله في بقعة معينة، أو أن يصلي لله عِنْدَها معتقدًا البركة فهذا يعتبر تبرك وسيلة. وضابطه: أن يقصد مكانًا معينًا ليعمل عِنْدَه عملًا لله ومثله أن يتمسح بها كمن يتمسح بأعمدة المسجد الحرام، أو الكعبة تبركًا.\nقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"ومع الأسف أن بعض الناس اتخذوا من\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ١٧٧.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن باز ص ٧١١.\n(^٣) انظر مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ١٨٥.","vol":"1","page":349},{"text":"العبادات نوعًا من التبرك فقط مثل ما يشاهد من أن بعض الناس يمسح الركن اليماني من باب التبرك لا التعبد، وهذا جهل، وقد قال عمر في الحجر: \"إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله -ﷺ- يقبِّلك ما قبَّلتك\"\" (^١).\nوقال الشيخ ﵀: \"والقاعدة: \"إن كل إنسان اعتمد على سبب لم يجعله الشرع سببا؛ فإنه مشرك شركًا أصغر\"\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"وأما التبرك بها: فإن كان يعتقد أنها تنفع من دون الله ﷿ فهذا شرك في الربوبية مخرج عن الملة، وإن كان يعتقد أنها سبب وليست تنفع من دون الله فهو ضال غير مصيب، وما اعتقده فإنه من الشرك الأصغر\" (^٣).\nقال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ: \"فمن قصد بقعة يرجو الخير بقصدها ولم تستحب الشريعة ذلك فهو من المنكرات وبعضه أشد من بعض سواء كانت البقعة شجرة أو غيرها أو قناة جارية أو جبلا أو مغارة وسواء قصدها ليصلي عندها أو ليدعو عندها أو ليقرأ عندها أو ليذكر الله سبحانه عندها أو لينسك عندها بحيث يخص تلك البقعة بنوع من العبادة التي لم يشرع تخصيص تلك البقعة به لا عينًا ولا نوعًا\" (^٤).\nوقال الشيخ ابن عثيمين: \"وفي هذا الوقت أصبح تعليق القرآن لا للاستشفاء، بل لمجرد التبرك والزينة؛ كالقلائد الذهبية، أو الحلي التي يكتب عليها لفظ الجلالة، أو آية الكرسي، أو القرآن كاملًا؛ فهذا كله من البدع\" (^٥).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ١٧١. وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ١٧٨.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٥٧٥. وانظر القول المفيد ط ١ - ٢/ ٩٣.\n(^٣) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٢/ ٢٣١.\n(^٤) الاقتضاء ٢/ ٦٤٤.\n(^٥) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ١٨٠. وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ١٨٨.","vol":"1","page":350},{"text":"وسُئل ﵀ عن هذه العبارات: \"باسم الوطن، باسم الشعب، باسم العروبة\"؟.\nفأجاب قائلًا: \"هذه العبارات إذا كان الإنسان يقصد بذلك أنه يعبر عن العرب أو يعبر عن أهل البلد فهذا لا بأس به، وإن قصد التبرك والاستعانة فهو نوع من الشرك، وقد يكون شركًا أكبر بحسب ما يقوم في قلب صاحبه من التعظيم بما استعان به\" (^١).\n* وتبين من هذا أن الحكم على التبرك الممنوع فيه ما هو شرك أكبر وفيه ما هو منكر دون ذلك والأمر في ذلك يعود إلى الاعتقاد القائم في قلب صاحبه.\nقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: \" ... من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما كبقعة وقبر ونحو ذلك فهو مشرك\" (^٢).\nوقال الشيخ ابن عثيمين: \"تسمية المساجد بأسماء الأنبياء لا ينبغي لأن هذا إنما يتخذ على سبيل التقرب إلى الله ﷿ أو التبرك بأسماء الأنبياء، والتقرب إلى الله بما لم يشرعه، والتبرك بما لم يجعله الله سببًا للبركة لا ينبغي، بل هو نوع من البدع\" (^٣).\nوسئل ﵀ عن حكم التبرك بالقبور والطواف حولها بقصد قضاء حاجة أو تقرب؟.\nفأجاب بقوله: \"التبرك بالقبور حرام ونوع من الشرك وذلك لأنه إثبات تأثير شيء لم ينزل الله به سلطانًا ولم يكن من عادة السلف الصالح أن يفعلوا مثل هذا التبرك فيكون من هذه الناحية بدعة أيضًا، وإذا اعتقد المتبرك أن لصاحب القبر تأثيرًا أو قدرة على دفع الضرر أو جلب النفع كان ذلك شركًا أكبر إذا دعاه لجلب\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٣/ س رقم ٤٤٥.\n(^٢) فتح المجيد ص ١٥٥.\n(^٣) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٢/ ٢٤٨.","vol":"1","page":351},{"text":"المنفعة أو دفع المضرة\" (^١).\nوقرر الشيخ صالح الفوزان: \"أن من طلب البركة من حجر أو شجر فقد أشرك بالله ﷾، لأن الحجر والشجر لا يخلق البركة ولا يوجدها، ولا هو سبب في حصولها، وإنما الذي يوجدها هو الله ﷾ ... فالاعتماد على الله ﷾ في كل الأمور، وإنما نتخذ الأسباب لأن الله امرنا باتخاذ الأسباب، وأما النتائج فهي عند الله ﷾، نحن لا نعتمد على الأسباب، وإنما نعتمد على الله، ونحن لا نعطل الأسباب، لأن الله أمرنا بذلك، تعطيل الأسباب عجز وتعطيل للمنافع، التي جعلها الله ﷾ في الأشياء، كما قال بعض العلماء: \"الاعتماد على السبب شرك، وترك السبب قدح في الشرع\"؛ لأن الشرع أمرك باتخاذ الأسباب \"والاعتماد على الأسباب شرك\"؛ لأنه اعتماد على غير الله.\nفهذه مسألة يجب على طالب العلم أن يفقهها وأن يعرفها، وأن يتأملها جيدًا، وأن يوضحها للمسلمين، لإزاحة الشبهات، وإزاحة التضليل الذي يَرُوج عند بعض الناس بسبب الجهل، أو بسبب سوء القصد ... والآن عَبَدة القبور يقولون: هذا ليس بشرك، هذا توسُّل، وهذا محبة للأولياء والصالحين، إن أولياء الله الصالحين لا يرضون بهذا العمل، ولا يرضون أن تُجعل قبورهم أوثانًا تُعبد من دون الله، والنبي -ﷺ- يقول: \"اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\"، فدلّ على أن تعظيم القبور والتبرك بها يجعلها أوثانًا تُعبد من دون الله.\nفالحاصل؛ أن هذا فيه دليل على أن العبرة في المعاني لا في الألفاظ، فاختلاف الألفاظ لا يؤثر، وإن سّميتموه توسّلًا، أو سّميتموه إظهارًا لشرف الصالحين، أو\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٢/ ٢٤٩.","vol":"1","page":352},{"text":"وفاءً بحقهم علينا -كما تقولون-، هذا هو الشرك، سواء بسواء، فالذي يتبرك بالحجر أو بالشجر أو بالقبر قد اتخده إلهًا، وإن كان يزعم أنه ليس بإله، الأسماء لا تغير الحقائق، إذا سميت الشرك توسلًا، أو محبة للصالحين، أو وفاءً بحقهم، نقول: الأسماء لا تغير الحقائق\" (^١).\n* فائدة: بعض الناس قد يتبرك بقبر الرسول -ﷺ- ومن مظاهر ذلك الدعاء والصلاة عِنْدَه أو يعتقد أن الدعاء عِنْدَ قبره -ﷺ- مستجاب أو أنه أفضل من الدعاء في المساجد والبيوت أو يعتقد أن الصلاة عِنْدَ القبر أرجى للقبول فيقصد زيارته لذلك. قال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ عن هذا الفعل ونحوه: \"فهذا من المنكرات المبتدعة باتفاق أئمة المسلمين وهي محرمة، وما علمت في ذلك نزاعا بين أئمة الدين\" (^٢).\nفكل ما عمل عِنْدَه من عبادة أو اعتكاف أو ما شابهه بقصد البركة بقبره فإن هذا من البدع المحدثة في الدين.\nقال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ: \"لو كان للأعمال عِنْدَ القبرِ فضيلة لفتح للمسلمين باب الحجر فلما منعوا من الوصول إلى القبر وأمروا بالعبادة في المسجد علم أن فضيلة العمل فيه لكونه في مسجده\" (^٣).\nومن المنكرات وضعهم اليد للتبرك على شباك حجرة النبي -ﷺ- وحلف البعض بذلك بقوله: وحق الذي وضعت يدك على شباكه، وقلت الشفاعة يا رسول الله (^٤).\n_________\n(^١) إعانة المستفيد ١/ ٢١٣، ٢١٤،٢٢٣.\n(^٢) الرد على البكري ص: ٥٦.\n(^٣) الفتاوى ٢٧/ ٢٣٦، ٢٣٧. انظر: التبرك ٣٢٤ وما بعدها.\n(^٤) حجة النبي -ﷺ- ص ١٣٨.","vol":"1","page":353},{"text":"ومنها ربط الخرق بالمقام والمنبر لقضاء الحاجات (^١).\nومنها بدعة إلصاق البطن والظهر بجدار القبر ومسحه باليد (^٢).\nومنها إلقاء المناديل والثياب على القبر؛ بقصد التبرك (^٣).\nوهذا ومثله إن سلم صاحبه من الشرك فإنه لا يسلم من الحرمة لأنه ابتداع في الدين ومخالف لما عليه الرسول -ﷺ- وأصحابه.\nومن البدع تخصيص أزمنة معينة -لم يخصها الشرع بذلك- بنوع من التعظيم والاحتفالات والعبادات، كيوم مولد الرسول -ﷺ-، ويوم الإسراء والمعراج، ويوم الهجرة، ويوم بدر، وفتح مكة وغير ذلك، فالتبرك بالأزمنة على هذا النحو من البدع.\n* وينبغي نزع كل ما يفتن العامة أو يفسد عليهم اعتقادهم من الأنصاب التي يتبرك بها أو يتمسح بها فإن لم يتيسر نزعها وإزالتها فإنهم يمنعون منها ومن الوصول إليها، وقد جاء عن الحافظ أبي شامة: \"أن بعض أهل العلم في إفريقية كان إلى جانبه عين تسمى عين العافية، كان العامة قد افتتنوا بها يأتونها من الآفاق، فمن تعذر عليه نكاح، أو ولد قال: امضوا بي إلى العافية، فيعرف فيها فتنة، فخرج في السحر فهدمها، وأذن للصبح عليها، ثم قال: \"اللهم إني هدمتها لك، فلا ترفع لها رأسًا، قال: فما رفع لها رأس إلى الآن\"\" (^٤).\n_________\n(^١) حجة النبي -ﷺ- الألباني ص ١٣٤.\n(^٢) انظر في ذلك المجموع للنووي ٨/ ٢٧٥. الباعث أبو شامة ص ٢٨٢. مجموع الفتاوى لابنِ تَيمِيَّةَ ٤/ ٣١٠ - ٢٤/ ٣٣١ - ٢٧/ ٩١. اقتضاء الصراط المستقيم ص ١٧٦. إغاثة اللهفان ١/ ١٩٤. الدين الخالص ٩/ ٣٣٢، ٣٣٩. أحكام الجنانز الألباني ص ٢٦٣.\n(^٣) أحكام الجنائز الألباني ص ٢٦٢ رقم ١٨٦.\n(^٤) انظر قول الحافظ أبي محمد المعروف بأبي شامة في كتابه الحوادث والبدع نقلًا عن إغاثة اللهفان ١/ ٢١١، ٢١٢.","vol":"1","page":354},{"text":"وقال ابن القيم: \"وكان بدمشق كثير من الأنصاب، فيسر الله سبحانه كسرها على يد شيخ الإسلام وحزب الله الموحدين، كالعمود المخلق، والنصب الذي كان بمسجد النارنج عِنْدَ المصلي يعبد الجهال، والنصب الذي كان تحت الطاحون، الذي عِنْدَ مقابر النصارى، ينتابه الناس للتبرك به، صورة صنم في نهر القلوط ينذرون له ويتبركون به، وقطع الله سبحانه النصب الذي كان عِنْدَ الرحبة يسرج عِنْدَه، ويتبرك به المشركون. وكان عمودا طويلا على رأسه حجرا كالكرة. وعِنْدَ مسجد درب الحجر نصب قد بنى عليه مسجد صغير، ويعبده المشركون يسر الله كسره\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-271> حكم التبرك بذوات الصالحين وآثارهم:</span>\nالتبرك بذوات الصالحين وآثارهم من التبرك الباطل فلم يؤثر عن أحد من الناس أنه تبرك بوضوء أبي بكر أو عرقه، أو ثيابه أو ريقه أو غير ذلك ولا عمر ولا عثمان ولا علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين، وإنما كان الصحابة -﵃- يتبركون بوضوء النبي -ﷺ-، وجسمه وعرقه، وريقه، وشعره، وملابسه، وهذا خاص بالنبي -ﷺ-، لا يجوز أن يقاس عليه أحد من الصالحين، ولو كانوا الخلفاء الراشدين، أو العشرة المبشرين فضلا عن غيرهم، لأن التبرك عباده مبناها على التوقيف والاتباع (^٢). وقد حكى الشاطبي ﵀ الإجماع على عدم التبرك بغير رسول الله -ﷺ- (^٣).\nقال ابن أبي يعلى في ترجمة علي بن عبد الله الطيالسي: \"نقل عن إمامنا أشياء منها\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان ١/ ٢١٢.\n(^٢) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم ص ٣٣٩. رسالة التبرك المشروع والتبرك الممنوع للعلياني ص ٨١.\n(^٣) الاعتصام للشاطبي ١/ ٤٨٢.","vol":"1","page":355},{"text":"قال: مسحت يدي على أحمد بن حنبل ثم مسحت يدي على بني وهو ينظر، فغضب غضبًا شديدًا، وجعل ينفض نفسه ويقول: عمن أخذتم هذا وأنكره إنكارًا شديدًا\" (^١).\nقال ابن رجب: \"وكذلك التبرك بالآثار، فإنما كان يفعله الصحابة مع النبي -ﷺ- ولم يكونوا يفعلونه مع بعضهم ... ولا يفعله التابعون مع الصحابة، مع علو قدرهم فدل على أن هذا لا يفعل إلا مع النبي -ﷺ- مثل التبرك بوضوئه، وفضلاته، وشعره، وشرب فضل شرابه وطعامه\" (^٢).\nفالصواب أن التبرك بالصالحين وآثارهم بدعة، وبعض أهل العلم يرى أنه من الشرك الأصغر.\nأما ما ذهب إليه النووي وابن حجر والشوكاني من جوازه لأن الصحابة تبركوا بالرسول -ﷺ- فهذا قياس مع الفارق.\nيقول الشيخ سليمان بن عبد الله: \"ذكر بعض المتأخرين أن التبرك بآثار الصالحين مستحب كشرب سؤرهم والتمسح بهم أو بثيابهم، وحمل المولود إلى أحد منهم ليحنكه بتمرة حتى يكون أول ما يدخل جوفه ريق الصالحين والتبرك بعرقهم ونحو ذلك، وقد أكثر من ذلك أبو زكريا النووي في شرح مسلم في الأحاديث التي فيها الصحابة فعلوا شيئا من ذلك مع النبي -ﷺ- (^٣) وظن أن بقية الصالحين في ذلك كالنبي -ﷺ- وهذا خطأ صريح لوجوه:\nمنها عدم المقاربة فضلًا عن المساواة للنبي -ﷺ- في الفضل والبركة ومنها عدم\n_________\n(^١) طبقات الحنابلة ١/ ٢٢٨ ونقلها العليمي كما في الطبقات إلا أنه قال: فجعل ينفض يده المنهج ١/ ٤٢٨.\n(^٢) كتاب الحكم الجدير بالإذاعة من قول الرسول -ﷺ-: \"بُعثت بين يدي الساعة\" لابن رجب ٥٥.\n(^٣) انظر: شرح النووي ١٥/ ٨٦، ٨٧.","vol":"1","page":356},{"text":"تحقق الصلاح، فإنه لا يتحقق إلا بصلاح القلب وهذا أمر لا يمكن الإطلاع عليه إلا بنص، كالصحابة الذين أثنى الله عليهم ورسوله أو أئمة التابعين، ومن شهر بصلاح ودين كالأئمة الأربعة ونحوهم من الذين تشهد لهم الأمة بالصلاح وقد عدم أولئك، أما غيرهم فغاية الأمر أن نظن أنهم صالحون فنرجو لهم.\nومنها أنا لو ظننا صلاح شخص فلا نأمن أن يختم له بخاتمة سوء، والأعمال بالخواتيم فلا يكون أهلا للتبرك بآثاره.\nومنها أن الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك مع غيره لا في حياته، ولا بعد موته، ولو كان خيرا لسبقونا إليه، فهلا فعلوه مع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ونحوهم من الذين شهد لهم النبي -ﷺ- بالجنة، وكذلك التابعون هلا فعلوه مع سعيد بن المسيب وعلي بن الحسين وأويس القرني والحسن البصري ونحوهم ممن يقطع بصلاحهم فدل أن ذلك مخصوص بالنبي -ﷺ-.\nومنها أن فعل هذا مع غيره -ﷺ- لا يؤمن أن يفتنه وتعجبه نفسه فيورثه العجب والكبر والرياء فيكون هذا كالمدح في الوجه بل أعظم\" (^١).\nقال ابن رجب: \"وفي الجملة فهذه الأشياء فتنة للمعظِّم والمعظَّم لما يخشى عليه من الغلو المدخل في البدعة وربما يترقى إلى نوع من الشرك\" (^٢).\nقال ابن باز ﵀: \"لا يجوز التبرك بأحد غير النبي -ﷺ- لا بوضوئه، ولا بشعره، ولا بعرقه، ولا بشيء من جسده؛ بل هذا كله خاص بالنبي -ﷺ- لما جعل الله في جسده وما مسه من الخير والبركة.\nولهذا لم يتبرك الصحابة -﵃- بأحد منهم، لا في حياته ولا بعد وفاته -ﷺ- لا مع الخلفاء الراشدين ولا مع غيرهم. فدل ذلك على أنهم قد عرفوا أن ذلك خاص\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ١٨٥، ١٨٦.\n(^٢) الحكم الجديرة بالإذاعة لابن رجب ص ٥٥. وانظر: كتاب التبرك للجديع ص ٢٦٧.","vol":"1","page":357},{"text":"بالنبي -ﷺ- دون غيره، ولأن ذلك وسيلة إلى الشرك وعبادة غير الله سبحانه\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>ثانيًا: التبرك المشروع:</span>\nوهو أنواع منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-273>أ - التبرك بالأقوال والأفعال والهيئات التي حث عليها رسول الله -ﷺ</span>-:\nفمن الأقوال: ذكر الله وتلاوة كتابه (^٢) فمن بركات الذكر ما رواه أبو هريرة أن رسول الله -ﷺ- قال: \"إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر .. وفيه أن الله يقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم، قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم\" (^٣).\nومن بركات القرآن أن الحرف الواحد بعشر حسنات، ومن ذلك أيضا ما رواه أبو أمامة الباهلي أن رسول الله -ﷺ- قال: \"اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، اقرؤوا الزهراوين البقرة وسورة آل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما، اقرؤوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة\" (^٤).\nومن بركات القرآن أنه شفاء للناس وهدى ورحمة.\nومن الأفعال التي تكون سببًا للبركة: طلب العلم وتعلمه، فمن بركاته الرفعة في الدنيا والآخرة، ومن ذلك أداء الصلاة جماعة مع المسلمين فمن بركة ذلك مضاعفة الحسنات وتكفير السيئات، وكذا بقية أركان الإسلام ففيها بركات\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن باز ٩٥٦.\n(^٢) قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ قال الشنقيطي في أضواء البيان (٤/ ٥٨٧): \"أي: كثير البركات والخيرات لأن فيه خير الدنيا والآخرة\".\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٤٠٨).\n(^٤) أخرجه مسلم (٨٠٤) ومعنى البطلة السحرة.","vol":"1","page":358},{"text":"عظيمة، وكذا الجهاد في سبيل الله، فمن بركاته نيل الشهادة.\nومن الهيئات المباركة الاجتماع على الطعام والأكل من جوانب القصعة، ولعق الأصابع، وكيل الطعام، فقد قال -ﷺ-: \"اجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله تعالى عليه يبارك لكم فيه\" (^١). وقال -ﷺ-: \"إن البركة تنزل وسط الطعام فكلوا من حافتيه، ولا تأكلوا من وسطه\" (^٢). وأمر -ﷺ- بلعق الأصابع، وقال: \"فإنه لا يدري في أي طعامه البركة\" (^٣). وقال -ﷺ-: \"كيلوا طعامكم يبارك لكم\" (^٤). فكل قول أو فعل أمر الله به أو رسوله قام به العبد مع الإخلاص والمتابعة، فإنه سبب للبركة.\nب - هناك أمكنة مباركة جعلها الله سببًا في زيادة الأجر إذا تحقق في العمل الإخلاص والمتابعة ولكن هذه البركة في الأمكنة لا تتعدى، ومن هذه الأماكن المساجد والتماس البركة فيها إنما يكون بأداء الصلاة فيها، والاعتكاف، وحضور مجالس العلم وغير ذلك مما هو مشروع، ولا يكون بالتمسح بجدرانها أو ترابها مما هو ممنوع.\nومن المساجد ما يكون لها مزية وزيادة في البركة كالمسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، فصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، وفي المسجد النبوي بألف صلاة، وفي المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة، وقال -ﷺ-: \"من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء وصلى فيه صلاة كان له كأجر عمرة\" (^٥).\nومن الأمكنة المباركة: مكة شرفها الله، والمدينة المنورة، والشام، فإن النبي\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٧٦٤) وابن ماجه (٣٢٨٦) وأحمد (١٦١٧٦).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣٧٧٢) وابن ماجه (٣٢٧٧) والترمذي (١٨٠٥) واللفظ له وقال حديث حسن صحيح وأحمد (٢٤٣٩).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٠٣٣).\n(^٤) أخرجه البخاري (٢١٢٨).\n(^٥) أخرجه أحمد (١٦٠٧٧) والنسائي (٧٠٠) وابن ماجه (١٤١٢).","vol":"1","page":359},{"text":"-ﷺ- قال: \"إن إبراهيم حرّم مكة ودعا لها، وحرَّمت المدينة كما حرَّم إبراهيم مكة، ودعوت لها في مدها وصاعها مثل ما دعا إبراهيم لمكة\" (^١)، وقال -ﷺ-: \"ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص أو ذوب الملح في الماء\" (^٢)، وقال -ﷺ-: \"طوبى للشام\". فقلنا: لأي ذلك يا رسول الله؟ قال: \"لأن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليها\" (^٣).\nفمن سكن مكة أو المدينة أو الشام طلبًا لما فيها من البركة التي أخبر عنها النبي -ﷺ-، فقد وفق إلى خير كثير، بخلاف ما لو طلب التبرك بالتمسح بترابها وجدرانها وأشجارها وغير ذلك مما لم يرد به الشرع فإنه بدعة وكذا المشاعر المقدسة كعرفة ومزدلفة ومنى فهي أماكن مباركة لما في الاقتداء بالرسول -ﷺ-، بالحصول فيها في الأوقات المشروعة من غفران الذنوب وحصول الأجر الكبير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-275>ج - أزمنة مباركة </span>خصها الشرع بزيادة فضل وبركة مثل شهر رمضان لما في صيامه من غفران الذنوب وزيادة رزق المؤمن، وغير ذلك.\nومن ذلك ليلة القدر، والعشر الأول من شهر ذي الحجة، ويوم الجمعة، والثلث الأخير من الليل وغير ذلك من الأزمنة التي خصها الشرع بمزية، ويكون فيها من الخير والفضل والبركة الشيء الكثير، والتماس البركة في هذه الأزمنة يكون باتباع ما أرشد إليه النبي -ﷺ-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-276>د - ومن الأطعمة المباركة </span>زيت الزيتون فإن النبي -ﷺ- قال: \"كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢١٢٩) واللفظ له، ومسلم (١٣٦٠).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٣٦٣).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٣٩٥٤)، وأحمد (٢١٩٤٢).\n(^٤) أخرجه الترمذي (١٨٥٢) وأحمد (١٦١٥١).","vol":"1","page":360},{"text":"ومن ذلك اللبن لحديث عائشة: كان رسول الله -ﷺ- إذا أتي بلبن قال: \"كم في البيت بركة أو بركتين\" (^١).\nومن ذلك الحبة السوداء فهي شفاء من كل داء إلا السام (^٢)، كما أخبر النبي -ﷺ- (^٣).\nومن ذلك أيضًا ماء زمزم فإنها مباركة إنها طعام طعم. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: ورأيت أبي غير مرة يشرب من ماء زمزم يستشفي به، ويمسح به يديه وجهه (^٤).\nهـ - ومن ذلك الخيل فقد قال النبي -ﷺ-: \"الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة\" (^٥).\nو- ومن ذلك أيضًا النخل فقد قال -ﷺ-: \"إن من الشجر لما بركته كبركة المسلم\" (^٦).\nفهذه الأشياء تلتمس منها البركة حسب ما جاء عن الشرع ولا يتعدى بها الوجه المشروع والمباح (^٧).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-279> التبرك بالرسول -ﷺ</span>-:\nثبت تبرك الصحابة الكرام برسول الله -ﷺ- في أحاديث كثيرة ففي صحيح البخاري عن ابن سيرين أنه قال: قلت لعبيدة: عِنْدَنا من شعر النبي -ﷺ-، أصبناه من قبل أنس أو من قبل أهل أنس. فقال: لأن تكون عِنْدَي شعرة منه أحب إليّ من\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٣٣٢١) وأحمد (٢٥٦٣٧).\n(^٢) السام الموت.\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٦٨٧).\n(^٤) مسائل عبد الله ص ٤٤٧. وأخرجه ابن الجوزي بسنده إلى عبد الله. مناقب الإمام أحمد ص ٢٤٢. وأورده الذهبي في سير أعلام النبلاء ١١/ ٢١٢ نقلًا عن عبد الله.\n(^٥) أخرجه البخاري (٢٨٥٠).\n(^٦) أخرجه البخاري (٥٤٤٤).\n(^٧) انظر: التبرك المشروع والممنوع للعلياني ٣٣ - ٥٠.","vol":"1","page":361},{"text":"الدنيا وما فيها (^١).\nومن بركاته نبوع الماء من تحت أصابعه وتكثيره الطعام وإبراؤه المرضى وذوي العاهات كبصقة في عيني عليّ -﵁- يوم خيبر فبرأ مكانه حتى كأنه لم يكن به شيء ومن بركته إجابة دعائه فقد دعا الله كثيرًا فاستجاب له كثيرًا ودعا لأنس فكثّر الله ماله وولده، ودعا للاستسقاء فثار السحاب أمثال الجبال.\nقال القرطبي: كان -ﷺ- كلما دعا الله في شيء أجابه وظهرت بركات دعوته على المدعو له وعلى أهله وبنيه (^٢).\nوأعظم بركة تحصل للعبد هي اتباع الرسول -ﷺ- والسير على نهجه فبها تنال محبة الله ومغفرته قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١].\nوقد كان الصحابة على علم بأن هذه البركة من الله تعالى ولذلك فإن كبارهم لم يطلبوها من النبي -ﷺ- إلا في الأمور المشروعة كأن يدعو لهم أو يصلي عِنْدَهم فيتخذون مكانه مسجدًا ونحو ذلك.\nبل كان النبي -ﷺ- ينبههم على ذلك كما في البخاري لما نبع الماء من بين يديه قال: \"حي على أهل الوضوء والبركة من الله\" (^٣).\nوذكر الشاطبي حديثًا يفيد أن الأولى ترك التبرك بذات رسول الله -ﷺ- وآثاره وأن يحرص الإنسان على القيام بالدين، قال: وقد خرج ابن وهب في جامعه من\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٧٠).\n(^٢) كتاب الإعلام للقرطبي ٣٦٧ نقلا عن كتاب التبرك ٦٧.\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٦٣٩). قال ابن حجر: \"وفي رواية النسفي \"حي على الوضوء\" بإسقاط لفظ \"أهل\" وهي أصوب، وقال غيره: \"الصواب حي هلا على الوضوء المبارك\" الفتح ١٠/ ١٠٥، ولا إشكال في ذلك فقد أخرجه البخاري برقم ٣٥٧٩ ونصه: \"حي على الطهور المبارك، والبركة من الله\".","vol":"1","page":362},{"text":"حديث يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال حدثني رجل من الأنصار أن رسول الله -ﷺ- كان إذا توضأ أو تنخم ابتدر من حوله من المسلمين وضوء ونخامته فشربوه ومسحوا به جلودهم، فلما رآهم يصنعون ذلك سألهم: \"لم تفعلون هذا؟ \" قالوا: نلتمس الطهور والبركة بذلك فقال رسول الله -ﷺ-: \"من كان منكم يحب أن يحبه الله ورسوله فليصدق الحديث وليؤد الأمانة ولا يؤذ جاره\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-280> حكم التبرك بآثار الرسول -ﷺ- بعد وفاته:</span>\nجاء في صحيح الإمام مسلم أن أسماء بنت أبي بكر أخرجت جبة طيالسة وقالت هذه كانت عِنْدَ عائشة حتى قبضت فلما قبضت قبضتها، وكان رسول الله -ﷺ- يلبسها فنحن نغسلها للمرضى لنستشفي بها (^٢).\nوبهذا الحديث وغيره يثبت جواز التبرك بآثار الرسول -ﷺ- بعد وفاته ولا يثبت في هذا الزمان وجود شيء من آثاره من شعر أو عرق أو سيف أو ما شابه ذلك ولكن في اتباع هديه والاقتداء به والسير على منهاجه ظاهرًا وباطنًا أعظم بركة، أما ما يذكره بعض الناس من وجود ذلك فإنه موقع شك لا يقين.\nيقول الشيخ محمد ناصر الدين الألباني -﵀-: \"ونحن نعلم أن آثاره من ثياب أو شعر أو فضلات قد فقدت وليس بإمكان أحد إثبات وجود شيء منها على وجه القطع واليقين\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-281> حكم بعض الألفاظ المتعلقة بالبركة:</span>\n١ - كلمة تبارك لا تطلق إلا على الله إذ معناها تعالى وتعاظم وتقدس. قال ابن دريد: \"وتبارك لا يوصف به إلا الله تعالى، ولا يُقال تبارك فلان في معنى عظم، هذه\n_________\n(^١) الاعتصام ١/ ٤٨٥، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٩٧٤٨).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٠٦٩).\n(^٣) التوسل أنواعه وأحكامه للألباني ص ١٤٦.","vol":"1","page":363},{"text":"الصفة لا تنبغي إلا الله -﷿-\" (^١).\nوقال الشيخ ابن عثيمين: \"قال العلماء معنى تبارك: أي كثرت بركاته وخيراته، ولهذا يقولون: إن هذا الفعل لا يوصف به إلا الله؛ فلا يُقال: تبالرك فلان؛ لأن هذا الوصف خاص بالله.\nوقول العامة: \"أنت تباركت علينا\" لا يريدون بهذا ما يريدونه بالنسبة إلى الله -﷿-، وإنما يريدون أصابنا بركة من مجيئك ... \" (^٢).\n٢ - هذه من بركاتك يا فلان أو بركات فلان هذه جائزة ويدل عليها قول أسيد بن الحضير في البخاري حين نزلت آية التيمم بسبب عقد عائشة الذي ضاع منها: ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكر، ولأن الله أخبر أن بعض الناس مبارك كالصالحين (^٣).\n_________\n(^١) جمهرة أنساب العرب ١/ ٢٢٣ التبرك ٢٩.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ١١٠٣. وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ٢٧٧.\n(^٣) انظر: للاستزادة مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ١١٠٤. وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ٢٧٨.","vol":"1","page":364},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-282>٧١ - تتبع آثار الأنبياء والصالحين المكانية </span>*\nالمقصود تتبع قبور الأنبياء والصالحين ومجالسهم ومساكنهم ومواضع صلاتهم للصلاة والدعاء عندها أو التبرك أو غير ذلك وهذا كله البدع ووسائل الشرك ومثاله ما نقله الشيخ مرعي الحنبلي -﵀- حين قال: \"غار حراء، وجبل ثور، وجبل الرماة، والمساجد السبعة، وغيرها من الآثار لا يشرع زيارتها بالاتفاق\" (^١).\n* الدليل من السنة: روى سعيد بن منصور في سننه أن عمر الخطاب -﵁- لما رجع من حجته رأى الناس ابتدروا مسجدًا فقال: ما هذا؟ فقالو: مسجد صلى فيه رسول الله -ﷺ- فقال: هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم اتخذوا آثار أنبياءهم بيعًا. من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصل ومن لم تعرض له الصلاة فليمض\" (^٢).\nوقال المعرور بن سويد: صليت مع عمر بن الخطاب في طريق مكة صلاة الصبح، فقرأ فيها: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١)﴾ [الفيل: ١]، وقوله تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١)﴾ [قريش: ١]، ثم رأى الناس يذهبون مذاهب فقال: أين\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ١٣/ ٦٤، ٦٧ - ٢/ ٢٨٩، ٢٩٠. اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٦٤٤، ٦٤٦، ٧٤٢، ٧٤٦، ٧٩٥. مجموع الفتاوى ٢٧/ ١٣٧، ١٤٥، ٥٠٢، ٥٠٤ - ٤/ ٣١٠. المجموع ٨/ ٢٧٥. إغاثة اللهفان ١/ ١٩٤. الحجة البالغة ١/ ١٩٢. تيسير العزيز الحميد ص ٣٤١، فتح المجيد ص ٢٧٦، مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لابن باز ١/ ٤٠١. نور على الدرب ٦٨، ٢٨٥. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٧/ ٢١١. وقفات مع زيارة آثار الصالحين لفهد أبا حسين. جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية ص ١٥٩٨. الأعياد وأثرها على المسلمين د. سليمان السحيمي ص ٤٥٠. التبرك د: ناصر الجديع ٣٤١، ٣٥٨، ٣٨٤، ٣٨٧، ٣٩٦، ٤١٩ إلى ٤٦٠.\n(^١) شفاء الصدور ١١٠.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف برقم (٢٧٣٤)، وانظر: البدع لابن وضاح ٤٢، ولعله أشار إلى ابن حجر في فتح الباري ١/ ٥٦٩ إلى أنه ثابت عن عمر -﵁-.","vol":"1","page":365},{"text":"يذهب هؤلاء؟ فقيل: يا أمير المؤمنين مسجد صلى فيه رسول الله فهم يصلون فيه، فقال: \"إنما أهلك من كان قبلكم بمثل هذا، كانوا يتتبعون آثار أنبيائهم، ويتخذونها كنائس وبيعا، فمن أدركته الصلاة في هذه المساجد فليصل، ومن لا فليمض ولا يتعمدها\" (^١).\nوروى ابن سعد في الطبقات عن نافع قال: \"كان الناس يأتون الشجرة التي يقال لها الرضوان فيصلّون عندها، قال: فبلغ عمر بن الخطاب فأوعدهم وأمر بها فقُطعت\" (^٢).\nوفي التيسير \"قال ابن وضاح: سمعت عيسى بن يونس يقول: \"أمر عمر بن الخطاب بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي -ﷺ - فقطعها، لأن الناس كانوا يذهبون فيصلون تحتها، فخاف عليهم الفتنة. قال عيسى بن يونس: وهو عندنا من حديث ابن عون عن نافع (^٣): أن الناس كانوا يأتون الشجرة فقطعها عمر -﵁-\" (^٤).\nوفي مغازي ابن إسحاق من زيادات يونس بن بكير عن أبي خلدة خالد بن دينار، حدثنا أبو العالية قال: \"لما فتحنا \"تُسْتُر\" وجدنا في بيت مال الهرمزان سريرًا عليه رجل ميت عند رأسه مصحف، فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر، فدعا له كعبا فنسخه بالعربية، فأنا أول رجل قرأه من العرب، قرأته مثل ما أقرأ القرآن، فقلت لأبي العالية: ما كان فيه؟ قال: سيرتكم وأموركم ولحون كلامكم، وما هو كائن بعد. قلت: فما صنعتم بالرجل قال: حفرنا له بالنهار ثلاثة عشر قبرا متفرقة،\n_________\n(^١) المصنف لابن أبي شيبة ٢/ ٣٧٦ قال ابن تيمية في التوسل والوسيلة ص ٢٠٣ إسناده صحيح، وأشار ابن حجر في فتح الباري إلى أنه ثابت عن عمر -﵁-.\n(^٢) الطبقات الكبرى لابن سعد ٢/ ١٠٠، والمصنف لابن أبي شيبة ٢/ ٣٥٧.\n(^٣) وقد رواه ابن سعد في الطبقات عن نافع. انظر الطبقات ٢/ ١٠٠.\n(^٤) تيسير العزيز الحميد ص ٣٤١.","vol":"1","page":366},{"text":"فلما كان بالليل دفناه وسوينا القبور كلها لنعميه على الناس لا ينبشونه قلت: وما يرجون منه؟ قال: كانت السماء إذا حبست عنهم برزوا بسريره فيمطرون. فقلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجل يقال له: دانيال. فقلت: منذ كم وجدتموه مات؟ قال: منذ ثلاث مائة سنة. قلت: ما كان تغير منه شيء؟ قال لا إلا شعيرات من قفاه، إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض\" (^١).\nقال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: \"ففي هذه القصة ما فعله المهاجرون والأنصار من تعمية قبره لئلا يفتتن به، ولم يبرزوه للدعاء عنده والتبرك به، ولو ظفر به المتأخرون لجالدوا عليه بالسيوف ولعبدوه من دون الله\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-283> حكم تتبع آثار النبي -ﷺ- المكانية:</span>\nتتبع آثار النبي -ﷺ- المكانية إذا كان من باب التبرك فإنه لا يجوز سواء كانت تلك الآثار صحيحة أو غير صحيحة وتتبعه بهذا القصد بدعة.\nوأما ابن عمر -﵂- فقد ثبت عنه أن كان يتحرى أماكن من الطريق فيصلي فيها؛ لأن النبي -ﷺ- صلّى في تلك الأمكنة (^٣).\nولم يكن ابن عمر بتتبعه هذه الأماكن يقصد التبرك بها؛ بل كان فِعلُه لشدة المتابعة والاقتداء اجتهادًا منه، وما فعله النبي -ﷺ- من باب الجبلة أو وقع منه اتفاقًا لا قصدًا هو الذي فعله ابن عمر -﵄- مريدا التشبه برسول الله -ﷺ- فيما صلى فيه\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٣٤٢، وقد صحح إسنادها إلى أبي العالية الإمام ابن كثير في البداية والنهاية ٢/ ٣٧ وقال: إن كان تاريخ وفاته محفوظا من ثلاثمائة سنة فليس بنبي بل هو رجل صالح. وقال ابن تيمية: \"وهذا قد رويناه في كتاب المغازي لابن إسحاق من رواية يونس بن بكير إلى أبي العالية وذكره البيهقي في كتاب شعب الإيمان وذكره غيره، وهذا من فعل أهل الكتاب لا من فعل المسلمين فليس فيه حجة فلا يحتج به محتج\" تلخيص كتاب الاستغاثة ص ٢٩.\n(^٢) إغاثة اللهفان ١/ ٢٢٢.\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٨٣) وانظر (٤٨٤ - ٤٩٢) من صحيح البخاري.","vol":"1","page":367},{"text":"وفيما مشى فيه، وهو وجه آخر يختلف عما يقصده الناس اليوم فإن لهم صورًا مختلفة فبعضهم يقصد الدعاء عندها وبعضهم يقصد التمسح بأعتابها، وبعضهم يقصد الاستشفاء بتربتها. وبعضهم يقصد التبرك وبعضهم يقصد الفرجة والتنزه وبعضهم يريد المصيبة العظمى وهي دعاؤها وعبادتها كما يفعله عباد القبور، وحكم تتبع الأماكن في كل ذلك يختلف بحسب ما يقوم في قلب الزائر من الاعتقادات وبحسب الأفعال المصاحبة له.\nومع أن ابن عمر أراد التشبه برسول الله -ﷺ- في هذا الفعل إلا أن الصحابة لم يُنقل عن أحدٍ منهم أنه كان يتحرى قصد الأمكنة التي نزلها النبي -ﷺ-، بل وأنكر ذلك على ابنِ عمر أبوه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب -﵁- حيث قال: إنما هلك أهل الكتاب لأنهم تتبعوا آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيَعًا.\nقال الإمام ابن تيمية -﵀-: \"لأن ما فعله ابن عمر لم يوافقه عليه أحد من الصحابة، فلم ينقل عن الخلفاء الراشدين ولا عن غيرهم من المهاجرين والأنصار أن أحدًا منهم كان يتحرى قصد الأمكنة التي نزلها النبي -ﷺ-، والصواب مع جمهور الصحابة؛ لأن متابعة النبي -ﷺ- تكون بطاعة أمره وتكون في فعله بأن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعله، فإذا قصد النبي -ﷺ- العبادة في مكان كان قصد العبادة فيه متابعة له كقصد المشاعر والمساجد، وأما إذا نزل في مكان بحكم الاتفاق لكونه صادف وقت النزول أو غير ذلك مما يعلم أنه لم يتحر ذلك المكان فإنا إذا تحرينا ذلك المكان لم نكن متبعين له فإن الأعمال بالنيات ... فأما الأمكنة التي كان النبي -ﷺ- يقصد الصلاة والدعاء عندها فقصد الصلاة أو الدعاء فيها سنة اقتداء برسول الله -ﷺ- واتباعًا له كما إذا تحرى الصلاة أو الدعاء في وقت من الأوقات فإن قصد الصلاة أو الدعاء في ذلك الوقت سنة كسائر عباداته وسائر الأفعال التي فعلها على وجه التقرب، ومثل هذا ما أخرجاه في الصحيحين عن يزيد","vol":"1","page":368},{"text":"بن أبي عبيد قال: كان سلمة بن الأكوع يتحرى الصلاة عند الأسطوانة التي عند المصحف. فقلت له: يا أبا مسلم، أراك تتحرى الصلاة عند هذه الأسطوانة؟ قال: رأيت النبي -ﷺ- يتحرى الصلاة عندها وفي رواية لمسلم عن سلمة بن الأكوع أنه كان يتحرى الصلاة في موضع المصحف يسبح فيه، وذكر أن النبي -ﷺ- كان يتحرى ذلك المكان وكان بين المنبر والقبلة قدر ممر الشاة، وقد ظن بعض المصنفين أن هذا مما اختلف فيه وجعله والقسم الأول سواء وليس بجيد فإنه هنا قد أخبر أن النبي -ﷺ- كان يتحرى البقعة فكيف لا يكون هذا القصد مستحبًا. نعم إيطان بقعة في المسجد لا يصلى إلا فيها منهي عنه كما جاءت به السنة والإيطان ليس هو التحري من غير إيطان، فيجب الفرق بين اتباع النبي -ﷺ-، والاستنان به فيما فعله وبين ابتداع بدعة لم يسنها لأجل تعلقها به، وقد تنازع العلماء فيما إذا فعل رسول الله -ﷺ- فعلا من المباحات لسبب وفعلناه نحن تشبها به مع انتفاء ذلك السبب، فمنهم من يستحب ذلك ومنهم من لا يستحبه، وعلى هذا يخرج فعل ابن عمر -﵄- فإن النبي -ﷺ- كان يصلي في تلك البقاع التي في طريقه؛ لأنها كانت منزله لم يتحر الصلاة فيها لمعنى في البقعة، فنظير هذا أن يصلي المسافر في منزله وهذا سنة، فأما قصد الصلاة في تلك البقاع التي صلى فيها اتفاقًا فهذا لم ينقل عن غير ابن عمر من الصحابة بل كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار يذهبون من المدينة إلى مكة حُجَّاجًا وعُمَّارًا أو مسافرين ولم ينقل عن أحد منهم أنه تحرى الصلاة في مصليات النبي -ﷺ-، ومعلوم أن هذا لو كان عندهم مستحبًا لكانوا إليه أسبق فإنهم أعلم بسنته وأتبع لها من غيرهم وقد قال -ﷺ-: \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة\" وتحرِّي هذا ليس من سنة الخلفاء الراشدين بل هو مما ابتدع وقول الصحابي وفعله إذا خالفه","vol":"1","page":369},{"text":"نظيره ليس بحجة، فكيف إذا انفرد به عن جماهير الصحابة؟ وأيضًا فإن تحري الصلاة فيها ذريعة إلى اتخاذها مساجد والتشبه بأهل الكتاب مما نهينا عن التشبه بهم فيه وذلك ذريعة إلى الشرك بالله\" (^١).\nوقال الشيخ عبد العزيز بن باز -﵀-: \"والحق أن عمر ﵁ أراد بالنهي عن تتبع آثار الأنبياء سد الذريعة إلى الشرك، وهو أعلم بهذا الشأن من ابنه -﵄-، وقد أخذ الجمهور بما رآه عمر وليس في قصة عتبان ما يخالف ذلك؛ لأنه في حديث عتبان قد قصد أن يتأسّى به -ﷺ- في ذلك، بخلاف آثاره في الطرق ونحوها، فإن التأسي به فيها وتتبعها لذلك غير مشروع، كما دل عليه فعل عمر، وربما أفضى ذلك بمن فعله إلى الغلو والشرك كما فعل أهل الكتاب\" (^٢).\nومن الآثار المكانية التي يكثر الذهاب إليها موقعة بدر، ومكان شجرة بيعة الرضوان وغار حراء وغار ثور فإن هذا كله لا يشرع تتبعه والتقرب إلى الله بالصلاة فيه، وقد قدمنا أن عمر بن الخطاب -﵁- قطع شجرة الرضوان؛ لأن الناس كانوا يأتون إليها ويصلون عندها.\nومثل ذلك زيارة آثار الأنبياء التي تقام بالشام، مثل مغارة الخليل -﵇-، والآثار الثلاثة التي بجبل قاسيون في غربي الربوة (^٣).\nوفي حديث: \"اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد ... \" إلخ الحديث (^٤). قال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"ويؤخذ من الحديث المنع من تتبع آثار الأنبياء والصالحين كقبورهم ومجالسهم، ومواضع صلاتهم للصلاة، والدعاء عندها، فإن ذلك من\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٧٣٨، ٧٤٥.\n(^٢) تعليق سماحته على فتح الباري ١/ ٥٦٩.\n(^٣) تفسير سورة الإخلاص (١٦٩)، أحكام الجنائز للألباني ص ٢٦٠ رقم ١٥٨.\n(^٤) تقدم تخريجه.","vol":"1","page":370},{"text":"البدع، أنكره السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم. ولا نعلم أحدا أجازه أو فعله إلا ابن عمر على وجه غير معروف عند عباد القبور، وهو إرادة التشبه برسول الله -ﷺ- في الصلاة فيما صلى فيه ونحو ذلك. ومع ذلك فلا نعلم أحدا وافقه عليه من الصحابة، بل خالفه أبوه وغيره، لئلا يفضي ذلك إلى اتخاذها أوثانا كما وقع.\nقال ابن عبد الباقي في شرح الموطأ روى أشهب عن مالك أنه كره لذلك أن يدفن في المسجد قال: وإذا منع من ذلك فسائر آثاره أحرى بذلك.\nوقد كره مالك طلب موضع شجرة بيعة الرضوان مخالفة لليهود والنصارى. انتهى\" (^١).\nوقال الإمام ابن تيمية -﵀-: \"وأما قول السائل: هل يجوز تعظيم مكان فيه خلوق وزعفران لكون النبي -ﷺ- رؤي عنده؟\nفيقال: بل تعظيم مثل هذه الأمكنة واتخاذها مساجد ومزارات لأجل ذلك هو من أعمال أهل الكتاب، الذين نهينا عن التشبه بهم فيها.\nومن المعلوم أن النبي -ﷺ- كان يصلي في أسفاره في مواضع، وكان المؤمنون يرونه في المنام في مواضع، وما اتخذ السلف شيئًا من ذلك مسجدًا ولا مزارات. ولو فتح هذا الباب لصار كثير من ديار المسلمين أو أكثرها مساجد ومزارات، فإنهم لا يزالون يرون النبي -ﷺ- في المنام وقد جاء إلى بيوتهم ... الخ\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"فأما إذا قصد الرجل الصلاة عند بعض قبور الأنبياء، أو بعض الصالحين تبركًا بالصلاة في تلك البقعة فهذا عين المحاداة لله ورسوله، والمخالفة لدينه وابتداع دين لم يأذن به الله\" (^٣).\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٣٤٠ ط. المكتب الإسلامي.\n(^٢) الفتاوى ٢٧/ ١٣٦.\n(^٣) اقتضاء الصراط المستقيم ٣٣٤. وانظر: إغاثة اللهفان ١/ ١٨٥.","vol":"1","page":371},{"text":"وقال -﵀-: \"إن قصد بقعة يرجو الخير بقصدها ولم تستحب الشريعة ذلك فهو من المنكرات وبعضه أشد من بعض سواء كانت البقعة شجرة أو عين ماء أو قناة جارية أو جبلا أو مغارة وسواء قصدها ليصلي عندها أو ليدعو عندها أو ليقرأ عندها أو ليذكر الله سبحانه عندها أو يتنسك عندها بحيث يخص تلك البقعة بنوع من العبادة التي لم يشرع تخصيص تلك البقعة بها لا عينًا ولا نوعًا وأقبح من ذلك أن ينذر لتلك البقعة دهنا لتُنَوَّر به\" (^١).\nوقال: \" ... مثل من يذهب إلى حراء ليصلي فيه ويدعو، أو يسافر إلى غار ثور ليصلي فيه ويدعو، أو يذهب إلى الطور الذي كلم الله عليه موسى -﵇- ليصلي فيه ويدعو، أو يسافر إلى غير هذه الأمكنة من الجبال وغير الجبال التي يقال فيها مقامات الأنبياء .. ولا شرع لأمته زيارة موضع المولد، ولا زيارة موضع بيعة العقبة .. ومعلوم أنه لو كان هذا مستحبا يثيب الله عليه لكان النبي -ﷺ- أعلم الناس بذلك وأسرعهم إليه، ولكان علم أصحابه بذلك وكان أصحابه أعلم بذلك وأرغب فيه ممن بعدهم فلما لم يكونوا يلتفتون إلى شيء من ذلك علم أنه من البدع المحدثة\" (^٢).\nوقال أيضًا -﵀-: \"ليس في شريعة الإسلام بقعة تقصد لعبادة الله فيها بالصلاة والدعاء والذكر والقراءة ونحو ذلك إلا مساجد المسلمين ومشاعر الحج\" (^٣).\nوفي تفصيل اللجنة الدائمة للإفتاء عن بيان ما تشرع زيارته وما لا تشرع زيارته من مساجد المدينة النبوية أجابت بما يلي:\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٦٤٤، ٦٨١.\n(^٢) اقتضاء الصراط المستقيم ٤٢٤، ٤٢٦.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٢٧/ ١٣٧، ١٣٨. والاقتضاء ٢/ ٨١٦، وكلام شيخ الإسلام كثير في هذا، وهو منثور في المجلد السابع والعشرين من مجموع الفتاوى.","vol":"1","page":372},{"text":"\"أولًا: باستقراء المساجد الموجودة في مدينة النبي -ﷺ- المدينة المنورة -حرسها الله تعالى- تبين أنها على أنواع هي:\nالنوع الأول: مسجد في مدينة النبي -ﷺ- ثبتت له فضيلة بخصوصه، وهي مسجدان لا غير: أحدهما مسجد النبي -ﷺ-، والثاني مسجد قباء.\nالنوع الثاني: مساجد المسلمين العامة في مدينة النبي -ﷺ- فهذه لها ما لعموم المساجد، ولا يثبت لها فضل يخصها.\nالنوع الثالث: مسجد بُني في جهة كان النبي -ﷺ- صلَّى فيها أو أنه هو عيَّن المكان الذي صلى فيه تلك الصلاة، مثل مسجد بني سالم، ومصلى العيد، فهذه لم يثبت لها فضيلة تخصها، ولم يرد ترغيب في قصدها وصلاة ركعتين فيها.\nالنوع الرابع: مساجد بدعية محدثة نُسبت إلى عصر النبي -ﷺ- وعصر الخلفاء الراشدين، واتخذت مزارًا مثل: المساجد السبعة، ومسجد في جبل أُحُد، وغيرها، فهذه مساجد لا أصل لها في الشرع المطهر، ولا يجوز قصدها لعبادة ولا لغيرها، بل هو بدعة ظاهرة.\nومعلوم أن الهدف من بناء المساجد جمع الناس فيها للعبادة، وهو اجتماع مقصود في الشريعة، ووجود المساجد السبعة في مكان واحد لا يحقق هذا الغرض، بل هو مدعاة للافتراق المنافي لمقاصد الشريعة، وهى لم تُبن للاجتماع؛ لأنها متقاربة جدًا، وإنما بنيت للتبرك بالصلاة فيها والدعاء، وهذا ابتداع واضح، أما أصل هذه المساجد بهذه التسمية -أي المساجد السبعة- فليس له سند تاريخي على الإطلاق، وإنما ذكر ابن زبالة مسجد الفتح وهو رجل كذاب رماه بذلك أئمة الحديث، مات في آخر المائة الثانية، ثم جاء بعده ابن شبه المؤرخ وذكره، ومعلوم أن المؤرخين لا يهتمون بالسند وصحته، وإنما ينقلون ما يبلغهم ويجعلون العهدة على من حدثهم، كما قال ذلك الحافظ الإمام ابن جرير في تاريخه، أما الثبوت","vol":"1","page":373},{"text":"الشرعي لهذه التسمية أو لمسجد واحد منها فلم يعرف بسند صحيح.\nوقد اعتنى الصحابة بنقل أقوال الرسول -﵇- وأفعاله، بل نقلوا كل شيء رأو النبي -ﷺ- يفعله حتى قضاء الحاجة، ونقلوا إتيان النبي -ﷺ- لمسجد قباء كل أسبوع، وصلاته على شهداء أُحُد قبل وفاته كالمودع لهم، إلى غير ذلك مما امتلأت به كتب السنة، أما هذه المساجد فقد بحث الحفّاظ والمؤرخون عن أصول تسميتها، فقال العلامة السمهودي -﵀-: لم أقف في ذلك كله على أصل .. وقال بعد كلام آخر: مع أني لم أقف على أصل في هذه التسمية، ولا في نسبة المسجدين المتقدمين في كلام المطري ... وذكر شيخ الإسلام أن في المدينة مساجد كثيرة، وأنه ليس في قصدها فضيلة سوى مسجد قباء، وأن ما أُحدث في الإسلام من المساجد والمشاهد على القبور والآثار من البدع المحدثة في الإسلام، مِنْ فِعْل من لم يعرف شريعة الإسلام وما بعث الله به محمدًا -ﷺ- من كمال التوحيد وإخلاص الدين لله، وسد أبواب الشرك التي يفتحها الشيطان لبني آدم. اهـ.\nوقال الشاطبي -﵀-: وسُئل ابن كنانة عن الآثار التي تركوا في المدينة فقال: أثبت ما عندنا قباء .. إلخ. وقد ثبت أن عمر -﵁- قطع الشجرة التي رأى الناس يذهبون للصلاة عندها؛ خوفًا عليهم من الفتنة، وقد ذكر عمر بن شبه في (أخبار المدينة) وبعده العيني في (شرح البخاري) مساجد كثيرة، ولكن لم يذكروا المساجد السبعة بهذا الاسم.\nوبهذا العرض الموجز يعلم أنه لم يثبت بالنقل وجود مساجد سبعة، بل ولا ما يسمى بمسجد الفتح والذي اعتنى به أبو الهيجاء وزير العبيديين المعروف مذهبهم، وحيث أن هذه المساجد صارت مقصودة من كثير من الناس؛ لزيارتها، والصلاة فيها، والتبرك بها، ويضلل بسببها كثير من الوافدين لزيارة مسجد الرسول ﵊ فقصدها بدعة ظاهرة، وإبقاؤها يتعارض مع مقاصد","vol":"1","page":374},{"text":"الشريعة، وأوامر المبعوث بإخلاص العبادة لله، وتقضي بإزالتها سنة رسول الله -ﷺ- حيث قال: \"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد\"، فتجب إزالتها؛ درءًا للفتنة، وسدًا لذريعة الشرك، وحفاظًا على عقيدة المسلمين الصافية، وحمايةً لجناب التوحيد؛ اقتداءً بالخليفة الراشد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -﵁-، حيث قطع شجرة الحديبية لما رأى الناس يذهبون إليها؛ خوفًا عليهم من الفتنة، وبَيَّن أن الأمم السابقة هلكت بتتبعها آثار الأنبياء التي لم يؤمروا بها؛ لأن ذلك تشريع لم يأذن به الله. انتهى.\nثانيًا: ومما تقدم يُعلم أن توجه الناس إلى هذه المساجد السبعة، وغيرها من المساجد المحدثة؛ لمعرفة الآثار أو للتعبد والتمسح بجدرانها ومحاريبها، والتبرك بها بدعة، ونوع من أنواع الشرك شبيه بعمل الكفار في الجاهلية الأولى بأصنامهم، فيجب على كل مسلم ناصح لنفسه ترك هذا العمل، ونصح إخوانه المسلمين بتركه.\nثالثًا: وبهذا يعلم أن ما يقوم به بعض ضعفاء النفوس من التغرير بالحجّاج والزوار وحملهم بالأجرة إلى هذه الأماكن البدعية -كالمساجد السبعة- هو عمل محرم، وما يأخذ في مقابله من المال كسب حرام، فيتعين على فاعله تركه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]. والله الموفق\" (^١).\nوقد رد الشيخ عبد العزيز بن باز -﵀- على من طالب بإحياء الآثار النبوية كطريق الهجرة ومكان خيمة أم عبد، ونحو ذلك، وبين أن ذلك يجر إلى تعظيمها أو الدعاء عندها أو الصلاة ونحو ذلك، وهذه من الوسائل المفضية إلى الشرك (^٢).\n_________\n(^١) باختصار من كتاب بيان ما تشرع زيارته وما لا تشرع زيارته من مساجد المدينة النبوية، من إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة سماحة الشيخ عبد العزيز بن عب دالله بن باز -﵀-، والفتوى برقم (١٩٧٢٩) وتاريخ ٢٧/ ٦/ ١٤١٨ هـ.\n(^٢) فتاوى ابن باز ص ٣/ ٣٣٤، مجموع فتاوى ومقالات متنوعة ١/ ٤٠١.","vol":"1","page":375},{"text":"ثم ذكر سماحة الشيخ -﵀- كلام العلماء في ذلك إلى أن قال: \"وكلام أهل العلم في هذا الباب كثير لا نحب أن نطيل على القارئ بنقله. ولعل فيما نقلناه كفاية ومقنعًا لطالب الحق .. إذا عرفت ما تقدم من الأدلة الشرعية وكلام أهل العلم في هذا الباب علمتَ أن ما دعا إليه الكاتب من تعظيم الآثار الإسلامية كغار ثور، ومحل بيعة الرضوان وأشباهها وتعمير ما تهدم منها، والدعوة إلى تعبيد الطرق إليها، واتخاذ المصاعد للغارين، واتخاذ الجميع مزارات، ووضع لوحات عليها، وتعيين مرشدين للزائرين كل ذلك مخالف للشريعة الإسلامية التي جاءت بتحصيل المصالح، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وسد ذرائع الشرك والبدع. وعرفت أن البدع وذرائع الشرك يجب النهي عنها ولو حسن قصد فاعلها أو الداعي إليها لما تفضي إليه من الفساد العظيم، وتغيير مع الم الدين وإحداث مزارات ومعابد لم يشرعها الله ولا رسوله -ﷺ- وقد قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] (^١).\nوإذا كان المنع في حق الأنبياء ﵈ فالمنع في غيرهم من الصالحين من باب أولى، وقد ردّت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة الشيخ عبد العزيز بن باز -﵀- على أحد الكتاب في جريدة الرياض في هذا الشأن حيث قالت: \"الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه أما بعد/ فقد نشرت جريدة الرياض في عددها الصادر في ٢١/ ١٠/ ١٤١٢ هـ مقالا تحت عنوان: (ترميم بيت الشيخ محمد بن عبد الوهاب بحريملاء) وذكر أن الإدارة العامة للآثار والمتاحف أولت اهتمامًا بالغا بمنزل مجدد الدعوة السلفية الشيخ: محمد بن عبد الوهاب -﵀- في حي غيلان\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة ١/ ٤٠٧.","vol":"1","page":376},{"text":"بحريملاء حيث تمت صيانته وأعيد ترميمه بمادة طينية تشبه مادة البناء الأصلية ... إلى أن قال: وتم تعيين حارس خاصا لهذا البيت ... إلخ.\nوقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية على المقال المذكور ورأت أن هذا العمل لا يجوز، أنه وسيلة للغلو في الشيخ محمد بن عبد الوهاب -﵀- وأشباهه من علماء الحق، والتبرك بآثارهم والشرك بهم، ورأت أن الواجب هدمه وجعل مكانه توسعة للطريق سدا لذرائع الشرك والغلو، وحسما لوسائل ذلك وطلبت من الجهة المختصة القيام بذلك فورًا، ولإعلان الحقيقة والتحذير من هذا العمل المنكر جرى تحريره، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه\" (^١).\nوسئل الشيخ ابن عثيمين -﵀- عن زيارة مسجد يقال إنه لمعاذ بن جبل -﵁- في اليمن ويأتي الناس لزيارته يوم الجمعة من شهر رجب من كل سنة؟.\nفأجاب بقوله: \"غير مسنون لأمور:\nأولًا: لأنه لم يثبت أن معاذ بن جبل -﵁- حين بعثه النبي -ﷺ- إلى اليمن اختط مسجدًا له هناك، ثانيًا: لو ثبت أنه مسجد معاذ بن جبل فإنه لا يشرع إتيانه وشد الرحل إليه بل شد الرحل لغير المساجد الثلاثة منهي عنه.\nثانيًا: لو ثبت أن معاذ بن جبل اختط مسجدًا هناك فإنه لا يشرع إتيانه وشد الرَّحل إليه، بل شد الرحل إلى مساجد غير المساجد الثلاثة منهى عنه، قال النبي -ﷺ-: \"لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى\".\nثالثًا: أن تخصيص هذا العمل بشهر رجب بدعة أيضًا، فإن شهر رجب لم يُخص بشيء من العبادات لا بصوم ولا بصلاة وإنما حكمه حكم الأشهر الحُرُم\n_________\n(^١) فتاوى ابن باز ٧/ ٤٢٥.","vol":"1","page":377},{"text":"الأخرى، والأشهر الحرُم هي: رجب وذو القعدة وذو الحجة ومحرم. هذه الأشهر التي قال الله تعالى عنها في كتابه: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦]، ولم يثبت أن شهر رجب خُص من بينها في شيء لا بصيام ولا بقيام، فإذا خَصَّ الإنسانُ هذا الشهر بشيء من العبادات من غير أن يثبت ذلك عن النبي -ﷺ- كان مبتدعًا لقوله -ﷺ-: \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة\". فنصيحتي لإخوتي هؤلاء الذين يقومون بهذا العمل في الحضور إلى المسجد الذي يزعم أنه مسجد معاذ في اليمن أن لا يُتعبوا أنفسهم ويتلفوا أموالهم ويضيعوها في هذا الأمر الذي لا يزيدهم من الله إلا بُعْدًا، ونصيحتي لهم أن يصرفوا هَمَّهم إلى ما ثبتت مشروعيته في كتاب الله وسنة نبيه -ﷺ- وهذا كافٍ للمؤمن. والله الموفق\" (^١).\nفائدة: من أسباب منع تتبع آثار الصالحين أن فيه تشبهًا بطريقة المشركين واليهود والنصارى، فاليهود والنصارى كانوا يتتبعون آثار الصالحين. وهكذا هلكوا كما بين عمر -﵁-. وأما المشركون فقد كانوا يسافرون إلى البقاع المعظمة. وهذا من جنس الحج ولكل أمة حج. فقد كان المشركون يحجون إلى اللات والعزى ومناة وهذه أسماء لرجال صالحين يدعونهم ويستغيثون بهم نسأل الله السلامة والعافية (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى الشيخ ابن عثيمين ٢/ ٢٣٨ - ٢٣٩ باختصار.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٧/ ٣٥٣.","vol":"1","page":378},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-284>٧٢ - التحاكم إلى غير ما أنزل الله </span>*\nالتحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله -ﷺ- واجب ويجب الرضا بذلك والتسليم له، ومن اختار التحاكم إلى غير الشريعة الإسلامية فليس بمؤمن وإن ادعى أنه يقصد الإصلاح، ومن تحاكم إلى غير ما أنزل الله فهو متحاكم إلى الطاغوت وإن سماه بأي اسم كالنظام والقانون وغير ذلك.\nوها هنا أربع مسائل متصلة ببعضها، وينبغي التفريق بينها:\n١ - طاعة العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم الله.\n٢ - المُشرِّع الذي يضع القانون والأحكام.\n٣ - الحكم بغير ما أنزل الله.\n٤ - التحاكم إلى غير ما أنزل الله.\nفأما المسألة الأولى: فسوف يأتي الكلام عن خطرها وأحكامها في باب (طاعة العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله).\nوأما المسألة الثانية: فهو المُشرِّع الذي يضاهي حكم الله بما وضع من قوانين وأحكام تخالف حكم الله ورسوله وهذا كافر بالله -﷿- كفرًا أكبر.\nوالمسألة الثالثة: الحكم بغير ما أنزل الله فهو ما يقضي به الحاكم أو القاضي أو\n_________\n* مجموع الفتاوى ٣/ ٢٦٧. أعلام الموقعين ١/ ٥٠. البداية والنهاية لابن كثير ١٣/ ١١٨. تفسير ابن كثير من الآية ص ٢٥٦ من سورة النساء تعليق أحمد شاكر. الدرر السنية ١٠/ ٢٥٢، أضواء البيان ٤/ ٩٠، ٩٣. تيسير العزيز الحميد ص ٥٦١. فتح المجيد ص ٤٦١ حاشية كتاب الوحيد لابن قاسم ص ٢٨٣. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ٢٧٥ ط ٢ - ٢/ ٣٣٤ ومن المجموع ١٠/ ٧٤٩. فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٥٤٤. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٤٠ شرح مسائل الجاهلية للسعيد ٢/ ٨٧٧. شرح مسائل الجاهلية ص ١١١. الحكم بغير ما أنزل الله د: عبد الرحمن المحمود. نواقض الإيمان القولية والعملية ص ٢٩٤ وما بعدها.","vol":"1","page":379},{"text":"من ولي أمرا يحكم فيه فهذا فيه تفصيل يأتي في باب (الحكم بغير ما أنزل الله.\nأما المسألة الرابعة: التحاكم إلى غير ما أنزل الله فهو أن يعمد المرء إلى تحكيم غير شرع الله مريدا به الفصل في قضايا أو قضية معينة مختارا دون عارض كإكراه وله صور سوف نأتي على ذكرها في آخر الباب.\n* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢)﴾ [النساء: ٦٠ - ٦٢].\nقال الشعبي: كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد عَرف أنه لا يأخُذُ الرّشوة. وقال المنافق نتحاكم إلى اليهود. لعلمه أنهم يأخذون الرّشوة. فاتفقا على أن يأتيا كاهنًا في جهينة فيتحاكما إليه فنزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ (^١).\nوقيل نزلت في رجلين اختصما فقال أحدهما: نترافع إلى النبي -ﷺ-. وقال الآخر إلى كعب بن الأشرف ثم ترافعا إلى عمر فذكر له أحدهما القصة. فقال للذي لم يرض برسول الله -ﷺ-: أكذلك، قال: نعم فضربه بالسيف فقتله (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري في التفسير ٥/ ١٥٢، ١٥٣، رقم (٩٨٩١، ٩٨٩٢، ٩٨٩٣) قال ابن حجر: بإسناد صحيح. فتح الباري ٥/ ٣٧.\n(^٢) أخرجه الثعلبي كما في الدر المنثور والكلبي كما في فتح الباري عن ابن عباس قال ابن حجر: وهذا الإسناد وإن كان ضعيفًا لكن تقوى بطريق مجاهد. وأخرجه الطبري في التفسير (٥/ ١٥٤) رقم (٩٩٠١) بإسناد صحيح. انظر فتح المجيد ص ٤٧١.","vol":"1","page":380},{"text":"وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. وقال -﷿-: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ٥٩].\nوقال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ [الأنعام: ١١٤].\nوقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨)﴾ [النور: ٤٧].\nوقال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].\nوقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦].\nوقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠].\n* الدليل من السنة: عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله -ﷺ- قال: \"لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به\" (^١).\nوعن ابن عَبَّاسٍ -﵁- قال: خطب رسول الله -ﷺ- في حجة الوداع فقال: \"يا أيها الناس: إني قد تركت فيكم، ما إن اعتصمتم به فلن تضلو أبدا، كتاب الله\n_________\n(^١) قال النووي: حديث صحيح رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح. جامع العلوم والحكم ٢/ ٣٩٣. وقال ابن رجب: \"تصحيح هذا الحديث بعيد جدًا من وجوه ذكرها وتعقبه بعضهم\" المصدر السابق ٢/ ٣٩٤. قال الشيخ سليمان بن عبد الله ومعناه صحيح قطعا وإن لم يصح إسناده وأصله في القرآن كثير. تيسير العزيز الحميد ٥٧٤، وكان سماحة الشيخ العزيز بن باز يستدل به كما في كتابه \"وجوب تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه\" ضمن مجموع الفتاوى ٣/ ١٠٠٥.","vol":"1","page":381},{"text":"وسنتي\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-285> أقوال العلماء في التحاكم إلى غير ما أنزل الله:</span>\nيتبين حكم التحاكم إلى غير ما أنزل الله بالنظر إلى سبب نزول الآيات في ذلك، وقد تقدم سبب ذلك وذكر ابن جرير الطبري عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ أن الطاغوت رجل من اليهود كان يقال له كعب بن الأشرف وكانوا إذا ما دعوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ليحكم بينهم قالوا بل نحاكمكم إلى كعب فذلك قوله يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت (^٢).\nويقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]: \"في هذه يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول -ﷺ- في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له ظاهرًا وباطنًا\" (^٣).\nويقول ابن القيم عن هذه الآية: \"أقسم الله سبحانه بنفسه المقدسة قسما مؤكدا بالنفي قبله على عدم إيمان الخلق حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الأصول والفروع، وأحكام الشرع وأحكام المعاد، ولم يثبت لهم الإيمان بمجرد هذا التحكيم حتى ينتفي عنهم الحرج وهو ضيق الصدر، وتنشرح صدورهم لحكمه كل الانشراح، وتقبله كل القبول، ولم يثبت لهم الإيمان بذلك أيضا حتى\n_________\n(^١) أخرجه مالك في الموطأ (١٣٩٥) والحاكم ١/ ٩٣، والبيهقي ١٠/ ١١٤.\n(^٢) تفسير ابن جرير الطبري (٥/ ١٥٤).\n(^٣) تفسير ابن كثير للآية ٦٥ من سورة النساء.","vol":"1","page":382},{"text":"ينضاف إليه مقابلة حكمه بالرضى والتسليم، وعدم المنازعة وانتفاء المعارضة والاعتراض\" (^١).\nويقول شيخ الإسلام: \"فمن لم يلتزم تحكيم الله ورسوله فيما شجر بينهم فقد أقسم الله بنفسه أنه لا يؤمن وأما من كان ملتزما لحكم الله ورسوله باطنًا وظاهرًا لكن عصى واتبع هواه فهذا بمنزلة أمثاله من العصاة\" (^٢).\nوقال العلامة ابن القيم: \"من تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسول -ﷺ- فقد حكّم الطاغوت وتحاكم إليه\" (^٣).\nونقل الحافظ ابن كثير في تاريخه -البداية والنهاية- قال: \"فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين\" (^٤).\nوذكر هذه المسألة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -﵀- في كتاب التوحيد ضمن باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله؛ حيث ذكر من نصوص الباب قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]، ولم يكتف بهذا بل عقد لها بابًا مستقلًا فقال: \"باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أربابًا من دون الله\" وذكر فيه\n_________\n(^١) التبيان في أقسام القرآن ص ٢٧٠.\n(^٢) منهاج السنة ٥/ ١٣١.\n(^٣) أعلام الموقعين لابن القيم ١/ ٥٠.\n(^٤) الياسا أو الياسق هو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها ملك التتار من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية، والملة الإسلامية، انظر تفسير ابن كثير ٢/ ٦٧. البداية والنهاية ١٣/ ١١٨، ١١٩.","vol":"1","page":383},{"text":"بعض الآثار وحديث عدي بن حاتم، ثم عقد بابًا بعده فقال: باب قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠] وذكر آيات وآثار عن السلف.\nوالذين شرحوا كتاب التوحيد ربطوا بين هذين البابين وقضية التوحيد والإقرار بالشهادتين. قال الشيخ سليمان بن عبد الله في باب من أطاع العلماء والأمراء ...: \"لما كانت الطاعة من أنواع العبادة، بل هي العبادة، بامتثال ما أمر به على ألسنة رسله ﵈ نبه المصنف -رحمه الله تعالى- بهذه الترجمة على وجوب اختصاص الخالق ﵎ بها، وأنه لا يطاع أحد من الخلق إلا حيث كانت طاعته مندرجة تحت طاعة الله، وإلا فلا تجب طاعة أحد من الخلق استقلالًا. والمقصود هنا الطاعة الخاصة في تحريم الجلال أو تحليل الحرام، فمن أطاع مخلوقًا في ذلك غير الرسول -ﷺ- -فإنه لا ينطق عن الهوى- فهو مشرك كما بينه تعالى في قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ﴾ أي علماءهم ﴿أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١] وفسرها النبي -ﷺ- بطاعتهم في تحريم الحلال وتحليل الحرام\" (^١).\nوقال معلقًا على الباب الثاني: \"لما كان التوحيد الذي هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله مشتملًا على الإيمان بالرسول -ﷺ- مستلزمًا له، وذلك هو الشهادتان ولهذا جعلهما النبي -ﷺ- ركنًا واحدًا في قوله: \"بني الإسلام على خمس\" .. نبه في هذا الباب على ما تضمنه التوحيد واستلزمه من تحكيم الرسول -ﷺ- في موارد النزاع؛ إذ هذا هو مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله، ولازمها الذي لا بد منه لكل مؤمن، فإن من\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٥٤٣.","vol":"1","page":384},{"text":"عرف أن لا إله إلا الله فلا بد من الانقياد لحكم الله والتسليم لأمره الذي جاء من عنده على يد رسوله محمد -ﷺ-. فمن شهد أن لا إله إلا الله ثم عدل إلى تحكيم غير الرسول -ﷺ- في موارد النزاع فقد كذب في شهادته\" (^١).\nوقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن: \"من تحاكم إلى غير كتاب، وسنة رسوله -ﷺ- بعد التعريف، فهو كافر، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤] \". ثم ذكر الأدلة (^٢).\nقال الشيخ محمد بن إبراهيم في رسالة تحكيم القوانين: \"وقد نفى الله -﷾- الإيمان عن من لم يحكموا النبي -ﷺ- فيما شجر بينهم، نفيًا مؤكدًا بتكرار أداة النفي وبالقسم، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. ولم يكتف اللهَ تعالى وتقدس منهم بمجرد التحكيم للرسول -ﷺ- حتى يضيفوا إلى ذلك عدم وجود شيء من الحرج في نفوسهم، بقوله جل شأنه: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾. والحرج: الضيق. بل لا بد من اتساع صدورهم لذلك وسلامتها من القلق والاضطراب.\nولم يكتف تعالى أيضًا هنا بهذين الأمرين، حتى يضمُّوا إليهما التسليم وهو كمال الانقياد لحكمه -ﷺ- بحيث يتخلون ها هنا من أي تعلق للنفس بهذا الشيء، ويسلموا\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٥٥٤ - ٥٥٥.\n(^٢) الدرر السنية ١٠/ ٤٢٦.","vol":"1","page":385},{"text":"ذلك إلى الحكم الحق أتمَّ تسليم، ولهذا أكد ذلك بالمصدر المؤكد، وهو قوله جل شأنه: ﴿تَسْلِيمًا﴾. المبيِّن أنّه لا يُكتفى ها هنا بالتسليم .. بل لا بد من التسليم المطلق\" (^١).\nوقال الشيخ عبد الرزاق عفيفي -﵀-: \"ومن كان منتسبًا للإسلام عالمًا بأحكامه ثم وضع للناس أحكامًا وهيأ لهم نظمًا؛ ليعملوا بها ويتحاكموا إليها؛ وهو يعلم أنها تخالف أحكام الإسلام؛ فهو كافر خارج من ملة الإسلام.\nوكذا الحكم فيمن أمر بتشكيل لجنة أو لجان لذلك، ومن أمر الناس بالتحاكم إلى تلك النظم والقوانين أو حملهم على التحاكم إليها وهو يعلم أنها مخالفة لشريعة الإسلام.\nوكذا من يتولَّى الحكم بها وطبقها في القضايا ومن أطاعهم في التحاكم إليها باختياره، مع علمه بمخالفتها للإسلام فجميع هؤلاء شركاء في الإعراض عن حكم الله، لكن بعضهم يضع تشريعًا يضاهي به تشريع الإسلام ويناقضه على علم منه وبيّنه.\nوبعضهم بالأمر بتطبيقه، أو حمل الأمة على العمل به، أو وَلِيَ الحكم به بين الناس أو نَفَّذ الحكم بمقتضاه.\nوبعضهم بطاعة الولاة والرضا بما شرعوا لهم ما لم يأذن به الله ولم ينزل به سلطانًا. فكلهم قد اتبع هواه بغير هدى من الله، وصدَّق عليهم إبليسُ ظنَّهُ فاتبعوه، وكانوا شركاء في الزيغ؛ والإلحاد والكفر والطغيان؛ ولا ينفعهم علمهم بشرع الله، واعتقادهم ما فيه، مع إعراضهم عنه، وتجافيهم لأحكامه، بتشريع من عند أنفسهم، وتطبيقه والتحاكم إليه؛ كما لم ينفع إبليس علمه بالحق، واعتقاده إياه مع\n_________\n(^١) تحكيم القوانين، ص ٥، ٦.","vol":"1","page":386},{"text":"إعراضه عنه، وعدم الاستسلام والانقياد إليه، وبهذا قد اتخذوا هواهم إلهًا؛ فصدق فيهم قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٣)﴾ [الجاثية: ٢٣] (^١).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨)﴾ قال شيخ الإسلام ابنُ تيمية -﵀-: \"إن من تولى عن طاعة الرسول، وأعرض عن حكمه فهو من المنافقين، وليس بمؤمن، وإن المؤمن هو الذي يقول سمعنا وأطعنا، فإذا كان النفاق يثبت ويزول الإيمان بمجرد الإعراض عن حكم الرسول وإرادة التحاكم إلى غيره مع أن هذا ترك محض، وقد يكون سببه قوة الشهوة، فكيف بالتنقص والسب ونحوه\" (^٢).\nوسئل رحمه الله تعالى: \"عن رجل تولى حكومة على جماعة من رماة البندق، ويقول: هذا شرع البندق، وهو ناظر على مدرسة وفقهاء: فهل إذا تحدث في هذا الحكم والشرع الذي يذكره تسقط عدالته من النظر أم لا؟ وهل يجب على حاكم المسلمين الذي يثبت عدالته عنده إذا سمع أنه يتحدث في شرع البندق الذي لم يشرعه الله ولا رسوله أن يعزله من النظر أم لا؟\nفأجاب: الحمد لله. ليس لأحد أن يحكم بين أحد من خلق الله؛ لا بين المسلمين ولا الكفار ولا الفتيان ولا رماة البندق ولا الجيش ولا الفقراء ولا غير ذلك إلا بحكم الله ورسوله، ومن ابتغى غير ذلك تناوله قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾، وقوله تعالى ﴿فَلَا وَرَبِّكَ\n_________\n(^١) شبهات حول السنة ورسالة الحكم بغير ما أنزل الله ص ٦٤، ٦٥.\n(^٢) الصارم المسلول ص ٣٩، ومختصر الصواعق ٢/ ٣٥٣.","vol":"1","page":387},{"text":"لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ فيجب على المسلمين أن يحكموا الله ورسوله في كل ما شجر بينهم، ومن حكم بحكم البندق وشرع البندق، أو غيره مما يخالف شرع الله ورسوله، وحكم الله ورسوله ذلك، وهو يعلم ذلك فهو من جنس التتار الذين يقدِّمون حكم \"الياساق\" على حكم الله ورسوله، ومن تعمد ذلك فقد قدح في عدالته ودينه، ووجب أن يمنع من النظر في الوقف. والله أعلم\" (^١).\nوفي قول الله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣)﴾. قال القرطبي: \"قال أبو علي: إن من طلب غير حكم الله من حيث لم يرضى به فهو كافر وهذه حالة اليهود\" (^٢)، فالذي لا يريد حكم الله ولا يقبله، ويقبل حكمًا آخر غير حكم الله وشرعًا آخر غير شرع الله من أصحاب النفاق الأكبر.\n* فالتحاكم إلى غير الله كفر أكبر ولو ادعى صاحبه الإسلام لأن المسلم هو المستسلم للحق المنقاد له.\nقال الشيخ السعدي: \"فإن الإيمان يقتضي الانقياد لشرع الله وتحكيمه في كل أمر من الأمور. فمن زعم أنه مؤمن، واختار حكم الطاغوت على حكم الله فهو كاذب في ذلك\" (^٣).\nوفي حديث: \"ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا\" (^٤) وحديث: \"من قال حين يسمع النداء: أشهد أن لا إله إلا اللهِ ... \" [وفيه]\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٣٥/ ٤٠٧، ٤٠٨.\n(^٢) تفسير القرطبي ٦/ ١٨٨.\n(^٣) تفسير السعدي ٢/ ٩٠.\n(^٤) رواه مسلم كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من رضي بالله ربا .. ورقمه ٣٤.","vol":"1","page":388},{"text":"\"رضيت بالله\" (^١) قال ابن القيم: \"وهذان الحديثان عليهما مدار مقامات الدين وإليهما ينتهي، وقد تضمنا الرضى بربوبيته سبحانه وألوهيته، والرضى برسوله والانقياد له، والرضى بدينه والتسليم له ومن اجتمعت له هذه الأربعة فهو الصديق حقًا. وهي سهلة بالدعوى واللسان، وهي من أصعب الأمور عند حقيقة الامتحان .. \" (^٢).\nوقال: \"وأما الرضى بنبيه رسولًا؛ فيتضمن كمال الانقياد له والتسليم المطلق إليه، بحيث يكون أولى به من نفسه فلا يتلقى الهدى إلا من مواقع كلماته، ولا يحاكم إلا إليه، ولا يحكم عليه غيره، ولا يرضى بحكم غيره البتة ... \" (^٣).\nوقال: \"وأما الرضى بدينه؛ فإذا قال، أو حكم، أو أمر، أو نهى: رضي كل الرضى، ولم يبق في قلبه حرج من حكمه، وسلم له تسليمًا، ولو كان مخالفًا لمراد نفسه أو هواه، أو قول مقلده وشيخه وطائفته\" (^٤).\nولا بد مع الانقياد أن يتبرأ من الشرك والطاغوت والمتحاكم إلى غير شرع الله منقاد إلى الطاغوت لا إلى الله.\nقال ابن القيم: \"أخبر سبحانه أن من تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسول فقد حَكم الطاغوت وتحاكم إليه، والطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله\" (^٥).\n_________\n(^١) رواه مسلم: كتاب الصلاة. باب استحباب القول مثل قول المؤذن. ورقمه ٣٨٦.\n(^٢) مدارج السالكين ٢/ ١٧٢.\n(^٣) المصدر نفسه ٢/ ١٧٢ - ١٧٣.\n(^٤) مدارج السالكين ٣/ ١٧٣.\n(^٥) إعلام الموقعين ١/ ٥٠ ط. دار الفكر.","vol":"1","page":389},{"text":"وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: والطواغيت كثيرة ورؤوسهم خمسة وذكر منهم: \"الثاني: الحاكم الجائر المغير لأحكام الله، والدليل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾ [النساء: ٦٠] \" (^١).\nوفي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآيات [٦٥ - ٦٦] قال العماد ابن كثير -رحمه الله تعالى-: \"والآية ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت ههنا\" (^٢).\nوقال الشيخ السعدي: \"كتاب الله وسنة رسوله عليهما بناء الدين، ولا يستقيم الإيمان إلا بهما، فالرد إليهما شرط في الإيمان فلهذا قال: ﴿اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فدل ذلك على أن من لم يرد إليهما مسائل النزاع فليس بمؤمن حقيقة، بل مؤمن بالطاغوت كما ذكر في الآية بعدها .. فإن الإيمان يقتضي الانقياد لشرع الله وتحكيمه، في كل أمر من الأمور، فمن زعم أنه مؤمن، واختار حكم الطاغوت على حكم الله، فهو كاذب في ذلك\" (^٣).\nوقال أيضًا -﵀-: \"وكل من حاكم إلى غير حكم الله ورسوله فقد حاكم إلى الطاغوت، وإن زعم أنه مؤمن فهو كاذب.\nفالإيمان لا يصح ولا يتم إلا بتحكيم الله ورسوله في أصول الدين وفروعه، وفي\n_________\n(^١) الدرر السنية ١/ ١٦١، مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، القسم الأول - العقيدة ص ٣٣٧.\n(^٢) تفسير ابن كثير ١/ ٥٢٠.\n(^٣) تفسير ابن سعدي للآية ٥٩، ٦٠ من سورة النساء.","vol":"1","page":390},{"text":"كل الحقوق كما ذكره المصنف في الباب الآخر.\nفمن تحاكم إلى غير الله ورسوله فقد اتخذ ذلك ربا وقد حاكم إلى الطاغوت\" (^١).\nوقال الشيخ عبد العزيز بن باز: \"فمن خضع لله سبحانه وأطاعه وتحاكم إلى وحيه، فهو العابد له، ومن خضع لغيره، وتحاكم إلى غير شرعه فقد عبد الطاغوت وانقاد له\" (^٢).\nوقال -﵀-:- \"كما أجمعوا -أي العلماء- على أن من زعم أنه يجوز لأحد من الناس الخروج عن شريعة محمد -ﷺ- أو تحكيم غيرا فهو كافر ضال\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-286> بعض صور التحاكم:</span>\nلهذا التحاكم صور منها: التحاكم إلى شريعة البشر والرضا بما يقضون به.\nومن هذا النوع ما يسمى بالقضاء العشائري الذي تجتمع فيه العشيرة على بعض النظم، وتجعلها عِنْدَ كبيرهم ليقضي بموجبها، وهذا النوع موجود بكثرة (^٤).\nفهذا كله تحاكم إلى الطاغوت وأفتت اللجنة الدائمة بمثل هذا حيث قالت: \"المراد بالطاغوت في الآية كل ما عدل عن كتاب الله تعالى وسنة نبيه -ﷺ- إلى التحاكم إليه من نظم وقوانين وضعية أو تقاليد وعادات متوارثة أو رؤساء قبائل ليفصل بينهم بذلك أو بما يراه زعيم الجماعة أو الكاهن ومن ذي يتبين أن النظم التي وضعت ليتحاكم إليها مضاهاة لتشريع الله داخلة في معنى الطاغوت\" (^٥).\n_________\n(^١) القول السديد في مقاصد التوحيد ص ١١٣.\n(^٢) فتاوى وتنبيهات ونصائح ص ١٢٢.\n(^٣) فتاوى وتنبيهات ونصائح ص ١٣٥.\n(^٤) انظر شرح مسائل الجاهلية للسعيد ٢/ ٨٨٠.\n(^٥) فتاوى اللجنة الدائمة برئاسة ابن باز -﵀- ١/ ٥٤٢.","vol":"1","page":391},{"text":"وقد كتب شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز -﵀- رسالة في وجوب تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه، قال في مقدمتها: \"كتبتها لما رأيت وقوع بعض الناس في هذا الزمان في تحكيم غير شرع الله، والتحاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله من العرّافين والكهان وكبار عشائر البادية ورجال القانون الوضعي وأشباههم جهلًا من بعضهم لحكم عملهم ذلك، ومعاندةً ومحادّة لله ورسوله من آخرين\" (^١).\nوقال -﵀-: \"إذا عُلم أن التحاكم إلى شرع الله من مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، فإن التحاكم إلى الطواغيت والرؤساء والعرافين ونحوهم ينافي الإيمان بالله -﷿- وهو كفر وظلم وفسق\" (^٢).\n* شبهة وردُّها: في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾.\nقال بعضهم: الإرادة لا تحصل إلا بالباطن ولا يعلم أحد به؛ لذا فلا يحكم بكفر المتحاكم إلا بتوفر شرط العلم بالإرادة الباطنية وهو غير حاصل.\nوأجابت اللجنة الدائمة عن ذلك أن \"المراد بالإرادة في قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ ما صحبه فعل أو قرائن وإمارات تدل على القصد والإرادة بدليل ما جاء في الآية التي بعد هذه الآية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)﴾ ويدل على ذلك أيضًا سبب النزول الذي ذكره ابن كثير وغيره في تفسير هذه الآية وكذلك المتابعة دليل الرضا وبذلك يزول الإشكال القائل إن الإرادة أمر باطن فلا يحكم على المريد إلا بعلمها منه وهو غير حاصل\" (^٣).\n_________\n(^١) وجوب تحكيم شرع الله ص ٤.\n(^٢) المصدر السابق ص ١١.\n(^٣) فتاوى اللجنة الدائمة برئاسة ابن باز -﵀- ١/ ٥٤٣.","vol":"1","page":392},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-287> مسألة في التحاكم إلى القوانين إذا كان في بلاد الكفر:</span>\nالذين في بلد يحكم فيها بغير شرع الله كالتي يحكم فيها بالقانون فإن على المسلمين عدم التحاكم إليهم وإنما يُنصِّبون قاضيًا مسلمًا يتحاكمون إليه أما في حالة الضرورة فقد ورد سؤال إلى الشيخ عبد الرزاق عفيفي -﵀- هذا نصه:\n(ما حكم التحاكم إلى المحاكم التي تحكم بالقوانين الوضعية؟).\nفأجاب بقوله: \"بقدر الإمكان لا يتحاكم إليها، أما إذا كان لا يمكن أن يستخلص حقه إلا عن طريقها فلا حرج عليه\" (^١).\nوسئل الشيخ عبد العزيز ابن باز -﵀- عن حكم المتحاكم إلى من يحكم بالقوانين الوضعية إذا كانت المحاكم في بلده كلها تحكم بالقوانين الوضعية ولا يستطيع الوصول إلى حقه إلا إذا تحاكم إليها هل يكون كافرًا؟\nفأجاب: \"أفيدك بأنه إذا اضطر إلى ذلك لا يكون كافرًا، ولكن ليس له أن يتحاكم إليهم إلا عند الضرورة إذا لم يتيسر له الحصول على حقه إلا بذلك، وليس له أن يأخذ خلاف ما يحله الشرع المطهر\" (^٢).\nوقال الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ: \"وأما إن كان لا يريد التحاكم ولا يرضاه، وإنما أجبر على ذلك، كما يحصل في البلاد الأخرى، من إلزامه (أي: إلى القانون) بالحضور مع خصمه إلى قانوني أو إلى قاضٍ يحكم بالقانون، أو أنه عَلِمَ أن الحق له في الشرع فرفع الأمر إلى القاضي في القانون لعلمه أنه يوافق حكم الشرع، فهذا الذي رفع أمره في الدعوى على خصمه إلى قاضٍ قانوني لعلمه أن الشرع يعطيه حقه وأن القانون وافق الشرع في ذلك فهذا الأصح أيضًا -عندي- أنه جائز.\n_________\n(^١) فتاوى الشيخ عبد الرزاق عفيفي ١/ ١٦٦.\n(^٢) فتاوى الشيخ ابن باز ٢٣/ ٢١٤، وانظر فتاوى اللجنة الدائمة ٢٣/ ٥٠٢، ٥٠٣.","vol":"1","page":393},{"text":"وبعض أهل العلم يقول: يتركه ولو كان الحق له، والله -جل وعلا- وصف المنافقين بقوله: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩)﴾ [النور: ٤٩] فالذي يرى أن الحق ثبت له في الشرع وما أجاز لنفسه أن يترافع إلى غير الشرع إلا لأنه يأتيه ما جعله الله -جل وعلا- له مشروعًا فهذا لا يدخل في إرادة التحاكم إلى الطاغوت فهو كاره ولكنه حاكم إلى الشرع فعلم أن الشرع يحكم له فجعل الحكم الذي عند القانوني وسيلة للوصول إلى الحق الذي ثبت له شرعًا\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-288> آثار التحاكم إلى غير الله:</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: \"فإن الله -﷾- هو الحَكم الذي يحكم بين عباده والحكم له وحده، وقد أنزل الله الكتب وأرسل الرسل ليحكم بينهم، فمن أطاع الرسول كان من أوليائه المتقين، وكانت له سعادة الدنيا والآخرة، ومن عصى الرسول كان من أهل الشقاء والعذاب\" (^٢).\nوقال ابن القيم -﵀-: \"فالشرك والدعوة إلى غير الله وإقامة معبود غيره ومطاع متبع غير رسول الله -ﷺ- هو أعظم فساد في الأرض، ولا صلاح لها ولا لأهلها إلا أن يكون الله وحده هو المعبود المطاع. والدعوة له لا لغيره، والطاعة والاتباع لرسوله ليس إلا، وغيره إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول -ﷺ-، فإذا أمر بمعصيته وخلاف شريعته فلا سمع له ولا طاعة. ومن تدبر أحوال العالم وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله، وكل شر في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدو وغير ذلك سببه مخالفة رسوله والدعوة إلى غير الله ورسوله\" (^٣).\n_________\n(^١) التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص ٤٣٠، ٤٣١.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٣٥/ ٣٦١، ٣٦٣، وانظر ٣٧٢، ٣٨٣.\n(^٣) بدائع الفوائد ٣/ ١٧ وقد قال ذلك في معرض ذكره لأقوال المفسرين في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦]، وانظر الفوائد ص ٤٨.","vol":"1","page":394},{"text":"والناظر في حال البلاد التي تتحاكم إلى غير شرع الله يرى أثر التحاكم إلى غير الله على بلادهم.\nويقول الشيخ أحمد شاكر: \"نرى في بعض بلاد المسلمين قوانين ضربت عليها نقلت عن أوربا الوثنية الملحدة، وهي قوانين تخالف الإسلام مخالفة جوهرية في كثير من أصولها وفروعها، بل إن في بعضها ما ينقض الإسلام ويهدمه، وذلك أمر واضح بديهي لا يخالف فيه إلا من يغالط نفسه، ويجهل دينه أو يعاديه من حيث لا يشعر\" (^١).\nوقال -﵀- في موضع آخر: \" ... فكان عن هذا أن امتلأت السجون في بلادنا وحدها بمئات الألوف من اللصوص، بما وضعوا في القوانين من عقوبات للسرقة ليست برادعة، ولكن تكون أبدًا رادعة ولن تكون أبدًا علاجًا لهذا الداء المستشرى ... وإنهم جاءوا في التطبيق يلتمسون الأعذار من (علم النفس) لكل لص بحسبه، ثم زاد الأمر شرًا أن يكتب اللصوص أنفسهم كلامًا يلتمسون به الأعذار لجرمهم، وقام المدافعون (المحامون) عنهم المقامات التي توردهم النار، يعلمون أن الجريمة ثابتة فلا يحاولون إنكارها، بل يحاولون التهوين من شأنها بدراسة \"نفسية المجرم وظروف\" ... \" (^٢).\nوقال الشيخ عبد العزيز بن باز -﵀-: \"ولهذا كان من مقتضى رحمته وحكمته -﷾- أن يكون التحاكم بين العباد بشرعه ووحيه، لأنه سبحانه المنزه عما يصيب البشر من الضعف والهوى والعجز الجهل، فهو سبحانه الحكيم العليم اللطيف الخبير، يعلم أحوال العباد وما يصلحهم، وما يصلح لهم في حاضرهم ومستقبلهم، ومن تمام رحمته أن تولى الفصل بينهم في المنازعات والخصومات وشئون الحياة،\n_________\n(^١) مسند الإمام أحمد بن حنبل ٦/ ٣٠٣ ط. دار المعارف.\n(^٢) عمدة التفاسير ١/ ١٧١، وانظر كلام شيخ الإسلام بالدولة العثمانية الشيخ مصطفى صبري في كتاب موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين ٤/ ٢٨١، ط الحلبي.","vol":"1","page":395},{"text":"ليتحقق لهم العدل والخير والسعادة، بل والرضا والاطمئنان النفسي والراحة القلبية، ذلك أن العبد إذا علم أن الحكم أصدر في قضية يخاصم فيها، هو حكم الله الخالق العليم الخبير، قبل ورضى وسلم، حتى ولو كان الحكم خلاف ما يهوى ويريد؛ بخلاف ما إذا علم أن الحكم صادر عن أناس بشر مثله، لهم أهواؤهم وشهواتهم، فإنه لا يرضى ويستمر في المطالبة والمخاصمة، ولذلك لا ينقطع النزاع، ويدوم الخلاف.\nوإن الله -﷾- إذ يوجب على العباد التحاكم إلى وحيه، رحمة بهم وإحسانًا إليهم، فإنه سبحانه بين الطريق العام لذلك أتم بيان وأوضحه؛ بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ \" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-289>٧٣ - تحقيق التوحيد</span>\nانظر باب (توحيد الألوهية).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-290>٧٤ - تحليل الحرام</span>\nوبوب لها الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مسائل الجاهلية بقوله: \"التعبد بتحريم الحلال، كما تعبدوا بالشرك).\nانظر باب (كفر الاستحلال).\n_________\n(^١) فتاوى وتنبيهات ونصائح ص ١٢٨.","vol":"1","page":396},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-291>٧٥ - التداوي </span>*\nتعريفه: هو من جملة الأسباب المشروعة في طلب العلاج وسبب ذكره هنا لمعرفة علاقته بالتوكل وهل هو ينافيه أولا؟. وسوف يأتي الكلام عن حكمه إن شاء الله.\n* الدليل من السنة: حديث أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: \"ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاء\" (^١).\nوفي رواية عند أحمد زيادة: \"عَلِمه من علمه، وجهله من جهله\" (^٢).\nوروى جابر بن عبد الله -﵄- عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"لكل داء دواء، فإذا أصيب دواءٌ الداءَ برأ بإذن الله تعالى\" (^٣).\nوعن أسامة بن شريك قال: أتيت النبي -ﷺ- وجاءت الأعراب فقالوا: يا رسول الله؛ نتداوى؟ فقال: \"نعم تداووا، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء، غير داء واحد، الهرم\" (^٤).\nقال ابن القيم: \"فيه تقوية لنفس المريض والطبيب، وحث على طلب ذلك\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ٢٤/ ٦٥ - ٦٦، ٢١/ ٢٤٢، ٢/ ٢٢٧، ٥/ ٢٨٣ - ٢٧٣. المصنف لابن أبي شيبة ٥/ ٣١ - ٦١، الاستذكار لابن عبد البر ٢٧/ ٣٥ - ٤٥. المحلى بالآثار لابن حزم ٣/ ٩٠. زاد المعاد لابن القيم ٤/ ١٥.الآداب الشرعية لابن مفلح ٣/ ٩٧. الدرر السنية ٥/ ٨٠. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ١/ ١٢٦ - ١٢٧. تيسر العزيز الحميد ص ١١١.\n(^١) أخرجه البخاري (٥٦٧٨).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد (١٨٦٤٧).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٢٠٤).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد (١٨٦٤٥).","vol":"1","page":397},{"text":"الدواء، والتفتيش عليه\" (^١).\nوقال -﵀-: \"فقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات وإبطال قول من أنكرها\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-292> أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>١ - حكم التداوي:</span>\nحكى بعض العلماء الإجماع على جوازه (^٣).\nقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن -﵀-: \"وقد اختلف العلماء في التداوي: هل هو مباح، وتركه أفضل، أو مستحب أو واجب؟.\nفالمشهور عن أحمد الأول؛ لهذا الحديث (^٤) وما في معناه.\nوالمشهور عند الشافعية الثاني، حتى ذكر النووي -في شرح مسلم- أنه مذهبهم، ومذهب جمهور السلف وعامة الخلف (^٥).\nواختاره الوزير أبو المظفر قال: ومذهب أبي حنيفة: أنه مؤكد حتى يُداني به الوجوب، قال: ومذهب مالك أنه يستوي فعله وتركه، فإنه قال: لا بأس بالتداوي، ولا بأس بتركه (^٦).\nوقال شيخ الإسلام: \"ليس بواجب عند جماهير الأئمة، وإنما أوجبه طائفةٌ قليلة من أصحاب الشافعي وأحمد\" (^٧) \" (١).\n_________\n(^١) زاد المعاد ٤/ ١٧.\n(^٢) زاد المعاد ص ٤/ ١٤.\n(^٣) الطب النبوي للحافظ أبي عبد الله محمد الذهبي ص ٢٢٠.\n(^٤) يقصد حديث السبعين ألفًا.\n(^٥) المنهاج للنووي ١٤/ ١٩١.\n(^٦) ينظر: التمهيد لابن عبد البر ٢٤/ ٦٥.\n(^٧) مجموع الفتاوى ٢٤/ ٢٦٩. وانظر ٢١/ ٥٦٣ - ٥٦٤.","vol":"1","page":398},{"text":"وقال الشيخ ابن باز -﵀-: \"يجوز التداوي اتفاقًا، وللمسلم أن يذهب إلى دكتور أمراض باطنية أو جراحية أو عصبية أو نحو ذلك؛ ليشخِّص له مرضه ويعالجه بما يناسبه من الأدوية المباحة شرعًا حسب ما يعرفه في علم الطب؛ لأن ذلك من باب الأخذ بالأسباب العادية ولا ينافي التوكل على الله، وقد أنزل الله -﷾- الداء وأنزل معه الدواء عرف ذلك مَنْ عرفه وجهله مَنْ جهله، ولكنه سبحانه لم يجعل شفاء عباده فيما حرَّمه عليهم\" (^١).\nقال العلامة الإمام ابن عثيمين -﵀-: \"والصحيح:\n١ - أن ما علم أو غلب على الظن نفعه -يعني التداوي- مع احتمال الهلاك بعدمه فهو واجب.\n٢ - ما غلب على الظن نفعه، لكن ليس هناك هلاك محقق بتركه فهو أفضل.\n٣ - ما تساوى فيه الأمران، فتركه أفضل\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-294>٢).\n\n٢ - حكم التداوي قبل وقوع الداء:</span>\nسُئل الشيخ الإمام ابن باز -﵀- عن حكم التداوي قبل وقوع الدء كالتطعيم؟ فقال: \"لا بأس بالتداوي إذا خشي وقوع الداء لوجود وباء أو أسباب أخرى يخشى من وقوع الداء بسببها، فلا بأس بتعاطي الدواء لدفع البلاء الذي يخشى منه لقول النبي -ﷺ- في الحديث الصحيح: \"من تصبح بسبع تمرات من تمر المدينة لم يضره سحر ولا سم\" (^٣). وهذا من باب دفع البلاء قبل وقوعه، فهكذا إذا خشي من مرض وطعم ضد الوباء الواقع في البلد أو في أي مكان لا بأس بذلك من باب الدفاع كما يعالج المرض النازل، يعالج بالدواء المرض الذي يخشى منه، لكن لا يجوز تعليق التمائم والحجب ضد\n_________\n(^١) فتح المجيد ص ٩٧.\n(^٢) حراسة التوحيد ص ٧٩.\n(^٣) الشرح الممتع ٥/ ٣٠١.","vol":"1","page":399},{"text":"المرض أو الجن أو العين لنهي النبي -ﷺ- عن ذلك. وقد أوضح ﵊ أن ذلك من الشرك الأصغر، فالواجب الحذر من ذلك\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-295>٣ - علاقة التداوي بالتوكل:</span>\nقال ابن القيم -﵀- \"وفي الأحاديث الصحيحة الأمر بالتداوي وأنه لا ينافي التوكل كما لا ينافيه دفع داء الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتهما قدرا وشرعا، وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل كما يقدح في الأمر والحكمة ويضعفه من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى من التوكل فإن تركها عجز ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه ودفع ما يضره في دينه ودنياه ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب وإلا كان معطلا للأمر والحكمة والشرع فلا يجعل العبد عجزه توكلًا ولا توكله عجزًا\" (^٢).\nوقال الشيخ ابن عثيمين -﵀-: \"وقد اختلف العلماء هل الأفضل عدم التداوي والاعتماد على الله -﷿- أو التداوي، والمسألة فيها تفصيل: فإذا كان هذا الدواء مما يرجى نفعه فإن استعماله مطلوب ومندوب إليه، لقوله -ﷺ-: \"تداووا ولا تداووا بحرام\" (^٣).\nوإذا كان مما يتيقن نفعه فإنه يجب، مثل لو أصيب الإنسان بزائدة، ثم قرر الأطباء أنه إذا لم يستأصلها مات، وأن التداوي بفتح بطنه، وقطع هذه الزائدة أمر لا يضره، فإننا نقول في هذه الحال، يجب عليه أن يتداوى بهذه الطريقة.\nوأما الشيء المحرم فإننا نعلم أنه لا مصلحة فيه أبدًا\" (^٤).\n_________\n(^١) مجموعة فتاوى ابن باز ص ٤٩٥.\n(^٢) زاد المعاد ٤/ ١٥.\n(^٣) سنن أبي داود (٣٨٧٤).\n(^٤) فتاوى منار الإسلام ص ٧٤٨.","vol":"1","page":400},{"text":"فالتداوي من الأسباب المباحة الجائزة فلا يقدح في التوكل مع الاعتماد على الله لا على السبب، وسيأتي مزيد بحث في باب (السبب).\nوالتداوي يكون بالرقى ويكون بالكي ويكون بالطبيب وبالعلاجات المعروفة، وبعض العلماء كره التداوي بالرقى والكي مستدلين بحديث السبعين ألفًا.\nقال ابن حجر -﵀- عند شرحه لهذا الحديث: \"والغرض منه قوله: \"هم الذي لا يتطيرون ولا يكتوون ولا يسترقون\" فتمسك بهذا الحديث من كره الرقى والكي من بين سائر الأدوية، وزعم أنهما قادحان في التوكل دون غيرهما\" (^١).\nثم ذكر الحافظ -﵀- أجوبة العلماء عن ذلك، انظر ص ٢١١ وما بعدها.\nوالاسترقاء والاكتواء من الأسباب المكروهة وهما جائزان، لكنهما ينافيان تمام التوكل على الله.\nومن العلماء من قال: إن المراد بترك الرقى والكي الاعتماد على الله في دفع الداء والرضا بقدره، لا القدح في جواز ذلك؛ لثبوت وقوعه في الأحاديث الصحيحة وعن السلف الصالح لكن مقام الرضى والتسليم أعلى من تعاطي الأسباب، وهذا يفهم من كلام ابن الأثير -﵀- حيث قال: \"وأما الحديث الآخر في صفة أهل الجنة الذين يدخلونها بغير حساب \"هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون\" فهذا من صفة الأولياء المعرضين عن أسباب الدنيا الذين لا يلتفتون إلى شيء من علائقها ... ومن صبر على البلاء وانتظر الفرج من الله بالدعاء كان من جملة الخواص والأولياء، ومن لم يصبر رُخِّص له في الرقية والعلاج والدواء\" (^٢).\n_________\n(^١) فتح الباري ١٠/ ٢١١.\n(^٢) النهاية لابن الأثير (ر ق ى).","vol":"1","page":401},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-296>٧٦ - التسخط من قدر الله</span>\nقال أبو السعادات: \"السخط الكراهية للشيء وعدم الرضا به\" (^١).\n* الدليل من السنة: قال النبي -ﷺ-: \"إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط\" (^٢).\nوعَنْ عَبْدِ اللهِ -﵁- عَنْ النَّبيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ\" (^٣).\nوصلة هذا الباب بالتوحيد أن التسخط من قدر الله يتنافى مع كمال التوحيد الواجب.\nقال الحافظ بن حجر: \"ليس منا: أي من أهل سنتنا وطريقتنا، وليس المراد به إخراجه عن الدين، ولكن فائدة إيراده بهذا اللفظ المبالغة في الردع عن الوقوع في مثل ذلك، كما يقول الرجل لولده عِنْدَ معاتبته: لست منك ولست مني، أي ما أنت على طريقتي.\nوحكى عن سفيان أنه كان يكره الخوض في تأويله ويقول: ينبغي أن يمسك عن ذلك ليكون أوقع في النفوس وأبلغ في الزجر.\nوقيل المعنى ليس على ديننا الكامل، أي أنه يخرج من فرع من فروع الدين وإن كان معه أصله، حكاه ابن العربي\" (^٤).\nوالتسخط له علاقة بالمباحث الآتية:\n١ - الشكوى. ... ٢ - الندب. ... ٣ - الأنين.\n٤ - البكاء على الميت. ... ٥ - النياحة.\nوللتوسع في ذلك انظر باب الصبر.\n_________\n(^١) النهاية (س خ ط).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٣٩٦) وقال حديث حسن غريب من هذا الوجه.\n(^٣) أخرجه البخاري (١٢٩٧) واللفظ له. ومسلم (١٠٣).\n(^٤) تيسير العزيز الحميد ص ٥١٨.","vol":"1","page":402},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-297>٧٧ - التشبه </span>*\nالتشبه لغة: التشبه يعني المماثلة والمحاكاة والتقليد. قال الراغب: \"الشِّبه والشَّبَه والشبيه حقيقتها في المماثلة\" (^١).\nوشرعًا: \"هو عبارة عن محاولة الإنسان أن يكون شبه المتشبه به وعلى هيئته وحليته ونعته وصفته، أو هو عبارة عن تكلف ذلك وتقصده وتعلمه، قد يعبر عن التشبه بالتشكل والتمثل والتزيي والتحلي والتخلق\" (^٢).\nوقال المناوي شارحًا معنى من تشبه بقوم: \"أي: تزيَّا في ظاهره بزيهم وفي تعرفه بفعلهم وفي تخلقه بخلقهم وسار بسيرتهم وهديهم في ملبسهم بعض أفعالهم أي وكأن التشبه بحق قد طابق فيه الظاهر والباطن\" (^٣).\nوقال عثمان دوكري: \"هو تمثل المسلم بالكفار في عقائد أو عباداتهم أو أخلاقهم أو فيما يختصون به من عادات أو خضوعه لهم بشكل من الأشكال\" (^٤).\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ٥/ ١٥.الإبانة لابن بطة العكبري ص ١٦٨. شَرحُ السُنَّةِ للبَغوي ١٢/ ١١٩. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم ١/ ٣٦٢، ٤٢٥. منهاج السنة ٤/ ١٥٥. مجموع الفتاوى ٣٢/ ٢٥٦.الآداب الشرعية لابن مفلح ٣/ ٥٠٤.الدرر السنية ١٥/ ٣٦٣ - ٣٨٠، ٤١٠. الدين الخالص لصديق حسين القنوجي ٣/ ٤٢. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٧/ ١٥٢، ١٧٥، ١٩٣، ١٩٤. مسائل الإمام أحمد في العقيدة ٢/ ٢٣٧. نواقض الإيمان القولية والعملية لعبد العزيز آل عبد اللطيف ص ٣٧٦. السنن والآثار في النهي عن التشبه بالكفار لسهيل حسن عبد الغفار. التشبه المنهي عنه في الفقه الإسلامي لجميل اللويحق.\n(^١) المفردات ٢٥٤.\n(^٢) التنبه لما ورد في التشبه للغزي الشافعي ق ٢/ ٢، نقلا عن كتاب السنن والآثار في النهي عن التشبه بالكفار ص ٣٥.\n(^٣) فيض القدير ٦/ ١٠٤.\n(^٤) التدابير الواقية من التشبه بالكفار ١١.","vol":"1","page":403},{"text":"والتشبه يقع في الأمور القلبية من الاعتقادات والإرادات، ويقع في الأمور الخارجية الظاهرة من العبادات والعادات (^١).\nقال ابن القيم: \"لما قهر المسلمون أهل الذمة وصاروا تحت قهرهم وحكمهم ألزمهم أمير المؤمنين عمر ﵁ بترك التشبه بالمسلمين كما أمر النبي بترك التشبه بهم فتضمن هذان الأصلان العظيمان مجانبتهم في الهدي الظاهر والباطن حتى في النعال فأمر النبي الأمة بالصلاة في نعالهم مخالفة لأهل الكتاب ونهاهم عمر ﵁ أن يلبسوا نعال المسلمين\" (^٢).\n* الأدلة من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠)﴾ [البقرة: ١٢٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)﴾ [البقرة: ١٤٥]، وقال تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)﴾ [الأعراف: ١٤٢]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ [الجاثية: ١٨]، وقال تعالى: (﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ\n_________\n(^١) فيض القدير ٦/ ١٠٤.\n(^٢) أحكام أهل الذمة ص ١٢٨٧، ١٢٨٨.","vol":"1","page":404},{"text":"غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨].\n* الأدلة من السنة: عن ابن عمر -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"من تشبه بقوم فهو منهم\" (^١).\nوعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ الله -ﷺ- قَالَ: \"لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا لَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ وَلَا بالنَّصَارَى، فَإِنَّ تَسْلِيمَ الْيَهُودِ الإِشَارَةُ بِالأَصَابِعِ وَتَسْلِيمَ النَّصَارَى الإِشَارَةُ بِالأَكُفِّ\" (^٢).\nوعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بذِرَاعٍ حَتَى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبعْتُمُوهُمْ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ؟ \" (^٣).\nوروى الإمام أحمد عن شَدَّاد بْن أَوْسٍ أن رَسُول اللهِ -ﷺ- قال: \"لَيَحْمِلَنَّ شِرَارُ هَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى سَنَنِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلِ الْكِتَابِ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ\" (^٤). وفي حديث ثوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: \" ... وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَلْحَقَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي بِالْمُشْرِكِينَ وَحَتَّى تَعْبُدَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي الأَوْثَانَ ... \" الحديث (^٥).\nوفي السنن لما قال بعض أصحابه اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط،\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٠٣١)، وأحمد بلفظ أتم من ذلك (٥١١٤). وقال شيخ الإسلام في الحديث: \"هذا إسناد جيد\" انظر الاقتضاء ١/ ٢٣٦ وصححه الألباني انظر إرواء الغليل ٨/ ٤٩ رقم ٢٣٨٤.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٦٩٥).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٤٥٦) (٧٣٢٠).\n(^٤) الإمام أحمد (١٧٢٦٥).\n(^٥) أبو داود (٤٢٥٢) وابن ماجه (٣٩٥٢).","vol":"1","page":405},{"text":"قال رسول الله -ﷺ-: \"الله أكبر قلتم كما قال أهل الكتاب لموسى -﵇-: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ ثم قال الرسول -ﷺ-: \"إنكم ستركبون سنن من كان قبلكم\" (^١).\nوقوله: \"لتركبن سنن من كان قبلكم\" وقع على سبيل الذم.\nوقد وردت أحاديث فيها الأمر بمخالفة اليهود والنصارى في أشياء مخصوصة منها: ما رواه الشيخان عن أبي هريرة -﵁- قَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ\" (^٢).\nوعن عبادة بن الصامت -﵁- قال: كان رسول الله -ﷺ- يقوم في الجنازة حتى توضع في اللحد، فمرَّ به حَبرٌ من اليهود فقال: هكذا نفعل، فجلس النبي -ﷺ- وقال: \"اجلسوا، خالفوهم\" (^٣).\nوعَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبيِّ -ﷺ- قَالَ: \"خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ وَفِّرُوا اللِّحَى وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ\" (^٤). وفي رواية عند مسلم: \"خَالِفُوا الْمَجُوسَ\" (^٥).\nوفي رواية عند الإمام أحمد عن أبي هريرة -﵁- قَالَ: \"أَعْفُوا اللِّحَى وَخُذُوا الشَّوَارِبَ وَغَيِّرُوا شَيْبَكُمْ وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى\" (^٦).\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -ﷺ-: \"لَا يَزَالُ النَّاسُ بخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ. عَجِّلُوا الْفِطْرَ فَإِنَّ الْيَهُودَ يُؤَخِّرُونَ\" (^٧).\nقال ابنُ تيمية: \"كما أُمرنا بتعجيل الفطر والمغرب؛ مخالفة لأهل الكتاب\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٢٢٤٢)، والترمذي (٢١٨٠) والطيالسي في مسنده رقم (١٤٤٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٨٩٩). ومسلم (٢١٠٣).\n(^٣) سنن أبي داود (٣١٧٦).\n(^٤) أخرجه البخاري (٥٨٩٢) واللفظ له. ومسلم (٢٥٩).\n(^٥) أخرجه مسلم عن أبي هريرة -﵁- (٢٦٠).\n(^٦) أخرجه أحمد (٨٦٥٧).\n(^٧) سنن ابن ماجه (١٦٨٨).","vol":"1","page":406},{"text":"وبتأخير السحور، مخالفة لأهل الكتاب وكما أمرنا بالصلاة في النعلين مخالفة لليهود وهذا كثير في العبادات وكذلك في العادات، قال رسول الله -ﷺ-: \"اللحد لنا، والشق لغيرنا\"، وسن توجيه قبور المسلمين إلى الكعبة تمييزًا لها عن مقابر الكافرين، فإن أصل الدفن من الأمور المشروعة في الأمور العادية\" (^١).\nونهى النبي -ﷺ- عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت الغروب معللًا ذلك النهي بأنها تطلع وتغرب بين قرني شيطان وأنه حينئذ يسجد لها الكفار، ومعلوم أن المؤمن لا يقصد السجود إلا لله تعالى وأكثر الناس قد لا يعلمون (^٢).\nوروى البخاري عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ -﵂- أنها كَانَتْ تَكَرَهُ أَنْ يَجْعَلَ المصلي يَدَهُ فِي خَاصِرَتِهِ وَتَقُولُ إِنَّ الْيَهُودَ تَفْعَلُهُ (^٣).\nوعن عبد الله بن عمرو -﵄- قال: \"من بنى ببلاد الأعاجم وصنع نيروزهم ومهرجانهم، وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة\" (^٤).\nوقال شيخ الإسلام: بعدما ذكر حديث: \"من تشبه بقومٍ فهو منهم\": \"وهذا الحديث أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾، وهو نظير ما سنذكره عن عبد الله بن عمرو أنه قال: \"من بنى بأرض المشركين وصنع نيروزهم ومهرجانهم، وتشبه بهم حتى يموت حشر معهم يوم القيامة\"، فقد يحمل هذا على التشبه المطلق، فإنه يوجب الكفر، ويقتضي تحريم أبعاض ذلك، وقد يحمل على أنه منهم في القدر المشترك الذي شابههم فيه، فإن كان كفرا أو معصية أو شعارا لها\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ١٧٨.\n(^٢) اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ١٩٠.\n(^٣) أخرجه البخاري (٣١٩٩).\n(^٤) السنن الكبرى للبيهقي ٩/ ٢٣٤.","vol":"1","page":407},{"text":"كان حكمه كذلك\" (^١).\nوقال -﵀- في أثر عبد الله بن عمر: \"من بنى ببلاد الأعاجم ... \": \"وهذا يقتضي أنه جعله كافرا بمشاركتهم في مجموع هذه الأمور، أو جعل ذلك من الكبائر الموجبة للنار، وإن كان الأول ظاهر لفظه، فتكون المشاركة في بعض ذلك معصية؛ لأنه لو لم يكن مؤثرا في استحقاق العقوبة لم يجز جعله جزءا من المقتضي إذ المباح لا يعاقب عليه وليس الذم على بعض ذلك مشروطًا ببعض، لأن أبعاض ما ذكره يقتضي الذم منفردًا، وإنما ذكر -والله أعلم- من بني ببلادهم لأنهم على عهد عبد الله بن عمرو وغيره من الصحابة كانوا ممنوعين من إظهار أعيادهم بدار الإسلام وما كان أحد من المسلمين يتشبه بهم في عيدهم، وإنما كان يتمكن من ذلك بكونه في أرضهم\" (^٢).\nفوائد:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-298> أنواع التشبه بالكفار:</span>\nالتشبه بالكفار منه ما هو كفر ومنه ما هو دون ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-299>أ - التشبه المطلق بالكفار:</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية في حديث: \"من تشبه بقوم فهو منهم\": \"فقد يحمل هذا (^٣) على التشبه المطلق، فإنه يوجب الكفر، ويقتضي تحريم أبعاض ذلك\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-300>ب - تعظيم شعيرة من شعائرهم:</span>\nوفي الفتاوى الصغرى: \"ومن اشترى يوم النيروز شيئًا ولم يكن يشتريه قبل ذلك، إن أراد به تعظيم النيروز كفر، وإن اتفق الشراء ولم يعلم أن هذا اليوم يوم\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٢٣٧،٢٣٨.\n(^٢) اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٤٥٩، ٤٦٠.\n(^٣) يعني حديث: \"من تشبه بقوم فهو منهم\".\n(^٤) اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٢٣٨.","vol":"1","page":408},{"text":"النيروز لا يكفر\" (^١).\nوفي كتب أصحاب أبي حنيفة من أهدى لهم يوم عيدهم بطيخة بقصد تعظيم العيد فقد كفر (^٢).\nونقل ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض كلامه عن العيد فقال: \"لا يحل للمسلمين أن يتشبهوا بهم في شيء مما يختص بأعيادهم لا من طعام ولا لباس ولا اغتسال، ولا إيقاد نيران، ولا تبطيل عادة من معيشة أو عبادة أو غير ذلك ولا يحل فعل وليمة ولا الإهداء ولا البيع بما يُستعان به على ذلك لأجل ذلك، ولا تمكين الصبيان ونحوهم من اللعب الذي في الأعياد ولا إظهار زينة، وبالجملة ليس لهم أن يخصوا عيدهم بشيء من شعائرهم، بل يكون يوم عيدهم عند المسلمين كسائر الأيام لا يخصه المسلمون بشيء من خصائصهم، وأما إذا أصابه المسلمون قصدًا، فقد كره ذلك طوائف من السلف والخلف وأما تخصيصه بما تقدم ذكره فلا نزاع فيه بين العلماء، بل قد ذهب طائفة من العلماء إلى كفر من يفعل هذه الأمور لما فيها من تعظيم شعائر الكفر، وقال طائفة منهم: من ذبح نطيحة يوم عيدهم فكأنما ذبح خنزيرًا\" (^٣).\nوجاء في فتوى اللجنة الدائمة للافتاء في حكم لبس الصليب ما نصه: \"التفصيل في هذا الأمر وأمثاله هو الواجب فإذا بين له حكم لبس الصليب وأنه شعار النصارى، ودليل على أن لابسه راض بانتسابه إليهم والرضا بما هم عليه وأصر على ذلك، حكم بكفره لقوله -﷿-: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١]، والظلم إذا أطلق يراد به الشرك الأكبر، وفيه إظهار لموافقة\n_________\n(^١) رسالة ألفاظ الكفر ص ٤٣، ٤٥، وانظر: البحر الرايق لابن نجيم ٥/ ١٣٣، وشرح الفقه الأكبر لملا علي قاري ص ٢٨٢، والفتاوى البزازية ٣/ ٣٣٣، ٣٣٤.\n(^٢) أحكام أهل الذمة ٢/ ٧٢٢.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٢٥/ ٣٢٩، ٣٣٠.","vol":"1","page":409},{"text":"النصارى على ما زعموه من قتل عيسى -﵇-، والله سبحانه قد نفى ذلك وأبطله في كتابه الكريم حيث قال -﷿-: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧] \" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-301> وقد ذكر بعض العلماء أنواعًا أخرى:</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- قال: \"فليس للمسلم أن يخص خميسهم الحقير لا بتجديد طعام الرز والعدس والبيض المصبوغ وغير ذلك، ولا بالتجمل بالثياب، ولا بصبغ دواب، ولا بنشر ثياب ولا غير ذلك، ومن فعل ذلك على وجه العبادة والتقرب به واعتقاد التبرر به فإنه يعّرف دين الإسلام، وأن هذا ليس منه بل هو ضده، ويستتاب فإن تاب وإلا قتل، وليس لأحد أن يجيب دعوة مسلم يعمل في أعيادهم مثل هذه الأطعمة، ولا يحل له أن يأكل من ذلك بل لو ذبحوا هم في أعيادهم شيئًا لأنفسهم ففي جواز أكل المسلم من ذلك نزاع بين العلماء، والأصح: عدم الجواز لكونهم يذبحونها على وجه القربان، فصار من جنس ما ذبح على النصب، وما أهلَّ به لغير الله. وأما ذبح المسلم لنفسه في أعيادهم على وجه القربة فكفر بيّن كالذبح للنصب\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"وأما زيارة معابد الكفار مثل الموضع المسمى بالقمامة أو بيت لحم أو صهيون أو غير ذلك مثل كنائس النصارى فمنهي عنها فمن زار مكانا من هذه الأمكنة معتقدا أن زيارته مستحبة والعبادة فيه أفضل من العبادة في بيته فهو ضال خارج عن شريعة الإسلام يستتاب فإن تاب وإلا قتل\" (^٣).\nوقال الخرشي: \"وكذلك يكون مرتدا إذا شد الزنار (^٤) في وسطه؛ لأن هذا فعلٌ\n_________\n(^١) فتاوى اللجنة ٢/ ٧٨، ١١٩.\n(^٢) مختصر الفتاوى المصرية ص ٥١١، ٥١٢.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٢٧/ ١٤.\n(^٤) الزنار هو ما يلبسه الذمي يشده على وسطه. انظر لسان العرب ٤/ ٣٣٠.","vol":"1","page":410},{"text":"يتضمن الكفر ... ومثله فعل شيء مما يختص بزي الكفار، ولا بد أن ينضم إلى ذلك المشي إلى الكنيسة ونحوه، وقيد أيضا بما إذا فعله في بلاد الإسلام\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-302> ٢ - جاء الإجماع على حرمة التشبه والنهي عنه:</span> قال ابنُ تَيمِيَّةَ في الاقتضاء: \"وإنما الغرض بيان ما اتفق عليه العلماء من كراهة التشبه بغير أهل الإسلام وقد يتردد العلماء في بعض هذه القاعدة لتعارض الأدلة فيها أو لعدم اعتقاد بعضهم اندراجه في هذه القاعدة ... \" (^٢).\nوقال: \"وأما ما في هذا الباب عن سائر أئمة المسلمين من الصحابة والتابعين وسائر الفقهاء فأكثر من أن يمكن ذكر عشره وقد قدمنا في أثناء الحديث كلام بعضهم الذي يدل على كلام الباقين وبدون ما ذكرناه يعلم إجماع الأمة على كراهة التشبه بأهل الكتاب والأعاجم في الجملة ... \" (^٣).\nوقال الشيخ أحمد شاكر: \"هذا الحديث (^٤) يدل بالنص الصريح على حرمة التشبه بالكفار في الملبس في الحياة والمظهر ولم يختلف أهل العلم منذ الصدر الأول في هذا أعني حرمة التشبه بالكفار ... \" (^٥).\nوقد تقدم قول شيخ الإسلام: بعدما ذكر حديث: \"من تشبه بقومٍ فهو منهم\": \"وهذا الحديث أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بهم إلى أن قال: وقد يحمل\n_________\n(^١) الخرشي على مختصر خليل ٨/ ٦٣، وهناك نقول أخرى، البحر الرائق ٥/ ١٣٣، وانظر شرح ألفاظ الكفر ص ٢٠٠، ٢٠١، الإعلام بقواطع الإسلام ص ٣٦٣، الشفا للقاضي عياض ٢/ ١٠٧٢، ١٠٧٣، شرح ألفاظ الكفر ص ٢٠٣.\n(^٢) الاقتضاء ١/ ٣٥٥.\n(^٣) الاقتضاء ١/ ٣٥٩.\n(^٤) يعني حديث عبد الله بن عمرو أن رسول -ﷺ- رأى عليه ثوبين معصفرين قال: \"ثياب الكفار، لا تلبسها\" أخرجه أحمد في المسند (٦٥١٣).\n(^٥) تحقيق المسند ١٠/ ١٩.","vol":"1","page":411},{"text":"على أنه منهم في القدر المشترك الذي شابههم فيه، فإن كان كفرا أو معصية أو شعارا لها كان حكمه كذلك\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-303>٣ - ضابط التشبه بالكفار:</span>\nهناك أمور مشتركة ليست من خصائص الكفرة وليس لهم فيها سمة تخصهم بل يشترك فيها المسلم والكافر ويشترك فيها الناس كلهم كتعلم الصناعات والعلوم الدنيوية التي لا تخل بعقيدة المسلم وكاتخاذ القوة وصناعة السلاح والانتفاع مما أباح الله من زينة الأنعام وأكل الطيبات من الرزق، فهذه الأمور المشتركة قد تكون مباحة وقد يكون الأخذ بها واجب كإعداد القوة للجهاد وهذه الأمور وإن ابتدأ بأخذها أهل الكتاب أو غيرهم فالأخذ بها جائز ومن الأمثلة على ذلك حفر الخندق واستعمال المنجنيق وتدوين الدواوين وقد أقر النبي -ﷺ- بعض أمور الجاهلية كالقسامة (^٢).\nولكن من الأمور المشتركة ما يكون محرما بعد الإباحة؛ لأن الكفار اتخذوه من خصائصهم فصار شعارًا لهم قال الذهبي: \"ألا ترى أن العمامة الزرقاء والصفراء كان لباسهما لنا حلالا قبل اليوم وفي عام سبعمائة لما ألزمهم السلطان الناصر بلبسهم حرمت علينا\" (^٣).\nوقال في كشاف القناع: \"قال الشيخ: ولما صارت العمامة الصفراء أو الزرقاء من شعارهم حرم لبسها\" (^٤).\nوبهذا يعلم أن الأحكام في النهي عن التشبه بهم منصبة فيما هو من خصائصهم وتقاليدهم فالتشبه منه ما هو كفر أو وسيلة إليه ومنه ما هو محرم ظاهر التحريم.\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٢٣٧، ٢٣٨.\n(^٢) صحيح مسلم (١٦٦٩)، وانظر السنن والآثار لسهيل ص ٦٥.\n(^٣) تشبه الخسيس بأهل الخميس ص ٢٥.\n(^٤) كشاف القناع للبهوتي ١/ ٢٠، وانظر تشبيه الخسيس ص ١٩٣.","vol":"1","page":412},{"text":"قال الشيخ محمد بن إبراهيم -﵀-: \"لا ريب أن ضابط التشبه بهم فعل ما هو من خصائصهم\" (^١).\nوقال الشيخ ابن عثيمين -﵀-: \"مقياس التشبه أن يفعل المتشبه ما يختص به المتشبه به فالتشبه بالكفار أن يفعل المسلم شيئًا من خصائصهم أما ما انتشر بين المسلمين وصار لا يتميز به الكفار فإنه لا يكون تشبهًا فلا يكون حرامًا من أجل أنه تشبه إلا أن يكون محرمًا من جهة أخرى، وهذا الذي قلناه هو مقتضى مدلول هذه الكلمة وقد صرح بمثله صاحب الفتح\" (^٢).\nوسئل عن الضابط في مسألة التشبه بالكفار فأجاب بقوله: \"التشبه بالكفار يكون في المظهر واللباس والمأكل وغير ذلك لأنها كلمة عامة، ومعناها أن يقوم الإنسان بشيء يختص به الكفار بحيث يدل من رآه أنه من الكفار، وهذا هو الضابط، أما إذا كان الشيء قد شاع بين المسلمين وصار عامًا بين المسلمين والكفار فإن التشبه يجوز وإن كان أصله مأخوذًا من الكفار ما لم يكن محرمًا لعينه كلباس الحرير\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-304>٤ - يجب إنكار التشبه ولا يجوز الإعانة عليه:</span>\nقال شيخ الإسلام: \"فلا يُعان المسلم المتشبه بهم في ذلك، بل يُنهى عن ذلك.\nفمن صنع دعوة مخالفة للعادة في أعيادهم لم تجب دعوته، ومن أهدى من المسلمين هدية في هذه الأعياد مخالفة للعادة في سائر الأوقات لم تُقبل هديته، خصوصًا إن كانت الهدية مما يُستعان به على التشبه بهم، مثل إهداء الشمع ونحوه في الميلاد، وإهداء البيض واللبن والغنم في الخميس الصغير الذي في آخر صومهم، وهو الخميس الحقير، ولا يبايع المسلم ما يستعين به المسلمون على\n_________\n(^١) فتاوى محمد بن إبراهيم ٦/ ٢٣١.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٣/ ٤٧.\n(^٣) مجموع دروس وفتاوى الحرم المكي ٣/ ٣٦٧.","vol":"1","page":413},{"text":"مشابهتهم في العيد من الطعام واللباس والبخور؛ لأن في ذلك إعانة على المنكر\" (^١).\nوقال الإمام الذهبي -﵀- في شأن التشبه بالكفار في أعيادهم: \"فبئس المربي أنت أيها المسلم إذا لم تَنْهَ أهلك وأولادك عن ذلك، وتُعرِّفهم أن ذلك عند النصارى، لا يحلُّ لنا أن نشاركهم ونشابههم فيه ... وكل من علم شيئًا وعمل بخلافه عاقبه الله يوم القيامة، ويجب على وليِّ الأمر القيام في ترك هذا بكل ممكن، فإن في بقائه تجرّيًا لأهل الصليب على إظهار شعارهم ... فينبغي لكل مسلم أن يجتنب أعيادهم، ويصون نفسه وحريمه وأولاده عن ذلك، إن كان يؤمن بالله واليوم الآخر\" (^٢).\nوالإعانة على التشبه والمشاركة فيه تفضي إلى الميل إلى الكفار وموافقتهم واتباعهم ومحبتهم وموالاتهم (^٣) والتشبه القليل يفضي إلى الكثير قال الذهبي -﵀-: \"وفعل اليسير من ذلك يجر إلى الكثير\" (^٤). قال حذيفة -﵁-: \"من تشبه بقوم فهو منهم ولا يشبه الزي الزي حتى يشبه الخُلُقُ الخلق\".\nوقال ابن مسعود -﵁-: \"لا يشبه الزيُّ الزيَّ حتى تشبه القلُوبُ القلوبَ\" (^٥).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: \"إن المشاركة في الهدي الظاهر: تورث تناسبا وتشاكلا بين المتشابهين يقود إلى الموافقة في الأخلاق والأعمال وهذا أمر محسوس، فإن اللابس لثياب أهل العلم -مثلًا- يجد من نفسه نوع انضمام إليهم،\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢٥/ ٣١٩، ٣٢٠.\n(^٢) تشبه الخسيس بأهل الخميس ص ٣١، ٣٢.\n(^٣) الاقتضاء ١/ ٤٨٨.\n(^٤) تشبه الخسيس بأهل الخميس ص ٣٧.\n(^٥) تشبه الخسيس بأهل الخميس ص ٤٩.","vol":"1","page":414},{"text":"واللابس لثياب الجند المقاتلة مثلًا - يجد في نفسه نوع تخلق بأخلاقهم ويصير طبعه مقتضيا لذلك، إلا أن يمنعه من ذلك مانع.\nومنها أن المخالفة في الهدي الظاهر: توجب مباينة ومفارقة توجب الانقطاع عن موجبات الغضب وأسباب الضلال والانعطاف إلى أهل الهدى والرضوان وتحقق ما قطع الله من الموالاة بين جنده المفلحين وأعدائه الخاسرين.\nوكلما كان القلب أتم حياة وأعرف بالإسلام كان إحساسه بمفارقة اليهود والنصارى باطنًا وظاهرًا أتم وبعده عن أخلاقهم الموجودة في بعض المسلمين أشد.\nومنها: أن مشاركتهم في الهدي الظاهر: توجب الاختلاط الظاهر حتى يرتفع التميز ظاهرا بين المهديين المرضيين وبين المغضوب عليهم والضالين، إلى غير ذلك من الأسباب الحكمية\" (^١).\nقال أبو العباس بن تيمية -﵀-: \"وقد رأينا اليهود والنصارى الذين عاشروا المسلمين هم أقلُّ كفرا من غيرهم، كما رأينا المسلمين الذين أكثروا من معاشرة اليهود والنصارى هم أقل إيمانا من غيرهم ممن جرد الإسلام اهـ.\nوالمتشبه بالكفار مع ما يجد من قلبه ميلا إليهم وأنسا بهم فإنه يجد نفورا وابتعادا عمن ترك التشبه به كما أن تعظيم الكفار واستحسان هيآتهم وأخلاقهم يدعوهم إلى استحسان كل ما هم عليه وكل ما يتصفون به من معاملات وهيئة وعادات.\nقال ابن القيم: \"ونهى عن التشبه بأهل الكتاب وغيرهم من الكفار في مواضع كثيرة لأن المشابهة الظاهرة ذريعة إلى الموافقة الباطنة فأنه إذا أشبه الهدي الهدي\n_________\n(^١) الاقتضاء ١/ ٧٩ - ٨٠.","vol":"1","page":415},{"text":"أشبه القلب القلب وقد قال خالف هدينا هدي الكفار ... \" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-305>٥ - حكم التشبه بهم في أعيادهم وما أحدثوه من العبادات أو العادات:</span>\nوقد تقدم بعض النقول في ذلك.\nقال ابن تيمية: \"بل الأعياد هي من أخص ما تتميز به الشرائع، ومن أظهر ما لها من الشعائر، فالموافقة فيها موافقة في أخص شرائع الكفر، وأظهر شعائره، ولا ريب أن الموافقة في هذا قد تنتهي إلى الكفر في الجملة بشروطه، أما مبدؤها فأقل أحواله أن يكون معصية\" (^٢).\nوقال ابن تيمية -﵀-: \"الوجه الثالث من الاعتبار يدل أنه إذا سوغ فعل القليل من ذلك (^٣) أدى إلى فعل الكثير ثم إذا اشتهر الشيء دخل فيه عوام الناس وتناسوا أصله حتى يصير عادة للناس بل عيدا حتى يضاهى بعيد الله بل قد يزيد عليه حتى يكاد أن يفضي إلى موت الإسلام وحياة الكفر كما قد سوله الشيطان لكثير ممن يدعي الإسلام فيما يفعلونه في آخر صوم النصارى من الهدايا والأفراح والنفقات وكسوة الأولاد وغير ذلك مما يصير به مثل عيد المسلمين بل البلاد المصاقبة (^٤) للنصارى التي قل علم أهلها وإيمانهم قد صار ذلك أغلب عندهم وأبهى في نفوسهم من عيد الله ورسوله على ما حدثني به الثقات\" (^٥).\nوقال أيضًا: \"أما القسم الثالث: وهو ما أحدثوه من العبادات أو العادات، أو\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان ١/ ٣٦٤.\n(^٢) اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٤٧١، ٤٧٢.\n(^٣) أي إقامة الأعياد.\n(^٤) أي: أي الملاصقة والقريبة. قال ابن منظور: مكان صَقَب، وصَقِب: أي قريب، وهذا أصقب من هذا أي أقرب. وفي الحديث: \"الجار أحق بصقبه\". قال ابن الأنباري: أراد بالصَّقَب الملاصقة والقرب. [لسان العرب: ق ر ب].\n(^٥) اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٤٧٣، ٤٧٤.","vol":"1","page":416},{"text":"كليهما فهو أقبح، فإنه لو أحدثه المسلمون لقد كان يكون قبيحًا، فكيف إذا كان مما لم يشرعه نبي قط؟ بل أحدثه الكافرون، فالموافقة فيه ظاهرة القبح. فهذا أصل.\nوأصل آخر وهو: أن كل ما يشابهون فيه: من عبادة أو عادة، أو كليهما هو من المحدثات في هذه الأمة ومن البدع، إذ الكلام في ما كان من خصائصهم وأما ما كان مشروعًا لنا، وقد فعله سلفنا السابقون فلا كلام فيه\" (^١).\nوأما تقليدهم فيما هو من عاداتهم السيئة وأخلاقهم الذميمة كالتختم بالذهب والتحلي به للرجال وحلق اللحى (^٢) وغير ذلك وهذا باب واسع، وكله محرم وداخل في قوله -ﷺ-: \"من تشبه بقوم فهو منهم\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-306>٦ - ينهى عن التشبه ولو لم يقصد:</span>\nتقدم قول ابن تيمية -﵀-: \" ... فأما من فعل الشيء واتفق أن الغير فعله أيضًا، ولم يأخذه أحدهما عن صاحبه ففي كون هذا تشبهًا نظر. ولكن قد ينهى عن هذا لئلا يكون ذريعة إلى التشبه، ولما فيه من المخالفة، كما أمر بصبغ اللحى وإحفاء الشوارب، مع أن قوله -ﷺ-: \"غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود\". دليل على أن التشبه بهم يحصل بغير قصد منا ولا فعل. بل بمجرد ترك تغيير خلق فينا، وهذا أبلغ من الموافقة الفعلية، الاتفاقية\" (^٣).\nوقال: \"ومن هذا الباب أنه كان إذا صلى إلى عود أو عمود جعله إلى حاجبه الأيمن أو الأيسر ولم يصمد له صمدًا، ولهذا نهى عن الصلاة إلى ما عبد من دون الله في الجملة وإن لم يكن العابد يقصد ذلك، ولهذا ينهى عن السجود لله بين يدي\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٤٢٣.\n(^٢) انظر رسالة الدكتور ناصر العقل بعنوان \"من تشبه بقوم فهو منهم\".\n(^٣) اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٢٣٨.","vol":"1","page":417},{"text":"الرجل وإن لم يقصد الساجد ذلك؛ لما فيه من مشابهة السجود لغير الله، فانظر كيف قطعت الشريعة المشابهة في الجهات وفي الأوقات، وكما لا يصلى إلى القبلة التي يصلون إليها كذلك لا يصلى إلى ما يصلون له بل هذا أشد\".\nوقال -﵀-: \"وقد تقدم بيان أن ما أمرنا الله ورسوله به من مخالفتهم مشروع سواء كان ذلك الفعل مما قصد فاعله التشبه بهم أو لم يقصد، وكذلك ما نهى عنه من مشابهتهم يعم ما إذا قُصدت مشابهتهم أو لم تقصد فإن عامة هذه الأعمال لم يكن المسلمون يقصدون المشابهة فيها، وفيها ما لا يُتصور قصد المشابهة فيه كبياض الشعر وطول الشارب ونحو ذلك\".\nوقال الشيخ ابن عثيمين: \" ... ولهذا لو أن إنسانًا لبس لبسًا يختص بالكفار ثم قال أنا لا أقصد التشبه بهم نقول التشبه منك بهم حاصل أردته أم لم ترده، وكذلك لو أن أحدًا تشبه بامرأة في لباسها أو في شعرها أو ما أشبه ذلك وقال ما أردت التشبه قلنا له حصل التشبه\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-307>٧ - المقصود الأعظم ترك الأسباب التي تدعو إلى موافقتهم ومشابهتهم باطنًا:</span> قال ابن القيم: \"والمقصود الأعظم ترك الأسباب التي تدعو إلى موافقتهم ومشابهتهم باطنا والنبي سن لأمته ترك التشبه بهم بكل طريق\" (^٢).\nوقال شيخ الإسلام -﵀-: \"والفعل إذا كان يفضي إلا مفسدة وليس فيه مصلحة راجحة ينهى عنه كما نهى عن الصلاة في الأوقات الثلاثة لما في ذلك من المفسدة الراجحة وهو التشبه بالمشركين الذي يفضي إلى الشرك وليس في قصد الصلاة في تلك الأوقات مصلحة راجحة لإمكان التطوع في غير ذلك من الأوقات\" (^٣).\n_________\n(^١) القول المفيد ٣/ ٢٠٣، ٢٠٤.\n(^٢) القول المفيد ٣/ ٢٠٣، ٢٠٤.\n(^٣) مجموع الفتاوى ١/ ١٦٤.","vol":"1","page":418},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-308>٨ - حكم مشابهة الكفار فيما ليس من شرعنا:</span>\nقال أبو العباس بن تيمية -﵀-: \"فصل: مشابهتهم فيما ليس من شرعنا قسمان:\nأحدهما: مع العلم بأن هذا العمل هو من خصائص دينهم فهذا العمل الذي هو من خصائص دينهم إما أن يفعل لمجرد موافقتهم وهو قليل وإما لشهوة تتعلق بذلك العمل وإما لشبهة فيه تخيل أنه نافع في الدنيا وفي الآخرة وهذا لا شك في تحريمه لكن يبلغ التحريم في بعضه إلى أن يكون من الكبائر وقد يصير كفرًا بحسب الأدلة الشرعية، وإما عمل لم يعلم الفاعل أنه من عمله فهو نوعان:\nأحدهما: ما كان في الأصل مأخوذا عنهم إما على الوجه الذي يفعلونه وإما مع نوع تغيير في الزمان أو المكان أو الفعل ونحو ذلك فهو غالب ما يبتلى به العامة في مثل ما يصنعونه في الخميس الحقير والميلاد ونحوهما فإنهم قد نشئوا على اعتياد ذلك وتلقاه الأبناء عن الآباء وأكثرهم لا يعلمون مبدأ ذلك فهذا يعرف صاحبه حكمه فإن لم ينته وإلا صار من القسم الأول.\nالنوع الثاني: ما ليس في الأصل مأخوذًا عنهم لكنهم يفعلونه أيضًا، فهذا ليس فيه محذور المشابهة ولكن قد تفوت فيه منفعة المخالفة فتوقف كراهة ذلك وتحريمه على دليل شرعي وراء كونه من مشابهتهم، إذ ليس كوننا تشبهنا بهم بأولى من كونهم تشبهوا بنا، فأما استحباب تركه لمصلحة المخالفة إذا لم يكن في تركه ضرر فظاهر لما تقدم من المخالفة، وهذا قد توجب الشريعة مخالفتهم فيه وقد توجب عليهم مخالفتنا كما في الزي ونحوه وقد يقتصر على استحباب كما في صبغ اللحية والصلاة في النعلين والسجود، وقد تبلغ إلى الكراهة كما في تأخير المغرب والفطور بخلاف مشابهتهم فيما كان مأخوذًا عنهم فإن الأصل فيه","vol":"1","page":419},{"text":"التحريم لما قدمنا\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-309>٩ - وقوع ما أخبر به النبي -ﷺ- في قوله: \"لتركبن سنن من كان قبلكم</span>\":\nهذا الحديث وقع على سبيل الذم وقد تشبه الناس بهم في عقائدهم وعباداتهم وشركياتهم وعاداتهم كما أخبر النبي -ﷺ- وأخبر أنه لا تقوم الساعة حتى تعبد اللات والعزى وحتى تضطرب أليات دوس حول ذي الخلصة صنم كان لهم في الجاهلية وإليك ما سطره العلماء في ذلك:\nقال الإمام ابن القيم: \"وما أكثر الخلف لهؤلاء في اتخاذ إله مجعول فكل من اتخذ إلها غير الله فقد اتخذ إلها مجعولا وقد ثبت عن النبي أنه كان في بعض غزواته فمروا بشجرة يعلق عليها المشركون أسلحتهم وشاراتهم وثيابهم يسمونها ذات أنواط فقال بعضهم: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال: الله أكبر! قلتم كما قال قوم موسى لموسى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ ثم قال: لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة\" (^٢).\nوقال -﵀-: \"لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوما واحدا فإنها شعائر الكفر والشرك وهي أعظم المنكرات فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة البتة وهذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثانا وطواغيت تعبد من دون الله والأحجار التي تقصد للتعظيم والتبرك والنذر والتقبيل لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالته وكثير منها بمنزلة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى أو أعظم شركًا عندها وبها والله المستعان ولم يكن أحد من أرباب هذه الطواغيت يعتقد أنها تخلق وترزق\n_________\n(^١) الاقتضاء ١/ ٤٩١، ٤٩٢.\n(^٢) إغاثة اللهفان ٢/ ٣٠٠.","vol":"1","page":420},{"text":"وتميت وتحيي وإنما كانوا يفعلون عندها وبها ما يفعله إخوانهم من المشركين اليوم عند طواغيتهم فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم وسلكوا سبيلهم حذو القذة بالقذة وأخذوا مأخذهم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع\" (^١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"ودعاء المقبور من أعظم الوسائل إلى ذلك وقد قدم بعض الشيوخِ المشرقَ وتكلم معي في هذا فبينت له فساد هذا فقال أليس قد قال النبي -ﷺ-: \"إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور\". فقلت: هذا مكذوب باتفاق أهل العلم، لم يروه عن النبي -ﷺ- أحد من علماء الحديث، وبسبب هذا وأمثاله ظهر مصداق قول النبي -ﷺ- في الحديث الصحيح: \"لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة ... \"\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"وفي الصحيحين عن النبي -ﷺ- من حديث أبي سعيد -﵁-: \"لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه\" قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: \"فمن؟ \" هذا خبر تصديقه في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ ولهذا شواهد في الصحاح والحسان وهذا أمر قد يسري في المنتسبين إلى الدين من الخاصة كما قال غير واحد من السلف منهم ابن عيينة، فإن كثيرا من أحوال اليهود قد ابتلى به بعض المنتسبين إلى العلم، وكثيرا من أحوال النصارى قد ابتلي به بعض المنتسبين إلى الدين كما يبصر ذلك من فهم دين الإسلام الذي بعث الله به محمدًا -ﷺ- ثم نزله على أحوال الناس، وإذا كان الأمر كذلك فمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه وكان ميتا فأحياه الله\n_________\n(^١) زاد المعاد ٣/ ٦٠٥.\n(^٢) تلخيص كتاب الاستغاثة في الرد على البكري ٢/ ٥٧٧.","vol":"1","page":421},{"text":"وجعل له نورًا يمشي به في الناس لا بد أن يلاحظ أحوال الجاهلية وطريق الأمتين المغضوب عليهم والضالين من اليهود والنصارى، فيرى أن قد ابتلي ببعض ذلك فأنفع ما للخاصة والعامة العلم بما يخلص النفوس من هذه الورطات وهو اتباع السيئات الحسنات\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-310>١).\n\n١٠ - يمنع الكفار من التشبه بالمسلمين:</span>\nقال ابن القيم: \"فلما فتح الله على المسلمين أمصار الكفار وملكهم ديارهم وأموالهم وصاروا تحت القهر والذل وجرت عليهم أحكام الإسلام ألزمهم الخليفة الراشد والإمام العدل الذي ضرب الله الحق على لسانه وقلبه وأمر رسول الله باتباع سنته عمر بن الخطاب بالغيار ووافقه عليه جميع الصحابة واتبعه الأئمة والخلفاء بعده وإنما قصر في هذا من الملوك من قلت رغبته في نصر الإسلام وإعزاز أهله وإذلال الكفر وأهله، وقد اتفق علماء المسلمين على وجوب إلزامهم بالغيار وأنهم يمنعون من التشبه بالمسلمين في زيهم\" (^٢).\nقال ابن القيم: \"قالوا: ولا نتكلم بكلامهم، هذا الشرط في أهل الكتاب الذي لغتهم غير لغة العرب كنصارى الشام والجزيرة إذ ذاك وغيرهما من البلاد دون نصارى العرب الذين لم تكن لغتهم غير العربية فمنعهم عمر من التكلم بكلام العرب لئلا يتشبهوا بهم في كلامهم كما منعوا من التشبه بهم في زيهم ولباسهم ومراكبهم وهيئات شعورهم فألزمهم التكلم بلسانهم ليعرفوا حين التكلم أنهم كفار فيكون هذا من كمال التميز مع ما في ذلك من تعظيم كلام العرب ولغتهم حيث لم يسلط عليها الأنجاس والأخابث يتبذلونها ويتكلمون بها كيف وقد أنزل\n_________\n(^١) الزهد ١/ ٨٨ وانظر درء التعارض ٦/ ١٩٧. والجواب الصحيح ١/ ٩٣.\n(^٢) أحكام أهل الذمة ٣/ ١٢٩٩.","vol":"1","page":422},{"text":"الله بها أشرف كتبه ومدحه بلسان عربي\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-311>١).\n\n١١ - أثر التكلم بالعربية وترك الأعجمية:</span>\nقال أبو العباس بن تيمية ﵀: \"واعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيرا قويا بينا ويؤثر أيضًا في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق، وأيضًا فإن نفس اللغة العربية من الدين ومعرفتها فرض واجب فإن فهم الكتاب والسنة فرض ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ثم منها ما هو واجب على الأعيان ومنها ما هو واجب على الكفاية، وهذا معنى ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عيسى بن يونس عن ثور عن عمر بن يزيد قال كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري ﵁ أما بعد فتفقهوا في السنة وتفقهوا في العربية وأعربوا القرآن فإنه عربي، وفي حديث آخر عن عمر ﵁ أنه قال: تعلموا العربية، فإنها من دينكم وتعلموا الفرائض فإنها من دينكم. وهذا الذي أمر به عمر ﵁ من فقه العربية وفقه الشريعة يجمع ما يحتاج إليه؛ لأن الدين فيه فقه أقوال وأعمال، ففقه العربية هو الطريق إلى فقه أقواله، وفقه السنة هو الطريق إلى فقه أعماله\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-312>١٢ - ذكر أصناف ينهى عن التشبه بهم:</span>\nقال ابن القيم: \"وأما زي العجم فلأن المشابهة في الزي الظاهر تدعو إلى الموافقة في الهدي الباطن كما دل عليه الشرع والعقل والحس ولهذا جاءت الشريعة بالمنع من التشبه بالكفار والحيوانات والشياطين والنساء والأعراب وكل ناقص حتى نهى في الصلاة عن التشبه بشبه أنواع من الحيوان يفعلها أو كثيرا منها الجهال، نهى عن نقر كنقر الغراب والتفات كالتفات الثعلب وإقعاء كإقعاء الكلب\n_________\n(^١) أحكام أهل الذمة ٣/ ١٣١٣.\n(^٢) الاقتضاء ١/ ٤٧٠، وانظر ص ٤٦٢ من المصدر نفسه.","vol":"1","page":423},{"text":"وافتراش كافتراش السبع وبروك كبروك الجمل ورفع الأيدي يمينا وشمالا عند السلام كأذناب الخيل، ونهي عن التشبه بالشياطين في الأكل والشرب بالشمال وفي سائر خصال الشيطان، ونهى عن التشبه بالكفار في زيهم وكلامهم وهديهم، حتى نهى عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح، فإن الكفار يسجدون للشمس في هذين الوقتين، ونهى عن التشبه بالأعراب وهم أهل الجفاء والبدو فقال: \"لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العتمة وإنها العشاء في كتاب الله\"، ولعن المتشبهين من الرجال بالنساء\" (^١).\nويلاحظ في ذكر هذه الأصناف ما سبق من ضابط التشبه عمومًا وأنه متعلق بخصائصهم، وللتفصيل نوضح بعض أصناف ما ينهى عن التشبه بهم مع ذكر بعض خصائصهم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-313>١ - الكفار عمومًا</span>، فورد النهي عن التشبه بـ:\n<span data-type=\"title\" id=toc-314>أ - المجوس:</span> ومن خصائص المجوس، الصلاة إلى النار وعبادتها، وتقديس الملوك والعظماء، وحلق القفا أي مؤخرة شعر الرأس دون المقدمة، وحلق اللحى، وتطويل الشوارب والزمزمة وهي الصفير واتخاذ آنية الذهب والفضة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-315>ب - الفرس</span>، والروم: وهذا يشمل أهل الكتاب، والمجوس وغيرهم. فقد نهينا أيضًا عما هو من خصائصهم من عبادات وعادات، وطقوس، مثل تعظيم وتقديس الكبراء والسادة، وطاعة الأحبار والرهبان مع تشريع ما لم يشرعه الله، والتنطع والتشدد في الدين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-316>ج - الأعاجم غير المسلمين:</span> قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وكذلك العجم، وهم مَنْ سوى العرب من الفرس والروم والترك والبربر والحبشة وغيرهم\n_________\n(^١) الفروسية ١٢٢.","vol":"1","page":424},{"text":"ينقسمون إلى المؤمن والكافر، والبر والفاجر كانقسام العرب\" (^١).\nوالنهي عن التشبه بهم مبني على قول النبي -ﷺ- حينما نهى أن يجعل الرجل في أسفل ثيابه حريرًا، قال: \"مثل الأعاجم أو يجعل على منكبيه حريرًا مثل الأعاجم\" (^٢) ونهى النبي -ﷺ- أيضًا أن يقوم الناس للرجل تعظيمًا له. بل إنه نهى أن يقوم المأموم والإمام قاعد لعلة، خشية من أن يفهم أن ذلك على سبيل التعظيم، فقال: \"لا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائها\" (^٣) وعند مسلم: \"إن كدتم آنفًا لتفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا\" (^٤) وفي رواية: \"لا تقوموا كما يقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضًا\" (^٥). وثبت عن عمر بن الخطاب -﵁- أنه نهى عن زي العجم، وزي المشركين، أشد النهي وقد أشار إلى مثل ذلك كثير من السلف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>٢ - الجاهلية وأهلها:</span>\nالجاهلية اسم لما كان قبل الإسلام، وقد جاء النهي عنما هو من أعمال الجاهلية التي لم يقرها الإسلام ومن أخلاقها، وعبادتها، وعاداتها، وشعاراتها، مثل السفور، وتبرج النساء، وبروز المُحرِم للشمس بغير ظل، فإن هذا من أعمال الجاهلية، ومن أعمال المشركين، وكذلك التعرَّي، أي إظها العورة، أو شيء منها، والعصبية القومية، والفخر بالأحساب، والطعن بالأنساب، والنياحة والاستقساء بالنجوم، فقد ألغى النبي -ﷺ- حينما جاء الإسلام كثيرًا من أحوال\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٣٦٣.\n(^٢) جاء ذلك في حديث أخرجه أبو داود (٤٠٤٩). وانظر اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية ١/ ٣٠٤.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٦٠٢).\n(^٤) أخرجه مسلم (٤١٣).\n(^٥) أخرجه أبو داود (٥٢٣٠).","vol":"1","page":425},{"text":"الجاهلية، وأعرافها، وعاداتها، وتقاليدها، وتشريعاتها.\nوكل ما نهى عنه لأنه من أمر الجاهلية فهو مذموم، وفي الحديث: \"ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع\".\nقال الشيخ ابن عثيمين -﵀- في مختارات من اقتضاء الصراط المستقيم: \"فقوله -ﷺ-: \"كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع\" يدخل فيه كل ما كانوا عليه من العبادات والعادات، ولا يدخل فيه ما كانوا عليه من الجاهلية وأقرَّه الله تعالى في الإسلام كالمناسك والدية والقسامة؛ لأن أمر الجاهلية معناه المفهوم منها ما كانوا عليه مما لا يقره الإسلام فيدخل في ذلك ما كانوا عليه وإن لم ينه في الإسلام عنه بعينه\" (^١).\nوسوف يأتي مزيد بحث عن هذا في باب الجاهلية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-318>٣ - الفساق:</span>\nعند شرح حديث: \"من تشبه بقوم فهو منهم\" (^٢) قال المناوي: \"وبأبلغ من ذلك صرح القرطبي فقال لو خُص أهل الفسوق والمجون بلباس منع لبسه لغيرهم فقد يظن به من لا يعرفه أنه منهم فيظن به ظن السوء فيأثم الظان والمظنون فيه بسبب العون فيه\" (^٣). وقال الصنعاني: \"والحديث دال على أنه من تشبه بالفساق كان منهم أو بالكفار أو بالمبتدعة في أي شيء مما يختصون به من ملبوس أو مركوب أو هيئة ... \" (^٤).\n_________\n(^١) مختارات من اقتضاء الصراط المستقيم ضمن مجموع فتاوى ابن عثيمين ٧/ ١٧٤.\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) فيض القدير ٦/ ١٠٤.\n(^٤) السبل ٣/ ٣٣٨.","vol":"1","page":426},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-319>٤ - الشيطان:</span>\nممن نهينا عن التشبه بهم الشيطان. فقد ذكر النبي -ﷺ-، وبعض أفعال الشيطان، ونهى عنها، كالأكل والشرب باليد اليسرى، وقد روى مسلم وغيره أن النبي، -ﷺ- قال: \"لا يأكلنّ أحدكم بشماله ولا يشربن بها فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بها\" (^١).\nقال الإمام ابن تيمية: \"ومما يشبه الأمر بمخالفة الكفار الأمر بمخالفة الشياطين كما رواه مسلم في صحيحه عن ابن عمر -﵂- أن النبي -ﷺ- قال: \"لا يأكلن أحدكم بشماله ولا يشربن بها فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بها\"، ثم ذكر ألفاظ الحديث وقال: فإنه علَّل النهي بالأكل والشرب بالشمال بأن الشيطان يفعل ذلك فعلم أن مخالفة الشيطان أمر مقصود مأمور به\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-320>٥ - الأعراب الذين لم يكمل دينهم:</span>\nوالمقصود كما قال الإمام ابن تيمية: \"مخالفة من لم يكمل دينه من الأعراب ونحوهم؛ لأن كمال الدين بالهجرة، فكان من آمن ولم يهاجر من الأعراب ونحوهم ناقصًا\" (^٣).\nوقد جاء النهي عن موافقة الأعراب في اسم المغرب والعشاء بالعشاء والعتمة. وليس التشبه بالأعراب كالتشبه بالكفار، قال ابن تيمية: \"واعلم أن بين التشبه بالكفار والشياطين، وبين التشبه بالأعراب والأعاجم فرقًا يجب اعتباره، وإجمالًا يحتاج إلى تفسير، وذلك: أن نفس الكفر والتشيطن مذموم في حكم الله ورسوله وعباده المؤمنين، ونفس الأعرابية والأعجمية ليست مذمومة الله تعالى وعند\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٠٢٠).\n(^٢) اقتضاء الصراط المستقيم ابن تيمية ٢/ ١٤١.\n(^٣) اقتضاء الصراط ١/ ١٤٢.","vol":"1","page":427},{"text":"رسوله وعند عباده المؤمنين، بل الأعراب منقسمون: إلى أهل جفاء، وإلى أهل إيمان وبر.\nوقد كان في أصحاب رسول الله -ﷺ- ممن وفد عليه ومن غيرهم من الأعراب من هو أفضل من كثير من القرويين، فهذا كتاب الله يحمد بعض الأعراب، ويذم بعضهم، وكذلك فعل بأهل الأمصار\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-321>٦ - البهائم:</span>\nقال ابن تيمية: \"التشبه بالبهائم في الأمور المذمومة في الشرع مذموم، منهي عنه: في أصواتها وأفعالها، ونحو ذلك مثل أن ينبح نبيح الكلاب، أو ينهق نهيق الحمير، ونحو ذلك ... قررنا في اقتضاء الصراط المستقيم نهي الشارع عن التشبه بالآدميين الذين جنسهم ناقص كالتشبه بالأعراب والعجم وبأهل الكتاب ونحو ذلك في أمور من خصائصهم وبينا أن من أسباب ذلك أن المشابهة تورث مشابهة الأخلاق وذكرنا أن من أكثر عشرة بعض الدواب اكتسب من أخلاقها كالكلابين والجمالين وذكرنا ما في النصوص من ذم أهل الجفاء وقسوة القلوب أهل الإبل ومن مدح أهل الغنم فكيف يكون التشبه بنفس البهائم فيما هي مذمومة، بل هذه القاعدة تقتضي بطريق التنبيه النهي عن التشبه بالبهائم مطلقا فيما هو من خصائصها وإن لم يكن مذمومًا بعينه؛ لأن ذلك يدعو إلى فعل ما هو مذموم بعينه، إذ من المعلوم أن كون الشخص أعرابيًا أو عجميًا خير من كونه كلبًا أو حمارًا أو خنزيرًا فإذا وقع النهي عن التشبه بهذا الصنف من الآدميين في خصائصه لكون ذلك تشبها فيما يستلزم النقص ويدعو إليه فالتشبه بالبهائم فيما هو من خصائصها أولى أن يكون مذمومًا ومنهيا عنه\" (^٢).\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط ١/ ٣٦٢، ٣٦٣ باختصار.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٣٢/ ٢٥٦، ٢٥٧.","vol":"1","page":428},{"text":"قال ابن القيم: \"الثاني: أن النبي -ﷺ- نهى عن التشبه بالجمل في بروكه، والجمل إذا برك إنما يبدأ بيديه قبل ركبتيه وهذا موافق لنهيه -ﷺ- عن التشبه بالحيوانات في الصلاة، فنهى عن التشبه بالغراب في النقر والتفات كالتفات ثعلب، وافتراش كافتراش السبع، وإقعاء كإقعاء الكلب ورفع الأيدي في السلام كأذناب الخيل وبروك كبروك البعير\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-322>٧ - تشبه الرجال بالنساء وتشبه النساء بالرجال:</span>\nأما التشبه بالنساء فملعون فاعله -والعياذ بالله- وقد جاء في الصحيح عن ابن عباس -﵂- أنه قال: \"لعن رسول الله -ﷺ- المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال\" (^٢). قال الطبري: \"المعنى لا يجوز للرجل التشبه بالنساء في اللباس والزينة التي تختص بالنساء ولا العكس ... \" (^٣).\nوجاء عن أبي هريرة ﵁ قال: \"لعن رسول الله -ﷺ- لرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل\" (^٤).\nولا شك أن من فعل شيئًا من ذلك فإنه مستوجب للوعيد وهو اللعن، وضابط التشبه المعتبر في ذلك هو الغالب، فما كان من لباس الرجل وزينته غالبًا فتنهى المرأة عنه، وما كان من لباس المرأة وزينتها غالبًا فينهى الرجل عنه، فتشبه الرجل بالمرأة في لباسها وزينتها التي تختص بها، وفي كلامها وحركتها وغير ذلك محرم، وكذا تشبه المرأة بالرجل فيما ذكر وكل ما اختص به الرجال شرعًا أو عرفًا منع منه النساء، وكل ما اختصت النساء به شرعًا أو عرفًا منع منه الرجال، وما ورد من دليل\n_________\n(^١) حاشية ابن القيم ٣/ ٥٢، زاد المعاد ١/ ٢٢٤.\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٨٨٥).\n(^٣) الفتح ١٠/ ٣٤٥.\n(^٤) أخرجه أبو داود (٤٠٩٨)، والحاكم في المستدرك (٤/ ١٩٤).","vol":"1","page":429},{"text":"في اختصاص أحدهما دون الآخر بشيء فهو المعتبر ولا اعتبار للعرف إذا صادم نصًا.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \" ... ومن هنا يظهر الضابط في نهيه -ﷺ- عن تشبه الرجال بالنساء وعن تشبه النساء بالرجال، وأن الأصل في ذلك ليس هو راجعًا إلى مجرد ما يختاره الرجال والنساء ويشتهونه ويعتادونه، فإنه لو كان كذلك لكان إذا اصطلح قوم علي أن يلبس الرجال الخُمر التي تغطي الرأس والوجه والعنق، والجلابيب التي تسدل من فوق الرؤوس حتيلا يظهر من لابسها إلا العينان، وأن تلبس النساء العمائم والأقبية المختصرة ونحو ذلك أن يكون هذا سائغًا، وهذا خلاف النص والإجماع\" (^١).\nوكذلك إذا ورد الدليل الشرعي بجوازه للرجل أو المرأة فإنه لا يختص به أحدهما عن الآخر فإن الرسول -ﷺ- اتخذ خاتمًا من فضة وكان فصه منه، ومعلوم أن حلي الفضة من خواص النساء، وفعل الرسول -ﷺ- ألغى هذه الخصوصية، ومن الأدلة أيضًا جواز خضاب الرجل لشعر رأسه ولحيته بالحناء، وجواز الأعلام اليسيرة من الحرير لورود الدليل بذلك (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢٢/ ١٤٦، ١٤٧.\n(^٢) انظر: فتح الباري ١٠/ ٢٨٤.","vol":"1","page":430},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-323>٧٨ - التصوير </span>*\nالصور جمع صورة وصوَّره أي جعل له صورة مجسمة وصور الشيء أو الشخص رسمه على الورق أو الحائط ونحوهما (^١) فيدخل في التصوير النقش والتجسيم والرسم بالقلم أو بآلة حديد، والتصاوير: التماثيل (^٢) وقد قسّم العلماء الصور إلى قسمين:\n١ - الصور التي لا ظل لها وهي الرسم فقط أو الصور الشمسية أو ما تسمى بـ (الصور الفوتوغرافية) الموضوعة على الورق أو على الجدار أو على البساط والفراش أو على الأنماط والوسادة، وما إلى ذلك.\n٢ - الصور التي لها ظل، وهي المصنوعة من جبس أو خشب منجورة أو منقوشة أو من نحاس أو من جلد مدبوغ أو غير ذلك من الصور وهي ما تسمى بـ (التماثيل).\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ١/ ٣٠٠ - ٣٠٣، شرح السنة للبغوي ١٢/ ١٢٥، الآداب الشرعية لابن مفلح ٣/ ٤٨٠، ٤٨٥، ٥١٩، الدرر السنية ١٠/ ٣٣٨، ١٥/ ٢٩٥ - ٣٣١، فتح المجيد ص ٥٧٧، حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٣٧١، القول السديد لابن سعدي من مجموعه ٣/ ٥١، مجموع فتاوى ابن عثيمين ٢/ ٢٥٣ - ٢٨٧، ١٠/ ١٠٢٣. القول المفيد ط ١ - ٣/ ١٩٩، الدين الخالص ٢/ ٢٢٦ - ٤٠٨، الأجوبة النافعة عن المسائل الواقعة للسعدي ص ٨٥ - ٨٦، فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٤٥٤، الجواب المفيد في حكم التصوير لابن باز، مجموع الفتاوى لابن باز ٢/ ٨٣٤، ٨٩٥، نور على الدرب ٣٢٥، ٣٣٧، آداب الزفاف للألباني ١٠٣، إعلان النكير على المفتونين بالتصوير للشيخ حمود التويجري، الإعلام بنقد كتاب الحلال والحرام للفوزان ٤٤، عقيدة الإمام ابن عبد البر للغصن ٢٢٢، ٢٢٩، تحريم التصوير الفوتغرافي لأحمد آل عبد الكريم، التنوير فيما ورد في حكم التصوير لمحمد الغفيلي، أحكام التصوير في الفقه الإسلامي لمحمد بن أحمد علي واصل.\n(^١) القاموس الفقهي ١/ ٢١٨، المعجم الوسيط ص ٥٢٨.\n(^٢) مختار الصحاح ص ٢٧٨.","vol":"1","page":431},{"text":"قال ابن منظور في لسان العرب: \"والتمثال: الصورة، والجمع التماثيل. ومثّل له الشيءَ: صوره حتى كأنه ينظرُ إليه. ومثلتُ له كذا تمثيلًا إذا صورْت لهُ مِثاله بكتابةٍ وغيرها. وظل كل شيءٍ تمثالُهُ، ومثَّل الشيءَ بالشيءِ: سواه وشبَّهَهُ به، وجعله مثله، وعلى مثاله.\nوالتمثال: اسم للشيء المصنوع مشبهًا بخلق من خلق الله تعالى، وأصله من مثلت الشيء بالشيء إذا قدرته على قدره، ويكون تمثيل الشيء بالشيء تشبيهًا به واسم ذلك المُمَثّل تمثال\" (^١).\n* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾ [الأحزاب: ٥٧].\nقال عكرمة: \"نزلت في المصورين\" ذكره البغوي، في تفسيره (^٢) وابن كثير (^٣)، ورواه أبو نعيم في الحلية.\n* الدليل من السنة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: \"قَالَ اللهُ -﷿- وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً (^٤)، أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ\n_________\n(^١) لسان العرب لابن منظور (م ث ل)، مادة: مثل. انظر للاستزادة التنوير فيما ورد في حكم التصوير ص ١١، ١٢.\n(^٢) انظر: تفسيرالبغوي ٣/ ٥٤٣، عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾ [الأحزاب: ٥٧].\n(^٣) انظر: تفسير ابن كثير ٣/ ٥١٧، عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾ [الأحزاب: ٥٧].\n(^٤) الذرة بفتح المعجمة وتشديد الراء واحدة الذر، وهو صغار النمل ويراد بها ما يرى في شعاع الشمس الداخل في النافذة، والمراد بالحبة حبة القمح، بقرينة ذكر الشعير، أو الحبة أعم. والغرض تعجيزهم، تارة بتكليفهم خلق حيوان، وهو أشد، وأخرى بتكليفهم خلق جماد، وهو أهون، ومع ذلك فلا قدرة لهم على شيء منه. وقد يشكل هذا الحديث فيقال: كيف يجمع بين","vol":"1","page":432},{"text":"شَعِيرَةً\" (^١).\nعن ابن مسعود -﵁- قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ\" (^٢).\nوعَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ -﵄- أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ الله -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ الَّذِينَ يَصْنَعُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ\" (^٣).\nوروى البخاري عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: إِنَّ النَّبيَّ -ﷺ- نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ وَثَمَنِ الْكَلْبِ، وَكَسْبِ الْبَغِيِّ، وَلَعَنَ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ، وَالْوَاشِمَةَ، وَالْمُسْتَوْشِمَةَ، وَالْمُصَوِّرَ (^٤).\nوعن ابن عباس -﵄- قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدًا -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ\" (^٥).\nوخرّج مسلم عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاس فَقَالَ: إِنِّي رَجُلٌ أُصَوِّرُ هَذِهِ الصُّوَرَ فَأَفْتِنِي فِيهَا. فَقَالَ لَهُ: ادْنُ مِنِّي فَدَنَا مِنْهُ. ثُمَّ قَالَ: ادْنُ مِنِّي فَدَنَا حَتَّى وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ. قَالَ: أُنَبِّئُكَ بِمَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-،\n_________\nهذا الحديث وبين قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤] ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٢١].\nالجواب من وجهين:\nالأول: أن المعنى أنها مشتركة في الأظلمية أي أنها في مستوى واحد في كونها في قمة الظلم.\nالثاني: أن الأظلمية نسبية أي أنه لا أحد أظلم من هذا في نوع هذا العمل (ابن عثيمين ص ٢١).\n(^١) أخرجه البخاري (٧٥٥٩)، (٥٩٥٣)، ومسلم (٢١١١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٩٥٠)، ومسلم (٢١٠٩).\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٩٥١)، ومسلم (٢١٠٨).\n(^٤) أخرجه البخاري (٥٩٦٢).\n(^٥) أخرجه البخاري (٢٢٢٥) (٥٩٦٣)، ومسلم (٢١١٠).","vol":"1","page":433},{"text":"سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ يَجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسًا فَتُعَذِّبُهُ فِي جَهَنَّمَ\" وقَالَ: \"إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَاصْنَعْ الشَّجَرَ وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ\" (^١).\nوخرج الترمذي في جامعه، وقال حسن صحيح عن أبي الزبير عن جابر -﵁- قال: \"نهى رسول الله -ﷺ- عن الصورة في البيت ونهى أن يصنع ذلك\" (^٢).\nوعن عائشة -﵂- قالت: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- وَقَدْ سَتَرْتُ سَهْوَةً (^٣) لِي بِقِرَامٍ (^٤) فِيهِ تَمَاثِيلُ (^٥) فَلَمَّا رَآهُ هَتَكَهُ وَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ وَقَالَ: \"يَا عَائِشَةُ أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ (^٦) بخَلْقِ اللهِ\" قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَطَعْنَاهُ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢١١٠). قال النووي: \"وأما قوله في رواية ابن عباس (يَجعل له) فهو بفتح الياء من (يَجعل) والفاعل: هو الله تعالى، أُضمر للعلم به قال القاضي في رواية ابن عباس: يحتمل أن معناها أن الصورة التي صورها هي تعذبه بعد أن يجعل فيها روح وتكون الباء في (بكل) بمعنى (في) قال: ويحتمل أن يجعل له بعدد كل صورة ومكانها شخص يعذبه وتكون \"الباء\" بمعنى \"لام السبب\") شرح النووي ١٤/ ٩٠.\n(^٢) أخرجه الترمذي (١٧٤٩)، والإمام أحمد (١٤٦٥٠) قال الترمذي: حديث حسن صحيح.\n(^٣) بيت صغير علقت الستر عليه.\n(^٤) بكسر القاف وتخفيف الراء: ستر فيه رقم ونقش.\n(^٥) جمع تمثال: وهو الشيء المصور ويكون نقشًا أو دهانًا أو نسجًا في ثوب.\n(^٦) أي يشابهون. قال الحافظ بن حجر في فتح الباري ١٠/ ٣٢٢: \"وقد استشكل كون المصور أشد الناس عذابًا مع قوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] فإنه يقتضي أن يكون المصور أشد عذابًا من آل فرعون وأجاب الطبري: بأن المراد هنا من يصور ما يعبد من دون الله وهو عارف بذلك قاصدًا له، فإنه يكفر بذلك، فلا يبعد أن يدخل مدخل آل فرعون، وأما من لا يقصد ذلك فإنه يكون عاصيًا بتصويره فقط. وأجاب غيره: بأن الرواية بإثبات \"من\" ثابتة، وبحذفها محمولة عليها، وإذا كان من يفعل التصوير من أشد الناس عذابًا كان مشتركًا مع غيره، وليس في الآية ما يقتضي اختصاص آل فرعون بأشد العذاب، بل هم في العذاب الأشد، فكذلك غيرهم يجوز أن يكون في العذاب الأشد. وقوى الطحاوي ذلك بما أخرجه من وجه آخر عن ابن مسعود رفعه: \"إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة رجل قتل نبيًا أو قتله نبيٌّ، وإمام ضلالة، وممثل من الممثلين\" وكذا أخرجه أحمد. وقد وقع بعض هذه الزيادة في رواية ابن أبي عمر التي أشرت =","vol":"1","page":434},{"text":"فَجَعَلْنَا مِنْهُ وِسَادَةً أَوْ وِسَادَتَيْنِ (^١).\nوعنها قالت: قَدِمَ النبي -ﷺ- من سفر وعلقت درنوكًا (^٢) فيه تماثيل، فأمرني أن أنزعه فنزعته. رواه البخاري (^٣). ورواه مسلم بلفظ: \"وقد سترت على بابي درنوكًا فيه الخيل ذوات الأجنحة فأمرني فنزعته\" (^٤).\nوعَنْ الْقَاسِم بْن مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ -﵂- أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً (^٥) فِيهَا تَصَاويرُ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- قَامَ عَلَى الْبَابِ فَلَمْ يَدْخُل فَعَرَفت فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ فَقالت: يَا رَسُولَ الله، أَتُوبُ إِلَى الله وَإِلَى رَسُولِهِ فمَاذَا أَذْنَبْتُ؟ قَالَ: \"مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ؟ \" قالت: اشْتَرَيْتُهَا لَكَ لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا وَتَوَسَّدَهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: \"إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ ويُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ\" ثم قَالَ: \"إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا تَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ\" (^٦).\nزاد مسلم في رواية: قَالَتْ: \"فَأَخَذْتُهُ فَجَعَلْتُهُ مِرْفَقَتَيْنِ فَكَانَ يَرْتَفِقُ بِهِمَا فِي الْبَيْتِ\".\n_________\n= إليها، فاقتصر على المصور وعلى من قتله نبي. وأخرج الطحاوي أيضًا من حديث عائشة مرفوعًا: \"أشد الناس عذابًا يوم القيامة رجل هجا رجلًا فهجا القبيلة بأسرها\". قال الطحاوي: فكل واحد من هؤلاء يشترك مع الآخر في شدة العذاب).\n(^١) أخرجه البخاري (٥٩٥٤) ومسلم (٢١٠٧).\n(^٢) بضم الدال المهملة وسكون الراء بعدها نون مضمومة ثم كاف. ويقال فيه: درموك بالميم بدل النون، قال الخطابي: هو ثوب غليظ له خمل إذا فرش فهو بساط، وإذا علق فهو ستر.\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٩٥٥).\n(^٤) أخرجه مسلم (٢١٠٧).\n(^٥) بفتح النون وسكون الميم وضم الراء بعدها قاف، وقيل: في النون الحركات الثلاثة والراء مضمومة جزمًا، والجمع نمارق، وهي: الوسائد التي يصف بعضها إلى بعض، وقيل: الوسادة التي يجلس عليها.\n(^٦) أخرجه البخاري (٥٩٥٧)، ومسلم (٢١٠٧) واللفظ له.","vol":"1","page":435},{"text":"وفي صحيح البخاري عن ابن عمر -﵄- عن النبي -ﷺ-: \"أن جبريل -﵇- قال: إنَّا لا ندخل بيتًا فيه صورة ولا كلب\" (^١).\nوخرج مسلم عن أبي الهياج الأسدي، قال: قال لي علي -﵁- ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله -ﷺ-: \"أن لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته\" (^٢).\nوخرج أبو داود بسند جيد عن جابر -﵁- أن النبي -ﷺ-: \"أمر عمر بن الخطاب زمن الفتح وهو بالبطحاء أن يأتي الكعبة فيمحو كل صورة فيها، فلم يدخلها النبي -ﷺ- حتى محيت كل صورة فيها\" (^٣).\nوخرج أبو داود الطيالسي في مسنده عن أسامة قال دخلت على رسول الله -ﷺ- في الكعبة، ورأى صورًا، فدعا بدلو من ماء فأتيته به فجعل يمحوها، ويقول: \"قاتل الله قومًا يصورون ما لا يخلقون\" (^٤).\nوخرج البخاري في صحيحه عن عائشة -﵂- \"أن النبي -ﷺ- لم يكن يترك في بيته شيئًا فيه تصاليب إلا نقضه\" (^٥). ورواه الكشميهني بلفظ: تصاوير. وترجم عليه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٩٦٠).\n(^٢) سبق تخريجه. قال الشيخ ابن عثيمين: \"ومناسبة ذكر القبر المشرِف مع الصور أن كلًّا منهما قد يتخذ وسيلة إلى الشرك فإن أصل الشرك في قوم نوح أنهم صوروا صور رجال صالحين فلما طال عليهم الأمد عبدوها وكذلك القبور المشرفة قد يزداد فيها الغلو حتى تجعل أوثانًا تعبد من دون الله وهذا ما وقع في البلاد الإسلامية\"، مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ١٠٣٧ وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ٢١٣.\n(^٣) أخرجه أحمد (١٤٦٥٠) وأبو داود (٤١٥٦).\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة بنحو هذا اللفظ (٢٥٢١٢)، والطيالسي (٦٥٧)، والطبراني (٤٠٧)، والهيثمي ٥/ ١٧٣، والسيوطي في الجامع الصغير ٥٩٩٦، صحيح الجامع ٤٢٩٢، قال الحافظ إسناده جيد.\n(^٥) أخرجه البخاري (٥٩٥٢).","vol":"1","page":436},{"text":"البخاري -﵀- بـ (باب نقض الصور) وساق الحديث.\nوفي الصحيحين عن بُسْر بن سعيد عن زيد بن خالد عن أبي طلحة أن النبي -ﷺ- قال: \"إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة\" قال بسر: ثم اشتكى زيد فعدناه فإذا على بابه ستر فيه صورة، فقلت لعبيد الله الخولاني -ربيب ميمونة زوج النبي -ﷺ--: ألم يخبرنا زيد عن الصور يوم الأول؟ فقال عبيد الله: ألم تسمعه حين قال: \"إلا رقمًا في ثوب\"، وفي رواية لهما من طريق عمرو بن الحارث بكير الأشج عن بسر فقلت لعبيد الله الخولاني: ألم يحدثنا في التصاوير؟ قال: إنه قال: إلا رقمًا في ثوب، ألم تسمعه؟ قلت: لا. قال: بلى قد ذكر ذلك (^١).\nوعن عبيد الله بن عبد الله أنه دخل على أبي طلحة الأنصاي يعوده، فوجد عنده سهل بن حنيف فأمر أبو طلحة إنسانًا ينزع نمطًا (^٢) تحته، فقال له سهل: لم تنزعه؟ فقال: لأنه فيه تصاوير وقد قال فيها رسول الله -ﷺ- ما قد علمت. قال سهل: ألم يقل: \"إلا ما كان رقمًا في ثوب؟ \" فقال بلى ولكنه أطيب لنفسي (^٣).\nوعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"أتاني جبريل فقال لي: أتيتك البارحة، فلم يمنعني أن أكون دخلت إلا أنه كان على الباب تماثيل، وكان البيت قرام ستر فيه تماثيل وكان في البيت كلب، فمر برأس التمثال الذي في البيت يقطع، فيصير كهيئة الشجرة، ومر بالستر فليقطع فليجعل منه وسادتان منبوذتين توطآن، ومر بالكلب فليخرج ففعل رسول الله -ﷺ-، وإذا الكلب لحسن أو حسين، كان تحت نضد (^٤) لهم، فأمر به فأخرج\" (١)، وعنه -﵁- قال: \"استأذن جبر -﵇- على النبي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، (٥٩٥٨)، ومسلم (٢١٠٦).\n(^٢) بفتح النون والميم، وجمعه أنماط: وهو ضرب من البسط له خمل.\n(^٣) أخرجه الترمذي (١٧٥٠) والنسائي (٥٣٥٢) وأحمد (١٦٠٧٥).\n(^٤) قال أبو داود: \"والنضد\" شيءٌ توضع عليه الثياب.","vol":"1","page":437},{"text":"-ﷺ-، فقال: ادخل، فقال: كيف أدخل وفي بيتك ستر فيه تصاوير؟ فإما أن تقطع رؤوسها، أو تُجعل بساطًا يوطأ، فإنا معشر الملائكة لا ندخل بيتًا فيه تصاوير\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-324> أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-325>١ - التصوير بداية الشرك في بني آدم:</span>\nروى ابن جرير الطبري عن محمد بن قيس في قوله تعالى: ﴿وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [سورة نوح: الآية ٢٣] قال: \"كانوا قومًا صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم فصوروهم فلما ماتوا وجاء آخرون دبَّ إليهم إبليس فقال إنما كانوا يعبدونهم وبهم يَسقون المطر فعبدوهم\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-326> علاقة هذا الباب بكتاب التوحيد:</span>\nتتضح علاقة هذا الباب بكتاب التوحيد من جهتين:\n١ - أن التصوير وسيلة للشرك ويدل عليه أثر ابن عباس السابق.\n٢ - أن المصوِّر يُضاهي الله بفعله لأن الله هو المصور، وهو المتفرد بالخلق والتصوير وهو متعلق بتوحيد الربوبية، وقد بوَّب الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد باب ما جاء في المصورين (^٣)، وقال الشيخ ابن قاسم معلقًا على هذا الباب: \"أي من الوعيد الشديد والتهديد الأكيد للمضاهاة بخلق الله، بل هو منشأ الوثنية وما دخل على القرون إنما هو من هذا الباب، لأن صورة المألوف تعظيم، وإذا ارتسمت في الحافظة وبقيَ ذكرها يمرُّ على البصر الناظر إليها من رسمها لا بد\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤١٥٨)، والترمذي (٢٨٠٦) وقال: حسن صحيح، وأحمد (٨٠٣٢).\n(^٢) أخرجه النسائي (٥٣٦٧) وأحمد (٨٠٦٥).\n(^٣) جامع البيان ٢٩/ ٩٩.","vol":"1","page":438},{"text":"أن تستولي على قلبه، وتحل فيه حلول التعبد له\" (^١).\nوقال الخطابي -﵀-: \"إنما عظمت عقوبة المصور لأن الصور كانت تعبد من دون الله، ولأن النظر إليها يفتن وبعض النفوس إليها تميل\" (^٢).\nقال العلامة الشوكاني -﵀-: \"وإنما كان التصوير من أشد المحرمات الموجبة لما ذكر؛ لأن فيه مضاهاة لفعل الخالق -ﷻ- ولهذا سمى الشارع فعلهم خلقًا وسماهم خالقين\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-327>٢ - تنبيه:</span>\nيحسن التفريق بين قسمين مهمين:\nالأول: المصوِّر الذي يصنع الصُّوَر كنحتها أو نقشها.\nالثاني: مُقتني الصور ومستعملُها من غير أن يصنعها.\nفصانع الصور يختلف حكمه عن المقتني؛ لأن الصانع تتفق فيه الأدلة التي جاء فيها التغليظ والإيذان بشدة العذاب، ومن ذلك:\n١ - الآية السابقة في سورة الأحزاب.\n٢ - الأحاديث الآتية:\nأ - \"ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا حبّة وليخلقوا ذرّة\".\nب - \"أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون الذين يضاهون بخلق الله\" (^٤).\nج - \"إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة يقال لهم أحيوا ما خلقتم\".\nد- و\"لعن المصور\".\n_________\n(^١) حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٣٧١.\n(^٢) الجواب المفيد ص ٢٠.\n(^٣) انظر: نيل الأوطار للشوكاني ٢/ ١٠٠، ١٠٨.\n(^٤) أخرجه البخاري رقم (٥٩٥٠)، مسلم (٢١٠٩).","vol":"1","page":439},{"text":"هـ - \"من صوَّر صورة فإن الله معذبه حتى ينفخ فيها الروح وليس بنافخ فيها أبدًا\".\nقال ابن عثيمين: \"عقوبة المصور ما يلي:\n١ - أنه أشد الناس عذابًا أو من أشدهم عذابًا.\n٢ - أن الله يجعل له في كل صورة نفسًا يعذب بها في نار جهنم.\n٣ - أنه يكلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ.\n٤ - أنه في النار.\n٥ - أنه ملعون، كما في حديث أبي جحيفة في \"البخاري\" وغيره\" (^١).\n\nالقسم الثاني:\nأما الذي يقتني الصور ويستعملها فقد تبين لك إنكار رسول الله -ﷺ- على وجود الصور في البيت أو المكان المهيأ للدخول فمرة يمتنع عن الدخول ويخبر أن الملائكة لا يدخلون بسبب الصور وتارةً يأمر بقوله: \"أميطي\" وتارةً ينهى وتارةً يهتك الصورة وتارةً يمحوها ويضربها ويأمر بعدم إبقاء صورة إلا طمست ثم أخيرًا يتبع التصاوير في منزله فينقضها وعلى ذلك ينبغي التوضيح أن أحكام التصوير تختلف من جهة صنعه ومن جهة اقنتائه واستعماله فينبغي التفريق بينهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-328>٣ - أقسام صناعة التصاوير وحكم كل قسم:</span>\nسوف نتكلم عن حكم صناعة التصوير في الأقسام الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-329>القسم الأول: قال الشيخ ابن عثيمين: \"أن يصور الإنسان ما له ظل </span>كما يقولون، أي: ما له جسم على هيكل إنسان أو بعير أو أسد أو ما أشبهها، فهذا أجمع العلماء فيما أعلم على تحريمه، فإن قلت: إذا صور الإنسان لا مضاهاة لخلق الله، ولكن صور عبثًا، يعني: صنع من الطين أو من الخشب أو من الأحجار شيئًا على\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ١٠٣٧. والقول المفيد ط ١ - ٣/ ٢١٤.","vol":"1","page":440},{"text":"صورة حيوان وليس قصده أن يضاهي خلق الله، بل قصده العبث أو وضعه لصبي ليهدئه به، فهل يدخل في الحديث؟\nفالجواب: نعم: يدخل في الحديث، لأنه خلق كخلق الله، ولأن المضاهاة لا يشترط فيها القصد، وهذا هو سر المسألة، فمتى حصلت المضاهاة ثبت حكمها، ولهذا لو أن إنسانًا لبس لبسًا يختص بالكفار ثم قال: أنا لا أقصد التشبه بهم، نقول: التشبه منك بهم حاصل أردته أم لم ترده، وكذلك، لو أن أحدًا بامرأة في لباسها. أو في شعرها أو ما أشبه ذلك وقال: ما أردت التشبه، قلنا له: قد حصل التشبه، سواء أردته أم لم ترده\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-330>القسم الثاني: تصوير ما ليس له ظل مما فيه نفس من الحيوان والإنسان لكن ليس على هيئة جسم </span>أو تمثال بل على هيئة ألوان أو رسم ونقش، والأدلة من السنة واضحة في ذمها وتحريمها.\nقال النووي -﵀-: \"وقال بعض السلف إنما ينهى عما كان له ظل ولا بأس بالصور التي ليس لها ظل. وهذا مذهب باطل فإن الستر الذي أنكر النبي -ﷺ- الصورة فيه لا يشك أحد أنه مذموم، وليس لصورته ظل مع باقي الأحاديث المطلقة في كل صورة\" (^٢).\nقال الإمام ابن القيم لما ذكر الكبائر: \"ومنها التصوير صورة الحيوان سواءً كان له ظل أو لم يكن\" (^٣).\nقال الحافظ ابن حجر: \"ويؤيد التعميم فيما له ظل وما لاظل له ما أخرجه\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ١٠٢٦. والقول المفيد ط ١ - ٣/ ٢٠٣، ٢٠٤.\n(^٢) مسلم بشرح النووي ١٤/ ٨١.\n(^٣) إعلام الموقعين ٤/ ٤٠٣.","vol":"1","page":441},{"text":"أحمد (^١) من حديث علي -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: \"أيكم ينطلق إلى المدينة فلا يدع بها وثنًا إلا كسّره، ولا صورة إلا لطخها\" أي: طمسها. الحديث وفيه: \"ومن عاد إلى صنعة شيء من هذا فقد كفر بما أنزل على محمد -ﷺ-\"\" (^٢).\nوفي رسالة من الشيخ عبد الرحمن السعدي إلى شيخنا عبد الله بن عبد العزيز العقيل ذكر أن الخلاف في حكم الصورة التي لا ظل لها معروف بين أهل العلم، ثم قال: \"والصواب: تعميم النهي لأن النصوص عامة\" (^٣).\nقال الشيخ عبد العزيز بن باز: \"ومن تأمل الأحاديث المتقدمة تبيّن له دلالتها على تعميم التحريم، وعدم الفرق بين ما له ظل وغيره كما تقدم توضيح ذلك\" (^٤).\nوهذه المسألة قال عنها الشيخ ابن عثيمين: \"اختلف السَّلف فيها، فمنهم من قال: إنها حَرام إن كانت الصُّورة مُجسَّمة؛ بأن يصنع تمثالًا على صورة إنسان أو حيوان، وجائزة إن كانت بالتلوين، أي: غير مجسَّمة.\nومنهم من قال وهم الجمهور -وهو الصَّحيح-: إنها محرَّمة سواء كانت مجسَّمة، أم ملوَّنة، فالذي يخطُّ بيده ويصنع صُورة كالذي يعملها ويصنعها بيده ولا فرق، بل هي من كبائر الذُّنوب؛ لحديث عليِّ بن أبي طالب أنه قال لأبي الهيَّاج الأسدي: \"ألا أبعثُك على ما بعثني عليه رسولُ الله -ﷺ-؛ أنْ لا تَدَعَ صُورةً إلا طَمسْتَها\" وظاهر هذا أنه في الملوَّن، وليس في المجسَّم، لأنه لو كان فيْ المجسَّم لقال: إلا كسرتها أو نحو ذلك.\nومع الأسف؛ أصبح هذا في عصرنا الحاضر فنًّا يُدرَّس ويُقَرُّ ويُمدحُ عليه\n_________\n(^١) أخرجه الطيالسي ص ١٦ رقم ٩٦، وأحمد ١/ ٨٧.\n(^٢) فتح الباري ١٠/ ٣٨٤.\n(^٣) الأجوبة النافعة عن المسائل الواقعة ص ٨٦.\n(^٤) الجواب المفيد ص ٢٣.","vol":"1","page":442},{"text":"الإنسانُ، فإذا صَوَّرَ الإنسانُ بقرةً أو بعيرًا أو إنسانًا، قالوا: ما أْحْذَقَهُ! وما أقْدَرَه!، وما أشبه ذلك، ولا شَكَّ أن هذا رِضًا بشيءٍ من كبائر الذُّنوبِ\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-331>القسم الثالث التصوير بالآلة:</span>\nقال الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم -﵀- في رسالة ما نصه: \"ومن أعظم المنكرات تصوير ذوات الأرواح واتخاذها واستعمالها، ولا فرق بين المجسدة وما في الأوراق مما أخذ بالآلة ... \" (^٢).\nوقال -﵀-: \"وقد زعم بعض مجيزي التصوير الشمسي أنه نظير ظهور الوجه في المرآة ونحوها من الصقيلات، وهذا فاسد فإن ظهور الوجه في المرآة ونحوها شيء غير مستقر، وإنما يرى بشرط بقاء المقابلة، فإذا فقدت المقابلة فقد ظهور الصورة في المرآة ونحوها، بخلاف الصورة الشمسية فإنها باقية في الأوراق ونحوها مستقرة، فإلحاقها بالصورة المنقوشة باليد أظهر وأضح وأصح من إلحاقها بظهور الصورة في المرآة ونحوها، فإن الصورة الشمسية وبدو الصورة في الأجرام الصقيلة ونحوها يفترقان في أمرين:\nأحدهما: الاستقرار والبقاء.\nالثاني: حصول الصورة عن عمل ومعالجة.\nفلا يطلق لا لغةً ولا عقلًا ولا شرعًا على مقابل المرآة ونحوها أنه صوّر ذلك، ومصور الصور الشمسية مصور لغةً وعقلًا وشرعًا، فالمسوي بينهما مسوٍ بين ما فرق الله بينه، والمانعون منه قد سووا بين ما سوى الله بينه، وفرّقوا بين ما فرق الله بينه، فكانوا بالصواب أسعد، وعن فتح أبواب المعاصي والفتن أنفر وأبعد، فإن المجيزين لهذه الصور جمعوا بين مخالفة أحاديث رسول الله -ﷺ- ونفث سموم\n_________\n(^١) الشرح الممتع ٢/ ٢٣٨، ٢٣٩. وانظر مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ١٠٢٦.\n(^٢) عن كتاب الإعلام ببيان أخطاء في كتاب الحلال والحرام للشيخ صالح الفوزان ص ٤٣.","vol":"1","page":443},{"text":"الفتنة بين العباد بتصوير النساء الحسان، والعاريات الفتان في عدة أشكال وألوان، وحالات يقشعر لها كل مؤمن صحيح الإيمان، ويطمئن إليها كل فاسق وشيطان\" (^١).\nوقال الشيخ عبد العزيز بن باز -﵀-: \"ولقد غلط غلطًا فاحشًا من فرق بين التصوير الشمسي والتصوير النحتي، وبعبارة أخرى بين التصوير الذي له ظل والذي لا ظل له، لأن الأحاديث الواردة في هذه المسألة تعم النوعين وتنظمها انتظامًا واحدًا، ولأن المضار والمفاسد التي في التصوير النحتي وما له ظل مثل المفاسد والأضرار التي في التصوير الشمسي بل التصوير الشمسي أعظم ضررًا وأكثر فسادًا من وجوه كثيرة، نسأل الله أن يمن علينا وعلى المسلمين بالعافية من النوعين جميعًا وأن يصلح أحوال الأمة\" (^٢).\nوقال الشيخ العلامة محمد ناصر الدين الألباني -﵀-: \"تعليق الصور على الجدران، سواء كانت مجسمة أو غير مجسمة، لها ظل، أو لا ظل لها، يدوية أو فوتوغرافية، فإن ذلك كله لا يجوز، ويجب على المستطيع نزعها إن لم يستطع تمزيقها\" (^٣).\nوقال -﵀-: \"ولا فرق في التحريم بين التصوير اليدوي والتصوير الآلي والفوتوغرافي، بل التفريق بينهما جمود وظاهرية عصرية\" (^٤).\n* وممن ذهب إلى هذا جماعة من العلماء منهم الشيخ عبد الرزاق عفيفي\n_________\n(^١) فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم (١/ ١٨٧).\n(^٢) انظر تقديمه لكتاب: إعلان النكير للشيخ حمود التويجري ص ٣، ٤، وانظر للاستزادة الجواب المفيد ص ١٨، ١٩.\n(^٣) انظر: آداب الزفاف ص ١٨٥.\n(^٤) آداب الزفاف ص ١٠٦، ١١٦ ط ٢، المكتب الإسلامي. تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد ص ١٨.","vol":"1","page":444},{"text":"والشيخ حمود التويجري والشيخ صالح الفوزان والشيخ عبد الرحمن بن عبد الله التويجري (^١).\nومما قاله الشيخ صالح الفوزان في كتاب (الإعلام بنقد كتاب الحلال والحرام): \"التصوير بجميع أنواعه تماثيل أو غير تماثيل منقوشًا باليد أو فوتوغرافيًا مأخوذًا بالآلة -كله حرام وأن كل من حاول إباحة شيء منه فمحاولة باطلة وحجته داحضة- والله المستعان\" (^٢).\nأما كلام الشيخ ابن عثيمين -﵀- في هذه المسألة فإنه منع من إدخال ناقل الصورة بالآلة في اللعن ولكنه رتب الحكم على المقاصد فإذا قصد به شيئًا محرمًا فهو حرام وإن قصد التمتع بالنظر إليها فهذا حرام عملًا بالقاعدة الفقهية \"الأمور بمقاصدها\" (^٣).\nوقد كثر الكلام حول فتوى الشيخ -﵀- واضطربت فيها أفهام بعض الناس.\nوقد وقفت على فتوى حررها بيده حول ذلك فقال: \"من إلينا أن المحرم من الصور هو المجسم وأن غير ذلك غير حرام فقد كذب علينا، ونحن نرى أنه لا يجوز لبس ما فيه صورة سواءً كان من لباس الصغار أو من لباس الكبار، وأنه لا يجوز اقتناء الصور للذكرى أو غيرها إلا ما دعت الضرورة أو الحاجة إليه مثل التابعية والرخصة\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-332>القسم الرابع: تصوير ما لا ينتج عنه منظر ولا مشهد ثابت </span>كما هو الحال في\n_________\n(^١) انظر: تحريم التصوير الفوتوغرافي، أحمد بن عبد الله آل عبد الكريم.\n(^٢) الإعلام بنقد كتاب الحلال والحرام ص ٤٦.\n(^٣) انظر: مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ١٠٢٧، ١٠٢٨، القول المفيد ط ١ - ٣/ ٢٠٤، ٢٠٥. والشرح الممتع ٢/ ٢٤١.\n(^٤) انظر: كتاب التنوير فيما ورد في حكم التصوير لمحمد الغفيلي ص ٨١.","vol":"1","page":445},{"text":"أشرطة الفيديو، وهذا القسم قال عنه الشيخ ابن عثيمين -﵀-: \"هذا لا حُكم له إطلاقًا، ولا يدخلُ في التَّحريم مطلقًا، ولهذا أجازه أهل العلم الذين يمنعون التَّصوير بالآلة \"الفتوغرافيَّة\" على الورق، وقالوا: إن هذا لا بأس به، حتى حصل بحثٌ: هل يجوز أن تُصوَّر المحاضرات التي تُلقى في المساجد؟ فكان الرَّأي ترك ذلك؛ لأنه ربما يُشوِّش على المصلِّين، وربما يكون المنظرُ غيرَ لائقٍ، وما أشبه ذلك\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-333>القسم الخامس تصوير ما لا روح فيه:</span>\nقال الإمام البغوي: \"وأما صورة الأشجار والنبات فلا بأس بها. قال ابن عباس -﵂- لرجل سأله عن الصور: \"عليك بهذا الشجر: كل شيء ليس له فيه روح\"\" (^٢).\nوقال النووي: \"وأما تصوير صورة الشجرة ورحال الإبل وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان فليس بحرام\" (^٣).\nوقال -﵀-: \"وأما الشجر ونحوه مما لا روح فيه فلا تحرم صنعته ولا التكسب به سواء الشجر المثمر وغيره وهذا مذهب العلماء كافة إلا مجاهد فإنه جعل الشجر المثمر من المكروه قال القاضي: لم يقله أحد غير مجاهد واحتج بقوله تعالى: \"ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقًا كخلقي\". واحتج الجمهور بقوله -ﷺ- ويقال لهم: \"أحيوا ما خلقتم\" -أي- اجعلوه حيوانًا ذا روح كما ضاهيتم. وعليه رواية: \"ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقًا كخلقي\". ويؤيده حديث ابن عباس -﵄- المذكور في الكتاب: \"إن كنت لا بد فاعلًا فاصنع الشجر وما لا نفس له\"\" (^٤).\n_________\n(^١) الشرح الممتع ٢/ ٢٤٠.\n(^٢) شرح السنة للبغوي ١٢/ ١٣٤.\n(^٣) شرح النووي ١٤/ ٨١.\n(^٤) شرح مسلم للنووي ١٤/ ٩١. وانظر تعليق الشيخ ابن عثيمين على هذه المسألة في كتابه.","vol":"1","page":446},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-334>٤ - حكم اقتناء الصور واستعمالها واتخاذها:</span>\nاقتناء الصور لغير ضرورة حرام وبعضه أشد حرمة من بعض لقوله -ﷺ-: \"فلا يدع بها وثنًا إلا كسره ولا صورة إلا لطخها\" (^١).\nوفي الرواية الأخرى \"أن لا تدع صورة إلا طمستها\" (^٢).\nقال ابن باز -﵀-: \"صنع التماثيل والصور واقتناؤها كبائر الذنوب للأحاديث الصحيحة التي توعد الله تعالى، وتوعد رسوله -ﷺ- من فعل ذلك بالنار والعذاب الأليم\" (^٣).\nوعند التفصيل نقول: إن حكم استعمال الصور واقتناؤها ينقسم إلى أقسام:\nالقسم الأول: أن يقتنيها لتعظيم المصور، لكونه ذا سلطان أو جاه أو علم أو عبادة أو أبوة أو نحو ذلك، فهذا حرام بلا شك، ولا تدخل الملائكة بيتًا فيه هذه الصورة، لأن تعظيم ذوي السلطة باقتناء صورهم ثلم في جانب الربوبية وتعظيم ذوي العبادة باقتناء صورهم ثلم في جانب الألوهية (^٤).\nوقال ابن باز: \"ولا فرق في هذا بين الصور المجسمة وغيرها من المنقوش في ستر أو قرطاس أو نحوها، ولا بين صور الآدميين وغيرها من كل ذي روح، ولا بين صور الملوك والعلماء وغيرهم بل التحريم في صور الملوك والعلماء ونحوهم من المعظَّمين أشد، لأن الفتنة بهم أعظم، ونصب صورهم في المجالس ونحوها وتعظيمها من أعظم وسائل الشرك وعبادة أرباب الصور من دون الله كما\n_________\n(^١) الفتح ١٠/ ٣٨٤.\n(^٢) أخرجه مسلم (٩٦٩).\n(^٣) الجواب المفيد ص ٤٨.\n(^٤) انظر: مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ١٠٣٨، وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ٢١٤.","vol":"1","page":447},{"text":"وقع ذلك لقوم نوح\" (^١).\nوقال ابن عثيمين: \"أن يستعمله على سبيل التَّعظيم، فهذا حرام سواء كان مجسَّمًا أم ملوَّنًا، وسواء كان التَّعظيم تعظيم سلطان، أم تعظيم عبادة، أم تعظيم عِلْمٍ، أم تعظيم قَرابة، أم تعظيم صُحبة، أيًّا كان نوعُ التعظيم. وفي الحقيقة؛ إنه ليس فيه تعظيم، فمثلًا: إذا أراد أن يصوِّر أباه، فإن كان أبوه حيًّا فالتَّعظيم بإعطائه ما يلزمه من البِرِّ القولي والفعلي والمالي والجاهي وغير ذلك، وإن كان ميِّتًا فلا ينتفع بهذا التَّعظيم، بل فيها كسب الإثم وتجديد الأحزان، ولذلك يجب على مَنْ كان عنده صورة من هذا النوع أن يمزِّقها، أو يحرقها، ولا يجوز له إبقاؤها؛ لأن هذا فيه خطورتان:\nالخطورة الأولى: تجنّب الملائكة لدخول البيت.\nوالخطورة الثانية: أن الشيطان قد يدخل على الإنسان من هذا التعظيم، حتى يستولي تعظيمهم على قلبه، ويسيطر عليه، ولا سيَّما فيما يَتَعَلَّق بالعِلْم والعبادة، فإن فتنة قوم نوح كانت في الصُّور، وهذا لا فرق فيه بين الملوَّن والمجسَّم، أي: سواء كان صورة على ورقة، أم على خِرقة، أم كانت صورة مجسَّمة\" (^٢).\nالقسم الثاني: اقتناء الصور للتمتع بالنظر إليها أو التلذذ بها، فهذا حرام أيضًا، لما فيه من الفتنة المؤدية إلى سفاسف الأخلاق (^٣).\nالقسم الثالث: أن يقتنيها للذكرى حنانًا أو تلطفًا كالذين يصورون صغار أولادهم لتذكرهم حال الكبر، فهذا أيضًا حرام للحوق الوعيد به في قوله -ﷺ-: \"إن\n_________\n(^١) الجواب المفيد ص ٢٧.\n(^٢) الشرح الممتع ٢/ ٢٤٤، وانظر إعلان النكير للشيخ حمود التويجري ص ٦٧.\n(^٣) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ١٠٣٨ وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ٢١٥.","vol":"1","page":448},{"text":"الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة\" (^١).\nقال الخطابي: \"والصورة التي لا تدخل الملائكة البيت الذي هي فيه ما يحرم اقتناؤه وهو ما يكون من الصور التي فيها الروح مما لم يقطع رأسه أو لم يمتهن\" (^٢).\nوقال الحافظ ابن رجب: \"وتصوير الصور للتأسي برؤيتها أو للتنزه بذلك والتلهي محرم وهو من الكبائر\" (^٣).\nالقسم الرابع: قال ابن باز: \"إذا كانت الصورة في بساط يمتهن أو وسادة يرتفق بها فلا حرج في ذلك؛ لما ثبت عن النبي -ﷺ- أنه كان على موعد من جبرائيل فلما جاء جبرائيل امتنع عن دخول البيت فسأله النبي -ﷺ- فقال: \"إن في البيت تمثالًا وسترًا فيه تصاوير وكلبًا، فمر برأس التمثال أن يقطع، وبالستر أن يتخذ منه وسادتان منتذتان توطآن، ومر بالكلب أن يخرج\". ففعل ذلك النبي -ﷺ- فدخل جبرائيل -﵇- ... وقصة جبرائيل هذه تدل أن الصورة في البسط ونحوه لا تمنع من دخول الملائكة، ومثل ذلك ما ثبت في الصحيح عن عائشة -﵂-.\nأنها اتخذت من الستر المذكور وسادة يرتفق بها النبي -ﷺ-\" (^٤).\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"أن يتَّخذه على سبيل الإهانة مثل: أن سجعله فراشًا، أو مِخَدَّة، أو وسادة، أو ما أشبه ذلك، فهذا فيه خلاف بين أهل العلم:\nفأكثر أهل العلم على الجواز، وأنه لا بأس به؛ لأن الرسول -ﷺ- اتَّخذ وسادة فيها صورة، ولأن هذا ضِدُّ السبب الذي من أجله حُرِّم استعمال الصُّور؛ لأن هذا إهانة.\nوذهب بعضُ أهل العلم إلى التَّحريم، واستدلَّ هؤلاء بأن النبي -ﷺ- جاء إلى بيته\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ١٠٣٨ وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ٢١٥.\n(^٢) الجواب المفيد ص ٢٠.\n(^٣) الكواكب الدراري ٦٥/ ٨٢/ ٢. نقلًا عن تحذير الساجد للشيخ للألباني ص ١٨.\n(^٤) مجموع فتاوى ابن باز ص ٨٢٥.","vol":"1","page":449},{"text":"ذات يوم فرأى \"نُمْرُقَةً\" -أي: مِخَدَّة- فيها صُوَر؛ فوقف ولم يدخل، قالت عائشة: فعرفتُ الكراهيةَ في وجهه، فقلت: أتوب إلى الله ورسوله ممَّا صنعتُ؟ فقال: \"إنَّ أهل هذه الصُّور يُعذَّبون؛ يُقال لهم: أحْيُوا ما خلقتم\". قالوا: فنكرهُهَا؛ لأن الرسول -ﷺ- كرهها وقال: \"إِنَّ أهل هذه الصُّور يعذَّبُون\"، وقال: \"إنَّ الملائكةَ لا تدخل بيتًا فيه صُورة\" ويُحمل ما ذُكر عنه أنه اتَّكأ على مِخَدَّة فيها صورة بأن هذه الصورة قُطِعَ رأسُها، وإذا قُطِعَ رأس الصُّورة فهي جائزة.\nولا شكَّ أن تجنُّبَ هذا أورع وأحوط، فلا تستعمل الصُّور، ولو على سبيل الامتهان كالفراش والمخدَّة، والسَّلامة أسلم، وشيء كَرِه الرسول -ﷺ- أن يدخل البيت من أجله، فلا ينبغي لك أن ينشرح صدرُك به، فمن يستطيع أن ينشرح صدرُه في مكان كَرِهَ النبي -ﷺ- دخوله. لهذا فالقول بالمنع إن لم يكن هو الصَّواب فإنه هو الاحتياط\" (^١).\nوهل يلحق بالمهانة لباس ما فيه صورة لأن في ذلك امتهانًا للصورة ولا سيما إن كانت الملابس داخلية؟\nيقول الشيخ ابن عثيمين: \"لا يلحق بذلك، بل لباس ما فيه الصور محرم على الصغار والكبار، ولا يلحق بالمفروش ونحوه، لظهور الفرق بينهما، وقد صرح الفقهاء ﵏ بتحريم لباس ما فيه صورة، سواء كان قميصًا أو سراويل أم عمامة أم غيرها\" (^٢).\nالقسم الخامس: أن تؤخذ لا على سبيل التعظيم ولا الامتهان، قال ابن عثيمين: \"ألا يكون في استعمالها تعظيم ولا امتهان، فذهب جمهور أهل العلم إلى تحريم استعمال الصُّور على هذا الوجه، ونُقل عن بعض السَّلف الإباحة إذا كان ملوَّنًا،\n_________\n(^١) الشرح الممتع ٢/ ٢٤٤، ٢٤٥.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ١٠٣٩ وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ٢١٥.","vol":"1","page":450},{"text":"حتى إن بعض السَّلف كان عندهم في بيوتهم السَّتائر يكون فيها صُور الحيوان، ولا يُنكرون ذلك، ولكن لا شَكَّ أن هؤلاء الذين فعلوه من السَّلف كالقاسم بن محمد -﵀- لا شكَّ أنه يُعتَذر عنهم بأنهم تأوَّلوا، ولا يحتجُّ بفعلهم؛ لأن الحُجَّة قولُ الله ورسوله، أو لم يبلغهم الخبر، أو ما أشبه ذلك من الأعذار\" (^١).\nقال النووي: \"أما اتخاذ المصور فيه صورة حيوان فإن كان معلقًا على حائط أو ثوبًا ملبوسًا أو عمامة أو نحو ذلك مما لا يعد ممتهنًا فهو حرام، وإن كان في بساط يداس ومخدة ووسادة ونحوها مما يمتهن، فليس بحرام ولكن هل يمنع دخول ملائكة الرحمة ذلك البيت فيه كلام نذكره قريبًا -إن شاء الله- ولا فرق في هذا كله بين ما له ظل وما لا ظل له.\nهذا تلخيص مذهبنا في المسألة، وبمعناه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وهو مذهب الثوري، ومالك، وأبي حنيفة وغيرهم\" (^٢).\nأما ما جاء في حديث زيد بن خالد وفيه: \"ثم اشتكى زيد فعدناه فإذا على بابه ستر فيه صورة\" وفيه تعليل ذلك باستثناء الرسول -ﷺ-: \"إلا رقمًا في ثواب\" فظاهره يدل على أن زيدًا يرى جواز تعليق الستور التي فيها الصور، وبسببه جوز بعض العلماء ما كان رقمًا في ثوب سواء امتهن أم لا، وسواء علق في حائط أو لا كما هو معروف من مذهب القاسم بن محمد (^٣). والجمهور على أن الصور يراد بها صورة الشجر وما لا روح فيه ذكر ذلك النووي -﵀- حيث قال: \"قوله \"إلا رقمًا في ثوب\" هذا يحتج به من يقول بإباحة ما كان رقمًا مطلقًا كما سبق وجواب الجمهور عنه أنه محمول على رقم على صورة الشجر وغيره مما ليس بحيوان وقد قدمنا أن هذا\n_________\n(^١) الشرح الممتع ٢/ ٢٤٦.\n(^٢) شرح النووي على صحيح مسلم ١٤/ ٨١.\n(^٣) النووي ١٤/ ٨٢.","vol":"1","page":451},{"text":"جائز عندنا\" (^١).\nوقال الشيخ محمد بن إبراهيم -﵀-: \"أما تعلق من خالف في ذلك بحديث \"إلا رقمًا في ثوب\" فهو شذوذ عن ما كان عليه السلف والأئمة، وتقديم للمتشابه على المحكم، إذ أنه يحتمل أن المراد باستثناء الرقم في الثوب ما كانت الصورة فيه من غير ذوات الأرواح كصورة الشجر ونحوه، كما ذكره الإمام أبو زكريا النووي وغيره. واللفظ إذا كان محتملًا فلا يتعين حمله على المعنى المشكل، بل ينبغي أن يحمل عليما يوافق الأحاديث الظاهرة في المنع التي لا تحتمل التأويل\" (^٢).\nقال الشيخ عبد العزيز بن باز -﵀- مجيبًا على هذه المسألة: \"أن أحاديث عائشة المتقدمة وما جاء في معناها دالة على تحريم تعليق الستور التي فيها الصور، وعلى وجوب هتكها، وعلى أنها تمنع دخول الملائكة، ولعل زيدًا -﵁- لم يعلم الصورة التي في الستر المذكور أو علمها لكن استجازه لأنه لم تبلغه الأحاديث الدالة على تحريم تعليق الستور التي فيها الصور، فأخذ بظاهر قول النبي -ﷺ-: \"إلا رقمًا في ثوب\" فيكون معذورًا لعدم علمه بها. وأما من علم الأحاديث الصحيحة الدالة على تحريم نصب الستور التي فيها الصور فلا عذر له في مخالفتها\" (^٣).\nوكذلك من حمل قوله: \"إلا رقمًا في ثوب\" على جواز تعليق الصور وجواز اتخاذها مع عدم التفريق بين الضرورة وغير الضرورة فقد أخطأ وجانب الصواب لا سيما إذا نظرنا للأحاديث الأخرى: \"لا تدع صورة إلا طمستها\"، ولم يدخل النبي -ﷺ- الكعبة حتى محيت كل صورة فيها وكذلك غضبه -﵇- حين ذكرت له الصور الموجودة في الكنائس في أرض الحبشة فقال: \"أولئكِ شرار الخلق عند الله\n_________\n(^١) النووي ١٤/ ٨٥.\n(^٢) فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ١/ ١٨٥، ١٨٦.\n(^٣) الجواب المفيد ص ٢٥.","vol":"1","page":452},{"text":"يوم القيامة\" (^١).\nالقسم السادس ما دعت الضرورة إلى استبقائه. قال العلامة ابن باز -﵀-: \"لا يجوز الاحتفاظ بالصور ولو غير معلقة على الجدران أو غيرها، إلا في تابعية أو جواز سفر أو نقود أو نحو ذلك مما تدعو الحاجة إليه\" (^٢).\nقال ابن عثيمين: \"كالصور التي تكون في بطاقة إثبات الشخصية والشهادات والدراهم فلا إثم فيه لعدم إمكان التحرز منه، وقد قال تعالى: ﴿اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] \" (^٣).\nالقسم السابع: ما عمت به البلوى الآن وقد عرفها الشيخ ابن عثيمين بقوله: \"أن يقتني الصور لا لرغبة فيها إطلاقًا، ولكنها تأتي تبعًا لغيرها كالتي تكون في المجلات والصحف ولا يقصدها المقتني، وإنما يقصد ما في هذه المجلات والصحف من الأخبار والبحوث العلمية ونحو ذلك، فالظاهر أن هذا لا بأس به؛ لأن الصور فيها غير مقصودة، لكن إن أمكن طمسها بلا حرج ولا مشقة فهو أولى\" (^٤).\nوقال الشيخ السعدي -﵀-: \"ولكن الأشياء الضرورية التي دخلت على الناس، وعمَّت بها البلوى كالصور التي في النقود والكبريت ونحوها، وكذلك الجوازات؛ فالذي يظهر لي ان هذا من باب الاضطرار، وأحوال الضرورات وعموم البلوى يُرجى فيه عفو الله، ويَسهُل الأمر فيه\" (^٥).\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) مجلة الدعوة عدد ٨٤٩ في ١٥/ ٨/ ١٤٠٢ هـ. وانظر: فتوى أخرى في عدد ٨٤٧ الجواب المفيد ص ٤٣، ٤٦.\n(^٣) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ١٠٣٩ وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ٢١٦.\n(^٤) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ١٠٣٩ وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ٢١٥، وانظر الشرح الممتع ٢/ ٢٤٧، ٢٤٨.\n(^٥) الأجوبة النافعة عن المسائل الواقعة ص ٨٦.","vol":"1","page":453},{"text":"وقال ابن باز: \"المجلات والجرائد التي بها أخبار مهمة ومسائل علمية نافعة وبها صور لذوات الأرواح يجوز شراؤها، والانتفاع بها من علم مفيد، وأخبار مهمة لأن المقصود منها ما فيها من العلم والأخبار، والصور تابعة، والحكم يتبع الأصل المقصود إليه دون التابع، ويجوز وضعها في المصلى مع إخفاء ما فيها من الصور بأي شكل لينتفع بما فيها من مقالات، أو طمس رؤوس الصور بما يذهب بمعالمها\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-335>٥ - اللُّعب المصورة للبنات وتنقسم إلى قسمين:</span>\nالأول: ما يوضع على هيئة لعبة ليس فيها أثر للصورة والتجسيم فهذا لا بأس فيه.\nالثاني: ما وضع على صورة شيء من ذوات الأرواح.\nقال النووي: \"قوله: عن عائشة -﵂- قالت: كانت لنا تمثال طائر وكان الداخل إذا دخل استقبلته فقال لي رسول الله -ﷺ-: \"حولي هذا فإني كلما دخلت فرأيته ذكرت الدنيا\" هذا محمول على أنه كان قبل تحريم اتخاذ ما فيه صورة فلهذا كان رسول الله -ﷺ- يدخل ويراه ولا ينكره قبل هذه المرة الأخيرة\" (^٢).\nوحديث عائشة -﵂- قالت: قَدِم رسول الله -ﷺ- من غزوة تبوك أو خيبر، وفي سهوتها ستر، فهبَّت ريح، فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة لُعَبٍ، فقال: \"ما هذا يا عائشة؟ قالت: بناتي، ورأى بينهنَّ فرسًا له جناحان من رقاعٍ، فقال: ما هذا الذي أرى وسطهن؟ قالت: فرس، قال: وما هذا الذي عليه؟ قالت: جناحان، قال: فرس له جناحان! قالت: أما سمعت أن لسليمان خيلًا لها أجنحة؟ قالت: فضحك رسول الله -ﷺ- حتى رأيت نواجذه\" (^٣).\n_________\n(^١) الجواب المفيد ص ٤١.\n(^٢) النووي ١٤/ ٨٧.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٤٩٣٢)، والنسائي في الكبرى (٨٩٥٠).","vol":"1","page":454},{"text":"قال النووي -﵀-: \"وأجمعوا على منع ما كان له ظل ووجوب تغييره قال القاضي إلا ما ورد في اللعب بالبنات لصغار البنات والرخصة في ذلك لكن كره مالك شراء الرجل ذلك لابنته، وادعى بعضهم أن إباحة اللعب لهن بالبنات منسوخ بهذه الأحاديث -والله أعلم-\" (^١).\nقال ابن باز: \"وأما اللُّعب المصورة على صورة شيء من ذوات الأرواح فقد اختلف العلماء في جواز اتخاذها للبنات وعدمه.\nوقد ثبت في الصحيحين عن عائشة، قالت: \"كنت ألعب بالبنات عند النبي -ﷺ- وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله -ﷺ- إذا دخل يتقمعن منه، فيُسَرِّبُهُن إليَّ يلعبن معي\" (^٢).\nقال الحافظ في الفتح: استدل بهذا الحديث على جواز اتخاذ صور البنات واللعب من أجل لعب البنات بهن وخص ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور، وبه جزم عياض، ونقله عن الجمهور، وأنهم أجازوا بيع لعب البنات لتدريبهن من صغرهن على أمر بيوتهن وأولادهن. قال: وذهب بعضهم إلى أنه منسوخ، وإليه مال ابن بطال، وحكئ عن أبي زيد عن مالك: أنه كره أن يشتري الرجل لبنته الصور، ومن ثم رجح الداودي أنه منسوخ.\nوقد ترجم ابن حبان: \"الإباحة لصغار النساء اللعب باللُّعب\" (^٣) وترجم له النسائي: \"إباحة الرجل لزوجته اللعب بالبنات\". فلم يقيد بالصغر وفيه نظر.\nقال البيهقي: ثبت النهي عن اتخاذ الصور، فيحمل على أن الرخصة لعائشة في ذلك كانت قبل التحريم، وبه جزم ابن الجوزي -إلى أن قال- وأخرج أبو داود\n_________\n(^١) النووي ١٤/ ٨٢.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦١٣٠) ومسلم (٢٤٤٠).\n(^٣) انظر: صحيح ابن حبان ٧/ ٥٤٣.","vol":"1","page":455},{"text":"والنسائي من وجه آخر عن عائشة قالت: قدم رسول الله -ﷺ- من غزوة تبوك أو خيبر -فذكر الحديث في هتكه الستر الذي نصبته على بابها- قالت: فكشف ناحية الستر على بنات لعب لعائشة، فقال: \"ما هذا يا عائشة؟ \" قالت: بناتي. قالت: ورأى فيها فرسًا مربوطًا له جناحان، فقال: \"ما هذا؟ \". قلت: فرس له جناحان. قلت: ألم تسمع أنه كان لسليمان خيل لها أجنحة؟ فضحك -إلى أن قال- قال الخطابي في هذا الحديث: أن اللعب بالبنات ليس كالتلهي بسائر الصور التي جاء فيها الوعيد، وإنما أرخص لعائشة فيها لأنها إذ ذاك كانت غير بالغة.\nقلت (^١): وفي الجزم به نظر، لكنه محتمل لأن عائشة كانت في غزوة خيبر بنت أربع عشرة سنة، إما أكملتها أو جاوزتها أو قاربتها. وأما في غزوة تبوك فكانت قد بلغت قطعًا، فيترجح رواية من قال: خيبر وجمع بما قال الخطابي، لأن ذلك أولى من التعارض (^٢).\nإذا عرفت (^٣) ما ذكره \"الحافظ\" فالأحوط ترك اتخاذ اللعب المصورة لأن في حلها شك لاحتمال أن يكون إقرار النبي -ﷺ- لعائشة على اتخاذ اللعب المصورة قبل الأمر بطمس الصور فيكون ذلك منسوخًا بالأحاديث التي فيها الأمر بمحو الصور وطمسها إلا ما قطع رأسه، أو كان ممتهنًا كما ذهب إليه البيهقي وابن الجوزي، ومال إليه ابن بطال.\nويحتمل أنها مخصوصة من النهي كما قاله الجمهور لمصلحة التمرين، ولأن في لعب البنات بها نوع امتهان، ومع الاحتمال المذكور والشك في حلها الأحوط تركها، وتمرين البنات بلعب غير مصورة حسمًا لمادة بقاء الصور المجسدة،\n_________\n(^١) القائل هو الحافظ ابن حجر العسقلاني -رحمه الله تعالى-.\n(^٢) انظر: فتح الباري ١٠/ ٥٢٧.\n(^٣) لازال النقل موصولًا من الجواب المفيد للشيخ عبد العزيز بن باز -﵀-.","vol":"1","page":456},{"text":"وعملًا بقوله -ﷺ-: \"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك\" (^١) \" (^٢).\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"الصُّور التي يلعب بها الأطفال، وهذه تنقسم إلى قسمين:\nالأول: قسمْ من الخِرَق والعِهْن وما أشبه ذلك، فهذه لا بأس بها؛ لأنَّ عائشة كانت تلعبُ بالبنات على عَهْد النبي -ﷺ- ولم يُنكر عليها (^٣).\nالثاني: قسم من \"البلاستيك\" وتكون على صورة الإنسان الطبيعي إلا أنها صغيرة، وقد يكون لها حركة، وقد يكون لها صوت، فقد يقول لقائل: إنها حرام؛ لأنها دقيقة التَّصوير، وعلى صورة الإنسان تمامًا، أي: ليست صورة إجماليَّة ولكن صورة تفصيليَّة، ولها أعين تتحرَّك، وقد نقول: إنها مباحة؛ لأن عائشة كانت تلعب بالبنات، ولم يُنكر عليها النبي -ﷺ-.\nولكن قد يقول القائل: إن الصُّور التي عند عائشة ليست كهذه الصُّور الموجودة الآن، فبينهما فرقٌ عظيم، فمن نظر إلى عموم الرُّخصة وأنَّه قد يُرخَّص للصِّغار ما لا يُرخَّص للكبار، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية باب السَّبْق، لما ذكر بعض آلات اللهو قال: \"إنه يُرخَّصُ للصِّغار ما لا يُرخَّصُ للكبار\" (^٤)، لأن طبيعة الصِّغار اللهو، ولهذا تجد هذه الصُّور عند البنات الصِّغار كالبنات حقيقة، كأنها ولدتها، وربما تكون وسيلة لها لتربِّي أولادها في المستقبل وتجدها تُسمِّيها أيضًا هذه فلانة وهذه فلانة، فقد يقول قائل: إنه يُرَخَّصُ لها. فأنا أتوقَّفُ في تحريمها، لكن يمكن التخلُّص من الشُّبهة بأن يُطمس وجهها\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٤١٨) والنسائي (٥٧١٤)، وقال أحمد شاكر في تحقيقه للمسند ٣/ ١٦٩ رقم ١٧٢٣ إسناده صحيح.\n(^٢) الجواب المفيد ص ٣٣.\n(^٣) أخرجه البخاري (٦١٣٠)، ومسلم (٢٤٤٠).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٣٠/ ٢١٦)، الاختيارات ص ١٦٠.\n(^٥) الشرح الممتع ٢/ ٢٤٨، ٢٤٩.","vol":"1","page":457},{"text":"والذي يظهر مما سبق إباحة اللعب للبنات ولكن كما قرره المنذري والحليمي من عدم وجود تفاصيل الصورة. قال الحليمي: \"إن كانت صورة كالوثن لم يجز وإلا جاز\" (^١).\nوقال الشيخ محمد بن إبراهيم -﵀-: \"ومن زعم أن لعب عائشة صور حقيقية لذوات الأرواح فعليه إقامة الدليل، ولن يجد إلى ذلك سبيلًا فإنها ليست منقوشة ولا منحوتة ولا مطبوعة من المعادن المنطبعة ولا نحو ذلك، بل الظاهر أنها من عهن أو قطن أو خرق أو قصبة أو عظم مربوط في عرضه عودًا معترضًا بشكل يشبه الموجود في اللعب في أيدي البنات الآن في البلدان العربية البعيدة عن التمدن والحضارة مما لا تشبه الصورة المحرمة إلا بنسبة بعيدة جدًا\" (^٢).\nوقال الشيخ حمود التويجري -﵀-: \"وأما تسمية اللعب بنات كما في حديث عائشة -﵂- فلا يلزم منه أنها كانت صورًا حقيقية كما قد يظن ذلك من قصُر فهمه بل الظاهر والله أعلم أنها كانت على نحو لعب بنات العرب في زماننا فإنهن يأخذن عودًا أو قصبة أو خرقةً ملفوفةً أو نحو ذلك فيضعن قريبًا من أعلاه عودًا معترضًا ثم يلبسنه ثيابًا ويضعن على أعلاه خمار المرأة وربما جعلنه على هيئة الصبي في المهد ثم يلعبن بهذه اللعب ويسمينهن بنات لهن على وفق ما هو مروي عن عائشة وصواحباتها -﵅-.\nوقد رأينا البنات يتوارثن اللعب بهذه اللعب اللاتي وصفنا زمانا بعد زمان ولا يبعد أن يكون هذا التوارث قديمًا ومستمرًا في بنات العرب من زمن الجاهلية إلى زماننا هذه -والله أعلم-\" (^٣).\n_________\n(^١) فتح الباري ١٠/ ٥٢٧.\n(^٢) فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم (١/ ١٨٢).\n(^٣) إعلان النكير ص ٩٩.","vol":"1","page":458},{"text":"وقال -﵀-: \"فأما اللعب اللاتي على ما وصفنا فلا بأس بعملهن واتخاذهن واللعب بهن لأنهن لسن بصور حقيقية. وأما اللعب اللاتي على صور البنات وأنواع الحيوانات فصناعتهن حرام وبيعهن حرام وشراؤهن واتخاذهن حرام والتلهي بهن حرام وإتلافهن واجب على من قدر على ذلك لأنهن من الأصنام وقد أمر رسول الله -ﷺ- بطمس الأصنام كما تقدم في حديث علي -﵁-. والقول في الفرس الذي كان مع لعب عائشة -﵂- كالقول في لعبها سواء. ومن ادعى أنها كانت صورة حقيقية لها رأس ووجه فعليه إقامة الدليل على ذلك ولن يجد إليه سبيلًا\" (^١).\nحكم المحنّط وهذا ليس تصويرًا بل يلحق بالتصوير لأنه وسيلة وسبب للتساهل في أمر التصوير ولذلك حذر العلماء من اقتنائه وقد سمعت الشيخ عبد العزيز بن باز يذكر ثلاثة أسباب لتحريم اقتناء المحنّط منها أن شراءَه إسراف وتبذير ومنها أنه سبب مفضٍ إلى التساهل في أمر التصوير الذي جاء الوعيد والنكير في حقه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>٦ - الصورة الرأس:</span>\nقال الشيخ محمد بن إبراهيم -﵀-: \"التصوير النصفي لا إشكال عندي في أنه محرم، وإن كان ذهب نزر قليل إلى القول بعدم التحريم، وربما يكون أخف من الكامل لأجل هذا القول، وأما أنا فلا إشكال عندي فيه؛ لأن الوجه هو المقصود\" (^٢).\nوقال الشيخ حمود التويجري -﵀-: \"والأصل في هذا قول جبريل للنبي -ﷺ- مر بالرأس فليقطع فيصير كهيئة الشجرة.\nفدل على أن المحذور كله في تصوير الرأس.\n_________\n(^١) إعلان النكير على المفتونين بالتصوير ص ١٠٠.\n(^٢) فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ١/ ١٩٠.","vol":"1","page":459},{"text":"ودلّ على أن قطع غيره لا يقوم مقامه ولا يكفي في التغيير ولو كان المقطوع مما لا تبقى الحياة بعد ذهابه كصدره أو بطنه.\nوعلى هذا فتحريم التصوير والاتخاذ متعلق بوجود الرأس.\nوكذلك وجوب الطمس متعلق بوجود الرأس -والله أعلم-.\nوأما قياس قطع الصدر أو البطن على قطع الرأس فهو قياس مع وجود الفارق لأنها وإن شاركاه في ذهاب الحياة بذهابهما فقد اختص هو دونهما ودون سائر الأعضاء بشيئين.\nأحدهما: أنه إذا قطع صار باقي الجسم كهيئة الشجرة وخرج عن شكل ذوات الأرواح.\nالثاني: أنه مشتمل على الوجه الذي هو أشرف الأعضاء، ومجمع المحاسن، وأعظم فارق بين الحيوان وبين غيره من النباتات والجمادات، وبطمسه تذهب بهجة الصورة ورونقها، وتعود إلى مشابهة النباتات والجمادات؛ ولهذا قال جبريل للنبي -ﷺ-: مر برأس التمثال فليقطع فيصير كهيئة الشجرة.\nوبهذا يعرف أن غير الرأس لا يساويه وإن من قاس شيئًا من الأعضاء على الرأس فقياسه غير صحيح فلا يعتد به -والله أعلم-\" (^١).\nوعلّق الشيخ الألباني -﵀- على قول جبريل -﵇-: \"فمر برأس التمثال الذي في البيت يقطع فيصير كهيئة الشجرة\" فقال: -﵀-: \"هذا نص صريح في أن التغيير الذي يحل به استعمال الصورة إنما هو الذي يأتي على معالم الصورة فيغيرها بحيث أنه يجعلها في هيئة أخرى وقد عبر بعض الفقهاء عن هذا التغيير بقوله: \"إذا كانت بحيث لا تعيش جاز استعمالها\"، وهذا تعبير قاصر كما لا يخفى ولهذا كان عمدة\n_________\n(^١) إعلان النكير ص ٧٣، ٧٤.","vol":"1","page":460},{"text":"لبعض المحتالين على النصوص، الذين يحاولون الخلاص منها بتأويلها أو بتحكيم آراء الرجال فيها وأصدق مثال على ذلك مقال طويل لبعضهم كنت قرأته منذ سنين في \"مجلة نور الإسلام\" التي سميت فيما بعد \"مجلة الأزهر\" خلاصته أنه يجوز للمسلم الفنان! أن ينحت صنمًا كاملًا على أن يحفر حفرة في الرأس تصل إلى الدماغ بحيث أنه لا يعيش لو كان حيًا، ثم تفنن حضرة الشيخ فذكر أنه لكي لا يظهر عيب الصنم من الناحية الفنية للناظرين فإنه بإمكان الفنان أن يضع الشعر المستعار على الرأس المحفور وبذلك تنستر الفجوة ويبدو تمثالًا كاملًا لا عيب فيه يرضي الفنانين! وفي الوقت نفسه يكون قد أرضى الشارع بزعمه! فهل رأيت أيها المسلم تلاعبًا بالشريعة ونصوصها ما يشابه هذا التحريف المنشور في مجلة محترمة! تاالله إن هذا لأشبه شيء بعمل من ضربت عليهم الذلة والمسكنة الذين قال الله فيهم: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)﴾ [الأعراف: ١٦٣]. وقال فيهم رسول الله -ﷺ-: \"قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم شحومها جملوه -أي ذوبوه- ثم باعوه وأكلوا ثمنه\" (^١)، ولهذا حذرنا -ﷺ- من اتباع سننهم فقال: \"لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل\" رواه ابن بطة: \"جزء إبطال الحيل\" ص ٢٤ بسند جيد كما قال ابن تيمية وابن كثير، ولكن ذلك كله ما أغنى شيئًا بعض هؤلاء المتشبهين بهم، لهوى في نفوسهم\" (^٢).\nوقال الشيخ ابن باز: \"ويستدل بالحديث المذكور أيضًا على أن قطع غير الرأس\n_________\n(^١) متفق عليه، البخاري (٤٦٣٣)، ومسلم (١٥٨١).\n(^٢) آداب الزفاف ص ١٠٣، ١٠٤.","vol":"1","page":461},{"text":"من الصورة كقطع نصفها الأسفل ونحوه لا يكفي ولا يبيح استعمالها، ولا يزول به المانع من دخول الملائكة، لأن النبي -ﷺ- أمر بهتك الصور ومحوها، وأخبر أنها تمنع من دخول الملائكة إلا ما امتهن منها، أو قطع رأسه، فمن ادعى مسوغًا لبقاء الصورة في البيت غير هذين الأمرين فعليه الدليل من كتاب الله أو سنة رسوله -﵊-.\nولأن النبي -ﷺ- أخبر أن الصورة إذا قطع رأسها كان باقيها كهيئة الشجرة. وذلك يدل على أن المسوغ لبقائها: خروجها عن شكل ذوات الأرواح ومشابهتها للجمادات. والصورة إذا قطع أسفلها وبقي رأسها لم تكن بهذه المثابة لبقاء الوجه وفيه من بديع الخلقة والتصوير ما ليس في بقية البدن، فلا يجوز قياس غيره عليه عند من عقل عن الله ورسوله مراده.\nوبذلك يتبيّن لطالب الحق أن تصوير الرأس وما يليه من الحيوان داخل في التحريم والمنع لأن الأحاديث الصحيحة المتقدمة تعمه، وليس لأحد أن يستثني من عمومها إلا ما استثناه الشارع\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-337>٧ - سبب امتناع الملائكة دخول بيت فيه صورة:</span>\nقال النووي -﵀-: \"قال العلماء سبب امتناعهم من بيت فيه صورة كونها معصية فاحشة وفيها مضاهاة لخلق الله تعالى وبعضها في صورة ما يعبد من دون الله تعالى وسبب امتناعهم من بيت فيه كلب لكثرة أكله النجاسات، ولأن بعضها يسمى شيطانًا كما جاء به الحديث والملائكة ضد الشياطين ولقبح رائحة الكلب والملائكة تكره الرائحة القبيحة ولأنها منهي عن اتخاذها فعوقب متخذها بحرمانه دخول الملائكة بيته وصلاتها فيه واستغفارها له وتبريكها عليه وفي بيته ودفعها\n_________\n(^١) الجواب المفيد ص ٢٦، ٢٧.","vol":"1","page":462},{"text":"أذى الشيطان وأما هؤلاء الملائكة الذين لا يدخلون بيتًا فيه كلب أو صورة فهم ملائكة يطوفون بالرحمة والتبريك والاستغفار وأما الحفظة فيدخلون في كل بيت ولا يفارقون بني آدم في كل حال لأنهم مأمورون باحصاء أعمالهم وكتابتها قال الخطابي: وإنما لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب أو صورة مما يحرم اقتناؤه من الكلاب والصور فأما ما ليس بحرام من كلب الصيد والزراعة والماشية والصورة التي تمتهن في البساط والوسادة وغيرهما فلا يمتنع دخول الملائكة بسببه وأشار القاضي إلى نحو ما قاله الخطابي والأظهر أنه عام في كل كلب وكل صورة وأنهم يمتنعون من الجميع لإطلاق الأحاديث ولأن الجرو الذي كان في بيت النبي -ﷺ- تحت السرير كان له فيه عذر ظاهر فإنه لم يعلم به ومع هذا امتنع جبريل -﵇- من دخول البيت وعلل بالجرو فلو كان العذر في وجود الصورة والكلب لا يمنعهم لم يمتنع جبريل -والله أعلم-\" (^١).\nفأما القرطبي فقال في المفهم: \"إنما لم تدخل الملائكة البيت الذي فيه الصورة لأن متخذها قد تشبه بالكفار لأنهم يتخذون الصور في بيوتهم ويعظمونها فكرهت الملائكة ذلك فلم تدخل بيته هجرًا له لذلك\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-338>٧٩ - التطير</span>\nانظر باب (الطيرة).\n_________\n(^١) المجموع ١٤/ ٨٤.\n(^٢) انظر: إعلان النكير ص ٤٠، ٤١.","vol":"1","page":463},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-339>٨٠ - تعظيم الله </span>*\nالإطراء - الغلو - حماية التوحيد - السجود - الذبح للسلطان\nالتعظيم من حيث هو عبادة حق الله وحده فلا يجوز أن يعظم مخلوقا كتعظيم الله أو يعطى من التعظيم ما لا يستحقه إلا الله -﷿- وكل طريق يفضي إلى ذلك فحرام وقد جاءت الشريعة بالنهي عن كل ما يفضي إلى الغلو في المخلوق سواء أكان نبيًا من الأنبياء أو مَلَكًا من الملائكة أو قبرًا أو غيره.\nوالقرآن والسنة دالتان ومبينتان لعظمة الله وكماله وأنه المتصف بصفات الكمال التي وصف بها نفسه في كتابه، ووصفه بها رسول الله -ﷺ-، وعلى كمال قدرته، وأنه هو المعبود وحده لا شريك له، دون كل ما سواه. وهذا باب عظيم واسع وسوف نختصر جهدنا والله المستعان.\n* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].\nقال العماد بن كثير -﵀-: \"يقول تعالى: ما قدر المشركون الله حق قدره، حين عبدوا معه غيره، وهو العظيم الذي لا أعظم منه، القادر على كل شيء، المالك لكل شيء، وكل شيء تحت قهره وقدرته\" (^١).\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ٧/ ١٢٨ - ١٩٥. تيسير العزيز الحميد ٧٥٣، ٦٦٦. فتح المجيد ٦١٣، ٥٤٢. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ٣٤٦، ٣٩٦. مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ١١١١، وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ٢٨٥ ط ٢ - ٣/ ٣٦٠. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٥٣. فتاوى الجنة الدائمة ١/ ١٤٥.\n(^١) تفسير ابن كثير للآية رقم (٦٧) من سورة الزمر.","vol":"1","page":464},{"text":"* الدليل من السنة: عَنْ عَبْدِ الله بن مسعود -﵁- قَالَ جَاءَ حَبْرٌ مِنْ الأَحْبَارِ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا نَجِدُ أَنَّ اللهَ يَجْعَلُ السَّمَاوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلَائِقِ عَلَى إِصْبَعٍ فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ. فَضَحِكَ النَّبِيُّ -ﷺ- حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الْحَبْرِ ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧] (^١).\nوفي رواية لمسلم: \"وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ فَيَقُولُ أَنَا المْلِكُ أَنَا الْمَلِكُ\" (^٢).\nوعن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَطْوِي اللهُ -﷿- السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدهِ الْيُمْنَى ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُون؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ ثُمَّ يَطْوِي الأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ (^٣) ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتكَبِّرُونَ؟ ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ \" (^٤).\nوروي عن ابن عباس قال: \"ما السماوات السبع والأرضون السبع في كف\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٨١١).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٧٨٦).\n(^٣) قال البيهقي: \"ذكر الشمال فيه تفرد به عمر بن حمزة عن سالم وقد روى هذا الحديث نافع وعبيد الله بن مقسم عن ابن عمر، لم يذكر فيه الشمال\" الأسماء والصفات ٢/ ٥٥.\nقلت: وفي الأحاديث الأخرى يذكر في مقابلها (بيده الأخرى) فالأخرى يعني اليد الثانية ولم يأت لها وصف في هذا الحديث هل هي يمين أو شمال. وجاء في أحاديث أخر أن (كلتا يديه يمين). قال ابن عثيمين: \"وعلى كلٍّ فإن يديه -سبحانه- اثنتان بلا شك، وكل واحدة غير الأخرى، إذا وصفنا اليد الأخرى بالشمال، فليس المراد أنها أقل قوة من اليد اليمني، بل كلتا يديه يمين\". [القول المفيد ٣/ ٢٩٧].\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٧٨٨).","vol":"1","page":465},{"text":"الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم\" (^١).\nوقال ابن جرير حدثني يونس أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: حدثني أبي قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس\".\nقال: وقال أبو ذر -﵁-: سمعت رسول الله -﵁- يقول: \"ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض\" (^٢).\nوعن ابن مسعود قال: \"بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام وبين كل سماء خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء. والله فوق العرش؛ لا يخفى عليه شيء من أعمالكم\" (^٣).\nوعن العباس بن عبد المطلب -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"هل تدرون كم بين السماء والأرض؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: بينهما مسيرة خمسمائة سنة، ومن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة، وكثف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة. وبين السماء السابعة والعرش بحر، بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، والله تعالى فوق ذلك، وليس يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم\" (^٤).\n_________\n(^١) تفسير ابن جرير الطبري (٢٤/ ٢٥) واحتج به شيخ الإسلام، انظر مجموع الفتاوى ١٦/ ٤٣٩.\n(^٢) تفسير ابن جرير ٣/ ١٢ قال القرطبي: أخرجه الآجري وأبو حاتم البستي في صحيح مسنده. والبيهقي وذكر أنه صحيح.\n(^٣) أخرجه الدارمي في الرد على بشر المريسي ص ١٠٥، وفي الرد على الجهمية ص ٢١، وابن خزيمة في التوحيد ص ١٠٥، ١٠٦، والطبراني في المعجم ٩/ ٢٢٨ رقم (٨٩٨٧)، وأبو الشيخ في العظمة (٢٧٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٨٦: رجاله رجال الصحيح.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد في المسند (١٧٧٠)، وأبو داود (٤٧٢٣)، والترمذي (٣٣٢٠)، وابن ماجه (١٩٣)، وابن خزيمة في التوحيد (١/ ٢٣٤) رقم (١٤٤).","vol":"1","page":466},{"text":"قال في التيسير بعد أن ذكر هذه الأحاديث: \"وهذه الأحاديث وما في معناها تدل على عظمة الله، وعظيم قدرته وعظم مخلوقاته، وقد تعرف -﷾- إلى عباده بصفاته، وعجائب مخلوقاته، وكلها تدل على كماله، وأنه هو المعبود وحده، لا شريك له في ربوبيته وإلهيته، وتدل على إثبات الصفات له على ما يليق بجلال الله وعظمته إثباتًا بلا تمثيل وتنزيهًا بلا تعطيل، وهذا هو الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وعليه سلف الأمة وأئمتها ومن تبعهم بإحسان، واقتفى أثرهم على الإسلام والإيمان\" (^١).\nوأنواع تعظيم غير الله والأسباب المفضية إليه كثيرة فإن التعظيم قد يكون بالقول وقد يكون بالفعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-340>أما التعظيم بالقول فمن مظاهره:</span>\n١ - المساواة بالله بالواو العاطفة في المشيئة. فقد قال قائل للنبي -ﷺ-: \"ما شاء الله وشئت فقال: أجعلتني واللهَ عدلًا بل ما شاء الله وحده\" (^٢). وقال -ﷺ-: \"لا تقولوا ما شاء اللهَ وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد\" (^٣).\n٢ - الإطراء فقد قال -ﷺ-: \"لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده فقولوا: عبد الله ورسوله\" (^٤).\nوفي حديث جويرية -﵂- لما قالت: وفينا نبيٌّ يعلم ما في غد، فقال النبي -ﷺ-: \"دعي هذه وقولي بالذي كنتِ تقولين\" (^٥).\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٧٥٩.\n(^٢) أخرجه أحمد (١٨٣٩) والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٨٢٥).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٢١١٨)، وأحمد (٢٠٩٧٠)، والدارمي (٢٧٤١) واللفظ له من حديث الطفيل بن سخبره.\n(^٤) أخرجه البخاري (٣٤٤٥).\n(^٥) أخرجه البخاري (٥١٤٧).","vol":"1","page":467},{"text":"٣ - قال -ﷺ-: \"لا يقولنّ أحدكم عبدي وأمتي\" (^١) وقس على ذلك.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-341> أما التعظيم بالفعل فمن مظاهره:</span>\n١ - لما خرج الرسول -ﷺ- متوكئًا على عصا قام الناس إليه فقال: \"لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضًا\" (^٢).\n٢ - السجود لغير الله فقد ثبت أن معاذ بن جبل لما قدم من الشام سجد للنبي -ﷺ-. قال: \"ما هذا يا معاذ؟ \" قال: أتيتُ الشامَ فوافقتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، فوددتُ في نفسي أن نفعل ذلك بك. فقال رسول الله -ﷺ-: \"فلا تفعلوا، فإني لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لغير الله؛ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها\"\" (^٣).\n٣ - فعل هيئة لا تصلح إلا لله كالركوع والانحناء وحلق الرأس للشيخ، وقد عدَّ ابنُ القيمِ من أنواع الشرك السجودُ لغير الله والركوعُ والانحناءُ، ثم قال: \"ومن أنواعه: حلق الرأس للشيخ. فإنه تعبد لغير الله، ولا يتعبد بحلق الرأس إلا في النسك لله خاصة\" (^٤).\n٤ - الذبح للسلطان. (انظر باب الذبح).\nوكل تعظيم لغير الله إذا كان على وجه العبادة فهو شرك كالحلف والنذر والذبح والطواف بالقبر والعكوف عنده فإن التعظيم حق الله -﷾- كما قال -﷿-: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٢٤٩).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٥٢٣٠)، وأحمد (٢٢٥٣٤).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (١٨٥٣).\n(^٤) مدارج السالكين ١/ ٣٧٤.","vol":"1","page":468},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-342>حكم الإحداد على الزعماء والوجهاء:</span>\nورد سؤال على اللجنة الدائمة هذا نصه:\n* السؤال: يذكر لنا أنه حصل في خبر الإذاعات أن هيئة الأمم المتحدة لما علمت بخبر موت رئيس دولة عضو في هيئة الأمم ظلّوا واقفين ساعة كاملة حزنا على المقتول، وفوق هذا أن جميع الدول الإسلامية سكَّرت أسواقها ونكست أعلامها مدة ثلاثة أيام. أما الدول المعنية فمدتها أربعون يومًا، وهذا مما يجب محاولة إزالته إذا كان الحديث ورد بالنهي عن النياحة على هذا الميت، فهذا مما هو شرّ منه، وهذا ليس حزنًا وإنما تعظيم. وإن كان حزنًا فليس بمشروع، وأنتم أعلم منا بذلك، كذلك هذه سنة اليهود؟\n* الجواب: \"ما يفعله بعض الناس من الوقوف زمنًا مع الصمت تحية للشهداء أو الوجهاء، أو تشريفًا أو تكريمًا لأرواحهم من المنكرات والبدع المحدثة التي لم تكن في عهد النبي -ﷺ- ولا في عهد أصحابه ولا السلف الصالح، ولا تتفق مع آداب التوحيد ولا إخلاص التعظيم لله، بل اتبع فيها بعض جهلة المسلمين بدينهم من ابتدعها من الكفار وقلدوهم في عاداتهم القبيحة وغلوّهم في رؤسائهم ووجهائهم أحياء وأمواتا، وقد نهى النبي -ﷺ- عن مشابهتهم. والذي عُرف في الإسلام من حقوق أهله الدعاء لأموات المسلمين، والصدقة عنهم، وذكر محاسنهم والكفّ عن مساويهم ... إلى كثير من الآداب التي بينها الإسلام وحث المسلم على مراعاتها مع إخوانه أحياءً وأمواتًا، وليس منها الوقوف حدادًا مع الصمت تحية للشهداء والوجهاء، بل هذا مما تأباه أصول الإسلام\" (^١).\nوقد صدرت فتوى لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز في حكم الإحداد على\n_________\n(^١) مستفاد من كتاب فتاوى إسلامية. جمع محمد المسند الجزء الثاني ص ٤٩، ٥٠.","vol":"1","page":469},{"text":"الملوك والزعماء. فقال -﵀-: \"وقد جاءت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله -ﷺ- تنهى عن الإحداد وتحذر منه إلا في حق الزوجة، فإنها تحد على زوجها أربعة أشهر وعشرًا كما جاءت الرخصة عنه -ﷺ- للمرأة خاصة أن تحد على قريبها ثلاثة أيام فأقل، أما ما سوى ذلك من الإحداد فهو ممنوع شرعًا، وليس في الشريعة الكاملة ما يجيزه على ملك أو زعيم أو غيرهما، وقد مات في حياة النبي -ﷺ- ابنه إبراهيم وبناته الثلاث وأعيان آخرون فلم يحدّ عليهم -ﷺ-. وقتل في زمانه أمراء جيش مؤتة زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله ابن رواحة -﵃- فلم يحد عليهم، ثم توفي النبي -ﷺ- وهو أشرف الخلق وأفضل الأنبياء وسيد ولد آدم، والمصيبة بموته أعظم المصائب، ولم يحدّ عليه الصحابة -﵃-، ثم مات أبو بكر الصديق -﵁- وهو أفضل الصحابة وأشرف الخلق بعد الأنبياء فلم يحدوا عليه، ثم قتل عمر وعثمان وعلي -﵃- وهم أفضل الخلق بعد الأنبياء وبعد أبي بكر الصديق فلم يحدوا عليهم.\nوهكذا مات الصحابة جميعًا فلم يحد عليهم التابعون، وهكذا مات أئمة الإسلام وأئمة الهدى من علماء التابعين ومن بعدهم؛ كسعيد بن المسيب وعلي ابن الحسين زين العابدين وابنه محمد بن علي وعمر بن عبد العزيز والزهري والإمام أبي حنيفة، وصاحبيه، والإمام مالك بن أنس والأوزاعي والثوري والإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة العلم والهدى فلم يحد عليهم المسلمون. ولو كان خيرًا لكان السلف الصالح إليه أسبق، والخير كله في اتباعهم والشر كله في مخالفتهم.\nوقد دلت سنة رسول الله -ﷺ- التي أسلفنا ذكرها على أن ما فعله سلفنا الصالح من ترك الإحداد على غير الأزواج هو الحق والصواب، وأن ما يفعله الناس اليوم من الإحداد على الملوك والزعماء أمر مخالف للشريعة المطهرة مع ما يترتب عليه","vol":"1","page":470},{"text":"من الأضرار الكثيرة وتعطيل المصالح والتشبه بأعداء الإسلام. وبذلك يعلم أن الواجب على قادة المسلمين وأعيانهم ترك هذا الإحداد والسير على نهج سلفنا الصالح من الصحابة ومن سلك سبيلهم، والواجب على أهل العلم تنبيه الناس على ذلك وإعلامهم به أداء لواجب النصيحة وتعاونًا على البر والتقوى.\nولما أوجب الله سبحانه من النصيحة لله ولكتابه ولرسوله -ﷺ- ولأئمة المسلمين وعامتهم رأيت تحرير هذه الكلمة الموجزة. وأسأل الله -﷿- أن يوفق قادة المسلمين وعامتهم لكل ما فيه رضاه والتمسك بشريعته والحذر مما خالفها، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا جميعًا إنه سميع الدعاء قريب الإجابة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وأصحابه\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-343> التحذير من التعظيم المحرم:</span>\nحذر العلماء من الغلو في الرسول -ﷺ- أو الأنبياء والملائكة أو القبور. ومن التعظيم المحرم الغلو في حق المخلوق كرفع النبي -ﷺ- فوق منزلته التي أنزله الله إياه ومن هذا قول البوصيري:\nفإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم\nفجعل الدنيا والآخرة من جود محمد -ﷺ- وادعى له علم الغيب الذي استأثر الله به سبحانه وهو علم اللوح والقلم. قال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"وكل ذلك كفر صريح. ومن العجب أن الشيطان أظهر لهم ذلك في صورة محبته -﵇- وتعظيمه ومتابعته، هذا شأن اللعين لا بد وأن يمزج الحق بالباطل ليروج على أشباه الأنعام اتباع كل ناعق، الذين لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن\n_________\n(^١) مجلة البحوث العدد الرابع من المجلد الأول عام ١٣٩٨ ص ٣١٠، ٣١١. فتاوى ابن باز ص ٧٣٩.","vol":"1","page":471},{"text":"وثيق، لأن هذا ليس بتعظيم، فإن التعظيم محله القلب واللسان والجوارح وهم أبعد الناس منه، فإن التعظيم بالقلب: ما يتبع اعتقاد كونه عبدا رسولا، من تقديم محبته على النفس والولد والوالد والناس أجمعين\" (^١).\nومما هو كفر صريح نداء الرسول -ﷺ- ودعاؤه والاستغاثة به قول البرعي:\nيا سيدي يا رسول الله يا أملي ... يا موئلي يا ملاذي يوم يلقاني\nهبني بجاهك ما قدمت من زلل ... جودا ورجح بفضل منك ميزاني\nواسمع دعائي واكشف ما يساورني ... من الخطوب ونَفِّس كل أحزاني\nفأنت أقرب من ترجى عواطفه ... عندي وإن بعدت داري وأوطاني\nإني دعوتك من \"نيابتي برع\" ... وأنت أسمع من يدعوه ذو شأن\nفامنع جنابي وأكرمني وصل نسبي ... برحمة وكرامات وغفران (^٢)\nومن مظاهر التعظيم الشركي تعظيم القبور والقباب والمشاهد قال الشيخ سليمان ابن عبد الله: \" ... فكثير منهم إذا رأوا القباب التي يقصدونها كشفوا الرؤوس فنزلوا عن الاكوار، فإذا أتوها طافوا بها واستلموا أركانها، وتمسحوا بها، وصلوا عندها ركعتين، وحلقوا عندها الرؤوس ووقفوا باكين متذللين متضرعين سائلين مطالبهم، وهذا هو الحج، وكثير منهم يسجدون لها إذا رأوها، ويعفرون وجوههم في التراب تعظيما لها، وخضوعا لمن فيها، فإن كان للإنسان منهم حاجة من شفاء مريض أو غير ذلك، نادى صاحب القبر، يا سيدي فلان جئتك قاصدًا من مكان بعيد، لا تخيبني، وكذلك إذا قحط المطر، أو عقرت المرأة عن الولد، أو دهمهم عدو أو جراد، فزعوا إلى صاحب القبر، وبكوا عنده فإن جرى المقدور بحصول شيء مما يريدون،\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ٣١٥.\n(^٢) تيسير العزيز الحميد ٢٢٧.","vol":"1","page":472},{"text":"استبشروا وفرحوا ونسبوا ذلك إلى صاحب القبر، فإن لم يتيسر شي من ذلك اعتذروا عن صاحب القبر بأنه إما غائب في مكان آخر، أو ساخط لبعض أعمالهم، أو أن اعتقادهم في الولي ضعيف، أو أنهم لم يعطوه نذره ونحو هذه الخرافات. ومن بعض أشعار المادحين لسيد المرسلين -ﷺ- قول البوصيري:\nيا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم\nولن يضيق رسول الله جاهك بي ... إذا الكريم تجلى باسم منتقم\nفإن لي ذمة منه بتسميتي ... محمدًا وهو أوفى الخلق بالذمم\nإن لم يكن في معادي آخذا بيدي ... فضلًا وإلا فقل يا زلة القدم\" (^١)\nوهذا غلو ظاهر ومن التعظيم أيضًا الوقوف مع الصمت تحية للشهداء والرؤساء فهذا زيادة على أنه تشبه بأعداء الإسلام فهو تعظيم لغبر الله وقيام لغيره وهذا كما قال ابن باز \"أمر مخالف للشريعة المطهرة\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-344>٨١ - تقبيل القبور والأعتاب للتبرك</span>\nانظر باب (التمسح وتقبيل القبور وغيره).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-345>٨٢ - التكذيب ببعض ما جاء به الرسول -ﷺ</span>-\nانظر باب (كفر الجحود والتكذيب).\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ٢٢٤.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن باز ص ٧٣٦.","vol":"1","page":473},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-346>٨٣ - التكفير </span>*\n[الكفر - عارض الجهل - الردة - النواقض]\nالتكفير من الكفر قال الراغب: \"يقال كفر فلان إذا اعتقد الكفر ويقال ذلك إذا أظهرالكفر وإن لم يعتقد ولذلك قال: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] ... ويقال: أكفره إكفارا إذا حكم بكفره\" (^١).\nوالمراد بالتكفير الحكم عليه بالكفر. وهذا الباب مرتبط بأبواب أخرى كباب (الردة)، وباب (عارض الجهل) فلتراجع في هذا الكتاب. وسوف نتناول في هذا الباب:\n١ - النصوص الواردة في التحذير من التكفير بغير دليل شرعي ولا علم.\n٢ - وجوب التفريق بين الإطلاق والتعيين.\n٣ - معرفة المخالفة فقد تكون صريحة في الكفر فيحكم بكفره، وقد تكون غير صريحة.\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ٤/ ٢٣٧ - ٢٤٠، ١٧/ ٢٢. الإبانة لابن بطة العكبري ص ٦٦٩، ٦٨٢، ٧٣١. أحكام القرآن القرطبي ٧/ ١٤١. الطحاوية ص ٢٦٢ طبعة أحمد شاكر. لوامع الأنوار للسفاريني ١/ ٤٠٣، ٤٣٠. الدرر السنية ١/ ١٠٠ - ٢٣٤، ٣٠٧، ٩/ ٢٩٠، ٤٠٤، ٤٢١، ٤٤٥، ١٠/ ٨، ٦٣، ٧٥، ٩٣، ١٢٩، ٣٥١ - ٣٦٨، ٤٠١، ٤١٥، ١٢/ ٧٣، ١٧٦، ٣٠٣. فتاوى اللجنة الدائمة ٢/ ٨٩. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٤/ ٥٥٢ الأجوبة النافعة عن المسائل الواقعة للسعدي ص ١٢٠ مجموع الفتاوى لابن باز ٢/ ٥٠٣. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٢/ ١٢١ - ٧/ ٤٢، ٤٦. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٢/ ٣٨١ - ٥/ ٣٦٣ الآثار الواردة في سير أعلام النبلاء د: جمال بن أحمد ص ٥٠٢، ٥١٠، ٥٣٠، ٥٣١، ٥٣٢، ٥٣٣. جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية ص ٥٥٩، ٥٣٠. الإمام المروزي وجهوده في توضيح العقيدة للنفيعي ص ٤٨٥، ٥٤٧. الجهل بمسائل الاعتقاد ص ٣٢، ٧١، ١٦٧ - ١٩٤.\n(^١) المفردات ص ٤٣٥.","vol":"1","page":474},{"text":"٤ - وجوب معرفة موانع التكفير ومنها:\nأ - العذر بالجهل. ... ب - الإكراه. ... ج- الخطأ. ... د - التأويل. ... هـ - العجز.\nثم نذكر بعض التنبيهات المهمة ومنها:\nالتنبيه الأول: معرفة العلاقة بين الظاهر والباطن.\nالتنبيه الثاني: اختلاف الحكم بين الدنيا والآخرة.\nالتنبيه الثالث: تكفير أهل القبلة لا يكون بالمعاصي.\nوفيها مسألتان:\n١ - تعريف الكبيرة. ... ٢ - حكم تكفير الجميع.\nالتنبيه الرابع: لا يلزم من قتال فئة من المسلمين تكفيرهم.\nالتنبيه الخامس: أن من يحكم في هذه الأمور هم العلماء والقضاة.\nالتنبيه السادس: الامتناع عن التكفير بإطلاق تعطيل للأحكام وإغلاق لباب الردة.\nالتنبيه السابع: التكفير ليس سببه التكذيب أو الجحود فقط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-347>١ - النصوص الواردة في التحذير من التكفير بغير دليل شرعي ولا علم:</span>\n* الدليل من السنة: عن أبي هريرة -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-: \"أيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا\" (^١).\nوعن عبد الله بن عمر -﵂- أن رسول الله -ﷺ- قال: \"أيما رجل كفر رجلا فأحدهما كافر\" (^٢).\nوعنه أيضًا قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"إذا قال الرجل لصاحبه: يا كافر، فإنها تجب على أحدهما، فإن كان الذي قيل له كافرًا فهو كافر، وإلا رجع إليه ما قال\" (^٣).\n_________\n(^١) أخر جه البخاري (٦١٠٣)\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٥٢٦٠).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٥٠٣٥) (٥٨٢٤).","vol":"1","page":475},{"text":"وعن أبي ذر -﵁- أنه سمع النبي -ﷺ- يقول: \"لا يرمي رجل رجلًا بالفسوق، ولا يرميه بالكفر، إلا ارتدت عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك\" (^١).\nولما أورد القاضي عياض فصلًا عن المكفرات القولية، قال في مطلع هذا الفصل: \"اعلم أن تحقيق هذا الفصل، وكشف اللبس فيه، مورده الشرع، ولا مجال للعقل فيه\" (^٢).\nقال شيخ الإسلام -﵀-: \"إن الكفر والفسق أحكام شرعية، ليس ذلك من الأحكام التي يستقل بها العقل. فالكافر من جعله الله ورسوله كافرا، والفاسق من جعله الله ورسوله فاسقًا، كما أن المؤمن من جعله الله ورسوله مؤمنا ومسلمًا، والعدل من جعله الله ورسوله عدلا، والمعصوم الدم من جعله الله ورسوله معصوم الدم، والسعيد في الآخرة من أخبر الله ورسوله عنه أنه سعيد في الآخرة، والشقي فيها من أخبر الله ورسوله عنه أنه شقي فيها ... والحلال ما حلله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله. فهذه المسائل كلها ثابتة بالشرع. وأما الأمور التي يستقل بها العقل فمثل الأمور الطبيعية، مثل كون هذا المرض ينفع فيه الدواء الفلاني، فإن مثل هذا يعلم بالتجربة والقياس وتقليد الأطباء الذين علموا ذلك بقياس أو تجربة\" (^٣).\nويقول ابن الوزير: \"إن التكفير سمعي محض لا مدخل للعقل فيه\" (^٤).\nويقول أيضًا: \"وأن الدليل على الكفر لا يكون إلا سمعيا قطعيا، ولا نزاع في ذلك\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٠٤٥)\n(^٢) الشفا ٢/ ١٠٦٥.\n(^٣) منهاج السنة ٥/ ٩٢، ٩٣.\n(^٤) العواصم من القواصم ٤/ ١٧٨.\n(^٥) العواصم من القواصم ٤/ ١٧٩.","vol":"1","page":476},{"text":"ويقول أبو حامد الغزالي: \"الكفر حكم شرعي كالرق والحرية مثلا، إذ معناه إباحة الدم والحكم بالخلود في النار، ومدركه شرعي فيدرك إما بنص وإما بقياس على منصوص\" (^١).\nقال شيخ الإسلام: \"هذا مع أني دائمًا، ومن جالسني يعلم ذلك مني، أني من أعظم الناس نهيًا عن أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرًا تارة، وفاسقًا أخرى، وعاصيا أخرى. وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وما زال يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية، والمسائل العملية، وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل، ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر ولا بفسق ولا بمعصية\" (^٢).\nقال ابن أبي العز الحنفي: \"وأما الشخص المعين، إذا قيل: هل تشهدون أنه من أهل الوعيد وأنه كافر؟ فهذا لا نشهد عليه إلا بأمر تجوز معه الشهادة، فإنه من أعظم البغي أن يشهد على معين أن الله لا يغفر له ولا يرحمه بل يخلده في النار، فإن هذا حكم الكافر بعد الموت\".\nثم قال: \"ولأن الشخص المعين يمكن أن يكون مجتهدا مخطئا مغفورا له، أو يمكن أن يكون ممن لم يبلغه ما وراء ذلك من النصوص، ويمكن أن يكون له إيمان عظيم، وحسنات أوجبت له رحمة الله، كما غفر للذي قال: إذا مت فاسحقوني ثم ذروني ثم غفر الله له لخشيته\" (^٣).\nوقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي -﵀-: \"الكفر حق الله ورسوله فلا\n_________\n(^١) فيصل التفرقة ص ١٢٨، وانظر: ص ١٤٦، ١٥٨.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٣/ ٢٢٩.\n(^٣) شرح العقيدة الطحاوية ص ٣٥٧، ٣٥٨.","vol":"1","page":477},{"text":"كافر إلا من كفره الله ورسوله\" (^١).\nوفي فتاوى اللجنة ما نصه: \"والواجب التثبت في هذه الأمور وعدم التعجل بالتكفير حتى يتضح الدليل\" (^٢).\nوقال الشيخ ابن عثيمين: \"وهذا هو المحذور الثاني أعني عود وصف الكفر عليه إن كان أخوه بريئًا منه، وهو محذور عظيم يوشك أن يقع به؛ لأن الغالب أن من تسرع بوصف المسلم بالكفر كان معجبا بعمله محتقرا لغيره فيكون جامعا بين الإعجاب بعمله الذي قد يؤدي إلى حبوطه، وبين الكبر الموجب لعذاب الله تعالى في النار كما جاء في الحديث الذي أخرجه أحمد وأبو داود عن أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: \"قال الله -﷿- الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار\"\" (^٣).\nفينبغي أن يُتنبه إلى عدم تكفير الأعيان إلا بعد اجتماع الشروط وانتفاء الموانع وهذه يقيمها من يصلح لإقامتها من أهل القضاء أو الفتيا. لا يقال في ذلك بالرأي ولا بالهوى وإنما يقال بعلم، فمن كفّر بغير علم يلحقه الوعيد المذكور ومن قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما وفيه أيضا مشابهة الخوارج لأن الخوارج كفروا بغير علم وفيه تعدي على الدليل من القرآن والسنة لأن إثبات الإيمان جاء بدليل فنفي الإيمان عن المعين لا بد فيه من دليل وإلا كان قولًا على الله بغير علم، فالغلو في التكفير أمره خطير والواجب على العبد أن يحترز من فلتات اللسان ويخاف من ذلك أشد الخوف فرب كلمة قالها العبد لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار سبعين خريفا.\n_________\n(^١) إرشاد أولي البصائر والألباب لنيل الفقه بأقرب الطرق وأيسر الأسباب ص ١٩٨.\n(^٢) اللجنة الدائمة فتوى رقم (٤٤٤٦).\n(^٣) شرح كشف الشبهات من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٧/ ٤٢، وانظر أيضًا ٢/ ١٣٤.","vol":"1","page":478},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-348>٢ - وجوب التفريق بين الإطلاق والتعيين:</span>\nالتكفير المطلق: هو الحكم بالكفر على القول أو الفعل أو الاعتقاد الذي ينافي أصل الإسلام ويناقضه، وعلى فاعليها على سبيل الإطلاق، بدون تحديد أحد بعينه، فيقال من قال كذا أو فعل كذا فهو كافر. فالتكفير العام كالوعيد العام يجب القول بإطلاقه وعمومه (^١).\nأما تكفير المعين: فهو الحكم على المعين بالكفر؛ لإتيانه بأمر يناقض الإسلام بعد اجتماع شروط التكفير فيه، وانتفاء موانعه.\nوهذا أصل عظيم وضابط مهم فإذا كان الفعل أو القول كفرا يطلق الكفر دون تعيين فيقال من فعل كذا فهو كافر ومن قال كذا فهو كافر وعليه فيقال: القول بخلق القرآن كفر، ولا يقال: نكفر كل من قال به، ويقال: إنكار الأسماء والصفات كفر، ولا يقال: نكفر كل من أنكر شيئًا من الأسماء والصفات؛ يكون عند من قال بهذ القول تأويلٌ أو شبهة، فالتكفير إخراج من الدين، والإخراج من الدين لا بد أن يبنى على اليقين، ولو كان تكفير المعين سائغًا دون النظر في الشروط والموانع لما نجا من الكفر إلا النزر اليسير من الأمة وهذا لم يعمله أحد من أئمة الإسلام فلا بد في حق المعين من رد الشبهة وتوضيح الأدلة. ولا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها.\nقال الهروي: \"سئل الأزهري عمن يقول بخلق القرآن: أتسميه كافرًا؟ فقال: الذي يقوله كفر، فأعيد عليه السؤال ثلاثًا ويقول مثل ما قال، ثم قال في الآخر: قد يقول المسلم كفرًا\" (^٢).\nقال ابن تيمية: \"إن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وإن\n_________\n(^١) انظر مجموع الفتاوى ١٢/ ٤٩٧، ٤٩٨.\n(^٢) النهاية في غريب الحديث (ك ف ر).","vol":"1","page":479},{"text":"تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين، إلا إذا وجدت الشروط، وانتفت الموانع، يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات، لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه\" (^١).\nويسوق ابن تيمية بعضًا من الأعذار الواردة على المعين، فيقول: \"وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها، قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون عنده، ولم تثبت عنده، أو لم يتمكن من فهمها، وقد يكون قد عرضت له شبهات يعذره الله بها، فمن كان من المؤمنين مجتهدا في طلب الحق وأخطأ، فإن الله يغفر له خطأه كائنا ما كان، سواء كان في المسائل النظرية، أو العملية، هذا الذي عليه أصحاب النبي -ﷺ-، وجماهير أئمة الإسلام\" (^٢).\nوقال -﵀- مبينا مذهب الإمام أحمد -﵀-: \"وإنما كان يكفر الجهمية المنكرين لأسماء الله وصفاته؛ لأن مناقضة أقوالهم لما جاء به الرسول -ﷺ- ظاهرة بينه ولأن حقيقة قولهم تعطيل الخالق، وكان قد ابتلي بهم حتى عرف حقيقة أمرهم، وأنه يدور على التعطيل، وتكفير الجهمية مشهور عن السلف والأئمة. لكن ما كان يكفر أعيانهم، فإن الذي يدعو إلى القول أعظم من الذي يقول به، والذي يعاقب مخالفه أعظم من الذي يدعو فقط، والذي يكفر مخالفه أعظم من الذي يعاقبه، ومع هذا فالذين كانوا من ولاة الأمور يقولون بقول الجهمية \"إن القرآن مخلوق، وإن الله لا يُرى في الآخرة وغير ذلك\"، ويدعون الناس إلى ذلك ويمتحنونهم ويعاقبونهم إذا لم يجيبوهم، ويكفرون من لم يجبهم ... ومع هذا فالإمام أحمد ترحم عليهم، واستغفر لهم، لعلمه بأنهم لم يُبَيَّن لهم أنهم مكذبون للرسول، ولا\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى الكيلانية ١٢/ ٤٨٧، ٤٨٨. انظر لمزيد من التفصيل: مجموع الفتاوى ٣/ ٣٥٤، ١٢/ ٤٩٨، ٢٨/ ٥٠٠، ٣٥/ ١٦٥.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٢٣/ ٣٤٦. وانظر أيضًا ٣/ ٢٣١.","vol":"1","page":480},{"text":"جاحدون لما جاء به، ولكن تأولوا فأخطئوا، وقلدوا من قال لهم ذلك\" (^١).\nوقال ابن تيمية -﵀-: \"ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين نفوا أن الله تعالى فوق العرش، لما وقعت محنتهم: أنا لو وافقتكم كنت كافرًا؛ لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال\" (^٢).\nويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: \"ومسألة تكفير المعين مسألة معروفة إذا قال قولا يكون القول به كفرا، فيقال من قال بهذا القول فهو كافر، ولكن الشخص المعين إذا قال ذلك، لا نحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها\" (^٣).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: \"فقد يكون الفعل أو المقالة كفرا ويطلق القول بتكفير من قال المقالة، أو فعل ذلك الفعل، ويقال: من قال كذا، فهو كافر، أو من فعل ذلك، فهو كافر لكن الشخص المعين الذي قال ذلك القول أو فعل ذلك الفعل لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها وهذا الأمر مطرد في نصوص الوعيد عند أهل السنة والجماعة، فلا يشهد على معين من أهل القبلة بأنه من أهل النار، لجواز أن لا يلحقه، لفوات شرط أو لثبوت مانع\" (^٤).\nوسئلت اللجنة الدائمة:\nهل من حق العلماء أن يقولوا على شخص ما إنه كافر ويتهموه بالكفر؟\nفأجابت بأن: \"تكفير غير المعين مشروع بأن يقال: من استغاث بغير الله فيما دفْعُه من اختصاص الله كافر، كمن استغاث بنبي من الأنبياء أو ولي من الأولياء أن يشفيه أو يشفي ولده مثلًا.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢٣/ ٣٤٨، ٣٤٩.\n(^٢) تلخيص كتاب الاستغاثة المعروف بالرد على البكري ٢/ ٤٩٤.\n(^٣) الدرر السنية ٨/ ٢٤٤.\n(^٤) مجموع الفتاوى ٣٥/ ١٦٥.","vol":"1","page":481},{"text":"وتكفير المعين إذا أنكر معلومًا من الدين بالضرورة كالصلاة أو الزكاة أو الصوم بعد البلاع واجب، وينصح، فإن تاب وإلا وجب على ولي الأمر قتله كفرا، ولو لم يشرع تكفيره المعين عندما يوجد منه ما يوجب كفره ما أقيم حد على مرتد عن الإسلام\" (^١).\nوقال الشيخ ابن عثيمين: \"وبهذا علم أن المقالة، أو الفعلة قد تكون كفرا، أو فسقا، ولا يلزم من ذلك أن يكون القائم بها كافرا أو فاسقا، إما لانتفاء شرط التكفير، أو التفسيق، أو وجود مانع شرعي يمنع منه\" (^٢).\nوهذا يختص به أهل القبلة أما المعين من اليهود والنصارى ومات على ذلك وقد سمع بالإسلام ولم يدخل فيه فيحكم عليه بالتعيين أنه من أهل النار.\n* تنبيه: في الفرق بين تكفير المعين ولعنه. انظر باب (لعن الكافر المعين).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-349>٣ - قبل الحكم بالتكفير يشترط أن يكون عالمًا بمخالفته التي أوجبت كفره</span>، كما أن مخالفته قد تكون صريحة في الكفر وقد تكون غير صريحة فيجب التحقق قبل تكفيره. أما إذا كان لازم مخالفته الكفر فرده وأنكره فإنه لا يُكَفَّر.\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"فالواجب قبل الحكم بالتكفير أن ينظر في أمرين:\nالأمر الأول: دلالة الكتاب والسنة على أن هذا مكفر لئلا يفتري على الله الكذب.\nالثاني: انطباق الحكم على الشخص المعين بحيث تتم شروط التكفير في حقه، وتنتفي الموانع.\nومن أهم الشروط أن يكون عالما بمخالفته التي أوجبت كفره لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى\n_________\n(^١) اللجنة الدائمة، السؤال الثاني من الفتوى رقم (٦١٠٩) برئاسة الشيخ عبد العزيز بن باز -﵀-.\n(^٢) القواعد المثلى للشيخ محمد بن صالح العثيمين ص ٩٢.","vol":"1","page":482},{"text":"وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].\nفاشترط للعقوبة بالنار أن تكون المشاقة للرسول من بعد أن يتبين الهدى له\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-350>٤ - يجب معرفة موانع التكفير ومنها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-351>١ - العذر بالجهل </span>وقد أفردنا له بابًا خاصًا تكلمنا فيه عن قيام الحجة وأن عدمها مانع من تكفير المعين، كما أوضحنا المراد من بلوغ الحجة وفهم الحجة وأن قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص كما ذكرنا أقوال أهل العلم في التفريق بين المسائل الواضحة والمسائل الدقيقة وأن الجهل لا يكون فيما هو معلوم من الدين بالضرورة فلتراجع هناك (¬<span data-type=\"title\" id=toc-352>٢).\n٢ - الإكراه:</span> ومعناه في اللغة: \"حمل الإنسان على أمر هو له كاره\" (^٣)، والكره بالضم: المشقة تحتملها من غير أن تكلَّفها (^٤).\nوفي الاصطلاح قال ابن حزم: \"هو كل ما سمي في اللغة إكراها، وعرف بالحس أنه إكراه، كالوعيد بالقتل ممن لا يؤمن منه إنفاذ ما توعد به، والوعيد بالضرب كذلك\" (^٥).\nوقال ابن عثيمين: \"ومن الموانع من التكفير أن يكره على المكفّر لقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦] \" (^٦).\n_________\n(^١) شرح كتاب الشبهات من مجموع الفتاوى ص ٤٢٥. وانظر أيضًا ٢/ ١٣٤ من مجموع الفتاوى لابن عثيمين.\n(^٢) انظر باب العذر بالجهل في المكفرات.\n(^٣) المفردات (ك ر هـ)، لسان العرب (ك ر هـ).\n(^٤) لسان العرب (ك ر هـ).\n(^٥) المحلى لابن حزم ٨/ ٣٣.\n(^٦) مجموع الفتاوى ٧/ ٤٣.","vol":"1","page":483},{"text":"وقال الشنقيطي -﵀-: \"وأما لهذه الأمة فقد صرح الله تعالى بعذرهم بالإكراه في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ \" (^١).\nوقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب -﵀- بعد أن ذكر النواقض العشرة: \"ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد والخائف إلا المكره وكلها من أعظم ما يكون خطرا وأكثر ما يكون وقوعا فينبغي للمسلم أن يحذرها ويخاف منها على نفسه\" (^٢).\nقال في الكافي: \"ولا تصح الردة من المكره لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ \" (^٣).\nفإذا كان مكرها على الكفر فإنه يمتنع التكفير في هذه الحالة ومن كان في حال الإكراه منشرح الصدر للكفر فهو كافر لأن انشراح الصدر بالكفر بعض أنواع الكفر.\n\n* تنبيه:\nاعلم أن انشراح الصدر بالكفر بعض أنواع الكفر وليست هي قاعدة الكفر إذ الكفر يكون بالعمل ويكون بالترك ويكون بالقول ويكون بالاعتقاد (^٤) دون انشراح الصدر به حال اختيار الكفر على الإيمان.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-354> تنبيه آخر:</span>\nورد عن النبي -ﷺ- أنه أوصى طائفة من أصحابه وقال: \"لا تشركوا بالله وإن قُطِّعتم وحُرّقتم\" (^٥)، وإن صحَّ فالمراد منه الشرك بالقلوب كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ\n_________\n(^١) أضواء البيان ٤/ ٧٣.\n(^٢) الدرر السنية ١٠/ ٩٣.\n(^٣) الكافي لابن قدامة ٤/ ١٥٦.\n(^٤) انظر: تفصيل ذلك في باب: \"الردة\".\n(^٥) وهذا الحديث أخرجه البخاري في الأدب المفرد وابن ماجه (٤٠٣٤) من حديث أبي الدرداء =","vol":"1","page":484},{"text":"مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦]، ولا خلاف بين العلماء في أن أفعال القلوب كالحب والبغض لا مجال للإكراه فيها، ولكن محل الإكراه أقوال وأفعال الجوارح (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-355> شروط الإكراه:</span>\nيكون الإكراه عذرا إذا تحققت المشقة وحُمِل على مالا يرضاه كأن يكون المكره عاجزا عن الدفع عن نفسه بالهرب أو الاستغاثة أو المقاومة ونحو ذلك ويغلب على ظنه وقوع الوعيد إن لم يفعل ما طلب منه أو يكون مما يستضر به ضررا شديدا كالقتل والضرب الشديد والقيد والحبس الطويلين، فأما الشتم والسب فليس بإكراه رواية واحدة، وكذلك أخذ المال اليسير، وهناك من يفرِّق بين الإكراه بالقول والإكراه بالفعل، والصواب أنه لا فرق بينهما ما دام أن الإكراه ملجئ لا اختيار له فيه (^٢).\nفتبين مما ذكرنا في مسائل الإكراه:\n١ - جواز قول كلمة الكفر والشرك للمكره.\n٢ - جواز فعل الكفر والشرك للمكره.\nوهذا على القول الراجح وهو عدم التفريق بين الأقوال والأفعال.\nولكن الأفضل الصبر على الابتلاء كما نقل ابن بطال الإجماع على ذلك حتى لو\n_________\n= والطبراني في الكبير كما في مجمع الزوائد ٤/ ٢١٦، ٢١٧ وفي سنده شهر بن حوشب وفيه ضعف وبعضهم حسن حديثه. وجاء من حديث عبادة بن الصامت ومعاذ بن جبل وأميمة مولاة النبي -ﷺ- وكل هذه الشواهد فيها كلام وعلة العموم الحديث بمجموع الشواهد قد يحسن.\n(^١) للاستزادة انظر: الدرر السنية ١٠/ ٤٢٠.\n(^٢) للاستزادة انظر: أسئلة وأجوبة في الإيمان والكفر للشيخ عبد العزيز الراجحي ص ٤٦.","vol":"1","page":485},{"text":"أكره على القتل (^١).\nوقال ابن العربي -﵀-: \"إن الكفر وإن كان بالإكراه جائزًا عند العلماء فإن مَنْ صبر على البلاء ولم يُفتتن حتى قُتل فإنه شهيد، ولا خلاف في ذلك، وعليه تدل آثار الشريعة\" (^٢).\nويتأكد الصبر في حق من يقتدى به كحال الإمام أحمد وقد سئل أحمد عن العالم وهل يأخذ بالتقية قال: \"إذا أجاب العالم تقية، والجاهل يجهل فمتى يتبين الحق\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-356>٣).\n\n٣ - الخطأ:</span>\nقال ابن رجب -﵀-: \"الخطأ هو أن يقصد بفعله شيئًا فيصادف فعله غير ما قصده\" (^٤).\nوقال الجرجاني: \"الخطأ وهو ما ليس للإنسان فيه قصد .. كما إذا رمى شخصًا ظنه صيدا أو حربيا فإذا هو مسلم ... \" (^٥).\nقال الراغب: \"وجملة الأمر أن من أراد شيئا فاتفق منه غيره يقال: أخطأ، وإن وقع منه كما أراده يقال: أصاب، وقد يقال لمن فعل فعلًا لا يحسن أو أراد إرادة لا تجمل: إنه أخطأ\" (^٦).\nومن الأدلة قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].\n_________\n(^١) فتح الباري ١٢/ ٣١٧.\n(^٢) أحكام القرآن ٣/ ١١٧٩.\n(^٣) انظر نواقض الإيمان للوهيبي ٢/ ١٩.\n(^٤) جامع العلوم والحكم ٣٥٢.\n(^٥) التعريفات ١٠٠.\n(^٦) المفردات (خ ط أ).","vol":"1","page":486},{"text":"وثبت في الحديث الصحيح أن الله سبحانه استجاب لهذا الدعاء فقال: \"قد فعلت\" (^١).\nقال ابن عثيمين: \"ومن الموانع أن يغلق عليه فكره وقصده بحيث لا يدري ما يقول لشدة فرح، أو حزن، أو غضب، أو خوف ونحو ذلك، لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥] \" (^٢).\nوعن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: \"لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ. أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ\" (^٣).\nومن الأحاديث في العذر بالخطأ حديث ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ الله وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتكْرِهُوا عَلَيْهِ\" (^٤).\nوذكر العلماء من الأدلة على الخطأ حديث الرجل من بني إسرائيل الذي شك في قدرة الله وسيأتي في باب \"العذر بالجه \" ويستدل به هنا في العذر بالخطأ كما يستدل به في العذر بالجهل.\nقال ابن الوزير: \"وهذا أرجى حديث لأهل الخطأ في التأويل\" (^٥).\n* والضابط في ذلك ما قاله شيخ الإسلام: \"فمن أخطأ في بعض مسائل الاعتقاد،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٢٦).\n(^٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٢/ ١٣٥.\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٧٤٧).\n(^٤) أخرجه ابن ماجه (٢٠٤٥).\n(^٥) إيثار الحق ص ٤٣٦.","vol":"1","page":487},{"text":"من أهل الإيمان بالله وبرسوله وباليوم الآخر والعمل الصالح، لم يكن أسوأ من هذا الرجل فيغفر الله خطاه، أو يعذبه إن كان منه تفريط في اتباع الحق على قدر دينه، وأما تكفير شخص علم إيمانه بمجرد الغلط في ذلك، فعظيم ... \" (^١).\nوقال -﵀-: \"وأما التكفير فالصواب أنه من اجتهد من أمة محمد -ﷺ-، وقصد الحق فأخطأ، لم يكفر بل يغفر له خطأه ومن تبين له ما جاء به الرسول، فشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، واتبع غير سبيل المؤمنين فهو كافر. ومن اتبع هواه، وقصر في طلب الحق، وتكلم بلا علم فهو عاص مذنب ثم قد يكون فاسقا، وقد تكون له حسنات ترجح على سيئاته\" (^٢).\nوقال شيخ الإسلام -﵀-: \"وأجمع الصحابة وسائر أئمة المسلمين على أنه ليس كل من قال قولا أخطأ فيه أنه يكفر بذلك، وإن كان قوله مخالفا للسنة، فتكفير كل مخطئ خلاف الإجماع\" (^٣).\n* تنبيه: يلاحظ ارتباط الخطأ بالجهل والتأويل لأن من جهل أو تأول أوقعه ذلك في الخطأ قال شيخ الإسلام: \"فالخطأ والنسيان هو من باب العلم يكون إما مع تعذر العلم عليه أو تعسره عليه\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-357>٤).\n\n٤ - التأويل:</span>\nالعذر بالتأويل داخل ضمن أقسام الخطأ لأنه عارض يطرأ في موانع التكفير.\nقال ابن عثيمين: \"ومن الموانع أيضا أن يكون له شبهة تأويل في الكفر بحيث يظن أنه على حق؛ لأن هذا لم يتعمد الإثم والمخالفة فيكون داخلًا في قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ\n_________\n(^١) الاستقامة ١/ ١٦٤، ١٦٥، وانظر: ٣/ ٢٣١ - ١٢/ ٤٩٠، وغيرها.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٢/ ١٨٠، وانظر ١٩/ ١٩٠، ١٩٢، ٣/ ٤٢٠.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٧/ ٦٨٥ وانظر ٢٠/ ٢٧، ٢٨ ومنهاج السنة ٥/ ٩٨.\n(^٤) الاستقامة ١/ ٢٨. انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٠/ ١٩، ٢٤، فتح الباري ١٣/ ٣١٩.","vol":"1","page":488},{"text":"عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾؛ ولأن هذا غاية جهده فيكون داخلا في قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] \" (^١).\nومن الأدلة في ذلك حديث حاطب بن أبي بلتعة -﵁- عندما أرسل برسالة مع الظعينة لأهل مكة قبل الفتح يخبرهم بتجهيز المسلمين إليهم فلم يكفره النبي -ﷺ-، وقدأنزل الله -﷿- فيه هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة: ١]. قال الإمام البخاري -﵀-: \"باب ما جاء في المتأولين\" (^٢) وذكر الحديث.\nوقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -﵀-: \"وقد أجمع المفسرون على أن هذه الآية نزلت في حاطب ابن أبي بلتعة، وقصة الرسالة مع الظعينة لأهل مكة قبل الفتح بإخبارهم بتجهيز المسلمين إليهم\" (^٣).\nقال ابن قدامة في مسألة العذر بالتأويل: \"وإن كان بتأويل كالخوارج، فقد ذكرنا أن أكثر الفقهاء لم يحكموا بكفرهم مع استحلالهم دماء المسلمين وأموالهم وفعلهم لذلك متقربين إلى الله تعالى\" (^٤)، ثم قال: \"وكذلك يخرج في كل محرم استحل بتأويل مثل هذا\" (^٥).\nوقال: \"وقد رُوي أن قدامة بن مظعون شرب الخمر مستحلا لها، فأقام عمر عليه الحد ولم يكفره، وكذلك أبو جندل بن سهيل، وجماعة معه، شربوا الخمر بالشام مستحلين لها، مستدلين بقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٢/ ١٣٦.\n(^٢) صحيح البخاري حديث رقم (٦٩٣٦).\n(^٣) أضواء البيان ٨/ ١٣٠.\n(^٤) المغني ٩/ ٢١.\n(^٥) المصدر نفسه.","vol":"1","page":489},{"text":"الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] فلم يكفروا، وعرفوا تحريمها فتابوا، وأقيم عليهم الحد، فيخرج فيمن كان مثلهم مثل حكمهم\" (^١).\nوذكر شيخ الإسلام -﵀- أمثلةً على وقوع الخطأ في التأويل فقال: \"وذلك كالمتأولين في تناول المسكر من صالحي أهل الكوفة ومن اتبعهم على ذلك، وإن كان المشروب خمرا لا يشك في ذلك من اطلع على أقوال النبي -ﷺ- وأقوال الصحابة، وكذلك المتأولون للمتعة والصرف من أهل مكة، متبعين لما كان يقوله ابن عباس -وإن كان قد رجع عن ذلك، أو زادوا عليه- إذ لا يشك في ذلك، وأنه من أنواع الربا المحرم والنكاح المحرم، من اطَّلع على نصوص النبي -ﷺ- وكذلك المتأولون في بعض الأطعمة والحشوش من أهل المدينة، وإن كان لا يشك في تحريم ذلك من اطلع على نصوص النبي -ﷺ- وأصحابه، وكذلك ما دخل من السابقين والتابعين من القتال في الفتنة والبغي بالتأويل، مع ما عُلِم في ذلك من نصوص الكتاب والسنة من ترك القتال، والصلح. فما تأول فيه قوم من ذوي العلم والدين من مطعوم أو مشروب أو منكوح، أو مملوك، أو مما قد علم أن الله قد حرمه ورسوله لم يجز اتباعهم في ذلك -مغفورا لهم- وإن كانو خيار المسلمين، والله قد غفر لهذه الأمة الخطأ والنسيان، كما دل عليه الكتاب والسنة، وهو سبحانه يمحو السيئات بالحسنات، ويقبل التوبه عن عباده، ويعفو عن السيئات\" (^٢).\nوقال شيخ الإسلام: \"وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل، ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر، ولا بفسق، ولا معصية كما أنكر شريح قراءة من قرأ ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾. وقال: إن الله لا يعجب، فبلغ ذلك إبراهيم النخعي\n_________\n(^١) المغني ٩/ ٢٢.\n(^٢) الاستقامة ١/ ٢٩٨، ٢٩٩.","vol":"1","page":490},{"text":"فقال إنما شريح شاعر يعجبه علمه. كان عبد الله أعلم منه، وكان يقرأ ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾. وكما نازعت عائشة وغيرها من الصحابة في رؤية محمد -ﷺ- ربه. وقالت: من زعم أن محمد قد رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، ومع هذا لا نقول لابن عباس ونحوه من المنازعين لها: أنه مفتر على الله. وكما نازعت في سماع الميت كلام الحي، وفي تعذيب الميت ببكاء أهله، وغير ذلك. وقد آل الشر بين السلف إلى الاقتتال مع اتفاق أهل السنة على أن الطائفتين جميعًا مؤمنتان؛ وأن الاقتتال لا يمنع العدالة الثابتة لهم؛ لأن المقاتل وإن كان باغيا، فهو متأول، والتأويل يمنع الفسوق\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-358> أما التأويل عند أهل البدع:</span>\nفقال شيخ الإسلام في معرض كلامه عن أهل البدع: \"وإن كان هؤلاء لهم من الإيمان نصيب وافر من اتباع السنة، لكن فيهم من النفاق بحسب ما تقدموا فيه بين يدي الله ورسوله، وخالفوا الله ورسوله، ثم إن لم يعلموا أن ذلك يخالف الرسول، ولو علموا لما قالوه لم يكونوا منافقين، بل ناقصي الإيمان مبتدعين، وخطؤهم مغفور لهم لا يعاقبون عليه وإن نقصوا به\" (^٢).\nوفي فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وكانت البدع الأولى مثل بدعة الخوارج إنما هي من سوء فهمهم للقرآن، لم يقصدوا معارضته، ولكن فهموا منه ما لم يدل عليه، فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب\" (^٣).\nوقال: \"فإن الخوارج خالفوا السنة التي أمر القرآن باتباعها، وكفروا المؤمنين الذين أمر القرآن بموالاتهم .. وصاروا يتابعون المتشابه من القرآن فيتأولونه على\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٣/ ٢٢٩، ٢٣٠.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٣/ ٦٣.\n(^٣) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٠.","vol":"1","page":491},{"text":"غير تأويله من غير معرفة منهم بمعناه ولا رسوخ في العلم، ولا اتباع للسنة، ولا مراجعة الجماعة المسلمين الذين يفهمون القرآن\" (^١).\nوقال -﵀-: \"وإذا كان المسلم متأولا في القتال، أو التكفير لم يكفر بذلك\" (^٢).\nوقال -﵀-: \"فالمتأول والجاهل والمعذور ليس حكمه حكم المعاند والفاجر بل قد جعل الله لكل شيء قدرًا\" (^٣).\nومن هذا يتبين أن المسألة إذا كانت من المسائل التي لا مجال فيها للتأويل فهو لا يعذر فيها لظهور الأدلة فيها لكن إذا كانت مسألة قابلة وموارد اللغة فيها قد تشتبه فهو معذور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-359>٥ - العجز:</span>\nوهو داخل في قول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧]، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ [النساء: ٩٨ - ٩٩]، وهذا يصدق في كل عاجز عن أداء ما أوجبه الله عليه فهو معذور لعجزه وقد قرر شيخ الإسلام -﵀- أن العاجزين عن إقامة الدين يسقط عنهم ما عجزوا عنه فقال -﵀-: \"وقد كان بمكة جماعة من المؤمنين يستخفون بإيمانهم وهم عاجزون عن الهجرة قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٣/ ٢١٠.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٣/ ٢٨٣.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٣/ ٢٨٨.","vol":"1","page":492},{"text":"مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ فعذر سبحانه المستضعف العاجز عن الهجرة وقال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥)﴾ [النساء: ٧٥]، فأولئك كانوا عاجزين عن إقامة دينهم فقد سقط عنهم ما عجزوا عنه فإذا كان هذا فيمن كان مشركًا وآمن فما الظن بمن كان من أهل الكتاب وآمن\" (^١).\nوقال شيخ الإسلام -﵀-: \"فمن ترك بعض الإيمان الواجب لعجزه عنه إما لعدم تمكنه من العلم مثل أن لا تبلغه الرسالة أو لعدم تمكنه من العمل لم يكن مأمورا بما يعجز عنه ولم يكن ذلك من الإيمان والدين الواجب في حقه وإن كان من الدين والإيمان الواجب في الأصل بمنزلة صلاة المريض والخائف والمستحاضة وسائر أهل الأعذار الذين يعجزون عن إتمام الصلاة فإن صلاتهم صحيحة بحسب ما قدروا عليه وبه أمروا إذ ذاك وإن كانت صلاة القادر على الإتمام أكمل وأفضل كما قال النبي -ﷺ-: \"المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير\" رواه مسلم عن أبي هريرة في حديث حسن السياق، وقوله -ﷺ-: \"صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم وصلاة النائم على النصف من صلاة القاعد\"، ولو أمكنه العلم به دون العمل لوجب الإيمان به علما واعتقادا دون العمل\" (^٢).\nومن الأمثلة على ذلك ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- حيث قال:\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٩/ ٢٢٢.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٢/ ٤٧٨، ٤٧٩.","vol":"1","page":493},{"text":"\"وكذلك الكفار من بلغته دعوة النبي -ﷺ- في دار الكفر وعلم أنه رسول الله فآمن به وآمن بما أنزل عليه واتقى الله ما استطاع كما فعل النجاشي وغيره ولم يمكنه الهجرة إلى دار الإسلام، ولا التزام جميع شرائع الإسلام لكونه ممنوعًا من الهجرة وممنوعًا من إظهار دينه، وليس عنده من يعلِّمه جميع شرائع الإسلام فهذا مؤمن من أهل الجنة كما كان مؤمن آل فرعون مع قوم فرعون، وكما كانت امرأة فرعون، بل وكما كان يوسف الصديق -﵇- مع أهل مصر، فإنهم كانوا كفارًا ولم يكن يمكنه أن يفعل معهم كل ما يعرفه من دين الإسلام فإنه دعاهم إلى التوحيد والإيمان فلم يجييوه قال تعالى عن مؤمن آل فرعون: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [غافر: ٣٤]، وكذلك النجاشي هو وإن كان ملك النصارى فلم يطعه قومه في الدخول في الإسلام بل إنما دخل معه نفر منهم، ولهذا لما مات لم يكن هناك من يصلي عليه فصلى عليه النبي -ﷺ- بالمدينة خرج بالمسلمين إلى المصلى فصفهم صفوفًا وصلى عليه وأخبرهم بموته يوم مات وقال: \"إن أخا لكم صالحًا من أهل الحبشة مات\" وكثير من شرائع الإسلام أو أكثرها لم يكن دخل فيها لعجزه عن ذلك فلم يهاجر ولم يجاهد ولا حج البيت، بل قد روي أنه لم يكن يصلي الصلوات الخمس ولا يصوم شهر رمضان ولا يؤدي الزكاة الشرعية لأن ذلك كان يظهر عند قومه فينكرونه عليه، وهو لا يمكنه مخالفتهم ... فالنجاشي وأمثاله سعداء في الجنة وإن كانوا لم يلتزموا من شرائع الإسلام ما لا يقدرون على التزامه بل كانوا يحكمون بالأحكام التي يمكنهم الحكم بها ولهذا جعل الله هؤلاء من أهل الكتاب، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ","vol":"1","page":494},{"text":"عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩)﴾ [آل عمران: ١٩٩] وهذه الآية قد قال طائفة من السلف إنها نزلت في النجاشي ويروى هذا عن جابر ابن عباس وأنس ومنهم من قال فيه وفي أصحابه كما قال الحسن وقتادة\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-360> تنبيهات:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-361>التنبيه الأول: معرفة العلاقة بين الظاهر والباطن:</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: \" ... فهذا أصل ينبغي معرفته فإنه مهم في هذا الباب، فإن كثيرًا ممن تكلم في \"مسائل الإيمان والكفر\" -لتكفير أهل الأهواء- لم يلحظوا هذا الباب، ولم يميزوا بين الحكم الظاهر والباطن، مع أن الفرق بين هذا وهذا ثابت بالنصوص المتواترة، والإجماع المعلوم، بل هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام ومن تدبر هذا علم أن كثيرًا من أهل الأهواء والبدع قد يكون مؤمنًا مخطئًا جاهلًا ضالًا عن بعض ما جاء به الرسول -ﷺ-، وقد يكون منافقًا يظهر خلاف ما يبطن\" (^٢).\nومذهب أهل السنة في الحكم على الناس مبني على الظاهر هذا هو الأصل، وقد يكون بين الظاهر والباطن تلازم فيحكم عليه بالكفر ظاهرًا باطنًا، وقد يكون كافرًا في الظاهر دون الباطن كحال المكرَه، وقد يكون مؤمنًا ظاهرًا وكافرًا باطنًا، وتفصيل ذلك فيما يلي:\n١ - الكفر الباطن دون الظاهر كحال المنافق، وهذا يعامل على الظاهر كسائر المسلمين إلا إذا أظهر نفاقه، قال الإمام ابن تيمية: \"إذا أظهر المنافق من ترك الواجبات وفعل المحرمات ما يستحق عليه العقوبة عُوقب على الظاهر ولا يعاقب\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية ٥/ ١١٢ - ١١٤.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٧/ ٤٧١.","vol":"1","page":495},{"text":"على ما يعلم من باطنه بلا حجة ظاهرة\" (^١).\nومن أدلة الحكم على الظاهر قول الرسول -ﷺ-: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله\" (^٢)، وآخر الحديث هو وجه الشاهد حيث قال: \"وحسابهم على الله\".\nقال ابن رجب: \"وأما في الأخرة فحسابه على الله -﷾-، فإن كان صادقًا أدخله الله بذلك الجنة، وإن كان كاذبًا فإنه من جملة المنافقين في الدرك الأسفل من النار\" (^٣).\nوقال الحافظ في الفتح: \"أي أمر سرائرهم .. وفيه دليل على قبول الأعمال الظاهرة والحكم بما يقتضيه الظاهر\" (^٤).\nوقال الإمام البغوي: \"وفي الحديث دليل على أن أمور الناس في معاملة بعضهم بعضا إنما تجري على الظاهر من أحوالهم دون باطنها، وأن من أظهر شعار الدين أجري عليه حكمه، ولم يكشف عن باطن أمره، ولو وجد مختون فيما بين قتلى غلف، عزل عنهم في المدفن، ولو وجد لقيط في بلد المسلمين حكم بإسلامه\" (^٥).\nومن الأدلة على أن الحكم متعلق بالظاهر قصة أسامة -﵁- حيث قال: بعثنا رسول الله -ﷺ- في سرية فصبَّحنا الحُرُقات من جهينة فأدركت رجلًا فقال: لا إله إلا الله. فطعنتُه، فوقع في نفسي من ذلك فذكرته للنبي -ﷺ-، فقال رسول الله -ﷺ-: \"أقال لا إله إلا الله وقتلته؟ \" قال: قلت: يا رسول الله، إنما قالها خوفًا من السلاح قال:\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٧/ ٦٢٠.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢).\n(^٣) جامع العلوم والحكم ص ٨٣.\n(^٤) فتح الباري ١/ ٧٧، وانظر شرح النووي ١/ ٢١٢، وجامع العلوم والحكم ٨٣.\n(^٥) شرح السنة ١/ ٧٠.","vol":"1","page":496},{"text":"\"أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟ \"، فما زال يكررها عليّ حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ\" (^١).\nقال النووي -﵀-: \"وقوله -ﷺ-: \"أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟ \" الفاعل في قوله أقالها هو القلب، ومعناه أنك إنما كلفت بالعمل بالظاهر وما ينطق به اللسان، وأما القلب فليس لك طريق إلى معرفة ما فيه فأنكر عليه امتناعه من العمل بما ظهر باللسان، وقال أفلا شققت عن قلبه لتنظر، هل قالها القلب واعتقدها وكانت فيه أم لم تكن فيه بل جرت على اللسان فحسب، يعني وأنت لست بقادر على هذا فاقتصر على اللسان فحسب ولا تطلب غيره\" (^٢).\nوقال -﵀- في تعليقه على قوله -ﷺ-: \"أفلا شققت عن قلبه؟ \": \"وفيه دليل على القاعدة المعروفة في الفقه والأصول أن الأحكام فيها بالظاهر والله يتولى السرائر\" (^٣).\nقال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -﵀-: \"فأما حديث أسامة فإنه قتل رجلًا ادَّعى الإسلام لسبب أنه ظن أنه ما ادعاه إلا خوفًا على دمه وماله والرجل إذا أظهر الإسلام وجب الكف عنه حتى يتبيَّن منه ما يخالف ذلك، وأنزل الله في ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء: ٩٤] أي: فتثبتوا، فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه والتثبت، فإذا تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام قتل لقوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾، ولو كان لا يقتل إذا قالها لم يكن للتثبيت معنى، إلى أن يقول: وإن من أظهر التوحيد والإسلام وجب الكف عنه إلى أن يتبين منه ما يناقض ذلك\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٢٦٩)، (٦٨٧٢)، ومسلم (٩٦) واللفظ له.\n(^٢) مسلم بشرح النووي ٢/ ١٠٤.\n(^٣) مسلم بشرح النووي ٢/ ١٠٧.\n(^٤) كشف الشبهات ص ٤٩.","vol":"1","page":497},{"text":"ويقول الإمام الشاطبي -﵀-: \"إن أصل الحكم بالظاهر مقطوع به في الأحكام خصوصًا، وبالنسبة إلى الاعتقاد في الغير عموما، فإن سيد البشر مع إعلامه بالوحي يجري الأمور على ظاهرها في المنافقين وغيرهم، وإن علم بواطن أحوالهم، ولم يكن ذلك بمخرجه عن جريان الظاهر على ما جرت عليه. لا يقال: إنما كان ذلك من قبيل ما قال: \"خوفًا من أن يقول الناس أن محمدًا يقتل أصحابه\" فالعلة أمر آخر لا ما زعمت، فإذا عدم ما علل به فلا حرج. لأنا نقول: هذا أدل الدليل على ما تقرر، لأن فتح هذا الباب يؤدي إلى أن لا يحفظ ترتيب الظواهر فإن من وجب عليه القتل بسبب ظاهر، فالعذر فيه ظاهر واضح، ومن طلب قتله بغير سبب ظاهر بل بمجرد أمر غيبي ربما شوش الخواطر وران على الظواهر، وقد فهم من الشرع سد هذا الباب جملة ألا ترى إلى باب الدعاوي المستند إلى أن: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر)، ولم يستثن من ذلك أحدا حتى أن رسول الله -ﷺ- احتاج في ذلك إلى البينة، فقال من يشهد لي؟ حتى شهد له خزيمة بن ثابت فجعلها الله شهادتين فما ظنك بآحاد الأمة، فلو ادعى أكذب الناس على أصلح الناس لكانت البينة على المدعي، واليمين على من أنكر وهذا من ذلك والنمط واحد، فالاعتبارات الغيبية مهملة بحسب الأوامر والنواهي الشرعية\" (^١).\nومن الأحاديث في هذا الباب حديث جارية معاوية بن الحكم السلمي لما سأل رسول الله -ﷺ-: أفلا أعتقها؟ قال: \"إئتني بها\"، فأتيته بها فقال لها: \"أين الله؟ \". قالت: في السماء، قال: \"من أنا؟ \" قالت: أنت رسول الله. قال: \"أعتقها فإنها مؤمنة\" (^٢).\nقال شيخ الإسلام في تعليقه على هذا الحديث \" ... فإن الإيمان الذي علقت به أحكام الدنيا، هو الإيمان الظاهر وهو الإسلام، فالمسمى واحد في الأحكام\n_________\n(^١) الموافقات للشاطبي ٢/ ٢٧١، ٢٧٢.\n(^٢) أخرجه مسلم كتاب المساجد، باب تحريم الكلام في الصلاة رقم ٥٣٧.","vol":"1","page":498},{"text":"الظاهرة، ولهذا لما ذكر الأثرم لأحمد احتجاج المرجئة بقول النبي -ﷺ-: \"أعتقها فإنها مؤمنة\". أجابه بأن المراد حكمها في الدنيا حكم المؤمنة، لم يرد أنها مؤمنة عند الله تستحق دخول الجنة بلا نار إذا لقيته بمجرد هذا الإقرار\" (^١)؛ لأن الإيمان الظاهر الذي تجري عليه الأحكام في الدنيا لا يستلزم الإيمان في الباطن الذي يكون صاحبه من أهل السعادة في الآخرة\" (^٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"إن الإنكار إنما يقع على ما أنكرته الشريعة، وقد قال رسول الله -ﷺ-: \"إني لم أُومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أن أشق بطونهم\". وقد قال عمر بن الخطاب -﵁-: \"من أظهر لنا خيرًا أحببناه وواليناه عليه وإن كانت سريرته بخلاف ذلك، ومن أظهر لنا شرًا أبغضناه عليه وإن زعم أن سريرته صالحة\"\" (^٣).\nوقال -﵀-: \"فإن كون الرجل مسلمًا في الظاهر لا يمنع أن يكون منافقًا في الباطن، فإن المنافقين كلهم مسلمون في الظاهر، والقرآن قد بيَّن صفاتهم وأحكامهم، وإذا كانوا موجودين على عهد رسول الله -ﷺ- وفي عزة الإسلام مع ظهور أعلام النبوة ونور الرسالة فهم مع بعدهم عنهما أشد وجودًا لا سيما وسبب النفاق هو سبب الكفر وهو المعارض لما جاءت به الرسل\" (^٤).\nوقال أيضًا: \"يجب أن يفرق بين أحكام المؤمنين الظاهرة التي يحكم فيها الناس في الدنيا، وبين حكمهم في الآخرة بالثواب والعقاب، فالمؤمن المستحق للجنة لا بد أن يكون مؤمنًا في الباطن باتفاق جميع أهل القبلة\" (^٥).\n_________\n(^١) الإيمان ص ٣٩٨، وانظر ص ٢٠١، ٢٠٢، ٢٤٣.\n(^٢) نفس المصدر ص ١٩٧.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٢٣/ ١٧٤، ١٧٥، ١٧٦.\n(^٤) مجموع الفتاوى ٢/ ٢٠١.\n(^٥) الإيمان ص ٢٠٣.","vol":"1","page":499},{"text":"٢ - الكفر ظاهرًا وباطنًا ومن ذلك سابُّ الله والرسول فإنه كافر ظاهرًا وباطنًا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"إن سبَّ الله أو سبَّ رسوله كفر ظاهرًا وباطنًا، سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم أو كان مستحلًا له، أو كان ذاهلا عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء، وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل\" (^١).\nويقول الشيخ عبد العزيز الراجحي حفظه الله: \"من عمل كفرًا وحكم عليه بالكفر فإنه يُكفَّر ظاهرًا وباطنًا ويحكم عليه بالخلود في النار، ولكن لا بد من قيام الحجة عليه.\nوهذا الكلام لا نقوله من كيسنا وإنما هو من كلام الله وكلام رسوله -ﷺ-، من كفّره الله وكفّره رسوله كفرًا أكبر فهو كافر وهو مخلّد في النار؛ لأن الله حكم على الكافرين بالخلود في النار، فالله تعالى هو الذي كفّرهم وهو الذي حكم عليهم بالخلود\" (^٢).\n٣ - قد يكون الفعل كفرًا لكن صاحبه يجهل أو يخطئ في التأويل فلا يكون كافرًا إلا بثبوت الشروط وانتفاء الموانع، فلا بد من قيام الحجة عليه، وذكر العلماء من الأدلة على الخطأ حديث الرجل من بني إسرائيل الذي شك في قدرة الله، وسيأتي في باب \"العذر بالجهل\" ويستدل به هنا في الفعل الذي هو كفر لكن لا يكون القصد بالفعل مطابقًا للفعل.\nقال ابن الوزير -﵀- في تعليقه على حديث: \"إذا أنا مِتُّ فأحرقوني ثم اطحنوني ثم ذرُّوني في الريح، فوالله لئن قدر عليَّ ربي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا\". قال: \" ... وإنما أدركته الرحمة لجهله وإيمانه بالله والمعاد ولذلك خاف العقاب، وأما بهله بقدرة الله تعالى على ما ظنه محالًا فلا يكون كفرًا إلا لو علم أن الأنبياء جاءوا\n_________\n(^١) الصارم المسلول ص ٥١٢. تحقيق محيي الدين عبد الحميد.\n(^٢) أسئلة وأجوبة في الإيمان والكفر ص ٥٤.","vol":"1","page":500},{"text":"بذلك وأنه ممكن مقدور ثم كذبهم أو أحدًا منهم لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وهذا أرجى لأهل الخطأ في التأويل\" (^١).\nقال شيخ الإسلام: \"فمن أخطأ في بعض مسائل الاعتقاد من أهل الإيمان بالله وبرسوله وباليوم الآخر والعمل الصالح، لم يكن أسوأ حالًا من هذا الرجل فيغفر الله خطأه، أو يعذبه إن كان منه تفريط في اتباع الحق على قدر دينه، وأما تكفير شخص علم إيمانه بمجرد الغلط في ذلك، فعظيم ... \" (^٢).\nوقال -﵀-: \"وأجمع الصحابة وسائر أئمة المسلمين على أنه ليس كل من قال قولًا أخطأ فيه أنه يكفر بذلك، وإن كان قوله مخالفًا للسنة، فتكفير كل مخطئ خلاف الإجماع\" (^٣).\nوقد علق شيخ الإسلام على الحديث السابق بقوله: \"فهذا رجلٌ شك في قدرة الله تعالى، وفي إعادته إذا ذرِّي، بل اعتقد أنه لا يُعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلًا لا يعلم ذلك، وكان مؤمنًا يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك\" (^٤).\nوقال أيضًا: \"فهذا الرجل ظن أن الله لا يقدر عليه إذا تفرق هذا التفرق، فظن أنه لا يعيده إذا صار كذلك، وكل واحد من إنكار قدرة الله تعالى، وإنكار معاد الأبدان وإن تفرقت كفر، لكنه كان مع إيمانه بالله وإيمانه بأمره وخشيته منه جاهلًا بذلك، ضالًا في هذا الظن مخطئًا، فغفر الله له ذلك، والحديث صريح في أن الرجل طمع أن لا يعيده إذا فعل ذلك، وأدنى هذا أن يكون شاكًّا في المعاد، وذلك\n_________\n(^١) إيثار الحق ص ٤٣٥، ٤٣٦.\n(^٢) الاستقامة ١/ ١٦٥.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٧/ ٦٨٥، ٢٠/ ٢٧، ٢٨، ومنهاج السنة ٥/ ٩٨.\n(^٤) مجموع الفتاوى ٣/ ٢٣١.","vol":"1","page":501},{"text":"كفر إذا قامت حجة النبوة على منكره حكم بكفره .. \" (^١).\nوقال الإمام ابن القيم -﵀- في معرض حديثه عن حكم من جحد فرضًا من فرائض الإسلام: \" ... وأما من جحد ذلك جهلًا، أو تأويلًا يعذر فيه صاحبه فلا يكفر صاحبه به، كحديث الذي جحد قدرة الله عليه، وأمر أهلَه أن يحرقوه ويذرّوه في الريح، ومع هذا فقد غفر الله له، ورحمه لجهله، إذ كان ذلك الذي فعله مبلغ علمه ولم يجحد قدرة الله على إعادته عنادًا وتكذيبًا\" (^٢).\nومن الأدلة قول عائشة -﵂- للنبي -ﷺ-: مهما يكتم الناس يعلمه الله؟ وكذلك سؤال الحواريين لعيسى بقولهم: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٢]، هو داخل في هذا الباب ودل عليه قولهم: ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ١١٣].\nوقد تقدم في أول الباب جملة من كلام العلماء في العذر بالتأويل قال الإمام ابن تيمية -﵀-: \"وكثير من الناس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة الذي يندرس فيها كثير من علوم النبوات، حتى لا يبقى من يلغ ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة، فلا يعلم كثيرًا مما بعث الله به رسوله ولا يكون هناك من يبلغه ذلك، ومثل هذا لا يكفر، ولهذا اتفق الأئمة علي أن من نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم والإيمان، وكان حديث العهد بالإسلام فأنكر شيئًا من هذه الأحكام الظاهرة المتواترة فإنه لا يحكم بكفره حتى يعرف ما جاء به الرسول، ولهذا جاء في الحديث: \"يأتي على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاة ولا زكاة ولا صومًا ولا حجًا\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١١/ ٤٠٩، وهاك نصوص أخرى مماثلة لشيخ الإسلام في مجموع الفتاوى ٧/ ٦١٩، ١٢/ ٤٩٠، ٢٣/ ٣٤٨، ٢٨/ ٥٠١. والرد على البكري ص ٢٥٩.\n(^٢) مدارج السالكين ١/ ٣٦٧.","vol":"1","page":502},{"text":"إلا الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة، يقول: أدركنا آباءنا وهم يقولون: لا إله إلا الله، وهم لا يدرون صلاة ولا زكاة ولا حجًا، فقال: ولا صوم ينجيهم من النار\"\" (^١).\n* فائدة: الكافر الأصلي أو المشرك أو الكافر اليهودي والنصراني هذا كفره أصلي يستصحب الأصل الذي كان عليه.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-362> التنبيه الثاني: تكفير أهل القبلة لا يكون بالمعاصي:</span>\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"أهل القبلة هم المسلمون المصلو إليها، لا يكفرون بفعل الكبائر، ولا يخرجون من الإسلام بذلك، ولا يخلدون في النار لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]. فأثبت الاخوة الإيمانية القتال وهو من الكبائر، ولو كان كفرا لانتفت الاخوة الإيمانية.\nوقال النبي -ﷺ- يقول الله تعالى: \"من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجوه\" (^٢) يعني من النار.\nوخالف في هذا طائفتان:\nالأولى: الخوارج قالوا: فاعل الكبيرة كافر خالد في النار.\nالثانية: المعتزلة قالوا: فاعل الكبيرة (^٣) خارج عن الإيمان ليس بمؤمن ولا كافر في منزلة بين المنزلتين وهو خالد في النار\" (^٤).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-363> مسألة في بطلان القول بتكفير الجميع:</span>\nثبت أن رسول الله -ﷺ- قال: \"لا تزال طائفة من أمتي الحق منصورة لا\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١١/ ٤٠٧، ٤٠٨.\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣).\n(^٣) انظر تعريف الكبيرة في باب الفسق.\n(^٤) لمعة الاعتقاد من مجموع الفتاوى ٥/ ٨٢.","vol":"1","page":503},{"text":"يضرهم من خذلهم\" .. الحديث. والقول بأن كل المجتمع كافر أو أن كل من على الأرض كافر قول باطل وخطير ومصادم للنصوص الدالة على ثبات الحق وبقاء أهله إلى قيام الساعة ومن النصوص الدالة على ذلك أيضًا ما ورد في وصف الغرباء جاء في رواية قيل: يا رسول الله من الغرباء؟ قال: \"الذين يصلحون إذا فسد الناس\". وفي لفظ آخر: \"الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي\" (^١).\nقال الشيخ ابن باز: \"وهكذا في آخر الزمان هم الذين يستقيمون على دين الله عندما يتأخر الناس عن دين الله وعندما يكفر الناس وعندما تكثر معاصيهم وشرورهم يستقيم هؤلاء الغرباء على طاعة الله ودينه فلهم الجنة والسعادة ولهم العاقبة الحميدة في الدنيا وفي الآخرة\" (^٢).\nومن الافتراءات الباطلة ما زعمه بعض المفترين من أن الشيخ محمد ابن عبد الوهاب -﵀- يكفر المسلمين عموما وهذا والله استطالة في عرض الشيخ وبهتان نبرأ إلى الله منه وهذه كتبه مجموعة كاملة بين أيدينا ليس فيها شيء من ذلك إنما فيها تكفير من ثبت كفره بعمله أو معتقده وقامت عليه الحجة وانتفت عنه الموانع.\nقال الشيخ محمد بن إبراهيم: \"وزعموا أن الشيخ -﵀- يكفر المسلمين وحاشاه ذلك؛ بل لا يكفر إلا من عمل مكفرًا وقامت عليه الحجة، فأجابهم المصنف بهذا الكتاب (^٣)، وكشف شبههم بما تطمئن به الألباب\" (^٤).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-364> التنبيه الثالث: لا يلزم من قتال فئة من المسلمين تكفيرهم </span>لأن القتل أو\n_________\n(^١) سيأتي تخريج هذه الأحاديث في (الغرباء).\n(^٢) نور على الدرب ص ١٦.\n(^٣) يعني كتاب كشف الشبهات للإمام محمد بن عبد الوهاب.\n(^٤) من شرح كتاب كشف الشبهات ص ١٣.","vol":"1","page":504},{"text":"القتال قد يوجد من غير ردة كقتال البغاة والمحاربين وعلي -﵁- قاتل الخوارج ولم يحكم بكفرهم ومعلوم اختلاف العلماء في الخوارج وأنهم ليسوا كفارا وبعض العلماء يكفرهم وفي ذلك خلاف يطول التفصيل فيه، والراجح عدم كفرهم وهو قول علي -﵁- حين سئل: أكفّار هُم؟ فقال: \"من الكفر فروا\" (^١).\nومعلوم من أقوال الأئمة قتال مانعي الزكاة وقتال تاركي شعائر الإسلام الظاهرة، قال الإمام ابن قدامة المقدسي -﵀-: \"الأذان مشروع للصلوات الخمس دون غيرها، وهو من فروض الكفاية لأنه من شعائر الإسلام الظاهرة فلم يجز تعطيله كالجهاد، فإن اتفق أهل بلد على تركه قُوتلوا عليه\" (^٢).\nوقال عن صلاة العيدين بعدما ذكر أنها فرض كفاية: \"فإن اتفق أهل بلد على تركها قاتلهم الإمام لتركهم شعائر الإسلام الظاهرة فأشبه تركهم الأذان\" (^٣).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وكذلك مانعوا الزكاة؛ فإن الصدِّيق والصحابة ابتدؤوا قتالهم، قال الصديق: والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله -ﷺ- لقاتلتهم عليه، وهم يقاتلون إذا امتنعوا من أداء الواجبات وإن أقروا بالوجب، ثم تنازع الفقهاء في كفر من منعها وقاتل الإمام عليها مع إقرار بالوجوب؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد، كالروايتين عنه في تكفير الخوارج، وأما أهل البغي المجرد فلا يكفرون باتفاق أئمة الدين؛ فإن القرآن قد نص على إيمانهم وإخوتهم مع وجود الاقتتال والبغي\" (^٤).\nويحسن بنا أن نتناول كلام الأئمة في قتال الطائفة الممتنعة فقد قرر ابن تيمية\n_________\n(^١) انظر مجموع الفتاوى ٣/ ٧، ٣٨٢/ ٢١٧، ٢١٨ - ٢٨، ٥٠٠، ٥١٨.\n(^٢) الكافي ١/ ١٢٧.\n(^٣) الكافي ١/ ٣٨٤.\n(^٤) مجموع الفتاوى ٣٥/ ٥٧.","vol":"1","page":505},{"text":"اتفاق العلماء على وجوب قتال الطائفة الممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، وإن كانت مقرة بتلك الشريعة، فيقول: \"كل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة ... فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، وملتزمين بعض شرائعه، كما قاتل أبو بكر الصديق والصحابة -﵃- مانعي الزكاة ... فاتقق الصحابة -﵃- على القتال على حقوق الإسلام عملًا بالكتاب والسنة ... إلى أن قال: فأيما طائفة امتنعت من بعض الصلوات المفروضات، أو الصيام، أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء، والأموال والخمر، والزنا، والميسر، أو عن نكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، وغير ذلك من واجبات الدين ومحرماته، التي لا عذر لأحد في جحودها وتركها، التي يكفر الجاحد لوجوبها، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء\" (^١).\nوقال شيخ الإسلام -﵀- أيضًا: \"وقد اتفق الصحابة والأئمة بعدهم على قتال مانعي الزكاة وإن كانوا يصلون الخمس ويصومون شهر رمضان، وهؤلاء لم يكن لهم شبهة سائغة؛ فلهذا كانوا مرتدين، وهم يقاتلون على منعها وإن أقروا بالوجوب كما أمر الله ... \" (^٢).\nوقد سئل الشيخ صالح الفوزان حفظه الله عن ذلك بما يأتي:\nهل تكفير شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- للطائفة الممتنعة من أداء شعيرة الزكاة حين فعل هذا من فعله من العرب لأجل جحدهم للوجوب أو لأجل مجرد المنع وعدم الالتزام بالأداء؟\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٥٠٢، وانظر: الفتاوى ٢٨/ ٥١٩.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٥١٩. وانظر أيضًا: ٢٨/ ٥٣٠، ٥٣١.","vol":"1","page":506},{"text":"فأجاب بقوله: \"هذا فصل فيه أهل العلم، قالوا: إن مانع الزكاة إن كان يجحد وجوبها فهذا كافر ويقاتل قتال ردة، وأما إن كان منعه لها من أجل بخل وهو يعتقد وجوبها فهذا يقاتل لأجل أخذ الزكاة منه؛ لأنه حق واجب عليه لغيره وامتنع من أدائه، وهو شعيرة ظاهرة من شعائر الإسلام، حتى يخضع لأداء الزكاة فلا يحكم بكفره، فيقاتل لمنعه الزكاة إذا كان له شوكة تدافع عنه حتى تُؤخذ منه.\nوأما ما نسب إلى الشيخ تقي الدين ابن تيمية أنه كفّرهم مطلقًا فأنا لم أطلع على هذا الكلام. لكن العلماء قالوا: يقاتل من امتنع من شعيرة ظاهرة من شعائر الإسلام مثل الأذان والإقامة وليس من لازم ذلك أنه يكفر، بل يُقاتَل لأجل إقامة الشعيرة الظاهرة\" (^١).\nوسئل الشيخ عبد العزيز الراجحي عن هذه المسألة، فأجاب حفظه الله بقوله: \"أهل الردة الذين ارتدوا بعد موت النبي -ﷺ- أقسام:\nمنهم من رجع إلى الأصنام والأوثان فعبدها.\nومنهم من أنكر نبوة النبي -ﷺ- وقال: لو كان نبيًا ما مات، وهؤء كفار لا إشكال فيهم.\nومنهم من منع الزكاة. والصحابة قاتلوهم جميعًا ولم يفرّقوا بينهم وسموهم المرتدين، والذي منع الزكاة قال العلماء: إنما كفر؛ لأنه إذا منعها وقاتل عليها دل على جحوده إياها؛ لأنه فعل أمرين: منعها، وقاتل عليها.\nأما إذا منعها ولم يقاتل عليها فإنها تُؤخذ منه ويؤدَّب ولا يكفر، ولكن إن منعها وقاتل عليها فإنه يكفر؛ لأن هذا دليل على جحوده، والمرتدون الذين منعوا الزكاة منعوها وقاتلوا عليها فدل على أنهم جحدوها، ولهذا عاملهم الصحابة معاملة\n_________\n(^١) مسائل في الإيمان ص ٣٢، ٣٣.","vol":"1","page":507},{"text":"المرتدين وسموهم مرتدين كلهم وقاتلوهم، لا فرق بين من أنكر نبوة محمد -ﷺ- أو عبد الأصنام، أو من جحد الزكاة؛ لأنه جحد أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-365> التنبيه الرابع: أن من يحكم في هذه الأمور هم العلماء والقضاة:</span>\nفسلب أصل الإيمان والحكم بعدم الإيمان إنما هو لأهل العلم ليس لكل أحد؛ لأن تحقيق اتصاف المسلم بمكفر من المكفرات يُخرجه من دينه مسألة تحتاج إلى نظر عالم مجتهد فقيه يعرف الشروط والموانع ويعرف ما يُعذر به المرء وما لا يعذر به، وكذلك فإن ترتيب آثار الكفر من طلاق زوجته والإرث وما شابه ذلك يكون من الحاكم.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-366> التنبيه الخامس: الامتناع عن التكفير بإطلاق تعطيلٌ للأحكام وإغلاق لباب الردة </span>(^٢).\nوقد أُلفت في ذلك (أعني الردة وأحكامها) كتب ورسائل وخصها الفقهاء في كتب الفقه بأحكام المرتد.\nقال الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله-: \"التكفير للمرتدين ليس من تشريع الخوارج ولا غيرهم، وليس هو فكرًا، وإنما هو حكم شرعي، حَكَمَ به الله ورسوله على من يستحقه، بارتكاب ناقص من نواقض الإسلام القولية أو الاعتقادية أو الفعلية، والتي بيّنها العلماءُ في باب \"أحكام المرتد\"، وهي مأخوذة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله -ﷺ-، فالله قد حَكَم بالكفر على أناس بعد إيمانهم،\n_________\n(^١) أسئلة وأجوبة في الإيمان والكفر ص ٣١، ٣٢.\n(^٢) انظر: للاستزادة رسالة مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد لمحمد بن عبد الوهاب مجموعة مؤلفات الشيخ ١/ ٢٧٩، ٣٢٩، وفتاوى محمد بن إبراهيم ١/ ٧٣، ٧٤، ورسالة حكم تكفير المعين للشيخ إسحاق بن عبد الرحمن آل الشيخ.","vol":"1","page":508},{"text":"بارتكابهم ناقضًا من نواقض الإيمان قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٤] \" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-367> التنبيه السادس: التكفير ليس سببه التكذيب أو الجحود فقط بل يكون بالاعتقاد وبالعمل </span>وبالقول وبالشك وبالترك وعليه، فإن المسلم إذا أتى بناقض من نواقض الإسلام واجتمعت الشروط وانتفت الموانع فإنه يخرج من الإسلام ولا يلزم من ذلك التكذيب لأن المرجئة ضلّوا في هذا الباب فظنوا أن كل من نطق بالشهادتين ودخل في الإسلام فلا يخرج منه أبدا إلا بالتكذيب ويلزم من قولهم أنهم لا يحكمون على عابد القبر والساجد للصنم بالكفر حتى يعتقد أن صاحب القبر أو الولي مستقل بالخلق فتكفيرهم له سببه الاعتقاد لا العمل أو يقولون أن العمل كفر لدلالته على التكذيب فيثبتون كفر التكذيب وينفون كفر العمل وهذا غلط بيّن.\nيقول ابن القيم -﵀-: \"وهذان القسمان -يعني كفر الجحود والعناد، وكفر الإعراض المحض- أكثر المتكلمين ينكرونهما، ولا يثبتون من الكفر إلا الأول -يعني كفر الجهل- ويجعلون الثاني والثالث -يعني كفر الجحود والعناد، وكفر الإعراض المحض- كفرا لدلالته على الأول لا لأنه في ذاته الكفر، فليس عندهم الكفر إلا مجرد الجهل، ومن تأمل القرآن والسنة، وسير الأنبياء في أممهم، ودعوتهم لهم، وما جرى لهم معهم، جزم بخطأ أهل الكلام فيما قالوه، وعلم أن عامة كفر\n_________\n(^١) التحذير من الإرجاء ص ٣٢.","vol":"1","page":509},{"text":"الأمم عن تيقن وعلم، ومعرفة بصدق أنبيائهم وصحة دعواهم وما جاؤا به\" (^١).\nويلزم من قولهم كذلك أن من نذر للشمس والقمر أو ذبح للجن أنه ليس بمشرك حتى يعتقد، ويلزم من قولهم أيضًا: أن من رفض شريعة الله واستبدل بها القوانين الوضعية المخالفة لشرع الله فإنه لا يكفر حتى يجحد أو يستحل وكل هذا ناتج عن قولهم أن الكفر لا يكون إلا بالاعتقاد فقط والصحيح أن الكفر يكون بالقول باللسان أو بأعمال القلوب أو بأفعال الجوارح.\nيقول ابن الوزير في الرد على من اشترط الاعتقاد في قول الكفر: \" .. وعلى هذا لا يكون شيء من الأفعال والأقوال كفرا، إلا مع الاعتقاد، حتى قتل الأنبياء، والاعتقاد من السرائر المحجوبة، فلا يتحقق كفر كافر قط إلا بالنص الخاص في شخص شخص\" (^٢).\nوفي قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (٢٦) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾ [محمد: ٢٥ - ٢٨].\nقال ابن حزم: \"فجعلهم مرتدين كفارًا بعد علمهم بالحق، وبعد أن تبين لهم الهدى، بقولهم للكفار ما قالوا فقط وأخبرنا تعالى أنه يعرف إسرارهم، ولم يقل تعالى أنهم جحدوا، بل قد صح أن في سرهم التصديق؛ لأن الهدى قد تبين لهم، ومن تبين له شيء، فلا يمكن ألبته أن يجحده بقلبه أصلًا\" (^٣).\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة ١/ ٩٤.\n(^٢) إيثار الحق على الخلق ص ٤١٩.\n(^٣) الفصل ٣/ ٢٦٢، ٢٥٩.","vol":"1","page":510},{"text":"وقال الشيخ أبا بطين: \"والعلماء يذكرون أن من أنكر وجوب عبادة من العبادات الخمس، أو قال في واحدة منها إنها سنة لا واجبة، أو جحد حِلّ الخبز ونحوه، أو جحد تحريم الخمر أو نحوه، أو شك في ذلك ومثله لا يجهله كفر، وإن كان مثله يجهله عُرِّف ذلك، فإن أصر بعد التعريف كفر وقتل، ولم يقولوا فإذا تبين له الحق وعاند كفر. وأيضا، فنحن لا نعرف أنه معاند حتى يقول أنا أعلم أن ذلك حق ولا ألتزمه، أو لا أقوله، وهذا لا يكاد يوجد.\nوقد ذكر العلماء من أهل كل مذهب أشياء كثيرة لا يمكن حصرها من الأقوال والأفعال والاعتقادات أنه يكفر صاحبها، ولم يقيدوا ذلك بالمعاند.\nفالمدعي أن مرتكب الكفر متأولًا، أو مجتهدًا مخطئًا، أو مقلدًا أو جاهلًا معذور. مخالف للكتاب والسنة والإجماع بلا شك، مع أنه لا بد أن ينقص أصله فلو طرد أصله كفر بلا ريب، كما لو توقف في تكفير من شك في رسالة محمد -ﷺ- ونحو ذلك\" (^١).\nوسيأتي ذكر أقسام الكفر في باب (الردة).\n_________\n(^١) الانتصار لحزب الله الأبرار ص ٤٦.","vol":"1","page":511},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-368>٨٤ - تكفير من لم يكفر الكافر </span>*\nيجب تكفير المشركين والكفار على اختلاف أنواعهم، ومنهم اليهود والنصارى، فكفرهم معلوم من دين الإسلام بالضرورة، وعدم تكفيرهم، أو الشك فيه كفرهم شكٌ فيما جاء به الرسول -ﷺ-، يقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [إبراهيم: ٩]، فهو تكذيب للقرآن، وأعظم من ذلك تصحيح مذهبهم.\n* الأدلة من الكتاب: دلت الآيات من كتاب الله تعالى على كفر اليهود والنصارى وعَبَدة الأوثان، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ [المائدة: ١٧]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾ [المائدة: ٧٢ - ٧٣]. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ\n_________\n* نواقض الإسلام للشيخ محمد بن عبد الوهاب، وانظر شروح النواقض للشيخ ابن باز وغيره. وانظر مراجع بابي (التكفير) و(الردة).","vol":"1","page":512},{"text":"مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢].\n* الدليل من السنة: عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: \"والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ولم يؤمن بالذي أُرسلت به إلا كان من أصحاب النار\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-369>أقوال العلماء في كفر من لم يكفّر الكافر أو شك في كفره:</span>\nقال القاضي عياض ﵀: \"ولهذا نكفر من دان بغير ملة المسلمين من الملل، أو وقف فيهم، أو شك، أو صحّح مذهبهم، وإن أظهر مع ذلك الإسلام، واعتقده، واعتقد إبطال كل مذهب سواه، فهو كافر بإظهاره ما أظهر من خلاف ذلك\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"وقائل هذا كله كافر بالإجماع على كفر من لم يكفر أحدًا من النصارى واليهود وكل من فارق دين المسلمين أو وقف في تكفيرهم أو شك\" (^٣).\nوذكر شيخ الإسلام حكم من لم يكفر المشرك الكافر سواء كان كافرًا أصليًا كاليهود والنصارى، أو من ثبت كفره يقينًا كالباطنية، أو منِ يعتقد حلول الله في بعض البشر، أو إلهية بعض البشر، فقال عنهم: \"من شك في كفر هؤلاء بعد معرفة قولهم ومعرفة دين الإسلام فهو كافر، كمن يشك في كفر اليهود والنصارى والمشركين\" (^٤).\nوقال ﵀: \"وهذا كما أن الفلاسفة ومن سلك سبيلهم من القرامطة والاتحادية ونحوهم يجوز عندهم يتدين الرجل بدين المسلمين واليهود والنصارى، ومعلوم أن هذا كله كفر باتفاق المسلمين، فمن لم يقر باطنًا وظاهرًا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٥٣).\n(^٢) الشفا ٢/ ١٠٧١.\n(^٣) الشفا ٢/ ٢٨١.\n(^٤) مجموع الفتاوى ٢/ ٣٦٨.","vol":"1","page":513},{"text":"بأن الله لا يقبل دينًا سوى الإسلام فليس بمسلم، ومن لم يقر بأن بعد مبعث محمد -ﷺ- لن يكون مسلمًا إلا من آمن به واتبعه باطنًا وظاهرًا فليس بمسلم، ومن لم يحرم التدين بعد مبعثه -ﷺ- بدين اليهود والنصارى، بل من لم يكفرهم ويبغضهم فليس بمسلم باتفاق المسلمين\" (^١).\nأما كفر من صحح ما هم عليه من الشرك، أو أمر به، فيقول شيخ الإسلام ﵀ فيه: \"لكن لا نزاع بين المسلمين أن الأمر بالشرك كفر وردة إذا كان من مسلم، وأن مدحه والثناء عليه والترغيب فيه كفر وردة إذا كان من مسلم\" (^٢).\nونقل القرطبي قول ابن عباس -﵄- في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٩] قال: هو الشرك مثلهم لأن من رضي بالشرك فهو مشرك (^٣).\nقال ابن القيم ﵀: \"الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر، وأن الله ﷾ لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول، هذا في الجملة، والتعيين موكول إلى علم الله وحكمه، هذا في أحكام الثواب والعقاب، وأما في أحكام الدنيا فهي جارية على ظاهر الأمر، فأطفال الكفار ومجانينهم كفار في أحكام الدنيا لهم حكم أوليائهم\" (^٤).\nويقول الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبابطين: \"وقد أخبر الله سبحانه بجهل كثير من الكفار مع تصريحه بكفرهم، ووصف النصارى بالجهل مع أنه لا يشك مسلم في كفرهم، ونقطع أن أكثر اليهود والنصارى اليوم جهال مقلدون، فنعتقد\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢٧/ ٤٦٣، ٤٦٤.\n(^٢) انظر منهج ابن تيمية في مسألة التكفير ص ١٤٨، ١٤٩.\n(^٣) أحكام القرآن للقرطبي ٨/ ٩٤.\n(^٤) طريق الهجرتين ص ٤١١.","vol":"1","page":514},{"text":"كفرهم، وكفر من شك في كفرهم\" (^١).\nقال ابن القيم في طبقة المقلدين وجهال الكفرة من أتباعهم: \"اتفقت الأمة على أن هذه الطبقات كفار وإن جهالًا مقلدين لرؤسائهم وأئمتهم إلا ما يحكى إلا ما يحكى عن بعض أهل البدع أنه لم يحكم لهؤلاء بالنار، وجعلهم بمنزلة من لم تبلغه الدعوة وهذا مذهب لم يقل به أحد من أئمة المسلمين، لا الصحابة ولا التابعين، ولا من بعدهم، وإنما يعرف عن بعضها أهل الكلام المحدث في الإسلام، وقد صح رسول -ﷺ- أنه قال: \"إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة\" وهذا المقلد ليس بمسلم، وهو عاقل مكلف، والعاقل المكلف لا يخرج عن الإسلام أو الكفر\" (^٢).\nوقال بعد ذلك: \"والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان بالله وبرسوله وأتباعه فيما جاء به، فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم، وإن لم يكن كافرًا معاندًا فهو كافر جاهل فغاية هذه الطبقة أنهم كفار جهال غير معاندين، وعدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفارًا\" (^٣).\nفيجب أن يُقطع الشك في حكم من دان بغير الإسلام ويستيقن أنهم كفار ومن شك في كفرهم فهو مكذب للقرآن الذي قطع بكفرهم في أكثر من موضع، وتقدم ذكر أدلة على ذلك من الكتاب والسنة قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نواقض الإسلام العشرة: \"الثالث: من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم كفر إجماعًا\" (^٤).\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"وذلك لأن اليهود والنصارى كفّرهم الله ﷿ في كتابه،\n_________\n(^١) الدرر السنية ٨/ ٢١٣.\n(^٢) طريق الهجرتين ص ٤١١.\n(^٣) طريق الهجرتين ص ٤١١.\n(^٤) مجموعة الشيخ، الرسائل الشخصية ص ٢١٣.","vol":"1","page":515},{"text":"قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣٠ - ٣١] فدل ذلك على أنهم مشركون، وبيَّن الله تعالى في آيات أخرى ما هو صريح في كفرهم فقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]، وقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣].\nفمن أنكر كفر اليهود والنصارى الذين لم يؤمنوا بمحمد -ﷺ- وكذبوه، فقد كذب الله ﷿، وتكذيب الله كفر، ومن شك في كفرهم فلا شك في كفره هو\" (^١).\nوقال الشيخ عبد العزيز الراجحي: \"فمن قال: إن اليهود والنصارى على دين سماوي وكذلك المسلمون على دين سماوي وكلهم علي حق، فهذا كافر؛ لأنه لم يكفّر المشركين، فلا بد أن يعتقد أن اليهود والنصارى كلهم على باطل، وأنهم كفار فإن شك أو توقف كان هذا الشك أو التوقف منه ناقضًا من نواقض الإسلام ويكون كافرًا بالله، وكذلك لو صحح مذهبهم وقال: النصارى على حق واليهود على حق، ومن أحب أن يتدين باليهودية أو بالنصرانية أو بالإسلام فله ذلك فهذا كافر؛ لأنه صحح مذهبهم\" (^٢).\nوقال الشيخ عبد الله بن جبرين عن اليهود والنصارى: \"ولا شك أن تكذيبهم لمحمد -ﷺ- وما جاء به هو أعظم الكفر. وهم المرادون بقوله: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ\n_________\n(^١) فتاوى وأحكام الداخلين في الإسلام ص ٤٢.\n(^٢) أسئلة وأجوبة في الإيمان والكفر ص ٤١، ٤٢.","vol":"1","page":516},{"text":"مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠)﴾ [المائدة: ٦٠].\nفتأمل هذه الآيات وما بعدها وما يشابهها في سورة النساء تجد أن جميع من كذب محمدًا -ﷺ- أو خرج عن شرعه أو أنكر رسالته أو ادعى أنه رسول العرب أو نصب العداوة للمسلمين أتباع هذه الشريعة المحمدية، أنه كافر مستحق لغضب الله ولعنته وعذابه، ولا ينفعه انتماؤه إلى الأديان السابقة والمنسوخة المحرفة\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-370> تنبيه مهم:</span>\nالذين وقع الخلاف في كفرهم كتارك الصلاة تهاونًا لا نحكم بكفر من لم يكفرهم أو بكفر من توقف في تكفيرهم إنما المراد بالباب من ثبت كفره يقينًا سواء كان كافرًا أصليًا أو ارتد بعد إسلام وهناك قيد مهم حتى يُحكم بكُفرِه: وهو أنه لا بد أن يتبيَّن له كفرُهم بالدليل.\n_________\n(^١) الإعلام بكفر من ابتغى غير الإسلام ص ٢٤.","vol":"1","page":517},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-371>٨٥ - التمسح بالقبر وتقبيله وغيره </span>*\nالتمسح من تمسح شيء: إذا مسح جسمه به، ومنه التمسح بالقبور، والتمسح يقصد به وضع اليد على الشيء عبادة أو طلبا للبركة وقد يتعداه إلى إلصاق البطن أو الظهر أو التقبيل وهذا لا يشرع إلا فيما شرعه الله ورسوله -ﷺ-.\n* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].\n* الدليل من السنة: ثبت في الصحيحين أن عمر -﵁- قال: \"إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله -ﷺ- يقبلك ما قبلتك\" (^١).\nوالمشروع في الحجر الأسود تقبيله حال الطواف هذا هو السنة فإن لم يستطع لزحام ونحوه استلمه بيده وقبل يده فإن لم يستطع فبمحجنه أو عصاه ويقبلها فإن لم يستطع أشار إليه إشارة بيد واحدة لا بيدين اثنتين يشير باليمنى ولا يقبلها وهذا كله إن لم يفعله فلا حرج عليه بل هو أمر مسنون أما الركن اليماني فقد قال ابن باز: \"لم\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ١٠/ ٥١ - ٥٣، ٢٤/ ٤١٦. المجموع للنووي ٨/ ٢٧٥. اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٨٠٠. مجموع الفتاوى ٢٤/ ٣٣١ - ٢٧/ ٩١، ٩٢. الاعتصام للشاطبي ٢/ ١٣٤، ١٤٠. الرخصة في تقبيل اليد للحافظ ابن المقرئ. الباعث لأبي شامة ٢٨٢. إغاثة اللهفان لابن القيم ١/ ١٩٤. شفاء الصدور لمرعي الحنبلي ٣٢، ٣٩. الدرر السنية ٧/ ٢٣٠. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٤/ ٣٠، ٣١. أحكام الجنائز للألباني ٢٦٦. نور على الدرب ١٦٦، ٢٩٠، ٢٩٩. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٢/ ٣١٨، ٣٢٠. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٣/ ٣٧٨، ٣٨٠، ٣٨١. التبرك د: ناصر الجديع ٣٢٧، ٣٢٨، ٣٩٨، ٤٢٦، ٤٢٧. الجيلاني وآراؤه الاعتقادية ٤٤٩. الجهل بمسائل الاعتقاد ٤١٣.\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٩٧)، ومسلم (١٢٧٠).","vol":"1","page":518},{"text":"يرد فيما نعلم ما يدل على الإشارة إليه وإنما يستلمه بيمينه إذا استطاع من دون مشقة ولا يقبله\" (^١).\nأما حكم التمسح بغير الركنين اليمانيين فقد قال ابن تيمية: \"اتفق المسلمون على أنه لا يشرع الإستلام ولا التقبيل إلا للركنيين اليمانيين، فالحجر الأسود يستلم ويقبل، واليماني يستلم، وقد قيل أنه يقبل وهو ضعيف.\nوأما غير ذلك فلا يشرع استلامه ولا تقبيله، كجوانب البيت، والركنين الشاميين، ومقام إبراهيم، والصخرة، والحجرة النبوية، وسائر قبور الأنبياء والصالحين\"، وقال أيضًا: \"ليس في الدنيا من الجمادات ما يشرع تقبيلها إلا الحجر الأسود وقد ثبت في الصحيحين أن عمر -﵁- قال: والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله -ﷺ- يقبلك ما قبلتك\" (^٢).\nقال ابن تيمية: \"وقد اتفق العلماء على أن من زار قبر النبي -ﷺ- أو قبر غيره من الأنبياء والصالحين أنه لا يتمسح به ولا يقبله\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-372> حكم تقبيل القبور والأعتاب والتمسح بها:</span>\nقال الإمام ابن القيم: \"ليس على وجه الأرض موضع يشرع تقبيله واستلامه وتحط الخطايا والأوزار فيه غير الحجر الأسود والركن اليماني\" (^٤).\nوقال ﵀: \"ولقد أنكر السلف التمسح بحجر المقام الذي أمر الله تعالى أن يتخذ منه مصلى كما ذكر الأزرقي في كتاب تاريخ مكة عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]. قال إنما أمروا أن يصلوا عنده، ولم\n_________\n(^١) انظر فتاوى الحج ص ٧٧، ٧٨.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٤/ ٥٢١. والحديث تقدم تخريجه.\n(^٣) الاقتضاء ص ٣٦٨\n(^٤) زاد المعاد ١/ ٤٨.","vol":"1","page":519},{"text":"يؤمروا بمسحه، ولقد تكلفت هذه الأمة شيئا ما تكلفته الأمم قبلها ذكر لنا من رأى أثره وأصابعه، فما زالت هذه الأمة تمسحه حتى اخْلَوْلَق\" (^١).\nقال ابن تيمية: \"وأما التمسح بالقبر أي قبر كان وتقبيله وتمريغ الخد عليه فمنهي عنه باتفاق المسلمين ولو كان ذلك من قبور الأنبياء، ولم يفعل هذا أحد من سلف الأمة وأئمتها، بل هذا من الشرك\" (^٢).\nأما سبب كراهة العلماء التمسح بقبر رسول الله -ﷺ- فيقول ابن تيمية ﵀: \"لأنهم علموا ما قصده النبي -ﷺ- من حسم مادة الشرك وتحقيق التوحيد وإخلاص الدين لله رب العالمين\" (^٣).\nوقال أيضا: \"لأن التقبيل والاستلام إنما يكون لأركان بيت الله الحرام فلا يشبّه بيت المخلوقات ببيت الخالق\" (^٤).\nقال ابن تيمية: \"وأما القبور التي في المشاهد وغيره فالسنة لمن زارها أن يسلم على الميت ويدعو له بمنزلة الصلاة على الجنائز. . . . . وأما التمسح بالقبر أو الصلاة عنده أو قصده لأجل الدعاء عنده معتقدا أن الدعاء هناك أفضل من الدعاء في غيره أو النذر له ونحو ذلك فليس هذا من دين المسلمين، بل هو مما أحدث من البدع القبيحة التي هي من شعب الشرك والله أعلم وأحكم\" (^٥).\nأما التمسح بجدار القبر أو حلق الباب أو السواري أو المقام مقام إبراهيم أو غير ذلك مما قد وقع فيه بعض الجهلة فإن هذا من البدع المحدثة.\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان ١/ ٢١٢.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٢٧/ ٩٢.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٢٧/ ٨٠.\n(^٤) الرسائل الكبرى لابن تيمية ١/ ٢٩٨.\n(^٥) مجموع الفتاوى ٢٤/ ٣٢١.","vol":"1","page":520},{"text":"يقول النووي عن قبر الرسول -ﷺ-: \"يكره مسحه باليد وتقبيله الأدب أن يبعد منه كما يبعد منه لو حضر في حياته -ﷺ- هذا هو الصواب وهو الذي قاله العلماء وأطبقوا عليه. وينبغي ألا يغتر بكثير من العوام في مخالفتهم ذلك فإن الاقتداء والعمل إنما يكون بأقوال العلماء ولا يلتفت إلى محدثات العوام وجهالاتهم ولقد أحسن السيد الجليل أبو علي الفضيل بن عياض ﵀ في قوله ما معناه: اتبع طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين ومن خطر بباله أن المسح باليد ونحوه أبلغ في البركة فهو من جهالته وغفلته لأن البركة إنما هي فيمن وافق الشرع وأقوال العلماء وكيف يبتغي الفضل في مخالفة الصواب\" (^١).\nوقد غلا الجهال في ذلك حتى صاروا يتبركون برؤية القبر ويقصدونه لاعتقاد أن الدعاء عنده له مزية على غيره فكل هذا من تزيين الشيطان وزخرفته لبعيد للناس أسباب الشرك الأولى التي هوى فيها قوم نوح -والعياذ بالله-.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-373> مسألة عن الوقوف في الملتزم ووضع الخد على البيت:</span>\nقال ابن القيم: \". . . وقوفه في الملتزم، فالذي رُوي عنه، أنه فعله يوم الفتح، ففي سنن أبي داود، عن عبد الرحمن بن أبي صفوان، قال: \"لما فتح رسول الله -ﷺ- مكة، انطلقت، فرأيت رسول الله -ﷺ- قد خرج من الكعبة هو وأصحابه وقد استلموا الركن من الباب إلى الحطيم، ووضعوا خدودهم على البيت، ورسول الله -ﷺ- وسطهم\" (^٢).\nوروى أبو داود أيضًا من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: \"طفت مع عبد الله فلما حاذى دبر الكعبة قلت: ألا تتعوذ؟ قال: نعوذ بالله من النار. ثم مضى حتى استلم الحجر فقام بين الركن والباب فوضع صدر ووجهه وذراعيه\n_________\n(^١) الإيضاح في المناسك للنووي ص ١٦١.\n(^٢) أخرجه أبو داود (١٨٩٨) في المناسك باب الملتزم وفي سنده يزيد بن أبي الهاشمي وهو ضعيف وباقي رجاله ثقات ويشهد له ما بعده فيتقوى. انظر: تحقيق زاد المعاد ٢/ ٢٩٨.","vol":"1","page":521},{"text":"هكذا وبسطهما بسطًا وقال: هكذا رأيت رسول الله -ﷺ- يفعله\" (^١).\nفهذا يحتمل أن يكون في وقت الوداع، وأن يكون في غيره، ولكن قال مجاهد والشافعي بعده وغيرهما: \"إنه يستحب أن يقف في الملتزم بعد طواف الوداع ويدعو\".\nوكان ابن عباس -﵄- يلتزم ما بين الركن والباب، وكان يقول: \"لا يلتزم ما بينهما أحد يسأل الله تعالى شيئًا إلا أعطاه إياه -والله أعلم-\" (^٢).\nولم يكن يتعلق بها تبركا بجدرانها بل استجارة بالله وخضوع له.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"ولما كانت الكعبة بيت الله الذي يدعى ويذكر عنده؛ فإنه سبحانه يُستجار به ويُستغاث به هناك. . . إلخ\" (^٣).\nوقال الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ: \"أما التعلُّق بأستار الكعبة رجاءَ البركة: فهذا من وسائل الشرك، ويكون من الشرك الأصغر إذا اعتقد أن ذلك التبرك سببٌ لتحقيق مطلوبه، أما إذا اعتقد أن الكعبة ترفع أمره إلى الله، أو أنه إذا فعل ذلك عظم قدره عند الله، وأن الكعبة يكون لها شفاعة عند الله، أو نحو تلك الاعتقادات التي فيها اتخاذ الوسائل إلى الله -جل وعلا-، فإنَّ هذا التبرك -على هذا النحو- يكون شركًا أكبر؛ ولهذا يقول كثير من أهل العلم: إن التمسح بحيطان المسجد الحرام، أو بالكعبة، أو بمقام إبراهيم ونحوها؛ رجاء بركتها، هو من وسائل الشرك الأكبر، بل هو من الشرك الأصغر، كما قرر ذلك الإمام الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٨٩٩)، وابن ماجه (٢٩٦٢) وفي سنده المثنى بن الصبَّاح وهو ضعيف لكنه ينجبر بما قبله انظر زاد المعاد ص ٢٩٨.\n(^٢) زاد المعاد ٢/ ٢٩٨.\n(^٣) تلخيص كتاب الاستغاثة ٢/ ٥٤٨.\n(^٤) التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص ٦١٠.","vol":"1","page":522},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-374>٨٦ - التميمة </span>*\nجاء في مختار الصحاح: \"التميمة عوذة تعلق على الإنسان\" (^١).\nقال الخلخالي: \"التمائم جمع تميمة وهي ما يعلق بأعناق الصبيان من خرزات وعظام لدفع العين\" (^٢).\nوكذلك قال أبو السعادات (^٣)، والمنذري إلا أن المنذري عللها بقوله: \"يرون أنها تدفع عنهم الآفات\" (^٤).\nوالتميمة قد تعلق بدون كتابة كالخرزات وأشباهها بخلاف الرقية التي تستخدم بالكتابة وبالقراءة، وقد تجتمع الكتابة في الرقى والتمائم فتصبح في الرقى عزائم\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ٥/ ٢٦٨، ١٧/ ١٦٢ - ١٦٥. الاستذكار لابن عبد البر ٢٧/ ٢٠، ٣٢ الإبانة لابن بطة العكبري ص ٧٤٤. شرح السنة للبغوي ١٢/ ١٥٨. الآداب الشرعية لابن مفلح ٣/ ٦٤. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٢/ ٢٣٣ - ٢٣٦. تيسير العزيز الحميد ١٦٣. فتح المجيد ١٤٥. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ٨٣. القول المفيد ط ١ - ١/ ١٧٥ ط ٢ - ١/ ٢٤٤ ومن المجموع ٩/ ١٦٨. معارج القبول ١/ ٣٨٤. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ١٩. فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ١٩٦. مجموع الفتاوى لابن باز ١/ ٢٧٥. نور على الدرب ٥٦ - ٥٨ - ٥٩ - ٩٢ - ٦٤. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١/ ١٠٦. المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة الأحمدي ٢/ ١١٨. التبرك د: ناصر الجديع ص ٢٣٦. منهج الإمام مالك في العقيدة ص ٤٠٨. منهج ابن حجر في العقيدة ص ١١٢٦. عقيدة الإمام ابن عبد البر للغصن ص ٢٧٨. الجيلاني وآراؤه الاعتقادية ص ١٥٧. الإمام الخطابي ومنهجه في العقيدة لأبي عبد الرحمن العلوي ص ٢٧٧.\n(^١) مختار الصحاح مادة (ت م م).\n(^٢) نقلا عن فتح المجيد ص ١٤٨، وانظر تيسير العزيز الحميد ص ١٦٧.\n(^٣) النهاية مادة (ت م م).\n(^٤) نقلًا عن تيسير العزيز الحميد ص ١٦٠.","vol":"1","page":523},{"text":"وتصبح في المعلق تميمة.\nقال الشيخ ابن باز ﵀: \"ويسمي بعض الناس التميمة حرزًا ويسميها بعضهم الجامعة وتسمى الرقى المعلقة\" (^١).\nوفي التيسير قال: \"وظاهره أن ما علق لدفع العين وغيرها فهو تميمة من أي شيء كان\" (^٢)، وفسرت التميمة في القواميس بالعوذة وفسرت بالخرز وفسرت بقلادة يجعل فيها سيور وعوذ وكل هذا لنفي النفس والعين والمرض.\nوقال ابن حجر ﵀: \"والتمائم جمع تميمة وهي خرز أو قلادة تعلق في الرأس كانوا في الجاهلية يعتقدون أن ذلك يدفع الآفات\" (^٣).\nأما أسباب استخدامها فإنها تستعمل لدفع الشر المتوقع وهذا ظاهر فيما يعلق على الصبيان والفرس والمساكن لاتقاء مرض أو عين قبل أن يحصل.\nوالثاني: لرفع الشر بعد وقوعه، وهذا ظاهر في تعلق المرضى بالواهنة وأشباهها، وكل ما عُلِّق واتخذ لدفع الشر قبل أو بعد وقوعه من الأسباب التي لم تتخذ لا شرعا ولا قدرا أو حسا فإنه شرك (^٤) يتبعه الأحكام الجارية عليه في آخر الباب ولا يلتفت إلى تغيير الأسماء فالعبرة بالحقائق وإن تبدلت الأسماء.\nونقل ابن مفلح عن ابن الأثير أنه قال: \"وحديث \"من علق تميمة\" كأنهم كانوا يعتقدون أنها تمام الدواء والشفاء (^٥) وإنما جعلها شركا لأنهم أرادوا دفع المقادير\n_________\n(^١) مجموعة مقالات متنوعة ٢/ ٣٨٣.\n(^٢) التيسير ص ١٦٨.\n(^٣) الفتح ١٠/ ١٦٦.\n(^٤) انظر مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ١٥٥، وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ١٦٣.\n(^٥) قال الشيخ ابن جبرين: وسميت تميمة لزعمهم أن بها ما يتم حفظ من علقت عليه من دابة أو إنسان أو غير ذلك.","vol":"1","page":524},{"text":"المكتوبة عليهم فطلبوا دفع الأذى من غير الله الذي هو دافعه\" (^١).\n* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ [الأنعام: ١٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤)﴾ [النحل: ٥٣ - ٥٤].\nوقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣].\n* الدليل من السنة: عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ قَالَتْ كَانَ عَبْدُ اللهِ إذا جَاءَ مِنْ حاجةٍ فانْتهَى إِلَى الْبَابِ تَنَحْنَحَ وَبَزَقَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَهْجُمَ مِنَّا عَلَى شَيْءٍ يَكْرَهُهُ قَالَتْ: وَإِنَّهُ جَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ فَتَنَحْنَحَ قَالَتْ: وَعِنْدِي عَجُوزٌ تَرْقِينِي مِنْ الْحُمْرَةِ فَأَدْخَلتُهَا تَحْتَ السَّريرِ فَدَخَلَ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِي فَرَأَى فِي عُنُقِي خَيْطًا قَالَ: مَا هَذَا الْخَيْطُ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: خَيْطٌ أُرْقِيَ لِي فِيهِ. قَالَتْ: فَأَخَذَهُ فَقَطَعَهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ آلَ عَبْدِ اللهِ لأَغْنِيَاءُ عَنْ الشِّرْكِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ: \"يَقُولُ إِنَّ الرُّقَى والتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ\"، قَالَتْ: فَقُلْتُ لَهُ: لِمَ تَقُولُ هَذَا وَقَدْ كَانَتْ عَيْنِي تَقْذِفُ فَكُنْتُ أَخْتَلِفُ إِلَى فُلَانٍ الْيَهُوديِّ يَرْقِيهَا وَكَانَ إِذَا رَقَاهَا سَكَنَتْ؟ قَالَ: إنَّمَا ذلكَ عَمَلُ الشَّيْطَانِ كَانَ يَنْخُسُها بِيَدِهِ فَإِذَا رَقَيْتِهَا كَفَّ عَنْهَا، إنَّمَا كَانَ يَكْفِيكِ أَنْ تَقُولي كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: \"أَذْهِبْ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا\" (^٢).\nوعن عبد الله بن عُكيم مرفوعًا: \"من تعلق شيئًا وُكِل إليه\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر للاستزادة الآداب الشرعية ٣/ ٦٤ وما بعدها، النهاية لابن الأثير باب (ت م م).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد (٣٦١٥)، وأبو داود (٣٨٨٣)، وابن ماجه (٣٥٣٠).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٠٧٢).","vol":"1","page":525},{"text":"وروى أحمد عن عقبة بن عامر مرفوعًا: \"من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له\" (^١).\nوعن عقبة بن عامر الجهني -﵁-: أن رسول الله -ﷺ- أقبل إليه رهط فبايع تسعة وأمسك عن واحد، فقالوا: يا رسول الله، بايعت تسعة وتركت هذا قال: \"إن عليه تميمة\" فأدخل يده فقطعها فبايعه وقال: \"من تَعَلّق تميمة فقد أشرك\" (^٢).\nوعن عقبة بن عامر قال: \"وضع التميمة شرك\" (^٣).\nوعن سعيد بن جبير قال: \"من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة\" (^٤)، وعلق عليه الشيخ سليمان بن عبد الله فقال: \"وهذا عند أهل العلم له حكم الرفع، في مثل ذلك لا يقال بالرأي\" (^٥). ولا شك أنه أعتقه من الشرك الأصغر وهو أعظم من الرق.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-375> أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-376>١ - حكم تعليق التميمة:</span>\nقال ابن سعدي: \"التمائم منها ما هو شرك أكبر كالتي تشمل على الاستغاثة\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد (١٧٥٣٩)، والحاكم ٤/ ٤١٧، وقال المنذري: في الترغيب والترهيب ٤/ ٣٠٦: إسناده جيد.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد (١٧٥٥٨) بإسناد حسن، وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: رواه الحاكم بنحوه ورواته ثقات. انظر التيسير ص ١٥٩.\nوقال ابن عبد البر: \"إذا اعتقد الذي علقها أنها ترد العين، فقد ظن أنها ترد القدر، واعتقاد ذلك\nشرك، وقال أبو السعادات: إنما جعلها شركًا، لأنهم أرادوا دفع المقادير المكتوبة عليهم، وطلبوا\nدفع الأذى من غير الله الذي هو دافعه\". التيسير ص ١٦٠.\n(^٣) قال ابن مفلح: \"رواه وكيع بإسناده عن عقبة بن عامر\". الآداب ٣/ ٦٨.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٥٢٤).\n(^٥) التيسير ص ١٧٣.","vol":"1","page":526},{"text":"بالشياطين أو غيرهم من المخلوقين. . . ومنها ما هو محرم كالتي فيها أسماء لا يفهم معناها لأنها تجر إلى الشرك وأما التعاليق التي فيها القرآن أو أحاديث نبوية أو أدعية طيبة محترمة فالأولى تركها لعدم ورودها عن الشارع، ولكونها يتوسّل بها إلى غيرها من المحرم، ولأن الغالب على متعلقها أنه لا يحترمها ويدخل فيها المواضع القذرة\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-377>٢ - مسألة: حكم تعليق التمائم من القرآن:</span>\nعن إبراهيم بن يزيد النخعي أنه قال: \"كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن\" (^٢).\nوجاء عن عائشة -﵂- أنها قالت: \"التمائم ما علق قبل نزول البلاء وأما ما علق بعد نزول البلاء فليس بتميمة\" (^٣).\nوفسر ذلك بأنها تقصد ما علق من القرآن فأجازه بعض السلف كابن المسيب وعطاء وحجتهم في هذا أن القرآن شفاء وقول عائشة السابق وفعل عبد الله بن عمرو حيث كان يعلق على أولاده الذين لم يبلغوا دعاء الفزع وهو: \"بسم الله أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه وشر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون\" (^٤)، وقد منعها بعض أهل العلم (^٥)، وبينوا حرمتها وردوا أقوال المجيزين فقالوا: إن الآية مجملة وأما قول عائشة فمجمل أيضا لم تذكر فيه تعليق القرآن وأما فعل عبد الله بن عمرو فإنها رواية ضعيفة ثم استدلوا على التحريم\n_________\n(^١) القول السديد ص ٣٨. وما بعدها فقد فصل فيها.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٥١٨).\n(^٣) البيهقي ٩/ ٣٥١، والمستدرك ٤/ ٢١٧.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد (٦٦٩٦).\n(^٥) انظر تيسير العزيز الحميد ص ١٢٨، فتح المجيد ص ١٤٩، والسلسلة الصحيحة ١/ ٥٨٥.","vol":"1","page":527},{"text":"بعموم النهي الوارد في التمائم ولأنه قد يدخل به أشياء تنافي قدسيته كدخول بيت الخلاء ولأنه أيضًا يستغني بالمعلَّق عن القراءة المشروعة باللسان ولأن المنع فيه سد الذرائع فلو سمح للتميمة المعلقة بالقرآن لم تُنكر التميمة الشركية (^١).\nوقد لخص الشيخ سليمان بن عبد الله هذه المسألة بقوله: \"اعلم أن العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم اختلفوا في جواز تعليق التمائم التي من القرآن وأسماء الله وصفاته.\nفقالت طائفة: بجواز ذلك وهو قول عبد الله بن عمرو بن العاص وغيره وهو ظاهر ما روي عن عائشة وبه قال: أبو جعفر الباقر وأحمد في رواية. وحملوا الحديث على التمائم الشركية، أما التي فيها القرآن وأسماء الله وصفاته فكالرقية بذلك.\nقلت -أي الشيخ سليمان-: وهو ظاهر اختيار ابن القيم.\nوقالت طائفة: لا يجوز ذلك وبه قال ابن مسعود وابن عباس وهو ظاهر قول حذيفة وعقبة بن عامر وابن عكيم -﵃- وبه قال جماعة من التابعين منهم أصحاب ابن مسعود وأحمد في رواية اختارها كثير من أصحابه وجزم بها المتأخرون واحتجوا بهذا الحديث وما في معناه فإن ظاهره العموم لم يفرق بين التي في القرآن وغيرها بخلاف الرقى فقد فرق فيها، ويؤيد ذلك أن الصحابة الذين رووا الحديث فهموا العموم كما تقدم عن ابن مسعود. . . وأما القياس على الرقية بذلك فقد يقال بالفرق، فكيف يقاس التعليق الذي لا بد فيه ورق أو جلود ونحوهما على ما لا يوجد ذلك فيه فهذا إلى الرقى المركبة من حق وباطل أقرب.\nهذا اختلاف العلماء في تعليق القرآن وأسماء الله وصفاته فما ظنك بما حدث بعدهم من الرقى بأسماء الشياطين وغيرهم وتعليقها؟ بل والتعلق بهم،\n_________\n(^١) انظر الرقي للعلياني ص ٤٣، ٥١.","vol":"1","page":528},{"text":"والاستعاذة بهم والذبح بها وسؤالهم كشف الضر، وجلب الخير مما هو شرك محض، وهو غالب على كثير من الناس إلا من سلم الله\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-378>٣ - ما يلحق بالتمائم:</span>\nالتمائم يندرج تحتها كثير مما يعلق ويتخذ لدفع الآفات ومما ينطوي تحتها ويأخذ حكمها الودعة وسن الثعلب وذيله وسن الهرة والخرزات والحجب المعلقة وكعب الأرنب والوتر على الدابة والحذاء في السيارة والنعل في مقدمة أو مؤخرة السيارة ونعل الفرس في واجهة الدار والدكان وأشباهها ولا يفرد لكل منها بحث بل كل منها يجري مجرى التميمة في معناها وإن اختلفت أشكالها وفي حكمها وفي نهي الشارع عنها إذ أن سبب التحريم فيها الاعتماد على غير الله والركون والالتفات إلى غيره وعدم التوكل عليه بل وثوق في غيره وهذا شرك. وينبغي لنا في هذا المقام أن نوضح معنى بعض الأسماء التي تطلق على التمائم:\n١ - الودعة: (^٢) وجمعها (الودعات) وفي مختار الصحاح هي خرز بيض تخرج من البحر تتفاوت في الصغر والكبر.\nقال في النهاية: \"والوَدَع بالفتح والسكون جمع وَدَعَه وهو شيء أبيض يجلب من البحر يعلق في حلوق الصبيان وغيرهم وإنما نهى عنها لأنهم كانوا يُعلِّقونها مخافة العين\" (^٣).\nوفي حديث عقبة بن عامر مرفوعًا: \"من تعلق تميمة فلا أتم الله له ومن تعلق\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ١٦٧، ١٦٨.\n(^٢) تيسير العزيز الحميد ص ١٥٩ - ١٦٠. فتح المجيد ص ١٤١. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٧٩. معارج القبول ١/ ٣٧٢. مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ١٦١. وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ١٦٨ طـ ٢ - ١/ ٢١٥.\n(^٣) النهاية ٥/ ١٦٧.","vol":"1","page":529},{"text":"ودعة فلا ودع الله له\" (^١).\nوقال ابن مفلح: \"إنما نهى عنها لأنهم كانوا يعلقونها مخافة العين وقوله \"لا ودع الله له\" أي لا جعله في دعة وسكون وقيل: هو لفظ مبني من الودعة أي: لا خفف الله عنه ما يخافه (^٢) \" (^٣).\nوقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"وهذا دعاء عليه فيه وعيد شديد لمن فعل ذلك فإنه مع كونه شركًا فقد دعا عليه رسول الله -ﷺ- بنقيض مقصوده\" (^٤).\n٢ - الحجب: جمع حجاب وهو ما يكتب فيه أحيانا طلاسم وكلام غير مفهوم مرة بالعربية ومرة بغيرها ويصنع من الجلد غالبا ويأخذ أشكالا مختلفة وسمي حجابا للاعتقاد بأنه يحجب العين والآفات عن المعلق عليه (^٥).\nوهي داخلة في التمائم قال ابن باز: \"والتمائم كذلك ممنوعة وهي الحجب وتسمى الجوامع وتسمى الحروز لأن رسول الله -ﷺ- زجر عنها ولم يستثن منها شيئًا وسماها شركًا ودعا على من تعلقها\" (^٦).\nوقال ﵀: \"وأما الحجب وهي ما يعلق من أوراق أو جلود أو غيرها على المريض، يكتب فيها آيات أو دعوات تعلق على المريض ضد السلاح، أو ضد الجن فهذا لا يجوز، وقد أجاز بعض أهل العلم تعليق ما كان من القرآن خاصة ولكنه قول ضعيف، والصواب منع تعليق جميع الحجب لعموم قول النبي -ﷺ-: \"من تعلق تميمة\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد (١٧٥٣٩).\n(^٢) انظر هذا المعنى عند ابن الأثير في النهاية ٥/ ١٦٨.\n(^٣) الآداب الشرعية لابن مفلح ٣/ ٦٦.\n(^٤) تيسير العزيز الحميد ص ١٦٠.\n(^٥) انظر للاستزادة رسالة في أحكام الرقى والتمائم بمراجعة ابن جبرين ص ٦، وانظر مجموع فتاوي ابن عثيمين ٩/ ١٦٨ والقول المفيد ط ١ - ١/ ١٧٥.\n(^٦) انظر الفتاوي ص ٩٦٥.","vol":"1","page":530},{"text":"فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له، ومن تعلق تميمة فقد أشرك\"، والمراد بالشرك هنا الشرك الأصغر. ولأن في ذلك سد الذريعة إلى تعليق غيرها.\nوسد الذرائع المفضية إلى الشرك أو المعاصي من أعظم مقاصد الشريعة وواجباتها.\nأما تعليق الحجب من غير الآيات كالعظام والودع والطلاسم والأسماء المجهولة، فهذه لا تجوز بغير خلاف بين أهل العلم؛ لأن الرسول -ﷺ- قال: \"من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له، ومن تعلق تميمة فقد أشرك\" كما تقدم؛ ولأنها من أعمال الجاهلية؛ ولأنها تصد القلوب عن الله وتعلقها بغيره، والقلوب يجب أن تتعلق بالله ﷾ وتعتمد عليه، فتعليق هذه التمائم يجعل القلوب تميل إليها وتتعلق بها وترتاح لها، وهذا خطأ عظيم، فلا يجوز تعليق التمائم، وهي الحجب ولها أسماء أخرى عند الناس\" (^١).\nوقال الألباني: \"وهل يدخل في التمائم الحجب التي يعلقها بعض الناس على أولادهم أو على أنفسهم إذا كانت من القرآن أو الأدعية الثابتة عن النبي -ﷺ- للسلف في ذلك قولان: أرجحها عندي المنع\" (^٢).\n٣ - الحرز: وهو الذي يتحرز به عن الحمى وغيره وهي كالودعة والحلقة والخيط.\nوقد جاء سؤال عن الحجاب \"الحرز\" الذي يجتمع فيه شيء من القرآن مع توسل بالأولياء مع كلام غير مفهوم فأجابت اللجنة الدائمة بأنه: \"لا يجوز تعليقه على شخص أو وضعه في ثياب أو فراش أو بيت جلبا لمنفعة أو دفعا لضرر وهو من جنس التمائم واتخاذها شرك لعموم قوله -ﷺ-: \"إن الرقى والتمائم والتولة\n_________\n(^١) فتاوى نور على الدرب ص ٥٧ - ٦٥ مجموع الفتاوي لابن عثيمين ١/ ١٠٦.\n(^٢) انظر السلسلة الصحيحة ١/ ٥٨٥.","vol":"1","page":531},{"text":"شرك\" (^١)، وقوله -ﷺ-: \"من تعلق تميمة فقد أشرك\" (^٢) \" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-379>٤ - لبس الحلقة والخيط لرفع البلاء أو دفعه (^٤):</span>\nالحلقة: طوق من نحاس أصفر أو غيره كان المشركون يجعلونها في عضدهم ويزعمون أنها تحفظهم من أذي العين والجن ونحوهما.\nوالخيط في الأصل ما يخاط به، كان المشركون يعقدون الخيوط على أيديهم ورقابهم يزعمون أنها تدفع الحمى فنهى عنه لما فيه من شائبة الشرك.\nقال الشيخ ابن باز: \"وكان الجهال يعلقون التمائم والخيوط ونحوها لدفع الحمى\".\nوحكم لبس الخيط لذلك شرك أكبر إذا اعتقد أنها تدفع البلاء بنفسها، أو اعتقد أن ما لُبس قادر على رفع الضر، أما إذا اعتقد أنها سبب لرفع البلاء، وأن النافع الضار هو الله فهو شرك أصغر قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ [سورة الزمر: ٣٨].\nوفي حديث عمران بن حصين -﵁-: \"أن النبي -ﷺ- أبصر على عضُد رجلٍ حلقة -أراه قال: من صفر- فقال: ويحك، ما هذه؟ قال: من الواهنة. قال: أما إنها لا\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٦٨٣)، وابن ماجه (٣٥٣٠).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد (١٧٥٥٨).\n(^٣) فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٢٠٩.\n(^٤) تيسير العزيز الحميد ص ١٥٣. فتح المجيد ص ١٣٧. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٧٤. القول المفيد ط ١ - ١/ ١٥٩ طـ ٢ - ١/ ٢٠٤ ومن المجموع ٩/ ١٥٤. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ١٨. نور على الدرب لابن باز ص ٦١، ٦٧. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١/ ١١٠. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٢/ ٢٣٠. معارج القبول ١/ ٣٧٢. الشيخ السعدي وجهوده في توضيح العقيدة للعباد ص ١٩٠.","vol":"1","page":532},{"text":"تزيدك إلا وهنًا، انبذها عنك، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدًا\" (^١).\nوروى ابن أبي حاتم عن حذيفة -﵁- أنه رأى رجلا في يده خيط من الحمى فقطعه وتلا قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] (^٢).\nوروى وكيع عن حذيفة: \"أنه دخل على مريض يعوده فلمس عضده فإذا فيه خيط؟ فقال: ما هذا؟ قال شيء رُقِى لي فيه فقطعه وقال: لو مت وهو عليك ما صليت عليك\" (^٣).\nقال ابن باز: \"فيه إنكار مثل هذا وإن كان يعتقد أنه سبب فالأسباب لا يجوز منها إلا ما أباحه الله تعالى ورسوله مع عدم الاعتماد عليها\".\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فالالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد ومحو الأسباب أن تكون أسبابا نقص في العقل والإعراض عن الأسباب المأمور بها قدح في الشرع فعلى العبد أن يكون قلبه معتمدا على الله لا على سبب من الأسباب والله ييسر له من الأسباب ما يصلحه في الدنيا والآخرة\" (^٤).\nقاعدة: قال ابن سعدي في الحلقة والخيط: \"هذا الباب يتوقف فهمه على معرفة أحكام الأسباب، وتفصيل القول فيها أنه يجب على العبد أن يعرف في الأسباب ثلاثة أمور:\nأحدها: أن لا يجعل منها سببًا إلا ما ثبت إنه سبب شرعًا وقدرًا.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد (٢٠٢٤٢).\n(^٢) وذكره ابن كثير في تفسير الآية ٢٩٨ من سورة يوسف قال: روي حماد بن سلمة عن عاصم بن أبي النجود عن عروة، وذكره في تفسير ابن كثير ٤/ ٤١٨.\n(^٣) انظر: الآداب الشرعية ٣/ ٦٧، ٦٨، تيسير العزيز الحميد ١٦١.\n(^٤) انظر في بحث الأسباب مجموع الفتاوي ٨/ ٥٢٦، ٥٣٩، مدارج السالكين ٣/ ٤٩٥. وانظر للاستزادة باب (السبب).","vol":"1","page":533},{"text":"ثانيها: أن لا يعتمد العبد عليها بل يعتمد على مسببها، ومقدرها مع قيامه بالمشروع منها وحرصه على النافع منها.\nثالثها: أن يعلم أن الأسباب مهما عظمت وقويت فإنها مرتبطة بقضاء الله وقدره لا خروج لها عنه. . . إذا عُلم ذلك فمن لبس الحلقة أو الخيط أو نحوهما قاصدًا بذلك رفع البلاء بعد نزوله أو دفعه قبل نزوله فقد أشرك؛ لأنه إن اعتقد أنها هي الدافعة الرافعة فهذا الشرك الأكبر.\nوهو شرك في الربوبية حيث اعتقد شريكًا مع الله في الخلق والتدبير.\nوشرك في العبودية حيث تأله لذلك وعلق به قلبه طمعًا ورجاء لنفعه.\nوإن اعتقد أن الله هو الدافع الرافع وحده ولكن اعتقدها سببا يستدفع بها البلاء فقد جعل ما ليس سببا شرعيًا ولا قدريًا سببًا، وهذا محرم وكذب على الشرع وعلى القدر.\nأما الشرع فإنه ينهى عن ذلك أشد النهي. وما نهى عنه فليس من الأسباب النافعة.\nوأما القدر فليس هذا من الأسباب المعهودة ولا غير المعهودة التي يحصل بها المقصود ولا من الأدوية المباحة النافعة. وكذلك هو من جملة وسائل الشرك فإنه لا بد أن يتعلق قلب متعلّقها بها وذلك نوع شرك ووسيلة إليه\" (^١).\n* تنبيه:\nقال ابن عثيمين: \"ظهر في الأسواق في الآونة الأخيرة حلقة من النحاس يقولون: إنها تنفع من الروماتيزم، يزعمون أن الإنسان إذا وضعها على عضده وفيه روماتيزم نفعته من هذا الروماتيزم، ولا ندري هل هذا صحيح أم لا؟ لكن الأصل أنه ليس بصحيح لأنه ليس عندنا دليل شرعي ولا حسي يدل على ذلك، وهي لا تؤثر على الجسم؛ فليس فيها مادة دهنية حتى نقول: إن الجسم يشرب هذه المادة\n_________\n(^١) القول السديد ٣٤ - ٣٦. وانظر للاستزادة باب (السبب).","vol":"1","page":534},{"text":"وينتفع بها؛ فالأصل أنها ممنوعة حتى يثبت لنا بدليل صحيح صريح واضح أن لها اتصالا مباشرا بهذا الروماتيزم حتى ينتفع بها\" (^١). وهذه مسألة لها تعلق بالأسباب. وقد فصلنا الكلام عنه في باب \"السبب\".\n٥ - الواهنة: (^٢) قال ابن الأثير في النهاية: \"الواهنة: عرق يأخذ في المنكب وفي اليد كلها فيُرقى منها. وقيل: هو مرض يأخذ في العضد، وربما عُلِّق عليها جنس من الخَرَز يقال لها خرز الواهنة، وهي تأخذ الرجالَ دون النساء. وإنما نهاه عنها لأنه إنما اتخذها على أنها تعصمه من الألم، فكان عنده في معنى التمائم المنهي عنها\" (^٣)، وقد تقدم حديث عمران بن حصين في الفقرة السابقة الحلقة والخيط لرفع البلاء أو دفعه وفيه فقال: \"انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدًا\".\nقال الشيخ سليمان في شرح الحديث: \"فإن قيل: كيف قال -ﷺ-: \"لا تزيدك إلا وهنا\" وهي ليس لها تأثير؟ قيل: هذا -والله أعلم- يكون عقوبة له على شركه لأنه وضعها لدفع الواهنة فعوقب بنقيض مقصوده\" (^٤).\nوقوله: \"ما أفلحت أبدًا\" هذا قد يكون لا يفلح الفلاح المطلق إذا اعتقد أنها سبب، وقد يكون لا يفلح حتى مطلق الفلاح إذا اعتقد أنها تنفع أو تضر استقلالا بحسب ما يقوم في قلبه.\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ١٨٩ وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ١٨٩.\n(^٢) المصنف لابن أبي شيبة ٥/ ٣٥. لوامع الأنوار للسفاريني ص ٥٠. تيسير العزيز الحميد ١٥٧. فتح المجيد ص ١٣٩. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٧٦. القول المفيد ط ١ - ١/ ١٦٦ ومن المجموع ٩/ ١٥٨.\n(^٣) النهاية (وهـ ن).\n(^٤) تيسير العزيز الحميد ص ١٥٨.","vol":"1","page":535},{"text":"٦ - الوتر: (^١) كانوا في الجاهلية إذا عتق وتر القوس أخذوه وعلقوه يزعمون أنه يحمي من العين ويعلق على الدواب وقد يكون من عصب الحيوانات (^٢).\nقال ابن الأثير: \"كانوا يزعمون أن التقلد بالأوتار يرد العين ويدفع عنهم المكاره فنهوا عن ذلك\" (^٣).\nروى الإمام أحمد عن رويفع قال: قال لي رسول الله -ﷺ-: \"يا رويفع لعل الحياة ستطول بك فأخبر الناس أن من عقد لحيته أو تقلد وترا أو استنجي برجيع دابة أو عظم فإن محمدًا -ﷺ- منه برئ\" (^٤)، وفي رواية: \"فقد برئ مما أنزل الله على محمد -ﷺ-\" (^٥).\nوروى الإمامان البخاري ومسلم من حديث قيس بن عبيد أن النبي -ﷺ- أرسل رسولا وقال: \"لا تبقينّ في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت\" (^٦).\nوفي الحديث: \"وارتبطوا الخيل وامسحوا بنواصيها وأكفالها وقلّدوها ولا تقلدوها الأوتار\" (^٧) وجاء في معناها ثلاثة أقوال ذكرها ابن الأثير في النهاية فقال: \"هو الدم وطلب الثأر يريد جعلوا ذلك لازما لها في أعناقها لزوم القلائد للأعناق. وقيل: أراد بالأوتار: جمع وتر القوس أي لا تجعلوا في أعناقها الأوتار فتختنق، لأن الخيل ربما رعت الأشجار فَنشِبَت الأوتار ببعض شعبها فخنقتها. وقيل: إنما\n_________\n(^١) التمهيد لابن عبد البر ١٧/ ١٥٩، ١٦١. تيسير العزيز الحميد ص ١٦٤. الآداب الشرعية لابن مفلح ٣/ ١٣٩. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٢/ ٢٤٠. فتح المجيد ص ١٤٦. حاشية كتاب التوحيد لابن قدامة ٨٢. معارج القبول ١/ ٣٧٣. القول المفيد ط ١ - ١/ ١٨٥، ط ٢ - ١/ ٢٢٥ ومن المجموع ٩/ ١٨٦.\n(^٢) انظر معارج القبول ١/ ٣٧٣.\n(^٣) النهاية (وت ر).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد (١٧١٢١).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد (١٧١٢٠).\n(^٦) البخاري (٣٠٠٥)، مسلم (٢١١٥).\n(^٧) أخرجه أبو داود (٢٥٥٣)، والنسائي (٣٥٩٥).","vol":"1","page":536},{"text":"نهاهم عنها لأنهم يعتقدون أن تقليد الخيل بالأوتار يدفع عنها العين والأذى فتكون كالعوذة لها فنهاهم وأعلمهم أنها لا تدفع ضررا ولا تصرف حذرًا\" (^١).\nقال الإمام مالك ﵀: \"أرى ذلك من أجل العين. وقال: غيره إنما أمر بقطعها لأنهم كانوا يعلقون في القلائد الأجراس\" (^٢).\nوقال البغوي في شرح السنة: \"تأول مالك أمره -ﷺ- بقطع القلائد على أنه من أجل العين وذلك أنهم كانوا يشدون بتلك الأوتار والتمائم والقلائد ويعلقون عليها العوذ يظنون أنها تعصم من الآفات فنهاهم النبي -ﷺ- عنها وأعلمهم أنها لا ترد من أمر الله شيئًا. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: كانوا يعلقون الإبل الأوتار لئلا تصيبها العين فأمرهم النبي -ﷺ- بإزالتها إعلامًا لهم بأن الأوتار لا ترد شيئًا. وكذلك قال ابن الجوزي وغيره وفي رواية محمد بن الربيع: \"أو تقلد وترًا\" يريد تميمة فهذا يدل على أنهم كانوا يتقلدون الأوتار من أجل العين، إذ فسره بالتميمة وهي تجعل لذلك\" (^٣).\nفائدة: قال ابن الأثير فيمن عقد لحيته قيل: \"هو معالجتها حتى تنعقد وتتجعد وقيل كانوا يعقدونها في الحروب فأمرهم بإرسالها كانوا يفعلون ذلك تكبرا وعجبًا\" (^٤).\nوذكر الخطابي المعنى الثاني لعقد اللحية وهو معالجة الشعر ليتعقد ويتجمد وذلك من فعل أهل التوضيع والتأنيث (^٥).\n_________\n(^١) النهاية (ق ل د).\n(^٢) الآداب ٣/ ١٤٠.\n(^٣) التيسير ص ١٦٤.\n(^٤) النهاية (ع ق د).\n(^٥) التيسير ص ١٧٢.","vol":"1","page":537},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-380>٨٧ - التنجيم </span>*\nالتنجيم لغة: مأخوذ من النجم وهو الكوكب، وهو اسم علم على الثريا (^١).\nقال ابن الأثير: \"النجم في الأصل: اسم لكل واحد من كواكب السماء وجمعه نجوم\" (^٢).\nالتنجيم اصطلاحًا: صاحب القاموس: \"المنجم والمتنجّم: الذي ينظر في النجوم يحسب مواقيتها وسيرها\" (^٣). وهو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية.\nقال ابن تيمية: \"وصناعة التنجيم التي مضمونها الأحكام والتأثير وهو الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية والتمزيج بين القوى الفلكية\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ٣/ ١٢٣، ١٦/ ٢٨٩. المصنف لابن أبي شيبة ٥/ ٢٣٩. معالم السنن للخطابي ٤/ ٢٢٩. شرح السنة للبغوي ١٢/ ١٨٢. أحكام القرآن القرطبي ٧/ ٣. الآداب الشرعية لابن مفلح ٣/ ٤١٨. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٢/ ١٣٦. تيسير العزيز الحميد ص ٤٠٣، ٤٤٧. فتح المجيد ص ٣٢٧ - ٣٦١. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ١٩٧ - ٢٢٣. مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٥٨٤، وانظر القول المفيد ط ١ - ٢/ ٣٤، ١٠٢ ط ٢ - ٢/ ٤٣. معارج القبول ١/ ٤٢٥. فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٤٢٣. مجموع الفتاوى لابن باز ٢/ ٥٠٠. نور على الدرب لابن باز ص ٢٣٣. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٢/ ١٨٧. التنجيم والمنجمون لعبد المجيد المشعبي. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ص ٤٦٩. منهج ابن حجر في العقيدة ص ١١٠٤. الإمام الخطابي ومنهجه في العقيدة لأبي عبد الرحمن العلوي ص ٢٧٤. الآثار الواردة في سير أعلام النبلاء د: جمال بن أحمد ١/ ١٩٤. نواقض الإيمان القولية والعملية ص ٥١٨ - ٥٢٢.\n(^١) مختار الصحاح (ن ج م).\n(^٢) النهاية (ن ج م).\n(^٣) القاموس المحيط ٤/ ١٧٨.","vol":"1","page":538},{"text":"والقوابل الأرضية: صناعة محرمة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة بل هي محرمة على لسان جميع المرسلين في جميع الملل\" (^١).\nوعرَّفه الخطابي ونقله البغوي في شرح السنة فقال: \"والمنهي من علم النجوم ما يدعيه أهل التنجيم من علم الكوائن أو الحوادث التي لم تقع وستقع في مستقبل الزمان كإخبارهم بأوقات هبوب الرياح ومجيء المطر وظهور الحر والبرد وتغيّر الأسعار وما كان في معانيها من الأمور يزعمون أنهم يدركون معرفتها بسير الكواكب في مجاريها وباجتماعها واقترانها ويَدَّعون لها تأثيرًا في السفليات وأنها تتصرف على أحكامها وتجري على قضايا موجباتها، وهذا منهم تحكم على الغيب وتعاط لعلم قد استأثر الله به لا يعلم الغيب سواه\" (^٢).\n* الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، وقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧].\n* الدليل من السنة: روى البخاري تعليقا أن قتادة قال: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾: \"خلق هذه النجوم الثلاث: جعلها زينة للسماء (^٣)، ورجوما للشياطين (^٤) وعلامات يهتدى (^٥) بها فمن تأول فيها بغير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه\n_________\n(^١) مجموع الفتاوي، لسان العرب (ن ج م).\n(^٢) معالم السنن ٥/ ٣٧١ السنة للبغوي ١٢/ ١٨٣.\n(^٣) كما في قوله تعالى + ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾.\n(^٤) كما في قوله تعالى + ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾.\n(^٥) كما في قوله تعالى + ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾.","vol":"1","page":539},{"text":"وتكلف ما لاعلم له به\" (^١).\nوعن أَبِي مُوسَى أَنَّ النَّبيَّ -ﷺ- قَالَ: \"ثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ مُدْمِنُ خَمْرٍ، وَقَاطِعُ رَحِمٍ، وَمُصَدِّقٌ بِالسِّحْرِ، وَمَنْ مَاتَ مُدْمِنًا لِلْخَمْرِ سَقَاهُ الله ﷿ مِنْ نَهْرِ الْغُوطَةِ\" قِيلَ وَمَا نَهْرُ الْغُوطَةِ قَالَ: \"نَهْرٌ يَجْرِي مِنْ فُرُوج الْمُومِسَاتِ يُؤْذِي أَهْلَ النَّارِ رِيحُ فُرُوجِهِمْ\" (^٢).\nقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن \"قوله: \"ومصدق بالسحر\": أي مطلقًا، ومنه التنجيم\" (^٣).\nأقوال بعض السلف:\nعن عبد الله بن محيريز التابعي الجليل أن سليمان بن عبد الملك دعاه فقال: \"لو علمت علم النجوم فازددت إلى علمك فقال: قال رسول الله -ﷺ-: \"إن أخوف ما أخاف على أمتي ثلاث: حيف الأئمة، وتكذيب بالقدر، وإيمان بالنجوم\"\" (^٤).\nوقال ابن تيمية: \"وهكذا قد اعترف رؤساء المنجمين من الأولين والآخرين أن أهل الإيمان أهل العبادات والدعوات يرفع الله عنهم ببركة عباداتهم ودعاءهم وتوكلهم على الله ما يزعم المنجمون أن الأفلاك توجبه ويعترفون أيضا بأن أهل العبادات والدعوات ذوي التوكل على الله يعطون من ثواب الدنيا والآخرة ما ليس في قوى الأفلاك أن تجلبه فالحمد لله الذي جعل خير الدنيا والآخرة في اتباع المرسلين\" (^٥).\n_________\n(^١) البخاري كتاب بدأ الخلق باب في النجوم الفتح (٦/ ٢٩٥).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد، رقم (١٩٧٩٨).\n(^٣) فتح المجيد ص ٣٦٦.\n(^٤) الدر المنثور ٨/ ٣١.\n(^٥) الفتاوى ٣٥/ ١٩٦.","vol":"1","page":540},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-381> أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-382>١ - علم النجوم ينقسم إلى قسمين:</span>\nالقسم الأول: علم التسيير كالاستدلال من انتقال الشمس في البروج الفلكية على الفصول كالحر والبرد والاعتدال. قال الشيخ السعدي مبينا علم التسيير: \"وهو الاستدلال بالشمس والقمر والكواكب على القبلة والأوقات والجهات\" (^١).\nقال البغوي: \"فأما ما يدرك من طريق المشاهدة من علم النجوم الذي يعرف به الزوال وجهة القبلة فإنه غير داخل فيما نهي عنه قال الله ﷾: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧]، وقال جل ذكره: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ [النحل: ١٦].\nويدخل في هذا القسم معرفة مواقيت الصلاة وساعات الليل بظهورها وأفولها ومعرفة أوان الزرع وتخير العرب الأزمان لنتاج مواشيهم ولضراب الفحول ومعرفتهم بالأمطار على اختلافها ومعرفة أسماء الكواكب والنجوم ومناظرها ومطالعها ومساقطها وسيرها والاهتداء بها (^٢).\nالقسم الثاني: علم التأثير ويطلق عليه الوهميات وهو ما يزعمه المنجمون من أن النجوم والأفلاك لها تأثير على الكون بنفسها أو أنها السبب في حدوث الحوادث من مصائب وفقر وحروب وغيرها (^٣).\nقال ابن رجب: \"والمأذون في تعلمه علم التسيير لا علم التأثير فإنه باطل محرم قليله وكثيره. وأما علم التسيير، فتعلم ما يحتاج إليه للاهتداء، ومعرفة القبلة،\n_________\n(^١) القول السديد ٩١.\n(^٢) انظر فضل علم السلف على الخلف ص ١٣٤.\n(^٣) انظر التنجيم والمنجمون للمشعبي ص ٣٢ وما بعدها.","vol":"1","page":541},{"text":"والطرق جائز عند الجمهور، وما زاد عليه لا حاجة إليه لشغله عما هو أهم منه، وربما أدى تدقيق النظر فيه إلى إساءة الظن بمحاريب المسلمين، كما وقع ذلك كثيرا من أهل هذا العلم قديمًا وحديثًا، وذلك يفضي إلى اعتقاد خطأ الصحابة والتابعين في صلاتهم في كثير من الأمصار وهو باطل\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-383>٢ - حكم التنجيم:</span> فصَّل الشيخ سليمان بن عبد الله في حكم التنجيم فقال ﵀: \"واعلم أن التنجيم على ثلاثة أقسام:\nأحدها: ما هو كفر بإجماع المسلمين، وهو القول بأن الموجودات في العالم السفلي مركبة على تأثير الكواكب والروحانيات، وأن الكواكب فاعلة مختارة وهذا كفر بإجماع المسلمين، وهذا قول الصابئة المنجمين الذين بعث إليهم إبراهيم الخليل ﵇، ولهذا كانوا يعظمون الشمس والقمر والكواكب تعظيما يسجدون لها ويتذللون لها ويسبحونها تسابيح معروفة في كتبهم، ويدعونها دعوات لا تنبغي إلا لخالقها وفاطرها وحده لا شريك له (^٢).\nالثاني: الاستدلال على الحوداث الأرضية بمسير الكواكب واجتماعها وافتراقها ونحو ذلك، ويقول: إن ذلك بتقدير الله ومشيئته، فلا ريب في تحريم ذلك، واختلف المتأخرون في تكفير القائل بذلك. وينبغي أن يقطع بكفره، لأنها دعوى لعلم الغيب الذي استأثر الله تعالى بعلمه بما لا يدل عليه.\nالثالث: ما ذكره المصنف في تعلم المنازل\" (^٣).\n_________\n(^١) فضل علم السلف على علم الخلف لابن رجب ص ٣٤. وانظر تيسير العزيز الحميد ص ٤٥٤. والقول السديد ص ٩١، ومجموع فتاوى ابن عثيمين ٢/ ١٨٧ - ١٩١.\n(^٢) وحكم هذا أن صاحبه يقتل بالإجماع مرتدا لأنه اعتقد أن هناك مدبر غير الله، وأن أحدا يتصرف في ملكه بغير مشيئته وتقديره ﷾، وذهب أكثر العلماء إلى أنه يستتاب ثلاثا قبل قتله.\n(^٣) تيسير العزيز الحميد ص ٤٤٧ - ٤٤٨.","vol":"1","page":542},{"text":"ويقصد بالمصنف الإمام الشيخَ محمد بن عبد الوهاب صاحب كتاب التوحيد حين ذكر أقوال السلف في تعلم المنازل فقال: \"وكره قتادة تعلم منازل القمر ولم يرخص فيه ابن عيينة، ذكره حرب عنهما ورخص في تعلم المنازل أحمد وإسحق\" (^١).\nوروى ابن المنذر عن مجاهد أنه كان لا يرى بأسا أن يتعلم الرجل منازل القمر (^٢).\nوقال الشيخ ابن عثيمين: \"والصحيح عدم الكراهة\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-384>٣).\n\n٣ - بعض شبه المنجمين:</span>\nاستدل بعض المنجمين بآيات من كتاب الله على صحة علم التنجيم منها قوله: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ [النحل: ١٦].\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"والجواب أنه ليس المراد بهذه الآية أن النجوم علامات على الغيب يهتدي بها الناس في علم الغيب، وإنما المعنى ﴿وَعَلَامَاتٍ﴾، أي: دلالات على قدرة الله وتوحيده. وعن قتادة ومجاهد أن من النجوم ما يكون علامة لا يهتدى إلا بها، وقيل: إن هذا من تمام الكلام الأول وهو قوله: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلَامَاتٍ﴾ [النحل: ١٥ - ١٦]. أي: وألقى لكم معالم يعلم بها الطريق والأراضي من الجبال الكبار والصغار يستدل بها المسافرون في طرقهم. وقوله: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ قال ابن عباس في الآية: ﴿وَعَلَامَاتٍ﴾ يعني: معالم الطرق بالنهار ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ قال: \"يهتدون به في البحر في أسفارهم\" رواه ابن جرير و\n_________\n(^١) فتح المجيد ص ٣٦٤.\n(^٢) أخرجه الخطيب البغدادي كما في الدر المنثور ٣/ ٣٢٩.\n(^٣) فتاوى ابن عثيمين ٢/ ١٨٩.","vol":"1","page":543},{"text":"ابن أبي حاتم.\nفهذا القول ونحوه هو معنى الآية، فالاستدلال بها على صحة علم التنجيم استدلال على ما يعلم فساده بالاضطرار من دين الإسلام بما لا يدل عليه لا نصًا ولا ظاهرًا، وذلك أفسد أنواع الاستدلال، فإن الأحاديث جاءت عن النبي -ﷺ- بإبطال علم التنجيم وذمه\" (^١).\nوقال: \"فإن قلت: إن المنجمين قد يصدقون بعض الأحيان.\nقيل: صدقهم كصدق الكهان يصدقون مرة ويكذبون مئة مرة، وليس في صدقهم مرة ما يدل على أن ذلك علم صحيح كالكهان\" (^٢).\nومن شُبه المنجمين: قوله تعالى عن إبراهيم ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾ [الصافات: ٨٨ - ٨٩]. وليس في هذا ما يدل على صحة علم أحكام النجوم فإن إبراهيم ﵇ إنما بعث إلى الصابئة المنجمين مبطلا لقولهم مناظرا لهم على ذلك.\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"فإن قيل على هذا: فما فائدة نظرته في النجوم؟ قيل: نظرته في النجوم من معارض الأفعال ليتوصل به إلى غرضه من كسر الأصنام كما كان قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣]. فمن ظن أن نظرته في النجوم ليستنبط منها علم الأحكام، وعلم أن طالعه يقضي عليه بالنحس، فقد ضل ضلالًا بعيدًا. ولهذا جاء في حديث الشفاعة الصحيح أنه ﵇ يقول: \"لست هناكم ويذكر ثلاث كذبات كذبهن\" وعدها العلماء قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٤٥٠.\n(^٢) تيسير العزيز الحميد ص ٤٤٩.","vol":"1","page":544},{"text":"كَبِيرُهُمْ﴾ وقوله لسارة: هي أختي (^١).\nفلو كان قوله: إني سقيم أخذه من علم النجوم لم يعتذر من ذلك، وإنما هي من معاريض الأفعال، فلهذا اعتذر منها كما اعتذر من قوله ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ ذكر ذلك ابن القيم\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-385>٤ - أما صناعة التنجيم وتعلمه والعمل به فقد أجاب عن حكمه شيخ الإسلام بقوله: \"بل ذلك محرم </span>بإجماع المسلمين وأخذ الأجرة على ذلك ومنعهم من الجلوس في الحوانيت والطرقات ومنع الناس أن يُكروهم والقيام في ذلك من أفضل الجهاد في سبيل الله\" (^٣).\nوقد تقدم في الأدلة حديث: \"ثلاثةٌ لا يدخلون الجنة: مدمن خمر، وقاطع الرحم، ومصدق بالسحر\" (^٤).\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"قوله \"ومصدق بالسحر\": مطلقا ويدخل فيه التنجيم لحديث: \"من اقتبس علما من النجوم اقتبس علما من السحر\" وهذا وجه مطابقة الحديث للباب\" (^٥).\nقال الذهبي في الكبائر: \"ويدخل فيه تعلم السيمياء وعملها، وهو محض السحر، وعقد المرء عن زوجته، ومحبة الزوج لامرأته وبغضها وبغضه، وأشباه\n_________\n(^١) هذا مأخوذ من حديث أبي هريرة أن رسول الله -ﷺ- قال: \"لم يكذب إبراهيم -﵊- إلا ثلاث كذبات ثنتين منهن في ذات الله ﷿ قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ وذكر باقي الحديث وفيه أنه قال عن سارة أختي - أي: هي أختي -) أخرجه البخاري (٣٣٥٨).\n(^٢) تيسير العزيز الحميد ص ٤٥٢.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٣٥/ ١٩٧.\n(^٤) سبق تخريجه.\n(^٥) تيسير العزيز الحميد ص ٤٥٢.","vol":"1","page":545},{"text":"ذلك بكلمات مجهولة قال: وكثير من الكبائر بل عامتها إلا الأقل يجهل خلق من الأمة تحريمه، وما بلغه الزجر فيه، ولا الوعيد عليه، فهذا الضرب فيهم تفصيل، فينبغي للعالم أن لا يجهل على الجاهل، بل يرفق به ويعلمه سيما إذا قرب عهده بجهله كمن أسر وجلب إلى أرض الإسلام وهو تركي فبالجهد أن يتلفظ بالشهادتين فلا يأثم أحد إلا بعد العلم بحاله وقيام الحجة عليه\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-386>٥ - أما حكم إتيان المنجمين فالكلام عنه كالكلام عن حكم إتيان الكهان </span>وقد ذكر ابن تيمية حديث معاوية بن الحكم السلمي قال: قلت يا رسول الله: إن قوما منا يأتون الكهان قال: \"فلا تأتوهم\"، قال شيخ الإسلام: \"فنهى النبي -ﷺ- عن إتيان الكهان، والمنجم يدخل في اسم الكاهن عند الخطابي وغيره من العلماء، وحكي ذلك عن العرب وعند آخرين هو من جنس الكاهن وأسوء حالا منه فلحق به من جهة المعنى\" (^٢).\nوفي الحديث: \"من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد\" (^٣).\nوالأجرة حرام على آخذها وهو المنجم ودافعها وهو الآتي إليه (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-387>٦ - فائدة:</span>\nوهناك أمور يظن أنها من التنجيم وليست منه ومن ذلك توقع حدوث الكسوف والخسوف وذلك أنه يمكن معرفتها بالحساب كما يعرف أوقات الزوال والغروب، ومنها توقع أحوال الجو بأسباب معروفة كالرياح ومعرفة مسارها\n_________\n(^١) الكبائر للذهبي ٤٥ - ٤٦.\n(^٢) مجموع الفتاوي ص ٣٥/ ١٩٣.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد (٩٥٣٢)، وأبو داود (٣٩٠٤).\n(^٤) انظر الفتاوي ٣٥/ ١٩٤، ١٩٥.","vol":"1","page":546},{"text":"ورؤية السحب واتجاهها ومكان قدومها (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-388>٧ - التصديق بالبروج:</span>\nأخرج الخطيب عن قتادة أنه قال: \"وإن أناسا جهلة بأمر الله قد أحدثوا في هذه النجوم كهانة: من أعرس بنجم كذا وكذا، كان كذا وكذا، ومن سافر بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ولعمري ما من نجم إلا ويولد به الأحمر والأسود والطويل والقصير والحسن والذميم، وما عِلْمُ هذه النجوم وهذه الدابة وهذا الطائر بشيء من هذا الغيب، ولو أن أحدا علم الغيب لعلمه آدم الذي خلقه الله بيده وأسجد له ملائكته وعلمه أسماء كل شيء\".\nوقال الشيخ صالح الفوزان: \"ومن الخرافات الباطلة ما يروجه الدجالون في بعض الصحف والمجلات من ذكر البخت والنحوس والسعود، ويعلقون ذلك بحسابات البروج والنجوم ويصدق به بعض السذج\" (^٢).\nوالتفصيل في حكم البروج والتعلق بها والنظر في الغيب بواسطتها كالتفصيل في حكم سؤال الكهان سواء بسواء.\nقال الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ حفظه الله: \"ومما يدخل في التنجيم في هذا العصر بوضوح -مع غفلة الناس عنه- ما يكثر في المجلات مما يسمونه البروج، فيخصصون صفحة أو أقل منها في الجرائد، ويجعلون عليها رسم بروج السنة، برج الأسد، والعقرب، والثور، إلى آخره، ويجعلون أمام كل برج ما سيحصل فيه، فإذا كان الرجل أو المرأة مولودًا في ذلك البرج يقول: سيحصل لك في هذا الشهر كذا وكذا وكذا، وهذا هو التنجيم الذي هو التأثير، والاستدلال بالنجوم والبروج على التأثير في الأرض وعلى ما سيحصل في الأرض، وهو نوع من\n_________\n(^١) انظر باب الكهانة.\n(^٢) الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد ص ٩٠.","vol":"1","page":547},{"text":"الكهانة، ووجوده في المجلات والجرائد علي ذلك النحو وجود للكهان فيها، فهذا يجب إنكاره إنكارًا للشركيات ولدعاء معرفة الغيب وللسحر وللتنجيم؛ لأن التنجيم من السحر كما ذكرنا، ويجب إنكاره على كل صعيد، ويجب أيضًا على كل مسلم أن لا يدخله بيته، وأن لا يقرأه، ولا يطلع عليه؛ لأن الاطلاع على تلك البروج وما فيها -ولو لمجرد المعرفة- يدخل في النهي من جهة أنه أتى الكاهن غير منكِر عليه.\nوإذا قرأ هذه الصفحة وهو يعلم برجه الذي وُلد فيه، أو يعلم البرج الذي يناسبه، وقرأ ما فيه، فكأنه سأل كاهنًا، فلا تقبل له صلاة أربعين يومًا، فإن صدق بما في تلك البروج فقد كفر بما أنزل على محمد، وهذا يدلك على غربة التوحيد بين أهله، وغربة فهم حقيقة هذا الكتاب -كتاب التوحيد- حتى عند أهل الفطرة وأهل هذه الدعوة، فإنه يجب إنكار ذلك على كل صعيد وأن لا يؤثم المرء نفسه، ولا من في بيته بإدخال شيء من هذه الجرائد التي فيها ذلك في البيوت؛ لأن هذا معناه إدخال للكهنة إلى البيوت، وهذا -والعياذ بالله- من الكبائر، فواجب إنكار ذلك وتمزيقه والسعي فيه بكل سبيل حتى يُدحَر أولئك، لأن أهل التنجيم وأهل البروج هم من الكهنة، والتنجيم له معاهد معمورة في لبنان وفي غيرها، يتعلم فيها الناس حركة النجوم، وما سيحصل بحسابات معروفة، وجداول معينة، ويخبرون بأنه من كان من أهل البرج الفلاني فإنه سيحصل له كذا وكذا، عن طريق تعلم وهمي يغرهم به رؤوسهم وكهانهم، فالواجب على طلبة العلم أن يسعوا في تبصير الناس بحقيقة ذلك في كلماتهم، وبعد الصلوات، وفي خطب الجمع؛ لأن هذا مما كثر البلاء به، والإنكار فيه قليل، والتنبيه عليه ضعيف. والله المستعان\" (^١).\n_________\n(^١) التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص ٣٤٨ - ٣٤٩.","vol":"1","page":548},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-389>٨٨ - التنطع </span>*\n[الإطراء - الغلو]\nقال الخطابي: \"المتنطع، المتعمق في الشيء المتكلف البحث عنه على مذهب أهل الكلام الداخلين فيما لا يعنيهم الخائضين فيما لا تبلغه عقولهم\" (^١).\n* الدليل من السنة: عَنْ عَبْدِ الله بن مسعود -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: \"هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ قَالَهَا ثَلاثًا\" (^٢).\nومن التنطع: \"الامتناع عن المباح مطلقًا، والامتناع عن المباح تدينًا تنطع وغلو كالذي يمتنع من أكل الخبز واللحم ولبس الكتان والقطن ولا يلبس إلا الصوف ويمتنع من نكاح النساء، ويظن أنه من الزهد المستحب\" (^٣).\nقال شيخ الإسلام تقي الدين: \"والزهد إنما يُراد لأنه زهد فيما يضر أو زهد فيما لا ينفع، فأما الزهد في النافع فجهلٌ وضلال\" (^٤).\nوفي الحديث النهي عن التعمق في الأشياء والغلو فيها؛ لأنه من أسباب الهلاك ومن الأسباب التي تفضي إلى الشرك والعياذ بالله (^٥).\nقال النووي ﵀: في شرح الحديث: \"أي المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم. . . وفيه كراهة التقعّر في الكلام بالتشدد وتكلف الفصاحة واستعمال وحشي اللغة ودقائق الإعراب في مخاطبة العوام ونحوهم\" (^٦).\n_________\n* الإبانة لابن بطة العكبري ص ٣٩٦. تيسير العزيز الحميد ص ٣١٨. فتح المجيد ص ٢٥٦. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ١٥٢. مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٣٧١. وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ٣٨٢، طـ ٢ - ١/ ٤٨٥. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٣/ ٢٦٠، ٢٢٨.\n(^١) معالم السنن ٧/ ١٣.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٦٧٠).\n(^٣) تيسير العزيز الحميد ص ٣١٨.\n(^٤) مجموع الفتاوي ١٠/ ٥١١.\n(^٥) انظر باب (الغلو).\n(^٦) رياض الصالحين ص ٥٩٠.","vol":"1","page":549},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-390>٨٩ - التوبة </span>*\n[الاستغفار]\nالتوبة: الرجوع عن الذنب (^١)، وفي الحديث: \"التوبة ندم\".\nوالتوبُ: مثله. قال الأخفش: \"التوب جمع توبة مثل: عزمة وعزم. وتاب إلى الله يتوب توبا وتوبة ومتابًا\" (^٢).\nوقال في المفردات: \"التوب: ترك الذنب على أجمل الوجوه، وهو أبلغ وجوه الاعتذار، فإن الاعتذار على ثلاثة أوجه: إما أن يقول المعتذر: لم أفعل، أو يقول: فعلت لأجل كذا، أو يقول: فعلت وأسأت وقد أقلعت. ولا رابع لذلك وهذا الأخير هو التوبة\" (^٣).\nوالتوبة في الشرع: \"ترك الذنب بقبحه والندم على ما فرط منه والعزيمة على ترك المعاودة، وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال بالإعادة، فمتى اجتمعت هذه الأربع فقد كمل شرط التوبة\" (^٤).\nقال الجرجاني: \"التوبة: الرجوع إلى الله بحل عقدة الإصرار عن القلب ثم القيام\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ١٥/ ١١. التحفة العراقية لابن تيمية ص ١٠٧. أحكام القرآن القرطبي ٣/ ٣٤٠، ٤/ ١٣. ١١/ ١٩٩، ٢٠٠. فتح الباري لابن رجب ١/ ١٥٨. لوامع الأنوار للسفاريني ١/ ٣٧٤. الآداب الشرعية لابن مفلح ١/ ٨٥، ١١٤، ١٣٧، ١٥١. مجموع الفتاوي لابن باز ٢/ ٦٢١ - ٦٤٠. مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٧٧٣. وانظر القول المفيد ط ١ - ٢/ ٣٠٠، شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ١/ ٧٣، ٣/ ١٥٦. الجيلاني وآراؤه الاعتقادية ص ٥٩٦.\n(^١) مختار الصحاح (ت وب).\n(^٢) لسان العرب: \"ت وب\".\n(^٣) مفردات القرآن: \"ت وب\".\n(^٤) انظر: كتاب مفردات القرآن. وانظر: أيضا مدارج السالكين ١/ ١٨١.","vol":"1","page":550},{"text":"بكل حقوق الرب\" (^١).\nوقيل: \"التوبة: الإعراض والندم والإقلاع\".\nقال ابن عثيمين ﵀: \"التوبة شرعًا: الرجوع من معصية الله تعالى إلى طاعته، وأعظمها وأوجبها التوبة من الكفر إلى الإيمان، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، ثم يليها التوبة من كبائر الذنوب.\nثم المرتبة الثالثة: التوبة من صغائر الذنوب. والواجب على المرء أن يتوب إلى ﷾ من كل ذنب\" (^٢).\nقال ابن القيم ﵀: \"والتوبة لا ينبغي أن تكون لأحد إلا لله وحده\" (^٣).\n* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]، وقال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣]، وقال تعالى: ﴿الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٥٤]. وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨].\n* الدليل من السنة: عن أبي بردة عن الأغر عن ابن عمر عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"يا أيها الناس توبوا إلى الله، فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة\" (^٤).\nوعن أبي موسى الأشعري -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: \"إن الله ﷿ يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع\n_________\n(^١) التعريفات ص ٩٥، ٩٦.\n(^٢) شرح رياض الصالحين ١/ ٧٤.\n(^٣) أحكام أهل الذمة ٣/ ٢٩٢.\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٧٠٢).","vol":"1","page":551},{"text":"الشمس من مغربها\" (^١).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه\" (^٢).\nوعنه -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: \"والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم\" (^٣).\nوعن عبد الله بن مسعود -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: \"الندم توبة\" (^٤).\nفائدة في التوبة النصوح: قال الجرجاني: \"والتوبة النصوح: هي توثيق بالعزم على ألا يعود لمثله، قال ابن عباس، -﵂-: التوبة النصوح الندم بالقلب، والاستغفار باللسان، والإقلاع بالبدن، والإضمار على ألا يعود\" (^٥).\nقال عمر -﵁- هي: \"أن يتوب من الذنب ثم لا يعود إليه كما لا يعود اللبن إلى الضرع\".\nوقال الحسن البصري: \"هي أن يكون العبد نادما على ما مضى، مجمعا على ألا يعود فيه\".\nوقيل: التوبة النصوح: \"ألا يبقي على عمله أثرًا من المعصية سرا وجهرًا\".\nوقيل: \"هي التي تورث صاحبها الفلاح عاجلًا وآجلًا\" (^٦).\nقال سعيد بن جبير في التوبة النصوح: \"هي التوبة المقبولة، ولا تقبل ما لم يكن فيها ثلاثة شروط: خوف ألا تقبل، ورجاء أن تقبل، وإدمان الطاعات\" (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٧٥٩).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٧٠٣).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٧٤٩).\n(^٤) أخرجه ابن ماجه (٤٢٥٢)، وابن حبان (٦١٢)، والحاكم في المستدرك (٧٦٨٦).\n(^٥) التعريفات ص ٩٥، ٩٦.\n(^٦) التعريفات ٩٥، ٩٦.\n(^٧) تفسير القرطبي للآية الثامنة من سورة التحريم.","vol":"1","page":552},{"text":"والتوبة تتحقق بالآتي:\n١ - الندم على الذنب.\n٢ - وترك المعصية.\n٣ - العزم على عدم الرجوع إليها.\n٤ - هجر مكان المعصية.\n٥ - رد المظالم إلى أهلها إن كان في حق آدمي.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-391> وجوب التوبة إلى الله:</span>\nالتوبة إلى الله حكمها الوجوب بإجماع أئمة الإسلام\nقال النووي ﵀: \"قال العلماء: التوبة واجبة من كل ذنب، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدمي؛ فلها ثلاثة شروط:\nأحدها: أن يقلع عن المعصية.\nوالثاني: أن يندم على فعلها.\nوالثالث: أن يعزم لا يعود إليها أبدًا.\nفإن فُقد أحد الثلاثة لم تصح توبته، وإن كانت المعصية تتعلق بآدمي فشروطها أربعة، هذه الثلاثة، وأن يبرأ من حق صاحبها؛ فإن كانت مالًا أو نحوه ردَّه إليه، وإن كانت حد قذف ونحوه مكَّنه منه أو طلب عفوه، وإن كان غيبة استحلَّه منها. ويجب أن يتوب من جميع الذنوب، فإن تاب من بعضها صحّت توبته عند أهل الحق من ذلك الذنب، وبقي عليه الباقي\" (^١).\nوقال القرطبي: \"واتفقت الأمة على أن التوبة فرض على المؤمنين\" (^٢).\nوقال ابن قدامة المقدسي: \"الإجماع منعقد على وجوب التوبة\" (^٣).\n_________\n(^١) رياض الصالحين ص ٢٤، ٢٥.\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن ٥/ ٩٠.\n(^٣) مختصر منهاج القاصدين ص ٣٢٢. وانظر: رياض الصالحين بتحقيق الأرنؤوط ص ١٠، ١١.","vol":"1","page":553},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-392> حكم التوبة لغير الله:</span>\nالتوبة للمخلوقات شرك بالله ﷿ قال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"وفي الآية - يعني قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد: ٣٠] دليل على أن التوكل عبادة، وعلى أن التوبة عبادة، وإذا كان كذلك فالتوبة إلى غيره شرك. ولما قال سارق وقد قطعت يده للنبي -ﷺ-: اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد قال النبي -ﷺ-: \"عرف الحق لأهله\" رواه أحمد\" (^١).\nقال ابن القيم في كلام له عن الشرك: \"ومن أنواعه: التوبة للشيخ، فإنها شرك عظيم. فإن التوبة لا تكون إلا لله. كالصلاة والصيام، والحج، والنسك. فهي خالصُ حق الله.\nوفي المسند: أن رسول الله -ﷺ- أُتي بأسير فقال: اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد. فقال رسول الله -ﷺ-: \"عرف الحق لأهله\" (^٢).\nفالتوبة عبادة لا تنبغي إلا لله. كالسجود والصيام\" (^٣).\nوهذا الحكم متعلق بالتوبة من حيث كونها عبادة فإنه يجب صرفها لله وحده.\nقال ابن عثيمين: \"وأما التوبة التي بمعنى الرجوع، فإنها تكون له ولغيره، ومنه قول عائشة حين جاء النبي -ﷺ-: فوجد نمرقة فيها صور، فوقف بالباب ولم يدخل، وقالت: أتوب إلى الله ورسوله -ﷺ- ولا لغيره من الخلق بل لله وحده، ولكن هذه توبة رجوع، ومن ذلك أيضًا حين يضرب الإنسان ابنه لسوء أدبه يقول الابن أتوب\" (^٤).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-393> الفرق بين التوبة والاستغفار:</span>\nانظر باب (الاستغفار).\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٥٨٢.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد (١٥٦٧٢).\n(^٣) مدارج السالكين ١/ ٣٧٤.\n(^٤) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٧٧٤. وانظر القول المفيد ط ١ - ٢/ ٣٠٠.","vol":"1","page":554},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-394>٩٠ - التوحيد وأقسامه </span>*\nقال ابن فارس: \"الواو والحاء والدال أصل واحد يدل على الانفراد\" (^١).\nوقال الجوهري: \"وتوحَّد برأيه: تفرد به\" (^٢).\nوقال الفيروز آبادي: \"وُحِد كعُلِم وكُرم يحدُ -فيهما- وحادةً، ووحودةً ووحُودًا، ووحْدًا، وَوُحْدَة، وَحِدَةً: بَقي مُفردًا كتوحَّد، ووحَّده توحيدًا جعله واحدًا\" (^٣).\nوفي الشرع: قال ابن عثيمين هو: \"إفراد الله ﷾ بما يختص به\" (^٤).\n_________\n* مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٠/ ٣٣١. منهاج السنة النبوية ٣/ ٣١٣. اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٨٤٤. قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ٢٠، ٣٠٨، ٣٠٩. مدارج السالكين ١/ ٤٨، ٥١. لوامع الأنوار للسفاريني ١/ ٥٧. الدرر السنية ١/ ٦٥، ٦٧، ٨٣، ٢/ ٤٣، ٥٤، ٦٧، ٧٢، ٧٦، ١٠٠، ١٢٥، ٨/ ٨٦، ٢٢٤، ١٢/ ٤٧٢. تيسير العزيز الحميد ص ٣٣، ٣٦. فتح المجيد ص ٣٨. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ١١. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ١٠. القول المفيد لابن عثيمين ط ١١/ ٥، ط ٢ - ١/ ١١ ومن المجموع ٩/ ١. فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٢٠. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ١/ ٥٦. مجموع الفتاوى لابن باز ١/ ٩. معارج القبول ١/ ٢٨٥. أهم المهمات لابن سعدي من المجموعة ٣/ ٦١. شجرة الإيمان للسعدي من المجموعة ٣/ ٣٧٥، ٣٩٢، ٢١١. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١/ ١٥ - ٧/ ١٥. مذكرة التوحيد عبد الرزاق عفيفي ص ٣، ٢٠. دعوة التوحيد محمد خليل هراس ١٠/ ٦٩. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله ١/ ١٦. منهج الشافعي في إثبات العقيدة ص ٢٢٩. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ص ١٣٧ إلى ١٤٨. جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية ص ٨١. منهج ابن حجر في العقيدة ص ٢٠٥ إلى ٢٤٤. علم التوحيد د: الربيعة ص ٢٩. تجريد التوحيد للمقريزي ص ٤٥.\n(^١) معجم مقاييس اللغة (وحد). وانظر الصحاح للجوهري ٢/ ٥٤٧.\n(^٢) الصحاح (وح د).\n(^٣) القاموس المحيط (وح د).\n(^٤) شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٣٣.","vol":"1","page":555},{"text":"وقال أيضًا: \"إفراد الله - سبحانه بما يختص به من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات\" (^١).\nوالمعنى اعتقاد أنه إله واحد لا شريك له ولا نظير ولا ند ولا مثل مع التوجه إليه وحده بالعبادة سبحانة؛ لأنه المنفرد بما له من ذات وصفات لا يشاركه فيها أحد سواه. فهو واحد في إلاهيته لا إله غيره. واحد في ربوبيته لا رب سواه. وواحد في كل ما ثبت له من صفات الكمال التي لا تنبغي إلا له.\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"وسمي دين الإسلام توحيدا، لأن مبناه على أن الله واحد في ملكه وأفعاله لا شريك له، وواحد في ذاته وصفاته لا نظير له، وواحد في إلهيته وعبادته لا ند له، وإلى هذه الأنواع الثلاثة ينقسم توحيد الأنبياء والمرسلين الذين جاؤوا به من عند الله\" (^٢).\nوقال السفاريني هو: \"إفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته ذاتا وصفات وأفعالًا\" (^٣).\nوالمعبود هو الله وحده، فالإيمان بالله سبحانه يتضمن توحيده: في ربوبيته، وفي ألوهيته، وفي أسمائه وصفاته (^٤).\nوقد استوفيت الأدلة على التوحيد في أول الكتاب باب (لا إله إلا الله).\n* بم يكون التوحيد؟\nالتوحيد لا يكون باللسان فقط. قال الشيخ محمد بن إبراهيم: \"بل إجماع بين أهل العلم أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل فلا بد من الثلاثة؛ لا بد أن يكون هو المعتقد في قلبه، ولا بد أن يكون هو الذي ينطق به لسانه، ولا بد أن يكون\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ١.\n(^٢) تيسير العزيز الحميد ص ٣٢، ٣٣.\n(^٣) لوامع الأنوار للسفاريني ١/ ٥٧.\n(^٤) شرح الطحاوية ص ٧٦، تيسير العزيز الحميد ص ٧، الروضة ص ٩، ودعوة التوحيد ص ١٠.","vol":"1","page":556},{"text":"هو الذي تعمل به جوارحه فلو وحد بلسانه دون قلبه ما نفعه توحيده، ولو وحد بقلبه وأركانه دون لسانه ما نفعه ذلك، ولو وحد بأركانه دون الباقي لم يكن الرجل مسلمًا هذا إجماع أن الإنسان لا بد أن يكون موحدا باعتقاده ولسانه وعمله\" (^١).\nوينقسم التوحيد إلى ثلاثة أنواع معروفة مشهورة (^٢):\nالنوع الأول: توحيد الربوبية هو الاقرار بأن الله هو الخالق الرازق المحي المميت المدبر لجميع الأمور، وهذا النوع من التوحيد أقر به المشركون ولم يدخلهم إقرارهم به في الإسلام.\nالنوع الثاني: توحيد الألوهية وهو إفراد الله بالعبادة وهذا النوع هو الذي فيه الخصومة بين الأنبياء وأممهم.\nالنوع الثالث: توحيد الأسماء والصفات، وهو أن يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.\nقال الجرجاني: \"وهو ثلاثة أشياء: معرفة الله تعالى بالربوبية، والإقرار بالواحدانية، ونفي الأنداد عنه جملة\" (^٣).\nوبعض العلماء أعاد هذه الأنواع الثلاثة إلى نوعين:\nالنوع الأول: في العلم والاعتقاد ويدخل فيه توحيد الله في الربوبية وتوحيده في الأسماء والصفات. ويسمى التوحيد العلمي لتعلقه بالأخبار والمعرفة (^٤).\nالنوع الثاني: في الإرادة والقصد وهو توحيد الله في ألوهيته سبحانه (^٥).\nفهذان نوعان فيهما الثلاثة الأول ودل على هذا التقسيم الاستقراء والتتبع إذ أن\n_________\n(^١) شرح كشف الشبهات ص ١٢٦.\n(^٢) وقد أفردت لكل منها بابًا فليراجع.\n(^٣) التعريفات ص ٩٦.\n(^٤) انظر باب (توحيد المعرفة والإثبات).\n(^٥) انظر باب (توحيد القصد والطلب).","vol":"1","page":557},{"text":"جميع أنواع التوحيد تدور على هذه الأقسام الثلاثة (^١).\nقال العلامة ابن القيم: \"وأما التوحيد الذي دعت إليه رسل الله ونزلت به كتبه، فوراء ذلك كله، وهو نوعان: -توحيد في المعرفة والإثبات- وتوحيد في الطلب والقصد.\nفالأول: هو حقيقة ذات الرب تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله وعلوه فوق سماواته على عرشه وتكلمه بكتبه وتكليمه لمن شاء من عباده وإثبات عموم قضائه وقدره وحكمه. وقد أفصح القرآن عن هذا النوع جد الإفصاح. كما في أول سورة الحديد، وسورة طه، وأخر سورة الحشر، وأول سورة تنزيل السجدة، وأول سورة آل عمران، وسورة الإخلاص بكاملها وغير ذلك.\nالنوع الثاني: مثل ما تضمنته سورة ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وقوله: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤] الآية وأول سورة تنزيل الكتاب وآخرها وأول سورة يونس ووسطها وآخرها وأول سورة الأعراف وآخرها، وجملة سورة الأنعام، وغالب سور القرآن، بل كل سورة في القرآن فهي متضمنة لنوعي التوحيد، بل نقول قولا كليا: إن كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد شاهدة به داعية إليه فإن القرآن إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهو التوحيد العلمي الخبري، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع كل ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادي الطلبي، وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته في نهيه وأمره، فهي حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء توحيده، وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبى من العذاب فهو خبر عمن خرج عن حكم التوحيد.\nفالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم، فـ\n_________\n(^١) انظر كتاب القول السديد في الرد على من أنكر تقسيم التوحيد لعبد الرزاق العباد حفظه الله.","vol":"1","page":558},{"text":"﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ توحيد، ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ توحيد، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ توحيد، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ توحيد، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ توحيد، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ توحيد، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ توحيد، متضمن لسؤال الهداية إلى طريق أهل التوحيد، الذين أنعم الله عليهم ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ الذين فارقوا التوحيد\" (^١).\nوقال الإمام ابن بطة العكبري المتوفى سنة ٣٨٧ هـ ما نصه: \"وذلك أن أصل الإيمان بالله الذي يجب على الخلق اعتقاده في إثبات الإيمان به ثلاثة أشياء:\nأحدها: أن يعتقد العبد ربانيته ليكون بذلك مباينا لمذهب أهل التعطيل الذين لا يثبتون صانعًا.\nوالثاني: أن يعتقد وحدانيته ليكون مباينا بذلك مذاهب أهل الشرك الذين أقروا بالصانع وأشركوا معه في العبادة غيره.\nالثالث: أن يعتقد موصوفًا بالصفات التي لا يجوز إلا أن يكون موصوفًا بها من العلم والقدرة والحكمة وسائر ما وصف به نفسه في كتابه.\nإذ قد علمنا أن كثيرًا ممن يقر به ويوحده بالقول المطلق قد يلحد في صفاته فيكون إلحاده في صفاته قادحا في توحيده.\nولأنا نجد الله تعالى قد خاطب عباده بدعائهم إلى اعتقاد كل واحدة من هذه الثلاث والإيمان بها.\nفأما دعاؤه إياهم إلى الإقرار بربانيته ووحدانيته فلسنا نذكر هذا هنا لطوله وسعة الكلام فيه، ولأن الجهمي يدعي لنفسه الإقرار بهما وإن كان جحده للصفات قد أبطل دعواه لهما\" (^٢).\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٣/ ٤٤٩، ٤٥٠.\n(^٢) الإبانة لابن بطة ص ٦٩٣، ٦٩٤ من النسخة الخطية عن القول السديد في الرد على من أنكر تقسيم التوحيد لعبد الرزاق العباد ١/ ٢٩، ٣٠.","vol":"1","page":559},{"text":"قال الشيخ بكر أبو زيد حفظه الله: \"هذا التقسيم الاستقرائي لدى متقدمي علماء السلف أشار إليه ابن مندة وابن جرير الطبري وغيرهما، وقرره شيخا الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وقرره الزبيدي في تاج العروس وشيخنا الشنقيطي في أضواء البيان في آخرين -رحم الله الجميع-، وهو استقراء تام لنصوص الشرع، وهو مطرد لدي أهل كل فن، كما في استقراء النحاة كلام العرب إلى اسم وفعل وحرف، والعرب لم تفه بهذا، ولم يعتب على النحاة في ذلك عاتب، وهكذا من أنواع الاستقراء\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-395> التلازم بين أنواع التوحيد:</span>\nقال القاضي ابن أبي العز ﵀: \"فعُلم أن التوحيد المطلوب هو توحيد الإلهية الذي يتضمن توحيد الربوبية. . والقرآن مملوء من تقرير هذا التوحيد وبيانه، وضرب الأمثال له، ومن ذلك أنه يقرِّر توحيد الربوبية، ويبين أنه لا خالق إلا الله، وأن ذلك مستلزم أن لا يُعبد إلا الله، فيجعل الأول دليلًا على الثاني، إذ كانوا يُسلِّمون الأول وينازعون في الثاني، فيبيّن لهم سبحانه أنكم إذا كنتم تعلمون أنه لا خالق إلا الله، وأنه هو الذي يأتي العباد بما ينفعهم، ويدفع عنهم ما يضرهم، لا شريك له في ذلك، فلم تعبدون غيره وتجعلوه معه آلهة أخرى؟! كقوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ الآيات [النمل: ٥٩ - ٦٠].\nيقول الله تعالى في آخر كل آية: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أي: أإله مع الأن فعل هذا؟ وهذا استفهام إنكار، يتضمن نفي ذلك، وهم كانوا مقرين بأنه لم يفعل ذلك غير الله، فاحتج عليهم بذلك، وليس المعنى استفهام: هل مع الله إِله؟ كما ظنه بعضهم؛\n_________\n(^١) التحذير من مختصرات الصابوني في التفسير ص ٢٩، ٣٠.","vol":"1","page":560},{"text":"لأن هذا المعنى لا يناسب سياق الكلام، والقوم كانوا يجعلون مع الله آلهة أخرى، كما قال تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ﴾ [الأنعام: ١٩] وكانوا يقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ [ص: ٥] لكنهم ما كانوا يقولون: إن معه إلهًا ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ [النمل: ٦١]، بل هم مُقرُّون بأن الله وحده فعل هذا، وهكذا سائر الآيات ....\nوتوحيد الإلهية متضمن لتوحيد الربوبية دون العكس، فمن لا يقدر على أن يخلق يكون عاجزًا، والعاجز لا يصلح أن يكون إلهًا قال تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾ [الأعراف: ١٩١]، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧)﴾ [النحل: ١٧].\nفإن قلت: كيف يُستدل بأسمائه وصفاته، فإن الاستدلال بذلك لا يُعهد في الاصطلاح؟\nفالجواب: أن الله تعالى قد أودع في الفطر التي لم تتنجس بالجحود والتعطيل، ولا بالتشبيه والتمثيل، أنه سبحانه الكامل في أسمائه وصفاته، وأنه المصوف بما وصف به نفسه ووصفه به رسُلُه، وما خفي عن الخلق من كماله أعظم وأعظم مما عرفوه منه.\nومن كماله المقدَّس شهادته على كل شيء واطلاعه عليه، بحيث لا يغيب عنه ذرة في السماوات ولا في الأرض باطنًا وظاهرًا، ومن هذا شأنه كيف يليقُ بالعباد أن يشركوا به، وأن يعبدوا غيره ويجعلوا معه إلهًا آخر؟ \" (^١).\nوقال الشيخ صالح الفوزان في بيان علاقة توحيد الإلهية بتوحيد الربوبية:\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية ١/ ٣٢ - ٥٢. بتصرف.","vol":"1","page":561},{"text":"\"علاقة أحد النوعين بالآخر أن توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الإلهية بمعنى أن الإقرار بتوحيد الربوبية يوجب الإقرار بتوحيد الإلهية والقيام به، فمن عرف أن الله ربه وخالقه ومدبر أموره وجب عليه أن يعبده وحده لا شريك له، وتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية بمعنى أن توحيد الربوبية يدخل ضمن توحيد الألوهية، فمن عبد الله وحده ولم يشرك به شيئًا فلا بد أن يكون قد اعتقد أنه هو ربه وخالقه كما قال إبراهيم الخليل ﵊: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٨٢].\nوالربوبية والألوهية تارة يذكران معًا فيفترقان في المعنى ويكون أحدهما قسيمًا للآخر، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣)﴾ فيكون معنى الرب هو المالك المتصرف في الخلق ويكون معنى الإله أنه المعبود بحق المستحق للعبادة وحده، وتارة يذكر أحدهما مفردًا عن الآخر فيجتمعان في المعنى، كما في قول الملكين للميت في القبر: من ربك؟ ومعناه من إلهك وخالقك، وكما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾، قوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾. والربوبية في هذه الآيات هي الإلهية، والذي دعت إليه الرسل من النوعين هو توحيد الألوهية؛ لأن توحيد الربوبية يُقرّ به جمهور الأمم ولم ينكره إلا شواذ من الخليقة أنكروه في الظاهر فقط\" (^١).\n_________\n(^١) الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد ص ٢٣ - ٢٤.","vol":"1","page":562},{"text":"وقال العلَّامة محمد خليل هراس: \"وأما توحيد الإلهية فهو متضمن لتوحيد الربوبية، ومعنى كونه متضمنًا له أن توحيد الربوبية داخل في ضمن توحيد الإلهية، فإن من عبد الله وحده ولم يشرك به شيئًا لا بد أن يكون قد اعتقد أنه هو ربه ومالكه الذي لا رب له غيره ولا مالك له سواه، فهو يعبده لاعتقاده أن أمره كله بيده وأنه هو الذي يملك ضره ونفعه، وأن كل ما يدعي من دونه فهو لا يملك لعابديه ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، كما قال إبراهيم ﵇ لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧)﴾ [العنكبوت: ١٦ - ١٧].\nوأما توحيد الأسماء والصفات فإنه شامل للنوعين السابقين، فهو يقوم على إفراده سبحانه بكل ما له من الأسماء الحسنى والصفات العليا التي لا تنبغي إلا له، ومن جملتها كونه ربًا واحدًا لا شريك له في ربوبيته، وكونه إلهًا واحدًا لا شريك له في إلهيته\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-396> فضل التوحيد:</span>\nفضائل التوحيد (^٢) عظيمة وجليلة وقد جاءت نصوص كثير في الكتاب والسنة في بيان فضله منها قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ\n_________\n(^١) دعوة التوحيد ص ٧٠ - ٧١. وللاستزادة انظر: منهاج السنة ٣/ ٣١٣، درء تعارض العقل والنقل ٧/ ٣٩١، شرح العقيدة الطحاوية ١/ ٤١ وما بعدها.\n(^٢) شرح السنة للبغوي ١/ ٩٢.التمهيد لابن عبد البر ٦/ ٤٣، ٩/ ٢٤٢، ١٠/ ١٤٩، ٢٣/ ٢٩٦. الآداب الشرعية لابن مفلح ١/ ١٦٤.الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ١/ ١٧٣. تيسير العزيز الحميد ٧١. حاشية كتاب لاين قاسم ٢٣. فتح المجيد ٦١. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ١١. القول المفيد ط ١ - ١/ ٥٥. ومن المجموع ٩/ ٤٨. نهج الحافظ ابن رجب في العقيدة ص ٣٧٣. شجرة الإيمان للسعدي من المجموعة ٣/ ١٠٨، ٢٢١، ٢٦٨. معارج القبول ١/ ٢٩٤، ١١. نواقض الإيمان القولية والعملية ٧/ ٢١١.الإمام المروزي وجهوده في توضيح العقدة للنفيعي ص ٣٨٩. علم التوحيد د: الربيعة ص ٣١.","vol":"1","page":563},{"text":"الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢] الآية. وعن أبي سعيد الخدري -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: \"قال موسى: يا رب علمني شيئا أذكرك وأدعوك به، قال: قل يا موسى لا إله إلا الله، قال: يا رب كل عبادك يقولون هذا، قال يا موسى: لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة، مالت بهن لا إله إلا الله\" (^١).\nوعن أبي ذر قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"يقول الله ﷿: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها .. الحديث وفيه: ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئا لقيته بمثلها مغفرة\" (^٢).\nوعن أنس -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"قال الله ﵎: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ... \" الحديث وفيه: إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة\" (^٣).\nقال ابن رجب: \"من جاء مع التوحيد بقراب الأرض خطايا لقيه الله بقرابها مغفرة، لكن هذا مع مشيئة الله ﷿، فإن شاء غفر له، وإن شاء أخذه بذنوبه، ثم كان عاقبته أن لا يخلد في النار، بل يخرج منها ثم يدخل الجنة، فإن كمل توحيد العبد وإخلاصه الله تعالى فيه، وقام بشروطه بقلبه ولسانه وجوارحه، أو بقلبه ولسانه عند\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان والحاكم وصححه. وفي هذا الحديث وغيره رد على من زعم أن الذكر بالاسم المفرد (الله الله) أفضل من الذكر بالجملة المركبة، كقوله سبحان الله وسبحان والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وزعمهم هذا فاسد، فإن الذكر بالاسم المفرد غير مشروع أصلا ولا مفيد شيئا ولا هو كلام، ولا يدل على مدح ولا تعظيم، ولا يتعلق به إيمان ولا ثواب ولا يدخل الذاكر به في عقد الإسلام جملة، فلو قال الكافر (الله، الله) طول عمره لم يصر بذلك مسلما فضلا أن يكون من جملة الذكر أو يكون أفضل الأذكار، إلى آخر ما ذكره ابن القيم ﵀ في كتابه: سفر الهجرتين. انظر التنبيهات السنية للرشيد ص ٨.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٦٨٧).\n(^٣) أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب (٣٥٤٠).","vol":"1","page":564},{"text":"الموت أوجب ذلك مغفرة ما سلف من الذنوب كلها ومنعه من دخول النار بالكلية، فمن تحقق بكلمة التوحيد قلبه، أخرجت منه كل ما سوى الله محبة وتعظيما وإجلالا ومهابة وخشية وتوكلا، وحينئذ تحرق ذنوبه خطاياه كلها ولو كانت مثل زبد البحر، وربما قلبتها حسنات، فإن هذا التوحيد هو الإكسير الأعظم، فلو وضع منه ذرة على جبال الذنوب والخطايا لقلبها حسنات\" (^١).\nوقد تنوعت عبارات السلف في بيان فضل التوحيد إذ هو أشرف الغايات وعلمه أشرف العلوم.\nقال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ -رحمه الله تعالى-: \"وأعظم ما دعا الله الخلق إليه في كتابه ودعت الرسل هو التوحيد وأعظم ما نهى عنه الشرك وهو أصل دعوة الرسل وأساسها ورأسها وأكمل ما فيها وبه بعث الله جميع الرسل كما قد صرح به القرآن في أكثره فهو مملوء به وقد تواتر عن النبي -ﷺ- أنه أول ما دعا المشركين إلى كلمة التوحيد وأن بالإقرار بها يصير الرجل مسلما وبالامتناع عنها يصير كافرا ... فلا يصير الرجل مسلمًا حتى يشهد هذه الشهادة فإنها رأس الإسلام فهي واجبة في كل خطابة فكل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذمى ولهذا وجبت في التحيات وسميت التحيات تشهدا باسم التشهد الذي فيها وبها ختمت التحيات ... وعليها شرع الجهاد الذي هو سنام العمل ... وأهل هذه الكلمة هم السعداء ... وهذا باب واسع فلا يعرف في دين الأنبياء والمرسلين وأتباعهم من الأولين والآخرين، ولا كتب رب العالمين أمرًا أعظم من التوحيد وهو أول الكلمات العشر التي في التوراة ونظيرها الوصايا العشر التي في آخر الأنعام وأهل التوحيد هم المستحقون للشفاعة يوم القيامة ... \" (^٢).\n_________\n(^١) كلمة الإخلاص لابن رجب ص ٢١، وانظر: تيسير العزيز الحميد ص ٩٦.\n(^٢) الرد على البكري ص ٢٩٠ - ٢٩٦.","vol":"1","page":565},{"text":"وقال الإمام المقريزي: \"واعلم أن أنفس الأعمال وأجلها قدرا توحيد الله تعالى\" (^١).\nويدخل في فضل التوحيد حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب (^٢).\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله في معرض كلامه عن توحيد الألوهية: \"وهذا التوحيد هو أول الدين وآخره، وباطنه وظاهره، وهو أول دعوة الرسل وآخرها، وهو معنى قول: لا إله إلا الله. فإن الإله هو المألوه المعبود بالمحبة، والخشية، والإجلال، والتعظيم، وجميع أنواع العبادة، ولأجل هذا التوحيد خلقت الخليقة، وأرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، وبه افترق الناس إلى مؤمنين وكفار، وسعداء أهل الجنة وأشقياء أهل النار. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١] فهذا أول أمر في القرآن. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٢٣)﴾ [المؤمنون: ٢٣]. وهذا التوحيد هو أول واجب على المكلف، لا النظر ولا القصد إلى النظر ولا الشك في الله، كما هي أقوال لمن لم يدر ما بعث الله به رسول الله -ﷺمن معاني الكتاب والحكمة، فهو أول واجب وآخر واجب، وأول ما يدخل به الإسلام وآخر ما يخرج به من الدنيا، كما قال -ﷺ-: \"من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة\" (^٣). وقال: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول -ﷺ-\" (^٤) \" (^٥).\n_________\n(^١) تجريد التوحيد المفيد للمقريزي ص ٦.\n(^٢) أخرجه البخاري مختصرًا ومطولًا (٣٤١٠) (٥٧٠٥)، وأخرجه مسلم (٢٢٠). وسيأتي في باب (الرقى).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٣١١٦).\n(^٤) سبق تخريجه.\n(^٥) تيسير العزيز الحميد ص ٣٧.","vol":"1","page":566},{"text":"قال الشيخ ابن عثيمين: \"وإنما كان التوحيد أعظم ما أمر الله لأنه الأصل الذي ينبني عليه الدين كله، ولهذا بدأ به النبي -ﷺ- في الدعوة إلى الله وأمر من أرسله للدعوة أن يبدأ به\" (^١).\nوذكر الحافظ ابن رجب ﵀ شيئًا من فضائل التوحيد فقال: \" (وكلمة التوحيد لها فضائل عظيمة لا يمكن ههنا استقصاؤها؛ فلنذكر بعض ما ورد فيها:\n* فهي كلمة التقوى.\n* وهي كلمة الإخلاص وشهادة الحق ودعوة الحق وبراءة من الشرك ونجاة هذا الأمر.\n* ولأجلها خُلِق الخلق.\n* ولأجلها أُرسلت الرسل وأنزلت الكتب.\n* ولأجلها أعدت دار الثواب ودار العقاب في الآخرة.\n* ولأجلها أُمرت الرسل بالجهاد، فمن قالها عصم في ماله ودَمِه، ومن أباها فماله ودمُه هدر.\n* وهي مفتاح دعوة الرسل، وبها كلَّم الله موسى كفاحًا.\n* وهي مفتاح الجنة، وهي ثمن الجنة.\n* وهي نجاة من النار.\n* وهي توجب المغفرة.\n* وهي أحسن الحسنات.\n* وهي تمحو الذنوب والخطايا.\n* وهي تجدد ما درس من الإيمان في القلب.\n* وهي التي لا يعدلها شيء في الوزن، فلو وُزنت بالسماوات والأرض رجحت بهن كذلك ترجح بصحائف الذنوب.\n* وهي التي تخرق الحُجُب حتى تصل إلى الله ﷿.\n_________\n(^١) شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٣٥.","vol":"1","page":567},{"text":"* وهي التي ينظر الله إلى قائلها، ويجيب دعاه.\n* وهي الكلمة التي يصدق الله قائلها.\n* وهي أفضل ما قاله النبيون.\n* وهي أفضل الذكر.\n* وهي أفضل الأعمال وأكثرها تضعيفا، وتعدل عتق الرقاب، وتكون حرزًا من الشيطان ومن فضائلها أنها أمان من وحشة القبر وهول الحشر.\n* وهي شعار المؤمنين إذا قاموا من القبور.\n* ومن فضائلها أنها تُفتح لقائلها أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء.\n* ومن فضائلها أن أهلها وإن دخلوا النار بتقصيرهم في حقوقها، فإنهم لا بد أن يخرجوا منها\" (^١).\nوقد استدل لكل هذا بأدلة من الكتاب وأحاديث وآثار ولكني اختصرت في ذكر الفضائل فقط.\nوقال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: \"من فضائل التوحيد:\n* أنه السبب الأعظم لتفريج كربات الدنيا والآخرة ودفع عقوبتهما.\n* ومن فضائله أنه يكفر الذنوب.\n* ومن أجل فوائده: أنه يمنع الخلود في النار إذا كان في القلب منه أدنى مثقال حبة خردل، وأنه إذا كمل في القلب يمنع دخول النار بالكلية.\n* ومنها: أنه يحصل لصاحبه الهدى الكامل، والأمن التام في الدنيا والآخرة.\n* ومنها: أنه السبب الوحيد لنيل رضا الله وثوابه، وأن أسعد الناس بشفاعة محمد -ﷺ- من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه.\n* ومن أعظم فضائله: أن جميع الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة متوقفة في\n_________\n(^١) كلمة الإخلاص وتحقيق معناها ص ٢٤٣ - ٢٥٣ من الجامع المنتخب من رسائل الحافظ ابن رجب، تحقيق محمد العمري.","vol":"1","page":568},{"text":"قبولها وفي كمالها وفي ترتيب الثواب عليها على التوحيد، فكلما قوي التوحيد والإخلاص لله كملت هذه الأمور وتمت.\n* ومن فضائله: أنه يسهل على العبد فعل الخيرات وترك المنكرات ويسليه عند المصيبات. فالمخلص لله في إيمانه وتوحيده تخف عليه الطاعات لما يرجو من ثواب ربه ورضوانه ويهون عليه ترك ما تهواه النفس من المعاصي لما يخشى من سخطه وعقابه.\n* ومنها أن: التوحيد إذا كمل في القلب حبب الله لصاحبه الإيمان وزينه في قلبه وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان وجعله من الراشدين.\n* ومنها: أنه يخفف عن العبد المكاره ويهون عليه الآلام، فبحسب تكميل العبد للتوحيد والإيمان يتلقى المكاره والآلام بقلب منشرح ونفس مطمئنة وتسليم ورضا بأقدار الله المؤلمة.\n* ومن أعظم فضائله: أنه يحرر العبد من رق المخلوقين والتعلق بهم وخوفهم ورجائهم والعمل لأجلهم وهذا هو العز الحقيقي والشرف العالي، ويكون مع ذلك متألها متعبدًا لله لا يرجو سواه ولا يخشى إلا إياه ولا ينيب إلا إليه، وبذلك يتم فلاحه ويتحقق نجاحه.\n* ومن فضائله التي لا يلحقه فيها شيء أن التوحيد إذا تم وكمل في القلب وتحقق تحققًا كاملًا بالإخلاص التام، فإنه يصير القليل من عمله كثيرًا، وتضاعف أعماله وأقواله بغير حصر ولا حساب، ورجحت كلمة الإخلاص في ميزان العبد بحيث لا تقابلها السماوات والأرض، وعمارها من جميع خلق الله ... الخ\" (^١).\n_________\n(^١) القول السديد ص ١٦ وما بعدها.","vol":"1","page":569},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-397>٩١ - توحيد الأسماء والصفات </span>*\nهو أن يُسمى الله ويوصف بما سمَّى به نفسه ووصف في كتابه، وبما سماه ووصفه به رسوله -ﷺ- من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل كما جاء عن السلف الصالح، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في بيان عقيدة السلف الصالح في ذلك: \"أنهم يصفون الله -تعالى- بما وصفه به رسوله من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل\" (^١).\nوقال الإمام أحمد ﵀: \"لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو بما وصفه به رسوله -ﷺ- لا يتجاوز القرآن والحديث\" (^٢).\nوقال الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀: \"هو أن يسمى الله ويوصف بما سمى ووصف به نفسه أو سماه ووصفه به رسوله -ﷺ- من غير تحريف ولا تأويل ومن\n_________\n* لوامع الأنوار للسفاريني ١/ ١٢٨. تيسير العزيز الحميد ص ٣٤. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ١١. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ١٢ ط ٢ - ١/ ١٨ ومن المجموع ٩/ ٦. فتاوى اللجنة الدائمة ٣/ ١١١. مجموع الفتاوى لابن باز ١/ ٢٨٩.القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ١٠. أهم المهمات لابن سعدي من المجموعة ٣/ ٦٢. مذكرة التوحيد عبد الرزاق عفيفي ص ٢٣. دعوة التوحيد محمد خليل هراس ص ١٥. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ص ١٨٧ - ٢١٢.الشيخ السعدي وجهوده في توضيح العقيدة للعباد ص ٩٩. منهج الحافظ ابن رجب في العقيدة ص ٣٥١. مباحث العقيدة في سورة الزمر ص ٢٣.الإمام الخطابي ومنهجه في العقيدة لأبي عبد الرحمن العلوي ص ١١١. منهج ابن حجر في العقيدة ص ٤٨٤. علم التوحيد د: الربيعة ص ٧٦. الجهل بمسائل الاعتقاد ص ٣٩٥.\n(^١) الصفدية ١/ ١٠٣، وانظر: منهاج السنة ٢/ ١١١، ٥٢٣، الجواب الصحيح ٢/ ١٦٣، مجموع الفتاوي ٥/ ١٩٥، ٦/ ٣٨، ٨/ ٢٤٣، ١١/ ٢٥٠.\n(^٢) مجموع الفتاوي ٥/ ٣٨٢.","vol":"1","page":570},{"text":"غير تكييف ولا تمثيل\" (^١).\nوقال ابن عثيمين: هو: \"إفراد الله ﷾ بما سمى به نفسه ووصف به نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله -ﷺ- وذلك بإثبات ما أثبته ونفي ما نفاه من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف، ولا تمثيل\" (^٢).\n* الدليل من الكتاب: ومن أدلة توحيد الأسماء والصفات قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾، وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، وقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾، وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وآخر سورة الحشر.\nوقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾، وقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].\nقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: \"توحيد الأسماء والصفات مبني على أصلين:\nالأول: تنزيه الله ﷿ عن مشابهة المخلوقين في صفاتهم؛ كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.\nالثاني: الإيمان بما وصف الله به نفسه؛ أو وصف به رسوله -ﷺ- على الوجه اللائق بكماله وجلاله؛ كما قال بعد قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾\n_________\n(^١) مذكرة التوحيد لعبد الرزاق عفيفي ص ٢٣.\n(^٢) شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٣٤.","vol":"1","page":571},{"text":"مع قطع الطمع عن إدراك كيفية الاتصاف، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: ١١٠] \" (^١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"ثم القول الشامل في جميع هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله وبما وصفه به السابقون الأولون، لا يتجاوز القرآن والحديث قال الإمام أحمد -﵁-: لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله -ﷺ- لا يتجاوز القرآن والحديث.\nومذهب السلف: أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله -ﷺ- من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، ونعلم أن ما وصف الله به من ذلك فهو حق ليس فيه لغز ولا أحاج، بل معناه يعرف من حيث يعرف مقصود المتكلم بكلامه، لا سيما إذا كان المتكلم أعلم الخلق بما يقول وأفصح الخلق في بيان العلم، وأفصح الخلق في البيان والتعريف والدلالة والإرشاد، والله سبحانه مع ذلك ليس كمثله شيء لا في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته ولا في أفعاله، فكما نتيقن أن الله سبحانه له ذات حقيقية، وله أفعال حقيقية فكذلك له صفات حقيقية وهو ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وكل ما أوجب نقصا أو حدوثا فإن الله منزه عنه حقيقة، فإنه سبحانه مستحق للكمال الذي لا غاية فوقه، ويمتنع عليه الحدوث لامتناع العدم عليه واستلزام الحدوث سابقة العدم، ولافتقار المحدث إلى محدث، ولوجوب وجوده بنفسه ﷾. ومذهب السلف بين التعطيل والتمثيل. فلا يمثلون صفات الله بصفات خلقه كما لا يمثلون ذاته بذوات خلقه ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله فيعطلوا أسماءه الحسنى وصفاته العليا ويحرفوا الكلم عن مواضعه\n_________\n(^١) أضواء البيان ٣/ ٤١٠، ٤١١.","vol":"1","page":572},{"text":"ويلحدوا في أسماء الله وآياته ... الخ\" (^١).\nوقال الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: \"وهذا أيضا لا يكفي في حصول الإسلام بل لا بد مع ذلك من الإتيان بلازمه من توحيد الربوبية والإلهية والكفار يقرون بجنس هذا النوع وإن كان بعضهم قد ينكر بعض ذلك إما جهلًا وإما عنادًا كما قالوا: لا نعرف الرحمن إلا رحمان اليمامة فأنزل الله فيهم ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ \" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-398> مسائل تتعلق بالأسماء والصفات:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-399>الأولى: وجوب احترام أسماء الله</span>؛ لأن احترامها احترام لله ﷿، ومن تَعْظيم الله ألّا يُسمى أحد باسم هو مختص به ﷿ كاسم (الله) و(الرحمن) و(القدوس) فهذه أسماء مختصة بالله ذي الجلال والإكرام فلا يتسمى بها أحد.\nوأخرج أبو داود والنسائي عنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ عَنْ أَبِيهِ هَانِئٍ أَنَّهُ لَمَّا وَفَدَ إِلَى رَسُولِ الله -ﷺ- وسَمِعَهم وَهُمْ يَكْنُونَ هَانِئًا أَبَا الْحَكَمِ، فَدَعَاهُ رَسُولُ الله -ﷺ- فَقَالَ لَهُ: \"إِنَّ الله هُوَ الْحَكَمُ وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ فَلِمَ تُكَنَّى أَبَا الْحَكَمِ؟ \" قَالَ: إِنَّ قَوْمِيِ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أتَوْنِي فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ فَرَضِيَ كِلا الْفَرِيقَيْنِ، قَالَ: \"مَا أَحْسَنَ مِنْ هَذَا فَمَا لَكَ مِنْ الْولْدِ؟ \" قَالَ: لِي شُرَيْحٌ وَعَبْدُ الله وَمُسْلِمٌ. قَالَ: \"فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ؟ \" قَالَ: شُرَيْحٌ. قَالَ: \"فَأَنتَ أَبُو شُرَيْحٍ\" فَدَعَا لَهُ وَلِوَلَدِهِ (^٣).\nوهذا الحديث يدل على المنع من التسمي بأسماء الله تعالى المختصة به أو التكني بذلك لأنه ينافي كمال التوحيد الواجب.\nقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: \"فهو سبحانه الحكم في الدنيا والآخرة يحكم\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٥/ ٢٦، ٢٧.\n(^٢) تيسير العزيز الحميد ص ٣٥.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٤٩٥٥)، والنسائي (٥٣٨٩)، والبخاري في التاريخ الكبير (٨١١)،وصححه الألباني في الإرواء ٨/ ٢٣٨.","vol":"1","page":573},{"text":"بين خلقه في الدنيا بوحيه الذي أنزل على أنبيائه ورسوله\" (^١).\nفلا ينبغي أن يستعمل لفظًا هو يليق بشأن الله تعالى في حق مَنْ هو مخلوق له ومحكوم عليه منه. ذكره الشيخ محمد صديق القنوجي ثم قال موضحًا ذلك: \"أي كقولهم: مالك يوم الدين، وأقضى القضاة، وأرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين، وأبي القضاء والقدر، وأبي الحكم والأمر، وما في معنى ذلك، كالرزاق، والرب، والمعبود، والغنى المطلق\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-400>الثانية في حكم التسمي بأسماء الله:</span>\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"التسمي بأسماء الله مثل: كريم، وعزيز ونحوها على وجهين:\n* الوجه الأول: على قسمين:\nالقسم الأول: أن يحلّى بـ (أل) ففي هذه الحال لا يسمى به غير الله كما لو سمَّيت أحدًا بالعزيز، والسيد، والحكيم، وما أشبه ذلك فإن هذا لا يسمى به غير الله؛ لأن (أل) هذه تدل على لمح الأصل وهو المعنى الذي تضمنه هذا الاسم.\nالقسم الثاني: إذا قصدتم بالاسم معنى الصفة وليس محلى بـ (أل) فإنه لا يسمى به ولهذا غيَّر النبي كنية أبي الحكم التي تكنى بها؛ لأن أصحابه يتحاكمون إليه فقال النبي -ﷺ-: \"إن الله هو الحَكَم وإليه الحُكْم\" ثم كناه بأكبر أولاده شريح، فدل ذلك على أنه إذا تسمى أحد باسم من أسماء الله ملاحظًا بذلك معنى الصفة التي تضمنها هذا الاسم فإنه يُمنع لأن هذه التسمية تكون مطابقة تماما لأسماء الله، فإن أسماء اللهَ أعلام وأوصاف لدلالتها على المعنى الذي تضمنه الاسم.\n* الوجه الثاني: أن يتسمى بالاسم غير محلى بـ (أل) وليس المقصود به معنى\n_________\n(^١) فتح المجيد ٥٠٩. ٥١٠.\n(^٢) الدين الخالص لصديق حسن ٢/ ١٩٦.","vol":"1","page":574},{"text":"الصفة فهذا لا بأس به مثل حكيم، ومن أسماء بعض الصحابة حكيم بن حزام الذي قال له النبي -ﷺ-: \"لا تبع ما ليس عِنْدَك\" وهذا دليل على أنه إذا لم يقصد بالاسم معنى الصفة فإنه لا بأس به\" (^١).\nوقال ﵀: \"وأسماء الله تنقسم إلى قسمين:\nالأول: ما لا يصح إلا لله فهذا لا يُسمى به غيره، وإن سُمي جب تغييره مثل: الله، الرحمن، رب العالمين، وما أشبه ذلك.\nالثاني: ما يصح أن يوصف به غير الله مثل: الرحيم، والسميع، والبصير، فإن لوحظت الصفة منع من التسمي به، وإن لم تلاحظ الصفة جاز لتسمي به على أنه علم محض\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-401>الثالث: قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"لا يصح أن نقول: \"شاءت قدرة الله</span>\"؛ لأن المشيئة إرادة، والقدرة معنى، والمعنى لا إرادة له، وإنما الإرادة للمريد، والمشيئة لمن يشاء، ولكننا نقول اقتضت حكمة الله كذا وكذا، أو نقول عن الشيء إذا وقع: هذا قدرة الله أي مقدوره كما تقول: هذا خلق الله أي مخلوقه، وأما أن نضيف أمرًا يقتضي الفعل الاختياري إلى القدرة فإن هذا لا يجوز.\nومثل ذلك قولهم \"شاء القدر كذا وكذا\" وهذا لا يجوز؛ لأن القدر والقدرة أمران معنويان ولا مشيئة لهما، وإنما المشيئة لمن هو قادر ولمن هو مقدِّر. والله أعلم\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-402>الرابعة: دعاء الصفة لا يجوز كأن يقول: يا رحمة الله ارحميني</span>، أما الدعاء بالصفة، والاستعاذة بالصفة، والحلف بالصفة والاستغاثة بالصفة فكل ذلك جائز.\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٣/ ٩٤.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٨٤٤، ٨٤٥. وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ١٩.\n(^٣) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٣/ ١١٤. وانظر معجم المناهي اللفظية للشيخ بكر أبو زيد ص ٣٣٣.","vol":"1","page":575},{"text":"قال ابن تيمية ﵀: \"وفي الدعاء المأثور \"يا حي يا قيوم لا إله الا أنت برحمتك أستغيث، أصلح لى شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا إلى أحد من خلقك\"، والاستغاثة برحمته استغاثة به في الحقيقة كما أن الاستعاذة بصفاته استعاذةٌ به في الحقيقة، وكما أن القسم بصفاته قَسَم به في الحقيقة ففي الحديث: \"أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق\"، وفيه: \"أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك، لا أحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك\"؛ ولهذا استدل الأئمة فيما استدلوا على أن كلام الله غير مخلوق بقوله: \"أعوذ بكلمات الله التامة\" قالوا: والإستعاذة لا تصلح بالمخلوق، وكذلك القسم قد ثبت في الصحيحين أن النبي -ﷺ- قال: \"من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت\" وفي لفظ: \"من حلف بغير الله فقد أشرك\". رواه الترمذى وصححه، ثم قد ثبت في الصحيح الحلف \"بعزة الله\" و\"لعمر الله\" ونحو ذلك مما اتفق المسلمون على أنه ليس من الحلف بغير الله الذي نهى عنه\" (^١).\nوقد ورد إلى الشيخ ابن باز ﵀ سؤال يطلب فيه السائل التوفيق بين النهي عن الاستغاثة بصفة من صفات الله وبين حديث: \"يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين\" نرجو من سماحتكم توضيح هذا الإبهام؟ والله ولي التوفيق.\nفأجاب ﵀ بقوله: \"لا يجوز سؤال الصفات، وإنما يوجه السؤال إلى الله سبحانه كما قال ﷿: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ والآيات في هذا المعنى كثيرة، أما الصفات فلا يجوز سؤالها، ولا يجوز الاستغاثة بها، فلا يجوز أن يقال: \"يا علم الله انصرني، أو ارحمني، أو يا رحمة الله\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١/ ١١١، ١١٢.","vol":"1","page":576},{"text":"ارحميني، أو يا حلم الله اغفر لي، ولا يا وجه الله ارحمني، وما أشبه ذلك\".\nوقد ذكر شيخ الإسلام أن هذا الأمر حرام بإجماع المسلمين، أما الحديث المذكور في السؤال وهو \"يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث .. \" فمعناه: برحمتك أستغيث وليس معناه الاستغاثة بالرحمة، وإنما هو توسل بالرحمة وهكذا يجوز أن يقول الإنسان: \"يا رب ارحمني برحمتك، يا رب انصرني بقدرتك، وما أشبه ذلك\" لأن ذلك توسل إلى الله بصفاه، كما قال الله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ فدل ذلك على أن الصفات لا تُدعى وإنما يُدعى الله ﷾، ويُسأل بأسمائه وصفات\" (^١).\nوسُئل أيضًا الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ عن عبارة مكتوبة على بعض السيارات \"يا رضا الله ورضا الوالدين\" فما حكم تلك العبارة؟.\nالجواب: قوله: \"يا رضا الله ورضا الوالدين\" غلطٌ من جهتين:\nالجهة الأولى: أنه نادى رضا الله، ومناداة صفات الله -جل وعلا- بـ \"ياء النداء\" لا تجوز؛ لأ، الصفة غير الذات في مقام النداء، ولهذا: إنما يُنادى الله -جل وعلا- المتصف بالصفات، وقد نصَّ شيخ الإسلام ابن تيمية في ردِّه على البكري، وغيره من أهل العلم: على أن منادة الصفة محرّم بالإجماع، فإذا كانت الصفة هي الكلمة - كلمة الله -جل وعلا- كان كفرًا بالإجماع؛ لأن من نادى الكلمة يعني بها عيسى ﵇، فيكون تأليهًا لغير الله -جل وعلا-؛ ورضا الله -جل وعلا- صفة من صفاته، فلا يجوز نداء الصفة.\nوالمؤاخذة الثانية في تلك الكلمة: أنه جعل رضا الوالدين مقرونًا برضا الله -جل وعلا- بـ \"الواو\"، والأنسب هنا أن يكون العطف بـ \"ثم\" فيقول -مثلًا-: أسأل\n_________\n(^١) فتاوى ابن باز، سلسلة كتاب الدعوة ٣/ ٢٩.","vol":"1","page":577},{"text":"الله رضاه ثم رضا الوالدين، وإن كان استعمال الواو في مثل هذا السياق لا بأس به؛ لأن الله -جل وعلا- قال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤]، وقال -جل وعلا-: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، ولأن \"الواو\" هنا تقتضي تشريكًا في أصل الرضا؛ وهذا الرضا يمكن أن يكون من الوالدين -أيضًا- فيكون التشريك في أصل المعنى لا في المرتبة\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-403>الخامسة: حكم تسمية ضيف الله، وجار الله، ونعمة الله:</span>\nقال الشيخ ابن جبرين حفظه الله في الفوائد على شرح كتاب التوحيد: إن هذه الأسماء يجوز إطلاقها على المخلوق لأنها إضافة تشريف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-404>السادسة: حكم قول: أخي العزيز هذه جائزة</span>؛ لأن هذا وصف وليس تسمية فينبغي التفريق بين الاسم والصفة؛ لأن الاسم المختص بالله تعالى لا يطلق على غيره من باب التسمية أما الوصف فجانز ومنه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].\n<span data-type=\"title\" id=toc-405>السابعة: يقول الحافظ ابن القيم: \"يسأل في كل مطلوب باسم يكون مقتضيًا لذلك المطلوب</span>، فيكون السائل متوسلًا إليه بذلك الاسم، ومن تأمل أدعية الرسل وجدها مطابقة لذلك\" .. وقال أيضًا: \"يأتي السائل بالاسم الذي يقتضيه المطلوب؛ كما تقول: اغفر لي وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم، ولا يَحسُن أن تقول: إنك أنت السميع البصير\" (^٢).\nوقال الشيخ السعدي ﵀: \"كل مطلب يطلبه العبد من ربه من أمور دينه ودنياه\n_________\n(^١) التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص ٦١٤.\n(^٢) بدائع الفوائد ١/ ١٦٠، ١٦٤.","vol":"1","page":578},{"text":"فليتوسل إليه باسم مناسب له من أسماء الله الحسنى، فمن دعاه لحصول رزق فليسأله باسمه الرزاق ولحصول رحمة ومغفرة فباسمه الرحيم الرحمن البر الكريم، العفو الغفور التواب، ونحو ذلك.\nوأفضل من ذلك أن يدعوه بأسمائه وصفاته ودعاء العبادة. وذلك باستحضار معاني الأسماء الحسنى وتحصيلها في القلوب حتى تتأثر القلوب بآثارها ومقتضياتها، وتمتلئ بأجل المعارف. فمثلًا: أسماء العظمة والكبرياء والمجد والجلال والهيبة تملأ القلب تعظيمًا لله وإجلالًا له. وأسماء الجمال والبر والإحسان والرحمة والجود تملأ القلب محبة لله وشوقًا له وحمدًا وشكرًا له، وأسماء العز والحكمة والعلم والقدرة تملأ القلب خضوعًا لله وخشوعًا وانكسارًا بين يديه، وأسماء العلم والخبرة والإحاطة والمراقبة والمشاهدة تملأ القلبَ مراقبةً لله في الحركات والسكنات وحراسة للخواطر عن الأفكار الردية والإرادات، وأسماء الغنى واللطف تملأ القلب افتقارًا واضطرارًا إليه، والتفاتًا إليه كل وقت، في كل حال.\nفهذه المعارف التي تحصل للقلوب بسبب معرفة العبد بأسمائه وصفاته وتعَبُّدِه بها لله لا يُحَصِّلُ العبدُ في الدنيا أجلَّ ولا أفضلَ ولا أكملَ منها، وهي أفضلُ العطايا من اللهَ لعبده، وهي روح التوحيد ورَوْحُه، ومن انفتح له هذا الباب انفتح له باب التوحيد الخاص، والإيمان الكامل الذي لا يحصل إلا للكُمَّل من الموحدين\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-406>وضد توحيد الأسماء والصفات الإلحاد:</span>\nومعنى الإلحاد في أسماء الله: الميل بها عما تدل عليه من المعاني الحقيقية\n_________\n(^١) القول السديد ص ١٣٣، ١٣٤، وانظر للاستزادة في هذا أحكام القرأن للقرطبي ٢/ ٨١٥، والقواعد المثلى لابن عثيمين ص ١٨.","vol":"1","page":579},{"text":"العظيمة إلى معان باطلة لا تدل عليها كما يفعله الذين يُؤولونها عن معانيها إلى معان اخترعوها. ويدخل في الإلحاد التعطيل والتمثيل والتفويض والتكييف والتحريف فكل من مال عن معنى حقيقة الصفة إلى غيرها فقد ألحد فيها فمستقل ومستكثر نسأل الله تعظيم أسمائه وصفاته (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-407>حكم جحود شيء من الأسماء والصفات من غير تأويل:</span>\nروى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس أنه رأى رجلا انتفض لما سمع حديثًا عن النبي -ﷺ- في الصفات استنكارا لذلك فقال: ما فَرَقُ هؤلاء؟ يجدون رقّة عند محكمه ويهلكون عند متشابهه\" (^٢). اهـ.\nويفهم من أثر ابن عباس أن من رد شيئًا من نصوص الصفات أو استنكره بعد صحته فهو من الهالكين.\nوقال عثمان بن سعيد الدارمي ﵀: \"ونكفّر الجهمية بكفر مشهور، وهو تكذيبهم بنص الكتاب، أخبر الله ﵎ أن القرآن كلامه، وادعت الجهمية أنه خلقه، وأخبر الله ﵎ أنه كلم موسى تكليمًا، وقال هؤلاء لم يكلمه الله بنفسه ولم يسمع موسى نفس كلام الله إنما سمع كلامًا خرج إليه من مخلوق ...، وقال الله ﵎: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤]، وقال هؤلاء الجهمية: ليس لله يد، وما خلق آدم بيده، وإنما يداه نعمتاه ورزقاه، فادعوا في يدي الله أوحش مما ادعته اليهود؛ قالت اليهود: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾، وقالت الجهمية يد الله مخلوقة؛ لأن النعم والأرزاق مخلوقة لا شك فيها، وذلك محال في كلام العرب، فضلا أن يكون كفرًا؛ لأنه يستحيل أن يقال خلق آدم بنعمته .. \" (^٣).\n_________\n(^١) للاستزادة انظر باب (الإلحاد).\n(^٢) المصنف (٢٠٨٩٥)، والسنة لابن أبي عاصم (٤٨٥) (١/ ١٢).\n(^٣) الرد على الجهمية، ص ٢٠٠ - ٢٠١.","vol":"1","page":580},{"text":"وقال أبو العباس السراج: \"من لم يقر ويؤمن بأن الله تعالى يعجب، ويضحك، وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول: \"من يسألني فأعطيه\" فهو زنديق كافر، يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين\" (^١).\nوقال الذهبي -معلقًا-: \"إنما يكفر بعد علمه بأن الرسول -ﷺ- قال ذلك، ثم إنه جحد ذلك ولم يؤمن به\" (^٢).\nوأَخْرَجَ اِبْنُ أَبِي حَاتِم فِي مَنَاقِب الشَّافِعِيّ عَنْ يُونُس بْن عَبْد الأَعْلَي سَمِعْت الشَّافِعِيّ يَقُول: \"لِلَّهِ أَسْمَاء وَصِفَات لا يَسَعُ أَحَدًا رَدُّهَا، وَمَنْ خَالَفَ بَعْد ثُبُوت الْحُجَّة عَلَيْهِ فَقَدْ كَفَرَ، وَأَمَّا قَبْل قِيَام الْحُجَّة فَإِنَّهُ يُعْذَر بِالْجَهْلِ، لأَنَّ عِلْم ذَلِكَ لا يُدْرَك بِالْعَقْلِ وَلا الرُّؤْيَة وَالْفِكْر، فَنُثْبِتُ هَذ الصِّفَات وَنَنْفِي عَنْهُ التَّشْبِيه كَمَا نَفَى عَنْ نَفْسه، فَقَالَ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] \" (^٣).\nوقال الآجري: \"وكان مما بينه -ﷺ- لأمته أنه أعلمهم في غير حديث: \"إنكم ترون ربكم ﷿\" ورواه جماعة من صحابته -﵃ -، وقبلها العلماء عنهم أحسن القبول، كما قبلوا عنهم علم الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، وعلم الحلال والحرام، كذا قبلوا منهم الأخبار أن المؤمنين يرون الله ﷿، لا يشكون في ذلك، ثم قالوا: من رد هذه الأخبار فقد كفر\" (^٤).\nويقول ابن قدامة المقدسي ﵀ في معرض كلامه عن الاستواء:\"والجحود به\n_________\n(^١) مختصر العلو ص ٢٣٢، وانظر سير أعلام النبلاء ١٤/ ٣٩٦.\n(^٢) المصدر السابق ص ٢٣٢.\n(^٣) اجتماع الجيوش الإسلامية ص ٩٤، فتح الباري ١٣/ ٤١٨ باب قوله وكان عرشه على الماء عند شرح الحديث رقم (٧٤٢٦).\n(^٤) الشريعة ٢٢٧.","vol":"1","page":581},{"text":"كفر لأنه ردٌّ لخبر الله، وكفر بكلام الله، ومن كفر بحرف متفق عليه فهو كافر، فكيف بمن كفر بسبع آيات، ورد خبر الله تعالى في سبعة مواضع من كتابه\" (^١).\nوقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"فمن جحد شيئًا من أسماء الله وصفاته من الفلاسفة، والجهمية والمعتزلة ونحوهم، فله نصيب من الكفر بقدر ما جحد من الاسم أو الصفة، فإن الجهمية والمعتزلة ونحوهم، وإن كانوا يقرون بجنس الأسماء والصفات فعند التحقيق لا يقرون بشيء، لأن الأسماء عندهم أعلام محضة، لا تدل على صفات قائمة بالرب ﵎ وهذا نصف كفر الذين جحدوا اسم الرحمن\" (^٢).\nوقال الشيخ السعدي: \"فمن جحد شيئًا من أسماء الله وصفاته فقد أتى بما يناقض التوحيد وينافيه، وذلك من شعب الكفر\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-408> وهذه المسألة فيها تفصيل:</span>\nفمن أنكر شيئًا من أسماء الله وصفاته أو آية من كتابه مع علمه بها فهو كافر والعياذ بالله.\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"الجحد: الإنكار، والإنكار نوعان:\nالأول: إنكار تكذيب وهذا كفر بلا شك، فلو أن أحدا أنكر اسما من أسماء الله أو صفة من صفاته الثابتة في الكتاب والسنة مثل أن يقول ليس لله يد، أو أن الله لم يستو على عرشه أو ليس له عين فهو كافر بإجماع المسلمين، لأن تكذيب خبر الله ورسوله كفر مخرج عن الملة بالإجماع.\nالثاني: إنكار تأويل وهو أن لا يذكرها ولكن يتأولها إلى معنى يخالف ظاهرها\n_________\n(^١) ذم التأويل ص ٢٦ تحقيق البدر.\n(^٢) تيسير العزيز الحميد ص ٥٨٢.\n(^٣) القول السديد ص ١١٦.","vol":"1","page":582},{"text":"وهذا نوعان:\nالأول: أن يكون للتأويل مسوغ في اللغة العربية فهذا لا يوجب الكفر.\nالثاني: أن لا يكون له مسوغ في اللغة العربية، فهذا حكمه الكفر؛ لأنه إذا لم يكن له مسوغ صار قي الحقيقة تكذيبًا، مثل أن يقول: المراد بقوله تعالى ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] تجري بأراضينا، فهذا كافر؛ لأنه نفاها نفيًا مطلقًا، فهو مُكذِّب، ولو قال في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة. ٦٤] المراد بيديه: السماوات والأرض؛ فهو كفر أيضًا لأنه لا مسوغ له في اللغة العربية، ولا هو مقتضى الحقيقة الشرعية؛ فهو مُنكر ومكذِّب، لكن إن قال: المراد باليد النعمة أو القوة، فلا يكفر لأن اليد في اللغة تطلق بمعنى النعمة، قال الشاعر:\nوكم لظلام الليل عندك من يد ... تُحدِّثُ أن المانوية تكذبُ\" (^١)\nقال الإمام ابن تيمية: \"من قال إن الله لم يكلم موسى تكليما، فهذا إن كان لم يسمع القرآن، فإنه يعرف أن هذا نص القرآن، فإن أنكره بعد ذلك استتيب، فإن تاب وإلا قتل، ولا يقبل منه إن كان كلامه بعد أن يجحد نص القرآن، بل لو قال إن معنى كلامي إنه خلق صوتا في الهواء فاسمعه موسى كان كلامه أيضًا كفرًا، وهو قول الجهمية الذين كفّرهم السلف، وقالوا يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا، ولكن من كان مؤمنا بالله ورسوله مطلقًا، ولم يبلغه من العلم ما يبين له الصواب، فإنه لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي من خالفها كفر، إذ كثير من الناس يخطئ فيما يتأوله من القرآن، ويجهل كثيرا مما يرد من معاني الكتاب والسنة، والخطأ والنسيان مرفوعًا عن هذه الأمة، والكفر لا يكون إلا بعد البيان\" (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١٠/ ٧٦٥. وانظر: القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ٢٩١.\n(^٢) مجموع الفتاوى ص ١٢/ ٥٢٣، ٥٢٤.","vol":"1","page":583},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-409>٩٢ - توحيد الألوهية </span>*\nالأولوهية مأخوذة من \"إله\" فعال بمعنى مفعول، مثل كتاب بمعنى مكتوب، فالإله فعال بمعنى مفعول، وكُلُّ ما اتُخذ معبودًا إلهٌ عند مُتخِذه (^١).\nوتوحيد الألوهية في الشرع: هو إفراد الله تعالى بأفعال العباد.\nقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: \"التوحيد هو إفراد الله بالعبادة\" (^٢).\nوقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: \"هو إفراد الله بالعبادة الباطنة والظاهرة\" (^٣).\nوهذا النوع من التوحيد هو موضوع دعوة الرسل -﵈- من أولهم إلى آخرهم.\n_________\n* اقتضاء الصراط المسقيم ٢/ ٨٤٦. لوامع الأنوار للسفاريني ١/ ١٢٨.الدرر السنية ١/ ٥١٧، ٢/ ٣١، ٣٠١. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ١/ ٥٩، ٦٢، ١٩٠. دعوة التوحيد محمد خليل هراس ص ٣٤. تيسير العزيز الحميد ص ٣٦. فتح المجيد ص ٣٩. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ١١.القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ٩ ط ٢ - ١/ ١٦ ومن المجموع ٩/ ٤. فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٣٦. شجرة الإيمان للسعدي من المجموعة ٣/ ٢٦٧. مذكرة التوحيد عبد الرزاق عفيفي ص ٢٩. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٧/ ٣٤٩. الشيخ السعدي وجهوده في توضيح العقيدة للعباد ص ١٤٨. منهج الشافعي في إثبات العقيدة ص ٢٢٧. الجيلاني وآراؤه الاعتقادية ص ١٢٨. مباحث العقيدة في سورة الزمر ١٧٧. نواقض الإيمان القولية والعملية ١٣١. منهج ابن حجر في العقيدة ص ٩٩٥. منهج الحافظ ابن رجب في العقيدة ص ٣٦٩.ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ص ٢٩٧. جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية ص ١٢١. الإمام الخطابي ومنهجه في العقيدة لأبي عبد الرحمن العلوي ص ٢٢٧.الجهل بمسائل الاعتقاد ص ٣٧٨.\n(^١) تاج العروس، القاموس المحيط، مختار الصحاح مادة: \"أل ٥\"، وقد تقدم شيء من ذلك في الباب الأول (لا إله إلا الله).\n(^٢) ثلاثة الأصول ص ٣٢.\n(^٣) قرة عيون الموحدين ص ١١، وانظر مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٤، ٥.","vol":"1","page":584},{"text":"وهو أول ما يُؤمر به من يريد الدخول في الإسلام النطق بالشهادتين، فتبين من هذا أن توحيد الإلهية هو مقصود دعوة الرسل. وسمي بذلك لأن الألوهية وصف الله تعالى الدال عليه اسمه تعالى (الله) فالله: ذو الألوهية.\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"ويسمى هذا النوع توحيد الإلهية لأنه مبني على إخلاص التأله وهذا أشد المحبة لله وحده وذلك يستلزم إخلاص العبادة\" (^١).\nوقال الشيخ ابن قاسم ﵀: \"توحيد الألوهية هو إخلاص العبادة لله وحده بجميع أفراد العبادة\" (^٢).\nوقد دخل في الإلهية جميع أنواع العبادة الصادرة عن تألُّه لقلب لله بالحب والخضوع والانقياد له وحده لا شريك له، فيجب إفرادُ الله تعالى بها، كالدعاء والخوف والمحبة، والتوكل والإنابة، والتوبة، والذبح، والنذر، والسجود، وجميع أنواع العبادة فيجب صرف جميع ذلك لله وحده لا شريك له، فمن صرف شيئًا مما لا يصلح إلا لله من العبادات لغير الله، فهو مشرك ولو نطق بـ \"إله إلا الله\"، إذ لم يعمل بما تقتضيه من التوحيد والإخلاص (^٣).\n* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].\nوقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥].\nوكل رسول يبدأ دعوته لقومه بالأمر بتوحيد الإلهية كما قال نوح وهود وصالح\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٣٨.\n(^٢) حاشية الأصول الثلاثة ص ٣٢.\n(^٣) تيسير العزيز الحميد ص ٧٥، حاشية الأصول الثلاثة ص ٤٦.","vol":"1","page":585},{"text":"وشعيب: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]، وقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾ [العنكبوت: ١٦]. وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١)﴾ [الزمر: ١١]. وقال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ﴾ [محمد: ١٩]. وقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦] وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، وقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، وقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١].\nقال ابن مسعود -﵁-: من سرَّه أن ينظر إلى الصحيفة التي عليها خاتم محمد -ﷺ- فليقرأ هؤلاء الآيات: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: ١٥١ - ١٥٣] (^١).\n* الدليل من السنة: عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -﵁- قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ الله -ﷺ- عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ قَالَ: فَقَالَ: \"يَا مُعَاذُ، تَدْرِي مَا حَقُّ الله عَلَى الْعِبَادِ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى الله\"؟ قَالَ: قُلْتُ: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: \"فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى الْعِبَادَ أَنْ يَعْبُدُوا الله وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى الله ﷿ أَنْ لا يُعَذِّبَ مَنْ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: لا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا\" (^٢).\nوعن ابن عباس -﵄- أن رسول الله -ﷺ- لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: \"إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى\" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٠٧٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٩٦٧) (٦٢٦٧) (٢٨٥٦)، ومسلم (٣٠).\n(^٣) أخرجه البخاري (٧٣٧٢) (١٤٩٦)، ومسلم (١٩).","vol":"1","page":586},{"text":"وعن طارق بن أشيم -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"من وحد الله وكفر بما يعبد من دونه، حرم ماله ودمه وحسابه على الله\" (^١).\nوعن ابن عمر -﵄- عن النبي -ﷺ- قال: \"بني الإسلام على خمسة: على أن يوحد الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحج\" (^٢).\nوقال -ﷺ-: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-410> فوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-411>١ - فائدة:\nيقال لتوحيد الألوهية توحيد العبادة </span>باعتبار أن العبودية وصف العبد حيث إنه يجب عليه أن يعبد الله مخلصا في ذلك لحاجته إلى ربه وفقره إليه\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: \"واعلم أن فقر العبد إلى أن يعبد الله لا يشرك به شيئًا ليس له نظير فيقاس به لكن يشبه من بعض الوجوه حاجة الجسد إلى الطعام والشراب وبينهما فروق كثيرة فإن حقيقة العبد قلبه وروحه وهي لا صلاح لها إلا بإلهها الذي لا إله إلا هو. فلا تطمئن في الدنيا إلا بذكره. ولو حصل للعبد لذات وسرور بغير الله فلا يدوم ذلك بل ينتقل من نوع إلى نوع ومن شخص إلى شخص - وأما إلهه فلا بد منه في كل حال وكل وقت وأينما كان فهو معه\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-412>٢ - فطرية التوحيد وأن الشرك طارئ على البشر:</span>\nخلق الله الناس حنفاء على عقيدة واحدة وهي عقيدة التوحيد ثم عرضت لهذه\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٣).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٦).\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) مجموع الفتاوى ١/ ٢٤.","vol":"1","page":587},{"text":"العقيدة انحرافات فمال الناس وانحرفوا إلى الوثنية والشرك بالله وهذا القول هو القول الحق، الذي لا شك فيه والذي تدل عليه نصوص الكتاب والسنة، ولا يعرف أحد من العلماء المعتبرين قال بخلافه. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: ١٩]، وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣]. وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].\nوفي الحديث القدسي قال الله تعالى: \"إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم\" (^١).\nوقال -ﷺ-: \"كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه\" (^٢).\nفالأصل في الناس التوحيد والشرك طارئ وحادث فيهم.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"ولم يكن الشرك أصلًا في الآدميين، بل كان آدم ومن كان على دينه من بنيه على التوحيد لله؛ لاتباعهم النبوة قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام، فبتركهم اتباع شريعة الأنبياء وقعوا في الشرك، لا بوقوعهم في الشرك خرجوا عن شريعة الإسلام، فإن آدم أمرهم بما أمره الله به، حيث قال له: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٨ - ٣٩]،\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) سبق تخريجه.","vol":"1","page":588},{"text":"وقال في الآية الأخرى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢<span data-type=\"title\" id=toc-413>٣ - ١٢٦] \" (^١).\n\n٣ - ما يضاد التوحيد ويناقضه:</span>\nيضاد التوحيد نواقض قولية واعتقادية وعملية. وسيأتي ذكر ذلك في باب نواقض الإسلام ولكن نذكر شيئًا عنها لمناسبة الباب.\nوالنواقض على نوعين:\nالنوع الأول: ما ينقض أصل التوحيد، كالشرك الأكبر، والنفاق الاعتقادي، وترك الصلاة عمدًا أو تهاونًا على الصحيح من قولي العلماء.\nالنوع الثاني: نواقض كمال التوحيد، مع بقاء أصله، كالشرك الأصغر بصوره، والنفاق العملي وكذلك كبائر الذنوب فإنها لا تزيل التوحيد والإيمان وإنما تؤثر على كماله وتمامه.\nقال الحافظ ابن رجب: \"فمن أشرك مخلوقًا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية، كان ذلك قدحا في إخلاصه في قوله: لا إله إلا الله، ونقصا في توحيده، وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك وهذا كله من فروع الشرك.\nولهذا ورد إطلاق الكفر والشرك على كثير من المعاصي التي منشؤها من طاعة غير الله، أو خوفه، أو رجائه، أو التوكل عليه، أو العمل لأجله كما ورد إطلاق الشرك على الرياء، وعلى الحلف بغير الله، وعلى التوكل على الله، والاعتماد\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢٠/ ١٠٦.","vol":"1","page":589},{"text":"عليه، وعلى من سوى بين الله وبين المخلوق في المشيئة.\nمثل أن يقول ما شاء الله وشاء فلان، وكذا قوله: مالي إلا الله وأنت، وكذلك ما يقدح في التوحيد، وتفرد الله بالنفع والضر كالطيرة والرقي المكروهة، وإتيان الكهان وتصديقهم بما يقولون، وكذلك اتباع هوى النفس فيما نهى الله عنه قادح في تمام التوحيد وكماله، ولهذا أطلق الشرع على كثير من الذنوب التي منشؤها من هوى النفس أنها كفر وشرك، كقتال المسلم، ومن أتى حائضا أو امرأة في دبرها، ومن شرب الخمر في المرة الرابعة، وإن كان ذلك لا يخرجه من الملة بالكلية. ولهذا قال السلف، كفر دون كفر، وشرك دون شرك\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-414>٤ - تحقيق التوحيد (^٢):</span>\nويقصد بتحقق التوحيد تخليصه وتصفيته من الشرك والبدع والمعاصي. قال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"تحقيق التوحيد: هو معرفته، والاطلاع على حقيقته، والقيام بها علما وعملا، وحقيقة ذلك هو انجذاب الروح إلى الله محبة وخوفًا، وإنابة وتوكلًا، ودعاء وإخلاصًا وإجلالًا وهيبة، وتعظيما وعبادة. وبالجملة فلا يكون في قلبه شيء لغير الله، ولا إرادة لما حرم الله، ولا كراهة لما أمر الله؟ وذلك هو حقيقة لا إله إلا الله، فإن الإله هو المألوه المعبود.\nوما أحسن ما قال ابن القيم:\nفلواحدٍ كن واحدًا في واحدٍ ... أعني سبيلَ الحقِّ والإيمانِ\nوذلك هو حقيقة الشهادتين، فمن قام بها على هذا الوجه فهو من السبعين ألفا\n_________\n(^١) تحقيق كلمة الإخلاص ص ١٧، ١٨، انظر كتاب منهج الحافظ ابن رجب الحنبلي في العقيدة ٣٨٥، ٣٨٧.\n(^٢) اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٨٣٠. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٧/ ٢٢٠. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ١٣. مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٧٩. والقول المفيد ط ١ - ١/ ٨٥.","vol":"1","page":590},{"text":"الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب\" (^١).\nوفي قول الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠)﴾ [النحل: ١٢٠]، يقول الشيخ سليمان بن عبد الله: \"وصف الله إبراهيم ﵇ في هذه الآية بهذه الصفات الجليلة التي هي أعلى درجات تحقيق التوحيد، ترغيبا في اتباعه في التوحيد، وتحقيق العبودية فاتباع الأوامر، وترك النواهي، فمن اتبعه في ذلك، فإنه يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب كما يدخلها إبراهيم ﵇\" (^٢).\nوالصفات التي جمعت له في هذه الآية هي:\n١ - أنه كان أمة قدوة وإمامًا معلمًا للخير وإمامًا يقتدى.\n٢ - أنه كان قانتًا لله أي خاشعًا مطيعًا مداومًا للطاعة.\n٣ - أنه كان حنيفًا أي مائلًا قصدًا عن الشرك.\nقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الكلام على هذه الآية: \" ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ لئلا يستوحش سالك الطريق من قلة السالكين ﴿قَانِتًا لِلَّهِ﴾ لا للملوك ولا للتجار المترفين، ﴿حَنِيفًا﴾ لا يميل يمينا ولا شمالا كفعل العلماء المفتونين، ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ خلافًا لمن كثر سوادهم وزعم أنه من المسلمين\" (^٣).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وإبراهيم صلوات الله وسلامه عليه هو الذي جعله الله إماما لمن بعده من الناس، فلا يوجد قط مؤمن ولا منافق يظهر الإيمان إلا وهو معظم لإبراهيم، وإن كان فيهم من يكذب بكثير مما كان عليه إبراهيم. وقد جعل الله في ذريته النبوة والكتاب، فالأنبياء بعده من ذريته، فلا\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٩٩.\n(^٢) تيسير العزيز الحميد ص ٩٩.\n(^٣) فتح المجيد ص ٨٨.","vol":"1","page":591},{"text":"يوجد من يؤمن بالأنبياء إلا وهو مؤمن بإبراهيم، ولا من يدعو إلى عبادة الله في الجملة وينهى عن الشرك إلا وهو معظم لإبراهيم\" (^١).\nوشرط تحقيق التوحيد تخليصه من كل نواقضه المخرجة من الدين والملة فالشرك الأكبر مناقض لأصل التوحيد. والأصغر مناف لكماله. والبدع والمعاصي تكدر وتشوب التوحيد، وتمنع تحقيقه.\nقال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم ﵀: \"ولا يحصل كمال فضله إلا بكمال تحقيقه؛ وتحقيق التوحيد قدر زائد على ماهية التوحيد، وتحقيقه من وجهين، واجب ومندوب، فالواجب تخليصه وتصفيته عن شوائب الشرك والبدع والمعاصي. فالشرك ينافيه بالكلية، والبدع تنافي كماله الواجب، والمعاصي تقدح فيه وتنقص ثوابه، فلا يكون العبد محققا للتوحيد حتى يسلم من الشرك بنوعيه، ويسلم من البدع والمعاصي، والمندوب تحقيق المقربين، تركوا ما لا بأس به حذرا مما به بأس، وحقيقته هو انجذاب الروح إلى الله، فلا يكون في قلبه شيء لغيره، فإذا حصل تحقيقه بما ذكر، فقد حصل الأمن التام، والاهتداء التام\" (^٢).\nقال ابن سعدي ﵀: \"إن تحقيق التوحيد تهذيبه وتصفيته من الشرك الأكبر والأصغر ومن البدع القولية والاعتقادية، والبدع الفعلية العملية، ومن المعاصي وذلك بكمال الإخلاص لله في الأقوال والأفعال والإرادات، وبالسلامة من الشرك الأكبر المناقض لأصل التوحيد، ومن الشرك الأصغر المنافي لكماله وبالسلامة من البدع والمعاصي التي تكدر التوحيد وتمنع كماله وتعوقه عن حصول آثاره\" (^٣).\n_________\n(^١) تفسير آيات أشكلت على كثير من العلماء ١/ ٤٠٦.\n(^٢) حاشية كتاب التوحيد ٣٧.\n(^٣) القول السديد ص ٢٠، ٢١.","vol":"1","page":592},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-415>٩٣ - توحيد الربوبية </span>*\nقال ابن منظور: \"الرب يطلق في اللغة على المالك والسيد والمدبر والمربِّي والقيّم والمنعِم\" (^١).\nوقال الراغب: \"الربوبية مصدر يقال في الله ﷿ والرب في الأصل التربية وهو إنشاء الشيء حالًا فحالًا إلى حد التمام ولا يقال الرب مطلقًا إلا لله تعالى المتكفل بمصلحة الموجودات وبالإضافة يقال: \"رب الدار\"\" (^٢).\nقال ابن عثيمين: \"فكل العالمين قد رباهم الله بنعمه وأعدهم لما خلقوا له، وأمدهم برزقه قال الله ﵎ في محاورة موسى وفرعون ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾ [طه: ٤٩ - ٥٠] فكل أحد من العالمين قد رباه اللهَ ﷿ بنعمته\" (^٣).\n_________\n* لوامع الأنوار للسفاريني ١/ ١٢٨. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ١/ ٦١. تيسير العزيز الحميد ٣٣. فتح المجيد ص ٣٩. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ١١. مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ١. وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ٥ ط ٢ - ١/ ١١ القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ١٠. معارج القبول ١/ ٧٥. فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٢٤. مجموع. الفتاوى لابن عثيمين ١/ ٦٥. دعوة التوحيد محمد خليل هراس ص ٢٨. الشيخ السعدي وجهوده في توضيح العقيدة للعباد ص ٦٦، ١٩١. موقف ابن تيمية من الأشاعرة ص ٩٨٢، ١٠٢١. منهج الشافعي في إثبات العقيدة ص ٣٠٣. الجيلاني وآراؤه الاعتقادية ص ١١٣. منهج الحافظ ابن رجب في العقيدة ص ٣٤٨. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ص ١٥٥ - ١٧٠. منهج ابن حجر في العقيدة ص ٢٤٤ - ٢٥٩.الجهل بمسائل الاعتقادة ص ٣٧٠. نواقض الإيمان القولية والعملية ص ٩٦. الإمام الخطابي ومنهجه في العقيدة لأبي عبد الرحمن العلوي ص ٥٩ - ٦٤.\n(^١) لسان العرب (ر ب ب).\n(^٢) المفردات في غريب القرآن ٦/ ٤٠.\n(^٣) شرح ثلاثة الأصول من مجموع الفتاوى ٦/ ٤٠.","vol":"1","page":593},{"text":"التعريف الشرعي: توحيد الربوبية هو توحيد الله بأفعاله من الخلق والرزق والإحياء والإماتة ونحو ذلك، فالله جل وعلا هو الخالق لجميع المخلوقات المالك المدبر لها.\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"توحيد الربوبية والملك، وهو الإقرار بأن الله تعالى رب كل شيء ومالكه وخالقه ورازقه، وأنه المحيي المميت النافع الضار المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار، الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله، القادر على ما يشاء، ليس له في ذلك شريك، ويدخل في ذلك الإيمان بالقدر\" (^١).\nوهذا التوحيد أقر به الكفار على زمن رسول الله -ﷺ- ولم يدخلهم في الإسلام وقاتلهم رسول الله -ﷺ- واستحل دماءهم وأموالهم.\n* الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾ [يونس: ٣١].\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].\n* الدليل من السنة: الأحاديث كثيرة في ذلك منها حديث شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عَنْ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"سَيِّدُ الاِسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي، وَأَنَا عَبْدُكَ وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ بذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ. قال: ومن قالها من النهار مُوقِنًا بهَا فَمَاتَ من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٢٣.","vol":"1","page":594},{"text":"قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل االجنة\" (^١).\nومن ذلك قوله -ﷺ-: \"اللهم رب السماوات السبع ورب الأرض ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء فالق الحب والنوى ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عنا الدين وأغننا من الفقر\" (^٢). ومن ذلك دعاء الاستفتاح في قيام الليل: \"اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-416> توحيد الربوبية لا يكفي العبد في حصول الإسلام:</span>\nيقول الإمام المقريزي: \"توحيد الربوبية هو الذي اجتمعت فيه الخلائق مؤمنها وكافرها، وتوحيد الإلهية مفرق الطرق بين المؤمنين والمشركين\" (^٤).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"وطائفة ظنوا أن التوحيد ليس إلا الإقرار بتوحيد الربوبية، وأن الله خالق كل شيء، وهو الذي يسمونه: توحيد الأفعال ... إلى أن قال: وهذا التوحيد هو من التوحيد الواجب لكن لا يحصل به كل الواجب ولا يخلص بمجرده عن الإشراك الذي هو أكبر الكبائر، الذي لا يغفره الله، بل لا بد أن يخلص لله الدين والعبادة، فلا يعبد إلا إياه، ولا يعبده إلا بما شرع فيكون دينه لله\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٣٢٣)، (٦٣٠٦).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٧١٣).\n(^٣) أخرجه مسلم (٧٧٠)، وأبو داود (٧٦٧).\n(^٤) تجريد التوحيد المفيد للمقريزي ص ٦.\n(^٥) اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٨٤٥. ٨٤٦ وانظر شرح العقيدة الطحاوية ٨٣ - ٩٦ ط. المكتب الإسلامي.","vol":"1","page":595},{"text":"قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: \"واعلم أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله -ﷺ- صفة إشراكهم أنهم يدعون الله، ويدعون معه الأصنام والصالحين؛ مثل عيسى، وأمه، والملائكة؛ يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله؛ وهم يقرون: أن الله سبحانه، هو: النافع، الضار، المدبر؛ كما ذكر الله عنهم في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [يونس: ٣١] \" (^١).\nوقد أفنى البعض عمره في إثبات هذا النوع مع أن النفوس قد فُطرت على الإقرار والإيمان به، وإنما تُنزل الكتب وتُرسل الرسل ويشرع الجهاد وتسير الكتائب من أجل توحيد الله بأفعال العباد وهو توحيد الألوهية.\nولذلك نجد أن أهل السنة والجماعة لم يعنوا كثيرًا في إيضاح توحيد الربوبية بل عنوا بتوحيد الألوهية، وبيانه، والدعوة إليه، والرد على من غلط فيه.\nوإذا كان المشركون يقرون: أن الله سبحانه، هو: النافع، الضار، المدبر فإن كفر من أشرك مع الله غيره في الربوبية يعتبر أشد كفرًا من المشركين الذين أشركوا مع الله غيره في الألوهية.\nقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: \"وقد دل القرآن العظيم على أن توحيد الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام:\nالأول: توحيده في ربوبيته، وهذا النوع من التوحيد جبلت عليه فطر العقلاء، قال تعالى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]. وإنكار فرعون لهذا النوع من التوحيد في قوله ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣)﴾ [الشعراء: ٢٣]. تجاهل من عرف أنه عبد مربوب، بدليل قوله تعالى ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ\n_________\n(^١) الدرر السنية ١/ ٧٧.","vol":"1","page":596},{"text":"السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢] الاية، وقوله ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّ﴾ [النمل: ١٤]. وهذا النوع من التوحيد لا ينفع إلا بإخلاص العبادة لله كما قال تعالى ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٦] والآيات الدالة على ذلك كثير جدا\" (^١).\nوكذلك من ينكر الرب اليوم من الشيوعيين إنما ينكرونه في الظاهر مكابرة وإلا فهم في الباطن لا بد أن يعترفوا بأن هناك ربًا يفتقر العباد إليه، وما من موجود إلا وله مُوجِد، وما من مخلوق إلا وله خالق وما من أثر إلا وله مؤثر قال الله تعالى ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦)﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٦].\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وبهذا وغيره يعرف ما وقع من الغلط في مسمى التوحيد، فإن عامة المتكلمين الذين يقررون التوحيد في كتب الكلام والنظر غايتهم أن يجعلوا التوحيد ثلاثة أنواع، فيقولون: هو واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له.\nوأشهر الأنواع الثلاثة عندهم هو الثالث: وهو توحيد الأفعال وهو أن خالق العالم واحد، وهم يحتجون على ذلك بما يذكرونه من دلالة التمانع وغيرها، ويظنون أن هذا هو التوحيد المطلوب، وأن هذا هو معنى قولنا: لا إله إلا الله، حتى قد يجعلون معنى الإلهية القدرة على الاختراع. ومعلوم أن المشركين من العرب الذين بُعث إليهم محمد -ﷺ- أولا - لم يكونوا يخالفونه في هذا، بل كانوا يقرون بأن الله خالق كل شيء حتى إنهم كانوا مقرين بالقدر أيضا، وهم مع هذا مشركون.\nوقد تبين أن ليس في العالم من ينازع في أصل هذا الشرك ولكن غاية ما يقال: إن\n_________\n(^١) تفسير الشنقيطي أضواء البيان ٣/ ٤١٠، ٤١٤.","vol":"1","page":597},{"text":"من الناس من جعل بعض الموجودات خلقا لغير الله، كالقدرية وغيرهم، لكن هؤلاء يقرون بأن الله خالق العباد وخالق قدرتهم، وإن قالوا: إنهم خالقوا أفعالهم.\nوكذلك أهل الفلسفة والطبع والنجوم الذين يجعلون بعض المخلوقات مبدعة لبعض الأمور، فهم مع الإقرار بالصانع يجعلون هذه الفاعلات مصنوعة مخلوقة، لا يقولون إنها غنية عن الخالق، مشاركة له في الخلق.\nفأما من أنكر الصانع فذلك جاحد معطل للصانع، كالقول الذي أظهره فرعون، والكلام الآن مع المشركين بالله المقرين بوجوده\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-417> استلزام توحيد الربوبية لتوحيد الألوهية:</span>\nإن من أقر بتوحيد الربوبية لله واعترف بأنه لا خالق ولا رازق ولا مدبر للكون إلا الله ﷿ لزمه أن يقر بأنه لا يستحق العبادة بجميع أنواعها إلا الله سبحانه وهذا هو توحيد الألوهية فإن الألوهية هي العبادة فالإله معناه المعبود فلا يدعى إلا الله ولا يستغاث إلا به، ولا يتوكل إلا عليه، ولا تصرف جميع أنواع العبادة إلا له فتوحيد الربوبية دليل لوجوب توحيد الإلهية ولهذا كثيرا ما يحتج الله سبحانه على المنكرين لتوحيد الإلهية بما أقروا به من توحيد الربوبية مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]. وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾ [الأنعام: ١٠٢].\nوظاهر دلالة الآية الكريمة أن من أفرد الله بالربوبية استحق أن يفرده بالعبادة قال الشيخ سليمان بن عبد الله بعد أن ذكر أقسام التوحيد الثلاثة: \"وهي متلازمة،\n_________\n(^١) التدمرية ص ١٧٩ - ١٨١.","vol":"1","page":598},{"text":"كل نوع منها لا ينفك عن الآخر، فمن أتى بنوع منها ولم يأت بالآخر، فما ذاك إلا أنه لم يأت به على وجه الكمال المطلوب ... وهذا التوحيد -يعني توحيد الربوبية- لا يكفي العبد في حصول الإسلام، بل لا بد أن يأتي مع ذلك بلازمه من توحيد الإلهية، لأن الله تعالى حكى عن المشركين أنهم مقرون بهذا التوحيد لله وحده.\nثم ذكر ﵀ الأدلة من القرآن على ذلك واستشهد بأشعارهم التي يقرون فيها بتوحيد الربوبية وختم ذلك بقوله: فوجب على كل من عقل عن الله تعالى أن ينظر ويبحث عن السبب الذي أوجب سفك دمائهم، وسبي نسائهم، وإباحة أموالهم، مع هذا الإقرار والمعرفة، وما ذاك إلا لإشراكهم في توحيد العبادة الذي هو معنى لا إله إلا الله\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-418>٩٤ - توحيد القصد والطلب</span>\n[توحيد الألوهية]\nويسمى التوحيد الفعلي وهو المسمى بتوحيد الألوهية، وسمي فعليا لأنه متضمن لأفعال القلوب والجوارح، فأفعال القلوب كالرجاء الخوف والمحبة، والجوارح كالصلاة والزكاة والحج ونحو ذلك، فهو إفراد الله بأفعال العبيد.\nكما يسمى هذا النوع بالتوحيد الإرادي الطلبي لتعلقه بالقصد والإرادة لأن الواجب على الموحد فيه أن يوجه إرادته وقصده وطلبه إلى الله تعالى وحده لا شريك له.\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ٣٣ - ٣٤. وانظر للاستزادة مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٧/ ٣٤٨.","vol":"1","page":599},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-419>٩٥ - توحيد المعرفة والإثبات</span>\n[توحيد الربوبية - توحيد الأسماء والصفات]\nويسمى التوحيد العلمي الخبري لتعلقه بالأخبار والمعرفة وهو يشمل توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات لأن الواجب على الموحد فيهما أن يعلم تفرد الله تعالى بالربوبية والأسماء والصفات ويثبت ذلك كما ورد في الكتاب والسنة.\nكما يطلق عليه: التوحيد القولي الاعتقادي لاشتماله على أقوال القلوب وهو اعترافها واعتقادها، وعلى أقوال اللسان.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-420> والتوحيد القولي ينقسم إلى قسمين:</span>\nالأول: النفي.\nالثاني: الإثبات.\nفالنفي ينقسم إلى قسمين:\nأ- نفي النقائص والعيوب عن الله.\nب - نفي التشبيه والتعطيل عن أسمائه وصفاته.\nالثاني: الإثبات وهو إثبات صفات الكمال لله، ثم السلب أيضا ينقسم إلى قسمين:\n١ - سلب متصل.\n٢ - سلب منفصل.\nأ - نفي ما يناقض ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله من كل ما يضاد الصفات الكاملة من النقائص والعيوب كالموت والإعياء والنوم والنعاس والجهل والعجز ونحو ذلك.\nب- سلب منفصل وهو تنزيهه سبحانه عن أن يشاركه في خصائصه التي لا تكون لغيره كالشريك والظهير والشفيع بغير إذنه، ونفي الزوجة والولد ونحو ذلك.","vol":"1","page":600},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-421>٩٦ - التوسل </span>*\nالتوسل في اللغة: مأخوذ من الوسيلة وهي المنزلة عند الملك، والوسيلة: الدرجة (^١)، ومن ذلك قوله -ﷺ-: \"ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو .. \" (^٢).\nوتطلق الوسيلة ويراد بها القربة، وهذا مأثور عن ابن عباس وعطاء ومجاهد والفراء (^٣)، ويقال وسل فلان إلى الله وسيلة إذا عمل عملا تقرب به إليه، قال أبو\n_________\n* قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص ١٧. الاستغاثة لابن تيمية ص ٣٣٦. اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٧٧٢، ٧٧٤، ٧٨٧. مجموع فتاوى شيخ الإسلام ١/ ٢٩٠. إغاثة اللهفان ١/ ٢٠١، ٢١٧. فتح الباري ١٣/ ٣٥٠.الدرر السنية ١/ ٢٣٢، ٢/ ١٨٥، ١٩٣، ٣/ ٣٦١، ١٠/ ٢٢٣، ٢٦٧، جلاء العينين في محاكمة الأحمدين لابن الألوسي السيد نعمان خير الدين. صيانة الإنسان للسهسواني ص ٢٠٥.الدين الخالص لصديق حسن ٢/ ١٧٩، ٤/ ٢٢، ٥١. قطف الثمر صديق حسن ص ١٠٨، ١١٢.التوصل إلى حقيقة التوسل محمد نسيب الرفاعي. التوسل أنواعه وأحكامه للشيخ محمد ناصر الدين الألباني. تيسير العزيز الحميد ص ٦٤٥. فتح المجيد ص ٥٢٧.حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٣٣٧. مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ١١٠٠. وانظر القول المفيد ط ٢ - ٣/ ٩٠. فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٣٣٠. مجموع الفتاوى لابن باز ٣/ ٩٤٥. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٢/ ٣٣٥. ٥/ ٢٧٧، ٢٨٨. ٧/ ٢١٢. نور على الدرب لابن باز ٣٨، ١٨٣، ١٩٥. مجموع الفوائد واقتناص الأوابد للسعدي ص ٢٢٨. نور على الدرب ص ٣٨، ١٨٣، ١٩٥. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ١/ ٦٩. هذه مفاهيمنا للشيخ صالح آل الشيخ ١١، منهج الإمام مالك في العقيدة ص ٣١٤.الآثار الواردة في سير أعلام النبلاء د: جمال بن أحمد ٢/ ١٨٥. الجيلاني وآراؤه الاعتقادية ص ٤٤٣. جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية ص ٣٤٣٧، ١١٢٣، ١٤٥٥، ١٤٥٩، ١٤٦٩.الشيخ السعدي وجهوده في توضيح العقيدة للعباد ص ١٧٦. التبرك د: ناصر الجديع ص ٣٩٥ الفوائد الجلية لسيد غباشي. دعاوى المناوئين للشيخ عبد العزيز آل عبد الطيف.\n(^١) لسان العرب (وس ل).\n(^٢) أخرجه مسلم (٣٨٤).\n(^٣) زاد المسير (٢/ ٣٤٨)، تفسير ابن كثير ٢/ ٥٥.","vol":"1","page":601},{"text":"عبيدة: يقال توسلت إليه أي تقربت إليه وأنشد:\nإذا غفل الواشون عدنا لوصلنا ... وعاد التصافي بيننا والوسائل\nوالواسل: \"الراغب إلى الله\" (^١).\nقال في النهاية: \"الوسيلة هي في الأصل ما يتوصل به إلى شيء ويتقرب به وجمعها وسائل يقال وسل إليه وسيلة وتَوَسَّل والمراد به في الحديث القُربُ من الله تعالى. وقيل: هي الشفاعة يوم القيامة وقيل هي منزلة من منازل الجنة كما جاء في الحديث\" (^٢).\nالتوسل شرعًا: \"هو التقرب إلى الله تعالى بطاعته وعبادته وباتباع رسوله، وبكل عمل يحبه ويرضاه\" (^٣).\nقال ابن عثيمين ﵀: \"هي التقرب إلى الله بطاعته، وهذا يدخل فيه كل ما أمرنا الله به ورسوله\" (^٤).\nوقال صاحب القول الجلي في حكم التوسل بالنبي والولي: \"اعلم أن التوسل المشروع الذي شرعه الله على لسان نبيه المتبوع إنما هو بالتقرب إلى الله تعالى بما شرعه على لسان نبيه -ﷺ- من علم أو عمل قلبي أو بدني أو ترك وكف عن عمل محظور فيدخل فيه جميع الطاعات وترك جميع المعاصي امتثالًا لأمر الشارع\" (^٥).\nوقال الشيخ صالح آل الشيخ: \"الوسيلة: التقرب إلى الله بأنواع القرب والطاعات وأعلاها إخلاص الدين له والتقرب إليه بمحبته ومحبة رسوله ومحبة دينه ومحبة\n_________\n(^١) انظر: لسان العرب، القاموس المحيط (وس ل)، زاد المسير (٢/ ٣٤٨).\n(^٢) النهاية في غريب الحديث (وس ل).\n(^٣) انظر التوصل إلى حقيقة التوسل ص ٢٠.\n(^٤) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١/ ٢٤٧.\n(^٥) القول الجلي تأليف محمد بن أحمد بن محمد عبد السلام خضر ص ٢٨.","vol":"1","page":602},{"text":"من شَرَع حبه، بهذا يجمع ما قاله السلف، وقولهم من اختلاف التنوع\" (^١).\n* الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥)﴾ [المائدة: ٣٥]. وقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء: ٥٦ - ٥٧]. وقد تقدم عن جمع من السلف تفسير الوسيلة بالقربة.\nوقال قتادة وعطاء والسدي وغيرهم في قوله: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ أي: \"تقربوا إلى الله بطاعته والعمل بما يرضيه\" (^٢).\nقال الإمام ابن تيمية ﵀: \"فالوسيلة التي أمر الله أن تبتغي إليه وأخبر عن ملائكته وأنبيائه أنهم يبتغونها إليه هي ما يتقرب إليه من الواجبات والمستحبات فهذه إلوسيلة التي أمر الله المؤمنين بابتغائها تتناول كل واجب ومستحب، وما ليس بواجب ولا مستحب لا يدخل في ذلك سواء كان محرمًا أو مكروهًا أو مباحًا ... \" (^٣).\nوقال الشيخ الأمين الشنقيطي: \"اعلم أن جمهور العلماء على أن المراد بالوسيلة هنا (^٤) هو القربة إلى الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه على وفق ما جاء به محمد -ﷺ- بإخلاص في ذلك لله تعالى، لأن هذا وحده هو الطريق الموصلة إلى رضا\n_________\n(^١) هذه مفاهيمنا (ص ١٢).\n(^٢) انظر: تفسير القرطبي: ٦/ ١٥٩، وتفسير ابن كثير: ٢/ ٥٥.\n(^٣) مجموع الفتاوى ١/ ١٩٩.\n(^٤) يعني قوله تعالى:+ وابتغوا إليه الوسيلة.","vol":"1","page":603},{"text":"الله تعالى ونيل ما عنده من خير الدنيا والآخرة\" (^١).\nقال السعدي: \"وذلك يشمل التقرب إلى الله بالواجبات والمستحبات وكذلك التقرب إليه بترك المحرمات والمكروهات\" (^٢).\nأقسام التوسل: التوسل قسمان:\n١ - توسل مشروع. ... ٢ - توسل ممنوع.\n١ - أما التوسل المشروع: فهو كل توسل دل على مشروعيته نص من الكتاب أو السنة، وهو أنواع أربعة:\nالنوع الأول: توسل بالله تعالى: وهو إما توسل بأسمائه الحسنى، وإما بصفاته العلى.\nودليله من القرآن قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].\nقال أبو يوسف عن الإمام أبي حنيفة -رحمهما اللهُ تعالى-: \"لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به\" (^٣).\nقال الإمام الصنعاني ﵀: \"والمعروف كتابًا وسنةً أن نسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته، وهذا هو أحد التأويلين في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] (^٤).\nودليله من السنة: ما روى عبد الله بن بريدة -﵁- عن أبيه أن رسول الله -ﷺ- سمع رجلًا يقول: اللهم إني أسألك أني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد\n_________\n(^١) أضواء البيان: ٢/ ٨٦.\n(^٢) الفتاوى السعدية: ص ٢٣.\n(^٣) شرح الفقه الأكبر على علي قاري: ص ١٩٨. ومجموع الفتاوى ١/ ٢٠٢. وإغاثة اللهفان لابن القيم ١/ ٢١٦.\n(^٤) الإنصاف في حقيقة الأولياء ص ٤٩.","vol":"1","page":604},{"text":"الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. فقال: \"لقد سألت الله بالاسم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب\" (^١).\nقال الألباني: \"فهذه الأحاديث وما شابهها تُبيّن مشروعية التوسل إلى الله تعالى باسم من أسمائه أو صفة من صفاته، وأن ذلك مما يحبه الله ويرضاه\" (^٢).\nالنوع الثاني: توسل المؤمن إلى الله تعالى بأعماله الصالحة.\nودليله من القرآن: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾ [البقرة: ١٢٧ - ١٢٨]. وقول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران: ١٦].\nودليله من السنة: قصة أصحاب الكهف الثلاثة الذين توسلوا إلى الله بأعمالهم الصالحة الخالصة لوجهه الكريم ففرج الله عنهم الصخرة.\nومن الأدلة أيضًا ما روى عبد الله بن عمرو بن العاص عن أبي بكر الصديق -﵁- أنه قال لرسول الله -ﷺ-: علمني دعاء أدعو به في صلاتي قال: \"قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم\" (^٣).\nوهذا فيه الاعتراف بالذنب والندم عليه وهو داخل في العمل الصالح الذي يتقرب به إلى الله تعالى.\nالنوع الثالث: توسل المؤمن إلى الله تعالى بدعاء النبيين أو الصالحين وسائر المؤمنين وذلك في حياتهم: سواء طلب من أخيه الدعاء له كأن يقول مثلا: ادع الله\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٤٩٣) وابن ماجه (٣٨٥٧).\n(^٢) التوسل أنواعه وأحكامه ص ٣٢.\n(^٣) أخرجه البخاري (٨٣٤) (٦٣٢٦)، ومسلم (٢٧٠٥).","vol":"1","page":605},{"text":"لي أن يعافيني أو يقضي حاجتي وما أشبه ذلك أو دعا المؤمن لأخيه دونما طلب منه كأن يراه مثلا في ضيق فيدعو الله أن يفرج عنه سواء في حضوره أو في ظهر الغيب أو كصلاة الجنازة والدعاء عند زيارة القبور لأهل القبور. فالمسلمون كانوا يتوسلون إلى الله تعالى بدعاء نبيهم ﵊ في حياته في الاستسقاء وغيره فكان يدعو لهم فتستجاب دعوته. قال الألوسي: \"وطلب الدعاء من المخلوق لا شك في جوازه إن كان المطلوب منه حيًا، ولا يتوقف على أفضليته من الطالب، بل قد يطلب الفاضل من المفضول، فقد صح أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال لعمر -﵁- لما استأذنه في العمرة: \"لا تنسنا يا أخي من دعائك\" وأمره أيضًا أن يطلب من أويس القرني رحمة الله تعالى عليه أن يستغفر له. وأمر أمته صلى الله تعالى عليه وسلم بطلب الوسيلة له، وبأن يصلوا عليه\" (^١).\nونقل الشيخ ابن باز ﵀ إجماع أهل العلم على جواز طلب الدعاء من الأحياء (^٢).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فمن دعا له الرسول وشفع له توسل إلى الله بشفاعته ودعائه كما كان أصحابه يتوسلون إلى الله بدعائه وشفاعته، وكما يتوسل الناس يوم القيامة إلى الله ﵎ بدعائه وشفاعته -ﷺ-\" (^٣).\nوالدليل من الكتاب على ذلك: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤].\nفاستغفار الرسول -ﷺ- لهم توسل بدعاء المؤمن لأخيه ويجب التنبه إلى أن استغفار الرسول -ﷺ- إنما كان في حياته لا بعد موته فلا يجوز لأحد بعد وفاته\n_________\n(^١) جلاء العينين للألوسي ص ٥٦٥.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن باز ص ٦٤٨.\n(^٣) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص ٤.","vol":"1","page":606},{"text":"وانتقاله إلى الرفيق الأعلى أن يأتي قبره -ﷺ- ويسأله أن يستغفر الله له لأن استغفار الرسول -ﷺ- انقطع بوفاته ﵊.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-422> ودليله من السنة:</span>\nحديث أنس بن مالك -﵁- أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة ورسول الله -ﷺ- قائم يخطب، فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا، فرفع رسول الله يديه، ثم قال: \"اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا. قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، فلا والله ما رأينا الشمس سبتا، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة، ورسول الله -ﷺ- قائم يخطب فاستقبله قائمًا، فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله يمسكها عنا، فرفع رسول الله -ﷺ- يده، ثم قال: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والضراب وبطون الأودية منابت الشجر، فأقلعت وخرجنا نمشي في الشمس\" (^١).\nومن ذلك فعل عمر مع العباس بن عبد المطلب وكذلك فعل معاوية ابن أبي سفيان مع يزيد بن الأسود الجرشي، حيث ذكر الذهبي في السير \"أن معاوية -﵁- خرج يستسقي، فلما قعد على المنبر، قال: أين يزيد بن الأسود؟ فناداه الناس فأقبل يتخطاهم. فأمره معاوية، فصعد المنبر، فقال معاوية: اللهم إنا نستشفع إليك بخيرنا وأفضلنا يزيد ابن الأسود، يا يزيد، ارفع يديك إلى الله. فرفع يديه ورفع الناس فما كان بأوشكَ مِنْ أنْ ثارت سحابةٌ كالتُّرس، وهبَّت ريح، فسقينا حتى كاد الناس أن لا يبلغوا منازلهم\" (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٩٣٣) (١٠١٤)، ومسلم (٨٩٧).\n(^٢) سير أعلام النبلاء ٤/ ١٣٧، وانظر الطبقات لابن سعد: ٧/ ٤٤٤.","vol":"1","page":607},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-423> تنبيه:</span>\nليس المراد من التوسل بدعاء أخيه المؤمن أن يتوسل بذاته ومن قال ذلك ليتوصل إلى دعاء الموتى والاستغاثة بهم باسم التوسل ويجعلهم واسطة بينه وبين الله فإنه دعا إلى الشرك الاكبر المخرج من الملة كما بينه أئمة الإسلام وهو أكثر من أن يذكر يقول الشنقيطي ﵀: \"وبهذا التحقيق تعلم أن ما يزعمه كثير من ملاحدة أتباع الجهال المدعين للتصوف من أن المراد بالوسيلة في الآية الشيخ الذي يكون له واسطة بينه وبين ربه أنه تخبط في الجهل والعمى، وضلال مبين وتلاعب بكتاب الله تعالى. واتخاذ الوسائط من دون الله من أصول كفر الكفار كما صرح به تعالى في قوله عنهم ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] \" (^١).\nواعلم أن أهل البدع لا يفرقون بين التوسل بدعاء الصالحين والاستغاثة بهم فيسمون الاستغاثة بالصالحين توسلًا بالصالحين وهذا خطأ محض لأن الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك أكبر مخرج من الإسلام وسيأتي مزيد بيان لذلك.\nالنوع الرابع: التوسل بحال الداعي:\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"أي أن يتوسل الداعي إلى الله بحاله ولا يذكر شيئا، مثل أن يقول: \"اللهم إني أنا الفقير إليك، اللهم إني أنا الأسير بين يديك\" وما أشبه ذلك، والدليل على ذلك: قول موسى ﵊ حين سقى للمرأتين ثم تولى إلى الظل: فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]، ولم يذكر شيئًا.\nووجه هذه الآية أن حال الداعي إذا وصفها الإنسان فإنها تقتضي الرحمة واللطف والإحسان لا سيما إذا كانت بين يدي أرحم الراحمين\" (^٢).\n_________\n(^١) أضواء البيان (٢/ ٩٨).\n(^٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٥/ ٢٨٣. وانظر: ٢/ ٣٤٢.","vol":"1","page":608},{"text":"٢ - التوسل الممنوع: وهو تقرب العبد إلى الله تعالى بعمل مخالف لكتابه ولسنة نبيه -ﷺ-: كالتوسل إلى الله بذوات المخلوقات من الملائكة والنبيين والصالحين وغيرهم، وبالأمكنة الفاضلة: كالكعبة، والمشعر الحرام، وبالأزمنة الفاضلة: كشهر رمضان، وليلة القدر، وأشهر الحج، والأشهر الحرم، وكذلك التوسل بحق الأنبياء وجاه الأولياء والصالحين.\nوسنجمل التوسل الممنوع في ثلاثة أوجه هي:\n١ - التوسل إلى الله تعالى بذوات المخلوقات كذات النبي -ﷺ- وذوات الصالحين وغيرهم كأن يقول المُتَوسِل: اللهم إني أتوسل إليك بذات فلان. قال القدوري: \"المسألة بخلقه لا تجوز؛ لأنه لا حق للمخلوق على الخالق فلا يجوز\" (^١).\nفالله ﷾ لم يجعل ذوات الأنبياء والصالحين وسيلة إليه ولا سببًا يُتقرب بها إليه سبحانه بل الوسيلة تصديقهم واتباعهم.\nقال الشنقيطي ﵀: \"فيجب على كل مكلف أن يعلم أن الطريقة الموصلة إلى رضا الله وجنته ورحمته هي اتباع الرسول -ﷺ- ومن حاد عن ذلك فقد ضل سواء السبيل\" (^٢).\nفالمشروع التوسل إلى الله والتوصل إليه بدعائه وليس على الله شيء أكرم من الدعاء وأما التوسل بالذوات فإنه بدعة محدثة في الدين ليست من فعل الصحابة ولا التابعين بل هو مردود غير مقبول لقوله -ﷺ-: \"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد\" (^٣)، بل إن الصحابة فهموا أن المراد من التوسل التوسلَ بالدعاء لا بالذوات ولذلك توسل عمر بن الخطاب -﵁- بدعاء العباس عم النبي -ﷺ- ومعاوية\n_________\n(^١) نقله شيخ الإسلام في كتابه: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص ١٨٧.\n(^٢) أضواء البيان (٢/ ٩٨).\n(^٣) البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨).","vol":"1","page":609},{"text":"بن أبي سفيان توسل بدعاء يزيد بن الأسود ولو كان التوسل بالذوات جائزًا وسائغًا عندهم لتوجهوا إلى قبر النبي -ﷺ- وتوسلوا بذاته ولكنهم تركوا ذلك وعدلوا عنه فاستسقوا بالعباس بن عبد المطلب كما روى أنس -﵁- أن عمر -﵁- كان إذا أقحطوا استستقى بالعباس فقال: \"اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبيك فاسقنا قال فيسقون\" (^١).\nوكان من دعائه: \"اللهم إنه لم ينزل بلاءٌ إلا بذنب ولم يُكشف إلا بتوبة، وقد توجه القومُ بي إليك لمكاني من نبيك وهذه أيدينا عليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة؛ فاسقنا الغيث\". فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض، وعاش الناس (^٢).\nقال الإمام الصنعاني: \"إن عمر إنما جعل العباس إمامًا يدعو بهم، ويستسقى ويسأل الله، لاعتقاد عمر أنه مجاب الدعوة لقرابته من رسول الله ﵌، لا أنه توسَّل به كما يتوسل القبوريون بالأموات، ولا قال عمر: أسألك بحق العباس، بل هو مثل طلب الصحابة النبي صلى الله عليه آله وسلم أن يستسقي لهم فهذا غير محل النزاع\" (^٣).\nقال الشهاب الألوسي في كلامه عن هذه القضيه: \"وحاشاهم -أي الصحابة- أن يعدلوا عن التوسل بسيد الناس إلى التوسل بعمه العباس وهم يجدون أدنى مساغ لذلك.\nفعدولهم مع أنهم السابقون الأولون، وهم أعلم منا بالله تعالى ورسوله -ﷺ-، وبحقوق الله تعالى، ورسوله ﵊، وما يشرع من الدعاء وما لا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٠١٠).\n(^٢) فتح الباري: ٢/ ٥٧٧.\n(^٣) الإنصاف في حقيقة الأولياء ص ٤٧.","vol":"1","page":610},{"text":"يشرع، وهم في وقت ضرورة ومخمصة، يطلبون تفريج الكربات وتيسير العسير وإنزال الغيث بكل طريق: دليل واضح على أن المشروع ما سلكوه دون غيره\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-424> تنبيه:</span>\nينبغي أن يفرق بين التوسل بذوات الصالحين وسؤالهم وهذا ينبني على فهم معنى التوسل وإطلاقه عند أهل العلم وعند عباد القبور قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن \"إن لفظ التوسل صار مشتركا فعباد القبور يطلقون التوسل على الاستغاثة بغير الله ودعائه رغبًا ورهبًا، والذبح والنذر، ولتعظيم بما لم يشرع في حقّ مخلوق.\nوأهل العلم يطلقونه على المتابعة والأخذ بالسنة فيتوسلون إلى الله بما شرعه لهم من العبادات، وبما جاء به عبده ورسوله محمد -ﷺ- وهذا هو التوسل في عرف القرآن والسنة ... ومنهم من يطلقه على سؤال الله ودعائه بجاه نبيه أو بحق عبده الصالح. أو بعباده الصالحين، وهذا هو الغالب عند الإطلاق في كلام المتأخرين كالسبكي والقسطلاني وابن حجر -أي الهيثمي-\" (^٢).\nفالتوسل بذوات الصالحين معناه سؤال الله بذواتهم كأن يقول: اللهم إني أسألك بنبيك أو أسألك بعبادك الصالحين وهو يقصد التوسل بالذات فهذا يُنهى عنه لعدم وروده ولا يصل تحريمه إلى الشرك الأكبر وسيأتي كلام العلماء عنه.\nأما سؤال الصالحين فمعناه التوجه إليهم ودعاؤهم وطلب الحاجات منهم وهذا هو الشرك الأكبر الذي أنكره أئمة الدين وعلماء الإسلام وإياه عنى الشيخ محمد بن عبد الوهاب حين قال \"ولكن إنكارنا على من دعا المخلوق أعظم مما يطلب منه تفريج الكربات، وإعطاء الرغبات، فأين هذا ممن يدعو الله مخلصًا له الدين لا يدعو\n_________\n(^١) روح المعاني (٦/ ١١٣).\n(^٢) منهاج التأسيس ص ٢٦٧. وانظر الصواعق المرسلة لابن سحمان ص ١٣، والأسنة الحداد ص ٢٣١.","vol":"1","page":611},{"text":"مع الله أحدًا، ولكن يقول في دعائه: أسألك بنبيك، أو بالمرسلين، أو بعبادك الصالحين، أو غيره يدعو عنده، لكن لا يدعو إلا الله مخلصًا له الدين\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-425> حكم التوسل إلى الله بذوات المخلوقين:</span>\nالتوسل بذوات المخلوقين أمر محدث لا يدل على جوازه دليل من الكتاب ولا من السنة ولم يقل بجوازه أحد من السلف والأئمة والعلماء فهو من البدع المحدثة كما حكاه ابن القيم إجماعًا (^٢) والأحاديث التي يستدل بها في جوازه غير ثابتة.\nقال السهسواني \"وقد عرفت فيما سلف أن كل حديث ورد في هذا الباب لا يخلو من مقال ووهن، فالأحوط ترك هذه الألفاظ، وقد جعل الله في الأمر سعة، وعلمنا النبي -ﷺ- التوسل المشروع على هيئات متعددة -كما تقدم- فلا ملجيء إلى الوقوع في مضيق الشبهات\" (^٣).\nوقال الصنعاني: \"لكن التوسل إليه بالمخلوقين شيء لم يأذن به الله لعباده، فهو بدعة، وهو تهجمٌ على الجناب العلي بما لم يأت به شرعٌ، بل طريقة عُبَّاد الأوثان، القائلين إنهم يعبدونها لتقربهم إلى الله زلفى\" (^٤).\nوقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"ولو كان الأنبياء والصالحون لهم جاه عند الله ﷾ فلا يقتضي ذلك جواز التوسل بذواتهم وجاههم، لأن الذي لهم من الجاه والدرجات أمر يعود نفعه إليهم، ولا ننتفع من ذلك بشيء إلا باتباعنا لهم ومحبتنا لهم\" (^٥).\n_________\n(^١) مجموعة مؤلفات الشيخ (٣/ ٦٨).\n(^٢) الدرر السنية ٩/ ٢٣٢.\n(^٣) صيانة الإنسان ص ٢٠١.\n(^٤) الإنصاف في حقيقة الأولياء ص ٤٧.\n(^٥) الدرر السنية (٩/ ٢٣٢).","vol":"1","page":612},{"text":"وقال الإمام السعدي: \"التوسل إلى الله بذوات المخلوقين وجاههم فهذا الصواب أنه لا يحل، لأنه لا يتقرب إلى الله إلا بما شرع، وهذا ليس بمشروع، وأيضًا فذوات المخلوقين وإن كان لهم عند الله مقام وقدر وجاه، فهذا ليس لغيرهم وليس التوسل بهم سببًا لشفاعتهم للمتوسل عند الله ولم يجعله الله من الأمور المقربة إليه، وليس ذلك إلا توسلًا بما منّ الله على المتوسل فتعين أنه لا يجوز\" (^١).\n٢ - التوسل إلى الله بجاه فلان أو حقه (^٢)، أو حرمته أو بركته كأن يقول المتوسل: اللهم إني أتوسل إليك بجاه فلان عندك أو بحقه عليك أو بحرمته أو بركته أن تقضي حاجتي ... وكره أبو حنيفة وصاحباه أن يقول الرجل جل أسألك بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك أو بحق البيت الحرام والمشعر الحرام ونحو ذلك؛ إذ ليس لأحد على الله حق نقل ذلك شارح الإحياء (^٣) وغيره.\nونقل المنع عن جمع من علماء الحنفية السهسواني الهندي في صيانة الإنسان (^٤) واتفق أئمة الدعوة السلفية على أنه بدعة محرمة مذمومة.\nونقل الشيخ سليمان بن عبد الله عن ابن القيم -رحمهما الله- أن قول: \"اللهم إني أسألك بجاه نبيك محمد ونحو ذلك أن هذا بدعة إجماعًا\" (^٥).\nوقال الشيخ ابن باز ﵀: \"التوسل بالجاه والبركة والحرمة الحق ليس بجائز عند جمهور أهل العلم لأن التوسلات توقيفية لا يجوز منها إلا ما أجازه الشرع، ولم\n_________\n(^١) الفتاوى السعدية، ص ٢٤.\n(^٢) انظر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في السؤال بحق فلان فقد فصل فيه في الفتاوى ١/ ١، ٢١٣/ ٢٢٠.\n(^٣) إتحاف السادة المتقين ٢/ ٢٨٥.\n(^٤) صيانة الإنسان عن وسوسة دحلان ص ٢٠٥.\n(^٥) الدرر السنية (٢/ ١٠٣)، وقد نص على بدعيته أيضا الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب الدرر السنية ١/ ١٥٤ والشيخ ابن عثيمين في كتاب التوسل ص ٤٦.","vol":"1","page":613},{"text":"يرد في الشرع ما يدل على هذه التوسلات. فلا يقول الإنسان: اللهم اغفر لي بحق فلان، أو بحق محمد، أو بحق الصالحين، أو بحق الأنبياء، أو بجاه الأنبياء، أو بحرمة الأنبياء، أو ببركة الأنبياء أو ببركة الصالحين، أو ببركة علي، أو ببركة الصديق، أو ببركة عمر، أو بحق الصحابة، أو حق فلان، كل هذا لا يجوز، هذا خلاف المشروع وبدعة، وهو ليس بشرك لكنه بدعة، لم يرد في الأسئلة التي دعا بها النبي -ﷺ-، وكذلك أصحابه -﵁-\" (^١).\nوقال -قدس الله روحه-: \"التوسل بجاه الأنبياء، أو بجاه الصحابة، بدعة لا يجوز، أما بجاه الله معناه بعظمة الله فلا يضر، لكن بجاه النبي أو جاه أصحاب النبي -ﷺ-، أو بجاه الأنبياء، أو بجاه الصالحين، أو بحق الأنبياء، أو بحق الصالحين. هذا بدعة على الأصح عند جمهور أهل العلم\" (^٢).\nومما يذكر هنا أن هناك فرق بين الجاه، والحرمة من ناحية اللفظ والمعنى لا من ناحية الحكم الشرعي -والله أعلم-.\nوقال الشيخ ابن عثيمين: \"التوسل بوسيلة سكت عنها الشرع هذا محرم وهو نوع من الشرك مثل أن يتوسل بجاه شخص ذي جاه عند الله فيقول: أسألك بجاه نبيك، فلا يجوز ذلك لأنه إثبات لسبب لم يعتبره الشرع، ولأن جاه ذي الجاه ليس له أثر في قبول الدعاء؛ لأنه لا يتعلق بالداعي ولا بالمدعو وإنما هو من شأن ذي الجاه وحده، فليس بنافع لك في حصول مطلوبك أو دفع مكروبك، ووسيلة الشيء ما كان موصلًا إليه، والتوسل بالشيء إلى ما لا يوصل إليه نوع من العبث، فلا يليق أن تتخذه فيما بينك وبين ربك. والله الموفق\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر فتاوى ابن باز ٣/ ٣٢٢. وانظر: ص ٩٥٢.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن باز (٣/ ٥٦٤).\n(^٣) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٢/ ٣٤٣.","vol":"1","page":614},{"text":"٣ - الإقسام على الله بالمتوسل به: كأن يقول أقسمت عليك يا الله بفلان أن تقضي لي حاجتي فهذه بدعة لم ينقل منه شيء عن السلف وقد كثر عند المتأخرين هذا المعنى فصار التوسل عندهم بمعنى الإقسام على الله بنبيه وهذا كالتوسل بالجاه والحرمة قال في جلاء العينين \"فلا يقال: أقسمت عليك يا رب بملائكتك ولا بكعبتك، كما لا يجوز أن يقسم الإنسان بهذه الأشياء\" (^١) فهو ممنوع مطلقًا كما قرر ذلك تقي الدين ابن تيمية ونقله عن الإمام أبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهما من العلماء الأعلام (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-426> مسائل مهمة:</span>\n١ - كلمة \"أسألك بمعاقد العز من عرشك\". قال ابن تيمية: \"وأما إذا قال: \"أسألك بمعاقد العز من عرشك\" فهذا فيه نزاع، ورخص فيه غير واحد لمجيء الأثر به. ونقل عن أبي حنيفة كراهته، قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول \"بمعقد العز من عرشك، أو بحق خلقك\". قال أبو يوسف: \"بمعقد العز من عرشك\" هو الله فلا أكره هذا. وأكره بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك، أو بحق البيت والمشعر الحرام، بهذا الحق يكره\".\nقالوا جميعًا: \"المسألة بخلقه لا تجوز\"؛ لأنه لا حق للخلق على الخالق، فلا يجوز أن يسأل الله بما ليس مستحقا، ولكن معقد العز من عرشك هل هو سؤال بمخلوق أو بخالق؟ فيه نزاع فلذلك تنازعوا فيه. وأبو يوسف بلغه الأثر فيه: \"أسألك بمعاقد العز من عرشك ومنتهى الرحمة من كتابك، وباسمك الأعظم، وجدك الأعلى وكلماتك التامة\" فجوّزه لذلك\" (^٣).\n_________\n(^١) جلاء العينين ص ٥٥٠\n(^٢) جلاء العينين ص ٥٦٧.\n(^٣) اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٧٨٢. وانظر كتاب: \"قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة\" ص ١٨٧.","vol":"1","page":615},{"text":"٢ - السؤال بحق الرحم: وهذا جائز، كقول الرجل \"أسألك بالرحم أن تفعل كذا\" وذلك لوجود سبب صحيح يقتضي السؤال به، وهو حق الرحم عليك، فالرحم لها حق عليك.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فإن قيل: قد يقول الرجل لغيره \"بحق الرحم\" قيل: الرحم توجب على صاحبها حقًا لذي الرحم كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. وقد رُوي عن علي أنه كان إذا سأله ابن أخيه بحق جعفر أبيه. أعطاه لحق جعفر على علي\" (^١).\nولا بد أن يعلم أن سؤال الرجل لغيره بالرحم هذا توسل إليه بما يوجب صلته من القرابة التي بينهما. يقول ابن تيمية ﵀: \"وأما قول الناس \"أسألك بالله وبالرحم\" وقراءة من قرأ ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ فهو من باب التسبب بها، فإن الرحم توجب الصلة، وتقتضي أن يصل الإنسان قرابته، فسؤال السائل بالرحم لغيره يتوسل إليه بما يوجب صلته من القرابة التي بينهما ليس هو من باب الإقسام ولا من باب التوسل بما لا يقتضي المطلوب. بل هو توسل بما يقتضي المطلوب كالتوسل بدعاء الأنبياء وبطاعتهم والصلاة عليهم\" (^٢).\nومن هذا الباب ما يروى عن عبد الله بن جعفر أنه قال: \"كنت إذا أحل سألت عليًّا -﵁- شيئًا، فلم يعطنيه قلت له: بحق جعفر إلا ما أعطيتنيه. فيعطينيه\" (^٣).\nفإن بعض الناس ظن أن هذا من باب الإقسام عليه بجعفر، أو من باب قولهم \"أسألك بحق أنبيائك\" ونحو ذلك وليس كذلك. بل جعفر هو أخو علي. وعبد الله\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١/ ٢٢١.\n(^٢) اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٨٠١.\n(^٣) المعجم الكبير ٢/ ١٠٩، سير أعلام النبلاء ١/ ٢٠٨، الإصابة ١/ ٤٨٦.","vol":"1","page":616},{"text":"هو ابنه، وله عليه حق الصلة، فصلة عبد الله صلة لأبيه جعفر كما في الحديث: \"إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ودّ أبيه بعد أن يولي\" (^١).\nوحين سأل رجل من بني سلمة الرسول -ﷺ- فقال: يا رسول الله: هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما. قال: \"نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-427> حكم التوسل بالأموات:</span>\nالتوسل بالأموات من أنبياء وصالحين وغيرهم بمعنى التقرب إليهم لاتخاذهم وسطاء وشفعاء شرك أكبر وهذا ما يريده عباد القبور بلفظ التوسل يعنون به النذر للقبور ودعاءهم وطلب الحاجات منهم والاستغاثة بهم والاستعانة بهم وإنزال الحاجات بين أيديهم وخشيتهم والخوف منهم فهذا حكمه شركٌ أكبرٌ ينقلُ عن ملة الإسلام إلى ملة الكفر قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨].\nفمن فعل من ذلك شيء فقد سلك مسلك المشركين الأوائل الذين يزعمون أنهم يتقربون إلى الله بشركهم فإن قال قائل: إنما نتوسط بأصحاب القبور لنحصل على النفع من الله والنافع الضار هو الله قلنا هذه هي حجة المشركين الأولين حين قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، وقد يراد بالتوسل بالأموات إحدى المعاني المتقدمة كالتوسل بجاهه أو بذاته.\nفالتوسل المشروع شيء والتوسل البدعي شيء آخر أما التوسل بهذا المعنى المقتضي صرف العبادة لغير الله فإنه شرك أكبر كما هو مشاهد عند عباد القبور.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٥٥٢) وأبو داود (٥١٤٣).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٥١٤٢)، وابن ماجه (٣٦٦٤).","vol":"1","page":617},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-428> حكم التوسل بسيد الأنبياء:</span>\nقال الإمام ابن باز رحمه الله تعالى: \"التوسل بالنبي -ﷺ- فيه تفصيل، فإن كان ذلك باتباعه ومحبته وطاعة أوامره وترك نواهيه والإخلاص لله في العبادة فهذا هو الإسلام وهو دين الله الذي بعث به أنبياءه، وهو الواجب على كل مكلف، وهو الوسيلة للسعادة في الدنيا والآخرة. أما التوسل بدعائه والاستغاثة به وطلبه النصر على الأعداء والشفاء للمرضى فهذا هو الشرك الأكبر، وهو دين أبي جهل وأشباهه من عبدة الأوثان، وهكذا فِعلُ ذلك مع غيره من الأنبياء والأولياء أو الجن أو الملائكة أو الأشجار أو الأحجار أو الأصنام.\nوهناك نوع ثالث يسمى التوسل وهو التوسل بجاهه -ﷺ- أو بحقه أو بذاته مثل أن يقول الإنسان: أسألك يا الله بنبيك أو جاه نبيك أو حق نبيك أو جاه الأنبياء أو حق الأنبياء أو جاه الأولياء والصالحين وأمثال ذلك، فهذا بدعة ومن وسائل الشرك، ولا يجوز فعله معه -ﷺ- ولا مع غيره؛ لأن الله ﷾ لم يشرع ذلك. والعبادات توقيفية لا يجوز منها إلا ما دل عليه الشرع المطهر، وأما توسل الأعمى به في حياته -ﷺ- فهو توسل به -ﷺ- ليدعو له ويشفع له إلى الله في إعادة بصره إليه، وليس توسلًا بالذات أو الجاه أو الحق كما يعلم ذلك من سياق الحديث وكما أوضح ذلك علماء السنة في شرح الحديث.\nوقد بسط الكلام في ذلك شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية ﵀ في كتبه الكثيرة المفيدة، ومنها كتابه المسمى [القاعدة الجليلة في التوسل والوسيلة] وهو كتاب مفيد جدير بالاطلاع عليه والاستفادة منه.\nوهذا الحكم جائز مع غيره -ﷺ- من الأحياء كأن تقول لأخيك أو أبيك أو من تظن فيه الخير: ادع الله لي أن يشفيني من مرضي أو يرد عليّ بصري أو يرزقني الذرية الصالحة أو نحو ذلك بإجماع أهل العلم. والله ولي التوفيق\" (^١).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن باز ص ٩٤٨.","vol":"1","page":618},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-429> دفع توهم:</span>\nقال الشيخ الألباني ﵀: \"إننا حينما ننفي التوسل بجاه النبي -ﷺ-، وجاه غيره من الأنبياء والصالحين فليس ذلك لأننا ننكر أن يكون لهم جاه، أو قدر أو مكانة عند الله، كما أنه ليس لأننا نبغضهم، وننكر قدرهم ومنزلتهم عند الله، ولا تشعر أفئدتنا بمحبتهم ... إن كل مخلص ومنصف ليعلم علم اليقين بأننا -والحمد لله- من أشد الناس حبًا لرسول الله -ﷺ-، ومن أعرفهم لقدره وحقه وفضله -ﷺ- وبأنه أفضل النبيين، وسيد المرسلين، وخاتمهم وخيرهم، وصاحب اللواء المحمود، والحوض المورود والشفاعة العظمى، والوسيلة والفضيلة، والمعجزات الباهرات، وبأن الله تعالى نسخ بدينه كل دين، وأنزل عليه سبعًا من المثاني والقرآن العظيم، وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، إلى آخر ما هنالك من فضائله -ﷺ- ومناقبه التي تبين قدره العظيم، وجاهه المنيف صلى الله تعالى عليه وآله وسلم تسليمًا كثيرًا.\nأقول: إننا -والحمد لله- من أول الناس اعترافًا بذلك كله ولعلّ منزلته -ﷺ- عندنا محفوظة أكثر بكثير مما هي محفوظة لدى الآخرين، الذين يدعون محبته، ويتظاهرون بمعرفة قدره، لأن العبرة في ذلك كله إنما هي في الاتباع له -ﷺ-، وأمثال أوامره، واجتناب نواهيه، كما قال ﷾: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١] \" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-430> شبهات في التوسل الممنوع:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-431>الشبهة الأولى:</span>\nمن شُبَه المجيزين للتوسل الممنوع حديث الأعمى الذي أخرجه الترمذي ﵀: \"أن رجلا ضرير البصر أتى النبي -ﷺ- فقال ادع الله أن يعافيني فقال: إن شئت دعوت\n_________\n(^١) التوسل للألباني: ٧٧ - ٨٠.","vol":"1","page":619},{"text":"وإن شئت صبرت فهو خير لك قال: فادعه، قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: \"اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضي لي اللهم فشفعه فيّ\" فعاد وقد أبصر\" (^١).\nواستدلالهم هذا باطل إذ القصة يفهم منها أن الأعمى إنما جاء إلى النبي -ﷺ- ليدعو له وذلك في قوله: \"ادع الله أن يعافيني\" ولذلك قال -ﷺ-: \"وإن شئت صبرت فهو خير لك\" فقال الأعمى: \"فادع\" وهذا يقتضي أن الرسول -ﷺ- دعا له. وجاءت رواية أخرى فيها أنه طلب من النبي -ﷺ- أن يدعو له (^٢) فدل على أنه توجه بدعاء النبي -ﷺ- وفي الدعاء الذي علمه رسول الله -ﷺ- إياه قال: \"اللهم فشفعه فيّ\" أي: اللهم اقبل شفاعته -ﷺ- فيّ أي اقبل دعاءه في أن ترد عليّ بصري وهذا لا يمكن حمله على التوسل البدعي كالتوسل بالجاه ونحوه.\nوجاء في الحديث \"وشفعني فيه\" وصححها الألباني ﵀ وقال: \"وهذه الجملة وحدها حجة قاطعة على أن حمل الحديث على التوسل بالذات باطل\" (^٣).\nوجملة \"وشفعني فيه\" معناها: اقبل شفاعتي، أي دعائي في أن تقبل شفاعته -ﷺ- أي دعاءه في أن ترد عليَّ بصري هذا الذي لا يمكن أن يُفهم من هذه الجملة سواه (^٤).\n_________\n(^١) سنن الترمذي: \"٣٥٧٨\"، كتاب الدعوات، والحديث قال عنه الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وابن ماجه (١٣٨٥). والمستدرك للحاكم: ١/ ٣١٣ كتاب صلاة التطوع، دعاء رد البصر، وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين، وضعفه بعض العلماء كالشيخ سليمان بن عبد الله في التيسير ص ٢٤٤ والسهسواني في صيانة الإنسان ص ١٢٥، ٢٠٤، وقد صححه الألباني في صحيحي سنن الترمذي وابن ماجه.\n(^٢) انظر تيسير العزيز الحميد ص ٢٤٥ ط المكتب الإسلامي.\n(^٣) انظر: التوسل للألباني ص ٧٤\n(^٤) انظر: التوسل للألباني ص ٧٤.","vol":"1","page":620},{"text":"وجاءت زيادة \"وشفعني في نفسي\" ومعناها اقبل دعائي في نفسي واقبل دعاء النبي -ﷺ- فيَّ وأما ما فهمه البعض من هذا الحديث من جواز التوسل بذوات الصالحين فإنه خطأ بل هو توسل بشفاعته لا بذاته (^١) كما كان الصحابة يتوسلون بدعائه في الاستسقاء كما توسل عمر بن الخطاب -﵁- بدعاء العباس عم النبي -ﷺ- وقد تقدم، وكذلك معاوية بن أبي سفيان توسل بدعاء يزيد بن الأسود ولو كان التوسل بالذوات جائزًا وسائغًا عندهم لتوجهوا للنبي في قبره.\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"وفي بعض الروايات \"يا محمد إني أتوجه\" إلى آخره. وهذه اللفظة هي التي تعلق بها المشركون وليست عند هؤلاء الأئمة .... فقوله: يا محمد إني أتوجه الخ لم تثبت في أكثر الروايات. وبتقدير ثبوتها لا يدل على جواز دعاء غير الله، لأن هذا خطاب لحاضر معين يراه ويسمع كلامه، ولا إنكار في ذلك، فإن الحي يطلب منه الدعاء كما يطلب منه ما يقدر عليه، فأين هذا من دعاء الغائب والميت لو كان أهل البدع والشرك يعلمون\" (^٢).\nومن هنا يتبين أن الحديث ليس فيه ما يدل على جواز دعاء الموتى بل هو دعاء الله تعالى بتوجهه بالنبي -ﷺ- في حياته كما دعى الله تعالى أن يشفع فيه النبي -ﷺ- لتقضي حاجته (^٣).\nثم نقول أخيرًا أن هذه الحادثة يذكرها العلماء ضمن معجزات النبي -ﷺ- في استجابة الله لدعاء نبيه -ﷺ- ولا يذكرونها في جواز التوسل بالجاه والذات\n_________\n(^١) انظر: الاستغاثة في الرد على البكري: ص ٣٩٧.\n(^٢) تيسير العزيز الحميد ص ٢٤٦، ٢٤٧.\n(^٣) راجع قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ١٨٥ وما بعدها، والصواعق المرسلة الشهابية تأليف سليمان بن سحمان ١٦٣ وما بعدها، التوسل للمحدث محمد ناصر الألباني ص ٦٩ وما بعدها، وهذه مفاهيمنا ص ٣٦.","vol":"1","page":621},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: \"وهذا الحديث ذكره العلماء في معجزات النبي -ﷺ- ودعائه المستجاب وما أظهر الله ببركة دعائه من الخوارق والإبراء من العاهات؛ فإنه -ﷺ- ببركة دعائه لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره\" (^١).\nوقال الألباني ﵀: \"وثَمَّة أمر آخر جدير بالذكر، وهو أنه لو حُمِل حديث الضرير على ظاهره، وهو التوسل بالذات لكان معطلًا لقوله فيما بعد: \"اللهم فشفعه فيّ، وشفعني فيه\" وهذا لا يجوز كما لا يخفى، فوجب التوفيق بين هذه الجملة والتي قبلها. وليس ذلك إلا على ما حملناه من أن التوسل كان بالدعاء، فثبت المراد، وبطل الاستدلال به على التوسل بالذات، والحمد لله\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-432>الشبهه الثانية:</span>\nاستدلالهم بحديث \"أسألك بحق السائلين\" (^٣).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: \"وهذا الحديث هو من رواية عطية العوفي عن أبي سعيد، وهو ضعيف بإجماع أهل العلم، وقد روي من طريق آخر وهو ضعيف أيضًا، ولفظه لا حجة فيه؛ فإن حق السائلين عليه أن يجيبهم وحق العابدين أن يثيبهم، وهو حق أحقه الله تعالى على نفسه الكريمة بوعده الصادق باتفاق أهل العلم، وبإيجابه على نفسه في أحد أقوالهم، وقد تقدم بسط الكلام على ذلك، وهذا بمنزلة الثلاثة الذين سألوه في الغار بأعمالهم\" (^٤).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١/ ٢٦٦، وانظر قاعدة جلية ص ١٨٦، ١٩٨.\n(^٢) التوسل، ص ٧٧.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد (١١١٧٣)، وابن ماجه (٧٧٨). ونصه: عن عطية عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"من خرج من بيته إلى الصلاة فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليه فأسألك بحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ولا رياءً ولا سمعة، وخرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تعيذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت؛ أقبل الله عليه بوجهه واستغفر له سبعون ألف مَلَك\".\n(^٤) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص ٢١٥، ٢١٦.","vol":"1","page":622},{"text":"قال السهسواني: \"ففي سنده عطية العوفي، وهو وإن كان ممن اختلف في الاحتجاج به لكن الراجح والمحقَق أنه ضعيف\". ثم ساق أقول أهل العلم فيه، وقال: \"والراجح في عطية الضعف فإن جارحيه أكثر من معدِّليه\" (^١).\nقال العلامة الألباني: \"ضعّف الحديث غير واحد من الحفاظ كالمنذري في الترغيب ٢/ ٢٦٥. والنووي ... وكذا البوصيري\" (^٢).\nولو صح فله معنى صحيح غير ما يريده هؤلاء قال الشيخ عبد اللطيف ابن عبد الرحمن: \"وأما ما ورد في السنن \"بحق السائلين وبحق ممشى الذاهب إلى المسجد\" ونحو ذلك، فالله -ﷺ- جعل على نفسه حقًا تفضلًا منه وإحسانًا إلى عباده، فهو توسل إليه بوعده، وإحسانه، وما جعله لعباده المؤمنين على نفسه حقًا تفضلًا منه، وإحسانًا إلى عباده، فليس هذا من الباب أعني باب مسألة الله بخلقه، وقد منعه فقهاء الحنفية ... ويشهد لهذا ما يروى أن داود قال: \"اللهم إني أسألك بحق آبائي عليك، فأوحى الله إليه: أي حق لآبائك علي\" أو نحو هذا\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-433>الشبهة الثالثة:</span>\nحديث \"توسلوا بجاهي، فإن جاهي عند الله عظيم\" أو \"إذا سألتم الله، فاسألوه بجاهي، فإن جاهي عند الله عظيم\" وهذا حديث مكذوب مفترى على رسول الله -ﷺ-، وليس له أصل قطعًا في كتاب من الكتب المعتمدة (^٤).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: \"هذا الحديث كذب ليس في شيء من كتب المسلمين التي يعتمد عليها أهل الحديث، ولا ذكره أحد من أهل\n_________\n(^١) صيانة الإنسان ص ٩٧، ١٠٤.\n(^٢) التوسل: ص ٩٨.\n(^٣) مصباح الظلام ص ١٧٩ - ١٨٠.\n(^٤) انظر: القول الجلي في حكم التوسل بالنبي ص ٥٧.","vol":"1","page":623},{"text":"العلم بالحديث، مع أن جاهه عند الله -تعالى- أعظم من جاه جميع الأنبياء والمرسلين\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-434>الشبهة الرابعة:</span>\nالحديث الذي فيه توسل آدم ﵇ في تربته بمحمد -ﷺ- فقد جاء في المستدرك عن عمر بن الخطاب مرفوعًا: \"لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال: يا آدم! وكيف عرفت محمدًا ولم أخلقه؟ قال يا رب لما خلقتني بيدك، ونفخت في من روحك رفعت رأسي، فرأيت على قوائم العرش مكتوبًا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إياك، فقال: غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك\" (^٢). أخرجه الحاكم وقال فيه: صحيح الإسناد وتعقبه الذهبي بقوله: \"بل موضوع وعبد الرحمن واهٍ، وعبد الله بن أسلم الفهري لا أدري من ذا\" (^٣).\nوقد قال ببطلان هذا الخبر جماعة من الحفاظ كابن تيمية وابن عبد الهادي.\nقال الإمام ابن تيمية: \"ورواية الحاكم لهذا الحديث مما أُنكر عليه، فإنه نفسه قد قال في كتاب [المدخل إلى معرفة الصحيح من السقيم]: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا تخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه.\nقلت -القائل ابن تيمية-: وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف باتفاقهم يغلط كثيرًا، ضعفه أحمد بن حنبل وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي والدارقطني وغيرهم، وقال أبو حاتم بن حبان: كان يقلب الأخبار وهو لا يعلم، حتى كثر ذلك من\n_________\n(^١) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص ١٦٨.\n(^٢) المستدرك: ٢/ ٦١٥.\n(^٣) التلخيص للحافظ الذهبي حاشية على المستدرك على الصحيحين ٢/ ٦١٥.","vol":"1","page":624},{"text":"روايته من رفع المراسيل وإسناد الموقف فاستحق الترك.\nوأما تصحيح الحاكم لمثل هذا الحديث وأمثاله فهذا مما أنكره عليه أئمة العلم بالحديث وقالوا: إن الحاكم يصحح أحاديث وهي موضوعة مكذوبة عند أهل المعرفة بالحديث\" (^١).\nوقال الحافظ ابن عبد الهادي: \"إنه حديث غير صحيح لا ثابت، بل هو حديث ضعيف الإسناد جدًا، وقد حكم عليه بعض الأئمة بالوضع\" (^٢).\nوقال الشيخ الألباني: \"ومما يؤيد ما ذهب إليه العلماء من وضع هذا الحديث وبطلانه أنه يخالف القرآن الكريم في موضعين منه:\nالأول: أنه تضمن أن الله تعالى غفر لآدم بسبب توسله به -ﷺ-،والله ﷿ يقول: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ [البقرة: ٣٧]. وقد جاء تفسير هذه الكلمات عن ترجمان القرآن ابن عباس -﵄- بما يخالف هذا الحديث، فأخرج الحكم (٣/ ٥٤٥) عنه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ ...﴾ قال: أي رب! ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى. قال: ألم تنفخ فيّ من روحك؟ قال: بلى. أي رب! ألم تسكنّي جنتك؟ قال: بلى. قال: ألم تسبق رحمتك غضبك؟ قال: بلى. قال أرأيت إن تبت وأصلحت، أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: بلى. قال: فهو قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.\nوقد قيل في تفسير هذه الكلمات: إنها ما في الآية الأخرى: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣]. وبهذا جزم السيد رشيد رضا في تفسيره (١/ ٢٧٩). لكن أشار ابن كثير (١/ ٨١) إلى تضعيفه، ولا\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى: ١/ ٢٥٤ - ٢٥٥.\n(^٢) الصارم المنكي ص ٦٠، ٦١. ط. إدارة البحوث العلمية والإفتاء ..","vol":"1","page":625},{"text":"منافاة عندي بين القولين، بل أحدهما يتمم الآخر، فحديث ابن عباس لم يتعرض لبيان ما قاله آدم ﵇ بعد أن تلقى من ربه تلك الكلمات، وهذا القول يبين ذلك، فلا منافاة والحمد لله، وثبت مخالفة الحديث للقرآن، فكان باطلًا.\nالموضع الثاني: قوله في آخره: \"ولولا محمد ما خلقتك\" فإن هذا أمر عظيم يتعلق بالعقائد التي لا تثبت إلا بنص متواتر اتفاقًا، أو صحيح عند آخرين، ولو كان ذلك صحيحًا لورد في الكتاب أو السنة الصحيحة، وأيضًا فإن الله ﵎ قد أخبرنا عن الحكمة التي من أجلها خلق آدم وذريته، فقال ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، فكل ما خالف هذه الحكمة أو زاد عليها لا يقبل إلا بنص صحيح عن المعصوم -ﷺ- كمخالفة هذا الحديث الباطل. ومثله ما اشتهر على ألسنة الناس \"لولاك لولاك ما خلقت الأفلاك\" فإنه موضوع كما قال الصنعاني ووافقه الشوكاني في الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة\" (^١).\nوأخيرًا .. فإن شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: \"الأحاديث التي تروى في هذا الباب -وهو السؤال بنفس المخلوقين- هي من الأحاديث الضعيفة الواهية بل الموضوعة، ولا يوجد في أئمة الإسلام من احتج بها ولا اعتمد عليها\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-435>الشبهة الخامسة:</span>\nقولهم: إن رسول الله -ﷺ- كان يستفتح بصعاليك المهاجرين.\nفيرى المخالفون أن هذا الحديث يفيد أن النبي -ﷺ- كان يطلب من الله تعالى أن ينصره، ويفتح عليه بالضعفاء المساكين من المهاجرين، وهذا -بزعمهم- هو\n_________\n(^١) التوسل للألباني ص ١١٤ - ١١٦.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١/ ٢٥٢.","vol":"1","page":626},{"text":"التوسل المختلف فيه نفسه.\nقال الألباني ﵀: \"والجواب من وجهين:\nالأول: ضعف الحديث ...\nالثاني: أن الحديث لو صح فلا يدل إلا على مثل ما دلّ حديث عمر، وحديث الأعمى من التوسل بدعاء الصالحين. قال المناوي في فيض القدير: \"كان يستفتح\" أي يفتتح القتال، من قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩] ذكره الزمخشري (ويستنصر) أي بطلب النصرة (بصعاليك المسلمين) أي بدعاء فقرائهم الذين لا مال لهم\".\nقلت (^١): وقد جاء هذا التفسير من حديثه -ﷺ-، أخرجه النسائي (٢/ ١٥) بلفظ: \"إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم\" وسنده صحيح، وأصله في صحيح البخاري (٦/ ٦٧)، فقد بين الحديث أن الاستنصار إنما يكون بدعاء الصالحين، لا بذواتهم وجاههم.\nومما يؤكد ذلك أن الحديث ورد في رواية قيس بن الربيع المتقدمة بلفظ: \"كان يستفتح ويستنصر .. \" فقد علمنا بهذا أن الاستنصار بالصالحين يكون بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم وهكذا الاستفتاح، وبهذا يكون هذا الحديث -إن صح- دليلًا على التوسل المشروع، وحجة على التوسل المبتدع والحمد الله\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-436>الشبهة السادسة:</span>\nحديث ابن مسعود مرفوعًا \"حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم، ووفاتي خير لكم تعرض عليّ أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله وما رأيت من شر\n_________\n(^١) القائل هو الألباني ﵀.\n(^٢) التوسل للألباني: ص ١٠٣ - ١٠٥.","vol":"1","page":627},{"text":"استغفرت الله لكم\" وهذا الحديث ضعيف كما ذكر أهل العلم انظر على سبيل المثال السلسلة الضعيفة للألباني (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-437>الشبهة السابعة:</span>\nومن شبههم حديث \"إذا أعيتكم الأمور، فعليكم بأهل القبور\" أو \"فاستغيثوا بأهل القبور\" وهو حديث موضوع مختلق لم يروه أحد من العلماء، ولم يوجد في شيء من كتب الدين الصحيحة، كما قاله شيخا الإسلام: ابن تيمية، وابن القيم في غير موضع.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: \"فهذا الحديث كذب مفترى على النبي -ﷺ- بإجماع العارفين بحديثه، لم يروه أحد من العلماء بذلك، ولا يوجد في شيء من كتب الحديث المعتمدة\" (^٢).\nوقال: \"وما يرويه بعض الناس أنه قال: \"إذا تحيرتم في الأمور فاستعينوا بأهل القبور\" أو نحو هذا، فهو كلام موضوع مكذوب باتفاق العلماء، والذي يبين ذلك أمور:\nأحدها: أنه قد تبين أن العلة التي نهى النبي -ﷺ- لأجلها عن الصلاة عندها، إنما هو لئلا تكون ذريعة إلى نوع من الشرك بالعكوف عليها، وتعلق القلوب بها رغبة ورهبة.\nومن المعلوم أن المضطر في الدعاء الذي قد نزلت به نازلة، فيدعو لاستجلاب خير كالاستسقاء، أو لرفع شر كالاستنصار، حاله في افتتانه بالقبور إذا رجا الإجابة عندها، أعظم من حال من يؤدي الفرض عندها في حال العافية، فإن أكثر المصلين في حال العافية لا تكاد قلوبهم تفتتن بذلك إلا قليلًا، أما الداعون المضطرون،\n_________\n(^١) رقم ٩٧٥.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١١/ ٢٩٣.","vol":"1","page":628},{"text":"ففتنتهم بذلك عظيمة جدًا.\nفإذا كانت المفسدة والفتنة التي لأجلها نهي عن الصلاة عندها متحققة في حال هؤلاء، كان نهيهم عن ذلك أوكد وأوكد، وهذا واضح لمن فقه في دين الله وتبين له ما جاءت به الحنيفية من الدين لله، وعلم كمال سنة إمام المتقين في تجريد التوحيد، ونفي الشك بكل الطرق.\nالثاني: أن قصد القبور للدعاء عندها، ورجاء الإجابة بالدعاء هنالك رجاء أكثر من رجائها بالدعاء إلى غير ذلك الموطن، أمر لم يشرعه الله ولا رسوله، ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا أئمة المسلمين، ولا ذكره أحد من العلماء، ولا الصالحين المتقدمين، بل أكثر ما نقل من ذلك عن بعض المتأخرين بعد المائة الثانية.\nوأصحاب رسول الله -ﷺ- قد أجدبوا مرات ودهمتهم نوائب غير ذلك، فهلا جاءوا فاستسقوا عند قبر النبي -ﷺ- بل خرج عمر بالعباس فاستسقى به، ولم يستسق عند قبر النبي -ﷺ- ... \" (^١).\nوقال ابن القيم ﵀: \"ومنها أحاديث مكذوبة مختلفة، وضعها أشباه عباد الأصنام: من المقابرية على رسول الله -ﷺ- تناقض دينه وما جاء به، كحديث \"إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور\" وحديث \"لو أحسن أحدكم ظنه بحجر نفعه\" وأمثال هذه الأحاديث التي هي مناقضه لدين الإسلام، وضعها المشركون، وراجت على أشباههم من الجهال والضلال\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-438>الشبهة الثامنة:</span>\nقال شيخ الإسلام: \"وما رُوي عن عائشة -﵂- من فتح الكوة من قبره إلى السماء لينزل المطر فليس بصحيح ولا يثبت إسناده، وإنما نقل ذلك من هو\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٦٧٧ - ٦٧٩.\n(^٢) إغاثة اللهفان ١/ ٢٤٣.","vol":"1","page":629},{"text":"معروف بالكذب، ومما يبين كذب هذا أنه في مدة حياة عائشة لم يكن للبيت كوة بل كان بعضه باقيًا كما كان على عهد النبي -ﷺ- بعضه مسقوف وبعضه مكشوف، وكانت الشمس تنزل فيه كما ثبت في الصحيحين عن عائشة أن النبي -ﷺ- كان يصلي العصر والشمس في حجرتها لم يظهر الفيء بعد.\nولم تزل الحجرة كذلك حتى زاد الوليد بن عبد الملك في المسجد في أمارته لما زاد الحجر في مسجد الرسول -ﷺ- ومن حينئذٍ دخلت الحجرة النبوية في المسجد ثم إنه بنى حول حجرة عائشة التي فيها قبر جدار عالٍ، وبعد ذلك جعلت الكوة لينزل منها من ينزل إذا احتيج إلى ذلك لأجل كنس أو تنظيف وأما وجود الكوة في حياة عائشة فكذب بيِّن، ولو صح ذلك لكان حجة ودليلًا على أن القوم لم يكونوا يقسمون على الله بمخلوق ولا يتوسلون في دعائهم بميت، ولا يسألون الله به وإنما فتحوا القبر لتنزل الرحمة عليه، ولم يكن هناك دعاء يقسمون به عليه\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-439>الشبهة التاسعة:</span>\nروى ابن أبي شيبة عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن مالك الدار، وكان خازن عمر على الطعام، قال:\n\"أصاب الناس قحطٌ في زمن عمر؛ فجاء رجل إلى قبر النبي -ﷺ- فقال: يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا؛ فأتي الرجل في المنام، فقيل له: ائت عمر فأقرئه السلام، وأخبره أنكم مسقيّون، وقل له: عليك الكيس! عليك الكيس! فأتى عمر فأخبره فبكى عمر، ثم قال: يا رب لا آلوا إلا ما عجزت عنه\" (^٢).\nوذكر الحافظ في الفتح هذا الأثر وقال ما نصه: \"روى ابن أبي شيبة بإسناد\n_________\n(^١) مختصر الرد على البكري ٦٨ - ٧٤. وانظر الاقتضاء ٢/ ٦٨٤ - ٦٨٦.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١٢/ ٣١.","vol":"1","page":630},{"text":"صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الدار وذكر القصة\" (^١).\nوقال الإمام ابن باز ﵀: \"هذا الأثر على فرض صحته ليس بحجة على جواز الاستسقاء بالنبي -ﷺ- بعد وفاته؛ لأن السائل مجهول، ولأن عمل الصحابة -﵃- على خلافه، وهم أعلم الناس بالشرع، ولم يأت أحد منهم إلى قبره يسأله السقيا ولا غيرها، بل عدل عمر عنه لما وقع الجدب إلى الاستسقاء بالعباس، ولم ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة، فعلم أن ذلك هو الحق وأن ما فعله هذا الرجل منكر ووسيلة إلى الشرك، بل قد جعله بعض أهل العلم من أنواع الشرك، وأما تسمية السائل في رواية سيف المذكور \"بلال بن الحارث\" ففي صحة ذلك نظر، وعلى تقدير صحته عنه لا حجة فيه؛ لأن عمل كبار الصحابة يخالفه، وهم أعلم بالرسول -ﷺ- وشرعه من غيرهم، والله أعلم\" (^٢).\nوأجاب الألباني ﵀ عن تصحيح ابن حجر لإسناده بوجوه:\n\"الأول: عدم التسليم بصحة هذه القصة، لأن مالك الدار غير معروف العدالة والضبط، وهذان شرطان أساسيان في كل سند صحيح كما تقرر في علم المصطلح، وقد أورده ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٤/ ١ - ٢١٣) ولم يذكر راويًا عنه غير أبي صالح هذا، ففيه إشعار بأنه مجهول، ويؤيده أن ابن أبي حاتم نفسه -مع سعة حفظه واطلاعه- لم يحك فيه توثيقًا فبقي على الجهالة، ولا ينافي هذا القول الحافظ: \"بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان ... \" لأننا نقول: إنه ليس نصًا في تصحيح جميع السند بل إلى أبي صالح فقط، ولولا ذلك لما ابتدأ هو الإسناد من عند أبي صالح، ولقال رأسًا: \"عن مالك الدار .. . وإسناده صحيح\"\n_________\n(^١) الفتح ٢/ ٥٧٥. وقد تكلم السهسواني على تصحيح ابن حجر وبيَّن مواطن ضعفه في صيانة الإنسان ص ١٢٨.\n(^٢) تعليقات الشيخ ابن باز على فتح الباري ٢/ ٥٧٥.","vol":"1","page":631},{"text":"ولكنه تعمد ذلك، ليلفت النظر إلى أن ها هنا شيئًا ينبغي النظر فيه، والعلماء إنما يفعلون ذلك لأسباب منها: أنهم قد لا يحضرهم ترجمة بعض الرواة، فلا يستجيزون لأنفسهم حذف السند كله، لما فيه من إيهام صحته لا سيما عند الاستدلال به، بل يوردون منه ما فيه موضع للنظر فيه، وهذا هو الذي صنعه الحافظ ﵀ هنا، وكأنه يشير إلى تفرد أبي صالح السمان عن مالك الدار كما سبق نقله عن ابن أبي حاتم، وهو يحيل بذلك إلى وجوب التثبت من حال مالك أو يشير إلى جهالته. والله أعلم.\nالثاني: أنها مخالفة لما ثبت في الشرع من استحباب إقامة صلاة الاستسقاء لاستنزال الغيث من السماء، كما ورد ذلك في أحاديث كثيرة، وأخذ به جماهير الأئمة، بل هي مخالفة لما أفادته الآية من الدعاء والاستغفار، وهي قوله تعالى في سورة نوح: ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١)﴾ [نوح: ١٠ - ١١] وهذا ما فعله عمر بن الخطاب حين استسقى وتوسل بدعاء العباس كما سبق بيانه، وهكذا كانت عادة السلف الصالح كلما أصابهم القحط أن يصلوا ويدعوا، ولم ينقل عن أحد منهم مطلقًا أنه التجأ إلى قبر النبي -ﷺ-، وطلب منه الدعاء للسقيا، ولو كان ذلك مشروعًا لفعلوه ولو مرة واحدة، فإذ لم يفعلوه دل ذلك على عدم مشروعية ما جاء في القصة.\nالثالث: هب أن القصة صحيحة، فلا حجة فيها، لأن مدارها على رجل لم يسم، فهو مجهول أيضًا، وتسميته بلالًا في رواية سيف لا يساوي شيئًا، لأن سيفًا هذا -وهو ابن عمر التميمي- متفق على ضعفه عند المحدثين، بل قال ابن حبان فيه: \"يروي الموضوعات عن الأثبات، وقالوا: إنه كان يضع الحديث\". فمن كان هذا شأنه لا تقبل روايته ولا كرامة، لا سيما عند المخالفة.","vol":"1","page":632},{"text":"الوجه الرابع: أن هذا الأثر ليس فيه توسل بالنبي -ﷺ-، بل فيه طلب الدعاء منه بأن يسقي الله تعالى أمته، وهذه مسألة أخرى لا تشملها الأحاديث المتقدمة، ولم يقل بجوازها أحد من علماء السلف الصالح -﵃-، أعني الطلب منه -ﷺ- بعد وفاته، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في \"القاعدة الجليلة\" [ص ١٩/ ٢٠]: لم يكن النبي -ﷺ- بل ولا أحد من الأنبياء قبله شرعوا للناس أن يدعوا الملائكة والأنبياء والصالحين، ويستشفعوا بهم، لا بعد مماتهم، ولا في مغيبهم، فلا يقول أحد: \"يا ملائكة الله اشفعوا لي عند الله، سلوا الله لنا أن ينصرنا أو يرزقنا أو يهدينا، وكذلك لا يقول لمن مات من الأنبياء والصالحين: يا نبي الله يا ولي الله (الأصل: رسول الله) ادعوا الله لي، سل الله لي، سل الله أن يغفر لي ... ولا يقول: أشكو إليك ذنوبي أو نقص رزقي أو تسلط العدو عليّ، أو أشكو إليك فلانًا الذي ظلمني، ولا يقول: أنا نزيلك، أنا ضيفك، أنا جارك، أو أنت تجير من يستجيرك. ولا يكتب أحد ورقة ويعلقها عند القبور، ولا يكتب أحد محضرًا أنه استجار بفلان، ويذهب بالمحضر إلى من يعمل بذلك المحضر ونحو ذلك مما يفعله أهل البدع من أهل الكتاب والمسلمين، كما يفعله النصارى في كنائسهم، وكما يفعله المبتدعون من المسلمين عند قبور الأنبياء والصالحين أو في مغيبهم، فهذا مما علم بالاضطرار من دين الإسلام، وبالنقل المتواتر وبإجماع المسلمين أن النبي -ﷺ- لم يشرع هذا لأمته، وكذلك الأنبياء قبله لم يشرعوا شيئًا من ذلك، ولا فعل هذا أحد من أصحابه -ﷺ- والتابعين لهم بإحسان، ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين، لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم\" (^١).\n_________\n(^١) التوسل أنواعه وأحكامه ١١٩ - ١٢٢.","vol":"1","page":633},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-440>الشبهة العاشرة:</span>\nحكاية العتبي أنه رأى أعرابيًا أتى قبر الرسول -ﷺ- قرأ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤] وهذه القصة لا تصح إسنادًا ولا متنًا إذ قال ابن عبد الهادي في الصارم: \"وهذه الحكاية التي ذكرها بعضهم يرويها عن العتبي بلا إسناد، وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب الهلالي، وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب عن أبي الحسن الزعفراني عن الأعرابي، وقد ذكرها البيهقي في كتاب \"شعب الإيمان\" بإسناد مظلم ... \" (^١).\nوقال أيضًا: \"وفي الجملة ليست هذه الحكاية المذكورة عن الأعرابي مما يقوم به حجة وإسنادها مظلم مختلف ولفظها مختلف أيضًا، ولو كانت ثابتة لم يكن فيها حجة على مطلوب المعترض ولا يصلح الاحتجاج بمثل هذه الحكاية ولا الاعتماد على مثلها عند أهل العلم\" (^٢).\nوبعضهم يستدل بهذه الآية على الحث على المجيء إلى قبر الرسول -ﷺ- والاستغفار عنده، وأن ذلك جائز في حياته وبعد مماته. وقد ردَّ هذا الادّعاء الباطل الإمام ابن عبد الهادي في \"الصارم المنكي\" فقال: \"أما استدلاله بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ الآية، فالكلام فيها في مقامين:\nأحدهما: عدم دلالتها على مطلوبه.\nوالثاني: بيان دلالتها على نقيضه، وإنما يتبين الأمران بفهم الآية وما أريد بها وسيقت له وما فهمه منها أعلم الأمة بالقرآن ومعانيه؛ وهم سلف الأمة، ومن سلك سبيلهم.\n_________\n(^١) الصارم المنكي في الرد على السبكي ص ٣٣٧، ٣٣٨.\n(^٢) الصارم المنكي ص ٣٣٨، وانظر ص ٤٣٠.","vol":"1","page":634},{"text":"ولم يفهم منها أحد من السلف والخلف إلا المجيء إليه في حياته ليستغفر لهم، وقد ذم تعالى من تخلف عن هذا المجيء إذا ظلم نفسه، وأخبر أنه من المنافقين؛ فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥)﴾ [المنافقون: ٥]، وكذلك هذه الآية، إنما هي في المنافق الذي رضي بحكم كعب بن الأشرف، وغيره من الطواغيت، دون حكم رسول الله -ﷺ- فظلم نفسه بهذا أعظم ظلم؛ ثم لم يجيء إلى رسول الله -ﷺ- ليستغفر له، فإن المجئ إليه ليستغفر له توبة، وتنصل من الذنب، وهذه كانت عادة الصحابة معه -ﷺ-؛ أن أحدهم متى صدر منه ما يقتضي التوبة، جاء إليه فقال: يا رسول الله، فعلتُ كذا وكذا فاستغفر لي، وهذا كان فرقًا بينهم وبين المنافقين فلما استأثر الله ﷿ بنبيه -ﷺ- ونقله من بين أظهرهم إلى دار كرامته، لم يكن أحد منهم قط يأتي إلى قبره، ويقول: يا رسول الله فعلت كذا وكذا فاستغفر لي، ومن نقل هذا عن أحد منهم، فقد جاهر بالكذب والبهت.\nأفَتُرى عَطَّلَ الصحابةُ والتابعون -وهم خير القرون على الإطلاق- هذا الواجبَ الذي ذم الله سبحانه من تخلَّف عنه، وجعل التخلف عنه من أمارات النفاق، ووفق له من لا توبة له من الناس، ولا يعد في أهل العلم، فكيف أغفل هذا الأمر أئمة الإسلام، وهداة الأنام، من أهل الحديث والفقه والتفسير، ومن لهم لسان صدق في الأمة، فلم يدعو إليه، ولم يحضوا عليه، ولم يرشدوا إليه، ولم يفعله أحد منهم البتة، بل المنقول الثابت عنهم ما قد عرف مما يسوء الغلاة، فيما يكره وينهى عنه من الغلو والشرك الجفاة، عما يحبه ويأمر به من التوحيد والعبودية ولما كان هذا المنقول شجًا في حلوق الغلاة، وقذى في عيونهم، وريبة في قلوبهم، قابلوه بالتكذيب والطعن في الناقل، ومن استحى منهم من أهل العلم بالآثار، قابله بالتحريف والتبديل، ويأبى الله إلا أن يعلي منار الحق، ويظهر أدلته؛ ليهتدي المسترشد، وتقوم الحجة على المعاند.","vol":"1","page":635},{"text":"ومما يدل على بطلان تأويله قطعًا، أنه لا يشك مسلم أن من دعي إلى رسول الله -ﷺ- في حياته، وقد ظلم نفسه، ليستغفر له، فأعرض عن المجيء وأباه، مع قدرته عليه، كان مذمومًا غاية الذم، مغموصًا بالنفاق، وليس كذلك من دعي إلى قبره ليستغفر له، ومن سوى بين الأمرين، وبين المدعوين، وبين الدعوتين، فقد جاهر بالباطل، وقال على الله وكلامه ورسوله وأمناء دينه غير الحق.\nوأما دلالة الآية على غير تأويله، فهو أنه سبحانه صدرها بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ وهذا يدل على أن مجيئهم إليه ليستغفر لهم إذ ظلموا أنفسهم، طاعة له؛ ولهذا ذم من تخلف عن هذه الطاعة ولم يقل مسلم قط أن على من ظلم نفسه بعد موته أن يذهب إلى قبره، ويسأله أن يستغفر له، ولو كان هذا طاعة لكان خير القرون قد عصوا هذه الطاعة وعطلوها، ووفق لها هؤلاء العصاة الغلاة، وهذا بخلاف قوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ فإنه نفى الإيمان عمن لم يحكمه، وتحكيمه هو تحكيم ما جاء به حيًا وميتًا، ففي حياته كان هو الحكم بينهم بالوحي، وبعد وفاته نوابه وخلفاؤه، ويوضح ذلك أنه قال: \"لا تجعلوا قبري عيدًا\"، ولو كان يشرع لكل مذنب أن يأتي إلى قبره ليستغفر له، لكان القبر أعظم أعياد المذنبين، وهذا مضادة صريحة لدينه وما جاء به ..، ولو كان مشروعًا لأمر به أمته وحضهم عليه، ورغبهم فيه، ولكان الصحابة وتابعوهم بإحسان أرغب شيء فيه، وأسبق إليه، ولم ينقل عن أحد منهم قط وهم القدوة بنوع من أنواع الأسانيد أنه جاء إلى قبره ليستغفر له، ولا شكا إليه ولا سأله، والذي صحّ عنه مجيء القبر هو ابن عمر وحده، إنما كان يجيء للتسليم عليه -ﷺ- وعلى صاحبيه عند قدومه من السفر، ولم يكن يزيد على التسليم شيئًا البتة\" (^١).\n_________\n(^١) الصارم المنكي في الرد على السبكي ص ٤٢٥ - ٤٢٨.","vol":"1","page":636},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-441>الشبهة الحادية عشرة:</span>\nومن شبههم الحكاية المنقولة عن الشافعي أنه كان يقصد الدعاء عند قبر أبي حنيفة وهذا من الكذب الظاهر.\nقال الإمام ابن تيمية: \"وهذا كذلك معلوم كذبه بالاضطرار عند من له معرفة بالنقل فإن الشافعي لما قدم بغداد ولم يكن ببغداد قبر يُنتاب للدعاء عنده البتة، بل ولم يكن هذا على عهد الشافعي معروفًا، وقد رأى الشافعي بالحجاز واليمن والشام والعراق ومصر من قبور الأنبياء والصحابة والتابعين من كان أصحابها عنده وعند المسلمين أفضل من أبي حنيفة وأمثاله من العلماء فما باله لم يتوخ لدعاء إلا عنده؟\nثم إن أصحاب أبي حنيفة الذين أدركوه مثل أبي يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد وطبقتهم لم يكونوا يتحرون الدعاء لا عند قبر أبي حنيفة ولا غيره. ثم قد تقدم عن الشافعي ما هو ثابت في كتابه من كراهة تعظيم قبور المخلوقين خشية الفتنة بها، وإنما يضع مثل هذه الحكايات من يقل علمه ودينه، وإما أن يكون المنقول من هذه الحكايات مجهول لا يعرف\" (^١).\nوقال ابن القيم ﵀: \"والحكاية المنقولة عن الشافعي أنه كان يقصد الدعاء عند قبر أبي حنيفة من الكذب الظاهر\" (^٢).\nوقال عنها الشيخ الألباني: \"هذه رواية ضعيفة بل باطلة\" (^٣).\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٦٨٥.\n(^٢) إغاثة اللهفان ١/ ٢٤٦.\n(^٣) السلسلة الضعيفة: ١/ ٣١.","vol":"1","page":637},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-442>٩٧ - التوكل على الله تعالى </span>*\nقال ابن الأثير: \"توكَّل بالأمر إذا ضمن القيام به، ووكلتُ أمري إلى فلان: أي ألجأته إليه واعتمدتُ فيه عليه، ووكَّل فلان فلانًا: إذا اسْتكفَاه أمرَه ثقة بكفايته أو عجزًا عن القيام بأمر نفسه\" (^١).\nويقال: \"وكلت الأمر إليه وكلًا: من باب وعد، ووُكُولًا: فوَّضته إليه واكتفيت به ... وتوكَّل على الله: اعتمد عليه ووَثِق به، واتكل عليه في أمره كذلك\" (^٢).\nوقال الرازي: \"والتوكل: إظهار العجز والاعتماد على غيرك والاسم التكلان\" (^٣).\nفمعناه في اللغة: (الاعتماد والتفويض).\nوفي الشرع: قال ابن جرير الطبري ﵀: \"الصواب في حد التوكل الثقة بالله\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ٢١/ ٢٧٢، ٢٤/ ٦٥ - ٦٧. شرح السنة للبغوي ١٤/ ٢٩٨.التحفة العراقية لابن تيمية ص ٣٠، ٣٣. أحكام القرآن للقرطبي ٤/ ١٨٩، ٢٥٣، ٩/ ١١، ٣٧٠. الآداب الشرعية لابن مفلح ٣/ ٢٦٢. تيسير العزيز الحميد ص ٤٩٩. فتح المجيد ص ٤٠٧. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٢٥١. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٣٥. القول المفيد ط ١ - ٢/ ١٨٥، ٤٥٣ ط ٢ - ٢/ ٢٢٨. ومن المجموع ١٠/ ٦٦٦. مجموع الفوائد واقتناص الأوابد للسعدي ص ٣٨، ٤٨. فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٢٤٨.الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ١/ ١٢٥. معارج القبول ١/ ٣٣٠. مجموع الفتاوى لابن باز ١/ ٢٧٢. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٢/ ٤٩٧. المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة الأحمدي ٢/ ٢٣٣. الشيخ السعدي وجهوده في توضيح العقيدة للعباد ص ١٧٥.ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ص ٣٥٧. الجيلاني وآراؤه الاعتقادية ص ١٤٠، ٦٠٧. منهج الحافظ ابن رجب في العقيدة ص ٣٨٠. مباحث العقيدة في سورة الزمر ص ٢٧٢، ٢٨٦. الإمام الخطابي ومنهجه في العقيدة لأبي عبد الرحمن العلوي ص ٢٥٩.التوكل على الله. د. القرني.\n(^١) النهاية في غريب الحديث (وك ل).\n(^٢) المصباح المنير (وك ل).\n(^٣) مختار الصحاح (وكل).","vol":"1","page":638},{"text":"تعالى والاعتماد في الأمور عليه، وتفويض كل ذلك إليه بعد استفراغ الوسع في السعي فيما بالعبد الحاجة إليه من أمر دينه ودنياه على ما أمر به من السعي\" (^١).\nوقال ابن رجب ﵀: \"هو صدق اعتماد القلب على اللهُ ﷿ في استجلاب المصالح ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة كلها، وكِلة الأمور كلها إليه، وتحقيق الإيمان بأنه لا يعطي ولا يمنع ولا يضر ولا ينفع سواه\" (^٢).\nوعرّفه ابن رجب أيضا بقوله: \"التوكل هو قطع الاستشراف باليأس من المخلوقين كما قال الإمام أحمد واستدل عليه بقول إبراهيم ﵇ لما عرض له جبرائيل في الهواء وقال: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا\" (^٣).\nوقال الحسن رحمه الله تعالى: \"توكل العبد على ربه: أن يعلم أن الله هو ثقته\" (^٤).\nوقال ابن القيم ﵀: \"التوكل عمل القلب وعبوديته اعتمادًا على الله وثقة به والتجاء إليه وتفويضًا إليه ورضاه بما يقضيه لعلمه بكفايته سبحانه وحسن اختياره لعبده إذا فوض إليه مع قيامه بالأسباب المأمور بها واجتهاده في تحصيلها\" (^٥).\nوقال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵀: \"هو إسناد العبد أمره إلى الله وحده لا شريك له في جميع أموره الدينية والدنيوية\" (^٦).\nوقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: \"صدق الاعتماد على الله ﷿، في جلب المنافع ودفع المضار مع فعل الأسباب التي أمر الله بها\" (^٧).\n_________\n(^١) شرح ابن بطال للبخاري ٩/ ٤٠٨.\n(^٢) جامع العلوم والحكم ص ٤٠٩.\n(^٣) من نور الاقتباس ص ٧٦. جامع العلوم والحكم ص ٤٣٩.\n(^٤) جامع العلوم والحكم ص ٤٠٩.\n(^٥) الروح لابن القيم ص ٣٤٣، وانظر زاد المعاد ٤/ ١٥.\n(^٦) الكلمات النافعة في المكفرات الواقعة للشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ص ٦، ٧.\n(^٧) المجموع الثمين لابن عثيمين ١/ ٦٦.","vol":"1","page":639},{"text":"* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]. وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التغابن: ١٣].\nوقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق: ٣]. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾ [الأنفال: ٦٤]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال: ٢]. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣].\nوعن ابن عباس -﵄- قال: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قالها إبراهيم ﵇ حين ألقى في النار، وقالها محمد -ﷺ- حين قالوا له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] (^١).\n* الدليل من السنة: عَنْ ابْن عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: قالَ رَسُولُ الله -ﷺ-: \"عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ فَجَعَلَ النَّبِيُّ وَالنَّبِيَّانِ يَمُرُّونَ مَعَهُمْ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، حَتَّى وَقَع في (^٢) سَوَادٌ عَظِيمٌ. قُلْتُ: مَا هَذَا؟ أُمَّتِي هَذِهِ؟ قِيلَ: بَلْ هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ. قِيلَ: انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ. فَإِذَا سَوَادٌ يَمْلأُ الأُفُقَ، ثُمَّ قِيلَ لِي: انْظُرْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا، فِي آفَاقِ السَّمَاءِ. فَإِذَا سَوَادٌ قَدْ مَلأَ الأُفُقَ. قِيلَ: هَذِهِ أُمَّتُكَ، وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، ثُمَّ دَخَلَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ، فَأَفَاضَ الْقَوْمُ وَقَالُوا: نَحْنُ الَّذِينَ آمَنَّا بِالله وَاتَّبَعْنَا رَسُولَهُ فَنَحْنُ هُمْ، أَوْ أَوْلَادُنَا الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الإِسْلَامِ، فَإِنَّا وُلِدْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَبَلَغَ النَّبِيَّ -ﷺ- فَخَرَجَ فَقَالَ: \"هُمْ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطيَّرُونَ، وَلَا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٥٦٣).\n(^٢) في رواية مسلم: \"إذ رُفِع لي سواد عظيم\".","vol":"1","page":640},{"text":"يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ\". فَقَالَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ: أَمِنْهُمْ أَنَا يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: \"نَعَمْ\". فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: أَمِنْهُمْ أَنَا؟ قَالَ: \"سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ\" (^١).\nوعن عمر بن الخطاب -﵁- قال: قَالَ رَسُولُ الله -ﷺ-: \"لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا\" (^٢).\nوعن ابن عباس -﵂-: أن رسول الله -ﷺ- كان يقول: \"اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، اللهم إني أعوذ بعزتك، لا إله إلا أنت - أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون\" (^٣).\nأقوال أهل العلم:\nقال شيخ الإسلام: \"ما رجا أحد مخلوقًا ولا توكل عليه إلا خاب ظنه فيه فإنه مشرك، ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق\" (^٤).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-443> أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-444>١ - صلة التوكل بالعبادة والإيمان:</span> قال الله ﷾: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يقول ابن القيم: \"فجعل التوكل شرطًا في الإيمان، فدل على انتفاء الإيمان عند انتفاء التوكل، وفي الآية الأخرى: ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ فجعل دليل صحة الإسلام التوكل. وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ذِكرُ اسم الإيمان ها هنا دون سائر أسمائهم دليل على استدعاء الإيمان\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٧٠٥)، ومسلم (٢٢٠).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٣٤٤)، وابن ماجه (٤١٦٤) قال الترمذي حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه.\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٧١٧).\n(^٤) مجموع الفتاوى ٢/ ٣١٦.","vol":"1","page":641},{"text":"للتوكل وأن قوة التوكل وضعفه بحسب قوة الإيمان وضعفه، وكلما قوي إيمان العبد كان توكله أقوى وإذا ضعف الإيمان ضعف التوكل وإذا كان التوكل ضعيفًا فهو دليل على ضعف الإيمان ولا بد. والله تعالى يجمع بين التوكل والعبادة وبين التوكل والإيمان وبين التوكل والإسلام وبين التوكل والتقوى وبين التوكل والهداية ... فظهر أن التوكل أصل لجميع مقامات الإيمان والإحسان ولجميع أعمال الإسلام وأن منزلته منها منزلة الجسد من الرأس فكما لا يقوم الرأس إلا على البدن فكذلك لا يقوم الإيمان ومقاماته وأعماله إلا على ساق التوكل\" (^١).\nوقال الإمام أحمد ﵀: \"التوكل: عمل القلب\" (^٢).\nقال ابن القيم ﵀: \"ومعنى ذلك: أنه عمل قلبي ليس بقول اللسان ولا عمل الجو ارح، ولا هو من باب العلوم والإدراكات .. \" (^٣).\nفالتوكل من أعمال القلوب: كالمحبة والإنابة والخوف والرجاء .. ونحو ذلك.\nقال السعدي ﵀: \"التوكل على الله من أعظم واجبات التوحيد والإيمان. وبحسب قوة توكل العبد على الله يقوى إيمانه ويتم توحيده، والعبد يضطر إلى التوكل على الله والاستعانة به في كل ما يريد فعله أو تركه من أمور دينه أو دنياه\" (^٤).\nوقال ابن قاسم ﵀: \"وهو عبادة من أجلّ العبادات، بل هو أجل أنواع العبادة، وأعلى مقامات التوحيد\" (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-445>٢ - حقيقة التوكل:</span>\nقال ابن رجب ﵀: \"وحقيقة التوكل تفويض الأمور إلى من هي بيده. فمن\n_________\n(^١) طريق الهجرتين ص ٢٥٥، ٢٥٨.\n(^٢) مدارج السالكين ٢/ ١١٤، طريق الهجرتين ص ٢٣٩، تيسير العزيز الحميد ص ٥٠٠.\n(^٣) مدارج السالكين ٢/ ١١٤ ط. دار الفكر.\n(^٤) القول السديد ص ١٠١.\n(^٥) حاشية ثلاثة الأصول ص ٣٨.","vol":"1","page":642},{"text":"توكل على الله في هدايته، وحراسته، ورزقه وغير ذلك من مصالح دينه ودنياه تولى الله مصالحه كلها، وهذا حقيقة الوثوق بالله، وبرحمته، كما في هذا الدعاء \"ولا أثق إلا برحمتك\" فمن وثق برحمته، فقد حقق التوكل به في توفيقه وتسديده\" (^١).\nقال ابن القيم: \"وقد تقدم أن كثيرًا من الناس يفسر التوكل بالثقة، ويجعله حقيقتها، ومنهم من يفسره بالتفويض، ومنهم من يفسره بالتسليم، فعلمت أن مقام التوكل يجمع ذلك كله\" (^٢).\nوقال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: \"وحقيقة التوكل على الله: أن يعلم العبد أن الأمر كله لله وأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، أنه النافع الضار المعطي المانع، وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله فبعد هذا العلم يعتمد بقلبه على ربه في جلب مصالح دينه ودنياه وفي دفع المضار، ويثق غاية الوثوق بربه في حصول مطلوبه، وهو مع هذا باذل جهده، في فعل الأسباب النافعة. فمتى استدام العبد هذا العلم وهذا الاعتماد والثقة فهو المتوكل على الله حقيقة، وليبشر بكفاية الله له ووعده للمتوكلين، ومتى علق ذلك بغير الله فهو شرك، ومن توكل على غير الله وتعلق به وكل إليه وخاب أمله\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-446>٣).\n\n٣ - أقسام التوكل على الله:</span>\nقال ابن القيم ﵀: \"التوكل على الله نوعان:\nأحدهما: توكل عليه في جلب حوائج العبد وحظوظه الدنيوية أو دفع مكروهاته ومصائبه الدنيوية.\nالثاني: التوكل عليه في حصول ما يحبه هو ويرضاه من الإيمان واليقين والجهاد\n_________\n(^١) مستفاد من \"منهج الحافظ ابن رجب في العقيدة\" للشبل، ص ٣٨٢.\n(^٢) مدارج السالكين ٢/ ١٤٤. ط. دار الفكر.\n(^٣) القول السديد ص ١٠١.","vol":"1","page":643},{"text":"والدعوة إليه.\nوبين النوعين من الفضل ما لا يحصيه إلا الله فمتى توكل عليه العبد في النوع الثاني حق توكله كفاه النوع الأول تمام الكفاية ومن توكل عليه في النوع الأول دون الثاني كفاه أيضا، لكن لا يكون له عاقبة المتوكل عليه فيما يحبه ويرضاه، فأعظم التوكل عليه: التوكل في الهداية وتجريد التوحيد ومتابعة الرسول وجهاد أهل الباطل\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-447>٤ - أقسام التوكل على غير الله:</span>\nقال حاتم الأصم سمعت شقيق البلخي يقول: \"لكل واحد مقامٌ؛ فمتوكل على ماله، ومتوكل على نفسه، ومتوكل على لسانه، ومتوكل على سيفه، ومتوكل على سلطنته، ومتوكل على الله ﷿. فأما المتوكل على الله ﷿؛ فقد وجد الاسترواح، نوّه الله به ورفع قدره، وقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] وأما من كان مستروحًا إلى غيره يوشك أن ينقطع به فيشقى\" (^٢).\nقال شيخ الإسلام ﵀: \"فالقلب لا يتوكل إلا على من يرجوه، فمن رجا قوته أو عَمَله أو عِلمه أو حاله أو صديقه أو قرابته أو شيخه أو ملكه أو ماله، غير ناظر إلى الله؛ كان فيه نوع توكل على ذلك السبب، وما رجا أحد مخلوقًا أو توكل عليه إلاخاب ظنه فيه، فإنه مشُرك. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١] \" (^٣).\nيقول الشيخ سليمان بن عبد الله: \"لكن التوكل على غير الله قسمان:\nأحدهما: التوكل في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله كالذين يتوكلون على\n_________\n(^١) الفوائد لابن القيم ص ٨٦.\n(^٢) أخرجه البيهقي في الشعب، ح: ١٢٩٧ (٢/ ١٠٥)، وأبو نعيم في الحلية ٨/ ٦١.\n(^٣) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ١٠/ ٢٥٧.","vol":"1","page":644},{"text":"الأموات والطواغيت في رجاء مطالبهم من النصر والحفظ والرزق والشفاعة فهذا شرك أكبر فإن هذه الأمور ونحوها لا يقدر عليها إلا الله ﵎.\nالثاني: التوكل في الأسباب الظاهرة العادية كمن يتوكل على أمير أو سلطان فيما جعله الله بيده من الرزق أو دفع الأذى ونحو ذلك فهذا نوع شرك خفي.\nوالوكالة (^١) الجائزة هي توكل الإنسان في فعل مقدور عليه. لكن ليس له أن يتوكل عليه وإن وكله. بل يتوكل على الله ويعتمد عليه في تيسير ما وكله فيه كما قرره شيخ الإسلام\" (^٢).\nوقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"التوكل على الغير فيما يتصرف فيه المتوكل بحيث ينيب غيره في أمر تجوز فيه النيابة فهذا لا بأس به بدلالة الكتاب والسنة والإجماع، فقد قال يعقوب لبنيه ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ [يوسف: ٨٧] ووكل النبي -ﷺ- على الصدقة عمالًا وحفاظًا، ووكل في إثبات الحدود وإقامتها، ووكل علي بن أبي طالب -﵁- في هديه في حجة الوداع أن يتصدق بجلودها وجلالها، وأن ينحر ما بقي من المئة بعد أن نحر -ﷺ- بيده ثلاثًا وستين. وأما الإجماع على جواز ذلك فمعلوم من حيث الجملة\" (^٣).\nوقال ﵀: \"ومع وجود الأسباب الشرعية الصحيحة ينبغي للإنسان أن لا يعلق نفسه بالسبب بل يعلقها بالله، فالموظف الذي يتعلق قلبه بمرتبه تعلقا كاملا مع الغفلة عن المسبب وهو الله فهذا نوع من الشرك أما إذا اعتقد أن المرتب سبب والمسبب هو الله ﷾ فهذا لا ينافي التوكل، والرسول -ﷺ- كان يأخذ بالأسباب مع\n_________\n(^١) الوكالة في الشرع: \"إقامةُ الشخصِ غيَره مقام نفسه مطلقًا أو مقيدًا\" فتح الباري ٤/ ٥٥٩، ٥/ ٢٠١.\n(^٢) تيسير العزيز الحميد ص ٤٩٧، ٤٩٨. وانظر مجموع الفتاوى لابن تيمية ١٠/ ٢٥٧.\n(^٣) شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٥٥.","vol":"1","page":645},{"text":"اعتماده على المسبب وهو الله ﷿\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-448>٥ - مسألة: قول توكلت على الله ثم عليك:</span>\nسُئل الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ عن قول: \"متوكل على الله ثم عليك يا فلان؟ \": فأجاب: \"شرك. يقول موكلك ولا يقول موكل الله ثم موكلك على هذا الشيء، هذه عامية، وليست في محلها\" (^٢).\nوقال محقق الفتاوى الشيخ محمد بن قاسم ﵀: \"والفرق بين هذا وبين أعوذ بالله ثم بك أنه تجوز الاستعاذة بالمخلوق مفردًا فيما يقدر عليه، بخلاف التوكل فإنه كله عبادة، كما لا يجوز أسجد لله ثم لك يا فلان، أو أعبد الله، ثم أعبدك يا فلان\" (^٣).\nوسُئل الشيخ محمد بن إبراهيم عن قول بعض العامة توكلت عليك يا فلان في كذا؟ قال: \"هذا شرك أما التوكيل فيجوز لأنه استنابة\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-449>٦ - كيف يستكمل العبد مقام التوكل وتثبت قدمه فيه:</span>\nالتوكل على الله حال مركب من عدة درجات لا تتم حقيقته إلا بها وهي (^٥):\nالأولى: معرفة بالرب وصفاته من قدرته وكفايته وقيوميته، وانتهاء الأمور إلى علمه، وصدورها عن مشيئته، واليقين بكفاية وكيله، وكمال قيامه بما وكله إليه، وأن غيره لا يقوم مقامه في ذلك (^٦).\nقال ابن القيم: \"وهذه المعرفة أول درجات يضع بها العبد قدمه في مقام التوكل،\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١/ ١٠٤.\n(^٢) فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ١/ ١٧٠.\n(^٣) حاشية على فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ١/ ١٧٠.\n(^٤) فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ١/ ١٧٠. وانظر معجم المناهي اللفظية للشيخ بكر أبو زيد ص ١٥٣.\n(^٥) مدارج السالكين ٢/ ١١٧.\n(^٦) طريق الهجرتين ص ٢٣٩.","vol":"1","page":646},{"text":"ونقل عن شيخ الإسلام قوله: ولذلك لا يصح التوكل ولا يتصور من فيلسوف ولا من القدرية النفاة القائلين بأنه يكون في ملكه ما لا يشاء، ولا يستقيم أيضا من الجهمية النفاة لصفات الرب جل وجلاله، ولا يستقيم التوكل إلا من أهل الإثبات\" (^١).\nالثانية: إثبات الأسباب ورعايتها والأخذ بها.\nالثالثة: رسوخ القلب في مقام توحيد التوكل.\nفإنه لا يستقيم توكل العبد حتى يصح له توحيده؛ بل حقيقة التوكل توحيد القلب، فما دامت فيه علائق الشرك فتوكله معلول مدخول، وعلى قدر تجريد التوحيد تكون صحة التوكل (^٢).\nالرابعة: اعتماد القلب على الله واستناده إليه وسكونه إليه وطمأنينته به والثقة بتدبيره، كما قال بعض العارفين: \"المتوكل كالطفل لا يعرف شيئا يأوي إليه إلا ثدي أمه، كذلك المتوكل لا يأوي إلا إلى ربه\" (^٣)، ولذلك قال ابن القيم: \"التوكل معنى يلتئم من أصلين: الثقة، والاعتماد، وهو حقيقة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥] \" (^٤).\nالخامسة: حسن الظن بالله ﷿.\nقال ابن القيم: \"والتحقيق أن حسن الظن به يدعوه إلى التوكل عليه؛ إذ لا يتصور التوكل على من ساء ظنك به، ولا التوكل على من لا ترجوه والله أعلم\" (^٥).\nوفي الحديث القدسي قال الله ﷿: \"أنا عند ظن عبدي بي\" (^٦) وقال -ﷺ- قبل\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٢/ ١١٨.\n(^٢) مدارج السالكين ٢/ ١٢٠.\n(^٣) المصدر نفسه ٢/ ١٢١.\n(^٤) مدارج السالكين ١/ ٧٥.\n(^٥) مدارج السالكين ٢/ ١٢١.\n(^٦) أخرجه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥).","vol":"1","page":647},{"text":"وفاته بثلاث: \"لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى\" (^١).\nالسادسة: استسلام القلب له وانجذاب دواعيه كلها إليه وقطع منازعته.\nالسابعة: التفويض: قال الله تعالى: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٤٤)﴾ [غافر: ٤٤] قال ابن القيم ﵀: \"وهو روح التوكل ولبه وحقيقته، وهو إلقاء أموره كلها إلى الله، وإنزالها به طلبًا واختيارًا، لا كرهًا واضطرارًا\" (^٢).\nالثامنة: الرضا: قال ابن القيم ﵀: \"وهي ثمرة التوكل، ومن فسره بها، فإنما فسره بأجل ثمراته وأعظم فوائده؛ فإنه إذا توكل حق التوكل رضي بما يفعله وكيله (^٣). وذكر شيخ الإسلام: \"أن الرضا والتوكل يكتنفان المقدور فالتوكل قبل وقوعه، والرضا بعد وقوعه\" (^٤)، فمن توكل على الله قبل الفعل، ورضي بالمقضي له بعد الفعل، فقد قام بالعبودية، أو معنى هذا\" (^٥).\nثم قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- بعد ذكر هذه الدرجات الثمان: \"فباستكمال هذه الدرجات الثمان يستكمل العبد مقام التوكل وتثبت قدمه فيه\" (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-450>٧ - علاقة الأسباب بالتوكل:</span>\nكان من هدي النبي -ﷺ- وأصحابه اتخاذ الأسباب وكانوا أكمل الخلق توكلا بل إن رسول الله -ﷺ- لبس الدروع يوم أحد (^٧)، واستأجر دليلًا مشركًا على دين قومه،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٨٧٧).\n(^٢) مدارج السالكين ٢/ ١٢٢ ط. دار الفكر.\n(^٣) مدارج السالكين ٢/ ١٢٣.\n(^٤) مجموع الفتاوى ١٠/ ٣٧، التحفة العراقية ٨٧.\n(^٥) المدارج ٢/ ١٢٢.\n(^٦) مدارج السالكين ٢/ ١٢٣.\n(^٧) أخرجه أبو داود (٢٥٩٠)، والترمذي (١٦٩٢).","vol":"1","page":648},{"text":"ليدله على الطريق يوم الهجرة (^١)، وكان إذا سافر في جهاد أو حج أو عمرة حمل الزاد والمزاد وجميع أصحابه (^٢).\nويُذكر أنه قدم ناس من أهل اليمن إلى الحج بلا زاد فجيء بهم إلى عمر -﵁- فسألهم فقالوا: نحن المتوكلون على الله. فقال: لستم المتوكلين بل أنتم المتواكلون.\nوسأل رجل الحسن فقال: يا أبا سعيد، أفتح مصحفي فأقرأُه حتى أمسي؟ قال الحسن: \"اقرأه بالغداة واقرأه بالعشي، وكن سائر نهارك في صنعتك وما يصلحكم\" (^٣).\nوسأل الإمام أحمدَ رجلٌ فقال: أيخرج إلى مكة متوكلًا لا يحمل معه شيئًا؟ قال: \"لا يعجبني، فمن أين يأكل قال: يتوكل فيعطيه الناس. قال: وإذا لم يعطوه. أليس يستشرف لهم حتى يعطوه؟ لا يعجبني هذا. لم يبلغني أن أحدا أصحاب رسول الله -ﷺ- والتابعين فعل هذا، ولكن يعمل ويطلب ويتحرى\" (^٤).\nوكان الإمام أحمد يأمر بالسوق، ويقول: \"ما أحسن الاستغناء عن الناس\" (^٥).\nوسئل عن قوم لا يعملون ويقولون نحن متوكلون فقال: \"هؤلاء مبتدعة\" (^٦).\nقال عبد اللهَ التستري: \"من قال: إن التوكل يكون بترك السبب فقد طعن في سنة رسول الله -ﷺ-، لأن الله ﷿ يقول: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩] فالغنيمة اكتساب\" (^٧).\n_________\n(^١) راجع حديث عائشة في البخاري (٢٢٦٣).\n(^٢) انظر بعض أخبارهم في الاكتساب واتخاذ الأسباب، تلبس إبليس، ص ٢٨٢، مدارج السالكين ٢/ ١٣٤، ١٣٥. ط. دار الفكر.\n(^٣) البيهقي في شعب الإيمان، ح (١٢٥٩) ٢/ ٩٤.\n(^٤) المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد ٢/ ٢٣٦.\n(^٥) المصدر السابق ٢/ ٢٣٤.\n(^٦) المصدر السابق ٢/ ٢٣٨.\n(^٧) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٢/ ١٠٣.","vol":"1","page":649},{"text":"وقد أخبر الله في كتابه عن مريم -﵍-: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)﴾ [مريم: ٢٥].\nوهذا دليل على أن الله ﷿ يأمر باتخاذ الأسباب، كما دل على ذلك قوله: ﴿وَهُزِّي﴾ وفي ذلك يقول بعضهم:\nألم تر أن الله قال لمريم ... فهزي إليك الجذع يسَّاقطُ الرطب\nولو شاء أن تجنيه من غير هزها ... جنته ولكن كل شيء له سبب\nيقول ابن الجوزي: \"وقد تشبث القاعدون عن التكسب بتعللات قبيحة منها أنهم قالوا: لا بد أن يصل إلينا رزقنا وهذا في غاية القبح فإن الإنسان لو ترك الطاعة وقال: لا أقدر بطاعتي أن أغير ما قضى الله عليّ فإن كنت من أهل الجنة فأنا إلى الجنة أو من أهل النار فأنا من أهل النار. قلنا له: هذا يرد الأوامر كلها ... ومعلوم أننا مطالبون بالأمر لا بالقدر\" (^١).\nويقول أيضًا ﵀: \"فقد كان آدم ﵇ حراثًا، ونوح وزكريا نجارَين، وإدريس خياطًا، وإبراهيم ولوط زراعين، وصالح تاجرًا، وكان سليمان يعمل الخوص، وداود يصنع الدروع، ويأكل من ثمنه، وكان موسى وشعيب ومحمد رعاة صلى الله عليهم أجمعين\" (^٢).\nوالإنسان مع أخذه بالأسباب وإثباتها لا يعتمد عليها بل ينظر إلى مسببها وهو الله ﷾.\nقال شيخ الإسلام ﵀: \"ولهذا قال طائفة من العلماء: \"الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقصٌ في العقل والإعراض عن\n_________\n(^١) تلبيس إبليس ص ٢٨٦.\n(^٢) تلبيس إبليس ص ٢٨١.","vol":"1","page":650},{"text":"الأسباب بالكلية قدحٌ في الشرع، نما التوكل المأمور به: ما اجتمع فيه مقتضى التوحيد والعقل والشرع\" (^١).\nوقال ابن القيم ﵀: \"وهذا الكلام يحتاج إلى شرح وتقييد؛ فالالتفات إلى الأسباب ضربان:\nأحدهما: شرك، والآخر عبودية وتوحيد؛ فالشرك أن يعتمد عليها ويطمئن إليها، يعتقد أنها بذاتها محصلة للمقصود، فهو معرض عن المسبب لها، ويجعل نظره والتفاته مقصورًا عليها.\nوأما إن التفت إليها التفات امتثال وقيام بها، وأداء لحق العبودية فيها، وإنزالها منازلها؛ فهذا الالتفات عبودية وتوحيد، إذا لم يشغله عن الالتفات إلى المسبب.\nوأما محوها أن تكون أسبابا؛ فقدح في العقل والحس والفطرة، فإن أعرض عنها بالكلية؛ كان قدحا في الشرع وإبطالا له.\nوحقيقة التوكل: القيام بالأسباب، والاعتماد بالقلب على المسبب، واعتقاد أن الأمر بيده، فإن شاء أقام لها موانع وصوارف تعارض اقتضاءها وتدفعه.\nفالموحد المتوكل؛ لا يلتفت إليها؛ بمعنى أنه لا يسقطها ولا يهملها ويلغيها؛ بل يكون قائمًا بها ملتفتا إليها ناظرا إلى مسببها سبحانه ومجريها ... فإذا جمعت بين هذا التوحيد، وبين إثبات الأسباب؛ استقام قلبك على السير إلى الله ووضح لك الطريق الأعظم الذي مضى عليه جميع رسل الله وأنبيائه وأتباعهم، وهو الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم، وبالله التوفيق\" (^٢).\nوقال الحافظ ابن رجب ﵀: \"واعلم أن تحقيق التوكل لا ينافي السعي في الأسباب التي قدر الله ﷾ المقدورات بها، وجرت سنته في خلقه بذلك، فإن الله\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٠/ ٣٥، وانظر المدارج ٣/ ٤٩٩. ط. دار الفكر.\n(^٢) مدارج السالكين ٣/ ٤٩٩، ٥٠٠.","vol":"1","page":651},{"text":"أمر بتعاطي الأسباب، مع أمره بالتوكل، فالسعي في الأسباب بالجوارح طاعة له، والتوكل بالقلب عليه إيمان به، كما قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١]، وقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠]. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠].\nوقال سهل التستري: من طعن في الحركة -يعني في السعي والكسب- فقد طعن في السنة، ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان، فالتوكل حال النبي -ﷺ- والكسب سنته، فمن عمل على حاله، فلا يتركنَّ سنته. ثم إن الأعمال التي يعملها العبد ثلاثة أقسام:\nأحدها: الطاعات التي أمر الله عباده بها، وجعلها سببا للنجاة من النار، ودخول الجنة، فهذا لا بد من فعله مع التوكل على الله فيه، والاستعانة به عليه .. فمن قصّر في شيء مما وجب عليه من ذلك استحق العقوبة في الدنيا والآخرة شرعا وقدرا.\nالثاني: ما أجرى الله العادة به في الدنيا، وأمر عباده بتعاطيه كالأكل عند الجوع، والشرب عند العطش، والاستظلال من الحر والتدفي من البرد ونحو ذلك، فهذا أيضا واجب على المرء تعاطي أسبابه، ومن قصر فيه حتى تضرر بتركه مع القدرة على استعماله، فهو مفرط يستحق العقوبة، لكن الله ﷾ قد يقوي بعض عباده من ذلك على ما لا يقوي عليه غيره، فإذا عمل بمقتضى قوته التي اختص بها عن غيره فلا حرج عليه، ولهذا كان النبي -ﷺ- يواصل صيامه وينهى عن ذلك أصحابه.\nالثالث: ما أجرى الله العادة به في الدنيا في الأعم الأغلب، وقد يخرق العادة في ذلك لمن شاء من عباده وهو على أنواع:\nمنها: ما يخرقه كثيرًا ويفي عنه كثيرا من خلقه، كالأدوية بالنسبة إلى كثير من البلدان وسكان البوادي ونحوها.","vol":"1","page":652},{"text":"وقد اختلف العلماء هل الأفضل لمن أصابه المرض التداوي أم تركه لمن حقق التوكل على الله؟ فيه قولان مشهوران.\nوظاهر كلام أحمد أن التوكل لمن قوي عليه أفضل؛ لما صح عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفًا بغير حساب\" ثم قال: \"هم الذين لا يتطيرون، ولا يسترقون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون\".\nومنها ما يخرقه القليل من العامة، كحصول الرزق لمن ترك السعي في طلبه فمن رزقه الله صدق يقين، وتوكل، وعلم من الله أن يخرق له العوائد ولا يحوجه إلى الأسباب المعتادة في طلب الرزق ونحوه، جاز له ترك الأسباب ولم ينكر عليه ذلك. وحديث عمر (^١) هذا الذي نتكلم عليه يدل على ذلك، ويدل على أن الناس إنما يؤتون من قلة تحقيق التوكل، ووقوفهم مع الأسباب الظاهرة بقلوبهم، ومساكنتهم لها، فلذلك يتعبون أنفسهم في الأسباب، ويجتهدون فيها غاية الاجتهاد ولا يأتيهم إلا ما قدر لهم، فلو حققوا التوكل على الله بقلوبهم لساق إليهم أرزاقهم مع أدنى سبب كما يسوق إلى الطير أرزاقها بمجرد الغدو والرواح، وهو نوع من الطلب والسعي لكنه سعي يسير\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-451>٨ - مسألة مهمة في علاقة التداوي والاكتواء والاسترقاء بالتوكل:</span>\nقد جاء عند أحمد والنسائي مرفوعًا: \"من استرقى أو اكتوى فقد برئ من التوكل\" (^٣). والمقصود من هذا الحديث التوكل المستحب، لأن طلب الرقية جائز.\nوسوف يقتصر كلامنا هنا على الاسترقاء فقط، أما الاكتواء التداوي فقد سبق الكلام عنهما في بابي (التداوي) و(الكي).\n_________\n(^١) الحديث: \"لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير .. \".\n(^٢) جامع العلوم والحكم ٢/ ٤٩٨ - ٥٠٢.\n(^٣) مسند الإمام أحمد ٤/ ٢٤٩، وابن ماجه (٣٤٨٩).","vol":"1","page":653},{"text":"والاسترقاء -طلب الرقية- قد قال كثير من العلماء أنه يقدح في تمام التوكل، منهم الإمام أحمد والخطابي والقاضي عياض والنووي وابن تيمية وابن القيم -﵏- وهو القول الراجح الذي يدل عليه حديث \"السبعون ألفًا\".\nقال ابن رجب: \"وظاهر كلام أحمد أن التوكل لمن قوي عليه أفضل؛ لما صح عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفًا بغير حساب\" ثم قال: \"هم الذين لا يتطيرون، ولا يسترقون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون\" (^١).\nوقال القاضي عياض ﵀ وغيره: \"الحديث يدل على أن للسبعين الألف مزية عن غيرهم وفضيلة تفردوا بها\" (^٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"المسترقي يسأل غيره ويرجو نفعه وتمام التوكل ينافي ذلك، والمراد وصف السبعين ألفًا بتمام التوكل فلا يسألون غيرهم أن يرقيهم ولا يكويهم ولا يتطيرون من شيء\" (^٣).\nوقال ابن القيم ﵀: \"والنبي -ﷺ- لا يجعل ترك الإحسان المأذون فيه سببًا للسبق إلى الجنان وهذا بخلاف ترك الاسترقاء، فإنه توكل على الله ورغبة عن سؤال غيره ورضاء بما قضاه، وهذا شيء وهذا شيء\" (^٤).\nوقال الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: \"اعلم أن الحديث لا يدل على أنهم لا يباشرون الأسباب أصلًا، كما يظنه الجهلة؛ فإن مباشرة الأسباب في الجملة أمرٌ فطري ضروري، لا انفكاك لأحدٍ عنه، حتى الحيوان البهيم، بل نفس التوكل مباشرة لأعظم الأسباب، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] أي كافيه.\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم ٢/ ٥٠١.\n(^٢) شرح النووي على صحيح مسلم ٣/ ٩٠، التجريد في شرح كتاب التوحيد للعجيلي ١/ ٧٧.\n(^٣) مجموع الفتاوى ١/ ١٨٢، ٢٣٨.\n(^٤) مفتاح دار السعادة ٢/ ٢٣٤.","vol":"1","page":654},{"text":"إنما المراد أنهم يتركون الأمور المكروهة -مع حاجتهم إليها- توكلًا على الله، كالاسترقاء والاكتواء، فتركهم له ليس لكونه سببًا لكن لكونه مكروهًا، لا سيما والمريض يتشبث بما يظنه سببًا لشفائه بخيط العنكبوت، أما نفس مباشرة الأسباب والتداوي على وجه لا كراهة فيه، فغير قادح في التوكل، فلا يكون تركه مشروعًا\" (^١).\nوقال الشيخ ابن قاسم ﵀: \"وإنما المراد وصف السبعين ألفًا بتمام التوكل فلا يسألون غيرهم أن يرقيهم\" (^٢).\nوقال الشيخ السعدي ﵀: \"ومن أخص ما يدل على تحقيق التوحيد كمال القنوت لله وقوة التوكل على الله بحيث لا يلتفت القلب إلى المخلوقين في شأن من شئونه ولا يستشرف إليهم بقلبه، ولا يسألهم بلسان مقاله وحاله بل يكون ظاهره وباطنه وأقواله وأفعاله وحبُّه وبغضُه وجميع أحواله كلها مقصودًا بها وجه الله متبعًا فيها رسول الله\" (^٣).\nوبيَّن الشيخ ابن عثيمين ﵀ أن مَنْ يطلب مَنْ يرقيه فقد فاته الكمال (^٤).\nوقال الشيخ صالح الفوزان: \"لأن طلب الرقية من الناس سؤال للمخلوقين، والسؤال للمخلوق فيه ذلة، فهم يستغنون عن الناس ويعتمدون على الله ﷾، وهذا من تمام التوحيد أن الإنسان لا يسأل الناس ... وسؤال المال يجوز للحاجة إذا كان الإنسان مضطرًا، فإنه يجوز أن يسأل الناس حتى ترتفع ضرورته، أما السؤال الإنسان الناس وهو غني فهذا حرام\" (^٥).\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ١١٠، ١١١.\n(^٢) حاشية كتاب التوحيد ص ٤٥.\n(^٣) القول السديد ص ٢٣.\n(^٤) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٩٩.\n(^٥) إعانة المستفيد ١/ ١٢٢.","vol":"1","page":655},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-452>٩٨ - التولة </span>*\nقال الأصمعي: \"التِّوَلة -بكسر التاء- هو الذي يحبب المرأة إلى زوجها\" (^١).\nوقال الشوكاني: \"وقد جاء تفسير التولة عن ابن مسعود كما أخرجه الحاكم وابن حبان في صحيحه: أنه دخل على امرأته وفي عنقها شيء معقود فجذبه فقطعه ثم قال سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"إن الرقى والتمائم والتولة شرك\" قالوا: يا أبا عبد الله، هذه التمائم والرقى قد عرفناها فما التولة قال: شيء يصنعه النساء يتحببن إلى أزواجهن يعني من السحر\" (^٢).\nقال ابن حجر: \"وهو ضرب من السحر وإنما كان ذلك من الشرك لأنهم أرادوا دفع المضار وجلب المنافع من عند غير الله\" (^٣).\n* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢].\n_________\n* شرح السنة للبغوي ١٢/ ٥٨٢.الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٢/ ٢٣٨. فتح المجيد ص ١٤٩، ٣٦٦. تيسير العزيز الحميد ص ١٦٩. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٨٣. مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ١٧٢. وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ١٧٩.\n(^١) غريب الحديث للقاسم بن سلام ٢/ ١٩٠.\n(^٢) نيل الأوطار ٨/ ٢١٢.\n(^٣) التيسير ص ١٦٩.","vol":"1","page":656},{"text":"* الدليل من السنة: عن ابن مسعود -﵁ قال: \"سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"إن الرقى والتمائم والتولة شرك\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-453> علاقة الدبلة بالتولة:</span>\nيقول الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن التولة: \"ومثل ذلك الدبلة، والدبلة: خاتم يشترى عند الزواج يوضع في يد الزوج، وإذا ألقاه الزوج؛ قالت المرأة: إنه لا يحبها؛ فهم يعتقدون فيه النفع والضرر، ويقولون: إنه ما دام يد الزوج؛ فإنه يعني أن العلاقة بينهما ثابتة، والعكس بالعكس، فإذا وجدت هذه النية؛ فإنه من الشرك الأصغر، وإن لم توجد هذه النية -وهي بعيدة ألا تصحبها-؛ ففيه تشبه بالنصارى، فإنها مأخوذة منهم.\nوإن كانت من الذهب؛ فهي بالنسبة للرجل فيها محذور ثالث وهو لبس الذهب؛ فهي إما من الشرك، أو مضاهاة النصارى، أو تحريم النوع إن كانت للرجال، فإن خلت من ذلك فهي جائزة لأنها خاتم من الخواتم\" (^٢).\nوقال ﵀ عن التولة: \"وعندي أن منها ما يسمى بالدبلة إن اعتقدوا أنها صلة بين المرء وزوجته\" (^٣).\nوذكر العلاقة بينهما الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀ حينما ذكر مخالفات آداب الزفاف فقال: \"لبس بعض الرجال خاتم الذهب الذي يسمونه بـ \"خاتم الخِطبة\"، فهذا مع ما فيه من تقليد الكفار أيضًا - لأن هذه العادة سرت إليهم من النصارى ... ويرجع ذلك إلى عادة قديمة لهم، عندما كان العروس يضع الخاتم على رأس إبهام العروس اليسرى، ويقول: باسم الأب ثم ينقله واضعا له على رأس السبابة،\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٨٨٣). وابن ماجه (٣٥٣٠).\n(^٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ١٧٢. وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ١٧٩.\n(^٣) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ١٨١. وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ١٨٨.","vol":"1","page":657},{"text":"ويقول: وباسم الابن. ثم يضعه على رأس الوسطى، ويقول: وباسم الروح القدس، وعندما يقول آمين يضعه أخيرا في البِنْصَر حيث يستقر.\nوقد وجه سؤال إلى مجلة المرأة (^١) وأجابت عنه: \"أنجِلا تَلبوت\" محررة قسم هذه الأسئلة.\nوالسؤال هو: لماذا يوضع خاتم الزواج في بنصر اليد اليسرى؟.\nوالجواب: يقال إنه يوجد عرق في هذه الإصبع يتصل مباشرة بالقلب. وهناك أيضا الأصل القديم، عندما كان يضع العروس الخاتم على رأس إبهام العروسة اليسرى، ويقول: باسم الأب، فعلى رأس السبابة، ويقول: باسم الابن، فعلى رأس الوسطى، ويقول: وباسم روح القدس، وأخيرًا يضعه في البنصر -حيث يستقر- ويقول: آمين.\nوعندما يقول: آمين. يضعه أخيرًا في البنصر حيث يستقر.\nوقد تولى نقل هذا وترجمته الكاتبة الفاضلة ملك هنانو، فجزاها الله خيرًا\" (^٢).\nالتولي:\nانظر (المظاهرة).\n* * *\n_________\n(^١) مجلة المرأة التي تصدر في لندن، في عدد ١٩ آذار ١٩٦٠ م ص ٨.\n(^٢) آداب الزفاف ص ٢١٢، ٢١٣، ٢١٤. أما الطبعة القديمة ففي ص ١٢٥.","vol":"1","page":658},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-454>٩٩ - الجاهلية </span>*\nالجاهلية في اللغة: مصدر صناعي، مأخوذ من الجاهلي، نسبة إلى الجاهل المشتق من الجَهْل (^١).\nوالجَهْل خلاف العلم ونقيضه.\nقال الليث: \"الجهل نقيض العلم والجهالة: أن يفعل فعلًا بغير علم\" (^٢).\nوقال ابن خالويه: \"إن هذا الاسم حدث في الإسلام للزمن الذي كان قبل بعثة الرسول - ﷺ - \" (^٣).\nوقال النووي - ﵀ -: \"المراد بالجاهلية، ما كان في الفترة قبل الإسلام\" (^٤).\nوقال ابن الأثير وتبعه ابن منظور: \"هي الحال التي كانت عليها العرب قبل الإسلام، من الجهل بالله - سبحانه - ورسوله، وشرائع الدين، والمفاخرة بالأنساب، والكبر، والتجبر، وغير ذلك\" (^٥).\nقال الشيخ عبد العزيز بن باز: \"ونعني بالجاهلية كل ما ليس من أتباع الرسل ﵈ كالفلاسفة والكهان والمنجمين ودهرية العرب الذين كانوا قبل\n_________\n* أحكام القرآن القرطبي ١٨/ ٧٤. اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٢٠٥، ٢١٥، ٢١٦، ٢٢٧. مجموع فتاوى ابن باز ص ٥٠٣. شرح مسائل الجاهلية للسعيد ١/ ٥٤. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٧/ ١٧٤ في تاريخ الأدب الجاهلي د. علي الجندي ص ٧، ٨.\n(^١) في تاريخ الأدّب الجاهلي علي الجندي ص ٧، ٨، وانظر للاستزادة شرح مسائل الجاهلية للسعيد ١/ ٥٤.\n(^٢) تهذيب اللغة للأزهري ٦/ ٥٦.\n(^٣) بلوغ الأرب ١/ ١٦.\n(^٤) شرح صحيح مسلم للنووي ٢/ ١١٠.\n(^٥) النهاية في غريب الحديث، لسان العرب مادة (ج هـ ل).","vol":"2","page":5},{"text":"مبعث النبي - ﷺ -، فإن هذه علوم لقوم ليس لهم علم بما جاءت به الرسل - ﷺ - \" (^١).\n* الدليل من الكتاب: ورد لفظ الجاهلية في القرآن الكريم في عدة مواضع فمن ذلك قول الله تعالى ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] وقال - ﷿ -: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٦].\nالدليل من السنة: ورد في السنة لفظ الجاهلية كثيرًا فمن ذلك أن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ - قَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"أَوْفِ نَذْرَكَ فَاعْتكَفَ لَيْلَةً\" (^٢).\nوقول عائشة - ﵂ -: \"النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء\" (^٣).\nوقول حذيفة - ﵁ -: \"يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر\" (^٤).\nوروى البخاري في صحيحه عن ابن عباس - ﵄ - أنه قال: \"إذا سرك أن تعلم جهل العرب، فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة في سورة الأنعام ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾ [الأنعام: ١٤٠] \" (^٥).\nوعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية\" (^٦).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى سماحة الشيخ ابن باز ص ٥٠١، ٥٠٢.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٠٣٢)، ومسلم (١٦٥٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (٥١٢٧).\n(^٤) أخرجه البخاري (٣٦٠٦)، ومسلم (١٨٤٧).\n(^٥) أخرجه البخاري (٣٥٢٤).\n(^٦) أخرجه البخاري (١٢٩٤)، ومسلم (١٠٣).","vol":"2","page":6},{"text":"وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية حديث أبي ذر حين سابَّ رجلًا فعيَّره بأمه، فأتى الرجلُ النبي - ﷺ - فذكر ذلك له، فقال له النبي - ﷺ -: \"إنك امرؤ فيك جاهلية\". فقال - ﵀ -: \"ففي هذا الحديث أن كل ما كان من أمر الجاهلية فهو مذموم؛ لأن قوله \"فيك جاهلية\" ذم لتلك الخصلة، فلولا أن هذا الوصف يقتضي ذم ما اشتمل عليه لما حصل به المقصود.\nوفيه: أن التعيير بالأنساب من أخلاق الجاهلية.\nوفيه: أن الرجل - مع فضله وعلمه ودينه - قد يكون فيه بعض هذه الخصال المسماة بجاهلية، ويهودية، ونصرانية، ولا يوجب ذلك كفره ولا فسقه\" (^١).\nقال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -: \"فقوله - ﷺ -: \"كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع\" يدخل فيه كل ما كانوا عليه من العبادات والعادات، ولا يدخل فيه ما كانوا عليه من الجاهلية وأقره الله تعالى في الإسلام كالمناسك والدية والقسامة، لأن أمر الجاهلية معناه المفهوم منه ما كانوا عليه مما لا يقره الإسلام فيدخل في ذلك كل ما كانوا عليه وإن لم ينه في الإسلام عنه بعينه\" (^٢).\nوفي حديث ابن عباس - ﵄ -: أن النبي - ﷺ - قال: \"أبغض الناس إلى الله ثلاثة: مُلحِد في الحرم، ومُبتَغٍ في الإسلام سنة جاهلية، ومُطَّلِب دمَ امرئ بغير حق ليهريق دمه\" (^٣).\nوقال ابن تيمية - ﵀ -: \"والسنة الجاهلية: كل عادة كانوا عليها. فإن السنة: هي العادة، وهي الطريق التي تتكرر، لتتسع لأنواع الناس مما يعدونه عبادة أو لا يعدونه عبادة قال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٣٧]، وقال النبي - ﷺ -: \"لتتبعن سنن من كان قبلكم\" والاتباع هو الاقتفاء والاستنان. فمن\n_________\n(^١) الاقتضاء ١/ ٢٢٠.\n(^٢) مختارات من اقتضاء الصراط المستقيم ضمن مجموع فتاوى ابن عثيمين ٧/ ١٧٤.\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٨٨٢).","vol":"2","page":7},{"text":"عمل بشيء من سننهم: فقد اتبع سنة جاهلية، وهذا نص عام يوجب تحريم متابعة كل شيء كان من سنن الجاهلية في أعيادهم وغير أعيادهم\" (^١).\nوقد دخل أبو بكر الصديق - ﵁ - على امرأة من أحمس يقال لها زينب فرآها لا تتكلم. فقال: ما لها لا تتكلم؟ قالوا: حجت مصمتة. فقال لها: تكلمي، فإن هذا لا يحل، هذا عمل الجاهلية (^٢).\nقال الإمام ابن تيمية: \"ومعنى قوله \"من عمل الجاهلية\" أي مما انفرد به أهل الجاهلية، ولم يشرع في الإسلام، فيدخل في هذا: كل ما اتخذ من عبادة مما كان أهل الجاهلية يتعبدون به، ولم يشرع الله التعبد به في الإسلام، وإن لم ينوه عنه بعينه كالمكاء والتصدية، فإن الله تعالى قال عن الكافرين: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥].\nوالمكاء: الصفير ونحوه.\nوالتصدية: التصفيق\nفاتخاذ هذه قربة وطاعة من عمل الجاهلية الذي لم يشرع في الإسلام.\nوكذلك: بروز المحرم وغيره للشمس، حتى لا يستظل بظل، أو ترك الطواف بالثياب المتقدمة، أو ترك كل ما عمل في غير الحرم ونحو ذلك من أمور الجاهلية التي كانوا يتخذونها عبادات ... \" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-455> فائدة:\nمما ينهى عنه إطلاق كلمة (جاهلية القرن العشرين)</span>. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فالناس قبل بعث الرسول - ﷺ - كانوا في حال جاهلية منسوبة إلى الجهل، فإن\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٢٢٢، ٢٢٣.\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٨٣٤).\n(^٣) الاقتضاء ١/ ٣٢٧، ٣٢٨.","vol":"2","page":8},{"text":"ما كانوا عليه من الأقوال والأعمال إنما أحدثه لهم جاهل، وإنما يفعله جاهل.\nوكذلك كلما يخالف ما جاءت به المرسلون من يهودية، ونصرانية. فهي جاهلية، وتلك كانت الجاهلية العامة، فأما بعد مبعث الرسول - ﷺ - قد تكون في مصر دون مصر، كما هي في دار الكفار، وقد تكون في شخص دون شخص، كالرجل قبل أن يسلم، فإنه في جاهلية، وإن كان في دار الإسلام.\nفأما في زمان مطلق: فلا جاهلية بعد مبعث محمد - ﷺ - فإنه لا تزال من أمته طائفة ظاهرين، على الحق إلى قيام الساعة.\nوالجاهلية المقيدة قد تقوم في بعض ديار المسلمين، وفي كثير من الأشخاص المسلمين، كما قال - ﷺ -: \"أربع في أمتي من أمر الجاهلية\" (^١).\nوقال لأبي ذر: \"إنك امرؤ فيك جاهلية\" (^٢) ونحو ذلك.\nفقوله في هذا الحديث: \"ومبتغ في الإسلام سنة جاهلية\" يندرج فيه كل جاهلية، مطلقة، أو مقيدة يهودية، أو نصرانية، أو مجوسية، أو صابئة، أو وثنية، أو مركبة من ذلك، أو بعضه، أو منتزعة من بعض هذه الملل الجاهلية، فإنها جميعها مبتدعها ومنسوخها، صارت جاهلية بمبعث محمد - ﷺ -، وإن كان لفظ \"الجاهلية\" لا يقال غالبًا إلا على حال العرب، التي كانوا عليها، فإن المعنى واحد\" (^٣).\nوقال الشيخ الألباني - ﵀ -: \"وصفُ القرن العشرين بالجاهلية إنما ينطبق على غير المسلمين الذين لم يتبعوا الكتاب والسنة، ففي هذا الإطلاق إيهام بأنه لم يبقَ في المسلمين خير، وهذا خلاف ما سبق بيانه من أحاديث الرسول - ﷺ - المبشرة ببقاء طائفة من الأمة على الحق، ومن ذلك قوله ﵊: \"إن الإسلام بدأ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٩٣٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٠)، ومسلم (١٦٦١).\n(^٣) اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٢٢٦ - ٢٢٨.","vol":"2","page":9},{"text":"غريبًا وسيعود غريبًا فطوبى للغرباء .. \". قالوا: من هم يا رسول الله .. جاء الحديث على روايات عدة، في بعضها يقول الرسول - ﷺ - واصفًا الغرباء \"هم الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي من بعدي\". وفي رواية أخرى قال ﵊: \"هم أناس قليلون صالحون بين أناس كثيرين، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم\" فلذلك لا يجوز هذا الإطلاق في العصر الحاضر على القرن كله؛ لأن فيه - ولله الحمد - بقية طيبة لا تزال على هدي النبي - ﷺ - وعلى سنته وستظل كذلك حتى تقوم الساعة .. \" (^١).\nوقال الشيخ صالح الفوزان: \"أما ما بعد الإسلام فلا يقال له: جاهلية، لأن الجاهلية زالت والحمد لله بالإسلام، والعلم موجود، ورّثه الرسول - ﷺ -، فبعد بعثة الرسول زالت الجاهلية العامّة، أما بقايا من الجاهلية أو خصال من أمور الجاهلية فقد تبْقى في أفراد من الناس أو طوائف من الناس، لكن أن يقال: الناس كلهم في جاهلية - كما يطلقه بعض الكتّاب الجهّال - فهذا باطل\" (^٢).\nوقال الشيخ ناصر العقل: \"وما نزع إليه بعض الكتاب والباحثين والمفكرين، من إطلاق عبارات المجتمع الجاهلي، على المجتمعات الإسلامية أو بعضها دون تقييد أو تخصيص لمن يستحق ذلك شرعًا فإنه نهج غير سليم ويخالف القواعد الشرعية، ومنهج السلف الصالح\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-456> فائدة:\nقال عمر بن الخطاب - ﵁ -: \"لا تنقض عُرى الإسلام عروة عروة حتى ينشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية</span>\".\n_________\n(^١) حياة الألباني وآثاره وثناء العلماء عليه لمحمد الشيباني ١/ ٣٩٣، ٣٩٤.\n(^٢) إعانة المستفيد ٢/ ٣٣.\n(^٣) حاشية على اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٢٢٧.","vol":"2","page":10},{"text":"ولتوضيح معنى الجاهلية في قول الفاروق - ﵁ - نسوق لك ما قاله الشيخ محمد بن عبد الوهاب - ﵀ - حيث قال: \"فذلك أنه إذا لم يعرف من الشرك ما عابه القرآن وما ذمه وقع فيه، وهو لا يعرف أنه الذي كان عليه أهل الجاهلية أو فوقه أو دونه أو شر منه، فتنقض بذلك عرى الإسلام ويعود المعروف منكرا والمنكر معروفا، والبدعة سنة والسنة بدعة، ويكفر الرجل بمحض الإيمان وتجريد التوحيد، ويبدع بمتابعة الرسول، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم\" (^١).\n_________\n(^١) مجموعة الرسائل والمسائل ٤/ ٤٦.","vol":"2","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-457>١٠٠ - الجبت </span>*\nيجب على المؤمن أن يكفر بالجبت وهو كل ما يعبد من دون الله.\nقال عمر بن الخطاب - ﵁ -: الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان. وكذا قال ابن عباس وأبو العالية ومجاهد والحسن وغيرهم (^١).\nوعن ابن عباس وعكرمة وأبي مالك: الجبت: الشيطان - زاد ابن عباس: بالحبشية -.\nوعن ابن عباس أيضًا: الجبت: الشرك. وعنه: الجبت: الأصنام. وعنه: الجبت: حُيي بن أخطب.\nوعن الشعبي: الجبت: الكاهن.\nوعن مجاهد: الجبت: كعب بن الأشرف (^٢).\nوقال الجوهري: \"الجبت: كلمة تقع على الصنم، والكاهن، والساحر، ونحو ذلك\" (^٣).\nوقال الشيخ سليمان بن عبد الله بعد أن ساق هذه الأقوال: \"الظاهر أنه يعم ذلك\n_________\n* أحكام القرآن للقرطبي ٥/ ٢٤٨. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٢/ ٣٢٨. تيسير العزيز الحميد ص ٣٦٦. فتح المجيد ص ٢٩٨. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ١٧٥. مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٤٥٤، ٤٩٢. وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ٤٦٩، ٢/ ٨، ٣١ ط ٢ - ١/ ٥٧٨. شرح مسائل الجاهلية للألوسي ص ٩٤، ١٤٩. شرح مسائل الجاهلية للسعيد ٢/ ٨٠٤. نواقض الإيمان القولية والعملية ص ٥٢٣.\n(^١) انظر جامع البيان لابن جرير الطبري ٥/ ١٣٥، وتهذيب اللغة ١١/ ٧.\n(^٢) أخرج هذه الآثار ابن جرير الطبري في التفسير ٥/ ١٣٥، وانظر تهذيب اللغة ١١/ ٧، وفتح المجيد ص ٢٩٨.\n(^٣) الصحاح للجوهري (ج ب ت).","vol":"2","page":12},{"text":"كله. كما قال الجوهري\" (^١).\nوفي الاصطلاح الشرعي: قال ابن جرير الطبري: \"الجبت والطاغوت اسمان لكل معظَّم بعبادة من دون الله أو طاعة أو خضوع له كائنًا ما كان ذلك المعظم من حجر أو إنسان أو شيطان\" (^٢).\nفالجبت كلمة تطلق على الصنم والساحر والكاهن، وفسرها عمر - ﵁ - عنه بالسحر. وتفسيره لها بالسحر من تفسير الشيء ببعض أفراده.\nقال الزجَّاج: \"قال أهل اللغة: كل معبود من دون الله جبت وطاغوت\" (^٣).\nوقال الراغب الأصفهاني: \"ويقال لكل ما عبد من دون الله جبت، وسمي الساحر والكاهن جبتًا\" (^٤).\nوقال القاسمي: \"الجبت يطلق لغة على الصنم والكاهن والساحر والسحر الذي لا خير فيه وكل ما عبد من دون الله تعالى. وكذا الطاغوت فيطلق على الكاهن والشيطان وكل رأس ضلال والأصنام وكل ما عبد من دون الله ومردة أهل الكتاب\" (^٥).\n* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١)﴾ [النساء: ٥١].\n* الدليل من السنة: عن قَبِيصَةَ - ﵁ - أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: \"إِنَّ الْعِيَافَةَ\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٣٦٦.\n(^٢) جامع البيان لابن جرير الطبري ٥/ ١٣٣.\n(^٣) تهذيب اللغة للأزهري ١١/ ٧.\n(^٤) المفردات للراغب الأصفهاني (جبت).\n(^٥) محاسن التأويل للقاسمي ٥/ ٣٢٤.","vol":"2","page":13},{"text":"وَالطَّرْقَ وَالطِّيَرَةَ مِنْ الْجِبْتِ\". قَالَ عَوْفٌ: الْعِيَافَةُ: زَجْرُ الطَّيْرِ، وَالطَّرْقُ: الْخَطُّ يُخَطُّ فِي الأَرْضِ وَالْجِبْتُ. قَالَ: الْحَسَنُ إِنَّهُ الشَّيْطَانُ (^١).\nوبوب الشيخ محمد - ﵀ - على ذلك فقال: \"باب شيء من أنواع السحر\".\nوزجر الطير: الاستدلال بأسمائها وأصواتها وممرها على ما يحصل في المستقبل.\nوقول الحسن عن الجبت إِنَّهُ الشَّيْطَانُ جاء في رواية: رنّة الشيطان. وهذا تفسير للجبت ببعض أفراده والرنة الصوت وأضافه إلى الشيطان لأنه يدعو إليه. ولكن رواية: رنّة الشيطان قال عنها الشيخ سليمان بن عبد الله: \"لم أجد فيه كلامًا\" (^٢).\nوجاء في تفسير بقي بن مخلد: \"أن إبليس رنّ أربع رنّات، رنة حين لعن، ورنة حين أهبط، ورنة حين ولد رسول الله - ﷺ -، ورنة حين نزلت فاتحة الكتاب\" (^٣).\nوقد روى ابن أبي حاتم بسنده عن سعيد بن جبير قال: \"لما لُعِن إبليس تغيرت صورته عن صورة الملائكة فخرج لذلك فرنّ رنة فكل رنة منها في الدنيا إلى يوم القيامة منها\" (^٤). والرنة الصوت. والله أعلم.\nوقال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -: \"والظاهر أن رنة الشيطان؛ أي: وحي الشيطان؛ فهذه من وحي الشيطان وإملائه، ولا شك أن الذي يتلقى أمره من وحي الشيطان أنه أتى نوعًا من الكفر ... \" (^٥).\nوقد فرق العلماء بين الجبت والطاغوت، قال ابن تيمية - ﵀ -: \"فإن الطاغوت\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد في المسند رقم (١٩٦٩٤) (١٦٠١٠). وأبو داود في كتاب الطب (٣٩٠٧).\n(^٢) تسير العزيز الحميد ص ٤٠٢.\n(^٣) الدر المنثور ١/ ١١، مجمع الزوائد ٦/ ٣١١.\n(^٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٢٣٨٩)، وأبو نعيم في الحلية ٩/ ٦٣.\n(^٥) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٥١٦. وانظر القول المفيد ط ١ - ٢/ ٣٢.","vol":"2","page":14},{"text":"هو الطاغي من الأعيان، والجبت هو من الأعمال والأقوال، كما قال عمر بن الخطاب: الجبت السحر، والطاغوت الشيطان. ولهذا قال النبي - ﷺ -: \"العيافة والطيرة والطرق من الجبت\". رواه أبو داود\"\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-458>١).\n\n١٠١ - جحود شيءٍ من الأسماء والصفات</span>\nانظر (كفر الجحود).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٢٠٠.","vol":"2","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-459>١٠٢ - جزيرة العرب </span>*\nجاء في المصباح المنير: \"جزر الماء جزرًا من بأبي ضرب وقتل: انحسر، وهو: رجوعه إلى خلف ومنه الجزيرة سميت بذلك لانحسار الماء عنها\" (^١).\nوالجزيرة يحيط بها الماء من جميع جهاتها ولذا يطلق عليها البعض شبه جزيرة العرب لأن الماء يحيط بها من أغلب جهاتها.\nقال ابن عبد البر في التمهيد: \"قال بعض أهل العلم: ... وإنما قيل لبلاد العرب جزيرة العرب، لإحاطة البحر والأنهار بها، من أقطارها وأطرافها فصاروا فيها في مثل جزيرة من جزائر البحر\" (^٢). قال الفيروزابادي: وجزيرة العرب: ما أحاط به بحر الهند وبحر الشام ثم دجلة والفرات أو ما بين عدن أبين إلى أطراف الشام طولًا ومن جدة إلى أطراف ريف العراق عرضًا (^٣).\nوجزيرة العرب لها خصائص وميزات تنفرد بها عن باقي أنحاء المعمورة، وقد\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ١/ ١٦٩ - ١٧٣. ١٢/ ١٣ - ١٦ الاستذكار لابن عبد البر ٢٦/ ٥٧. المغني لابن قدامة ٨/ ٥٢٩، ٥٣٢. ومسلم بشرح النووي ١١/ ٩٤. معجم البلدان لليعقوبي ص ٣٣٣. أحكام أهل الذمة لابن القيم ١/ ١٧٧. فتح الباري ٦/ ١٧١. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ١/ ٢٦٣. مجموعة الرسائل والمسائل النجدية ٢/ ١٧٨، ١٧٩، مجموع الفتاوى لابن باز ٢/ ٥١٤، ٥٢٢. مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٢٠١، ٤٥٢. وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ٢١١، ٤٦٩، مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٢/ ٢٠٤، ٢٠٥. خصائص جزيرة العرب للشيخ بكر أبو زيد. المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة الأحمدي ٢/ ٣٣١. دعاوى المناوئين ص ٢٢٣.\n(^١) المصباح المنير (ج ز ر).\n(^٢) التمهيد ١/ ١٧٣.\n(^٣) [القاموس المحيط (جزر)].","vol":"2","page":16},{"text":"جاءت الشريعة بذكر مزاياها وواجبات نحوها لا تقوم في غيرها فهي بلاد الإسلام ومشرق نوره وفيها مهبط الوحي والحرَمَان ولها ولأهلها من الخصائص ما لا يتسع ذكره هنا ولكن يهمنا ما يتعلق بالتوحيد منه وسيأتي ما يبين ذلك عند ذكر الأحاديث.\nالدليل من السنة: عن جابر بن عبد الله - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم\" (^١).\nعن ابن عباس - ﵄ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"أخرجوا المشركين من جزيرة العرب\" (^٢).\nعن عمر - ﵁ - أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: \"لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلمًا\" (^٣).\nوفي رواية: \"لئن عشت إن شاء الله لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب\" (^٤).\nوعن عمر بن عبد العزيز - ﵁ - قال: كان من آخر ما تكلم به رسول الله - ﷺ - أن قال: \"قاتل الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، لا يبقين دينان بأرض العرب\" (^٥).\nوعن عائشة - ﵂ - قالت: كان آخر ما عهد رسول الله - ﷺ - أن قال: \"لا يترك\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٨١٢)، والترمذي (١٩٣٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٠٥٣)، ومسلم (١٦٣٧).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٧٦٧)، والترمذي (١٦٠٧).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد (٢١٩)، والترمذي (١٦٠٦) واللفظ للترمذي.\n(^٥) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٤٥، والبيهقي في السنن ٩/ ٢٠٨، وعبد الرزاق في مصنفه (٩٩٨٧) (ومعنى ذلك أنه لا يبقى فيها الكافر مدة طويلة بحيث يستوطن فيها أما الاجتياز والبقاء فترة قصيرة فلا يدخل في النهي) انظر المنتقى للباجي ٧/ ١٩٥.","vol":"2","page":17},{"text":"بجزيرة العرب دينان\" (^١).\nوأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عمر بن عبد العزيز قال: \"آخر ما تكلم به رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، لا يبقى بأرض العرب دينان\" (^٢).\nوروى مالك عن ابن شهاب أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يجتمع دينان في جزيرة العرب\" قال مالك: قال ابن شهاب: ففحص عن ذلك عمر بن الخطاب حتى أتاه الثلج واليقين، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يجتمع دينان في جزيرة العرب\" فأجلى يهود خيبر\" (^٣).\nوعن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب - ﵁ - أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز (^٤).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-460> فائدة في معنى قول النبي - ﷺ -: \"إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب</span>\".\nالمعنى يأسه من اجتماع الناس كلهم في الجزيرة على عبادته.\nقال الشيخ بكر أبو زيد: \"ومعنى هذا الحديث: أن الشيطان يئس من اجتماع أهل الجزيرة على الإشراك بالله تعالى. ومنذ بعثة النبي - ﷺ - وهي إلى يومنا هذا دار إسلام - ولله الحمد حماها الله وسائر أوطان المسلمين -، ولم يعرف الشرك فيها إلا جزئيا على فترات في فرد أو أفراد، ثم يهيئ الله على مدى الأزمان من يردهم إلى\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٦٨٨٤).\n(^٢) مصنف عبد الرزاق (٩٩٨٧).\n(^٣) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٤٥، والبيهقي في السنن ٩/ ٢٠٨، وعبد الرزاق في مصنفه (٩٩٨٤) عن سعيد بن المسيب. قال ابن عبد البر: \"هذا الحديث يتصل من وجوه كثيرة\" التمهيد ١٢/ ١٣، وانظر ١/ ١٦٩، ١٧٣.\n(^٤) أخرجه البخاري (٢٣٣٨)، ومسلم (١٥٥١).","vol":"2","page":18},{"text":"دينهم الحق. على أن بعض العلماء - رحمهم الله تعالى - رأى عموم هذا الحديث لأمة محمد - ﷺ -. قال ابن رجب - ﵀ - في شرحه لهذا الحديث: \"المراد أنه يئس أن تجتمع الأمة على الشرك الأكبر\"\" (^١).\nوقال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -: \"يأس الشيطان أن يعبد في جزيرة العرب لا يدل على عدم الوقوع؛ لأنه لما حصلت الفتوحات وقوي الإسلام ودخل الناس في دين الله أفواجًا أيس أن يعبد سوى الله في هذه الجزيرة. فالحديث خبر عما وقع في نفس الشيطان ذلك الوقت ولكنه لا يدل على انتفائه في الواقع\" (^٢).\nوالأدلة التي تدل على وقوع الشرك في الجزيرة كثيرة منها وقوع الردة في عهد أبي بكر الصديق ومنها أحاديث صحيحة صرحت بذلك كحديث: \"لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة\" (^٣). وحديث: \"لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى\" (^٤) ومعلوم أن \"ذو الخلصة\" و\"اللات\" و\"العزى\". مكان وجودهم جزيرة العرب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-461>حدود جزيرة العرب وكلام أهل العلم فيه:</span>\nجزيرة العرب يحدها من الغرب: بحر القلزم، ويقال: بحر الحبشة ويعرف الآن باسم: البحر الأحمر. ومن الجنوب: بحر العرب ويقال: بحر اليمن. ومن الشرق: خليج البصرة ويعرف الآن باسم: الخليج العربي. وهذا التحديد من هذه الجهات الثلاث محل اتفاق بين الجغرافيين. وأما الحد الشمالي: فساحل البحر الأحمر الشرقي الشمالي وما على مُسامَتِتِه شرقًا من مشارف الشام وأطراره (الأردن\n_________\n(^١) خصائص جزيرة العرب ص ٣٣.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٢/ ٢٠٥.\n(^٣) أخرجه البخاري (٧١١٦)، ومسلم (٢٩٠٦).\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٩٠٧).","vol":"2","page":19},{"text":"حاليًا) ومنقطع السماوة من ريف العراق.\nوقد وقع خلاف بين العلماء والفقهاء في حدود جزيرة العرب التي يؤمر الكافر بالخروج منها فمنهم من جعل الأمر بإخراج الكفار شاملًا الجزيرة كلها ومنهم من جعله لجزء منها ولكل منهم أدلة وإليك أقوالهم:\nقال الأزهري: \"قال أبو عبيد عن الأصمعي: جزيرة العرب: ما بين عدن أبين (^١) إلى أطراف الشام في الطول وأما العرض فمن جدة وما والاها من شط البحر إلى ريف العراق.\nوقال أبو عبيدة: هي ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى تهامة في الطول. وأما العرض فما بين رمل يبرين إلى منقطع السماوة\" (^٢).\nوقال الخليل: \"إنما قيل لها \"جزيرة العرب\"؛ لأن بحر الحبش، وبحر فارس، والفرات قد أحاطت بها، ونسبت إلى العرب؛ لأنها أرضها، ومسكنها ومعدنها\" (^٣).\nقال الفيومي في المصباح المنير: \"ونقل البكري أن جزيرة العرب: مكة والمدينة واليمن واليمامة، وقال بعضهم: جزيرة العرب خمسة أقسام: تهامة، ونجد، وحجاز، وعروض، ويمن، فأما تهامة: فهي الناحية الجنوبية من الحجاز، وأما نجد فهي الناحية التي بين الحجاز والعراق، وأما الحجاز: فهو جبل يقبل من اليمن حتى يتصل بالشام، وفيه المدينة وعمان، وسمي حجازًا لأنه حجز بين نجد وتهامة، وأما العروض: فهو اليمامة إلى البحرين، وأما اليمن: فهو أعلى من تهامة،\n_________\n(^١) قال محقق تهذيب اللغة: \"في الأصل بسكون الدال وهي عدن المشهورة بلد أو مدينة بأقصى بلاد اليمن على ساحل البحر، أضيفت إلى (أبين) كأبيض وهو رجل من حمير لأنه عدن بها أي أقام\".\n(^٢) تهذيب اللغة، المصباح المنير للفيومي، الصحاح، النهاية (ج ز ر) التمهيد ١/ ١٧٢، أحكام أهل الذمة ١/ ١٧٧.\n(^٣) أحكام أهل الذمة ١/ ١٧٨.","vol":"2","page":20},{"text":"هذا قريب من قول الأصمعي\" (^١).\nويقول ابن حجر: \"قال الزبير بن بكار في أخبار المدينة أخبرت عن مالك، عن ابن شهاب قال: جزيرة العرب: المدينة. قال الزبير: قال غيره: جزيرة العرب ما بين العذيب (^٢) إلى حضرموت، قال الزبير: وهذا أشبه، وحضرموت آخر اليمن \" (^٣).\nوذكر الباجي عن مالك أنه قال: \"جزيرة العرب: منبت العرب، قيل لها: جزيرة العرب، بإحاطة البحور والأنهار بها\" (^٤).\nوقال مالك أيضًا: \"أرى أن يجلوا من أرض العرب كلها؛ لأن رسول الله - ﷺ - قال: لا يجتمع دينان في جزيرة العرب\" (^٥).\nوهذه الرواية تلتقي مع التحديد الجغرافي. وتأتي روايات أخرى.\nوفي رواية بكر بن محمد عن أبيه قال: سألت أبا عبد الله - يعني: الإمام أحمد - عن جزيرة العرب؟ فقال: \"إنما الجزيرة موضع العرب، وأي موضع يكون فيه أهل السواد والفرس، فليس هو جزيرة العرب، موضع العرب: الذي يكونون فيه\" (^٦).\nوروى ابنه عبد الله عنه، قال: \"سمعت أبي يقول في حديث: \"لا يبقى دينان في جزيرة العرب\": تفسيره: ما لم يكن في يد فارس والروم. قيل له: ما كان خلف\n_________\n(^١) المصباح المنير (ج ز ر).\n(^٢) العذيب من أرض العراق بعد القادسية بأربعة أميال على حدود البادية كما جاء في معجم البلدان.\n(^٣) فتح الباري ٦/ ١٧١.\n(^٤) انظر المنتقى ٧/ ١٩٥.\n(^٥) المغني ٩.\n(^٦) انظر الأحكام السلطانية ١٩٦، أحكام أهل الذمة ١/ ١٧٦، ١٧٧.","vol":"2","page":21},{"text":"العرب؟ قال: نعم\" (^١).\nوقال النووي: \"وأضيفت إلى العرب لأنها الأرض التي كانت بأيديهم قبل الإسلام وديارهم التي هي أوطانهم وأوطان أسلافهم\" (^٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: \"جزيرة العرب: هي من بحر القُلْزم إلى بحر البصرة، ومن أقصى حِجْرِ اليمامة إلى أوائل الشام؛ بحيث كانت تدخل اليمن في دارهم، ولا تدخل فيها الشام، وفي هذه الأرض كانت العرب حين البعث وقبله ... \" (^٣).\nوقال الشيخ بكر أبو زيد: \"ولهذا التّحديد بالمياه الإقليمية الثلاثة صارت تعرف عند المتأخرين باسم \"شبه جزيرة العرب\"، وإنما قيل: \"جزيرة العرب\"؛ بحكم إحاطتها بثلاثة أبحر، ولأن الحد الشمالي، وإن كان إلى مشارف الشام وريف العراق؛ فإن ما وراء ذلك من أنهار: بردى، ودجلة، والفرات، متصل برأس الخليج العربي، فكأن التجوز في الإطلاق بحكم المجاورة\" (^٤).\nوما سبق من الروايات والأقوال يلتقي بعضها مع التحديد الجغرافي المشهور بأن الجزيرة موضع العرب المحاط بالمياه الإقليمية الثلاثة.\nلكن هل يُمنع اليهود والنصارى من سكناها جميعا؟ في هذا خلاف قديم، فمنهم من يرى أن الحد الجغرافي هو التحديد الصحيح وهو أحد الأقوال عند الإمامين مالك وأحمد رحمهما الله وهو قول يذكر لشيخ الإسلام ونصره الشيخ بكر أبو زيد والقول الآخر أنها خاصة بالحجاز وما والاها.\n_________\n(^١) أحكام أهل الملل للخلال ٢٤، ٢٥ الأحكام السلطانية ١٩٦، أحكام أهل الذمة ١/ ١٧٧.\n(^٢) مسلم بشرح النووي ١١/ ٩٣.\n(^٣) اقتضاء الصراط المستقيم ص ١٦٦ ط - الفقي.\n(^٤) خصائص جزيرة العرب ص ١٨، ١٩.","vol":"2","page":22},{"text":"واستدل أصحاب القول الثاني بحديث أبي عبيدة بن الجرَّاح - ﵁ - قال: آخرُ ما تكلَّم به النبيُّ - ﷺ -: \"أخرجوا يهودَ أهل الحجاز، وأهل نجران من جزيرة العرب، واعلموا أن شرار الناس الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\" (^١).\nوفي رواية: \"أخرجوا اليهودَ من الحجاز\" (^٢).\nوقالوا إن الحديث وإن ورد فيه الأمر بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، إلا أن المراد بعض الجزيرة لا كلها، بدليل أن عمر - ﵁ - أخرج يهود خيبر وفدك ولم يخرج أهل تيماء، وهي من جزيرة العرب، فإن عمر - ﵁ - لما تولى الخلافة كان يهود في خيبر وال نجران في نجران والمجوس في هجر واشتغل بالفتوحات خارج جزيرة العرب فتح فارس والشام، ومصر وقبرص، وأخرج عمر - ﵁ - يهود خيبر لما نقضوا العهد، وأبقى يهود اليمن، ومجوس الأحساء.\nقال مالك: عمرُ أجلى أهل نجران ولم يُجلوا من تيماء؛ لأنها ليست من بلاد العرب، فأما الوادي فإني أرى إنما لم يُجل من فيها من اليهود أنهم لم يروها من أرض العرب\" (^٣).\nوفي شرح مسلم عند ذكر إجلاء عمر لليهود من خيبر، وفيه: (فأجلاهم عمر إلى تيماء وأريحاء) قال النووي: \"وفي هذا دليل أن مراد النبي - ﷺ - بإخراج اليهود\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد في (المسند) (٣/ رقم ١٦٩١/ ٢٢١) والبخاري في (التاريخ الكبير) (٤/ ٥٧) والدارمي في (السنن) (٢/ ٢٣٣) وأبو يعلى الموصلي في (المسند) (٢/ رقم ٨٧٢/ ١٧٧) والبيهقي في (الكبرى) (٩/ ٢٠٨) من طرقٍ عن يحيى بن سعيد عن إبراهيم بن ميمون ثنا سعد بن سمرة بن جندب عن أبيه به. وإسناده صحيحٌ، وصححه الإمام ابن عبد البر في (التمهيد) (١/ ١٦٩) والعلامة الألباني في (الصحيحة) رقم ١١٣٢.\n(^٢) [تلخيص الحبير ١٢ - ٢٣١١].\n(^٣) السنن) (كتاب الخراج) (باب في إخراج اليهود من جزيرة العرب) (٣/ رقم ٣٠٣٣/ ٤٢٥) وانظر (شرح السنة) للبغوي (١١/ ١٨٠) (التمهيد) (١/ ١٦٩ - ١٧٣).","vol":"2","page":23},{"text":"والنصارى من جزيرة العرب إخراجهم من بعضها، وهو الحجاز خاصة؛ لأن تيماء من جزيرة العرب لكنها ليست من الحجاز والله أعلم\" (^١).\nقال بشر بن عمر: \"قلت لمالك إننا لنرجو أن تكون من جزيرة العرب يريد البصرة، لأنه لا يحول بيننا وبينكم نهر، فقال: ذلك إن كان قومك تبؤوا الدار والإيمان\" (^٢).\nقال النووي: \"وحكى الهروي عن مالك: أن جزيرة العرب هي المدينة والصحيح المعروف عن مالك أنها مكة والمدينة واليمامة واليمن (^٣)، وأخذ بهذا الحديث مالك، والشافعي وغيرهما من العلماء، فأوجبوا إخراج الكفار من جزيرة العرب، وقالوا: لا يجوز تمكينهم من سكناها، ولكن الشافعي خص هذا الحكم ببعض جزيرة العرب، وهو الحجاز، وهو عنده: مكة، والمدينة، واليمامة وأعمالها دون اليمن وغيره مما هو من جزيرة العرب، بدليل آخر مشهور في كتبه وكتب أصحابه\" (^٤).\n_________\n(^١) شرح مسلم ١٠/ ٢١٣، ٢١٣.\n(^٢) التمهيد ١/ ١٧٣.\n(^٣) روى الزهري عن مالك قال: \"جزيرة العرب: المدينة، ومكة، واليمامة، واليمن\". واليمامة كانت داخلة في عمل المدينة، وكان أمرها مضطربا حسب الولاية في العصرين الأموي والعباسي، فأحيانا تضاف إلى المدينة، وأحيانا تفرد برأسها. انظر خصائص جزيرة العرب ٢٢. وقال ابن عبد البر في التمهيد: \"قال مالك بن أنس: جزيرة العرب: المدينة ومكة واليمامة واليمن وقال المغيرة بن شعبة: جزيرة العرب: المدينة ومكة واليمن وقرياتها\" التمهيد ١/ ١٧٢، وانظر المنتقى ٧/ ١٩٥.\nوقال يعقوب بن محمد: سألت المغيرة بن عبد الرحمن عن جزيرة العرب؟ فقال: مكة والمدينة واليمامة واليمن ذكره الإمام البخاري في (الجامع الصحيح كتاب الجهاد باب جوائز الوفد /٦ ص ١٧٠ - فتح).\n(^٤) مسلم بشرح النووي ١١/ ٩٣.","vol":"2","page":24},{"text":"وألَّف الحسين بن محمد بن سعيد اللاعى المعروف بالمغربى، قاضي صنعاء ومحدثها رسالة في حديث: \"أخرجوا اليهود من جزيرة العرب\" رجح فيها: أنه إنما يجب إخراجهم من الحجاز فقط محتجًا بما في رواية. بلفظ: \"أخرجوا اليهود من الحجاز\" (^١).\nوقال الرملي: \"ليس المراد جميع جزيرة العرب، بل الحجاز منها لأن عمر أجلاهم منه وأقرهم باليمن مع أنه منها\" (^٢).\n* قال ابن قدامة بعد أن ذكر رواية عن الإمام أحمد في \"جزيرة العرب المدينة وما والاها\" (^٣): \"يعني أن الممنوع من سكنى الكفار به: المدينةُ وما والاها - وهو مكة، واليمامة، وخيبر، والينبع، وفدك، ومخاليفها، وما والاها - وهذا قول الشافعي ... فكأن جزيرة العرب في تلك الأحاديث أريد بها الحجاز، وإنما سمي حجازًا لأنه حجز بين تهامة ونجد، ولا يمنعون أيضا من أطراف الحجاز كتيماء وفدك ونحوهما؛ لأن عمر لم يمنعهم من ذلك\" (^٤).\nوقال ابن تيمية - ﵀ -: \"وقد أمر النبي في مرض موته أن تخرج اليهود والنصارى من جزيرة العرب - وهي الحجاز - فأخرجهم عمر بن الخطاب - ﵁ - من المدينة وخيبر وينبع واليمامة ومخاليف هذه البلاد\" (^٥).\nوفي اختيارات ابن تيمية - ﵀ -: \"ويُمنعون من المقام في الحجاز، وهو [أي:\n_________\n(^١) البدر الطالع ١/ ٢٣٠، الأعلام للزركلي ٢/ ٢٥٦.\n(^٢) نهاية المحتاج ٨/ ٩٠.\n(^٣) قال ابن القيم: \"قول الإمام أحمد: \"جزيرة العرب: المدينة وما والاها\" يريد مكة واليمامة وخيبر والينبع وفدك ومخالفيها. وهذا قول الشافعي لأنهم لم يجلوا من تيماء ولا من اليمن \"انظر أحكام أهل الذمة ١/ ١٧٨.\n(^٤) المغني ١٣/ ٢٤٢ - ٢٤٤.\n(^٥) الفتاوى ٢٨/ ٦٣٠.","vol":"2","page":25},{"text":"الحجاز]: مكة والمدينة واليمامة والينبع وفدك وتبوك ونحوها وما دون المنحني، وهو عقبة الصوان من الشام كمعان\" (^١).\nوقال ابن حجر: \"لكن الذي يمنع المشركون من سكناه منها الحجاز خاصة، وهو مكة والمدينة واليمامة وما والاها، لا فيما سوى ذلك مما يطلق عليه اسم جزيرة العرب؛ لاتفاق الجميع على أن اليمن لا يمنعون منها، مع أنها من جملة جزيرة العرب، هذا مذهب الجمهور\" (^٢).\nقال العلَّامة الفقيه يحيى بن أبي الخير العمراني الشافعي: \"وما روي أن أحدًا من الخلفاء الراشدين أجلى مَن في اليمن من أهل الذمة وإن كانت من جزيرة العرب، فدل على ما ذكرناه (^٣)، وروي أيضا أن نصارى نجران أتوا عليًا - ﵁ - فقالوا له: إن الكتاب بيدك والشفاعة على لسانك، وإن عمر أخرجنا من أرضنا، فرُدَّنا إليها، فقال علي - ﵁ -: إن عمر كان رشيدًا في فعله، وإني لا أُغيِّرُ شيئًا فعله عمر. ونجران ليست من الحجاز، وإنما لنقضهم الصُّلح الذي صالحهم النبي - ﷺ - على ترك الربا\" (^٤).\nويتبين بهذا أن هناك فرق بين وصف جزيرة العرب وبين تخصيص الحكم ببعض هذه الجزيرة، يوضح هذا أن شيخ الإسلام في الاقتضاء لما تحدث عن اسم العرب واسم العجم والاشتباه بين العجم والفرس تكلم بعده عن اسم العرب ثم ذكر لسانهم وأصلهم ومساكنهم فقال: \"مساكنهم كانت أرض العرب، وهي جزيرة\n_________\n(^١) اختيارات البعلي ص ٢٦٤.\n(^٢) الفتح ٦/ ١٩٨ تحت الحديث رقم ٣٠٥٣.\n(^٣) حيث بين أن المراد بجزيرة العرب في هذه الأخبار: الحجاز، وهي: مكة والمدينة واليمامة ومخالفيها.\n(^٤) البيان شرح كتاب (المهذب) للشيرازي (١٢/ ٢٨٩).","vol":"2","page":26},{"text":"العرب التي هي من بحر القلزم إلى بحر البصرة، ومن أقصي حجر اليمامة إلى أوائل الشام، بحيث كانت تدخل اليمن في دارهم، ولا تدخل فيها الشام، وفي هذه الأرض كانت العرب حين البعث وقبله\" ثم ذكر - ﵀ - أنهم سكنوا المشرق والمغرب ... الخ فلم يكن كلامه حول معنى الحديث أو حول إخراج المشركين منه بل حول العرب فقط.\nولما أراد معنى الحديث قال كما في الاختيارات: ويُمنعون من المقام في الحجاز، وهو [أي: الحجاز]: مكة والمدينة واليمامة والينبع وفدك وتبوك ونحوها وما دون المنحني، وهو عقبة الصوان من الشام كمعان\" (^١).\nوعلى هذا فإن العالم قد يصف جزيرة العرب بما هو أبعد من مكة والمدينة وما حولها لكنه يرى تخصيص الأمر بإخراج المشركين ببعض تلك الجزيرة.\nومما يُستدل به على بطلان حمل الحديث على جزيرة العرب التي في اصطلاح الجغرافيِّين؟\nقول الشافعي في الأم: \"لم أعلم أن أحدا أجلى أحدا من أهل الذمة من اليمن وقد كانت بها ذمة وليست بحجاز، فلا يجليهم أحد من اليمن ولا بأس أن يصالحهم على مقامهم باليمن، وقد تقدم نقل النووي عن الشافعي - ﵀ - أنه خص هذا الحكم ببعض جزيرة العرب وهو الحجاز وهو عنده مكة والمدينة واليمامة وأعمالها دون اليمن\" (^٢).\nوما ذكره النووي عن الشافعي حكاه ابن حجر (^٣) اتفاقًا، وقال ابن القيم حاكيًا مذهب الشافعي: \"وقد أدخل بعض أصحاب الشافعي اليمن في جزيرة العرب\n_________\n(^١) اختيارات البعلي ص ٢٦٤.\n(^٢) شرح النووي على صحيح مسلم ١١/ ٩٣، ٩٤.\n(^٣) فتح الباري ٦/ ١٧١.","vol":"2","page":27},{"text":"ومنعهم من الإقامة فيها وهذا وَهْمٌ فإن النبي بعث معاذًا قبل موته إلى اليمن وأمره أن يأخذ من كل حالم دينارًا وأقرهم فيها وأقرهم أبو بكر بعده وأقرهم عمر وعثمان وعلي - ﵃ - ولم يجلوهم من اليمن مع أمر رسول الله بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب فلم يعرف عن إمام أنه أجلاهم من اليمن، وإنما قال الشافعي وأحمد يخرجون من مكة والمدينة واليمامة وخيبر وينبع ومخاليفها ولم يذكرا اليمن ولم يجلوا من تيماء أيضًا، وكيف يكون اليمن من جزيرة العرب وهي وراء البحر فالبحر بينها وبين الجزيرة، فهذا القول غلط محض\" (^١).\n* فائدة (١): المياه الإقليمية للحجاز وما والاها وما فيها من الجزر تابعة له في الحكم وهذا ما وضحه الإمام الشافعي حيث قال - رحمه الله تعالى -: \"لا يمنع أهل الذمة من ركوب بحر الحجاز - أي على سبيل العبور -، ويمنعون من المُقام في سواحله، وكذا إن كانت في بحر الحجاز جزائر وجبال تسكن؛ منعوا من سكناها؛ لأنها من أرض الحجاز\".\" (^٢).\n* فائدة (٢): سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن المدينة هل هي من الشام فأجاب - رحمه الله تعالى -: \"مدينة النبي - ﷺ - من الحجاز باتفاق أهل العلم، ولم يقل أحد من المسلمين ولا غيرهم أن المدينة النبوية من الشام، وإنما يقول هذا جاهل بحد الشام والحجاز، جاهل بما قاله الفقهاء وأهل اللغة وغيرهم، ولكن يقال المدينة شامية، ومكه يمنية: أي المدينة أقرب إلى الشام، ومكة أقرب إلى اليمن وليست مكة من اليمن، ولا المدينة من الشام.\nوقد أمر النبي - ﷺ - في مرض موته: أن تخرج اليهود والنصارى من جزيرة العرب - وهي الحجاز فأخرجهم عمر بن الخطاب - ﵁ - من المدينة، وخيبر، وينبع،\n_________\n(^١) أحكام أهل الذمة ١/ ١٨٥.\n(^٢) الأم ٤/ ١٧٨، وعنه الموسوعة الكويتية ٣/ ١٢٩، خصائص جزيرة العرب ص ٢٤.","vol":"2","page":28},{"text":"واليمامة، ومخاليف هذه البلاد ولم يخرجهم من الشام، بل لما فتح الشام أقر اليهود والنصارى بالأردن وفلسطين، وغيرهما، كما أقرهم بدمشق وغيرها.\nوتربة الشام تخالف تربة الحجاز، كما يوجد الفرق بينهما عند المنحنى الذي يسمى عقبة الصوان. فإن الإنسان يجد تلك التربة مخالفة لهذه التربة كما تختلف تربة الشام ومصر. كما كان دون وادي المنحنى فهو من الشام: مثل معان. وأما العلا، وتبوك، ونحوهما: فهو من أرض الحجاز. والله أعلم\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-462> حكم وجود غير المسلمين في جزيرة العرب:</span>\nيقول ابن القيم: \"قال مالك: أرى أن يجلوا من أرض العرب كلها لأن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يجتمع دينان في جزيرة العرب .. \". وقال الشافعي: يُمنعون من الحجاز، وهو مكة والمدينة، واليمامة، ومخاليفها وهي قراها\" (^٢).\nقال الإمام ابن باز - ﵀ -: \"فعلى الحكام في جميع أجزاء الجزيرة عليهم جميعا أن يجتهدوا كثيرا في إخراج النصارى والبوذيين والوثنيين والهندوس وغيرهم من الكفرة وألا يستقدموا إلا المسلمين. هذا هو الواجب وهو مبين بيانا جليا في قواعد الشرع الحنيف.\nفالمقصود والواجب إخراج الكفار من الجزيرة وأن لا يستعمل فيها إلا المسلمون من بلاد الله، ثم إن عليهم أيضا أن يختاروا من المسلمين، فالمسلمون فيهم من هو مسلم بالادعاء لا بالحقيقة، وعنده من الشر ما عنده، فيجب على من يحتاج إلى مسلمين ليستأجرهم أن يسأل أهل المعرفة حتى لا يستقدم إلا المسلمين الطيبين المعروفين بالمحافظة على الصلاة والاستقامة. أما الكفار فلا أبدًا إلا عند الضرورة الشرعية أي التي يقدرها ولاة الأمر وفق شرع\n_________\n(^١) مجموعة فتاوى شيخ الإسلام ٢٨/ ٦٣٠، ٦٣١.\n(^٢) أحكام أهل الذمة ١/ ١٨٤.","vol":"2","page":29},{"text":"الإسلام وحده\" (^١).\nوقال - ﵀ -: \"هذه الجزيرة لا يستقدم لها إلا المسلمون من الرجال والنساء لأن الرسول - ﷺ - أمر بإخراج الكفار منها وأوصى عند موته بذلك، وأن لا يبقى فيها إلا الإسلام فقط. فهي معقل الإسلام وهي منبع الإسلام فلا يجوز أن يستقدم إليها الكفار، فالجزيرة العربية على طولها وعرضها لا يجوز أن يستقدم إليها الكفرة، ولا ينبغي للعاقل أن يغتر بالناس فيما يفعلون من استقدام الكفرة لأن أكثر الخلق لا يتقيدون بحكم الشرع كما قال - ﷾ -: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦)﴾ [الأنعام: ١١٦]. إلا إذا دعت الضرورة إلى ذلك كحاجة المسلمين إلى طبيب اضطروا إليه أو عامل اضطروا إليه يرى ولي الأمر استقدامه لمصلحة المسلمين بصفة مؤقتة؛ فلا حرج في ذلك كما استخدم النبي - ﷺ - اليهود في خيبر للضرورة إليهم ثم أجلاهم عمر - ﵁ - لما استغنى عنهم. وكذلك إذا قدموا لمصلحة المسلمين بغير إقامة كالوافدين لبيع البضائع يرجعون لمدة معلومة وأيام معدودة.\nوخلاصة القول أنه لا يجوز استخدام غير المسلمين إلا عند الضرورة القصوى التي يراها ولي الأمر\" (^٢).\nقال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -: \"أما قوله - ﷺ -: \"لا يجتمع في جزيرة العرب دينان\" فالمعنى: لا تقام شعائر الكفر في جزيرة العرب، يعني - مثلًا - لا تُبنى الكنائس ولا يُنادى فيها بالناقوس وما أشبه ذلك -، وليس المعنى أنه لا يتدين أحد من الناس في نفسه بل المراد أنه لا يكون لهم كنائس أو معابد أو بيع كما للمسلمين مساجد.\n_________\n(^١) مجموع فتاوى سماحة الشيخ ابن باز ٢/ ٥١٤، ٥١٥.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن باز ٢/ ٥٢٢، ٥٢٣.","vol":"2","page":30},{"text":"وأما قوله: \"لأخرجنَّ اليهود والنصارى من جزيرة العرب\": فالمراد منها: السكنى.\nوأما الأجراء وما أشبه ذلك فلا يدخلون في هذا؛ لأنهم ليسوا قاطنين بل سيخرجون.\nوأما إبقاء الرسول - ﷺ - يهود خيبر فيها، فإن الرسول - ﷺ - لم يُبقهم إبقاءًا مطلقًا عامًا، بل قال: \"نقرّكم فيها ما شئنا\"، يعني: إلى أمد.\nوهذا الأمد كان لانتهائه سبب وذلك في عهد عمر - ﵁ - حيث اعتدوا على عبد الله بن عمر وعلى الرجل الذي بات عنده ولم يوفوا بما عليهم فطردهم عمر - ﵁ -\" (^١).\nوقال - ﵀ - لما سئل عن حكم استقدام غير المسلمين إلى الجزيرة العربية: \"لكن استقدامهم للحاجة إليهم بحيث لا نجد مسلمًا يقوم بتلك الحاجة جائز بشرط أن لا يُمنحوا إقامة مطلقة\" (^٢).\nوقال الشيخ بكر أبو زيد بعد ذكر أحاديث النهي: \"فهذه الأحاديث في الصِّحاح نص على أن الأصل شرعًا منع أي كافر - مهما كان دينه أو صفته - من الاستيطان والقرار في جزيرة العرب، وأن هذا الحكم من آخر ما عهده النبي - ﷺ - إلى أمته\" (^٣).\nويقول الشيخ صالح الفوزان - حفظه الله -: \"ليس معنى (أخرجوهم) أن كل واحد يخرجهم، هذا من صلاحيات ولي الأمر الذي له الحل والعقد\" (^٤).\nوهناك إشكالات ينبغي أن يذكر الجواب عنها:\n١ - أن النبي - ﷺ - رهن درعه عند يهودي. قال ابن القيم: \"وأما رهن النبي درعه\n_________\n(^١) الباب المفتوح ٢/ ٣٦٨ لقاء ٣٩ سؤال ١٠٥٥.\n(^٢) أركان الإسلام ص ١٨٧ سؤال ٩٨.\n(^٣) خصائص جزيرة العرب ص ٣٦.\n(^٤) الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية ٢٣٠.","vol":"2","page":31},{"text":"عند اليهودي فلعله من اليهود الذين كانوا يقدمون المدينة بالميرة والتجارة من حولها أو من أهل خيبر وإلا فيهود المدينة كانوا ثلاث طوائف بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة فأما بنو قينقاع فحاربهم أولًا ثم من عليهم وأما بنو النضير فأجلاهم إلى خيبر وأجلى بني قينقاع أيضا وقتل بني قريظة وأجلى كل يهودي كان بالمدينة فهذا اليهودي المرتهن الظاهر أنه من أهل العهد قدم المدينة بطعام أو كان ممن لم يحارب فبقي على أمانه فالله أعلم\" (^١).\n٢ - أن رسول الله - ﷺ - قد أقر أهل خيبر بها إلى أن قبضه الله وهي من جزيرة العرب قال ابن القيم: \"قيل أما إقرار أهل خيبر فإنه لم يقرهم إقرارًا لازمًا بل قال نقركم ما شئنا، وهذا صريح في أنه يجوز للإمام أن يجعل عقد الصلح جائزًا من جهته متى شاء نقضه بعد أن ينبذ إليهم على سواء، فلما أحدثوا ونكثوا أجلاهم عمر - ﵁ -، فروى البخاري في صحيحه عن ابن عمر - ﵄ - أنه لما فدع أهل خيبر عبد الله بن عمر قام عمر خطيبا فقال إن رسول الله كان عامل يهود خيبر على أموالهم وقال نقركم ما أقركم الله تعالى، وإن عبد الله ابن عمر خرج إلى ماله هناك فعدي عليه من الليل ففدعت يداه ورجلاه وليس لنا هناك عدو غيرهم: هم عدونا وتهمتنا وقد رأيت إجلاءهم فلما أجمع عمر - ﵁ - على ذلك أتاه أحد بني أبي الحقيق فقال: يا أمير المؤمنين أتخرجنا وقد أقرنا محمد وعاملنا على الأموال وشرط ذلك لنا؟ فقال عمر - ﵁ -: أظننت أني نسيت قول رسول الله: كيف بك إذا خرجت من خيبر تعدو بك قلوصك ليلة بعد ليلة. فقال: كانت هذه هزيلة من أبي القاسم، فقال: كذبت يا عدو الله. قال فأجلاهم عمر - ﵁ - وأعطاهم قيمة ما كان لهم من الثمر مالًا وإبلًا وعروضًا من أقتاب وحبال وغير ذلك.\n_________\n(^١) أحكام أهل الذمة ١/ ١٨٤.","vol":"2","page":32},{"text":"وفي صحيحه أيضًا عن ابن عمر - ﵄ - قال: أتى رسول الله أهل خيبر فقاتلهم حتى ألجأهم إلى قصرهم وغلبهم على الأرض والزرع والنخل، فصالحوه على أن يجلوا منها ولهم ما حملت ركابهم ولرسول الله الصفراء والبيضاء والحلقة وهي السلاح ويخرجون منها، واشترط عليهم ألا يكتموا ولا يغيبوا شيئًا، فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد، فغيبوا مسكًا فيه مال وحلي لحيي بن أخطب كان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير. فقال رسول الله لعم حيي - واسمه سعية -: ما فعل مسك حيي الذي جاؤوا به من النضير؟ قال أذهبته النفقات والحروب، فقال العهد قريب والمال أكثر من ذلك، وقد كان حيى قتل قبل ذلك، فدفع رسول الله سعية إلى الزبير فمسه بعذاب فقال: قد رأيت حييًا يطوف في خربة ها هنا، فذهبوا فطافوا فوجدوا المسك في الخربة، فقتل رسول الله ابني أبي الحقيق وأحدهما زوج صفية بنت حيى بن أخطب، وسبى رسول الله ذراريهم وقسم أموالهم بالنكث الذي نكثوا، وأراد أن يجليهم منها فقالوا: يا محمد دعنا نكون في هذه الأرض نصلحها ونقوم عليها، ولم يكن لرسول الله ولا لأصحابه غلمان يقومون عليها، ولا يفرغون أن يقوموا، فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطر من كل زرع وتمر ما بدا لرسول الله، وكان عبد الله بن رواحة يأتيهم في كل عام يخرصها عليهم ثم يضمنهم الشطر، فشكوا إلى رسول الله شدة خرصه وأرادوا أن يرشوه، فقال عبد الله: أتطعمونني السحت؟ والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إلي، ولأنتم أبغض الناس إلي من عدلكم من القردة والخنازير، ولا يحملني بغضي إياكم وحبي إياه على ألا أعدل عليكم. فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض. فكان رسول الله يعطي كل امرأة من نسائه ثمانين وسقًا من تمر كل عام وعشرين وسقًا من شعير فلما كان زمان عمر - ﵁ - غشوا المسلمين وألقوا ابن عمر من فوق بيت ففدعوا يديه، فقال عمر: من كان له سهم بخيبر فليحضر حتى نقسمها بينهم فقسمها عمر - ﵁ - بينهم، فقال","vol":"2","page":33},{"text":"رئيسهم: لا تخرجنا، دعنا نكون فيها كما أقرنا رسول الله وأبو بكر، فقال عمر - ﵁ - لرئيسهم أتراه سقط علي قول رسول الله: كيف بك إذا رقصت بك راحلتك نحو الشام يومًا ثم يومًا ثم يومًا. وقسمها عمر - ﵁ - بين من كان شهد خيبر من أهل الحديبية\" (^١).\n٣ - إن قيل: كيف استجاز عمر - ﵁ - إخراج أهل نجران وقد صالحهم النبي - ﷺ -؟.\nقال ابن القيم: \"فإن قيل فأهل نجران كان النبي - ﷺ - قد صالحهم وكتب لهم كتاب أمن على أرضهم وأنفسهم وأموالهم فكيف استجاز عمر - ﵁ - إخراجهم؟ قيل: قد قال أبو عبيد: إنما نرى عمر قد استجاز إخراج أهل نجران وهم أهل صلح لحديث يروى عن النبي - ﷺ - فيهم خاصة يحدثونه عن إبراهيم بن ميمون مولى آل سمرة عن ابن سمرة عن أبيه عن أبي عبيدة بن الجراح عن النبي - ﷺ - أنه كان آخر ما تكلم به أن قال: \"أخرجوا اليهود من الحجاز وأخرجوا أهل نجران من جزيرة العرب\".\nفإن قيل زدتم الأمر إشكالًا! فكيف أمر بإخراجهم وقد عقد معهم الصلح؟\nقيل: الصلح كان معهم بشروط، فلم يفوا بها فأمر بإخراجهم، قال أبو عبيد: وإنما نراه قال ذلك لنكث كان منهم أو لأمر أحدثوه بعد الصلح، قال: وذلك بَيِّن في كتاب كتبه عمر - ﵁ - إليهم قبل إجلائه إياهم، منها حدثنا ابن أبي زائدة عن ابن عون قال: قال لي محمد بن سيرين: انظر كتابًا قرأته عند فلان بن جبير فكلم فيه زياد بن جبير، قال: فكلمته فأعطاني، فإذا في الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم، من عمر أمير المؤمنين إلى أهل رعاش كلهم، سلام عليكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد:\n_________\n(^١) أحكام أهل الذمة ١/ ١٨١، ١٨٢.","vol":"2","page":34},{"text":"فإنكم زعمتم أنكم مسلمون ثم ارتددتم بعد، وإنه من يتب منكم ويصلح لا يضره ارتداده ونصاحبه صحبة حسنة، فادكروا ولا تهلكوا وليبشر من أسلم منكم، فإن أبى إلا النصرانية فإن ذمتي بريئة ممن وجدناه بعد عشر تبقى من شهر الصوم من النصارى بنجران.\nأما بعد: فإن يعلى كتب يعتذر أن يكون أكره أحدًا منكم على الإسلام أو عذبه عليه إلا أن يكون قسرًا جبرًا ووعيدًا لم ينفذ إليه منه شيء.\nأما بعد: فقد أمرت يعلى أن يأخذ منكم نصف ما عملتم من الأرض، وإني لن أريد نزعها منكم ما أصلحتم.\nوقال الشيخ في المغني: فأما إخراج أهل نجران منها فلأن النبي صالحهم على ترك الربا فنقضوا عهده\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-463> يمنع الكافر من دخول حرم مكة بكل حال:</span>\nقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨].\nقال عطاء - ﵁ - في قوله: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ قال: يريد الحرم كله وفي لفظ: لا يدخل الحرم كله مشرك (^٢).\nقال الإمام أحمد: \"ليس لليهود والنصارى أن يدخلوا الحرم\" (^٣).\nقال الشافعي: \"لا يدخل الكافر المسجد الحرام بحال، ويدخلُ غيره من\n_________\n(^١) أحكام أهل الذمة ١/ ١٧٩، ١٨٠.\n(^٢) الدر المنثور ٣/ ٤٠٩ ط/ دار الكتب العالمية.\n(^٣) مرويات الإمام أحمد في التفسير جمع الشيخ محمد بن وزن طرهوني ٢/ ٢٨٤ وعزاه للملل (ق ٣٤/ ب).","vol":"2","page":35},{"text":"المساجد للحاجة كما دخل ثمامة وأبو سفيان\" (^١).\nوقد رد ذلك ابن العربي - ﵀ - وضعفه عليه بقوله: \"ذلك أن دخول ثمامة في المسجد في الحديث الصحيح، ودخول أبي سفيان فيه على الحديث الآخر كان قبل أن ينزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ فمنع الله المشركين من دخول المسجد الحرام نصًا ومنع من دخول سائر المساجد تعليلًا بالنجاسة، ولوجوب صيانة المسجد عن كل نجس\" (^٢).\nقال النووي: \"قال العلماء ولا يمنع الكفار من التردد مسافرين في الحجاز ولا يمكنون من الإقامة أكثر من ثلاثة أيام، قال الشافعي وموافقوه: إلا مكة وحرمها فلا يجوز تمكين كافر من دخوله بحال، فإن دخله في خفية وجب إخراجه، فإن مات ودفن فيه نبش وأخرج ما لم يتغير، هذا مذهب الشافعي وجماهير الفقهاء، وجوز أبو حنيفة دخولهم الحرم وحجة الجماهير قول الله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾، والله أعلم\" (^٣).\nوقال ابن القيم: \"وأما الحرم فيمنعون دخوله بكل حال، ولا يجوز للإمام أن يأذن في دخوله فإن دخل أحدهم فمرض أو مات أُخرج، وإن دفن نبش، وهل يمنعون من حرم المدينة؟.\nحُكي عن أحمد - رحمه الله تعالى - فيه روايتان كما تقدم وقد صح عن النبي - ﷺ - أنه أنزل وفد نصارى نجران في مسجده وحانت صلاتهم فصلوا فيه وذلك عام\n_________\n(^١) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩١٤.\n(^٢) أحكام القرآن لأبن العربي ٢/ ٩١٤.\n(^٣) انظر شرح النووي على صحيح مسلم.","vol":"2","page":36},{"text":"الوفود بعد نزول قوله تعالى إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا فلم تتناول الآية حرم المدينة ولا مسجدها\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-464> مسألة: فإن قيل إن المنع من قربان المسجد الحرام خاص بالمشركين:</span>\nقال ابن القيم: \"فإن قيل: الله سبحانه إنما منع المشركين من قربان المسجد الحرام ولم يمنع أهل الكتاب منه ولهذا أذن مؤذن النبي يوم الحج الأكبر أنه لا يحج بعد العام مشرك، والمشركون الذين كانوا يحجون هم عبدة الأوثان لا أهل الكتاب فلم يتناولهم المنع.\nقيل للناس قولان في دخول أهل الكتاب في لفظ المشركين:\nالأول: فابن عمر وغيره كانوا يقولون هم من المشركين، قال عبد الله بن عمر - ﵄ -: لا أعلم شركًا أعظم من أن يقول المسيح ابن الله وعزيز ابن الله وقد قال تعالى فيهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١].\nوالثاني: لا يدخلون في لفظ المشركين؛ لأن الله سبحانه جعلهم غيرهم في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾، قال شيخنا (^٢): والتحقيق أن أصل دينهم دين التوحيد، فليسوا من المشركين في الأصل والشرك طارئ عليهم فهم منهم باعتبار ما عرض لهم لا باعتبار أصل الدين، فلو قدر أنهم لم يدخلوا في لفظ الآية دخلوا في عمومها المعنوي وهو كونهم\n_________\n(^١) أحكام أهل الذمة ١/ ١٨٧.\n(^٢) أي شيخه ابن تيمية - رحمهما الله -.","vol":"2","page":37},{"text":"نجسًا، والحكم يعم بعموم علته، فإن قيل فالآية نبهت على دخولهم الحرم عوضًا عن دخول عباد الأوثان فإنه سبحانه قال: ﴿هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ فإنها لما نزلت انقطع عنهم ما كان المشركون يجلبون إليهم من الميرة فأعاضهم الله بالجزية، قيل ليس في هذا ما يدل على دخول أهل الجزية المسجد الحرام بوجه ما، بل تؤخذ منهم الجزية وتحمل إلى من بالمسجد الحرام وغيره - على أن الإغناء من فضل الله وقع بالفتوح والفيء والتجارات التي حملها المسلمون إلى مكة.\nفإن قيل: فالآية إنما منعت قربانهم المسجد الحرام خاصة، فمن أين لكم تعميم الحكم للحرم كله؟\nقيل: المسجد الحرام يراد به في كتاب الله تعالى ثلاثة أشياء: نفس البيت، والمسجد الذي حوله، والحرم كله:\nفالأول: كقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.\nوالثاني: كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ على أنه قد قيل إن المراد به ها هنا الحرم كله، والناس سواء فيه.\nوالثالث: كقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وإنما أسرى به من داره من بيت أم هانئ.\nوجميع الصحابة والأئمة فهموا من قوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ أن المراد مكة كلها والحرم ولم يخص ذلك أحد منهم بنفس المسجد الذي يطاف فيه، ولما نزلت هذه الآية كانت اليهود بخيبر وما حولها ولم","vol":"2","page":38},{"text":"يكونوا يمنعون من المدينة كما في الصحيح أن رسول الله مات ودرعه مرهونة عند يهودي على طعام أخذه لأهله، فلم يجلهم رسول الله عند نزولها من الحجاز وأمر مؤذنه أن يؤذن بأن لا يحج بعد العام مشرك.\nفإن قيل: فما تقولون في دخولهم مساجد الحل؟\nقيل: إن دخلوها بغير إذن مُنعوا من ذلك ولم يمكنوا منه؛ لأنهم نجس والجنب والحائض أحسن حالًا منهم وقد منعا من دخول المساجد وإن دخلوها بإذن مسلم ففيه قولان للفقهاء هما روايتان عن أحمد ووجه الجواز أن رسول الله - ﷺ - أنزل الوفود من الكفار في مسجده فأنزل فيه وفد نجران ووفد ثقيف وغيرهم\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-465> حكم بناء معابد للكفرة في الجزيرة العرب:</span>\nقال الشيخ محمد بن إبراهيم - ﵀ -: \"الوثنية المحضة لا تقر بحال لا في مشارق الأرض ولا في مغاربها والمرتدون أغلظ وأغلظ واليهود والنصارى يقرون بالجزية لكن لا في جزيرة العرب \"لا يجتمع دينان في جزيرة العرب\". وإقرار النبي - ﷺ - لليهود في خيبر بالجزية لإصلاح ما يصلحون منسوخ بما أوصى به عند موته\". [في كتاب الجهاد من الفتاوى].\nوقال الشيخ ابن باز - ﵀ -: \"لا يجوز أن يُبنى في الجزيرة معابد للكفرة لا النصارى ولا غيرهم، وما بُني فيها يجب أن يهدم مع القدرة، وعلى ولي الأمر أن يهدمها ويزيلها ولا يبقي في الجزيرة مبادئ أو معاقل للشرك ولا كنائس ولا معابد بل يجب أن تزال من الجزيرة حتى لا يبقى فيها إلا المساجد والمسلمون\" (^٢).\nوقال الشيخ بكر أبو زيد: \"وليس لكافر إحداث كنيسة فيها، ولا بيعة، ولا صومعة، ولا بيت نار، ولا نصب صنم؛ تطهيرًا لها عن الدين الباطل، ولعموم\n_________\n(^١) أحكام أهل الذمة ١/ ١٨٨، ١٨٩، ١٩٠.\n(^٢) مجموع فتاوى سماحة الشيخ ابن باز ٢/ ٥١٤، ٥١٥.","vol":"2","page":39},{"text":"الأحاديث ... ولا تدفن جيفة كافر بها، فإن مات على أرض الجزيرة؛ نقل عنها؛ إلا للضرورة؛ كالتعفن، فتغيب جيفته في غير مقبرة للمسلمين\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-466>١).\n\n١٠٣ - الجفر وعلاقته بالتنجيم</span>\nقال في المصباح: \"الجفر من ولد الشاء: ما جفر جنباه أي اتسع.\nقال ابن الأنباري في تفسير حديث أم زرع: الجفرة: الأنثى من ولد الضأن والذكر جفر والجمع جفار وقيل الجفر من ولد المعز ما بلغ أربعة أشهر والأنثى جفرة\" (^٢).\nوالجفر تنسبه الرافضة كذبًا إلى علي بن أبي طالب - ﵁ - وتقول أنه وجد في بعير مرقوم حروف مفرقة مكتوب فيها ما جرى للأولين والآخرين. انظر: باب (أباجاد).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-467>١٠٤ - الجماعة</span>\nانظر: باب (أهل السنة والجماعة).\n_________\n(^١) خصائص جزيرة العرب ص ٣٦.\n(^٢) المصباح المنير (ج ف ر).","vol":"2","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-468>١٠٥ - الجن </span>*\nقال الجوهري: \"الجن خلاف الإنس والواحد جني، يقال سميت بذلك لأنها تُتقى ولا ترى\" (^١).\nوقال ابن الأثير: \"ومنه قوله جنّ عليه الليل. أي: ستره، وبه سُمي الجن لاستتارهم واختفائهم عن الأبصار، ومنه سُمّي الجنين لاستتاره في بطن أمه\" (^٢).\nوقال ابن منظور: \"وكل شيء سُتر عنك فقد جُنَّ عنك. والجان: الجن وهو اسم جمع كالجامل والباقر وفي التنزيل العزيز ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾ [الرحمن: ٣٩] \" (^٣).\nوقد يطلق الجان ويراد به إبليس (^٤) كما ذكر الطبري في قوله تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧]. قال: \"عنى بالجان ها هنا إبليس أبا الجن\" (^٥).\nأما لفظ إبليس فمأخوذ من أبلس أي يئس لأنه أبلس من ﵀ أي أيس منها والجمع بُلُسٌ، والإبلاس الحيرة. قال الطبري - ﵀ -: \"هو الإياس من الخير والندم\n_________\n* لوامع الأنوار للسفاريني ٢/ ٢٢٠. مجموع الفتاوى لابن باز ١/ ٣٤٥. مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٥٣٣. القول المفيد ط ١ - ٢/ ٤٩، ٦١، مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١/ ٢٨٣. منهج ابن حجر في العقيدة ص ١٢٧١، ١٢٧٨. كتاب الجن في القرآن والسنة إعداد ولي زار. فتح المنان في جمع كلام شيخ الإسلام ابن تيمية عن الجان لمشهور حسن سلمان.\n(^١) الصحاح للجوهري (ج ن ن).\n(^٢) النهاية (ج ن ن).\n(^٣) لسان العرب لابن منظور (ج ن ن). وانظر لوامع الأنوار ٢/ ٢٢١ ففيه بحث مفيد عن الجن.\n(^٤) لسان العرب (ج ن ن).\n(^٥) جامع البيان من تأويل آي القرآن ٨/ ٣٠ عند تفسير الآية ٢٧ من سورة الحجر.","vol":"2","page":41},{"text":"والحزن\" (^١).\nوقد رجح الطبري وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله أن إبليس هو أبو الجن (^٢) ثم أولاد إبليس هؤلاء منهم المؤمن ومنهم الكافر، قال ابن حجر: \"فمن كان كافرًا سمي شيطانًا وإلا قيل له جني\" (^٣).\nوالشيطان في اللغة كل عات متمرد طاغ من الجن والإنس والدواب (^٤)، ودليل إطلاقه على الإنس قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢].\nومن الجن من يعمّر ومنهم من يموت، ومنهم أمة يأكلون ويشربون، وفيهم ذكور وإناث ويتناسلون ويتكاثرون، ولهم آجال كآجال بني آدم، ومآل الجميع للموت كما قال الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]، لكن إبليس أبو الجن قد أمهله الله إلى يوم البعث ثم يكون الموت له كما قال ﷿: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)﴾ [الحجر:٣٦ - ٣٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-469>فوائد وأحكام:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-470>١ - هل إبليس من الملائكة</span>؟\nأصل إبليس مخلوق من مارج من نار بخلاف الملائكة الذين خلقوا من نور وإبليس لم يكن من الملائكة بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠].\n_________\n(^١) جامع البيان للطبري ١/ ٢٢٧ عند تفسير الآية ٣٤ من سورة البقرة.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٤/ ٢٣٥، ٣٤٦.\n(^٣) فتح الباري ١٣/ ٧٦.\n(^٤) مجموع الفتاوى ١٥/ ٧.","vol":"2","page":42},{"text":"قال الحسن البصري: \"ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين\" (^١)، وإنما استثنى إبليس من الملائكة لأنه كان مأمورًا بالسجود معهم وكان لشدة عبادته وبعده عن المخالفة قبل أن يعصي الله شبيهًا بالملائكة فأخذ حكمهم.\nقال ابن كثير: \"وذلك أنه كان قد توسم بأفعال الملائكة وتشبه بهم وتعبَّد وتنسك فلهذا دخل في خطابهم وعصى بالمخالفة\" (^٢).\nفجاء الأمر على تغليب الأكثر وهم الملائكة.\nوقال بعض أهل العلم أن إبليس من الملائكة وجمهور أهل العلم على أنه من الجن وهو القول الصحيح (^٣).\nقال الإمام ابن تيمية ﵀: \"أنه كان منهم - أي من الملائكة - باعتبار صورته وليس منهم باعتبار أصله ولا باعتبار مثاله\" (^٤).\nوالذي يرتبط ببحثنا هنا أمور كثيرة تتعلق بالجن: من ذلك استخدام الكهنة والعرافين والسحرة للجن، ومن ذلك معرفة عجزهم عن معرفة الغيب وعجزهم عن الإتيان بالمعجزات كما أنهم لا يسّمعون إلى الملأ الأعلى (^٥) بعد ما حرست السماء قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩]، وكذلك الإيمان بأن لا سلطان لهم على عباد الله الصالحين قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ [الإسراء: ٦٥].\n_________\n(^١) جامع البيان لابن جرير الطبري ١/ ٢٢٦ عند تفسير الآية ٣٤ من سورة البقرة، البداية والنهاية لابن كثير ١/ ٨٠، وتفسير ابن كثير ٣/ ٩٣.\n(^٢) تفسير ابن كثير آية ٥٠ من سورة الكهف.\n(^٣) انظر فتوى اللجنة في مجلة البحوث الإسلامية العدد ٤٠ ص ٩٩.\n(^٤) الفتاوى ٤/ ٣٤٦ انظر للاستزادة حول هذا الموضوع كتاب الجن في القرآن والسنة إعداد ولي زار بن شاه الدين. دار البشائر الإسلامية.\n(^٥) انظر باب (الكهانة) حراسة السماء بعد البعثة.","vol":"2","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-471>٢ - حكم استخدام الجن:</span>\nقال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٢٨].\nقال ابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية: \"فاستمتاع الإنسي بالجني: في قضاء حوائجه، وامتثال أوامره، وإخباره بشيء من المغيبات، ونحو ذلك، واستمتاع الجن بالإنس: تعظيمه إياه، واستعانته به واستغاثته وخضوعه\" (^١).\nفالغالب فيمن يستخدم الجن أن يدفع ثمن ذلك الاستخدام ويكون ذلك بطرق شركية كالذبح لهم أودعائهم أو الاستغاثة بهم وغير ذلك وكلما كثر من المستخدم ذلك كلما ازداد الجن في خدمته.\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \"ولهذا كثير من هذه الأمور يكتبون فيها كلام الله بالنجاسة، وقد يقلبون حروف كلام الله ﷿، إما حروف الفاتحة، وإما حروف ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، وإما غيرهما، إما دم وإما غيره، وإما بغير نجاسة، أو يكتبون غير ذلك مما يرضاه الشيطان، أو يتكلمون بذلك.\nفإذا قالوا أو كتبوا ما ترضاه الشياطين؛ أعانتهم على بعض أغراضهم؛ إما تغوير ماء من المياه، وإما أن يحمل في الهواء إلى بعض الأمكنة، وإما أن يأتيه بمال من أموال بعض الناس؛ كما تسرقه الشياطين من أموال الخائنين، ومن لم يذكر اسم الله عليه، وتأتي به، وإما غير ذلك\" (^٢).\nويبين شيخ الإسلام ابن تيمية حكم استخدامهم فيقول: \"فمن كان من الإنس يأمر الجن بما أمر الله به ورسوله من عبادة الله وحده وطاعة نبيه، ويأمر الإنس\n_________\n(^١) شرح الطحاوية تحقيق أحمد شاكر ص ٤٥٣.\n(^٢) مجموع الفتاوى، لشيخ الإسلام ابن تيمية ١٩/ ٣٥.","vol":"2","page":44},{"text":"بذلك، فهذا من أفضل أولياء الله تعالى، وهو في ذلك من خلفاء الرسول ونوابه.\nومن كان يستعمل الجن في أمور مباحة له فهو كمن استعمل الإنس في أمور مباحة له، وهذا كان يأمرهم بما يجب عليهم وينهاهم عما حرم عليهم ويستعملهم في مباحات له، فيكون بمنزلة الملوك الذين يفعلون مثل ذلك، وهذا إذا قدر أنه من أولياء الله تعالى فغايته أن يكون في عموم أولياء الله مثل النبي الملك مع العبد الرسول: كسليمان ويوسف مع إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.\nومن كان يستعمل الجن فيما ينهى الله عنه ورسوله إما في لشرك وإما في قتل معصوم الدم في العدوان عليهم بغير القتل كتمريضه. وإنسائه العلم وغير ذلك من الظلم، وإما في فاحشة كجلب من يطلب منه الفاحشة، فهذا استعان بهم على الإثم والعدوان، ثم إن استعان بهم على الكفر فهو كافر، وإن استعان بهم على المعاصي فهو عاص: إما فاسق، وإما مذنب غير فاسق، وإن لم يكن تام العلم بالشريعة فاستعان بهم فيما يظن أنه من الكرامات: مثل أن يستغن بهم على الحج أو أن يطيروا به عند السماع البدعي، أو أن يحملوه إلى عرفات ولا يحج الحج الشرعي الذي أمره الله به ورسوله، وأن يحملوه من مدينة إلى مدينة، ونحو ذلك فهذا مغرور قد مكروا به\" (^١).\nوفي فتاوى العقيدة للشيخ ابن عثيمين تلخيص لكلام ابن تيمية هذا نصه: \"وأما سؤال الجن وسؤال من يسألهم، فإن كان على وجه التصديق في كل ما يخبرونه به والتعظيم للمسؤول فحرام، وإن كان ليمتحن حاله ويختبر باطن أمره وعنده ما يميز صدقه من كذبه فهذا جائز، وذكر أدلة ذلك ثم قال: وكذلك إذا كان يسمع ما يقولونه ويخبرون به عن الجن كما يسمع المسلمون ما يقول الكفار الفجار ليعرفوا ما\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١١/ ٣٠٧، ٣٠٨. وكتاب النبوات ص ٢٦٠، وانظر: للاستزادة كتاب المنتقى من فرائد الفوائد ص ٢٣١، ٢٣٢ لابن عثيمين وهو ضمن مجموع فتاوى ابن عثيمين ٧/ ٢٥٢.","vol":"2","page":45},{"text":"عندهم فيعتبروا به وكما يسمع خبر الفاسق ويتبين ويتثبت فلا يجزم بصدقه ولا كذبه إلا ببينة، ثم ذكر أنه روى عن أبي موسى الأشعري أنه أبطأ عليه خبر عمر وكان هناك امرأة لها قرين من الجن فسأله عنه فأخبره أنه ترك عمر يسم إبل الصدقة.\nوفي خبر آخر أن عمر أرسل جيشا فقدم شخص إلى المدينة فأخبر أنهم انتصروا على عدوهم، وشاع الخبر فسأل عمر عن ذلك فذكر له فقال: هذا أبو الهيثم بريد المسلمين من الجن وسيأتي بريد الإنس بعد ذلك فجاء بعد ذلك بعدة أيام\" (^١).\nقال الشيخ سليمان - رحمه الله تعالى - في كتابه التيسير: \"فأما المعزم الذي يعزم على المصروع، ويزعم أنه يجمع الجن وأنها تطيعه، والذي يحل السحر، فقال في الكافي ذكرهما أصحابنا في السحرة الذين ذكرنا حكمهم. وقد توقف أحمد لما سئل عن الرجل يحل السحر، فقال: قد رخص فيه بعض الناس. قيل إنه يجعل في الطنجير ماء ويغيب فيه، فنفض يده وقال: ما أدري ما هذا؟ قيل له: فترى أن يؤتى مثل هذا يحل؟ قال: ما أدري هذا؟ قال: وهذا يدل على أنه لا يكفر صاحبه ولا يقتل.\nقلت - القائل الشيخ سليمان -: إن كان ذلك لا يحصل إلا بالشرك بالله والتقرب إلى الجن، فإنه يكفر ويقتل، ونص أحمد لا يدل على أنه لا يكفر، فإنه قد يقول مثل هذا في الحرام البيِّن\" (^٢).\nوقال الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ: \"وبعض أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية يقول: \"إن الجن قد تخدم الإنسي\" وهذا المقام فيه نظر وتفصيل؛ ذلك أنه ﵀ ذكر في آخر كتاب \"النبوات\": أن أولياء الله لا يستخدمون الجن إلا بما فعله معهم رسول الله - ﷺ - بأن أمرَهم ونهاهم، أي: بالأوامر، والنواهي الشرعية، أما\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٧/ ٢٥٢ وكلام ابن تيمية في المجموع ١٩/ ٦٢. وانظر للاستزادة لقاء الباب المفتوح ٥٣/ ٧٩.\n(^٢) تيسير العزيز الحميد ص ٤١٨.","vol":"2","page":46},{"text":"طلب خدمتهم وطلب إعانتهم فإنه ليس من سجايا أولياء الله، ولا من أفعالهم، قال: مع أنه قد تنفع الجن الإنسَ، وقد تقدم له بعض الخدمة ونحو ذلك، وهذا صحيح من حيث الواقع.\nفالحاصل أن المقام فيه تفصيل: فإذا كان الاستخدام بطلب الخدمة من الجني المسلم، فهذا وسيلة إلى الشرك، ولا يجوز أن يعالج عند أحد يُعرف منه أنه يستخدم الجن المسلمين، وإذا كانت الجن تخدم بعض الناس بدون طلبه، فإن هذا قد يحصل، لكن لم يكن هذا من خلق أولياء الله، ولا مما سخره الله جل وعلا لخاصة عباده، فلا يسلم مَنْ هذا حالُه من نوع خلل جعلتْ الجن تُكثر من خدمته وإخباره بالأمور، ونحو ذلك.\nفالحاصل: أن هذه الخدمة إذا كانت بطلب منه، فإنها لا تجوز، وهي نوع من أنواع المحرمات؛ لأنها نوع استمتاع، وإذا كانت بغير طلب منه فينبغي له أن يستعيذ بالله من الشياطين ويستعيذ بالله من شر مردة الجن؛ لأنه قد يؤدِّي قبول خبرهم، واعتمادُه إلى حصول الأُنس بهم، وقد يقوده ذلك الاستخدام إلى التوسل بهم والتوجّه إليهم - والعياذ بالله -.\nفإذا تبين ذلك: فإن خبر الجن عند أهل العلم ضعيف، لا يجوز الاحتجاج به عند أهل الحديث، وذكر ذلك أيضًا الفقهاء، وهذا صحيح؛ لأن البناء على الخبر وقبوله: هو فرعٌ عن تعديل المخبر، والجني غائب، وعدالته غير معروفة، وغير معلومة عند السامع، فإذا بنى الخبر عمن جاءه به من الجن وهو لم يرهم، ولم يتحقق عدالتهم إلا بما سمع من خطابهم - وهي لا تكفي - فإنه يكون قد قبل خبر من يحتمل أنه فاسق؛ ولهذا قال الله - جل وعلا -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾.","vol":"2","page":47},{"text":"[الحجرات:٦]، والذين يقبلون إخبار الجن، وإعلام الجن لهم ببعض الحوادث، تحصل منهم مفاسد متنوعة كثيرة، منها هنا: جزمم بصحة ما أخبرتهم به الجن فربما حصل بسبب ذلك مفاسد عظيمة من الناس الذين أُخبروا بذلك، فيكثر القيل والقال، وقد تفرقت بعض البيوت من جراء خبر قارئ جاهل يزعم أن الذي فعل هذا هو فلان باعتبار الخبر الذي جاءه، ويكون الخبر الذي جاءه من الجني خبرًا كذبًا، فيكون قد اعتمد على نبأ هذا الذي لا يعلم عدالته، وبنى عليه وأخبر به، فيحصل من جَرَّائه فرقة واختلاف وتفرق وشتات في البيوت، ونعلم قد ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم ﵀ ن إبليس ينصب عرشه على ماء، ويبعث سراياه، فيكون أحب جنوده إليه من يقول له: فرّقت بين المرأة وزوجها (^١)، وهذا من جملة التفريق الذي يسعى إليه عدو الله، بل الغالب أن يكون من هذه الجهة، فأحب ما يكون إلى عدو الله أن يفرق بين المؤمنين؟ ولهذا جاء في الحديث الصحيح الذي رواه أيضًا مسلم وغيره أن النبي - ﷺ - قال: \"إن الشيطان أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم\" (^٢).\nفهذه المسألة يجب على طلاب العلم أن يسعوا في إنكارها، وبذل الجهد في إقامة الحجة على من يستخدم الجن، ويتذرع بأن بعض العلماء أباح ذلك، والواقع أن هذا العمل وسيلة من وسائل الشرك بالله - جل وعلا -، واقرؤوا أول كتاب \"تاريخ نجد\" لابن بشر، حيث قال: إن سبب دخول الشرك إلى قرى نجد أنه كان بعض البادية إذا أتى وقت الحصاد، أو أتى وقت خرف النخيل، فإنهم يقطنون بجانب تلك القرى ومعهم بعض الأدوية والأعشاب فإذا كانوا كذلك فربما سألهم بعض جهلة تلك القرى حى حببوا إليهم بعض تلك الأفعال المحرمة من\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٨١٣) (٦٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٨١٢).","vol":"2","page":48},{"text":"جراء سؤالهم، وحببوا إليهم بعض الشركيات، أو بعض البدع، حتى فشا ذلك بينهم، فبسبب هؤلاء المتطببين الجهلة والقراء المشعوذين انتشر الشرك - قديمًا - في الديار النجدية وما حولها، كما ذكر ابن غنام.\nوقد حصل أن بعض مستخدمي الجن كثر عنده الناس، فلما رأى من ذلك صار يعالج علاجًا نافعًا فزاد تسخُّر الجن له، حتى ضعُف تأثيره، فلما ضعف تأثيره ولم يستطع مع الحالات التي تأتيه للقراءة أو للعلاج شيئًا صار تعلقه بالجن أكثر، ولا زال ينحدر ما في قلبه من قوة اليقين، وعدم الاعتماد بقلبه على الجن، حتى اعتمد عليهم شيئًا فشيئًا، ثم حَرَفوه - والعياذ بالله - عن السنة، وعما يجب أن يكون في القلب من توحيد الله وإعظامه، وعدم استخدام الجن في لأغراض الشركية، فجعلوه يستخدم الجن في أغراض شركية وأغراض لا تجوز بالاتفاق.\nفهذا الباب مما يجب وصده، وكذلك يجب إنكار وسائل الشرك والغواية، وحكم من يستخدم الجن ويعلن ذلك، ويطلب خدمتهم لمعرفة الأخبار فهذا جاهل بحقيقة الشرع، وجاهل بوسائل الشرك، وما يصلح المجتمعات وما يفسدها، والله المستعان\" (^١).\n٣ - قال ابن كثير: \"ولا شك أن الجن لم يبعث الله تعالى منهم رسولًا. لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف:١٠٩] \" (^٢).\nوقد ذكر ابن عباس أن الجن فيهم نذر والدليل قوله تعالى: ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩].\nقال ابن القيم ﵀: \"ولما كان الإنس أكمل من الجن أتم عقولًا ازدادوا عليهم بثلاثة أصناف أخر ليس شيء منها للجن وهم: الرسل، والأنبياء،\n_________\n(^١) التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص ٦١٦ - ٦١٩.\n(^٢) انظر: تفسير ابن كثير ٤/ ١٨٣.","vol":"2","page":49},{"text":"والمقربون. فليس في الجن صنف من هؤلاء، بل حليتهم الصلاح، وذهب شذاذ من الناس إلى أن فيهم الرسل والأنبياء محتجين على ذلك بقوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام:١٣٠]، وبقوله ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ إلى قوله: ﴿مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف:٢٩]، وقد قال الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [النساء: ١٦٥]، وهذا قول شاذ لا يُلتفت إليه ولا يُعرف به سلف من الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ لا يدل على أن الرسل من كل واحدة من الطائفتين، بل إذا كانت الرسل من الإنس وقد أمرت الجن باتباعهم صح أن يقال للإنس والجن: ألم يأتكم رسل منكم، ونظير هذا أن يقال للعرب والعجم: ألم يجئكم رسل منكم يا معشر العرب والعجم، فهذا لا يقتضي أن يكون من هؤلاء رسل ومن هؤلاء. وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، وليس في كل سماء قمر، وقوله تعالى: ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف:٢٩] فالإنذار أعم من الرسالة والأعم لا يستلزم الأخص قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢] فهؤلاء نذر وليسوا برسل، قال غير واحد من السلف: الرسل من الإنس، وأما الجن ففيهم النذر قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف:١٠٩]، فهذا يدل على أنه لم يرسل جنيًا ولا امرأة ولا بدويًا، وأما تسميته تعالى الجن رجلًا في قوله: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦] فلم يطلق عليهم الرجال، بل هي تسمية مقيدة بقوله ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾ فهم رجال من الجن ولا يستلزم ذلك دخولهم في الرجال عند","vol":"2","page":50},{"text":"الإطلاق كما تقول: رجال من حجارة، ورجال من خشب ونحوه\" (^١)\nقال ابن مفلح ﵀ في الفروع: \"لم يبعث إليهم - أي الجن - نبي قبل نبينا محمد - ﷺ - \" (^٢).\nقال الشيخ ابن عثيمين معلقًا على كلام ابن مفلح: \"ويشهد له قوله - ﷺ -: \"وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبُعثت إلى الناس عامة\" (^٣).\nفأما قوله تعالى عن الجن ﴿قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠)﴾ [الأحقاف: ٣٠]. فظاهره أنهم كانوا يتعبَّدون بشريعة موسى، وكذا هو ظاهر حال الجن المسخرين لسليمان أي أن الظاهر أنهم كانوا يتعبدون بشريعة سليمان، وكان يتعبد بشريعة موسى، هكذا قيل إنه ظاهر حالهم وفيه نظر ولكن يكفينا ظاهر الآية.\nوالجواب: أن الظاهر أنه لم يكلف بالرسالة إليهم، وإن كانوا قد يتعبدون بها - والله أعلم - \" (^٤).\n٤ - أنكر بعض من قصر علمه وقوع المس وصرع الجن مع وجود الأدلة الظاهرة على دخول الجن في الإنس. قال ابن حجر ﵀: \"ويكون الصرع من الجن، ولا يقع إلا من النفوس الخبيثة منهم إما لاستحسان بعض الصور الإنسية وإما لإيقاع الأذى به والأول هو الذي يثبته الأطباء ويذكرون علاجه، والثاني يجحده كثير منهم وبعضهم يثبته ولا يعرف له علاجا إلا بمقاومة الأرواح الخيرية\n_________\n(^١) طريق الهجرتين ص ٣٩٤، ٣٩٥.\n(^٢) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٧/ ٢٥٨، وكذا قال القرطبي في التفسير، انظر الجامع لأحكام القرآن ١٦/ ٢١٧، وانظر طريق الهجرتين لابن القيم ص ٤٢١، ٤٢٢.\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١).\n(^٤) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٧/ ٢٥٨.","vol":"2","page":51},{"text":"العلوية لتندفع آثار الأرواح الشرية السفلية وتبطل أفعالها\" (^١).\nومن الأدلة على وجود الصرع والمس قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥].\nقال الإمام القرطبي: \"في هذه الآية دليل على فساد إنكار من أنكر الصرع من جهة الجن وزعم أنه من فعل الطبائع وأن الشيطان لا يسلك في الإنسان ولا يكون منه مس\" (^٢).\nوقال الإمام الطبري في تفسير هذه الآية: ﴿يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾: يعني بذلك يتخبطه الشيطان في الدنيا فيصرعه من المس يعني من الجنون\" (^٣).\nوقال ابن كثير ﵀ في تفسير الآية أي: \"لا يقومون إلا كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبط الشيطان له، وذلك أنه يقوم قياما منكرًا\" (^٤).\nوقال الألوسي: \"إلا قيامًا كقيام المتخبط المصروع في الدنيا، والتخبط تَفَعُّل بمعنى فعل، وأصله ضرب متوال على أنحاء مختلفة ... وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْمَسِّ﴾ أي الجنون، يقال مس الرجل فهو ممسوس: إذا جن، وأصله اللمس باليد وسمي به لأن الشيطان قد يمس الرجل وأخلاطه مستعدة للفساد فتفسد ويحدث الجنون\" (^٥).\n_________\n(^١) الفتح ١٠/ ١١٤.\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٣٠/ ٢٣٠.\n(^٣) تفسير الطبري ٣/ ١٠١.\n(^٤) تفسير ابن كثير ١/ ٣٣٤.\n(^٥) تفسير الألوسي روح المعاني: الآية ٢٧٥ البقرة.","vol":"2","page":52},{"text":"وفي حديث عثمان بن أبي العاص - ﵁ -، قال: لما استعملني رسول الله - ﷺ - على الطائف، جعل يعرض لي شيء في صلاتي، حتى ما أدري ما أصلِّي فلما رأيت ذلك، رحلت إلى رسول الله - ﷺ - فقال: \"ابن أبي العاص؟ \" قلت: نعم رسول! قال: \"ما جاء بك؟ \" قلت: يا رسول الله عرض لي شيء في صلواتي، حتى ما أدري ما أصلي. قال: \"ذاك الشيطان، ادنُهْ\" فدنوت منه، فجلست على صدور قدمي. قال: فضرب صدري بيده، وتفل في فمي، وقال: \"اخرج عدو الله\" ففعل ذلك ثلاث مرات ثم قال: \"الحق بعملك\" (^١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وجود الجن ثابت بكتاب الله وسنة رسوله واتفاق سلف الأمة وأئمتها، وكذلك دخول الجني في بدن الإنسان ثابت باتفاق أئمة أهل السنة والجماعة قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾.\nوفي الصحيح عن النبي - ﷺ -: \"إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم\" (^٢).\nوقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل قلت لأبي: إن أقوامًا يقولون: إن الجني لا يدخل في بدن المصروع. فقال: يا بني يكذبون، هذا يتكلم على لسانه.\nوهذا الذي قاله أمر مشهور، فإنه يصرع الرجل فيتكلم بلسان لا يعرف معناه، ويضرب على بدنه ضربًا عظيمًا لو ضرب به جمل لأثر به أثرًا عظيمًا، والمصروع مع هذا لا يحس بالضرب، ولا بالكلام الذي يقوله، وقد يجر المصروع، وغير المصروع، ويجر البساط الذي يجلس عليه، ويحول آلات، وينقل من مكان إلى مكان، ويجري غير ذلك من الأمور من شاهدها أفادته علمًا ضروريًا بأن الناطق على لسان الإنسي والمحرك لهذه الأجسام جنس آخر غير الإنسان.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه في السنن كتاب الطب (٣٥٤٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٠٣٩)، ومسلم (٢١٧٥).","vol":"2","page":53},{"text":"وليس في أئمة المسلمين من ينكر دخول الجني في بدن المصروع وغيره، ومن أنكر ذلك وادعى أن الشرع يكذب ذلك فقد كذب على الشرع، وليس في الأدلة الشرعية ما ينفي ذلك\" (^١).\nوقال ابن القيم ﵀: \"الصرع صرعان: صرع من الأرواح الأرضية، وصرع من الأخلاط الرديئة، والثاني: هو ما يتكلم فيه الأطباء، في سببه وعلاجه.\nأما صرع الأرواح فإن عقلاء الأطباء يعترفون به ولا يدفعونه، ويعترفون بأن علاجه بمقاومة الأرواح الشريفة الخيرية العلوية لتلك الأرواح الشريرة الخبيثة، فتدافع آثارها وتعارض أفعالها وتبطلها وقد نص على ذلك أبقراط في بعض كتبه فذكر بعض علاج الصرع، وقال: هذا ما ينفع من الصرع الذي سببه من الأخلاط والمادة. وأما الصرع الذي يكون من الأرواح فلا ينفع منه، هذا العلاج\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-472>١٠٦ - الحازر</span>\nالحزر: التقدير والخرص تقول حزر الشيء فهو حازر. والمراد هنا الخارص الذي يدعي علم الغيب الذي استأثر الله تعالى به. انظر باب (الكهانة).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-473>١٠٧ - حب الله</span>\nانظر باب (المحبة).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢٤/ ٢٧٧.\n(^٢) زاد المعاد ٤/ ٦٧.","vol":"2","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-474>١٠٨ - الحب في الله والبغض فيه</span>*\n<span data-type=\"title\" id=toc-475>الولاية والبراء - المحبة</span>\nأصل من أصول الإيمان بل هو رأس الإيمان، وهو أن تحب في الله وتبغض فيه، تحب أنبياءه ورسله وعباده الصالحين، وتبغض أعداءه وأعداء رسله أجمعين، وكما أن الحب في الله أمر عظيم وجليل فكذلك البغض فيه لا بد أن يقارن الحبَّ في الله. قال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"وكيف يدعي رجل محبة الله، وهو يحب أعداءه الذين ظاهروا الشيطان على ربهم، واتخذوه وليًا من دون الله كما قيل:\nتحب عدوي ثم تزعم أنني ... صديقُك إن الودَّ عنك لعازبُ\" (^١).\nوقال الشيخ السعدي ﵀: \"وأما من يزعم أنه يؤمن بالله واليوم الآخر وهو مع ذلك مُوادٌّ لأعداء الله مُحبٌّ لمن نبذ الإيمان وراء ظهره، فإن هذا إيمان زعميٌ، لا حقيقة له، فإن كل أمر لابد له من برهان تصدقه فمجرد الدعوى لا تفيد شيئًا، ولا يصدق صاحبها\" (^٢).\nفالحب في الله والبغض في الله من لوازم كلمة التوحيد كما قال ابن رجب: \"فإن تحقق القلب بمعنى \"لا إله إلا الله\" وصدقه فيه، وإخلاصه بها يقتضي أن يرسخَ فيه تألُّهُ الله وحده إجلالًا وهيبةً، ومخافةً ومحبةً، ورجاءً وتعظيمًا وتوكلًا، ويمتلئ بذلك، وينتفي عنه تألُّه ما سواه من المخلوقين، ومتى كان كذلك، لم يبقَ فيه محبةٌ\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ١٧/ ٤٢١، ٢١/ ١٢٤، ١٣٣. أوثق عرى الإيمان للشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٥/ ٢٩٧،٢٨١، ٣٠٨. الإمام المروزي وجهوده في توضيح العقيدة للنفيعي ١/ ٢٠٥، ٢١٣ وانظر مراجع الولاء والبراء والمحبة.\n(^١) أوثق عرى الإيمان ص ٢٧.\n(^٢) تفسير السعدي لسورة المجادلة، الآية ٢٢.","vol":"2","page":55},{"text":"ولا إرادةٌ ولا طلبٌ لغير ما يريده الله ويحبه ويطلبه، فتبيَّن بهذا أنه لا يصح تحقيق معنى قول: لا إله إلا الله، إلا لمن لم يكن في قلبه إصرارٌ على محبة ما يكرهه الله، ولا على إرادة ما لا يُريده الله، ومتى كان في القلب شيء من ذلك، كان ذلك نقصًا في التوحيد، وهو من نوع الشرك الخفي، ولهذا قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (^١) [الأنعام: ١٥١] قال: لا تحبوا غيري\" (^٢).\nقال ابن تيمية: \"فحقيقة المحبة لا تتم إلا بموالاة المحبوب، وهو موافقته في حبه ما يحب وبغض ما يبغض. والله يحب الإيمان والتقوى ويبغض الفسوق والعصيان\" (^٣).\n* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١]، وقال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾ [المجادلة: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]، وقال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧)﴾ [الزخرف: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي\n_________\n(^١) في الأصل: لا تشركوا بي شيئًا والتصويب منقول من نسخ أخرى محققة لجامع العلوم والحكم: تحقيق أحمد إسبر ص ٢٦٠، وتحقيق محمد الأحمد ص ٣٣٨.\n(^٢) جامع العلوم والحكم ١/ ٥٢٤، ٥٢٥.\n(^٣) العبودية ص: ٢٨.","vol":"2","page":56},{"text":"إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)﴾ [التحريم: ٩].\n* الدليل من السنة: عن البراء بن عازب قال: \"كنا جلوسًا النبي - ﷺ -، فقال: \"أي عرى الإيمان أوثق \"؟ قالوا: الصلاة، قال: \"حسنة، وما هي بها\". قالوا: الزكاة، قال: \"حسنة، وما هي بها\". قالوا: الصيام، قال: \"حسن، وما به\". قالوا: الحج، قال: \"حسن، وما هو به\". قالوا: الجهاد، قال: \"حسن، وما به\". قال: \"إن أوثق عرى الإيمان ان تحب في الله وتبغض في الله\"\" (^١).\nوعن أبي ذر قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أفضل الأعمال الحب في الله، والبغض في الله\" (^٢).\nوعن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه أن النبي - ﷺ - قال: \"من أعطى لله، ومنع الله، وأحب لله، وأبغض لله، وأنكح لله، فقد استكمل إيمانه\" (^٣).\nوروى ابن عباس - ﵄ - من حديث طويل أن من دعائه - ﷺ -: \"اللهم اجعلنا هادين مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، سلما لأوليائك وعدوا لأعدائك، نحب بحبك من أحبك، ونعادي بعداوتك من خالفك\" (^٤).\nوروى الإمام أحمد في مسنده أن رسول الله - ﷺ - لما قضى صلاته أقبل إلى الناس بوجهه فقال: \"يا أيها الناس اسمعوا واعقلوا، واعملوا أن الله ﷿ عبادا ليسوا بأنبياء\n_________\n(^١) مسند الإمام أحمد (١٨٧٢٣).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٥٩٩) والإمام أحمد (١٥٧٢٣).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٥٢١). والإمام أحمد (١٥٧٢٣).\n(^٤) سنن الترمذي (٣٤١٩).","vol":"2","page":57},{"text":"ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء على مجالسهم وقربهم من الله\" فجاء رجل من الأعراب من قاصية الناس وألوى بيده إلى نبي الله - ﷺ - فقال: يا نبي الله ناس من الناس ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء على مجالسهم وقربهم من الله، أنعتهم لنا - يعني صفهم لنا - فسر وجه رسول الله - ﷺ - لسؤال الأعرابي فقال رسول الله - ﷺ -: \"هم ناس من أفناء الناس ونوازع القبائل لم تصل بينهم أرحام متقاربة تحابوا في الله وتصافوا، يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور، فيجلسهم عليها، فيجعل وجوههم نورًا، وثيابهم نورًا، يفزع الناس يوم القيامة ولا يفزعون، وهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون\" (^١).\nوروى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي، اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي\" (^٢).\nوعن الزبير بن العوام أن رسول الله - ﷺ - قال: \"دب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، والبغضاء هي الحالقة: لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين، والذي نفس محمد بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أنبئكم بما يثبت ذلك لكم؟ أفشوا السلام بينكم\" (^٣).\nوروى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: \"جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: \"ما أعددت للساعة\"؟ قال: حب الله ورسوله. قال: \"إنك مع من أحببت\". قال أنس: فما فرحنا، بعد الإسلام فرحا أشد\n_________\n(^١) مسند الإمام أحمد (٢٣٢٩٤).\n(^٢) صحيح مسلم (٢٥٦٦).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٥١٠). والإمام أحمد (١٤٢٠).","vol":"2","page":58},{"text":"من قول النبي - ﷺ -: \"فإنك مع من أحببت\" قال أنس: فأنا أحب الله ورسوله، وأبا بكر، وعمر فأرجو أن أكون معهم. وإن لم أعمل بأعمالهم\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-476> أقوال السلف:</span>\nقال ابن عمر - ﵄ -: \"لو صمت النهار لا أفطر، وقمت الليل لا أنام، وأنفقت مالي علقًا علقًا في سبيل الله، ثم أموت وليس في قلبي حبًا لأهل طاعته وبغضًا لأهل معصيته، ما نفعني ذلك شيئًا\" (^٢).\nوعن مجاهد قال: قال لي ابن عباس: \"يا مجاهد، أحب في الله، وأبغض في الله، ووال في الله، وعاد في الله، فإنما تنال ما عند الله بذلك، ولن يجد عبد حلاوة الإيمان، وإن كثر صلاته وصيامه حتى يكون كذلك، وقد صارت مواخاة الناس اليوم - أو عامتهم - في الدنيا، وذلك لا يجزئ عند الله شيئًا، ثم قرأ: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧)﴾ [الزخرف: ٦٧]. وقال: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] \" (^٣).\nوقال كعب الأحبار: \"من أقام الصلاة وآتى الزكاة وسمع أطاع فقد توسط الإيمان، ومن أحب لله ﷿ وأبغض لله، وأعطى لله ومنع لله؛ فقد استكمل الإيمان\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٦٣٩).\n(^٢) أسد الغابة لابن الأثير ٣/ ٢٢٧.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم، كما في الدر المنثور ٨/ ٨٧. وانظر كتاب الصلاة للمروزي ١/ ٢٤٠٦.\n(^٤) الإبانة الكبرى لابن بطة ٢/ ٦٥٩.","vol":"2","page":59},{"text":"وسئل المرتعش: بم تُنال المحبة؟ قال: \"بموالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه\" (^١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"ولهذا كان رأس الإيمان الحب في الله والبغض في الله، وكان من أحب لله وأبغض لله، وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان، فالمحبة والإرادة أصل في وجود البغض والكراهة والأصل في زوال البغيض المكروه، فلا يوجد البغض إلا لمحبة ولا يزول البغيض إلا لمحبة، فالمحبة أصل كل أمر موجود وأصل دفع كل ما يطلب الوجود ودفع ما يطلب الوجود أمر موجود لكنه مانع من وجود ضده فهو أصل كل موجود من بغيض ومانع ولوازمهما، وهذا القدر الذي ذكرناه من أن المحبة والإرادة أصل كل حركة في العالم فقد بينا في القواعد وغيرها أن هذا يندرج فيه كل حركة وعمل\" (^٢).\nوقال ﵀: \"وإنما عبدُ الله من يرضيه ما يرضي الله، ويسخطه ما يسخط الله، ويحب ما أحبه الله ورسوله، ويبغض ما أبغضه الله ورسوله، ويوالي أولياء الله، ويعادي أعداء الله تعالى، وهذا هو الذي استكمل الإيمان\" (^٣).\nوقال ابن أبي العز الحنفي شارح الطحاوية: \"إن محبة رسل الله وأنبيائه وعباده المؤمنين من محبة الله، وإن كانت المحبة التي الله لا يستحقها غيره، فغير الله يحب في الله لا مع الله، فإن المحب يحب ما يحب محبوبه، ويبغض ما يبغض، ويوالي من يواليه، ويعادي من يعاديه، ويرضى لرضائه ويغضب لغضبه ويأمر بما يأمر به وينهى عما ينهى عنه فهو موافق لمحبوبه في كل حال.\nوالله تعالى يحب المحسنين، ويحب المتقين، وبحب التوابين، ويحب المتطهرين، ونحن نحب من أحب الله.\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء ١٥/ ٢٣١، جامع العلوم والحكم ٢/ ٣٤٥.\n(^٢) جامع الرسائل ٢/ ١٩٥. وانظر قاعدة في المحبة ١/ ٩، وانظر إغاثة اللهفان ٢/ ١١٨، ١٢٨، ١٣٠.\n(^٣) مجموع الفتاوى ١٠/ ١٩٠.","vol":"2","page":60},{"text":"والله لا يحب الخائنين، ولا يحب المفسدين، ولا يحب المستكبرين، ونحن لا نحبهم أيضا، ونبغضهم موافقة لله ﷾\" (^١).\nقال ابن رجب ﵀: \"وكذلك حب الأشخاص الواجب فيه أن يكون تبعا لما جاء به الرسول - ﷺ - فيجب على المؤمن محبة الله ومحبة من الله من الملائكة والرسل والأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين عموما، ولهذا كان من علامات وجود حلاوة الإيمان أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، ويحْرُمُ موالاة أعداء الله ومن يكرهه الله عمومًا ... وبهذا يكون الدين كله لله، \"ومن أحب لله وأبغض لله، وأعطى لله ومنع لله، فقد استكمل الإيمان\"، ومن كان حبه وبغضه وعطاؤه ومنعه لهوى نفسه كان ذلك نقصا في إيمانه الواجب فيجب عليه التوبة من ذلك والرجوع إلى اتباع ما جاء به الرسول - ﷺ - من تقديم محبة الله ورسوله وما فيه رضا الله ورسوله على هوى النفس ومراداتها كلها\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-477> حب المؤمنين بحسب ما فيهم من خصال الخير والشر:</span>\nقال أبو القاسم الأصبهاني: \"والمطيع لله يجب أن يحب لطاعته، وإن كان في خلال ذلك بعض المعاصي، والعاصي لله يجب أن يبغض لمعصيته، وإن كان في خلال ذلك بعض الطاعة، فمن كانت طاعته أكثر ازداد إيمانه ووجبت محبته، ومن كانت معاصيه أكثر انتقص إيمانه ووجب بغضه، حتى يحصل الحب في الله والبغض في الله\" (^٣).\nوقال شارح الطحاوية: \"والحب والبغض بحسب ما فيهم من خصال الخير والشر؛ فإن العبد يجتمع فيه سبب الولاية وسبب العداوة،\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية ٢/ ٥٤٦.\n(^٢) جامع العلوم والحكم ٢/ ٣٩٨.\n(^٣) الحجة في بيان المحجة ٢/ ٥٠٧.","vol":"2","page":61},{"text":"فيكون محبوبا من وجه مبغوضا من وجه، والحكم للغالب\" (^١).\nقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١]، قال ابن رجب: \"فهذا يدل على أن محبة ما يكرهه الله وبغض ما يحبه متابعة للهوى، والموالاة على ذلك والمعاداة عليه من الشرك الخفي \" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-478>١٠٩ - العجب والحروز</span>\nانظر باب (التميمة).\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ٢/ ٥٤٧.\n(^٢) جامع العلوم والحكم ١/ ٢١٢.","vol":"2","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-479>١١٠ - حق الله على العباد وحق العباد على الله</span>\nجاء في الحديث المشهور عن معاذ بن جبل قال: كنت رديف النبي - ﷺ - على حمار فقال لي: \"يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ \" فقلت: الله ورسوله أعلم قال: \"حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا\" فقلت: يا رسول الله، أفلا أبشر الناس قال: \"لا تبشرهم فيتكلوا\" (^١).\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"وحق الله على العباد، هو ما يستحقه عليهم ويجعله متحتمًا، وحق العباد على الله معناه أنه متحقق لا محالة لأنه قد وعدهم ذلك جزاء لهم على توحيده، ووعده حق، إن الله لا يخلف الميعاد\" (^٢).\nوقال شارح الطحاوية: \"فهذا حق وجب بكلماته التامة ووعده الصادق لا أن العبد نفسه مستحق على الله شيئًا كما يكون للمخلوق على المخلوق فإن الله هو المنعم على العباد بكل خير وحقهم الواجب بوعده هو أن لا يعذبهم\" (^٣).\n_________\n* منهاج السنة النبوية ١/ ٤٥١، ٤٥٤، ٤٦٧، ٤٦٩. قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ٢٩٤، ٨١٤، ٨١٩. الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية للإمام ابن القيم شرح محمد خليل هراس ٢/ ٩٧، ٩٨. فتح الباري ١/ ٦٥ - ٣/ ٢٢٩. بدائع الفوائد ٢/ ٣٩٠. تيسير العزيز الحميد ص ٦٥. فتح المجيد ص ٥٧. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ٢٠. مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٣٣. الدرر السنية ١/ ١٨٦، وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ٤١ ط ٢ - ١/ ٥٣. الدرر السنية ١/ ١٨٦. منهج ابن حجر في العقيدة ص ٤٧٤.\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) تيسر العزيز الحميد ص ٦٥.\n(^٣) شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص ٢٦١.","vol":"2","page":63},{"text":"وهذا حق أحقه الله على نفسه باتفاق أهل العلم واختلفوا هل أوجبه على نفسه أم لم يوجبه.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وقد اتفق العلماء على وجوب ما يجب بوعد الله الصادق وتنازعوا هل يوجب بنفسه على نفسه؟ على قولين، ومن جوز ذلك احتج بقوله سبحانه: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:١٢] وبقوله في الحديث الصحيح: \"إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا\" ... وأما الإيجاب عليه ﷾ والتحريم بالقياس على خلقه فهذا قول القدرية وهو قول مبتدع مخالف لصحيح المنقول وصريح المعقول وأهل السنة متفقون على أنه سبحانه خالق كل شيء وربه ومليكه وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأن العباد لا يوجبون عليه شيئًا؟ ولهذا كان من قال من أهل السنة بالوجوب قال إنه كتب على نفسه الرحمة وحرم الظلم على نفسه لا أن العبد نفسه مستحق على الله شيئًا كما يكون للمخلوق على المخلوق، فإن الله هو المنعم على العباد بكل خير فهو الخالق لهم وهو المرسل إليهم الرسل وهو الميسر لهم الإيمان والعمل الصالح، ومن توهم من القدرية والمعتزلة ونحوهم أنهم يستحقون عليه من جنس ما يستحقه الأجير على من استأجره فهو جاهل في ذلك\" (^١).\nوقال ابن القيم في مدارج السالكين: \"فمعناه أن لا يرى لنفسه حقًّا على الله لأجل عمله، فإن صحبته مع الله بالعبودية والفقر المحض والذل والانكسار فمتى رأى لنفسه عليه حقًّا فسدت الصحبة وصارت معلولة وخيف منها المقت، ولا ينافي هذا ما أحقه سبحانه على نفسه من إثابة عابديه وإكرامهم، فإن ذلك حق أحقه على نفسه بمحض كرمه وبره وجوده وإحسانه لا باستحقاق العبيد وأنهم أوجبوه\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٧٧٦، ٧٧٧.","vol":"2","page":64},{"text":"عليه بأعمالهم. فعليك بالفرقان في هذا الموضع الذي هو مفترق الطرق، والناس فيه ثلاث فرق:\nفرقة رأت أن العبد أقل وأعجز من أن يوجب على ربه حقًّا فقالت: لا يجب على الله شيء البتة، وأنكرت وجوب ما أوجب على نفسه.\nوفرقة رأت أنه سبحانه أوجب على نفسه أمورًا لعبدهِ فظنت أن العبد أوجبها عليه بأعماله، وأن أعماله كانت سببًا لهذا الإيجاب، والفرقتان غالطتان.\nوالفرقة الثالثة أهل الهدى والصواب قالت: لا يستوجب العبد على الله بسعيه نجاة ولا فلاحًا ولا يدخل أحدًا عمله الجنة أبدًا، ولا ينجيه من النار، والله تعالى بفضله وكرمه ومحض جوده وإحسانه أكد إحسانه وجوده وبره بأن أوجب لعبده عليه سبحانه حقا بمقتضى الوعد، فإن وعد الكريم إيجاب ولو بعسى ولعل.\nولهذا قال ابن عباس - ﵄ -: \"عسى من الله واجب ووعد اللئيم خلف ولو اقترن به العهد والحلف\".\nوالمقصود أن عدم رؤية العبد لنفسه حقًّا على الله لا ينافي ما أوجبه الله على نفسه وجعله حقًّا لعبده قال النبي - ﷺ - لمعاذ بن جبل - ﵁ -: \"يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟ \" قال: الله ورسوله أعلم. قال: \"حقه عليهم أن يعبدوه لا يشركوا به شيئًا، يا معاذ، أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ \": قلت: الله ورسوله أعلم. قال: \"حقهم عليه أن لا يعذبهم بالنار\"، فالرب سبحانه ما لأحد عليه حق ولا يضيع لديه سعي كما قيل:\nما للعباد عليه حق واجب ... كلا ولا سعي لديه ضائع\nإن عذبوا فبعدله أو نعموا ... فبفضله وهو الكريم الواسع\" (^١)\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٢/ ٣٣٨، ٣٣٩.","vol":"2","page":65},{"text":"وقال ابن القيم في نونيّته:\n\"ما للعباد عليه حق واجب .. . هو أوجب الأجر العظيم الشان\nكلّا ولا عمل لديه ضائع ... إن كان بالإخلاص والإحسان\nإن عُذّبوا فبعدله أو نُعِّموا ... فبفضلِهِ والحمد للمنان\" (^١)\nقال الشيخ محمد خليل هراس ﵀ في شرحه النونية: \"وفي هذه الأبيات الثلاثة بيان لمذهب أهل السنة في أنه ليس للعباد حق واجب على الله، وأنه مهما يكن من حق فهو الذي أحقه وأوجبه، ولذلك لا يضيع عنده عمل قام على الإخلاص والمتابعة؛ فإنهما الشرطان الأساسيان لقبول الأعمال فإذا توفرا في عمل ما كان مقبولا بمقتضى وعده سبحانه وإيجابه، واستحق صاحبه الأجر المقدر له، فهو إن عذب العباد فبعدله، فإنه لا يجزي على السيئة إلا سيئة مثلها، فلا يظلم أحدا مثقال ذرة، وإن أنعم وأثاب فبفضله، فله الحمد أولًا وآخرًا\" (^٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"كون المطيع يستحق الجزاء، هو استحقاق إنعام وفضل، ليس هو استحقاق مقابلة كما يستحق المخلوق على المخلوق، فمن الناس من يقول: لا معنى للاستحقاق إلا أنه أخبر بذلك، ووعده صدق، ولكن أكثر الناس يثبتون استحقاقا زائدا على هذا كما دل عليه الكتاب والسنة. قال تعالى ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]. ولكن أهل السنة يقولون: هو الذي كتب على نفسه الرحمة، وأوجب هذا الحق على نفسه لم يوجبه عليه مخلوق، والمعتزلة يدعون أنه واجب عليه بالقياس على الخلق، وأن العباد هم الذين أطاعوه بدون أن يجعلهم مطيعين له، وأنهم يستحقون الجزاء بدون أن يكون هو\n_________\n(^١) الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية شرح الدكتور محمد خليل هراس ٢/ ٩.\n(^٢) شرح القصيدة النونية للهراس ٢/ ٩٨.","vol":"2","page":66},{"text":"الموجب، وغلطوا في ذلك، وهذا الباب غلطت فيه القدرية والجبرية أتباع \"جهم\" والقدرية النافية\" (^١).\nوقال ﵀: \"فمن قال ليس للمخلوق على الخالق حق يسأل به كما روى أن الله تعالى قال لداود: \"وأي حق لآبائك عليّ\" فهو صحيح إذا أريد بذلك أنه ليس للمخلوق عليه حق بالقياس والاعتبار على خلقه كما يجب للمخلوق على المخلوق وهذا كما يظنه جهال العباد من أن لهم على الله سبحانه حقا بعبادتهم، وذلك أن النفوس الجاهلية تتخيل أن الإنسان بعبادته وعلمه يصير له على الله حق من جنس ما يصير للمخلوق على المخلوق كالذين يخدمون ملوكهم وملاكهم فيجلبون لهم منفعة ويدفعون عنهم مضرة ويبقى أحدهم يتقاضى العوض والمجازاة على ذلك ويقول له عند جفاء أو إعراض يراه منه ألم أفعل كذا يمن عليه بما يفعله معه وإن لم يقله بلسانه كان ذلك في نفسه، وتخيل مثل هذا في حق الله تعالى من جهل الإنسان وظلمه ولهذا بين سبحانه أن عمل الإنسان يعود نفعه عليه وأن الله غني عن الخلق كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء:٧]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصلت: ٤٦] \" (^٢).\nقال ابن القيم ﵀: \"أخبر سبحانه في كتابه أنه كتب على نفسه الرحمة وهذا إيجاب منه على نفسه فهو الموجب وهو متعلق الإيجاب الذي أوجبه، فأوجب بنفسه على نفسه، وقد أكد النبي - ﷺ - هذا المعنى بما يوضحه كل الإيضاح ويكشف حقيقته بقوله في الحديث الصحيح: \"لما قضى الله الخلق بيده على نفسه في كتاب\n_________\n(^١) مستفاد من تيسير العزيز الحميد ص ٦٥، ٦٦، وانظر منهاج السنة لابن تيمية ٥/ ٣٠٠ - ٣٦٠.\n(^٢) التوسل والوسيلة ص ٢١٤.","vol":"2","page":67},{"text":"فهو موضوع عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي\" - وفي لفظ -: \"سبقت غضبي\" (^١). فتأمل كيف أكد هذا الطلب والإيجاب بذكر فعل الكتاب وصفة اليد ومحل الكتابة وأنه كتاب وذكر مستقر الكتاب، وأنه عنده فوق العرش فهذا إيجاب مؤكد بأنواع من التأكيد وهو إيجاب منه على نفسه ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧] فهذا حق أحقه على نفسه فهو طلب وإيجاب على نفسه بلفظ الحق ولفظ على، ومنه قول النبي - ﷺ - في الحديث الصحيح لمعاذ: \"ما حق الله على عباده؟ \" قلت: الله ورسوله أعلم قال: \"حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ \" قلت: الله ورسوله أعلم. قال: \"حقهم عليه أن لا يعذبهم بالنار\" (^٢).\nومنه قوله - ﷺ - في غير حديث: من فعل كذا وكذا كان حقًّا على الله أن يفعل به كذا وكذا في الوعد والوعيد، فهذا الحق هو الذي أحقه على نفسه.\nومنه الحديث الذي في المسند من حديث أبي سعيد عن النبي - ﷺ - في قول الماشي إلى الصلاة: \"أسألك بحق ممشاي هذا وبحق السائلين عليك\" (^٣) فهذا حق للسائلين عليه هو أحقه على نفسه لا أنهم هم أوجبوه ولا أحقوه بل أحق على نفسه أن يجيب من سأله، كما أحق على نفسه في حديث معاذ أن لا يعذب من عبده، فحق السائلين عليه أن يجيبهم، وحق العابدين له أن يثيبهم - والحقان هو الذي أحقهما وأوجبهما لا السائلون ولا العابدون\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٤٠٤)، ومسلم (٢٧٥١).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٧٧٨) والإمام أحمد (١١١٧٣).\n(^٤) بدائع الفوائد ٢/ ١٦١. وانظر للاستزادة شفاء العليل ١/ ١١٤، إغاثة اللهفان ١/ ٨٨.","vol":"2","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-480>١١١ - الحكم بغير ما أنزل الله</span>*\n<span data-type=\"title\" id=toc-481>التحاكم إلى غير ما أنزل الله، طاعة العلما </span>ء\nالتعريف: قال الراغب: \"الحكم بالشيء أن تقضي بأنه كذا أو ليس بكذا سواء ألزمت ذلك غيرك أو لم تلزمه قال تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء:٥٨]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] \" (^١).\nقال الإمام ابن تيمية - ﵀ -: \"وكل من حكم بين اثنين فهو قاضٍ سواء كان صاحب حرب أو متولي ديوان منتصبًا للاحتساب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى الذي يحكم بين الصبيان في الخطوط فإن الصحابة كانوا يعدونه من الحكام ... \" (^٢).\nوقال الشيخ حمد بن عتيق ﵀ تعليقًا على كلام شيخ الإسلام: \"ومراده أن الصبيان إذا تكاتبوا في ألواحهم ليظهر بينهم بإخبارك أي الخطوط أحسن، فقد جعلوك قاضيًا لهم وحاكمًا بينهم في هذه المسألة، فيجيب عليك العدل والإنصاف، فمن خاف وترك العدل فقد دخل في مسمى القاضي المذموم المتوعَد\n_________\n* الإبانة لابن بطة العكبري ٧٣٤. التمهيد لابن عبد البر ٤/ ٢٣٧. أحكام القرآن القرطبي ٦/ ١٩٠، ١٩١. المحلى بالآثار لابن حزم ٨/ ٤٢٧. الدرر السنية ١٠/ ٤٢٦، ٥٠٣، ١٥/ ٤٦٨. تحكيم القوانين من فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ١٢/ ٢٨٨. فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٥٤٠. مجموع الفتاوى لابن باز ٣/ ٩٧٧ إلى ٥/ ١٠. المجموع الثمين لابن عثيمين ١/ ٣٣، ٣٩. مجموع فتاوى ابن عثيمين ٢/ ١٤٠. نواقض الإيمان القولية والعملية ٢٩٤. الحكم بغير ما أنزل الله د/ عبد الرحمن المحمود، وانظر المراجع المذكورة في باب (التحاكم إلى غير ما أنزل الله).\n(^١) المفردات (ح ك م).\n(^٢) مجموع فتاوى ابن تيمية: ١٨/ ١٧٠، وانظر ٢٨/ ٢٥٤.","vol":"2","page":69},{"text":"بالنار، كما أن من عدل وأنصف له نصيب من الوعد المترتب على ذلك\" (^١).\nوقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"الحكم بما أنزل الله تعالى من توحيد الربوبية؛ لأنه تنفيذ لحكم الله الذي هو مقتضى ربوبيته، وكمال ملكه وتصرفه، ولهذا سمى الله تعالى المتبوعين في غير ما أنزل الله تعالى أربابًا لمتبعيهم فقال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١]. فسمى الله تعالى المتبوعين أربابا حيث جعلوا مشرعين مع الله تعالى، وسمى المتبعين عُبّادا حيث إنهم ذلوا لهم وأطاعوهم في مخالفة حكم الله ﷾\" (^٢).\nويقول الشيخ صالح الفوزان حفظه الله: \"الحكم بما أنزل الله عام وليس خاصًّا بمسائل المنازعات والخصومات في الأحوال فقط كما يظن بعض الناس ... \" (^٣).\nوالحكم بما أنزل الله واعتقاد أن حكم الرسول - ﷺ - أحسن من حكم غيره من مقتضيات شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. وترك تحكيم ما أنزل الله على رسوله - ﷺ - والحكم بحكم الجاهلية مما يناقض شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.\n* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ\n_________\n(^١) هداية الطريق من رسائل وفتاوى الشيخ حمد بن عتيق ص ١٩٦.\n(^٢) شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ١٥٨. وانظر: المجموع الثمين ١/ ٣٣.\n(^٣) شرح نواقض الإسلام ص ١٠٢.","vol":"2","page":70},{"text":"اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة:٤٤]،وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥]،وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧].\n* الدليل من السنة: أخرج ابن ماجه في سننه أن رسول الله - ﷺ - قال: \"يا معشر المهاجرين: خمس إن ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن - وذكر منها -: وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزك الله إلا جعل الله بأسهم بينهم\" (^١). وفي رواية: \"وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر\" (^٢).\nوفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \"وإذا خرج ولاة الأمر عن هذا (^٣) فقد حكموا بغير ما أنزل الله، ووقع بأسهم بينهم، قال - ﷺ -: \"ما حكم قوم بغير ما أنزل الله إلا وقع بأسهم بينهم\" وهذا من أعظم أسباب تغيير الدول، كما قد جرى مثل هذا مرة بعد مرة في زماننا وغير زماننا، ومن أراد الله سعاد جعله يعتبر بما أصاب غيره، فيسلك مسلك من أيده الله ونصره، ويجتنب مسلك من خذله الله وأهانه\" (^٤).\nوقال الشنقيطي ﵀: \"الإشراك بالله في حكمه، والإشراك به في عبادته كلها بمعنى واحد، لا فرق بينهما ألبتة، فالذي يتبع نظاما غير نظام الله، وتشريعا غير\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٤٠١٩) والحاكم في المستدرك (٤/ ٥٤٠) قال البوصيري في الزوائد: هذا حديث صالح للعمل به ... وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وانظر الصحيحة (١٠٦).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٠٩٩٢) قال المنذري: وسنده قريب من الحسن، وله شواهد، وقال الألباني في صحيح الترغيب: صحيح لغيره (٧٦٥).\n(^٣) أي عن الحكم بالكتاب والسنة.\n(^٤) مجموع الفتاوى ٣٥/ ٣٨٨.","vol":"2","page":71},{"text":"تشريع الله، كالذي يعبد الصنم ويسجد للوثن، ولا فرق بينهما ألبتة بوجه من الوجوه، فهما واحد، وكلاهما مشرك بالله\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-482> حكم من حكم بغير ما أنزل الله:</span>\nللحكم بغير ما أنزل الله أحوال وصور ينبغي النظر إليها وتدبر كلام العلماء فيها:\nأولًا: \"أن يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله أحقية حكم الله ورسوله. وهو معنى ما رُوي عن ابن عباس واختاره ابن جرير أن ذلك هو جحود ما أنزل الله من الحكم الشرعي، وهذا مما لا نزاع فيه بين أهل العلم، فإن الأصول المتقررة المتفق عليها بينهم أن من جحد أصلًا من أصول الدين أو فرعا مجمعا عليه، أو أنكر حرفا مما جاء به الرسول - ﷺ - قطعيا فإنه كافر الكفر الناقل عن الملة\" (^٢).\nومعنى الجحود أنه يكذب وينكر أن هذا حكم الله ﷿، وهذا كفر بالاتفاق قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)﴾ [النمل: ١٤]، وقال سبحانه: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣].\nثانيًا: \"ألا يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله كونَ حكم الله ورسوله حقا، لكن اعتقد أن حكم غير الرسول - ﷺ - أحسن من حكمه وأتم وأشمل لما يحتاجه الناس من الحكم بينهم عند التنازع، إما مطلقا أو بالنسبة لما استجد من الحوادث، التي نشأت عن تطور الزمان وتغير الأحوال، فلا ريب أنه كفر لتفضيله أحكام المخلوقين التي هي محض زبالة الأذهان، وصرف نحاتة الأفكار على حكم\n_________\n(^١) أضواء البيان الشنقيطي ٧/ ١٦٢.\n(^٢) تحكيم القوانين ص ١٤. لمعرفة معنى الجحود انظر: باب (كفر الجحود والتكذيب).","vol":"2","page":72},{"text":"الحكيم الحميد\" (^١).\nذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب هذه الحالة ضمن نواقض الإسلام، فقال: \"من اعتقد أن غير هدي النبي - ﷺ - أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه فهو كافر\" (^٢).\nوفي تفسير قول الله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠] يقول محمود الألوسي ﵀: \"لا شك في كفر من يستحسن القانون ويفضله على الشرع ويقول هو أوفق بالحكمة وأصلح للأمة، ويتميز غيظًا ويتقصف غضبًا إذا قيل له في أمر: أمر الشرع فيه كذا، كما شاهدنا ذلك في بعض من خذلهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم ... \" (^٣).\nثالثًا: \"ألَّا يعتقد كونه أحسن من حكم الله ورسوله، لكنه اعتقد أنه مثله، فهذا كالنوعين اللذين قبله في كونه كافرا الكفر الناقل عن الملة لما يقتضيه ذلك من تسوية المخلوق بالخالق، والمناقضة والمعاندة لقوله ﷿ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] \" (^٤).\nفإذا سوّى الحاكم حكم غير الله بحكم الله جلا جلاله فهذا كفر مخرج من الملة كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤]، وقال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ وأنتم تعلمون [البقرة: ٢٢].\nرابعًا: \"ألا يعتقد كون حكم الحاكم بغير ما أنزل الله مماثلًا لحكم الله ورسوله ... لكن اعتقد جواز الحكم بما يخالف حكم الله ورسوله فهذا كالذي قبله\n_________\n(^١) تحكيم القوانين ص ١٤. وانظر فتاوى محمد بن إبراهيم ١٢/ ٢٨٨.\n(^٢) مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب ١/ ٣٨٦.\n(^٣) روح المعاني ٢٨/ ٢٠، ٢١.\n(^٤) تحكيم القوانين ص ١٦.","vol":"2","page":73},{"text":"يصدق عليه ما يصدق عليه، لاعتقاده جواز ما علم بالنصوص الصحيحة الصريحة القاطعة تحريمه\" (^١).\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \"ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر، فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه عدلا من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر، فإنه ما من أمة إلا وهي تأمر بالحكم بالعدل، وقد يكون العدل في دينها ما رآه أكابرهم، بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها الله كسواليف البادية، وكأوامر المطاعين فيهم، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة، وهذا هو الكفر.\nفإن كثيرًا من الناس أسلموا، ولكن مع هذا لا يحكمون إلا بالعادات الجارية لهم التي يأمر بها المطاعون، فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز الحكم إلا بما أنزل الله، فلم يلتزموا ذلك بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار، وإلا كانوا جهالًا\" (^٢).\nويقول ابن القيم: \"إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنه مخير فيه مع تيقنه أنه حكم الله، فهذا كفر أكبر\" (^٣).\nويقول ابن أبي العز الحنفي: \"إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنه مخير فيه، أو استهان به (^٤) مع تيقنه أنه حكم الله، فهذا كفر أكبر\" (^٥).\nوقال ابن باز ﵀: \"من حكم بغير ما أنزل وهو يعلم أنه يجب عليه الحكم بما\n_________\n(^١) تحكيم القوانين ص ١٦. وانظر: تفسير القرطبي ٦/ ١٩١، وتفسير الطبري ٦/ ١٤٦.\n(^٢) منهاج السنة النبوية: ٥/ ١٣٠.\n(^٣) مدارج السالكين ١/ ٣٣٧. وانظر باب (نواقض الإسلام - الناقض التاسع).\n(^٤) أي استخف بالحكم بما أنزل الله.\n(^٥) شرح العقيدة الطحاوية ٢/ ٤٤٦.","vol":"2","page":74},{"text":"أنزل الله وأنه خالف الشرع ولكن استباح هذا الأمر ورأى أنه لا حرج عليه في ذلك وأنه يجوز له أن يحكم بغير شريعة الله فهو كافر كفرا أكبر عند جميع العلماء؛ كالحكم بالقوانين الوضعية التي وضعها الرجال من النصارى أو اليهود أو غيرهم ممن زعم أنه يجوز الحكم بها أو زعم أنها أفضل من حكم الله، أو زعم أنها تساوي حكم الله وأن الإنسان مخير إن شاء حكم بالقرآن والسنة وإن شاء حكم بالقوانين الوضعية. من اعتقد هذا كفر بإجماع العلماء\" (^١).\nوقال ﵀ في موضع آخر: \"وهكذا من يحكّم القوانين الوضعية بدلا من شرع الله ويرى أن ذلك جائز، ولو قال إن تحكيم الشريعة أفضل فهو كافر لكونه استحل ما حرم الله\" (^٢).\nخامسًا: التشريع العام والتبديل، والتشريع هو أن يشرع تشريعا عاما يخالف حكم الله. وهو حق خالص لله وحده لا شريك له. من نازعه في شيء منه فهو مشرك قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١].\nيقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: \"أي: هم لا يتبعون ما شرع الله لك من الدين القويم، بل يتبعون ما شرع لهم شياطينهم من الجن والإنس من تحريم ما حرموا عليهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وتحليل أكل الميتة والدم والقمار إلى نحو ذلك من الضلالات والجهالة الباطلة التي كانوا قد اخترعوها في جاهليتهم من التحليل والتحريم والعبادات الباطلة والأموال الفاسدة\" (^٣).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه أو\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن باز ص ٩٩٢.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن باز ص ٩٩١، وانظر للاستزادة: باب (كفر الاستحلال).\n(^٣) تفسير ابن كثير ٤/ ١١٣.","vol":"2","page":75},{"text":"حرم الحلال المجمع عليه أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافرا مرتدا باتفاق الفقهاء وفي مثل هذا نزل قوله على أحد القولين ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] أي هو المستحل للحكم بغير ما أنزل الله\" (^١).\nوقال ﵀: \"من طلب أن يطاع مع الله، فهذا يريد من الناس أن يتخذوا من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله، والله سبحانه أمر أن لا يعبد إلا إياه، وأن لا يكون الدين إلا له\" (^٢).\nوفي تفسير قول الله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠]. قال ابن كثير: \"ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم، المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والإصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن مَلِكِهم \"جنكيز خان\"، الذي وضع لهم \"الياسق\"، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعًا متبعًا، يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير ... \" (^٣).\n_________\n(^١) الفتاوى ٣/ ٢٦٧.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٤/ ٣٢٩.\n(^٣) تفسير ابن كثير ٢/ ٦٣، وانظر البداية لابن كثير ١٣/ ١١٩.","vol":"2","page":76},{"text":"وقال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: \"الخامس: وهو أعظمها وأظهرها معاندة للشرع، ومكابرة لأحكامه، ومشاقة لله ولرسوله، ومضاهاة بالمحاكم الشرعية إعدادا وإمدادا وإرصادا وتأصيلا، وتفريعا وتشكيلا وتنويعا وحكما وإلزاما ومراجع ومستمدات، فكما أن للمحاكم الشرعية مراجع مستمدات، مرجعها كلها إلى كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، فلهذه المحاكم مراجع هي لقانون الملفق من شرائع شتى وقوانين كثيرة كالقانون الفرنسي والقانون الأمريكي، والقانون البريطاني وغيرها من القوانين ... فأي كفر فوق هذا الكفر، وأي مناقضة للشهادة بأن محمدا رسول الله، بعد هذه المناقضة\" (^١).\nوقال ﵀ أيضًا: \"وأما الذي قيل فيه كفر دون كفر، إذا حاكم إلى غير الله مع اعتقاد أنه عاص وأن حكم الله هو الحق، فهذا الذي يصدر منه المرة ونحوها، وأما الذي جعل قوانين بترتيب وتخضيع فهو كفر، وإن قالوا أخطأنا وحكم الشرع أعدل\" (^٢).\nوقال ابن عثيمين ﵀: \"من لم يحكم بما أنزل الله استخفافا به، أو احتقارًا له، أو اعتقادًا أن غيره أصلح منه، وأنفع للخلق أو مثله فهو كافر كفرًا مخرجا عن الملة، ومن هؤلاء من يضعون للناس تشريعات تخالف التشريعات الإسلامية لتكون منهاجًا يسير الناس عليه، فإنهم لم يضعوا تلك التشريعات المخالفة للشريعة الإسلامية إلا وهم يعتقدون أنها أصلح وأنفع للخلق، إذ من المعلوم بالضرورة العقلية، والجبلة الفطرية أن الإنسان لا يعدل عن منهاج إلى منهاج يخالفه إلا وهو يعتقد فضل ما عدل إليه ونقص ما عدل عنه\" (^٣).\n_________\n(^١) تحكيم القوانين ص ٧.\n(^٢) فتاوى محمد بن إبراهيم ١٢/ ٢٨٠. وانظر أيضا ٦/ ١٨٩.\n(^٣) المجموع الثمين ١/ ٣٦.","vol":"2","page":77},{"text":"وقال الشيخ عبد الرزاق عفيفي في رسالته في الحكم بغير ما أنزل الله: \"من وضع للناس أحكاما وهيأ لهم نظما ليعملوا جمها ويتحاكموا إليها وهو يعلم أنها تخالف أحكام الإسلام فهو كافر خارج عن ملة الإسلام\" (^١).\nفالمُشَرِّع كافر بالله لأنه استقل بتشريع يضاهي به حكم الله ومن قنن أحكاما ووضع قوانين فهو مشرِّع وكفره ظاهر فهو يرى حق التشريع لنفسه والله ﷾ يقول ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-483> سادسًا: الحكم العام بغير ما أنزل الله:</span>\nوهو أن يحكم بغير ما أنزل الله حكما عاما وإن لم يجحد أو يستحل أو يعتقد. فهذا فيه خلاف بين أهل العلم فمنهم من يرى أن من يحكم دائما بغير شرع الله ويلزم الناس بذلك أنه عاص وله حكم أمثاله من المؤمنين المدمنين على المعاصي (^٢)، فيجعلون كفره كفرًا أصغر (^٣).\nوممن يرى هذا شيخنا العلامة عبد العزيز بن باز (^٤) ﵀، ومنهم من يرى أن كفره كفر أكبر مخرج من الملة بدليل قول الله ﷿: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠].\nووجه الدلالة من الآية: أن الله جعل الذي يحكم بغير شرعه مطلقًا طاغوتًا وقال ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ الآية.\n_________\n(^١) الحكم بغير ما أنزل الله ص ٦٤.\n(^٢) ينبغي التفريق بين الحكم والتحاكم وطاعة الحاكم بغير ما أنزل الله، وقد سبق الكلام عن الأخيرين، أما الحاكم بغير ما أنزل الله فهو مجال حديثنا في هذا البحث.\n(^٣) انظر التمهيد لشرح كتاب التوحيد للشيخ صالح آل الشيخ، ص ٤٣٠.\n(^٤) انظر فتاوى ابن باز ٢/ ٣٢٦.","vol":"2","page":78},{"text":"كما استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤].\nووجه الدلالة من الآية: أن دخول (أل) على اسم الفاعل يُفيد الاستغراق فهو كفر أكبر. وممن قال بكفره مطلقًا الشيخ محمد بن إبراهيم (^١). والشيخ محمد الأمين الشنقيطي - ﵏ (^٢)، وغيرهما من أهل العلم (^٣).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"فإن الحاكم إذا كان ديِّنًا لكنه حكم بغير علم كان من أهل النار، وإن كان عالما لكنه حكم بخلاف الحق الذي يعلمه كان من أهل النار، وإذا حكم بلا عدل ولا علم كان أولى أن يكون من أهل النار. وهذا إذا حكم في قضية معينة لشخص. وأما إذا حكم حكمًا عامًا في دين المسلمين فجعل الحق باطلًا والباطل حقًّا، والسنة بدعة والبدعة سنة، والمعرف منكرًا والمنكر معروفًا، ونهى عما أمر الله به ورسوله، وأمر بما نهى الله عنه ورسوله، فهذا لونٌ آخر يحكم فيه رب العالمين، وإله المرسلين، مالك يوم الدين، الذي: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠]، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾ [الفتح: ٢٨]، والحمد لله رب العالمين\" (^٤).\nوقال أيضًا ﵀: \"ومن حكم بما يخالف شرع الله ورسوله، وهو يعلم ذلك،\n_________\n(^١) تحكيم القوانين ص ١٩.\n(^٢) أضواء البيان ٧/ ١٦٢.\nتنبيه: نقولات العلماء تتضح أكثر بالرجوع إليها في مواضعها، وأكتفي هنا بالإشارة.\n(^٣) انظر التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص ٤٣٠.\n(^٤) مجموع الفتاوى ٣٥/ ٣٨٨.","vol":"2","page":79},{"text":"فهو من جنس التتار الذي يقدمون حكم الياسق على حكم الله ورسوله\" (^١).\nوقال ابن كثير ﵀ كما في النقل السابق: \"فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير\" (^٢).\nوقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: \"فمن خالف ما أمر الله به رسوله - ﷺ - بأن حكم بين الناس بغير ما أنزل الله أو طلب ذلك اتباعا لما يهواه ويريده فقد خلع ربقة الإسلام والإيمان من عنقه وإن زعم أنه مؤمن\" (^٣).\nوقال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: \"السادس: ما يحكم به كثير من رؤساء العشائر والقبائل في البوادي ونحوهم من حكايات آبائهم وأجدادهم وعاداتهم التي يسمونها \"سلومهم\" يتوارثون ذلك منهم ويحكمون به ويحضون على التحاكم إليه عند النزاع بقاء على أحكام الجاهلية وإعراضًا ورغبة عن حكم الله ورسوله فلا حول ولا قوة إلا بالله\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-484>أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-485>١ - متى يكون الحكم بغير ما أنزل الله كفرا أصغر</span>؟:\nجاء عن ابن عباس - ﵄ - في قوله تعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] أنه قال: \"ليس بالكفر الذي يذهبونه إليه\" (^٥)، وفي رواية أنه قال: \"كفر لا ينقل عن الملة\" (^٦).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٣٥/ ٤٠٧، وانظر أيضًا ٢٧/ ٥٨، ٥٩، ٢٨/ ٥٢٤.\n(^٢) انظر: البداية ١٣/ ١١٩، ١٢٨.\n(^٣) فتح المجيد ٢/ ٦٥٧.\n(^٤) تحكيم القوانين ص ١٩.\n(^٥) أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٣١٣، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة ٢/ ٥٢١.\n(^٦) أخرجه الطبري في التفسير ٦/ ٢٥٦، وابن أبي حاتم في التفسير ٤/ ١١٤٢. الحاكم في المستدرك ٢/ ٣١٣، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة ٢/ ٥٢٢.","vol":"2","page":80},{"text":"وقال عطاء: \"كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق\" (^١).\nوقال طاووس: \"ليس بكفر ينقل عن الملة\" (^٢).\nوجاء عن مجاهد أنه قال في قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ قال: العاصون (^٣).\nوقال ابن عبد البر ﵀: \"وقد ضلت جماعة من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة في هذا الباب فاحتجوا بهذه الآثار ومثلها في تكفير المذنبين واحتجوا من كتاب الله بآيات ليست على ظاهرها مثل قوله تعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ \" (^٤).\nوقال: \"أجمع العلماء على أن الجور في الحكم من الكبائر لمن تعمد ذلك عالمًا به رويت في ذلك آثار شديدة عن السلف ... \" (^٥).\nوقال القرطبي ﵀: \"إن حكم به - أي بغير ما أنزل الله - هوىً ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السنة في الغفران للمذنبين\" (^٦).\nويقول ابن تيمية - ﵀ -: \"وأما من كان ملتزمًا لحكم الله ورسوله باطنًا وظاهرًا، لكن عصى واتبع هواه، فهذا بمنزلة أمثاله من العصاة\" (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير في تفسيره ٦/ ٢٥٦، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة ٢/ ٥٢٢. وابن أبي حاتم ٤/ ١١٤٦.\n(^٢) أخرجه ابن جرير في تفسيره ٦/ ٢٥٦، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة. ٢/ ٥٢٢. وابن أبي حاتم ٤/ ١١٤٦.\n(^٣) ابن أبي حاتم ٤/ ١١٤٨.\n(^٤) التمهيد لابن عبد البر ١٧/ ١٦.\n(^٥) التمهيد لابن عبد البر ٥/ ٧٤، ٧٥.\n(^٦) تفسير القرطبي ٦/ ١٩١.\n(^٧) منهاج السنة ٥/ ١٣١.","vol":"2","page":81},{"text":"وقال ابن القيم ﵀: \"إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة، وعدل عنه عصيانًا، مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا كفر أصغر\" (^١).\nوقال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: \"فانظر كيف سجل الله تعالى على الحاكمين بغير ما أنزل الله الكفر، والظلم، والفسوق، ومن الممتنع أن يسمي الله سبحانه الحاكم بغير ما أنزل الله كافرًا ولا يكون كافرًا، بل هو كافر مطلقًا إما كفر عمل، وإما كفر اعتقاد، وما جاء عن ابن عباس - ﵁ - في تفسيره هذه الآية من رواية طاووس وغيره يدل أن الحاكم بغير ما أنزل الله كافر إما كفر اعتقاد ناقل عن الملة، وإما كفر عمل لا ينقل عن الملة\" (^٢).\nثم قال في موضع آخر مبينا ذلك ﵀: \"وأما القسم الثاني: من قسمي كفر الحاكم بغير ما أنزل الله وهو الذي لا يُخرِجُ من الملة، فقد تقدم أن تفسير ابن عباس - ﵁ - لقول الله ﷿: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قد شمل ذلك القسم وذلك في قوله - ﵁ -: \"كفر دون كفر\"، وقوله أيضًا: \"ليس الكفر الذي تذهبون إليه\" اهـ. وذلك أن تحمله شهوته وهواه على الحكم في القضية بغير ما أنزل الله مع اعتقاده أن حكم الله ورسوله هو الحق واعترافه على نفسه بالخطأ ومجانبة الهدى، وهذا وإن لم يخرجه كفره عن الملة فإنه معصية عظمى أكبر من الكبائر، كالزنا وشرب الخمر، والسرقة، واليمين الغموس، وغيرها فإن معصية سماها الله في كتابه كفرًا أعظم من معصية لم يسمها كفرًا\" (^٣).\nويقول الشنقيطي ﵀: \"من لم يحكم بما أنزل الله معتقدًا أنه مرتكبٌ حرامًا فاعلٌ قبيحًا، فكفره وظلمه وفسقه غير مخرج عن الملة\" (^٤).\n_________\n(^١) مدارج السالكين ١/ ٣٣٦، وانظر شرح الطحاوية ٢/ ٤٤٦.\n(^٢) تحكيم القوانين ص ١٣.\n(^٣) تحكيم القوانين ص ٢٠. انظر فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ١٢/ ٢٩١.\n(^٤) أضواء البيان ٢/ ١٠٤، وانظر الأضواء ٢/ ١٠٩.","vol":"2","page":82},{"text":"وقال ابن باز: \"أما من حكم بغير ما أنزل الله لهوىً، أو لحظ عاجل وهو يعلم أنه عاصٍ لله ولرسوله وأنه فعل منكرًا عظيمًا، وأن الواجب عليه الحكم بشرع الله فإنه لا يكفر بذلك الكفر الأكبر، لكنه قد أتى منكرًا عظيمًا ومعصية كبيرة وكفرًا أصغر كما قال ذلك ابن عباس ومجاهد وغيرهما من أهل العلم، وقد ارتكب بذلك كفرًا دون كفر، وظلمًا دون ظلم وفسقًا دون فسق، وليس هو الكفر الأكبر وهذا قول أهل السنة والجماعة\" (^١).\nوقال ابن عثيمين ﵀: \"وصف الله الحاكمين بغير ما أنزل الله بثلاثة أوصاف: قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧]، واختلف أهل العلم في ذلك: فقيل: إن هذه الأوصاف لموصوف واحد، لأن الكافر ظالم لقوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]. وفاسق لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [السجدة: ٢٠] أي كفروا.\nوقيل إنها لموصوفين متعددين، وإنها على حسب الحكم، وهذا هو الراجح: فيكون كافرًا في ثلاثة أحوال:\nأ - إذا اعتقد جواز الحكم بغير ما أنزل الله، بدليل قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة:٥٠]، فكل ما خالف حكم الله فهو من حكم الجاهلية، بدليل الإجماع القطعي على أنه لا يجوز الحكم بغير ما أنزل الله، فالمُحل والمُبيح للحكم بغير ما أنزل الله مخالف لإجماع المسلمين القطعي، وهذا كافر مرتد، وذلك كمن\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن باز ص ٩٩٢.","vol":"2","page":83},{"text":"اعتقد حل الزنا أو الخمر أو تحريم الخبز أو اللبن.\nب - إذا اعتقد أن حكم غير الله مثل حكم الله.\nج - إذا اعتقد أن حكم غير الله أحسن من حكم الله.\nبدليل قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة:٥٠] فتضمنت الآية أن حكم الله أحسن الأحكام بدليل قوله تعالى مقررا ذلك: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ [التين: ٨]، فإذا كان الله أحسن الحاكمين أحكامًا وهو أحكم الحاكمين فمن ادعى أن حكم غير الله مثل حكم الله أو أحسن فهو كافر، لأنه مكذب للقرآن.\nويكون ظالمًا إذا اعتقد أن الحكم بغير ما أنزل الله أحسن الأحكام وأنه أنفع للعباد والبلاد وأنه الواجب تطبيقه، ولكن حمله البغض والحقد للمحكوم عليه حتى حكم بغير ما أنزل الله فهو ظالم.\nويكون فاسقًا: إذا كان حكمه بغير ما أنزل الله لهوى في نفسه مع اعتقادة أن حكم الله هو الحق، لكن حكم بغيره لهوى في نفسه، أي محبة لما حكم به لا كراهية لحم الله ولا ليضر أحدًا به، مثل: أن يحكم لشخص لرشوة رُشِيَ إياها، أو لكونها قريبًا أو صديقًا، أو يطلب من ورائه حاجة، وما أشبه ذلك مع اعتقاده بأن حكم الله هو الأمثل والواجب اتباعه، فهذا فاسق، وإن كان أيضًا ظالمًا، لكن وصف الفسق في حقه أولى من وصف الظلم.\nأما بالنسبة لمن وضع قوانين تشريعية مع علمه بحكم الله، وبمخالفة هذه القوانين لحكم الله، فهذا قد بدل الشريعة بهذه القوانين فهو كافر لأنه لم يرغب بهذا القانون عن شريعة الله إلا وهو يعتقد أنه خير للعباد والبلاد ومن شريعة الله\" (^١).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٧٤٠ - ٧٤٢. وانظر القول المفيد ط ١ - ٢/ ٢٦٨. وانظر شرح ثلاثة الأصول من المجموع ٦/ ١٦١.","vol":"2","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-486>٢ - هناك من يضعِّف الرواية الواردة عن ابن عباس </span>- ﵄ -، ولكن الصحيح أن الروايات الواردة صحيحة، وفي ذلك يقول الشيخ المحمود: \"وخلاصة النقد الموجه إلى هذه الروايات - مع بيان ما نرجحه - ما يلي:\n١ - رواية ابن أبي طلحة عن ابن عباس: \"من جحد ما أنزل الله فقد كفر ومن أقر به ولم يحكم فهو ظالم فاسق\" يقال فيها: عبد الله بن صالح - الذي في الإسناد - كاتب الليث - وثقه بعضهم وضعفه بعضهم بجرح مفسر، وقد قال فيه ابن حجر: صدوق كثير الغلط، ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة.\n٢ - رواية سفيان عن رجل عن طاوس عن ابن عباس قال: \"كفر لا ينقل عن الملة\" فيها رجل مبهم فهي ضعيفة، وقد روى هذا اللفظ عن طاوس، رواه عنه سعيد المكي، وهو الأقرب والأصح إسنادًا.\n٣ - ورواية: \"ليس بالكفر الذي يذهبون إليه\" وفي لفظ: \"إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، إنه ليس كفرًا ينقل عن الملة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] كفر دون كفر\"، فيقال: هاتان الروايتان هما من طريق هشام بن حجير عن ابن عباس. وهشام بن حجير مختلف فيه توثيقًا وتضعيفًا، وممن وثقه العجلي وابن حبان في الثقات، وابن شاهين، وممن ضعفه الإمام أحمد حيث قال فيه: \"ليس بالقوي\"، قلت: [القائل عبد الله بن أحمد]: هو ضعيف؟ قال ليس بذاك. قال: وسألت يحيى بن معين عنه فضعفه جدًّا. وضعفه يحيى القطان. فالمضعفون له أعلى رتبة، فالذي يغلب فيه الجرح، ولذا قال ابن حجر عنه: \"صدوق له أوهام\" وأورده في الهدي فيمن طعن من رجال البخاري وقال: \"وثقه العجلي وابن سعد وضعفه يحيى القطان ويحيى بن معين\"، وقال أحمد: \"ليس بالقوي\"، وذكره في الضعفاء أبو جعفر العقيلي وحكى عن سفيان بن","vol":"2","page":85},{"text":"عيينة قال: \"لم نأخذ عنه إلا ما لم نجد عند غيره، وقال أبو حاتم يكتب حديثه\" (^١).\nوهشام بن حجير وإن كان من رجال البخاري ومسلم إلا أنهما لم يرويا له إلا متابعة، كما ذكر ابن حجر فيما يتعلق بروايته عند البخاري.\n٤ - ورواية سفيان عن معمر بن راشد عن ابن طاوس عن أبيه سئل ابن عباس عن قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ قال: هي به كفر، قال ابن طاوس: \"وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله\" والرواية الأخرى أيضًا عن سفيان عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، قال: هي به كفر، وليس كفرًا بالله وملائكته وكتبه ورسله.\nقيل في نقدهما: إن الرواية الثابتة عن ابن عباس هي قوله: هي به كفر.\nأما قوله: وليس كفرًا بالله وملائكته وكتبه ورسله، فيحتمل أنه من كلام ابن طاوس، كما فسرته الرواية الأولى.\nهذه خلاصة ما أورد من ردود على هذه الروايات، ولكن الذي نرجحه صحة وثبوت هذه الرواية عن ابن عباس: وترجيحًا لأمور ثلاثة:\nأحدها: صحة الرواية الواردة بالإسناد عن سفيان عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه، وهذه لا مطعن فيها لأحد.\nالثاني: أن هذه الرواية الصحيحة مؤيدة ومقواة بالرواية الأخرى - فعلى الأقل هي صحيحة بمجموع طرقها -.\nالثالث: إطباق العلماء على الاحتجاج برواية ابن عباس والاستشهاد بها في تفسير الآية\" (^٢).\n_________\n(^١) هدي الساري، ص ٤٤٧، ٤٤٨، ط سلفية أولى. وانظر تهذيب الكمال ٦٥٧١.\n(^٢) الحكم بغير ما أنزل الله أحواله وأحكامه ص ١٣١.","vol":"2","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-487>٣ - حكم دراسة القوانين الوضعية وتدريسها:</span>\nقال الشيخ ابن باز ﵀: \"الدارسون للقوانين والقائمون بتدريسها أقسام:\nالقسم الأول: من درسها أو تولى تدريسها ليعرف حقيقتها، أو ليعرف فضل أحكام الشريعة عليها، أو ليستفيد منها - فيما لا يخالف الشرع المطهر - أو ليفيد غيره في ذلك، فهذا لا حرج عليه - فيما يظهر لي من الشرع - بل قد يكون مأجورًا ومشكورًا إذا أراد بيان عيوبها وإظهار فضل أحكام الشريعة عليها.\nوالصلاة خلف هذا القسم لا شك في صحتها.\nوأصحاب هذا القسم حكمهم حكم من درس أحكام الربا، وأنواع الخمر، وأنواع القمار، ونحوها كالعقائد الفاسدة، أو تولى تدريسها ليعرفها ويعرف حكم الله فيها، ويفيد غيره مع إيمانه بتحريم الحكم بالقوانين الوضعية المخالفة لشرع الله ﷿.\nوليس حكمه حكم من تعلم السحر أو علمه غيره؛ لأن السحر محرم لذاته لما فيه من الشرك وعبادة الجن من دون الله، فالذي يتعلمه أو غيره لا يتوصل إليه إلا بذلك - أي بالشرك - بخلاف من يتعلم القوانين ويعلمها غيره لا للحكم بها ولا باعتقاد حلها ولكن لغرض مباح أو شرعي كما تقدم.\nالقسم الثاني: من يدرس القوانين أو يتولى تدريسها ليحكم بها، أو ليعين غيره على ذلك مع إيمانه بتحريم الحكم بغير ما أنزل الله، ولكن حمله الهوى أو حب المال على ذلك، فأصحاب هذا القسم لا شك فساق، وفيهم كفر وظلم وفسق، ولكنه كفر أصغر، وظلم أصغر، وفسق أصغر، لا يخرجون به من دائرة الإسلام.\nوهذا القول هو المعروف بين أهل العلم، وهو قول ابن عباس، وطاووس، وعطاء، ومجاهد، وجمع من السلف والخلف، كما ذكر الحافظ ابن كثير والبغوي","vol":"2","page":87},{"text":"والقرطبي (^١) وغيرهم، وذكر معناه العلامة ابن القيم - ﵀ في كتاب الصلاة (^٢)، وللشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ﵀ رسالة جيدة في هذه المسألة مطبوعة في المجلد الثالث من مجموعة الرسائل الأولى.\nولا شك أن أصحاب هذا القسم على خطر عظيم ويخشى عليهم من الوقوع في الردة.\nأما صحة الصلاة خلفهم وأمثالهم من الفساق ففيها خلاف مشهور، والأظهر من الأدلة الشرعية صحتها خلف جميع الفساق الذين لم يصل فسقهم إلى حد الكفر الأكبر، وهو قول جم غفير من أهل العلم واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.\nالقسم الثالث: من يدرس القوانين أو يتولى تدريسها مستحلا للحكم بها سواء اعتقد أن الشريعة أفضل أم لم يعتقد ذلك، فهذا القسم كافر بإجماع المسلمين كفرا أكبر؛ لأنه باستحلاله الحكم بالقوانين الوضعية المخالفة لشريعة الله يكون مستحلًا لما علم من الدين بالضرورة أنه محرم، فيكون في حكم من استحل الزنى والخمر ونحوهما، ولأنه بهذا الاستحلال يكون قد كذب الله ورسوله وعاند الكتاب والسنة.\nوقد أجمع علماء الإسلام على كفر من استحل ما حرم الله، أو حرم ما أحله الله مما هو معلوم من الدين بالضرورة.\nومن تأمل كلام العلماء في جميع المذاهب الأربعة في باب حكم المرتد اتضح له ما ذكرنا\" (^٣).\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٣/ ١١١، ومعالم التنزيل للبغوي ٣/ ٦١، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٦/ ١٨٨.\n(^٢) كتاب الصلاة لابن القيم ص ٥٧.\n(^٣) مجموع فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ٣/ ٩٨٤، ٩٨٩ باختصار.","vol":"2","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-488>٤ - تَنْبيهٌ مهم:</span>\nيجب التفصيل بين النظام الوضعي الذي يقتضي تحكيمه الكفر بالله، وبين النظام الذي لا يقتضي ذلك.\nقال الإمام محمد الشنقيطي ﵀: \"وإيضاح ذلك أن النظام قسمان:\nإداري وشرعي: أما الإداري الذي يراد به ضبط الأمور وإتقانها على وجه غير مخالف للشرع، فهذا لا مانع منه، ولا مخالف فيه من الصحابة فمن بعدهم، وقد عمل عمر - ﵁ - من ذلك أشياء كثيرة ما كانت في زمن النبي - ﷺ -،ككتْبِه أسماء الجند في ديوان لأجل الضبط، ومعرفة من غاب ومن حضر، كما قدمنا إيضاح المقصود منه في سورة بني إسرائيل في الكلام على العاقلة التي تحمل دية الخطأ، مع أن النبي - ﷺ - لم يفعل ذلك ولم يعلم بتخلف كعب بن مالك عن غزوة تبوك إلا بعد أن وصل تبوك - ﷺ -، وكاشترائه - أعني عمر - ﵁ - دار صفوان بن أمية، وإياها سجنا في مكة المكرمة، مع أنه - ﷺ - لم يتخذ سجنًا هو ولا أبو بكر - ﵁ -.\nفمثل هذا من الأمور الإدارية التي تفعل لإتقان الأمور مما لا يخالف الشرع لا بأس به، كتنظيم شؤون الموظفين، وتنظيم إدارة الأعمال على وجه لا يخالف الشرع، فهذا النوع من الأنظمة الوضعية لا بأس به، ولا يخرج عن قواعد الشرع من مراعاة المصالح العامة.\nقلت: إذا كان الأمر مسكوتًا عنه ولم يتعرض له الشرع المطهّر بحل أو حرمة فيجوز لولي الأمر أن يرتب لذلك أحكامًا يلزم الناس بالسير عليها ابتغاء المصلحة العامة وأوضح مثال لذلك تنظيم مرور السيارات.\nوأما النظام الشرعي المخالف لتشريع خالق السموات والأرض، فتحكيمه كفر بخالق السموات والأرض، كدعوى أن تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ليس بإنصاف، وأنهما يلزم استواؤهما في الميراث، وكل دعوى أن تعداد الزوجات ظلم،","vol":"2","page":89},{"text":"وأن الطلاق ظلم للمرأة، وأن الرجم والقطع ونحوهما أعمال وحشية لا يسوغ فعلها بالإنسان ونحو ذلك.\nفتحكيم هذا النوع من النظام في أنفس المجتمع وأموالهم وأعراضهم وأنسابهم وعقولهم وأديانهم كفر بخالق السموات والأرض، وتمرد على نظام السماء الذي وضعه من خلق الخلائق كلها، وهو أعلم بمصالحها ﷾ أن يكون معه مشرع آخر علوًا كبيرًا\" (^١).\nويقول الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: \"إذا كان القانون يوافق الشرع فلا بأس به مثل أن يُسَنَّ قانونًا للطرق ينفع المسلمين، وغير ذلك من الأشياء التي تنفع المسلمين وليس فيها مخالفة لشرع الله، ولكن لتسهيل أمور المسلمين، أما القوانين التي تخالف الشرع فلا يجوز سنّها\" (^٢).\n_________\n(^١) أضواء البيان ٤/ ٨٤، ٨٥. تفسير آية: ولا يشرك في حكمه أحدًا [الكهف: ٦٢].\n(^٢) فتاوى ابن باز ٧/ ١١٩.","vol":"2","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-489>١١٢ - الحلف </span>*\nفي اللغة: قال ابن الأثير: \"الحلف: هو اليمين، حلف يحْلِف حَلْفًا، وأصلها العقد والعزم والنية\" (^١).\nوفي الشرع: \"تأكيد الشيء بذكر معظّم بصيغة مخصوصة بالواو أو الباء أو التاء\" (^٢).\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ١٤/ ٣٢١، ٣٢٢، ٣٦٧، ٣٧٢، ١٦/ ١٥٨. الاستذكار لابن عبد البر ١/ ٩٣. شرح السنة للبغوي ١٠/ ٣ - ١٩. قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص ٢٦٢، ٢٦٩ - ٥٨٥، ٥٩٤، ٦١٧، ٧٩٢، ٧٩٦. أحكام القرآن للقرطبي ٥/ ٣ - ٤، ٦/ ٢٦٥، ٢٦٦، ٢٦٩، ٢٧٠، ٣٧٥، ١٠/ ٤٠، ٤١، ٤٢. نيل الأوطار ١٠/ ١٦٠.المحلى بالآثار لابن حزم ٦/ ٢٨١، ٢٨٣، ٢٨٤. تيسير العزيز الحميد ص ٥٩٦، ٦٠٣، ٧٢٣. فتح المجيد ص ٤٩٠، ٥٨٧،٤٩٥. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٣٠٢، ٣٠٥، ٣٨٢. مجموع فتاوى ابن عثيمين ٢/ ٢١٣، ١٠/ ١٠٤٢، ٧٩٦. وانظر القول المفيد ط ١ - ٢/ ٣٢٣، ٣/ ٢١٩ ط ٢ - ٢/ ٣٩٠، ٤٠٩، ٣/ ٢٧٢. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٤٢، ٥١. الدرر السنة ١/ ٢٣٢، ٧/ ٥١١، ١٠/ ١٤٨، ١١/ ٣٣، ٣٧، ١٢/ ٢٤٨، ٢٥٢، فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٢٢٤. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٢/ ٢٠٢. معارج القبول ١/ ٣٧٠. مجموع والفتاوى لابن باز ١/ ٢٨٠، ٢/ ٥٥٤. نور على الدرب ٦٠/ ٢٥٧. الأجوبة النافعة عن المسائل الواقعة للسعدي ص ٦٨. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٢/ ٤٩١. المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة الأحمدي ٢/ ١٣٥. منهج الشافعي في إثبات العقيدة ص ٢٦٨. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ص ٣٩٥. الجيلاني وآراؤه الاعتقادية ١٥٣. عقيدة الإمام ابن عبد البر للغصن ص ١٩٥. منهج ابن حجر في العقيدة ص ١٠٧١. الإمام الخطابي ومنهجه في العقيدة لأبي عبد الرحمن العلوي ص ٢٦٥. فقه الأيمان عصام جاد. المرويات الواردة في الحلف بالله أو بغيره د. باسم الجوابرة.\n(^١) النهاية لابن الأثير (ح ل ف).\n(^٢) الفوائد المنتقاة من شرح كتاب التوحيد للشيخ محمد العثيمين ص ٤٢. وانظر أيضا تعريف الحافظ في الفتح ١١/ ٥١٦.","vol":"2","page":91},{"text":"قال الشيخ قاسم الوَنَوِيُّ: \"الحلف شرعًا: تقوية أحد طرفي الخبر بذكر اسم الله تعالى\" (^١).\nقال العلماء: \"والحلف بالشيء يقتضي تعظيمه والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده\" (^٢).\nوالسبب في منع الحلف بغير الله أنه يقتضي تعظيم غير الله والثناء عليه واتخاذه ندًا من دون الله وفيه أنه مخالف لما أمر به الرسول - ﷺ - حيث قال: \"احلفوا بالله وبروا واصدقوا، فإن الله يكره أن يُحلف إلا به\" (^٣).\n* الدليل من الكتاب: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ وقال ﷿: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾، وقال ﷿: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾.\n* الدليل من السنة: عن سعد بن عبيدة أن ابن عمر - ﵁ - سمع رجلًا يقول: لا، والكعبة، فقال ابن عمر: لا يُحلف بغير الله فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك\" (^٤).\nوجاء في المسند أن ابن عمر كان في حلقة فسمع رجلًا في حلقة أخرى وهو يقول: لا وأبي، فرماه ابن عمر بالحصى وقال: إنها كانت يمين عمر، فنهاه النبي - ﷺ - وقال: \"إنها شرك\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر: أنيس الفقهاء ١٧١.\n(^٢) فتح الباري ١١/ ٥٣١.\n(^٣) حلية الأولياء ٧/ ٢٦٧.\n(^٤) أخرجه أبو داود (٣٢٥١)، والترمذي (١٥٣٥) وحسنه واللفظ له. والإمام أحمد (٤٩٠٤) (٦٠٧٢)، والحاكم في المستدرك وصححه ٤/ ٢٩٧، وصححه الألباني في الإرواء ٨/ ١٨٩.\n(^٥) المسند (٥٢٢٢).","vol":"2","page":92},{"text":"وفي رواية للحاكم: \"كل يمين يحلف بها دون الله شرك\" (^١).\nوفي الصحيحين من حديث ابن عمر مرفوعًا: \"ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت\" (^٢).\nوعن بريدة - ﵁ - مرفوعًا: \"من حلف بالأمانة فليس منا\" (^٣).\nوعن ابن عمر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله\" (^٤).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-490> أقوال بعض السلف:</span>\nقال ابن مسعود - ﵁ -: \"لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إليّ أن أحلف بغيره صادقًا\" (^٥).\nقال كعب: \"إنكم تشركون في قول الرجل: كلا وأبيك، كلا والكعبة، كلا وحياتك، وأشباه هذا، احلف بالله صادقًا أو كاذبًا، ولا تحلف بغيره\" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم (١/ ١٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٦٤٦) ومسلم (١٦٤٦).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٣٢٥٣).\n(^٤) أخرجه مسلم (١٦٤٦).\n(^٥) قال الهيثمي في المجمع (٤/ ١٧٩): رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في الإرواء ٨/ ١٩١، وقال الشيخ سليمان ﵀: \"وإنما رجح ابن مسعود - ﵁ - الحلف بالله كاذبًا على الحلف بغيره صادقًا، لأن الحلف بالله توحيد، والحلف بغيره شرك، وإن قدر الصدق في الحلف بغير الله فحسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق، وسيئة الكذب أسهل من سيئة الشرك. ذكره شيخ الإسلام. وفيه دليل على أن الحلف بغير الله صادقًا أعظم من اليمين الغموس، وفيه دليل على أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر. وفيه شاهد للقاعدة المشهورة وهي: ارتكاب أقل الشرين ضررًا إذا كان لا بد من أحدهما\". تيسير العزيز الحميد ص ٦٠٠، ٦٠١.\n(^٦) رواه ابن أبي الدنيا في \"الصمت\" رقم (٣٥٦)، وقال محققه أبو إسحاق الحويني: رجاله ثقات، وعزاه الزبيدي في الإتحاف (٧/ ٥٧٨) للمصنف ابن أبي الدنيا. انظر كتاب الصمت ص ١٩٦، ١٩٧.","vol":"2","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-491>أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-492>١ - حكم الحلف بغير الله:</span>\nالحلف بالمخلوقات حرام عند جمهور العلماء.\nقال الشيخ ابن باز ﵀: \"وممن حكى الإجماع في تحريم الحلف بغير الله الإمام أبو عمر بن عبد البر النمري ﵀. وقد أطلق بعض أهل العلم الكراهة، فيجب أن تحمل على كراهة التحريم عملا بالنصوص وإحسانا للظن بأهل العلم\" (^١). وقد تقدم قول الرسول - ﷺ -: \"من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك\".\nوقال الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: \"أخذ به طائفة من العلماء فقالوا: يكفر من حلف بغير الله كفر شرك، قالوا: ولهذا أمره النبي - ﷺ - بتجديد إسلامه بقول: لا إله إلا الله. فلولا أنه كفر ينقل عن الملة لم يؤمر بذلك. وقال الجمهور: لا يكفر كفرا ينقله عن الملة، ولكنه من الشرك الأصغر كما نص على ذلك ابن عباس وغيره، وأما كونه أمر من حلف باللات والعزى أن يقول: لا إله إلا الله، فلأن هذا كفارة له مع استغفاره كما قال في الحديث الصحيح: \"ومن حلف فقال في حلفه واللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله\" وفي رواية: \"فليستغفر\" فهذا كفارة له في كونه تعاطى صورة تعظيم الصنم، حيث حلف به لا أنه لتجديد إسلامه، ولو قدر ذلك فهو تجديد لإسلامه لنقصه بذلك لا لكفره لكن الذي يفعله عباد القبور إذا طلبت من أحدهم اليمين بالله، أعطاك ما شئت من الأيمان صادقًا أو كاذبًا. فإذا طلبت منه اليمين بالشيخ أو تربته أو حياته، ونحو ذلك، لم يقدم على اليمين به إن كان كاذبا فهذا شرك أكبر بلا ريب، لأن المحلوف به عنده أخوف وأجل وأعظم من الله. وهذا ما بلغ إليه شرك عباد الأصنام، لأن جهد اليمين عندهم هو الحلف\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن باز ٧٢٥.","vol":"2","page":94},{"text":"بالله كما قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل:٣٨]. فمن كان جهد يمينه الحلف بالشيخ أو بحياته، أو تربته فهو أكبر شركًا منهم، فهذا هو تفصيل القول في هذه المسألة\" (^١).\nوقال ابن باز ﵀: \"والحلف بغير الله من الشرك الأصغر، وقد يُفضي إلى الشرك الأكبر إذا اعتقد تعظيمه مثل تعظيم الله، أو أنه ينفع ويضر دون الله، أو أنه يصلح لأن يُدعى أو يستغاث به\" (^٢).\nوقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"والحلف بغير الله شرك أكبر إن اعتقد أن المحلوف به مساوٍ لله تعالى في التعظيم والعظمة، وإلا فهو شرك صغر\" (^٣).\nوقال ابن تيمية ﵀: \"والحلف بالمخلوقات حرام عند الجمهور، وهو مذهب أبي حنيفة وأحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد، وقد حُكِيَ إجماع الصحابة على ذلك\" (^٤).\nويدل على حرمته قول عبد الله بن مسعود: \"لأنِ أحلف بالله كاذبا أحب إليّ من أن أحلف بغير الله صادقًا\" (^٥)؛ لأن الشرك أعظم من الكذب.\nقال ابن قدامة المقدسي من الحنابلة: \"ولا تنعقد اليمين بالحلف بمخلوق كالكعبة والأنبياء وسائر المخلوقات ولا تجب الكفارة بالحنث فيها، وقال أصحابنا الحلف بالرسول - ﷺ - يمين موجبة الكفارة، وروي ذلك عن أحمد\" (^٦)، ثم\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٥٩٩، ٦٠٠.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن باز ص ٥٦١.\n(^٣) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٧٩٧.\n(^٤) مجموع الفتاوى لابن تيمية ١/ ٢٠٤.\n(^٥) سبق تخريجه.\n(^٦) انظر: المغني لابن قدامة ١١/ ٢٠٩.","vol":"2","page":95},{"text":"رجح ابن قدامة المنع لأنه ليس بمنصوص ولا يصح قياس اسم غير الله على اسمه.\nوقال ابن تيمية: \"والصواب ما عليه الجمهور من أنه لا تنعقد اليمين بمخلوق لا النبي - ﷺ - ولا غيره\" (^١).\nوقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"قال بعض المتأخرين: تجب الكفارة بالحلف برسول الله - ﷺ - خاصة، وهذا قول باطل ما أنزل الله به من سلطان، فلا يلتفت إليه وجوابه المنع\" (^٢).\nوقال الشيخ ابن باز ﵀: \"وقد روي خلاف شاذ في جوازه بالنبي - ﷺ -، وهو قول لا وجه له بل هو باطل وخلاف لما سبقه من إجماع أهل العلم، وخلاف للأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك\" (^٣).\nوقال القدوري من الحنفية: \"ومن حلف بغير الله لم يكن حالفا كالنبي والقرآن والكعبة\" (^٤).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"والصواب الذي عليه عامة علماء المسلمين سلفهم وخلفهم، أنه لا يحلف بمخلوق لا نبي ولا غير نبي، ولا ملَك من الملائكة، ولا ملِك من الملوك، ولا شيخ من الشيوخ، والنهي عن ذلك نهي تحريم عند أكثرهم كمذهب أبي حنيفة وغيره وهو أحد القولين في مذهب أحمد\" (^٥).\n_________\n(^١) الاستغاثة ص ٣٦٥.\n(^٢) تيسير العزيز الحميد ص ٥٩٩.\n(^٣) مجموع فتاوى ابن باز ٧٤٢.\n(^٤) انظر: اللباب في شرح الكتاب عبد الغني الحنفي تحقيق محمود أمين النواوي ٤/ ٥.\n(^٥) الفتاوى لابن تيمية ٢٧/ ٣٤٩.","vol":"2","page":96},{"text":"ومما سبق تعلم حرمة الحلف بغير الله وأنه شرك بالله ﷿ كالحلف بالرسول - ﷺ - أو الحلف بالشرف أو الأب أو الجد أو المشايخ أو الكعبة أو الصداقة أو العظماء أو غير ذلك، لأن الحلف تعظيم للمحلوف به فلا يجوز أن يكون إلا بالله ﷾ أو بصفاته.\nومما ينهى عنه أيضًا للحلف بالأمانة كما تقدم في حديث بريدة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من حلف بالأمانة فليس منا\" (^١).\nوقال الخطابي عند شرحه لهذا الحديث: \"هذا يشبه أن تكون الكراهة فيها من أجل أنه إنما أمر أن يحلف بالله وبصفاته، وليست الأمانة من صفاته، وإنما هي أمر من أمره وفرض من فروضه، فنهوا عنه لما في ذلك من التسوية بينها وبين أسماء الله ﷿ وصفاته\" (^٢).\nوقال الشيخ محمد بن إبراهيم: \"الحلف بالأمانة إذا أطلق فهو مكروه أو حرام؛ لأن الأمانة فيها اشتراك، وذلك أن الأمانة بالنسبة إلى المخلوق كمال، ومن المعلوم أن كل كمال اتصف به المخلوق فالله أحق وأولى به، أما إذا قال: وأمانة الله، فليس من ذلك. هذا الذي أفهم الآن، أما \"أما من حلف بالأمانة فليس مني\" فهو وعيد\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-493>٢ - مسألة: إقسام الله تعالى بمخلوقاته:</span>\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: \"فإن قيل: إن الله تعالى أقسم بالمخلوقات في القرآن.\nقيل: ذلك يختص بالله ﵎، فهو يقسم بما شاء من خلقه؛ لما في ذلك\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) معالم السنن ٤/ ٤٦.\n(^٣) فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ١/ ١٧١.","vol":"2","page":97},{"text":"من الدلالة على قدرة الرب ووحدانيته، وإلهيته وعلمه وحكمته وغير ذلك من صفات كماله. وأما المخلوق فلا يقسم إلا بالخالق تعالى، فالله تعالى يقسم بما شاء من خلقه. وقد نهانا عن الحلف بغيره فيجب على العبد التسليم والإذعان لما جاء من عند الله.\nقال الشعبي: الخالق يقسم بما شاء من خلقه والمخلوق لا يقسم إلا بالخالق، قال: ولأن أقسم بالله فأحنث أحب إليّ من أن أقسم بغيره فأبر.\nوقال مطرف بن عبد الله: إنما أقسم الله بهذه الأشياء ليعجب بها المخلوقين، ويعرفهم قدرته لعظم شأنها عندهم، ولدلالتها على خالقها ذكرهما ابن جرير\" (^١).\nوقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"وأما قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١]. وقوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١)﴾ [البلد: ١]. وقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ [الليل: ١]، وما أشبه ذلك من المخلوقات التي أقسم الله بها فالجواب من وجهين:\nالأول: أن هذا من فعل الله، والله لا يُسأل عما يفعل، وله أن يقسم سبحانه بما شاء من خلقه وهو سائل غير مسؤول وحاكم غير محكوم عليه.\nالثاني: أن قسم الله بهذه الآيات دليل على عظمته وكمال قدرته وحكمته، فيكون القسم بها الدال على تعظيمها ورفع شأنها متضمنا للثناء على الله ﷿ بما يقتضيه من الدلالة على عظمته\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-494>٣ - فائدة في ذكر أيمان النبي - ﷺ - من ذلك:</span>\n(ومقلب القلوب) (^٣)، (والله) (^٤)، (ورب الكعبة) (^٥)، (وأيم الله) (^٦)، (وأيم الذي\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٥٩٦.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٧٩٨. وانظر القول المفيد ط ١ - ٢/ ٣٢٥.\n(^٣) أخرجه البخاري ٦٦٢٨.\n(^٤) أخرجه البخاري ٦٦٣١، ٦١٠١.\n(^٥) أخرجه البخاري ٦٦٣٨.\n(^٦) أخرجه البخارى ٦٧٨٨، ٦٦٢٧.","vol":"2","page":98},{"text":"نفس محمد بيده) (^٣)، (والذي نفس محمد بيده) (^٤)، (والذي نفسي بيده) (^٥)، (والذي لا إله غيره) (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-495>٤ - مسألة في قوله - ﷺ -: \"أفلح وأبيه إن صدق</span>\":\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"وأما ما ثبت في صحيح مسلم من قوله - ﷺ -: \"أفلح وأبيه إن صدق\" (^٧). فالجواب من وجوه:\nالأول: أن بعض العلماء أنكر هذه اللفظة، وقال: أنها لا تثبت في الحديث، لأنها مناقضة للتوحيد، وما كان كذلك فلا تصح نسبة إلى رسول الله - ﷺ - فيكون باطلًا.\nالثاني: أنها تصحيف من الرواة والأصل: \"أفلح والله إن صدق\". وكانوا في السابق لا يشكلون الكلمات و\"أبيه\" تشبه \"الله\" إذا حذفت النقط السفلى.\nالثالث: أن هذا مما جرى على الألسنة بغير قصد (^٨) وقد قال تعالى وهذا لم ينو فلا يؤاخذ.\nالرابع: أنه وقع من النبي - ﷺ - وهو أبعد الناس عن الشرك فيكون من خصائصه وأما غيره فهم منهيون عنه، لأنهم لا يساوون النبي - ﷺ - في الإخلاص والتوحيد.\nالخامس: أنه على حذف مضاف والتقدير \"أفلح ورب أبيه\".\n_________\n(^٣) أخرجه البخاري ٦٦٣٩.\n(^٤) أخرجه البخاري ٦٦٣٠.\n(^٥) أخرجه البخاري ٦٦٢٩، ٦٦٣٣.\n(^٦) أخرجه مسلم ٢٦٤٣.\n(^٧) أخرجه مسلم (١١).\n(^٨) وارتضى هذا الجواب البيهقي والنووي وتُعُقِّب بأن الرسول - ﷺ - نهى عمر عن الحلف بأبيه وأنه لا يمكن أن نسأل كل شخص حلف بغير الله هل قصد القسم أم لا؟. انظر: الفتح ١١/ ٥٣٣.","vol":"2","page":99},{"text":"السادس: أن هذا منسوخ (^١)، وأن النهي الناقل من الأصل، وهذا أقرب الوجوه ... وهذه اللفظة على فرض صحتها من المتشابه فترد إلى المحكم كما هي طريقة الراسخين في العلم\" (^٢).\nقال الشيخ ابن باز ﵀: \"وبكل حال فهي رواية فردة شاذة لا يجوز لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتشبث بها ويخالف الأحاديث الصحيحة الصريحة الدالة على تحريم الحلف بغير الله، وأنه من المحرمات الشركية\" (^٣).\nومن هذا الباب أيضًا حديث: \"أما وأبيك لتُنبأنه\" (^٤). وهي رواية قال العلماء بأنها شاذة (^٥) لأنها إحدى روايتي محمد بن الفضيل عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة وخالف فيها عبد الواحد وسفيان بن عيينة وجرير وشريك حيث رووا الحديث بدون الحلف. ومن قال إن له شاهدا آخر من حديث شريك عن عمارة عن أبي هريرة وفيه: \"وأبيك لتنبأن، أمك ثم أمك\" فهذه أيضًا خالف فيها شريك بن عبد الله القاضي كلا من فضيل بن غزوان وجرير بن عبد الحميد.\nقال الإمام الشوكاني ﵀: \"وأما الاستدلال على عدم الإثم بما ورد في غاية الندرة والقلة كحديث \"أفلح وأبيه إن صدق\" فمن الغرائب والمغالط وكيف تهمل المناهي والزواجر التي وردت موردا يقرب من التواتر بمثل هذا الذي تعرض العلماء لتأويله بوجه من وجوه التأويل التي يجب استعمالها والمصير إليها فيما\n_________\n(^١) قاله الماوردي: وحكاه البيهقي وقال السبكي أكثر الشراح عليه قال المنذري: دعوى النسخ ضعيفة لإمكان الجمع ولعدم تحقق التاريخ. الفتح ١١/ ٥٣٥.\n(^٢) فتاوى العقيدة ص ٢٨٦.\n(^٣) مجموع فتاوى ابن باز ص ٧٢٥.\n(^٤) أخرجه مسلم رقم ١٠٣٢.\n(^٥) ممن حكم بشذوذها الشيخ مقبل الوادعي، انظر: فقه الأيمان ص ٦٨.","vol":"2","page":100},{"text":"خالف السنن الظاهرة المشتهرة\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-496>٥ - ما يجب على المحلوف له بالله:</span>\nأما في حق المحلوف له بالله فيجب أن يرضى بهذه اليمين كما ثبت ذلك عن ابن عمر - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا تحلفوا بآبائكم من حلف بالله فليصدق، ومن حُلف له بالله فليرض، ومن لم يرض بالله فليس من الله\" (^٢) وهذا فيه أمر منه - ﷺ - لمن حُلِف له بالله في خصومة أو غيرها أن يرضى باليمين لأن ذلك من تعظيم الله، ثم بين - ﷺ - الوعيد الشديد في حق من لم يرض بالحلف بالله فقال: \"ومن لم يرضَ باله فليس من الله\".\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: \"لأنه يدل على قلة تعظيمه لجناب الربوبية، إذ القلب الممتلئ بمعرفة عظمة الله وجلاله وعزته وكبريائه لا يفعل ذلك\" (^٣).\nوقال أيضًا ﵀: \"قوله: \"ومن حُلِفَ له بالله فليرض\" أي: وجوبا كما يدل عليه قوله: \"ومن لم يرض فليس من الله\" ولفظ ابن ماجه \"ومن لم يرض بالله فليس من الله\" وهذا وعيد كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ٢٨].\nوأما من ناحية الأمور الشرعية في باب التحاكم عند القاضي فيجب أن يرضي باليمين ويلتزم بمقتضاها. لأن هذا من باب الرضا بالحكم الشرعي.\nقال ابن كثير ﵀: \"أي: فقد برئ من الله، وهذا عام في الدعاوى وغيرها، ما لم يفضِ إلى إلغاء حكم شرعي كمن تشهد عليه البينة الشرعية، فيحلف على تكذيبها\n_________\n(^١) السيل الجرار للشوكاني ٤/ ١٦.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه بسند حسن (٢١٠١)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة وقال صحيح.\n(^٣) تيسير العزيز الحميد ص ٦٠٣.","vol":"2","page":101},{"text":"فلا يقبل حلفه، ولهذا لما رأى عيسى ﵇ رجلًا يسرق فقال له: سرقت قال: كلا والله الذي لا إله إلا هو، فقال عيسى: \"آمنت بالله وكذبت عيني\" (^١)، وفيه وجهان:\nأحدهما: قال القرطبي: \"ظاهر قول عيسى عليه للسَّلام للرجل سرقت أنه خبر جازم، لكونه أخذ مالًا من حرز في خفية، وقول الرجل: كلا، نفي لذلك، ثم أكده باليمين. وقول عيسى: آمنت بالله وكذبت عيني أي: صدقت من حلف بالله، وكذبت ما ظهر لي من كون الأخذ سرقة، فإنه يحتمل أن يكون الرجل أخذ ماله فيه حق، أو ما أذن له صاحب في أخذه أو أخذه ليقلبه، وينظر فيه ولم يقصد الغصب والاستيلاء.\nقلت: وهذا فيه نظر وصدر الحديث يرده وهو قول النبي - ﷺ -: \"رأى عيسى رجلا يسرق\" فأثبت - ﷺ - سرقته.\nالثاني: ما قاله ابن القيم: \"إن الله تعالى كان في قلبه أجل من أن يحلف به أحد كاذبًا. فدار الأمر بين تهمة الحالف، وتهمة بصره، فرد التهمة إلى بصره، كما ظن آدم - ﵇ - صدق إبليس لما حلف له أنه ناصح\".\nقلت (^٢): هذا القول أحسن من الأول وهو الصواب - إن شاء الله تعالى - \" (^٣).\nوقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"وأما بالنسبة للمحلوف له فهل يلزمه أن يصدِق أم لا؟ المسألة لا تخلو من أحوال خمس:\nالأولى: أن يعلم كذبه فلا أحد يقول إنه يلزم تصديقه.\nالثانية: أن يترجح كذبه فكذلك لا يلزم تصديقه.\nالثالثة: أن يتساوى الأمران فهذا يجب تصديقه.\nالرابعة: أن يترجح صدقه فيجب أن يُصدَّق.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٤٤٤).\n(^٢) القائل الشيخ سليمان بن عبد الله وما زال الكلام موصولًا.\n(^٣) تيسير العزيز الحميد ص ٦٠٤.","vol":"2","page":102},{"text":"الخامسة: أن يعلم صدقه فيجب أن يصدقه.\nوهذا في الأمور الحسية، أما الأمور الشرعية في باب التحاكم فيجب أن يرضى باليمين ويلتزم بمقتضاها؛ لأن هذا من باب الرضا بالحكم الشرعي وهو واجب\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-497>٦ - حكم كثرة الحلف والحنث فيه:</span>\nقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا﴾ [البقرة: ٢٢٤].\nوقال تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩].\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"الحلف (^٢) منفقة للسلعة، ممحقة للبركة\" (^٣).\nوعن أبي قتادة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إياكم وكثرة الحلف البيع فإنه ينفق ثم يمحق\" (^٤).\nوعن سلمان: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: أشيميط زان، وعائل مستكبر، ورجل جعل الله بضاعته، ولا يشتري إلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه\" (^٥).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٨١٠. وانظر القول المفيد ط ١ - ٢/ ٣٣٧.\n(^٢) والمراد بالحلف هنا الحلف الكاذب كما بينته رواية أحمد: \"اليمين الكاذبة\" في المسند ٢/ ٢٣٥، ٢٣٤، ٤١٣.\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٠٨٧)، ومسلم (١٦٠٦)، ولفظه عند مسلم (ممحقة للربح).\n(^٤) أخرجه مسلم (١٦٠٧).\n(^٥) أخرجه الطبراني بسند صحيح (٦١١١). قال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"وهذه أعمال تدل على أن صاحبها إن كان موحدا فتوحيده ضعيف\" تيسير العزيز الحميد ص ٧٢٧.\nقلت - القائل الشيخ سليمان -: \"وسبب ذلك أنه امتهن اسم الله سبحانه جعله وسيلة لاكتساب المال والتغرير بالناس - والله أعلم -\".","vol":"2","page":103},{"text":"وفي الصحيحين عن عمران بن حصين - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم\". قال عمران: فلا أدري: أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة \"ثم إن بعدكم قومًا يشهدون ولا يستشهدون (^١)، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن\" (^٢).\nوفيه عن ابن مسعود - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: \"خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته\". قال إبراهيم - أي النخعي -: وكانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار (^٣).\nقال السعدي ﵀: \"أصل اليمين إنما شُرعت تأكيدًا للأمر المحلوف عليه وتعظيمًا للخالق، ومن تمام هذا التعظيم أن لا يُحلف بالله إلا صادقًا، ومن تمام هذا التعظيم أن يُحترم اسمه عن كثرة الحلف. فالكذب وكثرة الحلف تنافي التعظيم الذي هو روح التوحيد\" (^٤).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا﴾ [البقرة:٢٢٤] يقول القرطبي ﵀ \" ... وقيل: المعنى لا تستكثروا من اليمين بالله فإنه أهيب للقلوب، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾، وذم من كثَّر اليمين فقال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠)﴾ [القلم: ١٠]، والعرب تمتدح بقلة الأيمان\n_________\n(^١) والمعنى أنهم يؤدون الشهادة قبل أن تطلب منهم لاستخفافهم بالشهادة وعدم تحريهم الصدق وهذا بخلاف من في ترك شهادته فوات حق وضياعه فإن الشاهد عليه - حينئذ - التقدم بشهادته لإرجاع الحق إلى أهله وعليه يحمل حديث: خير الشهود الذين يشهدون قبل أن يستشهدوا. وفي رواية: أن النبي - ﷺ - قال: \"ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألها\" رواه مسلم (١٧١٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٦٥٠)، ومسلم (٢٥٣٥).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٦٥١)، ومسلم (٢٥٣٣).\n(^٤) القول السديد في مقاصد التوحيد ص ١٤٩.","vol":"2","page":104},{"text":"حتى قال قائلهم:\nقليل الألايا حافظ ليمينه ... وإن صدرت منه الألية برتِ\nوعلى هذا ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ معناه: أقِلِّوا الأيمان لما فيه من البر والتقوى، فإن الإكثار يكون معه الحنث وقلة رعي لحق الله تعالى، وهذا تأويل حسن ... \" (^١).\nوقال ابن الجوزي ﵀: \"وفي معنى الآية ثلاثة أقوال ...:\nالثالث: أن معناها لا تكثروا الحلف بالله وإن كنتم بارين مصلحين، فإن كثرة الحلف بالله ضرب من الجرأة عليه. هذا قول ابن زيد\" (^٢).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ قال في فتح المجيد:\n\"يقول ابن جرير ﵀ في معنى الآية: لا تتركوها بغير تكفير.\nوذكر غيره من المفسرين عن ابن عباس يريد: لا تحلفوا. وقال آخرون: احفظوا أيمانكم عن الحنث (^٣) فلا تحنثوا\" (^٤).\nثم بيَّن الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀ أن القولين متلازمان فيلزم من كثرة الحلف كثرة الحنث مع ما يدل على الاستخفاف وعدم التعظيم لله وغير ذلك مما ينافي كمال التوحيد الواجب.\nقال الشيخ السعدي في التفسير: \"واحفظوا أيمانكم: أي الحلف بالله كاذبا وعن كثرة الأيمان، واحفظوها إذا حلفتم عن الحنث فيها، إلا إذا كان الحنث خيرا، فتمام الحفظ: أن يفعل الخير، ولا يكون يمينه عرضة لذي الخير\" (^٥).\n_________\n(^١) تفسير القرطبي ٣/ ٩٧. والبيت لكُثيِّر عزة وقوله: \"حافظ ليمينه\" وصفٌ منه بأنه لا يحلف.\n(^٢) زاد المسير ١/ ٢٢٨.\n(^٣) في مختار الصحاح: الحنث: الإثم والذنب، والحنث: الخُلْف في اليمين، وقال الراغب: وقيل حَنِثَ في يمينه إذا لم يفِ بها. انظر مادة (ح ن ث).\n(^٤) فتح المجيد ص ٥٨٧.\n(^٥) تفسير السعدي لقوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩].","vol":"2","page":105},{"text":"وقال الشيخ ابن عثيمين: \"وكل يمين لها ابتداء وانتهاء ووسط، فالابتداء الحلف والانتهاء الكفارة والوسط الحنث وهو أن يفعل ما حلف على تركه أو يترك ما حلف على فعله ... وحفظ اليمين يشمل هذه الثلاثة\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-498>٧ - كفارة الحلف بغير الله:</span>\nعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من حلف فقال في حلفه: واللات والعزّى، فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك فليتصدق\" (^٢).\nقال الخطابي: \"إنما أوجب قول لا إله إلا الله على من حلف باللات والعزى شفقًا من الكفر أن يكون قد لزمه؛ لأن اليمين إنما تكون بالمعبود الذي يُعظّم، فإذا حلف بهما فقد ضاهى الكفار في ذلك وأمر أن يتداركه بكلمة التوحيد المبرئة من الشرك\" (^٣).\nوقال ابن العربي ﵀: \"من حلف بها جادًّا فهو كافر، ومن قالها جاهلا أو ذاهلا يقول: لا إله إلا الله، يكفّر الله عنه، ويرد قلبه عن السهو إلى الذكر، ولسانه إلى الحق، وينفي عنه ما جرى به من اللّغو \" (^٤).\nوقال الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: \"والحديث دليل على أنه لا تجب الكفارة بالحلف بغير الله مطلقًا، لأنه لم يذكر فيه كفارة للحلف بغير الله ولا في غيره من الأحاديث، فليس فيه كفارة إلا النطق بكلمة التوحيد، والاستغفار\" (^٥).\nولا إله إلا الله تقال عند الحلف بغير الله وليست مختصة باللات والعزى.\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ١٠٤٢ باختصار. وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ٢١٩.\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٨٦٠). ومسلم (١٦٤٧).\n(^٣) أعلام الحديث ٣/ ١٩١٨.\n(^٤) فتح الباري (٨/ ٦١٢).\n(^٥) تيسير العزيز الحميد ص ٦٠٠.","vol":"2","page":106},{"text":"قال القرطبي ﵀: \"وخص اللات بالذكر لأنها أكثر ما كانت تجري على ألسنتهم، وحكم غيرها من أسماء آلهتهم حكمها إذ لا فرق بينها\" (^١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"الأيمان التي يحلف بها الناس نوعان:\nأحدهما: أيمان المسلمين.\nوالثاني: أيمان المشركين.\nفالقسم الثاني الحلف بالمخلوقات كالحلف بالكعبة والملوك والآباء والسيف وغير ذلك ... فهذه الأيمان لا حرمة لها بل هي غير منعقد ولا كفارة على من حنث فيها باتفاق المسلمين. بل من حلف بها فينبغي أن يوحد الله تعالى كما قال النبي - ﷺ -: \"من حلف فقال في حلفه: واللات والعزى. فليقل: لا إله إلا اللهُ\"\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-499>١١٣ - الحلقة</span>\nانظر باب (التميمة) تحت عنوان لبس الحلقة والخيط لرفع البلاء أو دفعه.\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن ٦/ ٢٧١.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٣٣/ ١٢٢.","vol":"2","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-500>١١٤ - حماية التوحيد</span>*\nفي اللغة: قال أبو بكر الرازي: \"حماه يحميه حماية: دفع عنه، وهذا شيء حمى أي محظور لا يقرب، وأحميت المكان جعلته حمى\" (^١).\nقال الفيومي: \"وحِميته بالكسر منعته عنهم، والحماية اسم منه، والحمى لا يُقرب ولا يجترأ عليه\" (^٢).\nوقد بذل الرسول - ﷺ - جهدَه قولًا وعملًا لحماية التوحيد عما يشوبه من الأقوال والأعمال التي يزول معها التوحيد أو ينقص.\nقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: \"ونهى عن كل سبب يوصل إلى الشرك وذلك رحمة بالمؤمنين ليتحققوا بالقيام بما خلقوا له من عبودية الله الظاهرة والباطنة وتكميلها لتكمل لهم السعادة والفلاح وشواهد هذه الأمور كثيرة معروفة\" (^٣).\nوقد جاء التحذير من الأقوال التي تقتضي المساواة في الألفاظ، قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"جاء كتاب الله تعالى وتلته سنة رسوله - ﷺ - بتحقيق التوحيد وإخلاصه وتخليصه من كل شائبة وسد كل طريق يمكن أن يوصل إلى ثلم هذا التوحيد أو إضعافه حتى إن رجلًا قال للنبي - ﷺ -: ما شاء الله وشئت فقال النبي - ﷺ -:\n_________\n* قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص ٦٧، ٧٥. تيسير العزيز الحميد ص ٧٤٩. فتح المجيد ص ٦٠٩. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٣٩٣. مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ١٠، ٤٣٤/ ١١٠٢. وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ٤٤٧،٣/ ٢٧٦ ط ٢ - ٣/ ٣٤٧. الدرر السنية ١٢/ ١٨١. نور على الدرب ص ٢٧٢. جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية ٥٦٣، ٦٨٢.\n(^١) مختار الصحاح (ح م ى).\n(^٢) المصباح المنير (ح م ى).\n(^٣) القول السديد ص ٧٦.","vol":"2","page":108},{"text":"\"أجعلتني لله ندًا؟ بل ما شاء الله وحده\" فأنكر النبي - ﷺ - على هذا الرجل أن يقرن مشيئة الله تعالى بحرف يقتضي التسوية بينهما وجعل ذلك من اتخاذ الند لله ﷿ واتخاذ الند لله تعالى إشراك به وحرم النبي - ﷺ - أن يحلف الرجل بغير الله وجعل ذلك من الشرك بالله فقال - ﷺ -: \"من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك\" وذلك لأن الحلف بغير الله تعظيم للمحلوف به بما لا يستحقه إلا الله ﷿ فلا يجوز للمسلم أن يقول عند الحلف: والنبي، أو وحياة النبي، أو وحياتك، أو وحياة فلان، بل يحلف بالله وحده أو يصمت عند الحلف\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-501> الفرق بين حماية حمى التوحيد وحماية جنابه:</span>\nفي كتاب التوحيد بوَّب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ بابين في ذلك حيث ذكر الباب الواحد والعشرين بقوله: (باب ما جاء في حماية المصطفى - ﷺ - جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك) ثم ذكر في الباب الخامس والستين من آخر الكتاب: (باب ما جاء في حماية النبي - ﷺ - حمى التوحيد، وسده طرق الشرك).\nقال الشيخ السعدي ﵀: \"إن حماية جناب التوحيد بسد الطرق الفعلية، أما حماية حمى التوحيد فيتعلق بالتأدب والتحفظ بالأقوال\" (^٢).\nوفي شرح الشيخ ابن باز ﵀ في الباب الأخير من كتاب التوحيد المتعلق بحماية حمى التوحيد قال: \"هنا تكلم على حماية التوحيد من جهة لأقوال؛ وقد تقدم طرق وباب حماية التوحيد من جهة الأفعال وحماية جناب التوحيد والجناب هو الجزء منه، وهذا الباب في حمى التوحيد والحمى غير الذات خارج عن الذات فهذه الترجمة أبلغ فيما يتعلق بالتوحيد وفيما يتعلق بالأقوال. فالرسول - ﷺ - حمى جناب التوحيد وحمى حماه من جهة القول والعمل حتى لا يقر الناس من الشرك\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٢٤٠. وانظر باب الحلف في هذا المعجم فقد أوضحت الكلام فيه.\n(^٢) القول السديد ١٥٥.","vol":"2","page":109},{"text":"ويقعوا فيه وحذر من وسائله وذرائعه الموصلة إليه وهذا من كمال البلاغ\" (^١).\nومن حماية جانب التوحيد منع وسائل الشرك والنهي عنها (^٢)، والوسيلة هي التوصل إلى الشيء برغبة.\nقال السعدي ﵀ في تعريف الشرك الأصغر: \"هو جميع الأقوال والأفعال التي يُتوسل بها إلى الشرك كالغلو في المخلوق الذي لا يبلغ رتبة العبادة كالحلف بغير الله ويسير الرياء ونحو ذلك\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-502> وتتمثل الوسائل الشركية فيما يلي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-503>١ - الغلو في الأنبياء والصالحين:</span>\nقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد: \"باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين\" وقد جاء النهي عن الغلو في مواطن كثيرة كما قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء:١٧١].\nوقال تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ [طه: ٨١].\nوقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"وهذا كثير في السنة الثابتة عنه - ﷺ - كقوله: \"لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله\"، وقوله: \"إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله ﷿\" ونحو ذلك\" (^٤).\n_________\n(^١) من شرح الشيخ ابن باز على كتاب التوحيد.\n(^٢) الانتصار لأبا بطين ص ٦٩. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٤/ ٦٣. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٢١، ٢٨. نور على الدرب ٤١٣، ١٦٤، ٤١١، ٢٧٢، ٣٠٢. الإرشاد للفوزان ص ٣٦. إعانة المستفيد للفوزان ١/ ٤٢٦، ٤٢٧. جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية ص ٦٢١، ٦٨٢.\n(^٣) القول السديد لابن سعدي ص ٢٤.\n(^٤) تيسير العزيز الحميد ص ٧٣١.","vol":"2","page":110},{"text":"وكذلك يكون الغلو في رفع القبور وتشييدها والبناء عليها قال الشيخ محمد بن إبراهيم: \"فالحكم في هذه الأمور أنها لا تجوز، فقد صرحت الأحاديث بالنهي عن ذلك والتحذير منه وتحريمه، فإن هذا من الغلو الذي تكاثرت الأحاديث بالنهي عن عنه، فإنه أعظم وسائل الشرك وأسبابه، وبسببه وقع الشرك كما في الصحيح من حديث ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)﴾ [نوح:٢٣] \" (^١).\nوقال الشيخ صالح الفوزان: \"الغلو في الصالحين وبناء المساجد على القبور والغلو في القبور كل هذا من الوسائل المفضية إلى الشرك وقد نهى النبي - ﷺ - عنها سدا للطريق الموصل إلى الشرك\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-504>٢).\n\n٢ - الموافقة الظاهرة للكفار:</span>\nقال ابن القيم ﵀: \"وقد حمى - ﷺ - جانب التوحيد أعظم حماية، حتى نهى عن صلاة التطوع لله سبحانه عند طلوع الشمس وعند غروبها، لئلا يكون ذريعة إلى التشبه بعبّاد الشمس الذين يسجدون لها في هاتين الحالتين، وسد الذريعة بأن منع الصلاة بعد العصر والصبح، لاتصال هذين الوقتين بالوقتين اللذين سجد المشركون فيهما للشمس\" (^٣).\nوقال أيضًا ﵀: \"الوجه الرابع عشر أنه ﷺ نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها وكان من حكمة ذلك أنهما وقت سجود المشركين للشمس وكان النهي عن الصلاة لله في ذلك الوقت سدا لذريعة\n_________\n(^١) فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم ١/ ١١٩.\n(^٢) إعانة المستفيد ١/ ٤٢٥.\n(^٣) الجواب الكافي ٩٣.","vol":"2","page":111},{"text":"المشابهة الظاهرة التي هي ذريعة إلى المشابهة في القصد مع بعد هذه الذريعة فكيف بالذرائع القريبة\" (^١).\nقال السعدي ﵀: \"والموافقة الظاهرة تدعو إلى الموافقة الباطنة والميل إليهم ومن هذا السبب نهى الشارع عن مشابهة الكفار في شعارهم وأعيادهم وهيئاتهم ولباسهم وجميع ما يختص بهم إبعادا للمسلمين عن الموافقة لهم في الظاهر التي هي وسيلة قريبة للميل والركون إليهم حتى أنه نهى عن الصلاة النافلة في أوقات النهي التي يسجد المشركون فيها لغير الله خوفا من التشبه المحذور\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-505> ومن الموافقة الظاهرة للكفار تعظيم أماكن الجاهلية وأعيادهم:</span>\nجاء في حديث ثابت بن الضحاك - ﵁ - قال: نذر رجل أن ينحر إبلًا ببوانة فسأل النبي - ﷺ - فقال: \"هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ \" قالوا: لا، قال: \"فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ \" قالوا: لا، فقال رسول الله - ﷺ -: \"أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم\" (^٣).\nفدل الحديث على أن المؤمن ينبغي له أن يبتعد عن أماكن الجاهلية ولا يخصها بعبادة حتى لا يتشبه بهم وينسب إليهم.\nقال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: \"وقد صرح العلماء بتحريم الذبح في المقبرة لما فيه من مشابهة المشركين، ولأنه وسيلة إلى الشرك بالذبح للموتى والتقرب إليهم\" (^٤).\nوقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"أما بالنسبة للصلاة في الكنيسة فإن الصلاة\n_________\n(^١) إعلام الموقعين ٣/ ١٣٩، ١٤٠.\n(^٢) القول السديد ص ٤٧.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٣٣١٣)، وابن ماجه (٢١٣١).\n(^٤) فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم ١/ ١٢٤.","vol":"2","page":112},{"text":"تخالف صلاة أهل الكنيسة فلا يكون الإنسان متشبها بهذا العمل بخلاف الذبح مكان يذبح فيه لغير الله، فإن الفعل واحد بنوعه وجنسه ولهذا لو أراد إنسان أن يصلي في مكان يذبح فيه لغير الله لجاز ذلك لأنه ليس من نوع العبادة التي يفعلها المشركون في هذا المكان\" (^١).\nوقال الشيخ صالح الفوزان: \"فالرسول - ﷺ - حمى حدود التوحيد حماية بليغة، بحيث أنه نهى عن كل سبب أو وسيلة توصل إلى الشرك، ولو كانت هذه الوسيلة في أصلها مشروعة كالصلاة، إذا فعلت عند القبور، فهو وسيلة إلى الشرك، ولو حسنت نية فاعلها، فالنية لا تبرر ولا تزكي العمل إذا كان يؤدي إلى محذور، والدعاء مشروع، ولكن إذا دعا عند القبر، فهذا ممنوع، لأنه وسيلة إلى الشرك بهذا القبر، هذا سد الوسائل.\nفالرسول نهى عن الصلاة عند القبور، ونهى عن الدعاء عند القبور، ونهى عن البناء عند القبور، ونهى عن العكوف عند القبور، واتخاذ القبور عيدا، إلى غير ذلك، كل هذا من الوسائل التي تفضي إلى الشرك، وهي ليست شركا في نفسها، بل قد تكون مشروعة في الأصل، ولكنها تؤدي إلى الشرك بالله ﷿، ولذلك منعها - ﷺ - \" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-506>٣ - السؤال بالخلق أو بالجاه:</span>\nقال ابن باز: \"قول القائل: أسأل الله بحق أوليائه أو بجاه أوليائه أو بحق النبي أو بجاه النبي هذا ليس من الشرك ولكنه بدعة عند جمهور أهل العلم ومن وسائل الشرك\" (^٣).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٢٣٥. وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ٢٤٢.\n(^٢) إعانة المستفيد ١/ ٤٢٦، ٤٢٧.\n(^٣) مجموع فتاوى ابن باز ٣/ ٩٤٧، ٩٦٢.","vol":"2","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-507>٤ - اتخاذ الصور:</span>\nيقول الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"ولقد بلغ من سد النبي - ﷺ - ذرائع الشرك ووسائله أن لا يترك في بيته صورة شيء يعبد من دون الله تعالى أو يعظم تعظيم عبادة. ففي صحيح البخاري عن عائشة - ﵂ - قالت: لم يكن النبي - ﷺ - يترك في بيته شيئًا فيه تصاليب إلا نقضه ...\nإلى أن قال: فكان من هدي النبي - ﷺ - إزالة كل ما فيه تصاليب حماية لجانب التوحيد وإبعادًا عن مشابهة غير المسلمين ولقد كانت بلادنا هذه والحمد لله من أعظم البلاد الإسلامية محافظة على توحيد الله تعالى ومتابعة رسوله - ﷺ - بما منّ الله عليها من علماء مبينين وولاة منفذين وصارت عند أعداء الإسلام قلعة الإسلام فغزوها من كل جانب بكل شكل من أشكال الغزو حتى كثرت الفتن فيها وصارت صور الصلبان على بعض الألعاب للأطفال بل وعلى الفرش لتكون نصب أعين المسلمين صبيانهم وكبارهم فلا حول ولا قوة إلا بالله وإنا لله وإنا إليه راجعون\" (^١).\nوقد ورد استفتاء إلى الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ قال فيه المستفتي: \"تقوم بعض المحلات التجارية ببيع صورة مكبرة لقبر الرسول - ﷺ - وصاحبيه - ﵄ -، ويقوم بعض الناس بتعليقها على الجدران، والسؤال: هل يجوز بيع تلك الصور وتعليقها؟ أم لا؟.\nالجواب: هذه الصورة لا تجوز، وبيعها لا يجوز، لأن ذلك من وسائل الغلو فيه - ﷺ - وفي صاحبيه - ﵄ -، ومن أسباب الشرك بالله - ﷺ -. فالواجب ترك ذلك، ولا يجوز ذلك ولا بيعه لكونه وسيلة للغلو والشرك. وفق الله المسلمين جميعًا للفقه في\n_________\n(^١) خطب في العقيدة ص ٢٤٢ من مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين ٦/ ٢٤٢.","vol":"2","page":114},{"text":"دينه، والسلامة من أسباب غضبه، إنه خير مسؤول\" (^١).\nوأما نَصْبُ النُّصُب ووضع التماثيل واتخاذها فإنه أشد من اتخاذ الصور قال ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)﴾ [نوح:٢٣]: \"هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا في مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا وَسمُّوها بأسمائهم، ففعلوا ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونُسي العلم عُبدت\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-508>٥ - تعليق الحروز من القرآن:</span>\nقال الشيخ ابن باز ﵀: \"القول بجواز تعليق ما كان من القرآن أو الأدعية المباحة والأذكار الشرعية استثناء بغير حجة ووسيلة إلى تعليق التمائم الأخرى الشركية، ومعلوم أن الأخذ بالعموم متعين ما لم يرد ما يخصه، كما أن من المعلوم من الشريعة المطهرة وجوب سد الذرائع المفضية إلى الشرك أو إلى ما دونه من المعاصي؛ ولأنها إذا علقت صارت وسيلة إلى تعلق القلوب بها والاعتماد عليها ونسيان الله ﷾، فمن حكمة الله في هذا أنه ﷾ ونهى عنها حتى تكون القلوب معلقة به سبحانه لا بغيره، وتعليق القرآن وسيلة لتعليق غيره، فلهذا وجب منع الجميع وأن لا يعلق شيء على المريض، ولا على الصبي لا من القرآن ولا من غيره\" (^٣).\n_________\n(^١) فتاوى ابن باز من كتاب الدعوة ٣/ ١٣، ١٤.\n(^٢) انظر البخاري. (٤٩٢٠)، الفتح ٨/ ٥٣٥.\n(^٣) مجموع فتاوى ابن باز ص ٩٦٥.","vol":"2","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-509>١١٥ - الحنيفية</span>*\nقال الإمام ابن تيمية ﵀: \"ذكر الثعلبي ومن اتبعه كالبغوي وغيره عن ابن عباس قال: الحنيف: المائل عن الأديان إلى دين الإسلام قالوا: وأصله من حنف الرجل وهو ميل وعوج في القدم، ومنه قيل للأحنف بن قيس ذلك لأنه كان أحنف القدم\" (^١).\nوفسرت الحنيفية بـ: الإخلاص والإسلام.\nقال محمد بن كعب: \"الحنيف: المستقيم\". وقال أبو قلابة: \"الحنيف: الذي يؤمن بالرسل كلهم\". وقال مجاهد: \"متبعًا\". وقال: \"أتباع إبراهيم\". وفسرت: بالحج (^٢).\nقال الضحاك: \"إذا كان مع الحنيف المسلم فهو الحاج، وإذا لم يكن معه فهو المسلم\" (^٣).\nقال أبو عروبة: \"الحنيفية: شهادة أن لا إله إلا الله\" (^٤).\nقال ابن تيمية ﵀: \"الحنيفية هي الاستقامة بإخلاص الدين لله\" (^٥).\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ١٨/ ٧٥، ٧٧. تفسير آيات أشكلت على كثير من العلماء لشيخ الإسلام ابن تيمية ١/ ٣٩٥. الدرر السنية ٢/ ٢٣، ٧٣. شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ص ٣١٦. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٢/ ٨٣.\n(^١) تفسير آيات أشكلت ص ٣٩٨. وانظر قول ابن عباس ﵄ في تفسير البغوي ١/ ١٥٥.\n(^٢) انظر هذه الأقوال في كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية تفسير آيات أشكلت على كثير من العلماء ١/ ٣٩٥، ٤٠٤.\n(^٣) تفسير البغوي ١/ ١١٩.\n(^٤) تفسير آيات أشكلت على كثير من العلماء ١/ ٣٩٥، ٤٠٤.\n(^٥) مجموع الفتاوى ١٠/ ٤٦٦.","vol":"2","page":116},{"text":"وقال أيضًا: \"والقرآن كله يدل على أن الحنيفية هي ملة إبراهيم، وأنها عبادة الله وحده والبراءة من الشرك، وعبادته سبحانه إنما تكون بما أمر به وشرعه، وذلك يدخل في الحنيفية، ولا يدخل فيها ما ابتدع من العبادات، كما ابتدع اليهود والنصارى عبادات لم يأمر بها الأنبياء، فإن موسى وعيسى وغيرهما من أنبياء بني إسرائيل ومن اتبعهم كانوا حنفاء بخلاف من بدل دينهم فإنه خارج عن الحنيفية\" (^١).\nوقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: \"اعلم أرشدك الله لطاعته أن الحنيفية ملة إبراهيم أن تعبد الله وحده مخلصًا له الدين\" (^٢).\nوقال ابن عثيمين ﵀: \"الحنيفية هي الملة المائلة عن الشرك، المبنية على الإخلاص لله ﷿\" (^٣).\n* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة:١٣٥]، وقال تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران:٦٧]، وقال تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران:٩٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾، [النساء: ١٢٥] وقال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج:٣٠ - ٣١]، وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ\n_________\n(^١) تفسير آيات أشكلت ٣٩٤.\n(^٢) شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٣١.\n(^٣) شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٣١.","vol":"2","page":117},{"text":"الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١)﴾ [الروم: ٣٠ - ٣١].\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"وقد فرض الله على الناس أن يكونوا حنفاء؛ فرضه الله على أهل الكتاب، ثم على أمة محمد. وأوجب عليه وعليهم أن يتبعوا ملة إبراهيم حنيفًا، فقال تعالى في أهل الكتاب ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥] وهذا أمر لجميع الخلق من المشركين، وأهل الكتاب وغيرهم\" (^١).\nوقال أيضًا ﵀: \"فالقلب إن لم يكن حنيفيًا مقبلا على الله معرضا عما سواه وإلا كان مشركًا ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾ [الروم: ٣٠ - ٣٢].\nوقد جعل الله سبحانه إبراهيم وآل إبراهيم أئمة للحنفاء المخلصين أهل محبة الله وعبادته وإخلاص الدين له، كما جعل فرعون وآل فرعون أئمة للمشركين المتبعين أهواءهم، قال تعالى في إبراهيم ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (٧٢) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣)﴾ [الأنبياء: ٧٢ - ٧٣].\nوقال في فرعون وقومه ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا\n_________\n(^١) تفسير آيات أشكلت ٣٩٣.","vol":"2","page":118},{"text":"يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: ٤١ - ٤٢].\nولهذا يصير أتباع فرعون أولًا إلى أن لا يميزوا بين ما يحبه الله ويرضاه وبين ما قدره وقضاه، بل ينظرون إلى المشيئة المطلقة الشاملة، ثم في آخر الأمر لا يميزون بين الخالق والمخلوق بل يجعلون وجود هذا وجود هذا، ويقول محققوهم الشريعة فيها طاعة ومعصية والحقيقة فيها معصية بلا طاعة والتحقيق ليس فيه طاعة ولا معصية، وهذا تحقيق مذهب فرعون وقومه الذين أنكروا الخالق وأنكروا تكليمه لعبده موسى وما أرسله به من الأمر والنهي\" (^١).\nوقد تقدم في باب (تحقيق التوحيد) لماذا سمي إبراهيم ﵇ بإمام الحنفاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-510>١١٦ - الخروج عن الشريعة</span>\nانظر باب (اعتقاد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد - ﷺ - كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى ﵇).\n_________\n(^١) العبادة ص ٤٣، مجموع الفتاوى ١٠/ ٢١٧، الفتاوى الكبرى ٢/ ٤٠٠.","vol":"2","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-511>١١٧ - الخشوع </span>*\nلغة: الخشوع يراد به الانخفاض والذل والسكون. يقال: خشعت الأرض إذا سكنت واطمأنت (^١).\nقال ابن قاسم ﵀: \"الخشوع: التطامن والتذلل وهو قريب من الخضوع إلا أن الخضوع في البدن والخشوع في القلب والبصر والصوت\" (^٢).\nوفي الشرع: قال ابن عثيمين ﵀: \"الخشوع: الذل والتطامن لعظمة الله بحيث يستسلم لقضائه الكوني والشرعي\" (^٣).\nوقيل: \"الخشوع: الانقياد للحق\" (^٤).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"هو الخضوع لله تعالى والسكون والطمأنينة إليه بالقلب والجوارح\" (^٥).\nوقيل: الخشوع: ضراعة القلب، وطمأنينته وسكونه لله تعالى، وانكساره بين يديه، ذلًا، وافتقارًا، وإيمانًا به وبلقائه.\nقال ابن القيم: \"والحق أن الخشوع معنى يلتئم من التعظيم والمحبة والذل\n_________\n* أحكام القرآن القرطبي ١/ ٣٧٤، ١١/ ٢٤٨، ١٢/ ١٠٤. الروح لابن القيم ص ٥٢٠، ٥٢١. مدارج السالكين ١/ ٥٦٠. معارج القبول ١/ ٣٣٢. حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم ص ٣٩. مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٥٥. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ص ٣٦٦. منهج الحافظ ابن رجب في العقيدة للشبل ص ٣٧٩.\n(^١) المصباح المنير (خ ش ع).\n(^٢) حاشية الأصول الثلاثة ص ٣٩.\n(^٣) شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٥٥.\n(^٤) التعريفات ص ١٣٢.\n(^٥) مجموع الفتاوى ٢/ ٣١. وانظر أيضًا مجموع الفتاوى ٧/ ٢٨ - ٣٠.","vol":"2","page":120},{"text":"والانكسار\" (^١).\nومحل الخشوع: القلب، وثمرته: تظهر على الجوارح، ولذا قيل: إذا ضرع القلب، خشعت الجوارح، وذلك لأن القلب ملك البدن، وأمير الأعضاء، تصلح بصلاحه، وتفسد بفساده.\nوالخشوع عبادة قلبية يجب صرفها لله وحده.\n* الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦].\nوعلق الله بها أسباب الفلاح في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١ - ٢].\n* الدليل من السنة: دعاء الرسول - ﷺ - في ركوعه: \"اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي\" (^٢).\nوعن زيد بن أرقم أن النبي - ﷺ - كان يقول: \"اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ومن دعوة لا يستجاب لها\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-512>فوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-513>١ - سبب الخشوع:</span>\nقال الحافظ ابن رجب ﵀: \"وأصل الخشوع الحاصل في القلب: إنما هو معرفة الله، ومعرفة عظمته، وجلاله وكماله، فمن كان بالله أعرف فهو له أخشع.\nويتفاوت الخشوع في القلب بحسب تفاوت معرفتها لمن خشعت له، وبحسب\n_________\n(^١) مدارج السالكين ١/ ٥٢٢، وانظر فيه تعاريف أخرى.\n(^٢) أخرجه مسلم (٧٧١).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٧٢٢).","vol":"2","page":121},{"text":"تفاوت مشاهدة القلوب للصفات المقتضية للخشوع. فمن خاشع لقوة مطالعته لقرب الله من عبده، واطلاعه على سره وضميره المقتضي للاستحياء من الله تعالى، ومراقبته في الحركات والسكنات. ومن خاشع لمطالعته لكماله وجماله المقتضي للاستغراق في محبته والشوق إلى لقائه ورؤيته. ومن خاشع لمطالعته شدة بطشه وانتقامه وعقابه المقتضي للخوف منه وهو ﷾: جابر المنكسرة قلوبهم من أجله .. \" (^١).\nوالعلم النافع إذا وقر في القلب فإنه يُثمر لصاحبه خشوعًا في قلبه وإجلالًا لمولاه ﷾، قال ابن رجب ﵀: \"وسبب ذلك أن هذا العلم النافع يدل على أمرين:\nأحدهما: على معرفة الله وما يستحقه من الأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال الباهرة وذلك يستلزم إجلاله وإعظامه وخشيته ومهابته ومحبته ورجاءه والتوكل عليه والرضا بقضائه والصبر على بلائه.\nالثاني: المعرفة بما يحبه ويرضاه وما يكرهه ويسخطه من الاعتقادات والأعمال الظاهرة والباطنة والأقوال.\nفيوجب ذلك لمن علمه المسارعة إلى ما به محبة الله ورضاه والتباعد عما يكرهه ويسخطه فإذا أثمر العلم لصاحبه هذا فهو علم نافع فمتى كان العلم نافعا ووقر في القلب فقد خشع القلب لله وانكسر له وذل هيبة وإجلالًا وخشية ومحبة وتعظيما ومتى خشع القلب لله وذل وانكسر له قنعت النفس بيسير الحلال من الدنيا وشبعت به فأوجب لها ذلك القناعة والزهد في الدنيا\" (^٢).\n_________\n(^١) الخشوع في الصلاة ص ٢٠ - ٢١.\n(^٢) فضل علم السلف على الخلف ص ٣٦.","vol":"2","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-514>٢ - خشوع النفاق:</span>\nخشوع النفاق هو خشوع الرياء والسمعة.\nقال الحافظ ابن رجب ﵀: \"ومتى تكلف الإنسان تعاطي الخشوع في جوارحه وأطرافه مع فراغ قلبه من الخشوع وخُلُوِّه منه كان ذلك خشوع النفاق وهو الذي كان السلف يستعيذون منه، كما قال بعضهم: استعيذوا بالله من خشوع النفاق. قالوا: ما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الجسد خاشعًا، والقلب ليس بخاشع.\nونظر عمر إلى شاب قد نكس رأسه فقال له: يا هذا ارفع رأسك، فإن الخشوع لا يزيد على ما في القلب، فمن أظهر خشوعًا غير ما في قلبه فإنما هو نفاق على نفاق\" (^١).\n_________\n(^١) الخشوع في الصلاة لابن رجب ص ١٣، ١٤.","vol":"2","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-515>١١٨ - الخشية</span>*\nفي اللغة: قال ابن منظور: \"الخشية: هي الخوف، يقال: خشي الرجل يخشى خشية أي خاف\".\nفي الشرع: الخشية خوف يشعر به تعظيم وهيبة (^١).\nقال ابن عثيمين ﵀: \"الخشية هي الخوف المبني على العلم بعظمة من يخشاه وكمال سلطانه لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] أي العلماء بعظمته وكماله وسلطانه\" (^٢).\n* الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤] وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ [التوبة:١٨]. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٨]. وقوله تعالى: ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٢١].\n* الدليل من السنة: روى الترمذي في السنن: \"أن مُعَاوِيَةُ كَتَبَ إِلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - ﵂ - أَنْ اكْتُبِي إِلَيَّ كِتَابًا تُوصِينِي فِيهِ وَلا تُكْثِرِي عَلَيَّ، قال: فَكَتبَتْ عَائِشَةُ - ﵂ - إِلَى مُعَاوِيةَ: سَلَامٌ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ .. فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: \"مَنْ الْتَمَسَ رِضَا الله بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ، وَمَنْ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ\n_________\n* فتاوى ابن تيمية ١/ ٧١، ٧٢. معارج القبول ١/ ٣٣٣. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٣٤. مباحث العقيدة في سورة الزمر ص ٢٢٠.\n(^١) انظر: المفردات للراغب (خ ش ي).\n(^٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٥٦.","vol":"2","page":124},{"text":"بِسَخَطِ اللهِ وَكَلَهُ اللهُ إِلَى النَّاسِ\" وَالسَّلامُ عَلَيْكَ (^١).\nفالخشية عبادة يجب إخلاصها لله وحده، وفي قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ بيان وجوب إخلاص الخشية لله وحده.\nقال السعدي ﵀ في بيان أهمية الخوف: \"فالخوف يمنع العبد عن محارم الله وتشاركه الخشية في ذلك. وقال: فإن خشية الله جالبة لكل خير مانعة من كل شر (^٢) \".\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-516> الفرق بين الخشية والخوف:</span>\nقال الراغب: \"الخشية خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه ولذلك خُصَّ العلماء بها\" (^٣).\nوقال ابن القيم ﵀: \"الخشية أخص من الخوف فإن الخشية للعلماء بالله قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] فهي خوف مقرون بمعرفة\" (^٤).\nوقال الشيخ ابن قاسم ﵀: \"الخشية: فعلة من خشيه خافه واتقاه، فهي بمعنى الخوف، لكنها أخص منه، وهي: من أجل أنواع العبادة وصرفها لغير الله شرك أكبر\" (^٥).\nوقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"الخشية هي الخوف المبني على العلم بعظمة من يخشاه وكمال سلطانه لقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٢] أي العلماء بعظمته وكمال سلطانه فهي أخص من الخوف، ويتضح\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٤١٤).\n(^٢) التفسير ٦/ ٢٢٥.\n(^٣) المفردات للراغب.\n(^٤) مدارج السالكين ١/ ٥٤٩.\n(^٥) شرح الأصول الثلاثة ص ٤٠.","vol":"2","page":125},{"text":"الفرق بينهما بالمثال فإذا خفت من شخص لا تدري هل هو قادر عليك أم لا فهذا خوف، وإذا خفت من شخص تعلم أنه قادر عليك فهذه خشية.\nويقال في أقسام أحكام الخشية ما يقال في أقسام أحكام الخوف\" (^١).\nفالخشية تكون مع العلم بالمخشي وحاله والخوف قد يكون من الجاهل (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-517>١١٩ - الخط</span>\nانظر: (الطَّرْق) و(الرمال) في باب: (التميمة).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٥٧.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٦٥٢. وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ١٧١.","vol":"2","page":126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-518>١٢٠ - الخُلة</span>*\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"الخلة هي: كمال المحبة المستلزمة من العبد كمال العبودية لله، ومن الرب سبحانه كمال الربوبية لعباده الذين يحبهم ويحبونه\" (^١).\nوقال ابن القيم ﵀: \"ثم الخلة وهي تتضمن كمال المحبة ونهايتها بحيث لا يبقى لمحبه سعةٌ لغير محبوبه\" (^٢).\nوقد بَيَّن شارحُ الطحاوية: \"أن الخلة أعلى مراتب المحبة\" (^٣).\nولما ذكر مراتب المحبة العشر قال: \"والعاشرة: الخلة وهي المحبة التي تخللّت رُوح المُحِب وقلبه\" (^٤).\n* الأدلة من السنة: ثبت في الصحيحين من غير وجه أنه قال - ﷺ -: \"إن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا\" (^٥).\nوقال - ﷺ -: \"لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذت ابن أبي قحافة\n_________\n* لسنة لعبد الله بن الإمام أحمد ص ٢٩٩. التحفة العراقية لابن تيمية ص ٨٦. أحكام القرآن للقرطبي ٣/ ٢٦٦. شرح العقيدة الطحاوية تحقيق أحمد شاكر ١٦٤ - ١٦٦. تيسير العزيز الحميد ص ٣٢٦. فتح المجيد ص ٢٦٤. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ١٥٨. مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٣٩٥. وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ٤٠٦، ط ٢ - ١/ ٥١٤. الدر السنية ١٢/ ١٦٦. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٢/ ٥١٤.\n(^١) كتاب العبودية ٣٥.\n(^٢) الجواب الكافي ص ١٣٤.\n(^٣) شرح العقيدة الطحاوية تحقيق أحمد شاكر ١٦٤.\n(^٤) شرح العقيدة الطحاوية تحقيق أحمد شاكر ١٦٦.\n(^٥) أخرجه مسلم (٥٣٢).","vol":"2","page":127},{"text":"خليلًا، ولكن صاحبكم خليل الله\" (^١).\n* فائدة: قال شارح الطحاوية: \"واعلم أن وصف الله تعالى بالمحبة والخُلَّة هو كما يليق بجلال الله تعالى وعظمته كسائر صفاته تعالى\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-519> العلاقة بين الخلة والعبودية:</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"ولفظ \"العبودية\" يتضمن كمال الذل وكمال الحب، فإنهم يقولون قلب متيم إذا كان متعبدا للمحبوب، والتيم التعبد، وتيم الله عبده، وهذا أعلى الكمال حصل لإبراهيم ومحمد - صلى الله عليهما وسلم - ولهذا لم يكن له من أهل الأرض خليل، إذ الخلة لا تحتمل الشركة، فإنه كما قيل في المعنى:\nقد تخللت مسلك الروح مني ... وبذا سُمي الخليل خليلا\nبخلاف أصل الحب فإنه - ﷺ - قد قال في الحديث الصحيح في الحسن وأسامة: \"اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما\".\nوسأله عمرو بن العاص: \"أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة. قال: فمن الرجال؟ قال أبوها\".\nوقال لعلي - ﵁ -: \"لأعطينَّ الراية رجلًا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله\"، وأمثال ذلك كثير.\nوقد أخبر تعالى أنه يحب المتقين ويحب المحسنين ويحب المقسطين ويحب التوابين ويحب المتطهرين ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيان مرصوص، وقال ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]. فقد أخبر بمحبته\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٣٨٣)، والترمذي (٣٦٥٦).\n(^٢) شرح الطحاوية ١/ ١٦٧.","vol":"2","page":128},{"text":"لعباده المؤمنين ومحبة المؤمنين له حتى قال ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].\nوأما الخلة فخاصة، وقول بعض الناس إن محمدًا حبيب الله وإبراهيم خليل الله وظنه أن المحبة فوق الخلة قول ضعيف\" (^١).\nوقال ابن القيم: \"وأما ما يظنه بعض الغالطين من أن المحبة أكمل من الخلة، وأن إبراهيم خليل الله، ومحمد - ﷺ - حبيب الله، فمن جهلهم، فإن المحبة عامة والخلة خاصة، وهي نهاية المحبة، قال: وقد أخبر النبي - ﷺ - أن الله قد اتخذه خليلًا، ونفى أن يكون له خليل غير ربه، مع إخباره بحبه لعائشة ولأبيها ولعمر بن الخطاب - ﵃ - وغيرهم، وأيضا فإن الله يحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويجب الصابرين، وخلته خاصة بالخليلين. وفيه جواز ذكر الإنسان ما فيه من الفضل إذا دعت الحاجة الشرعية إلى ذلك\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-520>١٢١ - الخوارق الشيطانية</span>\nهي التي تكون على يد ساحر أو كاهن. والخارق للعادة قد يكون معجزة أو كرامة وقد يكون من صنع الكهان والعرافين والسحرة والسحرة والمشعوذين وسوف يأتي الكلام عن ذلك في باب: \"الكرامة\".\n_________\n(^١) العبودية لابن تيمية ٣٥.\n(^٢) نقلًا عن تيسير العزيز الحميد ص ٣٢٦.","vol":"2","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-521>١٢٢ - الخوف</span>*\nلغة: الفزع يقال: خافه يخافه خوفًا وخيفة ومخافة (^١).\nوفي الشرع: قال الجرجاني: \"الخوف: توقع حلول مكروه، أو فوات محبوب\" (^٢).\nوقال القرطبي: \"الخوف: الانزعاج لما لا يؤمن من المضار\" (^٣).\nوقال ابن عثيمين: \"الخوف: هو الذعر وهو انفعال يحصل بتوقع ما فيه هلاك أو ضرر أو أذى وقد نهى الله ﷾ عن خوف أولياء الشيطان وأمر بخوفه وحده\" (^٤).\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ١/ ٤١. الإبانة لابن بطة العكبري ١/ ١٢٨، ٧٥١. شرح السنة للبغوي ١٤/ ٣٦٦. مدارج السالكين ١/ ٥١١. تيسير العزيز الحميد ٤٨٧. فتح المجيد ٣٩٥. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ٢٤٤. مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٦٤٦. وانظر القول المفيد ط ١ - ٢/ ١٦٤ ط ٢ - ٢/ ٢٠٢ القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٣٤. فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٢٤٨. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١/ ١٠٠. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٥/ ٣٣٣، ٣٥٣، ٣٩١. معارج القبول ١/ ٣٢٩. المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة الأحمدي ٢/ ٢٥٢. الآثار الواردة في سير أعلام النبلاء د: جمال بن أحمد ٢/ ١٧٣. الجيلاني وآراؤه الاعتقادية ص ١٤٣. الشيخ السعدي وجهوده في توضيح العقيدة للعباد ص ١٧٤. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ٣٥١. منهج الحافظ ابن رجب في العقيدة ص ٣٧٧. مباحث العقيدة في سورة الزمر ص ٢١٦، ٢٢٠.\n(^١) لسان العرب (خ وف).\n(^٢) التعريفات ١٣٧.\n(^٣) جامع أحكام القرآن ٧/ ٢٢٧ وقد نسبه للقشيري.\n(^٤) شرح الأصول الثلاثة من مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٦/ ٥٢.","vol":"2","page":130},{"text":"وعرفه الجنيد بأنه: \"توقع العقوبة على مجاري الأنفاس\" (^١).\nوالخوف من أنواع العبادة قال ابن القيم: \"الخوف عبودية القلب فلا يصلح إلا لله، كالذل والإنابة والمحبة والتوكل والرجاء وغيرها من عبودية القلب\" (^٢).\nوقد تقدم ذكر الفرق بينها وبين الخشية (^٣).\n* الدليل من الكتاب: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمرك:١٧٥]، وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤].\n* الدليل من السنة: عَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ خَطَبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - خُطْبَةً مَا سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ قَالَ: \"لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا قَالَ: فَغَطَّى أَصْحَابُ رَسُولِ الله - ﷺ - وُجُوهَهُمْ لَهُمْ خَنِينٌ. فَقَالَ رَجُلٌ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ فُلَانٌ: فَنَزَلَتْ هَذه الآيَةُ: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ \" (^٤).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-522> أقسام الخوف:</span>\nقسم العلماء ﵀ الخوف إلى أربعة أقسام. قال الشيخ سليمان بن عبد الله:\n(أحدها: خوف السر وهو أن يخاف من غير الله أن يصيبه بما يشاء من مرض أو فقر أو قتل ونحو ذلك بقدرته ومشيئته، سواء ادعى أن ذلك كرامة للمخوف\n_________\n(^١) مدارج السالكين ١/ ٥١٢.\n(^٢) طريق الهجرتين ص ٤٣٧.\n(^٣) انظر باب (الخشية).\n(^٤) أخرجه البخاري (٤٦٢١).","vol":"2","page":131},{"text":"بالشفاعة، أو على سبيل الاستقلال، فهذا الخوف لا يجوز تعلقه بغير الله أصلًا، لأن هذا من لوازم الإلهية فمن اتخذ مع الله ندًا يخافه هذا الخوف فهو مشرك، وهذا هو الذي كان المشركون يعتقدونه في أصنامهم وآلهتهم ولهذا يخوفون بها أولياء الرحمن كما خوفوا إبراهيم الخليل ﵊ فقال لهم: ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١)﴾ [الأنعام: ٨٠ - ٨١]. وقال تعالى عن قوم هود أنهم قالوا له: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥)﴾ [هود: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾. وهذا القسم هو الواقع اليوم من عباد القبور، فإنهم يخافون الصالحين بل الطواغيت، كما يخافون الله بل أشد. ولهذا إذا توجهت على أحدهم اليمين بالله أعطاك ما شئت من الأيمان كاذبا أو صادقًا، فإن كان اليمين بصاحب التربة لم يقدر على اليمين إن كان كاذبًا، وما ذاك إلا لأن المدفون في التراب أخوف عنده من الله. ولا ريب أن هذا ما بلغ إليه شرك الأولين، بل جهد أيمانهم اليمين بالله تعالى، وكذلك لو أصاب أحدا منهم ظلم لم يطلب كشفه إلا من المدفونين في التراب. وإذا أراد أن يظلم أحدا فاستعاذ بالله أو ببيته لم يعذه، ولو استعاذ بصاحب التربة أو بتربته لم يقدم عليه أحدا ولم يتعرض له بالأذى حتى ان بعض الناس أخذ من التجار أموالا عظيمة أيام موسم الحاج، ثم بعد أيام أظهر الإفلاس، فقام عليه أهل الأموال، فالتجأ إلى قبر في جدة يقال له: المظلوم فما تعرض له أحد بمكروه خوفا من سر المظلوم وأشباه هذا من الكفر، وهذا الخوف","vol":"2","page":132},{"text":"لا يكون العبد مسلما إلا بإخلاصه لله تعالى وإفراده بذلك دون من سواه.\nالثاني: أن يترك الإنسان ما يجب عليه من الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بغير عذر إلا لخوف من الناس، فهذا محرم (^١) وهو الذي نزلت فيه الآية المترجم لها (^٢) وهو الذي جاء فيه الحديث: \"إن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: ما منعك إذا رأيت المنكر أن لا تغيره فيقول: يارب خشيت الناس، فيقول: إياي كنت أحق أن تخشى\" رواه أحمد (^٣).\nالثالث: خوف وعيد الله الذي توعد به العصاة وهو الذي قال الله فيه: ﴿لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤]، وقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن:٤٦]، وقال تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦)﴾ [الطور: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان:٧]، وهذا الخوف من أعلى مراتب الإيمان ونسبة الأول إليه كنسبة الإسلام إلى الإحسان وإنما يكون محمودا إذا لم يوقع في القنوط واليأس من روح الله ولهذا قال شيخ الإسلام: هذا الخوف ما حجزك عن معاصي الله فما زاد على ذلك فهو غير محتاج إليه.\nالرابع: وهو الخوف الطبيعي كالخوف من عدو وسبع وهدم وغرق ونحو ذلك فهذا لا يذم. وهو الذي ذكره الله عن موسى ﵊ في قوله: ﴿فَخَرَجَ\n_________\n(^١) وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: \"أن يترك الإنسان ما يجب عليه، خوفًا من بعض الناس، فهذا محرم وهو نوع من الشرك بالله المنافي لكمال التوحيد\" فتح المجيد ص ٣٩٦.\n(^٢) يقصد بذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥].\n(^٣) أخرجه أحمد (١١٢٧٥) وابن ماجه (٤٠٠٨)، والبيهقي ٩/ ٩٠، ٩١. ونصه: \"لا يحقرن أحدكم نفسه أن يرى أمرًا لله عليه فيه مقالة ثم لا يقوله فيقول الله: ما منعك أن تقول فيه؟ فيقول: رب خشيت الناس فيقول: وأنا أحق أن يخشى\".","vol":"2","page":133},{"text":"مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ٢١] \" (^١).\nوقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"لكن إذا كان هذا الخوف (^٢) سببًا لترك واجب أو فعل محرم كان حرامًا؛ لأن ما كان سببًا لترك واجب أو فعل محرم فهو حرام ودليله قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] \" (^٣).\nوهناك خوف وهمي كالخوف الذي ليس له سبب أصلًا وهذا مذموم.\nيقول الشيخ السعدي ﵀ في بيان هذه الأقسام: \"اعلم أن الخوف والخشية تارة يقع عبادة وتارة يقع طبيعة وعادة، وذلك بحسب أسبابه ومتعلقاته.\nفإن كان الخوف والخشية خوف تأله وتعبد وتقرب بذلك الخوف إلى من يخافه، وكان يدعو إلى طاعة باطنه وخوف سري يزجر عن معصية من يخافه كان تعلقه بالله من أعظم واجبات الإيمان. وتعلقه بغير الله من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله؛ لأنه أشرك في هذه العبادة التي هي من أعظم واجبات القلب غير الله مع الله، وربما زاد خوفه من غير الله على خوفه لله.\nوأيضا فمن خشي الله وحده على هذا الوجه فهو مخلص موحد، ومن خشي غيره فقد جعل لله ندًا في الخشية كمن جعل لله ندًا في المحبة، وذلك كمن يخشى من صاحب القبر أن يوقع به مكروها أو يغضب عليه فيسلبه نعمه أو نحو ذلك مما هو واقع من عباد القبور.\nوإن كان الخوف طبيعيا كمن يخشى من عدو أو سبع أو حية أو نحو ذلك مما يخشى ضرره الظاهري، فهذا النوع ليس عبادة، وقد يوجد من كثير من المؤمنين،\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٤٨٧، ٤٨٩.\n(^٢) أي الخوف الطبيعي.\n(^٣) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٥٣. وانظر أيضًا مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٦٤٦. والقول المفيد ط ١ - ٢/ ١٦٤.","vol":"2","page":134},{"text":"ولا ينافي الإيمان، وهذا إذا كان خوفا محققًا قد انعقدت أسباب الخوف فليس بمذموم.\nوإن كان هذا خوفًا وهميًا كالخوف الذي ليس له سبب أصلًا، أو له سبب ضعيف فهذا مذموم يدخل صاحبه في وصف الجبناء، وقد تعوذ - ﷺ - من الجبن فهو من الأخلاق الرذيلة\" (^١).\n* تنبيه: على العبد أن لا يفعل شيئًا من أنواع العبادات والقرب لأجل الناس، لا رجاء مدحهم ولا خوفًا منهم، ولا يلتمس رضا الناس بسخط الله بل يرج الله ويخافه ويلتمس رضاه سبحانه ويفعل ما أمر به وإن كره الناس منه ذلك. قال شيخ الإسلام: \"والسعادة في معاملة الخلق أن تعاملهم لله فترجو الله فيهم، ولا ترجوهم في الله، وتخاف الله فيهم، ولا تخافهم في الله، وتحسن إليهم رجاء ثواب الله لا لمكافأتهم، وتكف عن ظلمهم خوفا من الله لا منهم، كما جاء في الأثر: \"أرج الله في الناس ولا ترج الناس في الله، وخف الله في الناس ولا تخف الناس في الله\". أي لا تفعل شيئا من أنواع العبادات والقرب لأجلهم، لا رجاء مدحهم ولا خوفا منهم، بل ارج الله، ولا تخفهم في الله فيما تأتي وتذر، بل افعل ما أمرت وإن كرهوه\" (^٢).\nوقال ﵀: \"كلما قويت محبة العبد لمولاه صغرت عنده المحبوبات وقلت وكلما ضعفت كثرت محبوباته ونتشرت، وكذا الخوف والرجاء وما أشبه ذلك فإن كمل خوف العبد من ربه لم يخف شيئا سواه قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب:٣٩]، وإذا نقص خوفه خاف\n_________\n(^١) القول السديد ص ٩٨.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١/ ٥١.","vol":"2","page":135},{"text":"من المخلوق، وعلى قدر نقص الخوف وزيادته يكون الخوف كما ذكرنا في المحبة، وكذا الرجاء وغيره فهذا هو الشرك الخفى الذي لا يكاد أحد أن يسلم منه إلا من عصمه الله تعالى\" (^١).\nوقال الإمام ابن القيم ﵀: \"ومن خافه واتقاه آمنه مما يخاف ويحذر وجلب إليه كل ما يحتاج إليه من المنافع ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣] فلا تستبطيء نصره ورزقه وعافيته فإن الله تعالى بالغ أمره وقد جعل الله لكل شيء قدرًا لا يتقدم عنه ولا يتأخر ومن لم يخفه أخافه من كل شيء وما خاف أحدا غير الله إلا لنقص خوفه من الله قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ [النحل:٩٨ - ١٠٠]، وقال: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] أي يخوفكم بأوليائه ويعظمهم في صدوركم فلا تخافوهم وأفردوني بالمخافة أكفكم إياهم\" (^٢).\nوقال ابن عثيمين ﵀: \"يجب على المرء أن يجعل الخوف من الله فوق كل خوف، وأن لا يبالي بأحد في شريعة الله تعالى، وأن يعلم أن من التمس رضا الله تعالى وإن سخط الناس عليه فالعاقبة له، وإن التمس رضا الناس وتعلق بهم وأسخط الله انقلبت عليه الأحوال ولم ينل مقصوده بل حصل له على مقصوده، وهو أن يسخط الله عليه ويسخط عليه الناس\" (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٤/ ٢٠٦.\n(^٢) بدائع الفوائد ٢/ ٤٦٣.\n(^٣) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٦٦٥. وانظر القول المفيد ط ١ - ٢/ ١٨٤.","vol":"2","page":136},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-523> تحصيل أسباب الخوف من الله:</span>\nمن أعظم الأسباب في ذلك معرفة أسماء الله وصفاته والتزود منها علمًا وإدراكا وإيمانا ويقينا، وبقدر نقص هذه المعرفة والإيمان بها يكون النقص في الخوف من الله، ولذلك يقول ابن القيم: \"ونقصان الخوف من الله إنما هو لنقصان معرفة العبد به فأعرف الناس بالله أخشاهم لله ... وهو ينشأ من ثلاثة أمور:\nأحدها: معرفة الجناية وقبحها.\nالثاني: تصديق الوعيد وأن الله رتب على المعصية عقوبتها.\nالثالث: أنه لا يعلم لعله يمنع من التوبة ويحال بينه وبينها إذا ارتكب الذنب.\nفبهذه الأمور الثلاثة يتم له الخوف وبحسب قوتها وضعفها تكون قوة الخوف وضعفه\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-524>أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-525>١ - حد الخوف الواجب:</span>\nيقول ابن القيم ﵀: \"والخوف المحمود الصادق: ما حال بين صاحبه وبين محارم الله ﷿ فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: الخوف المحمود ما حجزك عن محارم الله\" (^٢).\nوقال ابن رجب ﵀: \"ولا ننكر أن خشية الله وهيبته وعظمته في الصدور وإجلاله مقصود أيضًا، ولكن القدر النافع من ذلك ما كان عونًا على التقرب إلى الله بفعل ما يحبه وترك ما يكرهه ومتى صار الخوف مانعًا ذلك وقاطعا فقد انعكس المقصود منه ولكن إذا حصل ذلك عن غلبة كان صاحبه معذورًا\" (^٣).\n_________\n(^١) طريق الهجرتين ص: ٢٨٣.\n(^٢) مدارج السالكين: ١/ ٥١١. وقد نقله شارح الطحاوية ٢/ ٤٥٦.\n(^٣) التخويف من النار والتعريف بحال أهل البوار ص ٢١.","vol":"2","page":137},{"text":"وقال قبل ذلك: \"والقدر الواجب من الخوف ما حمل على أداء الفرائض واجتناب المحارم فإن زاد على ذلك بحيث صار باعثا للنفوس على التشمير في نوافل الطاعات والانكفاف عن دقائق المكروهات والتبسط في فضول الحاجات كان ذلك فضلًا محمودًا.\nفإن تزايد على ذلك بأن أورث مرضا أو موتا أو همًا لازما بحيث يقطع عن السعي في اكتساب الفضائل المطلوبة المحبوبة لله ﷿ لم يكن ذلك محمودًا.\nولهذا كان السلف يخافون على عطاء السلمي من شدة خوفه الذي أنساه القرآن وصار صاحب فراش؛ وهذا لأن خوف العقاب ليس مقصودا لذاته إنما هو سوط يساق به المتوانى عن الطاعة إليها.\nومن هنا كانت النار من جملة نعم الله على عباده الذين خافوه واتقوه، ولهذا المعنى عدها الله سبحانه من جملة آلائه على الثقلين في سورة الرحمن\" (^١).\nوقال ابن عثيمين ﵀: \"والخوف العدل هو الذي يرد عن محارم الله فقط، وإن زدت على هذا فإنه يوصلك إلى اليأس من روح الله، ومن الناس من يفرط في خوفه بحيث لا يردعه عما نهى الله عنه\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-526>٢).\n\n٢ - الفرق بين الخوف والوجل والفزع:</span>\nقال ابن قاسم ﵀ في حاشية ثلاثة الأصول: \"الخوف عبادة من العبادات القلبية، بل هو: ركن العبادة الأعظم، ولا يستقيم إخلاص الدين لله، الذي أمر الله به عباده، إلا به. والخوف مصدر خاف، فزع ووجل، لكن الخوف يتعلق بالمكروه، والفزع بما فاجأ منه، وهو انزعاج القلب، بتوقع مكروه عاجل. والوجل من غير متعد، والخوف من متعد\" (^٣).\n_________\n(^١) من كتاب التخويف من النار ص ٢١.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٦٤٨. وانظر القول المفيد ط ١ - ٢/ ١٦٦.\n(^٣) حاشية الأصول الثلاثة ٣٧.","vol":"2","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-527>٣ - المؤمن بين الحب والخوف والرجاء:</span>\nيجب على العبد أن يجمع بين الحب والخوف والرجاء لأنها من المقامات التي يجب اجتماعها في قلب كل عبد مؤمن، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"وعمل القلب من التوكل والخوف والرجاء وما يتبع ذلك والصبر واجب بالاتفاق\" (^١).\nوجاء عن السلف التحذير من إفراد أحدهما عن الآخر.\nقال ابن رجب ﵀: \"قال ابن المبارك: أنبأني عمر بن الرحمن بن مهدي سمعت وهب بن منبه يقول: قال حكيم من الحكماء: إني لأستحي من الله ﷿ أن أعبده رجاء ثواب الجنة أي فقط فأكون كالأجير السوء إن أُعطى عمل وإن لم يُعطَ لم يعمل، وإني لأستحي من الله أن أعبده مخافة النار أي فقط، فأكون كعبد السوء إن رهب عمل وإن لم يرهب لم يعمل، وإنه يستخرج حبه مني لا يستخرجه مني غيره. خرجه أبو نعيم بهذا اللفظ.\nوفي تفسير لهذا الكلام من بعض رواته وهو أنه ذم العباد على وجه الرجاء وحده أو على وجه الخوف وحده، وهذا حسن.\nوكان بعض السلف يقول: من عَبَد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف والرجاء والمحبة فهو موحد مؤمن.\nوسبب هذا أنه يجب على المؤمن أن يعبد الله بهذه الوجوه الثلاثة المحبة والخوف والرجاء ولا بد له، ومن أخل ببعضها فقد أخل بعض واجبات الإيمان، وكلام هذا الحكيم يدل على أن الحب ينبغي أن يكون أغلب من الخوف والرجاء\" (^٢).\n_________\n(^١) الاختيارات ص ٨٥.\n(^٢) التخويف من النار ص ٣٠.","vol":"2","page":139},{"text":"وقال ابن رجب ﵀: \"قال حذيفة المرعشي: \"إن عبدًا يعمل على خوف لعبد سوء وإن عبدا يعمل على رجاء لعبد سوء كلاهما عندي سواء\"، ومراده إذا عمل على إفراد أحدهما عن الآخر\" (^١).\nوقال القرطبي ﵀: \"وإن انفرد أحدهما هلك الإنسان\" (^٢).\nويُعرف وجوب اجتماعهم بمعرفة أهمية كل واحد منهم:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-528> أهمية الخوف:</span>\nقال ابن القيم ﵀: \"منزلة الخوف وهي من أجل منازل الطريق وأنفعها للقلب وهي فرض على كل أحد\" (^٣).\nوقال أيضًا ﵀: \"قال أبو سليمان: ما فارق الخوف قلبا إلا خرب.\nوقال إبراهيم بن سفيان: إذا سكن الخوف القلوب أحرق مواضع الشهوات منها وطرد الدنيا عنها.\nوقال ذو النون: الناس على الطريق ما لم يزل عنهم الخوف، فإذا زال عنهم الخوف ضلوا عن الطريق\" (^٤).\nوقال ابن رجب ﵀: \" ... ولم يزل الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون يخافون النار ويخوفون منها\" (^٥).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-529> أهمية الرجاء:</span>\nقال ابن القيم ﵀: \"لولا رَوْح الرجاء لعطلت عبودية القلب والجوارح\n_________\n(^١) التخويف من النار ص ٣١.\n(^٢) جامع أحكام القرآن ٧/ ٢٢٧.\n(^٣) مدارج السالكين ١/ ٥١١.\n(^٤) مدارج السالكين ١/ ٥١٣.\n(^٥) التخويف من النار ص ٢٩، ٣٠.","vol":"2","page":140},{"text":"وهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا، بل لولا رَوْح الرجاء لما تحركت الجوارح بالطاعة - ولولا ريحه الطيبة لما جرت سفن الأعمال في بحر الإرادات ولى من أبيات:\nلولا التعلق بالرجاء تقطعت ... نفس المحب تحسرا وتمزقا\nوكذاك لولا برده بحرارة الـ ... أكباد ذابت بالحجاب تحرقا\nأيكون قط حليف حب لا يرى ... برجائه لحبيبه متعلقا\nأم كلما قويت محبته له ... قوي الرجاء فزاد فيه تشوقا\nلولا الرجا يحدو المطي لما سرت ... بحمولها لديارهم ترجو اللقا (^١)\nوقال ﵀: \"الخوف مستلزم للرجاء، والرجاء مستلزم للخوف فكل راج خائف، وكل خائف راج؛ ولأجل هذا حسن وقوع الرجاء في موضع يحسن فيه وقوع الخوف قال الله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣)﴾ [نوح: ١٣] قال كثير من المفسرين: المعنى ما لكم لا تخافون لله عظمة قالوا: والرجاء بمعنى الخوف، والتحقيق أنه ملازم له، فكل راج خائف من فوات مرجوه والخوف بلا رجاء يأس وقنوط\" (^٢).\nوإذا كانت هذه هي أهمية الخوف والرجاء فإنهما لا يتأتيان إلا بالمحبة قال ابن\nالقيم ﵀: \"فكل محبة فهي مصحوبة بالخوف والرجاء وعلى قدر تمكنها من قلب المحب يشتد خوفه ورجاؤه، لكن خوف المحب لا يصحبه وحشه بخلاف خوف المسئ ورجاء المحب لا يصحبه علة بخلاف رجاء الأجير، وأين رجاء المحب من رجاء الأجير وبينهما كما بين حاليهما، وبالجملة فالرجاء ضروري\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٢/ ٤٣.\n(^٢) مدارج السالكين ٢/ ٥١.","vol":"2","page":141},{"text":"للمريد السالك والعارف لو فارقه لحظة لتلف أو كاد فإنه دائر بين ذنب يرجو غفرانه وعيب يرجو إصلاحه وعمل صالح يرجو قبوله واستقامة يرجو حصولها ودوامها وقرب الله ومنزلة عنده يرجو وصوله إليها ولا ينفك أحد من السالكين عن هذه الأمور أو بعضها\" (^١).\nوبهذا يتبين أن الحب عبادة والخوف عبادة والرجاء عبادة والجمع بينهم واجب شرعًا، ولكل مقام من الثلاثة وظيفة يؤديها.\nقال شيخ الإسلام: \"فالمحبة تلقي العبد في السير إلى محبوبه، وعلى قدر ضعفها وقوتها يكون سيره إليه، والخوف يمنعه أن يخرج عن طريق المحبوب، والرجاء يقوده فهذا أصل عظيم، يجب على كل عبد أن ينتبه له، فإنه لا تحصل له العبودية بدونه\" (^٢).\nوقال ابن القيم ﵀: \"إن الرجاء حاد يحدو به في سيره إلى الله، ويطيب له المسير ويحثه عليه، ويبعثه على ملازمته، فلولا الرجاء لما سار أحد، فإن الخوف وحده لا يحرك العبد وإنما يحركه الحب ويزعجه الخوف ويحدوه الرجاء\" (^٣).\nوقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"بالمحبة يكون امتثال الأمر وبالخوف يكون اجتناب النهي\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-530>٤).\n\n٤ - هل الأفضل للإنسان أن يُغلِّبَ جانب الخوف أو يُغلِّبَ جانب الرجاء</span>؟\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"اختلف في ذلك:\nفقيل: ينبغي أن يغلب جانب الخوف، ليحمله ذلك على اجتناب المعصية ثم\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٢/ ٤٣\n(^٢) مجموع الفتاوى ١/ ٩٥.\n(^٣) مدارج السالكين ٢/ ٥٢.\n(^٤) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٦٤٦. وانظر القول المفيد ط ١ - ٢/ ١٦٤.","vol":"2","page":142},{"text":"فعل الطاعة.\nوقيل يغلب جانب الرجاء، ليكون متفائلا، والرسول - ﷺ - كان يعجبه الفأل.\nوقيل في فعل الطاعة: يغلب جانب الرجاء، فالذي من عليه بفعل هذه الطاعة سيمن عليه بالقبول، ولهذا قال بعض السلف: إذا وفقك الله للدعاء، فانتظر الإجابة، لأن الله يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]، وفي فعل المعصية يغلب جانب الخوف، لأجل أن يمنعه منها ثم إذا خاف من العقوبة تاب.\nوهذا أقرب شيء، ولكن ليس بذاك القرب الكامل؛ لأن الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠]، أي: يخافون أن لا يقبل منهم، لكن قد يقال هذه الآية يعارضها أحاديث أخرى، كقوله - ﷺ - في الحديث القدسي عن ربه: \"أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني\".\nوقيل: في حال المرض يغلب جانب الرجاء، وفي حال الصحة يغلب جانب الخوف، فهذه أربعة أقوال.\nوقال الإمام أحمد: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا؛ (^١) فأيهما غلب هلك صاحبه، أي: يجعلهما كجناحي الطائر، والجناحان للطائر إذا لم يكونا متساوين سقط\" (^٢).\nوالقول بأن الخوف والرجاء ينبغي أن يستويان هو قول كثير من السلف وقد جاء في الأثر \"لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا\".\nقال المحدث العلجوني ﵀: \"قال في اللآلئ: هذا مأثور بعض السلف، وهو كلام صحيح. وقال في المقاصد وتبعه في الدرر لا أصل في المرفوع وإنما\n_________\n(^١) انظر قول الإمام أحمد ﵀ في مسائل ابن هانئ ٢/ ١٧٨، والآداب الشرعية ٢/ ٣٠.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٦٤٦،٦٤٧. وانظر القول المفيد ط ١ - ٢/ ١٦٤.","vol":"2","page":143},{"text":"يؤثر عن بعض السلف فرواه البيهقي عن مطرف قال لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه بميزان ما كان بينهما خيط شعرة (^١). ورواه أيضًا عن شعبة قال: لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه ما زاد خوفه على رجائه ولا رجاؤه على خوفه (^٢). ومعناه صحيح\" (^٣).\nقال ابن زيد في قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ قال: خوفًا وطمعًا قال: وليس ينبغي لأحدهما أن يفارق الآخر (^٤).\nوقال الشوكاني ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ قال: \"وفيه أنه يشرع للداعي أن يكون عند دعائه خائفًا وجلًا طامعًا في إجابة الله لدعائه فإنه إذا كان عند الدعاء جامعًا بين الخوف والرجاء ظفر بمطلوبه\" (^٥).\nوقال أبو علي الروذباري: \"الخوف والرجاء هما كجناحي الطائر إذا استويا استوى الطير وتم طيرانه وإذا نقص واحد منهما وقع فيه النقص وإذا ذهبا جميعا صار الطائر في حد الموت لذلك قيل لو وزن خوف المؤمن ورجاءه لاعتدلا\" (^٦).\nوقال سهل بن عبد الله: \"الرجاء والخوف زمانان على الإنسان فإذا استويا استقامت أحواله، وإن رجح أحدهما بطل الآخر\" (^٧).\nوبوب الإمام البخاري في كتابه الصحيح فقال: \"باب: الرجاء مع الخوف\"؛ ثم\n_________\n(^١) انظر شعب الإيمان (١٠٢٥)، الحلية ٣/ ٧٦.\n(^٢) انظر شعب الإيمان (١٠٢٦).\n(^٣) كشف الخفاء ٢/ ١٦٦ (٢١٣١).\n(^٤) الطبري ١٧/ ٨٤.\n(^٥) فتح القدير للشوكاني ٢/ ٢١٣.\n(^٦) شعب الإيمان للبيهقي ٢/ ١٢ (١٠٢٧) شرح العقيدة الطحاوية ٤٥٦، مدارج السالكين ٢/ ٣٦، وانظر مثل هذا في شعب الإيمان ٢/ ١١ (١٠٢٣).\n(^٧) القرطبي ١٠/ ٢٧٩، ٢٨٠.","vol":"2","page":144},{"text":"ذكر حديث أبي هريرة ﵀: \"أن الله خلق مائة رحمة؛ وفيه: فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة ولو يعلم المسلم بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار\" (^١).\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: \"قوله \"باب الرجاء مع الخوف\" أي استحباب ذلك، فلا يقطع النظر في الرجاء عن الخوف ولا في الخوف عن الرجاء لئلا يفضي في الأول إلى المكر وفي الثاني إلى القنوط وكل منهما مذموم\" (^٢).\nوقال ابن تيمية: \"وينبغي للمؤمن أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا فأيهما غلب هلك صاحبه ونص عليه الإمام أحمد لأن من غلب خوفه وقع في نوع من اليأس ومن غلب رجاؤه وقع في نوع من الأمن من مكر الله\" (^٣)، نقل هذا القول ابن القيم (^٤)، واختاره السهسواني (^٥).\nوقال ابن رجب ﵀: \"فأما الخوف والرجاء فأكثر السلف أنهما يستويان لا يرجح أحدهما على الآخر قاله مطرف والحسن، وأحمد وغيرهم\" (^٦).\nوذكر أهل العلم أيضا أنهما يتساويان ولكن يغلب جانب الرجاء عند المرض، ومفارقة الدنيا وقد رجحه كثير من العلماء (^٧).\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦٤٦٩)\n(^٢) الفتح ١١/ ٣٠١ ط - السلفية.\n(^٣) الفتاوى الكبرى ٤/ ٤٤٣ ط - دار المعرفة.\n(^٤) مدارج السالكين ١/ ٥٥٤.\n(^٥) صيانة الإنسان ص ٢٨٤ وانظر مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٦٨٣.\n(^٦) كتاب التخويف من النار ١٨. وانظر أيضًا مدارج السالكين ٢/ ٣٥، الباري شرح صحيح البخاري ١١/ ٣٠٢ ط. السلفية.\n(^٧) انظر: شرح العقيدة الطحاوية ٢/ ٤٥٦، وفتح الباري لابن حجر، ١١/ ٣٠١ - ٣٠٧. ومجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٦٤٧. والقول المفيد ط ١ - ٢/ ١٦٥.","vol":"2","page":145},{"text":"ودليل ذلك حديث جابر - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: قبل موته بثلاث أيام يقول: \"لا يموتن أحدكم إلا وهو يحُسِن الظنَّ بالله ﷿\" (^١).\nوقال إبراهيم بن يزيد النخعي: \"كانوا يستحبون أن يلقنوا العبد محاسن عمله عند موته لكي يحُسِن ظنَّه بربه\" (^٢).\nوعن المعتمر بن سليمان قال: قال لي أبي حين حضرته الوفاة: \"يا معتمر\" حدثني بالرخص لعلي ألقى الله وأنا حسن الظن به\" (^٣).\nوقال القرطبي ﵀: \"قال بعض أهل العلم: ينبغي أن يغلب الخوف والرجاء طول الحياة، فإذا جاء الموت غلَّب الرجاء قال النبي - ﷺ -: \"لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله\" (^٤).\nوقال النووي ﵀: \"اعلم أن المختار للعبد في حالة صحته أن يكون خائفًا راجيًا ويكون خوفه ورجاؤه سواء، وفي حال المرض يمحض الرجاء وقواعد الشرع من نصوص الكتاب والسنة وغير ذلك متظاهرة على ذلك\" (^٥).\nوقال ابن مفلح ﵀: \"وينبغي أن يكون رجاء المريض أكثر، وقطع به صاحب \"النظم\" (^٦) \" (^٧).\nوقال ابن رجب: \"ومنهم من رجح الخوف على الرجاء وهو يحكى عن\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٨٧٧)، وأبو داود (٣١١٣)، وابن ماجه (٤١٦٧).\n(^٢) شعب الإيمان للبيهقي ٢/ ٦، ٧ (١٠٠٧).\n(^٣) شعب الإيمان للبيهقي ٢/ ٧ (١٠٠٨).\n(^٤) جامع أحكام القرآن للقرطبي ٧/ ٢٢٧.\n(^٥) رياض الصالحين ٢٠٧، ٢٠٨. وانظر مثله في روح المعاني للألوسي ١٥/ ١٠٠.\n(^٦) صاحب النظم هو محمد بن عبد القوي المرداوي (ت:٦٩٩ هـ).\n(^٧) الآداب الشرعية ٢/ ٣٢.","vol":"2","page":146},{"text":"الفضيل وأبي سليمان الدارني\" (^١).\nوقال ابن القيم: \"فصلٌ: القلب في سيره إلى الله ﷿ بمنزلة الطائر، فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سلم الرأس والجناحان فالطير جيد الطيران، ومتى قطع الرأس مات الطائر، ومتى فقد الجناحان فهو عرضة لكل صائد وكاسر، ولكن السلف استحبوا أن يقوى في الصحة جناح الخوف على جناح الرجاء، وعند الخروج من الدنيا يقوى جناح الرجاء على جناح الخوف، هذه طريقة أبي سليمان وغيره قال: ينبغى للقلب أن تكون الغالب عليه الخوف فإن غلب عليه الرجاء فسد. وقال غيره: أكمل الأحوال اعتدال الرجاء والخوف وغلبة الحب، فالمحبة هي المركب، والرجاء حادٍ، والخوف سائق، والله الموصل بمنِّه وكرمه\" (^٢).\nوقال ابن حجر ﵀: \"وقيل الأَوْلَى أن يكون الخوف في الصحة أكثر وفي المرض عكسه، وأما عند الإشراف على الموت فاستحب قوم الاقتصار على الرجاء لما يتضمن من الافتقار إلى الله تعالى ولأن المحذور من ترك الخوف قد تعذر فيتعين حسن الظن بالله برجاء عفوه ومغفرته، ويؤيده حديث \"لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله، ... \".\nوقال آخرون لا يهمل جانب الخوف أصلًا بحيث يجزم أنه آمن ويؤيده ما أخرج الترمذي عن أنس: أن النبي - ﷺ - دخل على شاب وهو في الموت فقال له:\"كيف تجدك؟ \". فقال: أرجو الله وأخاف ذنوبي. فقال رسول الله - ﷺ -:\"لا يجتمعان في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف\" (^٣).\n_________\n(^١) التخويف من النار ٢٥. وانظر أقوال الفضيل بن عياض وغيره في سير أعلام النبلاء ٨/ ٤٣٢، وشعب الإيمان للبيهقي ٢/ ٧ (١٠١٠).\n(^٢) مدارج السالكين ١/ ٥١٧.\n(^٣) فتح الباري ١١/ ٣٠١ ط السلفية.","vol":"2","page":147},{"text":"ومن هذه الأقوال يتبين أهمية كل واحد منها إذ لا غنى للعبد عنها وعلى المسلم أن ينظر فيما يصلح نفسه قال الحسن البصري: \"نفوسكم مطاياكم فأصلحوا مطاياكم تُبلغكم إلى ربكم ﷿\".\nقال ابن رجب ﵀ مبينا كلام الحسن: \"فالمراد بإصلاح المطايا الرفق بها وتعاهدها بما يصلحها من قوتها والرفق بها في سيرها فإذا أحس بها بتوقف في السير تعاهدها تارة بالتشويق وتارة بالتخويف حتى تسير. قال بعض السلف: الرجاء قائد، والخوف سائق، والنفس بينهما كالدابة الحرون (^١)، فمتى فتر قائدها وقصّر سائقها وقفت فتحتاج إلى الرفق بها، والحدو لها حتى يطيب لها السير كما قال حادي الإبل بالوادي:\nبشرها دليلها وقال لها ... غدا ترين الطلح والجبالا\nولما كان الخوف كالسوط فمتى ألحّ بالضرب وبالسوط على الدابة تلفت فلا بدَّلها مع الضرب من حادي الرجاء يطيب لها السير بحدائه حتى تقطع. قال أبو زيد: \"ما زلت أقود نفسي إلى الله وهي تبكي حتى سقتها وهي تضحك\" (^٢).\n* قال ابن القيم: \"وللسالك نظران: نظر إلى نفسه وعيوبه وآفات عمله يفتح عليه باب الخوف إلى سعة فضل ربه وكرمه وبره، ونظر يفتح عليه باب الرجاء، ولهذا قيل في حد الرجاء هو النظر إلى سعة رحمة الله\" (^٣).\nوقال أيضًا: \"والرجاء ثلاثة أنواع: نوعان محمودان ونوع غرور مذموم:\nفالأولان: رجاء رجل عمل بطاعة الله على نور من الله فهو راج لثوابه.\nورجل أذنب ذنوبًا ثم تاب منها فهو راج لمغفرة الله تعالى وعفوه وإحسانه\n_________\n(^١) أي الصعبة التي وقفت ورفضت الانقياد.\n(^٢) المحجة في سير الدلجة ص ٧١، ٧٢.\n(^٣) مدارج السالكين ٢/ ٣٦.","vol":"2","page":148},{"text":"وجوده وحلمه وكرمه.\nوالثالث: رجل متماد في التفريط والخطايا يرجو رحمة الله بلا عمل فهذا هو الغرور والتمني والرجاء الكاذب\" (^١).\nوقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"والذي عندي في هذه المسألة أن هذا يختلف باختلاف الأحوال، وأنه إذا خاف إذا غلب جانب الخوف أن يقنط من رحمة الله وجب عليه أن يردّ ويقابل ذلك بجانب الرجاء، وإذا خاف إذا غلب جانب الرجاء أن يأمن من مكر الله فليرد ويغلب جانب الخوف، والإنسان في الحقيقة طبيب نفسه إذا كان قلبه حيًا، أما صاحب القلب الميت الذي لا يعالج قلبه ولا ينظر أحوال قلبه فهذا لا يهمه الأمر\" (^٢).\nوقال الشيخ صالح آل الشيخ: \"والتحقيق: أن ذلك على حالين:\nالأولى: إذا كان العبد في حال الصحة والسلامة فإنه إما أن يكون مسددًا مسارعًا في الخيرات، فهذا ينبغي أن يتساوى في قلبه الخوف والرجاء، فيخاف ويرجو، لأنه من المسارعين في الخيرات. وإذا كان في حال الصحة والسلامة وكان من أهل العصيان، فالواجب عليه أن يغلب جانب الخوف حتى ينكفّ عن المعصية.\nالحال الثانية: إذا كان في حال المرض المخوف فإنه يجب أن يُعظِّم جانب الرجاء على الخوف، فيقوم في قلبه الرجاء والخوف، ولكن يكون رجاؤه أعظم من خوفه، وذلك لقول النبي ﵊: \"لا يمت أحدكم إلا وهو يُحسَن الظن بربه تعالى\"، وذلك من جهة رجائه في الله ﷻ.\nومن هنا اختلفت كلمات أهل العلم، فتجد بعضهم يقول: يجب أن يتساوى\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٢/ ٣٦.\n(^٢) فتاوى أركان الإسلام ص ٥٩.","vol":"2","page":149},{"text":"الخوف والرجاء، وبعض السلف قال: يُغلِّب جانب الخوف على جانب الرجاء، وبعض السلف قال: يُغلِّب جانب الرجاء على جانب الخوف، وهي أقوال متباينة ظاهرًا، لكنها متفقة في الحقيقة، لأن كل قول منها يرجع إلى حالة مما ذكرنا.\nفمن قال: يُغلِّب جانب الخوف على الرجاء فهو في حق الصحيح العاصي. ومن قال: يُغلِّب جانب الرجاء على الخوف فهو في حق المريض الذي يخاف الهلاك أو من يخاف الموت. ومن قال: يساوي بين الخوف والرجاء فنظر إلى حال المسددين المسارعين في الخيرات، الذين وصفهم الله - جل وعلا - بقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، وقوله - جل وعلا - في سورة الإسراء: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧] وهذا ظاهر\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-531>١).\n\n١٢٣ - الخيط</span>\nانظر باب (التميمة).\nتحت عنوان (لبس الحلقة والخيط لرفع البلاء أو دفعه)\n_________\n(^١) التمهيد ص ٣٨٥.","vol":"2","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-532>١٢٤ - الدعاء</span>*\nالتعريف: قال الخطابي: \"معنى الدعاء استدعاء العبد ربه ﷿ العناية واستمداده إياه المعونة\" (^١).\nوفي القاموس: \"الدعاء: الرغبة إلى الله تعالى\" (^٢).\nوعرفه الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ بقوله: \"هو السؤال والطلب رغبة أو رهبة أو مجموعهن\" (^٣).\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ١٠/ ٣٠٠، ٣٠١، ١٢/ ١٨٦. شرح السنة للبغوي ٥/ ١٧٢. اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٦٧٦ - ٦٨٢ - ٧٧٨. أحكام القرآن القرطبي ٧/ ٢٢٣ - ٥/ ١٦٤. قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ٨٤١. فتح الباري لابن رجب ١/ ٢٠. تيسير العزيز الحميد ص ٢١٧. فتح المجيد ص ١٩٣. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ١١٣. القول المفيد ط ١ - ١/ ١١٦، ١٥٤، ٢٦٢ القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٢٢. الدرر السنية ١/ ٣٩٤، ٢/ ٨٣، ١٩٤، ٥/ ١٣٨، ٨/ ٢١٠، ٩/ ٤١٣، ١٠/ ١٩٧، ٢١٧، ٢٥٩، ١٢/ ١١٩، ١٨٢، ٢٣٢ - ٢٣٨، نور على الدرب ابن باز ١٦٥، ١٦٧، ١٨٣، ١٩٢، ٢٠٢. مجموع الفتاوى لابن باز ١/ ٢٨٥، ٢/ ٣٩٣. معارج القبول ١/ ٢٣٨ الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ١/ ٢٢١ - ٤٢١. مجموع الفوائد واقتناص الأوابد للسعدي ص ٤٥، ٤٦، ٨٤. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٧/ ٣٧، ٢٢١. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ص ٣٣٥. الجيلاني وآراؤه الاعتقادية ص ١٣٨. دعاوى المناوئين ص ٣٦١. المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة الأحمدي ٢/ ٢٦٣. الإمام الخطابي ومنهجه في العقيدة لأبي عبد الرحمن العلوي ص ٢٤٠. الشيخ السعدي وجهوده في توضيح العقيدة للعباد ص ١٧٠، ١٦٧. الجهل بمسائل الاعتقاد ص ٤١٢. منهج الحافظ ابن رجب في العقيدة ص ٣٧٦. مباحث العقيدة في سورة الزمر ص ٢١٥،١٩٥. التبرك د: ناصر الجديع ص ٣٢٥، ٣٢٦، ٣٩٤.\n(^١) شأن الدعاء ص ٣.\n(^٢) القاموس ٤/ ٣٢٩.\n(^٣) القول الفصل النفيس ص ٤٧.","vol":"2","page":151},{"text":"والدعاء عبادة يجب صرفها لله وحده لا شريك له بل هي من أفضل الطاعات وآكد العبادات وأعظمها شأنا وأجلها قدرا وإذا كان الشرك أكبر الكبائر وأعظم الموبقات فإن دعاء الله والإخلاص فيه من أقرب القربات عند الله وأهم المنجيات من عذابه ﷾ ويشمل الدعاء دعاء المسألة ودعاء العبادة ويدل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]. قال ابن سعدي ﵀: \"أي أستجب طلبكم وأقبل أعمالكم\" (^١).\n*الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].\nوقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥ - ٥٦]. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨].\nوقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون:١١٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠) قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ [الجن:٢٠ - ٢١] وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦].\n* الدليل من السنة: وردت في السنة أحاديث كثيرة في الترغيب في الدعاء منها: حديث النعمان بن بشير قال: قال رسول الله - ﷺ - (الدعاء هو العبادة. وتلا قوله\n_________\n(^١) الفوائد الحسان ص ١٥٦.","vol":"2","page":152},{"text":"تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (^١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال - ﷺ -: \"من لم يسأل الله يغضب عليه\" (^٢) وعند ابن ماجه بلفظ: \"من لم يدع الله ... \" (^٣).\nوعنه - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"ليس شيء أكرم على الله من الدعاء\" (^٤).\nوعن ابن مسعود مرفوعًا: \"سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل\" (^٥). وفي حديث ابن عباس - ﵁ - الطويل قال فيه - ﷺ -: \"إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله\" (^٦).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-533> أقوال بعض السلف:</span>\nقال ابن عباس - ﵄ -: \"أفضل العبادة الدعاء\" وقرأ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (^٧).\nوقال مطرف: \"تذكرت ما جماع الخير؟ فإذا الخير كثير، الصلاة والصيام، وإذا هو في يد الله تعالى، وإذا أنت لا تقدر على ما في يد الله إلا أن تسأله فيعُطيك فإذا جماع الخير الدعاء\" (^٨).\n_________\n(^١) أحمد في المسند ٤/ ٢٦٧، والترمذي ٥/ ٣٧٤، ٤٥٦، وأخرجه الحاكم ١/ ٤٩٠ وقال: هذا حديث. صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الحافظ ابن حجر: إسناده جيد في الفتح ١/ ٤٩، وحسنه السخاوي في الفتوحات الربانية ٧/ ١٩١.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٣٣٧٣).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٣٨٢٧).\n(^٤) أخرجه الترمذي (٣٣٧٠)، وابن ماجه (٣٨٢٩).\n(^٥) أخرجه الترمذي (٣٥٧١).\n(^٦) أخرجه الترمذي، (٢٤١٦)، وأحمد (٢٦٦٩).\n(^٧) المستدرك على الصحيحين ١/ ٦٦٧.\n(^٨) الزهد لابن أبي عاصم ١/ ٢٤١.","vol":"2","page":153},{"text":"وقال ابن سعدي في تفسيره: \" ... وكل القربات الظاهرة والباطنة تدخل في دعاء العبادة، لأن المتعبد لله طالب بلسان مقاله ولسان حاله من ربه قبول تلك العبادة والإثابة عليها\" (^١).\nوقال أيضا في بيان أهميته عند قوله تعالى ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ١٤]: \"فوضع كلمة الدين موضع كلمة العبادة، وهو في القرآن كثيرا جدا، يدل على أن الدعاء هو لب الدين وروح العبادة\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-534>أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-535>١ - دعاء العبادة ودعاء المسألة:</span>\nللدعاء عند الإطلاق نوعان:\nالأول: دعاء عبادة: وهو مطلق التعبد كالصلاة والصيام والزكاة إذا فعلها العبد يريد بذلك الثواب والنجاة من العقاب.\nالثاني: دعاء مسألة: وهو طلب ما ينفعه أو طلب دفع ما يضره وكلاهما لا يجوز صرفه لغير الله (^٣).\nومن أمثلة دعاء المسألة ما رواه الشيخان عن ابن مسعود قال: التفت إلينا رسول الله - ﷺ - فقال: \"لا تقولوا السلام على الله فإن الله هو السلام ولكن قولوا التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا\n_________\n(^١) الخلاصة ص ٥٧.\n(^٢) مستفاد من كتاب جهود الشيخ السعدي في توضيح العقيدة ص ١٦٩.\n(^٣) مجموع الفتاوى ١٥/ ١٠، وجلاء الأفهام ص ٢٥٤، وصيانة الإنسان ص ٤٣١، ٤٣٢، والتيسير ص ٢١٨، وفتح المجيد ١/ ٣٠١.","vol":"2","page":154},{"text":"عبده ورسوله، ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو \" (^١)، فالمراد بقوله: \"من الدعاء\" دعاءُ المسألة لأنه من أول الصلاة لا زال في دعاء العبادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-536>٢ - التلازم بين دعاء المسألة ودعاء العبادة:</span>\nيقول ابن القيم: \"الدعاء نوعان: دعاء عبادة، دعاء المسألة، فإن الدعاء في القرآن يراد به هذا تارة وهذا تارة، ويراد به مجموعهما وهما متلازمان، فإن دعاء المسألة هو طلب ما ينفع الداعي وطلب كشف ما يضره أو دفعه، وكل من يملك الضرر والنفع فإنه هو المعبود حقا، والمعبود لا بد أن يكون مالكًا للنفع والضر، ولهذا أنكر الله تعالى على من عبد من دونه ما لا يملك ضرًا ولا نفعًا ... وهذا في القرآن كثير. يبين أن المعبود لا بد أن يكون مالكا للنفع والضر فهو يدعى للنفع والضر دعاء مسألة ويدعى خوفا ورجاء دعاء العبادة فعلم أن النوعين متلازمان، فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة وكل دعاء مسألة مستلزم لدعاء العبادة\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-537>٣ - مسألة: إذا ورد في القرآن لفظ الدعاء فهل يراد به دعاء العبادة أم دعاء المسألة</span>؟.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"الدعاء في القرآن يراد به هذا تارة وهذا تارة ويراد به مجموعهما، وهما متلازمان، فإن دعاء المسألة هو طلب ما ينفع الداعي وطلب كشف ما يضره ودفعه وكل من يملك الضر والنفع فإنه هو المعبود لابد أن يكون مالكًا للنفع والضر\" (^٣).\nوقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: \"القاعدة الحادية والخمسون: كلما ورد في\n_________\n(^١) البخاري (٨٣٥)، ومسلم (٤٠٢).\n(^٢) بدائع الفوائد ٣/ ٤٠٣. وانظر: تيسير العزيز الحميد ص ٢١٥، فقد قرر ذلك ونقله عن شيخ الإسلام.\n(^٣) مجموع الفتاوى لابن تيمية ١٥/ ١٠.","vol":"2","page":155},{"text":"القرآن الأمر بالدعاء والنهي عن دعاء غير الله والثناء على الداعين تناول دعاء المسألة ودعاء العبادة\" (^١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"أما قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ الآية [الحج: ٧٣] وقوله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾، وقوله: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ وكل موضع ذكر فيه دعاء المشركين لأوثانهم فالمراد به دعاء العبادة المتضمن دعاء المسألة ... \" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-538>٤ - أقسام الدعاء:</span>\nقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"والدعاء ينقسم إلى قسمين:\n١ - ما يقع عبادة: فصرفه لغير الله شرك وهو المقرون بالرهبة والرغبة والحب والتضرع.\n٢ - ما لا يقع عبادة: فهذا يجوز أن يُوجَّه إلى المخلوق قال النبي - ﷺ - \"من دعاكم فأجيبوه\" (^٣)، وقال: \"إذا دعاك فأجبه\" (^٤) \" (^٥).\n٥ - للدعاء شروط وآداب: من ذلك الإخلاص في الدعاء والبداءة بالحمد لله والثناء عليه والصلاة على نبيه - ﷺ - ومنها حضور القلب، ورفع اليدين، وأن يكون على طهارة لا يتعدى في الدعاء ولا يتجاوز فيه الحد مع كون القلب خائفًا طامعًا متضرعًا خاشعًا راغبًا راهبًا لا غافلًا ولا آمنًا، وأن يجزم في دعائه ويستيقن الإجابة\n_________\n(^١) القواعد الحسان ص ١٢٧.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٥/ ١٣.\n(^٣) أبو داود (١٦٧٢)، وأحمد (٥٣٦٥).\n(^٤) مسلم (٢١٢٦).\n(^٥) القول المفيد من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٢٥٤، وانظر أيضًا ٧/ ٢٧.","vol":"2","page":156},{"text":"ويلح على مولاه مع خفض الصوت واختيار الوقت، ويعترف بذنبه ويقرُّ به أمام الله، ويختار الدعاء المناسب، ويظهر افتقاره إلى الله، ويتوسل إليه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، ولا يتكلف السجع، وغير ذلك من الآداب تراجع في غير هذا، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-539>٦ - حكم ترك الدعاء استسلامًا للقضاء:</span>\nيقول ابن تيمية ﵀: \"والناس قد اختلفوا في الدعاء المستعقب لقضاء الحاجات، فزعم قوم من المبطلين متفلسفة ومتصوفة أنه فائدة فيه أصلًا، فإن المشيئة الإلهية والأسباب العلوية إما أن تكون قد اقتضت وجود المطلوب وحينئذ فلا حاجة إلى الدعاء، أو لا تكون قد اقتضته وحينئذ فلا ينفع الدعاء.\nوقال قوم ممن تكلم في العلم: بل الدعاء علامة ودلالة على حصول المطلوب وجعلوا ارتباطه بالمطلوب ارتباط الدليل بالمدلول لا ارتباط السبب بالمسبب بمنزلة الخبر الصادق والعلم السابق.\nوالصواب ما عليه الجمهور من أن الدعاء سبب لحصول الخير المطلوب أو غيره كسائر الأسباب المقدرة والمشروعة وسواء سمي سببًا أو شرطًا أو جزءًا من السبب فالمقصود هنا واحد، فإذا أراد الله بعبد خيرًا ألهمه دعاءه والاستعانة به وجعل استعانته ودعاءه سببا للخير الذي قضاه له كما قال الخطاب - ﵁ -: إني لا أحمل هم الإجابة وإنما أحمل هم الدعاء، فإذا أُلهمت الدء فإن الإجابة معه كما أن الله تعالى إذا أراد أن يشبع عبدًا أو يرويه ألهمه أن يأكل أو يشرب، وإذا أراد أن يتوب على عبد ألهمه أن يتوب فيتوب عليه\" (^١).\nوقال الخطابي ﵀: \"ومن أبطل الدعاء: فقد أنكر القرآن، ورده ولا خفاء\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٧٠٥.","vol":"2","page":157},{"text":"بفساد قوله وسقوط مذهبه\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-540>٧ - حكم الدعاء للمشركين:</span>\nالدعاء للمشركين منه ما يكون ممنوعا ومنه ما يكون جائزا ويتضح ذلك بما يلي:\n١ - ما يمنع منه كالدعاء بالمغفرة للمشركين، وذلك لقوله تعالى ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة:١١٣].\nوجاء في سبب نزولها أن عليًّا - ﵁ - قال: \"سمعت رجلًا يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلت: أتستغفر لأبويك وهما مشركان!؟ فقال: أوَليس استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك؟ فذكرت ذلك للنبي - ﷺ -، فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (^٢).\nقال النووي - رحمه الله تعالى -: \"الصلاة على الكافر والدعاء له بالمغفرة حرام بنص القرآن والإجماع\" (^٣).\nوكذلك من زار قبورهم فإنه لا يدعو لهم.\nقال الإمام ابن باز ﵀: \"أما قبور الكفار فلا مانع من زيارتها للذكرى والاعتبار، ولكن لا يُدعى لهم ولا يستغفر لهم، لما ثبت في صحيح مسلم عن النبي - ﷺ - أنه استأذن ربه أن يستغفر لأمه فلم يأذن له واستأذنه أن يزور قبرها فأذن له، وذلك أنها ماتت في الجاهلية على دين قومها\" (^٤).\n_________\n(^١) شأن الدعاء ص ٩، مدارج السالكين ٣/ ١٠٦، ١١٠.\n(^٢) أخرجه التر مذي (٣١٠١)، والنسائي (٢٠٣٨).\n(^٣) المجموع للنووي ٥/ ١٤٤ - ٢٨٥. وانظر تعليقا نافعًا للألباني حول هذه المسألة في كتاب الجنائز ص ٩٧.\n(^٤) مجموع فتاوى ابن باز ص ٧٨٢.","vol":"2","page":158},{"text":"٢ - الجائز منها كالدعاء للمشركين بالهداية فهذا جائز، فقد ثبت في البخاري أن الطفيل بن عمرو قدم على الرسول - ﷺ - فقال: \"يا رسول الله، إن دوسًا عصت وأبت فادع عليها. فظن الناس أنه يدعو عليهم فقال: \"اللهم اهد دوسا وائت بهم\" (^١). ومنهم من يخصص ذلك بمن تُرجى هدايته.\nوكان أبو هريرة يدعو أمه للإسلام وهي مشركة فأبت عليه فجاء إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى عليّ، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكرهه، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة. قال رسول الله - ﷺ -: \"اللهم اهد أم أبي هريرة\". وفي ختام الحديث قال أبو هريرة للرسول - ﷺ -: \"قد استجاب الله في دعوتك وهدى أم أبي هريرة فحمد الله وأثنى عليه وقال خيرا\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-541>٨ - حكم دعاء غير الله</span>\nدعاء غير الله شرك أكبر (^٣)، سواء طَلَبَ ميتًا أو بعيدًا عن الداعي واعتقد أنه يعلم الغيب، أو أن له تصرفًا في الكون (^٤)، أو طلب من غير الله لا يقدر عليه إلا الله كغفران الذنب، وهداية القلوب، وإنزال الغيث، وإنبات النبات، وكشف الضر الذي لا يكشفه إلا الله فهذا كله شرك أكبر (^٥).\nقال الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن آل الشيخ ﵀: \"إسناد إلى إلى غير الله في شيء من الأمور بياء النداء إذا كان يشتمل على رغبة أو رهبة، فهذا هو الدعاء الذي صرفه لغير الله شرك\" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٩٣٧)، ومسلم (٢٥٢٤).\n(^٢) مسلم (٢٤٩١).\n(^٣) تيسير العزيز الحميد ص ٤٨٧، صيانة الإنسان ص ١٥٩.\n(^٤) الصارم المنكي ص ٢١٠، شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٥١.\n(^٥) مجموع الفتاوى ١/ ١٠٩، ٢٧/ ٧٢. صيانة الإنسان ص ١٥٤.\n(^٦) الدرر السنية ١/ ٥٤١.","vol":"2","page":159},{"text":"وفي تيسير العزيز الحميد يقول الشيخ سليمان بن عبد الله قال: \"قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الرسالة السنية: \"فكل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعا من الإلهية، مثل أن يقول: يا سيدي فلان انصرني، أو أغثني، أو ارزقني أو اجبرني، أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال، فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل\".\nوقد نص الحافظ أبو بكر أحمد بن علي المقريزي صاحب كتاب \"الخطط\" في كتاب له في التوحيد على: \"أن دعاء غير الله شرك\".\nوقال شيخ الإسلام: \"من جعل بينه وبيبن الله وسائط يتوكل عليهم يدعوهم ويسألهم، كفر إجماعا، نقله عنه غير واحد مقررين له، منهم ابن مفلح في \"الفروع\" وصاحب\" الإنصاف\" وصاحب \"الغاية\" وغيرهم\" (^١).\nوقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"فثبت أن الدعاء عبادة من أجل العبادات، بل هو أكرمها على الله كما تقدم، فإن لم يكن الإشراك فيه شركا، فليس في الأرض شرك، وإن كان في الأرض شرك فالشرك في الدعاء أولى أن يكون شركًا من الإشراك في غيره من أنواع العبادة، بل الإشراك في الدعاء هو أكبر شرك المشركين الذين بعث إليهم رسول الله فإنهم يدعون الأنبياء والصالحين والملائكة، ويتقربون إليهم ليشفعوا لهم عند الله\" (^٢).\nوقال ابن باز ﵀: \"من أمثلة دعاء الجن أن يقول: افعلوا كذا، أو أعطوني كذا، أو افعلوا بفلان كذا. وهكذا من يدعو أصحاب القبور، أو يدعو الملائكة ويستغيث بهم، أو ينذر لهم فهذا كله من الشرك الأكبر نسأل الله السلامة والعافية\" (^٣).\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٢٢٩.\n(^٢) تيسير العزيز الحميد ص ٢٢١.\n(^٣) مجموع فتاوى ابن باز ص ١٠٧٠.","vol":"2","page":160},{"text":"وقال ابن سعدي: \"ومن دعا غير الله من نبي أو ملك أو لي أو غيرهم أو استغاث بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فهو مشرك كافر\" (^١).\nوقال ابن عثيمين ﵀: \"فمن دعا غير الله ﷿ بشيء لا يقدر عليه إلا الله فهو مشرك كافر سواء كان المدعو حيا أو ميتا. ومن دعا حيا بما يقدر عليه مثل أن يقول يا فلان اطعمني يا فلان اسقني فلا شيء فيه، ومن دعا ميتا أو غائبا بمثل هذا فإنه مشرك لأن الميت أو الغائب لا يمكن أن يقوم بمثل هذا فدعاؤه إياه يدل على أنه يعتقد أن له تصرفًا في الكون فيكون بذلك مشركًا\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-542>٩ - الفرق بين الدعاء والاستعانة:</span>\nبين دعاء المسألة والاستعانة تشابه كبير حتى قيل أنهما مترادفان وبالنظر والتأمل يتبين أن الدعاء أعم من الاستعانة.\nوالفرق بين الدعاء والاستغاثة أن الاستغاثة هي طلب كشف الشدة.\nيقول الشيخ عبد الرحمن قاسم ﵀: \"والفرق بين الاستغاثة والدعاء أن الاستغاثة لا تكون إلا من المكروب، وأما الدعاء فهو أعمُّ منها؛ لأنه يكون من المكروب وغيره، فعطف الدعاء على الاستغاثة من عطف العام على الخاص، فبينهما عموم وخصوص مطلق، فكل استغاثة دعاء وليس كل دعاء استغاثة\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-543>١٠ - الفرق بين الدعاء والنداء:</span>\nيثير القبوريون شبهة التفريق بين الدعاء والنداء ليخلصوا بذلك إلى أن مجرد النداء لمن لا يعتقدون ألوهيته وتأثيره ليس عبادة ولو كان ميتا أو غائبًا (^٤).\n_________\n(^١) القول السديد ص ٥١.\n(^٢) شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٥١، ٥٢.\n(^٣) انظر حاشية كتاب التوحيد ص ١١٣.\n(^٤) الدرر السنية ١٢/ ٣٨، القول الفصل النفيس ص ٢٩.","vol":"2","page":161},{"text":"وهذا تمويه وتضليل ودعاوى باطلة. من فعله فقد أشرك بالله إذا كان نداؤه متضمنًا الدعاء والطلب لأن من نادى غائبا أو ميتا على هذا الوجه فإنه يدعوه.\nقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: \"ومما يوضح ترادف النداء والدعاء وأنهما بمعنى واحد، ما أخبر الله تعالى عن نوح ﵇ بقوله: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الأنبياء: ٧٦] فأخلص القصد لله بندائه في كربه وشدته فاستجاب الله له. وقال في الآية الأخرى ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر:١]. فسماه تعالى دعاء\" (^١).\nوقال الشيخ أبا بطين ﵀: \"ومن العجب قول بعض من ينسب إلى علم ودين، أن طلبهم من المقبورين والغائبين ليس دعاء لهم بل هو نداء، أفلا يستحي هذا القائل من الله إذا لم يستح من الناس من هذه الدعوى الفاسدة السّمجة التي يروج بهها على رعاع الناس. والله ﷾ قد سمى الدعاء نداء، كما في قوله: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم:٣]، وقوله تعالى: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] وأي فرق بين ما إذا سأل العبد ربه حاجة، وبين ما إذا طلبها من غيره ميت أو غائب، بأن الأول يسمى دعاء والثاني نداء؟ وما أسمج هذا القول وأقبحه. وهو قول يُستحَى من حكايته لولا أنه يروج على الجهال\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-544>١١ - دعاء أصحاب القبور وطلب الحوائج منهم:</span>\nهذا من أعظم ما ابتدع عند القبور حيث إن من أصحاب البدع من يستغيث بالأموات، ويطلب منهم الحاجات الدينية أو الدنيوية.\n_________\n(^١) القول الفصل النفيس ص ٢٩، ٣٠ للشيخ عبد الرحمن بن حسن.\n(^٢) الانتصار ص ٢٥.","vol":"2","page":162},{"text":"يسأل أحدهم المقبور الميت كما يسأل الحي الذي لا يموت، يقول: يا سيدي فلان اغفر لي وارحمني وتب عليّ، أو يقول: اقضي عني الدين، اشف مريضي، وانصرني على فلان، ونحو ذلك (^١).\nولا شك أن هذه الأعمال ونحوها شرك أكبر، مخرج من الملة موجب للخلود في النار لمن مات عليه.\nوفي تيسير العزيز الحميد يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن: \"قال الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - في \"شرح المنازل\": \"من أنواعه أي: الشرك، طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم وهذا أصل شرك العالم\".\nوقال الإمام أبو الوفاء علي بن عقيل الحنبلي صاحب كتاب \"الفنون\": \"لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم، وهم عندي كفار لهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور، وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرقاع فيها: يا مولاي افعل بي كذا وكذا، أو إلقاء الخرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزّى. نقله غير واحد مقررين له، راضين به منهم الإمام أبو الفرج بن الجوزي، والإمام ابن مفلح صاحب كتاب \"الفروع\" وغيرهما\" (^٢).\nوهذا كله من حيل الشيطان وكيده الذي يتدرج بالجهال وضعفاء العقول للوصول بهم إلى هذه الغاية، يقول الإمام ابن القيم ﵀: \"والمقصود: أن الشيطان بلطف كيده يحسن الدعاء عند القبر، وأنه أرجح منه في بيته ومسجده، وأوقات الأسحار، فإذا تقرر ذلك عنده نقله درجة أخرى: من الدعاء عنده إلى الدعاء به، والإقسام على الله به، وهذا أعظم من الذي قبله، فإن شأن الله أعظم من أن يقسم\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٨٤٢ بتصرف وانظر كتاب التبرك ص ٣٩٤.\n(^٢) مستفاد من تيسير العزيز الحميد ص ٢٢١.","vol":"2","page":163},{"text":"عليه، أو يسأل بأحد من خلقه، وقد أنكر أئمة الإسلام ذلك (¬<span data-type=\"title\" id=toc-545>١).\n\n١٢ - أحوال سؤال السائل للميت:</span>\nيتعلق بعض الناس بالأموات ويعلق دعاءه بهم، ولذلك أحوال، فمنهم من يسأل الميت حاجته، ومنهم من يسأل الله تعالى بالميت، ومنهم من يظن أن الدعاء عند القبور مستجاب، ومنهم من يطلب من الميت الدعاء، وسنفصل الكلام في الأحوال السابقة:\nالحالة الأول: من يسأل الميت حاجته. وهؤلاء من جنس عباد الأصنام وقد قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء:٥٦ - ٥٧].\nومثاله الاستغاثة بغير الله، كأن يقول: يا سيدي فلانا أغثني، أدركني، أعني، أو ارزقني، انصرني على عدوي، أو على من ظلمني، مددا يا سيدي، شيئا لله يا أهل الله، نظرة إلينا بعين الرضا، أو أنا في حسبك، وغير ذلك من الصور الكثيرة؛ فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل. قال ابن باز: \"أما دعاء الميت والاستغاثة به وطلب المدد منه فكل ذلك من الشرك الأكبر. وهو من عمل عباد الأوثان في عهد النبي - ﷺ - من اللات والعزى ومناة وغيرها من أصنام الجاهلية وأوثانها\" (^٢).\nالحالة الثانية: أن يسأل الله تعالى بالميت. وهو من البدع المحدثة في الإسلام وهذا ليس كالذي قبله فإنه لا يصل إلى الشرك الأكبر. فقول بعض الناس: أتوسل إليك بنبيك، أو بأنبيائك، أو بملائكتك، أو بالصالحين من عبادك، أو بحق الشيح\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان ١/ ٢١٦.\n(^٢) الفتاوى ص ٧٤٧.","vol":"2","page":164},{"text":"فلان، أو بحرمته، أو أتوسل إليك باللوح والقلم، وغير ذلك مما يقولونه في أدعيتهم كل هذه الأمور من البدع المحدثة المنكرة (^١).\nالحالة الثالثة: أن يظن أن الدعاء عند القبور مستجاب، أو أنه أفضل من الدعاء في المسجد فيقصد القبر لذلك فإن هذا من المنكرات إجماعا ولم نعلم في ذلك نزاعا بين أئمة الدين. وهذا أمر لم يشرعه الله، ولا رسوله، ولا فعله أحد من الصحابة، ولا التابعين ولا أئمة المسلمين، وأصحاب رسول الله - ﷺ - قد أجدبوا مرات ودهمتهم نوائب ولم يجيئوا عند قبر النبي - ﷺ - بل خرج عمر بالعباس فاستسقى بدعائه وقد كان السلف ينهون عن الدعاء عند القبور (^٢).\nالحالة الرابعة: أن تطلب من الميت أن يدعو لك (^٣). ومثاله أن يقال للميت من الأنبياء أو الصالحين: ادع الله لي، أو سله لي، أو ما شابه ذلك.\nقال الإمام ابن تيمية ﵀: \"وإذا لم يشرع دعاء الملائكة لم يشرع دعاء من مات من الأنبياء والصالحين ولا أن نطلب منهم الدعاء والشفاعة وإن كانوا يدعون ويشفعون لوجهين:\nأحدهما: أن ما أمرهم الله به من ذلك هم يفعلونه وإن لم يطلب منهم وما لم يؤمروا به لا يفعلونه ولو طلب منهم فلا فائدة في الطلب منهم.\nالثاني: أن دعاءهم وطلب الشفاعة منهم في هذه الحال يفضى إلى الشرك بهم\n_________\n(^١) انظر صيانة الإنسان ص ٢٠٤.\n(^٢) انظر للاستزادة الرد على البكري ص ٥٧، أحكام الجنائز للألباني ص ١٩٤، إغاثة اللهفان ص ٢١٧، صيانة الإنسان ص ٢٠٤ - ٢٠٥.\n(^٣) انظر هذه المسألة في كتاب فتوى في زيارة القبور لابن تيمية ص ١٨. شفاء الصدور ص ١٢٥ - ١٢٦. ومجموع الفتاوى ٢٧/ ٧٦، وقاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص ٢٩١، وصيانة الإنسان ص ١٨٦، ٢٠٦، ٢٣٨، ٢٩٠.كشف ما ألقاه إبليس ص ٢١٣،١٣١ مصباح الظلام ص ٢٥٨.","vol":"2","page":165},{"text":"ففيه هذه المفسدة فلو قدر أن فيه مصلحة لكانت هذه المفسدة راجحة فكيف ولا مصلحة فيه بخلاف الطلب منهم في حياتهم وحضورهم فإنه لا مفسدة فيه؛ فإنهم ينهون عن الشرك بهم بل فيه منفعة، وهو أنهم يثابون ويؤجرون على ما يفعلونه حينئذ من نفع الخلق كلهم فإنهم في دار العمل والتكليف وشفاعتهم في الآخرة فيها إظهار كرامة الله لهم يوم القيامة\" (^١).\nوذكر المراتب الثلاث في الأدعية البدعية عند القبور ثم قال: \"الثانية: أن يقال للميت أو الغائب من الأنبياء والصالحين ادع الله لى أو ادع لنا ربك، أو اسأل الله لنا كما تقول النصارى لمريم وغيرها، فهذا أيضًا لا يستريب عالم أنه غير جائز، وأنه من البدع التى لم يفعلها أحد من سلف الأمة، وإن كان السلام على أهل القبور جائزًا ومخاطبتهم جائزة كما كان النبي يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول قائلهم السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يغفر الله لنا ولكم، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم\" (^٢).\nوقال ﵀ بعد ذلك: \" ... فعلم أنه لا يجوز أن يسأل الميت شيئًا لا يطلب منه أن يدعو الله له ولا غير ذلك، ولا يجوز أن يشكي إليه شئ من مصائب الدنيا والدين، ولو جاز أن يشكي إليه ذلك في حياته فإن ذلك في حياته لا يفضى إلى الشرك وهذا يفضي إلى الشرك لأنه في حياته مكلف أن يجيب سؤال من سأله لما له في ذلك من الأجر والثواب وبعد الموت ليس مكلفًا بل ما يفعله من ذكر لله تعالى ودعاء ونحو ذلك، كما أن موسى يصلى في قبره وكما صلَّى الأنبياء خلف النبي - ﷺ - ليلة المعراج ببيت المقدس، وتسبيح أهل الجنة والملائكة. فهم يمتعون\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١/ ١٨٠، ١٨١.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١/ ٣٥٠، ٣٥١.","vol":"2","page":166},{"text":"بذلك وهم يفعلون ذلك بحسب ما يسره الله لهم ويقدره لهم ليس هو من باب التكليف الذي يمتحن به العباد.\nوحينئذ فسؤال السائل للميت لا يؤثر في ذلك شيئًا؛ بل ما جعله الله فاعلا له هو يفعله وإن لم يسأله العبد؛ كما يفعل الملائكة ما يؤمرون به، وهم إنما يطيعون أمر ربهم لا يطيعون أمر مخلوق كما قال ﷾: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٦ - ٢٧] فهم لا يعملون إلا بأمره ﷾.\nولا يلزم من جواز الشئ في حياته جوازه بعد موته، فإن بيته كانت الصلاة فيه مشروعة وكان يجوز أن يجعل مسجدًا، ولما دفن فيه حرم أن يتخذ مسجدًا كما في الصحيحين عنه - ﷺ - أنه قال: \"لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\" -يحذر ما فعلوا ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدًا. وفي صحيح مسلم وغيره عنه أنه - ﷺ - قال: \"إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك\"، وقد كان - ﷺ - في حياته يصلى خلفه وذلك من أفضل الأعمال، ولا يجوز بعد موته أن يُصلى الرجل خلف قبره وكذلك في حياته يطلب منه أن يأمر وأن يفتى وأن يقضى، ولا يجوز أن يطلب ذلك منه بعد موته وأمثال ذلك كثير\" (^١).\nوقال ﵀ في موضع آخر: \"فلا يقول أحد: يا ملائكة الله اشفعوا لي عند الله، سلوا الله لنا أن ينصرنا أو يرزقنا، أو يهدينا. وكذلك لا يقول لمن مات من الأنبياء والصالحين: يا نبي الله، يا رسول الله! ادع الله لي، سل الله لي، استغفر الله لي، سل الله لي أن يغفر الله لي أو يهديني أو ينصرني أو يعافيني، ولا يقول أشكو إليك ذنوبي\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١/ ٣٥٤، ٣٥٥.","vol":"2","page":167},{"text":"أو نقص رزقي أو تسلط العدو علي، أو أشكو إليك فلانًا الذي ظلمني ... فهذا مما علم بالاضطرار من دين الإسلام وبالنقل المتواتر وبإجماع المسلمين أن النبي - ﷺ - لم يشرع هذا لأمته\" (^١).\nوقال ﵀: \"وأما الميت من الأنبياء والصالحين وغيرهم فلم يشرع لنا أن نقول ادع لنا ولا اسأل لنا ربك ولم يفعل هذا أحد من الصحابة والتابعين ولا أمر به أحد من الأئمة ولا ورد فيه حديث بل الذي ثبت في الصحيح أنهم لما أجدبوا زمن عمر - ﵁ - استسقى بالعباس وقال: \"اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا\" فيسقون ولم يجيئوا إلى قبر النبي ﵌ قائلين يا رسول الله \"ادع الله لنا واستسق لنا ونحن نشكوا إليك مما أصابنا ونحو ذلك لم يفعل ذلك أحد من الصحابة قط بل هو بدعة ما أنزل الله بها من سلطان\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"وكان أصحابه يبتلون بأنواع البلاء بعد موته ولم يكن أحد منهم يأتي إلى قبر الرسول - ﷺ -، ولا قبر الخليل، ولا قبر أحد من الأنبياء فيقول: نشكو إليك جدب الزمان أو قوة العدو أو كثرة الذنوب، ولا يقول: سل الله لنا أو لأمتك أن يرزقهم أو ينصرهم أو يغفر لهم بل هذا وما يشبهه من البدع المحدثة التي لم يستحبها أحد من أئمة المسلمين، فليست واجبة ولا مستحبة باتفاق أئمة المسلمين. وكل بدعة ليست واجبة ولا مستحبة فهي بدعة سيئة، وهي ضلالة باتفاق المسلمين\" (^٣).\nوقال في الاقتضاء: \"فإذا كان النبي - ﷺ - قد نهى عن الصلاة التي تتضمن الدعاء\n_________\n(^١) القاعدة الجليلة ص ٢٧.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٢٧/ ٧٦ ومثله في مختصر الفتاوى المصرية ص ١٨٨، ١٨٩.\n(^٣) القاعدة الجليلة ص ٢٨.","vol":"2","page":168},{"text":"لله وحده خالصًا عند القبور لئلا يفضي ذلك إلى نوع من الشرك بربهم فكيف إذا وجد ما هو نوع (^١) الشرك من الرغبة إليهم سواء طلب منهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات أو طلب منهم أن يطلبوا ذلك من الله تعالى\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"ومن رحمة الله تعالى أن الدعاء المتضمن شركًا كدعاء غيره أن يفعل أو دعائه أن يدعو ونحو ذلك - لا يحصل به غرض صاحبه ولا يورث حصول الغرض إلا في الأمور الحقيرة فأما الأمور العظيمة كإنزال الغيث عند القحوط وكشف العذاب النازل فلا ينفع فيه هذا الشرك ... \" (^٣).\nوقال ﵀: \"المرتبة الثالثة: أن يسأل صاحب القبر أن يسأل الله له وهذا بدعة باتفاق أئمة المسلمين، وقد أخبر الله عن إخوة يوسف أنهم خرّوا له سجدًا وكذلك سجد له أبواه وهذا السجود ليس مشروعًا لنا فلا يجوز لأحد أن يسجد لأحد حتى قال النبي - ﷺ -: \"لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها\" (^٤).\nقال الشيخ بكر أبو زيد مبيِّنًا الصور الشركية والبدعية للاعتداء في الدعاء: \"النوع الثاني: سؤال حيٍّ لميت بأن يدعو الله له، وفي هذا النوع فوعان:\n١ - سؤال حي لميت، وهو غائب عن قبره، بأن يدعو الله له.\nوهذا النوع لا يختلف المسلمون بأنه شرك أكبر، وأنه من جنس شرك النصارى في مريم وابنها - ﵉ - بدعائهما، وأنهما يعلمان ما يفعله العباد حسب مزاعم النصارى.\n_________\n(^١) في ط/ ففي \"عين\".\n(^٢) الاقتضاء ٢/ ٧٨٠. وفي ط/ فقي ص ٤٠٦.\n(^٣) الاقتضاء ٢/ ٧٠٢.\n(^٤) الرد على البكري لابن تيمية ص ٥٧.","vol":"2","page":169},{"text":"٢ - سؤال حي لميت بحضرة قبره بأن يدعو الله له. مثل قول عُبَّاد القبور مخاطبين لها: \"يا فلان، ادع الله لي بكذا أو كذا\" أو \"أسألك أن تدعو الله لي بكذا وكذا\".\nفهذه لا يختلف المسلمون بأنها وساطة بدعية ووسيلة مفضية إلى الشرك بالله، ودعاء الأموات من دون الله، وصرف القلوب عن الله تعالى، لكن هذا النوع يكون شركًا أكبر في حال ما إذا أراد الداعي من صاحب القبر الشفاعة، والوساطة الشركية، على حدِّ عمل المشركين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] \" (^١).\nفمن كان بهذا يقصد طلب الشفاعة من صاحب القبر معتقدًا أن له حظوة وخاصية عند الله كما تكون للخادم عند الملك فهو كافر بالله العظيم.\nقال الإمام ابن تيمية: \"وإن أثبتم وسائط بين الله وبين خلقه كالحجاب الذين بين الملك ورعيته بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه فالله إنما يهدى عباده ويرزقهم بتوسطهم فالخلق يسألونهم وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك الحوائج للناس لقربهم منهم والناس يسألونهم أدبًا منهم أن يباشروا سؤال الملك، أو لأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب للحوائج، فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر، مشرك، يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وهؤلاء مُشبِّهون لله، شبهوا المخلوق بالخالق، وجعلوا الله أندادًا، وفي القرآن من الرد على هؤلاء ما لم تتسع له هذه الفتوى.\nفإن الوسائط التي بين الملوك وبين الناس يكونون على أحد وجوه ثلاثة:\nإما لإخبارهم من أحوال الناس بما لا يعرفونه، ومن قال إن الله لا يعلم أحوال عباده حتى يخبره بتلك بعض الملائكة أو الأنبياء أو غيرهم فهو كافر بل هو سبحانه يعلم السر وأخفى لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء وهو السميع البصير يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات لا\n_________\n(^١) تصحيح الدعاء ٢٥٠، ٢٥١.","vol":"2","page":170},{"text":"يشغله سمع عن سمع ولا تغلطه المسائل ولا يتبرم بإلحاح الملحين.\nالوجه الثاني: أن يكون الملك عاجزا عن تدبير رعيته ودفع أعدائه إلا بأعون يعينونه فلا بد له من أنصار وأعوان لذله وعجزه.\nوالله سبحانه ليس له ظهير ولا ولي من الذل قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ:٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء:١١١] وكل ما في الوجود من الأسباب فهو خالقه وربه ومليكه فهو الغني عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير إليه بخلاف الملوك المحتاجين إلى ظهرائهم وهم في الحقيقة شركاؤهم في الملك، والله تعالى ليس له شريك في الملك بل لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير.\nوالوجه الثالث: أن يكون الملك ليس مريدًا لنفع رعيته والإحسان إليهم ورحمتهم إلا بمحرك يحركه من خارج فإذا خاطب الملك من ينصحه ويعظمه أو من يدل عليه بحيث يكون يرجوه ويخافه تحركت إرادة الملك وهمته في قضاء حوائج رعيته إما لما حصل في قلبه من كلام الناصح الواعظ المشير وإما لما يحصل من الرغبة أو الرهبة من كلام المدل عليه ... \" (^١).\nقال الإمام ابن تيمية: \"فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يسألهم غفران الذنب وهداية القلوب وتفريج الكروب وسد الفاقات فهو كافر بإجماع المسلمين\" (^٢)\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١/ ١٢٦ - ١٢٨.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١/ ١٢٤.","vol":"2","page":171},{"text":"وقال الشيخ صالح الفوزان: \"أما اتخاذ الأنبياء والعلماء وسائط عند الله في قضاء الحاجات وقبول الدعوات فهي وساطة باطلة ومن أثبتها فهو كافر بالله ﷿؛ لأن الله لم يجعل بيننا وبينه وسائط في هذا الشأن، بل حكم بكفر من اعتقد ذلك فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣] (¬<span data-type=\"title\" id=toc-546>١).\n\n١٣ - شبهة:</span>\nقال الإمام ابن تيمية: \"ومنهم من يتأول قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٦٤] ويقولون إذا طلبنا منه الإستغفار بعد موته كنا بمنزلة الذين طلبوا الاستغفار من الصحابة ويخالفون بذلك إجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر المسلمين، فإن أحدًا منهم لم يطلب من النبي - ﷺ - بعد موته أن يشفع له ولا سأله شيئًا، ولا ذكر ذلك أحد من أئمة المسلمين في كتبهم وإنما ذكر ذلك من ذكره من متأخرى الفقهاء وحكوا حكاية مكذوبة على مالك - ﵁ - سيأتي ذكرها وبسط الكلام عليها إن شاء الله تعالى، فهذه الأنواع من خطاب الملائكة والأنبياء والصالحين بعد موتهم عند قبورهم وفي مغيبهم وخطاب تماثيلهم هو من أعظم أنواع الشرك الموجود في المشركين من غير أهل الكتاب وفي مبتدعة أهل الكتاب والمسلمين الذين أحدثوا من الشرك والعبادات ما لم يأذن به الله تعالى قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾، فإن دعاء الملائكة والأنبياء بعد موتهم وفي مغيبهم وسؤالهم والاستغاثة بهم والاستشفاع بهم في هذه الحال ونصب تماثيلهم بمعنى طلب الشفاعة منهم، هو من الدين الذي\n_________\n(^١) أضواء على فتاوى ابن تيمية ص ٧٣.","vol":"2","page":172},{"text":"لم يشرعه الله ولا ابتعث به رسولًا ولا أنزل به كتابًا وليس هو واجبًا ولا مستحبا باتفاق المسلمين ولا فعله أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا أمر به إمام من أئمة المسلمين وإن كان ذلك مما يفعله كثير من الناس له عبادة وزهد، ويذكرون فيه حكايات ومنامات، فهذا كله من الشيطان\" (^١).\nوحكم الدعاء بجاه النبي - ﷺ - بدعة كما قررنا ذلك في باب التوسل (^٢). فراجعه هنالك ففيه زيادة إيضاح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-547>١٤ - فائدة:</span>\nلا يلزم لمن زار المقابر الزيارة الشرعية أن يستقبل القبلة حال الدعاء للميت أو السلام عليه.\nوقد سُئل الشيخ ابن باز ﵀ السؤال الآتي:\nس: هل ينهى عن استقبال القبر حال الدعاء للميت؟.\nفأجاب: \"لا يُنهى عنه؛ بل يُدعى للميت سواء استقبل القبلة أو استقبل القبر؛ لأن النبي - ﷺ - وقف على القبر بعد الدفن وقال: \"استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يُسأل\". ولم يقل استقبلوا القبلة، فكله جائز سواء استقبل القبلة أو استقبل القبر، والصحابة - ﵃ - دعوا للميت وهم مجتمعون حول القبر\" (^٣).\nوسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ السؤال التالي: \"فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى - هل يشرع استقبال القبلة عند السلام على الميت؟.\nفأجاب فضيله بقوله: لا، يسلم على الميت تجاه وجهه ويدعو له وهو قائم هكذا بدون أن ينصرف إلى القبلة\" (^٤).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١/ ١٥٩.\n(^٢) انظر أيضًا: مجموع الفتاوى ٢٧/ ٨٣، وصيانة الإنسان ص ٢٠١.\n(^٣) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة ١٣/ ٣٣٨.\n(^٤) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٧/ ٣٣٣.","vol":"2","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-548>١٥ - مسألة: الدعاء عند قبر النبي - ﷺ </span>-:\nإذا دعا عند قبر الرسول - ﷺ - أو غيره معتقدًا أن دعاءه مستجاب لقرب القبر أو أنه أفضل من الدعاء في المساجد والبيوت.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"هذا من المنكرات المبتدعة باتفاق أئمة المسلمين وهي محرمة وما علمت في ذلك نزاعا بين أئمة الدين\" (^١).\nوقال أيضًا ﵀ في حكم الدعاء عند القبر النبوي: \"ولا يقف عند القبر للدعاء لنفسه فإن هذه بدعة ولم يكن أحد من الصحابة يقف عند القبر يدعو لنفسه ولكن كانوا يستقبلون القبلة ويدعون في مسجده\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"ومذهب الأئمة الأربعة: مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم من أئمة الإسلام أن الرجل إذا سلم على النبي - ﷺ -، وأراد أن يدعو لنفسه فإنه يستقبل القبلة\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-549>هيئة الداعي عِندَ قبر النبي - ﷺ </span>-:\nقال ابن القيم ﵀: \"ولقد جرّد السلف الصالح التوحيد، وحموا جانبه، حتى كان أحدهم إذا سلّم على النبي - ﷺ - ثم أراد الدعاء، استقبل القبلة وجعل ظهره إلى جدار القبر، ثم دعا، فقال سلمة بن وردان: \"إن أنس بن مالك - ﵁ - يسلّم على النبي - ﷺ -، ثم يسند ظهره إلى جدار القبر، ثم يدعو\". ونص على ذلك الأئمة الأربعة: أنه يستقبل القبلة وقت الدعاء، حتى لا يدعو عِنْدَ القبر، فإن الدعاء عبادة\" (^٤).\nوقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"والمقصود أن الصحابة ما كانوا يعتادون الصلاة\n_________\n(^١) الرد على البكري ٥٢.\n(^٢) اقتضاء الصراط ٢/ ٦٨١. وللاستزادة حول هذه المسألة انظر: مجموع الفتاوى ٥/ ٣١١، ومرقاة المفاتيح ٢/ ٤٠٧، كتاب أحكام الجنائز ص ١٩٤.\n(^٣) القاعدة الجليلة، في التوسل والوسيلة ص ١٢٥.\n(^٤) إغاثة اللهفان ١/ ٢٠١.","vol":"2","page":174},{"text":"والسلام عليه عِنْدَ قبره، كما يفعله من بعدهم من الخلوف، وإنما كان عضهم يأتي من خارج فيسلم عليه إذا قدم من سفر، كما كان ابن عمر - ﵄ - يفعل، قال عبيد بن عمر عن نافع: كان ابن عمر إذا قدم من سفر أتى قبر النبي - ﷺ - فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه، ثم ينصرف.\nقال عبيد الله: \"ما نعلم أحدًا من أصحاب النبي - ﷺ - فعل ذلك إلا ابن عمر\"، وهذا يدل على أنه لا يقف عِنْدَ القبر للدعاء إذا سلم كما يفعله كثير\".\nقال شيخ الإسلام: \"إن ذلك لم ينقل عن أحد من الصحابة، فكان بدعة محضة\" وفي \"المبسوط\" قال مالك: \"لا أرى أن يقف عِنْدَ قبر النبي - ﷺ - ولكن ليسلم ويمضي\".\nوالحكاية التي رواها القاضي عياض بإسناده عن مالك في قصته مع المنصور وأنه قال لمالك: \"يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وأدعو أو أستقبل رسول الله - ﷺ -؟ فقال: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى الله يوم القيامة، بل استقبله واستشفع به يشفعه الله فيك\". فهذه الرواية ضعيفة، أو موضوعة، لأن في إسنادها من يتهم - محمد بن حميد - ومن يجهل حاله.\nونص أحمد أنه يستقبل القبلة، ويجعل الحجرة عن يساره لئلا يستدبره وذلك بعد التحية والسلام عليه، فظاهر هذا أنه يقف للدعاء بعد السلام.\nوذكر أصحاب مالك أنه يدعو مستقبلًا القبلة يوليه ظهره. وبالجملة فقد اتفق الأئمة على أنه إذا دعا لا يستقبل القبر\" (^١).\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٣٥٩.","vol":"2","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-550>١٢٥ - الدهر</span>*\nيتعلق الكلام هنا بسب الدهر، والسب: الشتم، والتقبيح، والذم، وما أشبه ذلك، والدهر: الزمان والوقت (^١). والمراد بسب الدهر نسبة ما يصيبهم من المكاره التي تنزل بهم إليه، وشتمه؛ وسبب ذلك اعتقادهم أنه الطارق بالنوائب، فكانوا يقولون: أهلكنا الدهر، وأصابتنا قوارع الدهر، وأبادهم الدهر، وبؤسًا للدهر، وتبًا له ونحو ذلك (^٢).\nويشبهه في وقتنا الحاضر قولهم: تبًا لهذا الزمان، وأهلكنا هذا الزمان، ولعن الله اليوم أو الساعة التي جرى فيها كذا وكذا، ولعن الله الزمان الذي جرى فيه كذا وكذا (^٣).\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ١٨/ ١٥١، ١٥٢. الاستذكار لابن عبد البر ٢٧/ ٣٠٣. سنن البيهقي ٣/ ٣٦٥، شرح السنة ٢/ ٣٧٥، أحكام القرآن ١٤/ ٢٣٧، ١٦/ ١٧١. فتاوى ابن تيمية ٢/ ٤٩٣. الآداب الشرعية لابن مفلح ٣/ ٤٢١، فتح الباري ٨/ ٤٣٨، عمدة القاري ١٦/ ٩، تيسير العزيز الحميد ٦١٣. فتح المجيد ص ٥٠١. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٣١١. مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٨٢٣. والقول المفيد ط ١ - ٢/ ٣٥١ ط ٢ - ٢/ ٤٢٢. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٤٣. فتاوى اللجنة الدائمة ٢/ ١٥. مجموع الفتاوى لابن باز ٢/ ٤٨٤.الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٤/ ٥٤٣. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١/ ١٦٣، ١٩٧. عقيدة الإمام ابن عبد البر للغصن ص ١٨٧. شرح مسائل الجاهلية ص ٦٥. منهج ابن حجر في العقيدة ص ١٠٨٥. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ص ٤٩٦. شرح مسائل الجاهلية للسعيد ١/ ٤٧٦. منهج الشافعي في إثبات العقيدة ص ٣٤٣.\n(^١) مختار الصحاح (د هـ ر).\n(^٢) غريب الحديث لأبي عبيد ٢/ ١٤٦، الفائق في غريب الحديث ١/ ٤١٩ - ٤٢٠، معالم السنن ٨/ ١١٨، شأن الدعاء للخطابي ١٠٨، وانظر المسائل التي خالف فيها الرسول - ﷺ - أهل الجاهلية للسعيد ١/ ٤٧٦.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٢/ ٤٩٣.","vol":"2","page":176},{"text":"* الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤].\n* الدليل من السنة: عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ -: \"قال الله ﵎: يؤذيني ابن آدم، يقول: يا خيبة الدهر. فلا يقولن أحدكم: يا خيبة الدهر، فإني أنا الدهر أقلب ليله ونهاره، فإذا شئت قبضتها\" (^١).\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر، أُقَلِّبُ الليل والنهار\" (^٢)، وفي رواية: \"لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر\".\nوقد أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"كان أهل الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار وهو الذي يهلكنا ويميتنا ويحيينا، فقال الله في كتابه: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ فيسبون الدهر، فقال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أُقَلِّبُ الليل والنهار\" (^٣).\nقوله: \"وأنا الدهر\" قال الخطابي: \"معناه: أنا صاحب الدهر ومدبر الأمور التي ينسبونها إلى الدهر، فمن سب الدهر من أجل أنه فاعل هذه الأمور عاد سبه إلى ربه الذي هو فاعلها، وإنما الدهر زمان جعل ظرفا لمواقع الأمور\" (^٤).\nقال ابن تيمية ﵀: \"قوله في الحديث \"بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار\" يبين أنه ليس المراد به أنه الزمان فإنه قد أخبر أنه يقلب الليل والنهار والزمان هو الليل\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه (٢٢٤٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٨٢٦)، ومسلم (٢٢٤٦).\n(^٣) أخرجه ابن جرير في تفسيره ٢٥/ ١٥٢.\n(^٤) فتح الباري ٨/ ٥٧٥.","vol":"2","page":177},{"text":"والنهار فدل نفس الحديث على أنه هو يقلب الزمان ويصرِّفه كما دل عليه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [النور: ٤٣، ٤٤] \" (^١).\nوقال ﵀: \"وأصل هذا الخبر أنه ورد على سبب وهو أن الجاهلية كانت تقول أصابني الدهر في مالي بكذا ونالتني قوارع الدهر ومصائبه فيضيفون كل حادث يحدث بما هو جار بقضاء الله وقدره وخلقه وتقديره من مرض أو صحة أو غنى أو فقر أو حياة أو موت إلى الدهر ويقولون لعن الله هذا الدهر والزمان ولذلك قال قائلهم:\nأمن المنون وريبه تتوجع ... والدهر ليس بمعتب من يجزع\nوقال تعالى: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور:٣٠]. أي ريب الدهر وحوادثه وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤]. فأخبر عنهم بما كانوا عليه من نسبة أقدار الله وأفعاله إلى الدهر فقال النبي - ﷺ -: \"لا تسبوا الدهر\" أي: إذا أصابتكم المصائب لا تنسبوها إليه فإن الله هو الذي أصابكم بها لا الدهر وأنكم إذا سببتم الدهر وفاعل ذلك ليس هو الدهر.\nوقال أبو بكر الخلال سألت إبراهيم الحربي عن قول النبي - ﷺ -: \"لا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر فإن الله هو الدهر\" (^٢). وعن: \"لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر\" (^٣) قال كانت الجاهلية تقول: الدهر هو الليل والنهار يقولون الليل والنهار فعل بنا كذا فقال الله تعالى أنا أفعل ليس الدهر\" (^٤).\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"ولهذا قال في الحديث: \"وأنا الدهر بيدي\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢/ ٤٩١.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٢٤٦)، ومسلم (٦١٨١).\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية ١/ ١٢٥،١٢٦.","vol":"2","page":178},{"text":"الأمر أُقَلِّبُ الليل والنهار\"، وفي رواية لأحمد: \"بيدي الليل والنهار أُجِدْهُ وأبليه وأذهب بالملوك\"، وفي رواية: \"لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر، الأيام والليالي أجددها وأبليها وآتي بملوك بعد ملوك\"، قال الحافظ: وسنده صحيح. فقد تبين بهذا خطأ ابن حزم في عده الدهر من أسماء الله الحسنى، وهذ غلط فاحش، ولو كان كذلك لكان الذين قالوا: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] مصيبين\" (^١).\n\n* وسب الدهر ينقسم إلى ثلاثة أقسام:\nالأول: أن يصف الدهر بالشدة أو الغلظة ويقصد الخبر المحض دون اللوم، فهذا جائز مثل أن يقول: تعبنا من شدة حر هذا اليوم، أو برده ما أشبه ذلك، لأن الأعمال بالنيات ومثل هذا اللفظ صالح لمجرد الخبر، ومنه قول لوط ﵊: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود:٧٧] (^٢). ومنه أيضا قوله تعالى ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فصلت:١٦] ويدخل فيه أيضا قول القائل: عام الحزن وعام المجاعة لأنه من باب الإخبار.\nقال الشيخ محمد بن إبراهيم: \"وأما وصف الدهر بالشدة والرخاء والخير والشر فلا بأس بذلك كقوله سبحانه: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾، وقوله: ﴿سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ وقوله - ﷺ -: \"لا يأتي زمان إلا الذي بعده شر منه\"، والأدلة على ذلك كثيرة جدًّا\" (^٣).\nالثاني: قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"أن يسب الدهر على أنه هو الفاعل، كأن\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ٦١٧.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٨٢٣. وانظر القول المفيد ط ١ - ٢/ ٣٥١. وفتح المجيد ص ٥٠٤.\n(^٣) فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم ١/ ١٧٢.","vol":"2","page":179},{"text":"يعتقد بسبه الدهر أن الدهر هو الذي يقلب الأمور إلى الخير والشر، فهذا شرك أكبر لأنه اعتقد أن مع الله خالقًا لأنه نسب الحوادث إلى غير الله وكل من اعتقد أن مع الله خالقًا فهو كافر، كما أن من اعتقد أن مع الله إلهًا يستحق أن يعبد، فإنه كافر\" (^١).\nالثالث: أن يسب الدهر لا لاعتقاد أنه هو الفاعل، بل يعتقد أن الله هو الفاعل، لكن يسبه لأنه محل لهذا الأمر المكروه عنده، فهذا محرم، ولا يصل إلى درجة الشرك، وهو من السفه في العقل والضلال في الدين، لأن حقيقة سبه تعود إلى الله سبحانه، لأن الله تعالى هو الذي يصرف الدهر ويكون فيه ما أراد من خير أو شر، فليس الدهر فاعلًا، وليس هذا السبب يُكفِّر، لأنه لم يسب الله تعالى مباشرة (^٢). ويدخل في ذلك من الأمثلة قولهم: هذا يوم أسود على وجه التضجر ويوم أغبر أو قولهم هذا يوم شؤم وغير ذلك من الأمثلة.\nقال ابن حجر: \"قال المحققون: من نسب شيئًا من الأفعال إلى الدهر حقيقة كفر، ومن جرى هذا اللفظ على لسانه غير معتقد لذلك فليس بكافر، لكنه يكره له ذلك، لشبهه بأهل الكفر في الإطلاق. وهو نحو التفصيل الماضي في قولهم: مطرنا بكذا\" (^٣).\nوقال أيضا نقلًا عن الشيخ أبي محمد بن أبي حمزة: \"لا يخفى أن من سب الصنعة فقد سب صانعها، فمن سبّ نفس الليل والنهار أقدم على أمر عظيم بغير معنى، ومن سب ما يجري فيهما من الحوادث، وذلك هو أغلب ما يقع من الناس، وهو الذي يعطيه سياق الحديث، حيث نفى عنهما التأثير، فكأنه قال: لا ذنب لهما في ذلك. وأما الحوادث فمنها ما يجري بواسطة العاقل المكلف فهذا\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٨٢٣. وانظر القول المفيد ط ١ - ٢/ ٣٥١.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٨٢٣. وانظر القول المفيد ط ١ - ٢/ ٣٥١.\n(^٣) فتح الباري ١٠/ ٥٦٦.","vol":"2","page":180},{"text":"يضاف شرعا ولغة إلى الذي جرى على يديه، ويضاف إلى الله تعالى لكونه بتقديره، فأفعال العباد من أكسابهم، ولهذا ترتّبت عليها الأحكام، وفي الابتداء خلق الله. ومنها ما يجري بغير وساطة، فهو منسوب إلى قدرة القادر، وليس للّيل والنهار فعل ولا تأثير لا لغة ولا عقلًا ولا شرعًا، وهو المعنى في هذا الحديث، ويلتحق بذلك ما يجري من الحيوان غير العاقل\" (^١).\nوقال الشيخ سليمان بن عبد الله: (والحديث صريح في النهي عن سب الدهر مطلقًا، سواء اعتقد أنه فاعل أو لم يعتقد ذلك، كما يقع كثيرًا ممن يعتقد الإسلام.\nكقول المعتز:\nيا دهر ويحك ما أبقيت لي أحدا ... وأنت والد سوء تأكل الولدا\nوقول أبي الطيب:\nقبحًا لوجهك يا زمان كأنه ... وجه له من كل قبح برقع\nوقال الحريري:\nولا تأمن الدهر الخؤون ومكره ... فكم خامل أخنى عليه ونابه\nونحو هذا كثير. وكل هذا داخل في الحديث\" (^٢).\nومن ذلك أيضًا قول الأعشى بكر:\nيا دهر قد أكثرت فجعتنا ... بسراتنا ووقرت في العظم\nوسلبتنا ما ليس تعقبنا ... يا دهر ما أنصفتنا في الحكم (^٣)\n_________\n(^١) فتح الباري ١٠/ ٥٦٦.\n(^٢) تيسير العزيز الحميد ص ٦١٥، ٦١٦.\n(^٣) ملحقات ديوان الأعشى ص ٢٥٨، غريب الحديث لأبي عبيد ٢/ ١٤٦. وانظر: المسائل التي خالف فيها الرسول أهل الجاهلية ١/ ٤٧٨.","vol":"2","page":181},{"text":"قال ابن القيم ﵀: \"وفي هذا ثلاث مفاسد عظيمة:\nأحدها: سبه من ليس أهلًا للسب، فإن الدهر خلق مسخر من خلق الله منقاد لأمره، مذلل لتسخيره، فسابه أولى بالذم والسب منه.\nالثانية: أن سبه متضمن للشرك، فإنه إنما سبه لظنه أنه يضر وينفع وأنه مع ذلك ظالم قد ضر من لا يستحق الضرر، وأعطى من لا يستحق العطاء، ورفع من لا يستحق الرفعة، وحرم من لا يستحق الحرمان. وهو عند شاتميه من أظلم الظلمة وأشعار هؤلاء الظلمة الخونة في سبه كثيرة جدًّا. وكثير من الجهال يصرح بلعنه وتقبيحه.\nالثالثة: أن السب منهم إنما يقع على من فعل هذه الأفعال التي لو اتبع الحق فيها أهواءهم لفسدت السموات والأرض، وإذا وافقت أهواءهم حمدوا الدهر وأثنوا عليه، وفي حقيقة الأمر، فرب الدهر هو المعطي المانع الخافض الرافع المعز المذل، والدهر ليس له من الأمر شيء، فمسبتهم الدهر مسبة لله ﷿، ولهذا كانت مؤذية للرب تعالى ... فساب الدهر دائر بين أمرين لا بد له من إحداهما: إما مسبة الله أو الشرك به، فإنه إن اعتقد أن الدهر فاعل مع الله فهو مشرك، وإن اعتقد أن الله وحده هو الذي فعل ذلك، وهو يسب من فعله فهو يسب الله تعالى\" (^١).\nقال الشيخ محمد بن إبراهيم: \"وأما سبّ الدهر فهو الذي وردت الأدلة بالنهي عنه والتحذير منه وتحريمه\" (^٢).\n* فائدة: أشار ابن أبي حمزة إلى أن النهي عن سب الدهر تنبيه بالأعلى على الأدنى، وأن فيه إشارة إلى ترك سب كل شيء مطلق، إلا ما أذن الشرع فيه؛ لأن العلة واحدة.\n_________\n(^١) زاد المعاد ٢/ ٣٥٤، ٣٥٥، وانظر: تيسير العزيز الحميد ص ٦١٦.\n(^٢) فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ١/ ١٧٢.","vol":"2","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-552>١٢٦ - الدين</span>*\nهو الإسلام وهو الطاعة والتوحيد وجميع ما يتعبد به وكل هذا حق الله وحده لا يصرف إلا له قال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣]، وقال ﷿ ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩].\nوفي حديث الخوارج: \"يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية). قال الخطابي: \"أراد بالدين الطاعة\" (^١).\nوسمي دين الإسلام توحيدا لأن مبناه على أن الله واحد في ملكه وأفعاله وواحد في ذاته وصفاته لا نظير له، وواحد في ألوهيته وعبادته لا ند له.\nقال الراغب: \"والدين كالملّة لكنه يقال اعتبارا بالطاعة والانقياد للشريعة\" (^٢).\n* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥]، وقال ﷾: ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ [النساء:١٤٦]، وقوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ [آل عمران:٨٣] يعني الإسلام لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥].\n* الدليل من السنة: قوله - ﷺ -: \"إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوهم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة ... إلى أن ... فيقولان له:\n_________\n* لوامع الأنوار للسفاريني ١/ ٤٣٠. فتح الباري لابن رجب ١/ ٩٨. الدرر السنية ١/ ٢٠١. ١٢/ ٣٧٧، مجموع الفتاوى لابن باز ١/ ١٩١. مجموع الفوائد واقتناص الأوابد للسعدي ص ١٦. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٥/ ٩٩ - ٧/ ١٦.\n(^١) النهاية ٢/ ١٤٩.\n(^٢) المفردات ١٧٥.","vol":"2","page":183},{"text":"من ربك؟ فيقول ربي الله. فيقولان له: ما دينك فيقول ديني الإسلام فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول: هو رسول الله - ﷺ -\" (^١).\nوالدين له مراتب ثلاث وهي: الإسلام، الإيمان، الإحسان (^٢).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"الدين يتضمن معنى الخضوع والذل، يقال دنته فدان أي: أذللته، فذل، ويقال ندين الله وندين لله أي نعبد الله ونطيعه ونخضع له. فدين الله عبادته وطاعته والخضوع له\" (^٣).\nوقال أيضًا ﵀: \"وجماع الدين أصلان: أن لا يُعبد إلا الله، وأن لا يعبد إلا بما شرع لا يعبد بالبدع كماقال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] وذلك تحقيق الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدًا رسول الله.\nففي الأولى أن لا نعبد إلا إياه، وفي الثانية أن محمدا هو رسوله المبلغ عنه، فعلينا أن نصدق خبره ونطيع أمره، وقد بين لنا ما نعبد الله به، ونهانا عن محدثات الأمور، وأخبر أنها ضلالة، قال الله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:١١٢]. وكما أنا مأمورون أن لا نخاف إلا الله، ولا نتوكل إلا على الله، ولا نرغب إلا في الله ولا نستعين إلا بالله وأن لا تكون عبادتنا إلا لله، فكذلك نحن مأمورون أن نتبع الرسول ونطيعه ونتأسى به\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد (١٨٧٣٣).\n(^٢) انظر إليها في المعجم.\n(^٣) كتاب العبودية ص ٦.\n(^٤) العبودية ص ٣٥.","vol":"2","page":184},{"text":"قال الطحاوي: \"ودين الله في الأرض والسماء واحد، وهو دين الإسلام، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران:١٩]، وقال تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]. وهو بين الغلو والتقصير، وبين التشبيه والتعطيل، وبين الجبر والقدر وبين الأمن والإياس\" (^١) وعلق عليه شارح الطحاوية بقوله: \"ثبت في الصحيح عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد\"، وقولُه تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥] عامّ في كل زمان، ولكن الشرائع تتنوع، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] فدين الإسلام هو ما شرعه الله ﷾ لعباد على ألسنة رسله، وأصل هذا الدين وفروعه روايته عن الرسل، وهو ظاهر غاية الظهور، يمكن كل مميز من صغير وكبير، وفصيح وأعجمي، وذكي وبليد، أن يدخل فيه بأقصر زمان، وأنه يقع الخروج منه بأسرع من ذلك، من إنكار كلمة، أو تكذيب، أو معارضة، أو كذب على الله، أو ارتياب في قول الله تعالى، أو ردّ لما أنزل، أو شك فيما نفى عنه الشك، أو غير ذلك مما في معناه\" (^٢).\nوقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"والدين الإسلامي متضمن لجميع المصالح التي تضمنتها الأديان السابقة متميز عليها بكونه صالحا لكل زمان ومكان وأمة، ومعنى كونه صالحا لكل زمان ومكان وأمة: أن التمسك به لا ينافي مصالح الأمة في أي زمان أو مكان، بل هو صلاحها، وليس معناه أنه خاضع لكل زمان ومكان وأمة، فدين الإسلام يأمر بكل عمل صالح وينهى عن كل سيء، فهو يأمر\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية بتحقيق الدكتور التركي ٢/ ٧٨٦.\n(^٢) شرح العقيدة الطحاوية بتحقيق الدكتور التركي ٢/ ٧٨٦، ٧٨٧.","vol":"2","page":185},{"text":"بكل خلُق فاضل، وينهى عن كل خلُق سافل\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-553>فوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-554>١ - كل عبادة يقوم بها الإنسان تسمى دينًا ولو كانت عبادة باطلة ولا يقبل الله من ذلك إلا الدين الحق وهو دين الإسلام </span>وفي ذلك يقول الشيخ ابن باز ﵀: \"كل ما يدين به الناس ويتعبدون به يسمى دينًا، وإن كان باطلا كالبوذية والوثنية واليهودية والهندوسية والنصرانية وغيرها من الأديان الباطلة قال سبحانه: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦].\nفسمَّى ما عليه عبَّاد الأوثان دينًا، والدين الحق هو الإسلام وحده، كما قال الله ﷿: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران:١٩]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].\nوالإسلام هو عبادة الله وحده دون كل ما سواه، وطاعة أوامره وترك نواهيه والوقوف عند حدوده، والإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله مما كان وما يكون، وليس شيء من الأديان الباطلة منزلًا من عند الله ولا مرضيا له، بل كلها محدثة غير منزلة من عند الله\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-555>٢).\n\n٢ - الفرق بين الدين والملة والمذهب:</span>\nقال الجرجاني: \"الدين والملة: متحدان بالذات، ومختلفان بالاعتبار، فإن الشريعة من حيث إنها تطاع، تسمى: دينًا، ومن حيث إنها تجمع، تسمى: ملة، ومن\n_________\n(^١) شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٣٩.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن باز ص ٥١٣.","vol":"2","page":186},{"text":"حيث إنها يرجع إليها، تسمى مذهبًا\" (^١).\nوقيل: الفرق بين الدين والملة والمذهب: أن الدين منسوب إلى الله تعالى، والملة منسوبة إلى الرسول، والمذهب منسوب إلى المجتهد (^٢).\nقال الراغب: \"ولا تستعمل الملة إلا في جملة الشرائع دون آحادها، فيقال: ملة الإسلام ولا يقال ملة الصوم، لكن الدين يستعمل في جملة الشرائع وآحادها فيقال: دين الإسلام، ويقال الصوم دين، والصلاة دين، وحب الصحابة دين\".\n_________\n(^١) التعريفات ص ١٤١.\n(^٢) المصدر السابق.","vol":"2","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-556>١٢٧ - الذبح</span>*\nالذبح في اللغة: القطع أو الشق أو ما دل عليه.\nوفي الشرع: إزهاق الروح بإراقة الدم على وجه مخصوص (^١)، والذبح إذا وقع على سبيل التعظيم لله عبادة مالية وقربة بل من أعلى العبادات المالية (^٢) بعد الزكاة فصرفه لله توحيد وصرفه لغير الله شرك أكبر يخرج من الملة.\n* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]. وقال سبحانه: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢].\n* الدليل من السنة: عن علي - ﵁ - قال: \"حدثني رسول الله - ﷺ - بأربع كلمات: لعن (^٣)\n_________\n* اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٥٥٣، ٥٥٩، ٥٦٤، ٥٦٧. مجموع الفتاوى ٢٦/ ٣٠٦. أحكام القرآن القرطبي ١/ ٤٣٣ - ٦/ ٧٧. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٢/ ٨٨، ٢٥١. تيسير العزيز الحميد ص ١٨٧. فتح المجيد ص ١٦٥. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٩٦. مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٢٠٦. والقول المفيد ط ١ - ١/ ٢١٥، ط ٢ - ١/ ٢٧٥. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٢١.الدرر السنية ٥/ ٧٣، ١٠/ ٤٤٨، ٤٥٣، ٤٦٤، ١٢/ ٩١، فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ١١٦. مجموع الفتاوى لابن باز ٢/ ٥٦١، ٥٧٣. ٢/ ٨٤٧، ٨٦٠. نور على الدرب ص ١٨٥، ٣٦٨. معارج القبول ١/ ٣٣٥. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٢/ ١٤٨ - ٧/ ٢٧. الشيخ السعدي وجهوده في توضيح العقيدة للعباد ص ١٨٩. شرح مسائل الجاهلية للسعيد ٢/ ٦٥٠. شرح مسائل الجاهلية ص ١٣٠. المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة الأحمدي ٢/ ١٢٩، ١٧٦.\n(^١) شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٦٢.\n(^٢) انظر فتح المجيد ص ١٦٧.\n(^٣) قال أبو السعادات: أصل اللعنة الطرد والإبعاد عن الله. اهـ. وقالوا: اللعنة: البعد عن مظان الرحمة ومواطنها انظر: تيسير العزيز الحميد ١٩٠.","vol":"2","page":188},{"text":"الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى مُحْدِثًا (^١)، لعن الله من غَيَّر منار (^٢) الأرض\" (^٣).\nوعن طارق بن شهاب عن سلمان الفارسي قال: \"دخل رجلٌ الجنة في ذباب، ودخل النارَ رجلٌ في ذباب. قالوا: وكيف ذلك؟ قال: مرّ رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرِّب له شيئًا، فقالوا لأحدهما: قرِّب قال: ليس عندي شيء. فقالوا له: قَرِّب ولو ذبابًا، فقَرَّب ذبابًا، فخلوا سبيله، فدخل النار، وقالوا للآخر: قرِّب ذبابًا، قال: ما كنت لأُقرِّبَ لأحد شيئًا من دون الله ﷿ فضربوا عنقه، فدخل الجنة\" (^٤).\n_________\n(^١) آواه: أي ضمَّه إليه، وحماه أن يؤخذ منه الحق الذي وجب عليه (فتح المجيد ص ١٧٠)، وأما \"محدثًا\" قال أبو السعادات: \"المحدِث يروى بكسر الدال وفتحها على الفاعل والمفعول، فمعنى الكسر: من نصر جانيًا أو آواه وأجاره من خصمه، وحال بينه وبين أن يقتص منه، والفتح: هو الأمرُ المُبتَدَع نفسُه، ويكون معنى الإيواء فيه الرضى به والصبر عليه، فإنه إذا رضي بالبدعة وأقر عليها فاعلها ولم ينكر عليه، فقد آواه\" النهاية لابن الأثير (ح د ث). قال ابن باز:\"آوى محدثًا أي: من آوى أهل البدع والمعاصي ونصرهم فإنه ملعون وكذلك من يمنع إقامة الحد عليهم ومنار الأرض أي: المراسيم التي تميز وتبين وتعرف حدود الأراضي وتدل عليها لما في تغييرها من المشاكل والمصائب والمقاتلة\". مستفاد من شرح ابن باز على كتاب التوحيد.\n(^٢) قال النووي: منار الأرض بفتح الميم علامات حدودها. وقيل تغييرها أن يقدمها ويؤخرها فيكون هذا من ظلم الأرض الذي قال فيه - ﷺ -: \"من ظلم شبرا من الأرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين\". رواه البخاري ومسلم. وانظر: تيسير العزيز الحميد ص ١٩٣.\n(^٣) أخرجه مسلم (١٩٧٨).\n(^٤) أخرجه أحمد في الزهد (٨٤) وأبو نعيم في الحلية ١/ ٢٠٣، عن طارق بن شهاب عن سلمان الفارسي موقوفًا بسند صحيح. والحديث ذكره ابن القيم في الداء والدواء ص ١٠٢ ط دار ابن خزيمة، وذكر ابن رجب في شرح العلل أن طارق بن شهاب من صبيان الصحابة ورأى النبي - ﷺ - ولم يصح له سماع من الرسول - ﷺ - فروايته مرسلة. وانظر التهذيب ٥/ ٣.","vol":"2","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-557>أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-558>١ - في قوله \"قرب ولو ذبابًا\" ذهب بعض أهل العلم إلى أنه مُكره </span>وأن شرع من قبلنا لا يعذرون بالإكراه ويعضدون ذلك بقصة أصحاب الأخدود والحديث الذي فيه: \"فيشق الرجل نصفين لا يرده عن دينه\".\nوذهب بعض أهل العلم إلى أنه فعل ذلك طواعية من غير إكراه لأن المكره له أن يكفر مع اطمئنان قلبه.\nقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"فإن قوله: \"قرب ولو ذبابًا\" يقتضي أنه فعله قاصدًا التقرب، أما لو فعله تخلصًا من شرهم فإنه لا يكفر لعدم قصد التقرب، ولهذا قال الفقهاء: لو أكره على طلاق امرأته فطلق تبعًا لقول المكرِه؛ لم يقع الطلاق، بخلاف ما لو نوى الطلاق؛ فإن الطلاق يقع، وإن طلق دفعا للإكراه؛ لم يقع، وهذا حق لقوله - ﷺ -: \"إنما الأعمال بالنيات\".\nوظاهر القصة أن الرجل ذبح بنية التقرب ... ولو فعله بقصد التخلص ولم ينو التقرب لهذا الصنم لا يكفر لعموم قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-559>٢ - فائدة: في قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾</span> [الكوثر: ٢] قد جمع تعالى بين هاتين العبادتين، اللتين هما أفضل العبادات وأفضل القربات لله. ففي قوله ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ أي: أخلص لربك الصلاة، ونحر البدن ونحوها، على اسمه وحده.\nفالصلاة: أفضل العبادات البدنية، والذبح أفضل العبادات المالية. وإنما كان الذبح أفضلها، لأنه يجتمع فيه أمران: الأول: أنه طاعة لله. والثاني: أنه بذل ماله\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٢٢٠. وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ٢٢٨.","vol":"2","page":190},{"text":"وطابت نفسه، والبذل مشترك في جنس المال، لكن زاد الذبح على غيره، من حيث أن الحيوانات محبوبة لأربابها. يوجد لذبحها ألم في النفوس من شدة محبتها، فإذا بذله لله، وسمحت نفسه بإيذاق الحيوان الموت، صار أفضل من مطلق العبادات المالية، وكذلك ما يجتمع له عند النحر، إذا قارنه الإيمان والإخلاص، من قوة اليقين، وحسن الظن بالله أمر عجيب، فصرفه لغير الله شرك أكبر (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-560>٣ - أقسام الذبح من حيث الحكم الشرعي:</span>\nذكر العلماء للذبح أقسامًا منها ما هو عبادة، ومنها ما هو عادة، ومنها ما هو بدعة:\nالأول: ما كان عبادة ويقصد به تعظيم المذبوح له والتذلل له والتقرب إليه فصرفه لغير الله شرك، فلو تقرب بالذبح لشخص أو سلطان أو غيره لوقع في الشرك. قال الشيخ ابن عثيمين: \"أن يقع الذبح عبادةً بأن يقصد تعظيم المذبوح له والتذلل له والتقرب إليه؛ فهذا لا يكون إلا لله تعالى على الوجه الذي شرعه الله تعالى، وصرفه لغير الله شرك أكبر ودليله قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ \" (^٢).\nوالذبح التعبدي يكون في أربعة أشياء: الأضحية، والعقيقة، والهدي، والإيفاء بالنذر وهذا القسم نوعان:\nأ - ذبح واجب كالإيفاء بالنذر.\nب - وذبح مستحب كالأضحية على الصحيح وقد حكى ابن حزم إجماع الصحابة على أنها مستحبة غير واجبة كما في المحلى.\n_________\n(^١) انظر حاشية ثلاثة الأصول لابن قاسم ص ٤٤، مجموع فتاوى ابن تيمية ١٦/ ٥٣١، يسير العزيز الحميد ص ١٨٨.\n(^٢) شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٦٢.","vol":"2","page":191},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-561> حكم الذبح لغير الله:</span>\nالذبح لغير الله شرك، وله ثلاث صور (^١):\n١ - شرك من جهة العبادة: كمن يذبح لغير الله فيتوجه بالذبح للبدوي أو المسيح، فمن ذبح لغير الله تقربًا أو تعظيمًا فهو مشرك شركًا أكبر مخرج من الملة.\n٢ - شرك من جهة الاستعانة: وذلك إذا ذكر عند الذبح غير اسم الله.\n٣ - شرك في الاستعانة والعبادة: وذلك إذا ذبح باسم غير الله لغير الله، ومثال ذلك أن يذبح باسم البدوي للبدوي أو باسم عيسى لعيسى.\nقال النووي: \"وأما الذبح لغير الله فالمراد به أن يذبح باسم غير الله تعالى كمن ذبح للصنم أو الصليب أو لموسى أو لعيسى صلى الله عليهما وسلم أو للكعبة ونحو ذلك فكل هذا حرام، ولا تحل الذبيحة سواء كان الذابح مسلمًا أو نصرانيًا أو يهوديًا نصَّ عليه الشافعي واتفق عليه أصحابنا، فإن قصد مع ذلك تعظيم المذبوح له غير الله تعالى والعبادة له كان ذلك كفرًا، فإن كان الذابح مسلمًا قبل ذلك صار بالذبح مرتدًا\" (^٢).\nقال شيخ الإسلام: \"فإن عبادة الله بالصلاة له والنسك له أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور، فكذلك الشرك بالصلاة لغيره والنسك لغيره أعظم من الاستعانة باسم غيره في فواتح الأمور، فإذا حرم ما قيل فيه باسم المسيح أو الزهرة، فلأن يحرم ما قيل فيه لأجل المسيح أو الزهرة أو قصد به ذلك أولى، فإن العبادة لغير الله أعظم كفرا من الاستعانة بغير الله، كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة، الذين قد يتقربون إلى الكواكب بالذبح والنجوم ونحو ذلك، وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان\" (^٣).\n_________\n(^١) التمهيد لشرح كتاب التوحيد للشيخ صالح آل الشيخ ص ١٣٩ - ١٤٢.\n(^٢) شرح النووي على صحيح مسلم ١٣/ ١٤١.\n(^٣) تيسير العزيز الحميد ص ١٩١.","vol":"2","page":192},{"text":"فالذبح لغير الله تقربًا أو تعظيمًا كله شرك أكبر، وليس في الذبح شرك أصغر.\nوقد ذكرنا أن حد الشرك الأكبر هو: أن يصرف العبد نوعا أو فردا من أفراد العبادة لغير الله. فكل اعتقاد أو قول أو عمل ثبت أنه مأمور به في الشرع فصرفه الله وحده عبادة وتوحيد، وصرفه لغيره شرك وكفر وتنديد.\nوقال الشيخ ابن باز - ﵀ -: \"ومن ذبح لغيره من الجن والأصنام والقبور فهو كمن صلى وعبد غير الله لأن كلا من الصلاة والذبح عبادة حيث قرن الله بينهما\" (^١).\nويدخل في ذلك الذبح للجن على عتبة الباب قبل نزول المنزل الجديد ابتغاء إرضاءهم فهذه عادة جاهلية حيث إن بعضهم إذا أسس دارا ذبح عند الأساس أو عندما يحفرون القواعد يذبح باسم الجن حتى تحميهم أو حتى لا تأتيهم ولا تضرهم فهذا يعتبر شركا أكبر للحديث المتقدم: (دخل الجنة رجل في ذباب ودخل النار رجل في ذباب) حتى لو ذبح على العتبة عصفورا أو دجاجة وكان ذبحه للجن حتى لا تأتيه أو تأتي أهله صدق عليه أنه ذبح لغير الله.\nوجاء في فتاوى اللجنة عن حكم هذه العادة ما نصه: \"إذا كانت هذه العادة من أجل إرضاء الجن وتجنب المآسي والأحداث الكريهة فهي عادة محرمة بل شرك وهذا هو الظاهر من تقديم الذبح على النزول بالبيت وجعله على العتبة على الخصوص. وإن كان القصد من الذبح إكرام الجيران الجدد والتعرف عليهم وشكر الله على ما أنعم به من السكن الجديد وإكرام الأقارب والأصدقاء بهذه المناسبة وتعريفهم بهذا المسكن فهذا خير يحمد عليه فاعله لكن ذلك إنما يكون عادة بعد نزول أهل البيت فيه لا قبل ولا يكون ذبح الذبيحة أو الذبائح عند عتبة الباب أو مدخل البيت على الخصوص - وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم\" (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى لابن باز ٢/ ٥٦١.\n(^٢) فتاوى اللجنة ١/ ١٣٣.","vol":"2","page":193},{"text":"وأفتت اللجنة الدائمة لمن ذبح للجن بعد أن حج أن يحج من جديد، فالذبح للجن شرك بالله ﷾، ولو مات فاعله عليه دون توبة منه لكان خالدًا مخلدًا في النار، فلا يصح مع الشرك عمل، لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (^١).\nوقد سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز عن الذبح عند اكتمال البناء أو انتصافه فقال: \"هذا التصرف فيه تفصيل؛ فإن كان المقصود من الذبيحة اتقاء الجن أو مقصدًا آخر يقصد به صاحب البيت أن هذا الذبح يحصل به كذا وكذا كسلامته وسلامة ساكنيه فهذا لا يجوز، فهو من البدع، وإن كان للجن فهو شرك أكبر؛ لأنه عبادة لغير الله، أما إن كان من باب الشكر على ما أنعم الله به عليه من الوصول إلى السقف أو عند إكمال البيت فيجمع أقاربه وجيرانه ويدعوهم لهذه الوليمة فهذه لا بأس بها، وهذا يفعله كثير من الناس من باب الشكر لنعم الله حيث منَّ عليهم بتعمير البيت والسكن فيه بدلًا من الاستئجار، ومثل ذلك ما يفعله بعض الناس عند القدوم من السفر يدعو أقاربه وجيرانه شكرًا لله على السلامة فإن النبي - ﷺ - كان إذا قدم من سفر نحر جزورًا ودعا الناس لذلك ﵊\" (^٢).\nالقسم الثاني من أقسام الذبح: \"أن يذبح لغير الله فرحا وإكراما فهذا لا يخرج من الملة بل هو من الأمور العادية التي قد تكون مطلوبة أحيانا وغير مطلوبة أحيانا فالأصل أنها مباحة ... \" (^٣).\nوقال ابن عثيمين - ﵀ - في شرح ثلاثة الأصول: \"أن يقع - الذبح - إكرامًا لضيف أو وليمة لعرس أو نحو ذلك، فهذا مأمور به إما وجوبًا أو استحبابا لقوله - ﷺ -: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه\"، وقوله - ﷺ - لعبد الرحمن بن عوف:\n_________\n(^١) انظر فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء رقم (٢٥٢٧) ١/ ٢٠٨.\n(^٢) مجموع فتاوى ٥/ ٣٨٨، وانظر للاستزادة الشرح الممتع ٧/ ٥٥٠، ٥٥١.\n(^٣) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٢٠٦. وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ٢١٥.","vol":"2","page":194},{"text":"\"أولم ولو بشاة\"\" (^١).\nالثالث: أن يقع على وجه التمتع بالاكل أو الاتجار به ونحو ذلك فهذا من قسم المباح، فالأصل فيه الإباحة لقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧١ - ٧٢]، وقد يكون مطلوبًا أو منهيًا عنه حسبما يكون وسيلة له (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-563>٤ - ويحرم أكل ما ذبح للسلطان تعظيمًا بخلاف الإكرام والضيافة</span>.\nقال النووي - ﵀ -: \"وذكر الشيخ إبراهيم المروذي من أصحابنا أن ما ذبح عند استقبال السلطان تقربا إليه أفتى أهل بخارى بتحريمه لأنه مما أهل به لغير الله\" (^٣). فمدار ذلك على القصد والنية. وعلامة ذلك أنه يذبح في وجهه، أو يقصد أن يريق الدم عند قدميه مثلًا وفي نيته التعظيم له بإراقة الدم، فالمسألة فيها تفصيل، إن كان نحرها للمضيفات وإطعام الناس فهذا لا بأس به وهو عمل مشروع، أما إن كان نحرها عند لقاء الملوك أو عند لقاء المعظمين تعظيمًا لهم فهذا شرك لأنه ذبح لغير الله.\nوالذابح عند قدوم السلطان لا يقول عند ذبحه باسم السلطان، وهذا مما ليس في حرمته نزاع (^٤).\nقال النووي في شرح مسلم: \"فإن قصد الذابح مع ذلك تعظيم المذبوح له غير الله تعالى والعبادة له كان ذلك كفرًا، فإن كان الذابح مسلمًا قبل ذلك صار بالذبح مرتدًا. انتهى\" (^٥).\n_________\n(^١) شرح ثلاثة الأصول لابن عثيمين من المجموع ٦/ ٦٢.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٦٢.\n(^٣) تيسير العزيز الحميد ص ١٩١، وقد ذكره النووي في المنهاج ١٣/ ١٤١.\n(^٤) الروضة الندية ٢/ ٤٠٩.\n(^٥) شرح النووي على صحيح مسلم ١٣/ ١٤١.","vol":"2","page":195},{"text":"وقال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -: \"فلو قدم السلطان إلى بلد فذبحنا له فإن كان تقربًا وتعظيمًا فإنه شرك أكبر وتحرم هذه الذبائح وعلامة ذلك: أننا نذبحها في وجهه ثم ندعها.\nأما لو ذبحنا له إكرامًا وضيافة وطبخت وأكلت فهذا من باب الإكرام وليس بشرك\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-564>٥ - ومن البدع المحدثة أن يتقرب إلى الله بالذبح في مكانٍ بعينه ابتغاء البركة</span>. وقد ذكروا من ذلك سوق الغنم والبقر ليذبحها في أماكن بعينها معتقدين بركتها، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية من يسوق الغنم والبقر إلى قبة الصخرة وبيَّنَ أن هذا من البدع والضلالات (^٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-565>٦ - في حديث أنس بن مالك - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"لا عقر في الإسلام</span>\" (^٣). قال عبد الرزاق بن همام: \"كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة\" (^٤).\nقال النووي: \"وأما الذبح والعقر عند القبر فمذموم لحديث أنس (^٥) \" (^٦).\nوقال الألباني: \"وهذا إذا كان الذبح هناك لله تعالى، وأما إذا كان لصاحب القبر كما يفعله بعض الجهال فهو شرك صريح، وأكله حرام وفسق كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]. أي والحال أنه كذلك بأن ذبح لغير الله، إذ هذا هو الفسق هنا كما ذكره الله تعالى بقوله ﴿أَوْ فِسْقًا\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٢٠٦. وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ٢١٥.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٢٧/ ١١.\n(^٣) سنن أبي داود (٣٢٢٢) وأحمد (١٣٠٦٢) والترمذي وقال: حسن صحيح.\n(^٤) أخرجه أبو داود بعد الحديث السابق رقم (٣٢٢٢)، والبيهقي ٤/ ٥٧ وأحمد ٣/ ١٩٧. وانظر: للاستزادة شفاء الصدور ص ٧٦.\n(^٥) سبق تخريجه.\n(^٦) المجموع ٥/ ٣٢٠.","vol":"2","page":196},{"text":"أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] \" (^١).\nوقال شيخ الإسلام: \"وأما الذبح هناك - يعني عند القبور - فمنهي عنه مطلقا. ذكره أصحابنا وغيرهم لهذا الحديث ... قال أحمد في رواية المروزي قال النبي - ﷺ - \"لا عقر في الإسلام\". كانوا إذا مات لهم الميت نحروا جزورا على قبره، فنهى رسول الله - ﷺ - عن ذلك. وكره أبو عبد الله أكل لحمه (^٢). قال أصحابنا: وفي معنى هذا ما يفعله كثير من أهل زماننا في التصدق عند القبر بخبز أو نحوه\" (^٣).\nقال - ﵀ - أيضًا: \"وكره العلماء الأكل من تلك الذبيحة، فإنها شِبه ما ذُبِحَ لغير الله\" (^٤).\nوقال - ﵀ - أيضًا: \"ولا يذبح عند القبر أضحية ولا غيرها. فإن في سنن أبي داود عن النبي - ﷺ -: \"أنه نهى عن العقر عند القبر\" حتى كره أحمد الأكل مما يذبح عند القبر؛ لأنه يشبه ما يذبح على النصب. فإن النبي - ﷺ - قال: \"لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\" يحذر ما فعلوا. وثبت عنه في الصحيح أنه قال: \"لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها\"، وقال: \"الأرض كلها مسجد إلا المقبرة، والحمام\" فنهى عن الصلاة عندها؛ لئلا يشبه من يصلي لها. وكذلك الذبح عندها يشبه من ذبح لها.\nوكان المشركون يذبحون للقبور، ويقربون لها القرابين، وكانوا في الجاهلية إذا مات لهم عظيم ذبحوا عند قبره الخيل، والإبل، وغير ذلك، تعظيمًا للميت. فنهى\n_________\n(^١) أحكام الجنائز ص ٢٠٣.\n(^٢) المقصود هنا الذبح عند القبر الله ﷿، أما الذبح لغيره فهو شرك ويحرم أكله. انظر للاستزادة مسائل الإمام أحمد ٢/ ١٧٦. أحكام الجنائز الألباني ص ٢٤٩ رقم ٤٦.\n(^٣) اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٧٣٧، ٧٣٨.\n(^٤) الاستغاثة ٢/ ٤٣١.","vol":"2","page":197},{"text":"النبي - ﷺ - عن ذلك كله\" (^١).\nوقال الشيخ محمد بن إبراهيم - ﵀ -: \"وقد صرح العلماء بتحريم الذبح في المقبرة لما فيه من مشابهة المشركين، ولأنه وسيلة إلى الشرك بالذبح للموتى والتقرب إليهم\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-566>الذبح لله تعالى بمكان يذبح فيه لغير الله:</span>\nلا يجوز الذبح في المكان الذي فيه وثن للمشركين أو عيد من أعيادهم لأمور: أولًا:\nحديث ثابت بن الضحاك أن رجلًا نذر أن ينحر إبلًال ببوانة فسأل النبي - ﷺ - فقال: \"هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يُعبد؟ \" قالوا: لا. قال: \"هل كان فيها عيد من أعيادهم؟ \" قالوا: لا. فقال: \"أوف بنذرك فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم\" (^٣).\nثانيًا: لقوله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ ووجه الدلالة: إذا منع النبي - ﷺ - عن القيام لله تعالى في مسجد الضرار مع أنه لا يقوم فيه إلا لله تعالى، فكذلك المواضع المعدة للذبح لغير الله تعالى لا يذبح فيها الموحد لله؛ لأنها قد أسست على معصية الله والشرك به.\nثالثًا: أنه وسيلة إلى عبادة غير الله تعالى، وفيه تعظيم لتلك الأماكن التي يذبح فيها لغير الله تعالى، كما أن فيه تلبيس على الناس، فإذا رأى بعض العامة من يذبح في ذلك المكان الذي عرف أنه مكان يذبح فيه لغير الله أن يفعلوا مثل فعله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-567>٧ - حكم أكل ما ذبح لغير الله:</span>\nجاء في الدرر السنية ما نصه: \"وصرح الشيخ تقي الدين، في: اقتضاء الصراط المستقيم، بأن من ذبح للجن، فالذبيحة حرام، من جهتين؛ من جهة: أنها مما أهل\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢٦/ ٣٠٦.\n(^٢) فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ١/ ١٢٤.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٣٣١٣).","vol":"2","page":198},{"text":"لغير الله به؛ ومن جهة: أنها ذبيحة مرتد، فهي: كخنزير مات، من غير ذكاة؛ ويقول؛ ولو سمى الله عند ذبحها، إذا كانت نيته ذبحها للجن، ورد على من قال: إنه إن ذكر اسم الله، حل الأكل منها، مع التحريم\" (^١).\nوكذلك ما ذبح على الأضرحة لا يجوز أكله، كما جاء في فتاوى اللجنة (^٢) ومن كل منها فهو آثم لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة:٣]. وإذا ذبح باسم الله لغير الله فقد أشرك في العبادة ولا يجوز أكل هذه الذبيحة حيث قام فيها أنها ذبيحة مشرك ولم تذبح لله.\nوكذلك ما ذبح في المولد جاء في فتاوى اللجنة ما نصه: \"ما ذبح في مولد نبي أو ولي تعظيمًا له فهذا مما ذبح لغير الله وذلك شرك فلا يجوز الأكل منه\" (^٣).\nوقالت اللجنة ما نصه: \"الذبح لغير الله شرك وحكم الذبيحة حكم الميتة ولا يجوز أكلها ولو ذكر عليها اسم الله إذا تحقق أنها ذبحت لغير الله ومن أكل منها اجتهادا منه يبين له الحكم ومن أكل منها بعد العلم فلا ينبغي أن يكون إماما بل تلتمس الصلاة خلف غيره\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-568>٨ - أما ذبيحة أهل الكتاب فيجملها الشيخ محمد الأمين الشنقيطي - ﵀ - في قوله: \"ذبيحة الكتابي لها خمس حالات لا سادس لها:</span>\nالأولى: أن يعلم أنه سمَّى الله عليها، وفي هذه تؤكل بلا نزاع، ولا عبرة بخلاف الشيعة في ذلك؛ لأنهم لا يُعتدُّ بهم في الإجماع.\n_________\n(^١) الدرر السنية ٢/ ٤٧.\n(^٢) فتاوى اللجنة ١/ ١٢٤.\n(^٣) فتاوى اللجنة ١/ ١٣٥.\n(^٤) فتاوى اللجنة: ١/ ١٤١.","vol":"2","page":199},{"text":"الثانية: أن يعلم أنه أهلّ بها لغير الله، ففيها خلاف، وقد قدَّمنا أن التحقيق أنها لا تؤكل؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾.\nالثالثة: أن يعلم أنه جَمَع بين اسم الله واسم غيره، وظاهر النصوص أنها لا تؤكل أيضًا؛ لدخولها فيما أُهِلَّ لغير الله به.\nالرابعة: أن يعلم أنه سكت ولم يسمِّ الله ولا غيره، فالجمهور على الإباحة وهو الحق، والبعض على التحريم كما تقدّم.\nالخامسة: أن يجهل الأمر لكونه ذبح حالة انفراده، فتؤكل، على ما عليه جمهور العلماء، وهو الحق إن لم يُعرَف الكتابي بأكل الميتة كالذي يسلُّ عنق الدجاجة بيده، فإن عُرف بأكل الميتة لم يُؤكل، على ما عليه عند بعض العلماء، وهو مذهب مالك ... إلخ\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-569>٩ - حكم ذبيحة الكافر:</span>\nقال ابن باز - ﵀ -: \"لا يجوز أكل ذبائح الكفار غير أهل الكتاب من اليهود والنصارى سواء كانوا مجوسًا أو وثنيين أو شيوعيين أو غيرهم من أنواع الكفار ولا ما خالط ذبائحهم من المرق وغيره، لأن الله سبحانه لم يبح لنا من أطعمة الكفار إلا طعام أهل الكتاب في قوله - ﷿ -: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]. وطعامهم هو ذبائحهم كما قال ابن عباس وغيره، أما الفواكه ونحوها فلا حرج فيها، لأنها غير داخلة في الطعام المحرم\" (^٢).\n_________\n(^١) دفع إيهام الاضطراب ص ٧٦، ٧٧.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن باز ص ١٠٤٣.","vol":"2","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-570>١٢٨ - ذِمَّة الله وَذِمَّة نبِيِّهِ </span>*\nالذمة لغة: العهد والأمان.\nقال ابن الأثير: \"الذمة والذمام\" هما بمعنى العهد والأمان الضمان والحُرمة والحق وسُميّ أهل الذمة لدخولهم في عهد المسلمين وأمانهم\" (^١).\nوذمة الله تعالى وذمة نبيه - ﷺ - \"يجب حفظها والوفاء بها، والمراد التي تدخل في العهود وأن عدم الوفاء عدم تعظيم له فهو قدح في التوحيد\" (^٢).\n* الدليل من الكتاب: قول الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١].\n* الدليل من السنة: عن بريدة قال: \"كان رسول الله - ﷺ -، إذا أمَّر أميرًا على جيش أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى - ﷿ - ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: \"اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله. اغزوا فلا تغلوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا. وإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خصال - أو خلال - فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم. ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين. فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين،\n_________\n* فتح المجيد ص ٥٩٣. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٣٨٢. مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ١٠٦٣. وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ٢٣٨ ط ٢ - ٣/ ٢٩٨. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٥٢. الدرر السنية ٩/ ٤٠١.\n(^١) النهاية (ذ م م).\n(^٢) حاشية ابن قاسم ص ٣٨٢.","vol":"2","page":201},{"text":"يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين فإن هم أبوا فاسألهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم. \"وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه - ﷺ -، فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم أن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله. وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري: أتصيب حكم الله فيهم أم لا؟ \" (^١).\nقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن - ﵀ -: \"قوله: \"وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه ... \" الحديث. الذمة: العهد. وتخفر: تنقض. يقال: أخفرت الرجل: إذا نقضت عهده، وخفرته: أجرته، ومعناه: أنه خاف من نقض من لم يعرف حق الوفاء بالعهد، كجهلة الأعراب، فكأنه يقول: إن وقع نقضٌ من متعد، كان نقض عهد الخلق أهون من نقض عهد الله تعالى. والله أعلم\" (^٢).\nومعنى \"تجعل لهم ذمة الله\" أي: تجعل لهم عهد الله وميثاقه. وفي الحديث في دليل على وجوب حفظ العهد والوفاء به والحذر من التعرض للأحوال التي يخشى منها نقض العهود والإخلال بها بعدما يجعل للأعداء المعاهدين ذمة الله وذمة رسوله.\nقال السعدي: \"فإنه متى وقع النقض في هذه الحال كان انتهاكًا من المسلمين لذمة الله وذمة نبيه، وتركًا لتعظيم الله، وارتكابًا لأكبر المفسدتين كما نبه عليه - ﷺ -، وفي ذلك تهوين لدين الإسلام وتزهيد للكفار به، فإن الوفاء بالعهود خصوصا المؤكدة بأغلظ المواثيق من محاسن الإسلام الداعية للأعداء المنصفين إلى\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٧٣١).\n(^٢) فتح المجيد ص ٨٢٣، ٨٢٤ من الطبعة الأولى.","vol":"2","page":202},{"text":"تفضيله واتباعه\" (^١).\nوقال الشيخ صالح آل الشيخ: \"فإنه إذا كان يعطي بعهد الله ثم يخفر فقد خفر عند الله - جل وعلا - وفجر في ذلك، وهذا مناف لكمال التوحيد الواجب؛ لأن الواجب على العبد أن يعظم الله - ﷻ - وألا يخفر عهده وذمته لأنه إذا أعطى ذمة الله فإنه يجب عليه أن يوفي بهذه الذمة مهما كان؛ حتى لا يُنسب النقص لذمة الله - ﷻ - لهذا كان إعطاء مثل هذه الكلمة مثل كثرة الحلف، فلا يجوز أن تجعل في العهد ذمة الله وذمة نبيه - ﷺ -،كما لا يجوز كثرة الأيمان؛ لأن في كل منهما نقصًا في تعظيم الرب - ﷻ - (^٢).\nوقال ابن عثيمين - ﵀ -: \"ولنا مع المشركين ثلاث حالات:\nالحال الأولى: أن لا يكون بيننا وبينهم عهد فيجب قتالهم بعد دعوتهم إلى الإسلام وإبائهم عنه وعن بذل الجزية، بشرط قدرتنا على ذلك.\nالحال الثانية: أن يكون بيننا وبينهم عهد محفوظ يستقيمون فيه فهنا يجب الوفاء لهم بعهدهم لقوله تعالى ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:٧]، وقوله: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة:٤].\nالحال الثالثة: أن يكون بيننا وبينهم عهد نخاف خيانتهم فيه فهنا يجب أن ننبذ إليهم العهد ونخبرهم أنه لا عهد بيننا وبينهم لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨)﴾ [الأنفال: ٥٨] \" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-571>١٢٩ - ذو الخَلَصة</span>\nصنم من أصنام الجاهلية انظر باب (صنم).\n_________\n(^١) القول السديد ص ١٥١.\n(^٢) التمهيد ٥٦٩.\n(^٣) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ١٠٦٨، ١٠٦٩. وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ٢٤٤.","vol":"2","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-572>١٣٠ - الرجاء </span>*\nالرجاء في اللغة: هو التوقع والأمل، قال في مختار الصحاح: الرجاء من الأمل ممدود يقال: (رجاهُ) من باب عَدَا و(رجاءً) و(رجاوةً).\nوقال في اللسان: \"الرجاء من الأمل نقيض اليأس ... وقد تكرر في الحديث ذكر الرجاء بمعنى التوقع والأمل\" (^١).\nوقال الراغب: \"الرجاء ظن يقتضي حصول ما فيه مسرة\" (^٢).\nوفي الشرع: قيل: \"هو الاستبشار بجود وفضل الرب ﵎، والارتياح لمطالعة كرمه سبحانه. وقيل: هو الثقة بجود الرب تعالى\" (^٣).\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"الرجاء طمع الإنسان في أمر قريب المنال، وقد يكون في بعيد المنال تنزيلا له منزلة القريب\" (^٤).\nوقيل: \"هو تعلق القلب بمرغوب في حصوله مع الأخذ بالأسباب. فإن لم يأخذ بالأسباب فطمع، وهو مذموم شرعًا، قال الحافظ ابن الجوزي: إن مثل الراجي مع الإصرار على المعصية، كمثل من رجا حصادا وما زرع، ورجا ولدا وما نكح\" (^٥).\n_________\n* الإبانة لابن بطة العكبري ٧٥١. شرح السنة للبغوي ١٤/ ٣٧٤. معارج القبول ١/ ٣٣١. مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٦٤٦. وانظر القول المفيد ط ١ - ٢/ ١٦٤، مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١/ ١٠٠. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٥/ ٣٥٥، ٣٨٧، ٣٩١. الآثار الواردة في سير أعلام النبلاء د: جمال بن أحمد ٢/ ١٧٣. الجيلاني وآراؤه الاعتقادية ١٤٣. المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة الأحمدي ٢/ ٢٥٢. مباحث العقيدة في سورة الزمر ٢٢٩.\n(^١) لسان العرب مادة (ر ج و).\n(^٢) المفردات للراغب مادة (ر ج و).\n(^٣) مدارج السالكين ٢/ ٧٧.\n(^٤) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٥٣، ٥٤.\n(^٥) حاشية على مختصر شعب الإيمان ص ٣٣.","vol":"2","page":204},{"text":"* الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء:٥٧]، وقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾: [الكهف: ١١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]. وقال ﷿: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]. وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:١١٦].\n* في الدليل من السنة: عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة، ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة، ما قنط من جنته أحد\" (^١).\nوفي صحيح مسلم عن جابر - ﵁ - لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله - ﷿ -\" (^٢).\nوفي الصحيحين عن أبي - ﵁ - يقول الله - ﷿ -: \"أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني ... وذكر الحديث\" (^٣).\nوعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"قال الله ﵎: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي .. \" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٤٦٩)، ومسلم (٢٧٥٥)، واللفظ لمسلم.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٨٧٧) في الجنة وصفة نعيمها.\n(^٣) أخرجه البخاري (٧٤٠٥). ومسلم (٢٦٧٥).\n(^٤) رواه الترمذي (٣٥٤٠).","vol":"2","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-573>أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-574>١ - قال ابن قاسم - ﵀ - في حاشية ثلاثة الأصول: \"الرجاء: عبادة قلبية، من أجل العبادات، فصرفه لغير الله شرك أكبر</span>\" (^١).\nوقال ابن عثيمين - ﵀ -: \"والرجاء المتضمن للذل والخضوع لا يكون إلا الله - ﷿ - وصرفه لغير الله تعالى شرك إما أصغر، وإما أكبر بحسب ما يقوم بقلب الراجي\" (^٢).\nأما إذا كان الرجاء غير متضمن للذل والخضوع وكان في شيء يقدر عليه المخلوق فإن إطلاقه على غير الله ليس بشرك ولا محرم.\nيقول العلامة المحدِّث محمد بشير السهسواني الهندي: \"ولكن لابد من أن يعلم هناك أن من الرجاء ما هو مختص بالله تعالى بمعنى أن المرجو فيه لا يصلح إلا الله تعالى كرجاء كشف الضر والسوء وتحويله وإجابة المضطر إذا دعاه، وإنزال الماء من السماء وشفاء المريض وبسط الرزق وإعطاء الأولاد ومغفرة الذنوب وغيرها مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى ...، ومنه ما هو جائز في حق رسولنا - ﷺ - في حياته بمعنى أن المرجو منه فيه يصلح للنبي - ﷺ -، وهو ما يقدر عليه الأنبياء ﵈ سيما نبينا - ﷺ - من صلة الرحم، وحمل الكَلِّ، وكسب المعدوم، وقرى الضيف، والإعانة على نوائب الحق، والرحمة بالمؤمنين، والجود والشجاعة والبركة، وقضاء حوائج الأرملة والمساكين واليتامى، وعدم انتقامه لنفسه في شيء قط، وعدم اللوم على شيء قط أتى فيه على يدي أحد، وعيادة المريض، واتباع الجنازة، وإجابة دعوة المملوك، والخلق العظيم، وتعليم الأمة الكتاب والحكمة وتزكيتهم، ودعوتهم إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، وتبليغ رسالات الرب تعالى، ونصح الأمة، والاستغفار لهم عند صدور الذنوب عنهم، والدعاء لهم في حاجاتهم، وأمرهم\n_________\n(^١) حاشية ثلاثة الأصول لابن قاسم ص ٣٧.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٦/ ٥٣، ٥٤.","vol":"2","page":206},{"text":"بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وإعلاء كلمة الله، والجهاد مع أعداء الله، وتعظيم شعائر الله، وإعزاز المؤمنين، وإذلال الكافرين، وغير ذلك.\nوأما كونه - ﷺ - رجاء بمعنى المرجو بعد الموت فما ثبت منه بالكتاب والسنة المطهرة فهو على الرأس والعين كالشفاعة يوم القيامة، وأما ما لم يثبت بواحد منهما فهو مردود؛ إذا تقرر هذا فاعلم أن معنى ما في المرثية: إنا كنا نرجو برك ورحمتك وشفقتك، يدل عليه قولها \"وكنت بنا برًا ولم تك جافيًا\" وقولها: \"وكان بنا برًا رحيمًا نبينا\"، والبر والرحمة والشفقة مما يقدر عليه النبي - ﷺ - في حياته فيجوز رجاء البر والرحمة والشفقة منه - ﷺ -، فيكون - ﷺ - على هذا مرجوًا منه، والبر والرحمة والشفقة مرجوا فيكون الرجاء في الشعر بمعنى المرجو الذي أريد منه المرجو منه من المرجو ثابتة كما في قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا﴾ [هود:٦<span data-type=\"title\" id=toc-575>٢] \" (^١).\n\n٢ - استعمال كلمة \"أرجوك</span>\":\nفي سؤال للشيخ محمد بن إبراهيم عن استعمال كلمتي أشكرك وأرجوك، أجاب - ﵀ -: \"أما كلمة أرجوك في شيء يقدر عليه ذلك المخلوق فليس بشرك ولا محرم. ومن حسن الأدب ترك استعمال هذه الكلمة مع المخلوق\" (^٢).\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"لا بأس أن تقول لفلان (أرجوك) في شيء يستطيع أن يحقق رجاءك به\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-576>٣).\n\n٣ - المؤمن بين الرجاء والخوف:</span>\nيقول الكرماني: \"إن المكلف ينبغي له أن يكون بين الخوف والرجاء حتى لا يكون مفرطا في الرجاء بحيث يصير من المرجئة القائلين لا يضر مع الإيمان شيء ولا في\n_________\n(^١) صيانة الإنسان ٢٨٢ - ٢٨٦.\n(^٢) فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم ١/ ١١٧، ١١٨.\n(^٣) مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ٣/ ٧.","vol":"2","page":207},{"text":"الخوف بحيث لا يكون من الخوارج والمعتزلة القائلين بتخليد صاحب الكبيرة إذا مات من غير توبة في النار بل يكون وسطا بينهما كما قال تعالى ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء:٥٧]. ومن تتبع دين الإسلام وجد قواعده أصولها وفروعها كلها في جانب الوسط\" (^١). وقد تقدم الكلام عن ذلك في باب (الخوف).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-577>٤ - الفرق بين الرجاء والتمني:</span>\nيقول ابن القيم - ﵀ -: \"والفرق بين الرجاء والتمني: أن الرجاء يكون مع بذل الجهد وحسن التوكل، أما التمني فيكون مع الكسل ولا يسلك بصاحبه طريق الجد والاجتهاد؛ ولذا أجمع العلماء على أن الرجاء لا يصح إلا مع العمل\" (^٢).\nوقال شارح الطحاوية: \"والرجاء المحمود: رجاء رجُل عَمِل بطاعة الله على نور من الله فهو راجٍ لثوابه، أو رجل أذنب ذنبًا، ثم تاب منه إلى الله فهو راجٍ لمغفرته، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨]. أما إذا كان الرجل متماديًا في التفريط والخطايا، يرجو رحمة الله بلا عمل، فهذا هو الغرور والتمني والرجاء الكاذب\" (^٣).\nوقال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -: \"واعلم أن الرجاء المحمود لا يكون إلا لمن عمل بطاعة الله ورجاء ثوابها، أو تاب من معصية ورجا قبول توبته، فأما الرجاء بلا عمل فهو غرور وتمنٍ مذموم\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-578>٥ - ماذا يستلزم الرجاء</span>؟\nيقول ابن القيم - ﵀ -: \"وقد تبين الفرق بين حسن الظن والغرور وأن حسن الظن إن حمل على العمل وحث عليه وساعده وساق إليه فهو صحيح وإن دعا إلى\n_________\n(^١) فتح الباري ١١/ ٣٠٢ وقد فصلنا الكلام عنها في باب (الخوف).\n(^٢) انظر: مدارج السالكين ٢/ ٣٧.\n(^٣) شرح الطحاوية ٢/ ٤٥٦.\n(^٤) حاشية ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٣٧.","vol":"2","page":208},{"text":"البطالة والانهماك في المعاصي فهو غرور وحسن الظن هو الرجاء، فمن كان رجاؤه جاذبًا إلى الطاعة زاجرًا له عن المعصية فهو رجاء صحيح، ومن كانت بطالته رجاء أو رجاؤه بطالة وتفريطا فهو المغرور وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ﴾ [البقرة:٢١٨]. فتأمل كيف جعل رجاءهم بإتيانهم بهذه الطاعات ... وسر المسألة أن الرجاء وحسن الظن إنما يكون مع الإتيان بالأسباب التي اقتضتها حكمة الله في شرعه وقدره وثوابه وكرامته فيأتي العبد بها ثم يحسن ظنه بربه ويرجوه أن لا يكله إليها وأن يجعلها مُوصِولةً إلى ما ينفعه ويصرف ما يُعَرِّضُها للحبوط ويُبطِل أثرها ... ومما ينبغي أن يعلم أن من رجا شيئا استلزم رجاؤه ثلاثة أمور:\nأحدها: محبته ما يرجوه.\nالثاني: خوفه من فواته.\nالثالث: سعيه في تحصيله بحسب الإمكان، وأما رجاء لا يقارنه شيء من ذلك فهو من باب الأماني والرجاء شيء، والأماني شيء آخر فكل راج خائف الله سبحانه وصف أهل السعادة بالإحسان مع الخوف ووصف الأشقياء بالإساءة مع الأمن\" (^١).\nوقد ذكر ابن القيم إحدى عشرة فائدة للرجاء، أهمها: إظهار العبودية والفاقة، والحاجة، ومنها الانتظار والترقب والتوقع لفضل الله مما يوجب التعلق بذكره، ودوام الالتفات إليه بملاحظة أسمائه وصفاته (^٢).\n_________\n(^١) الجواب الكافي ٤٦ - ٤٨.\n(^٢) مدارج السالكين ٢/ ٥٠، ٥١.","vol":"2","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-579>١٣١ - الردة </span>*\nالردة في اللغة: التحول، تقول ارتد، وارتد عنه، بمعنى تحول (^١) والارتداد: الرجوع، ومنه \" المُرتَدّ\" و\"الرِدَّة\" (^٢).\nقال الماوردي: \"أما الردة في اللغة فهي الرجوع عن الشيء إلى غيره\" (^٣) قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٢١].\nوفي الشرع: \"هي الرجوع عن الإسلام إلى الكفر\" (^٤).\nقال المناوي: \"الردة شرعًا: قطع الإسلام بنية أو قول أو فعل مكفِّر\" (^٥).\nقال في معجم مقاييس اللغة: \"وسمي المرتد لأنه رد نفسه إلى الكفر\" (^٦). وقيل: بأنها كفر المسلم بقول صريح، أو بفعل يتضمنه كإلقاء مصحف أو شد زنار أو نحو ذلك (^٧). وسيأتي مزيد بيان لذلك في أقسام الردة من هذا الباب.\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ٥/ ٣٠٤، ٣١٩، ٦/ ١٦٥، ١٠، ١٥٦/ ١٧٠، ٩/ ١٦٤، ١٦٩. ٦/ ٤٣٧ - ٤٤٢. أحكام القرآن القرطبي ١/ ١٩٨، ٣/ ٤٣، ٤٨، ٤٩، ٣٦٢، ٣٦٤، ٢٠/ ٣٧. الدرر السنية ٨/ ١١٧، ١٠/ ١٠٣، ١٢٨، ٢٣٦، ١١/ ٢٠. فتاوى اللجنة الدائمة ٢/ ٣. مجموع الفتاوى لابن باز ٢/ ٥٢٥. نور على الدرب ابن باز ١٥٩. المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة الأحمدي ٢/ ٥٧. قضية التكفير لسعيد بن علي بن وهف القحطاني ص ٦٧، ٦٨، ٦٩. نواقض الإيمان القولية والعملية ص ٤٨. الإمام المروزي وجهوده في توضيح العقيدة للنفيعي ص ٤٥٧.\n(^١) انظر لسان العرب (ر د د).\n(^٢) مختار الصحاح باب (ر د د).\n(^٣) حكم المرتد ص ٢٥.\n(^٤) حكم المرتد للماوردي ص ٢٥.\n(^٥) التوقيف على مهمات التعاريف ص ١٧٦.\n(^٦) معجم مقاييس اللغة ٢/ ٣٨٦ (رد).\n(^٧) انظر الإكليل شرح مختصر خليل ص ٤٣٨، شرح منح الجليل ٤/ ٤٦١، وشرح الزرقاني على مختصر خليل ٨/ ٦٢.","vol":"2","page":210},{"text":"* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٠]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٣٧]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-580> الدليل من السنة:</span>\nعن ابن عباس - ﵄ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"من بدل دينه فاقتلوه\" (^١).\nوروى عثمان عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو زنا بعد إحصانه، أو قتل نفسا فيقتل بها\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-581> أقوال السلف:</span>\nقاتل أبو بكر الصديق بعد رسول الله - ﷺ - أهل الردة ووضع فيهم السيف حتى أسلموا (^٣). فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: توفي رسول الله - ﷺ -، واستخلف أبو بكر - ﵁ - وكفر من كفر من العرب، قال عمر: يا أبا بكر، كيف تقتل الناس، وقد قال رسول الله - ﷺ -: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقها، وحسابه على الله\"، فقال أبو بكر: والله، لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقًا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٠١٧) (٦٩٢٢).\n(^٢) أخرجه الترمذي (١٤٥٨)، وابن ماجه (٢٥٣٣)، وأحمد (٤٣٧) (٥٠٩) واللفظ له، والحاكم (٤/ ٣٥٠) وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. قال الترمذي: وهذا حديث حسن.\n(^٣) حكم المرتد ص ٢٧. ٢٨.","vol":"2","page":211},{"text":"كانوا يؤدونها إلى رسول الله - ﷺ - لقاتلتهم على منعها، فقال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله تعالى قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق (^١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"الكافر المرتد أسوأ حالًا في الدين والدنيا من الكافر المستمر على كفره\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-582>فوائد وأحكام:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-583> بم تحصل الردة</span>؟\nالردة قد تكون بالاعتقاد أو بالقول أو بالعمل أو بالشك.\nقال البهوتي في تعريف المرتد شرعًا: \"هو الذي يكفر بعد إسلامه نطقا، أو اعتقادا، أو شكا، أو فعلًا\" (^٣).\nوقال في مغني المحتاج: \"الردة قطع استمرار الإسلام ودوامه، بنية كفر أو فعل مكفر، أو قول مكفر سواء قاله استهزاء أو عنادًا أو اعتقادًا\" (^٤).\nوقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب - ﵀ -: \"اعلم رحمك الله: أن دين الله يكون على القلب بالاعتقاد، وبالحب والبغض، ويكون على اللسان بالنطق وترك النطق بالكفر، ويكون على الجوارح بفعل أركان الإسلام، وترك الأفعال التي تكفر، فإذا اختل واحدة من هذه الثلاث، كفر وارتد\" (^٥).\nوقد سئلت اللجنة الدائمة عن الردة وأنواعها فأجابت بما يأتي: \"الردة هي الكفر بعد الإسلام وتكون بالقول والفعل والاعتقاد والشك، فمن أشرك بالله أو جحد ربوبيته أو وحدانيته أو صفة من صفاته أو بعض كتبه أو رسله أو سب الله أو رسوله أو جحد شيئا من المحرمات المجمع على تحريمها أو استحله أو جحد\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٧٢٨٤)، ومسلم (٢٠)، ومسند أحمد (٣٣٥).\n(^٢) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٤١٤.\n(^٣) كشاف القناع ٦/ ١٣٦، وانظر المبدع في شرح المقنع ٩/ ١٧٠، والمغني ٨/ ١٢٣.\n(^٤) مغني المحتاج ٤/ ١٣٣.\n(^٥) الدرر السنية ١٠/ ٨٧.","vol":"2","page":212},{"text":"وجوب ركن من أركان الإسلام الخمسة أو شك في وجوب ذلك أو في صدق محمد - ﷺ - أو غيره من الأنبياء أو شك في البعث أو سجد لصنم أو كوكب ونحوه فقد كفر وارتد عن دين الإسلام، وعليك بقراءة أبواب حكم الردة من كتب الفقه الإسلامي فقد اعتنوا به - ﵏ - وبهذا تعلم من الأمثلة السابقة الردة القولية والعملية والاعتقادية وصورة الردة في الشك\" (^١).\nوهذه الأقسام التي نذكرها مأخوذة من كلام العلماء عن الردة لا سيما ما ورد في كتب الفقه عن حكم المرتد فإنهم تكلموا هناك عن الأسباب التي يرتد بها المسلم عن دينه. فالكفر يكون بالقول وبالعمل وبالاعتقاد والشك وسوف نورد نصوصا من أقوال العلماء في ذلك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-584>١ - الكفر بالاعتقاد:</span>\nكمن يعتقد بقلبه أن الله فقير أو أنه بخيل أو أنه ظالم فقد كفر ولو لم يتكلم، أو يعتقد بقلبه أن محمدًا - ﷺ - كاذب، أو أحد الأنبياء، أو يعتقد بقلبه أنه لا بأس أن يعبد مع الله غيره، فهذ كله ردة عن الإسلام لأن الله يقول: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج:٦٢]. وقال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]. قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]. فمن زعم أنه يجوز أن يعبد مع الله غيره ونطق بذلك صار كافرا بالقول والعقيدة جميعا.\nقال ابن الوزير اليمني - ﵀ - \"واعلم أن أصل الكفر، هو التكذيب المتعمد لشيء من كتب الله تعالى المعلومة، أو لأحد من رسله، أو لشيء مما جاؤوا به، إذا كان الأمر المكذّب به معلوما من الدين بالضرورة. ولا خلاف أن هذا القدْر كفر،\n_________\n(^١) فتاوى اللجنة الدائمة ٢/ ٣.","vol":"2","page":213},{"text":"ومن صدر عنه فهو كافر\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-585>٢ - الكفر بالقول:</span>\nمثل سب الله، وسب الرسول - ﷺ -، أو نسب العيب إلى الله كأن يقول: إن الله فقير، أو إن الله ظالم، أو يقول: إن الله بخيل، أو يقول: إن الله لا يعلم بعض الأمور - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا - أو جحد الصلاة فقال: إن الله لم يوجب علينا الصلاة، فهذه ردة يستتاب فإن تاب وإلا قتل. قال أبو ثور - ﵀ -: \"ولو قال: المسيح هو الله، وجحد أمر الإسلام، وقال: لم يعتقد قلبي على شيء من ذلك أنه كافر بإظهار ذلك، وليس بمؤمن\" (^٢).\nقال القاضي عياض: \"وكذلك نقطع بتكفير كل قائل قولا يُتوصل به إلى تضليل الأمة وتكفير جميع الصّحابة\" (^٣).\nويقول ابن حزم: \"ومما يتبين أن الكفر يكون بالكلام، قول الله - ﷿ -: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ [الكهف:٣٥ - ٣٧]. إلى قوله تعالى: ﴿يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٢]. فأثبت الله الشرك والكفر مع إقراره بربه تعالى، إذ شك في البعث\" (^٤).\nويقول أيضًا: \"لم يختلف أهل العلم بأن في القرآن التسمية بالكفر، والحكم بالكفر قطعا على من نطق بأقوال معروفة، كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ\n_________\n(^١) إيثار الحق على الخلق فصل نافع في الولاء والبراء ص ٣٧٦، وانظر باب (كفر الجحود) (كفر الاستحلال).\n(^٢) أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي ٤/ ٨٤٩.\n(^٣) الشفا ٢/ ٣٩٦.\n(^٤) الفِصَل في الملل والأهواء والنحل ٣/ ٢٣٥.","vol":"2","page":214},{"text":"قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧] وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ [التوبة:٧٤]. فصح أن الكفر يكون كلامًا\" (^١).\nويقول ابن تيمية - ﵀ -: \"إن سبّ الله، أو سبّ رسوله كفر ظاهرا وباطنا، سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم، أو كان مستحلا له، أو كان ذاهلا عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء، وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل\" (^٢).\nومما يدل على أن الكفر يكون قولًا باللسان، قوله تعالى في شأن المنافقين: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة ٦٥ - ٦٦].\nقال ابن تيمية: \"فقد أخبر الله تعالى أنهم كفروا بعد إيمانهم، قولهم إنا تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له، بل كنا نخوض ونلعب، وبين أن الاستهزاء بآيات الله كفر، ولا يكون هذا إلا ممن شرح صدره بهذا الكلام\" (^٣).\nويقول ابن نجيم: \"إن من تكلم بكلمة الكفر هازلًا، أو لاعبًا كفر عند الكل، ولا اعتبار باعتقاده\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-586>٣ - الكفر بالعمل:</span>\nمثل من يستهين بالمصحف بوطئه ونحو ذلك، أو يسجد لصنم.\nقال القاضي عياض: \"وكذلك نكفّر بفعل أجمع المسلمون على أنه لا يصدر إلا من كافر وإن كان صاحبه مصرِّحا بالإسلام مع فعله كالسجود للصنم، أو الشمس، والقمر، والصليب، والنار. والسعي إلى الكنائس والبِيَع مع أهلها، والتزيّي بزيّهم\n_________\n(^١) المحلى ١٣/ ٤٩٨ بتصرف يسير.\n(^٢) الصارم المسلول ص ٥١٢.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٧/ ٢٢٠.\n(^٤) البحر الرايق ٥/ ١٣٤.","vol":"2","page":215},{"text":"من شد الزنانير ... الخ\" (^١).\nوقال ابن القيم: \"وهنا أصل آخر، وهو أن الكفر نوعان: كفر عمل، وكفر جحود وعناد؛ فكفر الجحود أنه يكفر بما علم أن الرسول جاء به من عند الله جحودا وعنادا من أسماء الرب وصفاته وأفعاله وأحكامه، وهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه، وأما كفر العمل، فينقسم إلى ما يضاد الإيمان، وإلى ما لا يضاده فالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف، وقتل النبي وسبه يضاد الإيمان\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-587>٤ - الكفر بالشك:</span>\nمثل من يقول: أنا لا أدري هل الله حق أو ليس بحق، أو يقول: أنا لا أدري هل محمد صادق، أو كاذب أو يقول: أنا لا أدري هل البعث حق، أو غير حق، فهذا يكون كافرا يستتاب فإن تاب وإلا قتل.\nقال القاضي عياض: \"وكذلك من أضاف إلى نبينا الكذب فيما بلغه وأخبر به، أو شك في صدقه، أو سبه ... فهو كافر بإجماع\" (^٣).\nوقال أيضًا: \" ... ولهذا نكفّر من دان بغير ملة المسلمين من الملل، أو وقف فيهم، أو شك، أو صحح مذهبهم، وإن أظهر مع ذلك الإسلام، واعتقده، واعتقد إبطال كل مذهب سواه، فهو كافر بإظهار ما أظهره من خلاف ذلك\" (^٤).\nقال الشيخ عبد الرحمن أبا بطين: \"فقد دل القرآن: على أن الشك في الجملة كفر، كما في قوله تعالى في الكفار ﴿قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾\n_________\n(^١) الشفا ٢/ ٣٩٧.\n(^٢) كتاب الصلاة ص ٥٥، وانظر الرسائل المفيدة للشيخ عبد اللطيف عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ ص ٢٧، ٢٨ وأعلام السنة المنشورة للحكمي ص ٧٣، ٧٦.\n(^٣) الشفا ٢/ ١٠٦٩.\n(^٤) الشفا ٢/ ١٠٧١.","vol":"2","page":216},{"text":"[الجاثية: ٣٢]. وغير ذلك من الآيات الصريحة، والشك غير العناد، وهذا ظاهر بحمد الله تعالى.\nومما يبين لك: مراد الشيخ تقي الدين - ﵀ - ما ذكره في بعض كتبه، بقوله: \"من اعتقد أن زيارة أهل الذمة كنائسهم قربة إلى الله فهو مرتد، وإن جهل أن ذلك الأمر محرم عُرِّفَ ذلك، فإن أصر صار مرتدا؛ وقال: من سب الصحابة أو واحدا منهم، واقترن بسبِّه دعوى أن عليا إله أو نبي، أو أن جبريل غلط، فلا نشك في كفره، بل لا شك في كفر من توقف في تكفيره\".\nوقال أيضا: \"ومن زعم أن الصحابة ارتدوا بعد رسول الله - ﷺ - إلا نفرا قليلا لا يبلغون بضعة عشر، أو أنهم فسقوا، فلا ريب في كفر قائل ذلك، بل من شك في كفره فهو كافر\" (^١).\nوقال الشيخ أبا بطين: \"فانظر تكفيره الشاك، مع القطع بأن سبب الشك هو الجهل، وأطلق على من ذكر مع العلم القاطع بأن أكثر هؤلاء أو كلهم جهال لم يعلموا أن ما قالوه كفر\" (^٢).\nوقال ابن تيمية في رده على أهل الحلول والاتحاد: \"فهذا كفر باطنا وظاهرا بإجماع كل مسلم، ومن شك في كفر هؤلاء بعد معرفة قولهم ومعرفة دين الإسلام فهو كافر كمن يشك في كفر اليهود والنصارى والمشركين\" (^٣).\nوقال الإمام محمد بن عبد الوهاب - ﵀ - في نواقض الإسلام: الثالث: \"من لم يكفر المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم، كفر إجماعًا\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر الصارم المسلول ص ٥٩١، ٥٩٢.\n(^٢) الدرر السنية ١٠/ ٣٥٧، ٣٥٨، الصارم المسلول لصارم ص ١١١١، ١١١٠.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٢/ ٣٦٨.\n(^٤) مجموعة الشيخ الرسائل الشخصية ص ٢١٣.","vol":"2","page":217},{"text":"وقال الشيخ سليمان بن عبد الله \" ... فإن كان شاكا في كفرهم أو جاهلا بكفرهم بينت له الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - على كفرهم، فإن شك بعد ذلك وتردد فإنه كافر بإجماع العلماء على أن من شك في كفر الكفار فهو كافر\" (^١).\n\n٢ -<span data-type=\"title\" id=toc-588> تنبيه:</span>\nذكرنا طائفة من أقوال العلماء في باب (الإيمان) وبينا أن ترك العمل بالكلية كفر بالله - ﷿ -، وذكرنا هناك نقل الشافعي الإجماع من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أن الإيمان قول وعمل ونية لا يجزي واحد من الثلاثة إلا بالآخر.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وقد تبين أن الدين لا بد فيه من قول وعمل، وأنه يمتنع أن يكون الرجل مؤمنا بالله ورسوله بقلبه، أو بقلبه ولسانه، ولم يؤد واجبًا ظاهرًا، ولا صلاة ولا زكاة، ولا صيامًا، ولا غير ذلك من الواجبات\" (^٢).\nومما يحسن ذكره هنا: حكم ترك الصلاة كسلًا وتهاونًا لا جحودًا ومعلوم إجماع الصحابة على كفر من ترك الصلاة كسلا وذكر الإجماع على ذلك التابعي الجليل عبد الله بن شقيق - ﵁ - وهو قول سعيد بن جبير والشعبي وإبراهيم النخعي والأوزاعي وأيوب السختياني وغيرهم كثير، وبه يفتي علماؤنا ولهم أدلة على ذلك من الكتاب والسنة وآثار السلف.\n* ومن أدلة الكتاب: قول الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧)﴾ [المدئر:٣٨ - ٤٧]. وقوله تعالى عن المشركين ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا\n_________\n(^١) رسالة أوثق عرى الإيمان، الجامع الفريد ص ٣٧٠.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٧/ ٦٢١.","vol":"2","page":218},{"text":"الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]. قال ابن عثيمين: \"مفهوم الآية: أنهم إذا لم يفعلوا ذلك فليسوا إخوانا لنا - ولا تنتفي الأخوة الدينية بالمعاصي وإن عظمت ولكن تنتفي بالخروج عن الإسلام\" (^١).\n* ومن السنة: ما أخرجه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة\" (^٢).\nوروى الإمام أحمد وأهل السنن عن بريدة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر\" (^٣).\nوروى عبد الله بن شقيق العقيلي قال: \"كان أصحاب محمد - ﷺ - لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة\" (^٤).\nقال عمر - ﵁ -: \"لا إسلام لمن ترك الصلاة\" وفي لفظ آخر: \"لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة\" (^٥).\nقال ابن عثيمين: \"والحظ: النصيب وهو هنا نكرة في سياق النفي فيكون عاما لا نصيب لا قليل ولا كثير\"\" (^٦).\nوقال الإمام ابن القيم: \"وقد جاء عن عمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة - ﵃ -: أن من ترك صلاة فرض واحدة متعمدا حتى يخرج وقتها فهو كافر مرتد\" (^٧).\nقال الحافظ عبد الحق الإشبيلي - ﵀ - في كتابه في الصلاة: \"ذهب جملة من الصحابة\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٢/ ٤٧.\n(^٢) أخرجه مسلم (٨٢).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد (٢٣٣٢٥)، والترمذي (٢٦٢١).\n(^٤) أخرجه الترمذي رقم (٢٦٢٢).\n(^٥) الصلاة لابن القيم ص ٢٣.\n(^٦) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٢/ ٤٨.\n(^٧) الصلاة لابن القيم ص ١٥.","vol":"2","page":219},{"text":"- ﵃ - ومن بعدهم إلى تكفير تارك الصلاة متعمدا لتركها حتى يخرج جميع وقتها، منهم عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وعبد الله بن مسعود وابن عباس وجابر وأبو الدرداء. هؤلاء من الصحابة ومن غيرهم أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه والحكم بن عيينة وأبو داود الطيالسي وأبو بكر بن أبي شيبة وأبو خيثمة زهير بن حرب\" (^١).\nوفي كتاب الصلاة لابن القيم: \"قال علي بن الحسن بن شقيق سمعت عبد الله بن المبارك يقول: \"من قال إني لا أصلي المكتوبة اليوم فهو أكفر من حمار\". وقال يحيى بن معين: \"قيل لعبد الله بن المبارك إن هؤلاء يقولون من لم يصم ولم يصل بعد أن يقر به فهو مؤمن مستكمل الإيمان. فقال عبد الله لا نقول نحن ما يقول هؤلاء، من ترك الصلاة متعمدا من غير علة حتى أدخل وقتًا في وقت فهو كافر\".\nوقال ابن أبي شيبة: قال النبي - ﷺ -: \"من ترك الصلاة فقد كفر\" فيقال له ارجع عن الكفر، فإن فعل وإلا قتل بعد أن يؤجله الوالي ثلاثة أيام\" (^٢).\nوقال الإمام أحمد: \"ومن ترك الصلاة فقد كفر وليس من الأعمال شيء تركه كفر إلا الصلاة من تركها فهو كافر\" (^٣).\nوفي كتاب السنة له ورسالة الإصطخري عنه قال: \"والكف عن أهل القبلة ولا نكفر أحدا منهم بذنب ولا نخرجهم من الإسلام بعمل إلا أن يكون في ذلك حديث فيروي الحديث كما جاء وكما روي نصدقه ونقبله ونعلم أنه كما روي نحو ترك الصلاة\" (^٤).\nوقال أبو بكر المروذي: \"سألت أبا عبد الله عن الرجل يدع الصلاة استخفافًا ومجونًا فقال: سبحان اللهُ إذا تركها استخفافًا ومجونًا فأي شيء بقي. قلت: إنه\n_________\n(^١) الصلاة لابن القيم ص ٢٣ بتصرف.\n(^٢) الصلاة لابن القيم ص ٣١.\n(^٣) المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد ٢/ ٣٦.\n(^٤) المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد ٢/ ٣٧.","vol":"2","page":220},{"text":"يسكر ويمجن. قال: هذا تريد تسأل عنه. قال النبي - ﷺ -: بين العبد وبين الكفر ترك. الصلاة. قلت: ترى أن تستتيبه. فأعدت عليه فقال: إذا تركها استخفافا ومجونا فأي شيء بقي\" (^١).\nقال الحافظ ابن رجب: \"وأكثر أهل الحديث على أن ترك الصلاة كفر دون غيرها من الأركان كذلك حكاه محمد بن نصر المروزي وغيره عنهم.\nوممن قال بذلك: ابن المبارك، وأحمد - في المشهور عنه - وإسحاق، وحكى عليه إجماع أهل العلم. وقال أيوب: ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه\" (^٢).\nوقد أصدرت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء فتاوى واضحة في ذلك منها قولهم: \"إن الذي يترك الصلاة لا يخلو من إحدى حالتين:\nالأولى: أن يتركها جاحدًا لوجوبها فهذا يكفر إجماعًا، لأنه ترك ركنا من أركان الإسلام معلوما بالضرورة جاحدا لوجوبه.\nالثانية: أن يتركها تهاونًا وكسلًا مع إقراره بوجوبها، فهذا يكفر في أصح قولي العلماء لقوله - ﷺ -: \"من ترك الصلاة متعمدًا برئت منه ذمة الله ورسوله\" (^٣) وهذا يدل على إباحة قتله، وقوله - ﷺ -: \"بين العبد وبين الكفر والشرك ترك الصلاة\" (^٤) فهذا يدل على كفره\" (^٥).\nوسمعت الإمام عبد العزيز بن باز - ﵀ - يذكر كثيرًا أن من مات من المكلفين وهو لا يصلي ومثله يعلم الحكم الشرعي فهو كافر لا يُغسل ولا يُصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين ولا يرثه أقاربه المسلمون بل ماله لبيت مال المسلمين في أصح\n_________\n(^١) انظر المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد ٢/ ٣٦، ٣٧.\n(^٢) فتح الباري لابن رجب ١/ ٢٥.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد (٢٧٩٠٨) (٢٢٤٢٥)، المستدرك على الصحيحين (٤/ ٤١).\n(^٤) أخرجه مسلم وقد تقدم.\n(^٥) فتاوى اللجنة الدائمة ٦/ ٣٠. وانظر أيضًا المرجع نفسه ٦/ ٤٠.","vol":"2","page":221},{"text":"قولي العلماء (^١) وقد أصدر الشيخ ابن عثيمين في تقرير ذلك رسالة استوفى فيها ذكر الأدلة من الكتاب والسنة وآثار السلف.\n\n٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-589> الأعمال التي تبطلها الردة:</span>\nتُبطِلُ الردةُ صلاةَ المرتدِّ وصيامه وزكاته وحجه إذا مات على ردَّته، أما إن رجع عن الردة إلى الإسلام فقد جاء في فتاوى اللجنة ما نصه: \"من ارتد عن الإسلام ثم عاد إليه لا يحبط ما سبق أن عمله أيام إسلامه من الأعمال الصالحات لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ \" (^٢).\n\n٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-590> ما يترتب على المرتد من آثار:</span>\nإذا ارتد المسلم عن دينه ترتب على ذلك آثار منها:\n١ - أن زوجته المسلمة لا يحل لها البقاء معه، بل يجب التفريق بينهما لأن المسلمة لا يصح أن تكون زوجة لكافر بالإجماع.\n٢ - يجب أن ينفّذ فيه حكم المرتد وهو القتل بنص حديث رسول الله - ﷺ - ويكون قتله بضرب عنقه بالسيف حتى يهلك (^٣) وذلك بعد أن يستتاب وتقام عليه الحجة.\n٣ - إذا مات لا تجري عليه أحكام المسلمين، فلا يغسل، ولا يصلى عليه، ويحرم دخوله مكة وحرمها، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يحل ما ذكاه، ولا يورث، وباقي ماله ينقل إلى بيت المال فيئًا (^٤).\n٤ - لا يُدعى له بالرحمة ولا يستغفر له قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ\n_________\n(^١) انظر الفتاوى جمع المسند ص ٥٤.\n(^٢) فتاوى اللجنة ٢/ ٢٨.\n(^٣) انظر حكم المرتد ٢٧، المغني ١٢/ ٢٦٤، ٢٦٩.\n(^٤) انظر: حكم المرتد ص ٨٠، ٨١، شرح السنة ٨/ ٣٦٥، المغني ٦/ ٣٧٢.","vol":"2","page":222},{"text":"الْجَحِيمِ﴾ [التوبة:١١٣] (^١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وقد استقرت السنَّة بأن عقوبة المرتد أعظم من عقوبة الكافر الأصلي من وجوه متعددة؛ منها:\nأن المرتد يُقتل بكل حال، ولا يُضرب عليه جزية، ولا تُعقد له ذمة، بخلاف الكافر الأصلي.\nومنها: أن المرتد يُقتل وإن كان عاجزًا عن القتال، بخلاف الكافر الأصلي الذي ليس هو من أهل القتال فإنه لا يُقتل عند أكثر العلماء كأبي حنيفة ومالك وأحمد، ولهذا كان مذهب الجمهور أن المرتد يُقتل، كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد.\nومنها: أن المرتد لا يرث، ولا يُناكح، ولا تُؤكل ذبيحته، بخلاف الكافر الأصلي. إلى غير ذلك من الأحكام، وإذا كانت الردَّة عن أصل الدين أعظم من الكفر بأصل الدِّين، فالردة عن شرائعه أعظم من خروج الخارج الأصلي عن شرائعه\" (^٢).\n\n٥ -<span data-type=\"title\" id=toc-591> شروط الحكم بالردة:</span>\nذكر أهلُ العلم ثلاثةَ شروط يجب توفرها حتى يحكم بردة المرتد:\nالشرط الأول: البلوغ على خلاف فيه.\nالشرط الثاني: العقل: فلا تصح ردة المجنون ومن في حكمه.\nالشرط الثالث: أن يكون مختارًا من غير إكراه ولا يحكم بردته إلا بإقراره بنفسه أو بعد شهادة الشهود عليه (^٣). وإذا أنكر شهادة الشهود فالقول قوله كما نص عليه أحمد في رواية محمد بن الحكم (^٤).\n_________\n(^١) انظر المراجع السابقة، وكتاب حكم تارك الصلاة للشيخ ابن عثيمين ص ١٨١٢.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٥٣٤، ٥٣٥، الفتاوى الكبرى ٣/ ٥٥٠.\n(^٣) راجع المغني ٨/ ١٤٠، ١٤٢.\n(^٤) المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد ٢/ ٥٩.","vol":"2","page":223},{"text":"٦ -<span data-type=\"title\" id=toc-592> استتابة المرتد:</span>\nاتفقت المذاهب الأربعة على استتابة المرتد إن ثبتت ردته ثم اختلفوا في مدة الاستتابة، فقيل ثلاث مرات في يوم، وقيل إن التوبة تطلب منه ثلاث أيام متتالية، وقيل مرة فإن تاب المرتد برجوعه للإسلام لا يقتل (^١).\nقال الشافعي وأصحابه: \"إن امتنع المرتد عن التوبة يقتل في الحال ساعة يأبى إظهار الإيمان، ولو ترك أياما ثم أظهر الإيمان حقن دمه\" (^٢).\nوقال أبو حنيفة بقول الشافعي إلا أنه زاد: \"أن المرتد إذا طلب أن يؤجل أجل ثلاثا\" (^٣).\nوالمشهور عن أحمد: \"استتابته ثلاثا على روايتين في وجوبها أو استحبابها والأول أشهر\" (^٤).\nيقول ابن قدامة: \" ... لا يقتل حتى يستتاب ثلاثا هذا قول أكثر أهل العلم منهم عمر وعلي وعطاء والنخعي ومالك والثوري والأوزاعي وإسحاق وأصحاب الرأي وهو أحد قولي الشافعي، وروى عن أحمد رواية أخرى أنه لا تجب استتابته لكن تستحب وهذا القول الثاني للشافعي\" (^٥).\nقال الماوردي: \"ودليل تأجيله ثلاثا قول عمر - ﵁ - حين أخبر بقتل المرتد: \"هلا حبستموه ثلاثًا، اللهم لم أحضر ولم آمر ... \" (^٦)، ولأن الله قضى بعذاب قوم ثم أنظرهم\n_________\n(^١) شرح منح الجليل ٤/ ٤٦٥، وانظر الكافي ص ٢٢١. وكتاب حكم المرتد ص ٥٧.\n(^٢) الأم ٦/ ١٧١، حكم المرتد ٥٧، ٦٥.\n(^٣) انظر المبسوط ١٠/ ٩٨، ٩٩. حكم المرتد ص ٦٣.\n(^٤) انظر حكم المرتد ص ٦٤.\n(^٥) المغني ١٢/ ٢٦٦، ٢٦٨.\n(^٦) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٧٣٧ والبيهقي في السنن ٨/ ٢٠٦ ونصه (هلا حبستموه ثلاثًا وأطعمتموه كل يوم رغيفًا واستتبتموه لعله أن يتوب أو يراجع أمر الله، اللهم لم أحضر ولم آمر ولم أرض إذ بلغني).","vol":"2","page":224},{"text":"ثلاثًا فقال تعالى: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥]. ولأن المقصود منه استبصاره في الدين ورجوعه إلى الحق، وذلك مما يحتاج فيه إلى الارتياء والفكر، فأمهل بما يقدر في الشرع من مدة أقل الكثير وأكثر القليل وذلك ثلاثة أيام\" (^١).\nويُستثنى من ذلك على الصحيح مَنْ سب النبي - ﷺ - فقد جاء عن الإمام أحمد: \"إن كل من شتم النبي - ﷺ - أو تنقصه مسلما كان أو كافرا فعليه القتل، وأرى أن يقتل ولا يستتاب\" (^٢).\n\n٧ -<span data-type=\"title\" id=toc-593> كيف تكون توبة المرتد</span>؟\nتكون توبة المرتد بأن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن كانت ردته بجحود عبادة من العبادات؛ كالصلاة والصيام مثلا، لم تزل عنه الردة حتى يقر بما صار به مرتدًا، بالإضافة إلى النطق بالشهادتين - كما مر - وإن كانت ردته باستحلال شيء من المحرمات كالزنا والخمر ونحوهما، فإن توبته بالإقرار بتحريم ذلك، بعد النطق بالشهادتين (^٣).\n\n٨ -<span data-type=\"title\" id=toc-594> فائدة: في توبة من تكررت ردته:</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والفقهاء إذا تنازعوا في قبول توبة من تكررت ردته أو قبول توبة الزنديق فذاك إنما هو في الحكم الظاهر لأنه لا يوثق بتوبته أما إذا قدر أنه أخلص التوبة لله في الباطن فإنه يدخل في قوله: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ\n_________\n(^١) حكم المرتد ص ٦٤، ٦٥.\n(^٢) المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد ٢/ ٩٥. انظر (سب الدين).\n(^٣) انظر حكم المرتد ١٣٣، ١٣٦، المحرر في الفقه ٢/ ١٦٨، وروضة الطالبين ١٠/ ٨٢، ٨٣.","vol":"2","page":225},{"text":"الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]. ونحن حقيقة قولنا أن التائب لا يعذب لا في الدنيا ولا في الآخرة، لا شرعًا ولا قدرًا\" (^١).\n\n٩ -<span data-type=\"title\" id=toc-595> فائدة:</span>\nفي قوله - ﷺ -: \"من بدل دينه فاقتلوه\" هو خاص بالمسلمين دون سواهم وهو الذي عليه جمهور العلماء فمن بدل دينه من أهل الإسلام فجزاؤه القتل أما أهل الملل الأخرى فالصحيح أن الحديث لا يشملهم لأنه انتقل من كفر إلى كفر مثله والكفر ملة واحدة.\nيقول القرطبي: \"واختلفوا من خرج من كفر إلى كفر فقال مالك: وجمهور الفقهاء: لا يتعرض له لأنه انتقل إلى ما لو كان عليه في الابتداء لأقر عليه\" (^٢).\nقال الإمام أحمد: \"من بدل دينه فاقتلوه من المسلمين، لو أن يهوديا تنصر أو نصرانيا تهود لم يقتل\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-596>١٣٢ - الرسل عليهم الصلاة والسلام</span>\nانظر باب: (الإيمان بالرسل) وهو من أصول الإيمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-597>١٣٣ - الرضا بقضا الله وقدره</span>\nانظر باب (الصبر) (أعمال القلوب).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٦/ ٣٠.\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن ٣/ ٤٧.\n(^٣) أحكام أهل الملل للخلال ص ١٨٨. مستفاد من الرسائل والمسائل في العقيدة المروية في العقيدة ص ٦٣.","vol":"2","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-598>١٣٤ - الرغبة </span>*\nجاء في جمهرة اللغة: \"رغبت في الشيء رغبًا ورغبة إذا مِلت إليه (^١).\nوالرغبة في الأشياء الإرادة لها (^٢).\nوفي اللسان: \"الرغباء الضراعة والمسألة\" (^٣).\nقال الفيروزأبادي: \"رغب فيه: أراده بالحرص عليه\" (^٤).\nوفي الشرع: قال ابن رجب: \"الرغبة في الشيء هي ميل النفس إليه لاعتقاد نفعه\" (^٥).\nقال ابن عثيمين: \"الرغبة: محبة الوصول إلى الشيء المحبوب\" (^٦).\n* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:٧ - ٨] وقال ﷿: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء. ٩٠].\n* الدليل من السنة: عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِب قَال: كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ نَامَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ ثُمَّ قَالَ: \"اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ وَوَجَّهْتُ وَجهي\n_________\n* مدارج السالكين ٢/ ٥٨. معارج القبول ١/ ٣٣٢. حاشية ثلاثة الأصول بن قاسم ص ٣٩. شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٥٥، ٥٦.\n(^١) جمهرة اللغة مادة (ر غ ب).\n(^٢) مجمل اللغة لابن فارس (ر غ ب).\n(^٣) لسان العرب مادة (ر غ ب).\n(^٤) القاموس مادة (ر غ ب).\n(^٥) جامع العلوم والحكم مادة (ر غ ب).\n(^٦) شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٥٥.","vol":"2","page":227},{"text":"إِلَيْكَ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ لا مَلْجَأَ وَلا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ آمَنْتُ بكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ\" وَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"مَنْ قَالَهُنَّ ثُمَّ مَاتَ تَحْتَ لَيْلَتِهِ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ\" (^١).\nقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"في هذه الآية الكريمة (^٢) وصف الله تعالى الخلص من عباده بأنهم يدعون الله تعالى رغبًا ورهبًا مع الخشوع له، والدعاء هنا شامل لدعاء العبادة ودعاء المسألة، فهم يدعون الله رغبة فيما عنده وطمعا في ثوابه مع خوفهم من عقابه وآثار ذنوبهم، والمؤمن ينبغي أن يسعى إلى الله تعالى بين الخوف والرجاء (^٣)، ويغلب الرجاء في جانب الطاعة لينشط عليها ويؤمل قبولها، ويغلب الخوف إذا هم بالمعصية ليهرب منها وينجو من عقابها.\nقال بعض العلماء: يغلب جانب الرجاء في حال المرض وجانب الخوف في حال الصحة؛ لأن المريض منكسر ضعيف النفس وعسى أن يكون قد اقترب أجله فيموت وهو يحسن الظن بالله ﷿، وفي حال الصحة يكون نشيطا مؤملا طول البقاء فيحمله ذلك على الأشر والبطر فيغلب جانب الخوف ليسلم من ذلك.\nوقيل: يكون رجاؤه وخوفه واحدا سواء لئلا يحمله الرجاء على الأمن من مكر الله، والخوف على اليأس من رحمة الله وكلاهما قبيح مهلك لصاحبه\" (^٤).\nفالرغبة من أنواع العبادة التي يجب صرفها الله وحده.\nقال ابن قاسم في الرغبة والرهبة والخشوع أنها: \"عبادات قلبية من أجل العبادات وصرفها لغير الله شرك أكبر\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٣١٥).\n(^٢) يعني قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠].\n(^٣) سوف يأتي تفصيل ذلك في باب: \"الخوف\".\n(^٤) شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٥٥، ٥٦.\n(^٥) حاشية ثلاثة الأصول لابن قاسم ٣٩.","vol":"2","page":228},{"text":"وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فالرغبة يجب أن تكون إليه كما قال تعالى: ﴿(٦) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ (^١).\n\n* فائدة:\nيقول ابن القيم: \"والفرق بين الرغبة والرجاء أن الرجاء طمع والرغبة طلب، فهي ثمرة الرجاء، فإنه إذا رجا الشيء طلبه والرغبة من الرجاء كالهرب من الخوف فمن رجا شيئا طلبه ورغب فيه ومن خاف شيئا هرب منه\" (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢٧/ ٧٣.\n(^٢) مدارج السالكين ٢/ ٥٨.","vol":"2","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-600>١٣٥ - الرقى</span>*\nالتعريف: قال الفيروزآبادي: \"الرقية بالضم: العُوذة جمعها: رُقىً ورقاه رَقيًا ورُقيًا ورُقيةً فهو رقاء: نفث في عوذته\" (^١).\nوعرفها ابن الأثير بقوله: \"الرقية العوذه التي يرقى بها صاحب الآفة كالحمى والصرع وغير ذلك من الآفات\" (^٢).\nوقال الحجاوي: \"الرقى جمعٌ، مُفردُهُ: رُقيةٌ وهي العزائم\" (^٣).\nوقال الجوهري: \"العزائم هي الرقى\" (^٤).\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ٢/ ٢٦٩، ٢٧٢، ٥/ ٢٧٠، ١٧/ ١٦١، ٢١/ ٢٤٢، ٢٣/ ٢٩، ٢٣/ ١٥٥ - ١٥٧. الاستذكار لابن عبد البر ٢٧/ ١٨، ٢٠. الإبانة لابن بطة العكبري ٧٤٣. شرح السنة للبغوي ١٢/ ١٥٦، ١٥٩، ١٦١. أحكام القرآن للقرطبي ١١/ ٢٤٦. المحلى بالآثار لابن حزم ٧/ ١٨. الآداب الشرعية لابن مفلح ٣/ ٦٤. تيسير العزيز الحميد ص ١٦٣. فتح المجيد ١٤٥. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ٨٢. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ٩٥، ١٠٧، ١٧٥، ط ٢ - ١/ ٢٢٤ ومن المجموع ٩/ ٨٦، ١٦٨.القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ١٩. الدرر السنية ٥/ ٧٢. فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ١٥٣. مجموع الفتاوى لابن باز ١/ ٢٧٢. نور على الدرب ابن باز ٥٦. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٣/ ٢٠٣. معارج القبول ١/ ٣٧٩. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١/ ١٠٥. الإمام الخطابي ومنهجه في العقيدة لأبي عبد الرحمن العلوي ص ٢٧٧. منهج الشافعي في إثبات العقيدة ص ٢٩٥. عقيدة الإمام ابن عبد البر للغصن ص ٢٦٨. منهج ابن حجر في العقيدة ١١٢٦. الجيلاني وآراءه الاعتقادية ١٥٥. المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة الأحمدي ٢/ ١١٢. منهج الإمام مالك في العقيدة ص ٣٩٥. أحكام الرقى والتمائم د: فهد السحيمي. التبرك د: ناصر الجديع ص ٢٢١، ٢٣٥.\n(^١) القاموس المحيط (ر ق ى).\n(^٢) النهاية لابن الأثير (ر ق ى).\n(^٣) غذاء الألباب ٢/ ٢٧.\n(^٤) الصحاح للجوهري (ع زم).","vol":"2","page":230},{"text":"وسميت بالعزائم لأن القارئ يعزم فيها ويكون عنده قوة اندفاع في حال القراءة.\nقال ابن فارس: \"العزم: عقد القلب على الشيء تريد أن تفعله، وكذلك العزيمة. والعزائم الآيات تُقرأ على المريض رجاء بركتها\" (^١).\nوقال الأزهري: \"قال الليث: العزيمة من الرُّقى: التي يُعزم بها على الجن والأرواح. وقال غيره: عزمتُ عليك لتفعلنَّ أي أقسمت، وعزم الراقي والحوّاء كأنه أقسم على الداء والحية\" (^٢).\nوقال الفيروزآبادي: \"العزائم أي الرقى أو هي آيات من القرآن تُقرأ على ذوي الآفات رجاء البرء\" (^٣).\n* الدليل من السنة: عَنْ زينَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ الله قَالَتْ كَان عَبْدُ الله إِذَا جَاءَ مِنْ حَاجَةٍ فَانْتَهَى إِلَى الْبَاب تَنَحْنَحَ وَبَزَقَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَهْجُمَ مِنَّا عَلَي شَيْءٍ يَكْرَهُهُ قَالَتْ: وَإِنَهُ جَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ فَتَنَحْنَحَ قَالَتْ: وَعِنْدِي عَجُوزٌ تَرْقِينِي مِنْ الْحُمْرَةِ فَأَدْخَلْتُهَا تَحْتَ السَّرِيرِ فَدَخَل فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِي فَرَأَى فِي عُنُقِي خَيْطًا قالَ مَا هَذَا الْخَيْطُ قَالَتْ قُلْتُ خَيْطٌ أُرْقِيَ لِي فِيهِ قَالَتْ فَأَخَذَهُ فَقَطَعَهُ ثُمَّ قَالَ إِنَّ آلَ عَبْدِ الله لأغْنِيَاءُ عَنْ الشِّرْكِ سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: \"إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ\" (^٤).\nوعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ قَالَ: \"كُنَّا نَرْقِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله كَيْفَ تَرَى فِي ذَلِكَ فَقَالَ: \"اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ لا بَأْسَ بالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ\"\" (^٥).\n_________\n(^١) مجمل اللغة (ع ز م).\n(^٢) تهذيب اللغة (ع ز م).\n(^٣) القاموس المحيط (ع ز م).\n(^٤) سبق تخريجه.\n(^٥) أخرجه مسلم (٢٢٠٠).","vol":"2","page":231},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-601> أقوال بعض السلف:</span>\nقال ابن التين: \"الرقى بالمعوذات وغيرها من أسماء الله تعالى هو الطب الروحاني إذا كان على لسان الأبرار من الخلق حصل الشفاء بإذن الله فلما عز هذا النوع فزع الناس إلى الطب الجسماني\" (^١).\nوفي حديث المرأة السوداء التي تصرع وطلبت من الرسول - ﷺ - أن يدعو لها، قال الشوكاني: \"فيه دليل على أن التداوي بالدعاء مع الالتجاء إلى الله أنجع وأنفع من العلاج بالعقاقير ولكن إنما ينجح بأمرين: أحدهما جهة العليل والأخرى من جهة المداوي وهو توجه قلبه إلى الله وقوتُه بالتقوى والتوكل على الله\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-602>أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-603>١ - حكم الرقية:</span>\nرقية المريض بقراءة القرآن والأذكار والدعوات النبوية الثابتة عنه ﵊ مشروعة (^٣). قال الشيخ ابن عثيمين: \"الرقية على المريض المصاب بسحر أو غيره من الأمراض لا بأس بها إن كانت من القرآن الكريم أو من الأدعية المباحة فقد ثبت عن النبي - ﷺ -، أنه كان يرقي أصحابه، ومن جملة ما يرقاهم به: \"ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، وأمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء فاجعل رحمتك في الأرض، أنزل رحمة من من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع\" فيبرأ.\nومن الأدعية المشروعة: \"بسم الله أرقيك من كل داء يؤذيك من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك بسم الله أرقيك\".\n_________\n(^١) فتح الباري ١٠/ ١٩٦.\n(^٢) نيل الأوطار ٨/ ٢٠٣.\n(^٣) انظر فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ١٦١.","vol":"2","page":232},{"text":"ومنها أن يضع الإنسان يده على الألم الذي يؤلمه من بدنه فيقول: \"أعوذ بالله وعزته من شر ما أجد وأحاذر\" إلى غير ذلك مما ذكره أهل العلم من الأحاديث الواردة عن الرسول - ﷺ -\" (^١).\nوقالت اللجنة الدائمة: \"أذن النبي - ﷺ - في الرقية بالقرآن والأذكار والأدعية ما لم تكن شركًا أوكلامًا لا يفهم معناه لما روى مسلم في صحيحه عن عوف بن مالك قال كنا نرقي في الجاهلية فقلنا: يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: \"اعرضوا عليّ رقاكم لا بأس بالرقى ما لم تكن شركًا\" وقد أجمع العلماء على جواز الرقى إذا كانت على الوجه المذكور آنفًا مع اعتقاد أنها سبب لا تأثير له بتقدير الله تعالى، أما تعليق شيء بالعنق أو ربطه بأي عضو من أعضاء الشخص فإن كان من غير القرآن فهو محرم بل شرك ... وإن كان ما علقه من آيات القرآن فالصحيح أنه ممنوع أيضًا لثلاثة أمور:\nالأول: عموم أحاديث نهي النبي - ﷺ - عن التمائم ولا مخصص لها.\nالثاني: سد الذريعة فإنه يفضي إلى تعليق ما ليس كذلك.\nالثالث: أن ما علق من ذلك يكون عرضة للامتهان بحمله في حال قضاء الحاجة والاستنجاء\" (^٢).\nقال ابن باز: \"والمراد بالرقى المنهي عنها هي الرقى التي تكون بلسان غير معروف المعنى، أو تشمل على معان محرمة، أما إذا كانت الرقى بكلمات معروفة المعنى، وليس فيها محذور شرعًا؛ كالرقى بالآيات القرآنية والدعوات النبوية أو الدعوات الطيبة التي ليس فيها ما يحرمه الشرع المطهر ولم عليها الراقي ولا المرقي، وإنما يعتقدان جميعًا أنها سبب من الأسباب، والشفاء من الله سبحانه\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١/ ١٠٥.\n(^٢) فتاوى اللجنة ١/ ١٦٥، ١٦٦ باختصار.","vol":"2","page":233},{"text":"وتعالى لا شفاء إلا شفاؤه، فلا بأس بها بالشرط المذكور\" (^١).\nوقال أيضًا: \"الرقى المنهي عنها هي الرقى التي فيها شرك أو توسل بغير الله، أو ألفاظ مجهولة لا يُعرف معناها.\nأما الرقى السليمة من ذلك فهي مشروعة، ومن أعظم أسباب الشفاء، لقول النبي - ﷺ -: \"لا بأس بالرقى مما لم تكن شركًا\"، وقوله - ﷺ -: \"من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه\" خرجهما مسلم في صحيحه، وقال النبي - ﷺ -: \"لا رقية إلا من عين أو حمة\" معناه لا رقية أولى وأشفى من الرقية من هذين الأمرين. وقد رَقَى النبي - ﷺ -، ورُقِي\" (^٢).\nوقد سبق في باب التميمة زيادة إيضاح حول تعليق الرقى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-604>٢ - شروط جواز الرقية:</span>\nقال ابن حجر: \"وقد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط: أن يكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته، وباللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بتقدير الله تعالى\" (^٣).\nوهذه الشروط ذكرها أهل العلم وشراح كتاب التوحيد (^٤) عند كلامهم عن الرقى والعزائم.\nوقال النووي: \"وقد نقلوا الإجماع على جواز الرقى بالآيات وأذكار الله تعالى. قال المازري: جميع الرقى جائزة إذا كانت بكتاب الله أو بذكره (^٥). ومنهي عنها إذا كانت باللغة العجمية أو بما لا يدرى معناه لجواز أن يكون فيه كفر\" (^٦).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن باز ١/ ٢٧٨.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن باز ١/ ٢٧٩.\n(^٣) فتح الباري ١٠/ ٢٠٦، وانظر تيسير العزيز الحميد ص ١٦٧.\n(^٤) انظر: تيسير العزيز الحميد ١٦٧. فتح المجيد ١٤٨.\n(^٥) قال النووي: \"وأما الرقى بآيات القرآن وبالأذكار المعروفة فلا نهي فيه بل هو سنة\" شرح النووي على صحيح مسلم ١٤/ ١٦٩.\n(^٦) شرح النووي على صحيح مسلم ١٤/ ١٦٩.","vol":"2","page":234},{"text":"وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"كل اسم مجهول فليس لأحد أن يرقي به فضلا عن أن يدعو به، ولو عرف معناها وأنه الصحيح لكره أن يدعو الله بغير الأسماء العربية (^١) \" (^٢).\nوقال ﵀: \"بل نهى العلماء عن كل ما لا يعرف معناه من ذلك خشية أن يكون فيه شرك\" (^٣).\nوقال - ﵀ -: \"وعامة ما بأيدي الناس من العزائم والطلاسم والرقى التي لا تفقه بالعربية فيها ما هو شرك بالجن. ولهذا نهى علماء المسلمين. الرقى التي لا يفقه معناها لأنها مظنة الشرك، وإن لم يعرف الراقي أنها شرك\" (^٤).\nوقال: \"وأما معالجة المصروع بالرقى، والتعوذات فهذا على وجهين:\nفإن كانت الرقى والتعاويذ مما يعرف معناها، ومما يجوز في دين الإسلام أن يتكلم بها الرجل، داعيًا - ﷺ -، ذاكرًا له، مخاطبًا لخلقه ونحو ذلك، فإنه يجوز أن يرقي بها المصروع، ويعوذ، فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي - ﷺ -: أنه أذن في الرقى، ما لم تكن شركًا.\nوقال: \"من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل\" وإن كان في ذلك كلمات محرمة مثل أن يكون فيها شرك، أو كانت مجهولة المعنى، يحتمل أن يكون فيها كفر، فليس لأحد أن يرقى بها ولا يعزم، ولا يقسم، وإن كان الجني قد ينصرف عن المصروع بها، فإن ما حرمه الله ورسوله ضرره أكثر من نفعه\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر في حكم التكلم بالأعجمية باب (التشبه).\n(^٢) مجموع الفتاوى ٢٤/ ٢٨٣. وانظر تيسير العزيز الحميد ١٦٦.\n(^٣) مجموع فتاوى ١/ ٣٣٦.\n(^٤) مجموع الفتاوى ١٩/ ١٣.\n(^٥) مجموع الفتاوى ٢٤/ ٢٧٧، ٢٧٨.","vol":"2","page":235},{"text":"وقال شيخ الإسلام: \"وليس للعبد أن يدفع كل ضرر بما شاء، ولا يجلب كل نفع بما شاء، بل لا يجلب النفع إلا بما فيه تقوى الله، ولا يدفع الضرر إلا بما فيه تقوى الله، فإن كان ما يفعله من العزائم والأقسام والدعاء والخلوة والسهر ونحو ذلك مما أباحه الله ورسوله فلا بأس به، وإن كان مما نهى الله عنه ورسوله لم يفعله\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-605>تنبيه:</span>\nكما يجب أن يكون الراقي موثوقًا به ليس من أهل الشعوذة، ويجب أن ينهى كذلك عن الخلوة بالمرأة دون محرم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-606>٣ - حكم رقية أهل الكتاب للمسلمين:</span>\nيرى بعض العلماء جواز رقي أهل الكتاب مستدلين بما رواه مالك في الموطأ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ وَهِيَ تَشْتكِي وَيهُودِيَّةٌ تَرْقِيهَا فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: \"ارْقِيهَا بِكِتَابِ الله\" (^٢).\nوقال النووي: \"قال المازري: واختلفوا في رقية أهل الكتاب فجوّزها أبو بكر الصديق ﵀، وكرهها مالك خوفًا أن يكون مما بدلوه، ومن جوزها قال: الظاهر أنهم لم يبدلوا الرقى فإنهم لهم غرض في ذلك بخلاف غيرها مما بدلوه\" (^٣).\nقال ابن عبد البر: \"وقد جاء عن أبي بكر الصديق كراهية الرقية بغير كِتَاب الله وعلى ذلك العلماء، وأباح لليهودية أن ترقى عائشة بكتاب الله\" (^٤).\nوقال الزرقاني في معنى قول أبي بكر أرقيها بكتاب الله: \"المقصود القرآن إن رجى إسلامها، أو التوراة إن كانت مُعرَّبة بالعربي أو أمن تغييرهم لها\" (^٥).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢٤/ ٢٨٠.\n(^٢) أخرجه مالك في الموطأ (١٤٨١).\n(^٣) شرح النووي على صحيح مسلم ١٤/ ١٦٨.\n(^٤) التمهيد ٥/ ٢٧٨.\n(^٥) شرح الزرقاني على الموطأ ٤/ ٣٢٨.","vol":"2","page":236},{"text":"قال الربيع: \"سألت الشافعي عن الرقية فقال: لا بأس أن يرقى بكتاب الله، وما يعرف من ذكر الله. قلت: أيرقي أهل الكتاب المسلمين؟ فقال: نعم إذا رقوا بما يعرف من كتاب الله أو ذكر الله، فقلت: وما الحجة في ذلك؟ قال: حجة، فأما رواية صاحبنا وصاحبك فإن مالكًا أخبرنا وذكر الأثر السابق وقول أبي بكر: ارقيها بكتاب الله، فقلت للشافعي: فإنا نكره رقية أهل الكتاب، فقال: وأنتم تروون هذا عن أبي بكر ولا أعلمكم تروون عن غيره من أصحاب النبي - ﷺ - خلافه، وقد أحل الله جل ذكره طعام أهل الكتاب ونساءهم وأحسب الرقية إذا رقوا بكتاب الله مثل هذا أو أخلف\" (^١).\nوأما كلام أهل العلم الذين كرهوا رقية أهل الكتاب إنما كرهوها لأمرين:\n١ - احتمال أن تكون رقيتهم بما بُدِّل.\n٢ - احتمال أن يرقوا برقية لا يُعرف معناها.\nوقالوا أيضًا: أن الأثر المذكور عن أبي بكر مرسل فقد رواه الإمام مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن أن أبا بكر الصديق دخل على عائشة وعمرة بنت عبد الرحمن لم تدرك أبا بكر، ثم إن قوله: \"ارقيها بكتاب الله\" فيه غموض وإجمال، وسبب آخر كذلك أنهم غير مأمونين في استخدام الطلاسم والأمور الشركية والشعوذة، ويضمرون العداء لأهل الإسلام ويوقعون بهم ضررًا، وقالوا أيضًا: إن الذهاب إليهم تعظيم لأمرهم، وعند المسلمين غنية عنهم لكن إن صحت الرقية وكانت بكتاب الله وذكره فإنهم لا يستطيعون تبديلها؛ لأنهم إن بدلوها لا تؤدي المطلوب وتبطل رقاهم ولا يلتفت إليهم أحدًا\" (^٢).\nوقال الحافظ ابن حجر: \"والحق أنه يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال\" (^٣).\n_________\n(^١) الأم ٧/ ٢٢٨، والبيهقي ٩/ ٣٤٩، وعون المعبود شرح حديث رقم (٣٤٠٣).\n(^٢) انظر كتاب العين والرقية للشيخ عطية محمد سالم ص ٦٥، ٦٦.\n(^٣) فتح الباري ١/ ١٩٧.","vol":"2","page":237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-607>٤ - مسائل متنوعة في الرقية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-608>أولًا: تعريف النفث والتفل في الرقية:</span>\nالنفث: نفخ يسير مع ريق يسير، وهو أقل من التفل، وقيل إنه بلا ريق (^١).\nوالتفل: شبيه بالبزاق وهو أقل منه (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-609>ثانيًا: متى يكون النفث حال القراءة</span>؟:\nالجواب: وقع ذلك في أحاديث منها:\n١ - حديث عائشة - ﵂ -: \"أن النبي - ﷺ - كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما ... \" (^٣).\n٢ - في رواية أخرى: \"كان إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه بـ \"قل هو الله أحد\" وبالمعوذتين جميعا ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يداه من جسده\" (^٤). قال ابن حجر: \"يقرؤها وينفث حالة القراءة كأنه معها\" (^٥).\n٣ - قصة المعتوه الذي رقاه أحد الصحابة قال الراوي: فرقاه بفاتحة الكتاب ثلاثة أيام غدوة وعشية، كلما ختمها جمع بزاقه ثم تفل ... (^٦).\nقال ابن أبي جمرة: محل التفل في الرقية يكون بعد القراءة لتحصيل بركة القراءة في الجوارح التي يمر عليها الريق فتحصل البركة في الريق الذي يتفله (^٧).\n_________\n(^١) النهاية لابن الأثير (ن ف ث).\n(^٢) النهاية لابن الأثير (ت ف ل).\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٠١٧).\n(^٤) أخرجه البخاري (٥٧٤٨).\n(^٥) فتح الباري ١٠/ ٢١٠.\n(^٦) أخرجه أبو داود (٣٤٢٠).\n(^٧) فتح الباري ٤/ ٤٥٦.","vol":"2","page":238},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-610>ثالثًا: الخلاف في كراهية النفث وإباحته:</span>\nذهب بعض أهل العلم إلى كراهية النفث في الرقية عند قراءة القرآن خاصة كإبراهيم النخعي (^١)، وبعضهم كره النفث مطلقًا كالأسود بزيد (^٢).\nقال بدر الدين العيني: \"وكرهه أيضًا عكرمة والحكم وحماد\" (^٣).\nوممن روى عنه الكراهة أيضًا الضحاك (^٤).\nوقال ابن مفلح: \"ويكره التفل بالريق والنفخ بلا ريق وقيل في كراهة النفث في الرقية وإباحته مع الريق وعدمه روايتان. وذكر السامري أن أحمد - ﵀ - التفل في الرقى وأنه لا بأس بالنفخ. قال ابن منصور لأبي عبد الله: يكره التفل في الرقية؟ قال أليس يقال إذا رقى نفخ ولم يتفل. قال إسحاق بن راهويه كما قال وجزم بعض متأخري الأصحاب باستحباب النفخ والتفل لأنه إذا قويت كيفية نفس الراقي كانت أتم تأثيرا وأقوى فعلا ولهذا تستعين به الروح الطيبة والخبيثة فيفعله المؤمن والساحر.\nوفي شرح مسلم أن الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم استحبوا النفث. قال القاضي عياض وكان مالك ينفث إذا رقى نفسه ... \" (^٥).\nوقد استدل المانعون بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤]؛ قالوا لأن الله - ﷿ - أمر بالاستعاذة من النفث ومن فاعله، ويجاب عن هذان المراد الاستعاذة من نفث أهل الباطل.\nقال القرطبي: \"إنما أريد به السحر المضر بالأرواح، وهذا النفث لاستصلاح\n_________\n(^١) فتح الباري ١٠/ ٢٠٩.\n(^٢) فتح الباري ١٠/ ٢٠٩.\n(^٣) عمدة القاري ٢١/ ٢٦٢.\n(^٤) انظر تفسير القرطبي ٢٠/ ٢٥٨.\n(^٥) الآداب الشرعية ٢/ ٤٥٧.","vol":"2","page":239},{"text":"الأبدان فلا يقاس ما ينفع بما يضر\" (^١).\nوالراجح مشروعية النفث والتفل في الرقية كما دلت عليه النصوص فمن ذلك:\n١ - حديث عائشة أن رسول الله - ﷺ - \"كان ينفث على نفسه في مرضه الذي قبض فيه بالمعوذات، فلما ثقل كنت أنا أنفث عليه بهن وأمسح بيد نفسه لبركتها\" (^٢).\n٢ - حديث اللديغ وفيه \"فانطلق فجعل يتفل ويقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] \" وأقره الرسول - ﷺ - (^٣).\nوالنصوص في ذلك كثيرة. وبه قال جماعة من الصحابة والتابعين (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-611>رابعًا: حكم الرقية بدون نفث:</span>\nتجوز الرقية بدون نفث وتفل ففي صحيح البخاري أن النبي - ﷺ - كان إذا عاد مريضا قال: \"أذهب الباس رب الناس، اشف وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا\" (^٥). وكان أنس يرقي بتلك الرقية ذكر ذلك البخاري (^٦).\nوكذلك رقية جبريل للنبي - ﷺ - لم يذكر فيها نفث كما في حديث أبي سعيد \"أن جبريل أتى النبي - ﷺ - فقال: يا محمد اشتكيت فقال: نعم. قال: باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك باسم الله أرقيك\" (^٧).\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن ٢٠/ ٢٥٨.\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٧٥١)، ومسلم (٢١٩٢).\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٧٤٩).\n(^٤) انظر للاستزادة أحكام الرقى ٥٤، ٥٥.\n(^٥) أخرجه البخاري (٥٦٧٥). ومسلم (٢١٩١).\n(^٦) أخرجه البخاري (٥٧٤٢).\n(^٧) أخرجه مسلم (٢١٨٦).","vol":"2","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-612>خامسًا: حكم شرب الرقية المكتوبة:</span>\nقال ابن تيمية: \"ويجوز أن يكتب للمصاب وغيره من المرضى شيئًا من كتاب الله وذكره بالمداد المباح ويغسل ويسقى كما نص على ذلك أحمد وغيره\" (^١).\nوقال ابن القيم: \"ورأى جماعة من السلف أن تكتب له الآيات من القرآن ثم يشربها قال مجاهد: لا بأس أن يكتب القرآن ويغسله ويسقيه المريض. ومثله عن أبي قلابة ويذكر عن ابن عباس أنه أمر أن يكتب لامرأة تعسر عليها\" (^٢).\nوفي فتاوى اللجنة ما نصه: \"كتابة شيء من القرآن في جام أو ورقة وغسله وشربه يجوز لعموم قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] وحديث \"خير الدواء القرآن\" (^٣) \" (^٤).\nوفي فتاوى اللجنة: \"أن الأولى تركه وأن يُستغنى عنه بما ثبت في الرقية الشرعية\" (^٥).\nأما قراءة القرآن في الماء للمريض وشربه إياه فلا بأس به.\nقال محمد بن مفلح: \"وقال صالح بن الإمام أحمد: ربما اعتللت فيأخذ أبي قدحًا فيه ماء فيقرأ عليه ويقول لي: اشرب منه، واغسل وجهك ويديك.\nونقل عبد الله أنه رأى أباه يعوذ في الماء ويقرأ عليه ويشرب، ويصب على نفسه منه.\n_________\n(^١) الفتاوى ١٩/ ٦٤\n(^٢) زاد المعاد ٤/ ١٧٠.\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٣٥٠١).\n(^٤) فتاوى اللجنة ١/ ١٥٣ وفيها زيادة تفصيل حول هذه المسألة، واللاستزادة لقاء الباب المفتوح لابن عثيمين ٥٥/ ١١٢.\n(^٥) فتاوى اللجنة ١/ ١٦١، ١٦٦. وفيه زيادة إيضاح حيث ذكروا أن النبي - ﷺ - لا نعلم أنه فعله لنفسه أو غيره، ولا أنه أذن فيه لأحد من أصحابه أو رخص فيه لأمته مع وجود الدواعي التى تدعو إلى ذلك.","vol":"2","page":241},{"text":"قال عبد الله: ورأيته قد أخذ قصعة النبي - ﷺ - فغسلها في جب الماء ثم شرب فيها، ورأيته غير مرة يشرب ماء زمزم، فيستشفي به ويمسح به يديه ووجهه.\nوقال يوسف بن موسى: أن أبا عبد الله كان يؤتى بالكوز ونحن بالمسجد فيقرأ عليه ويعوذ\" (^١).\nوسئل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ عن النفث في الماء فأجاب: \"لا بأس بذلك فهو جائز، بل قد صرح العلماء باستحبابه.\nوبيان حكم هذه المسألة مدلول عليه بالنصوص النبوية، وكلام محققي الأئمة\" (^٢).\nوقال ابن باز ﵀: \"وإن قرأ في الماء وشربه المريض أو رش عليه به نفعه ذلك بإذن الله\" (^٣).\nوقال ﵀: \"وكذلك الرقية في الماء لا بأس بها، وذلك بأن يقرأ في الماء ويشربه المريض، أو يصب عليه، فقد فعل ذلك النبي - ﷺ -، فإنه ثبت في سنن أبي داود في كتاب الطب أنه - ﷺ - قرأ في ماء لثابت بن قيس بن شماس ثم صب عليه، وكان السلف يفعلون ذلك. فلا بأس به\" (^٤).\nوسئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين عن حكم النفث في الماء؟\nفأجاب بقوله: \"النفث في الماء على قسمين:\nالقسم الأول: أن يراد بهذا النفث التبرك بريق النافث فهذا لا شك أنه حرام ونوع من الشرك، لأن ريق الإنسان ليس سببًا للبركة والشفاء ولا أحد يتبرك بآثاره إلا محمد - ﷺ -، أما غيره فلا يتبرك بآثاره.\n_________\n(^١) الآداب الشرعية ٢/ ٤٤١.\n(^٢) مجموع فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ١/ ٩٢.\n(^٣) فتاوى نور على الدرب ص ٥٧.\n(^٤) مجموع فتاوى ابن باز ١/ ٢٧٥.","vol":"2","page":242},{"text":"القسم الثاني: أن ينفث الإنسان بريق تلا فيه القرآن الكريم مثل أن يقرأ الفاتحة - الفاتحة رقية وهي من أعظم ما يرقى به المريض - فيقرأ الفاتحة وينفث في الماء فإن هذا لا بأس به وقد فعله بعض السلف وهو مجرب ونافع بإذن الله وقد كان النبي - ﷺ -، ينفث في يديه عند نومه بقل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس فيمسح بهما وجهه وما استطاع من جسده - صلوات الله وسلامه عليه - والله الموفق\" (^١).\nوقال ابن القيم ﵀: \"ولقد مر بي وقت بمكة سقمت فيه، وفقدت الطبيب والدواء، فكنت أتعالج بالفاتحة، آخذ شربة من ماء زمزم، وأقرؤها عليها مرارًا ثم أشربه، فوجدت بذلك البرء التام، ثم صرت أعتمد ذلك عند كثير من الأوجاع، فأنتفع بها غاية الانتفاع\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"ولقد جربن أنا من ذلك في نفسي وفي غيري أمورًا عجيبة، ولا سيما مدة المقام بمكة، فإنه كان يعرض لي آلام مزعجة، بحيث تكاد تقطع الحركة مني، وذلك في أثناء الطواف وغيره، فأبادر إلى قراءة الفاتحة وأمسح بها على محل الألم، فكأنه حصاة تسقط، جربن ذلك مرارًا عديدة، وكنت آخذ قدحًا من ماء زمزم فأقرأ عليه الفاتحة مرارًا، فأشربه فأجد به من النفع والقوة ما لم أعهد مثله في الدواء، والأمر أعظم من ذلك، لكن بحسب قوة الإيمان وصحة اليقين والله المستعان\" (^٣).\nأما استخدام إناء فيه آيات منقوشة أو كتابة ثابتة في أصل الإناء ولا تتحلل بدخول الماء فهذا يُمنع إذ لا يجوز امتهان الإناء إذا كان فيه آية ولا يجوز إدخاله الحمام أو إصابته بشيء من ذلك وسد الطرق في مثل هذا واجب.\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١/ ١٠٧، ١٠٨. وانظر للاستزادة الفتاوى الذهبية في الرقى الشرعية ٤٠.\n(^٢) زاد المعاد ٤/ ١٧٨.\n(^٣) مدارج السالكين ١/ ٦٩.","vol":"2","page":243},{"text":"وقد سئل الشيخ ابن عثيمين عن كتابة بعض آيات القرآن الكريم مثل آية الكرسي على أواني الطعام والشراب لغرض التداوي بها؟\nفأجاب ﵀ بقوله: \"يجب أن نعلم أن كتاب الله ﷿ أعز من أن يمتهن إلى هذا الحد ويبتذل إلى هذا الحد، كيف تطيب نفس مؤمن أن يجعل كتاب الله ﷿ وأعظم آية في كتاب الله وهي آية الكرسي أن يجعلها في إناء يشرب فيه ويمتهن ويرمي في البيت ويلعب به الصبيان؟! هذا العمل لا شك أنه حرام، وأنه يجب على من عنده شيء من هذه الأواني أن يطمس هذه الآيات التي فيها، بأن يذهب بها إلى الصانع فيطمسها، فإن لم يتمكن من ذلك فالواجب عليه أن يحفر لها في مكان طاهر ويدفنها، وأما أن يبقيها مبتذلة ممتهنة يشرب بها الصبيان ويلعبون بها، فإن الاستشفاء بالقرآن على هذا الوجه لم يرد عن السلف الصالح - ﵃ - \" (^١).\nوسئل الشيخ صالح آل الشيخ عن الحكم في بعض الأواني التي يكتب عليها بعض الآيات، والتي تباع في بعض المحلات التجارية؟.\nفأجاب: \"أن هذه الأواني يختلف حالها فإن كان يستخدمها لأجل أن يتبرك بما كتب فيها من الآيات، فيجعل فيها ماءً ويشربه؛ لأن الماء يلامس هذه الآيات، فهذا من الرقية غير المشروعة؛ لأن الرقية المشروعة تكون بقراءة الآيات في الماء، وهذه الآيات لم تنحل في الماء؛ بل هي مكتوبة في ذلك الإناء المعدني أو النحاسي، والتصاق الماء بتلك الكتابات من الآيات أو الأدعية لا يجعل الماء - بذلك - مباركًا أو مقروءًا فيه، فإذا اتخذت هذه الأواني لذلك: فالرقية بها غير مشروعة\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-613>سادسًا: خلط بعض التراب مع الريق:</span>\nوطريقة ذلك: أن ينفث على الإصبع بشيء من الريق ثم يوضع في التراب\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١/ ١٠٩، ١١٠.\n(^٢) التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص ٥٩٩.","vol":"2","page":244},{"text":"ويمسح به المريض في أثناء الرقية. ويدل على هذه الكيفية ما رواه البخاري عن عائشة - ﵂ - أن النبي - ﷺ - كان يقول للمريض: \"بسم الله، تربةُ أرِضنا، بريقة بعضنا، يشفى سقيمنا\" (^١).\nوفي رواية مسلم عن أبي عمر عن سفيان زيادة في أوله: \"كان إذا اشتكى الإنسان الشيء منه، أو كانت به قرحة أو جرح، قال النبي - ﷺ - بإصبعه هكذا ووضع سفيان سبابته بالأرض ثم رفعها: باسم الله، تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يشفى سقيمنا، بإذن ربنا\" (^٢).\nوقال القرطبي: \"وهذا يدل على استحباب ذلك\" (^٣).\nوالمراد بقوله - ﷺ -: \"أرضنا\" قال النووي: \"قال جمهور العلماء: المراد بأرضنا هنا الأرض عمومًا، وقيل: أرض المدينة خاصة ... \" (^٤).\nوقد سئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين عن فتوى له تفيد أن التبرك بريق أحد غير النبي - ﷺ - حرام ونوع من الشرك باستثناء الرقية بالقرآن وأن هذا يشكل مع ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة - ﵂ - أن النبي - ﷺ -، كان يقول في الرقية: \"بسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا يشفى سقيمنا بإذن ربنا\" فنرجو من فضيلتكم التكرم بالتوضيح؟\nفأجاب بقوله: \"ذكر بعض العلماء أن هذا مخصوص برسول الله - ﷺ -، وبأرض المدينة فقط وعلى هذا فلا إشكال.\nولكن رأي الجمهور أن هذا ليس خاصًا برسول الله، - ﷺ -، ولا بأرض المدينة بل هو عام في كل راق وفي كل أرض ولكنه ليس من باب التبرك بالريق المجرده\n_________\n(^١) أخرجه البخارى (٥٧٤٥) (٥٧٤٦).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢١٩٤).\n(^٣) فتح البارى ١٠/ ٢٠٨.\n(^٤) شرح النووي ١٤/ ١٨٤.","vol":"2","page":245},{"text":"بل هو ريق مصحوب برقية وتربة للاستشفاء وليس لمجرد التبرك\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-614>سابعًا: حكم أخذ الأجرة على الرقية:</span>\nدلت الأحاديث على جواز أخذ الأجرة على الرقية، فقد جاء في البخاري أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله\" (^٢).\nوقال - ﷺ - لمن قرأ على المعتوه: \"كُلْ فلَعمْري لَمَنْ أكلَ برُقيةٍ باطل لقد أكلت برقَيْةِ حقٍّ\" (^٣).\nومن ذلك حديث أبي سعيد الخدري الذي قرأ على الملدوغ وفيه: \" ... فانطلق يتفل عليه ويقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] فكأنما نشط فأعطوهم قطيعا من الغنم فذكروا ذلك للرسول - ﷺ - فقال: \"وما يدريك أنها رقية؟ \" ثم قال: \"قد أصبتم، اقسموا واضربوا لي معكم سهمًا\" فضحك النبي - ﷺ - \" (^٤).\nقال النووي: \"هذا الراقي هو أبو سعيد الخدري\" (^٥).\nقال ابن حجر في تعليقه على هذا الحديث: \"نعم وقعت للصحابة قصة أخرى في رجل مصاب بعقله فقرأ عليه بعضهم فاتحة الكتاب فبرأ، وقال: إن سياقه وسببه مختلف عن حديث أبي سعيد ... مما يدل على أنهما قصتان\" (^٦).\n\n٦ - فائدة: العين حق وأدلة ذلك كثيرة معلومة.\nقال الإمام ابن القيم ﵀: \"هي سهام تخرج من نفس الحاسد والعائن، نحو المحسود والمعيون، تصيبه تارة، وتخطئه تارة، فإن صادفته مكشوفًا لا وقاية عليه\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١/ ١٠٨ - ١٠٩.\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٧٣٧).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٣٤٢٠) والإمام أحمد (٢٢١٨٠).\n(^٤) أخرجه البخاري (٢٢٧٦)، (٥٧٤٩) ومسلم (٢٢٠١).\n(^٥) شرح النووي على صحيح مسلم ١٤/ ١٨٧.\n(^٦) الفتح ٤/ ٤٥٥.","vol":"2","page":246},{"text":"أثرت فيه ولا بد، وإن صادفته حذرًا شاكي السلاح لا منفذ فيه للسهام، لم تؤثر فيه وربما ردت السهام على صاحبها\" (^١).\nقال الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀: \"نظر باستحسان مشوب بحسد من خبيث الطبع تحصل للمنظور منه ضرر\" (^٢).\nقال ابن عثيمين ﵀: \"هي ما يسميها العامة الآن \"النحاتة\" وبعضهم يسميها \"النفس\" وبعضهم يسميها \"الحسد\"\" (^٣).\nومن أدلة القرآن على إثبات العين: قول الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: ٢].\nقال ابن كثير ﵀: \"وفي هذه الآية دليل على أن العين إصابتها وتأثيرها حق بأمر الله ﷿\" (^٤).\nومن الأدلة أيضًا قوله تعالى: ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف: ٦٧].\nقال ابن عباس ومحمد بن كعب ومجاهد والضحاك وقتادة والسدي وغير واحد: \"إنه خشي عليهم العين، وذلك أنهم كانوا ذوي جمال وهيئة حسنة، ومنظر بهاء، فخشي عليهم أن يصيبهم الناس بعيونهم فإن العين حق تستنزل الفارس عن فرسه\" (^٥).\nومن الأدلة أيضًا قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: ٥].\nقال ابن القيم ﵀: \"فكل عائن حاسد وليس كل حاسد عائنًا، فلما كان\n_________\n(^١) الطب النبوي لابن القيم (١٣١).\n(^٢) فتح الباري لابن حجر العسقلاني ١٠/ ٢٠٠.\n(^٣) القول المفيد على كتاب التوحيد ١/ ١١٩.\n(^٤) تفسير ابن كثير (٤/ ٥٢٤ - ٥٢٥).\n(^٥) تفسير ابن كثير (٢/ ٦٣٠).","vol":"2","page":247},{"text":"الحاسد أعم من العائن كانت الاستعاذة منه استعاذة من العائن\" (^١).\nومن السنة حديث عائشة - ﵂ - قالت: \"كان رسول الله يأمرني أن أسترقي من العين\" (^٢).\nوعن ابن عباس - ﵄ - عن النبي - ﷺ - قال: \"العين حق ولو كان شئ سابق القدر لسبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا\" (^٣).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"العين حق ونهى عن الوشم\" (^٤).\nوعن أم سلمة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة فقال: \"استرقوا لها فإن بها النظرة\" (^٥).\nوسوف نتناول هنا الطرق المشروعة في علاج إصابة العين بعد وقوعها ولذلك حالتان:\nالحالة الأولى: أن يُعرف العائن وفي هذه الحالة يؤمر العائن بالاغتسال للمعين ودليل ذلك حديث ابن عباس السابق: \"وإذا استغسلتم فاغسلوا\" (^٦).\nوالمنصود طُلب منكم الاغتسال وقال - ﷺ - لعامر بن ربيعة: \"اغتسل له\".\nومما جاء في صفة الاغتسال: اغتسال عامر بن ربيعة حيث غسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه، وأطراف رجليه، وداخلة إزاره في قدح ثم صب على سهل بن حنيف فراح سهل مع الناس ليس به بأس (^٧). وجاءت صفات أخرى غير هذا والاغتسال يزيل أضرار العين بإذن الله.\n_________\n(^١) الطب النبوي لابن القيم (١٣١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٧٣٨) ومسلم (٢١٩٥) (٥٦).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢١٨٨) (٤٢) والترمذي (٢٠٦٢).\n(^٤) أخرجه البخاري (٥٧٤٠)، ومسلم، وأبو داود (٣٨٧٩).\n(^٥) أخرجه البخاري (٥٧٣٩) ومسلم (٢١٩٧).\n(^٦) أخرجه مسلم (٢١٨٨).\n(^٧) أخرجه الإمام أحمد (١٦٠٧٦) وابن ماجه (٣٥٠٩).","vol":"2","page":248},{"text":"وحكم اغتسال العائن واجب وهو رأي ابن عبد البر (^١) للحديث السابق ولا صارف عن الوجوب.\nقال المازري: \"يجب على العائن ذلك ويقضى عليه به إذا طلب منه ذلك لاسيما إذا خيف على المعين الهلاك\" (^٢).\nالحالة الثانية: إذا لم يُعرف العائن فإنه يُداوم على الرقى الشرعية لحديث عائشة قالت: \"أمرني النبي - ﷺ - أو أمر - أن يُسترقَى من العين\" (^٣).\nوهذا عام لكل رقية مشروعة، فجميع الرقى المشروعة طريقة لعلاج هذا الداء (^٤).\nوقد سئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين عن العين هل هي تصيب الإنسان؟ وكيف تعالج؟ وهل التحرز منها ينافي التوكل؟ فأجاب ﵀ بقوله: \"رأينا في العين أنها حق ثابت شرعًا وحسًّا قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ [القلم: ٥١] قال ابن عباس - ﵄ - وغيره في تفسيرها أي يعينوك بأبصارهم، ويقول النبي - ﷺ -: \"العين حق ولو كان شيء سابق القدر سبقت العين وإذا استغسلتم فاغسلوا\". رواه مسلم. ومن ذلك ما رواه النسائي وابن ماجه أن عامر بن ربيعة مر بسهل بن حنيف وهو يغتسل فقال: \"لم أر كاليوم ولا جلد مُخبَّأة\" فما لبث أن لُبِطَ به فأُتي به رسول الله - ﷺ -، فقيل له: أدرك سهلًا صريعًا فقال: \"من تتهمونه؟ \" قالوا عامر بن ربيعة، فقال النبي - ﷺ -: \"علام يقتل أحدكم أخاه، إذا رأى أحدكم من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة\" (^٥). ثم دعا بماء فأمر عامرًا أن يتوضأ فيغسل وجهه ويديه\n_________\n(^١) التمهيد لابن عبد البر ٦/ ٢٤١، ١٣/ ١٩ - ٧٠.\n(^٢) الفتح ١٠/ ٢٠٤.\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٧٣٨).\n(^٤) وقد ذكر الإمام ابن القيم بعض الرقى لعلاج العين: كالمعوذتين والإكثار منها، وفاتحة الكتاب، وآية الكرسي، والتعوذات النبوية وأطال النفس في ذلك انظر كتاب زاد المعاد ٤/ ١٦٢ - ١٧٤.\n(^٥) أخرجه ابن ماجه، كتاب الطب، باب العين (٣٥٠٩).","vol":"2","page":249},{"text":"إلى المرفقين، وركبتيه وداخلة إزاره وأمره أن يصب عليه، وفي لفظ: يكفأ الإناء من خلفه. والواقع شاهد بذلك ولا يمكن إنكاره.\nوفي حالة وقوعها تستعمل العلاجات الشرعية وهي (^١):\n١ - القراءة: فقد قال النبي - ﷺ -: \"لا رقية إلا من عين أو حمة\" (^٢). وقد كان جبريل يرقي النبي - ﷺ -، فيقول: \"باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس، أو عين حاسد الله يشفيك، باسم الله أرقيك\" (^٣).\n٢ - الاستغسال: كما أمر النبي - ﷺ - عامر بن ربيعة في الحديث السابق ثم يصب على المصاب.\nأما الأخذ من فضلاته العائدة من بوله أو غائطه فليس له أصل، وكذلك الأخذ من أثره، وإنما الوارد ما سبق غسل أعضائه وداخلة إزاره ولعل مثلها داخلة غترته وطافيته وثوبه، والله أعلم.\nوالتحرز من العين مندمًا لا بأس به ولا ينافي التوكل بل هو التوكل؛ لأن التوكل الاعتماد على الله سبحانه مع فعل الأسباب التي أباحها أو أمر بها وكان النبي - ﷺ - يعوذ الحسن والحسين ويقول: \"أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة\". ويقول هكذا كان إبراهيم يعوذ إسحاق وإسماعيل ﵉. رواه البخاري\" (^٤).\nقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"وقد جرت العادة عندنا أنهم يأخذون من العائن ما يباشر جسمه من اللباس مثل الطاقية وما أشبه ذلك ويربصونها بالماء ثم\n_________\n(^١) لا زال كلام الشيخ ابن عثيمين ﵀ موصولًا.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الطب، باب من اكتوى أو كوى غيره (٥٧٠٤). ومسلم.\n(^٣) تقدم تخريجه.\n(^٤) فتاوى أركان الإسلام للشيخ ابن عثيمين ص ١٣٢، ١٣٣.","vol":"2","page":250},{"text":"يسقونها المصاب ورأينا ذلك يفيد حسبما تواتر عندنا من النقول فإذا كان هذا هو الواقع فلا بأس باستعماله؛ لأن السبب إذا ثبت كونه سببًا شرعًا أو حسًا فإنه يعتبر صحيحًا\" (^١).\nوقال ﵀: \"ويستعمل للعين طريقة أخرى غير الرقية، والاستغسال، وهي أن يؤتى بالعائن ويطلب منه أن يتوضأ، ثم يؤخذ ما تناثر من الماء من أعضائه، ويصب على المصاب، ويشرب منه، ويبرأ بإذن الله.\nوهناك طريقة أخرى، ولا مانع منها أيضًا، وهي أن يؤخذ شيء من شعاره، أي: ما يلي جسمه من الثياب؛ كالثياب، والطاقية، والسروال، وغيرها، أو التراب إذا مشى عليه وهو رطب، ويصب على ذلك ماء يرش به المصاب أو يشربه، وهو مجرب\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-616>٦ - الطرق الشرعية لاتقاء العين قبل وقوعها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-617>أولًا: بالنسبة لمن يخاف العين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-618>١ - المداومة على الأذكار ومنها:</span>\nأ - قراءة الآيتين من آخر سورة البقرة قال - ﷺ -: \"من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه\" (^٣).\nب - قراءة آية الكرسي جاء في ذلك حديث أبي هريرة عند البخاري (^٤).\nج - المعوذتان لحديث أبي سعيد كان رسول الله - ﷺ - يتعوذ من الجان وعين الإنس حتى نزلت المعوذتان، فلما نزلتا أخذ بهما وترك ما سواهما (^٥).\n_________\n(^١) فتاوى الشيخ ابن عثيمين جمع أشرف عبد المقصود ١/ ١٩٦.\n(^٢) القول المفيد من فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٨٧، ٨٨.\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٠٠٩) (٤٠٠٨) وقيل في معنى \"كفتاه\" أقوالًا منها: أن قراءتهما تكفيان الشر وتقيان من المكروه. النهاية (ك ف ى).\n(^٤) أخرجه البخاري (٥٠١٠).\n(^٥) أخرجه الترمذي (٢٠٥٨)، والنسائي (٥٤٣٤)، وابن ماجه (٣٥١١).","vol":"2","page":251},{"text":"قال ابن القيم: \"فإن لهاتين السورتين تأثيرًا خاصًا في دفع السحر والعين وسائر الشرور\" (^١).\nد - الأذكار النبوية المعروفة. ومن ذلك ما رواه ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ -، يُعَوِّذ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ يَقُولُ: أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ الله التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ، وَيَقُول، هَكَذَا كَانَ إبْرَاهِيمُ يُعَوِّذُ ابْنَيْهِ إسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ. أو قال: إسماعيل ويعقوب\" (^٢). وقيل للنبي - ﷺ - إن فلانًا لدغته عقرب فلم ينم ليلته فقال: \"أما لو قال، حين أمسى: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، ما ضره لدغ عقرب حتى يصبح\" (^٣).\nوعند مسلم من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة؟ قال: \"أما لو قلت حين أمسيت، أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم تضرك\" (^٤).\nقال سهيل (راوي الحديث): فكان أهلنا تعلموها، فكانوا يقولونها كل ليلة، فلدغت جارية منهم، فلم تجد وجعًا (^٥).\nوقال القرطبي: \"هذا خبر صحيح وقول صادق علمنا صدقه دليلًا وتجربة\" (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-619>٢ - ستر محاسن من يخاف عليه العين</span>.\nقال ابن القيم: \"وقال الخطابي ﵀، في غريب الحديث له. عن عثمان (بن عفان) - ﵁ -: أنه رأى صبيًا تأخذه العين فقال: دسموا نونته. فقال أبو عمر: سألت\n_________\n(^١) كتاب زاد المعاد ٤/ ١٦٢ - ١٧٤.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٣٥٢٥).\n(^٣) سنن ابن ماجه (٣٥١٨).\n(^٤) رواه مسلم (٢٧٠٩).\n(^٥) صحيح الترمذي ٣/ ١٨٧.\n(^٦) انظر الفتوحات الربانية لابن علان (٣/ ٩٤).","vol":"2","page":252},{"text":"أحمد بن يحيى عنه فقال: أراد بالنونة النقرة التي في ذقنه والتدسيم: التسويد.\nأراد: سودوا ذلك الموضع من ذقنه ليرد العين\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-620> حكم تلبيس الصبيان الملابس الرثة خوفًا من العين:</span>\nقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"وإذا كان الإنسان يلبس أبناءه ملابس رثة وبالية خوفًا من العين فهل هذا جائز؟ قال: الظاهر أنه لا بأس به، لأنه يفعل شيئًا، وإنما ترك شيئًا وهو التحسين والتجميل\" (^٢).\nثم استدل ﵀ بموقف التدسيم لعثمان بن عفان - ﵁ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-621>ثانيًا: بالنسبة للعائن:</span>\n١ - من الطرق المشروعة لاتقاء العين التبريك من العائن إذا رأى ما يعجبه لقول النبي - ﷺ - لعامر بن ربيعة عندما أصاب سهل بن حنيف: \"ألا بركت\" (^٣).\nوقوله - ﷺ -: \"إذا رأى أحدكم من نفسه أو ماله أو أخيه ما يعجبه فليدع بالبركة فإن العين حق\" (^٤).\nويفهم من قوله - ﷺ - \"ألا بركت\". وقوله: \"فليدع بالبركة\" أن التبريك لا تضر معه عين العائن وإنما تضر إذا لم يبرك. وليس للتبريك صفة معينة بل يدعو بما فيه بركة.\n_________\n(^١) زاد المعاد ٤/ ١٧٣.\n(^٢) القول المفيد على شرح كتاب التوحيد لابن عثيمين (١/ ٢٢٧).\n(^٣) أخرجه مالك في الموطأ (١٤٧١) (١٤٧٢) ونصه: \"أن سهل بن حنيف اغتسل بالخرار فنزع جبة كانت عليه وعامر بن ربيعة ينظر قال وكان سهل رجلا أبيض حسن الجلد قال فقال له عامر بن ربيعة: ما رأيت كاليوم ولا جلد عذراء. قال: فوعك سهل مكانه واشتد وعكه، فأتي رسول الله - ﷺ - فأخبر أن سهلا وعك وأنه غير رائح معك يا رسول الله، فأتاه رسول الله فأخبره سهل بالذي كان من أمر عامر فقال رسول الله - ﷺ -: \"علام يقتل أحدكم أخاه؟ ألا بركت إن العين حق توضأ له\"، فتوضأ له عامر فراح سهل مع رسول الله - ﷺ - ليس به بأس\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة رقم: ٢٣٥٩٤، والحاكم في المستدرك ٤/ ٢١٥.","vol":"2","page":253},{"text":"قال ابن عبد البر: \"والتبريك: أن يقول: تبارك الله أحسن الخالقين، اللهم بارك فيه\" (^١).\nوقال ابن عثيمين: \"بارك الله عليك\" (^٢). ومثلها اللهم بارك عليه، أو بارك الله فيه.\nقال ابن القيم: \"ومما يدفع به إصابة العين قول ما شاء الله لا قوة إلا بالله روى هشام بن عروة عن أبيه أنه كان إذا رأى شيئًا يعجبه أو دخل حائطا من حيطانه قال: \"ما شاء الله\" لا قوة إلا بالله\"\" (^٣).\n٢ - يجب على من عرف من نفسه ذلك أن يصرف بصره عما يهيج النفس حتى لا يتضرر أحد ويجب عليه أن يكف أذاه أو يلزم بذلك.\nقال القرطبي: \"من عرف بالإصابة بالعين منع من مداخلة الناس دفعًا لضرره، وقد قال بعض العلماء: يأمره الإمام بلزوم بيته، وإن كان فقيرًا رزقه ما يقوم به، ويكف أذاه عن الناس، وقيل إنه ينفى، وحديث مالك الذي ذكرناه يرد هذه الأقوال، فإنه ﵇ لم يأمر في عامر بحبس ولا بنفي، بل قد يكون الرجل الصالح عائنًا\".\nوقال ابن مفلح: \"وللإمام حبس العائن، ذكره في \"الترغيب\"، وفي \"الرعاية\": من عرف بأذى الناس حتى بعينه ولم يكف حُبس حتى يموت؛ فظاهره يجب أو يستحب لما فيه من المصلحة وكف الأذى، ونفقته من بيت المال، لكن النبي - ﷺ - لم يحبسه، وفي \"الأحكام السلطانية\": للوالي فعله ليدفع ضرره لا للقاضي.\nقال القاضي عياض: ينبغي للإمام منعه من مداخلة الناس، ويأمره بلزوم بيته، ويرزقه إن كان فقيرًا، فضرره أشد من ضرر آكل الثوم والبصل الذي منعه النبي - ﷺ - دخول المسجد، ومن ضرر المجذوم الذي منعه عمر والعلماء بعدم الاختلاط\n_________\n(^١) التمهيد ٦/ ٢٤١.\n(^٢) القول المفيد من مجموع الفتاوى ٩/ ٨٨.\n(^٣) زاد المعاد ٤/ ١٧٠.","vol":"2","page":254},{"text":"بالناس، ومن ضرر المؤذيات من المواشي التي يؤمر بتغريبها، بحيث لا يتأذى بها أحد، قال أبو زكريا النووي: هذا صحيح متعين لا يعرف من غيره تصريح بخلافه\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-622>٧ - أثر الرقية والاسترقاء على التوكل:</span>\nالرقية معناها فعل الرقية بنفسه أو بغيره دون طلب. أما الاسترقاء: فهو طلب الرقية. وقد تبين في أول الباب مشروعية الرقى السليمة وأنها من أعظم أسباب الشفاء، لقول النبي - ﷺ -: \"لا بأس بالرقى ما لم تكن شركًا\" وقد ذهب بعض العلماء إلى كراهية الرقى معتمدين على حديث ابن عَبَّاسٍ في وصف السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب أنهم: \"الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون\" (^١). وبوّب الإمام البخاري ﵀ في صحيحه في كتاب الطب، قال: باب (من لم يرق) (^٢)، ولكن الذي ثبت في الصحيحين لفظ: \"هم الذين لا يسترقون\" وفي رواية مسلم لفظ \"ولا يرقون\".\nقال ابن تيمية: \"فمدح هؤلاء بأنهم لا يسترقون أي لا يطلبون من أحد أن يرقيهم، والرقية من جنس الدعاء فلا يطلبون من أحد ذلك. قد روي فيه \"ولا يرقون\" وهو غلط فإن رقياهم لغيرهم ولأنفسهم حسنة وكان النبي - ﷺ - يرقي نفسه وغيره ولم يكن يسترفي فإن رقيته نفسه وغيره من جنس الدعاء ولغيره وهذا مأمور به\" (^٣).\nوفي التيسير: \"قال شيخ الإسلام: هذه الزيادة وهم من الراوي، لم يقل النبي - ﷺ -: \"لا يرقون\"، لأن الراقي محسن إلى أخيه. وقد قال - ﷺ - وقد سئل عن الرقى قال: \"من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه\" وقال: \"لا بأس بالرقى ما لم تكن شركًا\"\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٧٠٥).\n(^٢) البخاري ص ١٠١٥ وفيه الحديث رقم (٥٧٥٢).\n(^٣) مجموع الفتاوى ١/ ١٨٢. وانظر لقاء الباب المفتوح (٥٥/ ١٢٠).","vol":"2","page":255},{"text":"قال: وأيضا فقد رقى جبريل النبي - ﷺ -، ورقى النبي - ﷺ - أصحابه\" (^١).\nوقال ابن القيم في مفتاح دار السعادة: \"سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: \" ... والفرق بين الراقي والمسترقي أن المسترقي سائل مستعط ملتفت إلى غير الله بقلبه، والراقي محسن نافع\" ..\nقلت (^٢): والنبي - ﷺ - لا يجعل ترك الإحسان المأذون فيه سببًا للسبق إلى الجنان، وهذا بخلاف ترك الاسترقاء، فإنه توكل على الله ورغبة عن سؤال غيره، ورضا بما قضاه وهذا شيء وهذا شيء\" (^٣).\nومن هنا فإن شيخ الإسلام ابن تيمية ذهب إلى التفريق بين \"لا يسترقون\" وهو طلب الرقية من غيرهم وبين \"لا يرقون\" وهو فعل الرقية بنفسه أو بغيره من غير طلب وكذلك ابن القيم (^٤) وأئمة الدعوة واحتجوا لذلك بالتفريق بين الروايتين فالأصل رواية \"لا يسترقون\". أما ما ورد في رواية سعيد بن منصور عِنْدَ مسلم \"ولا يرقون\" فهي غلط (^٥).\nوقد نصر القولَ بزيادة \"لا يرقون\" الشيخُ سليمانُ بن عبد الله في تيسير العزيز الحميد ورد على من زعم أن المراد لا يرقون بما كان شركا فقال: \"ليس في الحديث ما يدل على هذا أصلا وأيضًا فعلى هذا لا يكون للسبعين مزية على غيره؛ فإن جملة المؤمنين لا يرقون بما كان شركًا\" (^٦).\nوقال الشيخ ابن عثيمين: \"قراءة الإنسان على نفسه وقراءته على إخوانه المرضى\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ١٠٨.\n(^٢) القائل ابن القيم.\n(^٣) مفتاح دار السعادة ٢/ ٢٣٤. وانظر: فتح الباري ١١/ ٤١٦.\n(^٤) مدارج السالكين ٣/ ٤٩٥.\n(^٥) مجموع الفتاوى ١/ ١٨٢، وانظر ١/ ٣٢٨، ٢٧/ ٦٨.\n(^٦) تيسير العزيز الحميد ١٠٨.","vol":"2","page":256},{"text":"لا تنافي التوكل وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه كان يرقي نفسه بالمعوذات، وثبت أنه كان يقرأ على أصحابه إذا مرضوا\" (^١).\nومن مجموع ما سبق نعلم أن الكراهة خاصة بالاسترقاء والاكتواء من بين سائر الأدوية؛ لحديث السبعين ألفًا (^٢) وحديث العقار بن المغيرة بن شعبة عن أبيه عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل\" (^٣). فالاسترقاء يقدح في تمام التوكل.\nقال الحافظ: \"إن المراد بترك الرقى والكي الاعتماد على الله في دفع الداء والرضا بقدره، لا القدح في جواز ذلك لثبوت وقوعه في الأحاديث الصحيحة عن السلف الصالح، لكن مقام الرضا والتسليم أعلى من تعاطي الأسباب، وإلى هذا نحا الخطابي ومن تبعه\" (^٤).\nوقال الخطابي: \"المراد من ذلك ترك الاسترقاء على جهة التوكل على الله والرضا بقضائه وبلائه، وهذه أرفع درجات المحققين للإيمان\" (^٥).\nوقال النووي: \"والظاهر من معنى الحديث أن هؤلاء كمل تفويضهم إلى الله ﷿، فلم يتسببوا في دفع ما أوقعه بهم، ولا شك في فضيلة هذه الحالة ورجحان صاحبها\" (^٦).\nوقد جاءت أحاديث فيها الأمر بالاسترقاء كما في حديث عائشة قالت: \"أمرني\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١/ ١٠٦.\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٧٠٥).\n(^٣) المسند ٤/ ٢٤٩ وابن ماجه (٣٤٨٩).\n(^٤) الفتح ١٠/ ٢٢٢.\n(^٥) شرح النووي على صحيح مسلم ٣/ ٩٠.\n(^٦) شرح النووي على صحيح مسلم (٣/ ٩١).","vol":"2","page":257},{"text":"النبي - ﷺ - أو أمر - أن يسترقى من العين\" (^١).\nوحديث أم سلمة: \"أن النبي - ﷺ - رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة فقال: \"استرقوا لها فإن بها نظرة\"\" (^٢). وهذا يحمل على الرخصة، والترك يحمل على الكمال، جمعًا بين النصوص، فإعمالها جميعا خير من إهمال بعضها (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-623>الركوع</span>\nانظر باب: \"الانحناء\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-624>الرمال</span>\nانظر باب: \"الكهانة\".\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٧٣٨) ومسلم (٢١٩٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٧٣٩) ومسلم (٢١٩٧).\n(^٣) انظر التوكل على الله تعالى وعلاقته بالأسباب ٢٠٩.","vol":"2","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-625>١٣٦ - الرَّهْبَةُ </span>*\nقال ابن قاسم: \"الرهبة: الخوف والفزع\" (^١).\nوقال الراغب: \"مخافة مع تحرز واضطراب\" (^٢).\nوقال ابن عثيمين: \"الرهبة هي: الخوف المثمر للهرب من المخوف فهي خوف مقرون بعمل\" (^٣).\nوهي من العبادات القلبية.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-626> الدليل من الكتاب:</span> قوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠].\nوقال ﷿: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا﴾ [الأنبياء: ٩٠].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-627> الدليل من السنة:</span> عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ نَامَ عَلَى شِقِّهِ الأيمَنِ ثُمَّ قَالَ: \"اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِليَكَ، وَوَجَّهْتُ وَجهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَألجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَغْبَةَ وَرَهْبَةً إلَيْكَ، لا مَلْجَأَ وَلا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ\" وَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"مَنْ قَالَهُنَّ ثُمَّ مَاتَ تَحْتَ لَيْلَتِهِ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ (^٤).\n_________\n* حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم ٣٩. معارج القبول ١/ ٣٣٢. مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٥٥. مباحث العقيدة في سورة الزمر ص ٢٢٠.\n(^١) حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم ٣٩.\n(^٢) المفردات (ر غ ب).\n(^٣) الأصول الثلاثة انظر مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٥٥.\n(^٤) أخرجه البخاري (٦٣١٥) للاستزادة انظر باب الرغبة والخوف.","vol":"2","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-628>١٣٧ - الرياء </span>*\n<span data-type=\"title\" id=toc-629>[الإخلاص - إرادة الإنسان بعمله الدنيا]</span>\nالرياء لغة: مصدر راءى يرائي. وهو مشتق من الرؤية.\nقال ابن فارس: \"الراء، والهمزة، والياء، أصل يدل على نظر، وإبصار بعين، أو بصيرة، فالرأي ما يراه الإنسان في الأمر ... وتراءى القوم، إذا رأى بعضهم بعضًا.\nوراءى فلان يرائي، وفعل ذلك رئاء الناس، وهو أن يفعل شيئًا ليراه الناس\" (^١).\nوقال ابن منظور: \"راءيت الرجل مراءاة ورياء أي: أريته أني على خلاف ما أنا عليه\" (^٢).\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ٣١/ ٢٧٢. شرح السنة للبغوي ١٤/ ٣٢٢. مجموع الفتاوى ١١/ ٦١٣، ٢٣/ ١٧٤، ٢٨/ ١٧١. ذم الرياء لأبي محمد الحسن بن إسماعيل الضرَّاب، تحقيق د/ محمد باكريم. أعلام الموقعين ٢/ ١٦٢. قواعد الأحكام ١/ ١٤٧. تلبيس إبليس ص ١٧٣. جامع العلوم والحكم لابن رجب ١/ ٧٧ - ٨٤. الآداب الشرعية لابن مفلح ١/ ١٥٦، ١٦٠، ٢٨٣، ٤٩٥. تيسير العزيز الحميد ١١٨، ٥٢٩. فتح المجيد ١٠٢، ٤٣١. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ٢٢٦٤،٥٠.\nالقول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٣٨. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ٢١١٤/ ٢٢٦، ط ٢ - ١/ ١٤٥ - ٢/ ٢٧٦، ومن المجموع ٩/ ١٠٦، ١٠/ ٧٠٥. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ١/ ١٦٢، ٣٧٩. معارج القبول ١/ ٣٦٨. فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٥٢٩، ٥١٨. مجموع الفتاوى لابن باز ١/ ٢٧٠. نور على الدرب ابن باز ص ٢٥١. مجلة البحوث الإسلامية ٢٠٧ العدد ٣٧. مجموع الفتاوى في لابن عثيمين ٢/ ٢٠٦ - ٧/ ١١٦. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ١/ ٥٥، ٧٢. منهج الحافظ ابن رجب في العقيدة ص ٣٨٨. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ص ٣٩٧. منهج ابن حجر في العقيدة ص ١٠٦٩.\n(^١) معجم مقاييس اللغة (٢/ ٤٧٢، ٤٧٣).\n(^٢) لسان العرب مادة (رأي).","vol":"2","page":260},{"text":"وفي الشرع: قال ابن حجر: \"الرياء هو إظهار العبادة لقصد رؤية الناس فيحمدوا صاحبها\" (^١).\nوقال الجرجاني: \"هو ترك الإخلاص في العمل بملاحظة غير الله فيه\" (^٢).\nوقوله: \"العمل\"، يخص الأعمال الصالحة أما الأعمال الدنيوية فلو عملها ليمدحه الناس فهذا ليس من الرياء.\nفتعريف الرياء: تحسين العبادة في الظاهر أو إظهارها أو الإخبار عنها بقصد رؤية الناس وكسب الثناء منهم.\n* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٦٤] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [النساء: ٣٨] وقال تعالى في وصف حال المنافقين: ﴿خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون:٧].\n* الدليل من السنة: عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ - \"قال الله ﵎: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيرِي تَرَكتُهُ وَشِرْكَهُ\" (^٣).\n_________\n(^١) فتح الباري ١١/ ٣٣٦.\n(^٢) التعريفات ١١٣.\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٩٨٥).","vol":"2","page":261},{"text":"وعن مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: \"إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ\" قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الأَصْغَرُ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: \"الرِّيَاء، يَقُولُ الله ﷿ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً\" (^١).\nوعن سلمة قال: سمعت جُندبًا يقول: قال النبي - ﷺ - ولم أسمع أحدًا يقول قال النبي - ﷺ - غيرَه - فدنوتُ منه فسمعتُه يقول: قال النبي - ﷺ -: \"من سمَّع سمَّع الله به، ومن يُرائي يرائي الله به\" (^٢).\nوانظر للاستزادة في الأدلة باب (الإخلاص).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-630> أقوال السلف في الرياء:</span>\nقال يوسف بن الحسين الرازي: \"أعز شيء في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهدُ في إسقاط الرياء عن قلبي وكأنه ينبت فيه على لون آخر\" (^٣).\nوقال ابن الجوزي ﵀: \"ولخوف الرياء ستر الصالحون أعمالهم حذرًا عليها وبهرجوها بضدها، فكان ابن سيرين يضحك بالنهار ويبكي بالليل، وقال تعلموا صحة العمل من سقمه فإني تعلمته في اثنتين وعشرين سنة\" (^٤).\nوقال محمد بن زياد: \"رأيت أبا أمامة أتى على رجل في المسجد وهو ساجد يبكي ويدعو فقال أنت أنت لو كان هذا في بيتك\" (^٥).\nوقال الفضيل بن عياض: \"من واقى خمسًا فقد وقي شر الدنيا والآخرة العجب والرياء والكبر والإزراء والشهوة\" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٤٠٣٠) (٢٤٠٣١) (٢٤٠٣٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٤٩٩).\n(^٣) جامع العلوم والحكم ١/ ٨٤.\n(^٤) تلبيس إبليس ص ١٧٤.\n(^٥) الزهد لابن المبارك ص ٥٠، سير أعلام النبلاء ٣/ ٣٦١.\n(^٦) حلية الأولياء ٨/ ٩٥.","vol":"2","page":262},{"text":"وقال الخطابي: \"من عمل عملًا على غير إخلاص إنما يريد أن يراه الناس ويسمعوه جوزي على ذلك بأن يشهره الله ويفضحه، ويظهر ما كان يبطنه\" (^١).\nوقال ابن الجوزي: \"وأكثر ما يلبس به إبليس على العباد والزهاد خفي الرياء\" (^٢).\nوقال الإمام ابن القيم: \"لما كان المتزين بما ليس فيه ضد المخلص - فإنه يظهر للناس أمرًا وهو في الباطن بخلافه - عامله الله بنقيض قصده، فإن المعاقبة بنقيض القصد ثابتة شرعًا وقدرًا، ولما كان المخلص يُعجَّل له من ثواب إخلاصه الحلاوة والمحبة والمهابة في قلوب الناس عجَّل للمتزين بما ليس فيه من عقوبته أن شانَهُ الله بين الناس، لأنه شان باطنه عند الله\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-631>أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-632>١ - الفرق بين الرياء والسمعة:</span>\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: \"الرياء: مشتق من الرؤية، والمراد به إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها فيحمدوا صاحبها.\nوالسمعة: مشتقة من سمع والمراد بها نحو ما في الرياء لكنها تتعلق بحاسة السمع، والرياء بحاسة البصر\" (^٤).\nوقال أيضًا: \"لكن قد يستحب إظهاره ممن يُقتدى به على إرادته الاقتداء به، ويقدر ذلك بقدر الحاجة. قال ابن عبد السلام: يُستثنى من استحباب إخفاء العمل من يظهره ليُقتدى به أو ليُنتفع به ككتابة العلم\" (^٥).\n_________\n(^١) عمدة القاري ٢٣/ ٨٦، فتح الباري ١١/ ٣٣٦ وهذا القول من الخطابي شرح لقوله - ﷺ - \"من يرائي يرائي الله به\".\n(^٢) تلبيس إبليس ١٧٣، ١٧٤.\n(^٣) أعلام الموقعين ٢/ ١٨٠.\n(^٤) فتح الباري ١١/ ٣٣٦.\n(^٥) فتح الباري ١١/ ٣٣٧.","vol":"2","page":263},{"text":"وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: والفرق بينه وبين السمعة أن الرياء هو العمل لرؤية الناس، والسمعة العمل لأجل سماعهم، فالرياء يتعلق بحاسة البصر، والسمعة بحاسة السمع، ويدخل فيه أن يخفي عمله لله ثم يحدث به الناس\" (^١).\nوفي بيان معنى التسميع المذكور في قوله - ﷺ -: \"من سمَّع سمَّع الله به\" (^٢) قال النووي ﵀: \"التسميع: هو أن يعمل لله في الخلوة ثم يحدّث الناس بما عمل ... قال العلماء: فإن كان عالمًا يقتدى به، وذكر ذلك تنشيطا للسامعين ليعملوا به فلا بأس\" (^٣).\nوقال أيضًا: \"كما أن الرياء محبط للعمل كذلك التسميع\" (^٤).\nوبعضهم يدخل السمعة في تعريف الرياء؛ لأن الجزاء واحد وهو حبوط العمل.\nوقال الصنعاني: \"الرياء أن يفعل الطاعة، ويترك المعصية، مع ملاحظة غير الله، أو يخبر بها، أو يحب أن يطلع عليها لمقصد دنيوي من مال أو نحوه\" (^٥).\nوقال الشيخ ابن عثيمين في الرياء: \"ويدخل في ذلك (^٦) من عمل العمل ليسمعه الناس ويقال له مسمع وفي الحديث عن النبي - ﷺ - أنه قال: من راءى راءى الله به، ومن سمَّع سمَّع الله به\" (^٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-633>٢ - الرياء شرك:</span>\nيطلق العلماء على يسير الرياء الشرك الأصغر قال المروزي: \"وشرك في العمل لا ينقل عن الملة وهو الرياء قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٥٢٩.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٤٩٩) (٧١٥٢)، ومسلم (٢٩٨٦).\n(^٣) شرح الأربعين النووية ص ٩.\n(^٤) شرح الأربعين النووية ص ٩.\n(^٥) سبل السلام ٤/ ٢٤٣، ٢٤٤.\n(^٦) يقصد الرياء.\n(^٧) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٧٠٥. وانظر القول المفيد ط ١ - ٢/ ٢٢٦.","vol":"2","page":264},{"text":"يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] \" (^١). يريد بذلك المراءاة بالأعمال الصالحة.\nوقال ابن القيم: \"وأما الشرك الأصغر؛ فكيسير الرياء والتصنع للخلق ... إلخ\" (^٢).\nوقال الشيخُ سليمان بن عبد الله: \"ففسر الشرك الأصغر باليسير من الرياء فدل على أن كثيره أكبر ... \" (^٣).\nومن الأدلة على ذلك حديث معاذ بن جبل أن رسول الله - ﷺ - قال: \"اليسير من الرياء شرك\" (^٤).\nوقال ابن عثيمين: \"الرياء من الشرك الأصغر؛ لأن الإنسان قصد بعبادته غير الله، وقد يصل إلى الأكبر، وقد مثَّل ابن القيم للشرك الأصغر فقال: \"مثل يسير الرياء\" وهذا يدل على أن الرياء كثيره قد يصل إلى الأكبر\" (^٥).\nوتارة يطلقون عليه الشرك الخفي. قال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"سمي الرياء شركًا خفيًا، لأن صاحبه يظهر أن عمله لله، ويخفي في قلبه أنه لغيره، وإنما تزين بإظهاره أنه لله بخلاف الشرك الجلي. وفي حديث محمود بن لبيد الذي تقدم في باب الخوف من الشرك تسميته بالشرك الأصغر. وعن شداد بن أوس قال: كنا نعد الرياء على عهد رسول الله، الشرك الأصغر رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الإخلاص، وابن جرير في التهذيب. والطبراني والحاكم وصححه. فظاهره أنه من\n_________\n(^١) تعظيم قدر الصلاة للمروزي ٢/ ٥٧٢.\n(^٢) مدارج السالكين ١/ ٣٤٤، ٣٧٣.\n(^٣) تيسير العزيز الحميد ص ٥٣٧.\n(^٤) أخرجه الحاكم (١/ ٤)، (٤/ ٣٢٨)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٤٦١٢) رقم (١٠٤٦)، وابن ماجه (٣٩٨٩).\n(^٥) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٩٢٦. وانظر ٢/ ٢٣٥، ٢٣٦، ٩/ ١١٤، ١١٥، من المجموع وأيضًا القول المفيد ط ١ - ٢/ ٢٢٧.","vol":"2","page":265},{"text":"الأصغر مطلقا، وهو ظاهر قول الجمهور\" (^١).\nودل على تسميته بالشرك الخفي قول ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢]: \"الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل ... \" (^٢).\nويسمى أيضًا شرك السرائر لما روى ابن خزيمة عن محمود بن لبيد قال خرج النبي - ﷺ - فقال: \"ثم أيها الناس إياكم وشرك السرائر\" قالوا: يا رسول الله، وما شرك السرائر؟ قال: \"يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته جاهدًا لما يرى من نظر الناس إليه فذلك شرك السرائر\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-634>٣).\n\n٣ - الرياء على درجتين </span>(^٤):\n<span data-type=\"title\" id=toc-635>الدرجة الأولى:</span> رياء المنافقين، بأن يظهر الإسلام ويبطن الكفر لأجل رؤية الخلق، وهذا منافٍ للتوحيد من أصله وكفر أكبر بالله ﷻ؛ ولهذا وصف الله المنافقين بقوله: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢].\nجاء في فتاوى اللجنة ما نصه: \"إذا كان لا يأتي بأصل العبادة إلا رياء ولولا ذلك ما صلى ولا صام ولا ذكر ولا قرأ القرآن فهو مشرك شركا أكبر وهو من المنافقين الذين قال تعالى فيهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ...﴾ الآية [النساء: ١٤٢] \" (^٥).\nوقال الشاطبي: \"والثالث: ما يرجع إلى المراءاة فأصل هذا إذا قصد به نيل\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٥٣٦، ٥٣٧.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (٢٣٠).\n(^٣) أخرجه ابن خزيمة (٩٣٧).\n(^٤) انظر التمهيد للشيخ صالح آل الشيخ ص ٣٩٨.\n(^٥) فتاوى اللجنة ١/ ٥١٨.","vol":"2","page":266},{"text":"المال أو الجاه، فهو الرياء المذموم شرعا وأدهى ما في ذلك فعل المنافقين الداخلين في الإسلام ظاهرا بقصد إحراز دمائهم وأموالهم\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-636>الدرجة الثانية:</span>\nقال الشيخ صالح آل الشيخ: \"أن يكون الرجل مسلمًا أو المرأة مسلمةً، ولكن يرائي بعمله أو ببعض عمله، فهذا شرك خفي وذلك الشرك منافٍ لكمال التوحيد، والله - جل وعلا - قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] على قول من قال: إن قوله: ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ يدخل فيه الشرك الخفي والأصغر\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-637>٤ - حكم العبادة إذا خالطها الرياء:</span>\nلقد فصَّل العلماء في حكم العبادة إذا خالطها الرياء، وفيما يلي بعض أقوالهم: قال الإمام ابن القيم ﵀: \"الأعمال أربعة: واحد مقبول، وثلاثة مردودة.\nفالمقبول: ما كان لله خالصًا وللسنة موافقًا.\nوالمردود: ما فقد منه الوصفان أو أحدهما.\nوذلك أن العمل المقبول هو ما أحبه الله ورضيه وهو سبحانه إنما يحب ما أمر به وما عُمِل لوجهه وما عدا ذلك من الأعمال فإنه لا يحبها بل يمقتها ويمقت أهلها، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ قال الفضيل بن عياض: \"هو أخلص العمل وأصوبه\". فسُئِل عن معنى ذلك فقال \"إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا، فالخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة، ثم\n_________\n(^١) الموافقات للشاطبي ٢/ ٢٢١، ٢٢٢.\n(^٢) التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص ٣٩٨، ٣٩٩.","vol":"2","page":267},{"text":"قرأ قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ \" فإن قيل: فقد بان بهذا أن العمل لغير الله مردود غير مقبول والعمل لله وحده مقبول فبقي قسم آخر وهو أن يعمل العمل لله ولغيره، فلا يكون الله محضًا ولا للناس محضًا فما حكم هذا القسم؟ هل يبطل العمل كله؟ أم يبطل ما كان لغير الله ويصح ما كان لله؟ قيل: هذا القسم تحته أنواع ثلاث:\nأحدها: أن يكون الباعث الأول على العمل هو الإخلاص ثم يعرض له الرياء وإرادة غير الله في أثنائه فهذا المعول فيه على الباعث الأول ما لم يفسخه بإرادة جازمة لغير الله فيكون حكمه حكم قطع النية في أثناء العبادة وفسخها أعني قطع ترك استصحاب حكمها.\nالثاني: عكس هذا وهو أن يكون الباعث الأول لغير الله ثم يعرض له قلب النية لله فهذا لا يحتسب له بما مضى من العمل ويحتسب له من حين قلب نيته، ثم إن كانت العبادة لا يصح آخرها إلا بصحة أولها وجبت الإعادة كالصلاة وإلا لم تجب كمن أحرم لغير الله ثم قلب نيته لله عند الوقوف والطواف.\nالثالث: أن يبتدئها مريدًا بها الله والناس فيريد أداء فرضه والجزاء والشكور من الناس وهذا كمن يصلي بالأجرة فهو لو لم يأخذ الأجرة صلَّى ولكنه يصلي لله وللأجرة وكمن يحج ليسقط الفرض عنه ويقال فلان حج، أو يعطي الزكاة كذلك فهذا لا يقبل منه العمل، وإن كانت النية شرطًا في سقوط الفرض وجبت عليه الإعادة، فإن حقيقة الإخلاص التي هي شرط في صحة العمل والثواب عليه لم توجد والحكم المعلق بالشرط عدم عند عدمه، فإن الإخلاص هو تجريد القصد طاعة للمعبود ولم يؤمر إلا بهذا وإذا كان هذا هو المأمور به فلم يأت به بقي في عهدة الأمر، وقد دلت السنة الصريحة على ذلك كما في قوله - ﷺ -: \"يقول الله ﷿","vol":"2","page":268},{"text":"يوم القيامة: أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملًا أشرك فيه غيري فهو كله للذي أشرك به\" وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ \" (^١).\nوقال الإمام ابن رجب في جامع العلوم والحكم: \"واعلم أن العمل لغير الله أقسام، فتارة يكون رياء محضًا، فلا يراد به سوى مراءاة المخلوقين لغرض دنيوي، كحال المنافقين في صلاتهم قال الله ﷿: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: ١٤٢]، وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ وكذلك وصف الله الكفار بالرياء المحض قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ [الأنفال: ٤٧] وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة الواجبة، أو الحج أو غيرهما من الأعمال الظاهرة أو التي يتعدى نفعها، فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة.\nوتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله، فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه أيضا وحبوطه، ثم ذكر أحاديث تدل على ذلك، منها حديث أبي هريرة السابق، وحديث شداد بن أوس مرفوعًا: \"من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك، فإن الله ﷿ يقول: أنا خير قسيم لمن أشرك بي فمن أشرك بي شيئًا فإن جسده وعمله قليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به أنا عنه غني\" رواه أحمد. وحديث الضحاك بن قيس مرفوعا إن الله ﷿ يقول: \"أنا خير شريك، فمن أشرك معي شريكًا، فهو لشريكه\n_________\n(^١) إعلام الموقعين (٢/ ١٨١، ١٨٢).","vol":"2","page":269},{"text":"أيها الناس أخلصوا أعمالكم لله، فإن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما خلص له ولا تقولوا: هذا لله والرحم فإنها للرحم وليس لله منه شيء، ولا تقولوا هذا لله ولوجوهكم، فإنه لوجوهكم وليس لله منه شيء\" رواه البزار وابن مردويه والبيهقي بسند قال المنذري: لا بأس به. وحديث أبي أمامة الباهلي أن رجلًا جاء إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله أرأيت رجلًا غزا يلتمس الأجر والذكر ماله؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"لا شيء له\" فأعادها عليه ثلاث مرات يقول له رسول الله - ﷺ -: \"لا شيء له\"، ثم قال: \"إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا وابتغى به وجهه\" خرجه النسائي بإسناد جيد (^١)، وخرج الحاكم من حديث ابن عباس - ﵄ - قال: قال رجل: يا رسول الله إنى أقف الموقف أريد به وجه الله وأريد أن يرى موطني فلم يرد عليه رسول الله - ﷺ - شيئًا حتى نزلت ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ١١٠] ومن يروي عنه هذا المعنى أن العمل إذا خالطه شيء من الرياء كان باطلًا طائفة من السلف منهم عبادة بن الصامت وأبو الدرداء والحسن وسعيد بن المسيب وغيرهم وفي مراسيل القاسم بن مخيمرة عن النبي - ﷺ - قال: \"لا يقبل الله عملًا فيه مثقال حبة من خردل من رياء\"، ولا نعرف عن السلف في هذا خلافًا وإن كان فيه خلاف عند بعض المتأخرين. فإن خالط نية الجهاد مثلا نية غير الرياء مثل أخذ أجرة للخدمة، أو أخذ شيء من الغنيمة، أو التجارة، نقص بذلك أجر جهاده ولم يبطل بالكلية وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو - ﵄ - عن النبي - ﷺ - قال: \"إن الغزاة إذا غنموا غنيمة تعجلوا ثلثي أجرهم فإن لم يغنموا شيئًا تم لهم أجرهم\"، وقد ذكرنا فيما مضى أحاديث تدل على أن من أراد بجهاده عرضًا من الدنيا أنه لا أجر له وهي محمولة على أنه لم يكن له غرض في الجهاد إلا الدنيا.\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (٣١٤٢).","vol":"2","page":270},{"text":"وقال الإمام أحمد: التاجر والمستأجر والمكاري أجرهم على قدر ما يخلص من نيتهم في غزواتهم ولا يكون مثل من جاهد بنفسه وماله لا يخلط به غيره.\nوقال أيضًا فيمن يأخذ جُعلًا على الجهاد: إذا لم يخرج إلا لأجل الدراهم فلا بأس أن يأخذ كأنه خرج لدينه فإن أعطي شيئًا أخذه. وكذا روي عن عبد الله بن عمرو قال: \"إذا جمع أحدكم على الغزو فعوضه الله رزقًا فلا بأس بذلك، وأما إن أحَدَكُم إن أعطي درهمًا غزا وإن منع درهمًا مكث فلا خير في ذلك\".\nوكذا قال الأوزاعي: إذا كانت نية الغازي على الغزو فلا أرى بأسًا وهكذا يقال فيمن أخذ شيئًا في الحج ليحج به إما عن نفسه أو عن غيره وقد روي عن مجاهد أنه قال في حج الحمال وحج الأجير وحج التاجر: هو تام لا ينقص من أجورهم شيء. وهذا محمول على أن قصدهم الأصلي كان هو الحج دون التكسب.\nوأما إن كان أصل العمل لله ثم طرأت عليه نية الرياء فإن كان خاطرًا ودفعه فلا يضره بغير خلاف فإن استرسل معه فهل يحبط عمله أم لا يضره ذلك، ويجازي على أصل نيته؟\nفي ذلك اختلاف بين العلماء من السلف قد حكاه الإمام أحمد وابن جرير الطبري، وأرجو أن عمله لا يبطل بذلك وأنه يجازى بنيته الأولى وهو مروي عن الحسن البصري وغيره، ويستدل لهذا القول بما خرجه أبو داود في مراسيله عن عطاء الخراساني أن رجلًا قال: يا رسول الله إن بني سلمة كلهم يقاتل، فمنهم من يقاتل للدنيا، ومنهم من يقاتل نجدة، ومنهم من يقاتل ابتغاء وجه الله، فأيهم الشهيد؟ قال: \"كلهم إذا كان أصل أمره أن تكون كلمة الله هي العليا\".\nوذكر ابن جرير أن هذا الاختلاف إنما هو في عمل يرتبط آخره بأوله كالصلاة والصيام والحج، فأما ما لا ارتباط فيه كالقراءة والذكر وإنفاق المال ونشر العلم فإنه ينقطع بنية الرياء الطارئة عليه ويحتاج إلى تجديد نية.","vol":"2","page":271},{"text":"وكذلك روي عن سليمان بن داود الهاشمي أنه قال: ربما أُحدِّث بحديث ولي نية، فإذا أتيت على بعضه تغيرت نيتي، فإذا الحديث الواحد يحتاج إلى نيات.\nولا يرِد على هذا الجهاد كما في مرسل عطاء الخراساني، فإن الجهاد يلزم بحضور الصف ولا يجوز تركه حينئذ فيصير كالحج، فأما إذا عمل العمل لله خالصًا ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك بفضل الله ورحمته، واستبشر بذلك لم يضره ذلك، وفي هذا المعنى جاء حديث أبي ذر عن النبي - ﷺ - أنه سئل عن الرجل يعمل العمل لله من الخير يحمده الناس عليه فقال: \"تلك عاجل بشرى المؤمن \"خرجه مسلم، وخرجه ابن ماجه وعنده \"الرجل يعمل العمل فيحبه الناس عليه\"؛ ولهذا المعنى فسره الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه وابن جرير الطبري وغيرهم، وكذلك الحديث الذي خرجه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة - ﵁ - أن رجلًا قال: يا رسول الله الرجل يعمل فيُسِرُّه فإذا اطلع عليه أعجبه فقال: \"له أجران أجر السر وأجر العلانية\"، ولنقتصر على هذا المقدار من الكلام على الإخلاص والرياء، فإن فيه كفاية\" (^١).\nوفي المنثور للزركشي يقول: \"والرياء آفة كل عبادة، قال الحليمي: ثبت بالكتاب والسنة أن كل عمل أمكن أن يراد به وجه الله تعالى إذا لم يعمل لمجرد التقرب به إليه وابتغاء رضاه حبط ولم يستوجب ثوابًا، إلا أن فيه تفصيلًا وهو أن العمل إذا كان فرضًا فمن أداه وأراد به الفرض غير أنه أداه بنية الفرض ليقول الناس أنه فعل كذا لا طلبًا لرضا الله سقط عنه الفرض، ولم يؤاخذ به في الآخرة، ولم يعاقب بما يعاقب به تاركًا البتة ولكنه لا يستوجب ثوابًا، وإنما ثوابه ثناء الناس عليه في الدنيا - وإن كان تطوعًا ففعله يريد به وجه الناس فإن أجره يحبط ولا\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم ١/ ٧٩ - ٨٤.","vol":"2","page":272},{"text":"يحصل من عمله على شيء يكون له كما حصل الأول سقط الفرض ثم العقاب لأجل أنه عمل لغير الله تعالى\" (^١).\nوقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"اتصال الرياء بالعمل على ثلاثة أوجه:\nالوجه الأول: أن يكون الباعث على العبادة مراءاة الناس من الأصل كمن قام يصلي لله مراءاة الناس من أجل أن يحمده الناس على صلاته فهذا مبطل للعبادة.\nالوجه الثاني: أن يكون مشاركًا للعبادة أثنائها: بمعنى أن يكون الحامل له في أول أمره الإخلاص لله، ثم طرأ الرياء في أثناء العبادة، فهذه العبادة لا تخلو من حالين:\nالحال الأولى: أن لا يرتبط أول العبادة بآخرها فأولها صحيح بكل حال، وآخرها باطل، مثال ذلك رجل عنده مائة ريال يريد أن يتصدق بها فتصدق بخمسين منها صدقة خالصة، ثم طرأ عليه الرياء في الخمسين الباقية فالأولى صدقة صحيحة مقبولة، والخمسون الباقية صدقة باطلة لاختلاط الرياء فيها بالإخلاص.\nالحال الثانية: أن يرتبط أول العبادة بآخرها فلا يخلو الإنسان حينئذ من أمرين:\nالأمر الأول: أن يدافع الرياء ولا يسكن إليه بل يعرض عنه ويكرهه، فإنه لا يؤثر شيئًا لقوله - ﷺ -: \"إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم\".\nالأمر الثاني: أن يطمئن إلى هذا الرياء ولا يدافعه، فحينئذ تبطل جميع العبادة لأن أولها مرتبط بآخرها. مثال ذلك أن يبتدئ الصلاة مخلصا بها لله تعالى ثم يطرأ عليها الرياء في الركعة الثانية فتبطل الصلاة كلها لارتباط أولها بآخرها.\nالوجه الثالث: أن يطرأ الرياء بعد انتهاء العبادة فإنه لا يؤثر عليها ولا يبطلها لأنها تمت صحيحة فلا تفسد بحدوث الرياء بعد ذلك.\nوليس من الرياء أن يفرح الإنسان بعلم الناس بعبادته؛ لأن هذا إنما طرأ بعد الفراغ من العبادة، وليس من الرياء أن يسر الإنسان بفعل الطاعة، لأن ذلك دليل\n_________\n(^١) المنثور للزركشي ٢/ ٤٢٢.","vol":"2","page":273},{"text":"إيمانه قال النبي - ﷺ -: \"من سرته حسنته وساءته سيئته فذلك المؤمن\". وقد سئل النبي - ﷺ - عن ذلك فقال: \"تلك عاجل بشرى المؤمن\"\" (^١).\nوقال الشيخ صالح آل الشيخ: \"العلماء فصلوا في ذلك فقالوا: الرياء - إذا عزَّض للعبادة - له أحوال:\nالحالة الأولى: أن يعرض للعبادة من أولها، فإذا عرض للعبادة من أولها فإن العبادة كلها باطلة، كأن ينشئ الصلاة لنظر فلان، فهو لم يرد أن يصلي، لكن لما رأى فلان ينظر إليه صلى، فهذا عمله حابط يعني أن الصلاة التي صلاها حابطة وهو مأزور على مراءاته ومرتكب الشرك الخفي، الشرك الأصغر.\nوالحالة الثانية: أن يكون أصل العبادة لله، ولكن خلط ذلك العابد عمله رياء، كمن أطال الركوع وأكثر التسبيح وأطال القراءة والقيام لأجل من يراه، فأصل العبادة - والتي كانت لله - له، وما عدا ذلك فهو حابط؛ لأنه راءى في الزيادة على الواجب فيحبط ذلك الزائد وهو آثم عليه، لا يؤجر عليه ولا ينتفع منه ويؤزر على إشراكه وعلى مراءاته في العبادات البدنيه، أما العبادات المالية فيختلف الحال عن ذلك.\nقوله: \"من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه\": يعني بجميع أنواع الأعمال؛ لأن \"عملًا\" في قوله: \"من عمل عملًا\" نكرة جاءت في سياق الشرط، فعمت جميع الأعمال: الأعمال البدنية، والأعمال المالية، والأعمال التي اشتملت على مال وبدن، فالبدنية: كالصلاة والصيام، والمالية: كالزكاة والصدقة والمشتملة على بدن ومال: كالحج والجهاد ونحو ذلك، والمقصود من قوله: \"من عمل عملًا\" أنه أنشأه \"أشرك فيه معي غيري\" جعله الله جميعًا، فإن الله - جل وعلا - أغنى الشركاء عن الشرك، لا يقبل إلا ما كان له وحده ﷾\" (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ابن عثيمين ٢/ ٢٠٦، ٢٠٧.\n(^٢) التمهيد ص ٤٠٠، ٤٠١.","vol":"2","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-638>٥ - الأمور التي يقع فيها الرياء:</span>\nالأمور التي يقع فيها الرياء كثيرة، لكنها كلها تدور ضمن خمسة أقسام، هي مجامع ما يتزيّن به العبد للناس، كما يقول أبو حامد الغزالي (^١)، وهي: \"البدن، والزيّ، والقول، والعمل، والاتباع\".\nقال ابن جزي في القوانين الفقهية: \"وما يتعلق بالرياء تسميع الناس بالعمل والتزين للناس بإظهار الخير في القول أو في الفعل أو في اللباس أو غير ذلك\" (^٢).\nفأما الرياء بالبدن: فيفعل ما يوهم شدة الاجتهاد في العبادة، والسهر، وقيام الليل، وكل ذلك لتحصيل الثناء من الخلق.\nوأما الرياء بالزِّي والهَيئَة: فيكون بعدة أمور منها لبس خشن الثياب ولبس الصوف لإظهار التزهد وكسب ثناء الناس بإظهار أنه متبع للسنة، وينبغي أن يفرق بين من فعل ذلك بقصد الاتباع، وبين أن يفعل ذلك بقصد إظهار الاتباع، فالأول محمود يثاب فاعله، والثاني مذموم آثم صاحبه لأنه أراد بعمله مراءاة الخلق. نسأل الله السلامة.\nوالرياء بالقول كثير يصعب حصر أنواعه، فيكون بأمور:\nكالوعظ، والتذكير، وإظهار الغزارة في العلم، ليقال عالم، أو ليعرف الناس عنه ذلك، وأنه حريص على وعظ الناس وتذكيرهم، فأصبح مقصده أن يعرف الناس عنه ذلك ليحصل ثناءهم وتوفيرهم، وهذا هو الرياء.\nكما تكون المراءاة بقراءة القرآن ورفع الصوت به، وتسميع الناس به ليقال قارئ، ويثنى عليه بذلك.\nوهذا الصنف من أول من يقضى عليهم يوم القيامة، ففي حديث أبي هريرة - ﵁ -:\n_________\n(^١) الإحياء ٣/ ٣٩٠. وانظر: مختصر منهاج القاصدين ص ٢١٥، ٢١٦.\n(^٢) القوانين الفقهية ٢٨٥.","vol":"2","page":275},{"text":"\"إن أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه رجلٌ استُشهد فأُتي به فعرّفه نعمته فعَرَفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلّم العلم وعلَّمه، وقرأ القرآن، فأتي به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلَّمت العلم وعلّمته، وقرأت فيك القرآن. قال كذبن ولكنك تعلمت ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئٌ، فقد قيل، ثم أُمِر به فسُحِب على وجهه حتى ألقي في النار ... \" (^١).\nقال ابن تيمية ﵀: \"ومنهم من يرفع غيره رياء فيرفع نفسه فيقول: لو دعوت البارحة في صلاتي لفلان لما بلغني عنه كيت وكيت؛ ليرفع نفسه ويضعه عند من يعتقده أو يقول فلان بليد الذهن قليل الفهم وقصده مدح نفسه وإثبات معرفته وإنه أفضل منه\" (^٢).\nوقال ابن رجب ﵀ في شرح حديث ما ذئبان جائعان: \"وها هنا نكتة دقيقة وهي أن الإنسان قد يذم نفسه بين الناس يريد بذلك أن يرى الناس أنه متواضع عند نفسه، فيرتفع بذلك ويمدحونه به، وهذا من دقائق أبواب الرياء، وقد نبه عليه السلف الصالح، قال مطرف بن عبد الله بن الشخير: كفى بالنفس إطراء أن تذمها على الملأ كأنك تريد بذمها زينتها، وذلك عند الله سفه\" (^٣).\nأما الرياء بالعمل: فصوره كثيرة، كمراءاة المصلي بطول القيام، ومد الظهر، وإطالة السجود، والركوع، وإظهار الخشوع في الصلاة، وتصنع ذلك، لملاحظة العباد له.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٩٠٥).\n(^٢) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٢٣٧.\n(^٣) مجموع رسائل الحافظ الإمام ابن رجب ص ٩١.","vol":"2","page":276},{"text":"كما يكون في الصوم، بإظهار علاماته، وإشعار الحاضرين بأنه صائم ليقال صوام. أو يقول لصاحبه أدعوك اليوم لتفطر معي يريد تعريفه أنه صائم، ويكون في الحج، كمن يحج لتحصيل لقب حاج، ولينال مكانة عند الناس بذلك.\nويكون في الصدقة، بإظهارها ليقال: جواد، وليقال: محسن، كما في حديث أبي هريرة المتقدم: \" ... ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأتي به فعرّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال: كذبت ولكنك فعلت ذلك ليقال هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار\" (^١).\nوكذلك تكون المراءاة بالغزو والجهاد، كمن يقاتل ويجاهد ليقال: مجاهد، أو ليقال شجاع، وكمن يوهم سامعيه أو الحاضرين أنه لقي شيخًا مشهورًا من أهل العلم، وأنه أخذ عنه، لتحصيل الجاه والمنزلة عند الحاضرين (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-639>٦ - بين المرائي والمعجب:</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وكثيرا ما يقرن الناس بين الرياء والعجب فالرياء من باب الإشراك بالخلق والعجب من باب الإشراك بالنفس وهذا حال المستكبر فالمرائي لا يحقق قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥]، والمعجب لا يحقق قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فمن حقق قوله ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ خرج عن الرياء ومن حقق ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ خرج عن الإعجاب وفي الحديث المعروف ثلاث مهلكات: \"شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه\"\" (^٣).\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) بتصرف واختصار من مقدمة كتاب ذم الرياء تحقيق د/ محمد باكريم ص ٣٩، ٤٣.\n(^٣) مجموع الفتاوى ١٠/ ٢٧٧.","vol":"2","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-640>٧ - علاج الرياء:</span>\n١ - أن يترك النظر والاهتمام بالناس لا فعلًا ولا تركًا، ويعلم أنهم لا يغنون عنه من الله شيئًا، ويُعوِّد نفسه على أن تكون العبادة خالصة لله ﷿ وأن تكون سواءً في بيته وعند الناس ولذلك جاء في تعريف الإخلاص أنه \"استواء أحوال العبد في الظاهر والباطن\" (^١). قال الشيخ السعدي ﵀: \"وعلى العبد أن يجتهد في تنمية الإخلاص في قلبه وتقويته وذلك بكمال التعلق بالله تألها وإنابة وخوفا ورجاء وطمعا وقصدا لمرضاته وثوابه في كل ما يفعله العبد وما يتركه من الأمور الظاهرة والباطنة فإن الإخلاص بطبيعته يدفع الشرك الأكبر والأصغر وكل من وقع منه نوع من الشرك فلضعف إخلاصه\" (^٢).\n٢ - الإكثار من الدعاء في ذلك فقد جاء حديث أبي بكر: \"اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئًا وأنا أعلمه، وأستغفرك مما لا أعلمه\" (^٣).\n٣ - مشاهدة منة الله عليه وفضله وتوفيقه، وأنه بالله لا بنفسه، فكل خير فهو مجرد فضل الله ومنته. فحقَّ أن يُراد بالعمل وجهه ولا يهتم بنظر الناس.\n٤ - مطالعة عيوبه وآفاته، وتقصيره في عمله، وما فيه من حظ النفس، ونصب للشيطان.\n٥ - خوف مقت الله تعالى. إذا نظر إليك حال العبادة وأنت تشرك معه غيره.\n٦ - تذكير النفس دائما بخطر الرياء وعاقبته ومعرفة مداخله وخفاياه وتذكير النفس أن الله هو خير من يجازي على العمل أما من راءيت من أجله فلا يملك نفعا ولا يدفع ضرا بل قد يتحول مدحه مقتًا وسخطًا. يقول الشيخ السعدي ﵀:\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٥٣٧.\n(^٢) القول السديد ص ٢٦.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد (١٩٨٣٥).","vol":"2","page":278},{"text":"\"والرياء آفة عظيمة يحتاج إلى علاج شديد وتمرين النفس على الإخلاص ومجاهدتها في مدافعة خواطر الرياء والأعراض الضارة والاستعانة بالله على دفعها لعل الله يخلص إيمان العبد ويحقق توحيده\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-641>٨ - هل ترك العمل من أجل الناس رياء:</span>\nقال الفضيل بن عياض: \"ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله عنهما\" (^٢).\nجاء في فتاوى اللجنة الدائمة توضيح لقول الفضيل بن عياض ﵀ وهذا نصه: \"أما قوله \"إن العمل من أجل الناس شرك\" فهو صحيح لأن الأدلة من الكتاب والسنة تدل على وجوب إخلاص العبادة لله وحده وتحريم الرياء وقد سماه النبي - ﷺ - الشرك الأصغر وذكر أنه أخوف ما يخاف على أمته - ﷺ -.\nوأما قوله إن ترك العمل من أجل الناس رياء فليس على إطلاقه بل فيه تفصيل، والمعول على ذلك على النية لقول النبي - ﷺ -: \"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى\" مع العناية بتحري موافقة الشريعة في جميع الأعمال لقوله - ﷺ -: \"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد\"، فإذا وقع الإنسان حالة ترك فيها العمل الذي لا يجب عليه لئلا يظن به ما يضره فليس هذا من الرياء بل هو من السياسة الشرعية، وهكذا لو ترك بعض النوافل عند بعض الناس خشية أن يمدحوه بما يضره أو يخشى الفتنة به، أما الواجب فليس له أن يتركه إلا لعذر شرعي\" (^٣).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"ومن نهى عن أمر مشروع بمجرد زعمه أن ذلك رياء فنهيه مردود عليه من وجوه:\n_________\n(^١) القول السديد ١٠٨، ١٠٩.\n(^٢) البيهقي (٦٨٧٩) والحلية ٨/ ٩٥ وتهذيب الكمال ٢٣/ ٢٩١.\n(^٣) فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٥٣٢ رقم ٣٤١٩.","vol":"2","page":279},{"text":"أحدها: أن الأعمال المشروعة لا ينهى عنها خوفا من الرياء بل يؤمر بها وبالإخلاص فيها ونحن إذا رأينا من يفعلها أقررناه وإن جزمنا أنه يفعلها رياء. فالمنافقون الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ [النساء: ١٤٢]، فهؤلاء كان النبي - ﷺ - والمسلمون يقرونهم على ما يظهرونه من الدين وإن كانوا مرائين ولا ينهونهم عن الظاهر لأن الفساد في ترك إظهار المشروع أعظم من الفساد في إظهار رياء كما أن فساد ترك إظهار الإيمان والصلوات أعظم من الفساد في إظهار ذلك رياء ولأن الإنكار إنما يقع على الفساد في إظهار ذلك رئاء الناس.\nالثاني: لأن الإنكار إنما يقع على ما أنكرته الشريعة وقد قال رسول الله - ﷺ -: \"إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أن أشق بطونهم\" وقد قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: من أظهر لنا خيرا أحببناه وواليناه عليه وإن كانت سريرته بخلاف ذلك، ومن أظهر لنا شرًا أبغضناه عليه وإن زعم أن سريرته صالحة\".\nالثالث: أن تسويغ مثل هذا يفضي إلى أن أهل الشرك والفساد ينكرون على أهل الخير والدين إذا رأوا من يظهر أمرًا مشروعًا مسنونًا قالوا هذا مراء فيترك أهل الصدق والإخلاص إظهار الأمور المشروعة حذرًا من لمزهم وذمهم فيتعطل الخير ويبقى لأهل الشرك شوكة يظهرون الشر ولا أحد ينكر عليهم وهذا من أعظم المفاسد.\nالرابع: أن مثل هذا من شعائر المنافقين وهو يطعن علي من يظهر الأعمال المشروعة قال تعالى: ﴿(٧٨) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾ [التوبة: ٧٩]، فإن النبي - ﷺ - لما حض على الإنفاق عام تبوك جاء بعض","vol":"2","page":280},{"text":"الصحابة بصرة كادت يده تعجز من حملها فقالوا هذا مراء وجاء بعضهم بصاع فقالوا لقد كان الله غنيًا عن صاع فلان فلمزوا هذا وهذا فأنزل الله ذلك وصار عبرة فيمن يلمز المطيعين لله ورسوله - والله أعلم - \" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-642>٩ - مسألة:\nلو أن هناك إنسان لم يعتد على عمل صالح كقيام الليل وحضر عنده ناس يقومون الليل فقام معهم فهل هذا من الرياء</span>؟.\nالجواب: إن هذا ليس من الرياء؛ لأنه ما قام يريد مدحهم، ولكنه نشط لهذه العبادة لما جالسهم يدل على ذلك حديث حنظلة الأسيدي وكان من كُتّاب رسول الله - ﷺ - قال: لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة! قال: سبحان الله ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله - ﷺ - يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأيُ (^٢) عين فإذا خرجنا من عند رسول الله - ﷺ - عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرًا. قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا. فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله - ﷺ - قلت: نافق حنظلة يا رسول الله، فقال رسول الله - ﷺ -: \"وما ذاك؟ \" قلت: يا رسول الله، نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأيُ عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرًا. فقال رسول الله: \"والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذِّكر؛ لصافحتكم الملائكة على فرشكم، وفي طرقكم ولكن يا حنظلة! ساعة وساعة\" ثلاث مرات\" (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢٣/ ١٧٤، ١٧٥، ١٧٦.\n(^٢) بالرفع ويصح بالنصب.\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٧٥٠).","vol":"2","page":281},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-643>١٣٨ - الزنديق </span>*\n<span data-type=\"title\" id=toc-644>[النفاق]</span>\nقال في القاموس المحيط: \"الزنديق بالكسر من الوثنية، أو القائل بالنور والظلمة، أو من لا يؤمن بالآخرة، وبالربوبية، أو من يبطن الكفر ويظهر الإيمان\" (^١).\nوقال ثعلب: \"ليس في كلام العرب زنديق وإنما قالوا زندقي لمن يكون شديد التحيل، وإذا أرادوا ما تريد العامة قالوا ملحد ودهري بفتح الدال أي: بدوام الدهر، وإذا قالوها بالضم أرادوا كبر السن\" (^٢).\nوفي الفتح: \"قال أبو حاتم السجستاني وغيره: الزنديق فارسي معرب أصله: \"زندة كرداي\"، يقول بدوام الدهر لأن زندة الحياة وكرد العمل ... وقال الجوهري: الزنديق من الثنوية (^٣)، كذا قال، وفسره بعض الشراح بأنه الذي يدعي أن مع الله إلها آخر، وتعقب بأنه يلزم منه أن يطلق على كل مشرك، والتحقيق ما\n_________\n* الرد على الزنادقة للإمام أحمد. التمهيد لابن عبد البر ١٠/ ١٤٥ - ١٥٥. أحكام القرآن القرطبي ١/ ٢٠٠، ٨/ ٢٠٨. مجموع الفتاوى ٧/ ٤٧١، والإيمان لابن تيمية: ٢٠٣. فتح الباري ١٢/ ٢٧٠. لوامع الأنوار للسفاريني ١/ ٣٩٢ - ٣٩٤. المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة الأحمدي ٢/ ٦٨. قضية التكفير بين أهل السنة وفرق الضلال سعيد بن علي القحطاني ص ١٧،١٦.\n(^١) القاموس المحيط فصل الزاي باب القاف.\n(^٢) فتح الباري ١٢/ ٢٧٠.\n(^٣) هذه من عقائد المجوس وحاصل مقالتهم أن النور والظلمة قديمان وأنهما امتزجا فحدث العالم كله منهما فالعالمُ في عقيدتهم له إلهان هما النور والظلمة. واتفقت الثنوية والمانوية على أن النور خير من الظلمة، وهو الإله المحمود، وأن الظلمة شريرة مذمومة. انظر شرح الطحاوية ص ٢٧، درء التعارض ٦/ ٩، ١٩٥/ ٣٤٦.","vol":"2","page":282},{"text":"ذكره من صنف في الملل أن أصل الزنادقة أتباع ديصان ثم ماني ثم مزدك الأول وحاصل مقالتهم أن النور والظلمة قديمان وأنهما امتزجا فحدث العالم كله منهما، فمن كان من أهل الشر فهو من الظلمة ومن كان من أهل الخير فهو من النور، وأنه يجب السعي في تخليص النور من الظلمة فيلزم إزهاق كل نفس، وإلى ذلك أشار المتنبي حيث قال في قصيدته المشهورة:\nوكم لظلامِ الليلِ عندكَ من يدٍ ... تُخَبِّرُ أن المانويةَ تكذبُ\nوكان بهرام جد كسرى تحيل على مانى حتى حضر عنده وأظهر له أنه قبل مقالته ثم قتله وقتل أصحابه وبقيت منهم بقايا اتبعوا مزدك المذكور وقام الإسلامُ والزنديق يطلق على من يعتقد ذلك، وأظهر جماعة منهم الإسلام خشية القتل\" (^١).\nوفي العصر الإسلامي أطلقت هذه الكلمة على كل من أسرَّ الكفر وأظهر الإسلام، وبذا عرّف الإمام أحمد الزنديق في كتابه \"الرد على الزنادقة\". وقد أطلقت هذه الكلمة على الجهمية والمعتزلة أيضًا وقد أثر عن الإمام أحمد ما يفيد هذا (^٢).\nوكذا تطلق هذه الكلمة على الملاحدة المنكرين وجود الله ﷿.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"والمقصود هنا أن الزنديق في عرف هؤلاء الفقهاء، هو المنافق الذي كان على عهد النبي - ﷺ -. وهو أن يظهر الإسلام ويبطن غيره، سواء أبطن دينا من الأديان كدين اليهود والنصارى أو غيرهم. أو كان معطلا جاحدًا للصانع، والمعاد والأعمال الصالحة.\nومن الناس من يقول: الزنديق هو الجاحد المعطل، وهذا يسمى الزنديق في اصطلاح كثير من أهل الكلام والعامة، ونقلة مقالات الناس، ولكن الزنديق الذي\n_________\n(^١) فتح الباري ١٢/ ٢٧٠ - ٢٧١.\n(^٢) مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص ١٨٥، مجموع الفتاوى ٧/ ٤٧١، والإيمان لابن تيمية ص ٢٠٣، المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة ١/ ٨٨.","vol":"2","page":283},{"text":"تكلم الفقهاء في حكمه: هو الأول، لأن مقصودهم هو التمييز بين الكافر وغير الكافر، والمرتد وغير المرتد، ومن أظهر ذلك أو أسرّه.\nوهذا الحكم يشترك فيه جميع أنواع الكفار والمرتدين، وإن تفاوتت درجاتهم في الكفر والردة فإن الله أخبر بزيادة الكفر كما أخبر بزيادة الإيمان بقوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧]. وتارك الصلاة وغيرها من الأركان، أو مرتكبي الكبائر. كما أخبر بزيادة عذاب بعض الكفار على بعض في الآخرة بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [النحل: ٨٨].\nفهذا أصل ينبغي معرفته فإنه مهم في هذا الباب. فإن كثيرا ممن تكلم في \"مسائل الإيمان والكفر\" - لتكفير أهل الأهواء - لم يلحظوا هذ الباب، ولم يميزوا بين الحكم الظاهر والباطن، مع أن الفرق بين هذا وهذا ثابت بالنصوص المتواترة، والإجماع المعلوم، بل هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام ومن تدبر هذا علم أن كثيرا من أهل الأهواء والبدع قد يكون مؤمنا مخطئا جاهلا ضالا عن بعض ما جاء به الرسول - ﷺ -. وقد يكون منافقا زنديقا يظهر خلاف ما يبطن\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-645> حكم توبة الزنديق:</span>\nقال الخرقي: \"ومن ارتد عن الإسلام من الرجال والنساء، وكان بالغًا عاقلًا، دُعي إليه ثلاثة أيام، وضيّق عليه فإن رجع وإلا قتل\" ا. هـ\nقال ابن قدامة ﵀: \"الفصل الخامس: أن مفهوم كلام الخرقي أنه إذا تاب قبلت توبته ولم يقتل أيَّ كُفْرٍ كان، وسواءٌ كان زنديقًا يستسر بالكفر أو لم يكن وهذا مذهب الشافعي والعنبري، ويروى عن علي وابن مسعود وهو إحدى الروايتين عن أحمد واختيار أبي بكر الخلال وقال إنه أولى على مذهب أبي عبد الله، والرواية\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٧/ ٤٧١.","vol":"2","page":284},{"text":"الأخرى لا تقبل توبة الزنديق ومن تكررت ردته هو قول مالك والليث وإسحاق وعن أبي حنيفة روايتان كهاتين وأخبار أبو بكر أنه لا تقبل توبة الزنديق لقول الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ [البقرة: ١٦٠] والزنديق لا تظهر منه علامة تبين رجوعه وتوبته لأنه كان مظهرًا للإسلام مسرًّا للكفر فإذا وقف على ذلك فأظهر التوبة لم يزد على ما كان منه قبلها وهو إظهار الإسلام\" (^١).\nوقال أيضًا: \"وقول أصحابنا لا تقبل توبة الزنديق معناه لا يسقط عنه القتل الذي توجه عليه لعدم علمنا بحقيقة توبته؛ لأن أكثر ما فيه أنه أظهر إيمانه وقد كان دهره يظهر إيمانه ويستر كفره فأما عند الله ﷿ فإنها تصح إذا علم منه حقيقة الإنابة وصدق التوبة واعتقاد الحق\" (^٢).\nوأما من تكررت ردته فقد قال تعالى: ﴿(١٣٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧)﴾ [النساء: ١٣٧].\nوفي الجملة: فالخلاف بين الأئمة في قبول توبته في الظاهر من أحكام الدنيا من ترك قتله وثبوت أحكام الإسلام في حقهم، وأما قبول الله تعالى لها في الباطن وغفرانه لمن تاب وأقلع ظاهرًا أو باطنًا فلا خلاف فيه فإن الله تعالى قال في المنافقين: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٤٦].\nقال شيخ الإسلام: \"لكن العلماء لهم قولان في الزنديق إذ أظهر التوبة: هل تقبل توبته فلا يقتل؟ أم يقتل؛ لأنه لا يعلم صدقه؛ فإنه ما زال يظهر ذلك؟ فأفتى طائفة بأنه يُستتاب فلا يُقتل، وأفتى الأكثرون بأنه يُقتل وإن أظهر التوبة، فإن كان\n_________\n(^١) المغني ٩/ ١٨.\n(^٢) المغني ٢/ ٢٦٦.","vol":"2","page":285},{"text":"صادقًا في توبته نفعه ذلك عند الله وقتل في الدنيا، وكان الحد تطهيرًا له، كما لو تاب الزاني والسارق ونحوهما بعد أن يرفعوا إلى الإمام فإنه لابد من إقامة الحد عليهم؛ فإنهم إن كانوا صادقين كان قتلهم كفارة لهم، ومن كان كاذبًا في التوبة كان قتله عقوبة له\" (^١).\nوفي قوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠ - ٦٢].\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"وهذه الآية أنزلها الله قبل الأحزاب وظهور الإسلام وذل المنافقين فلم يستطيعوا أن يظهروا بعد هذا ما كانوا يظهرونه قبل ذلك قبل بدر وبعدها وقبل أحد وبعدها فأخفوا النفاق وكتموه فلهذا لم يقتلهم النبي، وبهذا يجيب من لم يقتل الزنادقة ويقول إذا أخفوا زندقتهم لم يمكن قتلهم ولكن إذا أظهروها قتلوا بهذه الآية بقوله: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ \" (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٣٥/ ١١٠، وانظر ١٣/ ٢١، ١١/ ٤٠٥.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٣/ ٢١.","vol":"2","page":286},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-646>١٣٩ - زيارة الْقبور</span>*\nالزيارة من الزَّور والزَّور: أعلى الصدر.\nوزرت فلانًا: تلقيته بزوري أي بصدري، أو قصدت زوره أي صدره، وزاره يزوره زورًا وزيارة أي عاده (^١).\nوالزيارة: معناها هنا قصد زيارة القبر الخروج إلى المنابر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-647>أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-648>١ - زيارة المقابر تنقسم إلى ثلاثة أقسام:</span> زيارة بدعية وشركية وشرعية، وتفصيلها كما يلي:\n١ - زيارة بدعية: وهي التي يشد الرحل إليها أو يصاحبها هجر أو غير ذلك من\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ٣/ ٢٠، ٢٢٥/ ٢٣٩ - ٢٤٢. الاستذكار لابن عبد البر ٢/ ١٦٠. شرح السنة للبغوي ٥/ ٤٦٢. المصنف لابن أبي شيبة ٣/ ٢٩. المحلى بالآثار لابن حزم ٣/ ٣٨٨. اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٦٦٤ - ٧٦١. قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ٧٦/ ٩١/ ٤١٤. أحكام القرآن القرطبي ٢٠/ ١٧١. إغاثة اللهفان ١/ ٢٠٢. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ١/ ٣١٠، ٣/ ٦٤٣ - ٤/ ١١. أجوبة المسائل الثمان في السنة والبدعة والكفر والإيمان للعلامة محمد المعصومي ٥٥ - ٥٦ وما بعدها. أحكام الجنائز للألباني. تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ٤٣٥ ومن المجموع ٩/ ٤٢٤. معارج القبول ١١/ ٣٨٨. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٢٧. الدرر السنية ٥/ ١٥٩، ١٠/ ٢٨١، ١١/ ١١٣، نور على الدرب لابن باز ١٦٦/ ٢٩٤. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٢/ ٢٤٤. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٦/ ١٥١، ١٥٧. المسائل والرسائل المرورية عن الإمام أحمد في العقيدة الأحمدي ٢/ ١٨٤. منهج الشافعي في إثبات العقيدة ٢٦٤. الشيخ السعدي وجهوده في توضيح العقيدة العباد ص ١٩١. جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية ص ١٥٨٥، ١٥٩١. مباحث العقيدة في سورة الزمر ص ٢٠٦. التبرك د: ناصر الجديع ٣١٨، ٣٢٠.\n(^١) مفردات القرآن (ز ور)، لسان العرب (ز ور).","vol":"2","page":287},{"text":"البدع كاتخاذها أعيادًا والعكوف عندها، والطواف بها وهي إما بدع كفرية مخرجة من الملة أو هي وسائل للشرك أو بدع محدثة (^١).\nقال ابن القيم: \"فبدَّل أهل البدع والشرك قولا غير الذي قيل لهم: بدلوا الدعاء للميت بدعائه لنفسه، والشفاعة له بالاستشفاع به. وقصدوا بالزيارة التي شرعها رسول الله - ﷺ - إحسانًا إلى الميت وإحسانا إلى الزائر، وتذكيرا بالآخرة، سؤال الميت، والإقسام به على الله، وتخصيص تلك البقعة بالدعاء الذي هو مخ العبادة، وحضور القلب عندها وخشوعه أعظم منه في المساجد، وأوقات الأسحار\" (^٢).\n٢ - زيارة شركية: وهي التي وقع صاحبها في نوع من أنواع الشرك بالله كدعاء غير الله أو الذبح للقبور أو النذر لهم أو الاستغاثة بهم أو الاستعانة بهم أو الاستعاذة بهم.\nقال ابن القيم ﵀: \"وأما الزيارة الشركية: فأصلها مأخوذة عن عباد الأصنام. قالوا الميت المعظم، الذي لروحه قربٌ ومنزلةٌ ومزيةٌ عند الله تعالى، لا يزال تأتيه الألطاف من الله تعالى، وتفيض على روحه الخيرات. فإذا علَّق الزائر روحه به، وأدناها منه، فاض من روح المزور على روح الزائر من تلك الألطاف بواسطتها. كما ينعكس الشعاع من المرآة الصافية والماء ونحوه على الجسم المقابل له.\nقالوا: فتمام الزيارة أن يتوجه الزائر بروحه وقلبه إلى الميت، ويعكف بهمته عليه، ويوجه قصده كله وإقباله عليه، بحيث لا يبقي فيه التفات إلى غيره. وكلما كان جمع الهمة والقلب عليه أعظم، كان أقرب إلى انتفاعه به.\nوقد ذكر هذه الزيارة على هذا الوجه ابن سينا والفارابي وغيرهما. وصرح بها عباد الكواكب في عبادتها.\n_________\n(^١) انظر مجموع الفتاوى ١/ ٢٣٥ - ٣٠٣ - ٣٥٥ وكتاب أحكام الجنائز ٢٥٨ - ٢٦٧ ففيه مجمل لأنواع البدع.\n(^٢) إغاثة اللهفان ١/ ٢٠٢.","vol":"2","page":288},{"text":"وقالوا: إذا تعلقت النفس الناطقة بالأرواح العلوية. فاض عليها منها النور. وبهذا السر عبدت الكواكب، واتخذت لها الهياكل، وصنفت لها الدعوات، واتخذت الأصنام المجسدة لها. وهذا بعينه هو الذي أوجب لعباد القبور اتخاذها أعيادا، وتعليق الستور عليها، وإيقاد السرج عليها، وبناء المساجد عليها. وهو الذي قصد رسول الله - ﷺ - إبطاله ومحوه بالكلية، وسد الذرائع المفضية إليه. فوقف المشركون في طريقه، وناقضوه في قصده. وكان - ﷺ - في شق، وهؤلاء في شق.\nوهذا الذي ذكره هؤلاء المشركون في زيارة القبور: هو: الشفاعة التي ظنوا أن آلهتهم تنفعهم بها وتشفع لهم عند الله تعالى.\nقالوا: فإن العبد إذا تعلقت روحه بروح الوجيه المغرب عند الله، وتوجه بهمته إليه، وعكف بقلبه عليه. وصار بينه وبينه اتصال. يفيض به عليه منه نصيب مما يحصل له من الله وشبهوا ذلك بمن يخدم ذا جاهٍ وحظوة وقُربٍ من السلطان. فهو شديد التعلق به فما يحصل لذلك من السلطان من الإنعام والإفضال ينال ذلك المتعلق به بحسب تعلقه به.\nفهذا سر عبادة الأصنام. وهو الذي بعث الله رسله، وأنزل كتبه بإبطاله، وتكفير أصحابه، ولعنهم. وأباح دماءهم وأموالهم، وسبي ذراريهم. وأوجب لهم النار. والقرآن من أوله إلى آخره مملوء من الرد على أهله، وإبطال مذهبهم\" (^١).\n٣ - زيارة شرعية: وهي التي شرعها الإسلام بالشرطين التاليين:\nأ - أن لا يشد الرحال إليها.\nعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قَالَ رَسُولُ الله: \"لا تَشُدُّوا الرِّحَالَ إلَّا إلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجِدِ الأقصَى\" (^٢).\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان ١/ ٢١٩.\n(^٢) أخرجه مسلم (٨٢٧) بهذا اللفظ، وأخرجه البخاري (١٩٩٥، ١١٩٧) بلفظ (لا تشدوا).","vol":"2","page":289},{"text":"ب - أن لا يقول الزائر هجرًا.\nعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله: \"إني نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإن فيها عبرة\" (^١). وفي رواية: \"فزوروها ولا تقولوا ما يسخط الرب\" (^٢).\nوعن بريدة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ولا تقولوا هُجرًا\" (^٣).\nقال مالك: \"يعني: لا تقولوا سوءًا\" (^٤).\nوقال ابن الأثير: \"أي فحشا يقال أهجر في منطقِهِ يُهجَر إهجارًا إذا أفحش وكذلك إذا أكثر الكلام فيما لا ينبغي\" (^٥).\nوقال المناوي: \" (هجرًا) بالضم أي: قبيحًا أو فحشًا\" (^٦).\nوعن سبب نهيه - ﷺ - عن زيارة القبور يقول المناوي: \"لحدثان عهدكم بالكفر، وأما الآن حيث انمحت آثار الجاهلية واستحكم الإسلام وصرتم أهل يقين وتقوى (فزوروا القبور) أي بشرط أن لا يقترن بذلك تمسح بالقبر أو تقبيل أو سجود عليه أو نحو ذلك\" (^٧).\nوقال الألباني: \"ولا يخفى أن ما يفعله العامة وغيرهم عند الزيارة من دعاء الميت والاستغاثة به وسؤال الله بحقه، لهو من أكبر الهجر والقول الباطل، فعلى العلماء أن يبينوا لهم حكم الله في ذلك؛ ويفهموهم الزيارة المشروعة والغاية منها\" (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد (١١٣٤٩) (٢٣٣٤٦) (٢٣٣٩١).\n(^٢) أخرجه البزار كما في مجمع الزوائد ٣/ ٥٨ وقال: وإسناد رجاله رجال الصحيح.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند (١١٦٢)، والنسائي في الكبرى ١/ ٦٥٤، ومالك في الموطأ ٢/ ٤٨٥، وهو في المستدرك ١/ ٥٣٢، ٦/ ٣٢١، وفي المجمع للهيثمي ٣/ ٥٨، ٥٩.\n(^٤) الموطأ ٢/ ٤٨٥.\n(^٥) النهاية لابن الأثير (هـ ج ر).\n(^٦) فيض القدير ٥/ ٧١.\n(^٧) فيض القدير ٥/ ٧١.\n(^٨) أحكام الجنائز ص ١٧٩.","vol":"2","page":290},{"text":"وقال الصنعاني ﵀ بعد أن ذكر أحاديث الإذن بزيارة القبور: \"والكل دال على مشروعية زيارة القبور وبيان الحكمة فيها وأنها للاعتبار فإنه في لفظ حديث ابن مسعود: \"فإنها عبرة وذكر للآخرة والتزهيد في الدنيا\" فإذا خلت من هذه لم تكن مرادة شرعًا\" (^١).\nوقال ابن القيم ﵀: \"أما زيارة الموحدين: فمقصودها ثلاثة أشياء:\nأحدها: تذكر الآخرة، والاعتبار، والاتعاظ. وقد أشار النبي - ﷺ - إلى ذلك بقوله: \"زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة\" (^٢).\nالثاني: الإحسان إلى الميت، وأن لا يطول عهده به، فيهجره، ويتناساه، كما إذا ترك زيارة الحي مدة طويلة تناساه، فإذا زار الحي فرح بزيارته وسرّ بذلك، فالميت أولى. لأنه قد صار في دار قد هجر أهلها إخوانهم وأهلهم ومعارفهم، فإذا زاره وأهدى إليه هدية: من دعاء، أو صدقة، أو أهدى قُربة. ازداد بذلك سروره وفرحه، كما يسر الحي بمن يزوره ويهدي له. ولهذا شرع النبي للزائرين أن يدعوا لأهل القبور بالمغفرة والرحمة وسؤال العافية، فقط، ولم يشرع أن يدعوهم، ولا أن يدعوا بهم، ولا يصلّى عندهم.\nالثالث: إحسان الزائر إلى نفسه باتباع السنة، والوقوف عند ما شرعه الرسول - ﷺ -، فيحسن إلى نفسه وإلى المزور\" (^٣).\nوقسَّم ابن سعدي زيارة القبور إلى نوعين: مشروع وممنوع، فقال ﵀: \"أما المشروع فهو ما شرعه الشارع من زيارة القبور على الوجه الشرعي من غير شد رحل، يزورها المسلم متبعا للسنة فيدعو لأهلها عموما ولأقاربه ومعارفه خصوصًا، فيكون محسنا إليهم بالدعاء لهم وطلب العفو والمغفرة والرحمة لهم،\n_________\n(^١) سبل السلام ٢/ ٥٧٨.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه عن ابن مسعود بلفظ: \"كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروا القبور فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة\". (١٥٧١) ورواه أيضا عن أبي هريرة يرفعه بلفظ:\" زوروا القبور فإنها تذكر الموت\" (١٥٦٩).\n(^٣) إغاثة اللهفان ١/ ٢١٨.","vol":"2","page":291},{"text":"ومحسنًا إلى نفسه باتباع السنة وتذكرة الآخرة والاعتبار بها والاتعاظ.\nوأما الممنوع فإنه نوعان:\nأحدهما: محرم ووسيلة للشرك كالتمسح بها والتوسل إلي الله بأهلها، والصلاة عندها، وكإسراجها والبناء عليها، والغلو فيها وفي أهلها إذا لم يبلغ رتبة العبادة.\nوالنوع الثاني: شرك أكبر كدعاء أهل القبور والاستغاثة بهم وطلب الحوائج الدنيوية والأخروية منهم، فهذا شرك أكبر، وهو عين ما يفعله عباد الأصنام مع أصنامهم\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-649>٢ - حكم زيارة قبر المشرك:</span>\nيقول الشيخ ناصر الدين الألباني - ﵀ -: \"ويجوز زيارة قبر من مات على غير الإسلام للعبرة فقط. وفيه حديثان:\nالأول: عن أبي هريرة قال: \"زار النبي قبر أمه، فبكي، وأبكى من حوله، فقال: استأذنت ربي في أن أستغفر لها، فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت\" (^٢).\nالثاني: عن بريدة \"كنا مع النبي في سفر، - وفي رواية -: في غزوة الفتح، فنزل بنا ونحن معه قريب من ألف راكب، فصلى ركعتين، ثم أقبل علينا بوجهه وعيناه تذرفان فقام إليه عمر بن الخطاب، ففداه بالأب والأم، يقول: يا رسول الله ما لك؟ قال: \"إني سألت ربي - ﷿ - في الاستغفار لأمي. فلم يأذن لي، فدمعت عيناي رحمة لها من النار، واستأذنت ربي في زيارتها فأذن لي، وإني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ولتزدكم زيارتها خيرا\"\" (^٣).\nوفي قوله - ﷺ -: \"استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي\" قال النووي - ﵀ -: \"فيه جواز زيارة المشركين في الحياة وقبورهم\n_________\n(^١) القول السديد ص ٨١ - ٨٢.\n(^٢) أخرجه مسلم (٩٧٦)، وأبو داود (٣٢٣٤)، والنسائي (٢٠٣٦)، وابن ماجه (١٥٧٢).\n(^٣) أحكام الجنائز ص ١٨٨.","vol":"2","page":292},{"text":"بعد الوفاة، لأنه إذا جازت زيارتهم بعد الوفاة، ففي الحياة أولى وقد قال الله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾. وفيه النهي عن الاستغفار للكفار، قال القاضي عياض - ﵀ -: سبب زيارته - ﷺ - قبرها أنه قصد قوة الموعظة الذكرى بمشاهدة قبرها، ويؤيده قوله - ﷺ - في آخر الحديث: فزوروا القبور فإنها تذكركم الموت\" (^١).\nوبالجملة فزيارة القبور جائزة. قال ابن تيمية: \"حتى قبور الكفار\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-650>٣ - حكم زيارة النساء للقبور </span>(^٣):\nعن أبي هريرة - ﵁ - قال: \"لعن رسول الله زوارات القبور\" (^٤).\nوعَنْ ابْنِ عَبَّاس - ﵄ - قَالَ: \"لَعَنَ رَسُولُ الله - ﷺ - زَائِرَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ\" (^٥).\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"لعن رسول الله - ﷺ - زائرات القبور أي: من\n_________\n(^١) مسلم بشرح النووي ٧/ ٤٥.\n(^٢) الاقتضاء ٢/ ٦٦٤ وانظر شفاء الصدور ٢٧.\n(^٣) التمهيد لابن عبد البر ٣/ ٢٣٣ - ٢٣٥. الاستذكار لابن عبد البر ٢/ ١٦٢، ٨/ ٢٢٣، المصنف لابن أبي شيبة ٢/ ٤٨١. السنة للبغوي ٥/ ٤٦٤. المجموع للنووي ٥/ ٣٠٩ - ٣١١. المحلى بالآثار لابن حزم ٣/ ٣٨٧. أحكام القرآن للقرطبي ٢٠/ ١٧٠ - ١٧١. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٣/ ٦٠٢. تيسير العزيز الحميد ص ٣٤٦. فتح المجيد ٢٨٣. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ١٦٧. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ٤٣٧، ط ٢ - ١/ ٥٥٠ ومن المجموع ٩/ ٤٢٤. الدرر السنية ٥/ ١٦٢. فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٢٥٩. مجموع الفتاوى لابن باز ٢/ ٧٥٣. نور علي الدرب لابن باز ٢٦٣ - ٢٦٨. جزء في زيارة النساء للقبور للشيخ بكر أبو زيد - حفظه الله -.\n(^٤) أخرجه الترمذي (١٠٥٦) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأبو داود (٣٢٣٦) وابن ماجه (١٥٧٤) (١٥٧٥) (١٥٧٦) والإمام أحمد (١٥٧٤٢).\n(^٥) أخرجه أبو داود (٣٢٣٦) والترمذي (٣٢٠). وابن ماجه (١٥٧٥) وهذا حديث أخرجه أهل السنن عن ابن عباس - ﵄ - قال الترمذي حديث ابن عباس حديث حسن. ونقل ابن تيمية في الاقتضاء (١/ ٢٩٤) أن الترمذي قال: هذا حديث صحيح وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: رواه أحمد والترمذي وصححه وضعفه عبد الحق وحسنه ابن القطان). تيسير العزيز الحميد ٣٤٦ ط - المكتب الإسلامي.","vol":"2","page":293},{"text":"النساء وهذا يدل على تحريم زيارة القبور عليهن كما هو مذهب أحمد وطائفة\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-651> أقوال العلماء في حكم زيارة النساء للقبور:</span>\nوفي ذلك خلاف بين أهل العلم على ثلاثة أوجه حكاها النووي (^٢) وغيره ونذكرها على وجه التفصيل:\nأولًا: يباح ويستدل له بحديث عائشة وفيه: قالت: كيف أقول لهم يا رسول الله. قال: قولي: \"السلام على أهل الديار ... \" الحديث (^٣). وبحديث: \"كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها\" (^٤). ويجاب عن هذا بأن: \"نهيتكم\" ضمير ذكور فلا يدخل فيه النساء على المذهب الصحيح المختار في الأصول (^٥).\nقال ابن حجر: \"واختلف في النساء فقيل: دخلن في عموم الإذن وهو قول الأكثر، ومحله إذا أمنت الفتنة. ويؤيد الجواز حديث الباب - وهو ما رواه أنس قال: مر النبي بامرأة تبكي عند قبر. فقال: \"اتقي الله واصبري\". قالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه. فقيل لها: إنه النبي - ﷺ -. فأتت باب النبي فلم تجد عنده بوابين. فقالت: لم أعرفك. فقال: \"إنما الصبر عند الصدمة الأولى\".\nوموضع الدلالة منه أنه - ﷺ - لم ينكر على المرأة قعودها عند القبر، وتقريره حجة.\nوممن حمل الإذن على عمومه للرجال والنساء عائشة فروي الحاكم من طريق ابن أبي مليكة أنه رآها زارت قبر عبد الرحمن فقيل لها: أليس قد نهى النبي عن ذلك؟ قالت: نعم، كان نهى ثم أمر بزيارتها\" (^٦).\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ٣٤٦. ط - المكتب الإسلامي.\n(^٢) مسلم بشرح النووي ٧/ ٤٥.\n(^٣) أخرجه مسلم (٩٧٤).\n(^٤) أخرجه مسلم (٩٧٧).\n(^٥) مسلم بشرح النووي ٧/ ٤٥.\n(^٦) فتح الباري ٣/ ١٤٨.","vol":"2","page":294},{"text":"الثاني: يكره. قال ابن عبد البر: \"ولقد كره أكثر العلماء خروجهن إلى الصلوات فكيف إلى المقابر\" (^١). قال ابن حجر: \"واختلف من قال بالكرهية في حقهن هل هي كراهة تحريم أو تنزيه\" (^٢).\nوالمشهور من مذهب الإمام أحمد عند أصحابه أن الكراهة لا تصل إلى التحريم لحديث أم عطية \"نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا\" (^٣) والقول بكراهة التنزيه يصدق لو كانت أدلة الإباحة صحيحة غير متعقبة، لكنها مع صحتها غير صريحة في الإباحة أو الكراهة.\nالثالث: تحريمها عليهن. لحديث: \"لعن رسول الله - ﷺ - زوارات القبور\" (^٤).\nوحديث \"لعن رسول الله - ﷺ - زائرات القبور\" (^٥).\nقال ابن حجر: \"وبه جزم الشيخ أبو إسحاق في المهذب واستدل له بحديث عبد الله بن عمرو (^٦) وبحديث: \"لعن الله زوارات القبور\"\" (^٧).\nوقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"ولا يعارض هذا - أي حديث: \"لعن الله زوارات القبور\" - حديث: \"كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزروها\" رواه مسلم\n_________\n(^١) التمهيد ٣/ ٢٣٣.\n(^٢) فتح الباري ٣/ ١٤٨.\n(^٣) أخرجه البخاري (١٢٧٨).\n(^٤) سبق تخريجه.\n(^٥) سبق تخريجه.\n(^٦) قال - أي النبي - ﷺ -: \"ما أخرجكِ من بيتك يا فاطمة، قالت: أتيت أهل هذا البيت فرحمت إليهم ميتهم وعزيتهم فقال: \"لعلك بلغت معهم الكدى\" قالت: معاذ الله أن أكون بلغتها معهم وقد سمعتك تذكر في ذلك ما تذكر قال: \"لو بلغتها معهم ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك\". أخرجه أبو داود (٣١٢٣) والنسائي (١٨٨١) وأحمد (٦٥٧٤) (٧٠٨٢)، والكدى: أراد بها المقابر. انظر النهاية (ك د ا).\n(^٧) فتح الباري ٣/ ١٤٨.","vol":"2","page":295},{"text":"وغيره. لأن هذا إن سلم دخول النساء فيه، فهو عام والأول خاص، والخاص مقدم عليه، وأيضا ففي دخول النساء في خطاب الذكور خلاف عند الأصوليين\" (^١).\nوقال الشيخ ابن عثيمين: \"وأما الجواب عن حديث المرأة، وحديث عائشة، أن المرأة لم تخرج للزيارة قطعًا، لكنها أصيبت ومن عظم المصيبة عليها لم تتمالك نفسها لتبقي في بيتها ولذلك خرجت وجعلت تبكي على القبر مما يدل على أن في قلبها شيئًا عظيمًا لم تتحمله حتى ذهبت إلى ابنها وجعلت تبكي عند قبره، ولهذا أمرها - ﷺ - أن تصبر لأنه علم أنها لم تخرج للزيارة، بل خرجت لما في قلبها من عدم تحمل هذه الصدمة الكبيرة، فالحديث ليس صريحًا بأنها خرجت للزيارة وإذا لم يكن صريحًا فلا يمكن أن يُعارض الشيء الصريح بشيء غير صريح.\nوأما حديث عائشة: فإنها قالت للرسول - ﷺ -: \"ماذا أقول؟ فقال: \"قولي السلام عليكم\" فهل المراد أنها تقول ذلك إذا مرت، أو إذا خرجت زائرة؟ فهو محتمل فليس فيه تصريح بأنها إذا خرجت زائرة إذ من الممكن أن يراد به إذا مرت بها من غير خروج للزيارة، وإذا كان ليس صريحًا فلا يعارض الصريح.\nوأما فعلها مع أخيها، - ﵄ - فإن فعلها مع أخيها لم يستدل عليها عبد الله بن أبي مليكة بلعن زائرات القبور، وإنما استدل عليها بالنهي عن زيارة القبور مطلقا، لأنه لو استدل عليها بالنهي عن زيارة النساء للقبور أو بلعن زائرات القبور لكنا ننظر بماذا ستجيبه؟\nفهو استدل عليها بالنهي عن زيارة القبور، ومعلوم أن النهي عن زيارة القبور كان عامًا، ولهذا أجابته بالنسخ العام، وقالت: إنه قد أمر بذلك، ونحن وإن كنا نقول إن عائشة - ﵂ - استدلت بلفظ العموم فهي كغيرها من العلماء لا يُعارض\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٣٤٧.","vol":"2","page":296},{"text":"بقولها قول الرسول - ﷺ - علي أنه روي عنها أنها قالت: \"لو شهدتك ما زرتك\" وهذا دليل على أنها ﵂ خرجت لتدعو له؛ لأنها لم تشهد جنازته لكن هذه الرواية طعن فيها بعض العلماء وقال إنها لا تصح عن عائشة - ﵂ - لكننا نبقي على الرواية الأولى الصحيحة إذ ليس فيها دليل على أن الرسول - ﷺ - نسخه، وإذا فهمت هي فلا يُعارض بقولها قول الرسول - ﷺ - \" (^١).\nوالذي عليه أئمة التحقيق في هذه المسألة: تحريم زيارة النساء للقبور.\nوقد ألّف الشيخ بكر أبو زيد - حفظه الله - رسالة لطيفة سماها \"جزء في زيارة النساء للقبور\" وجاء فيها: \"قال أبو العباس علي بن محمد بن عباس البعلي الحنبلي في ترتيبه اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - ما نصه: \"ونهي النساء عن زيارة القبور هل هو نهي تنزيه أو تحريم فيه قولان: وظاهر كلام أبي العباس ترجيح التحريم لاحتجاجه بلعن النبي - ﷺ - زائرات القبور وتصحيحه إياه، ورواه الإمام أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه وأنه لا يصح ادعاء النسخ بل هو باق علي حكمه، والمرأة لا يشرع لها الزيارة الشرعية ولا غيرها اللهم إلا إذا اجتازت بقبر في طريقها فسلمت عليه ودعت له فهذا حسن\".\nوقال صاحب المهذب: \"ولا يجوز للنساء زيارة القبور لما روي عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - لعن زوارات القبور\".\nوقال السيوطي في كتابه: زهر الرّبى على المجتبي للنسائي عند الحديث المتكلم عليه في النهي: \"وبقين أي النساء تحت النهي لقلة صبرهن وكثرة جزعهن\".\nوقال السندي: \"وهو الأقرب لتخصيصهن بالذكر\"\" (^٢).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٤٢٩، ٤٣٠. وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ٤٤١، ٤٤٠.\n(^٢) النقول السابقة مستفادة من كتاب الشيخ بكر أبو زيد - حفظه الله - (جزء في زيارة النساء للقبور) وفيه ما يشفي رغبة السائل في هذه المسألة.","vol":"2","page":297},{"text":"وقال الشيخ سليمان بن عبد الله - رحمهما الله -: \"وإذا كان زيارة النساء مظنة وسببا للأمور المحرمة في حقهن وحق الرجال، وتقدير ذلك غير مضبوط، لأنه لا يمكن حد المقدار الذي لا يفضي إلى ذلك ولا التميز بين نوع ونوع.\nومن أصول الشريعة أن الحكمة إذا كانت خفية أو منتشرة علق الحكم بمظنتها، فتحرم سدا للذريعة، كما حرم النظر إلى الزينة الباطنة لما في ذلك من الفتنة، وكما حرمت الخلوة بالأجنبية، وليس في زيارتها من المصلحة ما يعارض هذه المفسدة، لأنه ليس في زيارتها إلا دعواها للميت أو اعتبارها به، وذلك ممكن في بيتها\" (^١).\nوقال صاحب المرعاة: \"\"قال أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي: النهي ورد خاصا بالنساء، والإباحة لفظها عام، والعام لا ينسخه الخاص بل الخاص حاكم عليه ومقيد له\".\nوقال الساعاتي في الفتح الرباني: \"قال صاحب المدخل المالكي قد اختلف العلماء في زيارة النساء للقبور على ثلاثة أقوال:\nوذكر هذه الأقوال ثم قال: \"اعلم أن الخلاف في نساء ذلك الزمان، أما خروجهن في هذا الزمان فمعاذ الله أن يقول أحد من العلماء أو من له مروءة الدين بجوازه\".\nوقال العلامة صديق خان القنوجي في كتابه حُسْنُ الأسوة: \"الراجح نهي النساء عن زيارة القبور وإليه ذهب عصابة أهل الحديث كثّر الله سوادهم\"\" (^٢).\nوقال ابن باز - ﵀ -: \"ثبت عن رسول الله - ﷺ - أنه لعن زائرات القبور. من حديث ابن عباس ومن حديث أبي هريرة ومن حديث حسان بن ثابت الأنصاري ﵃ جميعًا. وأخذ العلماء من ذلك أن الزيارة للنساء للقبور محرمة؛ لأن اللعن لا يكون إلا على محرم، بل يدل على أنه من الكبائر؛ لأن العلماء ذكروا أن\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٣٤٦.\n(^٢) مستفاد من جزء في زيارة النساء للقبور للشيخ بكر أبو زيد ص ٥١ - ٥٥.","vol":"2","page":298},{"text":"المعصية التي يكون فيها اللعن أو فيها وعيد تعتبر من الكبائر. فالصواب أن الزيارة من النساء للقبور محرمة لا مكروهة فقط.\nوالسبب في ذلك - والله أعلم - أنهن في الغالب قليلات الصبر، فقد يحصل منهن من النياحة ونحوها ما ينافي الصبر الواجب، وهن فتنة، فزيارتهن للقبور واتباعهن للجنائز قد يفتتن بهن الرجال وقد يفتنّ بالرجال، والشريعة الإسلامية الكاملة جاءت بسد الذرائع المفضية إلى الفساد والفتن، وذلك من رحمة الله بعباده ... وقول بعض الفقهاء: إنه استثني من ذلك قبر النبي - ﷺ - وقبر صاحبيه - ﵄ - قول بلا دليل، والصواب أن المنع يعم الجميع، يعم جميع القبور حتى قبر النبي - ﷺ - وحتى قبر صاحبيه - ﵄ -. وهذا هو المعتمد من حيث الدليل\" (^١).\nوقال الشيخ ابن عثيمين: \"والصحيح القول الأول - يعني: تحريم زيارة النساء للقبور، وأنها من كبائر الذنوب\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-652>٤ - حكم زيارة المرأة لقبر النبي - ﷺ </span>-:\nقال فضيلة الشيخ ابن عثيمين: \"لا يشرع للمرأة زيارة قبر النبي - ﷺ -، لأنه - ﷺ - حذر من زيارة المرأة للقبور فقد لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج. فعلى هذا لا تزور المرأة قبره - ﷺ -، ويكفيها إذا صلت المرأة عليه في مكانها وسلمت عليه في مكانها فإن ذلك يبلغه مهما كان مكانها\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر الفتاوى ص ٧٥٣ - ٧٥٤.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٤٢٧. وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ٤٤١، ٤٤٠.\n(^٣) فتاوى منار الإسلام ص ٣٠.","vol":"2","page":299},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-653>١٤٠ - السؤال</span>\nالأصل في السؤال والطلب أن يتوجه به إلى الله وحده القادر على كل شيء لقول الرسول - ﷺ -: \"إذا سألت فاسأل الله\"، فإذا سألت غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فهذا شرك والعياذ بالله وهذا الباب يشبه باب (الدعاء) فيراجع هناك أيضا.\n* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾ [الشرح: ٧ - ٨]، وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢].\n* الدليل من السنة: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵁ - قَالَ كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ الله - ﷺ - يَوْمًا فَقَالَ: \"يَا غُلامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، اخفَظْ الله يَحْفَظْكَ، احْفَظْ الله تَجِدُه تُجاهكَ، إِذَا سَألتَ فَاسْأَلْ الله، وَإِذَا اسْتَعَنتَ فَاسْتَعِن بِالله، وَاعْلَمْ أَنَّ الأمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتبَه الله لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بشيءٍ قَدْ كَتبَهُ اللهُ عَلَيكَ، رُفِعَت الأَقْلَامَ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ\" (^١).\nوعن ابن مسعود مرفوعًا: \"سلوا الله من فضله فإن الله - ﷿ - يحب أن يسأل، وأفضل العبادة انتظار الفرج\" (^٢).\nوقد جاء في النهي عن مسألة المخلوقين أحاديث كثيرة صحيحة. منها حديث قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلالِيِّ قَالَ: \"تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً فَأَتَيْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - أَسْألهُ فِيهَا فَقَالَ: \"أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَة فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا\" قَالَ: ثُمَّ قَالَ: \"يَا قَبِيصَةُ إِن الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لأحَدِ ثَلاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّت لَهُ الْمَسْأَلةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٥١٦) وقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٣٥٧١).","vol":"2","page":300},{"text":"يُمْسِك، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قَالَ سِدَادًا مِن عَيشٍ -، وَرَجُلٌ أَصابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصابَتْ فُلانًا فَاقَةٌ فَحَلَّت لَهُ الْمَسْأَلةُ حَتَّى يُصيبَ قِوَامًا مِنْ عَيشٍ - أوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيشِ -، فَمَا سِوَاهُنَّ مِن الْمَسْأَلةِ يَا قَبيصَةُ سُحْتًا يَأْكُلُهَا صاحِبُهَا سُحْتًا\"\" (^١).\nوعن أبي العالية عن ثوْبَانُ قَالَ: وكان ثوبانُ مَوْلَى رَسُولِ الله - ﷺ - قَالَ قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"مَن تَكَفَّلَ لِي أَن لا يَسْأَل الناس شَيْئًا وَأَتَكَفَّلُ لَهُ بِالجَنَّةِ\" فَقَالَ ثَوْبَانُ: أَنَا، فَكَانَ لا يَسْألُ أَحَدًا شَيْئًا (^٢).\nوعَنْ سَمُرَةَ بن جندب عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"الْمَسَائِلُ كُدُوحٌ يَكْدَحُ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ فَمَنْ شَاءَ أَبْقَى عَلَي وَجْههِ وَمَن شَاءَ تَرَكَ إِلّا أَنْ يَسْأَل الرَّجُلُ ذَا سُلْطَانٍ أَوْ فِي أَمْرٍ يَجِدُ مِنهُ بُدًّا\" (^٣).\nوعَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَبِيبُ الأمِينُ أَمَّا هُوَ فَحَبِيبٌ إِلَيَّ وَأَمَّا هُوَ عِنْدِي فَأَمِينٌ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ الأشْجَعِيُّ قَالَ: \"كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ الله تِسْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً أَوْ سَبْعَةً فَقَالَ: \"أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ الله؟ \" وَكُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِبَيْعَةٍ فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ الله، ثُمَّ قَالَ: \"أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ الله؟ \" فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ الله - ثُمَّ قَالَ: \"أَلا تُبَايعُونَ رَسُولَ الله؟ \" قَالَ: فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنَا وَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ الله، فَعَلام نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: \"عَلَى أَن تَعْبُدُوا الله وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَالصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، وَتطِيعُوا - وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً - وَلَا تَسْألوا النَّاسَ شَيئًا\" فَلَقَدْ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٠٤٤) والنسائي (٢٥٩٢).\n(^٢) أخرجه أبو داود (١٦٤٣) والنسائي (٢٥٩١).\n(^٣) أخرجه أبو داود (١٦٣٩) والترمذي (٦٨١) والنسائي (٢٦٠٠).","vol":"2","page":301},{"text":"رَأَيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ فَمَا يَسْأل أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ\" (^١).\nوعَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: \"كَانَ رُبَّمَا سَقَطَ الْخِطَامُ مِنْ يَدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - ﵁ - قَالَ فَيَضْرِبُ بِذِرَاعِ نَاقَتِهِ فَيُنِيخُهَا فَيَأْخُذُهُ قَالَ فَقَالُوا لَهُ: أَفَلا أَمَرْتَنَا نُنَاوِلُكَهُ فَقَالَ: إِنَّ حَبِيبِي رَسُولَ الله - ﷺ - أَمَرَنِي أَنْ لا أَسْأَل النَّاسَ شَيْئًا\" (^٢).\nوعَنْ أَبِي قتادَةَ وَأَبِي الدَّهْمَاءِ قَالا أتَيْنَا عَلَي رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فقلنا هل سمعت من رسول الله شيئا قَالَ نعم، سمعته يقول: \"إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا لله - ﷿ - إِلَّا بدّلكَ الله به ما هو خَيْر لك مِنْهُ\" (^٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-654> ذم سؤال الخلق:</span>\nيقول شيخ الإسلام: \"وسؤال الخلق في الأصل محرم، لكنه أبيح للضرورة، وتركه توكلا على الله أفضل\" (^٤).\nوعلل ذلك بقوله: \"فإن سؤال المخلوقين فيه ثلاثة مفاسد:\n١ - مفسدة الافتقار إلى غير الله وهي من نوع الشرك.\n٢ - ومفسدة إيذاء المسئول وهي من نوع ظلم الخلق.\n٣ - وفيه ذل لغير الله وهو ظلم للنفس.\nفهو مشتمل على أنواع الظلم الثلاثة\" (^٥).\nوالضرورة التي أبيحت لأجلها المسألة، يوضحها حديث قبيصة السابق (^٦).\nوقال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: \"والمسألة في الأصل حرام. وإنما أبيحت\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٠٤٣).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد (٦٢).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد (٢٣٤٦٢).\n(^٤) مجموع الفتاوى ١/ ١٨١.\n(^٥) المصدر السابق ١/ ١٩٠.\n(^٦) سبق تخريجه.","vol":"2","page":302},{"text":"للحاجة والضرورة؛ لأنها ظلم في حق الربوبية، وظلم في حق المسؤل، وظلم في حق السائل\" (^١).\nقال زين الدين بن رجب: \"واعلم أن سؤال الله تعالى دون خلقه هو المتعين، لأن السؤال فيه إظهارُ الذل من السائل والمسكنة والحاجة والافتقار، وفيه الاعتراف بقدرة المسؤول على دفع هذا الضرر، ونيل المطلوب، وجلب المنافع، ودرء المضارّ، ولا يصح الذلُّ والافتقار إلا للهُ وحده؛ لأنه حقيقة العبادة، وكان الإمام أحمد - ﵀ - يدعو: \"اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك، فصنه عن المسألة لغيرك\"\" (^٢).\nوقال ابن عثيمين: \"إذا أعززت نفسك ولم تذلها لسؤال الناس بقيت محترما عند الناس وصار لك منعة من أن تذل وجهك لأحد، لأن من أذل وجهه لأحد فإنه ربما يحتاجه ذلك الأحد لأمر يكره أن يعطيه إياه، ولكنه إذا اضطر إلى أن يجيبه ولهذا روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"ازهد فيما عند الناس يحبك الناس\" (^٣)، فالسؤال أصلا مكروه إلا لحاجة\" (^٤).\nوقال ابن تيمية في الاستغاثة: \"وأما نفس سؤال الناس، فسؤالهم في الأصل محرم بالنصوص المحرمة له، وإنما يباح عند الضرورة. وتنازع العلماء هل يجب سؤالهم عند الضرورة؟ فالمنصوص عن أحمد أنه لا يجب سؤال الخلق، مع إيجابه مع غيره من الأئمة الأربعة وغيرهم الأكلَ من الميتة عند الضرورة، فإن الله لم يوجب سؤال الخلق، بل قد وصى النبي - ﷺ - طائفة من أصحابه أن لا يسألوا الناس شيئا فكان أحدهم إذا سقط سوطه لا يقول لأحد ناولني إياه، منهم أبو بكر الصديق - ﵁ -\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٢/ ٢٣٢.\n(^٢) جامع العلوم والحكم ١/ ٤٨٠.\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (٤١٠٢) وهو في الأربعين النووية حديث رقم ٣١ وضعفه ابن رجب في جامع العلوم والحكم ٢٧٢.\n(^٤) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٩٣٤. وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ١٠٨.","vol":"2","page":303},{"text":"وصاحب الفاقة إذا سأل الله تعالى أنزلها بالغني المليّ العليم القدير وقيل يجب السؤال، وهذا منقول عن الثوري وهو اختيار أبي الفرج بن الجوزي\" (^١).\nوقال ابن عثيمين: \"فأما سؤال ما يسوغ مثله من العلم فليس من هذا الباب لأن المخبر لا ينقص الجواب من علمه بل يزداد بالجواب والسائل محتاج إلي ذلك قال - ﷺ -: \"هلا سألوا إذا لم يعلموا؟ فإن شفاء العي السؤال\" ولكن من المسائل ما ينهى عنه كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ١٠١]، وكنهيه عن أغلوطات المسائل ونحو ذلك\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-655> حكم سؤال الغير أن يدعو له:</span>\nعن سالم بن عبد الله عن أبيه عن عمر قال: استأذنت النبي - ﷺ - في العمرة فأذن لي. وقال: \"لا تنسنا يا أخي من دعائك\" فقال كلمة ما يسرني أن لي بها الدنيا\" (^٣).\nوفي حديث عكاشة المشهور قال: \"ادع الله أن يجعلني منهم\" فقال: \"أنت منهم\". وفي رواية البخاري: \"فقال اللهم اجعله منهم\". وكذلك في حديث أبي هريرة عند البخاري مثله.\nوفي بعض الروايات أنه قال: \"منهم أنا يا رسول الله؟ \" قال: \"نعم\".\nقال الحافظ: ويجمع بأنه سأل الدعاء أولا، فدعا له ثم استفهم هل أجيب؟ وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"وفيه طلب الدعاء من الفاضل\" (^٤).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"الدعاء للغير ينتفع به الداعي والمدعو له وإن كان الداعي دون المدعو له، فدعاء المؤمن لأخيه ينتفع به الداعي والمدعو له\" (^٥).\n_________\n(^١) الاستغاثة في الرد على البكري ص ٢٧٧، ٢٧٩.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٤٢٩، ٤٣٠. والقول المفيد ط ١ - ١/ ١٧٩.\n(^٣) أخرجه أبو داود (١٤٩٨)، والترمذي (٣٥٦٢)، وابن ماجه (٢٨٩٤)، والإمام أحمد في المسند (١٩٥).\n(^٤) تيسير العزيز الحميد ص ١١٢.\n(^٥) مجموع الفتاوى ١/ ١٣٣.","vol":"2","page":304},{"text":"وقال أيضًا: \"ويشرع للمسلم أن يطلب الدعاء من فوقه وممن هو دونه، فقد روي طلب الدعاء من الأعلى والأدنى\" (^١).\nوقد سئل الشيخ ابن عثيمين - ﵀ - عن طلب الدعاء من شخص يُرجي فيه الصلاح فقال: \"طلب الدعاء من شخص ترجى إجابة دعائه: إن كان لعموم المسلمين فلا بأس به مثل أن يقول شخص لآخر: ادع الله أن يعز المسلمين وأن يصلح ذات بينهم، وادع الله أن يصلح ولاتهم وما أشبه ذلك.\nأما إذا كان خاصًا بالشخص السائل الطالب من أخيه أن يدعو له فهذا قد يكون من المسألة المذمومة إلا إذا قصد الإنسان بذلك نفع أخيه الداعي له؛ وذلك لأن أخاه إذا دعا له بظهر الغيب قال الملك: آمين ولك بمثله.\nوكذلك إذا دعا له أخوه فإنه قد أتى إحسانًا إليه، والإحسان يثاب عليه، فينبغي عليه أن يلاحظ من طلب من أخيه أن يدعو له فائدة الأخ الداعي.\nعلي أن طلب الدعاء من الغير قد يترتب عليه مفسدة، وهي أن هذا الغير يعجب بنفسه ويرى أنه أهل لإجابة الدعاء، وفيه أيضًا: أن هذا الطالب من الغير أن يدعو له قد يعتمد على دعاء المطلوب فلا يلح هو على ربه بالدعاء؛ بل يعتمد علي دعاء غيره، وكلا المفسدتين شر.\nوالذي أنصح به إخواني أن يكونوا هم الذين يدعون الله - ﷿ -؛ لأن الدعاء عبادة، والدعاء مصلح للقلب، لما فيه من الالتجاء إلى الله والافتقار إليه\" (^٢).\n\n* فائدة:\nقال ابن مفلح في الآداب الشرعية: \"وما جاءه من مال بلا إشراف نفس ولا مسألة وجب أخذه، نقله جماعة منهم الأثرم والمروذي. قال في رواية الأثرم: إذا\n_________\n(^١) مجموع الفتاوي ١/ ١٣.\n(^٢) فتاوى علماء البلد الحرام ١٦٧٠.","vol":"2","page":305},{"text":"جاءه من غير مسألة ولا إشراف كان عليه أن يأخذه لقول النبي - ﷺ -: \"خذ\" ثم ذكر الحديث، ثم قال: ينبغي أن يأخذه، ويضيق عليه إذا لم يكن له إشراف أن يرده\" (^١).\nوقال: \"فإن استشرفت نفسه إليه، فنقل عنه عبد الله: لا بأس أن يردها، وكذا نقل الكحال عنه: إن شاء رده، وكذا نقل محمد بن يوسف: له أن يردها. ونقل المروذي: فإن استشرفت نفسه ردها، وقال له الأثرم: فليس عليه أن يرده كما يرد المسألة قال: ليس عليه، ونقل عنه أبو داود: ولا بأس أن يردها، قال أبو داود: وكأنه اختار الرد، ونقل عنه إسحاق بن إبراهيم: لا يأخذه.\nوذكر القاضي أبو الحسين: أنه لا تختلف الرواية أنه لا يحرم لعدم المسألة وقال في الرعاية: كره له أخذه ولم يحرم، وقيل: له أَخذُه، وَرَدُّهُ أولى ... واستشراف النفس أن تقول: سيبعث لي فلان، أو لعله يبعث لي، وإن لم يتعرض أو يعرض بقلبك عسي أن يفعل، نص عليه.\nوذكر أحمد حديث عمر - ﵄ -: أن النبي - ﷺ - قال له: \"إذا أتاك من هذا المال من غير مسألة، ولا استشراف نفس فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك\"\" (^٢).\n\n* فائدة أخرى:\nقال الإمام ابن مفلح المقدسي: \"ولا بأس بمسألة الماء، نص عليه واحتج بأن النبي - ﷺ - مر بقربة معلقة فاستسقى، فشرب. ونقل أبو داود عنه وسئل الرجل يكون بين الناس عطشان فلا يستسقي - وأظنه قال: في الورع - ما يكون؟ قال: أحمق، نقل جعفر عن أحمد في الرجل يستعير الشيء لا يكون مسألة\" (^٣).\n_________\n(^١) الآداب الشرعية ٣/ ٢٧٦.\n(^٢) الآداب الشرعية: ٣/ ٢٧٨،٢٧٧.\n(^٣) الآداب الشرعية ٣/ ٢٧٩.","vol":"2","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-658>١٤١ - السؤال بالله </span>*\n* الدليل من السنة: عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"مَنْ اسْتَعَاذ بِاللهِ فَأَعِيذُوه، وَمَنْ سَأَلكُمْ بِالله فَأَعْطُوه، وَمَنْ اسْتَجَارَ باللهِ فَأَجِيرُوه، وَمَنْ آتَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوه، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَعْلَمُوا أَنْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ\" (^١).\nوهذا الحديث أصل الباب فمن تعظيم الله إعطاء من سأل بالله وإعاذة من استعاذ بالله وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث عائشة أن ابنة الجون لما أدخلت على رسول الله - ﷺ - ودنا منها قالت أعوذ بالله منك فقال لها: \"لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك\" (^٢).\nقال الطيبي في معني حديث ابن عمر: \"أي: من استعاذ بكم وطلب منكم دفع شركم أو شر غيركم قائلًا بالله عليك أن تدفع عني شرك فأجيبوه وادفعوا عنه الشر تعظيما لاسم الله تعالى فالتقدير من استعاذ منكم متوسلا بالله مستعطفا به ويحتمل أن يكون الباء صلة استعاذ أي من استعاذ بالله فلا تتعرضوا له بل أعيذوه وادفعوا عنه الشر\" (^٣).\nوقال الصنعاني: \"والحديث دليل على أن من استعاذ بالله من أي أمر طلب منه غير واجب عليه فإنه يعاذ ويترك ما طلب منه أن يفعل وأنه يجب إعطاء من سأله بالله ... فمن سأل من المخلوقين بالله شيئًا وجب إعطاؤه إلا أن يكون منهيا عن إعطائه\" (^٤).\n_________\n* الأذكار للنووي ٤٥٨. الزواجر لابن حجر الهيثمي ١/ ٤٣٧. سبل السلام ٤/ ١٧٠. تيسير العزيز الحميد ٦٦٧. فتح المجيد ٥٤٣. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ٣٧٧. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٣/ ١٠٧، ط ٢ - ٣/ ١٣٢ ومن المجموع ١٠/ ٩٣٣. الدين الخالص صديق حسن القنوجي ٤/ ٥٤٨ السلسلة الصحيحة ١/ ٥١٣. قواعد وتنبيهات في التوحيد الريس ٢٠٢.\n(^١) أخرجه النسائي (٢٥٦٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٢٥٤).\n(^٣) مرقاة المفاتيح ٤/ ٣٧٥، عون المعبود ٥/ ٦١.\n(^٤) سبل السلام ٤/ ١٧٠.","vol":"2","page":307},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-659>أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-660>١ - أقسام السؤال بالله:</span>\nقال ابن عثيمين: \"والسؤال بالله ينقسم إلى قسمين:\nأحدهما: السؤال بالله بالصيغة مثل أن يقول: أسألك بالله كما تقدم في حديث الثلاثة حيث قال الملك: \"أسألك بالذي أعطاك الجلد الحسن واللون الحسن بعيرًا\".\nالثاني: السؤال بشرع الله - ﷿ - أي يسأل سؤالا يبيحه الشرع كسؤال الفقير من الصدقة، والسؤال عن مسألة من العلم وما شابه ذلك\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-661>٢ - حكم السؤال بالله:</span>\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"السؤال من حيث هو مكروه ولا ينبغي للإنسان أن يسأل أحدًا شيئًا إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك، ولهذا كان مما بايع النبي - ﷺ - أصحابه أن لا يسألوا الناس شيئًا .. فالسؤال أصلًا مكروه أو محرم إلا لحاجة أو ضرورة\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-662>٣ - حكم إجابة السؤاك بالله:</span>\nجاء في الحديث قوله - ﷺ -: \"من سأل أي بالله فأعطوه\" (^٣) والمعني أي: أعطوه ما سأل ما لم يسأل إثما أو قطيعة رحم وفي هذا الأمر بإعطاء من سأل بالله وعدم رده وأن ذلك من كمال التوحيد فلا يرد من سأل بالله إجلالا لله وتعظيمًا له.\nقال ابن عثيمين: \"الأمر هنا للوجوب ما لم يتضمن السؤال إثما أو ضررا علي المسؤول لأن في إعطائه إجابة لحاجته وتعظيما لله - ﷿ - الذي سأل به\" (^٤).\nوقال الشيخ ابن قاسم: \"لأن منع من سأل بالله، أو بوجه الله من عدم إعظام الله\n_________\n(^١) مجموع فتاوي ابن عثيمين ١٠/ ٩٣٣. وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ١٠٨.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٩٣٣ - ٩٣٤.\n(^٣) أخرجه أبو داود (١٦٧٢).\n(^٤) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٩٣٥. وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ١٠٩.","vol":"2","page":308},{"text":"وإجلاله وقد جاء الوعيد على ذلك\" (^١)، ويقصد بالوعيد ما جاء في حديث أبي موسى - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ملعون من سأل بوجه الله، وملعون من سئل بوجه الله ثم منع سائله ما لم يسأل هجرًا\" (^٢).\nوقال ابن عثيمين: \"حكم رد من سأل بالله الكراهة أو التحريم حسب حال المسؤول والسائل\" (^٣).\nوقال - ﵀ -: \"أن يسأل بالله فهذا تجيبه، وإن لم يكن مستحقا، لأنه سأل بعظيم فإجابته من تعظيم هذا العظيم، لكن لو سأل إثما أو كان في إجابته ضرر على المسؤول، فإنه لا يجاب\" (^٤).\nوالمشهور عن الفقهاء أن من سأل بالله استحب إجابته وكره رده.\nقال النووي في الأذكار: \"يكره منع من سأل بالله وتشفع به\" (^٥).\nوقال ابن قدامة: \"ويستحب إجابة من سأل بالله لما روى ابن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من استعاذ بالله فأعيذوه ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن أتى إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه\" (^٦).\nوعن أبي ذر قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ثلاثة يحبهم الله وثلاثة يبغضهم الله، أما الذين يحبهم الله فرجل سأل قوما فسألهم بالله ولم يسألهم بقرابة بينه وبينهم فتخلف\n_________\n(^١) حاشية ابن قاسم علي كتاب التوحيد ٣٤٧.\n(^٢) أخرجه الطبراني في المجمع ٣/ ١٠٣، وحسنه العراقي في الفيض ٢/ ٤، والمناوي في التيسير ٢/ ٤٧٨.\n(^٣) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٩٣٣. وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ١٠٩.\n(^٤) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٩٣٤، ٩٣٥. وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ١٠٩.\n(^٥) الأذكار ٤٥٨ وانظر مواهب الجليل الحطاب ٣/ ٢٦٤.\n(^٦) تقدم تخريجه.","vol":"2","page":309},{"text":"رجل بأعقابهم فأعطاه سرًا لا يعلم بعطيته إلا الله - ﷿ - والذي أعطاه، وقوم ساروا ليلتهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يعدل به فوضعوا رؤوسهم فقام يتملقني ويتلوا آياتي، ورجل كان في سرية فلقوا العدو فهزموا فأقبل بصدره حتى يقتل أو يفتح له، والثلاثة الذين يبغضهم الله الشيخ الزاني والفقير المختال والغني الظلوم (^١) \"\" (^٢).\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"الأحاديث السابقة دالة علي إجابة من سئل بالله أو أقسم به ولكن قال شيخ الإسلام: إنما تجب على معين فلا تجب علي سائل يقسم علي الناس، وظاهر كلام الفقهاء أن ذلك مستحب كإبرار القسم والأول أصح\" (^٣).\nومراد شيخ الإسلام - ﵀ - بحالة الوجوب: أن يتوجه السؤال المعين في أمر معين يعني: ألا يكون السائل سأل عددًا من الناس بالله، ليحصل على شيء فلهذا لم يدخل فيه السائل الفقير الذي يأتي فيسأل هذا ويسأل هذا، كما لم يدخل فيه من يكون كاذبًا في سؤاله (¬<span data-type=\"title\" id=toc-663>٤).\n\n٤ - إجابة من أقسم عليك بالله:</span>\nذكر الجصاص - ﵀ - حديث البراء بن عازب قال: أمرنا رسول الله - ﷺ - بسبع منها: \"إبرار القسم\" (^٥) ثم قال: \"وهذا يدل على مثل ما دل عليه قوله - ﷺ - من سألكم بالله فأعطوه\" (^٦).\nوقال الفاكهاني في شرح عمدة الأحكام في كتاب اللباس في شرح قوله - ﷺ -: \"وإبرار القسم\": \"والمقسم به فيه معنيان: أحدهما أن الحالف إذا حلف على شيء\n_________\n(^١) رواه النسائي (٢٥٧١).\n(^٢) المغني ٩/ ٤٢٣.\n(^٣) انظر تيسير العزيز الحميد ص ٦٦٨.\n(^٤) انظر التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص ٥٢٣، ٥٢٤.\n(^٥) أخرجه البخاري (١٢٣٩).\n(^٦) أحكام القرآن للجصاص ٢/ ٣٣٦.","vol":"2","page":310},{"text":"مأمور أن يبر في يمينه؛ وهذا لا خلاف في وجوبه أو ما يقوم مقام الوفاء بذلك وهو الكفارة. الثاني: أن يكون المراد أن تبر يمين من حلف عليك وهذا على قسمين: تارة يشوبه معنى السؤال كقوله بالله إلا ما فعلت كذا. وتارة لا يشوبه كأن يقول: والله لتفعلن ونحو ذلك. وسواء في هذا الإثبات والنفي وهو مندوب في الوجهين أن يبر قسمه لكنه يتأكد في الثاني لوجوب الكفارة عليه دون الأول وذلك إضرار به.\nوهذا كله مع عدم المعارض الشرعي فإن وجد معارض عمل بمقتضاه كما ثبت أن أبا بكر - ﵁ - لما عبر الرؤيا بحضرته - ﷺ - فقال: \"أصبت بعضا وأخطأت بعضًا\" فقال: أقسمت عليك يا رسول الله لتخبرني، فقال: \"لا تقسم\" ولم يخبره\" (^١).\nقال ابن قدامة: \"وثبت أن النبي - ﷺ - أمر بإبرار المقسم رواه البخاري وهذا والله أعلم على سبيل الندب لا على سبيل الإيجاب بدليل أن أبا بكر قال: قال: أقسمت عليك يا رسول الله - ﷺ - لتخبرني بما أصبت مما أخطأت فقال النبي - ﷺ -: \"لا تقسم يا أبا بكر ولم يخبره\" ولو وجب عليه إبراره لأخبره ويحتمل أنه يجب عليه إبرار إذا لم يكن فيه ضرر ويكون امتناع النبي - ﷺ - من إبرار أبي بكر لما علم من الضرر فيه وإن أجابه إلى صورة ما أقسم عليه دون معناه عند تعذر المعنى فحسن فإنه روى عن النبي - ﷺ - أن العباس جاءه برجل ليبايعه على الهجرة فقال النبي - ﷺ -: \"لا هجرة بعد الفتح\" وقال العباس: أقسمت عليك يا رسول الله - ﷺ - لتبايعنه فوضع النبي - ﷺ - يده في يده وقال: \"أبررت قسم عمي ولا هجرة\" وأجابه إلى صورة المبايعة دون ما قصد بيمينه\" (^٢).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"يجب إبرار القسم على معين\" (^٣).\n_________\n(^١) مواهب الجليل الحطاب ٣/ ٢٦٣.\n(^٢) المغني ٩/ ٤٢٣.\n(^٣) الاختيارات، الفتاوى الكبرى ٥/ ٥٥٢. وراجع مجموع الفتاوي ١/ ٢٠٦ فقد فرق بين السؤال والقسم.","vol":"2","page":311},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-664>١٤٢ - السؤال بالجاه أو بالحق </span>*\nسؤال الله تعالى بجاه فلان أو حرمته توسل بدعي ممنوع كما بينا في باب التوسل. قال ابن تيمية: \"فأما قول القائل عند ميت من الأنبياء والصالحين: اللهم إني أسألك بفلان أو بجاه فلان أو بحرمة فلان، فهذا لم ينقل عن النبي - ﷺ - ولا عن الصحابة ولا عن التابعين، وقد نص غير واحد من العلماء أنه لا يجوز، ونقل عن بعضهم جوازه\" (^١).\nوممن منعه أبو حنيفة وأبو يوسف وغيرهما من أئمة الحنفية، قال الإمام ابن القيم: \"قال أبو الحسين القدوري في شرح كتاب الكرخي: قال بشرُ بن الوليد: سمعت أبا يوسف يقول: قال أبو حنيفة \"لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به. قال: وأكره أن يقول: أسألك بمَعْقِدِ العز من عرشك. وأكره أن يقول: بحقِّ فلان، وبحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت الحرام\".\nقال أبو الحسين: أما المسألة بغير الله فمنكرة في قولهم؛ لأنه لا حق لغير الله عليه وإنما الحق لله علي خلقه.\nوقال ابن بلدَجي في شرح المختار: ويكره أن يدعو الله تعالى إلا به، فلا يقول: أسألك بفلان، أو بملائكتك، أو بأنبيائك ونحو ذلك؛ لأنه لا حقّ للمخلوق علي خالقه، أو يقول في دعائه: أسألك بمعقد العز من عرشك. وعن أبي يوسف جوازه.\nوما يقول فيه أبو حنيفة وأصحابه \"أكره كذا\" هو عند محمد حرام. وعند أبي\n_________\n* الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٢/ ١٨٤. وانظر مراجع باب (التوسل).\n(^١) الاستغاثة لابن تيمية ص ٣٣٦.","vol":"2","page":312},{"text":"حنيفة وأبي يوسف هو إلى الحرام أقرب، وجانب التحريم فيه أغلب\" (^١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"قال أبو يوسف: وأكره أن يقول بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام\" (^٢).\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان ١/ ٢١٦، ٢١٧.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١/ ٢٠٣.","vol":"2","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-665>١٤٣ - السؤال بوجه الله </span>*\nوجه الله صفة ذاتية ثابتة لله ﷾ في كتابه وأحاديث نبيه محمد - ﷺ -.\nقال الله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٧٢]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ [الرعد:٢٢]. وقال قوّام السنة الأصفهاني: \"ذكر إثبات وجه الله - ﷿ - الذي وصفه بالجلال والإكرام والبقاء قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٧] \" (^١). وجاء في حديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ - حين قَالَ له رَسُولُ الله - ﷺ -: \"وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ الله إِلا أُجِرْتَ بِهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِيِّ امْرَأَتِكَ\" (^٢).\nوورد النهي عن السؤال بوجه الله الكريم الأمورَ الحقيرةَ وحوائجَ الدنيا إجلالا لله وتعظيما له سبحانه ولا يستثني من ذلك إلا الجنة التي هي غاية المطالب لشرفها وعظمها ويستثنى كذلك ما هو وسيلة إلى الجنة (^٣).\nوإذا سأل بوجه الله غير الجنة وما يقرب إليها فهذا ينافي كمال التوحيد الواجب.\n* الدليل من السنة: عَنْ جَابرٍ بن عبد الله - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"لا يُسْأل بِوَجْهِ الله إِلا الْجَنَّةُ\" (^٤).\nوقال الطيبي: \"أي لا تسألوا من الناس شيئا بوجه الله مثل أن تقولوا أعطني\n_________\n* تيسير العزيز الحميد ص ٦٧١. فتح المجيد ص ٥٤٧. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ٣٥٠. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٣/ ١١٦، ط ٢ - ٣/ ١٤٤ ومن المجموع ١٠/ ٩٤٢. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٤٨. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١/ ٩٢.\n(^١) الحجة ١/ ١٩٩.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٧٣٣).\n(^٣) انظر تيسير العزيز الحميد ص ٦٧٢.\n(^٤) أخرجه أبو داود (١٦٧١).","vol":"2","page":314},{"text":"شيئا بوجه الله أو بالله فإن اسم الله أعظم من أن يسأل به متاع الدنيا بل اسألوا به الجنة أو لا تسألوا الله متاع الدنيا بل رضاه والجنة\" (^١).\nوفي المعجم الكبير عن أبي عبيد مولى رفاعة بن رافع أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ملعون من سأل بوجه الله وملعون من سُئل بوجهه فمنع سائله\" (^٢).\nوعن أبي موسى الأشعري أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: \"ملعون من سئل بوجه الله ثم منع سائله ما لم يسأل هجرا\" (^٣).\nقال الصنعاني: \"هجرًا بضم الهاء وسكون الجيم أي أمرا قبيحا لا يليق ويحتمل ما لم يسأل سؤالا قبيحا أي بكلام يقبح ولكن العلماء حملوا هذا الحديث علي الكراهة ويحتمل أنه يراد به المضطر ويكون ذكره هنا أن منعه مع سؤاله بالله أقبح وأفظع ويحمل لعن السائل علي ما إذا ألحَّ في المسألة حتى أضجر المسؤول\" (^٤).\nوقال في مغني المحتاج: \"يكره للإنسان أن يسأل بوجه الله غير الجنة وأن يمنع من يسأل بالله وتشفع به لخبر: لا يسأل بوجه الله إلا الجنة\" (^٥).\nوقد بوب لها أبو داود والبيهقي بقوله: \"باب: كراهية المسألة بوجه الله - ﷿ -\". قال في عون المعبود: \"إذ كل شيء أحقر دون عظمته تعالى والتوسل بالعظيم في الحقير تحقير له\" (^٦).\nوسئل الشيخ ابن عثيمين عن المراد بقول النبي - ﷺ -: \"لا يسأل بوجه الله إلا الجنة\" فأجاب - ﵀ - بقوله: \"اختلف في المراد به علي قولين:\n_________\n(^١) عون المعبود ٥/ ٦٠، ٦١.\n(^٢) رقم (٩٤٣) ٢٢/ ٣٧٧.\n(^٣) الترغيب والترهيب ١/ ٣٤٢.\n(^٤) سبل السلام ٤/ ١٧٠.\n(^٥) مغني المحتاج الشربيني ٣/ ١٢٢.\n(^٦) عون المعبود آبادي ٥/ ٦٠.","vol":"2","page":315},{"text":"القول الأول: أن المراد لا تسألوا أحدًا من المخلوقين بوجه الله فإذا أردت أن تسأل أحدا من المخلوقين لا تسأله بوجه الله، لأنه لا يسأل بوجه الله إلا الجنة، والخلق لا يقدرون علي إعطاء الجنة، فإذًا لا يسألون بوجه الله مطلقًا.\nالقول الثاني: أنك إذا سألت الله فإن كان الجنة وما يستلزم دخولها فاسأل بوجه الله، وإن كان من أمور الدنيا فلا تسأل بوجه الله، فأمور الآخرة تسأل بوجه الله كقولك مثلا: أسألك بوجهك أن تنجيني من النار. والنبي - ﷺ -، استعاذ بوجه الله لما نزل قول الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥]، قال: أعوذ بوجهك ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] قال: أعوذ بوجهك: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥] قال هذه أهون أو أيسر.\nولو قيل إنه يحتمل المعنيين جميعًا لكان له وجه\" (^١).\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"والظاهر أن كلا المعنيين صحيح\" (^٢).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-666> مسألة: قول \"يا وجه الله</span>\":\nسُئل عنها المفتي محمد بن إبراهيم فأجاب: \"ما تنبغي وممكن مقصودهم الذات\" (^٣).\n* مسألة: يشكل علي هذا ورود أحاديث فيها سؤال بوجه الله لأمور غير الجنة.\nقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن - ﵀ -: \"وهنا سؤال: وهو أنه قد ورد في دعاء النبي - ﷺ - عند مُنصرفه من الطائف، حين كذَّبه أهل الطائف ومن في الطائف من أهل مكة، فدعا - ﷺ - بالدعاء المأثور \"اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني علي الناس، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى مَنْ تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أو إلى عدو ملَّكته أمري؟ إن لم يك بك غضبٌ عليَّ فلا أُبالي، غبت أن\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١/ ٩٢.\n(^٢) تيسير العزيز الحميد ص ٦٧١.\n(^٣) فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم ١/ ١١٧.","vol":"2","page":316},{"text":"عافيتك هي أوسعُ لي\"، وفي آخره: \"أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلماتُ، وصلُح عليه أمرُ الدنيا والآخرة: أن يَحُلَّ عليَّ غضبُك، أو ينزل بي سخطك، لك العُتبى حتى ترضي، ولا حول ولا قوة إلا بالله\" (^١) والحديث المروي في الأذكار \"اللهم أنت أحق من ذكر، وأحق من عبد - وفي آخره - أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له السموات والأرض\" (^٢).\nوفي حديث آخر \"أعوذ بوجه الله الكريم، وباسم الله العظيم وبكلماته التامة، ومن شر السّامة واللّامة، ومن شر ما خلقت أي ربِّ، ومن شر هذا اليوم ومن شر ما بعده ومن شر الدنيا والآخرة\" وأمثال ذلك في الأحاديث المرفوعة بالأسانيد الصحيحة أو الحسان.\nفالجواب: أنَّ ما ورد من ذلك فهو في سؤال ما يُقرِّب إلى الجنة، أو ما يمنعه من الأعمال التي تمنع من الجنة، فيكون قد سأل بوجه الله وبنور وجهه ما يُقرِّبُ إلى الجنة؛ كما في الحديث الصحيح \"اللهم إني أسألك الجنة وما يقرب إليها من قولٍ أو عمل، وأعوذ بك من النار وما يقرب إليها من قول أو عمل\".\nبخلاف ما يختصُّ بالدنيا، كسؤاله المال والرزق والسعة في المعيشة رغبةً في الدنيا، مع قطع النظر عن كونه أراد بذلك ما يعينه على عمل الآخرة فلا ريب أن الحديث يدلُّ علي المنع من أن يسأل حوائج دنياه بوجه الله.\nوعلي هذا: فلا تعارض بين الأحاديث، كما لا يخفي، والله أعلم\" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في كتاب الدعاء (١٠٣٦) وهو في المجمع للهيثمي (٦/ ٣٥).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٨٠٢٧) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١١٧) وفيه فضال بن جبير وهو ضعيف مجمع علي ضعفه.\n(^٣) فتح المجيد ص ٥٤٧، ٥٤٨.","vol":"2","page":317},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-667>١٤٤ - سب الأنبياء والملائكة </span>*\nالسب: الشتم (^١).\nوقال في مختار الصحاح: \"السب: الشتم والقطع والطعن\" (^٢).\nوالشتم: قبيح الكلام الذي يقصد به الانتقاص والاستخفاف بحق المسبوب ويرجع معرفة الأذى والسب والشتم إلى العرف وله أنواع متعددة (^٣).\nقال إبراهيم الحربي: \"السباب: فوق الشتم وهو أن يقول الرجل ما فيه وما ليس فيه ويعيبه بذلك\" (^٤).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"هو الكلام الذي يُقصد به الانتقاص والاستخفاف وهو ما يفهم منه السب في عقول الناس علي اختلاف اعتقاداتهم كاللعن والتقبيح وهو الذي دل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] \" (^٥).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-668> حكم سب الأنبياء والملائكة:</span>\nقال مالك: \"من سب أحدا من الأنبياء والرسل أو جحد ما أنزل عليه أو جحد منهم أحدا أو جحد ما جاء به فهو بمنزلة من سب رسول الله - ﷺ -، يُصنع فيه ما يصنع فيه هو؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ\n_________\n* الشفا ٢/ ٩٣٢، الصارم المسلول ص ٥٣٨ - ٥٤٣. منهج الإمام مالك في العقيدة ص ٤١٩ - ٤٣٦. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٣/ ٥٣٠.\n(^١) النهاية (س ب ب).\n(^٢) مختار الصحاح (س ب ب).\n(^٣) الشفا ٢/ ٩٣٢، الصارم المسلول ص ٥٣٨ - ٥٤٣، ٥٦٦. منهج الإمام مالك في العقيدة ص ٤١٩.\n(^٤) الإيمان لابن منده ٢/ ٦٧٢.\n(^٥) الصارم المسلول ص ٥٦٦.","vol":"2","page":318},{"text":"كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥]، وقال سبحانه: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ [البقرة:١٣٦]، ثم قال تعالى علي أثرها: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧)﴾ [البقرة: ١٣٧]، وقال في سورة النساء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١] \" (^١).\nقال محمد بن عبد الحكم: \"أخبرنا أصحاب مالك أنه قال: من سبَّ النبي - ﷺ - أو غيره من النبيين مسلمًا كان أو كافرًا، قُتِل ولم يُستَتَب\" (^٢).\nوقال القاضي عياض: \"وحكم من سب أنبياء الله تعالى وملائكته، واستخف بهم أو كذبهم فيما أتوا به، أو أنكرهم وجحدهم، حكم نبينا - ﷺ - \" (^٣).\nوقال شيخ الإسلام: \"والحكم في سب سائر الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - كالحكم في سب نبينا - ﷺ -، فمن سب نبيًا مسمي باسمه من الأنبياء المعروفين المذكورين في القرآن أو موصوفا بالنبوة - مثل أن يذكر في حديث أن نبيا فعل كذا أو قال كذا، فيسب ذلك القائل أو الفاعل، مع العلم بأنه نبي، وإن لم يعلم من هو، أو يسب نوع الأنبياء على الإطلاق - فالحكم في هذا كما تقدم؛ لأن الإيمان بهم\n_________\n(^١) البيان والتحصيل ١٦/ ٤١٥ نقلًا عن منهج الإمام مالك في العقيدة ص ٤٣٦.\n(^٢) الشفا ٢/ ٩٣٦ - ٩٣٧. الصارم المسلول ص ٣١١.\n(^٣) الشفا ٢/ ١٠٩٧.","vol":"2","page":319},{"text":"واجب عموما، وواجب الإيمان خصوصا بمن قصه الله علينا في كتابه، وسبهم كفر وردة إن كان من مسلم، ومحاربة إن كان من ذمي\" (^١).\nوعند النظر في قوله: \"فمن سب نبيًا مسمي باسمه من الأنبياء المعروفين المذكورين في القرآن أو موصوفا بالنبوة\" تعلم أن هذا الحكم خاص بمن قُطع بنبوته أو بأنه من الملائكة وأما من اُختُلِف فيه فلا يتناوله ذلك الحكم.\nقال شيخ الإسلام: \"ولا ريب أن جرم سابِّه أعظم من جرم سابِّ غيره كما أن حرمته أعظم من حرمة غيره، وإن شاركه سائر إخوانه من النبيين والمرسلين في أن سابَّهم كافر محارب حلال الدم، فأما إن سبَّ نبيًا غير معتقدٍ لنبوته فإنه يُستتاب من ذلك إذا كان ممن علمت نبوته بالكتاب والسنة؛ لأن هذا جحد لنبوته إن كان ممن يجهل أنه نبي فإنه سبّ محض فلا يقبل قوله إني لم أعلم أنه نبي\" (^٢).\nوقال القاضي: \"فأما من لم تثبت الأخبار بتعيينه، ولا وقع الإجماع علي كونه من الملائكة أو الأنبياء ... فليس الحكم في سابِّهم والكافر بهم كالحكم فيمن قدمناه، إذ لم تثبت لهم تلك الحرمة، ولكن يزجر من تنقصهم وآذاهم، ويؤدب بقدر الحال المقول فيهم، لا سيما من عرفت صدِّيقَيَّتَهُ وفضله منهم، وإن لم تثبت نبوته، وأما إنكار نبوتهم أو كون الآخر من الملائكة فإن كان المتكلم في ذلك من أهل العلم فلا حرج لاختلاف العلماء في ذلك، وإن كان من عوام الناس زجر عن الخوض في مثل هذا، فإن عاد أُدِّب، إذ ليس لهم الكلام في مثل هذا، وقد كره السلف الكلام في مثل هذا مما ليس تحته عمل لأهل العلم فكيف للعامة\" (^٣).\n_________\n(^١) الصارم المسلول ص ٥٦٥.\n(^٢) الصارم المسلول ص ٥٦٥.\n(^٣) الشفا ٢/ ١٠٩٩ - ١١٠١.","vol":"2","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-669>١٤٥ - سب أمهات المؤمنين </span>*\nيقول الإمام إسماعيل الصابوني - ﵀ -، ضمن ذكره لعقيدة أهل السنة والجماعة: \"وكذلك يرون تعظيم قدر أزواجه - ﵅ - والدعاء لهن، ومعرفة فضلهن والإقرار بأنهن أمهات المؤمنين\" (^١).\nوقال ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)﴾ [النور: ٢٣ - ٢٤].\n\"هذا وعيد من الله تعالى للذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات، خرج مخرج الغالب، فأمهات المؤمنين أولى بالدخول في هذا من كل محصنة، ولا سيما التي كانت سبب النزول، وهي عائشة بنت الصديق - ﵂ -، وقد أجمع العلماء ﵏ قاطبة على أن من سبها بعد هذا، ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في هذه الآية، فإنه كافر؛ لأنه معاند للقرآن\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-670> حكم سب عائشة - ﵂ </span>-:\nقال شيخ الإسلام: \"فأما من سبَّ أزواج النبي - ﷺ - فقال القاضي أبو يعلي: من\n_________\n* تفسير ابن جرير ١٨/ ٨٣، تفسير القرطبي ١٢/ ١٣٦، الصارم المسلول علي شاتم الرسول لابن تيمية. المحلى ١١/ ٤١٥. الصواعق المحرقة ص ٣٨٧ الدرر السنية ١/ ٣٢. اعتقاد أهل السنة في الصحابة ص ٦٤، ٦٥. منهج الإمام مالك في العقيدة ص ٤٣٨. وانظر المراجع المذكورة في باب (سب الصحابة) فقد تطرق بعضهم إلى ذكر أحكام هذا الباب.\n(^١) عقيدة السلف أصحاب الحديث ص ٩٣.\n(^٢) تفسير ابن كثير ٣/ ٢٧٦. وذكر الإجماع كذلك في البداية والنهاية ٨/ ٩٥.","vol":"2","page":321},{"text":"قذف عائشة - ﵂ - بما برأها الله منه كفر بلا خلاف، وقد حكي الإجماع علي هذا غير واحد. وصرح غير واحد من الأئمة بهذا الحكم، فرُوي عن مالك: من سب أبا بكر جُلد، ومن سب عائشة قُتل. قيل له: لِمَ؟ قال: من رماها فقد خالف القرآن؛ لأن الله تعالى قال ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ \" (^١).\nوقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: \"ومن يقذف الطيبة الطاهرة أم المؤمنين زوجة رسول رب العالمين - ﷺ - في الدنيا والآخرة، كما صح ذلك عنه، فهو من ضرب عبد الله بن أبي سلول رأس المنافقين ولسان حال رسول الله - ﷺ - يقول: يا معشر المسلمين من يعذرني فيمن آذاني في أهلي ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧ - ٥٨] فأين أنصار دينه ليقولوا: نحن نعذرك يا رسول الله\" (^٢).\nكما أن الطعن بها - ﵂ - فيه تنقيص برسول الله - ﷺ - من جانب آخر، حيث قال الله - ﷿ -: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ...﴾ والآيات [النور: ٢٦].\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-671> حكم قذف بقية أمهات المؤمنين:</span>\nالقول في قذف سائر زوجات النبي - ﷺ - كالقول في سب عائشة - ﵂ -.\nقال القاضي عياض: \"ومن سب غير عائشة من أزواج النبي - ﷺ - ففيها قولان:\n_________\n(^١) الصارم المسلول ص ٥٦٥، ٥٦٦، وانظر الشفا ص ١١٠٩ والمحلي ١١/ ٤١٤، ٤١٥.\n(^٢) رسالة في الرد علي الرافضة ٢٥، ٢٦. ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب - ﵀ - (ملحق المصنفات).","vol":"2","page":322},{"text":"أحدهما: يقتل؛ لأنه سبّ النبي - ﷺ - بسبِّ حليلته.\nوالآخر: أنها كسائر الصحابة؛ يُجلد حدّ المفتري؛ قال (^١): وبالأول أقول\" (^٢).\nوقال شيخ الإسلام: \"وأما من سبّ غير عائشة من أزواجه - ﷺ - ففيه قولان:\nأحدهما: أنه كسابِّ غيرهن من الصحابة عليما سيأتي.\nوالثاني: وهو الأصح أنه من قذف واحدة من أمهات المؤمنين فهو كقذف عائشة، وقد تقدم معنى ذلك عن ابن عباس، وذلك لأن هذا فيه عار وغضاضة علي رسول الله - ﷺ -، وأذى له أعظم من أذاه بنكاحهن بعده، وقد تقدم التنبيه علي ذلك فيما مضي عند الكلام علي قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية والأمر فيه ظاهر\" (^٣).\nوقال أحمد بن حجر الهيتمي المكي: \"وأما الوقيعة في عائشة - ﵂ -، فموجب للقتل. إما لأن القرآن شهد ببراءتها فقذفها تكذيبٌ له وتكذيبُه كفرٌ، وإما لكونها فراشًا له - ﷺ -، والوقيعة فيها تنقيصٌ له، وتنقيصُه كفرٌ، وينبني وعلي ذلك حكم الوقيعة في بقية أمهات المؤمنين، فعلى الأول لا يكون كفرًا، وعلي الثاني يكون كفرًا، وهو الأرجح عند بعض المالكية، وإنما لم يقتل - ﷺ - قذفة عائشة لأن قذفهم كان قبل نزول القرآن فلم يتضمن تكذيب القرآن، ولأن ذلك نزول بعد نزول الآية، فلم ينعطف حكمه علي ما قبلها\" (^٤).\n_________\n(^١) يبدو أن النقل من القاضي عياض عن كتاب ابن شعبان لأنه صدَّر به الكلام.\n(^٢) الشفا بتعريف حقوق المصطفي ص ١١١٣.\n(^٣) الصارم المسلول ص ٥٦٧.\n(^٤) الصواعق المحرقة ص ٣٨٧.","vol":"2","page":323},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-672>١٤٦ - سب الدين أو الرب </span>*\nتقدم فيما سبق معنى الدين. والرب.\nقال ابن الأثير: \"يطلق في اللغة علي المالك والسيد والمدبر والمربي والقيِّم ولا يطلق غير مضاف إلا علي الله تعالى\" (^١). وقد تقدم في باب (توحيد الربوبية) زيادة إيضاح في ذلك وهنا نتكلم عن حكم من تلفظ والعياذ بالله بسب أحدهما وبابه حكم المرتد وانظر ما ترجمناه في باب الردة فهو داخل في الردة القولية.\nقال السفاريني: \"والزنادقة هم الذين يسبون الله - ﷿ - أو واحدًا من أنبيائه وكذلك من سب النبي - ﷺ - أو عابه أو ألحق به نقصًا في نفسه أو نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله أو شبهه بشيء علي طريق التشويه أو الازدراء عليه أو التصغير لشأنه، قال في الفروع: ويقتل من سب الله أو رسوله، نقل حنبل عن الإمام أحمد - ﵁ -: أو تنقصه ولو تعريضًا. وقال: من عرض بشيء من ذكر الرب فعليه القتل مسلمًا كان أو كافرًا. قال: وهو مذهب أهل المدينة. وسأله ابن منصور: ما الشتيمة التي يقتل بها؟ قال نحن نرى في التعريض الحد.\nوفي فصول ابن عقيل عن الأصحاب لا تقبل توبته إن سب النبي - ﷺ - لأنه حق آدمي لم يعلم إسقاطه وأما إن سب الله فتقبل توبته لأنه يقبل التوبة في خالص حقه\" (^٢).\nوقال ابن باز - ﵀ -: \"أجمع العلماء قاطبة علي أن المسلم متى سب الدين أو\n_________\n* لوامع الأنوار للسفاريني ١/ ٣٩٦. الدرر السنية ١/ ٧٤. مجموع الفتاوي لابن باز ٢/ ٥٢٥. فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٢٧. نور علي الدرب ص ١٥٧، ١٥٨. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١/ ٥٢، ٢/ ١٥٠ - ١٥٢. المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة الأحمدي ٢/ ٩٣. نواقض الإيمان القولية والعملية ١٠٦.\n(^١) النهاية (ر ب ب).\n(^٢) العقيدة السفارينية ص ٣٩٧.","vol":"2","page":324},{"text":"تنقصه أو سب الرسول - ﷺ - أو تنقصه أو استهزء به فإنه يكون مرتدا كافرا حلال الدم والمال يستتاب فإن تاب وإلا قتل ... \" (^١).\nقال ابن باز - ﵀ -: \"سب الدين من أعظم الكبائر ومن أعظم المنكرات وهكذا سب الرب - ﷿ - وهذان الأمران من أعظم نواقض الإسلام، ومن أسباب الردة عن الإسلام، فإذا كان من سب الرب سبحانه أو سب الدين ينتسب للإسلام فإنه يكون مرتدًا بذلك عن الإسلام ويكون كافرًا يستتاب فإن تاب وإلا قتل من جهة ولي أمر البلد بواسطة المحكمة الشرعية، وقال بعض أهل العلم إنه لا يستتاب بل يقتل، لأن جريمته عظيمة، ولكن الأرجح أنه يستتاب لعل الله يمن عليه بالهداية فيلزم الحق، ولكن ينبغي أن يعزر بالجلد والسجن حتى لا يعود لمثل هذه الجريمة العظيمة، وهكذا لو سب القرآن أو سب الرسول - ﷺ - أو غيره من الأنبياء فإنه يستتاب فإن سب الدين أو سب الرسول أو سب الرب - ﷿ - من نواقض الإسلام، وهكذا الاستهزاء بالله أو برسوله أو بالجنة أو بالنار أو بأوامر الله كالصلاة والزكاة، فالاستهزاء بشيء من هذه الأمور من نواقض الإسلام، قال الله سبحانه: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦] \" (^٢).\nوقال الشيخ ابن عثيمين: \"الحكم فيمن سب الدين الإسلامي أنه يكفر فإن سب الدين والاستهزاء به ردة عن الإسلام وكفر بالله وبدينه\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-673>١٤٧ - سب الدهر</span>\nانظر باب (الدهر).\n_________\n(^١) نور علي الدرب ١٥٨.\n(^٢) مجوع فتاوي ابن باز ص ٥٢٦.\n(^٣) مجوع الفتاوي ٢/ ١٥٢.","vol":"2","page":325},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-674>١٤٨ - الرسول - ﷺ </span>- *\nسبق تعريف السب وأنه الكلام الذي يقصد به الانتقاص والاستخفاف، وسأتناول بشيء من التفصيل حكم من سب الرسول - ﷺ - أو تنقَّصه أو شتمه أو عابه أو استهزأ به.\nقال صاحب الإنصاف: \"من سب الله تعالى أو رسوله - ﷺ - كفر\" (^١). ثم قرر أن: \"حكم من تنقص النبي - ﷺ - حكم من سبه صلوات الله وسلامه عليه\" (^٢).\nقال أبو مصعب (^٣): \"سمعنا مالكًا يقول -: من سبَّ النبي - ﷺ - أو شتمه، أو عابه، أو تنقصه قتل، مسلمًا كان أو كافرًا، ولا يستتاب\" (^٤).\nوقال ابن وهب: \"قال مالك: من قال إن رداء النبي - ﷺ - وسخ أراد عيبه، قُتل\" (^٥).\n_________\n* الشفا للقاضي عياض ٢/ ٩٣٤، ٩٣٨. التمهيد لابن عبد البر ٦/ ١٦٧ - ١٦٨. أحكام القرآن القرطبي ٨/ ٨٣. الصارم المسلول على شاتم الرسول لشيخ الإسلام ابن تيمية. أحكام أهل الذمة لابن القيم ٢/ ٨٣٠، ٨٩٠. عمدة القارئ للعيني ٢٤/ ٨٢. فتح الباري ١٢/ ٢٨١. لوامع الأنوار للسفاريني ١/ ٣٩٦ الدرر السنية ١٠/ ١٧٩. مجموع الفتاوى لابن باز ٢/ ٥٢٧. المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة الأحمدي ٢/ ٩٥. منهج الإمام مالك في العقيدة ٤١٩. الإمام الخطابي ومنهجه في العقيدة لأبي عبد الرحمن العلوي ص ٣٦٥. نواقض الإيمان القولية والعملية ص ١٦٤.\n(^١) الإنصاف ١٠/ ٣٢٦.\n(^٢) الإنصاف ١٠/ ٣٣٣.\n(^٣) أبو مصعب: أحمد بن أبي بكر الزهري، قاضي المدينة وعالمها، وهو من رواة الموطأ (التقريب ٧٨).\n(^٤) الشفا ٢/ ٩٣٦، ٩٣٧. الصارم المسلول ص ٣١١.\n(^٥) الشفا ٢/ ٩٣٧، ٩٣٨.","vol":"2","page":326},{"text":"وقال أبو بكر بن المنذر: \"أجمع عوام (^١) أهل العلم علي أن من سبَّ النبي - ﷺ - يقتل، وممن قال ذلك مالك بن أنس، والليث، وأحمد، وإسحق، وهو مذهب الشافعي. قال القاضي عياض: وهو مقتضي قول أبي بكر الصديق - ﵁ -، ولا تقبل توبته عند هؤلاء المذكورين، وبمثله قال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري وأهل الكوفة والأوزاعي في المسلم\" (^٢).\nوقال الإمام إسحاق بن راهويه: \"أجمع المسلمون علي أن من سب الله أو سب رسوله - ﷺ - أو دفع شيئا مما أنزل الله - ﷿ -؛ أو قتل نبيا من أنبياء الله - ﷿: أنه كافر بذلك وإن كان مقرًا بكل ما أنزل الله\" (^٣).\nوقال القاضي: \"قال محمد بن سحنون: أجمع العلماء على أن شاتم النبي - ﷺ - والمتنقص له كافر، والوعيد جارٍ عليه بعذاب الله له، وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر. وقال أبو سليمان الخطابي: لا أعلم أحدًا من المسلمين اختلف في وجوب قتله إذا كان مسلمًا\" (^٤).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"قد اتفقت نصوص العلماء من جميع الطوائف علي أن التنقص له كفر مبيح للدم\" (^٥).\nوقال ابن باز: \"كل من سب الله سبحانه بأي نوع من أنواع السب أو سب الرسول محمدا - ﷺ -، أو غيره من الرسل بأي نوع من أنواع السب أو سب الإسلام أو تنقص أو استهزأ بالله أو برسوله - ﷺ -، فهو كافر مرتد عن الإسلام إن كان يدّعي الإسلام أو تنقص\n_________\n(^١) المقصود: جمع عامة بمعنى جماعة كثيرة، وليس المراد العامي.\n(^٢) الشفا ٢/ ٩٣٣ الصارم المسلول ص ٣ - ٤. فتح الباري ١٢/ ٢٨١.\n(^٣) الصارم المسلول ٢/ ١٥.\n(^٤) الشفا ٢/ ٩٣٤ - ٩٣٥. وقد نقل هذا القول شيخ الإسلام في الصارم المسلول ٢/ ١٥ - ١٦.\n(^٥) الصارم المسلول ٥٢٧.","vol":"2","page":327},{"text":"بإجماع المسلمين لقول الله - ﷿ - ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦] \" (^١).\nوقال في الشفا: \"قال أبو حنيفة وأصحابه من برئ من محمد - ﷺ - أو كذب به فهو مرتد حلال الدم إلا أن يرجع\" (^٢).\nوقال القاضي عياض: \"أن يكون القائل لما قال في جهته - ﵇ - غير قاصد للسب، والإزراء، ولا معتقد له. ولكنه تكلم في جهته - ﵇ - بكلمة الكفر من لعنه، أو سبه، أو تكذيبه أوإضافة ما لا يجوز عليه، أو نفي ما يجب له مما هو في حقه - ﷺ - نقيصه مثل أن ينسب إليه إتيان كبيرة. أو مداهنة في تبليغ الرسالة. أو في حكم بين الناس. أو يغض من مرتبته أو شرف نسبه أو وفر علمه، أو زهده، أو يكذب بما اشتهر به من أمور أخبر بها وتواتر الخبر بها عن قصد لرد خبره. أو يأتي بسفه من القول، وقبيح من الكلام، ونوع من السب في حقه. وإن ظهر بدليل حاله، أنه لم يتعمد ذمه ولم يقصد سبه. إما لجهالة حملته علي ما قاله. أو الضجر، أو سكر اضطره إليه، أو قلة مراقبة وضبط للسانه، وعجرفة، وتهور في كلامه.\nفحكم هذا الوجه حكم الوجه الأول القتل. وإن تلعثم. إذ لا يعذر أحد في الكفر بالجهالة، ولا بدعوى زلل اللسان ولا بشيء مما ذكرناه إذا كان عقله في فطرته سليمًا، إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان\" (^٣).\nوقوله: \"إذ لا يُعذر أحد في الكفر بالجهالة\" لأن سب الرسول - ﷺ - مما لا يتصور جهله بل هو من المعلوم من الدين بالضرورة.\nيقول السبكي: \"وفي هذا بحث زائد وهو أن القتل هل هو لعموم الردة أو\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن باز ٢/ ٥٢٧.\n(^٢) الشفا ص ٩٧٥.\n(^٣) انظر: الشفا بتعريف حقوق المصطفى ص ٩٧١، ٩٧٢.","vol":"2","page":328},{"text":"لخصوص السَّبِّ؟ أو لهما معا؟ ... ولا شك أن الردة موجبة للقتل بالإجماع والنصوص، وخصوصُ السبِّ موجبٌ للقتل بحديث: \"من سب نبيا فاقتلوه\" ويترتب الحكم على الأذى وبترتيب الحكم علي خصوص الوصف يشعر بأنه هو العِلّة، وقد وُجِد في السابّ المسلم المعنيان جميعًا، أعني: الردة والسب فيكون اجتمع علي قتله علتان، كل منهما موجبة للقتل، والقتلَ حدٌّ لكل منهما، وقد تجتمع عِلّتان شرعيتان علي معلول واحد؛ ولهذا البحث أثر يظهرُ فيما إذا صدر السَّبُّ من كافر فإنه انفرد فيه السبُّ عن الارتداد وفيما إذا تاب السابُّ وأسلم\" (^١).\nوهذا الإجماع الذي نقلناه عن العلماء منصوص في قتل الساب سواء كان مسلمًا أو ذميًا. إلا أن أبا حنيفة وأصحابه خالفوا الإجماع في قتل الذمي وانتقاض عهده بالسب (^٢). وذكروا أن ما هم عليه من الشرك أعظم. وقولهم مردود؛ لأنه مخالف للنص والإجماع. أما الإجماع فقد تقدم ذكره وأما النص فقد ثبت في سنن أبي داود عن عبد الله بن عباس - ﵄ -: \"أَنَّ أَعْمَى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَشْتُمُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَتَقَعُ فِيهِ فَيَنْهَاهَا فَلا تَنْتَهِي وَيَزْجُرُهَا فَلا تَنزجِرُ قَالَ فَلَمَّا كَانَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ جَعَلَتْ تَقَعُ فِي النَّبِيِّ - ﷺ - وَتَشْتُمُهُ فَأَخَذَ الْمِغْوَلَ فَوَضَعَهُ فِي بَطْنِهَا وَاتَّكَأَ عَلَيْهَا فَقَتَلَهَا فَوَقَعَ بَيْنَ رِجْلَيْهَا طِفْلٌ فَلَطَّخَتْ مَا هُنَاكَ بِالدَّمِ فَلَمَّا أَصْبَحَ ذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ الله - ﷺ - فَجَمَعَ النَّاسَ فَقَالَ: \"أَنْشُدُ الله رَجُلا فَعَلَ مَا فَعَلَ لِي عَلَيْهِ حَقٌّ إِلَّا قَامَ\" فَقَامَ الأَعْمَى يَتَخَطَّى النَّاسَ وَهُوَ يَتَزَلْزَلُ حَتَّى قَعَدَ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَال: يَا رَسُولَ الله أَنَا صَاحِبُهَا، كَانَتْ تَشْتُمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ، فَأَنْهَاهَا فَلا تَنتهِي وَأَزْجُرُهَا فَلا تَنزجِرُ وَلِي مِنْهَا ابْنَانِ مِثْلُ اللُّؤْلُؤَتَيْنِ وَكَانَتْ بِي رَفِيقَةً، فَلَمَّا كَانَ الْبَارِحَةَ جَعَلَتْ تَشْتُمُكَ وَتَقَعُ\n_________\n(^١) السيف المسلول ص ١٥٤، ١٥٥ وانظر أحكام الذمة لابن القيم ٢/ ٣٠، ٨٩٠. مسائل الإمام أحمد ٢/ ٩٦ - ٩٧.\n(^٢) عمدة القارئ للعيني ٤/ ٨٢ ومختصر الطحاوي ٢٦٢ وفتح القدير مع الهداية ٦/ ٩٨.","vol":"2","page":329},{"text":"فِيكَ فَأَخَذْتُ الْمِغْوَلَ فَوَضَعْتُهُ فِي بَطْنِهَا وَاتَّكَأْتُ عَلَيْهَا حَتَّى قتلْتُهَا فَقَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: \"أَلَا اشْهَدُوا أَنَّ دَمَهَا هَدَرٌ\"\" (^١).\nقال الخطابي - ﵀ - عند شرحه لهذا الحديث: \"وفيه بيان أن ساب النبي - ﷺ - مقتول \"مهدر الدم\"، وذلك أن السب منها لرسول الله - ﷺ - ارتداد عن الدين، ولا أعلم أحدًا من المسلمين اختلف في وجوب قتله\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-675>أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-676>١ - الفرق بين سب الله وسب رسوله - ﷺ </span>-:\nقال الخطابي: \"ويحكي عن مالك أنه كان لا يرى لمن سب النبي - ﷺ - توبة، ويقبل توبة من ذكر الله سبحانه بسب أو شتم ويكف عنه، وأخبرني بعض أهل العلم من أهل الأندلس أن هذه القضية جارية فيما بينهم وأن أمراءهم والقضاة يحكمون بها علي من فعل ذلك، وربما بقي أسراء الروم في أيديهم فيطول مقامهم بينهم فيطلبون الخلاص بالموت فيجاهرون بشتم النبي - ﷺ - فعند ذلك لا ينهون أن يقتلوا، والغالب علي بلاد الأندلس ونواحي الغرب رأي مالك\" (^٣).\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \"ومن فرَّق بين سب الله وسب الرسول قالوا: سب الله تعالى كفر محض وهو حق لله وتوبة من لم يصدر منه إلا مجرد الكفر الأصلي أو الطارئ مقبولة مسقطة للقتل بالإجماع ... فإن الرجل لو أتي من الكفر والمعاصي بملء الأرض ثم تاب تاب الله عليه وهو سبحانه لا تلحقه بالسب غضاضة ولا معرة وإنما يعود ضرر السب علي قائله، وحرمته في قلوب العباد أعظم من أن تنتهكها جرأة الساب، وبهذا يظهر الفرق بينه وبين الرسول فإن السب هناك قد\n_________\n(^١) أبو داود (٤٣٦١)، والنسائي (٤٠٧٥).\n(^٢) معالم السنن ٣/ ٢٩٦.\n(^٣) معالم السنن ٢/ ٢٨١، ٢٨٢.","vol":"2","page":330},{"text":"تعلق به حق آدمي والعقوبة الواجبة لآدمي لا تسقط بالتوبة والرسول تلحقه المعرة والغضاضة بالسب فلا تقوم حرمته، ولا تثبت في القلوب مكانته إلا باصطلام سابه لما أن هجوه وشتمه ينقص من حرمته عند كثير من الناس فإن لم يحفظ هذا الحمى بعقوبة المنتهك وإلا أفضي الأمر إلى الفساد، وهذا الفرق يتوجه بالنظر إلى أن حد سب الرسول حق لآدمي كما يذكره كثير من الأصحاب بالنظر إلى أنه حق لله أيضا فإن ما انتهكه من حرمة الله لا ينجبر إلا بإقامة الحد فأشبه الزاني والسارق والشارب إذا تابوا بعد القدرة عليهم\" (^١).\nوقال الشيخ ابن عثيمين: \" ... سابّ الرسول - ﷺ - تقبل توبته ويجب قتله بخلاف من سب الله فإنها تقبل توبته ولا يقتل، لا لأن حق الله دون حق الرسول - ﷺ - بل لأن الله أخبرنا بعفوه عن حقه إذا تاب العبد بأنه يغفر الذنوب جميعا، أما ساب الرسول - ﷺ - فإنه يتعلق به أمران:\nالأول: أمر شرعي لكونه رسول الله - ﷺ - ومن هذا الوجه تقبل توبته إذا تاب.\nالثاني: أمر شخصي، لكونه من المرسلين، ومن هذا الوجه يجب قتله لحقه - ﷺ - ويقتل بعد توبته علي أنه مسلم، فإذا قتل غسلناه وكفناه وصلينا عليه ودفناه مع المسلمين.\nوهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وقد ألف كتابا في ذلك اسمه: \"الصارم المسلول في حكم قتل ساب الرسول\". وذلك لأنه استهان بحق الرسول - ﷺ - وكذا لو قذفه فإنه يقتل ولا يجلد.\nفإن قيل: أليس قد ثبت أن من الناس من سب الرسول - ﷺ - وقبل منه وأطلقه؟\nأجيب: بلى هذا صحيح لكن هذا في حياته - ﷺ - وقد أسقط حقه، أما بعد موته فلا\n_________\n(^١) الصارم المسلول ص ٥٤٧، ٥٤٨. وفيه زيادة بحث في ذلك ص ٥٤٦، ٥٦٤.","vol":"2","page":331},{"text":"ندري فننفذ ما نراه واجبًا في حق من سبه - ﷺ -\" (^١).\nقال شيخ الإسلام: \"إن الذي عصم دم ابن أبي السرح عفو النبي - ﷺ -، وأنه بالإسلام والتوبة انمحى عنه الإثم، وبعفو النبي - ﷺ - احتقن الدم، وليس للأمة أن يعفوا عن حقه\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-677>٢).\n\n٢ - مما يلحق بهذا الباب لمز الرسول - ﷺ </span>-:\nواللمز: الطعن باللسان (^٣).\nقال في مختار الصحاح: \"\"اللمز\": العيب. وأصله الإشارة بالعين ونحوها ورجل \"لمّاز\" و\"لُمزة\" أي: عيّاب\" (^٤).\nففي لمز الرسول - ﷺ - عيبُه وتنقيصه. وهذا داخل في سبه - ﷺ - لأن السب: \"هو الكلام الذي يقصد به الانتقاص والاستخفاف ... \" (^٥).\nقال الطبري: \"القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾. يقول تعالي ذكره: ومن المنافقين الذين وصفت لك يا محمد صفتهم في هذه الآيات من يلمزك في الصدقات يقول يعيبك في أمرها ويطعن عليك فيها يقال منه لمز فلانًا يلمزه ويلمِزُه إذا عابه وقرصه، وكذلك همزه. ومنه قيل: فلان هُمزة لُمزة\" (^٦).\nوهذه الآية نزلت في ذي الْخُوَيْصِرَةِ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ قال أَبو سَعِيدٍ بَيْنَا\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٨٥٢، ٨٥٣. وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ٢٦، ٢٧. وانظر للاستزادة لقاء الباب المفتوح ٥٣/ ٦٤.\n(^٢) الصارم المسلول ٣٣٧.\n(^٣) تفسير أبي السعود ٨/ ١٢١.\n(^٤) مختار الصحاح باب (ل م ز).\n(^٥) الصارم المسلول ٥٦١ ص، وانظر نواقض الإيمان الاعتقادية د. الوهيبي ص ١٦٣.\n(^٦) تفسير الطبري ١٠/ ١٥٥.","vol":"2","page":332},{"text":"النَّبيُّ - ﷺ - يَقْسِمُ جَاءَ عَبْدُ الله بْنُ ذِي الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ فَقَالَ: اعْدِلْ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: \"ويلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ\" قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ. قَالَ: \"دَعْه، فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاتَهُ مَعَ صَلاتِهِ، وَصِيَامَهُ مع صِيَامِهِ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ، يُنْظَرُ فِي قُذَذِهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي نَصْلِهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي رِصَافِهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي نَضِيِّهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ قَدْ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ، آيَتُهُمْ رَجُلٌ إِحْدَى يَدَيْهِ - أَوْ قَالَ ثَدْيَيْهِ - مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ، - أَوْ قَالَ مِثْلُ الْبَضْعَةِ تَدَرْدَرُ - يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ\". قَالَ أَبُو سَعِيدٍ أَشْهَدُ سمِعْتُ مِنْ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيًّا قتلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ جِيءَ بِالرَّجُلِ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - قَالَ فَنزَلَتْ فيه ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ \" (^١).\nقال الشوكاني في فتح القدير: \"ومعنى الآية: ومن المنافقين من يعيبك في الصدقات: أي في تفريقها وقسمتها\" (^٢).\nوقال الإمام تقي الدين: \"فثبت أن كل من لمز النبي - ﷺ - في حكمه أو قسمه فإنه يجب قتله كما أمر به - ﷺ - في حياته وبعد موته وأنه إنما عفا عن ذلك اللامز في حياته كما قد كان يعفو عمن يؤذيه من المنافقين لما علم أنهم خارجون في الأمة لا محالة وأن ليس في قتل ذلك الرجل كثير فائدة بل فيه من المفسدة ما في قتل سائر المنافقين وأشد\" (^٣).\nوقال - ﵀ -: \"فإن لمز النبي - ﷺ - وأذاه لا يفعله من يعتقد أنه رسول الله حقا أنه أولى به من نفسه وأنه لا يقول إلا الحق ولا يحكم إلا بالعدل وأن طاعته طاعة الله\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٩٣٣).\n(^٢) فتح القدير ٢/ ٣٧٤.\n(^٣) الصارم المسلول ص ١٨٧.","vol":"2","page":333},{"text":"وأنه يجب علي جميع الخلق تعزيره وتوقيره وإذا كان دليلا علي النفاق نفسه فحيثما حصل حصل النفاق.\nوأيضًا فإن هذا القول لا ريب أنه محرم فإما إن يكون خطيئة دون الكفر أو يكون كفرا والأول باطل لأن الله سبحانه قد ذكر في القران أنواع العصاة من الزاني والقاذف والسارق والمطفف والخائن ولم يجعل ذلك دليلًا علي نفاق معين ولا مطلق فلما جعل أصحاب هذه الأقوال من المنافقين علم أن ذلك لكونها كفرا لا لمجرد كونها معصية؛ لأن تخصيص بعض المعاصي يجعلها دليلًا علي النفاق دون بعض لا يكون حتى يختص دليل النفاق بما يوجب ذلك وإلا كان ترجيحًا بلا مرجح فثبت أنه لا بد أن يختص هذه الأقوال بوصف يوجب كونها دليلًا علي النفاق وكلما كان كذلك فهو كفر\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-678>٣ - ويلحق بهذا الباب إيذاء الرسول - ﷺ </span>- (^٢):\nوهذه من صفات المنافقين قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣)﴾ [التوبة: ٦١ - ٦٣].\nقال الشوكاني - ﵀ - في تفسير هذه الآية: \"قوله: ﴿وَمِنْهُمُ﴾؛ هذا نوع آخر مما حكاه الله من فضائح المنافقين وقبائحهم، وذلك أنهم كانوا يقولون للنبي - ﷺ - علي\n_________\n(^١) الصارم المسلول ص ٣٥.\n(^٢) انظر في ذلك نواقض الإيمان الاعتقادية د/ الوهيبي ٢/ ١٦٢، ١٦٣.","vol":"2","page":334},{"text":"وجه الطعن والذم هو أذن، قال الجوهري: يقال رجل أُذن: إذا كان يسمع مقال كل أحد، يستوي فيه الواحد والجمع ومرادهم - أقمأهم الله - أنهم إذا آذوا النبي - ﷺ - وبسطوا فيه ألسنتهم، وبلغه ذلك اعتذروا له وقبل ذلك منهم، لأنه يسمع كل ما يقال له فيصدِّقُه، وإنما أطلقت العرب على من يسمع ما يقال له فيصدِّقُه أنه أذن مبالغة، لأنهم سموه بالجارحة التي هي آلة السماع، حتى كأن جملته أذن سامعة، ... وإيذاؤهم له هو قولهم \"هو أذن\" لأنهم نسبوه إلى أنه يصدق كل ما يقال له ولا يفرق بين الصحيح والباطل اغترارًا منهم بحلمه عنهم، وصفحه عن خباياهم كرمًا وحلمًا وتغاضيًا ... \" (^١).\nوقال شيخ الإسلام - ﵀ -: \"فعلم أن إيذاء رسول الله محادة لله ولرسوله لأن ذكر الإيذاء هو الذي اقتضي ذكر المحادّة، فيجب أن يكون داخلا فيه، ولولا ذلك لم يكن الكلام مؤتلفًا، ... ودل ذلك على أن الإيذاء والمحادة كفر لأنه أخبر أن له نار جهنم خالدا فيها ... \" (^٢).\nوقال شيخ الإسلام - ﵀ -: \"وذلك أن الإيمان والنفاق، أصله في القلب، وإنما الذي يظهر من القول والفعل فرع له ودليل عليه، فإذا ظهر من الرجل شيء من ذلك ترتب الحكم عليه، فلما أخبر سبحانه أن الذين يلمزون النبي - ﷺ -، والذين يؤذونه من المنافقين، ثبت أن ذلك دليل على النفاق وفرع له، ومعلوم أنه إذا حصل فرع الشيء ودليله حصل أصل المدلول عليه، فثبت أنه حيث ما وجد ذلك كان صاحبه منافقا سواء كان منافقا قبل هذا القول أو حدث له النفاق بهذا القول\" (^٣).\nوقال في موضع آخر: \"فالسبُّ إهانة واستخفاف، والانقياد للأمر إكرام وإعزاز،\n_________\n(^١) فتح القدير ٢/ ٣٧٥.\n(^٢) الصارم المسلول ص ٢٠.\n(^٣) الصارم المسلول ص ٣٤.","vol":"2","page":335},{"text":"ومُحالٌ أن يهين القلب من قد انقاد له وخضع واستسلم، أو يستخف به فإذا حصل في القلب استخفاف واستهانة امتنع أن يكون فيه انقياد واستسلام، فلا يكون فيه إيمان، وهذا هو بعينه كفر إبليس، فإنه سمع أمر الله فلم يكذب رسولا ولكن لم ينقد للأمر ولم يخضع له واستكبر عن الطاعة فصار كافرًا\" (^١).\nوقال أيضًا: \"ومعلوم أن أذى الرسول من أعظم المحرمات فإن من آذاه فقد آذي الله وقتلُ سابِّه واجب باتفاق الأمة سواء قيل إنه قتل لكونه ردة أو لكونه ردة مغلظة أوجبت أن صار قتل الساب حدا من الحدود\" (^٢).\n_________\n(^١) الصارم المسلول ص ٥١٩.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٥/ ١٦٩.","vol":"2","page":336},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-679>١٤٩ - سب الريح </span>*\nالريح من روح الله وقد جاءت أحاديث المصطفي ﵊ بالنهي عن سب الريح لأنها إنما تهب عن إيجاد الله تعالى وخلقه لها وأمره، فهو الذي أوجدها وأمرها، فمسبتها مسبة للفاعل الحقيقي، وهو الله جل ذكره ولا يسبها إلا أهل الجهل بالله ودينه وبما شرعه لعباده، ولذلك فإن سب الريح ينافي كمال التوحيد. وقد أرشد النبي - ﷺ - أمته إلى أن يقولوا ما فيه أدب مع الله وخضوع له وتسليم، وما ينفعهم من الدعاء الصالح عند هبوب الريح.\n* الدليل من السنة: عَنْ أُبيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ - \"لا تَسُبُّوا الرِّيحَ فَإِذا رَأَيْتُمْ مَا تَكْرَهُونَ فَقُولُوا: اللهُمَّ إِنَّا نَسْألكَ مِنْ خَيْرِ هَذه الرِّيحِ وَخَيْرِ مَا فِيهَا، وَخَيْرِ مَا أُمِرَتْ بهِ، وَنَعُوذُ بكَ مِنْ شَرِّ هَذه الرِّيحِ وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُمِرَتْ بِهِ\" (^١).\nوعن ثَابِت بْن قَيْسٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ -: يَقُولُ: \"الرِّيحُ مِنْ رَوْح اللهِ\". قَالَ سَلَمَةُ: فَرَوْحُ الله تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَلا تَسُبُّوهَا وَسَلُوا الله خَيْرَهَا وَاسْتَعِيذُوا بِالله مِنْ شَرِّهَا (^٢).\nوفي تيسير العزيز الحميد: \"قال الشافعي: لا ينبغي شتم الريح فإنها خلق مطيع لله، وجند من جنوده، يجعلها الله رحمة إذا شاء، ونقمة إذا شاء. ثم روي بإسناده حديثًا منقطعًا أن رجلا شكى إلى رسول الله - ﷺ - الفقر، فقال له: \"لعلك تسب الريح\".\n_________\n* الآداب الشرعية لابن مفلح ٣/ ٤٢٠. تيسير العزيز الحميد ص ٦٨١. فتح المجيد ص ٥٥٩. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٣٥٦. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٥٠. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٣/ ١٣٩ ومن المجموع ١٠/ ٩٦٥.\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٢٥٢) وقال هذا حديث حسن صحيح.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٥٠٩٧) وابن ماجه (٣٧٢٧).","vol":"2","page":337},{"text":"وقال مطرف: \"لو حبست الريح عن الناس لأنتن ما بين السماء والأرض\"\" (^١).\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"لا يجوز سب الريح بل تجب التوبة عند التضرر بها وهو تأديب من الله تعالى لعباده، وتأديبه رحمة للعباد، فلهذا جاء في حديث أبي هريرة مرفوعا: \"الريح من روح الله تأتي بالرحمة وبالعذاب، فلا تسبوها ولكن سلوا الله من خيرها وتعوذوا بالله من شرها\". رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه.\nوكونها قد تأتي بالعذاب لا ينافي كونها من رحمة الله وعن ابن عباس أن رجلا لعن الريح عند النبي - ﷺ -، فقال: \"لا تلعنوا الريح، فإنها مأمورة، وإنه من لعن شيئا ليس له بأهل رجعت اللعنة إليه\" رواه الترمذي وقال غريب\" (^٢).\nويقاس علي تحريم سب الريح سب الشمس (^٣) أو السحاب وأمثالهما من كل مخلوق لا يملك أن يفعل شيئًا إلا بأمر الله ﷾ (^٤)، ولا يَرِدُ علي هذا الباب من له إرادة وتصرف كبني آدم فإنه يجوز سبهم إذا كان بحق (^٥).\nقال السعدي: \"وهذا نظير ما سبق في سب الدهر أراد أن ذلك الباب عام في سب جميع حوادث الدهر وهذا خاص بالريح، ومع تحريمه فإنه حمق وضعف في العقل والرأي، فإن الريح مصرفة مدبره بتدبير الله وبتسخيره فالساب لها يقع سبه علي من صرفها، ولولا أن المتكلم بسب الريح لا يخطر هذا المعنى في قلبه غالبا لكان الأمر أفظع من ذلك، ولكن لا يكاد يخطر بقلب مسلم\" (^٦).\n_________\n(^١) تيسر العزيز الحميد ٦٨٢.\n(^٢) تيسير العزيز الحميد ٦٨١.\n(^٣) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٩٦٥. وانظر الفول المفيد ط ١ - ٣/ ١٤٠.\n(^٤) مجموع فتاوي ابن عثيمين ١٠/ ٩٦٨. وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ١٤٠.\n(^٥) انظر: فتح الباري ١٠/ ٥٨١، ١٤٢.\n(^٦) القول السديد ١٤٢.","vol":"2","page":338},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-680> فائدة:\nليس من السب أن توصف الريح أو يوصف الدهر بالشدة </span>لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٦ - ٧] وكقوله: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)﴾ [الذاريات: ٤١ - ٤٢].\n*<span data-type=\"title\" id=toc-681> فائدة أخرى:\nجاء في الحديث: \"لا تسبوا الريح، فإنها من نَفَس الرحمن</span>\" (^١).\nقال ابن الأثير: \"يريد بها أنها تُفرِّج الكرب، وتنشئ السحاب، وتنشر الغيث وتذهب الجدب. قال الأزهري: النفس في هذين الحديثين (^٢) اسمٌ وُضِع موضع المصدر الحقيقي من نفَّس ينفِّس تنفيسًا ونفسًا، كما يقال: فرَّج يفرِّج تفريجًا وفرجًا، كأنه قال: أجد تنفيس ربكم من قبل اليمن وأن الريح من تنفيس الرحمن بها عن المكروبين.\nقال العتبي: هجمت علي واد خصيب وأهله مُصفَرَّةٌ ألوانُهم فسألتهم عن ذلك فقال شيخ منهم: \"ليس لنا ريح\".\nومنه الحديث: \"من نفس عن مؤمن كربة\". أي: فرّج.\nومنه الحديث: \"ثم يمشي أنفس منه، أي: أفسح وأبعد قليلا\"\" (^٣).\n_________\n(^١) المستدرك على الصحيحين (٣١٢٩)، الدر المنثور ١/ ٣٠٠.\n(^٢) يقصد الحديث المذكور وحديث: \"إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن \". وفي رواية: \"أجد نفس ربكم\" قيل: عنى به الأنصار. انظر النهاية (ن ف س).\n(^٣) النهاية لابن الأثير (ن ف س).","vol":"2","page":339},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-682>١٥٠ - سب الصحابة </span>*\nأثنى الله - ﷿ - على صحابة رسوله - ﷺ -، في مواضع عديدة من كتابه الكريم، قال تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾ [التولة: ١١٧]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]، وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٨ - ٩]. وقال - ﷿ -: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠].\nعَنْ عَبْدِ الله بن مسعود - ﵁ - عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ\n_________\n* الصارم المسلول على شاتم الرسول لابن تيمية. مجموع الفتاوى ابن تيمية ٣/ ٤٢٤، ٤٢٥. ٢٨/ ١٠٥، ١٠٦. أحكام القرآن للقرطبي ٨/ ١٤٨، ١٦/ ٢٩٦،٣٢٢، ١٢/ ١٨، ٢٠٥/ ٣١. شرح النووي ١٦/ ٩٣. الصواعق المحرقة ٣٨٣ الدرر السنية ١٠/ ٢٥١، ١٢/ ٦٩. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٣/ ٣٨١. منهج الإمام مالك في العقيدة ٤٤٣. المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة الأحمدي ٢/ ٣٦٣. اعتقاد أهل السنة في الصحابة. الآثار الواردة عن أئمة السنة في أبواب الاعتقاد ٢/ ٥٩٠. نواقض الإيمان القولية والعملية ٤٠٥.","vol":"2","page":340},{"text":"يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ\" قَالَ إِبْرَاهِيمُ وَكَانُوا يَضْرِبُونَنَا عَلَى الشَّهَادَة وَالْعَهْدِ (^١).\nقَالَ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ -: \"إِنَّ الله نَظَرَ فِي قُلُوَبِ الْعِبَادِ فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - خَير قُلُوبِ الْعِبَادِ فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ فَابْتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِهِ، فَمَا رَأَى الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ الله حَسَنٌ وَمَا رَأَوْا سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدَ الله سَيِّئٌ\" (^٢).\nوعنه - ﵁ - قال: \"من كان منكم متأسيا فليتأسى بأصحاب رسول الله - ﷺ -، فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأقومها هديًا، وأحسنها حالًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم، فإنهم كانوا علي الهدى المستقيم\" (^٣).\nقال الطحاوي في متنه المشهور: \"وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان\" (^٤).\nوقال الهيثمي معلقًا علي كلام الطحاوي: \"فبغض الصحابة كلهم وبغض بعضهم من حيث الصحبة لا شك أنه كفر\" (^٥).\nوقال ابن الصلاح - ﵀ -: \"للصحابة بأسرهم خصيصة وهي أنه لا يسأل عن عدالة أحد منهم، بل ذلك أمر مفروغ منه لكونهم على الإطلاق معدلين بنصوص الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به في الإجماع من الأمة\" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٦٥١)، ومسلم (٢٥٣٣).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد (٣٦٠٠).\n(^٣) أخرجه ابن عبد البر في \"جامع بيان العلم وفضله\" ٢/ ٩٧.\n(^٤) متن العقيدة الطحاوية ١٨ مكتبة ابن تيمية.\n(^٥) الصواعق المحرقة ص ٣٨٠.\n(^٦) مقدمة ابن الصلاح ص ١٤٦.","vol":"2","page":341},{"text":"قال الإمام النووي - رحمه الله تعالى -: \"اتفق العلماء على أن خير القرون قرنه - ﷺ -، والمراد أصحابه\" (^١)، وكذا قال ابن حجر (^٢).\nويقول ابن كثير - ﵀ -: \"والصحابة كلهم عدول عند أهل السنة والجماعة لما أثنى الله عليهم في كتابه العزيز، وبما نطقت به السنة النبوية في المدح لهم في جميع أخلاقهم وأفعالهم وما بذلوه من الأموال والأرواح بين يدي رسول الله - ﷺ -، رغبة فيما عند الله من الثواب الجزيل والجزاء الجميل\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-683> النهي عن سب الصحابة:</span>\nعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه\" (^٤).\nوعن ابن عباس - ﵄ - قال: \"لا تسبوا أصحاب محمد فإن الله - ﷿ - أمر بالاستغفار لهم وهو يعلم أنهم سيقتتلون\" (^٥).\nوعن ميمون بن مهران قال: \"ثلاث ارفضوهن: سب أصحاب محمد - ﷺ - والنظر في النجوم، والنظر في القدر\" (^٦).\nوعن ابن عمر - ﵄ - قال: \"لا تسبوا أصحاب محمد، فلمقام أحدهم ساعة خير من عبادة أحدكم أربعين سنة\" (^٧).\nوعن عبد الملك بن عبد الحميد الميموني قال: قال أحمد بن حنبل: \"يا أبا الحسن،\n_________\n(^١) شرح النووي ١٦/ ٨٤.\n(^٢) فتح الباري ٧/ ٥.\n(^٣) الباعث الحثيث ص ١٨١، ١٨٢.\n(^٤) أخرجه البخاري (٣٦٧٣) ومسلم (٢٥٤٠).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد في \"فضائل الصحابة\" ح: ١٨.\n(^٦) المصدر السابق (ح: ١٩).\n(^٧) المصدر السابق (ح: ٢٠).","vol":"2","page":342},{"text":"إذا رأيت رجلًا يذكر أحدًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - بسوء فاتهمه على الإسلام\" (^١).\nوقال أبو زرعة الرازي - ﵀ -: \"إذا رأيت الرجل ينتقص أحَدًا من أصحاب رسول الله، فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول - ﷺ، عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن، أصحاب رسول الله - ﷺ - وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة\" (^٢).\nوقال بقية بن الوليد: \"قال لي الأوزاعي: يا بقية! لا تذكر أحدا من أصحاب نبيك إلا بخير. يا بقية! العلم ما جاء عن أصحاب محمد - ﷺ -، وما لم يجيء عنهم، فليس بعلم\" (^٣).\nوقال شيخ الإسلام: \"ولهذا كان معرفة أقوالهم في العلم الدين وأعمالهم، خيرا وأنفع من معرفة أقوال المتأخرين وأعمالهم في جميع علوم الدين وأعماله، كالتفسير وأصول الدين، وفروعه، والزهد، والعبادة، والأخلاق، والجهاد، وغير ذلك فإنهم أفضل ممن بعدهم كما دل عليه الكتاب والسنة، فالاقتداء بهم خير من الاقتداء بمن بعدهم، ومعرفة إجماعهم ونزاعهم في العلم والدين خير وأنفع من معرفة ما يذكر من إجماع غيرهم ونزاعهم. وذلك أن إجماعهم لا يكون إلا معصوما، وإذا تنازعوا فالحق لا يخرج عنهم\" (^٤).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-684> حكم سب الصحابة:</span>\nقال شيخ الإسلام: \"وبالجملة فمن أصناف السابة من لا ريب في كفره، ومنهم من لا يحكم بكفره ومنهم من تردد فيه\" (^٥). وإليك تفصيل ذلك:\n_________\n(^١) أخرجه ابن الجوزي في \"مناقب الإمام أحمد بن حنبل\" ١٦٠.\n(^٢) \"الكفاية في علم الرواية\" للخطيب البغدادي ٦٧.\n(^٣) سير أعلام النبلاء ٧/ ١٢٠.\n(^٤) مجموع الفتاوى ١٣/ ٢٤.\n(^٥) الصارم المسلول على شاتم الرسول ص ٥٨٧.","vol":"2","page":343},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-685>أ - سب عموم الصحابة:</span>\nمن سب الصحابة أو رماهم بالكفر والردة أو فسَّق جميعهم أو معظمهم فهو كافر لأسباب جليلة:\nا - أن هذا طعن في نقلة الكتاب والسنة ويلزم منه الطعن فيهما.\n٢ - أنه تكذيب لنص القرآن الكريم من الرضا عنهم.\n٣ - استنبط الإمام مالك - ﵀ - من قوله تعالى في الصحابة: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩] أن من يبغض الصحابة كافر قال مالك: \"لأن الصحابة يغيظونهم ومن غاظه الصحابة فهو كافر ووافقه الشافعي وغيره من الأئمة وقال الهيثمي وهو مأخذ حسن يشهد له ظاهر الآية\" (^١).\n٤ - قول الرسول - ﷺ -: \"آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار\" (^٢).\nوفي رواية: \"الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق فمن أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله\" (^٣).\nولمسلم عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: \"لا يبغض الأنصار رجل آمن بالله واليوم الآخر\" (^٤).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية، مبينا حكم هذا القسم: \"وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله - ﷺ - إلا نفرًا قليلًا لا يبلغون بضعة عشر نفسًا، أو أنهم فسقوا عامتهم، فهذا لا ريب أيضًا في كفره، لأنه مكذب لما نصه القرآن في غير موضع، من الرضا عنهم، والثناء عليهم. بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره\n_________\n(^١) الصواعق المحرقة ٣١٧ وتفسير ابن كثير ٤/ ٢٠٤.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٧) (٣٧٨٤) ومسلم (٧٤).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٧٨٣) ومسلم (٧٥).\n(^٤) أخرجه مسلم (٧٦) (٧٧).","vol":"2","page":344},{"text":"متعين ... إلى أن قال -: وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام\" (^١).\nوقال الهيثمي - ﵀ -: \"ثم الكلام إنما هو في سب بعضهم أما سب جميعهم فلا شك في أنه كفر\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-686>ب - سب بعضهم سبا يطعن في دينهم:</span>\nاتهام بعض الصحابة بالكفر أو الفسق مسألة فيها أقوال لأهل العلم فمنهم من يكفره ومنهم من يفسقه، وبعض العلماء يكفر من سب الخلفاء، وبعضهم يقتصر على الشيخين، وبعضهم ينظر في تواتر النصوص بفضله وعدم تواترها (^٣).\nوالصحيح أن من استحل سب من تواترت النصوص بفضله كالخلفاء فذلك كفر لأن في هذا تكذيبًا لأمر متواتر (^٤).\nوقال القاضي عياض: \"وسب أحدهم من المعاصي الكبائر، ومذهبنا ومذهب الجمهور أنه يعزر ولا يقتل\" (^٥).\nوروى الخلال عن أبي بكر المروذي قال: \"سألت أبا عبد الله عن من يشتم أبا بكر وعمر وعائشة قال: ما أراه على الإسلام قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: قال مالك: الذين يشتمون أصحاب رسول الله ليس لهم سهم أو قال: نصيب في الإسلام\" (^٦).\nوقال الإمام أحمد - ﵀ -: \"لا يجوز لأحد أن يذكر شيئًا من مساوئهم، ولا يطعن على أحد منهم بعيب ولا بنقص. فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه\n_________\n(^١) الصارم المسلول ٥٨٦، ٥٨٧.\n(^٢) الصواعق المحرقة ص ٣٧٩.\n(^٣) انظر اعتقاد أهل السنة في الصحابة ص ٦٣.\n(^٤) الصارم ص ٥٦٩. الصواعق المحرقة ص ٣٨٣، وانظر المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد ٢/ ٣٦٦.\n(^٥) مسلم بشرح النووي ١٦/ ٩٣.\n(^٦) مسائل عبد الله ص ٤٣١، وانظر مسائل أحمد في العقيدة للأحمدي ٢/ ٣٦٤.","vol":"2","page":345},{"text":"وعقوبته، ليس له أن يعفو عنه، بل يعاقبه ويستتيبه فإن تاب قبل منه، وإن ثبت عاد عليه بالعقوبة وخلده الحبس حتى يموت أو يراجع\" (^١).\nقال الهيثمي: \"أجمع القائلون بعدم تكفير من سب الصحابة على أنهم فساق\" (^٢).\nقال الإمام محمد بن عبد الوهاب - ﵀ -: \"ومن خص بعضهم بالسب، فإن كان ممن تواتر النقل في فضله وكماله؛ كالخلفاء، فإن اعتقد أحقية سبه أو إباحته فقد كفر؛ لتكذيبه ما ثبت قطعا عن رسول الله - ﷺ - ومكذبه كافر، وإن سبه من غير اعتقاد أحقية سبه أو إباحته، فقد تفسق؛ لأن سباب المسلم فسوق. وقد حكم البعض فيمن سب الشيخين بالكفر مطلقا - والله أعلم - \" (^٣).\nوقال أيضًا: \"وإن كان ممن لم يتواتر النقل في فضله وكماله، فالظاهر أن سابه فاسق إلا أن يسبه من حيث صحبته لرسول الله - ﷺ - فإنه يكفر\" (^٤).\nقال الهيثمي: عن حكم سب أبي بكر: \"فيتلخص أن سب أبي بكر كفر عند الحنفية، وعلى أحد الوجهين عند الشافعية، ومشهور مذهب مالك أنه يجب به الجلد، فليس بكفر. فتكون المسألة عنده على حالين: \"إن اقتصر على السب من غير تكفير لم يكفره وإلَّا كفر\"\" (^٥).\nوقال: \"وأما تكفير أبي بكر ونظرائه ممن شهد لهم النبي - ﷺ - بالجنة فلم يتكلم فيها أصحاب الشافعي. والذي أراه الكفر فيها قطعًا\"\" (^٦).\n_________\n(^١) طبقات الحنابلة ١/ ٢٤، الصارم المسلول ص ٥٦٨.\n(^٢) الصواعق المحرقة ص ٣٨٣.\n(^٣) الرد على الرافضة ص ١٩.\n(^٤) الرد على الرافضة ص ١٩.\n(^٥) الصواعق ص ٣٨٦.\n(^٦) الصواعق ص ٣٨٥.","vol":"2","page":346},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-687> تنبيه:</span>\nقال شيخ الإسلام: \"فصل في تفصيل القول فيهم: أما من اقترن بسبه دعوى أن عليا إله، أو أنه كان هو النبي وإنما غلط جبريل في الرسالة، فهذا لا شك في كفره، بل لا شك في كفر من توقف في تكفيره. وكذلك من زعم منهم أن القرآن نقص منه آيات وكتمت أو زعم أن له تأويلات باطنة تسقط الأعمال المشروعة ونحو ذلك وهؤلاء يسمون القرامطة والباطنية، ومنهم التناسخية، وهؤلاء لا خلاف في كفرهم\" (^١).\nوفي حاشية ابن عابدين قال: \"وبهذا يظهر أن الرافضي إن كان ممن يعتقد الألوهية في علي أو أن جبريل غلط في الوحي، أو كان ينكر صحبة الصديق، أو يقذف السيدة عائشة فهو كافر\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-688>ج - من سبهم سبا لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم:</span>\nقال شيخ الإسلام: \"وأما من سبهم سبا لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم - مثل وصف بعضهم بالبخل أو الجبن، أو قلة العلم، أو عدم الزهد، ونحو ذلك - فهذا هو الذي يستحق التأديب والتعزير، ولا نحكم بكفره بمجرد ذلك، وعلى هذا يحمل كلام من لم يكفرهم من أهل العلم.\nوأما من لعن وقبح مطلقًا فهذا محل الخلاف فيهم، لتردد الأمر بين لعن الغيظ ولعن الاعتقاد.\nوأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول - ﷺ - إلا نفرًا قليلًا لا يبلغون بضعة عشر نفسًا، أو أنهم فسقوا بعامتهم فهذا أيضا لا ريب في كفره، لأنه مكذب لما نصه القرآن في غير موضع من الرضى عنهم والثناء عليهم ... فإن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسنة كفار أو فساق\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر الصارم المسلول على شاتم الرسول ص ٥٨٦.\n(^٢) حاشية ابن عابدين ص ٤٦.\n(^٣) انظر الصارم المسلول على شاتم الرسول ص ٥٨٧، ٦٥٨.","vol":"2","page":347},{"text":"وفي موضع آخر ضرب أمثلة لذلك فقال: \"نحو قوله كان فيهم قلة علم وقلة معرفة بالسياسة والشجاعة، وكان فيهم شح ومحبة للدنيا ونحو ذلك\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-689> سب السلف والعلماء والمؤمنين </span>(^٢):\nوهذه من صفات المنافقين ومن علامات الساعة أن يلعن آخر هذه الأمة أولها وقال بعض السلف وأظنه مالكًا: \"لا تجوز الإقامة في بلد يسب فيها السلف\" وقد ذكر الله من صفات المنافقين لمز المطوعين من المؤمنين في الصدقات قال الإمام البخاري في صحيحه: بَاب قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة. ٧٩] يَلْمِزُونَ: يَعِيبُونَ. وَجَهْدَهُمْ: طَاقَتَهُمْ (^٣). ثم ذكر حديث أَبي مَسْعُودٍ قَالَ: \"لَمَّا أُمِرْنَا بِالصَّدَقَةِ كُنَّا نَتَحَامَلُ فَجَاءَ أَبُو عَقِيلٍ بِنِصْفِ صَاعٍ وَجَاءَ إِنسَانٌ بأَكْثَرَ مِنْهُ فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ إِنَّ الله لَغَنِيٌّ عَنْ صَدَقَةِ هَذَا وَمَا فَعَلَ هَذَا الآخَرُ إِلا رِئَاءً فَنَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٧٩] (^٤).\nقال الواحدي في تفسيره: \"الذين يلمزون: يعيبون ويغتابون المطوعين: المتطوعين المتنفلين من المؤمنين في الصدقات وذلك أن رسول الله - ﷺ - حث على الصدقة فجاء بعض الصحابة بالمال الكثير وبعضهم وهم الفقراء بالقليل فاغتابهم المنافقون وقالوا من أكثر أكثر رياء ومن أقل أراد أن يذكر نفسه فأنزل الله تعالى هذه الآية\" (^٥).\n_________\n(^١) الصارم المسلول ص ٥٧١، وانظر للاستزادة صحيح مسلم بشرح النووي ١٦/ ٩٣.\n(^٢) للاستزادة انظر الدرر السنية ٩/ ١١٣، ١٣٣.\n(^٣) انظر صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب رقم (١١).\n(^٤) أخرجه البخاري (٤٦٦٨).\n(^٥) تفسير الواحدي ١/ ٤٧٤.","vol":"2","page":348},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-690>١٥١ - السبب </span>*\nلغة: الحبل، وما يتوصل به إلى غيره، والجمع أسباب (^١) قال تعالى: ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾ [ص: ١٠]، أي: فليصعدوا إلى السماء (^٢).\nقال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغيرهم يعني: \"طرق السماء\" (^٣).\nوقال القرطبي: \"أصل السبب: الحبل يشد بالشيء فيجذبه، ثم جعل كل ما جر شيئًا سببًا\" (^٤).\nوالمراد في هذا الفصل: هو ما كان طريقا إلى الشيء يتوصل به إليه، فالبعض يعتقد في الأسباب أنها هي المسببة بذاتها، وهي الموجدة بنفسها، وهى الضارة والنافعة استقلالا وهذا شرك. والبعض ينفي تأثير الأسباب ويعرض عنها وهذا باطل.\nوأخذ الأسباب المشروعة جاءت به الشريعة.\n_________\n* مجموع الفتاوى ١٠/ ٤٧١. التحفة العراقية لابن تيمية ص ٤٩. جامع العلوم والحكم ٢/ ١٠٤. تفسير القرطبي ١١/ ٣٢١، ١٣/ ١٤. مدارج السالكين ٣/ ٤٩٥. تيسير العزيز الحميد ٥٠١، ١٥٦. فتح المجيد ص ٤٠٨. الدرر السنية ٢/ ١٩٥. مجموع الفتاوى بن عثيمين ١/ ١٠٢، ١٠٤، ٤/ ٢٠٧. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ١٠٠، ١٥٩، ٢/ ٩٦، ط ٢ - ٢/ ٩٦، ٢٢٨ ومن المجموع ٩/ ١٥٤، ١٨٠. مجموع الفوائد واقتناص الأوابد للسعدي ص ٤٨. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ١٨. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٣٠/ ٣١١. منهج ابن حجر في العقيدة ص ٤٢٨. مباحث العقيدة في سورة الزمر ص ٢٨٧.\n(^١) الكليات لأبي البقاء الكفوي ص ٥٠٣، وانظر المفردات للراغب ص ٢٢٠، ولسان العرب مادة (س ب ب) ١/ ٤٥٨.\n(^٢) انظر المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية ١٢/ ٤٢٦.\n(^٣) تفسير ابن كثير ٧/ ٤٨.\n(^٤) الجامع لأحكام القرآن ٢/ ٢٠٦.","vol":"2","page":349},{"text":"* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١]. وقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧].\nقال الإمام ابن القيم: \"والقرآن مملوء من ترتيب الأحكام الكونية والشرعية والثواب والعقاب على الأسباب بطرق متنوعة، فيأتي بباء السببية تارة، وباللام تارة، وبأن تارة، وبكي تارة، ويذكر الوصف المقتضي تارة، ويذكر صريح التعليل تارة كقوله ذلك بأنهم فعلوا كذا وقالوا كذا، ويذكر الجزاء تارة كقوله: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٢٩]، وقوله: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة:٨٥]، وقوله: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ:١٧]، ويذكر المقتضى للحكم والمانع منه كقوله: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩]، وعند منكري الأسباب والحكم لم يمنعه إلا محض مشيئته ليس إلا وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ [يونس: ٩]، وقال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [إبراهيم: ١]، وقال: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤]، وقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣] وقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ [الطلاق: ٥]، وقال: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال:٢٩]، وقال: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠]، وقال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ","vol":"2","page":350},{"text":"طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١] (^١).\n* الدليل من السنة: عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قال: جاء رَجُلٌ إلى النبي - ﷺ - على ناقة له، فقال: يَا رَسُولَ الله أَعْقِلُهَا وَأتَوَكَّل، أَوْ أُطْلِقُهَا وَأتَوَكَّلُ؟ قَالَ: \"اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ\" (^٢).\nوعن عُمَرَ بْن الْخَطَّابِ - ﵁ - قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: \"لَوْ أنكُمْ كنتم تَوَكَّلْتُمْ عَلَى الله حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزقتمْ كَمَا يُرْزقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا\" (^٣).\nقال أبو حاتم الرازي: \"وهذا حديث أصل في التوكل، وأنه من أعظم الأسباب التي يستجلب بها الرزق\" (^٤).\nوالأدلة على هذا الباب من الكتاب والسنة كثيرة وسوف يأتى بعض منها أثناء ذكر مسائل هذا الباب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-691>أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-692>١ - الأسباب على قسمين:</span>\n١ - أسباب شرعية: وهي ما شرعها الله على لسان نبيه - ﷺ - التى يتوسل بها إلى إرضائه وثوابه.\n٢ - أسباب كونية قدرية: وهي ما عُلم أو جُرّب في جلب ما ينفع ودفع ما يضر (^٥).\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"فمن الأسباب القدرية قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٣/ ٤٩٨، ٤٩٩.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٥١٧).\n(^٣) أخرجه والترمذي (٢٣٤٤) وقال هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وابن ماجه (٤١٦٤).\n(^٤) جامع العلوم والحكم ٤٠٩.\n(^٥) القول السديد للسعدي ص ٣٨.","vol":"2","page":351},{"text":"الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٤٨ - ٥٠].\nومن الأسباب الشرعية قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]. وكل فعل رتب الله عليه عقابًا أو ثوابًا فهو من الأسباب الشرعية باعتبار كونه مطلوبًا من العبد، ومن الأسباب القدرية باعتبار وقوعه بقضاء الله وقدره\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-693>٢ - موقف الناس من الأسباب:</span>\nالناس في الأسباب طرفان ووسط:\nالطرف الأول: نفاة أنكروا تأثير الأسباب وجعلوها مجرد علامات يحصل الشيء عندها، لا بها، حتى قالوا: إن انكسار الزجاجة بالحجر إذا رميتها به حصل عند الإصابة، لا بها. وهؤلاء خالفوا السمع، وكابروا الحس، وأنكروا حكمة الله تعالى: في ربط المسببات بأسبابها (^٢).\nقال الإمام ابن القيم: \"وبالجملة فليس إسقاط الأسباب من التوحيد بل القيام بها واعتبارها وإنزالها في منازلها التي أنزلها الله فيها هو محض التوحيد والعبودية والقول بإسقاط الأسباب هو توحيد القدرية الجبرية أتباع جهم بن صفوان في الجبر\" (^٣).\nوهذا المفهوم الخاطئ المنحرف قد أدَّى ببعض الصوفية إلى القول بترك\n_________\n(^١) تقريب التدمرية من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٤/ ٢٠٦.\n(^٢) تقريب التدمرية من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٤/ ٢٠٦.\n(^٣) مدارج السالكين ٣/ ٤٩٥.","vol":"2","page":352},{"text":"التكسب وأنه ينافي التوكل على الله.\nقال الإمام ابن القيم: \"وعندهم أن الله لم يخلق شيئًا بسبب، ولا جعل في الأسباب قوى وطبائع تؤثر، فليس في النار قوة الإحراق، لا في السم قوة الإهلاك، ولا في الماء والخبز قوة الري والتغذي به، ولا في العين قوة الإبصار، ولا في الأذن والأنف قوة السمع والشم؛ بل الله سبحانه يحدث هذه الآثار عند ملاقاة هذه الأجسام لا بها، فليس الشبع بالأكل ولا الري بالشرب، ولا العلم بالاستدلال ولا الانكسار بالكسر ولا الإزهاق بالذبح، ولا الطاعات والتوحيد سببًا لدخول الجنة والنجاة من النار، ولا الشرك والكفر والمعاصي سببًا لدخول النار؛ بل يدخل هؤلاء الجنة بمحض مشيئته من غير سبب ولا حكمة أصلا ويدخل هؤلاء النار بمحض مشيئته من غير سبب ولا حكمة ... بل عندهم صدور الكائنات والأوامر والنواهي عن محض المشيئة الواحدة التي رجحت مثلا على مثل بغير مرجح فعنها يصدر كل حادث ويصدر مع الحادث حادث آخر مقترنًا به اقترانًا عاديًا لا أن أحدهما سبب الآخر ولا مرتبط به، فأحدهما مجرد علامة وأمارة على وجود الآخر، فإذا وجد أحد المقترنين وجد الآخر معه بطريق الاقتران العادي فقط لا بطريق التسبب والاقتضاء، وهذا عندهم هو نهاية التوحيد وغاية المعرفة، وطرد هذا المذهب مفسد للدنيا والدين بل ولسائر أديان الرسل، ولهذا لما طرده قوم أسقطوا الأسباب الدنيوية وعطلوها وجعلوا وجودها كعدمها ولم يمكنهم ذلك فإنهم لا بد أن يأكلوا ويشربوا ويباشروا من الأسباب ما يدفع عنهم الحر والبرد والألم.\nفإن قيل لهم: هلا أسقطتم ذلك؟\nقالوا: لأجل الاقتران العادي.\nفإن قيل لهم: هلا قمتم بما أسقطتموه من الأسباب لأجل الاقتران العادي","vol":"2","page":353},{"text":"أيضًا؟ فهذا المذهب قد فطر الله سبحانه الحيوان ناطقه وأعجمه على خلافه.\nوقوم طردوه فتركوا له الأسباب الأخروية وقالوا: سبق العلم والحكم بالسعادة والشقاوة لا يتغير البتة، فسواء علينا الفعل والترك، فإنْ سبق العلم والحكم بالشقاوة، فنحن أشقياء، عملنا أو لم نعمل، وإن سبق بالسعادة فنحن سعداء عملنا أو لم نعمل.\nومنهم من يترك الدعاء جملة بناء على هذا الأصل ويقول المدعو به إن سبق العلم والحكم بحصوله حصل دعونا أو لم ندع، وإن سبق بعدم حصوله لم يحصل وإن دعونا.\nقال شيخنا (^١): وهذا الأصل الفاسد مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف وأئمة الدين؛ بل ومخالف لصريح العقل والحس والمشاهدة، وقد سئل النبي - ﷺ - عن إسقاط الأسباب نظرًا إلى القدر فرد ذلك وألزم القيام بالأسباب كما في الصحيح عنه أنه قال: \"ما منكم من أحد إلا وقد علم مقعده من الجنة ومقعده من النار\" قالوا: يا رسول الله أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب؟ فقال: \"لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له\".\nوفي الصحيح عنه أيضًا أنه قيل له: يا رسول الله، أرأيت ما يكدح الناس فيه اليوم ويعملون أمرٌ قُضي عليهم ومضى أم فيما يستقبلون مما آتاهم فيه الحجة؟ فقال: \"بل شيء قُضي عليهم ومضى فيهم\" قالوا: يا رسول الله أفلا ندع العمل ونتكل على كتابنا؟ قال: \"لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له\".\nوفي السنن عنه أنه قيل له: أرأيت أدوية نتداوى بها، ورُقىً نسترقي بها، وتقاة نتقي بها هل ترد من قدر الله شيئًا؟ فقال: \"هي من قدر الله\".\n_________\n(^١) أي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.","vol":"2","page":354},{"text":"وكذلك قول عمر لأبي عبيدة - ﵄ - وقد قال أبو عبيدة لعمر: أتفر من قدر الله - يعني من الطاعون -؟ قال: أفر من قدر الله إلى قدر الله\" (^١).\nوالطرف الثاني: غلاة أثبتوا تأثير الأسباب، لكنهم غلوا في ذلك وجعلوها مؤثرة بذاتها، وهؤلاء وقعوا في الشرك، حيث أثبتوا موجدًا مع الله تعالى، وخالفوا السمع والحس. فقد دل الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة على أنه لا خالق إلا الله، كما أننا نعلم بالشاهد المحسوس أن الأسباب قد تتخلف عنها مسبباتها بإذن الله، كما في تخلف إحراق النار لإبراهيم الخليل حين ألقي فيها فقال الله تعالى: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩]، فكانت بردًا وسلامًا عليه ولم يحترق بها (^٢).\nقال الإمام ابن القيم: \"فالالتفات إلى الأسباب ضربان:\nأحدهما شرك، والآخر عبودية وتوحيد.\nفالشرك أن يعتمد عليها ويطمئن إليها ويعتقد أنها بذاتها محصلة للمقصود، فهو معرض عن المسبب لها ويجعل نظره والتفاته مقصورا عليها، وأما إن التفت إليها التفات امتثال وقيام بها وأداء لحق العبودية فيها وإنزالها منازلها فهذا الالتفات عبودية وتوحيد إذ لم يشغله عن الالتفات إلى المسبب، وأما محوها أن تكون أسبابًا فقدحٌ في العقل والحسن والفطرة، فإن أعرض عنها بالكلية كان ذلك قدحًا في الشرع وإبطالًا له.\nوحقيقة التوكل: القيام بالأسباب، والاعتماد بالقلب على المسبب، واعتقاد أنها بيده، فإن شاء منعها اقتضاءها، وإن شاء جعلها مقتضية لضد أحكمها، وإن شاء أقام لها موانع وصوارف تعارض اقتضاءها وتدفعه\" (^٣).\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٣/ ٤٩٦، ٤٩٧.\n(^٢) تقريب التدمرية من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٤/ ٢٠٧.\n(^٣) مدارج السالكين ٣/ ٤٩٩.","vol":"2","page":355},{"text":"وقد بين الإمام ابن تيمية ضلال من أنكر الأسباب وشرك من جعلها هي المبدِعة قال ﵀: \"ومن قال إنه يفعل عندها لا بها فقد خالف ما جاء به القرآن وأنكر ما خلقه الله من القوى والطبائع وهو شبيه بإنكار ما خلقه الله من القوى التى في الحيوان التى يفعل الحيوان بها مثل قدرة العبد كما أن من جعلها هي المبدعة لذلك فقد أشرك بالله، وأضاف فعله إلى غيره وذلك أنه ما من سبب من الأسباب إلا وهو مفتقر إلى سبب آخر في حصول مسببه، ولابد من مانع يمنع مقتضاه إذا لم يدفعه الله عنه فليس في الوجود شيء واحد يستقل بفعل شئ إذا شاء إلا الله وحده قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٩] أي فتعلمون أن خالق الأزواج واحد\" (^١).\nوأما الوسط: فهم الذين هُدوا إلى الحق وتوسطوا بين الفريقين وأخذوا بما مع كل واحد منهما من الحق، فأثبتوا للأسباب تأثيرًا في مسبباتها لكن لا بذاتها بل بما أودعه الله تعالى: فيها من القوى الموجبة.\nوهؤلاء هم الطائفة الوسط الذين وفقوا للصواب وجمعوا بين المنقول والمعقول، والمحسوس، وإذا كان القدر لا ينافي الأسباب الكونية والشرعية فهو لا ينافي أن يكون للعبد إرادة وقدرة يكون بهما فعله، فهو مريد قادر فاعل لقوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، وقوله: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [القلم: ٢٥]، وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾، وقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾.\nلكنه غير مستقل بإرادته وقدرته وفعله، كما لا تستقل الأسباب بالتأثير في مسبباتها لقوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٣/ ١١٢، وانظر ٨/ ١٧٥، ٤٣٠، ٣٥/ ١٦٨، وانظر التدمرية ص ٢١٠، ٢١١.","vol":"2","page":356},{"text":"الْعَالَمِينَ﴾، ولأن إرادته، وقدرته، وفعله من صفاته وهو مخلوق فتكون هذه الصفات مخلوقة أيضًا، لأن الصفات تابعة للموصوف فخالق الأعيان خالق لأوصافها (^١).\nقال الإمام ابن القيم: \"فالموحد المتوكل لا يلتفت إلى الأسباب بمعنى أنه لا يطمئن إليها ولا يرجوها ولا يخافها فلا يركن إليها ولا يلتفت إليها بمعنى أنه لا يسقطها ولا يهملها ويلغيها بل يكون قائما بها ملتفتا إليها ناظرا إلى مسببها سبحانه ومجريها فلا يصح التوكل شرعًا وعقلًا إلا عليه سبحانه وحده فإنه ليس في الوجود سبب تام موجب إلا مشيئته وحده فهو الذي سبب الأسباب وجعل فيها القوى والاقتضاء لآثارها ولم يجعل منها سببًا يقتضي وحده أثره بل لابد معه من سبب آخر يشاركه وجعل لها أسبابًا تضادها وتمانعها بخلاف مشيئته سبحانه فإنها لا تحتاج إلى أمر آخر ولا في الأسباب الحادثة ما يبطلها ويضادها وإن كان الله سبحانه قد يبطل حكم مشيئته بمشيئته فيشاء الأمر ثم يشاء ما يضاده ويمنع حصوله والجميع بمشيئته واختياره فلا يصح التوكل إلا عليه ولا الالتجاء إلا إليه ولا الخوف إلا منه ولا الرجاء إلا له ولا الطمع إلا في رحمته كما قال أعرف الخلق به: \"أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوز بك منك\" وقال: \"لا منجى ولا ملجأ منك إلا إليك\"، فإذا جمعت بين هذا التوحيد وبين إثبات الأسباب استقام قلبك على السير إلى الله ووضح لك الطريق الأعظم الذي مضى عليه جميع رسل الله وأنبيائه وأتباعهم وهو الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم وبالله التوفيق، وما سبق به علم الله وحكمه حق وهو لا ينافي إثبات الأسباب ولا يقتضي إسقاطها، فإنه سبحانه قد علم وحكم أن كذا وكذا\n_________\n(^١) تقريب التدمرية من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٤/ ٢٠٧، ٢٠٨.","vol":"2","page":357},{"text":"يحدث بسبب كذا وكذا فسبق العلم والحكم بحصوله عن سببه فإسقاط الأسباب خلاف موجب علمه وحكمه فمن نظر إلى الحدوث بغير الأسباب لم يكن نظره وشهوده مطابقًا للحق بل كان شهوده غيبة ونظره عمى، فإذا كان علم الله قد سبق بحدوث الأشياء بأسبابها فكيف يشهد العبد الأمور بخلاف ما هي عليه في علمه وحكمه وخلقه وأمره، والعلل التي تتقى في الأسباب نوعان:\nأحدهما: الاعتماد عليها والتوكل عليها والثقة بها ورجاؤها وخوفها فهذا شرك يرق ويغلظ وبين ذلك.\nالثاني: ترك ما أمر الله به من الأسباب، وهذا أيضًا قد يكون كفرًا وظلمًا وبين ذلك بل على العبد أن يفعل ما أمره الله به من الأمر ويتوكل على الله توكل من يعتقد أن الأمر كله بمشيئة الله سبق به علمه وحكمه، وأن السبب لا يضر ولا ينفع، ولا يعطي ولا يمنع، ولا يقضي ولا يحكم ولا يحصل للعبد ما لم تسبق له به المشيئة الإلهية، ولا يصرف عنه ما سبق به الحكم والعلم، فيأتي بالأسباب إتيان من لا يرى النجاة والفلاح والوصول إلا بها، ويتوكل على الله توكل من يرى أنها لا تنجيه ولا تحصل له فلاحًا ولا توصله إلى المقصود، فيجرد عزمه للقيام بها حرصًا واجتهادًا ويفرغ قلبه من الاعتماد عليها والركون إليها تجريدًا للتوكل واعتمادًا على الله وحده، وقد جمع النبي - ﷺ - بين هذين الأصلين في الحديث الصحيح حيث يقول: \"احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز\" فأمره بالحرص على الأسباب والاستعانة بالمسبب ونهاه عن العجز وهو نوعان: تقصير في الأسباب وعدم الحرص عليها، وتقصير في الاستعانة بالله وترك تجريدها. فالدين كله ظاهره وباطنه شرائعه وحقائقه تحت هذه الكلمات النبوية والله أعلم\" (^١).\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٣/ ٥٠٠، ٥٠١.","vol":"2","page":358},{"text":"وقال شيخ الإسلام - ﵀ -: \"لكن ينبغي أن يعرف في الأسباب ثلاثة أمور:\nأحدها: أن السبب المعين لا يستقل بالمطلوب، بل لا بد معه من أسباب أخر؛ ومع هذا فلها موانع. فإن لم يكمل الله الأسباب، ويدفع الموانع: لم يحصل المقصود، وهو - سبحانه - ما شاء كان - وإن لم يشأ الناس - وما شاء الناس لا يكون إلا أن يشاء الله.\nالثاني: أن لا يجوز أن يعتقد أن الشيء سبب إلا بعلم، فمن أثبت شيئا سببا بلا علم أو يخالف الشرع: كان مبطلا، مثل من يظن أن النذر سبب في دفع البلاء وحصول النعماء ...\nوقد ثبت في الصحيحين عن النبي - ﷺ - أنه نهى عن النذر وقال: \"إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل\".\nالثالث: أن الأعمال الدينية لا يجوز أن يتخذ منها شيء سببًا إلا أن تكون مشروعة؛ فإن العبادات مبناها على التوقيف؛ فلا يجوز للإنسان أن يشرك بالله. فيدعو غيره - وإن ظن أن ذلك سبب في حصول بعض أغراضه - \" (^١).\nوقال الشيخ سليمان بن عبد الله - ﵀ -: \"فهذه الأسباب التي تتخذ وسائط ووسائل في الجلب والدفع اللذين لا يقدر عليهما إلا الله وحده منفية بالآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، إلا أسبابًا وردت عن الله أو رسوله كالتوحيد والصلاة بحضور قلب وخشوع، وذل وانكسار، والدعاء والاستعفار بعد الإقلاع عن الذنب والندم على فعله والعزم على ألا يعود إليه، والأعمال الصالحة من صدقة وصلة رحم وطاعة الله وتقواه، فهي في جلب الخير ودفع الشر، كما صرح به القرآن الكريم والسنة\" (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١/ ١٣٧.\n(^٢) التوضيح عن توحيد الخلاق للشيخ سليمان ص ١٦٩، ١٧٢.","vol":"2","page":359},{"text":"وقال أيضًا: \"وكل سبب لم يأذن به الله باطل مضر لمتخذه فلا يتعاطى، وإذا حقق المؤمن أن الله سبحانه رب كل شيء وخالقه ومليكه فإنه لا ينكر ما خلقه الله تعالى من الأسباب، كما جعل المطر سببا للنبات\" (^١).\nوقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"ومن جعل اعتماده على الله ملغيًا للأسباب فقد طعن في حكمة الله؛ لأن الله جعل لكل شيء سببًا، فمن اعتمد على الله اعتمادًا مجردًا كان قادحًا في حكمة الله؛ لأن الله حكيم يربط الأسباب بمسبباتها كمن يعتمد على الله في حصول الولد وهو لا يتزوج\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-694>٣ - الأسباب على قسمين: مشروعة وغير مشروعة:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-695> القسم الأول: أسباب مشروعة:</span>\nويتحقق ذلك إذا ثبت أن هذا السبب سبب حقيقي شرعي أو قدري.\nقال ابن عثيمين - ﵀ -: \"وطريق العلم بأن الشيء سبب:\nإما عن طريق الشرع، وذلك كالعسل ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ وكقراءة القرآن فيها شفاء للناس، قال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢].\nوإما عن طريق القدر كما إذا جربنا هذا الشيء فوجدناه نافعًا في هذا الألم أو المرض، ولكن لابد أن يكون أثره ظاهرًا مباشرًا كما لو اكتوى بالنار فبريء بذلك مثلا؛ فهذا سبب ظاهر بين وإنما قلنا هذا لئلا يقول قائل: أنا جربت هذا وانتفعت به وهو لم يكن مباشرًا ... \" (^٣).\nوقال الشيخ صالح آل الشيخ: \"إن إثبات الأسباب المؤثرة وكون الشيء سببًا: لا يجوز إلا من جهة الشرع فلا يجوز إثبات سبب إلا أن يكون سببا شرعيا، أو أن\n_________\n(^١) التوضيح عن توحيد الخلاق ص ١٦٩، ١٧٠.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٦٦٦. وانظر القول المفيد ط ١ - ١٠/ ١٨٧، ١٨٨.\n(^٣) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ١٥٥. وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ١٦٠ - ١٦٣.","vol":"2","page":360},{"text":"يكون سببا قد ثبت بالتجربة الواقعة أنه يؤثر أثرا ظاهرا لا خفيا\" اهـ.\nوالسبب الشرعي كالقراءة على المريض، والسبب القدري كالأشياء التي تعلم من جهة التجربة الظاهرة، مثل: دواء الطبيب بالنار، ومثل: الانتفاع ... الأسباب التي فيها الانتفاع ظاهر، كأن تتدفأ بالنار أو تتبرد بالماء أو نحو ذلك، أسباب ظاهرة بَيِّنَةُ الأثر فكل ما شرعه الله تعالى من أسباب التوقي والسلامة الأعمال الصالحة المشروعة والرقى الشرعية والتعاويذ والعلاجات التي ثبت أنها مع عامة من يتعاطاها كالعقاقير والأدوية المباحة فهي مشروعة ويندرج في هذا القسم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-696>١ - أسباب واجبة:</span>\nأمر الله عباده بها وجعلها سببًا للنجاة من النار، فهذا لا بد فعلها مع التوكل على الله في ذلك: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣].\nوأما ما أجرى الله العادة به في الدنيا وأمر بتعاطيه كالأكل عند الجوع والشرب عند العطش فهذا واجب على العبد تعاطي أسبابه، ومن قصر فيه حتى تضرر بتركه مع القدرة على استعماله فهو مفرط يستحق العقوبة (^١).\nوبعضهم يرى أن التداوي واجب (^٢) في حالة تيقن نفعه وترتب الهلاك على تركه. وتقدم قول الشيخ ابن عثيمين - ﵀: \"أن ما علم أو غلب على الظن نفعه مع احتمال الهلاك بعدمه فهو واجب\" (^٣) انظر في ذلك باب (التداوى).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-697>٢ - أسباب مستحبة:</span>\nقال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ - عن التداوي: \"ما غلب على الظن نفعه، لكن ليس هناك هلاك محقق بتركه فهو أفضل\" (^٤). وقال: \"إننا نرى أن القول الراجح في\n_________\n(^١) ابن رجب جامع العلوم والحكم ص ٤٣٦.\n(^٢) وعند أبي حنيفة أن التداوي مؤكد حتى يداني به الوجوب.\n(^٣) الشرح الممتع ٥/ ٣٠١.\n(^٤) الشرح الممتع ٥/ ٣٠١.","vol":"2","page":361},{"text":"التداوي أنه أفضل من عدمه إذا كان يرجئ نفعه\" (^١). وقيل أن التداوي سنة (^٢) وهو مذهب الشافعي فهو من الأسباب النافعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-698>٣ - أسباب مباحة وجائزة:</span>\nكالتداوي بما ليس فيه كراهة ولا تحريم بل بالأشياء المباحة فهذا جائز، وعلاج المسحور بالطرق النافعة والأدوية المباحة.\nقال ابن الجوزي - ﵀ -: \"والمقصود ههنا أنا نقول: إذا ثبت أن التداوي مباح بالإجماع مندوب إليه عند بعض العلماء فلا يلتفت إلى قوم رأوا أن التداوي خارج من التوكل؛ لأن الإجماع على أنه لا يخرج من التوكل، وقد صح عن رسول الله - ﷺ - أنه تداوى وأمر بالتداوي، ولم يخرج بذلك من التوكل ولا أخرج من أمره أن يتداوى من التوكل\" (^٣).\nوذكر بعض العلماء أن ترك الدواء أفضل وهو مذهب الحنابلة (^٤)، قال ابن الأثير: \"ومن صبر على البلاء وانتظر الفرج من الله بالدعاء كان من جملة الخواص والأولياء، ومن لم يصبر رُخِّص له في الرقية والعلاج والدواء\" (^٥).\nوقد تقدم الكلام عن ذلك في باب (التداوي).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-699> القسم الثاني: أسباب غير مشروعة:</span>\nإذا كان هذا السبب لم يدل عليه الدليل، لا الدليل الشرعي ولا الدليل الواقعي، فإنه يكون ممنوعا باطلا ويندرج تحت هذا القسم الأنواع الآتية:\n_________\n(^١) فتاوى منار الإسلام ص ٧٤٦ - ٧٤٨.\n(^٢) انظر الشرح الممتع ٥/ ٢٩٩.\n(^٣) تلبيس إبليس ص ٢٨٧.\n(^٤) انظر الشرح الممتع ٥/ ٢٩٩.\n(^٥) النهاية (ر ق ى).","vol":"2","page":362},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-700>أولًا: أسباب شركية تنافي التوحيد في أصله:</span>\nقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: \"فإذا قال قائلهم: مطرنا بنجم كذا أو بنوء كذا. فلا يخلو إما أن يعتقد أن له تأثيرًا في إنزال المطر فهذا شر وكفر، وهو الذي يعتقده أهل الجاهلية كاعتقادهم أن دعاء الميت والغائب يجلب لهم نفعًا، أو يدفع عنهم ضرًا أو أنه يشفع بدعائهم إياه فهذا هو الشرك الذي بعث الله رسوله - ﷺ - بالنهي عنه وقتال من فعله. كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]، والفتنة الشرك\" (^١).\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"ما ينافي التوحيد في أصله، وهو أن يتعلق الإنسان بشيء لا يمكن أن يكون له تأثير ويعتمد عليه اعتمادا كاملا معرضا عن الله مثل تعلق عباد القبور بمن فيها عند حلول المصائب. وهذا شرك مخرج عن الملة وحكم الفاعل ما ذكره الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] \" (^٢).\nقال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -: \"لكن لو اعتقد هذا المتشائم المتطير أن هذا فاعل بنفسه دون الله، فهو مشركا شركا أكبر؛ لأنه جعل لله شريكا في الخلق والإيجاد\".\nوهناك أمثلة أخرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-701>ثانيًا: أن يثبت من الأسباب ما لم يجعله الله سببًا </span>(^٣):\nقال شيخ الإسلام - ﵀: \"فمن أثبت شيئا سببا بلا علم أو يخالف الشرع: كان مبطلا، مثل من يظن أن النذر سبب في دفع البلاء وحصول النعماء\" (^٤).\n_________\n(^١) فتح المجيد ١٤٢.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١/ ١٠٤.\n(^٣) انظر هذه الفائدة ضمن كلام الشيخ ابن عثيمين - ﵀ - في مجموع فتاويه ٩/ ١٥٤، ١٥٥، ٥٧٥.\n(^٤) مجموع الفتاوى ١/ ١٣٧.","vol":"2","page":363},{"text":"قال الشيخ السعدي - ﵀ - عن لبس الحلقة والخيط: \"وإن اعتقد أن الله هو الدافع الرافع وحده ولكن اعتقدها سببًا يستدفع بها البلاء فقد جعل ما ليس سببًا شرعيًا ولا قدريًا سببًا، وهذا محرم وكذب على الشرع والقدر\" (^١).\nوقال - ﵀ -: \"فإذا كانت هذه الأمور ليست من الأسباب الشرعية التي شرعها على لسان نبيه التي يتوسل بها إلى رضاء الله وثوابه، ولا من الأسباب القدرية التي قد علم أو جرب نفعها مثل الأدوية المباحة كان المتعلق بها متعلقًا قلبه بها راجيًا لنفعها، فيتعين على المؤمن تركها ليتم إيمانه وتوحيده حيث تعلق بغير متعلق ولا نافع بوجه من الوجوه، بل هو ضرر محض.\nوالشرع مبناه على تكميل أديان الخلق بنبذ الوثنيات والتعلق بالمخلوقين، وعلى تكميل عقولهم بنبذ الخرافات والخزعبلات، والجد في الأمور النافعة المرقية للعقول، المزكية للنفوس. المصلحة للأحوال كلها دينيها ودنيويها والله أعلم\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-702> وبعضهم يجعله شركا أصغر ويجعله قاعدة:</span>\nقال ابن عثيمين - ﵀ -: \"فإذا تطير إنسان بشيء رآه أو سمعه؛ فإنه لا يعد مشركا شركا يخرجه من الملة، لكنه أشرك من حيث إنه اعتمد على هذا السبب الذي لم يجعله الله سببا، وهذا يضعف التوكل على الله ويوهن العزيمة، وبذلك يعتبر شركا من هذه الناحية، والقاعدة: إن كل إنسان اعتمد على سبب لم يجعله الشرع سببًا فإنه مشرك شركًا أصغر\" (^٣).\nومما يستدل به لهذه القاعدة قول النبي - ﷺ -: \"من تعلق تميمة فقد أشرك\" (^٤).\n_________\n(^١) القول السديد ص ٣٦.\n(^٢) القول السديد ص ٣٦، ٣٧.\n(^٣) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٥٧٥.\n(^٤) سبق تخريجه.","vol":"2","page":364},{"text":"وقال الشيخ صالح الفوزان في تعليق الحلقة والخيط ونحوهما: \"إن كان يعتقد أنها سبب فقط والواقي هو الله سبحانه فهذا شرك أصغر؛ لأن الله لم يجعل هذه الأشياء سببًا\" (^١).\nقال الشيخ صالح آل الشيخ: \"هذه القاعدة صحيحة - في الجملة - لكن قد يُشْكِل دخول بعض الأمثلة فيها\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-703>ثالثا: أسباب محرمة لكن لا تدخل في الشرك:</span>\nمثل: العلاج بالدم، فإنه محرم ويقدح في التوكل الواجب. وكذلك التداوى بالخمر، والسرقة للحصول على المال.\nقال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -: \"فيحرم على المرء أن يتداوى بشيء حرمه الله عليه، وذلك لأنه لو كان مصلحة للعباد ما حرم عليهم، ولم يجعل الله شفاء هذه الأمة فيما حرم عليها، وقد سئل - ﷺ - عن التداوي بالخمر، فقال: \"إنه داء وليس بدواء\" (^٢).\nوقد يحصل أن يشفي الله المريض إذا تناول شيئًا من هذا المحرم، فيظن الظان أنه برئ منه، ولكنه فتنة وامتحان من الله، فإنه لا يبرأ منه - أي من هذا الدواء المحرم -، ولكن يبرأ عند هذا الدواء المحرم، ولهذا لا نجزم أهذا الرجل شفي من لحم هذا الذئب، بل إننا نجزم بأنه لا شفاء فيما حرمه الله - ﷿ -.\nوقد تداول الناس كلامًا فهموه على غير وجهه وهو قاعدة شرعية: إن الضرورات تبيح المحظورات، فقالوا: إن الإنسان إذا اضطر إلى الدواء المحرم، فإنه له أن يتناول، وهذا خطأ؛ لأن الدواء لا ضرورة إليه، لأنه قد يشفى الإنسان بدون دواء، وكم من إنسان استعمل أدوية كثيرة مما هي مباحة له، ولم يشف بها؟ فإذا تركها شفاه الله - ﷿ -، وكم من إنسان مرض ولم يتناول أدوية فشفاه الله؟ وكم\n_________\n(^١) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد ١/ ١٩٥.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٩٨٤).","vol":"2","page":365},{"text":"من إنسان مرض فاستعمل الأدوية على ما ينبغي ومع ذلك لم ينج من المرض؟\nوبقي مريضًا مع تناولها، وبهذا عرفنا أنه لا ضرورة إلى الدواء لأمرين:\nالأول: لأنه ربما يشفي بدون دواء.\nالثاني: فإنه إذا تناوله فليس من المؤكد أن يشفى به، فعلم بهذا أنه لا ضرورة، وأن الدواء المحرم لا تنطبق عليه هذه القاعدة، وعليه فلا يجوز التداوي بالحرام.\nوليس معنى قولنا: لا ضرورة إلى الدواء أننا نمنع من التداوي، أو أننا نحذر منه، بل إننا نرى أن القول الراجح في التداوي أنه أفضل من عدمه إذا كان يرجى نفعه\" (^١).\nأما الأسباب المكروهة من الاسترقاء والاكتواء وغيرها، فتركها أولى ومباشرتها تقدح في تمام التوكل المستحب، فإن القلوب تتعلق بالكي والاسترقاء تعلقًا زائدًا.\nويدل على ذلك حديث عمران بن حصين - ﵁ - أن رسول الله قال: \"يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب \"قالوا: من هم يا رسول الله - ﷺ - قال: \"هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعك ربهم يتوكلون\" (^٢)، وأيضًا لحديث العقار بن المغيرة بن شعبة عن أبيه عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل\" (^٣).\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله - ﵀ -: \"واعلم أن الحديث لا يدل على أنهم لا يباشرون الأسباب أصلًا كما يظنه الجهلة فإن مباشرة الأسباب في الجملة أمر فطري ضروري لا انفكاك لأحد عنه حتى الحيوان البهيم، بل نفس التوكل مباشرة لأعظم الأسباب كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣]، أي:\n_________\n(^١) فتاوى منار الإسلام ص ٧٤٦ - ٧٤٨.\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٧٠٥).\n(^٣) مسند الإمام أحمد (١٨٣٦٤)، وابن ماجه (٣٤٨٩) وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، وانظر السلسلة الصحيحة (٢٤٤).","vol":"2","page":366},{"text":"كافيه إنما المراد أنهم يتركون الأمور المكروهة مع حاجتهم إليها توكلًا على الله، كالاسترقاء والاكتواء فتركهم له ليس لكونه سببا لكن لكونه سببًا مكروهًا، لا سيما والمريض يتشبث بما يظنه سببًا لشفائه بخيط العنكبوت، أما نفس مباشرة الأسباب، والتداوي على وجه لا كراهية فيه، فغير قادح في التوكل، فلا يكون تركه مشروعا\" (^١).\nوقد تقدم الفرق بين الرقية والاسترقاء في باب (الرقى).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-704>٤ - حكم التعلق بالأسباب:</span>\nالأسباب وإن عظمت وقويت فإنها مرتبطة بقضاء الله وقدره لا خروج لها عنه والله يتصرف فيها كيف يشاء فخالق الأسباب ومسببها هو الله وحده - فما شاء كان - وإن لم يشأ الناس - وما شاء الناس لا يكون إلا أن يشاء الله ولا يجعل منها سببا إلا ما ثبت أنه سبب شرعًا وقدرًا، ثم إذا ثبتت تلك الأسباب فلا يعتمد العبد عليها ولا يركن إليها بل يعتمد على مسببها، ومقدرها مع قيامه بالمشروع منها وحرصه على النافع منها (^٢) ويعلم أن السبب المعين لا يستقل بالمطلوب، بل لابد معه من أسباب أخر، ومع هذا فلها موانع. فإن لم يكمل الله الأسباب، ويدفع الموانع: لم يحصل المقصود.\nفإن اعتقد الإنسان أن السبب هو الفاعل بنفسه من دون الله فهو شرك أكبر، لأن الاعتماد الكلي على الأسباب، واعتقاد أنها تؤثر استقلًا في جلب المنفعة أو دفع المضرة من الشرك الأكبر.\n* وإن اعتمد الإنسان على سبب لم يثبت كونه سببا لا شرعا ولا قدرا فهو مبطل.\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ١١٠. وانظر: للاستزادة آخر باب التوكل تحت عنوان: علاقة الأسباب بالتوكل.\n(^٢) القول السديد ص ٣٤، ٣٥.","vol":"2","page":367},{"text":"* وإذا عُلِم السبب بطريق الشرع أو بطريق القدر فجائز لكن كما قدمنا يعتمد على مسببها، ومقدرها؛ لأنه قد يقوم في نفس العبد الاعتماد على هذه الأسباب ونسيان المسبب.\n* فالسبب المباح وإن كان في ذاته مباح لكن الاعتماد عليه مع نسيان المسبب نوع شرك.\n* قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: \"فالأسباب لا يجوز منها إلا ما أباحه الله تعالى ورسوله مع عدم الاعتماد عليها\" (^١).\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"أن يعتمد على سبب شرعي صحيح مع غفلته عن المسبب وهو الله تعالى فهذا نوع من الشرك ولكن لا يخرج من الملة؛ لأنه اعتمد على السبب ونسي المسبب وهو الله - تعالى - \" (^٢).\n* وقال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ - عن التوكل: \"فمن جعل أكثر اعتماده على الأسباب نقص توكله على الله، ويكون قادحا في كفاية الله فكأنه جعل السبب وحده هو العمدة فيما يصبو إليه من حصول المطلوب وزوال المكروه\" (^٣).\n_________\n(^١) فتح المجيد ١٤٢.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١/ ١٠٤ وانظر أيضًا ٩/ ١٧٤.\n(^٣) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٦٦٦. وانظر القول المفيد ط ١ - ١٨٦.","vol":"2","page":368},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-705>١٥٢ - السجود </span>*\n<span data-type=\"title\" id=toc-706>[الإنحناء - التعظيم]</span>\nقال الراغب: \"السجود أصله التطامن والتذلل وجعل ذلك عبارة عن التذلل لله وعبادته وهو عام في الإنسان والحيوانات والجمادات\" (^١).\nوالسجود عبادة فيها خضوع وتذلل فلا تكون إلا لله ﷾.\n* الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧]. وقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨].\nوفي قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ قال الراغب: \"قيل عُني به الأرض إذ قد جعلت الأرض كلها مسجدا وطهورا كما روي في الخبر، وقيل المساجد مواضع السجود الجبهة والأنف واليدان والركبتان والرجلان\" (^٢).\nقال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -: \"ووجه الدلالة أن الله تعالى أخبر أن المساجد وهي مواضع السجود وأعضاء السجود لله ورتب على ذلك قوله: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ٥/ ٤٥. المحلى بالآثار لابن حزم ٣/ ٨٩. أحكام القرآن للقرطبي ١/ ٢٩٤ - ١/ ٢٩١ / ٢٩٣ - ١٥/ ٢٢٧. شرح السنة للبغوي ٣/ ١٤٧، ١٤٨. مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب ١/ ٠٢٩٦ الدرر السنية ٩/ ٤٢٠، ٤٢١، فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٢٢٠.\nالدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٢/ ٢٠٧. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٣/ ١٢٥.\nجهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية ص ٣٨٦.\n(^١) المفردات ص ٢٢٣.\n(^٢) المفردات ص ٢٢٤.","vol":"2","page":369},{"text":"أَحَدًا﴾ أي لا تعبدوا معه غيره فتسجدوا له\" (^١).\n* الدليل من السنة: عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ - ﵁ - قَالَ: \"أَتيْتُ الْحِيرَةَ فَرَأَيْتُهُمْ يَسْجُدُونَ لِمَرْزُبَانٍ لَهُمْ فَقُلْتُ: رَسُولُ اللهِ أَحَقُّ أَنْ يُسْجَدَ لَهُ. قَالَ: فَأَتيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقُلْتُ: إِنِّي أَّتَيْتُ الْحِيرَةَ فَرَأَيْتُهُمْ يَسْجُدُونَ لِمَرْزُبَانٍ لَهُمْ فَأَنْتَ يَا رَسُولَ الله أَحَقُّ أَنْ نَسْجُدَ لَكَ، قَالَ: \"أَرَأَيْتَ لَوْ مَرَرْتَ بِقَبْرِي أَكُنْتَ تَسْجُدُ لَهُ؟ \" قَالَ: قُلْتُ: لا، قَالَ: \"فَلا تَفْعَلُوا، لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لأَحَدٍ لأَمَرْتُ النِّسَاءَ أَنْ يَسْجُدْنَ لأَزْوَاجِهِنَّ؛ لِمَا جَعَلَ اللهُ لَهُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ الْحَقِّ\"\" (^٢).\nوفي رواية أن: \"معاذ بن جبل - ﵁ - قدم الشام فوجدهم يسجدون لأساقفتهم \"زعمائهم\" وذلك قبل أن يسلموا فلما رجع معاذ سجد للنبي - ﷺ - فقال النبي - ﷺ -: \"ما هذا يا معاذ\"؟ فقال: رأيتهم يسجدون لأساقفتهم وأنت أحق أن يسجد لك يا رسول الله يعني أحق من أساقفتهم بالسجود فقال النبي - ﷺ -: \"لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها\" من عظم حقه عليها\" (^٣).\nوفي رواية البزار: \"أن النصارى قالوا لمعاذ هذه تحية الأنبياء فكذبهم النبي لما بلغه ذلك وقال: إنهم كذبوا على أنبيائهم كما حرفوا كتابهم\" (^٤). وعلى هذا فإن التقدير: \"لو كنت آمرا أحدا أن يحيي أحدًا بالسجود لأمرت المرأة أن تحيي زوجها بالسجود\" ولا يظن بمعاذ وهو من أعلم الصحابة بالحلال والحرام أن يخفى عليه أن التوجه بالعبادة لغير الله تعالى شرك لا يجوز.\nوقد أشكل الأمر واشتبه بسجود التحية كسجود إخوة يوسف وأبويه وكذلك\n_________\n(^١) شرح ثلاثة الأصول ص ٤٤، ٥٠.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٢١٤٠).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (١٨٥٣).\n(^٤) مسند البزار (١٤٦١) (١٤٧٠)، وأخرجه الإمام أحمد في المسند (١٩٦٢٤).","vol":"2","page":370},{"text":"سجود الملائكة لآدم ﵇. قال ابن كثير في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ [الكهف: ٥٠] أي: \"سجود تشريف وتكريم وتعظيم\" (^١).\nوقال بعضهم: إن السجود كان لله وجعل آدم قبلة لهم، وهو قول عارٍ من الصحة بعيد عن الصواب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وقال بعض الأغبياء: إن السجود إنما كان لله وجعل آدم قبله لهم، يسجدون إليه كما يسجد إلى الكعبة؛ وليس في هذا تفضيل له عليهم؛ كما أن السجود إلى الكعبة ليس فيه تفضيل للكعبة على المؤمن عند الله، بل حرمة المؤمن عند الله أفضل من حرمتها\" (^٢).\nوفي تفسير آية البقرة ذكر ابن كثير معنى سجود الملائكة لآدم وذكر من الأقول أن: \"هذا سجود تحية وسلام وإكرام كما قال تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠] وقد كان هذا مشروعا في الأمم الماضية ولكنه نسخ في ملتنا ثم ذكر حديث معاذ السابق وضعف القولين الآخرين وهما كون السجدة لله وآدم قبله فيها كما قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، وكون المراد بالسجود الخضوع لا الانحناء ووضع الجبهة على الأرض واستظهر القول الأول أن السجدة لآدم إكرامًا وإعظامًا واحترامًا وسلامًا وهي طاعة الله - ﷿ - لأنها امتثال لأمره تعالى وقد قواه الرازي في تفسيره\" (^٣).\nوعلى هذا فهناك سجود تحية، وهناك سجود عبادة ويختلف حكم التحية لغير الله عن حكم عبادة غير الله. ولا يلزم من السجود للشخص عبادته، بل يحتمل\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير ٣/ ٧٩.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٤/ ٣٥٨.\n(^٣) تفسير ابن كثير ١/ ٧١.","vol":"2","page":371},{"text":"العبادة، ويحتمل غيرها من التحية والاحترام كما في الحديث المذكور (^١)، بخلاف السجود للصنم فإنه شرك في العبادة (^٢) ولا يحتمل أنه سجود تحية واحترام.\nيقول ابن حجر الهيتمي الشافعي الفقيه: \"ونقل الزركشي وغيره هذا الإشكال - أي الفرق بين السجود للوالد والسجود للصنم - ولم يجيبوا عليه، ويمكن أن يُجاب عنه بأن الوالد وردت الشريعة بتعظيمه بل ورد شرع غيرنا بالسجود للوالد كما في قوله: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ بناء على إن المراد بالسجود ظاهره وهو وضع الجبهة، كما مشى عليه جمع، وأجابوا بأنه كان شرعًا لمن قبلنا ومشى آخرونه على أن المراد به الانحناء، وعلى كل فهذا الجنس قد ثبت للوالد ولو في زمن من الأزمان وشريعة من الشرائع فكان شبهة دارئة لكفر فاعله، بخلاف السجود لنحو الصنم أو الشمس فإنه لم يرد هو ولا ما يشبهه في التعظيم في شريعة من الشرائع، فلم يكن لفاعل ذلك شبهة لا ضعيفة ولا قوية، فكان كافرًا، ولا نظر لقصد التقرب فيما لم ترد الشريعة بتعظيمه بخلاف من وردت بتعظيمه فاندفع الاستشكال واتضح الجواب عنه كما لا يخفى\" (^٣).\nفالسجود لغير الله إذا كان على وجه العبادة شرك أكبر مخرج من الملة.\nقال ابن تيمية: \"وأصناف العبادات الصلاة بأجزائها مجتمعة وكذلك أجزاؤها التي هي عبادة بنفسها من السجود والركوع والتسبيح والدعاء والقراءة والقيام لا يصلح إلا لله وحده ... ولهذا نهى النبي - ﷺ - معاذًا أن يسجد له وقال: لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها. ونهى عن الانحناء في التحية ونهاهم أن يقوموا خلفه في الصلاة وهو قاعد\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى ١/ ٣٧٢، ٤/ ٣٦٠.\n(^٢) انظر نواقض الإيمان الاعتقادية ٢٣٥.\n(^٣) الإعلام بقواطع الإسلام (ص ١٨ - ١٩) المطبوع مع الزواجر.\n(^٤) مجموع الفتاوى ١/ ٧٥.","vol":"2","page":372},{"text":"وسئل النووي - ﵀ - عن السجود الذي يفعله بعض الناس بين يدي المشايخ ونحوهم ما حكمه: فأجاب عن ذلك بقوله: \"هو حرام شديد التحريم\" (^١) وقال كذلك: \"إن ذلك حرام قطعا بكل حال سواء كان إلى القبلة أو غيرها وسواء قصد السجود لله تعالى أو غفل. وفي بعض صوره ما يقتضي الكفر عافانا الله تعالى\" (^٢).\nوقال ابن القيم: \"ومن أنواع الشرك: سجود المريد للشيخ، فإنه شرك من الساجد والمسجود له. والعجب أنهم يقولون: ليس هذا سجود، وإنما هو وضع الرأس قدام الشيخ احتراما وتواضعا. فيقال لهؤلاء: ولو سميتموه ما سميتموه. فحقيقة السجود: وضع الرأس لمن يسجد له. وكذلك السجود للصنم، وللشمس، وللنجم، وللحجر، كله وضع الرأس قدامه\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-707> مسألة:\nذكر ابن القيم - ﵀ - في \"الإغاثة</span>\" على قوله تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [البقرة: ٥٨]، ما نصه: \"قال السدي: هو باب من أبواب بيت المقدس، وكذالك قال ابن عباس [- ﵄ -] قال: والسجود بمعنى الركوع، وأصل السجود الانحناء لمن تعظِّمه، فكل منحنٍ لشيء تعظيمًا له فهو ساجد له. قاله ابن جرير وغيره.\nقلت (^٤): وعلى هذا فانحناء المتلاقيَين عند سلام أحدهما لصاحبه من السجود المحرم، وفيه نهي صريح عن النبي - ﷺ -. انتهى ما ذكره ابن القيم - رحمه الله تعالى\" (^٥).\nويوضح هذا ما ذكره الشيخ سليمان بن سحمان - ﵀ - حيث قال: \"وقد أشكل هذا\n_________\n(^١) فتاوى النووي ٧٦.\n(^٢) روضة الطالبين ١/ ٣٢٦.\n(^٣) مدارج السالكين ١/ ٣٧٤.\n(^٤) القائل هو ابن القيم - ﵀.\n(^٥) إغاثة اللهفان ٢/ ٣٠٨.","vol":"2","page":373},{"text":"على كثير من الناس، ممن لم يكن له معرفة بمدارك الأحكام، ومعاني الألفاظ، فزعموا: أن ما يفعله المسلمون الآن، من المعانقة من هذا القبيل، وأنه هو هذا الانحناء المحرم الذي ذكره ابن القيم، وليس الأمر كما زعموا، ولا على ما فهموا لوجوه:\nأحدها: أن المسلمين لا يقصدون بهذه المعانقة، الانحناء لمن يسلمون عليه تعظيمًا له بذلك، وإنما يقصدون المعانقة المشروعة، وحملهم على ما هو الحق، وما يقصدونه ويتعارفونه، أحسن وأوفق من حملهم على الأمر المحرم، الذي لا يقصدونه ولا يعرفونه، إذ حملهم على هذا من العنت والتحكم.\nالوجه الثاني: أن هذا من باب التحية والملاطفة والمحبة والشفقة، بعد الالتقاء من البعد والسفر وغير ذلك، لا من باب التعظيم.\nالوجه الثالث: أن الانحناء المحرم الذي عناه ابن القيم، وتكلم فيه أهل العلم هو: الانحناء للمعظم من الناس تعظيمًا له بذلك، من غير مصافحة ولا معانقة كما يفعله أهل الأمصار اليوم للمعظم عندهم، فيقومون له وينحنون له ويعظمونه بذلك، وهذا لا يفعلونه غالبًا إلا للرؤساء.\nوأعظم من ذلك وأبلغ في التحريم: ما قد يفعله بعضهم غالبًا مع الانحناء أو بدونه، من رفع يده والإشارة بها إلى محل السجود منه من أنفه وجبهته، وهذا فيه إشارة إلى السجود له، كما يفعله أهل الأمصار اليوم، من الانحناء والإشارة إلى الأنف والجبهة وهو الانحناء المذموم المحرم، الذي عناه ابن القيم - ﵀ -، لا ما يفعله المسلمون الآن من المصافحة والمعانقة، ولا يقول هذا إلا جاهل متنطع متشدد، سمع لفظ الانحناء وأنه محرم، وأنه من السجود والتعظيم للمخلوق، فقاس عليه سلام أهل الإسلام، أو ظن أنه هو الذي عناه ابن القيم، وجعل إكبابه عليه للمعانقة انحناء له وتعظيمًا، وهذا باطل كما تقدم بيانه. والله أعلم\" (^١).\n_________\n(^١) الدرر السنية ٧/ ٢٤٠، ٢٤١.","vol":"2","page":374},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-708> مسألة: حكم السجود على المقابر</span>\nورد سؤال إلى اللجنة عن حكم السجود على المقابر والذبح عليها فأجابت اللجنة بالآتي: \"السجود على المقابر والذبح لها وثنية جاهلية وشرك أكبر فإن كلا منهما عبادة والعبادة لا تكون إلا لله وحده فمن صرفها لغير الله فهو مشرك ... ولا شك أن قصد الإنسان إلى المقابر للسجود عليها أو الذبح عندها إنما هو لإعظامها وإجلالها بالسجود والقرابين التي تذبح أو تنحر عندها\" (^١).\n_________\n(^١) فتاوى اللجنة ١/ ١١٦، وانظر: أيضا ص ٢٢١ من المجلد نفسه.","vol":"2","page":375},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-709>١٥٣ - السحر </span>*\nفي اللغة: عبارة عما خفي ولطف سببه.\nقال الرازي: \"وكل ما لطف مأخذه ودق فهو سحر\" (^١).\nوالسحر مختص بكل أمر يخفى سببه ويتخيل على غير حقيقته ويجري مجرى التمويه والخداع (^٢).\nوفي الاصطلاح: قال أبو محمد المقدسي: \"عزائم ورقى وعقد تؤثر في القلوب والأبدان فيمرض ويقتل ويفرق بين المرء وزوجه ويأخذ أحد الزوجين عن صاحبه، قال تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ\n_________\n* الاستذكار لابن عبد البر ٢٥/ ٢٣٩ .. شرح السنة للبغوي ١٢/ ١٨٤. حكم المرتد للماوردي ٨٥. أحكام القرآن القرطبي ٢/ ٤٧. الآداب الشرعية لابن مفلح ٣/ ٨٢. فتح الباري ١٠/ ٢٢٢. لوامع الأنوار للسفاريني ١/ ٣٩٧. تيسير العزيز الحميد ٤٣، ٣٨٥. فتح المجيد ص ٣١٥. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ١٨٦. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ٢، ٣٤١/ ٥، ط ٢ - ٢/ ٥ ومن المجموع ٩/ ٤٨٩. الدرر السنية ١٠/ ٢٠. فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٣٦٤. مجموع فتاوى ابن باز ٢/ ٦٤٣. نور على الدرب ص ٢١١ معارج القبول ١/ ٤١١. شرح مسائل الجاهلية ٣٥. مذكرة التوحيد عبد الرزاق عفيفي ٤٥٧. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٢٩. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٢/ ١٧٣. المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة الأحمدي ٢/ ١٠١. منهج الإمام مالك في العقيدة ٤٥٧. الآثار الواردة في سير أعلام النبلاء د: جمال بن أحمد ص ١٩١. منهج الشافعي في إثبات العقيدة ص ٢٢١. علم التوحيد د: الربيعة ص ١٢٢، ١٢٦. شرح مسائل الجاهلية للسعيد ١/ ٢٧٥. الإمام الخطابي ومنهجه في العقيدة لأبي عبد الرحمن العلوي ص ٢٧٢. منهج ابن حجر في العقيدة ص ١١١٢. نواقض الإيمان القولية والعملية ص ٤٩٩.\n(^١) مختار الصحاح (س ح ر).\n(^٢) المصباح المنير (س ح ر).","vol":"2","page":376},{"text":"النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ [الفلق: ٤] \" (^١).\nوقال بدر العيني: \"السحر هو أمر خارق للعادة صادر عن نفس شريرة لا يتعذر معارضته\" (^٢). فالساحر هو الذي يأتي بأعمال شيطانية، فيها الخفاء، واللطافة، والخداع، والتمويه، والتلهية، والتعليل، والاستمالة.\n* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩] وقوله تعالى: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء:٣] وقوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦].\n* الدليل من السنة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ\"، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: \"الشِّرْكُ بِاللهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقَ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلاتِ\" (^٣).\nوالموبقات: المهلكات، سميت بذلك لأنها تهلك فاعلها في الدنيا والآخرة.\nوللنسائي من حديث أبي هريرة: \"من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر ومن سحر فقد أشرك ومن تعلق شيئا وكل إليه\" (^٤).\n_________\n(^١) الكافي لابن قدامة ٤/ ١٦٣، وانظر المغني ١٢/ ٢٩٩.\n(^٢) عمدة القارئ ١٧/ ٤١٨.\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٧٦٦) (٥٧٦٤) (٦٨٥٧).\n(^٤) أخرجه النسائي (٤٠٨٤).","vol":"2","page":377},{"text":"عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"مَنْ اقْتبَسَ عِلْمًا مِنْ النُّجُومِ اقْتبَسَ شُعْبَةً مِنْ السِّحْرِ زَادَ مَا زَادَ\" (^١).\nقال شيخ الإسلام: \"فقد صرح رسول الله - ﷺ - بأن علم النجوم من السحر وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾، وهكذا الواقع فإن الاستقراء يدل على أن أهل النجوم لا يفلحون في الدنيا ولا في الآخرة\" (^٢).\nوقد تقدم في باب الجبت أن العيافة والطرق والطيرة منها لحديث قَبِيصَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"الْعِيَافَةُ وَالطِّيَرَةُ وَالطَّرْقُ مِنْ الْجِبْتِ. الطَّرْقُ: الزَّجْر، وَالْعِيَافَةُ: الْخَطُّ\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-710>أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-711>١ - حقيقة السحر:</span>\nذهب جمهور أهل السنة والجماعة إلى أن السحر ثابت وله حقيقة (^٤)، قال القرطبي في قصة سحر لبيد بن الأعصم اليهودي للنبي - ﷺ -، وقول النبي - ﷺ -: \"إن الله شفاني\" والشفاء إنما يكون برفع العلة وزوال المرض، فدل على أن له حقًا وحقيقة، فهو مقطوع به بإخبار الله تعالى ورسوله - ﷺ - على وجوده ووقوعه، وعلى هذا أهل الحلّ والعقد الذين ينعقد بهم الإجماع، ولا عبرة مع اتفاقهم بحثالة المعتزلة ومخالفتهم أهل الحق\" (^٥). وذلك لأن قوما من المعتزلة زعموا أن السحر تخييل لا حقيقة له واختار ذلك أبو جعفر الاستراباذي من الشافعية وأبو بكر\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٩٠٥) وابن ماجه (٣٧٢٦).\n(^٢) مجموع الفتاوى ٣٥/ ١٩٣.\n(^٣) سنن أبي داود (٣٩٠٧) وأحمد (١٦٠١٠).\n(^٤) فتح الباري ١٠/ ٢٣٣.\n(^٥) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٢/ ٤٦. وانظر المغني لابن قدامة ١٢/ ٢٩٩.","vol":"2","page":378},{"text":"الرازي من الحنفية وابن حزم الظاهري وطائفة (^١).\nقال النووي - ﵀ - في شرخ المهذب: قال المصنف - يعني الشيرازى صاحب الأصل -: \"وللسحر حقيقة وله تأثير في إيلام الجسم وإتلافه، وقال أبو جعفر الاستراباذي من أصحابنا لا حقيقة له ولا تأثير له، والمذهب الأول، لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ والنفاثات السواحر، ولو لم يكن للسحر حقيقة لما أمر بالاستعاذة من شره\" (^٢).\nويقول المازري: \"مذهب أهل السنة وجمهور علماء الأمة على إثبات السحر وأن له حقيقة كحقيقة غيره من الأشياء الثابتة خلافًا لمن أنكر ذلك، ونفى حقيقته وأضاف ما يقع منه إلى خيالات باطلة لا حقائق لها وقد ذكره الله تعالى في كتابه وذكر أنه مما يتعلم وذكر ما فيه إشارة إلى أنه مما يكفر به وأنه يفرق بين المرء وزوجه وهذا كله لا يمكن فيما لا حقيقة له، وهذا الحديث أيضا مصرح بإثباته وأنه أشياء دفنت وأخرجت وهذا كله يبطل ما قالوه\" (^٣).\nوقال الحافظ في الفتح: \"هل يقع بالسحر انقلاب عين أو لا؟ فمن قال: أنه تخييل فقط، منع ذلك، ومن قال: إن له حقيقة اختلفوا: هل له تأثير فقط بحيث يغير المزاج فيكون نوعا من الأمراض. أو ينتهي إلى الإحالة بحيث يصير الجماد حيوانا مثلا وعكسه؟ فالذي عليه الجمهور هو الأول. وذهبت طائفة قليلة إلى الثاني، فإن كان بالنظر إلى القدرة الإلهية فمسلّم، وإن كان بالنظر إلى الواقع فهو محل الخلاف، فإن كثيرا ممن يدّعي ذلك لا يستطيع إقامة البرهان عليه\" (^٤).\n_________\n(^١) فتح الباري ١٠/ ٢٣٣.\n(^٢) المجموع شرح المهذب ١٩/ ٢٤٠. وانظر المغني لابن قدامة ١٢/ ٢٩٩، الكافى ٤/ ١٦٤.\n(^٣) مسلم بشرح النووي ١٤/ ١٧٤، ١٧٦ وانظر: شرح العقيدة الطحاوية ٥٦٩، ٥٧٢، مسائل الإمام أحمد ٢/ ١٠٣.\n(^٤) فتح الباري ١٠/ ٢٣٣.","vol":"2","page":379},{"text":"قال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"وقد زعم قوم من المعتزلة وغيرهم أن السحر تخييل لا حقيقة له، وهذا ليس بصحيح على إطلاقه، بل منه ما هو تخييل ومنه ما له حقيقة\" (^١).\nفالمعتزلة حصروا السحر في نوع واحد وهو التخييلي وقد رُدَّ عليهم بأن أهل السنة يثبتون هذا النوع ولا يلزم منه إنكار النوع الحقيقي كالمعتزلة.\nوقال ابن باز: \"لا شك أن السحر موجود وبعضه تخييل وأنه يقع ويؤثر بإذن الله ﷿\" (^٢).\nوقال - ﵀ -: \"السحر قسمان: قسم يكون بالعقد والنفث والأدوية الضارة وهذا موجود. وقسم يكون بالتخييل والتلبيس والتزوير كما قال الله تعالى عن سحر سحرة فرعون قال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]، وقال تعالى: ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦] فسماه عظيمًا لما فيه من التلبيس والتخييل والتزوير على الناس\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-712>٢ - الفرق بين السحر والمعجزة </span>(^٤):\nهناك عدة فروق بين السحر وبين المعجزة وهذه الفروق هي:\n١ - أن المعجزة: ليست من عمل النبي وكسبه إنما هي خلق محض من الله تعالى على خلاف سنته في الكائنات. أما السحر: فمن عمل الساحر وكسبه سواء أكان تعويذات أم بيانًا أم نميمة أم غير ذلك، وله أسبابه ووسائله التي قد تنتهي بمن عرفها ومهر فيها (^٥)، واستعملها إلى مسبباتها فليس خارقا للعادة ولا مخالفا\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٣٨٦.\n(^٢) ص ٦٨٩.\n(^٣) من تعليق سماحة الشيخ على كتاب التوحيد وانظر أيضا مجموع فتاوى ومقالات متنوعة ٨/ ١٠٤.\n(^٤) يأتي تعريف المعجزة في باب الكرامة.\n(^٥) انظر حول ذلك تفسير القرطبي ٢/ ٤٧ وكتاب السحر للدميني ٥٦.","vol":"2","page":380},{"text":"لنظام الكون في ربط الأسباب بمسبباتها والوسائل بمقاصدها. فالسحر يوجد من الساحر وغيره أما المعجزة فلا يمكن أن يأتي بمثلها.\n٢ - والمعجزة: تظهر على يد مدّعي النبوة لتكون آية على صدقه في رسالته التى بها هداية الناس من الضلالة، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، والأخذ بأيديهم إلى ما ينفعهم في عقائدهم وأخلاقهم وأبدانهم وأموالهم. أما السحر: فهو خلق ذميم أو خرافة أو صناعة يموه بها الساحر على الناس، ويضللهم ويخدعهم بها عن أنفسهم وما ملكت أيديهم، ويتخذها وسيلة لكسب العيش من غير حله، ويفرق بها بين المرء وزوجه، والصديق وصديقه، وبالجملة يفسد بها أحوال الأمة بخفاء، والناس عنه غافلون.\n٣ - سيرة من ظهرت على يده المعجزة حميدة، وعاقبته مأمونة، فهو صريح في القول والفعل، صادق اللهجة، حسن العشرة، سخي كريم، عفيف عما في أيدى الناس، يدعو إلى الحق، وينافح دونه بقوة وشجاعة. أما الساحر: فسيرته ذميمة، ومغبته وخيمة، خائن خداع سيئ العشرة، يأخذ ولا يعطي، يدعو إلى الباطل ويسعى جهده في ستره، خشية أن يفتضح أمره، وينكشف سره، فلا يتم له ما أراد من الشر والفساد.\n٤ - من ظهرت على يده المعجزة يقود الأمم والشعوب إلى الوحدة والسعادة، ويهديها طريق الخير، وعلى يده يسود الأمن والسلام، وتفتح البلاد ويكون العمران. أما الساحر: فهو آفة الوحدة ونذير الفرقة والتخريب والفوضى والاضطراب (^١).\n٥ - أن المعجزة لا يمكن إبطالها أما السحر فإنه يمكن إبطاله.\n٦ - أن معجزات الأنبياء ﵈ على حقائقها، وبواطنها كظواهرها، وأما\n_________\n(^١) مذكرة التوحيد للشيخ عبد الرزاق عفيفي ٤٥، ٤٦، ٤٧، وانظر تحقيقًا في المعجزة وتوضيحًا تفصيليًا لها في كتاب (موقف ابن تيمية من الأشاعرة) ٣/ ١٣٧٨.","vol":"2","page":381},{"text":"السحر والطلسمات ليس فيها شيء خارق للعادة، بل هي عادة جرت من الله بترتيب مسبباتها على أسبابها (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-713>٣ - الفرق بين الساحر والكاهن:</span>\nجاء عن الإمام أحمد أنه قال: الكاهن يدعي الغيب والساحر يعقد (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-714>٤ - حكم عمل الساحر:</span>\nمن العلماء من قال بأن السحر كفر، ودليلهم في ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ حيث برأ الله نبيه من السحر بقوله: ﴿وَمَا كَفَرَ﴾ فدل على أن السحر كفر، وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ فأثبت الكفر للشياطين وقرن ذلك بتعليمهم السحر للناس فدل على أن السحر كفر (^٣).\nوقال ابن كثير: \"وقد استدل بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ من ذهب إلى تكفير الساحر كما هو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل وطائفة من السلف\" (^٤).\nوذكره الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نواقض الإسلام حيث قال: \"الناقض السابع: السحر ومنه الصرف والعطف\" (^٥).\nقال ابن باز - ﵀ -: \"إن السحر من أعظم الكبائر الموبقات، بل هو من نواقض الإسلام، كما قال الله - ﷿ - في كتابه الكريم: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ الآيتين\n_________\n(^١) ينظر الفروق للقرافي ٤/ ١٦٨، ١٧٠، فتح الباري ١٠/ ٢٢٢، أحكام القرآن للجصّاص ١/ ٤٩، عالم السّحر والشعوذة للأشقر ٧٤. مستفاد من تحصين أهل الإيمان من العين والحسد والسحر والشيطان ٤١، ٤٢ وانظر: للاستزادة باب (الكرامة) باب (المعجزة).\n(^٢) انظر المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد ٢/ ١٠١.\n(^٣) انظر معارج القبول ١/ ٥١٢ - ٥١٤.\n(^٤) تفسير ابن كثير ١/ ١٤٨.\n(^٥) انظر النواقض مع شرحها للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، سلسلة شرح الرسائل للشيخ صالح الفوزان ص ٢٧٦، وشرح النواقض للعواجي ص ٧٨.","vol":"2","page":382},{"text":"[البقرة: ١٠٢ - ١٠٣] فأخبر سبحانه في هاتين الآيتين أن الشياطين يعلِّمون الناس السحر وأنهم كفروا بذلك، وأن الملكين ما يعلمان من أحد حتى يخبراه أن ما يعلمانه كفر وأنهما فتنة ... وبهذا كله يعلم أن السحر كفر وضلالة وردّة عن الإسلام إذا كان من فعله يدّعي الإسلام، وفي الصحيحين عن أبى هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"اجتنبوا السبع الموبقات\" قلنا: وما هن يا رسول الله؟ قال: \"الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات\".\nفبَيَّن النبي - ﷺ - في هذا الحديث الصحيح أن الشرك والسحر من السبع الموبقات أي المهلكات. والشرك أعظمها، لأنه أعظم الذنوب، والسحر من جملته ولهذا قرنه الرسول - ﷺ - به، لأن السحرة لا يتوصلون إلى السحر إلا بعبادة الشياطين والتقرب إليهم بما يحبون من الدعاء، والذبح، والنذر، والاستعانة وغير ذالك.\nروى النسائي - ﵀ - عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئا وكل إليه\"، وهذا يفسر قوله تعالى في سورة الفلق: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ قال أهل التفسير: إنهن الساحرات اللاتي يعقدن العقد وينفثن فيها بكلمات شركية يتقربن بها إلى الشياطين لتنفيذ مرادهن في إيذاء الناس وظلمهم\" (^١).\n\nوالساحر في عمله المقتضي للكفر لا يخرج عن أمور ثلاثة:\nالأول: إما أن يتضمن عمله الاعتقاد بأن الكواكب السبعة هي المتصرفة في العالم، وبالتالي فالساحر يخاطبها ويطلب منها أشياء، وذلك كفر ينافي الإيمان بالله، وأنه سبحانه المالك المتصرف المحيي المميت ...\n_________\n(^١) مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ٢/ ٦٥٤ - ٦٥٦.","vol":"2","page":383},{"text":"الثاني: فيه شرك بالله واعتقاد أن لتلك الأرواح القدرة على التصرف في الخلق من دون الله، فترى الساحر يتقرب إليها، ويعتقد فيها القدرة والعلم المستوجب لمخاطبتها وسؤالها والاستعانة بها.\nالثالث: أن يتضمن الاستغاثة بالأرواح الأرضية [الجن] وسؤالها الحاجات والتقرب إليها بالأوراد الكفرية وبالذبح لها. وهذه الثلاث كلها يجمعها أن الساحر يتقرب إلى الشياطين إما باعتقاد أو طلب أو استعانة (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-716> وبعض أهل العلم يفصّل في حكم الساحر:</span>\nقال الشافعي: \"والسحر اسم جامع لمعان مختلفة فيقال للساحر صف السحر الذي تسحر به فإن كان ما يسحر به كلام كفر صريح استتيب منه فإن تاب وإلَّا قتل وأخذ ماله فيئا وإن كان ما يسحر به كلاما لا يكون كفرا معروف ولم يضر به أحدا نهى عنه\" (^٢).\nفمذهب الشافعي التفصيل في ذلك: فإن كان ما يسحر به كلام كفر صريح فهو كافر وإن كان لا يوجب الكفر فإن اعتقد إباحته فهو كافر وإلَّا فلا (^٣).\nقال الشيخ الشنقيطي - ﵀ -: \"التحقيق في هذه المسألة إن شاء الله تعالى: أن السحر نوعان كما تقدم، منه ما هو كفر، ومنه ما لا يبلغ بصاحبه الكفر، فإن كان الساحر استعمل السحر الذي هو كفر فلا شك في أنه يقتل كفرًا؛ لقوله - ﷺ -: \"من بدل دينه فاقتلوه\"، وأظهر القولين عندي في استتابته أنه يستتاب، فإن تاب قبلت توبته\" (^٤).\nوقال ابن عثيمين - ﵀ -: \"السحر في الشرع ينقسم إلى قسمين:\n_________\n(^١) للاستزادة انظر أضواء البيان ٤/ ٤٨٢ - ٤٩٣ كتاب الدميني في السحر ص ٢٩، ٣٠.\n(^٢) الأم ١/ ٢٥٦.\n(^٣) تيسير العزيز الحميد ص ٣٨٧.\n(^٤) أضواء البيان ٤/ ٤٩٧.","vol":"2","page":384},{"text":"الأول: عقد ورقى أي قراءات وطلاسم يتوصل بها الساحر إلى استخدام الشياطين فيما يريد به ضرر المسحور، لكن قد قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.\nالثاني: أدوية وعقاقير تؤثر على بدن المسحور وعقله وإرادته وميله؛ فتجده ينصرف ويميل وهو ما يسمى عندهم بالصرف والعطف ...\nفالسحر قسمان:\nأ) شرك: وهو الأول الذي يكون بواسطة الشياطين، يعبدهم ويتقرب إليهم ليسلطهم على المسحور.\nب) عدوان وفسق: وهو الثاني الذي يكون بواسطة الأدوية والعقاقير ونحوها.\nوبهذا التقسيم الذي ذكرناه نتوصل إلى مسألة مهمة، وهي: هل يكفر الساحر أو لا يكفر؟ اختلف في هذا أهل العلم:\nفمنهم من قال: إنه يكفر. ومنهم من قال إنه لا يكفر. ولكن التقسيم السابق الذي ذكرناه يتبين به حكم هذه المسألة، فمن كان سحره بواسطة الشياطين فإنه يكفر لأنه لا يتأتى ذلك إلا بالشرك غالبًا ... ومن كان سحره لأدوية والعقاقير ونحوها فلا يكفر ولكنه يعتبر عاصيًا معتديًا\" (^١).\nوقد بَيَّن الشيخ سليمان بن عبد الله أنه لا خلاف بين القولين فقال - ﵀ -: \"وعند التحقيق ليس بين القولين اختلاف، فإن من لم يكفر لظنه أنه يتأتى بدون الشرك وليس كذلك بل لا يأتي السحر الذي من قبل الشياطين إلا بالشرك وعبادة الشيطان والكواكب، ولهذا سماه الله كفرًا في قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ وقوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ وفي حديث مرفوع رواه رزين:\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٤٦٩، وانظر القول المفيد ط ١، ٢/ ٥، ٦.","vol":"2","page":385},{"text":"\"الساحر كافر\"، وقال أبو العالية: السحر من الكفر. وقال ابن عباس في قوله ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ وذلك أنهما علماه الخير والشر والكفر والإيمان فعرفا أن السحر من الكفر. وقال ابن جريج في الآية: لا يجترئ على السحر إلا الكافر.\nوأما سحر الأدوية والتدخين ونحوه فليس بسحر، وإن سُمي سحرًا فعلى سبيل المجاز كتسمية القول البليغ والنميمة سحرًا، ولكنه يكون حرامًا لمضرته يعزر من يفعله تعزيزًا بليغًا\" (^١).\n٥ - سحر التمويه والتلبيس المعتمد على خفة الأيدي والأخذ بالعيون:\nقال ابن حجر (^٢): وهو ما يقع بخداع وتخييلات لا حقيقة لها، نحو ما يفعله المشعوذ من صرف الأبصار عما يتعاطاه بخفة يده، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]، وقوله تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦] وقد يستعين في ذلك بما يكون فيه خاصيته كالحجر الذي يجذب الحديد المسمى المغنطيس\" (^٣).\nوجاء في فتوى إدارة البحوث أن: \"السحر يطلق على التخييل وإيهام الناظر إلى الشيء أنه يتحرك مثلا مع أنه لا يتحرك حتى يراه الحاضر رؤية وهمية تختلف عن حقيقته ويعتقده على خلاف واقعه وهذا النوع من السحر حرام لما فيه من التمويه والتلبيس واللعب بالعقول وقد يتخذ مهنة يكسب منها من يشتغل بها ويبتز أموال الناس بالباطل\" (^٤).\nوقال الشيخ عبد الرحمن البراك: \"وأما السحر الرياضي وهو ما يرجع إلى خفة\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٣٨٧.\n(^٢) حكاية عن الراغب انظر: الفتح ١٠/ ٢٢٢.\n(^٣) فتح الباري ١٠/ ٢٣٣، مفردات الراغب ٢٢٦.\n(^٤) فتوى رقم ٨٤٥ بتاريخ ٦/ ٩/ ١٣١٤ هـ.","vol":"2","page":386},{"text":"اليد وسرعة الحركة، والسحر التمويهي وهو ما يكون بتمويه بعض المواد بما يظهرها على غير حقيقتها فهذان النوعان من الغش والخداع وليسا من السحر الذي هو كفر\" (^١).\nوقال الدميني - حفظه الله -: \"أما الأخذ بالعيون وخفة الأيدي والحركات الخفية والخداع والأعمال الهندسية والكيمائية فهي لا تخلو من حرمة لما يترتب عليها من أخذ أموال الناس بالباطل والاعتقاد في فاعل ذلك أن له من القدرة والتصرف فوق ما يستحقه مما اختص به الله\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-717>٦ - حد الساحر:</span>\nصح عن جندب - ﵁ - أن حد الساحر ضربه بالسيف (^٣).\nوكذلك عن غيره من الصحابة والتابعين (^٤).\nوقال الحسن - ﵁ - يقتل السحار ولا يستتابوا (^٥).\nوقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"وبهذا الحديث أخذ أحمد ومالك وأبو حنيفة، فقالوا: يقتل الساحر. وروي ذلك عن عمر وعثمان وابن عمر وحفصة وجندب بن عبد الله وجندب بن كعب وقيس بن سعد وعمر بن عبد العزيز. ولم ير الشافعي عليه القتل بمجرد السحر إلا إن عمل في سحره ما يبلغ الكفر\" (^٦).\nوجاء في بعض الوقائع الصحيحة المأثورة ما يتضمن عدم قتل الساحر كعدم\n_________\n(^١) جواب في الإيمان ونواقضه ص ١٩، ٢٠.\n(^٢) كتاب السحر للدميني ص ٢٩، ٣٠.\n(^٣) الترمذي (١٤٦٠).\n(^٤) المصنف لابن أبي شيبة ١٠/ ١٣٥، ١٣٦، مصنف عبد الرزاق ١٠/ ١٨٠، ١٨٤، فتح الباري ٦/ ٢٦١، مجمع الزوائد ٦/ ٢٨٠، ٢٨١.\n(^٥) مصنف ابن أبي شيبة ١٠/ ١٣٥.\n(^٦) تيسير العزيز الحميد ص ٣٩٥.","vol":"2","page":387},{"text":"قتل لبيد بن الأعصم وكذلك عائشة - ﵂ - باعت جارية لها سحرتها (^١)؛ ولذلك جاء الخلاف في قتل الساحر فقد قال الشافعي - ﵁ -: \"إنما يقتل الساحر إذا كان يعمل في سحره ما يبلغ به الكفر فإذا عمل عملًا دون الكفر فلم نر عليه قتلًا\" (^٢).\nوالذي عليه الأئمة ﵏ أن الساحر يقتل وقد قدمنا شيئًا من أقوالهم.\nقال مالك: \"الساحر الذي يعمل السحر ولم يعمل ذلك له غيره، هو مثل الذي قال الله ﵎ في كتابه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ فأرى أن يقتل ذلك، إذا عمل ذلك هو نفسه\" (^٣).\nوأمرُ عمرَ بقتل السحرة ثابت معلوم، فعن بجالة بن عبدة قال: \"كتب عمر بن الخطاب: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة. قال: فقتلنا ثلاثة سواحر\" (^٤).\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"إن أثر عمر صريح في قتل كل ساحر وساحرة وهو من حجج الجمهور القائلين بأنه يقتل، وظاهره أنه يقتل من غير استتابة، وهو كذلك على المشهور عن أحمد، وبه قال مالك: إن الصحابة لم يستتيبوهم، ولأن علم السحر لا يزول بالتوبة.\nوعن أحمد يستتاب، فإن تاب، قبلت توبته وخلي سبيله، وبه قال الشافعي، لأن ذنبه لا يزيد على الشرك، والمشرك يستتاب وتقبل توبته، فكذلك الساحر، وعلمه بالسحر لا يمنع توبته بدليل ساحر أهل الكتاب إذا أسلم، ولذلك صح إيمان سحرة فرعون وتوبتهم.\n_________\n(^١) مصنف عبد الرزاق ١٠/ ١٨٣، والمغني ١٢/ ٣٠٢.\n(^٢) كتاب الحدود ٤/ ٦٠.\n(^٣) الموطأ ٢/ ٨٧١.\n(^٤) أخرجه أبو داود (٣٠٤٣).","vol":"2","page":388},{"text":"قلت (^١): الأول أصح لظاهر عمل الصحابة. فلو كانت الاستتابة واجبة لفعلوها أو بينوها، وأما قياسه على المشرك فلا يصح، لأنه أكثر فسادا وتشويها من المشرك، وكذلك لا يصح قياسه على ساحر أهل الكتاب، لأن الإسلام يجب ما قبله، وهذا الخلاف إنما هو في إسقاط الحد عنه بالتوبة، أما فيما بينه وبين الله، فإن كان صادقا قبلت توبته\" (^٢).\nوقال ابن باز - ﵀ -: \"قد اختلف العلماء في حكم الساحر، هل يستتاب وتقبل توبته؟ أم يقتل بكل حال ولا يستتاب إذا ثبت عليه السحر؟ والقول الثاني: هو الصواب، لأن بقاءه مضر بالمجتمع الإسلامي والغالب عليه عدم الصدق في التوبة، ولأن في بقائه خطرا كبيرا على المسلمين.\nواحتج أصحاب هذا القول على ما قالوه بأن عمر - ﵁ -: أمر بقتل السحرة ولم يستتبهم وهو ثاني الخلفاء الراشدين الذين أمر الرسول - ﷺ - باتباع سنتهم.\nواحتجوا أيضا بما رواه الترمذي - ﵀ - عن جندب بن عبد الله البجلي أو عن جندب الخير الأزدي مرفوعا وموقوفًا: \"حد الساحر ضربه بالسيف\". وقد ضبطه بعض الرواة بالتاء فقال: \"حد الساحر ضربة بالسيف\" والصحيح عند العلماء وقفه على جندب (^٣).\nوصح عن حفصة أم المؤمنين - ﵂ - أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها فقتلت من غير استتابة.\nقال الإمام أحمد - ﵀ -: \"ثبت ذلك - يعني قتل الساحر - من غير استتابة عن ثلاثة من أصحاب النبي - ﷺ -، يعني بذلك عمر، وجندبا، وحفصة\" ومما ذكرنا يعلم أنه لا\n_________\n(^١) القائل الشيخ سليمان بن عبد الله - ﵀ -.\n(^٢) تيسير العزيز الحميد ص ٣٩٥.\n(^٣) ذكر ذلك الترمذي، انظر تعليقه على الحديث السابق رقم (١٤٦٠).","vol":"2","page":389},{"text":"يجوز إبقاء السحرة أو إتيانهم ... وأن الواجب قتل الساحر متى ثبت تعاطيه السحر بإقراره أو بالبينة الشرعية من غير استتابة\" (^١).\nأما شبهة عدم قتل لبيد فقد أجيب عنها بأنه ترك - ﷺ - قتله لأنه كان بينه وبين يهود عهد وأن لبيدًا لم يعمل السحر بنفسه إنما صنعه غيره له.\nوقيل إن لبيد كان يهوديًا فأظهر الإسلام نفاقا ولم يقتل الرسول - ﷺ - المنافقين حتى لا يتحدث الناس أن محمدًا - ﷺ - يقتل أصحابه وكذلك ما وقع لجارية عائشة أجيب عنه بأنها لم تعمل السحر بنفسها وحمل الشافعي - ﵁ - فعل عائشة - ﵂ - على أن سحر المرأة لها ليس فيه كفر وإلا فلو كان فيه كفر لقتلتها كما فعل عمر وحفصة - ﵄ - (^٢).\nوجاء في فتاوى اللجنة الدائمة ما نصه: \"جـ: إذا أتى الساحر في سحره بمكفر قُتل لردته حدًا وإن ثبت أنه قتل بسحره نفسًا معصومة قتل قصاصًا، وإن لم يأتِ في سحره بمكفر ولم يقتل نفسًا ففي قتله بسحره خلاف، والصحيح أنه يقتل حدًا لردته، وهذا هو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد ﵏؟ لكفره بسحره مطلقًا\" (^٣).\nوقال ابن عثيمين - ﵀ -: \"وأما قتل الساحر فإن كان سحره كفرًا قُتل قَتل ردة، إلا أن يتوب على القول بقبول توبته وهو الصحيح وإن كان سحره دون الكفر؛ قُتل قَتل الصائل أي قُتل لدفع أذاه وفساده في الأرض وعلى هذا يرجع في قتله إلى اجتهاد الإمام وظاهر النصوص التي ذكرها المؤلف أنه يقتل بكل حال\" (^٤).\n_________\n(^١) فتاوى ابن باز ص ٦٥٧ وما بعدها.\n(^٢) فتاوى السبكي ٢/ ٣٢٥ وانظر كتاب الدميني ص ٤٢ وما بعدها.\n(^٣) فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٣٦٩.\n(^٤) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٤٨٩، ٤٩٠. وانظر القول المفيد ط ١ - ٢/ ٢٥. وانظر كتاب السياسة الشرعية لابن تيمية ١/ ٢٨.","vol":"2","page":390},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-718>٧ - حكم تعلم السحر وتعليمه:</span>\nقال ابن قدامة المقدسي - ﵀ -: \"تعلم السحر وتعليمه حرام لا نعلم فيه خلافًا بين أهل العلم\" (^١).\nوقال - ﵀ -: \"قال أصحابنا: ويكفر الساحر بتعلمه وفعله سواء اعتقد تحريمه أو إباحته\" (^٢).\nوقال صاحب التيسير: \"وقد نص أصحاب أحمد على أنه يكفر بتعلمه وتعليمهم\".\nوروى عبد الرزاق عن صفوان بن سليم قال: قال رسول الله - ﷺ - \"من تعلم شيئًا من السحر قليلًا كان أو كثيرًا كان آخر عهده من الله\" وهو مرسل\" (^٣).\nوقال ابن كثير عن قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥].\nوقد استدل بعضهم بهذه الآية على تكفير من تعلم السحر (^٤).\nوالصحيح أن تعلم السحر وتعليمه والعمل به كفر لقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. قال ابن حجر: \"فيه الإشارة إلى أن تعلم السحر كفر\" (^٥).\nومن الأدلة على كفر من يتعلم السحر ولو لم يعمل به ما ورد في قصة المرأة التى جاءت أم المؤمنين عائشة - ﵂ - من دومة الجندل وفيها: \"أنها بعد أن بالت في التنور فرأت فارسًا مقنعًا بحديد خرج منها، قالت: ذهب في السماء وغاب حتى ما\n_________\n(^١) المغني ٨/ ١٥١. وانظر حاشية الروض ٧/ ٤١٣، وانظر كشاف القناع عن متن الإقناع ٦/ ١٨٦.\n(^٢) المغني ٨/ ١٥١.\n(^٣) تيسير العزيز الحميد ص ٣٨١، ونقله في فتح المجيد ص ٢٨١.\n(^٤) تفسير ابن كثير ١/ ١٤٨.\n(^٥) فتح الباري ١٠/ ٢٢٥.","vol":"2","page":391},{"text":"أراه، فسألتها عنه فقالت: ذلك إيمانك خرج منك فاذهبي\" (^١).\nوروى الطبري عن السدي نحوه وفيه: \"فإذا بال عليه خرج منه نور يسطع حتى يدخل السماء وذلك الإيمان\".\nوقال ابن باز - ﵀ -: \"لا يجوز تعلم السحر أبدًا حتى إذا قصد به فك السحر؛ لأنَّهُ لابد وأن يترتب عليه عبادة لغير الله أو فعل محرم أو ترك واجب\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-719>٨ - حكم الذهاب للسحرة وسؤالهم:</span>\nبيَّنا بحمد الله في باب الكهانة حكم الذهاب إليهم وهو منطبق على الذهاب للسحرة. وقد جاء في سنن البيهقي عن ابن مسعود - ﵁ -: \"من أتى ساحرًا، أو كاهنًا أو عرافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد - ﷺ -\".\nوعن عمران بن حصين - ﵁ - مرفوعًا: \"ليس منا من تطير أو تُطير له، أو تكهن أو تُكهن له، أو سحر أو سُحِر له، ومن أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل علي محمد - ﷺ - (^٣).\nوقال الإمام أحمد: \"العراف طرف من السحر والساحر أخبث\" (^٤).\nوقال الألباني - ﵁ -: \"فمن استعان بهم على فك سحر - زعموا - أو معرفة هوية الجني المتلبس بالإنسي أذكر هو أم أنثى؟ مسلم أو كافر. وصدقه المستعين به ثم\n_________\n(^١) أخرجه الطبري في التفسير ١/ ٤٦٠، ٤٦١.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن باز ص ٦٥٦.\n(^٣) أخرجه البزار ٩/ ٥٢ رقم (٣٥٧٨) وانظر الترغيب ٤/ ٣٣ حيث جود إسناده المنذري، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير ١٨/ ١٦٢ دون زيادة: \"ومن أتى\" وذكره الهيثمي مجمع الزوائد ٥/ ١٠٣، ١١٧ وقال: ورجاله رجال الصحيح خلا إسحاق بن الربيع وهو ثقة والحديث قال عنه ابن حجر إسناده جيد ١٠/ ٢١٧ وكذلك جود إسناده الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد انظر ص ٣٣٦ من فتح المجيد.\n(^٤) انظر المغني ٩/ ٣٧، فتح المجيد ص ٢٥٦.","vol":"2","page":392},{"text":"صدق هذا الحاضرون فقد شملهم جميعًا وعيد قوله - ﷺ -: \"من أتى عرافًا، أو كاهنًا فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد\"، وفي حديث آخر: \"لم تقبل له صلاة أربعين ليلة\" (^١).\nوقد سئل الشيخ ابن عثيمين عن الذهاب إلى السحرة للعلاج فأجاب - ﵀ -: \"لا يجوز لك أن تذهب إلى السحرة فإن هذا محرم، وقد روي عن النَّبِيّ - ﷺ -: \"ليس منا مَنْ سحر أو سُحر له\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-720>٩ - إصابة الرسول - ﷺ - بالسحر:</span>\nثبت في الأحاديث الصحيحة أن الرسول - ﷺ - قد سحره لبيد بن الأعصم واستمر معه ذلك حيث قالت عائشة - ﵂: \"أنه لبث ستة أشهر يرى أنه يأتي ولا يأتي .. \" الحديث (^٣).\nوفي الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ سَحَرَ رَسُولَ الله - ﷺ - رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُريقٍ يُقَالُ لَهُ لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ حَتَّى كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا فَعَلَهُ حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَهُوَ عِنْدِي لَكِنَّهُ دَعَا وَدَعَا ثُمَّ قَالَ: \"يَا عَائِشَةُ أَشَعَرْتِ أَنَّ الله أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ أَتانِي رَجُلَانِ فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا وَجَعُ الرَّجُل. فَقَالَ: مَطْبُوبٌ قَالَ مَنْ طَبَّهُ قَالَ لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ قَالَ: فِي أَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: فِيَ مُشْطٍ (^٤) وَمُشَاطَةٍ (^٥) وَجُفِّ طَلْعِ نَخْلَةٍ ذَكَرٍ (^٦) قَالَ: وَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذرْوَانَ فَأَتَاهَا رَسُولُ الله - ﷺ -\n_________\n(^١) السلسلة الصحيحة للألباني (٦/ ٢/ ١٠٠٩ - ١٠١٠).\n(^٢) فتاوى منار الإسلام ١/ ٢٧.\n(^٣) المسند (٢٤٨٥١).\n(^٤) مشط: هو الآلة التي يسرح بها شعر الرأس واللحية.\n(^٥) قال ابن قتيبة: المشاطة: ما يخرج من الشعر الذي سقط من الرأس إذا سرح بالمشط وكذا من اللحية. (الفتح) ١٠/ ٢٣١.\n(^٦) هو الغشاء الذي يكون على الطلع ويطلق على الذكر والأنثى وقال أبو عمر الشيباني: الجف بالفاء شيء ينقر من جذوع النخل (الفتح) ١٠/ ٢٢٩.","vol":"2","page":393},{"text":"فِي نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَجَاءَ فَقَالَ: يَا عَائِشَة، كَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ أَوْ كَأَنَّ رُءُوسَ نَخْلِهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ\". قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أفلا اسْتَخْرَجْتَهُ قَالَ: \"قَدْ عَافَانِي الله فَكَرِهْتُ أَنْ أُثَوِّرَ عَلَى النَّاسِ فِيهِ شَرًّا\" فَأَمَرَ بِهَا فَدُفِنَتْ ... وَقَالَ اللَّيْثُ وَابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَامٍ فِي مُشْطٍ وَمُشَاقَةٍ يُقَالُ الْمُشَاطَةُ مَا يَخْرُجُ مِنْ الشَّعَرِ إِذَا مُشِطَ وَالْمُشَاقَةُ مِنْ مُشَاقَةِ الْكَتَّانِ\" (^١).\nوفي مسلم: أحرقته؟ قال: \"لا، أما أنا فقد عافاني الله، وكرهت أن أثير على الناس شرًا، فأمرت بها فدفنت\".\nوفي لفظ البخاري: \"يخيل إليه أنه يأتي أهله ولا يأتي\"، وفيه أيضًا: \"حتى كان يرى أنه كان يأتي النساء ولا يأتيهن\".\nقال سفيان: \"وذلك أشد ما يكون من السحر\". وفيه: \"قال: من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم من بني زريق، حليف اليهود، كان منافقًا\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-721>١٠ - توضيح معنى كلمة الطب </span>(^٣):\nالطِبُّ بكسر الطاء في اللغة، يقال على معان: أحدها: السحر وهو المراد هنا.\nوتطلق أيضًا على الإصلاح والحذق، ويقال لنفس الدواء طب، ويطلق على العادة وغير ذلك (^٤).\nوالمقصود المعنى الأول قال ابن الأثير: \"رجل مطبوب أي مسحور كنّوا بالطب عن السحر تفاؤلا بالبرء، كما كنّوا بالسليم عن اللديغ\" (^٥)، قال أبو عبيد:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٧٦٣) (٣٢٦٨) (٥٧٦٥) (٦٠٦٣) (٦٣٩١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٧٦٦). ومسلم (٢١٨٩). وابن ماجة (٣٥٤٥).\n(^٣) انظر للاستزادة فتح الباري ١٠/ ٢٢٨، ٢٣٣. تيسير العزيز الحميد ص ٤٢٣. فتح المجيد ص ٣٤٢. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٢١٠. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ٧٢ ومن المجموع ٩/ ٥٥٥ الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٢/ ٣٤١.\n(^٤) انظر الآداب الشرعية والفروع لابن مفلح ٣/ ٨٤.\n(^٥) النهاية (ط ب ب).","vol":"2","page":394},{"text":"\"تفاؤلًا بالسلامة\". وكما كنّوا بالمفازة عن الفلاة المهلكة التي لا ماء فيها، فقالوا: \"مفازة تفاؤلا بالفوز من الهلاك\".\nقال ابن الأنباري: \"الطب من الأضداد، ويقال لعلاج الداء: طب، والسحر من الداء، يقال له: طب\" (^١). قال ابن الأثير: \"ومنه الحديث \"فلعل طبًا أصابه\" أي سحرًا\" (^٢).\nوقال ابن حجر: \"أخرج أبو عبيدة من مرسل عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: \"احجتم النَّبِيّ - ﷺ - علي رأسه بقرن حين طب\". قال أبو عبيد يعني سحر\" (^٣).\nقال الإمام البغوي: \"قولها \"طب\": أي سحر ... وقيل هو من الأضداد ويقال لعلاج الداء طب، وللسحر طب وهو من أعظم الأدواء\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-722>١١ - فائدة:</span>\nبيَّن الواقدي السنة التي وقع فيها السحر أخرجه عنه ابن سعد بسند له إلى عمر بن الحكم مرسلًا قال: \"لما رجع رسول الله - ﷺ - من الحديبية في ذي الحجة ودخل المحرم من سنة سبع جاء رؤساء اليهود إلى لبيد بن الأعصم وكان حليفًا في بني زريق وكان ساحرًا فقالوا له: يا أبا الأعصم أنت أسحرنا، وقد سحرنا فلم نصنع شيئًا ونحن نجعل لك جعلًا على أن تسحره لنا سحرا ينكؤه فجعلوا له ثلاثة دنانير\" (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-723>١٢ - الرد على من أنكر إصابة الرسول - ﷺ - بالسحر:</span>\nشكك أقوام في صحة الحديث المذكور بدعوى التشكيك في الثقة بما يوحى إليه وهذا باطل.\n_________\n(^١) فتح الباري ١٠/ ٢٢٨. تيسير العزيز الحميد ص ٤٢٣. وانظر: الأضداد لابن الأنباري.\n(^٢) النهاية (ط ب ب).\n(^٣) فتح الباري ١٠/ ٢٢٨، ٢٢٩.\n(^٤) شرح السنة للبغوي ١٢/ ١٨٦، ١٨٧.\n(^٥) الفتح ١٠/ ٢٢٦.","vol":"2","page":395},{"text":"فإن سحر الرسول - ﷺ - لا يحط من شأن رسالته ولا ينفي عصمته.\nوفي الفتح: \"قال المازري: أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث وزعموا أنه يحط منصب النبوة ويشكك فيها، قالوا: وكل ما أدى إلى ذلك فهو باطل وزعموا أن تجويز هذا يعدم الثقة بما شرعوه من الشرائع إذ يحتمل على هذا أن يخيل إليه أنه يرى جبريل وليس هو ثم، وأنه يوحى إليه بشيء ولو يوح إليه بشيء.\nوقال أيضًا: وهذا كله مردود لأن الدليل قد قام على صدق النَّبِيّ - ﷺ - فيما بلغه، والمعجزات شاهدات بتصديقه، فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل. وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها، ولا كانت الرسالة من أجلها فهو في ذلك عرضة لما يعترض البشر كالأمراض، فغير بعيد أن يخيل إليه في أمر من أمور الدنيا ما لا حقيقة له مع عصمته عن مثل ذلك في أمور الدين، قال: وقد قال بعض الناس: إن المراد بالحديث: أنه كان - ﷺ - يخيل إليه أنه وطئ زوجاته ولم يكن وطأهن. وهذا كثيرا ما يقع تخيله للإنسان في المنام، فلا يبعد أن يخيل إليه في اليقظة.\nوقال ابن حجر: \"وهذا قد ورد صريحًا في رواية ابن عيينة ولفظه: حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن\" (^١).\nوقال القاضي عياض: \"والسحر مرض من الأمراض، وعارض من العلل، يجوز عليه - ﷺ -، كأنواع الأمراض مما لا ينكر ولا يقدح في نبوته، وأما كونه يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله، فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شيء من صدقه، لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا، وإنما هذا فيما يجوز طُرُوُّه عليه في أمر دنياه التي لم يبعث لسببها، ولا فضّل من أجلها، وهو فيها عرضة للآفات كسائر البشر، فغير بعيد أنه يخيّل إليه من أمورها ما لا حقيقة له، ثم ينجلي عنه كما كان\" (^٢).\n_________\n(^١) فتح الباري ١٠/ ٢٢٦، ٢٢٧.\n(^٢) الطب النبوي لابن القيم ص ١٢٤. وللاستزادة انظر: مسائل الإمام أحمد في العقيدة ٢/ ١٠٤ والآثار الواردة في سير أعلام النبلاء د. جمال بن أحمد ١/ ١٩٠.","vol":"2","page":396},{"text":"وقال ابن مفلح: \"أنكر بعض الناس هذا لأنَّهُ نقص وعيب، أو أنه يمنع الثقة بالشرع، وهذا باطل، فإنه من جنس الأوجاع والأمراض والسم، والدلائل القطعية ناطقة بصدقه وعصمته، والإجماع أيضًا. فأما بعض أمور الدنيا التي لم يبعث بسببها ولم يفضل من أجلها، فلا مانع منه\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-724>١).\n\n١٣ - حل السحر بسحر مثله:</span>\nانظر: باب (النشرة).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-725>١٤ - علاقة النميمة والعضه بالسحر </span>(^٢):\nالعضه: هي النميمة كما فسرها الرسول - ﷺ - بقوله: \"ألا هل أنبئكم ما العضة؟ هي النميمة القالة بين الناس\" (^٣).\nوالنميمة: نقل الحديث على وجه الإفساد بين الناس. والقالة: كثرة القول وإيقاع الخصومة بين الناس بما يُحكى للبعض عن البعض (^٤).\nقال الجرجاني: \"النمام\": هو الذي يتحدث مع القوم فينم عليهم، فيكشف ما يكره كشفه، سواء كرهه المنقول عنه، أو المنقول إليه، أو الثالث، وسواء كان الكشف بالعبارة، أو بالإشارة أو بغيرهما\" (^٥).\nوقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"قال أبو الخطاب في عيون المسائل: \"ومن السحر السعي بالنميمة والإفساد بين الناس\".\n_________\n(^١) كتاب الفروع لابن مفلح ص ٨٣.\n(^٢) انظر حول هذا الموضوع: مصنف عبد الرزاق ١١/ ٢٠٨. الآداب الشرعية لابن مفلح ١/ ٣٢. المصنف لابن أبي شيبة ٥/ ٣٢٩. تيسير العزيز الحميد ص ٤٠٥، ٤٠٦ فتح المجيد ص ٣٢٩. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ١٩٩. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ٤٠، ط ٢ - ٢/ ٥٠ ومن المجموع ٩/ ٥٢٣. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٢/ ٣٣٠،٣٣١. معارج القبول ١/ ٤٣٠.\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٦٠٦).\n(^٤) النهاية (ق ول).\n(^٥) التعريفات للجرجاني ص ٣٠٧.","vol":"2","page":397},{"text":"وقال في الفروع: \"ووجهه أنه يقصد الأذى بكلامه وعلمه على وجه المكر والحيلة أشبه السحر\"، ولهذا يعلم بالعرف والعادة أنه يؤثر وينتج ما يعمله الساحر أو أكثر، فيعطى حكمه تسوية بين المتماثلين أو المتقاربين لكنه يقال: الساحر إنما كفر لوصف السحر وهو أمر خاص، ودليله خاص، وهذا ليس بساحر وإنما يؤثر عمله ما يؤثره فيعطى حكمه إلا فيما اختص به من الكفر وعدم قبول التوبة\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-726>١).\n\n١٥ - ضبط كلمة العضه:</span>\nقال النووي في شرح مسلم: \"قَوْله - ﷺ -: \"أَلَا أُنَبِّئكُمْ مَا الْعَضْه؟ هِيَ النَّمِيمَة الْقَالَة بَيْن النَّاس\" هَذه اللفْظَة رَوَوْهَا عَلَى وَجْهَيْنِ:\nأَحَدهمَا: (الْعِضَهُ) بِكَسْرِ الْعَيْن وَفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة عَلَى وَزْن الْعِدَة وَالزِّنَة. وَالثَّانِي: (الْعَضْه) بفَتْحِ الْعَيْن وَإِسْكَان الضَّاد عَلَى وَزْن الْوَجْه، وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الأَشْهَر فِي رِوَايَات بِلادنَا، وَالأَشْهَر فِي كُتُب الْحَدِيث وَكُتُب غَرِيبه، وَالأَوَّل أَشْهَر فِي كُتُب اللُّغَة وَنَقَلَ الْقَاضِي أَنَّهُ رِوَايَة أَكْثَر شُيُوخهمْ، وَتَقْدِير الْحَدِيث والله أَعْلَم: أَلَا أُنَبِّئْكُمْ مَا الْعَضْه الْفَاحِش الْغَلِيظ التَّحْرِيم؟ \" (^٢).\nقال الزمخشري: \"أصلها العِضهَة فِعله من العَضْه. وهو البَهت فحُذفت لامُه كما حذفت من السَّنة والشَّفَة وتجمع على عضين\" (^٣).\nوأطلق على النميمة عضة لأنها لا تنفك عن الكذب والبهتان غالبًا (^٤).\nقال ابن مفلح في الفروع: \"ولهذا قال ابن عبد البر عن يحيى بن أبي كثير يفسد النمام والكذاب في ساعة ما لا يفسد الساحر في سنة\" (^٥).\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٤٠٦.\n(^٢) شرح مسلم للنووي ١٦/ ١٥٩.\n(^٣) النهاية لابن الأثير (ع ض هـ).\n(^٤) انظر فتح المجيد ص ٣٢٩.\n(^٥) الفروع لابن مفلح ٦/ ١٨٠.","vol":"2","page":398},{"text":"وقد عدها بعض العلماء من السحر، ووجه أنه يقصد الأذى بكلامه وعمله على وجه المكر والحيلة فأشبه السحر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-727>١٦ - حكم النميمة:</span>\nقال الله تعالى: - ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)﴾ [القلم: ١٠، ١١]\nوجاء في الحديث: \"كادت النميمة أن تكون سحرا\" (^١). وهي سبب لعذاب القبر، ومن أسباب حرمان دخول الجنة قال - ﷺ -: \"لا يدخل الجنة قتّات\" (^٢). وفي حديث ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قال: \"مَرَّ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ مِنْ كَبِيرٍ ثُمَّ قَالَ: بَلَى أَمَّا أَحَدُهُمَا: فَكَانَ يَسْعَى بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا أَحَدُهُمَا: فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ قَالَ ثُمَّ أَخَذَ عُودًا رَطْبًا فَكَسَرَهُ باثْنتَيْنِ ثُمَّ غَرَزَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى قَبْرٍ ثُمَّ قَالَ لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا\" (^٣).\nفحكم النميمة التحريم إجماعًا، قال ابن حزم: \"اتفقوا علي تحريم الغيبة والنميمة في غير النصيحة الواجبة\". وهي من الكبائر. ولا يخفي علي العاقل اللبيب فساد النميمة وشدة ضررها فإنها تجعل الصاحب المخلص عدوا لدودًا، والقريب بعيدا، والمحب مبغضا، لا سيما إذا كانت بين العائلات والأقارب والجيران، فإن الضرر يزداد\" (^٤).\nوقال ابن مسعود - ﵁ -: \"كنا نسمي السحر في الجاهلية العضه. والعضه عند العرب شدة البهت وتمويه الكذب\" (^٥).\n_________\n(^١) قال في تيسير العزيز الحميد ص ٤٠٦: رواه ابن لآل في (مكارم الأخلاق) بإسناد ضعيف.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٠٥٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢١٦) (٢١٨).\n(^٤) تيسير العزيز الحميد ص ٤٠٦.\n(^٥) المعجم الكبير ٩/ ١٥٣. وانظر: الجامع لأحكام القرآن ٢/ ٤٤.","vol":"2","page":399},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-728>١٧ - علاقة البيان بالسحر </span>(^١):\nالبيان لغة: البلاغة والفصاحة. قال الجرجاني: \"وهو النطق الفصيح المعرب أي المُظهر عمّا في الضمير وإظهار المعنى وإيضاح ما كان مستورا قبله، وقيل: هو الإحْراج عن حد الإشكال\" (^٢). وفي الحديث عن ابن عمر - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن من البيان لسحرا\" (^٣).\nوالمراد هنا البيان البليغ المتمثل في الفصاحة والبلاغة الذي يعمل عمل السحر فيجعل الحق في قالب الباطل والباطل في قالب الحق فيستميل القلوب لما يحدثه هذا النوع من أثر في القلوب والأسماع فالمراد ذم هذا النوع من البيان.\nقال في التيسير: \"قال ابن عبد البر: تأولته طائفة على الذم لأن السحر مذموم وذهب أكثر أهل العلم وجماعة أهل الأدب إلى أنه على المدح لأن - ﷺ - تعالى مدح البيان قال: وقد قال عمر بن عبد العزيز لرجل سأله عن حاجته فأحسن المسألة فأعجبه قوله فقال: هذا والله السحر الحلال\" (^٤). ورجح الشيخ سليمان القول الأول ونصره.\nوقال ابن عثيمين - ﵁ - \"ينظر إلى أثره والمقصود منه فإن كان المقصود منه رد الحق وإثبات الباطل فهو مذموم لأنَّهُ استعمال لنعمة الله في معصيته وإن كان المقصود منه إثبات الحق وإبطال الباطل فهو ممدوح (^٥)، وإذا كان البيان يستعمل\n_________\n(^١) انظر حول هذا الموضوع: التمهيد لابن عبد البر ٥/ ١٧٣ - ١٨٠. الاستذكار لابن عبد البر ٢٧/ ٣١٧. شرح السنة للبغوي ١٢/ ٣٦٢. تيسير العزيز الحميد ص ٤٠٧. فتح المجيد ص ٣٣١. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٢٠٠. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ٤ ط ٢ - ٢/ ٥٣ ومن المجموع ٩/ ٥٢٦. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٢/ ٣٣٢. منهج الشافعي في إثبات العقيدة ص ٤١٥.\n(^٢) التعريفات ٦٨.\n(^٣) أخرجه البخاري (٥١٤٦) (٥٧٦٧).\n(^٤) انظر تيسير العزيز الحميد ص ٤٠٧.\n(^٥) وبمثله قال ابن باز - ﵀ - في شرحه لكتاب التوحيد.","vol":"2","page":400},{"text":"في طاعة الله وفي الدعوة إلى الله فهو خير من العي لكن إذا ابتلي الإنسان ببيان ليصد الناس عن دين الله فهذا لا خير فيه والعي خير منه والبيان من حيث هو لا شكَّ أنه نعمة ولذا امتن الله على الإنسان فقال تعالى: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٤] (^١).\nوقال الخطابي: \"البيان اثنان: -\nأحدهما: ما تقع به الإبانة عن المراد بأي وجه كان.\nوالآخر: ما دخلته الصنعة بحيث يروق للسامعين ويستميل قلوبهم، وهو الذي يشبه بالسحر إذا خلب القلب وغلب على النفس حتى يحول الشيء عن حقيقته ويصرفه عن وجهته، فيلوح للناظر في معرض غيره. وهذا إذا صرف إلى الحق يمدح، وإذا صرف إلى الباطل يذم. قال: فعلى هذا فالذي يشبه بالسحر منه المذموم\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-729>١٥٤ - السخط من أقدار الله</span>\nانظر باب (التسخط من أقدار الله).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-730>١٥٥ - السفر إلي بلاد الكفر</span>\nانظر باب (الإقامة في بلاد الكفار).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٥٢٦، ٥٢٧. وانظر القول المفيد ط ١ - ٢/ ٤٤.\n(^٢) انظر للاستزادة فتح الباري ١٠/ ٢٣٧.\n* الدرر السنية ٨/ ١٦١، ٢٧٥، ٣٠٨، ٣٤١، ٤٢٣، ١٢/ ٤١٨ - ٤٢١، ١٥/ ٤٨٢.","vol":"2","page":401},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-731>١٥٦ - السلام على الله </span>**\nوهذا مما ورد النهي عن إطلاقه قال الراغب: \"السَّلْمُ والسلامةُ التعرِّي من الآفات الظاهرة والباطنة\" (^١).\nوالسلام اسم من أسماء الله ﷿ ثابت بالكتاب والسنة لقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣]. وفي حديث عائشة - ﵂ - قَالت: كان النَّبِيّ - ﷺ - إِذَا سلّم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: \"اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ وَمِنْكَ السَّلام، تَبَارَكْتَ يا ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ\" (^٢).\nقال ابن كثير في تفسير الآية السابقة: \"\"السلام\" أي: من جميع العيوب والنقائص؛ لكماله في ذاته وصفاته وأفعاله\" (^٣).\nقال في التيسير: \"لما كان حقيقة لفظ الإسلام السلامة والبراءة والخلاص والنجاة من الشر والعيوب. فإذا قال المسلم: السلام عليكم فهو دعاء للمسلم عليه، وطلب له أن يَسلَم من الشر كله، والله هو المطلوب منه لا المطلوب له،\n_________\n** تيسير العزيز الحميد ص ٦٥٧. فتح المجيد ص ٥٣٣. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٣٤١. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٣/ ٨ ط ٢ - ٣/ ١٠٣ ومن المجموع ١٠/ ٩٠٩. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٤٧.\n(^١) المفردات ص ٢٣٩.\n(^٢) أخرجه مسلم (٥٩١) (٥٩٢) وأبو داود (١٥١٢) (١٥١٣)، والترمذي (٢٩٨)، والنسائي (١٣٣٨). وابن ماجة (٩٢٤).\n(^٣) انظر تفسير ابن كثير عند آية الحشر، وانظر: للاستزادة في معنى السلام شأن الدعاء للخطابي ص ٤١، وتفسير السعدي ٥/ ٣٠٠.","vol":"2","page":402},{"text":"وهو المدعو لا المدعو له، وهو الغني له ما في السماوات وما في الأرض استحال أن يسلم عليه ﷾ بل هو المسلم على عباده\" (^١).\nقال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -: \"والسلام له عدة معان:\n١ - التحية كما قال: سلَّم على فلان؛ أي حيَّاه بالسلام.\n٢ - السلامة من النقص والآفات، كقولنا: \"السلام عليك أيها النَّبِيّ ورحمة الله وبركاته\".\n٣ - السلام: اسم من أسماء الله تعالى، قال تعالى: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ﴾ [الحشر: ٢٣] (^٢).\n* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]. وقال: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٤].\n* الدليل من السنة: عَنْ عَبْدِ الله بن مسعود - ﵁ - قَالَ: \"كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ النَّبيِّ - ﷺ - فِي الصَّلاةِ قُلْنَا السَّلامُ عَلَى الله مِنْ عِبَادِهِ السَّلامُ عَلَى فُلان وَفلانٍ، فَقَالَ النَّبيُّ - ﷺ - \"لا تَقُولُوا: السَّلامُ عَلَى الله، فَإِنَّ الله هُوَ السَّلام، وَلَكِنْ قُولُوا التَّحِيَّاتُ لله، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَات، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبيُّ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُه، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ، فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ فِي السَّمَاءِ أَوْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ وَرَسُولُهُ ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُو\" (^٣).\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٦٥٧.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٩٠٩. وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ٨٣.\n(^٣) أخرجه البخاري (٨٣٥) (٨٣١) (١٢٠٢) (٦٢٣٠) (٦٢٦٥) (٦٣٢٨) (٧٨١).","vol":"2","page":403},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-732> حكم قول السلام على الله:</span>\nلا يجوز لأنَّهُ يوهم نقص الله، وبأن فيه ﷾ عيبًا، فالله يُدعى ولا يُدعى له فكيف يدعى له بالسلامة وهو المُسلِّم، وقد جاء النهي عن ذلك كما تقدم.\nقال ابن عثيمين ﵀: \"وهذا نهي تحريم\" (^١).\nوقال ﵀: \"قوله \"لا يقال السلام علي الله\" أي لا تقل السلام عليك يا رب لما يلي:\nأ - أن مثل هذا الدعاء يوهم النقص في حقه، فتدعو الله أن يسلم نفسه من ذلك، إذ لا يُدعى لشيء بالسلام من شيء إلا إذا كان قابلا أن يتصف به، والله سبحانه منزه عن صفات النقص.\nب - إذا دعوت الله أن يسلم نفسه فقد خالفت الحقيقة، لأن الله يُدعى ولا يدعى له فهو غني عنا لكن يثني عليه بصفات الكمال مثل غفور سميع عليم .. \" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-733> فائدة في معنى السلام المطلوب عند التحية:</span>\nقال ابن القيم ﵀: \"فيه قولان مشهوران:\nأحدهما: أن المعنى اسم السلام عليكم، والسلام هنا هو الله - ﷿ - ومعنى الكلام نزلت بركة اسمه عليكم وحلت عليكم ونحو هذا واختير في هذا المعنى من أسمائه - ﷿ - اسم السلام دون غيره من الأسماء لما يأتي في جواب السؤال الذي بعده واحتج أصحاب هذا القول بحجج منها ما ثبت في الصحيح أنهم كانوا يقولون في الصلاة السلام على الله قبل عباده السلام على جبريل السلام على فلان فقال النَّبِيّ - ﷺ -: \"لا تقولوا السلام على الله فإن الله هو السلام، ولكن قولوا السلام عليك أيها النَّبِيّ ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين\"، فنهاهم النَّبِيّ - ﷺ -، أن\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٩١٢.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٩٠٩. وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ٨٢، ٨٣.","vol":"2","page":404},{"text":"يقولوا: السلام على الله لأن السلام على المسلم عليه دعاء له وطلب أن يسلم والله تعالى هو المطلوب منه لا المطلوب له، وهو المدعو لا المدعو له؛ فيستحيل أن يُسَلَّم عليه بل هو المسلِّم على عباده كما سلم عليهم في كتابه.\nومن حججهم ما رواه أبو داود من حديث ابن عمر \"أن رجلا سلم على النَّبِيّ - ﷺ - فلم يرد عليه حتى استقبل الجدار ثم تيمم ورد عليه وقال: \"إني كرهت أن أذكر الله علي طهر\".\nقالوا: ففي هذا الحديث بيان أن السلام ذكر الله، وإنما يكون ذكرًا إذا تضمن اسمًا من أسمائه.\nومن حججهم أيضًا أن الكفار من أهل الكتاب لا يُبدؤون بالسلام فلا يقال لهم سلام عليكم، ومعلوم أنه لا يكره أن يقال لأحدهم سلمك الله؛ وما ذاك إلا أن السلام اسم من أسماء الله فلا يسوغ أن يطلب للكافر حصول بركة ذلك الاسم عليه فهذه حجج كما ترى قوية ظاهرة.\nالقول الثاني: أن السلام مصدر بمعنى السلامة وهو المطلوب المدعو به عند التحية. ومن حجة أصحاب هذا القول أنه يذكر بلا ألف ولام يقول المسلم: سلام عليكم، ولو كان اسمًا من أسماء الله لم يستعمل كذلك بل كان يطلق عليه معرفًا كما يطلق عليه سائر أسمائه الحسنى فيقال: السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، فإن التنكير لا يصرف اللفظ إلى معين فضلا عن أن يصرفه إلى الله وحده بخلاف المعرف فإنه ينصرف إليه تعيينًا إذا ذكرت أسماؤه الحسنى.\nوبعد أن ذكر القولين رجح أن الحق في مجموع القولين فكل منهما بعض الحق والصواب في مجموعهما. وقال: لما كان مقام طلب السلامة التي هي أهم ما عند الرجل أتى في لفظها بصيغة اسم من أسماء الله وهو السلام الذي يطلب منه","vol":"2","page":405},{"text":"السلامة فتضمن لفظ السلام معنيين:\nأحدهما ذكر الله كما في حديث ابن عمر.\nوالثاني: طلب السلامة وهو مقصود المسلم فقد تضمن سلام عليكم اسما من أسماء اللهُ وطلب السلامة منه فتأمل هذه الفائدة\" <span data-type=\"title\" id=toc-734>(١).\n\n١٥٧ - السلف</span>\nانظر باب: (أهل السنة والجماعة).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-735>١٥٨ - السمعة</span>\nانظر باب: (الرياء).","vol":"2","page":406},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-736>١٥٩ - السنة</span>\nسبق أن عرَّفنا السنة في باب أهل السنة والجماعة وسنتكلم عن مسألة حكم إنكار السنة وحكم من جحد وأنكر الإجماع الذي فيه نص.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-737> الأدلة:</span>\nجاءت الأدلة من الكتاب والسنة بالتحذير من مخالفة أمره - ﷺ - كما قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].\nوفي حديث أبي رافع يرفعه، قال: \"لا ألفين أحدكم متكئًا علي أريكة يأتيه أمر مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه\". (^١)\nوعن المقداد بن معد يكرب عن رسول الله - ﷺ - بلفظ: \"ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه\" (^٢). وفي رواية للترمذي: \"وإن ما حرم رسول الله - ﷺ - كما حرم الله\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-738> أقوال السلف:</span>\n* قال الإمام إسحاق بن راهوية: \"من بلغه عن رسول الله - ﷺ - خبرٌ يُقرُّ بصحته ثم رده بغير تقية فهو كافر\" (^٤).\nوقال العلامة ابن الوزير ﵀: \"التكذيب لحديث رسول الله - ﷺ - مع العلم أنه\" حديثه كفر صريح\" (^٥).\n_________\n(^١) سنن الترمذي: (٢٦٦٣)، سنن أبي داود (٤٦٠٥) وابن ماجة (١٢).\n(^٢) سنن أبي داود (٤٦٠٤).\n(^٣) سنن الترمذي (٢٦٦٤) وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.\n(^٤) فتح الباري ١٠/ ٢٢٥.\n(^٥) العواصم والقواصم.","vol":"2","page":407},{"text":"قال السيوطي: \"اعلموا - رحمكم الله - أن من أنكر كون حديث النَّبِيّ - ﷺ - قولًا كان أو فعلًا بشرطه المعروف في الأصول حجة كفر وخرج عن دائرة الإسلام، وحشر مع اليهود والنصارى أو مع من يشاء من فرق الكفرة\" (^١).\nوجاء في فتاوى اللجنة الدائمة: \"الذي ينكر العمل بالسنة يكون كافرا؛ لأنَّهُ مكذب الله ولرسوله ولإجماع المسلمين\" (^٢).\nوقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ بعد أن أورد الأدلة على حجية القرآن والسنة على حد سواء: \"وهما أصلان متلازمان من جحد واحدًا منهما فقد جحد الآخر وكذب به، وذلك كفر وضلال وخروج عن دائرة الإسلام بإجماع أهل العلم والإيمان\" (^٣).\nوقول القائل أنه لا يحتج بسنته أو أنها غير محفوظة ضلال وكفر بالله ﷿ قال الشيخ ابن باز ﵀: \"وكيف تمكن طاعته ورد ما تنازع فيه الناس إلى كتاب الله وسنة رسوله إذا كانت سنته لا يحتج بها وكانت كلها غير محفوظة، وعلى هذا القول يكون الله قد أحال عباده إلى شيء لا وجود له، وهذا من أبطل الباطل ومن أعظم الكفر بالله وسوء الظن به\" (^٤).\nوقد قسَّم أهلُ العلم السُّنَّة كما هو معلوم إلى قسمين: متواتر، وآحاد.\nفالمتواتر هو: ما نقل عن النَّبِيّ - ﷺ - جمع عن جمع يستحيل تواطئهم على الكذب.\nوأما الآحاد فهو: ما نقل عن النَّبِيّ - ﷺ - بما لم يبلغ حد التواتر؛ لأن الآحاد منه الغريب ومنه العزيز ومنه المشهور.\n_________\n(^١) مجموعة الرسائل المنيرية ٤/ ٣٠٢ من رسالة مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة. وانظر: شرح الفقه الأكبر ص ١٤٣، والدواء العاجل ص ٣٤ ضمن مجموعة الرسائل السلفية.\n(^٢) فتاوى اللجنة الدائمة ٣/ ١٩٥.\n(^٣) رسالة وجوب العمل بسنة رسول الله - ﷺ - وكفر من أنكرها ١٣، ١٤.\n(^٤) رسالة وجوب العمل بسنة الرسول - ﷺ - وكفر من أنكرها ص ٩.","vol":"2","page":408},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-739> حكم إنكار المتواتر</span>.\nقال الإمام ابن دقيق العيد ﵀ في إيضاح ذلك: \"المسائل الإجماعية تارة يصحبها التواتر بالنقل عن صاحب الشرع كوجوب الصلاة مثلا وتارة لا يصحبها التواتر، فالقسم الأول يكفر جاحده لمخالفته المتواتر لا لمخالفته الإجماع، القسم الثاني لا يكفر به\" (^١).\nويبين شيخ الإسلام معنى المتواتر فيقول: \"المقصود من المتواتر ما يفيد العلم لكن من الناس من لا يسمى متواترًا إلا ما رواه عدد كثير يكون العلم حاصلا بكثرة عددهم فقط ويقولون إن كل عدد أفاد العلم في قضية أفاد مثل ذلك العدد العلم في كل قضية وهذا قول ضعيف والصحيح ما عليه الأكثرون أن العلم يحصل بكثرة المخبرين تارة وقد يحصل بصفاتهم لدينهم وضبطهم وقد يحصل بقرائن تحتف بالخبر يحصل العلم بمجموع ذلك وقد يحصل العلم بطائفة دون طائفة، وأيضًا فالخبر الذي تلقاه الأئمة بالقبول تصديقًا له أو عملا بموجبه يفيد العلم عند جماهير الخلف والسلف وهذا في معنى المتواتر لكن من الناس من يسميه المشهور والمستفيض ويقسمون الخبر إلى متواتر ومشهور وخبر واحد ... والصحيح الذي عليه الجمهور أن التواتر ليس له عدد محصور والعلم الحاصل بخبر من الأخبار يحصل في القلب ضرورة كما يحصل الشبع عقب الأكل والرى عند الشرب وليس لما يشبع كل واحد ويرويه قدر معين بل قد يكون الشبع لكثرة الطعام وقد يكون لجودته كاللحم وقد يكون لاستغناء الآكل بقليله، وقد يكون لاشتغال نفسه بفرح أو غضب أو حزن ونحو ذلك\" (^٢).\n_________\n(^١) أحكام الأحكام ٢/ ٢٣٢. وانظر العواصم والقواصم ٤/ ١٧٤.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٩/ ٤٨ - ٥١.","vol":"2","page":409},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-740> حكم رد خبر الآحاد:</span>\nأنكر العلماء على من رد خبر الآحاد حيث ثبت إجماع أهل العلم على وجوب الأخذ بالحديث الصحيح ولو كان آحادًا.\nقال ابن عبد البر: \"وأجمع أهل العلم من أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار فيما علمت، على قبول خبر الواحد العدل، وإيجاب العمل به، إذا ثبت ولم ينسخه غيره من أثر أو إجماع، على هذا جميع الفقهاء في كل عصر من لدن الصحابة إلى يومنا هذا إلا الخوارج وطوائف من أهل البدع شرذمة لا تعد خلافًا.\nوقد أجمع المسلمون على جواز قبول الواحد السائل المستفتي لما يخبره به العالم الواحد إذا استفتاه فيما لا يعمله، وقبول خبر الواحد العدل فيما يخبر به مثله، وقد ذكر الحجة عليهم في ردهم أخبار الآحاد جماعةٌ من أئمة الجماعة وعلماء المسلمين، وقد أفردت لذلك كتابًا موعبًا كافيًا، والحمد لله\" (^١).\nوقال العلامة ابن القيم بعد حكاية إجماع الصحابة على قبول أخبار الصحابة - ﵃ -: \"فممن نصَّ على أن خبر الواحد يفيد العلم: مالك والشافعي وأصحاب أبي حنيفة وداود بن علي وأصحابه كأبي محمد بن حزم ونص عليه الحسين بن علي الكرابيسي والحارث بن أسد المحاسبي.\nقال ابن خويز منداد في كتابه \"أصول الفقه\": وقد ذكر خبر الواحد الذي لم يروه الواحد والاثنان: \"ويقع بهذا الضرب أيضًا العلم الضروري، نصَّ على ذلك مالك\"\" (^٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن قسّم الأخبار إلى متواتر وآحاد فقال بعد ذكر المتواتر -: \"وأما القسم الثاني من الأخبار فهو ما لا يرويه إلا الواحد العدل\n_________\n(^١) التمهيد (١/ ٢). وانظر للاستزادة شرح التنقيح ص ٣٥٦، ٣٥٧.\n(^٢) مختصر الصواعق المرسلة ٢/ ٣٦٢ - ٣٦٣.","vol":"2","page":410},{"text":"ونحوه، ولم يتواتر لفظه ولا معناه، ولكن تلقته الأمة بالقبول عملًا به، أو تصديقًا له، كخبر عمر بن الخطاب - ﵁ -: \"إنما الأعمال بالنيات\" وأمثال ذلك، فهذا يفيد العلم اليقيني عند جماهير أمة محمد - ﷺ - من الأولين والآخر، أما السلف فلم يكن بينهم في ذلك نزاع، وأما الخلف فهذا مذهب الفقهاء الكبار من أصحاب الأئمة الأربعة\" (^١).\nوقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين - ﵁ -: \"الفصل الأول: في أدلة من قال إن خبر العدل يفيد العلم وبيان ما يرد عليها، والجواب عنه. هذا القول هو مذهب جمهور السلف وأكثر المحدثين والفقهاء من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم، وهو الصحيح عن الإمام أحمد ﵀، فقد اشتهر عنه القطع بأحاديث الرؤية والعلم بمدلولها .. \" (^٢).\nوردُّ خبر الآحاد يترتب عليه مفاسد عظيمة. قال أبو المظفر السمعاني:\n\"وربما يرتقي هذا القول - أي رد أخبار الآحاد - إلى أعظم. هذا، فإن النَّبِيّ - ﷺ - أدى هذا الدين إلى الواحد فالواحد من أصحابه، وهذا الواحد يؤديه إلى الأمة، وينقله عنه، فإذا لم يُقبل قول الراوي لأنَّهُ واحد، رجع العيب إلى المؤدي، نعوذ بالله من هذا القول البشع، والاعتقاد القبيح\" اهـ (^٣).\nوقال الشيخ الألباني ﵀: \"فالحق ما قلته: إن هذا القول الباطل يؤدي بأصحابه إلى الإقصار في العقيدة على القرآن وحده أسوة بالقرآنيين، وبعض الأمثلة المتقدمة كاف لإثبات ما قلته ... \" ثم أضاف ﵀ قائلًا: \"الوجه العشرون: هناك حكمة تروى عن عيسى ﵊ تقول في حق المتنبئين\n_________\n(^١) مختصر \"الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة\" لابن القيم ٢/ ٣٧٢ - ٣٧٣.\n(^٢) أخبار الآحاد ص ٥٧.\n(^٣) مختصر الصواعق المرسلة ٦٠٨، ٦٠٩.","vol":"2","page":411},{"text":"الدجالين الكذبة: \"من ثمارهم تعرفونهم\" فمن شاء من المسلمين أن يعرف ثمرة ذلك القول الباطل: أن العقيدة لا تثبت بحديث الآحاد، فليتأمل فيما سنسوقه من العقائد الإسلامية التي تلقاها الخلف عن السلف، وجاءت الأحاديث متضافرة متوافرة شاهدة عليها، وحينئذ يتبين له خطورة ذلك القول الذي يتبناه المخالفون دون أن يشعروا بما يؤدي إليه من الضلال البعيد من إنكار ما عليه المسلمون من العقائد الصحيحة، وهاك ما يحضرني الآن منها:\nنبوة آدم علية السلام وغيره من الأنبياء الذين لم يذكروا في القرآن.\nأفضلية نبينا محمد - ﷺ - على جميع الأنبياء والرسل.\nشفاعته - ﷺ - العظمى في المحشر.\nشفاعته - ﷺ - لأهل الكبائر من أمته.\nمعجزاته - ﷺ - كلها ما عدا القرآن، ومنها معجزة انشقاق القمر، فإنها مع ذكرها في القرآن تأولوها بما ينافي الأحاديث الصحيحة المصرحة بانشقاق القمر معجزة لرسول الله - ﷺ -.\nصفاته - ﷺ - البدنية وبعض شمائله الخلقية.\nالأحاديث التي تتحدث عن بدء الخلق وصفة الملائكة والجن، والجنة والنار، وأنهما مخلوقتان، وأن الحجر الأسود من الجنة.\nخصوصياته - ﷺ - التي جمعها السيوطي في كتاب (الخصائص الكبرى) مثل دخول الجنة ورؤية أهلها وما أعد للمتقين فيها، وإسلام قرينه من الجن وغير ذلك.\nالقطع بأن العشرة المبشرين بالجنة من أهل الجنة.\nالإيمان بسؤال منكر ونكير في القبر.\nالإيمان بعذاب القبر.\nالإيمان بضغطة القبر.","vol":"2","page":412},{"text":"الإيمان بالميزان ذي الكفتين يوم القيامة.\nالإيمان بالصراط.\nالإيمان بحوضه - ﷺ - وأن من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدًا.\nدخول سبعين ألفًا من أمته - ﷺ - الجنة بغير حساب.\nسؤال الأنبياء في المحشر عن التبليغ.\nالإيمان بكل ما صح في الحديث في صفة القيامة والحشر والنشر.\nالإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره، وأن الله تعالى كتب علي كل إنسان سعادته أو شقاوته ورزقه وأجله.\nالإيمان بالقلم الذي كتب كل شيء.\nالإيمان بأن القرآن كتاب الله حقيقة لا مجازًا.\nالإيمان بالعرش والكرسي حقيقة لا مجازًا.\nالإيمان بأن أهل الكبائر لا يخلدون في النار.\nوأن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر في الجنة.\nوأن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء.\nوأن الله ملائكة سياحين يبلغون النَّبِيّ - ﷺ - سلام أمته عليه.\nالإيمان بمجموع أشراط الساعة كخروج المهدي، ونزول عيسى ﵇ وخروج الدجال، ودابة الأرض من موضعها، وغيرها مما صحت به الأحاديث.\nوأن المسلمين يفترقون على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، وهي التي تتمسك بما كان عليه الصحابة من عقيدة وعبادة وهدى.\nالإيمان بجميع أسماء الله الحسنى وصفاته العليا مما جاء في السنة الصحيحة، كالعلي والقدير وصفة الفوقية والنزول وغيرها.\nالإيمان بعروجه - ﷺ - إلى السماوات العلي، ورؤيته آيات ربه الكبرى.","vol":"2","page":413},{"text":"هذه بعض العقائد الإسلامية الصحيحة التي وردت في الأحاديث الثابتة المتواترة أو المستفيضة، وتلقتها الأمة بالقبول، وهي تبلغ المئات، وما أظن أحدًا من المسلمين يجرؤ على إنكارها، أو التشكيك فيها\" (^١).\nوقد رد الشيخ ابن جبرين على شبهة من قال أن من رد شيئًا من الأصول والعقائد يكفر وأخبار الآحاد لا يكفر من رد منها شيئًا للاختلاف في ثبوتها، فقال حفظه الله: \"فيقال: سبق أن استدل بهذا علي أن الآحاد لا تفيد العلم مطلقًا، وأجيب هناك بأن من اتضحت له السنة ولو آحادًا وتحقق ثبوتها عن النَّبِيّ - ﷺ - ثم ردها بدون تأويل ولا شبهة، وقامت عليه الحجة فإنه يكفر، لتظاهره برد شيء مما جاء به الرسول - ﷺ - عن ربه، ومن رد شيئًا من دين الرسول كمن رد جميعه.\nوعلى هذا فلا فرق بين الأصول والفروع في التكفير، فتخصيص الأصول لا دليلٌ عليه\" (^٢).\nومما يحسن ذكره هنا أقوال أهل العلم في حكم من أنكر الإجماع المعلوم:\nبيّن شيخ الإسلام معنى الإجماع فقال: \"معنى الإجماع أن تجتمع علماء المسلمين على حكم من الأحكام وإذا ثبت إجماع الأمة علي حكم من الأحكام لم يكن لأحد أن يخرج عن اجماعهم فإن الأمة لا تجتمع علي ضلالة ولكن كثيرًا من المسائل يظن بعض الناس فيها إجماعا ولا يكون الأمر كذلك بل يكون القول الآخَر أرجح في الكتاب والسنة\" (^٣).\nفقد تقدم بعض النقل في كفر من أنكر الإجماع المعلوم، قال الإمام النووي ﵀: \"أطلق الإمام الرافعي القول بتكفير جاحد مجمع عليه، وليس هو على إطلاقه، بل\n_________\n(^١)\n(^٢) أخبار الآحاد في الحديث النبوي ص ١٣١.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٢٠/ ١٠.","vol":"2","page":414},{"text":"من جحد مجمعا عليه فيه نص، وهو من أمور الإسلام الظاهرة التي يشترك في معرفتها الخواص والعوام كالصلاة والزكاة أو الحج أو تحريم الخمر أو الزنا ونحو ذلك فهو كافر، ومن جحد مجمعا عليه لا يعرفه إلا الخواص كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب، وتحريم نكاح المعتدة .... فليس بكافر\" (^١).\nقال ابن تيمية: \"وقد تنازع الناس في مخالف الإجماع هل يكفر علي قولين والتحقيق أن الإجماع المعلوم يكفر مخالفه كما يكفر مخالف النص بتركه لكن هذا لا يكون إلا فيما علم ثبوت النص به وأما العلم بثبوت الإجماع في مسألة لا نص فيها فهذا لا يقع وأما غير المعلوم فيمتنع تكفيره وحينئذ فالإجماع مع النص دليلان كالكتاب والسنة، وتنازعوا في الإجماع هل هو حجة قطعية أو ظنية والتحقيق أن قطعية قطعي وظنية ظني والله أعلم\" (^٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية قال ﵀: \"وهذه الآية تدل على أن إجماع المؤمنين حجة من جهة أن مخالفتهم مستلزمة لمخالفة الرسول وإن كل ما أجمعوا عليه، فلابد أن يكون فيه نص عن الرسول، فكل مسألة يقطع فيها بالإجماع وبانتفاء المنازع من المؤمنين فإنها مما بين الله فيه الهدى ومخالف مثل هذا الإجماع يكفر كما يكفر مخالف النص البين وأما إذا كان يظن الإجماع ولا يقطع به فهنا قد لا يقطع أيضًا بأنها مما تبين فيه الهدى من جهة الرسول ومخالف مثل هذا الإجماع قد لا يكفر بل قد يكون ظن الإجماع خطأ والصواب في خلاف هذا القول، وهذا هو فصل\n_________\n(^١) روضة الطالبين ٢/ ١٤٦، وانظر ١٠/ ٦٥، ومسلم بشرح النووي ١/ ١٧٣، ونهاية المحتاج شرح المنهاج ٧/ ٤١١.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٩/ ٢٦٩، ٢٧٠.","vol":"2","page":415},{"text":"الخطاب فيما يكفر به من مخالفة الإجماع وما لا يكفر\" (^١).\nوقال ﵀: \"والإجماع نوعان: قطعي فهذا لا سبيل إلى أن يعلم إجماع قطعي علي خلاف النص، وأما الظني فهو الإجماع الإقرارى والاستقرائي بأن يستقرئ أقوال العلماء فلا يجد في ذلك خلافًا أو يشتهر القول في القرآن ولا يعلم أحدًا أنكره\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-741>١٦٠ - سوء الظن بالله</span>\nانظر باب: (الظن بالله).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-742>١٦١ - سواع</span>\nصنم كان لقوم نوح ثم صار بعد ذلك لقبيلة هذيل المضرية. انظر باب (صنم).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٧/ ٣٨، ٣٩.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٩/ ٢٦٧.","vol":"2","page":416},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-743>١٦٢ - السَّيِّد </span>*\n<span data-type=\"title\" id=toc-744>[عبدي وأمتي]</span>\nالسيد في اللغة يُطلق على الرب المالك والشريف والفاضل والحكيم ومتحمل أذى قومه والزوج والرئيس والمقدم (^١).\nوقال الشيخ ابن عثيمين: \"والسيادة قد تكون بالنسب، وقد تكون بالعلم، وقد تكون بالكرم، وقد تكون بالشجاعة، وقد تكون بالملك، كسيد المملوك، وقد تكون بغير ذلك من الأمور التي يكون بها الإنسان سيدًا، وقد يقال للزوج: سيد بالنسبة لزوجته، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ \" (^٢).\nوالسيد من أسماء الله - تعالى - وهي من معاني الصمد، فسر ابن عباس الصمد: بأنه: \"الكامل في عمله وحلمه وسؤدده\" (^٣).\nقال ابن القيم ﵀:\n\"وهو الإله السيد الصمد الذي ... صمدت إليه الخلق بالإذعان\nالكامل الأوصاف من كل الوجـ ... ـوه كماله ما فيه من نقصان\" (^٤)\n_________\n* أحكام القرآن القرطبي ٤/ ٧٧. بدائع الفوائد ٣/ ٢١٣، النونية لابن القيم ٢/ ٩٤. الشرعية لابن مفلح ٣/ ٤٣٨. لوامع الأنوار للسفاريني ٢/ ٦٣. الدين الخالص ٢/ ٢٢١، ٤/ ٤٥٤. تيسير العزيز الحميد ٦٦٤، ٧٥١. فتح المجيد ٥٤١، ٦١١. الدرر السنية ٥/ ٤١١. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ٣٤٥، ٣٩٤. نور على الدرب ص ٤١٤. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٣/ ١٠٠ ومن المجموع ١٠/ ٩٢٨ النهج الأسنى ٣/ ١٤٢.\n(^١) لسان العرب (س ود).\n(^٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٣/ ١٠٩.\n(^٣) أخرجه ابن جرير ٣٠/ ٧٤٤.\n(^٤) نونية ابن القيم ٢/ ٩٤.","vol":"2","page":417},{"text":"وإذا كان قول (سيدنا وابن سيدنا) منهي عنه فلأن ذلك بسبب تعاظم الممدوح وذلك مما ينافيع كمال التوحيد كما يسبب غلو المادح في ممدوحه.\n* الدليل من السنة: عَنْ عَبْدِ الله بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"لا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ سَيِّدٌ فَإِنَّهُ إِنْ يَكُ سَيِّدًا فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ ﷿\" (^١).\nوعَنْ مُطَرِّفٍ بن عبد اللهُ بن الشخير قَالَ: قَالَ أَبي انْطَلَقْتُ فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ الله - ﷺ - فَقُلْنَا: أَنْتَ سَيِّدُنَا. فَقَالَ: \"السَّيِّدُ الله ﵎\". قُلْنَا: وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا، وَأَعْظَمُنَا طَوْلًا فَقَالَ: \"قُولُوا بقَوْلِكُمْ أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ وَلا يَسْتَجْرِيَنَّكُمْ الشَّيْطَانُ\" (^٢).\nوعَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - ﵁ - يُحَدّثُ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: \"لا يَقُلْ أَحَدُكُمْ أَطْعِمْ رَبَّكَ وَضِّئْ رَبَّكَ اسْقِ رَبَّكَ وَلْيَقُلْ سَيِّدِي مَوْلايَ وَلا يَقُلْ أَحَدُكُمْ عَبْدِي أَمَتِي وَلْيَقُلْ فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلامِي\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-745>حكم وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-746>١ - حكم تسمية المخلوق بالسيد </span>(^٤):\nقال الإمام ابن القيم في: \"اختلف الناس في جواز إطلاق السيد على البشر، فمنعه قوم، ونقل عن مالك، واحتجوا بأنه - ﷺ - لما قيل له: يا سيدنا قال: \"إنما السيد الله\"\". وجوزه قوم، واحتجوا بقول النَّبِيّ - ﷺ - للأنصار: \"قوموا إلى سيدكم\". وهذا أصح من الحديث الأول. قال هؤلاء: السيد أحد ما يضاف إليه، فلا يقال للتميمي أنه سيد كندة، ولا يقال لمالك أنه سيد البشر. قال: وعلى هذا فلا يجوز أن\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٤٩٧٧).\n(^٢) سنن أبي داود (٤٨٠٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٥٥٢).\n(^٤) الفتح ٥/ ١٧٩. الدرر السنية ١٠/ ٩٩.","vol":"2","page":418},{"text":"يطلق على الله هذا الاسم وفي هذا نظر، فإن السيد إذا أطلق عليه تعالى، فهو بمعنى المالك، والمولى، والرب، لا بالمعنى الذي يطلق على المخلوق\" (^١).\nونص العلماء على النهي عن قول السيد على الإطلاق أو جهة التعاظم.\nقال الخطابي: \"لا يقال السيد ولا المولى على الإطلاق إضافة إلا في صفة الله تعالى\" (^٢).\nوقال ابن حجر: \"ويحتمل أن يكون المراد النهي عن الإطلاق كما تقدم من كلام الخطابي ويؤيد كلامه حديث بن الشخير المذكور والله أعلم وعن مالك تخصيص الكراهة بالنداء فيكره أن يقول يا سيدي ولا يكره في النداء\" (^٣).\nوقال الخطابي: \"المعنى في ذلك كله راجع إلى البراءة من الكبر والتزام الذل والخضوع الله ﷿ وهو الذي يليق بالمربوب\" (^٤).\nوقال النووي: \"المراد بالنهي من استعماله على جهة التعاظم لا من أراد التعريف\" (^٥).\nوقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: \"وأما قول يا سيد، ومولاي .. إلخ، فهذه الألفاظ تستعملها العرب علي معانٍ، كسادة الرياسة والشرف، والمولى يطلق علي السيد، والحليف، والمعتق، والموالي بالنصرة والمحبة والعتق، وأطلق السيد علي الزوج كما قال تعالى ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥]: فإطلاق هذه الألفاظ علي هذا الوجه معروف لا يُنكر، وفي السنة من ذلك كثير، وأما إطلاق\n_________\n(^١) بدائع الفوائد ٣/ ٢١٣.\n(^٢) فتح الباري ٥/ ١٨٠.\n(^٣) فتح الباري ٥/ ١٨٠.\n(^٤) فتح الباري ٥/ ١٨٠.\n(^٥) فتح الباري ٥/ ١٨٠.","vol":"2","page":419},{"text":"ذلك في المعاني الحديثة كمن يدّعي أن السيد هو الذي يُدعى ويُعظّم، والولي هو الذي ينبغي منه النصر والشفاعة، ونحو ذلك من المقاصد الخبيثة، فهذا لا يجوز، بل هو من أقسام الشرك\" (^١).\nوقال الشيخ ابن عثيمين: \"والسيد يطلق على معان، منها: المالك، الزوج، والشريف المطاع، وسيدي هنا مضافة إلى ياء المتكلم وليست علي وجه الإطلاق فالسيد علي وجه الإطلاق لا يقال إلا لله ﷿ قال - ﷺ -: \"السيد الله\"\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"إطلاق السيد علي غير الله تعالى إن كان يقصد معناه وهي السيادة المطلقة فهذا لا يجوز، وإن كان يقصد به مجرد الإكرام فإن كان المخاطب به أهلًا للإكرام فلا بأس به. ولكن لا يقول: السيد بل يقول يا سيد، أو نحو ذلك، وإن كان لا يقصد به السيادة والإكرام وإنما هو مجرد اسم فهذا لا بأس به\" (^٣).\nوالذي أراه أن النهي متعلق بالخطاب والمواجهة بذلك لأنَّهُ مظنة التعاظم (^٤).\nكما ينهى عنه إذا ترتب عليه خضوع وإذلال (^٥). وقد سبق من كلام ابن عثيمين أنه أحد الوجوه في المنع قال: \"أن النهي بالخطاب أي أن تخاطب الغير بقولك: أنت سيدي أو سيدنا، بخلاف الغائب؛ لأن المخاطب ربما يكون في نفسه عجب وغلو وترفع، ثم إن فيه شيئًا آخر وهو خضوع هذا المتسيد له وإذلال نفسه له بخلاف ما إذا جاء من الغير، مثل: \"قوموا إلى سيدكم\"، أو علي سبيل الغيبة كقول العبد: قال سيدي ونحو ذلك ... إلخ\" (^٦).\n_________\n(^١) الدرر السنية ٥/ ٤١١، ٤١٢.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٩٢٧، ٩٢٨.\n(^٣) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٣/ ١٠٩.\n(^٤) انظر فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم ١/ ١٩٦.\n(^٥) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١٠/ ٩٢٤، ٩٢٥. وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ٩٧.\n(^٦) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ١١٠٦.","vol":"2","page":420},{"text":"وفي نهي الرسول - ﷺ - لمن قال أنت سيدنا وابن سيدنا بيان أن مواجهة المادح للممدوح بالمدح - ولو بما فيه: أنه من عمل الشيطان؛ لأن ذلك يسبب تعاظم الممدوح ويسبب غلو المادح حتى ينزل الممدوح منزلة لا يستحقها.\nوقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: \"فقد صح عن ابن عباس - ﵄ - أنه وقال في معنى قول الله تعالى: (﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ [الأنعام: ١٦٤]؛ أي إلهًا وسيدًا، وقال في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢]: إنه السيد الذي انتهي سؤدده. وأما استدلالهم بقول النَّبِيّ - ﷺ - للأنصار: \"قوموا إلى سيدكم\" فالظاهر أن النَّبِيّ - ﷺ - لم يواجه سعدًا به، فيكون في هذا المقام تفصيل. والله أعلم\" (^١).\nفلا يجوز أن يواجه الإنسان ويقال له: يا سيد من باب المدح، ويجوز أن يقال هذا في حقه إذا كان غائبًا، وكان ممن يستحق هذا الوصف وهذا يجمع الأدلة.\nوقد سئل الشيخ محمد بن إبراهيم عن قول يا سيدي فلان، فأجاب ﵀: \"ما ينبغي أليس في رسول الله أسوة حسنة إذ قال وهو سيد الخلق: \"لسيد الله\" (^٢).\nوورد إلى فتاوى اللجنة سؤال هذا نصه:\n\"س: هل يجوز أن أقول للضابط في الشرطة أو القوات المسلحة: حاضر يا سيدي؟\nالحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه، وبعد:\nجـ: يجوز أن تقول له: حاضر ولا يجوز أن تقول له: يا سيدي؛ لقول النَّبِيّ - ﷺ - لما قال له بعض الصحابة: أنت سيدنا. قال: \"السيد الله ﵎\". رواه أبو داود بإسناد صحيح\" (^٣).\n_________\n(^١) فتح المجيد ص ٦١٢.\n(^٢) فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم ١/ ١٩٦.\n(^٣) فتاوى اللجنة ٢/ ١٠٥.","vol":"2","page":421},{"text":"وقال ابن عثيمين: \"جرى شرّاح هذا الحديث على أن النَّبِيّ - ﷺ - نهاهم عن قول: \"سيدنا\" فحاولوا الجمع بين هذا الحديث وبين قوله - ﷺ -: \"أنا سيد ولد آدم\"، وقوله: \"قوموا إلى سيدكم\"، وقوله في الرقيق: \"وليقل سيدي ومولاي\". بواحد من ثلاثة أوجه:\nالأول: أن النهي على سبيل الكراهة والأدب، والإباحة على سبيل الجواز.\nالثاني: أن النهي حيث يخشى منه المفسدة، وهي التدرج إلى الغلو، والإباحة إذا لم يكن هناك محذور.\nالثالث: أن النهي بالخطاب أي أن تخاطب الغير بقولك: أنت سيدي أو سيدنا، بخلاف الغائب؛ لأن المخاطب ربما يكون في نفسه عجب وغلو وترفع، ثم إن فيه شيئًا آخر وهو خضوع هذا المتسيد له وإذلال نفسه له بخلاف ما إذا جاء من الغير، مثل: \"قوموا إلى سيدكم\"، أو علي سبيل الغيبة كقول العبد: قال سيدي ونحو ذلك، لكن هذا يرد عليه إباحته - ﷺ - للرقيق أن يقول لمالكه: سيدي.\nوالذي يظهر لي أن لا تعارض أصلا لأن النَّبِيّ - ﷺ - أذن لهم أن يقولوا بقولهم، لكن نهاهم أن يستجريهم الشيطان بالغلو مثل \"السيد\"؛ لأن السيد المطلق هو الله تعالى وعلى هذا فيجوز أن يقال: سيدنا وسيد بني فلان ونحوه، لكن بشرط أن يكون الموجه إليه السيادة أهلا لذلك، أما إذا لم يكن أهلا كما لو كان فاسقًا أو زنديقا فلا يقال له ذلك حتى ولو فرض أنه أعلى منه مرتبة أو جاها، وقد جاء في الحديث: \"لا تقولوا للمنافق سيد فإنكم إذا قلتم ذلك أغضبتم الله\". فإذا كان أهلا لذلك وليس هناك محذور، فلا بأس به، وأما إن خشي المحذور أو كان غير أهل فلا يجوز. والمحذور: هو الخشية من الغلو فيه\" (^١).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١٠/ ١١٠٦، ١١٠٧. وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ١١٢، ٢٧٩، ٢٨٠.","vol":"2","page":422},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-747>٢ - أما إطلاق المولى فقد جاء في الحديث عَنْ النَّبيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: \"ولا يَقُلْ مَوْلَايَ فإنما مولاكم الله</span>\" (^١).\nوحكمه كالسيد عند الإطلاق فتكون خاصة بالله ﷿ وعند التقييد والإضافة فتكون لغير الله. وذكر الشيخ محمد بن إبراهيم أنه لا ينبغي أن يقال: مولاي فلان (^٢).\nوفي الولاية المقيدة المضافة قال ابن عثيمين: \"فهذه تكون لغير الله، ولها في اللغة معان كثيرة منها الناصر، والمتولي للأمور، والسيد، والعتيق.\nقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾\n[التحريم: ٤] وقال - ﷺ - فيما يروى عنه: \"من كنت مولاه فعلي مولاى\"، وقال - ﷺ -: \"إنما الولاء لمن أعتق\" ويقال للسلطان ولي الأمر، وللعتيق مولي فلان لمن أعتقه، وعليه يعرف أنه لا وجه لاستنكار بعض الناس لمن خاطب ملكًا بقوله: مولاي؛ لأن المراد بمولاي أي متولي أمري، ولا شكَّ أن رئيس الدولة يتولي أمورها\" (^٣).\nقال النووي ﵀: \"ولا بأس بقول العبد لسيده مولاي فإن المولي وقع علي ستة عشر معنى منها الناصر والمالك\" (^٤).\nوذكر الشيخ محمد بن إبراهيم: \"أنه لا ينبغي أن يقال: مولاي فلان\" (^٥)\nولا شكَّ أن ترك ذلك أولى وأحوط؛ لأنَّهُ قد يكسب المخاطب الترفع والعجب والتعاظم ويكسب من قاله التذلل والخضوع.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٥٥٢).\n(^٢) مجموع فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ١/ ١٩٦.\n(^٣) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١٠/ ٩٢٩. وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ٢٠١.\n(^٤) شرح النووي على صحيح مسلم ٧/ ١٥.\n(^٥) مجموع فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ١/ ١٩٦.","vol":"2","page":423},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-748>٣ - حكم تسمية المنافق بالسيد:</span>\nولا يجوز تسمية المنافق بالسيد لما تقدم من حديث بريدة أن رَسُولُ الله - ﷺ - قال: \"لا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ سيِّد فَإِنَّهُ إِنْ يَكُ سيِّدًا فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ ﷿\" (^١).\nوقد سئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين: عن قول \"السيد فلان\"؛ فأجاب ﵀: \"قول: \"السيد\" ينظر إن كان صحيحًا أنه ذو سيادة فيقال: هو سيد بدون أل فلا بأس به، بشرط ألا يكون فاسقًا ولا كافرًا، فإن كان فاسقًا أو كافرًا فإنه لا يجوز إطلاق لفظ سيد إلا مضافًا إلى قومه، مثل سيد بني فلان، أو سيد الشعب الفلاني ونحو ذلك\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-749>٤ - ما جاء في قول \"سيدنا محمد</span>\":\nقال العلامة السفاريني ﵀: \"قال في المطلع: السيد الذي يفوق في الخير قومه. قاله الزجاج. وقيل: التقي وقيل الحليم، وقيل الذي لا يغلبه غضبه وجميع ذلك في نبينا - ﷺ -. وقال في القاموس: سيد القوم: أجلَّهم. وهو - ﷺ - أجلّ خلق الله وأعظم خلق الله وأكرم خلق الله، واكمل خلق الله - ﷺ - \" (^٣).\nوسئل الشيخ محمد بن إبراهيم عن قول \"سيدنا محمد\" فقال:\n\"للعلماء فيها كلام، والصحيح أنه لا محذور فيها لكن ما الراجح؟ الراجح تركها لأجل مجيئها في النصوص \"محمدًا عبده ورسوله\"\" (^٤).\nوقال العلامة صديق حسن خان ﵀: \"ولفظ \"السيد\" له معنيان:\nأحدهما: أن السيد هو الذي يكون مالكًا مختارًا بنفسه وحده، ولا يكون محكومًا عليه من أحد، بل يكون حاكمًا مستقلًا بذاته كشأن الملوك في الدنيا، فهذا\n_________\n(^١) سنن أبي داود (٤٩٧٧).\n(^٢) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٣/ ٩٧.\n(^٣) لوامع الأنوار ٢/ ٦.\n(^٤) فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ١/ ١٥٩.","vol":"2","page":424},{"text":"الأمر إنما هو شأن الله تعالى، ليس غيره سيدًا بهذا المعنى.\nوثانيهما: أن السيد رعَويٌّ لآخر، ولكن له فضل على عامة الرعايا، ممتاز منهم بالمزايا، ينزل إليه حكم الحاكم أولًا، ثم يبلغ إليهم من لسانه وبواسطته كـ \"مرزبان\" القرى و\"قهرمان\" المحلات، و\"خوانين\" السوقة.\nفالنبي بهذا المعنى سيد لأمته، والإمام سيد أهل عصره، والشيخ سيد لمريديه، والعالم سيد لتلامذته، والمجتهد لمتبعيه.\nفإن هؤلاء الكبار الكرام يتمسكون بحكم الله تعالى أولًا بأْنفسهم، ثم يبلغونه إلى أصاغرهم ويعلمونهم\" (^١).\nولا يزاد لفظ (سيدنا) في الأذان والصلاة والأذكار.\nففي التشهد الأخير من الصلاة وردت عدة صيغ في الصلاة علي النَّبِيّ - ﷺ - وليس في شيء منها لفظ السيادة (سيدنا) بل هي: \"اللهم صلِّ علي محمد ... إلخ\" وفي بعضها: \"اللهم صلِّ علي محمد عبدك ورسولك ... إلخ\" وقد ذكر الشيخ ناصر الدين الألباني صيغًا كثيرة في كتابه \"صفة الصلاة\" وليس فيها لفظ (سيدنا) وإن كان ﵊ هو سيد ولد آدم وأقوم الخلق وأكبرهم في المقام بأحكام الله تعالى، لكننا في الصلاة والأذكار متعبدون بما ورد عنه - ﷺ - فلا يزد في ذلك\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-750>٥ - الجمع بين حديث \"السيد الله\" وحديث \"أنا سيد ولد آدم</span>\"؟\nسئل الشيخ ابن إبراهيم عن الجمع بين حديث \"السيد الله\" وحديث \"أنا سيد ولد آدم\"؟\nفقال: \"الجمع أنه منع من هذا الذي هو جائز حماية لحمى التوحيد. والثاني قاله على وجه التحدث بنعمة الله. أما التحريم والله أعلم فبالنسبة إلى غير الرسول - ﷺ - (^٢).\n_________\n(^١) الدين الخالص ٢/ ٢٢١.\n(^٢) مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم ١/ ١٩٦.","vol":"2","page":425},{"text":"وسئل الشيخ ابن عثيمين عن الجمع بين حديث \"السيد الله\". وما جاء في التشهد \"اللهم صل على سيدنا محمد وعلي آل سيدنا محمد\". وحديث \"أنا سيد ولد آدم\"؟\nفأجاب قائلًا: \"لا يرتاب عاقل أن محمدًا - ﷺ - سيد ولد آدم فإن كل عاقل مؤمن يؤمن بذلك، والسيد هو ذو الشرف والطاعة والإمرة، وطاعة النَّبِيّ - ﷺ - من طاعة الله - ﷾ -: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ونحن وغيرنا من المؤمنين لا نشك أن نبينا - ﷺ - سيدنا، وخيرنا، وأفضلنا عند الله - ﷾ - وأنه المطاع فيما يأمر به، صلوات الله وسلامه عليه، ومن مقتضى اعتقادنا أنه السيد المطاع، ﵊، أن لا نتجاوز ما شرع لنا من قول أو فعل أو عقيدة ومما شرعه لنا في كيفية الصلاة عليه في التشهد أن نقول: اللهم صل علي محمد، وعلي آل محمد كما صليت على إبراهيم، وعلي آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، أو نحوها من الصفات الواردة في كيفية الصلاة عليه - ﷺ - ولا أعلم أن صفة وردت بالصيغة التي ذكرها السائل وهي \"اللهم صل على سيدنا محمد وعلي آل سيدنا محمد\" وإذا لم ترد هذه الصيغة عن النَّبِيّ، ﵊، فإن الأفضل ألا نصلي على النَّبِيّ - ﷺ - بها، وإنما نصلي عليه بالصيغة التي علمنا إياها.\nوبهذه المناسبة أود أن أنبه إلى أن كل إنسان يؤمن بأن محمدًا - ﷺ - سيدنا فإن مقتضى هذا الإيمان أن لا يتجاوز الإنسان ما شرعه، وأن لا ينقص عنه، فلا يبتدع في دين الله ما ليس منه، ولا ينقص من دين الله ما هو منه، فإن هذا هو حقيقة السيادة التي هي من حق النَّبِيّ - ﷺ - علينا.\nوعلي هذا فإن أولئكم المبتدعين لأذكار أو صلوات على النَّبِيّ - ﷺ - لم يأت بها شرع الله على لسان رسوله محمد - ﷺ - تنافي دعوى أن هذا الذي ابتدع يعتقد أن محمدًا - ﷺ - سيد، لأن مقتضى هذه العقيدة أن لا يتجاوز ما شرع وأن لا ينقص منه، فليتأمل الإنسان وليتدبر ما يعنيه بقوله حتى يتضح له الأمر ويعرف أنه تابع لا مشرع.","vol":"2","page":426},{"text":"وقد ثبت عن النَّبِيّ - ﷺ - أنه قال: \"أنا سيد ولد آدم\" والجمع بينه وبين قوله: \"السيد الله\" أن السيادة المطلقة لا تكون إلا لله وحده فإنه تعالى هو الذي له الأمر كله فهو الآمر وغيره مأمور، وهو الحاكم وغيره محكوم، وأما غيره فسيادته نسبية إضافية تكون في شيء محدود، وفي زمن محدود، ومكان محدود، وعلي قوم دون قوم، أو نوع من الخلائق دون نوع\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-751>٦ - عبارة \"السيدة عائشة ﵂</span>\"؟\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"لا شكَّ أن عائشة - ﵂ - من سيدات نساء الأمة، ولكن إطلاق\"السيدة\" علي المرأة و\"السيدات\" علي النساء هذه الكلمة متلقاة فيما أظن من الغرب حيث يسمون كل امرأة سيدة وإن كانت من أوضح النساء، لأنهم يسودون النساء أي يجعلونهن سيدات مطلقًا، والحقيقة أن المرأة امرأة، وأن الرجل رجل، وتسمية المرأة بالسيدة على الإطلاق ليسل بصحيح، نعم من كانت منهن سيدة لشرفها في دينها أو جاهها أو غير ذلك من الأمور المقصودة فلنا أن نسميها سيدة، ولكن ليس مقتضى ذلك أننا نسمي كل امرأة سيدة.\nكما أن التعبير بالسيدة عائشة، والسيدة خديجة، والسيدة فاطمة وما أشبه ذلك لم يكن معروفًا عند السلف بل كانوا يقولون: أم المؤمنين عائشة أم المؤمنين خديجة، فاطمة بنت رسول الله - ﷺ - ونحو ذلك\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-752>٧ - أما إطلاق الرب فلا يجوز إلا على الله:</span>\nقال الحافظ ابن كثير ﵀: \"الرب هو المالك المتصرف، لا يستعمل الرب لغير الله بل بالإضافة نقول: رب الدار، رب كذا، وأما الرب فلا يقال إلا لله ﷿\" (^٣).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٣/ ١١٠، ١١١.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٣/ ١١٢.\n(^٣) تفسير ابن كثير ١/ ١٣١.","vol":"2","page":427},{"text":"وفي الفتح: \"قال ابن بطال: لا يجوز أن يقال لأحد غير الله رب، كما لا يجوز أن يقال له إله\" ا. هـ والذي يختص بالله تعالى إطلاق الرب بلا إضافة، أما مع الإضافة فيجوز إطلاقه كما في قوله تعالى حكاية عن يوسف ﵇ ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾، وقوله: (﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ وقوله ﵊ في أشراط الساعة: \"أن تلد الأمة ربَّتها\" فدل علي أن النهي في ذلك محمول على الإطلاق\" (^١).\nوقد تقدم حديث: \"لا يقل أحدكم أطعم ربك، وضئ ربك، اسق ربك، وليقل: سيدي ومولاي ... \" الحديث.\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: \"قيل: إن الفرق بين الرب والسيد، أن الرب من أسماء الله تعالى اتفاقا، واختلف في السيد هل هو من أسماء الله تعالى؟ ولم يأت في القرآن أنه من أسماء الله (^٢). لكن في حديث عبد الله بن الشخير \"السيد الكد\" وسيأتي. فإن قلنا: ليس من أسماء الله فالفرق واضح، إذ لا التباس، وإن قلنا: إنه من أسماء الله فليس في الشهرة والاستعمال، كلفظ الرب فيحصل الفرق\" (^٣).\nوسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: ما حكم قول: \"رب البيت\"؟ \"رب المنزل\"؟\nفأجاب: \"قولهم: رب البيت ونحوه ينقسم أقسامًا أربعة:\nالقسم الأول: أن تكون الإضافة إلى ضمير المخاطب في معنى لا يليق بالله ﷿ مثل أن يقول: \"أطعم ربك\" فهذا منهي عنه لوجهين:\nالوجه الأول: من جهة الصيغة لأنَّهُ يوهم معنى فاسدًا بالنسبة لكلمة رب، لأن الرب من أسمائه سبحانه، وهو سبحانه يُطعِم ولا يطعَم، وإن كان لا شكَّ أن الرب هنا غير الرب الذي يطعم ولا يطعم.\nالوجه الثاني: من جهة أنك تشعر العبد أو الأمة بالذل لأنَّهُ إذا كان السيد ربًّا كان\n_________\n(^١) فتح الباري ٥/ ١٧٩، وقد ذكر توجيهات أخرى.\n(^٢) هذا القول نسبه ابن حجر للقرطبي وغيره. انظر فتح الباري ٥/ ١٧٩، ١٨٠.\n(^٣) تيسير العزيز الحميد ٦٦٤، ٦٦٥.","vol":"2","page":428},{"text":"العبد مربوبًا والأمة مربوبة.\nوأما إذا كان في معنى يليق بالله تعالى مثل أطع ربك كان النهي عنه من أجل الوجه الثاني.\nالقسم الثاني: أن تكون الإضافة إلى ضمير الغائب مثل ربه، وربها، فإن كان في معنى لا يليق بالله كان من الأدب اجتنابه، مثل أطعم العبد ربه أو أطعمت الأمة ربها، لئلا يتبادر منه إلى الذهن معنى لا يليق بالله.\nوإن كان في معنى يليق بالله مثل أطاع العبد ربه وأطاعت الأمة ربها فلا بأس بذلك لانتفاء المحذور.\nودليل ذلك قوله - ﷺ - في حديث اللقطة في ضالة الإبل وهو حديث متفق عليه: \"حتَّى يجدها ربها\" وقال بعض أهل العلم: إن حديث اللقطة في بهيمة لا تتعبد ولا تتذلل كالإنسان، والصحيح عدم الفارق لأن البهيمة تعبد الله عبادة خاصة بها. قال تعالي ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ [الحج: ١٨] وقال في العباد: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ ليس جميعهم ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾.\nالقسم الثالث: أن تكون الإضافة إلى ضمير المتكلم فقد يقول قائل بالجواز لقوله تعالى حكاية عن يوسف: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف: ٢٣] أي سيدي، وإن المحذور هو الذي يقتضي الإذلال وهذا منتفٍ لأن هذا من العبد لسيده.\nالقسم الرابع: أن يضاف إلى الاسم الظاهر فيقال: هذا رب الغلام فظاهر الحديث الجواز وهو كذلك ما لم يوجد محذور فيمنع كما لو ظن السامع أن السيد رب حقيقي خالق لمملوكه\" (^١).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٣/ ١٠٣، ١٠٤.","vol":"2","page":429},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-753>١٦٣ - الشؤم </span>*\nالشؤم بضم المعجمة وسكون الهمزة، وقد تُسهَّلُ فتصير واوا، قال ابن الأثير: \"الواو في الشؤم همزة، ولكنها خُففت فصارت واوا، وغلب عليها التخفيف حتى لم ينطق بها مهموزة ... والشؤم ضد اليُمنِ: يقال: تشاءمتُ بكذا، وتيمَّنت بكذا\" (^١).\nقال الحافظ ابن حجر: \"والطيرة والشؤم بمعنى واحد\" (^٢).\n* الدليل من السنة: عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: \"الشُّؤْمُ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالْفَرَسِ\" (^٣).\nوفي رواية قَالَ: ذَكَرُوا الشُّؤْمَ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ فَفِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ\" (^٤).\nوعن عَبْد الله بْن عُمَرَ - ﵂ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ إِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلاثٍ فِي الْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ\" (^٥).\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ٩/ ٢٧٨ - ٢١،٣٠٢/ ٩٧، ٢٤/ ٦٨. الاستذكار لابن عبد البر ٢٧/ ٢٢٨. شرح السنة للبغوي ١٢/ ١٧٠. فتح الباري ٦/ ٧٢. الآداب الشرعية لابن مفلح ٣/ ٣٥٧. مفتاح دار السعادة ص ٢٥٤ - ٢٥٧. تيسير العزيز الحميد ص ٤٣٥. فتح المجيد ٣٥٠. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ٢١٥. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ٣٢ ومن المجموع ٩/ ٥١٥. مجموع الفتاوى لابن باز ١/ ٢٨٢. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ص ٤٧٥ - ٤٨٧. عقيدة الإمام ابن عبد البر للغصن ص ٢٤٦.\n(^١) النهاية لابن الأثير (ش وم).\n(^٢) فتح الباري ٦/ ٦١.\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٠٩٣) (٥٧٥٣).\n(^٤) أخرجه البخاري (٥٠٩٤).\n(^٥) أخرجه البخاري (٥٧٧٢). وقال الحافظ رحمه الله تعالى في شرحه للبخاري: اتفقت الطرق كلها على الاقتصار على الثلاثة المذكورة، ووقع عند ابن إسحاق في رواية عبد الرزاق المذكورة: =","vol":"2","page":430},{"text":"وفي رواية سهل عن سعد الساعدي، يرفعه: \"إن كان في شيء ففي المرأة، والفرس، والمسكن\" (^١).\nوعند أبي داود أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - كَانَ يَقُولُ: \"لا هَامَةَ وَلا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ، وَإِنْ تَكُنْ الطِّيَرَةَ فِي شَيْءٍ فَفِي الْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ\" (^٢).\nقال الإمام ابن القيم ﵀: \"وكانت عائشة أم المؤمنين - ﵂ - تنكر أن يكون من كلام النَّبِيّ - ﷺ - وتقول: إنما حكاه رسول الله - ﷺ - عن أهل الجاهلية\" (^٣).\nوقد أورد الإمام أحمد إنكارها في المسند من طريق قتادة عن أبي حسان أن رجلًا قال لعائشة: إن أبا هريرة يُحدث أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن الطيرة في المرأة، والدار، والدابة\" فغضبت غضبًا شديدًا، فطارت شقة منها في السماء وشقة في الأرض فقالت: إنما كان أهل الجاهلية يتطيرون من ذلك (^٤).\nقال ابن حجر: \"ولا معنى لإنكار ذلك على أبي هريرة مع موافقة من ذكرنا من الصحابة له في ذلك\" (^٥).\nقال ابن القيم: \"ولكن قول عائشة هذا مرجوح. ثم ذكر أن الحديث قد روي على وجهين: الأول: بالجزم \"الشؤم في الدار، والمرأة، والفرس\"، والثاني: بالشرط \"إن كان ففي المرأة، والفرس، والمسكن\"\" (^٦).\n_________\n= قال معمر: قالت أم سلمة: والسيف. وذكر أيضًا أن الدارقطني أخرجه في غرائب مالك، وإسناده صحيح إلى الزهري، وأخرجه ابن ماجة عن الزهري موصولا عن أم سلمة أنها حدثت بهذه الثلاثة، وزادت فيهن: \"والسيف\". فتح الباري: ٩/ ٦٣ باب ما يذكر من الشؤم فرس.\n(^١) أخرجه البخاري (٢٨٥٩) (٥٠٩٥).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣٩٢١).\n(^٣) مفتاح دار السعادة ٢/ ٢٥٣.\n(^٤) المسند للإمام أحمد (٢٥٦٨٣).\n(^٥) فتح الباري ٦/ ٧٣.\n(^٦) مفتاح دار السعادة ٢/ ٢٥٤.","vol":"2","page":431},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-754> معنى حديث الشؤم في ثلاث:</span>\nقال النووي ﵀: \"اختلف العلماء في هذا الحديث فقال مالك وطائفة: هو على ظاهره، وأن الدار قد يجعل الله تعالى سكناها سببا للضرر أو الهلاك، وكذا اتخاذ المرأة المعينة، أو الفرس أو الخادم، قد يحصل الهلاك عنده بقضاء الله تعالى ومعناه قد يحصل الشؤم في هذه الثلاثة كما صرح به في رواية \"إن يكن الشؤم في شيء\". وقال الخطابي وكثيرون، هو في معنى الاستثناء من الطيرة أي الطيرة منهي عنها إلا أن يكون له دار يكره سكناها أو امرأة يكره صحبتها أو خادم أو فرس فليفارق الجميع بالبيع ونحوه وطلاق المرأة\".\nوقال آخرون: شؤم الدار ضيقها، وسوء جيرانها وأذاهم. وشؤم المرأة عدم ولادتها، وسلاطة لسانها وتعرضها للريب. وشؤم الفرس أن لا يغزى عليها (^١).\nوقيل: حِرانها، وغلاء ثمنها. وشؤم الخادم سوء خلقه، وقلة تعهده لما فوض إليه.\nوقيل المراد بالشؤم في الحديث أي عدم الموافقة ...\nقال القاضي عياض: قال بعض العلماء: \"الجامع لهذه الفضول السابقة في الأحاديث، ثلاثة أقسام:\nأحدها: ما لم يقع الضرر به، ولا اطردت له عادة خاصة ولا عامة فهذا لا يلتفت إليه وأنكر الشرع الالتفات إليه، وهو الطيرة.\nالثاني: ما يقع عنده الضرر عموما لا يخصه، ونادرا لا يتكرر كالوباء فلا يقدم عليه ولا يخرج منه.\nالثالث: ما يخص ولا يعم، كالدار، والفرس، والمرأة، فهذا يباح الفرار منه\" (^٢).\nقال في جامع الأصول: \"\"إن كان الشؤم في شيء\" يعني: إن كان ما يكره ويخاف\n_________\n(^١) انظر: أيضًا النهاية (ش وم).\n(^٢) النووي شرح صحيح مسلم ١٤/ ٢٢٠ - ٢٢٢.","vol":"2","page":432},{"text":"عاقبته: ففي هذه الثلاثة، وتخصيصه المرأة والفرس والربع (^١) والدار لأنَّهُ لما أبطل مذهب العرب في التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء ونحو ذلك قال: فإن كان لأحدكم دار يكره سكناها أو امرأة يكره صحبتها أو فرس لا يعجبه ارتباطه: فليفارقها، بأن ينتقل عن الدار ويبيع الفرس ويطلق الزوجة، وكان محل هذا الكلام محل استثناء الشيء من غير جنسه، وسبيله سبيل الخروج من كلام إلى غيره\" (^٢).\nوقال القرطبي: \"ولا يظن به أنه يحمل على ما كانت الجاهلية تعتقده، بناء علي أن ذلك يضر وينفع بذاته فإن ذلك خطأ، وإنما عنى أن هذه الأشياء هي أكثر ما يتطير به الناس، فمن وقع في نفسه منها شيء أبيح له أن يتركه، ويستبدل به غيره\" (^٣).\nوقال ابن القيم: \"وقالت طائفة أخرى: الشؤم في هذه الثلاثة إنما يلحق من تشاءم بها وتطيّر بها، فيكون شؤمها عليه ومن توكل على الله ولم يتشاءم ولم يتطير لم تكن مشئومة عليه قالوا ويدل عليه حديث أنس: \"الطيرة على تطير\" (^٤) \" (^٥).\nوأحسن الأقوال في ذلك وأرجحها ما قرره ابن القيم (^٦) وابن رجب ونصره الشيخ سليمان بن عبد الله في تيسير العزيز الحميد وتتابع عليه الشراح بعده حيث قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: \"قد يظن بعض الناس أن هذا الحديث، وما في معناه يدل على جواز الطيرة، لقوله - ﷺ -: \"الشؤم في ثلاث، المرأة والدابة والدار\". ونحو هذا والأمر ليس كذلك، فقد قال ابن القيم ﵀: إخباره - ﷺ - بالشؤم في هذه\n_________\n(^١) ورد رواية عند مسلم في آخر باب الطيرة بلفظ: (الربع والخادم والفرس). شرح النووي ١٤/ ٢٢٢. قال في النهاية: (الرَّبع: المنزل ودار الإقامة) (النهاية: ربع).\n(^٢) جامع الأصول: ٧/ ٦٣٣.\n(^٣) فتح الباري ٦/ ٦١.\n(^٤) أخرجه ابن حبان أفاده الحافظ ابن حجر وقال: \"في صحته نظر، لأنَّهُ من رواية عتبة بن حميد عن عبيد الله بن أبي بكر عن أنس، قال: وعتبة مختلف فيه\". فتح الباري ٦/ ٧٤.\n(^٥) مفتاح دار السعادة ٢/ ٢٥٦.\n(^٦) مفتاح دار السعادة ٢/ ٢٥٧.","vol":"2","page":433},{"text":"الثلاثة ليس فيها إثبات الطيرة التي نفاها الله، وإنما غايته أنه سبحانه قد يخلق منها أعيانا مشئومة علي من قربها وسكنها، وأعيانا مباركة لا يلحق من قاربها منها شؤم ولا شر هذا كما يعطي سبحانه الوالدين ولدا مباركا، يريان الخير على وجهه، ويعطي غيرهما ولدا مشئوما يريان الشر علي وجهه، وكذلك ما يعطاه العبد من ولاية وغيرها فكذلك الدار، والمرأة، والفرس والله سبحانه خالق الخير والشر، والسعود والنحوس، فيخلق بعض هذه الأعيان سعودًا مباركة، ويقضى بسعادة من قاربها وحصول اليمن والبركة له\" (^١).\nوقال ابن رجب ﵀: \"والتحقيق أن يقال في إثبات الشؤم في هذه الثلاث ... إن هذه الثلاث أسباب يقدر الله تعالى بها الشؤم واليمن ويقرنه بها، ولهذا يشرع لمن استفاد زوجة أو أمة أو دابة أن يسأل الله تعالى من خيرها وخير ما جُبلت عليه ويستعيذ به من شرها وشر ما جبلت عليه كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النَّبِيّ - ﷺ - خرجه أبو داود وغيره وكذا ينبغي لمن سكن دارًا أن يفعل ذلك وقد أمر النَّبِيّ - ﷺ - قوما سكنوا دارا فقلَّ عددهم وقلَّ مالهم أن يتركوها ذميمة. فترك ما لا يجد الإنسان فيه بركة من دار أو زوجة أو دابة غير منهي عنه ... \" (^٢).\nوقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"ولكن يبقى علي هذا أن يقال: هذا جار في كل مشؤوم فما وجه خصوصية هذه الثلاثة بالذكر؟.\nوجوابه: أن أكثر ما يقع التطير في هذه الثلاثة فخُصّت بالذكر لذلك ذكره في شرح السنن\" (^٣).\n_________\n(^١) فتح المجيد ٣٠٩ انظر تيسير العزيز الحميد ٤٣٠. للاستزادة انظر باب (الطيرة).\n(^٢) لطائف المعارف ١٥٠ وانظر الدرر السنية ١٠/ ٣٤٦.\n(^٣) تيسير العزيز الحميد ص ٤٦٣.","vol":"2","page":434},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-755>١٦٤ - شد الرحال إلى القبور والسفر إليها </span>*\n<span data-type=\"title\" id=toc-756>[زيارة القبور - تتبع آثار الأنبياء والصالحين المكانية]</span>\nالرجال - بالمهملة - جمع رحل، وهو للبعير كالسرج للفرس، وهو أصغر من القتب (^١).\nقال ابن سيده: \"وارتحل البعير جعل عليه الرحل، ورحل رحلة شدَّ عليه أداته\" (^٢).\nوكنَّى بشد الرحال عن السفر لأنَّهُ لازمه (^٣).\nوقد جاء النهي عن السفر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين. أو زيارة المواضع الفاضلة والمقصود عدم تحديد بقعة مباركة تُعمل المطي إليها بقصد القربة والمرخص فيه ثلاثة مساجد، المسجد الحرام، ومسجد الرسول - ﷺ -\n_________\n*اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٦٣٧، ٦٤٠، ٦٦٥ - ٦٦٦. قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص ٢٣٤، ٢٣٥. مجموع الفتاوى ١/ ١١٨ - ١٢٢. ٤/ ٣١٥، ٢٧/ ١١١، ٢٠/ ٣١٤. مجموعة الرسائل الكبرى ٢/ ٣٩٥. الرد على البكري ٢٧ - ٥٧. الرد على الأخنائي ٢٤. الاختيارات العلمية ٥٠. الصارم المنكي لابن عبد الهادي. المحلى بالآثار لابن حزم ٢/ ٣٦٤. أحكام القرآن القرطبي ١٩/ ٢١، ١٠/ ١١، ٢/ ٢١٢. تيسير العزيز الحميد ص ٣٦٠. فتح المجيد ص ٢٩٤. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ١٧٢. الدرر السنية ٥/ ٣٩٩، ١١/ ١١٥، ٥٠٢ الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٣/ ٥٨٣، ٥٨٧. فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٢٨٧. مجموع الفتاوى لابن باز ٢/ ٧٦٢. كشف الستر عما ورد في السفر إلى القبر للشيخ حماد الأنصاري. أحكام الجنائز الألباني ٢٦٠ - ٢٦٣. رقم ١٩٧. منهج ابن حجر في العقيدة ص ١٠٣١. الجيلاني وآراؤه الاعتقادية ص ٤٤٠. جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية ص ١٥٨٨، ١٥٩٩. التبرك د: ناصر الجديع ص ١٠٥، ٣٢٢، ٣٨٨.\n(^١) انظر: عمدة القاري ٧/ ٢٥٢.\n(^٢) المحكم ٣/ ٣٠٢.\n(^٣) انظر: فتح الباري ٣/ ٦٤. عمدة القاري ٩/ ١٣١.","vol":"2","page":435},{"text":"ومسجد الأقصى (^١).\nوشد الرحال إلى القبور صرحت الأحاديث بالنهي عنه لأنَّهُ من الوسائل التي تفضي إلى الغلو والتعظيم فهو من الوسائل والأسباب الشركية.\n* الدليل من السنة: عن أبي هريرة - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: \"إِنَّمَا يُسَافَرُ إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ وَمَسْجِدِي وَمَسْجِدِ إِيلِيَاءَ\" (^٢).\nوعن أبي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا تُشَدُّ الرحال\" (^٣) - وفي لفظ: \"لا تَشُدُّوا الرِّحَالَ إلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى\" (^٤).\nوجاء في بعض الروايات: \"لا تُشَدُّ العُرى إلا إلى ثلاثة مساجد\" (^٥).\nوعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنَّهُ قَالَ لَقِيَ أَبُو بَصْرَةَ الْغِفَارِيُّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَهُوَ جَاءٍ مِنْ الطُّورِ فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ قَالَ: مِنْ الطُّورِ، صَلَّيْتُ فِيهِ.\n_________\n(^١) قال ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: \"المسجد الأقصى اسم لجميع المسجد الذي بناه سليمان ﵇ وقد صار بعض الناس يسمي الأقصى المصلى الذي بناه عمر بن الخطاب - ﵁ - في مقدمه ... ولهذا كان أئمة الأمة إذا دخلوا المسجد قصدوا الصلاة في المصلي الذي بناه عمر وقد روي عن عمر - ﵁ - أنه صلى في محراب داود. وأما الصخرة فلم يصل عندها عمر - ﵁ - ولا الصحابة ولا كان على عهد الخلفاء الراشدين عليها قبة بل كانت مكشوفة في خلافة عمر وعثمان وعلي ومعاوية ويزيد ومروان ولكن لما تولى ابنه عبد الملك الشام ووقع بينه وبين الزبير الفتنة كان الناس يحجون فيجتمعون بابن الزبير فأراد عبد الملك أن يصرف الناس عن ابن الزبير فبنى القبة على الصخرة وكساها في الشتاء والصيف ليرغب الناس في زيارة بيت المقدس ويشتغلوا بذلك عن اجتماعهم بابن الزبير. وأما أهل العلم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان فلم يكونوا يعظمون الصخرة فإنها قبلة منسوخة) مجموع الفتاوى ٢٧/ ١١، ١٢.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٣٩٧).\n(^٣) أخرجه البخاري (١١٨٩، ١٩٩٥، ١١٩٧).\n(^٤) أخرجه مسلم (١٣٩٧).\n(^٥) قال ابن الأثير هي جمع عروة يريد عرى الأحمال والرواحل. النهاية لابن الأثير (ع ر ا).","vol":"2","page":436},{"text":"قَالَ: أَمَا لَوْ أَدْرَكْتُكَ قَبْلَ أَنْ تَرْحَلَ إِلَيْهِ مَا رَحَلْتَ، إِنِّي سمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: \"لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى\" (^١).\nوعن قزعة قال: أردت الخروج إلى الطور فأتيت ابن عمر - ﵄ - فقلت له، فقال: \"إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد إلى مسجد رسول الله - ﷺ - والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى. ودع عنك الطور ولا تأته\" (^٢).\n* والمراد من النهي عن شد الرحال السفر إلى بقعة بذاتها تقربا إلى الله:\nقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن - ﵀ - بعد ذكره للحديثين السابقين: \"فابن عمر، وبصرة بن أبي بصرة، جعلا الطور مما نُهي عن شد الرحال إليه؛ لأن اللفظ الذي ذكراه: في النهي عن شدها إلى غير الثلاثة، مما يُقصد به القُربة. فعُلم أن المستثنى منه عام في المساجد وغيرها، وأن النهي ليس خاصًا بالمساجد، ولهذا نهيا عن شدها إلى الطور مستدلين بهذا الحديث.\nوالطور إنما يُسافر من يسافر إليه لفضيلة البُقعة، فإن الله سماه الوادي المقدس، والبقعة المباركة، وكلم كليمه موسى هناك، وهذا هو الذي عليه الأئمة لأربعة، وجمهور العلماء\" (^٣).\nوقال الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀: \"المراد: لا يسافر إلى موضع من المواضع الفاضلة التي تقصد لذاتها ابتغاء بركتها وفضل العبادة فيها إلا إلى ثلاثة مساجد، وهذا هو الذي يدل عليه فهم الصحابيَين المذكورين، وثبت مثله عن ابن عمر - ﵁ - كما بيّنته\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد (٢٧٧٧٢).\n(^٢) أخرجه الفاكهي في أخبار مكة ٢/ ٩٤ رقم ١١٩٣، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف ٢/ ٣٧٤، ٤/ ٦٥.\n(^٣) فتح المجيد ص ٢٩٥.","vol":"2","page":437},{"text":"في كتابي \"أحكام الجنائز وبدعها\"، وهو الذي اختاره جماعة من العلماء كالقاضي عياض والإمام الجويني والقاضي حسين، فقالوا: \"يحرم شد الرحل لغير المساجد الثلاثة، كقبور الصالحين والمواضع الفاضلة\" ذكره المناوي في \"الفيض\".\nفليس هو رأي ابن تيمية وحده، كما يظن بعض الجهلة، وإن كان له فضل الدعوة إليه، والانتصار له بالسنة، وأقوال السلف بما لا يعرف له مثيل، فجزاه الله عنا خير الجزاء\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-757> حكم شد الرحل لزيارة قبر النَّبِيّ - ﷺ </span>-:\nلا يجوز ذلك لحديث: \"لا تشد الرحال إلا لثلاث مساجد ... \".\nوقوله - ﷺ -: \"لا تُشَدُّ الرحال\" بضم أوله بلفظ النفي، والمراد النهي عن السفر إلى غيرها.\nوكنّى بشد الرحال عن السفر، لأنَّهُ لازمه، وخرج ذكرها مخرج الغالب في ركوب المسافر، وإلا فلا فرق بين ركوب الرواحل والخيل والبغال والحمير والمشي (^٢) فهذه كلها داخلة في المعنى المذكور كما يدخل فيه وسائل السفر الحديثة من سيارات وطائرات وغيرها، ويدل عليه قول - في بعض طرقه -: \"إنما يسافر\" (^٣).\nقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: \"فدخل في النهي: شدُّها لزيارة القبور والمشاهد، فإما أن يكون نهيًا، وإنما أن يكون نفيًا، وجاء في رواية بصيغة النهي، فتعيّن أن يكون للنهي\" (^٤).\n_________\n(^١) سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم (٩٩٧) (٢/ ٧٣٣ - ٧٣٤).\n(^٢) انظر فتح الباري ٣/ ٦٤.\n(^٣) صحيح مسلم - بشرح النووي ٩/ ١٦٨.\n(^٤) فتح المجيد ص ٢٩٤.","vol":"2","page":438},{"text":"والنهي جاء عن شد الرحال إليها والسفر من أجلها فذلك الذي صرحت الأحاديث به، أما زيارة القبور من دون شد الرحال إليها فقد اتفق العلماء علي أن ذلك جائز لما أخرجه مسلم في صحيحه: \"كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها\" (^١). بل هو قربة إلى الله ﷿ ومأمور به لقول النَّبِيّ - ﷺ -: \"زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة\" (^٢) فالزيارة إذا كانت على الصفة الشرعية فإنها مشروعة (^٣). أما ما يفعله بعض الناس من البدع الذميمة والجهالات الوخيمة حيث لا يقصد من الحج إلا زيارة قبر النَّبِيّ - ﷺ - ووضع الأيدي على شباكه (^٤) فهذا جهل وضلال.\nوإليك أقوال الأئمة في النهي عن شد الرحال:\nقال ابن تيمية: \"وسئل مالك عن رجل نذر أن يأتي قبر النبي، فقال مالك: إن كان أراد القبر فلا يأته وإن أراد المسجد فليأته ثم ذكر الحديث: \"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد\" ذكره القاضي إسماعيل في مبسوطه\" (^٥).\nوقال المناوي: \" ... ما نقل عن مالك من منع شد الرحل لمجرد زيارة القبر من غير إرادة إتيان المسجد للصلاة فيه\" (^٦).\nوقال ابن بطة: \"ومن البدع البناء على القبور وتجصيصها وشد الرحل إلى زيارتها\" (^٧).\nوقال النووي: \"واختلف العلماء في شد الرحال وإعمال المطي إلى غير\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٩٧٧).\n(^٢) أخرجه مسلم وقد تقدم في باب: (زيارة القبور).\n(^٣) انظر باب: \"زيارة القبور\".\n(^٤) انظر للاستزادة حول السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين: الفتاوى ١/ ١١٨.\n(^٥) مجموع الفتاوى ١/ ٣٠٤.\n(^٦) شرح المناوي للجامع الصغير ٦/ ١٤٠.\n(^٧) الإبانة الصغرى ص ٩٢.","vol":"2","page":439},{"text":"المساجد الثلاثة كالذهاب إلى قبور الصالحين وإلى المواضع الفاضلة ونحو ذلك فقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا هو حرام وهو الذي أشار القاضي عياض إلى اختياره\" (^١).\nوقال الحافظ ابن حجر: \"قال الشيخ أبو محمد الجويني يحرم شد الرحال إلى غيرها عملًا بظاهر هذا الحديث وأشار القاضي حسين إلى اختياره وبه قال عياض وطائفة\" (^٢).\nوقال ابن قدامة: \"فإن سافر لزيارة القبر والمشاهد، فقال ابن عقيل: لا يباح له الترخص لأنَّهُ منهي عن السفر إليها قال النَّبِيّ - ﷺ -: \"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد\" متفق عليه\" (^٣).\nوقال ابن الأثير: \"هذا مثل قوله (لا تعمل المطي) وكنى به عن السير والنفر، والمراد: لا يقصد موضع من المواضع بنية العبادة والتقرب إلى الله تعالى إلا إلى هذه الأماكن الثلاثة تعظيمًا لشأنها وتشريفًا\" (^٤).\nقال ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: \"فإن الصحابة والتابعين والأئمة لم يعرف عنهم نزاع في أن السفر إلى القبور وآثار الأنبياء داخل في النهي كالسفر إلى الطور الذي كلم الله عليه موسى وغيره ... وأما السفر إلى مجرد زيارة القبور فما رأيت أحدا من علماء المسلمين قال إنه مستحب وإنما تنازعوا: هل هو منهي عنه، أو مباح؟ وهذا الإجماع والنزاع لم يتناول المعنى الذي أراده العلماء بقولهم يستحب زيارة قبر النَّبِيّ - ﷺ - ولا إطلاق القول بأنه يستحب السفر لزيارة قبره كما هو موجود في\n_________\n(^١) شرح النووي على صحيح مسلم ٩/ ١٠٦.\n(^٢) الفتح ٣/ ٦٥.\n(^٣) المغني ٢/ ١٠٠.\n(^٤) جامع الأصول ٩/ ٢٨٣.","vol":"2","page":440},{"text":"كلام كثير منهم، فإنهم يذكرون الحج ويقولون: يستحب للحاج أن يزور قبر النَّبِيّ - ﷺ - ... والمقصود أن كل من قصد السفر إلى المدينة فعليه أن يقصد السفر إلى المسجد والصلاة فيه كما إذا سافر إلى المسجد الحرام والمسجد الأقصى وإذا قصد السفر إلى القبر دون المسجد وجعل المسجد لا يسافر إليه إلا الأجل القبر، واعتقد أن السفر إليه تبعا للقبر كما يسافر إلى قبور سائر الصالحين ويصلي في مساجد هناك، فمن جعل السفر إلى مسجد الرسول - ﷺ - وقبره كالسفر إلى قبور هؤلاء والمساجد التي عندهم فقد خالف إجماع المسلمين، وخرج عن شريعة سيد المرسلين وما سنه لأمته الغر الميامين بخلاف الذي قصد المسجد\" (^١).\nوقال علامة حضرموت ومفتيها السيد عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف: \"نص إمام الحرمين - ومثله القاضي حسين - على تحريم السفر لزيارة القبور، واختاره القاضي عياض بن موسى بن عياش في إكماله وهو من أفضل متأخري المالكية. وقام وقعد في ذلك الشيخ الإمام ابن تيمية، وخَطَّأهُ قومٌ وصَوَّبَهُ آخرون، ومهما يكن من الأمر فَلْيَسَعَهُ ما وسع الجويني والقاضيين حسين وعياضًا، ولكنهم أفردوه باللوم! والقولُ واحدٌ. وقال مالك بن أنس: من نَذر المشي إلى مساجد من المساجد ليصلي فيه كرهتُ ذلك لقوله - ﷺ -: \"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة\". وقال ابن سريج - من كبار أصحاب الشافعي - إن الزيارة قربة تلزم بالنذر. والخطب يسير لم يُوَسِّعْهُ إلا الحسد والتعصب، وإلا فالتثريب في موضع الاختلاف ممنوع\" (^٢).\nقال العلامة محمد بن إسماعيل الصنعاني: \"والحديث دليلٌ على فضيلة المساجد هذه ودلَّ بمفهوم الحصر أنه يحرم شد الرحال لقصد غير الثلاثة كزيارة الصالحين أحياءً وأمواتًا لقصد التقرب ولقصد المواضع الفاضلة لقصد التبرك بها\n_________\n(^١) الرد على الأخنائي ١٣، ١٥، ١٨.\n(^٢) إدام القوت ص ٥٨٤.","vol":"2","page":441},{"text":"والصلاة فيها\" اهـ (^١).\nوقال السيد نعمان بن محمود الآلوسي بعد أن انتصر لرأي ابن تيمية ونهاية الكلام في هذا المقام: \"أن شيخ الإسلام لم ينفرد بهذا القول الذي شُنِّع به عليه، بل ذهب إليه غيره من الأئمة الأعلام\" (^٢).\nوقال الإمام محمد صديق حسن القنوجي: \"وقد ذهب إمام دار الهجرة مالك بن أنس - ﵁ - والقاضي عياض من أئمة المالكية إلى منع السفر لزيارة القبور وكرهوها، وبه قال شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني، والحافظ ابن قيم الجوزية، وقبلهما ابن عقيل وابن بطة من الحنابلة، وإليه ذهب إمام الحرمين أبو محمد الجويني.\nوتغليط الغزالي إياه غلط لعدم تفرده بذلك، وكذلك القاضي حسين من الشافعية، وجماعة من الحنفية المتأخرة، الكائنة في هذه المائة الثالثة عشر من الهجرة الشريفة.\nوقد حقق بعض أهل العلم هذه المسألة في كتابه جلاء العينين في المحاكمة بين أحمدين وذهب إلى ما هو الصواب فيها إن شاء اللهُ تعالى.\nوحققها أيضًا صاحب مسك الختام في كتب ورسائل عديدة منها عون الباري والسراج الوهاج ورحلة الصديق إلى البيت العتيق وغيرها، وهي مذكورة أيضًا في النهج المقبول والبنيان المرصوص ونحوهما راجع ذلك.\nوقد ذب جماعة من المحققين عن شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة، منهم الشيخ أحمد ولي الله المحدث الدهلوي ومن تبعه من علماء السنة من أهل الهند وصاحب الصارم المنكي، وصاحب القول الجلي، وغيرهما.\nولا شكَّ في أن ما ذهب إليه شيخ الإسلام ومن تبعه فيه ليس هو مذهبه خاصة، بل\n_________\n(^١) سبل السلام ٣/ ٣٩٤.\n(^٢) جلاء العينين ص ٥١٨.","vol":"2","page":442},{"text":"قال به قبله وبعده جماعة من أهل العلم، فالطعن عليه - ﵀ - خاصة في هذه المسألة وما في معناها، طعن لا يصيب إلا صاحبه، وسب لا يرجع إلا إلى قائله، وكيف يجوز هذا في شأنه؟! وإن هذا لا يجوز في حق أحد من المسلمين، كما قال - ﷺ -:: \"سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر\". و\"من قال لأخيه كافرا فقد باء به إن لم يكن كذلك\" (^١).\nوقال الألباني - ﵀ -: \"وفي هذه الأحاديث تحريم السفر إلى موضع من المواضع المباركة، مثل مقابر الأنبياء والصالحين، وهي وإن كانت بلفظ النفي \"لا تُشَدَّ\" فالمراد النهي كما قال الحافظ، على وزن قوله تعالى ﴿الْفَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ وهو كما قال الطيبي: هو أبلغ من صريح النهي، كأنه قال: لا يستقيم أن يقصد بالزيارة إلا هذه البقاع لاختصاصها بما اختصت به\" ... قلت (^٢): ومما يشهد لكون النفي هنا بمعنى النهي رواية لمسلم في الحديث الثاني: \"لا تشدوا\" (^٣).\nثم ذكر أقوال من تساهل في السفر لغير المساجد الثلاثة ورد عليهم مفندًا أقوالهم في كتابه النفيس أحكام الجنائز (^٤).\nومما قاله - ﵀ -: \"والخلاصة: إن ما ذهب إليه أبو محمد الجويني الشافعي وغيره من تحريم السفر إلى غير المساجد الثلاثة من المواضع الفاضلة هو الذي يجب المصير إليه، فلا جرم اختاره كبار العلماء المحققين المعروفين باستقلالهم في الفهم، وتعمقهم في الفقه عن الله ورسوله أمثال شيخي الإسلام ابن تيمية وابن القيم - رحمهم الله تعالى - فإن لهم البحوث الكثيرة النافعة في هذه المسألة الهامة، ومن هؤلاء الأفاضل الشيخ ولي الله الدهلوي، ومن كلامه في ذلك ما قال في\n_________\n(^١) الدين الخالص ٣/ ٥٩٠، ٥٩١. وانظر أيضًا شرحه لصحيح مسلم ٥/ ١١٣.\n(^٢) القائل هو الشيخ الألباني ﵀.\n(^٣) أحكام الجنائز ص ٢٢٦، ٢٢٧.\n(^٤) من ص ٢٢٧ إلى ص ٢٣١.","vol":"2","page":443},{"text":"الحجة البالغة ١/ ١٩٢: \"كان أهل الجاهلية يقصدون مواضع معظمة بزعمهم يزورونها ويتبركون بها، وفيه من التحريف والفساد ما لا يخفى، فسَدَّ - ﷺ - الفسادَ، لئلا يلحق غير الشعائر بالشعائر، ولئلا يصير ذريعة لعبادة غير الله، والحق عندي أن القبر، ومحل عبادة ولي من الأولياء والطور كل ذلك سواء في النهي\".\nومما يحسن التنبيه عليه في خاتمة هذا البحث أنه لا يدخل في النهي السفر للتجارة وطلب العلم، فإن السفر إنما هو لطلب تلك الحاجة حيث كانت لا لخصوص المكان، وكذلك السفر لزيارة الأخ في الله فإنه هو المقصود كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية\" (^١) \" (^٢).\nقال ﵀: \"وأما شد الرحال لزيارة القبور فلا يجوز، وإنما يشرع لزيارة المساجد الثلاث خاصة، لقوله - ﷺ -: \"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى\" متفق على صحته. وإذا زار المسلم مسجد النَّبِيّ - ﷺ - دخل في ذلك علي سبيل التبعية زيارة قبره - ﷺ - وقبر صاحبيه وقبور الشهداء وأهل البقيع وزيارة مسجد قباء من دون شد الرحل، فلا يسافر لأجل الزيارة ولكن إذا كان في المدينة شرع له زيارة قبر النَّبِيّ - ﷺ - وقبر صاحبيه، وزيارة البقيع والشهداء ومسجد قباء.\nأما شد الرحال من بعيد لأجل الزيارة فقط فهذا لا يجوز علي الصحيح من قولي العلماء\" (^٣).\n_________\n(^١) في الفتاوى ٢/ ١٨٦.\n(^٢) أحكام الجنائز ص ١٢٢ - ١٢٣. ٤/ ٣١٥. ٢٧/ ٢٠ - ٢١. مجموعة الرسائل الكبرى ابن تيمية ٢/ ٣٩٥. الرد على البكري ص ٢٣٣. الإبداع علي محفوظ ص ١٢٤، ٢١٩، ٣٨٤. السنن والمبتدعات الشقيري ص ١٦٦. مناسك الحج والعمرة الألباني ص ٦٠. أحكام الجنائز الألباني ص ٢٦٢ رقم ١٧٣. السلسلة الضعيفة للألباني ١/ ٢٨٥.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٧٥٤ - ٧٥٥.","vol":"2","page":444},{"text":"قال الشيخ بكر أبو زيد في معرض كلامه عن ابن القيم: \"فكان من الأعمال المعدودة من باب القربات: شد الرحال إلى قبر الخليل - فأنكر ابن القيم ذلك ونعي علي معاصريه عامتهم وخاصتهم وبين أن شد الرحال له من الأمور المنكرة في الدين والبدع المخالفة للصراط المستقيم فأحدث ذلك صراعا عجيبًا أوذي وسجن بسببه وفي ذلك يقول ابن رجب: \"وقد حبس مدة لإنكاره شد الرحال إلى قبر الخليل\"\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-758> أدلة المجيزين لاستحباب السفر لزيارة القبر:</span>\nاستدل المجيزون للسفر إلى مجرد قصد زيارة القبر الشريف بأحاديث عديدة وهي إما موضوعة أو ضعيفة جدًّا لا تقوم بها حجة (^٢).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \"الأحاديث في زيارة قبر النبي - ﷺ - كلها ضعيفة، باتفاق أهل العلم بالحديث، بل هي موضوعة، لم يرو أحد من أهل السنن المعتمدة شيئًا منها، ولم يحتج أحد من الأئمة بشيء منها، بل مالك إمام أهل المدينة النبوية - الذين هم أعلم الناس بحكم هذه المسألة - كره أن يقول الرجل: \"زرت قبر النَّبِيّ - ﷺ - (ولو كان هذا اللفظ مشروعا عندهم، أو معروفا مأثورا عن النَّبِيّ - ﷺ - لم يكرهه عالم المدينة، والإمام أحمد - أعلم الناس في زمانه بالسنة - لما سئل عن ذلك - أي عن زيارة قبر النَّبِيّ - ﷺ - - لم يكن عنده ما يعتمد عليه في ذلك من الأحاديث إلا حديث أبي هريرة أن النَّبِيّ - ﷺ - قال: \"ما من أحد يسلم عليّ إلا رد الله روحي حتى أردّ ﵇\" (^٣) وعلي هذا اعتمد أبو داود في سننه ... إلخ\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر كتاب جهود ابن القيم ص ٧٠. وانظر كلام ابن رجب في الدرر الكامنة ٤/ ٢٣.\n(^٢) انظر الصارم المنكي للإمام محمد بن أحمد عبد الهادي فقد رد جميع الأحاديث التي استدل بها تقي الدين السبكي في كتابه: شفاء السقام في زيارة خير الأنام. وانظر أيضًا رسالة كشف الستر عما ورد في السفر إلى القبر للشيخ حماد الأنصاري.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٢٠٤١).\n(^٤) الرد على الأخنائي ص ١٨٩ بتصرف يسير.","vol":"2","page":445},{"text":"وذكر - رحمه الله تعالى - في موضع آخر أمثلة ما يروى من تلك الأحاديث فقال: \"ومنها حديث: \"من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي\". مثل ما يروون أنه قال - ﷺ -: \"من زارني بعد مماتي كنت له شفيعا يوم القيامة\" ... إلى أن قال: فهذه الأحاديث وما أشبهها كلها كذب موضوع علي النَّبِيّ - ﷺ - لم يثبت عنه لفظ واحد في زيارة قبره. وقال: كيف يكون زائر قبره كالمهاجر إليه في حياته؟ فإنما زيارته في حياته إنما شرعت لمن يأتي ويبايعه علي الإسلام والجهاد أو يطلب منه العلم، أو نحو ذلك من المقاصد المأمور بها في حياته، التي لا يحصل شيء منها بزيارة قبره\" (^١).\nقال ابن باز ﵀: \"ولو كان شيء من هذه الأحاديث ثابتًا لكان الصحابة - ﵃ - أسبق الناس إلى العمل به، وبيان ذلك للأمة ودعوتهم إليه، لأنهم خير الناس بعد الأنبياء، وأعلمهم بحدود الله وبما شرعه لعباده، وأنصحهم الله ولخلقه فلما لم يُنقل عنهم شيء من ذلك دل علي أنه غير مشروع\" (^٢).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"وأول من وضع هذه الأحاديث في السفر لزيارة المشاهد التي على القبور هم أهل البدع من الرافضة وغيرهم الذين يعطلون المساجد ويعظمون المشاهد التي يشرك فيها ويكذب فيها ويبتدع فيها دين لم ينزل الله به سلطانًا\" (^٣).\nومن أدلة المجيزين ما يروونه من (أن بلالًا - ﵁ - رأى النَّبِيّ صلي الله عليه وآله وسلم وهو في الشام في منامه وهو يقول له: ما هذه الجفوة يا بلال؟! أما آن لك أن تزورني يا بلال؟!، فانتبه حزينًا خائفا فركب راحلته وقصد المدينة) قال الحافظ\n_________\n(^١) الرد على البكري ص ٥٥. وانظر مجموع الفتاوى ٢٨/ ٢٢٤.\n(^٢) التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة للشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ١٠٩.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٢٧/ ٢٢٤.","vol":"2","page":446},{"text":"ابن حجر في اللسان (^١): \"هذه قصة بينة الوضع\" (^٢).\nقال الحافظ ابن عبد الهادي: \"الأثر المذكور عن بلال ليس بصحيح\" (^٣).\nوقال الذهبي: \"إسناده ليّن وهو منكر\" (^٤).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-759> مسألة في حكم شد الرحال لزيارة الأهرامات:</span>\nسُئل الشيخ ابن جبرين عن زيارة مقابر الكفار كالأهرامات بمصر حيث يوجد بها مقابر الفراعنة وآثارهم فأجاب - ﵀ - بقوله: \"لا يجوز شد الرحال إليها، ولو كان ذلك للاعتبار والتذكر، ولكن إذا كان هناك في مصر؛ أي: أتاها من غير شد رحل للاعتبار والنظر في آثار من قبلنا .. فلا مانع من ذلك إن شاء الله، ولو كان فيها قبور المشركين؛ لأن لم يقصد بزيارته تعظيم القبور\" (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-760>١٦٥ - شروط \"لا الله إله الله</span>\"\nانظر باب: (لا إله إلا الله)\n_________\n(^١) ١/ ١٠٧.\n(^٢) انظر تنزيه الشريعة ٢/ ١١٨.\n(^٣) الصارم المنكي ص ٣١٢.\n(^٤) سير أعلام النبلاء ١/ ٣٥٨.\n(^٥) الكنز الثمين من فتاوى ابن جبرين ١/ ٢٤٩.","vol":"2","page":447},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-761>١٦٦ - الشرك </span>*\nالشرك لغة: يطلق على التسوية والنصيب والمخالطة وحبالة الصائد، ذكر صاحب مقاييس اللغة أن مادة \"الشرك\" المكونة من حرف \"الشين والراء والكاف\" لها أصلان:\nأحدهما: يدل علي مقارنة وخلاف وانفراد، والآخر يدل علي امتداد واستقامة.\nفالأول: الشركة وهو أن يكون الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما، ويقال: شاركت فلانًا في الشيء إذا صرت شريكه، وأشركت فلانًا إذا جعلته شريكًا لك قال تعالى: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ ويقال في الدعاء: \"اللهم أشركنا في دعاء المؤمنين\" أي اجعلنا لهم شركاء في ذلك.\n_________\n* مجموع الفتاوى ٣/ ٢٣، ٢٤، ٢٧٢، ٣٩٥، قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص ٢٤٢، الجواب الصحيح ٦/ ٣١، الاستقامة ١/ ٣٤٤، أحكام القرآن للقرطبي ٥/ ١٨١. الجواب الكافي ص ١٣٧، كلمة الإخلاص وتحقيق معناها لابن رجب ص ٢٥، ٢٦، تيسير العزيز الحميد ص ٤٣، ١١٨، ٥٢٩. فتح المجيد ص ٤٣١، ١٠٢. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٥٠. ٢٦٤. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ١٠٩، ط ٢ - ١/ ١٤٥ ومن المجموع ٩/ ١٠٢. الدرر السنية ١/ ٨٣، ١٥٩، ١٨٩، ٢/ ٤٣، ٦٩، ١٨٤، ٣٠٧، ٨/ ٢١٥، ٩/ ٤١٠، ١١/ ٢٩، ١٢/ ٨٦، مجلة البحوث الإسلامية العدد ٧٣. شجرة الإيمان للسعدي ٣/ ٢٧٠. أهم المهمات للسعدي من المجموعة ٣/ ٦٥. مجموع الفتاوى لابن باز ٢/ ٧٠١. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٧/ ١١٥ - ٢٨٣. الدين الخالص ١/ ٦٩، ٧٨، ٢١٣، ٣٠٩، ٣١٥. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ٣٨٧. الشيخ السعدي وجهوده في توضيح العقيدة ص ١٧٧، ١٧٨. شرح مسائل الجاهلية للسعيد ١/ ٩٠ - ٤٤٤. نواقض الإيمان القولية والعملية ص ٢٦٣. الشرك في القديم والحديث لأبي بكر محمد زكريا. الإمام الخطابي ومنهجه في العقيدة لأبي عبد الرحمن العلوي ص ٢٦٣. الإمام المروزي وجهوده في توضيح العقيدة ص ٤٠٥. الآثار الواردة في سير أعلام النبلاء ٢/ ١٨٢.","vol":"2","page":448},{"text":"وأما الثاني: فالشرك: لقم الطريق، وهو شراكه أيضًا، وشراك النعل مشبه بهذا، ومنه شراك الصائد سمى ذلك لامتداده\" (^١).\nوقال الأزهري في تهذيب اللغة: \"الشرك بمعنى الشريك، وهو بمعنى النصيب وجمعه أشراك كشبر وأشبار\" (^٢).\nوقال الراغب: \"الشركة والمشاركة خلط الملكين، وقيل: هو أن يوجد شيء لاثنين فصاعدا، عينا كان ذلك الشيء، أو معنى كمشاركة الإنسان والفرس في الحيوانية\" (^٣).\nوقال في اللسان: \"الشركة والشركة سواء\" مخالطة الشريكين يقال: اشتركنا بمعنى: تشاركنا، وقد اشترك الرجلان وتشاركا، وشارك أحدهما الآخر والشريك المشارك، والشرك كالشريك، والجمع أشراك وشركاء\" (^٤).\nوقال الرازي: \"والشَّرَك بفتحتين حبالة الصائد الواحدة منها شركة\" (^٥).\nوفي الشرع: قال شيخ الإسلام: \"أصل الشرك أن تعدل بالله تعالى مخلوقاته في بعض ما يستحقه وحده\" (^٦).\nوقد عرفه الشيخ محمد بن عبد الوهاب - ﵀ - بقوله: \"هو أن يدعو مع الله غيره أو يقصده بغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها\" (^٧).\nويمكن أن يعرف بأنه مساواة غير الله بالله فيما هو من خصائص الله (^٨).\n_________\n(^١) مقاييس اللغة (ش ر ك).\n(^٢) تهذيب اللغة ١٠/ ١٧ (ش ر ك).\n(^٣) المفردات للراغب ٣٨٠.\n(^٤) لسان العرب (ش ر ك).\n(^٥) مختار الصحاح (ش ر ك).\n(^٦) الاستقامة ١/ ٣٤٤.\n(^٧) شرح نواقض التوحيد ص ١٤.\n(^٨) انظر التنبيهات المختصرة شرح الواجبات المتحتمة المعرفة للشيخ إبراهيم بن صالح الخريصي ص ٦٤، ٩٩.","vol":"2","page":449},{"text":"قل ابن القيم - ﵀ -: \"حقيقة الشرك: هو التشبه بالخالق والتشبيه للمخلوق به، هذا هو التشبيه في الحقيقة، لا إثبات صفات الكمال التي وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسول الله - ﷺ -؛ فعكس من نكس الله قلبه، وأعمى عين بصيرته، وأركسه بكسبه، وجعل التوحيد تشبيهًا، والتشبيه تعظيما وطاعة: فالمشرك مشبه للمخلوق بالخالق في خصائص الإلهية.\nفإن من خصائص الإلهية التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع، وذلك يوجب تعليق الدعاء والخوف والرجاء والتوكل به وحده، فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق، وجعل ما لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا - فضلا عن غيره - شبيها لمن له الأمر كله، فأزِمَّة الأمور كلها بيديه، ومرجعها إليه، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، بل إذا فتح لعبده باب رحمته لم يمسكها أحد، وإن أمسكها عنه لم يرسلها إليه أحد. فمن أقبح التشبيه: تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات بالقادر الغني بالذات\" (^١).\nقال الشيخ السعدي: - ﵀ - \"حقيقة الشرك بالله أن يُعبد المخلوق كما يعبد الله، أو يُعظّم كما يُعظّم الله، أو يُصرف له نوع من خصائص الربوبية والألوهية\" (^٢).\n*الدليل من الكتاب: قال الله تعالى ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧ - ٩٨]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-762>فوائد ومسائل:</span>\n١ - فائدة: قرر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب أن أعظم ما نهى الله عنه الشرك وأعظم ما أوجبه التوحيد (^٣).\n_________\n(^١) الجواب الكافي ١٤١.\n(^٢) تفسير كلام المنان ٢/ ٤٩٩.\n(^٣) شرح ثلاثة الأصول لابن عثيمين، من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٣٣.","vol":"2","page":450},{"text":"قال ابن عثيمين معلقًا على ذلك: \"وذلك لأن أعظم الحقوق هو حق الله ﷿ فإذا فرط فيه الإنسان فقد فرط في أعظم الحقوق وهو توحيد الله\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-764>٢ - أقسام الشرك:</span>\nالشرك أقسام متعددة فمن نظر إلى الشرك عموما فإنه يُقَسِّمه على حسب أنواع التوحيد الثلاثة فيقال شرك في الألوهية وشرك في الربوبية وشرك في الأسماء والصفات (^٢).\nومن نظر إلى شرك الألوهية فإنه يقسمه إلى: \"أكبر وأصغر\" (^٣). ومنهم من يقسمه إلى ثلاثة أقسام: \"أكبر وأصغر وخفي\" وهو المشهور (^٤).\nوهذه كلها تقسيمات وأنواع بحسب مراد المتكلّم منها وأوصلها بعضهم إلى أربعة عشر نوعا وبعضهم إلى أكثر من ذلك.\nوقَسَّمه ابن القيم - ﵀ - فقال: \"شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله وشرك في عبادته ومعاملته وإن كان صاحبه يعتقد أنه سبحانه لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. والشرك الأول نوعان:\nأحدهما: شرك التعطيل وهو أقبح أنواع الشرك.\nالثاني: شرك من جعل مع االله إلها آخر ولم يعطل أسمائه وصفاته وربوبيته كشرك النصارى الذين جعلوه ثالث ثلاثة وأما الشرك في العبادةِ فينقسم إلى مغفور وغير مغفور وأكبر وأصغر ثم فصل في أنواع الشرك التابعة لذلك وهي كالتالي:\n_________\n(^١) المصدر السابق ٦/ ٣٦.\n(^٢) تيسير العزيز الحميد ص ٤٣، ٤٤.\n(^٣) مدارج السالكين ١/ ٣٣٩، والدرر السنية ٢/ ١٨٤.\n(^٤) الدرر السنية ٢/ ٧٠، رسالة في أنواع التوحيد وأنواع الشرك لعبد الرحمن بن حسن ضمن الجامع الفريد ص ٣٤١.","vol":"2","page":451},{"text":"- شرك في الأفعال كالسجود لغير الله والطواف بغير بيته.\n- شرك في اللفظ كالحلف بغير الله وقول: ما شاء الله وشئت.\n- شرك في الإرادات والنيات فذلك البحر الذي لا ساحل له\" (^١).\nوقسمه شيخ الإسلام (^٢) وتبعه ابن سعدي - رحمهما الله - إلى نوعين: شرك في الربوبية، وشرك في الألوهية، فقال ابن سعدي: \"الشرك نوعان: شرك في ربوبيته تعالى كشرك الثانوية المجوس الذين يعتقدون مع الله خالقًا، وشرك في ألوهيته كشرك سائر المشركين الذين يعبدون مع الله غيره، ويصرفون له شيئًا من العبادة ويشركون بينه وبين المخلوقين، ويسموونهم بالله في خصائصه التي لا يوصف بها غيره\" (^٣).\nوسوف أقتصر على ذكر الأقسام الثلاثة المتعلقة بشرك الألوهية وهي:\n١ - الشرك الأكبر. انظر باب (الشرك الأكبر).\n٢ - الشرك الأصغر. انظر باب (الشرك الأصغر).\n٣ - الشرك الخفي. انظر باب (الشرك الخفي).\nوأتبعته بشرك التسمية. وجعلت لكل نوع منها بابًا مستقلًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-765>٣ - سبب أول شرك حصل في بني آدم:</span>\nتقدم في باب \"التصوير\" أن أول شرك حصل من بني آدم سببه هو الغلو في الصالحين وقبورهم (^٤).\nقال شيخ الإسلام: \"وأصل الشرك في بني آدم كان من الشرك بالبشر الصالحين المعظمين فإنهم لما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوَّروا تماثيلهم ثم عبدوهم فهذا أول شرك كان في بني آدم وكان في قوم نوح فإنه أول رسول بعث إلى أهل\n_________\n(^١) ملخصًا من الجواب الكافي ص ١٣٤ - ١٤١.\n(^٢) انظر درء التعارض ٧/ ٣٩٠، الفتاوى ١/ ٩١.\n(^٣) الرياض الناضرة ص ٢٣٢.\n(^٤) انظر باب القبور تحت بحث تاريخ عبادة القبور.","vol":"2","page":452},{"text":"الأرض يدعوهم إلى التوحيد وينهاهم عن الشرك كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ (^١).\nوقال الشيخ السعدي عند ذكره لقصة نوح: \"مكث البشر بعد آدم قرونا طويلة وهم أمة واحدة على الهدى، ثم اختلفوا وأدخلت عليهم الشياطين الشرور المتنوعة بطرق كثيرة فكان قوم نوح قد مات منهم أناس صالحون فحزنوا عليهم فجاءهم الشيطان فأمرهم أن يصوروا تماثيلهم ليتسلوا بهم وليتذكروا بها أحوالهم، فكان هذا مبتدأ الشر.\nفلما هلك الذين صوروهم لهذا المعنى جاء من بعدهم وقد اضمحل العلم فقال لهم الشيطان: إن هؤلاء ودا، وسواعا، ويغوث، ويعوق، ونسرا؛ قد كانوا أولوكم يدعونهم ويستشفعون بهم، وبهم يسقون الغيث وتزول الأمراض، فلم يزل بهم حتى انهمكوا في عبادتهم على رغم نصح الناصحين\" (^٢).\nوقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣]: \"وهذه أسماء رجال صالحين لما ماتوا زين الشيطان لقومهم أن يصورهم لينشطوا بزعمهم على الطاعة إذا رأوها، ثم طال الأمد وجاء غير أولئك فقال لهم الشيطان إن أسلافكم كانوا يعبدونهم ويتوسلون بهم، وبهم يسقون المطر فعبدوهم\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-766>٤ - فائدة معرفة الشرك:</span>\nأخرج البخاري ومسلم وغيرهم عن حذيفة بن اليمان - ﵁ - أنه قال \"كان الصحابة يسألون رسول الله - ﷺ - عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني\" (^٤).\n_________\n(^١) الحسنة والسيئة ص ١١٥، وانظر مجموع الفتاوى ٢٧/ ٧٩.\n(^٢) تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن ص ١٤٤.\n(^٣) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ص ٨٢٣.\n(^٤) أخرجه البخاري (٧٠٨٤).","vol":"2","page":453},{"text":"وهذا المعنى تمثل به أحد الشعراء بقوله:\nعرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه ... ومن لم يعرف الشر من الخير يقع فيه\nوقال عمر بن الخطاب - ﵁ -: \"لا تنقض عرى الإسلام عروة عروة حتى ينشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية\". قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب - ﵀ -: \"إذا لم يعرف - الإنسان - من الشرك ما عابه القرآن وما ذمه وقع فيه، وهو لا يعرف أنه الذي كان عليه أهل الجاهلية أو فوقه أو دونه أو شر منه، فتنقض بذلك عرى الإسلام ويعود المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، والبدعة سنة والسنة بدعة\" (^١).\nومن هنا يتلخص لنا أن في معرفة الشرك الحذر من الوقوع فيه والمحافظة علي الدين والتوحيد وإذا عرف الشرك وظهر له بطلانه، عرف ضده وهو التوحيد بل لا يعرف العبد حقيقة التوحيد وفضله حتى يعرف ضده، وهو الشرك، كما قيل:\nفالضد يظهر حسنه الضد .. وبضدها تتبين الأشياء (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-767>٥ - الفرق بين الكفر والشرك:</span>\nاختلف العلماء في الفرق بينهما؛ فقيل: إن بينهما اختلافًا. وقيل: إنهما اسمان لمسمى واحد (^٣).\nقال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم: \"والشرك والكفر: قد يطلقان بمعنى واحد، وهو الكفر بالله، واسم لمن لا إيمان له؛ وقد يفرق بينهما، فيخص الشرك بقصد الأوثان، وغيرها من المخلوقات، مع الاعتراف بالله، فيكون الكفر أعم\" (^٤).\nويظهر الاختلاف بينهما في اللغة، حيث يطلق الكفر علي الستر والتغطية، أما\n_________\n(^١) مجموعة الرسائل والمسائل ٤/ ٤٦.\n(^٢) انظر التنبيهات المختصرة ص ٩٧، جهود السعدي ص ١٧٧.\n(^٣) الفصل لابن حزم ٣/ ٢٢.\n(^٤) حاشية ثلاثة الأصول ٣٥.","vol":"2","page":454},{"text":"الشرك فيطلق على التسوية (^١).\nقال الراغب: \"الشركة والمشاركة خلط الملكين وقيل هو أن يوجد شيء لاثنين فصاعدا عينا كان ذلك الشيء أو معنى كمشاركة الإنسان والفرس في الحيوانية\" (^٢).\nوبالنظر إلى ما يقابل الكلمتين يظهر الاختلاف أيضًا فإن الشرك يقابله التوحيد أما الكفر فنقيض الإيمان وكذلك يقابل الكفر الشكر. قال تعالي: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: ٤٠] وقال تعالى ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة:١٥٢] وقال: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧] وقال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣].\nوقال الرازي: \"الكفر ضد الإيمان\" (^٣).\nوقال الراغب: \"والكفار في جمع الكافر المضاد للإيمان أكثر استعمالًا\" (^٤)، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٣٧].\nوظاهر القرآن التفريق بينهما قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ١].\nقال الراغب في معرض كلامه عن المشركين: \"وقيل هم من عدا أهل الكتاب لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ...﴾\n_________\n(^١) انظر مدارج السالكين ١/ ٣٦٨.\n(^٢) المفردات ٢٥٩.\n(^٣) مختار الصحاح ٤٢٠.\n(^٤) المفردات ٤٣٥.","vol":"2","page":455},{"text":"[الحج: ١٧] أفرد المشركين عن اليهود والنصارى\" (^١).\nومن أشرك بالله فقد كفر بالأوامر. قال الرازي: \"والشرك أيضًا الكفر\" (^٢).\nوقال الراغب: \"يقال: أشرك فلان بالله وذلك أعظم كفر\" (^٣).\nقال ابن حزم: \"واتفقوا على تسمية اليهود والنصارى كفارا. واختلفوا في تسميتهم مشركين\" (^٤).\nثم نص القول في تسميتهم مشركين في كتابه، وبين أن قوله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾ كقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ والرمان من الفاكهة.\nوالخلاصة أن الكفر أشمل من الشرك فكل شرك كفر وليس كل كفر شركًا. ومن أمثلة ذلك الاستهزاء برسول الله - ﷺ - أو القرآن فإنه كفر وليس شركا كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦]. والكفر يطلق على الجحود، والإلحاد، والنفاق، والاستكبار، والاستحلال والإعراض فهذه كلها داخلة في الكفر.\nأما الأمور الشركية كعبادة غير الله من الملائكة والأنبياء والصالحين وغيرهم ودعائهم من دون الله، وطلب الحوائج منهم، وعبادتهم عبادة كاملة مع نسيان الله بالكلية فهذا يطلق عليه شرك وكفر. قال العسكري في الفروق: \"الكفر يقع على ضروب\n_________\n(^١) المفردات (ش ر ك).\n(^٢) مختار الصحاح (ش ر ك).\n(^٣) المفردات (ش رك).\n(^٤) مراتب الإجماع ص ١١٩، ١٢٠.","vol":"2","page":456},{"text":"من الذنوب، فمنها: الشرك بالله، ومنها الجحد للنبوة، ومنها استحلال ما حرم الله، وهو راجع إلى جحد النبوة وغير ذلك مما يطول الكلام فيه وأصله التغطيه\" (^١).\nقال ابن سعدي - ﵀ -: \"الكفر أعم من الشرك فمن جحد ما جاء به الرسول أو جحد بعضه بلا تأويل فهو كافر سواء كان كتابيًا أو مجوسيًا أو وثنيًا أو ملحدًا، أو مستكبرًا أو غيرهم، وسواء كان معاندًا أو كافرًا، ضالًا أو مقلدًا\" (^٢).\nوقال ابن باز - ﵀ -: \"ومن الشرك أن يعبد غير الله عبادة كاملة، فإنه يسمى شركا ويسمي كفرا، فمن أعرض عن الله بالكلية وجعل عبادته لغير الله كالأشجار أو الأحجار أو الأصنام أو الجن أو بعض الأموات من الذين يسمونهم بالأولياء يعبدهم أو يصلي لهم أو يصوم لهم وينسى الله بالكلية فهذا أعظم كفرا وأشد شركا، نسأل الله العافية\" (^٣).\n_________\n(^١) الفروق اللغوية ص ٢٢٨.\n(^٢) الرياض الناضرة ص ٢٣٢.\n(^٣) مجموع فتاوي ابن باز ص ٧٠٤.","vol":"2","page":457},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-768>١٦٧ - الشرك الأصغر </span>*\nهو: \"ما أتى في النصوص أنه شرك، ولم يصل إلى حدّ الشرك الأكبر\" (^١).\nوعرفه الشيخ السعدي بأنه: \"كل وسيلة يتوسل بها ويتطرق بها إلى الشرك الأكبر بشرط أن لا يبلغ مرتبة العبادة كالحلف بغير الله والرياء والتصنع للمخلوقين ونحو ذلك من الأقوال والأفعال المؤدية إلى الشرك\" (^٢).\nوقال الشيخ ابن عثيمين: \"الشرك الأصغر هو كل عمل قولي أو فعلي أطلق عليه الشرع وصف الشرك ولكنه لا يخرج من الملة\" (^٣).\nقالت اللجنة الدائمة في تعريف الشرك الأصغر بأنه: \"كل ما نهى عنه الشرع مما هو ذريعة إلى الشرك الأكبر ووسيلة للوقوع فيه وجاء في النصوص تسميته شركًا\" (^٤).\n_________\n* مجموع الفتاوى ٧/ ٧٢، ٧٤، ٨٢. مدارج السالكين ١/ ٣٤٤. الجواب الكافي ص ١٥٥. تيسير العزيز الحميد ص ٤٣، ١١٨، ٥٢٩. فتح المجيد ص ١٠٢، ٤٣١. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٥٠، ٢٦٤. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ١١٠، ٢٠٦، ط ٢ - ١/ ١٤٥ ومن المجموع ٩/ ١٠٣. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٤/ ٩٥.القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ١٥. فتاوي اللجنة الدائمة ١/ ٥٣٣. مجموع الفتاوى لابن باز ٢/ ٧٠٦. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٢/ ٢٠٣، ٧/ ٣٣، ١١٥. معارج القبول ١/ ٣٦٦. الشيخ السعدي وجهوده في توضيح العقيدة للعباد ص ١٨٧. بعض أنواع الشرك الأصغر للدكتور/ عواد المعتق. كتاب الشرك الأصغر لآل عبد اللطيف. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ص ٣٩٥. منهج ابن رجب في العقيدة ص ٢٠١. مباحث العقيدة في سورة الزمر ص ٣٨٣، ٣٨٤.\n(^١) حاشية ابن قاسم علي كتاب التوحيد ٥٠.\n(^٢) القول السديد ص ٢٤، ٤٢، ٤٤. وانظر كتاب سؤال وجواب في أهم المهمات ص ١٨.\n(^٣) شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوي ابن عثيمين ٦/ ٣٦. وانظر المجموع الثمين من فتاوى الشيخ ابن عثيمين ٢/ ٢٧.\n(^٤) فتاوي اللجنة ١/ ٥١٧.","vol":"2","page":458},{"text":"* الدليل من الكتاب: قول الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦].\n* الدليل من السنة: حديث مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: \"إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ\" قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الأَصغر يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: \"الرِّيَاء، يَقُولُ الله - ﷿ - لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بأعْمَالِهِمْ اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً\" (^١).\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله: - ﷺ: \"قَال الله تَبَارَكَ وَتعالي: أَنا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وشِرْكَهُ\" (^٢).\nوعن جابر - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من لقي الله لا يشرك شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-769>أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-770>١ - يعرف الشرك الأصغر بأمور منها:</span>\nأولًا: صريح النص عليه، كقوله - ﷺ -: \"إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر\" قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: \"الرياء\" (^٤).\nثانيًا: أن يأتي منكّرا غير معرّف، فإن جاء معرّفا بـ \"ال\" دل على أن المقصود به الشرك المخرج من الملّة. ومن ذلك قوله - ﷺ -: \"إن الرقى والتمائم والتولة شرك (^٥) \" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٤٠٣٠) (٢٤٠٣١) (٢٤٠٣٦).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٩٨٥).\n(^٣) أخرجه مسلم (٩٣).\n(^٤) سبق تخريجه.\n(^٥) سبق تخريجه.\n(^٦) انظر في ذلك مدارج السالكين ١/ ٣٤٤، ضوابط التكفير عند أهل السنة للقرني ٢٥٧، ٢٥٨، وكتاب الشرك الأصغر لآل عبد اللطيف ٣٢.","vol":"2","page":459},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-771>فائدة:\nمن الشرك الأصغر ما يكون شركا أكبر بحسب قائله ومقصد</span>ه، فمثلا الحلف بغير الله تعالى في حد ذاته من الشرك الأصغر (شرك الألفاظ) لكن إن قصد قائله تعظيم غير الله تعالى كتعظيم الله مثلا فهذا شرك أكبر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-772>٢ - أضرار الشرك الأصغر:</span>\nمن أضراره عموم الوعيد الوارد في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾.\nقال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -: \"يجب الحذر من الشرك مطلقًا؛ لأن العموم يحتمل أن يكون داخلًا فيه الأصغر لأن قوله ﴿أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ أن وما بعدها في تأويل مصدر تقديره \"إشراكًا به\" فهو نكرة في سياق النفي فتفيد العموم\" (^١).\nومن أضراره أنه يُضاد الإخلاص ولا يتم التوحيد إلا بالإخلاص. قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥]، قال الشيخ السعدي - ﵀ -: \"فلا يتم للعبد توحيد حتى يتبرأ من الشرك كله جليه وخفيه ظاهره وباطنه الأقوال منه والأفعال، وتكون أعماله كلها خالصة متبعا سنة رسول الله - ﷺ - \" (^٢).\nومن أضراره أنه وسيلة قد تؤدي بصاحبها إلى الشرك الأكبر.\nومن أضراره أنه يبطل ثواب العمل (^٣)، يقول تعالى - في الحديث القدسي -: \"أَنا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ\" (^٤).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثمين ٧/ ٣٣، وانظر ص ١٦٦، ٢/ ٢٠٤، ٦/ ٣٦، ٩/ ٤٣٤.\n(^٢) الحق الواضح المبين ص ١١٦.\n(^٣) الجواب الكافي ص ١٥٥.\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٩٨٥).","vol":"2","page":460},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-773>٣ - الفرق بين الشرك الأكبر والأصغر:</span>\nأولًا: الأكبر لا يغفر الله لصاحبه، وأما الأصغر فقد اختلف فيه، فقيل: إنه تحت المشيئة. وقيل: إن صاحبه إذا مات فلابد أن يعذبه الله عليه لكن لا يخلد في النار.\nثانيًا: الأكبر محبط لجميع الأعمال، وأما الأصغر فلا يحبط إلا العمل الذي قارنه.\nثالثًا: أن الأكبر مخرج عن الملة، وأما الأصغر فلا يخرج منها ولذا فمن أحكامه أن يعامل معاملة المسلمين. فيناكح، وتؤكل ذبيحته ويرث ويورث ويصلي عليه ويدفن في مقابر المسلمين.\nرابعًا: أن الشرك الأكبر صاحبه خالد مخلد في النار، وأما الأصغر فلا يخلد في النار إن دخلها كسائر مرتكبي الكبائر (^١).\nقال الشيخ السعدي - ﵀ -: \"اعلم أن الشرك الأكبر، والشرك الأصغر يفترقان في أحكام كثيرة دل عليها الكتاب والسنة والإجماع: يفترقان في حدهما: أما الشرك الأكبر فهو صرف نوع من العبادة لغير الله تعالى فكل ما ثبت في الكتاب والسنة من العبادات إذا صرف العبد منها شيئًا لغير الله فهو مشرك كافر.\nوأما حد الشرك الأصغر فهو كل وسيلة يخشى أن توصل صاحبها إلى الشرك الأكبر كالحلف بغير الله، وكالرياء والسمعة وكالغلو في المخلوق الذي لا يصل إلى رتبة عبادته فهذا هو أصل الفروق بينهما.\nالفرق الثاني والثالث: أن الشرك الأكبر محكوم على صاحبه بالكفر والخروج من الإسلام، ومحكوم عليه أيضًا بالخلود في النار، وتحريم دخول الجنة.\nوأما الشرك الأصغر فهو بخلاف ذلك في الحكمين فإنه لا يحكم على صاحبه بالكفر ولا الخروج من الإسلام، ولا يخلد في النار إذا لم يفعل مكفرا آخر.\n_________\n(^١) الكواشف الجلية ص ١٨٧، فتاوى اللجنة ١/ ٥١٨، شرح نواقض التوحيد ص ٢٦، الشرك في القديم والحديث ١/ ١٧٦.","vol":"2","page":461},{"text":"فهذه الأحكام الثلاثة وما يترتب عليها من التفريعات المبنية عليها لم يختلف فيها أهل العلم لأن نصوص الكتاب والسنة فيها كثيرة قاطعة صريحة\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-774>٤ - حكم مرتكب الشرك الأصغر:</span>\nتبين مما سبق أن الشرك الأصغر لا يخرج من الملة ولا يخلد صاحبه في النار وقد ذكر العلماء في حكم مرتكبه قولين:\n* القول الأول: أن الشرك الأصغر لا يغفر لصاحبه إلا بالتوبة لعموم الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ...﴾ [النساء:١١٦]. وهذه الآية قال عنها بعض أهل العلم أنها تشمل كل شرك ولو كان أصغر كالحلف بغير الله فإن الله لا يغفره، وأما بالنسبة لكبائر الذنوب كالخمر والزنى فإنها تحت المشيئة إن شاء الله غفرها وإن شاء أخذ بها.\nوقد تكلم شيخ الإسلام عن هذه المسألة ولكن اختلف كلامه فيها، قال الشيخ ابن عثيمين عن ذلك: \"فمرة قال: الشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر، ومرة قال: الذي لا يغفره الله هو الشرك الأكبر\" (^٢).\nوذكر أنه استدل على أن \"الشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر؛ لعموم قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ و﴿أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ وأن مؤول بمصدر تقديره: شركًا به، وهو نكرة في سياق النفي؛ فيفيد العموم\" (^٣).\nوبالنظر إلى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - نجده يقول:\n\"وأعظم الذنوب عند الله الشرك به، وهو سبحانه لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، والشرك منه جليل ودقيق، وخفي وجلي\" (^٤).\n_________\n(^١) مستفاد من كتاب جهود السعدي ص ١٨٧، ١٨٨.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٢/ ٢٠٤.\n(^٣) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ١٩٨.\n(^٤) جامع الرسائل ٢/ ٢٥٤.","vol":"2","page":462},{"text":"ويقول بعبارة صريحة: \"وقد يقال: الشرك لا يغفر منه شيء لا أكبر ولا أصغر على مقتضى القرآن، وإن كان صاحب الشرك يموت مسلما، لكن شركه لا يغفر له، بل يعاقب عليه، وإن دخل بعد ذلك الجنة\" (^١).\n* القول الثاني: أن الشرك الأصغر داخل تحت المشيئة، ويكون المراد بقوله: \"أن يشرك به\" الشرك الأكبر، وأما الشرك الأصغر؛ فإنه يغفر لأنه لا يخرج من الملة، وكل ذنب لا يخرج من الملة؛ فإنه تحت المشيئة، وهذا القول لا يقلل من أهميته؛ فصاحب الشرك الأصغر على خطر، وهو أكبر من كبائر الذنوب، قال ابن مسعود - ﵁ -: \"لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا\" (^٢).\nويفهم من عبارات ابن القيم أن الشرك الأصغر تحت المشيئة، حيث يقول - ﵀ -: \"فأما نجاسة الشرك فهي نوعان: نجاسة مغلظة، ونجاسة مخففة فالمغلظة: الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، فإن الله لا يغفر أن يشرك به والمخففة الشرك الأصغر كيسير الرياء\" (^٣).\nويقول: \"الشرك الأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه\" (^٤) إلى أن يقول: \"وأما الشرك الأصغر فكيسير الرياء والتصنع للمخلوق\" (^٥).\nوقد بحث العّلامة السعدي هذه المسألة فقال - ﵀ -: \"من لحظ إلى عموم الآية -\n_________\n(^١) الرد على البكري تلخيص كتاب الاستغاثة ص ١٤٦ وانظر رسالة البيان الأظهر لعبد الله أبابطين ص ١٠ وتيسير العزيز الحميد ص ٩٨.\n(^٢) انظر مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ١٩٩.\n(^٣) إغاثة اللهفان ١/ ٩٨. الجواب الكافي ص ١٧٧، ومع ذلك فإن ابن القيم يؤكد على أن الشرك فوق رتبة الكبائر كما ذكر ذلك في إعلام الموقعين ٤/ ٤٠٣. انظر كتاب الشرك لآل عبد اللطيف ص ٣٥، ٣٦.\n(^٤) مدارج السالكين ١/ ٣٣٩.\n(^٥) مدارج السالكين ١/ ٣٤٤.","vol":"2","page":463},{"text":"يعني قوله تعالى - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ وأنه لم يخص شركًا دون شك، أدخل فيها الشرك الأصغر، وقال إنه لا يغفر، بل لا بد أن يعذب صاحبه، لأن من لم يغفر له لابد أن يعاقب، ولكن القائلين بهذا لا يحكمون بكفره، ولا بخلوده في النار، وإنما يقولون: يعذب عذابا بقدر شركه، ثم بعد ذلك مآله إلى الجنة.\nوأما من قال: إن الشرك الأصغر لا يدخل في الشرك المذكور في هذه الآية، وإنما هو تحت المشيئة فإنهم يحتجون بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: ٧٢] فيقولون: كما أنه بإجماع الأئمة أن الشرك الأصغر لا يدخل في تلك الآية، وكذلك لا يدخل في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] لأن العمل هنا مفرد مضاف، ويشمل الأعمال كلها، ولا يحبط الأعمال الصالحة كلها إلا الشرك الأكبر.\nويؤيد قولهم أن الموازنة بين الحسنات والسيئات التي هي دون الشرك الأكبر، لأن الشرك الأكبر لا موازنة بينه وبين غيره فإنه لا يبقى معه عمل ينفع.\nقالوا: وإذا فارق الشرك الأكبر في تلك الأحكام السابقة بأنه لا يحكم عليه بالكفر والخروج من الإسلام ولا بالخلود في النار، فارقه في كونه مثل الذنوب التي دون الشرك وأنه تحت مشيئة الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه؛ ولأن مشاركته للكبائر في أحكامها الدنيوية والأخروية أكثر من مشاركته للشرك الأكبر ويؤيد قولهم أن الموازنة واقعة بين الحسنات وبين السيئات التي هي دون الشرك الأكبر لأن الشرك الأكبر لا موازنة بينه وبين غيره فإنه لا يبقى معه عمل ينفع.\nوأما السيئات التي دونه فيقع بينها الموازنة من رجحت حسناته على سيئاته دخل الجنة بلا عذاب، ومن رجحت سيئاته على حسناته، استحق دخول النار بقدر ذنوبه، ومن تساوت حسناته وسيئاته فهو من أهل الأعراف الذين مآلهم إلى دخول","vol":"2","page":464},{"text":"الجنة، ولكن الأولون قد يجيبون عن هذا بأنه قد يعذب صاحب الشرك الأصغر قبل الموازنة، إما في البرزخ، وإما قبل ذلك أو بعده في عرصات القيامة، فيقول الآخرون: وكذلك الكبائر قد يعذب صاحبها قبل الموازنة فتسقط الموازنة بها فلا يختص بذلك الشرك الأصغر، ومن تأمل الأدلة من الكتاب والسنة أمكنه أن يعرف الراجح من القولين\" (^١).\nوقال الشيخ عبد الرحمن بن القاسم - ﵀ -: \"ومن المعلوم بالضرورة من الدين المجمع عليه عند أهل السنة أن من مات علي الشرك لا يدخل الجنة، ولا يناله من - ﵀ -، ويخلد في النار أبد الآبدين. وأن من مات لا يشرك بالله شيئًا يدخل الجنة، وإن جرت عليه قبل ذلك أنواع من العذاب والمحن، وأما الشرك الأصغر كيسير الرياء، وقول الرجل ما شاء الله وشئت، وما لي إلا الله وأنت ونحو ذلك فيطلق عليه الشرك كما في حديث \"من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك\". ونحو ذلك، ولكن لا يخرج بذلك من الملة بالكلية، ولا يستحق اسم الكفر على الإطلاق، فهو أخف من الأكبر، وقد يكون أكبر بحسب حال قائله ومقصده\" (^٢).\nويخشى على صاحب الشرك الأصغر أن يأتي بعد ذلك بسيئات تنضم إلي ذلك الشرك فيكبر شركه الأصغر حتى ترجح به سيئاته فيدخل النار.\nقال شيخ الإسلام: \"فإن قالها - يعني: لا إله إلا الله - على وجه الكمال المانع من الشرك الأصغر والأكبر؛ فهذا غير مصر علي ذنب أصلًا فيغفر له ويحرم علي النار.\nوإن قالها على وجه خلص به من الشرك الأكبر دون الأصغر، ولم يأت بعدها بما يناقض ذلك فهذه الحسنة لا يقاومها شيء من السيئات فيرجع بها ميزان\n_________\n(^١) ضمن فتاوى بعثها الشيخ السعدي إلى الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز الحصين، وهذه الفتاوى مؤرخة بتاريخ ٢٩/ ٦/ ١٣٧٤ هـ مخطوطة مستفاد من كتاب جهود ابن سعدي ص ١٨٨، ١٨٩.\n(^٢) حاشية علي كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٥٣.","vol":"2","page":465},{"text":"الحسنات، كما في حديث البطاقة (^١). فيحرم على النار، لكن تنقص درجته في الجنة بقدر ذنوبه.\nوهذا خلاف من رجحت سيئاته حسناته، ومات، فإنه يستوجب النار، وإن كان قال: لا إله إلا الله وخلص بها من الشرك الأكبر، لكنه لم يمت على ذلك، بل قالها وأتى بعدها بسيئات رجحت على هذه الحسنات، فإنه في حال قوله لها مخلصا مستيقنا بها قلبه تكون حسناته راجحة، ولا يكون مصرا على سيئة، فإن مات قبل دخل الجنة.\nولكن بعد ذلك قد يأتي بسيئات راجحة، ولا يقولها بالإخلاص واليقين المانع من جميع السيئات ومن الشرك الأكبر والأصغر، بل يبقى معه الشرك الأصغر، ويأتي بعد ذلك بسيئات تنضم إلى ذلك الشرك فترجح سيئاته؛ فإن السيئات تضعف الإيمان واليقين فيضعف بسبب ذلك قول: لا إله إلا الله؛ فيمتنع الإخلاص في القلب فيصير المتكلم بها كالهاذي، أو النائم، أو من يحسن صوته بآية من القرآن يختبر بها من غير ذوق طعم ولا حلاوة.\nفهؤلاء لم يقولوها بكمال الصدق واليقين، بل قد يأتون بعدها بسيئات تنقص ذلك الصدق واليقين الضعيف، وقد يقولونها من غير يقين وصدق تام، ويموتون\n_________\n(^١) نص حديث البطاقة عن عَبْد الله بنَ عَمْرِو بنِ العَاص قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله يقول: \"إِنَّ الله ﷿ يستخلصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُؤُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍ مَدّ البَصَرِ ثُمَّ يَقُولُ: أتنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟ أَظَلَمَكَ كَتبَتِي الْحافِظُونَ؟ فيقُولُ لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: أَلك عُذْرٌ وحسنة؟ فيبهت الرجل فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً واحدة، لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ، فَتُخْرَجُ له بطَاقَةٌ فِيهَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُه، فَيَقُولُ: أحضروه، فَيَقُولُ: يَا ربِّ مَا هَذِهِ البطَاقَةُ مَع هَذِهِ السِّجِلَّاتُ؟ فَيُقَالَ: إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ. قالَ: فَتُوْضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ وَالِبطَاقَةُ في كِفَّةٍ فَطَاشَتْ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَت البِطَاقَة، ولا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ الله شَيْءٌ\". أخرجه أحمد (٦٩٩٤) وابن ماجه (٤٣٠٠).","vol":"2","page":466},{"text":"علي ذلك ولهم سيئات كثيرة. فالذي قالها بيقين وصدق تام: إما أن لا يكون مصرا على سيئة أصلا، أو يكون توحيده المتضمن لصدقه ويقينه رجح حسناته.\nوالذين دخلوا النار قد فات فيهم أحد الشرطين، إما أنهم لم يقولوها بالصدق واليقين التام المنافي للسيئات أو لرجحانها علي الحسنات، أو قالوها واكتسبوا بعد ذلك سيئات رجحت علي حسناتهم فضعف لذلك صدقهم ويقينهم، فلم يقولوها بعد ذلك بصدق ويقين يمحو سيئاتهم، أو يرجح حسناتهم.\nفقول السلف في قوله ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] وقوله: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩] هي قول: لا إله إلا الله كما قالوا وكما بين ذلك رسول الله - ﷺ - إذا قالها بصدق ويقين ومات علي ذلك، فإن هذا يكون قائمًا بالواجب، وتكون حسناته راجحة، والسيئة التي من جاء بها كبّ وجهه في النار هي الشرك، فإن الله لا يغفر أن يشرك به، والموجبتان: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. ومن يشرك به شيئًا دخل النار.\nوكثير من الناس، أو أكثرهم يدخل في الإيمان والتوحيد، ثم ينافق من جهة كسب الذنوب ورينها على القلوب، أو يدخل في نوع من الشرك والنفاق.\nوالشرك نوعان: أكبر، وأصغر. فمن خلص منهما وجبت له الجنة، ومن مات على الشرك الأكبر وجبت له النار، ومن خلص من الأكبر وحصل له بعض الأصغر مع حسنات راجحة علي ذنوبه دخل الجنة، فإن تلك الحسنات هي توحيد كثير مع يسير من الشرك الأصغر، ومن خلص من الشرك الأكبر، ولكن كبر شركه الأصغر حتى رجحت به سيئاته دخل النار.\nفالشرك يؤاخذ به العبد إذا كان أكبر، أو كان كثيرا أصغر، فالأصغر القليل في جانب الإخلاص الكثير لا يؤاخذ به، والخلاص من الأكبر ومن أكثر الأصغر","vol":"2","page":467},{"text":"الذي يجعل السيئات راجحة على الحسنات فصاحبه ناج، ومن نجا من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله ورجحت حسناته علي سيئاته دخل الجنة\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-775>٥ - أمثلة الشرك الأصغر وصوره:</span>\nالشرك الأصغر قد يكون ظاهرًا جليًا، وربما كان خفيًا دقيقًا، كما أنه يكون في الإرادات والنيات، ويكون في الأقوال والأفعال قال ابن القيم: \"وأما الشرك الأصغر؛ فكيسير الرياء والتصنع للخلق، والحلف بغير الله، وقول الرجل للرجل: ما شاء الله وشئت، وهذا من الله ومنك، وأنا بالله وبك، وما لي إلا الله وأنت، وأنا متوكل على الله وعليك، ولولا الله وأنت لم يكن كذا وكذا، وقد يكون هذا شركا أكبر بحسب حال قائله ومقصده\" (^٢).\n_________\n(^١) تفسير آيات أشكلت ٣٦١ - ٣٦٤.\n(^٢) مدارج السالكين ١/ ٣٤٤.","vol":"2","page":468},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-776>١٦٨ - الشرك الأكبر</span>*\nهو أن يجعل الإنسان الله ندًّا في ربوبيته أو ألوهيته أو أسمائه وصفاته (^١) وهو من أعظم ما نهى الله عنه وأشد أنواع الظلم وأكبر الكبائر - نعوذ بالله منه -.\nقال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ - \"الشرك الأكبر وهو كل شرك أطلقه الشارع وكان متضمنا لخروج الإنسان عن دينه\" (^٢).\nقال السعدي - ﵀ -: \"الشرك المناقض لتوحيد الألوهية نوعان: جلي ظاهر مخرج من دائرة الإسلام وهو الشرك الأكبر، وهذا النوع لا يقبل الغفران قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وتفسيره: أن يتخذ العبد الله ندا يحبه كمحبة الله أو يرجوه أو يخافه كخوْفه من الله، أو يدعوه أو يصرف له نوعا من أنواع العبادة الظاهرة والباطنة. وفي هذا المقام لا فرق بين الملائكة والأنبياء والأولياء والصالحين والطالحين والأشجار والأحجار وغيرها\n_________\n* الجواب الكافي ص ١٤٠. تحقيق كلمة الإخلاص ص ١٦، ١٧. الآداب الشرعية لابن مفلح ١/ ١٥١. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٤/ ٩٣. معارج القبول ١/ ٣٤٠، ٣٥٥، ٢/ ٤٨٣، وفتاوى اللجنة ١/ ٥١٦، ٥١٧. القول السديد لابن سعدي لمجموعة ٣/ ١٤. نور على الدرب لابن باز ص ٢٥١. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٧/ ١١٥. دعوة التوحيد محمد خليل هراس ص ٧٢. مجلة البحوث الإسلامية عدد ص ٧٣. الشيخ السعدي وجهوده في توضيح العقيدة للعباد ص ١١٨. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ٣٩٣. منهج الحافظ ابن رجب في العقيدة ص ٢٠٠. منهج ابن حجر في العقيدة ١٠٥٥. نواقض الإيمان القولية والعملية ص ١٣٥. شرح نواقض التوحيد للعواجي ص ١٣. الجهل بمسائل الاعتقاد ص ٤٠٨. مباحث العقيدة في سورة الزمر ص ٣٧٧، ٣٨٤.\n(^١) معارج القبول ٢/ ٤٨٣. وفتاوى اللجنة ١/ ٥١٦، ٥١٧.\n(^٢) شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوي ابن عثيمين ٦/ ٣٦.","vol":"2","page":469},{"text":"فمن صرف لشيء منها نوعا من العبادة فهو مشرك كافر قد سواها بربه في هذا الحق الذي يختص به، فإن العبودية لا حق فيها لملك مقرب ولا نبي مرسل ولا غيرهما، بل هم مفتقرون غاية الافتقار إلى تألههم وتعبدهم الله\" (^١).\nوقال - ﵀ -: \"حد الشرك الأكبر وتفسيره الذي يجمع أنواعه وأفراده أن يصرف العبد نوعا أو فردًا من أفراد العبادة لغير الله\" (^٢).\n* الدليل من الكتاب: قال الله ﷿: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان.١٣] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء.٨٤] وقال تعالى: ﴿يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء.١١٦]، وقال ﷿: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام. ٨٨] وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] وقال سبحانه: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-777> أقسام الشرك الأكبر </span>(^٣):\nأنواع الشرك الأكبر المتعلق بالألوهية والعبادة أربعة أنواع:\nالنوع الأول: شرك الدعوة، والدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥].\nالنوع الثاني: شرك النية وهي الإرادة والقصد، والدليل قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ\n_________\n(^١) الحق الواضح المبين ص ١١٥، ١١٦.\n(^٢) القول السديد ص ٢٤، ٤٣.\n(^٣) انظر في ذلك: الدرر السنية ٢/ ٦٩، ٧٠، مجموعة التوحيد ص ٥، الضياء الشارق ص ٤٢١. الجامع الفريد ص ٣٤١ رسالة في أنواع التوحيد وفي أنواع الشرك.","vol":"2","page":470},{"text":"يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود.١٥ - ١٦].\nالنوع الثالث: شرك الطاعة، والدليل قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]. وتفسيرها الذي لا إشكال فيه طاعة العلماء والعباد في المعصية لا دعاؤهم إياهم. كما فسرها النَّبِيّ - ﷺ - لعدي بن حاتم لما سأله فقال: لسنا نعبدهم، فذكر له أن عبادتهم طاعتهم في المعصية. فمن أطاع المخلوقين في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله واعتقد ذلك بقلبه مع علمه بأنه مخالف للدين فقد اتخذهم أربابًا من دون الله وأشرك به الشرك الأكبر (^١).\nالنوع الرابع: شرك المحبة، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة. ١٦٥ - ١٦٧].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-778> أضرار الشرك الأكبر:</span>\n١ - أنه أعظم الظلم علي الإطلاق كما قال الله: ﷿ ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان.١٣].\n٢ - أنه يحبط العمل قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام.٨٨]. وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] وقال تعالى لرسوله - ﷺ - ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ\n_________\n(^١) الدرر السنية ٢/ ٧٠، التنبيهات المختصرة ص ١٠٥.","vol":"2","page":471},{"text":"أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥].\n٣ - أن صاحبه خالد مخلد في النار ولا يغفر الله له إلا بالتوبة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨]. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢].\n٤ - أنه حلال الدم والمال (^١)، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥]. وقوله - ﷺ - \"أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني في ماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابُهم علي الله\" (^٢).\nقال ابن جرير الطبري ﵀ \"وكذلك أجمعوا على أن المشرك لو قلد عنقه أو ذراعيه بلحاء جميع أشجار الحرم لم يكن ذلك له أمانًا من القتل إذا لم يكن تقدم له عقد ذمة من المسلمين أو أمان\" (^٣).\nوقال ابن حجر ﵀: \"قال الخطابي معناه أن الكافر مباح الدم بحكم الدين قبل أن يسلم فإذا أسلم صار مصان الدم\" (^٤).\n_________\n(^١) الكافر الأصل فيه أنه حلال الدم والمال ما لم يكن من أهل الذمة أو يكن بيننا وبينه عهد أو ميثاق أمان كما وضحناه في مواضع من هذا الكتاب.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٥). ومسلم (٢٢).\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ٦١.\n(^٤) فتح الباري ١٢/ ١٨٩.","vol":"2","page":472},{"text":"٥ - وتحرم مناكحته لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١]. كما تحرم ذبيحته لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١].\nويستثنى أهل الكتاب، فحرائر نسائهم العفيفات (^١)، وذبائحهم حلال لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥].\n٦ - كما أن المشرك لا يرث ولا يورث بل ماله لبيت المال ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين.\n_________\n(^١) انظر المغني لابن قدامة ٩/ ٥٤٥، وفتح القدير ٢/ ١٥، مجلة البحوث الإسلامية عدد ٧٣.","vol":"2","page":473},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-779>١٦٩ - الشرك الخفي </span>*\nهو أن يعمل الرجل لمكان الرجل، وهو الرياء أيضًا (^١)\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"سمي الرياء شركا خفيًا، لأن صاحبه يظهر أن عمله لله، ويخفي في قلبه أنه لغيره وإنما تزين بإظهاره أنه لله بخلاف الشرك الجلي، وفي حديث محمود بن لبيد (^٢) الذي تقدم في باب الخوف من الشرك تسميته بالشرك الأصغر.\nوعن شداد بن أوس قال: \"كنا نعد الرياء علي عهد رسول الله - ﷺ -، الشرك الأصغر\" (^٣) \" (^٤).\nوهو كما علمت غير مخرج من الملة، ولكن تجب التوبة منه. وهو النوع الثالث من أنواع الشرك.\n* الدليل من السنة: في الحديث: \"أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه فقال الرياء\" (^٥).\n_________\n* الإبانة لابن بطة العكبري ٧٢٤. تيسير العزيز الحميد ص ٥٣٦، ٥٨٩، ٥٩٤. فتح المجيد ص ٤٣٥، ٤٨٣، ٤٩٠. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ٢٦٧، ٢٩٧، ٣٠١. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ٢٠٨، ٢/ ٢٣٤، ط ٢ - ٢/ ٢٨٧، ٣٨٥ ومن المجموع ٩/ ١٨٩، ١٠/ ٧١٢. مجموع الفتاوي لابن عثيمين ٧/ ١١٧. مباحث العقيدة في سورة الزمر ص ٣٨٤.\n(^١) تقدم في باب الرياء، العلاقة بين الرياء والشرك.\n(^٢) تقدم ذكره في باب (الشرك الأصغر) في ذكر الدليل من السنة.\n(^٣) رواه الطبراني (٧١٦٠)، والحاكم (٤/ ٣٢٩) وصححه ووافقه الذهبي.\n(^٤) تيسير العزيز الحميد، ص ٥٣٦.\n(^٥) تقدم تخريجه.","vol":"2","page":474},{"text":"وعن أبي بكر - ﵁ - أن النَّبِيّ - ﷺ - لما قال: \"الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل\" قال: قلنا: يا رسول الله، وهل الشرك إلا ما عُبد من دون الله أو دُعي مع الله؟ قال: \"ثكلتك أمك يا صديق، الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل، ألا أخبركم بقول يذهب صغاره وكباره - أو صغيره وكبيره؟ - \" قلت: بلى يا رسول الله. قال: \"تقول كل يوم ثلاث مرات: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئًا وأنا أعلمه، وأستغفرك لما لا أعلم، والشرك أن تقول: أعطاني الله وفلان، والند: أن يقول الإنسان: لولا فلان قتلني فلان\" (^١).\nوفي رواية عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ - ونحن نتذاكر المسيح الدجال، فقال: \"ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ \" قال: قلنا: بلي، قال: \"الشرك الخفي: أن يقوم الرجل يصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-780> العلاقة بين الشرك الخفي والشرك الأصغر:</span>\nبعض العلماء يجعل الشرك الخفي قسمًا مستقلًا، وبعضهم يجعله من أقسام الشرك الأصغر، وفي حديث محمود بن لبيد سمى الرياء الشرك الأصغر، وقد جاءت نقول عن العلماء تبين أنه من الشرك الأصغر ذكر ذلك إمام الدعوة محمد بن عبد الوهاب حين قال: \"الثالثة: أي الرياء من الشرك الأصغر\" (^٣). وقرر ذلك الشيخ سليمان بن عبد الله في تيسير العزيز الحميد (^٤). وظاهر كلام السعدي - ﵀ -\n_________\n(^١) مسند أبي يعلي ١/ ٦٠، ٦١ رقم (٥٤)، مجمع الزوائد ١٠/ ٢٢٤.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد (١١٢٥٢) (١٩٨٣٥)، وابن ماجة (٤٢٤٠).\n(^٣) كتاب التوحيد مع تيسير العزيز الحميد ص ١١٩.\n(^٤) المصدر السابق.","vol":"2","page":475},{"text":"أن الخفي مرادف للأصغر حيث قال: \"والشرك في توحيد الإلهية والعبادة ينافي التوحيد في كل المنافاة وهو نوعان: شرك أكبر جلي، وشرك أصغر خفي\" (^١).\nأما الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ فيرى أن الشرك الخفي قد يكون من الشرك الأكبر، وقد يكون من الشرك الأصغر، قال ﵀: \"وهناك شرك يقال له: الشرك الخفي، ذكر بعض أهل العلم أنه قسم ثالث، واحتج عليه - ﷺ - في حديث أبي سعيد الخدري: أن النَّبِيّ - ﷺ - قال: \"ألا أنبئكم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ \" قالوا: بلي يا رسول الله. قال: \"الشرك الخفي: يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل إليه\". خرجه الإمام أحمد.\nوالصواب: أن هذا ليس قسمًا ثالثًا، بل هو من الشرك الأصغر، وهو قد يكون خفيًا؛ لأنَّهُ يقوم بالقلوب، كما في هذا الحديث، وكالذي يقرأ يُرائي، أو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يرائي، أو يجاهد يرائي، أو نحو ذلك.\nوقد يكون خفيًا من جهة الحكم الشرعي بالنسبة إلى بعض الناس كالأنواع التي في حديث ابن عباس السابق.\nوقد يكون خفيًا وهو من الشرك الأكبر، كاعتقاد المنافقين، فإنهم يراءُون بأعمالهم الظاهرة، وكفرهم خفي لم يظهروه، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النساء: ١٤٢ - ١٤٣] والآيات في كفرهم وريائهم كثيرة، نسأل الله العافية.\nوبما ذكرنا يعلم أن الشرك الخفي لا يخرج عن النوعين السابقين: شرك أكبر، وشرك أصغر، وإن سمي خفيًا: فالشرك يكون خفيًا ويكون جليًا.\n_________\n(^١) القول السديد ص ٢٤.","vol":"2","page":476},{"text":"فالجلي: دعاء الأموات والاستغاثة بالأموات والنذر لهم، ونحو ذلك.\nوالخفي: ما يكون في قلوب المنافقين يصلون مع الناس، ويصومون مع الناس، وهم في الباطن كفار يعتقدون جواز عبادة الأوثان والأصنام، وهم على دين المشركين، فهذا هو الشرك الخفي؛ لأنَّهُ في القلوب.\nوهكذا الشرك الخفي الأصغر، كالذي يقصده بقراءته ثناء الناس، أو بصلاته أو بصدقته أو ما أشبه ذلك، فهذا شرك خفي، لكنه شرك أصغر.\nفاتضح بهذا أن الشرك شركان: أكبر، وأصغر، وكل منهما يكون خفيًا: كشرك المنافقين، وهو أكبر، ويكون خفيًا أصغر كالذي يقوم يرائي في صلاته أو صدقته أو دعائه الله، أو دعوته إلى الله أو أمره بالمعروف أو نهيه عن المنكر أو نحو ذلك\" (^١).\n_________\n(^١) مجموع فتاوي ابن باز ١/ ٤٦، ٤٧.","vol":"2","page":477},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-781>١٧٠ - شرك التسمية </span>*\nمن تمام الشكر ألا يُعبَّد الاسم إلا لله وتعبيد الاسم لغير الله حرام وشرك ينافي كمال التوحيد.\n* ومن الأدلة على شرك الطاعة: قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٠].\n* معنى قوله تعالى: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾:\nذكر المفسرون عن ابن عباس - ﵄ - أنه قال: \"لما تغشاها آدم حملت فأتاهما إبليس فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة لتطيعنني أو لأجعلنّ له قرني أيّل فيخرج من بطنك فيشقه ولأفعلن ولأفعلن يُخوِّفُهما، سمياه عبد الحارث، فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتًا، ثم حملت فأتاهما فقال مثل قوله فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتًا. ثم حملت فأتاهما فذكر لهما فأدركهما حُبُّ الولد فسمياه عبد الحارث، فذلك قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ \" (^١).\nوقال عكرمة: \"ما أشرك آدم ولا حواء وكان لا يعيش لهما ولد فأتاهما الشيطان فقال: إن سركما أن يعيش لكما ولد فسمياه عبد الحارث فهو قوله ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ \" (^٢).\n_________\n* تيسير العزيز الحميد ص ٦٣٧. فتح المجيد ص ٥٢١. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٣٣٢. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٣/ ٥٧، ط ٢ - ٣/ ٧٢ ومن المجموع ١٠/ ٨٨٤. الدين الخالص ٢/ ١٠٥. دعوة التوحيد محمد خليل هراس ص ٨٥. جهود علماء الحنفية ص ٣٨٧.\n(^١) انظر تفسير ابن جرير الطبري للآية ١٩٠ من سورة الأعراف ٩/ ١٤٦.\n(^٢) تفسير ابن جرير الطبري للآية ١٩٠ من سورة الأعراف ٩/ ١٤٦، ١٤٧.","vol":"2","page":478},{"text":"وقال قتادة: \"كان آدم ﵇ لا يولد له ولد إلا مات، فجاءه الشيطان فقال: إن سرك أن يعيش ولدك هذا فسمه عبد الحارث، ففعل قال: فأشركا في الاسم ولم يشركا في العبادة\" (^١).\nوقال أيضًا: \"شركًا في طاعته ولم يكن شركًا في عبادته\" (^٢).\nوقال مجاهد: \"كان لا يعيش لآدم وامرأته ولد فقال لهما الشيطان: إذا ولد لكما ولد فسمياه عبد الحارث ففعلا وأطاعاه فذلك قول الله ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ (^٣).\nوذكر ابن جرير الطبري قولًا آخر فقال: \"وقال آخرون: بل المعنيّ بذلك رجل وامرأة من أهل الكفر من بني آدم جعلا الله شركاء من الآلهة والأوثان حين رزقهما ما رزقهما من الولد، وقالوا معنى الكلام: هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها - أي هذا الرجل الكافر - حملت حملًا خفيفًا فلما أثقلت دعوتما الله ربكما، قالوا: وهذا مما ابتديء به الكلام على وجه الخطاب، ثم رد إلى الخبر عن الغائب كما قيل: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾.\nثم ذكر من قال ذلك - وهو الحسن البصري - وعقب عليه بقوله:\nقال أبو جعفر: وأولى القولين بالصواب قول من قال عنى بقوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ في الاسم لا في العبادة، وأن المعني بذلك آدم وحواء لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك\" (^٤).\n_________\n(^١) تفسير ابن جرير الطبري للآية ١٩٠ من سورة الأعراف ٩/ ١٤٧.\n(^٢) تفسير ابن جرير الطبري للآية ١٩٠ من سورة الأعراف ٩/ ١٤٧.\n(^٣) تفسير ابن جرير الطبري للآية ١٩٠ من سورة الأعراف ٩/ ١٤٨.\n(^٤) تفسير ابن جرير الطبري للآية ١٩٠ من سورة الأعراف ٩/ ١٤٨.","vol":"2","page":479},{"text":"وممن أبطل القصة أو قال أن الآية عائدة إلى بني آدم: ابن حزم وابن كثير في تفسيره وابن القيم وابن عثيمين وغيرهم.\nوقال ابن كثير في التفسير: \"وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري - ﵀ - في هذا، وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء\" (^١).\nوقال ابن القيم - ﵀ - \" ... فالنفس الواحدة وزوجها آدم وحواء واللذان جعلا له شركاء فيما آتاهما المشركون من أولادهما، ولا يلتفت إلى غير ذلك مما قيل إن آدم وحواء كانا لا يعيش لهما ولد فأتاهما إبليس، فقال: إن أحببتما أن يعيش لكما ولد فسمِّياه عبد الحارث، ففعلا، فإن الله سبحانه اجتباه وهداه، فلم يكن ليشرك به بعد ذلك\" (^٢).\nويذكر الإمام ابن القيم الاستطراد في القرآن ويتعرض له في كتبه ذاكرًا من أمثلته آدم وحواء فيقول: \" ... بل هذا استطراد من الشيء إلى نظيره وشبهه ولازمه وله نظائر في القرآن كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ إلى آخر الآية، فاستطرد من الشخص المخلوق من الطين وهو آدم إلى النوع المخلوق من النطفة وهم أولاده وأوقع الضمير على الجميع بلفظ واحد ومثله قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلى آخر الآيات ... \" (^٣).\nونرى الشيخ صلاح الدين الصفدي يناقش شيخ الإسلام في ثبوت هذه القصة فيقول: \"سألت الشيخ الإمام العلامة تقي الدين أحمد بن تيمية - ﵀ - سنة سبع مئة\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير للآية ١٩٠ من سورة الأعراف.\n(^٢) روضة المحبين ص ٢٨٩.\n(^٣) هداية الحيارى ص ١٨٧، وانظر شفاء العليل ١/ ٢٦٣.","vol":"2","page":480},{"text":"وثمانية عشر أو سنة سبع مئة وسبعة عشر بدمشق المحروسة عن قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ...﴾ على قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف:١٨٩ - ١٩٠]؛ فأجاب بما قاله المفسرون في الجواب، وهو آدم وحواء، وأن حواء لما أثقلت بالحمل أتاها إبليس في صورة رجل، وقال: أخاف من هذا الذي في بطنك أن يخرج من دبرك أو يشق بطنك وما يدريك لعله يكون بهيمةً أو كلبًا، فلم تزل في همٍّ حتى أتاها ثانيًا وقال: سألت الله أن يجعله بشرًا سويًا، وإن كان كذلك، فسميه \"عبد الحارث\"، وكان اسم إبليس في الملائكة \"الحارث\"؛ فذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾. وهذا مروي عن ابن عباس - ﵄ -؛ فقلت له: هذا فاسد من وجوه:\nالأول: أنه تعالى قال في الآية الثانية ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُون﴾؛ فهذا دليل على أن القصة في حق جماعة.\nالثاني: أنه ليس لإبليس في الكلام ذكر.\nالثالث: أن الله تعالى علَّمَ آدم الأسماء كلَّها؛ فلابد وأنه كان يعلم أن الحارث اسمٌ لإبليس.\nالرابع: أنه تعالى قال: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف: ١٩١]، وهذا يدل على أن المراد به الأصنام، الآن \"ما\" لما لا يعقل، ولو كان إبليس؛ لقال: \"من\" هي التي لمن يعقل.\nفقال الشيخ تقي الدين: \"قد ذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بهذا قصي؛ لأنَّهُ سمى أولاده الأربعة: عبد مناف، وعبد العزى، وعبد قصي، وعبد الدار، والضمير في \"يشركون\" له ولأعقابه الذين يسمون أولادهم بهذه الأسماء وأمثالها.\nقلت: وهذا أيضًا فاسد؛ لأنَّهُ تعالى قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا","vol":"2","page":481},{"text":"زَوْجَهَا﴾ وليس كذلك إلا آدم؛ لأن الله تعالى خلق حواء من ضلعه.\nفقال [أي: ابن تيمية،]: المراد بهذا أن زوجته - زوجة قصي - من جنسه قرشية عربية؛ فما رأيت التطويل معه\"\" اهـ (^١).\nوقد أبطل الشيخ ابن عثيمين - ﵀ - هذه القصة فقال:\n\"وهذه القصة باطلة من وجوه:\nالوجه الأول: أنه ليس في ذلك خبر صحيح عن النَّبِيّ - ﷺ - وهذا من الأخبار التي لا تتلقى إلا بالوحي، وقد قال ابن حزم عن هذه القصة: إنها رواية خرافة مكذوبة موضوعة.\nالوجه الثاني: أنه لو كانت هذه القصة في آدم وحواء لكان حالهما إما أن يتوبا من الشرك أو يموتا عليه، فإن قلنا ماتا عليه كان ذلك أعظم من قول بعض الزنادقة.\nإذا ما ذكرنا آدم وفعاله .... وتزويجه بنتيه بابنيه بالخنا\nعلمنا بأن الخلق من نسل فاجر ....... وأن جميع الناس من عنصر الزنا\nفمن جوّز موت أحد من الأنبياء علي الشرك فقد أعظم الفرية، وإن كان تابا من الشرك فلا يليق بحكمة الله وعدله ورحمته أن يذكر خطأهما، ولا يذكر توبتهما منه، فيمتنع غاية الامتناع أن يذكر الله الخطيئة من آدم وحواء وقد تابا، ولم يذكر توبتهما، والله تعالى إذا ذكر خطيئة بعض أنبيائه ورسله ذكر توبتهم منها كما في قصة آدم نفسه حين أكل من الشجرة وزوجه وتابا من ذلك.\nالوجه الثالث: أن الأنبياء معصومون من الشرك باتفاق العلماء.\nالوجه الرابع: أنه ثبت في حديث الشفاعة أن الناس يأتون إلى آدم يطلبون منه الشفاعة فيعتذر بأكله من الشجرة وهو معصية، ولو وقع منه الشرك لكان اعتذاره\n_________\n(^١) الغيث المسجح ٢/ ٢٤ - ٢٥.","vol":"2","page":482},{"text":"به أقوى وأولى وأحرى.\nالوجه الخامس: أن في هذه القصة أن الشيطان جاء إليهما وقال: أنا صاحبكما الذي أخرجكما من الجنة. وهذا لا يقوله من يريد الإغواء، وإنما يأتي بشيء يقرب قبول قوله، فإذا قال: \"أنا صاحبكما الذي أخرجكما من الجنة\" فسيعلمان علم اليقين أنه عدو لهما فلا يقبلان منه صرفًا ولا عدلًا.\nالوجه السادس: أن في قوله في هذه القصة: \"لأجعلن له قرني أيل\" إما أن يُصدِّقا أن ذلك ممكن في حقه وهذا شرك في الربوبية، لأنَّهُ لا يقدر على ذلك إلا الله أولا يُصدِّقا فلا يمكن أن يقبلا قوله وهما يعلمان أن ذلك غير ممكن في حقه.\nالوجه السابع: قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٠] بضمير الجمع ولو كان آدم وحواء لقال: عما يشركان.\nفهذه الوجوه تدل علي أن هذه القصة باطلة من أساسها، وأنه لا يجوز أن يعتقد في آدم وحواء أن يقع منهما شرك بأي حال من الأحوال، والأنبياء منزهون عن الشرك مبرئون منه باتفاق أهل العلم، وعلي هذا فيكون تفسير الآية كما أسلفنا أنها عائدة إلى بني آدم الذين أشركوا شركًا حقيقيًّا فإن منهم مشركًا ومنهم موحدًا\" (^١).\nولكن الفريق الثاني - الذين أثبتوا القصة - لهم أدلة ظاهرة كما تبيَّن لنا من قول قتادة ومجاهد وابن جرير الطبري، وقد أوضح قولهم القرطبي فقال:\n\"قال المفسرون: كان شركا في التسمية والصفة لا في العبادة والربوبية. وقال أهل المعاني: إنهما لم يذهبا إلى أن الحارث ربهما بتسميتهما ولدهما عبد الحارث لكنهما قصدا إلى أن الحارث كان سبب نجاة الولد فسمياه به كما يسمي الرجل نفسه عبد ضيفه على جهة الخضوع له لا علي أن الضيف ربه كما قال حاتم:\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١٠/ ٨٩٤، ٨٩٥، وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ٦٧، ٦٨.","vol":"2","page":483},{"text":"وإني لعبد الضيف ما دام ثاويًا .... وما فيَّ إلا تيك من شيمة العبد\" (^١)\nوقال جلال الدين السيوطي في تفسير الجلالين: \"فلما آتاهما ولدًا صالحًا جعلا له شركاء، وفي قراءة بكسر الشين والتنوين أي شِركًا فيما آتاهما بتسميته عبد الحارث ولا ينبغي أن يكون عبدًا إلا لله وليس بإشراك في العبودية لعصمة آدم\" (^٢).\nوقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب - ﵀ -: \"إنَّ هذا الشرك في مجرد تسمية، لم تُقصد حقيقتها\" (^٣).\nوقد علَّق علي ذلك الشيخ عبد الرحمن بن حسن بقوله: \"وهو مَحْمَل حسن، يُبيِّن أن ما وقع من الأبوين، من تسميتهما ابنهما عبد الحارث: إنما هو مجرد تسمية، لم يقصدا تعبيدَه لغير الله، وهذا معنى قول قتادة: شُركاء في طاعته، ولم يكن في عبادته\" (^٤)\nوقال الشيخ سليمان بن عبد الله - ﵀ -: \"وإذا تأملت سياق الكلام من أوله إلى آخره مع ما فسره به السلف تبين قطعًا أن ذلك في آدم وحواء ﵉ فإن فيه غير موضع يدل علي ذلك والعجب ممن يكذب بهذه القصة وينسى ما جرى أول مرة ... وليس المحذور في هذه القصة بأعظم من المحذور في المرة الأولى\" (^٥).\nويؤيد صحة القصة الشيخ عبد العزيز بن باز فيقول: \"بل هو كما قال ابن عباس وغيره من السلف، وإن المعصية قد وقعت منهما، والمعصية قد تقع من الأنبياء إذا كانت صغيرة كما قال العلماء، ويُحتمل أنهما حينما فعلًا ذلك كانا يعتقدان جواز ذلك فلهذا فعلاه ولم يعلما أنه منكر وإنما كرهاه أولًا ثم خضعا لوسوسته\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٧/ ٣٣٨ - ٣٣٩. وقال بعد ذلك: \"وقال قوم: إن هذا راجع إلى جنس الآدميين والتبيين عن حال المشركين من ذرية آدم ﵇، وهو الذي يُعوَّل عليه\".\n(^٢) تفسير الجلالين للآية ١٩٠، من سورة الأعراف.\n(^٣) انظر: فتح المجيد ص ٥٢٦.\n(^٤) المرجع السابق.\n(^٥) تيسير العزيز الحميد ص ٦٣٨، ٦٣٩.","vol":"2","page":484},{"text":"وما أراد، وبَيَّن الله فيما أنزله على رسوله - ﷺ - أنه لا يجوز، وهذا الحكم يناط بشريعة محمد - ﷺ - فهي الشريعة العامة وما كان قبلنا ففيه إباحة لبعض المسائل ومنع لبعضها\" (^١).\nوفي معنى الآية قال الشيخ السعدي - ﵀ - \"أي: جعلا لله شركاء في ذلك الولد الذي انفرد الله بإيجاده والنعمة به وأقرّ به أعين والديه فعبّداه لغير الله. إما أن يسمياه بعبد غير الله كعبد الحارث وعبد العزى وعبد الكعبة ونحو ذلك أو يشركا في الله في العبادة بعد ما منَّ الله عليهما بما من به من النعم التي لا يحصيها أحد من العباد\" (^٢).\nوهذه المسألة - كما ترى - مختلف فيها، وسواء قلنا بصحة القصة وثبوتها أو لا فإن هناك أصولًا لا يُختلف فيها وهي أن الشرك المضاد للتوحيد لا يقع من الأنبياء - ﵈ -، وما حصل من معصية فلا يقدح في مقام النبوة (^٣)، وهو على صحة القصة وثبوتها فلا يعدو أن يكون معصية من المعاصي.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-782> حكم تعبيد الاسم لغير الله:</span>\nقال ابن حزم: \"اتفقوا علي تحريم كل اسم معبد لغير الله كعبد عمرو وعبد الكعبة وما أشبه ذلك حاشا عبد المطلب\" (^٤).\nومقصود ابن حزم أنهم لم يجمعوا علي تحريم التسمية بعبد المطلب، لظاهر ما صح عن النَّبِيّ - ﷺ - أنه قال في غزوة حنين، لما انهزم عنه أصحابه إلا قليلًا:\" أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب\"، فهو لم يقصد به التعبيد لغير الله، بل هو من الرسول\n_________\n(^١) من شرح الشيخ ابن باز على كتاب التوحيد.\n(^٢) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ص ٢٧٥.\n(^٣) ثبتت نبوة آدم ﵇ لقوله - ﷺ -: \"ما مِنْ نبيٍّ - آدم فمَنْ سواه - إلا تحت لوائي\". أخرج الترمذي (٣٦١٥).\n(^٤) مراتب الإجماع ص ١٥٤.","vol":"2","page":485},{"text":"- ﷺ - إخبار عن اسم ماضٍ وحكاية نسب، فلا يضر لأنَّهُ مشتهر به مثل عبد مناف وعبد عمرو إذا كانت من باب الإخبار لا من باب الإنشاء والإقرار (^١).\nوذكر ابن القيم - ﵀ - أن: \"باب الإخبار أوسع من باب الإنشاء، وأن من باب الإخبار، والإخبار بمثل ذلك علي وجه تعريف المسمى لا يحرم، ولا وجه لتخصيص أبي محمد ذلك بعبد المطلب خاصة، فقد كان أصحابه يسمون بعبد شمس، وبني عبد الدار بأسمائهم، ولا ينكر عليهم النَّبِيّ - ﷺ\" (^٢).\nوقال ابن تيمية - ﵀ -: \"كان المشركون يعبدون أنفسهم وأولادهم لغير الله فيسمون بعضهم عبد الكعبة، كما كان اسم عبد الرحمن بن عوف، وبعضهم: عبد شمس كما كان اسم أبي هريرة واسم عبد شمس بن عبد مناف، وبعضهم عبد اللات، وبعضهم عبد العزى وبعضهم عبد مناة، وغير ذلك مما يضيفون فيه التعبيد إلى غير الله من شمس أو وثن أو بشر أو غير ذلك مما قد يشرك بالله ... وشريعة الإسلام الذي هو الدين الخالص لله وحده تعبيد الخلق لربهم كما سنه رسول الله - ﷺ -، وتغيير الأسماء الشركية إلى الأسماء الإسلامية ... وكان من شعار أصحاب الرسول - ﷺ - معه في الحروب: يا بني عبد الرحمن! يا بني عبد الله، يا بني عبيد الله! كما قالوا ذلك يوم بدر، وحنين، والفتح، والطائف\" (^٣).\nوقال الشيخ ابن عثيمين: \"ولكن الصواب تحريم التعبيد للمطلب، فلا يجوز لأحد أن يسمي ابنه عبد المطلب\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: الدرر السنية ٥/ ٤١١، مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٨٩١، معجم المناهي اللفظية للشيخ بكر أبو زيد ص ٣٨٠.\n(^٢) ملخصًا من تيسير العزيز الحميد ص ٦٣٩، وأصله في تحفة المودود ص ٦٧.\n(^٣) مجموع الفتاوى ١/ ٣٧٨.\n(^٤) مجموع فتاوي ابن عثيمين ١٠/ ٨٩١.","vol":"2","page":486},{"text":"وبهذا يتبيَّن تحريم إنشاء التسمية بذلك ومما يحرم أيضًا التسمية بعبد الرسول وعبد الحسين وعبد النَّبِيّ.\nقال الشيخ بكر أبو زيد: \"ومن هذا الباب: غلام رسول: غلام رسول، غلام محمد، أي عبد الرسول\" (^١).\nومن الأخطاء التي ينبه لها في هذا الباب التعبيد لأسماء يظن أنها من أسماء الله تعالى وليست كذلك مثل: عبد المقصود، عبد الموجود، عبد المعبود، عبد الهادي، عبد القاضي، فهذه يكون الخطأ فيها من وجهين:\nالوجه الأول: تسمية الله بما لم يرد به السمع، وأسماؤه سبحانه توقيفية.\nالوجه الثاني: التعبيد بما لم يسمّ الله به نفسه ولا رسوله (^٢).\nوقال الشيخ ابن باز - ﵀ -: \"لا يجوز التعبيد لغير الله، كعبد الرسول وعبد الحسين وأما عبد المحسن فيجوز لأنَّهُ من أسماء الله\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-783>١٧١ - شرك المحبة</span>\nمن أقسام الشرك الأكبر. انظر باب (الشرك الأكبر).\n_________\n(^١) معجم المناهي اللفظية ٣٨٣.\n(^٢) انظر: معجم المناهي اللفظية ٣٨٣.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٥/ ٣٥٨. وانظر مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام حول اسم المحسن ١/ ٣٧٩.","vol":"2","page":487},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-784>١٧٢ - الشرعية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-785>[التوحيد والسنة]</span>\nالشريعة في اللغة: الطريق الموصلة إلى الماء.\nقال الأزهري: \"والشِّرعة والشريعة في كلام العرب: المَشْرَعة التي يشرعُها الناس فيشربون منها ويستقون، وربَّما شرَّعوها دوابّهم حتى تشرعَها وتشرب منها. والعرب لا تسميها شريعة حتى يكون الماء عِدًا لا انقطاع له ويكون ظاهرًا معينًا لا يستقي منه بالرشاء\" (^١).\nوفي الشرع: قال ابن الأثير: \"هو ما شرع الله لعباده من الدين: أي سنَّه لهم وافترضه عليهم\" (^٢).\nوقال الإمام ابن تيمية عند تعرضه لتعريف الشريعة: \"الشريعة: هي الأمر والنهي، والحلال والحرام، والفرائض والحدود، والسنن والأحكام\" (^٣).\nوقيل: الشريعة: هي الطريق في الدين (^٤). وتطلق الشريعة ويراد بها: السنة؛ أي العقائد التي يعتقدها أهل السنة من الإيمان.\nقال شيخ الإسلام: \"وكذلك اسم الشريعة والشرع والشرعة فإنه ينتظم كلما شرعه الله من العقائد والأعمال. وقد صنف الشيخ أبو بكر الآجري \"كتاب الشريعة\"، وصنف الشيخ أبو عبد الله بن بطة كتاب \"الإبانة عن شريعة الفرقة\n_________\n(^١) تهذيب اللغة (ش ر ع) ١/ ٤٢٤.\n(^٢) النهاية (ش ر ع).\n(^٣) مجموع الفتاوى ٣/ ٣٦٢.\n(^٤) التعريفات للجرجاني ١٦٧.","vol":"2","page":488},{"text":"الناجية\" وغير ذلك. وإنما مقصود هؤلاء الأئمة في السنة باسم الشريعة: العقائد التي يعتقدها أهل السنة من الإيمان، مثل اعتقادهم أن الإيمان قول وعمل وأن الله موصوف بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله وأن القرآن كلام الله غير مخلوق وأن الله خالق كل شيء وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه علي كل شيء قدير وأنهم لا يكفرون أهل القبلة بمجرد الذنوب ويؤمنون بالشفاعة لأهل الكبائر ونحو ذلك من عقود أهل السنة فسموا أصول اعتقادهم شريعتهم وفرقوا بين شريعتهم وشريعة غيرهم.\nوهذه العقائد التي يسميها هؤلاء الشريعة هي التي يُسمِّي غيرُهم عامَّتها \"العقليات\" و\"علم الكلام\" أو يسميها الجميع \"أصول الدين\" ويسميها بعضهم \"الفقه الأكبر\" وهذا نظير تسمية سائر المصنفين في هذا الباب \"كتاب السنة\" كالسنة لعبد الله بن أحمد والخلال والطبراني والسنة للجعفي وللأثرم وخلق كثير صنفوا في هذه الأبواب وسموا ذلك كتب السنة ليميزوا بين عقيدة أهل السنة وعقيدة أهل البدعة.\nفالسنة كالشريعة هي: ما سنه الرسول وما شرعه، فقد يراد به ما سنه وشرعه من العقائد. وقد يراد به ما سنه وشرعه من العمل، وقد يراد به كلاهما فلفظ السنة يقع على معان كلفظ الشرعة؛ ولهذا قال ابن عباس وغيره في قوله ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾: سنة وسبيلًا. ففسروا الشرعة بالسنة والمنهاج بالسبيل\" (^١).\nوالشريعة تنقسم إلى قسمين: اعتقاديات، وعمليات:\nفالاعتقاديات: هي التي لا تتعلق بكيفية العمل مثل اعتقاد ربوبية الله ووجوب\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٩/ ٣٠٦، ٣٠٧.","vol":"2","page":489},{"text":"عبادته واعتقاد بقية أركان الإيمان المذكورة وتسمى أصلية.\nوالعمليات: هي ما يتعلق بكيفية العمل مثل الصلاة والزكاة، والصوم وسائر الأحكام العملية وتسمى فرعية لأنها تبنى علي تلك الاعتقاديات صحة وفسادا (^١).\nفالعقيدة الصحيحة هي الأساس الذي يقوم عليه الدين وتصح معه الأعمال كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].\n_________\n(^١) شرح العقيدة السفارينية ١/ ٤. وقد سبق بيان تقسيم الدين إلى أصول وفروع، والكلام عليه في باب (أصول الدين).","vol":"2","page":490},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-786>١٧٣ - شعب الإيمان</span>\nالشعب: جمع شُعبة، والشعبة الفرقة والطائفة من الشيء (^١). وشعب الإيمان خصاله المتعددة.\nقال ابن قاسم - ﵀ -: \"والشعبة: الطائفة من الشيء، والقطعة منه، والشعبة من شعب الإيمان، يدخل تحتها أفراد من الخصال، فهي من حيث هذا العدد، يكون تحتها أفراد من الخصال\" (^٢).\nوقال الحافظ أبو حاتم بن حبان: \"والدليل علي أن الإيمان أجزاء بشعب أن النَّبِي - ﷺ - قال في خبر عبد الله بن دينار: \"الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة ألا إله إلا الله ... \" فذكر جزءًا من أجزاء شعبة هي كلها فرض على المخاطبين في جميع الأحوال لأنَّهُ - ﷺ - لم يقل: وأني رسول الله والإيمان بملائكته وكتبه ورسله والجنة والنار وما يشبه هذا من أجزاء هذه الشعبة، واقتصر على ذكر جزء واحد منها حيث قال: \"أعلاها شهادة ألّا إله إلا الله ... \" فدل هذا علي أن سائر الأجزاء من هذه الشعبة كلها من الإيمان ثم عطف فقال: \"وأدناها إماطة الأذى عن الطريق\" فذكر جزءًا من أجزاء شعبه هي نفلٌ كلها للمخاطبين في كل الأوقات، فدل ذلك علي أن سائر الأجزاء التي هي من هذه الشعبة، وكل جزء من أجزاء الشعب التي هي من بين الجزأين المذكورين في هذا الخبر اللذين هما من أعلى الإيمان وأدناه كله من الإيمان\" (^٣).\n_________\n(^١) لسان العرب (ش ع ب).\n(^٢) حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم ٦١.\n(^٣) صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان ١/ ٣٨٨.","vol":"2","page":491},{"text":"* الدليل من السنة: عن أبي هريرة - ﷺ - قال - ﷺ -: \"الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-787> معنى البضع:</span>\nوالبضع بكسر الباء وللعلماء أقوال في معناه ذكرها الحافظ ابن رجب فقال: \"البضع في اللغة: من الثلاث إلى التسع، هذا هو المشهور.\nومن قال: ما بين اثنين إلى عشرٍ، فالظاهر إنما أراد ذلك، ولم يُدخلِ الاثنين والعشرَ في العدد.\n- وقيل: من أربع إلى تسع.\nوقيل: ما بين الثلاث إلى العشر.\nوالظاهر: أنه هو الذي قبله باعتبارِ إخراج الثلاثِ والعشرِ منه.\nوكذا قال بعضهم: ما بين الثلاث إلى ما دون العشرة.\nوعلى هذا؛ فلا يستعمل في الثلاث ولا في العشر. والله أعلم\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-788> اختلاف روايات الحديث في تعداد الشعب:</span>\nقال النووي: \"قَوْله - ﷺ - \"الإِيمَان بِضْع وَسَبْعُونَ شعْبَة\" هَكَذَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي عَامِر الْعَقَدِيّ، عَنْ سُلَيْمَان بْن بلال، عَنْ عَبْد الله بْن دِينَار، عَنْ أَبي صَالِح، عَنْ أَبي هُرَيْرَة، عَنْ النَّبيّ - ﷺ -. وَفِي رِوَايَة زُهيْر، عَنْ جَرِير، عَنْ سُهَيْل، عَنْ عَبْد الله بْن دِينَار، عَنْ أَبي صَالِح، عَنْ أَبي هُرَيْرَة: \"بضْع وَسَبْعُونَ أَوْ بضْع وَسِتُّونَ\" كَذَا وَقَعَ فِي مُسْلِم مِنْ رِوَايَة سُهَيْل: \"بضْع وَسَبْعُونَ أَوْ بضْع وَسِتُّونَ\" عَلَى الشَّكِّ.\nوَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي أَوَّل الْكِتَاب مِنْ رِوَايَة الْعَقَدِيِّ: \"بضْع وَسِتُّونَ\" بلا شَكٍّ.\nوَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ وَغَيْرهمَا مِنْ رِوَايَة سُهَيل: \"بضْع وَسَبْعُونَ\" بلا شَكٍّ،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٣٥).\n(^٢) فتح الباري لابن رجب ١/ ٣١.","vol":"2","page":492},{"text":"وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيقٍ آخَر وَقَالَ فِيهِ: \"أَرْبَعَة وَسِتُّونَ بَابًا\".\nوَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الرَّاجِحَة مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ، فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض: الصَّوَاب مَا وَقَعَ فِي سَائِر الأَحَادِيث وَلسَائِرِ الرُّوَاة \"بضْع وَسِتُّونَ\".\nوَقَالَ الشَّيْخ أبو عَمْرو بْن الصَّلاحَ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: هَذَا الشَّكُّ الْوَاقِع فِي رِوَايَة سُهَيْل هُوَ مِنْ سُهَيْل، كَذَا. قَالَهُ الْحَافِظ أَبُو بَكْر الْبَيْهَقِيُّ ﵀. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سُهَيل \"بضْع وَسَبْعُونَ\" مِنْ غَيْر شَكٍّ.\nوَأَمَّا سُلَيْمَان بْن بلال فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَنْ عَمْرو بْن دِينَار عَلَى الْقَطْع مِنْ غَيْر شَكٍّ وَهِيَ الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَة أَخْرَجَاهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ غَيْر أنَّهَا فِيمَا عِنْدنَا مِنْ كِتَاب مُسْلِم \"بضْع وَسَبْعُونَ\" وَفِيمَا عِنْدنَا مِنْ كِتَاب الْبُخَارِيِّ \"بضْع وَسِتُّونَ\". وَقَدْ نَقَلْت كُلّ وَاحِدَة عَنْ كُلّ وَاحِد مِنْ الْكِتَاتيْنِ وَلَا إِشْكَال فِي أَنَّ كُل وَاحِدَة مِنْهُمَا رِوَايَة مَعْرُوفَة فِي طرق رِوَايَات هَذَا الْحَدِيث وَاخْتَلَفُوا فِي التَّرْجِيح قَالَ: وَالأَشْبَه بِالإِتْقَانِ وَالاحْتِيَاط تَرْجِيح رِوَايَة الأقَلّ. قَالَ: وَمِنْهُمْ مَنْ رَجَّحَ رِوَايَة الأكْثَر، وَإِيَّاهَا اِخْتَارَ أَبُو عَبْد الله الْحَلِيمِيُّ؛ فَإِنَ الْحُكْم لِمَنْ حَفِظَ الزِّيَادَة جَازِ بها\" (^١)\nوذكر النووي ﵀ أن أبا حاتم ذكر أن: \"رِوَايَة مَنْ رَوَى \"بضْع وَسِتُّونَ شُعْبة\". أَيْضًا صَحِيحَة؛ فَإِنَّ الْعَرَب قَدْ تَذْكُر لِلشَّيْءِ عَدَدًا وَلَا ترِيد نَفْي مَا سِوَاهُ. وَلَهُ نَظَائِر أَوْرَدَهَا فِي كِتَابه مِنْهَا فِي أَحَادِيث الإِيمَان وَالإسلَام. وَالله تَعَالى أَعْلَم ... \" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-789> الاجتهاد في حصر شعب الإيمان ومعرفتها:</span>\nاجتهد العلماء في عدها فذكرها الحليمي صاحب المنهاج سبعا وسبعين، وعدها الحافظ أبو حاتم بن حبان تسعًا وسبعين فقال: \"وقد تتبعت معنى الخبر مدة، وذلك أن مذهبنا أن النبي - ﷺ - لم يتكلم قط إلا بفائدة ولا من سننه شيء لا\n_________\n(^١) شرح النووي على صحيح مسلم ١/ ١٩٤.\n(^٢) شرح النووي على صحيح مسلم ١/ ١٩٤.","vol":"2","page":493},{"text":"يعلم معناه، فجعلت أعد الطاعات من الإيمان فإذا هي تزيد على هذا العدد شيئًا كثيرًا، فرجعت إلى السنن فعددت كل طاعة عدها رسول - ﷺ - من الإيمان، فإذا هي تنقص من البضع والسبعين، فرجعت إلى ما بين الدفتين من كلام ربنا وتلوته آية آية بالتدبر وعددت كل طاعة عدها الله جل وعلا من الإيمان فإذا هي تنقص عن البضع والسبعين، فضممت الكتاب إلى السنن وأسقطت المُعاد منها فإذا كل شيء عده الله جل وعلا من الإيمان في كتابه وكل طاعة جعلها رسول - ﷺ - من الإيمان في سننه تسع وسبعون شعبة لا يزيد عليها ولا ينقص منها شيء فعلمت أن مراد النبي - ﷺ - كان في الخبر أن الإيمان بضع وسبعون شعبة في الكتاب والسنن\" (^١).\nوقال النووي: \"قَالَ الشَّيْخ: ثمَّ إِنَّ الْكَلام فِي تَعْيِين هَذه الشُّعَب يَطُول وَقَدْ صُنِّفَتْ فِي ذَلِكَ مُصَنّفات. وَمِنْ أَغْزَرهَا فَوَائِد كِتَاب (الْمِنْهَاج) لأَبي عَبْد الله الْحَلِيمِيِّ إِمَام الشَّافِعِيِّينَ بِبُخَارَى. وَكَانَ مِنْ رُفَعَاءِ أَئِمَّة الْمُسْلِمِينَ. وَحَذَا حَذْوه الْحَافِظ أَبُو بَكْر الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي كِتَابه الْجَلِيل الْحَفِيل كِتَاب \"شُعَب الإِيمَان\"\" (^٢).\nوشعب الإيمان المتعددة بعضها دعائم وأصول يزول الإيمان بزوالها مثل إنكار الإيمان باليوم الآخر (^٣) وبعضها فروع قد لا يزول الإيمان بزوالها، وإن كان يوجب تركها نقصا في الإيمان أو فسقًا. مثل عدم إكرام الجار (^٤)، وقد يجتمع في الإنسان شعب الإيمان، وشعب نفاق، فيستحق بشعب النفاق العذاب ولا يخلد في\n_________\n(^١) صحيح ابن حبان ١/ ٣٨٧.\n(^٢) شرح النووي ١/ ١٩٤\n(^٣) قال الله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧].\n(^٤) عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه\". أخرجه البخاري (٦٤٧٥).","vol":"2","page":494},{"text":"النار لما في قلبه من الإيمان. والله أعلم (^١).\nوقال ابن رجب بعد أن ذكر الحديث: \"فأشار إلى أن خصال الإيمان، منها ما هو قول باللسان، ومنها ما هو عمل بالجوارح، ومنها ما هو قائم بالقلب ولم يزد في شيء من هذه الروايات على هذه الخصال\" (^٢).\nوقال النووي: \"وَقَدْ نَبَّهَ - ﷺ - عَلَى أَنَّ أَفْضَلهَا التَّوْحِيد الْمُتَعَيِّن عَلَى كُلّ أَحَد، وَالَّذِي لا يَصِحّ شَيْء مِنْ الشُّعَب إِلَّا بَعْد صِحَّتِهِ. وَأَدْنَاهَا مَا يُتَوَقَّع ضَرَره بِالْمُسْلِمِينَ مِنْ إِمَاطَة الأَذَى عَنْ طَرِيقهمْ. وَبَقِيَ بَيْن هَذَيْنِ الطَّرَفَيْنِ أَعْدَاد لَوْ تَكَلَّفَ الْمُجْتَهِد تَحْصِيلهَا بغَلَبَةِ الظَنِّ، وَشِدَّة التَّتَبُّع لأَمْكَنَهُ. وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْض مَنْ تَقَدَّمَ. وَفِي الْحُكْم بأَنَ ذَلِكَ مُرَاد النَّبِيّ - ﷺ - صُعُوبَة، ثُمَّ إِنَهُ لا يَلْزَم مَعْرِفَة أَعْيَانهَا، وَلا يَقْدَح جَهْل ذَلِكَ فِي الإِيمَان إِذْ أُصُول الإِيمَان وَفُرُوعه مَعْلُومَة مُحَقَّقَة، وَالإِيمَان بِأَنَّهَا هَذَا الْعَدَد وَاجِب فِي الْجُمْلَة. هَذَا كَلام الْقَاضِي ﵀\" (^٣).\nوقال ابن رجب: \"وفي القطع على أن ذلك هو مراد الرسول - ﷺ - من هذه الخصال عُسر\" (^٤).\nمسألة: أهل السنة عندهم أن كل طاعة فهي داخلة في الإيمان، سواءٌ كانت من أعمال الجوارح أو القلوب أو من الأقوال، وسواء في ذلك الفرائض والنوافل، هذا قول الجمهور الأعظم منهم، وحينئذ فهذا لا ينحصر في بضع وسبعين، بل يزيد على ذلك زيادة كثيرة، بل هي غير منحصرة، وقد أجاب الحافظ ابن رجب فقال: \"يمكن أن يجاب عن هذا بأجوبة:\n_________\n(^١) وانظر تفصيل ذلك في باب (الإيمان) من هذا الكتاب.\n(^٢) فتح الباري لابن رجب ١/ ٢٩.\n(^٣) شرح النووي ١/ ١٩٤.\n(^٤) فتح الباري لابن رجب ١/ ٢٩.","vol":"2","page":495},{"text":"أحدها: أن يقال: إن عدد خصال الإيمان عند قول النبي - ﷺ - كان منحصرًا في هذا العدد، ثم حدثت الزيادة فيه بعد ذلك، حتى كملت خصال الإيمان في آخر حياة النبي - ﷺ -. وفي هذا نظر.\nوالثاني: أن تكون خصال الإيمان كلها تنحصرُ في بضعٍ وسبعين نوعًا، وإن كانت أفراد كل نوع تتعدد تعددًا كثيرًا، وربما كان بعضها لا ينحصر. وهذا أشبه، وإن كان الوقوف على ذلك يتعسَّر أو يتعذر.\nوالثالث: أن ذكر السبعين على وجه التكثير للعدد، لا على وجه الحصر، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠].\nوالمراد: تكثيرُ التعداد من غير حصوله في هذا العدد، ويكون ذكره للبضع يشعر بذلك، كأنه يقول: هو يزيد على السبعين المقتضية لتكثير العدد وتضعيفه.\nوهذا ذكره بعض أهل الحديث من المتقدمين، وفيه نظر.\nوالرابع: أن هذه البضع وسبعين هي أشرف خصال الإيمان وأعلاها، وهو الذي تدعو إليه الحاجةُ منها. قاله ابن حامد من أصحابنا\" (^١).\nمسألة أخرى: تضمن كلام العلماء أن أركان الإيمان ستة بناءً على حديث جبريل - ﵇ - فكيف يُجمع بينها وبين قول الرسول - ﷺ -: \"الإيمان بضع وسبعون شعبة\"؟.\nقال الشيخ ابن عثيمين في الجمع بين ذلك: \"أن نقول الإيمان الذي هو العقيدة أصوله ستة وهي المذكورة في حديث جبريل ﵊ حينما سأل النبي - ﷺ -، عن الإيمان فقال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره - متفق عليه -. وأما الإيمان الذي يشمل الأعمال وأنواعها وأجناسها فهو بضع وسبعون شعبة ولهذا سمى الله تعالى الصلاة إيمانا في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] قال المفسرون: يعني صلاتكم إلى بيت المقدس؛\n_________\n(^١) فتح الباري لابن رجب ١/ ٣٠، ٣١.","vol":"2","page":496},{"text":"لأن الصحابة كانوا قبل أن يؤمروا بالتوجه إلى الكعبة يصلون إلى بيت لمقدس\" (^١).\nومن شعب الإيمان الحياء. كما جاء في حديث أبي هريرة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: \"الحياء شعبة من الإيمان\" (^٢).\nوهو غريزة يحمل المرء على فعل ما يجمل ويزين، ويمنعه من فعل ما يدنس ويشين (^٣).\nقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"الحياء صفة انفعالية تحدث عند الخجل تحجز المرء عن فعل ما يخالف المروءة\" (^٤).\nوقال الشيخ ابن قاسم ﵀: \"الحياء شعبة من الإيمان أي - بعض منه -، وإنما جعله بعضه، لأن المستحي ينقطع بحيائه عن المعاصي، ولأن الإيمان ينقسم إلى ائتمار وانتهاء، فإذا حصل الانتهاء بالحياء، كان بعض الإيمان، والحياء من أفضل الأخلاق، وأجلها وأعظمها قدرا، بل هو خاصة الإنسانية، وفي الحديث: إذا لم تستح فاصنع ما شئت\" (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-790>١٧٤ - الشك في حكم اللّه ﷿ أو الشك في أخباره</span>\nانظر باب (لا إله إلا الله) فقد تحدثت عن شروطها ومنه اليقين المنافي للشك. وانظر باب (كفر الشك).\n_________\n(^١) شرح ثلاثة الأصول ٧٦، ٧٧.\n(^٢) أخرجه مسلم (٣٥).\n(^٣) انظر شرح الأصول الثلاثة لابن قاسم ٦١.\n(^٤) شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٧٦.\n(^٥) شرح ثلاثة الأصول ٦١. وانظر النهاية لابن الأثير (ح ي ا).","vol":"2","page":497},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-791>١٧٥ - الشعوذة والدجل </span>*\nالشعوذة: خفة في اليد وأعمال كالسحر تري الشيء للعين بغير ما هو عليه (^١).\nوالدجل: الواحد منه دجّال، وفعّال من أبنية المبالغة أي: يكثر منه الكذب والتلبيس - وجمعه دجَّالون ودجاجلة أي الكذّابون تشبيهًا بماء الذهب لأنه يظهر خلاف ما يبطن ويطلق على ماء الذهب دجّال (^٢).\nقال ابن الأثير: \"أصل الدجل الخلط، يقال دجّل إذا لبَّس أو موَّه\" (^٣).\nوالكلام عن الشعوذة والدجل له تعلق كبير بأبواب (السحر) و(الكهانة) و(التنجيم) و(العراف). قال الراغب: \"السحر يطلق عليمعانٍ وذكر منها ما يقع بخداع وتخييلات لا حقيقة لها نحو ما يفعله المشعوذ من صرف الأبصار عما يتعاطاه بخفة يده\" (^٤).\nويحسن بنا هنا أن ننقل فتوى وردت للجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء هذا نصها: \"تطالعنا بعض الصحف والمجلات بأخبار بعض اللاعبين والمهرجين الذين يزعمون أن لهم قدرات فائقة كتكسير الصخور على صدورهم والنوم على المسامير والآلات الحادة وثني الحديد والأسياخ بأعينهم!! وجر السيارات بأصابعهم إلى آخر تلك الحركات المدهشة، فما هو حكم الشرع في تلك الأعمال والعاملين لها، وما حكم استضافتهم ومشاهدتهم ... \".\n_________\n* فتح الباري ١٠/ ٢٢٢، فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٤٣٤.\n(^١) المنجد، ص ٣٩٣.\n(^٢) المنجد ص ٢٠٧.\n(^٣) النهاية (د ج ل).\n(^٤) انظر فتح الباري ١٠/ ٢٢٢.","vol":"2","page":498},{"text":"وبعد دراسة اللجنة للاستفتاء أجابت: \"بأن ما يعمله بعض السفهاء من الناس من تكسير الصخور على صدورهم، والنوم على المسامير والآلات الحادة، وثني الحديد بأعينهم، وسحب السيارات بشعورهم أو أسنانهم، وأكل الأمواس والزجاج .. إلى غير ذلك من الأمور الخارجة عن العادة البشرية كل ذلك يعتبر من الدجل والشعوذة والسحر وهو من عمل سحرة فرعون كما قال الله ﷿ في سورة الأعراف: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦].\nوبناءً عليه؛ لا يجوز فعل هذه الأعمال، ولا تعلمها، ولا نشرها، ولا التشجيع عليها، والواجب محاربتها والتبليغ عن فاعليها ومعاقبتهم بما يردعهم ويكف شرهم عن الناس فألعابهم وأعمالهم تلك فيها من الدجل والشعوذة والتلاعب والاستخفاف بعقول الناس وفساد العقيدة وأكل الأموال بالباطل ما لا يخفى. وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم\" (^١).\n_________\n(^١) فتوى رقم (٢٠٥٢٠) تاريخ ١١/ ٨/ ١٤١٩ هـ. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.","vol":"2","page":499},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-792>١٧٦ - الشفاعة</span>*\nالشفاعة لغة: قال ابن منظور في اللسان: \"الشفع خلاف الوتر، وهو الزوج ... وشفع لي يشفع شفاعة وتشفَّع: طلب\" (^١).\nوالشفع: ضم الشيء إلى مثله. قال الراغب: \"هي الانضمام إلى آخر ناصرا له وسائلا عنه وأكثر ما تستعمل في انضمام من هو أعلى حرمة ومرتبة إلى من هو أدنى\" (^٢).\nوفي الشرع: سؤال الخير للغير (^٣) أو هي التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة (^٤).\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ١٩/ ٦٢ - ٧١. الشريعة للآجري ص ٢٦٩، ٣١٢. اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٨٢١. قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص ١٧. أحكام القرآن للقرطبي ٣/ ٢٧٣، ١٠/ ٣٠٩. لوامع الأنوار للسفاريني ٢/ ٢٠٤. تيسير العزيز الحميد ٢٧٥. فتح المجيد ص ٢٣٣. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ١٣٣. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ٣٣٠، ط ٢ - ١/ ٤٢٢ ومن المجموع ٩/ ٣٢١. الدرر السنية ٢/ ١١٩، ١٥٧، ٨/ ٢١٩، ١٠/ ٣٠٠، ١١/ ٢٨، ١٤١، ١٩١، ٤٥٨، ١٢/ ٢١٥، ٤٩٤. فتاوى اللجنة الدائمة ٣/ ٣٤٢. مجموع الفتاوى لابن باز ٣/ ١١٦٧. نور على الدرب ص ١٣١. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٢/ ١٦، ٣٠٣، ٣٠٩. قطف الثمر صديق حسن ص ٩٦. معارج القبول ٢/ ٢٤٨. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٢٤. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٣/ ٢٩٨ - ٧/ ٦٢، ٦٨، ٧٣. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٥/ ٢٩. شرح مسائل الجاهلية ص ٨٢.الشفاعة للجديع. منهج ابن رجب في العقيدة ص ٤١٣.التبرك د: ناصر الجديع ص ٣٣٢، ٣٣٣، ٣٣٦. الشيخ السعدي وجهوده في توضيح العقيدة للعباد ص ٢٨٥.الإمام الخطابي ومنهجه في العقيدة لأبي عبد الرحمن العلوي ص ٤٥٦. منهج ابن حجر في العقيدة ص ١٣٦٥. مباحث العقيدة في سورة الزمر ٢٩١ إلى ٣١٢.الجهل بمسائل الاعتقاد ص ٤١٢. منهج الشافعي في إثبات العقيدة ص ٢٨٧.الجيلاني وآراؤه الاعتقادية ص ٣٥١.ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ص ٧٢٣.\n(^١) لسان العرب (ش ف ع).\n(^٢) المفردات في غريب القرآن للأصفهاني ص ٢٦٣.\n(^٣) لوامع الأنوار ٢/ ٢٠٤.\n(^٤) شرح اللمعة لابن عثيمين ص ١٢٨.","vol":"2","page":500},{"text":"قال أبو السعادات: \"وقد تكرر ذكر الشفاعة في الحديث فيما يتعلق بأمور الدنيا والآخرة، وهي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم بينهم. يقال شَفَع يَشْفَع شفاعةً فهو شافعٌ وشَفِيع، والمُشَفِّع الذي يَقْبلُ الشَّفَاعةَ، والمشَفَّع الذي تُقبَلُ شفاعته\" (^١).\nقال في التيسير: \"فاتخاذ الشفعاء والأنداد من دون الله هضم لحق الربوبية وتنقص للعظمة الإلهية وسوء ظن برب العالمين. والإذن بالشفاعة من الله لخلقه جعلها الله إكراما للشافع ونفعا للمشفوع له\" (^٢).\n* الدليل من الكتاب: قول الله ﷿: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: ٥١]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤] وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] وقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢، ٢٣].\n* الدليل من السنة: عَنْ أَنَس بن مالك - ﵁ - عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"لكُلُّ نَبيٍّ سَأَل سُؤْلًا أَوْ قَالَ: لِكُلِّ نَبيٍّ دَعْوَةٌ قَدْ دَعَا بِهَا فَاسْتُجِيبَ، فَجَعَلْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ\" (^٣).\n_________\n(^١) النهاية (ش ف ع).\n(^٢) تيسير العزيز الحميد ص ٢٧٦.\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٣٠٥) (٦٣٠٤). مسلم (١٩٨).","vol":"2","page":501},{"text":"وفي رواية لمسلم عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله يَقُولان عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ -: \"لِكُلِّ نَبيٍّ دَعْوَةٌ قَدْ دَعَا بِهَا فِي أُمَّتِهِ وَخَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ\" (^١).\nقال القاضي عياض: \"قال أهل العلم: معناه دعوة أُعْلِمَ أنها تستجاب لهم ويبلغ فيها مرغوبُهم، وإلا فكم لكل نبي منهم من دعوة مستجابة، ولنبينا - ﷺ - منها ما لا يعد، لكن حالهم عند الدعاء بها الرجاء والخوف، وضمنت لهم إجابة دعوة فيما شاءوه ويدعون بها على يقين من الإجابة\" (^٢).\nوقال الإمام ابن خزيمة ﵀: \"أخّر نبينا محمد - ﵇ - دعوته ليجعلها شفاعة لأمته، لفضل شفقته ورحمته ورأفته بأمته فجزى الله نبينا - ﵇ - أفضل ما جزى رسولا عمن أرسل إليهم، وبعثه المقام المحمود الذي وعده ليشفع لأمته، فإن ربنا ﷿ غير مخلف وعده، ومنجز نبيه - ﷺ - ما أخر من مسألته في الدنيا وقت شفاعته لأمته يوم القيامة\" (^٣).\nوجاء في الصحيحين أيضا عن جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أُعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي\" وذكر منها \"وأعطيت الشفاعة\" (^٤).\nوعن أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"أَنا سَيّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْر، وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّع\" (^٥).\nوعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - مرفوعًا، وهو حديث طويل \" ... فَيَقُولُ الله ﷿ شَفَعَتْ الْمَلائِكَةُ وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ... الحديث\" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٩٩).\n(^٢) الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض ١/ ٢٢٣.\n(^٣) كتاب التوحيد لابن خزيمة ٢/ ٦٢٢.\n(^٤) أخرجه البخاري (٤٣٨) (٣٣٥) ومسلم (٥٢١).\n(^٥) صحيح مسلم (٢٢٧٨).\n(^٦) أخرجه مسلم (١٨٣).","vol":"2","page":502},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-793>فوائد وأحكام:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-794>١ - أنواع الشفاعة يوم القيامة:</span>\n١ - الشفاعة العظمى وهي خاصة بنبينا محمد - ﷺ - وهي المقام المحمود الذي وعده الله ﷿ بقوله ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] وذلك حين يشتد على الناس الموقف ويلتمسون الشفاعة ويؤذن لرسول الله - ﷺ - جاء ذلك في حديث عبد الله بن عمر - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: \"إن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن، فبينا هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد - ﷺ - \" قال البخاري: وزاد عبد الله بن صالح حدثني الليث حدثنى ابن أبي جعفر: \"فيشفع ليقضى بين الخلق فيمشي حتى يأخذ بحلقة الباب فيومئذ يبعثه الله مقامًا محمودًا يحمده أهل الجمع كلهم\" (^١).\nوجاء حديث أَنسٍ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"يَجْمَعُ الله النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيقُولُونَ: لَوْ اسْتَشْفَعْنَا عَلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا، فَيَأْتونَ آدَمَ فَيقُولُونَ: أَنْتَ الَّذِي خَلَقَكَ الله بِيَدِه، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ الْمَلائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، فَاشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّنَا. فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، ويَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ ويقُولُ: ائْتُوا نُوحًا أَوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ الله، فَيَأْتُونَه، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، ويذْكُرُ خَطِيئَتَه، ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ الَّذِي اتَّخَذَهُ اللهُ خَلِيلًا، فَيَأتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، ويذْكُرُ خَطِيئَتَه، ائْتُوا عِيسَى الَّذِي كَلَّمَهُ الله، فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، فَيَذْكُرُ خَطِيئَتَه، ائْتُوا عِيسَى فَيَأْتُونَه، فَيقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ ائْتُوا مُحَمَّدًا - ﷺ - فَقَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبهِ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَأْتُونِي فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ الله، ثُمَّ يُقَالُ لِي: ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَهْ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ. فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَحْمَدُ رَبِّي بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِي، ثُمَّ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٤٧٥).","vol":"2","page":503},{"text":"أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، ثُمَّ أُخْرِجُهُمْ مِنْ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمْ الْجَنّةَ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَقَعُ سَاجِدًا مِثْلَهُ فِي الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ حَتَّى مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ\" وَكَانَ قتَادَةُ يَقُولُ عِنْدَ هَذَا: أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ\" (^١).\nوالشاهد من حديث أنس قول الناس: \"لَوْ اسْتَشْفَعْنَا عَلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا\".\n٢ - الشفاعة لأهل الجنة في دخولها كما روى مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"أنَا أَوَّلُ النَّاسِ يَشْفَعُ فِي الْجَنَّةِ، وَأَنَا أَكْثر الأنبِيَاءِ تَبَعًا\" (^٢). وهي من خصائص النبي - ﷺ -.\n٣ - الشفاعة في أقوام تساوت حسناتهم وسيئاتهم فيشفع فيهم لدخول الجنة (^٣).\n٤ - الشفاعة في رفع درجات أقوام من أهل الجنة فوق ما تقتضيه أحوالهم. قال ابن القيم ﵀: \"وهذا قد يستدل عليه بدعاء النبي - ﷺ - لأبي سلمة وقوله: \"اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين\" (^٤) وقوله في حديث أبي موسى \"اللهم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٤٧٦)، مسلم (١٩٣) واللفظ لمسلم.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٩٦).\n(^٣) ذكر ذلك ابن أبي العز شارح الطحاوية ١/ ٢٨٨ وابن كثير في النهاية ٢/ ٢٠٤ وابن حجر في الفتح ١١/ ٤٢٨ ومستند هذا النوع قول ابن عباس الذي رواه الطبراني في الكبير (١١٤٥٤) ولفظه: \"السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يدخل الجنة برحمة الله، والظالم لنفسه وأصحاب الأعراف يدخلون الجنة بشفاعة محمد\" قال محققا شرح العقيدة الطحاوية: وفي سنده موسى بن عبد الرحمن الصنعاني، قال الذهبي في \"الميزان\": معروف ليس بثقة، فإن ابن حبان قال فيه: دجال، وقال ابن عدي: منكر الحديث. وعد هذا الخبر من منكراته. وقال الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٣٧٨) بعد أن نسبه للطبراني في \"الكبير\" والأوسط: وفيه موسى بن عبد الرحمن الصنعاني، وهو وضّاع. انظر شرح العقيدة الطحاوية بتحقيق التركي والأرناؤوط ١/ ٢٨٨.\n(^٤) أخرجه مسلم (٩١٨).","vol":"2","page":504},{"text":"اغفر لعبيد أبي عامر واجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك\" (^١) \" (^٢).\n٥ - الشفاعة في أقوام أن يدخلوا الجنة بغير حساب ومن أدلة هذا النوع قول النبي - ﷺ - لعكاشة بن محصن لما طلب منه أن يدعو الله أن يجعله من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بلا حساب: \"اللهم اجعله منهم\" (^٣). ويقول الله لمحمد - ﷺ - في حديث الشفاعة: \"أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة\" (^٤).\n٦ - الشفاعة في أهل الكبائر من الموحدين ممن أدخلوا النار فيخرجون منها كما جاء صريحا في الأحاديث الكثيرة التي بلغت التواتر وهي عامة وتتكرر من الرسول - ﷺ - مرات، ويشفع أيضًا الملائكة والنبيون والمؤمنون تقدم في حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - مرفوعًا: \" ... يقول الله شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ... \" (^٥).\n٧ - الشفاعة في أهل الكبائر قبل أن يدخلوا النار أن لا يدخلوها كما ذكر ذلك النووي (^٦) وابن تيمية (^٧)، وابن كثير (^٨)، وابن حجر (^٩)، والسفاريني (^١٠) - ﵏ - وتوقف في هذا النوع ابن القيم حيث ذكر أنواع الشفاعة ثم قال: \"ويبقى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٣٢٣).\n(^٢) حاشية ابن القيم ١٣/ ٥٦.\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) أخرجه البخاري (٤٧١٢).\n(^٥) سبق تخريجه.\n(^٦) شرح النووي لصحيح مسلم ٣/ ٣٥، ٥٨.\n(^٧) مجموع الفتاوى ٣/ ١٤٧.\n(^٨) النهاية لابن كثير ٢/ ٢٠٤ - ٢٠٦.\n(^٩) فتح الباري ١١/ ٤٢٨.\n(^١٠) لوامع الأنوار ٢/ ٢١١.","vol":"2","page":505},{"text":"نوعان يذكرهما كثير من الناس: أحدهما في قوم استوجبوا النار فيشفع فيهم أن لا يدخلوها وهذا النوع لم أقف إلى الآن على حديث يدل عليه وأكثر الأحاديث صريحة في أن الشفاعة في أهل التوحيد من أرباب الكبائر إنما تكون بعد دخولهم النار وأما أن يشفع فيهم قبل الدخول فلا يدخلون فلم أظفر فيه بنص\" (^١).\n٨ - شفاعة الرسول - ﷺ - في تخفيف العذاب عن عمه أبي طالب كما جاء في حديث عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - ﷺ - وَذكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ فَقَالَ: \"لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ النَّارِ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ\" وفي رواية \"تَغْلِي مِنْهُ أُمُّ دِمَاغِهِ\" (^٢). وهذه خاصة بالنبي - ﷺ -.\nولا تنفعه الشفاعة في الخروج من النار لكونه مات غير موحد بخلاف أهل التوحيد. والله أعلم (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-795>٢ - أسباب الحصول على الشفاعة:</span>\nومن أسباب الحصول على الشفاعة التوحيد وإخلاص العبادة لله ﷿ وقراءة القرآن والصيام والمحافظة على الدعاء الوارد بعد كل أذان وسكنى المدينة والصبر على لأوائها والموت بها والصلاة على النبي محمد - ﷺ - وكثرة السجود وأن يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون أربعين وقد ورد في كل منها أحاديث ثابتة وقد حقق الكلام فيها الجديع حفظه الله في كتابه الشفاعة عند أهل السنة (^٤).\nوليست زيارة قبر الرسول - ﷺ - من ذلك ولم يذكرها أهل العلم ضمن أسباب الشفاعة، ومن ذكرها وتعلَّق بها فإنما يتعلق بأحاديث واهية قال عنها المحققون\n_________\n(^١) حاشية ابن القيم ١٣/ ٥٥، ٥٦.\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٨٨٥) ومسلم (٢١٠).\n(^٣) انظر في ذلك شرح الطحاوية ١/ ٢٨٢ وشروح كتاب التوحيد في بيان الشفاعة وكتاب الشفاعة للجديع ومنهج ابن رجب ٤١٤.\n(^٤) الشفاعة ص ٩١ وما بعدها.","vol":"2","page":506},{"text":"من العلماء: إنه لا يثبت منها شيء جاء ذلك عن الإمام ابن تيمية والحافظ ابن عبد الهادي وغيرهم من أئمة العلم (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-796>٣ - والشفاعة شفاعتان شفاعة منفية وشفاعة مثبتة </span>(^٢):\nفالشفاعة المنفية (^٣) ما كانت تطلب من غير الله والدليل قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤].\nوالشفاعة بغير إذن الله أو الشفاعة لأهل الشرك كلها شفاعة منفية باطلة قال تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]. وقال ﵎: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾.\nوالقبوريون لما عظموا الأموات قادهم غلوهم ذلك إلى طلب الشفاعة من أوليائهم الأموات فطلبوها منهم في الدنيا، كما طلبها المشركون من أصنامهم والنصارى من رهبانهم قال ابن تيمية - ﵀ -: \"المشركون كانوا يتخذون من دون الله شفعاء من الملائكة والأنبياء والصالحين، يصورون تماثيلهم، فيستشفعون بها ويقولون: هؤلاء خواص الله، فنحن نتوسل إلى الله بدعائهم وعبادتهم ليشفعوا لنا، كما يتوسل إلى الملوك بخواصهم، لكونهم أقرب إلى الملوك من غيرهم، فيشفعون عند الملوك بغير إذن الملوك، وقد يشفع أحدهم عند الملك فيما لا يختاره، فيحتاج إلى إجابة شفاعته رغبة ورهبة\" (^٤).\nوقال ابن القيم - ﵁ -: \"ومن جَهلِ المشرك: اعتقاده أن من اتخذه وليا أو شفيعا:\n_________\n(^١) الرد على الأخنائي ٢٩، والصارم المنكي ٢٩.\n(^٢) انظر: التوسل والوسيلة لابن تيمية فقد ذكر هذين النوعين ١٢، ١٣، وانظر الدرر السنية ٢/ ١٥٨.\n(^٣) سميت منفية لأنه جاء نفيها في القرآن.\n(^٤) مجموع الفتاوى ١/ ١٥٠، وانظر تيسير العزيز الحميد ٢٣٥ وما بعدها.","vol":"2","page":507},{"text":"أنه يشفع له، وينفعه عند الله. كما يكون خواص الملوك والولاة تنفع شفاعتهم من والاهم. ولم يعلموا أن الله لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ولا يأذن في الشفاعة إلا لمن رضي له قوله وعمله. كما قال تعالى في الفصل الأول: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وفي الفصل الثاني ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]. وبقي فصل ثالث، وهو أنه لا يرضى من القول والعمل إلا التوحيد، واتباع الرسول، وعن هاتين الكلمتين يسأل الأولين والآخرين. كما قال أبو العالية: \"كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين\"؟. فهذه ثلاثة أصول. تقطع شجرة الشرك من قلب من وعاها وعقلها: لا شفاعة إلا بإذنه. ولا يأذن إلا لمن رضي قوله وعمله. ولا يرضى من القول والعمل إلا توحيده، واتباع رسوله\" (^١).\n* والشفاعة المثبتة هي التي تطلب من الله ولها شروط:\nالشرط الأول: إذن الله تعالى للشافع أن يشفع لقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]. وقوله تعالى ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦].\nويقول سيد الشفعاء في حديث الشفاعة الطويل: \"فأستأذن على ربي فيؤذن لي ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن فأحمده بتلك المحامد وأخر له ساجدا فيقال: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع\" (^٢).\n_________\n(^١) مدارج السالكين ١/ ٣٧٠.\n(^٢) سبق تخريجه.","vol":"2","page":508},{"text":"الشرط الثاني: الرضى عن المشفوع له ورضى الله تعالى لا يحصل إلا باتباع الأوامر واجتناب المناهي فما أمر به فهو مرضي محبوب وما نهى عنه مبغض منبوذ والأدلة على هذا كثيرة منها قوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]. وقوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]. وقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] ومنها ما رواه مسلم بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ وَإِنِّي اخْتبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً أُمَّتِي وَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ الله مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ لا يُشْرِكُ بِالله شَيْئًا\" (^١).\nفالشفاعة بهذا خاصة بالمؤمنين الذين ماتوا على التوحيد.\nودل على ذلك حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ - ﷺ - مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\" قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لا يَسْألنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ على الْحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلَّا الله خَالِصًا مِنْ قَلْبهِ أوْ نَفْسِهِ\" (^٢).\nقال ابن تيمية: \"فالذي تنال به الشفاعة هي الشهادة بالحق، وهي شهادة أن لا إله إلا الله، لا تنال بتولي غير الله، لا الملائكة، ولا الأنبياء، ولا الصالحين\" (^٣).\n* وهناك اعتراضات على الشرط الثاني وهو الرضى عن المشفوع منها:\n١ - أن النبي - ﷺ - شفع لعمه أبي طالب مع كونه كافر؟ وهذا يشكل مع قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٩٩). والترمذي (٣٦٠٢)، وابن ماجه (٤٣٠٧) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\n(^٢) أخرجه البخاري (٩٩) (٦٥٧٠).\n(^٣) الحسنة والسيئة ص ١٥٢.","vol":"2","page":509},{"text":"وأجيب عن ذلك بجوابين:\nأ - أن الشفاعة هنا في تخفيف العذاب وليست في الخروج من النار وقد نص على ذلك القرطبي ﵀ حيث قال: \"فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ قيل له: لا تنفع في الخروج من النار، كعصاة الموحدين الذين يخرجون منها ويدخلون الجنة\" (^١).\nب - أن هذا خاص بأبي طالب وهذا مال إليه البيهقي في كتابه البعث والنشور حيث قال: \"صحت الرواية في شأن أبي طالب فلا معنى للإنكار من حيث صحة الرواية، ووجهه عندي أن الشفاعة في الكفار إنها امتنعت لوجود الخبر الصادق في أنه لا يشفع فيهم أحد وهو عام في حق كل كافر، فيجوز أن يخص منه ما ثبت الخبر بتخصيصه\" (^٢).\n٢ - أن الرسول - ﷺ - يشفع لأهل الموقف يوم القيامة، وفيهم المؤمن والكافر.\nوالجواب عن ذلك: أن شفاعة الرسول - ﷺ - يومئذ لن تنجي الكفار من النار، بل هي لفصل القضاء بين الناس، وهذا شامل للمؤمنين والكفار.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-797> حكم طلب الشفاعة من الرسول - ﷺ - في الدنيا </span>(^٣):\nقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: \"والشفاعة حق ولا تطلب في دار الدنيا إلا من الله تعالى كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] وقال: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦] \" (^٤).\n_________\n(^١) التذكرة في أحوال الآخرة ص ٢٨٢.\n(^٢) فتح الباري ١١/ ٤٣١.\n(^٣) انظر للاستزادة: التوسل والوسيلة ص ١٢١.الاقتضاء ٢/ ٨٢٣. تيسير العزيز الحميد ص ٢٩٥. الدرر السنية ٢/ ١٥٨. هذه مفاهيمنا ص ١٥١، ص ١٦٧.\n(^٤) مجموعة مؤلفات الشيخ ٥/ ١١٣ باختصار.","vol":"2","page":510},{"text":"وقال السهسواني: \"طلب الشفاعة منه - ﷺ - في حياته ثابت بلا شك، وكذلك طلب الشفاعة منه - ﷺ - يوم القيامة، وهذا لا ينكره أحد .. وأما حصول الإذن الآن بالشفاعة التي تكون يوم القيامة فثبوته غير مسّلم\" (^١).\nيقول ابن تيمية: \"إن طلب شفاعته ودعائه واستغفاره بعد موته وعند قبره ليس مشروعا عند أحد من أئمة المسلمين ولا ذكر هذا أحد من الأئمة الأربعة وأصحابهم القدماء وإنما ذكر هذا بعض المتأخرين ذكروا حكاية عن العتبى أنه رأى أعرابيًا أتى قبره وقرأ هذه الآية وأنه رأى في المنام أن الله غفر له وهذا لم يذكره أحد من المجتهدين من أهل المذاهب المتبوعين الذين يفتى الناس بأقوالهم ومن ذكرها لم يذكر عليها دليلًا شرعيًا. ومعلوم أنه لو كان طلب دعائه وشفاعته واستغفاره عند قبره مشروعا لكان الصحابة والتابعون لهم بإحسان أعلم بذلك وأسبق إليه من غيرهم ولكان أئمة المسلمين يذكرون ذلك وما أحسن ما قال مالك: لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها\" (^٢).\nوهذه المسألة كانت مثار جدل بين من يتزلفون للقبور وبين من يدعون لإخلاص الدين لله وحده.\nيقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كشف الشبهات\": \"فإن قال (^٣):\n_________\n(^١) صيانة الإنسان ص ٣٦٣، ص ٣٧٢. انظر: مجموع الفتاوى ١/ ١٣٤. الوسيلة والتوسل ص ١٢١. هذه مفاهيمنا ص ١٦٧. الاقتضاء ٢/ ٨٢٣. الدرر السنية ٢/ ١٥٨. هذه مفاهيمنا ص ١٥١. تيسير العزيز الحميد ص ٢٩٥ بتصرف يسير.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١/ ٢٤١.\n(^٣) قال الشيخ ابن عثيمين: \"قوله: فإن قال يعني إذا قال لك المشرك المشبه: هل تنكر شفاعة النبي - ﷺ -؟ وهو يقول هذا من أجل أن يلزمك بجواز دعاء النبي - ﷺ - عسى أن يشفع لك عند الله إذا دعوته. فقل له: لا أنكر هذه الشفاعة ولا أتبرأ منها\" شرح كشف الشبهات للشيخ محمد بن عثيمين من مجموع الفتاوى ٧/ ٦٩، ٧٠.","vol":"2","page":511},{"text":"أتنكر شفاعة رسول الله - ﷺ - وتبرأ منها؟ فقل، لا أنكرها ولا أتبرأ منها، بل هو - ﷺ -، الشافع المشفع وأرجو شفاعته، ولكن الشفاعة كلها لله، كما قال الله تعالى ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ﴾ [الزمر: ٤٤].\nولا تكون إلا بعد إذن الله كما قال ﷿: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ولا يشفع في أحد إلا من بعد أن يأذن الله فيه كما قال ﷿ ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وهو لا يرضى إلا التوحيد كما قال ﷿: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥].\nفإذا كانت الشفاعة كلها لله، ولا تكون إلا من بعد إذنه، ولا يشفع النبي - ﷺ -، ولا غيره في أحد حتى يأذن الله فيه، ولا يأذن إلا لأهل التوحيد، تبين لك أن الشفاعة كلها لله فاطلبها منه، فأقول اللهم لا تحرمني شفاعته، اللهم شفعه فيَّ، وأمثال هذا.\nفإن قال: النبي - ﷺ - أعطي الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله؟\nفالجواب أن الله أعطاه الشفاعة ونهاك عن هذا فقال ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] فإذا كنت تدعو الله أن يشفع نبيه فيك فأطعه في قوله: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، وأيضًا فإن الشفاعة أعطيها غير النبي - ﷺ -، فصح أن الملائكة يشفعون، والأولياء يشفعون، والأفراط يشفعون، أتقول: إن الله أعطاهم الشفاعة فأطلبها منهم؟\nفإن قلت هذا رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكر الله في كتابه، وإن قلت: لا. بطل قولك: أعطاه الله الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله\"\" (^١).\n_________\n(^١) كشف الشبهات انظر شرحها للشيخ محمد بن عثيمين من مجموع الفتاوى ٧/ ٦٩، ٧٠.","vol":"2","page":512},{"text":"ويعلق على هذا الشيخ ابن عثيمين قائلًا: \"ثم إن هذا المشرك المشبه ليس يريد من رسول الله - ﷺ - أن يشفع له، ولو كان يريد ذلك لقال: اللهم شفع فيّ نبيك محمدًا رسول الله - ﷺ - ولكنه يدعو الرسول مباشرة ودعاء الله شرك أكبر مخرج من الملة، فكيف يريد هذا الرجل الذي يدعو مع الله غيره أن يشفع له أحد عند الله ﷾\" (^١).\nوفي الرد على من زعم إجماع الحنابلة وغيرهم على طلب الشفاعة من الرسول - ﷺ - بعد موته عند زيارته. قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: \"وما علمت أحدًا من أهل العلم وأئمة الفتوى قال هذا، لا من الصحابة ولا من غيرهم؛ بل حكى الشيخ الإمام أحمد بن عبد الحليم: الإجماع على المنع من دعائه - ﷺ - والطلب منه؛ وقرر: أن هذا من شعب الشرك الظاهرة ... وقال الحافظ محمد بن عبد الهادي - من أكابر الحنابلة وعلمائهم -: \"والسلف كلهم متفقون على أن الزائر لا يسأله شيئًا يعني النبي - ﷺ - ولا يطلب منه ما يطلب منه في حياته، ويطلب منه يوم القيامة، لا شفاعة ولا استغفارًا؛ وقال أيضًا: والحكاية التي تنسب إلى مالك مع أبي جعفر المنصور، كذب عند أهل المعرفة بالنقل والتصحيح\". انتهى\" (^٢).\nوقد تقرر أن من جعل الأنبياء والملائكة وسائط بين الله وبين خلقه، كالحجاب الذين يكونون بين الملك ورعيته، بحيث يزعم أنهم يرفعون الحوائج إلى الله، وأن الله يرزق عباده، وينصرهم بتوسطهم، أي بمعنى: أن الخلق يسألونهم، وهم يسألون الله؛ فمن اعتقد هذا فهو كافر مشرك (^٣).\n_________\n(^١) المرجع السابق.\n(^٢) الدرر السنية ١٢/ ٢١٦ - ٢٢١.\n(^٣) الدرر السنية ١١/ ١٤.","vol":"2","page":513},{"text":"يقول ابن تيمية ﵀: \"وإن أثبتم وسائط بين الله وبين خلقه كالحجاب الذين بين الملك ورعيته بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه، فالله إنما يهدي عباده ويرزقهم بتوسطهم، فالخلق يسألونهم، وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك، يسألون الملوك حوائج الناس، لقربهم منهم، والناس يسألونهم أدبًا منهم أن يباشروا سؤال الملك، أو لأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك، لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب للحوائج، فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك، يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وهؤلاء مشبهون لله، شبهوا المخلوق بالخالق، وجعلوا لله أندادًا\" (^١).\nويقول أيضًا: \"من أثبت وسائط بين الله وبين خلقه، كالوسائط التي تكون بين الملوك والرعية فهو مشرك، بل هذا دين المشركين عباد الأوثان، كانوا يقولون: إنها تماثيل الأنبياء والصالحين، وإنها وسائل يتقربون بها إلى الله، وهو من الشرك، وهو من الشرك الذي أنكره الله على النصارى\" (^٢).\nوبهذا يظهر لك جليًا حكم الاستشفاع بالأولياء والصالحين من أموات المسلمين؛ قال في التيسير: \"فتبين أن دعاء الصالحين من الملائكة، والأنبياء وغيرهم شرك، كما كان المشركون الأولون يدعونهم ليشفعوا لهم عند الله فأنكر الله عليهم ذلك فأخبر أنه لا يرضاه ولا يأمر به كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٠] (^٣).\nوقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: \"ولا ريب أن الاستشفاع بالموتى يتضمن أنواعًا من العبادة: سؤال غير الله، وإنزال الحوائج به من دون الله، ورجائه،\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١/ ١٢٦.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١/ ١٣٤.\n(^٣) تيسير العزيز الحميد ص ٢٨١.","vol":"2","page":514},{"text":"والرغبة إليه، والإقبال عليه بالقلب والوجه والجوارح واللسان .. وهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-798>٤ - فائدة:\nالآية القاطعة لما يتعلق به المشركون من أسباب هي قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾</span> [سبأ: ٢٢] قال فيها بعض العلماء: إنها تقطع عروق شجرة الشرك من القلب لمن عقلها. قال أبو العباس: \"فقد تهدد سبحانه من دعا شيئا من دون الله وبين أنهم لا ملك لهم مع الله ولا شركا في ملكه وأنه ليس له عون ولا ظهير من المخلوقين فقطع تعلق القلوب بالمخلوقات رغبة ورهبة وعبادة واستعانة لم يبق إلا الشفاعة وهى حق لكن قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ...﴾ \" وهذا كله يبين أن الأمر كله لله هو الذي يكرم الشفيع بالإذن له في الشفاعة، والشفيع لا يشفع إلا فيمن يأذن الله له ثم يحد للشفيع حدا فيدخلهم الجنة فالأمر بمشيئته وقدرته واختياره وأوجه الشفعاء وأفضلهم هو عنده الذي على غيره واختاره واصطفاه بكمال عبوديته وطاعته وإنابته وموافقته لربه فيما يحبه ويرضاه\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"فبيَّن أن كل ما يدعى من دون الله من الملائكة والأنبياء وغيرهم لا يملكون مثقال ذرة ولا لأحد منهم شرك معه ولا له ظهير منهم فلم يبق إلا الشفاعة\" ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له\" فالأمر في الشفاعة إليه وحده كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ﴾، وقال: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة\" ... \" (^٣).\n_________\n(^١) القول الفصل النفيس ص ٨٦. وانظر مجموعة الرسائل والمسائل ١/ ٢٤.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١/ ٢٩٤.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٢٧/ ٢٨٠.","vol":"2","page":515},{"text":"وقال ابن القيم: \"فتأمل كيف أخذت هذه الآية على المشركين بمجامع الطرق التي دخلوا منها إلى الشرك وسدتها عليهم أحكم سد وأبلغه فإن العابد إنما يتعلق بالمعبود لما يرجو من نفعه وإلا فلو لم يرج منه منفعة لم يتعلق قلبه به وحينئذ فلا بد أن يكون المعبود مالكًا للأسباب التي ينفع بها عابده أو شريكًا لمالكها أو ظهيرا أو وزيرًا ومعاونًا له أو وجيهًا ذا حرمة وقدر يشفع عنده فإذا انتفت هذه الأمور الأربعة من كل وجه وبطلت انتفت أسباب الشرك وانقطعت مواده فنفى سبحانه عن آلهتهم أن تملك مثقال ذرة في السموات والأرض فقد يقول المشرك هي شريكة لمالك الحق فنفى شركتها له فيقول المشرك قد تكون ظهيرا ووزيرًا ومعاونًا فقال وماله منهم من ظهير فلم يبق إلا الشفاعة فنفاها عن آلهتهم وأخبر أنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فهو الذي يأذن للشافع فإن لم يأذن له لم يتقدم بالشفاعة بين يديه كما يكون في حق المخلوقين فإن المشفوع عنده يحتاج إلى الشافع ومعاونته له فيقبل شفاعته وإن لم يأذن له فيها وأن كل ما سواه فقير إليه بذاته وهو الغني بذاته عن كل ما سواه فكيف يشفع عنده أحد بدون إذنه\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-799>٥ - فائدة:\nأنكر الخوارج والمعتزلة شفاعة النبي - ﷺ - لأهل الكبائر بناء على أصلهم الفاسد في تخليد أهل الكبائر من أهل التوحيد في النار</span>، وحصروا معنى الشفاعة في زيادة الأجر والثواب لمن أطاع الله ﷿، واحتجوا بما تقدم من الآيات ونحوها النافية للشفاعة، وهذه الآيات - كما ذكر أهل العلم - في حق الكافرين دون المؤمنين بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] وبقوله ﷿: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وهذه الشفاعة التي يطلبها\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة ٢/ ٤٦٢.","vol":"2","page":516},{"text":"المشركون من الشفعاء والأنداد من دون الله منتفية دنيا وأخرى ومنتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن. قال شيخ الإسلام: \"واحتج هؤلاء المنكرون للشفاعة بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ وبقوله: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾، وبقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ وبقوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ وبقوله ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾.\nوجواب أهل السنة: أن هذا يراد به شيئان:\nأحدهما: أنها لا تنفع المشركين كما قال تعالى في نعتهم ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾، فهؤلاء نفى عنهم نفع شفاعة الشافعين لأنهم كانوا كفارًا.\nوالثانى: أنه يراد بذلك نفي الشفاعة التى يثبتها أهل الشرك ومن شابههم من أهل البدع من أهل الكتاب والمسلمين الذين يظنون أن للخلق عند الله من القدر أن يشفعوا عنده بغير إذنه كما يشفع الناس بعضهم عند بعض فيقبل المشفوع إليه شفاعة شافع لحاجته إليه رغبة ورهبة وكما يعامل المخلوق المخلوق بالمعاوضة\" (^١).\nوالخلاصة أن الناس في الشفاعة طرفان ووسط. فالخوارج والمعتزلة أنكروا الشفاعة والقبوريون أثبتوا شفاعة شركية فجوزوا طلب الشفاعة من الأموات والأولياء في أمور لا يقدر عليها إلا الله (^٢). وأهل السنة أثبتوا الشفاعة بشروط\n_________\n(^١) انظر للاستزادة الاقتضاء ٢/ ٨٢١.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١/ ١٤٩.","vol":"2","page":517},{"text":"الإذن والرضى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-800>٦ - الشبه التي يتعلق بها المشركون في طلب الشفاعة من غير الله:</span>\nبعض القبوريين يتعلق بشبه هي عند التحقيق دليل عليه وقد تقدم بيان ذلك في باب التوسل ونحن نذكره هنا زيادة في الإيضاح فمن ذلك:\n١ - حديث عثمان بن حنيف في قول الضرير: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد.\nوالمقصود هنا الدعاء أي دعاء نبيك محمد لأنه في أول الحديث قال: إن شئت دعوت لك، وطلب منه أن يدعو أن يستجيب لدعاء النبي - ﷺ - فالمستشفع به هو دعاء النبي وليس ذات النبي - ﷺ -، وقد سبق في باب (التوسل).\n٢ - ومن شبههم أيضًا أنهم قالوا الاستشفاع بالأنبياء يجوز لأنكم تقولون إن الاستشفاع بالحي جائز والأنبياء أحياء، فنحن نستشفع بأحياء، فإذا كان الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون فالأنبياء من باب أولى.\n* والجواب عن ذلك بما يأتي:\n١ - أن الله أخبر عنهم في القرآن أنهم ماتوا وانقطعت أعمالهم قال ﷿: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] وقال - ﷺ -: \"إذا مات ابن آدم انقطع عمله .. \" فليس له عمل بعد الموت.\n٢ - أن الله منعك أن تسألها من غيره.\nوأما كونهم أحياء فنعم ولكنها حياة برزخية غير هذه الحياة.\nقال ابن باز ﵀: \"لا يجوز لأحد أن يطلب من الرسول - ﷺ - الشفاعة، لأنها ملك الله سبحانه، فلا تطلب إلّا منه، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ﴾ [الزمر: ٤٤].\nفتقول: \"اللهم شفع فيَّ نبيك، اللهم شفع فيَّ ملائكتك، وعبادك المؤمنين، اللهم","vol":"2","page":518},{"text":"شفع فيَّ أفراطي\"، ونحو ذلك. وأما الأموات فلا يُطلب منهم شيء، لا الشفاعة ولا غيرها، سواء كانوا أنبياء أو غير أنبياء؛ لأن ذلك لم يشرع، ولأن الميت قد انقطع عمله إلا مما استثناه الشارع.\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع، أو ولد صالح يدعو له\".\nوإنما جاز طلب الشفاعة من النبي - ﷺ - في حياته ويوم القيامة؛ لقدرته على ذلك، فإنه يستطيع أن يتقدم فيسأل ربه للطالب، أما في الدنيا فمعلوم، وليس ذلك خاصًا به، بل هو عام له ولغيره، فيجوز للمسلم أن يقول لأخيه: وليس لي إلى ربي في كذا وكذا، بمعنى: ادع الله لي، ويجوز للمقول له ذلك أن يسأل الله ويشفع لأخيه، إذا كان ذلك المطلوب مما أباح الله طلبه.\nوأما يوم القيامة فليس لأحد أن يشفع إلا بعد إذن الله سبحانه، كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\nوأما حالة الموت فهي حالة خاصة لا يجوز إلحاقها بحال إنسان قبل الموت، ولا بحاله بعد البعث والنشور؛ لانقطاع عمل الميت، وارتهانه بكسبه إلا ما استثناه الشارع، وليس طلب الشفاعة من الأموات مما استثناه الشارع؛ فلا يجوز إلحاقه بذلك، لا شك أن النبي - ﷺ - بعد وفاته حي حياة برزخية أكمل من حياة الشهداء ولكنها ليست من جنس حياته قبل الموت، ولا من جنس حياته يوم القيامة، بل حياة لا يعلم حقيقتها وكيفيتها إلا الله سبحانه؛ ولهذا تقدم في الحديث الشريف قوله ﵊: ما من أحد يسلم علي إلا ردّ علي روحي حتى أرد عليه.\nفدل ذلك على أنه ميت، وعلى أن روحه قد فارقت جسده، لكنها ترد عليه عند السلام، والنصوص الدالة على موته - ﷺ - من القرآن والسنة معلومة، وهو أمر متفق","vol":"2","page":519},{"text":"عليه بين أهل العلم، ولكن ذلك لا يمنع حياته البرزخية، كما أن موت الشهداء لم يمنع حياتهم البرزخية المذكورة في قوله تعالى ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩].\nوإنما بسطنا الكلام في هذه المسألة؛ لدعاء الحاجة إليه، بسبب كثرة من يشبه في هذا الباب، ويدعو إلى الشرك وعبادة الأموات من دون الله. فنسأل الله لنا ولجميع المسلمين السلامة من كل ما يخالف شرعه. والله أعلم\" (^١).\n٣ - ومن شبههم أيضًا أنهم يستدلون على الجواز بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤].\nفيقولون: إذا طلبنا منه الاستغفار بعد موته كنا بمنزلة الذين طلبوا الاستغفار من الصحابة، ويخالفون بذلك إجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر المسلمين، فإن أحدًا منهم لم يطلب من النبي - ﷺ - بعد موته أن يشفع له ولا سأله شيئًا ولا ذكر ذلك أحد من أئمة المسلمين في كتبهم (^٢).\nقال الشيخ السعدي: \"وهذا المجيء إلى الرسول - ﷺ - مختص بحياته؛ لأن السياق يدل على ذلك، لكون الاستغفار من الرسول، لا يكون إلا في حياته. وأما بعد موته، فإنه لا يطلب منه شيء، بل ذلك شرك\" (^٣).\n٤ - ومن شبههم أيضًا إطلاق القول بأن اللهُ ملّك المؤمنين الشفاعة.\nقال الشيخ أبا بطين: \"إطلاق القول بأن الله ملّك المؤمنين الشفاعة، خطأ، بل\n_________\n(^١) بيان ما تشرع زيارته وما لا تشرع زيارته من مساجد المدينة النبوية ١٩ - ٢١.\n(^٢) انظر: الوسيلة والتوسل ص ١٢١.\n(^٣) تفسير السعدي ١٤٩.","vol":"2","page":520},{"text":"الشفاعة كلها لله وحده ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ﴾ [الزمر: ٤٤]، وأثبت سبحانه الشفاعة بإذنه، وأخبر النبي - ﷺ - أن الأنبياء يشفعون، والصالحين يشفعون، وعلى هذا فمن أذن الله له في الشفاعة، يصح أن يقال أنه ملك ما أذن له فيه فقط، لا ما لم يؤذن له فيه، فهو تمليك معلق على الإذن والرضا لا تمليك مطلق كما يزعمه هذا الضال (^١)، وسيد الشفعاء صلوات الله وسلامه عليه لا يشفع حتى يقال له ارفع رأسك، وقل يسمع واشفع تشفع ... \" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-801>٧ - الفرق بين الشفاعة عند الله وبين الشفاعة عند البشر:</span>\nالشفاعة عند البشر قد تحصل بدون إذن المشفوع إليه، أو بدون رضاه عن المشفوع له، وذلك لأي سبب من الأسباب، والتي تدل على تأثير المخلوق في المخلوق، بخلاف الشفاعة عند الله ﵎، فلا تحصل إلا بعد إذنه للشافع ورضاه عن المشفوع له.\nقال القاضي علي بن أبي العز شارح الطحاوية: \"الشفاعة عند الله ليست كالشفاعة عند البشر، فإن الشفيع عند البشر كما أنه شافع للطالب شفعه في الطلب، بمعنى أنه صار به شفعًا فيه بعد أن كان وترًا، فهو أيضًا قد شفع المشفوع إليه، فبشفاعته صار فاعلًا للمطلوب، فقد شفع الطالب والمطلوب منه والله تعالى وتر، لا يشفعه أحد، فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فالأمر كله إليه فلا شريك له بوجه\" (^٣).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فإن المخلوق يشفع عند نظيره، أو من هو أعلى منه، أو دونه، بدون إذن المشفوع إليه، ويقبل المشفوع إليه ولابد شفاعته: إما لرغبته إليه، أو فيما عنده من قوة أو سبب ينفعه به أو يدفع عنه ما يخشاه، وإما\n_________\n(^١) يقصد داود بن جرجيس.\n(^٢) تأسيس التقديس ص ٨٢.\n(^٣) شرح الطحاوية ١/ ٣٠٠.","vol":"2","page":521},{"text":"لرهبته منه، وإما لمحبته إياه، وإما للمعاوضة بينهما والمعاونة، وإما لغير ذلك من الأسباب.\nوتكون شفاعة الشفيع هي التي حركت إرادة المشفوع إليه، وجعلته مريدًا للشفاعة بعد أن لم يكن مريدًا لها، كأمر الامر الذي يؤثر في المأمور، فيفعل ما أمره به بعد أن لم يكن مريدًا لفعله\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-802>٨ - حكم الشفاعة في أمور الدنيا:</span>\nوالمقصود من أمور الدنيا التوسط لدى أصحاب الجاه والسلطان ونحوهم من أصحاب الحقوق.\nوالشفاعة في أمور الدنيا قد تكون محمودة، وقد تكون مذمومة.\nفالشفاعة لدى الآخرين من أجل أخذ الحقوق أو درء المظالم ونحو ذلك من حاجات الناس المباحة سعي مبرور.\nوأما الشفاعة في إبطال الحقوق، أو إقرار الباطل، أو تعطيل حد ونحو ذلك فهو مذموم قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥] أي من يسعى في أمر فيترتب عليه خير كان له نصيب من ذلك قال تعالى ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥] أي يكون عليه وزر من ذلك الأمر الذي ترتب على سعيه ونيته.\nقال الحافظ النووي ﵀ في بيان ذلك: \"تستحب الشفاعة لأصحاب الحوائج المباحة سواء كانت الشفاعة إلى سلطان ووال ونحوهما أم إلى أحد من الناس، وسواء كانت الشفاعة إلى سلطان في كف ظلم، أو إسقاط تعزير، أو في تخليص عطاء لمحتاج، أو نحو ذلك، وأما الشفاعة في الحدود فحرام، وكذا الشفاعة في\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٤/ ٣٨١.","vol":"2","page":522},{"text":"تتميم باطل، أو إبطال حق، ونحو ذلك فهي حرام\" (^١).\nوقال في موضع آخر: \"اعلم أنه تستحب الشفاعة إلى ولاة الأمر وغيرهم من أصحاب الحقوق والمستوفين لها ما لم تكن شفاعة في حد، أو شفاعة في أمر لا يجوز تركه، كالشفاعة إلى ناظر على طفل أو مجنون أو واقف، أو نحو ذلك في ترك بعض الحقوق التي في ولايته، فهذه كلها شفاعة محرمة تحرم على الشافع، ويحرم على المشفوع إليه قبولها، ويحرم على غيرهما السعي فيها إذا علمها\" (^٢).\nوقال الشوكاني: \"وأما التشفع بالمخلوق فلا خلاف بين المسلمين أنه يجوز طلب الشفاعة من المخلوقين فيما يقدرون عليه من أمور الدنيا\" (^٣).\nوبهذا تعلم أن حكم طلب الشفاعة إذا كان في أمر مباح يقدر عليه فهذا جائز أما إذا كان طلب الشفاعة يتعلق به تعد على أحد أو إسقاط لمطلوب شرعي فمحرمة وأما إذا طلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله فهذا من الشرك الأكبر.\n_________\n(^١) شرح النووي لصحيح مسلم ١٦/ ١٧٧، ١٧٨ بتصرف.\n(^٢) الأذكار للنووي ص ٥٠٨، وانظر للاستزادة كتاب الشفاعة للجديع ١٦ وما بعدها.\n(^٣) الدر النضيد ص ١٦.","vol":"2","page":523},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-803>١٧٧ - الشكر </span>*\nقال الرازي: \"الشكر الثناء على المحسن بما أولاكه من المعروف\" (^١).\nوالشكر عرفان الإحسان ونشرُه (^٢).\nوقال ابن حجر: \"الشكر: الاعتراف بالنعمة والقيام بالخدمة فمن كثر ذلك منه سمي شكورا ومن ثم قال ﷾ وقليل من عبادي الشكور\" (^٣).\nوقال ابن القيم: \"أصل الشكر هو الاعتراف بإنعام المنعم على وجه الخضوع له، والذل، والمحبة، فمن لم يعرف النعمة، بل كان جاهلًا بها، لم يشكرها، ومن عرفها ولم يعرف المنعم بها، لم يشكرها أيضًا، ومن عرف النعمة والمنعم، لكن جحدهما كما يجحدها المنكر لنعمة المنعم عليه بها، فقد كفرها، ومن عرف النعمة والمنعم بها وأقر بها ولم يجحدها، ولكن لم يخضع له ولم يحبه ولم يرض به وعنه، لم يشكره أيضًا، ومن عرفها وعرف المنعم بها وأقر بها وخضع للمنعم بها وأحبه ورضي به عنه، واستعملها في محابه وطاعته، فهذا هو الشاكر لها. فلا بد في الشكر من علم القلب، وعمل يتبع العلم، وهو الميل إلى المنعم ومحبته والخضوع له\" (^٤).\n_________\n* مدارج السالكين ٢/ ٢٤٧، طريق الهجرتين ص ١٦٨، بدائع الفوائد ٢/ ٢٥٧، رسالة في تحقيق الشكر ضمن جامع الرسائل لابن تيمية، مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٦٩٤.\n(^١) مختار الصحاح (ش ك ر).\n(^٢) لسان العرب (ش ك ر).\n(^٣) فتح الباري ٣/ ١٥.\n(^٤) طريق الهجرتين ص ١٦٨.","vol":"2","page":524},{"text":"وقال ابن عثيمين: \"الشكر فسروه بأنه: القيام بطاعة المنعم\" (^١).\nوالشكر يضاده الكفر والشرك وبوب الشيخ محمد بن عبد الوهاب بباب قول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ [النحل: ٨٣]. فقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"المراد بهذه الترجمة التأدب مع جناب الربوبية عن الألفاظ الشركية الخفية، كنسبة النعم إلى غير الله؛ فإن ذلك باب من أبواب الشرك الخفي، وضده باب من أبواب الشكر كما في الحديث الذي رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر مرفوعًا: \"من أولي معروفًا فلم يجد له جزاء إلا الثناء فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره\"\" (^٢).\nوقال الشيخ ابن عثيمين: \"الشكر الذي هو عبادة من العبارات، وترك الشكر مناف للتوحيد، لأن الواجب أن يشكر الخالق المنعم - ﷾ -، فصارت لها صلة بتوحيد الربوبية وبتوحيد العبادة إضافتها إلى السبب على أنه فاعل هذا إخلال بتوحيد الربوبية، ومن حيث ترك القيام بالشكر الذي هو العبادة هذا إخلال بتوحيد الألوهية\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-804> الدليل من الكتاب:</span>\nقال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]، وقال ﷿: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ١٧]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢]، وقال ﷿: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٦٩٤.\n(^٢) تيسير العزيز الحميد ص ٥٨٩.\n(^٣) القول المفيد من مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١٠/ ٦٩٤، ٦٩٥.","vol":"2","page":525},{"text":"يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان: ١٢]، وقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤]، وقال: ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩]، وقال ﷿: ﴿نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾ [القمر: ٣٥]، وقال: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٧] وقال: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-805> العلاقة بين الحمد والشكر والمدح:</span>\nقال ابن كثير: \"قال أبو جعفر بن جرير: \"معنى الحمد لله الشكر لله خالصًا دون سائر ما يعبد من دونه ودون كل ما برأ من خلقه بما أنعم على عباده من النعم التي لا يحصيها العدد ولا يحيط بعددها غيره أحد في تصحيح الآلات في طاعته وتمكين جوارح أجسام المكلفين لأداء فرائضه مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق وغذاهم به من نعيم العيش إستحقاق منهم ذلك عليه ومع ما نبههم عليه ودعاهم إليه من الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود في دار المقام في النعيم المقيم فلربنا الحمد على ذلك كله أولًا وآخرًا\" (^١).\nوقال ابن جرير ﵀: \"الحمد لله ثناء أثنى به على نفسه وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه فكأنه قال: قولوا الحمد لله قال: وقد قيل إن قول القائل الحمد لله ثناء عليه بأسمائه الحسنى وصفاته العلا. وقوله: الشكر لله ثناء عليه بنعمه وأياديه\" (^٢).\nثم شرع في رد ذلك بما حاصله أن جميع أهل المعرفة بلسان العرب يوقعون كلا\n_________\n(^١) انظر تفسير ابن جرير ١/ ٦٠.\n(^٢) انظر تفسير ابن جرير ١/ ٦٠.","vol":"2","page":526},{"text":"من الحمد والشكر مكان الآخر وقد نقل السلمي هذا المذهب أنهما سواء عن جعفر الصادق وابن عطاء من الصوفية وقال ابن عباس الحمد لله كلمة كل شاكر وقد استدل القرطبي بابن جرير بصحة قول القائل الحمد لله شكرًا وهذا الذي ادعاه ابن جرير فيه نظر لأنه اشتهر عند كثير من العلماء من المتأخرين أن الحمد هو الثناء بالقول على المحمود بصفاته اللازمة والمتعدية والشكر لا يكون إلا على المتعدية ويكون بالجنان واللسان والأركان، كما قال الشاعر:\nأفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا\nولكنهم اختلفوا أيها أعم الحمد أو الشكر على قولين والتحقيق أن بينهما عموما وخصوصًا.\nفالحمد أعم من الشكر من حيث ما يقعان عليه لأنه يكون على الصفات اللازمة والمتعدية تقول حمدته لفروسيته وحمدته لكرمه وهو أخص لأنه لا يكون إلا بالقول.\nوالشكر أعم من حيث ما يقعان به لأنه يكون بالقول والفعل والنية كما تقدم وهو أخص لأنه لا يكون إلا على الصفات المتعدية لا يقال شكرته لفروسيته وتقول شكرته على كرمه وإحسانه إلي هذا حاصل ما حرره بعض المتأخرين والله أعلم.\nوقال أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري: \"الحمد نقيض الذم تقول حمدت الرجل أحمده حمدا ومحمدة فهو حميد ومحمود والتحميد أبلغ من الحمد والحمد أعم من الشكر وقال في الشكر هو الثناء على المحسن بما أو أولاكه من المعروف يقال شكرته وشكرت له وباللام أفصح وأما المدح فهو أعم من الحمد لأنه يكون للحي والميت وللجماد أيضا كما يمدح الطعام والمكان ونحو ذلك ويكون قبل الإحسان وبعده المتعدية واللازمة أيضا فهو أعم\" (^١).\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير ١/ ٢٢، ٢٣.","vol":"2","page":527},{"text":"قال ابن القيم: \"والفرق بينهما: أن الشكر أعم من جهة أنواعه وأسبابه وأخص من جهة متعلقاته، والحمد أعم من جهة المتعلقات وأخص من جهة الأسباب، ومعنى هذا: أن الشكر يكون بالقلب خضوعًا واستكانة، وباللسان ثناء واعترافًا، وبالجوارح طاعة وانقيادًا، ومتعلقة: النعم دون الأوصاف الذاتية، فلا يقال: شكرنا الله على حياته وسمعه وبصره وعلمه، وهو المحمود عليها كما هو محمود على إحسانه وعدله، والشكر يكون على الإحسان والنعم، فكل ما يتعلق به الشكر يتعلق به الحمد من غير عكس، وكل ما يقع به الحمد يقع به الشكر من غير عكس، فإن الشكر يقع بالجوارح والحمد يقع بالقلب واللسان\" (^١).\nوبه تعلم أين يكون الشكر.\nقال ابن عثيمين: \"الشكر يكون في ثلاثة مواضع:\nفي القلب: وهو أن يعترف بقلبه أن هذه النعمة من الله، فيرى لله فضلًا عليه بها، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، وأعظم نعمة هي نعمة الإسلام، قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١٧]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٤].\nاللسان: وهو أن يتحدث بها على وجه الثناء على الله والاعتراف وعدم الجحود، لا على سبيل الفخر والخيلاء والترفع على عباد الله، فيتحدث بالغنى لا ليكسر خاطر الفقير، بل لأجل الثناء على الله، وهذا جائز كما في قصة الأعمى من بني إسرائيل لما ذكرهم الملك بنعمة الله، قال \"نعم، كنت أعمى فرد الله علي بصري، وكنت فقيرًا فأعطاني الله المال\"، فهذا من باب التحدث بنعمة الله.\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٢/ ٢٦٤.","vol":"2","page":528},{"text":"والنبي - ﷺ - تحدث بنعمة الله عليه بالسيادة المطلقة، فقال: \"أنا سيد ولد آدم يوم القيامة\" (^١).\nالجوارح: وهو أن يستعملها بطاعة المنعم، وعلى حسب ما يختص بهذه النعمة.\nفمثلًا: شكر الله على نعمة العلم: أن تعمل به، وتعلمه الناس.\nوشكر الله على نعمة المال: أن تصرفه بطاعة الله، وتنفع الناس به.\nوشكر الله على نعمة الطعام: أن تستعمله فيما خلق له، وهو تغذية البدن، فلا تبني من العجين قصرًا مثلًا، فهو لم يخلق لهذا الشيء\" (^٢).\nوفي حديث النبي - ﷺ - يقول: \"أن ثلاثة من بني إسرائيل، أبرص وأقرع وأعمى ... الحديث قال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"وهذا حديث عظيم، وفيه معتبر، فإن الأولين جحدا نعمة الله، فما أقرا لله بنعمته، ولا نسبا النعمة إلى المنعم بها، ولا أديا حق الله، فحل عليهما السخط. وأما الأعمى فاعترف بنعمة الله، ونسبها إلى من أنعم عليه بها، وأدى حق الله فيهما، فاستحق الرضى الله بقيامه بشكر النعمة لما أتى بأركان الشكر الثلاثة التي لا يقوم الشكر إلا بها، وهي: الإقرار بالنعمة ونسبتها إلى المنعم، وبذلها فيما يحب\" (^٣).\nوذكر الشيخ ابن عثيمين من فوائد الحديث: \"بيان أن شكر كل نعمة بحسبها، فشكر نعمة المال أن يبذل في سبيل الله، وشكر نعمة العلم أن يبذل لمن سأله بلسان الحال أو المقال، والشكر الأعم أن يقوم بطاعة المنعم في كل شيء\" (^٤).\n_________\n(^١) مسلم: كتاب الفضائل/ باب تفضيل النبي - ﷺ - على جميع الخلائق.\n(^٢) القول المفيد من مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١٠/ ٦٩٤، ٦٩٥.\n(^٣) تيسير العزيز الحميد ص ٦٢٧، ٦٢٨، ط. المكتب الإسلامي.\n(^٤) القول المفيد من مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١٠/ ٦٩٤، ٦٩٥.","vol":"2","page":529},{"text":"والشكر من أعلى مراتب العبد:\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"إن سنة الله في الأنبياء والمؤمنين أنه يبتليهم بالسَّراء والضراء لينالوا درجة الشكر والصبر ... \" (^١).\nوقال الإمام ابن القيم: \"على حسب صبر العبد وشكره تكون قوة إيمانه وآيات الله إنما ينتفع بها من آمن بالله ولا يتم له الإيمان إلا بالصبر والشكر فإن رأس الشكر التوحيد ورأس الصبر ترك إجابة داعي الهوى، فإذا كان مشركًا متبعًا هواه لم يكن صابرًا ولا شكورًا .. \" (^٢).\nوقال ابن عثيمين في بيان موقف العبد حال المصيبة: \"الرابعة: الشكر وهو أعلى المراتب وذلك أن يشكر الله على ما أصابه من مصيبة وذلك يكون في عباد الله الشاكرين حين يرى أن هناك مصائب أعظم منها وأن مصائب الدنيا أهون من مصائب الدين، وأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وأن هذه المصيبة سبب لتكفير سيئاته وربما لزيادة حسناته شكر الله على ذلك قال النبي - ﷺ -: \"ما يصيب المؤمن من هم ولا غم ولا شيء إلا كفّر له بها حتى الشوكة يشاكها\"، كما أنه قد يزداد إيمان المرء بذلك\" (^٣).\nفائدة: في قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢].\nقال ابن عثيمين: \"أكثر المفسرين على أنه على حذف مضاف، أي: أتجعلون شكر رزقكم، أي: ما أعطاكم الله من شيء من المطر ومن إنزال القرآن، أي: تجعلون شكر هذه النعمة العظيمة أن تكذبوا بها، والنبي - ﷺ - وإن كان ذكرها في المطر، فإنها تشمل المطر وغيره.\n_________\n(^١) العقيدة الأصفهانية ص ١٢٩.\n(^٢) الفوائد ص ١٣١.\n(^٣) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١٠/ ٦٩٤، ٦٩٥، وانظر القول المفيد ط ٢١/ ٢١٦، ٢١٧.","vol":"2","page":530},{"text":"وقيل: إنه ليس في الآية حذف، والمعنى: تجعلون شكركم تكذيبًا، وقال: إن الشكر رزق، وهذا هو الصحيح، بل هو أكبر الأرزاق، قال الشاعر:\nإذا كان شكري نعمة الله نعمة ... عليّ له في مثلها يجب الشكر\nفكيف بلوغ الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام واتصل العمر\nفالنعمة تحتاج إلى شكر، ثم إذا شكرتها، فهي نعمة أخرى تحتاج إلى شكر ثان، وإن شكرت في الثانية، فهي نعمة تحتاج إلى شكر ثالث، وهكذا أبدًا، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨] \" (^١).\n_________\n(^١) القول المفيد من مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١٠/ ٦٩٤، ٦٩٥.","vol":"2","page":531},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-806>١٧٨ - شهادة أن محمدًا رسول اللّه </span>*\n<span data-type=\"title\" id=toc-807>[الإيمان بالرسل - النبوة]</span>\nالشهادة لغة: قال الجوهري: \"الشهادة: خبرٌ قاطع.\nوالمشاهدة: المعاينة، وشَهدَهُ شُهودًا، أي حَضرَه، فهو شاهدٌ. وقومٌ شُهودٌ، أي حُضورٌ، وشهد له بكذا أي أدّى ما عنده من الشهادة، فهو شاهد\" (^١).\nوفي مقاييس اللغة لابن فارس: شهد: الشين والهاء والدال أصلٌ يدلُّ على حضور وعلم وإعلام، لا يخرُج شيءٌ من فروعه عن الذي ذكرناه. من ذلك الشهادة، يجمع الأصول التي ذكرناها من الحضور، والعلم، والإعلام. يقال: شهد يشهد شهادةً. اهـ.\nقال الإمام القاضي ابن أبي العز: \"وعبارات السلف في \"شهد\" تدور على الحكم والقضاء، والإعلام، والبيان، والإخبار، وهذه الأقوال كلها حق لا تنافي بينها، فإن الشهادة تتضمن كلام الشاهد وخبره، وتتضمن إعلامه وإخباره وبيانه، فلها أربع مراتب:\nفأول مراتبها: علم ومعرفة واعتقاد لصحة المشهود به وثبوته.\nوثانيها: تكلُّمه بذلك، وإن لم يُعلم به غيره، بل يتكلم بها مع نفسه ويذكرها وينطق بها أو يكتبها.\nوثالثها: أن يُعلم غيره بها بما يشهد به، ويُخبره به، ويبينه له.\nورابعها: أن يُلزمه بمضمونها ويأمرَه به.\n_________\n* انظر مراجع النبوة، الدرر السنية ١٢/ ٥٤٠.\n(^١) مختار الصحاح (ش هـ د).","vol":"2","page":532},{"text":"فشهادة الله سبحانه لنفسه بالوحدانية والقيام بالقسط تضمنت هذه المراتب الأربع: علمه سبحانه بذلك، وتكلمه به، وإعلامه، وإخباره لخلقه به، وأمرهم وإلزامهم به\" (^١).\nوفي الشرع قال القاضي عياض: \"والإيمان به - ﷺ - هو تصديق نبوته ورسالة الله له وتصديقه في جميع ما جاء به، وما قاله، ومطابقة تصديق القلب بذلك شهادة اللسان بأنه رسول الله - ﷺ - فإذا اجتمع التصديق به بالقلب والنطق بالشهادة بذلك اللسان ثم الإيمان به والتصديق له\" (^٢).\nوقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: \"معنى شهادة أن محمدًا رسول الله: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع\" (^٣).\nوقال الشيخ محمد بن عثيمين: \"معنى شهادة \"أن محمدًا رسول الله\" هو الإقرار باللسان والإيمان بالقلب بأن محمد بن عبد الله القرشي الهاشمي رسول الله ﷿ إلى جميع الخلق من الجن والإنس كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦] ولا عبادة لله تعالى إلا عن طريق الوحي الذي جاء به محمد - ﷺ - كما قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان: ١].\nومقتضى هذه الشهادة أن تصدق رسول الله - ﷺ - فيما أخبر، أن تمتثل أمره فيما أمر، وأن تجتنب ما عنه نهى وزجر، وأن لا تعبد الله إلا بما شرع، ومقتضى هذه\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية ١/ ٤٤، وانظر مدارج السالكين ٣/ ١٥١.\n(^٢) الشفاء ٢/ ٣.\n(^٣) ثلاثة الأصول من شرح الشيخ ابن عثيمين انظر مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٧١.","vol":"2","page":533},{"text":"الشهادة أيضًا أن لا تعتقد أن لرسول الله - ﷺ -، حقًّا في الربوبية وتصريف الكون، أو حقًّا في العبادة، بل هو - ﷺ - عبد لا يعبد ورسول لا يكذب، ولا يملك لنفسه ولا لغيره شيئًا من النفع أو الضر إلا ما شاء الله كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠] فهو عبد مأمور يتبع ما أمر به، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الجن: ٢١، ٢٢] وقال سبحانه: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨].\nوبهذا تعلم أنه لا يستحق العبادة لا رسول الله - ﷺ - ولا من دونه من المخلوقين، وأن العبادة ليست إلا لله تعالى وحده ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣]. وأن حقه - ﷺ -، أن تنزله المنزلة التي أنزله الله تعالى إياها وهي أنه عبد الله ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه\" (^١).\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"ويلزم من هذه الشهادة أن تتبعه في شريعته وفي سُنَّته وأن لا تبتدع في دينه ما ليس منه ولهذا نقول إن أصحاب البدع الذين يبتدعون في شريعة الرسول - ﷺ - ما ليس منها إنهم لم يحققوا شهادة أن محمدًا رسول الله\" (^٢).\nوشهادة أن محمدًا رسول الله كما تقتضي الإيمان به تقتضي الإيمان بجميع الرسل لما بينهما من التلازم، وكذلك الكتب التي جاءت بها الرسل (^٣).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين شرح ثلاثة الأصول ٦/ ٧١.\n(^٢) شرح رياض الصالحين ٢/ ٣٢٣.\n(^٣) انظر: التنبيهات السنية للرشيد ١١.","vol":"2","page":534},{"text":"* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [الأعراف: ٣]. وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب: ٣٦].\n* الدليل من السنة: حديث وفد عبد القيس حيث قال - ﷺ - لهم: \"أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس ... \" الحديث (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-808>أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-809>١ - أركان شهادة \"أن محمدًا رسول الله</span>\":\nلهذه الشهادة ركنان اثنان هما قولنا: عبده ورسوله. قال الله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ الآية، وقال ﷿: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. وقال ﷿: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾ [الأعراف: ١٥٨].\nوأما الإيمان بأنه عبد الله فلئلا يُغلا في جنابه ولا يرفع فوق مرتبة العبودية إلى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٣) ومسلم (١٧).","vol":"2","page":535},{"text":"مرتبة العبادة له من دون الله فإن حقه - ﷺ - أن تنزله المنزلة التي أنزله الله تعالى إياها. ووصف العبودية هو الذي اختاره الله لرسوله - ﷺ - في أشرف المقامات فقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾ [الكهف: ١]، وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١].\nوقوله (عبده) أضافه إليه إضافة تشريف وتعظيم، ومعنى العبد هنا المملوك العابد والعبودية الخاصة وصفه - ﷺ - كما قال سبحانه: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] وأعلى مراتب العبد العبودية الخاصة والرسالة، والنبي - ﷺ - أكمل الخلق في هاتين الصفتين الشريفتين، وأما الربوبية والألوهية فهما حق لله لا يشركه فيهما أحد، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، فضلا عن غيرهما (^١).\nولابد من العلم بمعناها لا يكفي مجرد التلفظ قال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: \"من اعتقد أنه بمجرد تلفظ الإنسان بهذه الكلمة (^٢) يدخل الجنة ولا يدخل النار بحال فهو ضال مخالف للكتاب والسنة وإجماع المؤمنين؛ فإنه قد تلفظ بها المنافقون الذين هم في الدرك الأسفل من النار، وهم كثيرون .. \" (^٣).\nوقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"ولا ريب أنه لو قالها (^٤) أحد من المشركين ونطق أيضا بشهادة أن محمدًا رسول الله ولم يعرف معنى الإله ولا معنى الرسول وصلى وصام وحج ولا يدري ما ذلك إلا أنه رأى الناس يفعلونه فتابعهم ولم يفعل شيئا من الشرك، فإنه لا يشك أحد في عدم إسلامه، وقد أفتى بذلك فقهاء المغرب كلهم في أول القرن الحادي عشر أو قبله في شخص كان كذلك كما ذكره صاحب\n_________\n(^١) انظر التنبيهات السنية للرشيد ص ١١.\n(^٢) يعني كلمة (لا إله إلا الله).\n(^٣) مجموع الفتاوى ٣٥/ ٢٠٢.\n(^٤) يعني قول الشهادة (لا إله إلا الله).","vol":"2","page":536},{"text":"\"الدر الثمين في شرح المرشد المعين\" من المالكية، ثم قال شارحه: وهذا الذي أفتوا به جلي في غاية الجلاء، لا يمكن أن يختلف فيه اثنان انتهى. ولا ريب أن عباد القبور أشد من هذا لأنهم اعتقدوا الإلهية في أرباب متفرقين\" (^١). وقد تقدم في أول الباب معنى شهادة أن محمدًا رسول الله - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-810>٢ - ماذا تتضمن معرفة النبي - ﷺ </span>-:\nقال ابن عثيمين: \"وأما معرفة النبي - ﷺ - فتتضمن خمسة أمور:\nالأول: معرفته نسبًا، فهو أشرف الناس نسبا فهو هاشمي قرشي عربي فهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، وهاشم من قريش، وقريش من العرب، والعرب من ذرية إسماعيل بن إبراهيم الخليل - ﵇ -.\nالثاني: معرفة سنّه، ومكان ولادته، ومهاجره وقد بينها الشيخ - محمد بن عبد الوهاب - بقوله: \"وله من العمر ثلاث وستون سنة، وبلده مكة، وهاجر إلى المدينة\". فقد ولد بمكة وبقي فيها ثلاثا وخمسين سنة، ثم هاجر إلى المدينة فبقي فيها عشر سنين، ثم توفي فيها في ربيع الأول سنة إحدى عشرة بعد الهجرة.\nالثالث: معرفة حياته النبوية وهي ثلاث وعشرون سنة فقد أوحى إليه وله أربعون سنة كما قال أحد شعرائه:\nوأتت عليه أربعون فأشرقت ... شمس النبوة منه في رمضان\nالرابع: بماذا كان نبيًا ورسولًا؟ فقد كان نبيًا حين نزل عليه قول الله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ١ - ٥]، ثم كان رسولًا حين نزل عليه قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ٨١، ٨٢.","vol":"2","page":537},{"text":"(٦)﴾ [المدثر: ١ - ٦] فقام - ﷺ - فأنذر وقام بأمر الله ﷿.\nالخامس: بماذا أرسل ولماذا؟ فقد أرسل بتوحيد الله تعالى وشريعته المتضمنة لفعل المأمور وترك المحظور، وأرسل رحمة للعالمين لإخراجهم من ظلمة الشرك والكفر والجهل إلى نور العلم والإيمان والتوحيد حتى ينالوا بذلك مغفرة الله ورضوانه وينجوا من عقابه وسخطه\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-811>٣ - خصائص النبي - ﷺ </span>-:\nقال الشيخ صالح الفوزان: \"للرسول محمد - ﷺ - خصائص اختص بها عن غيره من الأنبياء وخصائص اختص بها عن أمته.\nأ) والخصائص التي اختص بها عن غيره من الأنبياء كثيرة منها:\n١ - أنه خاتم النبيين، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، وقال - ﷺ -: \"أنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي\".\n٢ - المقام المحمود وهو الشفاعة العظمى (^٢).\n٣ - عموم بعثته إلى الثقلين الجن والإنس، قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ وهذا مجمع عليه، والآيات التي أنزلها الله على محمد - ﷺ - فيها خطاب لجميع الخلق: الجن والإنس، إذ كانت رسالته عامة للثقلين ...\n_________\n(^١) شرح الأصول الثلاثة من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ١٢١، ١٢٢.\n(^٢) انظر باب الشفاعة، فقد سبق الكلام عنها.","vol":"2","page":538},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية: يجب على الإنسان أن يعلم أن الله ﷿ أرسل محمدًا - ﷺ - إلى جميع الثقلين الإنس والجن، وأوجب عليهم الإيمان به وبما جاء به وطاعته، وأن يحللوا ما حلل الله ورسوله، ويحرموا ما حرم الله ورسوله، ويحبوا ما أحب الله ورسوله، ويكرهوا ما كرهه الله ورسوله، وأن كل من قامت عليه الحجة برسالة محمد - ﷺ - من الإنس والجن فلم يؤمن به استحق عقاب الله تعالى كما يستحقه أمثاله من الكافرين الذين بعث إليهم الرسول، وهذا أصل متفق عليه بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين وسائر طوائف المسلمين أهل السنة والجماعة وغيرهم ﵃ أجمعين.\n٤ - ومن خصائصه - ﷺ -: القرآن العظيم الذي أذعن لإعجازه الثقلان، وأحجم عن معارضته مصاقيع الإنس والجان، واعترف بالعجز عن الإتيان بأقصر سورة من مثله أهل الفصاحة والبلاغة من سائر الأديان، وقد سبق تفصيل ذلك.\n٥ - ومن خصائصه - ﷺ -: المعراج إلى السماوت العلى إلى سدرة المنتهى، إلى مستوى سمع فيه صريف الأقلام فكان قاب قوسين أو أدنى.\nب) وأما الخصائص التي اختص بها دون أمته: قال القرطبي في تفسيره: خص الله تعالى رسوله من أحكام الشريعة بمعانٍ لم يشاركه فيها أحد، في باب الفرض والتحريم والتحليل، مزية على الأمة وهبة له ومرتبة خص بها، ففرضت عليه أشياء ما فرضت على غيره، وحرمت عليه أشياء لم تحرم عليهم، وحللت له أشياء لم تحل لهم، منها متفق عليه، ومنها مختلف فيه .. ثم ذكر هذه الخصائص ومنها ... التهجد بالليل، يقال: إن قيام الليل كان واجبًا عليه إلى أن مات لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، والمنصوص أنه كان واجبًا عليه ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩].","vol":"2","page":539},{"text":"ومنها: أنه إذا عمل عملًا أثبته. ومنها: تحريم الزكاة عليه وعلى آله. ومنها: أنه أحل له الوصال في الصيام، وأحل له الزيادة على أربع نسوة. ومنها أنه أُحل له القتال بمكة. ومنها: أنه لا يُورث. ومنها: بقاء زَوْجيَّتهِ بعد الموت، وإذا طلق امرأة تبقى حرمته عليها فلا تُنكح، إلى غير ذلك من الخصائص النبوية\" (^١).\nولمزيد من التفصيل انظر في الأبواب (متابعة الرسول - ﷺ -) (النبوة).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-812>١٧٩ - الشهادة لمعين بالجنة أو النار</span>\nانظر باب (التألّي على الله).\n_________\n(^١) الإرشاد ص ١٧٣ - ١٧٦.","vol":"2","page":540},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-813>١٨٠ - الصبر </span>*\nالصبر في اللغة: الحبس والكف، ومنه قتل فلان صبرا أي إذا أُمسك وحبس ومنه قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨] أي: احبس نفسك معهم.\nوربما خولف بين أسمائه بحسب اختلاف مواقعه. فإن كان حبس النفس بمصيبة سمي صبرا لا غير، ويضاده الجزع، وإن كان في محاربة سمي شجاعة، ويضاده الجبن، وإن كان في نائبة مضجرة سمي رحب الصدر، ويضاده الضجر، وإن كان في إمساك الكلام سمي كتمانا، ويضاده البذل والهذر والإفشاء، وفي فضول العيش: زهد، ويضاده الحرص، وفي اليسير من الدنيا: قناعة، وضده الشره (^١).\nوفي الشرع: قال ابن تيمية ﵀: \"الصبر فيه جمع وإمساك ولهذا قيل الصبر حبس النفس عن الجزع\" (^٢).\nوقال ابن القيم ﵀: \"حبس النفس عن الجزع والتسخط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن لطم الخدود وشق الثياب ونحوهما\" (^٣).\n_________\n* شرح السنة للبغوي ٥/ ٤٤٦. أحكام القرآن القرطبي ١٥/ ٢١٥. التحفة العراقية لابن تيمية ٥٢. عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين تحقيق محمد عثمان الخشن. الآداب الشرعية لابن مفلح ١/ ٢٩ - ٣/ ٢٧٤. دليل الفالحين ١/ ١٣٧. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للقاري ٥/ ٨٤. تيسير العزيز الحميد ص ٥١٥. فتح المجيد ص ٤٢١. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٢٥٨ القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ٢١١، ط ٢ - ٢/ ٢٥٧ ومن المجموع ١٠/ ٦٨٩. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٣٨ الدرر السنية ٢/ ١٥٤. مجموع الفتاوى لابن باز ٢/ ٤٩١. ثلاثة الأصول لابن عثيمين. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ١/ ١١. الجيلاني وآراؤه الاعتقادية ٦٢٢. قواعد التوحيد للريس.\n(^١) مفردات الراغب ص ٢٧٣.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٧/ ٢٣٣.\n(^٣) عدة الصابرين لابن القيم ص ٢٧.","vol":"2","page":541},{"text":"وقال الراغب في مفرداته: \"الصبر: حبس النفس على ما يقتضيه العقل أو الشرع\" (^١).\nوقال ابن القيم - ﵀ -: \"وقيل: الصبر ثبات باعث العقل والدين في مقابلة باعث الهوى والشهوة\" (^٢)، ثم ذكر قول عمرو بن عثمان المكي - ﵀ -: \"الصبر هو الثبات مع الله وتلقي بلائه بالرحب والدعة\" وقال معلقًا عليه: \"ومعنى هذا أنه يتلقى البلاء بصدر واسع لا يتعلق بالضيق والسخط والشكوى\"\" (^٣).\nوقال الشيخ ابن عثيمين: \"الصبر: حبس النفس على طاعة الله، وحبسها عن معصية الله، وحبسها عن التسخط من أقدار الله\" (^٤).\n* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾ [الأنفال: ٤٦]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]. قال علقمة: \"هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم\" (^٥).\n* الدليل من السنة: عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"الطُّهُورُ شَطْرُ الإيمَانِ وَالْحَمْدُ لله تَمْلأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ لله، وَالْحَمْدُ لله تَمْلآَنِ - أَوْ تَمْلأُ - مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَالصَّلاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا\" (^٦).\n_________\n(^١) مفردات الراغب ص ٢٧٣.\n(^٢) عدة الصابرين لابن القيم ص ٣٣.\n(^٣) المصدر السابق.\n(^٤) شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ١٧.\n(^٥) أخرجه ابن جرير الطبري في التفسير ٢٨/ ١٢٣.\n(^٦) أخرجه مسلم (٢٢٣). والنسائي (٢٤٣٩). والترمذي (٣٥١٧).","vol":"2","page":542},{"text":"وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"إِذَا أَرَادَ الله بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ به يَوْمَ الْقِيَامَةِ\" (^١).\nوعن أنس بن مالك - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: \"إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط\" (^٢).\nوللبخاري ومسلم مرفوعًا: \"ما أعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر\" (^٣).\nولمسلم قال - ﷺ -: \"عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له\" (^٤).\nوأمر رسول الله - ﷺ - الأنصار بأن يصبروا على الأثرة التي يلقونها بعده حتى يلقوه على الحوض. وأمر عند ملاقاة العدو بالصبر، وأمر بالصبر عند المصيبة، وأخبر أنه إنما يكون عند الصدمة الأولى. وأمر المصاب بأنفع الأمور له وهو الصبر والاحتساب، فإن ذلك يخفف مصيبته ويوفر أجره (^٥).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-814> أقوال السلف في الصبر:</span>\nقال عمر - ﵁ -: \"وجدنا خير عيشنا بالصبر\" (^٦).\nوقال علي بن أبي طالب - ﵁ -: \"ألا إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا قطع الرأس بان الجسد، ثم رفع صوته فقال: ألا لا إيمان لمن لا صبر له\" (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٣٩٦).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٣٩٦)، وابن ماجه (٤٠٣١).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٤٦٩) (٦٤٧٠).\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٩٩٩).\n(^٥) للاستزادة انظر تيسير العزيز الحميد ص ٥١٥.\n(^٦) أخرجه البخاري في باب الصبر عن محارم الله ص ١١٢٢ ورقم الحديث بعده (٦٤٧٠).\n(^٧) انظر تيسير العزيز الحميد ص ٥١٥.","vol":"2","page":543},{"text":"وقال الإمام أحمد: \"ذكر الله الصبر في القرآن في نحو تسعين موضعًا\" (^١).\nوقال أبو الفرج بن الجوزي: \"الرجل كل الرجل من يصبر على العافية. وهذا الصبر متصل بالشكر، فلا يتم إلا بالقيام بحق الشكر، وإنما كان الصبر على السراء شديدا، لأنه مقرون بالقدرة، والجائع عند غيبة الطعام أقدر على الصبر منه عند حضور الطعام اللذيذ\" (^٢).\nوقال ابن القيم في منازل السائرين: \"والصبر حبس النفس على المكروه، وعقل اللسان عن الشكوى، وهو من أصعب المنازل على العامة وأوحشها في طريق المحبة وأنكرها في طريق التوحيد. وهو واجب بإجماع الأمة\" (^٣).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والله سبحانه وصف الأئمة بالصبر واليقين فقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤] (^٤).\nوقال ابن القيم: \"وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين\" (^٥).\nوقال ابن كثير: \"والصبر من صفات عباد الرحمن التي استحقوا بها الجنة العالية، ولقوا فيها التحية والسلام قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٧٦)﴾ [الفرقان: ٧٥ - ٧٦] (^٦).\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ٥١٥.\n(^٢) الآداب الشرعية ١/ ٣٠.\n(^٣) مدارج السالكين ٢/ ١٥٢.\n(^٤) الاستقامة لابن تيمية ١/ ٤٠.\n(^٥) مدارج السالكين.\n(^٦) تفسير القرآن العظيم ٣/ ٤٦٣.","vol":"2","page":544},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-815>أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-816>١ - حكم الصبر:</span>\nقال أبو بكر الطرطوشي في البدع والحوادث: \"التصبر واجب\" (^١).\nوقال ابن حزم في المحلى: \"والصبر واجب\" (^٢).\nوقال شيخ الإسلام: \"والصبر واجب باتفاق العلماء\" (^٣).\nوقد تقدم كلام ابن القيم في مدارج السالكين: \"أنه واجب بإجماع الأمة\" (^٤).\nوقال الشيخ سليمان بن عبد الله في حديث النهي عن النياحة: \"وفيه دليل على أن الصبر واجب، لأن النياحة منافية له، فإذا حرمت دل على وجوبه\" (^٥).\nوهذا الحكم متعلق بالأقسام الثلاثة؛ فالصبر على أقدار الله التي لا صنع للعبد فيها واجب بالاتفاق وكذلك الصبر عن المحرمات. قال شيخ الإسلام: \"والمؤمن مأمور بأن يصبر على المقدور\" (^٦).\nوقال - ﵀ -: \"وأما الصبر عن المحرمات فواجب وإن كانت النفس تشتهيها وتهواها\" (^٧).\nوأما الصبر على طاعة الله فيما افترض فواجب لا يخالف في لك عاقل.\nأما في غير هذه الأقسام الثلاثة فقد فصل الإمام ابن القيم في ذلك فقال بعد ذكره للنوع السابق - وهو الواجب -:\n_________\n(^١) كتاب البدع والحوادث ص ١٦٣.\n(^٢) المحلى ٥/ ٢١٦.\n(^٣) مجموع الفتاوى ١١/ ٢٦٠، ١٧/ ٢٧، والفتاوى الكبرى ٤/ ٤٤٣، وانظر: الآداب الشرعية ١/ ٣٠، وكشاف القناع ٢/ ١٦٣.\n(^٤) مدارج السالكين ٢/ ١٥٢.\n(^٥) تيسير العزيز الحميد ص ٥١٨.\n(^٦) مجموع الفتاوى ٨/ ٣٢٩.\n(^٧) مجموع الفتاوى ١٠/ ٥٧٤.","vol":"2","page":545},{"text":"وأما الصبر المندوب: فهو الصبر عن المكروهات، والصبر على المستحبات، والصبر على مقابلة الجاني بمثل فعله.\nوأما المحظور فأنواع: أحدها: الصبر عن الطعام والشراب حتى يموت وكذلك الصبر عن الميتة والدم ولحم الخنزير عند المخمصة حرام إذا خاف بتركه الموت، قال طاووس وبعده الإمام أحمد: من اضطر إلى أكل الميتة والدم فلم يأكل فمات دخل النار ...\nوأما الصبر المكروه فله أمثلة: أحدها: أن يصبر عن الطعام والشراب واللبس وجماع أهله حتى يتضرر بذلك بدنه. الثاني: صبره عن جماع زوجته إذا احتاجت إلى ذلك ولم يتضرر به. الثالث: صبره على المكروه. الرابع: صبره عن فعل المستحب.\nوأما الصبر المباح: فهو الصبر عن كل فعل مستوى الطرفين خير بين فعله وتركه والصبر عليه.\nوبالجملة: فالصبر على الواجب واجب، وعن الواجب حرام، والصبر عن الحرام واجب، وعليه حرام، والصبر على المستحب مستحب، وعنه مكروه، والصبر عن المكروه مستحب، وعليه مكروه، والصبر عن المباح مباح .. والله أعلم\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-817>٢ - أقسام الصبر:</span>\nيقول ابن القيم - ﵀ - في تقسيم الصبر: \"الصبر باعتبار متعلقه ثلاثة أقسام: صبر على الأوامر والطاعات حتى يؤديها، وصبر على المناهي والمخالفات حتى لا يقع فيها، وصبر على الأقدار والأقضية حتى لا يتسخطها.\nوهذه الأنواع الثلاثة هي التي قال فيها الشيخ عبد القادر في فتوح الغيب: لابد للعبد من أمر يفعله، ونهي يجتنبه، وقدر يصبر عليه ...\n_________\n(^١) عدة الصابرين ص ٢٣ باختصار.","vol":"2","page":546},{"text":"وهذه الثلاثة هي التي أوصى بها لقمان لابنه في قوله تعالى: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧)﴾ [لقمان: ١٧] \" (^١).\nوقال ابن عثيمين - ﵀ -: \"الصبر ثلاثة أنواع: أعلاها الصبر على طاعة الله، ثم الصبر عن معصية الله، ثم الصبر على أقدار الله.\nوهذا الترتيب من حيث هو لا باعتبار من يتعلق به، وإلا يكون الصبر على المعصية أشق على الإنسان من الصبر على الطاعة، إذا فتن الإ نسان مثلًا بامرأة جميلة تدعوه إلى نفسها في مكان خال لا يطلع عليه إلا الله وهو رجل شاب ذو شهوة؛ فالصبر عن هذه المعصية أشق ما يكون على النفوس، قد يصلي الإنسان مائة ركعه وتكون أهون عليه من هذا.\nوقد يصاب الإنسان بمصيبة يكون الصبر عليها أشق من الصبر على الطاعة فقد يموت له مثلا قريب أو صديق أو عزيز عليه جدا، فتجده يتحمل من الصبر على هذه المصيبة مشقة عظيمة ... \" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-818>٣ - تفاوت درجات الصبر:</span>\nقال ابن القيم - ﵀ -: \"الصبر نوعان: اختياري، واضطراري، والاختياري أكمل من الاضطراري؛ فإن الاضطراري يشترك فيه الناس ويتأتّى ممن لا يتأتى منه الصبر الاختياري.\nولذلك كان صبر يوسف الصديق - ﷺ - عن مطاوعة امرأة العزيز، وصبره على ما ناله في ذلك من الحبس والمكروه، أعظم من صبره على ما ناله من إخوته لما ألقوه\n_________\n(^١) عدة الصابرين ص ٤٦، ٤٧.\n(^٢) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١٠/ ٦٩٠، وانظر القول المفيد ط ١ - ٢/ ٢١٢.","vol":"2","page":547},{"text":"في الجب وفرقوا بينه وبين أبيه وباعوه بيع العبيد.\nوكذلك صبر الخليل - ﵀ -، والكليم، وصبر نوح، وصبر المسيح، وصبر خاتم الأنبياء وسيد المرسلين وسيد ولد آدم عليهم الصلاة والسلام كان صبرا على الدعوة إلى الله ومجاهدة أعداء الله؛ ولهذا سماهم الله أولي العزم، وأمر رسوله أن يصبر صبرهم قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] (^١).\nواعلم أن أجر الصبر في بعض الأعمال أكثر منه في غيره ويعظم الأجر بالصبر على أعظم الأعمال قال ابن تيمية - ﵀ -: \"فإن أعمال البر كلما عظمت كان الصبر عليها أعظم مما دونهما فإن في العلم والإمارة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصلاة والحج والصوم والزكاة من الفتن النفسية وغيرها ما ليس في غيرها ويعرض في ذلك ميل النفس إلى الرئاسة والمال والصور فإذا كانت النفس غير قادرة على ذلك لم تطمع فيه كما تطمع مع القدرة فإنها مع القدرة تطلب تلك الأمور المحرمة بخلاف حالها بدون القدرة فإن الصبر مع القدرة جهاد بل هو من أفضل الجهاد وأكمل من ثلاثة أوجه:\nأحدها: أن الصبر عن المحرمات أفضل من الصبر على المصائب.\nالثاني: أن ترك المحرمات مع القدرة عليها وطلب النفس لها أفضل من تركها بدون ذلك.\nالثالث: أن طلب النفس لها إذا كان بسبب أمر ديني كمن خرج لصلاة أو طلب علم أو جهاد فابتلي بما يميل إليه من ذلك فإن صبره على ذلك يتضمن فعل المأمور وترك المحظور بخلاف ما إذا مالت نفسه إلى ذلك بدون عمل صالح\" (^٢).\n_________\n(^١) عدة الصابرين ص ٢٤.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٠/ ٥٧٦، ٥٧٧.","vol":"2","page":548},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-819>٤ - موقف العبد حال المصيبة:</span>\nيقول الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -: \"والناس حال المصيبة على مراتب أربع:\nالأولى: التسخط، وهو إما أن يكون بالقلب كأن يسخط على ربه ويغضب على قدر الله عليه، وقد يؤدي إلى الكفر قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١] وقد يكون باللسان كالدعاء بالويل والثبور وما أشبه ذلك، وقد يكون بالجوارح كلطم الخدود وشق الجيوب ونتف الشعور، وما أشبه ذلك.\nالثانية: الصبر وهو كما قال الشاعر:\nالصبر مثل اسمه مر مذاقته ... لكن عواقبه أحلى من العسل\nفيرى الإنسان أن هذا الشيء ثقيل ويكرهه، لكنه يتحمله ويتصبر وليس وقوعه وعدمه سواء عنده، بل يكره هذا ولكن إيمانه يحميه من السخط.\nالثالثة: الرضا وهو أعلى من ذلك وهو أن يكون الأمران عنده سواء بالنسبة إلى قضاء الله وقدره وإن كان قد يحزن من المصيبة، لأنه رجل يسبح في القضاء والقدر أينما ينزل به القضاء والقدر فهو نازل به على سهل أو جبل، إن أصيب بنعمة أو أصيب بضدها فالكل عنده سواء، لا لأن قلبه ميت بل لتمام رضاه بربه ﷾ يتقلب في تصرفات الرب - ﷿ - ولكنها عنده سواء إذ إنه ينظر إليها باعتبارها قضاء لربه، وهذا الفرق بين الرضا والصبر.\nالرابعة: الشكر وهو أعلى المراتب وذلك أن يشكر الله على ما أصابه من مصيبة وذلك يكون في عباد الله الشاكرين حين يرى أن هناك مصائب أعظم منها وأن مصائب الدنيا أهون من مصائب الدين، وأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وأن هذه المصيبة سبب لتكفير سيئاته وربما لزيادة حسناته شكر الله على ذلك قال","vol":"2","page":549},{"text":"النبي - ﷺ -: \"ما يصيب المؤمن من هم ولا غم ولا شيء إلا كفّر له بها حتى الشوكة يشاكها\"، كما أنه قد يزداد إيمان المرء بذلك\" (^١).\nوقال شيخ الإسلام - ﵀ -: \"وأعلى من ذلك، أي: من الرضى أن يشكر الله على المصيبة لما يرى من إنعام الله تعالى عليه بها، حيث جعلها سببًا لتكفير خطاياه ورفع درجاته، وإنابته وتضرعه إليه وإخلاصه له في التوكل عليه ورجائه دون المخلوقين\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-820>٥ - حكم الرضا بقضاء الله جل وعلا:</span>\nقال ابن مفلح في الآداب الشرعية: \"قال ابن عقيل: الرضا بقضاء الله تعالى واجب فيما كان من فعله تعالى كالأمراض ونحوها، قال: فأما ما نهي عنه من أفعال العباد كالكفر والضلال فلا يجوز إجماعا، إذ الرضا بالكفر والمعاصي كفر وعصيان.\nوذكر الشيخ تقي الدين أن الرضا بالقضاء ليس بواجب في أصح قولي العلماء إنما الواجب الصبر\" (^٣).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وينبغي للإنسان أن يرضى بما يقدره الله عليه من المصائب التي ليست ذنوبا مثل أن يبتليه بفقر أو مرض أو ذل وأذى الخلق له فإن الصبر على المصائب واجب وأما الرضا بها فهو مشروع لكن هل هو واجب أو مستحب على قولين لأصحاب أحمد وغيرهم أصحهما أنه مستحب ليس بواجب\" (^٤).\nوقال ابن القيم: \"وقد أجمع العلماء على أنه مستحب مؤكد استحبابه. واختلفوا في وجوبه على قولين. وسمعت شيخ الإسلام يحكيهما على قولين لأصحاب أحمد وكان يذهب إلى القول باستحبابه، قال ابن تيمية: ولم يجيء الأمر به كما جاء الأمر\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١٠/ ٦٩٥، ٦٩٤، وانظر القول المفيد ط ١ - ٢/ ٢١٦، ٢١٧.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١١/ ٢٦٠.\n(^٣) الآداب الشرعية لابن مفلح ١/ ٣٠.\n(^٤) مجموع الفتاوى ٨/ ١٩١، وانظر أيضا للاستزادة المجموع ٢/ ٢٥٠.","vol":"2","page":550},{"text":"بالصبر وإنما جاء الثناء على أصحابه ومدحهم\" (^١).\nوقال - ﵀ - في كتابه شفاء العليل: \"وقد تنازع الناس فيه هل هو واجب أو مستحب على قولين وهما وجهان لأصحاب أحمد فمنهم من أوجبه واحتج على وجوبه بأنه من لوازم الرضا بالله ربًا وذلك واجب واحتج بأثر إسرائيلي: \"من لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي فليتخذ له ربًّا سواي\" (^٢).\nومنهم من قال: هو مستحب غير واجب فإن الإيجاب يستلزم دليلًا شرعيًا ولا دليل يدل على الوجوب وهذا القول أرجح فإن الرضا من مقامات الإحسان التي هي من أعلى المندوبات\". وقال: \"إن طائفة أجابت بأن التقديرات لها وجهين وجها يرضى بها منه وهو إضافتها إلى الله سبحانه خلقا ومشيئة ووجه يسخط منه وهو إضافتها إلى العبد فعلا واكتسابا\".\nثم يوضح ذلك بقوله: \"الحكم والقضاء نوعان ديني وكوني، فالديني يجب الرضا به وهو من لوازم الإسلام، والكوني منه ما يجب الرضا به كالنعم التي يجب شكرها ومن تمام شكرها الرضا بها، ومنه ما لا يجوز الرضا ربه كالمعايب والذنوب التي يسخطها الله وإن كانت بقضائه وقدره، ومنه ما يستحب الرضا به كالمصائب وفي وجوبه قولان هذا كله في الرضا بالقضاء الذي المقضي، وأما الذي هو وصفه سبحانه وفعله كعلمه وكتابه وتقديره ومشيئته فالرضا به من تمام الرضا بالله ربًا وإلهًا ومالكًا ومدبرًا، فبهذا التفصيل يتبين الصواب ويزول اللبس في هذه المسألة العظيمة التي هي مفرق طرق بين الناس\"\" (^٣).\nوقال شيخ الإسلام - ﵀ -: \"وأما الرضا فقد تنازع العلماء والمشايخ من\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٢/ ١٧١.\n(^٢) قال ابن تيمية: \"هذا أثر إسرائيلي ليس يصح عن النبي - ﷺ -\" نقلًا عن ابن القيم، مدارج السالكين ٢/ ١٧١.\n(^٣) شفاء العليل لابن قيم الجوزية ١/ ٢٧٨.","vol":"2","page":551},{"text":"أصحاب الإمام أحمد وغيرهم في الرضا بالقضاء: هل هو واجب أو مستحب؟ على قولين: فعلى الأول: يكون من أعمال المقتصدين، وعلى الثاني: يكون من أعمال المقربين. قال عمر بن عبد العزيز: الرضا عزيز، ولكن الصبر معول المؤمن. وقد روي عن النبي - ﷺ - أنه قال لابن عباس: \"إن استطعت أن تعمل لله بالرضا مع اليقين فافعل، فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا\".\nولهذا لم يجيء في القرآن إلا مدح الراضين لا إيجاب ذلك، وهذا في الرضا بما يفعله الرب بعبده من المصائب كالمرض والفقر والزلزال كما قال تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾ [البقرة: ٢١٤] فالبأساء في الأموال، والضراء في الأبدان، والزلزال في القلوب.\nوأما الرضا بما أمر به فأصله واجب، وهو من الإيمانه كما قال النبي - ﷺ - في الحديث الصحيح: \"ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا\"، وهو من توابع المحبة كما سنذكره إن شاء الله تعالى، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ [التوبة: ٥٩]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾ [محمد: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤)﴾ [التوبة: ٥٤].","vol":"2","page":552},{"text":"ومن النوع الأول ما رواه أحمد والترمذي وغيرهما عن سعد عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"من سعادة ابن آدم استخارته لله ورضاه بما قسم الله له، ومن شقاوة ابن آدم ترك استخارته لله وسخطه بما يقسم الله له\".\nوأما الرضا بالمنهيات من الكفر والفسوق والعصيان فأكثر العلماء يقولون لا يشرع الرضا بها، كما لا يشرع محبتها، فإن الله سبحانه لا يرضاها ولا يحبها، وإن كان قد قدّرها وقضاها كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥)﴾ [البقرة: ٢٠٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨]؛ بل يسخطها كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾ [محمد: ٢٨].\nوقالت طائفة: ترضى من جهة كونها مضافة إلى الله خلقًا وتُسخط من جهة كونها مضافة إلى العبد فعلًا وكسبًا. وهذا القول لا ينافي الذي قبله، بل هما يعودان إلى أصل واحد، وهو سبحانه إنما قدر الأشياء لحكمة، فهي باعتبار تلك الحكمة محبوبة مرضية، وقد تكون في نفسها مكروهة ومسخوطة، إذ الشيء الواحد يجتمع فيه وصفان يحب من أحدهما ويكره من الآخر، كما في الحديث الصحيح: \"ما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولابد له منه\".\nوأما من قال بالرضا بالقضاء الذي هو وصف الله وفعله لا بالمقضي الذي هو مفعوله، فهو خروج منه عن مقصود الكلام فإن الكلام ليس في الرضا فيما يقوم بذات الرب تعالى من صفاته وأفعاله، وإنما الكلام في الرضا بمفعولاته والكلام فيما يتعلق بهذا قد بيَّناه في غير هذا الموضع\" (^١).\n_________\n(^١) التحفة العراقية ص ٥٥ - ٥٨.","vol":"2","page":553},{"text":"وقال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -: \"أما بالنسبة لفعل المقَدِّر فيجب على الإنسان الرضا به والصبر، وبالنسبة للمقدور فيجب عليه الصبر ويستحب له الرضا.\nمثال ذلك: قدر الله على سيارة شخص أن تحترق، فكون الله قدر أن تحترق السيارة هذا قدر يجب على الإنسان أن يرضى به، لأنه من تمام الرضا بالله ربًا.\nوأما بالنسبة للمقدور الذي هو احتراق السيارة، فالصبر عليه واجب، والرضا به مستحب وليس بواجب على القول الراجح.\nوالمقدور قد يكون طاعات، وقد تكون معاصي، وقد يكون من أفعال الله المحضة، فالطاعات يجب الرضا بها، والمعاصي لا يجوز الرضا بها من حيث هي مقدور، أما من حيث كونها قدر الله فيجب الرضا بتقدير الله بكل حال، ولهذا قال ابن القيم:\nفلذلك نرضى بالقضاء ونسخط الـ ... مقضي حين يكون بالعصيان\nفمن نظر بعني القضاء والقدر إلى رجل يعمل معصية، فعليه الرضا؛ لأن الله هو الذي قدر هذا، وله الحكمة في تقديره، وإذا نظرنا إلى فعله، فلا يجوز له أن يرضى به لأنه معصية، وهذا هو الفرق بين القدر والمقدور\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-821>٦ - الفرق بين الرضا والصبر:</span>\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"قال طائفة من السلف منهم عمر بن عبد العزيز، والفضيل، وأبو سليمان، وابن المبارك، وغيرهم: إن الراضي لا يتمنى غير حاله التي هو عليها بخلاف الصابر، وقال الخواص: الصبر دون الرضى، الرضى أن يكون الرجل قبل نزول المصيبة راض بأي ذاك كان، والصبر أن يكون بعد نزول المصيبة يصبر (^٢).\n_________\n(^١) القول المفيد ٢/ ٢١٣، ومجموع الفتاوى ١٠/ ٦٩١.\n(^٢) الحلية ٨/ ٢٧٧.","vol":"2","page":554},{"text":"وقال ابن رجب: كلام الخواص هذا عزم على الرضى ليس هو الرضى، فإنه إنما يكون بعد القضاء كما في الحديث: \"وأسألك الرضى بعد القضاء\" (^١) لأن العبد قد يعزم على الرضى بالقضاء قبل وقوعه فإذا وقع انفسخت تلك العزيمة، فمن رضي بعد وقوع القضاء فهو الراضي حقيقة\" (^٢).\nوقال ابن القيم مبينًا ضابط الرضا: \"وليس من شرط الرضا ألا يحسَّ بالألم والمكاره بل ألا يعترض على الحكم ولا يتسخطه. ولهذا أشكل على بعض الناس الرضا بالمكروه وطعنوا فيه. قالوا: هذا ممتنع على الطبيعة. وإنما هو الصبر. وإلا كيف يجتمع الرضا والكراهة؟ وهما ضدان والصواب أنه لا تناقض بينهما وأن وجود التألم وكراهة النفس له لا ينافي الرضا كرضا المريض بشرب الدواء الكريه ورضا الصائم في اليوم الشديد الحرّ بما يناله من ألم الجوع والظمأ ورضا المجاهد بما يحصل له في سبيل الله من ألم الجراح وغيرها\" (^٣).\nوقال الشيخ سليمان بن عبد الله في قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: ٨]: \"وهذا دليل على فضيلة الرضى، وهو أن لا يعترض على الحكم ولا يتسخطه ولا يكرهه، وقد وصى النبي - ﷺ - رجلا فقال: \"لا تتهم الله في شيء قضاه لك\" (^٤).\nفإذا نظر المؤمن بالقضاء والقدر في حكمة الله ورحمته، وأنه غير متهم في قضائه، دعاه ذلك إلى الرضى، قال ابن مسعود: إن الله بقسطه وعلمه جعل الروح والفرح في اليقين والرضى، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (١٣٠٦).\n(^٢) انظر تيسير العزيز الحميد ص ٥٢٧.\n(^٣) المدارج لابن القيم ٢/ ١٨٢.\n(^٤) مسند الإمام أحمد (٢٣٠٩٤).\n(^٥) تيسير العزيز الحميد ص ٥٢٥.","vol":"2","page":555},{"text":"٧ - أمور تتنافى مع الصبر أو تقدح في كماله:\n١ - الشكوى إلى المخلوق على سبيل التسخط.\n٢ - الأنين.\n٣ - الندب والنياحة (^١).\nوهذه الأمور تحتاج إلى توضيح وتفصيل حتى يتبين منها ما يتنافى مع الصبر وما يقدح فيه أو يقدح في كماله وما لا يكون كذلك:\n١ - الشكوى: قال ابن القيم: \"الشكوى نوعان:\nأحدهما: الشكوى إلى الله، فهذا لا ينافي الصبر، كما قال يعقوب: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]، مع قوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ٨٣]، وقال أيوب: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: ٨٣] مع وصف الله له بالصبر، وقال سيد الصابرين صلوات الله وسلامه عليه: \"اللهم أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي، الخ .. \". وقال موسى - ﷺ -: \"اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك\".\nوالنوع الثاني: شكوى المبتلى بلسان الحال والمقال، فهذه لا تجامع الصبر بل تضاده وتبطله\" (^٢).\nوقال أيضًا - ﵀ -: \"والشكوى نوعان: شكوى بلسان المقال، وشكوى بلسان الحال، ولعلها أعظمها. ولهذا أمر النبي - ﷺ - من أنعم عليه أن يظهر نعمة الله عليه. وأعظم من ذلك من يشتكي ربه وهو بخير؛ فهذا أمقت الخلق عند ربه. قال الإمام أحمد قال كعب الأحبار: \"إن من حسن العمل سبحة الحديث، ومن شر العمل\n_________\n(^١) انظر أيضًا الآداب الشرعية ص ٣٠.\n(^٢) عدة الصابرين ص ٣١.","vol":"2","page":556},{"text":"التحذيف\" قيل لعبد الله: ما سبحة الحديث؟ قال: سبحان الله بحمده في خلال الحديث. قيل: فما التحذيف؟ قال: يصبح الناس بخير، فيسألون، فيزعمون أنهم بشر! \" (^١).\nوقال أيضًا - ﵀ -: \"ومما يقدح في الصبر إظهار المصيبة، والتحدث بها. وكتمانها رأس الصبر. وقال الحسن بن الصباح في مسنده عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من البر كتمان المصائب والأمراض والصدقة\". وذكر أنه \"من بث الصبر فلن يصبر\" وروي من وجه آخر عن الحسن يرفعه: من البر كتمان المصائب، وما صبر من بث\" (^٢).\nأما ما كان من إخبار عن الحال وشكوى مما يجده من ألم لا يصحبه تسخط للقدر فقد نقل ابن مفلح عن ابن تيمية قال: \"ولا بأس أن يخبر بما يجده من ألم ووجع لغرض صحيح، لا لقصد الشكوى\" ا. هـ\nوإلى هذا ذهب أحمد وابن المبارك فاحتج أحمد بقول النبي - ﷺ - لعائشة لما قالت وارأساه قال: \"بل أنا وارأساه\" (^٣)، واحتج ابن المبارك بقول النبي - ﷺ - لابن مسعود: \"أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم\" (^٤) \" (^٥).\nقال ابن القيم: \"وأما إخبار المخلوق بالحال فإن كان للاستعانة بإرشاده أو معاونته والتوصل إلى زوال ضرره لم يقدح ذلك في الصبر كإخبار المريض للطبيب بشكايته\" (^٦).\n_________\n(^١) عدة الصابرين ص ٣٢٤، ٣٢٥.\n(^٢) عدة الصابرين ص ٣٢٦.\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٦٦٥)، والإمام أحمد (٢٦٤٣٣).\n(^٤) أخرجه البخاري (٥٦٦٠) ومسلم (٢٥٧١).\n(^٥) الآداب الشرعية ٢/ ١٨٢، ١٨٣.\n(^٦) عدة الصابرين ٣٢٣، وانظر ص ١٠٤.","vol":"2","page":557},{"text":"وقد نقل ابن حجر كلامًا للقرطبي - ﵀ - فقال: \"وقد اتفقوا على كراهة شكوى العبد ربه، وشكواه إنما هو ذكره للناس على سبيل التضجر\" (^١).\nوقال ابن حجر - ﵀ -: \"وأما إخبار المريض الطبيب أو صديقه عن حاله فلا بأس به اتفاقا\" (^٢).\nوقال أيضًا عند شرح حديث عائشة \"وارأساه\": \"وفيه أن ذكر الوجع ليس بشكاية فكم من ساكت وهو ساخط وكم من شاك وهو راض فالمعول في ذلك على عمل القلب لا على نطق اللسان\" (^٣).\n٢ - الأنين؛ قال ابن القيم: \"وأما الأنين فهل يقدح في الصبر، فيه روايتان عن الإمام أحمد قال أبو الحسين: أصحهما الكراهة لما روي عن طاووس أنه كان يكره الأنين في المرض. وقال مجاهد: كل شيء يكتب على ابن آدم مما يتكلم حتى أنينه في مرضه قال هؤلاء: وإن الأنين شكوى بلسان الحال ينافي الصبر. وقال عبد الله بن الإمام أحمد: \"قال لي أبي في مرضه الذي توفي فيه: أخرج إليّ كتاب عبد الله بن إدريس. فأخرجت الكتاب، فقال أخرج أحاديث ليث بن أبي سليم، فأخرجت أحاديث ليث، فقال: اقرأ عليّ أحاديث ليث، قال: قلت لطلحة: أن طاوس كان يكره الأنين في المرض، فما سمع له أنين حتى مات. فما سمعت أبي أنّ في مرضه إلى أن توفي.\nوالرواية الثانية: أنه لا يكره ولا يقدح في الصبر. قال بكر بن محمد عن أبيه سئل أحمد عن المريض يشكو ما يجد من الوجع، فقال: تعرف فيه شيئا عن رسول الله - ﷺ -؟ قال: نعم، حديث عائشة \"وارأساه\" (^٤)، وجعل يستحسنه.\n_________\n(^١) فتح الباري ١٠/ ١٢٩.\n(^٢) فتح الباري ١٠/ ١٢٩.\n(^٣) الفتح لابن حجر ١٠/ ١٣١.\n(^٤) سبق تخريجه.","vol":"2","page":558},{"text":"وقال المروزي: دخلت على أبي عبد الله وهو مريض، فسألته، فتغرغرت عيناه، وجعل يخبرني ما مر به في ليلته من العلة.\nوالتحقيق أن الأنين على قسمين: أنين شكوى فيكره، وأنين استراحة وتفريج فلا يكره، والله أعلم.\nوقد روى في أثر: أن المريض إذا بدأ بحمد الله، ثم أخبر بحاله، لم يكن شكوى وقال شقيق البلخي: من شكى من مصيبة نزلت به إلى غير الله، لم يجد في قلبه حلاوة لطاعة الله أبدا\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-822>٣ - الندب والنياحة وشق الثياب </span>...\nالندب: تعداد محاسن الميت وما يلقون بفقده بلفظ النداء (^٢). والإتيان بحرف الندبة (^٣). مثل قولهم: وارجلاه، واجبلاه، واانقطع ظهراه، وأشباه هذا.\nوالنوح: قال في التيسير: \"أي: رفع الصوت بالندب بتعديد شمائله لما في ذلك من التسخط على القدر والجزع المنافي للصبر، وذلك كقول النائحه: واعضداه، واناصراه، واكاسياه ونحو ذلك\" (^٤).\nومن أحاديث النهي عن ذلك حديث عَبْدِ الله بن مسعود عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ\" (^٥).\nوحديث كريمة المزنية قالت: سمعت أبا هريرة وهو في بيت أم الدرداء يقول: قال رسول الله - ﷺ -: \"ثلاثة من الكفر بالله: شق الجيب، والنياحة، والطعن في النسب\" (^٦).\n_________\n(^١) عدة الصابرين ٣٢٤.\n(^٢) المغني لابن قدامة ٢/ ٥٤٧.\n(^٣) حاشية البجيرمي ١/ ٥٠٢.\n(^٤) تيسير العزيز الحميد ص ٥١٨، وانظر سبل السلام ٢/ ١١٥.\n(^٥) أخرجه البخاري (١٢٩٨) (١٢٩٤) ومسلم (١٠٣).\n(^٦) أخرجه الحاكم في مستدركه في الجنائز ١/ ٣٨٣ وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي عليه.","vol":"2","page":559},{"text":"قال في التيسير: \"قوله: ودعى بدعوى الجاهلية قال شيخ الإسلام: \"هو ندب الميت\" وقال غيره: \"هو الدعاء بالويل والثبور\".\nوقال الحافظ: \"أي: من النياحة ونحوها\" وكذا الندب به كقولهم: واجبلاه، وكذا الدعاء بالويل والثبور.\nوقال ابن القيم: \"الدعاء بدعوى الجاهلية، كالدعاء إلى القبائل والعصبية للإنسان، ومثله التعصب للمذاهب والطوائف، والمشايخ وتفضيل بعض على بعض في الهوى والعصبية، وكونه منتسبا إليه يدعو إلى ذلك، ويوالي عليه، ويعادي ويزن الناس به، فكل هذا من دعوى الجاهلية. قال الشيخ سليمان بن عبد الله: الصحيح أن دعوى الجاهلية يعم ذلك كله\" (^١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت\" (^٢).\nوقال ابن تيمية: \"فقوله: \"هما بهما\" أي: هاتان الخصلتان هما كفر قائم بالناس فنفس الخصلتين كفر حيث كانتا من أعمال الكفر وهما قائمتان بالناس، لكن ليس كل من قام به شعبة من شعب الكفر يصير بها كافرا الكفر المطلق حتى تقوم به حقيقة الكفر كما أنه ليس كل من قام به شعبة من شعب الإيمان يصير بها مؤمنا حتى يقوم به أصل الإيمان وحقيقته وفرق بين الكفر المعرف باللام كما في قوله - ﷺ -: \"ليس بين العبد وبين الكفر أو الشرك إلا ترك الصلاة\" وبين كفر منكر في الإثبات\" (^٣).\nوعن أبي مالك الأشعري - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٥١٩.\n(^٢) أخرجه مسلم (٦٧).\n(^٣) اقتضاء الصراط ١/ ٢٠٧، ٢٠٨.","vol":"2","page":560},{"text":"بالنجوم، والنياحة\"، وقال: \"النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب\" (^١).\nقال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -: \"قوله \"تقام يوم القيامة\" أي تقام من قبرها.\nقوله: \"وعليها سربال من قطران\" السربال: الثوب السابغ كالدرع، والقطران معروف. ويسمى \"الزفت\"، وقيل: وقيل إنه النحاس المذاب.\nقوله: \"ودرع من جرب\" الجرب: مرض معروف يكون في الجلد يؤرق الإنسان، وربما يقتل الحيوان، والمعنى أن كل جلدها يكون جربًا بمنزلة الدرع، وإذا اجتمع قطران وجرب زاد البلاء؛ لأن الجرب أي شيء يمسه يتأثر به، فكيف ومعه قطران؟\nوالحكمة: أنها لما لم تغط المصيبة بالصبر غطيت بهذا الغطاء: سربال من قطران ودرع من جرب، فكانت العقوبة من جنس العمل\" (^٢).\nوفي البخاري: قال أبو بردة بن أبي موسى - ﵁ -: وجع أبو موسى وجعا فغشي عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله فأقبلت تصيح برنة فلم يستطع أن يرد عليها شيئا فلما أفاق قال: \"إني بريء ممن برئ منه رسول الله - ﷺ - إن رسول الله - ﷺ - برئ من الصالقة والحالقة والشاقة\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-823> حكم النياحة:</span>\nقال النووي: \"فأما النياحة فحرام\" (^٤).\nوقال في موضع آخر: \"وهو مجمع عليه\" (٥).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٩٣٤)، والإمام أحمد (٢٣٣٠٠) (٢٣٢٩١) (٢٣٢٩٢).\n(^٢) القول المفيد ٢/ ١٢٣، ومن مجموع الفتاوى ١٠/ ٦٠٤، ٦٠٥.\n(^٣) أخرجه البخاري (١٢٩٦)، ومسلم (١٠٤).\n(^٤) شرح النووي على مسلم ٢/ ١٣٨.\n(٥) شرح النووي على مسلم ٦/ ٢٣٦","vol":"2","page":561},{"text":"وقال ابن عبد البر: \"وأجمع العلماء على أن النياحة لا تجوز للرجال ولا للنساء\" (^٢).\nوقال الصنعاني - ﵀ - في سبل السلام بعد أن ذكر حديثين منهما حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: \"لعن رسول الله - ﷺ - النائحة والمستمعة\" (^٣): \"والحديثان دالان على تحريم النياحة وتحريم استماعها إذ لا يكون اللعن إلا على محرم\" (^٤).\nوقال ابن القيم: \"ومما ينافي الصبر شق الثياب عند المصيبة ولطم الوجه، والضرب بإحدى اليدين على الأخرى، وحلق الشعر، والدعاء بالويل، ولهذا برئ النبي - ﷺ - ممن سلق وحلق وخرف. سلق: رفع صوته عند المصيبة وحلق رأسه، وشق ثيابه، ولا ينافيه البكاء والحزن، قال الله تعالى عن يعقوب: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤)﴾ [يوسف: ٨٤] قال قتادة: \"كظيم على الحزن فلم يقل إلا خيرًا\". وقال حماد بن سلمة، عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: \"ما كان من العين ومن القلب فمن الله والرحمة وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان\"\" (^٥).\nوقال الشيخ سليمان بن عبد الله (وقد جاء لعن من فعل ما في هذا الحديث عن ابن ماجه (^٦)، وصححه ابن حبان عن أبي أمامة أن رسول الله - ﷺ -: \"لعن الخامشة وجهها، والشاقة جيبها، والداعية بالويل والثبور\" وهذا يدل على أن هذه الأمور من الكبائر، لأنها مشتملة على التسخط على الرب وعدم الصبر الواجب، والإضرار\n_________\n(^٢) الاستذكار لابن عبد البر ٨/ ٣١٤.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٣١٢٨). والإمام أحمد (١١٦٤٥).\n(^٤) سبل السلام ٢/ ١١٥.\n(^٥) عدة الصابرين ص ٣٢٥.\n(^٦) رقم (١٥٨٥).","vol":"2","page":562},{"text":"بالنفس من لطم الوجه، وإتلاف المال؛ بشق الثياب وتمزيقها وذكر الميت بما ليس فيه، والدعاء بالويل والثبور والتظلم من الله تعالى وبدون هذا يثبت التحريم الشديد، فأما الكلمات اليسيرة إذا كانت صدقًا لا على النوح والتسخط فلا تحرم، ولا تنافي الصبر الواجب. نص عليه أحمد لما رواه في مسنده (^١) أنس أن أبا بكر - ﵁ - دخل على النبي - ﷺ - بعد وفاته فوضع فمه بين عينيه، ووضع يديه على صدغيه وقال: وانبياه واخليلاه واصفياه. وكذلك صح عن فاطمة - ﵂ - أنها ندبت أباها - ﷺ - فقالت: يا أبتاه أجاب ربا دعاه ... الحديث (^٢) \" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-824>مسألة: عذاب الميت بما نيح عليه</span>؟:\nفي الصحيح عن عمر بن الخطاب عن النبي - ﷺ - قال: \"إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه\" (^٤). وفي رواية: \"من نيح عليه يُعذب بما نيح عليه\" (^٥) وفي رواية عند مسلم: \"إن الميت ليُعذب ببكاء الحي\" (^٦). فقيل أنها متعارضة قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥].\nوقد أنكرت عائشة - ﵂ - أن يكون النبي - ﷺ - قال ذلك وإنمال: \"إن الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه\" (^٧).\nوقد تقدم رواية الصحابة لهذا الحديث وقد ثبت ذلك من رواية عمر بن الخطاب كما تقدم، وجاء عن غيره أيضًا وهم جازمون، فلا وجه للنفي مع إمكان\n_________\n(^١) رقم (٢٤٥٣٠) عن عائشة.\n(^٢) المستدرك ١/ ٣٨٢.\n(^٣) تيسير العزيز الحميد ٥١٩.\n(^٤) أخرجه البخاري (١٢٨٦) ومسلم (٩٢٧).\n(^٥) أخرجه البخاري (١٢٩١) وانظر مسلم (٩٢٧).\n(^٦) أخرجه مسلم (٩٢٧).\n(^٧) البخاري (١٢٨٨)، والترمذي (١٠٠٤).","vol":"2","page":563},{"text":"حمله على محمل صحيح (^١).\nقال ابن القيم: \"وليس في هذه الأحاديث إشكال ولا مخالفته لظاهر القرآن ولا تتضمن عقوبة الإنسان بذنب غيره؛ فإن النبي - ﷺ - لم يقل أن الميت يعاقب ببكاء أهله عليه ونوحهم، وإنما قال يعذب بذلك. ولا ريب أن ذلك يؤلمه ويعذبه، والعذاب هو الألم الذي يحصل له، وهو أعم من العقاب، والأعم لا يستلزم الأخص. وقد قال - ﷺ -: \"السفر قطعة من العذاب\". وهذا العذاب يحصل للمؤمن والكافر، حتى أن الميت ليتألم بمن يعاقب في قبره في جواره، ويتأذى بذلك كما يتأذى الإنسان في الدنيا بما يشاهده من عقوبة جاره. فإذا بكى أهل الميت عليه البكاء المحرم، وهو البكاء الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه، والبكاء على الميت عندهم اسم لذلك وهو معروف في نظمهم ونثرهم تألم الميت بذلك في قبره، فهذا التألم هو عذابه بالبكاء عليه، وهذه طريقة شيخنا في هذه الأحاديث ... \" (^٢).\nوللعلماء في ذلك أقوال مبسوطة ذكرها النووي وابن حجر رحمهما الله (^٣).\nفي شرحه لصحيح مسلم (٦/ ٢٢٧ - ٢٢٩)، وذكرها أيضًا ابن حجر - ﵀ - في فتح الباري (٣/ ١٥٨).\nقال النووي: \"والصحيح من هذه الأقوال ما قدّمناه عن الجمهور وأجمعوا كلهم على اختلاف مذاهبهم على أن المراد بالبكاء هنا البكاء بصوت ونياحة لا مجرد دمع العين\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر فتح الباري ٣/ ١٨٥، وعدة الصابرين ص ٨٦.\n(^٢) عدة الصابرين ١٣٩، وانظر أيضا قول شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى ٢٤/ ٣٧٤.\n(^٣) شرح صحيح مسلم ٦/ ٢٢٧ - ٢٢٩، فتح الباري ٣/ ١٥٨.\n(^٤) شرح النووي لصحيح مسلم ٦/ ٢٢٩، وذكرت ذلك في فتاوى اللجنة أن المراد بالبكاء هنا النياحة. انظر فتاوى اللجنة الدائمة ٩/ ١٦٠.","vol":"2","page":564},{"text":"قلت: وذكر الإمام الطبري وعياض ومن تبعه أن معنى التعذيب تألم الميت (^١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"إن الميت يشعر بالألم. كما في الحديث:\"السفر قطعة من العذاب\" (^٢).\nومتى حصل شيء من ذلك فإثمه على فاعله أو قائله ولا يلحق الميت من الإثم شيء إلا إذا كان له فيه مدخل كأن أوصى به (^٣). وقيل أنه محمل قوله ﵊: \"إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه\" فإن لم يمتثل أمره بذلك كان عليه إثم الأمر فقط\" (^٤).\nقال البخاري في صحيحه: \"باب قول النبي - ﷺ -: يعذب الميت ببكاء كان النوح من سنته ... فإذا لم يكن من سنته، فهو كما قالت عائشة - ﵂ -: \"ولا تزر وازرة وزر أخرى\"\" (^٥).\nقال ابن حجر - ﵀ -: \"ويحتمل أن يجمع بين هذه التوجيهات ينزل على اختلاف الأشخاص بأن يقال مثلًا: من كانت طريقته النوح فمشى أهله على طرقته أو بالغ بذلك عُذّب بصنعه، ومن كان ظالمًا فنُدب بأفعاله الجائرة عُذّب بما نُدب به، ومن كان يعرف من أهل النياحة فأهمل نهيهم عنها فإن كان راضيًا. بذلك التحق بالأول، وإن كان غير راض عذب بالتوبيخ كيف أهمل النهي، ومن سلم من ذلك كله واحتاط فنهى أهله عن المعصية ثم خالفوه وفعلوا ذلك كان تعذبيه تألُّمُه بما يراه منهم من مخالفة أمره وإقدامهم على معصية ربهم، والله تعالى أعلم بالصواب\" (^٦).\n_________\n(^١) فتح الباري ٣/ ١٥٨.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٢٤/ ٣٧٤، ٣٧٥، وانظر ١٨/ ١٤٢.\n(^٣) انظر شرح النووي لصحيح مسلم ٦/ ٢٢٧ - ٢٢٩.\n(^٤) حاشية البجيرمي ١/ ٥٠٢.\n(^٥) صحيح البخاري مع الفتح ٣/ ١٥٣.\n(^٦) فتح الباري ٣/ ١٨٥.","vol":"2","page":565},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-825>٨ - حكم البكاء:</span>\nالبكاء على الميت جائز لا كراهة فيه إذا لم يصحبه ندب ونياحة. قال أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ عَلَى أَبي سَيْفٍ الْقَيْنِ وَكَانَ ظِئْرًا لإِبْرَاهِيمَ - ﵇ - فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللهِ - ﷺ - تَذْرِفَانِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ - ﵁ - وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: \"يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ ثُمَّ أَتْبَعَهَا بأُخْرَى فَقَالَ - ﷺ -: \"إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ وَلا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ\" (^١).\nوقد بسط الإمام ابن القيم أدلة المجيزين في كتابه عدة الصابرين (^٢) فليراجع هناك.\nقال في الوسيط: \"أما البكاء فجائز من غير ندبة ونياحة وشق جيب وضرب خد فكل ذلك حرام لأنه يخالف الانقياد لقضاء الله تعالى\" (^٣).\nوفي حاشية البجيرمي: \"فالبكاء وحده لا يحرم\" (^٤).\nوقال ابن حزم: \"والصبر واجب والبكاء مباح ما لم يكن نوح، فإن النوح حرام والصياح وخمش الوجوه وضربها وضرب الصدر ونتف الشعر وحلقه للميت كل ذلك حرام، وكذلك الكلام المكروه الذي هو تسخط لأقدار الله تعالى وشق الثياب\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٠٣).\n(^٢) ص ١٣١ - ١٣٣.\n(^٣) الوسيط ٢/ ٣٩٢، وانظر مثله قول الفاكهاني في مواهب الجليل ٢/ ٢٣٥.\n(^٤) حاشية البجيرمي ١/ ٥٠٢.\n(^٥) المحلى ٥/ ١٤٦، وانظر القائلين بجوازه أيضا سنن البيهقي ٤/ ٧٠، والنووي ١٥/ ٧٥، فتح الباري ٣/ ١٥٩، سبل السلام ٢/ ١١٧، نيل الأوطار ٤/ ١٩٤.","vol":"2","page":566},{"text":"وقال ابن تيمية: \"لكن البكاء على الميت على وجه الرحمة مستحب، وذلك لا ينافي الرضا بقضاء الله، بخلاف البكاء عليه لفوات حظه منه، وبهذا يعرف معنى قول النبي - ﷺ - لما بكى على الميت وقال: \"إن هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده\" (^١) وإنما يرحم الله من عباده الرحماء، وأن هذا ليس كبكاء من يبكي لحظه لا لرحمة الميت. وأن الفضيل لما مات ابنه ضحك، وقال: رأيت أن الله قد قضى، فأحببت أن أرضى بما قضى الله به. حاله حال حسن بالنسبة إلى أهل الجزع، فأما رحمة الميت والرضا بالقضاء وحمد الله كحال النبي - ﷺ - فهذا أكمل\" (^٢).\nوقال ابن مفلح: \"وذكر الشيخ وجيه الدين من أصحابنا في \"شرح الهداية\" أنه يجوز البكاء على الميت إذا تجرد عن فعل محرم من ندب ونياحة وتسخط بقضاء اللهُ وقدره المحترم، والجزع الذي يناقض الانقياد والاستسلام له\" (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-826>٩ - فائدة في معنى الهلع:</span>\nقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢)﴾ [المعارج ١٩ - ٢٢] قال الشوكاني: \"قال في الصحاح: الهلع في اللغة أشد الحرص وأسوأ الجزع وأفحشه يقال هلِع بالكسر فهو هلع وهلوع على التكثير وقال عكرمة هو الضجور قال الواحدي المفسرون يقولون تفسير الهلع ما بعده يعني قوله ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ أي إذا أصابه الفقر والحاجة أو المرض أو نحو ذلك فهو جزوع أي كثير الجزع وإذا أصابه الخير من الغنى والخصب والسعة ونحو ذلك فهو كثير المنع والإمساك\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٩٢٣).\n(^٢) الآداب الشرعية ١/ ٣٠، وانظر مجموع الفتاوى ١٠/ ٤٧.\n(^٣) الآداب الشرعية ١/ ٣٠.","vol":"2","page":567},{"text":"وقال أبو عبيدة الهلوع هو الذي إذا مسه الخير لم يشكر وإذا مسه الشر لم يصبر\" (^١).\nقال ابن الجوزي: \"قوله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ أي أصابه الفقر جزوعا لا يصبر ولا يحتسب ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ أصابه المال منوعا بمنعه من حق الله - ﷿ - إلا المصلين وهم أهل الإيمان بالله\" (^٢).\nوقال ابن القيم: \"وإذا أردت معرفة الهلوع فهو الذي إذا أصابه الجوع مثلًا أظهر الاستجاعة وأسرع بها، وإذا أصابه الألم أسرع الشكاية وأظهرها، وإذا أصابه القهر أظهر الاستطامة والاستكانة وباء بها سريعًا، وإذا أصابه الجوع أسرع الانطراح على جنبه وأظهر الشكاية، وإذا بدا له مأخذ طمع طار إليه سريعًا، وإذا ظفر به أحله من نفسه محل الروح فلا احتمال ولا أفضال وهذا كله من صغر النفس ودناءتها وتدسيسها في البدن وإخفائها وتحقيرها. والله المستعان\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-827>١٨١ - الصدق المنافي للكذب</span>\nمن شروط (لا إله إلا الله)\nانظر باب (لا إله إلا الله) (أعمال القلوب).\n_________\n(^١) فتح القدير للشوكاني ٥/ ٢٩١.\n(^٢) زاد المسير ٨/ ٣٦٣.\n(^٣) عدة الصابرين - ص ٣٢٨.","vol":"2","page":568},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-828>١٨٢ - الصراط المستقيم</span>*\n<span data-type=\"title\" id=toc-829>[الدين - الإسلام - التوحيد - السنة]</span>\nقال ابن تيمية: \"وهذا الصراط المستقيم هو دين الإسلام المحض وهو مافي كتاب الله تعالى وهو السنة والجماعة فإن السنة المحضة. وهي دين الإسلام المحض\" (^١).\nقال ابن القيم - ﵀ - تعالى -: \"ولنذكر في الصراط قولا وجيزا، فإن الناس قد تنوعت عباراتهم عنه، وترجمتهم بحسب صفاته ومتعلقاته، وحقيقته شيء واحد وهو طريق الله الذي نصبه لعباده موصلا لهم إليه، ولا طريق إليه سواه، بل الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا طريقه الذي نصبه على ألسن رسله، وجعله موصلا لعباده إليه وهو إفراده بالعبودية وإفراد رسله بالطاعة، فلا يشرك به أحد في عبوديته. ولا يشرك برسوله أحد في طاعته، فيجرد التوحيد، ويجرد متابعة الرسول - ﷺ -، وهذا معنى قول بعض العارفين: إن السعادة كلها والفلاح كله مجموع في شيئين: صدق محبة، وحسن معاملة. وهذا كله مضمون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فأي شيء فسر به الصراط المستقيم، فهو داخل في هذين الأصلين. ونكتة ذلك أن تحبه بقلبك كله، وترضيه بجهدك كله، فلا يكون في قلبك موضع إلا معمور بحبه، ولا يكون لك إرادة إلا متعلقة بمرضاته فالأول\n_________\n* مجموع الفتاوى لابن تيمية ١/ ٦٥، اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٧٩. تيسير العزيز الحميد ص ٦٠، فتح المجيد ص ٥٢، أهم المهمات لابن سعدي من المجموعة ٣/ ٧٠، القول المفيد لابن عثيمين ط ١. ١/ ٣٨ ومن المجموع ٩/ ٣٠، مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٧/ ٣٠٨. مجموع مؤلفات الشيخ ٤/ ١٧.\n(^١) مجموع الفتاوى ٣/ ٣٦٩. وانظر ١٣/ ٣٣٦.","vol":"2","page":569},{"text":"يحصل بتحقيق شهادة أن لا إله إلا الله والثاني يحصل بتحقيق شهادة أن محمدا رسول الله وهذا هو الهدى ودين الحق وهو معرفة الحق والعمل به وهو معرفة ما بعث الله به رسوله والقيام به فقل ما شئت من العبارات التي هذا آخيَّتُها (^١) وقطب رحاها\" (^٢).\nوقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في تفسير سورة الفاتحة عن الصراط المستقيم: \"المراد بذلك الدين الذي أنزله الله على رسوله - ﷺ - وهو صراط الذين أنعمت عليهم وهم رسول الله - ﷺ - وأصحابه وأنت دائما في كل ركعة تسأل الله أن يهديك إلى طريقهم\" (^٣).\nوقال الشيخ السعدي: \"هو معرفة الحق والعمل به\" (^٤).\n* الدليل من الكتاب: قال الكل تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة:٦ - ٧]: وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣].\n* الدليل من السنة: عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: \"خَطَّ لَنَا رَسُولُ الله - ﷺ - خَطًّا مُرَبَّعًا وَخَطَّ فِي وَسَطِ الْخَطِّ خَطًّا وَخَطَّ خَارِجًا مِنْ الْخَطِّ خَطًّا وَحَوْلَ الَّذِي فِي الْوَسَطِ خُطُوطًا فَقَالَ: \"هَذَا ابْنُ آدَمَ وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ، وَهَذَا الَّذِي فِي الْوَسَطِ الإِنْسَانُ وَهَذ الْخُطُوطُ عُرُوضُهُ إِنْ نَجَا مِنْ هَذَا يَنْهَشُهُ هَذَا وَالْخَطُّ الْخَارِجُ الأَمَلُ\"\" (^٥). وفي رواية قال: خط لنا رسول الله - ﷺ - خطا بيده، ثم قال: \"هذا سبيل\n_________\n(^١) المراد به الوتد الذي تشد إليه الدابة.\n(^٢) بدائع الفوائد ٢/ ٤٠.\n(^٣) مجموع مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب - القسم الرابع ص ١٧.\n(^٤) تفسير سورة الفاتحة.\n(^٥) أخرجه الترمذي (٢٤٥٤).","vol":"2","page":570},{"text":"الله مستقيما، ثم خط خطوطا عن يمين ذلك الخط وعن شماله، ثم قال: هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣].\nوعن النواس بن سمعان مرفوعا قال: \"ضرب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: أيها الناس ادخلوا الصراط جميعا ولا تتفرجوا، وداع يدعو من جوف الصراط، فإذا أراد يفتح شيئا من تلك الأبواب، قال: ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه. والصراط: الإسلام، والسوران: حدود الله تعالى، والأبواب المفتحة: محارم الله تعالى، وذلك الداعي على رأس الصراط: كتاب الله - ﷿ -، والداعي من فوق الصراط: واعظ الله في قلب كل مسلم\" (^١).\nوعن مجاهد في قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ قال: \"البدع والشبهات\" (^٢).\nوقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"وهذه السبل تعم اليهودية، والنصرانية، والمجوسية، وعباد القبور، وسائر أهل الملل والأوثان، والبدع والضلالات من أهل الشذوذ والأهواء، والتعمق في الجدل، والخوض في الكلام، فاتباع هذه من اتباع السبل التي تذهب بالإنسان عن الصراط المستقيم إلى موافقة أصحاب الجحيم\" (^٣).\nوقد بيَّن شارحُ الطحاوية ضلالَ الفرق كالجهمية والقدرية والخوارج والمرجئة والرافضة فقال: \"وسبب ضلال هذه الفرق وأمثالهم عدولهم عن\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد (١٧٧٨٤) (١٧٧٨٦).\n(^٢) أخرجه ابن جرير في تفسيره ٨/ ٨٨، والدارمي في سننه ١/ ٧٩ برقم (٢٠٣).\n(^٣) تيسير العزيز الحميد ص ٦١.","vol":"2","page":571},{"text":"الصراط المستقيم، الذي أمرنا الله باتباعه، فقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. فوحد لفظ \"صراطه \" و\"سبيله\" وجمع \"السبل\" المخالفة له. وقال ابن مسعود - ﵁ -: خط لنا رسول الله - ﷺ - خطًا، وقال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن يساره، وقال: هذه سبل، على كل سبيل شيطان يدعو إليه، ثم قرأ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾. ومن هاهنا يعلم أن اضطرار العبد إلى سؤال هداية الصراط المستقيم فوق كل ضرورة، ولهذا شرع الله تعالى في الصلاة قراءة أمّ القرآن في كل ركعة، إما فرضا أو إيجابا، على حسب اختلاف العلماء في ذلك، لاحتياج العبد إلى هذا الدعاء العظيم القدر. المشتمل على أشرف المطالب وأجلها. فقد أمرنا الله تعالى أن نقول ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة:٦ - ٧] وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون\" (^١).\nوثبت في الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"لتتبعنّ سنن من كان قبلكم حذو القذّة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال فمن؟ \"\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-830> فائدة:\nقال ابن القيم - ﵀ -: \"قال الله تعالى ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا</span>\n_________\n(^١) الترمذي ٢٩٥٤.\n(^٢) الطحاوية ٤٧٣. تحقيق أحمد شاكر.","vol":"2","page":572},{"text":"تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣] فجمع سبل الباطل ووحد سبيل الحق ولا يناقض هذا قوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٦]. فإن تلك هي طرق مرضاته التي يجمعها سبيله الواحد وصراطه المستقيم فإن طرق مرضاته كلها ترجع إلى صراط واحد وسبيل واحد وهو سبيله التي لا سبيل إليه إلا منها\".","vol":"2","page":573},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-831>١٨٣ - صفر</span>*\nصَفَر: بفتح الصاد والفاء، وهو الشهر الثاني من الشهور الهجرية.\nوقد جاء الشرع بنفيه فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ وَلا هَامَةَ وَلا صَفَرَ\" (^١).\nوعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله - ﵁ - يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: \"لا عَدْوَى وَلا صَفَرَ ولا غُولَ\" قال الراوي عن أبي زبير: وَسَمِعْتُ أَبَا الزُّبَيْرِ يَذْكُرُ أَنَّ جَابرًا فَسَّرَ لَهُمْ قَوْلَهُ \"ولا صَفَرَ\" فَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: الصَّفَرُ الْبَطْنُ. فَقِيلَ لِجَابِرٍ: كَيْفَ؟ قَالَ: كَانَ يُقَالُ إنها دَوَابُّ الْبَطْنِ. قَالَ وَلَمْ يُفَسِّرْ الْغُولَ. قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: هَذه الْغُولُ الَّتِي تَغَوَّلُ\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-832> أقوال العلماء في معنى \"صفر</span>\":\nأولًا: قيل إنها: \"حية تكون في البطن، تصيب الماشية والناس، وهي أعدى من الجرب عند العرب\" (^٣). وجاء الشرع بنفي هذا الزعم. قال النووي في ذكره لمعاني صفر: \"أن الصفر دواب في البطن، وهي دود، وكانوا يعتقدون أن في البطن دابة تهيج عند الجوع، وربما قتلت صاحبها، وكانت العرب تراها أعدى من الجرب. وهذا التفسير هو الصحيح، وبه قال مطرف، وابن وهب، وابن حبيب وأبو عبيد، وخلائق من\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ٩/ ٢٨٢، ٢٤/ ١٩٩، الاستذكار لابن عبد البر ٢٧/ ٥٢، شرح السنة للبغوي ١٢/ ١٧١، تيسير العزيز الحميد ص ٤٣٩، فتح المجيد ص ٣٥٢، حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٢١٦، القول المفيد لابن عثيمين ط ١. ٢/ ٨١، ط ٢. ٢/ ٩٩، ومن المجموع ٩/ ٥٦٤، الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٢/ ١٦٦.\n(^١) أخرجه البخاري (٥٧٠٧)، (٥٧٥٧).\n(^٢) صحيح مسلم (٢٢٢٢).\n(^٣) انظر تيسير العزيز الحميد ص ٤٣٩.","vol":"2","page":574},{"text":"العلماء (^١) وقد ذكره مسلم عن جابر بن عبد الله راوي الحديث، فتعين اعتماده\" (^٢).\nقال في الفتح: \"فعلى هذا، فالمراد بنفي الصفر ما كانوا يعتقدونه فيه (^٣) من العدوى. ورجح الطبري هذا القول واستشهد له بقول الأعشى:\nوَلا يَعَضُّ على شُرْسُوفِهِ الصَّفَرُ\nوالشُرسوف بضم المعجمة وسكون الراء ثم مهملة ثم فاء: الضلع. والصفر: دود يكون في الجوف، فربما عض الضلع أو الكبد فقتل صاحبه. وقيل: المرد بالصفر: الحية، لكن المراد بالنفي نفي ما كانوا يعتقدون أن من أصابه قتله، فرد الشارع ذلك بأن الموت لا يكون إلا إذا فرغ الأجل. وقد جاء هذا التفسير عن جابر، وهو أحد رواة حديث: \"لا صفر\"، قاله الطبري\" (^٤).\nثانيًا: قيل: \"المراد تأخيرهم تحريم المحرم إلى صفر، وهو النسيء الذي كانوا يفعلونه، وبهذا قال مالك وأبو عبيدة\". ذكر ذلك النووي - رحمه الله تعالى - (^٥).\nوقال الشيخ ابن عثيمين: \"كانوا في الجاهلية ينسئون، فإذا أراوا القتال في شهر المحرم استحلوه وأخروا الحرمة إلى شهر صفر، وهذه النسيئة التي ذكرها الله بقوله تعالى: ﴿فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٧] وهذا القول ضعيف، يضعفه أن الحديث في سياق التطير، وليس في سياق التغيير\" (^٦).\nثالثًا: قيل: \"إن صفر هو شهر صفر\" ذكره في عون المعبود وقال: \"المُرَاد الشَّهْر\n_________\n(^١) منهم (سفيان بن عيينة وأحمد والبخاري وابن جرير) تيسير العزيز الحميد ٤٣٩.\n(^٢) شرح النووي على صحيح مسلم ١٣/ ٢١٤، ٢١٥ باب: لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر.\n(^٣) قال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"فعلى هذا: المراد بنفيه ما كانوا يعتقدونه من العدوى، ويكون عطفه على العدوى من عطف الخاص على العام\" تيسير العزيز الحميد ٤٣٩\n(^٤) فتح الباري ١٠/ ١٥٨.\n(^٥) شرح النووي على صحيح مسلم ١٣/ ٢١٤، ٢١٥ باب: لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر.\n(^٦) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٩/ ٥٦٤، وانظر القول المفيد ط ١ - ٢/ ٨٢.","vol":"2","page":575},{"text":"الْمَعْرُوف كَانُوا يَتَشَاءَمُونَ بِدُخُولِهِ\" (^١) روى أبو داود عن محمد بن راشد عمن سمعه يقول: إن أهل الجاهلية يتشاءمون بصفر (^٢).\nقال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: \"وقيل في الصفر قول آخر، وهو أن المراد به شهر صفر، وذلك أن العرب كانت تحرم صفر وتستحل المحرم، فجاء الإسلام برد ما كانوا يفعلونه من ذلك، فلذلك قال - ﷺ -: لا صفر. قال ابن بطال: وهذا القول مروي عن مالك\" (^٣).\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"والأقرب أن صفر يعني الشهر، وأن المراد نفي كونه مشؤوما، أي لا شؤم فيه، وهو كغيره من الأزمان يقدر فيه الخير، ويقدر فيه الشر\" (^٤).\nوجمع النووي بين القولين الأول والثاني فقال: \"ويجوز أن يكون المراد هذا والأول (^٥) جميعًا، وأن الصفرين جميعا باطلان، لا أصل لهما ولا تعريج على واحد منهما\" (^٦). وبالتفسيرين الأول والثاني قال ابن الأثير - ﵀ - ولم يجزم بواحد منهما (^٧).\n* حكم التشاؤم بصفر: انظر باب (الشؤم)، وقد تقدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-833>١٨٤ - الصليب </span>*\nانظر باب (الوثن).\n_________\n(^١) عون المعبود ١٠/ ٤٠٧.\n(^٢) سنن أبي داود (٣٩١٥).\n(^٣) فتح الباري ١٠/ ١٥٨. وانظر الأقوال الثلاثة في شرح السنة للبغوي ١٢/ ١٧٢.\n(^٤) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٩/ ٥٦٤، وانظر القول المفيد ط ١ - ٢/ ٨٢ ..\n(^٥) يعني من قال: دواب في البطن، أو قال: تأخيرهم تحريم المحرم إلى صفر.\n(^٦) شرح النووي على صحيح مسلم ١٣/ ٢١٤، ٢١٥ باب: لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر.\n(^٧) النهاية: \"ص ف ر\".\n* الآداب الشرعية لابن مفلح ٣/ ٤٨٠.","vol":"2","page":576},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-834>١٨٥ - الصنم </span>*\nقال الراغب الأصفهاني: \"الصنم جثة متخذة من فضة أو نحاس أو خشب كانوا يعبدونها متقربين به إلى الله تعالى وجمعه أصنام\" (^١).\nوقال ابن الأثير: \"قد تكرر ذكر الصنم والأصنام وهو ما اتخذ إلها من دون الله وقيل هو ما كان له جسم أو صورة فإن لم يكن له جسم أو صورة فهو وثن\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-835> الفرق بين الصنم والوثن:</span>\nقال ابن الأثير: \"أن الوثن كل ما له جثة معمولة من جواهر الأرض من الخشب والحجارة كصورة الآدمي تعمل وتنصب فتعبد، والصنم الصورة بلا جثة، ومنهم من لم يفرق بينهما وأطلقهما على المعنيين، وقد يطلق الوثن على غير الصورة كما في حديث عدي بن حاتم قال: \"قدمت على النبي - ﷺ - وفي عنقي صليب من ذهب فقال لي: ألق هذا الوثن عنك\" (^٣) \" (^٤).\nومن إطلاق الوثن على الصليب قول الأعشى:\nتطوف العفاة بأبوابه ... كطوف النصارى ببيت الوثن\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ٥/ ٤٥. تلبيس إبليس ص ٥٣. تيسير العزيز الحميد ص ١١٨. فتح المجيد ١٠١. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٥٠ القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ١١٣، ط ٢ - ١/ ١٤٤ ومن المجموع ٩/ ١٠٥. مجموع فتاوى ابن عثيمين ٧/ ٦١. مباحث العقيدة في سورة الزمر ص ٤٠١. المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام المجلد السادس. مجلة الدعوة العدد (١٧٨٧).\n(^١) المفردات للراغب (ص ن م).\n(^٢) النهاية (ص ن م).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٣٠٩٥).\n(^٤) النهاية (وث ن).","vol":"2","page":577},{"text":"قال الأزهري عن شمر: \"أراد بالوثن الصليب\" (^١).\nوفي التيسير قال: \"قال في عروة المفتاح: \"الصنم: هو ما له صورة، والوثن: ما ليس له صورة\". قال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"هذا هو الصحيح في الفرق بينهما، وقد جاء عن السلف ما يدل على ذلك\"\" (^٢).\nوقال ابن حجر: \"والأصنام جمع صنم قال الجوهري هو الوثن وقال غيره الوثن ما له جثة والصنم ما كان مصورا فبينهما عموم وخصوص وجهي فإن كان مصورا فهو وثن وصنم\" (^٣).\nوقد جاء عن علي - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه سمى الصورة صنمًا.\nوقال الشيخ حمود التويجري - ﵀ -: \"والصور داخلة في مسمى الأصنام عند أهل اللغة فتدخل فيما دعا إبراهيم ربه أن يجنبه وبنيه عبادتها\" (^٤).\nوقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"والأوثان هي المعبودات التي لا صورة لها، كالقبور والأشجار والعمد والحيطان والأحجار ونحوها، وقد تقدم بيان ذلك، وقيل: الوثن هو الصنم (^٥)، والصنم هو الوثن، وهذا غير صحيح إلا مع التجريد، فأحدهما قد يعني به الآخر وأما مع الاقتران، فيفسر كل واحد بمعناه\" (^٦).\nوبهذا يظهر أن الصنم والوثن إذا افترقا اتحدا وإذا اجتمعا اختلفا ولعل هذا يوضح قول من قال إن الوثن هو الصنم، والصنم هو الوثن.\n_________\n(^١) تهذيب اللغة للأزهري ١٥/ ١٤٤.\n(^٢) تيسير العزيز الحميد ٢٠٠.\n(^٣) فتح الباري ٤/ ٤٢٤.\n(^٤) إعلان النكير على المفتونين بالتصوير ص ١٨.\n(^٥) قال ابن عبد البر: \"قال أبو عمر الوثن الصنم وهو الصورة من ذهب كان أو من فضة أو غير ذلك من التمثال وكل ما يعبد من دون الله فهو وثن صنما كان أو غير صنم\". التمهيد ٥/ ٤٥.\n(^٦) تيسير العزيز الحميد ص ٣٣٨.","vol":"2","page":578},{"text":"قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في قول الرسول - ﷺ -: \"اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد\": \"ودل الحديث على أن قبر النبي - ﷺ - لو عُبد لكان ثنًا، لكن حماه الله تعالى بما حال بينه وبين الناس فلا يوصل إليه\" (^١).\nوقال - ﵀ -: \"الصنم ما كان منحوتًا على صورة، والوثن: ما كان منحوتًا على غير ذلك ذكره الطبري عن مجاهد.\nقلت: وقد يسمى الصنم وثنًا كما قال الخليل - ﵇ -: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧] ويقال: إن الوثن أعمُّ، وهو قوي، فالأصنام: أوثان، كما أن القبور أوثان\" (^٢).\nيقول الشيخ السعدي: \"إن الوثن اسم جامع لكل ما عبد من دون الله لا فرق بين الأشجار والأحجار والأبنية، ولا بين الأنبياء والصالحين والطالحين في هذا الموضع، وهو العبادة فإنها حق الله وحقه، فمن دعا غير الله أو عبده فقد اتخذه وثنًا، وخرج بذلك عن الدين، ولم ينفعه انتسابه إلى الإسلام، فكم انتسب إلى الإسلام من مشرك وملحد وكافر منافق. والعبرة بروح الدين وحقيقته لا بمجرد الأسامي والألفاظ التي لا حقيقة لها\" (^٣).\nوقال الشيخ ابن عثيمين: \"والأصنام: جمع صنم، وهو ما جعل على صورة إنسان أو غيره يعبد من دون الله. أما الوثن، فهو ما عبد من دون الله على أي وجه كان، وفي الحديث: \"لا تجعل قبري وثنًا يعبد\" فالوثن أعم من الصنم\" (^٤).\nوقال أيضًا في شرح باب: ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانًا تعبد\n_________\n(^١) فتح المجيد ص ٢٧٦.\n(^٢) فتح المجيد ص ١٠١.\n(^٣) القول السديد ص ٧١، ٧٣.\n(^٤) القول المفيد ١/ ١١٣، ومن مجموع الفتاوى ٩/ ١٠٥.","vol":"2","page":579},{"text":"من دون الله (^١): \"قوله: \"أوثانًا\"، جمع وثن، وهو كل ما نصب للعبادة، وقد يقال له: صنم، والصنم: تمثال ممثل، فيكون الوثن أعم.\nولكن ظاهر كلام المؤلف أن كل ما يعبد من في دون الله يسمى وثنًا، وإن لم يكن على تمثال نصب، لأن القبور قد لا يكون لها تمثال ينصب على القبر فيعبد\" (^٢).\n* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥)﴾ [إبراهيم: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨ - ١٣٩]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧٤)﴾ [الأنعام: ٧٤].\nوالأصنام كثيرة قديمًا وحديثًا فمما ذكره الله في كتابه العزيز: اللات والعزى ومناة وودًا وسواع ويغوث ويعوق ونسرًا، وهناك أصنام أخرى منها إساف ونائلة وذو الخلصة، وقد ألَّف الكلبي في ذلك كتابًا سماه الأصنام وذكر ابن كثير عن ابن إسحاق أصنامًا أخر فقال: \"وكانت فَلْس لطي ومن يليها بجبل طي بين سلمى وأجا، قال ابن هشام فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله - ﷺ - بعث إليه علي بن أبي طالب فهدمه واصطفى منه سيفين الرسوب، والمخذم فنفله إياهما رسول الله - ﷺ - فهما سيفا علي قال ابن إسحاق وكان لحمير وأهل اليمن بيت بصنعاء يقال له ريام وذكر أنه كان به كلب أسود، وأن الحبرين اللذين ذهبا مع تبع استخرجاه وقتلاه وهدما البيت قال ابن إسحاق: وكانت رضاء بيتًا لبني ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم ولها يقول المستوغر بن ربيعة بن كعب بن سعد حين هدمها في الإسلام:\n_________\n(^١) كتاب التوحيد مع شرح القول المفيد ١/ ٤٢٧.\n(^٢) القول المفيد ١/ ٤٢٨ ومن مجموع الفتاوى ٩/ ٤٢٨.","vol":"2","page":580},{"text":"ولقد شددت على رضاء شدة ... فتركتها قفرا بقاع أسمحا\nوقال ابن إسحاق وكان ذو الكعبات لبكر وتغلب ابني وائل وإياد بسنداد وله يقول أعشى بن قيس بن ثعلبة:\nبين الخورنق والسدير وبارق ... والبيت ذو الكعبات في سنداد\" (^١)\nوقال هشام بن السائب الكلبي في كتاب الأصنام: \"واستهترت العرب في عبادة الأصنام، فمنهم من اتخذ بيتًا. ومنهم من اتخذ صنمًا. ومن لم يقدر عليه ولا على بناء بيت نصب حجرا أمام خيمة مما استحسن، ثم طاف به كطوافه بالبيت وسموها الأنصاب. فإذا كانت تماثيل سموها الأصنام والأوثان، وسموا طوافهم الدوار. فكان الرجل إذا سافر فنزل منزلًا أخذ أربعة أحجار، فنظر إلى أحسنها فاتخذه ربًا وجعل ثلاثًا لقدره، وإذا ارتحل تركه، فإذا نزل منزلا آخر فعل مثل ذلك. فكانوا ينحرون ويذبحون عندها كلها ويتقربون إليها. وهم على ذلك عارفون فضل الكعبة عليها يحجُّونها ويعتمرون إليها، وكان الذين يفعلون من ذلك في أسفارهم إنما هو للاقتداء منهم بما يفعلون عندها، ولصبابة بها\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-836> ذكر بعض الأصنام المشتهرة في الجاهلية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-837>١ - هبل:</span> وهو أعظم أصنام قريش وكان موجودًا في جوف الكعبة (^٣).\nقال ابن هشام: \"حدثني بعض أهل العلم أن عمرو لحي خرج من مكة إلى الشام في بعض أموره، فلما قدم مآب من أرض البلقاء وبها يومئذ العماليق وهم ولد عملاق ويقال عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح رآهم يعبدون الأصنام فقال لهم: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون؟ قالوا له: هذه أصنام نعبدها فنستمطرها\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير ٤/ ٢٢٤.\n(^٢) كتاب الأصنام نقلًا عن حاشية إغاثة اللهفان ١/ ٢٠٨.\n(^٣) انظر مختصر سيرة الرسول - ﷺ - للشيخ محمد بن عبد الوهاب ص ١٢.","vol":"2","page":581},{"text":"فتمطرنا. فقال لهم: ألا تعطونني منها صنمًا فأسير به إلى أرض العرب فيعبدوه؟ فأعطوه صنمًا يقال له هُبل، فقدم به مكة فنصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه\" (^١).\nوكانت العرب تُعظِّم هذا الصنم وتستقسم عنده بالأزلام وتضرب القداح. يقول الكلبي: \"كان على صورة إنسان مكسور اليد اليمنى أوركته قريش فجعلت له يدًا من ذهب\" (^٢).\nوفي يوم أُحُد حين لم يبق مع رسول الله غير اثني عشر رجلًا وأصيب منهم سبعون رجلًا أقبل أبو سفيان وأخذ يرتجز: أعل هبل أعل هبل قال النبي - ﷺ -: \"ألا تجيبونه؟ \" قالوا: يا رسول الله، ما نقول؟ قال: \"قولوا الله أعلى وأجل\" (^٣).\nوأما تحطيم هبل فكان عام الفتح يوم دخل الرسول - ﷺ - مكة فأمر بكسر الأصنام، روى الأزرقي عن ابن عباس - ﵄ - في تحطيم الأصنام قال: \"وأمر رسول الله - ﷺ - بهبل فكسر وهو واقف عليه فقال الزبير بن العوام لأبي سفيان بن حرب: يا أبا سفيان، قد كُسر هبل، أما إنك قد كنت منه يوم أحد في غرور حين تزعم أنه قد أنعم عليك، فقال أبوسفيان: دع عنك هذا يا ابن العوام، فقد أرى أن لو كان مع إله محمد غيره لكان غير ما كان\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-838>٢ - اللات </span>(^٥):\nقال ابن كثير: \"كانت اللات صخرة بيضاء منقوشة وعليها بيت بالطائف له\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٢٠٢. وانظر: أخبار مكة للفاكهي ٥/ ١٥٤ فقد ساق الخبر بشيء من التفصيل.\n(^٢) الأصنام ص ٤٣.\n(^٣) صحيح البخاري (٣٠٣٩، ٤٠٤٣) مسند الإمام أحمد ١/ ٤٦٣ وانظر الطبقات الكبرى ٢/ ٤٧، ٤٨.\n(^٤) أخبار مكة للأزرقي ١/ ١٢٢.\n(^٥) اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٦٤٣. تيسير العزيز الحميد ص ١٧٦، ٣٤٣. فتح المجيد ص ١٥٥، ٢٧٩. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٩٠، ١٦٦. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ١٩٧، ٤٣٣، ط ٢ - ١/ ٢٥٣، ٥٤٨ ومن المجموع ٩/ ١٨٧.","vol":"2","page":582},{"text":"أستار وسدنة وحوله فناء معظم عند أهل الطائف وهم ثقيف ومن تابعها يفتخرون بها على من عداهم من أحياء العرب بعد قريش.\nوجاء عن عبد الله بن عباس وغيره أفهم قرءوا \"اللاتّ\" بتشد التاء وفسروه بأنه كان رجلًا يلتّ للحجيج في الجاهلية السويق فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه.\nوقال ابن جرير: وكانوا قد اشتقوا اسمها من اسم الله فقالوا \"اللات\" يعنون مؤنثة منه - تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا - \" (^١).\nوقال صاحب التيسير: \"وقال الأعمش: سموا اللات - بالتخفيف من الإله والعزَّى من العزيز\" (^٢).\nوقال ابن عثيمين: \"اللاتّ\" تقرأ بتشديد التاء وتخفيفها والتشديد قراءة ابن عباس فعى قراءة التشديد تكون اسم فاعل من اللت، وكان هذا الصنم أصله رجل يلت السويق للحجاج أي يجعل فيه السمن ويطعمه الحجاج، فلما مات عكفوا على قبره وجعلوه صنمًا.\nوأما على قراءة التخفيف فإن اللات مشتقة من الله أو من الإله فهم اشتقوا من أسماء الله اسما لهذا الصنم وسموه اللات وهي لأهل الطائف ومن حولهم من العرب\" (^٣).\nوذكر الكلبي أن قريشًا وجميع العرب تعظّم اللات وبها كانت تسمي زيد اللات، وتيم اللات\" (^٤).\nوقال ابن إسحاق: \"وكانت اللات لثقيف بالطائف وكان سدنتها وحجابها بني\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير ٤/ ٢٢٣.\n(^٢) تيسير العزيز الحميد ص ١٧٦.\n(^٣) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٩/ ١٨٨، وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ١٩٨.\n(^٤) الأصنام ص ٣٠.","vol":"2","page":583},{"text":"مُعَتِّب من ثقيف\" (^١).\nقال ابن كثير: \"وقد بعث إليها رسول الله - ﷺ - المغيرة بن شعبة وأبا سفيان صخر بن حرب فهدماها وجعلا مكانها مسجدا بالطائف\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-839>٣ - مَنَاة </span>(^٣):\nبفتح الميم والنون الخفيفة اسم صنم كانت على ساحل البحر، قال ابن كثير: \"أما مناة فكانت بالمشلل عند قديد بين مكة والمدينة وكانت خزاعة والأوس والخزرج في جاهليتها يعظمونها ويصلون منها للحج إلى الكعبة\" (^٤).\nوقال ابن عثيمين: \"مناة قيل مشتقة من المنّان وقيل من منى لكثرة ما يمنى عنده من الدماء بمعنى يراق ومنه سميت منى لكثرة ما يراق فيها من الدماء\" (^٥).\nوقد ذكرها الله في كتابه فقال - ﷿ -: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾ [النجم: ٢٠] وذكر المفسرون في قوله: ﴿الْأُخْرَى﴾ أقوالًا منها: \"أن ذلك للتحقير والذم وأن المراد المتأخرة الوضيعة\" (^٦).\nوقد بلغ من تعظيم المشركين إياها أنهم كانوا لا يطوفون بين الصفا والمروة تحرجا وتعظيما لها كما جاء في صحيح مسلم عن عروة بن الزبير عن عائشة - ﵄ - أخبرته: \"أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا هم وغسّان يهلّون لمناة فتحرّجوا أن يطوفوا بين الصفا والمروة وكان ذلك سنة في آبائهم من أحرم لمناة لم يطف بين\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام ١/ ٢١٠. وانظر تفسير ابن كثير ٤/ ٢٥٥.\n(^٢) تفسير ابن كثير ٤/ ٢٥٥.\n(^٣) اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٦٤٣. تيسير العزيز الحميد ص ١٧٧. فتح المجيد ص ١٥٧.حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٩١. القول المفيد لابن عثيمين ط ٢ - ١/ ٢٥٤ ومن المجموع ٩/ ١٨٨. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٢/ ٢٤٣.\n(^٤) تفسير ابن كثير: ٤/ ٢٢٣.\n(^٥) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٩/ ١٨٨، وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ١٩٨.\n(^٦) فتح القدير للشوكاني: ٥/ ١٥٤.","vol":"2","page":584},{"text":"الصفا والمروة وإنهم قالوا لرسول الله - ﷺ - عن ذلك حين أسلموا فأنزل الله - ﷿ - في ذلك قال تعالى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-840> هدم مناة:</span>\nقال ابن هشام: \"قال ابن إسحاق: وكانت مناة للأوس والخزرج ومن دان بدينهم من أهل يثرب على ساحل البحر من ناحية المشلل بقُدَيد قال ابن هشام: فبعث رسول الله - ﷺ - إليها أبا سفيان صخر بن حرب فهدمها ويقال: علي بن أبي طالب\" (^٢).\nوذكر ابن كثير في البداية والنهاية نقلًا عن الواقدي أن الذي هدم مناة سعد بن زيد الأشهلي (^٣).\nوقال ابن سعد الواقدي: \"في شهر رمضان سنة ثمان من مهاجر رسول الله - ﷺ - قالوا: بعث رسلوا لله - ﷺ - حين فتح مكة سعد بن زيد الأشهلي مناة وكانت بالمشلل للأوس والخزرج وغسان فلما كان يوم الفتح بعث رسول الله - ﷺ - سعد بن زيد الأشهلي يهدمها فخرج في عشرين فارسًا حتى انتهى إليها وعليها سادن فقال السادن: ما تريد؟ قال: هدم مناة. قال: أنت وذاك. فأقبل سعد يمشي إليها وتخرج إليه امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس تدعو بالويل وتضرب صدرها فقال السادن: مناة دونك بعض عصاتك ويضربها سعد بن زيد الأشهلي وقتلها، ويقبل على الصنم معه أصحابه فهدموه ولم يجدوا في خزانتها شيئًا وانصرف راجعًا إلى رسول الله - ﷺ -، وكان ذلك لست بقين من شهر رمضان\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٢٧٧).\n(^٢) سيرة ابن هشام ١/ ٨٥، ٨٦. وانظر تفسير ابن كثير ٤/ ٢٢٣.\n(^٣) البداية والنهاية ٤/ ٤٢٢.\n(^٤) الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ١٤٦، ١٤٧).","vol":"2","page":585},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-841>٤ - العزى </span>(^١):\nقال ابن كثير: \"قال ابن جرير: وكذا العزى من العزيز وكانت شجرة عليها بناء وأستار بنخلة وهي بين مكة والطائف كانت قريش يعظمونها كما قال أبو سفيان يوم أحد: لنا العزى ولا عزى لكم فقال رسول الله - ﷺ -: \"قولوا الله مولانا ولا مولى لكم\"\" (^٢). وقد ذكرها الله في القرآن فقال - ﷿ -: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣)﴾ [النجم ١٩ - ٢٣].\nوروى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ: لا إِلَهَ إِلَّا الله، وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ، فَلْيَتَصَدَّقْ\" (^٣).\nقال ابن كثير: \"هذا محمول على سبق لسانه في ذلك كما كانت ألسنتهم قد اعتادته في زمن الجاهلية، كما قال النسائي بسنده عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: حلفت باللات والعزى، فقال لي أصحابي: بئس ما قلت هجرا، فأتيت رسول الله - ﷺ - فذكرت ذلك له فقال: \"قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وانفث عن شمالك ثلاثا وتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثم لا تعد\"\" (^٤).\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٦٤٣. تيسير العزيز الحميد ص ١٧٦. فتح المجيد ص ١٥٦. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٩٠. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ١٩٧، ط ٢ - ١/ ٢٥٣ ومن المجموع ٩/ ١٨٨. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٢/ ٢٤٢.\n(^٢) تفسير ابن كثير ٤/ ٢٢٣.\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٧٦٠) (٦١٠٧) (٦٣٠١) (٦٦٥٠).\n(^٤) تفسير ابن كثير ٤/ ٢٢٣.","vol":"2","page":586},{"text":"وقال ابن هشام: \"فكانت لقريش ولبني كنانة العزى بنخلة، وكان سدنَتها وحجابَها بنو شيبان من سُليم حلفاء بني هاشم\" (^١).\nوقال ابن كثير: \"بعث إليها رسول الله - ﷺ - خالد بن الوليد فهدمها وجعل يقول:\nيا عزى كفرانك لا سبحانك ... إني رأيت الله قد أهانك\" (^٢)\nقال الكلبي: \"وكان الذي اتخذ العُزى ظالم بن أسعد\" (^٣).\nوعند النسائي عن أبي طفيل قال: \"لما فتح رسول الله - ﷺ - مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة وكانت بها العزى فأتاها خالد وكانت على ثلاث سمرات فقطع السمرات وهدم البيت الذي كان عليها ثم أتى النبي - ﷺ - فأخبره فقال: ارجع فإنك لم تصنع شيئًا فرجع خالد فلما أبصرته السدنة وهم حجبتها أمعنوا في الحيل وهم يقولون يا عزى، يا عزى، يا عزى فأتاها خالد فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحفن التراب على رأسها فعمتمها بالسيف حتى قتلها ثم رجع إلى سول الله - ﷺ - فأخبره فقال: تلك العزى\" (^٤).\nقال ابن الكلبي: \"ولم تكن قريش ومن أقام بها من العرب يعظمون شيئا من الأصنام إعظامها العزى ثم اللات ثم مناة\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-842>٥).\n\n٥ - أصنام قوم نوح ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر </span>(^٦):\nأخبر الله ﷾ عن تعظيم قوم نوح لهذه الأصنام حيث قال - ﷿ -:\n_________\n(^١) السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٨٣، ٨٤.\n(^٢) تفسير ابن كثير ٤/ ٢٢٣.\n(^٣) الأصنام للكلبي ص ٣٤.\n(^٤) السنن الكبرى ٦/ ٤٧٤.\n(^٥) الأصنام ص ٤٢.\n(^٦) تيسير العزيز الحميد ص ٣٠٧. فتح المجيد ص ٢٤٨. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ١٤٧. القول المفيد لابن عثيمين ط ٢ - ١/ ٤٧٢. مجموع فتاوى ابن عثيمين ٧/ ١٩.","vol":"2","page":587},{"text":"﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)﴾ [نوح: ٢٣].\nقال القرطبي: \"قال ابن عباس وغيره هي أصنام وصور كان قوم نوح يعبدونها ثم عبدتها العرب وهذا قول الجمهور\" (^١).\nقَالَ عَطَاءٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -: \"صَارَتْ الأَوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوح فِي الْعَرَبِ بَعْد، أَمَّا وَدٌّ كَانَتْ لِكَلْبٍ بدَوْمَةِ الْجَنْدَل، وَأَمَّا سُوَاعٌ كَانَتْ لِهُذَيْلٍ، وَأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادٍ ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ بِالْجَوْفِ عِنْدَ سَبَإٍ، وَأَمَّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ، وَأَمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرَ لآلِ ذِي الْكَلاع أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنْ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمْ الَّتِي كَانُوا يَجلسُونَ أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بأَسْمَائِهِمْ فَفَعَلُوا فَلَمْ تُعْبَدْ حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ الْعِلْمُ عُبدَتْ\" (^٢).\nوقال القرطبي: \"قال الماوردي فأما وَدُّ فهو أول صنم معبود سمي ودا لودهم له وكان بعد قوم نوح لكلب بدومة الجندل في قول ابن عباس وعطاء ومقاتل وفيه يقول شاعرهم:\nحياك ود فإنا لا يحل لنا ... لهو النساء وإن الدين قد عزما\nوأما سواع فكان لهذيل (^٣) بساحل البحر في قولهم وأما يغوث فكان لغطيف من مراد بالجوف من سبأ في قول قتادة وقال المهدوي لمراد ثم لغطفان. الثعلبيّ: وأخذت أعلى وأنعم - وهما من طيء - وأهلُ جَرش من مذحج يَغوثَ فذهبوا به إلى مراد فعبدوه زمانا، ثم إن بني ناجية أرادوا نزعه من أعلى وأنعم ففروا به إلى الحصين أخى بني الحارث بن كعب من خزاعة وقال أبو عثمان النهدي رأيت يغوث وكان من رصاص وكانوا يحملونه على جمل أحرد ويسيرون معه ولا\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن ١٨/ ٣٠٨.\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٩٢٠).\n(^٣) انظر سيرة ابن هشام ١/ ٧٨.","vol":"2","page":588},{"text":"يهيجونه حتى يكون هو الذي يبرك فإذا برك نزلوا وقالوا قد رضي لكم المنزل فيضربون عليه بناء ينزلون حوله وأما يعوق فكان لهمدان ببَلْخَع في قول عكرمة وقتادة وعطاء ذكره الماوردي وقال الثعلبي وأما يعوق فكان لكهلان من سبأ ثم توارثه فالأكبر حتى صار إلى همدان وفيه يقول مالك بن نمط الهمداني:\nيَريشُ الله في الدنيا ويبرى ... ولا يبرى يعوق ولا يَريشُ\nوأما نسر فكان لذي الكلاع من حمير في قول قتادة ونحوه عن مقاتل وقال الواقدي كان وَدُّ على صورة رجل وسواع على صورة امرأة ويغوث على صورة أسد ويعوق على صورة فرس ونسر على صورة نسر من الطير، فالله أعلم\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-843> كيف صارت أصنام قوم نوح إلى العرب</span>؟\nيقول الكلبي: \"إن مبتدع الأوثان للعرب عمرو بن لحي الخزاعي كان له قرين من الجن فأتاه يوما وأخبره أن أصنام قوم نوح المشهورة قد دفعها الطوفان إلى ساحل جدة وطمرتها الرمال.\nقال هشام الكَلبي: وكان له - أي عمرو بن لحي - رئي من الجن وكان يكنى أبا ثمامة، فقال له: عجّل بالمسير والظَّعْن من تهامة بالسعد والسلامة. ثم قال: ائت ضَفَّ جُدَّة فيها أصنامًا مُعدَّة، فأورِدها تهامةَ ولا تهب، ثم ادع العربَ إلى عبادتها تُجَب.\nفأتى شطَّ جُدَّة فاستثارها ثم حملها حتى ورد تهامةَ، وحضرا الحجُّ فدعا العربَ إلى عبادتها قاطبةً\" (^٢).\nوقد أُنكر عليه فعله هذا، قال الأزرقي: \"وكان بمكة رجل من جرهم على دين\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن ١٨/ ٣٠٨، ٣٠٩.\n(^٢) الأصنام ص ٦٥، ٦٦.","vol":"2","page":589},{"text":"إبراهيم وإسماعيل، وكان شاعرًا فقال لعمرو بن لحي حين غيّر الحنيفية:\nيا عمرو لا تظلم بمكةَ ... إنها بلدٌ حرام\nسايل بعادٍ أين هم ... وكذاك تحترم الأنام\nوبني العماليق الذين لـ ... ـهم بها كان السوام\nفزعموا أن عمرو بن لحي أخرج ذلك الجرهمي من مكة ... \" (^١).\nوظلت هذه الأوثان تعظمها العرب حى جاء الإسلام فلم يبقَ لها ذكر، بل دخل الناس في دين الله أفواجًا، وانمحت تلك الشركيات والضلالات فلم يبقَ لها ذكر. ولله الحمد والمنة.\nوقد بعث رسول الله - ﷺ - سرّية بقيادة عمرو بن العاص - ﵁ - لتحطيم سواع ويقول ابن العاص: \"فانتهيت إليه وعنده السادن فقال: ما تريد؟ قلت: أمرني رسول الله - ﷺ - أن أهدمه قال: لا تقدر على ذلك قلت: لم؟ قال: تمنع، قلت: حتى الآن أنت في الباطل ويحك وهل يسمع أو يبصر قال: فدنوت منه فكسرته وأمرت أصحابي فهدموا بيت خزانته فلم يجدوا شيئا ثم قلت: للسادن: كيف رأيت؟ قال: أسلمت لله\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-844>٦ - إساف ونائلة:</span>\nقال ابن إسحاق: \"واتخذوا إسافًا ونائلة على موضع زمزم ينحرون عندهما، وكان إساف ونائلة رجلًا وامرأة من جرهم - هو إساف بن بغي ونائلة بنت ديك -، فوقع إساف على نائلة في الكعبة، فمسخهما الله حجرين\" (^٣).\nوقال السهيلي: \"فأُخرجا إلى الصفا والمروة، فنصبا عليهما، ليكونا عبرة وموعظة، فلما كان عمرو بن لحي نقلهما إلى الكعبة، ونصبهما على زمزم، فطاف\n_________\n(^١) أخبار مكة ١/ ١٠٠، ١٠١.\n(^٢) الطبقات الكبرى ٢/ ١٤٦.\n(^٣) السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٨٢.","vol":"2","page":590},{"text":"الناس بالكعبة وبهما، حتى عُبدا من دون الله\" (^١).\nوقال ابن كثير: \"قال الشعبي: كان إساف على الصفا وكانت نائلة على المروة، وكانوا يستلمونها فتحرجوا بعد الإسلام من الطواف بينهما، فنزلت هذه الآية (^٢).\nقلت - أي ابن كثير -: ذكر محمد بن إسحاق في كتاب السيرة أن إسافًا ونائلة كانا بشرين، فزنيا داخل الكعبة فمسخا حجرين فنصبتهما قريش تجاه الكعبة ليعتبر بهما الناس، فلما طال عهدهما عُبدا، ثم حُولا إلى الصفا والمروة، فنُصبا هنالك فكان من طاف بالصفا والمررة يستلمهما، ولهذا يقول أبو طالب في قصيدته المشهورة:\nوحيث ينيخ الأشعرون ركابَهم ... لمفضي السيول من إساف ونائل\" (^٣)\nوأما إزالتهما فقال السهيلي: \"ذكر الواقدي: أن نائلة حين كسرها النبي - ﷺ - عام الفتح خرجت منها سوداء شمطاء - أي بيضاء الشعر - تخمش وجهها، وتنادي بالويل والثبور\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-845>٧ - ذو الخَلَصة:</span>\nبفتح الخاء واللام وهو بيت صنم ببلاد دوس يعبد من دون الله ويتقرب إليه بأنواع من العبادات.\nقال ابن إسحاق: \"وكانت ذو الخلصة لدوس وخثعم وبجيله ومن كان ببلادهم\" (١).\n_________\n(^١) الروض الأنف ١/ ١٠٥.\n(^٢) أي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوّف بهما ... [البقرة:١٥٨].\n(^٣) تفسير ابن كثير ٢/ ١٧٣، ١٧٤.\n(^٤) الروض الأنف ١/ ١٠٥.","vol":"2","page":591},{"text":"ببلادهم\" (^١).\nقال ابن كثير: \"وكان يقال لها الكعبة \"اليمانية\" والكعبة التى بمكة الكعبة \"الشامية\" فبعث إليه رسول - ﷺ - جرير بن عبد الله البجلي\" (^٢).\nوروى البخاري عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بَيْتٌ يُقَالُ لَهُ ذُو الْخَلَصَةِ وَكَانَ يُقَالُ لَهُ الْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَةُ أَوْ الْكَعْبَةُ الشَّأْمِيَّةُ فَقَالَ لِي رَسُولُ الله - ﷺ -: \"هَلْ أَنْتَ مُرِيحِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ؟ \" قَالَ فَنَفَرْتُ إِلَيْهِ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةِ فَارِسٍ مِنْ أَحْمَسَ قَالَ: فَكَسَرْنَا وَقتلْنَا مَنْ وَجَدْنَا عِنْدَهُ فَأتَيْنَاهُ فَأَخْبَرْنَاهُ فَدَعَا لَنَا وَلأَحْمَسَ\" (^٣).\nوروى البخاري عن أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: \"لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَليَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ عَلَى ذِي الْخَلَصَةِ\". وَذو الْخَلَصَةِ طَاغِيَةُ دَوْسِ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ (^٤).\nقال في الفتح: \"قال ابن التين: فيه الإخبار بأن نساء دوس يركبن الدواب من البلدان إلى الصنم المذكور فهو المراد باضطراب ألياتهن ... ويحتمل أن يكون المراد أنهن يتزاحمن بحيث تضرب عجيزة بعضهن الأخرى عند الطواف حول المراد المذكور وفي معنى هذا الحديث ما أخرجه الحاكم عن عبد الله بن عمر قال: \"لا تقوم الساعة حتى تدافع مناكب نساء بني عامر على ذي الخلصة\"\" (^٥).\nقال الشيخ حمود التويجري: \"وقد وقع ما أخبر به النبي - ﷺ - في هذا الحديث، فإن\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير ٤/ ٢٢٣.\n(^٢) تفسير ابن كثير ٤/ ٢٢٣.\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٨٢٣).\n(^٤) أخرجه البخاري (٧١١٦). ومسلم (٢٩٠٦).\n(^٥) فتح الباري ١٣/ ٨٢.","vol":"2","page":592},{"text":"قبيلة دوس وما حولها من العرب قد افتتنوا بذي الخلصة عندما عاد الجهل إلى تلك البلاد، فأعادوا سيرتها الأولى، وعبدوها من دون الله، حتى قام الشيخ محمد بن عبد الوهاب - ﵀ - بالدعوة إلى التوحيد، وجدّد ما اندرس من الدين، وعاد الإسلام إلى جزيرة العرب، فقام الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود - ﵀ -، وبعث جماعة من الدعاة إلى ذي الخلصة، فخربوها، وهدموا بعض بنائها، ولما انتهى حكم آل سعود على الحجاز في تلك الفترة، عاد الجهال إلى عبادتها مرة أخرى، ثم لما استولى الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود - ﵀ - على الحجاز، أمر عامله عليها، فأرسل جماعة من جيشه، فهدموها وأزالوا أثرها، ولله الحمد والمنة\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-846> أدلة الكتاب والسنة على هدم الأصنام ووجوب ذلك على كل قادر:</span>\n١ - قال الله تعالى عن إبراهيم - ﵇ - ﴿وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨)﴾ [الأنبياء: ٥٧ - ٥٨]، وقال تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣)﴾ [الصافات: ٩١ - ٩٣]، وقام الخليل - ﵇ - - على قلة المناصر له - بتكسير آلهة قومه وأصنامهم، وقد قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤].\n٢ - وقال تعالى عن موسى - ﵇ - في العجل الذي اتخذه قومه إلهًا ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ [طه: ٩٧]. مع\n_________\n(^١) انظر: إتحاف الجماعة ١/ ٥٢٢، ٥٣٣. وسراة غامد وزهران ص ٣٤٧، ٣٤٩. وأشراط الساعة ص ١٦٢.","vol":"2","page":593},{"text":"قوله تعالى عن الأنبياء ومنهم موسى - ﵇ - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ [الإسراء: ٨١]، روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: دخل النبي - ﷺ - مكة وحول الكعبة ثلاثمائة وستون نصبًا - وفي رواية صنمًا - فجعل يطعنها بعود في يده، وجعل يقول: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ الآية (^١).\nقال القرطبي - ﵀ - تعالى: \"في هذه الآية دليل على كسر نصب الأوثان إذا غلب عليهم\" (^٢).\n٤ - وقال تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥] قال أبو سلمة: والرجز الأوثان (^٣).\n٥ - عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا؛ فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد\" (^٤).\n٦ - عن عمرو بن عبسة أنه قال للنبي - ﷺ -: وبأي شيء أرسلك؟ قال: \"أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان وأن يوحد الله لا يشرك به شيء\" (^٥).\n٧ - عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله - ﷺ -: \"أن لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا\n_________\n(^١) البخاري (٢٤٧٨، ٤٢٨٧، ٤٧٢٠).\n(^٢) تفسير القرطبي ١٠/ ٣١٤.\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٩٩٩)، ومسلم (٢٣٥).\n(^٤) أخرجه البخاري (٢٢٢٢) (٢٤٧٦) (٣٤٤٨)، ومسلم (١٥٥).\n(^٥) أخرجه مسلم (٨٣٢).","vol":"2","page":594},{"text":"سويته\" (^١). وقوله هنا: \"تمثالًا\" نكرة في سياق نفي فيعم جميع التماثيل (^٢).\n٨ - قال أسامة - ﵁ -: دخلت على رسول الله - ﷺ - في الكعبة، ورأى صورًا، فدعا بدلو من ماء فأتيته به فجعل يمحوها، ويقول: \"قاتل الله قومًا يصورون ما لا يخلقون\" (^٣).\n٩ - تأمل هدمه - ﷺ - وإزالته لأصنام الجاهلية بيده، وبعثه الصحابة لكسرها فقد بعث جرير بن عبد الله البجلي مع سرية لكسر صنم (ذي الخلصة) في اليمن، وبعث خالد بن الوليد إلى (نخلة) لهدم (العزى)، وبعث المغيرة بن شعبة وأبا سفيان بن حرب إلى (الطائف) لهدم (اللات)، وبعث علي بن أبي طالب إلى (الفُلس) (^٤) - صنم لطيء - لهدمه. وبعث عمرو بن العاص إلى (سواع) لكسره، وبعث الطفيل بن عمرو الدوسي إلى (ذي الكفين) صنم (دوس) لتحريقه، وبعث سعد بن زيد الأشهلي إلى (المشلل) لهدم (مناة).\nوأما ما جاء عن الصحابة - ﵃ - والسلف في هدم الأصنام وإزالتها فكثير، منها:\n١ - روى ابن أبي شيبة عن لبابة عن أمها وكانت تخدم عثمان بن عفان أن عثمان بن عفان - ﵁ - كان يصلي إلى تابوت فيه تماثيل، فأمر به فحك (^٥).\n٢ - وروى البيهقي في (سننه) عن أبي مسعود - ﵁ - أن رجلا صنع له طعامًا فدعاه\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٩٦٩).\n(^٢) انظر في هذه القاعدة شرح الكوكب المنير ٣/ ١٤١.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة بنحو هذا اللفظ (٢٥٢١٢)، والطيالسي (٦٥٧) والطبراني (٤٠٧)، والهيثمي ٥/ ١٧٣، والسيوطي في الجامع الصغير ٥٩٩٦، صحيح الجامع ٤٢٩٢، قال الحافظ: إسناده جيد.\n(^٤) زاد المعاد ٣/ ٤٥٨.\n(^٥) مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٣٩٩ رقم (٤٥٨٦).","vol":"2","page":595},{"text":"فقال: أفي البيت صورة؟ قال: نعم، فأبى أن يدخل حتى كسر الصورة ثم دخل (^١).\n٣ - وروى ابن أبي شيبة عن محمد بن سيرين أنه كان لا يترك لأهل فارس صنمًا إلا كسر ولا نارًا إلا أطفئت (^٢).\n٤ - قال ابن القيم: \"وفي مسائل صالح، قال أبي: يقتل الخنزير، ويفسد الخمر، ويكسر الصليب.\nوهذا قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن وإسحاق بن راهويه وأهل الظاهر، وطائفة من أهل الحديث، وجماعة من السلف، وهو قول قضاة العدل\" (^٣).\n٥ - وقال السرخسي: \"ولو وجدوا في الغنائم صليبا من ذهب أو فضة أو تماثيل، أو دراهم، أو دنانير فيها التماثيل، فإنه ينبغي للإمام أن يكسر ذلك كله\" (^٤).\n٦ - وفي الفتاوى الهندية: \"إن وجدوا في الغنيمة قلائد ذهب أو فضة فيها الصليب والتماثيل، فإنه يستحب كسرها قبل القسمة\" (^٥).\n٧ - وقال العز بن عبد السلام عن الجهاد: \"وفيه الحقوق الثلاثة: أما حق الله فكمحو الكفر وإزالته من قلوب الكافرين، ومن ألسنتهم، وكتخريب كنائسهم، وكسر صلبانهم وأوثانهم\" (^٦).\n٨ - وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: \"المنكرات من الأعيان والصور، يجوز إتلاف محلها تبعا لها، مثل الأصنام المعبودة من دون الله، لما كانت صورها منكرة: جاز إتلاف مادتها، فإذا كانت حجرا أو خشبا ونحو ذلك: جاز تكسيرها\n_________\n(^١) رقم (١٤٣٤٢)، ٧/ ٢٦٨.\n(^٢) المصنف ٦/ ٤٦٨ رقم (٣٢٩٨٨).\n(^٣) الطرق الحكمية ص ٢٧٢.\n(^٤) شرح السير الكبير ٣/ ١٠٥٢.\n(^٥) الفتاوى الهندية ٢/ ٢١٦.\n(^٦) قواعد الأحكام ١/ ١٣١.","vol":"2","page":596},{"text":"وتحريقها\" (^١).\nمسألة: حول بقاء شيء من الأصنام في بعض الأمصار التي فتحها الصحابة رضوان الله عليهم.\nهناك أسئلة تدور حول عدم دك بعض حصون الشرك وبقاء بعض الآثار الوثنية التي نراها في عصرنا الحاضر ومنها: الأصنام التي في (مصر) من معبودات الفراعنة، وأصنام (بوذا) (^٢) في بلاد الأفغان مع أنها فتحت في أول العهد الإسلامي.\n* وللجواب عن ذلك نقول:\nاعلم أن التماثيل والتصاوير التي كانت في الجاهلية وأدركها المسلمون أثناء الفتوحات الإسلامية قد هدموها وأتلفوها قطعًا، فهم خير من نفذ وصية المصطفى - ﷺ -، وقد بعثهم في حياته لهدم الأوثان ومحقها، بل وأتلفوا الكتب التي هي دون الأصنام كما ذكر ذلك ابن خلدون في مقدمته، قال:\n\"ولما فُتحت أرض فارس ووجدوا فيها كتبًا كثيرة كتب سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب ليستأذنه في شأنها ونقلها للمسلمين، فكتب إليه عمر: أن اطرحوها في الماء، فإن يكن ما فيها هدى فقد هدانا الله بأهدى منه، وإن يكن ضلالًا فقد كفانا الله، فطرحوها في الماء أو في النار وذهبت علوم الفرس فيها\" (^٣).\nفإذا كان هذا عملهم في كتب أولئك فما بالك بأصنامهم ومعبوداتهم؟!!!.\nفالسبب في بقاء بعض الأصنام والتماثيل والمعبودات في البلدان التي فتحوها\n_________\n(^١) الطرق الحكمية ص ٢٧١.\n(^٢) (بوذا) يؤلّهه (البوذيون) في العالم ويصلون له، ويدين بالديانة البوذية أكثر من ستمائة مليون في العالم، وينتشرون في الصين واليابان ونيبال والهند وسيلان وغيرها (الموسوعة الميسرة) ٢/ ٧٧٢.\n(^٣) ابن خلدون في (مقدمته) ص ٤٨٠.","vol":"2","page":597},{"text":"لا يخرج عن ثلاثة:\nالسبب الأول: أن من هذه التماثيل ما كان داخلًا في كنائسهم ومعابدهم التي صولحوا عليها، فتترك بشرط عدم إظهارها، ففي الشروط العمرية المعروفة على أهل الذمة (وألا نضرب بنواقيسنا إلا ضربًا خفيًا في جوف كنائسنا، ولا نظهر عليها صليبًا ... وألا نخرج صليبًا ولا كتابًا في أسواق المسلمين).\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى في شرح قوله (ولا نظهر عليها صليبًا): \"لما كان الصليب من شعائر الكفر الظاهرة كانوا ممنوعين من إظهاره، قال أحمد في رواية حنبل: ولا يرفعوا صليبًا، ولا يظهروا خنزيرًا، ولا يرفعوا نارًا، ولا يظهروا خمرًا، وعلى الإمام منعهم من ذلك.\nوقال عبد الرزاق حدثنا معمر عن عمرو بن ميمون بن مهران قال: كتب عمر بن عبد العزيز: أن يمنع النصارى في الشام أن يضربوا ناقوسًا، ولا يرفعوا صليبهم فوق كنائسهم، فإن قدر على من فعل من ذلك شيئًا بعد التقدم إليه فإن سلبه لمن وجده.\nوإظهار الصليب بمنزلة إظهار الأصنام؛ فإنه معبود النصارى كما أن الأصنام معبود أربابها ومن أجل هذا يسمون عباد الصليب، ولا يمكنون من التصليب على أبواب كنائسهم وظواهر حيطانها ولا يتعرض لهم إذا نقشوا ذلك داخلها\" (^١).\nوقد كان السلف الصالح حريصين كل الحرص على منع إظهار دينهم فإن رأوا شيئا ظاهرا كسر قال الحطاب: \"قال ابن حبيب: وإن أظهروا صلبهم في أعيادهم واستسقائهم كسرت وأدبوا\" (^٢).\nوقال ابن حجر الهيتمي الشافعي: \"ويمنعون - أي أهل الذمة - من إظهار منكر\n_________\n(^١) أحكام أهل الذمة ٢/ ٧١٩.\n(^٢) التاج والإكليل ٤/ ٦٠٢.","vol":"2","page":598},{"text":"بيننا؛ نحو خمر، وخنزير، وناقوس: وهو ما يضرب به النصارى لأوقات الصلاة ... إلى أن قال: ويتلف ناقوس لهم أظهر\" (^١).\nبل جاء المنع ممن هو دون الأصنام والنواقيس. قال ابن مفلح الحنبلي: \"ويمنعون وجوبًا من إظهار خمر وخنزير، فإن فعلا أتلفناهما\" (^٢).\nوقال السفاريني: \"وما أظهروه من المحرمات في شرعنا تعين إنكاره عليهم، فإن كان خمرا جازت إراقته، وإن أظهروا صليبًا أو طنبورًا جاز كسره. وإن أظهروا كفرهم أدبوا على ذلك، ويمنعون من إظهار ما يحرم على المسلمين\" (^٣).\nالسبب الثاني: أن تكون التماثيل من القوة والإحكام بحيث يعجزون عن هدمها وإزالتها، مثل تلك التماثيل الهائلة المنحوتة في الجبال والصخور بحيث لا يستطيعون إزالتها أو تغييرها، وقد ذكر ابن خلدون في (المقدمة) أن الهياكل العظيمة جدًّا لا تستقل ببنائها الدولة الواحدة، بل تتم في أزمنة متعاقبة، حتى تكتمل وتكون ماثلة للعيان، قال \"لذلك نجد آثارًا كثيرة من المباني العظيمة تعجز الدول عن هدمها وتخريبها، مع أن الهدم أيسر من البناء\" (^٤) ثم مثَّل على ذلك بمثالين:\nالأول: أن الرشيد عزم على هدم (إيوان كسرى) فشرع في ذلك وجمع الأيدي واتخذ الفؤوس وحماه بالنار وصب عليه الخل حتى أدركه العجز.\nالثاني: أن المأمون أراد أن يهدم (الأهرام) في (مصر) فجمع الفعلة ولم يقدر (^٥).\nالسبب الثالث: أن تكون التماثيل مطمورة تحت الأرض أو مغمورة بالرمال\n_________\n(^١) تحفة المحتاج ٩/ ٣٠٢.\n(^٢) الفروع ٦/ ٢٧٦.\n(^٣) غذاء الألباب ١/ ٢٤٠.\n(^٤) مقدمة ابن خلدون ص ٣٨٣.\n(^٥) المرجع السابق.","vol":"2","page":599},{"text":"ولم تظهر إلا بعد انتهاء زمن الفتوحات، وهذا مثل كثير من آثار الفراعنة في (مصر)، فمعبد (أبو سمبل) مثلًا في (مصر) - وهو من أكبر معابد الفراعنة - كان مغمورًا بالرمال مع تماثيله وأصنامه إلى ما قبل قرن ونصف القرن تقريبًا، وأكثر الأصنام الموجودة في المتاحف المصرية في هذا الوقت لم تكتشف إلا قريبًا، وقد ذكر المقريزي (ت ٨٤٥) أن أبا الهول مغمور تحت الرمال - في وقته - لم يظهر منه إلا الرأس والعنق فقط دون الباقي - بخلافه اليوم - (^١)، وسئل الزركلي عن الأهرام وأبي الهول ونحوها: هل رآها الصحابة الذين دخلوا مصر؟! فقال: كان أكثرها مغمورًا بالرمال ولا سيما أبا الهول (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-847> تنبيهات:</span>\n١ - يجب تبرئة الصحابة أن يقال فيهم أنهم تركوا الأوثان فلم يهدموها فهم أحرص الناس على إقامة التوحيد وشعائره، وإزالة الشرك ومظاهره، وهم الذين حفظوا عن رسول الله - ﷺ - النصوص المعروفة التى تدل على حرمة التماثيل كلعن المصور. وبيان أنه أشد الناس عذابًا يوم القيامة. وأنه من أظلم الناس ... إلخ.\n٢ - لا يقال بعد هذا أن هذه الأصنام من آثار الجاهلية وقد تركها الصحابة والتابعون فيجب أن تترك. فإن إزالة آثار الشرك مع القدرة عليه من أولويات التوحيد التي حثت الشريعة عليه وأولته اهتمامها دليل ذلك زيارة على ما تقدم أن جبريل امتنع من دخول بيت رسول الله - ﷺ - بسبب تمثال كان في باب بيته فقد روى الترمذي - وصححه -، وأبو داود عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أتاني جبريل فقال لي: أتيتك البارحة، فلم يمنعني أن أكون دخلت إلا أنه كان على الباب تماثيل، وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل وكان في البيت كلب، فمر برأس\n_________\n(^١) الخطط للمقريزي ١/ ١٢٢.\n(^٢) شبه جزيرة العرب ٤/ ١١٨٨.","vol":"2","page":600},{"text":"التمثال الذي في البيت يقطع، فيصير كهيئة الشجرة، ومر بالستر فليقطع فليجعل منه وسادتان منبوذتين توطآن، ومر بالكلب فليخرج ففعل رسول الله - ﷺ - (^١)، وعنه - ﵁ - قال: \"استأذن جبريل - ﵇ - على النبي - ﷺ -، فقال: ادخل، فقال: كيف أدخل وفي بيتك ستر فيه تصاوير؟ فإما أن تقطع رؤوسها، أو تُجعل بساطًا يوطأ، فإنا معشر الملائكة لا ندخل بيتًا فيه تصاوير\" (^٢).\nفإن جبريل أمر الرسول - ﷺ - بقطع رأس التمثال الذي في بيته، وهل يقول قائل: إن هذا التمثال الذي في بيت (سيد ولد آدم - ﷺ -) كان للعبادة؟!!\n٣ - من أولويات التوحيد التي حثت الشريعة عليه سد الذرائع والطرق الموصلة إلى الشرك، وهذا أصل من أصول الإسلام ولا سيما في باب التوحيد وحماية جنابه، فتحرم هذه الأصنام للأدلة السابقة ولأنها أيضا من باب سد الذرائع، فوجود الأصنام بين ظهراني المسلمين لا شك أنه مظنة للشرك في القريب أو البعيد، والشريعة جاءت بسد الذرائع المفضية للمفاسد وكذلك الحال في بقاء الأصنام.\n٤ - لا يقال أن المصلحة تقتضي ترك هذه التماثيل فإن أعظم المصالح على الإطلاق إقامة التوحيد وتشييد أركانه، وهدم الشرك وآثاره، ولا مفسدة أعظم من ترك صروح الشرك والوثنية عند القدرة عليها، وتأمل في قصة إبراهيم - ﵇ - المذكورة في القرآن كيف جعل الأصنام جذاذًا ولم ينظر لمثل هذه المصالح الموهومة التي يمليها الشيطان على الرغم من عدم وجود المعين، ومن تسلطهم عليه. وتأمل في قصة وفد ثقيف عندما أسلموا ووفدوا على الرسول - ﷺ -:\nفإنهم لما سألوا رسول الله - ﷺ - أن يدع لهم الطاغية - وهي اللات - لا يهدمها ثلاث سنين، فأبى رسول الله - ﷺ - عليهم، فما برحوا يسألونه سنة سنة، ويأبى عليهم، حتى\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤١٥٨) والترمذي (٢٨٠٦) وقال حسن صحيح وأحمد (٨٠٣٢).\n(^٢) أخرجه النسائي (٥٣٦٧) وأحمد (٨٠٦٥).","vol":"2","page":601},{"text":"سألوه شهرًا واحدًا بعد قدومهم، فأبى عليهم أن يدعها شيئًا مسمى، وإنما يريدون بذلك فيما يظهرون أن يسلموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم ويكرهون أن يروعوا قومهم بهدمها فبعث المغيرة بن شعبة وأبا سفيان بن حرب لهدمها (^١).\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى في فوائد قصة ثقيف هذه: \"ومنها أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يومًا واحدًا فإنها شعائر الكفر والشرك وهي أعظم المنكرات فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة البتة، وهذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثانًا وطواغيت تعبد من دون الله، والأحجار التي تقصد للتعظيم والتبرك، والنذر والتقبيل، لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالتها وكثير منها بمنزلة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، أو أعظم شركًا عندها وبها. والله المستعان\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"ومنها هدم مواضع الشرك التي تتخذ بيوتا للطواغيت وهدمها أحب إلى الله ورسوله وأنفع للإسلام والمسلمين من هدم الحانات والمواخير وهذا حال المشاهد المبنية على القبور التي تعبد من دون الله ويشرك بأربابها مع الله لا يحل إبقاؤها في الإسلام ويجب هدمها ولا يصح وقفها ولا الوقف عليها\" (^٣).\n٥ - لا يقال أن الممنوع منها ما كان للعبادة فقد تناولت الأحاديث كافة أشكال التماثيل والتصاوير بمعناها ومعقولها، فتشملها بعلة التحريم؛ فإن علة حرمة التصاوير اتخاذها ذريعة لعبادتها من دون الله تعالى، وطريقًا للغلو فيها وتعظيمها، وهو بداية وقوع الشرك في بني آدم، كما تقدم في أسماء الرجال الصالحين من قوم نوح.\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى: \"وقال غير واحد من السلف: \"كان هؤلاء قوما\n_________\n(^١) انظر (الطبقات) لابن سعد ٥/ ٥٠٥، (تاريخ الطبري) ٢/ ١٨٠.\n(^٢) زاد المعاد ٣/ ٥٠٦.\n(^٣) زاد المعاد ٣/ ٦٠١.","vol":"2","page":602},{"text":"صالحين في قوم نوح - ﵇ - فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم\".\nفهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل، وهما الفتنتان اللتان أشار إليهما رسول الله في الحديث المتفق على صحته عن عائشة - ﵂ - أن أم سلمة - ﵁ - ذكرت لرسول الله كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها مارية فذكرت له ما رأت فيها من الصور، فقال رسول الله - ﷺ -: \"أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله تعالى\".\nوفي لفظ آخر في الصحيحين: \"أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها\".\nفجمع في هذا الحديث بين التماثيل والقبور، وهذا كان سبب عبادة اللات، فروى ابن جرير بإسناده عن سفيان عن منصور عن مجاهد (أفرأيتم اللات والعزى) قال: \"كان يلت لهم السويق فمات فعكفوا على قبره\"، وكذلك قال أبو الجوزاء عن ابن عباس - ﵄ -: \"كان يلت السويق للحاج\".\nفقد رأيت أن سبب عبادة ود ويغوث ويعوق ونسرا واللات إنما كانت من تعظيم قبورهم ثم اتخذوا لها التماثيل وعبدوها كما أشار إليه النبي - ﷺ -\" (^١).\nكما أن فيها مضاهاة لخلق الله تعالى كما يدل عليه قوله - ﷺ - \"الذين يضاهون بخلق الله\" قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: \"وقد تظاهرت دلائل الشريعة على المنع من التصوير والصور، ولقد أبعد غاية البعد من قال إن ذلك محمول على الكراهة، وإن هذا التشديد كان في ذلك الزمان لقرب العهد من الأوثان، وهذا الزمان حيث انتشر الإسلام وتمهدت قواعده لا يساويه في هذا المعنى، فلا يساويه في هذا التشديد - هذا أو معناه -، وهذا عندنا باطل قطعا؛ لأنه قد ورد في الأحاديثِ\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان ١/ ١٨٤.","vol":"2","page":603},{"text":"الإخبارُ عن أمر الآخرة بعذاب المصورين؛ فإنهم يقال لهم \"أحيوا ما خلقتم\"، وهذه علة مخالفة لما قاله هذا القائل، وقد صرح بذلك في قوله - ﷺ -: \"المشبهون بخلق الله\" وهذه علة عامة مستقلة مناسبة لا تخص زمانا دون زمان، وليس لنا أن نتصرف في النصوص المتظاهرة المتظافرة بمعنى خيالي يمكن أن لا يكون هو المراد مع اقتضاء اللفظ التعليل بغيره وهو التشبه بخلق الله\" (^١).\nكما أن في بقاء الأصنام تشبها بالمشركين وعباد الأوثان، وقد ثبت في السنن عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال \"من تشبه بقوم فهو منهم\".\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-848> جهود المسلمين في هدم الأصنام:</span>\nلقد كان للمسلمين عموما وللعلماء خصوصًا جهودًا في هدم الأصنام وتخريبها وإزالة ما يستطيعون إزالته منها اقتداء برسول الله - ﷺ - وأصحابه ولن نستوفي جميع جهودهم لكننا نذكر شيئًا منها على وجه الاختصار ومن ذلك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-849>١ - أخذ ذهب الباميان:</span>\nقال في الفهرست ذاكرًا أسماء مواضع العبادات ببلاد الهند وصفة البيوت ... إلخ: \"ولهم بيت بالباميان من أوائل الهند مما يلي سجستان وإلى هذا الموضع بلغ يعقوب بن الليث لما قصد لفتح الهند والصور التي أنفذت إلى مدينة السلام من ذلك الموضع من الباميان حملت عند فتحها وهذا بيت عظيم يحله الزهاد والعباد وفيه من الأصنام الذهب المرصعة ما يجاوز القدر ولا يبلغه النعت والصفة، والهند تحجه من أقاصي بلادها برًا وبحرًا وبفرج بيت الذهب بيت، وقد اختلف فيه فقال قوم إنه بيت من حجارة فيه بددة وإنما سمي بيت الذهب لأن العرب لما فتحت هذا الموضع في أيام الحجاج أخذوا منه مائة بهار ذهبًا ... \" (^٢).\n_________\n(^١) أحكام الأحكام ٢/ ١٧١.\n(^٢) الفهرست لابن النديم ١/ ٤٨٤ - ٤٨٧.","vol":"2","page":604},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-850>٢ - الرشيد يحاول هدم إيوان كسرى:</span>\nقال ابن خلدون: \"وانظر المشاهدة إيوان كسرى وما اقتدر فيه الفرس حتى إنه عزم الرشيد على هدمه وتخريبه فتكاءد عنه وشرع فيه ثم أدركه العجز\" (^١).\nوقال ابن خلدون أيضًا: \"الفصل الرابع في أن الهياكل العظيمة جدًّا لا تستقل ببنائها الدولة الواحدة ... وأكثر المباني العظيمة في الغالب هذا شأنها ويشهد لذلك أن المباني العظيمة لعهدنا نجد الملك الواحد يشرع في اختطاطها وتأسيسها فإذا لم يتبع أثره من بعده من الملوك في إتمامها بقيت بحالها ولم يكمل القصد فيها، ويشهد لذلك أيضًا أنا نجد آثارًا كثيرة من المباني العظيمة تعجز الدول عن هدمها وتخريبها مع أن الهدم أيسر من البناء بكثير؛ لأن الهدم هو رجوع إلى الأصل الذي هو العدم والبناء على خلاف الأصل، فإذا وجدنا بناء تضعف قوتنا البشرية عن هدمه مع سهولة الهدم علمنا أن القدرة التي أسسته مفرطة القوة - وأنها ليست أثر دولة واحدة وهذا مثل ما وقع للعرب في إيوان كسرى، لما اعتزم الرشيد على هدمه وبعث إلى يحيى بن خالد وهو في محبسه يستشيره في ذلك فقال: يا أمير المؤمنين لا تفعل واتركه ماثلًا يستدل به على عظم ملك آبائك الذين سلبوا الملك لأهل ذلك الهيكل، فاتهمه في النصيحة وقال: أخذته النعرة للعجم والله لأصرعنه وشرع في هدمه وجمع الأيدي عليه واتخذ له الفؤوس وحماه بالنار وصب عليه الخل حتى أدركه العجز بعد ذلك كله ... وأقصر عن هدمه\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-851>٣ - المأمون يحاول هدم الهرمين بمصر:</span>\nقال في معجم البلدان: \"ولما وصل المأمون إلى مصر أمر بنقبهما فنقب أحد الهرمين المحاذيين للفسطاط بعد جهد شديد وعناء طويل فوجد في داخله مهاو\n_________\n(^١) مقدمة ابن خلدون ١/ ١٧٧.\n(^٢) مقدمة ابن خلدون ١/ ٣٤٦، ٣٤٧.","vol":"2","page":605},{"text":"ومراق يهول أمرها ويعسر السلوك فيها، ووجد في أعلاها بيت مكعب طول كل ضلع من أضلاعه ثمانية أذرع وفي وسطه حوض رخام مطبق فلما كشف غطاؤه لم يجدوا فيه غير رمة بالية قد أتت عليها العصور الخالية، فأمر المأمون بالكف عن نقب ما سواه\" (^١).\nقال ابن بطوطة: \"فلما أفضت الخلافة إلى أمير المؤمنين المأمون أراد هدمها فأشار عليه بعض مشايخ مصر أن لا يفعل، فلج في ذلك وأمر أن تفتح من الجانب الشمالي فكانوا يوقدون عليها النار ثم يرشونها بالخل ويرمونها بالمنجنيق حتى فتحت الثلمة التي بها إلى اليوم\" (^٢).\nوقال ابن خلدون: \"وكذلك اتفق للمأمون في هدم الأهرام التي بمصر وجمع الفعلة لهدمها فلم يحل بطائل وشرعوا في نقبه فانتهوا إلى جو بين الحائط والظاهر وما بعده من الحيطان وهنالك كان منتهى هدمهم وهو إلى اليوم فيما يقال منفذ ظاهر، ويزعم الزاعمون أنه وجد ركازًا بين تلك الحيطان والله أعلم\" (^٣).\n٤ - وقد ذكر المسعودي في تاريخه بيتًا كان بأنطاكية من أرض الشام كانوا يعظمونه، ويقربون فيه القرابين، فخرب عند مجيء الإسلام ... وكانت فيه الأصنام والتماثيل من الذهب والفضة وأنواع الجواهر (^٤). وكذلك بيت غمدان بصنعاء خربه عثمان بن عفان - ﵁ - (^٥)، وبيت كاوسان بناه كاوس الملك بناء عظيما بمدينة فرغانة من مدائن خراسان وخربه المعتصم بالله (^٦). وبيت نار على خليج\n_________\n(^١) معجم البلدان ٥/ ٤٠٠.\n(^٢) رحلة ابن بطوطة ١/ ٥٨\n(^٣) مقدمة ابن خلدون ١/ ٣٤٦، ٣٤٧.\n(^٤) مروج الذهب ٢/ ٢٥٨.\n(^٥) مروج الذهب ٢/ ٢٥٦.\n(^٦) مروج الذهب ٢/ ٢٥٧.","vol":"2","page":606},{"text":"القسطنطينية من بلاد الروم بناه سابور بن أردشير بن بابك - وهو ساور الجنود - حين نزل على هذا الخليج وحاصر القسطنطينية في عساكره فلم يزل هذا البيت هنالك إلى خلافة المهدي فخرب (^١). وكذلك بنيان كانت تعظمه الفرس في وسط مدينة جور يقال له الطربال أخربه المسلمون (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-852>٥ - محمود بن سبكتكين يقتلع ألف صنم ويكسر الصنم المشهور بسومنات:</span>\nذكر الذهبي أن ابن سبكتكين افتتح عدة مدائن بالهند وقلع أزيد من ألف صنم وذكر أن لهم صنمًا معظمًا يؤرخون مدته بجهالتهم بثلاث مئة ألف سنة (^٣). قال - ﵀ -: \"ثم حارب محمود النواب السامانية وخافته الملوك واستولى على إقليم خراسان ونفذ إليه القادر بالله خلع السلطنة ففرض على نفسه كل سنة غزو الهند فافتتح بلادا شاسعة وكسر الصنم سومنات الذي كان يعتقد كفرة الهند أنه يحيى ويميت ويحجونه ويقربون له النفائس بحيث إن الوقوف عليه بلغت عشرة آلاف قرية وامتلأت خزائنه من صنوف الأموال وفي خدمته من البراهمة ألفا نفس ومئة جوقة مغاني رجال ونساء فكان بين بلاد الإسلام وبين قلعة هذا الصنم مفازة نحو شهر فسار السلطان في ثلاثين ألفا فيسر الله فتح القلعة في ثلاثة أيام واستولى محمود على أموال لا تحصى وقيل كان حجرًا شديد الصلابة طوله خمسة أذرع منزل منه في الأساس نحو ذراعين فأحرقه السلطان وأخذ منه قطعة بناها في عتبة باب جامع غزنة ووجدوا في أذن الصنم نيفا وثلاثين حلقة كل حلقة يزعمون أنها عبادته ألف سنة\" (^٤).\n_________\n(^١) مروج الذهب ٢/ ٢٧١.\n(^٢) مروج الذهب ٢/ ٢٧٠.\n(^٣) سير أعلام النبلاء ١٥/ ١٣٥.\n(^٤) سير أعلام النبلاء ١٧/ ٤٨٥.","vol":"2","page":607},{"text":"قال في شذرات الذهب يذكر محمود بن سبكتكين: \"وقلع من الأصنام الفضة زيادة على ألف صنم ... وكسر الصنم المشهور بسومنات وهو عند كفرة الهند يحيى ويميت ويقصدونه لأنواع العلل ومن لم يشف منهم احتج بالذنب وعدم الإخلاص ويزعمون أن الأرواح إذا فارقت الأجساد اجتمعت إليه على مذهب أهل التناسخ ... وبين قلعة الصنم وبلاد المسلمين مسيرة شهر مفازة قليلة الماء صعبة المسلك لا تهتدي طرقها فأنفق محمود ما لا يحصى في طلبها حتى وصلها وفتحها في ثلاثة أيام ودخل بيت الصنم وحوله أصنام كثيرة من الذهب المرصع بالجوهر محيطة بعرشه يزعمون أنها الملائكة فأحرق الصنم ووجد في أذنه نيفا وثلاثين حلقة فسألهم محمود عن تلك الحلق فقالوا كل حلقة عبادة ألف سنة كلما عبدوه ألف سنة علقوا في أذنه حلقة ولهم فيه أخبار طويلة انتهى\" (^١).\nوذكر ابن كثير في أخبار سنة ثمان عشرة وأربعمائة عن السلطان محمود أنه: \"استخار الله لما بلغه خبر هذا الصنم وعباده وكثرة الهنود في طريقه والمفاوز المهلكة والأرض الخطرة في تجشم ذلك في جيشه وأن يقطع تلك الأهوال إليه فندب جيشه لذلك فانتدب معه ثلاثون ألفا من المقاتلة ممن اختارهم لذلك سوى المتطوعة فسلمهم الله حتى انتهوا إلى بلد هذا الوثن ونزلوا بساحة عباده فإذا هو بمكان بقدر المدينة العظيمة قال فما كان بأسرع من أن ملكناه وقتلنا من أهله خمسين ألفا وقلعنا هذا الوثن وأوقدنا تحته النار وقد ذكر غير واحد أن الهنود بذلوا للسلطان محمود أموالا جزيلة ليترك لهم هذا الصنم الأعظم فأشار من أشار من الأمراء على السلطان محمود بأخذ الأموال وإبقاء هذا الصنم لهم فقال حتى أستخير الله - ﷿ - فلما أصبح قال إني فكرت في الأمر الذي ذكر فرأيت أنه إذا نوديت\n_________\n(^١) شذرات الذهب ٢/ ١٨٩ وانظر ٢/ ٢٠٩. وانظر البداية والنهاية ١٢/ ٨.","vol":"2","page":608},{"text":"يوم القيامة أين محمود الذي كسر الصنم أحب إلى من أن يقال الذي ترك الصنم لأجل ما يناله من الدنيا ثم عزم فكسره - ﵀ - فوجد عليه وفيه من الجواهر واللآلئ والذهب والجواهر النفيسة ما ينيف على ما بذلوه له بأضعاف مضاعفة ونرجو من الله له في الآخرة الثواب الجزيل الذي مثقال دانق منه خير من الدنيا وما فيها مع ما حصل له من الثناء الجميل الدنيوي فرحمه الله وأكرم مثواه\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-853>٦ - الملك قلاوون يدمر صنمًا قبالة أبا الهول:</span>\nقال ابن إياس: \"أبو الهول كان مدفونا في الرمال ولم يكن يظهر منه إلا رأسه وأنه كان يوجد قبالته صنم آخر قام الملك محمد الناصر قلاوون ٧١١ هـ بتدميره وقطعه وجعل منه أعتابًا\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-854>٧ - الشيخ محمد بن عبد الوهاب يهدم بنيانًا في أرض تعظمه العامة. قال في الرسالة السادسة ص (٣٩):</span>\n\" بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد بن عبد الوهاب إلى العلماء الأعلام في بلد الله الحرام نصر الله بهم سيد الأنام وتابعي الأئمة الأعلام، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:\nجرى علينا من الفتنة ما بلغكم وبلغ غيركم وسببه هدم بنيان في أرضنا على قبور الصالحين فلما كبر هذا على العامة لظنهم أنه تنقيص للصالحين ومع هذا نهيناهم عن دعواهم وأمرناهم بإخلاص الدعاء لله ... فنحن ولله الحمد متبعين غير مبتدعين على مذهب الإمام أحمد بن حنبل وحتى من البهتان الذي أشاع الأعداء أني أدعي الاجتهاد ولا أتبع الأئمة فإن بان لكم أن هدم البنا على القبور والأمر بترك دعوة الصالحين لما أظهرناه، وتعلمون أعزكم الله أن المطاع في كثير من البلدان\n_________\n(^١) البداية والنهاية ١٢/ ٢٢، ٢٣.\n(^٢) بدائع الزهور.","vol":"2","page":609},{"text":"لو تبين بالعمل بهاتين المسئلتين أنها تكبر على العامة الذين درجوهم وإياهم على ضد ذلك فإن كان الأمر كذلك فهذه كتب الحنابلة عندكم بمكة شرفها الله مثل (الإقناع) (وغاية المنتهى) (والإنصاف) اللاتي عليه اعتماد المتأخرين وهو عند الحنابلة (كالتحفة) (والنهاية) عند الشافعية وهم ذكروا في باب الجنايز هدم البنا على القبور واستدلوا عليه بما في صحيح مسلم عن علي - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - بعثه بهدم القبور المشرفة وأنه هدمها، واستدلوا على وجوب إخلاص الدعوة لله والنهى عما اشتهر في زمنهم من دعاء الأموات بأدلة كثيرة، وبعضهم يحكى الإجماع على ذلك فإن كانت المسئلة إجماعًا فلا كلام، وإن كانت مسألة اجتهاد فمعلومكم أنه لا إنكار في مسائل الاجتهاد فمن عمل بمذهبه في محل ولايته لا ينكر عليه\" (^١).\n_________\n(^١) مجموع مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب - القسم الخامس ص ٤٠، ٤١.","vol":"2","page":610},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-855>١٨٦ - طاعة العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله </span>*\nطاعة العلماء والأمراء والسلاطين والملوك واجبة فيما أباحه الشارع وفيما شرعه وأحله، وممنوعة فيما لم يبحه الشارع وزجر عنه؛ وهذا يبين صلة الباب بالكتاب حيث جاءت النصوص بتحريم طاعة العلماء والأمراء فيما خالف هدي الرسول - ﷺ - وأنها موجبة للعقوبة وإن كان المخالف مجتهدا فاضلا لأن ذلك شرك في الطاعة يخل بالتوحيد.\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"ولا يطاع أحد من الخلق إلا حيث كانت طاعته مندرجة تحت طاعة الله وإلا فلا تجب طاعة أحد الخلق استقلالًا. والمقصود هنا الطاعة الخاصة في تحريم الحلال أو تحليل لحرام، فمن أطاع مخلوقا في ذلك غير الرسول - ﷺ - فإنه لا ينطق عن الهوى، فهو مشرك كما بينه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ﴾ [التوبة: ٣١]. أي: علماءهم أربابًا من دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون، وفسرها النبي - ﷺ - بطاعتهم تحريم الحلال، وتحليل الحرام\" (^١).\n* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ\n_________\n* تيسير العزيز الحميد ص ٥٤٩. فتح المجيد ص ٤٥١. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٢٧٦. شرح مسائل الجاهلية للسعيد ١/ ٣٩٧، ٤١٠. الحكم بغير ما أنزل الله د. المحمود ص ٢٠٥. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ٢٥٥، ط ٢ - ٢/ ٣١٠ ومن المجموع ١٠/ ٧٣١.\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٥٤٩.","vol":"3","page":5},{"text":"أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف: ٣]، وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١].\n* الدليل من السنة: عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ: \"يَا عَدِيُّ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الْوَثَنَ\" وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] قَالَ: \"أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ\" (^١).\nوعن حذيفة أنه سئل عن قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أكانوا يعبدونهم؟ قال: لا، كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئًا حرموه. وفي رواية أنه قال: أما إنهم لم يكونوا يصومون لهم ولا يصلون لهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئًا أحله الله لهم حرموه، فتلك كانت ربوبيتهم (^٢).\nوهذا الحديث يدل على أن طاعة الرهبان والأحبار في تحريم الحلال، وتحليل الحرام عبادة لهم من دون الله (^٣)، ومن الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، لقوله تعالى: ﴿مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١]. ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٠٩٥)، والبيهقي ١٠/ ١١٦.\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره ١٤/ ٢١١ - ٢١٣، وعبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٧٢، والبيهقي في سننه ١٠/ ١١٦، وفي شعب الإيمان ٧/ ٤٥ ط دار الكتب العلمية.\n(^٣) انظر توضيح ذلك في كلام شيخ الإسلام في المبحث الآتي (حكم الطاعة في تحريم ما أحل الله).","vol":"3","page":6},{"text":"تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ [الأنعام: ١٢١].\nقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: \"وهذا قد وقع في كثيرٍ من الناس مع من قلّدهم، لعدم اعتبارهم الدليل إذا خالف المقلَّد، وهو من هذا الشرك\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-856> أقوال السلف:</span>\nعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: تمتع النبي - ﷺ -. فقال عروة بن الزبير: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة. فقال ابن عباس: ما عُريَّة؟ قال: يقول: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة. فقال ابن عباس: أراهم سيُهلكون! أقول: قال النبي - ﷺ - ويقول: نهى أبو بكر وعمر؟ (^٢) \" (^٣).\nوقال مجاهد والحكم بن عتبة ومالك وغيرهم: \"ليس أحد من خلق الله إلا يؤخذ من قوله ويترك، إلا النبي - ﷺ - \" (^٤).\nوقال الإمام الشافعي - ﵀ -: \"أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة رسول الله - ﷺ - لم يكن له أن يدعها لقول أحد، وكلام الأئمة في هذا المكان واسع جدًّا\" (^٥).\n_________\n(^١) فتح المجيد ص ٤٥٩.\n(^٢) قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: \"هذا القول من ابن عباس - ﵄ - جواب لمن قال له: إن أبا بكر وعمر - ﵄ - لا يريان الممتع بالعمرة إلى الحج ويريان أن إفراد الحج أفضل، أو ما هو معنى هذا، وكان ابن عباس يرى أن التمتع بالعمرة إلى الحج واجب، ويقول: إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط فقد حل من عمرته شاء أم أبى، لحديث سراقة بن مالك حين أمرهم النبي - ﷺ - أن يجعلوها عمرة ويُحلُّوا إذا طافوا بالبيت وسعوا بين الصفا والمروة، فقال سراقة: يا رسول الله - ﷺ - ألعامنا هذا أم للأبد؟ فقال: بل للأبد والحديث في الصحيحين\" فتح المجيد ص ٤٥١، ٤٥٢.\n(^٣) المسند (٣١٢١)، جامع بيان العلم لابن عبد البر ٢/ ١٦٩، مجمع الزوائد ٣/ ٢٣٤.\n(^٤) جامع بيان العلم لابن عبد البر ٢/ ٣٢، ٩١، إعلام الموقعين ٣/ ٢٨٥.\n(^٥) مناقب الشافعي للبيهقي ١/ ٤٧١، الرسالة ص ٤٢٥، إعلام الموقعين ٢/ ٢٨٢.","vol":"3","page":7},{"text":"وقال أحمد بن حنبل - ﵀ -: \"عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور: ٦٣] أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك لعله إذا ردّ بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك\" (^١).\nوفي كلام الإمام أحمد - ﵀ - الإشارة إلى أن التقليد قبل بلوغ الحجة لا يذم وإنما ينكر على من بلغته الحجة وخالفها لقول إمام من الأئمة وذلك إنما نشأ من الإعراض عن تدبر كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - والإقبال على كتب من تأخر والاستغناء بها عن الوحيين وهذا شبه ما وقع من أهل الكتاب الذين قال الله فيهم ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١].\nوقال ابن تيمية: \"وإذا كان الرجل متبعًا لأبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد ورأى في بعض المسائل أن مذهب غيره أقوى فاتبعه كان قد أحسن في ذلك ولم يقدح ذلك في دينه ولا عدالته، بلا نزاع، بل هذا أولى بالحق، وأحب إلى الله ورسوله - ﷺ - ممن يتعصب لواحد معين غير النبي - ﷺ - كمن يتعصب لمالك أو الشافعي أو أحمد أو أبي حنيفة، ويرى أن قول هذا المعين هو الصواب الذي ينبغي اتباعه دون قول الإمام الذي خالفه، فمن فعل هذا كان جاهلًا ضالًا، بل قد يكون كافرًا، فإنه متى اعتقد أنه يجب على الناس اتباع واحد بعينه من هؤلاء الأئمة دون الإمام الآخر، فإنه يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، بل غاية ما يقال إنه يسوغ أو ينبغي أو يجب على العامي أن يقلد واحدًا لا بعينه، من غير تعيين زيد ولا عمرو، وأما أن يقول قائل إنه يجب على العامة تقليد فلان أو فلان فهذا لا يقوله مسلم\" (^٢).\n_________\n(^١) الإبانة الكبرى لابن بطة (٩٧) وانظر مسائل عبد الله ٣/ ١٣٥٥.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٢٢/ ٢٤٨.","vol":"3","page":8},{"text":"وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"بل الفرض والحتم على المؤمن إذا بلغه كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - وعلم معنى ذلك في أي شيء كان أن يعمل به ولو خالفه من خالفه، فبذلك أمرنا ربنا ﵎ ونبينا - ﷺ -، وأجمع على ذلك العلماء قاطبة إلا جهال المقلدين وجفاتهم، ومثل هؤلاء ليسوا من أهل العلم، كما حكى الإجماع على أنهم ليسوا من أهل العلم أبو عمر بن عبد البر وغيره قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [الأعراف: ٣] \" (^١).\nوقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: \"فإن الرب، والإله، الذي له الحكم القدري، والحكم الشرعي، والحكم الجزائي، وهو الذي يؤله ويعبد وحده لا شريك له ويطاع طاعة مطلقة فلا يعصى بحيث تكون الطاعات كلها تبعا لطاعته. فإذا اتخذ العبد العلماء والأمراء على هذا الوجه، وجعل طاعتهم هي الأصل وطاعة الله ورسوله تبعًا لها فقد اتخذهم أربابًا من دون الله يتألههم ويتحاكم إليهم ويقدم حكمهم على حكم الله ورسوله، فهذا هو الكفر بعينه، فإن الحكم كله لله، كما أن العبادة كلها لله\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-857> حكم الطاعة في تحريم ما أحل الله:</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة: \"ومتى ترك العالم ما علمه من كتاب الله وسنة رسوله، واتبع حكم الحاكم المخالف لحكم الله ورسوله كان مرتدًا كافرًا يستحق العقوبة في الدنيا والآخرة\" (^٣).\nوقال شيخ الإسلام في قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٥٥٢.\n(^٢) القول السديد ص ١١٢.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٣٥/ ٣٧٢، ٣٧٣.","vol":"3","page":9},{"text":"مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: \"وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا - حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله، يكونون على وجهين:\nأحدهما: أن يعلموا أنهم بدّلوا دين الله، فيتبعوهم على التبديل، فيعتقدون تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله اتباعا لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل، فهذا كفر، وقد جعله الله شرعا - وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم - فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف الدين، واعتقد ما قاله ذلك، دون ما قاله الله ورسوله، مشركا مثل هؤلاء.\nالثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال، وتحليل الحرام ثابتًا (^١)، لكنهم أطاعوهم في معصية الله، كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاصي، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب ... ثم ذلك المحرم للحلال والمحلل لحرام: إن كان مجتهدًا قصده اتباع الرسول، لكن خفي عليه الحق في نفس الأمر، وقد اتقى الله ما استطاع، فهذا لا يؤاخذه الله بخطئه، بل يثيبه على اجتهاده الذي أطاع به ربه. ولكن من علم أن هذا أخطأ فيما جاء به الرسول، ثم اتبعه على خطئه، وعدل عن قول الرسول فهذا له نصيب من هذا الشرك الذي ذمه الله، لاسيما إن اتبع في ذلك هواه ونصره باللسان واليد، مع علمه بأنه مخالف للرسول، فهذا شرك يستحق صاحبه العقوبة عليه، ولهذا اتفق العلماء على أنه إذا عرف الحق لا يجوز له تقليد أحد في خلافه\" (^٢).\nفتبين بهذا أن اتباع المشرعين المبدلين لدين الله وطاعتهم مع العلم بمخالفته كفر بخالق السماوات والأرض إذا اعتقد تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله لأن\n_________\n(^١) يكون راجعًا إلى كفر الاستحلال.\n(^٢) الإيمان ص ٦٧، مجموع الفتاوى ٧/ ٧٠.","vol":"3","page":10},{"text":"التشريع حق خالص لله وحده لا شريك له. من نازعه في شيء منه فهو مشرك قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١].\nيقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: \"أي: هم لا يتبعون ما شرع الله لك من الدين القويم، بل يتبعون ما شرع لهم شياطينهم من الجن والإنس من تحريم ما حرموا عليهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وتحليل أكل الميتة والدم والقمار إلى نحو ذلك من الضلالات والجهالة الباطلة التي كانوا قد اخترعوها في جاهليتهم من التحليل والتحريم والعبادات الباطلة والأموال الفاسدة\" (^١).\nوقال ابن تيمية: \"فمن جعل غير الرسول تجب طاعته في كل ما يأمر به وينهى عنه وإن خالف أمر الله ورسوله، فقد جعله ندًّا ... وهذا من الشرك الذي يدخل أصحابه في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] \" (^٢).\nويقول الحافظ ابن كثير في تفسيره قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ [الأنعام: ١٢١]. (أي: حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره، فقدمتم عليه قول غيره فهذا هو الشرك، كقوله تعالى ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] \" (^٣).\nوفي تيسير العزيز الحميد قال: \"اتباع هذا المحلل للحرام والمحرم للحلال إن كان مجتهدا قصده اتباع الرسول - ﷺ -، لكن خفي عليه الحق في نفس الأمر، وقد اتقى الله ما استطاع، فهذا لا يؤاخذه الله بخطئه، بل يثيبه على اجتهاده الذي أطاع به\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير ٤/ ١١٣.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٠/ ٢٦٧.\n(^٣) تفسير ابن كثير ٢/ ١٧١.","vol":"3","page":11},{"text":"ربه. ولكن من علم أن هذا الخطأ فيما جاء به رسول الله - ﷺ -، ثم اتبعه على خطئه وعدل عن قول رسول الله - ﷺ -، فله نصيب من الشرك الذي ذمه الله، لا سيما إن اتبعه في ذلك لهواه ونصره باللسان واليد مع علمه بأنه مخالف للرسول - ﷺ -، فهذا شرك يستحق صاحبه العقوبة عليه، ولهذا اتفق العلماء على أنه إذا عرف الحق لا يجوز تقليد أحد في خلافه، وأما إن كان المتبع للمجتهد عاجزًا عن معرفة الحق على التفصيل وقد فعل ما يقدر عليه مثله من الاجتهاد في التقليد، فهذا لا يؤاخذ ان أخطأ كما في القبلة. وأما إن قلد شخصًا دون نظيره بمجرد هواه، ونصره بيده ولسانه من غير علم أنه الحق معه، فهذا من أهل الجاهلية، فإن كان متبوعه مصيبًا لم يكن عمله صالحًا، وإن كان متبوعه مخطأ آثمًا كمن قال في القرآن برأيه، فإن أصاب فقد أخطأ، وإن أخطأ فليتبوأ مقعده من النار\" (^١).\nوفي قول النبي - ﷺ - لعدي: \"ألم يحرموا عليكم ما أحل الله ويحلوا لكم ما حرم الله فتتبعوهم، قال: بلى، قال: فتلك عبادتهم\".\nقال الشنقيطي - ﵀ -: \"وهذا التفسير النبوي يقتضي أن كل من يتبع مشرعا بما أحل وحرم مخالفًا لتشريع الله أنه عابد له متخذه ربًا مشرك به كافر بالله، هو تفسير صحيح لا شك في صحته ... واعلموا أيها الإخوان: أن الإشراك بالله في حكمه والإشراك به في عبادته كلها بمعنى واحد لا فرق بينهما البتة، فالذي يتبع نظامًا غير نظام الله وتشريعًا غير تشريع الله، وقانونًا مخالفًا لشرع الله من وضع البشر معرضًا عن نور السماء الذي أنزله الله على لسان رسوله، من كان يفعل هذا هو ومن كان يعبد الصنم ويسجد للوثن لا فرق بينهما البتة بوجه من الوجوه، فهما واحد، كلاهما مشرك بالله، هذا أشرك به في عبادته، وهذا أشرك به في حكمه، والإشراك\n_________\n(^١) ملخصًا من تيسير العزيز الحميد ص ٥٥٨ وربما نقله من شيخ الإسلام ابن تيمية.","vol":"3","page":12},{"text":"به في عبادته والإشراك به في حكمه، كلها سواء، وقد قال الله جل وعلا في الإشراك به في عبادته: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. وقال تعالى في الإشراك في حكمه أيضًا: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦] \" (^١).\nوقال في موضع آخر: \"وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله - ﷿ - على ألسنة رسله صلى الله عليهم وسلم: أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي مثلهم\" (^٢).\nقال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -: \"واعلم أن اتباع العلماء أو الأمراء في تحليل ما حرم الله أو العكس ينقسم إلى ثلاثة أقسام:\nالأول: أن يتابعهم في ذلك راضيا بقولهم مقدما له ساخطا لحكم الله، فهو كافر لأنه ما أنزل الله فأحبط الله عمله ولا تحبط الأعمال إلا بالكفر، فكل من كره ما أنزل الله فهو كافر.\nالثاني: أن يتابعهم في ذلك راضيا في حكم الله وعالمًا بأنه أمثل وأصلح للعباد والبلاد ولكن لهوى في نفسه اختاره كأن يريد مثلا وظيفة، فهذا لا يكفر ولكنه فاسق وله حكم غيره من العصاة.\nالثالثة: أن يتابعهم جاهلا فيظن أن ذلك حكم الله فينقسم إلى قسمين:\n_________\n(^١) ذكره في تفسير قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]. مستفاد من كتاب الحاكمية في تفسير أضواء البيان جمع الشيخ عبد الرحمن السديس ص ٥٢، ٥٣.\n(^٢) أضواء البيان ٤/ ٩٢. للاستزادة انظر أضواء البيان ٧/ ١٦٣، ١٦٩، ١٧٣.","vol":"3","page":13},{"text":"أ - أن يمكنه أن يعرف الحق بنفسه فهو مفرط أو مقصر، فهو آثم، لأن الله أمر بسؤال أهل العلم عند عدم العلم.\nب - أن لا يكون عالما ولا يمكنه التعلم فيتابعهم تقليدا ويظن أن هذا هو الحق فهذا لا شيء عليه لأنه فعل ما أمر به وكان معذورا بذلك ولذلك ورد عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"من أُفتي بغير علم فإنما إثمه على من أفتاه\". ولو قلنا بإثمه بخطأ غيره للزم من ذلك الحرج والمشقة، ولم يثق الناس بأحد لاحتمال خطئه.\nفإن قيل: لماذا لا يكفر أهل القسم الثاني؟\nأجيب: إننا لو قلنا بكفرهم لزم من ذلك تكفير كل صاحب معصية يعرف أنه عاص لله ويعلم أنه حكم الله\" (^١).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١٠/ ٧٣٩، ٧٤٠، وانظر القول المفيد ط ١ - ٢/ ٢٦٥.","vol":"3","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-858>١٨٧ - الطاغوت </span>*\nالطاغوت مشتق من الطغيان (^١) وهو مجاوزة الحد (^٢) وأمرنا باجتنابه والكفر به قال تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].\nوقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ [البقرة: ٢٥٦].\nقال ابن جرير - ﵀ -: \"وأرى أن أصل الطاغوت الطغووت من قول القائل طغا فلان يطغو إذا عدا قدره فتجاوز حده كالجبروت من التجبر والحلبوت من الحلب ونحو ذلك من الأسماء التي تأتي على تقدير فعلوت بزيادة الواو والتاء ثم نقلت لامه - أعني لام الطغووت - فجعلت له عينًا وحُولت عينه فجعلت مكان لامه كما قيل: جذب وجبذ وجابذ وجاذب وصاعقة وصاقعة وما أشبه ذلك من الأسماء التي على هذا المثال\" (^٣).\nوقال ابن فارس: \"وكل مجاوز الحد في العصيان طاغ\" (^٤).\n_________\n* أحكام القرآن القرطبي ٥/ ٢٤٨. شرح مسائل الجاهلية ص ٩٤، ١٤٩. تسير العزيز الحميد ص ٥٠، ٣٦٨. فتح المجيد ص ٤٣، ٢٩٩. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ١٣، ١٧٥. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ٢٣، ٤٦٩، ٢/ ٨، ط ٢ - ١/ ٣٠، ٥٨٧ ومن المجموع ٩/ ١٦، ٤٥٦. الدرر السنية ١/ ١٣٦، ١٦١، ٢/ ١٢١، ٢٩٩، ١٠/ ٥٠٢، ٥٠٣، الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ١/ ٥٤. شجرة الإيمان للسعدي من المجموعة ٣/ ٣٩٦.فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٥٤٣. مجموع الفتاوى لابن باز ٢/ ٧٧٣، ٧٨٢. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٢/ ١٩٥. حقيقة الكفر بالطاغوت د. علي بن نفيع. مباحث العقيدة في سور الزمر ص ٢٥٣. شرح مسائل الجاهلية للسعيد ٢/ ٨٠٤، ٨٧٧.\n(^١) ثلاثة الأصول لابن عثيمين ١٥٣.\n(^٢) مختار الصحاح (ط غ ا).\n(^٣) تفسير ابن جرير الطبري ٣/ ١٩.\n(^٤) مجمل اللغة ٢/ ٥٨٣.","vol":"3","page":15},{"text":"وقال الراغب: \"الطاغوت عبارة عن كل متعد وكل معبود من دون الله ويستعمل في الواحد والجمع\" (^١).\n* وفي الشرع: قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: الطاغوت: الشيطان وجاء ذلك عن مجاهد والشعبي والضحاك وقتادة والسدي (^٢).\nوقال آخرون الطاغوت هو الساحر، وجاء ذلك عن أبي العالية (^٣).\nوقال آخرون: بل الطاغوت هو الكاهن، وجاء ذلك عن سعيد بن جبير ورفيع قال ابن جريج ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ قال: كهان تنزل عليها شياطين يلقون على ألسنتهم وقلوبهم (^٤).\nوقال ابن جرير: \"أخبرني أبو الزبير عن جابر بن عبد الله أنه سمعه يقول: وسئل عن الطواغيت التي كانوا يتحاكمون إليها فقال: كان في جهينة واحد، وفي أسلم واحد وفي كل حي واحد، وهي كهان ينزل عليها الشيطان\" (^٥).\nوقال أيضًا: \"والصواب من القول عندي في الطاغوت أنه كل ذي طغيان على الله فعبد من دونه إما بقهر منه لمن عبده وإما بطاعة ممن عبده له إنسانًا كان ذلك المعبود أو شيطانًا أو وثنًا أو صنمًا أو كائنًا ما كان من شيء\" (^٦).\nوفي قول عمر - ﵁ - (الجبت: السحر، الطاغوت: الشيطان) قال ابن كثير - ﵀ -: \"وهو قول قويٌّ جدًّا، فإنه يتناول كل ما كان عليه أهل الجاهلية من عبادة الأوثان\n_________\n(^١) المفردات ص ٣٠٥.\n(^٢) تفسير ابن جرير ٣/ ١٨.\n(^٣) تفسير ابن جرير ٣/ ١٩.\n(^٤) المصدر السابق.\n(^٥) تفسير ابن جرير ٣/ ١٨.\n(^٦) تفسير ابن جرير ٣/ ١٩.","vol":"3","page":16},{"text":"والتحاكم إليها والاستنصار بها\" (^١).\nوتفسير العلماء للطاغوت ببعض أنواعه لا يدل على الحصر، وإنما هو من باب التفسير بالمثال أو من باب التنصيص على بعض أفراد العام لمعنى خاص فيه.\nوقال ابن القيم: \"الطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع (^٢)، فطاغوت كل قومٍ من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة الله، فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها، وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم انصرفوا عن عبادة الله إلى عبادة الطاغوت، وعن التحاكم إلى الله وإلى الرسول إلى التحاكم إلى الطاغوت، وعن طاعته ومتابعة رسوله إلى طاعة الطاغوت ومتابعته، وهؤلاء لم يسلكوا طريق الناجين الفائزين من هذه الأمة وهم الصحابة ومن تبعهم، ولا قصدوا قصدهم بل خالفوهم في الطريق والقصد معًا\" (^٣).\nوجاء في فتاوى اللجنة: \"معنى الطاغوت العام هو كل ما عبد من دون الله مطلقًا تقربًا إليه بصلاة أو صيام أو نذر أو ذبيحة أو لجوء إليه فيما هو من شأن الله لكشف ضر أو جلب نفع أو تحكيمًا له بدلًا من كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - ونحو ذلك\" (^٤).\nوفيها أيضًا أن الطاغوت: \"من دعا إلى الشرك أو لعبادة نفسه أو ادعى شيئًا من علم الغيب أو حكم بغير ما أنزل الله متعمدًا ونحو ذلك\" (^٥).\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم ١/ ٥٥٣.\n(^٢) قال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ - عن هذا التعريف: \"إنه أحسن ما قيل في تعريف الطاغوت\". انظر: شرح الأصول الثلاثة من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ١٥٣.\n(^٣) إعلام الموقعين ١/ ٥٠.\n(^٤) فتاوى اللجنة ١/ ٥٤١.\n(^٥) فتاوى اللجنة ١/ ٥٤٣.","vol":"3","page":17},{"text":"* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦) اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة: ٢٥٦، ٢٥٧]، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾ [النساء: ٦٠]، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦]. وفسرت فتاوى اللجنة آية النساء بأن المراد بالطاغوت فيها: \"كل ما عدل عن كتاب الله وسنة نبيه - ﷺ - إلى التحاكم إليه من نظم وقوانين وضعية أو تقاليد وعادات متوارثة أو رؤساء قبائل ليفصل بينهم بذلك أو دين يراه زعيم الجماعة أو الكاهن فهذه مضاهاة لتشريع الله داخل في معنى الطاغوت لكن من عبد من دون الله وهو غير راض بذلك كالأنبياء والصالحين لا يسمى طاغوتًا وإنما الطاغوت الشيطان الذي دعاهم إلى ذلك وزينه لهم من الجن والإنس\" (^١).\n* الدليل من السنة: عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ الله هَلْ نرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ ... وذكر الحديث وفي آخره قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \" ... كَذَلِكَ يَجْمَعُ الله النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتْبَعْهُ فَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ الْقَمَرَ وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ\n_________\n(^١) فتاوى اللجنة ١/ ٥٤٢.","vol":"3","page":18},{"text":"وَتَبْقَى هَذه الأُمَّةُ فِيهَا شَافِعُوهَا أَوْ مُنَافِقُوهَا\" (^١).\nوروى مسلم في صحيحه من حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"لا تَحْلِفُوا بِالطَّوَاغِي وَلا بآبَائِكُمْ\" (^٢)، والمراد بالطواغي: الطواغيت. كما جاء مصرحا بها في رواية عند النسائي: \"لا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ وَلا بِالطَّوَاغِيتِ\" (^٣).\nوروى أحمد عن ميمونة بنت كردم قالت: \"كنت ردف أبي فسمعته يسأل النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله إني نذرت أن أنحر ببوانة فقال: \"أبها وثن أم طاغية \" فقال: لا، قال: \"أوفِ بنذرك\"\" (^٤).\nأما حكم الطاغوت فالكفر به أحد ركني الشهادة فلا يكفي الإتيان بالشهادة إلا بالكفر بالطاغوت - فلا إله إلا الله - نفي وإثبات وما تنفيه \"لا إله إلا الله\"، هو عبادة الطاغوت وهو الشرك.\nقال الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب - ﵀ -: \"اعلم - رحمك الله - أن أول ما فرض الله على ابن آدم: الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله، والدليل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].\nفأما صفة الكفر بالطاغوت: فأن تعتقد بطلان عبادة غير الله، وتتركها، وتبغضها، وتكفِّر أهلها، وتعاديهم.\nوأما معنى الإيمان بالله: فأن تعتقد أن الله هو الإله المعبوده وحده دون من سواه، وتخلص جميع أنواع العبادة كلها لله، وتنفيها عن كل معبود سواه، وتحب أهل الإخلاص، وتواليهم، وتبغض أهل الشرك، وتعاديهم؛ وهذه ملة إبراهيم التي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٤٣٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٦٤٨).\n(^٣) أخرجه النسائي (٣٨٠٥).\n(^٤) المسند (٢٧٦٠٦) ٦/ ٣٦٦.","vol":"3","page":19},{"text":"سَفِهَ نفسَه من رغب عنها، وهذه: هي الأسوة التي أخبر الله بها في قوله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]. والطاغوت: عام في كل ما عبد من دون الله، فكل ما عبد من دون الله، ورضي بالعبادة من معبود أو متبوع، أو مطاع في غير طاعة الله ورسوله، فهو طاغوت.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-859> والطواغيت كثير ورؤوسهم خمسة:</span>\nالأول: الشيطان الداعي إلى عبادة غير الله. والدليل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠)﴾ [يس: ٦٠].\nالثاني: الحاكم الجائر المغير لأحكام الله تعالى والدليل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾ [النساء: ٦٠].\nالثالث: الذي يحكم بغير ما أنزل الله والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤].\nالرابع: الذي يدّعي علم الغيب من دون الله، والدليل قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾ [الجن: ٢٧].\nوقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩].","vol":"3","page":20},{"text":"الخامس: الذي يعبد من دون الله وهو راض بالعبادة، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾ [الأنبياء: ٢٩]، واعلم أن الإنسان ما يصير مؤمنًا بالله إلا بالكفر بالطاغوت، والدليل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ [البقرة: ٢٥٦] \" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-860> فائدة:</span>\nجاء في فتاوى اللجنة ما نصه: \"ليس كل من عبد من دون الله يعتبر طاغوتا إنما يعتبر طاغوتا من عبد من دون الله وهو راض أو دعى إلى عبادة نفسه وعيسى بن مريم ﵇ لم يرض أن يكون معبودًا بل أنكر ذلك ودعا إلى عبادة الله وحده ... \" (^٢).\nويقول الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن عبد الوهاب: \"كل من عبد شيئًا دون الله بأي أنواع العبادة كالدعاء والاستغاثة فإنما عبد الطاغوت فإن كان المعبود صالحا كانت عبادة العابد له واقعة على الشيطان الذي أمره بعبادته كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ [سبأ: ٤٠، ٤١] وإن كان ممن يدعو إلى عبادة نفسه كالطواغيت أو كان شجرًا أو حجرًا أو قبرًا كاللات والعزى ومناة وغير ذلك مما كان يتخذه المشركون لهم أصنامًا على صور الصالحين والملائكة أو غير ذلك فهي من الطاغوت الذي أمر الله عباده أن\n_________\n(^١) الدرر السنية ١/ ١٦١ - ١٦٣، مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، القسم الأول - العقيدة ص ٣٣٧.\n(^٢) فتاوى اللجنة: ١/ ٥٤٤.","vol":"3","page":21},{"text":"يكفروا بعبادته ويتبرءوا منه\" (^١).\nقال ابن عثيمين - ﵀ -: \"فالأصنام التي تعبد من دون الله طواغيت، وعلماء السوء الذين يدعون إلى الضلال والكفر، أو يدعون إلى البدع، أو إلى تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله طواغيت، والذين يزينون لولاة الأمر الخروج عن شريعة الإسلام بنظم يستوردونها مخالفة لنظام الدين الإسلامي طواغيت، لأن هؤلاء تجاوزوا حدهم، فإن حد العالم أن يكون متبعا لما جاء به النبي - ﷺ -، لأن العلماء حقيقة ورثة الأنبياء، يرثونهم في أمتهم علمًا، وعملًا، وأخلاقًا، ودعوة وتعليمًا، فإذا تجاوزوا هذا الحد وصاروا يزينون للحكام الخروج عن شريعة الإسلام بمثل هذه النظم فهم طواغيت؛ لأنهم تجاوزوا ما كان يجب عليهم أن يكونوا عليه من متابعة الشريعة\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-861>١٨ - الطِّب</span>\nالطِّب بكسر الطاء، والمطبوب: المسحور. يقال طُبَّ الرجل: إذا سُحِر، فكنوا بالطب عن السحر تفاؤلًا. انظر باب (السحر).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-862>١٨٩ - الطرق</span>\nانظر باب (الكهانة).\n_________\n(^١) قرة عيون الموحدين ص ٢٣١.\n(^٢) شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ١٥٤.","vol":"3","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-863>١٩٠ - الطواف بغير الكعبة </span>*\nيشرع الطواف بالكعبة واستلام الركنين اليمانيين وتقبيل الحجر الأسود. ولا يشرع الطواف بغير الكعبة (^١).\nقال ابن تيمية: \"وأما مسجد النبي - ﷺ - والمسجد الأقصى وسائر المساجد فليس فيها ما يطاف به ولا فيها ما يتمسح به ولا ما يقبل فلا يجوز لأحد أن يطوف بحجرة النبي - ﷺ - ولا بغير ذلك من مقابر الأنبياء والصالحين ولا بصخرة بيت المقدس ولا بغير هؤلاء كالقبة التي فوق جبل عرفات وأمثالها بل ليس في الأرض مكان يطاف به كما يطاف بالكعبة\" (^٢).\nوالطواف بالكعبة ركن في الحج وركن في العمرة وفي غيرهما سنة وعبادة يتقرب بها العبد إلى الله.\nقال ابن تيمية: \"ومن اعتقد أن الطواف بغيرها مشروع فهو شر ممن يعتقد جواز الصلاة إلى غير الكعبة فإن النبي - ﷺ - لما هجر من مكة إلى المدينة صلى بالمسلمين ثمانية عشر شهرا إلى بيت المقدس، فكانت قبلة المسلمين هذه المدة، ثم إن الله حول\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ١٤/ ١٨٩. شرح السنة للبغوي ٧/ ١١٦، ١٢٩. الباعث لأبي شامة ص ٢٨٢. اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٦٣٧. مجموعة الرسائل الكبرى ٢/ ١٠، ١٣، ٣٧٢. مجموع فتاوى ابن عثيمين ٢/ ٢٢٧. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٦/ ١٥٥. الإبداع في مضار الابتداع ٩٠، ٣٠٦. أحكام الجنائز للألباني رقم ٧٣٢ ص ٢٣٦، ٢٦٦.\n(^١) انظر مجموع الفتاوى ٤/ ٥٢١.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٢٧/ ١٠، ١١.","vol":"3","page":23},{"text":"القبلة إلى الكعبة وأنزل الله في ذلك القرآن كما ذكر في \"سورة البقرة\" وصلى النبي - ﷺ - والمسلمون إلى الكعبة، وصارت هي القبلة، وهي قبلة إبراهيم وغيره من الأنبياء.\nفمن اتخذ الصخرة اليوم قبلة يصلي إليها فهو كافر مرتد يستتاب فإن تاب وإلا قتل مع أنها كانت قبلة لكن نسخ ذلك، فكيف بمن يتخذها مكانا يطاف به كما يطاف بالكعبة؟! والطواف بغير الكعبة لم يشرعه الله بحال، وكذلك من قصد أن يسوق إليها غنما أو بقرا ليذبحها هناك ويعتقد أن الأضحية فيها أفضل، وأن يحلق فيها شعره في العيد، وأن يسافر إليها ليعرف بها عشية عرفة، فهذه الأمور التي يشبه بها بيت المقدس في الوقوف والطواف والذبح والحلق من البدع والضلالات، ومن فعل شيئا من ذلك معتقدا أن هذا قربة إلى الله فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، كما لو صلى إلى الصخرة معتقدا أن استقبالها في الصلاة قربة كاستقبال الكعبة\" (^١).\nوقال ابن تيمية: \"ومن ذلك الطواف بغير الكعبة وقد اتفق المسلمون على أنه لا يشرع الطواف إلا بالبيت المعمور فلا يجوز الطواف بصخرة بيت المقدس ولا بحجرة النبي - ﷺ - ولا بالقبة التي في جبل عرفة ولا غير ذلك\" (^٢).\nوقال النووي: \"لا يجوز أن يطاف بقبره - ﷺ - \" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-864>حكم الطواف حول القبور:</span>\nقال الشيخ ابن باز: \"الغالب على عباد القبور هو التقرب إلى أهلها بالطواف بها كما يتقربون إليهم بالذبح لهم والنذر لهم وكل ذلك شرك أكبر، من مات عليه مات كافرا لا يُغسَّل ولا يُصلَّى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين\" (^٤).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢٧/ ١١.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٤/ ٥٢١.\n(^٣) المجموع ٨/ ٢٧٥.\n(^٤) فتاوى ابن باز ص ٧٨٣.","vol":"3","page":24},{"text":"واستثنى من ذلك من يطوف تقربًا إلى الله جهلا منه فقال: \"إلا أن يدَّعي أنه طاف بالقبور بقصد عبادة الله، كما يطوف بالكعبة يظن أنه يجوز الطواف بالقبور ولم يقصد التقرب بذلك لأصحابها وإنما قصد التقرب إلى الله وحده، فهذا يعتبر مبتدعًا لا كافرًا لأن الطواف بالقبور بدعة منكرة\" (^١).\nوالطواف بالقبر له حالان:\nالحالة الأولى: أن يطوف بالقبر قاصدًا التقرب لصاحب القبر فهذا شرك أكبر.\nالحالة الثانية: أن يطوف بالقبر قاصدًا التقرب إلى الله فهذا بدعة ولا يكون شركًا.\n_________\n(^١) فتاوى ابن باز ص ٧٨٣. وانظر للاستفادة فتاوى اللجنة ١/ ١١٤.","vol":"3","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-865>١٩١ - الطيرة </span>*\n<span data-type=\"title\" id=toc-866>[الفأل - صفر - العدوى]</span>\nالطير في اللغة اسم لجماعة ما يطير (^١).\nقال في مختار الصحاح: \"الطائر: جمعه طير مثل صاحب وصَحْب وجمع الطير طيور وأطيار، مثل فَرْخ وفُرُوخ وأفراخ. وقال قطرب وأبو عبيدة: \"الطَّير\" أيضًا قد يقع على الواحد وقريء: ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (^٢) \" (^٣).\nوقال ابن الأثير: \"الطيرة بكسر الطاء وفتح الياء وقد تسكّن وهي: التشاؤم بالشيء وأصله فيما يقال: التطير بالسوانح والبوارح من الطير والضباء وغيرهما.\n_________\n* الاستذكار لابن عبد البر ٢٧/ ٥٢، ٢٢٩. التمهيد لابن عبد البر ٢٤/ ١٩٣ - ١٩٥، ٩/ ٢٨٢، ٢٨٦. شرح السنة للبغوي ١٢/ ١٦٧. أحكام القرآن ٦/ ٦٠. الآداب الشرعية لابن مفلح ٣/ ٣٥٧. شرح مسائل الجاهلية ١٥١. تيسير العزيز الحميد ٤٢٧. فتح المجيد ٣٤٥. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ٢١٢. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ٣١، ٧٧، ط ٢ - ٢/ ٩٣ ومن المجموع ٩/ ٥٥٩، ٥١٥. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٣١. الدرر السنية ١٠/ ٣٨٣. الدين الخالص ٢/ ١٤٢، ١٥٦. معارج القبول ٢/ ٣٢١. فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٤٥١. مجموع الفتاوى لابن باز ١/ ٢٨٢. المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة الأحمدي ٢/ ١٢٤. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ٤٧٥. شرح مسائل الجاهلية للسعيد ٢/ ٨٦٥. الجيلاني وآراؤه الاعتقادية ص ١٤٨. منهج ابن حجر في العقيدة ١٠٩٢. نواقض الإيمان القولية والعملية ٥٢٣. منهج الشافعي في إثبات العقيدة ٢٧٣. الإمام الخطابي ومنهجه في العقيدة لأبي عبد الرحمن العلوي ص ٢٦٦. عقيدة الإمام ابن عبد البر للغصن ٢٤٦. الطيرة لمحمد الحمد.\n(^١) لسان العرب (ط ي ر).\n(^٢) سورة آل عمران: الآية ٤٩.\n(^٣) مختار الصحاح ٤٠٢ باب (ط ي ر).","vol":"3","page":26},{"text":"وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم فنفاه الشرع وأبطله ونهى عنه\" (^١).\nقال ابن القيم في مفتاح دار السعادة: \"وأصل هذا أنهم كانوا يزجرون الطير والوحش ويثيرونهما، فما تيامن منها وأخذ ذات اليمين سموه سانحًا، وما تياسر منها سموه بارحًا، وما استقبلهم فهو الناطح، وما جاءهم من خلفهم سموه القعيد. فمن العرب من يتشاءم بالبارح، ويتبرك بالسانح، ومنهم من يرى خلاف ذلك. قال المدائني: سألت رؤبة بن العجاج: ما السانح؟ قال ما ولاك ميامنه، قال: قلت: فما البارح؟ قال ما ولاك مياسره. قال والذي يجيء من قدامك فهو الناطح والنطيح، والذي يجيء من خلفك فهو القاعد والقعيد.\nوقال المفضل الضبي: \"البارح ما يأتيك عن اليمين يريد يسارك، والسانح ما يأتيك عن اليسار فيمر على اليمين، وإنما اختلفوا في مراتبها ومذاهبها لأنها خواطر وحدوس وتخمينات لا أصل لها، فمن تبرك بشيء مدحه ومن تشاءم به ذمه\" (^٢).\nولم تكن العرب قاطبة تعتقد هذا وتقول به، بل كان منهم من أنكره، قال ابن القيم: \"ومنهم من أنكرها بعقله، وأبطل تأثيرها بنظره، وذم من اغتر بها واعتمد عليها، وتوهم تأثيرها، فمنهم المرقش حيث يقول:\nولقد غدوت وكنت لا ... أغدو على واق وحاتم\nفإذا الأشائم كالأيا ... من والأيامن كالأشايم\nوكذا فلا خير ولا ... شر على أحد بدائم\nلا يمنعنك من بغا ... ء الخير تعقاد التمائم\nقد خط ذلك في السطو ... ر الأوليات القدائم\n_________\n(^١) النهاية (ط ي ر).\n(^٢) مفتاح دار السعادة ٢/ ٢٢٩.","vol":"3","page":27},{"text":"يعني بالواق الصرد، وبالحاتم الغراب، سموه حاتما لأنه كان عندهم يحتم بالفراق\" (^١).\nوقال الحافظ: \"أصل التطير أنهم كانوا في الجاهلية يعتمدون على الطير، فإذا خرج أحدهم لأمر، فإن رأى الطير طار يمنة، تيمن به، واستمر وإن طار يسرة تشاءم به ورجع، وربما كان أحدهم يهيج الطير ليطير فيعتمدها، فجاء الشرع بالنهي عن ذلك\" (^٢).\nقال البغوي: \"فأبطل النبي - ﷺ - أن يكون لشيء منها تأثير في اجتلاب نفع أو ضر\" (^٣).\nوإنما أضيفت الطيرة إلى الطير، لأن غالب التشاؤم عند العرب بالطير، فعلقت به. وكذلك عرّفه ابن حجر فقال: \"الطيرة والتشاؤم بمعنى واحد\" (^٤).\nوقال العلامة محمد الطاهر بن عاشور: \"إنما غلب لفظ الطيرة على التشاؤم؛ لأن للأثر الحاصل من دلالة الطيران على الشؤم دلالةً أشد على النفس؛ لأن توقع الضر أدخل في النفوس من رجاء الخير\" (^٥).\nوقال أيضًا: \"الطيرة في الأصل تكلف معرفة دلالة الطير على خير أو شر من تعرُّض نوع الطير، من صفة اندفاعه، أو مجيئه، ثم أطلق على كل حدث يتوهَّم منه أحدٌ أنه كان سببًا في لحاق شرٍّ به، فصار مردافًا للتشاؤم\" (^٦).\n* فحدُّ الطيرة الشرعي هو: التشاؤم بالطيور، والأسماء، والألفاظ، والبقاع، والأشخاص، والأزمان أو هو التشاؤم بكل مسموع أو مرئي أو معلوم وهذا تعريف ابن القيم.\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة ٢/ ٢٣٠.\n(^٢) فتح الباري ١٠/ ٢١٢.\n(^٣) شرح السنة ١٢/ ٧٠.\n(^٤) الفتح ٦/ ٦١. وانظر للاستزادة: الدرر السنية ١٠/ ٣٣٩.\n(^٥) التحرير والتنوير ٥/ ٦٥.\n(^٦) التحرير والتنوير ١١/ ٣٦٢.","vol":"3","page":28},{"text":"قال الشيخ ابن باز - ﵀ -: \"والطيرة التشاؤم بالمرئيات والسمعيات من عمل الجاهلية\" (^١).\nوالطيرة الشركية يوضحها حديث ابن عمرو - الآتي -: \"من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك\" وحديث: \"إنما الطيرة ما أمضاك أو ردّك\" (^٢) فحقيقة الطيرة الشركية ما دفعت الإنسان إلى العمل بها أما التي لا تؤثر على عزم الإنسان من التشاؤم فليس بطيرة. فكل طيرة وتشاؤم حمل الإنسان على المضي فيما أراده أو رده عنه اعتمادا عليها فهي شرك. ومفهوم الحديث: أن من لم تثنه الطيرة عن عزمه فإنها لا تضره، فلا تعود عليه بمعصية أو شرك، كما لا تضره فيما يستقبل من عمله وما عزم عليه، قال ابن حجر: \"من وقع له ذلك فسلَّم لله ولم يعبأ بالطيرة لا يؤاخذ بما عرض له من ذلك\" (^٣).\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله في قوله: \"إنما الطيرة ما أمضاك أوردك\": \"هذا حد الطيرة المنهي عنها بأنها ما أوجب للإنسان أن يمضي لما يريده ولو من الفأل، فإن الفأل إنما يستحب لما فيه من البشارة والملاءمة للنفس، فأما أن يعتمد عليه ويمضي لأجله مع نسيان التوكل على الله، فإن ذلك من الطيرة، وكذلك إذا رأى أو سمع ما يكره فتشاءم به ورده عن حاجته، فإن ذلك أيضا من الطيرة\" (^٤).\n* الدليل من الكتاب: قال تعالى ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣١)﴾ [الأعراف: ١٣١] وقال تعالى: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ [يس: ١٩].\n_________\n(^١) القوادح في العقيدة ص ٥٠، ٥١.\n(^٢) انظر تخريج الحديث في الأدلة.\n(^٣) فتح الباري ١٠/ ٢١٣.\n(^٤) تيسير العزيز الحميد ص ٤٤٦.","vol":"3","page":29},{"text":"* في الدليل من السنة: عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا عدوى (^١) ولا طيرة، ولا هامة (^٢)، ولا صفر (^٣) \" (^٤). زاد مسلم: \"ولا نوء ولا غول (^٥) \".\nولهما عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل، قالوا وما الفأل؟ قال: الكلمة الطيبة\" (^٦).\nوعن قَطَن بْن قَبِيصَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ رَسولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: \"الْعِيَافَةُ وَالطِّيَرَةُ وَالطَّرْقُ مِنْ الْجِبْت\" الطَّرْقُ: الزَّجْر، وَالْعِيَافَةُ: الْخَطُّ (^٧).\nوعن بريدة أن النبي - ﷺ -: \"كان لا يتطير من شيء\" (^٨).\nوعن عروة بن عامر - ﵁ - قال: ذكرت الطيرة عند رسول الله - ﷺ - فقال: \"أحسنها الفأل، ولا ترد مسلمًا، فإذا رأى أحدكم ما يكره، فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك\" (^٩).\nوروى الإمام أحمد أن النبي - ﷺ - قال: \"أقروا الطير على مَكِناتها\" (^١٠).\nوعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسولَ الله - ﷺ -، أُمُورًا كُنَّا نَصْنَعُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ كُنَّا نَأْتِي الْكُهَّانَ. قَالَ: \"فَلَا تَأْتُوا الْكُهَّانَ\" قَالَ: قُلْتُ كُنَّا نَتَطَيَّرُ. قَالَ: \"ذَاكَ\n_________\n(^١) انظر: باب العدوى.\n(^٢) انظر: باب الهامة\n(^٣) انظر: باب صفر.\n(^٤) سبق تخريجه.\n(^٥) انظر باب الغول.\n(^٦) أخرجه البخاري (٥٦٥٦)، ومسلم (٢٢٢٠).\n(^٧) سبق تخريجه.\n(^٨) أبو داود (٣٩٢٠).\n(^٩) أبو داود (٣٩١٩). وابن أبي شيبة في المصنف (٦٤٤٣).\n(^١٠) أخرجه الإمام أحمد (٢٧٦٨٠)، وأبو داود (٢٨٣٥). مكِناتها: بكسر الكاف وضمها. انظر القاموس المحيط (م ك ن)، وسيأتي معنى الحديث.","vol":"3","page":30},{"text":"شَيْءٌ يَجدُهُ أَحَدُكُمْ فِي نَفْسِهِ فَلا يَصُدَّنَّكُمْ\"\" (^١).\nوعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"الطيرة شرك الطيرة شرك\" - ثلاثًا -، قال ابن مسعود: \"وما منا إلا (^٢)، ولكن الله يذهبه بالتوكل\" (^٣) ... وفي أحد إسنادي أحمد: \"الطيرة شرك، الطيرة شرك ولكن الله - ﷿ - يذهبه بالتوكل\" (^٤).\nولأحمد من حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من ردته الطيرة من حاجة فقد أشرك، قالوا: يا رسول الله، ما كفارة ذلك؟ قال أن يقول أحدهم: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك\" (^٥).\nوله من حديث الفضل بن عباس: \"إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك\" (^٦).\n* قول السلف: قال عكرمة: كنا جلوسا عند ابن عباس فمر طائر يصيح، فقال\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٥٣٧).\n(^٢) قال الخطابي في معالم السنن ٤/ ٢٣٠: \"قوله: \"وما منا إلا\" معناه إلا من يعتريه التطير وسبق إلى قلبه الكراهة فيه، فحذف اختصار للكلام واعتمادا على فهم السامع، وقال محمد بن إسماعيل: ان سليمان بن حرب ينكر هذا ويقول: هذا الحرف ليس من قول الرسول - ﷺ - وكأنه قول ابن مسعود - ﵁ -. وعلى هذا فيكون مدرجًا، قال ابن القيم: \"وهذه اللفظة: \"وما منا\" إلى آخر مدرجه في الحديث ليست من كلام النبي - ﷺ -. كذلك قاله بعض الحفّاظ. وهو الصواب، فإن الطيرة نوع من الشرك، كما في أثر مرفوع: \"من ردته الطيرة فقد قارن الشرك\"، وفي أثر آخر: \"من أرجعته الطيرة عن حاجته فقد أشرك، قالوا: وما كفارة ذلك؟ قال: أن يقول أحدكم: اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك\"\". مفتاح دار السعادة ٢/ ٢٣٤.\nقال ابن حجر: \"وقوله \"وما منا إلا\" من كلام ابن مسعود أُدرج في الخبر وقد بينه سليمان بن حرب شيخ البخاري فيما حكاه الترمذي عن البخاري عنه\" فتح الباري ١٠/ ٢١٣.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٣٩١٠). والترمذي (١٦١٤). وابن ماجه (٣٥٣٨).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد (٤١٩٤).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد (٧٠٤٥) ٢/ ٢٢٠، مجمع الزوائد ٥/ ١٠٥.\n(^٦) أخرجه الإمام أحمد (١٨٢٤).","vol":"3","page":31},{"text":"رجل من القوم: خير خير، فقال ابن عباس: \"لا خير ولا شر\" (^١).\nوخرج طاوس مع أصحاب له في سفر فصاح غراب، فقال الرجل: خير، فقال طاووس، وأي خير عند هذا؟! لا تصحبني (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-867>أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-868>١ - حكم الطيرة وهل هي شرك أكبر</span>؟:\nقال في التيسير: \"الطيرة شرك\" صريح في تحريم الطيرة وأنها من الشرك لما فيها من الاعتماد على غير الله تعالى وتعلق القلب بسواه ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١] ... وقال غير واحد من أصحاب أحمد - ﵏ -: بأن الطيرة مكروهة، قال ابن حمدان في الرعاية: تكره الطيرة، وكذلك قال غير واحد من أصحاب أحمد. قال ابن مفلح ﵀: \"والأولى القطع بتحريمها ولعل مرادهم بالكراهة التحريم\".\nقلت (^٣): بل الصواب القطع بتحريمها لأنها شرك وكيف يكون الشرك مكروها الكراهة الاصطلاحية فإن كان القائل بكراهتها أراد ذلك فلا ريب في بطلانه\" (^٤).\nقال ابن الأثير: \"وإنما جعل الطيرة من الشرك لأنهم كانوا يعتقدون أن التطير يجلب لهم نفعا أو يدفع عنهم ضرا إذا عمل بموجبه، فكأنهم أشركوه مع الله في ذلك\" (^٥).\nقال ابن عثيمين في شرح حديث: \"الطيرة شرك، الطيرة شرك\": \"هاتان\n_________\n(^١) أخرجه الطبري كما عزاه له ابن حجر في الفتح ١٠/ ٢٢٥. وهو في التمهيد لابن عبد البر ٢٤/ ١٩٤، كشف الخفاء (٤٦٩١).\n(^٢) مفتاح دار السعادة ٢/ ٢٣٥.\n(^٣) القائل: صاحب التسير.\n(^٤) تيسير العزيز الحميد ص ٤٤٣، ٤٤٤.\n(^٥) النهاية (ط ي ر).","vol":"3","page":32},{"text":"الجملتان يؤكد بعضهما بعضا من باب التوكيد اللفظي.\nوقوله: شرك أي: إنها من أنواع الشرك، وليست الشرك كله وإلا لقال: الطيرة الشرك.\nوهل المراد بالشرك هنا الشرك الأكبر المخرج من الملة، أو أنها نوع من أنواع الشرك؟ نقول هي نوع من أنواع الشرك كقوله - ﷺ -: \"اثنتان في الناس هما بهم كفر\". أي ليس الكفر المخرج عن الملة وإلا لقال: هما بهم الكفر. بل هما نوع من الكفر.\nلكن في ترك الصلاة قال: \"بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة\". فقال: \"الكفر\"، فيجب أن نعرف الفرق بين \"ألـ\" المعرفة أو الدالة على الاستغراق، وبين خلو اللفظ منها، فإذا قيل: هذا كفر؛ فالمراد أنه نوع من الكفر لا يخرج من الملة، وإذا قيل: هذا الكفر فهو المخرج من الملة.\nفإذا تطير إنسان بشيء رآه أو سمعه لا يعد مشركا شركا يخرجه من الملة لكنه أشرك من حيث إنه اعتمد على هذا السبب الذي لم يجعله الله سببا، وهذا يضعف التوكل على الله ويوهن العزيمة، وبذلك يعتبر شركا من هذه الناحية والقاعدة: \"إن كل إنسان اعتمد على سبب لم يجعله الشرع سببا فإنه مشرك شركا أصغر\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-869>٢ - كفارة الطيرة:</span>\nمن تطير الطيرة المنهي عنها فردته عن حاجته فإن كفارته أن يقول الدعاء الوارد في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد: \"من ردته الطيرة من حاجة فقد أشرك، قالوا: يا رسول الله، ما كفارة ذلك؟ قال: أن يقول أحدهم: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير لا طيرك، ولا إله غيرك\" (^٢).\nقال ابن حجر: \"وأخرج البيهقي في الشعب من حديث عبد الله بن عمرو\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٩/ ٥٧٤، ٥٧٥، وانظر القول المفيد ط ١ - ٢/ ٩٣.\n(^٢) تقدم تخريجه.","vol":"3","page":33},{"text":"موقوفًا: \"من عرض له من هذه الطيرة شيء فليقل: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك\" (^١).\nكما يلزمه مع هذا الدعاء أن يفوض الأمر للَّه وحده ويمضي في أمره.\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"قوله: \"فما كفارة ذلك؟ \" إلى آخر الحديث هذه كفارة لما يقع من الطيرة ولكن يمضي مع ذلك ويتوكل على الله\" (^٢).\nقال ابن حجر: \"وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن إسماعيل بن أمية عن النبي - ﷺ -: \"ثلاثة لا يسلم منهن أحد: الطيرة، والظن، والحسد، فإذا تطيرت فلا ترجع؛ وإذا حسدت فلا تبغ، وإذا ظنت فلا تحقق\" وهذا مرسل أو معضل، لكن له شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه البيهقي في \"الشعب\"، وأخرج ابن عدي بسند لين عن أبي هريرة رفعه: \"إذا تطيرتم فامضوا، وعلى الله فتوكلوا\"، وأخرج الطبراني عن أبي الدرداء رفعه: \"لن ينال الدرجات العلى من تكهن، أو استقسم، أو رجع من سفر تطيرًا\" ورجاله ثقات، إلا أنني أظن أن فيه انقطاعًا، وله شاهد عن عمران بن حصين وأخرجه البزار في أثناء حديث بسند جيد\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-870>٣).\n\n٣ - الفرق بين الطيرة والفأل:</span> انظر باب الفأل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-871>٤ - الفرق بين الطيرة والتطير:</span>\nقال ابن علان: \"قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: الفرق بين التطير والطيرة أن التطير هو الظن السيئ الذي يقع في النفس، والطيرة هي الفعل المرتب على الظن السيئ\". (^٤).\n_________\n(^١) فتح الباري ١٠/ ٢١٣.\n(^٢) تيسير العزيز الحميد ص ٤٤٥.\n(^٣) فتح الباري ١٠/ ٢٢٤.\n(^٤) الفتوحات الربانية ٦/ ٢٧٤.","vol":"3","page":34},{"text":"حديث: \"الشؤم في ثلاث\" تقدم الكلام عنه في باب الشؤم.\nحديث: \"أقروا الطير على مَكِناتها\": جاء في مسائل أبي داود ص ٢٦٧ قال: سمعت أحمد يقول في حديث: \"أقروا الطير على مكناتها\" (^١) أي أنها لا تضركم. قال: كان أحدهم - يعني في الجاهلية - يريد الأمر فيثير الطير. يعني فيقال: إن جاء عن يمينه كان كذا وإن جاء عن يساره كان كذا. فقال النبي - ﷺ -: \"أقروا الطير على مَكِناتها فإنها لا تضركم\" (^٢).\nوقال ابن الأثير: \"المكنات في الأصل: بيض الضِّباب (^٣)، واحدتها: مكنة بكسر الكاف وقد تفتح. يقال: مكنت الضبة وأمكنت، قال أبو عبيدة جائز في الكلام أن يستعار مكن الضباب فيجعل للطير كما قيل مشافر الحبش وإنما المشافر للإبل. وقيل المكنات: بمعنى الأمكنة، يقال الناس على مكناتهم وسكناتهم أي: على أمكنتهم ومساكنهم. وقيل المكنة: من التمكن، كالطلبة والتبعة، من التطلب والتتبع. يقال: إن فلانا لذو مكنة من السلطان أي: ذو تمكن. يعني: أقروها على كل مكنة ترونها عليها ودعوا التطير بها\" (^٤).\nقال شمس الدين محمد الصالحي: \"وقد رأيت من يكره أخذ أفراخ الطيور من مناطها، وغالبُ الناس يتشاءم من ذلك خوفًا على النفس والأولاد، حتى إن بعضهم يقول: إنها ما تعانى (^٥) بها أحد وأفلح.\n_________\n(^١) جاء الحديث بالروايتين (مَكِناتها)، (مكاناتها) واللفظان مرويان عند البيهقي في السنن الكبرى ٩/ ٣١١.\n(^٢) نقلا عن مسائل الإمام أحمد في العقيدة ٢/ ١٢٤.\n(^٣) قال في المختار (الضبُّ معروف جمعه ضباب)، مختار الصحاح مادة (ض ب ب).\n(^٤) النهاية (م ك ن) وراجع مفتاح دار السعادة لابن القيم ص ٥٨١، ٥٨٢ ..\n(^٥) عناه الأمر عناية أهمَّه، واعتنى به: اهتمَّ، والمقصود الانشغال بها وتجشم صيدها. انظر مختار الصحاح، والقاموس المحيط (ع ن ى).","vol":"3","page":35},{"text":"ولكن قال الإمام أحمد بن حنبل واختاره أكثر أصحابه وقطع به أبو العباس ابن تيمية أنه لا بأس بصيد الليل. فقيل له: قول النبي - ﷺ -: \"أقرُّوا الطير على مكاناتها\". فقال: هذا كان أحدهم يريد الأمر فيُثير الطير، يتفاءل إن كان عن يمينه قال كذا، وإن كان عن يساره قال كذا، فقال النبي - ﷺ -: \"أقرُّوا الطيرَ على مكاناتها\" يشير إلى أن الحديث ... وروده في التفاؤل؛ لأنَّ العربَ كان من عادتها التفاؤل بطيران الطير، إن طار على اليمين فهو خير، وإن طار على اليسار فهو شر\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-872>٥ - كيف يدفع الإنسان الطيرة:</span>\nيكون ذلك بالأسباب التالية:\n١ - الاعتماد على الله والإخلاص له في العبادة والعلم الجازم أن كل شيء بتقدير الله فما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك.\n٢ - ذكر الأدعية الواردة لدفع الطيرة إذا خطرت في نفس المسلم وهي: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يدفع السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك.\n٣ - المضي فيما قصد إليه، وعدم التأثر بما تطير به، بل يرفض الطيرة رفضا تاما ويتوكل على الله، ولا يفتح على نفسه باب الخوف.\nيوضح ذلك ما رواه مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي أنه قال: ومنا رجال يتطيرون قال رسول الله - ﷺ -: \"ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم\" (^٢) قال النووي: \"وفي رواية: \"فلا يصدنكم\" قال العلماء معناه أن الطيرة شيء تجدونه في نفوسكم ضرورة ولا عتب عليكم في ذلك فإنه غير مكتسب لكم فلا تكليف به ولكن لا تمتنعوا بسببه من التصرف في أموركم فهذا هو الذي تقدرون عليه وهو مكتسب\n_________\n(^١) تأييد الإنكار لإتيان الطيور ونحوها في الأوكار ص ١٩، ٢٠، تأليف شمس الدين محمد بن علي بن طولون الصالحي.\n(^٢) سبق تخريجه.","vol":"3","page":36},{"text":"لكم فيقع به التكليف فنهاهم - ﷺ - عن العمل بالطيرة والامتناع من تصرفاتهم بسببها وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة في النهي عن التطير، والطيرة وهي محمولة على العمل بها لا على ما يوجد في النفس من غير عمل على مقتضاه عندهم\" (^١).\nقال ابن القيم: \"فأخبر أن تأذيه وتشاؤمه إنما هو في نفسه وعقيدته، لا في المتطير به فوهمه وخوفه وإشراكه هو الذي يطيره ويصده، لا ما رآه وسمعه. فأوضح - ﷺ -. لأمته الأمر، وبين لهم فساد الطيرة، ليعلموا أن الله سبحانه لم يجعل لهم عليها علامة، ولا فيها دلالة، ولا نصبها سببًا لما يخافونه ويحذرونه، ولتطمئن قلوبهم وتسكن نفوسهم إلى وحدانيته تعالى\" (^٢).\nوما يقع في القلب حال المضي والتوكل لا يكاد يسلم منه أحد كما جاء في قول ابن مسعود: \"وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل\" (^٣). قال الإمام البغوي: \"فأما ما يقع في قلبه من محبوب ذلك ومكروهه فليس بطيرة، إذا مضى لحاجته وتوكل على ربه. قال ابن عباس: إن مضيت فمتوكل، وإن نكصت فمتطير\" (^٤).\n٦ - فائدة: أخرج ابن حبان في صحيحه من حديث أنس رفعه: \"لا طيرة، والطيرة على من تطير\".\nوقال إبراهيم: قال عبد الله: \"لا تضر الطيرة إلا من تطير\" (^٥).\nقال ابن تيمية: \"وإنما تضر الطيرة من تطير لأنه أضر بنفسه فأما المتوكل على الله فلا\" (^٦).\n_________\n(^١) شرح مسلم ٥/ ٢٢.\n(^٢) مفتاح دار السعادة ٢/ ٢٣٤.\n(^٣) انظر كلام الشيخ حمد بن معمر في الدرر السنية ١١/ ٤١.\n(^٤) شرح السنة ١٢/ ١٧٠.\n(^٥) شرح السنة للبغوي ١٢/ ١٧٠.\n(^٦) مجموع الفتاوى ٤/ ٨٠.","vol":"3","page":37},{"text":"وقال ابن القيم: \"اعلم أن التطير إنما يضر من أشفق منه وخاف، وأما من لم يبال به ولم يعبأ به شيئًا لم يضره البتة\" (^١).\nوقال ابن عثيمين: \"والإنسان إذا فتح على نفسه باب التشاؤم، ضاقت عليه الدنيا، وصار يتخيل كل شيء أنه شؤم، حتى أنه يوجد أناس إذا أصبح وخرج من بيته، ثم قابله رجل ليس له إلا عين واحدة تشاءم وقال: اليوم يوم سوء وأغلق دكانه، ولم يبع ولم يشتر - والعياذ بالله - وكان بعضهم يتشاءم بيوم الأربعاء ويقول: إنه يوم نحس وشؤم، ومنهم من يتشاءم بشهر شوال، ولا سيما في النكاح، وقد نقضت عائشة - ﵂ - هذا التشاؤم، بأنه - ﷺ - عقد عليها في شوال، وبنى بها في شوال، فكانت تقول: \"أيكن كان أحظى عنده مني؟ \" والجواب: لا أحد\" (^٢).\nوقال ابن القيم: \"واعلم أن من كان معتنيًا بالطيرة قائلا بها كانت إليه أسرع من السيل إلى منحدره، وتفتحت له أبواب الوساوس فيما يسمعه ويراه ويعطاه، ويفتح له الشيطان فيها من المناسبات البعيدة والقريبة في اللفظ والمعنى ما يفسد عليه دينه، وينكد عليه عيشه\" (^٣).\nوقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"فالواجب على العبد التوكل على الله ومتابعة رسول الله - ﷺ -، وأن يمضي لشأنه لا يرده شيء من الطيرة عن حاجته فيدخل في الشرك\" (^٤).\nوقال ﵀: \"فمن استمسك بعروة التوحيد الوثقى واعتصم بحبله المتين، وتوكل على الله، قطع هاجس الطيرة من قبل استقرارها، وبادر خواطرها من قبل استمكانها\" (^٥).\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة ٢/ ٢٣٠.\n(^٢) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٩/ ٥١٤، وانظر القول المفيد ط ١ - ٢/ ٣٢.\n(^٣) مفتاح دار السعادة ٢/ ٢٣٠، ٢٣١.\n(^٤) تيسير العزيز الحميد ص ٤٢٧.\n(^٥) تيسير العزيز الحميد ص ٤٣٤.","vol":"3","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-873>١٩٢ - الظلم </span>*\nقال في تهذيب اللغة: \"وأصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه\" (^١).\nوقال ابن تيمية ﵀: \"وقال كثير من أهل السنة والحديث والنظار بل الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه\" (^٢).\nقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].\nعن ابن مسعود - ﵁ - قال: لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام:٨٢] قلنا: يا رسول الله، أينا لا يظلم نفسه؟ قال: \"ليس كما تقولون، لم يلبسوا إيمانهم بظلم بشرك، أوَلم تسمعوا إلى قول لقمان لابنه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣] (^٣).\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"وكذا عن أبي بكر الصديق - ﵁ - أنه فسره بالشرك، فيكون الأمن من تأبيد العذاب. وعن عمر - ﵁ - أنه فسره بالذنب، فيكون الأمن من كل عذاب. وقال الحسن والكلبي: أولئك لهم الأمن في الآخرة وهم\n_________\n* التحفة العراقية لابن تيمية ١٢١، فتح الباري لابن رجب ١/ ١٤٤، أحكام القرآن القرطبي ١١/ ٢٤٩ - ٥/ ١٥٧ - ١/ ٣٠٩، تيسير العزيز الحميد ص ٧١، فتح المجيد ص ٧١، حاشية كتاب التوحيد ص ٢٣، القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ٥٦، ط ٢ - ١/ ٧٢ ومن المجموع ٩/ ٤٨، الدرر السنية ١/ ٤٧٠، شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٦/ ٧٧.\n(^١) تهذيب اللغة للأزهري ١٤/ ٣٨٣.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٨/ ٥٠٧، وانظر ١٨/ ١٤٥.\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٣٦٠).","vol":"3","page":39},{"text":"مهتدون في الدنيا\" (^١).\nوقال ابن القيم: \"ولما نزل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ قال الصحابة: وأينا يا رسول الله لم يلبس إيمانه بظلم؟ قال: ذلك الشرك، ألم تسمعوا قول العبد الصالح ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، فلما أشكل عليهم المراد بالظلم وظنوا أن ظلم النفس داخل فيه، وأن من ظلم نفسه أي ظلم كان لا يكون آمنا أجابهم بأن الظلم الرافع للأمن والهداية على الإطلاق هو الشرك، وهذا والله الجواب الذي يشفي العليل ويروي الغليل، فإن الظلم المطلق التام هو الشرك الذي هو وضع العبادة في غير موضعها والأمن والهدى المطلق هو الأمن في الدنيا والآخرة والهدى إلى الصراط المستقيم، فالظلم المطلق التام مانع من الأمن والهدى المطلق، ولا يمنع ذلك أن يكون مطلق الظلم مانعا من مطلق الأمن ومطلق الهدى فتأمله فالمطلق للمطلق والحصة للحصة\" (^٢).\nقال الإمام ابن رجب معلقًا على حديث ابن مسعود: \"معنى هذا: أن الظلم يختلف: فيه ظلم ينقل عن الملة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]؛ فإن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وأعظم ذلك أن يوضع المخلوق في مقام الخالق، ويُجعل شريكًا له في الربوبية وفي الإلهية، سبحانه وتعالى عما يشركون.\nوأكثر ما يرد في القرآن وعيد الظالمين، يراد به الكفار، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ\n_________\n(^١) انظر تيسير العزيز الحميد ص ٧١.\n(^٢) الصواعق المرسلة ١/ ٢٢١.","vol":"3","page":40},{"text":"اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ الآيات [إبراهيم: ٤٢]، وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ الآيات [الشورى: ٤٤] ومثل هذا كثير.\nويراد بالظلم ما لا ينقل عن الملة، كقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر:٣٢]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩].\nوحديث ابن مسعود هذا: صريح في أن المراد بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾: أن الظلم هو الشرك.\nوجاء في بعض رواياته: زيادةٌ. قال: \"إنما هو الشرك\"\" (^١).\nوقال ﵀ في موضع آخر: \"وهو نوعان:\nأحدهما: ظلم النفس، وأعظمه الشرك، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ فإن المشرك جعل المخلوقَ في منزلة الخالق فعبده وتألهه، فوضع الأشياء في غير موضعها، وأكثر ما ذُكِر في القرآن من وعيد الظالمين إنما أُريد به المشركون، كما قال ﷿: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، ثم يليه المعاصي على اختلاف أجناسها من كبائر وصغائر.\nوالثاني: ظلمُ العبد لغيره، وهو المذكور في هذا الحديث (^٢)، وقد قال النبي - ﷺ - في خطبته في حجة الوداع: \"إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة\n_________\n(^١) فتح الباري لابن رجب ١/ ١٣٢.\n(^٢) يعني الحديث القدسي: \"يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا) رواه مسلم (٥٧٧).","vol":"3","page":41},{"text":"يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا\"، وروي عنه أنه خطب بذلك في يوم عرفة، وفي يوم النحر، وفي اليوم الثاني من أيام التشريق، وفي رواية: ثم قال: \"اسمعوا مني تعيشوا، ألا لا تظلموا، ألا لا تظلموا، ألا لا تظلموا، إنه لا يحلُّ مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه\".\nوفي الصحيحين عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"الظلم ظلمات يوم القيامة\"\" (^١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"الظلم كله حرام مذموم، فأعلاه الشرك، فإن الشرك لظلم عظيم، والله لا يغفر أن يشرك به، وأوسطه ظلم العباد بالبغي والعدوان، وأدناه ظلم العبد نفسه فيما بينه وبين الله، فإذا كان الرجل مشركًا كافرًا فأسلم باطنًا وظاهرًا، بحيث صار مؤمنًا وهو مع إسلامه يظلم الناس ويظلم نفسه، فهو خير من أن يبقى على كفره ولو كان تاركًا لذلك الظلم.\nوأما إذا أسلم ظاهرًا فقط، وهو منافق في الباطن، فهذا في الآخرة في الدرك الأسفل من النار، وأما في الدنيا فقد يكون أضر على المسلمين منه لو بقي على كفره، وقد لا يكون كذلك، فإن إضرار المنافقين بالمؤمنين يختلف باختلاف الأحوال.\nلكن إذا أسلم نفاقًا فقد يرجى له حسن الإسلام فيصير مؤمنًا، كمن أسلم تحت السيف، وكذلك من أسلم لرغبة أو لرهبة أو نحو ذلك. فالإسلام والإيمان أصل كل خير وجِماعُه.\nوكذلك من كان ظالمًا للناس في نفوسهم وأموالهم وأعراضهم، فانتقل عن ذلك إلى ما يظلم به نفسه خاصة: من خمر وزنا، فهذا أخف لإثمه وأقل لعذابه.\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم ١/ ٣٦، ٣٧.","vol":"3","page":42},{"text":"وهكذا النِحَل التي فيها بدعة، وقد يكون الرجل رافضيًا زيديًا، فذلك خير له. وقد يكون جهميًا قدريًا فيصير جهميًا غير قدري، أو قدريًا غير جهمي. أو يكون من الجهمية الكبار، فيتجهم في بعض الصفات دون بعض، ونحو ذلك ..\nفهذه الذنوب مع صحة التوحيد خير من فساد التوحيد مع عدم هذه الذنوب. ولهذا نجد الناس يفضِّلون من كان من الملوك ونحوهم إنما نفسه بشرب الخمر والزنا أو الفواحش ويتجنب ظلم الرعية، ويتحرى العدل فيهم، على من كان يتجنب الفواحش والخمر والزنا وينتصب لظلم الناس في نفوسهم وأموالهم وأعراضهم\" (^١).\n_________\n(^١) الاستقامة باختصار ١/ ٤٦٥، ٤٦٦.","vol":"3","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-874>١٩٣ - الظن بالله</span>\nحسن الظن بالله تعالى من أعلى المقامات الإيمانية، أما إساءة الظن به فقد ذمه الله وذكر أنه من صفات المشركين والمنافقين قال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [الفتح: ٦] وتقدم أن التسخط من أقدار الله يتنافى مع كمال التوحيد. وكثير من الناس قصروا مقام الظن بالله تعالى، بل إن أغلبهم وقع في ضده من إساءة الظن بربهم ﷿.\nفيجب حسن الظن بالله قال الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: \"لأن ذلك من واجبات التوحيد، ولذلك ذم الله من أساء الظن به، لأن مبنى حسن الظن على العلم برحمة الله وعزته وإحسانه وقدرته وعلمه وحسن اختياره وقوة المتوكل عليه، فإذا تم العلم بذلك أثمر له حسن الظن بالله. وقد ينشأ حسن الظن من مشاهدة بعض هذه الصفات وبالجملة فمن قام بقلبه حقائق معاني أسماء الله وصفاته، قام به من حسن الظن ما يناسب كل اسم وصفة، لأن كل صفة لها عبودية خاصة، وحسن ظن خاص\" (^١).\n* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ\n_________\n* تيسير العزيز الحميد ص ٦٨٥. فتح المجيد ص ٥٦١. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٣٨٥. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٣/ ١٤٣، ط ٢ - ٣/ ١٧٩ ومن المجموع ١٠/ ٩٦٩. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٥٠. الآثار الواردة في سير أعلام النبلاء د: جمال بن أحمد ١٦٧.\n(^١) تيسير العزيز الحميد ٦٨٥.","vol":"3","page":44},{"text":"فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] وقال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [الفتح: ٦].\n* الدليل من السنة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"يَقُولُ الله ﷿: أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأنا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي، إِنْ ذَكَرَنِي في نَفسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأ ذَكَرْتُهُ فِي مَلإ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ، وَإِن تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَإِنْ أتَانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً\" (^١).\nوعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله الأنصَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - قَبْلَ مَوْتِهِ بثَلاثَةِ أيَّامٍ يَقُولُ: \"لا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُم إِلا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بالله ﷿\" (^٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ قال ابن القيم: \"فسر هذا الظن الذي لا يليق بالله بأنه سبحانه لا ينصر رسوله وأن أمر سيضمحل، وأنه يسلِمه للقتال وقد فُسِّر بظنهم أن ما أصابهم لم يكن بقضائه وقدره ولا حكمه له فيه ففُسِّر بإنكار الحكمة وإنكار القدر وإنكار أنُ يُتِمَّ أمرَ رسوله - ﷺ - ويظهره على الدين كله وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المنافقون والمشركون والمشركات به ﷾ في (سورة الفتح) حيث يقول: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٦٧٥).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٨٧٧).","vol":"3","page":45},{"text":"وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦)﴾ [الفتح: ٦] ... فمن ظن به أنه لا ينصر رسوله ولا يُتمَّ أمره ولا يؤيده ويؤيد حزبه ويعليهم ويظفرهم بأعدائه ويظهرهم عليهم، وأنه لا ينصر دينه وكتابه، وأنه يديل الشرك على التوحيد والباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها التوحيد والحق اضمحلالًا لا يقوم بعده أبدًا؛ فقد ظن بالله ظن السوء، ونسبه إلى خلاف ما يليق بكماله وجلاله وصفاته ونعوته ... وأكثر الناس يظنون بالله غير الحق ظن السوء فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم ولا يسلم عن ذلك إلا من عرف الله وعرف أسماءَه وصفاته، وعرف موجب حمده وحكمته، فمن قنط من رحمته وأيس من روحه فقد ظن به ظن السوء، ومن جوز عليه أن يعذب أولياءه مع إحسانهم وإخلاصهم ويسوي بينهم وبين أعدائه فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن به أن يترك خلقه سدى معطلين عن الأمر والنهي ولا يرسل إليهم رسله ولا ينزل عليهم كتبه بل يتركهم هملًا كالأنعام فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن أنه لن يجمع عبيده بعد موتهم للثواب والعقاب بها دار يجازي المحسن فيها بإحسانه والمسيء بإساءته ويبين لخلقه حقيقة ما اختلفوا فيه ويظهر للعالمين كلهم صِدْقَه وصِدقَ رسله وأن أعداءه كانوا هم الكاذبين فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن أنه يضيع عليه عمله الصالح الذي عمله خالصًا لوجهه الكريم على امتثال أمره ويبطله عليه بلا سبب من العبد أو أنه يعاقبه بما لا صنع فيه ولا اختيار له ولا قُدرةَ ولا إرادةَ في حصوله بل يعاقبه على فعله هو سبحانه به فقد ظن به ظن السوء ... ومن ظن به أنه يحب الكفر والفسوق والعصيان ويحب الفساد كما يحب الإيمان والبر والطاعة والإصلاح فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن به أنه لا يحب ولا يرضى ولا يغضب ولا يسخط ولا يوالي ولا يعادي ولا يقرب من أحد من خلقه ولا يقرب منه أحد، وأن ذوات الشياطين بها القرب من ذاته كذوات الملائكة المقربين وأوليائه","vol":"3","page":46},{"text":"المفلحين فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن أنه يسوي بين المتضادين أو يفرق بين المتساويين من كل وجه أو يحبط طاعات العمر المديد الخالصة الصواب بكبيرة واحدة تكون بعدها فيخلد فاعل تلك الطاعات في النار أبد الآبدين بتلك الكبيرة ويحبط بها جميع طاعاته ويخلده في العذاب كما يخلد من لا يؤمن به طرفة عين وقد استنفد ساعات عمره في مساخطه ومعاداة رسله ودينه فقد ظن به ظن السوء. وبالجملة فمن ظن به خلاف ما وصف به نفسه ووصفه به رسلُه أو عطَّل حقائقَ ما وصف به نفسه ووصفته به رسله فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن أن له ولدا أو شريكًا أو أن أحدًا يشفع عنده بدون إذنه أو أن بينه وبين خلقه وسائط يرفعون حوائجهم إليه أو أنه نصب لعباده أولياء من دونه يتقربون بهم إليه ويتوسلون بهم إليه ويجعلونهم وسائط بينهم وبينه فيدعونهم ويحبونهم كحبه ويخافونهم ويرجونهم فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه، ومن ظن به أنه ينال ما عنده بمعصيته ومخالفته كما يناله بطاعته والتقرب إليه فقد ظن به خلاف حكمته وخلاف موجب أسمائه وصفاته وهو مِن ظن السوء، ومن ظن به أنه إذا ترك لأجله شيئًا لم يعوضه خيرًا منه أو من فعل لأجله شيئًا لم يعطه أفضل منه فقد ظن بن ظن السوء، ومن ظن به أنه يغضب على عبده ويعاقبه ويحرمه بغير جرم ولا سبب من العبد إلا بمجرد المشيئة ومحض الإرادة فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن به أنه إذا صدقه في الرغبة والرهبة وتضرع إليه وسأله واستعان به وتوكل عليه أنه يخيبه ولا يعطيه ما سأله فقد ظن به ظن السوء وظن به خلاف ما هو أهله، ومن ظن أنه يثيبه إذا عصاه بما يثيبه به إذا أطاعه وسأله ذلك في دعائه فقد ظن به خلاف ما تقتضيه حكمته وحمده وخلاف ما هو أهله وما لا يفعله، ومن ظن به أنه إذا أغضبه وأسخطه وأوضع في معاصيه ثم اتخذ من دونه وليًا ودعا من دونه ملكًا أو بشرًا حيًا أو ميتًا يرجو بذلك أن ينفعه عند ربه ويخلصه من عذابه فقد ظن به ظن السوء وذلك","vol":"3","page":47},{"text":"زيادة في بعده من الند وفي عذابه، ومن ظن به أنه يسلط على رسوله محمد - ﷺ - أعداءه تسليطًا مستقرًا دائما في حياته وفي مماته وابتلاه بهم لا يفارقونه فلما مات استبدوا بالأمر دون وصية وظلموا أهل بيته وسلبوهم حقهم وأذلوهم، وكانت العزة والغلبة والقهر لأعدائه وأعدائهم دائما من غير جرم ولا ذنب لأوليائه وأهل الحق وهو يرى قهرهم لهم وغصبهم إياهم حقهم وتبديلهم دين نبيهم، وهو يقدر على نصرة أوليائه وحزبه وجنده ولا ينصرهم ولا يديلهم بل يديل أعداءهم عليهم أبدًا، أو أنه لا يقدر على ذلك بل حصل هذا بغير قدرته ولا مشيئته ثم جعل المبدلين لدينه مضاجعيه في حفرته تسلم أمته عليه وعليهم كل وقت كما تظنه الرافضة فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه، فمستقل ومستكثر وفتش نفسك هل أنت سالم في ذلك:\nفإن تنجُ منها تنج من ذي عظيمة ... وإلا فإني لا إِخالك ناجيا\nفليعتنِ اللبيب الناصح لنفسه بهذا الموضع وليتب إلى الله تعالى وليستغفره كل وقت من ظنه بربه ظن السوء، وليظن السوء بنفسه التي هي مأوى كل سوء ومنبع كل شر المركبة على الجهل والظلم، فهي أولى بظن السوء من أحكم الحاكمين وأعدل العادلين وأرحم الراحمين الغني الحميد الذي له الغنى التام والحمد التام والحكمة التامة، المنزه عن كل سوء في ذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه، فذاته لها الكمال المطلق من كل وجه وصفاته كذلك وأفعاله كذلك كلها حكمة ومصلحة ورحمة وعدل وأسماؤه كلها حسنى.\nفلا تظنُنَّ بربكَ ظنَّ سَوْء ... فإن الله أولى بالجميلِ\nولا تظنُنَّ بنفسكَ قطَّ خيرًا ... وكيف بظالمِ جان جهولِ\nوقُلْ يا نفس مأوى كلِّ سوءٍ ... أيُرجى الخيرَ من مَيْتٍ بخيلِ","vol":"3","page":48},{"text":"وظُنَّ بنفسكَ السُّوآى تجدها ... كذاكَ وخيرها كالمستحيلِ\nوما بك من تُقىً فيها وخيرٍ ... فتلكَ مواهبُ الربِّ الجليلِ\nوليس بها ولا منها ولكِن ... من الرحمنِ فاشكُر للدليلِ\" (^١)\nوكلامه المنقول قد ذكر بعضه الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد. قال الشيخ ابن عثيمين معلقا على ذلك: \"وخلاصة ما ذكر ابن القيم في تفسير ظن السوء ثلاثة أمور:\nالأول: أن يظن أن الله يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها الحق فهذا هو ظن المشركين والمنافقين في سورة الفتح قال تعالى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ [الفتح ١٢].\nالثاني: أن ينكر أن يكون ما جرى بقضاء الله وقدره، لأنه يتضمن أن يكون في ملكه سبحانه ما لا يريد، مع أن كل ما يكون في ملكه فهو بإرادته.\nالثالث: أن ينكر أن يكون قدره لحكمة بالغة يستحق الحمد، لأن هذا يتضمن أن تكون تقديراته لعبا وسفها، ونحن نعلم علم اليقين أن الله لا يقدر شيئا أو يشرعه إلا لحكمة قد تكون معلومة لنا وقد تقصر عقولنا عن إدراكها، ولهذا يختلف الناس في علل الأحكام الشرعية اختلافًا كبيرًا بحسب ما عندهم من معرفة حكمة الله، ﷾.\nورأي الجهمية والجبرية أن الله يقدر الأشياء لمجرد المشيئة لا لحكمة، قالوا: لأنه لا يسأل عما يفعل، وهذا من أعظم سوء الظن بالله، لأن المخلوق إذا تصرف لغير حكمة سمي سفيهًا؛ فما بالك بالخالق الحكيم؟. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا\n_________\n(^١) زاد المعاد ٣/ ٢٢٨ إلى ٢٣٦.","vol":"3","page":49},{"text":"السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾ [ص: ٢٧] فالظنُّ بأنها خلقت باطلا لا لحكمة عظيمة ظن الذين كفروا ... \" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-875> أمثلة لسوء الظن بالله تعالى:</span>\nنقل الشيخ سليمان بن عبد الله أقوال العلماء في ذلك فقال: \"قال ابن عقيل في الفنون: \"الواحد من العوام إذا رأى مراكب مقلدة بالذهب والفضة، ودارا مشيدة مملوءة بالخدم والزينة؛ قال: انظر إلى إعطائهم مع سوء أفعالهم، ولا يزال يلعنهم، ويذم معطيهم حتى يقول: فلان يصلي الجماعات والجمع، ولا يؤذي الذر، ولا يأخذ ما ليس له، ويؤدي الزكاة إذا كان له مال، ويحج ويجاهد، ولا ينال خلة بقلبه، ويظهر الإعجاب كأنه ينطق إنه لو كانت الشرائع حقا لكان الأمر بخلاف ما ترى، وكان الصالح غنيا، والفاسق فقيرًا\".\nقال أبو الفرج بن الجوزي: وهذه حالة قد شملت خلقا كثيرا من العلماء والجهال، أولهم إبليس فإنه نظر بعقله، فقال: كيف يفضل الطين على جوهر النار؟! وفي ضمن اعتراضه: إن حكمتك قاصرة وأنا أجود. واتبع إبليس في تفضيله واعتراضه خلق كثير، مثل الراوندي والمعري، ومن قوله:\nإذا كان لا يحظى برزقك عاقل ... وترزق مجنونا وترزق أحمقا\nولا ذنب يا رب السماء على امرئ ... رأى منك ما لا ينتهي فتزندقا\nقال ابن الجوزي: وكان رجل يصحبني قد قارب ثمانين سنة، كثير الصلاة والصوم فمرض واشتد به المرض، فقال: إن كان يريد أن أموت فيميتني، وأما هذا التعذيب، فما له معنى، والله لو أعطاني الفردوس كان مكفورًا. ورأيت آخر تزيّا بالعلم إذا ضاق عليه رزقه يقول: إيش هذا التدبير؟ وعلى هذا كثير من العوام إذا\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١٠/ ٩٧٦، ٩٧٧، وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ١٥٠، ١٥١.","vol":"3","page":50},{"text":"ضاقت أرزاقهم اعترضوا، وربما قالوا: ما يريد يصلي. وإذا رأوا رجلا صالحا مؤذيا قالوا ما يستحق قدحا في القدر، وكان قد جرى في زماننا تسلط من الظلمة، وقال بعض من تزيا بالدين: هذا حكم بارد. وما فهم ذلك الأحمق، فإن لله على الظالم [أن يسلط عليه أظلم منه]، وفي الحمقى من يقول: أي فائدة في خلق الحيات والعقارب، وما علم أن ذلك أنموذج لعقوبة المخالف، وهذا أمر قد شاع، ولهذا مددت النفس فيه. واعلم أن المعترض قد ارتفع أن يكون شريكا وعلا الخالق بالحكم عليه، وهؤلاء كلهم كفرة، لأنهم رأوا حكمة الخالق قاصرة، وإذا كان قد توقف القلب عن الرضى بحكم الرسول - ﷺ -، يخرج عن الإيمان قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥] فكيف يصح الإيمان مع الاعتراض على الله\" (^١).\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ٦٩٤، ٦٩٦.","vol":"3","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-876>١٩٤ - عارض الجهل وأثره على التكفير</span>*\nالجهل مانع من موانع التكفير المعتبرة، لكن ليس كل جهل يصلح عذرًا ومانعًا، ويتضح ذلك بفهم الضوابط والأصول التي بيناها في أثناء هذا الباب.\nقال الراغب: \"الجهل على ثلاثة أضرب:\n١ - وهو خلو النفس من العلم.\n٢ - اعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه.\n٣ - فعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل سواء اعتقد فيه اعتقادا صحيحا أو فاسدا كمن ترك الصلاة متعمدًا، وعلى ذلك قال تعالى: ﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧]. فجعل فعل الهزو جهلا قال تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات:٦].\nقال ابن تيمية: \"لفظ الجهل يُعبَّر به عن عدم العلم، ويعبر به عن عدم العمل بموجب العلم\" (^١).\nوالذي يعنينا من معاني الجهل: الجهل بمعنى عدم العلم وهو بهذا الاعتبار على قسمين:\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ٥/ ١٢٩. الدرر السنية ١١/ ٧١. مجموع الفتاوى لابن باز ٢/ ٥٢٨. مجموع فتاوى ابن عثيمين ٢/ ١٢٧ - ٧/ ٣٥، ٤٢. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ١٧١، ٢٠٧، ط ٢ - ١/ ٢١٨ ومن المجموع ٩/ ١٦٣، ١٩٥، ١٩٩. لزوم الجماعة وترك التفرق جمال بن أحمد الشرباوي ١٧٢. ضوابط التكفير للقرني. عارض الجهل وأثره على أحكام الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة لأبي العلا الراشد. عقيدة الإمام ابن عبد البر الغصن ص ٨٨. الجهل بمسائل الاعتقاد ص ١٩، ١٩٤، ٢٨١ إلى ٣٢٧.\n(^١) مجموع الفتاوى ٧/ ٥٣٩، ٥٤٠، وانظر: في أنواع الجهل مدارج السالكين ١/ ٤٦٩.","vol":"3","page":52},{"text":"١ - الجهل الذي لا يصلح عذرًا.\n٢ - الجهل الذي يصلح عذرا. والمقصود الذي نحن بصدده هل يعذر المعين بالجهل إذا ارتكب ناقضًا من نواقض الإسلام أم لا؟\n* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ [القصص: ٥٩]، وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾ [النساء. ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الملك. ٨ - ٩] وقال ﷿: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦)﴾ [التوبة: ٦].\n* الدليل من السنة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"كَانَ رَجُلٌ يُسْرِفُ عَلَى نَفْسِهِ فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ لِبَنِيهِ: إِذا أنا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اطْحَنُونِي، ثُمَّ ذَرُّوني فِي الرِّيحِ، فَوَالله لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا مَا عذَّبهُ أَحَدًا. فَلَمَّا مَاتَ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ، فَأَمَرَ اللهُ الأَرْضَ فَقَالَ: اجْمَعِي مَا فِيكِ مِنْه، فَفَعَلَتْ، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: يَا رَبِّ خَشْيَتُكَ. فَغَفَر له\". وفي رواية قال: \"مَخَافَتُكَ يَا رَبِّ\"\" (^١).\nقال الإمام الخطابي ﵀: \"قد يستشكل هذا فيقال: كيف يغفر له وهو منكر للبعث والقدرة على إحياء الموتى؟\nوالجواب أنه لم ينكر البعث وإنما جهل فظن أنه إذا فعل ذلك لا يعاد فلا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٤٨١) (٧٥٠٦).","vol":"3","page":53},{"text":"يعذب، وقد ظهر إيمانه باعترافه بأنه فعل ذلك من خشية الله\" (^١).\nوقال الحافظ ابن عبد البر رحمة الله: \" ... وأما جهل الرجل المذكور في هذا الحديث بصفة من صفات الله في علمه وقدرته، فليس ذلك بمخرجه من الإيمان ... \" (^٢)، ثم استدل على ذلك بسؤال الصحابة ﵃ عن القدر ثم قال: \" ... ومعلوم أنهم إنما سألوه عن ذلك وهم جاهلون به، وغير جائز عند أحد من المسلمين أن يكونوا بسؤالهم عن ذلك كافرين ... ولم يضرهم جهلهم به قبل أن يعلموه\" (^٣).\nوقال ابن حزم ﵀ بعد ذكر الحديث: \" ... فهذا إنسان جهل إلى أن مات أن الله ﷿ يقدر على جمع رماده وإحيائه، وقد كفر له لإقراره وخوفه وجهله\" (^٤).\nوقال ابن الوزير ﵀ في تعليقه على الحديث: \" ... وإنما أدركته الرحمة لجهله وإيمانه بالله والمعاد ولذلك خاف العقاب، وأما جهله بقدرة الله تعالى على ما ظنه محالا فلا يكون كفرا إلا لو علم أن الأنبياء جاءوا بذلك وأنه ممكن مقدور ثم كذبهم أو أحدا منهم لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء. ١٥] (^٥).\nيقول ابن قتيبة عن هذا الحديث: \"وهذا رجل مؤمن بالله، مقر به، خائف له، إلا أنه جهل صفة من صفاته، فظن أنه إذا أحرق وذري في الريح أن يفوت الله تعالى، فغفر الله تعالى له بمعرفته ما بنيته، وبمخافته من عذابه جهله بهذه الصفة من صفاته\" (^٦).\n_________\n(^١) فتح الباري ٦/ ٥٢٣.\n(^٢) التمهيد ١٨/ ٤٦، ٤٧.\n(^٣) المصدر السابق.\n(^٤) الفصل ٣/ ٢٥٢.\n(^٥) إيثار الحق على الخلق ص ٤٣٦.\n(^٦) تأويل مختلف الحديث ١٣٦.","vol":"3","page":54},{"text":"وقد علق شيخ الإسلام على هذا الحديث فقال: \"فهذا رجل شك في قدرة الله تعالى، وفي إعادته إذا ذري، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلا، لا يعلم ذلك، وكان مؤمنا يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك\" (^١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية معلقا أيضًا على هذا الحديث: \"فهذا الرجل ظن أن الله لا يقدر عليه إذا تفرق هذا التفرق، فظن أنه لا يعيده إذا صار كذلك، وكل واحد من إنكار قدرة الله تعالى، وإنكار معاد الأبدان وإن تفرقت كفر، لكنه كان مع إيمانه بالله وإيمانه بأمره وخشيته منه جاهلا بذلك، ضالا في هذا الظن مخطأ، فغفر الله له ذلك، والحديث صريح في أن الرجل طمع أن لا يعيده إذا فعل ذلك، وأدنى هذا أن يكون شاكا في المعاد، وذلك كفر إذا قامت حجة النبوة على منكره حكم بكفره ... \" (^٢).\nوقال في موضع آخر: \"فهذا الرجل كان قد وقع له الشك، والجهل في قدرة الله تعالى على إعادة ابن آدم بعدما أحرق وذري، وعلى أنه يعيد الميت ويحشره إذا فعل به ذلك .. \" (^٣).\nوقال الإمام ابن القيم ﵀ في معرض حديثه عن حكم من جحد فرضا من فرائض الإسلام: \" ... وأما من جحد ذلك جهلا، أو تأويلا يعذر فيه صاحبه فلا يكفر صاحبه به، كحديث الذي جحد قدرة الله عليه، وأمر أهله أن يحرقوه ويذروه في الريح، ومع هذا فقد غفر الله له، ورحمه لجهله، إذ كان ذلك الذي فعله مبلغ علمه ولم يجحد قدرة الله على إعادته عنادًا أو تكذيبًا\" (^٤).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٣/ ٢٣١.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١١/ ٤٠٩. وانظر أيضًا ٧/ ٦١٩، ٢٣/ ٣٤٨، ٢٨/ ٥٠١. والرد على البكري ص ٢٥٩.\n(^٣) مجموع الفتاوى ١/ ٤٩١.\n(^٤) مدارج السالكين ١/ ٣٦٧.","vol":"3","page":55},{"text":"وقال الشيخ جمال الدين القاسمي في تفسيره: \"فالجاهل والمخطئ من هذه الأمة، ولو عمل من الكفر والشرك ما يكون صاحبه مشركا كافرًا، فإنه يعذر بالجهل والخطأ حتى تتبين له الحجة التي يكفر تاركها بيانًا واضحًا ما يلتبس على مثله، وينكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة من دين الإسلام مما أجمعوا عليه إجماعًا جَليًا قطعيًا يعرفه كل من المسلمين من غير نظير ولا تأمل\" (^١).\nومن الأدلة أيضا حديث ذات أنواط وفيه أن بعض المسلمين ممن كانوا حديثي عهد بجاهلية (^٢) طلبوا من النبي - ﷺ -، أن يجعل لهم ذات أنواط مشابهة للمشركين الذين كانوا يعلقون سيوفهم بشجرة يتبركون بها فقال لهم النبي - ﷺ - الله أكبر!! إنها السنن قلتم كما قال أصحاب موسى لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-877> تنبيه:</span>\nسبق الكلام عن أهل الفترة في باب (أهل الفترة) وهل هم معذورون بالجهل أم غير معذورين، وكلامنا الآن لا يتعلق بهم بل يتعلق بمن يعذر بجهله ممن دان بدين الإسلام وثبت له حكمه ثم وقع في شيء من هذه النواقض جهلًا بها.\nوالعذر بالجهل فيه كلام لأهل العلم كثير، ولن نستطيع أن نوفيه حقه في هذا المعجم ولكن نضع ضوابط لذلك مع الأدلة، نسأل الله الإعانة والتوفيق، ومن أراد الاستفصال فليراجع ما أحلنا إليه من المراجع، وتحتاج إلى تدقيق ورسوخ في\n_________\n(^١) تفسير القاسمي ٢/ ١٥٦.\n(^٢) هذا سبب كونهم معذورون وفي بعض ألفاظ الحديث \"ونحن حدثاء عهد بكفر\" قال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"أي: قريبو عهد بكفر، ففيه دليل أن غيرهم لا يجهل هذا ... \" تيسير العزيز الحميد ص ١٨١.\n(^٣) يراجع باب التبرك فقد تكلمنا عن فوائد حديث أبي واقد الليثي ..","vol":"3","page":56},{"text":"العلم وورع في الدين وخوف من الله وتجرد من العواطف والأهواء، وألا يحكم بشيء إلا بعد معرفة الشروط والضوابط كلها مجتمعة وتحققها وهذه المسألة من أكثر المسائل التي تشتبه فيها الأدلة على الجماعات والأفراد والفرق حتى على بعض أهل العلم.\nوعلى ذلك فإنه يجب إحكام أصول هذه المسألة وفروعها على منهج أهل السنة والجماعة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"لا بد أن يكون مع الإنسان أصول كلية تُرد إليها الجزئيات ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت؟ وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات وجهل وظلم في الكليات فيتولد فساد عظيم\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-878> ضوابط العذر بالجهل في التكفير:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-879> أولا: مجرد النطق بالشهادتين يثبت به إسلام الشخص حكما ولا يزول عنه إسلامه إلا بمقتضى الدليل الشرعي </span>وفي ذلك من الأحاديث ما رواه جَابِر - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لا إِلَهَ إِلا الله، فَإِذا قَالُوا لا إِلَىَ إِلا الله عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى الله\" ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ (^٢).\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"قال شيخ الإسلام ﵀: وقد علم بالاضطرار من دين الرسول - ﷺ - واتفقت عليه الأمة، أن أصل الإسلام، وأول ما يؤمر به الخلق: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فبذلك يصير الكافر مسلمًا والعدو وليًا، والمباح دمه وماله: معصوم الدم والمال ... \" (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٩/ ٢٠٣.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٣٩٩) (١٤٥٧) (٦٩٢٤) (٧٢٨٤) ومسلم (٢١) واللفظ له.\n(^٣) تيسير العزيز الحميد ١٢٧.","vol":"3","page":57},{"text":"وروى مسلم عن المقداد بن الأسود - ﵁ - أنه قال: \"يا رسول الله، أرأيت إن لقيت رجلًا من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ مني بشجرة فقال: أسلمت لله. أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تقتله\" قال: فقلت: يا رسول الله إنه قد قطع يدي ثم قال ذلك بعد أن قطعها أفأقتله؟ قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال\"\" (^١).\nوقد ذكر الإمام ابن منده هذا الحديث وبوب عليه في كتابه الإيمان بقوله: \"ذكر ما يدل على أن قول لا إله إلا الله يوجب اسم الإسلام ويحرم مالك قائلها ودمه\" (^٢).\nوقال الإمام ابن رجب الحنبلي ﵀: \"ومن المعلوم بالضرورة أن النبي - ﷺ - كان يقبل من كل من جاءه يريد الدخول في الإسلام الشهادتين فقط، ويعصم دمه بذلك ويجعله مسلما\" (^٣).\nويقول أيضًا: \"ومن أقر صار مسلمًا حكمًا\" (^٤).\nويقول الحافظ ابن حجر ﵀: \" ... وفي حديث ابن عباس من الفوائد [حديث بعث معاذ إلى اليمن] الاقتصار في الحكم بإسلام الكافر إذا أقر بالشهادتين\" (^٥).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-880> ثانيًا: عدم قيام الحجة مانع من تكفير المعين:</span>\nوقد تقدم في أول الباب ذكر الأدلة من القرآن على أن قيام الحجة شرط في تكفير المعين.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٨٦٥) ومسلم (٩٥) واللفظ له.\n(^٢) الإيمان لابن منده ١/ ١٩٨. وانظر: مثله قول الإمام ابن الصلاح شرح النووي ١/ ١٤٨.\n(^٣) جامع العلوم والحكم ص ٧٢.\n(^٤) المرجع السابق ص ٢٣.\n(^٥) فتح الباري ١٣/ ٣٦٧.","vol":"3","page":58},{"text":"قال شيخ الإسلام ﵀: \"إذا عرف هذا فتكفير \"المعين\" من هؤلاء الجهال وأمثالهم بحيث يحكم عليه بأنه من الكفار لا يجوز الأقدام إلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجة الرسالية، التي يتبين بها أنهم مخالفون للرسل، وإن كانت هذه المقالة لا ريب أنها كفر.\nوهكذا الكلام في تكفير جميع المعينين مع أن بعض هذه البدع أشد من بعض وبعض المبتدعة يكون فيه من الإيمان ما ليس في بعض فليس لأحد أن يكفر أحدا من المسلمين، وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذللى بالشك، بل لا يزال إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة\" (^١).\nوقال شيخ الإسلام ﵀: \"هذا مع أني دائمًا ومن جالسني يعلم ذلك مني: أني من أعظم الناس نهيا عن أن يُنسب معين إلى تكفير، وتفسيق، ومعصية؛ إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرا تارة وفاسقًا أخرى وعاصيًا أخرى ... الخ\" (^٢).\nويقول ابن حزم: \" ... ولا خلاف في أن امرءا لو أسلم ولم يعلم شرائع الإسلام فاعتقد أن الخمر حلال، وأن ليس على الإنسان صلاة، وهو لم يبلغه حكم الله تعالى لم يكن كافرا بلا خلاف يعتد به، حتى إذا قامت عليه الحجة فتمادى حينئذ بإجماع الأمة فهو كافر\" (^٣).\nوقال ابن تيمية: \"إن الكتاب والسنة قد دلت على أن الله لا يعذب أحدًا، إلا بعد إبلاغ الرسالة، فمن لم تبلغه جملة، لم يعذبه رأسًا، ومن بلغته جملة دون بعض التفصيل،\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٢/ ٥٠٠، ٥٠١.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٣/ ٢٢٩.\n(^٣) المحلى ١٣/ ١٥١.","vol":"3","page":59},{"text":"لم يعذبه إلا على إنكار ما قامت عليه الحجة الرسالية وذلك مثل قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء. ١٦٥]، قال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ [الأنعام: ١٣٠] (^١).\nوقال ﵀: \"فمعلوم أن الحجة إنما تقوم بالقرآن على من بلغه، كقوله تعالى: ﴿الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾، فمن بلغه بعض القرآن دون بعض، قامت الحجة عليه بما بلغه دون ما لم يبلغه\" (^٢).\nوقال ﵀: \"لكن من الناس من يكون جاهلًا ببعض هذه الأحكام جهلًا يعذر به، فلا يحكم بكفر أحد حتى تقوم عليه الحجة من جهة بلاغ الرسالة، كما قال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء. ١٦٥]، ولهذا لو أسلم رجل، ولم يعلم أن الصلاة واجبة عليه، أو لم يعلم أن الخمر حرام، لم يكفر بعدم اعتقاد إيجاب هذا، وتحريم هذا، بل ولم يعاقب حتى تبلغه الحجة النبوية\" (^٣).\nويقول ابن حزم ﵀: \"وكل ما قلنا فيه أنه يفسق فاعله أو يكفر بعد قيام الحجة، فهو ما لم تقم الحجة عليه معذور مأجور وإن كان مخطئًا، وصفة قيام الحجة عليه أن تبلغه فلا يكون عنده شيء يقاومها وبالله التوفيق\" (^٤).\nوقال ابن القيم ﵀: \"أن العذاب يستحق بسببين:\nأحدهما: الإعراض عن الحجة وعدم إرادتها والعمل بها وبموجبها.\nالثاني: العناد لها بعد قيامها وترك إرادة موجبها.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٢/ ٤٩٣.\n(^٢) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ١/ ٣١٠. وانظر مجموع الفتاوى ١٢/ ٤٩٣، ٤٩٤ والموافقات للشاطبي ٣/ ٣٧٧.\n(^٣) مجموع الفتاوى ١١/ ٤٠٦.\n(^٤) الإحكام لابن حزم ١/ ٧١.","vol":"3","page":60},{"text":"فالأول كفر إعراض، والثاني كفر عناد، وأما الجهل مع عدم قيام الحجة، وعدم التمكن من معرفتها، فهذا الذي نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم حجة الرسل\" (^١).\nوقال أيضًا ﵀: \" ... حجة الله قامت على العبد بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وبلوغ ذلك إليه، وتمكنه من العلم به، سواء علم أو جهل، فكل من تمكن من معرفة ما أمر الله به ونهى عنه، فقصر عنه ولم يعرفه، فقدمت عليه الحجة، والله سبحانه لا يعذب أحدا إلا بقيام الحجة عليه\" (^٢).\nوعلى ذلك أدلة منها قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ [القصص: ٥٩].\nوقال الإمام الذهبي ﵀: \"فلا يأثم أحد إلا بعد العلم وبعد قيام الحجة عليه، والله لطيف رءوف بهم، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ وقد كان سادة الصحابة بالحبشة ينزل الواجب والتحريم على النبي - ﷺ - فلا يبلغهم النص إلا بعد أشهر فهم في تلك الأمور معذورون بالجهل حتى يبلغهم النص، وكذا يعذر بالجهل من لم يعلم حتى يسمع النص والله أعلم\" (^٣).\nوقال ابن العربي المالكي: \"فالجاهل والمخطئ من هذه الأمة ولو عمل من الكفر والشرك ما يكون صاحبه مشركًا أو كافرًا فإنه يعذر بالجهل والخطأ، حتى يتبين له الحجة التي يكفر تاركها بيانا واضحا ما يلتبس على مثله، وينكر ما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام، مما أجمعوا عليه إجماعًا قطعيًا يعرفه كل من المسلمين من غير نظر وتأمل\" (^٤).\n_________\n(^١) طريق الهجرتين ٤١٤، وانظر مدارج السالكين ١/ ١٨٨.\n(^٢) مدارج السالكين ٢/ ٢٣٩.\n(^٣) الكبائر للذهبي ص ١٢، تحقيق محي الدين مستو.\n(^٤) محاسن التأويل ٥/ ١٣٠٧.","vol":"3","page":61},{"text":"وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه: \"إذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبة عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما، لأجل جهلهم وعدم من يفهمهم، فكيف نكفر من لم يشرك بالكد إذا لم يهاجر إلينا ولم يكفر ويقاتل، سبحانك هذا بهتان عظيم\" (^١).\nوحكى الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن عن الإمام المجدد أنه قرر أن: \"من قامت عليه الحجة، وتأهل لمعرفتها، يكفر بعبادة القبور ... \" (^٢).\nويقول العلامة سليمان بن سحمان: \"الذي يظهر لي - والله أعلم - أنها لا تقوم الحجة إلا بمن يحسن إقامتها، وأما من لا يحسن إقامتها كالجاهل الذي لا يعرف أحكام دينه ولا ما ذكره العلماء في ذلك، فإنه لا تقوم به الحجة\" (^٣).\nوسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسؤال الآتي:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-881> هل يمكن للرجل أن يقول لصاحبه أنت كافر قبل أن يعلمه بعمله</span>؟\nفأجابت: \"الحمد لله وحده والصلاة والسلام على وسوله وآله وصحبه .. وبعد: إذا كان صاحبه كافرًا فالمشروع أن يعلمه أن عمله كفر وينصحه بتركه بالأسلوب الحسن، فإذا لم يترك عمله الذي أوجب كفره أجريت عليه أحكام الكفار، وهو متوعد بما توعد الله به من مات على كفره من الكفار بالخلود في النار، والواجب التثبت في هذه الأمور وعدم التعجل بالتكفير حتى يتضح الدليل\" (^٤).\n_________\n(^١) صيانة الإنسان من وساوس الشيخ دحلان ص ٤٩٩ وللشيخ إسحاق بن عبد الرحمن كلام في الرد على من احتج بأن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يكفِّر مَنْ عبد قبة الكواز وبيان المراد من ذلك.\nانظر: فتاوى الأئمة النجدية (٣/ ١٣٣ - ١٣٤) ط. ابن خزيمة.\n(^٢) حكم تكفير المعين ص ١٨. وانظر منهاج التأسيس والتقديس ص ٩٨، ٩٩.\n(^٣) منهاج الحق والاتباع ص ٦٨.\n(^٤) اللجنة الدائمة، السؤال الخامس من الفتوى رقم ٤٤٤٦ عبد الله بن غديان عضو وعبد الرزاق عفيفي نائب الرئيس وعبد العزيز بن باز الرئيس.","vol":"3","page":62},{"text":"وينبغي أن يُعلم أن هناك فرقًا بين صفة القيام في المسائل الظاهرة والمسائل الخفية، فإن صفة قيام الحجة في المسائل الظاهرة هي: بلوغ الدليل من القرآن والسنة، فمن بلغه الدليل أوسمع به فقد قامت عليه الحجة، ولا يُشترط التعريف من عالم أو غيره، فالحجة التي يرتفع بها الجهل ينقطع العذر بها في المسائل الظاهرة هي كتاب الله وسنة رسوله، والعبرة ببلوغ الحجة والسماع بها، وليست بفهم الحجة.\nأما المسائل التي تخفى فيها طرق الأدلة، ويقع فيها التأويل بحيث يصعب على المكلف تحصيلها بنفسه؛ فصفة قيام الحجة فيها هي: بلوغ الدليل وشرحه، وتفهيم المراد منه، ورد الشبهات التي تعلق به ممن يحسن أن يفعل ذلك من أهل العلم (^١).\nوبهذا يتبين صفة قيام الحجة.\nيقول الإمام البخاري: \"كل من يعرف الله بكلامه أنه غير مخلوق، فإنه يعلم ويرد جهله إلى الكتاب والسنة، فمن أبى بعد العلم به، كان معاندا، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥] \" (^٢).\nقال ابن حزم ﵀: \"وكل ما قلنا فيه أنه يفسق فاعله أو يكفر بعد قيام الحجة، فهو ما لم تقم الحجة عليه معذور مأجور وإن كان مخطأ، وصفة قيام الحجة عليه أن تبلغه فلا يكون عنده شيء يقاومها وبالله التوفيق\" (^٣).\nويقول العلامة سليمان بن سحمان: \"الذي يظهر لي - والله أعلم - أنها لا تقوم\n_________\n(^١) عارض الجهل ص ١٣٩، ١٤٠.\n(^٢) خلق أفعال العباد ص ٦١.\n(^٣) الإحكام لابن حزم ١/ ٧١.","vol":"3","page":63},{"text":"الحجة إلا بمن يحسن إقامتها، وأما من لا يحسن إقامتها كالجاهل الذي لا يعرف أحكام دينه ولا ما ذكره العلماء في ذلك، فإنه لا تقوم به الحجة\" (^١).\nوقال الشيخ محمد بن إبراهيم في أقسام الردة: \"قسم يجحد ما علم بالضرورة فهذا يكفر بمجرد ذلك ولا يحتاج إلى تعريف، ما لم يكن حديث عهد بالإسلام\" (^٢).\n* وعلى هذا فيجب التفريق بين بلوغ الحجة وفهم الحجة.\nقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: \"ما ذكرتم من كلام الشيخ (ابن تيمية) كل من جحد كذا وكذا، وإنكم تسألون عن هؤلاء الطواغيت وأتباعهم؛ هل قامت عليهم الحجة أم لا؟ فهذا من العجب العجاب!! كيف تشُكُّون في هذا وقد أوضحت لكم مرارًا أن الذي لم تقم عليه الحجة هو حديث عهد بالإسلام، أو الذي نشأ ببادية بعيدة، أو يكون في مسائل خفية مثل الصرف والعطف، فلا يكفر حتى يُعرَّف، وأما أصول الدين التي وضَّحها الله في كتابه، فإن حجة الله هي القرآن، فمن بلغه القرآن فقد بلغته الحجة. ولكن أصل الإشكال أنكم لم تفرقوا بين قيام الحجة وفهم الحجة، فإن أكثر الكفار والمنافقين لم يفهموا حجة الله مع قيامها عليهم، كماقال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤].\nوقيام الحجة وبلوغها نوع، وفهمهم إياها نوع آخر، وكفرهم ببلوغها إياهم وإن لم يفهموها نوع آخر، فإن أشكل عليكم ذلك، فانظروا قوله - ﷺ - في الخوارج: \"أينما لقيتموهم فاقتلوهم\".\nوقوله: \"شر قتلة تحت أديم السماء\" مع كونهم في عصر الصحابة، ويحقر الإنسان عمل الصحابة معهم، ومع إجماع الناس: أن الذي أخرجهم من الدين، هو\n_________\n(^١) منهاج الحق والاتباع ص ٦٨.\n(^٢) فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ١٢/ ١٩٠.","vol":"3","page":64},{"text":"التشدد والغلو والاجتهاد، وهم يظنون أنهم يطيعون الله، وقد بلغتهم الحجة، ولكن لم يفهموها.\nوكذلك قتلى علي - ﵁ - الذين اعتقدوا فيه، وتحريقهم بالنار، مع كونهم تلاميذ الصحابة، ومع عبادتهم وصلاتهم وصيامهم، وهم يظنون أنهم حق.\nوكذلك إجماع السلف: على تكفير غلاة القدرية وغيرهم، مع علمهم وشدة عبادتهم وكونهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، ولم يتوقف أحد من السلف في تكفيرهم لأجل كونهم لم يفهموا، فإن هؤلاء كلهم لم يفهموا\" (^١).\nومن المسائل التي قد تخفى بعض مسائل الصفات قال الإمام الشافعي ﵀ حين سئل عن صفات الله وما يؤمن به: \"لله تعالى أسماء وصفات جاء بها كتابه، وأخبر بها نبيه أمته، ولا يسع أحد من خلق الله قامت عليه الحجة ردها؛ لأن القرآن نزل بها، وصح عن رسول الله - ﷺ - القول بها فيما روى عنه العدول، فإن خالف بعد ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر، فأما قبل ثبوت الحجة عليه فمعذور بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يقدر بالعقل، ولا بالرؤية والقلب والفكر، ولا نكفر بالجهل بها أحدا إلا بعد انتهاء الخبر إليه به\" (^٢).\nأما الكافر فإن قيام الحجة عليه يوضحها شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: \"والحجة قامت بوجود الرسول المبلغ وتمكنهم من الاستماع والتدبر. لا بنفس الاستماع. ففي الكفار من تجنب سماع القرآن، واختار غيره، كما يتجنب كثير من المسلمين سماع أقوال أهل الكتاب وغيرهم، وإنما ينتفعون إذا ذكروا فتذكروا، كما قال: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠)﴾ \" (^٣).\n_________\n(^١) الدرر السنية ١٠/ ٩٣، ٩٤، ومجموع مؤلفات الشيخ ٧/ ١٥٩.\n(^٢) مختصر العلو للذهبي ص ١٧٧.\n(^٣) مجموع الفتاوى (١٦/ ١٦٦) والآية ١٠ من سورة الأعلى.","vol":"3","page":65},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-882> ثالثًا: الجاهل المتمكن من العلم وتركه تساهلا وإعراضًا لا يعذر </span>(^١):\nقال ابن تيمية: \"والحجة على العباد إنما تقوم بشيئين: بشرط التمكن من العلم بما أنزل الله، والقدرة على العمل به. فأما العاجز عن العلم كالمجنون أو العاجز عن العمل، فلا أمر عليه ولا نهي وإذا انقطع العلم ببعض الدين، أو حصل العجز عن بعضه: كان ذلك في حق العاجز عن العلم أو العمل بقوله كمن انقطع عن العلم بجميع الدين أو عجز عن جميعه كالمجنون مثلا، وهذه أوقات الفترات\" (^٢).\nوقال ابن القيم ﵀: \" ... حجة الله قامت على العبد بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وبلوغ ذلك إليه، وتمكنه من العلم به، سواء علم أو جهل، فكل من تمكن من معرفة ما أمر الله به ونهى عنه، فقصر عنه ولم يعرفه، فقد قامت عليه الحجة، والله سبحانه لا يعذب أحدا إلا بقيام الحجة عليه\" (^٣).\nقال الشيخ علاء الدين البعلي الحنبلي المعروف بابن اللحام في كتابه القواعد: \"إذا تقرر هذا، فهاهنا مسائل تتعلق بجاهل الحكم، هل هو معذور أم لا؟ ترتبت على هذه القاعدة، فإذا قلنا يُعذر فإنما محله إذا لم يقصِّر ويفرِّط في تعلم الحكم، أما إذا قصّر أو فرّط فلا يعذر جزمًا\" (^٤).\nويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: \"واجتهِدْ في معرفة دين الإسلام ومعرفة ما أرسل الله به رسوله، والبحث عما قاله العلماء في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦]، واجتهِد في تعلُّم ما علّمه الله لرسوله، وما علمه الرسول أمته من التوحيد، ومن أعرض عن\n_________\n(^١) انظر: الجهل بمسائل الاعتقاد لمعاش ص ٢٩٤.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٢٠/ ٥٩.\n(^٣) مدارج السالكين ٢/ ٢٣٩.\n(^٤) القواعد والفوائد الأصولية ص ٥٢.","vol":"3","page":66},{"text":"هذا فطبع الله على قلبه، وآثر الدنيا على الدين لم يعذره الله بالجهالة\" (^١).\n* وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: هل يعذر المسلم إذا فعل شيئا من الشرك كالذبح والنذر لغير الله جاهلا؟\nفأجاب بقوله: \"الأمور قسمان:\n* قسم يعذر فيه بالجهل، وقسم لا يعذر فيه بالجهل. فإذا كان من أتى ذلك بين المسلمين، وأتى الشرك بالله، وعبد غير الله، فإنه لا يعذر لأنه مقصر لم يسأل، ولم يتبصر في دينه فيكون غير معذور في عبادته غير الله من أموات أو أشجار أو أحجار أو أصنام، لإعراضه وغفلته عن دينه، كما قال تعالى ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف: ٣]، ولأن النبي - ﷺ - لما استأذن ربه أن يستغفر لأمه لأنها ماتت في الجاهلية لم يؤذن له ليستغفر لها؛ لأنها ماتت على دين قومها عباد الأوثان، ولأنه - ﷺ - قال لشخص سأله عن أبيه، قال: \"هو في النار\" فلما رأى ما وجهه قال: \"إن أبي وأباك في النار\"؛ لأنه مات على الشرك بالله، وعلى عبادة غيره ﷾، فكيف بالذي بين المسلمين وهو يعبد البدوي، أو يعبد الحسين، أو يعبد الشيخ عبد القادر الجيلاني، أو يعبد الرسول محمد - ﷺ -، أو يعبد عليًا، أو يعبد غيرهم؟!.\nفهؤلاء وأشباههم لا يعذرون من باب أولى؛ لأنهم أتوا الشرك الأكبر وهم بين المسلمين، والقرآن بين أيديهم، وهكذا سنة رسول الله - ﷺ - موجودة بينهم، ولكنهم عن ذلك معرضون\" (^٢).\nوقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: \"هذه المسألة\" تحتاج إلى تفصيل:\nفنقول: الجهل نوعان:\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى والرسائل والأجوبة ص ١٣٦. ط. التراث.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن باز ٥٢٨، ٥٢٩. وانظر فتوى مماثلة للشيخ أيضًا في كتاب تحفة الإخوان ٣٧.","vol":"3","page":67},{"text":"جهل يعذر فيه الإنسان، وجهل لا يعذر فيه، فما كان ناشئًا عن تفريط وإهمال مع قيام المقتضي للتعلم، فإنه لا يعذر فيه، سواء في الكفر أو المعاصي، وما كان ناشئًا عن خلاف ذلك، أي أنه لم يهمل ولم يفرط، ولم يقم المتقضي للتعلم بأن كان لم يطرأ على باله أن هذا الشيء حرام، فإنه يعذر فيه\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-883> رابعًا: قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص:</span>\nويدل على ذلك حديث حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"يَدْرُسُ الإِسْلامُ كَمَا يَدْرُسُ وَشْيُ الثوْبِ حَتَّى لا يُدْرَى مَا صِيَامٌ وَلا صَلاةٌ وَلا نُسُكٌ وَلا صَدَقَةٌ، وَلَيُسْرَى عَلَى كِتَابِ الله ﷿ في لَيْلَةٍ فَلا يَبْقَى في الأَرْضِ مِنْهُ آيَةٌ، وَتَبْقَى طَوَائِفُ مِنْ النَّاسِ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْعَجُوزُ يَقُولُونَ: أَدْرَكْنَا آبَاءَنَا عَلَى هَذه الْكَلِمَةِ لا إِلَهَ إِلا الله، فَنَحْنُ نَقُولُهَا. فَقَالَ لَهُ صِلَةُ: مَا تُغْنِي عَنْهُمْ لا إِلَهَ إِلا الله وَهُمْ لا يَدْرُونَ مَا صَلاةٌ وَلا صِيَامٌ وَلا نُسُكٌ وَلَا صَدَقَةٌ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ حُذَيْفَةُ ثُمَّ رَدَّهَا عَلَيْهِ ثَلاثًا كُلَّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ حُذَيْفَةُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ فِي الثَّالِثَةِ فَقَالَ: يَا صِلَةُ تُنْجِيِهمْ مِنْ النَّارِ ثَلاثًا\" (^٢).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"وكثير من الناس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة الذي يندرس فيها كثير من علوم النبوات، حتى لا يبقى من يبلغ ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة، فلا يعلم كثيرًا مما بعث الله به رسوله ولا يكون هناك من يبلغه ذلك، ومثل هذا لا يكفر، ولهذا اتفق الأئمة على أن من نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم والإيمان، وكان حديث العهد بالإسلام فأنكر هذه الأحكام الظاهرة المتواترة فإنه لا يحكم بكفره حتى يعرف ما جاء به الرسول، ولهذا جاء في الحديث: \"يأتي على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاة ولا زكاة\" ثم\n_________\n(^١) القول المفيد ١/ ٢١٩.\n(^٢) سنن ابن ماجه (٤٠٤٩).","vol":"3","page":68},{"text":"ذكر بقية الحديث\" (^١).\nوقال ﵀ في معرض كلامه عن التكفير: \"فيختلف بحسب اختلاف حال الشخص، فليس كل مخطئ ولا مبتدع ولا جاهل ولا ضال يكون كافرًا بل ولا فاسقًا بل ولا عاصيًا\" (^٢).\nوقال ﵀: \"وليس كل من خالف في شيء من هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكا فإن المنازع قد يكون مجتهدا مخطئًا يغفر الله خطأه، وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته وإذا كانت ألفاظ الوعيد المتناولة له لا يجب أن يدخل فيها المتأول والقانت وذو الحسنات الماحية والمغفور له وغير ذلك. فهذا أولى بل موجب هذا الكلام أن من اعتقد ذلك نجا في هذا الاعتقاد ومن اعتقد ضده فقد يكون ناجيًا وقد لا يكون ناجيًا كما يقال: من صمت نجا\" (^٣).\nوقال ابن القيم: \"إن قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص فقد تقوم حجة الله على الكفار في زمان دون زمان، وفي بقعة وناحية دون أخرى، كما أنها تقوم على شخص دون آخر، إما لعدم عقله وتمييزه كالصغير والمجنون، وإما لعدم فهمه كالذي لا يفهم الخطاب، ولم يحضر ترجمان يترجم له\" (^٤).\nوقد بين ابن قدامة في المغني: \"أن من كان جاحدًا لوجوب الصلاة، نظر فيه، فإن كان جاهلًا به، وهو ممن يجهل ذلك، كالحديث الإسلام، والناشئ ببادية، عرف وجوبها، وعلم ذلك، ولم يحكم بكفره، لأنه معذور\" (^٥).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١١/ ٤٠٧، ١٣/ ٦٤، ٣٥.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٣٥/ ١٦٥.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٣/ ١٧٩.\n(^٤) طريق الهجرتين ٤١٤.\n(^٥) المغني ٢/ ١٥٦ - ٨/ ١٣٠.","vol":"3","page":69},{"text":"وقال شيخ الإسلام ﵀: \"لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها وإن كان مخطئًا\" (^١).\nوقال أيضًا -: \"لا يكفر العلماء من استحل شيئا من المحرمات لقرب عهده بالإسلام، أو لنشأته ببادية بعيدة، فإن حكم الكفر لا يكون إلا بعد بلوغ الرسالة، وكثير من هؤلاء قد لا يكون قد بلغته النصوص المخالفة لما يراه، ولا يعلم أن الرسول بعث بذلك\" (^٢).\nويقول السيوطي: \"كل من جهل تحريم شيء مما يشترك فيه غالب الناس لم يقبل، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة يخفى فيها مثل ذلك\" (^٣).\nوقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: \"إن الذي لم تقم عليه الحجة هو الذي حديث عهد بالإسلام والذي نشأ ببادية، أو يكون ذلك في مسألة خفية مثل الصرف والعطف فلا يكفر حتى يعرف، وأما أصول الدين التي أوضحها الله في كتابه فإن حجة الله هي القرآن، فمن بلغه فقد بلغته الحجة\" (^٤).\nأما اختلاف حال الأشخاص واختلاف مداركهم فقد قال ابن تيمية: \"والحجة على العباد إنما تقوم بشيئين: بشرط التمكن من العلم بما أنزل الله، والقدرة على العمل به. فأما العاجز عن العلم كالمجنون أو العاجز عن العمل، فلا أمر عليه ولا نهي وإذا انقطع العلم ببعض الدين، أو حصل العجز عن بعضه: كان ذلك في حق\n_________\n(^١) المجموع ٣/ ٢٣١.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٥٠١.\n(^٣) الأشباه والنظائر ص ٢٠٠.\n(^٤) مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب ٣/ ١١.","vol":"3","page":70},{"text":"العاجز عن العلم أو العمل بقوله كمن انقطع عن العلم بجميع الدين أو عجز عن جميعه كالمجنون مثلًا، وهذه أوقات الفترات\" (^١).\nوجاء في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: \"يختلف الحكم على الإنسان بأنه يعذر بالجهل في المسائل الدينية أو لا يعذر، باختلاف البلاغ وعدمه، وباختلاف المسألة نفسها وضوحا وخفاء، وتفاوت مدارك الناس قوة وضعفًا\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-884> خامسًا: ينبغي التفريق بين المسائل الظاهرة والمسائل الخفية:</span>\nيقول محمد بن جرير في كتابه الدين بعد أن ذكر بعض نصوص الصفات: \"فإن هذه المعاني التي وصفت ونظائرها مما وصف الله بها نفسه، ورسوله مما لا يثبت حقيقة علمه بالفكر والروية، ولا يكفر بالجهل أحد إلا بعد انتهائها إليه\" (^٣).\nوقال شيخ الإسلام: \"ولا ريب أن الخطأ في دقيق العلم مغفور للأمة وإن كان ذلك في المسائل العلمية، ولولا ذلك لهلك أكثر فضلاء الأمة. وإذا كان الله يغفر لمن جهل تحريم الخمر لكونه نشأ بأرض جهل، مع كونه لم يطلب العلم، فالفاضل المجتهد في طلب العلم بحسب ما أدركه في زمانه ومكانه إذا كان مقصوده متابعة الرسول بحسب إمكانه هو أحق بأن يتقبل الله حسناته، ويثيبه على اجتهاداته، ولا يؤاخذه بما أخطأ، تحقيقا لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة. ٢٨٦] (^٤).\nوقال أيضًا ﵀: \" ... وهذا إذا كان في المقالات الخفية فقد يقال: إنه فيها مخطئ ضال، لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها، لكن ذلك يقع في طوائف\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢٠/ ٥٩.\n(^٢) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، جمع أحمد الدويش ٢/ ٩٧.\n(^٣) اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم ١٩٥، وانظر سير أعلام النبلاء ١٤/ ٢٨٠.\n(^٤) مجموع الفتاوى ٢٠/ ١٦٥، ١٦٦. وانظر: ١٣/ ٦٤.","vol":"3","page":71},{"text":"منهم في الأمور الظاهرة التي تعلم العامة والخاصة من المسلمين أنها من دين المسلمين، بل اليهود والنصارى يعلمون: أن محمدًا - ﷺ - بعث بها، وكفر مخالفها، مثل أمره بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبدة أحد سوى الله من الملائكة والنبيين والشمس والقمر والكواكب والأصنام وغير ذلك، فإن هذا أظهر شعائر الإسلام، ومثل أمره بالصلوات الخمس، وإيجابه لها وتعظيم شأنها، مثل معاداته لليهود والنصارى والمشركين والصابئين والمجوس، ومثل تحريم الفواحش والربا والخمر والميسر ونحو ذلك ... \" (^١).\nوقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: \"إن الذي لم تقم عليه الحجة، هو الذي حديث عهد بالإسلام، والذي نشأ ببادية بعيدة، أو يكون ذلك في مسألة خفية، مثل الصرف والعطف، فلا يكفر حتى يعرف، وأما أصول الدين التي أوضحها الله وأحكمها في كتابه، فإن حجة الله هو القرآن فمن بلغه القرآن فقد بلغته الحجة\" (^٢).\nوقال الشيخ عبد الله أبا بطين: \"وقولك إن الشيخ يقول: إن من فعل شيئا من هذه الأمور الشركية، لا يطلق عليه إنه كافر مشرك حتى تقوم عليه الحجة الإسلامية، فهو لم يقل ذلك في الشرك الأكبر، وعبادة غير الله ونحوه من الكفر، وإنما قال هذا في المقالات الخفية كما قدمنا من قوله، وهذا إذا كان في المقالات الخفية فقد يقال: لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها، فلم يجزم بعدم كفره، وإنما قال: قد يقال\" (^٣).\nفيشترط فهم الحجة في الأمور التي يلحق صاحبه فيها شبهة قوية ومثل ذلك التأويل في بعض الأسماء والصفات أو إنكار شيء منها عن شبهة لأن الشبه في\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٤/ ٥٤.\n(^٢) الدرر السنية ١٠/ ٩٣.\n(^٣) رسالة في بيان الشرك، وعدم إعذار جاهله، وثبوت قيام الحجة عليه ص ٣٠، ٣٣.","vol":"3","page":72},{"text":"بعض الأسماء والصفات قوية لا يحتاج فيها إلى بلاغ الحجة فقط بل لا بد من فهم الحجة فلا بد أن تزال الشبهة مع اختلاف المسائل والعناية بفهم الحجة في إنكار الصفة واجب لا سيما وقد تقدم حديث الرجل الذي أسرف على نفسه وقيدها الحافظ ابن عبد البر (^١) بجهل صفة من صفاته الله وكذلك قال ابن قتيبة (^٢).\nوقال أيضًا: \"وأما الرجل الذي أوصى أهله أن يحرقوه، وأن الله غفر له، مع شكه في صفة من صفات الرب سبحانه: فإنما غفر له لعدم بلوغ الرسالة له. كذا قال غير واحد من العلماء.\nولهذا قال الشيخ تقي الدين ﵀: \"من شك في صفة من صفات الرب ومثله لا يجهلها: كفر، وإن كان مثله يجهلها: لم يكفر.\nقال ولهذا لم يكفر النبي - ﷺ - الرجل الشاك في قدرة الله؛ لأنه لا يكون إلا بعد بلوغ الرسالة\" (^٣). وكذا قال ابن عقيل، وحمله على أنه لم تبلغه الدعوة.\nواختيار الشيخ تقي الدين في الصفات: أنه لا يكفر الجاهل وأما في الشرك ونحوه فلا\" (^٤).\nويقول ﵀ في معرِض توضيحه لموقف شيخ الإسلام ابن تيمية في مسألة تكفير المعين: \"بل آخر كلامه ﵀ (يعني ابن تيمية) يدل على أنه يعتبر فهم الحجة في الأمور التي تخفى على كثير من الناس، وليس فيها مناقضة للتوحيد والرسالة كالجهل ببعض الصفات، وأما الأمور التي هي مناقضة للتوحيد والإيمان بالرسالة فقد صرح ﵀ في مواضع كثيرة بكفر أصحابها وقتلهم بعد الاستتابة، ولم يعذرهم بالجهل مع أنا نتحقق\n_________\n(^١) التمهيد ص ١٨/ ٤٦، ٤٧.\n(^٢) تأويل مختلف الحديث ص ١٣٦.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٧/ ٥٣٨.\n(^٤) الانتصار لحزب الله الموحدين ص ٤٦، ٤٧ تحقيق الوليد الفريان.","vol":"3","page":73},{"text":"أن سببب وقوعهم في تلك الأمور إنما هو الجهل بحقيقتها، فلو علموا أنها كفر تخرج عن الإسلام لم يفعلوها، وهذا في كلام الشيخ ﵀ كثير\" (^١).\nوقال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: \"مسألة تكفير المعين: من الناس من يقول: لا يكفر المعين أبدًا، ويستدل هؤلاء بأشياء من كلام ابن تيمية غلطوا في فهمها وأظنهم لا يكفِّرون إلا من نص القرآن على كفره كفرعون، والنصوص لا تجيء بتعيين كل أحد، يدرس باب (حكم المرتد) ولا يطبق على أحد، هذه ضلالة عمياء وجهالة كبرى، بل يطبق بشرط.\nثم الذين توقفوا في تكفير المعين في الأشياء التي قد يخفى دليلها فلا يكفر حتى تقوم عليه الحجة الرسالية من حيث الثبوت والدلالة فإذا أُوضحت له الحجة بالبيان الكافي كفر سواء فهم، أو قال: ما فهمت، أو فهم وأنكر، ليس كفر الكفار كله عن عناد.\nوأما ما علم بالضرورة أن الرسول جاء به وخالفه فهذا يكفر بمجرد ذلك ولا يحتاج إلى تعريف سواء في الأصول أو الفروع ما لم يكن حديث عهد بالإسلام.\nوالقسم الثالث أشياء تكون غامضة فهذه لا يكفر الشخص فيها ولو بعدما أُقيمت عليه الأدلة وسواء كانت في الفروع أو الأصول، ومن أمثلة ذلك الرجل الذي أوصى أهله أن يحرقوه إذا مات\" (^٢).\nوقد نبَّه العلماء على أن الجهل لا يكون فيما هو معلوم من الدين (^٣) بالضرورة وهذه القاعدة أراد بها العلماء من لا يسعه الجهل قال الإمام الشافعي: \"العلم\n_________\n(^١) الدرر السنية ٩/ ٢٤٦.\n(^٢) فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ١/ ٧٣، ٧٤.\n(^٣) قال أبو البقاء صاحب الكليات: \"العلم الضروري هو ما يحصل بدون فكر ونظر في دليل\" الكليات ٥٧٦. وفي التعريفات الفقهية قال: \"هو الذي لا يفتقر إلى نظر واستدلال وتعلمه العامة، وهو مرادف للبديهي\" قواعد الفقه محمد عميم الإحسان ص ٣٥٨.","vol":"3","page":74},{"text":"علمان: علمٌ عامة لا يسع بالغًا غير مغلوب على عقله جهله، مثل الصلوات الخمس، وأن لله على الناس صوم شهر رمضان، وحج البيت إذا استطاعوه، وزكاة في أموالهم، وأنه حرم عليهم الزنا والقتل، والسرقة والخمر، وما كان في معنى هذا مما كُلِّف العباد أن يعقلوه ويعملوه ويُعطوه من أنفسهم وأموالهم وأن يكفُّوا عنه ما حرّم عليهم منهم .. \" (^١).\nوقال ابن قدامة: \"فإن لم يكن ممن يجهل ذلك كالناشئ من المسلمين في الأمصار والقرى، ولم يعذر ولم يقبل منه ادعاء الجهل، وحكم بكفره؛ لأن أدلة الوجوب ظاهرة في الكتاب والسنة، والمسلمون يفعلونها على الدوام، فلا يخفى وجوبها على من هذا حاله، ولا يجحدها إلا تكذيبا لله تعالى، ورسوله وإجماع الأمة، وهو يصير مرتدًا عن الإسلام، ولا أعلم في هذا خلافًا\" (^٢).\nوقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: \"إن الشخص المعين إذا قال ما يوجب الكفر فإنه لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها، وهذا في المسائل الخفية التي قد يخفى دليلها على بعض الناس وأما ما يقع منهم في المسائل الظاهرة الجلية، أو ما يعلم من الدين بالضرورة فهذا لا يتوقف في كفر قائله، ولا تجعل هذه الكلمة عكازة تدفع بها في نحر من كفر البلدة: الممتنعة عن توحيد العبادة والصفات بعد بلوغ الحجة ووضح المحجة\" (^٣).\nوقال الشيخ ابن باز ﵀ بعد ذكر الاستهزاء بالله ورسوله وأن فاعله مرتد قال: \"وكذلك من جحد وجوب الصلاة أو وجوب الزكاة، أو وجوب صوم رمضان، أو وجوب الحج في حق من استطاع السبيل إليه، أو جحد وجوب بر الوالدين أو نحو\n_________\n(^١) الرسالة للشافعي ص ٣٥٦، ٣٥٧.\n(^٢) المغني ٢/ ٤٤٢.\n(^٣) الدرر السنية ٨/ ٢٤٤.","vol":"3","page":75},{"text":"ذلك، ومثل ذلك من استحل شرب الخمر أو عقوق الوالدين، أو استحل أموال الناس ودماءهم بغير حق، أو استحل الربا أو نحو ذلك من المحرمات المعلومة من الدين بالضرورة وبإجماع سلف الأمة، فإنه كافر مرتد عن الإسلام إن كان يدعي الإسلام بإجماع أهل العلم ...، ولا يجوز أن يعذر أحد بدعوى الجهل في ذلك؛ لأن هذه الأمور من المسائل المعلومة بين المسلمين وحكمها ظاهر في كتاب الله ﷿ وسنة رسوله - ﷺ - والله ولي التوفيق\" (^١).\nوقال ﵀ أيضًا: \"الأمور التي جاء بها الإسلام وبيَّنها الرسول - ﷺ - للناس وأوضحها في كتاب الله، وانتشرت بين المسلمين، فإن دعوى الجهل بها لا تُقبَل، ولا سيما ما يتعلَّق بالعقيدة وأصل الدين، فإن الله ﷿ بعث نبيه - ﷺ - ليوضِّح للناس دينهم ويشرحه لهم وقد بلَّغ البلاغ المبين وأوضح للأمة حقيقة دينه وشرح لها كل شيء، وتركها على البيضاء ليلها كنهارها، وفي كتاب الله الهدى والنور فإذا ادَّعى بعض الناس الجهل فيما هو معلوم من الدين بالضرورة، وقد انتشر بين المسلمين، كدعوى الجهل بالشرك وعبادة غير الله ﷿، أو دعوى أن الصلاة غير واجبة، أو أن صيام رمضان غير واجب أو الزكاة غير واجبة، أو أن الحج مع الاستطاعة غير واجب، هذا كله لا يقبل لأن هذا أمرٌ معلوم بين المسلمين، وقد عُلِم بالضرورة من دين الإسلام، وقد انتشر بين المسلمين، فلا تقبل الدعوى في ذلك، وهكذا إذا ادَّعى أنه يجهل ما يفعله المشركون عند القبور أو عند الأصنام من دعوة الأموات، والاستعانة بهم، والذبح لهم، والنذر لهم، أو الذبح للأصنام أو الكواكب أو الأشجار أو الأحجار أو طلب الشفاء أو النصر على الأعداء من الأموات، أو الأصنام أو الجن أو الملائكة أو الأنبياء، فكل هذا أمر معلوم من الدين بالضرورة،\n_________\n(^١) الفتاوى لابن باز ص ٥٢٧. وانظر: تحفة الإخوان بأجوبة مهمة عن أركان الإسلام ص ٤٥ - ٤٧.","vol":"3","page":76},{"text":"وأنه شرك الأكبر قد أوضح الله ذلك في كتابه، وأوضحه رسوله - ﷺ -\" (^١).\n* تنبيه: ظهور المسألة وخفاؤها وكونها معلومة من الدين بالضرورة أو غير معلومة من الأمور النسبية.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فيكون الشيء معلومًا من الدين ضرورة أمر إضافي، فحديث العهد بالإسلام ومن نشأ ببادية بعيدة قد لا هذا بالكلية، فضلًا عن كونه يعلمه بالضرورة، وكثير من العلماء يعلم أن النبي - ﷺ - سجد للسهو، وقضى بالدية على العاقلة، وقضى أن الولد للفراش، وغير ذلك يعلمه الخاصة بالضرورة، وأكثر الناس لا يعلمه البتة\" (^٢).\nوقال ﵀: \"كون العلم بديهية أو نظرية هو من الأمور النسبية الإضافية وإن كان كثير من الناس يحسب أن كون العلم المعين ضروريًا أو كسبيًا أو بديهيًا أو نظريًا هو من الأمور اللازمة بحيث يشترك في ذلك جميع الناس وهو مخالف للواقع\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-885> تنبيه: معرفة فقه العذر بالجهل يوجب بيان الحكم وبث العلم</span>.\nقال ابن تيمية ﵀: \"إن بيان الحكم سبب لزوال الشبهة لمانعة من لحوق العقاب، فإن العذر الحاصل بالاعتقاد ليس المقصود بقاءه، المطلوب زواله حسب الإمكان، ولولا هذا لما وجب بيان العلم، ولكان ترك الناس على جهلهم خيرا لهم، ولكان ترك دلائل المسائل المشتبهة خيرًا من بيانها\" (^٤).\n_________\n(^١) فتاوى وتنبيهات ص ٢٣٩ - ٢٤٩.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٣/ ١١٨ - ١٩/ ٢١١، منهاج السنة ٥/ ٨٧، ٩٥، مختصر الصواعق المرسلة ص ٦١٣.\n(^٣) الرد على المنطقيين وانظر: مجموع الفتاوى ٢٣/ ٣٤٦، ٣٤٧ - ١٣/ ١٢٥، ١٢٦. منهاج السنة ٥/ ٨٧، ٩١.\n(^٤) مجموع الفتاوى ٢٠/ ٢٧٩.","vol":"3","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-886>١٩٥ - العبادة </span>*\nقال الرازي: \"أصل العبودية الخضوع والذل، والتعبيد: التذليل يقال: طريق مُعبَّد، والتعبيد أيضًا لاستعباد وهو اتخاذ الشخص عبدًا\" (^١).\nوقال ابن سيده: \"والعبادة والخضوع والتذلل والاستكانة قرائب في المعاني، يقال: تعبد فلان لفلان، أي: تذلل له. وكل خضوع ليس فوقه خضوع: فهو عبادة، طاعة كان للمعبود أو غير طاعة، وكل طاعة لله على وجه الخضوع والتذلل فهي عبادة. والعبادة نوع من الخضوع لا يستحقه إلا المنعم بأعلى أجناس النعم كالحياة والفهم والسمع والبصر\" (^٢).\nوفي الشرع قال ابن تيمية: \"العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة: فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وصدق\n_________\n* اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٧٣٣. شرح مسائل الجاهلية ص ١١٢. تيسير العزيز الحميد ص ٤٧. فتح المجيد ص ٤١. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ١٢. القول السديد لابن سعدي ٤٣. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ١٠، ٢٨، ط ٢ - ٣/ ١٧٣ ومن المجموع ٩/ ٥، ٢١. الدرر السنية ٢/ ١٠٣، ١٧٤، ٢٤٩، ٣٠٨، ٨/ ٢٢١، ١٢/ ٦١، ٣٧٥، الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ١/ ٣٤١، ٣/ ١١٠. معارج القبول ١/ ٣٢٣. مجموع الفتاوى لابن باز ١/ ٢٣٧. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١/ ٨٥ - ٥/ ٢٦٠ - ٧/ ٣٣٠، ٣٣٦. دعوة التوحيد محمد خليل هراس ص ٤١ إلى ٥٩. الشيخ السعدي وجهوده في توضيح العقيدة للعباد ص ١٦١. الإمام الخطابي ومنهجه في العقيدة لأبي عبد الرحمن العلوي ص ٢٣٥. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ص ٣٣٤. منهج الحافظ ابن رجب في العقيدة ص ٣٧٤. منهج ابن حجر في العقيدة ص ١٠٠٥. مسائل الإمام أحمد ص ١٧٤. جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية ص ٢٨٧، ٣٥١. مباحث العقيدة في سورة الزمر ص ٢٤٣. الجيلاني وآراؤه الاعتقادية ص ١٣٤.\n(^١) مختار الصحاح (ع ب د).\n(^٢) المخصص لابن سيده ١٣/ ٩٦.","vol":"3","page":78},{"text":"الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء، والذكر، والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة. وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله، والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف لعذابه، وأمثال ذلك، هي من العبادات لله\" (^١).\nوقال ﵀: \"والعبادة أصل معناها الذل أيضا، يقال طريق معبد إذا كان مذللا قد وطئته الأقدام لكن العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب، فهي تتضمن غاية الذل لله بغاية المحبة له، فإن آخر مراتب الحب هو التتيم، وأوله العلاقة لتعلق القلب بالمحبوب، ثم الصبابة لانصباب القلب إليه، ثم الغرام وهو الحب اللازم للقلب، ثم العشق، وآخرها التتيم يقال \"تيم الله\" أي عبد الله، فالمتيم المعبد لمحبوبه، ومن خضع لإنسان مع بغضه له فلا يكون عابدا، ولو أحب شيئا ولم يخضع له لم يكن عابدا له، كما قد يحب ولده وصديقه. ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله. بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله عنده أعظم من كل شيء، بل لا يستحق المحبة والذل التام إلا لله.\nفكل ما أُحِبَّ لغير الله فمحبته فاسدة وما عُظِّمَ بغير أمر الله كان تعظيمه باطلا، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾ [التوبة: ٢٤] فجنس المحبة يكون لله ورسوله، كالطاعة تكون\n_________\n(^١) العبودية ص ٣. وانظر: مجموع الفتاوى ١٠/ ١٤٩، ١٥٣.","vol":"3","page":79},{"text":"لله ورسوله، والإرضاء لله ورسوله قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]. والإيتاء لله ورسوله قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٥٩] \" (^١).\nفحقيقة العبودية تتضمن معنى الذل ومعنى الحب فلا يكتفي بالحب وحده بل يقرن بحبه غاية الذل له.\nوفي التيسير: \"قال القرطبي: \"أصل العبادة: التذلل والخضوع، وسميت وظائف الشرع على المكلفين عبادات، لأنهم يلتزمونها ويفعلونها خاضعين متذللين لله تعالى\". قال ابن كثير هي: عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف\" (^٢).\nوقال الشيخ ابن سعدي ﵀: \"العبادة روحها وحقيقتها تحقيق الحب والخضوع لله فالحب التام والخضوع الكامل لله هو حقيقة العبادة، فمتى خلت العبادة من هذين الأمرين أو من أحدهما فليست عبادة، فإن حقيقتها الذل والانكسار لله ولا يكون ذلك إلا مع محبته المحبة التامة التي تتبعها المحاب كلها\" (^٣).\nوقال: \"العبادة والعبودية لله: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من العقائد وأعمال القلوب وأعمال الجوارح، فكل ما يقرب إلى الله من الأفعال والتروك فهو عبادة: ولهذا كان تارك المعصية لله متعبدا متقربا إلى ربه بذلك\" (^٤).\nوقال ابن عثيمين: \"العبادة: بمفهومها العام هي التذلل لله محبة وتعظيما بفعل\n_________\n(^١) العبودية ص ٦.\n(^٢) تيسير العزيز الحميد ص ٤٦، ٤٧. وانظر: كتاب النبوات لابن تيمية ص ٨٨. والجواب الصحيح ٦/ ٣١.\n(^٣) الحق الواضح المبين ٥٩، ٦٠.\n(^٤) الخلاصة ٢٠١.","vol":"3","page":80},{"text":"أوامره واجتناب نواهيه على الوجه الذي جاءت به شرائعه أما المفهوم الخاص للعبادة يعني تفصيلها فهو ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية\" (^١).\nوقال مبينًا الأشياء التي تعرف أنها عبادة: \"وكل محبوب لله من الأعمال فإنه عبادة\" (^٢).\nويدخل في المحبوب الفعل كالصلاة والزكاة كما يدخل فيه الترك كترك الكذب والغيبة والنميمة.\n* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦] وقال تعالى على لسان نوح ﵇: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف ٥٩] وكذلك قال هود ﵇ لقومه كما قال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥)﴾ [الأعراف: ٦٥] وقال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٧٣] وقال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٨٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل: ٣٦] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)﴾ [الأنبياء: ٩٢] وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحجر: ٩٩]، وبذلك وصف ملائكته وأنبياءه فقال\n_________\n(^١) شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٣١.\n(^٢) شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٦٣.","vol":"3","page":81},{"text":"تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء. ١٩ - ٢٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦].\n* أقوال السلف: قال ابن تيمية: \"فكمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله، وكلما ازداد افى العبد تحقيقا للعبودية ازداد كماله وعلت درجته، ومن توهم أن المخلوق يخرج عن العبودية بوجه من الوجوه أو أن الخروج عنها أكمل فهو من أجهل الخلق وأضلهم\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-887> أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-888>١ - شروط قبول العبادة:</span>\nنص علماء أهل السنة على شرطين لقبول العبادة هما:\n١ - الإخلاص بها لله تعالى.\n٢ - متابعة هدي النبي - ﷺ - فيها، بأن تكون موافقة لسنته.\nقال الشيخ عبد القادر الجيلاني: \"إذا عملت هذه الأعمال يعني الإتيان بالأوامر وترك النواهي لا تقبل منك إلا بالإخلاص فلا يقبل قول بلا عمل ولا عمل بلا إخلاص وإصابة السنة\" (^٢).\nقال ابن تيمية ﵀: \"والعبادة والطاعة ولزوم الصراط المستقيم ونحو ذلك من الأسماء مقصودها واحد ولها أصلان:\n_________\n(^١) العبودية ص ١٩.\n(^٢) الفتح الرباني للجيلاني المجلس الثاني ص ١٠ مستفاد من كتاب الشيخ عبد القادر الجيلاني وآراؤه الاعتقادية للدكتور سعيد القحطاني ص ١٣٤.","vol":"3","page":82},{"text":"أحدهما: أن لا يعبد إلا الله ..\nالثاني: أن يعبده بما أمر وشرع لا بغير ذلك من الأهواء والبدع، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف ١١٠]، وقال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾ [البقرة: ١١٢]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء: ١٢٥] (^١).\nوقال ابن رجب ﵀: \"وليست الفضائل بكثرة الأعمال البدنية، لكن بكونها خالصة لله ﷿ صوابًا على متابعة السنة، وبكثرة معارف القلوب وأعمالها فمن كان بالله أعلم، وبدينه وأحكامه وشرائعه، وله أخوف وأحب وأرجى، فهو أفضل ممن ليس كذلك، وإن كان أكثر منه عملا بالجوارح وإلى هذا المعنى، الإشارة في حديث عائشة - ﵄ - بقول النبي - ﷺ -: \"سددوا وقاربوا، واعلموا أنه لن يدخل أحدا منكم بعمله الجنة، وإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل\"، فأمر بالاقتصاد في العمل، وأن يضم إلى ذلك العلم بأحب الأعمال إلى الله، وبأن العمل وحده لا يدخل الجنة .. \" (^٢).\nوهذان الأصلان عبر عنهما ابن القيم بقوله في النونية (^٣):\nوعبادة الرحمن غاية حبه ... مع ذل عابده هما قطبان\nوعليهما فلك العبادة دائر ... ما دار حتى قامت القطبان\nومداره بالأمر أمر رسوله ... لا بالهوى والنفس والشيطان\n_________\n(^١) العبودية ص ١٧.\n(^٢) المحجة في سير الدلجة ص ٥٢.\n(^٣) انظر: الكافية الشافية.","vol":"3","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-889>٢ - أنواع العبادة:</span>\nالعبادة لها أنواع كثيرة. فهي تشمل كل أنواع الطاعات الظاهرة على اللسان والجوارح كما تشمل الطاعات الباطنة في القلب ومن أنواعها الذكر والتسبيح والتهليل وتلاوة القرآن، والصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإحسان إلى الأقارب واليتامى والمساكين وابن السبيل، وكذلك حب الله ورسوله وخشية الله والإنابة إليه، واخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والرضى بقضائه والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، فهي شاملة لكل تصرفات المؤمن إذا نوى القربة أو ما يعين عليها حتى العادات إذا قصد بها التقوي على الطاعات، كالنوم والأكل، والشرب والبيع والشراء وطلب الرزق والنكاح فإن هذه العادات مع النية الصالحة تصير عبادات يثاب عليها.\nقال ابن القيم ﵀: \"ورَحى العبودية تدور على خمس عشرة قاعدة من كملها كمل مراتب العبودية، وبيانها أن العبودية منقسمة على القلب اللسان والجوارح وعلى كل منها عبودية تخصه، والأحكام التي للعبودية خمسة واجب ومستحب وحرام ومكروه ومباح وهي لكل واحد من القلب واللسان والجوارح\" (^١).\nوقال أيضًا: \"وبنى إياك نعبد على أربع قواعد التحقق بما يحبه الله ورسوله ويرضاه من قول اللسان والقلب وعمل القلب الجوارح فالعبودية اسم جامع لهذه المراتب الأربع فأصحاب إياك نعبد حقا هم أصحابها.\nفقول القلب هو اعتقاد ما أخبر الله سبحانه به عن نفسه وعن أسمائه وصفاته وأفعاله وملائكته ولقائه على لسان رسله.\n_________\n(^١) مدارج السالكين ١/ ١٢٣.","vol":"3","page":84},{"text":"وقول اللسان الإخبار عنه بذلك والدعوة إليه والذب عنه وتبيين بطلان البدع المخالفة له والقيام بذكره وتبليغ أوامره.\nوعمل القلب كالمحبة له والتوكل عليه والإنابة إليه والخوف منه والرجاء له وإخلاص الدين له والصبر على أوامره وعن نواهيه وعلى أقداره والرضى به وعنه والموالاة فيه والمعاداة فيه والذل له والخضوع والإخبات إليه الطمأنينة به وغير ذلك من أعمال القلوب التي فرضها أفرض من أعمال الجوارح ومستحبها أحب إلى الله من مستحبها وعمل الجوارح بدونها إما عديم المنفعة أو قليل المنفعة.\nوأعمال الجوارح كالصلاة والجهاد ونقل الأقدام إلى الجمعة والجماعات ومساعدة العاجز والإحسان إلى الخلق ونحو ذلك \"فإياك نعبد\" التزام لأحكام هذه الأربعة وإقرار بها وإياك نستعين طلب للإعانة عليها والتوفيق لها ... \" (^١).\nقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: \"وأنواع العبادة التي أمر الله بها: مثل الإسلام والإيمان، والإحسان، ومنه الدعاء، والخوف، والرجاء، والتوكل، والرغبة، والرهبة، والخشوع، والخشية، والإنابة، والاستعانة، والاستعاذة، والاستغاثة والذبح، والنذر، وغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها كلها لله تعالى.\nوالدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن: ١٨] فمن صرف منها شيئا لغير الله فهو مشرك كافر والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾ [المؤمنون: ١١٧] \" (^٢).\n_________\n(^١) مدارج السالكين ١/ ١١٣، ١١٤.\n(^٢) الأصول الثلاثة للشيخ محمد بن عبد الوهاب ص ٢٤، ٣٠. وانظر شرح ثلاثة الأصول للشيخ ابن عثيمين من مجموع الفتاوى ٦/ ٤٩ وما بعدها.","vol":"3","page":85},{"text":"* ومن كلام العلماء عن العبادة نجدها على خمسة أقسام:\n١ - عبادة القلب: وذلك كالإخلاص والتوكل والمحبة والصبر والإنابة والخوف والرجاء والتصديق الجازم والنية في العبادة (^١).\n٢ - عبادة للسان: وذلك كالتلفظ بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وكتلاوة القرآن والدعاء، والأذكار النبوية ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم الجاهل وإرشاد الضال وأداء الشهادة المتعينة وصدق الحديث والمذاكرة في العلم النافع إلى غير ذلك من أنواع العبادات اللفظية (^٢).\n٣ - عبادة بدنية: وذلك كالقيام والركوع والسجود في الصلاة، وكالصوم وأعمال الحج والهجرة والجهاد إلى غير ذلك من العبادات البدنية (^٣).\n٤ - عبادة مالية: كالزكاة والصدقة ونحو ذلك (^٤).\n٥ - عبادة تركية: هي أن يترك المسلم جميع المحرمات والشركيات والبدع امتثالا لشرع الله، فهذه منه عبادة تركية، ويؤجر المسلم على تركه ابتغاء وجه الله. ومن ذلك ترك الرقية والكي فإنه من تحقيق التوحيد (^٥) قال الشيخ ابن عثيمين: \"الطاعة ترك المنهي عنه، هذا معنى الطاعة إذا جاءت مفردة\" (^٦).\nوقد تجتمع عبادتان بدنية ومالية كالنحر مثلا قال شيخ الإسلام: \"وعيد النحر أفضل من عيد الفطر؛ ولهذا كانت العبادة فيه النحر مع الصلاة والعبادة في ذاك الصدقة مع الصلاة والنحر أفضل من الصدقة؛ لأنه يجتمع فيه العبادتان البدنية\n_________\n(^١) مدارج السالكين ١/ ١٢٤.\n(^٢) مدارج السالكين ١/ ١٢٨، ١٢٩.\n(^٣) شرح العدة لابن تيمية ٤/ ٤٨.\n(^٤) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٤/ ٢٢٢.\n(^٥) انظر كتاب التوحيد من مجموع مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب ١/ ١٦.\n(^٦) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٢٤١.","vol":"3","page":86},{"text":"والمالية، فالذبح عبادة بدنية ومالية، والصدقة والهدية عبادة مالية\" (^١).\nوقد يقال هي منقسمة على القلب واللسان والجوارح (^٢).\n٣ - كما تنقسم إلى عبادة كونية وشرعية:\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"اعلم أن العبادة نوعان:\nالأول: كونية: وهي الخضوع لأمر الله تعالى الكوني وهذه شاملة لجميع الخلق لا يخرج عنها أحد لقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم: ٩٣] فهي شاملة للمؤمن والكافر، والبر والفاخر.\nوالثاني: عبادة شرعية: وهي الخضوع لأمر الله تعالى الشرعي وهذه خاصة بمن أطاع الله تعالى واتبع ما جاءت به الرسل مثل قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان:٦٣]. فالنوع الأول لا يحمد الإنسان لأنه بغير فعله لكن قد يحمد على ما يحصل منه من شكر عند الرخاء وصبر على البلاء بخلاف النوع الثاني فإنه يحمد عليه\" (^٣).\nوكذلك تنقسم إلى عبادة خاصة ومتعدية.\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"فالعبادات الخاصة مثل الصلاة، والصوم، والحج، والعبادات المتعدية كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله وما أشبه ذلك\" (^٤).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-890> حكم من عبد الله عند القبر:</span> انظر باب (القبور).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢٤/ ٢٢٢.\n(^٢) مدارج السالكين ١/ ١٢٣ - ١٣٧.\n(^٣) شرح ثلاثة الأصول ص ٣٣.\n(^٤) المصدر السابق.","vol":"3","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-891>١٩٦ - عبدي وأمتي</span>*\nورد النهى عن التلفظ بالألفاظ التي توهم الشرك أو فيها إساءة أدب مع الله كإطلاق ربوبية إنسان لإنسان أو عبودية إنسان لإنسان، لأن الله هو الرب المعبود وحده، وجاءت الشريعة بتوخي اللفظ السليم الذي لا إيهام فيه ليكون بديلًا من اللفظ الموهم وهذا منه - ﷺ - حماية للتوحيد وحفاظًا على العقيدة. قال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"لا يقول عبدي وأمتي لما في ذلك من الإيهمام في المشاركة في الربوبية، فنهى عن ذلك أدبًا مع جناب الربوبية وحماية لجناب التوحيد\" (^١).\n* الدليل من السنة: عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنبِّهٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - ﵁ - يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ -، أَنَّهُ قَالَ: \"لا يَقُلْ أَحَدُكُمْ أَطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّئْ رَبَّكَ، اسْقِ رَبَّكَ، وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي مَوْلايَ وَلا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي أَمَتِي. وَلْيَقُلْ: فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلامِي\" (^٢). والمراد بالسيد هنا الرئيس على من تحت يده.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-892> فوائد وأحكام:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-893>١ - حكم التلفظ بعبدي وأمتي:</span>\nقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: \"هذه الألفاظ المنهي عنها وإن كانت تطلق لغة فالنبي - ﷺ - نهى عنها تحقيقا للتوحيد وسدًا لذرائع الشرك، لما فيها من التشريك في اللفظ، لأن الله تعالى هو رب العباد جميعهم، فإذا أطلق على غيره شاركه في الاسم،\n_________\n* تيسير العزيز الحميد ص ٦٦٣. فتح المجيد ص ٥٤١. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٣٤٥. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٣/ ٩٧، ط ٢ - ٣/ ١٢٠ ومن المجموع ١٠/ ٩٢٤. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٤٨. مجموع فتاوى ابن عثيمين ٣/ ٨٠.الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٤/ ٤٦٢.\n(^١) تيسير العزيز الحميد ٦٦٣.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٥٥٢)، ومسلم (٢٢٤٩).","vol":"3","page":88},{"text":"فنهى عنه لذلك وإن لم يقصد بذلك التشريك في الربوبية التي هي وصف الله تعالى وإنما المعنى أن هذا مالك له، فيطلق عليه هذا اللفظ بهذا الاعتبار فالنهي عنه حسما لمادة التشريك بين الخالق والمخلوق وتحقيقا للتوحيد وبعدا عن الشرك في اللفظ.\nوهذا من أحسن مقاصد الشريعة، لما فيه من تعظيم الرب تعالى وبعده عن مشابهة المخلوقين، فأرشدهم - ﷺ - إلى ما يقوم مقام هذه الألفاظ هو قوله: سيدي ومولاي. وكذا قوله: لا يقل أحدكم عبدي وأمتي، لأن العبيد عبيد الله والإماء إماء الله، قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم: ٩٣] ففي إطلاق هاتين الكلمتين على غير الله تشريك في اللفظ فنهاهم عن ذلك تعظيما لله تعالى وأدبًا وبعدًا عن الشرك وتحقيقًا للتوحيد، وأرشد إلى أن يقول: \"فتاي وفتاتي وغلامي\".\nوهذا من باب حماية المصطفى - ﷺ - جناب التوحيد\" (^١).\nقال الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن قول عبدي وأمتي: \"والحكم في ذلك ينقسم إلى قسمين:\nالأول: أن يضيفه إلى غيره مثل أن يقول عبد فلان أو أمة فلان فهذا جائز. قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ [النور. ٣٢].\nوقال النبي - ﷺ -: \"ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة\" (^٢).\nالثاني: أن يضيفه إلى نفسه، وله صورتان:\nالأولى: أن يكون بصيغة الخبر مثل: أطعمت عبدي، كسوت عبدي، أعتقت عبدي، فإن قاله في غيبة العبد أو الأمة فلا بأس فيه، وإن قاله حضرة العبد أو الأمة فإن ترتب عليه مفسدة تتعلق بالعبد أو السيد منع، وإلا فلا، لأن القائل بذلك\n_________\n(^١) فتح المجيد ص ٥٤١، ٥٤٢.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٤٦٣) (١٤٦٤).","vol":"3","page":89},{"text":"لا يقصد العبودية التي هي الذل وإنما يقصد أنه مملوك.\nالثانية: أن يكون بصيغة النداء فيقول السيد مثل يا عبدي هات كذا، فهذا منهي عنه وقد اختلف العلماء في النهي هل هو للكراهة أو التحريم والراجح التفصيل في ذلك وأقل أحواله الكراهة\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-894>٢ - حكم إطلاق الرب على المخلوق أو إضافته إليه:</span>\nإطلاق كلمة الرب على سيد العبد بلا إضافة حرام لا يجوز لأن الألف واللام في اسم (الرب) يدل على معنى العموم فيدخل فيه عموم المخلوقات فـ (الرب) من أسماء الله تعالى اتفاقًا لا يطلق إلا عليه كما ثبت في حديث ابن عباس - ﵄ - مرفوعًا: \"فأما الركوع فعظموا فيه الرب ﷿\" (^٢).\nوقال - ﷺ -: \"أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن\" (^٣). وغير ذلك من الأحاديث.\nقال ابن بطال: \"لا يجوز أن يقال لأحد غير الله رب كما لا يجوز أن يقال له إله. قال الحافظ والذي يختص بالله إطلاق الرب بلا إضافة\" (^٤).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-895> أما إضافة الرب فهي أقسام:</span>\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"إضافة الرب إلى غير الله تعالى تنقسم إلى أقسام:\nالقسم الأول: أن تكون الإضافة إلى ضمير المخاطب، مثل: أطعم ربك، وضيء ربك، فيكره ذلك للنهي عنه، لأن فيه محذورين:\nمن جهة الصيغة، لأنه يوهم معنى فاسدًا بالنسبة لكلمة رب، لأن الرب من\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١٠/ ٩٢٤،٩٢٥. وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ٩٧.\n(^٢) أخرجه مسلم (٤٧٩).\n(^٣) أخرجه مسلم (٤٨٢) بلفظ: \"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء ورواه الترمذي (٣٥٧٩). وأبو داود (١٢٧٧) وابن ماجه (١٢٥١).\n(^٤) فتح الباري ٥/ ١٧٨.","vol":"3","page":90},{"text":"أسمائه سبحانه، وهو سبحانه يطعم ولا يطعم، وإن كان بلا شك إن الرب هنا غير رب العالمين الذي يطعم ولا يطعم، ولكن من باب الأدب في اللفظ.\nمن جهة المعني أنه يشعر العبد أو الأمة بالذل، لأنه إذا كان السيد ربًا كان العبد أو الأمة مربوبًا.\nالقسم الثاني: أن تكون الإضافة إلى ضمير الغائب، فهذا لا بأس به، كقوله به، كقوله - ﷺ - في حديث أشراط الساعة، \"أن تلد الأمة ربها\"، وأما لفظ \"ربتها\"، فلا إشكال فيه لوجود تاء التأنيث، فلا اشتراك مع الله في اللفظ، لأن الله لا يقاله إلا رب، وفي حديث الضالة وهو متفق عليه: \"حتى يجدها ربها\".\nوقال بعض أهل العلم أن حديث الضالة في بهيمة لا تتعبد ولا تتذلل، فليست كالإنسان، والصحيح عدم الفارق، لأن البهيمة تعبد الله عبادة خاصة، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾، وقال في الناس: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ ليس جميعهم: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: ١٨]، وعلى هذا، فيجوز أن تقول: أطعم الرقيق ربه، ونحوه ..\nالقسم الثالث: أن تكون الإضافة إلى ضمير المتكلم، بأن يقول العبد: هذا ربي، فهل يجوز هذا؟\nقد يقول قائل: إن هذا جائز، لأن هذا من العبد لسيده، وقد قال تعالى عن صاحب يوسف: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف:٢٣] أي: سيدي، ولأن المحذور من قول ﴿رَبِّي﴾ هو إذلال العبد، وهذا منتف، لأنه هو بنفسه يقول: هذا ربي.\nالقسم الرابع: أن يضاف إلى الاسم الظاهر، فيقال: هذا رب الغلام، فظاهر الحديث الجواز، وهو كذلك ما لم يوجد محذور فيمنع، كما لو ظن السامع أن","vol":"3","page":91},{"text":"السيد رب حقيقي خالق ونحو ذلك ... \" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-896>٣ - هل النهي للتحريم أم للتنزيه</span>؟\nقال البخاري في الصحيح: \"باب كراهية التطاول على الرقيق. وقوله: عبدي أو أمتي، وقال الله تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ (^٢)، [النور. ٣٢]. قال الحافظ: \"واتفق العلماء على أن النهي في ذلك للتنزيه حتى أهل الظاهر إلا ما سنذكره عن ابن بطال في لفظ \"الرب\"\" (^٣).\nوقال ابن مفلح في الفروع: \"وظاهر النهي التحريم وقد يحتمل أنه للكراهة وجزم به غير واحد\" (^٤).\nوقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: \"وهذا على وجه الاستحباب أن يعدل العبد عن قول عبدي وأمتي إلى فتاي وفتاتي تحفظا عن اللفظ الذي فيه إيهام ومحذور ولو على وجه بعيد وليس حرامًا وإنما الأدب كمال التحفظ بالألفاظ الطيبة التي لا توهم محذورا بوجه فإن الأدب في الألفاظ دليل على كمال الإخلاص خصوصا هذه الألفاظ التي هي أمس بهذا المقام\" (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-897>٤ - الفرق بين الرب والسيد:</span>\nانظر باب (السيد).\n_________\n(^١) القول المفيد ١٠/ ٩٢٥.\n(^٢) صحيح البخاري ص ٤٨٢ باب رقم ١٧.\n(^٣) الفتح ٥/ ١٧٨.\n(^٤) الفروع ٣/ ٤١٣.\n(^٥) القول السديد ص ١٣٧.","vol":"3","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-898>١٩٧ - العدوى</span>*\nقال في النهاية: \"العدوى اسم من الإعداء، كالرعوى والبقوى من الإرعاء والإبقاء، يقال أعداه الداء يعديه أعداء، وهو أن يصيبه مثل ما بصاحب الداء\" (^١).\nوالمراد بالعدوى: انتقال الداء من شخص إلى آخر بسبب اختلاطهما. وقد أبطل الإسلام العدوى المعروفة في الجاهلية لأنهم كانوا يظنون أن المرض بنفسه يتعدى.\nقال الإمام البغوي ﵀: \"العدوى أن يكون ببعير جرب، أو بإنسان برص، أو جذام، فتتقي مخالطته حذرًا أن يعدو ما به إليك، ويصيبك ما أصابه. فقوله: لا عدوى يريد أن شيئًا لا يعدي شيئًا بطبعه، إنما هو بتقدير الله ﷿، وسابق قضائه، بدليل قوله للأعرابي: \"فمن أعدى الأول\". يريد أن أو بعير جرب منها، كان جربه بقضاء الله وقدره. لا بالعدوى، فكذلك ما ظهر بسائر الإبل من بعد\" (^٢).\n* الدليل من السنة: عن أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ إِنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: \"لا عَدْوَى وَلا صَفَرَ وَلا هَامَةَ. فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: يَا رَسُولَ الله، فَمَا بَالُ إِبلِي تَكُونُ فِي الرَّمْل كَأَنَّهَا الظِّبَاء، فَيَأْتِي الْبَعِيرُ الأَجْرَبُ فَيَدْخُلُ بَيْنَهَا فَيُجْرِبُهَا فَقَالَ: فَمَنْ أَعدَى الأَوَّلَ\" (^٣).\n_________\n* الاستذكار لابن عبد البر ٢٧/ ٥٢، ٥٤. التمهيد لابن عبد البر ٢٤/ ١٩٠، ١٩٦. مصنف عبد الرزاق ١١/ ٢٠٤ - ١٠/ ٤٠٤. المصنف لابن أبي شيبة ٥/ ٣١٠، ٣١١. شرح السنة للبغوى ١٢/ ١٦٨. الآداب الشرعية لابن مفلح ٣/ ٣٦٠. تيسير العزيز الحميد ٤٣٠. فتح المجيد ص ٣٤٧. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٢١٤. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ٨١، ط ٢ - ٢/ ٩٧، ومن المجموع ٩/ ٥٦٣، ٥٦٢. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٢/ ١٤٢، ١٦٠. معارج القبول ٢/ ٣١٥، ٣١٦. منهج ابن حجر في العقيدة ص ١٠٨٦. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ص ٤٨١.\n(^١) النهاية: \"ع د ا\".\n(^٢) شرح السنة للبغوي ١٢/ ١٦٩.\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٧١٧) (٥٧٧٠)، ومسلم (٢٢٢٠).","vol":"3","page":93},{"text":"وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ الله - ﷺ - فَقَالَ: \"لا يُعْدِي شَيْءٌ شَيْئًا\" فَقَامَ أَعْرَابيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، النُّقْبَةُ مِنْ الْجَرَبِ تَكُونُ بِمِشْفَرِ الْبَعِيرِ أَوْ بذَنَبِهِ فِي الإبلِ الْعَظِيمَةِ فَتَجْرَبُ كُلُّهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"فَمَا أَجْرَبَ الأَوَّلَ لا عَدْوَى وَلا هَامَةَ وَلا صَفَرَ خَلَقَ الله كُلَّ نَفْسٍ فَكَتَبَ حَيَاتَهَا وَمُصِيبَاتِهَا وَرِزْقَهَا\" (^١).\nقال الإمام البغوي: \"والنقبة، أول الجرب حين يبدو، وجمعها نقب\" (^٢).\nوأخرج البخاري ﵀ عن سعيد بن ميناء قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر، وفرّ من المجذوم كما تفرّ من الأسد\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-899> الجمع بين حديث (لا عدوى) وحديث (فر من المجذوم):</span>\nهناك أحاديث يظن أنها عارضت حديث \"لا عدوى\" وحديث \"ثقة بالله وتوكلًا عليه\" (^٤). وهي ما جاء في بعض روايات الأحاديث \"وفرّ من المجذوم كما تفرّ من الأسد\" (^٥) وحديث: \"لا يورد ممرض على مصحّ\" (^٦) وأرسل - ﷺ - إلى المجذوم: \"إنا قد بايعناك، فارجع\" (^٧).\nقال عياض: \"اختلفت الآثار في المجذوم، فجاء عن جابر: أن النبي - ﷺ - أكل مع المجذوم، وقال: \"ثقة بالله وتوكلًا عليه\". قال: فذهب عمر وجماعة من السلف إلى الأكل معه، ورأوا أن الأمر باجتنابه منسوخ، وممن قال بذلك عيسى بن دينار من\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد (٤١٩٨).\n(^٢) شرح السنة ١٢/ ١٦٩.\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٧٠٧).\n(^٤) أخرجه أبو داود (٣٩٢٥) والترمذي (١٨١٧)، وابن ماجه (٣٥٤٢).\n(^٥) أخرجه البخاري (٥٧٠٧).\n(^٦) أخرجه مسلم (٢٢٢١).\n(^٧) أخرجه مسلم (٢٢٣١).","vol":"3","page":94},{"text":"المالكية، قال: والصحيح الذي عليه الأكثر ويتعين المصير إليه أن لا نسخ، بل يجب الجمع بين الحديثين، وحمل الأمر باجتنابه والفرار منه على الاستحباب والاحتياط، والأكل معه على بيان الجواز\" (^١).\nوقال الإمام البغوي: \"قوله \"فرّ من المجذوم كما تفرّ من الأسد\". قال الإمام: لعله على معنى قوله ﵇: \"لا يوردن ممرض على مصح\".\nوقيل هو رخصة لمن أراد أن يجتنب عنه، كقوله ﵇ في الطاعون: \"إذا وقع بأرض فلا تقدموا عليه\". فمن لم يحترز عنه متوكلا، فحسن، بدليل أنه ﵇: \"أخذ بيد مجذوم فوضعها معه في القصعة\".\nوقيل: إن الجذام علّة لها رائحة تسقم من أطال مجالسة صاحبها، ومؤاكلته لاشتمام تلك الرائحة، وكذلك المرأة تضاجع المجذوم في شعار واحد، فربما تجذم من الأذى الذي يصيبها، وقد يظهر ذلك في النسل، وكذلك البعير الجرب يخالط الإبل ويحاكّها، فيصل إليها بعض ما يسيل من جربه فيظهر عليها أثر، وليس هذا من باب العدوى، بل هذا من باب الطب، كما أن أكل ما يعافه الإنسان، واشتمام ما يكره ريحه، والمقام في بلد لا يوافق هواه طبعه يضره، وما يوافقه ينفعه بإذن الله. قال الإمام: ويروى أن أبا بكر كان يأكل مع الأجذم\" (^٢).\nوأحسن ما يقال في هذا ويوجه إليه: ما قاله البيهقي وتبعه ابن الصلاح وابن القيم وابن رجب وابن مفلح وغيرهم ونصره الشيخ سليمان بن عبد الله في التيسير. قال الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى -: \"عندي في الحديثين مسلك يتضمن إثبات الأسباب والحكم ونفي ما كانوا عليه من الشرك واعتقاد الباطل ووقوع النفي والإثبات على وجهه، فإن العوام كانوا يثبتون العدوى على مذهبهم من\n_________\n(^١) فتح الباري ١٠/ ١٥٨.\n(^٢) شرح السنة للبغوي ١٢/ ١٧١ - ١٧٣.","vol":"3","page":95},{"text":"الشرك الباطل كما يقوله المنجّمون من تأثير الكواكب في هذا العالم وسعودها ونحوسها كما تقدم الكلام عليهم، ولو قالوا إنها أسباب أو أجزاء أسباب إذا شاء الله صرف مقتضياتها بمشيئته وإرادته وحكمته، وإنها مسخرة بأمره لما خلقت له، وإنها في ذلك بمنزلة سائر الأسباب التي ربط بها مسبباتها، وجعل لها أسبابًا أخر تعارضها وتمانعها، وتمنع اقتضاءها لما جعلت أسبابًا له، وإنها لا تقضى مسبباتها إلا بإذنه ومشيئته وإرادته، ليس لها من ذاتها ضر ولا نفع، ولا تأثير البتة، إن هي إلا خلق مسخر مصرف مربوب لا تتحرك إلا بإذن خالقها ومشيئته، وغايتها أنها جزء سبب ليست سببًا تامًا، فسببيتها من جنس سببية وطء الوالد في حصول الولد، فإنه جزء واحد من أجزاء كثيرة من الأسباب التي خلق الله بها الجنين، وكسببية شق الأرض، وإلقاء البذر فإنه جزء يسير من جملة الأسباب التي يكوِّن الله بها النبات، وهكذا جملة أسباب العالم من الغذاء، والرواء، والعافية، والسقم، وغير ذلك، وأن الله سبحانه جعل من ذلك سببًا ما يشاء ويبطل السببية عما يشاء، ويخلق من الأسباب المعارضة له ما يحول بينه وبين مقتضاه، فهم لو أثبتوا العدوى على هذا الوجه لما أنكر عليهم، وأما قضية المجذوم فلا ريب أنه روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"فرّ من المجذوم فرارك من الأسد\". وأرسل إلى ذلك المجذوم: \"إنا قد بايعناك فارجع\". وأخذ بيد مجذوم فوضعها في القصعة وقال: \"كل ثقة بالله وتوكلًا عليه\" ولا تنافي بين هذه الآثار، ومن أحاط علمًا بما قدمناه تبين له وجهها، وأن غاية ذلك أن مخالطة المجذوم من أسباب العدوى، وهذا السبب يعارضه أسباب أخر تمنع اقتضاءه، فمن أقواها التوكل على الله والثقة به، فإنه يمنع تأثير ذلك السبب المكروه، ولكن لا يقدر كل واحد من الأمة على هذا، فأرشدهم إلى مجانبة سبب المكروه، والفرار والبعد منه، ولذلك أرسل إلى ذلك المجذوم الآخر بالبيعة تشريعا منه للفرار من أسباب الأذى والمكروه، وأن لا يتعرض العبد لأسباب البلاء، ثم وضع يده معه في القصعة فإنما هو سبب التوكل على الله والثقة","vol":"3","page":96},{"text":"به الذي هو من أعظم الأسباب التي يدفع بها المكروه والمحذور تعليمًا منه للأمة دفع الأسباب المكروهة بما هو أقوى منها، وإعلامًا بأن الضرر والنفع بيد الله ﷿ فإن شاء أن يضر عبده ضرّه، وإن شاء أن يصرف عنه الضرّ صرفه، بل إن شاء أن ينفعه بما هو من أسباب الضرر ويضره بما هو من أسباب النفع فعل، ليتبيّن العباد أنه وحده الضار النافع، وأن أسباب الضر والنفع بيديه، وهو الذي جعلها أسبابًا، وإن شاء خلع منها سببيتها، وإن شاء جعل ما تقتضيه بخلاف المعهود منها، ليعلم أنه الفاعل المختار، وانه لا يضر شيء ولا ينفع شيء إلا بإذنه، وأن التوكل عليه والثقة به تحيل الأسباب المكروهة إلى خلاف موجباتها وتبين مراتبها وأنها محال (^١) لمجاري مشيئة الله وحكمته وأنه سبحانه هو الذي يضر بها وينفع ليس إليها ولا لها من الأمر شيء، وأن الأمر كله لله، وأنها إنما ينال ضررها من علّق قلبه بها ووقف عندها، وتطير بما يتطير به منها، فذلك الذي يصيبه مكروه الطيرة والطيرة سبب للمكروه على المتطير، فإذا توكل على الله ووثق به واستعان به لم يصده التطير عن حاجته\" (^٢).\nوقال الإمام ابن رجب ﵀: \"فأما نهيه - ﷺ - عن إيراد الممرض، وأمره بالفرار من المجذوم ونهيه عن الدخول إلى موضع الطاعون؛ فإنه من باب اجتناب الأسباب التي خلقها الله تعالى وجعلها أسبابًا للهلاك والأذى، والعبد مأمور باتقاء أسباب البلاء إذا كان في عافية منها، فكما أنه يُؤمر أن لا يُلقي نفسه في الماء أو في النار أو يدخل تحت الهدم ونحوه مما جرت العادة بأنه يهلك أو يؤذي فكذلك اجتناب مقاربة المريض، كالمجذوم أو القدوم على بلد الطاعون، فإن هذه كلها أسباب للمرض والتلف، والله ﷾ هو خالق الأسباب ومسبباتها، لا خالق غيره ولا مقدر غيره .. وأما إذا قوي التوكل على الله والإيمان بقضائه وقدره فقويت\n_________\n(^١) جمع محل، وهو المكان.\n(^٢) مفتاح دار السعادة: ج ٢/ ٢٦٩، ٢٧٢. بتصرف.","vol":"3","page":97},{"text":"النفس على مباشرة بعض هذه الأسباب اعتمادا على الله ورجاء منه أن لا يحصل به ضرر ففي هذه الحال تجوز مباشرة ذلك، لا سيما إذا كان فيه مصلحة عامة أو خاصة، وعلى مثل هذا يحمل الحديث الذي خرجه أبو داود والترمذي - رحمهما الله تعالى - أن النبي - ﷺ -: أخذ بيد مجذوم فأدخلها معه في القصعة، ثم قال: \"كل باسم الله، ثقة بالله وتوكلا عليه\". وقد أخذ به الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - وروى ذلك عن عمر وابنه وسلمان ﵃ ونظير ذلك ما روي عن خالد بن الوليد - ﵁ - من كل السم ومنه مشي سعد بن أبي وقاص وأبي مسلم الخولاني بالجيوش على متن البحر، فهذا كله لا يصح إلا لخواص من الناس قوي إيمانهم بالله وقضائه وقدره وتوكلهم عليه وثقتهم وبه\" (^١).\nوقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"قوله: \"لا عدوى\". أي على الوجه الذي يعتقده أهل الجاهلية من إضافة الفعل إلى غير الله تعالى وأن هذه الأمراض تُعدي بطبعها، وإلا فقد يجعل الله بمشيئته مخالطة الصحيح من به شيء من الأمراض سببًا لحدوث ذلك، ولهذا قال: \"فرّ من المجذوم كما تفرّ من الأسد\". وقال: \"لا يورد ممرض على صحيح\"، وقال في الطاعون: \"من سمع به في أرض فلا يقدم عليه\". وكل ذلك بتقدير الله\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-900>١٩٨ - العذر بالجهل</span>\nانظر باب عارض الجهل.\n_________\n(^١) لطائف المعارف لابن رجب ص ٦٧، ٦٩، وانظر للاستزادة: ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ص ٤٨٥، ٤٨٦.\n(^٢) تيسير العزيز الحميد ص ٤٣٢.","vol":"3","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-901>١٩٩ - العراف</span>*\n<span data-type=\"title\" id=toc-902>[الكاهن، المنجم، السحر]</span>\nالعراف في أصل اللغة فعّال صيغة مبالغة من المعرفة وهو الذي يدَّعي معرفة الأمور الغيبية سواء ما استقبل منها أو ما مضى فهو مدع معرفة الغيب الماضي والحاضر.\nقال البغوي: \"العراف الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك\" (^١).\nوقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"هذا تفسير حسن وظاهره يقتضي أن العراف هو الذي يخبر عن الواقع كالمسروق والضالة\" (^٢).\nوقال شيخ الإسلام: \"العراف اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم، كالحازر الذي يدعي الغيب أو يدعي الكشف\" (^٣).\n_________\n* الإبانة لابن بطة العكبري ٧٢٩. شرح السنة للبغوي ١٢/ ١٨٢. الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٧/ ٣. المحلى بالآثار لابن حزم ٢/ ٣٧٠. تيسير العزيز الحميد ص ٤١٥. فتح المجيد ص ٣٣٧. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٢٥٧. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ٤٨، ٦٠، ط ٢ - ٢/ ٧٤ ومن المجموع ٩/ ٥٣٥.الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٢/ ٣٣٦. مجموع الفتاوى لابن باز ٢/ ٦٦٣ - ٦٨٢. نور على الدرب ص ٢٢٠، ٢٥١. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٢/ ١٨٣ المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة الأحمدي ٢/ ١٠٦.أحكام الكهانة للمؤلف.\n(^١) شرح السنة للبغوي ١٢/ ١٨٢.\n(^٢) تيسير العزيز الحميد ص ٤١٥.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٣٥/ ١٧٣.","vol":"3","page":99},{"text":"وفي المغني: \"قال أحمد في رواية حنبل: والعرافة طرف من السحر والساحر أخبث لأن السحر شعبة من الكفر\" (^١).\nوقال أبو السعادات: \"العراف: المنجم أو الحازي الذي يدعي علم الغيب وقد استأثر الله تعالى به\" (^٢).\nوهناك من يجعل الكاهن اسما للعراف، وهناك من يفرق بينهما وسوف يأتي الكلام في ذلك آخر هذا الباب إن شاء الله (^٣).\n* الدليل من السنة: عَنْ صَفِيَّةَ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ - عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً\" (^٤).\nوروى الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح عن بعض أزواج النبي - ﷺ -: \"من أتى عرافًا فصدقه بما يقول لم تقبل له صلاة أربعين يومًا\" (^٥).\nوأخرج أهل السنن عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من أتى كاهنا أو عرافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد\" (^٦).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-903> أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-904>١ - قال الحافظ بعد أن خرج الحديث: \"اتفقت ألفاظهم على الوعيد بلفظ حديث أبي هريرة إلا حديث مسلم </span>فقال فيه: \"لم يقبل له صلاة أربعين ليلة\". ووقع\n_________\n(^١) المغني ٩/ ٣٧.\n(^٢) النهاية (ع ر ف).\n(^٣) للاستزادة انظر: باب الكهانة.\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٢٣٠)، (٥٨٢١).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد (١٦٧٥٥) (٢٣٦١٠).\n(^٦) أخرجه أبو داود (٣٩٠٤) والترمذي (١٣٥) وأحمد (٩٥٣٢) والحاكم ١/ ٨ وقال: صحيح على شرط الشيخين، وسيأتي الكلام عن هذين الحديثين في باب الكهانة.","vol":"3","page":100},{"text":"عند الطبراني من حديث أنس بسند ليّن مرفوعا بلفظ: \"من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد بريء مما أنزل على محمد ومن أتاه غير مصدق له لم تقبل له صلاة أربعين يومًا\" والأحاديث الأول مع صحتها وكثرتها أولى من هذا\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-905>٢ - الفرق بين الكاهن والعراف:</span>\nقال ابن عثيمين: \"في هذه المسألة خلاف بين أهل العلم:\nالقول الأول: أن العراف هو الكاهن فهما مترادفان، فلا فرق بينهما (^٢).\nوالقول الثاني: أن العراف هو الذي يستدل على معرفة الأمر بمقدمات يستدل بها، فهو أعم من الكاهن، لأنه يشمل الكاهن وغيره فهما من باب العام والخاص.\nوالقول الثالث: أن العراف يخبر عن أمور بمقدمات يستدل، والكاهن هو الذي يخبر عما في الضمير، أو عن المغيبات في المستقبل.\nفالعراف أعم، أو أن العراف يختص بالماضي والكاهن بالمستقبل فهما متباينان فالظاهر أنهما متباينان، فالكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل والعراف من يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك\" (^٣).\nقال البغوي: \"فالكاهن: هو الذي يخبر عن الكوائن في مستقبل الزمان ويدعي معرفة الأسرار ومطالعة علم الغيب، والعراف: هو الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها\" (^٤).\n_________\n(^١) فتح الباري ١٠/ ٢٢٨.\n(^٢) انظر: كلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى ٣٥/ ١٩٣، ١٧٣.\n(^٣) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٩/ ٥٥١، وانظر القول المفيد ط ١ - ٢/ ٦٨.\n(^٤) شرح السنة للبغوي ١٢/ ١٨٢.","vol":"3","page":101},{"text":"وسواء قلنا إن العراف هو الكاهن أو غيره فإنه يجمع بينهما أنهم يستخدمون الشياطين ويستعينون بهم في ادعاء علم الغيب (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-906>٣ - حكم الذهاب للكهان والعرافين:</span>\nانظر باب الكهانة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-907>٤ - واجب ولاة الأمر نحو العرافين والكهان:</span>\nيجب على ولاة الأمر السعي في إزالة العرافين والكهان والسحرة والمشعوذين وأمثالهم من الرمالين والمنجمين، وذلك أن يقيموا من يردعهم ويتتبع أماكنهم للقضاء عليهم وينكر على من يأتي إليهم.\nقال ابن تيمية ﵀: \"والقيام في ذلك من أفضل الجهاد في سبيل الله\" (^٢).\nوقال شارح الطحاوية: \"الواجب على ولي الأمر وكل قادر أن يسعى في إزالة هؤلاء المنجمين والكهان والعرافين ... فهؤلاء يستحقون العقوبة البليغة التي تردعهم وأمثالهم عن الكذب والتلبيس وقد يكون في هؤلاء من يستحق القتل، كمن يدعي النبوة بمثل هذه الخزعبلات أو يطلب تغيير شيء من الشريعة ونحو ذلك\" (^٣).\nونقل الشيخ عبد الرحمن بن حسن عن القرطبي قوله: \"يجب على من يقدر على ذلك من محتسب وغيره أن يقيم من يتعاطى شيئا من ذلك في الأسواق، وينكر عليهم أشد النكير، وعلى من يجيء إليهم، ولا يغتر بصدقهم في بعض الأمور، ولا بكثرة من يجيء إليهم ممن ينسب إلى العلم فإنهم غير راسخين في العلم، بل هم من الجهال بما في إتيانهم من المحظور\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: كتاب أحكام الكهانة للمؤلف ص ٢١ - ٢٧.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٣٥/ ١٩٧.\n(^٣) شرح الطحاوية ص ٧٦٤ مؤسسة الرسالة.\n(^٤) فتح المجيد ص ٢٨٣.","vol":"3","page":102},{"text":"وقال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: \"فالواجب على ولاة الأمور وأهل الحسبة وغيرهم ممن لهم قدرة وسلطان إنكار إتيان الكهان والعرافين ونحوهم، ومنع من يتعاطى شيئًا من ذلك في الأسواق وغيرها، والإنكار عليهم أشد الإنكار\" (^١).\nوقال الشيخ صالح الفوزان: \"ويجب على ولاة الأمور استتابة هؤلاء فإن تابوا وإلا قتلوا لإراحة المسلمين من شرهم وفسادهم وتنفيذا لحكم الله فيهم\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-908>٢).\n\n٢٠٠ - العروة الوثقى</span>\nانظر: باب (لا إله إلا الله) في أول باب من الكتاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-909>٢٠١ - العزائم</span>\nانظر: باب (الرقى).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-910>٢٠٢ - العزى</span>\nالعزى صنم في الجاهلية اشتُق اسمه من العزيز وكانت العزى شجرة عليها بناء وأستار بنخلة وهي بين مكة والطائف وقيل ببطن نخلة، وكان سدنتها وحجابها بني شيبان من سليم حلفاء بني هاشم وبعث إليها رسول الله - ﷺ - خالدَ بن الوليد فهدمها وكانت قريش ومن أقام بها من العرب يعظمونها وقد مضى الكلام عليها في باب (صنم).\n_________\n(^١) فتاوى وتنبيهات ص ٩٥.\n(^٢) الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد ص ١٠٢. وللاستزادة حول هذا البحث انظر: باب الكهانة.","vol":"3","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-911>٢٠٣ - العَضْه</span>\nفسرها الرسول - ﷺ - بقوله: \"هي النميمة، القالة بين الناس\" (^١).\nقال ابن مسعود - ﵁ -: \"كنا نسمي السحر في الجاهلية العِضَه\" (^٢).\nقال ابن الأثير: \"ومنه الحديث: \"أنه لعن العاضِهة، والمسْتَعضِهة\" قيل: هي الساحرة والمستسحرة، وسمي السحر عضها لأنه كذب وتخييل لا حقيقة له\" (^٣).\nوقال القرطبي: \"العِضَهُ عند العرب: شدة البَهْت وتمويه الكذب، قال الشاعر:\nأعوذ بربِّي من النافثات ... ت في عِضَهِ العاضِه المُعضِه\" (^٤)\nوقد تقدم الكلام عنه في باب السحر.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٦٠٦).\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٢/ ٤٤.\n(^٣) النهاية لابن الأثير (ع ض هـ).\n(^٤) الجامع لأحكام القرآن ٢/ ٤٤.","vol":"3","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-912>٢٠٤ - العقيدة</span>*\nعلى وزن فعيلة، جمعها: فعائل كصحيفة وصحائف، مأخوذة من العقد وهو ربط الشيء. قال ابن منظور: \"العقد: نقيض الحل\" (^١) وأصل استعمالها من الاعتقاد.\nوقال البعلي ﵀: \"الاعتقاد من أفعال القلوب، وافتعال من عقد القلب على الشيء إذا لم يزل عنه وأصله العقد ربط الشيء بالشيء، فالاعتقاد ارتباط القلب بما انطوى عليه ولزمه\" (^٢).\nوالعقيدة: ما يدين به الإنسان، يقال: له عقيدة حسنة أي سالمة من الشك.\nوالعقيدة: إيمان القلب بالشيء وتصديقه به.\nوالعقيدة والمعتقد: \"الحكم الذي لا يقبل الشك فيه لدى معتقده\" (^٣).\nقال شيخ الإسلام ﵀: \"الاعتقاد هو: الإقرار بالتصديق والالتزام\" (^٤).\n* والعقيدة شرعًا: هي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقدر خيره وشره، وتسمى هذه أركان الإيمان.\nقال ابن تيمية ﵀: \"إذ الاعتقاد في أصول الدين للأمور الخبرية الثابتة التي لا تتجدد أحكامها مثل: أسماء الله وصفاته نفيًا وإثباتًا ليست مما يحدث سبب العلم\n_________\n* معجم المناهي اللفظية تحت موضوع (عقيدة). وانظر بحثًا حول هذه الكلمة للأستاذ عبد الصبور شاهين في مجلة مجمع اللغة العربية بمصر ٢٢/ ٦٨ - ٧٤ لعام ١٣٨٧ هـ. الآثار الواردة في سير أعلام النبلاء د: جمال بن أحمد ١/ ٢٦.\n(^١) لسان العرب ٣/ ٢٩٦.\n(^٢) المطلع ص ٤٠٨.\n(^٣) المعجم الوسيط ٢/ ٦١٤.\n(^٤) مجموع الفتاوى ٢٢/ ١٦.","vol":"3","page":105},{"text":"به، أو سبب وجوبه، بل العلم بها ووجوب ذلك مما يشترك فيه الأولون والآخرون، والأولون أحق بذلك من الآخرين، لقربهم من ينبوع الهدى ومشكاة النور الإلهي، فإن أحق الناس بالهدى هم الذين باشرهم الرسول بالخطاب من خواص أصحابه وعامتهم، وهذه العقائد الأصولية من أعظم الهدى، فهم بها أحق\" (^١).\nولفظة العقيدة تستعمل عند الإطلاق لتدل على ما يعقد عليه الإنسان قلبه من حق أو باطل. أما عند التقييد، فقد عرف بعض الباحثين المعاصرين العقيدة الإسلامية بقوله: الإيمان الجازم بالله، وما يجب له في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، والإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وبكل ما جاءت به النصوص الصحيحة من أصول الدين وأمور الغيب وأخباره، وما أجمع عليه السلف الصالح. والتسليم لله تعالى في الحكم والأمر والقدر والشرع، ولرسوله - ﷺ -، بالطاعة والتحكيم والاتباع (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-913> فائدة:\nالعقيدة: كلمة مولَّدة ظهرت بعد القرن الرابع وقد استعمل لفظة \"الاعتقاد</span>\" كثير من الأئمة كالطبري (^٣) واللالكائي (^٤) والبيهقي (^٥) وغيرهم.\nوكان الأئمة السابقون يستعملون ما يدل على هذه اللفظة: كالسنة (^٦)، والإيمان،\n_________\n(^١) التسعينية ١/ ٢٠٨.\n(^٢) مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة للدكتور ناصر بن عبد الكريم العقل ص ٩، ط دار الوطن، الرياض، الطبعة الأولى نقلا عن الآثار الواردة في سير أعلام النبلاء د: جمال بن أحمد ١/ ٢٧.\n(^٣) ت ٢١٠ هـ.\n(^٤) ت ٤١٨ هـ.\n(^٥) ت ٤٥٨ هـ.\n(^٦) ومن ذلك كتاب السنة للحافظ أبي بكر عمر بن أبي عاصم المتوفى سنة ٢٨٧ هـ.","vol":"3","page":106},{"text":"والشريعة. ومِن أوائل مَنْ استعمل لفظة العقيدة لكتابه هو الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي المتوفى سنة ٣٧١ هـ، والإمام أبو عثمان إسماعيل الصابوني المتوفى سنة ٤٤٩ هـ في كتابه عقيدة السلف وأصحاب الحديث (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-914>٢٠٥ - العكوف عند القبر والمجاورة عنده</span>\nانظر باب: \"الاعتكاف عِنْدَ القبور والمشاهد\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-915>٢٠٦ - العلم المنافي للجهل</span>\nمن شروط لا إله إلا الله.\nانظر باب: (لا إله إلا الله).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-916>٢٠٧ - عمل القلب</span>\nانظر: باب (أعمال القلوب).\n_________\n(^١) الآثار الواردة في سير أعلام النبلاء ١/ ٢٧.","vol":"3","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-917>٢٠٨ - العيافة</span>*\nقال في النهاية:\n\"العيافة: زجر الطير، والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرها\" (^١).\nوزجر الطير: أن يتيمّن أو يتشاءم بطيرانه فإن طار جهة اليمين تيمّن وإن طار إلى جهة اليسار تشاءم.\nقال ابن عثيمين ﵀: \"زجر الطير له أقسام:\n* فتارة يزجرها للصيد كما قال أهل العلم في باب الصيد: إن تعليم الطير بأن ينزجر إذا زجر، فهذا ليس من هذا الباب.\n* وتارة يزجر الطير للتشاؤم أو للتفاؤل ... وهذا من الجبت\" (^٢).\n* الدليل من السنة: عن قَطَن بْنِ قَبِيصَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: \"الْعِيَافَةُ وَالطِّيَرَةُ وَالطَّرْقُ مِنْ الْجبْتِ. الطَّرْقُ: الزَّجْر، وَالْعِيَافَةُ: الْخَطُّ\" (^٣).\nقال ابن الأثير في النهاية: \"العيافة زجر الطير ... وهو من عادة العرب كثيرًا، وهو كثير في أشعارهم، يقال عاف يعيف عيفًا إذا زجر وحدس وظن، وبنو أسد يُذْكَرون بالعيافة ويوصفون بها، قيل عنهم إن قومًا من الجن تذاكروا عيافتهم،\n_________\n* شرح السنة للبغوي ١٢/ ١٧٧.الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٧/ ٣. شرح مسائل الجاهلية للألوسي ص ١٥١. تيسير العزيز الحميد ص ٤٠٢. فتح المجيد ص ٣٢٦. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ١٩٥.القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ٣٠، ط ٢ - ٢/ ٣٧ ومن المجموع ٩/ ٥١٣.\nالدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٢/ ٣٢٨. شرح مسائل الجاهلية للسعيد ٢/ ٨٥٥. نواقض الإيمان القولية والعملية ص ٥٢٢.\n(^١) النهاية: (ع ي ف).\n(^٢) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٩/ ٥١٣ بتصرف. وانظر القول المفيد لابن عثيمين ٢/ ٣٠.\n(^٣) سنن أبي داود (٣٩٠٧) (٣٩٠٨)، وأحمد (١٦٠١٠) (٢٠٧٨٩) (٢٠٨٨٠).","vol":"3","page":108},{"text":"فأتوهم فقالوا: ضلت لنا ناقة فلو أرسلتم معنا من يعيف؟ فقالوا لغُلَيِّم منهم: انطلق معهم، فاستردفه أحدهم، ثم ساروا، فلقيهم عقاب كاسرة إحدى جناحيها، فاقشعر الغلام وبكى، فقالوا: ما لك؟ فقال: كسرت جناحًا، ورفعت جناحًا، وحلفت بالله صُرَاحًا، ما أنت بإنسي ولا تبغي لقاحًا\" (^١).\nقال القرطبي ﵀ بعد أن عرَّف العراف والمنجم: \"وقد يعتضد بعض أهل هذا الفن في ذلك بالزجر والطرق والنجوم وأسباب معتادة في ذلك، وهذا الفن هو العيافة، وكلها يطلق عليها اسم الكهانة\" (^٢).\nوقال ابن عثيمين ﵀: \"وجه كون العيافة من السحر: أن العيافة يستند فيها الإنسان إلى أمر لا حقيقة له، فماذا يعني كون الطائر يذهب يمينا أو شمالا أو أمامًا أو خلفا؟ فهذا لا أصل له، وليس بسبب شرعي ولا حسي، فإذا اعتمد الإنسان على ذلك، فقد اعتمد على أمر خفي لا حقيقة له، وهذا سحر كما سبق تعريف السحر في اللغة.\nوكذلك الطرق من السحر، لأنهم يستعملونه في السحر، ويتوصلون به إليه، والطيرة كذلك، لأنها مثل العيافة تماما تستند إلى أمر خفي لا يصح الاعتماد عليه وسيأتي في باب الطيرة ما يستثنى منه\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-918> فائدة:\nيطلق على من يصيب بظنِّه \"عائفًا\" ولا يدخل في النهي ومن ذلك قول ابن سيرين: \"إن شُريحًا كان عائفًا</span>\".\nقال ابن الأثير معلقًا على ذلك: \"أراد أنه كان صادق الحدس والظن كما يقال\n_________\n(^١) النهاية لابن الأثير (ع ي ف).\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٧/ ٣.\n(^٣) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٩/ ٥١٦، ٥١٧. وانظر: القول المفيد لابن عثيمين ٢/ ٣٣.","vol":"3","page":109},{"text":"للذي يصيب بظنه: ما هو إلا كاهن، وللبليغ في قوله: ما هو إلا ساحر، لا أنه كان يفعل فعل الجاهلية في العيافة\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-919> الفرق بين العيافة والتطير:</span>\nفي الحديث عطف الطيرة على العيافة، والعيافة خاصة بالطير فقط، أما الطيرة فتكون بالطير والوحش والزمان والمكان والأشخاص والأرقام، وتكون بالمسموعات والمعلومات والمرئيات.\n_________\n(^١) النهاية لابن الأثير (ع ي ف).","vol":"3","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-920>٢٠٩ - العيد</span>*\nقال الليث: \"العيد: كلُّ يومِ مَجمع؛ وسُميَ عيدا لأنهم قد اعتادوه ... واشتقاقه من عاد يعود كأنهم عادوا إليه\" (^١).\nوقال شيخُ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ: \"إن اعتياد قصد المكان المعين في وقت معين عائد بعود السنة أو الشهر أو الأسبوع هو بعينه معنى العيد\" (^٢).\nوفي فتاوى اللجنة: \"العيد اسم جنس يدخل فيه كل يوم يعود ويتكرر يعظمه الكفار أو مكان للكفار لهم فيه اجتماع ديني، وكل عمل يحدثونه في هذه الأمكنة والأزمنة فهو من أعيادهم، فليس النهي عن خصوص أعيادهم، بل كل ما يعظمونه من الأوقات والأمكنة التي لا أصل لها في دين الإسلام، وما يحدثونه فيها من الأعمال يدخل في ذلك وكذلك ما قبله وما بعده من الأيام التي هي كالحريم له\n_________\n* شَرحُ السُنَّةِ للبَغوي ١٢/ ٥١٣ - ٥٢٥. أحكام القرآن القرطبي ٦/ ٣٦٨. اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٤٢٥ - ٤٨٨. إغاثة اللهفان ١/ ١٩٠ الآداب الشرعية لابن مفلح ٣/ ٤١٥. شفاء الصدور ص ٦٠، ٦١. تيسير العزيز الحميد ص ٢٠٠ - ٣٥٢. فتح المجيد ص ١٧٧ - ٢٩١. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ١٠٥ - ١٧١. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ٤٥٧، ط ٢ - ١/ ٣٠٥، ٤٩١، ٥٨٠ ومن المجموع ٩/ ٤٤٤.الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٢/ ٢٥٩ - ٣/ ٥٩٥. فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٢٨٣. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٧/ ١٩٨، ٢٠٧. الأعياد وأثرها على المسلمين د. سليمان السحيمي، عيد الحب عبادة وثنية وعادة نصرانية. إعداد كلية الدعوة وأصول الدين، جامعة أم القرى بمكة المكرمة. الرسائل والمسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة الأحمدي ٢/ ٣٣٦. شرح مسائل الجاهلية ص ١٢٩. شرح مسائل الجاهلية للسعيد ٢/ ٦٤٨. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ص ٣٦. التبرك د: ناصر الجديع ص ٣٣٠.\n(^١) تهذيب اللغة للأزهري ٣/ ١٣١.\n(^٢) شفاء الصدور ص ٦١. وانظر: الاقتضاء ٢/ ٧٣١.","vol":"3","page":111},{"text":"كما نبه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (^١) ﵀\" (^٢).\nوقد تقدم تفصيل الكلام عن معنى العيد في باب اتخاذ القبور عيدًا. والكلام هنا يتعلق بالأعياد الزمانية كما يتعلق بمشابهة الكفار في أعيادهم وأثر ذلك في الولاء والبراء فمعلوم أن أعياد المسلمين هي عيد الفطر، وعيد الأضحى فهذان عيدا السنة أما عيد الأسبوع فيوم الجمعة ولا يشرع مشابهة الكفار في أعيادهم أو ابتداع أعياد أخرى للمسلمين غير ما شرعه الله لهم قال ابن رجب ﵀: \"وأصل هذا أنه لا يشرع أن يتخذ المسلمون عيدا إلا ما جاءت الشريعة باتخاذه عيدا وهو يوم الفطر ويوم الأضحى وأيام التشريق وهي أعياد، ويوم الجمعة وهو عيد الأسبوع وما عدا ذلك فاتخاذه عيدا وموسما بدعة لا أصل له في الشريعة\" (^٣).\n* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى في ذكر صفات عباد الله المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢)﴾ [الفرقان: ٧٢]. فقد فسرها جماعة من السلف كابن سيرين ومجاهد والربيع بن أنس - ﵁ -: بأن الزور هو أعياد الكفار (^٤).\n* الدليل من السنة: ثبت عَنْ أَنَس بن مالك - ﵁ - قَالَ قَدِمَ رَسُولُ الله - ﷺ - الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا فَقَالَ: \"مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟ \" قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"إِنَّ الله قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الأَضْحَى\n_________\n(^١) انظر: الاقتضاء ١/ ٥١٤.\n(^٢) فتاوى اللجنة الدائمة رقم البيان ٢١٠٤٩ في ١٢/ ٨/ ١٤٢٥ هـ برئاسة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ.\n(^٣) لطائف المعارف ١٢٣.\n(^٤) تفسير ابن كثير ٣/ ٣٢٨، ٣٢٩، وتفسير البغوي ٣/ ٢٧٨.","vol":"3","page":112},{"text":"وَيَوْمَ الْفِطْرِ\" (^١).\nوصح عن ثَابِتِ بْنُ الضَّحَّاكِ أنه قَالَ نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسولِ الله - ﷺ - أَنْ يَنْحَرَ إِبلًا بِبُوَانَةَ فَأَتى النَّبيَّ - ﷺ - فَقَالَ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أنحَرَ إِبلًا ببُوَانَةَ فقالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"هَلْ كَانَ فِيهَا وَثنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟ \" قَالُوا: لا. قَالَ: \"هَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ \" قَالُوا: لا. قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"أَوْفِ بِنَذْرِكَ، فَإِنَّهُ وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ الله وَلا فِيمَا لا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ\" (^٢).\n* قول السلف: وقال عمر بن الخطاب - ﵁ -: \"لا تعلموا رطانة الأعاجم، ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم فإن السخطة تنزل عليهم\" (^٣).\nوقال - ﵁ - أيضًا: \"اجتنبوا أعداء الله في عيدهم\" (^٤).\nوعن عبد الله بن عمرو - ﵄ - قال: \"من بنى ببلاد الأعاجم وصنع نيروزهم ومهرجانهم، وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة\" (^٥). وقد تقدم في باب التشبه بعض الأدلة في ذلك.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-921> أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-922>١ - سبب المنع من إقامة غير هذه الأعياد الشرعية حديث أنس السابق</span>.\nقال شيخ الإسلام بعد إيراد هذا الحديث: \"فوجه الدلالة أن العيدين الجاهليين لم يقرهما رسول الله - ﷺ - ولا تركهم يلعبون فيهما على العادة بل قال: \"إن الله قد أبدلكم بهما بيومين آخرين\" والإبدال من الشيء يقتضي ترك المبدل منه، إذ لا\n_________\n(^١) سنن أبي داود (١١٣٤)، ومسند الإمام أحمد (١٢٠٢٩، ١٢٨٥٨).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣٣١٣)، وابن ماجه (٢١٣١).\n(^٣) السنن الكبرى للبيهقي ٩/ ٢٣٤، مصنف عبد الرزاق ١/ ٤١١ (١٦٠٩).\n(^٤) السنن الكبرى للبيهقي ٩/ ٢٣٤.\n(^٥) السنن الكبرى للبيهقي ٩/ ٢٣٤.","vol":"3","page":113},{"text":"يجمع بين البدل والمبدل منه؛ ولهذا لا تستعمل هذه العبارة إلا فيما ترك اجتماعهما كقوله سبحانه: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠] (^١).\nومن الأسباب أيضًا أن إقامة أعياد أخرى والفرح بها يضعف الفرح والسرور بالأعياد الشرعية. قال ابن تيمية: \"ومن شأن الجسد إذا كان جائعًا فأخذ من طعام حاجته استغنى عن طعام آخر حتى لا يأكله إن أكل منه إلا بكراهة وتجشم وربما ضرَّه أكله أو لم ينتفع به ولم يكن هو المغذي له الذي يقيم بدنه، فالعبد إذا أخذ من غير الأعمال المشروعة بعض حاجته قلَّت رغبته في المشروع وانتفاعه به بقدر ما اعتاض من غيره، بخلاف من صرف نهمته وهمته إلى المشروع، فإنه تعظم محبته له ومنفعته به ويتم دينه ويكمل إسلامه. ولذا تجد من أكثر من سماع القصائد لطلب صلاح قلبه تنقص رغبته في سماع القرآن حتى ربما كرهه، ومن أكثر من السفر إلى زيارات المشاهد ونحوها لا يبقى لحج البيت الحرام في قلبه من المحبة والتعظيم ما يكون في قلب من وسعته السنة، ومن أدمن على أخذ الحكمة والآداب من كلام حكماء فارس والروم لا يبقى لحكمة الإسلام وآدابه في قلبه ذاك الموقع، ومن أدمن قصص الملوك وسيرهم لا يبقى لقصص الأنبياء وسيرهم في قلبه ذاك الاهتمام ونظير هذا كثير\" (^٢).\nوهناك أسباب كثيرة غير ما ذكرنا بسط الكلام عنها شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الاقتضاء واختصرها الشيخ ابن عثيمين في كتابه مختارات من اقتضاء الصراط المستقيم (^٣).\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٤٣٢ - ٤٣٤.\n(^٢) الاقتضاء ١/ ٤٨٣.\n(^٣) انظر مجموع فتاوى ابن عثيمين ٧/ ١٩٣ وما بعدها.","vol":"3","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-923>٢ - والأعيادٌ قسمان: زمانية ومكانية:</span>\nقال ابن القيم ﵀: \"والعيد ما يعتاد مجيئه وقصده: من مكان وزمان.\nفأما الزمان، فكقوله - ﷺ -: \"يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى: عيدنا أهل الإسلام\" (^١).\nوأما المكان، فكما روى أبو داود في سننه أن رجلًا قال: يا رسول الله، إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة، فقال: \"أبها وثن من أوثان المشركين، أو عيد من أعيادهم؟ \" قالا: لا. قال: \"فأوف بنذرك\" (^٢). وكقوله: لا تجعلوا قبري عيدًا\" (^٣) \" (^٤).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-924> والأعيادُ المكانية التي ينهى عنها لها صور منها:</span>\nاتخاذ القبور عيدًا. انظر هذه المسألة في باب: (اتخاذ القبور عيدًا).\nاتخاذ الآثار عيدًا. انظر هذه المسألة في باب: (تتبع آثار الصالحين المكانية).\nاتخاذ الأحجار والأشجار ونحوها أعيادًا. انظر هذه المسألة في باب: (التبرك).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-925> والأعيادُ الزمانية المبتدعة كثيرة وهي التي سأبينها في بقية بحثنا هذا، وهي قسمان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-926>القسم الأول: أعياد مبتدعة </span>ليس فيها تشبُّه كاتخاذ يوم عاشوراء عيدًا، ومولد النبي - ﷺ -، والإسراء والمعراج، والنصف من شعبان، هجرة النبي - ﷺ - إلى المدينة، وهذه الأعياد المبتدعة لا يجوز فعلها ولا إقرارها ولا إظهار الفرح بها ولا الإعانة\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢٤١٩)، وأحمد (١٧٥١٤)، والترمذي (٧٧٣) وقال الترمذي حديث حسن صحيح.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣٣١٣)، وابن ماجه (٢١٣١).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٢٠٤٢)، وأحمد (٨٧٩٠).\n(^٤) إغاثة اللهفان ١/ ١٩٠، ١٩١.","vol":"3","page":115},{"text":"عليها بشيء، وقد بيَّن ذلك أهل العلم وحذروا منها.\nقال الحافظ أبو شامة: \"قال أهل التعديل والتجريح: ليس في حديث ليلة النصف من شعبان حديث يصح، فتحفظوا عباد الله من مفترٍ يروي لكم حديثًا [موضوعًا] يسوقه في معرض الخير، فاستعمال الخير ينبغي أن يكون مشروعًا من الرسول - ﷺ -، فإذا صح أنه كذب خرج من المشروعية وكان مستعمله من خدم الشيطان، لاستعماله حديثًا على رسول - ﷺ - لم ينزل الله به من سلطان. ثم قال: ومما أحدثه المبتدعون، وخرجوا به عما وسمه المتشرعون، وجروا فيه على سنن المجوس، واتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا: الوقيد ليلة النصف من شعبان، ولم يصح فيها شيء عن رسول الله - ﷺ - ولا نطق بالصلاة فيها\" (^١).\nوقال الشيخ علي محفوظ في معرض كلامه عما يقع من الناس في يوم عاشوراء: \"فمن ذلك اعتبارهم له عيدًا كالأعياد المرسومة للمسلمين بالتوسعة واتخاذ الأطعمة الخاصة به: وهذا من تلبيس الشيطان على العامة، فقد ثبت أن يهود خيبر هم الذين اتخذوه عيدًا وكانت تصومه\" (^٢).\nوقال ﵀ أيضًا في المواسم التي نسبوها للشرع وليست منه: \"منها: ليلة الثاني عشر من ربيع الأول يجتمع لها الناس في المساجد وغيرها فيهتكون حرمة بيوت الله تعالى، وشرفون في الوقود فيها، ويرفع القرّاء أصواتهم بقصائد الغناء التي تثير شهوة الشبان إلى الفسق والفجور، فتراهم عند ذلك يصيحون بأصوات منكرة ويحدثون في المساجد ضجة فظيعة ... ومنها ليلة المعراج التي شرف الله تعالى هذه الأمة بما شرع لهم فيها، وقد تفنن أهل هذا الزمان بما يأتونه في هذه الليلة من المنكرات، وأحدثوا فيها من أنواع البدع ضروبًا كثيرة كالاجتماع في المساجد،\n_________\n(^١) الباعث على إنكار البدع والحوادث ص ٥٢.\n(^٢) الإبداع في مضار الابتداع ص ٢٦٩.","vol":"3","page":116},{"text":"وإيقاد الشموع والمصابيح فيها، وعلى المنارات مع الإسراف في ذلك\" (^١).\nوقال الشيخ ابن باز ﵀: \"فلو كانت ليلة النصف من شعبان أو ليلة أول جمعة من رجب، أو ليلة الإسراء والمعراج، يشرع تخصيصها باحتفال أو شيء من العبادة لأرشد النبي - ﷺ - الأمة إليه، أو فعله بنفسه، ولو وقع شيء من ذلك لنقله الصحابة ﵃ إلى الأمة، ولم يكتموه عنهم وهم خير الناس، وأنصح الناس بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ورضي الله عن أصحاب رسول الله - ﷺ - وأرضاهم، وقد عرفت آنفًا من كلام العلماء أنه لم يثبت عن رسول الله - ﷺ - ولا عن أصحابه ﵃ شيء في فضل ليلة أول جمعة من رجب، ولا في ليلة النصف من شعبان، فعلم أن الاحتفال بهما بدعة محدثة في الإسلام وهكذا تخصيصها بشيء من العبادة بدعة منكرة، وهكذا ليلة سبع وعشرين من رجب التي يعتقد بعض الناس أنها ليلة الإسراء والمعراج لا يجوز تخصيصها بشيء من العبادة كما لا يجوز الاحتفال بها للأدلة السابقة، هذا لو عُلمت فكيف والصحيح من أقوال العلماء أنها لا تعرف، وقول من قال أنها ليلة سبع وعشرون من رجب قولٌ باطل لا أساس له في الأحاديث الصحيحة\" (^٢).\nوقال الشيخ ابن عثيمين: \"أما إظهار الفرح في ليلة السابع والسابع والعشرون من رجب، أو ليلة النصف من شعبان، أو في يوم عاشوراء، فإنه لا أصل له وينهى عنه ولا يحضر الإنسان إذا دعي إليه لقول النبي - ﷺ -: \"إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة\"، فأما ليلة السابع والعشرين من رجب فإن الناس يدعون أنها ليلة المعراج التي عرج بالرسول - ﷺ - فيها إلى الله ﷿، وهذا لم يثبت من الناحية التاريخية، وكل شيء لم يثبت فهو باطل، والمبني على الباطل باطل، ثم على تقدير\n_________\n(^١) الإبداع ص ٢٧٢.\n(^٢) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة ١/ ١٩١.","vol":"3","page":117},{"text":"ثبوت أن ليلة المعراج ليلة السابع والعشرين من رجب، فإنه لا يجوز لنا أن نحدِث فيها شيئًا من شعائر الأعياد أو شيئًا من العبادات\" (^١).\nأما بدعة المولد فيجمل فيها الكلام الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ بقوله: \"وقد رددنا هذه المسألة - وهي الاحتفال بالموالد - إلى كتاب الله سبحانه فوجدناه يأمرنا باتباع الرسول - ﷺ - فيما جاء به ويحذرنا عما نهى عنه، ويخبرنا بأن الله سبحانه قد أكمل لهذه الأمة دينها، وليس هذا الاحتفال مما جاء به الرسول - ﷺ - فيكون ليس من الدين الذي أكمله الله لنا وأمرنا باتباع الرسول فيه، وقد رددنا ذلك أيضًا على سنة الرسول - ﷺ - فلم نجد فيها أنه فعله ولا أمر به ولا فعله أصحابه ﵃، فعلمنا بذلك أنه ليس من الدين بل هو من البدع المحدثة، ومن التشبه بأهل الكتاب من اليهود والنصارى في أعيادهم، وبذلك يتضح لكل من له أدني بصيرة ورغبة في الحق، وإنصاف في طلبه أن الاحتفال بالموالد ليس من دين الإسلام بل هو من البدع المحدثات، التي أمر الله سبحانه ورسوله - ﷺ - بتركها والحذر منها، ولا ينبغي للعاقل أن يغتر بكثرة من يفعله من الناس في سائر الأقطار، فإن الحق لا يُعرف بكثرة الفاعلين، وإنما يعرف بالأدلة الشرعية كما قال تعالى عن اليهود والنصارى ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)﴾ [البقرة: ١١١]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [الأنعام:١١٦]، ثم إن غالب هذه الاحتفالات بالموالد - مع كونها بدعة - لا تخلو من اشتمالها على منكرات أخرى كاختلاط النساء بالرجال، واستعمال الأغاني والمعازف، وشرب المسكرات والمخدرات، وغير ذلك من الشرور، وقد يقع فيها ما هو أعظم من\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٦/ ١٩٣.","vol":"3","page":118},{"text":"ذلك وهو الشرك الأكبر وذلك بالغلو في رسول الله - ﷺ - أو غيره من الأولياء ودعائه والاستعاثة به وطلبه المدد، واعتقاد أنه يعلم الغيب، ونحو ذلك من الأمور الكفرية التي يتعاطاها الكثير من الناس حين احتفالهم بمولد النبي - ﷺ - وغيره ممن يسمونهم بالأولياء\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-927>القسم الثاني: ما فيه تشبه بالكفرة في جعله عيدًا</span>.\nجاء فتاوى اللجنة الدائمة: \"إن الأعياد في الإسلام اثنان فقط هما: عيد الفطر، وعيد الأضحى، وما عداهما من الأعياد سواءً كانت متعلقة بشخص أو جماعة أو حدث أو أي معنى من المعاني فهي أعياد مبتدعة، لا يجوز لأهل الإسلام فعلها ولا إقرارها، ولا إظهار الفرح بها، ولا الإعانة عليها بشيء؛ لأذلك من تعدي حدود الله ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق:١]، وإذا انضاف إلى العيد المخترع كونه من أعياد الكفار فهذا إثم إلى إثم؛ لأن في ذلك تشبهًا بهم، ونوع موالاةٍ لهم ... \" (^٢).\nويدخل في هذا القسم أعياد الكفار من يهود ونصارى ومجوس وهندوس وغيرها من الديانات كعيد السبت وعيد رأس السنة، وعيد الفصح وعيد الغفران، واليوبيل بأنواعه الذهبي والفضي والماسي (^٣)، وعيد الحب، وعيد الخميس، وعيد الأحد، وعيد ميلاد المسيح، وعيد الشعانين، وعيد الأم وعيد الميلاد وعيد النيروز، وعيد المهرجان، وهذان الأخيران قيل: إنهما اليومان اللذان كانت\n_________\n(^١) التحذير من البدع للشيخ ابن باز، ص ٥، ومجموع فتاوى ومقالات متنوعة ١/ ١٨٣.\n(^٢) فتوى اللجنة الدائمة رقم (١٢٠٣) وتاريخ ٢٣/ ١١/ ١٤٢٠ هـ برئاسة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ.\n(^٣) يقصد باليوبيل الفضي الاحتفال بمرور خمس وعشرين سنة، وبعد مرور خمسين سنة يسمى العيد الذهبي، وبعد مرور خمس وسبعين سنة يسمى العيد الماسي ... وهكذا.","vol":"3","page":119},{"text":"الجاهلية تلعب فيهما فأبدلهم الله بهما بالأضحى والفطر (^١).\nوقد سبق بيان أحكام التشبه بالكفار عمومًا وأدلة ذلك من الكتاب والسنة وأقوال العلماء (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-928>٣ - صور للاحتفال بهذه الأعياد:</span>\n١ - حضور أعياد المشركين ومشاركتهم في احتفالاتهم بها.\n٢ - نقل احتفالاتهم إلى بلاد المسلمين.\n٣ - موافقتهم في أفعالهم الخاصة بأعيادهم.\nقال ابن التركماني في اللمع: \"وقال بعض أصحاب مالك: من كسر يوم النيروز بطيخة فكأنما ذبح خنزيرًا\" (^٣).\n٤ - إهداؤهم وإعانتهم على عيدهم ببيع أو شراء أو نحوه.\n٥ - إعانة المسلم المتشبه بهم في عيدهم على تشبهه.\n٦ - تهنئتهم بالعيد.\n٧ - استعمال تسمياتهم ومصطلحاتهم التعبدية.\nوقد كره علي - ﵁ - أن يقول: (نيروزًا) وسماه (فيروزًا) (^٤).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وأما علي - ﵁ - فكره موافقتهم في اسم يوم العيد الذي ينفردون به فكيف بموافقتهم في العمل؟! \" (^٥).\nوفيما يلي أذكر أقوال العلماء ﵏ في تبيين هذه الصور وتوضيحها:\n_________\n(^١) انظر: الفتح الرباني ٦/ ١١٩، عون المعبود ٣/ ٤٨٥، وكتاب عيد اليوبيل لبكر أبو زيد ٢٠، ٢٥، ٥٧.\n(^٢) انظر في ذلك: كتاب عيد الحب، إعداد كلية الدعوة بجامعة أم القرى ص ٢٢ - ٢٨.\n(^٣) اللمع في الحوادث والبدعة ١/ ٢٩٤.\n(^٤) السنن الكبرى للبيهقي ٩/ ٢٣٥.\n(^٥) الاقتضاء ١/ ٤٥٩.","vol":"3","page":120},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"لا يحل للمسلمين أن يتشبهوا بهم في شيء مما يختص بأعيادهم لا من طعام ولا لباس ولا اغتسال ولا إيقاد نيران ولا تبطيل عادة من معيشة أو عبادة أو غير ذلك، ولا يحل فعل وليمة ولا الإهدء ولا البيع بما يستعان به على ذلك لأجل ذلك، ولا تمكين الصبيان ونحوهم من اللعب الذي في الأعياد ولا إظهار زينة، وبالجملة ليس لهم أن يخصوا عيدهم بشيء من شعائرهم، بل يكون يوم عيدهم عند المسلمين كسائر الأيام لا يخصه المسلمون بشيء من خصائصهم، وأما إذا أصابه المسلمون، قصدا فقد كره ذلك طوائف من السلف والخلف وأما تخصيصه بما تقدم ذكره فلا نزاع فيه بين العلماء، بل قد ذهب طائفة من العلماء إلى كفر من يفعل هذه الأمور لما فيها تعظيم شعائر الكفر، وقال طائفة منهم: من ذبح نطيحة يوم عيدهم فكأنما ذبح خنزيرًا\" (^١).\nوقال ﵀: \"إن الأعياد من جملة الشرع والمناهج والمناسك التي قال الله سبحانه: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ [الحج:٦٧]، كالقبلة والصلاة والصيام، فلا فرق بين مشاركتهم في العيد، وبين مشاركتهم في سائر المناهج، فإن الموافقة في جميع العيد موافقة في الكفر، والموافقة في بعض فروعه موافقة في بعض شعب الكفر، بل الأعياد هي من أخص ما تتميز به الشرائع، ومن أظهر ما لها من الشعائر، فالموافقة فيها موافقة في أخص شرائع الكفر، وأظهر شعائره، ولا ريب أن الموافقة في هذا قد تنتهي إلى الكفر في الجملة بشروطه، أما مبدؤها فأقل أحواله أن يكون معصية\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"إنه إذا سوغ فعل القليل من ذلك أدى إلى فعل الكثير، ثم إذا اشتهر الشيء دخل فيه عوام الناس، وتناسوا أصله حتى يصير عادة للناس، بل عيدًا، حتى يضاهى بعيد الله، بل قد يزاد عليه حتى يكاد أن يفضى إلى موت الإسلام\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢٥/ ٣٢٩، ٣٣٠. وانظر للاستزادة الاقتضاء ٢/ ٥٧٨.\n(^٢) اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٤٧١، ٤٧٢.","vol":"3","page":121},{"text":"وحياة الكفر، كما قد سوله الشيطان لكثير ممن يدعي الإسلام، فيما يفعلونه في أواخر صوم النصارى، من الهدايا والأفراح، والنفقات وكسوة الأولاد، وغير ذلك مما يصير به مثل عيد المسلمين\" (^١).\nوقال - رحمه الله تعالى -: \"إذا كان الذبح بمكان كان فيه عيدهم معصية فكيف بمشاركتهم في نفس العيد ... وقد كره جمهور الأئمة إما كراهة تحريم أو كراهة تنزيه أكل ما ذبحوه لأعيادهم وقرابينهم إدخالًا له فيما أُهلَّ به لغير الله وما ذبح على النصب، وكذلك نهوا عن معاونتهم على أعيادهم بإهداء أو مبايعة وقالوا إنه لا يحل للمسلمين أن يبيعوا للنصارى شيئًا من مصلحة عيدهم لا لحمًا ولا دمًا ولا ثوبًا، ولا يعارون دابة ولا يعاونون على شيء من دينهم، لأن ذلك من تعظيم شركهم وعونهم على كفرهم، وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين عن ذلك؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢]، ثم إن المسلم لا يحل له أن يعينهم على شرب الخمور بعصرها أو نحو ذلك، فكيف على ما هو من شعائر الكفر؟، وإذا كان لا يحل له أن يعينهم هو فكيف إذا كان هو الفاعل لذلك والله أعلم\" (^٢).\nوقال أبو الحسن الآمدي: \"لا يجوز شهود أعياد النصارى واليهود، نص عليه أحمد في رواية مهنا، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] قال: الشعانين وأعيادهم\" (^٣).\nوقال ابن القيم ﵀: \"فصل: حكم حضور أعياد أهل الكتاب، وكما أنهم لا يجوز لهم إظهاره فلا يجوز للمسلمين ممالاتهم عليه ولا مساعدتهم ولا الحضور\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٤٧٣، ٤٧٤.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٢٥/ ٣٣٢.\n(^٣) أحكام أهل الذمة ٢/ ٧٢١، ٧٢٤ وانظر للاستزادة مسائل الإمام أحمد في العقيدة ٢/ ٣٣٧.","vol":"3","page":122},{"text":"معهم باتفاق أهل العلم الذين هم أهله، وقد صرح به الفقهاء من أتباع الأئمة الأربعة في كتبهم، فقال أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري الفقه الشافعي: ولا يجوز للمسلمين أن يحضروا أعيادهم؛ لأنهم على منكر وزور، وإذا خالط أهل المعروف أهل المنكر بغير الإنكار عليهم كانوا كالراضين به المؤثرين له، فنخشى من نزول سخط الله على جماعتهم فيعم الجميع نعوذ بالله من سخطه، ثم ساق من طريق ابن أبي حاتم حدثنا الأشج ثنا عبد الله بن أبي بكر عن العلاء بن المسيب عن عمرو بن مرة: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قال: لا يمالئون أهل الشرك على شركهم ولا يخالطونهم ونحوه عن الضحاك ... \" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-929>٤ - ومن فتاوى اللجنة نعرض بعض ما بينوه في حكم لاحتفال بحلول عام ٢٠٠٠ م (الإفرنجي) وما يتعلق به من أمور:</span>\nفأجابت بما يلي: \"لا تخلو هذه المناسبة وأشباهها من لبس الحق بالباطل، والدعوة إلى الكفر والضلال، والإباحية والإلحاد، وظهور ما هو منكر شرعا ومن ذلك:\n- الدعوة إلى وحدة الأديان، وتسوية الإسلام بغيره من الملل والنحل الباطلة، والتبرك بالصليب، وإظهار شعائر الكفر النصرانية واليهودية ونحو ذلك من الأفعال والأقوال التي تتضمن: إما كون الشريعة النصرانية واليهودية المبدلتين المنسوختين موصولة إلى الله وإما استحسان بعض ما فيها مما يخالف دين الإسلام أو غير ذلك مما هو كفر بالله وبرسوله وبالإسلام بإجماع الأمة، هذا فضلًا عن كونه وسيلة من وسائل تغريب المسلمين عن دينهم، وقد استفاضت الأدلة من الكتاب والسنة الصحيحة والآثار في النهي عن مشابهة الكفار فيما هو من خصائصهم ومن ذلك مشابهتهم في أعيادهم واحتفالاتهم بها ... وينهى أيضا عن\n_________\n(^١) أحكام أهل الذمة ٢/ ٧٢٢.","vol":"3","page":123},{"text":"أعياد الكفار لاعتبارات كثيرة منها:\n- أن مشابهتهم في بعض أعيادهم يوجب سرور قلوبهم وانشرح صدورهم بما هم عليه من الباطل.\n- والمشابهة والمشاكلة في الأمور الظاهرة توجب مشابهة ومشاكلة في الأمور الباطنة من العقائد الفاسدة على وجه المسارقة والتدرج الخفي.\n- ومن أعظم المفاسد أيضا الحاصلة من ذلك: أن مشابهة الكفار في الظاهر تورث نوع مودة ومحبة وموالاة في الباطن، والمحبة والموالاة لهم تنافي الإيمان كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾ [المائدة: ٥١]. وقال سبحانه: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾ [المجادلة: ٢٢].\nبناءً على ما تقدم فلا يجوز لمسلم يؤمن بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد - ﷺ - نبيًا ورسولًا أن يقيم احتفالات لأعياد لا أصل لها في دين الإسلام ومنها الألفية المزعومة، ولا يجوز أيضا حضورها ولا المشاركة فيها ولا الإعانة عليها بأي شيء كان، لأنها إثم ومجاوزة لحدود الله والله تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ","vol":"3","page":124},{"text":"وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].\nولا يجوز لمسلم التعاون مع الكفار بأي وجه من وجوه التعاون في أعيادهم ومن ذلك: إشهار أعيادهم وإعلانها، ومنها الألفية المذكورة ولا الدعوة إليها بأية وسيلة سواء كانت الدعوة عن طريق وسائل الإعلام، أو نصب الساعات واللوحات الرقمية، أو صناعة الملابس والأغراض التذكارية، أو طبع البطاقات أو الكراسات المدرسية، أو عمل التخفيضات التجارية والجوائز المادية من أجلها أو الأنشطة الرياضية أو نشر شعار خاص بها.\nولا يجوز لمسلم اعتبار أعياد الكفار ومنها الألفية المذكورة ونحوها مناسبات سعيدة وأوقات مباركة فتعطل فيها الأعمال وتجري فيها عقود الزواج أو ابتداء الأعمال التجارية أو افتتاح المشاريع وغيرها، ولا يجوز أن يعتقد في هذه الأيام ميزة على غيرها، لأن هذه الأيام كغيرها من الأيام؛ ولأن هذا من الاعتقاد الفاسد الذي لا يغير من حقيقتها شيئا، بل إن هذا الاعتقاد فيها هو إثم على إثم، نسأل الله العافية والسلامة\" (^١).\nثم بيَّنت أخيرًا أنه \"شرف للمسلمين التزامهم بتاريخ هجر نبيهم محمد - ﷺ الذي أجمع الصحابة - ﵄ - وأرّخوا به بدون احتفال وتوارثه المسلمون من بعدهم منذ أربعة عشر قرنا إلى يومنا هذا. لذا فلا يجوز لمسلم التولي عن التاريخ الهجري والأخذ بغيره من تواريخ أمم الأرض كالتاريخ الميلادي فإنه استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير هذا ونوصي جميع إخواننا المسلمين بتقوا الله حق التقوى وبالعمل بطاعته والبعد عن معاصيه، والتواصي بذلك والصبر عليه اهـ\" (^٢).\n_________\n(^١) فتاوى اللجنة الدائمة رقم البيان ٢١٠٤٩ في ١٢/ ٨/ ١٤٢٠ هـ برئاسة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ.\n(^٢) بتصرف رقم البيان ٢١٠٤٩ في ١٢/ ٨/ ١٤٢٠ هـ برئاسة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ.","vol":"3","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-930>٥ - حكم عيد الميلاد وعيد الأم:</span>\nسئل الشيخ ابن عثيمين عن عيد الميلاد للطفل هل يعتبر تشبهًا بالغربيين الكفار، أم أنه ترويح عن النفس وإدخال السرور في قلب الطفل وأهله؟\nفأجاب ﵀ بقوله: \"الاحتفال بميلاد الطفل لا يخلو من حالين:\nفإما أن يكون عبادة، وإما أن يكون عادة، فإن كان عبادة فهو من البدع في دين الله، وقد ثبت عن النبي - ﷺ - التحذير من البدع، وأنها من الضلال، قال - ﷺ -: \"إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار\".\nوإما أن يكون من العادة، وإذا كان من العادة ففيه محذوران:\nأحدهما: اعتبار ما ليس بعيدٍ عيدًا، وهذا من التقدم بين يدي الله ورسوله - ﷺ -، حيث أثبتنا عيدًا في الإسلام لم يجعله الله ورسوله عيدًا، ولما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة وجد للأنصار يومين يلعبون فيهما ويعتبرونهما عيدًا، فقال - ﷺ -: \"إن الله أبدلكم بخير منهما: عيد الفطر وعيد الأضحى\".\nوأما المحذور الثاني: فإن فيه تشبهًا بأعداء الله، فإن هذه العادة ليست من عادات المسلمين، وإنما ورثت من غيرهم، وقد ثبت عنه - ﷺ - أن من تشبه بقوم فهو منهم، ثم إن كرة السنين للمرء ليست محمودة إلا في مرضاة الله ﷿ وطاعته، فخير الناس من طال عمره وحسن عمله، وشر الناس من طال عمره وساء عمله\"\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-931> وسئل الشيخ ابن عثيمين أيضًا عن حكم الاحتفال بما يسمى عيد الأم</span>؟\nفأجاب قائلًا: \"إن كل الأعياد التي تخالف الأعياد الشرعية كلها أعياد بدع حادثة لم تكن معروفة في عهد السلف الصالح وربما يكون منشؤها من غير المسلمين أيضا، فيكون فيها مع البدعة مشابهة أعداء الله ﷾، والأعياد الشرعية\n_________\n(^١) فتاوى منار الإسلام ١/ ٤٤ - ٤٥.","vol":"3","page":126},{"text":"معروفة عند الإسلام؛ وهي عيد الفطر، وعيد الأضحى، وعيد الأسبوع يوم الجمعة وليس في الإسلام أعياد سوى هذه الأعياد الثلاثة، كل أعياد أحدثت سوى ذلك فإنها مردودة على محدثيها وباطلة في شريعة الله ﷾ لقول النبي - ﷺ -: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\" أي مردود عليه غير مقبول عند الله وفي لفظ: \"من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد\". وإذا تبين ذلك فإنه لا يجوز في العيد الذي ذكر في السؤال والمسمى عيد الأم، لا يجوز فيه إحداث شيء من شعائر العيد، كإظهار الفرح والسرور، وتقديم الهدايا وما أشبه ذلك، والواجب على المسلم أن يعتز بدينه ويفتخر به وأن يقتصر على ما حده الله تعالى ورسوله - ﷺ - في هذا الدين القيم الذي ارتضاه الله تعالى لعباد فلا يزيد فيه ولا ينقص منه، والذي ينبغي للمسلم أيضًا ألا يكون إمّعة يتبع كل ناعق بل ينبغي أن يكون شخصيته بمقتضى شريعة الله تعالى حتى يكون متبوعا لا تابعا، وحتى يكون أسوة لا متأسيا، لأن شريعة الله تعالى والحمد لله كاملة من جميع الوجوه كما قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] والأم أحق من أن يحتفى بها يوما واحدا في السنة، بل الأم لها الحق على أولادها أن يرعوها، وأن يعتنوا بها، وأن يقوموا بطاعتها في غير معصية الله ﷿ في كل زمان ومكان\" (^١).\nوفي فتاوى اللجنة التي يرئسها الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ نصه: \"لا تجوز إقامة الحفلات وتوزيع الهدايا وغيرها بمناسبة مرور سنين على ولادة الشخص أو فتح محل من المحلات أو مدرسة من المدارس أو أي مشروع؛ لأن هذا من إحداث الأعياد البدعية في الإسلام، ولأن فيه تشبهًا بالكفار في عمل مثل هذه\n_________\n(^١) مجموع فتاوى لابن عثيمين ٢/ ٣٠١، ٣٠٢، ١٦/ ١٩٥ - ١٩٦.","vol":"3","page":127},{"text":"الأشياء، فالواجب ترك ذلك والتحذير منه\" (^١).\n* وسئل ابن عثيمين ﵀ عن حكم إقامة الأسابيع كأسبوع المساجد وأسبوع الشجرة؟.\nفأجاب بقوله: \"هذه الأسابيع لا أعلم لها أصلًا من الشرع وإذا اتخذت على سبيل التعبد وخصصت بأيام معلومة تصير كالأعياد، فإنها تلتحق بالبدعة؛ لأن كل شيء يتعبد به الإنسان لله ﷿ وهو غير وارد في كتاب الله ولا في سنة رسوله - ﷺ - فإنه من البدع، لكن الذين نظموها يقولون إن المقصود بذلك هو تنشيط الناس على هذه الأعمال التي جعلوا لها هذه الأسابيع وتذكيرهم بأهميتها، ويجب أن ينظر في هذا الأمر، وهل هذا مسوغ لهذه الأسابيع أو ليس بمسوغ؟ \" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-932>٦ - وسئل ﵀ عن حكم الاحتفال عند تخريج دفعة من حفظة كتاب الله؟ وهل ذلك من اتخاذ الأعياد</span>؟\nفأجاب ﵀ بقوله: \"لا بأس بذلك، ولا تدخل في اتخاذها عيدًا؛ لأنها لا تتكرر بالنسبة لهؤلاء الذين احتُفِل بهم، ولأن لها مناسبة حاضرة\" (^٣).\nوسئل ﵀ عن رجل يوجد عنده مؤسسة وسيمر عليه فترة من الزمن بعد أيام سيحتفل بها لإظهار الأعمال التي قام بها، فما توجيه فضيلتكم له في ذلك، هل يفعل أم لا؟ ولماذا؟ وما حكم تهنئته بذلك؟.\nفأجاب فضيلته بقوله: \"أرى أن لا يفعل؛ لأني أخشى أن يتخذ ذلك عيدًا، كلما حال الحول أقام احتفالًا، ولم يجعل الله لهذه الأمة عيدًا يحتفل فيه إلا الفطر، والأضحى، والجمعة عيد الأسبوع، ولها خصائصها، لكن العيدان الأضحى\n_________\n(^١) فتاوى اللجنة رقم ٧٧٧٩ بتاريخ ٢٠/ ٣/ ١٤١٦ هـ.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٢/ ٣٠٠، ١٦/ ١٩٥.\n(^٣) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٦/ ١٩١.","vol":"3","page":128},{"text":"والفطر يجوز فيهما اللعب والدف ما لا يجوز في غيرهما، فهذه الأعياد الثلاثة الإسلامية، ولا ينبغي للإنسان أن يتخذ عيدًا سواها، ولكنه لا بأس أن الإنسان إذا تم الحول على تجارته وهي مستقيمة، أن يشكر الله تعالى ويحمده عليها، بل هذا من الأمور المطلوبة، أما اتخاذ احتفال، أو عيد، أو عزائم فلا\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-933>٧ - حكم التهنئة بأعياد الكفار:</span>\nقال الإمام ابن القيم ﵀: \"وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم فيقول: عيد مبارك عليك، أو تهنأ بهذا العيد ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثمًا عند الله وأشد مقتًا من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحوه. وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك ولا يدري قبح ما فعل، فمن هنّأ عبدا بمعصية أو بدعة أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه\" (^٢).\nوقد ورد في فتاوى اللجنة الدائمة أنه: \"لا يجوز لمسلم التهنئة بأعياد الكفار، لأن ذلك نوع رضى بما هم عليه من الباطل وإدخال للسرور عليهم\" (^٣).\nوقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"تهنئة الكفار بعيد الكريسمس أو غيره من أعيادهم الدينية حرام بالاتفاق، كما نقل ذلك ابن القيم - ﵀ - .. وإنما كانت تهنئة الكفار بإعيادهم الدينية حرامًا، وبهذا المثابة التي ذكرها ابن القيم لأن فيها إقرارًا لما هم عليه من شعائر الكفر، ورضى به لهم، وإن كان هو لا يرضى بهذا الكفر نفسه، لكن يحرم\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٦/ ١٩٨.\n(^٢) أحكام أهل الذمة.\n(^٣) فتاوى اللجنة الدائمة رقم البيان ٢١٠٤٩ في ١٢/ ٨/ ١٤٢٠ هـ برئاسة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ.","vol":"3","page":129},{"text":"على المسلم أن يرضى بشعائر الكفر أو يهنيء بها غيره لأن الله تعالى لا يرضى بذلك كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر:٧]، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة:٢] وتهنئتهم بذلك حرام سواء كانوا مشاركين للشخص في العمل أم لا .. وإجابة المسلم دعوتهم بهذه المناسبة حرام؛ لأن هذا أعظم من تهنئتهم بها لما في ذلك من مشاركتهم فيها\" (^١).\nوقال ابن القيم ﵀ بعد أن ذكر أقوال الإمام أحمد في حكم عيادة أهل الكتاب: \"فهذه ثلاث روايات منصوصات عن أحمد: المنع، والإذن، والتفصيل. فإن أمكنه أن يدعوه إلى الإسلام ويرجو ذلك منه عاده\" (^٢).\nوذكر دليلًا على ذلك عيادة النبي - ﷺ - للغلام اليهودي الذي كان يخدمه ومجيئه - ﵊ - لعمِّه أبي طالب لما حضرته الوفاة ودعوته إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وعيادته لعبد الله بن أبيّ بن سلول رأس المنافقين، ثم عقد ﵀ فصلًا في تهنئتهم بزوجة أو ولد أو قدوم غائب أو عافية أو سلامة من مكروه ونحو ذلك، فقال: \"وقد اختلفت الرواية في ذلك عن أحمد، فأباحها مرة ومنعها أخرى، والكلام فيها كالكلام في التعزية والعيادة ولا فرق بينهما، ولكن ليحذر الوقوع فيما يقع فيه الجهال من الألفاظ التي تدل على رضاه بدينه كما يقول أحدهم: متَّعك الله بدينك أو نيّحك فيه، أو يقول له: أعزَّك الله وأكرمك ... \" (^٣).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٣/ ٤٥، ٤٦.\n(^٢) أحكام أهل الذمة ١/ ٢٠١.\n(^٣) أحكام أهل الذمة ١/ ٢٠٥.","vol":"3","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-934>٢١٠ - الغرباء </span>*\n<span data-type=\"title\" id=toc-935>[أهل السنة والجماعة]</span>\nقال الرازي: \"الغربة الاغتراب تقول: تغرب واغترب بمعنى فهو غريب ... والجمع الغرباء والغرباء أيضا الأباعد\" (^١).\nجاء وصف الغرباء في حديث عَبْد الله بْن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ - ذَاتَ يَوْمٍ وَنَحْنُ عِنْدَهُ: \"طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ\" فَقِيلَ: مَنْ الْغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ الله قَالَ: \"أَناسٌ صَالِحُونَ فِي أَنَاسِ سُوءٍ كَثِيرٍ، مَنْ يَعْصِيِهمْ أَكْثر مِمَّنْ يُطِيعُهُمْ\" (^٢).\nقال ابن الأثير: \"كان في أول أمره - يعني الإسلام - كالغريب الوحيد الذي لا أهل له عنده، لقلة المسلمين يومئذ، وسيعود غريبا كما كان: أي يقِلُّ المسلمون في آخر الزمان فيصيروا كالغرباء\" (^٣).\nفالغرباء هم أهل الأثر المستمسكون بالسنة يوم ينفض الناس عنها وهم المصلحون وهم الموحدون وهم أهل السنة والجماعة.\n* الدليل من الكتاب: قول الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦)﴾ [هود: ١١٦].\n_________\n* الغرباء للآجري. كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة. مدارج السالكين ٣/ ١٩٨. الدرر السنية ١/ ٤٩٢، ٨/ ٢٣٠، ٢٣٣، ٩/ ٤٤٠، ١٠/ ٥. نور على الدرب لابن باز ١٦. الآثار الواردة في سير أعلام النبلاء د: جمال بن أحمد ١/ ١٤٥.\n(^١) مختار الصحاح (غ ر ب).\n(^٢) المسند (٦٦٥٠).\n(^٣) النهاية لابن الأثير (غ ر ب).","vol":"3","page":131},{"text":"* الدليل من السنة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ\" (^١).\nوفي رواية: قيل: يا رسول الله، ومن الغرباء؟ قال: \"الذين يصلحون إذا فسد الناس\" (^٢). وفي رواية: \"قيل من الغرباء قال: النزّاع من القبائل\" (^٣). ورواه أحمد من حديث سعد بن أبي وقّاص وفيه: \"فطوبى يومئذ للغرباء إذا فسد الناس\" (^٤).\nوللترمذي من حديث كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده: أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: \"إِنَّ الدِّينَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْحِجَازِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا، وَلَيَعْقِلَنَّ الدِّينُ مِنْ الْحِجَازِ مَعْقِلَ الأُرْوِيَّةِ مِنْ رَأْسِ الْجَبَلِ، إِنَّ الدِّينَ بَدَأَ غَرِيبًا وَيَرْجِعُ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ، الَّذِينَ يُصلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِي مِنْ سُنَّتِي\" (^٥).\nقال ابن الأثير: \"\"فطوبى للغرباء\" أي: الجنة لأولئك المسلمين الذين كانوا في أول الإسلام ويكونون في آخره، وإنما خصَّهم بها لصبرهم على أذى الكفار أولًا وآخرًا، ولزومهم دين الإسلام\" (^٦).\nوقال الذهبي: \"قال حزم بن أبي حزم: مر بنا يونس بن عبيد على حمار ونحن قعود، على باب ابن لاحق. فوقف. فقال: أصبح من إذا عرف السنة عرفها غريبا، وأغرب منه الذي يُعَرِّفُها\" (^٧).\n_________\n(^١) صحيح مسلم (١٤٥) (١٤٦) وأحمد (١٦٨١٠).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد (١٦٨١٠) والآجري في الغرباء ص ١٦.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد (٣٧٨٣) وابن ماجه (٣٩٨٨).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد (١٦٠٤).\n(^٥) قال الترمذي حديث حسن صحيح (٢٦٣٠).\n(^٦) النهاية (غ ر ب).\n(^٧) سير أعلام النبلاء ٢/ ٢٩٢. وأخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ٣/ ٢١.","vol":"3","page":132},{"text":"وقال أيضًا: \"قال ابن المبارك، عن سفيان: استوصوا بأهل السنة خيرا، فإنهم غرباء\" (^١).\nوقال الآجري - ﵀ - في تفسير قوله - ﷺ -: \"وسيعود غريبًا\" معناه الله أعلم أن الأهواء المضلة تكثر فيضل بها كثير من الناس ويبقى أهل الحق الذين هم على شريعة الإسلام غرباء في الناس (^٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \"وقوله - ﷺ - \"ثم يعود غريبا كما بدأ\" يحتمل شيئين:\nأحدهما: أنه في أمكنة وأزمنة يعود غريبًا بينهم ثم يظهر، كما كان في أول الأمر غريبًا ثم ظهر، ولهذا قال: \"سيعود غريبًا كما بدأ\" وهو لما بدأ كان غريبًا لا يعرف ثم ظهر وعرف، فكذلك يعود حتى لا يعرف ثم يظهر ويعرف. فيقل من يعرفه في أثناء الأمر كما كان من يعرفه أولًا.\nويحتمل أنه في آخر الدنيا لا يبقى مسلمًا إلا قليل. وهذا إنما يكون بعد الدجال ويأجوج ومأجوج عند قرب الساعة\" (^٣).\nوقال ابن القيم - ﵀ -: \"ومعنى قول النبي: \"هم النزاع القبائل\" أن الله سبحانه بعث رسوله وأهل الأرض على أديان مختلفة فهم بين عباد أوثان ونيران وعباد صور وصلبان ويهود وصابئة وفلاسفة - وكان الإسلام في أول ظهوره غريبًا وكان من أسلم منهم واستجاب لله ولرسوله غريبًا في حيه وقبيلته وأهله وعشيرته، فكان المستجيبون لدعوة الإسلام نزاعًا من القبائل بل آحادًا منهم، تغربوا عن قبائلهم وعشائرهم ودخلوا في الإسلام، فكانوا هم الغرباء حقًّا حتى ظهر الإسلام\n_________\n(^١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (٤٩). سير أعلام النبلاء ٧/ ٢٧٣.\n(^٢) كتاب الغرباء ص ٢٤، ٢٥.\n(^٣) مجموع الفتاوى ١٨/ ٢٩٦، ٢٩٥.","vol":"3","page":133},{"text":"وانتشرت دعوته، ودخل الناس فيه أفواجًا فزالت تلك الغربة عنهم، ثم أخذ في الاغتراب والترحل حتى عاد غريبا كما بدأ؛ بل الإسلام الحق الذي كان عليه رسول الله وأصحابه، هو اليوم أشد غربة منه في أول ظهوره وإن كانت أعلامه ورسومه الظاهرة مشهورة معروفة، فالإسلام الحقيقي غريب جدًّا وأهله غرباء أشد الغربة بين الناس\" (^١).\nومع ابتعاد الناس عن آثار هذه النبوة، وانتشار البدع وفشوها وظهور الجهل، وموت السنن واندثارها يصبح أهل السنة والجماعة هم الغرباء، يقول ابن رجب - ﵀ - بعد كلام له عن تفرق أهل القبلة بسبب فتنة الشبهات والأهواء المضلة: \"فلم ينج من هذه الفرق إلا الفرقة الواحدة الناجية، وهم المذكورون في قوله - ﷺ -: \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك\" (^٢)، وهم في آخر الزمان الغرباء المذكورون في هذه الأحاديث، الذين يصلحون إذا فسد الناس، وهم الذين يُصلِحون ما أفسد الناس من السنة\" (^٣).\nويقول ابن القيم - ﵀ - في بيان ذلك: \"وكيف لا تكون فرقة واحدة قليلة جدا غريبة بين اثنتين وسبعين فرقة ذات أتباع ورئاسات ومناصب وولايات. ولا يقوم لها سوق إلا بمخالفة ما جاء به الرسول - ﷺ -؛ فإن نفس ما جاء به: يضاد أهواءهم ولذاتهم، وما هم عليه من الشبهات، والبدع التي هي منتهى فضيلتهم وعملهم، والشهوات التي هي غايات مقاصدهم وإرادتهم\" (^٤)، وقال قبل ذلك: \"فهؤلاء هم\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٣/ ٢٩٨.\n(^٢) أخرجه البخاري (٧١) (٣١١٦) (٣٦٤١) (٧٣١٢) (٧٤٦٠).\n(^٣) كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة لابن رجب الحنبلي ص ٢٥، ٢٢.\n(^٤) مدارج السالكين ٣/ ١٩٨.","vol":"3","page":134},{"text":"الغرباء الممدوحون المغبوطون ولقلتهم في الناس جدًّا سموا غرباء، فإن أكثر الناس على غير هذه الصفات فأهل الإسلام في الناس غرباء، والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء، وأهل العلم في المؤمنين غرباء، وأهل السنة الذين يميزونها من الأهواء والبدع فهم الغرباء، والداعون إليها الصابرون على أذى المخالفين: هم أشد هؤلاء غربة\" (^١).\nثم ذكر صفات هؤلاء الغرباء فقال: \"ومن صفات هؤلاء الغرباء الذين غبطهم النبي - ﷺ - التمسك بالسنة إذا رغب عنها الناس وترك ما أحدثوه، وإن كان هو المعروف عندهم. وتجريد التوحيد، وإن أنكر ذلك أكثر الناس، وترك الانتساب إلى أحد غير الله ورسوله، لا شيخ، ولا طريقة، ولا مذهب، ولا طائفة بل هؤلاء الغرباء منتسبون إلى الله بالعبودية له وحده، وإلى رسوله بالاتباع لما جاء به وحده وهؤلاء هم القابضون على الجمر حقًّا وأكثر الناس بل كلهم لائم لهم\" (^٢).\nثم ذكر صفات الواحد منهم فقال: \"فهو غريب في دينه لفساد عقائدهم، غريب في في تمسكه بالسنة، لتمسكهم بالبدع، غريب في اعتقاده لفساد عقائدهم، غريب في صلاته لسوء صلاتهم، غريب في طريقه لضلال وفساد طرقهم، غريب في نسبته لمخالفة نسبهم، غريب في معاشرته لهم لأنه يعاشرهم على ما لا تهوى أنفسهم، وبالجملة فهو غريب في أمور دنياه وآخرته لا يجد من العامة مساعدا ولا معينا فهو عالم بين جهّال، صاحب سنة بين أهل بدع، داعٍ إلى الله ورسوله بين دعاة إلى الأهواء والبدع، آمرٌ بالمعروف ناهٍ عن المنكر بين قومٍ المعروف لديهم منكر والمنكر معروف\" (^٣).\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٣/ ١٩٥، ١٩٦.\n(^٢) مدارج السالكين ٣/ ١٩٧.\n(^٣) مدارج السالكين ٣/ ١٩٩، ٢٠٠.","vol":"3","page":135},{"text":"وقريبا من كلام ابن القيم: ما ذكره الآجري - ﵀ - في كتابه الغرباء حيث قال: \"فإذا أراد المؤمن العاقل الذي قد فقهه الله - ﷿ - في الدين وبصره عيوب نفسه، وفتح له ما الناس عليه، ورزقه معرفة بالتمييز بين الحق والباطل وبين الحسن والقبيح وبين الضار والنافع، وعلم ماله مما عليه، إذ ألزم نفسه العمل بالحق بين ظهراني من قد جهل الحق بل الغالب عليهم اتباع الهوى، لا يبالون ما نقص من دينهم إذا سلمت لهم دنياهم، فإذا نظروا إلى من يخالفهم على طريقتهم ثقل ذلك عليهم فمقتوه وخالفوه، وطلبوا له العيوب، فأهله به متضجرون، وإخوانه به مثقلون، ومعاملوه به غير راغبين في معاملته، وأهل الأهواء على غير مذهب الحق مخالفون. فصار غريبا في دينه لفساد دين أكثر الخلق، غريبا في معاملته لكثرة فساد معايش أكثر الخلق، غريبًا في مؤاخاته وصحبته لكثرة فساد صحبة الناس ومؤاخاتهم، غريبا في جميع أمور الدنيا والآخرة\" (^١).\n_________\n(^١) كتاب الغرباء ص ٢٦، ٢٧.","vol":"3","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-936>٢١١ - الغلو</span>*\n<span data-type=\"title\" id=toc-937>[الإطراء - التنطع - حماية التوحيد - التعظيم]</span>\nهو مجاوزة الحد والإفراط في التعظيم بالقول والاعتقاد (^١).\nقال ابن تيمية الغلو: \"مجاوزة الحد بأن يزاد في الشيء في مدحه أو ذمه على ما يستحق ونحو ذلك\" (^٢).\nوقيل: \"يزاد في حبه أو بغضه أو عيبه أو مدحه أو قبوله أو رفضه أو فعله أو تركه بغير حق أو دليل مأثور\" (^٣).\nوعلى هذا فيدخل فيه الترك أيضا فترك الحلال وتحريمه على سبيل التدين ضرب من الغلو (^٤).\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"وضابطه تعدي ما أمر الله به وهو الطغيان\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ١/ ١٩٦. الاعتصام ٣/ ٣٠٤. جامع البيان ٩/ ٤١٦. اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٧٦، ٢٨٩. الآداب الشرعية لابن مفلح ١/ ٨٢. الفتح ١٣/ ٢٧٨. تيسير العزيز الحميد ٣٠٦، ٣٣٩. فتح المجيد ٢٤٧، ٢٧٥. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ١٤٦، ١٦٤. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ٣٦٧، ط ٢ - ١/ ٤٦٥، ٥٣٩ ومن المجموع ٩/ ٣٥٥. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٢٦. الدرر السنية ١١/ ٢٢١، ١٢/ ١٤٥، ١٥١، فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٢٥٤،٢٩٧. مجموع فتاوى بن باز ١/ ٩١٠. مجموع الفتاوى لابن ٧/ ١٧، ١٥٥. منهج الحافظ ابن رجب في العقيدة ٢٣٢. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة ٤٦٥ للغفيلي. شرح مسائل الجاهلية للألوسي ص ٣١،٧٧. شرح مسائل الجاهلية للسعيد ١/ ٢٤٥. جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية ص ٦٨٣، ٨٩٧. الغلو لابن درع. الغلو للويحق. الغلو لعلي الشبل.\n(^١) فتح المجيد ٢٤٧.\n(^٢) اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٢٨٩.\n(^٣) انظر تحقيق ذم الغلو للوليد آل فريان مجلة البحوث ٣٧/ ١٧٩.\n(^٤) الغلو للويحق ص ٨٤.","vol":"3","page":137},{"text":"الذي نهى الله عنه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١)﴾ [طه: ٨١] \" (^١). والإسلام دين العدل والوسطية فهو وسط بين الغلو والتقصير والإفراط والتفريط.\n* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١].\n* الدليل من السنة: وفي الصحيح عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵂ - في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)﴾ [نوح: ٢٣]. قال: \"صَارَتْ الأَوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ فِي الْعَرَبِ بَعْدُ أَمَّا وَدٌّ فكَانَتْ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ، وَأَمَّا سُوَاعٌ فكَانَتْ لِهُذَيْلٍ، وَأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادٍ، ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ بالْجُرُفِ عِنْدَ سَبَإ، وَأَمَّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ، وَأَمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرَ لآلِ ذِي الْكَلاع أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهمْ أَنْ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهمْ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ فَفَعَلُوا فَلَمْ تُعْبَدْ حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ الْعِلْمُ عُبِدَتْ\" (^٢).\nقال ابن القيم: \"قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم\" (^٣).\nوقال الشيخ سليمان: \"فإنه أصل الشرك قديمًا وحديثًا لقرب الشرك بالصالحين من النفوس فإن الشيطان يظهره في قالب المحبة والتعظيم\" (^٤).\nوعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ سَمِعَ عُمَرَ - ﵁ - يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: \"لا\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٣٠٦.\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٩٢٠). وعبد الرزاق في تفسيره ٢١/ ٣٢٠.\n(^٣) إغاثة اللهفان ١/ ٢٠٣.\n(^٤) تيسير العزيز الحميد ص ٣٠٦.","vol":"3","page":138},{"text":"تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ\" (^١).\nوقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ لِي رَسُولُ الله - ﷺ -: \" .. وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ\" (^٢).\nقال شيخنا عبد العزيز بن باز: \"وغالب الأمم كفروا بسبب الغلو\".\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-938> ومن الأحاديث المتعلقة بالغلو ما جاء في تعظيم القبور والصالحين والغلو فيها:</span>\nروى مالك في الموطأ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"اللهُمَّ لا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ اشْتَدَّ غَضَبُ اللهَ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ\" (^٣).\nوفي رواية: \"لعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\" (^٤).\nولابن جرير بسنده عن سفيان عن منصور عن مجاهد: قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩)﴾ [النجم: ١٩]. قال: \"كان يلتّ السّويق فمات فعكفوا على قبره\" (^٥). وكذا قال أبو الجوزاء عن ابن عباس: \"كان اللات رجلًا يلت سويق الحاج\" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٤٤٥)، (٦٨٣٠)، ومسلم (١٦٩١) وأحمد (١٥٤).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد (١٨٥١)، (٣٢٤٨) والنسائي (٣٠٥٩)، وابن ماجه (٣٠٢٩)، (٣٠٦٤) وصححه شيخ الإسلام ابن تيمية في الاقتضاء ١/ ٢٨٩ ومجموع الفتاوى ٣/ ٣٨٣.\n(^٣) أخرجه مالك في الموطأ (٣٧٦). وأخرجه الإمام أحمد (٧٣٥٢) ولم يذكر كلمة (يعبد). وقد استجاب الله جل وعلا دعاء نبيه - ﷺ - كما قال ابن القيم:\nفأجاب رب العلمين دعاءه ... وأحاطه بثلاثة الجدران\nحتى غدت أرجاؤه بدعائه ... في عزة وحماية وصيان\nوالحديث المذكور يدل على أن قبر النبي - ﷺ - لو عبد لكان وثنًا، لكن حماه الله تعالى بما حال بينه وبين الناس، فلا يوصل إليه.\n(^٤) أخرجه النسائي (٢٠٤٨).\n(^٥) جامع البيان عن تأويل، القرآن ٢٧/ ٣٥.\n(^٦) أخرجه البخاري (٤٨٢٩).","vol":"3","page":139},{"text":"وعن ابن عباس - ﵁ - قال: \"لعن رسول الله - ﷺ - زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج\" (^١).\nوقال - ﷺ -: \"إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، ويسروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-939>أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-940>١ - أقسام الغلو:</span>\n١ - ما يكون شركًا أكبر: وهو أن يجعل للمخلوق شيئًا من حقوق الله تعالى مثل الذبح والدعاء ونحو ذلك.\n٢ - ما يكون شركًا أصغر: كأن يحلف بالنبي - ﷺ - معظمًا له لا كتعظيم الله.\n٣ - ما يكون بدعة شنيعة: وقد يجر ذلك إلى الشرك - والعياذ بالله -، مثل الصلاة عند القبر، والذبح لله عند القبر، والنذر لله عند القبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-941>٢ - مظاهر الغلو:</span>\nمظاهر الغلو كثيرة نذكر منها على سبيل المثال:\n١ - الغلو في العقيدة: كغلو أهل الكلام في إثبات الصفات ونفيها حتى أدى بهم إما إلى التمثيل أو التعطيل، والوسط مذهب أهل السنة والجماعة بإثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله - ﷺ - من الأسماء والصفات من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.\n٢ - الغلو في العبادات: وذلك بالزيادة على المأمور به كمجاوزة حصى الخذف في الرمي.\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) أخرجه النسائي (٥٠٣٧).","vol":"3","page":140},{"text":"٣ - الغلو في المعاملات: وهو التشدد بتحريم كل شيء، وقابل هذا التشدد تساهل من قال بحل كل شيء ينمي المال والاقتصاد حتى الربا والغش وغير ذلك.\nوالوسط أن يقال تحل المعاملات المبنية على العدل وهي ما وافق ما جاءت به النصوص من الكتاب والسنة.\n٤ - الغلو في العادات: وهو التشدد في التمسك بالعادات القديمة وعدم التحول إلى ما هو خير منها.\nأما إن كانت العادات متساوية في المصالح فإن كون الإنسان يبقى على ما هو عليه خير من تلقِّي العادات الوافدة (^١).\n٥ - التعصب للأشخاص سواء علماء أو صالحين، أو تعصب لمذاهب فقهية مع ظهور الدليل بخلافه.\nوالناس في معاملة الصالحين على ثلاثة أقسام:\nأ - أهل جفاء: وهم الذين يهضمون حقوق الصالحين وموالاتهم.\nب - أهل غلو: وهم الذين يرفعونهم فوق منزلتهم التي أنزلهم الله بها.\nج - أهل الحق الذين يحبونهم ويوالونهم ويقومون بحقوقهم الصحيحة، ولكنهم يبرأون من الغلو فيهم وادعاء عصمتهم.\n٦ - الغلو في القبور، وقد ذكرت الأحاديث الواردة في ذلك.\n٧ - الغلو في التكفير والتفسيق، كغلو الخوارج الذين يرون كفر فاعل الكبيرة، وغلو المعتزلة حيث قالوا: إن فاعل الكبيرة في منزلة بين المنزلتين، وهذا التشدد قابله تساهلٌ من المرجئة حيث قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب.\nوالوسط مذهب أهل السنة والجماعة أن فاعل المعصية مؤمن ناقص الإيمان بقدر المعصية.\n_________\n(^١) انظر في ذلك: مجموع فتاوى ابن عثيمين ٧/ ١٨.","vol":"3","page":141},{"text":"قال ابن رجب - ﵀ -: \"وقوله - ﷺ -: \"القصدَ القصدَ تبلغوا\" (^١) حث على الاقتصاد في العبادة، والتوسط فيها بين الغلو والتقصير، ولذلك كرره مرة بعد مرة. وفي مسند البزار من حديث حذيفة - ﵁ - مرفوعًا: \"ما أحسن القصد في الفقر، وما أحسن القصد في الغنى، وما أحسن القصد في العبادة\" وكان لمطرف بن عبد الله بن الشخير ابنًا قد اجتهد في العبادة، فقال له أبوه: خير الأمور أوسطها، الحسنة بين السيئتين، وشر السير الحقحقة. قال أبو عبيدة: يعني أن الغلو في العبادة سيئة، والتقصير سيئة، والاقتصاد بينهما حسنة. قال: والحقحقة أن يلح في شدة السير حتى تقوم عليه راحلته وتعطب فيبقى منقطعًا به سفره .. ويشهد لهذا المعنى الحديث المروي عن عبد الله بن عمرو - ﵁ - مرفوعًا: \"إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق\" (^٢)، ولا تبغض إلى نفسك عبادة اللهَ، فإن المنبت لا سفرًا قطع ولا ظهرًا أبقى. فاعمل عمل امرئ يظن أنه لن يموت إلا هرمًا، واحذر حذر امرئ يخشى أن يموت غدًا\" أخرجه حميد بن زنجويه وغيره (^٣).\nوفي تكريره أمره بالقصد إشارة إلى المداومة عليه، فإن شدة السير والاجتهاد مظنة السآمة والانقطاع والقصد أقرب إلى الدوام ولهذا جعل عاقبة القصد البلوغ كما قال: \"من أدلج بلغ المنزل\" (^٤) \" (^٥).\nفالأصل في العبادة الإخلاص والمتابعة، قال الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٤٦٣)، والإمام أحمد (١٠٦٨٨).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد (١٣٠٨٣).\n(^٣) أخرجه البيهقي ٣/ ١٩، وانظر مجمع الزوائد ١/ ٦٢.\n(^٤) الحديث أخرجه الترمذي (٢٤٥٠) عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة\".\n(^٥) المحجة في سير الدلجة ضمن مجموعة رسائل الحافظ ابن رجب ص ١٣٤.","vol":"3","page":142},{"text":"\"لأن كل عبادة حدها الشرعي ما أمر به الرسول - ﷺ - من غير اطراد عرفي ولا اقتضاء عقلي ... وما خرج أحد عن شريعته وطريقته إلا سلك إحدى الطريقين:\nأ - إما جفاء وإعراض.\nب - وإما غلو وإفراط.\nوهذه مصائد الشيطان التي يصطاد بها بني آدم، ولهذا حذر سبحانه عن الغلو قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ [المائدة: ٧٧] \" (^١).\n_________\n(^١) انظر: رسالة الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف بتحقيق د. الوليد الفريان في مجلة البحوث، العدد ٣٧، ص ١٨٦ - ١٨٧.","vol":"3","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-942>٢١٢ - الغول </span>*\nالغُول - بفتح الغين المعجمة - مصدر معناه: البعد والهلاك. وبضم الغين المعجمة اسم، وجمعه أغوال وغيلان، وهو المراد هنا.\nقال ابن دريد: \"الغيلان عند العرب سحرة الشياطين. وهذا قول الأصمعي. الواحد غول من الجن\" (^١).\nوقال ابن منظور: \"الغول ساحرة الجن والجمع غيلان. وقال أبو الوفاء الأعرابي: الغول: الذكر من الجن. فسئل عن الأنثى فقال: هي السعلاة\" (^٢).\nوقال شمر: \"قال ابن شميل: الغول شيطان يأكل الناس\" (^٣).\nوالغول: جنس من الجن والشياطين، تزعم العرب أنها تضلهم عن الطريق وتهلكم فجاء الحديث بإبطال ذلك كله.\n* الدليل من السنة: عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله - ﵁ - يقول سمعت النبي - ﷺ - يقول: \"لا عدوى ولا صفر ولا غول\" وسمعت أبا الزبير يذكر أن جابرًا فسر لهم قوله: \"ولا صفر\" فقال أبو الزبير: الصفر: البطن. فقيل لجابر: كيف؟\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ١٦/ ٢٦٧، ٢٦٨، ١٨/ ٣١٠. الاستدكار لابن عبد البر ٤/ ٥١. شرح السنة للبغوي ١٢/ ١٧٣. تسير العزيز الحميد ص ٤٣٩. فتح المجيد ص ٣٥٢. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٢١٧. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ٨٧، ط ٢ - ٢/ ١٠٥. ومن المجموع ٩/ ٥٦٩. الدين الخالص لصديق حسن خان ٢/ ١٦٧. كتاب الغول بين الحديث النبوي والموروث الشعبي لمشهور حسن سلمان.\n(^١) جمهرة اللغة ٣/ ١٥٠.\n(^٢) لسان العرب (غ ول).\n(^٣) تهذيب اللغة ٨/ ١٩٤.","vol":"3","page":144},{"text":"قال: كان يقال إنها دواب البطن. قال: ولم يفسر الغول. قال أبو الزبير: هذه الغول التي تغوَّل\" (^١).\nوقد اختلف العلماء في معنى قوله - ﷺ -: \"لا غول\" على أربعة أقوال:\nالأول: أن الغول شيء يخوف به، ولا وجود له (^٢).\nكما قال الشاعر:\nأيقنتُ أن المستحيل ثلاثة ... الغول والعنقاء والخل الوفي\nوقال آخر:\nالغول والخل والعنقاء ثالثة ... أسماء أشياء لم توجد ولم تكن\nقال أبو السعادات: \"الغول أحد الغيلان، وهي جنس من الجن والشياطين، كانت العرب تزعم أن الغول في الفلاة تتراءى للناس فتتغول تغولا، أي: تتلون تلونا في صور شتى وتغوُلهم، أي تضلهم عن الطريق وتهلكهم، فنفاه النبي - ﷺ - وأبطله\" (^٣).\nالثاني: أن الغول كان موجودًا، ثم رفعه الله - سحانه تعالى -، وإلى هذا ذهب الطحاوي فقال بعد أن أورد حديث أبي أيوب (^٤): \"يحتمل أن يكون الغول كان على ما في حديث أبي أيوب. ثم رفعه الله تعالى عن عباده، على ما في حديث جابر، وذلك أولى ما حملت عليه الآثار المروية عن رسول الله - ﷺ - في هذا، أو فيما أشبهه، ما وجد\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٢٢٢٢).\n(^٢) ذكر مشهور حسن سلمان: أن الدميري نسب هذا القول إلى محققي العلماء ولكن وقع في كلام الدميري اضطراب. انظر: كتاب الغول ص ٧٤ وما بعدها فقد جاء حفظه الله بالأقوال الثلاثة مع تفصيلها.\n(^٣) النهاية (غ ول).\n(^٤) قال أبو أيوب - ﵁ - أنه كان في سهوة له - يعني التمر - فكانت الغول تجيء فتأخذ ... الحديث أخرجه الإمام أحمد (٢٣٩٩٠).","vol":"3","page":145},{"text":"السبيل إلى ذلك، والله تعالى نسأله التوفيق\" (^١).\nالثالث: ما ذهب إليه جمهور العلماء أن قوله - ﷺ -: \"لا غول\" ليس معناه نفي الغول عينا، وإبطالها كونًا، وإنما فيه إبطال ما يتحدثون عنها من تغولها، واختلاف تلونها في الصور المختلفة، وإضلالها الناس عن الطريق، وسائر ما يحكون عنها. ودليل ما ذهب إليه الجمهور أنه لم يثبت شرعًا ولا عقلًا ولا اختبارًا أن الغيلان تأكل الناس، ولا أنها تظهر لهم في الفيافي والقفار كما كانت تزعم العرب وغير العرب في طور الجهل والخرافات\" (^٢) وهو المختار.\nقال الإمام البغوي - ﵀ -: \"قوله: \"ولا غول\" ليس معناه نفي الغول كونًا، وإنما أراد أن العرب كانت تقول: إن الغيلان تظهر للناس في الفلوات في الصور المختلفة، فتضلهم وتهلكهم، ويقال تغول تغولًا. أي: تلون. فأخبر الشرع أنها لا تقدر على شيء من الإضلال والإهلاك إلا بإذن الله - ﷿ -، وقد جاء في الحديث: \"إذا تغولت الغيلان فبادروا بالأذان\"\" (^٣).\nوقال النووي - ﵀ -: \"قال جمهور العلماء: كانت العرب تزعم أن الغيلان في الفلوات، وهي من جنس الشياطين، فتتراءى للناس وتتغول تغولا، أي تتلون تلونا، فتضلهم عن الطريق فتهلكهم، فأبطل النبي - ﷺ - ذاك. وقال آخرون: ليس المراد بالحديث نفي وجود الغول، وإنما معناه إبطال ما تزعمه العرب من تلون الغول بالصور المختلفة واغتيالها، وقالوا: ومعنى \"لا غول\" أي لا تستطيع أن تضل أحدًا. ويشهد له حديث آخر: \"لا غول ولكن السَّعال\". قال العلماء: السعالي بالسين المفتوحة والعين المهملتين، وهم سحرة الجن، أي ولكن في الجن سحرة\n_________\n(^١) مشكل الآثار ١/ ٣٤٢ مستفاد من كتاب الغول ص ٧٨.\n(^٢) فتح المجيد ص ٣٠٧.\n(^٣) شرح السنة للبغوي ١٢/ ١٧٣.","vol":"3","page":146},{"text":"لهم تلبيس وتخييل\" (^١).\nوقال ابن حجر: \"أما الغول فقال الجمهور: كانت العرب تزعم أن الغيلان في الفلوات، وهي جنس من الشياطين تتراءى للناس وتتغول لهم تغولا أي: تتلون تلونا فتضلهم عن الطريق فتهلكهم، وقد كثر في كلامهم: غالته الغول أي: أهلكته وأضلته فأبطل - ﷺ - ذلك.\nوقيل ليس المراد إبطال وجود الغيلان، وإنما معناه إبطال ما كانت العرب تزعمه من تلون الغول بالصور المختلفة. قالوا: والمعنى، لا يستطيع الغول أن يضل أحدًا، ويؤيده حديث: \"إذا تغولت الغيلان فنادوا بالأذان\" (^٢). أي: ادفعوا شرها بذكر الله\" (^٣).\nوقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: \"المعنى بقوله: \"لا غول\" أنها لا تستطيع أن تضل أحدًا ذكرى الله والتوكل عليه. ويشهد له الحديث الآخر \"لا غول ولكن السعالي\" سحرة الجن. أي: ولكن في الجن سحرةً لهم تلبيس وتخييل. ومنه الحديث: \"إذا تغولت الغيلان، فبادروا بالأذان\" أي: ادفعوا شرها بذكر الله. وهذا يدل على أنه لم يرد بنفيها عدمها\" (^٤).\n_________\n(^١) شرح النووي على صحيح مسلم ١٤/ ٢١٦، ٢١٧.\n(^٢) أخرجه أحمد (١٤٣٢٨)، (١٥١٥٧).\n(^٣) فتح الباري ١٠/ ١٥٩.\n(^٤) فتح المجيد ص ٣٥٢، ٣٥٣.","vol":"3","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-943>٢١٣ - الغيب</span>*\nالغيب مصدر يستعمل في كل غائب عن الحواس، علم أو لم يعلم.\nوالإيمان بالغيب من صفات المؤمن كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [البقرة:١ - ٣].\nقال ابن الأثير: \"قد تكرر ذكر علم الغيب، والإيمان بالغيب، وهو كل ما غاب عن العيون، وسواءً كان محصَّلًا في القلوب أو غير مُحصَّل. تقول: غاب عنه غيبًا وغيبةً\" (^١).\nيقول الراغب الأصفهاني: \"والغيب في قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ ما لا يقع تحت الحواس ولا تقتضيه بدائه العقول وإنما يعرف بخبر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وبدفعه يقع على الإنسان اسم الإلحاد\" (^٢).\nويقول ابن تيمية: \"وأصل الإيمان هو الإيمان بالغيب، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ والغيب الذي يؤمن به ما أخبرت به الرسل من الأمور العامة، ويدخل في ذلك الإيمان بالله وأسمائه\n_________\n* الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٧/ ٢، ١٦/ ١٨٠، ١٨١، ١٩/ ٢٨. الدرر السنية ١٢/ ١٦١. فتاوى اللجنة الدائمة ٢/ ١١١. مجموع الفتاوى لابن باز ١/ ٤٠٨. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١/ ٦٧، ٥/ ٢٦٧ - ٢٧٥. شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري عبد الله الغنيمان ١/ ١١١. كفر من ادعى علم الغيب لأبي هارون عيسى بن يحيى شريف. نواقض الإيمان القولية والعملية ص ٢٠٨. منهج ابن حجر في العقيدة ص ١١٠٠، جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية ص ٦٩٥، ٨٩٩، ١٠٤١، الآثار الواردة في سير أعلام النبلاء د/ جمال بن أحمد ٢/ ١٦٨، ٤٩٣.\n(^١) النهاية (غ ي ب).\n(^٢) المفردات (غ ي ب).","vol":"3","page":148},{"text":"وصفاته، وملائكته، والجنة والنار، فالإيمان بالله ورسوله وباليوم الآخر يتضمن الإيمان بالغيب ... \" (^١).\nويقول السعدي عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾: \"حقيقة الإيمان هو التصديق التام بما أخبرت به الرسل المتضمن لانقياد الجوارح، وليس الشأن في الإيمان بالأشياء المشاهدة بالحس، فإنه لا يتميز بها المسلم من الكافر إنما الشأن في الإيمان بالغيب الذي لم نره ولم نشاهده وإنما نؤمن لخبر الله وخبر رسوله فهذا الإيمان الذي يميز به المسلم من الكافر؛ لأنه تصديق مجرد لله ورسوله، فالمؤمن يؤمن بكل ما أخبر الله به وأخبر به رسوله سواء شاهد أو لم يشاهده، وسواء فهمه وعقله أو لم يهتد إليه عقله وفهمه بخلاف الزنادقة المكذبين بالأمور الغيبية؛ لأن عقولهم القاصرة المقصرة لم تهتد إليها فكذبوا. لم يحيطوا بعلمه ففسدت عقولهم، ومرجت أحلامهم\" (^٢).\n* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠)﴾ [الأنعام: ٥٠]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧].\n* الدليل من السنة: عن ابن عمر - ﵄ - عن النبي - ﷺ - قال: \"مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلمُ ما في غدٍ إلا الله،\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٣/ ٢٣٢، ٢٣٣.\n(^٢) تفسير السعدي ١/ ٤١.","vol":"3","page":149},{"text":"ولا يعلم متى يأتي المطر أحدٌ إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله\" (^١).\nومن هذه الآيات الكريمات والحديث النبوي الشريف يتبين بطلان ما عليه الكهان والعرافون والمنجمون من الدجل والتضليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-944>أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-945>١ - كفر من ادعى الغيب:</span>\nقال ابن السماك: \"خرجت إلى مكة، فلقيني زرارة بن أعين (^٢) بالقادسية فقال: لي إليك حاجة وأرجو أن أبلغها بك وعظمها. فقلت: ما هي؟ فقال: إذا لقيت جعفر بن محمد فاقرئه مني السلام، وسله أن يخبرني من أهل الجنة أنا أم من أهل النار؟ فأنكرت عليه. فقال لي: إنه يعلم ذلك. فلم يزل بي حتى أجبته. فلما لقيت جعفر بن محمد أخبرته بالذي كان منه فقال: هو من أهل النار. فوقع في نفسي شيء مما قال. فقلت: ومن أين علمت ذلك. فقال: مَنْ ادَّعى عليَّ أني أعلم هذا، فهو من أهل النار. فلما رجعت لقيني زرارة فأعلمته بقوله فقال: كالَ لك يا أبا عبد الله من جراب النورة. قلت: وما جراب النورة؟ قال: عمل معك بالتقية\" (^٣).\nوقال القرطبي - ﵀ -: \"من قال: إنه ينزل الغيث غدًا وجزم فهو كافر أخبر عنه بأمارة ادَّعاها أم لا. وكذلك من قال: إنه يعلم ما في الرحم (^٤) فهو كافر، أو أخبر عن الكوائن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٣٧٩).\n(^٢) زرارة بن أعين الشيباني بالولاء، أبو الحسن، من غلاة الشيعة ورأس الفرقة الزرارية ونسبتها إليه، توفي سنة ١٥٠ هـ. انظر الفرق بين الفرق ص ٥٢، الأنساب ٦/ ٢٦٢.\n(^٣) سير أعلام النبلاء ١٥/ ٢٣٨، ٢٣٩.\n(^٤) وقوله بكفر من يدّعي علم ما في الرحم يتوجه إذا كان ادّعاء مجردًا على سبيل الجزم واليقين، أما ما يكون بواسطة الأجهزة فهذا يقع على شيء محدود كما وضحه الشيخ ابن عثيمين في النقل الذي بعده.","vol":"3","page":150},{"text":"المجملة أو المفصلة في أن تكون قبل أن تكون، فلا ريب في كفره أيضًا\" (^١).\nقال المناوي في من صدق الكاهن: \"إن اعتقد أنه يعلم الغيب كفر\" (^٢).\nوقال صديق حسن خان - ﵀ -: \"فمن اعتقد في نبي أو ولي أو جن أو مَلك أو إمام أو ولد إمام أو شيخ أو شهيد أو منجم أو رمال أو جفار أو فاتح قال أو برهمن أو راهب أو جنية أو خبيث أن له مثل هذا العلم، وهو يعلم الغيب بعلمه ذلك فهو مشرك بالله، وعقيدته هذه من أبطل الباطلات وأكذب المكذوبات وهو منكر لهذه الآية القرآنية وجاحد لها\" (^٣).\nوسئل الشيخ ابن باز - ﵀ - عن رجل يدَّعي مشاهدة اللوح المحفوظ فقال: \"اللوح المحفوظ لا يطلع عليه إلا الله - ﷿ -، هو الذي جعله والذي يطلع عليه، ومن زعم أنه يعلم ما فيه فهو كافر يُستتاب من ولاة الأمر فإن تاب وإلا وجب قتله حماية للمسلمين من شره وفتنته\" (^٤).\nوسئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين: كيف نوفق بين علم الاطباء الآن بذكورة الجنين وأنوثته، وقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ وما جاء في تفسير ابن جرير عن مجاهد أن رجلًا سأل النبي - ﷺ - عما تلد امرأته، فأنزل الله الآية وما جاء عن قتادة - ﵀ -؟ وما المخصص لعموم قوله تعالى: ﴿مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾؟\nفأجاب بقوله: \"قبل أن أتكلم عن هذه المسألة أحب أن أبين أنه لا يمكن أن يتعارض صريح القرآن الكريم مع الواقع أبدًا، وأنه إذا ظهر في الواقع ما ظاهره المعارضة، فإما أن يكون الواقع مجرد دعوى لا حقيقة له، وإما أن يكون القرآن\n_________\n(^١) تفسير القرطبي ٧/ ٢، ٣.\n(^٢) الفيض ٦/ ٢٣.\n(^٣) الدين الخالص ١/ ٤٢٥، ٤٢٦.\n(^٤) فتاوى نور على الدرب ص ٢٤١.","vol":"3","page":151},{"text":"الكريم غير صريح في معارضته، لأن صريح القرآن الكريم وحقيقة الواقع كلاهما قطعي، ولا يمكن تعارض القطعيين أبدًا.\nفإذا تبين ذلك فقد قيل: إنهم الآن توصلوا بواسطة الآلات الدقيقة للكشف عما في الأرحام، والعلم بكونه أنثى أو ذكرًا فإن كان ما قيل باطلًا فلا كلام، وإن كان صدقًا فإنه لا يعارض الآية، حيث إن الآية تدل على أمر غيبي هو متعلق علم الله تعالى في هذه الأمور الخمسة، والأمور الغيبية في حال الجنين هي: مقدار مدته في بطن أمه، وحياته، وعمله، ورزقه، وشقاوته أو سعادته، وكونه ذكرًا أم أنثى، قبل أن يخلَّق، أما بعد أن يخلق، فليس العلم بذكورته أو أنوثته من علم الغيب، لأنه بتخليقه صار من علم الشهادة، إلا أنه مستتر في الظلمات الثلاثة، التي لو أزيلت لتبين أمره، ولا يبعد أن يكون فيما خلق الله تعالى من الأشعة أشعة قوية تخترق هذه الظلمات حتى يتبين الجنين ذكرًا أم أنثى. وليس في الآية تصريح بذكر العلم بالذكورة والأنوثة، وكذلك لم تأت السنة بذلك.\nوأما ما نقله السائل عن ابن جرير عن مجاهد أن رجلًا سأل النبي، - ﷺ - عما تلد امرأته، فأنزل الله الآية. فالمنقول هذا منقطع لأن مجاهدًا - ﵀ - من التابعين.\nوأما تفسير قتادة - ﵀ - فيمكن أن يحمل على أن اختصاص الله تعالى بعلمه ذلك إذا كان لم يخلق، أما بعد أن يخلَّق فقد يعلمه غيره.\nقال ابن كثير - ﵀ - في تفسير آية لقمان: وكذلك لا يعلم ما في الأرحام مما يريد أن يخلقه تعالى سواه، ولكن إذا أمر بكونه ذكرًا أو أنثى أو شقيًا أو سعيدًا علم الملائكة الموكلون بذلك ومن شاء من خلقه. أ. هـ.\nوأما سؤالكم عن المخصص لعموم قوله تعالى: ﴿مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ فنقول: إن كانت الآية تتناول الذكورة والأنوثة بعد التخليق فالمخصص الحس والواقع، وقد ذكر علماء الأصول أن المخصصات لعموم الكتاب والسنة إما النص، أو الإجماع،","vol":"3","page":152},{"text":"أو القياس، أو الحس، أو العقل وكلامهم في ذلك معروف.\nوإذا كانت الآية لا تتناول ما بعد التخليق وإنما يراد بها ما قبله فليس فيها ما يعارض ما قيل من العلم بذكورة الجنين وأنوثته\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-946>٢ - أقسام الغيب:</span>\nالغيب قسمان:\n* غيب لا يعلمه إلا الله تعالى، وهو الخمس المذكورة في آخر سورة لقمان.\n* وغيب إضافي نسبي يعلمه قوم ويجهله قوم.\nقال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -: \"الغيب ما غاب عن الإنسان وهو نوعان: واقع، ومستقبل.\nفغيب الواقع نسبي يكون لشخص معلومًا ولآخر مجهولًا.\nوغيب المستقبل حقيقي لا يكون معلومًا لأحد إلا الله وحده أو من اطلعه الله عليه من الرسل فمن ادعى علمه فهو كافر لأنه مكذب لله - ﷿ - ولرسوله - ﷺ - قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ [النمل: ٦٥]، وإذا كان الله أمر نبيه محمد - ﷺ - أن يعلن للملأ أنه لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله، فإن من ادعى علم الغيب فقد كذب الله - ﷿ - ورسوله في هذا الخبر.\nونقول لهؤلاء كيف يمكن أن تعلموا الغيب والنبي - ﷺ - لا يعلم الغيب؟ هل أنتم أشرف أم الرسول - ﷺ -؟ فإن قالوا: نحن أشرف من الرسول كفروا بهذا القول، وإن قالوا: هو أشرف. فنقول: لماذا يحجب عنه الغيب وأنتم تعلمونه؟ وقد قال الله - ﷿ - عن نفسه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١/ ٦٨.","vol":"3","page":153},{"text":"رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧]، وهذه آية ثانية تدل على كفر من ادعى علم الغيب، وقد أمر الله تعالى نبيه - ﷺ -، أن يعلن للملأ بقوله: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠] \" (^١).\nوقال الشيخ الغنيمان: \"وأما ما جاء عن الأنبياء من الأخبار ببعض المغيبات، كإخبار الرسول - ﷺ - بما يقع بعده من الفتن؛ والفتوح على أمته، وبعض أشراط الساعة، وكإخبار عيسى ﵇ بما يأكله بنو إسرائيل، وما يدخرونه في بيوتهم، ونحو ذلك، فإن هذا مما استثناه الله تعالى بقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧]، وهو من معجزاتهم التي تدل على صدقهم\" (^٢).\nوفي الفتح: \"قال القرطبي: لا مطمع لأحد في علم شيء من هذه الأمور الخمسة، لهذا الحديث (^٣)، وقد فسر النبي - ﷺ - قول الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ بهذه الخمس وهو في الصحيح قال: فمن ادعى علم شيء منها غير مسنده إلى رسول الله - ﷺ - كان كاذبًا في دعواه\" (^٤).\nوفي شرح حديث ابن عباس - ﵄ - في قصة موسى مع الخضر ﵉\n_________\n(^١) شرح الأصول الثلاثة من مجموع الفتاوى ٦/ ١٥٧. وانظر أيضًا أقسام الغيب في فتاوى اللجنة ٢/ ١١٣.\n(^٢) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للشيخ عبد الله الغنيمان ١/ ١١١.\n(^٣) انظر فتح الباري شرح حديث رقم (٥٠).\n(^٤) فتح الباري ١/ ١٢٣، ١٢٤.","vol":"3","page":154},{"text":"قال الحافظ: \"وفيه دليل على أن الأنبياء ومن دونهم لا يعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله إذ لو كان الخضر يعلم كل غيب لعرف موسى قبل أن يسأله\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-947>٣ - مسألة:\nعلمُ نزول الغيث خاص بالله </span>فهل ينافيه ما نسمع في الإذاعات عن أحوال الطقس وأنه سينزل غدًا مطر في جهات معينة؟\nوالجواب: أنه لا تعارض بينهم لأنه علمهم مستند إلى مستند إلى محسوس لا إلى غيب وسيأتي مزيد تفصيل عنه في باب (الكهانة).\n_________\n(^١) فتح الباري ١/ ٢٢٠.","vol":"3","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-948>٢١٤ - الفأل</span>*\nالفأل: جمع فُؤول وأفؤل: ضد الشؤم. يقال: تفأل وتفاءل وافتأل به.\nقال الفيروزآبادي: \"الفأل ضد الطيرة\" (^١).\nقال ابن الأثير: \"الفأل مهموز وهو فيما يسر ويسوء، والطيرة لا تكون إلا فيما يسوء، وربما استعملت فيما يسر. يقال: تفاءلت بكذا وتفألت على التخفيف والقلب، وقد أولع الناس بترك همزه تخفيفًا .. ومعنى التفاؤل مثل أن يكون رجل مريض فيتفاءل بما يسمع من كلام، فيسمع آخر يقول: يا سالم، أو يكون طالب ضالة فيسمع آخر يقول: يا واجد، فيقع في ظنه أنه يبرأ من مرضه ويجد ضالته\".\nومنه الحديث: قيل يا رسول الله ما الفأل؟ قال: \"الكلمة الصالحة\" وقد جاءت الطيرة بمعنى الجنس، والفأل بمعنى النوع ومنه الحديث: \"أصدق الطيرة الفأل\"\" (^٢).\nفالفأل إنما هو مبني على حسن الظن بالله.\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ٢٤/ ٧١، ٧٤، ١٩١. الاستذكار لابن عبد البر ٢٧/ ٢٣٣. شرح السنة للبغوي ١٢/ ١٧٥. الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٦/ ٦٠. مجموع الفتاوى ٢٣/ ٦٧، ٦٨. الآداب الشرعية لابن مفلح ٣/ ٣٥٧. تيسير العزيز الحمد ص ٤٤٠. فتح المجيد ص ٣٥٣. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٢١٧. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ٨٩، ط ٢ - ٢/ ١٠٦ ومن المجموع ٩/ ٥٧١. الدرر السنية ١٠/ ٣٤٤. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٢/ ١٥٦. أهم المهمات لابن سعدي من المجموعة ٣/ ٦٤. القول السديد من المجموعة ٣/ ٣١. التوكل على الله وعلاقته بالأسباب ص ٢٤١. الطير والطيرة في القرآن والسنة. د. سهام وادي. الطيرة والفأل لمحمود بن خليفة جاسم.\n(^١) القاموس المحيط (ف أ ل).\n(^٢) النهاية لابن الأثير (ف أ ل).","vol":"3","page":156},{"text":"* في الدليل من السنة: عن أنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل الكلمة الحسنة\" (^١) وفي رواية قال: \"الكلمة الطيبة\" (^٢).\nوعن ابن عباس قال: \"كان رسول الله - ﷺ - يتفاءل، ولا يتطير ويعجبه الاسم الحسن\" (^٣).\nوأخرج البخاري - ﵀ - عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: \"لا طيرة، وخيرها الفأل. قالوا: وما الفأل يا رسول الله؟ قال: الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم\" (^٤).\nوفي حديث عروة بن عامر الذي أخرجه أبو داود قال: ذكرت الطيرة عند النبي - ﷺ - فقال: \"أحسنها الفأل ولا تردُّ مسلمًا، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول وقوة إلا بك\" (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-949>أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-950>١ - الفأل الذي يحبه الرسول - ﷺ - وسبب ذلك:</span>\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \"الفأل الذي يحبه - ﷺ - هو أن يفعل أمرًا أو يعزم عليه متوكلًا على الله فيسمع الكلمة الحسنة التي تسره مثل أن يسمع: يا نجيح، يا مفلح، يا سعيد، يا منصور، ونحو ذلك. كما لقي في سفر الهجرة رجلًا فقال: \"ما اسمك\" قال: يزيد. قال: \"يا أبا بكر، يزيدُ أمرُنا\" .. وأما الطيرة بأن يكون قد فعل أمرًا متوكلًا على الله أو يعزم عليه فيسمع كلمة مكروهة مثل: ما يتم أو ما يفلح ونحو ذلك؛ فيتطير ويترك الأمر فهذا منهي عنه\" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٧٥٦)، ومسلم (٢٢٢٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٧٧٦)، ومسلم (٢٢٢٤).\n(^٣) أخرجه أحمد (٢٣٢٨)، (٢٧٦٧) (٢٩٢٧)، وابن حبان (١٤٢٩).\n(^٤) أخرجه البخاري (٥٧٥٥)، ومسلم (٢٢٢٣).\n(^٥) أخرجه أبو داود (٣٩١٩).\n(^٦) الفتاوى الكبرى لابن تيمية ١/ ٢٠٩.","vol":"3","page":157},{"text":"قال ابن الأثير: \"وإنما أحب الفأل لأن الناس إذا أملوا فائدة الله تعالى ورجوا عائدته عند كل سبب ضعيف أو قوي فهم على خير، ولو غلطوا في جهة الرجاء فإن الرجاء لهم خير، وإذا قطعوا أملهم ورجاءهم من الله كان ذلك من الشر، وأما الطيرة فإن فيها سوء الظن بالله وتوقع البلاء\" (^١).\nقال الحليمي: \"إنما كان - ﷺ - يعجبه الفأل لأن التشاؤم سوء الظن بالله تعالى بغير سبب محقق، والتفاؤل حسن الظن به، والمؤمن مأمور بحسن الظن بالله تعالى على كل حال\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-951>٢).\n\n٢ - الفرق بين الفأل والطيرة:</span>\nيقول ابن القيم - ﵀ -: \"وفي الفرقان بينهما فائدة كبيرة وهي: أن التطير هو التشاؤم من الشيء المرئي أو المسموع فإذا استعملها الإنسان فرجع بها من سفره وامتنع بها مما عزم عليه فقد قرع باب الشرك بل ولجه وبرئ من التوكل على الله وفتح على نفسه باب الخوف والتعلق بغير الله والتطير مما يراه ويسمعه وذلك قاطع له من مقام: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥] و﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، و﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ [هود: ٨٨] فيصير قلبه متعلقًا بغير الله عبادة وتوكلًا فيفسد عليه قلبه وإيمانه وحاله ويبقى هدفًا لسهام الطيرة ويُساق إليه من كل أوب ويقيّض له الشيطان من ذلك ما يفسد عليه دينه ودنياه - وكم أهلك بذلك وخسر الدنيا والآخرة - فأين هذا من الفأل الصالح السار للقلوب المؤيد للآمال الفاتح باب الرجاء المسكن للخوف، الرابط للجأش، الباعث على الاستعانة بالله والتوكل عليه، والاستبشار المقوي لأمله، السار لنفسه. فهذا ضد\n_________\n(^١) النهاية لابن الأثير (ف أ ل). وذكر الدميري كلامًا مشابهًا في حياة الحيوان الكبرى ٢/ ٩٨.\n(^٢) فتح الباري ١٠/ ٢١٥، تيسير العزيز الحميد ص ٤٤١.","vol":"3","page":158},{"text":"الطيرة. فالفأل يفضي بصاحبه إلى الطاعة والتوحيد، والطيرة تفضي بصاحبها إلى المعصية والشرك، فلهذا استحب - ﷺ - الفأل وأبطل الطيرة\" (^١).\nوقال - ﵀ -: \"الفأل والطيرة - وإن كان مأخذهما سواء ومجتناهما واحدًا - فإنهما يختلفان بالمقاصد ويفترقان بالمذاهب، فما كان محبوبًا مستحسنًا تفاءلوا به وسموه الفأل وأحبوه ورضوه، وما كان مكروهًا قبيحًا منفرًا تشاءموا به وكرهوه وتطيروا منه وسموه طيرة؛ تفرقةً (^٢) بين الأمرين، وتفصيلًا بين الوجهين.\nوسئل بعض الحكماء فقيل له: ما بالكم تكرهون الطيرة تحبون الفأل؟! فقال: لنا في الفأل عاجل البشرى وإن قصر عن الأمل، ونكره الطيرة لما يلزم قلوبنا من الوجل.\nقال ابن القيم - ﵀ -: وهذا الفرقان حسن جدًّا وأحسن منه ما قاله ابن الرومي في ذلك: الفأل لسان الزمان والطيرة عنوان الحدثان\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-952> فضابط الفرق بينهما:</span>\nأن الطيرة عامل في عقد العزم على المضي أو الترك.\nأما الفأل فإن العزم موجود ولكن التفاؤل زاده سرورًا وحسن ظن، ولذلك قال الرسول - ﷺ -: \"الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم\" ولم يقل يمضي لأجلها أحدكم - والله أعلم -.\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \"فكل ما يحدثه الإنسان بحركته تغيير شيء من الأجسام ليستخرج به علم ما يستقبله فهو من هذا الجنس - يعني التطير وما يشابهه\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة ٢/ ٢٤٦، ٢٤٧، والمنهاج في شعب الإيمان للحليمي ٢/ ٢٥، وفتح الباري ١٠/ ٢٥٥.\n(^٢) في الأصل \"تعرفة\" ولعله خطأ في الطباعة.\n(^٣) مفتاح دار السعادة ٢/ ٢٤٥.","vol":"3","page":159},{"text":"- قال: بخلاف الفأل الشرعي وهو الذي كان يعجبه - ﷺ - وهو أن يخرج متوكلًا على الله فيسمع الكلمة الطيبة. وكان يعجبه الفأل ويكره الطيرة لأن الفأل تقوية لما فعله بإذن الله والتوكل عليه، والطيرة معارضة لذلك، فيكره للإنسان أن يتطير، وإنما تضر الطيرة من تطير لأنه أضر بنفسه، فأما المتوكل على الله فلا\" (^١).\nوقال أيضًا: \"فهو في كل واحد من محبته للفأل وكراهته للطيرة إنما يسلك مسلك الاستخارة لله والتوكل عليه والعمل بما شرع له من أسباب، لم يجعل الفأل آمرًا له وباعثًا له على الفعل، ولا الطيرة ناهية له عن الفعل، وإنما يأتمر وينتهي عن مثل ذلك أهل الجاهلية الذين يستقسمون بالأزلام .. \" (^٢).\nوقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن - ﵀ -: \"وأما الفأل فيسر به العبد ولا يعتمد عليه بخلاف ما يمضيه أو يرده فإن للقلب عليه نوع اعتماد\" (^٣).\nوقال الشيخ السعدي - ﵀ -: \"والفرق بينهما أن الفأل الحسن لا يخل بعقيدة الإنسان ولا بعقله وليس فيه تعليق القلب بغير الله بل فيه من المصلحة النشاط والسرور وتقوية النفوس على المطالب النافعة\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-953>٣ - هل الفأل من الطيرة</span>؟:\nجاء في حديث عروة السابق قال: ذكرت الطيرة عند رسول الله - ﷺ - فقال: \"خيرها الفأل\". وليس المراد بأن الفأل من الطيرة المحرمة قال الحافظ: \"وقوله: \"وخيرها الفأل\" قال الكرماني تبعًا لغيره: هذه الإضافة تشعر بأن الفأل من جملة الطيرة، وليس كذلك، بل هي إضافة توضيح\" (^٥).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٤/ ٨٠.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٢٣/ ٦٧.\n(^٣) فتح المجيد ص ٥٢٦.\n(^٤) القول السديد ص ٨٨.\n(^٥) فتح الباري ١٠/ ٢٢٥.","vol":"3","page":160},{"text":"وقال ابن القيم - ﵀ -: \"أخبر - ﷺ - أن الفأل من الطيرة وهو خيرها فأبطل الطيرة وأخبر أن الفأل منها ولكنه خير منها، ففصل بين الفأل والطيرة لما بينهما من الامتياز والتضاد ونفع أحدهما ومضرة الآخرة ونظير هذا منعه من الرقى بالشرك وإذنه في الرقية إن لم يكن فيها شرك لما فيها من المنفعة الخالية من المفسدة\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-954>٤ - أخذ الفأل من المصحف:</span>\nقال الدميري: \"جزم الإمام القاضي أبو بكر ابن العربي في الأحكام في سورة المائدة بتحريم أخذ الفأل من المصحف ونقله القرافي عن العلامة أبي الوليد الطرطوشي وأقره وأباحه ابن بطة من الحنابلة قال ومقتضى مذهبنا - يقصد مذهب الشافعي - كراهته\" (^٢).\nوقال ابن تيمية - ﵀ -: \"وأما استفتاح الفأل في المصحف فلم ينقل عن السلف فيه شيء، وقد تنازع فيه المتأخرون وذكر القاضي أبو يعلى فيه نزاعًا، وذكر عن ابن بطة أنه فعله، وذكر عن غيره أنه كرهه، فإن هذا ليس الفأل الذي يحبه رسول الله - ﷺ - فإنه كان يحب الفأل ويكره الطيرة\" (^٣).\nقال الشيخ سليمان بن حمدان: \"وأما التشاؤم بقراءة سورة أو آية من كتاب الله فحرام أيضًا لما تقدم، وهكذا التشاؤم بالأذكار والأدعية المأثور\" (^٤)\nوقد ذكر الشيخ سيدي عبد الله الشنقيطي الفألَ ضمن أنواع علوم الشر، وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي معقبًا على ذلك: \"ومراده بالفأل: الفأل المكتسب، كأن يريد إنسان التزوج أو السفر مثلًا فيخرج ليسمع ما يفهم منه الإقدام أو\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة ٢/ ٢٤٥.\n(^٢) حياة الحيوان الكبرى ١/ ٧٢، ٢/ ٩٩.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٢٣/ ٦٦.\n(^٤) الدرر السنية ١٠/ ٣٤٤.","vol":"3","page":161},{"text":"الإحجام، ويدخل فيه النظر في المصحف لذلك ولا يخفى أن ذلك من أنواع الاستقسام بالأزلام. أما ما يعرض من غير اكتساب كأن يسمع قائلًا يقول: يا مفلح؛ فليس من هذا القبيل كما جاءت به الأحاديث الصحيحة\" (^١).\nوقال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -: \"وبعض الناس قد يفتح المصحف لطلب التفاؤل، فإذا نظر ذكر النار تشاءم، وإذا نظر ذكر الجنة قال: هذا فأل طيب فهذا مثل عمل الجاهلية الذين يستقسمون بالأزلام\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-955>٥ - مسألة:</span>\nحديث بريدة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - كان لا يتطير من شيء، وكان إذا بعث عاملًا سأل عن اسمه فإذا أعجبه اسمه فرح به ورُئِيَ بِشرُ ذلك في وجهه، وإن كره اسمه رُئي كراهية ذلك في وجهه، وإذا دخل قرية سأل عن اسمها فإن أعجبه اسمها فرح بها، ورُئِيَ بشر ذلك في وجهه، وإن كره اسمها رُئي كراهية ذلك في وجهه\" (^٣).\nهذا الحديث يدل على الفأل الحسن ولا يدل على التشاؤم ولابد أن يعلم أن هناك ارتباطًا بين الاسم والمسمى كما قال ابن القيم: \"اعلم أن بين الأسماء ومسمياتها ارتباط قدره العزيز القادر وألهمه نفوس العباد، وجعله في قلوبهم بحيث لا تنصرف عنهم وليس هذا الارتباط هو ارتباط العلة بمعلولها، ولا ارتباط المقتضى الموجب لمقتضاه وموجبه، بل ارتباط تناسب وتشاكل اقتضته حكمة الحكيم، فقل أن ترى اسمًا قبيحًا إلا وبين مسماه وبينه رابط من القبح، وكذلك إذا تأملت الاسم الثقيل الذي تنفر عنه الأسماع وتنبو عنه الطباع، فإنك تجد مسماه يقارب أو يُلم أن يطابق ولهذا من المشهور على ألسنة الناس أن الألقاب تنزل من\n_________\n(^١) أضواء البيان ٤/ ٤٩٣.\n(^٢) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٩/ ٥٦٧. وانظر: القول المفيد لابن عثيمين ٢/ ٨٦.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٣٩٢٠)، والإمام أحمد (٢٣٣٣٤).","vol":"3","page":162},{"text":"السماء فلا تكاد تجد الاسم الشنيع القبيح إلا على مسمى يناسبه .. والمقصود أن هذه المناسبة تنضم إلى ما جعل الله في طبائع الناس وغرائزهم من النفرة من الاسم القبيح المكروه وكراهته وتطير أكثرهم به، وذلك يوجب عدم ملابسته ومجاوزته إلى غيره، فهذا أصل هذا الباب\" (^١).\nوأما قول النبي - ﷺ -: \"إذا بعثتم إليَّ بريدًا فابعثوه حسن الوجه حسن الاسم\" (^٢).\nوما روي عن يحيى بن سعيد أن رسول الله - ﷺ - قال للِقحةٍ تُحلب: \"من يحلب هذه؟ \" فقام رجل: فقال النبي - ﷺ -: \"ما اسمك؟ \" فقال: مرة. فقال - ﷺ -: \"اجلس\" ثم قال: من يحلب هذه؟ فقام رجل فقال: ما اسمك؟ فقال الرجل: حرب. فقال له النبي - ﷺ -: اجلس. ثم قال: \"من يحلب هذه؟ \" فقام رجل فقال له: \"ما اسمك؟ \" قال: يعيش. فقال النبي - ﷺ -: \"يعيش يحلب الناقة\" (^٣). زاد ابن وهب في جامعه في هذا الحديث: \"فقام عمر بن الخطاب فقال: أتكلم يا رسول الله أم أصمت؟ قال: بل اصمت. وأخبرك بما أردت، ظننت يا عمر أنها طيرة، ولا طير إلا طيره، ولا خير إلا خيره، ولكن أحب الفأل\" (^٤).\nفزيادة ابن وهب في جامعه دلت على أن هذا ليس من التطير وإنما تفاؤلًا وسبب ذلك - والله أعلم - أنه يمكن أن يكون هذا منه - ﷺ - على سبيل التأديب لأمته، لئلا يتسموا بالأسماء القبيحة، وليبادر من أسلم منهم وله اسم قبيح إلى إبداله بغيره من غير إيجاب له ولا إلزام والنفوس السليمة والفطر السليمة تنفر من الاسم القبيح (^٥).\n_________\n(^١) باختصار من مفتاح دار السعادة ٢/ ٢٣٦.\n(^٢) كنز العمال (١٤٧٧٧)، وأخرجه البزار وقال الحافظ: صحيح. وكذا قال الهيثمي في الزوائد. وانظر: السسلة الصحيحة ١١٨٦.\n(^٣) مجمع الزوائد للهيثمي ٨/ ٤٧، وابن عبد البر في التمهيد ٢٤/ ٧١ وقال الهيثمي: إسناده حسن.\n(^٤) مفتاح دار السعادة ٣/ ٣١٦.\n(^٥) مفتاح دار السعادة ٢/ ٢٤٨.","vol":"3","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-956>٢١٥ - الفترة</span>\nانظر: باب (أهل الفترة).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-957>٢١٦ - الفرقه الناجية</span>\nانظر: باب (أهل السنة والجماعة).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-958>فضل التوحيد</span>\nانظر: باب (التوحيد وأقسامه).","vol":"3","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-959>٢١٧ - الفسق </span>*\nالفسق في اللغة: الخروج. قال الفيروزابادي: \"\"الفسق\": بالكسر الترك لأمر الله تعالى والعصيان والخروج عن طريق الحق أو الفجور كالفسوق فسق وضرب وكرم فسقًا وفسوقًا ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ خروج عن الحق، وفسق جار وعن أمر ربه خرج، والرطبة عن قشرها خرجت كانفسقت قيل ومنه الفاسق لانسلاخه الخير\" (^١).\nوقال ابن الأثير: \"أصل الفُسق: الخُروج عن الاسْتِقامة، الجَوْر، وبه سُمِّى العاصِي فاسِقًا، وإنَّما سُمِّيت هذه الحيواناتُ فَواسِقَ، على اسْتِعارة لخُبْثِهنّ. وقيل لخُروجِهنّ من الحُرْمة في الحِلّ والحرَم: أي لا حُرْمةَ لهنّ بحال. ومنه الحديث أنه سَمَّى الفأرةَ \"فُوَيْسِقَة\" تصغير فاسِقة؛ لخروحها من جُحْرها على الناس وإفسادِها\" (^٢).\nوقال الرازي: \"الفسِّيق: دائم الفسق\" (^٣).\nوشرعًا: يقول ابن عطية: \"الفسق في عرف الاستعمال الشرعي: الخروج من طاعة الله - ﷿ -، فقد يقع على من خرج بكفر، وعلى من خرج بعصيان\" (^٤).\nوقال ابن حجر: \"الفسق في الشرع الخروج عن طاعة الله ورسوله وهو في عرف الشرع أشد من العصيان\" (^٥).\n_________\n* تعظيم قدر الصلاة ٢/ ٥٢٦، فتح الباري ١/ ١٣٤، الدرر السنية ١/ ٤٧٠، ٧/ ٥٥٥، ٨/ ١٩٧، ١٠/ ٣٧٤، ١١/ ٤٦٩، المنتقى من فتاوى الشيخ صالح الفوزان ١/ ٢٦٤.\n(^١) القاموس المحيط (ف س ق).\n(^٢) النهاية (ف س ق).\n(^٣) مختار الصحاح (ف س ق)\n(^٤) تفسير ابن عطية ١/ ١٥٥.\n(^٥) فتح الباري ١/ ١١٢.","vol":"3","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-960>أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-961>١ - أقسام الفسق وأنواعه:</span>\nالفسق قسمان: فسق ينقل عن الملة، وفسق لا ينقل عن الملة:\nجاء عن ابن عباس وطاووس وعطاء وغيرهم من أهل العلم أنه \"كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق\" (^١).\nوجاء عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ [المائدة: ٤٧] قال: العاصون (^٢).\nوذكر القسمين الإمام المروزي فقال: \"وكذلك الفسق فاحتطنا فسقٌ ينقل عن الملة وفسقٌ لا ينقل عن الملة فيسمى الكافر فاسقًا والفاسق من المسلمين فاسقًا ذكر الله إبليس فقال: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ وكان ذلك الفسق منه كفرًا وقال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ يريد الكفار دل على ذلك قوله: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾ [السجدة: ٢٠]، وسمي القاذف من المسلمين فاسقا ولم يخرجه من الإسلام قال الله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: ٤]، وقال: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، فقال العلماء في تفسير الفسوق ههنا هي المعاصي فكما كان الظلم ظلمين والفسوق فسقين كذلك الكفر كفران، أحدهما ينقل عن الملة، والآخر لا ينقل عنها\" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في سننه (٢٦٣٥)، ص ٥٩٨، وابن جرير في تفسيره ٦/ ٢٥٦، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة ٢/ ٢١، ٥٢٢. وابن أبي حاتم ٤/ ١١٤٢، ١١٤٦، أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٣١٣.\n(^٢) ابن أبي حاتم ٤/ ١١٤٨.\n(^٣) تعظيم قدر الصلاة ٢/ ٥٢٦.","vol":"3","page":166},{"text":"وقال الشيخ صالح الفوزان: \"الفسق فسقان: فسق ينقل عن الملة وهو الكفر، فيسمى الكافر فاسقًا فقد ذكر الله إبليس فقال: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ وكان ذلك الفسق منه كفرًا. وقال الله تعالى ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ يريد الكفار. دل على ذلك قوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾ [السجدة: ٢٠]، ويسمي العاصي من المسلمين فاسقًا ولم يخرجه فسقه من الإسلام قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: ٤]، وقال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] وقال العلماء في تفسير الفسوق هنا: هو المعاصي (^١) \" (^٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: ٧] قال الشيخ صالح الفوزان: \"ذكر - ﷾ - في هذه الآية الكريمة أنواع المعاصي الثلاثة: المعاصي التي تُخرِجُ من الملَّة؛ كالكفر والشِّرك بالله - ﷿ -، والمعاصي الكبائر التي هي دون الشِّرك والكفر؛ فلا تخرج من الملَّة، ولكنها تُنقِصُ الإيمانْ نقصًا ظاهرًا؛ كالزِّنى والسَّرقة وشرب الخمر وغير ذلك من الكبائر، وسُمِّيت فسوقًا، وصاحبُها فاسقًا، لأنَّ الفسق معناه الخروج عن طاعة الله - ﷿ -، وذكر المعاصي التي هي دون الكبائر، ولا تقتضي الفِسقَ، وهي صغائرُ الذُّنوب.\nفأخبر سبحانه أنه كرَّهَ هذه الأنواع الثلاثة إلى أهل الإيمان، وحبَّبَ إليهم أنواع الطاعات والقُرُبات\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر: فتح الباري لابن حجر ١/ ١٣٤.\n(^٢) كتاب التوحيد ص ٢٥.\n(^٣) المنتقى من فتاوى الشيخ صالح الفوزان ١/ ٢٤٤.","vol":"3","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-962>٢ - تنبيه:</span>\nارتبط الفسق الذي لا ينقل عن الملة بالكبائر كما جاء في التعريفات السابقة وقال النووي - ﵀ -: \"وأما الفسق فيحصل بارتكاب الكبيرة أو الإصرار على الصغيرة\" (^١).\n* وضابط الكبيرة عند العلماء:\nقال ابن عباس - ﵄ -: \"الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب\" (^٢).\n\nوتقدم في باب التكفير<span data-type=\"title\" id=toc-963> تعريف الكبيرة </span>وأقوال العلماء في ذلك والأشهر في تعريفها ما ذكره السفاريني - ﵀ - أن: \"الكبيرة كل معصية فيها حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة، وزاد شيخ الإسلام: أو ورد فيها وعيد بنفي إيمان أو لعن ونحوهما (^٣)، وقيل ما لحق صاحبها وعيد شديد بنص كتاب أو سنة\" (^٤).\nتعريف الكبيرة (^٥):\nعن ابن عباس - ﵄ - في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [النساء: ٣١]. قال: الكبائر كل ذنب\n_________\n(^١) فتاوى النووي ص ٢٦١.\n(^٢) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره ٥/ ٤١.\n(^٣) أو كالتبرؤ من فاعلها، أو قوله - ﷺ -: \"ليس منا .. \".\n(^٤) لوامع الأنوار ص ٣٦٥.\n(^٥) انظر شرح مسلم للنووي ٢/ ٨٤ - ٨٧، مجموع الفتاوى ١١/ ٦٤٥، ٦٥٥، ١/ ٦٥٧. ومدارج السالكين ١/ ٣٢١، ٣٢٧، الجواب الكافي ص ١٦٨ - ١٧١. وشرح العقيدة الطحاوية ص ٤١٧، ٤١٨. والإنصاف للمرداوي ٢/ ٤٦، والزواجر عن اقتراف الكبائر للهيثمي ١/ ٥، ١٠. وفتح الباري لابن حجر ١٠/ ٤١٠، ٤١٢. والدر المنثور للسيوطي ٢/ ٤٩٨، ٥٠٠. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة ص ٥٤٠، ٥٤١.","vol":"3","page":168},{"text":"ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب\" (^١).\nوقال القاضي أبو يعلى: \"وقد حدّ أحمد - ﵀ - الكبائر: بما يوجب حدا في الدنيا أو وعيدًا في الآخرة\" (^٢).\nوقال الماوردي من الشافعية: \"الكبيرة ما وجبت فيه الحدود أو توجه إليها الوعيد\" (^٣).\nوقال السفاريني: \"والكبيرة كل معصية فيها حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة، وزاد شيخ الإسلام: أو ورد فيها وعيد بنفي إيمان أو لعن ونحوهما، وقيل ما لحق صاحبها وعيد شديد بنص كتاب أو سنة\" (^٤).\nوقال القرطبي في المفهم: \"كل ذنب أطلق عليه بنص كتاب أو سنة أو إجماع أنه كبيرة أو عظيم أو أخبر فيه بشدة عقاب أو علق عليه حد أو شدد النكير عليه من القرآن والأحاديث الصحيحة والحسنة، ويضم إلى ما ورد فيه التنصيص في القرآن والأحاديث الصحاح والحسان على أنه كبيرة، فمهما بلغ مجموع ذلك عرف منه تحرير عدها\" (^٥)، وسوف يأتي فريد بحث عن الكبيرة في باب (الفسق).\nوقد تبين أن مرتكب الكبيرة لا يكفر بل هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته.\nقال أبو عثمان الصابوني - ﵀ - مقررا عقيدة السلف في هذه المسألة: \"ويعتقد أهل السنة أن المؤمن وإن أذنب ذنوبا كثيرة صغائر وكبائر فإنه لا يكفر بها، وإن خرج من الدنيا غير تائب منها، ومات على التوحيد والإخلاص، فإن أمره إلى الله\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره ٥/ ٤١.\n(^٢) العدة ٣/ ٩٤٦.\n(^٣) فتح الباري ١٠/ ٤١٠.\n(^٤) لوامع الأنوار ص ٣٦٥.\n(^٥) فتح الباري ١٠/ ٤١٠، ٤١١ ط. السلفية.","vol":"3","page":169},{"text":"- ﷿ - إن شاء عفا عنه، وأدخله الجنة يوم القيامة سالما غانما، غير مبتلى بالنار ولا معاقب على ما ارتكب واكتسبه ثم استصحبه إلى يوم القيامة من الاثام والأوزار، وإن شاء عفا عنه وعذبه مدة بعذاب النار، وإذا عذبه لم يخلده في النار، بل أعتقه وأخرجه منها إلى نعيم دار القرار\" (^١).\nوفي لوامع الأنوار قال: \"قال الحافظ العلامة شمس الدين محمد بن عبد الهادي الحنبلي من بني قدامة في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه: \"أول خلاف حدث في الملة في الفاسق الملي هل هو كافر أو مؤمن؟\nفقالت الخوارج: إنه كافر.\nوقالت جماعة: إنه مؤمن.\nوقالت طائفة المعتزلة: هو لا مؤمن ولا كافر منزلة بين منزلتين وخلدوه في النار.\nواعتزلوا حلقة الحسن البصري وأصحابه فسموا معتزلة.\nوأما أهل السنة فلم يخرجوه من الإسلام ولم يحكموا عليه بخلود في النار وإنما هو فاسق بكبيرته مؤمن بإيمانه، وهو تحت مشيئة الله تعالى ولهذا قال:\nويفسق المذنب بالكبيرة ... كذا إذا أصر بالصغيرة\nلا يخرج المرء من الإيمان ... بموبقات الذنب والعصيان\" (^٢)\nوقال الإمام ابن باز - ﵀ -: \"ولهذا شرع الله في حق الزاني الحد بالجلد إذا كان بكرًا يجلد مائة جلدة ويغرّب عامًا، وهكذا شارب السكر يجلد ولا يقتل، وهكذا السارق تقطع يده ولا يقتل. فلو كان الزنا وشرب السكر والسرقة توجب الكفر الأكبر لقُتلوا لقول النبي - ﷺ -: \"من بدل دينه فاقتلوه\" (^٣) \" (^٤).\n_________\n(^١) عقيدة أصحاب أهل الحديث من الرسائل الكمالية ص ١٠٣، ١٠٤.\n(^٢) لوامع الأنوار ص ٣٦٤.\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٠١٧) (٦٩٢٢).\n(^٤) مجموع الفتاوى لابن باز ص ٥٩١.","vol":"3","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-964>٣ - التحذير من التفسيق بغير دليل شرعي ولا علم:</span>\nقال شيخ الإسلام - ﵀ -: \"إن الكفر والفسق أحكام شرعية، ليس ذلك من الأحكام التي يستقل بها العقل. فالكافر من جعله الله ورسوله كافرًا، والفاسق من جعله الله ورسوله فاسقًا، كما أن المؤمن من جعله الله ورسوله مؤمنًا ومسلمًا، والعدل من جعله الله ورسوله عدلًا، والمعصوم الدم من جعله الله ورسوله معصوم الدم، والسعيد في الآخرة من أخبر الله ورسوله عنه أنه سعيد في الآخرة، والشقي فيها من أخبر الله ورسوله عنه أنه شقي فيها ... والحلال ما حلله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله. فهذه المسائل كلها ثابتة بالشرع. وأما الأمور التي يستقل بها العقل فمثل الأمور الطبيعية، مثل كون هذا المرض ينفع فيه الدواء الفلاني، فإن مثل هذا يعلم بالتجربة والقياس وتقليد الأطباء الذين علموا ذلك بقياس أو تجربة\" (^١).\nوقال أيضًا - ﵀ -: \"هذا مع أني دائمًا، ومن جالسني يعلم ذلك مني، أني من أعظم الناس نهيًا عن أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرًا تارة، وفاسقًا أخرى، وعاصيًا أخرى. وأني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، ذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية، والمسائل العملية، ما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل، ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر ولا بفسق ولا بمعصية\" (^٢).\nوقد تقدم تفصيل ذلك في باب (التكفير).\n_________\n(^١) منهاج السنة ٥/ ٩٢، ٩٣.\n(^٢) الفتاوى ٣/ ٢٢٩.","vol":"3","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-965>٢١٨ - الفطرة</span>\nقال الراغب: \"أصل الفطر: الشق طولا ويطلق على الوهي وعلى الاختراع وعلى الإيجاد\" (^١).\nقال أبو شامة: \"أصل الفطرة: الخلقة المبتدأة\" (^٢) ومنه قوله تعالى: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الشورى: ١١]. أي المبتدئ خلقهن وقال: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٥١]. قال ابن كثير: \"أي خلقكم ولم تكونوا شيئا\" (^٣). قال ابن الأثير: \"الفطرة: أي الابتداء والاختراع، والفطرة الحالة منه كالجِلسة والرِّكْبة\" (^٤).\n* وفي الاصطلاح الشرعي: المراد بالفطرة الإسلام وهو قول السلف.\nقال ابن حجر: \"وأشهر الأقوال أن المراد بالفطرة: الإسلام، قال ابن عبد البر (^٥): هو المعروف عند عامة السلف. وأجمع أهل العلم بالتأويل على أن المراد بقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] الإسلام، واحتجوا بقول أبي هريرة في آخر الباب (^٦): اقرؤوا إن شئتم ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ وبحديث عياض بن حمار عن النبي - ﷺ - فيما يرويه عن ربه: \"إني خلقت\n_________\n(^١) المفردات (ف ط ر).\n(^٢) فتح الباري ١٢/ ٤٥٩.\n(^٣) تفسير القرآن العظيم ٣/ ٤٤.\n(^٤) النهاية واللسان (ف ط ر).\n(^٥) انظر قوله في التمهيد ١٨/ ٧٢.\n(^٦) يعني حديث \"كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ\".","vol":"3","page":172},{"text":"عبادي حنفاء كلهم فاجتالتهم الشياطين عن دينهم\" (^١) وقد رواه غيره فزاد فيه \"حنفاء مسلمين\" ورجحه بعض المتأخرين بقوله تعالى ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ لأنها إضافة مدح، وقد أمر نبيه بلزومها، فعلم أنها الإسلام\" (^٢) ولما سئل الإمام أحمد عن الفطرة قال: \"هي الدين\" (^٣).\n* الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠].\n* الدليل من السنة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - \" كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَثَل الْبَهِيمَةِ تُنْتَجُ الْبَهيمَةَ هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ\" (^٤).\nوفي رواية أبي داود: \"كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَواهُ يُهَوِّدَانِهِ ويُنَصِّرَانِهِ كما تنتج الإبل من بهيمة جمعاء هل تحس من جدعاء؟ قالوا: يا رسول الله أفرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: \"الله أعلم بما كانوا عاملين\"\" (^٥).\nوقيل في معنى الفطرة أقوالًا أخرى منها:\nالعهد والميثاق الذي أخذه الله على بني آدم وهم في ظهور أبيهم (^٦).\nوقال ابن المبارك وهو مروي عن الإمام أحمد أن المراد: \"ما يصير إليه من شقاوة أو سعادة\" (^٧).\n_________\n(^١) المعجم الكبير للطبراني (١٧/ ٣٦٠).\n(^٢) فتح الباري ٣/ ٢٩٢، ٢٩٣.\n(^٣) المسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة ١/ ١٨١.\n(^٤) أخرجه البخاري (١٣٨٥).\n(^٥) أبو داود (٤٧١٤).\n(^٦) معالم السنن ٤/ ٢٩٩، شرح السنة للبغوي ١/ ١٥٨.\n(^٧) مجموع الفتاوى لابن تيمية ٤/ ٢٤٦. فتح الباري ٣/ ٢٩٤.","vol":"3","page":173},{"text":"وقال في هذا شيخ الإسلام: \"هذا القول لا ينافي الأول \"الإسلام\" فإن الطفل يولد سليمًا وقد علم الله أنه سيكفر فلا بد أن يصير إلى ما سبق له في أم الكتاب كما تولد البهيمة جمعاء وقد علم الله أنها ستجدع ... الخ\" (^١).\nوقيل المراد بالفطرة: \"الخلقة: أي يولد سالمًا لا يعرف كفرًا ولا إيمانا ثم يعتقد إذا بلغ التكليف\" (^٢).\nوقد رد هذا القول شيخ الإسلام - ﵀ - حيث قال: \"وقولكم خلقوا خالين من المعرفة والإنكار من غير أن تكون الفطرة تقتضي واحدًا مثهما بل يكون القلب كاللوح الذي يقبل كتابة الإيمان والكفر وليس هو لأحدهما أقبل منه للآخر فهذا القول فاسد جدًّا وأيضًا فالنبي - ﷺ - شبهها بالبهيمة المجتمعة الخلق وشبه ما يطرأ عليها من الكفر بجدعة الأنف ومعلوم أن كمالها محمود ونقصها مذموم فكيف تكون قبل النقص لا محمودة ولا مذمومة والله أعلم\" (^٣).\nوقيل المراد به: \"البداءة التي ابتدأهم عليها\" (^٤).\nوقيل أن المراد: \"تمكن الناس من الهدى في أصل الجبلة، والتهيؤ لقبول الدين، فلو ترك المرء عليها لاستمر على لزومها، ولم يفارقها إلى غيرها؛ لأن حسن هذا الدين ثابت في النفوس، وإنما يعدل عنه لآفة من الآفات البشرية كالتقليد\" (^٥).\n* والصواب أن المراد بالفطرة الإسلام، كما تقدم في نقل ابن عبد البر الإجماع على ذلك، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"إنها فطرة الله التي فطر الناس عليها وهي فطرة الإسلام، وهي الفطرة التي فطرهم عليها يوم قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٤/ ٢٤٦.\n(^٢) انظر: فتح الباري ٣/ ٢٩٤.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٤/ ٢٤٤.\n(^٤) شفاء العليل ص ٤٨٠.\n(^٥) هذا قول الطيبي. قال الحافظ: وإلى هذا مال القرطبي (فتح ٣/ ٢٩٣).","vol":"3","page":174},{"text":"[الأعراف. ١٧٢]، وهي السلامة من الاعتقادات الباطلة والقبول للعقائد الصحيحة\" (^١).\nوقال ابن القيم - ﵀ -: \"وهكذا شأن الشرائع التي جاءت بها الرسل فإنها أمر بمعروف ونهي عن منكر وإباحة طيب وتحريم خبيث وأمر بعدل ونهي عن ظلم وهذا كله مركوز في الفطرة وكمال تفصيله وتبيينه موقوف على الرسل وهكذا باب التوحيد وإثبات الصفات فإن في الفطرة الإقرار بالكمال المطلق الذي لا نقص فيه للخالق سبحانه ولكن معرفة هذا الكمال على التفصيل مما يتوقف على الرسل وكذلك تنزيهه عن النقائص والعيوب هو أمر مستقر في فطر الخلائق\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"سبب اختلاف العلماء في معنى الفطرة في هذا الحديث أن القدرية كانوا يحتجون به على أن الكفر والمعصية ليسا بقضاء الله بل مما ابتدأ الناس إحداثه فحاول جماعة من العلماء مخالفتهم بتأويل الفطرة الله معنى الإسلام ولا حاجة لذلك لأن الآثار المنقولة عن السلف تدل على أنهم لم يفهموا من لفظ الفطرة إلا الإسلام ولا يلزم من حملها على ذلك موافقة مذهب القدرية لأن قوله \"فأبواه يهودانه .. \" إلخ محمول على أن ذلك يقع بتقدير الله تعالى، ومن ثم احتج عليهم مالك بقوله في آخر الحديث \"الله أعلم بما كانوا عاملين\"\" (^٣).\n_________\n(^١) الفتاوى ٤/ ٢٤٥.\n(^٢) شفاء العليل ابن القيم ٣٠٢.\n(^٣) فتح الباري ٣/ ٢٩٤.","vol":"3","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-966>٢١٩ - قاضي القضاة ونحوه</span>*\n<span data-type=\"title\" id=toc-967>[احترام أسماء الله]</span>\nلله وحده من الأسماء أحسنها ومن الصفات أكملها ومن تسمى باسم يحمل معنى العظمة والكبرياء التي لا تليق إلا به فإنه عند الله من أوضع الناس كقاضي القضاة وشاهان شاه (^١) وكملك الملوك، لأن هذا فيه مضاهاة لله، فلذلك صار المتسمي بهذا الاسم من أبغض الناس إلى الله، وأوضعهم عنده. فالتسمي بقاضي القضاة وشاهان شاه ونحوها منافِ لكمال التوحيد.\n* الدليل من السنة: وفي الصحيح عَنْ أَبي الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رِوَايَةً قَالَ: \"أَخْنَعُ اسْمٍ عِنْدَ الله\" وَقَالَ سُفْيَانُ غَيْرَ مَرَّةٍ: \"أَخْنَعُ الأَسْمَاءِ عِنْدَ الله رَجُلٌ تَسَمَّى بِمَلِكِ الأَمْلاكِ\" قَالَ سُفْيَانُ: يَقُولُ غَيْرُهُ تَفْسِيرُهُ شَاهَانْ شَاهْ (^٢).\nوَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ - \"أَغْيَظُ رَجُلٍ عَلَى اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَخْبَثُهُ وَأَغْيَظُهُ عَلَيْهِ رَجُلٌ كَانَ يُسَمَّى مَلِكَ الأَمْلاكِ، لا مَلِكَ إِلا اللهُ\" (^٣).\nقوله أخنع يعني: أوضع.\nعَن أَبي هرَيرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"اشْتَدَّ غَضبُ اللهِ - ﷿ - عَلَى رَجُلٍ\n_________\n* تيسير العزيز الحميد ص ٦١٩. فتح المجيد ص ٥٠٥. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٣١٤. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٣/ ٣، ط ٢ - ٣/ ٥ ومن المجموع ١٠/ ٨٣٣. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٤/ ٤٦١. منهج الحافظ ابن رجب في العقيدة ص ٣٨٩. منهج ابن حجر في العقيدة ص ١٠٨٠.\n(^١) هو عبارة عند العجم عن ملك الأملاك، وهذا تمثيل لا حصر ويحمل عليه ما شابهه من الألقاب كحاكم الحكام وسلطان السلاطين وسيد السادات وما أشبه ذلك من الألقاب الفخمة.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٢٠٦) ومسلم (٢١٤٣) وأبو داود (٤٩٦١) والترمذي (٢٨٣٧).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢١٤٣)، وأحمد (٨١٦١).","vol":"3","page":176},{"text":"قَتَلَهُ نبيُّهُ وَقَالَ رَوْحٌ: قَتَلَهُ رَسُولُ اللهِ وَاشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى رجُلٍ تَسَمَّى بِمَلِكِ الأمْلاكِ لا مُلْكَ إِلا لِلَّهِ - ﷿\" (^١).\nقال ابن رجب في ذيل الطبقات في آخر ترجمة رزق الله التميمي:\n\"وذكر ابن الجوزي في تاريخه: أن جلال الدولة أمره أمره يكتب شاهنشاه الأعظم ملك الملوك وخطب له بذلك فنفر العامة، ورحموا الخطباء، ووقعت فتنة وذلك سنة تسع وعشرين وأربعمائة فاستفتى الفقهاء، فكتب الصميري:\nأن هذه الأسماء يعتبر فيها القصد والنية.\nوكتب أبو الطيب الطبري: أن إطلاق ملك الملوك جائز، لكون معناه ملك ملوك الأرض. وإذا جاز أن يقال قاضي القضاة، وكافي الكفاة، جاز أن يقال ملك الملوك. وكتب التميمي نحو ذلك. وذكر محمد بن عبد الملك الهمذاني. أن القاضي الماوردي منع من جواز ذلك.\nقال ابن الجوزي: والذي ذكره الأكثرون هو القياس إذا قصد به ملوك الدنيا، إلا أني لا أرى إلا ما رآه الماوردي (^٢)؛ لأنه قد صح في الحديث ما يدل على المنع، لكنهم عن النقل بمعزل. ثم ساق حديث أبي هريرة الذي في الصحيحين.\nوابن الجوزي وافق على جواز التسمية بقاضي القضاة ونحوه.\nوقد ذكر شيخنا أبو عبد الله بن القيم وفي معنى ذلك - يعني: ملك الملوك - كراهية التسمية بقاضي القضاة، وحاكم الحكام، فإن حاكم الحكام في الحقيقة هو الله تعالى.\nوقد كان جماعة من أهل الدين والفضل يتورعون عن إطلاق لفظ قاضي\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٠٣٨٩).\n(^٢) قال المناوي: \"ومنع الماوردي من جواز تلقيب الملك الذي كان في عصره بملك الملوك\" فيض القدير ١/ ٢٢٠.","vol":"3","page":177},{"text":"القضاة، وحاكم الحكام قياسًا على ما يبغض الله ورسوله من التسمية بملك الملوك. وهذا محض قياس.\nقلت: وكان شيخنا أبو عمر عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن جماعة الكناني الشافعي قاضي الديار المصرية وابن قاضيها، يمنع الناس أن يخاطبوا بقاضي القضاة أو يكتبوا له ذلك وأمرهم أن يبدلوا بقاضي المسلمين. وقال: إن هذا اللفظ مأثور عن علي - ﵁ -.\nيوضح ذلك: أن التلقيب بملك الملوك إنما كان من شعائر ملوك الفرس من الأعاجم المجوس ونحوهم. وكذلك كان المجوس يسمون قاضيهم \"موبذ موبذان\" يعنون بذلك: قاضي القضاة. فالكلمتان من شعائرهم، ولا ينبغي التسمية بها والله أعلم\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-968>أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-969>١ - الصحيح تحريم إطلاق ملك الأملاك أو قاضي القضاة:</span>\nوالسبب في ذلك أن من تسمى بهذا الاسم فقد جعل نفسه شريكًا مع الله فيما لا يستحقه إلا الله لأنه لا أحد يستحق أن يكون قاضي القضاة، أو حاكم أو ملك الأملاك إلا الله سبحانه (^٢).\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"وقد ألحق أهل العلم بهذا قاضي القضاة وقالوا: ليس قاضي القضاة إلا من يقضي الحق وهو خير الفاصلين الذي إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون، ويلي هذا الاسم في القبح والكراهة والكذب سيد الناس وسيد الكل، وليس ذلك إلا لرسول الله - ﷺ - خاصة كما قال: \"أنا سيد ولد آدم\" (^٣)\n_________\n(^١) ذيل طبقات الحنابلة ٣/ ٨٤، ٨٥.\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١٠/ ٨٣٣. وانظر: القول المفيد لابن عثيمين ٣/ ٣.\n(^٣) مسلم (٢٢٧٨)، وأبو داود (٤٦٧٣).","vol":"3","page":178},{"text":"فلا يجوز لأحد قط أن يقول عن غيره: هو سيد الناس. كما لا يجوز له أن يقول: أنا سيد ولد آدم - ﵇ -.\nوقال ابن أبي حمزة: يلتحق بملك الأملاك قاضي القضاة، وإن كان قد اشتهر في بلاد الشرق من قديم الزمان إطلاق ذلك على كبير القضاة، وقد سلم أهل المغرب من هذا فاسم كبير القضاة عندهم قاضي الجماعة.\nوقد زعم بعض المتأخرين أن التسمي بقاضي القضاة ونحو جائز واستدل له بحديث: \"أقضاكم علي\". قال: فيستفاد منه أن لا حرج على من أطلق على قاض أن يكون أعدل القضاة، وأعلمهم في زمانه أقضى القضاة، أو يريد إقليمه، أو بلده. وتعقبه العالم العراقي، فصوب المنع، ورد ما احتج به بأن التفصيل في ذلك وقع في حق من خوطب به، ومن يلتحق بهم، فليس مساويًا لإطلاق التفضيل بالألف واللام. قال: ولا يخفى ما في ذلك من الجرأة وسوء الأدب، ولا عبرة بقول من وُلِّي القضاة فنعت بذلك، فلذ في سمعه واحتال في الجواز، فإن الحق أحق أن يتبع\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-970>٢ - مسألة: إذا أضيفت إلى طائفة معينة، أو بلد معين، أو فن معين ولم نُطلق مثل قاض قضاة المغرب فهذا جائز </span>لأنه ليس فيه مشاركة لله تعالى وقد جاء في المعجم الأوسط للطبراني أن عمر بن الخطاب قال: \"أقضانا علي\" (^٢). فإن كان يُخشى على النفس من العجب ترك ذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-971>٣ - النهي لا ينحصر في التسمي بملك الأملاك:</span>\nقال ابن حجر: \"وقد تعجب بعض الشراح من تفسير ابن عيينة اللفظة العربية باللفظة الأعجمية وأنكر ذلك آخرون وهو غفلة منهم عن مرده وذلك أن لفظة\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٦٢٠، ٦٢١.\n(^٢) ٧/ ٣٥٧، وانظر سير أعلام النبلاء ١/ ٣٩١.","vol":"3","page":179},{"text":"\"شاهان شاه\" كان قد كثر التسمية به في ذلك العصر فنبه سفيان على أن الاسم الذي ورد الخبر بذمه لا ينحصر في ملك الأملاك بل كل ما أدّى معناه بأي لسان كان فهو مراد بالذم\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-972>٤ - مسألة: حكم التسمي بأسماء الله</span>.\nانظر باب (احترام أسماء الله) في باب (توحيد الأسماء والصفات).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-973>٥ - التسمي بشيخ الإسلام:</span>\nقال شمس الدين محمد السخاوي - ﵀ -: \"أما شيخ الإسلام: فهو يطلق على ما استقرئ من صنيع المعتبرين على المتبع لكتاب الله تعالى وسنة رسوله - ﷺ - مع المعرفة بقواعد العلم والتبحُّر في الاطلاع على أقوال العلماء، والتمكُّن من تخريج الحوادث على النصوص، ومعرفة المعقول والمنقول على الوضع المرضي .. \".\nثم قال: \"ولم تكن هذه اللفظة مشهورة بين القدماء بعد الشيخين: الصديق والفاروق - ﵄ -، الوارد وصفهما بذلك عن علي - ﵁ - فيما ذكره المحب الطبري في \"الرياض النضرة\" (^٢) له بلا إسناد، عن أنس - ﵁ - قال: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب - ﵁ - فقال: يا أمير المؤمنين، سمعتك آنفًا تقول على المنبر: اللهم أصلحني بما أصلحت به الخلفاء الراشدين المهديين، فمن هم؟ قال: فاغرورقت عيناه وأهملهما، ثم قال: أبو بكر وعمر - ﵄ -، إماما الهدى وشيخا الإسلام، ورجلا قريش، والمقتدى بهما بعد رسول الله - ﷺ -، من اقتدى بهما عُصِم، ومن اتبع آثارهما هدي إلى صراط مستقيم، مَن تمسك بهما فهو من حزب الله، وحزب الله هم المفلحون\" (^٣).\n_________\n(^١) فتح الباري ١٠/ ٦٠٦.\n(^٢) الرياض النضرة في مناقب العشرة ١/ ٣٧٩ رقم ٢٧٦.\n(^٣) الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر ١/ ٦٥ - ٦٦.","vol":"3","page":180},{"text":"ثم ذكر من اشتهر بلقب شيخ الإسلام فقال: \"واشتهر بها أبو إسماعيل الهروي، واسمه عبد الله بن محمد الأنصاري صاحب كتاب \"منازل السائرين\" و\"ذم الكلام\"، وكان حنبليًا، وأبو علي حسان بن سعيد المنيعي الشافعي وأبو الحسن علي الهكّاري، قال ابن السمعاني: كان يقال له: شيخ الإسلام، وكان شافعيًا أيضًا.\nوكذا لُقِّب بها من الحنفية: أبو سعيد الخليل بن أحمد بن محمد بن الخليل السجزي، المتوفى بعد السبعين والثلاثمائة، وأبو القاسم يونس بن طاهر بن محمد بن يونس البصري، ذكره ابن منده، ومات سنة إحدى عشرة وأبعمائة، والقاضي أبو الحسن علي بن الحسين بن محمد السعدي المتوفى في سنه إحدى وستين وأربعمائة، وربما لُقِّب ركن الإسلام أيضًا، وأبو نصر أحمد بن محمد بن صاعد الصاعدي، قال فيه الذهبي: أحد من يقال له: شيخ الإسلام، مات سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة، وعلي بن محمد بن إسماعيل بن علي الإسبيجابي، مات سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، وتلميذه صاحب \"الهداية\" برهان الدين علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفرغاني مات في سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، ومحمد بن محمد بن محمد الحُلمي، والعماد مسعود بن شيبة بن الحسين السِّندي، وأبو سعد المطهر بن سليمان الزنجاني، وسديد بن محمد الحنّاطي.\nواشتهر بها الأستاذ أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد الصابوني الشافعي، لقبه بها ابن السمعاني في \"الذيل\"، وتاج الدين ابن الفركاح وهو شافعي، ووصف بها ابن دقيق العيد شيخَه ابن عبد السلام، فقال: هو شيخ الإسلام، وأبو الفرج بن أبي عمر، وهو حنبلي، أول مَنْ ولي قضاء الحنابلة، وابن دقيق العيد، وابن تيمية.\nولم يكن أبو الحجاج المِزِّي يثبتها في عصره لغير ابن تيمية، وابن أبي عمر، والتقيُّ السبكي، وتزايد ظهورها في أيامه وأيام بنيه، خصوصًا بالشام، ثم لقب","vol":"3","page":181},{"text":"السراج البلقيني بها\" (^١).\nوقد أطلق الذهبي في السير على ابن عمر - ﵁ - شيخ الإسلام (^٢).\nكما لقب بهذا اللقب جماعات من أهل العلم منهم ابن المبارك (^٣).\nومنهم أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي، قال الإمام أحمد بن حنبل لرجل سأله: عمَّن أكتب؟ قال: اخرج إلى أحمد بن يونس اليربوعي فإنه شيخ الإسلام (^٤).\nولكن هذا اللقب حصل له من الابتذال ما جعل الجهلة يتلقبون به ويوضح لنا شمس الدين السخاوي ذلك بقوله: \"وابتُذلت هذه اللفظة، فوصف بها على رأس المائة الثامنة، وما بعد ذلك من لا يُحصى كثرة، حتى صار لقبًا لكل من ولي القضاء الأكبر، ولو كان عاريًا عن العلم والسن، وغيرهما، بل صار جهلة الموقعين وغيرهم يجمعون جُلَّ الأوصاف التي لا توجد الآن متفرقة في سائر الناس للشخص الواحد، والعجب ممن يُقرُّهم على ذلك، فإنا لله وإنا إليه راجعون\" (^٥).\nوقال الشيخ بكر أبو زيد: \"وتكره التسمية بكل اسم، أو مصدر، أو صفة مشبهة مضافة إلى لفظ \"الدين\" أو لفظ \"الإسلام\" مثل نور الدين، ضياء الدين، سيف الإسلام، نور الإسلام، وذلك لعظيم منزلة هذين اللفظين: \"الدين\" و\"الإسلام\" فالإضافة إليهما على وجه التسمية فيها دعوى فجة تطل على الكذب، ولهذا نص بعض العلماء على التحريم، والأكثر على الكراهة، لأن منها ما يوهم معاني غير\n_________\n(^١) الجواهر والدرر ١/ ٦٦، ٦٧.\n(^٢) سير أعلام النبلاء ٣/ ٢٠٤.\n(^٣) انظر الجواهر والدرر ١/ ٦٦.\n(^٤) تذكرة الحفاظ ١/ ٤٠١، سير أعلام النبلاء ١٠/ ٤٥٧، طبقات الحفاظ ١/ ١٧٨، تهذيب التهذيب ص ٤٤.\n(^٥) الجواهر والدرر ١/ ٦٨.","vol":"3","page":182},{"text":"صحيحة مما لا يجوز إطلاقه، وكانت في أول حدوثها ألقابا زائدة عن الاسم، ثم استعملت أسماء، وقد يكون الاسم من هذه الأسماء منهيًا عنه من جهتين، مثل شهاب الدين، فإن الشهاب الشعلة من النار، ثم إضافةُ ذلك إلى الدين، وقد بلغ الحال في أندنوسيا التسمية بنحو: ذهب الدين، ماس الدين، وكان النووي ﵀ يكره تلقيبه بمحيي الدين، وشيخ الإسلام ابن تيمية يكره تلقيبه بتقي الدين، ويقول: \"لكن أهلي لقبوني بذلك فاشتهر\"\" (^١).\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"وأما التسمي بشيخ الإسلام مثل أن يقال: شيخ الإسلام ابن تيمية، أو شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، أي أنه الشيخ المطلق الذي يرجع إليه الإسلام فهذا لا يصح إذ أن أبا بكر - ﵁ - أحق بهذا الوصف لأنه أفضل الخلق بعد النبيين، ولكن إذا قصد بهذا الوصف أنه جدد في الإسلام وحصل له أثر طيب في الدفاع عنه فلا بأس بإطلاقه.\nوأما بالنسبة للتسمي بـ \"الإمام\" فهو أهون بكثير من التسمي بـ \"شيخ الإسلام\" لأن النبي - ﷺ - سمى إمام المسجد إمامًا ولو لم يكن عنده إلا اثنان. لكن ينبغي أن ينبه أنه لا يتسامح في إطلاق كلمة إمام إلا على من كان قدوة وله أتباع كالإمام أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم ممن له أثر في الإسلام؛ لأن وصف الإنسان بما لا يستحق هضم للأمة؛ لأن الإنسان إذا تصور أن هذا إمام وهذا إمام هان الإمام الحق في عينه. قال الشاعر:\nألم تر أن السيف ينقص قدره ... إذا قيل إن السيف أمضي من العصا\nومن ذلك أيضًا \"آية الله، حجة الله، حجة الإسلام\" فإنها ألقاب حادثة لا تنبغي؛ لأنه لا حجة لله على عباده إلا الرسل.\n_________\n(^١) رسالة تسمية المولود ص ٥٣، ٥٤.","vol":"3","page":183},{"text":"وأما آية الله فإن أريد المعنى الأعم فلا مدح فيه، لأن كل شيء آية لله كما قيل:\nوفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد\nوإن أريد المعنى الأخص أي أن هذا الرجل آية خارقة فهذا في الغالب يكون مبالغًا فيه، والعبارة السليمة أن يقال: عالم، مفتٍ، قاض، حاكم، إمام لمن كان مستحقا لذلك\" (^١).\nقال الجنيد: \"علمنا مضبوط بالكتاب والسنة. من لم يحفظ الكتاب، ويكتب الحديث، ولم يتفقه، لا يقتدى به\" (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١٠/ ٨٣٥، ٨٣٦. وانظر: القول المفيد لابن عثيمين ٣/ ٥، ٦.\n(^٢) حلية الأولياء ١٠/ ٢٥٥. تاريخ بغداد ٧/ ٢٤٣ الخطيب البغدادي. البداية والنهاية لابن كثير ١١/ ١١٤. سير أعلام النبلاء ١٤/ ٦٧.","vol":"3","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-974>٢٢٠ - القبور </span>*\n<span data-type=\"title\" id=toc-975>[المشاهد - زيارة القبور]</span>\nالمقبرة: تُضم باؤها وتفتح. قال ابن الأثير: \"هي موضع دفن الموتى. تقول: أقبرته إذا جعلت له قبرًا، وقبرته إذا دفنته\" (^١).\nويرتبط بباب \"القبور\" مسائل في الشرك الأكبر والشرك الأصغر كما يرتبط أيضًا ببعض البدع والمحرمات وسوف نتكلم عن أهم الأمور المرتبطة به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-976>١ - احترام المقابر:</span> عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه، فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر\" (^٢).\nقال الشيخ مرعي الحنبلي: \"واعلم أن قبر المسلم له من الحرمة ما جاءت به السنة إذ هو بيت المسلم الميت فلا يترك عليه شيء من النجاسات بالاتفاق ولا يوطأ ولا يجلس أو يتكأ عليه عند الجمهورمن العلماء ولا يفعل عنده ما يؤذي الأموات من الأقوال والأفعال الخبيثة\" (^٣).\nوقال ابن باز ﵀: \"قد دلت الأحاديث الصحيحة عن النبي على وجوب احترام الموتى من المسلمين وعدم إيذائهم، ولا شك أن المرور عليها بالسيارات\n_________\n* الاستذكار لابن عبد البر ٨/ ٢٢٥. الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٠/ ٨٠، ١٦/ ٣٠٧. الآداب الشرعية لابن مفلح ٣/ ٤٠٦. الدرر السنية ١/ ٢٣٠، ٢٩٧، ٣٦٥، ٢/ ٤٩، ٢٢٣، ٥/ ٨٧، ١٠٩، ٩/ ٤٢٣، ١٠/ ٦١، ١٢/ ٨٥، شفاء الصدور ص ٢٢. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ٣٩٩ ومن المجموع ٩/ ٣٨٨. مجموع الفتاوى لابن باز ٢/ ٧٣٩. نور على الدرب لابن باز ص ٣١٢. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٢/ ٢٣٧. التبرك د: ناصر الجديع ص ٤٠٢.\n(^١) النهاية (ق ب ر).\n(^٢) أخرجه مسلم (٩٧١).\n(^٣) شفاء الصدور ص ٢٢.","vol":"3","page":185},{"text":"والمواشي وإلقاء القمامات عليها كل ذلك من الاستهانة بها وعدم احترامها، وكل ذلك منكر ومعصية لله ولرسوله وظلم للأموات واعتداء عليهم.\nوقد ثبت عن النبي - ﷺ - النهي والتحذير عما هو أقل من هذا كالجلوس على القبر أو الاتكاء عليه ونحوه، فقال ﵊: \"لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها\" رواه مسلم في صحيحه. وقال النبي - ﷺ -: \"لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه وتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر\" خرّجه مسلم أيضًا.\nوعن عمرو بن حزم قال: رأَني رسول الله متكئًا على قبر فقال: \"لا تؤذوا صاحب هذا القبر أو لا تؤذه\". رواه أحمد.\nفالواجب على جميع المسلمين احترام قبور موتاهم وعدم التعرض لها بشيء من الأذى كالجلوس عليها والمرور عليها بالسيارات ونحوها وإلقاء القمامات عليها وأشباه ذلك من الأذى\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-977> ومن أعظم ما يحترم به أصحاب القبور ترك الغلو فيهم:</span>\nقال ابن القيم: \"ولا تحسب أيها المنعم عليه باتباع صراط الله المستقيم، صراط أهل نعمته ورحمته وكرامته أن النهي عن اتخاذ القبور أوثانا وأعيادا وأنصابا، والنهي عن اتخاذها مساجد، أو بناء المساجد عليها، وإيقاد السرج عليها، والسفر إليها، والنذر لها، واستلامها، وتقبيلها، وتعفير الجباه في عرصاتها غضٌّ من أصحابها، ولا تنقيص لهم، ولا تنقص. كما يحسبه أهل الإشراك والضلال بل ذلك من إكرامهم، وتعظيمهم، واحترامهم، ومتابعتهم فيما يحبونه وتجنب ما يكرهونه، فأنت والله وليهم ومحبهم وناصر طريقتهم وسنتهم وعلى هديهم ومناهجهم، وهؤلاء المشركون أعصى الناس لهم، وأبعدهم من هديهم ومتابعتهم كالنصارى مع المسيح، واليهود مع موسى ﵉، والرافضة\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢/ ٧٤٠.","vol":"3","page":186},{"text":"مع علي - ﵁ -، فأهل الحق أولى بأهل الحق من أهل الباطل. فالمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، والمنافقون والمنافقات بعضهم من بعض فاعلم أن القلوب إذا اشتغلت بالبدع أعرضت عن السنن، فتجد أكثر هؤلاء العاكفين على القبور معرضين عن طريقة من فيها وهديه وسنته، مشتغلين بقبره عما أمر به ودعا إليه، وتعظيم الأنبياء والصالحين ومحبتهم إنما هي باتباع ما دعوا إليه من العلم النافع، والعمل الصالح، واقتفاء آثارهم، وسلوك طريقتهم، دون عبادة قبورهم، والعكوف عليها، واتخاذها أعيادًا\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-978> وينبغي التزام السكينة حال السير مع الجنازة:</span>\nقال النووي ﵀: \"واعلم أن الصواب والمختار وما كان عليه السلف ﵃ السكوت في حال السير مع الجنازة، فلا يرفع صوت بقراءة ولا ذكر ولا غير ذلك، والحكمة فيه ظاهرة وهي أنه أسكن لخاطره وأجمع لفكره فيما يتعلق بالجنازة، وهو المطلوب في هذا الحال، فهذا هو الحق، ولا تغتر بكثرة من يخالفه، فقد قال أبو علي الفضيل بن عياض - ﵁ - ما معناه: \"الزم طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين\".\nوقد روينا في سنن البيهقي ما يقتضي ما قلته - يشير إلى قول قيس بن عباد - وأما ما يفعله الجهلة من القراءة على الجنازة بدمشق وغيرها من القراءة بالتمطيط وإخراج الكلام عن مواضعه فحرام بإجماع العلماء، وقد أوضحت قبحه وغلظ تحريمه وفسق من تمكن من إنكاره فلم ينكره في كتاب آداب القراءة. والله المستعان\" (^٢).\nوقال الألباني: \"ولا يجوز أن تتبع الجنائز بما يخالف الشريعة وقد جاء النص منها على أمرين: رفع الصوت بالبكاء واتباعها بالبخور، وذلك في قوله - ﷺ -: \"لا\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان ١/ ٢١٣.\n(^٢) الأذكار ص ٢٠٣.","vol":"3","page":187},{"text":"تتبع الجنازة بصوت ولا نار\" (^١). . . ويلحق بذلك رفع الصوت بالذكر أمام الجنازة، لأنه بدعة، ولقول قيس بن عباد: \"كان أصحاب النبي - ﷺ -، يكرهون رفع الصوت عند الجنائز\". أخرجه البيهقي ٤/ ٧٤ بسند رجاله ثقات.\nولأن فيه تشبهًا بالنصارى فإنهم يرفعون أصواتهم بشيء من أناجيلهم وأذكارهم مع التمطيط والتلحين والتحزين.\nوأقبح من ذلك تشييعا بالعزف على الآلات الموسيقية أمامها عزفًا حزينًا كما يفعل في بعض البلاد الإسلامية تقليدًا للكفار. والله المستعان\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-979>٢).\n\n٢ - زيارة القبور:</span> وتنقسم إلى زيارة بدعية، وزيارة شركية وزيارة شرعية وقد تقدم الكلام عنها وعن حكم زيارة قبر المشرك في باب (زيارة القبور).\n<span data-type=\"title\" id=toc-980>٣ - زيارة النساء للقبور:</span> تقدم الكلام عن منع ذلك وذكرنا أقوال العلماء في باب (زيارة النساء للقبور).\n<span data-type=\"title\" id=toc-981>٤ - منشأ وبداية عبادة القبور </span>(^٣):\nقال ابن القيم: \"ومن أعظم مكايده التي كاد بها أكثر الناس، وما نجا منها إلا\n_________\n(^١) أبو داود (٣١٧١).\n(^٢) أحكام الجنائز ص ٧١، ٧٠.\n(^٣) للاستزادة حول منشأ عبادة القبور انظر: مصنف عبد الرزاق ٨/ ٤٦٤، الاستذكار لابن عبد البر ٢/ ١٦٠، التمهيد لابن عبد البر ٣/ ٥٠٢، ٢٠/ ١٦٨، ٢٣٩، ٢٤٢، ٥/ ٤١، المحلى بالآثار لابن حزم ٢/ ٣٤٥، اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ١٢٢، ٢/ ٦٣٧ - ٦٥٣ - ٦٧٣، الآداب الشرعية لابن مفلح ٣/ ٣٨١، تيسير العزيز الحميد ص ٣٢٠، فتح المجيد ص ٢٥٩، حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ١٥٣، القول المفيد ١/ ٥٠٥، القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٢٧، الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٤/ ١٠٠، معارج القبول ١/ ٣٨٨، فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٢٥٧، مجموع الفتاوى لابن باز ٢/ ٧٣١، نور على الدرب ص ٢٧٦ - ٢٨٢، مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٢/ ٢٢٧، جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية ص ٤٤٥، الجيلاني وآراؤه الاعتقادية ص ٤٤١، المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة للأحمدي ٢/ ١٧٠، التبرك د. ناصر الجديع ص ٣١٨، عقيدة الإمام ابن عبد البر للغصن ص ١٧٣.","vol":"3","page":188},{"text":"من لم يرد الله تعالى فتنته ما أوحاه قديمًا وحديثًا إلى حزبه وأوليائه من الفتنة بالقبور، حتى آل الأمر فيها إلى أن عبد أربابها من دون الله، وعبدت قبورهم، واتخذت أوثانًا، وبنيت عليها الهياكل، وصورت صور أربابها فيها، ثم جعلت تلك الصور أجسادا لها ظل، ثم جعلت أصناما، وعبدت مع الله تعالى. وكان أول هذا الداء العظيم في قوم نوح كما أخبر سبحانه عنهم في كتابه، حيث يقول تعالى: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [نوح: ٢١ - ٢٤].\nوقال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا هشام عن ابن جريج قال: قال عطاء عن ابن عباس: \"صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أما ودّ فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت\".\nوقال غير واحد من السلف: \"كان هؤلاء قومًا صالحين في قوم نوح ﵇، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم\".\nفهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور، وفتنة التمائيل. وهما الفتنتان اللتان أشار إليهما رسول الله - ﷺ - في الحديث المتفق على صحته عن عائشة - ﵂ - منها أن أم سلمة ولكنها ذكرت لرسول الله - ﷺ - كنيسة رأتها بأرض الحبشة، يقال لها مارية، فذكرت له","vol":"3","page":189},{"text":"ما رأت فيها من الصور، فقال رسول الله - ﷺ -: \"أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح، أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله تعالى\". وفي لفظ آخر في الصحيحين: \"أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها\".\nفجمع في هذا الحديث بين التماثيل والقبور، وهذا كان سبب عبادة اللات.\nفروى ابن جرير بإسناده عن سفيان عن منصور عن مجاهد: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾. قال كان يلت لهم السويق فمات فعكفوا على قبره\"، وكذلك قال أبو الجوزاء عن ابن عباس - ﵄ -: \"كان يلت السويق للحجاج\".\nفقد رأيت أن سبب عبادة ود ويغوث ويعوق ونسر واللات إنما كانت من تعظيم قبورهم ثم اتخذوا لها التماثيل وعبدوها كما أشار إليه النبي - ﷺ -.\nقال شيخنا: \"وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع عن اتخاذ المساجد على القبور هي التي أوقعت كثيرًا من الأمم إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك. فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين، وتماثيل يزعمون أنها طلاسم للكواكب ونحو ذلك. فإن الشرك بقبر الرجل الذي يعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر. ولهذا نجد أهل الشرك كثيرا يتضرعون عندها، ويخشعون ويخضعون، ويعبدونهم بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله، ولا وقت السحر، ومنهم من يسجد لها، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد، فلأجل هذه المفسدة حسم النبي - ﷺ - مادتها، حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقًا وإن لم يقصد المصلي بركة البقعة بصلاته، كما يقصد بصلاته بركة المسجد، كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس وغروبها، لأنها أوقات يقصد المشركون الصلاة فيها للشمس، فنهى أمته عن","vol":"3","page":190},{"text":"الصلاة حينئذ وإن لم يقصد المصلي ما قصده المشركون سدًا للذريعة\"\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-982> استمرار عمل المشركين مع قبورهم في أمة محمد - ﷺ </span>-:\nبوب الإمام محمد بن عبد الوهاب في كتابه التوحيد لهذه المسألة وقررها بالأدلة وتولاها شُراح الكتاب بالتوضيح والتبيين فقال الإمام - رحمه الله تعالى -:\n\"باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان\" ثم ذكر قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠]. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١].\nوفي حديث أبي سَعيدٍ الْخُدري عن النبي - ﷺ - قال: \"لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا، وَذِرَاعًا بذِرَاعٍ، حتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ. قُلْنَا يا رَسُولَ اللَّهِ: اليَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قالَ: فَمَنْ؟ \" (^٢).\nوروى الإمام أحمد عن شدَّاد بن أوْسٍ أن رَسُول الله - ﷺ - قال: \"ليَحْمِلَنَّ شِرَارُ هَذِهِ الأُمَّةِ على سَنَنِ الَّذين خَلَوْا مِن قَبْلِهمْ أهْلِ الْكِتابِ حَذْوَ الْقُذَّةِ بالْقُذَّةِ\" (^٣).\nوفي حديث ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"إنَّ اللَّهَ زوى لِي الأَرْضَ أَوْ قَالَ: إنَّ ربِّي زَوَى لي الأَرْضَ فرأيتُ مَشَارِقَها ومغاربَها، وَإنَّ مُلكَ أمَّتي سيبلغُ ما زُويَ لِي\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان ١/ ١٨٢ - ١٨٥.\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٤٥٦) (٧٣٢٠).\n(^٣) الإمام أحمد (١٧٢٦٥).","vol":"3","page":191},{"text":"مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الأَحْمَرَ وَالأَبْيَضَ، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لأُمَّتِي أَنْ لا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ، وَلا يُسَلِّطَ عَلَيهمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَإِنَّ رَبِّي قَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضيْتُ قَضاءً فَإِنَّهُ لا يُرَدُّ وَلا أُهْلِكُهُمْ بسَنَةٍ بِعَامَّةٍ وَلا أُسَلِّطُ عَلَيهمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوْ اجْتَمَعَ عَلَيهمْ مِنْ بَيْنِ أَقْطَارِهَا - أَوْ قَالَ بِأَقْطَارِهَا - حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَحَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يَسْبِي بَعْضًا، وَإِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ، وَإِذَا وُضِعَ السَّيْفُ فِي أُمَّتِي لَمْ يُرْفَعْ عَنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَلْحَقَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي بِالْمُشْرِكِينَ، وَحَتَّى تَعْبُدَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي الأَوْثَانَ، وَإِنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي كَذَّابُونَ ثَلاثُونَ كُلّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ لا نَبِيَّ بَعْدِي، وَلَا تزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ قَالَ ابْنُ عِيسَى ظَاهِرِينَ ثُمَّ اتَّفَقَا لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ\" (^١).\nوإذا نظرت إلى مبدأ عبادة الأوثان في الخلق وقارنتها بهذه النصوص ثم نظرت إلى حال عباد القبور اليوم تبين لك الخطر العظيم والشرك الوخيم الذي يتقطع له قلوب المؤمنين حسرة وألمًا، وأقل ما في هذه النصوص بيان أن الشرك كائن في هذه الأمة فقد أخبر - ﷺ - أن جماعات من أمته ستعبد الأوثان فالحذر الحذر يا أمة محمد - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-983>٥ - حكم عبادة الله عند القبور:</span>\nأفرد الشيخ محمد بن عبد الوهاب لذلك بابًا خصّه بما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده.\nقال في التيسير: \"أي: عبد القبر أو الرجل الصالح\" (^٢). وقد تقدم ذكر الأحاديث في النهي عن ذلك (^٣).\n_________\n(^١) أبو داود (٤٢٥٢) وابن ماجه (٣٩٥٢) وأصله في مسلم (٢٨٨٩).\n(^٢) تيسير العزيز الحميد ص ٣١٩. ط. المكتب الإسلامي.\n(^٣) انظر: باب اتخاذ القبور المساجد.","vol":"3","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-984>ومن أنواع العبادات التي يكثر الوقوع فيها هناك:</span>\nالصلاة عند القبر والذبح عنده والطواف به أو التمسح أو التوسل إلى الله بأهلها، أو الغلو في أهلها وتعظيمهم، أو ما يكون من العبادات المالية كالصدقة عند وضعه في القبر، أو تحري الدعاء عندها.\nوقد يصل بهم الحال إلى الشرك بالميت كالذبح للقبر (^١)، أو النذر له (^٢)، أو دعاء أهل القبور، والاستغاثة بهم.\nقال ابن القيم ﵀: \"ومنها أن الذي شرعه الرسول - ﷺ - عند زيارة القبور: إنما هو تذكر الآخرة، والإحسان إلى المزور بالدعاء له، والترحم عليه، والاستغفار له، وسؤال العافية له، فيكون الزائر محسنًا إلى نفسه وإلى الميت، فقلب هؤلاء المشركون الأمر، وعكسوا الدين وجعلوا المقصود بالزيارة الشرك بالميت، ودعاءه والدعاء به، وسؤاله حوائجهم، واستنزال البركات منه، ونصره لهم على الأعداء، ونحو ذلك، فصاروا مسيئين على أنفسهم وإلى الميت، ولو لم يكن إلا بحرمانه بركة ما شرعه الله تعالى من الدعاء له والترحم عليه والاستغفار له\" (^٣).\nوحكم الدعاء عند القبر على قسمين:\nالأول: أن يحصل الدعاء في البقعة بحكم الاتفاق لا لقصد الدعاء فيها فهذا لا بأس به.\nالثاني: أن يتحرى الدعاء عندها بحيث يستشعر أن الدعاء هناك أجوب منه في غيره فهذا النوع منهي عنه. كما قرر ذلك ابن تيمية (^٤).\n_________\n(^١) انظر: باب الذبح.\n(^٢) انظر: باب النذر.\n(^٣) إغاثة اللهفان ١/ ١٩٩.\n(^٤) الاقتضاء ٢/ ٦٨٣.","vol":"3","page":193},{"text":"ومن العبادات كذلك عبادة القلب التي تصحب القبوريين حال الزيارة من خوف وخشية ورغبة ورهبة وإذعان وخشوع حتى إن أحدهم ليوجل هناك ويخشع أشد من خشوعه أمام ربه، ومما يصاحب ذلك من اعتقادات فاسدة: اعتقادهم في كثير من أضرحة الأولياء اختصاصات كاختصاصات الأطباء، فمنهم من ينفع في مرض العيون، ومنهم من يشفي من مرض الحمى (^١). حتى قال بعضهم: قبر معروف الترياق المجرب.\nومن المظاهر الشركية اعتقاد بعضهم أن القبر الصالح إذا كان في قرية: أنهم ببركته يرزقون وينصرون، ويقولون: أنه حضر البلد، كما يقولون: السيدة نفيسة خفيرة القاهرة، والشيخ رسلان خفير دمشق، وفلان وفلان خفراء بغداد وغيرها (^٢).\nوكذلك تقديس ما حول القبر من شجر وحجر، واعتقاد أن من قطع شيئًا من ذلك يصاب بأذى (^٣)، فهذه كلها داخلة في أعمال القلوب التي يجب صرفها لله وحده ولا يشرك معه غيره لا يشرك معه قبر أو صنم أو وثن كما يجب الاعتقاد الجازم بأن البركة من الله وحده والنماء والزيادة والعافية منه سبحانه، لا يدفع الضر والبلاء إلا هو، ولم يشرع اتخاذ القبور أسبابًا لعبادته بل حذر منها ولعن فاعليها، نعوذ بالله من الشرك كله دقه وجله، وصغيره وكبيره. وهذه أمثلة فقط في أنواع العبادات التي يجب على العبد صرفها لله وحده رزقنا الله الإخلاص في التوحيد والديمومة عليه والثبات على ذلك حتى نلقاه غير مبدلين ولا مبتدعين.\n_________\n(^١) للاستزادة انظر: الرد على البكري ص ٢٣٢ - ٢٣٣، أحكام الجنائز للألباني ص ٢٦١ رقم ١٦٧، معجم البدع ص ١٥.\n(^٢) الرد على الأخنائي ص ٨٢، أحكام الجنائز للألباني ص ٢٦١ رقم ١٦٦.\n(^٣) أحكام الجنائز للألباني ص ٢٦١ رقم ١٧٠.","vol":"3","page":194},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-985>مسألة: الدعاء عند قبر النبي - ﷺ </span>-:\nسبق الكلام عنها في باب الدعاء كما تكلمنا هناك عن هيئة الداعي عند قبر النبي - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-986>٦ - البدع عند القبور:</span>\nأما البدع فكثيرة متنوعة ومنها ما هو بدعة كفرية كفر أكبر ومنها ما هو دون ذلك. قال ابن القيم في إغاثة اللهفان: \"قال شيخنا قدس الله روحه: وهذه الأمور المبتدعة عند القبور مراتب أبعدها عن الشرع أن يسأل الميت حاجته ويستغيث به فيها كما يفعله كثير من الناس، قال: وهؤلاء من جنس عبّاد الأصنام، ولهذا قد يتمثل لهم الشيطان في صورة الميت أو الغائب كما يتمثل لعبّاد الأصنام، وهذا يحصل للكفار من المشركين وأهل الكتاب يدعو أحدهم من يعظمه فيتمثل له الشيطان أحيانا وقد يخاطبهم ببعض الأمور الغائبة، وكذلك السجود للقبر والتمسح به وتقبيله\" (^١).\nوقال ابن القيم ﵀: \"هذا ولم نتجاوز فيما حكيناه عنهم ولا استقصينا جميع بدعهم وضلالهم إذ هي فوق ما يخطر بالبال، أو يدور في الخيال. وهذا كان مبدأ عبادة الأصنام في قوم نوح كما تقدم، وكل من شم أدني رائحة من العلم والفقه يعلم أن من أهم الأمور سد الذريعة إلى هذا المحذور وأن صاحب الشرع أعلم بعاقبة ما نهى عنه لما يؤول إليه، وأحكم في نهيه عنه وتوعده عليه، وأن الخير والهدى في اتباعه وطاعته، والشر والضلال في معصيته ومخالفته.\nورأيت لأبي الوفاء بن عقيل في ذلك فصلًا حسنًا، فذكرته بلفظه، قال: لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم. قال: وهم عندي كفار بهذه الأوضاع مثل تعظيم القبور وإكرامها بما نهى عنه الشرع من إيقاد النيران وتقبيلها\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان ١/ ٢١٧ وانظر أيضًا للاستزادة زيارة القبور الشرعية والشركية لمحي الدين البركوي الحنفي، ص ٧٧.","vol":"3","page":195},{"text":"وتخليقها، وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرِّقاع فيها: يا مولاي افعل بي كذا وكذا، وأخذ تربتها تبركًا، وإفاضة الطيب على القبور، وشد الرحال إليها، وإلقاء الخرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزى، والويل عندهم لمن لم يُقبِّل مشهد الكف، ولم يتمسَّح بأَجُرَّة مسجد الملموسة يوم الأربعاء، ولم يقل الحمالون على جنازته الصديق أبو بكر، أو محمد وعلي، أولم يعقد على قبر أبيه أزجا بالجص والأَجر، ولم يُخرّق ثيابه إلى الذيل، ولم يرق ماء الورد على القبر. انتهى\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-987> ومن البدع المتعلقة بالقبور:</span>\n١ - اتخاذ القبور مساجد وقد تقدم في باب (اتخاذ القبور مساجد).\n٢ - اتخاذ القبور عيدا وقد تقدم في باب (اتخاذ القبور عيدًا).\n٣ - إيقاد السرج على القبور وقد تقدم في باب (إيقاد السرج على القبور).\n٤ - البناء على القبور وقد تقدم في باب (البناء على القبور).\n٥ - شد الرحال إلى القبور وقد تقدم في باب (شد الرحال إلى القبور).\n٦ - الكتابة على القبر: انظر باب (الكتابة على القبر).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-988>٧ - وضع الغرس على القبر </span>(^٢):\nقال الألباني ﵀: \"ولا يشرع وضع الآس ونحوها من الرياحين والورود على القبور؛ لأنه لم يكن من فعل السلف ولو كان خيرا لسبقونا إليه، وقد قال ابن عمر - ﵄ -: كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة\" (^٣).\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان ١/ ١٩٥.\n(^٢) للاستزادة حول هذا الموضوع انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٠/ ٢٦٧. معالم السنن الخطابي ١/ ٢٧. الإبداع في مضار الابتداع الشيخ علي محفوظ ١٩٨. أحكام الجنائز الألباني ص ٢٠١. فتاوى اللجنة الدائمة ٣/ ٣٢٧. مجموع الفتاوى لابن باز ٢/ ٧٤٢. هامش على فتح الباري ابن حجر ٣/ ٢٢٣. تصحيح الأخطاء والأوهام الواقعة في فهم أحاديث الرسول ﵊ رائد ابن أبي علفة ١/ ٧٥.\n(^٣) أحكام الجنائز ص ٢٠٠.","vol":"3","page":196},{"text":"وقال معلقا على ذلك: \"ولا يعارض ما ذكرنا حديث ابن عباس في وضع النبي - ﷺ - شقي جريدة النخل على القبرين وقوله: \"لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا\". متفق عليه. وقد خرجته في صحيح أبي داود (١٥). فإنه خاص به - ﷺ - بدليل أنه لم يجر العمل به عند السلف وأمور أخرى يأتي بيانها. قال الخطابي - رحمه الله تعالى - في معالم السنن\" (١/ ٢٧) - تعليقًا على الحديث: \"إنه من التبرك بأثر النبي - ﷺ - ودعائه بالتخفيف عنهما وكأنه جعل مدة بقاء النداوة فيهما حدا لما وقعت به المسألة من تخفيف العذاب عنهما، وليس ذلك من أجل أن في الجريد الرطب معنى ليس في اليابس، والعامة في كثير من البلدان تغرس الخوص في قبور موتاهم، وأراهم ذهبوا إلى هذا وليس لما تعاطوه من ذلك وجه\".\nقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي (١/ ١٠٣) عقب هذا: \"وصدق الخطابي، وقد ازداد العامة إصرارًا على هذا العمل الذي لا أصل له، وغلوا فيه، خصوصا في بلاد مصر تقليدًا للنصارى حتى صاروا يضعون الزهور على القبور، ويتهادونها بينهم، فيضعها الناس على قبور أقاربهم ومعارفهم تحية لهم، ومجاملة للأحياء، وحتى صارت عادة شبيهة بالرسمية في المجاملات الدولية، فتجد الكبراء من المسلمين إذا نزلوا بلدة من بلاد أوربا ذهبوا إلى قبور عظمائهم أو إلى قبر من يسمونه \"الجندي المجهول\" ووضعوا عليها الزهور، وبعضهم يضع الزهور الصناعية التي لا نداوة فيها تقليدا للإفرنج، واتباعًا لسنن من قبلهم، ولا ينكر ذلك عليهم العلماء أشباه العامة، بل تراهم أنفسهم يضعون ذلك في قبور موتاهم، ولقد علمت أن أكثر الأوقاف التي تسمى أوقافا خيرية موقوف ريعها على الخوص والريحان الذي يوضع على القبور وكل هذا بدع ومنكرات لا أصل لها في الدين، ولا سند لها من الكتاب والسنة، ويجب على أهل العلم أن ينكروها وأن يبطلوا هذه العادات ما استطاعوا\".","vol":"3","page":197},{"text":"ثم أورد الألباني الأدلة على اختصاص وضع الجريدة بالرسول - ﷺ - ودلل عليه بحديث جابر - ﵁ - الطويل في صحيح مسلم (٨/ ٢٣١ - ٢٣٦) وفيه قال - ﷺ -: \"إني مررت بقبرين يعذبان فأحببت بشفاعتي أن يرد عنهما ما دام الغصنان رطبين\".\nودلل عليه أيضًا بأن السلف الصالح لم يفعلوه ولم يشتهر عنهم فعله. فوضع الجريد على القبر خاص به - ﷺ -، وأن السر في تخفيف العذاب عن القبرين لم يكن في نداوة العسيب بل في شفاعته - ﷺ - ودعائه لهما وهذا مما لا يمكن وقوعه مرة أخرى بعد انتقاله - ﷺ - إلى الرفيق الأعلى ولا لغيره من بعده - ﷺ - لأن الاطلاع على عذاب القبر من خصوصياته - ﷺ -، وهو من الغيب الذي لا يطلع عليه إلا الرسول كما جاء في نص القرآن: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧]. . . وأما وصية بريدة فهي ثابتة عنه، قال ابن سعد في الطبقات (ج ٧ ق ١ ص ٤): أخبرنا عفان بن مسلم قال: ثنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا عاصم الأحول قال: قال مورق: أوصى بريدة الأسلمي أن توضع في قبره جريدتان فكان أن مات بأدنى خراسان فلم توجد إلا في جوالق حمار. وهذا سند صحيح وعلقه البخاري ٣/ ١٧٣ مجزوما. قال الحافظ في شرحه: \"وكأن بريدة حمل الحديث على عمومه، ولم يره خاصا بذينك الرجلين\".\nقال ابن رشيد: \"ويظهر من تصرف البخاري أن ذلك خاص بهما، فلذلك عقبه بقول ابن عمر: إنما يظله عمله\".\nقلت (^١): ولا شك أن ما ذهب إليه البخاري هو الصواب لما سبق بيانه، ورأي بريدة لا حجة فيه، لأنه رأي والحديث لا يدل عليه حتى لو كان عاما فإن النبي - ﷺ - لم يضع الجريدة في القبر، بل عليه كما سبق، وخير الهدي هدي محمد\" (^٢).\n_________\n(^١) القائل الشيخ الألباني.\n(^٢) أحكام الجنائز ص ٢٠١ - ٢٠٣ باختصار.","vol":"3","page":198},{"text":"قال ابن باز ﵀: \"وأما تنبيت أو غرس الأشجار عليها فلا يجوز، لأن النبي - ﷺ - وأصحابه رضوان الله عليهم لم يفعلوا ذلك، ولأن في ذلك نوعا من الغلو، ويخشى أن يفتن الناس بالأشجار المغروسة عليها، وأما غرس النبي - ﷺ - الجريدتين على القبرين المعذبين فالصحيح من أقوال العلماء أن هذا خاص به - ﷺ - وبالقبرين لكونه لم يفعل ذلك مع بقية القبور، وهكذا أصحابه ﵃ فعلم أن ذلك خاص به - ﷺ - وبأصحاب القبرين، والله ﷾ أعلم\" (^١).\nوقال ابن باز ﵀: \"وهكذا لا يشرع غرس الشجر على القبور لا الصبار ولا غيره، ولا زرعها بشعير أو حنطة أو غير ذلك؛ لأن الرسول - ﷺ - لم يفعل ذلك في القبور، ولا الخلفاء الراشدون ﵃. أما ما فعله مع القبرين اللذين أطلعه الله على عذابهما من غرس الجريدة فهذا خاص به - ﷺ - وبالقبرين لأنه لم يفعل ذلك مع غيرهما\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-989>٨ - قراءة القرآن عند القبر:</span>\nوينبغي التفريق بين قراءة القرآن حال الاحتضار وقبل خروج الروح وبين قراءته عند القبر بعد الموت.\nقال شارح الطحاوية: \"اختلف العلماء في قراءة القرآن عند القبور على ثلاثة أقوال: هل تكره، أم لا بأس بها وقت الدفن، وتكره بعده؟ فمن قال بكراهتها كأبي حنيفة ومالك وأحمد في رواية - قالوا: لأنه محدث لم ترد السنة والقراءة تشبه الصلاة، والصلاة عند القبور منهي عنها فكذلك القراءة، ومن قال: لا بأس بها كمحمد بن الحسن وأحمد في رواية استدلوا بما نقل عن ابن عمر - ﵄ -: أنه أوصى أن يقرأ على قبره وقت الدفن بفواتح سورة البقرة وخواتمها، ونقل أيضا عن بعض\n_________\n(^١) فتاوى ابن باز ص ٧٤٥.\n(^٢) فتاوى ابن باز ص ٧٤٣.","vol":"3","page":199},{"text":"المهاجرين قراءة سورة البقرة، ومن قال: لا بأس بها وقت الدفن فقط وهو رواية عن أحمد أخذ بما نقل عن ابن عمر وبعض المهاجرين، وأما بعد ذلك كالذين يتناوبون القبر للقراءة عنده فهذا مكروه فإنه لم تأت به السنة ولم ينقل عن أحد من السلف مثل ذلك أصلًا. . .\" (^١).\nوقال ابن تيمية: \"فيها ثلاث روايات عن أحمد. . .\nوالثانية: أن ذلك مكروه وهذه الرواية هي التي رواها أكثر أصحابه عنه وعليها قدماء أصحابه الذين صحبوه كعبد الوهاب الوراق وأبي بكر المروزي ونحوهما، وهي مذهب جمهور السلف كأبي حنيفة ومالك وهشيم بن بشير وغيرهم ولا يحفظ عن الشافعي نفسه في هذه المسألة كلام لأن ذلك عنده بدعة. وقال مالك: \"ما علمت أحدا يفعل ذلك\" فعُلم أن الصحابة والتابعين ما كانوا يفعلونه\" (^٢).\nوقال الألباني ﵀: \"وأما قراءة القرآن عند زيارتها، فمما لا أصل له في السنة، بل الأحاديث المذكورة في المسألة السابقة تشعر بعدم مشروعيتها، إذ لو كانت مشروعة، لفعلها رسول الله - ﷺ - وعلمها أصحابه، لا سيما وقد سألته عائشة - ﵂ - وهي من أحب الناس إليه - ﷺ - - عما تقول إذا زارت القبور؟ فعلمها السلام والدعاء، ولم يعلمها أن تقرأ الفاتحة أو غيرها من القرآن، فلو أن القراءة كانت مشروعة لما كتم ذلك عنها، كيف وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز كما تقرر في علم الأصول، فكيف بالكتمان، ولو أنه - ﷺ - علمهم شيئًا من ذلك لنقل إلينا، فإذا لم ينقل بالسند الثابت دل على أنه لم يقع.\nومما يقوي عدم المشروعية قوله - ﷺ -: \"لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان يفر\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية ٥١٨.\n(^٢) اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٧٣٥، ٧٣٦، وانظر: مجموع الفتاوى ١/ ١٧٤، ٢٤/ ٣١٧، ٣٠١، الاختيارات ٥٣، أحكام الجنائز الألباني ٢٦٢ رقم ١٨١، معجم البدع ١٤٨.","vol":"3","page":200},{"text":"من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة\" (^١). فقد أشار - ﷺ - إلى أن القبور ليست موضعا للقراءة شرعا، فلذلك حض على قراءة القرآن في البيوت ونهى عن جعلها كالمقابر التي لا يقرأ فيها، كما أشار في الحديث الآخر إلى أنها ليست موضعا للصلاة أيضا، وهو قوله: \"صلوا في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورًا\" (^٢) وهذا الحديث أخرجه البخاري بنحوه وترجم له بقوله: باب كراهية الصلاة في المقابر فأشار به إلى أن حديث ابن عمر يفيد كراهة الصلاة في المقابر، فكذلك حديث أبي هريرة يفيد كراهة قراءة القرآن في المقابر، ولا فرق. ولذلك كان مذهب جمهور السلف كأبي حنيفة ومالك وغيرهم كراهة القراءة عند القبور. ثم قال الألباني ﵀ وقد استدل جماعة من العلماء بالحديث على ما استدل به البخاري، وأيده الحافظ في شرحه\" (^٣).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والقراءة على الميت بعد موته بدعة، بخلاف القراءة على المحتضر فإنها تستحب بـ ياسين\" (^٤).\nوقال الألباني - معلقًا على كلام ابن تيمية السابق -: \"لكن حديث قراءة ياسين ضعيف والاستحباب حكم شرعي، ولا يثبت بالحديث الضعيف كما هو معلوم من كلام ابن تيمية نفسه في بعض مصنفاته وغيرها\" (^٥).\nوقال الإمام ابن باز ﵀: \"لا تشرع قراءة سورة \"يس\" ولا غيرها من القرآن على القبر بعد الدفن ولا عند الدفن، ولا تشرع القراءة في القبور؛ لأن النبي - ﷺ - لم يفعل ذلك ولا خلفاؤه الراشدون، كما لا يشرع الأذان ولا الإقامة في القبر، بل كل\n_________\n(^١) أخرجه مسلم ٢/ ١٨٨.\n(^٢) أخرجه مسلم ٢/ ١٨٧.\n(^٣) أحكام الجنائز ص ١٩٠، ١٩١.\n(^٤) الاختيارات العلمية ص ٥٣.\n(^٥) أحكام الجنائز ١١، ١٩٠، ١٩١.","vol":"3","page":201},{"text":"ذلك بدعة، وقد صح عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد\" خرجه الإمام مسلم في صحيحه. . . وليس للمسلمين أن يحدثوا شيئًا من القربات لم يشرعه الله للحديث المذكور، ولقوله الله سبحانه ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] \" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-990>٩ - الأذان والإقامة حال وضعه في القبر </span>(^٢).\nوقد سئل الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ عن حكم الأذان والإقامة في قبر الميت عند وضعه فيه؟\nفأجاب - قدس الله روحه -: \"لا ريب أن ذلك بدعة ما أنزل الله بها من سلطان؛ لأن ذلك لم ينقل عن رسول الله - ﷺ - ولا عن أصحابه ﵃ والخير كله في اتباعهم وسلوك سبيلهم\" (^٣).\nومن البدع أن يبخر القبر، أو أن يفرش فيه ريحان (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-991>١٠ - الطواف بالقبر وقد تقدم في باب (الطواف بغير الكعبة)</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-992>٢٢١ - القبول المنافي للرد</span>\nمن شروط (لا إله إلا الله) انظر: باب (لا إله إلا الله).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن باز ص ٧٤٣.\n(^٢) انظر الاقتضاء ص ١٨٣ كشاف القناع ٢/ ١٣٤ أحكام الجنائز الألباني ص ٢٥٣ رقم ٨٣، ٢٤٥ رقم ١٠٢.\n(^٣) الفتاوى ص ٧٥٧.\n(^٤) المدخل لابن الحاج ٣/ ٢٦٢.","vol":"3","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-993>٢٢٢ - القدر </span>*\nالقدر في اللغة: القدر بفتح القاف والدال وسكونها مصدر قدر يقدّر تقديرًا، قال ابن سيده: \"القَدْر والقَدَر: القضاء والحكم وهو ما يقدِّره الله ﷿ من القضاء\n_________\n* الشريعة للآجري ص ١٤١، ١٦٦، ١٧٨. السنة لعبد الله بن الإمام أحمد ٣٨٤ - ٤٢٨. التمهيد ٣/ ١٣٩، ٦/ ١٢، ٦٢، ١٨/ ١١. الاستذكار لابن عبد البر ٢٦/ ٨٣. الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٧/ ٤٨، ١٤٩. شرح السنة للبغوي ١/ ١٢٢. مجموع فتاوى شيخ الإسلام المجلد الثامن. اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ١٤٣، ٢/ ٨٤٨. شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل للإمام ابن القيم. لوامع الأنوار للسفاريني ١/ ٢٩٧. وانظر كتاب القدر للفريابي فإنه أصل من الأصول التي اعتمد عليه كبار العلماء كالآجري وابن بطة وغيرهم وقد خرج في طبعة أنيقة تحقيق أخينا الفاضل عبد الله المنصور حفظه الله. تيسير العزيز الحميد ص ٦٩٩. فتح المجيد ص ٥٧١. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ٣٦٤. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٣/ ١٥٨، ط ٢ - ٣/ ١٩٨ ومن المجموع ١٠/ ٩٨٤. الدرر السنية ١/ ٢١٦، ٥١٢، ٣/ ٢١٣. فتاوى اللجنة ٣/ ٣٧٤. مجموع الفتاوى لابن باز ٣/ ٤٧٣. معارج القبول ٢/ ٢٦٦، ٣٠٥. مجموع الفوائد واقتناص الأوابد للسعدي ٤٠، ١٢٠، ٢٣٦. الدرة البهية شرح العقيدة التائية في حل المشكلة القدرية من مجموعة ابن سعدي ٣/ ١٤٥ - ٢٠٤. أهم المهمات لابن سعدي من المجموعة ٣/ ٦٧. شرح مسائل الجاهلية للألوسي ٥٨. القضاء والقدر لابن عثيمين. العقيدة الصحيحة وما يضادها لابن باز. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٢/ ٤٣٦. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٢/ ٧٥، ٣/ ١٨٨، ٢٥٥، ٤/ ٢٩٩، ٢٠٤، ٥/ ١٣٧، ٢١٣، ٢١٩، ٧/ ٢٦٥. المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة الأحمدي ١/ ١٣٥. القضاء والقدر للأشقر. القضاء والقدر للمحمود. موقف ابن تيمية من الأشاعرة ص ٣٠٨، ٣٨٤. شرح مسائل الجاهلية للسعيد ٤٤٩، ٤٥٧، ٤٦٨. الشيخ السعدي وجهوده في توضيح العقيدة للعباد ص ٨٥. الآثار الواردة في سير أعلام النبلاء ٢/ ٥٣٥. الجيلاني وآراؤه الاعتقادية ص ٢٦٠. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ٥٩٣. عقيدة الإمام ابن عبد البر للغصن ص ٣٩٩، ٤٢٢. منهج الحافظ ابن رجب في العقيدة ص ٤١٥، ٤٢٠. الإمام الخطابي ومنهجه في العقيدة ص ٣٧٥. منهج ابن حجر في العقيدة ص ٣٦٩. مباحث العقيدة في سورة الزمر ص ٤٩٣. الإمام المروزي وجهوده في توضيح العقيدة للنفيعي ص ١٦٥. منهج الإمام مالك في العقيدة ص ٣٥٥.","vol":"3","page":203},{"text":"وبحكم به من الأمور\" (^١).\nوقال ابن حجر في الفتح: \"قدرت الشيء بتخفيف الدال وفتحها أقدِره بالكسر والفتح قَدْرًا وقَدَرًا إذا أحطت بمقداره\" (^٢).\nوالقدر في الشرع: \"ما سبق به العلم، وجرى به القلم مما هو كائن إلى الأبد، وأنه ﷿ قدّر مقادير الخلائق، وما يكون من الأشياء قبل أن تكون في الأزل، وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده تعالى وعلى صفات مخصوصة، فهي تقع على حسب ما قدرها\" (^٣).\nوقال ابن حجر في تعريفه: \"المراد أن الله تعالى علم مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد ما سبق في علمه أنه يوجد، فكل محدث صادر عن علمه وقدرته وإرادته\" (^٤).\nوسئل الإمام أحمد عن القدر فقال: \"القدر قدرة الله على العباد\" (^٥).\nوقال النووي في معنى القدر: \"أن الله ﵎ قدر الأشياء في القدم وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده ﷾ وعلى صفات مخصوصة هي تقع على حسب ما قدرها ﷾\" (^٦).\nوسئلت اللجنة عن معنئ القدر فأجابت: \"معناه أن الله ﷾ علم الأشياء كلها قبل وجودها وكتبها عنده وشاء ما وجد منها وخلق ما أراد خلقه\" (^٧).\n_________\n(^١) لسان العرب (ق د ر).\n(^٢) فتح الباري ١/ ١١٨.\n(^٣) لوامع الأنوار ١/ ٣٤٨.\n(^٤) فتح الباري ١/ ١١٨.\n(^٥) مسائل ابن هانئ ٢/ ١٥٥، انظر كتاب المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة - الأحمدي ١/ ١٣٥.\n(^٦) مسلم بشرح النووي ١/ ١٥٤، وانظر أيضًا فتح الباري ١١/ ٤٧٧.\n(^٧) انظر فتوى اللجنة في مجلة البحوث الإسلامية العدد ٤٠ ص ١٠٢.","vol":"3","page":204},{"text":"وقال ابن عثيمين: \"الإيمان بالقدر: هو أن تؤمن بتقدير الله ﷿ للأشياء كلها سواء ما يتعلق بفعله أو ما يتعلق بفعل غيره، وأن الله ﷿ قدرها وكتبها عنده قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، ومعلوم أنه لا كتابة إلا بعد علم، فالعلم سابق على الكتابة، ثم إنه ليس كل معلوم الله ﷾ مكتوب، لأن الذي كتب إلى يوم القيامة، وهناك أشياء بعد يوم القيامة كثيرة أكثر مما في الدنيا هي معلومة عند الله، ﷿، ولكنه لم يرد في الكتاب والسنة أنها مكتوبة\" (^١).\n* الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢]. وقوله جل ذكره: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧]. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩] وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١]. وقوله جل وعلا: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨]. وقوله ﵎: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]. وقد جاء في سبب نزولها ما رواه مسلم عن أبي هريرة عنه قال: \"جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله - ﷺ - في القدر فنزلت\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١٠/ ١٠٠. وانظر: القول المفيد ٣/ ١٧٦.","vol":"3","page":205},{"text":"﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٨ - ٤٩] \" (^١).\n* الدليل من السنة: عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ قَالَ أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي القَدَرِ مَعْبَدٌ الجُهَنِيُّ قَالَ: فَخَرَجْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحِمْيَرِيُّ حَتَّى أَتَيْنَا المَدِينَةَ فَقُلنَا: لَوْ لَقِينَا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - فَسَأَلنَاهُ عَمَّا أَحْدَثَ هَؤُلاءِ القَوْم، قَالَ: فَلَقِينَاهُ - يَعْنِي عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ - وَهُوَ خَارِجٌ مِنْ المَسْجِدِ، قَالَ: فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي، قَالَ: فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبي سَيَكِلُ الكَلامَ إِلَيَّ. فَقُلتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّ قَوْمًا يَقْرَءُونَ القُرْآنَ وَيتَقَفَّرُونَ العِلمَ وَيزْعُمُونَ أَنْ لا قَدَرَ وَأَنَّ الأَمْرَ أُنُفٌ قَالَ فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي مِنْهُمْ بَرِيءٌ وَأَنَّهُمْ مِنِّي بُرَءَاءُ وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ الله لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا قُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، ثم استدل بقول النبي - ﷺ - في تعريف الإيمان: \"أَنْ تُؤْمِنَ بِالله وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ\" (^٢).\nوروى مسلم عن طاوس أنه قال: \"أدركت ناسًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - يقولون: كل شيء بقدر\" (^٣).\nوفي رواية: \"أدركت ثلاثمائة من أصحاب رسول الله - ﷺ - يقولون: كل شيء بقدر\" (^٤). وقال طاوس: وسمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله - ﷺ -: \"كل شيء بقدر حتى العجز والكيس، أو الكيس والعجز\"\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٦٥٦).\n(^٢) أخرجه مسلم (٨).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٦٥٥).\n(^٤) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي ٤/ ٥٨٠، ٦٦١ (ح: ١٠٢٧، ١٢٠٠).\n(^٥) أخرجه مسلم (٢٦٥٥).","vol":"3","page":206},{"text":"وقَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ - ﷺ - لابْنِهِ: \"يَا بُنيَ إِنَكَ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ حَقِيقَةِ الإِيمَانِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ ليُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطأَكَ لَمْ يَكُنْ ليُصِيبَكَ، سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: \"إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ الله القَلَمَ فَقَالَ لَهُ: اكْتُب. قَالَ: رَبِّ وَمَاذا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ\" يَا بُنيَ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: \"مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَلَيْسَ مِنِّي\"\" (^١).\nوفي رواية لأحمد: \"إن أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة\" (^٢).\nوفي رواية لابن وهب قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله ﷿ بالنار\" (^٣).\n* أقوال السلف: عن ابن مسعود - ﵁ - قال: \"لا يذوق عبد طعم الإيمان حتى يؤمن بالقدر كله، وبأنه مبعوث من بعد الموت\" (^٤).\nوقال - ﵁ -: \"لأن أعض على جمرة وأقبض عليها حتى تبرد في يدي أحب إلى من أن أقول لشيء قضاه الله: ليته لم يكن\" (^٥).\nوفي السنن عَنْ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ: أتَيْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْب فَقُلتُ لَهُ: وَقَعَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ مِنْ القَدَرِ فَحَدِّثْنِي بشَيْءٍ لَعَل الله أَنْ يُذْهِبَهُ مِنْ قَلبِي. قَالَ: لَوْ أَنَّ الله عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ عَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٧٠٠).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد (٢٣٠٨١) (٢٣٠٨٣).\n(^٣) القدر لعبد الله بن وهب ص ١٢١.\n(^٤) أخرجه الآجري لا الشريعة ص ٢٠٤، وعبد الرزاق لا المصنف ١١/ ١١٨ (ح: ٢٠٠٨١/ ٢٠٠٨٢).\n(^٥) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٤/ ٦٦٧ (ح: ١٢١٧).","vol":"3","page":207},{"text":"خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، وَلَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذهَبًا فِي سَبِيلِ الله مَا قَبلَهُ الله مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالقَدَرِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَلَوْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا لَدَخَلتَ النَّارَ. قَالَ ثُمَّ أَتَيْتُ عَبْدَ الله بْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ مِثْلَ ذلِكَ، قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمَانِ فَقَالَ مِثْلَ ذلِكَ. قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَحَدَّثَنِي عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - مِثْلَ ذلِكَ\" (^١).\nوعن أبي الحجاج الأزدي قال: قلت لسلمان (^٢): \"ما قول الناس حتى تؤمن بالقدر خيره وشره\"؟ قال: \"حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، ولا تقول: لو فعلت كذا وكذا لكان كذا وكذا، ولو لم أفعل كذا وكذا لم يكن كذا وكذا\" (^٣).\nقال أحمد بن جعفر الإصطخري: قال لي أحمد: \"والقدر خيره وشره وقليله وكثيره وظاهره وباطنه وحلوه ومره ومحبوبه ومكروهه وحسنه وسيئه وأوله وآخره من الله قضاءً قضاه وقدرًا قدره عليهم لا يعدو واحد منهم مشيئة الله ﷿ ولا يجاوز قضاءه بل هم كلهم صائرون إلى ما خلقهم له واقعون فيما قدر عليهم لا محالة وهو عدل منه عز ربنا وجل\" (^٤).\nوالإيمان بالقدر هو الركن السادس من أركان الإيمان التي لا يتحقق إيمان عبد إلا بها. ويجب الإيمان به إيمانا جازما ومن أنكره فإنه كافر مشرك بالربوبية. قال علي\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٦٩٩).\n(^٢) هو سلمان الفارسي، الصحابي الجليل - ﵁ -.\n(^٣) أخرجه الآجري في الشريعة ص ٢٠٦، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٤/ ٦٧٧ (ح: ١٢٤٠)، وعبد الرزاق في المصنف ١١/ ١١٨ (ح ٢٠٠٨٣).\n(^٤) طبقات الحنابلة ١/ ٢٥. المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة - الأحمدي ١/ ١٣٩.","vol":"3","page":208},{"text":"بن أبي طالب - ﵁ -: \"إن أحدكم لن يخلص الإيمان إلى قلبه حتى يستقر يقينا غير ظن أنه ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، ويقر بالقدر كله\" (^١).\nقال الإمام أحمد - رحمه الله تعالى -: \"من السنة اللازمة: الإيمان بالقدر خيره وشره، والتصديق بالأحاديث فيه، والإيمان بها لا يقال: لم؟ ولا كيف؟ إنما هو التصديق بها والإيمان بها\" (^٢).\nوقال ابن القيم ﵀: \"وقال الإمام أحمد: القدر قدرة الله واستحسن ابن عقيل هذا الكلام جدا وقال: هذا يدل على دقة علم أحمد وتبحره في معرفة أصول الدين وهو كما قال أبو الوفاء فإن إنكار القدر إنكار لقدرة الرب على خلق الأعمال وكتابها وتقديرها\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-994>أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-995>١ - أركان الإيمان بالقدر:</span>\nالإيمان بالقدر على أربع مراتب (^٤):\nالمرتبة الأولى: الإيمان بعلم الله الذي هو صفته الأزلية فهو سبحانه عالم بكل شيء وهو بكل شيء محيط فلا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض فيعلم جميع خلقه قبل خلقهم ويعلم ما ستكون عليه أحوالهم كلها سرها وعلانيتها.\nقال ابن عثيمين ﵀: \"فعلم ما كان وما يكون. فكل شيء معلوم لله سواء كان دقيقا أم جليلا من أفعاله أو أفعال خلقه\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٤/ ٦٦٦ (ح: ١٢١٤).\n(^٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للآلكائي ١/ ١٥٧.\n(^٣) شفاء العليل ١/ ٢٨.\n(^٤) مجموع الفتاوى لابن تيمية ٣/ ١٤٨، ١٥٠.\n(^٥) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١٠/ ٩٩٠، ٩٩١. وانظر: القول المفيد لابن عثيمين ٣/ ١٦٤.","vol":"3","page":209},{"text":"والأدلة على هذا كثيرة منها:\nقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]. وقوله سبحانه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الحشر: ٢٢]. وقوله تعالى: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٣]. وقوله ﷿: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]. ومن السنة حديث ابن عباس - ﵁ - قال: \"سئل رسول الله - ﷺ - عن أطفال المشركين؟ قال: \"الله أعلم بما كانوا عاملين إذ خلقهم\"\" (^١). وهذا يدل على علم الله وإحاطته بكل شيء وأنه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون.\nقال شارح الطحاوية: \"وقد ضل في هذا الموضع خلائق من المشركين والصابئين والفلاسفة وغيرهم ممن ينكر علمه بالجزئيات أو بغير ذلك، فإن ذلك كله مما يدخل في التكذيب بالقدر\" (^٢).\nالمرتبة الثانية: الإيمان بأن الله تعالى كتب مقادير خلقه في اللوح المحفوظ ولم يفرط في ذلك من شيء.\nوالأدلة على هذا كثيرة منها:\nقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٨٤) (٦٥٩٨) (٦٦٠٠). مسلم (٢٦٥٩).\n(^٢) شرح العقيدة الطحاوية ص ٣٠٥.","vol":"3","page":210},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨].\nومن السنة حديث عُبَادَةَ - ﵁ - قال: يَا بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: \"إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ ﵎ القَلَم، ثُمَّ قَالَ: اكْتُبْ. فَجَرَى فِي تِلكَ السَّاعَةِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، يَا بُنَيَّ إِنْ مِتَّ وَلَسْتَ عَلَى ذَلِكَ دَخَلتَ النَّارَ\" (^١).\nوعن علي - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ما منكم من أحد إلا قد كتب مقعده من النار أو من الجنة. فقال رجل من القوم: ألا نتكل يا رسول الله؟ قال: لا، اعملوا فكل ميسر ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل: ٥] \" (^٢).\nوكل هذا يدل على أن الله ﵎ كتب كل شيء قبل الخلق، ولم يفرط في الكتاب من شيء وذلك يسير على الله.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-996> فائدة:\nقوله: \"أول ما خلق الله القلم</span>\" يعني: بعد خلق العرش؛ لأن العرش هو أول المخلوقات على الصحيح من قولي العلماء لما ثبت في الصحيح أن رسول الله - ﷺ - قال: \"قدر الله - وفي رواية: كتب الله - مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء\" (^٣).\nفالذي عليه الجمهور أن العرش مخلوق قبل القلم، قال ابن عباس: \"إن الله كان على عرشه قبل أن يخلق شيئًا فكان أول ما خلق الله القلم فأمره أن يكتب ما هو كائن، وأن ما يجري على الناس على أمر قد فرغ منه\" وعلى هذا فإن أول شيء\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢٣٠٨١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٦٠٥). ومسلم (٢٦٤٧).\n(^٣) صحيح مسلم (٢٦٥٢).","vol":"3","page":211},{"text":"خلق بعد العرش هو القلم وقد سئل ابن عباس عن قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧]. على أي شيء؟ قال: على متن الريح (^١).\nوقد رواه البيهقي وروى حديث: \"أول شيء خلقه الله القلم\" ثم قال البيهقي ﵀: وإنما أراد والله أعلم أول شيء خلقه بعد خلق الماء والريح والعرش\" (^٢).\nالمرتبة الثالثة: مرتبة الإيمان بمشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة فما شاء الله تعالى كونه فهو كائن بقدرته ولا بد وما لم يشأ لم يكن لعدم المشيئة لا لعدم القدرة لأن الله ﵎ لا يعجزه شيء كما قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-997> والأدلة على المشيئة الشاملة كثيرة منها:</span>\nقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [النحل: ٩٣]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢].\nومن السنة قول الرسول - ﷺ - فيما رواه البخاري ومسلم بسنديهما عن معاوية بن أبي سفيان: \"من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين\" (^٣).\nودلالة هذه الأدلة على عموم مشيئة الله تعالى ظاهرة فكل ما يحصل في هذا الكون فهو مراد له سبحان وتعالى بالإرادة الكونية فهو الخالق وحده المالك المدبر فلا يجري في ملكه إلا ما يريد لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه ولا يعجزه شيء. ولا\n_________\n(^١) العرش ص ٥٢، السنة لابن أبي عاصم ١/ ٢٥٨، والعظمة ٢/ ٥٧٦.\n(^٢) للاستزادة انظر: تيسير العزيز الحميد ص ٦٩٥، نونية ابن القيم ١/ ٣٧٦.\n(^٣) أخرجه البخاري (٧١) (٣١١٦) (٣٦٤١) (٧٣١٢) (٧٤٦٠). ومسلم (١٠٣٧).","vol":"3","page":212},{"text":"يعني هذا أن الله يرضى عن ما يقع من العباد من الكفر والمعاصي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-998>الفرق بين المشيئة والإرادة:</span>\nالإرادة أعم من المشيئة؛ لأن الإرادة تنقسم إلى قسمين: إرادة كونية، وإرادة شرعية. أما مشيئة الله فهي في النصوص واحدة فلا تكون إلا كونية ولا يوجد مشيئة شرعية.\nقال الشيخ محمد بن إبراهيم:\". . . الإرادة إرادتان: كونية قدرية، وشرعية دينية، وأما المشيئة فلم ترد في النصوص إلا كونية قدرية فلا تنقسم\" (^١).\nوقال الشيخ عبد المحسن العباد: \"والفرق بين المشيئة والإرادة: أن المشيئة لم تأت في الكتاب والسنة إلا لمعني كوني قدري، وأما الإرادة فإنها تأتي لمعني كوني ومعني ديني شرعي. . .\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-999>وأما الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية:</span>\nقال شارح الطحاوية: \"الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادة قدرية كونية خلقية، وإرادة دينية أمرية شرعية، فالإرادة الشرعية هي المتضمنة للمحبة والرضى، والكونية هي المشيئة الشاملة لجميع الموجودات\" (^٣).\nوقال ابن باز ﵀: \"والفرق بين الإرادتين: الأولى لا يتخلف مرادها أبدا بل ما أراده الله، كونا فلا بد من وقوعه كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.\nأما الإرادة الشرعية فقد يوجد مرادها من بعض الناس وقد يتخلف، وإيضاح ذلك أن الله سبحانه أخبر أنه يريد البيان للناس والهداية والتوبة، ومع ذلك أكثر\n_________\n(^١) شرح العقيدة الواسطية ص ٤٩.\n(^٢) قطف الجنى الداني شرح مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني ص ١٢٩.\n(^٣) شرح العقيدة الطحاوية ص ١١٦.","vol":"3","page":213},{"text":"الخلق لم يهتد ولم يوفق للتوبة ولم يتبصر في الحق، لأنه ﷾ قد أوضح الحجة والدليل وبين السبيل وشرع أسباب التوبة وبينها ولكنه لم يشأ لبعض الناس أن يهتدي أو يتوب أو يتبصر فذلك لم يقع منه ما أراده الله شرعا، لما قد سبق في علم الله وإرادته الكونية من أن هذا الشخص المعين لا يكون من المهتدين ولا ممن يوفق للتوبة. وهذا بحث عظيم ينبغي تفهمه وتعقله والتبصر في أدلته، ليسلم المؤمن من إشكالات كثيرة وشبهات مضلة حار فيها الكثير من الناس لعدم تحقيقهم للفرق بين الإرادتين.\nومما يزيد المقام بيانًا أن الإرادتين تجتمعان في حق المؤمن فهو إنما آمن بمشيئة الله وإرادته الكونية، وهو في نفس الوقت قد وافق بإيمانه وعمله الإرادة الشرعية وفعل ما أراده الله منه شرعا وأحبه منه، وتنفرد الإرادة الكونية في حق الكافر والعاصي فهو إنما كفر وعصى بمشيئة الله وإرادته الكونية، وقد تخلفت عنه الإرادة الشرعية لكونه لم يأت بمرادها وهو الإسلام والطاعة فتنبه وتأمل، والله الموفق\" (^١).\nويقول شارح الطحاوية: \"ومنشأ الضلال من التسوية بين المشيئة والإرادة وبين المحبة والرضى، فسوى بينهما الجبرية والقدرية ثم اختلفوا فقالت الجبرية: الكون كله بقضائه وقدره فيكون محبوبًا مرضيًا.\nوقالت القدرية النفاة: ليست المعاصي محبوبة لله ولا مرضية له، فليست مقدرة ولا مقضية فهي خارجة عن مشيئته وخلقه وقد دل على الفرق بين المشيئة والمحبة الكتاب والسنة والفطرة الصحيحة.\nأما أهل السنة فيقولون: إن الله وإن كان يريد المعاصي قدرًا فهو لا يحبها ولا يرضاها ولا يأمر بها بل يبغضها ويسخطها وينهى عنها وهذا قول السلف قاطبة\" (^٢).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن باز ص ٤٧٨، ٤٧٩.\n(^٢) شرح الطحاوية ص ١١٦.","vol":"3","page":214},{"text":"ومع إيماننا بقدرة الله ومشيئته فإننا نؤمن أيضًا أن للعبد قدرة ومشيئة واختيارا بها تتحقق أفعاله وبمقتضاها يكون الثواب والعقاب كما أن قدرة العبد ومشيئته التي بها تحصل أعماله غير خارجة عن قدرة الله ومشيئته فهو الذي منح الإنسان ذلك وجعله قادرا على التمييز والاختيار فأي الفعلين اختار لم يخرج عن كونه داخلا تحت مشيئة الله وقدرته وخلقه.\nوقال الشيخ ابن عثيمين: \"وقد ضل في القدر طائفتان:\nإحداهما: الجبرية الذين قالوا إن العبد مجبر على عمله وليس له فيه إرادة ولا قدرة.\nالثانية: القدرية الذين قالوا إن العبد مستقل بعمله في الإرادة والقدرة، وليس لمشيئة الله تعالى وقدرته فيه أثر.\nوالرد على الطائفة الأولى \"الجبرية\" بالشرع والواقع:\nأما الشرع: فإن الله تعالى أثبت للعبد إرادة ومشيئة، وأضاف العمل إليه قال الله تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]. وقال: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩]. الآية. وقال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦].\nوأما الواقع: فإن كل إنسان يعلم الفرق بين أفعاله الاختيارية التي يفعلها بإرادته كالأكل، والشرب، والبيع والشراء، وبين ما يقع عليه بغير إرادته كالارتعاش من الحمى، والسقوط من السطح، فهو في الأول فاعل مختار بإرادته من غير جبر، وفي الثاني غير مختار ولا مريد لما وقع عليه.\nوالرد على الطائفة الثانية \"القدرية\" بالشرع والعقل:","vol":"3","page":215},{"text":"أما الشرع: فإن الله تعالى خالق كل شيء، وكل شيء كائن بمشيئته، وقد بين الله تعالى في كتابه أن أفعال العباد تقع بمشيئته فقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣].\nوأما العقل: فإن الكون كله مملوك لله تعالى، والإنسان من هذا الكون فهو مملوك لكل تعالى، ولا يمكن للمملوك أن يتصرف في ملك المالك إلا بإذنه ومشيئته\" (^١).\nالمرتبة الرابعة: الإيمان بأن الله تعالى خالق كل شيء لا خالق غيره ولا رب سواه ومما يدل على هذا ما يلي:\nقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢].\nوقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]. وقوله ﷾: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]. وقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦].\nومن السنة قول الرسول - ﷺ -: \"إن الله خالق كل صانع وصنعته\" (^٢).\nودلت هذه النصوص على أن الله ﵎ هو الذي قدر كل شيء وخلقه وهو الذي أحاط الأشياء بعنايته ورعايته وقد قدر الكائنات وأوجدها لا على مثال سابق ووهب بعض خلقه القدرة والفعل، والله سبحانه هو الخالق للفاعل وفعله وهو الخلاق العليم.\n_________\n(^١) شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ١١٤، ١١٥.\n(^٢) المستدرك للحاكم ١/ ٣١، ٣٢. ومجمع الزوائد ٧/ ١٩٧.","vol":"3","page":216},{"text":"وأهل السنة والجماعة يؤمنون بجميع هذه المراتب الأربع وقد جُمعت في بيت:\nعلم كتابة مولانا مشيئته ... وخلقه وهو إيجاد وتكوين\nومنهم من يجعلها مرتبتين وكل مرتبة تتضمن مرتبتين فتكون أربعًا.\nقال شيخ الإسلام: \"والإيمان بالقدر على درجتين كل درجة تتضمن شيئين فالدرجة الأولى الإيمان بأن الله تعالى عليم بما الخلق عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلا وأبدا وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق \"فأول ما خلق الله القلم قال له اكتب قال ما أكتب قال اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه جفت الأقلام وطويت الصحف\". وأما الدرجة الثانية فهي مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه ما في السموات وما في الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه لا يكون في ملكه ما لا يريد وأنه سبحانه على كل شيء قدير من الموجودات والمعلومات فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه لا خالق غيره ولا رب سواه ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسله ونهاهم عن معصيته وهو سبحانه يحب المتقين والمحسنين والمقسطين ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا يحب الكافرين ولا يرضى عن القوم الفاسقين ولا يأمر بالفحشاء ولا يرضى لعباده الكفر ولا يحب الفساد والعبادُ فاعلون حقيقة والله خالق أفعالهم والعبد هو المؤمن والكافر والبر والفاجر والمصلي والصائم وللعباد القدرة على أعمالهم ولهم إرادة والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم كما قال الله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ","vol":"3","page":217},{"text":"يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ وهذه الدرجة من القدر يكذب بها عامة القدرية الذين سماهم النبي - ﷺ - مجوس هذه الأمة ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات حتى سلبوا العبد قدرته واختياره ويخرجون عن أفعال الله وأحكامه حكمها ومصالحها\" (^١).\nوقال ابن رجب: \"والإيمان بالقدر على درجتين:\nأحدهما: الإيمان بأن الله تعالى سبق علمه ما يعلمه العباد من خير وشر، وطاعة ومعصية قبل خلقهم وإيجادهم، ومن هو منهم من أهل الجنة، ومن هو منهم من أهل النار، وأعد لهم الثواب والعقاب جزاء لأعمالهم قبل خلقهم وتكوينهم.\nوأنه كتب ذلك عنده وأحصاه، وأن أعمال العباد تجري على ما سبق في علمه وكتابه.\nالثانية: أن الله خلق أفعال العباد كلها من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان، وشاءها منهم.\nفهذه الدرجة التي يثبتها أهل السنة والجماعة وتنكرها القدرية، والدرجة الأولى أثبتها كثير من القدرية ونفاها غلاتهم كمعبد الجهني الذي سئل ابن عمر عن مقالته، وكعمرو بن عبيد وغيره. . .\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-1000>٢).\n\n٢ - مسألة:\nفإن قلت: كيف؟ قال: \"وتؤمن بالقدر خيره وشره</span>\" وقد قال في الحديث: \"والشر ليس إليك\"؟ فالجواب عن هذا أن إثبات الشر في القضاء والقدر إنما هو بالإضافة إلى العبد، والمفعولُ إن كان مقدرًا عليه فهو بسبب جهله وظلمه وذنوبه لا إلى الخالق فله في ذلك من الحكم ما تقصر عنه أفهام البشر لأن الشر إنما هو بالذنوب وعقوباتها في الدنيا والآخرة، فهو شر بالإضافة إلى العبد، أما بالإضافة إلى الرب ﷾\n_________\n(^١) العقيدة الواسطية ٣٥ - ٣٨.\n(^٢) جامع العلوم والحكم ٢٦.","vol":"3","page":218},{"text":"فكله خير وحكمة فإنه صادر عن حكمه وعلمه وما كان كذلك فهو خير محض بالنسبة إلى الرب، إذ هو موجب أسمائه وصفاته (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1001>٣ - أقسام التقديرات وأنواعها:</span>\nأولًا: التقدير العام لجميع الأشياء قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة عندما خلق الله القلم وأمره بالكتابة لما هو كائن إلى يوم القيامة وهو التقدير الأزلي. ويدل على ذلك حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء\" (^٢).\nوقد ذكر ابن القيم هذا التقدير في كتابه \"شفاء العليل\" ثم ذكر في الباب الثاني تقدير الرب ﵎ شقاوة العباد وسعادتهم وأرزاقهم وآجالهم وأعمالهم قبل خلقهم، قال: \"وهو تقدير ثان بعد التقدير الأول عن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: \"كنا في جنازة في بقيع الغرقد فقعد وقعدنا حوله. . . . ثم قال: ما منكم من أحد ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتب شقية أو سعيدة، ثم قال: فقال رجل: يا رسول الله أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ فقال: من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة، ثم قرأ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل: ٥ - ١٠] (^٣). وذكر أحاديث منها ما رواه هشام بن حكيم بن\n_________\n(^١) ملخص من كلام ابن القيم - مستفاد من تيسير العزيز الحميد ص ٦٩١.\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) أخرجه البخاري (١٣٦٢)، (٤٩٤٥)، ومسلم (٢٦٤٧).","vol":"3","page":219},{"text":"حزام أن رجلا قال: يا رسول الله أتبتدأ الأعمال أم قد مضى القضاء؟ فقال: \"إن الله لما أخرج ذرية آدم من ظهره أشهدهم على أنفسهم، ثم أفاض بكفيه فقال: هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار\"\" (^١).\nفهناك تقديرات أخرى نسبية وكلها ترجع إلى علم الله تعالى الشامل لكل شيء.\nثانيًا: لتقدير العمري: كما جاء في حديث ابن مسعود - ﵁ - قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ الله - ﷺ - وَهُوَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ قَالَ: \"إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ وَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ وَرِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيد، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوح، فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ لَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجَنَّةِ إِلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ كِتَابُهُ فَيَعْمَلُ بِعَمَل أَهْلِ النَّارِ، وَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ إِلا ذِرَاعٌ فَيَسْبقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَل بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ\" (^٢).\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"منها: تقدير عمري: حين يبلغ الجنين في بطن أمه أربعة أشهر يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد\" (^٣).\nثالثًا: التقدير الحولي: قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦)﴾ [الدخان: ٣ - ٦].\nقال ابن القيم: \"وهذه ليلة القدر قطعًا، لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾\n_________\n(^١) شفاء العليل ١/ ١٠.\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٢٠٨) (٣٣٣٢) (٦٥٩٤) (٧٤٥٤)، ومسلم (٢٦٤٣).\n(^٣) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١/ ٩٩٢، ٩٩٣. وانظر: القول المفيد لابن عثيمين ٣/ ١٦٦. وقد ذكره ابن القيم في شفاء العليل ١/ ٥١.","vol":"3","page":220},{"text":"[القدر: ١] عن ابن عباس قال: \"يكتب من أم الكتاب ليلة القدر يكون في السنة من موت وحياة ورزق ومطر حتى الحجاج يقال: حج فلان ويحج فلان\"\" (^١).\nقال ابن عثيمين: \"ومنها: التقدير الحولي وهو الذي يكون في ليلة القدر يكتب فيها ما يقدر في السنة\" (^٢).\nرابعًا: التقدير اليومي: قال الله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩].\nقال ابن القيم في شفاء العليل: \"وقال مجاهد والكلبي وعبيد بن عمير وأبو ميسرة وعطاء ومقاتل: من شأنه أن يحيى ويميت، ويرزق ويمنع، وينصر، ويعز، ويذل، ويفك عانيا، ويشفي مريضا، ويجيب داعيًا، ويعطي سائلًا، ويتوب على قوم، ويكشف كربًا، ويغفر ذنبًا، ويضع قوما ويرفع آخرين دخل كلام بعضهم في بعض\" (^٣).\nوقال الشيخ ابن عثيمين: \"ومنها: التقدير اليومي كما ذكره بعض أهل العلم واستدل له بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩].\nفهو كل يوم يغني فقيرًا، ويفقر غنيًا، ويوجد معدومًا، ويعدم موجودًا، ويبسط الرزق ويقدره، وينشئ السحاب والمطر وغير ذلك\" (^٤).\nوهذا التقدير وما سبقه من التقدير السنوي والعمري هو تفصيل من القدر الأزلي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1002>٤ - القدر سر من أسرار الله:</span>\nومما سبق يتبين لنا حرص السلف على ترك التعمق في القدر والاعتماد في معرفته على الكتاب والسنة وكل من خاض في هذه المسألة بعقله ضل وتاه، وما\n_________\n(^١) شفاء العليل ١/ ٥٩.\n(^٢) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١٠/ ٩٩٢، ٩٩٣. وانظر: القول المفيد لابن عثيمين ٣/ ١٦٧.\n(^٣) شفاء العليل ١/ ٦١.\n(^٤) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١٠/ ٩٩٣. وانظر: القول المفيد لابن عثيمين ٣/ ١٦٧، ١٦٨.","vol":"3","page":221},{"text":"ضلت القدرية والجبرية إلا بسبب اعتمادها المحض على العقل وعدم الاعتماد على الكتاب والسنة وقول سلف الأمة، ومعلوم أن بعض جوانب القدر لا يمكن للعقل الإنساني مهما كان نبوغه أن يستوعبها.\nقال إبراهيم القرشي: \"كنت جالسًا عند ابن عمر - ﵄ - فسئل عن القدر؟ فقال: شيء أراد الله ﷿ ألا يطلعكم عليه، فلا تريدوا من الله ﷿ ما أبى عليكم\" (^١).\nوفي شرح النووي قال: \"قال الإمام أبو المظفر السمعاني: سبيل معرفة هذا الباب التوقيف من الكتاب والسنة دون محض القياس ومجرد العقول، فمن عدل عن التوقيف فيه ضل وتاه في بحار الحيرة، ولم يبلغ شفاء النفس، ولا يصل إلى ما يطمئن به القلب؛ لأن القدر سر من أسرار الله تعالى التي ضربت من دونها الأستار، واختص الله به، وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم؛ لما علمه من الحكمة. وواجبنا أن نقف حيث حدَّ لنا، ولا نتجاوزه، وقد طوى الله تعالى علم القدر على العالم، فلم يعلمه نبي مرسل، ولا ملك مقرب. وقيل: إن سر القدر ينكشف لهم إذا دخلوا الجنة، ولا ينكشف قبل دخولها. والله أعلم\" (^٢).\nوقال الآجري: \"لا يحسن بالمسلمين التنقير والبحث في القدر؛ لأن القدر سر من أسرار الله ﷿، بل الإيمان بما جرت به المقادير من خير أو شر واجب على العباد أن يؤمنوا به، ثم لا يأمن العبد أن يبحث عن القدر فيكذب بمقادير الله الجارية على العباد، فيضل عن طريق الحق قال النبي - ﷺ -: \"ما هلكت أمة قط إلا بالشرك بالله ﷿، وما أشركت أمة حتى يكون بدوُّ شركها التكذيب بالقدر\"\" (^٣).\nويقول الطحاوي - رحمه الله تعالى -: \"وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم\n_________\n(^١) أخرجه الآجري في الشريعة ص ٢٣٥.\n(^٢) شرح النووي على مسلم ١٦/ ١٩٦. وراجع فتح الباري ١١/ ٤٧٧.\n(^٣) الشريعة للآجري ص ١٤١.","vol":"3","page":222},{"text":"يطلع على ذلك ملك مقرب، ولا نبي مرسل، والتعمق في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر الحذر من ذلك نظرا وفكرا ووسوسة، فإن الله طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] \" (^١).\nوقال ابن عثيمين: \"وهذا القدر قال بعض العلماء إنه سر من أسرار الله، وهو كذلك لم يُطلع الله عليه أحدا، لا ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا، إلا ما أوحاه الله ﷿ إلى رسله، وإلا فإنه سر مكتوم. قال تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤]. أو وقع فعلم به الناس. وإلا فإنه سر مكتوم، وإذا قلنا إنه سر مكتوم فإن هذا القول يقطع احتجاج العاصي بالقدر على معصيته. . .\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1003>٥ - ثمرات الإيمان بالقدر:</span>\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"وللإيمان بالقدر ثمرات جليلة منها:\nالأولى: الاعتماد على الله تعالى، عند فعل الأسباب بحيث لا يعتمد على السبب نفسه لأن كل شيء بقدر الله تعالى.\nالثانية: أن لا يعجب المرء بنفسه عند حصول مراده، لأن حصوله نعمة من الله تعالى بما قدره من أسباب الخير، والنجاح، وإعجابه بنفسه ينسيه شكر هذه النعمة.\nالثالثة: الطمأنينة والراحة النفسية بما يجري عليه من أقدار الله تعالى فلا يقلق بفوات محبوب، أو حصول مكروه، لأن ذلك بقدر الله الذي له ملك السماوات والأرض، وهو كائن لا محالة وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي\n_________\n(^١) شرح الطحاوية ٢٧٦. للاستزادة انظر فتاوى الشيخ ابن باز ص ٤٧٦، ٤٧٩. القضاء والقدر عمر الأشقر ٢٩/ ٣٦.\n(^٢) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١٠/ ١٠٠١. وانظر: القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٣/ ١٧٦.","vol":"3","page":223},{"text":"فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣)﴾ [الحديد: ٢٢ - ٢٣]. ويقول النبي - ﷺ -: \"عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له\" (^١) \" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1004>٦ - مسألة: الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي:</span>\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"والإيمان بالقدر على ما وصفنا لا يمنح العبد حجة على ما ترك من الواجبات أو فعل من المعاصي، وعلى هذا فاحتجاجه به باطل من وجوه:\nالأول: قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨]. ولو كان لهم حجة بالقدر ما أذاقهم الله بأسه.\nالثاني: قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥]. ولو كان القدر حجة للمخالفين لم تنتف بإرسال الرسل، لأن المخالفة بعد إرسالهم واقعة بقدر الله تعالى.\nالثالث: ما رواه البخاري أن النبي - ﷺ - قال: \"ما منكم من أحد إلا قد كتب مقعده. . .\" الحديث (^٣). وفي لفظ لمسلم: \"فكل ميسر لما خلق له\" فأمر النبي - ﷺ - بالعمل ونهى عن الاتكال على القدر.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٩٩٩).\n(^٢) شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ١١٣، ١١٤.\n(^٣) سبق تخريجه.","vol":"3","page":224},{"text":"الرابع: أن الله تعالى أمر العبد ونهاه، ولم يكلفه إلا ما يستطيع، قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. وقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ولو كان العبد مجبرا على الفعل لكان مكلفا بما لا يستطيع الخلاص منه، وهذا باطل ولذلك إذا وقعت منه المعصية بجهل، أو نسيان أو إكراه، فلا إثم عليه لأنه معذور.\nالخامس: أن قدر الله تعالى سر مكتوم لا يعلم به إلا بعد وقوع المقدور، وإرادة العبد لما يفعله سابقة على فعله فتكون إرادته الفعل غير مبنية على علم منه بقدر الله وحينئذ تنتفي حجته بالقدر إذ لا حجة للمرء فيما لا يعلمه.\nالسادس: أننا نرى الإنسان يحرص على ما يلائمه من أمور دنياه حتى يدركه ولا يعدل عنه إلى ما لا يلائمه ثم يحتج على عدوله بالقدر، فلماذا يعدل عما ينفعه في أمور دينه إلى ما يضره ثم يحتج بالقدر؟! أفليس شأن الأمرين واحدًا؟!\nوإليك مثالًا يوضح ذلك: لو كان بين يدي الإنسان طريقان أحدهما ينتهي يه إلى بلد كلها فوضى، وقتل، ونهب، وانتهاك للأعراض، وخوف، وجوع، والثاني ينتهي به إلى بلد كلها نظام، وأمن مستتب، وعيش رغيد، واحترام للنفوس والأعراض والأموال، فأي الطريقين يسلك؟ إنه سيسلك الطريق الثاني الذي ينتهي به إلى بلد النظام والأمن، ولا يمكن لأي عاقل أبدا أن يسلك طريق بلد الفوضى، والخوف، ويحتج بالقدر فلماذا يسلك في أمر الآخرة طريق النار دون الجنة ويحتج بالقدر؟!\nمثال آخر: نرى المريض يؤمر بالدواء فيشربه ونفسه لا تشتهيه، وينهى عن الطعام الذي يضره فيتركه ونفسه تشتهيه، كل ذلك طلبا للشفاء والسلامة، ولا يمكن أن يمتنع عن شرب الدواء أو يأكل الطعام الذي يضره ويحتج بالقدر فلماذا يترك الإنسان ما أمر الله ورسوله، أو يفعل ما نهى الله ورسوله ثم يحتج بالقدر؟!","vol":"3","page":225},{"text":"السابع: أن المحتج بالقدر على ما تركه من الواجبات أو فعله من المعاصي لو اعتدى عليه شخص فأخذ ماله أو انتهك حرمته ثم احتج بالقدر، وقال: لا تلمني فإن اعتدائي كان بقدر الله، لم يقبل حجته. فكيف لا يقبل الاحتجاج بالقدر في اعتداء غيره عليه ويحتج به لنفسه في اعتدائه على حق الله تعالى؟!\nويذكر أن - أمير المؤمنين - عمر بن الخطاب - ﵁ - رفع إليه سارق استحق القطع، فأمر بقطع يده فقال: مهلًا يا أمير المؤمنين، فإنما سرقت بقدر الله. فقال عمر: ونحن إنما نقطع بقدر الله\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1005>٧ - حكم الاحتجاج بالقدر عند المصائب:</span>\nروى مسلم أن رسول الله - ﷺ - قال: \"احتج آدم وموسى فقال موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة. فقال له آدم: أنت موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده، أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ فقال النبي - ﷺ - فحج آدم موسى، فحج آدم موسى\" (^٢).\nفالاحتجاج بالقدر على المصيبة جائز فإن آدم ﵇ احتج بالقدر على المصيبة وهي الخروج من الجنة، وقد حاجه موسى ﵇ بذلك حيث قال: \"لماذا أخرجتنا من الجنة\"؟ فكانت الحجة لآدم على موسى. والله ﷾ قد كتب أن آدم وذريته يعيشون في الأرض وقد خلقهم لذلك كما أخبر تعالى بقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠].\nفكانت الحجة لآدم على موسى ولم تكن محاجة موسى لآدم ﵉ على\n_________\n(^١) شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ١١٢.\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٤٠٩) (٤٧٣٦) (٤٧٣٨) (٦٦١٤) (٧٥١٥)، ومسلم (٢٦٥٢).","vol":"3","page":226},{"text":"المعصية وهي الأكل من الشجرة حيث لم يَلُم على ذلك وموسى ﵇ أعلم من أن يلومه على ذنب تاب منه وتاب الله عليه، وآدم التي أعلم من أن يحتج بالقدر على أن المذنب لا ملام عليه والله أعلم.\nقال الحافظ ابن رجب: \"لمَّا التقى آدم وموسى ﵉ عاتبه موسى على إخراجه نفسه وذريته من الجنة، فاحتج آدم بالقدر السابق. والاحتجاج بالقدر على المصائب حسن، كما قال النبي - ﷺ -: \"إن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا كان كذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل\" كما قيل:\nوالله لولا سابق الأقدار ... لم تبعد قط داركم عن داري\nمن قبل النأي جرية المقدار ... هل يمحو العبد ما قضاه الباري\" (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1006>٨ - مسألة في بعض النصوص التي يتوهم الناظر معارضتها للقدر:</span>\nوردت بعض النصوص ظاهرها التعارض مع القدر ومن ذلك:\n- قول الله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩].\n- وعَنْ أَنَسِ بن مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"مَنْ سَرَّهُ أنْ يُبْسَطَ لَهُ في رِزْقِهِ أَوْ يُنْسَأَ له في أثَرِهِ (^٢) فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ\" (^٣).\n- وعَنْ سَلمَان قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لا يَرُدُّ القَضَاءَ إلَا الدُّعاءُ ولا يَزِيدُ في العُمْرِ إلا البِرُّ\" (^٤).\n_________\n(^١) لطائف المعارف ١١٧.\n(^٢) قال في تحفة الأحوذي: \"والمَعْنَى أنَّهَا سَبَبٌ لِتَأْخِيرِ الأَجَلِ وَمُوجِبٌ لِزِيَادَةِ العُمُرِ، وَقِيلَ بَاعِثُ دَوَامٍ واسْتِمَرَارٍ فِي النَّسْلِ\" تحفة الأحوذي شرح حديث رقم ١٩٠٢.\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٠٦٧)، (٥٩٨٦). ومسلم (٢٥٥٧). وأبو داود (١٤٤٣).\n(^٤) أخرجه الترمذي (٢٠٣٩).","vol":"3","page":227},{"text":"- وعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"لا يَزِيدُ فِي العُمْرِ إِلا البِرُّ ولا يَرُدُّ القَدَرَ إِلا الدُّعَاءُ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِخَطِيئَةٍ يَعْمَلُهَا\" (^١).\n- وعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لَهَا: \"إِنَّهُ مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ الرِّفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَصِلَةُ الرَّحِمِ وَحُسْنُ الخُلُقِ وَحُسْنُ الجِوَارِ يَعْمُرَانِ الدِّيَارَ وَيَزِيدَانِ فِي الأَعْمَارِ\" (^٢).\n- وَلأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيث أَنَس رَفَعَهُ \"إِنَّ الصَّدَقَة وَصِلَة الرَّحِم يَزِيد الله بِهِمَا فِي العُمُر، وَيَدْفَع بِهِمَا مِيتَة السُّوء\" (^٣).\nفهذه النصوص قد يوهم ظاهرها أنها تعارض الآيات والأحاديث السابقة، كما أن ظاهرها يعارض الحديث الذي في مسلم وفيه قَالَتْ أُمّ حَبِيبَة: اللهُمَّ أَمْتِعْنِي بِزَوْجِي رَسُول الله - ﷺ - وَبِأَبِي أَبِي سُفْيَان، وَبِأَخِي مُعَاوِية فَقَالَ النَّبِيّ - ﷺ -: \"قَدْ سَأَلت الله ﷿ لِآجَالٍ مَضْرُوبَة، وَأَيَّام مَعْدُودَة، وَأَرْزَاق مَقْسُومَة، وَلَنْ يُعَجِّل شَيْئًا قَبْل حِلّه، أَوْ يُؤَخِّر شَيْئًا عَنْ حِلّه، وَلَوْ كُنْت سَأَلت الله أَنْ يُعِيذك مِنْ عَذَاب فِي النَّار، أَوْ عَذَابٍ فِي القَبْر، كَانَ خَيْرًا وَأَفْضَل\" (^٤).\n* وللجمع بين هذه النصوص نورد ما ذكره العلماء في ذلك:\nقال ابن كثير: \"قال عكرمة عن ابن عباس الكتاب كتابان فكتاب يمحو الله منه ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب\" (^٥).\nقال النووي: \"وَأَمَّا التَّأْخِير فِي الأَجَل فَفِيهِ سُؤَال مَشْهُور، وَهُوَ أَنَّ الآجَال\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٩٠) (٤٠٢٢).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد (٢٥٧٧٣).\n(^٣) أخرجه أبو يعلى وقال ابن حجر: سنده ضعيف انظر: فتح الباري ١٠/ ٤٣٠ عند شرح الحديث رقم (٥٩٨٥) (٥٩٨٦).\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٦٦٣).\n(^٥) تفسير ابن كثير ٢/ ٥٢١.","vol":"3","page":228},{"text":"وَالأَرْزَاق مُقَدَّرَة لا تَزِيد وَلا تَنْقُص ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] وَأَجَابَ العُلَمَاء بِأَجْوِبَةٍ:\nالصَّحِيح مِنْهَا أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَة بِالبَرَكَةِ فِي عُمْره، وَالتَّوْفِيقِ لِلطَّاعَاتِ، وَعِمَارَة أَوْقَاته بِمَا يَنْفَعهُ فِي الآخِرَة، وَصِيَانَتهَا عَنْ الضَّيَاع فِي غَيْر ذَلِكَ.\nوَالثانِي: أنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَظْهَر لِلمَلائِكَةِ وَفِي اللوْح المَحْفُوظ، وَنَحْو ذَلِكَ، فَيَظْهَر لَهُمْ فِي اللوْح أَنَّ عُمْره سِتُّونَ سَنَة إِلا أَنْ يَصِل رَحِمه فَإِنْ وَصَلَهَا زِيدَ لَهُ أَرْبَعُونَ، وَقَدْ عَلِمَ الله ﷾ مَا سَيقَعُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ مِنْ مَعْنَى قَوْله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ فَبِالنِّسْبةِ إِلَى عِلم الله تَعَالَى، وَمَا سَبَقَ بِهِ قَدَره وَلا زِيَادَة بَل هِيَ مُسْتَحِيلَة، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا ظَهَرَ لِلمَخْلُوقِينَ تُتَصَوَّر الزِّيَادَة، وَهُوَ مُرَاد الحَدِيث.\nوَالثَّالِث: أَنَّ المُرَاد بَقَاء ذِكْره الجَمِيل بَعْده، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَمُتْ. حَكَاهُ القَاضِي، وَهُوَ ضَعِيف أَوْ بَاطِل وَاللهُ أَعْلَم\" (^١).\nوقال في تحفة الأحوذي: \"وَقَالَ فِي اللُّمَعَاتِ: وَالمُرَادُ بِتَأْخِيرِ الأَجَلِ بِالصِّلَةِ إِمَّا حُصُولُ البَرَكَةِ وَالتَّوْفِيقُ فِي العَمَل وَعَدَم ضَيَاع العُمُر فَكَأَنَّهُ زَادَ، أَوْ بمَعْنى أَنَّهُ سَبَبٌ لِبَقَاءِ ذِكْرِهِ الجَمِيلِ بَعْدَه، أَو وُجُودَ الذُّرِّيَّةَ الصَّالِحَةِ. وَالتَّحْقيقُ أَنَّهَا سَبَبٌ لِزِيَادَةِ العُمُرِ كَسَائِرِ أَسْبَابِ العَالَمِ. فَمَنْ أَرَادَ اللهُ تَعَالَى زِيادَةَ عُمُرِهِ وَفَّقَهُ لِصِلَةِ الأَرْحَامِ، وَالزِّيَادَةُ إِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الخَلقِ، وَأَمَّا فِي عِلمِ الله فَلا زِيادَةَ وَلا نُقْصَانَ، وَهُوَ وَجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ - ﷺ -: \"جَفَّ القَلَمْ بِمَا هُوَ كَائِنٌ\"، وَقَولهُ تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ \" (^٢).\nوفي قول النبي - ﷺ -: \"قَدْ سَأَلت الله ﷿ لآجَالٍ مَضْرُوبَة، وَأيَّام مَعْدُودَة، وَأَرْزَاق\n_________\n(^١) شرح مسلم للنووي ١٦/ ١١٤.\n(^٢) تحفة الأحوذي ٦/ ٩٧.","vol":"3","page":229},{"text":"مَقْسُومَة، وَلَنْ يُعَجِّل شَيْئًا قَبْل حِلّه، أَوْ يُؤَخِّر شَيْئًا عَنْ حِلّه\". قال النووي ﵀: \"وَهَذَا الحَدِيث صَرِيح فِي أَنَّ الآجَال وَالأَرْزَاق مُقَدَّرَة لا تتغَيَّر عَمَّا قَدَّرَهُ الله تَعَالَى وَعَلِمَهُ فِي الأَزَل، فَيَسْتَحِيل زِيادَتهَا وَنَقْصهَا حَقِيقَة عَنْ ذَلِكَ.\nوَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي حَدِيث صِلَة الرَّحِم تَزِيد فِي العُمْر وَنَظَائِره فَقَدْ سَبَقَ تَأْوِيله فِي بَاب صِلَة الأَرْحَام وَاضِحًا. قَالَ المَازِرِيُّ هُنَا: قَدْ تَقَرَّرَ بِالدَّلائِلِ القَطْعِيَّة أَنَّ الله تَعَالَى أَعْلَم بِالآجَالِ وَالأَرْزَاق وَغَيْرهَا، وَحَقِيقَة العِلم مَعْرِفَة المَعْلُوم عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، فَإِذَا عَلِمَ الله تَعَالَى أَنَّ زَيْدًا يَمُوت سِنّه خَمْسمِائَةٍ اسْتَحَالَ أَنْ يَمُوت قَبْلهَا أَوْ بَعْدهَا لِئَلا يَنْقَلِب العِلم جَهْلًا، فَاسْتَحَالَ أَنَّ الآجَال الَّتِي عَلِمَهَا الله تَعَالَى تَزِيد وَتَنْقُص، فَيَتَعَيَّن تَأْوِيل الزِّيَادَة أَنهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَلَك المَوْت أَوْ غَيْره مِمَّنْ وَكَّلَهُ الله بِقَبْضِ الأَرْوَاح، وَأَمَرَهُ فِيهَا بِآجَالٍ مَمْدُودَة فَإِنَّهُ بَعْد أَنْ يَأْمُرهُ بذَلِكَ أَوْ يُثْبِتهُ فِي اللوْح المَحْفُوظ يَنْقُص مِنْهُ وَيزِيد عَلَى حَسَب مَا سَبَقَ بِهِ عِلمه فِي الأَزَل، وَهُوَ مَعْنَى قَوْله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ وَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ يُحْمَل قَوْله تعالى: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ \" (^١).\nوقال ابن حجر: \"قَالَ ابْن التِّين: ظَاهِر الحَدِيث يُعَارِض قَوْله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ وَالجَمْع بَيْنهمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:\nأَحَدهمَا: أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَة كِنَايَة عَنْ البَرَكَة فِي العُمُر بِسَبَبِ التَّوْفِيق إِلَى الطَّاعَة، وَعُمَارَة وَقَتَهُ بِمَا يَنْفَعهُ فِي الآخِرَة، وَصِيَانَته عَنْ تَضْيِيعه فِي غَيْره ذَلِكَ. وَمِثْل هَذَا مَا جَاءَ أَنَّ النَّبِيّ - ﷺ - تَقَاصَرَ أَعْمَار أُمَّته بِالنِّسْبَةِ لِأَعْمَارِ مَنْ مَضَى مِنْ الأُمَم فَأَعْطَاهُ الله لَيْلَة القَدْر. وَحَاصِله أَنَّ صِلَة الرَّحِم تَكُون سَبَبًا لِلتَّوْفِيقِ لِلطَّاعَةِ وَالصِّيَانَة عَنْ المَعْصِيَة فَيَبْقَى بَعْده الذِّكْر الجَمِيل، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَمُتْ. وَمِنْ جُمْلَة مَا يَحْصل لَهُ مِنْ\n_________\n(^١) شرح مسلم للنووي ١٦/ ٢١٣.","vol":"3","page":230},{"text":"التَّوْفِيق العِلم الَّذِي يَنتفِع بِهِ مَنْ بَعْده، وَالصَّدَقَة الجَارِية عَلَيْهِ، وَالخَلَف الصَّالِح.\nثَانِيهمَا: أَنَّ الزِّيَادَة عَلَى حَقِيقَتهَا، وَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلم المَلَك المُوَكَّل بِالعُمُرِ، وَأَمَّا الأَوَّل الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَة فَبِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلم الله تَعَالَى، كَأَنْ يُقَال لِلمَلَكِ مَثَلًا: إِنَّ عُمْر فُلان مِائَة مَثَلًا إِنْ وَصَلَ رَحِمه، وَسِتُّونَ إِنْ قَطَعَهَا. وَقَدْ سَبَقَ فِي عِلم الله أَنَّهُ يَصِل أَوْ يَقْطَع، فَالَّذِي فِي عِلم الله لا يَتَقَدَّم وَلا يَتَأَخَّر، وَالَّذِي فِي عِلم المَلَك هُوَ الَّذِي يُمْكِن فِيهِ الزِّيَادَة وَالنَّقْص وَإِلَيْهِ الإشَارَة بِقَوْلِهِ تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ المَحْو وَالإثْبَات بِالنِّسْبَةِ عِلم المَلَك، وَمَا فِي أُمّ الكِتَاب هُوَ الَّذِي فِي عِلم اللهِ تَعَالَى فَلا مَحْو فِيهِ البَتَّة. ويُقَال لَهُ القَضَاء المُبْرَم، ويُقَال لِلأَوَّلِ القَضَاء المُعَلَّق. وَالوَجْه الأَوَّل أَليَق بِلَفْظِ حَدِيث البَاب، فَإِنَّ الأَثَر مَا يَتْبَع الشَّيْء، فَإِذا أُخِّرَ حَسُنَ أَنْ يُحْمَل عَلَى الذِّكْر الحَسَن بَعْد فَقْد المَذْكُور.\nوَقَدْ وَرَدَ فِي تَفْسِيره وَجْه ثَالِث، فَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي \"الصَّغير\" بِسَنَدٍ ضَعِيف عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء قَالَ: ذُكِرَ عِنْد رَسُول الله - ﷺ - مَنْ وَصَلَ رَحِمه أُنْسئَ لَهُ فِي أَجَله، فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ زِيادَة فِي عُمُره، قَالَ الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ الآيَة؛ وَلَكِنَّ الرَّجُل تَكُون لَهُ الذُّرِّيَّة الصَّالِحَة يَدْعُونَ لَهُ مِنْ بَعْده\".\nوَلَهُ فِي \"الكَبِير\" مِنْ حَدِيث أَبِي مُشَجِّعَة الجُهَنِيّ رَفَعَهُ \"إِنَّ الله لا يُؤَخِّر نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلهَا، وَإِنَّمَا زِيَادَة العُمُر ذُرِّيَّة صَالِحَة\" الحَدِيث.\nوَجَزَمَ ابْن فَوْرَك بِأَنَّ المُرَاد بِزِيَادَةِ العُمُر نَفْي الآفَات عَنْ صَاحِب البِرّ فِي فَهْمه وَعَقْله. وَقَالَ غَيْره فِي أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ وَفِي وُجُود البَرَكَة فِي رِزْقه وَعِلمه وَنَحْو ذَلِكَ\" (^١).\nوفي قول النبي - ﷺ -: \"من سره أن يبسط له في رزقه. . . \" الحديث، قال شيخ الإسلام: \"وقد قال بعض الناس إن المراد به البركة في العمر بأن يعمل في الزمن\n_________\n(^١) فتح الباري ١٠/ ٤٣٠ عند شرح الحديث رقم (٥٩٨٥) (٥٩٨٦).","vol":"3","page":231},{"text":"القصير ما لا يعمله غيره إلا في الكثير. قالوا: لأن الرزق والأجل مقدران مكتوبان.\nفيقال لهؤلاء: تلك البركة وهي الزيادة في العمل والنفع هي أيضًا مقدرة مكتوبة وتتناول لجميع الأشياء.\nوالجواب المحقق: أن الله يكتب للعبد أجلًا في صحف الملائكة فإذا وصل رحمه زاد في ذلك المكتوب، وإن عمل ما يوجب النقص نقص من ذلك المكتوب. ونظير هذا ما في الترمذي وغيره عن النبي - ﷺ -: \"إن آدم لما طلب من الله أن يريه صورة الأنبياء من ذريته فأراه إياهم فرأى فيهم رجلًا له بصيص فقال: من هذا يا رب؟ فقال: ابنك داود. قال: فكم عمره؟ قال: أربعون سنة. قال: وكم عمري؟ قال: ألف سنة. قال: فقد وهبت له من عمري ستين سنة، فكتب عليه كتاب، وشهدت عليه الملائكة، فلما حضرته الوفاة قال: قد بقي من عمري ستون سنة قالوا: وهبتَها لابنك داود. فأنكر ذلك فأخرجوا الكتاب\". قال النبي - ﷺ -: \"فنسي آدم فنسيت ذريته، وجحد آدم فجحدت ذريته\".\nوروي \"أنه كمل لآدم عمره ولداود عمره، فهذا داود كان عمره المكتوب أربعين سنة ثم جعله ستين، وهذا معنى ما روي عن عمر أنه قال: اللهم إن كنت كتبتني شقيًا فامحني واكتبني سعيدًا، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، والله سبحانه عالم بما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون فهو يعلم ما كتبه له وما يزيده إياه بعد ذلك، والملائكة لا علم لهم إلا ما علمهم الله - والله يعلم الأشياء قبل كونها وبعد كونها؛ فلهذا قال العلماء إن المحو والإثبات في صحف الملائكة - وأما علم الله سبحانه فلا يختلف ولا يبدو له ما لم يكن عالما به فلا محو فيه ولا إثبات - وأما اللوح المحفوظ فهل فيه محو وإثبات على قولين، والله ﷾ أعلم\" (^١).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٤/ ٤٩٠ - ٤٩٢.","vol":"3","page":232},{"text":"وفي تفسير قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ قال السعدي ﵀: \"وهذا المحو والتغيير في غير ما سبق به علمه، وكتبه قلمه، فإن هذا لا يقع فيه تبديل ولا تغيير؛ لأن ذلك محال على الله أن يقع في علمه نقص، أو خلل، ولهذا قال: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي: اللوح المحفوظ، الذي ترجع إليه سائر الأشياء، فهو أصلها، وهي فروع وشُعب.\nفالتغيير والتبديل يقع في الفروع والشعب كأعمال اليوم والليلة، التي تكتبها الملائكة، ويجعل الله لثبوتها أسبابًا، ولمحوها أسبابًا، لا تتعدى تلك الأسباب، ما رسم في اللوح المحفوظ كما جحل الله البر والصلة والإحسان من أسباب طول العمر، وسعة الرزق والعمر، وكما جعل أسباب النجاة من المهالك والمعاطب، سببًا للسلامة، وجعل التعرض لذلك سببًا للعطب، فهو الذي يدبر الأمور بحسب قدرته وإرادته، وما يدبره منها لا يخالف ما قد علمه وكتبه، في اللوح المحفوظ\" (^١).\nوقد سئل الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ عن الدعاء والصدقة هل يردان القضاء والقدر، فذكر الآيات والأحاديث الدالة على أن قدر الله ﷿ ماضٍ في عباده، ثم قال: \"وقد ثبت عنه - ﷺ - ما يدل على أن الحوادث معلقة بأسبابها، كما في قوله - ﷺ -: \"إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، وإن البر يزيد في العمر، ولا يرد القدر إلا الدعاء\" ومراده - ﷺ - أن القدر المعلق بالدعاء يرده الدعاء، وهكذا قوله - ﷺ -: \"من أحب أن يُبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أجله فليصل رحمه\". فالأقدار تردها الأقدار التي جعلها الله سبحانه مانعة لها، والأقدار المعلقة على وجود أشياء كالبر والصلة والصدقة توجد عند وجودها، وكل ذلك داخل في القدر العام المذكور في\n_________\n(^١) تفسير ابن سعدي ص ٣٧٤.","vol":"3","page":233},{"text":"قوله سبحانه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وقوله - ﷺ -: \"وتؤمن بالقدر خيره وشره\"، ومن هذا قوله - ﷺ -: \"الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار\". وروي عنه - ﷺ - أنه قال: \"إن صدقة السر تطفئ غضب الله وتدفع ميتة السوء\" ... \" (^١).\nوسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل للدعاء تأثير في تغيير ما كتب للإنسان قبل خلقه؟\nفأجاب بقوله: \"لا شك أن للدعاء تأثيرًا في تغيير ما كتب، لكن هذا التغيير قد كتب أيضًا بسبب الدعاء، فلا تظن أنك إذا دعوت الله فإنك تدعو بشيء غير مكتوب، بل الدعاء مكتوب وما يحصل به مكتوب، ولهذا نجد القارئ يقرأ على المريض فيشفى، وقصة السرية التي بعثها النبي - ﷺ - فنزلوا ضيوفًا على قوم ولكنهم لم يضيفوهم، وقدر أن لدغت حية سيدهم فطلبوا من يقرأ عليه، فاشترط الصحابة أجرة على ذلك، فأعطوهم قطيعًا من الغنم، فذهب أحدهم فقرأ عليه الفاتحة، فقام اللديغ كأنما نشط من عقال، أي كأنه بعير فك عقاله، فقد أثرت القراءة في شفاء المريض.\nفللدعاء تأثير لكنه ليس تغييرًا للقدر، بل هو مكتوب بسببه المكتوب، وكل شيء عند الله بقدر، وكذلك جميع الأسباب لها تأثير في مسبباتها بإذن الله، فالأسباب مكتوبة والمسببات مكتوبة\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1007>٩ - حكم سب القدر:</span>\nلا يجوز سب القدر أو الاستهزاء به بل ذلك كفر بالله ﷿ وقد سئل الشيخ ابن باز عن كلام ورد في صحيفة محلية وفيه: \"منصور البالغ من العمر ١٣ ربيعًا مزدهرًا برحيق الصبا، كان على موعد مع الحزن والأسى ولعبة القدر العمياء. ثم:\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن باز ٢/ ٤٩٠ - ٤٩١.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٢/ ٩٣، ٩٤.","vol":"3","page":234},{"text":"ولكن القدر المترصد لمنصور لم يحكم لعبته الأزلية ... \"إلخ.\nفقال الشيخ ابن باز ﵀: \"هذا الكلام وأشباهه من المنكرات العظيمة بل من الكفر البواح اعتراضًا على الله سبحانه وسبًا لما سبق به علمه واستهزاء بذلك، فعك من قال ذلك أن يتوب إلى الله سبحانه توبة صادقة\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1008>٢٢٣ - قراءة الفنجان والكف</span>\nانظر: باب (الكهانة) (العراف).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى سماحة الشيخ ابن باز ص ٤٩٨، ٤٩٩.","vol":"3","page":235},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1009>٢٢٤ - القضاء</span>*\nالقضاء: الفصل والحكم. وهو في اللغة يرد لمعان تختلف باختلاف التركيب فمنها:\n١ - الحكم يقال يقضي قضاء بمعنى حكم.\n٢ - ومنها الأمر كما قال الله تعالى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣].\nأي أمر بعبادته وحده دون سواه.\n٣ - ومنها الخبر كما في قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦].\nقال الجوهري: \"أي أنهيناه وأبلغناه\" (^١).\nقال ابن الأثير: \"قال الزهري: القضاء في اللغة على وجوه، مرجعها إلى انقضاء الشيء وتمامه، وكل ما أحكم عمله، أو أتم، أو ختم، أو أدي، أو أوجب، أو أعلم، أو أُنفذ، أو أُمضي، فقد قُضي، وقد جاءت هذه الوجوه كلها في الأحاديث\" (^٢).\nوالمقصود هنا القضاء بمعنى: الفصل والحكم. قال الراغب: \"القضاء فصل الأمر قولا كان ذلك أو فعلًا\" (^٣).\n_________\n* لوامع الأنوار للسفاريني ١/ ٣٤٥، ٣٥٧. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٣/ ١٥٣.القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ٢٥، ٤٨٨ ومن المجموع ٩/ ٢٥.القضاء والقدر للأشقر ص ٢٧. منهج الشافعي في إثبات العقيدة ٤٢٧.ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ٥٩٥. الإمام الخطابي ومنهجه في العقيدة لأبي عبد الرحمن العلوي ٣٧٩. منهج ابن حجر في العقيدة ٣٧١.\n(^١) الصحاح ٦/ ٢٤٦٤.\n(^٢) النهاية لابن الأثير: \"ق ض ى\".\n(^٣) المفردات: \"ق ض ى\".","vol":"3","page":236},{"text":"قال ابن الأثير: \"وقد تكرر في الحديث ذكر \"القضاء\" وأصله القطع والفصل. يقال قَضَى يَقْضِي قضاءً فهو قاض: إذا حكم وفصل. وقضاء الشيء إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه، فيكون بمعنى الخلق\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1010> الفرق بين القضاء والقدر:</span>\nقال الراغب: \"والقضاء من الله تعالى أخص من القَدَر لأنه الفصل بين التقدير، فالقَدَر هو التقدير، والقضاء هو الفصل والقطع، وقد ذكر بعض العلماء أن القدر بمنزلة المعَدِّ للكيل والقضاء بمنزلة الكيل .. ويشهد لذلك قوله: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾، وقوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾، ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي فُصل تنبيهًا أنه صار بحيث لا يمكن تلافيه\" (^٢).\nوقال ابن الأثير: \"ومنه القضاء المقرون بالقدر، والمراد بالقدر: التقدير، وبالقضاء: الخلق كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ أي خلقهن.\nفالقضاء والقدر أمران متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر؛ لأن أحدهما بمنزلة الأساس وهو القَدَر، والآخر بمنزلة البناء وهو القضاء، فمن رام الفصل بينهما، فقد رام هدم البناء ونقضه\" (^٣).\nوفي فتح الباري لابن حجر العسقلاني بقوله: \"قال العلماء القضاء هو الحكم الكلي الإجمالي في الأزل، والقدر جزئيات ذلك الحكم وتفاصيله\" (^٤).\nوقال في موضع آخر: (القضاء الحكم بالكليات على سبيل الإجمال في الأزل،\n_________\n(^١) النهاية لابن الأثير (ق ض ى).\n(^٢) المفردات (ق ض ى).\n(^٣) النهاية (ق ض ى).\n(^٤) فتح الباري ١١/ ٤٧٧.","vol":"3","page":237},{"text":"والقدر الحكم بوقوع الجزئيات التي لتلك الكليات على سبيل التفصيل\" (^١).\nوقال في التعريفات: \"\"القَدر\" تعلق الإرادة الذاتية بالأشياء في أوقاتها الخاصة. فتعليق كل حال من أحوال الأعيان بزمان معين وسبب معين عبارة عن القدر. وخروج الممكنات من العدم إلى الوجود، واحدًا بعد واحد، مطابقا للقضاء، والقضاء في الأزل، والقدر فيما لا يزال، والفرق بين القدر والقضاء، هو أن القضاء وجود جميع الموجودات في اللوح المحفوظ مجتمعة، والقدر وجودها متفرقة في الأعيان بعد حصول شرائطها\" (^٢).\nوقال ابن بطال: \"القضاء هو المقضي\" (^٣).\nوقال الخطابي في معالم السنن: \"القدر اسم لما صار مقدرًا عن فعل القادر، كالهدم والنشر والقبض: أسماء لما صدر من فعل الهادم والناشر والقابض، والقضاء في هذا معناه الخلق، كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢] أي خلقهن\" (^٤).\nوقال السفاريني ﵀: \"القضاء إرادة الله الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه فيما لا يزال والقدر تقدير الله تعالى لذلك\" (^٥).\n_________\n(^١) فتح الباري ١١/ ١٤٩.\n(^٢) التعريفات للجرجاني ٢٢٠.\n(^٣) فتح الباري ١١/ ١٤٩.\n(^٤) معالم السنن للخطابي ٧/ ٧٠.\n(^٥) لوامع الأنوار ١/ ٣٤٥. وينبغي التنبيه إلى أن الأشعرية في التفريق بين القضاء والقدر قالوا: إن القضاء إرادة الله الأزلية المتعلقة بالأشياء على وفق ما توجد عليه وجودها الحادث، كإرادته تعالى الأزلية بخلق الإنسان في الأرض، والقدر هو إيجاد الله الأشياء على مقاديرها المحددة بالقضاء في ذواتها وصفاتها وأفعالها وأطوالها وأزمنتها وأمكنتها وأسبابها كإيجاد الله الإنسان فعلًا على وجه الأرض طبق ما سبق في قضائه سبحانه.","vol":"3","page":238},{"text":"وقال عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵏: \"القدر في الأصل، مصدر قدر، ثم استعمل في التقدير، الذي هو التفصيل والتبيين، واستعمل أيضًا بعد الغلبة في تقدير الله للكائنات قبل حدوثها، وأما القضاء فقد استعمل في الحكم الكوني، بجريان الأقدار، وما كتب في الكتب الأولى، وقد يطلق هذا على القدر الذي هو التفصيل والتمييز، ويطلق القدر أيضًا على القضاء الذي هو الحكم الكوني بوقوع المقدرات\" (^١).\nوقال الشيخ ابن عثيمين: \"القضاء إذا أطلق شمل القدر، والقدر إذا أطلق شمل القضاء، ولكن إذا قيل القضاء والقدر صار بينهما فرق، وهذا كثير في اللغة العربية تكون الكلمة لها معنى شامل عند الانفراد، ومعنى خاص عند الاجتماع ويقال في مثال ذلك: \"إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا\" فالقضاء والقدر الصحيح أنهما من هذا النوع يعني أن القضاء إذا أفرد شمل القدر، والقدر إذا أفرد شمل القضاء، لكن إذا اجتمعا فالقضاء ما يقضيه الله في خلقه من إيجاد، أو إعدام، أو تغيير، والقدر ما قدره الله تعالى في الأزل، هذا هو الفرق بينهما فيكون القدر سابقًا والقضاء لاحقًا\" (^٢).\nوهذا أحسن فارق أن القضاء اسم لما وقع، وما لم يقع بعد فهو قدر.\n_________\nانظر: العقيدة الإسلامية وأسسها لعبد الرحمن حبنكة ص ٦٢٦.\n(^١) الدرر السنية ١/ ٥١٢.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٢/ ٧٩، ٨٠.","vol":"3","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1011>٢٢٥ - القنوط من ﵀</span>*\nقال ابن الأثير: \"قد تكرر ذكر القنوط في الحديث، وهو أشد اليأس من الشيء\" (^١).\nوقال الشيخ سليمان بن عبد الله \"فعلى هذا يكون الفرق بينه وبين اليأس كالفرق بين الاستغاثة والدعاء، فيكون القنوط من اليأس، وظاهر القرآن أن اليأس أشد لأنه حكم لأهله بالكفر، ولأهل القنوط بالضلال\" (^٢).\nوالقنوط: استبعاد الفرج واليأس منه. وهو يقابل الأمن من مكر الله، وكلاهما ذنب عظيم.\nقال شيخ الإسلام ﵀: \"والقنوط يكون بأن يعتقد أن الله لا يغفر له إما لكونه إذا تاب لا يقبل الله توبته ويغفر ذنبه، وإما بأن يقول نفسه لا تطاوعه على التوبة بل هو مغلوب معها، والشيطان قد استحوذ عليه، فهو ييأس من توبه نفسه ... \". (^٣)\n* الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦].\n* الدليل من السنة: عن فَضَالَة بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: ثَلاثَةٌ لا تَسْأَلْ عَنْهُمْ: رَجُلٌ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ وَعَصَى إِمَامَهُ وَمَاتَ عَاصِيًا، وَأَمَة أَوْ عَبْدٌ أَبَقَ\n_________\n* تيسير العزيز الحميد ص ٥١٢. فتح المجيد ص ٤١٦. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٢٥٦. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ٢٠٣، ط ٢ - ٢/ ٢٥٠ ومن المجموع ١٠/ ٦٨١. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٣٧.\n(^١) النهاية (ق ن ط).\n(^٢) تيسير العزيز الحميد ص ٥١٤.\n(^٣) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ١٦/ ٢٠ وقد نقلها ابن قاسم في حاشية كتاب التوحيد ٢٥٦.","vol":"3","page":240},{"text":"فَمَاتَ، وَامْرَأَةٌ غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا قَدْ كَفَاهَا مُؤْنَةَ الدُّنْيَا فَتَبرَّجَتْ بَعْدَهُ فَلا تَسْأَلْ عَنْهُمْ، وَثَلاثَةٌ لا تَسْأَلْ عَنْهُمْ: رَجُلٌ نَازَعَ الله ﷿ رِدَاءَه فَإنَّ رِدَاءَهُ الْكِبْرِيَاءُ وَإِزَارَهُ الْعِزَّة، وَرَجُلٌ شَكَّ فِي أَمْرِ الله، وَالْقَنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ الله (^١) *\nوعن ابن عَبَّاسٍ - ﵁ - في قوله: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢] قال: أكبر الكبائر الإشراك بالله، لأن الله قال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ﴾ [المائدة: ٧٢] واليأس من روح الله لأن الله يقول: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] والأمن من مكر الله لأن الله ﷿ يقول: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] \" (^٢).\nوعن ابن مسعود قال: \"الكبائر الإشراك بالله والأمن من مكر الله والقنوط من رحمة الله واليأس من روح الله\". وفي رواية: \"أكبر الكبائر\". (^٣)\nوينبغي للعبد أن يوفق بين الرجاء والخوف فلا يقنط من رحمة الله ولا يأمن من مكر الله بل تكون حاله وسط بين الرجاء والخوف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1012>أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1013>١ - وللقنوط من رحمة الله واليأس من روحه سببان محذوران:</span>\nأحدهما: أن يسرف العبد على نفسه ويتجرأ على المحارم فيصير عليها ويصمم على الإقامة على المعصية، ويقطع طمعه من رحمة الله لأجل أنه مقيم على الأسباب\n_________\n(^١) رواه الإمام أحمد في المسند (٢٤٤٤١).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٣٠٢٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٨٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد إسناده حسن (٧/ ١١٦).\n(^٣) أخرجه معمر في جامعه (١٩٧٠١)، والطبراني في الكبير (٨٧٨٣)، وعبد الرزاق في المصنف ١٠/ ٤٥٩، وقال الهيثمي إسناده صحيح، وقال الشيخ سليمان بن عبد الله (هذا الأثر رواه ابن جرير بأسانيد صحاح عن ابن مسعود قال ابن كثير: \"وهو صحيح إليه بلا شك\") تيسير العزيز الحميد ٥١٤.","vol":"3","page":241},{"text":"التي تمنع الرحمة فلا يزال كذلك حتى يصير له هذا وصفا وخلقا لازما وهذا غاية ما يريده الشيطان من العبد. ومتى وصل إلى هذا الحد لم يُرْج له خير إلا بتوبة نصوح وإقلاع قوي.\nالثاني: أن يقوى خوف العبد بما جنت يداه من الجرائم ويضعف علمه بما عند الله من واسع الرحمة والمغفرة ويظن بجهله أن الله لا يغفر له ولا يرحمه ولو تاب وأناب وتضعف إرادته فييأس من الرحمة. وهذا من المعاذير الضارة الناشئة من ضعف علم العبد بربه، وماله من الحقوق، ومن ضعف النفس وعجزها ومهانتها (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1014>٢ - مسألة: القنوط على قسمين باعتبار محله:</span>\n١ - ما يتعلق بالأشياء الأخروية كأن يستبعد أن يغفر الله له. أو أن يستبعد أن يتوب هو أو يتوب الله عليه.\n٢ - ما يتعلق بالأشياء الدنيوية كأن يستبعد الغنى، أو الشفاء من المرض وكلاهما محرم. والنوع الأول أشد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1015>٣ - حكم القنوط:</span>\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"القنوط من رحمة الله لا يجوز؛ لأنه سوء ظن بالله ﷿ وذلك من وجهين:\nالأول: أنه طعن في قدرته سبحانه؛ لأن من علم أن الله على كل شيء قدير لم يستبعد شيئا على قدرة الله.\nالثاني: أنه طعن في رحمته سبحانه؛ لأن من علم أن الله رحيم لا يستبعد أن يرحمه الله سبحانه ولهذا كان القانط من رحمة الله ضالًا\" (^٢).\n_________\n(^١) القول السديد ١٠٤.\n(^٢) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١٠/ ٦٨٢، ٦٨٣. وانظر: القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ٢٠٤.","vol":"3","page":242},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1016>٢٢٦ - الْقِيَامُ تَعْظِيمًا</span>*\nالتعريف: قام قياما أي انتصب واقفًا (^١). والمراد بيان القيام النهى عنه وهو ما كان على سبيل التعظيم لأنه نوع عبادة يجب ألا تُصرف إلا لله.\n*الأدلة من السنة: عن أنس قال: \"ما كان شخص أحب إليهم من رسول الله - ﷺ - وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك\" (^٢).\nوعن أبي الزبير عن جابر قال: اشتكى رسول الله - ﷺ - فصلينا وراءه وهو قاعد وأبو بكر يُسمِعُ الناس تكبيره فالتفت إلينا فرآنا قياما فأشار إلينا فقعدنا فصلينا بصلاته قعودا فلما سلم قال: \"إنْ كدتم آنفًا لتفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا ائتموا بأئمتكم إن صلى قائما فصلوا قياما وإن صلى قاعدًا فصلوا قعودًا\" (^٣).\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ٢٣/ ٢٦٠.الاستذكار لابن عبد البر ٨/ ٩٧، ٣٠٩. شرح السنة للبغوي ٥/ ١١، ٣٢٧/ ٩٢، ١٢/ ٢٩٥. مشكل الآثار للطحاوي ٢/ ٢٩، ٤٠. الفروق للقرافي ٢/ ١٩٧. اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ١٩٥، ٢٠٠.الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٩/ ٢٦٥. شرح صحيح مسلم للنووي ١٢/ ٤٤٠، ١٧/ ٢٥٠. المحلى بالآثار لابن حزم ٣/ ٣٧٩. الدرر السنية ٧/ ٢٣٥، ١٥/ ٣٨٧، الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٤/ ٤٤٥. تحفة الأحوذي ٨/ ٣٠. الآداب الشرعية ١/ ٤٠٨، ٤٠٩. الفتح ١١/ ٥٠، ٥٣. عون المعبود ١٤/ ١٤٢. بذل المجهود ٢٠/ ١٥٣. الدرر السنية ٧/ ٢٣٥، ١٥/ ٣٨٧. مجموع الفتاوى لابن باز ١/ ٢٨٤. مجموع الفوائد واقتناص الأوابد للسعدي ص ٦٢. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ١/ ٢٥٨، ٢٦١. حكم القيام للقادم لمحمد فاضل، تحية السلام في الإسلام د. عبد الله الطريقي. التبرك د: ناصر الجديع ص ٣٦٦، ٣٦٧.\n(^١) المعجم الوسيط ٧٦٧.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد (١٢٣٧٠) (١٢٣٩٧) (١٢٥٥٤) (١٣٦٥٨). والترمذي (٢٧٥٤).\n(^٣) أخرجه الإمام مسلم (٤١٣).","vol":"3","page":243},{"text":"وأخرج الطبراني عن أنس بن مالك - ﵁ - مرفوعًا: \"إنما هلك من كان قبلكم بأنهم عظموا ملوكهم بأن قاموا وقعدوا\" (^١).\nوروى البخاري في الأدب المفرد أن معاوية - ﵁ - خرج وعبد الله بن عامر وعبد الله بن الزبير قعود فقام ابن عامر وقعد ابن الزبير وكان أوزنهما فقال معاوية قال النبي - ﷺ -: \"من سره أن يمثُل له عباد الله قيامًا فليتبوأ بيتًا من النار\" (^٢).\nوعن ابن بريدة أن معاوية خرج من حمام حمص فذكر الحديث وفيه: وإني سأحدثكم بخصلتين حفظتهما من رسول الله - ﷺ -: \"ما من رجل يكون على الناس فيقوم على رأسه الرجال يحب أن تكثر الخصوم عنده فيدخل الجنة ... \" (^٣).\nعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: لما نزلت بنو قريظة على حكم سعد - هو ابن معاذ - بعث رسول الله - ﷺ - إليه وكان قريبًا منه فجاء على حمار فلما دنا قال رسول الله - ﷺ -: \"قوموا إلى سيدكم\" فجاء فجلس إلى رسول الله - ﷺ - ... وذكر الحديث (^٤).\nوعن عائشة أم المؤمنين - ﵂ - قالت: \"ما رأيت أحدًا كان أشبه سمتًا ودلًا وهديًا وقال الحسن: حديثًا وكلامًا، ولم يذكر الحسن السمت والهدي والدل برسول الله - ﷺ - من فاطمة - ﵂ - كانت إذا دخلت عليه قام إليها فأخذ بيدها فقبّلها وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها قامت إليه فأخذت بيده فقبلته وأجلسته في مجلسها\" (^٥).\nوفي حديث كعب بن مالك حين تخلف في قصة تبوك قال: \"فَانْطَلَقْتُ أَتَأَمَّمُ\n_________\n(^١) مجمع البحرين ٥/ ٢٦٨ رقم ٣٠٤٥.\n(^٢) أبو داود (٥٢٢٩)، والترمذي (٢٧٥٥) وحسنه البغوي في شرح السنة ١٢/ ٢٩٥ رقم ٣٣٣٠ وقال هذا حديث حسن وروايته: \"فليتبوأ بيتًا في النار\".\n(^٣) أخرجه الحاكم ١/ ٩٤ في المستدرك وقال صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي وقال صحيح.\n(^٤) أخرجه البخاري (٣٠٤٣) ومسلم (١٧٦٨) وأخرجه الإمام أحمد (٢٥٦١٠) عن أبي سعيد الخدري وفيه زيادة: \"فأنزلوه\" وهذه إن صحت فلا إشكال هنالك فالمراد من النهي ما كان للتعظيم وقد حسن الحافظ ابن حجر هذه الزيادة في الفتح ١١/ ٥٢.\n(^٥) أبو داود (٥٢١٧)، والترمذي (٣٨٧٢).","vol":"3","page":244},{"text":"رَسُولَ الله - ﷺ - يَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا يُهَنِّئُونِي بِالتَّوْبَةِ ويقُولُون: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ الله عَلَيْكَ حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا رَسُولُ الله - ﷺ - جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَحَوْلَهُ النَّاسُ فَقَامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ الله يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّأَنِي وَالله مَا قَامَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ قَالَ: فكَانَ كَعْبٌ لا يَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ ... وذكر الحديث\" (^١).\nقال الحافظ ابن حجر في فوائد حديث توبة كعب: \"تهنئة من تجددت له نعمة، والقيام إليه إذا أقبل واجتماع الناس عند الإمام في الأمور المهمة وسروره بما يسر أتباعه، ومشروعية العارية، ومصافحة القادم والقيام له\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1017> ومن فعل السلف وأقوالهم:</span>\nذكر رجاء بن حيوة عن رجل قال: كنا جلوسًا بباب معاوية، فخرج علينا معاوية بن أبي سفيان - ﵁ - فقمنا له فقال: \"لا تقوموا لحيٍّ ولا لميت\" (^٣).\nوقال الأوزاعي ﵀: حدثني بعض حرس عمر بن عبد العزيز. قال: خرج علينا عمر بن عبد العزيز ونحن ننتظره يوم الجمعة فلما رأيناه قمنا فقال: \"إذا رأيتموني فلا تقوموا ولكن توسعوا\" (^٤).\nقال الخطيب البغدادي: \"لما حج المهدي دخل مسجد النبي - ﷺ - فلم يبق أحد إلا قام إلا ابن أبي ذئب، فقال له المسيب بن زهير: قم هذا أمير المؤمنين! فقال ابن أبي ذئب: إنما يقوم الناس لرب العالمين. فقال المهدي دعه فلقد قامت كل شعرة في رأسي\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٨٨٩)، (٢٧٥٧) (٧٢٢٥)، ومسلم (٢٧٦٩) واللفظ له، وأبو داود (٢٢٠٢).\n(^٢) الفتح ٧/ ٧٣١.\n(^٣) الزهد لهناد السري ص ١٨٢، وتهذيب الآثار للطبري ١/ ٢٨٦، ٢٨٧.\n(^٤) تاريخ دمشق ٦٨/ ١٨٤.\n(^٥) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ٢/ ٢٩٨، تذكرة الحفاظ ١/ ١٩٢، وانظر: سير أعلام النبلاء\n٧/ ١٤٣ تذكرة الحافظ ١/ ١٩٢، وقصة مشابهة في البداية والنهاية لابن كثير ١٠/ ٣٦٥، وتاربخ\nبغداد ١١/ ٣٦١.","vol":"3","page":245},{"text":"وكان أحمد بن المعذل وغيره بدار المتوكل فخرج عليهم المتوكل فلم يقم له أحمد خاصة فسأل عن ذلك وزيره فاعتذر عنه بسوء بصره فرد عليه أحمد ذلك وقال للمتوكل: إنما نزهتك من عذاب النار، وساق له حديث: \"من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار\" فجاء المتوكل فجلس إلى جانبه\" (^١).\nوخرج المأمون يومًا من عند أبيه فقام له العلماء ما خلا وكيع بن الجراح قال: فالتفت إليه بعض القواد فقال له: ما هذه الجفوة؟ يمر بك ابن الخليفة ولا تقوم له فقال له: يا هذا إذا طلبنا العلم ولم نعمل به فما نرجوا منه، قال النبي - ﷺ -: \"من أحب أن يتمثل له الناس قيامًا فليتبوأ مقعده من النار\".\nوهؤلاء أحق الناس بالشدة في الدين وترك الالتفات فإن الإعراض عنهم موعظة (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1018>أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1019>١ - حكم القيام للقادم:</span>\nقال ابن رشد: \"إن القيام يقع على أربعة أوجه:\nالأول: محظور، وهو أن يقع لمن يريد أن يقام إليه تكبرا وتعاظما على القائمين إليه.\nالثاني: مكروه، وهو أن يقع لمن لا يتكبر ولا يتعاظم على القائمين، ولكن يخشى أن يدخل نفسه بسبب ذلك ما يحذر ولما فيه من التشبيه بالجبابرة.\nالثالث: جائز، وهو أن يقع على سبيل البر والإكرام لمن لا يريد ذلك ويؤمن معه التشبه بالجبابرة.\nالرابع: مندوب، وهو أن يقوم لمن قدم من سفر فرحا بقدومه ليسلم عليه أو إلى من تجددت له نعمة فيهنئه بحصولها، أو مصيبة يعزيه فيها\" (^٣).\n_________\n(^١) فتح المغيث ٢/ ٣٢٩، المجالسة وجواهر العلم ٢/ ٢١٣.\n(^٢) الجليس الصالح والأنيس السوء لسبط الإمام ابن الجوزي ص ٢٢٢.\n(^٣) انظر: الفتح ١١/ ٥٤.","vol":"3","page":246},{"text":"* ومن القيام ما هو جائز، كالقيام على رأس بعض الأمراء خوفًا عليه، فهذا جائز لذلك السبب؛ وقد ورد مثل ذلك من بعض الصحابة مع النبي - ﷺ -، وذلك في صلح الحديبية، ففي الحديث الصحيح قال: \"والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي - ﷺ -، ومعه السيف وعليه المغفر ... \" (^١).\nقال ابن القيم: \"وفي قيام المغيرة بن شعبة على رأس رسول الله بالسيف ولم يكن عادته أن يقام على رأسه وهو قاعد سنة يقتدى بها عند قدوم رسل العدو من إظهار العز والفخر وتعظيم الإمام وطاعته ووقايته بالنفوس، وهذه هي العادة الجارية عند قدوم رسل المؤمنين على الكافرين وقدوم رسل الكافرين على المؤمنين وليس هذا من هذا النوع الذي ذمه النبي - ﷺ - بقوله: \"من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار\" كما أن الفخر والخيلاء في الحرب من هذا النوع المذموم في غيره\" (^٢).\n* ومن القيام الجائز القيام إليه للتلقي إذا قدم. قال ابن القيم: \"فالمذموم القيام للرجل وأما القيام إليه للتلقي إذا قدم فلا بأس به\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1020> ويجوز القيام إذا ترتب على تركه مفسدة:</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والذي ينبغي للناس أن يعتادوا السنة في ترك القيام المتكرر للقاء، ولكن إذا اعتاد الناس القيام وقدم من لا يرى كرامته إلا بالقيام له وإذا ترك توهَّم بغضه وإهانته، وتولد من ذلك عداوة وشر، فالقيام له على هذا الوجه لا بأس به و\"إنما الأعمال بالنيات\"\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٧٣١، ٢٧٣٢).\n(^٢) زاد المعاد ٣/ ٣٠٤.\n(^٣) حاشية ابن القيم مع عون المعبود شرح سنن أبي داود ١٤/ ٨٥.\n(^٤) مختصر الفتاوى المصرية ص ٥٦٣.","vol":"3","page":247},{"text":"وقال ابن حجر: \"وفي الجملة متى صار ترك القيام يشعر بالاستهانة أو يترتب عليه مفسدة امتنع، وإلى ذلك أشار ابن عبد السلام\" (^١).\nأما أن تقيم الرجل ثم يُجلَسُ مكانه فمنهي عنه ففي حديث ابن عمر - ﵄ - عن النبي - ﷺ - قال: \"لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه\" (^٢).\n* حكم القيام لأهل العلم والفضل: قال ابن مفلح: قال حنبل: \"قلت لعمي: ترى للرجل أن يقوم للرجل إذا رآه؟ قال: لا يقوم أحد لأحد إلا الولد لوالده أو لأمه فأما لغير الوالدين فلا\" (^٣).\nوللإمام النووي ﵀ رسالة أسماها الترخيص في القيام، وقد تعقبه ابن الحاج ﵀ ورد عليه كل ما استدل به، وقد ذكر ابن حجر شيئًا من أقوالهم في الفتح (^٤).\nوقال الإمام أبو بكر بن العربي: \"يجوز القيام للرجل الكبير بداءة إذا لم يؤثر ذلك في نفسه كما قال النبي - ﷺ - لجلسائه حين جاء سعد: \"قوموا إلى سيدكم\" فإن أثر فيه لم يجز عونه على ذلك، لما روى: \"من سره أن يمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار\"\" (^٥).\nولكن أخرج الإمام أحمد الحديث وفيه: \"قوموا إلى سيدكم فأنزلوه\" وزيادة (فأنزلوه) حسّنها الحافظ ابن حجر حيث قال: \"وسنده حسن، وهذه الزيادة تخدش في الاستدلال بقصة سعد على مشروعية القيام المتنازع فيه\" (^٦).\nوقال ابن مفلح: \"روى ابن القاسم في المدونة: قيل لمالك: فالرجل يقوم\n_________\n(^١) فتح الباري ١١/ ٥٤.\n(^٢) أخرجه البخاري (٩١١)، ومسلم (٢١٧٧).\n(^٣) الآداب الشرعية لابن مفلح ١/ ٤٠٩. وانظر: منهاج القاصدين ص ٣٤٤.\n(^٤) ١١/ ٥٠، ٥٤.\n(^٥) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٣/ ١١٠٦.\n(^٦) فتح الباري ١١/ ٥١.","vol":"3","page":248},{"text":"للرجل له الفضل والفقه؟ قال: أكره ذلك\" (^١).\nوفي حديث: \"من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا ... \" قال ابن قتيبة: \"معناه من أراد أن يقوم الرجال على رأسه كما يقام بين يدي ملوك الأعاجم وليس المراد به نهي الرجل عن القيام لأخيه إذا سلم عليه\" (^٢).\nوقال ابن كثير: \"فأما اتخاذه ديدنا فإنه من شعار الأعاجم\" (^٣).\nوقال ابن حجر: \"وأما القيام حتى يجلس فلا. فإن هذا فعل الجبابرة، وقد أنكره عمر بن عبد العزيز\" (^٤).\n* وقد سئل الشيخ حسين، وعبد الله ابنا الشيخ محمد بن عبد الوهاب - ﵏ - عن القيام في وجوه الأمراء والعلماء، وأهل الفضل .. إلخ؟\nفأجابا: \"لا يجوز القيام للعلماء، ولا الأمراء، بحيث يتخذ ذلك عادة وسنة، بل ذلك من فعل أهل الجاهلية والجبابرة، كملوك فارس والروم وغيرهم، فإنهم كانوا يفعلون ذلك مع عظمائهم\" (^٥).\nوقد تقدم حديث النبي - ﷺ -: \"من سره أن يمثل له عباد الله قياما فليتبوأ بيتا من النار\" (^٦).\nقال الإمام البغوي: \"هذا فيمن سلك فيه طريق التكبر\" (^٧).\nوقال ابن قدامه: \"ومن خصال المتكبر أنه يحب قيام الناس\" (^٨).\n_________\n(^١) الآداب الشرعية ١/ ٤٠٨.\n(^٢) فتح الباري ١١/ ٥٠.\n(^٣) تفسير ابن كثير ٤/ ٣٢٥.\n(^٤) فتح الباري ١١/ ٥٣.\n(^٥) الدرر السنية ٧/ ٢٣٥.\n(^٦) أبو داود (٥٢٢٩)، والترمذي (٢٧٥٥).\n(^٧) شرح السنة ١٢/ ٢٩٥.\n(^٨) مختصر منهاج القاصدين ص ٣٤٤.","vol":"3","page":249},{"text":"وقال المناوي: \"وذلك لأن ذلك إنما ينشأ عن تعظيم المرء نفسه واعتقاد الكمال وذلك عجب وتكبر وجهل وغرور ولا يناقضه خبر: \"قوموا لسيدكم\" لأن سعدًا لم يحب ذلك والوعيد إنما هو لمن أحب\" (^١).\nوجاء في روضة الطالبين: \"وأما الداخل فيحرم عليه أن يحب قيامهم له\" (^٢).\nوقال ابن مفلح: \"والنهي قد وقع على السرور بذلك الحال، فإذا لم يسر بالقيام إليه وقاموا له فغير ممنوع منه\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1021>٢ - أثر القيام على التوحيد:</span>\nالقيام المنهي عنه قد يكون فيه تعظيم غير الله أو تشبه بالأعاجم. وقد تقدم أن اتخاذه عادة من شعار الأعاجم، وقد نهينا عن التشبه بهم، أما التعظيم فهو حق الله وحده.\nقال فضل الله الجيلاني: \"ومن العجب استدلالهم على جواز القيام للناس بحديث \"قوموا إلى سيدكم\" ومن المستدلين من يسهو فيذكره بلفظ: \"قوموا لسيدكم\"، كأنهم لم يعرفوا الفرق بين القيام للرجل والقيام إليه وهو أن القيام له معناه القيام تعظيما له، قال الله ﷿ ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. هذا أصل معناه عند الإطلاق وأما القيام إليه فمعناه أن تقوم عامدا إليه، ولا يفهم منه التعظيم والإكرام إلا بقرينة كما في حديث: \"قوموا إلى سيدكم\"\" (^٤).\nوقال شيخ الإسلام ﵀: \"وبالجملة فالقيام والقعود والركوع والسجود حق للواحد المعبود خالق السموات والأرض، وما كان حقا خالصًا لله لم يكن لغيره فيه نصيب\" (^٥).\n_________\n(^١) فيض القدير ٦/ ٣٢.\n(^٢) روضة الطالبين ١٠/ ٢٣٦.\n(^٣) الآداب الشرعية ١/ ١٥٨.\n(^٤) شرح الأدب المفرد فضل الله الجيلاني ٢/ ٣٩٩.\n(^٥) مجموع الفتاوى ٢٧/ ٩٣.","vol":"3","page":250},{"text":"* ولشيخ الإسلام تفصيل في مسألة القيام يحسن بنا أن نذكره في خاتمة هذا البحث:\nسئل الإمام العالم العامل الرباني والحبر النوراني أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى عن النهوض والقيام الذي يعتاده الناس من الإكرام عند قوم شخص معين معتبر هل يجوز أو لا؟ وإذا كان يغلب على ظن المتقاعد عن ذلك أن القادم يخجل أو يتأذى باطنًا، وربما أدى ذلك إلى بغض وعداوة ومقت، وأيضًا المصادفات في المحافل وغيرها، وتحريك الرقاب إلى جهة الأرض والانخفاض، هل يجوز ذلك أم يحرم؟\nفإن فعل ذلك الرجل عادة وطبعًا ليس فيه له قصد هل يحرم عليه أم لا يجوز ذلك في حق الأشراف والعلماء وفيمن يرى مطمئنًا بذلك دائمًا هل يأثم على ذلك أم لا؟\nوإذا قال: سجدت لله هل يصح ذلك أم لا؟\nفأجاب: \"الحمد لله رب العالمين لم تكن عادة السلف على عهد النبي - ﷺ - وخلفائه الراشدين أن يعتادوا القيام كلما يرونه ﵇ كما يفعله كثير من الناس بل قد قال أنس بن مالك لم يكن شخص أحب إليهم من النبي - ﷺ - وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له لما يعلمون من كراهته لذلك، ولكن ربما قاموا للقادم من مغيبه تلقيًا له، كما روى عن النبي - ﷺ - أنه قام لعكرمة، وقال للأنصار لما قدم سعد بن معاذ: \"قوموا إلى سيدكم\" وكان قد قدم ليحكم في بني قريظة لأنهم نزلوا على حكمه.\nوالذي ينبغي للناس أن يعتادوا اتباع السلف على ما كانوا عليه على عهد رسول الله - ﷺ -، فإنهم خير القرون، وخير الكلام كلام الله، وخير الهدى هدى محمد - ﷺ -، فلا يعدل أحد عن هدى خير الورى، وهدى خير القرون إلى ما هو دونه، وينبغي للمطاع أن لا يقر ذلك مع أصحابه، بحيث إذا رأوه لم يقوموا له إلا في اللقاء المعتاد.\nوأما القيام لمن يقدم من سفر ونحو ذلك تلقيًا له فحسن.","vol":"3","page":251},{"text":"وإذا كان من عادة الناس إكرام الجائي بالقيام ولو ترك لاعتقد أن ذلك لترك حقه أو قصد خفضه ولم يعلم العادة الموافقة للسنة فالأصلح أن يقام له؛ لأن ذلك أصلح لذات البين وإزالة التباغض والشحناء، وأما من عرف عادة القوم الموافقة للسنة فليس في ترك ذلك إيذاء له وليس هذا القيام المذكور في قوله - ﷺ -: \"من سرَّه أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار\" فإن ذلك أن يقوموا له وهو قاعد ليس هو أن يقوموا لمجيئه إذا جاء ولهذا فرقوا بين أن يقال: قمت إليه وقمت له، والقائم للقادم ساواه في القيام بخلاف القائم للقاعد، وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي - ﷺ - لما صلى بهم قاعدًا في مرضه صلوا قيامًا أمرهم بالقعود وقال: \"لا تعظموني كما يعظم الأعاجم بعضها بعضًا\"، وقد نهاهم عن القيام في الصلاة وهو قاعد لئلا يتشبه بالأعاجم الذين يقومون لعظمائهم وهم قعود.\nوجماع ذلك كله الذي يصلح اتباع عادات السلف وأخلاقهم والاجتهاد عليه بحسب الإمكان، فمن لم يعتقد ذلك ولم يعرف أنه العادة وكان في ترك معاملته بما اعتاد من الناس من الاحترام مفسدة راجحة فإنه يدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما كما يجب فعل أعظم الصلاحين بتفويت أدناهما\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1022>٣ - حكم القيام للكافر:</span>\nقال العز بن عبد السلام: \"ولا يفعل - القيام - للكافر لأنا مأمورون بإهانته، وإظهار صغاره، فإن خيف من شره ضرر عظيم جاز؛ لأن التلفظ بكلمة الكفر جائز للإكراه فهذا أولى\" (^٢).\nوجاء في حاشية ابن عابدين عن الذخيرة: \"لو دخل ذمي على مسلم فقام له ليميل قلبه إلى الإسلام فلا بأس، وإن لم ينوِ شيئًا، أو عظمه لغناه كره. اهـ. قال\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١/ ٣٧٤ - ٣٧٦.\n(^٢) الفتاوى الكبرى الفقهية لابن حجر الهيثمي ٤/ ٢٧٤.","vol":"3","page":252},{"text":"الطرسوسي: وإن قام تعظيمًا لذاته وما هو عليه كفر؛ لأن الرضى بالكفر كفر، فكيف بتعظيم الكفر. اهـ.\nقلت: وبه علم أنه لو قام له خوفًا من شره فلا بأس أيضًا إذا تحقق الضرر، فقد يجب وقد يستحب على حسب حال ما يتوقعه\" (^١).\nوجاء في الفتوحات الربانية: \"ويحرم لنحو كافر لا يخشى من ترك القيام له محذورًا\" (^٢).\nوقال القرافي ﵀: \"فيتعين علينا أن نبرهم بكل أمر لا يكون ظاهره يدل على مودات القلوب، ولا تعظيم شعائر الكفر، فمتى أدى إلى أحد هذين امتنع، وصار من قبل ما نهى عنه في الآية، وغيرها. ويتضح ذلك بالمثل، فإخلاء المجالس لهم عند قدومهم علينا، والقيام لهم حينئذ وبداؤهم بالأسماء العظيمة الموجبة لرفع شأن المنادى بها، هذا كله حرام .. \" (^٣).\n_________\n(^١) حاشية ابن عابدين ٣/ ٢٧٥.\n(^٢) الفتوحات الربانية ٥/ ٤٠٣.\n(^٣) كتاب الفروق للقرافي ٢/ ٧٠٢. دار السلام.","vol":"3","page":253},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1023>٢٢٧ - الكتابة على القبر</span>*\nالكتابة على القبور أمر نهى الشارع عنه. سواء نصب لوحًا على القبر وكتب فيه من آيات القرآن أو غير ذلك مما ورد النهي عنه والتحذير منه فقد ورد عن جابر بن عبد الله أنه قال: نهى رسول الله - ﷺ -: \"أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه\" (^١). وفي بعض الروايات زاد: \"أو يزاد عليه أو يكتب عليه\" (^٢).\nقال ابن القيم في بيان مخالفة القبوريين لأوامر الشريعة: \"ونهى عن الكتابة عليها، وهؤلاء يتخذون عليها الألواح، ويكتبون عليها القرآن وغيره\" (^٣).\nوقال ﵀: \"ولم يكن من هديه - ﷺ - تعلية القبور ولا بناؤها بآجر، ولا بحجر ولبن، ولا تشييدها، ولا تطيينها ... فسنته - ﷺ - تسوية هذه القبور المشرفة كلها، ونهى أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، وأن يكتب عليه (^٤).\nوسئل الشيخ محمد بن إبراهيم عن نقش حصاة (وَسْم) تُبين أن هذا قبر فلان فقال: \"هو بمعنى الكتابة، وفيه مزيد الاعتناء الذي ليس شرعيًا، وليس عليه الصحابة، فهو ما ينبغي\" (^٥).\nقال ابن باز ﵀: \"لا يجوز أن يكتب على قبر الميت لا آيات قرآنية ولا غيرها،\n_________\n* المصنف لابن أبي شيبة ٣/ ٢٣ - ٢٥. الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٠/ ٣٨١ الدرر السنية ٥/ ١٣٦ الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٣/ ٦٢٢. مجموع الفتاوى لابن باز ٢/ ٧٤١.\n(^١) أخرجه مسلم (٩٧٠).\n(^٢) النسائي (٢٠٢٩) وينظر كلام أهل العلم في صحتها.\n(^٣) إغاثة اللهفان ١/ ١٩٦.\n(^٤) الزاد ١/ ٥٢٤.\n(^٥) فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم ٣/ ٢٠٠.","vol":"3","page":254},{"text":"لا في حديدة ولا في لوح ولا في غيرها؛ لما ثبت عن النبي - ﷺ - من حديث جابر - ﵁ -: \"نهى - ﷺ - أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه\". رواه الإمام مسلم في صحيحه. زاد الترمذي والنسائي بإسناد صحيح: وأن يكتب عليه\" (^١).\nقال الشيخ ابن قاسم: \"وظاهره تحريم الكتابة عليه ... ومن ظن أن الأصحاب أرادوا كراهة التنزيه فقد أبعد النجعة\" (^٢).\nوقال الشيخ ابن عثيمين في شرح الزاد: \"\"وتكره الكتابة\" أي على القبر، سواء كتب على الحصى المنصوب عليه، أو كتب على نفس القبر، لأن ذلك يؤدي إلى تعظيمه، وتعظيم القبور يخشى أن يوصل صاحبه إلى الشرك، وظاهر كلام المؤلف ﵀ أن الكتابة مكروهة، ولو كانت بقدر الحاجة، أي حاجة بيان صاحب القبر درءًا للمفسدة\" (^٣).\nوقال الشيخ صالح الفوزان: \"ويحرم البناء على القبور وتجصيصها والكتابة عليها\" (^٤).\nووضع العلامة لمعرفة القبر جاء فيها ما رواه المطلب قال: لما مات عثمان بن مظعون أخرج بجنازته فدفن فأمر النبي - ﷺ - رجلًا أن يأتيه بحجر فلم يستطع حمله فقام إليها رسول الله - ﷺ - وحسر عن ذراعيه قال كثير: قال المطلب، قال الذي يخبرني ذلك عن رسول الله - ﷺ - قال: كأني أنظر إلى بياض ذراعي رسول الله - ﷺ - حسر عنهما ثم حملها فوضعها عند رأسه وقال: أتعلّم بها قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي (^٥).\n_________\n(^١) فتاوى ابن باز ص ٧٤١.\n(^٢) حاشية الروض ٣/ ١٢٨.\n(^٣) الشرح الممتع ٥/ ٤٥٩.\n(^٤) الملخص الفقهي ١/ ٢١٤.\n(^٥) أبو داود ٣٢٠٦.","vol":"3","page":255},{"text":"فإذا علِّم القبر بعلامة غير الكتابة لكي يعرف للزيارة والسلام عليه كأن يخط خطًا أو يضع حجرًا على القبر ليس فيه كتابة، من أجل أن يزور القبر ويسلم عليه، لا بأس بذلك، أما الكتابة فلا يجوز، لأن الكتابة وسيلة من وسائل الشرك، فقد يأتي جيل من الناس فيما بعد ويقول: إن هذا القبر ما كتب عليه إلا لأن صاحبه فيه خير ونفع للناس، وبهذا حدثت عبادة القبور.\nقال الشيخ السعدي فيما نقله الشيخ ابن عثيمين عنه موضحًا معنى الكتابة: \"المراد بالكتابة ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من عبارات المدح والثناء لأن هذه هي التي يكون بها المحظور أما التي بقدر الإعلام فلا تكره\" (^١).\n_________\n(^١) الشرح الممتع ٥/ ٤٦٠.","vol":"3","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1024>٢٢٨ - الكرامة </span>*\nالتعريف: \"الكرامة ظهور أمر خارق للعادة من قبل شخص غير مقارن لدعوى النبوة، فما لا يكون مقرونا بالإيمان والعمل الصالح يكون استدراجا، وما كان مقرونا بدعواها يكون معجزة\" (^١).\nقال ابن عثيمين: \"الكرامة أمر خارق للعادة، يجريه الله تعالى على يد ولي؛ تأييدًا له، أو إعانة، أو تثبيتًا، أو نصرًا للدين\" (^٢).\nقال في الكواشف الجلية: \"أمر خارق للعادة غير مقرون بدعوى النبوة يظهر على يد عبد ظاهر الصلاح، ملتزم المتابعة لنبي كلف بشريعته مصحوبا بصحة الاعتقاد والعمل الصالح علم بها أو لم يعلم\" (^٣).\n_________\n* الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١/ ٢٩٧، ٢٩٨، ٩/ ١٦٩، ١٠/ ١٣٨، ١٤٣، ١٤٤، ١١/ ٣٠. التحفة العراقية لابن تيمية ٤٤ الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان. لوامع الأنوار للسفاريني ٢/ ٣٩٢، ٣٩٧ الدرر السنية ١/ ٣٢، ٢٣٠، ٢/ ١٩٦، ١٢/ ٢٠١، ٢١٣. قطف الثمر صديق حسن القنوجي ١٠٥ الدين الخالص صديق حسن القنوجي ٣/ ٥٧٨. تيسير العزيز الحميد ٤٠٠. فتح المجيد ٣٢٥. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ١٩٤. فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٣٨٨. مجموع الفتاوى لابن باز ٢/ ٦٩٩. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٧/ ٢٠٨ الجيلاني وآراؤه الاعتقادية ٥٦٢. شرح مسائل الجاهلية للسعيد ٢٩٨. علم التوحيد د: الربيعة ١١٩.\n١٢٢، ١٢٦ التبرك د: ناصر الجديع ٩٧.\n(^١) التعريفات للجرجاني ٢٣٥، ٢٣٦.\n(^٢) شرح الواسطية من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٨/ ٦٢٦. وقال ابن عثيمين معلقا على هذا التعريف: \"ولهذا كانت الكرامات في التابعين أكثر منها في الصحابة؛ لأن الصحابة عندهم من التثبيت والتأييد والنصر ما يستغنون به عن الكرامات؛ فإن الرسول - ﷺ - كان بين أظهرهم، وأما التابعون فإنهم دون ذلك، ولذلك كثرت الكرامات في زمنهم تأييدا لهم وتثبيتا ونصرا للحق الذي هم عليه\" من شرح الواسطية ٨/ ٦٣٠.\n(^٣) الكواشف الجلية ص ٧١٧، وانظر أصل التعريف في لوامع الأنوار ٢/ ٣٩٢.","vol":"3","page":257},{"text":"وقد بيَّن شيخ الإسلام أنه لا يكفي في المعجزة مجرد الدعوى، قال ﵀: \"فقد تبين أنه ليس من شرط دلائل النبوة لا اقترانه بدعوى النبوة، ولا الاحتجاج به ولا التحدي بالمثل ولا تقريع من يخالفه، بل كل هذه الأمور قد تقع في بعض الآيات، لكن لا يجب أن ما لا يقع معه لا يكون آية بل هذا إبطال لأكثر آيات الأنبياء لخلوها عن هذا الشرط ... وهم - أي الأشاعرة - إنما شرطوا ذلك لأن كرامات الأولياء عندهم متى اقترن بها دعوى النبوة، كانت آية للنبوة، وجنس السحر والكهانة متى اقترن به دعوى النبوة كان دليلا على النبوة عندهم لكن قالوا: الساحر والكاهن لو ادعى النبوة لكان يمتنع من ذلك، أو يعارض بمثله، وأما الصالح فلا يدعى، فكان أصلهم أن ما يأتي به النبي والساحر والكاهن والولي من جنس واحد لا يتميز بعضه عن بعض بوصف، لكن خاصة النبي اقتران الدعوى والاستدلال والتحدي بالمثل بما يأتي به، فلم يجعلوا لآيات الأنبياء خاصة تتميز بها عن السحر والكهانة وعما يكون لآحاد المؤمنين، ولم يجعلوا للنبي مزية على عموم المؤمنين، ولا على السحرة والكهان من جهة الآيات التي يدل الله بها العباد على صدقه.\nوهذا افتراء عظيم على الأنبياء وعلى آياتهم، وتسوية بين أفضل الخلق وشرار الخلق، بل تسوية بين ما يدل على النبوة، وما يدل على نقيضها، فإن ما يأتي به السحرة والكهان لا يكون إلا لكذاب فاجر عدو لله، فهو مناقض للنبوة، فلم يفرقوا بين ما يدل على النبوة وعلى نقيضها، وبين ما لا يدل عليها، ولا على نقيضها، فإن آيات الأنبياء تدل على النبوة، وعجائب السحرة والكهان تدل على نقيض النبوة، وإن صاحبها ليس ببر ولا عدل، ولا ولي لله فضلًا عن أن يكون نبيًا، بل يمتنع أن يكون الساحر والكاهن نبيًا بل هو من أعداء الله\" (^١).\n_________\n(^١) النبوات ١/ ٦٠٤.","vol":"3","page":258},{"text":"وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"والله ﷿ بعث الرسل بالآيات لا بالمعجزات، ولهذا كان التعبير بالآيات أحسن من التعبير بالمعجزات:\nأولأ: لأن الآيات هي التي يُعبَّر في الكتاب والسنة.\nثانيًا: أن المعجزات قد تقع من ساحر ومشعوذ وما أشبه ذلك تُعجزُ غيره.\nثالثًا: أن كلمة (آيات) أدل على المعنى المقصود من كلمة (معجزات)؛ فآيات الله ﷿ هي العلامات الدالة على الله ﷿، وحينئذ تكون خاصةً به، ولولا أنها خاصة؛ ما صارت آية له\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1025>فوائد وأحكام:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1026>١ - الفرق بين الكرامة والمعجزة:</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"اسم المعجزة يعم كل خارق للعادة في اللغة وعرف الأئمة المتقدمين كالإمام أحمد بن حنبل وغيره، ويسمونها الآيات، لكن كثيرًا من المتأخرين يفرق في اللفظ بينهما، فيجعل المعجزة للنبي والكرامة للولي وجماعهما الأمر الخارق للعادة\" (^٢).\nوقال المازري: \"إن السحر يكون بمعاناة أقوال وأفعال حتى يتم للساحر ما يريد، والكرامة لا تحتاج إلى ذلك بل إنما تقام غالبا اتفاقا وأما المعجزة فتمتاز عن الكرامة بالتحدي\" (^٣).\n_________\n(^١) شرح العقيدة الواسطية ص ١٢٤. ضمن مجموع فتاوى ابن عثيمين ٨/ ١٠٠.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١١/ ٣١١.\n(^٣) فتح الباري ١٠/ ٢٢٣ وانظر للاستزادة حول معنى المعجزة الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٢/ ١٤٧. ١١/ ٣٠. لوامع الأنوار للسفاريني ٢/ ٣٩٢. قطف الثمر صديق حسن ص ١٠٦. مذكرة التوحيد عبد الرزاق عفيفي ص ٤٨. فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٣٨٥ الجيلاني وآراؤه الاعتقادية ص ١٢٤. موقف ابن تيمية من الأشاعرة ١٣٧٨. التوحيد د الربيعة ص ١٢١،١١٨،١١٤.","vol":"3","page":259},{"text":"وقال الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀: \"كل ما لم تبلغه طاقة البشر ولم يقع في دائرة قدرتهم فهو معجزة، وقد تطلق المعجزة على ما خرج عن طاقة العامة من الخلق دون الخاصة، كبعض المسائل العلمية واختراع بعض الآلات والأجهزة الحديثة وغيرها مما لا يقوى عليه إلا خواص الناس، وكالغوص والسباحة وحمل الأثقال وهذا عجز نسبي يكون في مخلوق دون آخر.\nوأما المراد من المعجزة هنا - أي في علم التوحيد - فهي الأمر الخارق للعادة الخارج عن سنة الله في خلقه، الذي يظهره الله على يد مدّعي النبوة تصديقا له في دعواه، وتأييدا له في رسالته، مقرونا بالتحدي لأمته، ومطالبتهم أن يأتوا بمثله، فإذا عجزوا كان ذلك آية من الله تعالى على اختياره إياه وإرساله إليهم بشريعته\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1027>٢ - أقسام الكرامة:</span>\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"الكرامة تنقسم إلى قسمين: قسم يتعلق بالعلوم والمكاشفات، وقسم يتعلق بالقدرة والتأثيرات.\n* أما العلوم كأن يحصل للإنسان من العلوم ما لا يحصل لغيره.\n* وأما المكاشفات كأن يظهر له من الأشياء التي يكشف له عنها ما لا يحصل لغيره.\n- مثال الأول العلوم: ما ذكر عن أبي بكر أن الله أطلعه على ما في بطن زوجته - الحمل - أعلمه الله أنه أنثى (^٢).\n- ومثال الثاني المكاشفات ما حصل لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ - حيث كان يخطب الناس يوم الجمعة على المنبر، فسمعوه يقول: يا سارية! الجبل! فتعجبوا من هذا الكلام، ثم سألوه عن ذلك؟ فقال: إنه كشف له عن سارية بن\n_________\n(^١) مذكرة التوحيد عبد الرزاق عفيفي ص ٤٥.\n(^٢) الإصابة في تمييز الصحابة ٤/ ٢٦١. وقد ذكرها ابن القيم في مدارج السالكين ٣/ ٢٢٨.","vol":"3","page":260},{"text":"زنيم وهو أحد قواده في العراق، وأنه محصور من عدوه، فوجهه إلى الجبل، وقال له: يا سارية! الجبل! فسمع سارية صوت عمر، وانحاز إلى الجبل، وتحصن به (^١).\nهذه من أمور المكاشفات؛ لأنه أمر واقع، لكنه بعيد.\nأما القدرة والتأثيرات؛ فمثل ما وقع لمريم من هزها لجذع النخل وتساقط الرطب عليها. ومثل ما وقع للذي عنده علم من الكتاب؛ حيث قال لسليمان: أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ... ثم ذكر قول شيخ الإسلام في كتاب الفرقان حين قال: \"وهذا باب واسع، قد بسط الكلام على كرامات الأولياء في غير هذا الموضع، وأما ما نعرفه نحن عيانا ونعرفه في هذا الزمان؛ فكثير\"\" (^٢).\nوهناك أنواع تتعلق بالكشف والكرامة أهمها:\n١ - الإلهام وهو معنى يُلقى في القلب أو شيء يلقى في القلب تطمئن له النفس، وينشرح له الصدر (^٣).\nوهذا الشيء الذي يُلقى في القلب يحتاج أن يعرضه صاحبه على ما جاء به النبي - ﷺ -، قال الإمام ابن تيمية: \"ولهذا لما كان ولي الله يجوز أن يغلط لم يجب على الناس الإيمان بجميع ما يقوله من هو ولي لله لئلا يكون نبيًا؛ بل ولا يجوز لولي الله أن يعتمد على ما يلقى إليه في قلبه إلا أن يكون موافقًا للشرع، وعلى ما يقع له مما يراه إلهامًا ومحادثة وخطابا من الحق؛ بل يجب عليه أن يعرض ذلك جميعه على ما جاء به محمد - ﷺ - فإن وافقه قبله وإن خالفه لم يقبله وإن يعلم أموافق هو أم\n_________\n(^١) هذه الكرامة لعمر - ﵁ - جرت حقيقة ولا عبرة لمن قال إنها جرت أحلاما ومنامات فهذا تعسف وتحريف بل جرى ذلك يقظة على الحقيقة وقد أخرج قصة سارية البيهقي وأبو نعيم والخطيب عن ابن عمر وقال ابن حجر في الإصابة: إسناده حسن نقلا عن تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ١١٧ وانظر القصة في البداية والنهاية ٧/ ١٣١.\n(^٢) شرح الواسطية في مجموع فتاوى ابن عثيمين ٨/ ٦٣١، ٦٣٢.\n(^٣) انظر: التعريفات للجرجاني، موسوعة مصطلحات أهل الفقه ١/ ٢٤٧.","vol":"3","page":261},{"text":"مخالف؟ توقف فيه\" (^١).\n٢ - الهواتف جمع هاتف وهو الصوت المسموع لا يعلم من ألقاه (^٢).\nوهذا وإن كان يقع للعبد على سبيل الكرامة فإن هناك من استزله الشيطان وخدعه بما يظن أنه كرامة حتى أضله عن الطريق وسار به إلى الاستغاثة بالأموات والإشراك بالله ﷿، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وكثير من هؤلاء يتمثل له الشيطان، ويرى نورًا أو عرشًا أو نورًا على العرش، ويقول: أنا ربك. ومنهم من يقول: أنا نبيك، وهذا قد وقع لغير واحد، ومن هؤلاء من تخاطبه الهواتف بخطاب على لسان الإلهية أو غير ذلك، ويكون المخاطب له جنيًا، كما قد وقع لغير واحد، لكن بسط الكلام على ما يُرى ويُسمع وما هو في النفس والخارج، وتمييز حقه من باطله ليس هذا موضعه، وقد تكلمنا عليه في غير هذا الموضع\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-1028>٣).\n\n٣ - أمثلة لكرامات الأولياء </span>(^٤):\nالأولياء جمع ولي: وهو المؤمن المتقي كما قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [يونس: ٦٢، ٦٣]. سمي وليًا اشتقاقا من الولاء وهو المحبة والقرب فولي الله من والى الله بموافقته في محبوباته والتقرب إليه بمرضاته (^٥).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١١/ ٢٠٣.\n(^٢) انظر في ذلك رسالة ذكر الله بين الاتباع والابتداع ص ٣٨٨ - ٤٢٥.\n(^٣) منهاج السنة ١/ ٦٢٥.\n(^٤) للاستزادة حول معنى الولي والولاية انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٧/ ٣٩، ١١/ ٢٨ - ٤٠. شرح مسائل الجاهلية للألوسي ص ١١٨. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٢/ ١٦٧. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٣/ ٧٦ الجيلاني وآراؤه الاعتقادية ص ٥٥١. نواقض الإيمان القولية والعملية ٧/ ١٣٥، ١٣٨. شرح مسائل الجاهلية للسعيد ١/ ٦١٥.\n(^٥) شرح الواسطية الفوزان ص ٢٠٧.","vol":"3","page":262},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"من كان مؤمنا تقيا؛ كان لله وليًّا\" (^١).\nقال العلماء: كل كرامة لولي؛ فهي آية للنبي الذي اتبعه؛ لأن الكرامة شهادة من الله ﷿ أن طريق هذا الولي طريق صحيح.\nوعلى هذا ما جرى من الكرامات للأولياء من هذه الأمة فإنها آيات لرسول الله - ﷺ - (^٢).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وكرامات أولياء الله إنما حصلت ببركة اتباع رسول الله - ﷺ - فهي في الحقيقة تدخل في معجزات الرسول - ﷺ - مثل انشقاق القمر وتسبيح الحصا في كفه، وإتيان الشجر إليه وحنين الجذع إليه، وإخباره ليلة المعراج بصفة بيت المقدس وإخباره بما كان وما يكون وإتيانه بالكتاب العزيز، وتكثير الطعام والشراب مرات كثيرة، كما أشبع في الخندق العسكر من قدر طعام وهو لم ينقص، في حديث أم سليم المشهور وروّى العسكر في غزوة خيبر من مزادة ماء ولم تنقص وملأ أوعية العسكر عام تبوك من طعام قليل ولم ينقص وهم نحو ثلاثين ألفا، ونبع الماء من بين أصابعه مرات متعددة حتى كفى الناس الذي كانوا معه، كما كانوا في غزوة الحديبية نحو ألفا وأربعمائة أو خمسمائة وردّه لعين أبي قتادة حين سالت على خده فرجعت أحسن عينيه.\nوكرامات الصحابة والتابعين بعدهم وسائر الصالحين كثيرة جدا، مثل ما كان أسيد بن حضير يقرأ سورة الكهف فنزل من السماء مثل الظلة فيها السرج، وهي الملائكة نزلت لقراءته وكانت الملائكة تسلم على عمران بن حصين، وكان سلمان وأبو الدرداء يأكلان في صحفة، فسبحت الصحفة أو سبح ما فيها. وعباد\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢/ ٢٢٤، ٢٥/ ٣١٦. وانظر صفات أولياء الله مفصلة في الجزء السابع من مجموع فتاوى ابن عثيمين ص ١٣٥ - ١٤٤.\n(^٢) انظر شرح الواسطية لابن عثيمين ٨/ ٦٢٨.","vol":"3","page":263},{"text":"بن بشر وأسيد بن الحضير خرجا من عند رسول الله ﷺ في ليلة مظلمة فأضاء لهما نور مثل طرف السوط، فلما افترقا افترق الضوء معهما\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1029>٤ - بقاء الكرامات في أولياء الله إلى يوم القيامة:</span>\nقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"الدليل على أنها موجودة إلى يوم القيامة: سمعي، وعقلي.\nأما السمعي فإن الرسول - ﷺ - أخبر في قصة الدجال أنه يدعو رجلا من الناس من الشباب يأتي، ويقول له: كذبت! إنما أنت المسيح الدجال الذي أخبرنا عنك رسول الله - ﷺ -، فيأتي الدجال، فيقتله قطعتين، فيجعل واحدة هنا وواحدة هنا رمية الغرض - يعني: بعيدا ما بينهما -، ويمشي بينهما، ثم يدعوه، فيقوم يتهلل، ثم يدعوه ليقر له بالعبودية، فيقول الرجل: ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم! فيريد الدجال أن يقتله؛ فلا يسلط عليه\" (^٢).\nفهذه أي عدم تمكن الدجال من قتل ذلك الشاب من الكرامات بلا شك.\nوأما العقلي فيقال: ما دام سبب الكرامة هي الولاية؛ فالولاية لا تزال موجودة إلى قيام الساعة\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1030>٥ - حال العبد عند حصول الكرامة أو الخارق للعادة:</span>\nينبغي للعبد أن لا يغتر بالكرامة ولا يشتد فرحه بها؛ لأنها قد تكون سببًا لهلاكه فيصيبه العُجْب والأمْن بل المطلوب أن يستعين بذلك على التقرب إلى الله والتواضع له وازدراء النفس لتصفو نفسه أما أن يعجب بها ويعظم نفسه بسببها فإن في هذا عطبه وهلاكه.\n_________\n(^١) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ١٥٥، ١٦٥، ومجموع الفتاوى ١١/ ٢٧٦، وانظر للاستزادة من الأمثلة شرح الواسطية من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٨/ ٦٢٧، ٦٢٨.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٨٨٢)، ومسلم (٢٩٣٨).\n(^٣) شرح الواسطية من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٨/ ٦٣٢، ٦٣٣.","vol":"3","page":264},{"text":"وفي مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام: \"قال أبو علي الجوزجاني: \"كن طالبًا للاستقامة لا طالبًا للكرامة، فإن نفسك منجبلة على طلب الكرامة وربك يطلب منك الاستقامة\". قال الشيخ السهروردي في عوارفه: وهذا الذي ذكره أصل عظيم كبير في الباب وسر غفل عن حقيقته كثير من أهل السلوك والطلاب وذلك أن المجتهدين والمتعبدين سمعوا عن سلف الصالحين المتقدمين وما مُنحوا به من الكرامات وخوارق العادات فأبدًا نفوسهم لا تزال تتطلع إلى شيء من ذلك ويحبون أن يرزقوا شيئًا من ذلك، ولعل أحدهم يبقى منكسر القلب متهمًا لنفسه في صحة عمله حيث لم يُكاشف بشيء من ذلك، ولو علموا سر ذلك لهان عليهم الأمر، فيعلم أن الله يفتح على بعض المجاهدين الصادقين من ذلك بابًا، والحكمة فيه أن يزداد بما يرى من خوارق العادات وآثار القدرة تفننًا فيقوى عزمه على هذا الزهد في الدنيا والخروج عن دواعي الهوى، وقد يكون بعض عباده يكاشف بصدق اليقين ويرفع عن قلبه الحجاب، ومن كوشف بصدق اليقين أغنى بذلك عن رؤية خرق العادات؛ لأن المراد منها كان حصول اليقين وقد حصل اليقين، فلو كوشف هذا المرزوق صدق اليقين بشيء من ذلك لازداد يقينًا، فلا تقتضي الحكمة كشف القدرة بخوارق العادات لهذا الموضع استغناء به وتقتضي الحكمة كشف ذلك لآخر لموضع حاجته، وكان هذا الثاني يكون أتم استعدادًا وأهلية من الأول، فسبيل الصادق مطالبة النفس بالاستقامة فهي كل الكرامة، ثم إذا وقع في طريقه شيء خارق كان كأن لم يقع فما يبالي ولا ينقص بذلك وإنما ينقص بالإخلال بواجب حق الاستقامة، فتعلّم هذا لأنه أصل كبير للطالبين والعلماء الزاهدين ومشايخ الصوفية\" (^١).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١١/ ٣٢٠.","vol":"3","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1031>٦ - وجوب الإيمان بكرامات الأولياء وحكم إنكارها:</span>\nقرر هذه العقيدة الإمام الطحاوي حيث قال: \"ولا نفضل أحدًا من الأولياء على أحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ونقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء، ونؤمن بما جاء من كراماتهم، وصح عن الثقات من رواياتهم\" (^١).\nوقال شيخ الإسلام ﵀: \"ومن أصول أهل السنة التصديق بكرامات الأولياء وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات وأنواع القدرة والتأثيرات. والمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر فرق الأمة، وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة\" (^٢).\nجاء في لوامع الأنوار: \"وكرامة الأولياء حق وأنكر الإمام أحمد - ﵁ - على من أنكرها وضلله\" (^٣).\nوقال ابن عثيمين ﵀: \"وهناك مذهب مخالف لمذهب أهل السنة، وهو مذهب المعتزلة ومن تبعهم؛ حيث إنهم ينكرون الكرامات ويقولون: إنك لو أثبت الكرامات لاشتبه الساحر بالولي والولي بالنبي؛ لأن كل واحد منهم يأتي بخارق.\nفيقال: لا يمكن الالتباس؛ لأن الكرامة على يد ولي، والولي لا يمكن أن يدعي النبوة، ولو ادَّعاها لم يكن وليا. آية النبي تكون على يد نبي، والشعوذة والسحر على يد عدو بعيد من ولاية الله، وتكون بفعله باستعانته بالشياطين، فينالها بكسبه بخلاف الكرامة فهي من الله تعالى، لا يطلبها الولي بكسبه\" (^٤).\n_________\n(^١) الطحاوية مع الشرح ص ٥٨، ٥٩.\n(^٢) العقيدة الواسطية مع شرح الشيخ صالح الفوزان ص ٢٠٧.\n(^٣) لوامع الأنوار ٢/ ٣٩٣.\n(^٤) شرح الواسطية من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٨/ ٦٢٨، ٦٢٩.","vol":"3","page":266},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1032>٧ - الفرق بين كرامات الأولياء وخوارق الشياطين:</span>\nينبغي للعبد أن يفرق بين حال أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ذلك أن لكل واحد منهما خصائص وسمات تدل عليه.\nوقد نقل إمام الحرمين الإجماع على أن السحر لا يظهر إلا من فاسق وأن الكرامة لا تظهر على فاسق (^١).\nوذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن من مسائل أهل الجاهلية: \"اعتقادهم في مخاريق السحرة وأمثالهم أنها من كرامات الصالحين، ونسبته إلى الأنبياء، كما نسبوه إلى سليمان\" (^٢).\nوقد بين ابن تيمية ﵀: أن ليس كل خارق يجري على يدي صاحبه يدل على أن ذلك كرامة له، أو أنه أكرم الخلق على الله، فلربما كان ذلك الخارق حالا شيطانية، وذكر أن المخاريق ثلاثة أنواع:\nأحدها: ما يكون آية لنبي، وهذه حق لا ريب فيها، ولا يمكن لأحد أن يعارضها بمثلها.\nثانيها: ما يكون كرامة لولي، وهذه حق عند أهل السنة والجماعة، وهذه تكون على يدي الصالحين، وتدل على صحة الدين الذي جاء به الرسول لا تدل على أن الولي معصوم ولا تدل على وجوب طاعته في كل ما يقوله.\nثالثها: خوارق الكفار والفجار كالسحرة والكهان وأمثالهم من الفجرة التي تعينهم خوارقهم على محرمات مثل الفواحش والظلم والشرك والقول الباطل (^٣).\n_________\n(^١) الفتح ١٠/ ٢٢٣.\n(^٢) شرح مسائل الجاهلية للسعيد ١/ ٣٠٠.\n(^٣) انظر النبوات لشيخ الإسلام ابن تيمية ص ٤، وقد تكلمت عن هذه المسألة بالتفصيل في كتابي \"أحكام الكهانة\" ص ٧٨ - ١٠٧.","vol":"3","page":267},{"text":"وقال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: \"وبين كرامات الأولياء وما يشبهها من الأحوال الشيطانية فروق متعددة: منها أن كرامات الأولياء سببها الإيمان والتقوى، والأحوال الشيطانية سببها ما نهى الله عنه ورسوله، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣]. فالقول على الله بغير علم والشرك والظلم والفواحش قد حرمها الله تعالى ورسوله - ﷺ - فلا تكون سببًا لكرامة الله تعالى بالكرامات عليها، فإذا كانت لا تحصل بالصلاة والذكر وقراءة القرآن، بل تحصل بما يحبه الشيطان، وبالأمور التي فيها، استغاثة بالمخلوقات، أو كانت مما يستعان بها على ظلم الخلق وفعل الفواحش، فهي من الأحوال الشيطانية، لا من الكرامات الرحمانية\" (^١).\nوقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية على الأشاعرة ومن قال بقولهم في التفريق بين المعجزات وخوارق السحرة وبيَّن التحقيق في ذلك فقال: \"وعندهم لا فرق بين جنس وجنس في اختصاصه بالأنبياء به، فليس في أجناس المعقولات ما يكون آية تختص بالأنبياء، فيستلزم نبوتهم بل ما كان لهم قد يكون عند غيرهم حتى للسحرة والكهان، وهم أعداؤهم، وفرقوا بعدم المعارضة، وهذا فرق غير معلوم وهو مجرد دعوى.\nقالوا: لو ادعى الساحر والكاهن النبوة، لكان الله ينسيه الكهانة والسحر، ولكان له من يعارضه لأن السحر والكهانة هي معجزة عندهم، وفي هذه الأقوال من الفساد عقلًا وشرعًا ومن المناقضة لدين الإسلام وللحق ما يطول وصفه، ولا ريب أن قول من أنكر وجود هذه الخوارق أقل فسادًا من هذا، ولهذا يشنع عليهم\n_________\n(^١) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ٧١ انظر: شرح مسائل الجاهلية ١/ ٣٠٢.","vol":"3","page":268},{"text":"ابن حزم وغيره بالشناعات العظيمة.\nولهذا يقيم أكابر فضلائهم مدة يطلبون الفرق بين المعجزات والسحر، فلا يجدون فرقًا إذْ لا فرق عندهم في نفس الأمر، والتحقيق أن آيات الأنبياء مستلزمة للنبوة ولصدق الخبر بالنبوة، فلا يوجد إلا مع الشهادة للرسول بأنه رسول لا يوجد مع التكذيب بذلك، ولا مع عدم ذلك البتة، وليست من جنس ما يقدر عليه لا الإنس ولا الجن، فإن ما يقدر عليه الإنس والجن يفعلونه فلا يكون مختصا بالأنبياء.\nومعنى كونها خارقة للعادة: أنها لا توجد إلا للنبوة لا مرة ولا أقل، ولا أكثر، فالعادة هنا تثبت بمرة، والقاضي أبو بكر يقول: إن ما فعل مرات يسيرة لا يكون معتادًا، وفي كلامه في هذا الباب من الاضطراب ما يطول وصفه، وهو رأس هؤلاء الذين اتبعوه كالقاضي أبي يعلى وأبي المعالي والرازي والآمدي وغيرهم.\nوما يأتي به السحرة والكهان يمتنع أن يكون آية لنبي بل بل هو آية على الكفر، فكيف يكون آية للنبوة، وهو مقدور للشياطين، وآيات الأنبياء لا يقدر عليها جن ولا إنس، وآيات الأنبياء آيات لجنسها فحيث كانت آية لله تدل على مثل ما أخبرت به الأنبياء، وإن شئت قلت: هي آيات لله يدل بها على صدق الأنبياء تارة، وعلى غير ذلك تارة، وما يكون للسحرة والكهان لا يكون من آيات الأنبياء، بل آيات الأنبياء مختصة بهم.\nوأما كرامات الأولياء فهي أيضًا من آيات الأنبياء فإنها إنما تكون لمن تشهد لهم بالرسالة فهي دليل على صدق الشاهد لهم بالنبوة، وأيضًا فإن كرامات الأولياء معتادة من الصالحين ومعجزات الأنبياء فوق ذلك، فانشقاق القمر والإتيان بالقرآن، وانقلاب العصا حية، وخروج الدابة من صخرة لم يكن مثله للأولياء، وكذلك خلق الطير من الطين، ولكن آياتهم صغار وكبار قال الله تعالى:","vol":"3","page":269},{"text":"﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠)﴾ [النازعات: ٢٠]، فلله تعالى آية كبيرة وصغيرة، وقال عن نبيه محمد: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ [النجم: ١٨] فالآيات الكبرى مختصة بهم، وأما الآيات الصغرى فقد تكون للصالحين مثل تكثير الطعام، فهذا قد وجد لغير واحد من الصالحين، لكن لم يوجد كما وجد للنبي - ﷺ - أنه أطعم الجيش من شيء يسير، فقد يوجد لغيرهم من جنس ما وجد لهم، لكن لا يماثلون في قدره، فهم مختصون إما بجنس الآيات فلا يكون لمثلهم كالإتيان بالقران وانشقاق القمر، وقلب العصا حية، وانفلاق البحر، وأن يخلق من الطين كهيئة الطير، وأما بقدرها وكيفيتها كنار الخليل، فإن أبا مسلم الخولاني وغيره وصارت النار عليهم بردًا وسلامًا، لكن لم تكن مثل نار إبراهيم في عظمتها كما وصفوها، فهو مشارك للخليل في جنس الآية، كما هو مشارك في جنس الإيمان محبة الله وتوحيده، ومعلوم أن الذي امتاز به الخليل من هذا لا يماثله فيه أبو مسلم وأمثاله\" (^١).\nوالأحوال الشيطانية تكون على يدي السحرة والكهان وأمثالهم من الفجرة (^٢) فهم أولياء الشيطان وجنوده وأنصاره وينخدع بالأحوال الشيطانية كثير ممن يستغيث بغير الله فيستنجد بالمقبور ويستغيث بالقبور كما ينخدع بها من يصدق الكهان والسحرة والمشعوذين.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: \"وهذا بخلاف الأحوال الشيطانية، مثل حال عبد الله بن صياد الذي ظهر في زمن النبي - ﷺ -، وكان قد ظن بعض الصحابة أنه الدّجال، وتوقف النبي - ﷺ - في أمره حتى تبين له فيما بعد أنه ليس هو الدجّال، لكنه كان من جنس الكهان. قال له النبي - ﷺ -: قد خبأت لك خبءًا، قال\n_________\n(^١) النبوات ٢/ ٧٩٧.\n(^٢) النبوات ص ٤، وانظر للاستزادة تيسير العزيز الحميد ص ٣٩٧ - ٤٠١.","vol":"3","page":270},{"text":"الدخ الدّخ وقد كان خبّأ له سورة الدخان، فقال له النبي - ﷺ -: \"اخسأ فلن تعدو قدرك\" (^١) يعني إنما أنت من إخوان الكهان، والكهان كان يكون لأحدهم القرين من الشيطان يخبره بكثير من المغيبات بما يسرقه من السمع، وكانوا يخلطون الصدق بالكذب كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره أن النبي - ﷺ - قال: الملائكة تنزل في العنان - وهو السحاب - فتذكر الأمر قضي في السماء، فتسترق الشياطين السمع فتوحيه إلى الكهان، فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم.\nوالأسود العنسي الذي ادّعى النبوة كان له من الشياطين من يخبره ببعض الأمور المغيبة، فلما قاتله المسلمون كانوا يخافون من الشياطين أن يخبروه بما يقولون فيه، حتى أعانتهم عليه امرأته لما تبيّن لها كفره فقتلوه.\nوكذلك مسيلمة الكذّاب كان معه من الشياطين من يخبره بالمغيّبات ويعينه على بعض الأمور.\nوأمثال هؤلاء كثيرون، مثل الحارث الدمشقي الذي خرج بالشام زمن عبد الملك بن مروان وادعى النبوة، وكانت الشياطين تخرج رجليه من القيد، وتمنع السلاح أن ينفذ فيه، وتسبح الرّخامة إذا مسحها بيده، وكان يرى الناس رجالا وركبانا على خيل في الهواء ويقول: هي الملائكة، وإنما كانوا جنّا، ولما أمسكه المسلمون ليقتلوه طعنه الطاعن بالرمح فلم ينفذ فيه، فقال له عبد الملك: إنك لم تسمّ الله فطعنه فقتله\" (^٢).\nوقال ﵀: \"ومن هؤلاء من إذا حضر سماع المكاء والتصدية يتنزل عليه شيطانه حتى يحمله في الهواء ويخرجه من تلك الدار، فإذا حضر رجل من أولياء الله تعالى، طرد شيطانه فيسقط، كما جرى هذا لغير واحد.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم رقم (٢٩٢٤).\n(^٢) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ١٦٦، ١٧٣.","vol":"3","page":271},{"text":"ومن هؤلاء من يستغيث بمخلوق إما حي أو ميت، سواء كان ذلك المخلوق مسلمًا أو نصرانيًا أو مشركًا، فيتصور الشيطان بصورة ذلك المستغاث به، ويقضي بعض حاجة ذلك المستغيث، فيظن أنه ذلك الشخص، أو هو ملك تصور على صورته، وإنما هو شيطان أضله لما أشرك بالله، كما كانت الشياطين تدخل في الأصنام وتكلم المشركين ومن هؤلاء من يتصور له الشيطان ويقول له: أنا الخضر، وربما أخبره ببعض الأمور، وأعانه على بعض مطالبه، كما قد جرى ذلك لغير واحد من المسلمين واليهود والنصارى.\nومنهم من يرى عرشًا في الهواء، وفوقه نور، ويسمع من يخاطبه ويقول: أنا ربك، فإن كان من أهل المعرفة، علم أنه شيطان فزجره واستعاذ بالله منه، فيزول\" (^١).\nوقال الشيخ العلامة محمد بن عبد العزيز المانع: \"وبهذا يتبين أن من ظهر على يديه شيء من الخوارق التي يسمونها كرامات الأولياء، وهو مصر على دعوة غير الله تعالى من الأحياء والأموات، معتقدا أنهم ينفعونه أو يضرونه، فهو من الحيل والشعوذة لا من الكرامات، إذ من شروط حصولها صحة الاعتقاد، وأي اعتقاد أفسد من الإشراك بالله تعالى؟ وكذا يتبين كذب من ادعى الولاية وهو تارك للصلوات مع المسلمين في مساجدهم، ويزعم أنه يصلي بمكة جميع الصلوات ولو كان بينه وبينها مسافة أيام ... \" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1033>٨ - ما يطرد الأحوال الشيطانية:</span>\nسلاح العبد في ذلك كله تعلقه بالله وتوكله عليه وأن يصدق في توجهه إلى الله وقد جاءت الأحاديث مبينة لما يطرد الشيطان فمنها الاستعاذة بالله منه (^٣) ومنها\n_________\n(^١) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ١٧٣، وقد ذكر - تعالى - أمثلة كثيرة اقتصرنا على بعضها، انظر كتابنا أحكام الكهانة ص ٩٩ - ١٤٤.\n(^٢) حاشية على لوامع الأنوار ٢/ ٣٩٧.\n(^٣) أبو داود (١٤٦٢، ١٤٦٣).","vol":"3","page":272},{"text":"الآذان (^١) ومنها المحافظة على الأذكار (^٢) وقراءة القرآن، فقد ثبت في صحيح مسلم قوله - ﷺ -: \"لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ سورة البقرة\" (^٣).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وهكذا أهل الأحوال الشيطانية تنصرف عنهم شياطينهم إذا ذكر عندهم ما يطردها، مثل آية الكرسي، فإنه ثبت في الصحيح عن النبي - ﷺ - في حديث أبي هريرة - ﵁ - لما وكله النبي - ﷺ - بحفظ زكاة الفطر، فسرق منه الشيطان ليلة بعد ليلة وهو يمسكه فيتوب فيطلقه، فيقول له النبي - ﷺ -: ما فعل أسيرك البارحة؟ فيقول: زعم أنه لا يعود، فيقول: كذبك وأنه سيعود، فلما كان في المرة الثالثة، قال دعني حتى أعلمك ما ينفعك: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. إلى آخرها (^٤)، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فلما أخبر النبي - ﷺ - قال: صدقك وهو كذوب. وأخبره أنه شيطان\" (^٥).\nولهذا إذا قرأها الإنسان عند الأحوال الشيطانية بصدق أبطلتها (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1034>٩ - فائدة في معجزات الأنبياء وآياتهم:</span>\nقال الشيخ عبد الرزاق عفيفي: \"إن آيات المعجزات التي أيد الله بها رسله قد اختلفت أنواعها، وتباينت مظاهرها وأشكالها، إلا أنها تجتمع في أن كلا منها قد عجز البشر عن أن يأتوا بمثله، منفردين أو مجتمعين، فكانت بذلك شاهد صدق على الرسالة، وحجة قاطعة تخرس الألسنة، وينقطع عندها الخصوم ويجب لها\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٢٨٥)، مسلم (٣٨٨).\n(^٢) جاء في ذلك أحاديث انظر على سبيل المثال سنن أبي داود (١٣٠٦).\n(^٣) أخرجه مسلم (٧٨٠).\n(^٤) سورة البقرة الآية ص ٢٥٥.\n(^٥) أخرجه البخاري (٢٣١١) (٣٢٧٥).\n(^٦) انظر: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ١٦٩، ١٧٠.","vol":"3","page":273},{"text":"التسليم والقبول.\nويغلب أن تكون معجزة كل رسول مناسبة لما انتشر في عصره، وبرز فيه قومه، وعرفوا بالمهارة فيه، ليكون ذلك أدعى لفهمها، وأعظم لدلالتها على المطلوب، وأمكن في الالتزام بمقتضاها، ففي عهد موسى - ﵇ - انتشر السحر، ومهر فيه قومه، حتى أثروا به على النفوس، وسحروا به أعين الناظرين، وأوجس في نفسه خيفة منه من شهده، وإن كان عالي الهمة، قوي العزيمة، فكان ما آتاه الله نبيه موسى فوق ما تبلغه القوى والقدر، وما لا يدرك بالأسباب والوسائل، وقد أوضح الله ذلك في كثير من الآيات، منها قوله تعالى: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾ [الأعراف: ١٢٠ - ١٢٢].\nوفي عهد المسيح عيسى بن مريم ﵇ برع بنو إسرائيل في الطب فكان مما آتاه الله أن يصور من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله، وإبراء الأكمه والأبرص بإذن الله، وإحياء الموتى بإذن الله، إلى غير ذلك من الآيات التي تثبت بها رسالته، وقامت الحجة على قومه.\nوفي عهد محمد - ﷺ - كان العرب قد بلغوا الغاية في فصاحة اللسان، وقوة البيان، وجرت الحكمة على ألسنتهم حتى اتخذوا ذلك ميدانًا للسباق والمباراة، فأنزل الله القرآن على رسوله محمد - ﷺ - فكانت بلاغته وبيانه وما تضمنه من الحكم والأمثال جانبا من جوانب إعجازه، عن أبي هريرة قال: قال - ﷺ -: \"وما من الأنبياء نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة\" (^١) \" (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٥٢).\n(^٢) مذكرة التوحيد عبد الرزاق عفيفي ص ٤٨، ٤٩.","vol":"3","page":274},{"text":"وقال ابن عثيمين: \"قال بعض العلماء: ما من آية لنبي من الأنبياء السابقين إلا ولرسول الله - ﷺ - مثلها.\n- فأورد عليهم أن الرسول - ﷺ - لم يلق في النار فيخرج حيًا كما حصل ذلك لإبراهيم.\n- فأجيب بأنه جرى ذلك لأتباع الرسول ﵊ كما ذكره المؤرخون عن أبي مسلم الخولاني، وإذا أكرم أتباع الرسول ﵊ بجنس هذا الأمر الخارق للعادة دل ذلك على أن دين النبي - ﷺ - حق؛ لأنه مؤيد بجنس هذه الآية التي حصلت لإبراهيم.\n- وأورد عليهم أن البحر لم يفلق للنبي - ﷺ -، وقد فلق لموسى!\n- فأجيب بأنه حصل لهذه الأمة فيما يتعلق في البحر شيء أعظم مما حصل لموسى، وهو المشي على الماء؛ كما في قصة العلاء بن الحضرمي حيث مشوا على ظهر الماء، وهذا أعظم مما حصل لموسى؛ لأن موسى مشى على أرض يابسة.\n- وأورد عليهم أن من آيات عيسى إحياء الموتى، ولم يقع ذلك لرسول الله - ﷺ -.\n- فأجيب بأنه حصل ووقع لأتباع الرسول ﵊ كما في قصة الرجل الذي مات حماره في أثناء الطريق، فدعا الله تعالى أن يحييه فأحياه الله تعالى.\n- وأورد عليهم إبراء الأكمه والأبرص.\n- فأجيب بأنه حصل من النبي - ﷺ - أن قتادة بن النعمان لما جرح في أحد ندرت عينه حتى صارت على خده، فجاء النبي - ﷺ -، فأخذها بيده، ووضعها في مكانها، فصارت أحسن عينيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1035>الكراهية لانتصار دين الرسول - ﷺ </span>-.\nانظر باب: \"النفاق\".","vol":"3","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1036>٢٢٩ - الكفر</span>*\nفي اللغة: كفر بالفتح: الستر والتغطية وبالضم ضد الإيمان (^١). ووصف الليل بالكافر لستره الأشخاص، والزراع لستره البذر في الأرض (^٢).\nوفي الشرع: قال الراغب: \"والكافر على الإطلاق متعارف فيمن يجحد الواحدانية أو النبوة أو الشريعة أو ثلاثتهما، وقد يقال كفر لمن أخل بالشريعة وترك ما لزمه من شكر الله عليه\" (^٣).\nوقال ابن حزم: \"وهو في الدين صفة من جحد شيئا مما افترض الله تعالى الإيمان به بعد قيام الحجة عليه (^٤) ببلوغ الحق إليه بقلبه دون لسانه، أو بلسانه دون قلبه، أو بهما معا، أو عمل عملا جاء النص بأنه مخرج له بذلك عن اسم الإيمان\" (^٥).\nويقول السبكي: \"التكفير حكم شرعي سببه جحد الربوبية، أو الوحدانية، أو\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ٢/ ٥٣، ٤/ ٢٤٠، ٣٠٦، ٩/ ٢٣٦، ١٧/ ١٤ - ١٦، ٢٣/ ٢٩٥. الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١/ ١٨٣، ١٨٤. المحلى بالآثار لابن حزم ٣/ ١٦٥. اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ١٧٢. فتح الباري لابن رجب ١/ ١٣٧، ١٣٨. الدرر السنية ١/ ١٨٩، ٣٦٧، ٥٢٣، ٨/ ٢٥٣، ١٠/ ١٥١، ١٢/ ٥٣٦. قطف الثمر لصديق حسن ص ١٠٧. فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٢. مجموع الفتاوى لابن باز ٢/ ٥٠٣، ٥٣٧. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٢/ ١٢٥، ٧/ ١٦٨. نواقض الإيمان القولية والعملية ص ٣٤. نواقض الإيمان الاعتقادية د. الوهيبي ٢/ ٣٢ الإمام المروزي وجهوده في توضيح العقيدة للنفيعي ص ٤٤٢، ٤٥٠ الآثار الواردة في سير أعلام النبلاء د. جمال بن أحمد ٢/ ٥٠٢، ٥١٧. منهج ابن حجر في العقيدة ص ١٠٦٤. الجهل بمسائل الاعتقاد لمعاش ص ١٠٥ - ١٢٣ الشيخ السعدي وجهوده في توضيح العقيدة للعباد ص ١٨٦.\n(^١) الجامع لأحكام القرآن ١/ ١٨٣.\n(^٢) المفردات (ك ف ر).\n(^٣) المفردات (ك ف ر).\n(^٤) سبق توضيح أن من لم تقم عليه الحجة قد يطلق عليه أنه كافر وإن كان له في الآخرة حكم خاص.\n(^٥) الإحكام ١/ ٤٥، وانظر: الفصل ٣/ ٢٥٢، والمحلى ١٣/ ٤٣٧.","vol":"3","page":276},{"text":"الرسالة، أو قول، أو فعل حكم الشارع بأنه كفر وإن لم يكن جحدا\" (^١).\nويقول ابن تيمية: \"الكفر: عدم الإيمان، باتفاق المسلمين، سواء اعتقد نقيضه وتكلم به، أو لم يعتقد شيئًا ولم يتكلم\" (^٢).\nويقول: \"الكفر عدم الإيمان بالله ورسله، سواء كان معه تكذيب أو لم يكن معه تكذيب، بل شك وريب، أو إعراض عن هذا كله حسدًا أو كبرًا، أو اتباعا لبعض الأهواء الصارفة عن اتباع الرسالة\" (^٣).\nويعرِّف الشيخ عبد الرحمن السعدي الكفر قائلًا: \"فالكافر هو ضد المسلم، والمرتد هو الذي كفر بعد إسلامه بقول أو فعل أو اعتقاد أو شك، وحد الكفر الجامع لجميع أجناسه، وأنواعه، وأفراده هو: جحد ما جاء به الرسول، أو جحد بعضه، كما أن الإيمان اعتقاده ما جاء به الرسول والتزامه جملة تفصيلا، فالإيمان والكفر ضدان متى ثبت أحدهما ثبوتا كاملا، انتفى الآخر\" (^٤).\nفالكفر اعتقادات أو أقوال أو أفعال حكم الشارع أنها تناقض الإيمان.\nوقد ورد لفظ الكفر في مواضع كثيرة من القرآن الكريم والسنة النبوية سوف نسوقها اختصارا ضمن تقسيم أنواع الكفر الأكبر والأصغر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1037>أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1038>١ - أنواع الكفر:</span>\nالكفر أنواع وشعب متعددة، فمن وقع في أصل الكفر، وهو ما يضاد أصل الإيمان وحقيقته، فلا نزاع في كفره. أما من وقع في بعض شعب الكفر التي لا تضاد\n_________\n(^١) فتاوى السبكي ٢/ ٥٨٦ دار المعرفة.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٢٠/ ٨٦.\n(^٣) مجموع الفتاوى ١٢/ ٣٣٥، وانظر: ٣/ ٣١٥.\n(^٤) الإرشاد إلى معرفة الأحكام ص ٢٠٣، ٢٠٤.","vol":"3","page":277},{"text":"أصل الإيمان وحقيقته، وكان معه أصل الإيمان الذي ثبت له به وصف الإسلام، فإنه لا يكفر بذلك.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1039> الكفر نوعان:</span>\nأولًا: كفر أكبر مخرج من الدين يكون صاحبه في الدنيا خارجًا عن الملة، وفي الآخرة من أهل النار الخالدين فيها. كالتكذيب بالله ورسوله والسجود للأصنام.\nوسيأتي ذكر أنواعه في باب (الكفر الأكبر).\nقال ابن القيم: \"الكفر الأكبر: هو الموجب للخلود في النار\" (^١).\nوقد أطلق العلماء على هذا النوع اسم (الكفر الأكبر)، لأنه ينتفي عن صاحبه مطلق الإيمان، ووصف الإسلام، ويحصل بالقول وبالفعل والاعتقاد والشك مع ثبوت الشروط، وانتفاء الموانع. أما إطلاق القول بأن الكفر الاعتقادي هو الكفر الأكبر، وأنه يقابله الكفر العملي، وهو الأصغر فهو قول باطل، بل الكفر العملي قد يكون كفرا أكبر.\nقال ابن القيم ﵀: \"فكما يكفر بالإتيان بكلمة الكفر اختيارًا، وهي شعبة من شعب الكفر، كذلك يكفر بفعل شعبة من شعبه، كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف\" (^٢).\nثانيًا: كفر أصغر: كالاقتتال بين المسلمين والنياحة والتبرؤ من النسب (^٣). وهذا لا مناقضة فيه لأصل الإيمان، بل هو مما يتعلق بفروع الإيمان ودرجاته ومكملاته، فلا يخرج به الشخص عن دائرة الملة الإسلامية؛ لأن أصل الإيمان باق معه، طالما لم ينقضه بناقض من قول أو عمل. إنما الذي ينتفي في هذا النوع هو كمال الإيمان الواجب، وهو درجة زائدة على أصل الإيمان أو \"مرتبة الإسلام\"،\n_________\n(^١) مدارج السالكين ١/ ٣٦٦.\n(^٢) كتاب الصلاة ص ٣٤.\n(^٣) مدارج السالكين ١/ ١٦٤، الفتاوى السعدية ص ١٠٣.","vol":"3","page":278},{"text":"وليس مطلق الإيمان.\nوالكفر الأصغر: كل ما ورد في النصوص تسميته كفرًا ولم يصل إلى درجة الكفر الأكبر وله ضوابط يعرف بها. كما أن لأئمة السلف عبارات تدل عليه، كقولهم: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق (^١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في معرض كلامه عن النفاق: \"وبالجملة فأصل هذه المسائل أن تعلم أن الكفر نوعان: كفر ظاهر، وكفر نفاق\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1040>الفرق بين الكفر والشرك:</span>\nانظر باب (الشرك).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1041>٢ - الكفر هو الغاية الكبرى للشيطان:</span>\nقال ابن القيم ﵀: \"فصلٌ: النظر الرابع نظره إلى الآمر له بالمعصية المزين له فعلها، الحاض له عليها وهو شيطانه الموكل به، فيفيده النظر إليه وملاحظته اتخاذه عدوا وكمال الاحتراز منه والتحفظ واليقظة والانتباه يريد منه عدوه وهو لا يشعر فإنه يريد أن يظفر به في عقبة من سبع عقبات، بعضها أصعب من بعض، لا ينزل منه من العقبة الشاقة إلى ما دونها إلا إذا عجز عن الظفر به فيها، العقبة الأولى عقبة الكفر بالله وبدينه ولقائه وبصفات كماله وبما أخبرت به رسله عنه فإنه إن ظفر به في هذه العقبة بردت نار عداوته واستراح، فإن اقتحم هذه العقبة ونجا منها ببصيرة الهداية وسلم معه نور الإيمان طلبه على العقبة الثانية وهي عقبة البدعة، إما باعتقاد خلاف الحق الذي أرسل الله به رسوله أنزل به كتابه واما بالتعبد بما لم يأذن به الله ... العقبة الثالثة وهي عقبة الكبائر ... العقبة الرابعة وهي عقبة الصغائر ... العقبة الخامسة وهي عقبة المباحات التي لا حرج على فاعلها\n_________\n(^١) مدارج السالكين ١/ ٣٣٦.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٧/ ٦٢٠، ٦٢١.","vol":"3","page":279},{"text":"فشغله بها عن الاستكثار من الطاعات وعن الاجتهاد في التزود لمعاده ... العقبة السادسة وهي عقبة الأعمال المرجوحة المفضولة من الطاعات؛ ليشغله بها عما هو أفضل منها وأعظم كسبًا وربحًا ... ولكن أين أصحاب هذه العقبة فهم الأفراد في العالم والأكثرون قد ظفر بهم في العقبات الأول .. فإذا نجا منها لم يبق هناك عقبة يطلبه العدو عليها سوى واحدة لا بد منها، ولو نجا منها أحد لنجا منها رسل الله وأنبياؤه وأكرم الخلق عليه وهي عقبة تسليط جنده عليه بأنواع الأذى باليد واللسان والقلب على حسب مرتبته في الخير، فكلما علت مرتبته أجلب عليه العدو بخيله ورجله وظاهر عليه بجنده وسلط عليه حزبه وأهله بأنواع التسليط ... \" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1042>٣ - ما معنى قول السلف: إن المعاصي تسمى كفرًا</span>؟:\nقال ابن القيم ﵀: \"والقصد: أن المعاصي كلها من نوع الكفر الأصغر. فإنها ضد الشكر، الذي هو العمل بالطاعة. فالسعي: إما شكر، وإما كفر، وإما ثالث، لا من هذا ولا من هذا. والله أعلم\" (^٢).\nوقال ابن العربي ﵀: \"الطاعات كما تسمى إيمانًا كذلك المعاصي تسمى كفرًا، لكن حيث يطلق عليها الكفر لا يراد عليه الكفر المخرج من الملة\" (^٣).\nوإذا كانت الطاعات تسمى إيمانًا، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]. يعني صلاتكم إلى بيت المقدس، قبل تحويل القبلة إلى الكعبة، فكذلك المعاصي تسمى كفرًا، كما تقدم من كلام ابن القيم ﵀، لكن لا يراد به الكفر المخرج عن الملة بل يراد الاعتبار اللغوي.\nوقد تنسب المعاصي إلى الجاهلية؛ لشناعتها، ولا يكفّر صاحبها بارتكابها إلا\n_________\n(^١) مدارج السالكين ١/ ٢٤٤ - ٢٤٨ باختصار.\n(^٢) مدارج السالكين ١/ ٣٦٥.\n(^٣) محاسن التأويل ٥/ ٣٠٧.","vol":"3","page":280},{"text":"بالشرك، قال الإمام البخاري ﵀: \"باب المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك، لقول النبي - ﷺ -: \"إنك امرؤ فيك جاهلية\"، وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. ثم أورد حديث أبي ذرّ عندما سابّ رجلًا فعيّره بأمه، فقال له النبي - ﷺ - تلك المقالة (^١).\nقال الإمام بدر الدين العيني: \"أما وجه الاستدلال بما في الحديث، فهو أنه قال له: فيك جاهلية يعني أنك في تعيير أمه على خلق من أخلاق الجاهلية، ولست جاهلًا محضًا ... وهو نوع من المعصية، ولو كان مرتكب المعصية يكفر، ليبين النبي - ﷺ - لأبي ذرّ، ولم يكتف بقوله في الإنكار عليه: \"إنك امرؤ فيك جاهلية\" (^٢).\nوقال الحافظ ابن حجر ﵀: \"وأما قصة أبي ذر فإنما ذكرت ليستدل بها على أن من بقيت فيه خصلة من خصال الجاهلية سوى الشرك، لا يخرج عن الإيمان بها، سواء كانت من الصغائر أم الكبائر\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1043>٤ - الفرق بين كفر الاعتقاد وكفر العمل:</span>\nقال ابن القيم ﵀: (الكفر نوعان: كفر عمل، وكفر جحود وعناد، فكفر الجحود أن يكفر بما علم أن الرسول جاء به من عند الله جحودًا وعنادا، من أسماء الرب وصفاته وأفعاله وأحكامه. وهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه. وأما كفر العمل فينقسم إلى ما يضاد الإيمان وإلى ما لا يضاده، فالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف وقتل النبي وسبه يضاد الإيمان. وأما الحكم بغير ما أنزل الله وترك الصلاة فهو من الكفر العملي قطعًا، ولا يمكن أن ينفى عنه اسم الكفر\n_________\n(^١) انظر فتح الباري ١/ ١٠٦.\n(^٢) عمدة القاري ١/ ٢٠٤.\n(^٣) فتح الباري ١/ ٨٥ وانظر اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٢٠٨ - ٢٢٠، الجهل بمسائل الاعتقاد لمعاش ص ١١٩ - ١٢١.","vol":"3","page":281},{"text":"بعد أن أطلقه الله ورسوله عليه: فالحاكم بغير ما أنزل الله كافر، وتارك الصلاة كافر بنص رسول الله - ﷺ -، ولكن هو كفر عمل لا كفر اعتقاد، ومن الممتنع أن يسمى الله سبحانه الحاكم بغير ما أنزل الله كافرًا ويسمي رسول الله - ﷺ - تارك الصلاة كافرًا ولا يطلق عليهما اسم الكفر، وقد نفى رسول الله - ﷺ - الإيمان عن الزاني والسارق وشارب الخمر وعمن لا يأمن جاره بوائقه، وإذا نفى عنه اسم الإيمان فهو كافر من جهة العمل، وانتفى عنه كفر الجحود والاعتقاد.\nوكذلك قوله: \"لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض\" (^١) فهذا كفر عمل، وكذلك قوله: \"من أتى كاهنًا فصدقه أو امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد\" (^٢)، وقوله: \"إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما\" (^٣)، وقد سمى الله ﷾ من عمل ببعض كتابه وترك العمل ببعضه مؤمنًا بما عمل به وكافرًا بما ترك العمل به ... فالإيمان العملي يضاده الكفر العملي، والإيمان الاعتقادي يضاده الكفر الاعتقادي، وقد أعلن النبي - ﷺ - بما قلناه في قوله في الحديث الصحيح \"سباب المسلم فسوق وقتاله كفر\" (^٤) ففرق بين قتاله وسبابه، وجعل أحدهما فسوقًا لا يكفر به والآخر كفرًا، ومعلوم أنه إنما أراد الكفر العملي لا الاعتقادي، وهذا الكفر لا يخرجه من الدائرة الإسلامية والملة بالكلية، كما لا يخرج الزاني والسارق والشارب من الملة وإن زال عنه اسم الإيمان.\nوهذا التفصيل هو قول الصحابة الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله وبالإسلام والكفر ولوازمهما، فلا تتلقى هذه المسائل إلا عنهم. فإن المتأخرين لم يفهموا مرادهم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢١) (٧٠٨٠)، ومسلم (٦٥).\n(^٢) مسند الإمام أحمد (١٠١٧٠) (٩٢٧٩).\n(^٣) أخرجه البخاري (٦١٠٣)، ومسلم (٦٠).\n(^٤) أخرجه البخاري (٤٨) (٦٠٤٤) (٧٠٧٦)، ومسلم (٦٤).","vol":"3","page":282},{"text":"فانقسموا فريقين: فريقًا أخرجوا من الملة بالكبائر وقضوا على أصحابها بالخلود في النار، وفريقًا جعلوهم مؤمنين كاملي الإيمان. فهؤلاء غلوا، وهؤلاء جفوا. وهدى الله أهل السنة للطريقة المثلى والقول الوسط الذي هو في المذاهب كالإسلام في الملل\" (^١).\nوهذا المذكور من أنواع الكفر إنما هو لمعرفة الأحكام أما إطلاق ذلك على شخص بعينه فيتبع فيها استكمال الشروط وانتفاء الموانع حسب ما ذكرناه من ضوابط في باب التكفير.\nوهناك مباحث تتعلق بالكافر، منها:\nاستقدام الكافر إلى جزيرة العرب. انظر باب (جزيرة العرب).\nزيارة قبر الكافر. انظر باب (زيارة القبور).\nالدعاء للكافر. انظر باب (الدعاء).\nلعن الكافر المعين، وقد أفردت لذلك بابًا فليراجع.\nالسلام على الكافر والرد عليه إذا سلم.\nمعرفة أهل الكتاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1044>٥ - حكم السلام على الكافر:</span>\nقال الشيخ ابن باز ﵀: \"ثبت عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه\". رواه مسلم في صحيحه.\nوقال - ﷺ: \"إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم\". متفق عليه. وأهل الكتاب هم اليهود والنصارى، وحكم بقية الكفار حكم اليهود النصارى في هذا الأمر؛ لعدم الدليل على الفرق فيما نعلم.\n_________\n(^١) الصلاة لابن القيم ص ٢٦، ٢٧، وانظر: تلخيص ذلك وتوضيحه في كتاب أصول وضوابط في التكفير للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ.","vol":"3","page":283},{"text":"فلا يبدأ الكافر بالسلام مطلقًا، ومتى بدأ هو بالسلام وجب الرد عليه بقولنا: وعليكم، امتثالًا لأمر الرسول - ﷺ -، ولا مانع من أن يقال له بعد ذلك: كيف حالك؟ وكيف أولادك؟ كما أجاز ذلك بعض أهل العلم ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ولا سيما إذا اقتضت المصلحة الإسلامية ذلك كترغيبه في الإسلام وإيناسه بذلك ليقبل الدعوة ويصغي لها\" (^١).\nوقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"لا يجوز أن يبدأ غير المسلمين بالسلام؛ لأن النبي - ﷺ - نهى عن ذلك، ولأن في هذا إذلالًا للمسلم حيث يبدأ بتعظيم غير المسلم، والمسلم أعلى مرتبة عند الله ﷿، فلا ينبغي أن يذل نفسه في هذا، أما إذا سلَّموا علينا فإننا نرد عليهم مثل ما سلموا.\nوكذلك أيضًا لا يجوز أن نبدأهم بالتحية مثل أهلًا وسهلًا ومرحبًا وما أشبه ذلك لما في ذلك من تعظيمهم فهو كابتداء السلام عليهم\" (^٢).\nوسُئل ﵀ عن الكافر إذا سلَّم على المسلم فهل يرد عليه؟ فأجاب بقوله: \"إذا سلم الكافر على المسلم سلامًا بيِّنًا واضحًا فقال: السلام عليكم. فإنك تقول: عليك السلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦].\nأما إذا لم يكن بيِّنًا واضحًا فإنك تقول: وعليك. وكذلك لو كان سلامه واضحًا يقول فيه: السام عليكم، يعني الموت فإنه يقال: وعليك.\nفالأقسام ثلاثة:\nالأول: أن يقول بلفظ صريح \"السام عليكم\" فيجاب: \"وعليكم\".\nالثاني: أن نشك هل قال: \"السام\" أو قال: \"السلام\"، فيجاب: \"وعليكم\".\nالثالث: أن يقول بلفظ صريح \"السلام عليكم\". فيجاب: \"عليكم السلام\"\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن باز ص ١٠٤٢.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٣/ ٣٤، ٣٥.","vol":"3","page":284},{"text":"لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾.\nقال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: \"فلو تحقق السامع أن الذي قال له: سلام عليكم لا شك فيه، فهل له أن يقول: وعليك السلام، أو يقتصر على قوله: وعليك؟ فالذي تقتضيه الأدلة وقواعد الشريعة أن يقال له: وعليك السلام. فإن هذا من باب العدل، والله تعالى يأمر بالعدل والإحسان، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ فندب إلى الفضل، وأوجب العدل، ولا ينافي هذا شيئًا من أحاديث الباب بوجه ما، فإنه - ﷺ - إنما أمر بالاقتصار على قول الراد \"وعليكم\" على السبب المذكور الذي كانوا يعتمدونه في تحيتهم\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1045>٦ - معرفة أهل الكتاب:</span>\nقال الشيخ ابن باز ﵀: \"أهل الكتاب هم اليهود والنصارى، كما نص على ذلك علماء التفسير وغيرهم، أما المجوس فليسوا من أهل الكتاب عند الإطلاق ولكنهم يعاملون معاملتهم في أخذ الجزية منهم؛ لأن الرسول - ﷺ - أخذها منهم، أما نساؤهم وذبائحهم فحرام على المسلمين عند الأئمة الأربعة وغيرهم وهو كالإجماع من أهل العلم، وفي حِلِّهما قول شاذ لا يُعوَّل عليه عند أهل العلم، وممن نص على ما ذكرنا من العلماء أبو محمد بن قدامة ﵀ في كتابه \"المغني\" قال ما نصه:\nفصل: وأهل الكتاب الذين هذا حكمهم هم أهل التوراة والإنجيل، قال الله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام:١٥٦] فأهل التوراة اليهود والسامرة، وأهل الإنجيل النصارى ومن وافقهم في أصل دينهم من الإفرنج والأرمن وغيرهم\" (^٢).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٣/ ٣٧، ٣٨.\n(^٢) مجموع فتاوى ابن باز ص ٥١١.","vol":"3","page":285},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1046>٢٣٠ - كفر الإباء والاستكبار</span>*\nقال الرازي: \"الإباء: الامتناع\" (^١).\nوقال الراغب: \"الإباء: شدة الامتناع، فكل إباء امتناع وليس كل امتناع إباء.\nقوله تعالى: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة:٣٢]. وقال: ﴿وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ﴾، وقوله: ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَر﴾. وقوله: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى﴾ (^٢). فمن أبى أن يعبد الله فهو مستكبر، ومن عبده وعبد معه غيره فهو مشرك، ومن عبده وحده بغير ما شرع فهو مبتدع ومن عبده وحده بما شرع فهو المؤمن الموحد.\nوالإباء يقابله الانقياد والقبول قال الشيخ عبد الرحمن البراك: \"وأما الانقياد: فإنه يتضمن الاستجابة والمحبة والرضا والقبول، وضد ذلك الإباء والاستكبار والكراهة لما جاء به الرسول - ﷺ -\" (^٣).\nومن الأمثلة على ذلك كفر إبليس فإن كفره من جهة الإباء والاستكبار كما أخبر الله عنه في أكثر من موضع قال شيخ الإسلام: \"وكفر إبليس وفرعون واليهود ونحوهم لم يكن أصله من جهة عدم التصديق والعلم، فإن إبليس لم يخبره أحد بخبر، بل أمره الله بالسجود لآدم فأبى واستكبر، وكان من الكافرين، فكفره بإلإباء\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ٤/ ٢٢٦. مجموع الفتاوى ٢٠/ ٩٧، ٢٨/ ٥٠٢. والعبودية ص ١١٠. كتاب الصلاة لابن القيم ص ٥٤. مدارج السالكين ١/ ٣٣٧، معارج القبول ٢/ ٢٢، ٢٣. النواقض لعبد العزيز آل عبد اللطيف.\n(^١) مختار الصحاح (أ ب ا).\n(^٢) المفردات للراغب (أ ب ا).\n(^٣) جواب في الإيمان ونواقضه، ص ١٥.","vol":"3","page":286},{"text":"والاستكبار وما يتبع ذلك، لا لأجل تكذيب، وكذلك فرعون قومه جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوًّا ... \" (^١).\nوقال ابن القيّم ﵀: \"وأما كفر الإباء والاستكبار: فنحو كفر إبليس، فإنه لم يجحد أمر الله ولا قابله بالإنكار، إنما تلقاه بالإباء والاستكبار، ومن هذا كفر من عرف صدق الرسول، وأنه جاء بالحق من عند الله، ولم ينقد له إباءًا واستكبارًا، وهو الغالب على كفر أعداء الرسل ... \" (^٢).\nوقال شيخ الإسلام: \"ولو أنهم هدوا لما هدي إليه السلف الصالح لعلموا أن الإيمان قول وعمل أعني في الأصل قولا في القلب وعملا في القلب فإن الإيمان بحسب كلام الله ورسالته، وكلام الله ورسالته يتضمن أخباره وأوامره فيصدق القلب أخباره تصديقا يوجب حالا في القلب بحسب المصدق به والتصديق هو من نوع العلم والقول وينقاد لأمره ويستسلم وهذا الانقياد والاستسلام هو نوع من الإرادة والعمل ولا يكون مؤمنًا إلا بمجموع الأمرين فمتى ترك الانقياد كان مستكبرًا فصار من الكافرين وإن كان مصدقًا، فالكفر أعم من التكذيب يكون تكذيبًا وجهلًا ويكون استكبارًا وظلمًا، ولهذا لم يوصف إبليس إلا بالكفر والاستكبار دون التكذيب، ولهذا كان كفر من يعلم مثل اليهود ونحوهم من جنس كفر إبليس وكان كفر من يجهل مثل النصارى ونحوهم ضلالًا وهو الجهل ألا ترى أن نفرًا من اليهود جاؤوا إلى النبي وسألوه عن أشياء فأخبرهم فقالوا نشهد أنك نبي ولم يتبعوه، وكذلك هرقل وغيره فلم ينفعهم هذا العلم ... \" (^٣).\n_________\n(^١) الإيمان الأوسط ص ٧٦، وانظر: الفتاوى ٢٠/ ٩٧، والعبودية ص ١١٠.\n(^٢) مدارج السالكين ١/ ٣٦٦.\n(^٣) الصارم المسلول ٣/ ٩٦٧.","vol":"3","page":287},{"text":"وقال الشيخ حافظ حكمي ﵀ \" ... وإن انتفى عمل القلب، وعمل الجوارح مع المعرفة بالقلب والاعتراف باللسان فكفر عناد واستكبار، ككفر إبليس، وكفر غالب اليهود الذين شهدوا أن الرسول حق ولم يتبعوه أمثال حُيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف وغيرهم، وكفر من ترك الصلاة عنادًا واستكبارًا، ومحال أن ينتفي انقياد الجوارح بالأعمال الظاهرة مع ثبوت عمل القلب\" (^١).\nوقال الشيخ عبد الرحمن البراك حفظه الله: \"من كفر الإباء والاستكبار الامتناع عن متابعة الرسول - ﷺ - والاستجابة لما يدعو إليه ولو مع التصديق بالقلب واللسان، وذلك ككفر أبي طالب، وكفر من أظهر الاعتراف بنبوة النبي - ﷺ - من اليهود وغيرهم\" (^٢).\nفالإيمان هو التصديق المستلزم للطاعة والانقياد ليس مجرد التصديق كما زعمت المرجئة (^٣).\nقال إسحاق بن راهويه: \"وقد أجمع العلماء على أن من دفع شيئًا أنزله الله .. وهو مع ذلك مقر بما أنزل الله أنه كافر\" (^٤).\nوقال الجصاص في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء. ٦٥] (وفي هذه الآية دلالة على أن من ردّ شيئًا من أوامر الله تعالى، أو أوامر رسوله - ﷺ - فهو خارج من الإسلام، سواءً ردّه من جهة الشك فيه، أو من جهة ترك القبول والامتناع من التسليم وذلك يوجب صحة ما ذهب إليه الصحابة في\n_________\n(^١) معارج القبول ٢/ ٢٢، ٢٣.\n(^٢) أجوبة في الإيمان ونواقضه ص ١٦.\n(^٣) انظر: كتاب الصلاة لابن القيم ٥٤.\n(^٤) التمهيد لابن عبد البر ٤/ ٢٢٦ باختصار.","vol":"3","page":288},{"text":"حكمهم بارتداد من امتنع من أداء الزكاة، وقتلهم وسبي ذراريهم، لأن الله تعالى حكم بأن من لم يسلم للنبي - ﷺ - قضاءه وحكمه، فليس من أهل الإيمان (^١).\nويقول ابن تيمية: \"إن العبد إذا فعل الذنب مع اعتقاد أن الله حرّمه عليه، واعتقاد انقياده لله فيما حرمه وأوجبه، فهذا ليس بكافر، فأما إن اعتقد أن الله لم يحرّمه، أو أنه حرّمه، لكن امتنع من قبول هذا التحريم، وأبى أن يذعن لله وينقاد، فهو إما جاحد أو معاند، ولهذا قالوا: من عصى الله مستكبرًا كإبليس كفر بالاتفاق، ومن عصى مشتهيًا لم يكفر عند أهل السنة والجماعة، وإنما يكفره الخوارج، فإن العاصي المستكبر وإن كان مصدقًا بأن الله ربه، فإن معاندته له ومحادته تنافي هذا التصديق، وبيان هذا أن من فعل المحارم مستحلًا فهو كافر بالاتفاق، فإنه ما آمن بالقرآن من استحل محارمه، وكذلك لو استحلها من غير فعل، والاستحلال اعتقاد أنها حلال له وذلك يكون تارة باعتقاد أن الله أحلها، وتارة باعتقاد أن الله لم يحرمها، وتارة بعدم اعتقاد أن الله حرمها، وهذا يكون لخلل في الإيمان بالربيوبية، ولخلل في الإيمان بالرسالة، ويكون جحدًا محضًا غير مبني على مقدمة، وتارة يعلم أن الله حرمها، ويعلم أن الرسول إنما حرم ما حرمه الله، ثم يمتنع عن التزام هذا التحريم، ويعاند المحرم، فهذا أشد كفرًا ممن قبله، وقد يكون هذا مع علمه أن من لم يلتزم هذا التحريم عاقبه الله وعذبه، ثم إن هذا الامتناع والإباء، إما لخلل في اعتقاد حكمة الآمر وقدرته، فيعود هذا إلى عدم التصديق بصفة من صفاته، وقد يكون مع العلم بجميع ما يصدق به تمردًا أو اتباعًا لغرض النفس، وحقيقته كفر، هذا لأنه يعترف لله ورسوله بكل ما أخبر به، ويصدق بكل ما يصدق به المؤمنون، لكنه يكره ذلك ويبغضه ويسخطه لعدم\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص ٢/ ٢١٣، ٢١٤.","vol":"3","page":289},{"text":"موافقته لمراده ومشتهاه، ويقول: أنا لا أقرّ بذلك، ولا ألتزمه وأبغض هذا الحق وأنفر منه، فهذا نوع غير النوع الأول، وتكفير هذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، والقرآن مملوء من تكفير مثل هذا النوع\" (^١).\nقال النسفي ﵀ في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب.٣٦]: \"فإن كان العصيان عصيان ردّ وامتناع عن القبول فهو ضلال كفر، وإن كان عصيان فعل مع قبول الأمر واعتقاد الوجوب فهو ضلال خطأ وفسق\" (^٢).\n_________\n(^١) الصارم المسلول ص ٥٢١، ٥٢٢، وانظر: مجموع الفتاوى ٢٠/ ٩٧.\n(^٢) تفسير النسفي ٣/ ٤٦٨ عند تفسيره آخر الآية ٣٦ من سورة الأحزاب.","vol":"3","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1047>٢٣١ - كفر الاستحلال</span>*\nالتعريف: قال شيخ الإسلام: \"والاستحلال اعتقاد أنها حلال وذلك يكون تارة باعتقاد أن الله أحلها، وتارة اعتقاد أن الله لم يحرمها وتارة بعدم اعتقاد أن الله حرمها وهذا يكون لخلل في الإيمان بالربوبية ولخلل في الإيمان بالرسالة\" (^١).\nوهذا الاستحلال مضبوط بضابط وهو أن يكون المحرم مجمعا على تحريمه، لم يخالف فيه أحد من الأمة، والإجماع أن يجتمع علماء المسلمين في عصر من العصور على حكم من الأحكام (^٢).\nأما إذا كانت المسألة مما فيها خلاف بين الأمة فمن ذهب إلى أحد القولين ولو كان قولًا شاذًا مستحلًا للعمل به، فإنه لا يكون كافرا بذلك، لأنه لم يستحل مجمعا عليه، ولذلك يُعَبِّر عنه بعض العلماء بقولهم: \"من استحل معلوما من الدين بالضرورة\". وقولُهم: معلومًا من الدين بالضرورة يعنون به: لا يحتاج الناس في إثباته إلى برهان مثل وجوب الصلاة وحرمة الخمر والزنا والقتل.\nفمن استحل مجمعًا عليه معلومًا من الدين بالضرورة صار كافرًا، ويشترط أن يكون الإجماع معلومًا.\n_________\n* المغني ٨/ ١٣١. روضة الطالبين ٥/ ٦٤، ومسلم بشرح النووي ١/ ١٥٠، ٦/ ١٤. مجموع الفتاوى ٣/ ٢٦٧، ٧/ ٣٨، ١٩/ ٢٧٠. الصارم المسلول ٣/ ٩٧١. شرح الطحاوية ٣٥٥. شرح الفقه الأكبر ص ٥٨. الضياء الشارق ص ٣٤٩. التوضيح عن توحيد الخلاق ص ١٣٥، ١٥٠. معارج القبول ٢/ ٥٩٣. مجلة البحوث العدد الأول ص ٦٧. المنهاج ١/ ٥٩. الدواء العاجل للشوكاني ص ٣٤. الروض المربع ٣/ ٣٣٩. ضوابط التكفير القرني ص ٢١٩. منهج ابن تيمية في مسألة التكفير ١/ ٨٥. الحكم بغير ما أنزل الله د. المحمود ص ١٦٠، ١٧٤.\n(^١) الصارم المسلول ٣/ ٩٧١.\n(^٢) انظر مجموع الفتاوى ٢٠/ ١٠.","vol":"3","page":291},{"text":"قال ابن تيمية ﵀: \"والتحقيق أن الإجماع المعلوم يكفر مخالفه كما يكفر مخالف النص بتركه، لكن هذا لا يكون إلا فيما علم ثبوت النص به. وأما العلم بثبوت الإجماع في مسألة لا نص فيها فهذا لا يقع، وأما غير المعلوم فيمتنع تكفيره، وحينئذ فالإجماع مع النص دليلان كالكتاب والسنة\" (^١).\nوقال الشيخ ابن باز ﵀: \"وقد أجمع علماء الإسلام على كفر من استحل ما حرم الله، أو حرم ما أحله الله مما هو معلوم من الدين بالضرورة\" (^٢).\nفمن ضوابط الاستحلال أن يكون مما قامت عليه الأدلة من الكتاب والسنة وشاعت، ليست خفية ما يعلمها إلا بعض الناس، فلا تكفير باستحلال عمل لا يعلم حكمه إلا طائفة من أهل العلم، بل الاستحلال مقيد بما أُجمع عليه، بما هو معلوم من الدين بالضرورة فمثلًا: العلماء لم يكفروا طائفة من الفقهاء ممن يبيحون النبيذ الذي يسكر كثيره مع أن فيه أدلة كثيرة، وهذا النبيذ الذي يبيحه طائفة من أهل الرأي يستحلونه ويشربونه ويعتقدونه حلالًا، لم يحكم أحد من أهل السنة على تلك الطائفة من الفقهاء بأنهم كفار، لأنهم استحلوا محرمًا وهو النبيذ، الذي يسكر كثيره وهذا لا تكفير لمستحله لأن فيه قولًا لطائفة من الفقهاء بإباحته ولو كان ضعيفًا؛ إذ لا تكفير إلا في المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة.\nوكذلك الإمام عبد الله بن عباس - ﵄ - يقال: إنه رجع في آخر عمره أنه لا ربا إلا في النسيئة. قال القرطبي ﵀ عن ابن عباس - ﵄ -: \"إنه كان لا يرى الدرهم بدرهمين بأسًا حتى صرفه عن ذلك ابن سعيد\" (^٣).\nفمن رابى ربا الفضل فهذا جائز عند ابن عباس، فمن ذهب إلى هذا الرأي\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٩/ ٢٧٠.\n(^٢) مجموع فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ٣/ ٩٨٤، ٩٨٩.\n(^٣) تفسير القرطبي ص ١١٥٨، وانظر المغني ٦/ ٥٢.","vol":"3","page":292},{"text":"وأجاز ربا الفضل، وقال: أنا أعتقد أن ربا الفضل حلال فلا تكفير في حقه لأنه لا يريد الربا المجمع على تحريمه، بل ولا يجوز تأثيمهم بأنهم تبلغيهم لعنة آكل الربا، يقول شيخ الإسلام ﵀: \"ثم إن الذين بلغهم قول النبي - ﷺ -: \"إنما الربا في النسيئة\" فاستحلوا بيع الصاعين بالصاع يدًا بيد: مثل ابن عباس - ﵄ - وأصحابه أبي الشعثاء وعطاء وطاوس وسعيد بن جبير وعكرمة وغيرهم من أعيان المكيين الذين هم من صفوة الأمة علمًا وعملًا، لا يحل لمسلم أن يعتقد أن أحدًا منهم بعينه أو من قلده بحيث يجوز تقليده: تبلغهم لعنة آكل الربا؛ لأنه فعلوا ذلك متأولين تأويلًا سائغًا في الجملة\" (^١).\nفهناك معاصي يكون منها ما هو مجمع على تحريمها، وبعض صورها غير مجمع على تحريمها، كبعض صور الربا والخمر فليس كل أحوالها مجمع على تحريمها.\nقال الإمام الشافعي ﵀: \"ذهب الناس من تأويل القرآن الأحاديث أو من ذهب منهم إلى أمور اختلفوا فيها فتباينوا فيها تباينًا شديدًا، واستحل فيها بعضهم من بعض ما تطول حكايته، وكان ذلك منهم متقادمًا، منه ما كان في عهد السلف وبعدهم إلى اليوم فلم نعلم أن أحدًا من سلف هذه الأمة يقتدى به ولا من التابعين بعدهم رد شهادة أحدٍ بتأويل وإن خطّأه وضلّله ورآه استحل فيه ما حرم عليه، ولا رد شهادة أحدٍ بشيءٍ من التأويل كان له وجهٌ يحتمله، وإن بلغ فيه استحلال الدم والمال أو المفرط من القول، وذلك أنا وجدنا الدماء أعظم ما يعصى تعالى بها بعد الشرك، ووجدنا متأولين يستحلونها بوجوه، وقد رغب نظراؤهم عنها وخالفوهم فيها، ولم يردوا شهادتهم بما رأوا من خلافهم فكل مستحلٍّ بتأويل من\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢٠/ ٢٦٣.","vol":"3","page":293},{"text":"قول أو غيره فشهادته ماضيةٌ لا تردُّ من خطأ تأويله، وذلك أنه قد يستحل من خالفه الخطأ إلا أن يكون منهم من يعرف باستحلال الشهادة بالزور.\nوالمستحل لنكاح المتعة والمفتي بها، والعامل بها ممن لا ترد شهادته وكذلك لو كان موسرًا فنكح أَمَةً مستحلًا لنكاحها مسلمة أو مشركة لأنا نجد من مفتي الناس وأعلامهم من يستحل هذا، وهكذا المستحل للدينار بالدينارين، والدرهم بالدرهمين يدًا بيد، والعامل به، لأنا نجد من أعلام الناس من يفتي به ويعمل به ويرويه وكذا المستحل لإتيان النساء في أدبارهن، فهذا كله عندنا مكروه محرم، وإن خالفنا الناس فيها فرَغبنا عن قولهم ولم يَدْعُنا هذا إلى أن نجرحهم ونقول لهم: إنكم حللتم ما حرم الله وأخطأتم؛ لأنهم يدَّعون علينا الخطأ كما ندعيه عليهم وينسبون من قال قولنا إلى أنه حَرَّم ما أحل الله ﷿\" (^١).\nفالتحليل والتحريم من اختصاص الله تعالى لا يكون لأحد سواه وليس المراد هنا المسائل الاجتهادية التي يخطئ فيها العالم ويصيب ولكن المراد استحلال أمر معلوم تحريمه من الدين بالضرورة.\nوالجحد يعتبر من أنواع الكفر وليس نوعًا مستقلًا بذاته، ومن اشترط الجحد والاستحلال فقد حصر الكفر في نوع واحد بينما أنواع الكفر كثيرة. قال ابن تيمية: \"والكفر لا يختص بالتكذيب\" (^٢)، فكل مستحل أو جاحد كافر وليس كل كافر مستحل أو جاحد وبهذا نعلم أن بعض الأعمال يكفر المكلف بفعلها ولو لم يستحل، مثل إهانة المصحف والسجود لغير الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1048>أقوال للعلماء تتعلق بكفر الاستحلال:</span>\nقال ابن قدامة: \"ومن اعتقد حل شيء أجمع على تحريمه، وظهر حكمه بين\n_________\n(^١) الأم ٦/ ٢٠٥ - ٢٠٦.\n(^٢) ٧/ ٢٩٢.","vol":"3","page":294},{"text":"المسلمين، وزالت الشبهة فيه للنصوص الواردة فيه، كأكل لحم الخنزير، وإباحة الزنا، وأشباه هذا مما لا خلاف فيه كفر لما ذكرنا في تارك الصلاة، وإن استحل قتل المعصومين وأخذ أموالهم بغير شبهة ولا تأويل فكذلك ... \" (^١).\nقال أحمد: \"من قال: الخمر حلال، فهو كافر، يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه\".\nوقال ابن قدامة: \"وهذا محمول على من لا يخفى على مثله تحريمه\" (^٢).\nقال أبو يعلى: \"ومن اعتقد تحليل ما حرم الله بالنص الصريح أو من رسوله، أو أجمع المسلمون على تحريمه فهو كافر، كمن أباح شرب الخمر ومنع الصلاة والصيام والزكاة، وكذلك من اعتقد تحريم شيء حلله الله وأباحه بالنص الصريح، أو أباحه رسوله أو المسلمون مع العلم بذلك، فهو كافر كمن حرم النكاح والبيع والشراء على الوجه الذي أباحه الله ﷿، والوجه فيه أن في ذلك تكذيبًا لله تعالى ولرسوله في خبره، وتكذيبًا للمسلمين في خبرهم، ومن فعل ذلك فهو كافر بإجماع المسلمين\" (^٣).\nوقد بين شيخ الإسلام في منهاج السنة أن استحلال قتل لمسلم المعصوم كفر (^٤).\nوقال في موضع آخر: \"وأما إذا قتله قتلا محرما؛ لعداوة أو مال، أو خصومة، ونحو ذلك، فهذا من الكبائر، ولا يكفر بمجرد ذلك عند أهل السنة والجماعة\" (^٥).\n_________\n(^١) المغني ٩/ ٢١.\n(^٢) المغني ٩/ ٢٢.\n(^٣) المعتمد في أصول الدين ٢٧١، ٢٧٢.\n(^٤) انظر منهاج السنة ٤/ ٥٠٥.\n(^٥) انظر مجموع الفتاوى ٣٤/ ١٣٧، وانظر منهج ابن تيمية في مسألة التكفير ص ١٥٢.","vol":"3","page":295},{"text":"وقال في الفتاوى: \"والإنسان متى حلل الحرام - المجمع عليه - أو حرم الحلال - المجمع عليه - أو بدل الشرع - المجمع عليه - كان كافرا مرتدا. باتفاق الفقهاء\" (^١).\nونقل الإمام البغوي ﵀ الإجماع على عدم تكفير فاعل الكبائر إذا لم يستحل (^٢).\nوقال القاضي عياض ﵀: \" ... وكذلك أجمع المسلمون على تكفير كل من استحل القتل أو شرب الخمر أو الزنا مما حرم الله بعد علمه بتحريمه، كأصحاب الإباحة من القرامطة وبعض غلاة المتصوفة\" (^٣).\nوقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \" .. وأما استحلال المحرمات المجمع على حرمتها أو بالعكس فهو كفر اعتقادي لأنه لا يجحد تحليل ما أحل الله ورسوله أو تحريم ما حرم الله ورسوله إلا معاند للإسلام ... \" (^٤).\nولما ذكر الشيخ ابن باز ﵀ الناقض الرابع من نواقض الإسلام التي ذكرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب وهو \"من اعتقد أن هدي غير النبي - ﷺ - أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذين يفضلون حكم الطواغيت على حكمه فهو كافر\" (^٥) قال: \"ويدخل في ذلك أيضًا كل من اعتقد أنه يجوز الحكم بغير شريعة الله في المعاملات أو الحدود أو غيرهما، وإن لم يعتقد أن ذلك أفضل من حكم الشريعة؛ لأنه بذلك يكون قد استباح ما حرمه الله إجماعًا، وكل من استباح ما حرم الله مما هو معلوم من الدين بالضرورة، كالزنا والخمر والربا\n_________\n(^١) الفتاوى ٣/ ٢٦٧.\n(^٢) شرح السنة ١/ ١٠٣.\n(^٣) الشفا ٢/ ١٠٧٣.\n(^٤) توحيد الخلاق ٩٨، وانظر معارج القبول ٢/ ٣٥٧.\n(^٥) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة ١/ ١٣١.","vol":"3","page":296},{"text":"والحكم بغير شريعة الله فهو كافر بإجماع المسلمين\" (^١).\nفائدة: في قول النبي - ﷺ -: \"ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف\" (^٢).\nحيث رد الحافظ الصنعاني على من قال أن الحديث يدل على أن استحلال المحرم لا يخرج فاعله من مسمى الأمة فقال ﵀: \"ولا يخفى ضعف هذا القول، فإن من استحل محرمًا أي اعتقد حله فإنه قد كذب الرسول - ﷺ - الذي أخبر أنه حرام، فقوله بحله رد لكلامه وتكذيب كفر، فلابد من تأويل الحديث بأنه أراد أنه من الأمة قبل الاستحلال فإذا استحل خرج عن مسمى الأمة ولا يصح أن يراد بالأمة هنا أمة الدعوة لأنهم مستحلون لكل ما حرمه لا لهذا بخصوصه\" (^٣).\nوقال الشيخ ابن بسام ﵀: \"وقوله - ﷺ -: \"من أمتي\" يحتمل أحد أمرين:\n١ - إما أنه سمي من الأمة باعتبار ما سبق قبل استحلاله لهذه الأشياء، وهذا جائز لغةً باعتبار ما كان كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾.\n٢ - وإما أنه من أمة الدعوة فقط، وليس من أمة الإجابة\" (^٤).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة ١/ ١٣٢.\n(^٢) أخرجه البخاري تعليقًا (٥٥٩٠). وقال ابن حجر: والحديث صحيح معروف الاتصال بشرط الصحيح. انظر الفتح ١٠/ ٥٢. وأخرجه أبو داود في السنن (٤٠٣٩).\n(^٣) سبل السلام ٢/ ١٧١، ١٧٢.\n(^٤) توضيح الأحكام ٢/ ٤٤٦.","vol":"3","page":297},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1049>٢٣٢ - الكفر الأصغر</span>*\nالكفر الأصغر: وهو ما جاء في النصوص تسميته كفرًا ولا يصل إلى حد الكفر الأكبر فلا مناقضة فيه لأصل الإيمان، ولا يخرج من الملة، ولا يوجب الخلود في النار ولكن صاحبه على خطر عظيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1050>الأدلة من السنة:</span>\nعَنْ زُبَيْدٍ قَالَ سَألتُ أَبَا وَائِلٍ عَنْ الْمُرْجِئَةِ فَقَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الله أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قَالَ: \"سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْر\" (^١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما\" (^٢).\nوعنه - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"مَن أتى حائضًا أو امرأة في دُبُرها أو كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل الله على محمد - ﷺ - \" (^٣).\nوعنه - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت\" (^٤).\nوقوله - ﷺ -: \"لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض\" (^٥).\n_________\n* تقدم ذكر المراجع في باب (الكفر) وللاستزادة انظر: مباحث العقيدة في سورة الزمر ص ٣٨٧. الجهل بمسائل الاعتقاد من ص ١١٨ إلى ١٢٥.\n(^١) أخرجه البخاري (٤٨) (٦٠٤٤) (٧٠٧٦)، ومسلم (٦٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦١٠٣). مسلم (٦٠).\n(^٣) مسند الإمام أحمد (١٠١٧٠) (٩٢٧٩).\n(^٤) أخرجه مسلم (٦٧).\n(^٥) أخرجه البخاري (١٢١)، (٧٠٨٠)، ومسلم (٦٥). وانظر كلام الشيخ ابن باز في مجلة الدعوة العدد (١٥١١) تاريخ ١٢/ ٥/ ١٤١٦ هـ.","vol":"3","page":298},{"text":"وقال ابن القيم: \"الكفر الأصغر: موجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود. كما في قوله تعالى - وكان مما يتلى فنسخ لفظه - \"لا ترغبوا عن آبائكم. فإنه كفر بكم\"، وقوله - ﷺ - في الحديث: \"اثنتان في أمتي، هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة\"، وقوله في السنن: \"من أتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد\"، وفي الحديث الآخر: \"من أتى كاهنًا أو عرافًا، فصدقه بما يقول؛ فقد كفر بما أنزل الله على محمد\" (^١)، وقوله: \"لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض\" وهذا تأويل ابن عباس وعامة الصحابة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة.٤٤]. قال ابن عباس: \"ليس بكفر ينقل عن الملة. بل إذا فعله فهو به كفر. وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر\" وكذلك قال طاووس. وقال عطاء: \"هو كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق\" (^٢).\n_________\n(^١) مسند الإمام أحمد (١٠١٧٠) (٩٢٧٩).\n(^٢) مدارج السالكين ١/ ٣٦٤، ٣٦٥، وانظر مجموع الفتاوى ٧/ ٣٢٧، والصلاة وحكم تاركها لابن القيم ص ٢٧،٢٦.","vol":"3","page":299},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1051>٢٣٣ - كفر الإعراض</span>\nقال المناوي: \"الإعراض: الإضراب عن الشيء وحقيقته جعل الهمزة للصيرورة أي أخذت عرضًا أي جانبا غير الجانب الذي هو فيه\" (^١).\nوقال في اللسان: \"والإعراض عن الشيء: الصد عنه، والإعراض: الصدود، أعرض عنه: صدَّ وولَّى\" (^٢).\nوقال الراغب: \"وإذا قيل: أعرض عنِّي فمعناه: ولَّى مبديًا عرضه\" (^٣).\nقال ابن القيم ﵀: \"الأصل الثاني: أن العذاب يستحق بسببين:\nأحدهما: الإعراض عن الحجة وعدم إرادتها والعمل بها وبموجبها.\nالثاني: العناد لها بعد قيامها، وترك إرادة موجبها.\nفالأول كفر إعراض، والثاني كفر عناد وأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها فهذا الذي نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم حجة الرسل\" (^٤).\n* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [لأحقاف: ٣].\n_________\n(^١) التعاريف للمناوي ٢/ ٧٦.\n(^٢) لسان العرب (ع ر ض).\n(^٣) المفردات (ع ر ض).\n(^٤) طريق الهجرتين ص ٤١٢.","vol":"3","page":300},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1052>٢٣٤ - الكفر الأكبر </span>(^١)\nالكفر الأكبر: وهو ما يناقض أصل الإيمان وحقيقته.\nقال ابن القيم: \"الكفر الأكبر: هو الموجب للخلود في النار\" (^٢).\nوفي تهذيب اللغة: \"قال شمر: قال بعض أهل العلم: الكفر على أربعة أنحاء: كفر إنكار، وكفر جحود، وكفر معاندة، وكفر نفاق. ومن لقي ربه بشيء من ذلك لم يغفر له ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1053> أنواع الكفر المخرج من الملة:</span>\nالنوع الأول: كفر التكذيب (^٤)، والدليل قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٦٨)﴾ [العنكبوت ٦٨٠].\nالنوع الثاني: كفر الإباء والاستكبار (^٥) مع التصديق، والدليل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٣٤].\nالنوع الثالث: كفر الشك (^٦)، وهو كفر الظن، والدليل قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ\n_________\n(^١) مباحث العقيدة في سورة الزمر ٣٨٧. الجهل بمسائل الاعتقاد ١٠٩ إلى ١١٨.\n(^٢) مدارج السالكين ١/ ٣٦٦.\n(^٣) تهذيب اللغة ١٠/ ١٩٣.\n(^٤) انظر باب كفر الجحود التكذيب.\n(^٥) انظر باب كفر الإباء والاستكبار.\n(^٦) انظر باب كفر الشك.","vol":"3","page":301},{"text":"جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف:٣٥ - ٣٨].\nالنوع الرابع: كفر الإعراض (^١) والدليل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [لأحقاف: ٣].\nالنوع الخامس: كفر النفاق والدليل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون:٣٠] \" (^٢).\nوهذه الأنواع ذكرها ابن القيم ﵀.\nوهناك قسمان آخران وهما كفر الاستحلال وكفر الجحود، وقد يدخلان فيما سبق ذكره من الأنواع.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1054> الفرق بين الكفر الأكبر والكفر الأصغر:</span>\nالكفر الأكبر: هو تكذيب أو استحلال أو استكبار أو عناد أو إعراض أو نفاق أو شك في شيء مما جاء به نبينا محمد - ﷺ -.\nالكفر الأصغر: كل ما أطلق عليه الكتاب والسنة كفرا ولم يصل إلى حد الكفر الأكبر كإضافة النعم لغير الله والطعن في النسب والنياحة على الميت وإتيان المرأة في الدبر فهذا كله كفر أصغر لا يخرج من الملة، ويقال في الفرق بينهما ما قيل في الفرق بين الشرك الأصغر والأكبر (^٣) حيث يفترقان في حد كل منهما وتعريفه،\n_________\n(^١) انظر باب كفر الإعراض.\n(^٢) مدارج السالكين ١/ ٣٣٧ - ٣٣٨.\n(^٣) انظر باب الشرك الأصغر.","vol":"3","page":302},{"text":"وكذلك الكفر الأكبر محكوم على صاحبه بالخروج من الإسلام والخلود في النار وتحريمه دخول الجنة، أما الكفر الأصغر فيجتمع مع الإيمان ولا يناقضه ولا يوجب الخلود في النار ولا يحكم عليه بتحريم دخول الجنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1055>٢٣٥ - كفر الإنكار</span>\nانظر باب (كفر الجحود والتكذيب).","vol":"3","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1056>٢٣٦ - كفر الجحود والتكذيب </span>*\nالجحد في اللغة: الإنكار مع العلم (^١).\nوقال العلامة الفيومي: \"جحده حقَّه وبحقِّه جحدًا وجحودًا: أنكره ولا يكون إلا على علم من الجاحد به\" (^٢).\nوقال ابن القيم: \"الجحود: إنكار الحق بعد معرفته وهذا كثير في القرآن فهو إنكار مع العلم، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣٠] \" (^٣).\nقال الراغب: \"الجحود: نفي ما في القلب إثباته وإثبات ما في القلب نفيه\" (^٤).\nوالجحود يراد به التكذيب المنافي للتصديق، كما يراد به الامتناع والإباء المنافي للانقياد (^٥).\nوقال شيخ الإسلام: \"ومن أطلق من الفقهاء أنه لا يكفر إلا من يجحد وجوبها أي الصلاة فيكون الجحد عنده متناولا للتكذيب بالإيجاب ومتناولا للإمتناع عن الإقرار والالتزام\" (^٦).\n_________\n* الشفاء ٢/ ١٠٧٣. مجموع الفتاوى ١١/ ٤٠٥، بيان تلبيس الجهمية ١/ ٣٢٤.الصارم المسلول ص ٥٢٤. مدارج السالكين ١/ ٣٦٧.الدرر السنية ١/ ٦٨، ٤٨٠، ١١/ ١٨٣. الحكم بغير ما أنزل الله لعبد الرزاق عفيفي ص ٥١.القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ٢٩١ ومن المجموع ١٠/ ٧٦٥.\n(^١) مختار الصحاح (ج ح د).\n(^٢) المصباح المنير (ج ح د).\n(^٣) شفاء العليل ١٧٢.\n(^٤) المفردات (ج ح د).\n(^٥) انظر الفتاوى لابن تيمية ٢٠/ ٩٨، وكتاب الصلاة لابن القيم ص ٤٤.\n(^٦) مجموع الفتاوى ٢٠/ ٩٨.","vol":"3","page":304},{"text":"فالجحود أن يكذب وينكر بلسانه أن هذا حكم الله أو أنه من عنده ﷾ مع تصديق قلبه بذلك.\nقال الراغب: \"وأعظم الكفر جُحود الوحدانية أو الشريعة أو النبوة\" (^١).\nقال الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد. ٣٠].\nوسبب نزول الآية: أنه حين كتب \"بسم الله الرحمن الرحيم\" في صلح الحديبية، قالوا: أما الرحمن فلا نعرفه ولا ندري ما الرحمن، ولا نكتب إلا باسمك اللهم. فقال أصحابه: دعنا نقاتلهم. فقال: لا، ولكن اكتبوا كما يريدون (^٢).\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"وقيل قالوا ذلك حينما سمعوا الرسول - ﷺ - يدعو في سجوده ويقول \"يا رحمن يا رحيم\" فقالوا: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ أي يجحدون هذا الاسم لأنهم يجحدون الله فإنهم يقرون به كمال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف.٨٧]. والمراد بهذا كفار قريش أو طائفة منهم فإنهم جحدوا هذا الاسم عنادًا وجهلًا، وأما كثير من أهل الجاهلية فيقرون بهذا الاسم كما قال بعضهم:\nوما يشأ الرحمن يعقد ويطلق\nقال ابن كثير: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ أي: لا يقرون به، لأنهم يأبون من وصف الله بالرحمن الرحيم\" (^٣).\nقال ابن القيم: \"وكفر الحجود نوعان: كفر مطلق عام، وكفر مقيد خاص.\n_________\n(^١) المفردات (ج ح د).\n(^٢) فتح القدير ٣/ ١١٩.\n(^٣) تيسير العزيز الحميد ٥٨١.","vol":"3","page":305},{"text":"فالمطلق: أن يجحد جملة ما أنزله الله، وإرساله الرسول.\nوالخاص المقيد: أن يجحد فرضًا من فروض الإسلام أو تحريم محرم من محرماته ... \" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1057> تعريف التكذيب:</span>\nالكذب ضد الصدق، قال الرازي: \"وكذَّبه: أخبر أنه كاذب\" (^٢).\nوقد استعملت العرب الكذبَ في موضع الخطأ، قال ابن الأثير: \"ومنه حديث صلاة الوتر \"كذب أبو محمد\" (^٣) أي أخطأ، سماه كذبًا؛ لأنه يشبهه في كونه ضد الصواب، كما أن الكذب ضد الصدق وإن افترقا من حيث النية والقصد؛ لأن الكاذب يعلم أن ما يقوله كذب، والمخطئ لا يعلم، وهذا الرجل ليس بمُخْبِر، وإنما قاله باجتهاده أدَّاه إلى أن الوتر واجب، والاجتهاد لا يدخله الكذب، وإنما يدخله الخطأ\" (^٤).\nوقال الشيخ عبد الرحمن البراك: \"فأما التصديق: فضده التكذيب والشرك والإعراض\" (^٥).\nوفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] قال مجد الدين الفيروزآبادي: \"كذَّبهم في اعتقادهم لا في مقالهم، فمقالهم كان صدقًا\" (^٦).\nقال الراغب: \"إذا قال الكافر من غير اعتقال: محمدٌ رسول الله، فإن هذا يصح\n_________\n(^١) مدارج السالكين ١/ ٣٦٧.\n(^٢) مختار الصحاح (ك ذ ب).\n(^٣) أخرجه أبو داود (١٤٢٠).\n(^٤) النهاية (ك ذ ب) ص ٢١١.\n(^٥) جواب في الإيمان ونواقضه ص ١٤.\n(^٦) بصائر ذوي التمييز ٤/ ٣٣٩.","vol":"3","page":306},{"text":"أن يقال: صِدقٌ، لكون المُخْبَر عنه كذلك، ويصح أن يقال: كَذِبٌ لمخالفة قوله ضميرَه، وبالوجه الثاني إكذابُ الله تعالى المنافقين حيث قالوا: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١] \" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1058> أقوال السلف:</span>\nقال ابن بطة: \"وكذلك وجوب الإيمان والتصديق بجميع ما جاءت به الرسل، من عند الله وبجميع ما قال الله ﷿، فهو حق لازم، فلو أن رجلًا آمن بجميع ما جاءت به الرسل إلا شيئًا واحدًا كان برد ذلك الشيء كافرًا عند جميع العلماء\" (^٢).\nوقال: \"فمن كذب بآية أو بحرف من القرآن أو رد شيئًا مما جاء به الرسول - ﷺ - فهو كافر\" (^٣).\nوقال أيضًا: \"فكل من ترك شيئًا من الفرائض التي فرضها الله ﷿ في كتابه أو أكدها رسول الله - ﷺ - في سننه على سبيل الجحود لها والتكذيب بها فهو كافر بيّن الكفر لا يشك في ذلك عاقل يؤمن بالله واليوم الآخر\" (^٤).\nويقول القاضي عياض ﵀: \"وكذلك نقطع بتكفير كل من كذب وأنكر قاعدة من قواعد الشرع وما عرف يقينا بالنقل المتواتر من فعل الرسول ووقع الإجماع المتصل عليه كمن أنكر وجوب الصلوات الخمس أو عدد ركعاتها وسجداتها\" (^٥).\nوقال أيضًا: \"وكذلك من أنكر القرآن، أو حرفًا منه، أو غير شيئًا منه، أو زاد\n_________\n(^١) المفردات (ص د ق).\n(^٢) الشرح والإبانة ص ٢١١.\n(^٣) الشرح والإبانة لابن بطة ص ٢٠١.\n(^٤) الإبانة ٢/ ٧٦٤.\n(^٥) الشفا ٢/ ١٠٧٣.","vol":"3","page":307},{"text":"فيه، ... وكذلك من أنكر شيئا مما نص فيه القرآن بعد علمه أنه من القرآن الذي في أيدي الناس ومصاحف المسلمين، ولم يكن جاهلا به، ولا قريب عهد بالإسلام، ... وكذلك من أنكر الجنة أو النار، أو البعث أو الحساب أو القيامة فهو كافر بإجماع للنص عليه، وإجماع الأمة على صحة نقله متواترا .. \" (^١).\nيقول الإمام ابن تيمية ﵀: \"ومن جحد وجوب بعض الواجبات الظاهرة المتواترة: كالفواحش والظلم والخمر والميسر والزنا وغير ذلك، أو جحد حل بعض المباحات الظاهرة المتواترة: كالخبز واللحم والنكاح فهو كافر مرتد، يستتاب فإن تاب وإلا قتل\" (^٢).\nوقال ابن تيمية: \"والناس لهم فيما يجعلونه كفرا طرق متعددة، فمنهم من يقول الكفر تكذيب ما علم بالاضطرار من دين الرسول، ثم الناس متفاوتون في العلم الضروري بذلك، ومنهم من يقول الكفر هو الجهل بالله تعالى، ثم قد يجعل الجهل بالصفة كالجهل بالموصوف، وقد لا يجعلها، وهم مختلفون في الصفات نفيًا وإثباتًا، ومنهم من لا يحده بحد، بل كل ما تبين له أنه تكذيب لما جاء به الرسول من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر، جعله كفرًا، إلى طرق أخرى.\nولا ريب أن الكفر متعلق بالرسالة، فتكذيب الرسول كفر، وبغضه وسبه وعداوته، مع العلم بصدقه في الباطن كفر عند الصحابة، والتابعين لهم بإحسان وأئمة العلم، إلا الجهم ومن وافقه كالصالحي، والأشعري، وغيرهم\" (^٣).\nويقول ﵀: \"إنما الكفر يكون بتكذيب الرسول - ﷺ - فيما أخبر به، أو الامتناع\n_________\n(^١) الشفاء ٢/ ١٠٧٦، ١٠٧٧.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١١/ ٤٠٥.\n(^٣) منهاج السنة ٥/ ٢٥١.","vol":"3","page":308},{"text":"عن متابعته مع العلم بصدقه، مثل كفر فرعون واليهود ونحوهم (^١).\nقال ابن القيم: \"وكفر الجحود نوعان: كفر مطلق عام، وكفر مقيد خاص.\n- فالمطلق: أن يجحد جملة ما أنزله الله، وإرساله الرسول.\n- والخاص المقيد: أن يجحد فرضًا من فروض الإسلام، أو تحريم محرم من محرماته، أو صفة وصف الله بها نفسه، أو خبرًا أخبر الله به، عمدًا، أو تقديما لقول من خالف عليه لغرض من الأغراض.\nوأما من جحد ذلك جهلا، أو تأويلا يعذر فيه صاحبه: فلا يكفر صاحبه به، كحديث الذي جحد قدرة الله عليه. وأمر أهله أن يحرقوه ويذروه في الريح ومع هذا فقد غفر الله له، ورحمه لجهله. إذ كان ذلك الذي فعله مبلغ علمه ولم يجحد قدرة الله على إعادته عنادًا أو تكذيبًا\" (^٢).\nوقال السيوطي: \"اعلموا - رحمكم الله - أن من أنكر كون حديث النبي - ﷺ - قولًا كان أو فعلًا بشرطه المعروف في الأصول حجة كفر وخرج عن دائرة الإسلام، وحشر مع اليهود والنصارى أو مع من يشاء من فرق الكفرة\" (^٣).\nوقال الملّا علي القاري الحنفي: \"وفي جواهر الفقه، من جحد فرضا مجمعا عليه كالصوم والصلاة والزكاة والغسل من الجنابة كفر، قلت: وفي معناه من أنكر حرمة محرم مجمع عليه كشرب الخمر والزنا وقتل النفس وأكل مال اليتيم والربا\" (^٤).\nوقال الإمام الشوكاني في الدواء العاجل: \"وقد تقرر في القواعد الإسلامية أن منكر القطعيّ أو جاحده، والعامل على خلافه تمردا وعنادا أو استحلالًا أو\n_________\n(^١) درء التعارض ١/ ٢٤٢.\n(^٢) مدارج السالكين ١/ ٣٦٧.\n(^٣) مجموعة الرسائل المنيرية ٤/ ٣٠٢ من رسالة مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة.\n(^٤) شرح الفقه الأكبر ص ١٤٣.","vol":"3","page":309},{"text":"استخفافًا كافر بالله وبالشريعة المطهرة التي اختارها الله تعالى لعباده\" (^١).\nوقال ابن سحمان: \"لا خلاف بين العلماء أن الإنسان إذا صدق الرسول - ﷺ - في شيء وكذبه في شيء لم يدخل الإسلام كمن جحد فريضة أو واجبًا .... \" (^٢).\nوقد ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ضمن أقسام النفاق الأكبر المخرج من الملة فقال: \"أن يظهر كذب الرسول أو جحود بعض ما جاء به أو بغضه\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1059> الفرق بين الجحود والتكذيب:</span>\nالتكذيب يقابله التصديق، أما الجحود فيقابله الإقرار قال في اللسان: \"الجَحْد والجحودُ: نقيض الإقرار كالإنكار والمعرفة\" (^٤).\nفالجحود يكون مع الاستيقان والتصديق ولكنه ينكر بلسانه ويعرف الفرق بينهما بالتأمل في الآيات وأقوال المفسرين، قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل.١٤]. فلا يلزم منه أن القلب يكذبه كما قال تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام.٣٣].\nفنفى عنهم تكذيب القلب.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية حول هذه الآلية: \"فنفى عنهم التكذيب وأثبت الجحود ومعلوم أن التكذيب باللسان لم يكن منتفيا عنهم، فعلم أنه نفى عنهم تكذيب القلب، ولو كان المكذب الجاحد علمه يقوم بقلبه خبر نفساني لكانوا مكذبين بقلوبهم، فلما\n_________\n(^١) الدواء العاجل ص ٣٤ ضمن مجموعة الرسائل السلفية. وانظر حكم منكر السنة في باب السنة.\n(^٢) الضياء الشارق سليمان بن سحمان ص ٣٤٩.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٤٣٤، وانظر باب النفاق.\n(^٤) لسان العرب (ج ح د).","vol":"3","page":310},{"text":"نفى عنهم تكذيب القلوب علم أن الجحود الذي هو ضرب من الكذب والتكذيب بالحق المعلوم ليس هو كذبًا في النفس ولا تكذيب فيها ... \" (^١).\nقال الخفاجي: \"الفرق بين التكذيب والجحد أن الأول: مطلق الإنكار، والثاني: الإنكار لما يعلم حقيقته عنادا\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1060> فائدة:\nومما يجدر ذكره هنا ما أطلق عليه بعض العلماء بـ (كفر العناد)</span>.\nحيث يقول الإمام ابن القيم ﵀ من أنواع الكفر: \"كفر جحود وعناد وقصد مخالفة الحق ... وغالب ما يقع هذا النوع فيمن له رياسة علمية في قومه من الكفار أو رياسة سلطانية ... \" (^٣).\nوقال ﵀: \"والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان بالله وبرسوله، اتباعه فيما جاء به، فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم، وإن لم يكن كافرا معاندًا فهو كافر جاهل. فغاية هذه الطبقة أنهم كفار جهّال غير معاندين، وعدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفارًا، فإن الكافر من جحد توحيد الله وكذب رسوله إمّا عنادًا أو جهلًا وتقليدًا لأهل العناد\" (^٤).\nقال الراغب: \"والمعاند: المباهي بما عنده، قال تعالى: ﴿كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق.٢٤]، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ [المدثر.١٦] والعَنُود مثله قال: لكن بينهما فرق لأن العنيد الذي يُعانِد ويُخالِفُ والعنُودُ الذي يعنُد عن القصد\" (^٥).\n_________\n(^١) الفتاوى الكبرى ٥/ ١٩٨.\n(^٢) نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض ٦/ ٤١٨.\n(^٣) مفتاح دار السعادة ١/ ٩٤، وانظر التوضيح عن توحيد الخلاق ص ٨٩.\n(^٤) طريق الهجرتين ص ٣٨٢.\n(^٥) المفردات (ع ن د).","vol":"3","page":311},{"text":"قال في مختار الصحاح: \"عَنَدَ: أي خالف ورد الحق وهو يعرفه\" (^١).\nوهذا يشبه قولهم في كفر الجحود أنه \"الإنكار مع العلم\" (^٢).\nلكن المعاند ينكره بعدما عرف قلبه وأقر لسانه والجاحد لا يقر بلسانه فيجتمع العناد والجحود في الامتناع عن قبول الحق كما يجتمعان في المعرفة.\nقال ابن القيم: \"الجحود أن يكفر بما علم أن الرسول جاء به من عند الله جحودًا وعنادًا من أسماء الرب وصفاته وأفعاله وأحكامه وهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه\" (^٣).\nونجد أن العلماء أيضًا يذكرون العناد مع الجهل وكأنهما نقيضان، فالعناد بعلم بخلاف الجهل قال الشيخ محمد بن إبراهيم: \"ولا فرق بين من يكون كفره عنادا أو جهلا، الكفر منه عناد ومنه جهل\" (^٤).\nوسألتُ الشيخ ابن جبرين عن الفرق بينهما فأجاب - حفظه الله -: \"أن إبليس وفرعون وأهل الكتاب الذين عرفوا الرسول وكذبوه هؤلاء كفرهم كفر عناد قال تعالى ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾ [البقرة.١٤٦]. أما كفر الجحود فيظهر أنه قريب من كفر العناد ومعناه معرفة الحق ثم إنكار باللسان فيصدق على آل فرعون ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل.١٤]. وكذلك قال تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [العنكبوت ٣٨٠]. فكفرهم\n_________\n(^١) مختار الصحاح (ع ن د).\n(^٢) مختار الصحاح (ج ح د).\n(^٣) الصلاة لابن القيم ص ٢٦.\n(^٤) كشف الشبهات ص ١٠١.","vol":"3","page":312},{"text":"جحود للحق وهم ينظرون إليه ويعرفونه.\nوللتدقيق في التعريف بينهما يُنظر في قول الأزهري حين قال:\"وأما كفر الجحود فأن يعرف بقلبه ولا يقر بلسانه، فهذا كافر جاحد ككفر إبليس، وكفر أمية بن أبي الصلت، ومنه قوله سبحانه: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة.٨٩]. يعني كفر الجحود.\nوأما كفر المعاندة فهو أن يعرف بقلبه ويقر بلسانه، ويأبى أن يقبل ككفر أبى طالب حيث يقول:\nولقد علمت بأن دين محمدٍ ... من خير أديان البرية دينا\nلولا الملامة أو حِذارُ مسبَّةٍ ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا\" (^١).\nفهو بهذا مقر بالدين وبأنه خير لكنه غير ملتزم به فهو كفر عناد واستكبار.\nقال ابن حجر: \"ومما ورد من شعر أبي طالب في ذلك أنه نظير ما حكى الله تعالى عن كفار قريش ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ فكان كفرهم عنادًا ومنشؤه من الأنفة والكبر، وإلى ذلك أشار أبو طالب في قوله: لولا أن تعيرني قريش\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1061> الفرق بين الكفر والتكذيب والإنكار:</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \" ... والكفر أعم من التكذيب فكل من كذَّب الرسول كافر، وليس كل كافر مكذبًا، بل من يعلم صدقه، ويقر به وهو مع ذلك يبغضه أو يعاديه كافر، أو من أعرض فلم يعتقد لا صدقه ولا كذبه كافر وليس بمكذب ... \" (^٣).\n_________\n(^١) تهذيب اللغة ١٠/ ١٩٤. انظر للاستزادة باب (كفر الإعراض).\n(^٢) الإصابة في تمييز الصحابة ٧/ ٢٣٩.\n(^٣) الفتاوى الكبرى ٥/ ١٩٩، ٢٠٠.","vol":"3","page":313},{"text":"فالكفر نقيض الإيمان والتكذيب يقابل التصديق أما الإنكار فيقابل المعرفة.\nقال في تهذيب اللغة: \"فأما كفر الإنكار فهو أن يكفر بقلبه ولسانه ولا يعرف ما يذكر له من التوحيد.\nوكذلك رُوي في تفسير قوله ﷿ ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة. ٦]. أي الذين كفروا بتوحيد الله\" (^١).\nيقول شيخ الإسلام ﵀: \"الوجه الثامن: إن الإنسان قد يكون مكذبا ومنكرا لأمور لا يعلم أن الرسول أخبر بها وأمر بها، ولو علم ذلك لم يكذب ولم ينكر، بل قلبه جازم بأنه لا يخبر إلا بصدق ولا يأمر إلا بحق، ثم يسمع الآية أو الحديث، أو يتدبر ذلك، أو يفسر له معناه، أو يظهر له ذلك بوجه من الوجوه فيصدق بما كان مكذبا به، ويعرف ما كان منكرا، وهذا تصديق جديد وإيمان جديد ازداد به إيمانه ولم يكن قبل ذلك كافرا بل جاهلًا ... \" (^٢).\nوبعض العلماء ﵏ لم يعتن في الغالب في التفريق بين مفهوم كفر الجحود والتكذيب والاستحلال والإنكار ولعل السبب في ذلك أنها كلها من النواقض الاعتقادية التي يكفر من وقع في واحد منها إجماعًا. والله أعلم.\n_________\n(^١) تهذيب اللغة ١٠/ ١٩٤.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٧/ ٢٣٧.","vol":"3","page":314},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1062>٢٣٧ - كفر الشك</span>\nالشك نقيض اليقين، وهو التردد بين شيئين، كالذي لا يجزم بصدق الرسول - ﷺ - ولا بكذبه، ولا يجزم بوقوع البعث ولا عدم وقوعه (^١).\nوتقدم في باب (لا إله إلا الله) أن من شروطها (اليقين المنافي للشك) وأنه إذا اختل هذا الشرط فإن إسلام العبد ينتفي إذ لابد من اليقين الذي هو حقيقة العلم بأن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فمن شك في الله أو في رسوله - ﷺ - أو شك فيما جاء به عن الله فهو كافر بالله.\nقال الإمام ابن القيّم ﵀ في معرض كلامه عن أنواع الكفر الأكبر: \"أما كفر الشك: فإنه لا يجزم بصدقه ولا يكذبه، بل يشك في أمره، وهذا لا يستمر شكه إلا إذا ألزم نفسه الإعراض عن النظر في آيات صدق الرسول - ﷺ - جملة، فلا يسمعها ولا يلتفت إليها، وأما مع التفاته إليها ونظره فيها، فإنه لا يبقى معه الشك ... \" (^٢)\n* الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨)﴾ [الكهف:٣٥ - ٣٨].\nقال الشيخ ابن سحمان ﵀: \"وقد دل القرآن على أن الشك في أصول الدين كفر، والشك هو التردد بين شيئين، كالذي لا يجزم بصدق الرسول - ﷺ - ولا كذبه لا يعتقد وجوب الصلاة ولا عدم وجوبها، أو لا يعتقد تحريم الزنا ولا عدم\n_________\n(^١) الضياء الشارق لسليمان بن سحمان ٢٧٤.\n(^٢) مدارج السالكين ١/ ٣٦٧. نواقض الإيمان الاعتقادية د/ الوهيبي ٧٠، ٧١.","vol":"3","page":315},{"text":"تحريمه وهذا كفر بإجماع العلماء\" (^١).\nوقال الشيخ حافظ الحكمي: \"فإن الإيمان لا يغني فيه إلا علم اليقين لا علم الظن، فكيف إذا دخله الشك، قال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات. ١٥]، فاشترط في صدق إيمانهم بالله ورسوله كونهم لم يرتابوا أي لم يشكوا، فأما المرتاب فهو من المنافقين - والعياذ بالله - الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة. ٤٥] \" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1063> الفرق بين الشك والريب:</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والريب يكون في علم القلب وفي عمل القلب، بخلاف الشك، فإنه لا يكون إلا في العلم، ولهذا لا يوصف باليقين إلا من اطمأن قلبه علما وعملًا\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1064>٢٣٨ - كفر العناد</span>\nانظر باب: (كفر الجحود والتكذيب).\n_________\n(^١) الضياء الشارق ص ٣٤٧.\n(^٢) معارج القبول ١/ ٣٧٨، ٣٧٩.\n(^٣) الإيمان ص ٢٦٧.","vol":"3","page":316},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1065>٢٣٩ - كفر النعمة </span>*\nالنعم كلها من عِنْد الله تعالى ونكرانها وعدم القيام بطاعة المُنعِمِ بها محرم ويطلق عليه العلماء (كفر دون كفر) أو الكفر الأصغر وهو لا يوجب الخلود في النار بل قد يغفره الله ﷿ كما يغفر سائر المعاصي، لكن صاحبه على خطر.\nقال في التعريفات: \"الكفران: ستر نِعمة المُنْعِم بالجحو، أو بعمل هو كالجحود في مخالفة المنعم\" (^١).\nويطلق على إضافة النعم لغير الله بالقول كفر لأنه تناسى المنعم الحقيقي ولم يقم بالشكر الذي هو من أجل العبادات.\nقال ابن رجب: \"فإضافة النعم إلى غير المنعم بها بالقول كفر للمنعم في نعمه وإن كان الاعتقاد يخالف ذلك\" (^٢).\n* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل.١١٢]. وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ١٦/ ٢٨٤، ٢٣/ ٢٦٥. شرح مسلم للنووي ٢/ ٦٠، الباري لابن رجب ٣/ ٣٣٦. شرح مسائل الجاهلية للألوسي ص ٦٧، ٥٨٩، ٦٣٣. تيسير العزيز الحميد ص ٦٣٣، فتح المجيد ص ٤٨٣، ٥١٧، حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٢٩٧، ٣٢٤، القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ٣١١، ٣/ ٣٩، ط ٢ - ٢/ ٣٧٥، ٣/ ٤٨ ومن المجموع ١٠/ ٧٨٤، ٨٦٥. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٤١، ٤٥. شرح مسائل الجاهلية ١/ ٤٨٣.\n(^١) التعريفات ص ٢٣٧.\n(^٢) شرح البخاري ٦/ ٣٣٧.","vol":"3","page":317},{"text":"إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [فصلت:٥٠].\nوفي قوله تعالى: ﴿هَذَا لِي﴾ قال مجاهد: \"أي بعملي، وأنا محقوق بهذا\" (^١).\nوقال ابن جرير: ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ عند الله، لأن الله راض عني برضاه عملي، وما أنا عليه مقيم\" (^٢).\nوقوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨] قال ابن كثير: \"يقول ﵎ مخبرًا عن الإنسان أنه في حال الضراء يتضرع إلى الله وينيب إليه ويدعوه، وإذا خوله نعمة منه بغى وطغى، وقال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ أي لما يعلم الله تعالى من استحقاقي له، ولولا أني عند الله خصيص لما خولني هذا. قال قتادة: على علم عندي على خير عندي\" (^٣).\nوفي تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٤٩]. قال ابن جرير: \"يقول تعالى ذكره فإذا أصاب الإنسان بؤس وشدة دعانا مستغيثا بنا من جهة ما أصابه من الضر ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا﴾ يقول ثم إذا أعطيناه فرجًا مما كان فيه من الضر بأن أبدلناه بالضر رخاء وسعة وبالسقم صحة وعافية فقال إنما أعطيت الذي أعطيت من الرخاء والسعة في المعيشة والصحة في البدن والعافية على علم عندي يعني على علم من الله بأني له أهل لشرفي ورضاه بعملي عندي يعني فيما\n_________\n(^١) تفسير ابن جرير الطبري ٢٥/ ٣.\n(^٢) تفسير ابن جرير الطبري ٢٥/ ٣.\n(^٣) تفسير ابن كثير ٤/ ٥٨.","vol":"3","page":318},{"text":"عندي ... وقال مجاهد في قوله: ﴿أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ أي على شرف أعطانيه\" (^١).\nقال ابن عثيمين: \"معنى الآية يدور على وجهين:\nالوجه الأول: أن هذا إنكار أن يكون ما أصابه من النعمة من فضل الله بل زعم أنها من كسب يده وعلمه ومهارته.\nالوجه الثاني: أنه أنكر أن يكون لله الفضل، وكأنه هو الذي الفضل على الله، لأن الله أعطاه ذلك لكونه أهلا لهذه النعمة.\nفيكون على كلا الأمرين غير شاكر لله ﷿ والحقيقة أن كل ما نؤتاه من النعم فهو من الله، فهو الذي يسرها حتى حصلنا عليها، بل كل ما نحصل عليه من علم أو قدرة أو إرادة فمن الله، فالواجب علينا أن نضيف هذه النعم إلى الله سبحانه، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل ٥٣٠] حتى ولو حصلت لك هذه النعمة بعلمك أو مهارتك فالذي أعطاك هذا العلم أو المهارة هو الله ﷿ ... \" (^٢).\n* الدليل من السنة: عن أبي هريرة - ﵁ - أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: \"أن ثلاثة من بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى فأراد الله أن يبتليهم فبعث إليهم ملكا فأتى الأبرص فقال: أي شيء أحب إليك قال: لون حسن وجلد ويذهب عني الذي قذرني الناس به. قال: فمسحه فذهب عنه قذره فأعطي لونًا حسنًا وجلدًا حسنًا، قال: فأي المال أحب إليك قال: الإبل أو البقر - شك إسحاق - فأعطي ناقة عشراء. وقال: بارك الله لك فيها. قال: فأتى الأقرع فقال: أي أحب إليك، قال: شعر حسن ويذهب عني الذي قد قذرني الناس به فمسحه فذهب عنه وأُعطي شعرًا حسنا، فقال: أي المال أحب إليك قال: البقر أو الإبل فأعطي بقرة حاملا\n_________\n(^١) تفسير ابن جرير الطبري ٢٤/ ١٢.\n(^٢) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١٠/ ٨٦٨. وانظر: القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٣/ ٤٢.","vol":"3","page":319},{"text":"قال: بارك الله لك فيها. فأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك. قال: أن يرد الله إليّ بصري فأبصر به الناس، فمسحه فردّ الله بصره، قال: فأي المال أحب إليك قال الغنم فأعطي شاة والدا، فأنتج هذان وولّد هذا فكان لهذا واد من الإبل ولهذا واد من البقر ولهذا واد من الغنم، قال: ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته فقال رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك أسألك بالذي أعطاك اللّون الحسن والجلد الحسن والمال بعيرًا أتبلّغ به في سفري فقال: الحقوق كثيرة، فقال: كأني أعرفك ألم تكن أبرص يقذرك الناس فقيرا فأعطاك الله ﷿ المال، فقال: إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر، فقال: إن كنت كاذبًا فصيّرك الله إلى ما كنت. وأتى الأقرع في صورته فقال: له مثل ما قال لهذا وردّ عليه مثل ما رد عليه هذا، فقال: إن كنت كاذبًا فصيّرك الله إلى ما كنت، قال: وأتى الأعمى في صورته فقال: رجل مسكين وابن سبيل قد انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك. أسألك بالذي ردّ عليك بصرك شاة أتبلّغ بها في سفري. فقال: قد كنت أعمى فردّ الله إليّ بصري فخذ ما شئت ودع ما شئت. فوالله لا أجهدك بشيء أخذته لله. فقال: أمسك مالك فإنما ابتليتم فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك\" (^١).\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"وهذا حديث عظيم، وفيه معتبر، فإن الأولين جحدا نعمة الله، فما أقرا لله بنعمته، ولا نسبا النعمة إلى المنعم بها، ولا أديا حق الله، فحل عليهما السخط. وأما الأعمى فاعترف بنعمة الله، ونسبها إلى من أنعم عليه بها، وأدى حق الله فيها، فاستحق الرضى من الله بقيامه بشكر النعمة لما أتى بأركان الشكر الثلاثة التي لا يقوم الشكر إلا بها، وهي: الإقرار بالنعمة ونسبتها إلى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٤٦٤)، (٦٦٥٣)، ومسلم (٢٩٦٤).","vol":"3","page":320},{"text":"المنعم، وبذلها فيما يحب.\nقال العلامة ابن القيم ﵀: \"أصل الشكر هو الاعتراف بإنعام المنعم على وجه الخضوع له، والذل، والمحبة، فمن لم يعرف النعمة، بل كان جاهلًا بها، لم يشكرها، ومن عرفها ولم يعرف المنعم بها، لم يشكرها أيضًا، ومن عرف النعمة والمنعم، لكن جحدها كما يجحدها المنكر لنعمة المنعم عليه بها، فقد كفرها، ومن عرف النعمة والمنعم بها وأقر بها ولم يجحدها، ولكن لم يخضع له ولم يحبه ولم يرض به وعنه، لم يشكره أيضًا، ومن عرفها وعرف المنعم بها وأقر بها وخضع للمنعم بها وأحبه ورضي به وعنه، واستعملها في محابه وطاعته، فهذا هو الشاكر لها. فلا بد في الشكر من علم القلب، وعمل يتبع العلم، وهو الميل إلى المنعم ومحبته والخضوع له\" (^١).\nوبوب الشيخ محمد بن عبد الوهاب بباب قول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ [النحل.٨٣]. فقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"المراد بهذه الترجمة التأدب مع جناب الربوبية عن الألفاظ الشركية الخفية، كنسبة النعم إلى غير الله؛ فإن ذلك باب من أبواب الشرك الخفي، وضده باب من أبواب الشكر كما في الحديث الذي رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر مرفوعًا: \"من أولي معروفًا فلم يجد له جزاء إلا الثناء فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره\" ... ونقل في معنى قوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ قول ابن جرير \"هي المساكن والأنعام وما يرزقون منها وسرابيل الثياب، والحديد يعرفه كفار قريش ثم ينكرونه بأن يقولوا: هذا كان لآبائنا ورثناه عنهم\" (^٢).\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ٦٢٧، ٦٢٨، طبع المكتب الإسلامي.\n(^٢) تيسير العزيز الحميد ص ٥٨٩، تفسير ابن جرير الطبري ١٤/ ١٥٧.","vol":"3","page":321},{"text":"قال ابن القيم ما معناه: \"لما أضافوا النعمة إلى غير الله فقد أنكروا نعمة الله بنسبتها إلى غيره، فإن الذي يقول هذا جاحد لنعمة الله عليه غير معترف بها، وهو كالأبرص والأقرع اللذين ذكرهما الملك بنعم الله عليهما فأنكراها وقالا: إنما ورثنا هذا كابرًا عن كابر، وكونهما موروثة عن الآباء أبلغ في إنعام الله عليهم إذ أنعم بها على آبائهم ثم ورثهم إياها فتمتعوا هم وآباؤهم بنعمه\" (^١).\nففي قول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ قال عون بن عبد الله: \"يقولون: لولا فلان لم يكن كذا\"، وعلَّق على قوله هذا الشيخ ابن عثيمين فقال: \"وهذا القول من قائله فيه تفصيل:\nإن أراد به الخبر وكان الخبر صدقًا مطابقًا للواقع، فهذا لا بأس به.\nوإن أراد بها السبب، فلذلك ثلاث حالات:\nالأولى: أن يكون سببًا خفيًا لا تأثير له إطلاقًا، كأن يقول: لولا الولي الفلاني ما حصل كذا وكذا؛ فهذا شرك أكبر لأنه يعتقد بهذا القول أن لهذا الولي تصرفًا في الكون مع أنه ميت، فهو تصرف سري خفي.\nالثانية: أن يضيفه إلى سبب صحيح ثابت شرعًا أو حسًا؛ فهذا جائز بشرط أن لا يعتقد أن السبب مؤثر بنفسه، وأن لا يتناسى المنعم بذلك.\nالثالثة: أن يضيفه إلى سبب ظاهر، لكن لم يثبت كونه سببًا لا شرعًا ولا حسًا؛ فهذا نوع من الشرك الأصغر، وذلك مثل: التَولة، والقلائد التي يقال: أنها تمنع العين، وما أشبه ذلك؛ لأنه أثبت سببًا لم يجعله الله سببًا، فكان مشاركًا لله في إثبات الأسباب\" (^٢).\nوقال في موضع آخر: \"أما الاعتماد على السبب الشرعي أو الحسي المعلوم، فقد تقدم أنه لا بأس به وأن النبي - ﷺ - قال: \"لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار\" لكن\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٥٨٩، ٥٩٠.\n(^٢) القول المفيد على كتاب التوحيد من مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ٧٨٧.","vol":"3","page":322},{"text":"قد يقع في قلب الإنسان إذا قال: لولا كذا لحصل كذا أو ما كان كذا، قد يقع في قلبه شيء من الشرك بالاعتماد على السبب بدون نظر إلى المسبب وهو الله ﷿ (^١).\nومنعه في \"التيسير\" حيث نهى عن إضافة النعم لغير الله ولو كان المنعم سببًا حقيقيًا واستدل بالحديث المخرج في الصحيحين عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ الله - ﷺ - صَلاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنْ الليْلَةِ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: \"هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَال رَبُّكُمْ؟ \" قَالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: \"أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وكافر، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ الله وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ\" (^٢). قال الشيخ سليمان بن عبد الله \" ... فيكون نسبة ذلك إلى طيب الريح وحذق الملاح من جنس نسبة المطر إلى الأنواء وإن كان المتكلم بذلك لم يقصد أن الريح والملاح هو الفاعل لذلك دون خلق الله وأمره، وإنما أراد أنه سبب لكن لا ينبغي أن يضيف ذلك إلا إلى الله وحده؛ لأن غاية الأمر في ذلك أن يكون الريح والملاح سببا أو جزء وسبب ولو شاء الرب ﵎ لسلبه سببيته فلم يكن سببا أصلًا فلا يليق بالمنعم المطلوب منه الشكر أن ينسى من بيده الخير كله وهو على كل شيء قدير ويضيف النعم إلى غيره بل يذكرها مضافة منسوبة إلى مولاها والمنعم بها وهو المنعم على الإطلاق كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ الله﴾، فهو المنعم بجميع النعم في الدنيا والآخرة وحده لا شريك له فإن ذلك من شكرها وضده من إنكارها\" (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١٠/ ٧٩٥. وانظر: القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ٣٢٢.\n(^٢) أخرجه البخاري (٨٤٦) (١٠٣٨) (٤١٤٧) (٧٥٠٣)، ومسلم (٧١).\n(^٣) تيسير العزيز الحميد ص ٥٩٢.","vol":"3","page":323},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1066>٢٤٠ - كفر النفاق </span>*\nمن أقسام الكفر الأكبر. قال الأزهري: \"وأما كفر النفاق فأن يكفر بقلبه ويقر بلسانه\" (^١).\nقال في معارج القبول عند حديثه عن كفر النفاق: \"وإن انتفى عمل القلب من النية والإخلاص والمحبة والإذعان مع انقياد الجوارح الظاهرة، فكفر نفاق، سواء وجد التصديق المطلق أو انتفى، وسواء انتفى بتكذيب أو شك. قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة.٨٠] \" (^٢).\nوسوف يأتي بحثه في باب (النفاق).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1067>٢٤١ - كلمة الإخلاص</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1068>٢٤٢ - كلمة التوحيد</span>\nفيه حديث: \"يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله\" (^٣).\nانظر باب (لا إله إلا الله).\n_________\n* الدرر السنية ٨/ ١٦٤.\n(^١) تهذيب اللغة ١٠/ ١٩٤.\n(^٢) معارج القبول ٢/ ١٩.\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٤).","vol":"3","page":324},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1069>٢٤٣ - الكلمة الطيبة</span>\nهي كلمة التوحيد وهي الشهادة وهي العروة الوثقى.\nقال الله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم: ٢٤ - ٢٥].\nقال ابن رجب: \"فالكلمة الطيبة هي كلمة التوحيد وهي أساس الإسلام، وهي جاريةٌ على لسان المؤمن وثبوت أصلها هو ثبوت التصديق في قلب المؤمن، وارتفاع فرعها في السماء هو علو هذه الكلمة وبسوقها وأنها تحرق الحجب ولا تتناهى دون العرلش، وإتيانها أكلها كل حين: هو ما يرفع بسببها للمؤمن كل حين من القول الطيب والعمل الصالح؛ فهو ثمرتها\" (^١).\nوانظر باب (لا إله إلا الله).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1070>٢٤٤ - الكنيسة</span>\nهي معبد النصارى وعن حكم وجودها في الجزيرة انظر باب جزيرة العرب.\nوعن حكم الصلاة فيها انظر باب اتخاذ القبور مساجد.\n_________\n(^١) فتح الباري لابن رجب، ١/ ٢٧، ٢٨.","vol":"3","page":325},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1071>٢٤٥ - الكهانة </span>*\nقال الجرجاني \"الكاهن: هو الذي يخبر عن الكوائن في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الأسرار ومطالعة علم الغيب\" (^١).\nفالكاهن: هو من يدعي معرفة الغيب المستقبل (^٢) ويتنبأ بما سيحصل. قال في التيسير: \"الكهانة ادعاء علم الغيب، كالإخبار بما سيقع في الأرض مع الاستناد إلى سبب\" (^٣).\nوقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: \"هو الذي يأخذ عن مسترق السمع\" (^٤).\nوهذا كله يتم باستخدام الجن والشياطين كما في حديث عائشة - ﵂ -. قال\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ٣/ ١٢٣. مصنف عبد الرزاق ١١/ ٢٠٩. الإبانة لابن بطة العكبري ٧٢٩. شرح السنة للبغوي ١٢/ ١٧٩. الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٧/ ٣. المحلى بالآثار لابن حزم ٢/ ٣٧٠. تيسير العزيز الحميد ٤٠٩. فتح المجيد ٣٣٣. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٢٠٢. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ٣١٤، ٢/ ٤٧، ط ٢ - ٢/ ٥٨ ومن المجموع ٩/ ٣٠٥، ٥٣٠.الدرر السنية ٥/ ٧٣.الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٢/ ٣٣٣. فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٣٩٢.القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٣٠. نور على الدرب ص ٢١٥، ٢٣٥. مجموع الفتاوى لابن باز ٢/ ٦٤٣. معارج القبول ١/ ٤٣٥. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٢/ ١٨٣. شرح مسائل الجاهلية للألوسي ص ١٥١. كتاب الكهانة للمؤلف. المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة الأحمدي ٢/ ١٠٦. شرح مسائل الجاهلية للسعيد ٢/ ٨٧٢. الإمام الخطابي ومنهجه في العقيدة لأبي عبد الرحمن العلوي ص ٢٦٩. منهج ابن حجر في العقيدة ص ١١٠٧.\n(^١) التعريفات ص ٢٣٥. وكذلك قال ابن الأثير في النهاية ونصه كالآتي: \"الكاهن: الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الأسرار) النهاية (ك هـ ن) ٤/ ٢١٤.\n(^٢) انظر المفهم ٥/ ٦٣٣، وشرح السنة ١٢/ ١٨٢، والنهاية ٤/ ٢١٤.\n(^٣) تيسير العزيز الحميد ص ٤٠٩.\n(^٤) فتح المجيد ٣٣٣.","vol":"3","page":326},{"text":"الخطابي: \"الكهان فيما علم بشهادة الامتحان: قوم لهم أذهان حادة ونفوس شريرة، وطبائع نارية، فهم يفزعون إلى الجن في أمورهم، ويستفتونهم في الحوادث، فيلقون إليهم الكلمات\" (^١).\nوقال بعضهم: إن الكاهن اسم للعراف (^٢).\nوقيل إن العراف أشمل لأنه يطلق على المنجم والحازي كما ذكره ابن الأثير (^٣).\nقال ابن تيمية: \"والعراف قد قيل إنه اسم عام للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم ممن يتكلم في تقدم المعرفة بهذه الطرق\" (^٤).\nفالعراف هو الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها كالمسروق من الذي سرقها ومعرفة مكان الضالة، وتتهم المرأة بالزنى فيقول من صاحبها (^٥) وهذا كله في معرفة أمور سبقت في الماضي ويسمى كاهنا لأنه يدعي معرفة الغيب الآتي.\nوبعض العلماء يجعل الكاهن مكان العراف ويجعل هذا تعريفًا للآخر كما قال الراغب الأصفهاني في كتاب المفردات: \"الكاهن هو الذي يخبر بالأخبار الماضية الخفية بضرب من الظن، والعراف الذي يخبر بالأخبار المستقبلة على نحو ذلك\" (^٦).\nوقال ﵀ في موضع آخر: \"والعراف كالكاهن إلا أن العراف يختص بمن يخبر بالأحوال المستقبلة والكاهن بمن يخبر عن الأحوال الماضية\" (^٧)\n_________\n(^١) نقله الحافظ في الفتح ١٠/ ٢١٧. وانظر: تيسير العزيز الحميد ص ٤٠٩.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٣٥/ ١٧٣، ١٩٣، حاشية ابن عابدين ٤/ ٤٤٢.\n(^٣) النهاية (ع ر ف).\n(^٤) مجموع الفتاوى ٣٥/ ١٧٣.\n(^٥) شرح السنة للبغوي ١٢/ ١٨٢.\n(^٦) المفردات في غريب القرآن (ك هـ ن).\n(^٧) المفردات في غريب القرآن (ع ر ف).","vol":"3","page":327},{"text":"وقال الشيخ محمد بن عثيمين: \"الكهانة فعالة مأخوذة من التكهن، وهو التخرص والتماس الحقيقة بأمور لا أساس لها وكانت في الجاهلية صنعة لأقوام تتصل بهم الشياطين وتسترق السمع من السماء وتحدثهم به، ثم يأخذون التي نقلت إليهم من السماء بواسطة هؤلاء الشياطين ويضيفون إليها ما يضيفون من القول، ثم يحدثون بها الناس. فإذا وقع الشيء مطابقا لما قالوا اغتر بهم الناس واتخذوهم مرجعا في الحكم بينهم، وفي استنتاج ما يكون في المستقبل، ولهذا نقول الكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل\" (^١). وقد تقدم في باب (العراف) بحث الفرق بين الكاهن والعراف.\n* الدليل من السنة: عَنْ صَفِيَّةَ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاج (^٢) النَّبِيِّ - ﷺ - عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ\" (^٣) أَرْبَعِينَ لَيْلَةً\" (^٤).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول - ﷺ -: \"من أتى كاهنًا أو عرّافًا فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد\" (^٥).\nوفي صحيح مسلم عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله إن الكهان يحدثوننا بالشيء فنجده حقا قال: \"تلك الكلمة الحق يخطفها الجني فيقذفها في أذن وليه\n_________\n(^١) المجموع الثمين من فتاوى ابن عثيمين ٢/ ١٣٦.\n(^٢) قال الحافظ في الفتح (١٠/ ٢٢٨): \"من الرواة من سماها حفصة\".\n(^٣) قال النووي: \"وأما عدم قبول صلاته فمعناه أنه لا ثواب له فيها .. \" ومعنى كلام النووي أنها لا تسقط عنه بل يجب الإتيان بها والمداومة عليها مع عدم القبول. النووي ١٤/ ٢٢٧.\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٢٣٠).\n(^٥) أخرجه أبو داود (٣٩٠٤) والترمذي: (١٣٥) وابن ماجه (٦٣٩). قال الحافظ في الفتح وله شواهد من حديث جابر وعمران بن حصين أخرجهما البزار بسندين جيدين ولفظهما \"من أتى كاهنًا\" ١٠/ ٢٢٧ قال المناوي في فيض القدير ٦/ ٣٢ وقال الحافظ العراقي في أماليه حديث صحيح ورواه عنه البيهقي في السنن فقال الذهبي: إسناده قوي.","vol":"3","page":328},{"text":"ويزيد فيها مائة كذبة\" (^١).\nوفيه أيضا أن عائشة قالت: سأل أناس رسول الله - ﷺ - عن الكهان فقال لهم رسول الله - ﷺ -: \"ليسوا بشيء\". قالوا يا رسول الله فإنهم يحدّثون أحيانا الشيء يكون حقا، قال رسول الله - ﷺ -: \"تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقّرها في أذن وليّه قر الدجاجة فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة\" (^٢).\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ -: \"قضى في امرأتين من هذيل اقتتلتا فرمت إحداهما الأخرى بحجر فأصاب بطنها هي حامل فقتلت ولدها الذي في بطنها فاختصموا إلى النبي - ﷺ - فقضى أن دية ما في بطنها غرّة عبد أو أمة فقال ولي المرأة التي غرمت: كيف أغرم يا رسول الله من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل فمثل ذلك يطل فقال النبي - ﷺ -: إنما هذا من إخوان الكهان\" (^٣).\nوجاء عند النسائي عن المغيرة بن شعبة نحوه وفيه فقال النبي - ﷺ -: \"أسجع كسجع الأعراب\" (^٤).\nوفي صحيح مسلم عن ابن شهاب قال: حدثني علي بن حسين أن عبد الله بن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٧٦٢)، ومسلم (٢٢٢٨) واللفظ له.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٢٢٨)، وقوله: فيقرها أي يصبها، تقول: قررت على رأسه دلوا: إذا صببته فكأنه صب في أذنه ذلك الكلام، قال القرطبي: ويصح أن يقال: المعنى: ألقاها في أذنه بصوت، يقال: قر الطائر: إذا صوت ا. هـ من الفتح ١٠/ ٢٣٠.\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٧٥٨) (٥٧٥٩) (٥٧٦٠) (٦٧٤٠) (٦٩٠٤) (٦٩٠٩) (٦٩١٠) ومسلم (١٦٨٢) وقوله: يطل أي يهدر ويلغى.\n(^٤) أخرجه النسائي (٤٨٢٥) (٤٨٢٦). قال الخطابي لم يعبه بمجرد السجع بل بما تضمنه سجعه من الباطل وإنما ضرب المثل بالكهان لأنهم كانوا يروجون أقاويلهم الباطلة بأسجاع ترقق القلوب ليميلوا إليها، حاشية السندي على سنن النسائي ٨/ ٤٨، وسمعت شيخنا عبد العزيز بن باز - يقول: إنما أنكر الرسول - ﷺ - سجعه لأنه اعترض على الشرع أما السجع الذي في الحق فلا بأس به. (التعليق على النسائي) درس ليلة الخميس ٣٠/ ٥/ ١٤١٨ هـ في باب دية جنين المرأة ٨/ ٤٦.","vol":"3","page":329},{"text":"عباس قال: أخبرني رجل من أصحاب النبي - ﷺ - من الأنصار أنهم بينما هم جلوس ليلة مع رسول الله - ﷺ - رمى بنجم فاستنار فقال لهم رسول الله - ﷺ -: \"ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا\" قالوا: الله ورسوله أعلم، كنا نقول ولد الليلة رجل عظيم ومات رجل عظيم، فقال رسول الله - ﷺ -: \"فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته ولكن ربنا ﵎ اسمه إذا قضى أمرا سبح حملة العرش ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح أهل السماء الدنيا ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم: فيخبرونهم ماذا قال؟ قال: فيستخبر بعض أهل السماوات بعضًا حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدنيا فتخطف الجن السمع فيقذفون إلى أوليائهم ويرمون به فما جاءوا به على وجهه فهو حق ولكنهم يقرفون فيه ويزيدون\" (^١).\nوعن أبي مسعود الأنصاري أن رسول الله - ﷺ -: \"نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن\" (^٢). وحلوانه: الذي تسميه العامة حلاوته ويدخل في هذا ما يعطاه المنجم وصاحب الأزلام والضارب بالحصى والذي يخط في الرمل.\nوفي صحيح البخاري عن عائشة - ﵂ - قالت: \"كان لأبي بكر غلام يُخرج له الخراج، وكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء يوما بشيء فأكل منه أبو بكر فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية، وما أُحسِنُ الكهانة، إلا أني خدعته، فلقيني، فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلت منه، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه\" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٢٢٩)، ومعنى \"يقرفون\" أي: يخلطون فيه الكذب. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١٤/ ٢٢٦.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٢٣٧) (٢٢٨٢) (٥٣٤٦)، ومسلم (١٥٦٧)، وأبو داود (٣٤٢٨) (٣٤٨١)، والترمذي (١٢٧٦) (٢٠٧١)، وابن ماجه (٢١٥٩).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٨٤٢).","vol":"3","page":330},{"text":"وعن عمران بن حصين - ﵁ - مرفوعًا: \"ليس منا من تطير أو تُطير له، أو تكهن أو تُكهن، له أو سحر أو سُحر له، ومن أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد - ﷺ - (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1072>أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1073>١ - حكم إتيان الكهّان والعرافين:</span>\nيذهب بعض الجهال وضعاف الإيمان إلى هؤلاء المنجمين والكهان والعرافين فيسأله عن مستقبل حياته والحظ وما يجري عليه فيه وعن زواجه وعن نجاحه في الامتحان وغير ذلك من الأمور التي اختص الله ﷾ بعلمها.\nوقد جاءت الفتوى من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء أن \"من أتاهم وصدقهم فقد كفر بالوحي المنزل على محمد - ﷺ - وأما من أتاهم ولم يصدقهم فإنه لا تقبل له صلاة أربعين يوما عقوبة له؛ لأن إتيانهم حرام ولم يصدقهم وبهذا يجمع بين حديث: \"لم تقبل له صلاة أربعين يومًا\". وحديث: \"فقد كفر بما أنزل على محمد - ﷺ - \" (^٢).\nوهذا بخلاف من يسأله من القادرين ليظهر خداعه وتمويهه فهذا قد يكون مستحبًا وقد يكون واجبًا.\nقال الشيخ محمد بن عثيمين: \"سؤال العرافين ونحوه ينقسم إلى أقسام:\nالقسم الأول: أن يسأل سؤالا مجردا فهذا حرام لقول النبي - ﷺ -: \"من أتى عرافًا ... \" فإثبات العقوبة على سؤاله يدل على تحريمه، إذ لا عقوبة إلا على فعل محرم.\n_________\n(^١) أخرجه البزار بإسناد جيد وأخرجه الطبراني بإسناد حسن من حديث ابن عباس دون قوله \"ومن أتى\" إلى آخره، وقد ذكر الحديث الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد، انظر لمزيد من التخريج النهج السديد ١٥١.\n(^٢) فتوى رقم ١٠٦٤٨.","vol":"3","page":331},{"text":"القسم الثاني: أن يسأله فيصدقه، ويعتبر قوله، فهذا كفر، لأن تصديقه في علم الغيب تكذيب للقرآن ...\nالقسم الثالث: أن يسأله ليختبره، هل هو صادق أو كاذب، لا لأجل أن يأخذ بقوله فهذا لا بأس به، ولا يدخل في الحديث.\nوقد سأل النبي - ﷺ - ابن صياد فقال: ما خبأت لك؟ قال الدخ فقال: \"اخسأ، فلن تعدو قدرك\" (^١) فالنبي - ﷺ - سأله عن شيء أضمره له لأجل أن يختبره، فأخبره به.\nالقسم الرابع: أن يسأله ليظهر عجزه وكذبه، فيمتحنه في أمور يتبين بها كذبه وعجزه، وهذا مطلوب، وقد يكون واجبًا.\nوإبطال قول الكهنة لا شك أنه أمر مطلوب، وقد يكون واجبا، فصار السؤال هنا ليس على إطلاقه، بل يفصل فيه هذا التفصيل على حسب ما دلت عليه الأدلة الشرعية الأخرى\" (^٢).\nوقال الألباني ﵀: \"فمن استعان بهم على فك سحر - زعموا - أو معرفة هوية الجني المتلبس بالإنسي أذكر هو أم أنثى؟ مسلم أو كافر. وصدقه المستعين به ثم صدق هذا الحاضرون فقد شملهم جميعًا وعيد قوله ﷺ \"من أتى عرافًا، أو كاهنًا فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد\" وفي حديث آخر \"لم تقبل له صلاة أربعين ليلة\"\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1074>٢ - هل إتيان الكهان وتصديقهم كفر أكبر</span>؟:\nالجواب: اختلف العلماء في حكم إتيان الكاهن مع تصديقه فمنهم من جعله\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٠٥٥)، ومسلم (٢٩٢٤).\n(^٢) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٩/ ٥٣٢، ٥٣٣. وانظر: القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ٤٩ وانظر للاستزادة في حكم سؤال الكهان كتاب فتاوى اللجنة المجلد الأول ٣٩٢ إلى ٤١٧.\n(^٣) السلسلة الصحيحة لشيخنا الألباني (٦/ ٢/ ١٠٠٩ - ١٠١٠).","vol":"3","page":332},{"text":"كفرا أكبر ومنهم من جعله كفرا أصغر ومنهم من توقف.\nقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: \"وهل الكفر في هذا الموضع كفر دون كفر، فلا ينقل عن الملة، أم يتوقف فلا يقال: يخرج عن الملة ولا ما يخرج؟ وهذا أشهر الروايتين عن أحمد - ﵀ - \" (^١).\nوقد قرنه الشيخ محمد بن عبد الوهاب - ﵀ - بمن أنكر الإسلام أو سَحَر فقال - ﵀ -: \"فمن أشرك بالله تعالى كفر بعد إسلامه ... أو سجد لصنم أو شمس أو قمر، أو أتى بقول أو فعل صريح، في الاستهزاء بالدين الذي شرعه الله تعالى، أو وجد منه امتهان القرآن، أو أنكر الإسلام كفر، لأن الدين عند الله الإسلام، أو سحر أو أتى عرافًا فصدقه، أو جحد البعث كفر\" (^٢).\nوقال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -: \"فالذي يصدق الكاهن في علم الغيب، وهو يعلم أنه لا يعلم الغيب إلا الله، فهو كافر كفرًا أكبر مخرجًا الملة، وإن كان جاهلًا ولا يعتقد أن القرآن فيه كذب فكفره كفر دون كفر\" (^٣).\nوممن يرى من العلماء أنه كفر أصغر الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن - ﵀ - حيث قال: \"وكذلك قوله: \"لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض\" وقوله: \"من أتى كاهنًا فصدقه، أو أتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد - ﷺ -\" فهذا من الكفر العملي وليس كالسجود والاستهانة بالمصحف وقتل النبي وسبه وإن كان الكل يطلق عليه الكفر ... \" (^٤).\nوبعض العلماء يستدل على أنه كفر أصغر بحديث: \"من أتى عرافًا فصدقه بما\n_________\n(^١) فتح المجيد ص ٣٣٥.\n(^٢) الدرر السنية ١٠/ ٨٩.\n(^٣) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٩/ ٥٣٨. وانظر: القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ٣٣.\n(^٤) الرسائل والمسائل النجدية ٣/ ١٥.","vol":"3","page":333},{"text":"يقول لم تقبل له صلاة أربعين يومًا\" (^١).\nفلو كان كفره مخرجًا من الملة لما قُبلت منه الصلاة الدهر كله حتى يرجع إلى الإسلام ولكنه حصرها بأربعين يومًا، كما أن الأمر فيه شبهة بالنظر للغيب النسبي، حيث يُفرّق بين الغيب المطلق والغيب النسبي المعتمد على إخبار الشياطين في الماضي والحاضر لا المستقبل.\n* وأنت ترى من خلال هذه النقول أن الأقوال ثلاثة:\nفقيل: كفر أكبر، وقيل كفر أصغر، والثالث التوقف.\nوينبغي أن يعلم أن من ظن أن أحدا يعلم الغيب المطلق غير الله فقد كفر سواء اعتقد ذلك في كاهن أو ساحر أو عالم، أو حتى نبي أو مَلَك فإنهما لا يعلمان من الغيب إلا ما أطلعهما الله عليه كما قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن ٢٦ - ٢٧]. وقد علمنا أن ادعاء الغيب كفر (^٢).\nقال المناوي: \"إن مصدق الكاهن إن اعتقد أنه يعلم الغيب كفر، وإن اعتقد أن الجن تلقي إليه ما سمعته من الملائكة وأنه بإلهام فصدقه من هذه الجهة لا يكفر\" (^٣).\nونقل الشيخ سليمان صاحب \"التيسير\" أن بعضهم قال: \"لا تعارض بين هذا الخبر، وبين حديث: \"من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة\" إذ الغرض في هذا الحديث أنه سأله معتقدًا صدقه وأنه يعلم الغيب فإنه يكفر، فإن اعتقد أن الجن تلقي إليه ما سمعته من الملائكة، أو أنه بإلهام فصدقه من هذه\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢٣٦١٠).\n(^٢) انظر: فتاوى اللجنة ٢/ ١١٩. وانظر باب (الغيب).\n(^٣) الفيض ٦/ ٢٣.","vol":"3","page":334},{"text":"الجهة لا يكفر كذا قال، وفيه نظر. وظاهر الحديث أنه يكفر متى اعتقد بأي وجه كان، لاعتقاده أنه يعلم الغيب، وسواء كان كذلك من قبل الشياطين، أو من قبل الإلهام لا سيما وغالب الكهان في وقت النبوة إنما كانوا يأخذون عن الشياطين. وفي حديث رواه الطبراني عن وائلة مرفوعًا: \"من أتى كاهنا فسأله عن شيء حجبت عنه التوبة أربعين ليلة فإن صدقه بما قال كفر\". قال المنذري: ضعيف. فهذا لو ثبت نص في المسألة لكن ما تقدم من الأحاديث يشهد له، فإن الحديث الذي فيه الوعيد بعدم قبول الصلاة أربعين ليلة ليس فيه ذكر تصديقه والأحاديث التي فيها إطلاق الكفر مقيدة بتصديقه\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1075>٣ - حكم الكاهن وعمله:</span>\nدخلت الكهانة والعرافة والتنجيم في الشرك من جهتين:\n- جهة ادعاء علم الغيب الذي اختص به الله ﷾.\n- وجهة استخدام الشياطين بعد التقرب لهم فهو تقرب إلى غير الله ﷾ بأي نوع من أنواع العبادة.\nقال الشيخ ابن سعدي ﵀: \"وكثير من الكهانة المتعلقة بالشياطين لا تخلو من الشرك والتقرب إلى الوسائط التي تستعين بها على دعوى لعلوم الغيبية فهو شرك من جهة دعوى مشاركة الله في علمه الذي اختص به ومن جهة التقرب إلى غير الله\" (^٢).\nوفي حديث \"من أتى عرافًا ... \" الحديث قال شارح الطحاوية: \"فإذا كانت هذه حال السائل فكيف بالمسؤول\" (^٣).\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٤١٣.\n(^٢) القول السديد ص ٨٥.\n(^٣) شرح العقيدة الطحاوية ص ٥٦٧.","vol":"3","page":335},{"text":"وأفتت اللجنة الدائمة بأن الكهان الذين يزعمون علم المغيبات وأمثالهم ممن يخط في الرمل وينظر في الفنجان أو في الكف ومن يفتح الكتاب زعمًا منهم أنهم يعرفون بذلك الغيب أنهم كفار؛ لِزعمهم أنهم شاركوا الله في صفة من صفاته الخاصة به وهي علم الغيب (^١).\nوكذلك أفتت اللجنة الدائمة أن الكاهن والعراف إذا ماتا وهما على حالتهما المعروفة من دعواهما علم الغيب فإنه لا يُصك عليهما ولو كانا يصليان؛ لأن دعواهما علم الغيب كفر أكبر يبطل الصلاة وغيرها (^٢).\nيقول الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: \"من يدّعي علم الغيب من العرافين والكهان، بنظره في النجوم أو في كتاب، أو بخط في رمل، أو استخدام جن، أو نحو ذلك، مما ليس من الأسباب العادية فهو كافر بقوله تعالى ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥] ... وعلى هذا لا يجوز لمن يعلم حال هؤلاء أن يصلي وراءهم، ولا تصح صلاته خلفهم\" (^٣).\nوقال الشيخ حافظ حكمي ﵀: \"وأما كفر الكاهن فمن وجوه:\nمنها: كونه وليًا للشيطان فلم يوحِ إليه الشيطان إلا بعد أن تولّاه، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢١] والشيطان لا يتولى إلا الكفار ويتولونه، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة:٢٥٧]، وهذا وجه ثانٍ.\n_________\n(^١) فتاوى اللجنة ١/ ٣٩٣.\n(^٢) فتاوى اللجنة ١/ ٤٠٧. وانظر للاستزادة كتاب إقامة البراهين على حكم من استعان بغير الله أو صدق الكهنة والعرافين.\n(^٣) فتوى صادرة من رئاسة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد برقم ٢٩٤٨.","vol":"3","page":336},{"text":"والثالث: قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ﴾ أي نور الإيمان والهدى ﴿إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ أي ظلمات الكفر والضلالة.\nوقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ [النساء:١١٩] وهذا وجه رابع.\nوالخامس: تسميته طاغوتًا في قوله ﷿: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:٦٠] نزلت في المتحاكمين إلى كاهن جهينة.\nوقوله: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ أي بالطاغوت وهذا وجه سادس.\nوالسابع: أن مَنْ هداه الله للإيمان من الكهان كسواد بن قارب - ﵁ - لم يأته رئيه بعد أن دخل في الإسلام، فدلّ أنه لم يتنزل عليه في الجاهلية إلا لكفره وتوليه إياه، حتى إنه - ﵁ - كان يغضب إذا سُئل عنه حتى قال له عمر - ﵁ -: كنا فيه من عبادة الأوثان أعظم.\nالثامن - وهو أعظمها -: تشبهه بالله ﷿ في صفاته ومنازعته تعالى في ربوبيته، فإن علم الغيب من صفات الربوبية التي استأثر الله تعالى بها دون من سواه فلا سميَّ له ولا مضاهي ولا مشارك ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُو﴾ [الأنعام: ٥٩]، ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل ٦٥]، ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧]، ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١]، ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾ [النجم: ٣٥] ولسان حال الكاهن وقالِه يقول: نعم.","vol":"3","page":337},{"text":"التاسع: أن دعواه تلك تتضمن التكذيب بالكتاب وبما أرسل الله به رسله.\nالعاشر: النصوص في كفر من سأله عن شيء فصدقه بما يقول فكيف به هو نفسه فيما ادّعاه؟ \" (^١).\nوقال الشيخ محمد بن عثيمين حمنن عن حكم الكاهن والمنجم والرمَّال من حيث العقوبة في الدنيا: \"إنْ حكمنا بكفرهم فحكمهم في الدنيا أنهم يستتابون فإن تابوا وإلا قُتلوا كفارًا.\nوإنْ حكمنا بعدم كفرهم إما لكون السحر لا يصل إلى الكفر، أو قلنا: إنهم لا يكفرون لأن المسألة فيها خلاف، فإنه يجب قتلهم لدفع مفسدتهم ومضرتهم حتى وإن قلنا بعدم كفرهم لأن أسباب القتل ليست مختصة بالكفر فقط بل للقتل أسباب متعددة ومتنوعة قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]. فكل من أفسد على الناس أمور دينهم أو دنياهم فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل ولا سيما إذا كانت هذه الأمور تصل إلى الإخراج من الإسلام\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1076>٤ - لا يجوز تأجير الحوانيت على الكهان أو مساعدتهم في أعمالهم:</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"إن أخذ الأجرة والهبة والكرامة على التنجيم والضرب بالحصى حرام على الدافع والآخذ ويجب على ولي الأمر منعهم ويجب على كل قادر السعي في إزالة كل ما يعينهم على ذلك، ويحرم على النظار والوكلاء والملاك، إكراء الحوانيت المملوكة، أو الموقوفة، أو غيرها لهؤلاء الكفار والفساد بهذه المنفعة ويجب أن يمنعوا من الجلوس في الحوانيت والطرقات، أو دخولهم\n_________\n(^١) معارج القبول ٢/ ٥٧٠، ٥٧١.\n(^٢) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٩/ ٥٤٨، ٥٤٩. وانظر: القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ٦٥.","vol":"3","page":338},{"text":"على الناس في منازلهم، والقيام في ذلك من أفضل الجهاد في سبيل الله (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1077>٥ - تأثر الكهانة بحراسة السماء:</span>\nالكهانة كانت معروفة منذ القدم، وكان استراق الشياطين للسمع في الجاهلية كثيرًا جدًّا، وكان رمي الشياطين في الجاهلية موجودًا ولكن بقلة، قيل للزهري: أكان يرمى في الجاهلية؟ قال: نعم. قلت: أفرأيت قوله سبحانه: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩] قال: غلظت وشدّد أمرها حين بعث النبي - ﷺ - (^٢).\nقال ابن قتيبة: \"ولكن اشتدت الحراسة بعد المبعث وكانوا من قبل يسترقون ويرمون في بعض الأحوال فلما بعث محمد - ﷺ - منعت من ذلك أصلًا\" (^٣).\nوحين بعث النبي - ﷺ - ملئت حرسًا شديدًا وشهبًا وبعد موته - ﷺ - بقيت السماء محروسة كذلك ولكن ليس كحال بعثة النبي - ﷺ - فقد كان استراق الشياطين للسمع قليلًا (^٤)، قال ابن حجر: \"وكانت إصابة الكهان قبل الإسلام كثيرة جدا كما جاء في أخبار \"شق\" و\"سطيح\" ونحوهما وأما في الإسلام فقد ندر ذلك جدا حتى كاد يضمحل ولله الحمد\" (^٥).\nويوضح هذا ما ذكره الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀ حين قال:\"اعلم أن الكهان الذين يأخذون عن مسترقي السمع موجودون إلى اليوم لكنهم قليل بالنسبة\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٣٥/ ٩٤، ٩٧ وانظر مفتاح دار السعادة ٢/ ١٢٥، ١٢٩.\n(^٢) مسند الإمام أحمد (١٨٨٢)، وجامع الأحكام للقرطبي ١٩/ ١٣.\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٩/ ١٣ في تفسير سورة الجن الآية ٩.\n(^٤) ويرى القرطبي أن حراسة السماء دامت في حياة النبي - ﷺ - وبعد أن توفاه الله. انظر الجامع لأحكام القرآن في تفسيره قوله تعالى: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾ من سورة الصف.\n(^٥) فتح الباري ١٠/ ٢٢٧.","vol":"3","page":339},{"text":"لما كانوا عليه في الجاهلية، لأن الله تعالى حرس السماء بالشهب، ولم يبق من استراقهم إلا ما يتخطفه الأعلى، فيلقيه إلى الأسفل قبل أن يصيبه الشهاب. وأما ما يخبر به الجني مواليه من الإنس بما غاب عن غيره مما لا يطلع عليه الإنسان غالبًا فكثير جدًّا في أناس ينتسبون إلى الولاية والكشف، وهم من الكهان إخوان الشياطين لا من الأولياء\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1078>٦ - الفرق بين الساحر والكاهن:</span>\nيختلف الكاهن عن الساحر في أمور، كما يشابهه في أمور، وقد جاء عن الإمام أحمد أن الكاهن من يدّعي علم الغيب والساحر هو الذي يعقد ويفعل (^٢)، ونقل عنه حنبل بن إسحاق أنه سئل عن الكاهن فقال: \"هو نحو العراف، والساحر أخبث؛ لأن السحر شعبة من الكفر\" (^٣).\nوقد يجتمع في إنسان أنه ساحر وكاهن فيعقد وينفث كما أنه يستخدم الشياطين ويستعين بهم في ادعاء علم الغيب، وبهذا يفرق بين الكاهن والساحر.\nفالكاهن يستعين بالشياطين لمعرفة الأمور الغيبية كما جاء في الحديث أن الجني يخطف ويكذب معها مائة كذبة، أما الساحر فإنه يستخدم الشياطين في تنفيذ عقده وإظهار سحره، والكاهن لا يؤثر بمرض أو تعب بخلاف الساحر الذي يسعى في التأثير بمرض أو غير ذلك.\nوحكم إتيان الكاهن يدخل فيه الساحر والمنجم والرمال وأشباههم حيث يجمعهم أنهم يستعينون بالشياطين ويقدمون لهم ما يرضيهم وهم كلهم كذبة\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٤٠٩.\n(^٢) المسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة ٢/ ١٠٦.\n(^٣) انظر المسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة ٢/ ١٠٦ جمع وتحقيق عبد الإله الأحمدي وقد عزا الأولى إلى كتاب أهل الملل للخلال ص ٢٠٨.","vol":"3","page":340},{"text":"فجار يستغلون حاجة الضعفاء والسذّج (^١).\nقال ابن باز ﵀: \"لا يجوز إتيان السحرة ولا الكهنة ولا سؤالهم\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1079>٧ - الفرق بين معرفة الأمور بالكهانة ومعرفتها بالحساب:</span>\nقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \" ... وليس من الكهانة في شيء من يخبر عن أمور تدرك بالحساب، فإن الأمور التي تدرك بالحساب ليست من الكهانة في شيء، كما لو أخبر عن كسوف الشمس أو خسوف القمر، فهذا ليس من الكهانة، لأنه يدرك بالحساب، وكما لو أخبر عن أن الشمس تغرب في ٢٠ من برج الميزان مثلا في الساعة كذا وكذا فهذا ليس من علم الغيب وكما يقولون: إنه سيخرج في أول العام أو العام الذي بعده مذنب \"هالي\"، وهو نجم له ذنب طويل، فهذا ليس من الكهانة في شيء، لأنه من الأمور التي تدرك بالحساب. فكل شيء يدرك بالحساب، فإن الإخبار عنه ولو كان مستقبلا لا يعتبر من علم الغيب، ولا من الكهانة\" (^٣).\nويدخل في هذا أيضًا معرفة الخسوف والكسوف فهي من الحساب وليس فيها كهانة، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: \"الخسوف والكسوف لهما أوقات مقدرة، كما لطلوع الهلال وقت مقدر، وذلك ما أجرى الله عادته بالليل والنهار والشتاء والصيف\" (^٤).\nوقال أيضًا: \"لكن العلم بالعادة في الهلال علم عام، يشترك فيه جميع الناس، وأما العلم بالعادة في الكسوف والخسوف فإنما يعرفه من يعرف حساب\n_________\n(^١) للاستزادة انظر: كتاب موقف الإسلام من السحر تأليف أ. حياة سعيد عمر باخضر ١/ ٢٣٢، ٢٣٦.\n(^٢) فتاوى نور على الدرب ص ٢١٩.\n(^٣) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٩/ ٥٣٠. وانظر: القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ٤٧.\n(^٤) مجموع الفتاوى ٢٤/ ٢٥٤.","vol":"3","page":341},{"text":"جريانهما، وليس خبر الحاسب بذلك من باب علم الغيب، ولا من باب ما يخبر به من الأحكام التي يكون كذبه فيها أعظم من صدقه، فإن ذلك قول بلا علم ثابت، وبناء على غير أصل صحيح\" (^١).\nوفي حكم العمل بما يقولون وتصديق أهل الحساب في ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وأما تصديق المخبر بذلك وتكذيبه فلا يجوز أن يصدق إلا أن يعلم صدقه، ولا يكذب إلا أن يعلم كذبه، كما قال النبي - ﷺ -: \"إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم، ولا تكذبوهم فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوهم، وإما يحدثوكم بباطل فتصدقوهم \" ...\nولكن إذا تواطأ خبر أهل الحساب على ذلك فلا يكادون يخطئون، ومع هذا فلا يترتب على خبرهم علم شرعي، فإن صلاة الكسوف والخسوف لا تصلى إلا إذا شاهدنا ذلك، وإذا جوز الإنسان صدق المخبر بذلك، أو غلب على ظنه فنوى أن يصلي الكسوف والخسوف عند ذلك، واستعد ذلك الوقت لرؤية ذلك كان هذا حثا من باب المسارعة إلى طاعة الله تعالى وعبادته\" (^٢).\nوقال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: \"وأما الذين يعلنون بقولهم الشمس يكسف بها أو القمر فهم مخطئون في إعلانهم وجزمهم بذلك في الوقت الذي عينوه، وإن كان ذلك يدرك بالحساب لأن له أسبابًا معلومة عند علماء الهيئة إلا أن الحساب يخطئ ويصيب\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1080>٨ - الفرق بين الكهانة وأحوال الطقس:</span>\nالإخبار عن حالة الطقس أو أحوال الجو من أمطار، أو رياح أو غيوم أو صحو\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢٤/ ٢٥٦.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٢٤/ ٢٥٨.\n(^٣) مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم ١/ ١٦٨، ١٧٠.","vol":"3","page":342},{"text":"أو غير ذلك، إنما هي توقعات مبنية على مقدمات مستفادة من مراصد الأحوال الجوية التي تتأثر بالرطوبة وحركة الرياح ونحو ذلك، وقد يكون الأمر على خلاف ما قالوا (^١).\nقال ابن عثيمين ﵀: \"هل من الكهانة ما يخبر به الآن من أحوال الطقس في أربع وعشرين ساعة أو ما أشبه ذلك؟.\nالجواب: لا، لأنه أيضًا يستند إلى أمور حسية، وهي تكيف الجو، لأن الجو يتكيف على صفة معينة تعرف بالموازين الدقيقة عندهم فيكون صالحا لأن يمطر أو لا يمطر ونظير ذلك في العلم البدائي إذا رأينا تجمع الغيوم والرعد والبرق وثقل السحاب، نقول يوشك أن ينزل المطر ... إلى أن قال: فالذي يعلم بالحس لا يمكن إنكاره ولو أن أحدا أنكره مستندا بذلك إلى الشرع لكان ذلك طعنا بالشرع\" (^٢).\nيقول المشعبي: \"أما في العصر الحاضر فاختلفت العلامات التي يعتمد عليها أرباب الأرصاد في الإخبار عن حالة الجو، فأصبحت أخبارهم مبنية على مقدمات حسية تصل إليهم من المناطق المجاورة لهم\" (^٣).\nقلت: ومما يعلم بالحس الآن معرفة أحوال الطقس عن طريق صور الأقمار الصناعية لحركة السحب وسير الرياح وتكاثف الماء ومقدار الرطوبة في الجو وغير ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1081>٩ - أنواع الكهانة:</span>\nقال الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى -: \"كانت الكهانة الجاهلية فاشية\n_________\n(^١) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري ١/ ١١٢.\n(^٢) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٩/ ٥٣١. وانظر: القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ٤٨.\n(^٣) التنجيم والمنجمون ص ٣١٥، ٣١٧ تأليف عبد المجيد المشعبي.","vol":"3","page":343},{"text":"خصوصا في العرب، لانقطاع النبوة فيهم ... وهي على أصناف: منها ما يتلقونه من الجن فإن الجن كان يصعدون إلى جهة السماء، فيركب بعضهم بعضا، إلى أن يدنو الأعلى بحيث يسمع الكلام، فيلقيه إلى الذي يليه، إلى أن يتلقاه من يلقيه في أذن الكاهن، فيزيد فيه، فلما جاء الإسلام ونزل القرآن حرست السماء من الشياطين، وأرسلت عليهم الشهب، فبقي من استراقهم ما يتخطفه الأعلى فيلقيه إلى الأسفل قبل أن يصيبه الشهاب، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠) فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾ [الصافات.١٠ - ١١].\nثانيها: ما يخبر الجني به من يواليه بما غاب عن غيره مما لا يطلع عليه الإنسان غالبًا، أو يطلع عليه من قرب لا من بعد.\nثالثها: ما يستند إلى ظن وتخمين، وحدس وهذا قد يجعل الله فيه لبعض الناس قوة مع كثرة الكذب فيه.\nرابعها: ما يستند إلى التجربة والعادة، فيستدل على الحادث بما وقع قبل ذلك، ومن هذا القسم الأخير ما يضاهي السحر، وقد يعتضد بعضهم في ذلك بالزجر والطرق والنجوم، وكل ذلك مذموم شرعًا\" (^١).\nومما يدخل في الكهانة:\nأولا: العرّاف: وقد سبق أن بينا معناه والفرق بينه وبين الكاهن (^٢).\nثانيًا: المنجم: وهو من يخبر بالغيب عن طريق النجوم ويستدل على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية وقد سبق الحديث عنه (^٣).\n_________\n(^١) فتح الباري ١٠/ ٢٢٧.\n(^٢) انظر: باب (العراف).\n(^٣) انظر: باب (التنجيم).","vol":"3","page":344},{"text":"ثالثًا: الحازي: وهو الخارص الذي يدعي علم الغيب وقد استأثر الله تعالى به.\nرابعًا: قارئ الفنجان: وهو فنجان القهوة حيث يعتمد الكاهن على ما تبقى من القهوة فيه، فيرسم به على جوانب الفنجان خطوطا، ثم يتنبأ بما يحصل. وربما أمسك الكاهن بالفنجان بعد أن ينتهي الشخص منه ثم يديره عدة مرات ثم يكفيه على حافته وبعد رفعه يتطلع إلى الصور والقطرات التي ترسمها خطوط القهوة على جدرانه وقاعه ثم يتنبأ الكاهن بما يحصل.\nخامسًا: قراءة الكف والكوتشينة (^١): أما \"قراءة الكف\" مدّعي الغيب على خطوط الكف، وما فيها من تقاطعات، وتعرجات وانقطاعات، واتصالات، ثم يزعم أنه يكون كذا وكذا.\nوأما قراءة \"الكوتشينة\"، فهي كزهر الطاولة. قال شارح مسائل الجاهلية: \"ومما يلحق بها في هذا العصر، ما يسمى بـ \"زهر الطاولة\" و\"الدومينو\" وهذان يقومان على التنبؤ بالشيء عن طريق الأرقام، بحيث توضع دائرة على الأرض، ثم يلقي بالزهر المرقم داخلها، فإن لم يدخل فيها، فهو يعني أن ثمة شقاقا سيقع، وإن دخل فيها تمت قراءة الأرقام الموجودة على الزهر، وكل رقم يدل على حادثة معينة.\nومنها قراءة النار: حيث إنهم يستدلون على ما يقع بزعمهم من الأحداث في المستقبل بصور الجمر، وتلهب النار\" (^٢).\nسادسًا: الرمّال (^٣): وهو الذي يخط بالرمل، وهو ضرب من ادّعاء علم الغيب،\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى لابن باز ٢/ ٦٩٨.\n(^٢) انظر: كتاب المسائل التي خالف فيها رسول الله - ﷺ - أهل الجاهلية دراسة وتحقيق وشرح يوسف محمد السعيد ص ٨٦٣، ٨٦٤.\n(^٣) تيسير العزيز الحميد ص ١٥٤. فتح المجيد ص ٣٣٧. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ١٩٥. معارج القبول ١/ ٤٣٦. موقف الإسلام من السحر ١/ ٢١٦.","vol":"3","page":345},{"text":"يقوم على وضع خط أو خطوط على الأرض ثم يحذفُ منه ويُبقي، وتأتيه الشياطين فتقول له إذا بقي واحد فيدل على كذا وإذا بقي اثنان فيدل على كذا، فهو ضرب من الكهانة لأن فيه ادعاء علم الغيب الآتي. ويتخذ في هذا العصر شكلا آخر حيث يقوم الرمال برسم صورة لأشخاص وحيوانات على الأرض باستخدام الرمل الملون، وعن طريق ملاحظة ما يحدث لهذه الصور الرملية من عوامل التعرية يتنبئون بأحداث المستقبل أو علاج المرضى.\nوالغجر المتجولون في مختلف أنحاء العالم يزعمون لأنفسهم براعة خاصة في قراءة الرمل وضرب الودع، وتسير الواحدة منهم في شوارع القرية أو المدينة حاملة سلة بها رمل وودع وتنادي: \"أبَيَّن زين ... أبَيَّن\"، فيستدعيها الناس ويسألونها عما يشغل بالهم، نسأل الله العافية.\nسابعًا: الطرق (^١) وهو بفتح الطاء وسكون الراء ومعناه الخط يخط بالأرض. قال ابن الأثير: \"الطرق الضرب بالحصى الذي يفعله النساء وقيل هو الخط في الرمل\" (^٢).\nوأصل الطرق: الضرب، ومنه سميت مطرقة الصانع والحداد؛ لأنه يطرق بها أي يضرب بها (^٣).\nقال الحربي: \"وهو ضرب من الكهانة\" (^٤).\nودليله حديث قَبِيصَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: \"الْعِيَافَةُ وَالطِّيَرَةُ\n_________\n(^١) شرح السنة للبغوي ١٢/ ١٧٧. شرح مسائل الجاهلية للألوسي ص ١٥١. تيسير العزيز الحميد ص ٤٠٢. فتح المجيد ص ٣٢٦. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ١٩٥.القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ٣٠. ط ٢ - ٢/ ٢٨ ومن المجموع ٩/ ٥١٣. شرح مسائل الجاهلية للسعيد ٢/ ٨٦٠. نواقض الإيمان القولية والعملية ص ٥٢٣.\n(^٢) النهاية (ط ر ق).\n(^٣) مختار الصحاح (ط ر ق)، لسان العرب (ط ر ق).\n(^٤) النهاية (خ ط ط).","vol":"3","page":346},{"text":"وَالطَّرْقُ مِنْ الْجِبْتِ (^١). الطَّرْقُ: الْخَطّ، وَالْعِيَافَةُ: الزَّجْرُ\" (^٢).\nونقل ابن الأثير تفسير الخط عن ابن عباس قال: قال ابن عباس: \"الخط هو الذي يخطه الحازي، وهو علم قد تركه الناس، يأتي صاحب الحاجة إلى الحازي فيعطيه حلوانًا، فيقول له اقعد حتى أخط لك، وبين يدي الحازي غلام له معه ميل، ثم يأتي إلى أرض رخوة فيخط فيها خطوطا كثيرة بالعجلة، لئلا يلحقها العدد، ثم يرجع فيمحو منها على مهل خطين خطين، وغلامه يقول للتفاؤل: ابن عيان أسرعا البيان! فإن بقي خطان فهما علامة النجاح، وإن بقي خط واحد فهو علامة الخيبة\" (^٣).\nوذكر الحربي من صوره أيضًا أن يخط ثلاثة خطوط ثم يضر عليهن بشعير أو نوى ويقول: يكون كذا وكذا (^٤).\nوهذا معروف في زماننا بخط الرمل، ويتعيش به كثير من الدجالين وأصحاب الحيل المتكهنين، يوهمون الرعاع الجهلة أنهم يطلعون على المغيبات، وهو في الحقيقة خداع ومكر وحيل ما أنزل الله بها من سلطان، نسأل الله السلامة والعافية من ذلك (^٥).\n\n١٠ - مسألة:\nجاء في صحيح مسلم عَنْ مُعَاوِيةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ الله\n_________\n(^١) انظر: باب الجبت.\n(^٢) سنن أبي داود (٣٩٠٧) وأحمد (١٦٠١٠) وسنن البيهقي الكبرى ٨/ ١٣٩.\n(^٣) النهاية (خ ط ط).\n(^٤) غريب الحديث ٢/ ٧٢٢، النهاية لابن الأثير (خ ط ط) عون المعبود ١٠/ ٢٨.\n(^٥) انظر: حاشية على كتاب التوحيد ص ٦٨.","vol":"3","page":347},{"text":"أُمُورًا كُنَّا نَصْنَعُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ كُنَّا نَأْتِي الْكُهَّانَ قَالَ: \"فَلا تَأْتُوا الْكُهَّانَ\" قَالَ: قُلْتُ: كُنَّا نَتَطَيَّرُ. قَالَ: \"ذاكَ شَيْءٌ يَجِدُهُ أَحَدُكُمْ فِي نَفْسِهِ فَلا يَصُدَّنَّكُمْ\". وفِي حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ قَالَ: \"كَانَ نَبيٌّ مِنْ الأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ\" (^١).\nوقد أزال النووي ﵀ هذا الإشكال عند شرحه لهذا الحديث فقال: \"قوله: ومنا رجال يخطون. قال: \"كان نبي من الأنبياء ﵈ يخط، فمن وافق خطه فذاك\" اختلف العلماء في معناه، فالصحيح أن معناه من وافق خطه فهو مباح له، ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة، فلا يباح، والمقصود أنه حرام لأنه لا يباح إلا بيقين الموافقة، وليس لنا يقين بها؛ وقال النبي - ﷺ -: \"فمن وافق خطه فذاك\" ولم يقل هو حرام، بغير تعليق على الموافقة، لئلا يتوهم متوهم أن هذا النهي يدخل فيه ذاك النبي الذي كان يخط، فحافظ النبي - ﷺ - على حرمة ذاك النبي مع بيان الحكم في حقنا. فالمعنى أن ذلك النبي لا منع في حقه وكذا لو علمتم موافقته، ولكن لا علم لكم بها. وقال الخطابي: هذا الحديث يحتمل النهي عن هذا الخط، إذا كان علمًا لنبوة ذاك النبي، وقد انقطعت؟ فنهينا عن تعاطي ذلك\" (^٢).\nوقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"ويحتمل أن المعنى أن سبب إصابة صاحب الخط هو موافقته لخط ذلك النبي، فمن وافق خطه أصاب وإذا كان كذلك وكانت الإصابة نادرة بالنسبة إلى الخط، ولا طريق إلى اليقين بالموافقة صار ذلك بالنسبة إلى من يتعاطاه من أنواع الكهانة لمشاركته لها في المعنى\" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٥٣٧).\n(^٢) شرح النووي ٥/ ٢٣.\n(^٣) انظر تيسير العزيز الحميد ص ٤١٧.","vol":"3","page":348},{"text":"وقال ابن عثيمين ﵀ بن: \"فإن قيل قد صح عن الرسول - ﷺ - أنه سئل عن نبي من الأنبياء يخط فقال: \"من وافق خطه فذاك\" قلنا: يجاب عنه بجوابين:\nالأول: أن الرسول - ﷺ - علقه بأمر لا يتحقق الوصول إليه لأنه قال: فمن وافق خطه فذاك، وما يدرينا هل وافق خطه أم لا.\nالثاني: أنه إذا كان الخط بالوحي من الله تعالى كما في حال هذا النبي فلا بأس به لأن الله يجعل له علامة ينزل الوحي بخطوط يعلّمه إياها.\nأما هذه الخطوط السحرية فهي من الوحي الشيطاني فإن قيل: طريقة الرسول - ﷺ - أنه يسدّ الأبواب جميعا خاصة في موضوع الشرك فلماذا لم يقطع ويسد هذا الباب؟\nفالجواب: كان هذا - والله أعلم أمر معلوم وهو أن فيه نبيًا الأنبياء يخط فلا بد أن يجيب عنه الرسول - ﷺ - \" (^١).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٩/ ٥١٤. وانظر: القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ٣١.","vol":"3","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1083>٢٤٦ - الكي </span>*\nقال في مختار الصحاح: \"كواه يكويه كيًّا فاكتوى هو يقال آخر الدواء الكي ولا يقال آخر الداء الكي والمكواة الميسم\" (^١).\nوقال ابن الأثير: \"الكي بالنار من العلاج المعروف في كثير من الأمراض وقد جاء في أحاديث كثيرة النهي عن الكي\" (^٢).\nوقد وردت الرخصة فيه فدل على الجواز. وجاء الثناء على تاركه فدل على أن تركه أولى وأفضل وأكمل في تحقيق التوحيد.\n* الدليل من السنة: عن جابر - ﵁ - قال: \"رُمِي سعد بن معاذ في أكحله، قال: فحسمه النبي - ﷺ - بيده بمِشقص (^٣)، ثم ورمت، فحسمه الثانية\" (^٤).\nوعن جابر - ﵁ - قال: \"رُمِي أُبي يوم الأحزاب على أكحله، قال فكواه رسول الله - ﷺ - \" وفي رواية قال: \"بعث رسول الله - ﷺ - إلى أُبي بن كعب طبيبا، فقطع منه عرقًا، ثم كواه عليه\" (^٥).\nوعن أنس - ﵁ - أن النبي - ﷺ -: \"كوى أسعد بن زرارة من الشوكة\" (^٦) وروى الإمام\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ٥/ ٢٦٧، ٢٧٣. ٢٣/ ٦٥. الاستذكار لابن عبد البر ٢٧/ ٣٨، ٤٤. شرح السنة للبغوي ١٢/ ١٤٤. تيسير العزيز الحميد ١٠٩. فتح المجيد ٩٤. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ٤٥. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ٩٨، ط ٢ - ١/ ١٢٥ ومن المجموع ٩/ ٩٢.\n(^١) مختار الصحاح (ك وى).\n(^٢) النهاية لابن الأثير (ك وى).\n(^٣) المِشقص: حديد طويل غير عريض كنصل السهم.\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٢٠٨).\n(^٥) أخرجه مسلم (٢٢٠٧).\n(^٦) أخرجه الترمذي (٢٠٥١). المستدرك على الصحيحين ٣/ ٢٠٧، ٤/ ٤٦٢.","vol":"3","page":350},{"text":"أحمد أن النبي - ﷺ - كواه في حلقهِ من الذبحة (^١).\nوعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: \"أذن رسول الله - ﷺ - لأهل بيت من الأنصار أن يرقوا من الحمة والأُذُن، قال أنس: كويت من ذات الجنب رسول الله - ﷺ - حي، وشهدني أبو طلحة، وأنس بن النضر، وزيد بن ثابت، وأبو طلحة كواني\" (^٢).\nوعن ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال: \"الشفاء في ثلاثة: في شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أو شربة عسل، أو كية بنار، وأنهى أمتي عن الكي\" (^٣).\nوعن ابن مسعود قال: جاء نفر إلى رسول الله - ﷺ - فقالوا: يا رسول الله إن صاحبًا لنا اشتكى، أفنكويه؟ قال: فسكت ساعة، ثم قال: \"إن شئتم فاكووه، وإن شئتم فَارْضِفُوه، - يعني بالحجارة\" (^٤).\nقال في النهاية: \"اكووه أو ارضفوه\" أي كمِّدوه بالرضف.\nوقال الطحاوي: \"معنى هذا عندنا على الوعيد الذي ظاهره الأمر، وباطنه النهي كما قال الله ﷿: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ﴾ [الإسراء. ٦٤] وكقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت. ٤٠] \" (^٥).\nوقال الإمام البغوي: \"أما الكي، فقد جاء في الحديث بالنهي عنه، وروي عن عمران بن حصين قال: \"نهى النبي - ﷺ - عن الكي، فابتلينا، فاكتوينا، فما أفلحنا، ولا أنجحنا\" (^٦). وقد وردت الرخصة فيه\" (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد (٢٣٥٩٤) (١٦٧٣٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٧١٩، ٥٧٢٠، ٥٧٢١).\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٦٨٠) (٥٦٨١).\n(^٤) المصنف ١٩٥١٧ شرح السنة للبغوي ١٢/ ١٤٥.\n(^٥) معاني الآثار ٢/ ٣٨٥.\n(^٦) أخرجه أبو داود (٣٨٦٥).\n(^٧) شرح السنة للبغوي ١٢/ ١٤٤.","vol":"3","page":351},{"text":"وقال ابن القيم: \"فقد تضمنت أحاديث الكي أربعة أنواع:\nأحدها: فعله. والثاني: عدم محبته له. والثالث: الثناء على من تركه. والرابع: النهي عنه. ولا تعارض بينهما بحمد الله، فإن فعله له يدل على جوازه، وعدم محبته له لا يدل على المنع منه. وأما الثناء على تاركيه، فيدل على أن تركه أولى وأفضل، وأما النهي عنه، فعلى سبيل الاختيار والكراهة أو عن النوع الذي لا يحتاج إليه بل يفعله خوفًا من حدوث الداء - والله أعلم - \" (^١).\nقال أبو سليمان الخطابي: \"الكي داخل في جملة العلاج والتداوي المأذون فيه، والنهي عن الكي يحتمل أن يكون من أجل أنهم كانوا يعظمون أمره، ويرون أنه يحسم الداء ويبرئه وإذا لم يفعل هلك صاحبه ويقولون آخر الدواء الكي، فنهاهم النبي - ﷺ - عن ذلك، إذا كان على هذا الوجه، وأباح استعماله على معنى طلب الشفاء والترجي للبرء بما يحدث الله من صنعه فيه، فيكون الكي والدواء سببًا لا علة.\nوفيه وجه آخر: وهو أن يكون نهيه عن الكي، هو أن يفعله احترازًا عن الداء قبل وقوع الضرورة، ونزول البلية، وذلك مكروه وإنما أبيح العلاج، والتداوي عند وقوع الحاجة، ودعاء الضرورة إليه، وقد يحتمل أن يكون إنما نهى عمران عن الكي في علة بعينها لعلمه أنه لا ينجع، ألا تراه يقول: فما أفلحنا، وقد كان به الباسور، ولعله إنما نهاه عن استعمال الكي في موضعه من البدن، والعلاج إذا كان فيه الخطر العظيم كان محظورا، والكي في بعض الأعضاء يعظم خطره، وليس كذلك في بعضها، فيشبه أن يكون النهي منصرفا إلى النوع المَخُوف - والله أعلم - وروي عن ابن عمر أنه اكتوى من اللقوة، ورقى من العقرب وكوى ابنه واقدًا\" (^٢).\nوقال ابن قتيبة: \"الكي جنسان: كي الصحيح لئلا يعتل، كما يفعله كثير من أمم\n_________\n(^١) زاد المعاد ٤/ ٦٦.\n(^٢) شرح السنة للبغوي ١٢/ ١٤٦.","vol":"3","page":352},{"text":"العجم، فإنهم يكوون ولدانهم وشبانهم من غير علة، يرون أن ذلك الكي يحفظ لهم الصحة، ويدفع عنهم الأسقام ...، قال وهذا هو الأمر أي أبطله الرسول - ﷺ -، وقال فيه: \"لم يتوكل من اكتوى\"، لأنه ظن أن اكتواءه وإِفزاعه الطبيعة بالنار وهو صحيح، يدفع عنه قدر الله تعالى.\nوأما الجنس الآخر، فكي الجرح إذا نغل، وإذا سال دمه فلم ينقطع، وكي العضو إذا قطع، أو حسمه ... وهذا هو الكي الذي قال النبي - ﷺ -: \"إن فيه الشفاء\"\" (^١).\nقال ابن القيم: \"وأما إذا كان الكي للتداوي الذي يجوز أن ينجع، ويجوز ألا ينجع فإنه إلى الكراهية أقرب\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1084> مسألة: هل يقدح الكي في التوكل</span>؟\nانظر: باب (التداوي)، (الرقى).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1085>٢٤٧ - اللات</span>\nاللات من أصنام الجاهلية وكان لثقيف بالطائف (^٣). انظر باب: (صنم).\n_________\n(^١) تأويل مختلف الحديث ٣٢٩، ٣٣٢.\n(^٢) زاد المعاد ٤/ ٦٥.\n(^٣) مختار الصحاح (ل ي هـ).","vol":"3","page":353},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1086>٢٤٨ - لعن المعين</span>\nاللعن في اللغة: الطرد والإبعاد. قال الفيروزآبادي: \"لعنه كمنعه: طرده وأبعده فهو لعين وملعون\" (^١).\nواللعين والملعون: من حقت عليه اللعنة أو دُعيَ عليه بها (^٢).\nقال الفيروزآبادي: \"واللعين من يلعنه كلُّ أحد\" (^٣).\nوفي الشرع: الطرد والإبعاد عن رحمة الله تعالى بطريق العقوبة. قال الراغب الأصفهاني: \"اللعن: هو الطرد والإبعاد على سبيل السخط وذلك من الله تعالى في الآخرة عقوبة، وفي الدنيا انقطاع من قبول رحمته وتوفيقه، ومن الإنسان دعاء على غيره\" (^٤).\nوقال القرطبي: \"لعنة الله طرده للملعون وإبعاده عن رحمته، ولعنة الملائكة والناس، الإبعاد والدعاء بالإبعاد\" (^٥).\nوقال ابن الأثير: \"وأصل اللعن: الطردُ والإبعادُ من الله، ومن الخَلْق السَّبُّ والدعاء\" (^٦).\nوقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"الظاهر أنه من الخلق طلب طرد الملعون وإبعاده من الله بلفظ اللعن لا مطلق السب والشتم\" (^٧).\n_________\n(^١) القاموس المحيط (ل ع ن).\n(^٢) انظر: فتح المجيد ص ١٦٨.\n(^٣) القاموس المحيط (ل ع ن).\n(^٤) المفردات (ل ع ن).\n(^٥) المفهم ٤/ ٣٤١.\n(^٦) النهاية (ل ع ن).\n(^٧) تيسير العزيز الحميد ص ٢٢٠.","vol":"3","page":354},{"text":"وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: \"اللعنة: البعدُ عن مظان الرحمة\" (^١).\n* الدليل من السنة: عن ثابت بن الضحاك - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: \"من حلف بغير ملة الإسلام فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء عذب به في نار جهنم، ولعن المؤمن كقتله، ومن رمى مؤمنًا بكفر فهو كقتله\" (^٢).\nعن عمر بن الخطاب - ﵁ - أن رجلًا على عهد النبي - ﷺ - كان اسمه عبد الله وكان يلقب حمارًا وكان يُضحك رسول الله - ﷺ -، وكان النبي - ﷺ - قد جلده في الشراب فأتي به يومًا فأُمر به فجُلد فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يُؤتى به! فقال النبي - ﷺ -: \"لا تلعنوه، فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله\".\nوفي رواية عن أبي هريرة - ﵁ - قال بعض القوم: أخزاه الله، فقال رسول الله - ﷺ -: \"لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1087> حكم اللعن:</span>\nيمكن أن نتكلم عن هذه المسألة في ثلاثة أقسام:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1088>أولًا: جواز اللعن المطلق سواء على الكفار أو على الفساق</span>.\nثانيًا: حكم لعن الكافر المعين.\nثالثًا: حكم لعن الفاسق المعين.\nأولًا: جواز اللعن المطلق سواء على الكفار أو على الفساق وسواء بوصف عام أم بوصف أخص: قال الله تعالى ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: ٧٨]، وقال تعالى: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:٤٤]،\n_________\n(^١) فتح المجيد ص ١٦٨.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٣٦٣) (٦٦٥٢) (٤١٧١) ومسلم (١١٠).\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٧٨١) وأبو داود (٤٤٧٧).","vol":"3","page":355},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمرل:٦١]، وقال تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [آل عمران: ٨٦ - ٨٧].\nوثبت في الصحيح أن النبي - ﷺ - قال: \"لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة\" (^١).\nوقال - ﷺ -: \"لعن الله السارق؛ يسرق البيضة فتُقطع يده، وشرق الحبل فتقطع يده\" (^٢).\nوقال - ﷺ -: \"لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\" (^٣).\nوعن علي - ﵁ - قال: \"حدثني درسول الله - ﷺ - بأربع كلمات: لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى مُحْدِثًا، لعن الله من غير منار الأرض\" (^٤).\nوعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"لَعَنَ رَسُولُ الله - ﷺ - زَائِرَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ\" (^٥).\nوثبت أن رسول الله - ﷺ - لعن المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال (^٦)، وَلَعَنَ - ﷺ - آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٩٣٣) ومسلم (٢١٢٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٧٨٣) ومسلم (١٦٨٧).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٣٩٠)، ومسلم ١٩ - (٥٢٩).\n(^٤) أخرجه مسلم (١٩٧٨).\n(^٥) سنن أبي داود (٣٢٣٦) والترمذي (٣٢٠).\n(^٦) أخرجه البخاري (٥٨٨٥).","vol":"3","page":356},{"text":"وَالْمُصَوِّرَ (^١)، ولعن - ﷺ - النائحة والمستمعة (^٢).\nوفي حديث عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله - ﷺ -: \"سيكون في آخر أمتي رجال يركبون على سروج كأشباه الرحال ينزلون على أبواب المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات، على رؤوسهن كأسنمة البخت، العنوهن فإنهن ملعونات، لو كانت وراءكم أمة من الأمم لخدم نساؤكم نساءهم كما خدمتكم نساء الأمم من قبلكم\" (^٣).\nوفي الصحيحين في قنوته ﵊ للنازلة: \"اللهم العن لِحْيَانَ ورِعْلًا وذكوانَ وعُصَيَّةَ\" (^٤).\nقال النووي ﵀: \"فِيهِ: جَوَاز لَعْن الْكُفَّار وَطَائِفَة مُعَيَّنة مِنْهُمْ\" (^٥).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: \"لأقربن صلاة النبي - ﷺ -، فكان أبو هريرة - ﵁ - يقنت في الركعة الأخرى من صلاة الظهر وصلاة العشاء وصلاة بعد ما يقول: \"سمع الله لمن حمده\" فيدعو للمؤمنين ويلعن الكفار\" (^٦).\nقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"وقد ثبت عن أبي هريرة أنه كان يقنت ويلعن الكفرة عمومًا، ثم ذكر الحديث السابق\" (^٧).\nوكان معاذ بن الحارث الأنصاري إذا انتصف رمضان لعن الكفرة (^٨).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٩٦٢).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣١٢٨). والإمام أحمد (١١٦٤٥).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد (٧٠٨٣)، والطبراني ٩/ ١٣١.\n(^٤) أخرجه البخاري (٤٥٦٠)، ومسلم (٦٧٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٥) شرح النووي على صحيح مسلم ص ١٠٨٢ (٥ - ١٧٧). وانظر النووي ص ٤٥٧٥ (١٦ - ٧٣).\n(^٦) أخرجه البخاري (٧٩٧).\n(^٧) القول المفيد من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٢٩٣.\n(^٨) مختصر الوتر ص ١٤١ رقم (٢٣٣).","vol":"3","page":357},{"text":"وقال الأعرج: \"ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان\" (^١).\nوقال القرطبي ﵀: \"أما لعن الكفار جملة من غير تعيين فلا خلاف في ذلك .... قال علماؤنا: وسواء كانت لهم ذمة أم لم تكن وليس ذلك بواجب ولكنه مباح لمن فعله لجحدهم الحق وعداوتهم للدين وأهله، وكذلك كل من جاهر بالمعاصي كشراب الخمر وأكلة الربا ومن تشبه من النساء بالرجال ومن الرجال بالنساء إلى غير ذلك مما ورد في الأحاديث لعنه\" (^٢).\nوقال ابن كثير ﵀: \"لا خلاف في جواز لعن الكفار وقد كان عمر بن الخطاب - ﵁ - ومن بعده من الأئمة يلعنون الكفرة في القنوت\" (^٣).\nوقال ابن مفلح في الآداب الشرعية: \"قال الشيخ تقي الدين: المنصوصُ عن أحمد الذي قرره الخلال اللعنُ المُطلَقُ العام، لا المُقيَّد المعيَّنُ\" (^٤).\nوقال أيضًا: \"ويجوز لعنُ الكفار عامة، وهل يجوز لَعُن كافرِ مُعَّين؟ على روايتين، قال الشيخ تقي الدين: ولعنُ تارك الصلاةِ على وجهِ العموم جائزٌ، وأما لعنةُ المعين فالأوْلى تركها، لأنه يمكن أن يتوب\" (^٥).\nوقال ابن تيمية ﵀: \"فلعنة الفاسق المعين ليست مأمورا بها إنما جاءت السنة بلعنة الأنواع كقول النبي - ﷺ -: \"لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده\"، وقوله: \"لعن الله من أحدث حدثا أو آوى محدثًا\"، وقوله \"لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه\"، وقوله: \"لعن الله المحلل والمحلل له\"، \"لعن الله الخمر، وعاصرها\n_________\n(^١) الموطأ للإمام مالك ص ١١٤.\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن ٢/ ١٨٩. وانظر أيضا شرح الزرقاني ١/ ٢٣٩، ٢٤٠.\n(^٣) تفسير ابن كثير ١/ ٢٠٢.\n(^٤) الآداب الشرعية ١/ ٢٨٦.\n(^٥) الآداب الشرعية ١/ ٢٨٥.","vol":"3","page":358},{"text":"ومعتصرها، وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وشاربها وآكل ثمنها\"\" (^١).\nوذكر الحافظ العراقي جواز الدعاء على الكفار ولعنتهم ثم قال: \"قال صاحب المفهم: ولا خلاف في جواز لعن الكفرة والدعاء عليهم\" (^٢).\nوفي حديث \"لعن الله من آوى محدثًا ... \" الحديث قال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"وفي الحديث دليل على جواز لعن أنواع الفساق كقوله: لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه ونحو ذلك - فأما لعن الفاسق المعين ففيه قولان ذكرهما شيخ الإسلام:\nأحدهما: أنه جائز، اختاره ابن الجوزي وغيره.\nوالثاني: لا يجوز - اختاره أبو بكر عبد العزيز وشيخ الإسلام، قال: والمعروف عن أحمد كراهة لعن المعين كالحجَّاج وأمثاله وأن يقول كما قال الله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨] \" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1089>ثانيًا: حكم لعن الكافر المعين:</span>\nيقرر شيخ الإسلام في هذا قاعدة جامعة حيث يقول: \"المنصوص عن أحمد الذي قرره الخلّال اللعن المطلق العام لا المقيَّد المعيَّن، كما قلنا في نصوص الوعد والوعيد وكما نقول في الشهادةِ بالجنة والنار، فإنَّا نشهدُ بأنَّ المؤمنين في الجنة وأن الكافرين في النار، ونشهد بالجنة والنار لمن شهدَ له الكتابُ والسنة، ولا تشهدُ بذلك لمعين إلا لمَنْ شهدَ له النصُّ، أو شهد له الاستفاضة على قول. فالشهادةُ في الخبرِ كاللعن في الطلب، والخبر والطلب نوعا الكلام\" (^٤).\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية ٤/ ٥٦٩.\n(^٢) طرح التثريب ٢/ ٢٩٢.\n(^٣) تيسير العزيز الحميد ص ١٥٩.\n(^٤) نقلًا عن الآداب الشرعية ١/ ٢٨٩.","vol":"3","page":359},{"text":"ويقول شيخ الإسلام فيمن علم أنه مات على الكفر: \"وأما لعنة المعين فإن عُلِم أنه مات كافرًا جازت لعنته\" (^١).\nوالإمساك عن لعن الكافر المعين أولى لأسباب، منها:\nأن أكثر اللعن الوارد في النصوص على سبيل العموم.\nعموم الأحاديث الناهية عن اللعن.\nأن لا يَتَعَوَّد اللسان على السب واللعن.\nأن النبي - ﷺ - كان يقول: \"اللهم العن فلانًا وفلانًا\" لأئمة الكفر، فنهاه الله عن ذلك.\nأن الكافر المعين إن كان حيًا فقد يهديه الله للإسلام.\nأن الكافر المعين إن كان ميتًا فقد نهى النبي - ﷺ - عن سب الأموات بقوله: \"لا تسبوا الأموات؛ فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا\".\nوإليك تفصيل أقوال أهل العلم في هذه الأسباب:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1090>١ - أكثر ورود اللعن في الآيات والأحاديث على سبيل العموم:</span>\nعلق الشيخ ابن عثيمين على قول الله تعالى: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] فقال: \"استدل بعض العلماء بهذه الآية على جواز لعن الكافر المعين؛ ولكن لا دليل فيها؛ لأن اللعن الوارد في الآية على سبيل العموم؛ ثم هو خبر من الله ﷿، ولا يلزم منه جواز الدعاء به\" (^٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] قال ابن عثيمين\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٦/ ٥١١.\n(^٢) تفسير سورة البقرة ١/ ٢٩٣.","vol":"3","page":360},{"text":"في ذكر فوائد الآية: \"ومنها: جواز الدعاء باللعنة على كاتم العلم؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾؛ لأن من معنى ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ الدعاء عليهم باللعنة؛ تقول: اللهم العنهم؛ ولا يلعن الشخص المعين؛ بل على سبيل التعميم؛ لأن الصحيح أن لعن المعين لا يجوز - ولو كان من المستحقين للعنة؛ لأنه لا يُدرى ماذا يموت عليه؛ قد يهديه الله، كما قال تعالى لنبيه محمد - ﷺ -: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٢٨]؛ وأما لعنه بعد موته أيجوز، أم لا يجوز؟ فقد يقال: إنه لا يجوز لقول النبي - ﷺ -: \"لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا\" وهذا عام؛ ثم إنه قد يثير ضغائن، وأحقاد من أقاربه، وأصحابه، أصدقائه؛ فيكون في ذلك مفسدة؛ ثم إن النبي - ﷺ - قال: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت\"؛ وأيّ خير في كونك تلعن واحدًا كافرًا قد مات؛ وأما طريقته فالواجب التنفير عنها، والقدح فيها، وذمها؛ أما هو شخصيًا فإنه لا يظهر لنا جواز لعنه - وإن كان المعروف عند جمهور أهل العلم أنه يجوز لعنه إذا مات على الكفر\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1091>٢ - عموم الأحاديث الناهية عن اللعن:</span>\nعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: \"لم يكن النبي - ﷺ - سبابًا ولا فحّاشًا، ولا لعانا، كان يقول لأحدنا عند المعتبة ما له تَرِبَ جَبينُه\" (^٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا ينبغي لصديق أن يكون لعانًا\" (^٣).\nوعن أبي الدرداء - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يكون اللعانون شفعاء ولا\n_________\n(^١) تفسير سورة البقرة ٢/ ١٩٣.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٠٣١).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٥٩٧).","vol":"3","page":361},{"text":"شهداء يوم القيامة\" (^١).\nوعن سمرة بن جندب - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"لا تلاعنوا بلعنة الله ولا بغضب الله ولا بالنار\" (^٢).\nوعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال قال رسول الله - ﷺ -: \"ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء\" (^٣).\nوعن أبي الدرداء - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن العبد إذا لعن شيئًا صعِدَت اللعنةُ إلى السماء فتُغلقُ أبوابُ السماء دونها، ثم تهبط إلى الأرض فتُغلقُ أبوابُها دونها، ثم تأخذ يمينًا وشمالًا فإذا لم تجد مساغًا رجعت إلى الذي لُعِن فإن كان لذلك أهلًا وإلا رجعت إلى قائلها\" (^٤).\nوعن عائشة - ﵂ - أن يهودَ أتوا النبي - ﷺ - فقالوا: السام عليكم. فقالت عائشة: عليكم ولعنكم الله وغضب الله عليكم. قال: مهلًا يا عائشة، عليك بالرفق وإياك والعنفَ والفحشَ. قالت: أولم تسمع ما قالوا؟ قال: أولم تسمعي ما قلت؟ رددت عليهم فيُستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم فيّ\" (^٥). وفي رواية عند مسلم قال: \"يا عائشة لا تكوني فاحشة\" (^٦).\nوفي لفظ: \"مَهْ يا عائشة، فإن الله لا يحبُّ الفُحْشَ والتفحش\" وأنزل الله ﷿ ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ [المجادلة:٨] \" (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٥٩٨)، وأبو داود (٤٩٠٧).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٩٠٦) والترمذي (١٩٧٦).\n(^٣) أخرجه الترمذي (١٩٧٧).\n(^٤) أخرجه أبو داود (٤٩٠٥).\n(^٥) أخرجه البخاري (٦٠٣٠)، ومسلم (٢١٦٥).\n(^٦) أخرجه مسلم (٢١٦٥).\n(^٧) أخرجه مسلم (٢١٦٥).","vol":"3","page":362},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1092>٣ - أن لا يَتَعَوَّد اللسان على السب واللعن:</span>\nلأن استمراء ذلك واعتياده يجعل الإنسان لا يتعاظم أنْ يلعن غير الكافر بغير حق وفي قول رَسُول الله - ﷺ - \"مَهْ يَا عَائِشَة فَإِنَّ الله لَا يُحِبّ الفُحْش وَالتَّفَحُّش\" قال النووي: \"\"مَهْ\" كَلِمَة زَجْر عَنْ الشَّيْء. وَأَمَّا الْفُحْش فَهُوَ الْقَبِيح مِنْ الْقَوْل وَالْفِعْل. وَقِيلَ: الْفُحْش مُجَاوَزَة الْحَدّ. وَفِي هَذَا الْحَدِيث اسْتِحْبَاب تَغَافُل أَهْل الْفَضْل عَنْ سَفَه الْمُبْطِلِينَ إِذَا لَمْ تترتَّب عَلَيْهِ مَفْسَدَة\" (^١).\nوقال الحافظ: \"وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّ النَّبِيّ - ﷺ - أَرَادَ أَنْ لا يَتَعَوَّدِ لِسَانهَا بِالْفُحْشِ، أَوْ أَنْكَرَ عَلَيْهَا الإِفْرَاط فِي السَّبّ\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1093>٤ - النهي عن ذلك وبيان ما جاء في قول الله تعالى ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]:</span>\nعن أبي هريرة - ﵁ -: \"أن رسول الله - ﷺ - كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع، فربما قال إذا قال: سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد، اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها سنين كسني يوسف، يجهر بذلك. وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر: \"اللهم العن فلانًا وفلانًا\" لأحياء من العرب حتى أنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية\" (^٣).\nوروى أنس - ﵁ -: \"أن رسول الله - ﷺ - كسرت رباعيته يوم أحد شج وجهه فجعل يسلت الدم على وجهه ويقول: \"كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله ﷿\" فأنزل الله ﷿: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ \" (^٤).\n_________\n(^١) شرح النووي على صحيح مسلم ١٤/ ١٤٧.\n(^٢) فتح الباري ١١/ ٤٣.\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٥٦٠)، ومسلم (٦٧٥).\n(^٤) أخرجه مسلم (١٧٩١).","vol":"3","page":363},{"text":"قال الطحاوي: \"فتأملنا هذه الآثار وكشفناها لِنَقفَ على الأَوْلى منها بما نزلت فيه هذه الآيةُ من المعنيين المذكورين فيها، فاحتملَ أن يكون نزولُها في وقتٍ واحد يُرادُ بها السببان المذكوران في هذه الآثار، فوجدنا ذلك بعيدًا في القلوب، لأن غزوة أحد كانت في سنة ثلاثِ، وفتح مكة كان في سنة ثمانِ، ودعاء النبي - ﷺ - كان لمن دَعَا له في صلاته قبلَ فتح مكة، فبعيدٌ في القلوبِ أن يكونَ السببان اللذان قيل إن هذه الآية نزلتْ في كل واحد منهما كانَ نزولُها فيهما جميعًا.\nواحتملَ أن يكونَ نزولُها كان مرتين: مرةً في السبب الذي ذَكَرَ عبدُ الله بن عُمر، وعبدُ الرحمن بن أبي بكر: أَنَّ نزولَها كان فيه، ومرةَّ في السبب الذي ذَكَرَ أنسٌ أَنَّ نزولَها فيه، فدخل على ذلك ما نفاهُ لأنه لو كانَ ذلك كذلك لكانت موجودةً في القرآن في موضعين، كما وُجِدَت ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ الآية في موضعين: أحدهما في سورة براءة [٧٣]، والآخر في سورة التحريم [٩]، ولَمَّا لم يكنْ ذلك كذلك في الآية المَتْلُوّة في هذه الآثار، بَطَلَ هذا الاحتمال أيضًا.\nواحتملَ أن يكونَ نزلتْ قُرآنًا لواحدِ من السببين المذكورين في هذه الآثار، والله أعلمُ بذلك السبب أيُّهما هو؟ ثم أُنزَلت بعدّ ذلكَ للسببِ الآخر، لا على أَنَّها قُرآن لاحقٌ لما نَزَلَ فيه من القرآن، ولكن على إعلام الله تعالى نبيَّه ﵇ بها أنه ليسَ له من الأمر شيء، وأن الأمور إلى الله تعالى وحده، يتوب على من يشاء، ويعذب من يشاء، ولم نجد من الاحتمالات لما في هذه الآثار أحسنَ من هذه الاحتمال، فهو أولاها عندنا بما قيل في احتمال نزول الآية المتلوة فيها بها، والله نسأله التوفيق\" (^١).\nوقال الحافظ في الفتح: \"يحتمل أن تكون نزلت في الأمرين جميعًا فإنهما كانا في\n_________\n(^١) شرح مشكل الآثار ٢/ ٤٢ - ٤٤.","vol":"3","page":364},{"text":"قصة واحدة\" (^١). وقال: \"ووقع في رواية يونس عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة نحو حديث ابن عمر لكن فيه اللهم العن لحيان ورعلا وذكوان وعصية قال ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما نزلت ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ قال: وهذا إن كان محفوظًا احتمل أن يكون نزول الآية تراخى عن قصة أحد؛ لأن قصة رعل وذكوان كانت بعدها - وفيه بعد والصواب أنها نزلت في شأن الذين دعا عليهم بسبب قصة أحد والله أعلم\" (^٢).\nوفي معنى الآية: قال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"قوله فأنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ قال ابن عطية: كان النبي - ﷺ - لحقه في تلك الحال يأس من فلاح كفار قريش فمالت نفسه إلى أن يستأصلهم الله ويريح منهم فقيل له بسبب ذلك ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ أي عواقب الأمور بيد الله فامض أنت لشأنك ودم على الدعاء لربك. وقال غيره: المعنى أن الله تعالى مالك أمرهم فإما أن يهلكهم أو يكبتهم أو يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم إن أصروا وليس لك من أمرهم شيء وإنما أنت عبد مأمور بإنذارهم وجهادهم فعلى هذا يكون قوله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ اعتراض المعطوف والمعطوف عليه وقال ابن إسحق أي ليس لك من الحكم بشيء في عبادي إلا ما أمرتك به فيهم\" (^٣).\nوقال الحافظ المباركفوري: \"أي لست تملك إصلاحهم ولا تعذيبهم بل ذلك ملك الله فاصبر أو يتوب عليهم بإسلام أو يعذبهم بالقتل والأسر والنهب فإنهم ظالمون بالكفر والمعنى أن الله مالك أمرهم يصنع بهم ما يشاء من الإهلاك أو\n_________\n(^١) فتح الباري ٧/ ٣٦٥.\n(^٢) فتح الباري ٧/ ٣٦٦.\n(^٣) تيسير العزيز الحميد ص ٢١٨.","vol":"3","page":365},{"text":"الهزيمة أو التوبة إن أسلموا أو العذاب إن أصروا على الكفر\" (^١).\nوروى الإمام أحمد عن سالم عن أبيه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"اللهم العن فلانًا، اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن سهيل بن عمرو، اللهم العن صفوان بن أمية\". قال: فنزلت هذه الآية ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ فتيب عليهم كلهم\" (^٢).\nوقال الحافظ ابن حجر معلقًا على الحديث السابق: \"والثلاثة الذين سماهم قد أسلموا يوم الفتح، ولعل هذا هو السر في نزول قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ \" (^٣).\nوقال الإمام ابن خزيمة بعد أن ذكر الأحاديث في ذلك: \"ففي هذه الأخبار دلالة على أن اللعن منسوخ بهذه الآية لا أن الدعاء الذي كان النبي - ﷺ - يدعو لمن كان في أيدي أهل مكة من المسلمين أن ينجيهم الله من أيديهم، إذ غير جائز أن تكون الآية نزلت ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ في قوم مؤمنين في يدي قوم كفار يعذبون، وإنما أنزل الله ﷿ هذه الآية ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ فيمن كانوا يدعو النبي - ﷺ - عليهم باللعن من المنافقين والكفار فأعلمه الله ﷿ أن ليس للنبي - ﷺ - من الأمر شيء في هؤلاء الذين كان النبي - ﷺ - يلعنهم في قنوته وأخبر أنه إن تاب عليهم فهداهم للإيمان أو عذبهم على كفرهم ونفاقهم فهم ظالمون وقت كفرهم ونفاقهم لا من كان النبي - ﷺ - يدعو لهم من المؤمنين أن ينجيهم من أيدي أعدائهم من الكفار، فالوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش\n_________\n(^١) تحفة الأحوذي ٨/ ٢٨٢.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد (٥٦٧٤).\n(^٣) فتح الباري ٧/ ٣٦٦.","vol":"3","page":366},{"text":"بن أبي ربيعة والمستضعفون من أهل مكة لم يكونوا ظالمين في وقت دعاء النبي - ﷺ - بأن ينجيهم من أيدي أعدائهم الكفار ولم يترك النبي - ﷺ - الدعاء لهم بالنجاة من أيدي كفار أهل مكة إلا بعدما نجوا من أيديهم لا لنزول هذه الآية التي نزلت في الكفار والمنافقين الذين كانوا ظالمين لا مظلومين ألا تسمع خبر يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة فأصبح النبي - ﷺ - ذات يوم فلم يدع لهم فذكرت ذلك له فقال أوما تراهم قد قدموا فأعلم - ﷺ - أنه إنما ترك القنوت والدعاء بأن نجاهم الله إذ الله قد استجاب لهم فنجاهم لا لنزول الآية التي نزلت في غيرهم ممن هو ضدهم إذ من دعاء النبي - ﷺ - بأن ينجيهم مؤمنون مظلومون، ومن كان النبي - ﷺ - يدعو عليهم باللعن، كفار ومنافقون ظالمون فأمر الله ﷿ نبيه - ﷺ - بأن يترك لعن من كان يلعنهم وأعلم أنهم ظالمون وأن ليس للنبي - ﷺ - من أمرهم شيء وأن الله إن شاء عذبهم أو تاب عليهم فتفهموا ما بينته تستيقنوا بتوفيق خالقكم غلط من احتج بهذه الأخبار أن القنوت من صلاة الغداة منسوخ بهذه الآية\" (^١).\nوقال شيخ الإسلام: \"وليس لأحد أن يحتج على النسخ (أي نسخ القنوت) بما في الصحيحين عن ابن عمر أنه سمع رسول - ﷺ - إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر يقول: \"اللهم العن فلانًا وفلانًا وَفلانًا بَعد ما يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد\" فأنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ فإن هذا إنما يدل على ترك اللعنة لهم لكونه ليس له من الأمر شيء لجواز توبتهم، وهذا إذا كان نهيا فلا فرق فيه بين الصلاة وخارج الصلاة والكلام إنما هو في الدعاء الجائز خارج الصلاة كالدعاء لمعينين مستضعفين والدعاء على معينين من الكفار بالنصرة عليهم لا باللعنة ونحو ذلك\" (^٢).\n_________\n(^١) صحيح ابن خزيمة ١/ ٣١٦.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٢١/ ١٥٦.","vol":"3","page":367},{"text":"وقال شيخ الإسلام أيضًا: \"وأما الدعاء على معينين كما كان النبي - ﷺ - يلعن فلانًا وفلانًا فهذا قد رُوي أنه منسوخ بقوله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ كما قد بسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع فيما كتبته في قلعة مصر؛ وذلك لأن المعين لا يعلم أن ﵁ أن يهلك بل قد يكون ممن يتوب الله عليه بخلاف الجنس فإنه إذا دُعي عليهم بما فيه عز الدين وذل عدوه وقمعهم كان هذا دعاء بما يحبه الله ويرضاه، فإن الله يحب الإيمان وأهل الإيمان وعلو أهل الإيمان وذل الكفار، فهذا دعاء بما يحب الله، وأما الدعاء على المعين بما لا يعلم أن الله يرضاه فغير مأمور به، وقد كان يفعل ثم نُهي عنه لأن الله قد يتوب عليه أو يعذبه\" (^١).\nوقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"ويدل على منع لعن المعين أن النبي - ﷺ - كان يقول: \"اللهم العن فلانًا، وفلانًا\" لأئمة الكفر، فنهاه الله عن ذلك\" (^٢).\nوقد يقال هذا من خواص رسول الله - ﷺ -. قال الحافظ العراقي في سياق كلامه عن لعن أهل المعاصي مع التعيين: \"وقد يقال هذا من خواصه - ﷺ - لقوله - ﷺ -: \"اللهم إني اتخذت عندك عهدًا أي مسلم سببته أو لعنته وليس لها بأهل فاجعلها له صلاة ... \" الحديث، وهذا ليس لغيره\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1094>٥ - أن الكافر المعين إن كان حيًا فقد يهديه الله للإسلام:</span>\nقال ابن كثير ﵀: \"فأما الكافر المعين فقد ذهب جماعة من العلماء إلى أنه لا يلعن لأنا لا ندري بما يختم الله واستدل بعضهم بالآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ وقالت طائفة أخرى: بل يجوز\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٨/ ٣٣٥ - ٣٣٦.\n(^٢) تفسير سورة البقرة ١/ ٢٩٣.\n(^٣) طرح التثريب ٢/ ٢٩٢.","vol":"3","page":368},{"text":"لعن الكافر المعين، واختاره الفقيه أبو بكر بن العربي المالكي ولكنه احتج بحديث فيه ضعف، واستدل غيره بقوله ﵇ في قصة الذي كان يُؤتي به سكران فيحده فقال رجل: لعنه الله، ما أكثر ما يُؤتي به. فقال رسول الله - ﷺ -: لا تلعنه، فإنه يحب الله ورسوله\" فدل على أن من لا يحب الله ورسوله يُلعن والله أعلم\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1095>٦ - أن الكافر المعين إن كان ميتًا فقد نهى النبي - ﷺ - عن سب الأموات بقوله: \"لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا</span>\":\nقال ابن تيمية: \"ثم الكلام في لعنة الأموات أعظم من لعنة الحي، فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا\" حتى أنه قال: \"لا تسبوا أمواتنا فتؤذوا أحياءنا\" لما كان قوم يسبون أبا جهل ونحوه من الكفار الذين أسلم أقاربهم فإذا سبوا ذلك آذوا قرابته\" (^٢).\nوقال الشيخ ابن عثيمين: \"لأن الكافر المعين قد يهديه الله للإسلام إن كان حيًا، وإن كان ميتًا فقد قال النبي - ﷺ -: \"لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا\"\" (^٣).\nوإذا تقرر هذا فإننا نقول إن للعلماء أقوالًا أخرى في لعن الكافر المعيَّنُ. وتقدم عن الشيخ ابن عثيمين قوله: \"المعروف عند جمهور أهل العلم أنه يجوز لعنه إذا مات على الكفر\" (^٤).\nوفي الآداب الشرعية: \"وقال الشيخ تقي الدين أيضًا في موضع آخر في لعن المُعَيَّنِ من الكفار ومن أهل القبلةِ وغيرهم ومن الفُسَّاقِ بالاعتقاد أو بالعمل:\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير ١/ ١٧٦.\n(^٢) منهاج السنة النبوية ٤/ ٥٧٢، ٥٧٣.\n(^٣) تفسير سورة البقرة ١/ ٢٩٣ - ٢٩٤.\n(^٤) تفسير سورة البقرة ٢/ ١٩٣.","vol":"3","page":369},{"text":"لأصحابنا فيها أقوال:\nأحدها: أنه لا يجوز بحال، وهو قول أبي بكر عبد العزيز. والثاني: يجوز في الكافر دون الفاسق. والثالث: يجوز مطلقًا\" (^١).\nوبعض العلماء جوّز ذلك على وجه الانتصار أو الزجر والإرهاب.\nقال ابن مفلح: \"وقال \"يعني القاضي\" في مكان آخر: وقد نُقِلَ عن أحمد لعنهُ أقوام معينين من دُعاِة أهل البدع، ولهذا فَرَّقَ مَنْ فرّق من الأصحاب بين لعنةِ الفاسقِ بالفعل وبين دعاةِ أَهلِ الضلال، إما بناء على تكفيرهم، وإما بناء على أن ضررهم أشد، ومَنْ جَوَّزَ لعنة المبتدع المكفر معينًا فإنه يُجوَّز لعنة الكافر المعين بطريق الأوْلى، ومَنْ لم يُجَوَّزْ أن يلعن إلا مَن ثبتَ لعنه بالنصَّ فإنه لا يجوز لعنة الكافر المعين، فَمَنْ لم يُجَوَّزْ إلا لعنَ المنصوص يرى أن لا يجوز ذلك لا على وجه الانتصارِ، ولا على وجهِ الجهادِ وإقامةِ الحدود، كالهجرة والتعزيز والتحذير ... وكذلك من لم يلعن المعين من أهل السنة أو من أهل القبلة أو مطلقًا. وأما مَنْ جَوَّزَ لعنةَ الفاسِق المُعَيَّنِ على وجه البغض في الله ﷿ والبراءة منه والتعزير فقد يجوز ذلك على وجه الانتصار أيضًا، ومَنْ يُرَجَّح المنعَ مِنْ لعنِ المعين، فقد يجيبُ عما فعله النبيُّ - ﷺ - بأحدِ أجوبة ثلاثة:\nإما بأن ذلك منسوخ كلعن من لعن في القنوت على ما قاله أبو هريرة.\nوإما أن ذلك مما دخلَ في قوله: \"اللهم إنما أنا بشرٌ أغضبُ كما يغضب البشر، فأيما مسلم سَبَبْتُه أو لعنته - وليس كذلك - فاجعلْ ذلك له صلاةً وزكاةً ورحمةً تقربه بها إليكَ يومَ القيامة\" (^٢). لكن قد يقال: هذا الحديث لا يدلُّ على تحريم اللعنة، وإنما يدل على أنه يفعلها باجتهادهِ بالتعزيز، فجعلَ هذا الدعاء دافعًا عَمَّنْ ليس لها بأهل.\n_________\n(^١) الآداب الشرعية ١/ ٢٨٥.\n(^٢) سبق تخريجه.","vol":"3","page":370},{"text":"وإما أن يقال: اللعن من النبي - ﷺ - ثابتٌ بالنص، فقد يكون اطلع على عاقبة الملعون\" (^١).\nوفي حديث \"إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه\" قال الحافظ ابن حجر: \"وفيه جواز لعن العاصي المسلم إذا كان على وجه الإرهاب عليه لئلا يواقع الفعل، فإذا واقعه فإنما يدعى له بالتوبة والهداية.\nقلت (^٢): ليس هذا التقييد مستفادًا من هذا الحديث بل من أدلة أخرى، وقد ارتضى بعض مشايخنا ما ذكره المهلب من الاستدلال بهذا الحديث على جواز لعن العاصي المعين وفيه نظر، والحق أن من منع اللعن أراد به معناه اللغوي وهو الإبعاد من الرحمة، وهذا لا يليق أن يدعى به على المسلم بل يطلب له الهداية والتوبة والرجوع عن المعصية، والذي أجازه أراد به معناه العرفي وهو مطلق السب، ولا يخفي أن محله إذا كان بحيث يرتدع العاصي به وينزجر وأما حديث الباب فليس فيه إلا أن الملائكة تفعل ذلك ولا يلزم منه جوازه على الإطلاق\" (^٣).\nوجاء عن بعض السلف لعن مستحق اللعنة من المعينين خاصة في حق أئمة أهل البدع والضلال.\nروى نصر المقدسي عن عبد الرحمن بن مهدي قال: \"دخلت على مالك بن أنس - ﵁ - وعنده رجل يسأله عن القرآن والقدر، فقال: لعلك من أصحاب عمرو بن عبيد، لعن الله عمرًا فإنه ابتدع هذه البدعة من الكلام\" (^٤).\n_________\n(^١) الآداب الشرعية ١/ ٢٩١، ٢٩٢.\n(^٢) أي الحافظ ابن حجر.\n(^٣) فتح الباري ٩/ ٢٤٩.\n(^٤) مختصر الحجة على تارك المحجة لأبي الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي تحقيق محمد إبراهيم هارون (رسالة علمية مطبوعة على الآلة الكاتبة بالجامعة الإسلامية) ص ٤٥٢.","vol":"3","page":371},{"text":"قال البخاري: وقال وكيع: \"على المريسي لعنة الله، يهودي هو أو نصراني؟ قال له رجل: كان أبوه أو جده يهوديًا أو نصرانيًا قال وكيع: عليه وعلى أصحابه لعنة الله\" (^١).\nوروى عبد الله أيضًا عن عباس العنبري. عن شاذ بن يحيى قال: سمعت يزيد بن هارون يقول: \"من قال القرآن مخلوق فهو كافر، وجعل شاذ بن يحيى يلعن المريسي\" (^٢).\nوجاء عن يزيد بن هارون أنه قال: \"لعن الله الجهم ومن قال بقوله\" (^٣).\nوروى اللالكائي عن سعيد بن رحمة أنه قال: \"إنما خرج جهم عليه لعنة الله سنة ثلاثين ومائة\" (^٤).\nوجاء عن أبي نعيم الفضل بن دكين أنه قال: \"لعن الله بشر المريسي الكافر\" (^٥).\nوروى اللالكائي عن عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: سمعت أبي يقول: أول من أتى بخلق القرآن جعد بن درهم وقاله سنة نيف وعشرين ومائة، ثم من بعدهما بشر بن غياث المريسي لعنه اللهُ وكان صباغًا يهوديًا (^٦).\nوجاء في تراجم اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة: أخبار الجعد بن درهم لعنه الله (^٧).\nتنبيه: من منع لعن الكافر المعين فإنه لا يمنع الدعاء عليه بالهلاك، وكذلك الدعاء على الكافر أو الظالم وقت النازلة الخالي من اللعن بتعيين جائز.\n_________\n(^١) خلق أفعال العباد ضمن مجموعة (عقائد السلف) تحقيق النشار ص ١٢٤.\n(^٢) السنة لعبد الله بن أحمد ١/ ١٧٠، ١٢٢.\n(^٣) السنة لعبد الله بن أحمد ١/ ١٦٧.\n(^٤) شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٢/ ٣٨٠.\n(^٥) السنة لعبد الله بن أحمد ١/ ١٧٠.\n(^٦) شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٢/ ٣٨٢.\n(^٧) المصدر نفسه ٢/ ٣٨٢.","vol":"3","page":372},{"text":"قال الإمام ابن تيمية: \"مع أنهم - أي الصحابة والتابعين - نقلوا قنوته الذي لا يشرع بعينه وإنما يشرع نظيره فإن دعاءه لأولئك المعينين وعلى أولئك المعينين ليس بمشروع باتفاق المسلمين بل إنما يشرع نظيره فيشرع أن يقنت عند النوازل يدعو للمؤمنين ويدعو على الكفار في الفجر وفي غيرها من الصلوات وهكذا كان عمر يقنت لما حارب النصارى بدعائه الذي فيه اللهم العن كفرة أهل الكتاب إلى آخره وكذلك علي - ﵁ - لما حارب قوما قنت يدعو عليهم وينبغي للقانت أن يدعو عند كل نازلة بالدعاء المناسب لتلك النازلة وإذا سمى من يدعو لهم من المؤمنين ومن يدعو عليهم من الكافرين المحاربين كان ذلك حسنًا\" (^١).\nوفي قوله \"اللهم العن فلانًا وفلانًا ... \" قال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"قوله فلانًا وفلانًا يعني صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام كما بينه في الرواية التي بعدها وفيه جواز الدعاء على المشركين في الصلاة وتسمية المدعو عليهم ولهم بأسمائهم في الصلاة وأن ذلك لا يضر الصلاة\" (^٢).\nوقال الشيخ ابن عثيمين: \"ولا بأس بدعائنا على الكافر بقولنا: اللهم! أرح المسلمين منه، واكفهم شره، واجعل شره في نحره، ونحو ذلك\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1096>ثالثًا: حكم لعن الفاسق المعين:</span>\nروى البخاري من حديث عمر - ﵁ - أن رجلًا كان اسمه عبد الله، وكان يلقب حمارًا، وكان يُضْحِكُ رسولَ الله - ﷺ -، وكان رسول الله - ﷺ - قد جلده في الشراب، فأُتي به يومًا فأمر به فجلده، فقال رجلٌ من القوم: اللهم العنه ما أكثر ما يؤتى به؟ فقال النبي - ﷺ -: \"لا تلعنوه، فوالله ما علمتُ إلا إنه يُحبُّ الله ورسوله\" (^٤). وروى مسلم من\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢٢/ ٢٧٠، ٢٧١.\n(^٢) تيسير العزيز الحميد ص ٢٢٠.\n(^٣) القول المفيد من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٢٤٩.\n(^٤) أخرجه البخاري في باب ما يكره من لعن شارب الخمر وأنه ليس بخارج عن الملة رقم (٦٧٨٠).","vol":"3","page":373},{"text":"حديث بريدة أنَّ خالد بن الوليد لما رمى المرجومةَ بحجر فنضح الدم على وجهه، فَسَبَّها، فسمع النبيُّ - ﷺ - سبَّهُ إياها، فقال: \"مهلًا يا خالد، فوالذي نفسي بيده لقد تابتْ توبةً لو تابها صاحبُ مكس (^١) لغفر له\" (^٢).\nقال القرطبي ﵀: \"وذكر ابن العربي أن لعن العاصي المعين لا يجوز اتفاقًا\" (^٣).\nوقال ابن تيمية ﵀: \"وقد تنازع الناس في لعنة الفاسق المعين فقيل إنه جائز كما قال ذلك طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم كأبي الفرج بن الجوزي وغيره، وقيل إنه لا يجوز كما قال ذلك طائفة أخرى من أصحاب أحمد وغيرهم كأبي بكر عبد العزيز وغيره، والمعروف عن أحمد كراهة لعن المعين كالحجاج بن يوسف وأمثاله وأن يقول كما قال الله تعالى ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ثم ذكر حديث حمار وقال: فقد نهى النبي - ﷺ - عن لعنة هذا المعين الذي كان يكثر شرب الخمر معللًا ذلك بأنه يحب الله ورسوله مع أنه - ﷺ - لعن شارب الخمر مطلقًا؛ فدل ذلك على أنه يجوز أن يلعن المطلق ولا تجوز لعنة المعين الذي يحب الله ورسوله\" (^٤).\nولا يشكل على القول بعدم الجواز ورود اللعن في كتاب الله قال ابن تيمية: \"فأما قول الله تعالى ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨] فهي آية عامة كآيات الوعيد بمنزلة قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]، وهذا يقتضي أن هذا الذنب سبب اللعن والعذاب لكن قد يرتفع موجبه لمعارض راجح إما توبة، وإما حسنات ماحية، وإما مصائب مكفرة، فمن أين يعلم الإنسان أن يزيد أو غيره من الظَلَمة لم يتب من\n_________\n(^١) قال ابن الأثير: المكس: الضريبة التي يأخذها الماكس وهو العشَّار. النهاية (م ك س).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٦٩٥)، وأبو داود (٤٤٤٢).\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن ٢/ ١٨٩.\n(^٤) منهاج السنة النبوية ٤/ ٥٦٩ - ٥٧٠.","vol":"3","page":374},{"text":"هذه، أو لم تكن له حسنات ماحية تمحو ظلمه؟ ولم يُبتل بمصائب تكفر عنه، وأن الله لا يغفر له ذلك مع قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وقد ثبت في صحيح البخاري عن ابن عمر - ﵄ - عن النبي - ﷺ - قال: \"أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور لهم\" وأول جيش غزاها كان أميرهم يزيد، والجيش عدد معين لا مطلق وشمول المغفرة لآحاد هذا الجيش أقوى من شمول اللعنة لكل واحد واحد من الظالمين فإن هذا أخص والجيش معينون\" (^١).\nوقال ابن مفلح في الآداب الشرعية: \"قال أبو بكر الخلال في كتاب \"السنة\": الذي ذكره أبو عبد الله في التوقف في اللعنة فيه أحاديث كثيرة لا تخفى على أهل العلم، ويتبع فيه قول الحسن وابن سيرين فهما الإمامان في زمانهما، ويقول: لعنَ اللهو مَنْ قتلَ الحسين بن علي، لعنَ الله مَنْ قتل عثمانَ، لعن الله من قتل عليًا، لعن الله من قتل معاوية بن أبي سفيان، ويقول: لعنةُ الله على الظالمين إذا ذُكِرَ لنا رجلٌ من أهل الفتن على ما تقلده أحمد\" (^٢).\nوقال ﵀ أيضًا: \"قال القاضي: فأما فُسَّاقُ أهل الملة بالأفعالِ كالزنى والسرقة وشرب الخمر وقتل النفس ونحو ذلك فهل يجوز لعنهم أم؟ فقد تَوَقَّفَ أحمد - ﵁ - عن ذلك في رواية صالح قلت لأبي: الرجلُ يذكر عنده الحجاجُ أو غيرُه يلعنه؟ فقال: لا يعجبني، لو عَمَّ فقال: ألا لعنةُ الله على الظالمين\" (^٣).\nوقال أيضًا ﵀: \"وذكر - يعني القاضي - ما نقله خط أبي حفص العُكْبَري أسنده إلى صالح بن أحمد قلت لأبي: إنَّ قومًا ينسبون إليَّ تولِّي يزيد،\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية ٤/ ٥٧١، ٥٧٢.\n(^٢) الآداب الشرعية ١/ ٢٨٦.\n(^٣) الآداب الشرعية ١/ ٢٨٨.","vol":"3","page":375},{"text":"فقال: يا بُنَيَّ، وهل يتولَّى يزيد أحدٌ يؤمنُ بالله واليوم الآخر؟ فقلت: ولم لا تلعنه؟ فقال: ومتى رأيتني ألحنُ شيئًا؟ لِمَ لا نلعن مَنْ لعنه الله ﷿ في كتابه؟ فقلت: وأين لعن الله يزيد في كتابه؟ فقرأ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٢ - ٢٣]. فهل يكون في قطع الرحم أعظم من القتل؟\nقال القاضي: وهذه الرواية إنْ صَحَّتْ فهي صريحةٌ في معنى لعن يزيد (^١).\nقال الشيخ تقي الدين: الدلالة مبنية على استلزام المطلق للمعين، انتهى كلامه\" (^٢).\nوجاء في رواية أبي طالب قال سألت أحمدَ بن حنبل عَمَّنْ قال: لعن الله يزيد بن معاوية. فقال: \"لا تكلّمْ في هذا، الإمساكُ أحَبُّ إليَّ\" (^٣).\nقال ابن مفلح: \"قال ابن الجوزي: هذه الرواية تدل على اشتغال الإنسان بنفسه عن لَعْنِ غيره. والأولى - على جواز اللعنة - كما قلنا في تقديم التسبيح على لعنه إبليس. وسَلَّمَ ابن الجوزي أن تركَ اللعنِ أوْلى، وقد روى مسلم عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قيل يا رسول الله ادعُ الله على المشركينَ، قال: \"إني لم أُبْعَث لَعَّانا وإنما بُعثتُ رحمةً\" (^٤) \" (^٥).\nوذكر ابن حجر ﵀ جواز لعن الفاسق المسلم المجاهر بفسقه المشتهر به\n_________\n(^١) لعل هذا وما قبله مأخذ قول العلامة الكيا الهراسي من فقهاء الشافعية إذ سئل عن لعن يزيد فقال: للشافعي فيه قولان تصريح وتلويح، ولأحمد فيه قولان تصريح وتلويح، ولنا قول واحد صريح لا تلويح: لعنة الله عليه.\n(^٢) الآداب الشرعية ١/ ٢٩٠.\n(^٣) الآداب الشرعية ١/ ٢٨٦.\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٥٩٩) من حديث أبي هريرة.\n(^٥) الآداب الشرعية ١/ ٢٨٦.","vol":"3","page":376},{"text":"خاصة إذا كان ضرره بيّنًا وأذاه وظلمه للمسلمين ظاهرًا (^١).\nوقال القرطبي: \"ومن أقيم عليه حد الله تعالى فلا ينبغي لعنه، ومن لم يقم عليه الحد فلعنته جائزة سواء سُمِّي أو عيِّن أم لا؟ لأن النبي - ﷺ - لا يلعن إلا من تجب عليه اللعنة ما دام على تلك الحالة الموجبة للعن فإذا تاب منها وأقلع وطهَّره الحد فلا لعنة تتوجه عليه\" (^٢).\nوقال ابن تيمية: \"وأما ما نقله عن أحمد فالمنصوص الثابت عنه من رواية صالح أنه قال: ومتى رأيت أباك يلعن أحدًا لما قيل له: ألا تلعن يزيد؟ فقال ومتى رأيت أباك يلعن أحدًا؟.\nوثبت عنه أن الرجل إذا ذكر الحجاج ونحوه من الظلمة وأراد أن يلعن يقول: ألا لعنة الله على الظالمين وكره أن يلعن المعين باسمه، ونقلت عنه رواية في لعنة يزيد وأنه قال: ألا ألعن من لعنه الله، واستدل بالآية لكنها رواية منقطعة ليست ثابته عنه، والآية لا تدل على لعن المعين ولو كان كل ذنب لعن فاعله يلعن المعين الذي فعله للعن جمهور الناس وهذا بمنزلة الوعيد المطلق لا يستلزم ثبوته في حق المعين إلا إذا وجدت شروطه وانتفت موانعه، وهكذا اللعن وهذا بتقدير أن يكون يزيد فعل ما يُقطع به الرحم. ثم إن هذا تحقق في كثير من بني هاشم الذين تقاتلوا من العباسيين والطالبيين فهل يلعن هؤلاء كلهم؟ وكذلك من ظَلَم قرابةً له لا سيما وبينه وبينه عدة آباء أيلعنه بعينه ثم إذا لُعن هؤلاء لعن كل من شمله ألفاظه وحينئذ فيلعن جمهور المسلمين .... وأما أبو الفرج بن الجوزي فله كتاب في إباحة لعنة يزيد رد فيه على الشيخ عبد المغيث الحربي فإنه كان ينهى عن ذلك، وقد قيل إن الخليفة الناصر لما بلغه نهى الشيخ عبد المغيث عن ذلك قصده وسأله عن ذلك وعرف عبد المغيث\n_________\n(^١) فتح الباري ٩/ ٢٠٧.\n(^٢) تفسير القرطبي ٢/ ١٨٩.","vol":"3","page":377},{"text":"أنه الخليفة، ولم يُظهر أنه يعلمه فقال: يا هذا أنا قصدي كف ألسنة الناس عن لعنة خلفاء المسلمين وولاتهم وإلا فلو فتحنا هذا الباب لكان خليفة وقتنا أحق باللعن، فإنه يفعل أمورًا منكرة أعظم مما فعله يزيد، فإن هذا يفعل كذا ويفعل كذا وجعل يعدد مظالم الخليفة حتى قال له ادع لي يا شيخ وذهب\" (^١).\nوقال ابن مفلح: \"قال الشيخ تقي الدين: فصار للأصحاب في الفساق ثلاثة أقول:\nأحدها: المنعُ عمومًا وتعيينًا إلا برواية النص.\nوالثاني: إجازتها.\nوالثالث: التفريقُ وهو المنصوص.\nلكن المنع من المعين هل هو: منع كراهة، أو منع تحريم؟ ثم قال في الرد على الرافضي: لا يجوز واحتج بنهيه ﵇ عن لعنة الرجل الذي يدعى حمارًا، وقال: هنا ظاهر كلامه الكراهة، وبذلك فَسَّرَهُ القاضي فيما بَعْدُ لمّا ذكر قول أحمد: لا تعجبني لعنة الحَجَّاج ونحوه، لو عَمَّ فقال: ألا لعنةُ الله على الظالمين\" (^٢).\nوالفاسق المعين قد يكون قام به من الأعمال القلبية والبدنية ما يمنع لحوق اللعنة به - فقد تكون له مع الله توبة، أو حسنات ماحية، أو يصاب بمصائب مكفرة من عقوبات الدنيا، وقد يحصل له في البرزخ من الشدة أو في عرصات القيامة ما يكون سبب لزوال العقوبة عنه - وقد تزول بدعاء المؤمنين كالصلاة عليه وشفاعة الشفيع المطاع.\nقال ابن تيمية: \" ... فإن ما أمر الله به من حقائق الإيمان التي بها يصير العبد من المؤمنين حقًّا أعظم نفعًا من نفع ترك بعض الذنوب الظاهرة كحب الله ورسوله فإن هذا أعظم الحسنات الفعلية حتى ثبت في الصحيح أنه كان على عهد النبي\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية ٤/ ٥٧٣، ٥٧٥.\n(^٢) الآداب الشرعية ١/ ٢٨٩.","vol":"3","page":378},{"text":"رجل يدعى حمارا وكان يشرب الخمر وكان كلما أتي به إلى النبي - ﷺ - جلده الحد فلما كثر ذلك منه أتي به مرة فأمر بجلده فلعنه رجل فقال النبي - ﷺ -: \"لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله\" نهى عن لعنه مع إصراره على الشرب لكونه يحب الله ورسوله مع أنه - ﷺ - لعن في الخمر عشرة: \"لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وشاربها وساقيها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها ومبتاعها وآكل ثمنها\" ولكن لعن المطلق لا يستلزم لعن المعين الذي قام به ما يمنع لحوق اللعنة له، وكذلك التكفير المطلق والوعيد المطلق، ولهذا كان الوعيد المطلق في الكتاب والسنة مشروطا بثبوت شروط وانتفاء موانع، فلا يلحق التائب من الذنب باتفاق المسلمين، ولا يلحق من له حسنات تمحو سيئاته، ولا يلحق المشفوع له والمغفور له فإن الذنوب تزول عقوبتها التي هي جهنم بأسباب التوبة والحسنات الماحية والمصائب المكفرة - لكنها من عقوبات الدنيا -، وكذلك ما يحصل في البرزخ من الشدة - وكذلك ما يحصل في عرصات القيامة، وتزول أيضا بدعاء المؤمنين كالصلاة عليه وشفاعة الشفيع المطاع كمن يشفع فيه سيد الشفعاء محمد ﷺ تسليمًا\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1097>٢٤٩ - لمز الرسول - ﷺ </span>- *\nاللمز: الاغتياب وتتبع المعايب (^٢).\nقال الفيروزأبادي: \"اللمز: العيب والإشارة بالعين ونحوها\" (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٠/ ٣٢٩.\n(^٢) التوقيف على مهمات التعريف ٦٢٦.\n(^٣) القاموس المحيط (ل م ز).","vol":"3","page":379},{"text":"وهذه من خصال المنافقين كما قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة:٥٨] وقد تقدم الكلام عنها في باب (سب الرسول - ﷺ -).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1098>٢٥٠ - لمز المؤمنين في الطاعات</span>\nوذكر عيوبهم وهذه من صفات المنافقين قال جل ذكره: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٧٩].\nوقد ألمحنا إليها في باب (سب السلف والعلماء).","vol":"3","page":380},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1099>٢٥١ - لو</span>*\nقال ابن الأثير: \"لو\" ساكنة الواو وهي حرف من حروف المعاني يمتنع بها الشيء لامتناع غيره\" (^١).\nويسميها النحاة: \"حرف امتناع لامتناع\" أي امتناع الجواب لامتناع الشرط، وتفيد التعليق في الماضي وهو أكثر استعمالاتها.\nوالغرض هنا أن نبين ما ورد في لفظ \"لو\" من النهي عنه عند حصول الأمور المكروهة، كالبلايا والمصائب إذا جرى بها القدر لما فيه من الإشعار بعدم الصبر والأسى على ما فات مما لا يمكن استدراكه.\nقال ابن الأثير: \"وفيه الحديث \"إياك واللو فإن اللو من الشيطان\" يريد قول المتندم على الفائت: لو كان كذا لقُلتُ وفعلت، وكذلك قول المتمني لأن ذلك من الاعتراض على الأقدار\" (^٢).\nفقول \"لو\" على وجه الاعتراض على أقدار الله ينافي التوحيد أو كماله. قال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"اعلم أن من كمال التوحيد الاستسلام للقضاء والقدر رضًا بالله ربًا فإن هذا من جنس المصائب والعبد مأمور عند المصائب بالصبر والإرجاع والتوبة. وقول \"لو\" لا يجدي عليه إلا الحزن والتحسر مع ما يخاف توحيده من نوع المعاندة للقدر الذي لا يكاد يسلم منها من وقع منه هذا - إلا ما\n_________\n* تيسير العزيز الحميد ص ٦٧٣. فتح المجيد ص ٥٥١. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٣٥٢. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٣/ ١٢٢، ط ٢ - ٣/ ١٥١ ومن مجموع الفتاوى ١٠/ ٩٤٨. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٣/ ١٢٧. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٤٩.\n(^١) النهاية (ل وا).\n(^٢) النهاية (ل وا).","vol":"3","page":381},{"text":"شاء الله -، فهذا وجه إيراده هذا الباب في التوحيد\" (^١).\n* الدليل من الكتاب: قول الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران: ١٥٤] وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨].\n* الدليل من السنة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى الله مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْر، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِـ الله وَلا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ (^٢) اللِه وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1100> حكم التلفظ بها:</span>\nينهى عن قول \"لو\" في الأمور المقدرة في الماضي؛ لأنها تدل على التسخط على القدر وتجدد الأحزان في النفوس. أما قول \"لو\" تندما على فوات الطاعة فلا بأس به لأنه يدل على الرغبة في الخير وكذلك قولها على وجه التمني للخير فيما يستقبل فيجوز.\nقال ابن القيم: \"وسبب النهي ليس لمجرد لفظ لو بل لما كان لها من الأمور القائمة بقلبه المنافية لكمال الإيمان الفاتحة لعمل الشيطان. بل أرشد العبد في هذه الحال إلى ما هو أنفع له وهو الإيمان بالقدر والتفويض والتسليم للمشيئة الإلهية .. \" (^٤).\nوقال الشيخ السعدي: \"اعلم أن استعمال العبد للفظة لو تقع على قسمين: مذموم، ومحمود.\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٦٧٣.\n(^٢) رويت بتشديد الدال وتخفيفها.\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٦٦٤).\n(^٤) إعلام الموقعين ٣/ ٢٠٥.","vol":"3","page":382},{"text":"* أما المذموم فأن يقع منه أو عليه أمر لا يحبه فيقول: لو أني فعلت كذا لكان كذا فهذا من عمل الشيطان لأن فيه محذورين:\nأحدهما: أنها تفتح عليه باب الندم والسخط والحزن الذي ينبغي له إغلاقه وليس فيها نفع.\nالثاني: أن في ذلك سوء أدب على الندم وعلى قدره فإن الأمور كلها والحوادث دقيقها وجليلها بقضاء الله وقدره، وما وقع من الأمور فلابد من وقوعه، ولا يمكن رده، فكأن في قوله: لو كان كذا، أو لو فعلت كذا كان كذا نوعٌ اعتراضٍ ونوعُ ضعف إيمان بقضاء الله وقدره.\nولا ريب أن هذين الأمرين المحذورين لا يتم للعبد إيمان ولا توحيد إلا بتركهما.\n* أما المحمود من ذلك فأن يقولها العبد تمنيا للخير كقوله - ﷺ -: \"لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولأهللت بالعمرة\".\nوقوله في الرجل المتمني للخير: \"لو أن لي مثل مال فلان لعملت فيه مثل ما عمل فلان\"، \"ولو صبر أخي موسى لقص الله علينا من نبأهما\" أي قصته مع الخضر.\nوكما أن \"لو\" إذا قالها متمنيًا للخير فهو محمود، فإذا قالها متمنيًا للشر فهو مذموم. فاستعمال \"لو\" تكون بحسب الحال الحامل عليها. إن حمل عليها الضجر والحزن وضعف الإيمان بالقضاء والقدر أو تمني الشر كان مذموما. وإن حمل عليها الخير والإرشاد والتعليم كان محمودًا\" (^١).\nوقال الشيخ ابن عثيمين: \"\"لو\" تستعمل على عدة أوجه:\nالوجه الأول: أن تستعمل في الاعتراض على الشرع. وهذا محرم قال الله تعالى:\n_________\n(^١) القول السديد ص ١٣٩ - ١٤١.","vol":"3","page":383},{"text":"﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨] في غزوة أحد حينما تخلف أثناء الطريق عبد الله بن أبيّ في نحو ثلث الجيش فلما استشهد من المسلمين سبعون رجلا اعترض المنافقون على تشريع الرسول - ﷺ - وقالوا: لو أطاعونا ورجعوا كما رجعنا ما قتلوا، فرأيُنا خير من شرع محمد، وهذا محرم وقد يصل إلى الكفر.\nالثاني: أن تستعمل في الاعتراض على القدر. وهذا محرم أيضا قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦] أي لو أنهم بقوا ما قتلوا؛ فهم يعترضون على قدر الله.\nالثالث: أن تستعمل للندم والتحسر. وهذا محرم أيضًا لأن كل شيء يفتح الندم عليك فإنه منهي عنه، لأن الندم يكسب النفس حزنًا وانقباضًا والله يريد منا أن نكون في انشراح وانبساط قال - ﷺ -: \"احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا، فإن لو تفتح عمل الشيطان\".\nمثال ذلك: رجل حرص أن يشتري شيئًا يظن أن فيه ربحًا فخسر، فقال: لو أني ما اشتريته ما حصل لي خسارة فهذا ندم وتحسر، ويقع كثيرًا، وقد نهي عنه.\nالرابع: أن تستعمل في الاحتجاج بالقدر على المعصية؛ كقول المشركين ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] وقولهم ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠] وهذا باطل.\nالخامس: أن تستعمل في التمني، وحكمه حسب المتمني: إن كان خيرًا فخيرًا وإن كان شرا فشرا، وفي الحديث عن النبي - ﷺ - في قصه النفر الأربعة قال أحدهم: \"لو أن لي مالًا لعملت بعمل فلان\". فهذا تمنى خيرًا، وقال الثاني: \"لو أن لي مالًا لَعملت بعمل فلان\". فهذا تمنى شرًّا. فقال النبي - ﷺ - في الأول: \"فهو بنيته، فأجرهما","vol":"3","page":384},{"text":"سواء\". وقال في الثاني: \"فهو بقيته فوزرهما سواء\".\nالسادس: أن تستعمل في الخبر المحض.\nوهذا جائز مثل: لو حضرت الدرس لاستفدت، ومنه قوله - ﷺ -: \"لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولأحللت معكم\" فأخبر النبي - ﷺ - أنه لو علم أن هذا الأمر سيكون من الصحابة ما ساق الهدي ولأحل، وهذا هو الظاهر لي.\nوبعضهم قال: إنه من باب التمني، كأنه قال: ليتني استقبلت من أمري ما استدبرت حتى لا أسوق الهدي.\nلكن الظاهر: أنه خبر لما رأى من أصحابه، والنبي - ﷺ - لا يتمنى شيئًا قدر الله خلافه\" (^١).\nقال في التيسير: \"وقال القاضي: \"قال بعض العلماء: هذا النهي إنما هو لمن قاله معتقدا ذلك حتما، وأنه لو فعل ذلك لم يصبه قطعا. فأما من رد ذلك إلى مشيئة الله تعالى، وأنه لن يصيبه إلا ما شاء الله، فليس من هذا، واستدل بقول أبي بكر الصديق في الغار: لو أن أحدهم رفع رأسه لرآنا. قال القاضي: وهذا ما لا حجة فيه، لأنه أخبر عن مستقبل، وليس فيه دعوى لرد القدر بعد وقوعه. قال: وكذا جميع ما ذكره البخاري فيما يجوز من \"اللو\" كحديث \"لولا حدثان قومك بالكفر، لأتممت البيت على قواعد إبراهيم\" و\"لو كنت راجما بغير بينة لرجمت هذه\"، \"ولولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك\"، وشبه ذلك، وكله مستقبل لا اعتراض فيه على قدر ولا كراهة فيه، لأنه إنما أخبر عن اعتقاده فيما كان يفعل لولا المانع وعما هو في قدرته، فأما ما ذهب فليس في قدرته. فإن قيل: ما تصنعون بقوله - ﷺ - \"لو\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١٠/ ٩٤٩، ٩٥٠. وانظر: القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٣/ ١٢٢، ١٢٤.","vol":"3","page":385},{"text":"استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة\"؟ قيل هذا كقوله: \"لولا حدثان قومك بالكفر\" ونحوه مما هو خبر عن مستقبل لا اعتراض فيه على قدر، بل هو إخبار لهم أنه لو استقبل الإحرام بالحج؛ ما ساق الهدي ولا أحرم بالعمرة بقوله لهم لما أمرهم بنسخ الحج إلى العمرة حثا لهم وتطييبا لقلوبهم لما رآهم توقفوا في أمره، فليس من المنهي عنه، بل هو إخبار لهم عما كان يفعل في المستقبل لو حصل، ولا خلاف في جواز ذلك، وإنما ينهى عن ذلك في معارضة القدر مع اعتقاد أن ذلك المانع لو يقع لوقع خلاف المقدور\" (^١).\nوقال الشيخ بكر أبو زيد: \"واستثنى العلماء من ذلك جواز \"لو\" في الأمور الشرعية التي لم تمكنه، لأنه من باب تمني الخير وفعله، وعليه عقد البخاري في الصحيح: باب ما يجوز من اللو. وجوازها فيما يستقبل مثل: لو اشتريت كذا فأنا شريكك\" (^٢).\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ٦٧٨، ٦٧٩.\n(^٢) معجم المناهي اللفظية ص ٦٧٦.","vol":"3","page":386},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1101>٢٥٢ - لَوْلَا </span>*\nوالمنهي فيها عن قولين:\nأ - لولا الله وفلان.\nب - لولا فلان لم يكن كذا.\n١ - لولا الله وفلان: جاء عن إبراهيم النخعي أنه يكره أن يقول الرجل: أعوذ بالله وبك، ويجوز أن يقول: بالله ثم بك. قال: ويقول: لولا الله ثم فلان، ولا تقولوا: لولا الله وفلان (^١). وسيأتي تسمية ابن عباس له شركًا.\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"وذلك - والله أعلم - لأن الواو تقتضي مطلق الجمع؛ فمنع منها للجمع، لئلا توهم الجمع بين الله وبين غيره، كما منع من جمع اسم الله، واسم رسوله في ضمير واحد. و\"ثم\" إنما تقتضي الترتيب فقط، فجاز ذلك لعدم المانع\" (^٢)، ويؤيد ذلك حديث: \" ... ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان\" (^٣).\n٢ - لولا فلان لم يكن كذا ولولا فلان لكان كذا وهذا من الشرك الخفي لقول الله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢].\nقال ابن عباس في الآية: \"الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلانة، وحياتي، وتقول: لولا كُلَيْبَةُ هذا أتانا اللصوص، ولولا البطُّ في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول: الرجل لولا الله وفلان، لا تجعل فيها فلان فلانا\n_________\n* الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٩/ ٢٧٣. تيسير العزيز الحميد ص ٥٩٠، ٥٩٤، ٦٠١. فتح المجيد ص ٤٨٤، ٤٩٠. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٢٩٨، ٣٠١. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ٣٢١، ط ٢ - ٢/ ٣٧٨ - ٣٨٨. ومن المجموع ١٠/ ٧٩٥. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٣/ ١٢٩.\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في \"كتاب الصمت\" رقم (٣٤٧).\n(^٢) تيسير العزيز الحميد ص ٦٠١.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد (٢٣٧٧٣).","vol":"3","page":387},{"text":"هذا كله به شرك\" (^١). وهذا محمول على أنه تناسى المنعم (^٢).\nوفي قوله: \"لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص\" قال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"والمعنى أن من الشرك نسبة عدم السرقة إلى الكلبة التي إذا رأت السراق نبحتهم، فاستيقظ أهلها وهرب السراق. وربما امتنعوا من إتيان المحل الذي هي فيه خوفًا من نباحها، فيعلم بهم أهلها كما روى ابن أبي الدنيا في \"الصمت\" عن ابن عباس قال: \"إن أحدكم ليشرك حتى يشرك بكلبه يقول: لولاه لسرقنا الليلة\".\nوقوله: \"ولولا البط في الدار لأتى اللصوص\". البط بفتح الموحدة: طائر معروف يتخذ في البيوت وإذا دخلها غريب صاح واستنكره، وهو الإوز بكسر الهمزة وفتح الواو ومعناها كالذي قبله. والواجب نسبة ذلك إلى الله تعالى، فهو الذي يحفظ عباده ويكلؤهم بالليل والنهار كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٢] \" (^٣).\nقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"والخلاصة: أن الحادث بسبب معلوم له صور:\nالصورة الأولى: أن يضيفه إلى الله وحده.\nالثانية: أن يضيفه إلى الله تعالى مقرونًا بسببه المعلوم؛ مثل أن يقول: \"لولا أن الله أنجاني بفلان لغرقت\".\nالثالثة: أن يضيفه إلى السبب المعلوم وحده مع اعتقاد أن الله هو المسبِّب، ومنه قول النبي - ﷺ - في عمه أبي طالب لما ذكر عذابه: \"لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار\".\nالرابعة: أن يضيفه إلى الله مقرونًا بالسبب المعلوم بـ \"ثم\"، كقوله: \"لولا الله ثم فلان\"، وهذه الأربع كلها جائزة.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (٢٣٠).\n(^٢) وقد ذكرت تفصيل ذلك في باب (كفر النعمة) فليراجع.\n(^٣) تيسير العزيز الحميد ص ٥٩٣.","vol":"3","page":388},{"text":"الصورة الخامسة: أن يضيفه إلى الله، وإلى السبب المعلوم مقرونًا بالواو؛ فهذا شرك، كقوله: \"لولا الله وفلان\".\nالصورة السادسة: أن يضيفه إلى الله، وإلى السبب المعلوم مقرونًا بالفاء، مثل: \"لولا الله ففلان\"، فهذا محل نظر: يحتمل الجواز، ويحتمل المنع.\nالصورة السابعة: أن يضيفه إلى سبب موهوم ليس بثابت شرعًا، ولا حسًا، فهذا شرك\" (^١).\nويستفاد من تفسير ابن عباس للآية: \"أن السلف يحتجون بما أنزل في الشرك الأكبر على الأصغر\" (^٢).\nوجاء عن عون بن عبد الله في قوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣] قال: \"إنكارهم إياها أن يقول الرجل: لولا فلان ما كان كذا وكذا، ولولا فلان ما أصبت كذا وكذا\" (^٣).\nقال ابن القيم ما معناه: \"هذا يتضمن قطع إضافة النعمة عن من لولاه لم تكن، وإضافتها إلى من لم يملك لنفسه ضرًا وَلا نفعًا فضلا عن غيره، وغايته أن يكون جزءا من أجزاء السبب أجرى الله نعمته على يده، والسبب لا يستقل بالإيجاد وجعله سببًا هو من نعم الله عليه. فهو المنعم بتلك النعمة، وهو المنعم بما جعله من أسبابها، فالسبب والمسبب من إنعامه، وهو تعالى كما أنه قد ينعم بذلك السبب، فقد ينعم بدونه ولا يكون له أثر، وقد يسلبه سببيته، وقد يجعل لها معارضا يقاومها، وقد يرتب على السبب ضد مقتضاه، فهو وحده المنعم على الحقيقة\" (^٤).\n_________\n(^١) تفسير سورة البقرة ١/ ٢١٧، ٢١٨.\n(^٢) تيسير العزيز الحميد ص ٥٩٣.\n(^٣) أخرجه ابن جرير ١٤/ ١٥٨.\n(^٤) تيسير العزيز الحميد ص ٥٩٠. وانظر للاستزادة باب (الند والأنداد).","vol":"3","page":389},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1102>٢٥٣ - ما شاء اللّه وشئت</span>*\nمما جاء فيه النهي عن الرسول - ﷺ - أن يعطف اسم المخلوق على اسم الخالق بالواو بعد المشئية ونحوها لأن المعطوف بها يكون مساويًا للمعطوف عليه لكونها إنما وضعت لمطلق الجمع فلا تقتضي ترتيبًا ولا تعقيبًا، وتسوية المخلوق بالخالق شرك.\nقال ابن الأثير: \"وإنما فرّق بين قول \"ما شاء الله وشئت\" وما شاء الله ثم شئت؛ لأن الواو تفيد الجمع دون الترتيب، وثم تجمع وترتب، فمع الواو يكون قد جمع بين الله وبينه في المشئية، ومع ثم يكون قد قدّم مشفية الله على مشئيته\" (^١).\n* الدليل من السنة: عَنْ قُتَيْلَةَ امْرَأَةٍ مِنْ جُهَيْنَةَ أَنَّ يَهُودِيًّا أَتَى النَّبيَّ - ﷺ - فَقَالَ: إِنَّكُمْ تُنَدِّدُونَ وَإِنَّكُمْ تُشْرِكُونَ تَقُولُونَ: مَا شَاءَ الله وَشئْتَ، وَتَقُولُونَ وَالْكَعْبَةِ، فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْلِفُوا أَنْ يَقُولُوا: \"وَرَبِّ الْكَعْبَةِ وَيَقُولُونَ مَا شَاءَ الله ثُمَّ شئْتَ\" (^٢).\nوعن حذيفة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان\" (^٣).\n_________\n* تيسير العزيز الحميد ٦٠٥. فتح المجيد ٤٩٧. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٣٠٧. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ٣٣٠، ٣٣٩، ط ٢ - ٢/ ٤٠٨ ومن المجموع ١٠/ ٨٠٢، ٨١١. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٣/ ٧٦. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ص ٣٩٥. منهج ابن حجر في العقيدة ص ١٠٧٧.\n(^١) النهاية (ش ي أ).\n(^٢) أخرجه النسائي (٣٧٧٣).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد (٢٣٧٧٣)، أبو داود (٤٩٨٠).","vol":"3","page":390},{"text":"وله أيضا عن ابن عباس - ﵁ - أن رجلًا قال للنبي - ﷺ -: ما شاء الله وشئت، قال: \"أجعلتني للّه ندًا؟ بل ما شاء الله وحده\" (^١).\nوعن طفيل بن سخبرة أخي عائشة لأمها أنه رأى فيما يرى النائم كأنه مر برهط من اليهود فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن اليهود. قال: إنكم أنتم القوم لولا أنكم تزعمون أن عزير ابن الله. فقالت اليهود: وأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. ثم مر برهط من النصارى فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن النصارى. فقال: إنكم أنتم القوم لولا أنكم تقولون المسيح ابن الله. قالوا وإنكم أنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وما شاء محمد. فلما أصبح أخبر من أخبر ثم أتى النبي - ﷺ - فأخبره فقال: \"هل أخبرت بها أحدًا\" قال: نعم، فلما صلوا خطبهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: \"إن طفيلا رأى رؤيا فأخبر بها من أخبر منكم، وإنكم كنتم تقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكم أن أنهاكم عنها قال: لا تقولوا ما شاء الله وما شاء محمد\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1103>أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1104>١ - حكم إطلاق ما شاء الله وشئت:</span>\nيتبين مما سبق أن هذا الإطلاق له صور ثلاث وهي كالتالي:\n١ - ما شاء الله وحده فهذه أفضلها لحديث ابن عباس - ﵄ -: \"قل ما شاء الله وحده\" (^٣).\n٢ - ما شاء الله ثم شئت فهذه تجوز؛ لأن فيه العطف بثم والعطف بثم يقتضي الترتيب والتراخي ولكونه صار تابعًا. ففيه إثبات المشيئة لله وحده، وإثبات\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة ص ٩٨٨.\n(^٢) الإمام أحمد (٢٠٩٧٠) (٢٣٧٧٤).\n(^٣) سبق تخريجه.","vol":"3","page":391},{"text":"المشيئة للعبد وأنها تابعة لمشيئة الله تعالى.\n٣ - ما شاء الله وشاء فلان وهذا شرك لأن في اللفظة مساواة غير الله مع الله فيما هو من خصائص الله. وجاء الحديث صريحًا في تحريم هذا القول وما أشبهه من الألفاظ مما فيه العطف بالواو لأن العطف بالواو يقتضي الجمع والمساواة بين الخالق والمخلوق وهذا شرك أصغر ينافي كمال التوحيد.\nقال في التيسير: \"قال ابن القيم: ومن ذلك أي من الشرك بالله في الألفاظ قول القائل للمخلوق: ما شاء الله وشئت، كما ثبت عن النبي - ﷺ -، أنه قال له رجل: ما شاء الله وشئت، وذكر الحديث. ثم قال: هذا مع أن الله قد أثبت للعبد مشيئة. لقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٨].\nفكيف بمن يقول: أنا متوكل على الله وعليك، وأنا في حسب الله وحسبك، وما لي إلا الله وأنت، وهذا من الله ومنك، وهذا من بركات الله وبركاتك، والله لي في السماء وأنت لي في الأرض. والله وحياة فلان أو يقول: نذرًا لله ولفلان، وأنا تائب لله وفلان، وأرجو الله وفلانًا.\nفوازن بين هذه الألفاظ، وبين قول القائل: ما شاء الله وشئت، ثم انظر أيهما أفحش. يتبين لك أن قائلها أولى بجواب النبي - ﷺ - لقائل تلك الكلمة، وأنه إذا كان قد جعله ندا بها، فهذا قد جعل من لا يداني رسول الله - ﷺ - في شيء من الأشياء، بل لعله أن يكون من أعدائه ندا لرب العالمين. فالسجود، والعبادة، والتوكل، والإنابة، والتقوى، والخشية، والتوبة، والنذر، والحلف، والتسبيح، والتكبير، والتهليل، والتحميد، والاستغفار، وحلق الرأس خضوعا وتعبدا، والطواف بالبيت والدعاء، كل ذلك محض حق لله الذي لا يصلح ولا ينبغي لسواه، من ملك مقرب ولا نبي مرسل. وفي \"مسند\" الإمام أحمد أن رجلا أتى به النبي - ﷺ -، قد","vol":"3","page":392},{"text":"أذنب فلما وقف بين يديه قال: اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد فقال: \"عرف الحق لأهله\"\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1105>٢ - مسألة:</span>\nحُكي عن أبي جعفر الداودي ما يقتضي جواز العطف بالواو احتجاجًا بقوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٤] وقوله: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] ونحو ذلك. والصواب المنع، لأن النبي - ﷺ - أنكر ذلك وقال لمن قال له ذلك: \"أجعلتني لله ندًا\".\nوأقر اليهودي على تسميته تنديدًا وشركًا، ومن المحال أن يكون هذا أمرًا جائزًا.\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"وأما ما احتج من القرآن، فقد ذكروا عن ذلك جوابين:\nأحدهما: أن ذلك لله وحده، لا شريك له، كما أنه تعالى يقسم بما شاء من مخلوقاته فكذلك هذا.\nالثاني: أن قوله: ما شاء الله وشئت تشريك في مشيئة الله، وأما الآية فإنما أخبر بها عن فعلين متغايرين، فأخبر تعالى أنه أغناهم وأن رسوله أغناهم. وهو من الله حقيقة، لأنه الذي قدر ذلك، ومن الرسول - ﷺ - حقيقة باعتبار تعاطي الفعل، وكذلك الإنعام أنعم الله على زيد بالإسلام، والنبي - ﷺ - أنعم عليه بالعتق، وهذا بخلاف المشاركة في الفعل الواحد، فالكلام إنما هو فيه، والمنع إنما هو منه. فإن قلت: قد ذكر النحاة أن \"ثم\" تقتضي اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الحكم كالواو فلم جاز ذلك بثم ومنع منه الواو؟. وغاية ما يقال: إن \"ثم\" تقتضي الترتيب بخلاف الواو، فإنها تقتضي مطلق الجمع، وهذا لا يغير صورة الاشتراك\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٦٠٨.","vol":"3","page":393},{"text":"قبل النهي عن ذلك، إنما هو إذا أتى بصورة التشريك جميعا، وهذا لا يحصل إلا بالواو بخلاف ثم، فإنها لا تقتضي الجمع، إنما تقتضي الترتيب، فإذا أتى بها زالت صورة التشريك والجمع في اللفظ\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1106>٣ - حكم قول: الله ورسوله أعلم:</span>\nجاء في حديث معاذ لما كان رديف رسول الله - ﷺ - على حمار وفيه أنه قال: \"الله ورسوله أعلم\". وقد يشكل لأنه جمع بين الله ورسوله بالواو مع أن الرسول - ﷺ - لما قال له الرجل: ما شاء الله وشئت. قال أجعلتني لله ندًا\".\nقال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: \"فيقال إن الرسول - ﷺ - عنده من العلوم الشرعية ما ليس عند القائل ولهذا لم ينكر الرسول - ﷺ - على معاذ. بخلاف العلوم الكونية القدرية فالرسول - ﷺ - ليس عنده علم منها.\nفلو قيل: هل يحرم صوم العيدين؟\nجاز أن نقول: الله ورسوله أعلم، ولهذا كان الصحابة إذا أشكلت عليهم المسائل ذهبوا إلى رسول الله - ﷺ - فيبينها لهم ولو قيل: هل يُتَوقَّعُ نزول مطر في هذا الشهر؟ لم يجز أن نقول: الله ورسوله أعلم لأنه من العلوم الكونية\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1107> فالخلاصة أن حكم قول: الله ورسوله أعلم له حالات:</span>\n١ - في حياة رسول الله - ﷺ - وفي الأمور الشرعية لا مانع من ذلك فقد أطلقه الصحابة كما قال معاذ بن جبل لرسول الله - ﷺ -: الله ورسوله أعلم حين سأله رسول الله - ﷺ - أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟\n٢ - بعد موته في الأمور الشرعية وهذه جائزة، وقد ذكرها الشيخ بكر أبو زيد في معجم المناهي اللفظية فقال: \"قد جرى إطلاقها عند بعض أهل العلم منهم ابن\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٦٠٦ - ٦٠٧.\n(^٢) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٩/ ٤٥. وانظر: القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ٥٤.","vol":"3","page":394},{"text":"القيم رحمه الله تعالى قال في نونيته:\nوالله أعلم بالمراد بقوله ... ورسوله المبعوث بالفرقان\nلكن لم يحصل الوقوف على إطلاق الصحابة - ﵃ - لها بعد وفاته - ﷺ - بل الظاهر خلافه ... \" (^١). والصحيح الجواز كما تقدم.\n٣ - بعد موته في الأمور الدنيوية لا يجوز فإن قالها مدعيًا أن رسول الله - ﷺ - يعلم الغيب الذي اختصَّ الله به فهذا شرك أكبر لأن الغيب لا يعلم إلا الله إلا ما أطلع الله ورسوله عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1108>٤ - حكم كتابة الله وكلمة محمد بشكل متداخل:</span>\nأفتت اللجنة الدائمة للإفتاء بأن مزج كلمة الله وكلمة محمد بشكل متداخل فيه خطر عظيم أو في مشابهة لعقيدة النصارى الباطلة، وإليك الفتوى كاملة قالت اللجنة الموقرة: \"مما جاء في نصوص الشريعة القرن بين الشهادة لله بالتوحيد والشهادة لنبيه محمد - ﷺ - بالرسالة في مواضع، من ذلك القرن بينهما في الأذان للصلاة وفي الإقامة لها، وفي حديث \"بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله\" وغير ذلك مع بيان ما يجب الإيمان به على المكلفين بالنسبة لكل منهما مما هو أهله كقول المكلف: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أما مزجًا كتابةً فلم يأتِ في كتاب الله ولا في سنة النبي - ﷺ - ومع ذلك ففيه خطر عظيم؛ إذ فيه مشابهة لعقيدة النصارى الباطلة في التثليث، وأن الأب والابن وروح القدس إله واحد، وفيه أيضًا رمز للعقيدة الباطلة عقيدة وحدة الوجود، وفيه أيضًا ذريعة إلى العلو في الرسول - ﷺ - وعبادته مع الله سبحانه، وعليه يجب أن يمنع كتابة اسم الله تعالى واسم رسوله محمد - ﷺ - على هذا الشكل؛ شكل تداخل حروف اسميهما كتابة، وتقاطع\n_________\n(^١) معجم المناهي اللفظية ص ١٢٨.","vol":"3","page":395},{"text":"حروف اسم كل منهما بحروف اسم الآخر، بل لا يجوز كتابة (الله - محمد) على باب المسجد ولا على غيره لما في ذلك من الإيهام والتلبيس لما ذكر من المحاذير وغيرها. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم\" (^١).\nوقال الشيخ بكر أبو زيد حفظه الله: \"وفي هذه الأزمان الحاضرة التي فتحت فيها سبل الاتصال: جوًا وبحرًا وبرًا تكاثرت الأعاجم في جزيرة العرب، وانتقلوا بما معهم من مبادئ ومعتقدات، وكان من الظواهر المنتشرة بعد وفادتهم، ولم تكن معهودة من قبل كتابة: لفظ الجلالة \"الله\" واسم النبي - ﷺ - \"محمد\" على جنبتي المحاريب، وفي رقاع، ونحوها في المجالس.\nوهي دروشة لا معنى لها شرعًا، ومن يسوّي المخلوق بالخالق سبحانه؟ ويجمل بالمسلم التوقي من هذه وأمثالها.\nوانظر كيف نهى النبي - ﷺ - عن قول الخطيب: \"من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى\"؛ لما يوهم من التسوية.\nوما جاء في بيان هدي النبي - ﷺ - في نقش خاتمه كما في \"التراتيب الإدارية\" من أنه جاء: محمد: سطر، ورسول: سطر، والله: سطر. هذا لمقتضى النقش، ومجموعهما يكون الشهادة بأن محمدًا رسول الله - ﷺ - فتنبه، بل في هذا مضاهاة للنصارى في قولهم: إن عيسى هو الله أو ثالث ثلاثة، فهنا يوهم بأنه ثاني اثنين؟! انظر \"التراتيب الإدارية\" [١/ ١٧٨ - ١٨٠] (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1109>٥ - مسألة: في إنكار الرسول - ﷺ - على الخطيب قوله: \"ومن عصاهما فقد غوى</span>\":\nجاء في حديث عدي بن حاتم أن رجلًا خطب عند النبي - ﷺ - فقال: من يطع الله\n_________\n(^١) فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٣٩، ٤٠.\n(^٢) معجم المناهي اللفظية ص ١٢٦ - ١٢٧.","vol":"3","page":396},{"text":"ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى. فقال رسول الله - ﷺ -: \"بئس الخطيب أنت. قل: ومن يعصِ الله ورسولَه\" (^١).\nقال الإمام ابن القيم ﵀: \" ... وذم الخطيب الذي قال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن عصاهما فقد غوى .. سدًا لذريعة التشريك في المعنى بالتشريك في اللفظ، وحسمًا لمادة الشرك حتى في اللفظ\" (^٢).\nولكن جاء في حديث آخر تثنية الضمير حيث قال - ﷺ -: \"أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما\" وللإجابة عن ذلك قال النووي ﵀: قوله \"أن رجلًا خطب عند النبي - ﷺ - فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى. فقال رسول الله - ﷺ -: \"بئس الخطيب أنت. قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى\". قال القاضي وجماعة من العلماء: إنما أنكر عليه لتشريكه في الضمير المقتضي للتسوية، وأمره بالعطف تعظيمًا لله تعالى بتقديم اسمه، كما قال - ﷺ - في الحديث الآخر: \"لا يقل أحدكم ما شاء الله وشاء فلان، ولكن ليقل ما شاء الله ثم شاء فلان\".\nوالصواب: أن سبب النهي، أن الخطب شأنها البسط والإيضاح، واجتناب الإشارات والرموز، ولهذا ثبت في الصحيح: أن رسول الله - ﷺ - كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا ليفهم، وأما قول الأوليين فيضعف بأشياء منها: أن مثل هذا الضمير قد تكرر في الأحاديث الصحيحة من كلام رسول الله - ﷺ - كقوله - ﷺ -: \"أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما\" وغيره من الأحاديث، وإنما ثنى الضمير ههنا لأنه ليس خطبة وعظ، وإنما هو تعليم حكم، فكلما قل لفظه كان أقرب إلى حفظه بخلاف خطبة الوعظ، فإنه ليس المراد حفظه، وإنما يراد الاتعاظ بها\" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه (٨٧٠).\n(^٢) إعلام الموقعين ٣/ ١٤٦.\n(^٣) شرح النووي على صحيح مسلم ٦/ ١٥٩.","vol":"3","page":397},{"text":"وقال الحافظ ابن حجر بعد نقله لكلام النووي: \"وثمَّ أجوبة أخرى، منها: دعوى الترجيح، فكيون حيز المنع أولى لأنه عام، والآخر يحتمل الخصوصية، ولأنه ناقل والآخر مبني على الأصل، ولأنه قول والآخر فعل، ورد بأن احتمال التخصيص في القول أيضًا حاصل بكل قول، ليس فيه صيغة عموم أصلًا، ومنها دعوى أنه من الخصائص، فيمتنع من غير النبي - ﷺ - ولا يمتنع منه، لأن غيره إذا جمع أوهم إطلاقه التسوية، بخلافه هو فإن منصبه لا يتطرق إليه إيهام ذلك، وإلى هذا مال ابن عبد السلام. ومنها دعوى التفرقة بوجه آخر وهو أن كلامه - ﷺ - هنا جملة واحدة فلا يحسن إقامة الظاهر فيها مقام المضمر، وكلام الذي خطب جملتان لا يكره إقامة الظاهر فيهما مقام المضمر، وتعقب هذا بأنه لا يلزم من كونه لا يكره إقامة الظاهر فيهما منام المضمر أن يكره إقامة المضمر فيهما منام الظاهر، فما وجه الرد على الخطيب مع أنه هو - ﷺ - جمع كما تقدم؟\nويجاب بأن قصة الخطيب - كما قلنا - ليس فيها صيغة عموم، بل هي واقعة عين، فيحتمل أن يكون في ذلك المجلس من يخشى عليه توهم التسوية كما تقدم. ومن محاسن الأجوبة في الجمع بين حديث الباب وقصة الخطيب أن تثنية الضمير هنا للإيماء إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين، لا كل واحدة منهما، فإنها وحدها لاغية إذا لم ترتبط بالأخرى، فمن يدعي حب الله مثلًا ولا يحب رسوله لا ينفعه ذلك، ويشير إليه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ فأوقع متابعته مكتنفة بين قطري محبة العباد ومحبة الكل تعالى للعباد.\nوأما أمر الخطيب بالإفراد فلأن كل واحد من العصيانين مستقل باستلزام الغواية، إذ العطف في تقدير التكرير، والأصل استقلال كل من المعطوفين في الحكم ويشير إليه قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ فأعاد","vol":"3","page":398},{"text":"﴿أَطِيعُوا﴾ في الرسول ولم يعده في أولي الأمر لأنهم لا استقلال لهم في الطاعة كاستقلال الرسول. انتهى ملخصًا من كلام البيضاوي والطيبي\" (^١).\nوذكر الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀ أن أحسن ما قيل فيه قولان:\nأحدهما: قول البيضاوي السابق أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين ... قال: وهو جواب بليغ جدًّا.\nالثاني: يحمل حديث الخطيب على الأدب والأولى، وهذا على الجواز، والله أعلم (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1110>٦ - حكم قول \"شاءت قدرة الله</span>\"\nقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"لا يصح أن نقول: \"شاءت قدرة الله\"، لأن المشفية إرادة، والقدرة معنى، والمعنى لا إرادة له، وإنما الإرادة للمريد، والمشيئة لمن يشاء، ولكننا نقول اقتضت حكمة الله كذا وكذا، أو نقول عن الشيء إذا وقع هذه قدرة الله أي مقدوره، كما تقول: هذا خلق الله أي مخلوقه، وأما أن نضيف أمرًا يقتضي الفعل الاختياري إلى القدرة فإن هذا لا يجوز.\nومثل ذلك قولهم \"شاء القدر كذا وكذا\" وهذا لا يجوز؛ لأن القدر والقدرة أمران معنويان ولا مشيئة لهما، وإنما المشيئة لمن هو قادر ولمن هو مقدِّر. والله أعلم\" (^٣).\n_________\n(^١) فتح الباري ١/ ٦١.\n(^٢) تيسير العزيز الحميد ص ٤٨١، ٤٨٢.\n(^٣) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٣/ ١١٤.","vol":"3","page":399},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1111>٢٥٤ - متابعة الرسول - ﷺ </span>-\nانظر (باب البدعة)، (باب شهادة أن محمدًا رسول الله).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1112> تحذير الأئمة من تقليد العلماء مع ورود النص </span>(^١):\nالأدلة على هذا الأصل في كتاب الله أكثر من أن تحصر، وفي السنة كذلك. قال الإمام البخاري في صحيحه: \"وَكَانَتْ الأَئِمَّةُ بَعْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - يَسْتَشِيرُونَ الْأُمَنَاءَ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ فِي الأُمُورِ الْمُبَاحَةِ لِيَأْخُذُوا بِأَسْهَلِهَا فَإِذَا وَضحَ الْكِتَابُ أَوْ السُّنَّةُ لَمْ يَتَعَدَّوهُ إِلَى غَيْرِهِ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ - ﷺ - \" (^٢).\nقال ابن تيمية: \"أما وجوب اتباع القائل في كل ما يقوله، من غير ذكر دليل يدل على صحة ما يقوله، فليس بصحيح، بل هذه المرتبة هي مرتبة الرسول - ﷺ - التي لا تصلح إلا له\" (^٣).\nوقال ﵀: \"فالحذر الحذر أيها الرجل من أن تكره شيئا مما جاء به الرسول - ﷺ - أو ترده لأجل هواك، أو انتصارا لمذهبك، أو لشيخك، أو لأجل اشتغالك بالشهوات، أو الدنيا، فإن الله لم يوجب على أحد طاعة أحد إلا طاعة رسوله والأخذ بما جاء به، بحيث لو خالف العبد جميع الخلق، واتبع الرسول ما سأله الله\n_________\n(^١) من المراجع في ذلك جامع بيان العلم لابن عبد البر ٢/ ٣٢، ٩١، أصول الأحكام لابن حزم ٦/ ١١٨ مجموع الفتاوى ٢٠/ ١٠، ٥٨٤، ٢٢/ ٢٤٨. إيقاظ الهمم للفلاني ص ٩٣ وما بعدها، إرشاد النقاد للصنعاني ص ١٤١. صفة الصلاة للألباني ص ٢٧، القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ٢٥٩، ط ٢ - ٢/ ١٠٨ ومن المجموع ١٠/ ٧٣٤، زجر السفهاء عن تتبع رخص الفقهاء للدوسري ص ٣٣، الجوهر الفريد في نهي الأئمة الأربعة عن التقليد لأبي عبد الرحمن الأثري.\n(^٢) صحيح البخاري ص ١٢٦٧ بَاب قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ وبعده الحديث رقم (٧٣٦٩).\n(^٣) مجموع الفتاوى ٣٥/ ١٢١.","vol":"3","page":400},{"text":"عن مخالفة أحد، فإن من يطيع أو يطاع إنما يطاع تبعا للرسول - ﷺ -، وإلا لو أمر بخلاف ما أمر به الرسول - ﷺ - ما أطيع فاعلم واسمع وأطع واتبع ولا تبتدع، تكن أبتر مردودا عليك عملك بل لا خير في عمل أبتر من الاتباع ولا خير في عامله\" (^١).\n* وإليك طرفًا مما ذكره الأئمة الأربعة وغيرهم - ﵏ - في التحذير من تقليدهم في كل ما يقولونه:\nقال الإمام أبو حنيفة ﵀: \"إذا قلت قولًا يخالف كتاب الله تعالى وخبر الرسول - ﷺ - فاتركوا قولي\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه\" (^٣).\nوفي رواية: \"حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي\" (^٤)\nوقال الإمام مالك بن أنس ﵀: \"إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه\" (^٥).\nوقال الإمام الشافعي ﵀: \"إذا صح الحديث فهو مذهبي\" (^٦).\nوقال أيضًا: \"كل مسألة صح فيها الخبر بخلاف ما قلت فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي\" (^٧).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٦/ ٥٢٨، ٥٢٩.\n(^٢) إيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني ص ٥٠، وصفة الصلاة للألباني ص ٤٨.\n(^٣) الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء لابن عبد البر ص ١٤٥، وإعلام الموقعين لابن القيم ٢/ ٣٠٩، وإيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني ص ٥٤.\n(^٤) الميزان للشعراني ١/ ٥٥، وصفة الصلاة للألباني ص ٤٧.\n(^٥) جامع بيان العلم لابن عبد البر ٢/ ٣٢.\n(^٦) المجموع للنووي ١/ ٦٣، وانظر صفة الصلاة ص ٢٦.\n(^٧) توالي التأسيس لابن حجر ص ١٠٨، ومناقب الشافعي للبيهقي ١/ ٤٧٣.","vol":"3","page":401},{"text":"وقال أيضًا: \"كل حديث عن النبي - ﷺ - فهو قولي، وإن لم تسمعوه مني\" (^١).\nوقال الإمام أحمد بن حنبل: \"كان أحسن أمر الشافعي عندي أنه كان إذا سمع الخبر لم يكن عنده قال به، وترك قوله\" (^٢).\nوقال الإمام أحمد بن حنبل: \"قال لنا الشافعي: أنتم أعلم بالحديث والرجال مني، فإذا كان الحديث صحيحًا، فأعلموني كوفيًا كان أو بصريًا أو شاميًا حتى أذهب إليه إذا كان صحيحًا\" (^٣).\nوقال ﵀: \"لا تقلدوني ولا تقلدوا مالكًا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري وخذ من حيث أخذوا\" (^٤).\nوقال أيضًا ﵀: \"من رد حديث رسول الله - ﷺ - فهو على شفا هلكة\" (^٥).\nوقال ابن تيمية ﵀: \"وهؤلاء الأئمة الأربعة - ﵃ - قد نهوا الناس عن تقليدهم في كل ما يقولونه، وذلك هو الواجب عليهم\" (^٦).\nوقال أيضًا: \"ومن تعصب لواحد بعينه من الأئمة الباقين فهو بمنزلة من تعصب لواحد بعينه من الصحابة دون الباقين، كالرافضي الذي يتعصب لعلي دون الخلفاء الثلاثة وجمهور الصحابة، وكالخارجي الذي يقدح في عثمان وعلي - ﵄ -، فهذه طرق أهل البدع والأهواء الذين ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أنهم مذمومون، خارجون عن الشريعة والمنهاج الذي بعث الله به رسوله - ﷺ -، فمن تعصب لواحد\n_________\n(^١) آداب الشافعي لابن أبي حاتم ص ٩٤.\n(^٢) المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي ص ٢٠٦. تاريخ مدينة دمشق ٥١/ ٣٨٤.\n(^٣) آداب الشافعي لابن أبي حاتم ص ٩٤، والحلية لأبي نعيم ٩/ ١٠٦، ومناقب الإمام أحمد ص ٤٩٩.\n(^٤) إعلام الموقعين لابن القيم ٢/ ٣٠٢، صفة الصلاة ص ٢٨.\n(^٥) انظر صفة الصلاة للألباني ص ٥٣.\n(^٦) مجموع الفتاوى ٢٠/ ٢١١.","vol":"3","page":402},{"text":"من الأئمة بعينه ففيه شبه من هؤلاء، سواء تعصبوا لمالك أو الشافعي أو أبي حنيفة أو أحمد أو غيرهم، ثم غاية المتعصب لواحد منهم أن يكون جاهلا بقدره في العلم والدين، وبقدر الآخرين، فيكون جاهلا ظالما، والله يأمر بالعلم والعدل وينهى عن الجهل والظلم\" (^١).\nوقال ابن القيم ﵀: \"هذا مع حفظ مراتب العلماء وموالاتهم واعتقاد حرمتهم وأمانتهم واجتهادهم في حفظ الدين وضبطه، فهم دائرون بين الأجر والأجرين والمغفرة ولكن لا يوجب هذا إهدار النصوص وتقديم قول الواحد منهم عليها لشبهة أنه أعلم بها منك، فإن كان كذلك فمن ذهب إلى النص أعلم به منك فهلا وافقته إن كنت صادقًا.\nفمن عرض أقوال العلماء على النصوص ووزنها بها وخالف منها ما خالف النص لم يهدر أقوالهم ولم يهضم جانبهم. بل اقتدى بهم، فإنهم كلهم أمروا بذلك فمتبعهم حقا من امتثل ما وصّوا به لا من خالفهم فخلافهم في القول الذي جاء النص بخلافه أسهل من مخالفتهم في القاعدة الكلية التي أمروا ودعوا إليها من تقديم النص على أقوالهم، ومن هنا يتبين الفرق بين تقليد العالم في كل ما قال، وبين الاستعانة بفهمه والاستضاءة بنور علمه، فالأول يأخذ قوله من غير نظر فيه ولا طلب لدليله من الكتاب والسنة. بل يجعل ذلك كالحبل الذي يلقيه في عنقه يقلده به ولذلك سمي تقليدا، بخلاف من استعان بفهمه واستضاء بنور علمه في الوصول إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه فإنه يجعلهم بمنزلة الدليل على الدليل الأول. فإذا وصل إليه استغنى بدلالته عن الاستدلال بغيره، فمن استدل بالنجم على القبلة فإنه إذا شاهدها لم يبق لاستدلاله بالنجم معنى\" (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢٢/ ٢٥٢.\n(^٢) الروح لابن القيم ٣٩٠.","vol":"3","page":403},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1113>٢٥٥ - محبة الله </span>*\nالحب ضد البغض قال في المختار: \"والحب أيضا المحبة وكذا الحب بالكسر والحب أيضا الحبيب ويقال أحبه فهو محب وحبه يحبه بالكسر فهو محبوب وتحبب إليه تودد ... \" (^١).\nوفي هذا المقام سوف أُفصِّلُ الكلام عن محبة الله بنقل كلام العلماء عنها.\nفمحبة الله تعالى من أعظم مقامات العبودية، وأرفعها شأنًا. يقول الإمام ابن القيم في وصفها: \"هي المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون، وإليها شخص العاملون، وإلى علمها شمر السابقون، وعليها تفانى المحبون، وبروح نسيمها تروح العابدون. فهي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقرة العيون. وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه جميع الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام. وهي روح الإيمان والأعمال، والمنامات والأحوال، التي\n_________\n* الإبانة لابن بطة العكبري ٦٥٧. التمهيد لابن عبد البر ٢١/ ٢٣٧. شرح السنة للبغوي ١/ ٤٨. التحفة العراقية لابن تيمية ٣٣/ ٧٣. فتح الباري لابن رجب ١/ ٤٥، ٤٩، ٥٣. تيسير العزيز الحميد ٤٧١. فتح المجيد ٣٨١. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ٢٣٦. القول المفيد لابن عثيمين طـ ١ - ١/ ١٥١، ٢/ ١٤١، ط ٢ - ٢/ ١٧٣ ومن المجموع ١٠/ ٦٢٣. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٣٣، ٣٤. الدرر السنية ٢/ ٣٢١. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٢/ ٣٦٠. مجموع الفتاوى ١/ ٩٥. شرح مسائل الجاهلية للألوسي ص ١٢١. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ص ٣٧١. المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة الأحمدي ٢/ ٢٥٠. الشيخ السعدي وجهوده في توضيح العقيدة للعباد ص ١٧٠. الآثار الواردة في سير أعلام النبلاء د. جمال بن أحمد ٢/ ١٦٥. شرح مسائل الجاهلية للسعيد ٢/ ٦١٩.\n(^١) مختار الصحاح (ح ب ب).","vol":"3","page":404},{"text":"من خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه\" (^١).\nوقال الشيخ السعدي: \"أصل التوحيد وروحه إخلاص المحبة لله وحده هي أصل التأله والتعبد له، بل هي حقيقة العبادة، ولا يتم التوحيد حتى تكمل محبة العبد لربه، وتسبق محبته جميع المحاب وتغلبها ويكون لها الحكم عليها بحيث تكون سائر محاب العبد تبعًا لهذه المحبة التي بها سعادة العبد وفلاحه\" (^٢).\n* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤].\n* الدليل من السنة: حديث أنس بن مالك - ﵁ - في الصحيحين: \"ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن توقد له نار فيقذف فيها\" (^٣). وفي رواية قَالَ - ﷺ -: \"لا يَجِدُ أَحَدٌ حَلاوَةَ الإِيمَانِ حَتَّى يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لله، وَحَتَّى أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ أَحَبُّ إِلَيْهِ من أَن يَرجِعَ إِلَى\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٣/ ٦ - ٧.\n(^٢) القول السديد ١١٠، وانظر أيضا الحق الواضح المبين ٥٩، ٦٠.\n(^٣) أخرجه البخاري (٢١) (٦٩٤١). ومسلم (٤٣) وحلاوة الإيمان هي: لذة القلب ونعيمه وسروره.","vol":"3","page":405},{"text":"الْكُفْرِ بَعْدَ إِذ أَنقَذَهُ الله وَحَتَّى يَكُونَ الله وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا\" (^١).\nقال ابن رجب ﵀: \"فمن أحب الله ورسوله محبة صادقة من قلبه أوجب له ذلك أن يحب بقلبه ما يحبه الله ورسوله، ويكره ما يكرهه الله ورسوله، ويرضى ما يرضي الله ورسوله، ويسخط ما يسخط الله ورسوله، وأن يعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب والبغض، فإن عمل بجوارحه شيئا يخالف ذلك فإن ارتكب بعض ما يكرهه الله ورسوله أو ترك بعض ما يحبه الله ورسوله مع وجوبه والقدرة عليه دل ذلك على نقص محبته الواجبة فعليه أن يتوب من ذلك ويرجع إلى تكميل المحبة الواجبة.\nقال أبو يعقوب النهرجوري: \"كل من ادعى محبة الله تعالى ولم يوافق الله في أمره فدعواه باطل، وكل محب ليس يخاف الله فهو مغرور\".\nوقال يحيى بن معاذ: \"ليس بصادق من ادعى محبة الله ولم يحفظ حدوده\".\nوسئل رويم عن المحبة فقال: \"الموافقة في جميع الأحوال\"\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1114>أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1115>١ - حب الله فرض وواجب:</span>\nيجب تقديم محبة الله ومحبة ما يحبه الله من الأشخاص والأعمال على محبة ما سواه. يدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ [التوبة: ٢٤]. قال الذهبي: قال أبو الفتح عبد الرحيم خادم ابن خفيف: سمعت الشيخ يقول: \"سَأَلَنا يوما أبو العباس بن سريج ونحن نحضر مجلسه للفقه، فقال: أمحبة الله فرض أو لا؟ فقلنا: فرض. قال: ما الدليل؟ فما فينا من أجاب بشيء،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٠٤١).\n(^٢) جامع العلوم والحكم ص ٥٧٧.","vol":"3","page":406},{"text":"فسألناه، فقال: قوله تعالى ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٢٤]. قال فتوعدهم الله على تفضيل محبتهم لغيره على محبته، والوعيد لا يقع إلا على فرض لازم\" (^١).\nقال الشيخ السعدي: \"وهذه الآية الكريمة أعظم دليل على وجوب محبة الله ورسوله وعلى تقديمها على محبة كل شيء\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-1116>٢).\n\n٢ - أقسام المحبة:</span>\nقال الشيخ ابن سعدي رحمه الله تعالى:\n\"واعلم أن أنواع المحبة ثلاثة أقسام:\nالأول: محبة الله التي هي أصل الإيمان والتوحيد.\nالثاني: المحبة في الله (^٣) وهي محبة أنبياء الله ورسله وأتباعهم، ومحبة ما يحبه الله من الأعمال والأزمنة والأمكنة وغيرها، وهذه تابعة لمحبة الله ومكملة لها.\nالثالث: محبة مع الله وهي محبة المشركين لآلهتهم وأندادهم من شجر وحجر وبشر، وملك وغيرها وهي أصل الشرك وأساسه.\nوهنا قسم رابع: وهو المحبة الطبيعية التي تتبع ما يلائم العبد، ويوافقه من طعام وشراب ونكاح ولباس وعشرة وغيرها. وهذه إذا كانت مباحة إن أعانت على محبة الله وطاعته دخلت في باب العبادات، وإن صدت عن ذلك وتوسل بها إلى ما لا يحبه الله دخلت في المنهيات. وإلا بقيت من أقسام المباحات، والله أعلم\" (^٤).\nوقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: \"والمحبة تنقسم إلى قسمين:\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء ١٦/ ٣٤٥ - ٣٤٦.\n(^٢) تفسير ابن سعدي ٣/ ٣١٤. ويقصد بذلك آية التوبة ١٢٤ ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ الآية.\n(^٣) الكلام عن هذا القسم أفردنا له باب (الحب في الله).\n(^٤) القول السديد ص ٩٧.","vol":"3","page":407},{"text":"القسم الأول: محبة عبادة: وهي التي توجب التذلل والتعظيم وأن يقوم بقلب الإنسان من إجلال المحبوب وتعظيمه ما يقتضي أن يمتثل أمره ويجتنب نهيه، وهذه خاصة بالله فمن أحب مع الله غيره محبة عبادة فهو مشرك شركا أكبر، ويعبر العلماء عنها بالمحبة الخاصة.\nالقسم الثاني: محبة ليست بعبادة في ذاتها، وهذه أنواع:\nالنوع الأول: المحبة لله وفي الله وذلك بأن يكون الجالب لها محبة الله أي: كون الشخص محبوبا لله تعالى من أشخاص كالأنبياء والرسل والصديقين والشهداء والصالحين.\nأو أعمال كالصلاة والزكاة وأعمال الخير أو غير ذلك. وهذا النوع تابع للقسم الأول الذي هو محبة الله.\nالنوع الثاني: محبة إشفاق ورحمة، وذلك كمحبة الولد والصغار والضعفاء والمرضى.\nالنوع الثالث: محبة إجلال وتعظيم لا عبادة كمحبة الإنسان لوالده ولمعلمه ولكبير من أهل الخير.\nالنوع الرابع: محبة طبيعية، كمحبة الطعام والشراب والملبس والمركب والمسكن.\nوأشرف هذه الأنواع النوع الأول والبقية من قسم المباح، إلا إذا اقترن بها ما يقتضي التعبد صارت عبادة، فالإنسان يحب والده محبة إجلال وتعظيم، وإذا اقترن بها أن يتعبد لله بهذا الحب من أجل أن يقوم ببر والده صارت عبادة، وكذلك يحب ولده محبة شفقة وإذا اقترن بها ما يقتضي أن يقوم بأمر الله بإصلاح هذا الولد صارت عبادة\" (^١).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١٠/ ٦٢٣، ٦٢٤. وانظر: القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ١٤١، ١٤٢.","vol":"3","page":408},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1117>٣ - أسباب تحصيل المحبة:</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"اعلم أن محركات القلوب إلى الله ﷿ ثلاثة: المحبة، والخوف، والرجاء، وأقواها المحبة، وهي مقصودة تُرادُ لذاتها، لأنها تراد في الدنيا والآخرة بخلاف الخوف فإنه يزول في الآخرة قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، والخوف المقصود منه: الزجر والمنع من الخروج عن الطريق، فالمحبة تلقي العبد في السير إلى محبوبه، وعلى قدر ضعفها وقوتها يكون سيره إليه، والخوف يمنعه أن يخرج عن طريق المحبوب، والرجاء يقوده، فهذا أصل عظيم يجب على كل عبد أن يتنبه له، فإنه لا تحصل له العبودية بدونه، وكل أحد يجب أن يكون عبدا لله لا لغيره.\nفإن قيل: فالعبد في بعض الأحيان قد لا يكون عنده محبة تبعثه على طلب محبوبه، فأي شيء يحرك القلوب؟ قلنا: يحركها شيئان:\nأحدهما: كثرة الذكر للمحبوب، لأن كثرة ذكره تعلق القلوب به لهذا أمر الله ﷿ بالذكر الكثير، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١، ٤٢].\nالثاني: مطالعة آلائه ونعمائه ... فإذا ذكر العبد ما أنعم الله به عليه من تسخير السماء والأرض، وما فيها من الأشجار والحيوان، وما أسبغ عليه من النعم الباطنه من الإيمان وغيره، فلا بد أن يثير ذلك عنده باعثًا.\nوكذلك الخوف تحركه مطالعة آيات الوعيد، والزجر، والعرض، والحساب، ونحوه. وكذلك الرجاء يحركه مطالعة الكرم والحلم والعفو\" (^١).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١/ ٩٥.","vol":"3","page":409},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1118>٤ - بين المحبة والعبادة:</span>\nقال ابن تيمية ﵀: \"والعبادة تجمع كمال المحبة، وكمال الذل، فالعابد محب خاضع، بخلاف من يحب من لا يخضع له، بل يحبه ليتوسل به إلى محبوب آخر، وبخلاف من يخضع لمن لا يحبه كما يخضع للظالم، فإن كلا من هذين ليس عبادة محضة، وإن كل محبوب لغير الله ومعظم لغير الله ففيه شوب من العبادة كما قال النبي - ﷺ - في الحديث الصحيح: تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار ... \" (^١).\nوقال السعدي ﵀: \"أصل التوحيد وروحه إخلاص المحبة لله وحده وهي أصل التأله والتعبد له، بل هي حقيقة العبادة، ولا يتم التوحيد حتى تكمل محبة العبد لربه .... ومن تفريعها وتكميلها الحب في الله، فيحب العبد ما يحبه الله من الأعمال والأشخاص، ويبغض ما يبغضه الله من الأشخاص والأعمال، ويوالي أولياءه، ويعادي أعداءه، وبذلك يكمل إيمان العبد وتوحيده. أما اتخاذ الأنداد من الخلق يحبهم كحب الله، فيقدم طاعتهم على طاعة الله، ويلهج بذكرهم ودعائهم فهذا هو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله\" (^٢).\nوقال ابن تيمية ﵀: \"كلما ازداد القلب حبا لله ازداد له عبودية وحرية عما سواه، وكلما ازداد له عبودية ازداد له حبا وحرية عما سواه\" (^٣).\nقال ابن عثيمين ﵀: \"وأصل الأعمال كلها هو المحبة، فالإنسان لا يعمل إلا لما يحب إما لجلب منفعة أو لدفع مضرة، فإذا عمل شيئا فلأنه يحبه إما لذاته كالطعام أو لغيره كالدواء.\nوعبادة الله مبنية على المحبة، بل هي حقيقة العبادة إذ لو تعبدت بدون محبة\n_________\n(^١) جامع الرسائل ٢/ ٢٨٤.\n(^٢) القول السديد ص ٩٥ - ٩٧.\n(^٣) العبودية ص ٢٩.","vol":"3","page":410},{"text":"صارت عبادتك قشرًا لا روح فيها، فإذا كان الإنسان في قلبه محبة لله وللوصول إلى جنته فسوف يسلك الطريق الموصل إلى ذلك.\nولهذا لما أحب المشركون آلهتهم توصلت بهم هذه المحبة إلى أن عبدوها من دون الله أو مع الله\" (^١).\nوقال ابن تيمية ﵀: \"إن الخلة والمحبة لله تحقيق عبوديته وإنما يغلط من يغلط في هذه من حيث يتوهمون أن العبودية مجرد ذل وخضوع فقط لا محبة معه، وأن المحبة فيها انبساط في الأهواء أو إذلال لا تحتمله الربوبية، ولهذا يذكر عن ذي النون أنهم تكلموا عنده في مسألة المحبة فقال: أمسكوا عن هذه المسألة لا تسمعها النفوس فتدعيها، فكره من كره من أهل المعرفة والعلم مجالسة أقوام يكثرون الكلام في المحبة بلا خشية.\nوقال من قال من السلف: \"من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق (^٢) ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ (^٣). ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري (^٤)، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد\"؛ ولهذا وجد في المتأخرين من انبسط في دعوى المحبة حتى أخرجه ذلك إلى نوع من الرعونة والدعوى التي تنافي العبودية، وتدخل العبد في نوع من الربوبية التي لا تصلح إلا لله\" (^٥).\nفليس الشأن أن تُحِب فقط ولكن الشأن كل الشأن أن تُحَب فاجمع مع الحب\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١٠/ ٦٢٣. وانظر: القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ١٤١.\n(^٢) الزنديق: هو من يبطن الكفر ويظهر الإيمان. انظر باب (الزنديق).\n(^٣) المرجئة: قوم يعتقدون أنه لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وأخرجوا العمل عن مسمى الإيمان.\n(^٤) الحرورية: هم الذين خرجوا على عليّ - ﵁ - بسبب التحكيم.\n(^٥) العبودية ٣٧.","vol":"3","page":411},{"text":"الاتباع. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١].\nقال ابن تيمية ﵀: \"فاتباع الشريعة والقيام بالجهاد من أعظم الفروق بين أهل محبة الله وأوليائه الذين يحبهم ويحبونه وبين من يدعي محبة الله ناظرا إلى عموم ربوبيته أو متبعا لبعض البدع المخالفة لشريعته، فإن دعوى هذه المحبة لله من جنس دعوى اليهود والنصارى المحبة لله. بل قد تكون دعوى هؤلاء شرا من دعوى اليهود والنصارى لما فيهم من النفاق الذين هم به في الدرك الأسفل من النار، كما قد تكون دعوى اليهود والنصارى شرًا من دعواهم إذا لم يصلوا إلى مثل كفرهم. وفي التوراة والإنجيل من محبة الله ما هم متفقون عليه حتى أن ذلك عندهم أعظم وصايا الناموس ففي الإنجيل أن المسيح قال: أعظم وصايا المسيح أن تحب الله بكل قلبك وعقلك ونفسك. والنصارى يدعون قيامهم بهذه المحبة، وأن ما هم فيه من الزهد والعبادة هو من ذلك، وهم برآء من محبة الله إذا لم يتبعوا ما أحبه بل اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم، والله يبغض الكافرين ويمقتهم ويلعنهم، وهو سبحانه يحب من يحبه، لا يمكن أن يكون العبد محبا لله والله تعالى غير محب له، بل بقدر محبة العبد لربه يكون حب الله له، وإن كان جزاء الله لعبده أعظم كما في الحديث الصحيح الإلهي عن الله تعالى أنه قال: \"من تقرب إليّ شبرًا تقربت إليه ذراعًا، ومن تقرب إليّ ذراعًا تقربت إليه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة\" (^١) \" (^٢).\n_________\n(^١) البخاري (٧٤٠٥) (٧٥٣٦)، ومسلم (٢٦٧٥).\n(^٢) العبودية ص ٣٩ - ٤٠.","vol":"3","page":412},{"text":"وقال الشيخ السعدي: \"وهذه الآية (^١) هي الميزان التي يعرف بها من أحب الله حقيقة، ومن ادعى ذلك دعوى مجردة. فعلامة محبة الله اتباع محمد - ﷺ - الذي جعل متابعته وجميع ما يدعو إليه، طريقًا إلى محبته ورضوانه فلا تنال محبة الله ورضوانه وثوابه إلا بتصديق ما جاء به الرسول من الكتاب والسنة وامتثال أمرهما واجتناب نهيهما\" (^٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ السعدي ﵀: \"ومن لوازم محبة العبد لربه، أنه لا بد أن يتصف بمتابعة الرسول - ﷺ -، ظاهرا وباطنا، في أقواله وأعماله وجميع أحواله\" (^٣).\nوالخلاصة أن وجود المحبة في العبد تستلزم أشياء كثيرة (^٤) أهمها أمور ثلاثة:\n١ - فعل المحبوبات لله ﷿ من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.\n٢ - موالاة أوليائه ومحبتهم وبغض أعدائه.\n٣ - اتباع رسوله - ﷺ -.\nقال الشيخ حافظ حكمي ﵀: \"وعلامة حب العبد ربه تقديم محابه وإن خالفت هواه، وبغض ما يبغض ربه وإن مال إليه هواه، موالاة من والى الله ورسوله ومعاداة من عاداه، واتباع رسوله - ﷺ - واقتفاء أثره وقبول هداه، وكل هذه العلامات شروط في المحبة لا يتصور وجود المحبة مع عدم شرط منها\" (^٥).\n_________\n(^١) يعني قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.\n(^٢) تفسير السعدي ١/ ٣٧٤.\n(^٣) تفسير السعدي ٢/ ٢٠٧.\n(^٤) انظر كتب شيخ الإسلام العبودية ١٠٥، ١٠٨ ومجموع الفتاوى ١٠/ ٧٥، وكتاب نواقض الإيمان الاعتقادية د/ الوهيبي ٢٠/ ٢٠٧.\n(^٥) معارج القبول ١/ ٣٨٣.","vol":"3","page":413},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1119>٥ - العلاقة بين المحبة والرجاء والخوف:</span>\nسبق الكلام عنها في باب (الخوف).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1120> إثر الذنوب على المحبة:</span>\nقال شيخ الإسلام: \"والذنوب تنقص من محبة الله تعالى بقدر ذلك، لكن لا تزيل المحبة لله ورسوله إذا كانت ثابتة في القلب ولم تكن الذنوب عن نفاق كما في صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب، حديث حمار الذي كان يشرب الخمر وكان النبي - ﷺ -، يقيم عليه الحد، فلما كثر ذلك منه لعنه رجل فقال النبي - ﷺ -: \"لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله .. \" وفيه دلالة على أَنَّا منهيون عن لعنة أحد بعينه وإن كان مذنبًا، إذا كان يحب الله ورسوله، فكما أن المحبة الواجبة تستلزم لفعل الواجبات، وكمال المحبة المستحبة تستلزم لكمال فعل المستحبات، والمعاصي تنقص المحبة، وهذا معنى قول الشبلي لما سئل عن المحبة؟ فقال: ما غنت به جارية فلان:\nتعصي الإله وأنت تزعم حبه ... هذا محال في القياس شنيع\nلو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن أحب مطيع\" (^١)\n_________\n(^١) جامع الرسائل ٢/ ٢٥٨، ٢٥٩.","vol":"3","page":414},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1121>٢٥٦ - مَحَبَّةُ رَسُولِ الله - ﷺ - وَمَا جَاءَ به</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1122>[شهادة أن محمدًا رسول الله، النبوة]</span>\nمحبة رسول الله واجبة على كل عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وهي مقتضى الشهادة ودل على وجوب حب الله - ﷺ -.\n* الدليل من الكتاب: قول الله تعالى ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ الآية [التوبة: ٢٤]. وقد تقدم ذكر ذلك في باب محبة الله.\n* الدليل من السنة: عن أنس - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: \"لا يؤمن أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين\" (^١).\nوعن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ - \"لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به\" (^٢).\nقال ابن رجب ﵀: \"وأما معنى الحديث فهو أن الإنسان لا يكون مؤمنًا كامل الإيمان الواجب حتى تكون محبته تابعة لما جاء به رسول الله - ﷺ - من الأوامر والنواهي وغيرها فيحب ما أمر به ويكره ما نهى عنه. وقد ورد القرآن بمثل هذا في غير موضع قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] \" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥) ومسلم (٤٤). ومعنى الإيمان هنا الإيمان الكامل.\n(^٢) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة ١/ ١٢ والبغوي في شرح السنة رقم ١٠٤ وانظر مشكاة المصابيح رقم ١٦٧ وهو من أحاديث الأربعين النووية انظر جامع العلوم والحكم ٥٧٤.\n(^٣) جامع العلوم والحكم ٢/ ٣٩٥.","vol":"3","page":415},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1123>أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1124>١ - وجوب معرفة الرسول - ﷺ </span>-:\nمعرفة الرسول - ﷺ - ومتابعته هو الذي يُسأل عنه العبد في قبره وهو الأصل الثالث الذي بنى عليه المجدد الأصول الثلاثة: فالأول: معرفة الله، والثاني: معرفة دين الإسلام بالأدلة، والثالث: معرفة نبينا محمد - ﷺ -.\nقال الشيخ ابن قاسم: \"وهو أصل عظيم يجب معرفته، فإنه - ﷺ - هو الواسطة بيننا وبين الله تعالى، ولا وصول لنا، ولا اطلاع لنا، ولا طريق لنا، ولا نعرف ما ينجينا من غضب الله وعقابه، ويقربنا من رضى الله وثوابه إلا بما جاء به نبينا محمد - ﷺ - ... فإنا لا نعرف الأصل الأول، الذي هو معرفة الرب ﷻ، ولا الأصل الثاني، الذي هو دين الإسلام، إلا بالواسطة بيننا وبين الله، فتحتمت معرفته - ﷺ - وصارت أصلا ثالثًا، إذ لا يمكن معرفة المرسل إلا بمعرفة رسوله، فصار من الضروريات معرفة الرسول - ﷺ -، وبذلك ظهر أن معرفته - ﷺ - أحد الأصول الثلاثة\" (^١).\nقال شارح العقيدة الطحاوية: \"فالواجب كمال التسليم للرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - والانقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول والتصديق دون أن نعارضه بخيال باطل نسميه معقولًا، أو نحمله شبهة أو شكًا أو نقدم عليه آراء الرجال، وزبالة أذهانهم، فنوحده بالتحكيم والتسليم، والانفياد والإذعان كما نوحد المرسل بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل.\nفهما توحيدان، لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما:\nتوحيد المرسِل، وتوحيد متابعة الرسول، فلا نحاكم إلى ما غيره، ولا نرضى بحكم غيره ... \" (^٢).\n_________\n(^١) حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم ص ٧٥.\n(^٢) شرح العقيدة الطحاوية ص ٣١٧.","vol":"3","page":416},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1125>٢ - مقتضى محبة رسول الله - ﷺ </span>-:\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: في حقيقة المتابعة للنبي - ﷺ - \"فمحمد - ﷺ - أرسل إلى كل أحد من الإنس والجن، كتابيهم وغير كتابيهم، في كل ما يتعلق بدينه من الأمور الباطنة والظاهرة، في عقائده وحقائقه، وطرائقه وشرائعه، فلا عقيدة إلا عقيدته، ولا حقيقة إلا حقيقته، ولا طريقة إلا طريقته، ولا شريعة إلا شريعته، ولا يصل أحد من الخلق إلى الله وإلى رضوانه وجنته وكرامته وولايته إلا بمتابعته باطنا وظاهرا في الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة في أقوال القلب وعقائده، وأحوال القلب وحقائقه، وأقوال اللسان وأعمال الجوارح\" (^١).\nوقال ابن القيم ﵀ في تفسير قوله تعالى ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]: \"ويلزم من هذه الأولوية والمحبة كمال الانقياد والطاعة والرضا والتسليم وسائر لوازم المحبة من الرضا بحكمه والتسليم لأمره وإيثاره على ما سواه\" (^٢).\nوقال ابن رجب ﵀: \"فالواجب على كل مؤمن أن يحب ما أحبه الله محبة توجب له الإتيان بما وجب عليه منه، فإن زادت المحبة حتى أتى بما ندب إليه منه كان ذلك فضلا وأن يكره ما كرهه الله تعالى كراهة توجب له الكف عما حرم عليه منه فإن زادت الكراهة حتى أوجبت الكشف عما كرهه تنزيها كان ذلك فضلًا، وقد ثبت في الصحيحين عنه - ﷺ - أنه قال: \"لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده وأهله والناس أجمعين\". فلا يكون المؤمن مؤمنا حتى يقدم محبة الرسول على محبة جميع الخلق، ومحبة الرسول تابعة لمحبة مرسله، والمحبة الصحيحة تقتضي\n_________\n(^١) الفتاوى ١٠/ ٤٣٠ - ٤٣١.\n(^٢) التبوكية ص ٣٠. وانظر الآثار الواردة في سير أعلام النبلاء د: جمال بن أحمد ١/ ١٤٢.","vol":"3","page":417},{"text":"المتابعة والموافقة في حب المحبوبات وبغض المكروهات\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1126>٣ - أقوال العلماء في قوله - ﷺ -: \"لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه ... \" الحديث</span>.\nقال النووي ﵀: \"قَوْله - ﷺ -: \"لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين\" وفي الرواية الأخرى: \"من وَلده ووالده والناس أجمعين\"، قال ابن بطال ﵀: ومعنى الحديث: \"أن من استكمل الإيمان علم أن حق النبي - ﷺ - آكد عليه من حق أبيه وابنه والناس أجمعين؛ لأن به - ﷺ - استنقذنا من النار، وهدينا من الضلال\".\nوقال القاضي عياض ﵀: \"ومن محبته - ﷺ - نصرة سنته، والذب عن شريعته، وتمني حضور حياته؛ فيبذل ماله ونفسه دونه. قال: وإذا تبين ما ذكرناه تبين أن حقيقة الإيمان لا يتم إلا بذلك، ولا يصح الإيمان إلا بتحقيق إعلاء قدر النبي - ﷺ - ومنزلته على كل والد، وولد، ومُحسن، ومفضَّل، ومن لم يعتقد هذا، واعتقد سواه، فليس بمؤمن \". هذا كلام القاضي ﵀. والله أعلم\" (^٢).\nوفي قوله - ﷺ -: \"لا يؤمن أحدكم ... \" الحديث قال ابن عثيمين ﵀: \"ونفي الشيء له ثلاث حالات:\nفالأصل أنه نفي للوجود وذلك مثل: \"لا إيمان لعابد صنم\".\nفإن منع مانع من نفي الوجود فهو نفي للصحة مثل: \"لا صلاة بغير وضوء\".\nفإن منع مانع من نفي الصحة فهو نفي للكمال مثل: \"لا صلاة بحضرة طعام\".\nفقوله: \"لا يؤمن أحدكم\" نفي للكمال الواجب لا المستحب. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"لا ينفي الشيء إلا لانتفاء واجب فيه ما لم يمنع من ذلك مانع\"\" (^٣).\nوقال أيضًا ﵀: \"ومحبة رسول الله - ﷺ - تكون لأمور:\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم ٥٧٦.\n(^٢) شرح مسلم للنووي ٢/ ١٦.\n(^٣) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١٠/ ٦٤٣. وانظر: القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ١٦١.","vol":"3","page":418},{"text":"الأول: أنه رسول الله، وإذا كان الله أحب إليك من كل شيء فرسوله أحب إليك من كل مخلوق.\nالثاني: لما قام به من عبادة الله وتبليغ رسالته.\nالثالث: لما آتاه الله من مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال.\nالرابع: أنه سبب هدايتك وتعليمك وتوجيهك.\nالخامس: لصبره على الأذى في تبليغ الرسالة.\nالسادس: لبذل جهده بالمال والنفس لإعلاء كلمة الله\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1127>٢٥٧ - المحبة في الله</span>\nانظر باب (الحب في الله).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1128>٢٥٨ - محمد رسول الله - ﷺ </span>-\nهو الجزء الثاني من الشهادتين ومعناه: اعتقاد أن محمدًا رسول الله، ويقتضي اتباع رسول الله وغير رسول الله - ﷺ - إن اتبع فيما لا دليل عليه فقد اتبع بباطل، ولمعرفة تفصيل ذلك انظر الأبواب: (شهادة أن محمدًا رسول الله)، (متابعة الرسول - ﷺ -)، (محبة الرسول - ﷺ -)، (النبوة).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١٠/ ٦٢٩، ٦٣٠. وانظر: القول المفيد لابن عثيمين طـ ١ - ٢/ ١٤٨.","vol":"3","page":419},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1129>٢٥٩ - المسرة بانخفاض دين الرسول - ﷺ - أو الكراهية لانتصار دينه </span>*\nوهذا من صفات المنافقين نفاقا أكبر قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ [التوبة: ٥٠]. قال الشوكاني ﵀: \"وهذا نوع آخر من خبث ضمائر المنافقين وسوء أفعالهم، والإخبار بعظيم عداوتهم لرسول الله وللمؤمنين، فإن المساءة بالحسنة، والفرح بالمصيبة من أعظم ما يدل على أنهم في العداوة قد بلغوا الغاية\" (^١).\nويقول ابن حزم ﵀: \" ... وأما الذي أخبر الله تعالى بأنه إن أصابت رسول الله - ﷺ - سيئة ومصيبة تولوا وهم فرحون، أو أنه إن أصابته حسنة ساءتهم فهؤلاء كفار بلا شك\" (^٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: ٤٨]. يقول الإمام الطبري ﵀: \"لقد التمس هؤلاء المنافقون الفتنة لأصحابك يا محمد، التمسوا صدّهم عن دينهم، وحرصوا على ردّهم إلى الكفر بالتخذيل عنه ... ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾ يقول: وأجالوا فيك وفي إبطال الدين الذي بعثك به الله الرأيَ بالتخذيل عنك،\n_________\n* القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ٦٣، نواقض الإيمان الاعتقادية د: الوهيبي ٢/ ١٦٩.\n(^١) فتح القدير ٢/ ٣٦٨، ٣٦٩.\n(^٢) المحلى ١١/ ٢٠٥، ٢٠٦.","vol":"3","page":420},{"text":"وإنكار ما تأتيهم به، وردّه عليك، ﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ﴾ يقول: حتى جاء نصر الله، ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ يقول: وظهر دين الله الذي أمر به وافترضه على خلقه، وهو الإسلام ﴿وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ يقول: والمنافقون لظهور أمر الله ونصره إياك، كارهون ... \" (^١).\nوقال شيخ الإسلام: \" ... فالرافضة يوالون من حارب أهل السنة والجماعة، ويوالون التتار، ويوالون النصارى، وقد كان بالساحل بين الرافضة وبين الفرنج مهادنة، حتى صارت الرافضة تحمل إلى قبرص خيل المسلمين وسلاحهم وغلمان السلطان، وغيرهم من الجند والصبيان، وإذا انتصر المسلمون على التتار أقاموا المآتم والحزن، وإذا انتصر التتار على المسلمين أقاموا الفرح والسرور، وهم الذين أشاروا على التتار بقتل الخليفة، وقتل أهل بغداد، ووزير بغداد ابن العلقمي الرافضي هو الذي خامر على المسلمين وكاتب التتار، حتى أدخلهم أرض العراق بالمكر والخديعة، ونهى الناس عن قتالهم، وقد عرف العارفون بالإسلام: أن الرافضة تميل مع أعداء الدين ... \" (^٢).\n_________\n(^١) تفسير الطبري ١٤/ ١٤٧.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٦٣٦، ٦٣٧ وانظر ٢٨/ ٤٣٥.","vol":"3","page":421},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1130>٢٦٠ - المشاهد </span>*\n<span data-type=\"title\" id=toc-1131>تتبع آثار الصالحين/ القبور</span>\nقال ابن تيمية ﵀: \"مقامات الأنبياء والصالحين هي الأمكنة التي ماتوا فيها أو أقاموا بها أو عبدوا الله فيها، لكنهم لم يتخذوها مساجد، والمشاهد هي الأبنية التي تُبنى عليها أو على آثار الأنبياء والصالحين\" (^١).\nوتطلق المشاهد ويراد بها المواضع التي تُبنى على القبور والأضرحة، وهي مواطن يحضرها الناس ويجتمعون بها ويكون فيها أمور تخالف ما أمر الله به وهو مرادنا في هذا الباب.\nوقال أيضًا: \"وأما بناء المساجد على القبور، وتسمى \"مشاهد\" فهذا غير سائغ بل جميع الأمة ينهون عن ذلك، لما ثبت في الصحيحين عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما فعلوا\" قالت عائشة: لولا ذلك لأبرز قبره، ولكنه كره أن يتخذ مسجدًا.\nوفي الصحيح أيضًا عنه أنه قال: \"إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك\".\nوفي السنن عنه قال: \"لعن الله زوارت القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج\" (^٢).\n_________\n* اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٦٤٢، ٧٤٦، ٧٥١. الآداب الشرعية لابن مفلح ٣/ ٣٨١. المحلى بالآثار لابن حزم ٥/ ٣٨٧. الدرر السنية ١٠/ ٢٠٥، ٢٠٩. فتاوى اللجنة الدائمة ٣/ ٢٠٧. مجموع الفتاوى لابن باز ٢/ ٧٩٣. نور على الدرب ص ١٧٧، ٢٩٥، ٣٢٠. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٢/ ٢٤٨. التبرك د: ناصر الجديع ص ٣٩١، ٣٩٣، ٤٥٨.\n(^١) مستفاد من شفاء الصدور ص ٢٩٧ ط. الإفتاء.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٢٤/ ٣١٨.","vol":"3","page":422},{"text":"ونجد شيخ الإسلام ﵀ يطلق \"المشهد\" ويريد بها القبور المشتهرة عند القبوريين، قال ﵀: \" ... بل المشاهد المضافة إلى الأنبياء وغيرهم كذب، مثل القبر الذي يُقال له \"قبر نوح\" ... \" (^١).\nوقال ﵀: \"وعُمَّار المشاهد يخافون غير الله، ويرجون غيره، ويدعون غيره، وهو سبحانه لم يقل إنما يعمر مشاهد الله، فإن المشاهد ليست بيوت الله، إنما هي بيوت الشرك، ولهذا ليس في القرآن آية فيها مدح المشاهد، ولا عن النبي - ﷺ - في ذلك حديث، وإنما ذكره الله عمن كان قبلنا أنهم بنوا مسجدا على قبر أهل الكهف، وهؤلاء من الذين نهانا الله أن نتشبه بهم حيث قال - ﷺ - في الحديث الصحيح: \"أن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم من ذلك\"، ففي هذا الحديث ذم أهل المشاهد، وكذلك سائر الأحاديث الصحيحة، كما قال: \"لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبو أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا\"، وقال: \"أولئكِ إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة\".\nثم أهل المشاهد كثير من مشاهدهم أو أكثرها كذب، فإن الشرك مقرون بالكذب في كتاب الله كثيرًا قال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠]. وقال النبي - ﷺ -: \"عدلت شهادة الزور الإشراك بالله\" قالها ثلاثًا\" (^٢).\n* الأدلة: انظر الأدلة في باب (البناء على القبور).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٤/ ٥١٦.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٧/ ٤٩٩، ٥٠٠ وانظر أيضًا ٢٧/ ١٦٩.","vol":"3","page":423},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1132>فوائد وأحكام:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1133>١ - تاريخ المشاهد:</span>\nإن من أعظم الفتن والبلايا التي وقعت عند المسلمين بعد القرون الثلاثة المفضلة تعظيم قبور الأنبياء والأولياء والصالحين والغلو فيها، واتخاذها مزارات ومشاهد، ويحدد ابن تيمية وقت ظهورها بقوله: \"وذلك من دولة المقتدر في أواخر المائة الثالثة فإنه إذ ذاك ظهرت القرامطة العبيدية بأرض المغرب ثم جاءوا بعد ذلك إلى أرض مصر\" (^١).\nفأول من أدخل هذه البدع عند المسلمين هم الشيعة الروافض - قبّحهم الله - على يد الدولة العبيدية حين ضعفت خلافة بقي العباس (^٢)، ثم تبعهم في ذلك أصحاب الطرق الصوفية فأشاعوها بين المسلمين (^٣).\nقال ابن تيمية ﵀: \"فالمقصود أن هذا المشهد إنما أحدث في دولة الملاحدة دولة بني عبيد. وكان فيهم من الجهل والضلال ومعاضدة الملاحدة وأهل البدع من المعتزلة والرافضة أمور كثيرة، ولهذا كان في زمنهم قد تضعضع الإسلام تضعضعا كثيرًا، ودخلت النصارى إلى الشام، فإن بني عبيد ملاحدة منافقون ليس لهم غرض في الإيمان بالله ورسوله، ولا في الجهاد في سبيل الله، بل في الكفر والشرك ومعاداة الإسلام بحسب الإمكان، وأتباعهم كلهم أهل بدع وضلال، فاستولت النصارى في دولتهم على أكثر الشام، ثم قيض الله من ملوك السنة مثل: نور الدين، وصلاح الدين، وإخوته وأتباعهم ففتحوا بلاد الإسلام، وجاهدوا\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢٧/ ٤٦٦.\n(^٢) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٢٧/ ١٦٧، ٤٦٦. وانظر شفاء الصدور ص ١١٢.\n(^٣) راجع كتاب الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة لعبد الرحمن عبد الخالق ص ٤٠٢، ٤٠٣ وكتاب التبرك للجديع ص ٣٩١.","vol":"3","page":424},{"text":"الكفار والمناففين\" (^١).\nوقال أيضًا ﵀:\"ولم يكن في العصور المفضلة \"مشاهد\" على القبور، وإنما ظهر ذلك وكثر في دولة بني بويه، لما ظهرت القرامطة بأرض المشرق والمغرب وكان بها زنادقة كفار، مقصودهم تبديل دين الإسلام، وكان في بني بويه من الموافقة لهم على بعض ذلك، ومن بدع الجهمية، والمعتزلة، والرافضة، ما هو معروف لأهل العلم، فبنوا المشاهد المكذوبة \"كمشهد علي\" - ﵁ - وأمثاله، وصنف أهل الفرية الأحاديث في زيارة المشاهد والصلاة عندها، والدعاء عندها، وما يشبه ذلك، فصار هؤلاء الزنادقة وأهل البدع المتبعون لهم يعظمون المشاهد، ويهينون المساجد، وذلك ضد دين المسلمين\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-1134>٢).\n\n٢ - قبور الأنبياء:</span>\nلا يثبت مكان قبر بعينه لنبي من الأنبياء أبدا إلا قبر النبي محمد - ﷺ - وإبراهيم ﵇ في المغارة التي في الشام في محله المعروف هناك، من دون أن يعلم عينه. قال شيخ الإسلام: \"وقبر الخليل فيه نزاع لكن الصحيح الذي عليه الجمهور أنه قبره. (^٣).\nقال الشيخ ابن باز ﵀: \"جميع قبور الأنبياء لا تعرف ما عدا قبر نبينا - ﵊ - فإنه معلوم في بيته في المدينة - ﵊ -، وهكذا قبر الخليل إبراهيم معروف في المغارة هناك في الخليل في فلسطين، وأما سواهما فقد بين أهل العلم أنها لا تعلم قبورهم، ومن ادعى أن هذا قبر فلان أو قبر فلان فهو كذب لا أصل له ولا صحة له\" (^٤).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى: ١٧/ ٥٠١.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٢٧/ ١٦٧، ١٦٨.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٢٧/ ٥٢١.\n(^٤) نور على الدرب ص ١٧٧.","vol":"3","page":425},{"text":"وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"فالأنبياء كثيرون جدًّا، وما يضاف إليهم من القبور قليل جدا، وليس منها شيء ثابت عرفا، قالقبور المضافة إليهم منها ما يعلم أنه كذب: مثل \"قبر نوح\" الذي في أسفل جبل لبنان، ومنها ما لا يعلم ثبوته بالإجماع، إلا قبر نبينا والخليل وموسى فإن هذا من كرامة محمد وأمته، فإن الله صان قبور الأنبياء عن أن تكون مساجد صيانة لم يحصل مثلها في الأمم المتقدمة، لأن محمدا وأمته أظهروا التوحيد إظهارا لم يظهره غيرهم، فقهروا عباد الأوثان، وعباد الصلبان، وعباد النيران\" (^١).\nقال شيخ الإسلام: \"لكن ليس في معرفة قبور الأنبياء بأعيانها فائدة شرعية، وليس حفظ ذلك من الدين، ولو كان من الدين لحفظه الله كما حفظ سائر الدين، وذلك أن عامة من يسأل عن ذلك إنما قصده الصلاة عندها والدعاء بها ونحو ذلك من البدع المنهي عنها، ومن كان مقصوده الصلاه والسلام على الأنبياء والإيمان بهم وإحياء ذكرهم فذلك ممكن له، وإن لم يعرف قبورهم صلوات الله عليهم\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1135>٣ - أكثر المشاهد المشهورة مكذوبة:</span>\nقال ابن تيمية ﵀: \"بل عامة القبور التي بنيت عليها المساجد، إما مشكوك فيها، وإما متيقن كذبها، مثل القبر الذي بكرك الذي يقال: إن به نوح، والذي بظاهر دمشق الذي يقال إنه قبر أبي بن كعب، والذي من الناحية الأخرى، والذي يقال: إنه قبر أويس القرني، والقبور التي هناك التي يظن أنها قبر عائشة أو أم سلمة زوج النبي - ﷺ - أو أم حبيبة، أو قبر علي الذي بباطنة النجف، أو المشهد الذي يقال: إنه على الحسين بالقاهرة، والمشهد الذي بحلب، وأمثال هذه المشاهد، فهذه كلها كذب باتفاق أهل العلم.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى لابن تيمية ٢٧/ ٢٧٢.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٢٧/ ٥٣١.","vol":"3","page":426},{"text":"وأما القبر الذي يقال: إنه \"قبر خالد بن الوليد\" بحمص، والذي يقال: إنه قبر أبي مسلم الخولاني بداريا، وأمثال ذلك: فهذه مشكوك فيها، وقد نعلم من حيث الجملة أن الميت: قد توفي بأرض ولكن لا يتعين أن تلك البقعة مكان قبره: كقبر بلال ونحوه بظاهر دمشق، وكقبر فاطمة بالمدينة وأمثال ذلك، وعامة من يصدق بذلك يكون علم به: إما مناما، وإما نقلا لا يوثق به، وإما غير ذلك، ومن هذه القبور ما قد يتيقن، لكن لا يترتب على ذلك شيء من هذه الأحكام المبتدعة ولهذا كان السلف يسدون هذا الباب، فإن المسلمين لما فتحوا تُستر وجدوا هناك سرير ميت باق، ذكروا أنه \"دانيال\" ووجدوا عنده كتابا فيه ذكر الحوادث، وكان أهل تلك الناحية يستسقون به، فكتب في ذلك أبو موسى الأشعري إلى عمر، فكتب إليه عمر أن يحفر بالنهار ثلاثة عشر قبرا، ثم يدفن بالليل في واحد منها ويعفى قبره لئلا يفتتن به الناس\" (^١).\nوكذلك نبي الله هود ﵇ كان في الأحقاف، ولكن لا يعلم قبره ولا يدرى عنه وليس هناك ما يدل على وجوده (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1136>٤ - مشهد الحسين في القاهرة </span>(^٣):\nانتشرت مشاهد ومزارات في كثير من أنحاء العالم الإسلامي ومن أشهرها في مصر: مشهد الحسين بن علي بن أبي طالب - ﵁ - بالقاهرة.\nوقد دفن جسد الحسين بكربلاء في العراق باتفاق المؤرخين (^٤).\nأما مقر رأسه فقد تعددت أسماء المدن التي يقال بوجود الرأس فيها (^٥)، وهذه\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى: ٢٧/ ١٧١.\n(^٢) انظر فتوى الهيئة رقم ١٢٤٤.\n(^٣) انظر مجموع فتاوى ابن باز ٢/ ٧٩٣.\n(^٤) انظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٢٧/ ٤٩٣، البداية والنهاية ٨/ ٢٠٣.\n(^٥) انظر البداية والنهاية ٨/ ٢٠٤.","vol":"3","page":427},{"text":"المدن هي: المدينة، القاهرة، دمشق، كربلاء، حلب، عسقلان، مرو، الرّقة (^١). ومع تعدد الأقوال في مقر رأس الحسين فقد تعددت المشاهد المنسوبة للحسين - ﵁ -.\nوقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية أن رأس الحسين - ﵁ - دفن بالمدينة. ونفى أن يكون له وجودا في القاهرة فقال ﵀: \"المشهد المنسوب إلى الحسين بن علي - ﵁ - الذي بالقاهرة كذب مختلق، بلا نزاع بين العلماء المعروفين عند أهل العلم، الذين يرجع إليهم المسلمون في مثل ذلك لعلمهم وصدقهم. ولا يعرف عن عالم مسمى معروف بعلم وصدق أنه قال: أن هذا المشهد صحيح. وإنما يذكره بعض الناس قولا عمن لا يعرف، على عادة من يحكي مقالات الرافضة وأمثالهم من أهل الكذب.\nفإنهم ينقلون أحاديث وحكايات، ويذكرون مذاهب ومقالات، وإذا طالبتهم بمن قال ذلك ونقله؟ لم يكن لهم عصمة يرجعون إليها، ولم يسموا أحدا معروفا بالصدق في نقله، ولا بالعلم في قوله، بل غاية ما يعتمدون عليه: أن يقولوا: أجمعت الطائفة الحقة، وهم عند أنفسهم الطائفة الحقة، الذين هم عند أنفسهم المؤمنون، وسائر الأمة سواهم كفار\" (^٢).\nومن المشاهد المشهورة في مصر أيضًا: مشهد \"السيدة زينب\" بنت علي بن أبي طالب - ﵁ - (^٣) بالقاهرة (^٤)، ومشهد \"السيد البدوي\" (٥) بطنطا.\n_________\n(^١) التبرك ص ٣٩١.\n(^٢) مجموع الفتاوى لابن تيمية: ٢٧/ ٤٥١.\n(^٣) هي زينب بنت علي بن أبي طالب القرشية أمها فاطمة بنت رسول الله - ﷺ -. ولدت في حياة النبي - ﷺ -، وكانت امرأة عاقلة لبيبة، كانت مع أخيها الحسين - ﵁ - لما قتل فحملت إلى دمشق. انظر أسد الغابة ٦/ ١٣٢، الإصابة ٤/ ٣١٤.\n(^٤) قال المؤرخ المصري علي باشا مبارك - المتوفى سنة ١٣١١ هـ في كتابه (الخطط التوفيقية الجديدة لمصر القاهرة) ٥/ ٩ عند ذكر مشهد السيدة زينب بالقاهرة: لم أر في كتب التواريخ أن السيدة = زينب بنت علي - ﵂ - جاءت إلى مصر في الحياة أو بعد الممات.\n(٥) هو أحمد بن علي الحسيني أبو العباس البدوي الصوفي المشهور، عرف بالبدوي للزومه اللثام، وأصله من المغرب، ودخل مصر أيام الملك الظاهر بيبرس، وقد قدسه أتباعه ونسبوا له مناقب كثيرة مليئة بالخرافات والأباطيل. توفى بطنطا سنة ٦٧٥ هـ. انظر شذرات الذهب ٥/ ٣٤٥.\nالأعلام ١/ ١٧٥. كتاب السيد البدوي بين الحقيقة والخرافة للدكتور أحمد صبحي منصور.","vol":"3","page":428},{"text":"ومن أشهرها في الشام: \"مشهد خالد بن الوليد - ﵁ - \". بحمص، و\"مشهد صلاح الدين الأيوبي\" بدمشق بجوار الجامع الأموي، ومحي الدين بن عربي (^٢) بدمشق أيضًا. ومن أشهرها في العراق مشهد الحسين بن علي بكربلاء (^٣)، ومشهد عبد القادر الجيلاني ببغداد (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1137>٥ - حكم الصلاة في المشاهد </span>(^٥):\nقال الخرفي ﵀: \"وكذلك إن صلى في المقبرة أو الحش أو الحمام أو في أعطان الإبل أعاد\" (^٦).\nوعلق على كلامه ابن قدامة ﵀ في المغني فقال: \"اختلفت الرواية عن أحمد ﵀ في الصلاة في هذه المواضع، فروي أن الصلاة لا تصح فيها بحال\" (^٧). وذكر\n_________\n(^٢) صاحب التصانيف في تصوف الفلاسفة وأهل الوحدة قال فيها أشياء منكرة. قال الذهبي من أردأ تواليفه كتاب (فصوص الحكم) وقال: قد عظّمه جماعة وتكلفوا لما صدر منه ببعيد الاحتمالات. توفي بدمشق سنة ٦٣٨ هـ. انظر سير أعلام النبلاء ٢٣/ ٤٨، ميزان الاعتدال ٣/ ٦٥٩، شذرات الذهب ٥/ ١٩٠ الأعلام ٦/ ٢٨١.\n(^٣) قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ ﵀ عن هذا المشهد اتخذه الرافضة وثنا، بل ربا مدبرا وخالقا مسيرا، وأعادوا به المجوسية، وأحيوا به معاهد اللات والعزى وما كان عليه أهل الجاهلية. انظر الرسائل المفيدة ص ٣٩٢.\n(^٤) كتاب التبرك ٣٩٢، ٣٩٣ د/ ناصر الجديع نشر مكتبة الرشد الرياض.\n(^٥) للاستزادة انظر باب (اتخاذ القبور مساجد).\n(^٦) المغني ١/ ٤٦٨.\n(^٧) المغني ١/ ٤٦٨.","vol":"3","page":429},{"text":"الرواية بصحتها ثم فصل الكلام طويلًا وقال في آخره: \"فعلى هذا لا تصح الصلاة إلى القبور للنهي عنها، وتصح إلى غيرها لبقائها في عموم الإباحة وامتناع قياسها على ما ورد النهي عنه\" (^١).\nوالذي عليه أكثر أهل العلم أنه لا تجب الإعادة إذا صلى في المقبرة وهو قول مالك والشافعي وأحمد في رواية عنه والمشهور عن أحمد أن عليه الإعادة لارتكاب النهي بالصلاة فيها (^٢). وقد تقدم ذكر ذلك في كلام الخرقي وابن قدامة رحمهما الله، ولأن النهي يدل على فساد المنهي عنه فقد ذهب بعض العلماء إلى بطلان الصلاة فيها كابن حزم، واختاره شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ، والشوكاني في نيل الأوطار (^٣).\nوقد قرر شيخ الإسلام بطلان الصلاة في كل مسجد بُني على قبر سواء صلى خلف القبر أو أمامه (^٤).\nكما قرر ﵀ أن الصلاة في المقبرة محرمة ولا تصح. قال ﵀: \"والمشهور عندنا أنها محرمة لا تصح\" (^٥).\nوذكر في شرح العمدة أن الصلاة في المواضع المنهي عن الصلاة فيها روايتان:\nإحداهما: وهي ظاهر المذهب أنها لا تصح ولا تجوز.\nوالثانية: أنها تكره وتستحب الإعادة.\nثم قال ﵀: \"والأول أصح؛ لأن قوله - ﷺ - \"الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام\": إخراجٌ لها عن أن تكون مسجدًا، والصلاة لا تصح إلا في مسجد، أعني فيما جعله الله لنا مسجدًا.\n_________\n(^١) المغني ٢/ ٤٧٤.\n(^٢) فتح الباري لابن رجب ٣/ ١٩٦. التمهيد ٥/ ٢٣٠، المغني ١/ ٤٠٣، نيل الأوطار ٢/ ١٣٦، ١٣٧.\n(^٣) أحكام الجنائز ٢١٤ - ٢١٥.\n(^٤) انظر شرح العمدة ٢/ ٤٥٩ - ٤٦١، ومجموع الفتاوى ٢٢/ ١٩٥.\n(^٥) اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٦٧٦.","vol":"3","page":430},{"text":"وهذا خطاب وضعٍ وإخبارٌ فيه أن المقبرة والحمام، لم يُجعلا مسجدًا ومحلًا للسجود، كما بَيَّن أن محلَ السجود، هو الأرض الطيبة.\nفإذا لم تكن مسجدًا: كان السجود واقعًا فيها في غير موضعه، فلا يكون معتدًا به، كما لو وقع في غير وقته، أو إلى غير جهته، أو في أرضٍ خبيثة\" (^١).\nوقال الشيخ ابن باز ﵀: \"لا تجوز الصلاة عند القبور ولا اتخاذها مساجد؛ ولأن ذلك وسيلة للشرك (^٢).\nوقال ابن عثيمين ﵀: \"وأما صِحَّة الصلاة في المساجد التي بنيت على القبور فإن كان القبر سابقا على المسجد بأن بني المسجد على القبر فإن الصلاة فيه لا تصح ويجوز هدم المسجد لأن النبي - ﷺ - قال: \"قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا\" وأما إذا كان المسجد سابقا على القبر بأن كان المسجد قائما مبنيا ثم دفن فيه أحد فإنه يجب أن ينبش القبر وأن يدفن فيما يدفن فيه الناس.\nوالصلاة في هذا المسجد السابق (^٣) على القبر صحيحة إلا إذا كان القبر تجاه المصلين فإن الصلاة إلى القبور لا تصح - كما في صحيح مسلم من حديث أبي مرثد الغنوي - أن النبي - ﷺ - قال: \"لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها\"\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1138>٦ - فائدة:\nقال ابن تيمية: \" ... ولا في الصلاة في المشاهد التي على القبور ونحوها فضيلة على سائر البقاع</span>، فضلا عن المساجد، باتفاق أئمة المسلمين، فمن اعتقد أن الصلاة عندها فيها فضل على الصلاة على غيرها، أو أنها أفضل من الصلاة في بعض\n_________\n(^١) شرح العمدة ص ٤٣٤ - ٤٣٥.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٧٩٤.\n(^٣) الكلام من فضيلته في رد على سؤال حول الصلاة في داخل مسجد يقال أن فيه قبر النبي يونس.\n(^٤) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٢/ ٢٤٨.","vol":"3","page":431},{"text":"المساجد، فقد فارق جماعة المسلمين، ومرق من الدين، بل الذي عليه الأمة أن الصلاة فيها منهي عنه نهي تحريم، وإن كانوا متنازعين في الصلاة في المقبرة: هل هي: محرمة؟ أم مكروهة؟ أو مباحة؟ أو يفرق بين المنبوشة والقديمة، فذلك لأجل تعليل النهي بالنجاسة لاختلاط التراب بصديد الموتى.\nوأما هذا فإنه نهى عن ذلك لما فيه من التشبه بالمشركين، وأن ذلك أصل عبادة الأصنام قال تعالى: ﴿لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)﴾ [نوح: ٢٣]. قال غير واحد من الصحابة والتابعين: هذه أسماء قوم كانوا قوما صالحين، في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ولهذا قال النبي - ﷺ - ما ذكره مالك في الموطأ: \"اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\"؛ ولهذا لا يشرع باتفاق المسلمين أن ينذر للمشاهد التي على القبور، لا زيت، ولا شمع، ولا دراهم، ولا غير ذلك، وللمجاورين عندها، وخدام القبور، فإن النبي - ﷺ - قد لعن من يتخذ عليها المساجد والسرج، ومن نذر ذلك فقد نذر معصية، وفي الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه\"\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1139>٧ - فائدة:\nما يروى في كتب السير بأن إسماعيل - ﵇ - دفن في الحطيم بمكة المكرمة لا يستند على نقل صحيح </span>أو سند ثابت وقد أجابت اللجنة الدائمة بأن: \"ما قيل من أن إسماعيل - ﵊ - مدفون في الحطيم غير صحيح فلا يعول عليه بحال\" (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى لابن تيمية: ٢٤/ ٣١٨.\n(^٢) فتاوى اللجنة ٣/ ٢٠٧.","vol":"3","page":432},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1140>٨ - موقف العلماء من المشاهد والقبور:</span>\nلقد اشتد نكير العلماء والفضلاء على ما يحدث في المشاهد والمقابر وعلت صيحاتهم وصدقت لهجتهم في التحذير من الشركيات والبدع والمخزيات التي تقوم هناك هذا مع ما يخالطها من اختلاط وإيقاظ شهوات وبذل للأموال في الخزي والعار، قال أبو الوفاء بن عقيل: \"ما كان أحوج الجوامع أن تكون مظلمة من سرجهم منزهة عن معاصيهم وفسقهم\" (^١).\nوقال - ﵀ -: \"أترى بماذا تتحدث عنك سواري المسجد في الظلم، وأفنية القبور والقباب ... غدا يرى أهل الجموع أن المساجد تلعنهم، والمشاهد والمقابر تستغيث منهم\" (^٢).\nوقال ابن مفلح: \"وإذا كان ذلك في زمنه، فما ظنك بزمننا هذا الذي بينهما نحو ثلاث مئة سنة وما يجري بالشام ومصر والعراق وغيرها من بلاد الإسلام في أيام المواسم من المنكرات؟ فإنا لله وإنا إليه راجعون\" (^٣).\nوأنكر ذلك أئمة الدعوة وعلى رأسهم الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب كما أنكر العلماء الأجلاء على عباد القبور والمشاهد في شتى أصقاع الأرض.\nقال العلامة شكري الألوسي عن عبدة القبور: \"ومنهم من يطلب منهم النسل إذا كان عقيمًا، والشفاء إذا كان سقيمًا، وكثير منهم يطلب منصبًا فيه أخذ أموال العباد، والسعي في الأرض بكل فساد، فيجيء إليهم ويلازمهم معتقدًا: أن من لازمهم قضيت حاجته، ونجحت سعايته، واقتربت سعادته، وإذا فتحت بيوت قبورهم المذهبة، ورفعت ستور الأبواب المطلية المطروزة، وفاحت تلك الروائح\n_________\n(^١) الآداب الشرعية ٣/ ٣٨٢.\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) الآداب الشرعية ٣/ ٣٨٢.","vol":"3","page":433},{"text":"المسكية من الجدران المخلقة، وجد هذا الزائر في فؤاده من الخشية والرهب ما لا يجد أدنى معشار جزء من عشره بين يدي خالق السموات والأرضين وإله جميع العالمين، فيدخل إلى القبر خاشعًا، ذليلًا متواضعًا، لا يخطر في قلبه مثقال ذرة من غير إجلاله، منتظرا فيض كرمه ونواله، فأقسم بالله أنه لم يتصوره بشرًا قد وضع بأكفانه في لحده، ولو سلمنا أنه خطرت له وهو عنده تلك الخطرة لتعوذ بالله منها، ووقف عند حده، ويا مصيبة من أنكر عليهم حالهم، ويا شناعة من رد عليهم أمرهم، ويا خسارة من علمهم وأرشدهم، فإن ذلك عندهم قد تنقص حق الأولياء، وهضمهم مرتبتهم من السمو والارتقاء، فبالله عليك أيها الناظر! إلا ما قابلت هذه مع ما ورد عن سيد الأنام - ﷺ - متأملا كيفية إذنه بعد المنع.\nوانظر إلى سبب المنع والإذن، وما علل النبي - ﷺ - الإذن وجعله في حكم الغاية له والشرط ... \" (^١).\nوقال الشمس السلفي: \"وقال العلامة الخجندي (١٣٧٩ هـ) وشيخ القرآن الفنجفيري (١٤٠٧ هـ) والرباطي الملقب بجامع المعقول والمنقول بعد ما ساقوا عدة أحاديث في تحريم بناء القبب والمساجد على القبور؛ مبينين مفاسد هذا العمل الملعون أهلها: \"وكم سرى عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام: ومع هذا المنكر الشنيع، والكفر الفظيع، لا نجد من يغضب لله ويغار حمية للدين الحنيف: لا عالمًا، ولا متعلمًا، ولا أميرًا، ولا وزيرًا، ولا ملكًا، وقد توارد إلينا من الأخبار ما لا يشك معه: أن كثيرًا من هؤلاء القبوريين أو أكثرهم إذا توجهت عليه يمين من جهة خصمه حلف بالله فاجرا، وإذا قيل له بعد ذلك: احلف بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني تلعثم وتلكأ، وأبى واعترف بالحق؛\n_________\n(^١) فتح المنان ص ٤٩٢، ٤٩٣.","vol":"3","page":434},{"text":"وهذا من أبين الأدلة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك من قال: إنه تعالى ثاني اثنين، أو ثالث ثلاثة؛ فيا علماء الدين! ويا ملوك المسلمين!\nأي رزء للإسلام أشد من الكفر؟!؟\nوأي بلاء لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير الله؟!؟\nوأي مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة؟!؟\nوأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن إنكار هذا الشرك البين واجبا؟!؟\nلقد أسمعت لو ناديت حيًا ... ولكن لا حياة لمن تنادي\nولو نارا نفخت بها أضاءت ... ولكن أنت تنفخ في الرماد\" (^١)\n_________\n(^١) جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية لشمس الدين السلفي الأفغاني ٣/ ١٦٤. وكلامهم منقول عن المشاهدات المعصومة ص ٢٧، ٢٨ والبصائر للفنجفيري ص ٤٥٢، ٤٥٣ ط القطرية وعقد اللآليء والدرر للرباطي ص ١٠٦، ١٠٧ وأصل هذا الكلام للإمام الشوكاني (١٢٥٥ هـ) انظر نيل الأوطار ٤/ ٨٤، ٨٥.","vol":"3","page":435},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1141>٢٦١ - مظاهرة الكفار على المسلمين </span>*\n<span data-type=\"title\" id=toc-1142>[الولاء والبراء]</span>\nقال أبو بكر الرازي: \"الظهير: المعين ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤)﴾ [التحريم: ٤] \" (^١).\nومظاهرة الكفار على المسلمين يقصد بها أن يكونوا أعوانا لهم وأنصارا على المسلمين ونصرتهم قد تكون بالنفس أو بالمال أو بالقول والبيان أو بميل القلب وحبه لهم ولدينهم وبغضه للمسلمين ويطلق عليها بعض العلماء التولي ويفرقون بينه وبين الموالاة، وسيأتي بيان ذلك في باب (الولاء والبراء).\nالأدلة من الكتاب: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (١٣)﴾ [الممتحنة: ١٣]. وذكر أن المنافقين هم الذين يتولون الكفار قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١)﴾ [الحشر: ١١]، وقال - ﷿ -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١].\n_________\n* تفسير الطبري ٣/ ١٤٠، تفسير ابن كثير ٢/ ٦٨، ٦٩، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٨/ ٥٣٠، ٥٣١، مختصر الفتاوى المصرية ص ٥٠٨. مجموعة التوحيد ص ٣٨، الدرر السنية ص ٧/ ٢٠١، ١٠/ ٤٢٣. مجموعة الرسائل والمسائل النجدية ١/ ٤٣، ٤١،٣٨، ٢/ ١٣٤، ١٣٥، فتاوى ابن باز ١/ ٢٧٢. نواقض الإيمان القولية والعملية ص ٣٥٩. انظر أيضًا المراجع المدرجة في (الولاء والبراء).\n(^١) مختار الصحاح باب (ظ هـ ر).","vol":"3","page":436},{"text":"قال ابنُ جَريرٍ في تفسيرِ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾: \"ومن يتول اليهود والنصارى دون المؤمنين فإنه منهم، يقول: فإن من تولاهم ونصرهم على المؤمنين، فهو من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا يتولى متول أحدا إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راض، وإذا رضيه ورضي دينه، فقد عادى ما خالفه وسخطه وصار حكمُه حكمَه ... \" (^١).\nوقال القرطبي في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ أي: \"يعاضدهم ويناصرهم على المسلمين فحكمه كحكمهم في الكفر والجزاء وهذا الحكم باق إلى يوم القيامة وهو قطع الموالاة بين المسلمين والكافرين\" (^٢).\nوقال ابن جرير عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]. قال - ﵀ -: \"لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار ظهرا وأنصارا توالونهم على دينهم وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلونهم على عوراتهم، فإنه من يفعل ذلك فليس من الله في شيء، يعني بذلك: فقد برئ من الله وبرئ الله منه، بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر ... \" (^٣).\nوقال البغوي: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (٨٦)﴾، أي معينًا لهم على دينهم، قال مقاتل: وذلك حين دُعي إلى دين آبائه فذكر الله بنعمه، ونهاه عن مظاهرتهم على ما هم عليه\" (^٤).\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ١٦.\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٦/ ٢١٧.\n(^٣) تفسير الطبري ٦/ ٣١٣.\n(^٤) تفسير البغوي ٣/ ٤٥٩.","vol":"3","page":437},{"text":"وقال البغوي أيضًا: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ﴾ فيوافقهم ويعينهم\" (^١). وقال ابن حزم: \"فصح بهذا أن من لحق بدار الكفر والحرب مختارا محاربا لمن يليه من المسلمين، فهو بهذا الفعل مرتد له أحكام المرتد كلها من وجوب القتل عليه، متى قدر عليه، ومن إباحة ماله، وانفساخ نكاحه وغير ذلك لأن رسول الله - ﷺ - لم يبرأ من مسلم، وأما من فرّ إلى أرض الحرب لظلم خافه، ولم يحارب المسلمين، ولا أعانهم عليه، ولم يجد في المسلمين من يجيره فهذا لا شيء عليه؛ لأنه مضطر مكره\" (^٢).\nوقال ابن الجوزي في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (٨٦)﴾ [القصص: ٨٦]، أي عونًا لهم على دينهم، وذلك أنهم دعوه إلى دين آبائه، فأُمر بالاحتراز منهم، والخطاب بهذا وأمثاله له، والمراد أهل دينه لئلا يظاهر الكفار ولا يوافقوهم\" (^٣).\nويقول ابن تيمية: \"فمن قفز منهم إلى التتار كان أحق بالقتال من كثير من التتار، فإن التتار فيهم المكره وغير المكره، وقد استقرت السنة بأن عقوبة المرتد أعظم من عقوبة الكافر الأصلي من وجوه متعددة\" (^٤).\nويقول ابن القيم: \"إنه سبحانه قد حكم، ولا أحسن من حكمه أن من تولى اليهود والنصارى فهو منهم ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ فإذا كان أولياؤهم منهم بنص القرآن كان لهم حكمهم\" (^٥).\nوذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب - ﵀ - مظاهرة الكفار ضد المسلمين ضمن\n_________\n(^١) تفسير البغوي ٣/ ٦٨.\n(^٢) المحلى ١٣/ ١٣٨، ١٣٩.\n(^٣) زاد المسير ٦/ ٢٥١.\n(^٤) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٥٣٤.\n(^٥) أحكام أهل الذمة ١/ ٦٧.","vol":"3","page":438},{"text":"نواقض الإسلام فقال:\n\"الناقض الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾ [المائدة: ٥١] (^١).\nومما قاله الشيخ سليمان في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١)﴾ [الحشر: ١١] فإذا كان وعد المشركين في السر - بالدخول معهم ونصرتهم والخروج معهم إن جَلَوا - نفاقا وكفرا وإن كان كذبا، فكيف بمن أظهر لهم ذلك صادقا، وقدم عليهم، ودخل في طاعتهم، ودعا إليها، ونصرهم وانقاد لهم، وصار من جملتهم وأعانهم بالمال والرأي؟ هذا مع أن المنافقين لم يفعلوا ذلك إلا خوفا من الدوائر كما قال تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [المائدة: ٥٢] \" (^٢).\nويقول الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ: \"التولي كفر يخرج من الملة، وهو كالذب عنهم وإعانتهم بالمال والبدن والرأي\" (^٣).\nوقال الشيخ حمد بن علي بن عتيق: \"إن الأمور التي يصير بها المسلم مرتدًا، أمران: الأمر الأول: الشرك. والأمر الثاني: مظاهرة المشركين على دينهم الباطل وطاعتهم في ذلك ولم يستثن من حالات المظاهرة والطاعة إلا حالة واحدة وهي الموافقة لهم في الظاهر ومخالفتهم في الباطن، وذلك إذا كان في سلطانهم مع مباشرة تعذيبهم وتهديدهم له\" (^٤).\n_________\n(^١) مجموعة التوحيد ص ٣٨.\n(^٢) الدلائل في حكم موالاة أهل الإشراك ص ٥٢.\n(^٣) الدرر السنية ٧/ ٢٠١.\n(^٤) مجموعة التوحيد ص ٢٨٦.","vol":"3","page":439},{"text":"قال الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري: \"والمشايخ ﵏ كالشيخ سليمان بن عبد الله، والشيخ عبد اللطيف، والشيخ حمد بن عتيق، إذا ذكروا موالاة المشركين فسَّروها بالموافقة والنصرة والمعاونة والرضا بأفعالهم .. هذا هو الذي أوجب كفره، وأما مجرد الاجتماع معهم في المنزل، فإن ذلك بدون إظهار الدين معصية، وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٤]: \"يعني: معهم في الحقيقة، يوالونهم ويسرون إليهم بالمودة، ويقولون لهم إذا خلوا بهم: إنا معكم\"، فهذا هو الذي أوجب كفرهم لا مجرد المخالطة\" (^١).\nويقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي - ﵀ - في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩)﴾ [الممتحنة:٩]: \"وذلك الظلم يكون بحسب التولي، فإن كان توليا تاما، كان ذلك كفرا مخرجا من دائرة الإسلام، وتحت ذلك من المراتب، ما هو غليظ، وما هو دونه\" (^٢).\nوقال الشيخ عبد العزيز بن باز عن الذين يدعون إلى الاشتراكية أو الشيوعية أو غيرهما من المذاهب الهدامة المناقضة لحكم الإسلام أنهم: \"كفار ضلال، أكفر من اليهود والنصارى، لأنهم ملاحدة لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ... وكل من ساعدهم على ضلالهم، وحسّن ما يدعون إليه، وذم دعاة الإسلام ولمزهم، فهو كافر ضال، حكمه حكم الطائفة الملحدة التي سار في ركابها وأيدها في طلبها، وقد أجمع علماء الإسلام على أن من ظاهر الكفار على المسلمين وساعدهم عليهم بأي نوع من المساعدة، فهو كافر مثلهم كما قال الله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا\n_________\n(^١) الدرر السنية ٩/ ١٥٨.\n(^٢) تفسير كلام المنان ٧/ ٣٥٧، وانظر ٢/ ٣٠٤.","vol":"3","page":440},{"text":"تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] \" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1143> الفرق بين مظاهرة الكفار والاستعانة بهم:</span>\nالفرق في ذلك كبير فالمظاهرة كفر مخرج من الملة وأما استعانة بهم ففي النهي عنها خلاف.\nقال الشيخ عبد العزيز بن باز - ﵀ -: \"ومما يجب التنبيه عليه أن بعض الناس قد يظن أن الاستعانة بأهل الشرك تعتبر موالاة لهم، وليس الأمر لك، فالاستعانة شيء والموالاة شيء آخر. فلم يكن النبي - ﷺ - حين استعان بالمطعم بن عدي، أو بعبد الله بن أريقط، أو بيهود خيبر مواليًا لأهل الشرك، ولا متخذًا لهم بطانة، وإنما فعل ذلك للحاجة إليهم واستخدامهم في أمور تنفع المسلمين ولا تضرهم. وهكذا بعثه المهاجرين من مكة إلى بلاد الحبشة ليس ذلك موالاة للنصارى، وإنما فعل ذلك لمصلحة المسلمين، وتخفيف الشر عنهم. فيجب على المسلم أن يفرق ما فرق الله بينه، وأن ينزل الأدلة منازلها، والله سبحانه هو الموفق والهادي لا إله غيره ولا رب سواه\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-1144>٢).\n\n٢٦٢ - الملائكة الكرام </span>*\nمن أصول الإيمان. انظر باب (الإيمان بالملائكة).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1145>٢٦٣ - المعجزة</span>\nانظر باب (الكرامة).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن باز ٣/ ٩٩٤، ٩٩٥.\n(^٢) مجموع فتاوى ومقالات ٧/ ٣٦٤.\n* القول السديد من المجموعة ٣/ ٢٤.","vol":"3","page":441},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1146>٢٦٤ - ملك الأملاك</span>\nانظر باب (قاضي القضاة).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1147>٢٦٥ - مناة</span>\nاسم صنم كانت على ساحل البحر بالمشلل عند قديد بين مكة والمدينة وكانت الأوس والخزرج وخزاعة في الجاهلية يعظمونها انظر باب (صنم).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1148>٢٦٦ - الموالاة والمعاداة</span>\nانظر باب: (الولاء والبراء).","vol":"3","page":442},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1149>٢٦٧ - الْمِيثَاقُ </span>*\nاختلف العلماء حول المقصود بالميثاق فقيل: هو ما أخذ عليهم وهم في ظهور آبائهم من الإقرار بالتوحيد، كما دلت على ذلك الأحاديث.\nوقيل: المقصود بالميثاق ما فطرهم الله - ﷿ - به من التوحيد. قال ابن كثير - ﵀ -: \"وذهب طائفة من السلف والخلف أن المراد بهذا الإشهاد إنما هو فطرهم على التوحيد كما في حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"كل مولود يولد على الفطرة ... \"\" (^١).\nوقال الشيخ حافظ الحكمي - ﵀ -: \"ليس بين التفسيرين مناة ولا مضادة ولا معارضة، فإن هذه المواثيق كلها ثابتة بالكتاب والسنة.\nالأول: الميثاق الذي أخذه الله تعالى عليهم حيث أخرجهم. ظهر أبيهم آدم - ﵇ - ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، الآيات، وهو الذي قاله جمهور المفسرين - ﵏ - في هذه الآيات وهو نص الأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما.\n_________\n* التوحيد لابن منده ص ٧٣. تفسير البغوي ٢٥/ ٣٠٧. تفسير الخازن ٢/ ٣١٠، ٣١١. تفسير الشوكاني فتح القدير ٢/ ٢٦٣. لوامع الأنوار ص ٤٥. فتح البيان لصديق حسن خان ٣/ ٤٥٣. زاد المسير ٣/ ٨٤. القرطبي ٣/ ٧٥٠. البحر المحيط ٤/ ٤٢٠. تفسير أبو السعود ٢/ ٤٣٠. أضواء البيان ٢/ ٢١٠. النسفي ٢/ ٨٥. الألوسي ٣/ ١٥٤. شفاء العليل لابن القيم ص ٢٦ - ٢٧. ط. دار التراث. لوامع الأنوار للسفاريني ٢/ ٤٥. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ١/ ٣٩٤. معارج القبول ١/ ٢٧٧، ٢/ ٤١. دعوة التوحيد لمحمد خليل هراس ص ٧٧. منهج ابن حجر في العقيدة ص ٢٨٣. عقيدة الإمام ابن عبد البر للغصن ص ٤٣٣، ٤٤٧.\n(^١) تفسير ابن كثير لسورة الأعراف الآية رقم ١٧٢.","vol":"3","page":443},{"text":"الميثاق الثاني: ميثاق الفطرة، وهو أنه ﵎ فطرهم شادين بما أخذه عليهم في الميثاق الأول كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] الآية وهو الثابت في حديث أبي هريرة وعياض بن حمار والأسود بن سريع ﵃ وغيرها من الأحاديث في الصحيحين وغيرها.\nالميثاق الثالث: هو ما جاءت به الرسل وأنزلت به الكتاب تجديدًا للميثاق الأول وتذكيرًا به قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾ [النساء: ١٦٥] \" (^١).\n*الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣)﴾ [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣].\nوفي قوله تعالى ﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣)﴾ هو قال الإمام ابن القيم - ﵀ -: \"أي لو عذبهم بجحودهم وشركهم لقالوا ذلك وهو سبحانه إنما يهلكهم لمخالفة رسله وتكذيبهم، فلو أهلكهم بتقليد آبائهم في شركهم من غير إقامة الحجة عليهم بالرسل لأهلكهم بما فعل المبطلون، أو أهلكهم مع غفلتهم عن معرفة بطلان ما كانوا عليه، وقد أخبر سبحانه أنه لم يكن ليهلك القرى بظلم وأهلها غافلون، وإنما يهلكهم بعد الإعذار والإنذار\" (^٢).\n_________\n(^١) معارج القبول ١/ ٤٨.\n(^٢) الروح لابن القيم ص ١٦٨.","vol":"3","page":444},{"text":"وبه تعلم أن العذاب لا يكون إلا على من قامت عليه الحجة الرسالية، وقد تقدم في باب أهل الفترة أن الله - ﷾ - لا يؤاخذ بالمخالفة إلا بعد إرسال الرسل (^١).\nقال شيخنا عبد الرحمن البراك عن الميثاق: \"ليس حجة وحده ولا يستوجب من خالفه بمجرده العذاب إنما يستوجب العذاب من جاءته الرسل وبلغته دعوة الحق\" (^٢).\n_________\n(^١) انظر الموافقات ٣/ ٣٧٧، الجواب الصحيح ١/ ٣١٢.\n(^٢) شرح العقيدة الطحاوية ص ١٥٩.","vol":"3","page":445},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1150>٢٦٨ - النبوة </span>*\nالنبي: مشتق من النبأ بمعنى الخبر، فإن كان المراد أنه يخبر أمته بما أوحى الله إليه فهو فعيل بمعنى فاعل، وإن كان المراد أن الله يخبره بما يوحي إليه، فهو فعيل بمعنى مفعول، وعلى المراد الأول قال ابن الأثير: \"النبي: فعيل بمعنى فاعل للمبالغة، من النبأ: الخبر، لأنه أنبأ عن الله أي أخبر ويجوز فيه تحقيق الهمز وتخفيفه\" (^١).\nويصح أن يكون مأخوذًا من النّبء بالهمزة وسكون الباء، أو النبوة، أو النّباوة بالواو. وكلها بمعنى الارتفاع والظهور، وذلك لرفعة قدر النبي وظهور شأنه وعلو منزلته (^٢). قال ابن الأثير: \"وقيل إن النبي مشتق من النباوة وهي الشيء المرتفع\" (^٣).\n_________\n* الشريعة للآجري ٣٥٥، ٣٦٧. الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٦/ ١٠، ١١. لوامع الأنوار للسفاريني ١/ ٤٩. تفسير روح المعاني للألوسي ١٧/ ١٧٢، ١٧٣. قطف الثمر صديق حسن ص ٩٥. معارج القبول ٢/ ٣٦٤. مذكرة التوحيد عبد الرزاق عفيفي ص ٣٣. نور على الدرب ص ١١١. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ٦٣، ط ٢ - ١/ ٨٣ ومن المجموع ٩/ ٥٦، ٥٧. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٥/ ٧٣، ٧/ ٢٥٠. منهج الإمام مالك في العقيدة ص ٢٨٩. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ص ٥٦٤. منهج الشافعي في إثبات العقيدة ص ٤٠١، ٤٠٨. مباحث العقيدة في سورة الزمرص ٤٦٥. علم التوحيد د الربيعة ص ٩١، ٩٣. التبرك د. ناصر الجديع ص ٥٥، ٧٠. الجيلاني وآراؤه الاعتقادية ص ٢٩٥. نواقض الإيمان القولية والعملية ١٨٤. منهج الحافظ ابن رجب في العقيدة ص ٤٠٧. منهج ابن حجر في العقيدة ص ١٢٥٧. الشيخ السعدي وجهوده في توضيح العقيدة للعباد ص ٢٠١. الإمام الخطابي ومنهجه في العقيدة لأبي عبد الرحمن العلوي ص ٣٣١.\n(^١) النهاية (ن ب أ).\n(^٢) انظر: مذكرة التوحيد ص ٣٣، وفتاوى ورسائل الشيخ عبد الرزاق عفيفي ٢/ ٧٩.\n(^٣) النهاية (ن ب أ).","vol":"3","page":446},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1151>أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1152>١ - الفرق بين النبي والرسول:</span>\nلأهل العلم في الفرق بين النبي والرسول أقوال أهمها:\nالقول الأول: أن النبي من أوحي إليه ولم يؤمر بالبلاغ والرسول من أوحي إليه وأمر بالبلاغ.\nقال السفاريني - ﵀ - في تعريف النبي: \"هو إنسان أوحى إليه بشرع وإن لم يؤمر بتبليغه فإن أمر بتبليغه فهو رسول أيضا على المشهور، فبين النبي والرسول عموم وخصوص مطلق، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولًا\" (^١).\nوقال ابن أبي العز: \"وقد ذكروا فروقا بين النبي والرسول، أحسنها أن من نبأه الله بخبر السماء إن أمره أن يبلغ غيره، فهو نبي رسول، وإن لم يأمره أن يبلغ غيره، فهو نبي وليس برسول\" (^٢).\nوسئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين: هل هناك فرق بين الرسول والنبي؟ فقال: \"نعم، فأهل العلم يقولون: إن النبي هو من أوحى الله إليه بشرع ولم يأمره بتبليغه بل يعمل به في نفسه دون إلزام بالتبليغ.\nوالرسول هو من أوحى الله إليه بشرع وأمره بتبليغه والعمل به. فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولًا، والأنبياء أكثر من الرسل، وقد قص الله بعض الرسل في القرآن ولم يقصص البعض الآخر، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [غافر: ٧٨].\n_________\n(^١) لوامع الأنوار البهية ص ٤٩.\n(^٢) شرح العقيدة الطحاوية ص ١٥٨.","vol":"3","page":447},{"text":"وبناء على هذه الآية يتبين أن كل من ذكر في القرآن من الأنبياء فهو رسول\".\nفقيل له: كيف لا يؤمر النبي بتبليغ الشرع وقد أوحي إليه؟\nفأجاب بقوله: \"أوحى الله إلى النبي بالشرع من أجل إحياء الشرع بمعنى أن من رآه واقتدى به واتبعه دون أن يلزم بإبلاغه، ومن ذلك ما حصل لآدم ﵊، فإن آدم كان نبيًا مكلَّمًا كما جاء ذلك عن رسول الله ﵌، ومع هذا فليس من الرسل لأنه قد دلت السنة بل دل القرآن، والسنة، وإجماع الأمة على أن أول رسول أرسله الله هو نوح ﵇. وآدم لابد أن يكون متعبدًا لله بوحي من الله فيكون قد أوحى إليه ولم يؤمر بالتبليغ ولهذا لا يعد من الرسل\" (^١).\nالقول الثاني: أن الرسول من بعث لقوم مخالفين، والنبي من بعث لقوم موافقين:\nقال شيخ الإسلام - ﵀ وقدس روحه -: \"فالنبي هو الذي ينبئه الله وهو ينبئ بما أنبأ الله به فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه فهو رسول وأما إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله ولم يرسل هو إلى أحد يبلغه عن الله رسالة فهو نبي وليس برسول، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] .. وقوله: ﴿مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ فذكر إرسالا يعم النوعين وقد خص أحدهما بأنه رسول فإن هذا هو الرسول المطلق الذي أمره بتبليغ رسالته إلى من خالف الله كنوح. وقد ثبت في الصحيح أنه أول رسول بعث إلى أهل الأرض وقد كان قبله أنبياء كشيث وإدريس - ﵉ - وقبلهما آدم كان نبيًا مكلمًا، قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح\n_________\n(^١) مجموع فتاوى الشيخ محمد العثيمين ١/ ٣١٣ - ٣١٤.","vol":"3","page":448},{"text":"عشرة قرون كلهم على الإسلام، فأولئك الأنبياء يأتيهم وحي من الله بما يفعلونه ويأمرون به المؤمنين الذين عندهم لكونهم مؤمنين بهم كما يكون أهل الشريعة الواحدة يقبلون ما يبلغه العلماء عن الرسول.\nوكذلك أنبياء بني إسرائيل يأمرون بشريعة التوراة وقد يُوحى إلى أحدهم وحي خاص في قصة معينة ولكن كانوا في شرع التوراة كالعالِم الذي يُفهمه الله في قضية معنى يطابق القرآن كما فهَّم الله سليمان حكم القضية التي حكم فيها هو وداود. فالأنبياء ينبئهم الله فيخبرهم بأمره ونهيه وخبره وهم ينبئون المؤمنين بهم ما أنبأهم الله به من الخبر والأمر والنهي، فإن أُرسلوا إلى كفار يدعونهم إلى توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له ولا بد أن يكذب الرسل قوم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢)﴾ [الذاريات: ٥٢]، وقال: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٤٣]، فإن الرسل ترسل إلى مخالفين فيكذبهم بعضهم. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠٩) حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠)﴾ [يوسف: ١٠٩، ١١٠]، ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١]، فقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٢] دليل على أن النبي مرسل ولا يسمى رسولًا عند الإطلاق لأنه لم يرسل إلى قوم بما لا يعرفونه بل كان يأمر المؤمنين بما يعرفونه أنه حق كالعلم ولهذا قال النبي - ﷺ -: \"العلماء ورثة الأنبياء\" (^١) وليس من شرط الرسول أن يأتي بشريعة جديدة فإن يوسف كان\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٦٤١) والترمذي (٢٦٨٢) وابن ماجه (٢٢٣).","vol":"3","page":449},{"text":"رسولًا وكان على ملة إبراهيم، وداود وسليمان كانا رسولين وكانا على شريعة التوراة ... \" (^١).\nالقول الثالث: الرسول من أوحي إليه بشرع جديد وأمر بالتبليغ والنبي من بعث مجددًا لشرع من قبله من الرسل.\nوقال النسفي - ﵀ -: \" ... وسئل النبي - ﷺ - عن الأنبياء فقال: \"مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا\" فقيل: فكم الرسل منهم؟ فقال: \"ثلاثمائة وثلاثة عشر\" والفرق بينهما أن الرسول من جمع إلى المعجزة الكتاب المنزل عليه - والنبي من لم ينزل عليه كتاب وإنما أمر أن يدعو إلى شريعة من قبله. وقيل: الرسول واضع شرعٍ، والنبي حافظ شرع غيره\" (^٢).\nوقال الشنقيطي - ﵀ -: \"قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الآية يدل على أن كلا منهما مرسل، وأنهما مع ذلك بينهما تغاير واستظهر بعضهم أن النبي الذي هو رسول أنزل إليه كتاب وشرع مستقل مع المعجزة التي ثبتت بها نبوته، وأن النبي المرسل الذي هو غير الرسول، وهو من لم ينزل عليه كتاب وإنما أوحي إليه أن يدعو الناس إلى شريعة رسول قبله، كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا يرسلون ويؤمرون بالعمل بما في التوراة، كما بينه تعالى بقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ الآية\" (^٣).\nوقال الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ -: \"والفرق بين النبي والرسول: أن الرسول من بعثه الله إلى قوم، وأنزل عليه كتابا، أو لم ينزل عليه كتابا لكن أوحى إليه بحكم\n_________\n(^١) النبوات ٢/ ٧١٤ - ٧٢٢.\n(^٢) تفسير النسفي ٣/ ١٠٨، وقد نقله عن الزمخشري المناوي في فيض القدير ١/ ١٥.\n(^٣) أضواء البيان للشنقيطي ٥/ ٧٣٥.","vol":"3","page":450},{"text":"لم يكن في شريعة من قبله؛ والنبي من أمره الله أن يدعو إلى شريعة سابقة دون أن ينزل عليه كتابًا، أو يوحى إليه بحكم جديد ناسخ أو غير ناسخ، وعلى ذلك، وفكل رسول نبي ولا عكس، وقيل: هما مترادفان، والأول أصح\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1153> والمختار في تعريف النبي والرسول:</span>\nأن الرسول من أُوحي إليه، وأرسل إلى قوم مخالفين يدعوهم إلى شريعة جديدة، وقد يتبع شريعة من قبله. وأن النبي من أوحي إليه، وبُعث في قوم مؤمنين يدعوهم إلى شرع من قبله، والله - ﷾ - أعلم (¬<span data-type=\"title\" id=toc-1154>٢).\n\n٢ - التفاضل بين الأنبياء والرسل:</span>\nقال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٢٥٣].\nقال ابن كثير - ﵀ -: \"لا خلاف أن الرسل أفضل من بقية الأنبياء\" (^٣).\nوقال السفاريني: \"الرسول أفضل من النبي إجماعا، لتميزه لرسالة التي هي أفضل من النبوة\" (^٤).\nوقد ثبت أن أولي العزم من الرسل أفضل من غيرهم (^٥)، وهم الذين ذكرهم الله تعالى بقوله ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧] وقوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا\n_________\n(^١) فتاوى ورسائل الشيخ عبد الرزاق عفيفي ٢/ ٧٩، مذكرة التوحيد لعبد الرزاق ص ٣٣.\n(^٢) لوامع الأنوار البهية للسفاريني ١/ ٤٩. التبرك للجديع ٧١، ٧٢.\n(^٣) تفسير ابن كثير ٣/ ٤٧.\n(^٤) لوامع الأنوار البهية للسفاريني ١/ ٤٩، ٥٠.\n(^٥) انظر تفسير ابن كثير ٣/ ٤٧، وطريق الوصول للسعدي ص ٢٩٩.","vol":"3","page":451},{"text":"إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣].\nوأفضل هؤلاء وغيرهم هو الرسول محمد - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1155>٣ - حكم ادعاء النبوة:</span>\nمن ادعى النبوة بعد الرسول - ﷺ - أو صدَّق من ادعاها فقد كفر إذ لا نبوة بعده - ﷺ - ولا رسول. قال ابن قدامة: \"من ادعى النبوة، أو صدَّق من ادعاها فقد ارتد؛ لأن مسيلمة لما ادعى النبوة، فصدقه قومه، صاروا بذلك مرتدين، وكذلك طليحة الأسدي ومصدقوه، وقال النبي - ﷺ -: \"لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا كلهم يزعم أنه رسول الله\"\" (^١).\nوقال ابن تيمية - ﵀ -: \"ومعلوم أن من كذب على الله بأن زعم أنه رسول الله أو نبيه، أو أخبر عن الله خبرا كذب فيه كمسيلمة والعنسي ونحوهما من المتنبئين، فإنه كافر حلال الدم\" (^٢).\nوقال - ﵀ -: \"وإن كان المدعي للنبوة كاذبا فهو من أكفر خلق الله وشرهم كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤)﴾ [الأنعام: ١٤٤]. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠)﴾ [الزمر: ٦٠] (^٣).\nوقال ابن كثير - ﵀ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧)﴾ [يونس: ١٧]، يقول تعالى: لا أحد أظلم، ولا أعتى، ولا أشد إجراما ممن افترى على الله كذبا وتقوّل على الله، وزعم\n_________\n(^١) المغني ٨/ ١٥٠.\n(^٢) الصارم المسلول ص ١٤٨.\n(^٣) الجواب الصحيح ١/ ١٢٧.","vol":"3","page":452},{"text":"أن الله أرسله، ولم يكن كذلك، فليس أحد أكبر جرما، ولا أعظم ظلما من هذا\" (^١).\nوقال الشنقيطي - ﵀ -: \"الفلاح لا ينفي بالكلية نفيًا عامًا إلا عمن لا خير فيه، وهو الكافر\" (^٢).\nوقال ابن أبي العز الحنفي - ﵀ -: \"إن النبوة إنما يدعيها أصدق الصادقين، أو أكذب الكاذبين، ولا يلتبس هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين، بل قرائن أحوالهما تعرب عنهما، وتعرف بهما، والتمييز بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة فيما دون دعوى النبوة، فكيف بدعوى النبوة؟ \" (^٣).\nوقال ابن تيمية: \"معلوم أن مدّعي الرسالة إما أن يكون من أفضل الخلق وأكملهم، وإما أن يكون من أنقص الخلق وأرذلهم، ولهذا قال أحد أكابر ثقيف للنبي - ﷺ - لما بلّغهم الرسالة ودعاهم إلى الإسلام: والله لا أقول لك كلمة، إن كنت صادقا فأنت أجل في عيني من أن أرد عليك، وإن كنت كاذبا فأنت أحقر من أن أرد عليك. فكيف يشتبه أفضل الخلق وأكملهم بأنقص الخلق وأرذلهم، وما أحسن قول حسان:\nلو لم تكن فيه آيات مبينة ... كانت بديهته تأتيك بالخبر\nوما من أحد ادعى النبوة من الكذابين، إلا وقد ظهر عليه الجهل والكذب والفجور، واستحواذ الشياطين عليه ما ظهر لمن له أدنى تمييز، وما من أحد ادعى النبوة من الصادقين إلا وقد ظهر عليه من العلم والصدق والبر وأنواع الخيرات ما ظهر لمن له أدنى تمييز\" (^٤).\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير ٢/ ٣٩٢.\n(^٢) أضواء البيان ٤/ ٤٤٢.\n(^٣) شرح العقيدة الطحاوية ١/ ١٤٠.\n(^٤) شرح العقيدة الأصفهانية ٨٩، وانظر الجواب الصحيح ١/ ٢٩، ٣٠.","vol":"3","page":453},{"text":"ويقول ملا علي قاري: \"ودعوى النبوة بعد نبينا - ﷺ - كفر بالإجماع\" (^١).\nويقول الألوسي: \"وكونه - ﷺ - خاتم النبيين مما نطق به الكتاب، وصدعت به السنة، وأجمعت عليه الأمة، فيكفر مدعي خلافه، ويقتل إن أصر\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1156>٤ - فائدة في عدد الأنبياء:</span>\nقال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -: \"الأنبياء المذكورون في القرآن الكريم هم المذكورون في الأبيات، وهم خمسة وعشرون نبيًا:\nحتم على كلِّ ذي التكليف معرفة ... بأنبياء على التفصيل قد علموا\nفي تلك حجتنا منهم ثمانية ... من بعد عشر ويبقى سبعة وهموا\nإدريس هود شعيب صالح وكذا ... ذو الكفل آدم بالمختار قد خُتموا\nوعدُّ ذا الكفل منهم، فيه خلاف مشهور بين العلماء، فقيل رجل صالح وقيل نبي، وتوقف ابن جرير في ذلك. والله أعلم\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1157>٥ - كيف يجمع بين كون محمد - ﷺ - خاتم النبيين وبين ما صح به الحديث من نزول عيسى بن مريم في آخر الزمان</span>؟\nقال ابن عثيمين - ﵀ -: \"الجواب أن عيسى ﵇ لا ينزل على أنه رسول لأن رسالته التي بعث بها كانت سابقة قبل رسالة النبي - ﷺ - ولأنه إذا نزل فلا يأتي بشرع من عنده ولكنه يجدد شرع النبي - ﷺ - وبهذا يزول الإشكال بين كون - ﷺ - خاتم النبيين وبين نزول عيسى بن مريم آخر الزمان\" (^٤).\n_________\n(^١) شرح الفقه الأكبر ٢٤٤.\n(^٢) روح المعاني ٢٢/ ٤١.\n(^٣) المنتقى من فرائد الفوائد ص ٨٢.\n(^٤) شرح حديث جبريل من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٣/ ١٦٧.","vol":"3","page":454},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1158>٢٦٩ - الند والأنداد </span>*\n<span data-type=\"title\" id=toc-1159>[الشرك الأكبر، الشرك الأصغر، الشرك الخفي]</span>\nالند هو الشبيه والنظير والله ليس له شبيه ولا نظير كما قال - ﷾ - ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].\nوقد نهى الله أن يشرك معه أحد غيره سواء في التعظيم أو غيره لأنه وحْدَهُ الخالق الرزاق والأنداد التي تتخذ من دونه عاجزة فقيرة ليس لها من الأمر شيء.\nقال ابن الأثير: \"الأنداد جمع ند بالكسر وهو مثل الشيء الذي يضاده في أموره ويناده: أي يخالفه ويريد بها ما كانوا يتخذونه آلهة من دون الله\" (^١).\nوقال ابن القيم: \"الند الشبه يقال: فلان ند فلان ونديده أي مثله وشبيهه\" (^٢).\nوقال ابن حجر: \"الأنداد جمع ند بكسر النون وهو النظير وروى بن أبي حاتم من طريق أبي العالية قال الند العدل ومن طريق الضحاك عن ابن عباس قال: الأنداد: الأشباه\" (^٣).\n* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢].\nوقال - ﷿ -: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ\n_________\n* تيسير العزيز الحميد ص ١٢٠، ٤٧١، ٥٩٣. فتح المجيد ص ١٠٣، ٣٨١، ٤٨٧، حاشية كتاب التوحيد ابن قاسم ص ٥١، ٢٣٧. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ١٤٨، ٢/ ١٤٠، ٣١٩ ط ٢ - ١/ ١٤٨، ٢/ ١٧٣، ٣٨٤ ومن المجموع ١٠/ ٦٢٣، ٧٩٢. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٤٢. مباحث العقيدة في سورة الزمر ص ٣٩٨.\n(^١) النهاية (ن د د).\n(^٢) إغاثة اللهفان ٢/ ٢٢٩ وانظر فتح المجيد ١٠٣.\n(^٣) فتح الباري ٨/ ١٦٣.","vol":"3","page":455},{"text":"آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥)﴾ [البقرة: ١٦٥].\nوقال - ﷿ - ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠)﴾ [إبراهيم: ٣٠].\nوقال - ﷿ - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣)﴾ [سبأ: ٣٣].\nوقال - ﷿ -: ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (٨)﴾ [الزمر: ٨].\n* الدليل من السنة: عن عبد الله بن مسعود قال: سألت النبي - ﷺ -: أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: \"أن تجعل لله ندًا وهو خلقك\" قلت: إن ذلك لعظيم، قلت: ثم أي؟ قال: \"وأن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك\" قلت: ثم أي؟ قال \"أن تزاني حليلة جارك\" (^١).\nوعن عبد الله قال النبي - ﷺ - كلمة وقلت أخرى قال النبي - ﷺ -: \"من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار، ومن مات وهو لا يدعو لله ندا دخل الجنة\" (^٢).\nوفي حديث ضمام بن ثعلبة الذي وفد إلى رسول الله - ﷺ - قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك الله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده لا نشرك به شيئًا، وأن نخلع هذه الأنداد التي كانت آباؤنا يعبدون معه؟ قال: \"اللهم نعم ... \" الحديث\" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٤٧٧) (٤٧٦١)، (٦٠٠١)، ومسلم (٨٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٢٣٨، ٤٤٩٧، ٦٦٨٣)، ومسلم (٩٢).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد (٢٣٨٠).","vol":"3","page":456},{"text":"واتخاذ الأنداد على قسمين:\nقد يكون شركا أكبر وقد يكون شركًا أصغر\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"واعلم أن دعاء الند قسمين: أكبر وأصغر فالأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، وهو الشرك الأكبر. والأصغر كيسير الرياء، وقول الرجل ما شاء الله وشئت، ونحو ذلك\" (^١).\nأولًا: شرك أكبر كما جاء في حديث ابن مسعود - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: \"أن تجعل لله ندًا\".\nوقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢] أي لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول - ﷺ - من التوحيد هو الحق الذي لا شك فيه، وهكذا قال قتادة\" (^٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾ الآيات [الأعراف: ١٩١]، قال ابن كثير - ﵀ -: \"هذا إنكار من الله على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره من الأنداد والأصنام والأوثان وهي مخلوقة لله مربوبة مصنوعة، تملك شيئًا من الأمر ولا تضر ولا تنفع، ولا تبصر ولا تنتصر لعبادها، بل هي جماد لا تتحرك، ولا تسمع ولا تبصر، وعابدوها أكمل منها بسمعهم وبصرهم وبطشهم\" (^٣).\nوفي قوله - ﷺ -: \"من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار\" قال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"أي: من مات وهو يدعو لله ندا، أي: يجعل لله ندا فيما يختص به تعالى ويستحقه من الربوبية والإلهية دخل النار، لأنه مشرك، فإن الله\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ١٢٠.\n(^٢) تفسير الطبري ١/ ١٦٤، تفسير ابن أبي حاتم ١/ ٦٢، تفسير ابن كثير ١/ ٥٨.\n(^٣) تفسير ابن كثير ٢/ ٢٧٧.","vol":"3","page":457},{"text":"تعالى هو المستحق للعبادة لذاته، لأنه المألوه المعبود الذي تألهه القلوب وترغب إليه، وتفزع إليه عند الشدائد، وما سواه فهو مفتقر إليه مقهور بالعبودية له تجري عليه أقداره وأحكامه طوعًا وكرهًا، فكيف يصلح أن يكون ندا؟ قال الله تعالى ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥)﴾ [الزخرف: ١٥] وقال: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم: ٩٣ - ٩٥]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥] فبطل أن يكون له نديد من خلقه، تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)﴾ [المؤمنون: ٩٣ - ٩٤] \" (^١).\nثانيًا: وقد يكون شركا أصغر:\nقال ابن عباس في الآية: \"الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلانة وحياتي. وتقول: لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص. ولولا البط في الدار لأتى اللصوص. وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت. وقول الرجل: لولا الله وفلان. لا تجعل فيها فلانا. هذا كله به شرك\" (^٢).\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"إن هذه الأمور من الشرك خفية في الناس لا\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ١٢٠.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٦٢ (٢٢٩). وما ذكره ابن عباس أمثلة لاتخاذ الأنداد لأن لفظ الآية يشملها وإن كانت نازلة في الشرك الأكبر. فالسلف يستدلون بما نزل في الشرك الأكبر على الشرك الأصغر.","vol":"3","page":458},{"text":"يكاد يتفطن لها ولا يعرفها إلا القليل وضرب المثل لخفائها بما هو أخفى شيء وهو أثر النمل فإنه خفي، فكيف إذا كان على صفاة؟ فكيف إذا كانت سوداء، فكيف إذا كانت في ظلمة الليل؟ وهذا يدل على شدة خفائه على من يدعي الإسلام، وعسر التخلص منه، ولهذا جاء في حديث أبي موسى قال: خطبنا رسول الله - ﵁ - ذات يوم فقال: \"أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من ديبب النمل\"، فقال له من شاء الله أن يقول: وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال: \"قولوا: اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئًا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه\" رواه أحمد والطبراني\" (^١).\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٥٩٤.","vol":"3","page":459},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1160>٢٧٠ - النذر </span>*\nالنذر في اللغة: \"التزام خير أو شر\" (^١).\nقال في اللسان: \"نذرتُ وأنذِرُ وأنذرُ نذرًا إذا أوجبت على نفسك شيئًا تبرعًا من عبادة أو صدقة أو غير ذلك\" (^٢).\nوالنذر في الشرع: التزام المكلف شيئًا لم يكن عليه منجزًا أو معلقًا (^٣).\nوقال في أنيس الفقهاء: \"النذر: إيجاب عين الفعل المباح على نفسه تعظيمًا لله تعالى\" (^٤).\n_________\n* الاستذكار لابن عبد البر ١٥/ ٤٨، ٥٨. التمهيد لابن عبد البر ٢/ ٦٤، ٦/ ٩٠، ٩٨، ٩/ ٣٠. شرح السنة للبغوي ١٠/ ٢٠، ٣٨. الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٣/ ٣٢، ١٩/ ١٢٧، ١٢٨. المحلى بالآثار لابن حزم ٤/ ٤٢٨، ٦/ ٢٤٧، ٢٧٠. اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٦٤٥. مجموع الفتاوى ابن تيمية ٣٥/ ٣٤٥، ١١/ ٥٠٤، ٥٠٥، ٣٣/ ١٢٥، ١٢٦، ٢٧/ ٧٧، ٧٩. تيسير العزيز الحميد ص ٢٠٣. فتح المجيد ص ١٨١. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ١٠٧. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ٢٣٦، ط ٢ - ١/ ٣١٦ ومن المجموع ٩/ ٢٣٩، ٢٢٩ القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٢٢. الدرر السنية ١/ ٣٠١، ٧/ ٥١٥، ٥٢٥، ١٠/ ٢١، ١٢/ ٩٢. قطف الثمر صديق حسن ص ١١٥. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٢/ ٢٠٦، ٢٦٢. معارج القبول ١/ ٣٣٦. فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ١١٠. مجموع الفتاوى لابن باز ٢/ ٥٥٤. نور على الدرب ابن باز ١٧٤، ١٧٥، ٢٩٠. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٧/ ٢٨. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٣/ ٢٨٢، ٢٨٥. جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية ص ١٥٤٥، ١٥٦٨. النذر لمصطفى الصياصفة.\n(^١) عمدة القاري ٢٣/ ٢٠٤.\n(^٢) لسان العرب (ن ذ ر).\n(^٣) عمدة القاري ٢٣/ ٢٠٤.\n(^٤) أنيس الفقهاء ص ٣٠١.","vol":"3","page":460},{"text":"وقد ذكر الشيخ ابن جبرين أن أئمة الدعوة عرَّفوا النذر بأنه: \"إلزام المكلف نفسه تعظيمًا لمن نذر له\". وعلق على ذلك بقوله: \"وقولهم: تعظيمًا لمن نذر له. ظاهر في النذر أنه لا ينذر إلا لمن يعظمه\" (^١).\n* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٢٧٠)﴾ [البقرة: ٢٧٠]. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج: ٢٩] وقال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧].\nالدليل من السنة: عن عائشة - ﵂ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1161>أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1162>١ - النذر عبادة:</span>\nالنذر عبادة كالحلف والذبح وسائر العبادات يجب إخلاصها لله. قال ابن سعدي - ﵀ -: \"كل أمر مدحه الشارع أو أثنى على من قام به أو أمر به فهو عبادة\" (^٣).\nوالنذر لغير الله شرك لكونه متضمنا التعظيم للمنذور له والتقرب إليه بذلك.\nوفي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ﴾ الآية. قال الشيخ ابن باز: \"دل ذلك على أن النذر عبادة حيث قرنه بالنفقات والنفقة عبادة إذا كانت لوجه الله كالصدقات على الفقراء والمساكين فإذا نذر وتصدق بشيء للقبر\n_________\n(^١) فوائد من دروس الشيخ ابن جبرين على شرح كتاب التوحيد للسدحان ٣٧ وقد ذكر تعريف أئمة الدعوة السابق.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٦٩٦) (٦٧٠٠).\n(^٣) القول السديد ص ٥٠.","vol":"3","page":461},{"text":"أو لبنائه أو لآلهة معينة صار هذا شركا أكبر بالله\" (^١).\nوقال الشيخ ابن جبرين: \"النذر لله تعالى عبادة لكن هل يشرع؟ الصحيح أنه غير مشروع\" (^٢).\nفالنذر فيه تعظيم لمن نذر له فهو عبادة سواء أكان نذر طاعة أم كان نذر معصية، وسواء كان نذرًا مطلقًا أم نذرًا مقيدًا، قال الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ: \"إذا أطلقنا القول بأن: النذرة عبادة، فهل يدخل في هذا الإطلاق النَّذرُ المقيَّد؟.\nوالجواب: أن النذر المقيد له جهتان: الأولى وفاؤه بالنذر الذي ألزم نفسه به فإنه يكون بذلك قد تعبَّد الله عبادةً من هذه الجهة - فيما يظهر -.\nالجهة الثانية: جهة الكراهة المتعلقة بهذا النذر المقيّد، وهي إنما جاءت لصفة الاعتقاد لا لصفة أصل العبادة، فإنه في النذر المقيد إذا قال: إن كان كذا وكذا فلله عليَّ كذا وكذا، كانت الكراهة راجعة إلى ذلك التقييد، لا إلى أصل النذر، دلَّ على ذلك: التعليل، حيث قال: \"فإنما يستخرج به من البخيل\". فلا إشكال إذًا، فالنذر عبادة من العبادات العظيمة\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1163>٢ - حكم الابتداء بالنذر:</span>\nعن سَعِيد بْن الْحَارِثِ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: أَوَلَمْ يُنْهَوْا عَنْ النَّذْرِ إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"إِنَّ النَّذْرَ لا يُقَدِّمُ شَيْئًا وَلا يُؤَخِّرُ وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بالنَّذْرِ مِنْ الْبَخِيلِ\" (^٤).\n_________\n(^١) من شرح الشيخ على كتاب التوحيد ١٦٠.\n(^٢) فوائد من دروس الشيخ ابن جبرين على شرح كتاب التوحيد للسدحان ص ٣٧.\n(^٣) التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص ١٦٠.\n(^٤) أخرجه البخاري (٦٦٩٢)، ومسلم (١٦٣٩).","vol":"3","page":462},{"text":"وفِي رِوَايَة عَبْد الله بْن مُرَّة \"لا يَرُدّ شَيْئًا\" (^١). قال ابن حجر: \"وَهِيَ أَعَمُّ\" (^٢).\nوعن ابن عمر - ﵄ - قال نهى النبي - ﷺ - عن النذر (^٣).\nوفي لفظ لمسلم قال أخذ رسول الله - ﷺ - يوما ينهانا عن النذر ويقول: \"إنه لا يرد شيئًا وإنما يستخرج به من الشحيح\" (^٤).\nوَجَاءَ النص بِصِيغَةِ النَّهْي الصَّرِيحَة في حديث أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا تنذروا فإن النذر لا يغني من القدر شيئًا، وإنما يستخرج به من البخيل\" (^٥).\nوفِي حَدِيث أبي هريرة قال: قال النبي - ﷺ -: \"لا يأتي ابن آدم النذر بشيء لم أكن قدرته ولكن يلقيه النذر إلى القدر قد قدر له فيستخرج الله به من البخيل فيؤتيني عليه ما لم يكن يؤتيني عليه من قبل\" (^٦).\nوقد ذكر الحافظ ابن حجر هذه الأحاديث وألفاظها، ثم ذكر - ﵀ - أن فيها إشارة إلى تعليل النهي عن النذر وأن كثيرًا من المالكية وأكثر الشافعية على أن النذر مكروه لثبوت النهي عنه، ثم قال: واحتجوا بأنه ليس طاعة محضة لأنه لم يقصد به خالص القربة وإنما قصد أن ينفع نفسه أو يدفع عنها ضررًا بما التزمه. وجزم الحنابلة بالكراهة، وعندهم رواية في أنها كراهة تحريم وتوقف بعضهم في صحتها\" (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٦٩٢)، ومسلم (١٦٣٩).\n(^٢) فتح الباري ١١/ ٥٧٦.\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٦٠٨)، ومسلم (١٦٣٩).\n(^٤) أخرجه مسلم (١٦٣٩).\n(^٥) أخرجه مسلم (١٦٤٠).\n(^٦) أخرجه البخاري (٦٦٩٤).\n(^٧) فتح الباري ١١/ ٥٧٦ - ٥٧٨.","vol":"3","page":463},{"text":"قال شيخ الإسلام: \"وأصل عقد النذر منهي عنه\" (^١). وقال في جامع الرسائل: \"وأما النذر لها (^٢) فينبغي أن يعلم أن أصل النذر مكروه منهي عنه بلا نزاع أعلمه بين الأئمة\" (^٣).\nوبعض العلماء يميل إلى استحباب النذر (^٤).\nولعل القائل باستحبابه نظر إلى ما يؤول إليه عند الوفاء به، فقد ذكر الحافظ في الفتح نقلًا عن القاضي حسين المتولي والغزالي أنه مستحب؛ لأن الله أثنى على من وفَّى به، ولأنه وسيلة إلى القربة (^٥).\nوقال الحافظ في الفتح: \"وإني لأتعجب ممن انطلق لسانه بأنه ليس بمكروه مع ثبوت الصريح عنه فأقل درجاته أن يكون مكروهًا كراهة تنزيه\" (^٦).\nوقال الصنعاني: \"القول بتحريم النذر هو الذي دلّ عليه الحديث، ويزيده تأكيدًا تعليله بأنه لا يأتي بخير، فإنه يصير إخراج المال فيه من باب إضاعة المال، وإضاعة المال محرمة\" (^٧).\nقال الشيخ الألباني في حديث: \"ولكنه شيء استخرج به من البخيل\": \"دل الحديث بمجموع ألفاظه أن النذر لا يشرع عقده بل هو مكروه وظاهر النهي في بعض طرقه أنه حرام، وقد قال به قوم، إلا أن قوله: \"استخرج به من البخيل\" يشعر أن الكراهة والحرمة خاصة بنذر المجازاة أو المعاوضة دون نذر التبرر فهو قربة\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١١/ ٥٠٥.\n(^٢) الكلام كان في سياق القبور وزيارتها الشرعية والبدعية.\n(^٣) جامع المسائل المجموعة الثالثة ص ١٢٨.\n(^٤) عمدة القاري ١٣/ ٢٠٦، ٢٠٨.\n(^٥) فتح الباري ١١/ ٥٨٦.\n(^٦) فتح الباري ١١/ ٥٧٨.\n(^٧) سبل السلام ٤/ ١١١.","vol":"3","page":464},{"text":"محضة وهو فوق ثواب التطوع وهذا النذر هو المراد، والله أعلم بقوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ دون الأول، قال الحافظ في الفتح (١١/ ٥٠٠): وقد أخرج الطبري بسند صحيح عن قتادة في قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ قال: كانوا ينذرون طاعة لله من الصلاة والصيام والزكاة والحج والعمرة ومما افترض عليهم فسماهم الله أبرارا (^١)، وهذا صريح في أن الثناء وقع من غير نذر المجازاة\" (^٢).\nوقال الشيخ ابن عثيمين: \"والنذر في الأصل مكروه بل إن بعض أهل العلم يميل إلى تحريمه لأن النَّبي - ﷺ - نهى عنه وقال: \"لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل\"، ولأنه إلزام لنفس الإنسان مما جعله الله في حل منه وفي ذلك زيادة تكليف على نفسه.\nولأن الغالب أن الذي ينذر يندم، وتجده يسأل العلماء يمينا وشمالا يريد الخلاص مما نذر لثقله ومشقته عليه، ولا سيما ما يفعله بعض العامة إذا مرض أو تأخر له حاجة يريدها تجده ينذر كأنه يقول: إن الله لا ينعم عليه بجلب خير أو دفع الضرر إلا بهذا النذر\" (^٣).\nوقال بعد ذلك: \"وبعض العلماء يحرمه وإليه يميل شيخ الإسلام ابن تيمية للنهي عنه ولأنك تلزم نفسك بأمر أنت في عافية منه ... \" (^٤). وهذا النهي من رسول الله - ﷺ - بقوله: \"إنما يستخرج به من البخيل\" (^٥) ينصرف إلى النذر المقيد.\n_________\n(^١) انظر تفسر الطبري ٢٩/ ١٢٩.\n(^٢) سلسلة الأحاديث الصحيحة ١/ ٤٧.\n(^٣) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٩/ ٢٢٩، ٢٣٠. وانظر: القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ٢٣٦. وشرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٣/ ٢٨٢.\n(^٤) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٩/ ٢٤٢. وانظر: القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ٢٤٩. وشرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٣/ ٢٨٢.\n(^٥) أخرجه البخاري (٦٦٠٨) (٦٦٩٢) (٦٦٩٣).","vol":"3","page":465},{"text":"والنذر المقيد حقيقته: أن يلزم العبد نفسه بطاعة لله جل وعلا مقابل شيء يحدثه الله جل وعلا له ويقدِّره، ويقضيه له، كأن يقول مثلًا: إن شفى الله مريضي فلله عليَّ نذرٌ بأن أتصدق بكذا وكذا، أو إن نجحت فسأصلي ليلة، أو إن عُيِّنت في هذه الوظيفة فسأصوم أسبوعًا، ونحو ذلك، فهذا كأنه يشترط بهذا النذر على الله جل وعلا فيقول: يا رب، إن أعطيتني كذا: صمتُ لك، وإن أنجحتني صليت، أو تصدقت، وإن شفيتَ مريضي فعلت كذا وكذا، يعني: مقابلةً للفعل بالفعل، وهذا هو الذي وصفه النبي ﵇ والسلام بقوله: \"إنما يُستخرَجُ به من البخيل\"؛ لأن البخيل هو الذي لا يعمل العبادة حتى يُقاضَى عليها، فصار بما أعطاه الله من النعمة أو بما دفع عنه من النقمة كأنه في حِسِّ ذلك الناذر قد أعطي الأجر، وأعطي ثمن تلك العبادة (^١).\nقال في شفاء الصدور: \"فقد نهى الصادق المصدوق المبلغ عن الله تعالى عن النذر وأخبر أنه لا يأتي بخير وأنه ليس من الأسباب الجالبة لخير أو الدافعة لشر أصلا وإنما يوافق القدر موافقة كما يوافقه سائر الأسباب التي ليست بمشروعة فيخرج البخيل حينئذ ما لم يكن يخرجه من قبل ذلك.\nفإذا كان نذر الطاعات لله المعلقة بشرط لا فائدة فيه ولا يأتي بخير فما الظن بالنذر لما لا يضر ولا ينفع.\nهذا وقد صار الناذرون يقول أحدهم: مرضت فنذرت ويقول الآخر: ركبت البحر فنذرت، ويقول الآخر: حبست فنذرت، ويقول الآخر: أصابتني فاقة فنذرت، وقد قام بنفوسهم أن هذه النذور هي السبب في حصول مطلوبهم ودفع مرهوبهم وقد أخبر الصادق المصدوق أن نذر الطاعة لله فضلا عن معصية ليس سببا لخير وإنما\n_________\n(^١) التمهيد لشرح الكتاب التوحيد ص ١٥٩.","vol":"3","page":466},{"text":"الخير الذي يحصل للناذر موافقة قدر. كموافقة سائر الأسباب\" (^١).\nومن ظن أنه لا تحصل حاجة من حاجاته إلا بالنذر فإنه اعتقاد محرم لأنه ظن أن الله لا يعطي إلا بمقابل، وهذا سوء ظن بالله وسوء اعتقاد فيه - ﷾ -، بل هو المتفضل المنعم على خلقه (^٢).\nنقل الحافظ ابن حجر عن القرطبي قوله: \"وقد ينضمُّ إلى هذا اعتقاد جاهل يظن أن النذر يوجب حصول ذلك الغرض، أو أن الله يفعل معه ذلك الغرض لأجل ذلك النذر، وإليهما الإشارة بقوله في الحديث أيضًا \"فإن النذر لا يرد من قدر الله شيئًا\" والحالة الأولى تقارب الكفر، والثانية خطأ صريح.\nقلت (^٣): بل تقرب من الكفر أيضًا\" (^٤).\nونخرج بأقوال أهل العلم أن النذر له تعلقان:\nالأول: من جهة صرفه للمنذور له تعظيمًا فيطلق عليه من هذه الجهة عبادة يجب أن تصرف لله وحده.\nالثاني: من جهة إلزام نفس الإنسان ما جعله الله في حل وفي ذلك زيادة تكليف على نفسه فيطلق عليه من هذه الجهة مكروه. ومع ذلك فإنه إذا صاحب هذا النذر اعتقاد أو ظن أن النذر يرد القدر أويمنع من حصول المقدر أو ما شابه ذلك فإنه يزاد على كراهة النذر تحريم ذلك الاعتقاد فيجتمع في حقه الكراهة والتحريم، والله أعلم.\n_________\n(^١) شفاء الصدور ٦٦، ٦٧.\n(^٢) التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص ١٦٠.\n(^٣) القائل هو الحافظ ابن حجر.\n(^٤) فتح الباري ١١/ ٥٧٩.","vol":"3","page":467},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1164>٣ - فائدة:</span>\nقال الشيخ السعدي - ﵀ -: \"باب النذر مخالف للأصل الذي هو أن الوسائل لها أحكام المقاصد، والنذر عقده مكروه، وهو الوسيلة والوفاء به واجب، وهو المقصود، فالشارع نهى عن النذر وقال: \"إنه لا يأتي بخير\" وأمر بالوفاء به، ومدح الموفين، والسبب ظاهر؛ فإن إيجاب الإنسان على نفسه شيئًا من العبادات التي عافاه الله من وجوبها تعرض للبلاء وتعرض للمعصية، والإنسان ينبغي له أن يسعى في أسباب العافية الدينية والدنيوية من كل وجه، فإذا نذر؛ فقد حمل نفسه شيئًا من العبادات التي عافاه الله من وجوبها تعرض للبلاء وتعرض للمعصية، والإنسان ينبغي له أن يسعى في أسباب العافية الدينية والدنيوية من كل وجه، فإذا نذر فقد حمّل نفسه أمرًا لا يدري هل يطيقه أم لا، هذا من جهة.\nومن جهة أخرى أن العبادة لله لا تتم ولا تكمل إلا بالإخلاص التام لله والنذر فيه إخلال من الإخلاص ونقص، فإنه إذا قال العبد: لله عليّ نذر إن شفاني أو شفى مريضي أو أعطاني الشيء الفلاني؛ لأفعلن كذا وكذا من العبادات، ثم حصل له، كان ذلك يشبه المعاوضة والمقابلة، وأنه لم يفعل العبادة التي عينها إلا بالشرط الذي علقها عليه، والإخلاص المحض أن يكون الداعي والحامل للعمل وجه الله خالصًا، لا جزاء عاجل.\nومن جهة أخرى أن الناذر جزم على الفعل ولم يعلقه بالمشيئة، وهو من هذا الوجه يشبه المتألِّي على الله.\nومن جهة أخرى كثير من الناس يظن أن النذر سبب لحصول الأمر المنذور، وهذا كذب بنص الشارع، حيث قال: \"إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل\"؛ فهو ليس من الأسباب التي نصبها الشارع لحصول مسبباتها، وفي قوله:","vol":"3","page":468},{"text":"\"وإنما يستخرج به من البخيل\" إشارة إلى ضعف إخلاص الإنسان، فإن البخيل الذي لا داعي قوي عنده من الإيمان يقضي على بخله، وإنما يستخرج منه بمثل النذر ونحوه؛ فكأن خيره الذي فيه خير ناقص ردي.\nفبهذه الأسباب صار عقد النذر مكروهًا والوفاء به واجبًا\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1165>٤ - أقسام النذر:</span>\nينقسم النذر إلى قسمين: نذر لله، ونذر لغير الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1166>القسم الأول: النذر لله وله أقسام:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1167>١ - نذر الطاعة ويجب الوفاء به عند الجمهور لمن قدر </span>عليه لقوله - ﷺ -: \"من نذر أن يطيع الله فليطعه\" (^٢) ومثاله نذر الصلاة والصوم والحج والعمرة وصلة الأرحام.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1168>٢ - نذر المعصية كالزنا وشرب الخمر ونحوه فلا يجوز الوفاء به </span>لقوله - ﷺ -: \"ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه\" (^٣)، وقوله: \"لا وفاء لنذر في معصية\" (^٤)، ولكن يجب عليه أن يكفِّر عن نذره بكفارة يمين لقوله في حديث عائشة - ﵂ -: \"لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين\" (^٥).\nوللإمام أحمد في وجوب الكفارة روايتان، أشهرها الوجوب، قال شيخ الإسلام: \"وهو ظاهر مذهب أحمد\" (^٦). وقال الأئمة الثلاثة بعدم وجوب الكفارة.\nوقال النووي - ﵀ -: \"ولا تلزمه كفارة يمين ولا غيرها وبهذا قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وداود وجمهور العلماء وقال أحمد تجب فيه كفارة اليمين\n_________\n(^١) مجموع الفوائد واقتناص الأوابد ص ١٤٩ - ١٥٠.\n(^٢) أخرج البخاري (٦٦٩٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٦٩٦).\n(^٤) أخرجه مسلم (١٦٤١).\n(^٥) أخرجه أبو داود (٣٢٩٢) والترمذي (١٥٢٥).\n(^٦) جامع المسائل المجموعة الثالثة ص ١٢٩.","vol":"3","page":469},{"text":"للحديث المروي عن عمران بن حصين - ﵁ - وعن عائشة - ﵂ - عن النبي - ﵁ - قال: \"لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين\"\" (^١).\nورجح شيخنا عبد العزيز بن باز - ﵀ - وجوب الكفارة فيها (^٢).\nواختاره أيضًا الشيخ ابن عثيمين - ﵀ - (^٣)، وابن جبرين (^٤). والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1169>٣ - النذر المباح </span>مثل: لو نذر أن يلبس هذا الثوب فإن شاء لبسه وإن شاء لم يلبسه وكفّر كفّارة يمين (^٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1170>٤ - النذر الذي لم يسم</span>، كأن ينذر الإنسان بدون أن يذكر شيئا معينًا، كأن يقول: \"علي نذر إن شفى الله مريضي\" ولم يُسمّ شيئًا فعليه كفارة يمين، لحديث عقبة بن عامر الجهني - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين\" (^٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1171>٥ - نذر اللجاج والغضب </span>وسمي بهذا الاسم لأن اللجاج والغضب يحملان عليه غالبًا وليس بلازم أن يكون هناك لجاج وغضب وهو كل نذر يخرج مخرج اليمين للحث على فعل شيء، أو المنع أو التصديق أو التكذيب مثل لو قال: حصل اليوم كذا وكذا فقال الآخر: لم يحصل فقال: وإن كان حاصلا فعلي لله نذر أن أصوم سنة، فالغرض من هذا النذر التكذيب فإذا تبين أنه حاصل فالناذر مخير (^٧) بين أن يصوم سنة وبين أن يكفر كفارة يمين لأنه إن صام فقد وفّى بنذره\n_________\n(^١) شرح مسلم ٧/ ١١٣، ١١٥. وانظر: مجموع الفتاوى ٢١/ ٥٠٤، الاقتضاء ٣١٥، المغني ١/ ٥، والمجموع شرح المهذب ٨/ ٤٥٧.\n(^٢) من شرحه على كتاب التوحيد.\n(^٣) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٩/ ٢٣٩، ٢٣٤. وانظر: القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ٢٤١، ٢٤٥.\n(^٤) فوائد من دروس الشيخ ابن جبرين على شرح كتاب التوحيد للسدحان ٣٦.\n(^٥) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٩/ ٢٣٢. وانظر: القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ٢٣٩.\n(^٦) أخرجه الترمذي (١٥٢٨).\n(^٧) انظر قول النووي في شرحه على مسلم ١١/ ١٠٤ حيث قال في هذه المسألة: \"فهو بالخيار، بين كفارة يمين وبين ما التزمه\".","vol":"3","page":470},{"text":"وإن لم يصم حنث والحانث في اليمين يكفّر كفارة يمين، فقد جاء عن عمران بن حصين - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا نذر في غضب، وكفارته كفارة يمين\" (^١).\nقال ابن تيمية - ﵀ -: \"موجب نذر اللجاج والغضب عندنا أحد شيئين على المشهور، إما التكفير، وإما فعلُ المعلّق، فإذا لم يلتزم الوجوب المعلَّق، ثبت وجوب الكفارة\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1172>٦ - المكروه:</span> كأن ينذر طلاق زوجته (^٣). أو نذر ترك التطوع (^٤).\nقال في الروض المربع: \"وإن نذر مكروها من طلاق أو غيره استحب له أن يكفر كفارة يمين ولا يفعله\" (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1173>القسم الثاني: النذر لغير الله كالنذر للموتى، والقبور، والأشجار </span>وهذا فيه صرف عبادة لغير الله - ﷿ - ويسمى النذر الشركي فالنذر لغير الله لا ينعقد إطلاقا ولا تجب فيه كفارة بل هو شرك أكبر يجب التوبة منه.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \"ولا يجوز أن ينذر أحد إلا طاعة، ولا يجوز أن ينذرها إلالله فمن نذر لغير الله فهو مشرك كمن صام لغير الله وسجد لغير الله\" (^٦).\nوقال أيضًا - ﵀ -: \"وأما ما نذره لغير الله كالنذر للأصنام والشمس والقمر والقبور ونحو ذلك، فهو بمنزلة أن يحلف بغير الله من المخلوقات والحالف بالمخلوقات لا وفاء عليه ولا كفارة، وكذلك الناذر للمخلوق ليس عليه وفاء ولا كفارة، فإن كليهما شرك، والشرك ليس له حرمة، بل عليه أن يستغفر الله من هذا العقد ويقول ما قال\n_________\n(^١) رواه الإمام أحمد (٢٠١٢٩) (٢٠١٩٧).\n(^٢) مجموع الفتاوى ٣٥/ ٣٠٥، وانظر ٢٣/ ٣٦، وشرح مسلم للنووي ١١/ ١٠٤.\n(^٣) الروض مع الحاشية ٧/ ٤٩٩.\n(^٤) عمدة القاري ٣/ ٢٠٨.\n(^٥) الروض مع الحاشية ٧/ ٤٩٩.\n(^٦) منهاج السنة ٢/ ٤٤٠.","vol":"3","page":471},{"text":"النبي - ﷺ - حيث قال: \"من حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله\"\" (^١).\nوقال أيضًا: \"والنذر للمخلوقات أعظم من الحلف بها، فمن نذر لمخلوق لم ينعقد نذره ولا وفاء عليه باتفاق العلماء: مثل من ينذر لميت من الأنبياء والمشائخ وغيرهم ... وإنما يوفى بالنذر إذا كان لله - ﷿ -، وكان طاعة؛ فإن النذر لا يجوز إلا إذا كان عبادة، ولا يجوز أن يعبد الله إلا بما شرع. فمن نذر لغير الله فهو مشرك أعظم من شرك الحلف بغير الله، وهو كالسجود لغير الله\" (^٢).\nوقال ابن تيمية - ﵀ -: \"وإن نذر ما ليس بطاعة مثل النذر لبعض المقابر والمشاهد وغيرها زيتا أو شمعا أو نفقة أو غير ذلك فهذا نذر معصية، وهو شبيه من بعض الوجوه النذر للأوثان؛ كاللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى: فهذا لا يجوز الوفاء به بالاتفاق\" (^٣).\nقال الإمام ابن القيم - ﵀ -: \"فما أسرع أهل الشرك إلى اتخاذ الأوثان من دون الله، ولو كانت ما كانت، ويقولون: إن هذا الحجر، وهذه الشجرة، وهذه العين تقبل النذر، أي: تقبل العبادة من دون الله تعالى، فإن النذر عبادة وقربة، يتقرب بها الناذر إلى المنذور له\" (^٤).\nقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب - ﵀ -: \"إذا ثبت كون النذر عبادة لله فصرفه إلى غيره شرك\" (^٥).\nوقال الشيخ ابن عثيمين - حمه الله -: \"وهذه قاعدة في توحيد العبادة، فأي فعل كان عبادة فصرفه لغير الله شرك\" (^٦).\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٢٠٤.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٣٣/ ١٢٣.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٣٥/ ٢٥٤.\n(^٤) إغاثة اللهفان ١/ ٢١٢.\n(^٥) كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب بشرح الشيخ ابن عثيمين ١/ ٢٥٠.\n(^٦) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٩/ ٢٤٣. وانظر: القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ٢٥٠.","vol":"3","page":472},{"text":"وجاء في كتاب الانتصار لأبابطين: \"وقال الشيخ صُنع الله الحنفي في الرد على من أجاز النذر والذبح للأولياء، وأثبت الأجر في ذلك: \"فهذا الذبح والنذر، إن كان على اسم فلان وفلان، لغير الله فيكون باطلا. وفي التنزيل ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]، ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣]. أي: صلاتي وذبحي لله، كما فسر به قوله ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ [الكوثر: ٢]. قال: والنذر لغير الله إشراك مع الله. إلى أن قال: والنذر لغير الله كالذبح لغيره.\nوقال الفقهاء: خمسة لغير الله شرك: الركوع، والسجود، والذبح، والنذر، واليمين.\nقال: والحاصل أن النذر لغير الله فجور، فمن أين تحصل لهم الأجور!.\nوقال ابن النحاس في كتاب الكبائر: \"ومنها إيقاد السراج عند الأحجار والأشجار، والعيون والآبار، ويقولون: إنها تقبل النذر!! وهذه كلها بدع ومنكرات قبيحة، تجب إزالتها ومحو أثرها؛ فإن أكثر الجهال يعتقدون أنها تنفع وتضر، وتجلب وتدفع، وتشفي المرضى، وترد الغائب إذا نذر لها. وهذا شرك ومحادة لله ورسوله\" (^١) \" (^٢).\nوفي الانتصار أيضًا: \"قال الشيخ قاسم الحنفي في شرح درر البحار: \"النذر الذي ينذره أكثر العوام، على ما هو مشاهد الآن: كأن يكون لإنسان غائب أو مريض، أو له حاجة ضرورية، فيأتي إلى قبر بعض الصلحاء، ويجعل على رأسه سترة، ويقول: يا سيدي فلان! إن رد الله غائبي أو عوفي مريضي، أو قضيت\n_________\n(^١) تنبيه الغافلين للنحاس ٤٠٣.\n(^٢) الانتصار لأبابطين ٧٦، وانظر: تيسير العزيز الحميد ٢٠٦.","vol":"3","page":473},{"text":"حاجتي فلك من الذهب كذا، أو من الفضة كذا، أو من الطعام كذا، أو من الماء كذا، أو من الشمع كذا. فهذا باطل بالإجماع لوجوه منها: أنه نذر لمخلوق، والنذر للمخلوق لا يجوز؛ لأنه عبادة، والعبادة لا تكون لمخلوق.\nومنها: أن المنذور له ميت، والميت لا يملك.\nومنها أنه ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله، واعتقاد ذلك كفر. إلى أن قال: إذا علمت ذلك فما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت وغيرها، وينقل إلى ضرائح الأولياء تقربا إليهم، فحرام بإجماع المسلمين\" (^١).\nوقال الشيخ سليمان بن عبد الله في التيسير: \"وقد نص غير واحد من العلماء على أن النذر لغير الله شرك\" (^٢).\nوقال أيضًا - ﵀ -: \"إذا علمت ذلك فهذه النذور الواقعة من عباد القبور وأشباههم لمن يعتقدون فيه نفعا أو ضرا فيتقرب إليه بالنذر، ليقضي حاجته أو ليشفع له. كل ذلك شرك في العبادة، وهو شبيه بما ذكر الله عن المشركين في قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦)﴾ [الأنعام: ١٣٦] \".\nقالت اللجنة الدائمة للإفتاء: \"من اعتقد من المكلفين المسلمين جواز النذر والذبح للمقبورين فاعتقاده هذا شرك أكبر مخرج من الملة يستتاب صاحبه ثلاثة أيام ويضيق عليه فإن تاب وإلا قتل\" (^٣).\n_________\n(^١) الانتصار ٧٤، ٧٥، وانظر: تيسير العزيز الحميد ٢٠٦.\n(^٢) تيسير العزيز الحميد ٢٠٤.\n(^٣) فتاوى اللجنة ص ١١٠.","vol":"3","page":474},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1174>٢٧١ - النُّسُكُ </span>*\n<span data-type=\"title\" id=toc-1175>[الذبح، والعبادة]</span>\nقال ابن الأثير: \"المنسِك: المذبح. وقد نسك ينسك نسكا إذا ذبح. والنسيكة الذبيحة، وجمعها نُسُك.\nوالنُسْك والنُسُك أيضًا: الطاعة والعبادة وكل تُقُرِّب به إلى الله تعالى.\nوالنُّسْك: ما أمرت به الشريعة، والورع: ما نهت عنه.\nوالناسِك: العابد. وسئل ثعلب عن الناسك ما هو؟ فقال: هو مأخوذ من النسيكة، وهي سبيكة الفضة المصفاة كأنه صفّى نفسه لله تعالى\" (^١).\n* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢)﴾ [الأنعام: ١٦٢].\nقال مجاهد في قوله تعالى ﴿صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾: \"النسك الذبح في الحج والعمرة\" (^٢).\nوعن سعيد بن جبير قال: ﴿وَنُسُكِي﴾ ذبحي، وكذا قال الضحاك (^٣).\nوقد ذكر الشيخ سليمان بن عبد الله عن شيخ الإسلام ابن تيمية أن النسك:\n_________\n* تيسير العزيز الحميد ص ١٨٧، فتح المجيد ص ١٦٥. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ٩٧. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ٢٣٦ ط ٢ - ١/ ٢٧٧. ومن المجموع ٩/ ٢٢٦.\n(^١) النهاية (ن س ك).\n(^٢) تفسير الطبري ١٢/ ٢٨٤.\n(^٣) تفسير الطبري ١٢/ ٢٨٤، تفسير ابن كثير ٣/ ٣٧٧.","vol":"3","page":475},{"text":"الذبيحة لله تعالى ابتغاء وجهه فإنها أجل ما يتقرب به إلى الله (^١).\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"وفي الآية دلائل متعددة على أن الذبح لغير الله شرك كما هو بين عند التأمل، وفيها بيان العبادة، وأن التوحيد مناف للشرك مضاد له\" (^٢).\nوهذا الباب له تعلق شديد ببابي (الذبح)، (العبادة).\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ١٨٧.\n(^٢) تيسير العزيز الحميد ص ١٨٨.","vol":"3","page":476},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1176>٢٧٢ - النُّشْرَةُ </span>*\nالنشرة في اللغة على وزن فُعلة، من النشر بمعنى التفريق والكشف، وتأتي بمعنى البسط خلاف الطي، يقال نشر الثوب ونحوه ينشره نشرًا ونشرُه أي بسطه (^١).\nقال ابن الأثير: \"النُّشْرَة بالضم: ضرب من الرقية والعلاج، يعالج به من كان يظن أن به مسًّا من الجن، سميت نشرة لأنه يُنشَّر بها عنه ما خامره من الداء أي يكشف ويزال\" (^٢).\nوقال ابن القيم: \"النشرة حل السحر عن المسحور\" (^٣).\nوقال الحسن: \"النُّشْرَة من السحر\" (^٤).\nوقال الخطابي: \"النُّشْرَة معروفة وهي ضرب من علاج المصاب بمس الجن\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ٥/ ٧٢٢، ٦/ ٢٤١، ٢٤٣، ١٣/ ٧٠. مصنف عبد الرزاق ١/ ١٣١. شرح السنة للبغوي ١٢/ ١٥٩، ١٩٠. الآداب الشرعية لابن مفلح ٣/ ٦٣. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٢/ ٣٤٠. تيسير العزيز الحميد ٤٢١. فتح المجيد ٣٤١. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٢٠٩. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ٦٩ ط ٢ - ٢/ ٨٥ ومن المجموع ٩/ ٥٥٢. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٣٠. معارج القبول ١/ ٤٣١. مجموع الفتاوى لابن باز ٢/ ٦٨٨. نور على الدرب ص ٢١٢، ٢١٦، ٢١٨، ٢٢٢، ٢٢٦. النشرة لعبد العظيم أبابطين، علاج الأمور السحرية لأبي بكر الحنبلي. منهج الإمام مالك في العقيدة ص ٤٠٣. منهج ابن حجر في العقيدة ص ١١٢٢. الإمام الخطابي ومنهجه في العقيدة لأبي عبد الرحمن العلوي ص ٢٧٥. موقف الإسلام من السحر أ. حياة ص ٦٣٩.\n(^١) لسان العرب (ن ش ر).\n(^٢) النهاية: (ن ش ر).\n(^٣) أعلام الموقعين ٤/ ٣٩٦.\n(^٤) انظر مصنف ابن أبي شيبة (٣٥٦٦)، تيسير العزيز الحميد ص ٤٢١.","vol":"3","page":477},{"text":"وعمل السحر، ينشر به ذلك القارض تنشيرا وقد يجلَّلُ صاحبه بصَبُوب من مياه مختلفة المواضع ينفث فيه ويرقي وقد كرهه غير واحد من العلماء\" (^١).\nوليس كل ما يعالج به المريض حلال، بل من العلاج ما هو محرم نهي عنه، ففي الحديث أنه - ﵁ - نهى عن الدواء الخبيث (^٢). وقال ﵊: \"إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم\" (^٣)، وقال ﵊: \"إِنَّ الله أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً فَتَدَاوَوْا وَلا تتَدَاوَوْا بِحَرَامٍ\" (^٤) وذلك كالخمر والذبح لجني أو ما شابهه.\nوالنشرة إنما أدخلت في باب التوحيد؛ لأن منها ما هو تداوٍ شركي يخل بالتوحيد.\n* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢]. وقال عن كتابه العزيز ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤]. وقال عن إبراهيم - ﷺ -: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾ [الشعراء: ٨٠].\nوفي حديث جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: سئل النبي - ﷺ - عن النشرة فقال: \"من عمل الشيطان\" (^٥).\nومن أسماء الله الشافي فالأمراض البدنية والروحية والجسدية والنفسية لا شافي منها إلا الله فقد ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة وعائشة مرفوعا:\n_________\n(^١) أعلام الحديث ٢/ ١٥٠٤.\n(^٢) مسند الإمام أحمد (٨٠٣٤) (٩٧٥٥)، وأبو داود (٣٨٧٠)، والترمذي (٢٠٤٥).\n(^٣) مجمع الزوائد ٥/ ٨٩.\n(^٤) أخرجه أبو داود (٣٨٧٤).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد (١٤١٨١)، وأبو داود (٣٨٦٨).","vol":"3","page":478},{"text":"\"اللهم رب الناس، أذهب الباس واشفه، وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يُغادِر سَقَمًا\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1177> أقسام النشرة:</span>\nتنقسم النشرة إلى قسمين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1178>القسم الأول: حل السحر عن المسحور بالرقى، والتعوذات، والدعوات الصحيحة، وبالأدوية المباحة، فهذا جائز </span>بدلالة الكتاب والسنة وإجماع الأمة وفق الشروط المعتبرة، وقد تقدم ذكر الشروط في باب الرقى.\nقال صديق حسن خان: \"وكل عمل ودعاء ينشر المرض والداء، وينفع من الأسقام والأدواء، يصدُق أنه نُشرة، يجوز الانتفاع به، إن كان من ألفاظ القرآن والسنة، أو من المأثور من السلف الصلحاء، الخالي عن أسماء الشرك وصفاته باللسان العربي، وإلا كان حرامًا أو شركًا\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1179>القسم الثاني: حل السحر عن المسحور بسحر مثله سواء في ذلك أن يأتي المسحور إلى الساحر أو يُؤتى به إلى الساحر </span>أو الكاهن ليسأله حل السحر وإطلاقه عنه فيقوم الساحر أو الكاهن بالاستعانة بالشياطين وينتج عنه أخبار المسحور عن مكان السحر أو الذي عمل السحر أو يقوم الساحر بإخراج السحر من موضعه وقد يأمر الساحرُ المسحورَ بذبح شاة أو بقرة أو نحو ذلك، وأن يذكر اسم الساحر أو الجني عليها أو يكون بكتابة عزائم شركية وتعاويذ لا يعرف معناها، كالطلاسم ونحوها فيعلقها المسحور على بدنه أو في بيته أو على دابته أو غير ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٧٤٣) (٥٦٧٥)، ومسلم (٢١٩١).\n(^٢) الدين الخالص ٢/ ٣٤٣.","vol":"3","page":479},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1180> حكم النُّشْرَة:</span>\nاختلف العلماء في حل السحر عن المسحور بسحر مثله، فأثبته بعضهم وأنكره آخرون؛ لأنه يعتمد على السحر فهو محرم، والنشرة بهذا تكون من قبل الشياطين والسحرة فتكون مضادة للتوحيد (^١).\nوقد استدل المثبتون بما اشتهر عن سعيد بن المسيب. قال قتادة لسعيد ابن المسيب: رجل به طب أو يؤخذ عن امرأته أيحل عنه أو ينشر؟ قال: \"لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم ينه عنه\" (^٢).\nوقال سعيد بن المسيب في الرجل يؤخذ عن امرأته: \"اتئدوا لم تنهوا عما ينفعكم، إنما نهيتم عما حرم عليكم\" (^٣).\nوعن عطاء قال: \"لا بأس أن يأتي المؤخذ عن امرأته، والمسحور من يُطلِقُ عنه\" (^٤).\nوقال ابن حجر: \"وقد سئل أحمد عمن يطلق السحر عن المسحور، فقال: \"لا بأس به\"\" (^٥).\nوقال القرطبي: \"فأجازه سعيد بن المسيب على ما ذكره البخاري، وإليه مال المزني، وكرهه الحسن البصري، وقال الشعبي: لا بأس بالنشرة ... \" (^٦).\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٤٢١.\n(^٢) أخرجه البخاري معلقًا في كتاب الطب باب: هل يستخرج السحر انظر: صحيح البخاري ١٠١٨، الفتح ١٠/ ٢٣٢، ٢٤٣، وقال الحافظ في التغليق: \"رواه الأثرم في السنن وساق إسناده، ثم قال: وإسناده صحيح\" (التغليق ٥/ ٤٩).\n(^٣) علقه البخاري ١٠/ ١٩٨، ١٩٩.\n(^٤) شرح السنة للبغوي ١٢/ ١٩٠.\n(^٥) فتح الباري ١٠/ ٢٣٣.\n(^٦) الجامع لأحكام القرآن ٢/ ٤٩.","vol":"3","page":480},{"text":"وقال الحافظ: \"وقد تمسك قوم بهذا العموم، فأجازوا كل رقية جربت منفعتها ولو لم يعقل معناها، لكن دل حديث عوف أنه ما كان من الرقى يؤدي إلى الشرك فيمتنع احتياطًا\" (^١).\nوحديث عوف هو الذي قال فيه رسول الله - ﷺ -: \"أعرضوا عليَّ رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك\"\" (^٢).\nأما المانعون: فاستدلوا بحديث جابر بن عبد الله، قال سئل رسول الله - ﷺ - عن النُّشْرَة فقال: \"هو من عمل الشيطان\" (^٣).\nوروي عن أبي رجاء عن الحسن قال: \"سألت أنس بن مالك عن النُّشْرَة فقال: ذكروا عن النبي - ﷺ - أنها من عمل الشيطان\" (^٤). وقال قتادة: وكان الحسن يكره ذلك ويقول: \"لا يعلم ذلك إلا ساحر\" (^٥). وسئل مرة عن النشرة فقال: سحر (^٦).\nوسئل أحمد عنها فقال: ابن مسعود يكره هذا كله (^٧).\nوقال ابن الجوزي: \"النُّشْرَة حل السحر عن المسحور، ولا يكاد يقدر عليه إلا ساحر\" (^٨).\nوللجمع بين هذه الروايات قال الإمام ابن القيم - ﵀ -: \"والنشرة حل السحر عن المسحور. وهي نوعان حل سحر بسحر مثله وهو الذي من عمل الشيطان فإن\n_________\n(^١) فتح الباري ١٠/ ٢٠٦.\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) سنن أبي داود (٣٨٦٨).\n(^٤) مصنف ابن أبي شيبة (٣٥٦٧).\n(^٥) فتح الباري ١٠/ ٢٤٤.\n(^٦) مصنف ابن أبي شيبة (٣٥٦٦).\n(^٧) الآداب الشرعية لابن مفلح ٣/ ٧٧.\n(^٨) فتح الباري ١٠/ ٢٣٣.","vol":"3","page":481},{"text":"السحر من عمله فيتقرب إليه الناشر والمنتشر بما يحب فيبطل عمله عن المسحور والثاني النشرة بالرقية والتعوذات والدعوات والأدوية المباحة فهذا جائز بل مستحب وعلى النوع المذموم يحمل قول الحسن لا يحل السحر إلا ساحر\" (^١).\nوقال ابن حجر: \"فيختلف الحكم بالقصد، فمن قصد بها خيرا، كان خيرا وإلا فهو شر ثم الحصر المنقول عن الحسن ليس على ظاهره لأنه قد يخل بالرقى والأدعية والتعويذ ولكن يحتمل أن تكون النُّشْرَة نوعين\" (^٢).\nفما كان من الآيات القرآنية، والأسماء والصفات الربانية، والدعوات المأثورة النبوية فهو خير. أما إذا اشتملت على أسماء الشياطين، أو كان بلسان غير معلوم فهو شر (^٣).\nقال ابن حجر: \"ويوافق قول سعيد بن المسيب ما تقدم في حديث جابر عند مسلم مرفوعًا: \"من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل\"، ويؤيد مشروعية النُّشْرَة، حديث \"العين حق\" في قصة اغتسال العائن\" (^٤).\nوقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"وهذا الكلام من ابن المسيب يحمل على نوع من النُّشرَة لا يعلم هل هو نوع من السحر أم لا؟ فأما أن يكون ابن المسيب يفتي بجواز قصد الساحر الكافر المأمور بقتله ليعمل السحر، فلا يظن به ذلك، حاشاه منه، ويدل على ذلك قوله: إنما يريدون به الإصلاح، فأي إصلاح في السحر؟! بل كله فساد وكفر - والله أعلم - ... وكذلك ما روي عن الإمام أحمد من إجازة النُّشْرَة فإنه محمول على ذلك وغلط من ظن أنه أجاز النُّشْرَة السحرية\n_________\n(^١) إعلام الموقعين ٤/ ٣٩٦.\n(^٢) فتح الباري ١٠/ ٢٤٤.\n(^٣) فتح الباري ١٠/ ٢٠٦.\n(^٤) فتح الباري ١٠/ ٢٣٣.","vol":"3","page":482},{"text":"وليس في كلامه ما يدل على ذلك\" (^١).\nوقال ابن باز ﵀ عن كلام ابن المسيب على النُّشْرَة: \"هذا كلام محمول على الحل بالرقية والمعوذات والأشياء المباحة لأن هذا من الإصلاح والإصلاح مأمور به والمنكر منهي عنه\" (^٢).\nفعلاج السحر بالسحر لا يجوز وعليه الفتوى. قال ابن باز: \"لأن النبي - ﷺ - سئل عن النُّشْرَة فقال: \"هي من عمل الشيطان\" (^٣)؛ ولأن حلها بالسحر يتضمن دعوة الجن والاستعانة بهم وهذا من الشرك الأكبر\" (^٤).\nوبعض متأخري الحنابلة أجازه للضرورة (^٥).\nوالقول بجواز الحل بالسحر مردود لعموم النهي عن إتيان الكهان والعرافين وللنهي عن التداوي بالحرام قال ابن مسعود: \"إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم\" (^٦) والسحر مما حرم الله فلا شفاء فيه.\nوأيضًا فإن في تجويز النشرة الشركية إقرارٌ بوجود الساحر وجواز الرضى بعمله وهذا مخالف وهادم لما سبق بيانه في باب السحر ولأن فيه استعانة بغير الله.\nأما ما ذكر عن الإمام أحمد ﵀ في ذلك فإنه ليس صريحًا في جواز النشرة السحرية، قال الشيخ سليمان بن عبد الله: بل لما سُئل - أي الإمام أحمد - عن الرجل يحل السحر قال: قد رخص فيه بعض الناس. قيل: إنه يجعل في الطنجير ماء ويغيب فيه؟ فنفض يده. وقال: لا أدري ما هذا؟ قيل له: أفترى أن يؤتى مثل\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٤٢٣ - ٤٢٤.\n(^٢) من تعليق الشيخ على كتاب التوحيد.\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) مجموع الفتاوى ابن باز ص ٦٩٢.\n(^٥) الفروع لابن مفلح ٦/ ١٧٨ - ١٧٩، الروض المربع ص ٤٧٥.\n(^٦) أخرجه البخاري معلقًا، وانظر مجمع الزوائد ٥/ ٨٩.","vol":"3","page":483},{"text":"هذا؟ قال: لا أدري ما هذا؟ وهذا صريح في النهي عن النشرة على الوجه المكروه، وكيف يجيزه؟ وهو الذي روى الحديث: أنها من عمل الشيطان، ولكن لما كان لفظ النشرة مشتركًا بين الجائزة والتي من عمل الشيطان، ورأوه قد أجاز النشرة ظنوا أنه قد أجاز التي من عمل الشيطان، وحاشاه من ذلك\" اهـ (^١).\nوقال الشيخ محمد بن إبراهيم: \"قال بعض الحنابلة يجوز الحل بسحر ضرورة والقول الآخر أنه لا يُحل وهذا الثاني هو الصحيح ثم قال: والسحر حرام وكفر. أفيعمل الكفر لتحيا نفوس مريضة أو مصابة .. \" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1181> من أنواع النُّشْرَة:</span>\n١ - أخرج عبد الرزاق من طريق الشعبي قال: \"لا بأس بالنُّشْرَة العربية التي إذا وطئت لا تضره، وهي أن يخرج الإنسان في موضع عضاه، فيأخذ عن يمينه وعن شماله من كل ثمر، يدقه ويقرأ فيه، ثم يغتسل به\" (^٣).\n٢ - وذكر ابن بطال أن في كتب وهب بن منبه: \"أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر فيدقه بين حجرين، ثم يضربه بالماء، ويقرأ عليه آية الكرسي والقواقل، ثم يحسو منه ثلاث حسوات ثم يغتسل به، فإنه يذهب عنه كل ما به، وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله\" (^٤).\n٣ - ومن علاج السحر معرفة موضعه وبذل الجهد في ذلك فإذا عرف واستخرج\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد ص ٤٢٤ - ٤٢٥.\n(^٢) فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ١/ ١٦٥.\n(^٣) انظر للاستزادة فتح الباري ١٠/ ٢٤٤، ٢٤٥ وكتاب السحر ٢٤٢، ٢٤٣ ففيه زيادة تفصيل فليراجع.\n(^٤) فتح الباري ١٠/ ٢٣٣، وانظر تيسير العزيز الحميد ص ٤٢٥. وقد ذكر ذلك الشيخ عبد العزيز بن باز وقال: \"وقد جُرب هذا كثيرًا ونفع الله به، وقد فعلناه مع كثير من الناس فنفعهم الله بذلك\" مجمع فتاوى ابن باز ٢/ ٦٩١.","vol":"3","page":484},{"text":"وأتلف بطل السحر (^١).\n٤ - قال ابن مفلح: \"ومن أعظم ما يتحصن به من السحر ومن أنفع علاج له بعد وقوعه، التوجُّهُ إلى الله ﷾، وتوكل القلب والاعتماد عليه، والتعوذ والدعاء، وهذا هو السبب الذي لم يَصِحَّ عن النبي - ﷺ - أنه استعمل شيئًا قبلَه، قد يقال: لم يصح أنه استعمل شيئا غيره، وهو الغاية القصوى، والنهاية العظمى. ولهذا في الخبر أنه لم يخرجه، وإنما دفنه لئلا يفضي ذلك إلى مفسدة وانتشارها، لا لتوقف الشفاء والعافية عليه، وهذا واضح - إن شاء الله - \" (^٢).\nوفي الفتح: \"قال ابن القيم: من أنفع الأدوية وأقوى ما يوجد من النُّشْرَة مقاومة السحر الذي هو من تأثيرات الأرواح الخبيثة بالأدوية الإلهية من الذكر والدعاء والقراءة، فالقلب إذا كان ممتلئا من الله معمورًا بذكره، وله ورد من الذكر والدعاء والتوجه لا يخل به كان ذلك من أعظم الأسباب المانعة من إصابة السحر له.\nقال: وسلطان تأثير السحر هو في القلوب الضعيفة، لهذا غالب ما يؤثر في النساء والصبيان والجهال، لأن الأرواح الخبيثة إنما تنشط على أرواح تلقاها مستعدة لما يناسبها أهـ ملخصا وتعقب ابن حجر ابن القيم فقال ﵀ ويعكر عليه حديث الباب وجواز السحر على النبي - ﷺ - مع عظيم مقامه وصدق توجهه وملازمة ورده، ولكن يمكن الجواب عن ذلك بأن ذكره محمول على الغالب، وأن ما وقع به - ﷺ - لبيان تجويز ذلك ... والله أعلم\" (^٣).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن باز ص ٦٨٦.\n(^٢) الآداب الشرعية لابن مفلح ٣/ ٨٦.\n(^٣) الفتح ١٠/ ٢٣٢، ٢٣٥.","vol":"3","page":485},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1182>٢٧٣ - النفاق </span>*\n<span data-type=\"title\" id=toc-1183>[الزنديق - الاستهزاء]</span>\nالمنافق هو الذي يسر الشر ويظهر الخير.\nقال الرازي: \"النفاق بالكسر فعل المنافق\" (^١).\nوهو في اللغة مأخوذ من النفق.\nوقال الجوهري: \"والنفَقُ: سربٌ في الأرض له مَخْلَصٌ إلى مكان ... والنافِقَاء: إحدى جِحَرة اليربوع، يكتُمها ويُظهر غيرها، وهو موضعٌ يرقِّقه، فإذا أُتي من قِبَلِ القاصعاء ضرب النافِقاء برأسه فانتفَقَ، أي خرج. والجمع النَوَافقُ.\nوالنفقةُ أيضًا مثال الهمزة: النافِقَاء. تقول منه: نفَّق اليربوع تنفيقًا ونَافَق، أي أخذ في نافِقائِه. ومنه اشتقاق المنافق في الدين\" (^٢).\n_________\n* صفة المنافق للإمام جعفر الفريابي تحقيق بدر البدر. القاضي أبو يعلى وكتابه مسائل الإيمان تحقيق سعود الخلف ص ٣٦١. التمهيد لابن عبد البر ٢٠/ ٢٦٨، ١٠/ ١٥٤. الإبانة لابن بطة العكبري ٦٨٥، ٧٠٥. شرح السنة للبغوي ١/ ٧١. مجموع الفتاوى لابن تيمية ٧/ ٣٠٤، ٢٨/ ٤٣٤. الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١/ ٢٠٠، ٥/ ٤٢٦. الآداب الشرعية لابن مفلح ١/ ٣٣. مدارج السالكين ١/ ٣٤٧. فتح الباري ١/ ١١١، ١١٢. الدرر السنية ٨/ ١٦٤. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ١/ ٩١، ٩٢. معارج القبول ١/ ٣٦٨. أهم المهمات لابن سعدي من المجموعة ٣/ ٦٨. مجموع الفتاوى لابن باز ١/ ٢٦٩. نور على الدرب ١٦٠. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٤/ ٥٧٥، ٧/ ٥٢. المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة الأحمدي ٢/ ٢٦١. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ٤٠٥، ٤١٣. نواقض الإيمان الاعتقادية ٢/ ١٥٨. منهج الحافظ ابن رجب في العقيدة ١٩٩، ٢٠٢. منهج ابن حجر في العقيدة ص ١٠٦٨. الآثار الواردة في سير أعلام النبلاء د: جمال بن أحمد ١/ ١٧٥. مباحث العقيدة في سورة الزمر ٣٨٩. الإمام المروزي وجهوده في توضيح العقيدة للنفيعي ٤٤٣، ٤٥٠.\n(^١) مختار الصحاح (ن ف ق).\n(^٢) الصحاح للجوهري (ن ف ق).","vol":"3","page":486},{"text":"وفي اللسان: \"قال: ابن الأعرابي: \"قُصعةُ اليربوع أن يحفر حفيرة ثم يسد بابها بترابها، ويسمى ذلك التراب الدَّامَّاء، ثم يحفر حفرًا آخر يقال له النافقاء والنفقة والنفق فلا ينفذها، ولكنه يحفرها حتى ترقّ، فإذا أُخِذ عليه بقاصعائه عدا إلى النافقاء فضربها برأسه ومرق منها\" وتراب النَّفَقَة يقال له الراهِطَاء .. وقال أبو عبيد: \"سمي المنافقُ منافقًا للنفق وهو السَّرَب في الأرض، وقيل: إنما منافقًا لأنه نافق كاليربوع وهو دخوله نافقاءه ... فهو يدخل في النافقاء ويخرج من القاصعاء، أو يدخل في القاصعاء ويخرج من النافقاء، فيقال هكذا يفعل المنافق، يدخل في الإسلام ثم يخرج منه من غير الوجه الذي دخل فيه، والنفاق: الدخول في الإسلام من وجه والخروج عنه من آخر، مشتق من نافقاء اليربوع إسلامية وقد نافق منافقة ونفاقًا\" (^١).\nوالنفاق شرعًا: ما أجاب به الصحابي حذيفة - ﵁ - حيث سئل ما النفاق فقال: \"الذي يصف الإسلام ولا يعمل به\" (^٢).\nقال ابن جريج: \"المنافق يخالف قوله فعله، وسره علانيته، ومدخله مخرجه، ومشهده مغيبه\" (^٣).\nقال ابن الأثير: \"قد تكرر في الحديث ذكر النفاق وما تصرف منه اسما وفعلا وهو اسم إسلامي، لم تعرفه العرب بالمعنى المخصوص به والذي يستر كفره ويظهر إيمانه وإن كان أصله في اللغة معروفًا\" (^٤).\nالدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ\n_________\n(^١) لسان العرب (ن ف ق).\n(^٢) مصنف ابن أبي شيبة ٧/ ٤٨٤ رقم ٣٧٤١٥، الحلية ١/ ٢٨٢، تعظيم قدر الصلاة ٢/ ٦٣١، صفة المنافق للفريابي ص ٦٦.\n(^٣) تفسير القرآن العظيم لابن كثير ١/ ٤٧.\n(^٤) النهاية (ن ف ق).","vol":"3","page":487},{"text":"تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ [النساء: ١٤٥]. وقال تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء:٣٨ - ١٣٩]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢]. وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: ٥٤]. وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٣]. وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التحريم: ٩].\nوفي تفسير ابن كثير: \"قال علي بن أبي طالب - ﵁ -: بعث رسول الله - ﷺ - بأربعة أسياف: سيف للمشركين ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة. ٥].\nوسيف للكفار أهل الكناب: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩].\nوسيف للمنافقين ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣].\nوسيف للبغاة: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩].\nثم عقب ابن كثير على ذلك بقوله: وهذا يقتضي أنهم يجاهدون بالسيوف إذا أظهروا النفاق وهو اختيار ابن جرير\" (^١).\n_________\n(^١) تفسير القرآن لابن كثير ٢/ ٣٧١.","vol":"3","page":488},{"text":"الدليل من السنة: عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب، والذي لا يقرأ كالتمرة طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها\" (^١). وفي رواية: \"ومثل المنافق\" بدل الفاجر (^٢).\nوعن ابنِ عمرَ - ﵂ - عن النبي - ﷺ - قال: \"مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة\" (^٣).\nوعن عمر بن الخطاب - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان\" (^٤).\nوعن أنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار\" (^٥).\nوالأحاديث في المنافق وصفته كثيرة صنّف فيها الإمام جعفر الفريابي كتابا مستقلا وسوف يأتي ذكر مزيد من الأحاديث في القسم الثاني من أقسام النفاق.\n* أقوال السلف: قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: \"إن أخوف ما أخاف عليكم ثلاثة: منافق يقرأ القرآن لا يخطئ فيه واوًا ولا ألفًا، يجادل الناس أنه أعلم منهم ليضلهم عن الهدى، وزلة عالم، وأئمة مضلون\" (^٦).\nوعن ابن مسعود قال: \"جاهدوا المنافقين بأيديكم، فإن لم تستطيعوا،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٥٦٠) (٥٠٢٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٠٥٩).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٧٨٤).\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد (١٣٠) (١٤٣).\n(^٥) أخرجه البخاري (١٧)، ومسلم (٧٤).\n(^٦) صفة المنافق للفريابي ص ٥٤، سنن الدارمي ص ٢١٨، والذهبي في السير ١١/ ٤٦٤.","vol":"3","page":489},{"text":"فبألسنتكم، فإن لم تستطيعوا إلا أن تكفهروا في وجوههم، فافعلوا\" (^١).\nوقال عبد الله بن مسعود: \"اعتبروا المنافق بثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف واذا عاهد غدر. ثم قرأ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦)﴾ [التوبة. ٧٥ - ٧٦] \" (^٢).\nقال طيسلة بن علي البهدلي: \"رأيت عبد الله بن عمر في أصول الأراك يوم عرفة، قال: وبين يديه رجل من أهل العراق، فقال: يا ابن عمر ما المنافق؟ قال: المنافق الذي إذا حدث كذب، وإذا وعد لم ينجز، وإذا اؤتمن لم يؤد، وذئب بالليل وذئب بالنهار. قال: يا ابن عمر فما المؤمن؟ قال: الذي إذا حدّث صدق وإذا وعد أنجز وإذا اؤتمن أدى يأمن من أمسى بعقوبته من عارف أو منكر\" (^٣).\nوبوَّب البخاري: \"باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر. وقال إبراهيم التيمي: ما عرضت قولِي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبًا. وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي - ﷺ - كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل. ويُذكر عن الحسن: ما خافه إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق، وما يحذر من الإصرار على النفاق والعصيان من غير توبة لقول الله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (^٤).\nوكان عمر بن الخطاب يقول لحذيفة: \"أنشدك الله هل سمَّاني لك رسول الله\n_________\n(^١) الزهد لعبد الله بن المبارك رقم (١٣٧٧)، تاريخ مدينة دمشق ٣٣/ ١٧٨.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٥/ ٢٣٧، والفريابي في صفة المنافق ص ٤٧، الزهد لابن المبارك (١٠٦٧).\n(^٣) الإبانة لابن بطة (٩٠٥) ص ٦٨٨، تعظيم قدر الصلاة ٢/ ٦٠٩.\n(^٤) صحيح البخاري باب رقم ٣٦.","vol":"3","page":490},{"text":"يعني في المنافقين فيقول لا، ولا أزكي بعدك أحدا\" (^١).\nوعن جبير بن نفير، أنه سمع أبا الدرداء، وهو في آخر صلاته، وقد فرغ من التشهد، يتعوذ بالله من النفاق. فأكثر التعوذ منه. فقال جبير: \"وما لك يا أبا الدرداء أنت والنفاق؟ فقال: دعنا عنك، دعنا عنك. فوالله إن الرجل ليقلب عن دينه في الساعة الواحدة فيخلع منه\" (^٢).\nوعن مصعب بن سعد عن أبيه قال: \"يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب\" (^٣).\nوروى الفريابي عن المعلى بن ريان قال: \"سمعت الحسن يحلف في هذا المسجد بالله الذي لا إله إلا هو ما مضى مؤمن قط ولا بقي إلا وهو من النفاق مشفق، ولا مضى منافق ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن \" (^٤).\nوفي رواية أخرى عن أيوب قال: سمعت الحسن يقول: \"والله ما أصبح ولا أمسى مؤمن إلا وهو يخاف النفاق على نفسه\" (^٥).\nوقال الحسن: \"إن من النفاق اختلاف اللسان والقلب واختلاف السر والعلانية واختلاف الدخول والخروج\" (^٦).\nوقال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ قلت لأبي عبد الله: ما تقول فيمن لا يخاف\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء ٢/ ٣٦٤. وجاء في الجواب الكافي ص ٢٦ نقلًا عن شيخ الإسلام يوضح معنى كلام حذيفة - ﵁ - فيراجع هناك.\n(^٢) انظر سير أعلام النبلاء ٦/ ٣٨٢.\n(^٣) أخرجه أبو عبيد في الإيمان (٨١)، وقال محققه: إسناده صحيح على شرط الشيخين. من كتاب الشريعة للآجري ص ٦٨٩.\n(^٤) صفة النفاق (٨٧) ص ٧٣. وانظر فتح الباري ١/ ١١١.\n(^٥) صفة المنافق ص ٧٣.\n(^٦) مصنف ابن أبي شيبة ٧/ ٢٣٦، صفة المنافق للفريابي ص ٦١، صيانة صحيح مسلم ص ٢٣١.","vol":"3","page":491},{"text":"على نفسه النفاق، قال: \"ومن لا يأمن على نفسه النفاق؟ \" (^١).\nوقال ابن القيم: \"تالله لقد قطع خوف النفاق قلوب السابقين الأولين. لعلمهم بدقه وجله، وتفاصيله وجمله\" (^٢).\nوينبغي أن يعلم أن الذي خافه السلف الصالح هو النفاق في الأعمال (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1184>فوائد وأحكام:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1185>١ - أقسام النفاق:</span>\nقسَّم علماء السلف النفاق إلى قسمين كما قال الحسن - ﵁ -: \"النفاق نفاقان: نفاق بالتكذيب، ونفاق بالعمل\" (^٤).\nوقد يقال نفاق قلب، ونفاق عمل. أو نفاق اعتقادي، ونفاق عمل. أو نفاق أكبر، ونفاق أصغر.\nالقسم الأول: النفاق الاعتقادي ويسمى النفاق الأكبر وهذا ما عناه الإمام أحمد بقوله: \"والنفاق هو الكفر أن يكفر بالله ويعبد غيره ويظهر الإسلام في العلانية مثل المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله\" (^٥).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فمن النفاق ما هو أكبر يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار، كنفاق عبد الله بن أبي وغيره بأن يظهر تكذيب الرسول، أو جحود بعض ما جاء به أو بغضه، أو عدم اعتقاد وجوب اتباعه، أو المسرة بانخفاض دينه، أو المساءة بظهور دينه، ونحو ذلك مما لا يكون صاحبه إلا عدوًا\n_________\n(^١) مسائل ابن هانئ ٢/ ١٧٦.\n(^٢) مدارج السالكين ١/ ٣٥٨.\n(^٣) الإيمان لابن تيمية ص ٤٠٩. انظر فتح الباري ١/ ١١١.\n(^٤) الترمذي (٢٦٣٢)، والآجري (٩٣٩) ص ٦٩٩، وانظر للاستزادة تفسير ابن كثير حول الآية ٨، ٩ من سورة البقرة ١/ ٤٧ والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٨/ ٢١٤.\n(^٥) أصول السنة ص ٨٢، اعتقاد أهل السنة ١/ ١٦٢.","vol":"3","page":492},{"text":"لله ورسوله\" (^١).\nوقال ﵀: \"فأما النفاق المحض الذي لا ريب في كفر صاحبه، فأن لا يرى وجوب تصديق الرسول - ﷺ - فيما أخبر به، ولا وجوب طاعته فيما أمر به، وإن اعتقد مع ذلك أن الرسول عظيم القدر - علمًا وعملًا - وأنه يجوز تصديقه وطاعته لكنه يقول: إنه لا يضر اختلاف الملل إذا كان المعبود واحدا، ويرى أنه تحصل النجاة والسعادة بمتابعة الرسول وبغير متابعته، إما بطريق الفلسفة والصبو، أو بطريق التهود والتنصر ... \" (^٢).\nوقال الذهبي: \"وكذلك شعب النفاق من الكذب والخيانة والفجور والغدر والرياء، وطلب العلم ليُقال، وحب الرئاسة والمشيخة، وموادة الفجار والنصارى فمن ارتكبها كلها، وكان في قلبه غِلُّ النبي - ﷺ - أو خرج من قضاياه، أو يصوم رمضان غير محتسب، أو يُجوِّز أن دين النصارى أو اليهود دينٌ مليحٌ ويميل إليهم، فهذا لا ترْتَبْ في أنه كامل النفاق وأنه في الدرك الأسفل من النار، صفاته الممقوتة عديدة في الكتاب والسنة من قيامه إلى الصلاة كسلان، وأدائه الزكاة وهو كاره، وإن عَامَل الناس فبالمكر والخديعة، قد اتَّخَذّ إسلامه جُنَّة، نعوذ بالله من النفاق، فقد خافه سادة الصحابة على نفوسهم.\nفإن كان فيه شعبة من نفاق الأعمال، فله قسط من المقت حتى يدعها ويتوب منها، أما من كان في قلبه شك من الإيمان بالله ورسوله فهذا ليس بمسلم وهو من أصحاب النار\" (^٣).\nوذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ أنواع النفاق الأكبر فقال: \" ... فأما\n_________\n(^١) الفتاوى ٢٨/ ٤٣٤. وقد ذكر هذه الأقسام الشيخ محمد بن عبد الوهاب.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٧/ ٦٣٩.\n(^٣) سير أعلام النبلاء ١١/ ٣٦٣.","vol":"3","page":493},{"text":"النفاق الاعتقادي فهو ستة أنواع، تكذيب الرسول، أو تكذيب بعض ما جاء به الرسول، أو بغض الرسول، أو بعض ما جاء به الرسول، أو المسرة بانخفاض دين الرسول، أو الكراهية بانتصار دين الرسول، فهذه الأنواع الستة صاحبها من أهل الدرك الأسفل من النار\" (^١).\nوسئل الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب عمن أظهر علامات النفاق ممن يدعي الإسلام، هل يقال عنه أنه منافق أم لا؟ فأجاب ﵀: \"من ظهرت منه علامات النفاق الدالة عليه كارتداده عند التحزيب على المؤمنين وخذلانهم عند اجتماع العدو، كالذين قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم، وكونه إذا غلب المشركون التجأ إليهم، ومدحه للمشركين بعض الأحيان، وموالاتهم من دون المؤمنين، وأشباه هذه العلامات التي ذكرها الله أنها علامات للنفاق، وصفات للمنافقين، فإنه يجوز إطلاق النفاق عليه وتسميته منافقًا\" (^٢).\nومن هذه النقول نعلم أن هناك أنواعًا كثيرة من النفاق الأكبر يكون صاحبها من أهل الدرك الأسفل من النار، وهي كالتالي:\n١ - تكذيب الرسول - ﷺ -.\n٢ - تكذيب بعض ما جاء به الرسول - ﷺ -.\n٣ - بغض الرسول - ﷺ -.\n٤ - بغض بعض ما جاء به الرسول - ﷺ - (^٣).\n٥ - المسرة بانخفاض دين الرسول - ﷺ - (^٤).\n_________\n(^١) مجموعة التوحيد ص ٧.\n(^٢) الدرر السنية ٧/ ٧٩، ٨٠.\n(^٣) انظر باب: (بغض أو كراهية بعض ما جاء به الرسول - ﷺ -).\n(^٤) انظر باب: (المسرة بانخفاض دين الرسول - ﷺ -).","vol":"3","page":494},{"text":"٦ - الكراهية بانتصار دين الرسول - ﷺ -.\n٧ - عدم اعتقاد وجوب تصديقه فيما أخبر به - ﷺ -.\n٨ - عدم اعتقاد وجوب طاعته فيما أمر به - ﷺ -.\nومن صفاتهم أيضًا:\n٩ - أذى الرسول - ﷺ - أو عيبه ولمزه (^١).\n١٠ - مظاهرة الكافرين ومناصرتهم على المؤمنين (^٢).\n١١ - الاستهزاء (^٣) والسخرية بالمؤمنين لأجل إيمانهم وطاعتهم لله ولرسوله.\n١٢ - التولي والإعراض عن حكم الله وحكم رسوله - ﷺ -.\nوهذه الصفات أكثرها متعلق بحق الرسول - ﷺ -، يقول شيخ الإسلام ﵀ \" ... فالنفاق يقع كثيرًا في حق الرسول، وهو أكثر ما ذكره الله في القرآن من نفاق المنافقين في حياته ... \" (^٤).\nوقال أيضًا: \"ما يتعلق بأصول الإيمان من التصديق والتكذيب والحب والبغض وتوابع ذلك فإن هذه الأمور يحصل فيها الثواب والعقاب وعلو الدرجات وأسفل الدركات بما يكون في القلوب من هذه الأمور وإن لم يظهر على الجوارح بل المنافقون يظهرون بجوارحهم الأقوال والأعمال الصالحة وإنما عقابهم وكونهم في الدرك الأسفل من النار على ما في قلوبهم من الأمراض وإن كان ذلك قد يقترن به أحيانا بغض القول والفعل لكن ليست العقوبة مقصورة على ذلك البغض اليسير وإنما ذلك البغض دلالة\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر باب: (سب الرسول - ﷺ -).\n(^٢) انظر باب: (مظاهرة الكافرين).\n(^٣) انظر باب: (الاستهزاء).\n(^٤) الإيمان ص ٢٨٥، وانظر نواقض الإيمان الاعتقادية ٢/ ١٦٠.\n(^٥) مجموع الفتاوى ١٠/ ٧٥٩.","vol":"3","page":495},{"text":"فنفاق الاعتقاد هو الذي أنكره الله على المنافقين في القرآن فأوجب لهم الدرك الأسفل من النار. كما قال الله تعالى ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾ [النساء. ١٤٥ - ١٤٦].\nقال الإمام البغوي ﵀: \"إن قيل: كيف يصح النفاق مع المجاهرة بقولهم ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ قيل إنهم يظهرون هذا القول فيما بينهم لا عند المؤمنين\" (^١).\nوقيل إن النفاق كالإيمان أصله في القلب والذي يظهر من الأقوال والأفعال فرع له ودليل عليه، فإذا وجدت وظهرت مثل هذه الصفات كان ذلك دليلا على نفاق صاحبها (^٢).\nالثاني: النفاق العملي ويسمى النفاق الأصغر قال عنه ابن كثير: \"وهو من أكبر الذنوب\" (^٣).\nوالنفاق العملي له خصال كثيرة جاءت الأحاديث بعدِّها في خمس علامات.\nوالدليل قوله - ﷺ - من حديث أبي هريرة - ﵁ -: \"آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائْتُمن خان\" (^٤). وفي الحديث الآخر: \"وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر\" (^٥).\n_________\n(^١) تفسير البغوي ١/ ٦٧.\n(^٢) انظر الصارم المسلول ٣٥.\n(^٣) تفسير ابن كثير ١/ ٤٧.\n(^٤) أخرجه البخاري (٣٣) (٢٦٨٢) (٢٧٤٩) (٦٠٩٥)، ومسلم (٥٩).\n(^٥) أخرجه البخاري (٣٤) (٢٤٥٩) (٣١٧٨)، ومسلم (٥٨).","vol":"3","page":496},{"text":"وهذا النوع من النفاق لا يخرج صاحبه من الإسلام فهو نفاق دون نفاق.\nومن النفاق ما رواه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أكثر منافقي أمتي قراؤها\" (^١).\nوعند مسلم من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من مات ولم يغز ولم يُحدِّث به نفسه مات على شعبة من نفاق\" (^٢).\nوروى البخاري عن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر قال: قال أناس لابن عمر: إنا ندخل على سلطاننا فنقول لهم بخلاف ما نتكلم إذا جنا من عندهم. قال: \"كنا نعدها نفاقًا\" (^٣).\nوعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"آية المنافق بغض الأنصار، وآية المؤمن حب الأنصار\" (^٤).\nوعن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: \"والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأميِّ - ﷺ -: أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق\" (^٥).\nروى الفريابي عن أبي أمامة الباهلي - ﵁ - قال: \"المنافق الذي إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان، وإذا غنم غلَّ، وإذا أُمر عصى، وإذا لقي جبن، فمن كن فيه ففيه النفاق كله، ومن كان فيه بعضهن ففيه بعض النفاق\" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد (٦٦٣٣) (٦٦٣٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٩١٠).\n(^٣) أخرجه البخاري (٧١٧٨).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٧)، ومسلم (٧٤).\n(^٥) أخرجه مسلم (٧٨).\n(^٦) صفة المنافق للإمام الفريابي (٢٠) ص ٥١.","vol":"3","page":497},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1186>٢ - مسألة:\nجاء عند مسلم زيادة: \"آية المنافق ثلاث وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم</span>\" (^١).\nوفي أول حديث عبد الله بن عمرو - ﵂ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر\" (^٢).\nفلا يكون المسلم منافقًا بمجرد اجتماعها، قال أهل العلم: إذا اجتمعت في شخص واستحكمت فقد تجره إلى النفاق الأكبر.\nقال ابن القيم: \"فهذا نفاق عمل قد يجتمع مع أصل الإيمان لكن إذا استحكم وكمل فقد ينسلخ صاحبه عن الإسلام بالكلية وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، فإن الإيمان ينهى المؤمن عن هذه الخلال فإذا كملت في العبد ولم يكن له ما ينهاه عن شيء منها فهذا لا يكون إلا منافقًا خالصًا\" (^٣).\nوقد قيل في ذلك أقوال أخرى.\nقال النووي في شرح هذا الحديث: \"هذا الحديث مما عده جماعة من العلماء مشكلا من حيث أن هذه الخصال توجد في المسلم المصدق الذي ليس فيه شك، وقد أجمع العلماء على أن من كان مصدقا بقلبه ولسانه وفعل هذه الخصال لا يحكم عليه بكفر ولا هو منافق يخلد في النار، فإن إخوة يوسف جمعوا هذه الخصال، وكذا وجد لبعض السلف والعلماء بعض هذا أو كله، وهذا الحديث ليس فيه بحمد الله تعالى إشكال، ولكن اختلف العلماء في معناه والذي قاله\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٥٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٤) (٢٤٥٩) (٣١٧٨)، ومسلم (٥٨).\n(^٣) الصلاة ص ٧٧.","vol":"3","page":498},{"text":"المحققون والأكثرون وهو الصحيح المختار أن معناه: إن هذه خصال نفاق وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال ومتخلق بأخلاقهم، فإن النفاق هو إظهار ما يبطن خلافه وهذا المعنى موجود في صاحب هذه الخصال ويكون نفاقه في حق من حدثه ووعده وائتمنه وخاصمه وعاهده من الناس لا أنه منافق في الإسلام فيظهره وهو يبطن الكفر ولم يُرد النبي - ﷺ - أنه منافق نفاق الكفار المخلدين في الدرك الأسفل من النار.\nوقوله - ﷺ -: \"كان منافقًا خالصًا\" معناه: شديد الشبه بالمنافقين بسبب هذه الخصال. قال بعض العلماء: وهذا فيمن كانت هذه الخصال غالبة عليه، فأما من يندر ذلك منه فليس داخلًا فيه، فهذا هو المختار في معنى الحديث، وقد نقل الإمام أبو عيسى الترمذي - ﵁ - معناه عن العلماء مطلقًا فقال: \"إنما معنى هذا عند أهل العلم نفاق العمل ... وحكى الخطابي ﵀ قولًا آخر: أن معناه التحذير للمسلم أن يعتاد هذه الخصال التي يخاف عليه أن تفضي به إلى حقيقة النفاق\" (^١).\nوقال ابن حجر بعدما نقل كلام النووي: \"ومحصل هذا الجواب: الحمل في التسمية على المجاز أي صاحب هذه الخصال كالمنافق وهو بناء على المراد بالنفاق نفاق الكفر. وقد قيل في الجواب عنه أن المراد بالنفاق نفاق العمل كما قدمناه، وهذا ارتضاه القرطبي واستدل له بقول عمر لحذيفة: هل تعلم فيَّ شيئًا من النفاق فإنه لم يرد بذلك نفاق الكفر، وإنما أراد نفاق العمل ويؤيده وصفه بالخالص في الحديث الثاني بقوله: \"كان منافقًا خالصًا\".\nوقيل المراد بإطلاق النفاق الإنذار والتحذير عن ارتكاب هذه الخصال، وهذا ارتضاه الخطابي، وذكر أيضًا أنه يُحتمل أن المتصف بذلك هو من اعتاد ذلك\n_________\n(^١) شرح النووي لصحيح مسلم ٢/ ٤٦ - ٤٨.","vol":"3","page":499},{"text":"وصار له دينًا قال: ويدل بـ (إذا) فإنها تدل على تكرر الفعل كذا قال، والأولى ما قاله الكرماني أن حذف المفعول من حدث يدل على العموم أي إذا حدث في كل شيء كذب فيه أو يصير قاصرًا أي إذا وجد ماهية التحدث كذب، وقيل: هو محمول على من غلبت عليه هذه الخصال وتهاون بها واستخف بأمرها، فإن من كان كذلك كان فاسد الاعتقاد غالبًا وهذه الأجوبة كلها مبنية على أن اللام في المنافق للجنس، ومنهم من ادعى أنها للعهد فقال: إنه ورد في حق شخص معين أو في حق المنافقين في عهد النبي - ﷺ -، وتمسك هؤلاء بأحاديث ضعيفة جاءت في ذلك لو ثبت شيء منها لتعين المصير إليه وأحسن الأجوبة ما ارتضاه القرطبي. والله أعلم\" (^١).\nوقال الأحوذي: \"الأمر كما قال الحافظ من أن أحسن الأجوبة ما ارتضاه القرطبي\" (^٢).\nوقال الإمام البغوي: \"والنفاق ضربان:\nأحدهما: أن يظهر صاحبه الإيمان وهو مسر للكفر كالمنافقين على عهد رسول الله.\nوالثاني: ترك المحافظة على حدود أمور الدين سرًا ومراعاتها علنا فهذا يسمى منافقا ولكنه نفاق دون نفاق\" (^٣).\nويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فالإسلام يتناول من أظهر الإسلام وليس معه شيء من الإيمان وهو المنافق المحض، ويتناول من أظهر الإسلام مع التصديق المجمل في الباطن ولكن لم يفعل الواجب كله لا من هذا ولا في هذا وهم الفساق يكون في أحدهم شعبة نفاق، ويتناول من أتى بالإسلام الواجب وما يلزمه من\n_________\n(^١) فتح الباري ١/ ٩٠.\n(^٢) الأحوذي ٧/ ٣٢١.\n(^٣) شرح السنة ١/ ٧٦.","vol":"3","page":500},{"text":"الإيمان ولم يأت بتمام الإيمان الواجب وهؤلاء ليسوا فساقًا تاركين فريضة ظاهرة ولا مرتكبين محرمًا ظاهرًا لكن تركوا من حقائق الإيمان الواجبة علمًا وعملًا بالقلب يتبعه بعض الجوارح ما كانوا به مذمومين وهذا هو النفاق الذي كان يخافه السلف على نفوسهم، فإن صاحبه قد يكون فيه شعبة نفاق\" (^١).\nوقال ابن رجب ﵀: \" ... والذي فسره به أهل العلم المعتبرون: أن النفاق في اللغة هو جنس الخداع والمكر وإظهار الخير وإبطان خلافه، وهو في الشرع ينقسم إلى قسمين:\nأحدهما: النفاق الأكبر، وهو أن يظهر الإنسان الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويبطن ما يناقض ذلك كله أو بعضه، وهذا هو النفاق الذي كان على عهد رسول الله، ونزل القرآن بذم أهله وتكفيرهم، أخبر أن أهله في الدرك الأسفل من النار.\nالثاني: النفاق الأصغر، وهو نفاق العمل، وهو أن يظهر الإنسان علانية صالحة، ويبطن ما يخالف ذلك.\nوأصول هذا النفاق يرجع إلى الخصال المذكورة في هذه الأحاديث\" (^٢).\nوقال الذهبي: \"ومن النفاق الأصغر الرجل يتكلم بالكلمة لا يلقى لها بالًا، ولا يظن أنها تبلغ ما بلغت، يهوي بها في النار سبعين خريفًا. وأما النفاق الأكبر، وإن كان الرجل يعلم من نفسه أنه مسلم، فعليه أن يتعوذ بالله من النفاق والشرك، فإنه لا يدري بما يختم له، فربما أصبح مؤمنا وأمسى كافرًا، نعوذ بوجه الله الكريم من ذلك\" (^٣).\n_________\n(^١) الإيمان لابن تيمية ص ٤٠٩. وانظر أيضًا مجموع الفتاوى ١١/ ١٤٠ - ١٤٣.\n(^٢) جامع العلوم والحكم ص ٤٢٩، ٤٣٠.\n(^٣) سير أعلام النبلاء ٦/ ٣٨٢، ٣٨٣.","vol":"3","page":501},{"text":"وقال الشيخ السعدي: \"النفاق العملي - وإن كان لا يخرج من الدين بالكلية - فإنه دهليز الكفر، ومن اجتمعت فيه هذه الخصال الأربع فقد اجتمع فيه الشر، وخلصت فيه نعوت المنافقين، فإن الصدق، والقيام بالأمانات والوفاء بالعهود، والورع عن حقوق الخلق هي جماع الخير، ومن أخص أوصاف المؤمنين، فمن فقد واحدة منها فقد هدم فرضًا من فروض الإسلام والإيمان، فكيف بجميعها؟\nفالكذب في الحديث يشمل الحديث عن الله والحديث عن رسول الله - ﷺ - الذي من كذب عليه متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [الصف: ٧].\nويشمل الحديث عما يخبر به من الوقائع الكلية والجزئية، فمن كان هذا شأنه فقد شارك المنافقين في أخص صفاتهم، وهي الكذب الذي قال فيه النبي - ﷺ -: \"إياكم والكذب، فإن الكذب يدعو إلى الفجور، وإن الفجور يدعو إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا\" ومن كان إذا ائتمن على الأموال والحقوق والأسرار خانها، ولم يقم بأمانته، فأين إيمانه؟ وأين حقيقة إسلامه؟ وكذلك من ينكث العهود التي بينه وبين الله، والعهود التي بينه وبين الخلق متصف بصفة خبيثة من صفات المنافقين، وكذلك من لا يتورع عن أموال الخلق وحقوقهم، ويغتنم فرصها، ويخاصم فيها بالباطل ليثبت باطلًا، أو يدفع حقًّا، فهذه الصفات لا تكاد تجتمع في شخص ومعه من الإيمان ما يُجزئ أو يكفي، فإنها تنافي الإيمان أشد المنافاة.\nواعلم أن من أصول السنة والجماعة: أنه قد يجتمع في العبد خصال خير وخصال شر، وخصال إيمان وخصال كفر أو نفاق، ويستحق من الثواب والعقاب بحسب ما قام به من موجبات ذلك وقد دل على هذا الأصل نصوص كثيرة من","vol":"3","page":502},{"text":"الكتاب والسنة، فيجب العمل بكل النصوص، وتصديقها كلها. وعلينا أن نتبرأ من مذهب الخوارج الذين يدفعون ما جاءت به النصوص: من بقاء الإيمان وبقاء الدين، ولو فعل الإنسان من المعاصي ما فعل، إذا لم يفعل شيئًا من المكفرات التي تخرج صاحبها من الإيمان، فالخوارج يدفعون ذلك كله، ويرون من فعل شيئًا من الكبائر ومن خصال الكفر أو خصال النفاق خارجًا من الدين، مخلدًا في النار وهذا مذهب باطل بالكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1187>٣ - علامات المنافق وردت في الأحاديث مرة أربع ومرة ثلاث </span>قال ابن حجر: \"فإن قيل ظاهره الحصر في الثلاث فكيف جاء في الحديث الآخر بلفظ: \"أربع من كن فيه ... \" الحديث. أجاب القرطبي باحتمال أنه استجد له - ﷺ - من العلم بخصالهم ما لم يكن عنده. وأقول (^٢): ليس بين الحديثين تعارض لأنه لا يلزم من عد الخصلة المذمومة الدالة على كمال النفاق كونها علامة على النفاق لاحتمال أن تكون العلامات دالات على أصل النفاق والخصلة الزائدة إذا أضيفت إلى ذلك كمل بها خلوص النفاق على أن في رواية مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، عن أبي هريرة ما يدل على إرادة عدم الحصر فإن لفظه: \"ومن علامة المنافق ثلاث \" ... ووجه الاقتصار على هذه العلامات الثلاث أنها منبهة على ما عداها إذ أصل الديانة منحصر في ثلاث: القول والفعل والنية، فنبه على فساد القول بالكذب وعلى فساد الفعل بالخيانة وعلى فساد النية بالخلف لأن خلف الوعد لا يقدح إلا إذا كان العزم عليه مقارنًا للوعد أما لو كان عازمًا ثم عرض له مانع أو بدًا له رأي فهذا لم توجد منه سورة النفاق. قاله الغزالي في الإحياء\" (^٣).\n_________\n(^١) جوامع الأخبار ص ٣٧ - ٣٩.\n(^٢) القائل الحافظ ابن حجر.\n(^٣) فتح الباري ١/ ٩٠.","vol":"3","page":503},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1188>٤ - قال المناوي في فيض القدير: \"\"أكثر منافقي أمتي قراؤها</span>\" أي: الذين يتأولونه على غير وجهه ويضعونه في غير مواضعه أو يحفظون القرآن تقية للتهمة عن أنفسهم وهم معتقدون خلافه، فكان المنافقون في عصر النبي - ﷺ - بهذه الصفة.\nذكره ابن الأثير.\nوقال الزمخشري: أراد بالنفاق الرياء لأن كلا منهما إرادة ما في الظاهر خلاف ما في الباطن ا. هـ.\nوبسطه بعضهم فقال: أراد نفاق العمل لا الاعتقاد، ولأن المنافق أظهر الإيمان بالله وأضمر عصمة دمه وماله. والمرائي أظهر بعمله الآخرة وأضمر ثناء الناس وعَرَضَ الدنيا، والقارئ أظهر أنه يريد الله وحْده وأضمر حظ نفسه وهو الثواب، ويرى نفسه أهلًا له وينظر إلى عمله بعين الإجلال فأشبه المنافق واستويا في مخالفة الباطن والظاهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1189>٥ - تنبيه:\nقال الغزالي: \"احذر من خصال القراء الأربعة:</span> الأمل والعجلة والكبر والحسد، قال: وهي علل تعتري سائر الناس عمومًا والقراء خصوصًا. ترى القارئ يُطَوِّل الأمل فيوقعه في الكسل، وتراه يستعجل على الخير فيقطع عنه، وتراه يحسد نظراءه على ما آتاهم الله من فضله، فربما يبلغ به مبلغًا يحمله على فضائح وقبائح لا يقدم عليها فاسق ولا فاجر. ولهذا قال النووي: ما أخاف على ذمِّي إلا القراء والعلماء، فاستنكروا منه ذلك، فقال: أنا ما قلته وإنما قاله إبراهيم النخعي.\nوقال عطاء: احذروا القراء واحذروني معهم، فلو خالفت أَوَدَّهُمْ لي في رمانة أقول: إنها حلوة. ويقول: إنها حامضة ما أمنته أن يسعى بدمي إلى سلطان جائر.\nوقال الفضيل لابنه: اشتروا دارًا بعيدة عن القراء ما لي والقوم؟!! إن ظهرت مني زلة قتلوني، وإن ظهرت في حسنة حسدوني. ولذلك ترى الواحد منهم يتكبر","vol":"3","page":504},{"text":"على الناس ويستخف بهم معبسًا وجهه كأنما يمن على الناس بما يصلي زيادة ركعتين، أو كأنما جاءه من الله منشور بالجنة والبراءة من النار. أو كأنه استيقن السعادة لنفسه والشقاوة لسائر الناس، ثم مع ذلك يلبس لباس المتواضعين ويتماوت، وهذا لا يليق بالتكبر والترفع ولا يلائمه بل ينافيه ولكن الأعمى لا يُبصر\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1190>٢٧٤ - نفي صفة من صفات الله</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1191>احترام أسماء الله - توحيد الأسماء والصفات</span>\nقال القاضي عياض ﵀: \"فأما من نفى صفة من صفات الله تعالى الذاتية، أو جحدها مستبصرًا في ذلك كقوله: ليس بعالم، ولا قادر، ولا مريد، ولا متكلم، وشبه ذلك من صفات الكمال الواجبة، فقد نص أئمتنا على الإجماع على كفر من نفى عنه تعالى الوصف بها وأعراه عنها\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-1192>٢).\n\n٢٧٥ - النميمة</span>\nانظر: باب (السحر).\n_________\n(^١) الفيض للمناوي ٢/ ٨٠، ٨١.\n(^٢) الشفا ٢/ ١٠٨٠، ١٠٨١.","vol":"3","page":505},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1193>٢٧٦ - النوء </span>*\nالتعريف: جمعها أنواء، والمراد النهي عن الاستسقاء بالأنواء وهو نسبة المطر إليها أو جعلها سببًا لنزول المطر.\nوالنوء: سقوط نجم من النازل في المغرب مع الفجر وطلوع رقيبه من المشرق يقابله من ساعته. قال ابن الأثير: \"وإنما يسمى نوءًا لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناءَ الطالع بالمشرق. وقيل أراد بالنوء الغروب وهو من الأضداد\" (^١).\n* الدليل من السنة: عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا عدوى ولا هامة ولا نوء، ولا صفر\" (^٢). انظر باب (الاستسقاء بالأنواء).\n_________\n* عن الاستذكار لابن عبد البر ٧/ ١٥٩. التمهيد لابن عبد البر ١٦/ ٢٨٣، ٢٨٦، ٢٩٢. شرح السنة للبغوي ١٢/ ١٧٤. معارج القبول ٢/ ٣١٣. منهج ابن حجر في العقيدة ص ١٠٨٢. عقيدة الإمام ابن عبد البر للغصن ص ٢١٣.\n(^١) النهاية (ن وأ).\n(^٢) سبق تخريجه.","vol":"3","page":506},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1194>٢٧٧ - نواقض الإسلام </span>*\n<span data-type=\"title\" id=toc-1195>[الردة - التكفير]</span>\nالنواقض في اللغة: جمع ناقض، والنقض هو إفساد ما أبرم من عقد أو بناء ومنه نقض البناء والحبل والعهد. فالنقض ضد الإبرام (^١).\nوالمراد بالنواقض هنا: المفسدات التي إذا فعلها المسلم أفسدت إسلامه وحبط عمله وانتقض توحيده وصار كافرًا من الخالدين في النار.\nوتسمى نواقض التوحيد، وتسمى أيضا نواقض الإيمان.\nقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب مبينا أهمية معرفة النواقض: \"فإذا عرفت: أن الله خلقك لعبادته، فاعلم: أن العبادة لا تسمى عبادة، إلا مع التوحيد، كما أن الصلاة لا تسمى صلاة، إلا مع الطهارة؛ فإذا دخل الشرك في العبادة، فسدت، كالحدث إذا دخل في الطهارة، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [التوبة: ١٧]. فإذا عرفت: أن الشرك إذا خالط العبادة أفسدها، وأحبط\n_________\n* رسالة نواقض الإسلام للشيخ محمد بن عبد الوهاب، انظر مجموعة التوحيد ١/ ٣٨، ٣٩، الجامع الفريد ص ٢٧٧، ٢٨٠ الدرر السنية ٢/ ٣٦١، ١٠/ ٨٤، ٩١ الكلمات النافعة في المكفرات الواقعة للشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ضمن الجامع الفريد ص ٢٨٥. فتاوى اللجنة الدائمة ٢/ ٤. مجموع الفتاوى لابن باز ٢/ ٥٠٥. كتاب الشهادتان لابن جبرين ص ٨٦. منهج الإمام مالك في العقيدة ص ٤١٩. الإمام الخطابي ومنهجه في العقيدة لأبي عبد الرحمن العلوي ص ٢٦٣. الإمام المروزي وجهوده في توضيح العقيدة للنفيعي ص ٣٨٧. نواقض الإيمان القولية والعملية ص ٤٨. منهج الحافظ ابن رجب في العقيدة ص ٣٨٧. شرح نواقض التوحيد تأليف حسين العواجي. منهج ابن حجر في العقيدة ص ١٠٥٢.\n(^١) لسان العرب ٧/ ٢٤٢، القاموس المحيط ٢/ ٣٥٩.","vol":"3","page":507},{"text":"العمل، وصار صاحبه من الخالدين في النار؛ عرفت: أن أهم ما عليك معرفة ذلك، لعل الله أن يخلصك من هذه الشبكة، وهي الشرك بالله، وذلك بمعرفة أربع قواعد، ذكرها الله في كتابه ... إلخ\" (^١).\nفيجب على كل مسلم ومسلمة تعلم هذه النواقض لأن العبد قد يقع فيها وهو لا يشعر، قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: \"وذكر العلماء - ﵏ - في باب حكم المرتد أن المسلم قد يرتد عن دينه بأنواع كثيرة من النواقض التي تحل دمه وماله ويكون بها خارجا عن الإسلام\" (^٢).\nوهذه النواقض قد أجملها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في عشرة وهي أكثر من ذلك وسبب اختياره لهذه العشرة إجماع المسلمين عليها في الجملة وقيل إن النواقض الكثيرة مرجعها إلى هذه العشرة وسوف نذكرها كما قررها الشيخ ﵀.\n\"اعلم أن نواقض الإسلام عشرة نواقض:\nالأول: الشرك في عبادة الله وحده لا شريك له، والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨]، وقال تعالى ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة. ٧٢]، ومنه الذبح لغير الله (^٣)، كمن يذبح للجن أو القبر.\nالثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، ويسألهم الشفاعة، ويتوكل عليهم فقد كفر إجماعًا (^٤).\nالثالث: من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم كفر (^٥).\n_________\n(^١) الدرر السنية ٢/ ٢٣.\n(^٢) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة جمع محمد الشويعر ١/ ١٣٥.\n(^٣) انظر باب الذبح، وقد تقدم.\n(^٤) انظر باب (الشفاعة) (التوسل) ففيه زيادة إيضاح.\n(^٥) انظر باب (الكفر) تحت عنوان: حكم من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم وباب (التكفير).","vol":"3","page":508},{"text":"الرابع: من اعتقد أن هدي غير النبي - ﷺ - أكمل من هديه أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذين يفضلون حكم الطواغيت على حكمه فهو كافر (^١).\nالخامس: من أبغض شيئًا مما جاء به الرسول - ﷺ - ولو عمل به كفر (^٢).\nالسادس: من استهزأ (^٣) بشيء من دين الرسول - ﷺ -، أو ثوابه، أو عقابه، كفر والدليل قوله تعالى: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة.٦٦].\nالسابع: السحر (^٤) ومنه الصرف والعطف، فمن فعله أو رضى به كفر، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة. ١٠٢].\nالثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين (^٥) والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١].\nالتاسع: من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد - ﷺ - كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى ﵇ فهو كافر (^٦).\nالعاشر: الإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به (^٧) والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢].\nولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل، والجاد، والخائف، إلا المكره\n_________\n(^١) انظر باب (التحاكم) (الطاغوت) (تحليل الحرام) (الحكم بغير ما أنزل الله).\n(^٢) انظر باب (بغض أو كراهية بعض ما جاء به الرسول - ﷺ -).\n(^٣) انظر باب (الاستهزاء) (سب الرسول - ﷺ -).\n(^٤) انظر باب (السحر).\n(^٥) انظر باب (مظاهرة الكفار على المسلمين) (الولاء والبراء).\n(^٦) انظر باب (اعتقاد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد - ﷺ - كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى ﵇).\n(^٧) انظر باب (الإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به).","vol":"3","page":509},{"text":"وكلها أعظم ما يكون خطرًا وأكثر ما يكون وقوعًا، فينبغي للمسلم أن يحذرها، ويخاف منها على نفسه\" (^١).\nوهناك نواقض كثيرة كجحود القرآن أو شيء منه، أو الشك في إعجازه، أو امتهان المصحف أو جزء منه، أو تحليل شيء مجمع على تحريمه كالزنا وشرب الخمر. أو الطعن في الدين أو سبه. ولكن كما أسلفنا القول أنها في جملتها ترجع إلى النواقض العشر المذكورة.\nوقد تسمى هذه النواقض قوادح العقيدة كما قال الشيخ عبد العزيز بن باز: \"العقيدة الإسلامية لها قوادح وهذه القوادح قسمان:\nأ - قسم: ينقض هذه العقيدة ويبطلها ويكون صاحبه كافرا - نعوذ بالله - من ذلك.\nب - قسم: ينقص هذه العقيدة ويضعفها.\nفالقسم الأول: يسمى ناقضًا ونواقض الإسلام هي الموجبة للردة والناقض يكون: قولًا، ويكون عملًا، ويكون اعتقادًا، ويكون شكًا. قال النبي - ﷺ -: \"من بدل دينه فاقتلوه\" (^٢). فدل ذلك على أن المرتد يستتاب فإن تاب وإلا قتل ويعجل به إلى النار.\nالقسم الثاني من القوادح: قوادح دون كفر تضعف الإيمان مثل أكل الربا، وارتكاب المحرمات كالزنا، والبدع، وغير ذلك\" (^٣).\n_________\n(^١) مجموعة التوحيد لشيخي الإسلام: محمد بن عبد الوهاب والشيخ أحمد بن تيمية ص ٢٧، ٢٨.\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٠١٧) (٦٩٢٢).\n(^٣) انتهى ملخصًا. انظر كتاب قضية التكفير بين أهل السنة وفرق الضلال لسعيد بن علي بن وهف القحطاني ص ٦٦ - ٧١. وانظر القوادح في العقيدة للشيخ عبد العزيز بن باز شريط مسجل من تسجيلات دار طيبة وهي محاضرة ألقاها فضيلته في الجامع الكبير شهر صفر عام ١٤٠٣ هـ.","vol":"3","page":510},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1196>٢٧٨ - الهامَّة </span>*\nالتعريف: الهامّة: بتشديد الميم. قال ابن الأثير: \"هي: كل ذات سم يقتل. فأمَّا ما يُسمّ ولا يقتل فهو السَّامة كالعقرب والزنبور. وقد يقع الهوام على ما يدب من الحيوان، وإن لم يقتل، كالحشرات، ومنه حديث كعب بنُ عُجرة - ﵁ -: \"أتؤذيك هوامّ رأسك؟ \" أراد القمل\" (^١).\nوالهامة: بتخفيف الميم البومة (^٢)، كانوا يتشاءمون بها أو يعتقدون فيها اعتقادات فاسدة وكل هذا مما نهى عنه الشارع وأبطله.\n* الدليل من السنة: عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا عدوى، ولا هامّة، ولا نوء، ولا صفر\" (^٣).\nوفي سنن أبي داود قال: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ قَالَ: قُلْتُ لِمُحَمَّدٍ - يَعنِي ابْنَ رَاشِدٍ - قَوْلُهُ \"هَامَ\" قَالَ: كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تَقُولُ: لَيْسَ أَحَدٌ يَمُوتُ فَيُدْفَنُ إِلّا خَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ هَامَةٌ\" (^٤).\nوقال البغوي: \"وقوله: \"ولا هامّة\": فإن العرب كانت تقول: إن عظام الموتى تصير هامة، فتطير، فيقولون: لا يدفن ميت إلا ويخرج من قبره هامة، وكانوا يسمون\n_________\n* الاستذكار لابن عبد البر ٢٧/ ٥٢، ٥٥. التمهيد لابن عبد البر ٢٤/ ١٩٠،١٩٧. شرح السنة للبغوي ١٢/ ١٧٠. تيسير العزيز الحميد ص ٤٣٨. فتح المجيد ص ٣٥١.حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٢١٦. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ٨١، ط ٢ - ٢/ ٩٩ ومن المجموع ٩/ ٥٦٣. الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٢/ ١٥٣.\n(^١) النهاية (هـ م م).\n(^٢) النهاية (هـ وم).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٢٢٠).\n(^٤) سنن أبي داود (٣٩١٦).","vol":"3","page":511},{"text":"ذلك الصدى، ومن ذلك تطير العامة بصوت الهامة، فأبطل الشرع ذلك\" (^١).\nوقال النووي: \"قوله - ﷺ -: \"ولا هامة\" فيه تأويلان:\nأحدهما: أن العرب كانت تتشاءم بالهامة وهى الطائر المعروف من طير الليل وقيل هي البومة قالوا كانت إذا سقطت على دار أحدهم رآها ناعية له نفسه أو بعض أهله، وهذا تفسير مالك بن أنس.\nوالثاني: أن العرب كانت تعتقد أن عظام الميت وقيل روحه تنقلب هامة تطير، وهذا تفسير أكثر العلماء وهو المشهور ويجوز أن يكون المراد النوعين فإنهما جميعًا باطلان، فبَيَّن النبي - ﷺ - إبطال ذلك وضلالة الجاهلية فيما تعتقده من ذلك\" (^٢).\nقال ابن حجر في أثناء كلامه على شرح الحديث عن الهامة: \"قال أبو زيد: هي بالتشديد، وخالفه الجميع فخففوها، وهو المحفوظ في الرواية، وكأن من شددها ذهب إلى واحدة الهوام، وهي ذوات السموم. وقيل: دواب الأرض التي تهم بأذى الناس، وهذا لا يصح نفيه إلا إن أريد أنها لا تضر لذواتها، وإنما تضر إذا أراد الله إيقاع الضرر بمن أصابته.\nوقد ذكر الزبير بن بكار في \"الموفقيات\": أن العرب كانت في الجاهلية تقول: إذا قتل الرجل ولم يؤخذ بثأره، خرجت من رأسه هامة - وهي دودة - فتدور حول قبره فتقول: اسقوني اسقوني. فإن أدرك بثأره ذهبت وإلا بقيت. وفي ذلك يقول شاعرهم:\nيا عمرو إن لا تدع شتمي ... أضربك حتى تقول الهامة: اسقوني\nقال: وكانت اليهود تزعم أنها تدور حول قبره سبعة أيام ثم تذهب. وذكر ابن\n_________\n(^١) شرح السنة للبغوي ١٢/ ١٧٠، ١٧١.\n(^٢) شرح مسلم للنووي ١٤/ ٢١٥.","vol":"3","page":512},{"text":"فارس وغيره من اللغويين نحو الأول، إلا أنهم لم يعينوا كونها دودة، بل قال القزاز: الهامة طائر من طير الليل (^١) كأنه يعني البومة.\nوقال ابن الأعرابي: كانوا يتشاءمون بها، إذا وقعت على بيت أحدهم يقول: نعت إليّ نفسي أو أحدا من أهل داري.\nوقال أبو عبيد: كانوا يزعمون أن عظام الميت تصير هامة فتطير، ويسمون ذلك الطائر الصدى. فعلى هذا، فالمعنى في الحديث: لا حياة لهامة الميت. وعلى الأول: لا شؤم بالبومة ونحوها\" (^٢).\nويتلخص من كلام العلماء أن النهي عن أحد أمور ثلاثة أو عنهم جميعًا:\nأولا: أن عظام الميت. وقيل: روحه تنقلب هامة فتطير.\nثانيًا: التشاؤم بالبومة لأنها بزعمهم ناعية له نفسه أو أحد أهله.\nثالثًا: بالتشديد واحدة الهوام دودة تمرض البطن يزعمون أنها تضر بذاتها.\nوكل هذه المعاني محل نهي وأشهرها الأول على ما ذكره الراواة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1197> فائدة:\nيعلق ابن رجب ﵀ على قولهم: أن الميت إذا مات صارت روحه أو عظامه هامة وهو طائر يطير </span>فيقول: \"وهذا شبيه باعتقاد أهل التناسخ أن أرواح الموتى تنتقل إلى أجساد حيوانات من غير بعث ولا نشور، وكل هذه اعتقادات باطلة جاء الإسلام بإبطالها وتكذيبها. ولكن الذي جاءت به الشريعة \"إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تأكل من ثمار الجنة وترد من أنهار الجنة إلى أن يردها الله تعالى إلى أجسادها يوم القيامة\"\" (^٣).\n_________\n(^١) وانظر أيضًا: النهاية (هـ وم).\n(^٢) فتح الباري ١٠/ ٢٤١.\n(^٣) لطائف المعارف ص ١٤٧.","vol":"3","page":513},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1198>٢٧٩ - الهجر </span>*\nالهجر ضد الوصل. قال في اللسان: \"وفي الحديث لا هجرة بعد ثلاث يريد به الهجر ضد الوصل يعني فيما يكون بين المسلمين من عتب وموجدة أو تقصير يقع في حقوق العشرة والصحبة دون ما كان من ذلك في جانب الدين فإن هجرة أهل الأهواء والبدع دائمة على مر الأوقات ما لم تظهر منهم التوبة والرجوع إلى الحق، فإنه ﵊ لما خاف على كعب بن مالك وأصحابه النفاق حين تخلفوا عن غزوة تبوك أمر بهجرانهم خمسين يوما وقد هجر نساءه شهرًا\" (^١).\nقال في العين: \"والهجر والهجران ترك ما يلزمك تعهده ومنه اشتقت هجرة المهاجرين؛ لأنهم هجروا عشائرهم فتقطعوهم في الله\" (^٢).\nقال في الدرر السنية: \"أصل الهجر: الترك والفراق والبغض، وشرعًا: ترك ما نهى الله عنه، ومجانبته والبعد عنه، وهو عام في الأفعال والأشخاص، وهو في المشركين، ومن لاذ بهم، واستحسن ما هم عليه، وخدمهم، وازدراء أهل الإسلام أعظم، لأن قبح الشيء من قبح متعلقه، وهذه الجملة فيها أقسام، ولها تفاصيل:\n_________\n* الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة ابن بطة ص ١٢٠، ٤٢٩، ٤٧٤، التمهيد لابن عبد البر ٤/ ٨٧ - ٦/ ١١٨، ١٠/ ١٤٥، الاستذكار لابن عبد البر ٢٦/ ٢٤، ١٤٥، شرح السنة للبغوي ١/ ٢١٩، الآداب الشرعية لابن مفلح ١/ ٢٤٧ إلى ٢٧٣، مجموع الفتاوى ٣/ ٢٨٦، ٢٥/ ٨٧، ٢٨/ ٢١٦، ٣٧/ ١٦٠، ١٦١، الدرر السنية ٨/ ٨١، ٣٠٣، ٤٤٣، قطف الثمر صديق حسن ص ١٥٧. مجموع الفتاوى لابن باز ٢/ ٥٩٦، ٢١٦، هجر المبتدع بكر أبو زيد. منهج الإمام مالك في العقيدة ١٣٠، منهج الشافعي في إثبات العقيدة ١٣٧، عقيدة الإمام ابن عبد البر للغصن ص ١٨٢، الآثار الواردة في سير أعلام النبلاء د: جمال بن أحمد ٢/ ٧١٤.\n(^١) اللسان (هـ ج ر).\n(^٢) العين (هـ ج ر).","vol":"3","page":514},{"text":"منها: هجر الكفار والمشركين، والقرآن من أوله إلى آخره ينادي على ذلك، ومصلحته تمييز أوليائه من أعدائه، وقريب من هذا هجر أهل البدع والأهواء، وقد نص الإمام أحمد وغيره من السلف، على البعد عنهم، ومجانبتهم، وترك الصلاة عليهم، وقال: أهل البدع إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم، فتجب مفارقتهم بالقلب، واللسان، والبدن، إلا من داع إلى الذين مجاهد عليه، بالحجة مع أمن الفتنة، قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]. والآيات والأحاديث، وكلام العلماء في هذا كثير. قال بعض المحققين: ويكفي العاقل قوله تعالى، بعد نهيه عن موالاة المشركين: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٣٠] \" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1199> الدليل على مشروعية الهجر:</span>\nقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]، وقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠].\nوعن ليث بن أبي سليم عن أبي جعفر قال: \"لا تجالسوا أهل الخصومات فإنهم الذين يخوضون في آيات الله\" (^٢).\nوقال الطبري: \"وفي هذه الآية الدلالة الواضحة على النهي عن مجالسة أهل الباطل من كل نوع من المبتدعة والفسقة عند خوضهم في باطلهم\" (^٣).\n_________\n(^١) الدرر السنية ٨/ ٣٠٤.\n(^٢) تفسير الطبري ٧/ ٢٢٩.\n(^٣) تفسير الطبري ٥/ ٢٣٠.","vol":"3","page":515},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1200> هجر أهل البدع:</span>\nجاءت نصوص كثيرة، عن أئمة السنة، في ذم أهل البدع، والأمر بهجرهم ومجانبتهم، والإنكار عليهم، وزجرهم وتأديبهم.\nفعن الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، رحمهما الله، أنهما قالا: \"لا تجالسوا أصحاب الأهواء، ولا تجادلوهم ولا تسمعوا منهم\" (^١).\nوقال بشر بن الحارث في شأن الجهمية: \"لا تجالسوهم، ولا تكلموهم، وإن مرضوا فلا تعودهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم\" (^٢).\nوعن الحسن بن محمد بن علي، قال: \"لا تجالسوا أهل القدر\" (^٣).\nوعن ميمون بن مهران قال: \"لا تجالسوا أهل القدر، ولا تسبُّوا أصحاب محمد - ﷺ -، ولا تعلموا النجوم\" (^٤).\nوعن مصعب بن سعد، قال: \"لا تجالسوا مفتونًا فإنه لن يخطئك منه إحدى خصلتين: إما أن يفتنك فتتابعه، أو يؤذيك قبل أن تفارقه\" (^٥).\nوعن مسلم بن يسار، قال: \"لا تمكن صاحب بدعة من سمعك فيصيب فيها ما لا تقدر أن تخرجه من قلبك\" (^٦).\nوقال يحيى بن أبي كثير: \"إذا رأيت المبتدع في طريق، فخذ في غيره\" (^٧).\nوقال أبو قلابة: \"لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تحادثوهم، فإني لا آمن أن\n_________\n(^١) سنن الدارمي (٤٠٤).\n(^٢) أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في السنة ح: ٦١.\n(^٣) المصدر السابق ح: ٨٧٤.\n(^٤) السنة لعبد الله ابن الإمام أحمد ٢/ ٤١٦ (٩١٠)، سير أعلام النبلاء ٥/ ٧٣.\n(^٥) أخرجه البيهقي في الاعتقاد ١٥٨.\n(^٦) أخرجه ابن بطة في الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ح: ٤٣٦.\n(^٧) الشريعة ٦٤. وحلية الأولياء ٣/ ٦٩. سير أعلام النبلاء ٦/ ٢٩.","vol":"3","page":516},{"text":"يغمروكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون\" (^١).\nوقال محمد بن مخلد العطار: \"سمعت إبراهيم الحربي يقول: لا أعلم عصابة خير من أصحاب الحديث، إنما يغدو أحدهم، ومعه محبرة، فيقول: كيف فعل النبي - ﷺ -، وكيف صلى، إياكم أن تجالسوا أهل البدع، فإن الرجل إذا أقبل ببدعة ليس يفلح\" (^٢).\nوموضوع \"هجر المبتدع\" يجب أن يفهم ضمن منهج أهل السنة والجماعة بمراعاة مقاصده، وأحكامه، وضوابطه الشرعية المبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد.\nوالناس في هذا الباب بين إفراط وتفريط. فمنهم من يعرض عنه، ولا يعلمه ألبتة، أو يقصّر فيه. ومنهم من يبالغ فيه، ولا يراعى قواعده وأصوله؛ فتنشأ من ذلك وتترتب عليه مفاسد عظيمة، وهو من نقص الفقه والبصيرة في الدين.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1201> ضوابط مهمة في الهجر </span>(^٣):\nالأول: مراعاة المقصود الشرعي للهجر، وإدراك أنه عقوبة شرعية جعلت لزجر المبتدع وتأديبه، ورده عن غيه، ليتوب ويؤوب، ومنع بدعته من الفشو والانتشار في المجتمع المسلم، حتى لا تؤثر على كيانه وتماسكه، وتحفظ عليه دينه، وعقيدته.\n_________\n(^١) حلية الأولياء ٢/ ٢٧٢، سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٧٢.\n(^٢) سير أعلام النبلاء ١٣/ ٣٥٨.\n(^٣) مستفاد من كتاب الآثار الواردة في أبواب الاعتقاد من كتاب سير أعلام النبلاء ٢/ ٧٤٦ - ٧٤٨، وقد اعتمد في صياغة هذه الضوابط على المصادر التالية:\nأ - مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، المجلد الثامن والعشرون.\nب - الاعتصام للشاطبي.\nج - هجر المبتدع للشيخ بكر أبو زيد.\nد - حقيقة البدعة وأحكامها للباحث سعيد بن ناصر الغامدي.","vol":"3","page":517},{"text":"الثاني: هجر المبتدع قربة إلى الله، فلابد من مراعاة شرطي قبول الأعمال فيها، وهما: الإخلاص والمتابعة، والحذر من متابعة هوى النفس في ذلك.\nالثالث: التأكد والتثبت قبل الإقدام على الهجر، من الأمور التالية:\nأ - أن الأمر الذي وقع فيه مما دلت النصوص والقواعد الشرعية على بدعيته.\nب - ثبوته عنه، وعدم أخذ الناس بالتخرص والظن.\nج - خلوه من الموانع والأعذار، كالجهل والتأول ونحوهما.\nالرابع: مراعاة المصلحة والمفسدة المترتبة على الهجر، ومراعاة قواعد الترجيح عند تعارض المصالح والمفاسد، بتحقيق أكمل المصلحتين، ودرء أعظم المفسدتين.\nيقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين، ﵀: \"فإذا كانت المصلحة المبتغاة من الهجر معارضة بمفسدة راجحة من تفويت مصلحة أرجح من المصلحة المترتبة على هذا الهجر، أو حصول مفسدة أعظم هي أسخط لله من مفسدة هذه المخالفة، لم يشرع الهجر في هذه الحالة، وكان التأليف أنفع، وبمقاصد الشريعة أليق\" (^١).\nالخامس: مراعاة اختلاف مراتب البدعة، من جهة كونها كفرًا أو غير كفر، ومن جهة كون صاحبها مستترًا بها أو معلنًا لها، ومن جهة كونها حقيقة أو إضافية، ومن جهة اجتهاده فيها أو كونه مقلدًا، ومن جهة الإصرار عليها أو عدمه (^٢).\nالسادس: مراعاة الأماكن التي ظهرت فيها البدعة، وحال أهل تلك البدعة، وحال الهاجرين لهم. ففرق بين الأماكن التي كثرت فيها البدع، وبين الأماكن الأخرى التي ليست كذلك. وفرق في حال المهجور بين القوي في الدين وبين الضعيف فيه (^٣).\n_________\n(^١) المجموع الثمين ١/ ٣١، ٣٢.\n(^٢) انظر: الاعتصام للشاطبي ١/ ١٦٧، ١٧٤.\n(^٣) فإن القوي في دينه يؤاخذ بأشد مما يؤاخذ به الضعيف فيه، كما في قصة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك. انظر: فتح الباري لابن حجر ٨/ ١٢٣.","vol":"3","page":518},{"text":"ولا بد من مراعاة اختلاف حال الهاجرين أنفسهم، من حيث القوة والضعف، والقلة والكثرة.\nفإذا كانت الغلبة والظهور لأهل السنة، كانت مشروعية \"هجر المبتدع\" قائمة على أصلها، وأما إن كانت القوة والكثرة لأهل البدع، ولا حول ولا: إلا بالله، فإنه لا يحصل المقصود الشرعي للهجر، فلا المبتدع ولا غيره يرتدع بذلك، بل يخشى من زيادة الشر وتفاقمه، وبالتالي لا يشرع الهجر، وإنما يلجأ إلى مسلك التأليف.\nوفي كل هذه الأحوال لا بد من الدعوة إلى السنة والحث، والنهي عن البدعة والتحذير منها، بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتالي هي أحسن، وتحمل الأذى في ذلك والصبر، باحتساب المثوبة والأجر.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵀: \"فإذا لم يكن في هجرانه - أي المبتدع - انزجار أحد ولا انتهاء أحد بل بطلان كثير من الحسنات المأمور بها، لم تكن الهجرة مأمورا بها كما ذكره أحمد عن أهل خراسان إذ ذاك: أنهم لم يكونوا يقوون بالجهمية. فإذا عجزوا عن إظهار العداوة لهم، سقط الأمر بفعل هذه الحسنة. وكان مداراتهم فيه دفع الضرر عن المؤمن الضعيف، ولعله أن يكون فيه تأليف الفاجر القوي. وكذلك لما كثر القدر في أهل البصرة، فلو ترك رواية الحديث عنهم لا ندرس العلم والسنن والآثار المحفوظة فيهم. فإذا تعذر إقامة الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك إلا بمن فيه بدعة مضرتها دون مضرة ترك ذلك الواجب: كان تحصيل مصلحة الواجب مع مفسدة مرجوحة معه خيرًا من العكس. ولهذا كان الكلام في هذه المسألة فيه تفصيل\" (^١).\nالسابع: التفريق بين من كان داعية إلى بدعته، وبين من ليس كذلك.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٢١٢. وانظر: ٢٠/ ٥٧، ٥٨.","vol":"3","page":519},{"text":"فالداعية إلى البدعة يزجر ويهجر، بخلاف غيره فإنه ينظر في حقه إلى الأمور السالفة الذكر (^١).\nوسئل الشيخ ابن باز ﵀ عن مقاطعة مرتكب الجريمة: ما موقف الداعية منها ولا سيما إن كان من الأقارب؟\nالجواب: \"هذا فيه تفصيل: يشرع هجره ومقاطعته إذا أعلن المنكر وأصر ولم ينفع فيه النصح شرع لقريبه أو جاره هجره، وعدم إجابة دعوته، وعدم السلام عليه، حتى يتوب لله هذا المنكر.\nهكذا فعل النبي - ﷺ - والصحابة لما تخلف كعب بن مالك وصاحباه عن غزوة تبوك بغير عذر شرعي، أمر النبي - ﷺ - بأن لا يُكَلَّمُوا ويُهجروا، فهُجروا جميعًا حتى تابوا وتاب الله عليهم.\nأما إن كان هجر الشخص قد يترتب عليه ما هو أنكر من فعله، لأنه ذو شأن في الدولة أو ذو شأن في قبيلته، فيترك هجره ويعامل بالتي هي أحسن ويرفق به حتى لا يترتب على هجره ما هو شر من منكره وما هو أقبح من عمله، والدليل على ذلك أنه - ﷺ -. لم يعامل رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول بمثل ما عامل به الثلاثة وهم كعب وصاحباه، بل تلطف به ولم يهجره، لأنه رئيس قومه، ويخشى من سجنه وهجره فتنة للجماعة في المدينة، فلهذا كان النبي - ﷺ - يرفق به حتى مات على نفاقه، نسأل الله العافية.\nوهنا مواضع أخرى جرت للرسول - ﷺ - على بعض الناس، لم يهجرهم بل رفق بهم حتى هداهم الله. فالرفق في الدعوة من ألزم أمورها، وبالله التوفيق\" (^٢).\nوفى آخر هذا الباب يحسن بنا أن أن نقف مع كلامٍ لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀\n_________\n(^١) الآثار الواردة ص ٧٤٨.\n(^٢) مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ص ٦١٧.","vol":"3","page":520},{"text":"حيث سُئل عمَّن يجب أو يجوز بغضه وهجره، فكان من جوابه: \" ... وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم، وقلتهم وكثرتهم، فإن المقصود به زجر المهجور وتأديبه ورجوع العامة عن مثل حاله.\nفإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته كان مشروعًا، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك، بل يزيد الشر، والهاجر ضعيف، بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته لم يشرع الهجر، بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر.\nوالهجر لبعض الناس أنفع من التأليف؛ ولهذا كان النبي - ﷺ - يتألف قومًا ويهجر آخرين، كما أن الثلاثة الذي خلفوا كانوا خيرًا من أكثر المؤلفة قلوبهم، لما كان أولئك سادة مطاعون في عشائرهم، فكانت المصلحة الدينية في تأليف قلوبهم، وهؤلاء كانوا مؤمنين، والمؤمنون سواهم كثير، فكان في هجرهم عز الدين، وتطهيرهم من ذنوبهم، وهذا كما أن المشروع في العدو القتال تارة، والمهادنة تارة، وأخذ الجزية تارة، كل ذلك بحسب الأحوال والمصالح.\nوجواب الأئمة كأحمد وغيره في هذا الباب مبني على هذا الأصل، ولهذا كان يفرق بين الأماكن التي كثرت فيها البدع، كما كثر القدر في البصرة، والتنجيم بخراسان، والتشيع بالكوفة، وبين ما ليس كذلك، ويفرق بين الأئمة المطاعين وغيرهم، وإذا عرف مقصود الشريعة سلك في حصوله أوصل الطرق إليه.\nوإذا عرف هذا، فالهجرة الشرعية هي من الأعمال التي أمر الله بها رسوله، فالطاعة لابد أن تكون خالصة لله، وأن تكون موافقة لأمره، فتكون خالصة لله صوابًا، فمن هجر لهوى نفسه، أو هجر هجرًا غير مأمور به: كان خارجًا عن هذا، وما أكثر ما تفعل النفوس ما تهواه، ظانة أنها تفعله طاعة لله.\nوالهجر لأجل حظ الإنسان لا يجوز أكثر من ثلاث، كما جاء في الصحيحين","vol":"3","page":521},{"text":"عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث؛ يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام\" فلم يرخص في هذا الهجر أكثر من ثلاث، كما لم يرخص في إحداد غير الزوجة أكثر من ثلاث. وفي الصحيحين عنه - ﷺ - أنه قال: \"تفتح أبواب الجنة كل اثنين وخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا، إلا رجلًا كان بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظِروا هذين حتى يصطلحا\". فهذا الهجر لحق الإنسان حرام، وإنما رخص في بعضه، كما رخص للزوج أن يهجر امرأته في المضجع إذا نشزت، وكما رخص في هجر الثلاث.\nفينبغي أن يفرق بين الهجر لحق الله، وبين الهجر لحق نفسه، فالأول مأمور به، والثاني منهي عنه؛ لأن المؤمنين إخوة، وقد قال النبي - ﷺ - في الحديث الصحيح: \"لا تقاطعوا ولا تدابروا، ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم\"، وقال - ﷺ - في الحديث الذي في السنن: \"ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصلاة، والصيام، والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ \" قالوا: بلى يا رسول الله! قال: \"إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين\". وقال في الحديث الصحيح: \"مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر\".\nوهذا لأن الهجر من باب العقوبات الشرعية، فهو من جنس الجهاد في سبيل الله، وهذا يفعل لأن تكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله، والمؤمن عليه أن يعادى في الله، ويوالي في الله، فإن كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه وإن ظلمه، فإن الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية، قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ","vol":"3","page":522},{"text":"إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠] فجعلهم إخوة مع وجود القتال والبغي والأمر بالإصلاح بينهم.\nفليتدبر المؤمن الفرقَ بين هذين النوعين. فما أكثر ما يلتبس أحدهما بالآخر، وليعلم أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك؛ فإن الله سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله، فيكون الحب لأوليائه والبغض لأعدائه، والإكرام لأوليائه والإهانة لأعدائه، والثواب لأوليائه والعقاب لأعدائه.\nوإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر، وفجور وطاعة ومعصية، وسنة وبدعة: استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة، فيجتمع له من هذا وهذا، كاللص الفقير تقطع يده لسرقته، ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة\" (^١).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٢٠٦ - ٢٠٩.","vol":"3","page":523},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1202>٢٨٠ - الهجرة </span>*\nالهجرة في اللغة: مأخوذة من الهجر وهو الترك (^١).\nقال في مختار الصحاح: \"الهجر ضد الوصل ... والاسم الهجرة والمهاجرة من أرض إلى أرض ترك الأولى للثانية\" (^٢).\nوقال في النهاية: \"الهجرة في الأصل الاسم من الهجر ضد الوصل، وقد هجره هجرًا وهجرانًا، ثم غلب على الخروج من أرض إلى أرض وترك الأولى للثانية. يقال منه هاجر مهاجرة\" (^٣).\nوقال في التعريفات: \"الهجرة: هي ترك الوطن الذي بين الكفار والانتقال إلى دار الإسلام\" (^٤).\nوقال في اللسان: \"والهجرة: الخروج من أرض إلى أرض والمهاجرون الذين ذهبوا مع النبي مشتق منه ... قال الأزهري: وأصل المهاجرة عند العرب خروج البدوي من باديته إلى المدن، يقال هاجر الرجل إذا فعل ذلك، وكذلك كل مخلٍ بمسكنه منتقل إلى قوم آخرين بسكناه فقد هاجر قومه، وسمي المهاجرون مهاجرين لأنهم تركوا ديارهم ومساكنهم التي نشؤوا بها ولحقوا بدار ليس لهم بها\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ٢/ ٢١٨ - ٨/ ٣٨٨ - ١٢/ ٢٢٤، الدرر السنية ١/ ١٧٥، ٨/ ١٢٠، ١٩٨، ٢٣٨، ٢٧٨، ١٢/ ٣٩٩، نور على الدرب ص ١٩٨، شجرة الإيمان للسعدي من المجموعة ص ٤١٦، شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ١/ ١٤، ٢١ الفصل المبين في مسألة الهجرة ومفارقة المشركين حسين عوايشة. التبرك د ناصر الجديع ص ٣٧٨.\n(^١) انظر شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ص ١٣٠.\n(^٢) مختار الصحاح (هـ ج ر).\n(^٣) النهاية (هـ ج ر).\n(^٤) التعريفات (هـ ج ر).","vol":"3","page":524},{"text":"أهل ولا مالك حين هاجروا إلى المدينة، فكل من فارق بلده من بدوي أو حضري أو سكن بلدًا آخر فهو مهاجر والاسم منه الهجرة\" (^١).\nالهجرة في الشرع: قال في المغني: \"الهجرة: هي الخروج من دار الكفر إلى دار الإسلام\" (^٢).\nوقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: \"والهجرة: الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، والهجرة فريضة على هذه الأمة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام. وهي باقية إلى أن تقوم الساعة\" (^٣).\n* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٢]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠].\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨)\n_________\n(^١) لسان العرب (هـ ج ر).\n(^٢) المغني ٩/ ٢٣٦.\n(^٣) الأصول الثلاثة مع حاشية ابن قاسم ص ٨٣","vol":"3","page":525},{"text":"فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩) وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾ [النساء: ٩٧ - ١٠٠].\nقال الإمام البخاري ﵀: حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ: حدثنا حيوة وغيره قالا: حدثنا محمد بن عبد الرحمن أبو الأسود قال: \"قُطِع على أهل المدينة بعث فاكتتبت فيه، فلقيت عكرمة مولى ابن عباس فأخبرته فنهاني عن ذلك أشد النهي، ثم قال: أخبرني ابن عباس أن ناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثّرون سواد المشركين على عهد رسول الله - ﷺ -، يأتي السهم فيرمى به فيصيب أحدهم فيقتله، أو يُضرب فيُقتَل، فأنزل الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ...﴾ الآيةَ\" (^١).\nقال ابن كثير ﵀: \"قال الضحاك: نزلت في ناس من المنافقين تخلفوا عن رسول الله - ﷺ - بمكة، وخرجوا مع المشركين يوم بدر فأُصيبوا فيمن أُصيب فنزلت هذه الآية الكريمة (^٢) عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكنًا من إقامة الدين فهو ظالم لنفسه، مرتكب حرامًا بالإجماع وبنص هذه الآية حيث يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي بترك الهجرة ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أي لم مكثتم هاهنا وتركتم الهجرة؟ ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي لا نقدر على الخروج من البلد ولا الذهاب في الأرض، ﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً﴾ الآية\" (^٣).\nوفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ...﴾ [النساء:٩٧] قال ابن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٥٩٦) (٧٠٨٥).\n(^٢) انظر تفسير الطبري ٩/ ١٠٨.\n(^٣) تفسير ابن كثير عند تفسير الآيات ٩٥ - ٩٦ من سورة النساء.","vol":"3","page":526},{"text":"قدامة المغني: \"وهذا وعيد شديد يدل على الوجوب؛ ولأن القيام بواجب دينه واجب على من قدر عليه، والهجرة من ضرورة الواجب وتتمته، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب\" (^١).\nوقال البغوي رحمه الله تعالى: \"سبب نزول هذه الآية في المسلمين للذين بمكة لم يهاجروا؛ ناداهم باسم الإيمان\" (^٢).\nوقال ابن قاسم ﵀: \"أمر تعالى عباده المؤمنين بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه على إقامة الدين إلى أرضه الواسعة، وأخبر أن الأرض غير ضيقة بل واسعة، تسع جميع الخلائق، فإذا كان الإنسان في أرض لم يتمكن من إظهار دينه فيها، فإن الله قد وسع له الأرض ليعبده فيها كما أمر، وكذلك يجب على كل من كان ببلد يعمل فيها بالمعاصي، ولا يمكنه تغييرها أن يهاجر منها\" (^٣).\nالدليل من السنة: عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله\" (^٤).\nوعن بهز بن حكيم يحدث عن أبيه عن جده قال: قلت: يا نبي الله ما أتيتك حتى حلفت أكثر من عددهن لأصابع يديه ألا آتيك ولا آتي دينك، وإني كنت امرأ لا أعقل شيئًا إلا ما علمني الله ورسوله، وإني أسألك بوجه الله ﷿ بما بعثك ربك إلينا قال: \"بالإسلام\" قال: قلت: وما آيات الإسلام؟ قال: \"أن تقول أسلمت وجهي إلى الله ﷿ وتخليت، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، كل مسلم على مسلم محرم أخوان نصيران، لا يقبل الله ﷿ من مشرك بعدما أسلم عملًا، أو يفارق\n_________\n(^١) المغني ٩/ ٢٣٦.\n(^٢) مستفاد من حاشية ثلاثة الأصول ص ٨٥.\n(^٣) حاشية ثلاثة الأصول ٨٥.\n(^٤) أخرجه أبو داود (٢٧٨٧).","vol":"3","page":527},{"text":"المشركين إلى المسلمين\"\" (^١).\nوعن جابر بن عبد الله أن رسول الله - ﷺ - بعث سرية إلى خثعم فاعتصم ناس بالسجود فأسرع فيهم القتل، فبلغ ذلك النبي - ﷺ - فأمر لهم بنصف العقل وقال: \"أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين\" قالوا: يا رسول الله، ولمَ؟ قال: \"لا ترايا ناراهما\" (^٢).\nقال ابن قدامة في المغني: \"ومعناه: لا يكون بموضع يرى نارهم ويرون ناره إذا أوقدت\" (^٣).\nوعَنْ مُعَاوِيَةَ - ﵁ - قَالَ سَمعتُ رَسُول الله - ﷺ - يقول: \"لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها\" (^٤).\nوروى الإمام أحمد عن أبي الخير أن جنادة بن أبي أمية حدثه أن رجالًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - قال: بعضهم إن الهجرة قد انقطعت، فاختلفوا في ذلك قال: فانطلقت إلى رسول الله فقلت: يا رسول الله إن أناسًا يقولون إن الهجرة قد انقطعت؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"إن الهجرة لا تنقطع ما كان الجهاد\" (^٥). وفي رواية عند النسائي قَال \"لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار\" (^٦).\nوعن ابن السعدي أن النبي - ﷺ - قال: \"لا تنقطع الهجرة ما دام العدو يقاتل\". فقال معاوية وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمرو بن العاص إن النبي - ﷺ - قال: \"إن الهجرة خصلتان إحداهما: أن تهجر السيئات، والأخرى: أن تهاجر إلى الله ورسوله،\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (٢٥٦٨).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٢٦٤٥) والترمذي (١٦٠٤) (١٦٠٥).\n(^٣) المغني ٩/ ٢٣٦.\n(^٤) أخرجه أبو داود (٢٤٧٩).\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد (١٦٧١٤).\n(^٦) أخرجه النسائي (٤١٧٧).","vol":"3","page":528},{"text":"ولا تنقطع الهجرة ما تُقبلت التوبة، ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من المغرب، فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه وكفي الناس بالعمل\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1203>أحكام وفوائد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1204>١ - حكم الهجرة:</span>\nقال في المغني: \"الناس في الهجرة على ثلاثة أضرب:\nأحدها: من تجب عليه وهو من يقدر عليها ولا يمكنه إظهار دينه ولا يمكنه إقامة واجبات دينه مع المقام بين الكفار فهذا تجب عليه الهجرة لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧] وهذا وعيد شديد يدل على الوجوب؛ ولأن القيام بواجب دينه واجب على من قدر عليه، والهجرة من ضرورة الواجب وتتمته وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.\nالثاني: من لا هجرة عليه وهو من يعجز عنها، إما لمرض أو إكراه على الإقامة، أو ضعف من النساء والولدان وشبههم فهذا لا هجرة عليه لقول الله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ [النساء:٩٨] ولا توصف باستحباب؛ لأنها غير مقدور عليها.\nوالثالث: من تستحب له ولا تجب عليه، وهو من يقدر عليها لكنه يتمكن من إظهار دينه وإقامته في دار الكفر فاستحب له ليتمكن من جهادهم وتكثير المسلمين ومعونتهم\" (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد (١٦٧١).\n(^٢) المغني ٩/ ٢٣٦.","vol":"3","page":529},{"text":"وقال في المغني: \"وحكم الهجرة باق لا ينقطع إلى يوم القيامة في قول عامة أهل العلم\" (^١).\nوفي قول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: \"والهجرة باقية إلى أن تقوم الساعة\" قال الشيخ ابن قاسم: \"باتفاق من يعتد به من أهل العلم. قال شيخ الإسلام: \"لا يسلم أحد من الشرك إلا بالمباينة لأهله\"\" (^٢). وهو الصحيح فإن بقاء الهجرة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام معلوم بالنص، والإجماع.\nوسئل شيخ الإسلام ﵀ عن بلد \"ماردين\" هل هي بلد حرب أم بلد سلم؟ وهل يجب على المسلم المقيم بها الهجرة إلى بلاد الإسلام أم لا؟ وإذا وجبت عليه الهجرة ولم يهاجر وساعد أعداء المسلمين بنفسه أو ماله هل يأثم في ذلك؟ وهل يأثم من رماه بالنفاق وسبه به أم لا؟\nفأجاب: \"الحمد لله، دماء المسلمين وأموالهم محرمة حيث كانوا في ماردين أو غيرها، وإعانة الخارجين عن شريعة دين الإسلام محرمة سواء كانوا أهل ماردين أو غيرهم، والمقيم بها إن كان عاجزًا عن إقامة دينه وجبت الهجرة عليه وإلا استحبت ولم تجب، ومساعدتهم لعدو المسلمين بالأنفس والأموال محرمة عليهم، ويجب عليهم الامتناع من ذلك بأي طريق أمكنهم من تغيب أو تعريض أو مصانعة، فإذا لم يمكن إلا بالهجرة تعينت ولا يحل سبهم عمومًا ورميهم بالنفاق؛ بل السب والرمي بالنفاق يقع على الصفات المذكور في الكتاب والسنة فيدخل فيها بعض أهل ماردين وغيرهم\" (^٣).\nوكلام أهل العلم معروف مشهور في وجوب الهجرة من كل بلد أو موضع لا\n_________\n(^١) المغني ٩/ ٢٣٦.\n(^٢) حاشية ثلاثة الأصول ص ٨٣.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٢٤٠.","vol":"3","page":530},{"text":"يقدر المسلم على إظهار دينه فيها (^١).\nوانظر باب (الإقامة في بلد الكفار).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1205>٢ - التعريف ببلد الكفر وبلد الإسلام:</span>\nقال الشوكاني ﵀: \"الاعتبار بظهور الكلمة، فإن كانت الأوامر والنواهي في الدار لأهل الإسلام بحيث لا يستطيع من فيها من الكفار أن يتظاهر بكفره، إلا لكونه مأذونًا له بذلك من أهل الإسلام فهذه دار إسلام، ولا يضر ظهور الخصال الكفرية فيها؛ لأنها لم تظهر بقوة الكفار ولا بصولتهم، كما هو مشاهد في أهل الذمة من اليهود والنصارى، والمعاهدين الساكنين في المدائن الإسلامية، وإذا كان الأمر بالعكس فالدار بالعكس\" (^٢).\nقال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: \"قد ذكر أهل العلم الفرق بين بلاد الإسلام وبلاد الكفار، فبلاد الإسلام التي يحكمها المسلمون وتجري فيه الأحكام الإسلامية، ويكون النفوذ فيها للمسلمين ولو كان جمهور أهلها كفارًا، وبلاد الكفر ضدها فهي التي يحكمها الكفار وتجري فيه أحكام الكفر ويكون النفوذ فيها للكفار، وهي على نوعين: بلاد كفار حربيين، وبلاد كفار مهادنين بينهم وبين المسلمين صلح وهدنة، فتصير إذا كانت الأحكام للكفار والنفوذ لهم دار كفر ولو كان بها كثير من المسلمين\" (^٣).\nوقال ابن عثيمين ﵀: \"وبلد الشرك هو الذي تقام فيها شعائر الكفر ولا تقام فيه شعائر الإسلام كالأذان والصلاة جماعة، والأعياد، والجمعة على وجه عام شامل، وإنما قلنا على وجه عام شامل ليخرج ما تقام فيه هذه الشعائر على وجه\n_________\n(^١) انظر الدرر السنية ٨/ ١٦١، ١٦٢، ٤٩٦.\n(^٢) السيل الجرار ٤/ ٥٧٥.\n(^٣) المجموعة الكاملة ٧/ ٦٨.","vol":"3","page":531},{"text":"محصور كبلاد الكفار التي فيها أقليات مسلمة فإنها لا تكون بلاد إسلام بما تقيمه الأقليات المسلمة فيها من شعائر الإسلام، أما بلاد الإسلام فهي البلاد التي تقام فيها هذه الشعائر على وجه عام شامل\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1206>٣ - معنى قوله - ﷺ - \"لا هجرة بعد الفتح</span>\":\nقال الخطابي - ﵀ - وغيره: \"كانت الهجرة فرضًا في أول الإسلام على من أسلم، لقلة المسلمين بالمدينة، وحاجاتهم إلى الاجتماع فلما فتح الله مكة، دخل الناس في دين الله أفواجًا، فسقط فرض الهجرة إلى المدينة، وبقي فرض الجهاد والنية على من قام به أو نزل به عدو\" (^٢).\nوقال ابن حجر في الفتح: \"قوله: باب لا هجرة بعد الفتح. أي: فتح مكة، أو المراد ما هو أعم من ذلك، إشارة إلى أن حكم غير مكة في ذلك حكمها فلا تجب الهجرة من بلد قد فتحه المسلمون، أما قبل فتح البلد فمن به من المسلمين أحد ثلاثة:\nالأول: قادر على الهجرة منها لا يمكنه إظهار دينه ولا أداء واجباته فالهجرة منه واجبة.\nالثاني: قادر لكنه يمكنه إظهار دينه وأداء واجباته فمستحبة لتكثير المسلمين بها ومعونتهم وجهاد الكفار والأمن من غدرهم والراحة من رؤية المنكر بينهم.\nالثالث: عاجز يعذر من أسر أو مرض أو غيره فتجوز له الإقامة، فإن حمل على نفسه وتكلف الخروج منها أُجر\" (^٣).\nوقال الأمير الصنعاني - ﵀ -. \"والحديث \"أنا بريء من كل مسلم يقيم بين مشركين\" دليل على وجوب الهجرة من ديار المشركين من غير مكة وهو مذهب\n_________\n(^١) شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ١٣٠.\n(^٢) نقلًا عن تحفة الأحوذي ٥/ ٢١٤.\n(^٣) فتح الباري ٦/ ١٩٠.","vol":"3","page":532},{"text":"الجمهور ... وذهب الأقل إلى أنها لا تجب الهجرة، وأن الأحاديث منسوخة لحديث ابن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية\" متفق عليه.\nقالوا فإنه عام ناسخ لوجوب الهجرة الدال عليه ما سبق وبأنه ﵌ لم يأمر من أسلم من العرب بالمهاجرة إليه، ولم ينكر عليهم مقامهم ببلدهم، ولأنه ﵌ كان إذا بعث سرية قال لأميرهم: \"إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خلال، فأيتهن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول عن دارهم إلى دار المهاجرين، وأعلمهم أنهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا واختاروا دارهم فأعلمهم، أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله تعالى الذي يجري على المؤمنين\" الحديث ... فلم يوجب عليهم الهجرة، والأحاديث غير حديث ابن عباس محمولة على من لا يأمن على دينه.\nقالوا: وفي هذا جمع بين الأحاديث، وأجاب من أوجب الهجرة بأن حديث \"لا هجرة\" يراد به نفيها عن مكة كما يدل له قوله \"بعد الفتح\" فإن الهجرة كانت واجبة من مكة قبله.\nوقال ابن العربي: الهجرة هي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، وكانت فرضًا على عهد رسول الله ﵌، واستمرت بعده لمن خاف على نفسه والتي انقطعت بالأصالة هي القصد إلى النبي ﵌ حيث كان.\nوقوله: \"ولكن جهاد ونية\" قال الطيبي وغيره: هذا الاستدراك يقتضي مخالفة حكم ما بعده لما قبله، والمعنى: أن الهجرة التي هي مفارقة للوطن التي كانت مطلوبة على الأعيان إلى المدينة قد انقطعت، إلا أن المفارقة بسبب الجهاد باقية،","vol":"3","page":533},{"text":"وكذلك المفارقة بسبب نية صالحة كالفرار من دار الكفر والخروج في طلب العلم، والفرار من الفتن والنية في جميع ذلك معتبرة\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1207>٤ - فائدة:\nقال في النهاية: \"والهجرة هجرتان:</span>\nإحداهما: التي وعد الله عليها الجنة في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]، فكان الرجل يأتي النبي - ﷺ - ويدع أهله وماله لا يرجع في شيء منه، وينقطع بنفسه إلى مهاجره، وكان النبي - ﷺ - يكره أن يموت الرجل بالأرض التي هاجر منها فمن ثم قال \"لكن البائس سعد بن خولة\" يرثى له رسول الله - ﷺ - أن مات بمكة، وقال حين قدم مكة: \"اللهم لا تجعل منايانا بها\" فلما فتحت مكة صارت دار إسلام كالمدينة وانقطعت الهجرة.\nوالهجرة الثانية: من هاجر من الأعراب وغزا مع المسلمين ولم يفعل كما فعل أصحاب الهجرة الأولى فهو مهاجر وليس بداخل في فضل من هاجر تلك الهجرة، وهو المراد بقوله \"لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة\" فهذا وجه الجمع بين الحديثين. وإذا أطلق في الحديث ذكر الهجرتين فإنما يراد بهما هجرة الحبشة وهجرة المدينة، ومنه الحديث \"ستكون هجرة بعد هجرة، فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم\" المهاجَر - بفتح الجيم - موضع المهاجرة ويريد به الشام؛ لأن إبراهيم ﵇ لما خرج من أرض العراق مضى إلى الشام وأقام به\" (^٢).\n_________\n(^١) سبل السلام ٤/ ٤٣.\n(^٢) النهاية (هـ ج ر).","vol":"3","page":534},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1208>٢٨١ - الْهِدَايَةُ </span>*\nالهدى لغة: قال الجوهري: \"الهدى والرشاد والدلالة\" (^١).\nوقال الراغب: \"الهداية دلالة بلطف\" (^٢).\nوأصل الهدى في كلام العرب: التوفيق (^٣).\nقال الجرجاني: \"هي الدلالة على ما يوصل إلى المطلوب. وقد يقال: هي سلوك طريق يوصل إلى المطلوب\" (^٤).\nوتأتي الهداية بمعنى الدلالة والإرشاد على طريق النجاة والسعادة مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]. فهو المبيِّنُ عن الله والدالّ على دينه وشرعه وهذه تقع من المخلوق، وهي الدعوة إلى الله التي أرسل الله بها نبيه محمد - ﷺ -.\nوتأتي بمعنى التوفيق والتأييد، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]. أي لا تهدي هداية توفيق وتأييد في قلب من\n_________\n* لوامع الأنوار للسفاريني ١/ ٥١، ٣٣٤. تيسير العزيز الحميد ص ٢٩٨. فتح المجيد ص ٢٤١. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ١٤١. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ٣٥١، ط ٢ - ١/ ٤٤٧. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٢٥. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٢/ ٤٨٨، ٣/ ١٤٧، ١٤٨، ١٤٩. منهج الحافظ ابن رجب في العقيدة ص ١٦٤. مباحث العقيدة في سورة الزمر ص ٥٢٩، ٥٤١.\n(^١) الصحاح (هـ د ى).\n(^٢) المفردات (هـ د ى).\n(^٣) انظر: تفسير الطبري ١/ ١٦٦.\n(^٤) التعريفات للجرجاني ص ٣١٩.","vol":"3","page":535},{"text":"أضله الله. والهداية الأولى عامة بمعنى أنه يملكها الخلق، والثانية خاصة بالله تعالى كما في الحديث الآتي بعد (^١).\n* الأدلة من الكتاب قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦].\nفالهداية التي بمعنى التوفيق والتأييد في قلب من أضله الله هذه مما يختص بها الله - ﷾ - وَيمُنُّ بها على من يشاء.\nوعن الآية قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: \"يقول تعالى لرسوله - ﷺ - إنك يا محمد لا تهدي من أحببت أي ليس إليك ذلك إنما عليك البلاغ والله يهدي من يشاء وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢]. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يوسف: ١٠٣].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1209> سبب نزول الآية ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾:</span>\nعن ابن المسيب عن أبيه قال: \"لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله - ﷺ - وعنده عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل فقال: \"يا عم قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله\"، فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فأعاد عليه النبي - ﷺ -، فأعادا، فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فقال النبي - ﷺ -: \"لأستغفرن لك ما لم أُنه عنك\" فأنزل الله - ﷿ -: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣]. وأنزل الله في أبي طالب ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي\n_________\n(^١) انظر للاستزادة مفردات القرآن (هـ د ى).","vol":"3","page":536},{"text":"مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] (^١).\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله معلقًا على هذا الحديث: \"ففي هذا أعظم البيان، وأوضح البرهان على أنه - ﷺ - لا يملك ضرًا وَلا نفعًا، ولا عطاء ولا منعًا، وأن الأمر كله بيد الله، فهو الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ويعذب من يشاء، ويرحم من يشاء، ويكشف الضر عمن يشاء، ويصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم. وهو الذي من جوده الدنيا والآخرة، وهو بكل شيء عليم. ولو كان عنده - ﷺ - من هداية القلوب ومغفرة الذنوب وتفريج الكروب شيء لكان أحق الناس به، وأولاهم من قام معه أتم القيام ونصره، وأحاطه من بلوغه ثمان سنين وإلى ما بعد النبوة بثمان سنين أو أكثر\" (^٢).\nوفي الحديث يتبين سبب نزول الآية، وفيها النهي عن الاستغفار للمشركين، فلا يجوز الاستغفار لهم، لأن الله قد قضى أن لا يغفر لهم أبدًا إذا ماتو على الشرك.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1210> فائدة:\nأشكل على البعض الجمع بين قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾</span>، وقوله - ﷿ -: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"فالجمع بينهما وبين الآية المترجم لها، قيل: الهداية التي تصح نسبتها لغير الله بوجه ما هي هداية الإرشاد الدلالة، كما قال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: ترشد وتبين، والهداية المنفية عن غير الله هي هداية التوفيق وخلق القدرة على الطاعة، ذكره بعضهم بمعناه\" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٦٠)، ومسلم (٢٤).\n(^٢) تيسير العزيز الحميد ص ٢٩٨، ٢٩٩.\n(^٣) تيسير العزيز الحميد ص ٣٠٠.","vol":"3","page":537},{"text":"وقال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -: \"والهداية التي نفاها الله عن رسوله - ﷺ - هداية التوفيق، والتي أثبتها له هداية الدلالة والإرشاد، ولهذا أتت مطلقة لبيان أن الذي بيده هو هداية الدلالة فقط، لا أن يجعله مهتديًا، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، فلم يخصص سبحانه فلانًا وفلانًا ليبيِّن أن المراد: أنك تهدي هداية دلالة، فأنى ت تفتح الطريق أمام الناس فقط وتُبيِّن لهم وترشدهم، وأما إدخال الناس في الهداية، فهذا أمر ليس إلى الرسول - ﷺ -، إنما هو مما تفرد الله به سبحانه، فنحن علينا أن، نبيِّن وندعو، وأمَّا هداية التوفيق (أي أن الإنسان يهتدي)؛ فهذا إلى الله - ﷾ -، هذا هو الجمع بين الآيتين\" (^١).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ٣٤٠ - ٣٤١.","vol":"3","page":538},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1211>٢٨٢ - الْهَوَى</span>\nقال في المصباح المنير: \"الهوى مقصور، مصدر هويتُهُ إذا أحببته وعلِقت به، ثم أطلق على ميل النفس وانحرافها نحو الشيء، ثم استعمل في ميل مذموم فيقال: اتبع هواه، وهو من أهل الأهواء\" (^١).\nوالهوى المذموم: كل ما خالف الحق، وللنفس فيه حظ ورغبة من الأقوال والأفعال والمقاصد (^٢).\nوقال الراغب: \"الهوى سمي بذلك لأنه يهوي بصاحبه في الدنيا إلى كل داهية وفي الآخرة إلى الهاوية\" (^٣).\nوقد ذمَّ اللهُ اليهودَ لاتباعهم أهوائهم، حيث قادهم ذلك إلى تبديل شرع الله والكفر بالرسول - ﷺ -، وما جاء به من الوحي، قال تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [المائدة: ٧٠].\nقال القرطبي - ﵀ -: \"قال الشعبي: إنما سمي الهوى هوىً لأنه يهوي بصاحبه في النار. وقال ابن عباس: ما ذكر الله هوى في القرآن إلا ذمّه الله. قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ [الأعراف: ١٧٦]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ [الروم: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ\n_________\n(^١) المصباح المنير (هـ وى).\n(^٢) انظر الهوى وأثره في الخلاف ص ١٢.\n(^٣) المفردات (هـ وى).","vol":"3","page":539},{"text":"بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦] وقال عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي - ﷺ -: \"لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئتُ به\". وقال أبو أمامة: سمعت النبي - ﷺ - يقول: \"ما عُبد تحت السماء إله أبغض إلى الله من الهوى\". وقال شداد بن أوس عن النبي - ﷺ -: \"الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والفاجر من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله\"، وقال ﵇: \"إذا رأيت شحًا مطاعًا، وهوىً متبعًا، ودنيًا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع أمر العامة\". وقال - ﷺ -: \"ثلاث مهلكات وثلاث منجيات، فالمهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه، والمنجيات: خشية الله في السر والعلانية والقصد في الغنى والفقر، والعدل في الرضا والغضب\". وقال أبو الدرداء - ﵁ -: \"إذا أصبح الرجل اجتمع هواه وعمله وعلمه فإن كان عمله تبعًا لهواه فيومه يوم سوء وإن كان عمله تبعًا لعلمه فيومه يوم صالح\"\" (^١).\nوقال شيخ الإسلام: \"ومما يتعلق بالثلاث المهلكات والمنجيات التي ذكر أنه عند المهلكات عليك بخويصة نفسك أنه قال: شح مطاع، وهوى متبع، فجعل هذا مطاعًا وهذا متبعًا، وهذا والله أعلم؛ لأن الهوى هوى النفس، وهو محبتها للشيء وشهوتها له سواء أريد به المصدر أو المفعول فصاحب الهوى يأمره هواه ويدعوه فيتبعه كما تتبع حركات الجوارح إرادة القلب، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [المائدة: ٧٧]، وقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] وهذا يعم الهوى في الدين كالنصارى وأهل البدع في المقال والقدر كما كان السلف يسمونهم أهل الأهواء من الرافضة والخوارج، وهذا الهوى موجود في كثير من الفقراء والفقهاء\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن ١٦/ ١٦٧.","vol":"3","page":540},{"text":"إلا من عصمه الله وقد اختلف أصحابنا هل يدخل الفقهاء المختلفون في اسم أهل الأهواء على وجهين أدخلهم في التقسيم القاضي أبو يعلى وكذلك قبله الشيخ أبو حامد الإسفرائيني فيما أظن وأنكره ابن عقيل\" (^١).\nواتباع الهوى نوع من الشرك كما قال بعض السلف: \"شر إلهٍ عُبد في الأرض الهوى\"! فهو يُضلّ الإنسان عن الحق وإن كان يعرف ذلك، فإذا صار الهوى هو القائد والدافع صار أصحابه شيعًا يتعصّب كل واحد لرأيه ويُعادي من خالفه، ولو كان الحق معه واضحًا لأن الحق ليس مطلوبه! وبذلك يذلوا وتذهب ريحهم، ويفشلوا أمام كل عمل أرادوه، لأنهم صاروا متفرقين تتحكم فيهم الأهواء.\nوالهوى منه مذموم وهو ما خالف الحق وقد سبق بيانه ومنه ما كان حقًّا فلا يذم، قال القرطبي: \"وقد يستعمل في الحق، ومنه قول عمر - ﵁ - في أسارى بدر فهوى رسول الله - ﷺ -: \"ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت\". وقالت عائشة للنبي - ﷺ - في صحيح الحديث: والله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك. أخرجهما مسلم\" (^٢).\nوقد سبق بيان قوله - ﷺ -: \"لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به\". انظر (باب محبة الله)، (محبة الرسول - ﷺ -).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1212>٢٨٣ - الواهنة</span>\nانظر باب (التميمة).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1213>٢٨٤ - الوتر</span>\nانظر باب (التميمة).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٨/ ٣٣٢ - ٣٣٣.\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن ٢/ ٢٥.","vol":"3","page":541},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1214>٢٨٥ - الوثن</span>*\nقال ابن الأثير: \"الوثن كل ما له جثة معمولة من جواهر الأرض من الخشب والحجارة كصورة الآدمي تعمل وتنصب فتعبد، والصنم الصورة بلا جثة، ومنهم من لم يفرق بينهما وأطلقهما على المعنيين، وقد يطلق الوثن على غير الصورة كما في حديث عدي بن حاتم قال: \"قدمت على النبي - ﷺ - وفي عنقي صليب من ذهب فقال لي: ألق هذا الوثن عنك\" (^١) \" (^٢).\nوقد تقدم أن الوثن يطلق على الصنم.\nقال ابن عبد البر: \"قال أبو عمر: الوثن الصنم وهو الصورة من ذهب كان أو من فضة أو غير ذلك من التمثال وكل ما يعبد من دون الله فهو وثن صنمًا كان أو غير صنم\" (^٣).\nوقال ابن جرير الطبري - ﵀ -: \"الصنم التمثال من حجر أو خشب أو من غير ذلك في صورة إنسان وهو وثن\" (^٤).\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ٥/ ٤٥، تلبيس إبليس ص ٥٣، تيسير العزيز الحميد ص ١١٨، فتح المجيد ١٠١، حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٥٠، القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ١١٣، ط ٢ - ١/ ١٤٤، ومن المجموع ٩/ ١٠٥، مجموع فتاوى ابن عثيمين ٧/ ٦١، مباحث العقيدة في سورة الزمر ص ٤٠١، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، المجلد السادس، مجلة الدعوة العدد (١٧٨٧).\n(^١) الترمذي ٣٠٩٥.\n(^٢) النهاية (وث ن).\n(^٣) التمهيد ٥/ ٤٥.\n(^٤) تفسير ابن جرير ٧/ ٢٤٤.","vol":"3","page":542},{"text":"يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن: \"وقد يسمن الصنم وثنًا كما قال الخليل ﵇ ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧]، ويقال: إن الوثن أعمّ، وهو قوي، فالأصنام: أوثان، كما أن القبور أوثان\" (^١).\nيقول الشيخ السعدي: \"الوثن اسم جامع لكل ما عبد من دون الله لا فرق بين الأشجار والأحجار والأبنية، ولا بين الأنبياء والصالحين في هذا الموضع\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1215>الفرق بين الوثن والصنم:</span>\nانظر باب (الصنم).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1216>إطلاق الوثن على الصليب:</span>\nتقدم قوله - ﷺ -: \"ألق هذا الوثن عنك\".\nومن إطلاق الوثن علن الصليب قول الأعشى:\nتطوف العفاة بأبوابه ... كطوف النصارى ببيت الوثن\nقال الأزهري عن شمر: \"أراد بالوثن الصليب\" (^٣).\nوالصليب: قال صاحب الكليات: \"هو المربع المشهور للنصارى من الخشب يدّعون أن عيسى النبي صلب على خشبة على تلك الصورة\" (^٤).\nقال في تحفة الأحوذي: \"الصليب هو كل ما كان على شكل خطين متقاطعين وقال في المجمع هو المربع من الخشب للنصارن يدعون أن عيسى ﵇ صلب على خشبة على تلك الصورة\" (^٥).\n_________\n(^١) فتح المجيد ١٠١.\n(^٢) القول السديد ص ٧١.\n(^٣) تهذيب اللغة للأزهري ١٥/ ١٤٤.\n(^٤) الكليات لأبي البقاء الكفوي ٥٦٣.\n(^٥) تحفة الأحوذي ٨/ ٣٩٠.","vol":"3","page":543},{"text":"وفي سؤال عن صفة الصليب المنهي عنه أجابت لجنة الإفتاء بما يلي:\n\"شكل الصليب المدعي الذي هو اليوم شعار النصارى هو وضع خط ونحوه على خط أطول منه قليلًا بحيث يقع الأعلى القصير على قرابة ثلث الأسفل الطويل من فوق أن يشكل التقاطع زوايا قائمة\" (^١). وجمعها: تصاليب.\nوقال ابن عثيمين: \"هي الصلبان التي يتخذها النصارى شعارا لدينهم أو يعبدونها والصليب كل ما كان على شكل خطين متقاطعين هكذا عرّفه صاحب المنجد أن يكون على شكل خط مستقيم رأسه إلى فوق يعترضه خط رأسه إلى الجانب سواء كان هذا الخط المعترض في وسط الخط المستقيم أو فوق وسطه، يزعم النصارى أن المسيح ابن مريم ﵊ صلب عليه بعد أن قتل وقد قال الله تعالى في القرآن مكذبا من زعموا أنهم قتلوه ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧]. وقال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٧، ١٥٨]، فكان النصارى يقدسون الصليب يضعونه فوق محاربهم ويتقلدونه في أعناقهم\" (^٢).\nوفي الصحيح عن عِمْرَانَ بْنِ حِطَّانَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ حدَّثَتْهُ: \"أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يَكُنْ يَتْرُكُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا فِيهِ تَصَالِيبُ إِلَّا نَقَضَهُ\" (^٣).\nوروى ابن سيرين عن دفرة عن أم سلمة أنها كانت تكره الثياب المصلبة، يعني: التي صور فيها الصليب (^٤).\n_________\n(^١) فتاوى اللجنة الدائمة ٢/ ٧٩.\n(^٢) فتاوى العقيدة لابن عثيمين ٢٤٢.\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٩٥٢).\n(^٤) الجامع لمعمر بن راشد ١١/ ٧٦، البغوي ١٢/ ١٣٢. الآداب الشرعية لابن مفلح ٣/ ٤٨٠.","vol":"3","page":544},{"text":"والمراد بالكراهة هنا كراهة التحريم، قال شيخ الإسلام: \"والكراهية في كلام السلف كثيرًا وغالبًا يراد بها التحريم\" (^١).\nوقال ابن القيم - ﵀ -: \"وقد غلط كثير من المتأخرين من أتباع الأئمة على أئمتهم بسبب ذلك حيث تورع الأئمة عن إطلاق لفظ التحريم وأطلقوا لفظ الكراهة، فنفي المتأخرون التحريم عما أطلق عليه الأئمة، ثم سهل عليهم لفظ الكراهة وخفت مؤنته عليهم فحمله بعهم على التنزيه .. فحصل بسببه غلط عظيم على الشريعة وعلى الأئمة\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1217> حكم لبس الصليب:</span>\nورد سؤال إلى اللجنة الدائمة هذا نصه.\nس: اختلفنا في المسلم الذي يلبس الصليب شعار النصارى فبعضنا حكم بكفره بدون مناقشة والبعض الآخر قال: لا نحكم بكفره حتى نناقشه ونبين له تحريم ذلك، وأنه شعار النصارى، فإذا أصر على حمله حكمنا بكفره.\nفأجابت اللجنة الموقرة بما يلي:\n\"الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه. وبعد:\nجـ: التفصيل في هذا الأمر وأمثاله هو الواجب، فإذا بُيِّن له حكم لبس الصليب وأنه شعار النصارى ودليل على أن لابسه راضٍ بانتسابه إليهم والرضا بما هم عليه وأصر على ذلك حكم بكفره لقوله - ﷿ -: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١] والظلم إذا أطلق يراد به الشرك لأكبر. وفيه أيضًا إظهار لموافقة النصارى على ما زعموا من قتل عيسى ﵊ والله\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٣٢/ ٢٤١.\n(^٢) إعلام الموقعين ١/ ٣٩.","vol":"3","page":545},{"text":"سبحانه نفى ذلك وأبطله في كتابه الكريم حيث قال - ﷿ -: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ الآية. وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1218>٢٨٦ - وسائل الشرك</span>*\nانظر باب (حماية التوحيد).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1219>٢٨٧ - الغرس على القبر </span>* *\nانظر باب (القبور).\n_________\n(^١) فتاوى اللجنة الدائمة ٢/ ٧٨.\n* الدرر السنية ١/ ٢٩٣، ٥/ ١٢٦.\n* * الدرر السنية ٥/ ٨٧.","vol":"3","page":546},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1220>٢٨٨ - الوقف </span>*\nفي اللغة: الحبس.\nوفي الشرع: \"حبس العين على التمليك مع التصدق بمنفعتها\" (^١).\nومقصودنا هنا ما يتعلق بالوقف إذا كان على قبر أو ما يتعلق بشرك أو معصية تكون وسيلة للشرك. وقد نص العلماء - ﵏ - على منع الوقف على المشاهد وإسراج القبور وأشباهه ومن أولئك العلماء الهيتمي - ﵀ - فقد نص في \"الفتاوى الكبرى\" على منع الوقف على إسراج شمع على مشهد صالح، إذا قصد به الواقف التقرب إلى من في القبر، والتنوير عليه (^٢).\nقال ابن القيم: \"وكذلك يجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر وطفيه فإن فاعل ذلك ملعون بلعنة رسول الله - ﷺ - ولا يصح هذا الوقف ولا يحل إثباته وتنفيذه\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1221>٢٨٩ - الوقوف</span>\nانظر باب: \"القيام\".\n_________\n* شرح السنة للبغوي ٨/ ٢٨٧. اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٥٤٢. مجموع الفوائد واقتناص الأوابد للسعدي ص ١٠١. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٧/ ٢٠٩.\n(^١) التعريفات للجرجاني ٣٢٨.\n(^٢) الفتاوى الكبرى ٤/ ٢٧٦ من كتاب النذور.\n(^٣) إغاثة اللهفان ١/ ٢١٠.","vol":"3","page":547},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1222>٢٩٠ - الولاء والبراء</span>*\nالولاء في اللغة: مصدر ولي الشيء بمعنى قرب منه.\nقال الجوهري: \"الولي: القرب والدنو، والولي ضد العدو، والموالاة ضد المعاداة ... والولاية النصرة\" (^١).\nوالولي: \"التابع المحب\" (^٢).\nفمادة الولاء في معاجم اللغة تدور حول معنى القرب والدنو والنصرة والمحبة والمتابعة والرضى (^٣).\n_________\n* التمهيد لابن عبد البر ١٧/ ٤٢٩، ٤٣١، ٢١/ ١٢٤، ١٣٣. الاستذكار لابن عبد البر ٢٧/ ٩٩. المصنف لابن أبي شيبية ٥/ ٢٥٩. مصنف عبد الرزاق ١١/ ٢٠١. الإبانة لابن بطة العكبري ٦٥٧. شرح السنة للبغوي ١٣/ ٤٨، ٥٥. اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ١٥٧ - ١٦١. الآداب الشرعية لابن مفلح ٣/ ٥٣٠.\nبدائع الفوائد لابن القيم ٤/ ١٩. تيسير العزيز الحميد ص ٤٨٣. فتح المجيد ص ٣٩١. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٢٤١. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ١٥٣، ط ٢ - ٢/ ١٨٩ ومن المجموع ١٠/ ٦٣٥. الدرر السنية ١/ ٤٧٠، ٤٧٤، ٨/ ٧١، ٧٧، ١٢٢، ١٦٦، ٩/ ٤٢٩، ١٠/ ١٣٩، ١٤٤، ١٥/ ٤٧١، ٤٧٧. فتاوى اللجنة الدائمة ٢/ ٤١. مجموعة الرسائل والمسائل النجدية ٣/ ٧. شجرة الإيمان للسعدي المجموعة ٣/ ١٠٠. مجموع الفتاوى لابن باز ٣/ ١٠١٩ - ١٠٧٠. نور على الدرب ابن باز ص ٣٩٧. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٣/ ١٩ - ٥٠. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٥/ ٢٢٩، ٢٩٧. نواقض الإيمان القولية والعملية ٣٥٨. الإمام المروزي وجهوده في توضيح العقيدة للنفيعي ص ٢٠٥. شرح مسائل الجاهلية للسعيد ص ٣٧٤. الجهل بمسائل الاعتقاد ص ٤٤٩ - ٤٨٠. معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة، الولاء والبراء بين الغلو والجفاء د. حاتم الشريف، حقيقة الولاء والبراء في الكتاب والسنة د. عصام السناني.\n(^١) الصحاح (ول ي).\n(^٢) لسان العرب (ول ي).\n(^٣) انظر تاج العروس والمغرب في ترتيب المعرب (ول ي).","vol":"3","page":548},{"text":"والبراء في اللغة: يطلق على معان منها البعد والتنزه، والتخلص.\nقال ابن الأعرابي: \"بَرِيءَ إذا تخلَّص، وبَرِيءَ إذا تنزَّه وتباعد\" (^١).\nوالولاية شرعًا ترجع إلى معنى المحبة وينشأ عنها الموافقة والنصرة.\nقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ أي: يتناصرون ويتعاضدون (^٢).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"الولاية ضد العداوة، وأصل الولاية المحبة والقرب، وأصل العداوة: البغض والبعد، ... والوالي: القريب، فيقال: هذا يلي هذا، أي يقرب منه، ومنه قوله - ﷺ -: \"ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت فلأولى رجل ذكر\" متفق عليه\" (^٣).\nقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: \"وأصل الموالاة الحب، وأصل المعاداة البغض، وينشأ عنهما من أعمال القلوب والجوارح ما يدخل في حقيقة الموالاة والمعاداة كالنصرة والأنس والمعاونة، وكالجهاد والهجرة، ونحو ذلك من الأعمال\" (^٤).\nقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: \"واصل الولاية المحبة والنصرة، وذلك أن اتخاذهم أولياء موجب لتقديم طاعتهم على طاعة الله، ومحبتهم على محبة الله ورسوله\" (^٥).\n_________\n(^١) لسان العرب (ب ر أ).\n(^٢) تفسير ابن كثير ٢/ ٣٥٦.\n(^٣) مجموع الفتاوى ١١/ ١٦٠، وانظر منهاج السنة ٥/ ٣٥٢.\n(^٤) الدرر السنية ٢/ ١٥٧، وانظر الرسائل المفيدة للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ ص ٢٩٦.\n(^٥) تيسير الكريم الرحمن ٤٤٦.","vol":"3","page":549},{"text":"أما البراءة فقال شيخ الإسلام: \"والبراءة ضد الولاية وأصل البراءة البغض وأصل الولاية الحب\" (^١). وأهل العلم يعبرون عن الباب حينا بالولاء والبراء وحينا بالموالاة والمعاداة والولي ضد العدو وقد تبين ذلك من بعض النقول السابقة.\nقال شيخ الإسلام: \"والموالاة تقتضي الموافقة والمتابعة كما أن المعاداة تقتضي المخالفة والمجانبة فمن وافقته مطلقا فقد واليته مطلقًا ومن وافقته في غالب الأمور فقد واليته في غالبها ومورد النزاع لم تواله فيه وإن لم تعاده\" (^٢).\nقال شيخ الإسلام: \"والعداوة تتضمن البغض والمخالفة\" (^٣).\n* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣].\nوقد ذمَّ اللهُ من يتخذ الكفار أولياء ووصفهم بالنفاق وذلك منافٍ للإيمان فقال تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٨، ١٣٩].\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٠/ ٤٦٥.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٠/ ٤٩٩.\n(^٣) مجموع الفتاوى ٥/ ٥١٠، ٥١١.","vol":"3","page":550},{"text":"* الدليل من السنة: عن البراء بن عازب قال: \"كنا جلوسًا عند النبي - ﷺ -، فقال: \"أي عرى الإيمان أوثق\"؟ قالوا: الصلاة، قال: \"حسنة وما هي بها\". قالوا: الزكاة، قال: \"حسنة وما هي بها\". قالوا: الصيام، قال: \"حسن وما هو\". قالوا: الحج، قال: \"حسن وما هو به\". قالوا: الجهاد، قال: \"حسن وما هو\". قال: إن أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله وتبغض في الله\" (^١).\nوفي حديث ابن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ - لأبي ذر: أي عُرى الإيمان أظنه قال: أوثق. قال اللهُ ورسوله أعلم. قال: \"الموالاة في الله والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1223> أقوال السلف:</span>\nأخرج ابن جرير ومحمد بن نصر المروزي عن ابن عباس - ﵄ - قال: \"من أحبَّ في الله وأبغضَ في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت مؤاخاة الناس على أمر الدنيا وذلك لا يجدي على أهله شيئًا\" (^٣).\nقال أبو الوفاء بن عقيل: \"إذا أردت أن تعلم محل الإسلام أهل الزمان، فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة\" (^٤).\n_________\n(^١) مسند الإمام أحمد (١٨٧٢٣).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١١٥٣٧) وانظر شعب الإيمان ١٢/ ٧٦ وشرح السنة للبغوي ١٣/ ٥٣.\n(^٣) حلية الأولياء ص ٣١٢، وانظر تعظيم قدر الصلاة ١/ ٤٠٦، وروي أيضًا عن كعب قال: \"من أحب في الله وأبغض في الله وأعطى في الله ومنع في الله فقد استكمل الإيمان\" تعظيم قدر الصلاة ١/ ٤٠٧، وانظر: السلسلة الصحيحة (٣٨٠).\n(^٤) الآداب الشرعية لابن مفلح ١/ ٢٦٨.","vol":"3","page":551},{"text":"وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رسالة بعثها إلى بعض أنصاره: \"واذكروا لهم أن الواجب على الرجل، أن يعلم عياله، وأهل بيته الحب في الله، والبغض في الله، والموالاة في الله، والمعاداة فيه، مثل تعليم الوضوء والصلاة، لأنه لا صحة لإسلام المرء، إلا بصحة الصلاة، ولا صحة لإسلامه أيضا إلا بصحة الموالاة والمعاداة في الله\" (^١).\nويقول الشيخ سليمان بن عبد الله - ﵀ -: \"فهل يتم الدين أو يقام علم الجهاد، أو علم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بالحب في الله والبغض في الله، والمعاداة في الله والموالاة في الله، ولو كان الناس متفقين على طريقة واحدة ومحبة من غير عداوة ولا بغضاء لم يكن فرقانا بين الحق والباطل، ولا بين المؤمنين والكفار، ولا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان\" (^٢).\nوقال الشيخ حمد بن عتيق: \"فأما معاداة الكفار والمشركين فاعلم أن الله - ﷾ - قد أوجب ذلك، وأكد إيجابه، وحرم موالاتهم وشدد فيها، حتى أنه ليس في كتاب الله تعالى حكم فيه من الأدلة أكثر ولا أبين من هذا الحكم بعد وجوب التوحيد، وتحريم ضده\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1224> أقسام الموالاة:</span>\nتنقسم الموالاة إلى قسمين:\nما هو كفر وخروج من الدين.\nما هو كبيرة من الكبائر وذنب من الذنوب.\n* القسم الأول: الموالاة التي تخرج صاحبها من الملة، ويسميها أئمة الدعوة\n_________\n(^١) الرسائل الشخصية ص ٢٢٢، ٢٢٣.\n(^٢) رسالة أوثق عرى الإيمان ص ٣٨.\n(^٣) النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الإشراك (ضمن مجموعة التوحيد) ص ٣٦٣.","vol":"3","page":552},{"text":"التولي، فمن تولاهم مطلقا فهو كافر إن أظهر ذلك، ومنافق إن أخفاه، وهي محبتهم بالقلب، وينشأ عنها النُصرة والمساعدة بالمال أو بالسلاح أو بالرأي.\nقال ابن جرير الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ أي: \"من تولاهم ونصرهم على المؤمنين فهو من أهل دينهم وملتهم فإنه لا يتولك متول أحدًا إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راض، وإذا رضيه ورضي دينه فقد عادى ما خالفه وسخطه وصار حكمه حكمه\" (^١).\nوقال ابن الجوزي في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾: \"فيه قولان:\nأحدهما: من يتولهم في الدين فإنه منهم في الكفر.\nوالثاني: من يتولهم في العهد فإنه منهم في مخالفة الأمره\" (^٢).\nويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ عن هذه المسألة:\n\"وأما قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٧]. فقد فسرته السنة وقيدته بالموالاة المطلقة العامة\" (^٣).\nقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في تفسيره، عند قوله سبحانه: \" ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ - قال: ويفهم من ظواهر الآيات أن من تولى الكفار عامدًا اختيارًا، رغبة فيهم أنه كافر مثلهم\" (^٤).\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ١٦٠.\n(^٢) زاد المسير ٢/ ٣٧٨.\n(^٣) مجموعة الرسائل والمسائل النجدية ٣/ ٧، الدرر السنية ١/ ٤٧٤.\n(^٤) أضواء البيان ٢/ ١١١.","vol":"3","page":553},{"text":"وبهذا تعلم أن الولاء الكفري هو محبة الكفار لأجل دينهم ونصرتهم له والرضا به، وبمظاهرتهم وإعانتهم والذب عنهم.\nويقول الإمام الطبري - ﵀ - في قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨]: \"ومعنى ذلك: لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفارَ ظهرًا وأنصارًا، توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلونهم على عوراتهم، فإنه من يفعل ذلك ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ يعني بذلك، فقد برئ من الله، وبرئ الله منه بارتداده عن دينه، ودخوله في الكفر ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا لهم العداوة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تُعينوهم على مسلم بفعل\" (^١).\nوقد تقدم مثل ذلك في باب (مظاهرة الكفار على المسلمين).\nوسئل الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف بن حسن عن الفرق بين الموالاة والتولي.\nفأجاب: \"التولِّي كفر يخرج من الملة وهو كالذب عنهم وإعانتهم بالمال والبدن والرأي، والموالاة كبيرة من كبائر الذنوب كبلِّ الدواة، وبري القلم، والتبشش لهم ولو رفع السوط لهم\" (^٢).\nوقال الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري: \"إن الموالاة هي: الموافقة والمناصرة والمعاونة، والرضا بأفعال من يواليهم، وهذه هي الموالاة العامة التي إذا صدرت من مسلم لكافر، اعتبر صاحبها كافرا. أما مجرد الاجتماع مع الكفار بدون إظهار تام للدين مع كراهية كفرهم، فمعصية لا توجب الكفر\" (^٣).\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٣/ ٢٢٨.\n(^٢) الدرر السنية ٨/ ٤٢٢.\n(^٣) الدرر السنية ٧/ ٣٠٩.","vol":"3","page":554},{"text":"* القسم الثاني: الموالاة التي لا تستوجب الكفر لما جاء في صحيح البخاري في قصة حاطب بن أبي بلتعة وفيه قال عمر بن الخطاب: \"دعني أضرب عنق هذا ... \" الحديث.\nفما كان من الموالاة التي ليس فيها الرضا بأفعال من يواليهم، بل لنسب وقربى أو لأسباب ومصالح دنيوية، فإنه لا يستوجب التولي التام فلا يكون كفرا (^١).\nقال القرطبي - ﵀ -: \"من كثر تطلعه على عورات المسلمين وينبه عليهم ويعرف عدوهم بأخبارهم لم يكن بذلك كافرًا إذا كان فعله لغرض دنيوي واعتقاده على ذلك سليم، كما فعل حاطب حين قصد بذلك اتخاذ اليد ولم ينو الردة عن الدين\" (^٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وقد تحصل للرجل موادتهم لرحم أو حاجة فتكون ذنبا ينقص به إيمانه ولا يكون به كافرًا كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة، لما كاتب المشركين ببعض أخبار النبي - ﷺ - ... وكما حصل لسعد بن عبادة لما انتصر لابن أبيّ في قصة الإفك\" (^٣).\nيقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ -:\n\"وتأمل قصة حاطب بن أبي بلتعه، وما فيها من الفوائد، فإنه هاجر إلى الله ورسوله، وجاهد في سبيله، لكن حدث منه: أنه كتب بسر رسول الله ﷺ إلى المشركين من أهل مكة، يخبرهم بشأن رسول الله - ﷺ - ومسيره لجهادهم، ليتخذ بذلك يدًا عندهم، تحمي أهله، وماله بمكة، فنزل الوحي بخبره، وكان قد أعطى الكتاب: ظعينة، جعلته في شعرها، فأرسل رسول الله - ﷺ - عليًا، والزبير، في طلب الظعينة، وأخبرهما، أنهما يجدانها في روضة خاخ، فكان ذلك،\n_________\n(^١) انظر في ذلك الدرر السنية ٩/ ٣٢٥.\n(^٢) التفسير ١٨/ ٥٢.\n(^٣) انظر مجموع الفتاوى ٧/ ٥٢٢، ٥٢٣.","vol":"3","page":555},{"text":"وتهدداها، حتى أخرجت الكتاب من ضفائرها، فأتي به رسول الله - ﷺ -. فدعا حاطب بن أبي بلتعة، فقال له: \"ما هذا\"؟ فقال: يا رسول الله، إني لم أكفر بعد إيماني، ولم أفعل هذا رغبة عن الإسلام، وإنما أردت أن تكون لي عند القوم يد، أحمي بها أهلي، ومالي، فقال - ﷺ -: \"صدقكم، خلوا سبيله\" واستأذن عمر، في قتله، فقال: دعني أضرب عنق هذا المنافق، قال: \"وما يدريك، أن اللّه اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم\" وأنزل الله في ذلك، صدر سورة الممتحنة، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ الآيات.\nفدخل حاطب في المخاطبة، باسم الإيمان، ووصفه به، وتناوله النهي بعمومه، وله خصوص السبب، الدال على إرادته، معه أن في الآية الكريمة، ما يشعر: أن فعل حاطب نوع موالاة، وأنه أبلغ إليهم بالمودة، وأن فاعل ذلك، قد ضل سواء السبيل، لكن قوله: \"صدقكم، خلوا سبيله\" ظاهر في أنه لا يكفر بذلك، وإذا كان مؤمنًا بالله ورسوله، غير شاك، ولا مرتاب؛ وإنما فعل ذلك، لغرض دنيوي، ولو كفر، لما قال: خلوا سبيله. ولا يقال، قوله - ﷺ -: \"ما يدريك لعل اللّه اطلع على أهل بدر، فقال اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم\" هو المانع من تكفيره، لأنا نقول: لو كفر لما بقي من حسناته، ما يمنع من لحاق الكفر، وأحكامه؛ فإن الكفر: يهدم ما قبله، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥] وقوله: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨] والكفر، محبط للحسنات والإيمان، بالإجماع؛ فلا يظن هذا.\" (^١).\nقال الشيخ سليمان بن سمحان: \"من الموالاة ما يوجب الردة ومنها ما دون ذلك\" (^٢).\n_________\n(^١) أصول وضوابط في التكفير.\n(^٢) الدرر السنية ٨/ ٤٦٩.","vol":"3","page":556},{"text":"قال الشيخ صالح آل الشيخ: \"مطلق الإعانة غير مكفر، لأن حاطب - ﵁ - حصل منه إعانة للمشركين على الرسول - ﷺ - بنوع من العمل: إعانة بكتابة بسر الرسول - ﷺ - والمسير إليه، لكن النبي - ﷺ - استفصل منه، فدل على أن الإعانة تحتاج إلى استفصال والله جل وعلا قال في مطلق العمل هذا: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ ولكن ليس بمكفر إلا بقصد، فلما أجاب حاطب بأنه لم يكن قصده ظهور الكفر على الإسلام، \"قال: يا رسول الله! والله ما فعلت هذا رغبة في الكفر بعد الإسلام، ولكن ما من أحد من أصحابك إلا وله يد يدفع بها عن أهله وماله، وليس لي يد في مكة، فأردت أن يكون لي بذلك لي يد\"، فقال النبي - ﷺ -: \"إن الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم\".\nوهذا يدل على أن الاستفصال في هذه المسألة ظاهر، فالإعانة فيها استفصال، وأما المظاهرة بأن يكون ظهرًا لهم ويدفع عنهم ويدرأ عنهم ما يأتيهم ويدخل معهم ضد المسلمين في حال حربهم لهم هذا من نواقض الإسلام التي بينها أهل العلم\" (^١).\nوعن حدود الموالاة التي يكفر صاحبها جاء في فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء: \"موالاة الكفار التي يكفر بها من والاهم هي محبتهم ونصرتهم على المسلمين لا مجرد التعامل معهم بالعدل، ولا مخالطتهم لدعوتهم للإسلام ولا غشيان مجالسهم والسفر إليهم للبلاغ ونشر الإسلام\" (^٢).\nفالولاء هو الموالاة المقيدة وهي كبيرة وفسق أما التولي فيراد منه الموالاة المطلقة العامة والمناصرة والمظاهرة على المسلمين ..\n_________\n(^١) فتاوى الأئمة في النوازل المدلهمة ١٧٩ - ١٩٤.\n(^٢) فتاوى اللجنة ٢/ ٤٧.","vol":"3","page":557},{"text":"* وللفائدة: فمن العلماء (^١) من يطلق الولاء ويريد به التولي كالشيخ السعدي - ﷺ - حيث قرر أن التولي مرادف لمعنى الموالاة سواء بسواء يقول عن التولي عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [التوبة: ٢٣]: \"إن الظلم يكون بحسب التولي، فإن كان توليًا تامًا كان ذلك كفرًا مخرجًا عن الإسلام، وتحت ذلك من المراتب ما هو غليظ وما هو دونه\" (^٢).\nوالذي استقر عند أئمة الدعوة ﵏ التفريق السابق بين التولي والولاء، وإذا فهمت المسألة فلا مشاحة في الاصطلاح.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1225> منزلة الولاء والبراء من التوحيد:</span>\nمن حقوق التوحيد أن توالي أهله الموحدين وتتبرأ من أعدائه المشركين.\nقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾ (^٣). [المائدة: ٨٠ - ٨١].\nقال شيخ الإسلام ابن تيميّة: \"فذكر جملةً شرطيّةً تقتضي مع الشرط انتفاء المشروط، فقال: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾، فَدَلَّ على أن الإيمان المذكورَ ينفي اتّخاذَهم أولياءَ ويُضادُّه، ولا يجتمع الإيمان واتخاذَهم أولياءَ في القلب. ودلَّ ذلك أن من اتّخذهم أولياء ما فَعل الإيمانَ الواجبَ من الإيمان بالله والنبيِّ وما أُنزل إليه\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر أقوال المفسرين: تفسير ابن عطية ٨/ ١٥٢، وتفسير ابن كثير ٤/ ٣٥٦ وتفسير الشوكاني ٥/ ١٩٢ وتفسير الألوسي ٢٨/ ٣٢.\n(^٢) تفسير ابن سعدي ٧/ ٣٥٧.\n(^٣) سورة المائدة ٨٠ - ٨١.\n(^٤) كتاب الإيمان.","vol":"3","page":558},{"text":"وقد كان النبي - ﷺ - يبايع أصحابه على تحقيق هذا الأصل العظيم، قَالَ جَرِيرٌ بن عبد الله البجلي - ﵁ -: \"أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَهُوَ يُبَايِعُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله ابْسُطْ يَدَكَ حَتَّى أُبَايِعَكَ، وَاشْتَرِطْ عَلَيَّ فَأَنْتَ أَعْلَم، قَالَ: \"أُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ تَعْبُدَ الله وَتُقِيمَ الصَّلاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ وَتُنَاصِحَ الْمُسْلِمِينَ وَتُفَارِقَ الْمُشْرِكِينَ\" (^١).\nوعن بَهْز بْن حَكِيم عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: \"أتَيْتُ النَّبيَّ - ﷺ - حِينَ أَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: وَاللهِ مَا أتَيْتُكَ حَتَّى حَلَفْتُ أَكْثَرَ مِنْ عَدَدِ أُولاءِ أَنْ لا آتِيَكَ وَلا آتِيَ دِينَكَ وَجَمَعَ بَهْزٌ بَيْنَ كَفَّيْهِ، وَقَدْ جِئْتُ امْرَأً لا أَعْقِلُ شَيْئًا إِلَّا مَا عَلَّمَنِي اللهُ ﵎ وَرَسُولُه، وَإِنِّي أَسْألكَ بوَجْهِ اللهِ بِمَ بَعَثَكَ اللهُ إِلَيْنَا. قَالَ \"بِالإِسْلامِ\" قُلْتُ: وَمَا آيَاتُ الإِسْلامِ؟ قَالَ: \"أَنْ تَقُولَ: أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَتَخَلَّيْت، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، كُلُّ مُسْلِمٍ عَلَى مُسْلِمٍ مُحَرَّمٌ، أَخَوَانِ نَصِيرَانِ، لا يَقْبَلُ الله، مِنْ مُشْرِكٍ أَشرَكَ بَعْدَ مَا أَسْلَمَ عَمَلًا، وَتُفَارِقَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ ... \" الحديث (^٢).\nفالولاء لا يكون إلا الله تعالى ولرسوله - ﷺ -، وللمؤمنين، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥].\nوفي حديث البراء بن عازب - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ -، قال: \"إن أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله، وتبغض في الله\" (^٣).\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب - ﵏ جميعًا -: \"على المسلم أن يعلم أن الله افترض عليه عداوة المشركين وعدم موالاتهم، وأوجب عليه محبة المؤمنين وموالاتهم، وأخبر أن ذلك من شروط الإيمان، ونفي\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (٤١٧٧).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد (٢٠٢٩٩) (٢٠٢٥٥) (٢٠٢٧١) واللفظ له والنسائي (٢٥٦٨).\n(^٣) مسند الإمام أحمد (١٨٧٢٣).","vol":"3","page":559},{"text":"الإيمان عمّن يوادّ من حادّ الله ورسوله ولو كان أقرب قريب في النسب. وأما كون ذلك من معنى لا إله إلا الله أو من لوازمها، فلم يكلفنا الله بالبحث عن ذلك، وإنما كلّفنا بمعرفة أن الله فرض علينا ذلك وأوجبه وأوجب العمل به، فهذا هو الفرض والحتم الذي لا شك فيه. ومن عرف أن ذلك من معناها ولوازمها، فهو حسن وزيادة خير\" (^١).\n* ولا تصح الموالاة إلا بمعاداة: قال الإمام ابن القيم - ﵀ -: \"لا تصح الموالاة إلا بمعاداة كما قال تعالى عن إمام الحنفاء المحبين إنه قال لقومه: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٧٧]. فلم تصح لخليل الله هذه الموالاة والخلة إلا بتحقيق هذه المعاداة فإنه لا ولاء إلا لله، ولا ولاء إلا بالبراء من كل معبود سواه\" (^٢).\nوقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: \"أصل دين الإسلام وقاعدته أمران:\nالأول: الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والدعوة إلى ذلك، والموالاة فيه، وتكفير من تركه قال تعالى: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الممتحنة: ٤].\nالثاني: الإنذار عن الشرك في عبادة غير الله، والتغليظ في ذلك، والمعاداة فيه وتكفير من فعله\" (^٣).\nوقال ابن عثيمين - ﵀ -: \"موالاة من حاد ومدارته تدل على أن ما في قلب الإنسان من الإيمان بالله ورسوله ضعيف؛ لأنه ليس من العقل أن يحب الإنسان شيئا هو عدو لمحبوبه، وموالاة الكفار تكون بمناصرتهم ومعاونتهم على ما هم عليه من الكفر والضلال، وموادتهم تكون بفعل الأسباب التي تكون بها مودتهم\n_________\n(^١) مجموعة التوحيد ص ٥٠، ٥١.\n(^٢) الجواب الكافي ٢١٣.\n(^٣) مجوعة التوحيد ص ٣٣، ٣٤.","vol":"3","page":560},{"text":"فتجده يوادهم أي يطلب ودهم بكل طريق، وهذا لا شك ينافي الإيمان كله أو كماله، فالواجب على المؤمن معاداة من حاد الله ورسوله ولو كان أقرب قريب إليه، وبغضه والبعد عنه ولكن هذا لا يمنع نصيحته ودعوته للحق\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1226> الدعوة إلى \"وحدة الأديان\" هدم لعقيدة الولاء والبراء:</span>\nتصدت ملة الكفر لتقرير وحدة الأديان عبر إقامة مؤتمرات وندوات وجمعيات ويبث ذلك في وسائل الإعلام المختلفة وتعرض الآراء والمقالات ومرادهم من ذلك إسقاط الخلاف العقدي بين الإسلام ودين اليهودية والنصرانية حتى يكون هناك دين عالمي واحد فيدعون إلى وحدة الأديان دين الإسلام ودين اليهود ودين النصارى. ومقتضى الدعوة إليه الإعراض عن الولاء والبراء، والحب في الله والبغض في الله، ومن آثار هذه الدعوة الآثمة إلغاء الفوارق بين الإسلام والكفر، والحق والباطل، والمعروف والمنكر، وكسر حاجز النفر بين المسلمين والكافرين، فلا ولاء ولا براء، ولا جهاد ولا قتال لإعلاء كلمة الله في أرض الله\" (^٢).\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله - ﵀ -: ولو كان الناس متفقين على طريقة واحدة ومحبة من غير عداوة ولا بغضاء لم يكن فرقانا بين الحق والباطل، ولا بين المؤمنين والكفار، ولا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان\" (^٣).\nولا يشك من لديه ذرة من إيمان أن الرضا بتقرير وحدة الأديان شعار الديانة العالمية مناقض للإيمان بل هو كفر صريح وتكذيب بالقرآن وردة عن الإسلام كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥].\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: \"ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين\n_________\n(^١) شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ٣٠.\n(^٢) انظر فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء رقم ١٩٤٠٢ وتاريخ ٢٥/ ١/ ١٤١٨ هـ.\n(^٣) رسالة أوثق عرى الإيمان ص ٣٨.","vol":"3","page":561},{"text":"وباتفاق جميع المسلمين أن من سوغ اتباع غير دين الإسلام، أو اتباع شريعة غير شريعة محمد - ﷺ - فهو كافر، وهو ككفر من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض الكتاب\" (^١).\nأجابت اللجنة بجواب مفصل اقتطفنا منه ما نصه: \" ... وأمام هذه الأصول الاعتقادية والحقائق الشرعية، فإن هذه الدعوة إلى: وحدة الأديان والتقارب بينها وصهرها في قالب واحد دعوة خبيثة ماكرة، والغرض منها خلط الحق بالباطل، وهدم الإسلام وتقويض دعائمه، وجر أهله إلى ردة شاملة .. وإن من آثار هذه الدعوة الآثمة إلغاء الفوارق بين الإسلام والكفر، والحق والباطل، والمعروف والمنكر، وكسر حاجز النفرة بين المسلمين والكافرين، فلا ولاء ولا براء، ولا جهاد ولا قتال لإعلاء كلمة الله في أرض الله ... والدعوة إلى \"وحدة الأديان\" إن صدرت من مسلم فهي تعتبر ردة صريحة عن دين الإسلام، لأنها تصطدم مع أصول الاعتقاد فترضى بالكفر بالله - ﷿ - وتبطل صدق القرآن ونسخه لجميع ما قبله من الكتب، وتبطل نسخ الإسلام لجميع ما قبله من الشرائع والأديان، وبناء على ذلك فهي فكرة مرفوضة شرعًا، محرمة قطعا بجميع أدلة التشريع في الإسلام من قرآن وسنة وإجماع\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1227> أمور لا تنافي عقيدة الولاء والبراء:</span>\n* أوّلًا: أن الواجب مع القدرة دعوة الناس إلى الإسلام فإن أجابوا فالحمد لله ولا يُجبر أحدٌ من الكفار الأصليِّين من أهل الذمة والمعاهدين والمستأمنين على الدخول في الإسلام.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٥٢٤، وانظر الصفدية ١/ ٢٦٨.\n(^٢) فتوى من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء رقم ١٩٤٠٢ وتاريخ ٢٥/ ١/ ١٤١٨ هـ باختصار مع تصرف يسير.","vol":"3","page":562},{"text":"قال الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦].\nوالمراد بالآية - والله أعلم بالصواب - ما قاله الحافظ ابن كثير: \"أي لا تكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام، وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الآية في قوم من الأنصار، وإن كان حكمها عامًا\" (^١).\n* ثانيًا: يجوز للمسلمين عقد معاهدة مع الكفار إذا كان في ذلك مصلحة راجحة للمسلمين كما هو معلوم من صلح الحديبية حيث صالحهم على وضع القتال عشر سنين.\nقال ابن القيم - ﵀ -: \"فصل في بعض ما في قصة الحديبية من الفوائد الفقهية ثم ذكر منها: أن مصالحة المشركين ببعض ما فيه من ضيمٌ على المسلمين جائزةٌ للمصلحة الراجحة، ودفع ما هو شر منه، ففيه دفعُ أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما\" (^٢).\n* ثالثًا: حفظ العهد الذي بيننا وبين الكفار، إذا وَفَّوْا هُمْ بعهد وذمّتهم.\nقال الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤].\nوعن أبي رافع - ﵁ - (وكان قبطيًّا)، قال: بعثتني قريشٌ إلى رسول الله - ﷺ -، فلما رأيت رسول الله - ﷺ - أُلقيَ في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله، إني والله لا أرجع إليهم أبدًا، فقال رسول الله - ﷺ -: \"إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبس البُرُد. ولكن ارجع، فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن، فارجع\". قال: فذهبت، ثم أتيتُ النبيَّ ﷺ، فأسلمتُ\" (^٣).\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير ١/ ٦٨٢.\n(^٢) زاد المعاد ٣/ ٣٠٦.\n(^٣) أبو داود وأحمد.","vol":"3","page":563},{"text":"يقول ابن حزم \"واتفقوا أن الوفاء بالعهود التي نصَّ القرآنُ على جوازها ووجوبها، وذُكرت بصفاتها وأسمائها، وذُكرت في السنة كذلك، وأجمعت الأمّة على وجوبها أو جوازها، فإن الوفاء بها فرضٌ، وإعطاؤها جائز\" (^١).\n* رابعًا: نصرة المستضعفين من المسلمين واجبة لكنها لا تجوز إذا كان ثم عهد بين المسلمين وهؤلاء والكفار وفاءً بالعهد والميثاق لقول الله - ﷿ -: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ وكما فعل رسول الله - ﷺ - بعد صلح الحديبية مع أبا جندل وأبا بصير ومن معهما من المستضعفين لمَّا كانوا على سيف البحر وكان كفار قريش لهما محاربين وبالنسبة لأهل المدينة كفارا معاهدين.\n* خامسًا: اتباع الإمام فيما يحكم فيه في ترك نصرة بعض المسلمين في بعض البلدان بسبب الوفاء بالعهود إذ من المعلوم أنه يصح في الاضطرار تعدد الأئمة وقد قرر صحة ذلك علماء الأمة المجتهدين والموالاة الواجبة لأهل الإسلام إذا كان أمرهم على إمام واحد وأمر الأمة مجتمعة عليه وأما مع تعدد الأئمة فكل ولاية أو بلد لها عهود ومواثيق يختلف باختلاف إمامه وسلطانه فإن انتقاض العهد مع كافر لا يلزم منه انتقاض عهد ذلك الكافر مع جميع دول المسلمين.\nومن أقوال الأئمة في تعدد الأئمة قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: \"والسنة أن يكون للمسلمين إمام واحد، والباقون نوابه، فإذا فرض أن الأمة خرجت عن ذلك لمعصية من بعضها، وعجز من الباقين، أو غير ذلك فكان لها عدة أئمة، لكان يجب على كل إمام أن يقيم الحدود، ويستوفي الحقوق ... \" (^٢).\n_________\n(^١) مراتب الإجماع ١٢٣.\n(^٢) مجموع الفتاوى، ٣٥/ ١٧٥ - ١٧٦.","vol":"3","page":564},{"text":"وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى -: \"الأئمة مجمعون من كل مذهب على أن من تغلب على بلد - أو بلدان - له حكم الإمام في جميع الأشياء ولولا هذا ما استقامت الدنيا، لأن الناس من زمن طويل قبل الإمام أحد إلى يومنا هذا ما اجتمعوا على إمام واحد ولا يعرفون أحدا من العلماء ذكر أن شيئا من الأحكام لا يصح إلا بالإمام الأعظم\" اهـ (^١).\n* سادسًا: حرمة دماء أهل الذمّة والمعاهدين والمستأمنين، إذا وَفَّوْا بذمتهم وعهدهم وأمانهم.\nقال - ﷺ -: \"من قَتَل معاهَدًا لم يرَحْ رائحةَ الجنة، وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عامًا\" (^٢).\nوقال - ﷺ -: \"أيُّما رجلٍ أمِنَ رجلًا عن دمه ثم قتله، فأنا من القاتل بريء، وإن كان المقتولُ كافرًا\" (^٣).\n* سابعًا: الاستعانة بالكافر أو استئجاره: فهذا قال أهل العلم بجوازه في أحوال مختلفة، يفتي أهل العلم في كل حال، وفي كل واقعة بما يرونه أن يفتى به\".\nيقول الشيخ ابن باز - ﵀ -: \"ومما يجب التنبيه عليه أن بعض الناس قد يظن أن الاستعانة بأهل الشرك تعتبر موالاة لهم، وليس الأمر كذلك، فالاستعانة شيء والموالاة شيء آخر، فلم يكن النبي - ﷺ - حين استعان بالمطعم بن عدي، أو بعبد الله بن أريقط، أو بيهود خيبر مواليًا لأهل الشرك، ولا متخذًا لهم بطانة، وإنما فعل ذلك للحاجة إليهم واستخدامهم في أمور تنفع المسلمين ولا تضرهم، وهكذا\n_________\n(^١) الدرر السنية في الأجوبة النجدية، ٧/ ٢٣٩.\n(^٢) البخاري (٣١٦٦).\n(^٣) صحيح ابن حبان (٦٠٨٢)، الصحيحة (٤٤٠).","vol":"3","page":565},{"text":"بعثه المهاجرين من مكة إلى بلاد الحبشة ليس ذلك موالاة للنصارى، وإنما فعل ذلك لمصلحة المسلمين وتخفيف الشر عنهم. فيجب على المسلم أن يفرق ما فرق اللهُ بينه، وأن ينزل الأدلة منازلها، والله سبحانه هو الموفق والهادي لا إله غيره ولا رب سواه\" (^١).\n* ثامنًا: المداراة في حال ضعف المسلمين لا تتنافى مع الولاء والبراء.\nوالمداراة المقصودة هي: درءُ المفسدة والشر بالقول اللين وترك الغلظة، أو الإعراض عن صاحب الشر إذا خيف شره أو حصل منه أكبر مما هو ملابس له ومن ذلك مداراة النبي - ﷺ - للمنافقين خشية شرهم وتأليفا لهم ولغيرهم.\nوفي قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾.\nجاء عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: نهى الله سبحانه المؤمنين أن يلاطفوا الكفار أو يتخذوهم وليجة من دون المؤمنين إلا أن يكون الكفار عليهم ظاهرين فيظهرون اللطف ويخالفونهم في الدين، وذلك قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ (^٢).\nوقال مجاهد - ﵀ -: قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾: \"إلا مصانعةً في الدنيا ومخالَقَةً\" (^٣).\nقال ابن كثير: \"إلا من خاف في بعض البلدان أو الأوقات من شرهم، فله أن يتقيهم بظاهره، لا بباطنه ونيته، كما قال البخاري عن أبي الدرداء: أنه قال: إنا\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة ٧ - ٣٦٤.\n(^٢) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٦٢٨، وابن جرير في تفسيره ٣/ ٢٢٨.\n(^٣) تفسير ابن أبي حاتم ٢/ ٦٣٠، وابن جرير في تفسيره ٣/ ٣٣٨ - ٢٢٩.","vol":"3","page":566},{"text":"لنكشر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم\" (^١).\n* تاسعًا: الوصيّة بأهل الذمّة، وصيانة أعراضهم وأموالهم، وحفظ كرامتهم.\nقال - ﷺ - \"إنكم ستفحتون أرضًا يُذكر فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرًا، فإنّ لهم ذِمّةً ورحمًا\" (^٢).\nوقال عمر بن الخطاب - ﵁ -: \"أُوصي الخليفة من بعدي بذمّة الله وذمّة رسوله - ﷺ -: أن يُوَفَّى لهم بعهدهم، وأن يُقاتَل مِنْ ورائهم، وأن لا يكلَّفُوا فوق طاقتهم\" (^٣).\n* والبرّ والإحسان والعَدْلَ وحسن المعاملة مطلوب لهم سواء كان ذميا أو معاهدًا أو مستأمنًا.\nقال القرافي - ﵀ -: \"اعلم أن الله تعالى منع من التودد لأهل الذمة، بقوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة: ١]. فمنع الموالاة والتودد، وقال في الآية الأخرى ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨]. فلا بد من الجمع بين هذه النصوص، وأن الإحسان لأهل الذمة مطلوب، وأن التودد والموالاة منهي عنهما .. وسر الفرق أن عقد الذمة يوجب حقوقا علينا لهم؛ لأنهم في جوارنا، وفي خفارتنا، وذمة الله تعالى وذمة رسوله - ﷺ -، ودين الإسلام، وقد حكى ابن حزم الإجماع - في مراتبه - على أن من كان في الذمة، وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه، وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح .. فيتعين علينا أن نبرهم بكل أمر لا يكون ظاهره يدل على\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير.\n(^٢) مسلم (٦٤١٤).\n(^٣) البخاري (١٣٠٥).","vol":"3","page":567},{"text":"مودات القلوب، ولا تعظيم شعائر الكفر، فمتى أدى إلى أحد هذين امتنع، وصار من قبل ما نهى عنه في الآية، وغيرها. ويتضح ذلك بالمثل، فإخلاء المجالس لهم عند قدومهم علينا، والقيام لهم حينئذ وبداؤهم بالأسماء العظيمة الموجبة لرفع شأن المنادى بها، هذا كله حرام، وكذلك إذا تلاقينا معهم في الطريق، وأخلينا لهم واسعها ورحبها والسهل منها، وتركنا أنفسنا في خسيسها وحزنها وضيقها كما جرت العادة أن يفعل ذلك المرء مع الرئيس، والولد مع الوالد، فإن هذا ممنوع لما فيه من تعظيم شعائر الكفار، وتحقير شعائر الله تعالى وشعائر دينه، واحتقار أهله، وكذلك لا يكون المسلم عندهم خادمًا ولا أجيرًا يؤمر عليه وينهى.\nوأما ما أمر به من برهم من غير مودة باطنة: فهو كالرفق بضعيفهم، وإطعام جائعهم، وإكساء عاريهم، ولين القول لهم على سبيل اللطف لهم (^١)، والرحمة لا على سبيل الخوف والذلة، واحتمال إذايتهم في الجوار مع القدرة على إزالته لطفًا منا بهم، لا خوفًا وتعظيمًا، والدعاء لهم بالهداية، وأن يجعلوا من آل السعادة، ونصيحتهم في جميع أمورهم.\nفجميع ما نفعله من ذلك فليس على وجه التعظيم لهم، وتحقير أنفسنا بذلك ولا مصانعة لهم، وينبغي لنا أن نستحضر في قلوبنا ما جبلوا عليه من بغضنا، وتكذيب نبينا محمد - ﷺ -، وأنهم لو قدروا علينا لاستأصلوا، واستولوا على دمائنا وأموالنا، وأنهم من أشد العصاة لربنا ومالكنا - ﷿ -، ثم نعاملهم بعد ذلك بما تقدم ذكره امتثالا لأمر ربنا .. \" (^٢).\n_________\n(^١) جاء في فتاوى اللجنة ٢/ ٤٤: لا يجوز مخالطة الكفار مخالطة تنشأ منها فتنة. أما مؤاكلتهم ومخالطتهم والإحسان لهم بما يرغبهم في الإسلام فلا بأس به مع أمن الفتنة، وعدم المودة.\n(^٢) كتاب الفروق للقرافي ٣/ ٢٩.","vol":"3","page":568},{"text":"فيجوز البر والإحسان إليهم خصوصًا إذا كانوا جيرانًا أَو أقارب، ويجوز من أجل الدعوة الضحك في وجهه وزيارته بخلاف الحربي الذي بيننا وبينهم حرب. قال في فتاوى اللجنة: - \"يعامل الذمي بالإحسان ولكن لا يبدأ بالسلام، ولا يزوج مسلمة ونحو ذلك مما منعت منه النصوص\" (^١). وفي موضع آخر: \"لا يجوز دخولهم للمسجد الحرام، ولا حرم مكة. ويجوز أن يدخلوا الأماكن الأخرى المعدة للعبادة لسماع المواعظ والمحاضرات الإسلامية عسى الله أن يجعل بيننا وبينهم مودة، ويرقق قلوبهم، وأن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم\" (^٢).\nوأمّا العَدْل فهو فرضٌ واجب لكل أحد، حتى من نُبغضه بحقّ، ممن عادانا وقاتلنا من الكفار.\nيقول الله تعالى في ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨)﴾ [المائدة: ٨].\nقال الشيخ ابن عثيمين: \"يعني لا يحملكم بغضهم على عدم العدل اعدلوا ولو كنتم تبغضونه، ولهذا لما بعث النبي - ﷺ - عبد الله بن رواحة إلى أهل خيبر ليخرص عليهم ثمر النخل، وكان النبي - ﷺ - قد عامل أهل خيبر حين فتحها على أن يكفوه المئونة، ويقوموا بإصلاح النخيل والزرع ولهم النصف. فكان يبعث عليهم من يخرص عليهم الثمرة، فبعث إليهم عبد الله بن رواحة فخرصها، ثم قال لهم: يا معشر اليهود أنتم أبغض الخلق إلى، قتلتم أنبياء الله - ﷿ -، وكذبتم على الله، وليس يحملني بغضي إياكم على أن أحيف عليكم، قد خرصت عشرين ألف وسق من تمر،\n_________\n(^١) فتاوى اللجنة الدائمة ٢/ ٦٢.\n(^٢) فتاوى اللجنة الدائمة ٢/ ٦٥.","vol":"3","page":569},{"text":"فإن شئتم فلكم، وإن أبيتم فلي، فقالوا: بهذا قامت السَّمَوَاتِ والأرض\" (^١).\nوقال الشيخ صالح الفوزان: \"فمن كف أذاه من الكفار فلم يقاتل المسلمين ولم يخرجهم من ديارهم فإن المسلمين يقابلون ذلك بمكافأته بالإحسان والعدل معه في التعامل الدنيوي ولا يحبونه بقلوبهم لأن الله قال: ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ ولم يقل: توالونهم وتحبونهم.\nونظير هذا قوله تعالى في الوالدين الكافرين ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥].\nوقد جاءت أم أسماء إليها تطلب صلتها وهي كافرة فاستأذنت أسماء رسول الله - ﷺ - في ذلك فقال لها: \"صِلِي أمك\" وقد قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢].\nفالصلة والمكافأة الدنيوية شيء، والمودة شيء آخر. ولأن في الصلة وحسن المعاملة ترغيبا للكافر في الإسلام فهما من وسائل الدعوة بخلاف المودة والموالاة فهما يدلان على إقرار الكافر على ما هو عليه والرضى عنه وذلك يسبب عدم دعوته إلى الإسلام. وكذلك تحريم موالاة الكفار لا تعني تحريم التعامل معهم بالتجارة المباحة واستيراد البضائع والمصنوعات النافعة والاستفادة من خبراتهم ومخترعاتهم.\nفالنبي - ﷺ - استأجر ابن أريقط الليثي ليدله على الطريق وهو كافر واستدان من بعض اليهود.\n_________\n(^١) روه مسلم، كتاب الرضاع، باب الوصية بالنساء رقم ١٤٦٩، شرح رياض الصالحين ٣/ ٢٧٥.","vol":"3","page":570},{"text":"وما زال المسلمون يستوردون البضائع والمصنوعات من الكفار وهذا من باب الشراء منهم بالثمن وليس لهم علينا فيه فضل ومنة.\nوليس هو من أسباب محبتهم وموالاتهم، فإن الله أوجب محبة المؤمنين وموالاتهم وبغض الكافرين ومعاداتهم\" (^١).\nوعلى هذا فإن للمودة حدود وضوابط حتى لا يُقر الكافر على ما هو عليه أو يُرضى عنه فلا يجوز الحضور إلى أعيادهم كعيد الاستقلال (^٢) أو عيد الكريسمس (^٣)، ولا حضور مراسيمهم الدينية (^٤). ولا حضور حفلاتهم كحفل ترميد الموتى البوذيين لأن فيه رضا بصنيعهم (^٥) ولا يجوز التبرع لمثل هذه الحفلات في حالة عدم الحضور أو زيارة أهل الميت منهم وتقديم العزاء لهم أو تقديم الأزهار لهم (^٦). ولا يجوز أن نمكنهم من إلقاء محاضرات وكلمات في مساجد المسلمين لأنهم لا يؤمن منهم أن يُثيروا شكوكًا أو يلحدوا في دين الله. وهذا في مجامعنا ومحافلنا الخاصة بالمسلمين (^٧).\nفهو إحسان وبر بهم من غير مودة باطنة، ولطف ورحمة من غير خوف وذلة، ورفق واحتمال أذى للجار من غير تعظيم، ومخالطة لترغيبهم في الإسلام مع أمن الفتنة، وعدم المودة.\n_________\n(^١) الولاء والبراء في الإسلام للشيخ صالح الفوزان ص ٢٣، ٢٤، ٢٥.\n(^٢) فتاوى اللجنة الدائمة ٢/ ٥٠.\n(^٣) فتاوى اللجنة الدائمة ٢/ ٥٠.\n(^٤) فتاوى اللجنة الدائمة ٢/ ٦٥.\n(^٥) فتاوى اللجنة الدائمة ٢/ ٤٨.\n(^٦) فتاوى اللجنة الدائمة ٢/ ٥١.\n(^٧) فتاوى اللجنة الدائمة ٢/ ٦٦.","vol":"3","page":571},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1228>٢٩١ - الولي والأولياء</span>\nانظر باب: (الكرامة).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1229>٢٩٢ - اليأس من روح اللّه</span>\nاليأس من روح الله: أي قطع الرجاء والأمل من الله.\nانظر باب: (القنوط).","vol":"3","page":572},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1230>٢٩٣ - الْيَقِينُ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1231>[شروط لا إله إلا الله]</span>\nاليقين لغة: العلم الذي لا تردد معه، قال الرازي: \"هو العلم وزوال الشك\" (^١).\nوهو في أصل اللغة: الاستقرار.\nوفي الاصطلاح: طمأنينة القلب واستقرار العلم فيه.\nقال شيخ الإسلام: \"وأما اليقين فهو طمأنينة القلب واستقرار العلم فيه وهو معنى ما يقولون ماء يقن إذا استقر عن الحركة وضد اليقين الريب وهو نوع من الحركة والاضطراب يقال رابني يريبني ومنه في الحديث أن النبي - ﷺ - مر بضبي حاقف فقال لا يريبه أحد ثم اليقين ينتظم منه أمران: علم القلب، وعمل القلب فإن العبد قد يعلم علمًا جازمًا بأمر ومع هذا فيكون في قلبه حركة واختلاج من العمل الذي يقتضيه ذلك العلم كعلم العبد أن الله رب كل شيء ومليكه ولا خالق غيره وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فهذا قد تصحبه الطمأنينة إلى الله والتوكل عليه وقد لا يصحبه العمل بذلك إما لغفلة القلب عن هذا العلم والغفلة هي ضد العلم التام وإن لم يكن ضدا لأصل العلم، وإما للخواطر التي تسنح في القلب من الالتفات إلى الأسباب وإما لغير ذلك وفي الحديث المشهور الذي رواه أبو بكر عن النبي أنه قال: \"سلوا الله اليقين والعافية فما أُعطي أحد بعد اليقين شيئًا خيرًا من العافية فسلوهما الله\". فأهل اليقين إذا ابتلوا ثبتوا بخلاف غيرهم فإن الابتلاء قد يذهب إيمانه أو ينقصه قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤] ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ\n_________\n(^١) مختار الصحاح [ي ق ن].","vol":"3","page":573},{"text":"لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] فهذه حال هؤلاء وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢)﴾ [الأحزاب: ٩ - ١٢]، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ...﴾ الآيتين [المدثر: ٣١ - ٣٢].\nوأما كيف يحصل اليقين فبثلاثة أشياء:\nأحدها: تدبر القرآن.\nوالثاني: تدبر الآيات التي يحدثها الله في الأنفس والآفاق التي تبين أنه حق.\nوالثالث: العمل بموجب العلم ... \" (^١).\nانظر باب: \"لا إله إلا الله\". (أعمال القلوب).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى لابنِ تَيمِيَّةَ ٣/ ٣٢٩ - ٣٣١. وانظر ٥/ ٥٧٠.","vol":"3","page":574},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1232>٢٩٤ [*]- الْيَوْمُ الْآخِرُ</span>\nالإيمان باليوم الآخر هو الأصل الخامس من أصول الإيمان الستة.\nانظر باب (الإيمان باليوم الآخر).\n* * *\nهنا انتهى ما قصدت من تأليفه والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.\nتبارك اسم الله وحده، وصلواته على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وإخوانه وحسبي الله وحده لا شريك له.\nوأسأل الله التوفيق والسداد لنا ولك ولإخواننا المسلمين كما أسأله - ﷿ - أن يتلقى عملنا بالقبول ويبارك لنا فيه ويجعله حجة لنا لا علينا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\n_________\n[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: بالمطبوع «٤٢٩»","vol":"3","page":575}]}